3
المثال السابع والستون تجوز قسمة الدين المشترك بميراث أو عقد أو إتلاف فينفرد كل من الشريكين بحصته ويختص بما قبضه سواء كان في ذمة واحدة أوفي ذمم متعددة فإن الحق لهما فيجوز أن يتفقا على قسمته أوعلى بقائه مشتركا ولا محذور في ذلك بل هذه أولى بالجواز من قسمة المنافع بالمهايأة بالزمان أو بالمكان ولا سيما فان المهايأة بالزمان تقتضي تقدم أحدهما على الأخر وقد تسلم المنفعة إلى نوبة الشريك وقد تتوى والدين في الذمة يقوم مقام العين ولهذا تصح المعاوضة عليه من الغريم وغيره وتجب على صاحبه زكاته إذا تمكن من قبضه ويجب عليه الإنفاق على أهله وولده ورقيقه منه ولا يعد فقيرا معدما فاقتسامه يجري مجرى اقتسام الأعيان والمنافع
فإذا رضى كل من الشريكين أن يختص بما يخصه من الدين فينفرد هذا برجل يطالبه وهذا برجل يطالبه أو ينفرد هذا بالمطالبة بحصته وهذا بالمطالبة بحصته لم يهدما بذلك قاعدة من قواعد الشريعة ولا استحلا ما حرم الله ولا خالفا نص كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول صاحب ولا قياسا شهد له الشرع بالاعتبار وغاية ما يقدر عدم تكافؤ الذمم ووقوع التفاوت فيها وأن ما في الذمة لم يتعين فلا يمكن قسمته وهذا لا يمنع تراضيهما بالقسمة مع التفاوت فإن الحق لا يعدوهما وعدم تعين ما في الذمة لا يمنع القسمة فإنه يتعين تقديرا ويكفي في إمكان القسمة التعين بوجه فهو معين تقديرا ويتعين بالقبض تحقيقا
وأما قول أبي الوفاء بن عقيل لا تختلف الرواية عن احمد في عدم جواز
4
قسمة الدين في الذمة الواحدة واختلفت الرواية عنه في جواز قسمته إذا كان في الذمتين فعنه فيه روايتان فليس كذلك بل عنه في كل من الصورتين روايتان وليس في أصوله ما يمنع جواز القسمة كما ليس في أصول الشريعة ما يمنعها وعلى هذا فلا يحتاج إلى حيلة على الجواز وأما من منع من القسمة فقد تشتد الحاجة إليها فيحتاج إلى التحيل عليها فالحيلة أن يأذن لشريكه أن يقبض من الغريم ما يخصه فإذا فعل لم يكن لشريكه أن يخاصمه فيه بعد الاذن على الصحيح من المذهب كما صرح به الأصحاب وكذلك لو قبض حصته ثم استهلكها قبل المحاصة لم يضمن لشريكه شيئا وكان المقبوض من ضمانه خاصة وذلك أنه لما أذن لشريكه في قبض ما يخصه فقد أسقط حقه من المحاصة فيختص الشريك بالمقبوض وأما إذا استهلك الشريك ما قبضه فإنه لا يضمن لشريكه حصته منه من قبل المحاصة لأنه لم يدخل في ملكه ولم يتعين له بمجرد قبض الشريك له ولهذا لو وفى شريكه نظيره لم يقل انتقل إلى القابض الأول ما كان ملكا للشريك فدل على أنه إنما يصير ملكا له بالمحاصة لا بمجرد قبض الشريك
ومن الأصحاب من فرق بين كون الدين بعقد وبين كونه بإتلاف أو إرث ووجه الفرق أنه إذا كان بعقد فكأنه عقد مع الشريكين فلكل منهما أن يطالب بما يخصه بخلاف دين الإرث والإتلاف والله أعلم
المثال الثامن والستون اختلف الفقهاء في جواز بيع المغيبات في الأرض من البصل والثوم والجزر واللفت والفجل والقلقاس ونحوها على قولين أحدهما المنع من بيعه كذلك لأنه مجهول غير مشاهد والورق لا يدل على باطنه بخلاف ظاهر الصبرة وعند أصحاب هذا القول لا يباع حتى يقلع والقول الثاني يجوز بيعه كذلك على ما جرت به عادة أصحاب الحقول وهذا قول أهل المدينة وهو أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد اختاره شيخنا وهو الصواب المقطوع به فإن في المنع من بيع ذلك حتى يقلع أعظم الضرر
5
والحرج والمشقة مع ما فيه من الفساد الذي لا تأتي به شريعة فإنه إن قلعه كله في وقت واحد تعرض للتلف والفساد وإن قيل كلما أردت بيع شيء منه فاقلعه كان فيه من الحرج والعسر ما هو معلوم وإن قيل اتركه في الأرض حتى يفسد ولاتبعه فيها فهذا لا تأتي به شريعة وبالجمله فالمفتون بهذا القول لو بلوا بذلك في حقولهم أو ما هو وقف عليهم ونحو ذلك لم يمكنهم إلا بيعه في الأرض ولابد أو أتلافه وعدم الانتفاع به وقول القائل إن هذا غرر ومجهول فهذا ليس حظ الفقيه ولا هو من شأنه وإنما هذا من شأن أهل الخبرة بذلك فإن عدوه قمارا أو غررا فهم أعلم بذلك وإنما حظ الفقيه يحل كذا لأن الله أباحه ويحرم كذا لأن الله حرمه وقال الله وقال رسوله وقال الصحابة وأما أن يرى هذا خطرا وقمارأ أو غررا فليس من شأنه بل أربابه أخبر بهذا منه والمرجع إليهم فيه كما يرجع إليهم في كون هذا الوصف عيبا أم لا وكون هذا البيع مربحا أم لا وكون هذه السلعة نافقة في وقت كذا وبلد كذا ونحو ذلك من الأوصاف الحسية والأمور العرفية فالفقهاء بالنسبة إليهم فيها مثلهم بالنسبة إلى ما في الأحكام الشرعية
فإن بليت بمن يقول هكذا في الكتاب وهكذا قالوا فالحيلة في الجواز أن تستأجر منه الأرض المشغولة بذلك مدة يعلم فراغه منها ويقر له إقرارا مشهودا له به أن ما في باطن الأرض له لاحق للمؤجر فيه ولكن عكس هذه الحيلة لو أصابته آفة لم يتمكن من وضع الجائحة عنه بخلاف ما إذا اشتراه بعد بدو صلاحه فإنه كالثمرة على رؤوس الشجر إن أصابته آفة وضعت عنه الجائحة وهذا هو الصواب في المسألتين جواز بيعه ووضع الجوائح فيه والله أعلم 0
المثال التاسع والستون اختلفت الفقهاء في جواز البيع بما ينقطع به السعر من غير تقدير الثمن وقت العقد وصورتها البيع ممن يعامله من خباز أو لحام أو سمان
6
أو غيرهم يأخذ منه كل يوم شيئا معلوما ثم يحاسبه عند رأس الشهر أو السنة على الجميع ويعطيه ثمنه فمنعه الأكثرون وجعلوا القبض به غير ناقل للملك وهو قبض فاسد يجري مجرى المقبوض بالغصب لأنه مقبوض بعقد فاسد هذا وكلهم إلا من شدد على نفسه يفعل ذلك ولا يجد منه بدا وهو يفتي ببطلانه وأنه باق على ملك البائع ولا يمكنه التخلص من ذلك إلا بمساومته له عند كل حاجة يأخذها قل ثمنها أو كثر وإن كان ممن شرط الإيجاب والقبول لفظا فلا بد مع المساومة أن يقرن بها الإيجاب والقبول لفظا والقول الثاني وهو الصواب المقطوع به وهو عمل الناس في كل عصر ومصر جواز البيع بما ينقطع به السعر وهو منصوص الإمام أحمد واختاره شيخنا وسمعته يقول هو أطيب لقلب المشتري من المساومة يقول لي أسوة بالناس اخذ بما يأخذ به غيري قال والذين يمنعون من ذلك لا يمكنهم تركه بل هم واقعون فيه وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا إجماع الأمة ولا قول صاحب ولا قياس صحيح ما يحرمه
وقد أجمعت الأمة على صحة النكاح بمهر المثل وأكثرهم يجوزون عقد الإجارة بأجرة المثل كالنكاح والغسال والخباز والملاح وقيم الحمام والمكاري والبيع بثمن المثل كبيع ماء الحمام فغاية البيع بالسعر أن يكون بيعه بثمن المثل فيجوز كما تجوز المعاوضة بثمن المثل في هذه الصورة وغيرها فهذا هو القياس الصحيح ولا تقوم مصالح الناس إلا به
فإن بليت بالقائل هكذا في الكتاب وهكذا قالوا فالحيلة في الجواز أن يأخذ ذلك قرضا في ذمته ذمته فيجب عليه للدافع مثله ثم يعاوضه عليه بثمن معلوم فإنه بيع للدين من الغريم وهو جائز ولكن في هذه الحيلة افة وهو أنه قد يرتفع السعر فيطالبه بالمثل فيتضرر الأخذ وقد ينخفض فيعطيه المثل فيتضرر الأول فالطريق الشرعية التي لم يحرمها الله ورسوله أولى بهما والله أعلم
7
المثال السبعون إذا كان له عليه دين وله وقف من غلة دار أو بستان فوكل صاحب الدين أن يستوفي ذلك من دينه جاز فإن خاف أن يحتال عليه ويعزله عن الوكالة فليجعلها حوالة على من في ذمته عوض ذلك المغل فإن لم يكن قد آجر الدار أو الأرض لأحد فالحيلة أن يستأجرها منه صاحب الدين بعوض في ذمته ثم يعاوضه بدينه من ذلك العوض فإن أراد أن يكون هو وكيله في استيفاء دينه من تلك المنافع لا بطريق الإجارة ولا بطريق الحوالة بل بطريق الوكالة في قبض ما يصير إليه من غلة ذلك الوقف وخاف عزله فالحيلة أن يأخذ إقراره أن الواقف شرط أن يقضي ما عليه من الدين أولا ثم يصرف إليه بعد الدين كذا وكذا وأنه وجب لفلان وهو الغريم عليه من الدين كذا وكذا وأنه يستحقه من مغل هذا الوقف مقدما به على سائر مصارف الوقف وأنه لا ينتقل من الموقوف شيء قبل قضاء الدين وأن ولاية أمر هذا الوقف إلى فلان حتى يستوفي دينه فإذا استوفاه فلا ولاية له عليه وإن حكم حاكم بذلك كان اوفق
المثال الحادي والسبعون إذا كان له عليه دين فقال إن مت قبلي فأنت في حل وإن مت قبلك فأنت في حل صح وبرئ في الصورتين فإن إحداهما وصية والأخرى إبراء معلق بالشرط ويصح تعليق الإبراء بالشرط لأنه إسقاط كما يصح تعليق العتق والطلاق وقد نص عليه الإمام أحمد في الإحلال من العرض والمال مثله
وقال أصحابنا وأصحاب الشافعي إذا قال إن مت قبلك فأنت في حل هو إبراء صحيح لأنه وصية وإن قال إن مت قبلي فأنت في حل لم يصح لأنه تعليق للإبراء بالشرط ولم يقيموا شبهة فضلا عن دليل صحيح على امتناع تعليق الإبراء بالشرط ولا يدفعه نص ولا قياس ولاقول صاحب فالصواب صحة الإبراء في الموضعين وعلى هذا فلا يحتاج إلى حيلة
8
فإن بلى بمن يقول هكذا في الكتاب وهكذا قالوا فالحيلة أن يشهد عليه أنه لا يستحق عليه شيئا بعد موته من هذا الدين ولا في تركته وإن شاء كتب الفصلين في سجل واحد وضمنه الوصية له به إن مات رب الدين وإن مات المدين فلا حق له به قبله فيصح حينئذ مستندا إلى ظاهر الإقرار وهو إبراء في المعنى
المثال الثاني والسبعون لو غلط المضارب أو الشريك وقال ربحت ألفا ثم أراد الرجوع لم يقبل منه لأنه إنكار بعد إقرار ولو أقام بينة على الغلط فالصحيح أنها تقبل وقيل لا تقبل لأنه مكذب لها فالحيلة في استدراكه ما غلط فيه بحيث تقبل منه أن يقول خسرتها بعد أن ربحتها فالقول قوله في ذلك ولا يلزمه الألف وهكذا الحيلة في استدراك كل أمين لظلامته كالمودع إذا رد الوديعة التي دفعت إليه ببينة ولم يشهد على ردها فهل يقبل قوله في الرد فيه قولان هما روايتان عن الإمام أحمد فإذا خاف أن لا يقبل قوله فالحيلة في تخلصه أن يدعى تلفها من غير تفريط فإن حلفه على ذلك فليحلف موريا متأولا أن تلفها من عنده خروجها من تحت يده ونظائر ذلك والله أعلم
المثال الثالث والسبعون إن استغرقت الديون ماله لم يصح تبرعه بما يضر بأرباب الديون سواء حجر عليه الحاكم أولم يحجر عليه هذا مذهب مالك واختيار شيخنا وعند الثلاثة يصح تصرفه في ماله قبل الحجر بأنواع التصرف والصحيح هو القول الأول وهو الذي لا يليق بأصول المذهب غيره بل هو مقتضى أصول الشرع وقواعده لأن حق الغرماء قد تعلق بماله ولهذا يحجر عليه الحاكم ولولا تعلق حق الغرماء بما له لم يسع الحاكم الحجر عليه فصار كالمريض مرض الموت لما تعلق حق الورثة بماله منعه الشارع من التبرع بما زاد على الثلث فإن في تمكينه من التبرع بماله إبطال حق الورثة منه وفي تمكين هذا المديان من التبرع إبطال حقوق الغرماء والشريعة لا تأتي بمثل هذا فإنها إنما جاءت بحفظ حقوق أرباب الحقوق بكل طريق وسد الطرق المفضية إلى إضاعتها وقال النبي صلى الله عليه وسلم
من أخذ أموال الناس يريد أداءها
9
أداها الله عنه ومن أخذها يريد أتلافها أتلفه الله ولا ريب أن هذا التبرع إتلاف لها فكيف ينفذ تبرع من دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على فاعله
وسمعت شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله يحكى عن بعض علماء عصره من أصحاب احمد انه كان ينكر هذا المذهب ويضعفه قال إلى أن بلى بغريم تبرع قبل الحجر عليه فقال والله مذهب مالك هو الحق في هذه المسألة وتبويب البخارى وترجمتة واستدلاله يدل على اختياره هذا المذهب فانه قال في باب من رد أمر السفيه والضعيف وإن لم يكن حجر عليه الإمام ويذكر عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم رد على المتصدق قبل النهي ثم نهاه فتأمل هذا الاستدلال قال عبد الحق أراد به والله أعلم حديث جابر في بيع المدبر ثم قال البخاري في هذا الباب نفسه وقال مالك إذا كان لرجل على رجل مال وله عبد لا شئ له غيره فأعتقه لم يجز عتقه ثم ذكر حديث من أخذ أموال الناس يريد أداءها أداها الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله وهذا الذي حكاه عن مالك هو في كتب أصحابه
وقال بن الجلاب ولا تجوز هبة المفلس ولا عتقه ولا صدقته إلا بإذن غرمائه وكذلك المديان الذي لم يفلسه غرماؤه في عتقه وهبته وصدقته وهذا القول هو الذي لا نختار غيره
وعلى هذا فالحيلة لمن تبرع غريمه بهبة أو صدقة أو وقف أو عتق وليس في ماله سعة له ولدائنه أن يرفعه إلى حاكم يرى بطلان هذا التبرع ويسأله الحكم ببطلانه فإن لم يكن في بلده حاكم يحكم بذلك فالحيلة أن يأخذ عليه إذا خاف منه ذلك الضمين أو الرهن فإن بادر الغريم وتبرع قبل ذلك فقد ضاقت الحيلة على صاحب الحق ولم يبق غير أمر واحد وهو التوصل إلى إقراره بأن ما في يده أعيان أموال الغرماء فيمتنع التبرع بعد الإقرار فإن قدم تاريخ الإقرار بطل التبرع المتقدم أيضا وليست هذه حيلة على إبطال حق ولا تحقيق باطل بل على جور وظلم فلا بأس بها والله أعلم
10
المثال الرابع والسبعون إذا كان له عليه دين ولا بينة له به وخاف أن يجحده أوله بينة به ويخاف أن يمطله فالحيلة أن يستدين منه بقدر دينه إن أمكن ولا يضره أن يعطيه به رهنا أو كفيلا فإذا ثبت له في ذمته نظير دينه قاصه به وإن لم يرض على أصح المذاهب فإن حذر غريمه من ذلك وأمكنه أن يشتري منه سلعة ولا يعين الثمن ويخرج النقد فيضعه بين يديه فإذا قبض السلعة وطلب منه الثمن قاصه بالدين الذي عليه وبكل حال فطريق الحيلة أن يجعل له عليه من الدين نظير ماله
المثال الخامس والسبعون إذا خاف العنت ولم يجد طول حرة وكره رق أولاده فالحيلة في عتقهم أن يشترط على السيد أن ما ولدته زوجته منه من الولد فهم أحرار فكل ولد تلده بعد ذلك منه فهو حر ويصح تعليق العتق بالولادة كما لو قال لأمته كل ولد تلدينه فهو حر قال بن المنذر ولا أحفظ فيه خلافا
فإن قيل فهل تجوزون نكاح الأمة بدون الشرطين إذا امن رق ولده بهذا التعليق
قيل هذا محل اجتهاد ولا تأباه أصول الشريعة وليس فيه إلا أن الولد يثبت عليه الولاء للسيد وهو شعبة من الرق ومثل هذا هل ينتهض سببا لتحريم نكاح الأمة أو يقال وهو أظهر إن الله تعالى منع من نكاح الإماء لأنهن في الغالب لا يحجبن حجب الحرائر وهن في مهنة ساداتهن وحوائجهن وهن برزات لا مخدرات وهذه كانت عادة العرب في إمائهن وإلى اليوم فصان الله تعالى الأزواج أن تكون زوجاتهم بهذه المثابة مع ما يتبع ذلك من رق الولد وأباحه لهم عند الضرورة إليه كما أباح الميتة والدم ولحم الخنزير عند المخصمة وكل هذا منع منه تعالى كنكاح غير المحصنة ولهذا شرط تعالى في نكاحهن أن
11
يكن محصنات غير مسافحات ولا ولامتخذات أخدان أي غير زانية مع من كان ولا زانية مع خدينها وعشيقها دون غيره فلم يبح لهم نكاح الإماء إلا بأربعة شروط عدم الطول وخوف العنت وإذن سيدها وأن تكون عفيفة غير فاجرة فجورا عاما ولا خاصا والله أعلم
والمثال السادس والسبعون إذا لم تمكنه أمته من نفسها حتى يعتقها ويتزوجها ولا يريد إخراجها عن ملكه ولا تصبر نفسه عنها فالحيلة أن يبيعها أو يهبها لمن يثق به ويشهد عليه من حيث لا تعلم هي والبيع أجود لأنه لا يحتاج إلى قبض ثم يعتقها ثم يتزوجها فإذا فعل استردها من المشتري من حيث لا تعلم الجارية فانفسخ النكاح فيطؤها بملك اليمين ولا عدة عليها
المثال السابع والسبعون إذا أراده من لا يملك رده على بيع جاريته منه فالحيلة في خلاصه أن يفعل ما ذكرناه سواء ويشهد على عتقها أو نكاحها ثم يستقيله البيع فيطؤها بملك اليمين في الباطن وهي زوجته في الظاهر ويجوز هذا لأنه يدفع به عن نفسه ولا يسقط به حق ذي حق وإن شاء احتال بحيلة أخرى وهى إ قراره بأنها وضعت منه ما يتبين به خلق الإنسان فصارت بذلك أم ولد لا يمكن نقل الملك فيها فإن أحب دفع التهمة عنه وأنه قصد بذلك التحيل فليبعها لمن يثق به ثم يواطىء المشترى على أن يدعى عليه أنها وضعت في ملكه ما فيه صورة إنسان ويقر بذلك فينفسخ البيع ويكتب بذلك محضرا فإنه يمتنع بيعها بعد ذلك
المثال الثامن والسبعون إذا أراد أن يبيع الجارية من رجل بعينه ولم تطب نفسه بأن تكون عند غيره فله في ذلك أنواع من الحيل إحداها أن يشترط عليه أنه إن باعها فهو أحق بها بالثمن كما اشترطت ذلك امرأة
12
عبد الله بن مسعود عليه ونص الإمام أحمد على جواز البيع والشرط في رواية على بن سعيد وهو الصحيح فإن لم تتم له هذه الحيلة لعدم من ينفذها له فليشترط عليه أنك إن بعتها لغيري فهي حرة ويصح هذا الشرط وتعتق عليه إن باعها لغيره إما بمجرد الإيجاب عند صاحب المغنى وغيره وإما بالقبول فيقع العتق عقيبه وينفسخ البيع عند صاحب المحرر وهذه طريقة القاضي
قال في كتاب إبطال الحيل إذا قال إن بعتك هذا العبد فهو حر وقال المشتري إن اشتريته فهو حر فباعه عتق على البائع لأنه ليس له عند دخوله في ملك الآخر حال استقرار حتى يعتق عليه بنيته التابعة لأن خيار المجلس ثابت للبائع فملك المشتري غير مستقر وقول صاحب المحرر وانفسخ البيع تقرير لهذه الطريقة وأنه إنما يعتق بالقبول ويعتق في مدة الخيار على أحد الوجوه الثلاثة
فإن لم تتم له هذه الحيلة عند من لا يصحح هذا التعليق ويقول إذا اشتراها ملكها ولا تعتق بالشرط في ملك الغير كما يقوله أبو حنيفه فله حيلة أخرى وهي أن يقول إذا بعتها فهي حرة قبل البيع فيصح هذا التعليق فإذا باعها حكمنا بوقوع العتق قبل البيع على أحد الوجهين في مذهب الشافعي وأحمد رضى الله عنهما
فإذا لم تتم له هذه الحيلة عند من لا يصحح هذا التعليق فله حيلة أخرى وهي أن يقول إذا اشتريتها فهي مدبرة فيصح هذا التعليق ويمتنع بيعها عند أبي حنيفة فإن التدبير عنده جار مجرى العتق المعلق بصفة فإذا اشتراها صارت مدبرة ولم يمكنه بيعها عنده
فإن لم تتم له هذه الحيلة على قول من لا يجوز تعليق التدبير بصفة فالحيلة أن يأخذ البائع إقرار المشتري بأنه دبر هذه الجارية بعد ما اشتراها وأنه جعلها حرة بعد موته
فإن لم تتم له هذه الحيلة على قول من يجوز بيع المدبر وهو الإمام أحمد
13
ومن قال بقوله فالحيلة أن يشهد عليه قبل أن يبيعها منه أنه كان قد تزوجها من سيدها تزويجا صحيحا وأنها ولدت منه ولدا ثم اشتراها بعد ذلك فصارت أم ولده فلا يمكنه بيعها
فإن لم تتم له هذه الحيلة على قول من يعتبر في كونها أم ولد أن تحمل وتضع في ملكه ولا يكفي أن تلد منه في غير ملكه كما هو ظاهر مذهب أحمد والشافعي فقد ضاقت عليه وجوه الحيل ولم يبق له إلا حيلة واحدة وهي أن يتراضى سيد الجارية والمشتري برجل ثقة عدل بينهما فيبيعها هذا العدل بطريق الوكالة عن سيدها بزيادة على ثمنها الذي اتفقا عليه ويزيد ما شاء ويقبض منه الثمن الذي اتفقا عليه فإن أراد المشتري بيعها طالبه بباقي الثمن الذي أظهره ولو لم يدخلا بينهما ثالثا بل اتفقا على ذلك فقال أبيعكها بمائة دينار وآخذ منك أربعين فإن بعتها طالبتك بباقي الثمن وإن لم تبعها لم أطالبك جاز لكن في توسط العدل الذي يثق به المشتري كأبيه وصاحبه تطييب لقلبه وأمان له من مطالبة البائع له بالثمن الكثير
المثال التاسع والسبعون إذا طلب منه ولده أو عبده أن يزوجه وخاف أن يلحقه ضرر بالزوجة ويأمره بطلاقها فلا يقبل فالحيلة أن يقول له لا أزوجك إلا أن تجعل أمر الزوجة بيدي فإن وثق منه بذلك الوعد قال له بعد التزويج أمرها بيدك وإن لم يثق منه به وخاف أنه إذا قبل العقد لا يفي له بما وعده فالحيلة أن لا يأذن له حتى يعلق ذلك بالنكاح فيقول إن تزوجتها فأمرها بيدك ويصح هذا التعليق على مذهب أهل المدينة وأهل العراق فإن أراد أن يكون ذلك مجمعا عليه فليكتب في كتاب الصداق وأقر الزوج المذكور أن أمر الزوجة المذكورة بيد السيد أو الأب فإذا وقع ما يحذره منها تمكن حينئذ من التطليق عليه والله أعلم لكن قد يخرجه عن الوكالة بعد ذلك فلا يتم مراده فالحيلة أن يشترط عليه أنه متى أخرجه عن الوكالة فهي طالق
المثال الثمانون إذا دبر عبده أو أمته جاز له بيعه ويبطل تدبيره فإن خاف أن يرفعه العبد إلى حاكم لا يرى بيع المدبر فيحكم عليه بالمنع من
14
بيعه فالحيلة أن يقول إن مت وأنت في ملكي فأنت حر بعد موتي فإذا قال ذلك تم له الأمر كما أراد فإن أراد بيعه مادام حيا فله ذلك وإن مات وهو في ملكه عتق عليه والفرق بين أن يقول أنت حر بعد موتي وبين أن يقول إن مت وأنت في ملكي فأنت حر بعد موتي أن هذا تعليق للعتق بصفة وذلك لا يمنع بيع العبد كما لو قال إن دخلت الدار فأنت حر فله بيعه قبل وجود الصفة بخلاف قوله أنت حر بعد موتي فإنه جزم بحريته في ذلك الوقت ونظير هذا أنه لو قال إن مت قبلي فأنت في حل من الدين الذي عليك فهو إبراء معلق بصفة ولو قال له أنت في حل بعد موتي صح ولم يكن تعليقا للإبراء بالشرط ونظيره لو قال إن مت فداري وقف فإنه تعليق للوقف بالشرط ولو قال هي وقف بعد موتي صح والله أعلم
المثال الحادي والثمانون لو أن رجلين ضمنا رجلا بنفسه فدفعه أحدهما إلى الطالب بريء الذي لم يدفع وهذا بمنزلة رجلين ضمنا لرجل مالا فدفعه إليه أحدهما فإنهما يبرءان جميعا لأن المضمون هو إحضار واحد فإذا سلمه أحدهما فقد وجد الإحضار المضمون فبرئا جميعا قال القاضي وربما ألزمه بعض القضاة الضمان بنفس المطلوب ولا يجعل دفع الآخر براءة للذي لم يدفع فالحيلة أن يضمنا للطالب هذا الرجل بنفسه على أنه إذا دفعه أحدهما فهما جميعا بريئان فيتخلص على قول الكل أو يشهدا أن كل واحد منهما وكيل صاحبه في دفع هذا الرجل إلى الطالب والتبرى إليه فإذا دفعه أحدهما برئا جميعا منه لأنه إذا كان كل منهما وكيل صاحبه كان تسليمه كتسليم موكله
المثال الثاني والثمانون قال القاضي في كتاب إبطال الحيل إذا كان لرجلين على امرأة مال وهما شريكان فتزوجها أحدهما على نصيبه من المال الذي عليها لم يضمن لصاحبه شيئا من المهر لأنه لم يجعل نصيبه في ضمانه فصار كما لو أبرأه وربما ضمنه بعض الفقهاء فالحيلة فيه أن يهب لها نصيبه مما
15
عليها ثم يتزوجها بعد ذلك على مقدار ما وهبها ثم تهب المرأة للزوج المهر الذي تزوجها عليه لأن أحد الشريكين إذا وهب نصيبه من المال المشترك لا يضمن لكونه متبرعا فإذا تزوجها بعد ذلك على مهر ووهبته له حصل مقصوده وتخلص من أقاويل المختلفين
المثال الثالث والثمانون لو حلف رجل بالطلاق أنه لا يضمن عن أحد شيئا فحلف آخر بالطلاق أن لابد أن تضمن عني فالحيلة في أن يضمن عنه ولا يحنث أن يشاركه ويشتري متاعا بينه وبين شريكه قال القاضي فإنه يضمن عن شريكه نصف الثمن ولا يحنث الحالف في يمينه لأن المحلوف عليه عقد الضمان وما يلزمه في مسألتنا لا يلزمه بعقد الضمان وإنما يلزمه بالوكالة لأن كل واحد من الشريكين وكيل صاحبه فيما يشتريه فلهذا لم يحنث في يمينه فإن كانت بحالها ولم يكن بينه وبين المحلوف عليه شركة لكنه وكله المحلوف عليه فاشتراها لم يحنث أيضا لما بينا
المثال الرابع والثمانون شريكان شركة عنان ضمنا عن رجل مالا بأمره على أنه إن أدى المال أحد الشريكين رجع به على شريكه وإن أداه الآخر فشريكه منه بريء وللمسألة أربع صور إحداها أن يقولا أيانا أداه رجع به على شريكه الثانية عكسه الثالثة أن يقول إن أديته أنا رجعت به عليك ولا ترجع به على إن أديته الرابعة عكسه فالصورة الأولى والثانية لا تحتاج إلى حيلة وأما الثالثة والرابعة فالحيلة في جوازهما أن يضمن أحد الشريكين عن المدين ما عليه لصاحبه ثم يجيء شريكه فيضمن ما لصاحب الحق عليهما فإذا أدى هذا الشريك المال رجع به على شريكه والأصيل وإذا أداه شريكه والأصيل لم يرجعا على الشريك بشيء لأن شريكه قد صار صاحب الأصل ها هنا فلو رجع عليه لرجع هو عليه فمن حيث يثبت يسقط فلا معنى للرجوع عليه
16
المثال الخامس والثمانون لأبأس للمظلوم أن يتحيل على مسبة الناس لظالمه والدعاء عليه والأخذ من عرضه وإن لم يفعل ذلك بنفسه إذ لعل ذلك يردعه ويمنعه من الإقامة على ظلمه وهذا كما لو أخذ ماله فلبس أرث الثياب بعد أحسنها وأظهر البكاء والنحيب والتأوه أو آذاه في جواره فخرج من داره وطرح متاعه على الطريق أو أخذ دابته فطرح حمله على الطريق وجلس يبكي ونحو ذلك فكل هذا مما يدعو الناس إلى لعن الظالم له وسبه والدعاء عليه وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم المظلوم بأذى جاره له إلى نحو ذلك ففي السنن ومسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة أن رجلا شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من جاره فقال اذهب فاصبر فأتاه مرتين أو ثلاثا فقال اذهب فاطرح متاعك في الطريق فطرح متاعه في الطريق فجعل الناس يسألونه فيخبرهم خبره فجعل الناس يلعنونه فعل الله به وفعل فجاء إليه جاره فقال له ارجع لا ترى مني شيئا تكرهه هذا لفظ أبي داود
المثال السادس والثمانون ما ذكر في مناقب أبي حنيفة رحمة الله تعالى أن رجلا أتاه بالليل فقال أدركني قبل الفجر وإلا طلقت امرأتي فقال وما ذاك قال تركت الليلة كلامي فقلت لها إن طلع الفجر ولم تكلميني فأنت طالق ثلاثا وقد توسلت إليها بكل أمر أن تكلمني فلم تفعل فقال له اذهب فمر مؤذن المسجد أن ينزل فيؤذن قبل الفجر فلعلها إذا سمعته أن تكلمك واذهب إليها وناشدها أن تكلمك قبل أن يؤذن المؤذن ففعل الرجل وجلس يناشدها وأذن المؤذن فقالت قد طلع الفجر وتخلصت منك فقال قد كلمتني قبل الفجر وتخلصت من اليمين وهذا من أحسن الحيل
المثال السابع والثمانون قال بشر بن الوليد كان في جوار أبي حنيفة فتى يغشى مجلسه فقال له يوما إني أريد التزوج بامرأة وقد طلبوا مني من المهر فوق طاقتي وقد تعلقت بالمرأة فقال له اعطهم ما طلبوا منك ففعل فلما عقد العقد جاء إليه فقال قد طلبوا مني المهر فقال احتل واقترض وأعطهم
17
ففعل فلما دخل بأهله قال إني أخاف المطالبين بالدين وليس عندي ما أوفيهم فقال أظهر أنك تريد سفرا بعيدا وأنك تريد الخروج بأهلك ففعل واكترى جمالا فاشتد ذلك على المرأة وأوليائها فجاؤوا إلي أبى حنيفة رحمه الله فسألوه فقال له أن يذهب بأهله حيث شاء فقالوا نحن نرضيه ونرد إليه ما أخذناه منه ولا يسافر فلما سمع الزوج طمع فقال لا والله حتى يزيدوني فقال له إن رضيت بهذا وإلا أقرت المرأة أن عليها دينا لرجل فلا يمكنك أن تخرجها حتى توفيه فقال بالله لا يسمع أهل المرأة ذلك منك أنا أرضى بالذي أعطيتهم
المثال الثامن والثمانون قال القاضي أبو يعلى إذا كان لرجل على رجل ألف درهم فصالحه منها على مائة درهم يؤديها إليه في شهر كذا فإن لم يفعل وأخرها إلى شهر آخر فعليه مائتان فهو جائز وقد أبطله قوم آخرون قال أما جواز الصلح من ألف على مائة فالوجه فيه أن التسعمائة لا يستفيدها بعقد الصلح وإنما استفادها بعقد المداينة وهو العقد السابق فعلم أنها ليست مأخوذة على وجه المعاوضة وإنما هي على طريق الإبراء عن بعض حقه قال ويفارق هذا إذا كانت له ألف مؤجلة فصالحه على تسعمائة حالة انه لا يجوز لأنه استفاد هذه التسعمائة بعقد الصلح لأنه لم يكن مالكا لها حالة وإنما كان يملكها مؤجلة فلهذا لم يصح
وأما جوازه على الشرط المذكور وهو انه إن لم يفعل فعليه مائتان فلأن المصالح إنما علق فسخ البراءة بالشرط والفسخ يجوز تعليقه بالشرط وإن لم يجز تعليق البراءة بالشرط ألا ترى انه لو قال أبيعك هذا الثوب بشرط أن تنقدني الثمن اليوم فإن لم تنقدني الثمن اليوم فلا بيع بيننا إذا لم ينقد الثمن في يومه انفسخ العقد بينهما كذلك ها هنا ومن لم يجز ذلك يقول هذا تعليق براءة المال بالشرط وذلك لا يجوز قال والوجه في جواز هذا الصلح على مذهب الجميع
18
أن يعجل رب المال حط ثمانمائة يحطها على كل حال ثم يصالح المطلوب من المائتين الباقيتين على مائة يؤديها إليه في شهر كذا على أنه إن أخرها عن هذا الوقت فلا صلح بينهما فإذا فعل هذا فقد استوثق في قول الجميع لأنه متى صالحه على مائتين وقد حط عنه الباقي يصير كأنه لم يكن عليه من الدين إلا مائتا درهم ثم صالحه عن المائتين الباقيتين على مائة يؤديها إليه في شهر كذا فإن أخرها فلا صلح بينهما فيكون على قول الجميع فسخ العقد معلقا بترك النقد وذلك جائز على ما بيناه في البيع
فإن أراد أن يكاتب عبده على ألف درهم يؤديها إليه في سنتين فإن لم يفعل فعليه ألف أخرى فهي كتابة فاسدة لأنه علق إيجاب المال بخطر وتعليق المال بالأخطار لا يجوز والحيلة في جوازه أن يكاتبه على ألفي درهم ويكتب عليه بذلك كتابا ثم يصالحه بعد ذلك على آلف درهم يؤديها إليه في سنتين فإن لم يفعل فلا صلح بينهما فيكون تعليقا للفسخ بخطر وذلك جائز على ما قدمناه من مسألة البيع فإن كان السيد كاتب عبده على ألفي درهم إلى سنتين فأراد العبد أن يصالح سيده على النصف يعجلها له فإن ذلك جائز عندنا ويبطله غيرنا انتهى كلامه
المثال التاسع والثمانون قال القاضي إذا اشترى رجل من رجل دارا بألف درهم فجاء الشفيع يطلب الشفعة فصالحه المشتري على أن أعطاه نصف الدار بنصف الثمن جاز لأن الشفيع صالح على بعض حقه وذلك جائز كما لو صالح من آلف على خمسمائة فإن صالحه على بيت من الدار بحصته من الثمن لم يجز لأنه صالح على شئ مجهول لأن ما يأخذه الشفيع يأخذه على وجه المعاوضة وحصة المبيع من الثمن مجهولة وجهالة العوض تمنع صحة العقد فالحيلة حتى يسلم البيت للشفيع والدار للمشتري أن يشتري الشفيع هذا البيت من المشتري بثمن مسمى ثم يسلم الشفيع للمشتري ما بقى من الدار وشراء الشفيع لهذا البيت تسليم
19
للشفعة ومساومته بالبيت تسليم للشفعة لأنه إذا اشتراه بثمن مسمى كان عوض البيت معلوما ودخوله في شراء البيت تسليم للشفعة فيما بقى من الدار وذلك جائز فالحيلة أن يأخذ البيت بهذا الثمن المسمى من غير أن يكون مسلما للشفعة حتى يجب له البيت أن يبدأ المشتري فيقول للشفيع هذا البيت ابتعته لك بكذا وكذا درهما فيقول الشفيع قد رضيت واستوجبت لأن المشتري متى ابتدأ بقوله هذا البيت لك بكذا لم يكن الشفيع مسلما للشفعة
المثال التسعون تجوز المغارسة عندنا على شجر الجوز وغيره بأن يدفع إليه أرضه ويقول اغرسها من الأشجار كذا وكذا والغرس بيننا نصفان وهذا كما يجوز أن يدفع إليه ماله يتجر فيه والربح بينهما نصفان وكما يدفع إليه أرضه يزرعها والزرع بينهما وكما يدفع إليه شجره يقوم عليه والثمر بينهما وكما يدفع إليه بقره أو غنمه أو إبله يقوم عليها والدر والنسل بينهما وكما يدفع إليه زيتونه يعصره والزيت بينهما وكما يدفع إليه دابته يعمل عليها والأجرة بينهما وكما يدفع إليه فرسه يغزو عليها وسهمها بينهما وكما يدفع إليه قناة يستنبط ماءها والماء بينهما ونظائر ذلك فكل ذلك شركة صحيحة قد دل على جوازها النص والقياس واتفاق الصحابة ومصالح الناس وليس فيها ما يوجب تحريمها من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ولا مصلحة ولا معنى صحيح يوجب فسادها والذين منعوا ذلك عذرهم أنهم ظنوا ذلك كله من باب الإجارة فالعوض مجهول فيفسد ثم منهم من أجاز المساقاة والمزارعة للنص الوارد فيهما والمضاربة للإجماع دون ما عدا ذلك ومنهم من خص الجواز بالمضاربة ومنهم من جوز بعض أنواع المساقاة والمزارعة ومنهم من منع الجواز فيما إذا كان بعض الأصل يرجع إلى العامل كقفيز الطحان وجوزه فيما إذا رجعت إليه الثمرة مع بقاء الأصل كالدر والنسل
والصواب جواز ذلك كله وهو مقتضى أصول الشريعة وقواعدها
20
فإنه من باب المشاركة التي يكون العامل فيها شريك المالك هذا بماله وهذا بعمله وما رزق الله فهو بينهما وهذا عند طائفة من أصحابنا أولى بالجواز من الإجارة حتى قال شيخ الإسلام هذه المشاركات أحل من الإجارة قال لان المستأجر يدفع ماله وقد يحصل له مقصوده وقد لا يحصل فيفوز المؤجر بالمال والمستأجر على الخطر إذ قد يكمل الزرع وقد لا يكمل بخلاف المشاركة فإن الشريكين في الفوز وعدمه على السواء إن رزق الله الفائدة كانت بينهما وإن منعها استويا في الحرمان وهذا غاية العدل فلا تأتى الشريعة بحل الإجارة وتحريم هذه المشاركات
وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم المضاربة على ما كانت عليه قبل الإسلام فضارب أصحابه في حياته وبعد موته وأجمعت عليها الأمة ودفع خيبر إلى اليهود يقومون عليها ويعمرونها من أموالهم بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع وهذا كأنه رأى عين ثم لم ينسخه ولم ينه عنه ولا امتنع منه خلفاؤه الراشدون وأصحابه بعده بل كانوا يفعلون ذلك بأراضيهم وأموالهم يدفعونها إلى من يقوم عليها بجزء مما يخرج منها وهم مشغولون بالجهاد وغيره ولم ينقل عن رجل واحد منهم المنع إلا فيما منع منه النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما قال الليث بن سعد إذا نظر ذو البصر بالحلال والحرام علم انه لا يجوز ولو لم تأت هذه النصوص والآثار فلا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله والله ورسوله لم يحرم شيئا من ذلك وكثير من الفقهاء يمنعون ذلك
فإذا بلى الرجل بمن يحتج في التحريم بأنه هكذا في الكتاب وهكذا قالوا ولا بد له من فعل ذلك إذ لا تقوم مصلحة الأمة إلا به فله أن يحتال على ذلك بكل حيلة تؤدي إليه فإنها حيل تؤدي إلى فعل ما أباحه الله ورسوله ولم يحرمه على الأمة وقد تقدم ذكر الحيلة على جواز المساقاة والمزارعة ونظيرها في الاحتيال على المغارسة أن يؤجره الأرض يغرس فيها ما شاء من الأشجار لمدة كذا وكذا
21
سنة بخدمتها وغرس كذا وكذا من الأشجار فيها فإن اتفقا بعد ذلك أن يجعلا لكل منها غراسا معينا مقررا جاز وإن أحب أن يكون الجميع شائعا بينهما فالحيلة أن يقر كل منهما للآخر أن جميع ما في هذه الأرض من الغراس فهو بينهما نصفين أو غير ذلك
والحيلة في جواز المشاركة على البقر والغنم بجزء من درها ونسلها أن يستأجره للقيام عليها كذا وكذا سنة للمدة التي يتفقان عليها بنصف الماشية أو ثلثها على حسب ما يجعل له من الدر والنسل ويقر له بأن هذه الماشية بينهما نصفين أو أثلاثا فيصير درها ونسلها بينهما على حسب ملكهما فإن خاف رب الماشية أن يدعى عليه العامل بملك نصفها حيث أقر له به فالحيلة أن يبيعه ذلك النصف بثمن في ذمته ثم يسترهنه على ذلك الثمن فإن ادعى الملك بعد هذا طالبه بالثمن فإن ادعى الاعسار اقتضاه من الرهن
والحيلة في جواز قفيز الطحان أن يملكه جزءا من الحب أو الزيتون إما ربعه أو ثلثه أو نصفه فيصير شريكه فيه ثم يطحنه أو يعصره فيكون بينهما على حسب ملكيهما فيه فإن خاف أن يملكه ذلك فيملكه عليه ولا يحدث فيه عملا فالحيلة أن يبيعه إياه بثمن في ذمته فيصير شريكه فيه فإذا عمل فيه سلم إليه حصته أو أبرأه من الثمن فإن خاف الأجير أن يطالبه بالثمن ويتسلم الجميع ولا يعطيه أجرته فالحيلة في أمنه من ذلك أن يشهد عليه أن الأصل مشترك بينهما قبل العمل فإذا أحدث فيه العمل فهو على الشركة
وهكذا الحيلة في جميع هذا الباب وهي حيلة جائزة فإنها لا تتضمن إسقاط حق ولا تحريم حلال ولا تحليل حرام
المثال الحادي والتسعون إذا خرج المتسابقان في النضال معا جاز في اصح القولين والمشهور من مذهب مالك انه لا يجوز وعلى القول بجوازه فأصح القولين انه لا يحتاج إلى محلل كما هو المنقول عن الصديق وأبي عبيده بن الجراح واختيار شيخنا وغيره والمشهور من أقوال الأئمة الثلاثة انه لا يجوز إلا بمحلل
22
على تفاصيل لهم في المحلل وحكمه وقد ذكرناها في كتابنا الكبير في الفروسية الشرعية وذكرنا فيه وفي كتاب بيان الاستدلال على بطلان اشتراط محلل السباق والنضال بيان بطلانه من أكثر من خمسين وجها وبينا ضعف الحديث الذي احتج به من اشترطه وكلام الأئمة في ضعفه وعدم الدلالة منه على تقدير صحته
والمقصود هنا بيان وجه الحيلة على الاستغناء عنه عند من يقنع بهذا قالوا وهكذا في الكتاب فالحيلة على تخلص المتسابقين المخرجين منه أن يملكا العوضين لثالث يثقان به ويقول الثالث أيكما سبق فالعوضان له وإن جئتما معا فالعوضان بينكما فيجوز هذا العقد وهذه الحيلة ليست حيلة على جواز أمر محرم ولا تتضمن إسقاط حق ولا تدخل في مأثم فلا بأس بها والله أعلم
المثال الثاني والتسعون يجوز اشتراط الخيار في البيع فوق ثلاث على أصح قول العلماء وهو مذهب الإمام احمد ومالك على تفاصيل عند مالك وقال الشافعي وأبو حنيفة لا يجوز وقد تدعو الحاجة إلى جوازه لكون المبيع لا يمكنه استعلامه في ثلاثة أيام أو لغيبة من يشاوره ويثق برأيه أو لغير ذلك والقياس المحض جوازه كما يجوز تأجيل الثمن فوق ثلاث والشارع لم يمنع من الزيادة على الثلاثة ولم يجعلها حدا فاصلا بين ما يجوز من المدة ومالا يجوز وإنما ذكرها في حديث حبان بن منقذ وجعلها له بمجرد البيع وإن لم يشترطه لأنه كان يغلب في البيوع فجعل له ثلاثا في كل سلعة يشتريها سواء شرط ذلك أولم يشترطه هذا ظاهر الحديث فلم يتعرض للمنع من الزيادة على الثلاثة بوجه من الوجوه فإن أراد الجواز على قول الجميع فالمخرج أن يشترط الخيار ثلاثا فإذا قارب انقضاء الأجل فسخه ثم اشترط ثلاثا وهكذا حتى تنقضي المدة التي اتفقا عليها وليست هذه الحيلة محرمة لأنها لا تدخل في باطل ولا تخرج من حق وهذا بخلاف الحيلة على إيجار الوقف مائة سنة وقد
23
شرط الواقف أن لا يؤجر اكثر من سنة واحدة فتحيل على إيجاره اكثر منها بعقود متفرقة في ساعة واحدة كما تقدم
المثال الثالث والتسعون إذا أراد أن يقرض رجلا مالا ويأخذ منه رهنا فخاف أن يهلك الرهن فيسقط من دينه بقدره عند حاكم يرى ذلك فالمخرج له أن يشتري العين التي يريد ارتهانها بالمال الذي يفرضه ويشهد عليه انه لم يقبضه فإن وثق بكونه عند البائع تركه عنده فإن تلف تلف من ضمانه وان بقى تمكن من أخذه منه متى شاء وإن رد عليه المال أقاله البائع
وأحسن من هذه الحيلة ان يستودع العين قبل القرض ثم يقرضه وهي عنده فهي في الظاهر وديعة وفي الباطن رهن فإن تلفت لم يسقط بهلا كها شئ من حقه
فإن خاف الراهن انه إذا وفاه حقه لم يقله البيع فالمخرج له ان يشترط عليه الخيار إلى المدة التي يعلم انه يوفيه فيها على قول ابي يوسف ومحمد ومالك واحمد
فإن خاف المرتهن ان يستحق الرهن أو بعضه فالمخرج له ان يضمن درك الرهن غير الراهن أو يشهد على من يخشى دعواه الاستحقاق بأنه متى ادعاه كانت دعواه باطلة أو يضمنه الدرك لنفسه
المثال الرابع والتسعون إذا بدا الصلاح في بعض الشجرة جاز بيع جميعها وكذلك يجوز بيع ذلك النوع كله في البستان وقال شيخنا يجوز بيع البستان كله تبعا لما بدا صلاحه سواء كان من نوعه أولم يكن تقارب إدراكه وتلاحق أم تباعد وهو مذهب الليث بن سعد وعلى هذا فلا حاجة إلى الاحتيال على الجواز
وقالت الحنفية إذا خرج بعض الثمرة دون بقيتها أو خرج الجميع وبعضه قد بدا صلاحه دون بعض لا يجوز البيع للجمع بين الموجود والمعدوم والمتقوم وغيره فتصير حصة الموجود المتقوم مجهولة فيفسد البيع وبعض الشيوخ كان
24
يفتى بجوازه في الثمار والباذنجان ونحوهما جعلا المعدوم تبعا للموجود وأفتى محمد بن الحسن بجوازه في الورد لسرعة تلاحقه قال شمس الائمة السرخسي والاصح المنع قالوا فالحيلة في الجواز ان يشتري الاصول وهذا قد لا يتأتى غالبا قالوا فالحيلة ايضا ان يشتري الموجود الذي بدا صلاحه بجميع الثمن ويشهد عليه انه قد اباح له ما يحدث من بعد وهذه الحيلة ايضا قد تتعذر إذ قد يرجع في الاباحة وإن جعلت هبة فهبة المعدوم لا تصح وإن ساقاه على الثمرة من كل الف جزء على جزء مثلا لم تصح المساقاه عندهم وتصح عند أبى يوسف ومحمد وإن آجره الشجرة لأخذ ثمرتها لم تصح الاجارة عندهم وعند غيرهم
فالحيلة إذا أن يبيعه الثمرة الموجودة ويشهد عليه أن ما يحدث بعدها فهو حادث على ملك المشتري لا حق للبائع فيه ولا يذكر سبب الحدوث
ولهم حيلة أخرى فيما إذا بدت الثمار أن يشتريها بشرط القطع أو يشتريها ويطلق ويكون القطع هو موجب العقد ثم يتفقان على التبقية إلى وقت الكمال ولا ريب ان المخرج ببيعها إذا بدا صلاح بعضها أو بإجارة الشجر أو بالمساقاة أقرب إلى النص والقياس وقواعد الشرع من ذلك كما تقدم تقريره
المثال الخامس والتسعون إذا وكله ان يشترى له بضاعة وتلك البضاعة عند الوكيل وهي رخيصة نساوي أكثر مما اشتراها به ولا تسمح نفسه ان يبيعها بما اشتراها به فالحيلة أن يبيعها بما تساويه بيعا تاما صحيحا لأجنبي ثم إن شاء اشتراها من الاجنبي لموكله ولكن تدخل هذه الحيلة سدا للذرائع إذ قد يتخذ ذلك ذريعة إلى ان يبيعها بأكثر مما تساوي فيكون قد غش الموكل ويظهر هذا إذا اشتراها بعينها دون غيرها فيكون قد غر الموكل فإن كان الموكل لو اطلع على الحال لم يكره ذلك ولم يره غرورا فلا بأس به وإن كان لو اطلع عليه لم يرضه لم يجز والله أعلم
المثال السادس والتسعون إذا اشترى منه دارا وخاف احتيال البائع عليه
25
بأن يكون قد ملكها لبعض ولده فيتركها في يده مدة ثم يدعيها عليه ويحسب سكناها بثمنها كما يفعله المخادعون الماكرون فالحيلة أن يحتال لنفسه بأنواع من الحيل منها أن يضمن من يخاف منه الدرك ومنها ان يشهد عليه أنه إن ادعى هو أو وكيله في الدار كانت دعوى باطلة وكل بينة يقيمها زور ومنها أن يضمن الدرك لرجل معروف يتمكن من مطالبته ومنها أن يجعل ثمنها أضعاف ما اشتراها به فإن استحقت رجع عليه بالثمن الذي أشهد به
مثاله أن يتفقا على أن الثمن الف فيشتريها بعشرة آلاف ثم يبيعه بالعشرة آلاف سلعة ثم يشتريها منه بالالف وهي الثمن فيأخذ الالف ويشهد عليه أن الثمن عشرة آلاف وأنه قبضه وبرئ منه المشتري فإن استحقت رجع عليه بالعشرة آلاف وبالجملة فمقابلة الفاسد بالفاسد والمكر بالمكر والخداع بالخداع وقد يكون حسنا بل مأمورا به وأقل درجاته أن يكون جائزا كما تقدم بيانه
المثال السابع والتسعون إذا اشترى العبد نفسه من سيده بمال يؤديه إليه فأدى إليه معظمه ثم جحد السيد أن يكون باعه نفسه وللسيد في يد العبد مال أذن له في التجارة به فالحيلة ان يشهد العبد في السر أن المال الذي في يده لرجل اجنبي فإن وفي له سيده بما عاقده عليه وفي له العبد وسلمه ماله وإن غدر به تمكن العبد من الغدر به وإخراج المال عن يده وهذه الحيلة لا تتأتى على أصل من يمنع مسالة الظفر ولا على قول من يجيزها فإن السيد إذا ظلمه بجحده حقه لم يكن له ان يظلمه بمنعه ماله وان يحول بينه وبينه فيقابل الظلم بالظلم ولا يرجع إليه منه فائدة ولكن فائدة هذه الحيلة أن السيد متى علم بصورة الحال وأنه متى جحده البيع حال بينه وبين ماله بالإقرار الذي يظهره منعه ذلك من جحود البيع فيكون بمنزلة رجل أمسك ولد غيره ليقتله فظفر هو بولده قبل القتل فأمسكه وأراه انه إن قتل ولده قتل هو ولده أيضا ونظائر ذلك
26
وكذلك إن كان السيد هو الذي يخاف من العبد أن لا يقر له بالمال ويقر به لغيره يتواطان عليه فالحيلة أن يبدأ السيد فيبيع العبد لأجنبي في السر ويشهد على بيعه ثم يبيع العبد من نفسه فإذا قبض المال فأظهر العبد إقرارا بأن ما في يده لأجنبي أظهر السيد ان بيعه لنفسه كان باطلا وأن فلانا الاجنبي قد اشتراه فإذا علم العبد ان عتقه يبطل ولا يحصل مقصوده امتنع من التحيل على إخراج مال السيد عنه إلى أجنبي
ونظير هذه الحيلة إذا أراد ظالم أخذ داره بشراء أو غيره فالحيلة ان يملكها لمن يثق به ثم يشهد على ذلك وانها خرجت عن ملكه ثم يظهر انه وقفها على الفقراء والمساكين ولو كان في بلده حاكم يرى صحة وقف الانسان على نفسه وصحة استثناء الغلة له وحده مدة حياته وصحة وقفه لها بعد موته فحكم له بذلك استغنى عن هذه الحيلة
وحيل هذا الباب ثلاثة أنواع حيلة على دفع الظلم والمكر حتى لا يقع وحيلة على رفعه بعد وقوعه وحيلة على مقابلته بمثله حيث لا يمكن رفعه فالنوعان الأولان جائزان وفي الثالث تفصيل فلا يمكن القول بجوازه على الإطلاق ولا بالمنع منه على الإطلاق بل إن كان المتحيل به حراما لحق الله لم يجز مقابلته بمثله كما لو جرعه الخمر أوزنى بحرمته وإن كان حراما لكونه ظلما له في ماله وقدر على ظلمه بمثل ذلك فهي مسألة الظفر وقد توسع فيها قوم حتى أفرطوا وجوزوا قلع الباب ونقب الحائط وخرق السقف ونحو ذلك لمقابلته بأخذ نظير ماله ومنعها قوم بالكلية وقالوا لو كان عنده وديعة أوله عليه دين لم يجز له أن يستوفي منه قدر حقه إلا بإعلامه به وتوسط آخرون وقالوا إن كان سبب الحق ظاهرا كالزوجية والابوة والبنوة وملك اليمين الموجب للإنفاق فله ان يأخذ قدر حقه من غير إعلامه وإن لم يكن ظاهرا كالقرض وثمن المبيع
27
ونحو ذلك لم يكن له الاخذ إلا بإعلامه وهذا اعدل الاقوال في المسألة وعليه تدل السنة دلالة صريحة والقائلون به أسعد بها وبالله التوفيق
وإن كان بهتا له وكذبا عليه أو قذفا له أو شهادة عليه بالزور لم يجز له مقابلته بمثله وإن كان دعاء عليه أولعنا أو مسبة فله مقابلته بمثله على أصح القولين وأن منعه كثير من الناس وإن كان إتلاف مال له فإن كان محترما كالعبد والحيوان لم يجز له مقابلته بمثله وإن كان غير محترم فإن خاف تعديه فيه لم يجز له مقابلته بمثله كما لو حرق داره لم يجز له أن يحرق داره وإن لم يتعد فيه بل كان يفعل به نظير ما فعل به سواء كما لو قطع شجرته أو كسر إناءه أو فتح قفصا عن طائره أوحل وكاء مائع له أو أرسل الماء على مسطاحه فذهب بما فيه ونحو ذلك وأمكنه مقابلته بمثل ما فعل سواء فهذا محل اجتهاد لم يدل على المنع منه كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح بل الادلة المذكورة تقتضى جوازه كما تقدم بيانه في أول الكتاب وكان شيخنا رضى الله عنه يرجح هذا ويقول هو أولى بالجواز من إتلاف طرفه بطرفه والله اعلم
المثال الثامن والتسعون الضمان والكفالة من العقود اللازمة ولا يمكن الضامن والكفيل أن يتخلص متى شاء ولا سيما عند من يقول ان الكفالة توجب ضمان المال إذا تعذر إحضار المكفول به مع بقائه كما هو مذهب الامام احمد ومن وافقه وطريق التخلص من وجوه أحدها أن يؤقتها بمدة فيقول ضمنته أو تكفلت به شهرا أو جمعة ونحو ذلك فيصح الثاني أن يقيدها بمكان دون مكان فيقول ضمنته أو تكفلت به ما دام في هذا البلد أوفي هذا السوق الثالث ان يعلقها على شرط فيقول ضمنت أو كفلت إن رضى فلان أو يقول ضمنت ما عليه إن كفل فلان بوجهه ونحو ذلك الرابع ان يشترط في الضمان أنه لا يطالبه حتى يتعذر مطالبة الأصيل فيجوز هذا الشرط بل هو حكم الضمان في اشهر الروايتين
28
عن مالك فلا يطالب الضامن حتى يتعذر مطالبة الاصيل وإن لم يشترطه حتى لو شرط ان يأخذ من أيهما شاء كان الشرط باطلا عند بن القاسم وأصبغ الخامس أن يقول كفلت بوجهه على أني برئ مما عليه فلا يلزمه ما عليه إذا لم يحضره بل يلزم بإحضاره إذا تمكن منه السادس أن يطالب المضمون عنه بأداء المال إلى ربه ليبرأ هو من الضمان إذا كان قد ضمن بإذنه ويكون خصما في المطالبة وهذا مذهب مالك فإن ضمنه بغير إذنه لم يكن له عليه مطالبته بأداء المال إلى ربه فإن اداه عنه فله مطالبته به حينئذ
المثال التاسع والتسعون إذا كان له داران فاشترى منه إحداهما على أنه إن استحقت فالدار الأخرى له بالثمن فهذا جائز إذ غايته تعليق البيع بالشرط وليس في شئ من الادلة الشرعية ما يمنع صحته وقد نص الامام احمد على جوازه فيمن باع جارية وشرط على المشتري انه إن باعها فهو أحق بها بالثمن وفعله بنفسه كما رهن نعله وشرط للمرتهن أنه إن جاءه بفكاكها إلى وقت كذا وإلا فهي له بما عليها ونص على جواز تعليق النكاح بالشرط فالبيع أولى ونص على جواز تعليق التولية بالشرط كما نص عليه صاحب الشرع نصا لا يجوز مخالفته وقد تقدم تقرير ذلك
وكثير من الفقهاء يبطل البيع المذكور فالحيلة في جوازه عند الكل أن يشتري منه المشتري الدار الأخرى التي لا يريد شراءها ويقبضها منه ثم يشتري بها الدار التي يريد شراءها ويسلمها إليه ويتسلم داره فإن استحقت هذه الدار عليه رجع في ثمنها وهو الدار الأخرى وهذه حيلة لطيفة جائزة لا تتضمن إبطال حق ولا دخول في باطل وهي مثال لما كان من جنسها من هذا النوع مما يخالف استحقاقه ويشترط على البائع أخذ ما يقابله من حيوان أودقيق أوغير ذلك
المثال الموفى المائة رجل أراد أن يشتري جارية أوسلعة من رجل غريب فلم يأمن أن تستحق أوتخرج معيبة فلا يمكنه الرجوع ولا الرد فإن قال
29
له البائع أنا أوكل من تعرفه فيما تدعى به من عيب أورجوع لم يأمن أن يحتال عليه ويعزله فيذهب حقه فالحيلة في التوثق ان يكون الوكيل هو الذي يتولى البيع بنفسه ويضمن له صاحب السلعة الدرك ويكون وكيلا لهذا الذي تولى البيع فيمكن المشتري حينئذ مطالبة هذا الذي تولى البيع بنفسه ويأمن ما يحذره
المثال الحادي بعد المائه رجل قال لغيره اشتر هذه الدار أوهذه السلعة من فلان بكذا وكذا وأنا أربحك فيها كذا وكذا فخاف إن اشتراها أن يبدو للآمر فلا يريدها ولا يتمكن من الرد فالحيلة ان يشتريها على انه بالخيار ثلاثة أيام أوأكثر ثم يقول للآمر قد اشتريتها بما ذكرت فإن أخذها منه وإلا تمكن من ردها على البائع بالخيار فإن لم يشترها الآمر إلا بالخيار فالحيلة أن يشترط له خيارا أنقص من مدة الخيار التي أشترطها هو على البائع ليتسع له زمن الرد إن ردت عليه
المثال الثاني بعد المائة إذا اشترى منه جارية أوسلعة ثم اطلع على عيب بها فخاف إن ادعى انه اشتراها بكذا وكذا ان ينكر البائع قبض الثمن ويسأل الحاكم الحكم عليه بإقراره أوينكر البيع ويسأله تسليم الجارية إليه فالحيلة التي تخلصه أن يردها عليه أولا فيما بينه وبينه ثم يدعى عليه عند الحاكم باستحقاق ثمنها ولا يعين السبب فإن أقر فلا إشكال وإن أنكر لم يلزم المشتري الثمن فإما أن يقيم عليه بينة أويحلفه
المثال الثالث بعد المائة إذا كان له عليه مال حال فأبى أن يقر له به حتى يصالحه على بعضه أويؤجله ولا بينة له فأراد حيلة يتوسل بها إلى أخذ ماله كله حالا ويبطل الصلح والتأجيل فالحيلة له ان يواطىء رجلا يدعى عليه بالمال الذي له على فلان عند حاكم فيقر له به ويصح إقراره بالدين الذي له على الغير
30
فإنه قد يكون المال مضاربة فيصير ديونا على الناس فلو لم يصح إقراره به له لضاع ماله وأما قول ابى عبد الله بن احمد إن في الرعاية ولو قال ديني الذي على زيد لعمرو احتمل الصحة والبطلان أظهرفهذا إنما هو فيما إذا أضاف الدين إليه ثم قال هو لعمرو فيصير ما لو قال ملكى كله لعمرو أودارى هذه له فإن هذا لا يصح إقرارا على أحد الوجهين للتناقض ويصح هبة فأما إذا قال هذا الدين الذي على زيد لعمرو يستحقه دونى صح ذلك قولا واحدا كما لو قال هذه الدار له أوهذا الثوب له على أن الصحيح صحة الإقرار ولو أضاف الدين أوالعين إلى نفسه ولا تناقض لأن الإضافة تصدق مع كونه ملكا للمقر له فإنه يصح أن يقال هذه دار فلان إذا كان ساكنها بالأجرة ويقول المضارب ديني على فلان وهذا الدين لفلان يعني أنه يستحق المطالبة به والمخاصمة فيه فالإضافة تصدق بدون هذا ثم يأتي صاحب المال إلى من هو في ذمته فيصالحه على بعضه أويؤجله ثم يجيء المقر له فيدعى على من عليه المال بجملتة حالا فإذا أظهر كتاب الصلح والتأجيل قال المقر له هذا باطل فإنه تصرف فيما لا يملك المصالح فإن كان الغريم إنما أقر باستحقاق غريمه الدين مؤجلا أوبذلك القدر منه فقط بطلت هذه الحيلة
ونظير هذه الحيلة حيلة إيداع الشهادة وصورتها أن يقول له الخصم لاأقر لك حتى تبرئني من نصف الدين أوثلثه وأشهد عليك أنك لاتستحق على بعد ذلك شيئا فيأتي صاحب الحق إلى رجلين فيقول أشهدا أني على طلب حقي كله من فلان وأني لم أبرئه من شيء منه وأني أريد أن أظهر مصالحته على بعضه لأتوصل بالصلح إلى أخذ بعض حقي وأني إذا أشهدت أني لاأستحق عليه سوى ما صالحني عليه فهو إشهاد باطل وأني إنما أشهدت على ذلك توصلا إلى أخذ بعض حقي فهذه تعرف بمسألة إيداع الشهادة فإذا فعل ذلك جاز له أن يدعى بقاءه على حقه ويقيم الشهادة بذلك هذا مذهب مالك وهو مطرد
31
على قياس مذهب أحمد وجار على أصوله فإن له التوصل إلى حقه بكل طريق جائز بل لا يقتضي المذهب غير ذلك فإن هذا مظلوم توصل إلى أخذ حقه بطريق لم يسقط بها حقا لأحد ولم يأخذ بها مالا يحل له أخذه فلا خرج بها من حق ولا دخل بها في باطل
ونظير هذا ان يكون للمرأة على رجل حق فيجحده ويأبى ان يقر به حتى تقر له بالزوجية فطريق الحيلة ان تشهد على نفسها انها ليست امرأة فلان وأنى أريد ان اقر له بالزوجية إقرارا كاذبا لا حقيقة له لأتوصل بذلك إلى اخذ مالي عنده فاشهدوا ان إقرارى بالزوجية باطل أتوصل به إلى اخذ حقي
ونظيره ايضا ان ينكر نسب اخيه ويأبى أن يقر له به حتى يشهد انه لا يستحق في تركة ابيه شيئا وانه قد أبرأه من جميع ماله في ذمته منها أوانه وهب له جميع ما يخصه منها أوانه قبضه أواعتاض عنه أونحو ذلك فيودع الشهادة عدلين انه باق على حقه وأنه يظهر ذلك الإقرار توصلا إلى إقرار اخيه بنسبه وانه لم يأخذ من ميراث ابيه شيئا ولا أبرأ اخاه ولا عاوضه ولا وهبه
وهذا يشبه إقرار المضطهد الذي قد اضطهد ودفع عن حقه حتى يسقط حقا آخر والسلف كانوا يسمون مثل هذا مضطهدا كما قال حماد بن سلمة حدثنا حميد عن الحسن أن رجلا تزوج امرأة وأراد سفرا فأخذه أهلها فجعلها طالقا إن لم يبعث بنفقتها إلى شهر فجاء الاجل ولم يبعث اليها بشئ فلما قدم خاصموه إلى أمير المؤمنين على كرم الله وجهه فقال اضطهدتموه حتى جعلها طالقا فردها عليه
ومعلوم أنه لم يكن هناك إكراه بضرب ولا أخذ مال وإنما طالبوه بما يجب عليه من نفقتها وذلك ليس بإكراه ولكن لما تعنتوه باليمين
32
جعله مضطهدا لأنه عقد اليمين ليتوصل إلى قصده من السفر فلم يكن حلفه عن اختيار بل هو كالمحمول عليه
والفرق بينه وبين المكرة ان المكره قاصد لدفع الضرر باحتمال ما أكره عليه وهذا قاصد للوصول إلى حقه بالتزام ما طلب منه وكلاهما غير راض ولا مؤثرا لما التزمه وليس له وطرفيه
فتأمل هذا ونزله على قواعد الشرع ومقاصده وهذا ظاهر جدا في أن أمير المؤمنين على بن أبي طالب كرم الله وجهه لم يكن يرى الحلف بالطلاق موقعا للطلاق إذا حنث به وهو قول شريح وطاوس وعكرمة وأهل الظاهر وأبي عبد الرحمن الشافعي وهو أجل أصحابه على الإطلاق قال بعض الحفاظ ولا يعلم لعلى مخالف من الصحابه وسيأتي الكلام في المسألة إن شاء الله إذ المقصود أن من أقر أو حلف أو وهب أو صالح لا عن رضا منه ولكن منع حقه إلا بذلك فهو بالمكره أشبه منه بالمختار ومثل هذا لا يلزمه ما عقده من هذه العقود
ومن له قدم راسخ في الشريعة ومعرفة بمصادرها ومواردها وكان الإنصاف أحب إليه من التعصب والهوى والعلم والحجة آثر عنده من التقليد لم يكد يخفى عليه وجه الصواب والله الموفق
وهذه المسألة من نفائس هذا الكتاب والجاهل الظالم لايرى الإحسان إلا إساءة ولا الهدى إلا الضلالة
فقيل للعيون الرمد للشمس أعين
سواك تراها في مغيب ومطلع
وسامح نفوسا بالقشور قد ارتضت
وليس لها للب من متطلع
المثال الرابع بعد المائة اختلف الفقهاء هل يملك البائع حبس السلعة على ثمنها وهل يملك المستأجر حبس العين بعد العمل على الأجرة على ثلاثة أقوال
33
أحدها يملكه في الموضعين وهو قول مالك وأبى حنيفة وهو المختار والثاني لا يملكه في الموضعين وهو المشهور من مذهب احمد عند أصحابه والثالث يملك حبس العين المستأجرة على عملها ولا يملك حبس المبيع على ثمنه والفرق بينهما أن العمل يجري مجرى الأعيان ولهذا يقابل بالعوض فصار كأنه شريك لمالك العين بعمله فأثر عمله قائم بالعين فلا يجب عليه تسليمه قبل أن يأخذ عوضه بخلاف المبيع فإنه قد دخل في ملك المشتري وصار الثمن في ذمته ولم يبق للبائع تعلق بالعين ومن سوى بينهما قال الأجرة قد صارت في الذمة ولم يشترط رهن العين عليها فلا يملك حبسها
وعلى هذا فالحيلة في الحبس في الموضعين حتى يصل إلى حقه أن يشترط عليه رهن العين المستأجرة على أجرتها فيقول رهنتك هذا الثوب على أجرته وهي كذا وكذا وهكذا في المبيع يشترط على المشتري رهنه على ثمنه حتى يسلمه إليه ولا محذور في ذلك أصلا ولا معنى ولا مأخذ قوى يمنع صحة هذا الشرط والرهن وقد اتفقوا انه لو شرط عليه رهن عين أخرى على الثمن جاز فما الذي يمنع جواز رهن المبيع على ثمنه ولا فرق بين أن يقبضه أولا يقبضه على أصح القولين وقد نص الإمام احمد على جواز اشتراط رهن المبيع على ثمنه وهو الصواب ومقتضى قواعد الشرع وأصوله وقال القاضي وأصحابه لا يصح وعلله بن عقيل بأن المشتري رهن ما لا يملك فلم يصح كما لو شرط أن يرهنه عبدا لغيره يشتريه ويرهنه وهذا تعليل باطل فإنه إنما حصل الرهن بعد ملكه واشتراطه قبل الملك لا يكون بمنزلة رهن الملك
والفرق بين هذه المسألة وبين اشتراط رهن عبد زيد أن اشتراط رهن عبد زيد غرر قد يمكن وقد لا يمكن بخلاف اشتراط رهن المبيع على ثمنه فإنه إن تم العقد صار المبيع رهنا وإن لم يتم تبينا أنه لا ثمن يحبس عليه الرهن فلا غرر
34
ألبتة فالمنصوص أفقه وأصح وهذا على أصل من يقول للبائع حبس المبيع على ثمنه ألزم وهو مذهب مالك وأبي حنيفة واحد قولي الشافعي وبعض أصحاب الإمام احمد وهو الصحيح وإن كان خلاف منصوص أحمد لأن عقد البيع يقتضى استواءهما في التسلم والتسليم ففي إجبار البائع على التسليم قبل حضور الثمن وتمكينه من قبضة إضرار به فإذا كان ملك حبسه على ثمنه من غير شرط فلأن يملكه مع الشرط أولى وأحرى فقول القاضي وأصحابه مخالف لنص احمد والقياس فإن شرط أن يقبض المشترى المبيع ثم يرهنه على ثمنه عند بائعه فأولى بالصحة
وقال بن عقيل في الفصول والرهن أيضا باطل لأنهما شرطا رهنه قبل ملكه وقد عرفت ما فيه وعلله أيضا بتعليل آخر فقال إطلاق البيع يقتضي تسليم الثمن من غير المبيع والرهن يقتضي استيفاءه من عينه إن كان عينا أوثمنه إن كان عرضا فيتضادا وهذا التعليل أقوى من الأول وهو الذي أوجب له القول ببطلان الرهن قبل القبض وبعده فيقال المحذور من التضاد إنما هو التدافع بحيث يدفع كل من المتضادين المتنافيين الآخر فأما إذا لم يدفع أحدهما الآخر فلا محذور والبائع إنما يستحق ثمن المبيع وللمشتري أن يؤديه إياه من عين المبيع ومن غيره فإن له أن يبيعه ويقبضه ثمنه منه وغاية عقد الرهن أن يوجب ذلك فأي تدافع وأي تناف هنا
وأما قوله إطلاق العقد يقتضى التسليم للثمن من غير المبيع فيقال بل إطلاقه يقتضى تسليم الثمن من أي جهة شاء المشتري حتى لو باعه قفيز حنطه بقفيز حنطه وسلمه إليه ملك أن يوفيه إياه ثمنا كما استوفاه مبيعا كما لو أقترض منه ذلك ثم وفاه إياه بعينه
ثم قال بن عقيل وقد قال الإمام احمد في رواية بكر بن محمد عن أبيه إذا حبس السلعة ببقية الثمن فهو غاصب ولا يكون رهنا
35
إلا أن يكون شرط عليه في نفس البيع الرهن فظاهر هذا أنه إن شرط كون المبيع رهنا في حال العقد صح قال وليس هذا الكلام على ظاهره ومعناه إلا أن يشترط عليه في نفس البيع رهنا غير المبيع لأن اشتراط رهن البيع اشتراط تعويق التسليم في المبيع
قلت ولا يخفى منافاة ما قاله لظاهر كلام الإمام احمد فإن كلام احمد المستثنى والمستثنى منه في صورة حبس المبيع على ثمنه فقال هو غاصب إلا أن يكون شرط عليه في نفس البيع الرهن أي فلا يكون غاصبا بحبس السلعة بمقتضى شرطه ولو كان المراد ما حمله عليه لكان معنى الكلام إذا حبس السلعة ببقية الثمن فهو غاصب إلا أن يكون قد شرط له رهنا آخر غير المبيع يسلمه إليه وهذا كلام لا يرتبط أوله بآخره ولا يتعلق به فضلا عن أن يدخل في الأول ثم يستثنى منه ولهذا جعله أبو البركات بن تيمية نصا في صحة هذا الشرط ثم قال وقال القاضي لا يصح
وأما قوله إن اشتراط رهن المبيع تعويق للتسليم في المبيع فيقال واشتراط التعويق إذا كان لمصلحة البائع وله فيه غرض صحيح وقد قدم عليه المشترى فإي محذور فيه ثم هذا يبطل باشتراط الخيار فإن فيه تعويقا للمشتري عن التصرف في المبيع وباشتراط المشتري تأجيل الثمن فإن فيه تعويقا للبائع عن تسلمه أيضا ويبطل على أصل الإمام احمد وأصحابه باشتراط البائع انتفاعه بالمبيع مدة يستثنيها فإن فيه تعويقا للتسليم ويبطل أيضا ببيع العين المؤجرة
فإن قيل إذا اشترط أن يكون رهنا قبل قبضه تدافع موجب البيع والرهن فإن موجب الرهن أن يكون تلفه من ضمان مالكه لأنه أمانة في يد المرتهن
36
وموجب البيع أن يكون تلفه قبل التمكين من قبضه من ضمان البائع فإذا تلف هذا الرهن قبل التمكن من قبضه فمن ضمان أيهما يكون
قيل هذا السؤال أقوى من السؤالين المتقدمين والتدافع فيه أظهر من التدافع في التعليل الثاني وجواب هذا السؤال أن الضمان قبل التمكن من القبض كان على البائع كما كان ولا يزيل هذا الضمان إلا تمكن المشتري من القبض فإذا لم يتمكن من قبضه فهو مضمون على البائع كما كان وحبسه إياه على ثمنه لا يدخله في ضمان المشتري ويجعله مقبوضا له كما لو حبسه بغير شرط
فإن قيل فأحمد رحمه الله تعالى قد قال إنه إذا حبسه على ثمنه كان غاصبا إلا أن يشترط عليه الرهن وهذا يدل على انه قد فرق في ضمانه بين أن يحبسه بشرط أويحبسه بغير شرط وعندكم هو مضمون عليه في الحالين وهو خلاف النص
فالجواب أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى إنما جعله غاصبا بالحبس والغاصب عنده يضمن العين بقيمتها أومثلها ثم يستوفى الثمن أوبقيته من المشترى وأما إذا تلف قبل قبضه فهو من ضمان البائع بمعنى انه ينفسخ العقد فيه ولا يملك مطالبة المشتري بالثمن وإن كان قد قبضه منه أعاده إليه فهذا الضمان شئ وضمان الغاصب شئ آخر
فإن قيل فكيف يكون رهنا وضمانه على المرتهن
قيل لم يضمنه المرتهن من حيث هو رهن وإنما ضمنه من حيث كونه مبيعا لم يتمكن مشتريه من قبضه فحق توفيته بعد على بائعه
فإن قيل فما تقولون لو حبس البائع السلعة لاستيفاء حقه منها وهذا يكون في صور إحداها أن يبيعه دارا له فيها متاع لا يمكن نقله في وقت واحد والثانية أن يستثني البائع الانتفاع بالمبيع مدة معلومة على أصلكم أونحو ذلك فإذا تلفت
37
في يد البائع قبل تمكن المشتري من القبض في هاتين الصورتين هل تكون من ضمانه أومن ضمان البائع الثالثة أن يشترط الخيار ويمنعه من تسليم المبيع قبل انقضاء الخيار
قيل الضمان في هذا كله على البائع لأنه لم يدخل تحت يد المشتري ولم يتمكن من قبضه فلا يكون مضمونا عليه
فإن قيل فهل يكون من ضمانه بالثمن أوبالقيمة
قيل بل يكون مضمونا عليه بالثمن بمعنى أن العقد ينفسخ بتلفه فلا يلزم المشتري تسليم الثمن
المثال الخامس بعد المائة إقرار المريض لوارثة بدين باطل عند الجمهور للتهمة فلو كان له عليه دين ويريد أن تبرأ ذمته منه قبل الموت وقد علم أن إقراره له باطل فكيف الحيلة في براءة ذمته ووصول صاحب الدين إلى ماله فههنا وجوه أحدها أن يأخذ إقرار باقي الورثة بأن هذا الدين على الميت فإن الإقرار إنما بطل لحقهم فإذا أقروا به لزمهم فإن لم تتم له هذه الحيلة فله وجه ثان وهو أن يأتي برجل أجنبي يثق به يقر له بالمال فيدفعه الأجنبي إلى ربه فإن لم تتم له هذه الحيلة فله وجه ثالث وهو أن يشتري منه سلعة بقدر دينه ويقر المريض بقبض الثمن منه أويقبض منه الثمن بمحضر الشهود ثم يدفعه إليه سرا فإن لم تتم له هذه الحيلة فليجعل الثمن وديعة عنده فيكون أمانة فيقبل قوله في تلفه ويتأول أويدعى رده إليه والقول قوله وله وجه آخر وهو أن يحضر الوارث شيئا ثم يبيعه من موروثه بحضرة الشهود ويسلمه إليه فيقبضه ويصير ماله ثم يهبه الموروث لأجنبي ويقبضه منه ثم يهبه الأجنبي للوارث فإذا فعلت هذه الحيلة ليصل المريض إلى براءة ذمته والوارث إلى أخذ دينه جاز ذلك وإلا فلا
38
المثال السادس بعد المائة إذا أحاله بدينه على رجل فخاف أن يتوى ماله على المحال عليه فلا يتمكن من الرجوع على المحيل لأن الحوالة تحول الحق وتنقله فله ثلاث حيل
إحداها أن يقول أنا لا أحتال ولكن أكون وكيلا لك في قبضه فإذا قبضه فإن استنفقه ثبت له ذلك في ذمة الوكيل وله في ذمة الموكل نظيره فيتقاصان فإن خاف الموكل أن يدعى الوكيل ضياع المال من غير تفريط فيعود يطالبه بحقه فالحيلة له أن يأخذ إقراره بأنه متى ثبت قبضه منه فلا شئ له على الموكل وما يدعى عليه بسبب هذا الحق أومن جهته فدعواه باطلة وليس هذا إبراء معلقا بشرط حتى يتوصل إلى إبطاله بل هو إقرار بأنه لا يستحق عليه شيئا في هذه الحالة
الحيلة الثانية أن يشترط عليه انه إن توى المال رجع عليه ويصح هذا الشرط على قياس المذهب فإن المحتال إنما قبل الحوالة على هذا الشرط فلا يجوز أن يلزم بها بدون الشرط كما لو قبل عقد البيع بشرط الرهن أو الضمين أو التأجيل أو الخيار أو قبل عقد الإجارة بشرط الضمين للأجرة أو تأجيلها أو قبل عقد النكاح بشرط تأجيل الصداق أوقبل عقد الضمان بشرط تأجيل الدين الحال على المضمون عنه أوقبل عقد الكفالة بشرط أن لا يلزمه من المال الذي عليه شئ أوقبل عقد الحوالة بشرط ملاءة المحال عليه وكونه غير محجور ولا مماطل وأضعاف أضعاف ذلك من الشروط التي لا تحل حراما ولا تحرم حلالا فإنها جائز اشتراطها لازم الوفاء بها كما تقدم تقريره نصا وقياسا وقد صرح أصحاب أبي حنيفة بصحة هذا الشرط
39
في الحوالة فقالوا واللفظ للخصاف يجوز أن يحتال الطالب بالمال على غريم المطلوب على أن هذا الغريم إن لم يوف الطالب هذا المال إلى كذا وكذا فالمطلوب ضامن لهذا المال على حاله وللطالب أخذه بذلك وتقع الحوالة على هذا الشرط فإن وفاه الغريم إلى الأجل الذي يشترطه وإلا رجع إلى المطلوب وأخذه بالمال ثم حكى عن شيخه قال قلت وهذا جائز قال نعم
الحيلة الثالثة أن يقول طالب الحق للمحال عليه اضمن لي هذا الدين الذي على غريمي ويرضى منه بذلك بدل الحوالة فإذا ضمنه تمكن من مطالبة أيهما شاء وهذه من أحسن الحيل وألطفها
المثال السابع بعد المائة إذا كان له عليه دين حال فاتفقا على تأجيله وخاف من عليه الدين أن لا يفي له بالتأجيل فالحيلة في لزومه أن يفسخ العقد الذي هو سبب الدين الحال ثم يعقده عليه مؤجلا فإن كان عن ضمان أوكان بدل متلف أوعن دية وقد حلت أونحو ذلك فالحيلة في لزوم التأجيل أن يبيعه سلعة بمقدار هذا الدين ويؤجل عليه ثمنها ثم يبيعه المدين تلك السلعة بالدين الذي أجله عليه أولا فيبرأ منه ويثبت في ذمته نظيره مؤجلا فإن خاف صاحب الحق أن لا يفي له من عليه بأدائه عند كل نجم كما أجله فالحيلة أن يشترط عليه أنه إن حل نجم ولم يؤده قسطه فجميع المال عليه حال فإذا نجمه على هذا الشرط جاز وتمكن من مطالبته به حالا ومنجما عند من يرى لزوم تأجيل الحال ومن لا يراه أما من لا يراه فظاهر وأما من يراه فإنه يجوز تأجيله لهذا الشرط كما صرح به أصحاب أبي حنيفة والله أعلم
المثال الثامن بعد المائة إذا أراد المريض الذي لا وارث له أن يوصى بجميع أمواله في أبواب البر فهل له ذلك على قولين أصحهما أنه يملك ذلك لأنه إنما منعه الشارع فيما زاد على الثلث وكان له ورثة فمن لا وارث له لا يعترض
40
عليه فيما صنع في ماله فإن خاف أن يبطل ذلك حاكم لا يراه فالحيلة له أن يقر لإنسان يثق بدينه وأمانته بدين يحيط بماله كله ثم يوصيه إذا اخذ ذلك المال أن يضعه في الجهات التي يريد فإن خاف المقر له أن يلزم بيمين باستحقاقه لما أقر له به المريض اشترى منه المريض عرضا من العروض بماله كله ويسلم العرض فإذا حلف المقر له حلف بارا فإن خاف المريض أن يصح فيأخذه البائع بثمن العرض فالحيلة أن يشتريه بشرط الخيار سنة فإن مات بطل الخيار وإن عاش فسخ العقد فإن كان المال أرضا أو عقارا أو أراد أن يوقفه جميعه على قوم يستغلونه ولا يمكن إبطاله فالحيلة أن يقر أن واقفا وقف ذلك جميعه عليه ومن بعده على الجهات التي يعينها ويشهد على إقراره بأن هذا العقار في يده على جهة الوقف من واقف كان ذلك العقار ملكا له إلى حين الوقف أويقر بأن واقفا معينا وقفة على تلك الجهات وجعله ناظرا عليه فهو في يده على هذا الوجه
وكذلك الحيلة إذا كان له بنت أوأم أو وارث بالفرض لا يستغرق ماله ولا عصبة له ويريد أن لا يتعرض له السلطان فله أنواع من المخارج منها أن يبيع الوارث تلك الأعيان ويقر بقبض الثمن منه وإن أمكنه أن يشهد على قبضة بأن يحضر الوارث مالا يقبضه إياه ثم يعيده إليه سرا فهو أولى ومنها أن يشتري المريض من الوارث سلعة بمقدار التركة من الثمن ويشهد على الشراء ثم يعيد إليه تلك السلعة ويرهنه المال كله على الثمن فإذا أراد السلطان مشاركته قال وفوني حقي وخذوا ما فضل ومنها أن يبيع ذلك لأجنبي يثق به ويقر بقبض الثمن منه أويقبضه بحضرة الشهود ثم يأذن للأجنبي في تمليكه للوارث أووقفه عليه ومنها أن يقر لأجنبي يثق به بما يريد ثم يأمره بدفع ذلك إلى الوارث
ولكن في هذه الحيل وأمثالها أمران مخوفان أحدهما أنه قد يصح فيحال بينه وبين ماله والثاني أن الأجنبي قد يدعى ذلك لنفسه ولا يسلمه إلى
41
الوارث فلا خلاص من ذلك إلا بوجه واحد وهو أن يأخذ إقرار الأجنبي ويشهد عليه في مكتوب ثان أنه متى ادعى لنفسه أولمن يخاف أن يواطئه على المريض أووارثه هذا المال أوشيئا منه أوحقا من حقوقه كانت دعواه باطلة وإن أقام به بينه فهي بينه زور وأنه لا حق له قبل فلان بن فلان ولا وارثه بوجه ما ويمسك الكتاب عنده فيأمن هو والوارث ادعاء ذلك لنفسه والله اعلم
المثال التاسع بعد المائة رجل يكون له الدين ويكون عليه الدين فيوكل وكيلا في اقتضاء ديونه ثم يتوارى عن غريمه فلا يمكنه اقتضاء دينه منه فأراد الغريم ممن له الدين على هذا الرجل حيلة يقتضى بها دينه منه ولا يضره توارى من عليه الدين فالحيلة أن يأتي هذا الذي له الدين إلى من عليه الدين فيقول له وكلتك بقبض مالي على فلان وبالخصومة فيه ووكلتك أن تجعل ماله عليك قصاصا بمالي عليه وأجزت أمرك في ذلك وما عملت فيه من شئ فيقبل الوكيل ويشهد على الوكالة على هذا الوجه شهودا ثم يشهدهم الوكيل انه قد جعل الألف درهم التي لفلان عليه قصاصا بالآلف التي لموكله على فلان فيصير الألف قصاصا ويتحول ما كان للرجل المتوارى على هذا الوكيل للرجل الذي وكله
وهذه الحيلة جائزة لأن الموكل أقام الوكيل مقام نفسه والوكيل يقول مطالبتي لك بهذا الدين كمطالبة موكلي به فأنا أطالبك بألف وأنت تطالبني به فاجعل الألف الذي تطالبني عوضا عن الألف الذي أطالبك به ولو كانت الألف لي لحصلت المقاصة إذ لا معنى لقبضك للألف مني ثم أدائها إلي وهذا بعينه فيما إذا طالبتك بها لموكلي أنا أستحق عليك أن تدفع إلى الألف وأنت تستحق على أن ادفع إليك الفا فنتقاص في الألفين
المثال العاشر بعد المائة رجل له على رجل مال فغاب الذي عليه المال
42
فأراد الرجل أن يثبت ماله عليه حتى يحكم له الحاكم عليه وهو غائب فليرفعه إلى حاكم يرى الحكم على الغائب فإن كان حاكم البلد لا يرى الحكم على الغائب فالحيلة أن يجئ رجل فيضمن لهذا الذي له المال جميع ماله على الرجل الغائب ويسميه وينسبه ولا يذكر مبلغ المال بل يقول ضمنت له جميع ما صح له في ذمته ويشهد على ذلك ثم يقدمه إلى القاضي فيقر الضامن بالضمان ويقول لا أعرف له على فلان شيئا فيسأل القاضي المضمون له هل لك بينة فيقول نعم فيأمره بإقامتها فإذا شهدت ثبت الحق على الغائب وحكم على الضمين بالمال ويجعله خصما عن الغائب لأنه قد ضمن ما عليه ولا ينفذ حكمه على الضامن بثبوت المال على وجه الضمان حتى يحكم على الغائب المضمون عنه بالثبوت لأنه هو الأصل والضامن فرعه وثبوت الفرع بدون أصله ممتنع وهو جائز على اصل أهل العراق حيث يجوزون الحكم على الغائب إذا اتصل القضاء بحاضر محكوم عليه كوكيل الغائب وكما لو ادعى انه اشترى من غائب ما فيه شفعة فإنه يقضى عليه بالبيع وبالشفعة على المدعى وكهذه المسألة ما لو ادعت زوجة غائب أن له عند فلان وديعة فإنه يفرض لها مما في يديه
المثال الحادي عشر بعد المائة ليس للمرتهن أن ينتفع بالرهن إلا بإذن الراهن فإن أذن له كان إباحة أوعارية له الرجوع فيها متى شاء ويقضى له بالأجرة من حين الرجوع في أحد الوجهين فالحيلة في انتفاع المرتهن بالرهن آمنا من الرجوع ومن الأجرة أن يستأجره منه للمدة التي يريد الانتفاع به فيها ثم يبرئه من الأجرة أويقر بقبضها ويجوز أن يرد عقد الإجارة على عقد الرهن ولا يبطله كما يجوز أن يرهنه ما أستأجره فيرد كل من العقدين على الآخر وهو في يده أمانة في الموضعين وحقه متعلق به فيهما إلا أن الانتفاع بالمرهون مع الإجارة والرهن بحاله
43
المثال الثاني عشر بعد المائة إذا كان له على رجل مال والمال رهن فادعى صاحب الرهن به عند الحاكم فخاف المرتهن أن يقر بالرهن فيقول الراهن قد أقررت بأن لي رهنا في يدك وادعيت الدين فينزعه من يده ولا يقر له بالدين فقد ذكروا له حيلة تحرز حقه وهي أن لا يقر به حتى يقر له صاحبه بالدين فإن ادعاه وسأل إحلافه أنكر وحلف وعرض في يمينه بأن ينوى أن هذا ليس له قبل ملكه أوإذا باعه أو ليس له عاريا عن تعلق الحق به ونحو ذلك
وأحسن من هذه الحيلة أن يفصل في جواب الدعوى فيقول إن ادعيته رهنا في يدي على ألف لي عليك فأنا مقر به وإن ادعيته على غير هذا الوجه فلا أقر لك وينفعه هذا الجواب كما قالوا فيما إذا ادعى عله ألفا فقال إن ادعيتها من ثمن مبيع لم اقبضه منك فأنا مقر وإلا فلا وهذا مثله سواء
فإن كان الغريم هو المدعى للمال فخاف الراهن أن يقر بالمال فيجحد المرتهن الرهن فيلزم الراهن المال ويذهب رهنه فالحيلة في أمنه من ذلك أن يقول إن أدعيت هذا المال وأنك تستحقه من غير رهن لي عندك فلا أقر به وإن ادعيته مع كوني رهنتك به كذا وكذا فأنا مقر به ولا يزيد على هذا
وقالت الحنفية الحيلة أن يقر منه بدرهم فيقول لك على درهم ولى عندك رهن كذا وكذا فإذا سأل الحاكم المدعى عن الرهن فإما أن يقر به وإما أن ينكر فإن اقر به فيقر له خصمه بباقي دينه وإن أنكره وحلف عليه وسع الآخر أن يجحد باقي الدين ويحلف عليه إن كان الرهن بقدر الدين أواكثر منه وإن كان أقل منه لزمه أن يعطيه ما زاد على قيمة الرهن من حقه قالوا لأن الرهن إن كان قد تلف بغير تفريطه سقط ما يقابله من الدين وإن كان قد فرط فيه صارت قيمته دينا عليه فيكون قصاصا بالدين الذي له
44
وهذا بناء على أصلين لهم أحدهما أن الرهن مضمون على المرتهن بأقل الآمرين من قيمته أوقدر الدين والثاني جواز الاستيفاء في مسألة الظفر
المثال الثالث عشر بعد المائة إذا قال لامرأته ان لم اطألك الليلة فأنت طالق ثلاثا فقالت ان وطئني الليلة فأمتي حرة فالمخلص من ذلك ان تبيعه الجارية فإذا وطئها بعد ذلك لم تعتق لأنها خرجت من ملكها ثم تستردها فإن خافت ان يطا الجارية على قول من لا يرى على الرجل استبراء الامة التي يشتريها من امرأته كما ذهب إليه بعض الشافعية والمالكية فالحيلة أن تشتريها منه عقيب الوطء فإن أن لا يرد اليها الجارية ويقيم على ملكها فلا تصل اليها فالحيلة لها ان تشترط عليه انه ان لم يرد الجارية اليها عقيب الوطء فهي حرة فإن خافت ان يملكها لغيره تلجئة فلا يصح تعليق عنقها فالحيلة لها ان تشترط عليه انه ان لم يردها اليها عقيب الوطء فهي طالق فهنا تضيق عليه الحيلة في استدامة ملكها ولم يجد بدا من مفارقة احداهما
المثال الرابع عشر بعد المائة اذا اراد الرجل ان يخالع امراته الحامل على سكناها ونفقتها جاز ذلك وبرئ منهما هذا منصوص احمد وقال الشافعي لا يصح الخلع ويجب مهر المثل واحتج له بأن النفقة لم تجب بعد فإنها انما تجب بعد الابانة وقد خالعها بمعدوم فلا يصح كما لو خالعها على عوض شيء يتلفه عليها وهذا اختيار ابي بكر عبد العزيز وقال اصحاب ابي حنيفة اذا خالعها على ان لا سكنى لها ولا نفقة فلا نفقة لها وتستحق عليه السكنى قالوا لان النفقة حق لها وقد اسقطته والسكنى حق الشارع فلا تسقط بإسقاطها فيلزمه اسكانها قالوا فالحيلة على سقوط الاجرة عنه ان يشترط الزوج في الخلع ان
45
لا يكون عليه مؤنة السكنى وان مؤنتها تلزم المرأة في مالها وتجب أجرة المسكن عليها
فإن قيل لو أبرأت المرأة زوجها عن النفقة قبل أن تصير دينا في ذمته لم تصح ولو شرط في عقد الخلع براءة الزوج عن النفقة صح
قيل الفرق بينهما أن الإبراء إذا شرط في الخلع كان إبراء بعوض فالإبراء بعوض استيفاء لما وقعت البراءة عنه لأن العوض قائم مقام ما وقعت البراءة عنه والاستيفاء يجوز قبل الوجوب بدليل ما لو تسلفت نفقة شهر جملة وأما الابراء من النفقة في غير خلع قبل ثبوتها فهو إسقاط لما لم يجب فلا يسقط كما لو أسقطت حقها من القسم فإن لها أن ترجع فيه متى شاءت وأما قول صاحب المحرر وقيل إن أوجبنا نفقة الزوجة بالعقد صح وإلا فهو خلع بمعدوم وقد بينا حكمه يعنى إن قلنا إن نفقة الحامل نفقة زوجة وإن النفقة لها من أجل الحمل وإنها تجب بالعقد فيكون خلعا بشئ ثابت وإن قلنا إن النفقة إنما تجب بالتمكين فقد زال التمكين بالخلع وصارت النفقة نفقة قريب فالخلع بنفقة الزوجة حينئذ خلع بمعدوم هذا أقرب ما يتوجه به كلامه وفيه ما فيه والله أعلم
المثال الخامس عشر بعد المائة إذا وقع الطلاق الثلاث بالمرأة وكان دينها ودين وليها وزوجها المطلق أعز عليهم من التعرض للعنة الله ومقته بالتحليل الذي لا يحلها ولا يطيبها بل يزيدها خبثا فلو انها أخرجت من مالها ثمن مملوك فوهبته لبعض من تثق به فاشترى به مملوكا ثم خطبها على مملوكه فزوجها منه فدخل بها المملوك ثم وهبها إياه انفسح النكاح ولم يكن هناك تحليل مشروط ولا منوى ممن تؤثر نيته وشرطه وهو الزوج فإنه لا أثر لنية الزوجة ولا الولى وإنما التأثير لنية الزوج الثاني فإنه إذا نوى التحليل كان محللا فيستحق اللعنة ثم يستحقها الزوج المطلق إذا رجعت إليه بهذا النكاح الباطل فأما إذا لم يعلم الزوج الثاني ولا الأول
46
بما في قلب المرأة أووليها من نية التحليل لم يضر ذلك العقد شيئا وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم من امرأة رفاعة انها كانت تريد أن ترجع إليه ولم يجعل ذلك مانعا من رجوعها إليه وإنما جعل المانع عدم وطء الثاني فقال حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك وقد صرح اصحابنا بان ذلك يحلها فقال صاحب المغنى فيه فإن تزوجها مملوك ووطئها أحلها وبذلك قال عطاء ومالك والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم لهم مخالفا
قلت هذه الصورة غير الصورة التي منع منها الامام احمد فإنه منع من حلها إذا كان الزوج المطلق قد اشترى العبد وزوجه بها بإذن وليها ليحلها فهذه حيلة لا تجوز عنده وأما هذه المسألة فليس للزوج الاول ولا للثاني فيها نية ومع هذا فيكره لأنها نوع حيلة
المثال السادس عشر بعد المائة قال عبد الله بن احمد في مسائله سألت ابي عن رجل قال لامرأته أنت طالق إن لم اجامعك اليوم وأنت طالق إن أغتسلت منك اليوم فقال يصلى العصر ثم يجامعها فإذا غابت الشمس اغتسل إن لم يكن اراد بقوله اغتسلت المجامعة ونظير هذا أيضا ما نص عليه في رجل قال لامرأته أنت طالق إن لم أطاك في رمضان فسافر مسيرة أربعة ايام أوثلاثة ثم وطئها فقال لا يعجبني لأنها حيلة ولا يعجبني الحيلة في هذا ولا في غيره وقال القاضي إنما كره الامام احمد هذا لان السفر الذي يبيح الفطر لا بد أن يكون سفرأ مقصودا مباحا وهذا لا يقصد به غير حل اليمين قال الشيخ أبو محمد المقدسي والصحيح أن هذا تنحل به اليمين ويباح له الفطر فيه لأنه سفر بعيد مباح لقصد صحيح وإرادة حل يمينه من المقاصد الصحيحة وقد أبحنا لمن له طريقان قصيرة لا يقصر فيها وبعيدة أن يسلك البعيدة ليقصر فيها الصلاة ويفطر مع أنه لا قصد له سوى الترخص فههنا أولى
47
قلت ويؤيد اختيارالشيخ قدس الله روحه ما رواه الخطيب في كتاب الفقيه والمتفقه أنبأ الازهري أنبأ سهيل بن احمد ثنا محمد بن محمد الاشعث الكوفي حدثني موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب صلوات الله عليهم ثنا أبى عن ابيه عن جده جعفر بن محمد عن ابيه على عليه السلام في رجل حلف فقال امرأته طالق ثلاثا إن لم يطأها في شهر رمضان نهارا قال يسافر ثم يجامعها نهارا
المثال السابع عشر بعد المائة في المخارج من الوقوع في التحليل الذي لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير وجه فاعله والمطلق المحلل له فأي قول من أقوال المسلمين خرج به من لعنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أعذر عند الله ورسوله وملائكته وعباده المؤمنين من ارتكابه لما يلعن عليه ومباءته باللعنة فإن هذه المخارج التي نذكرها دائرة بين ما دل عليه الكتاب والسنة أو أحدهما أو أفتى به الصحابة بحيث لا يعرف عنهم فيه خلاف أوأفتى به بعضهم أوهو خارج عن أقوالهم أوهو قول جمهور الأمة أو بعضهم أو إمام من الائمة الاربعة أو أتباعهم أو غيرهم من علماء الإسلام ولا تخرج هذه القاعدة التي نذكرها عن ذلك فلا يكاد يوصل إلى التحليل بعد مجاوزة جميعها إلا في أندر النادر ولا ريب أن من نصح لله ورسوله وكتابه ودينه ونصح نفسه ونصح عباده أن أيا منها ارتكب فهو أولى من التحليل
طلاق زائل العقل
المخرج الاول أن يكون المطلق أوالحالف زائل العقل إما بجنون أو إغماء أو شرب دواء أوشرب مسكر يعذر به أولا يعذر أووسوسة وهذا المخلص مجمع عليه بين الامة إلا في شرب مسكر لا يعذر به فإن المتأخرين من الفقهاء اختلفوا فيه والثابت عن الصحابه الذي لا يعلم فيه خلاف بينهم أنه لا يقع طلاقه
48
قال البخاري في صحيحه باب الطلاق في الاغلاق والمكرة والسكران والمجنون وامرهما والغلط والنسيان في الطلاق والشك لقول النبي صلى الله عليه وسلم الأعمال
بالنية ولكل امرئ ما نوى
وتلا الشعبي ! < ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا > ! وما لا يجوز من إقرار الموسوس وقال النبي صلى الله عليه وسلم للذي أقر على نفسه أبك جنون وقال على بقر حمزة خواصر شارفي فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يلوم حمزة فإذا حمزة قد ثمل محمرة عيناه ثم قال حمزة هل أنتم إلا عبيد لآبائي فعرف النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد ثمل فخرج وخرجنا معه قال عثمان ليس لمجنون ولا لسكران طلاق وقال بن عباس طلاق السكران والمستكره ليس بجائز وقال عقبة بن عامر لا يجوز طلاق الموسوس هذا لفظ الترجمة ثم ساق بقية الباب ولا يعرف عن رجل من الصحابة أنه خالف عثمان وبن عباس في ذلك ولذلك رجع الامام احمد إلى هذا القول بعد ان كان يفتى بنفوذ طلاقه فقال أبو بكر عبد العزيز في كتاب الشافي والزاد قال أبو عبد الله في رواية الميموني قد كنت اقول بأن طلاق السكران يجوز حتى تبينته فغلب على انه لا يجوز طلاقه لأنه لو اقر لم يلزمه ولو باع لم يجز بيعه قال والزمه الجناية وما كان من غير ذلك فلا يلزمه قال ابو بكر وبهذا اقول وفي مسائل الميموني سألت أبا عبد الله عن طلاق السكران فقال اكثر ما عندي فيه أنه لا يلزمه الطلاق لأني رأيته ممن لا يعقل قلت السكر شئ أدخله على نفسه فلذلك يلزمه
49
قال قد يشرب رجل البنج أوالدواء فيذهب عقله قلت فبيعه وشراؤه وإقراره قال لا يجوز وقال في رواية أبى الحارث ارفع شئ فيه حديث الزهري عن أبان بن عثمان عن عثمان ليس لمجنون ولا سكران طلاق وقال في رواية ابي طالب والذي لا يأمر بالطلاق فإنما أتى خصلة واحدة والذي يامر بالطلاق قد أتى خصلتين حرمها عليه وأحلها لغيره فهذا خير من هذا وأنا أتقى جميعها
وممن ذهب إلى القول بعدم نفوذ طلاق السكران من السكران من الحنفية ابو جعفر الطحاوي وابو الحسن الكرخي وحكاه صاحب النهاية عن أبي يوسف وزفر ومن الشافعية المزني وبن سريج وجماعة ممن اتبعهما وهو الذي اختاره الجويني في النهاية والشافعي نص على وقوع طلاقه ونص في أحد قوليه على أنه لا يصح ظهارة فمن أتباعه من نقل عن الظهار قولا إلى الطلاق وجعل المسألة على قولين ومنهم من قرر حكم النصين ولم يفرق بطائل
والصحيح انه لا عبرة بأقواله من طلاق ولا عتاق ولا بيع ولا هبة ولا وقف ولا إسلام ولا ردة ولا إقرار لبضعة عشر دليلا ليس هذا موضع ذكرها ويكفى منها قوله تعالى ! < يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون > ! وأمر النبي صلى الله عليه وسلم باستنكاه ما عز لما أقر بالزنى بين يديه وعدم أمر النبي صلى الله عليه وسلم حمزة بتجديد إسلامه لما قال في سكره أنتم عبيد لآبائي وفتوى عثمان وبن عباس ولم يخالفهما احد من الصحابة والقياس الصحيح المحض على زائل العقل بدواء أوبنج أومسكر هو فيه معذور بمقتضى قواعد الشريعة فإن السكران لا قصد له فهو أولى بعدم المؤاخذة من اللاغى ومن جرى اللفظ على لسانه من غير قصد له وقد صرح اصحاب ابي حنيفة بأنه لا يقع طلاق الموسوس وقالوا لا يقع طلاق المعتوه وهو من كان قليل الفهم مختلط الكلام فاسد التدبير إلا انه لا يضرب ولا يشتم كما يفعل المجنون
50
فصل طلاق الغضبان
المخرج الثاني ان يطلق أويحلف في حال غضب شديد قد حال بينه وبين كمال قصده وتصوره فهذا لا يقع طلاقه ولا عتقه ولا وقفه ولو بدرت منه كلمة الكفر في هذا الحال لم يكفر وهذا نوع من الغلق والإغلاق الذي منع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوع الطلاق والعتاق فيه نص على ذلك الامام أحمد وغيره قال أبو بكر بن عبد العزيز في كتاب زاد المسافر له باب في الإغلاق في الطلاق قال قال احمد في رواية حنبل وحديث عائشة رضى الله عنها أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لا طلاق ولا عتاق في إغلاق يعنى الغضب وبذلك فسره ابو داود في سننه عقب ذكره الحديث فقال والاغلاق أظنه الغضب
وقسم شيخ الاسلام بن تيمية قدس الله روحه الغضب إلى ثلاثة اقسام قسم يزيل العقل كالسكر فهذا لا يقع معه طلاق بلا ريب وقسم يكون في مبادئه بحيث لا يمنعه من تصور ما يقول وقصده فهذا يقع معه الطلاق وقسم يشتد بصاحبه ولا يبلغ به زوال عقله بل يمنعه من التثبت والتروي ويخرجه عن حال اعتداله فهذا محل اجتهاد
معنى الغلق
والتحقيق أن الغلق يتناول كل من انغلق عليه طريق قصده وتصوره كالسكران والمجنون والمبرسم والمكره والغضبان فحال هؤلاء كلهم حال إغلاق والطلاق إنما يكون عن وطر فيكون عن قصد من المطلق وتصور لما يقصده فإن تخلف احدهما لم يقع طلاق وقد نص مالك والامام احمد في إحدى الروايتين عنه فيمن قال لامرأته أنت طالق ثلاثا ثم قال اردت ان اقول إن كلمت فلانا أوخرجت من بيتي بغير إذني ثم بدا لي فتركت اليمين ولم ارد التنجيز في الحال
51
إنه لا تطلق عليه وهذا هو الفقه بعينه لانه لم يرد التنجيز ولم يتم اليمين وكذلك لو ارادان يقول انت طاهر فسبق لسانه فقال انت طالق لم يقع طلاقه لا في الحكم الظاهر ولا فيما بينه وبين الله تعالى نص عليه الامام احمد في أحدى الروايتين والثانية لا يقع فيما بينه وبين الله ويقع في الحكم وهذا إحدى الروايتين عن أبي يوسف وقال بن ابي شيبة ثنا محمد بن مروان عن عمارة سئل جابر بن زيد عن رجل غلط بطلاق امرأته فقال ليس على المؤمن غلط ثنا وكيع عن إسرائيل عن عامر في رجل أراد أن يتكلم في شيء فغلط فقال الشعبي ليس بشئ
فصل طلاق المكره
المخرج الثالث ان يكون مكرها على الطلاق أوالحلف به عند جمهور الامة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهو قول احمد ومالك والشافعي وجميع اصحابهم على اختلاف بينهم في حقيقة الاكراه وشروطه قال الامام احمد في رواية أبي طالب يمين المستكره إذا ضرب بن عمر وبن الزبير لم يرياه شيئا وقال في رواية ابي الحارث إذا طلق المكره لم يلزمه الطلاق فإذا فعل به كما فعل بثابت بن الاحنف فهو مكره لأن ثابتا عصروا رجله حتى طلق فأتى بن عمر وبن الزبير فلم يريا ذلك شيئا وكذا قال الله تعالى ! < إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان > ! وقال الشافعي رضى الله عنه قال عز وجل ! < إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان > ! وللكفر أحكام فلما وضعها الله تعالى عنه سقطت احكام الإكراه عن القول كله لان الاعظم إذا سقط عن الناس سقط ما هو أصغر منه وفي سنن بن ماجه وسنن البيهقي من حديث بشر بن بكر عن الاوزاعي عن عطاء عن عبيد بن عمير عن بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم
إن الله وضع عن أمتي
وقال البيهقي
تجاوز لي عن امتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه
وفي الصحيحين
52
من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
إن الله تجاوز لامتى ما توسوس به صدورها ما لم تعمل به أوتتكلم به زاد بن ماجة وما استكرهوا عليه وقال الشافعي روى حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن ان عليا كرم الله وجهه قال لا طلاق لمكره وذكر الأوزاعي عن يحيى بن ابي كثير وبن عباس لم يجز طلاق المكره وذكر ابو عبيد عن علي وبن عباس وبن عمر وبن الزبير وعطاء وعبد الله بن عمير أنهم كانوا يرون طلاقه غير جائز وقال بن ابي شيبه ثنا عبد الله بن ابي طلحة عن ابي يزيد المديني عن بن عباس قال ليس على المكره ولا المضطهد طلاق حدثنا أبو معاوية عن عبد الله بن عمير عن ثابت مولى اهل المدينة عن بن عمر وبن الزبير كانا لا يريان طلاق المكرة شيئا ثنا وكيع عن الاوزاعي عن رجل عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه انه لم يره شيئا
قلت قد اختلف على عمر فقال إسماعيل بن ابي اويس حدثني عبد الملك بن قدامة بن ابراهيم الجمحي عن ابيه ان رجلا تدلى يشتار عسلافي زمن عمر رضى الله عنه فجاءته امرأته فوقفت على الحبل فحلفت لتفطعنه أولتطلقنى ثلاثا فذكرها الله والاسلام فأبت إلا ذلك فطلقها ثلاثا فلما ظهر أتى عمر فذكر له ما كان منها إليه ومنه إليها فقال ارجع إلى اهلك فليس هذا بطلاق تابعه عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الملك وهو المشهور عن عمر وقال ابو عبيد حدثني يزيد عن عبد الملك بن قدامة عن أبيه عن عمر بهذا ولكنه قال فرفع إلى عمر فأبانها منه قال ابو عبيد وقد روى عن عمر خلافه ولم يصح عن أحد من الصحابة تنفيذ طلاق المكره سوى هذا الاثر عن عمر وقد اختلف فيه والمشهور انه ردها إليه ولو صح إبانتها منه لم يكن صريحا في الوقوع بل لعله رأى من المصلحة التفريق بينهما وانهما لا يتصافيان بعد ذلك فألزمه بإبانتها
53
ولكن الشعبي وشريح وابراهيم يجيزون طلاق المكره حتى قال ابراهيم لو وضع السيف على مفرقة ثم طلق لأجزت طلاقه
وفي المسالة مذهب ثالث قال بن ابي شيبة ثنا بن ادريس عن حصين عن الشعبي في الرجل يكره على امر من امر العتاق أوالطلاق فقال إذا أكرهه السلطان جاز وإذا أكرهه اللصوص لم يجز ولهذا القول غور وفقه دقيق لمن تأمله
فصل النية الصحيحة في طلاق المكره
واختلفوا في المكره يظن ان الطلاق يقع به فينويه هل يلزمه على قولين وهما وجهان للشافعية فمن الزمه رأى أن النية قد قارنت اللفظ وهو لم يكره على النية فقد أتى بالطلاق المنوي اختيارا فلزمه ومن لم يلزمه به رأى أن لفظ المكره لغو لا عبرة به فلم يبق إلا مجرد النية وهي لا تستقل بوقوع الطلاق
فصل التورية في طلاق المكره
واختلف في ما لو امكنه التورية فلم يور والصحيح أنه لا يقع به الطلاق وإن تركها فإن الله تعالى لم يوجب التوريه على من أكره على كلمة الكفر وقلبه مطمئن بالايمان مع أن التورية هناك أولى ولكن المكرة إنما لم يعتبر لفظه لانه غير قاصد لمعناه ولا مريد لموجبه وإنما تكلم به فداء لنفسه من ضرر الاكراه فصار تكلمه باللفظ لغوا بمنزلة كلام المجنون والنائم ومن لا قصد له سواء ورى أولم يور وايضا فاشتراط التوريه إبطال لرخصة التكلم مع الاكراه ورجوع إلى القول بنفوذ طلاق المكره فإنه لو ورى بغير إكراه لم يقع طلاقه
54
والتأثير إذا إنما هو للتوريه لا للاكراه وهذا باطل وأيضا فإن المورى إنما لم يقع طلاقه مع قصده للتكلم باللفظ لأنه لم يقصد مدلوله وهذا المعنى بعينه ثابت في الاكراه فالمعنى الذي منع من النفوذ في التوريه هو الذي منع النفوذ في الاكراه
فصل الاستثناء في الطلاق واليمين
المخرج الرابع أن يستثنى في يمينه أوطلاقه وهذا موضع اختلف فيه الفقهاء فقال الشافعي وأبو حنيفة يصح الاستثناء في الايقاع والحلف فإذا قال انت طالق إن شاء الله أوانت حرة إن شاء الله أوإن كلمت فلانا فأنت طالق إن شاء الله أوالطلاق يلزمني لافعلن كذا إن شاء الله أوانت على حرام أوالحرام يلزمني إن شاء الله نفعه الاستثناء ولم يقع به طلاق في ذلك كله
ثم اختلفا في الموضع الذي يعتبر فيه الاستثناء فاشترط اصحاب ابي حنيفة اتصاله بالكلام فقط سواء نواه من أوله أوقبل الفراغ من كلامه أوبعده وقال أصحاب الشافعي إن عقد اليمين ثم عن له الاستثناء لم يصح وإن عن له الاستثناء في أثناء اليمين فوجهان أحدهما يصح والثاني لا يصح وإن نوى الاستثناء مع عقد اليمين صح وجها واحدا
وقد ثبت بالسنة الصحيحة أن سليمان بن داود عليهما السلام قال لأطوفن الليلة على كذا وكذا امرأة تحمل كل امرأة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله فقال له الملك الموكل به قل إن شاء الله فلم يقل فقال النبي صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لو قالها لقاتلوا في سبيل الله أجمعون وهذا صريح في نفع الاستثناء المقصود بعد عقد اليمين وثبت في السنن عنه صلى الله عليه وسلم انه قال
55
والله لاغزون قريشا والله لأغزون قريشا والله لأغزون قريشا ثم سكت قليلا ثم قال إن شاء الله ثم لم يغزهم رواه أبو داود وفي جامع الترمذي من حديث بن عمر رضى الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا حنث عليه وقد قال تعالى ! < ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت > ! فهذه النصوص الصحيحة لم يشترط في شيء منها ألبتة في صحة الاستثناء ونفعه ان ينويه مع الشروع في اليمين ولا قبلها بل حديث سليمان صريح في خلافه وكذلك حديث لأغزون قريشا وحديث بن عمر متناول لكل من قال إن شاء الله بعد يمينه سواء نوى الاستثناء قبل الفراغ أولم ينوه والآية دالة على نفع الاستثناء مع النسيان أظهر دلالة ومن شرط النية قبل الفراغ لم يكن لذكر الاستثناء بعد النسيان عنده تأثير وايضا فالكلام بآخره وهو كلام واحد متصل بعضه ببعض ولا معنى لاشتراط النية في أجزائه وأبعاضه وايضا فإن الرجل قد يستحضر بعد فراغه من الجملة ما يرفع بعضها ولا يذكر ذلك في حال تكلمه بها فيقول لزيد عندي الف درهم ثم في الحال يذكر انه قضاه منها مائة فيقول إلا مائة فلو اشترط نيه الاستثناء قبل الفراغ لتعذر عليه استدراك ذلك وألجئ إلى الإقرار بما لا يلزمه والكذب فيه وإذا كان هذا في الاخبار فمثله في الانشاء سواء فإن الحالف قد يبدو له فيعلق اليمين بمشيئة الله وقد يذهل في أول كلامه عن قصد الاستثناء أويشغله شاغل عن نيته فلو لم ينفعه الاستثناء حتى يكون ناويا له من اول يمينه لفات مقصود الاستثناء وحصل الحرج الذي رفعه الله تعالى عن الامة به ولما قال لرسوله إذا نسيه ! < واذكر ربك إذا نسيت > ! وهذا متناول لذكره إذا نسى الاستثناء قطعا فإنه سبب النزول ولا يجوز إخراجه وتخصيصه لأنه مراد قطعا
وأيضا فإن صاحب هذا القول إن طرده لزمه ألا يصح مخصص من صفة أو بدل أو غاية أو استثناء بإلا ونحوها حتى ينويه المتكلم من أول كلامه فإذا
56
قال له على الف مؤجله إلى سنة هل يقول عالم إنه لا يصح وصفها بالتأجيل حتى يكون منويا من أول الكلام وكذلك إذا قال بعتك هذا بعشرة فقال اشتريته على أن لي الخيار ثلاثة ايام يصح هذا الشرط إن لم ينوه من اول كلامه بل عن له الاشتراط عقيب القبول
ومثله لو قال وقفت داري على اولادي أوغيرهم بشرط كونهم فقراء مسلمين أومتأهلين وعلى أنه من مات منهم فنصيبه لولده أوللباقين صح ذلك وإن عن له ذكر هذه الشروط بعد تلفظه بالوقف ولم يقل احد لا تقبل منه هذه الشروط إلا أن يكون قد نواها قبل الوقف أومعه ولم يقع في زمن من الازمنة قط سؤال الواقفين عن ذلك
وكذلك لو قال له على مائة درهم إلا عشرة فإنه يصح الاستثناء وينفعه ولا يقول له الحاكم إن كنت نويت الاستثناء من أول كلامك لزمك تسعون وإن كنت إنما نويته بعد الفراغ لزمك مائة ولو اختلف الحال لبين له الحاكم ذلك ولساغ له ان يسأله بل يحلفه أنه نوى ذلك قبل الفراغ اذا طلب المقر له ذلك
وكذلك لو ادعى عليه أنه باعه أرضا فقال نعم بعته هذه الارض إلا هذه البقعة لم يقل احد إنه قد أقر ببيع الارض جميعها إلا ان يكون قد نوى استثناء البقعة في أول كلامه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن مكة إنه لا يختلى خلاها فقال له العباس إلا الإذخر فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال إلا الإذخر وقال في أسرى بدر لا ينفلت أحد منهم إلا بفداء أوضربة عنق فقال له بن مسعود إلا سهيل بن بيضاء فقال إلا سهيل بن بيضاء ومعلوم أنه لم ينو واحدا من هذين الاستثناءين في أول كلامه بل أنشأه لما ذكر به كما اخبر عن سليمان بن داود صلى الله عليهما 2 انه لو انشأه بعد ان ذكره به الملك نفعه ذلك
57
وشبهة من اشترط ذلك انه اذا لم ينو الاستثناء من أول كلامه فقد لزمه موجب كلامه فلا يقبل منه رفعة ولا رفع بعضه بعد لزومه
وهذا الشبهة لو صحت لما نفع الاستثناء في طلاق ولا عتاق ولا إقرار البتة نواه أولم ينوه لأنه إذا لزمه موجب كلامه لم يقبل منه رفعة ولا رفع بعضه بالاستثناء وقد طرد هذا بعض الفقهاء فقالوا لا يصح الاستثناء في الطلاق توهما لصحة هذه الشبهة
وجوابها أنه إنما يلزمه موجب كلامه إذا اقتصر عليه فأما إذا وصله بالاستثناء أوالشرط ولم يقتصر على ما دونه فإن موجب كلامه ما دل عليه سياقه وتمامه من تقييد باستثناء أو صفة أو شرط أو بدل أو غاية فتكليفه نية ذلك التقييد من أول الكلام وإلغاؤه إن لم ينوه أولا تكليف ما لا يكلفه الله به ولا رسوله ولا يتوقف صحة الكلام عليه وبالله التوفيق
فصل آراء الفقهاء في الاستثناء
وقال مالك لا يصح الاستثناء في إيقاعهما ولا الحلف بهما ولا الظهار ولا الحلف به ولا النذر ولا في شئ من الايمان إلا في اليمين بالله تعالى وحده
وأما الامام احمد فقال ابو القاسم الخرقي وإذا استثنى في العتاق والطلاق فأكثر الروايات عن ابي عبد الله انه توقف عن الجواب وقد قطع في مواضع اخر انه لا ينفعه الاستثناء فقال في رواية بن منصور من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث وليس له استثناء في الطلاق والعتاق وقال في رواية ابي طالب إذا قال انت طالق ان شاء الله لم تطلق وقال في رواية الحارث إذا قال لامرأته أنت طالق إن شاء الله الاستثناء إنما يكون في الايمان
قال الحسن وقتادة وسعيد بن المسيب ليس له ثنيا في الطلاق وقال قتادة
58
وقوله إن شاء الله قد شاء الله الطلاق حين أذن فيه وقال في رواية حنبل من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث وليس له استثناء في الطلاق والعتاق قال حنبل لأنهما ليسا من الايمان وقال صاحب المغنى وغيره وعنه مايدل على أن الطلاق لا يقع وكذلك العتاق فعلى هذا يكون عنه في المسألة ثلاث روايات الوقوع وعدمه والتوقف فيه وقد قال في رواية الميموني إذا قال لامرأة أنت طالق يوم أتزوج بك إن شاء الله ثم تزوجها لم يلزمه شيء ولو قال لأمة أنت حرة يوم أشتريك إن 2 شاء الله صارت حرة فلعل أبا حامد الإسفرائيني وغيره ممن حكى عن أحمد الفرق بين أنت طالق إن شاء الله فلا تطلق وأنت حرة إن شاء الله فتعتق استند إلى هذا النص وهذا من غلطة على أحمد بل هذا تفريق منه بين صحة تعليق العتق على الملك وعدم صحة تعليق الطلاق على النكاح وهذا قاعدة مذهبه والفرق عنده أن الملك قد شرع سببا لحصول العتق كملك ذي الرحم المحرم وقد يعقد البيع سببا لحصول العتق اختيارا كشراء من يريد عتقه في كفارة أو قربة أو فداء كشراء قريبة ولم يشرع الله النكاح سببا لإزالته البتة فهذا فقهه وفرقه فقد أطلق القول بأنه لا ينفع الاستثناء في إيقاع الطلاق والعتاق وتوقف في أكثر الروايات عنه فتخرج المسألة على وجهين صرح بهما الاصحاب وذكروا وجها ثالثا وهو أنه إن قصد التعليق وجهل استحالة العلم بالمشيئة لم تطلق وإن قصد التبرك أو التأدب طلقت وقيل عن أحمد يقع العتق دون الطلاق ولا يصح هذا التفريق عنه بل هو خطأ عليه
قال شيخنا وقد روى في الفرق حديث موضوع على معاذ بن جبل يرفعه فلو علق الطلاق على فعل يقصد به الحض أوالمنع كقوله أنت طالق إن كلمت فلانا إن شاء الله فروايتان منصوصتان عن الامام احمد إحداهما ينفعه الاستثناء ولا تطلق إن كلمت فلانا وهو قول ابي عبيدة لانه بهذا التعليق
59
قد صار حالفا وصار تعليقه يمينا باتفاق الفقهاء فصح استثناؤه فيها لعموم النصوص المتناوله للاستثناء في الحلف واليمين والثانية لا يصح الاستثناء وهو قول مالك كما تقدم لأن الاستثناء إنما ينفع في الايمان المكفرة فالتكفير والاستثناء متلازمان ويمين الطلاق والعتاق لا يكفران فلا ينفع فيهما الاستثناء ومن هنا خرج شيخنا على المذهب إجزاء التكفير فيها لأن احمد رضى الله عنه نص على ان الاستثناء انما يكون في اليمين المكفرة ونص على أن الاستثناء ينفع في اليمين بالطلاق والعتاق فيخرج من نصه إجزاء الكفارة في اليمين بهما وهذا نخريج في غاية الظهور والصحة ونص احمد على الوقوع لا يبطل صحة هذا التخريج كسائر نصوصه ونصوص غيره من الائمة التي يخرج منها على مذهبه خلاف ما نص عليه وهذا اكثر وأشهر من أن يذكر ومن أصحابه من قال إن أعاد الاستثناء إلى الفعل نفعة قولا واحدا وإن أعاده إلى الطلاق فعلى روايتين ومنهم من جعل الروايتين على اختلاف حالين فإن أعاده إلى الفعل نفعه وإن اعادة إلى قوله أنت طالق لم ينفعه
وإيضاح ذلك أنه إذا قال إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله فإنه تارة يريد فأنت طالق إن شاء الله طلاقك وتارة يريد إن شاء الله تعليق اليمين بمشيئة الله أي إن شاء الله عقد هذه اليمين فهي معقودة فيصير كقوله والله لأقومن إن شاء الله فإذا قام علمنا أن الله قد شاء القيام وإن لم يقم علمنا ان الله لم يشأ قيامه فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فلم يوجد الشرط فلم يحنث فينقل هذا بعينه إلى الحلف بالطلاق فإنه إذ قال الطلاق يلزمني لأقومن إن شاء الله القيام فلم يقم لم يشأ الله له القيام فلم يوجد الشرط فلم يحنث فهذا الفقه بعينه
60
فصل الاستثناء في الطلاق بلفظ آخر
فإن قال أنت طالق إلا أن يشاء الله فاختلف الذين يصححون الاستثناء في قوله انت طالق إن شاء الله ها هنا هل ينفعه الاستثناء ويمنع وقوع الطلاق أولا ينفعه على قولين وهما وجهان لأصحاب الشافعي والصحيح عندهم انه لا ينفعه الاستثناء ويقع الطلاق والثاني ينفعه الاستثناء ولا تطلق وهو قول اصحاب ابي حنيفة والذين لم يصححوا الاستثناء احتجوا بأنه اوقع الطلاق وعلق رفعه بمشيئة لم تعلم إذ المعنى قد وقع عليك الطلاق إلا ان يشاء الله رفعه وهذا يقتضى وقوعا منجزا ورفعا معلقا بالشرط والذين صححوا الاستثناء قولهم أفقه فإنه لم يوقع طلاقا منجزا وإنما أوقع طلاقا معلقا على المشيئة فإن معنى كلامه انت طالق إن شاء الله طلاقك فإن شاء عدمه لم تطلقي بل لا تطلقين إلا بمشيئه فهو داخل في الاستثناء من قوله إن شاء الله فإنه جعل مشيئة الله لطلاقها شرطا فيه وههنا اضاف إلى ذلك جعله عدم مشيئته مانعا من طلاقها
والتحقيق أن كل واحد من الأمرين يستلزم الاخر فقوله إن شاء الله يدل على الوقوع عند وجود المشيئة صريحا وعلى انتفاء الوقوع عند انتفائها لزوما وقوله إلا ان يشاء الله يدل على عدم الوقوع عند عدم المشيئة صريحا وعلى الوقوع عندها لزوما فتأمله فالصورتان سواء كما سوى بينهما أصحاب أبى حنيفة وغيرهم من الشافعية وقولهم إنه أوقع الطلاق وعلق رفعه بمشيئة لم تعلم فهذا بعينه يحتج به عليهم من قال إن الاستثناء لا ينفع في الايقاع بحال فإن صحت هذه الحجة بطل الاستثناء في الإيقاع جملة وإن لم يصح لم يصح الفرق وهو لم يوقعه مطلقا وإنما علقه بالمشيئة نفيا وإثباتا كما قررناه فالطلاق مع الاستثناء ليس بإيقاع
61
وعلى هذا فإذا قال إن شاء الله وهو لا يعلم معناها أصلا فهل ينفعه هذا الاستثناء قال أصحاب ابى حنيفة إذا قال أنت طالق إن شاء الله ولا يدري أي شئ إن شاء الله لا يقع قالوا لأن الطلاق مع الاستثناء ليس بإيقاع فعلمه وجهله سواء قالوا ولهذا لما كان سكوت البكر رضا استوى فيه العلم والجهل حتى لو زوجها أبوها فسكتت وهي لا تعلم ان السكوت رضا صح النكاح ولم يعتبر جهلها
ثم قالوا فلو قال لها أنت طالق فجرى على لسانه من غير قصد إن شاء الله وكان قصده إيقاع الطلاق لم يقع الطلاق لأن الاستثناء قد وجد حقيقة والكلام مع الاستثناء لا يكون إيقاعا وهذا القول في طرف وقول من يشترط نية الاستثناء في أول الكلام أوقبل الفراغ منه في طرف آخر وبينهما أكثر من بعد المشرقين
فلو قال انت طالق إن لم يشأ الله أوما لم يشأ الله فهل يقع الطلاق في الحال أولا يقع على قولين وهما وجهان في مذهب احمد فمن أوقعه احتج بأن كلامه تضمن أمرين محالا وممكنا فالممكن التطليق والمحال وقوعه على هذه الصفة وهو إذا لم يشأ الله فإن ما شاء الله وجب وقوعه فيلغو هذا التقييد المستحيل ويسلم أصل الطلاق فينفذ الوجه الثاني لا يقع ولهذا القول مأخذان أحدهما أن تعليق الطلاق على الشرط المحال يمنع من وقوعه كما لو قال انت طالق إن جمعت بين الضدين أوإن شربت ماء الكوز ولا ماء فيه لعدم وقوع شرطه فهكذا إذا قال انت طالق إن لم يشأ الله فهو تعليق للطلاق على شرط مستحيل وهو عدم مشيئة الله فلو طلقت لطلقت بمشيئته وشرط وقوع الطلاق عدم مشيئته والمأخذ الثاني وهو أفقه أنه استثناء في المعنى وتعليق على المشيئة والمعنى إن لم يشأ الله عدم طلاقك فهو كقوله إلا أن يشأ الله سواء كما تقدم بيانه
62
فصل رأي من لا يجوزون الاستثناء
قال الموقعون قال ابراهيم بن يعقوب الجوزجاني ثنا خالد بن يزيد 2 بن أسد القسري ثنا جميع بن عبد الحميد الجعفي عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري وبن عمر قال كنا معاشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نرى الاستثناء جائزا في كل شئ إلا في الطلاق والعتاق قالوا وروى ابو حفص بن شاهين بإسناده عن بن عباس قال إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق إن شاء الله فهي طالق وكذلك روى عن أبي بردة قالوا ولانه استثناء يرفع جملة الطلاق فلم يصح كقوله أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا قالوا ولأنه إنشاء حكم في محل فلم يرتفع بالمشيئة كالبيع والنكاح قالوا ولأنه إزاله ملك فلم يصح تعليقه على مشيئة الله تعالى كما لو قال أبرأتك إن شاء الله قالوا ولأنه تعليق على ما لا سبيل إلى العلم به فلم يمنع وقوع الطلاق كما لو قال أنت طالق إن شاءت السماوات والارض
قالوا وإن كان لنا سبيل إلى العلم بالشرط صح الطلاق لوجود شرطه ويكون الطلاق حينئذ معلقا على شرط تحقق وجوده بمباشرة الآدمي سببه قال قتادة قد شاء الله حينئذ ان تطلق قالوا ولأن الله تعالى وضع لإيقاع الطلاق هذه اللفظة شرعا وقدرا فإذا أتى بها المكلف فقد أتى بما شاءه الله فإنه لا يكون شئ قط إلا بمشيئة الله عز وجل والله شاء الامور بأسبابها فإذا شاء تكوين شئ وإيجاده شاء سببه فإذا أتى المكلف بسببه فقد أتى به بمشيئة الله ومشيئة السبب مشيئة للمسبب فإنه لو لم يشأ وقوع الطلاق لم يمكن المكلف أن يأتي به فإن ما لم يشأ الله يمتنع وجوده كما أن ما شاءه وجب وجوده قالوا وهذا في القول نظير المشيئة في الفعل فلوا قال أنا افعل كذا إن شاء الله تعالى وهو متلبس بالفعل صح ذلك ومعنى كلامه ان فعلى هذا إنما هو بمشيئة الله كما لو
63
قال حال دخوله الدار أنا أدخلها إن شاء الله أو قال من تخلص من شر تخلصت إن شاء الله وقد قال يوسف لأبيه وإخوته ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين في حال دخولهم والمشيئة راجعة إلى الدخول المقيد بصيغة الامر فالمشيئة متناولة لهما جميعا قالوا ولو أتى بالشهادتين ثم قال عقيبهما إن شاء الله أو قال أنا مسلم إن شاء الله فإن ذلك لا يؤثر في صحة إسلامه شيئا ولا يجعله إسلاما معلقا على شرط قالوا ومن المعلوم قطعا أن الله قد شاء تكلمه بالطلاق فقوله بعد ذلك إن شاء الله تحقيق لما قد علم قطعا أن الله شاءه فهو بمنزلة قوله انت طالق إن كان الله أباح الطلاق وأذن فيه ولا فرق بينهما
وهذا بخلاف قوله أنت طالق إن كلمت فلانا فإنه شرط في طلاقها ما يمكن وجوده وعدمه فإذا وجد الشرط وقع ما علق به ووجود الشرط في مسألة المشيئة إنما يعلم بمباشرة العبد سببه فإذا باشره علم أن الله قد شاءه قالوا وأيضا فالكفارة أقوى من الاستثناء لأنها ترفع حكم اليمين والاستثناء يمنع عقدها والرافع أقوى من المانع وأيضا فإنها تؤثر متصلة ومنفصلة والاستثناء لا يؤثر مع الانفصال ثم الكفارة مع قوتها لا تؤثر في الطلاق والعتاق فأن لا يؤثر فيه الاستثناء أولى وأحرى قالوا وأيضا فقوله إن شاء الله إن كان استثناء فهو رافع لجملة المستثنى منه فلا يرتفع وإن كان شرطا فإما أن يكون معناه إن كان الله قد شاء طلاقك أوإن شاء الله أن أوقع عليك في المستقبل طلاقا غير هذا فإن كان المراد هو الأول فقد شاء الله طلاقها بمشيئتة لسببه وإن كان المراد هو الثاني فلا سبيل للمكلف إلى العلم بمشيئته تعالى فقد علق الطلاق بمشيئة من لا سبيل إلى العلم بمشيئتة فيلغو التعليق ويبقى أصل الطلاق فينفذ قالوا ولأنه علق الطلاق بما لا يخرج عنه كائن فوجب نفوذه كما لو قال أنت طالق إن علم الله أوإن قدر الله أوإن سمع أوإن رأى
64
يوضحه انه حذف مفعول المشيئة ولم ينو مفعولا معينا فحقيقة لفظه انت طالق إن كان لله مشيئة أوإن شاء أي شئ كان ولو كانت نيته إن شاء الله هذا الحادث المعين وهو الطلاق لم يمنع جعل المشيئة المطلقة إلى هذا الحادث فردا من أفرادها شرطا في الوقوع ولهذا لو سئل المستثنى عما أراد لم يفصح بالمشيئة الخاصة بل لعلها لا تخطر بباله وإنما تكلم بهذا اللفظ بناء على ما اعتاده الناس من قول هذه الكلمة عند اليمين والنذر والوعد
قالوا ولأن الاستثناء إنما بابه الايمان كقوله من حلف فقال إن شاء الله فإن شاء فعل وإن شاء ترك وليس له دخول في الاخبار ولا في الانشاءات فلا يقال قام زيد إن شاء الله ولا قم إن شاء الله ولا تقم إن شاء الله ولا بعت ولا قبلت إن شاء الله وإيقاع الطلاق والعتاق من إنشاء العقود التي لا تعلق على الاستثناء فإن زمن الانشاء مقارن له فعقود الانشاء تقارنها أزمنتها فلهذا لا تعلق بالشروط
قالوا والذي يكشف سر المسألة أن هذا الطلاق المعلق على المشيئة إما ان يريد به طلاقا ماضيا أومقارنا للتكلم به أومستقبلا فإن أراد الماضي أوالمقارن وقع لأنه لا يعلق على الشرط وإن أراد المستقبل ومعنى كلامه إن شاء الله ان تكوني في المستقبل طالقا فأنت طالق وقع ايضا لأن مشيئة الله بطلاقها الآن يوجب طلاقها في المستقبل فيعود معنى الكلام إلى إنى إن طلقتك الآن بمشيئة الله فأنت طالق وقد طلقها بمشيئتة فتطلق فههنا ثلاث دعاوى إحداها أنه طلقها والثانية أن الله شاء ذلك والثالثة أنها قد طلقت فإن صحت الدعوى الأولى صحت الاخريان وبيان صحتها انه تكلم بلفظ صالح للطلاق فيكون طلاقا وبيان الثانيه انه حادث فيكون بمشيئة الله فقد شاء الله طلاقها فتطلق فهذا غاية ما تمسك به الموقعون
جواب من يجوز الاستثناء
قال المانعون أنتم معاشر الموقعين قد ساعد تمونا على صحة تعليق الطلاق
65
بالشرط ولستم ممن يبطله كالظاهرية وغيرهم كأبي عبد الرحمن الشافعي فقد كفيتمونا نصف المؤنة وحملتم عنا كلفة الاحتجاج لذلك فبقى الكلام معكم في صحة هذا التعليق المعين هل هو صحيح ام لا فإن ساعد تمونا على صحة التعليق قرب الأمر وقطعنا نصف المسافة الباقية ولا ريب ان هذا التعليق صحيح إذ لو كان محالا لما صح تعليق اليمين والوعد والنذر وغيرهما بالمشيئة ولكان ذلك لغوا لا يفيد وهذا بين البطلان عند جميع الامة فصح التعليق حينئذ فبقى بيننا وبينكم منزلة أخرى وهي انه هل وجود هذا الشرط ممكن ام لا فإن ساعدتمونا على الامكان ولا ريب في هذه المساعدة قربت المسافة جدا وحصلت المساعدة على انه طلاق معلق صح تعليقه على شرط ممكن فبقيت منزلة اخرى وهي ان تأثير الشرط وعمله يتوقف على الاستقبال أم لا يتوقف عليه بل يجوز تأثيره في الماضي والحال والاستقبال فإن ساعدتمونا على توقف تأثيره على الاستقبال وأنه لا يصح تعلقه بماض ولا حال وانتم بحمد الله على ذلك مساعدون بقى بيننا وبينكم منزلة واحدة وهي انه هل لنا سبيل إلى العلم بوقوع هذا الشرط فيترتب المشروط عليه عند وقوعه ام لا سبيل لنا إلى ذلك ألبتة فيكون التعليق عليه تعليقا على ما لم يجعل الله لنا طريقا إلى العلم به فههنا معترك النزال ودعوة الابطال فنزال نزال فنقول
من اقبح القبائح وأبين الفضائح التي تشمئز منها قلوب المؤمنين وتنكرها فطر العالمين ما تمسك به بعضكم وهذا لفظه بل حروفه قال لنا أنه علق الطلاق بما لا سبيل لنا إليه فوجب ان يقع لأن اصله الصفات المستحيلة مثل قوله أنت طالق إن شاء الحجر أوإن شاء الميت أوإن شاء هذا المجنون المطبق الآن فيالك من قياس ما أفسده وعن طريق الصواب ما أبعده وهل يستوى في عقل أو رأي أو نظر أو قياس مشيئة الرب جل جلاله ومشيئة الحجر والميت والمجنون عند احد من عقلاء الناس وأقبح من هذا والله المستعان
66
وعليه التكلان وعياذا به من الخذلان ونزغات الشيطان تمسك بعضهم بقوله علق الطلاق بمشيئة من لا تعلم مشيئته فلم يصح التعليق كما لو قال انت طالق إن شاء إبليس فسبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك وعياذا بوجهك الكريم من هذا الخذلان العظيم وياسبحان الله لقد كان لكم في نصره هذا القول غنى عن هذه الشبهة الملعونه في ضروب الاقيسة وأنواع المعاني والالزامات فسحه ومتسع ولله شرف نفوس الائمة الذين رفع الله قدرهم وشاد في العالمين ذكرهم حيث يانفون لنفوسهم ويرغبون بها عن أمثال هذه الهذيانات التي تسود بها الوجوه قبل الاوراق وتحل بقمر الايمان المحاق وعند هذا فنقول
علق الطلاق بمشيئة من جميع الحوادث مستنده إلى مشيئته وتعلم مشيئته عند وجود كل حادث انه إنما وقع بمشيئته فهذا التعليق من أصح التعليقات فإذا انشأ المعلق طلاقا في المستقبل تبينا وجود الشرط بإنشائه فوقع فهذا أمر معقول شرعا وفطرة وقدرا وتعليق مقبول
يبينه ان قوله إن شاء الله لا يريد به إن شاء الله طلاقها ماضيا قطعا بل إما ان يريد به هذا الطلاق الذي تلفظ به أوطلاقا مستقبلا غيره فلا يصح ان يراد به هذا الملفوظ فإنه لا يصح تعليقه بالشرط إذ الشرط إنما يؤثر في الاستقبال فحقيقة هذا التعليق أنت طالق إن شاء الله طلاقك في المستقبل ولو صرح بهذا لم تطلق حتى ينشئ لها طلاقا آخر
ونقرره بلفظ آخر فنقول علقة بمشيئة من له مشيئة صحيحة معتبرة فهو أولى بالصحة من تعليقه بمشيئة آحاد الناس يبينه أنه لو علقه بمشيئة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته لم يقع في الحال ومعلوم ان ما شاءه الله فقد شاءه رسوله فلو كان التعليق بمشيئة الله موجبا للوقوع في الحال لكان التعليق بمشيئة رسوله في حياته كذلك وبهذا يبطل ما عولتم عليه
67
وأما قولكم إن الله تعالى قد شاء الطلاق حين تكلم المكلف به فنعم إذا لكن شاء الطلاق المطلق أوالمعلق ومعلوم انه لم يقع منه طلاق مطلق بل الواقع منه طلاق معلق على شرط فمشيئة الله تعالى لا تكون مشيئة للطلاق المطلق فإذا طلقها بعد هذا علمنا ان الشرط قد وجد وأن الله قد شاء طلاقها فطلقت وعند هذا فنقول لو شاء الله أن ينطق العبد لأنطقه بالطلاق مطلقا من غير تعليق ولا استثناء فلما انطقه به مقيدا بالتعليق والاستثناء علمنا انه لم يشأ له الطلاق المنجز فإن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن
ومما يوضح هذا الامر ان مشيئة اللفظ لا تكون مشيئة للحكم حتى يكون اللفظ صالحا للحكم ولهذا لو تلفظ المكره أوزائل العقل أو الصبي أو المجنون بالطلاق فقد شاء الله منهم وقوع هذا اللفظ ولم يشأ وقوع الحكم فإنه لم يرتب على ألفاظ هؤلاء احكامها لعدم إرادتهم لاحكامها فهكذا المعلق طلاقه بمشيئة الله يريد ان لا يقع طلاقه وإن كان الله قد شاء له التلفظ بالطلاق وهذا في غاية الظهور لمن أنصف
ويزيده وضوحا أن المعنى الذي منع الاستثناء عقد اليمين لأجله هو بعينه في الطلاق والعتاق فإنه اذا قال والله لافعلن اليوم كذا إن شاء الله فقد التزم فعلة في اليوم إن شاء الله له ذلك فإن فعله فقد علمنا مشيئة الله له وإن لم يفعله علمنا ان الله لم يشأه إذ لو شاءه لوقع ولا بد ولا يكفى في وقوع الفعل مشيئة الله للعبد إن شاءه فقط فإن العبد قد يشاء الفعل ولا يقع فإن مشيئتة ليست موجبه ولا تلزمه بل لا بد من مشيئة الله له ان يفعل وقد قال تعالى في المشيئة الاولى ! < وما تشاؤون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما > ! ! < وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين > ! وقال في المشيئة الثانية إن هذه تذكره فمن شاء ذكره ! < وما يذكرون إلا أن يشاء الله > !
68
وإذا كان تعليق الحلف بمشيئته تعالى يمنع من انعقاد اليمين وكذلك تعليق الوعد فإذا قال أفعل إن شاء الله ولم يفعل لم يكن مخلفا كما لا يكون في اليمين حانثا وهكذا إذا قال انت طالق إن شاء الله فإن طلقها بعد ذلك علمنا ان الله قد شاء الطلاق فوقع وإن لم يطلقها تبينا ان الله لم يشأ الطلاق فلا تطلق فلا فرق في هذا بين اليمين والإيقاع فإن كلا منهما إنشاء وإلزام معلق بالمشيئة
قالوا وأما الاثران اللذان ذكرتموهما عن الصحابة فما احسنهما لو ثبتا ولكن كيف بثبوتهما وعطية ضعيف وجميع بن عبد الحميد مجهول وخالد بن يزيد ضعيف قال بن عدي احاديثه لا يتابع عليها وأثر بن عباس لا يعلم حال إسناده حتى يقبل أويرد
على أن هذه الآثار مقابلة بآثار اخر لا تثبت أيضا فمنها ما رواه البيهقي في سننه من حديث إسماعيل بن عياش عن حميد بن مالك عن مكحول عن معاذ بن جبل قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معاذ ما خلق الله شيئا على وجه الارض ابغض إليه من الطلاق وما خلق الله شيئا على وجه الارض أحب إليه من العتاق فإذا قال الرجل لمملوكه انت حر إن شاء الله فهو حر ولا استثناء له وإذا قال لامرأته انت طالق إن شاء الله فله استثناؤه ولا طلاق عليه ثم ساقه من طريق محمد بن مصفى ثنا معاوية بن حفص عن حميد عن مالك اللخمي حدثني مكحول عن معاذ بن جبل رضى الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل قال لامرأته أنت طالق إن شاء الله فقال له استثناؤه فقال رجل يا رسول الله وإن قال لغلامه أنت حر إن شاء الله تعالى قال يعتق لان الله يشاء العتق ولا يشاء الطلاق ثم ساق من طريق إسحاق بن ابي نجيح عن عبد العزيز بن ابي داود عن بن جريج عن عطاء عن بن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قال لامرأته انت طالق إن شاء
69
الله أولغلامه أنت حر إن شاء الله أوعليه المشي إلى بيت الله الحرام إن شاء الله فلا شئ عليه ثم ساق من طريق الجارود بن يزيد عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعا في الطلاق وحده انه لا يقع
ولو كنا ممن يفرح بالباطل ككثير من المصنفين الذين يفرح أحدهم بما وجده مؤيدا لقوله لفرحنا بهذه الاثار ولكن ليس فيها غنية فإنها كلها آثار باطلة موضوعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم
أما الحديث الاول ففيه عدة بلايا إحداها حميد بن مالك ضعفه أبو زرعة وغيره الثانية ان مكحولا لم يلق معاذا قال ابو زرعة مكحول عن معاذ منقطع الثالثة أنه قد أضطرب فيه حميد هذا الضعيف فمره يقول عن مكحول عن معاذ ومرة يقول عن مكحول عن خالد بن معدان عن معاذ وهو منقطع أيضا وقيل مكحول عن مالك بن يخامر عن معاذ قال البيهقي ولم يصح الرابعة ان إسماعيل بن عياش ليس ممن يقبل تفرده بمثل هذا ولهذا لم يذهب احد من الفقهاء إلى هذا الحديث وما حكاه ابو حامد الاسفرائيني عن احمد من القول به فباطل عنه لا يصح البتة وكل من حكاه عن احمد فمستنده حكاية ابي حامد الإسفرائيني أومن تلقاها عنه
وأما الاثر الثاني فإسناده ظلمات بعضها فوق بعض حتى انتهى أمره إلى الكذاب إسحاق بن نجيح الملطي
وأما الاثر الثالث فالجارود بن يزيد قد ارتقى من حد الضعف إلى حد الترك
والمقصود أن الاثار من الطرفين لا مستراح فيها
فصل ردود اخرى على من لا يجوزون الاستثناء
وأما قولكم إنه استثناء يرفع جملة الطلاق فلم يصح كقوله انت طالق
70
ثلاثا إلا ثلاثا فما أبردها من حجة فإن الاستثناء لم يرفع حكم الطلاق بعد وقوعه وإنما منع من انعقاده منجزا بل انعقد معلقا كقوله انت طالق إن شاء فلان فلم يشأ فلان فإنها لا تطلق ولا يقال إن هذا الاستثناء رفع جملة الطلاق
وأما قولكم إنه إنشاء حكم في محل فلم يرتفع بالمشيئة كالبيع والنكاح فأبرد من الحجة التي قبلها فإن البيع والنكاح لا يصح تعليقهما بالشرط بخلاف الطلاق
وأما قولكم إزالة ملك فلا يصح تعليقه على مشيئة الله كالإبراء فكذلك ايضا فإن الابراء لا يصح تعليقه على الشرط مطلقا عندكم سواء كان الشرط مشيئة الله أوغيرها فلو قال ابرأتك إن شاء زيد لم يصح ولو قال انت طالق إن شاء زيد صح
وأما قولكم إنه تعليق على ما لا سبيل إلى العلم به فليس كذلك بل هو تعليق على ما لنا سبيل إلى علمه فإنه إذا اوقعه في المستقبل علمنا وجود الشرط قطعا وأن الله قد شاءه
وأما قولكم إن الله قد شاءه بتكلم المطلق به فالذي شاءه الله إنما هو طلاق معلق والطلاق المنجز لم يشأه الله إذ لو شاءه لوقع ولا بد فما شاءه الله لا يوجب وقوع الطلاق في الحال وما يوجب وقوعه في الحال لم يشأه الله
وأما قولكم إن الله تعالى وضع لإيقاع الطلاق هذه اللفظة شرعا وقدرا فنعم وضع تعالى المنجز لإيقاع المنجز والمعلق لوقوعه عند وقوع ما علق به
وأما قولكم لو لم يشأ الطلاق لم يأذن للمكلف في التكلم به فنعم شاء المعلق وأذن فيه والكلام في غيره
71
وقولكم إن هذا نظير قوله وهو متلبس بالفعل انا أفعل إن شاء الله فهذا فصل النزاع في المسالة فإذا اراد بقوله انت طالق إن شاء الله هذا التطليق الذي صدر مني لزمه الطلاق قطعا لوجود الشرط وليس كلامنا فيه وإنما كلامنا فيما إذا اراد ان شاء الله طلاقا مستقبلا أواطلق ولم يكن له نية فلا ينبغي النزاع في القسم الاول ولا يظن أن احدا من الائمة ينازع فيه فإنه تعليق على شرط مستقبل ممكن فلا يجوز إلغاؤه كما لو صرح به فقال إن شاء الله ان اطلقك غدا فأنت طالق إلا ان يستروح إلى ذلك المسلك الوخيم انه علق الطلاق بالمستحيل فلغا التعليق كمشيئة الحجر والميت وأما إذا اطلق ولم يكن له نية فيحمل مطلق كلامه على مقتضى الشرط لغة وشرعا وعرفا وهو اقتضاؤه للوقوع في المستقبل
واما استدلالكم بقول يوسف لأبيه واخوته ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين فلا حجة فيه فإن الاستثناء إن عاد إلى الامر المطلوب دوامه واستمراره فظاهر وإن عاد إلى الدخول المقيد به فمن اين لكم أنه قال لهم هذه المقالة حال الدخول أوبعده ولعله إنما قالها عند تلقيه لهم ويكون دخولهم عليه في منزل اللقاء فقال لهم حينئذ ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين فهذا محتمل وإن كان إنما قال لهم ذلك بعد دخولهم عليه في دار مملكته فالمعنى ادخلوها دخول استيطان واستقرار آمنين إن شاء الله
وأما قولكم إنه لو اتى بالشهادتين ثم قال إن شاء الله أوقال انا مسلم إن شاء الله صح إسلامه في الحال فنعم إذا فإن الاسلام لا يقبل التعليق بالشرط فإذا علقه بالشرط تنجز كما لو علق الردة بالشرط فإنها تنجز وأما الطلاق فإنه يصح تعليقه بالشرط
وأما قولكم إنه من المعلوم قطعا ان الله قد شاء تكلمه بالطلاق فقوله بعد ذلك إن شاء الله تحقيق لما علم ان الله قد شاءه فقد تقدم جوابه وهو
72
أن الله إنما شاء الطلاق المعلق فمن أين لكم انه شاء المنجز ولم تذكروا عليه دليلا
وقولكم إنه بمنزلة قوله انت طالق إن كان الله اذن في الطلاق أواباحه ولا فرق بينهما فما أعظم الفرق بينهما وأبينه حقيقة ولغة وذلك ظاهر عن تكلف بيانه فإن بيان الواضحات نوع من العي بل نظير ذلك ان يقول أنت طالق إن كان الله قد شاء تلفظي بهذا اللفظ فهذا يقع قطعا
وأما قولكم إن الكفارة اقوى من الاستثناء لانها ترفع حكم اليمين والاستثناء يمنع عقدها وإذا لم تدخل الكفارة في الطلاق والعتاق فالاستثناء أولى فما أوهنها من شبهة وهي عند التحقيق لا شئ فإن الطلاق والعتاق إذا وقعا لم تؤثر فيهما الكفارة شيئا ولا يمكن حلهما بالكفارة بخلاف الايمان فإن حلها بالكفارة ممكن وهذا تشريع شرعه شارع الاحكام هكذا فلا يمكن تغييره فالطلاق والعتاق لا يقبل الكفارة كما لم تقبلها سائر العقود كالوقف والبيع والهبة والاجارة والخلع فالكفارة مختصة بالايمان وهي من أحكامها التي لا تكون لغيرها وأما الاستثناء فيشرع في اعم من اليمين كالوعد والوعيد والخبر عن المستقبل كقول النبي صلى الله عليه وسلم وإنا إن شاء الله بكم لا حقون وقوله عن أميه بن خلف بل أنا أقتله إن شاء الله وكذا الخبر عن الحال نحو أنا مؤمن إن شاء الله ولا تدخل الكفارة في شئ من ذلك فليس بين الاستثناء والتكفير تلازم بل تكون الكفارة حيث لا استثناء والاستثناء حيث لا كفارة والكفارة شرعت تحلة لليمين بعد عقدها والاستثناء شرع لمعنى آخر وهو تأكيد التوحيد وتعليق الامور بمشيئة من لا يكون شئ إلا بمشيئته فشرع للعبد ان يفوض الامر الذي عزم عليه وحلف على فعله أوتركه إلى مشيئة الله ويعقد نطقه بذلك فهذا شئ والكفارة شئ آخر
73
وأما قولكم إن الاستثناء إن كان رافعا فهو رافع لجملة المستثنى منه فلا يرتفع فهذا عار عن التحقيق فإن هذا ليس باستثناء بأداة إلا وأخواتها التي يخرج بها بعض المذكور ويبقى بعضه حتى يلزم ما ذكرتم وانما هو شرط ينتفى الشروط عند انتفائه كسائر الشروط ثم كيف يقول هذا القائل في قوله انت طالق إن شاء زيد اليوم ولم يشأ فموجب دليله ان هذا لا يصح
فإن قيل فلو أخرجه بأداه إلا فقال انت طالق إلا ان يشاء الله كان رفعا لجملة المستثنى منه
قيل هذه مغلطة ظاهرة فإن الاستثناء ها هنا ليس إخراج جملة ما تناوله المذكور ليلزم ما ذكرت وإنما هو تقييد لمطلق الكلام الاول بجملة اخرى مخصصه لبعض احوالها أي انت طالق في كل حالة إلا حالة واحدة وهي حالة لا يشاء الله فيها الطلاق فإذا لم يقع منه طلاق بعد هذا علمنا بعدم وقوعه ان الله تعالى لم يشأ الطلاق إذ لو شاءه لوقع ثم ينتقض هذا بقوله إلا أن يشاء زيد وإلا ان تقومي ونحو ذلك فإن الطلاق لا يقع إذا لم يشأه زيد وإذا لم تقم وسمى هذا التعليق بمشيئة الله تعالى استثناء في لغة الشارع كقوله تعالى إذ اقسموا ليصر منها مصبحين ولا يستثنون أي لم يقولوا إن شاء الله فمن حلف فقال إن شاء الله فقد استثنى فإن الاستثناء استفعال من ثنيت الشئ كأن المستثنى بإلا قد عاد على كلامه فثنى آخره على أوله بإخراج ما أدخله أولا في لفظه وهكذا التقيد بالشرط سواء فإن المتكلم به قد ثنى آخر كلامه على اوله فقيد به ما أطلقه أولا واما تخصيص الاستثناء بإلا وأخواتها فعرف خاص للنحاة
وقولكم إن كان شرطا ويراد به إن كان الله قد شاء طلاقك في المستقبل فينفذ لمشيئة الله له بمشيئتة لسببه وهو الطلاق المذكور وإن اراد به إن شاء الله ان أطلقك في المستقبل فقد علقه بمالا سبيل إلى العلم به فيلغو التعليق ويبقى اصل الطلاق فهذا هو اكبر عمدة الموقعين ولا ريب أنه إن اراد
74
بقوله انت طالق إن كان الله قد شاء تكلمي بهذا اللفظ أوشاء طلاقك بهذا اللفظ طلقت ولكن المستثنى لم يرد هذا بل ولا خطر على باله فبقى القسم الاخر وهو أن يريد إن شاء الله وقوع الطلاق عليك فيما يأتى فهذا تعليق صحيح معقول يمكن العلم بوجود ما علق عليه بوجود سببه كما تقدم بيانه
وأما قولكم إنه علق الطلاق بما لا يخرج عنه كائن فوجب نفوذه كما لو قال انت طالق إن علم الله أوإن قدر الله أوسمع الله إلى آخره فما أبطلها من حجة فإنها لو صحت لبطل حكم الاستثناء في الايمان لما ذكرتموه بعينه ولا نفع الاستثناء في موضع واحد ومعلوم ان المستثنى لم يخطر هذا على باله وإنما اراد تفويض الامر إلى مشيئة الله وتعليقه به وأنه إن شاءه نفذ وإن لم يشأه لم يقع ولذلك كان مستثنيا أي وإن كنت قد التزمت اليمين أو الطلاق أو العتاق فإنما التزمه بعد مشيئة الله وتبعا لها فإن شاءه فهو تعالى ينفذه بما يحدثه من الاسباب ولم يرد المستثنى إن كان لله مشيئة أوعلم أو سمع أوبصر فأنت طالق ولم يخطر ذلك بباله البته
يوضحه أن هذا مما لا يقبل التعليق ولاسيما بأداة إن التي للجائز الوجود والعدم ولو شك في هذا لكان ضالا بخلاف المشيئة الخاصة فإنها يمكن أن تتعلق بالطلاق وان لا تتعلق به وهو شاك فيها كما يشك العبد فيما يمكن أن يفعله الله به وأن لا يفعله هل شاءه ام لا فهذا هو المعقول الذي في فطر الحالفين والستثنين وحذف مفعول المشيئة لم يكن لما ذكرتم وهو عدم إرادة مفعول معين بل للعلم به ودلالة الكلام عليه وتعين إرادته إذ المعنى إن شاء الله طلاقك فأنت طالق كما لو قال والله لأسافرن إن شاء الله أي إن شاء الله سفري وليس مراده إن كان لله صفة هي المشيئة فالذي قدرتموه من المشيئة المطلقه هو
75
الذي لم يخطر ببال الحالف والمطلق وإنما الذي لم يخطر بباله سواه هو المشيئة المعينة الخاصة
وقولكم إن المستثنى لو سئل عما أراد لم يفصح بالمشيئة الخاصة بل تكلم بلفظ الاستثناء بناء على ما اعتاده الناس من التكلم بهذا اللفظ كلام غير سديد فإنه لو صح لما نفع الاستثناء في يمين قط ولهذا نقول إن قصد التحقيق والتأكيد بذكر المشيئة ينجز الطلاق ولم يكن ذلك استثناء
وأما قولكم إن الاستثناء بابه الايمان إن اردتم به اختصاص الايمان به فلم تذكروا على ذلك دليلا وقوله صلى الله عليه وسلم من حلف فقال إن شاء الله فقد استثنى وفي لفظ اخر من حلف فقال إن شاء الله فهو بالخيار فإن شاء فعل وإن شاء لم يفعل فحديث حسن ولكن لا يوجب اختصاص الاستثناء بالمشيئة باليمين وقد قال الله تعالى ولا تقولن لشئ إنى فاعل ذلك غدا إلا ان يشاء الله وهذا ليس بيمين ويشرع الاستثناء في الوعد والوعيد والخبر عن المستقبل كقوله غدا افعل إن شاء الله وقد عتب الله على رسوله صلى الله عليه وسلم حيث قال لمن سأله من أهل الكتاب عن أشياء غدا اخبركم ولم يقل إن شاء الله فاحتبس الوحي عنه شهرا ثم نزل عليه ! < ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت > ! أي اذا نسيت ذلك الاستثناء عقيب كلامك فاذكره به اذا ذكرت هذا معنى الاية وهو الذي اراده بن عباس بصحة الاستثناء المتراخي ولم يقل بن عباس قط ولا من هو دونه إن الرجل إذا قال لامرأته أنت طالق أولعبده انت حر ثم قال بعد سنة إن شاء الله إنها لا تطلق ولا يعتق العبد وأخطأ من نقل ذلك عن بن عباس أوعن احد من أهل العلم البتة ولم يفهموا مراد بن عباس والمقصود ان الاستثناء لا يختص باليمين لا شرعا ولا عرفا ولا لغة وإن أردتم بكون بابه الايمان كثرته فيها فهذا لا ينفى دخوله في غيرها
76
وقولكم إنه لا يدخل في الاخبارات ولا في الانشاءات فلا يقال قام زيد إن شاء الله ولا قم إن شاء الله ولا بعت إن شاء الله فكذا لا يدخل في قوله انت طالق إن شاء الله فليس هذا بتمثيل صحيح والفرق بين البابين أن الامور الماضية قد علم انها وقعت بمشيئة الله والشرط إنما يؤثر في الاستقبال فلا يصح ان يقول قمت امس إن شاء الله فلو اراد الاخبار عن وقوعها بمشيئة الله أتى بغير صيغة الشرط فيقول فعلت كذا بمشيئة الله وعونه وتأييده ونحو ذلك بخلاف قوله غدا أفعل إن شاء الله واما قوله قم إن شاء الله ولا تقم إن شاء الله فلا فائدة في هذا الكلام إذ قد علم أنه لا يفعل إلا بمشيئة الله فأي معنى لقوله إن شاء الله لك القيام فقم وإن لم يشأه فلا تقم نعم لو أراد بقوله قم أولا تقم الخبر وأخرجه مخرج الطلب تأكيدا أي تقوم إن شاء الله صح ذلك كما إذا قال مت على الاسلام إن شاء الله ولا تمت إلا على توبة إن شاء الله ونحو ذلك وكذا إن اراد بقوله قم ان شاء الله رد المشيئة إلى معنى خبري أي ولا تقوم إلا أن يشاء الله فهذا صحيح مستقيم لفظا ومعنى واما بعت ان شاء الله واشتريت ان شاء الله فإن اراد به التحقيق صح وانعقد العقد وان اراد به التعليق لم يكن المذكور انشاء وتنافي الانشاء والتعليق إذ زمن الإنشاء يقارن وجود معناه وزمن وقوع لمعلق يتاخر عن التعليق فتنافيا
واما قولكم ان هذا الطلاق المعلق على المشيئة اما ان يريد طلاقا ماضيا أو مقارنا أو مستقبلا إلى اخره فجوابه ما قد تقدم مرارا انه ان اراد به المشيئة إلى هذا اللفظ المذكور وان الله ان كان قد شاءه فأنت طالق طلقت ولا ريب ان المستثني لم يرد هذا وانما اراد الا يقع الطلاق فرده إلى مشيئة الله وان الله ان شاءه بعد هذا وقع فكأنه قال لا اريد طلاقك ولا ارب لي فيه إلا ان يشاء الله ذلك فينفذ رضيت أم سخطت كما قال نبي الله شعيب عليه
77
السلام وما يكون لنا أن نعود فيها إلا ان يشاء الله ربنا أي نحن لا نعود في ملتكم ولا نختار ذلك إلا ان يشاء الله ربنا شيئا فينفذ ما شاءه وكذلك قال ابراهيم ! < ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء > ! أي لا يقع بي مخوف من جهة آلهتكم أبدا إلا أن يشاء ربي شيئا فينفذ ما شاءه فرد الانبياء ما أخبروا ألا يكون إلى مشيئة الرب تعالى والى علمه استدراكا واستثناء أي لا يكون ذلك ابدا ولكن إن شاءه الله تعالى كان فإنه تعالى عالم بما نعلمه نحن من الامور التي تقتضيها حكمته وحده
فصل القول الفصل في موضوع الاستثناء
فالتحقيق في المسألة ان المستثنى إما أن يقصد بقوله إن شاء الله التحقيق أوالتعليق فإن قصد به التحقيق والتأكيد وقع الطلاق وإن قصد به التعليق وعدم الوقوع في الحال لم تطلق هذا هو الصواب في المسالة وهو اختيار شيخنا وغيره من الاصحاب وقال ابو عبد الله بن حمدان في رعايته قلت إن قصد التأكيد والتبرك وقع وإن قصد التعليق وجهل استحالة العلم بالمشيئة فلا وهذا قول آخر غير الاقوال الاربعة المحكية في المسألة وهو انه إنما ينفعه الاستثناء إذا قصد التعليق وكان جاهلا باستحالة العلم بمشيئة الله تعالى فلو علم استحالة العلم بمشيئته تعالى لم ينعقد الاستثناء والفرق بين علمه بالاستحالة وجهلة بها انه إذا جهل استحالة العلم بالمشيئة فقد علق الطلاق بما هو ممكن في ظنه فيصح تعليقه وإذا لم يجهل استحالة العلم بالمشيئة فقد علقه على محال يعلم استحالته فلا يصح التعليق وهذا احد الاقوال في تعليقه بالمحال
قلت وقولهم إن العلم بمشيئة الرب محال خطأ محض فإن مشيئة الرب تعلم بوقوع الاسباب التي تقتضى مسبباتها فإن مشيئة المسبب مشيئة لحكمه فإذا أوقع عليها بعد ذلك طلاقا علمنا ان الله قد شاء طلاقها
78
فهذا تقرير الاحتجاج من الجانبين ولا يخفى ما تضمنه من رجحان احد القولين والله أعلم
فصل نية الاستثناء وزمنها
وقد قدمنا اختلاف الفقهاء في اشتراط نية الاستثناء وزمنها وان أضيق الاقوال قول من يشترط النية من اول الكلام وأوسع منه قول من يشترطها قبل فراغه واوسع منه قول من يجوز إنشاءها بعد الفراغ من الكلام كما يقوله اصحاب احمد وغيرهم واوسع منه قول من يجوزه بالقرب ولا يشترط اتصاله بالكلام كما نص عليه احمد في رواية المروزي فقال حديث بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال والله لأغزون قريشا والله لأغزون قريشا ثم سكت ثم قال إن شاء الله إذ هو استثناء بالقرب ولم يخلط كلامه بغيره وقال إسماعيل بن سعيد الشالنجي سألت احمد بن حنبل عن الاستثناء في اليمين فقال من استثنى بعد اليمين فهو جائز على مثل فعل النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال والله لأغزون قريشا ثم سكت ثم قال إن شاء الله ولم يبطل ذلك قال ولا اقول فيه بقول هؤلاء يعنى من لم ير ذلك إلا متصلا هذا لفظ الشالنجي في مسائلة وأوسع من ذلك قول من قال ينفعه الاستثناء ويصح ما دام في المجلس نص عليه الامام احمد في احدى الروايات عنه وهو قول الاوزاعي كما سنذكره واوسع منه من وجه قول من لا يشترط النية بحال كما صرح به أصحاب ابي حنيفة وقال صاحب الذخيرة في كتاب الطلاق في الفصل السادس عشر منه ولو قال لها انت طالق إن شاء الله ولا يدري أي شئ شاء الله لا يقع الطلاق لان الطلاق مع الاستثناء ليس بإيقاع فعلمه وجهله يكون سواء ولو قال لها انت طالق فجرى على لسانه من غير قصد إن شاء الله
79
وكان قصده إيقاع الطلاق لا يقع الطلاق لان الاستثناء قد وجد حقيقة والكلام مع الاستثناء لا يكون إيقاعا وقال الجوزجاني في مترجمه حدثني صفوان ثنا عمر قال سئل الاوزاعي رحمه الله عن رجل حلف والله لأفعلن كذا وكذا ثم سكت ساعة لا يتكلم ولا يحدث نفسه بالاستثناء فيقول له إنسان إلى جانبه قل إن شاء الله فقال إن شاء الله ايكفر عن يمينه فقال اراه قد استثنى
وبهذا الاسناد عن الاوزاعي انه سئل عن رجل وصله قريبه بدراهم فقال والله لا آخذها فقال قريبه والله لتأخذنها فلما سمعه قال والله لتأخذنها استثنى في نفسه فقال إن شاء الله وليس بين قوله والله لا آخذها وبين قوله إن شاء الله كلام إلا انتظاره ما يقول قريبه ايكفر عن يمينه إن هو أخذها فقال لم يحنث لانه قد استثنى
ولا ريب أن هذا افقه واصح من قول من اشترط نيته مع الشروع في اليمين فإن هذا القول موافق للسنة الصحيحة فعلا عن النبي صلى الله عليه وسلم وحكاية عن أخيه سليمان انه لو قال إن شاء الله بعد ما حلف وذكره الملك كان نافعا له وموافقا للقياس ومصالح العباد ومقتضى الحنيفية السمحة ولو اعتبر ما ذكر من اشتراط النية في اول الكلام والاتصال الشديد لزالت رخصة الاستثناء وقل من انتفع بها إلا من قد درس على هذا القول وجعله منه على بال
وقد ضيق بعض المالكية في ذلك فقال لا يكون الاستثناء نافعا إلا وقد أراده صاحبه قبل أن يتمم اليمين كما قال بعض الشافعية وقال بن المواز شرط نفعه ان يكون مقارنا ولو لآخر حرف من حروف اليمين ولم يشترط مالك شيئا من ذلك بل قال في موطئه وهذا لفظ روايتة قال عبد الله بن يوسف احسن ما سمعت في الثنيا في اليمين انها لصاحبها ما لم يقطع كلامه وما كان نسقا يتبع
80
بعضه بعضا قبل ان يسكت فإذا سكت وقطع كلامه فلا ثنيا له انتهى ولم ار عن أحد من الائمة قط اشتراط النية مع الشروع ولا قبل الفراغ وإنما هذا من تصرف الاتباع
فصل هل يصح الاستثناء في القلب
وهل من شرط الاستثناء ان يتكلم به أوينفع اذا كان في قلبه وإن لم يتلفظ به فالمشهور من مذاهب الفقهاء انه لا ينفعه حتى يتلفظ به ونص عليه احمد فقال في رواية بن منصور لا يجوز له ان يستثنى في نفسه حتى يتكلم به وقد قال أصحاب احمد وغيرهم لو قال نسائي طوالق واستثنى بقلبه إلا فلانه صح استثناؤه ولم تطلق ولو قال نسائي الاربع طوالق واستثنى بقلبه إلا فلانه لم ينفعه وفرقوا بينهما بأن الاول ليس نصا في الاربع فجاز تخصيصه بالنية بخلاف الثاني ويلزمهم على هذا الفرق ان يصح تقييده بالشرط بالنية لأن غايته انه تقييد مطلق فعمل النية فيه أولى من عملها في تخصيص العام لان العام متناول للأفراد وضعا والمطلق لا يتناول جميع الاحوال بالوضع فتقييده بالنية اولى من تخصيص العام بالنية وقد قال صاحب المغنى وغيره إذا قال انت طالق ونوى بقلبه من غير نطق إن دخلت الدار أوبعد شهر أنه يدين فيما بينه وبين الله تعالى وهل يقبل في الحكم على روايتين وقد قال الامام احمد في رواية إسحاق بن ابراهيم فيمن حلف لا يدخل الدار وقال نويت شهرا قبل منه أوقال إذا دخلت دار فلان فأنت طالق ونوى تلك الساعة أوذلك اليوم قبلت نيته قال والرواية الاخرى لا تقبل فإنه قال إذا قال لامرأته أنت طالق ونوى في نفسه إلى سنة تطلق ليس ينظر إلى نيته وقال إذا قال أنت طالق وقال نويت إن دخلت الدار لا يصدق قال الشيخ ويمكن ان يجمع بين هاتين الروايتين بأن يحمل قوله في القبول على أنه يدين وقوله في عدم القبول
81
على الحكم فلا يكون بينهما اختلاف قال والفرق بين هذه الصورة والتي قبلها يعنى مسألة نسائي طوالق واراد بعضهن أن إرادة الخاص بالعام شائع كثير وإرادة الشرط من غير ذكره غير شائع وهو قريب من الاستثناء ويمكن ان يقال هذه كلمه من جملة التخصيص انتهى كلامه وقد تضمن ان الحالف إذا أراد الشرط دين وقبل في الحكم في إحدى الروايتين ولا يفرق فقيه ولا محصل بين الشرط بمشيئة الله حيث يصح وينفع وبين غيره من الشروط وقد قال الامام احمد في رواية حرب إن كان مظلوما فاستثنى في نفسه رجوت أنه يجوز إذا خاف على نفسه ولم ينص على خلاف هذا في المظلوم وإنما اطلق القول وخاص كلامه ومقيده يقضى على مطلقه وعامه فهذا مذهبه
فصل هل يصح الاستثناء بتحريك اللسان
وهل يشترط أن يسمع نفسه أويكفي تحرك لسانه بالاستثناء وإن كان بحيث لا يسمعه فاشتراط أصحاب احمد وغيرهم انه لا بد وان يكون بحيث يسمعه هو أوغيره ولا دليل على هذا من لغة ولا عرف ولا شرع وليس في المسألة إجماع قال اصحاب ابي حنيفة واللفظ لصاحب الذخيرة وشرط الاستثناء ان يتكلم بالحروف سواء كان مسموعا أولم يكن عند الشيخ ابي الحسن الكرخي وكان الفقيه ابو جعفر يقول لا بد وان يسمع نفسه وبه كان يفتى الشيخ ابو بكر محمد بن الفضل وكان شيخ الاسلام بن تيمية يميل إلى هذا القول وبالله التوفيق وهذا بعض ما يتعلق بمخرج الاستثناء ولعلك لا تظفر به في غير هذا الكتاب
فصل فعل المحلوف عليه ناسيا ونحو ذلك
المخرج الخامس ان يفعل المحلوف عليه ذاهلا أوناسيا أومخطئا أوجاهلا
82
أومكرها أومنأولا أومعتقدا انه لا يحنث به تقليدا لمن أفتاه بذلك أومغلوبا على عقله أوظنا منه ان امرأته طلقت فيفعل المحلوف عليه بناء على ان المرأة أجنبية فلا يؤثر فعل المحلوف عليه في طلاقها شيئا
الفرق بين الناسي وبين الذاهل والغافل واللاهي
فمثال الذهول أن يحلف انه لا يفعل شيئا هو معتاد لفعله فيغلب عليه الذهول والغفلة فيفعله والفرق بين هذا وبين الناسي ان الناسي يكون قد غاب عنه اليمين بالكلية فيفعل المحلوف عليه ذاكرا له عامدا لفعله ثم يتذكر أنه كان قد حلف على تركه وأما الغافل والذاهل واللاهي فليس بناس ليمينه ولكنه لها عنها أوذهل كما يذهل الرجل عن الشئ في يده أوحجره بحديث أونظر إلى شئ أونحوه كما قال تعالى ! < وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى > ! يقال لهى عن الشئ يلهى كغشى يغشى إذا غفل ولها به يلهو إذا لعب وفي الحديث فلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بشئ كان في يديه أي اشتغل به ومنه الحديث الآخر إذا استأثر الله بشئ فاله عنه وسئل الحسن عما يجده الرجل من البلة بعد الوضوء والاستنجاء فقال اله عنه وكان بن الزبير اذا سمع صوت الرعد لها عن حديثه وقال عمر رضى الله عنه لرجل بعثه بمال إلى أبي عبيده ثم قال للرسول تله عنه ثم انظر ماذا يصنع به ومنه قول كعب بن زهير
وقال كل صديق كنت آمله
لا ألهينك إنى عنك مشغول
أي لا اشغلك عن شأنك وأمرك وفي المسند سألت ربي ان لا يعذب اللاهين من أمتي وهم البلة الغافلون الذين لم يتعمدوا الذنوب وقيل هم الاطفال الذين لم يقترفوا ذنبا
فصل النسيان نوعان
واما الناسي فهو ضربان ناس لليمين وناس للمحلوف عليه فالأول ظاهر
83
والثاني كما إذا حلف على شئ وفعله وهو ذاكر ليمينه لكن نسى ان هذا هو المحلوف عليه بعينه وهذا كما لو حلف لا يأكل طعام كذا وكذا فنسيه ثم أكله وهو ذاكر ليمينه ثم ذكر ان هذا هو الذي حلف عليه فهذا اذا كان يعتقد انه غير المحلوف عليه ثم بان انه هو فهو خطأ فإن لم يخطر بباله كونه المحلوف عليه ولا غيره فهو نسيان والفرق بين الجاهل بالمحلوف عليه والمخطئ ان الجاهل قصد الفعل ولم يظنه المحلوف عليه والمخطئ لم يقصده كما لو رمى طائرا فأصاب إنسانا
الاكراه نوعان
والمكره نوعان احدهما له فعل اختياري لكن محمول عليه والثاني ملجأ لا فعل له بل هو آلة محضة
المتأول
والمتأول كمن يحلف انه لا يكلم زيدا وكاتبه يعتقد ان مكاتبته ليست تكليما وكمن حلف انه لا يشرب خمرا فشرب نبيذا مختلفا فيه متأولا وكمن حلف لايرابي فباع بالعينة أولا يطأ فرجا حراما فوطئ في نكاح تحليل مختلف فيه ونحو ذلك
درجات التأويل
والتأويل ثلاث درجات قريب وبعيد ومتوسط ولا تنحصر افراده والمعتقد انه لا يحنث بفعله تقليدا سواء كان المفتى مصيبا أومخطئا كمن قال لامرأته إن خرجت من بيتي فأنت طالق أوالطلاق يلزمني لا تخرجين من بيتي فأفتاه مفت بأن هذه اليمين لا يلزم بها الطلاق بناء على ان الطلاق المعلق لغو كما يقوله بعض اصحاب الشافعي كابي عبد الرحمن الشافعي وبعض اهل الظاهر كما صرح به صاحب المحلى فقال والطلاق بالصفة عندنا كالطلاق باليمين كل ذلك لا يلزم
84
المغلوب على عقله
والمغلوب على عقله كمن يفعل المحلوف عليه في حال سكر أو جنون أو زوال عقل بشرب دواء أو بنج أو غضب شديد ونحو ذلك
من يظن طلاق امرأته
والذي يظن ان امرأته طلقت فيفعل المحلوف عليه بناء على انه لا يؤثر في الحنث كما إذا قال إن كلمت فلانا فأنت طالق ثلاثا ثم قال إن فعلت كذا فامرأتي طالق ثلاثا فقيل له إن امرأتك قد كلمت فلانا فاعتقد صدق القائل وانها قد بانت منه ففعل المحلوف عليه بناء على ان العصمة قد انقطعت ثم بان له ان المخبر كاذب
وكذلك لو قيل له قد كلمت فلانا فقال طلقت منى ثلاثا ثم بان له انها لم تكلمه ومثل ذلك لو قيل له إن امرأتك قد مسكت تشرب الخمر مع فلان فقال هي طالق ثلاثا ثم ظهركذب المخبر وأن ذلك لم يكن منه شيء
فاختلف الفقهاء في ذلك اختلافا لا ينضبط فنذكر أقوال من أفتى بعدم الحنث في ذلك إذ هو الصواب بلا ريب وعليه تدل الادلة الشرعية ألفاظها وأقيستها واعتبارها وهو مقتضى قواعد الشريعة فإن البر والحنث في اليمين نظير الطاعة والمعصية في الامر والنهي وإن فعل المكلف ذلك في أمر الشارع ونهيه لم يكن عاصيا فأولى في باب اليمين ان لا يكون حانثا
ويوضحه انه إنما عقد يمينه على فعل ما يملكه والنسيان والجهل والخطأ والاكراه غير داخل تحت قدرته فما فعله في تلك الاحوال لم يتناوله يمينه ولم يقصد منع نفسه منه
يوضحه ان الله تعالى قد رفع المؤاخذة عن المخطئ والناسي والمكره فإلزامه بالحنث اعظم مؤاخذة لما تجاوز الله عن المؤاخذة به كما انه تعالى لما تجاوز للامة عما حدثت به أنفسها لم تتعلق به المؤاخذة في الاحكام
85
يوضحه ان فعل الناسي والمخطئ بمنزلة فعل النائم في عدم التكليف به ولهذا هو عفو لا يكون به مطيعا ولا عاصيا
يوضحه ان الله تعالى إنما رتب الاحكام على الالفاظ لدلالتها على قصد المتكلم بها وإرادته فإذا تيقنا انه قصد كلامها ولم يقصد معانيها ولم يقصد مخالفة ما التزمه ولا الحنث فإن الشارع لا يلزمه بما لم يقصده بل قد رفع المؤاخذة عنه بما لم يقصده من ذلك
يوضحه ان اللفظ دليل على القصد فاعتبر لدلالته عليه فإذا علمنا يقينا خلاف المدلول لم يجز ان نجعله دليلا على ما تيقنا خلافه وقد رفع الله المؤاخذة عن قتل المسلم المعصوم بيده مباشرة إذا لم يقصد قتله بل قتله خطأ ولم يلزمه شيئا من ديته بل حملها غيره فكيف يؤاخذه بالخطأ والنسيان في باب الايمان هذا من الممتنع على الشارع
وقد رفع النبي صلى الله عليه وسلم المؤاخذة عمن أكل وشرب في نهار رمضان ناسيا لصومه مع ان اكله وشربه فعل لا يمكن تداركه فكيف يؤاخذه بفعل المحلوف عليه ناسيا ويطلق عليه امرأته ويخرب بيته ويشتت شمله وشمل اولاده وأهله وقد عفاله عن الاكل والشرب في نهار الصوم ناسيا
وقد عفا عمن اكل أوشرب في نهار الصوم عمدا غير ناس لما تأول الخيط الابيض والخيط الاسود بالحبلين المعروفين فجعل يأكل حتى تبينا له وقد طلع النهار وعفا له عن ذلك ولم يأمره بالقضاء لتأويله فما بال الحالف المتأول لا يعفى له عن الحنث بل يخرب بيته ويفرق بينه وبين حبيبته ويشتت شمله كل مشتت
وقد عفا عن المتكلم في صلاته عمدا ولم يأمره بالاعادة لما كان جاهلا بالتحريم لم يتعمد مخالفة حكمه فألغى كلامه ولم يجعله مبطلا للصلاة فكيف لا يقتدى به ويلغى قول الجاهل وفعله في باب الايمان ولا يحنثه كما لم يؤثمه الشارع
وإذا كان قد عفا عمن قدم شيئا أواخره من أعمال المناسك من الحلق والرمي
86
والنحر نسيانا أوجهلا فلم يؤاخذه بترك ترتيبها نسيانا فكيف يحنث من قدم ما حلف على تأخيره أواخر ما حلف على تقديمه ناسيا أوجاهلا
وإذا كان قد عفا عمن حمل القذر في الصلاة ناسيا أوجاهلا به فكيف يؤاخذ الحالف ويحنث به وكيف تكون أوامر الرب تعالى ونواهيه دون ما التزمه الحالف بالطلاق والعتاق وكيف يحنث من لم يتعمد الحنث 2 وهل هذا إلا بمنزلة تأثيمه من لم يتعمد الاثم وتكفيره من لم يتعمد الكفر وكيف يطلق أويعتق على من لم يتعمد الطلاق والعتاق ولم يطلق على الهازل إلا لتعمده فإنه تعمد الهزل ولم يرد حكمه وذلك ليس إليه بل إلى الشارع فليس الهازل معذورا بخلاف الجاهل والمخطئ والناسي
وبالجملة فقواعد الشريعة واصولها تقتضي الا يحنث الحالف في جميع ما ذكرنا ولا يطرد على القياس ويسلم من التناقض إلا هذا القول
وأما تحنيثه في جميع ذلك فإن صاحبه وان سلم من التناقض لكن قوله مخالف لآصول الشريعة وقواعدها وأدلتها ومن حنث في بعض ذلك دون بعض تناقض ولم يطرد له قول ولم يسلم له دليل عن المعارضه
وقد اختلفت الرواية عن الامام احمد في ذلك ففيه ثلاث روايات إحداها انه لا يحنث في شئ من الايمان بالنسيان ولا الجهل بفعل المحلوف عليه مع النسيان سواء كانت من الايمان المكفرة أوغيرها وعلى هذه الرواية فيمينه باقيه لم تنحل بفعل المحلوف عليه مع النسيان والجهل لان اليمين كما لم يتناول حالة الجهل والنسيان بالنسبة إلى الحنث لم يتناولها بالنسبة إلى البر اذا لو كان فاعلا للمحلوف عليه بالنسبة إلى البر لكان فاعلا له بالنسبة إلى الحنث وهذه الرواية اختيار شيخ الاسلام وغيره وهي اصح قولى الشافعي اختاره جماعة من أصحابه والثانية يحنث في الجميع وهي مذهب ابي حنيفة ومالك والثالثة يحنث في اليمين التي لا تكفر كالطلاق والعتاق ولا يحنث في اليمين المكفرة وهي
87
اختيار القاضي واصحابه والذين حنثوه مطلقا نظروا إلى صورة الفعل وقالوا قد وجدت المخالفة والذين فرقوا قالوا الحلف بالطلاق والعتاق من باب التعليق على الشرط فإذا وجد الشرط وجد المشروط سواء كان مختارا لوجوده أولم يكن كما لو قال إن قدم زيد فأنت طالق ففعل المحلوف عليه في حال جنونه فهل هو كالنائم فلا يحنث أوكالناسي فيجرى فيه الخلاف على وجهين في مذهب الامام احمد والشافعي واصحهما انه كالنائم لانه غير مكلف
ولو حلف على من يقصد منعه كعبده وزوجته وولده وأجيره ففعل المحلوف عليه ناسيا أوجاهلا فهو كما لو حلف على فعل نفسه ففعله ناسيا أوجاهلا هو على الروايات الثلاث وكذلك هو على القولين في مذهب الشافعي فإن منعه لمن يمتنع بيمينه كمنعه لنفسه فلو حلف لا يسلم على زيد فسلم على جماعة هو فيهم ولم يعلم فإن لم نحنث الناسى فهذا اولى بعدم الحنث لأنه لم يقصده والناسى قد قصد التسليم عليه وإن حنثنا الناسي هل يحنث هذا على روايتين إحداهما يحنث لانه بمنزلة الناسي إذ هو جاهل بكونه معهم والثانية وهي أصح انه لا يحنث قاله أبوالبركات وغيره وهذا يدل على ان الجاهل اعذر من الناسي واولى بعدم الحنث وصرح به اصحاب الشافعي في الايمان ولكن تناقضوا كلهم في جعل الناسي في الصوم أولى بالعذر من الجاهل ففطروا الجاهل دون الناسي وسوى شيخنا بينهما وقال الجاهل أولى بعدم الفطر من الناسي فسلم من التناقض وقد سووا بين الجاهل والناسي فيمن حمل النجاسة في الصلاة ناسيا أوجاهلا ولم يعلم حتى فرغ منها فجعلوا الروايتين والقولين في الصورتين سواء وقد سوى الله تعالى بين المخطئ والناسي في عدم المؤاخذة وسوى بينهما النبي صلى الله عليه وسلم في قوله إن الله تجاوز لي عن امتي الخطأ والنسيان فالصواب التسوية بينهما
88
فصل الإكراه على فعل المحلوف عليه
وأما إذا فعل المحلوف عليه مكرها فعن احمد روايتان منصوصتان إحداهما يحنث في الجميع والثانية لا يحنث في الجميع وهما قولان للشافعي وخرج ابو البركات رواية ثالثة انه يحنث باليمين بالطلاق والعتاق دون غيرهما من الايمان من نصه على الفرق في صورة الجاهل والناسي فإن ألجئ أو حمل أو فتح فمه وأوجر ما حلف انه لا يشربه فإن لم يقدر على الامتناع لم يحنث وإن قدر على الامتناع فوجهان وإذا لم يحنث فاستدام ما الجئ عليه كما لو الجئ إلى دخول دار حلف انه لا يدخلها فهل يحنث فيه وجهان ولو حلف على غيره ممن يقصد منعه على ترك فعل ففعله مكرها أوملجأ فهو على هذا الخلاف سواء
فصل حكم المتأول
اما المتأول فالصواب انه لا يحنث كما لم ياثم في الامر والنهي وقد صرح به الاصحاب فيما لو حلف انه لا يفارق غريمه حتى يقبض حقه فأحاله به ففارقه يظن ان ذلك قبض وانه بر في يمينه فحكوا فيه الروايات الثلاث وطرد هذا كل متأول ظن انه لا يحنث بما فعله فإن غايته ان يكون جاهلا بالحنث وفي الجاهل الروايات الثلاث
وإذا ثبت هذا في حق المتأول فكذلك في حق المقلد اولى فإذا حلف بالطلاق ألا يكلم فلانا أولا يدخل داره فأفتاه مفت بعدم وقوع الطلاق في هذه اليمين اعتقادا لقول على بن ابي طالب كرم الله وجهه وطاوس وشريح أواعتقادا لقول ابي حنيفة والقفال في صيغة الالتزام دون صيغة الشرط أو اعتقادا لقول اشهب وهو اجل اصحاب مالك أنه إذا علق الطلاق بفعل الزوجة انه لم
89
يحنث بفعلها أواعتقادا لقول ابي عبد الرحمن الشافعي اجل اصحاب الشافعي ان الطلاق المعلق لا يصح كما لا يصح النكاح والبيع والوقف المعلق وهو مذهب جماعة من أهل الظاهر لم يحنث في ذلك كله ولم يقع الطلاق ولو فرض فساد هذه الاقوال كلها فإنه إنما فعل المحلوف عليه متأولا مقلدا ظانا انه لا يحنث به فهو أولى بعدم الحنث من الجاهل والناسي وغاية ما يقال في الجاهل إنه مفرط حيث لم يستقص ولم يسأل غير من أفتاه وهذا بعينه يقال في الجاهل إنه مفرط حيث لم يبحث ولم يسأل عن المحلوف عليه فلو صح هذا الفرق لبطل عذر الجاهل ألبتة فكيف والمتأول مطيع لله مأجور إما أجرا واحدا أوأجرين
والنبي صلى الله عليه وسلم لم يؤاخذ خالدا في تأويله حين قتل بني جذيمة بعد إسلامهم ولم يؤاخذ أسامة حين قتل من قال لا إله إلا الله لأجل التأويل ولم يؤاخذ من أكل نهارا في الصوم عمدا لأجل التأويل ولم يؤاخذ اصحابه حين قتلوا من سلم عليهم وأخذوا غنيمته لاجل التاويل ولم يؤاخذ المستحاضة بتركها الصوم والصلاه لاجل التأويل ولم يؤاخذ عمر رضى الله عنه حين ترك الصلاة لما اجنب في السفر ولم يجد ماء ولم يؤاخذ من تمعك في التراب كتمعك الدابة وصلى لأجل التأويل وهذا اكثر من ان يستقصى
واجمع اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ان كل مال أودم اصيب بتاويل القران فهو هدر في قتالهم في الفتنه قال الزهري وقعت الفتنة واصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم متوافرون فأجمعوا على ان كل مال أودم اصيب بتأويل القر آن فهو هدر انزلوهم منزلة الجاهلية ولم يؤاخذ النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضى الله عنه حين رمى حاطب بن ابي بلتعة المؤمن البدري بالنفاق لاجل التأويل ولم يؤاخذ أسيد بن حضير بقوله لسعد سيد الخزرج إنك منافق تجادل عن المنافقين لاجل التأويل ولم يؤاخذ من قال عن مالك بن الدخشم ذلك المنافق نرى وجهه وحديثه إلى المنافقين لاجل التأويل ولم يؤاخذ عمر بن الخطاب رضى الله عنه حين ضرب
90
صدر ابي هريرة حتى وقع على الارض وقد ذهب للتبليغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمره فمنعه عمر وضربه وقال ارجع وأقره رسول الله صلى الله عليه وسلم على فعله ولم يؤاخذه لأجل التأويل
وكما رفع مؤاخذة التأثيم في هذه الامور وغيرها رفع مؤاخذة الضمان في الاموال والقضاء في العبادات فلا يحل لأحد أن يفرق بين رجل وامرأته لأمر يخالف مذهبه وقوله الذي قلد فيه بغير حجة فإذا كان الرجل قد تأول وقلد من أفتاه بعدم الحنث فلا يحل له أن يحكم عليه بأنه حانث في حكم الله ورسوله ولم يتعمد الحنث بل هذه فرية على الله ورسوله وعلى الحالف وإذا وصل الهوى إلى هذا الحد فصاحبه تحت الدرك وله مقام وأي مقام بين يدي الله يوم لا ينفعه شيخه ولا مذهبه ومن قلده والله المستعان
وإذا قال الرجل لامرأته أنت طالق ثلاثا لأجل كلامك لزيد وخروجك من بيتي فبان أنها لم تكلمه ولم تخرج من بيته لم تطلق صرح به الأصحاب قال بن أبى موسى في الإرشاد فإن قال أنت طالق أن دخلت الدار بنصب الألف والحالف من أهل اللسان فإن كان تقدم لها دخول إلى تلك الدار قبل اليمين طلقت في الحال لأن ذلك للماضي من الفعل دون المستقبل وإن كانت لم تدخلها قبل اليمين بحال لم تطلق وإن دخلت الدار بعد اليمين إذا كان الحالف قصد بيمينه الفعل الماضي دون المستقبل لأن معنى ذلك إن كنت دخلت الدار فأنت طالق وإن كان الحالف جاهلا باللسان وإنما أراد باليمين الدخول المستقبل فمتى دخلت الدار بعد اليمين طلقت بما حلف به قولا واحدا وإن كان تقدم لها دخول الدار قبل اليمين فهل يحدث بالدخول الماضي أم لا على وجهين أصحهما لا يحنث
والمقصود انه إذا علل الطلاق بعلة ثم تبين انتفاؤها فمذهب احمد انه لا يقع بها الطلاق وعند شيخنا لا يشترط ذكر التعليل بلفظه ولا فرق عنده بين أن
91
يطلقها لعلة مذكورة في اللفظ أوغير مذكورة فإذا تبين انتفاؤها لم يقع الطلاق وهذا هو الذي لا يليق بالمذهب غيره ولا تقتضى قواعد الأئمة غيره فإذا قيل له امرأتك قد شربت مع فلان أوباتت عنده فقال اشهدوا على أنها طالق ثلاثا ثم علم أنها كانت تلك الليلة في بيتها قائمة تصلي فإن هذا الطلاق لا يقع به قطعا وليس بين هذا وبين قوله إن كان الأمر كذلك فهي طالق ثلاثا فرق ألبته لا عند الحالف ولا في العرف ولا في الشرع فإيقاع الطلاق بهذا وهم محض إذ يقطع بأنه لم يرد طلاق من ليست كذلك وإنما أراد طلاق من فعلت ذلك
وقد أفتى جماعة من الفقهاء من أصحاب الإمام احمد والشافعي منهم الغزالي والقفال وغيرهما الرجل يمر على المكاس برقيق له فيطالبه بمكسهم فيقول هم أحرار ليتخلص من ظلمه ولا غرض له في عتقهم انهم لا يعتقون وبهذا أفتينا نحن تجار اليمن لما قدموا منها ومروا على المكاسين فقالوا لهم ذلك وقد صرح به أصحاب الشافعي في باب الكتابة بما إذا دفع إليه العوض فقال اذهب فأنت حر بناء على أنه قد سلم له العوض فظهر العوض مستحقا ورجع به على صاحبه انه لا يعتق وهذا هو الفقه بعينه وصرحوا أن الرجل لو علق طلاق امرأته بشرط فظن أن الشرط قد وقع فقال اذهبي فأنت طالق وهو يظن أن الطلاق قد وقع بوجود الشرط فبان أن الشرط لم يوجد لم يقع الطلاق ونص على ذلك شيخنا قدس الله روحه ومن هذا القبيل ما لو قال حلفت بطلاق امرأتي ثلاثا ألا أفعل كذا وكان كاذبا ثم فعله لم يحنث ولم تطلق عليه امرأته قال الشيخ في المغنى إذا قال حلفت ولم يكن حلف فقال الإمام احمد هي كذبة ليس عليه يمين وعنه عليه الكفارة لأنه أقر على نفسه والأول هو المذهب لأنه حكم فيما بينه وبين الله تعالى فإنه كذب في الخبر به كما لو قال ما صليت وقد صلى
قلت قال أبو بكر عبد العزيز باب القول في إخبار الإنسان بالطلاق
92
واليمين كاذبا قال في رواية الميموني إذا قال حلفت بيمين ولم يكن حلف فعليه كفارة يمين فإن قال قد حلفت بالطلاق ولم يكن حلف بها يلزمه الطلاق ويرجع إلى نيته في الواحدة والثلاث وقال في رواية محمد بن الحكم في الرجل يقول قد حلفت ولم يكن حلف فهي كذبة ليس عليه يمين فاختلف أصحابنا على ثلاث طرق إحداها أن المسألة على روايتين والثانية هي طريقة أبي بكر قال عقيب حكاية الروايتين قال عبد العزيز في الطلاق يلزمه وفيما لا يكون من الإيمان لا يلزمه والطريقة الثالثة انه حيث ألزمه أراد به في الحكم وحيث لم يلزمه بقى فيما بينه وبين الله وهذه الطريقة افقه واطرد على أصول مذهبه والله اعلم
فصل مذهب مالك في التفريق بين النسيان والجهل وما إلى ذلك
وأما مذهب مالك في هذا الفصل فالمشهور فيه التفريق بين النسيان والجهل والخطأ وبين الإكراه والعجز ونحن نذكر كلام أصحابه في ذلك
قالوا من حلف ألا يفعل حنث بحصول الفعل عمدا أو سهوا أو خطأ واختار أبو القاسم السيوري ومن تبعه من محققي الأشياخ انه لا يحنث إذا نسى اليمين وهذا اختيار القاضي أبى بكر بن العربي قالوا ولو اكره لم يحنث
فصل في تعذر فعل المحلوف عليه وعجز الحالف عنه
قال أصحاب مالك من حلف على شئ ليفعلنه فحيل بينه وبين فعله فإن أجل أجلا فامتنع الفعل لعدم المحل وذهابه كموت العبد المحلوف على ضربه أوالحمامة المحلوف على ذبحها فلا حنث عليه بلا خلاف منصوص وإن امتنع الفعل لسبب منع الشرع كمن حلف ليطأن زوجته أوأمته فوجدها حائضا فقيل لا شئ عليه
93
قلت وهذا هو الصواب لأنه إنما حلف على وطء يملكه ولم يقصد الوطء الذي لم يملكه الشارع إياه فإن قصده حنث وهذا هو الصواب لأنه إنما حلف على وطء يملكه وهكذا في صورة العجز الصواب انه لا يحنث فإنه إنما حلف على شئ يدخل تحت قدرته ولم يلتزم فعل ما لا يقدر عليه فلا تدخل حالة العجز تحت يمينه وهذا بعينه قد قالوه في المكره والناسي والمخطئ والتفريق تناقض ظاهر فالذي يليق بقواعد احمد وأصوله انه لا يحنث في صورة العجز سواء كان العجز لمنع شرعي أومنع كوني قدرى كما هو قوله فيما لو كان العجز لإكراه مكره ونصه على خلاف ذلك لا يمنع أن يكون عنده رواية مخرجة من أصوله المذكورة وهذا من أظهر التخريج فلو وطىء مع الحيض وعصى فهل يتخلص من الحنث فيه وجهان في مذهب مالك واحمد أحدهما يتخلص وإن أثم بالوطء كما لو حلف بالطلاق ليشربن هذه الخمر فشربها فإنه لا تطلق عليه زوجته والثاني لا يبر لأنه إنما حلف على فعل وطء مباح فلا تتناول يمينه المحرم فيقال إذا كان إنما حلف على وطء مأذون فيه شرعا لم تتناول يمينه المحرم فلا يحنث بتركه بعين ما ذكرتم من الدليل وهذا ظاهر
وحرف المسألة أن يمينه لم تتناول المعجوز عنه لا شرعا ولا قدرا فلا يحنث بتركه وإن كان الامتناع بمنع ظالم كالغاصب والسارق أوغير ظالم كالمستحق فهل يحنث أم لا قال أشهب لا يحنث وهو الصواب لما ذكر وقال غيره من أصحاب مالك يحنث لأن المحل باق وإنما حيل بينه وبين الفعل فيه وللشافعي في هذا الأصل قولان قال أبو محمد الجويني ولو حلف ليشربن ما في هذه الاداوة غدا فأريق قبل الغد بغير اختياره فعلى قولي الإكراه قال والأولى أن لا يحنث وإن حنثنا المكره لعجزه عن الشرب وقدرة المكره على الامتناع فجعل الشيخ أبو محمد العاجز أولى بالعذر من المكره وسوى غيره بينهما ولا ريب أن قواعد الشريعة وأصولها تشهد بهذا القول فإن الأمر والنهي من الشارع
94
نظير الحض والمنع في اليمين وكما أن أمره ونهيه منوط بالقدرة فلا واجب مع عجز ولا حرام مع ضرورة فكذلك الحض والمنع في اليمين إنما هو مقيد بالقدرة
يوضحه أن الحالف يعلم أن سر نفسه انه لم يلتزم فعل المحلوف عليه مع العجز عنه وإنما التزمه مع قدرته عليه ولهذا لم يحنث المغلوب على الفعل بنسيان أوإكراه ولا من لا قصد له إليه كالمغمى عليه وزائل العقل وهذا قول جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنفية وهو مقتضى أصول الإمام احمد وإن كان المنصوص عنه خلافه فإنه قال في رواية ابنه صالح إذا حلف أن يشرب هذا الماء الذي في هذا الإناء فانصب فقد حنث ولو حلف أن يأكل رغيفا فجاء كلب فأكله فقد حنث لأن هذا لا يقدر عليه وقال في رواية جعفر بن محمد إذا حلف الرجل على غريمه أن لا يفارقه حتى يستوفى منه ماله فهرب منه مخاتلة فإنه يحنث وهذا وأمثاله من نصوصه مبنى على قوله في المكرة والناسي والجاهل إنه يحنث كما نص عليه فإنه قال في رواية أبي الحارث إذا حلف أن لا يدخل الدار فحمل كرها فأدخل فإنه لا يحنث وكذلك نص على حنث الناسي والجاهل فقد جعل الناسي والجاهل والمكره والعاجز بمنزلة ونص في رواية أبي طالب إذا حلف أن لا يدخل الدار فحمل كرها فأدخل فلا شئ عليه وقد قال في رواية أحمد بن القاسم والذباب يدخل حلق الصائم والرجل يرمي بالشيء فيدخل حلق الآخر وكل أمر غلب عليه فليس عليه قضاء ولا غيره وتواترت نصوصه فيمن أكل في رمضان أوشرب ناسيا فلا قضاء عليه فقد سوى بين الناسي والمغلوب وهذا محض القياس والفقه ومقتضى ذلك التسوية بينهما في باب الإيمان كما نص عليه في المكره فتخرج مسألة العاجز والمغلوب على الروايتين بل المغلوب والعاجز أولى بعدم الحنث من الناسي والجاهل كما تقدم بيانه وبالله التوفيق
95
فصل التزام الطلاق
المخرج السادس أخذه بقول من يقول إن التزام الطلاق لا يلزم ولا يقع به طلاق ولا حنث وهذا إذا أخرجه بصيغة الالتزام كقوله الطلاق يلزمني أو لازم لي أو ثابت على أوحق على أوواجب على أومتعين على إن فعلت أوأن لم أفعله وهذا مذهب أبى حنيفة وبه أفتى جماعة من مشايخ مذهبه وبه أفتى القفال في قوله الطلاق يلزمني ونحن نذكر كلامهم بحروفه
أقوال الحنفية في التزام الطلاق
قال صاحب الذخيرة من الحنفية لو قال لها طلاقك على واجب أو لازم أو فرض أو ثابت ذكر أبو الليث خلافا بين المتأخرين فمنهم من قال يقع واحدة رجعية نوى أولم ينو ومنهم من قال لا يقع نوى أولم ينو ومنهم من قال في قوله واجب يقع بدون النية وفي قوله لازم لا يقع وإن نوى وعلى هذا الخلاف إذا قال إن فعلت كذا فطلاقك على واجب أوقال لازم أوثابت ففعلت وذكر القدوري في شرحه أن على قول أبى حنيفة لا يقع الطلاق في الكل وعند أبى يوسف أن نوى الطلاق يقع في الكل وعن محمد انه يقع في قوله لازم ولا يقع في قوله واجب ثم ذكر من اختار من المشايخ الوقوع ومن اختار عدمه فقال وكان الإمام ظهير الدين المرغيناني يفتى بعدم الوقوع في الكل
وقال القفال في فتاويه إذا قال الطلاق يلزمني فليس بصريح ولا كناية حتى لا يقع به وإن نواه ولهذا القول مأخذان أحدهما أن الطلاق لا بد فيه من الإضافة إلى المرأة ولم تتحقق الإضافة ها هنا ولهذا لو قال أنا منك طالق لم تطلق ولو قال لها طلقي نفسك فقالت أنت طالق لم تطلق والمأخذ الثاني وهو مأخذ أصحاب أبى حنيفة أنه التزام لحكم الطلاق
96
وحكمه لا يلزمه إلا بعد وقوعه وكأنه قال فعلى أن أطلقك وهو لو صرح بهذا لم تطلق بغير خلاف فهكذا المصدر وسر المسألة أن ذلك التزام لأن يطلق أوالتزام لطلاق واقع فإن كان التزاما لأن يطلق لم تطلق وإن كان التزاما لطلاق واقع فكأنه قال إن فعلت كذا فأنت طالق طلاقا يلزمني طلقت إذا وجد الشرط ولمن رجح هذا أن يحيل فيه على العرف فان الحالف لا يقصد إلا هذا ولا يقصد التزام التطليق وعلى هذا فيظهر أن يقال إن نوى بذلك التزام التطليق لم تطلق وإن نوى وقوع الطلاق طلقت وهذا قول أبى يوسف وقول جمهور أصحاب الشافعي ومن جعله صريحا في وقوع الطلاق حكم فيه بالعرف وغلبه استعمال هذا اللفظ في وقوع الطلاق وهذا قول أبى المحاسن الروياني والوجوه الثلاثة في مذهب الشافعي حكاها شارح التنبيه وغيره
وفي المسألة قولان آخران وهما للحنفية
أحدهما انه إن قال فالطلاق على واجب يقع نواه أولم ينوه وإن قال فالطلاق لي لازم لا يقع نواه أولم ينوه ووجه هذا الفرق أن قوله لازم التزام لان يطلق فلا تطلق بذلك وقوله واجب إخبار عن وجوبه عليه ولا يكون واجبا إلا وقد وقع ولمن سوى بينهما أن يقول هو إيجاب للتطليق وإخبار عن وقوع الطلاق ولا ريب أن اللفظ محتمل لهما كاحتمال قوله الطلاق يلزمني سواء وهذا هو الصواب والفرق تحكم
والثاني قول محمد بن الحسن وهو عكس هذا القول أن الطلاق يقع بقوله الطلاق لي لازم أويلزمني ولا يقع بقوله هو على واجب وعلى هذا الخلاف قوله إن فعلت كذا فالعتق يلزمني أوفعلى العتق أوفالعتق لازم لي أو واجب علي
97
فصل هل ينفذ الطلاق المعلق الذي يقصد به الترهيب
المخرج السابع أخذه بقول أشهب من أصحاب مالك بل هو أفقههم على الإطلاق فإنه قال إذا قال الرجل لامرأته إن كلمت زيدا أوخرجت من بيتي بغير إذني ونحو ذلك مما يكون من فعلها فأنت طالق وكلمت زيدا أوخرجت من بيته تقصد أن يقع عليها الطلاق لم تطلق حكاه أبو الوليد بن رشد في كتاب الطلاق من كتاب المقدمات له وهذا القول هو الفقه بعينه ولا سيما على أصول مالك واحمد في مقابلة العبد بنقيض قصده كحرمان القاتل ميراثه من المقتول وحرمان الموصى له وصية من قتله بعد الوصيه وتوريث امرأة من طلقها في مرض موته فرارا من ميراثها وكما يقوله مالك واحمد في إحدى الروايتين عنهما وقبلهما عمر بن الخطاب رضى الله عنه فيمن تزوج في العدة وهو يعلم يفرق بينهما ولا تحل له أبدا ونظائر ذلك كثيرة فمعاقبة المرأة ها هنا بنقيض قصدها هو محض القياس والفقه ولا ينتقض هذا على أشهب بمسألة المخيرة ومن جعل طلاقها بيدها لأن الزوج قد ملكها ذلك وجعله بيدها بخلاف الحالف فإنه لم يقصد طلاقها بنفسه ولا جعله بيدها باليمين حتى لو قصد ذلك فقال إن أعطيتني ألفا فأنت طالق أوإن أبرأتني من جميع حقوقك فأنت طالق فأعطته أوأبرأته طلقت
ولا ريب أن هذا الذي قال أشهب افقه من القول بوقوع الطلاق فإن الزوج إنما قصد حضها ومنعها ولم يقصد تفويض الطلاق إليها ولا خطر ذلك بقلبه ولا قصد وقوع الطلاق عند المخالفة ومكان أشهب من العلم والإمامة غير مجهول فذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب الانتقاء عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال أشهب أفقه من بن القاسم مائة مرة وأنكر بن كنانة ذلك قال ليس عندنا كما قال محمد وإنما قاله لان أشهب شيخه
98
ومعلمة قال أبو عمر أشهب شيخه ومعلمه وبن القاسم شيخه وهو أعلم بهما لكثرة مجالسته لهما وأخذه عنهما
فصل هل الحلف بالطلاق يلزم
المخرج الثامن أخذه بقول من يقول إن الحلف بالطلاق لا يلزم ولا يقع على الحانث به طلاق ولا يلزمه كفارة ولا غيرها وهذا مذهب خلق من السلف والخلف صح ذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبى طالب كرم الله وجهه
قال بعض الفقهاء المالكية وأهل الظاهر ولا يعرف لعلى في ذلك مخالف من الصحابة هذا لفظ أبى القاسم التيمي في شرح أحكام عبد الحق وقاله قبله أبو محمد بن حزم وصح ذلك عن طاوس اجل أصحاب بن عباس رضى الله عنه وأفقههم على الإطلاق قال عبد الرزاق في مصنفة أنبأنا بن جريج قال أخبرني بن طاوس عن أبيه انه كان يقول الحلف بالطلاق ليس شيئا قلت أكان يراه يمينا قال لا أدري وهذا أصح إسناد عمن هو من أجل التابعين وأفقههم وقد وافقه اكثر من أربعمائة عالم ممن بنى فقهه على نصوص الكتاب والسنة دون القياس ومن آخرهم أبو محمد بن حزم قال في كتابه المحلى مسألة اليمين بالطلاق لا يلزم سواء بر أوحنث لا يقع به طلاق ولا طلاق إلا كما أمر الله تعالى ولا يمين إلا كما شرع الله تعالى على لسان رسوله ثم قرر ذلك وساق اختلاف الناس في ذلك ثم قال فهؤلاء على بن أبى طالب كرم الله وجهه وشريح وطاوس لا يقضون بالطلاق على من حلف به فحنث ولا يعرف في ذلك لعلى كرم الله وجهة مخالف من الصحابة رضى الله عنهم
قلت أما اثر على رضى الله عنه فرواه حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن أن رجلا تزوج امرأة وأراد سفرا فأخذه أهل امرأته فجعلها طالقا إن لم يبعث
99
بنفقتها إلى شهر فجاء الأجل ولم يبعث إليها بشيء فلما قدم خاصموه إلى على فقال علي كرم الله وجهه اضطهدتموه حتى جعلها طالقا فردها عليه ولا متعلق لهم بقوله اضطهدتموه لأنه لم يكن هناك إكراه فإنهم إنما طالبوه بحق نفقتها فقط ومعلوم أن ذلك ليس بإكراه على الطلاق ولا على اليمين وليس في القصة انهم اكرهوه بالقتل أو بالضرب أو بالحبس أو أخذ المال على اليمين حتى يكون يمين مكره والسائلون لم يقولوا لعلي شيئا من ذلك ألبته وإنما خاصموه في حكم اليمين فقط فنزل على كرم الله وجهه ذلك منزلة المضطهد حيث لم يرد طلاق امرأته وإنما أراد التخلص إلى سفره بالحلف فالحالف والمضطهد كل منهما لم يرد طلاق امرأته فالمضطهد محمول على الطلاق تكلم به ليتخلص من ضرر الإكراه والحالف حلف به ليتوصل إلى غرضه من الحض أو المنع أو التصديق أو التكذيب ولو اختلف حال الحالف بين أن يكون مكرها أومختارا لسأله علي كرم الله وجهه عن الإكراه وشروطه وحقيقته وبأي شئ أكره وهذا ظاهر بحمد الله فارض للمقلد بما رضى لنفسه
وأما أثر شريح ففي مصنف عبد الرزاق عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن شريح انه خوصم إليه في رجل طلق امرأته إن أحدث في الإسلام حدثا فاكترى بغلا إلى حمام أعين فتعدى به إصبهان فباعه واشترى به خمرا فقال شريح إن شئتم شهدتم عليه انه طلقها فجعلوا يرددون عليه القصة ويردد عليهم فلم يره حدثا ولا متعلق لقول الراوي إما محمد وإما هشام فلم يره حدثا فإنما ذلك ظن منه قال أبو محمد وأي حدث أعظم ممن تعدى من حمام أعين وهو على مسيرة أميال يسيره من الكوفة إلى أصبهان ثم باع بغل مسلم ظلما واشترى به خمرا
قلت والظاهر أن شريحا لما ردت عليه المرأة ظن من شاهد القصة انه لم ير ذلك حدثا إذ لو رآه حدثا لأوقع عليها الطلاق وشريح إنما ردها لأنه علم انه لم
100
يقصد طلاق امرأته وإنما قصد اليمين فقط فلم يلزمه بالطلاق فقال الراوي فيهم فلم ير ذلك حدثا وشريح افقه في دين الله أن لا يرى مثل هذا حدثا
وممن روى عنه عدم وقوع الطلاق على الحالف إذا حنث عكرمة مولى بن عباس كما ذكره سنيد بن داود في تفسيره في أول سورة النور عنه بإسناده أنه سئل عن رجل حلف بالطلاق انه لا يكلم أخاه فكلمه فلم ير ذلك طلاقا ثم قرأ ! < ولا تتبعوا خطوات الشيطان > !
ومن تأمل المنقول عن السلف في ذلك وجده أربعة أنواع صريح في عدم الوقوع وصريح في الوقوع وظاهر في عدم الوقوع وتوقف عن الطرفين
فالمنقول عن طاوس وعكرمة صريح في عدم الوقوع وعن علي عليه السلام وشريح ظاهر في ذلك وعن بن عيينه صريح في التوقف وأما التصريح بالوقوع فلا يؤثر عن صحابي واحد إلا فيما هو محتمل لإرادة الوقوع عند الشرط كالمنقول عن ابي ذر بل الثابت عن الصحابة عدم الوقوع في صورة العتق الذي هو أولى بالنفوذ من الطلاق ولهذا ذهب إليه أبو ثور وقال القياس أن الطلاق مثله إلا أن تجمع الأمة عليه فتوقف في الطلاق لتوهم الإجماع وهذا عذر أكثر الموقعين للطلاق وهو ظنهم أن الإجماع على الوقوع مع اعترافهم انه ليس في الكتاب والسنة والقياس الصحيح ما يقتضى الوقوع وإذا تبين انه ليس في المسألة إجماع تبين أن لا دليل أصلا يدل على الوقوع والأدلة الدالة على عدم الوقوع في غاية القوة والكثرة وكثير منها لا سبيل إلى دفعه فكيف يجوز معارضتها بدعوى إجماع قد علم بطلانه قطعا فليس بأيدي الموقعين آية من كتاب أوسنة ولا أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه ولا قياس صحيح والقائلون بعدم الوقوع لو لم يكن معهم إلا الاستصحاب الذي لا يجوز الانتقال عنه إلا لما هو أقوى منه لكان كافيا فكيف ومعهم الاقيسة التي أكثرها من باب قياس الأولى والباقي من القياس المساوي وهو قياس النظير على نظيره والآثار
101
والعمومات والمعاني الصحيحة والحكم والمناسبات التي شهد لها الشرع بالاعتبار ما لم يدفعهم منازعوهم عنهم بحجة أصلا وقولهم وسط بين قولين متباينين غاية التباين أحدهما قول من يعتبر التعليق فيوقع به الطلاق على كل حال سواء كان تعليقا قسميا يقصد به الحالف منع الشرط والجزاء أوتعليقا شرطيا يقصد به حصول الجزاء عند حصول الشرط والثاني قول من يقول إن هذا التعليق كله لغو لا يصح بوجه ما ولا يقع الطلاق به ألبته كما سنذكره في المخرج الذي بعد هذا إن شاء الله فهؤلاء توسطوا بين الفريقين وقالوا يقع الطلاق في صورة التعليق المقصود به وقوع الجزاء ولا يقع صورة التعليق القسمى وحجتهم قائمة على الفريقين وليس لأحد منهما حجة صحيحة عليهم بل كل حجة صحيحة احتج بها الموقعون فإنما تدل على الوقوع في صورة التعليق المقصود وكل حجة احتج بها المانعون صحيحة فإنما تدل على عدم الوقوع في صورة التعليق القسمي فهم قائلون بمجموع حجج الطائفتين وجامعون للحق الذي مع الفريقين ومعارضون قول كل من الفريقين وحججهم بقول الفريق الآخر وحججهم
فصل الطلاق المعلق بالشرط
المخرج التاسع أخذه بقول من يقول إن الطلاق المعلق بالشرط لا يقع ولا يصح تعليق الطلاق كما لا يصح تعليق النكاح وهذا اختيار أبى عبد الرحمن احمد بن يحيى بن عبد العزيز الشافعي أحد أصحاب الشافعي الاجلة أوأجلهم وكان الشافعي يجله ويكرمه ويكنيه ويعظمه وأبو ثور وكانا يكرمانه وكان بصره ضعيفا فكان الشافعي يقول لا تدفعوا إلى أبى عبد الرحمن الكتاب يعارض به فإنه يخطئ وذكره أبو إسحاق الشيرازي في طبقات أصحاب الشافعي ومحل الرجل من العلم والتضلع منه لا يدفع وهو في العلم بمنزلة ابي ثور وتلك الطبقة وكان رفيق ابي ثور وهو أجل من جميع اصحاب الوجوه من المنتسبين
102
إلى الشافعي فإذا نزل بطبقته إلى طبقة اصحاب الوجوه كان قوله وجها وهو أقل درجاته
وهذا مذهب لم ينفرد به بل قد قال به غيره من أهل العلم قال ابو محمد بن حزم في المحلى والطلاق بالصفة عندنا كما هو الطلاق باليمين كل ذلك لا يلزم وبالله التوفيق ولا يكون طلاقا إلا كما امر الله تعالى وعلمه وما عداه فباطل وتعد لحدود الله تعالى
وهذا القول وإن لم يكن قويا في النظر فإن الموقعين للطلاق لا يمكنهم إبطاله ألبته لتناقضهم وكان أصحابه يقولون لهم قولنا في تعليق الطلاق بالشرط كقولكم في تعليق الابراء أوالهبة والوقف والبيع والنكاح سواء فلا يمكنكم ألبته ان تفرقوا بين ما صح تعليقه من عقود التبرعات والمعاوضات والاسقاطات بالشروط ومالا يصح تعليقه فلا تبطلوا قول منازعيكم في صحة تعليق الطلاق بالشرط بشئ إلا كان هو بعينه حجة عليكم في إبطال قولكم في منع صحة تعليق الابراء والهبة والوقف والنكاح فما الذي اوجب إلغاء هذا التعليق وصحة ذلك التعليق فإن فرقتم بالمعاوضة وقلتم إن عقود المعاوضات لا تقبل التعليق بخلاف غيرها انتقض عليكم طردا بالجعالة وعكسا بالهبة والوقف فانتقض عليكم الفرق طردا وعكسا وإن فرقتم بالتمليك والاسقاط فقلتم عقود التمليك لا تقبل التعليق بخلاف عقود الاسقاط انتقض ايضا طرده بالوصية وعكسه بالابراء فلا طرد ولا عكس وإن فرقتم بالادخال في ملكه والاخراج عن ملكه فصححتم التعليق في الثاني دون الاول انتقض ايضا فرقكم فإن الهبة والابراء إخراج عن ملكه ولا يصح تعليقهما عندكم وإن فرقتم بما يحتمل الغرر ومالا يحتمله فما يحتمل الغرر والاخطار يصح تعليقه بالشرط كالطلاق والعتق والوصية ومالا يحتمله لا يصح تعليقه كالبيع والنكاح والاجارة انتقض عليكم بالوكالة فإنها لا تقبل التعليق عندكم وتحتمل الخطر ولهذا يصح
103
أن يوكله في شراء عبد ولا يذكر قدره ولا وصفه ولا سنه ولا ثمنه بل يكفى ذكر جنسه فقط أوأن يوكله في شراء دار ويكتفى بذكر محلها وسكنها فقط وأن يوكله في التزوج بامرأة فقط ولا يزيد على كونها امرأة ولا يذكر له جنس مهرها ولا قدره ولا وصفه وأي خطر فوق هذا ومع ذلك منعتم من تعليقها بالشرط وطرد هذا الفرق يوجب عليكم صحة تعليق النكاح بالشرط فإنه يحتمل من الخطر ما لا يحتمل غيره من العقود فلا يشترط فيه رؤية الزوجة ولا صفتها ولا تعيين العوض جنسا ولا قدرا ولا وصفا ويصح مع جهالته وجهالة المرأة ولا يعلم عقد يحتمل من الخطر ما يحتمله فهو أولى بصحة التعليق من الطلاق والعتاق إن صح هذا الفرق
وقد نص الشافعي على صحة تعليقه فيما لو قال إن كانت جاريتي ولدت بنتا فقد زوجتكها وهذا وإن لم يكن تعليقا على شرط مستقبل فليس بمنزلة قوله متى ولدت جارية فقد زوجتكها لان هذا فيه خطر ليس في صورة النص وهذا فرق صحيح ولكن لم يوفوه حقه ولم يطرد فقهه فلو قال إن كان ابي مات وورثت منه هذا المتاع فقد بعتكه ابطلتموه وقلتم هو بيع معلق على شرط والبطلان ها هنا في غاية البعد من الفقه ولا معنى تحته ولا خطر هناك ولا غرر ألبته وقد نص الامام احمد على صحة تعليق النكاح على الشرط
قال صاحب المستوعب وأما اذا علق انعقاد النكاح على شرط مثل ان يقول زوجتك إذا جاء رأس الشهر أوإذا رضيت أمها ففيه روايتان أحداهما يبطل النكاح من أصله والاخرى يصح وذكر في الفصل انه إذا تزوجها بشرط الخيار وان جاءها بالمهر إلى وقت كذاوإلا فلا نكاح بينهما ففيه روايتان إحدهما يبطل النكاح من أصله والثانية يبطل الشرط ويصح العقد ونص عليه في رواية الاثرم وقد ذكر القاضي رواية عنه انه إذا تزوجها بشرط الخيار يصح العقد والشرط جميعا فصار عنه ثلاث روايات صحة العقد والشرط
104
وبطلانهما وصحة العقد وفساد الشرط لكن هذا فيما اذا شرط الخيار أوان جاءها بالمهر إلى وقت كذا وإلا فلا نكاح بينهما وأما إذا قال زوجتك إن رضيت أمها فنص على صحة العقد إذا رضيت امها وقال هو نكاح وقال في رواية عبد الله وصالح وحنبل نكاح المتعة حرام وكل نكاح فيه وقت أوشرط فاسد
والمقصود ان المفرقين بين ما يقبل التعليق بالشرط وما لا يقبل إلى الآن لم يستقر لهم ضابط في الفرق فمن قال من أهل الظاهر وغيرهم إن الطلاق لا يصح تعليقه بالشرط لم يتمكن من الرد عليه من قوله مضطرب فيما يعلق وما لا يعلق ولا يرد عليه بشئ إلا تمكن من رده عليهم بمثله أوأقوى منه وإن ردوا عليه بمخالفته لآثار الصحابة رد عليهم بمخالفة النصوص المرفوعة في صور عديدة قد تقدم ذكر بعضها وإن فرقوا طالبهم بضابط ذلك أولا وبتأثير الفرق شرعا ثانيا فإن الوصف الفارق لا بد ان يكون مؤثرا كالوصف الجامع فإنه لا يصح تعليق الاحكام جمعا وفرقا بالاوصاف التي لا يعلم ان الشارع اعتبرها فإنه وضع شرع لم يأذن به الله وبالجملة فليس بطلان هذا القول اظهر في الشريعة من بطلان التحليل بل العلم بفساد نكاح التحليل أظهر من العلم بفساد هذا القول فإذا جاز التقرير على التحليل وترك إنكاره مع ما فيه من النصوص والآثار التي اتفق عليها اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنع منه ولعن فاعله وذمه فالتقرير على هذا القول أجود وأجوز
هذا ما لا يستريب فيه عالم منصف وإن كان الصواب في خلاف القولين جميعا ولكن احدهما أقل خطأ وأقرب إلى الصواب والله اعلم
فصل زاول سبب اليمين
المخرج العاشر مخرج زوال السبب وقد كان الأولى تقديمه على هذا
105
المخرج لقوته وصحته فإن الحكم يدور مع علته وسببه وجودا وعدما ولهذا إذا علق الشارع حكما بسبب أوعلة زال ذلك الحكم بزوالهما كالخمر علق بها حكم التنجيس ووجوب الحد لوصف الإسكار فإذا زال عنها وصارت خلا زال الحكم وكذلك وصف الفسق علق عليه المنع من قبول الشهادة والرواية فإذا زال الوصف زال الحكم الذي علق عليه وكذلك السفه والصغر والجنون والاغماء تزول الاحكام المعلقة عليها بزوالها والشريعة مبنية على هذه القاعدة فهكذا الحالف إذا حلف على أمر لا يفعله لسبب فزال السبب لم يحنث بفعله لأن يمينه تعلقت به لذلك الوصف فإذا زال الوصف زال تعلق اليمين فإذا دعى إلى شراب مسكر ليشربه فحلف ان لا يشربه فانقلب خلا فشربه لم يحنث فإن منع نفسه منه نظير منع الشارع فإذا زال منع الشارع بانقلابه خلا وجب ان يزول منع نفسه بذلك والتفريق بين الامرين تحكم محض لا وجه له فإذا كان التحريم والتنجيس ووجوب الاراقة ووجوب الحد وثبوت الفسق قد زال بزوال سببه فما الموجب لبقاء المنع في صورة اليمين وقد زال سببه وهل يقتضى محض الفقه إلا زوال حكم اليمين
يوضحه أن الحالف يعلم من نفسه انه لم يمنعها من شرب غير المسكر ولم يخطر بباله فإلزامه ببقاء حكم اليمين وقد زال سببها إلزام بما لم يلتزمه هو ولا الزمه به الشارع وكذلك لو حلف على رجل أن لا يقبل له قولا ولا شهادة لما يعلم من فسقه ثم تاب وصار من خيار الناس فإنه يزول حكم المنع باليمين كما يزول حكم المنع من ذلك بالشرع وكذلك اذا حلف ان لا يأكل هذا الطعام أولا يلبس هذا الثوب أولا يكلم هذه المرأة ولا يطأها لكونه لا يحل له ذلك فملك الطعام والثوب وتزوج المرأة فأكل الطعام ولبس الثوب ووطئ المرأة لم يحنث لأن المنع بيمينه كالمنع بمنع الشارع ومنع الشارع يزول بزوال الاسباب التي ترتب عليها المنع فذلك منع الحالف وكذلك إذا حلف
106
لا دخلت هذه الدار وكان سبب يمينه انها تعمل فيها المعاصي وتشرب الخمر فزال ذلك وعادت مجمعا للصالحين وقراءة القرآن والحديث أوقال لا أدخل هذا المكان لأجل ما رأى فيه من المنكر فصار بيتا من بيوت الله تقام فيه الصلوات لم يحنث بدخوله وكذلك إذا حلف لا يأكل لفلان طعاما وكان سبب اليمين أنه يأكل الربا ويأكل أموال الناس بالباطل فتاب وخرج من المظالم وصار طعامه من كسب يده أوتجارة مباحة لم يحنث بأكل طعامه ويزول حكم منع اليمين كما يزول حكم منع الشارع وكذلك لو حلف لا بايعت فلانا وسبب يمينه كونه مفلسا أوسفيها فزال الافلاس والسفه فبايعه لم يحنث وأضعاف أضعاف هذه المسأئل كما إذا اتهم بصحبة مريب فحلف لا أصاحبه فزالت الريبة وخلفها ضدها فصاحبه لم يحنث وكذلك لو حلف المريض لا يأكل لحما أوطعاما وسبب يمينه كونه يزيد في مرضه فصح وصار الطعام نافعا له لم يحنث بأكله
وقد صرح الفقهاء بمسائل من هذا الجنس فمنها لو حلف لوال ان لا أفارق البلد إلا بإذنك فعزل ففارق البلد بغير إذنه لم يحنث ومنها لو حلف على زوجته لا تخرجين من بيتي إلا بإذنى أوعلى عبده لا يخرج إلا بإذنه ثم طلق الزوجة واعتق العبد فخرجا بغير إذنه لم يحنث ذكره أصحاب الامام احمد قال صاحب المغنى لان قرينة الحال تنقل حكم الكلام إلى نفسها وهو يملك منع الزوجة والعبد مع ولايته عليهما فكأنه قال ما دمتما في ملكى ولأن السبب يدل على النية في الخصوص كدلالته عليها في العموم وكذلك لو حلف لقاض ان لا أرى منكرا إلا رفعته اليك فعزل لم يحنث بعدم الرفع إليه بعد العزل وكذلك إذا حلف لامرأته ألا أبيت خارج هذه الدار فماتت أوطلقها لم يحنث إذا بات خارجها وكذلك إذا حلف على ابنه ألا يبيت خارج البيت لخوفه عليه من الفساق لكونه أمرد فالتحى وصار شيخا لم يحنث بمبيته
107
خارج الدار وهذا كله مذهب مالك واحمد فإنهما يعتبران النية في الايمان 8 وبساط اليمين وسببها وما هيجها فيحملان اليمين على ذلك
وقال ابوعمر بن عبد البر في كتاب الايمان من كتابة الكافي في مذهب مالك والاصل في هذا الباب مراعاة ما نواه الحالف فإن لم تكن له نية نظر إلى بساط قصته وما أثاره على الحلف ثم حكم عليه بالأغلب من ذلك في نفوس أهل وقته
وقال صاحب الجواهر المقتضيات للبر والحنث امور الاول النية اذا كانت مما يصلح ان يراد اللفظ بها سواء كانت مطابقة له أوزائدة فيه أوناقصة عنه بتقييد مطلقه وتخصيص عامه الثاني السبب المثير لليمين يتعرف منه ويعبر عنه بالبساط أيضا وذلك ان القاصد لليمين لا بد ان تكون له نية وإنما يذكرها في بعض الاوقات وينساها في بعضها فيكون المحرك على اليمين وهو البساط دليلا عليها لكن قد يظهر مقتضى المحرك ظهورا لا إشكال فيه وقد يخفى في بعض الحالات وقد يكون ظهوره وخفاؤه بالاضافة
وكذلك اصحاب الامام احمد صرحوا باعتبار النية وحمل اليمين على مقتضاها فإن عدمت رجع إلى سبب اليمين وما هيجها فحمل اللفظ عليه لانه دليل على النية حتى صرح أصحاب مالك فيمن دفن مالا ونسى مكانه فبحث عنه فلم يجده فحلف على زوجته انها هي التي اخذته ثم وجده لم يحنث قالوا لان قصده ونيته إنما هو إن كان المال قد ذهب فأنت التي أخذته فتأمل كيف جعلوا القصد والنية في قوة الشرط وهذا هو محض الفقه
ونظير هذا ما لو دعى إلى طعام فظنه حراما فحلف لا أطعمه ثم ظهر أنه حلال لا شبهة فيه فإنه لا يحنث بأكله لان يمينه إنما تعلقت به إن كان حراما وذلك قصده
108
ومثله لو مر به رجل فسلم عليه فحلف لا يرد عليه السلام لظنه انه مبتدع أوظالم أو فاجر فظهر انه غير ذلك الذي ظنه لم يحنث بالرد عليه
ومثله لو قدمت له دابة ليركبها فظنها قطوفا أو جموحا أو متعسرة الركوب فحلف لا يركبها فظهرت له بخلاف ذلك لم يحنث بركوبها
وقال ابو القاسم الخرقي في مختصره ويرجع في الايمان إلى النية فإن لم ينو شيئا رجع إلى سبب اليمين وماهيجها وقال أصحاب الامام احمد اذا دعى إلى غداء فحلف ان لا يتغدى أوقيل له اقعد فحلف ان لا يقعد اختصت يمينه بذلك الغداء وبالقعود في ذلك الوقت لان عاقلا لا يقصد ان لا يتغدى أبدا ولا يقعد أبدا
ثم قال صاحب المغنى إن كان له نية فيمينه على ما نوى وإن لم تكن له نية فكلام احمد يقتضى روايتين إحداهما ان اليمين محمولة على العموم لان احمد سئل عن رجل حلف ان لا يدخل بلدا لظلم رآه فيه فزال الظلم قال احمد النذر يوفى به يعنى لا يدخله ووجه ذلك ان لفظ الشارع إذا كان عاما لسبب خاص وجب الاخذ بعموم اللفظ دون خصوص السبب كذلك يمين الحالف ونازعه في ذلك شيخنا فقال إنما منعه احمد من دخول البلد بعد زوال الظلم لأنه نذر لله ألا يدخلها وأكد نذره باليمين والنذر قربة فقد نذر التقرب إلى الله بهجران ذلك البلد فلزمه الوفاء بما نذره هذا هو الذي فهمه الامام احمد وأجاب به السائل حيث قال النذر يوفى به ولهذا منع النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرين من الاقامة بمكة بعد قضاء نسكهم فوق ثلاثة أيام لأنهم تركوا ديارهم لله فلم يكن لهم العود فيها وإن زال السبب الذي تركوها لأجله وذلك نظير مسألة ترك البلد للظلم والفواحش التي فيه إذا نذره الناذر فهذا سر جوابه وإلا فمذهبه الذي عليه نصوصه وأصوله اعتبار
109
النية والسبب في اليمين وحمل كلام الحالفين على ذلك وهذا في نصوصه أكثر من أن يذكر فلينظر فيها
وأما مذهب أصحاب أبى حنيفة فقال في كتاب الذخائر في كتاب الايمان الفصل السادس في تقييد الايمان المطلقة بالدلالة اذا أرادت المرأة الخروج من الدار فقال الزوج إن خرجت من الدار فأنت طالق فجلست ساعة ثم خرجت لا تطلق وكذلك لو أراد رجل ان يضربه فحلف آخر أن لا يضربه فهذا على تلك الضربة حتى لو مكث ساعة ثم ضربه لا يحنث ويسمى هذا يمين الفور وهذا الخرجة التي قصد والضربة التي قصد هي المقصود بالمنع منها عرفا وعادة فيتعين ذلك بالعرف والعادة وإذا دخل الرجل على الرجل فقال تعال تغد معي فقال والله لا اتغدى فذهب إلى بيته وتغدى مع أهله لا يحنث وكذلك اذا قال الرجل لغيره كل مع فلان فقال والله لا آكل ثم ذكر تقرير ذلك بأنه جواب لقول الآمر له والجواب كالمعاد في السؤال فإنه يتضمن ما فيه قال وليس كابتداء اليمين لان كلامه لم يخرج جوابا بالتقييد بل خرج ابتداء هو مطلق عن القيد فينصرف إلى كل غداء قال وإذا قال لغيره كلم لي زيدا اليوم في كذا فقال والله لا أكلمه فهذا يختص باليوم لانه خرج جوابا عن الكلام السابق وعلى هذا إذا قال له إيتنى اليوم فقال امرأته طالق إن أتاك وقد صرح أصحاب ابي حنيفة بأن النية تعمل في اللفظ لتعيين ما احتمله اللفظ فإذا تعين باللفظ ولم يكن اللفظ محتملا لما نوى لم تؤثر النية فيه فإنه حينئذ يكون الاعتبار بمجرد النية ومجرد النية لا أثر لها في إثبات الحكم فإذا احتملها اللفظ فعينت بعض محتملاته أثرت حينئذ قالوا ولهذا لو قال إن لبست ثوبا أوأكلت طعاما أوشربت شرابا أوكلمت امرأة فامرأته طالق ونوى ثوبا أو طعاما أو شرابا أو امرأة معينا دين فيما بينه وبين الله وقبلت نيته بغير خلاف ولو حذف المفعول
110
واقتصر على الفعل فكذلك عند ابي يوسف في رواية عنه والخصاف وهو قول الشافعي واحمد ومالك
والمقصود ان النية تؤثر في اليمين تخصيصا وتعميما وإطلاقا وتقييدا والسبب يقوم مقامها عند عدمها ويدل عليها فيؤثر ما يؤثره وهذا هو الذي يتعين الافتاء به ولا يحمل الناس على ما يقطع انهم لم يريدوه بأيمانهم فكيف اذا علم قطعا انهم أرادوا خلافه والله أعلم
والتعليل يجري مجرى الشرط فإذا قال أنت طالق لأجل خروجك من الدار فبان انها لم تخرج لم تطلق قطعا صرح به صاحب الارشاد فقال وان قال انت طالق أن دخلت الدار بنصب الألف والحالف من أهل اللسان ولم يتقدم لها دخول قبل اليمين بحال لم تطلق ولم يذكر فيه خلافا وقد قال الأصحاب وغيرهم إنه إذا قال انت طالق وقال أردت الشرط دين فكذلك إذا قال لأجل كلامك زيدا أوخروجك من داري بغير إذني فإنه يدين ثم إن تبين انها لم تفعل لم يقع الطلاق ومن افتى بغير هذا فقد وهم على المذهب والله اعلم
فصل خلع اليمين
المخرج الحادي عشر خلع اليمين عند من يجوزه كأصحاب الشافعي وغيرهم وهذا وإن كان غير جائز على قول أهل المدينة وقول الامام احمد وأصحابه كلهم فإذا دعت الحاجة إليه أوالى التحليل كان أولى من التحليل من وجوه عديده
أحدها ان الله تعالى شرع الخلع رفعا لمفسدة المشاقة الواقعة بين الزوجين وتخلص كل منهما من صاحبه فإذا شرع الخلع رفعا لهذه المفسدة التي هي بالنسبة إلى مفسدة التحليل كتفلة في بحر فتسويغه لدفع مفسدة التحليل أولى
111
يوضحه الوجه الثانى ان الحيل المحرمة انما منع منها لما تتضمنه من الفساد الذى اشتملت عليه تلك المحرمات التى يتحيل عليها بهذه الحيل واما حيلة ترفع مفسدة هي من أعظم المفاسد فإن الشارع لا يحرمها
يوضحه الوجه الثالث ان هذه الحيلة تتضمن مصلحة بقاء النكاح المطلوب للشارع بقاؤه ودفع مفسدة التحليل التي بالغ الشارع كل المبالغة في دفعه والمنع منه ولعن اصحابه فحيلة تحصل المصلحة المطلوب ايجادها وتدفع المفسدة المطلوب اعدامها لا يكون ممنوعا منها
الوجه الرابع ان ما حرمه الشارع فإنما حرمه لما يتضمنه من المفسدة الخالصة أوالراجحة فإذا كانت مصلحة خالصة أوراجحة لم يحرمه البتة وهذا الخلع مصلحته ارجح من مفسدته
الوجه الخامس ان غاية ما في هذا الخلع اتفاق الزوجين ورضاهما بفسخ النكاح بغير شقاق واقع بينهما واذا وقع الخلع من غير شقاق صح وكان غايته الكراهية لما فيه من مفسدة المفارقة وهذا الخلع اريد به لم شعث النكاح بحصول عقد بعده يتمكن الزوجان فيه من المعاشرة بالمعروف وبدونه لا يتمكنان من ذلك بل اما خراب البيت وفراق الأهل وإما التعرض للعنة من لا يقوم للعنته شيء وإما التزام ما حلف عليه وان كان فيه فساد دنياه واخراه كما اذا حلف ليقتلن ولده اليوم أوليشربن هذا الخمر أوليطأن هذا الفرج الحرام أوحلف انه لا يأكل ولا يشرب ولايستظل بسقف ولا يعطى فلانا حقه ونحو ذلك فإذا دار الامر بين مفسدة التزام المحلوف عليه أومفسدة الطلاق وخراب البيت وشتات الشمل أو مفسدة التزام لعنة الله بارتكاب التحليل وبين ارتكاب الخلع المخلص من ذلك جميعه لم يخف على العاقل أي ذلك اولى
الوجه السادس انهما لو اتفقا على ان يطلقها من غير شقاق بينهما بل ليأخذ
112
غيرها لم يمنع من ذلك فإذا اتفقا على الخلع ليكون سببا إلى دوام اتصالهما ا كان أولى وأحرى
ويوضحه الوجه السابع ان الخلع إن قيل إنه طلاق فقد اتفقا على الطلاق بعوض لمصلحة لهما في ذلك فما الذي يحرمه وإن قيل إنه فسخ فلا ريب أن النكاح من العقود اللازمة والعقد اللازم إذا اتفق المتعاقدان على فسخه ورفعه لم يمنعا من ذلك إلا أن يكون العقد حقا لله والنكاح محض حقهما فلا يمنعان من الاتفاق على فسخه
الوجه الثامن ان الآية اقتضت جواز الخلع إذا خاف الزوجان ألا يقيما حدود الله فكان الخلع طريقا إلى تمكنهما من إقامة حدود الله وهي حقوقه الواجبة عليهما في النكاح فإذا كان الخلع مع استقامة الحال طريقا إلى تمكنهما من إقامة حدوده التي تعطل ولا بد بدون الخلع تعين الخلع حينئذ طريقا إلى إقامتها
فإن قيل لا يتعين الخلع طريقا بل ها هنا طريقان آخران احدهما مفارقتهما والثاني عدم إلزام الطلاق بالحنث إذا أخرجه مخرج اليمين إما بكفارة أوبدونها كما هي ثلاثة أقوال للسلف معروفة صرح بها ابو محمد بن حزم وغيره
قيل نعم هذان طريقان ولكن إذا أحكم سدهما غاية الاحكام ولم يمكنه سلوك أحدهما وأيهما سلك ترتب عليه غاية الضرر في دينه ودنياه لم يحرم عليه والحالة هذه سلوك طريق الخلع وتعين في حقه طريقان إما طريق الخلع واما سلوك طريق أرباب اللعنة
وهذه المواضع وأمثالها لا تحتملها إلا العقول الواسعة التي لها إشراف على أسرار الشريعة ومقاصدها وحكمها وأما عقل لا يتسع لغير تقليد من اتفق له تقليده وترك جميع أقوال أهل العلم لقوله فليس الكلام معه
113
الوجه التاسع أن غاية ما منع المانعون من صحة هذا الخلع انه حيلة والحيل باطلة ومنازعوهم ينازعونهم في كلتا المقدمتين فيقولون الاعتبار في العقود بصورها دون نياتها ومقاصدها فليس لنا ان نسأل الزوج إذا اراد خلع امرأته ما أردت بالخلع وما السبب الذي حملك عليه هل هو المشاقة أوالتخلص من اليمين بل نجري حكم التخالع على ظاهره ونكل سرائر الزوجين إلى الله قالوا ولو ظهر لنا قصد الحيلة فالشأن في المقدمة الثانية فليس كل حيلة باطلة محرمة وهل هذا الفصل الطويل الذي نحن فيه إلا في أقسام الحيل والحيلة المحرمة الباطلة هي التي تتضمن تحليل ما حرمه الله أوتحريم ما أحله الله أوإسقاط ما أوجبه وأما حيلة تتضمن الخلاص من الآصار والاغلال والتخلص من لعنه الكبير المتعال فاهلا بها من حيلة وبأمثالها والله يعلم المفسد من المصلح والمقصود تنفيذ امر الله ورسوله بحسب الامكان والله المستعان
الوجه العاشر أنه ليس القول ببطلان خلع اليمين أولى من القول بلزوم الطلاق للحالف به غير القاصد له فهلم نحاكمكم إلى كتاب الله وسنة رسوله واقوال الصحابة رضى الله عنهم وقواعد الشريعة المطهرة وإذا وقع التحاكم تبين أن القول بعدم لزوم الطلاق للحالف به أقوى ادلة وأصح أصولا وأطرد قياسا وأوفق لقواعد الشرع وأنتم معترفون بهذا شئتم ام أبيتم فإذا ساغ لكم العدول عنه إلى القول المتناقض المخالف للقياس ولما أفتى به الصحابة ولما تقتضيه قواعد الشريعة وأصولها فلأن يسوغ لنا العدول عن قولكم ببطلان خلع اليمين إلى ضده تحصيلا لمصلحة الزوجين ولما لشعث النكاح وتعطيلا لمفسدة التحليل وتخلصا لامرأين مسلمين من لعنة الله ورسوله أولى وأحرى والله أعلم
114
فصل الحلف بالطلاق من الأيمان التي تدخلها الكفارة
المخرج الثاني عشر اخذه بقول من يقول الحلف بالطلاق من الايمان الشرعية التي تدخلها الكفارة وهذا أحد الأقوال في المسألة حكاه أبو محمد بن حزم في كتاب مراتب الاجماع له فقال واختلفوا فيمن حلف بشئ غير أسماء الله أوبنحر ولده أو هديه أو أجنبي أو بالمصحف أو بالقران أوبنذر اخرجه مخرج اليمين أوبأنه مخالف لدين المسلمين أوبطلاق أوبظهار أوتحريم شئ من ماله ثم ذكر صورا أخرى ثم قال فاختلفوا في جميع هذه الامور أفيها كفارة ام لا ثم قال واختلفوا في اليمين بالطلاق اهو طلاق فيلزم أوهو يمين فلا يلزم حكى في كونه طلاقا فيلزم أويمينا لا يلزم قولين وحكى قبل ذلك هل فيه كفارة ام لا على قولين واختار هو الا يلزم ولا كفارة فيه وهذا اختيار شيخنا ابى محمد بن تيمية اخى شيخ الاسلام
قال شيخ الاسلام والقول بأنه يمين مكفرة هو مقتضى المنقول عن الصحابة في الحلف بالعتق بل بطريق الأولى فإنهم اذا افتوا من قال إن لم افعل كذا فكل مملوك لى حر بأنه يمين تكفر فالحالف بالطلاق اولى قال وقد علق القول به ابو ثور فقال إن لم تجمع الامة على لزومه فهو يمين تكفر وقد تبين أن الامة لم تجمع على لزومه وحكاه شيخ الاسلام عن جماعة من العلماء الذين سمت هممهم وشرفت نفوسهم فارتفعت عن حضيض التقليد المحض إلى أوج النظر والاستدلال ولم يكن مع خصومه ما يردون به عليه اقوى من الشكاية إلى السلطان فلم يكن له برد هذه الحجة قبل وأما ما سواها فبين فساد جميع حججهم ونقضها أبلغ نقض وصنف في المسألة ما بين مطول ومتوسط ومختصر ما يقارب الفى ورقة وبلغت الوجوه التي
115
استدل بها عليها من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والقياس وقواعد إمامه خاصة وغيره من الائمة زهاء أربعين دليلا وصار إلى ربه وهو مقيم عليها داع اليها مباهل لمنازعيه باذل نفسه وعرضه وأوقاته لمستفتيه فكان يفتى في الساعة الواحدة فيها بقلمه ولسانه أكثر من أربعين فتيا فعطلت لفتاواه مصانع التحليل وهدمت صوامه وبيعه وكسدت سوقه وتقشعت سحائب اللعنه عن المحللين والمحلل لهم من المطلقين وقامت سوق الاستدلال بالكتاب والسنة والاثار السلفية وانتشرت مذاهب الصحابة والتابعين وغيرهم من أئمة الاسلام للطالبين وخرج من حبس تقليد المذهب المعين به من كرمت عليه نفسه من المستبصرين فقامت قيامه اعدائه وحساده ومن لا يتجاوز ذكر اكثرهم باب داره أومحلته وهجنوا ما ذهب إليه بحسب المستجيبين لهم غاية التهجين فمن استخفوه من الطغام واشباه الانعام قالوا هذا قد رفع الطلاق بين المسلمين وكثر أولاد الزنى في العالمين ومن صادفوا عنده مسكة عقل ولب قالوا هذا قد أبطل الطلاق المعلق بالشرط وقالوا لمن تعلقوا به من الملوك والولاة هذا قد حل بيعة السلطان من اعناق الحالفين ونسوا انهم هم الذين حلوها بخلع اليمين وأما هو فصرح في كتبه ان ايمان الحالفين لا تغير شرائع الدين فلا يحل لمسلم حل بيعه السلطان بفتوى احد من المفتين ومن أفتى بذلك كان من الكاذبين المفترين على شريعة احكم الحاكمين ولعمر الله لقد منى من هذا بما منى به من سلف من الائمة المرضيين فما اشبه الليلة بالبارحة للناظرين فهذا مالك بن أنس توصل أعداؤه إلى ضربه بأن قالوا للسلطان إنه يحل عليك أيمان البيعة بفتواه ان يمين المكره لا تنعقد وهم يحلفون مكرهين غير طائعين فمنعه السلطان فلم يمتنع لما اخذه الله من الميثاق على من آتاه الله علما ان يبينه للمسترشدين ثم تلاه على اثره محمد بن ادريس الشافعي فوشى به اعداؤه إلى الرشيد انه يحل
116
ايمان البيعة بفتواه ان اليمين بالطلاق قبل النكاح لا تنعقد ولا تطلق إن تزوجها الحالف وكانوا يحلفونهم في جملة الايمان وان كل امرأة اتزوجها فهي طالق وتلاهما على اثارهما شيخ الاسلام فقال حساده هذا ينقض عليكم ايمان البيعة فما فت ذلك في عضد ائمة الاسلام ولا ثنى عزماتهم في الله وهممهم ولا صدهم ذلك عما اوجب الله عليهم اعتقاده والعمل به من الحق الذي اداهم إليه اجتهادهم بل مضوا لسبيلهم وصارت اقوالهم اعلاما يهتدي بها المهتدون تحقيقا لقوله تعالى ! < وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون > !
الصحابة والتابعون ومن بعدهم افتوا بمثل ما قلنا
ومن له اطلاع وخبرة وعناية بأقوال العلماء يعلم انه لم يزل في الاسلام من عصر الصحابة من يفتي في هذه المسألة بعدم اللزوم والى الآن
فأما الصحابة فقد ذكرنا فتاواهم في الحلف بالعتق بعدم اللزوم وان الطلاق اولى منه وذكرنا فتوى علي بن ابي طالب كرم الله وجهه بعدم لزوم اليمين بالطلاق وانه لا مخالف له من الصحابة
واما التابعون فذكرنا فتوى طاوس بأصح اسناد عنه وهو من اجل التابعين وافتى عكرمة وهو من اغزر اصحاب بن عباس علما على ما افتى به طاوس سواء قال سنيد بن داود في تفسيره المشهور في قوله تعالى ! < يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر > ! حدثنا إسماعيل بن ابراهيم عن سليمان التيمي عن ابي مجلز في قوله تعالى ! < يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر > ! قال النذور في المعاصي حدثنا عباد بن عباد المهلبي عن عاصم الاحول عن عكرمة في رجل قال لغلامه ان لم
117
اجلدك مائة سوط فامرأته طالق قال لا يجلد غلامه ولا تطلق امراته هذا من خطوات الشيطان
واما من بعد التابعين فقد حكى المعتنون بمذاهب العلماء كأبي محمد بن حزم وغيره ثلاثة اقوال في ذلك للعلماء واهل الظاهر لم يزالوا متوافرين على عدم لزوم الطلاق للحالف به ولم يزل منهم الائمة والفقهاء والمصنفون والمقلدون لهم وعندنا بأسانيد صحيحة لا مطعن فيها عن جماعة من اهل العلم الذين هم اهله في عصرنا وقبله انهم كانوا يفتون بها احيانا فأخبرني صاحبنا الصادق محمد بن شهوان قال اخبرني شيخنا الذي قرات عليه القران وكان من اصدق الناس الشيخ محمد بن المحلى قال اخبرني شيخنا الامام خطيب جامع دمشق عز الدين الفاروقي قال كان والدي يرى هذه المسأله ويفتي بها ببغداد
واما اهل المغرب فتواتر عمن يعتني بالحديث ومذاهب السلف منهم انه كان يفتي بها واوذي بعضهم على ذلك وضرب وقد ذكرنا فتوى القفال في قوله الطلاق يلزمني انه لا يقع به طلاق وان نواه وذكرنا فتاوى اصحاب ابي حنيفة في ذلك وحكايتهم اياه عن الامام نصا وذكرنا فتوى اشهب من المالكية فيمن قال لا مراته ان خرجت من داري أوكلمت فلانا ونحو ذلك فأنت طالق ففعلت لم تطلق ولا يختلف عالمان متحليان بالانصاف ان اختيارات شيخ الاسلام لا تتقاصرعن اختيارات بن عقيل وابي الخطاب بل وشيخهما ابي يعلى فإذا كانت اختيارات هؤلاء وامثالهم وجوها يفتي بها في الاسلام ويحكم بها الحكام فلا اختيارات شيخ الاسلام اسوة بها ان لم ترجح عليها والله المستعان وعليه التكلان
118
فصل
في جواز الفتوى بالاثار السلفية والفتاوي الصحابية وإنها اولى بالاخذبها من آراء المتأخرين وفتاويهم وأن قربها إلى الصواب بحسب قرب اهلها من عصر الرسول صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأن فتاوي الصحابة أولى أن يؤخذ بها من فتاوي التابعين وفتاوي التابعين أولى من فتاوي تابعي التابعين وهلم جرا وكلما كان العهد بالرسول اقرب كان الصواب اغلب وهذا حكم بحسب الجنس لا بحسب كل فرد فرد من المسائل كما ان عصر التابعين وإن كان افضل من عصر تابعيهم فإنما هو بحسب الجنس لا بحسب كل شخص شخص ولكن المفضلون في العصر المتقدم اكثر من المفضلين في العصر المتأخر وهكذا الصواب في أقوالهم اكثر من الصواب في أقوال من بعدهم فإن التفاوت بين علوم المتقدمين والمتأخرين كالتفاوت الذي بينهم في الفضل والدين ولعله لا يسع المفتى والحاكم عند الله ان يفتى ويحكم بقول فلان وفلان من المتأخرين من مقلدي الائمة ويأخذ برأيه وترجيحه ويترك الفتوى والحكم بقول البخاري واسحاق بن راهويه وعلي بن المديني ومحمد بن نصر المروزي وأمثالهم بل يترك قول بن المبارك والاوزاعي وسفيان بن عيينة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وأمثالهم بل لا يلتفت إلى قول بن أبي ذئب والزهري والليث بن سعد وأمثالهم بل لا يعد قول سعيد بن المسيب والحسن والقاسم وسالم وعطاء وطاوس وجابر بن زيد وشريح وأبي وائل وجعفر بن محمد واضرابهم مما يسوغ الاخذ به بل يرى تقديم قول المتأخرين من أتباع من قلده على فتوى ابي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلى وبن مسعود وأبي بن كعب وابي الدرداء وزيد بن ثابت وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبادة بن الصامت وابي موسى الاشعري وأضرابهم فلا يدري ما عذره غدا عند الله إذا سوى بين أقوال
119
أولئك وفتاويهم واقوال هؤلاء وفتاويهم فكيف إذا رجحها عليها فكيف اذا عين الاخذ بها حكما وإفتاء ومنع الاخذ بقول الصحابة واستجاز عقوبة من خالف المتاحرين لها وشهد عليه بالبدعة والضلالة ومخالفة اهل العلم وانه يكيد الاسلام تالله لقد أخذ بالمثل المشهور رمتنى بدائها وانسلت وسمى ورثة الرسول باسمه هو وكساهم اثوابه ورماهم بدائه وكثير من هؤلاء يصرخ ويصيح ويقول ويعلن انه يجب على الامة كلهم الاخذ بقول من قلدناه ديننا ولا يجوز الاخذ بقول ابي بكر وعمر وعثمان وعلى وغيرهم من الصحابة وهذا كلام من أخذ به وتقلده ولاه الله ما تولى ويجزيه عليه يوم القيامة الجزاء الأوفى والذي ندين الله به ضد هذا القول والرد عليه فنقول
اختلاف الصحابيين
إذا قال الصحابي قولا فإما أن يخالفه صحابي آخر أولا يخالفه فإن خالفه مثله لم يكن قول احدهما حجة على الاخر وإن خالفه أعلم منه كما اذا خالف الخلفاء الراشدون أوبعضهم غيرهم من الصحابة في حكم فهل يكون الشق الذي فيه الخلفاء الراشدون أوبعضهم حجة على الاخرين فيه قولان للعلماء وهما روايتان عن الامام احمد والصحيح ان الشق الذي فيه الخلفاء أوبعضهم أرجح وأولى ان يؤخذ به من الشق الاخر فإن كان الاربعة في شق فلا شك انه الصواب وإن كان أكثرهم في شق فالصواب فيه أغلب وإن كانوا اثنين واثنين فشق ابي بكر وعمر أقرب إلى الصواب فإن اختلف ابو بكر وعمر فالصواب مع ابي بكر وهذه جملة لا يعرف تفصيلها إلا من له خبرة واطلاع على ما اختلف فيه الصحابة وعلى الراجح من أقوالهم ويكفى في ذلك معرفة رجحان قول الصديق في الجد والاخوة وكون الطلاق الثلاث بفم واحد مرة واحدة وإن تلفظ فيه بالثلاث وجواز بيع أمهات الاولاد وإذا نظر العالم المنصف في أدلة هذه المسائل من الجانبين تبين له ان جانب الصديق ارجح وقد
120
تقدم بعض ذلك في مسالة الجد والطلاق الثلاث بفم واحد ولا يحفظ للصديق خلاف نص واحد ابدا ولا يحفظ له فتوى ولا حكم مأخذها ضعيف ابدا وهو تحقيق لكون خلافته خلافة نبوه
فصل اتفاق الصحابيين
وإن لم يخالف الصحابي صحابيا آخر فإما أن يشتهر قوله في الصحابة أولا يشتهر فإن اشتهر فالذي عليه جماهير الطوائف من الفقهاء انه إجماع وحجة وقالت طائفة منهم هو حجة وليس بإجماع وقالت شرذمة من المتكلمين وبعض الفقهاء المتأخرين لا يكون إجماعا ولا حجة وإن لم يشتهر قوله أولم يعلم هل اشتهر ام لا فاختلف الناس هل يكون حجة ام لا فالذي عليه جمهور الامة انه حجة هذا قول جمهور الحنفية صرح به محمد بن الحسن وذكر عن ابي حنيفة نصا وهو مذهب مالك وأصحابه وتصرفه في موطئه دليل عليه وهو قول إسحاق بن راهويه وأبي عبيد وهو منصوص الامام احمد في غير موضع عنه واختيار جمهور اصحابه وهو منصوص الشافعي في القديم والجديد أما القديم فأصحابه مقرون به واما الجديد فكثير منهم يحكى عنه فيه انه ليس بحجة وفي هذه الحكاية عنه نظر ظاهر جدا فإنه لا يحفظ له في الجديد حرف واحد أن قول الصحابي ليس بحجة وغاية ما يتعلق به من نقل ذلك انه يحكى أقوالا للصحابة في الجديد ثم يخالفها ولو كانت عنده حجة لم يخالفها وهذا تعلق ضعيف جدا فإن مخالفة المجتهد الدليل المعين لما هو أقوى في نظره منه لا يدل على أنه لا يراه دليلا من حيث الجملة بل خالف دليلا لدليل أرجح عنده منه وقد تعلق بعضهم بأنه يراه في الجديد إذا ذكر اقوال الصحابة موافقا لها لا يعتمد عليها وحدها كما يفعل بالنصوص بل يعضدها بضروب من الاقيسة فهو تارة يذكرها ويصرح بخلافها وتارة يوافقها ولا يعتمد عليها بل يعضدها بدليل آخر وهذا
121
ايضا تعلق اضعف من الذي قبله فإن تظاهر الادلة وتعاضدها وتناصرها من عادة اهل العلم قديما وحديثا ولا يدل ذكرهم دليلا ثانيا وثالثا على ان ما ذكروه قبله ليس بدليل
وقد صرح الشافعي في الجديد من رواية الربيع عنه بأن قول الصحابة حجة يجب المصير إليه فقال المحدثات من الامور ضربان أحدهما ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو إجماعا أو أثرا فهذه البدعة الضلالة والربيع إنما أخذ عنه بمصر وقد جعل مخالفة الأثر الذي ليس بكتاب ولا سنة ولا إجماع ضلالة وهذا فوق كونه حجة وقال البيهقي في كتاب مدخل السنن له باب ذكر أقاويل الصحابة إذا تفرقوا قال الشافعي أقاويل الصحابة إذا تفرقوا فيها نصير إلى ما وافق الكتاب والسنة أوالإجماع إذا كان أصح في القياس وإذا قال الواحد منهم القول لا يحفظ عن غيره منهم فيه له موافقة ولا خلاف صرت إلى اتباع قوله إذا لم أجد كتابا ولا سنة ولا إجماعا ولا شيئا في معناه يحكم له بحكمه أووجد معه قياس قال البيقهي وقال في كتاب اختلافه مع مالك ما كان الكتاب والسنة موجودين فالعذر على من سمعه مقطوع إلا بإتيانه فإن لم يكن ذلك صرنا إلى أقاويل الصحابة أوواحد منهم ثم كان قول الائمة ابي بكر وعمر وعثمان اذا صرنا إلى التقليد احب الينا وذلك اذا لم نجد دلالة في الاختلاف تدل على اقرب الاختلاف من الكتاب والسنة فنتبع القول الذي معه الدلالة لان قول الامام مشهور بانه يلزم الناس ومن لزم قوله الناس كان اشهر ممن يفتي الرجل أوالنفر وقد يأخذ بفتياه ويدعها واكثر المفتين يفتون الخاصة في بيوتهم ومجالسهم ولا يعتني العامة بما قالوا عنايتهم بما قال الامام وقد وجدنا الأئمة ينتدبون فيسألون عن العلم من الكتاب والسنة فيما ارادوا ان يقولوا فيخبرون بخلاف قولهم فيقبلون من المخبر ولا يستنكفون عن ان يرجعوا لتقواهم الله وفضلهم فإذا لم يوجد عن الائمة فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين في موضع الامانة اخذنا بقولهم وكان اتباعهم اولى بنا من اتباع من بعدهم
قال الشافعي رضي الله عنه والعلم طبقات الاولى الكتاب والسنة
122
الثانية الاجماع فيما ليس كتابا ولا سنة الثالثة ان يقول صحابي فلا يعلم له مخالف من الصحابة الرابعة اختلاف الصحابة الخامسة القياس هذا كله كلامه في الجديد
قال البيهقي بعد ان ذكر هذا وفي الرسالة القديمة للشافعي بعد ذكر الصحابة وتعظيمهم قال وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل امر استدرك به علم وآراؤهم لنا احمد واولى بنا من راينا ومن ادركنا ممن نرضى أوحكى لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا فيه سنة إلى قولهم إن اجتمعوا أوقول بعضهم إن تفرقوا وكذا نقول ولم نخرج من أقوالهم كلهم
قال وإذا قال الرجلان منهم في شئ قولين نظرت فإن كان قول احدهما اشبه بالكتاب والسنة أخذت به لان معه شيئا قويا فإن لم يكن على واحد من القولين دلالة بما وصفت كان قول الائمة ابي بكر وعمر وعثمان أرجح عندنا من واحد لو خالفهم غير إمام
قال البيهقى وقال في موضع آخر فإن لم يكن على القول دلالة من كتاب ولا سنة كان قول ابي بكر وعمر وعثمان احب إلى من قول غيرهم فإن اختلفوا صرنا إلى القول الذي عليه دلالة وقلما يخلو اختلافهم من ذلك وإن اختلفوا بلا دلالة نظرنا إلى الاكثر فإن تكافئوا نظرنا احسن أقاويلهم مخرجا عندنا وإن وجد للمفتين في زماننا أو قبله إجماعا في شيء تبعناه فإذا نزلت نازله لم نجد فيها واحدة من هذه الامور فليس إلا اجتهاد الرأي
فهذا كلام الشافعي رحمه الله ورضى عنه بنصه ونحن نشهد بالله أنه لم يرجع عنه بل كلامه في الجديد مطابق لهذا موافق له كما تقدم ذكر لفظه وقد قال في الجديد في قتل الراهب إنه القياس عنده ولكن أتركه لقول ابي بكر الصديق رضى الله عنه فقد أخبرنا انه ترك القياس الذي هو دليل عنده لقول الصاحب فكيف يترك موجب الدليل لغير دليل وقال في الضلع بعير قلته تقليدا لعمر وقال في موضع آخر قلته تقليدا لعثمان وقال في الفرائض هذا مذهب تلقيناه
123
عن زيد ولا تستوحش من لفظة التقليد في كلامه وتظن انها تنفي كون قوله حجة بناء على ما تلقيته من اصطلاح المتأخرين أن التقليد قبول قول الغير بغير حجة فهذا اصطلاح حادث وقد صرح الشافعي في موضع من كلامه بتقليد خبر الواحد فقال قلت هذا تقليدا للخبر وأئمة الاسلام كلهم على قبول قول الصحابي قال نعيم بن حماد ثنا بن المبارك قال سمعت أبا حنيفة يقول إذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين وإذا جاء عن الصحابة نختار من قولهم وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم وذهب بعض المتأخرين من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة وأكثر المتكلمين إلى انه ليس بحجة وذهب بعض الفقهاء إلى أنه إن خالف القياس فهو حجة وإلا فلا قالوا لأنه إذا خالف القياس لم يكن إلا عن توقيف وعلى هذا فهو حجة وإن خالفه صحابي آخر والذين قالوا ليس بحجة قالو لان الصحابي مجتهد من المجتهدين يجوز عليه الخطأ فلا يجب تقليده ولا يكون حجة كسائر المجتهدين ولان الادلة الدالة على بطلان التقليد تعم تقليد الصحابة ومن دونهم ولأن التابعي إذا ادرك عصر الصحابة اعتد بخلافه عند أكثر الناس فكيف يكون قول الواحد حجة عليه ولان الادلة قد انحصرت في الكتاب والسنة والاجماع والقياس والاستصحاب وقول الصحابي ليس واحدا منها ولان امتيازه بكونه افضل واعلم وأتقى لا يوجب وجوب اتباعه على مجتهد آخر من علماء التابعين بالنسبة إلى من بعدهم
فنقول الكلام في مقامين أحدهما في الادلة الدالة على وجوب اتباع الصحابة الثاني في الجواب عن شبه النفاة
الادلة على ان اتباع الصحابة واجب
فاما الاول فمن وجوه احدها ما احتج به مالك وهو قوله تعالى ! < والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم > ! فوجه الدلالة ان الله أثنى على من اتبعهم فإذا قالوا قولا
124
فاتبعهم متبع عليه قبل ان يعرف صحته فهو متبع لهم فيجب ان يكون محمودا على ذلك وان يستحق الرضوان ولو كان اتباعهم تقليدا محضا كتقليد بعض المفتين لم يستحق من اتبعهم الرضوان إلا ان يكون عاميا فأما العلماء المجتهدون فلا يجوز لهم اتباعهم حينئذ
فإن قيل اتباعهم هو ان يقول ما قالوا بالدليل وهو سلوك سبيل الاجتهاد لانهم إنما قالوا بالاجتهاد والدليل عليه قوله بإحسان ومن قلدهم لم يتبعهم بإحسان لأنه لو كان مطلق الاتباع محمودا لم يفرق بين الاتباع بإحسان أوبغير إحسان وايضا فيجوز أن يراد به اتباعهم في اصول الدين وقوله بإحسان أي بالتزام الفرائض واجتناب المحارم ويكون المقصود ان السابقين قد وجب لهم الرضوان وإن أساءوا لقوله صلى الله عليه وسلم
وما يدريك ان الله قد اطلع على اهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم وأيضا فالثناء على من اتبعهم كلهم وذلك اتباعهم فيما اجمعوا عليه وايضا فالثناء على من اتبعهم لا يقتضي وجوبه وإنما يدل على جواز تقليدهم وذلك دليل على جواز تقليد العالم كما هو مذهب طائفة من العلماء أوتقليد الاعلم كقول طائفة اخرى اما الدليل على وجوب اتباعهم فليس في الاية ما يقتضيه
فالجواب من وجوه
أحدها أن الاتباع لا يستلزم الاجتهاد لوجوه احدها ان الاتباع المأمور به في القران كقوله ! < فاتبعوني يحببكم الله > ! ! < واتبعوه لعلكم تهتدون > ! ! < ويتبع غير سبيل المؤمنين > ! ونحوه لا يتوقف على الاستدلال على صحة القول مع الاستغناء عن القائل الثاني انه لو كان المراد اتباعهم في الاستدلال والجهاد لم يكن فرق بين السابقين وبين جميع الخلائق لان اتباع موجب الدليل يجب ان يتبع فيه كل احد فمن قال قولا بدليل صحيح وجب موافقته فيه الثالث أنه إما ان تجوز مخالفتهم في قولهم بعد الاستدلال أولا تجوز فإن لم تجز فهو المطلوب وإن جازت مخالفتهم فقد خولفوا في خصوص الحكم واتبعوا في
125
احسن الاستدلال فليس جعل من فعل ذلك متبعا لموافقتهم في الاستدلال بأولى من جعله مخالفا لمخالفته في عين الحكم الرابع ان من خالفهم في الحكم الذي أفتوا به لا يكون متبعا لهم أصلا بدليل ان من خالف مجتهدا من المجتهدين في مسألة بعد اجتهاد لا يصح ان يقال اتبعه وان اطلق ذلك فلا بد من تقييده بأن يقال اتبعه في الاستدلال أوالاجتهاد الخامس ان الاتباع افتعال من اتبع وكون الانسان تابعا لغيره نوع افتقار إليه ومشى خلفه وكل واحد من المجتهدين المستدلين ليس تبعا للآخر ولا مفتقرا إليه بمجرد ذلك حتى يستشعر موافقته والانقياد له ولهذا لا يصح ان يقال لمن وافق رجلا في اجتهاده أوفتواه اتفاقا انه متبع له السادس ان الاية قصد بها مدح السابقين والثناء عليهم وبيان استحقاقهم ان يكونوا ائمة متبوعين وبتقدير الا يكون قولهم موجبا للموافقة ولا مانعا من المخالفة بل انما يتبع القياس مثلا لا يكون لهم هذا المنصب ولا يستحقون هذا المدح والثناء السابع ان من خالفهم في خصوص الحكم فلم يتبعهم في ذلك الحكم ولا فيما استدلوا به على ذلك الحكم فلا يكون متبعا لهم بمجرد مشاركتهم في صفة عامة وهي مطلق الاستدلال والاجتهاد ولا سيما وتلك الصفة العامة لا اختصاص لها به لان ما ينفى الاتباع اخص مما يثبته واذا وجد الفارق الاخص والجامع الاعم وكلاهما مؤثر كان التفريق رعاية للفارق أولى من الجمع رعاية للجامع وأما قوله بإحسان فليس المراد به ان يجتهد وافق أوخالف لانه اذا خالف لم يتبعهم فضلا عن ان يكون بإحسان ولان مطلق الاجتهاد ليس فيه اتباع لهم لكن الاتباع لهم اسم يدخل فيه كل من وافقهم في الاعتقاد والقول فلا بدمع ذلك ان يكون المتبع محسنا بأداء الفرائض واجتناب المحارم لئلا يقع الاغترار بمجرد الموافقة قولا وايضا فلا بد ان يحسن المتبع لهم القول فيهم ولا يقدح فيهم اشترط الله ذلك لعلمه بأن سيكون اقوام ينالون منهم وهذا مثل قوله تعالى بعد ان ذكر المهاجرين والانصار ! < والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا > !
126
وأما تخصيص اتباعهم بأصول الدين دون فروعه فلا يصح لان الاتباع عام ولان من اتبعهم في اصول الدين فقط لو كان متبعا لهم على الإطلاق لكنا متبعين للمؤمنين من أهل الكتاب ولم يكن فرق بين اتباع السابقين من هذه الامة وغيرها وايضا فإنه اذا قيل فلان يتبع فلانا واتبع فلانا وانا متبع فلانا ولم يقيد ذلك بقرينة لفظية ولا حالية فإنه يقتضى اتباعه في كل الامور التي يتأتى فيها الاتباع لان من اتبعه في حال وخالفه في أخرى لم يكن وصفه بأنه متبع أولى من وصفه بأنه مخالف ولأن الرضوان حكم تعلق باتباعهم فيكون الاتباع سببا له لان الحكم المعلق بما هو مشتق يقتضى ان ما منه الاشتقاق سبب وإذا كان اتباعهم سببا للرضوان اقتضى الحكم في جميع موارده ولا اختصاص للاتباع بحال دون حال ولأن الاتباع يؤذن بكون الانسان تبعا لغيره وفرعا عليه وأصول الدين ليست كذلك ولأن الاية تضمنت الثناء عليهم وجعلهم ائمة لمن بعدهم فلو لم يتناول إلا اتباعهم في اصول الدين دون الشرائع لم يكونوا ائمة في ذلك لان ذلك معلوم مع قطع النظر عن اتباعهم
فصل اتباع الصحابة مجتمعين ومنفردين
وأما قولهم إن الثناء على من اتبعهم كلهم فنقول الاية اقتضت الثناء على من اتبع كل واحد منهم كما أن قوله ! < والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم > ! يقتضى حصول الرضوان لكل واحد من السابقين والذين اتبعوهم في قوله ! < رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري > ! وكذلك في قوله ! < اتبعوهم > ! لأنه حكم علق عليهم في هذه الآية فقد تناولهم مجتمعين ومنفردين وأيضا فإن الاصل في الاحكام المعلقة باسماء عامة ثبوتها لكل فرد فرد من تلك المسميات كقوله ! < أقيموا الصلاة > ! وقوله ! < لقد رضي الله عن المؤمنين > !
127
وقوله تعالى ! < اتقوا الله وكونوا مع الصادقين > ! وايضا فان الاحكام المعلقة على المجموع يؤتى فيها باسم يتناول المجموع دون الافراد كقوله ! < وكذلك جعلناكم أمة وسطا > ! وقوله ! < كنتم خير أمة أخرجت للناس > ! وقوله ! < ويتبع غير سبيل المؤمنين > ! فإن لفظ الامة ولفظ سبيل المؤمنين لا يمكن توزيعه على افراد الامة وافراد المؤمنين بخلاف لفظ السابقين فإنه يتناول كل فرد من السابقين وايضا فالآية تعم اتباعهم مجتمعين ومنفردين في كل ممكن فمن اتبع جماعتهم إذا اجتمعوا واتبع آحادهم فيما وجد عنهم مما لم يخالفه فيه غيره منهم فقد صدق عليه انه اتبع السابقين أما من خالف بعض السابقين فلا يصح ان يقال اتبع السابقين لوجود مخالفته لبعضهم لا سيما إذا خالف هذا مرة وهذا مرة وبهذا يظهر الجواب عن اتباعهم اذا اختلفوا فإن اتباعهم هناك قول بعض تلك الاقوال باجتهاد واستدلال إذ هم مجتمعون على تسوية كل واحد من تلك الاقوال لمن ادى اجتهاده إليه فقد قصد اتباعهم ايضا أما اذا قال الرجل قولا ولم يخالفه غيره فلا يعلم ان السابقين سوغوا خلاف ذلك القول وأيضا فالاية تقتضي اتباعهم مطلقا فلو فرضنا ان الطالب وقف على نص يخالف قول الواحد منهم فقد علمنا انه لو ظفر بذلك النص لم يعدل عنه اما اذا رأينا رأيا فقد يجوز ان يخالف ذلك الرأي وايضا فلو لم يكن اتباعهم إلا فيما اجمعوا عليه كلهم لم يحصل اتباعهم الا فيما قد علم انه من دين الاسلام بالاضطرار لان السابقين الاولين خلق عظيم ولم يعلم انهم اجمعوا الا على ذلك فيكون هذا الوجه هو الذي قبله وقد تقدم بطلانه اذ الاتباع في ذلك غير مؤثر وايضا فجميع السابقين قد مات منهم اناس في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحينئذ فلا يحتاج في ذلك الوقت إلى اتباعهم للاستغناء عنه بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لو فرضنا احدا يتبعهم إذ ذاك لكان من السابقين
فحاصله ان التابعين لا يمكنهم اتباع جميع السابقين وايضا فإن معرفة قول جميع السابقين كالمتعذر فكيف يتبعون كلهم في شئ لا يكاد يعلم وايضا فإنهم
128
إنما استحقوا منصب الامامة والاقتداء بهم بكونهم هم السابقين وهذه صفة موجودة في كل واحد منهم فوجب ان يكون كل منهم اماما للمتقين كما استوجب الرضوان والجنة
فصل اتباع اقوال الصحابة
وأما قوله ليس فيها ما يوجب اتباعهم فنقول الاية تقتضى الرضوان عمن اتبعهم بإحسان وقد قام الدليل على أن القول في الدين بغير علم حرام فلا يكون اتباعهم قولا بغير علم بل قولا بعلم وهذا هو المقصود وحينئذ فسواء يسمى تقليدا أواجتهادا وايضا فان كان تقليد العالم للعالم حراما كما هو قول الشافعية والحنابلة فاتباعهم ليس بتقليد لانه مرضى وإن كان تقليدهم جائزا أوكان تقليدهم مستثنى من التقليد المحرم فلم يقل احد إن تقليد العلماء من موجبات الرضوان فعلم ان تقليدهم خارج عن هذا لان تقليد العالم إن كان جائزا فتركه إلى قول غيره أوالى اجتهاد جائز ايضا بالاتفاق والشئ المباح لا يستحق به الرضوان وايضا فإن رضوان الله غاية المطالب التي لا تنال الا بافضل الاعمال ومعلوم ان التقليد الذي يجوز خلافه ليس بافضل الاعمال بل الاجتهاد افضل منه فعلم ان اتباعهم هو افضل ما يكون في مسالة اختلفوا فيها هم ومن بعدهم وان اتباعهم دون من بعدهم هو الموجب لرضوان الله فلا ريب ان رجحان احد القولين يوجب اتباعه وقولهم أرجح بلا شك ومسائل الاجتهاد لا يتخير الرجل فيها بين القولين وايضا فان الله اثنى على الذين اتبعوهم بإحسان والتقليد وظيفة العامة فأما العلماء فإما ان يكون مباحا لهم أومحرما اذ الاجتهاد افضل منه لهم بغير خلاف وهو واجب عليهم فلو اريد باتباعهم التقليد الذي يجوز خلافه لكان للعامة ذلك النصيب الاوفى وكان حظ علماء الامة من هذه الاية ابخس الحظوظ ومعلوم ان هذا فاسد وايضا فالرضوان عمن اتبعهم دليل على ان اتباعهم
129
صواب ليس بخطأ فإنه لو كان خطأ لكان غاية صاحبه أن يعفى له عنه فإن المخطئ إلى أن يعفى عنه اقرب منه إلى أن يرضى عنه وإذا كان صوابا وجب إتباعه لان خلاف الصواب خطأ والخطأ يحرم إتباعه إذا علم انه خطأ وقد علم انه خطأ يكون الصواب خلافه وأيضا فإذا كان إتباعهم موجب الرضوان لم يكن ترك إتباعهم موجب الرضوان لان الجزاء لا يقتضيه وجود الشيء وضده ولا وجوده وعدمه لأنه يبقى عديم الأثر في ذلك الجزاء وإذا كان في المسألة قولان أحدهما يوجب الرضوان والآخر لا يوجبه كان الحق ما يوجبه وهذا هو المطلوب وأيضا فإن طلب رضوان الله واجب لأنه إذا لم يوجب رضوانه فإما سخطه أوعفوه والعفو إنما يكون مع انعقاد سبب الخطيئة وذلك لا تباح مباشرته إلا بالنص وإذا كان رضوانه إنما هو في إتباعهم وإتباع رضوانه واجب كان إتباعهم واجبا وأيضا فإنه إنما أثنى على المتبع بالرضوان ولم يصرح بالوجوب لان إيجاب الإتباع يدخل فيه الإتباع في الأفعال ويقتضى تحريم مخالفتهم مطلقا فيقتضى ذم المخطئ وليس كذلك أما الأقوال فلا وجه لمخالفتهم فيها بعد ما ثبت أن فيها رضا الله تعالى وأيضا فإن القول إذا ثبت أن فيه رضا الله لم يكن رضا الله في ضده بخلاف الأفعال فقد يكون رضا الله في الأفعال المختلفة وفي الفعل والترك بحسب قصدين وحالين أما الاعتقادات والأقوال فليست كذلك فإذا ثبت أن في قولهم رضوان الله تعالى لم يكن الحق والصواب إلا هو فوجب إتباعه
فإن قيل السابقون هم الذين صلوا إلى القبلتين أوهم أهل بيعة الرضوان ومن قبلهم فما الدليل على إتباع من أسلم بعد ذلك
قيل إذا ثبت وجوب إتباع أهل بيعة الرضوان فهو أكبر المقصود على انه لا قائل بالفرق وكل الصحابة سابق بالنسبة إلى من بعدهم
130
فصل أدلة أخرى على وجوب إتباع أقوال الصحابة
الوجه الثاني قوله تعالى ! < اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون > ! هذا قصه الله سبحانه وتعالى عن صاحب ياسين على سبيل الرضاء بهذه المقالة والثناء على قائلها والإقرار له عليها وكل واحد من الصحابة لم يسألنا أجرا وهم مهتدون بدليل قوله تعالى خطابا لهم ! < وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون > ! ولعل من الله واجب وقوله تعالى ! < ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم > ! وقوله تعالى ! < والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم > ! وقوله تعالى ! < والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا > ! وكل منهم قاتل في سبيل الله وجاهد إما بيده أوبلسانه فيكون الله قد هداهم وكل من هداه فهو مهتد فيجب إتباعه بالآية
الوجه الثالث قوله تعالى ! < واتبع سبيل من أناب إلي > ! وكل من الصحابة منيب إلى الله فيجب إتباع سبيله وأقواله واعتقاداته من أكبر سبيله والدليل على انهم منيبون إلى الله تعالى أن الله تعالى قد هداهم وقد قال ! < ويهدي إليه من ينيب > !
الوجه الرابع قوله تعالى ! < قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني > ! فأخبر تعالى أن من اتبع الرسول يدعو إلى الله ومن دعا إلى الله على بصيرة وجب إتباعه لقوله تعالى فيما حكاه عن الجن ورضيه ! < يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به > ! ولان من دعا إلى الله على بصيرة فقد دعا إلى الحق عالما به
131
والدعاء إلى أحكام الله دعاء إلى الله لأنه دعاء إلى طاعته فيما أمر ونهى وإذا فالصحابة رضوان الله عليهم قد اتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم فيجب إتباعهم إذا دعوا إلى الله
الوجه الخامس قوله تعالى ! < قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى > ! قال بن عباس في رواية أبى مالك هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والدليل عليه قوله تعالى ! < ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا > ! وحقيقة الاصطفاء افتعال من التصفية فيكون قد صفاهم من الأكدار والخطأ من ألا كدار فيكونون مصفين منه ولا ينتقض هذا بما إذا اختلفوا لان الحق لم يعدهم فلا يكون قول بعضهم كدرا لان مخالفته الكدر وبيانه يزيل كونه كدرا بخلاف ما إذا قال بعضهم قولا ولم يخالف فيه فلو كان باطلا ولم يرده راد لكان حقيقة الكدر وهذا لان خلاف بعضهم لبعض بمنزلة متابعة النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أموره فإنها لا تخرجه عن حقيقة الاصطفاء
الوجه السادس أن الله تعالى شهد لهم بأنهم أوتوا العلم بقوله ! < ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق > ! وقوله ! < حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا > ! وقوله ! < يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات > ! واللام في العلم ليست للاستغراق وإنما هي للعهد أي العلم الذي بعث الله به نبيه صلى الله عليه وسلم وإذا كانوا قد أوتوا هذا العلم كان إتباعهم واجبا
الوجه السابع قوله تعالى ! < كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله > ! شهد لهم الله تعالى بأنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر فلو كانت الحادثة في زمانهم لم يفت فيها إلا من
132
أخطأ منهم لم يكن أحد منهم قد أمر فيها بمعروف ولا نهى فيها عن منكر إذ الصواب معروف بلا شك والخطأ منكر من بعض الوجوه ولولا ذلك لما صح التمسك بهذه الآية على كون الإجماع حجة وإذا كان هذا باطلا علم أن خطأ من يعلم منهم في العلم إذا لم يخالفه غيره ممتنع وذلك يقتضى أن قوله حجة
الوجه الثامن قوله تعالى ! < يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين > ! قال غير واحد من السلف هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ولا ريب انهم أئمة الصادقين وكل صادق بعدهم فيهم يأتم في صدقه بل حقيقة صدقه أتباعه لهم وكونه معهم ومعلوم أن من خالفهم في شئ وإن وافقهم في غيره لم يكن معهم فيما خالفهم فيه وحينئذ فيصدق عليه انه ليس معهم فتنتفى عنه ألمعية المطلقة وإن ثبت له قسط من ألمعية فيما وافقهم فيه فلا يصدق عليه أنه معهم بهذا القسط وهذا كما نفى الله ورسوله الإيمان المطلق عن الزاني والشارب والسارق والمنتهب بحيث لا يستحق اسم المؤمن وإن لم ينتف عنه مطلق الاسم الذي يستحق لاجله أن يقال معه شئ من الإيمان وهذا كما أن اسم الفقيه والعالم عند الإطلاق لا يقال لمن معه مسألة أومسألتان من فقه وعلم وإن قيل معه شئ من العلم ففرق بين ألمعية المطلقة ومطلق ألمعية ومعلوم أن المأمور به الأول لا الثاني فإن الله تعالى لم يرد منا أن نكون معهم في شئ من الأشياء وان نحصل من ألمعية ما يطلق عليه الاسم وهذا غلط عظيم في فهم مراد الرب تعالى من أوامره فإذا أمرنا بالتقوى والبر والصدق والعفة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والجهاد ونحو ذلك لم يرد منا أن نأتي من ذلك بأقل ما يطلق عليه الاسم وهو مطلق الماهية المأمور بها بحيث نكون ممتثلين لأمره إذا أتينا بذلك وتمام تقرير هذا الوجه بما تقدم في تقرير الامر بمتابعتهم سواء
الوجه التاسع قوله تعالى ! < وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا > !
133
ووجه الاستدلال بالآية انه تعالى اخبر انه جعلهم أمة خيارا عدولا هذا حقيقة الوسط فهم خير الأمم وأعدلها في أقوالهم وأعمالهم وإرادتهم ونياتهم وبهذا استحقوا أن يكونوا شهداء للرسل على أممهم يوم القيامة والله تعالى يقبل شهادتهم عليهم فهم شهداؤه ولهذا نوه بهم ورفع ذكرهم وأثنى عليهم لأنه تعالى لما اتخذهم شهداء أعلم خلقه من الملائكة وغيرهم بحال هؤلاء الشهداء وأمر ملائكته أن تصلى عليهم وتدعو لهم وتستغفر لهم والشاهد المقبول عند الله هو الذي يشهد بعلم وصدق فيخبر بالحق مستندا إلى علمه به كما قال تعالى ! < إلا من شهد بالحق وهم يعلمون > ! فقد يخبر الإنسان بالحق اتفاقا من غير علمه به وقد يعلمه ولا يخبر به فالشاهد المقبول عند الله هو الذي يخبر به عن علم فلو كان علمهم أن يفتى أحدهم بفتوى وتكون خطأ مخالفه لحكم الله ورسوله ولا يفتى غيره بالحق الذي هو حكم الله ورسوله إما مع اشتهار فتوى الأول أوبدون اشتهارها كانت هذه الأمة العدل الخيار قد أطبقت على خلاف الحق بل انقسموا قسمين قسما أفتى بالباطل وقسما سكت عن الحق وهذا من المستحيل فإن الحق لا يعدوهم ويخرج عنهم إلى من بعدهم قطعا ونحن نقول لمن خالف أقوالهم لو كان خيرا ما سبقونا إليه
الوجه العاشر أن قوله تعالى ! < وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس > ! فأخبر تعالى أنه اجتباهم والاجتباء كالاصطفاء وهو افتعال من اجتبى الشيء يجتبيه إذا ضمه إليه وحازه إلى نفسه فهم المجتبون الذين اجتباهم الله إليه وجعلهم أهله وخاصته وصفوته من خلقه بعد النبيين والمرسلين ولهذا أمرهم تعالى أن يجاهدوا فيه حق جهاده فيبذلوا له أنفسهم ويفردوه بالمحبة والعبودية ويختاروه وحده إلها معبودا محبوبا على كل ما سواه كما اختارهم على من سواهم فيتخذونه وحده إليهم ومعبودهم الذي يتقربون إليه بألسنتهم وجوارحهم
134
وقلوبهم ومحبتهم وإرادتهم فيؤثرونه في كل حال على من سواه كما اتخذهم عبيده وأولياءه وأحباءه وآثرهم بذلك على من سواهم ثم أخبرهم تعالى انه يسر عليهم دينه غاية التيسير ولم يجعل عليهم فيه من حرج البتة لكمال محبته لهم ورأفته ورحمته وحنانه بهم ثم أمرهم بلزوم مله إمام الحنفاء أبيهم إبراهيم وهي إفراده تعالى وحده بالعبودية والتعظيم والحب والخوف والرجاء والتوكل والإنابة والتفويض والاستسلام فيكون تعلق ذلك من قلوبهم به وحده لا بغيره ثم أخبر تعالى انه نوه بهم وأثنى عليهم قبل وجودهم وسماهم عباده المسلمين قبل أن يظهرهم ثم نوه بهم وسماهم كذلك بعد أن أوجدهم اعتناء بهم ورفعة لشأنهم واعلاء لقدرهم ثم أخبر تعالى انه فعل ذلك ليشهد عليهم رسوله ويشهدوا هم على الناس فيكونون مشهودا لهم بشهادة الرسول شاهدين على الأمم بقيام حجة الله عليهم فكان هذا التنويه وإشارة الذكر لهذين الأمرين الجليلين ولهاتين الحكمتين العظيمتين والمقصود انهم إذا كانوا بهذه المنزلة عنده تعالى فمن المحال أن يحرمهم كلهم الصواب في مسألة فيفتى فيها بعضهم بالخطأ ولا يفتى فيها غيره بالصواب ويظفر فيها بالهدى من بعدهم والله المستعان
الوجه الحادي عشر قوله تعالى ! < ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم > ! ووجه الاستدلال بالآية انه تعالى اخبر عن المعتصمين به بأنهم قد هدوا إلى الحق فنقول الصحابة رضوان الله عليهم معتصمون بالله فهم مهتدون فإتباعهم واجب أما المقدمة الأولى فتقريرها من وجوه أحدها قوله تعالى ! < واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير > ! ومعلوم كمال تولى الله تعالى ونصره إياهم أتم نصره وهذا يدل على انهم اعتصموا به أتم اعتصام فهم مهديون بشهادة الرب لهم بلا شك واتباع المهدى واجب شرعا وعقلا وفطرة
135
بلا شك وما يرد على هذا الوجه من أن المتابعة لا تستلزم المتابعة في جميع أمورهم فقد تقدم جوابه
الوجه الثاني عشر قوله تعالى عن أصحاب موسى ! < وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون > ! فأخبر تعالى انه جعلهم أئمة يأتم بهم من بعدهم لصبرهم ويقينهم إذ بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين فإن الداعي إلى الله تعالى لا يتم له أمره إلا بيقينه للحق الذي يدعو إليه وبصيرته به وصبره على تنفيذ الدعوة إلى الله باحتمال مشاق الدعوة وكف النفس عما يوهن عزمه ويضعف إرادته فمن كان بهذه المثابة كان من الأئمة الذين يهدون بأمره تعالى
ومن المعلوم أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أحق وأولى بهذا الوصف من أصحاب موسى فهم أكمل يقينا وأعظم صبرا من جميع الأمم فهم أولى بمنصب هذه الامامه وهذا أمر ثابت بلا شك بشهادة الله لهم وثنائه عليهم وشهادة الرسول لهم بأنهم خير القرون وأنهم خيرة الله وصفوته ومن المحال على من هذا شأنهم أن يخطئوا كلهم الحق ويظفر به المتأخرون ولو كان هذا ممكنا لا نقلبت الحقائق وكان المتأخرون أئمة لهم يجب عليهم الرجوع إلى فتاويهم وأقوالهم وهذا كما انه محال حسا وعقلا فهو محال شرعا وبالله التوفيق
الوجه الثالث عشر قوله تعالى ! < والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما > ! وإمام بمعنى قدوة وهو يصلح للواحد والجمع كالأمة والأسوة وقد قيل هو جمع آمم كصاحب وصحاب وراجل ورجال وتاجر وتجار وقيل هو مصدر كقتال وضراب أي ذوي إمام والصواب الوجه الأول فكل من كان من المتقين وجب عليه أن يأتم بهم والتقوى واجبة والائتمام بهم واجب ومخالفتهم فيما افتوا به مخالف للائتمام بهم وإن قيل نحن نأتم بهم في الاستدلال وأصول الدين فقد تقدم من جواب هذا ما فيه كفاية
136
الوجه الرابع عشر ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح من وجوه متعددة انه قال خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم إن خير القرون قرنه مطلقا وذلك يقتضى تقديمهم في كل باب من أبواب الخير وإلا لو كانوا خيرا من بعض الوجوه فلا يكونون خير القرون مطلقا فلو جاز أن يخطئ الرجل منهم في حكم وسائرهم لم يفتوا بالصواب وإنما ظفر بالصواب من بعدهم وأخطأواهم لزم أن يكون ذلك القرن خيرا منهم من ذلك الوجه لان القرن المشتمل على الصواب خير من القرن المشتمل على الخطأ في ذلك الفن ثم هذا يتعدد في مسائل عديدة لان من يقول قول الصحابي ليس بحجة يجوز عنده أن يكون من بعدهم أصاب في كل مسألة قال فيها الصحابي قولا ولم يخالفه صحابي آخر وفات هذا الصواب الصحابة ومعلوم أن هذا يأتى في مسائل كثيرة تفوق العد والإحصاء فكيف يكونون خيرا ممن بعدهم وقد امتاز القرن الذي بعدهم بالصواب فيما يفوق العد والإحصاء مما اخطأوا فيه ومعلوم أن فضيلة العلم ومعرفة الصواب أكمل الفضائل وأشرفها فيا سبحان الله أي وصمة أعظم من أن يكون الصديق أو الفاروق أو عثمان أو علي أو بن مسعود أوسلمان الفارسي أوعبادة بن الصامت وأضرابهم رضى الله عنهم قد أخبر عن حكم الله انه كيت وكيت في مسائل كثيرة واخطأ في ذلك ولم يشتمل قرنهم على ناطق بالصواب في تلك المسائل حتى تبع من بعدهم فعرفوا حكم الله الذي جهله أولئك السادة وأصابوا الحق الذي اخطأه أولئك الأئمة سبحانك هذا بهتان عظيم
الوجه الخامس عشر ما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الاشعري قال صلينا المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء فجلسنا فخرج علينا فقال ما زلتم ها هنا فقلنا يا رسول الله صلينا معك المغرب ثم قلنا نجلس حتى نصلي معك العشاء قال
137
أحسنتم وأصبتم ورفع رأسه إلى السماء وكان كثيرا ما يرفع رأسه إلى السماء فقال النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد وأنا أمنه لاصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون ووجه الاستدلال بالحديث انه جعل نسبة أصحابه إلى من بعدهم كنسبته إلى أصحابه وكنسبة النجوم إلى السماء ومن المعلوم أن هذا التشبيه يعطى من وجوب اهتداء الأمة بهم ما هو نظير اهتدائهم بنبيهم صلى الله عليه وسلم ونظير اهتداء أهل الأرض بالنجوم وأيضا فإنه جعل بقاءهم بين الأمة أمنة لهم وحرزا من الشر وأسبابه فلو جاز أن يخطئوا فيما أفتوا به ويظفر به من بعدهم لكان الظافرون بالحق أمنة للصحابة وحرزا لهم وهذا من المحال
الوجه السادس عشر ما رواه أبو عبد الله بن بطة من حديث الحسن عن أنس انه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
إن مثل أصحابي في أمتي كمثل الملح في الطعام لا يصلح الطعام إلا بالملح قال الحسن قد ذهب ملحنا فكيف نصلح وروى بن بطة أيضا بإسنادين إلى عبد الرزاق اخبرنا معمر عمن سمع الحسن يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
مثل أصحابي في الناس كمثل الملح في الطعام ثم يقول الحسن هيهات ذهب ملح القوم وقال الإمام احمد حدثنا حسين بن علي الجعفي عن أبى موسى يعنى إسرائيل عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
مثل أصحابي كمثل الملح في الطعام قال يقول الحسن هل يطيب الطعام إلا بالملح ويقول الحسن فكيف بقوم ذهب ملحهم ووجه الاستدلال انه شبه أصحابه في صلاح دين الأمة بهم بالملح الذي صلاح الطعام به فلو جاز أن يفتوا بالخطأ ولا يكون في عصرهم من يفتى بالصواب ويظفر به من بعدهم لكان من بعدهم ملحا لهم وهذا محال
138
يوضحه أن الملح كما أن به صلاح الطعام فالصواب به صلاح الأنام فلو أخطئوا فيما أفتوا به لاحتاج ذلك إلى ملح يصلحه فإذا أفتى من بعدهم بالحق كان قد أصلح خطأهم فكان ملحا لهم
الوجه السابع عشر ما روى البخاري في صحيحه من حديث الأعمش قال سمعت أبا صالح يحدث عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم انفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه وفي لفظ فوالذي نفسي بيده وهذا خطاب منه لخالد بن الوليد ولأقرانه من مسلمة الحديبية والفتح فإذا كان مد أحد أصحابه أونصيفه افضل عند الله من مثل أحد ذهبا من مثل خالد وأضرابه من أصحابه فكيف يجوز أن يحرمهم الله الصواب في الفتاوي ويظفر به من بعدهم هذا من أبين المحال
الوجه الثامن عشر ما روى الحميدي ثنا محمد بن طلحة قال حدثني عبد الرحمن بن سالم بن عبد الرحمن بن عويلم بن ساعده عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال
إن الله اختارني واختار لي أصحابا فجعل لي منهم وزراء وانصارا وأصهارا الحديث ومن المحال أن يحرم الله الصواب من اختارهم لرسوله وجعلهم وزراءه وأنصاره وأصهاره ويعطيه من بعدهم في شئ من الأشياء
الوجه التاسع عشر ما روى أبو داود الطيالسي ثنا المسعودي عن عاصم عن أبى وائل عن بن مسعود رضى الله عنه قال إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد خير قلوب العباد فبعثه برسالته ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فاختارهم لصحبة نبيه ونصرة دينه فما رأه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح ومن المحال أن يخطئ الحق في حكم الله خير قلوب العباد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويظفر به من بعدهم وأيضا فإن ما أفتى به أحدهم وسكت عنه الباقون كلهم فإما أن يكونوا قد رأوه حسنا أويكونوا قد رأوه قبيحا فإن كانوا قد رأوه حسنا
139
فهو حسن عند الله وإن كانوا قد رأوه قبيحا ولم ينكروه لم تكن قلوبهم من خير قلوب العباد وكان من أنكره بعدهم خيرا منهم وأعلم وهذا من أبين المحال
الوجه العشرون ما رواه الإمام احمد وغيره عن بن مسعود رضى الله عنه قال من كان متأسيا فليتأس بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا وأقومها هديا وأحسنها حالا قوم اختارهم الله لصحبه نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوا آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم ومن المحال أن يحرم الله أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا وأقومها هديا الصواب في أحكامه ويوفق له من بعدهم
الوجه الحادي والعشرون ما رواه الطبراني وأبو نعيم وغيرهما عن حذيفة بن اليمان انه قال يا معشر القراء خذوا طريق من كان قبلكم فوالله لئن استقمتم لقد سبقتم سبقا بعيدا ولئن تركتموه يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا ومن المحال أن يكون الصواب في غير طريق من سبق إلى كل خير على الإطلاق
الوجه الثاني والعشرون ما قاله جندب بن عبد الله لفرقه دخلت عليه من الخوارج فقالوا ندعوك إلى كتاب الله فقال أنتم قالوا نحن قال أنتم قالوا نحن فقال يا أخابيث خلق الله في أتباعنا تختارون الضلالة أم في غير سنتنا تلتمسون الهدى اخرجوا عنى ومن المعلوم أن من جوز أن تكون الصحابة أخطأوا في فتاويهم فمن بعدهم وخالفهم فيها فقد اتبع الحق في غير سنتهم وقد دعاهم إلى كتاب الله فإن كتاب الله إنما يدعو إلى الحق وكفى ذلك إزراء على نفوسهم وعلى الصحابة
الوجه الثالث والعشرون ما رواه الترمذى من حديث العرباض بن سارية
140
قال وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل يا رسول الله كأنها موعظة مودع فماذا تعهد إلينا فقال
عليكم بالسمع والطاعة وإن تامر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة وعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وهذا حديث حسن إسناده لا بأس به فقرن سنة خلفائه بسنته وأمر بإتباعها كما أمر بإتباع سنته وبالغ في الأمر بها حتى أمر بأن يعض عليها بالنواجذ وهذا يتناول ما أفتوا به وسنوه للامة وإن لم يتقدم من نبيهم فيه شئ وإلا كان ذلك سنته ويتناول ما أفتى به جميعهم أو أكثرهم أو بعضهم لأنه علق ذلك بما سنه الخلفاء الراشدون ومعلوم أنهم لم يسنوا ذلك وهم خلفاء في آن واحد فعلم أن ما سنه كل واحد منهم في وقته فهو من سنة الخلفاء الراشدين رواه الإمام احمد في مسنده من حديث عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح عن ضمرة بن حبيب عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي سمع العرباض بن سارية فذكر نحوه
الوجه الرابع والعشرون ما رواه الترمذي من حديث الثوري عن عبد الملك بن عمير عن هلال مولى ربعي بن حراش عن ربعي عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
اقتدوا باللذين من بعدي أبى بكر وعمر واهتدوا بهدى عمار وتمسكوا بعهد بن أم عبد قال الترمذي هذا حديث حسن ووجه الاستدلال به ما تقدم في تقرير المتابعة
الوجه الخامس والعشرون ما رواه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن رباح عن أبى قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال
إن يطع القوم أبا بكر وعمر يرشدوا وهو في حديث الميضأة الطويل فجعل الرشد
141
معلقا بطاعتهما فلو أفتوا بالخطأ في حكم وأصابه من بعدهم لكان الرشد في خلافهما
الوجه السادس والعشرين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر في شأن تأمير القعقاع بن حكيم والأقرع بن
حابس لو اتفقتما على شئ لم أخالفكما فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر انه لا يخالفهما لو اتفقا ومن يقول قولهما ليس بحجة يجوز مخالفتهما وبعض غلاتهم يقول لا يجوز الأخذ بقولهما ويجب الأخذ بقول أمامنا الذي قلدناه وذلك موجود في كتبهم
الوجه السابع والعشرون أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى أبى بكر وعمر فقال
هذا السمع والبصر أي هما منى منزلة السمع والبصر أوهما من الدين بمنزلة السمع والبصر ومن المحال أن يحرم سمع الدين وبصره الصواب ويظفر به من بعدهما
الوجه الثامن والعشرون ما رواه أبو داود وبن ماجة من حديث بن إسحاق عن مكحول عن غضيف بن الحارث عن أبى ذر قال مرفتي على عمر رضى الله عنه فقال عمر نعم الفتى قال فتبعه أبو ذر فقال يا فتى استغفر لي فقال يا أبا ذر استغفر لك وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال استغفر لي قال لا أوتخبرني قال إنك مررت على عمر فقال نعم الفتى وإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول
إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه ومن المحال أن يكون الخطأ في مسألة أفتى بها من جعل الله الحق على لسانه وقلبه حظه ولا ينكره عليه أحد من الصحابة ويكون الصواب فيها حظ من بعده هذا من أبين المحال
الوجه التاسع والعشرون ما رواه مسلم في صحيحه من حديث عائشة رضى الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
قد كان فيمن خلا من الأمم أناس محدثون فإن يكن في أمتي أحد فهو عمر وهو في المسند والترمذي
142
وغيرها من حديث أبى هريرة والمحدث هو المتكلم الذي يلقى الله في روعه الصواب يحدثه به الملك عن الله ومن المحال أن يختلف هذا ومن بعده في مسألة ويكون الصواب فيها مع المتأخر دونه فإن ذلك يستلزم أن يكون ذلك الغير هو المحدث بالنسبة إلى هذا الحكم دون أمير المؤمنين رضى الله عنه وهذا وإن أمكن في أقرانه من الصحابة فإنه لا يخلو عصرهم من الحق إما على لسان عمر وإما على لسان غيره منهم وإنما المحال أن يفتى أمير المؤمنين المحدث بفتوى أويحكم بحكم ولا يقول أحد من الصحابة غيره ويكون خطأ ثم يوفق له من بعدهم فيصيب الحق ويخطئه الصحابة
الوجه الثلاثون ما رواه الترمذي من حديث بكر بن عمرو عن مشرح بن عاهان عن عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لو كان بعدي نبي لكان عمر وفي لفظ لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر قال الترمذي حديث حسن ومن المحال أن يختلف من هذا شأنه ومن بعده من المتأخرين في حكم من أحكام الدين ويكون حظ عمر منه الخطأ وحظ ذلك المتأخر منه الصواب
الوجه الحادي والثلاثون ما روى إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبي أن عليا كرم الله وجهه قال ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر ومن المحال أن يكون من بعده من المتأخرين أسعد بالصواب منه في أحكام الله تعالى ورواه عمرو بن ميمون عن زر عن علي
الوجه الثاني والثلاثون ما رواه واصل الأحدب عن أبى وائل عن بن مسعود رضي الله عنه قال ما رأيت عمر إلا وكأن بين عينيه ملكا يسدده ومعلوم قطعا أن هذا أولى بالصواب ممن ليس بهذه المثابة
الوجه الثالث والثلاثون ما رواه الأعمش عن شقيق قال قال عبد الله
143
والله لو أن علم عمر وضع في كفه ميزان وجعل علم أهل الأرض في كفة لرجح علم عمر فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال قال عبد الله والله إني لاحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم ومن ابعد الأمور أن يكون المخالف لعمر بعد انقراض عصر الصحابة أولى بالصواب منه في شئ من الأشياء
الوجه الرابع والثلاثون ما رواه بن عيينة عن عبد الله بن أبى يزيد قال كان بن عباس إذا سئل عن شئ وكان في القرآن أوالسنة قال به وإلا قال بما قال به أبو بكر وعمر فإن لم يكن قال برأيه فهذا بن عباس وأتباعه للدليل وتحكيمه للحجة معروف حتى إنه يخالف لما قام عنده من الدليل أكابر الصحابة يجعل قول أبي بكر وعمر حجة يؤخذ بها بعد قول الله ورسوله ولم يخالفه في ذلك أحد من الصحابة
الوجه الخامس والثلاثون ما رواه منصور عن زيد بن وهب عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
رضيت لأمتي ما رضى لها بن أم عبد كذا رواه يحيى بن يعلى المحاربي عن زيد عن منصور والصواب ما رواه إسرائيل وسفيان عن منصور عن القاسم بن عبد الرحمن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ولكن قد روى جعفر بن عوف عن المسعودي عن جعفر بن عمرو بن حريش عن أبيه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن مسعود اقرأ على قال أقرأ وعليك انزل قال إني احب أن اسمعه من غيري فافتتح سورة النساء حتى إذا بلغ ! < فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا > ! فاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكف عبد الله بن مسعود فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكلم فحمد الله وأثنى عليه في أول كلامه وأثنى على الله وصلى على نبيه
144
صلى الله عليه وسلم وشهد شهادة الحق وقال رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا ورضيت لكم ما رضى لكم بن أم عبد ومن قال ليس قوله بحجة وإذا خالفه غيره ممن بعده يجوز أن يكون الصواب في قول المخالف له لم يرض للامة ما رضيه لهم بن أم عبد ولا ما رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم
الوجه السادس والثلاثون ما رواه أبو إسحاق عن حارثة بن مضرب قال كتب عمر رضى الله عنه إلى أهل الكوفة قد بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرا وعبد الله بن مسعود معلما ووزيرا وهما من النجباء من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من أهل بدر فاقتدوا بهما واسمعوا قولهما وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي فهذا عمر قد أمر أهل الكوفة أن يقتدوا بعمار وبن مسعود ويسمعوا قولهما ومن لم يجعل قولهما حجة يقول لا يجب الإقتداء بهما ولا سماع أقوالهما إلا فيما أجمعت عليه الأمة ومعلوم أن ذلك لا اختصاص لهما به بل لا فرق فيه بينهما وبين غيرهما من سائر الأمة
الوجه السابع والثلاثون ما قاله عبادة بن الصامت وغيره بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن نقول بالحق حيث كنا ولا نخاف في الله لومة لائم ونحن نشهد بالله انهم وفوا بهذه البيعة وقالوا بالحق وصدعوا به ولم تأخذهم في الله لومة لائم ولم يكتموا شيئا منه مخافة سوط ولا عصا ولا أمير ولا وال كما هو معلوم لمن تأمله من هديهم وسيرتهم فقد أنكر أبو سعيد على مروان وهو أمير على المدينة وأنكر عبادة بن الصامت على معاوية وهو خليفة وأنكر بن عمر على الحجاج مع سطوته وبأسه وأنكر على عمرو بن سعيد وهو أمير على المدينة وهذا كثير جدا من إنكارهم على الأمراء والولاة إذا خرجوا عن العدل لم يخافوا سوطهم ولا عقوبتهم ومن بعدهم لم تكن لهم هذه المنزلة بل كانوا يتركون كثيرا من الحق خوفا من ولاة الظلم وأمراء الجور فمن المحال أن يوفق هؤلاء للصواب ويحرمه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
145
الوجه الثامن والثلاثون ما ثبت في الصحيح من حديث أبى سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رقي المنبر فقال إن عبدا خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله فبكى أبو بكر وقال بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا فعجبنا لبكائه أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل خير فكان المخير رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر أعلمنا به وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن أمن الناس علينا في صحبته وذات يده أبو بكر ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن اخوة الإسلام ومودته لا يبقى في المسجد باب إلا سد إلا باب أبى بكر ومن المعلوم أن فوت الصواب في الفتوى لأعلم الأمة برسول الله صلى الله عليه وسلم ولجميع الصحابة معه وظفر فلان وفلان من المتأخرين بهذا من أمحل المحال ومن لم يجعل قوله حجة يجوز ذلك بل يحكم بوقوعه والله المستعان
الوجه التاسع والثلاثون ما رواه زائدة عن عاصم عن زر عن عبد الله قال ما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الأنصار منا أمير ومنكم أمير فأتاهم عمر قال ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يؤم الناس قالوا بلى فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر فقالوا نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر ونحن نقول لجميع المفتين أيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر إذا أفتى بفتوى وأفتى من قلدتموه بغيرها ولا سيما من قال من زعمائكم إنه يجب تقليد من قلدناه ديننا ولا يجوز تقليد أبي بكر الصديق رضى الله عنه اللهم إنا نشهدك أن أنفسنا لا تطيب بذلك ونعوذ بك أن نطيب به نفسا
الوجه الأربعون ما ثبت في الصحيح من حديث الزهري عن حمزة بن عبد الله عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
بينما أنا نائم إذ أتيت بقدح لبن فقيل لي اشرب فشربت منه حتى إني لأرى الرى يجري في أظفاري ثم
146
أعطيت فضلتى عمر قالوا فما أولت ذلك قال العلم ومن أبعد الأشياء أن يكون الصواب مع من خالفه في فتيا أوحكم لا يعلم أن أحدا من الصحابة خالفه فيه وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الشهادة
الوجه الحادي والأربعون ما ثبت في الصحيح من حديث عبد الله بن ابي يزيد عن بن عباس رضى الله عنهما انه وضع للنبي صلى الله عليه وسلم وضوءا فقال من وضع هذا قالوا بن عباس فقال اللهم فقهه في الدين وقال عكرمة ضمني إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال
اللهم علمه الحكمة ومن المستبعد جدا بل الممتنع ان يفتى حبر الامة وترجمان القرآن الذي دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوة مستجابة قطعا ان يفقهه في الدين ويعلمه الحكمة ولا يخالفه فيها احد من الصحابة ويكون فيها على خطأ ويفتى واحد من المتأخرين بعده بخلاف فتواه ويكون الصواب معه فيظفر به هو ومقلدوه ويحرمه بن عباس والصحابة
الوجه الثاني والاربعون ان صورة المسألة ما اذا لم يكن في الواقعة حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا اختلاف بين الصحابة رضى الله عنهم وانما قال بعضهم فيها قولا وأفتى بفتيا ولم يعلم ان قوله وفتياه اشهر في الباقين ولا انهم خالفوه وحينئذ فنقول من تأمل المسائل الفقهية والحوادث الفرعية وتدرب بمسالكها وتصرف في مداركها وسلك سبلها ذللا وارتوى من مواردها عللا ونهلا علم قطعا ان كثيرا منها قد تشتبه فيها وجوه الرأي بحيث لا يوثق فيها بظاهر مراد أوقياس صحيح ينشرح له الصدر ويثلج له الفؤاد بل تتعارض فيها الظواهر والاقيسة على وجة يقف المجتهد في اكثر المواضع حتى لا يبقى للظن رجحان بين لا سيما اذا اختلف الفقهاء فإن عقولهم من اكمل العقول واوفرها فإذا تلددوا وتوقفوا ولم يتقدموا ولم يتأخروا لم يكن ذلك في المسألة طريقة واضحة ولا حجة لائحة فإذا وجد فيها قول لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
147
ورضى الله عنهم الذين هم سادات الامة وقدوة الائمة واعلم الناس بكتاب ربهم تعالى وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم وقد شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل ونسبة من بعدهم في العلم اليهم كنسبتهم اليهم في الفضل والدين كان الظن والحالة هذه بان الصواب في جهتهم والحق في جانبهم من اقوى الظنون وهو اقوى من الظن المستفاد من كثير من الاقيسة هذا مالا يمترى فيه عاقل منصف وكان الرأي الذي يوافق رأيهم هو الرأي السداد الذي لا رأى سواه وإذا كان المطلوب في الحادثة إنما هو ظن راجح ولو استند إلى استصحاب أوقياس علة أو دلالة أو شبه أو عموم مخصوص أومحفوظ مطلق أووارد على سبب فلا شك أن الظن الذي يحصل لنا بقول الصحابي الذي لم يخالف ارجح من كثير من الظنون المستندة إلى هذه الأمور أوأكثرها وحصول الظن الغالب في القلب ضروري كحصول الأمور الوجدانية ولا يخفى على العالم أمثلة ذلك
الوجه الثالث والأربعون أن الصحابي إذا قال قولا أوحكم بحكم أوأفتى بفتيا فله مدارك ينفرد بها عنا ومدارك نشاركه فيها فأما ما يختص به فيجوز أن يكون سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم شفاها أومن صحابي آخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن ما انفردوا به من العلم عنه أكثر من أن يحاط به فلم يرو كل منهم كل ما سمع وأين ما سمعه الصديق رضى الله عنه والفاروق وغيرهما من كبار الصحابة رضى الله عنهم إلى ما رووه فلم يرو عنه صديق الأمة مائة حديث وهو لم يغب عن النبي صلى الله عليه وسلم في شئ من مشاهده بل صحبه من حين بعث بل قبل البعث إلى أن توفي وكان أعلم الأمة به صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله وهديه وسيرته وكذلك اجله الصحابة روايتهم قليلة جدا بالنسبة إلى ما سمعوه من نبيهم وشاهدوه ولو رووا كل ما سمعوه وشاهدوه لزاد على رواية أبي هريرة أضعافا مضاعفة فإنه إنما صحبه نحو أربع سنين وقد روى عنه الكثير فقول القائل لو كان عند الصحابي في هذه الواقعة
148
شئ عن النبي صلى الله عليه وسلم لذكره قول من لم يعرف سيرة القوم وأحوالهم فإنهم كانوا يهابون الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعظمونها ويقللونها خوف الزيادة والنقص ويحدثون بالشيء الذي سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم مرارا ولا يصرحون بالسماع ولا يقولون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
فتلك الفتوى التي يفتى بها أحدهم لا تخرج عن ستة أوجه أحدها أن يكون سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم الثاني أن يكون سمعها ممن سمعها منه الثالث أن يكون فهمها من آية من كتاب الله فهما خفى علينا الرابع أن يكون قد اتفق عليها ملؤهم ولم ينقل إلينا إلا قول المفتى بها وحده الخامس أن يكون لكمال علمه باللغة ودلالة اللفظ على الوجه الذي انفرد به عنا أو لقرائن حالية اقترنت بالخطاب أولمجموع أمور فهموها على طول الزمان من رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ومشاهدة أفعاله وأحواله وسيرته وسماع كلامه والعلم بمقاصده وشهود تنزيل الوحي ومشاهدة تأويله بالفعل فيكون فهم مالا نفهمه نحن وعلى هذه التقادير الخمسة تكون فتواه حجة بجب أتباعها السادس أن يكون فهم ما لم يرده الرسول صلى الله عليه وسلم وأخطأ في فهمه والمراد غير ما فهمه وعلى هذا التقدير لا يكون قوله حجة ومعلوم قطعا أن وقوع احتمال من خمسة أغلب على الظن من وقوع احتمال واحد معين هذا مالا يشك فيه عاقل وذلك يفيد ظنا غالبا قويا على أن الصواب في قوله دون ما خالفه من أقوال من بعده وليس المطلوب إلا الظن الغالب والعمل به متعين ويكفى العارف هذا الوجه
فصل ما امتاز به المتقدمون على المتأخرين
هذا فيما انفردوا به عنا أما المدارك التي شاركناهم فيها من دلالات الألفاظ والاقيسة فلا ريب انهم كانوا ابر قلوبا واعمق علما واقل تكلفا واقرب
149
إلى أن يوفقوا فيها لما لم نوفق له نحن لما خصهم الله تعالى به من توقد الأذهان وفصاحة اللسان وسعة العلم وسهولة الأخذ وحسن الإدراك وسرعته وقلة المعارض أوعدمه وحسن القصد وتقوى الرب تعالى فالعربية طبيعتهم وسليقتهم والمعاني الصحيحة مركوزة في فطرهم وعقولهم ولا حاجة بهم إلى النظر في الإسناد وأحوال الرواة وعلل الحديث والجرح والتعديل ولا إلى النظر في قواعد الأصول وأوضاع الأصوليين بل قد غنوا عن ذلك كله فليس في حقهم إلا أمران أحدهما قال الله تعالى كذا وقال رسوله كذا والثاني معناه كذا وكذا وهم أسعد الناس بهاتين المقدمتين وأحظى الأمة بهما فقواهم متوفرة مجتمعة عليهما
وأما المتأخرون فقواهم متفرقة وهممهم متشعبة فالعربية وتوابعها قد أخذت من قوى أذهانهم شعبة والأصول وقواعدها قد أخذت منها شعبة وعلم الإسناد وأحوال الرواة قد اخذ منها شعبة وفكرهم في كلام مصنفيهم وشيوخهم على اختلافهم وما أرادوا به قد اخذ منها شعبة إلى غير ذلك من الامور فإذا وصلوا إلى النصوص النبوية إن كان لهم همم تسافر اليها وصلوا اليها بقلوب وأذهان قد كلت من السير في غيرها وأوهن قواهم مواصلة السرى في سواها فأدركوا من النصوص ومعانيها بحسب القوة وهذا أمر يحس به الناظر في مسألة إذا استعمل قوى ذهنه في غيرها ثم صار اليها وافاها بذهن كال وقوة ضعيفة وهذا شأن من استفرغ قواه في الأعمال غير المشروعة تضعف قوته عند العمل المشروع كمن استفرغ قوته في السماع الشيطاني فإذا جاءه قيام الليل قام إلى ورده بقوة كالة وعزيمة باردة وكذلك من صرف قوى حبه وإرادته إلى الصور أو المال أو الجاه فإذا طالب قلبه بمحبة الله فإن انجذب معه انجذب بقوة ضعيفة قد استفرغها في محبة غيره فمن استفرغ قوى فكره في كلام الناس فإذا جاء إلى كلام الله ورسوله جاء بفكرة كالة فأعطى بحسب ذلك
والمقصود ان الصحابة اغناهم الله تعالى عن ذلك كله فاجتمعت قواهم على تينك المقدمتين فقط هذا إلى ما خصوا به من قوى الاذهان وصفائها وصحتها
150
وقوة إدراكها وكماله وكثرة المعاون وقلة الصارف وقرب العهد بنور النبوة والتلقي من تلك المشكاة النبوية فإذا كان هذا حالنا وحالهم فيما تميزوا به علينا وما شاركناهم فيه فكيف نكون نحن أو شيوخنا أو شيوخهم أو من قلدناه اسعد بالصواب منهم في مسألة من المسائل ومن حدث نفسه بهذا فليعزلها من الدين والعلم والله المستعان
الوجه الرابع والاربعون ان النبي صلى الله عليه وسلم قال
لا تزال طائفة من امتي ظاهرين على الحق وقال علي كرم الله وجهه ورضى عنه لن تخلو الارض من قائم لله بحجة لكيلا تبطل حجج الله وبيناته فلو جاز ان يخطئ الصحابي في حكم ولا يكون في ذلك العصر ناطق بالصواب في ذلك الحكم لم يكن في الامة قائم بالحق في ذلك الحكم لأنهم بين ساكت ومخطئ ولم يكن في الارض قائم لله بحجة في ذلك الامر ولا من يأمر فيه بمعروف أوينهى فيه عن منكر حتى نبغت نابغة فقامت بالحجة وامرت بالمعروف ونهت عن المنكر وهذا خلاف ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع
الوجه الخامس والأربعون انهم إذا قالوا قولا أوبعضهم ثم خالفهم مخالف من غيرهم كان مبتديا لذلك القول ومبتدعا له وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم
عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة وقول من جاء بعدهم يخالفهم من محدثات الأمور فلا يجوز أتباعهم
وقال عبد الله بن مسعود اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وقال أيضا إنا نقتدى ولا نبتدي ونتبع ولا نبتدع ولن نضل ما تمسكنا بالأثر وقال أيضا إياكم والتبدع وإياكم والتنطع وإياكم والتعمق وعليكم بالدين العتيق وقال أيضا أنا لغير الدجال أخوف عليكم من الدجال أمور تكون من كبرائكم فأيما مرية أورجيل أدرك ذلك الزمان
151
فالسمت الأول فالسمت الأول فأنا اليوم على السنة وقال أيضا وإياكم والمحدثان فإن شر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلاله وقال أيضا اتبع ولا تبتدع فإنك لن تضل ما أخذت بالأثر
وقال بن عباس كان يقال عليكم بالاستقامة والأثر وإياكم والتبدع
وقال شريح إنما أقتفى الأثر فما وجدت قد سبقنا إليه غيركم حدثتكم به
وقال إبراهيم النخعي بلغنى عنهم يعنى الصحابة انهم لم يجاوزوا بالوضوء ظفرا ما جاوزته به وكفى على قوم وزرا أن تخالف أعمالهم أعمال أصحاب نبيهم صلى الله عليه وسلم
وقال عمر بن عبد العزيز إنه لم يبتدع الناس بدعة إلا وقد مضى ما هو دليل وعبرة منها والسنة ما أسنتها إلا من علم ما في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق فارض لنفسك ما رضى القوم وقال أيضا قف حيث وقف القوم وقل كما قالوا واسكت كما سكتوا فإنهم عن علم وقفوا وببصر ناقد كفوا وهم على كشفها كانوا أقوى وبالفضل لو كان فيها أحرى أي فلئن كان الهدى ما أنتم عليه فلقد سبقتموهم إليه ولئن قلتم حدث بعدهم فما أحدثه إلا من سلك غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم وانهم لهم السابقون ولقد تكلموا منه بما يكفي ووصفوا منه ما يشفى فما دونهم مقصر ولا فوقهم مجسر ولقد قصر عنهم قوم فجفوا وطمح آخرون عنهم فغلوا وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم وقال أيضا كلاما كان مالك بن انس وغيره من الأئمة يستحسنونه ويحدثون به دائما قال سن رسول الله صلى الله عليه وسلم لولاة الأمر بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعته وقوة على دينه ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في رأي من خالفهم فمن اقتدى بما سنوا فقد اهتدى ومن استنصر بها منصور ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى
152
وأصلاه جهنم وساءت مصيرا ومن هنا اخذ الشافعي الاحتجاج بهذه الآية على أن الإجماع حجة
وقال الشعبي عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوها لك بالقول وقال أيضا ما حدثوك به عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فخذه وما حدثوك به عن رأيهم فانبذه في الحش
قال الاوزاعي اصبر نفسك على السنة وقف حيث وقف القوم واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم وقل بما قالوا وكف عما كفوا ولو كان هذا خيرا ما خصصتم به دون أسلافكم فإنهم لم يدخر عنهم خير خبئ لكم دونهم لفضل عندكم وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين اختارهم له وبعثه فيهم ووصفهم فقال ! < محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم > ! الاية
الوجه السادس والاربعون انه لم يزل اهل العلم في كل عصر ومصر يحتجون بما هذا سبيله من فتاوي الصحابة وأقوالهم ولا ينكره منكر منهم وتصانيف العلماء شاهدة بذلك ومناظرتهم ناطقة به
قال بعض علماء المالكية أهل الاعصار مجمعون على الاحتجاج بما هذا سبيله وذلك مشهور في رواياتهم وكتبهم ومناظراتهم واستدلالاتهم ويمتنع والحالة هذه إطباق هؤلاء كلهم على الاحتجاج بما لم يشرع الله ورسوله الاحتجاج به ولا نصبه دليلا للأمة فأي كتاب شئت من كتب السلف والخلف المتضمنة للحكم والدليل وجدت فيه الاستدلال بأقوال الصحابة ووجدت ذلك طرازها وزينتها ولم تجد فيها قط ليس قول ابي بكر وعمر حجة ولا يحتج بأقوال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفتاويهم ولا ما يدل على ذلك وكيف يطيب قلب عالم يقدم على أقوال من وافق ربه تعالى في غير حكم فقال وأفتى بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن بموافقة ما قال لفظا ومعنى
153
قول متأخر بعده ليس له هذه الرتبة ولا يدانيها وكيف يظن احد ان الظن المستفاد من فتاوي السابقين الاولين الذين شاهدوا الوحي والتنزيل وعرفوا التأويل وكان الوحي ينزل خلال بيوتهم وينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بين أظهرهم
قال جابر والقرآن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعرف تأويله فما عمل به من شئ عملنا به في حديث حجة الوداع فمستندهم في معرفة مراد الرب تعالى من كلامه ما يشاهدونه من فعل رسوله وهديه الذى هو يفصل القرآن ويفسره فكيف يكون أحد من الامة بعدهم اولى بالصواب منهم في شئ من الاشياء هذا عين المحال
تفسير الصحابي للقرآن كفتواه
فإن قيل فإذا كان هذا حكم أقوالهم في أحكام الحوادث فما تقولون في أقوالهم في تفسير القران هل هي حجة يجب المصير اليها
قيل لا ريب ان اقوالهم في التفسير اصوب من اقوال من بعدهم وقد ذهب بعض اهل العلم إلى ان تفسيرهم في حكم المرفوع قال ابو عبد الله الحاكم في مستدركه وتفسير الصحابي عندنا في حكم المرفوع ومراده أنه في حكمه في الاستدلال به والاحتجاج لا أنه إذا قال الصحابي في الآية قولا فلنا أن نقول هذا القول قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وله وجه آخر وهو أن يكون في حكم المرفوع بمعنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين لهم معاني القرآن وفسره لهم كما وصفه تعالى بقوله ! < لتبين للناس ما نزل إليهم > ! فبين لهم القرآن بيانا شافيا كافيا وكان إذا أشكل على أحد منهم معنى سأله عنه فأوضحه له كما سأله الصديق عن قوله تعالى ! < من يعمل سوءا يجز به > ! فبين له المراد وكما ساله الصحابي عن قوله تعالى ! < الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم > ! فبين لهم معناها وكما سألته ام سلمة عن قوله تعالى
154
! < فسوف يحاسب حسابا يسيرا > ! فبين لها انه العرض وكما سأله عمر عن الكلالة فأحاله على آية الصيف التي في آخر السورة وهذا كثير جدا فإذا نقلوا لنا تفسير القرآن فتارة ينقلونه عنه بلفظه وتارة بمعناه فيكون ما فسروا بالفاظهم من باب الرواية بالمعنى كما يروون عنه السنة تارة بلفظها وتارة بمعناها وهذا أحسن الوجهين والله اعلم
فإن قيل فنحن نجد لبعضهم أقوالا في التفسير تخالف الاحاديث المرفوعة الصحاح وهذا كثير كما فسر بن مسعود الدخان بأنه الاثر الذي حصل عن الجوع الشديد والقحط وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دخان يأتى قبل يوم القيامة يكون من أشراط الساعة مع الدابة والدجال وطلوع الشمس من مغربها وفسر عمر بن الخطاب قوله تعالى ! < أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم > ! بانها للبائنة والرجعية حتى قال لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة مع أن السنة الصحيحة في البائن تخالف هذا التفسير وفسر علي بن ابي طالب كرم الله وجهه قوله تعالى ! < والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا > ! انها عامة في الحامل والحائل فقال تعتد ابعد الاجلين والسنة الصحيحة بخلافه وفسر بن مسعود قوله تعالى ! < وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن > ! بان الصفة لنسائكم الاولى والثانية فلا تحرم ام المراة حتى يدخل بها والصحيح خلاف قوله وان ام المرأة تحرم بمجرد العقد على ابنتها والصفة راجعة إلى قوله ! < وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن > ! وهو قول جمهور الصحابة وفسر بن عباس السجل بأنه كاتب للنبي صلى الله عليه وسلم يسمى السجل وذلك وهم وإنما السجل الصحيفة المكتوبة واللام مثلها في قوله تعالى ! < وتله للجبين > ! وفي قول الشاعر
فخر صريعا لليدين وللفم
155
أي يطوى السماء كما يطوى السجل على ما فيه من الكتاب وهذا كثير جدا فكيف يكون تفسير الصحابي حجة في حكم المرفوع
قيل الكلام في تفسيره كالكلام في فتواه سواء وصورة المسألة هنا كصورتها هناك سواء بسواء وصورتها ان لا يكون في المسألة نص يخالفه ويقول في الاية قولا لا يخالفه فيه أحد من الصحابة سواء علم لاشتهاره أو لم يعلم وما ذكر من هذه الامثلة فقد فقد فيه الامران وهو نظير ما روى عن بعضهم من الفتاوي التي تخالف النص وهم مختلفون فيها سواء
فإن قيل لو كان قوله حجة بنفسه لما اخطأ ولكان معصوما لتقوم الحجة بقوله فإذا كان يفتى بالصواب تارة وبغيره اخرى وكذلك تفسيره فمن أين لكم ان هذه الفتوى المعينة والتفسير المعين من قسم الصواب إذ صوره المسألة انه لم يقم على المسألة دليل غير قوله وقوله ينقسم فما الدليل على ان هذا القول المعين من أحد القسمين ولا بد
قيل الادلة المتقدمة تدل على انحصار الصواب في قوله في الصورة المفروضة الواقعة وهو ان من الممتنع ان يقولوا في كتاب الله الخطأ المحض ويمسك الباقون عن الصواب فلا يتكلمون به وهذه الصورة المذكورة وامثالها قد تكلم فيها غيرهم بالصواب والمحظور إنما هو خلو عصرهم عن ناطق بالصواب واشتماله على ناطق بغيره فقط فهذا هو المحال وبهذا خرج الجواب عن قولكم لو كان قول الواحد منهم حجة لما جاز عليه الخطأ فإن قوله لم يكن بمجرده حجة بل بما انضاف إليه مما تقدم ذكره من القرائن
الفرق بين الصحابي والتابعي في الاخذ بقولهم وتفسيرهم
فإن قيل فبعض ما ذكرتم من الادلة يقتضى ان التابعي اذا قال قولا ولم يخالفه صحابي ولا تابعي ان يكون قوله حجة
فالجواب ان التابعين انتشروا انتشارا لا ينضبط لكثرتهم وانتشرت
156
المسائل في عصرهم فلا يكاد يغلب على الظن عدم المخالف لما أفتى به الواحد منهم فإن فرض ذلك فقد اختلف السلف في ذلك فمنهم من يقول يجب اتباع التابعي فيما أفتى به ولم يخالفه فيه صحابي ولا تابعى وهذا قول بعض الحنابلة والشافعية وقد صرح الشافعي في موضع بأنه قاله تقليدا لعطاء وهذا من كمال علمه وفقهه رضى الله عنه فإنه لم يجد في المسألة غير قول عطاء فكان قوله عنده أقوى ما وجد في المسألة وقال في موضع آخر وهذا يخرج على معنى قول عطاء والاكثرون يفرقون بين الصحابي والتابعي ولا يخفى ما بينهما من الفروق على ان في الاحتجاج بتفسير التابعي عن الامام احمد روايتين ومن تأمل كتب الائمة ومن بعدهم وجدها مشحونة بالاحتجاج بتفسير التابعي
فإن قيل فما تقولون في قوله اذا خالف القياس
قيل من يقول بأن قوله ليس بحجة فلهم قولان فيما اذا خالف القياس احدهما انه اولى ان لا يكون حجة لانه قد خالف حجة شرعية وهو ليس بحجة في نفسة والثاني انه حجة في هذه الحال ويحمل على انه قاله توفيقا ويكون بمنزلة المرسل الذي عمل به مرسله
وأما من يقول إنه حجة فلهم أيضا قولان احدهما انه حجة وإن خالف القياس بل هو مقدم على القياس والنص مقدم عليه فنرتب الادلة عندهم القرآن ثم السنة ثم قول الصحابة ثم القياس والثاني ليس بحجة لانه قد خالفه دليل شرعي وهو القياس فإنه لا يكون حجة إلا عند عدم المعارض والاولون يقولون قول الصحابي اقوى من المعارض الذي خالفه من القياس لوجوه عديدة والاخذ بأقوى الدليلين متعين وبالله التوفيق
157
فصل فوائد تتعلق بالفتوى
ولنختم الكتاب بفوائد تتعلق بالفتوى
اربعة انواع للأسئلة
الفائدة الاولى أسئلة السائلين لاتخرج عن أربعة أنواع لا خامس لها الأول أن يسأل عن الحكم فيقول ما حكم كذا وكذا الثاني أن يسأل عن دليل الحكم الثالث أن يسأل عن وجه دلالته الرابع أن يسأل عن الجواب عن معارضيه
فإن سأل عن الحكم فللمسئول حالتان إحداهما أن يكون عالما به والثانية أن يكون جاهلا به فإن كان جاهلا به حرم عليه الإفتاء بلا علم فإن فعل فعليه إثمة وإثم المستفتى فإن كان يعرف في المسألة ما قاله الناس ولم يتبين له الصواب من أقوالهم فله أن يذكر له ذلك فيقول فيها اختلاف بين العلماء ويحكيه إن أمكنه للسائل وإن كان عالما بالحكم فللسائل حالتان إحداهما أن يكون قد حضره وقت العمل وقد احتاج إلى السؤال فيجب على المفتى المبادرة على الفور إلى جوابه فلا يجوز له تأخير بيان الحكم له عن وقت الحاجة والحالة الثانية ان يكون قد سأل عن الحادثة قبل وقوعها فهذا لا يجب على المفتى أن يجيبه عنها وقد كان السلف الطيب إذا سئل أحدهم عن مسألة يقول للسائل هل كانت أووقعت فإن قال لا لم يجبه وقال دعنا في عافية وهذا لأن الفتوى بالرأي لا تجوز إلاعند الضرورة فالضرورة تبيحه كما تبيح الميتة عند الاضطرار وهذا إنما هو في مسألة لا نص فيها ولا إجماع فإن كان فيها نص أواجماع فعليه تبليغه بحسب الإمكان فمن سئل عن علم فكتمه ألجمة الله يوم القيامة بلجام من نار هذا إذا أمن المفتى غائله الفتوى فإن لم يأمن غائلتها وخاف من ترتب شر أكثر من الإمساك عنها امسك عنها ترجيحا لدفع أعلى المفسدتين
158
باحتمال أدناهما وقد أمسك النبي صلى الله عليه وسلم عن نقض الكعبة وإعادتها على قواعد إبراهيم لأجل حدثان عهد قريش بالإسلام وأن ذلك ربما نفرهم عنه بعد الدخول فيه وكذلك إن كان عقل السائل لا يحتمل الجواب عما سأل عنه وخاف المسئول إن يكون فتنة له أمسك عن جوابه قال بن عباس رضى الله عنه لرجل سأله عن تفسير آية وما يؤمنك أني لو أخبرتك بتفسيرها كفرت به أي جحدته وأنكرته وكفرت به ولم يرد أنك تكفر بالله ورسوله
يجوز للمفتي أن يعدل عن السؤال إلى ما هو أنفع
الفائدة الثانية يجوز للمفتي أن يعدل عن جواب المستفتي عما سأله عنه إلى ما هو انفع له منه ولا سيما إذا تضمن ذلك بيان ما سأل عنه وذلك من كمال علم المفتى وفقهه ونصحه وقد قال تعالى ! < يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم > ! فسألوه عن المنفق فأجابهم بذكر المصرف إذ هو أهم مما سألوه عنه ونبههم عليه بالسياق مع ذكره لهم في موضع آخر وهو قوله تعالى ! < قل العفو > ! وهو ما سهل عليهم إنفاقه ولا يضرهم إخراجه وقد ظن بعضهم ان من ذلك قوله تعالى ! < يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج > ! فسألوه عن سبب ظهور الهلال خفيا ثم لا يزال يتزايد فيه النور على التدريج حتى يكمل ثم يأخذ في النقصان فأجابهم عن حكمة ذلك من ظهور مواقيت الناس التي بها تمام مصالحهم في أحوالهم ومعاشهم ومواقيت اكبر عبادتهم وهو الحج وإن كانوا قد سألوا عن السبب فقد اجيبوا بما هو أنفع لهم مما سألوا عنه وإن كانوا إنما سألوا عن حكمة ذلك فقد اجيبوا عن عين ما سالوا عنه ولفظ سؤالهم محتمل فإنهم قالوا ما بال الهلال يبدو دقيقا ثم ياخذ في الزيادة حتى يتم ثم يأخذ في النقص
يجوز للمفتى أن يجيب بأكثر مما سئل
الفائدة الثالثة يجوز للمفتى ان يجيب السائل بأكثر مما سأله عنه وهو من كمال نصحه وعلمه وإرشاده ومن عاب ذلك فلقلة علمه وضيق عطنه وضعف
159
نصحه وقد ترجم البخاري لذلك في صحيحه فقال باب من أجاب السائل بأكثر مما سأل عنه ثم ذكر حديث بن عمر رضى الله عنهما ما يلبس المحرم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا الخفاف إلا ان لا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين
فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلبس المحرم فأجاب عما لا يلبس وتضمن ذلك الجواب عما يلبس فإن مالا يلبس محصور وما يلبسه غير محصور فذكر لهم النوعين وبين لهم حكم لبس الخف عند عدم النعل وقد سألوه عن الوضوء بماء البحر فقال لهم
هو الطهور ماؤه الحل ميتته
إذا منع المفتى المستفتى من محظور وجهه إلى بديل مباح
الفائدة الرابعة من فقه المفتى ونصحه إذا سأله المستفتى عن شئ فمنعه منه وكانت حاجته تدعوه إليه ان يدله على ما هو عوض له منه فيسد عليه باب المحظور ويفتح له باب المباح وهذا لا يتأتى إلا من عالم ناصح مشفق قد تاجر الله وعامله بعلمه فمثاله في العلماء مثال الطبيب العالم الناصح في الاطباء يحمي العليل عما يضره ويصف له ما ينفعه فهذا شأن أطباء الاديان والابدان وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه ان يدل امته على خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما يعلمة لهم وهذا شأن خلق الرسل وورثتهم من بعدهم ورأيت شيخنا قدس الله روحه يتحرى ذلك في فتاويه مهما أمكنه ومن تأمل فتاويه وجد ذلك ظاهرا فيها وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم بلالا ان يشتري صاعا من التمر الجيد بصاعين من الردئ ثم دله على الطريق المباح فقال بع الجميع بالدراهم ثم اشتر بالدراهم جنيبا فمنعه من الطريق المحرم وأرشده إلى الطريق المباح ولما سأله عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث والفضل بن عباس ان يستعملهما في جباية الزكاة ليصيبا ما يتزوجان
160
به منعهما من ذلك وامر محمية بن جزو وكان على الخمس ان يعطيهما ما ينكحان به فمنعهما من الطريق المحرم وفتح لهما الطريق المباح وهذا اقتداء منه بربه تبارك وتعالى فإنه يساله عبده الحاجة فيمنعه إياها ويعطيه ما أصلح له وانفع منها وهذا غاية الكرم والحكمة
تنبيه السائل إلى ما يرفع الوهم
الفائدة الخامسة إذا أفتى المفتى للسائل بشئ ينبغي له ان ينبهه على وجه الاحتراز مما قد يذهب إليه الوهم منه من خلاف الصواب وهذا باب لطيف من أبواب العلم والنصح والارشاد ومثال هذا قوله صلى الله عليه وسلم لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده فتأمل كيف أتبع الجملة الاولى بالثانية رفعا لتوهم إهدار دماء الكفار مطلقا وإن كانوا في عهدهم فإنه لما قال لا يقتل مؤمن بكافر فربما ذهب الوهم إلى ان دماءهم هدر ولهذا لو قتل احدهم مسلم لم يقتل به فرفع هذا التوهم بقوله ولا ذو عهد في عهده ولقد خفيت هذه اللطيفة الحسنة على من قال يقتل المسلم بالكافر المعاهد وقدر في الحديث ولا ذو عهد في عهده بكافر ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا اليها فلما كان نهيه عن الجلوس عليها نوع تعظيم لها عقبه بالنهي عن المبالغة في تعظيمها حتى تجعل قبلة وهذا بعينه مشتق من القرآن كقوله تعالى لنساء نبيه ! < يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا > ! فنهاهن عن الخضوع بالقول فربما ذهب الوهم إلى الاذن في الاغلاظ في القول والتجاوز فرفع هذا التوهم بقوله ! < وقلن قولا معروفا > ! ومن ذلك قوله تعالى ! < والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء > ! لما أخبر سبحانه بإلحاق الذرية ولا عمل لهم بآبائهم في الدرجة فربما توهم متوهم ان يحط الآباء إلى درجة الذرية فرفع هذا التوهم بقوله وما ألتناهم من عملهم من شئ أي ما نقصنا من الاباء شيئا من أجور اعمالهم بل رفعنا ذريتهم إلى
161
درجتهم ولم نحطهم إلى درجتهم بنقص اجورهم ولما كان الوهم قد يذهب إلى انه يفعل ذلك بأهل النار كما يفعله بأهل الجنة قطع هذا الوهم بقوله تعالى ! < كل امرئ بما كسب رهين > ! ومن هذا قوله تعالى ! < إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء > ! فلما كان ذكر ربوبيته البلدة الحرام قد يوهم الاختصاص عقبه بقوله وله كل شئ ومن ذلك قوله تعالى ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ امره قد جعل الله لكل شئ قدرا فلما ذكر كفايته للمتوكل عليه فربما اوهم ذلك تعجيل الكفاية وقت التوكل فعقبه بقوله ! < قد جعل الله لكل شيء قدرا > ! أي وقتا لا يتعداه فهو يسوقه إلى وقته الذي قدره له فلا يستعجل المتوكل ويقول قد توكلت ودعوت فلم ار شيئا ولم تحصل لي الكفاية فالله بالغ أمره في وقته الذي قدره له وهذا كثير جدا في القرآن والسنة وهو باب لطيف من ابواب فهم النصوص
يجب على المفتى ان يذكر دليل الحكم
الفائدة السادسة ينبغي للمفتى ان يذكر دليل الحكم ومأخذه ما أمكنه من ذلك ولا يلقيه إلى المستفتى ساذجا مجردا عن دليله ومأخذه فهذا لضيق عطنه وقلة بضاعته من العلم ومن تأمل فتاوي النبي صلى الله عليه وسلم الذي قوله حجة بنفسه رآها مشتملة على التنبيه على حكمة الحكم ونظيره ووجه مشروعيته وهذا كما سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال اينقص الرطب إذا جف قالوا نعم فزجر عنه ومن المعلوم انه كان يعلم نقصانه بالجفاف ولكن نبههم على علة التحريم وسببه ومن هذا قوله لعمر وقد سأله عن قبلة امرأته وهو صائم فقال أرأيت لو تمضمضت ثم مججته أكان يضر شيئا قال لا فنبه على أن مقدمة المحظور لا يلزم ان تكون محظورة فإن غاية القبلة أنها مقدمة الجماع فلا يلزم من تحريمه تحريم مقدمته كما أن وضع الماء في الفم مقدمة شربه وليست المقدمة محرمة ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم لا تنكح
162
المرأة على عمتها ولا على خالتها فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم فذكر لهم الحكم ونبههم على علة التحريم ومن ذلك قوله لابي النعمان بن بشير وقد خص بعض ولده بغلام نحله إياه فقال ايسرك ان يكونوا لك في البر سواء قال نعم قال فاتقوا الله واعدلوا بين اولادكم وفي لفظ إن هذا لا يصلح وفي لفظ إنى لا أشهد على جور وفي لفظ أشهد على هذا غيري تهديدا لا إذنا فإنه لا يأذن في الجور قطعا وفي لفظ رده والمقصود انه نبهه على علة الحكم ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم لرافع بن خديج وقد قال له إنا لاقو العدو غدا وليس معنا مدى افنذبح بالقصب فقال ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ليس السن والظفر وسأحدثك عن ذلك اما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة فنبه على علة المنع من التذكية بهما بكون احدهما عظماء وهذا تنبيه على عدم التذكية بالعظام إما لنجاسة بعضها وإما لتنجيسه على مؤمني الجن ولكون الاخر مدى الحبشة ففي التذكية بها تشبه بالكفار ومن ذلك قوله ? < إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الانسية فإنها رجس > ? ومن ذلك قوله في الثمرة تصيبها الجائحة أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأكل احدكم مال اخيه بغير حق وهذا التعليل بعينه ينطبق على من استأجر أرضا للزراعة فأصاب الزرع آفة سماوية لفظا ومعنى فيقال للمؤجر ارأيت إن منع الله الزرع فبم تأكل مال اخيك بغير حق وهذا هو الصواب الذي ندين الله به في المسألة وهو اختيار شيخ الاسلام بن تيمية
والمقصود أن الشارع مع كون قوله حجة بنفسه يرشد الامة إلى علل الاحكام ومداركها وحكمها فورثته من بعده كذلك
ومن ذلك نهيه عن الخذف وقال إنه يفقأ العين ويكسر السن ومن ذلك إفتاؤه للعاض يد غيره بإهدار دية ثنيته لما سقطت بانتزاع المعضوض يده
163
من فيه ونبه على العلة بقوله ايدع يده في فيك تقضمها كما يقضم الفحل وهذا من أحسن التعليل وابينه فإن العاض لما صال على المعضوض جاز له ان يرد صياله عنه بانتزاع يده من فمه فإذا ادى ذلك إلى اسقاط ثناياه كان سقوطها بفعل مأذون فيه من الشارع فلا يقابل بالدية وهذا كثير جدا في السنة فينبغي للفتى ان ينبه السائل على علة الحكم ومأخذه ان عرف ذلك والا حرم عليه ان يفتي بلا علم
وكذلك احكام القران يرشد سبحانه فيها إلى مداركها وعللها كقوله ! < ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض > ! فأمر سبحانه نبيه ان يذكر لهم علة الحكم قبل الحكم وكذلك قوله ! < ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم > ! وكذلك قوله ! < والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم > ! وقال في جزاء الصيد ! < ليذوق وبال أمره > !
التمهيد للحكم المستغرب
الفائدة السابعة إذا كان الحكم مستغربا جدا مما لم تألفه النفوس وإنما الفت خلافه فينبغي للمفتي ان يوطئ قبله ما يكون مؤذنا به كالدليل عليه والمقدمة بين يديه فتأمل ذكره سبحانه قصة زكريا وإخراج الولد منه بعد انصرام عصر الشبيبة وبلوغه السن الذي لا يولد فيه لمثله في العادة فذكر قصته مقدمة بين يدي قصة المسيح وولادته من غير اب فإن النفوس لما آنست بولد من بين شيخين كبيرين لا يولد لهما عادة سهل عليها التصديق بولادة ولد من غير أب وكذلك ذكر سبحانه قبل قصة المسيح موافاة مريم رزقها في غير وقته وغير إبانه وهذا الذي شجع نفس زكريا وحركها لطلب الولد وإن كان في غير إبانه وتأمل قصة نسخ القبلة لما كانت شديدة على النفوس جدا كيف
164
وطأ سبحانه قبلها عدة موطئات منها ذكر النسخ ومنها انه يأتى بخير من المنسوخ أومثله ومنها انه على كل شئ قدير وانه بكل شئ عليم فعموم قدرته وعلمه صالح لهذا الامر الثاني كما كان صالحا للأول ومنها تحذيرهم الاعتراض على رسوله كما اعترض من قبلهم على موسى بل امرهم بالتسليم والانقياد ومنها تحذيرهم بالاصغاء إلى اليهود وان تستخفهم شبههم فإنهم يودون ان يردوهم كفارا من بعد ما تبين لهم الحق ومنها إخباره ان دخول الجنة ليس بالتهود ولا بالتنصر وإنما هو بإسلام الوجه والقصد والعمل والنية لله مع متابعة امره ومنها إخباره سبحانه عن سعته وانه حيث ولى المصلى وجهه فثم وجهه تعالى فإنه واسع عليم فذكر الإحاطتين الذاتية والعلمية فلا يتوهمون انهم في القبلة الاولى لم يكونوا مستقبلين وجهه تبارك وتعالى ولا في الثانية بل حيثما توجهوا فثم وجهه تعالى ومنها انه سبحانه وتعالى حذر نبيه صلى الله عليه وسلم عن اتباع أهواء الكفار من أهل الكتاب وغيرهم بل أمر أن يتبع هو وأمته ما أوحى إليه فيستقبلونه بقلوبهم وحده ومنها انه ذكر عظمة بيته الحرام وعظمة بانيه وملته وسفه من يرغب عنها وامر باتباعها فنوه بالبيت وبانيه وملته وكل هذا توطئة بين يدي التحويل مع ما في ضمنه من المقاصد الجليلة والمطالب السنية ثم ذكر فضل هذه الامة وانهم الامة الوسط العدل الخيار فاقتضى ذلك ان يكون نبيهم صلى الله عليه وسلم اوسط الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم وخيارهم وكتابهم كذلك ودينهم كذلك وقبلتهم التي يستقبلونها كذلك فظهرت المناسبة شرعا وقدرا في أحكامه تعالى الامرية والقدرية وظهرت حكمته الباهرة وتجلت للعقول الزكية المستنيرة بنور ربها تبارك وتعالى
والمقصود ان المفتي جدير ان يذكر بين يدي الحكم الغريب الذي لم يؤلف مقدمات تؤنس به وتدل عليه وتكون توطئة بين يديه وبالله التوفيق
165
يجوز للمفتي والمناظر ان يحلف على ثبوت الحكم عنده
الفائدة الثامنة يجوز للمفتي والمناظر ان يحلف على ثبوت الحكم عنده وإن لم يكن حلفه موجبا لثبوته عند السائل والمنازع ليشعر السائل والمنازع له انه على ثقة ويقين مما قال له وانه غير شاك فيه فقد تناظر رجلان في مسألة فحلف أحدهما على ما يعتقده فقال له منازعه لا يثبت الحكم بحلفك فقال إنى لم أحلف ليثبت الحكم عندك ولكن لأعلمك انى على يقين وبصيره من قولى وأن شبهتك لا تغير عندي في وجه يقينى بما انا جازم به
وقد امر الله نبيه صلى الله عليه وسلم ان يحلف على ثبوت الحق الذي جاء به في ثلاثة مواضع من كتابه احدها قوله تعالى ! < ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق > ! والثاني قوله تعالى ! < وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب > ! والثالث قوله تعالى ! < زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن > ! وقد اقسم النبي صلى الله عليه وسلم على ما أخبر به من الحق في اكثر من ثمانين موضعا وهي موجودة في الصحاح والمسانيد
وقد كان الصحابة رضى الله عنهم يحلفون على الفتاوي والرواية فقال علي بن ابي طالب كرم الله وجهه لابن عباس في متعة النساء إنك امرؤ تائه فانظر ما تفتي به في متعة النساء فوالله واشهد بالله لقد نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما ولى عمر رضى الله عنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال يا أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم احل المتعة ثلاثا ثم حرمها ثلاثا فأنا اقسم بالله قسما لا أجد احدا من المسلمين متمتعا إلا رجمته إلا ان يأتي بأربعة من المسلمين يشهدون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احلها بعد ان حرمها
وقد حلف الشافعي في بعض أجوبته فقال محمد بن الحكم سالت الشافعي رضى الله عنه عن المتعة كان يكون فيها طلاق أو ميراث أو نفقة أو شهادة فقال لا والله ما أدري وقال يزيد بن هارون من قال القرآن مخلوق أوشئ منه فهو والله عندي زنديق وسئل عن حديث جرير في الرؤية فقال والله الذي لا إله إلا هو من كذب به ما هم إلا زنادقة
166
وأما الامام احمد رحمة الله عليه ورضوانه فإنه حلف على عدة مسائل من فتاويه قيل ايزيد الرجل في الوضوء على ثلاث مرات فقال لا والله إلا رجل مبتلى يعنى بالوسواس وسئل عن تخلل الرجل لحيته إذا توضأ فقال إي والله وسئل يكون الرجل في الجهاد بين الصفين يبارز علجا بغير إذن الامام فقال لا والله وقيل له اتكره الصلاة في المقصورة فقال إي والله قلت وهذا لما كانت المقصورة تحمي للامراء وأتباعهم وسئل أيؤجر الرجل على بغض من خالف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إي والله وسئل من قال القرآن مخلوق كافر فقال إي والله وسئل هل صح عندك في النبيذ حديث فقال والله ما صح عندي حديث واحد إلا على التحريم وسئل أيكره الخضاب بالسوادفقال إي والله وسئل عن الرجل يؤم أباه ويصلي الأب خلفه فقال إي والله وسئل هل يكره النفخ في الصلاة فقال إي والله وسئل عن تزوج الرجل المسلم الأمة من أهل الكتاب فقال لا والله وسئل عن المرأة تستلقي على قفاها وتنام يكره ذلك فقال إي والله وسئل عن الرجل يرهن جاريته فيطؤها وهي مرهونة فقال لا والله وسئل عن حديث عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قضى في رجل استسقى قوما وهو عطشان فلم يسقوه فمات فأغرمهم عمر الدية تقول أنت كذا قال إي والله وسئل عن الرجل إذا حد في القذف ثم قذف زوجته يلاعنها فقال إي والله وسئل أيضرب الرجل رقيقة فقال إي والله ذكر هذه المسائل القاضي أبو علي الشريف
وقال الإمام أحمد في رواية ابنه صالح والله لقد أعطيت المجهود من نفسي ولوددت أني أنجو من هذا الأمر كفافا لا على ولالى وقال في روايته أيضا والله لقد تمنيت الموت في الأمر الذي كان وإني لأتمنى الموت في هذا وهذا فتنة الدنيا
167
وقال إسحاق بن منصور لأحمد يكره الخاتم من ذهب أوحديد فقال إي والله
وقال إسحاق أيضا قلت لأحمد يؤجر الرجل يأتي أهله وليس له شهوة في النساء فقال إي والله يحتسب الولد وإن لم يرد الولد إلا أنه يقول هذه امرأة شابة وقال له محمد بن عون يا أبا عبد الله يقولون إنك وقفت على عثمان فقال كذبوا والله على وإنما حدثتهم بحديث بن عمر كنا نفاضل بين اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نقول ابو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي فيبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكره ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم لا تخايروا بعد هؤلاء فمن وقف على عثمان ولم يربع بعلى عليه السلام فهو على غير السنة
وسئل احمد هل المقام بالثغر افضل من المقام بمكة فقال إى والله
وذكر ابو احمد بن عدي في الكامل ان ايوب بن إسحاق بن سافري قال سألت احمد بن حنبل فقلت يا أبا عبد الله بن إسحاق إذا انفرد بحديث تقبله فقال لا والله إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا
وقال صالح بن احمد قلت لأبي تقتل الحية والعقرب في الصلاة فقال إى والله وقال ايضا قلت لأبي تجهر بآمين فقال إى والله الامام وغير الامام وقال ايضا قلت لابي يفتح على الامام قال إى والله
وقال الميموني قلت لاحمد ونحن نحتاج في رمضان ان نبيت الصوم من الليل فقال إى والله وقال الميموني أيضا تباع الفرس الحبيس إذا عطبت وإذا فسدت فقال إى والله وقال الميموني ايضا قلت لاحمد هل ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في العقيقة شئ فأملى على أبي إى والله وفي غير حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الغلام شاتان مكافيتان وعن الجارية شاة
168
وقال إسحاق بن منصور قلت لأحمد التسبيح للرجال والتصفيق للنساء قال إى والله
وقال الكوسج ايضا قلت لأحمد قال سفيان تجزئه تكبيرة إذا نوى بها افتتاح الصلاة قال احمد إى والله تجزئه إذا نوى بن عمر وزيد وقال أيضا قلت لأحمد المؤذن يجعل أصبعيه في أذنيه قال إى والله وقال ايضا قلت لأحمد سئل سفيان عن امرأة ماتت وفي بطنها ولد يتحرك ما أرى باسا ان يشق بطنها قال احمد بئس والله ما قال يردد ذلك سبحان الله بئس ما قال وقال ايضا قلت لاحمد تجوز شهادة رجل وامراتين في الطلاق قال لا والله وقال ايضا قلت لأحمد المرجئ إذا كان داعيا قال إى والله يجفى ويقصى
وقال ابو طالب قلت لاحمد رجل قال القرآن كلام الله ليس بمخلوق ولكن لفظي هذا به مخلوق قال من قال هذا فقد جاء بالامر كله إنما هو كلام الله على كل حال والحجة فيه حديث ابي بكر ! < الم غلبت الروم > ! فقيل له هذا مما جاء به صاحبك فقال لا والله ولكنه كلام الله هذا وغيره وإنما هو كلام الله قلت ! < بسم الله الرحمن الرحيم > ! ! < الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون > ! هذا الذي قرأت الساعة كلام الله قال إى والله هو كلام الله ومن قال لفظي بالقرآن مخلوق فقد جاء بالامر كله
وقال الفضل بن زياد سالت ابا عبد الله عن حديث بن شبرمة عن الشعبي في رجل نذر ان يطلق امراته فقال له الشعبي اوف بنذرك اترى ذلك فقال لا والله وقال الفضل ايضا سمعت ابا عبد الله وذكر يحيى بن سعيد القطان فقال لا والله ما أدركنا مثله
169
وذكر احمد في رسالته إلى مسدد ولا عين نظرت بعد النبي صلى الله عليه وسلم خيرا من ابي بكر ولا بعد ابي بكر عين نظرت خيرا من عمر ولا بعد عمر عين نظرت خيرا من عثمان ولا بعد عثمان عين نظرت خيرا من علي بن ابي طالب رضى الله عنهم ثم قال احمد هم والله الخلفاء الراشدون المهديون
وقال الميموني قلت لأحمد جابر الجعفي قال كان يرى التشيع قلت قد يتهم في حديثه بالكذب قال إى والله قال القاضي فإن قيل كيف استجاز الامام احمد ان يحلف في مسائل مختلف فيها قيل اما مسائل الاصول فلا يسوغ فيها اختلاف فهي إجماع وأما مسائل الفروع فإنه لما غلب على ظنه صحة ذلك حلف عليه كما لو وجد في دفتر ابيه ان له على فلان دينا جاز له ان يدعيه لغلبة الظن بصدقه قلت ويحلف عليه قال فإن قيل اليس قد امتنع من اليمين على إسقاط الشفعة بالجوار قيل لأن اليمين هناك عند الحاكم والنية فيه للخصم قلت ولم يمنع احمد اليمين لهذا بل شفعه الجوار عنده مما يسوغ القول بها وفيها احاديث صحاح لا ترد ولهذا اختلف قوله فيها فمرة نفاها ومرة اثبتها ومرة فصل بين أن يشتركا في حقوق الملك كالطريق والماء وغيره وبين ألا يشتركا في شئ من ذلك فلا يثبت
وهذا هوالصواب الذي لا ريب فيه وبه تجتمع الاحاديث وهو اختيار شيخ الاسلام ومذهب فقهاء البصرة ولا يختار غيره وقد روى احمد عن جماعة من الصحابة والتابعين انهم حلفوا في الرواية والفتوى وغيرها تحقيقا وتأكيدا للخبر لا إثباتا له باليمين وقد قال تعالى ! < فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون > ! وقال تعالى ! < فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم > ! الاية وقال تعالى ! < فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون > ! وكذلك اقسم بكلامه كقوله تعالى ! < يس والقرآن الحكيم > ! ! < ق والقرآن المجيد > ! ! < ص والقرآن ذي الذكر > ! وأما إقسامه بمخلوقاته التي هي آيات دالة عليه فكثير جدا
170
تستحسن الفتوى بلفظ النص
الفائدة التاسعة ينبغي للمفتي ان يفتي بلفظ النص مهما امكنه فإنه يتضمن الحكم والدليل مع البيان التام فهو حكم مضمون له الصواب متضمن للدليل عليه في احسن بيان وقول الفقيه المعين ليس كذلك وقد كان الصحابة والتابعون والائمة الذين سلكوا على منهاجهم يتحرون ذلك غاية التحري حتى خلفت من بعدهم خلوف رغبوا عن النصوص واشتقوا لهم ألفاظا غير الفاظ النصوص فأوجب ذلك هجر النصوص ومعلوم ان تلك الالفاظ لا تفي بما تفي به النصوص من الحكم والدليل وحسن البيان فتولد من هجران الفاظ النصوص والاقبال على الالفاظ الحادئة وتعليق الاحكام بها على الامة من الفساد مالا يعلمه إلا الله فألفاظ النصوص عصمة وحجة بريئة من الخطأ والتناقض والتعقيد والاضطراب ولما كانت هي عصمة عهدة الصحابة واصولهم التي اليها يرجعون كانت علومهم اصح من علوم من بعدهم وخطؤهم فيما اختلفوا فيه أقل من خطأ من بعدهم ثم التابعون بالنسبة إلى من بعدهم كذلك وهلم جرا
ولما استحكم هجران النصوص عند اكثر اهل الأهواء والبدع كانت علومهم في مسائلهم وادلتهم في غاية الفساد والاضطراب والتناقض
وقد كان اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا سئلوا عن مسالة يقولون قال الله كذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا أوفعل رسول الله كذا ولا يعدلون عن ذلك ما وجدوا إليه سبيلا قط فمن تامل أجوبتهم وجدها شفاء لما في الصدور فلما طال العهد وبعد الناس من نور النبوة صار هذا عيبا عند المتأخرين ان يذكروا في اصول دينهم وفروعه قال الله وقال رسول الله أما اصول دينهم فصرحوا في كتبهم ان قول الله ورسوله لا يفيد اليقين في مسائل اصول الدين وإنما يحتج بكلام الله ورسوله فيها الحشوية والمجسمة والمشبهة واما فروعهم فقنعوا بتقليد من اختصر لهم بعض المختصرات التي لا يذكر فيها نص عن الله ولا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن الامام
171
الذي زعموا انهم قلدوه دينهم بل عمدتهم فيما يفتون ويقضون به وينقلون به الحقوق ويبيحون به الفروج والدماء والاموال على قول ذلك المصنف واجلهم عند نفسه وزعيمهم عند بني جنسه من يستحضر لفظ الكتاب ويقول هكذا قال وهذا لفظه فالحلال ما احله ذلك الكتاب والحرام ما حرمه والواجب ما اوجبه والباطل ما ابطله والصحيح ما صححه هذا وانى لنا بهؤلاء في مثل هذه الازمان فقد دفعنا إلى امر تضج منه الحقوق إلى الله ضجيجا وتعج منه الفروج والاموال والدماء إلى ربها عجيجا تبدل فيه الاحكام ويقلب فيه الحلال بالحرام ويجعل المعروف فيه اعلى مراتب المنكرات والذي لم يشرعه الله ورسوله من افضل القربات الحق فيه غريب وأغرب منه من يعرفه وأغرب منهما من يدعو إليه وينصح به نفسه والناس قد فلق بهم فالق الاصباح صبحه عن غياهب الظلمات وابان طريقة المستقيم من بين تلك الطرق الجائرات واراه بعين قلبه ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه مع ما عليه اكثر الخلق من البدع المضلات رفع له علم الهداية فشمر إليه ووضح له الصراط المستقيم فقام واستقام عليه وطوبي له من وحيد على كثرة السكان غريب على كثرة الجيران بين اقوام رؤيتهم قذى العيون وشجى الحلوق وكرب النفوس وحمى الارواح وغم الصدور ومرض القلوب وإن انصفتهم لم تقبل طبيعتهم الانصاف وان طلبته منهم فأين الثريا من يد الملتمس قد انتكست قلوبهم وعمى عليهم مطلوبهم رضوا بالاماني وابتلوا بالحظوظ وحصلوا على الحرمان وخاضوا بحار العلم لكن بالدعاوي الباطلة وشقاشق الهذيان ولا والله ما ابتلت من وشله اقدامهم ولا زكت به عقولهم واحلامهم ولا ابيضت به لياليهم واشرقت بنوره ايامهم ولا ضحكت بالهدى والحق منه وجوه الدفاتر إذ بلت بمداده أقلامهم انفقوا في غير شئ نفائس الانفاس واتعبوا انفسهم وحيروا من خلفهم من الناس
172
ضيعوا الاصول فحرموا الوصول وأعرضوا عن الرسالة فوقعوا في مهامه الحيرة وبيداء الضلالة
والمقصود ان العصمة مضمونه في الفاظ النصوص ومعانيها في أتم بيان واحسن تفسير ومن رام إدراك الهدى ودين الحق من غير مشكاتها فهو عليه عسير غير يسير
فصل توجه المفتى إلى الله
الفائدة العاشرة ينبغي للمفتي الموفق إذا نزلت به المسألة ان ينبعث من قلبه الافتقار الحقيقي الحالي لا العلمي المجرد إلى ملهم الصواب ومعلم الخير وهادي القلوب ان يلهمه الصواب ويفتح له طريق السداد ويدله على حكمه الذي شرعه لعباده في هذه المسألة فمتى قرع هذا الباب فقد قرع باب التوفيق وما اجدر من امل فضل ربه ان لا يحرمه إياه فإذا وجد من قلبه هذه الهمة فهي طلائع بشرى التوفيق فعليه ان يوجه وجهه ويحدق نظره إلى منبع الهدى ومعدن الصواب ومطلع الرشد وهو النصوص من القرآن والسنة وآثار الصحابة فيستفرغ وسعه في تعرف حكم تلك النازلة منها فان ظفر بذلك اخبر به وان اشتبه عليه بادر إلى التوبة والاستغفار والاكثار من ذكر الله فإن العلم نور الله يقذفه في قلب عبده والهوى والمعصية رياح عاصفة تطفئ ذلك النور أوتكاد ولا بد ان تضعفه
وشهدت شيخ الاسلام قدس الله روحه اذا اعيته المسائل واستصعبت عليه فر منها إلى التوبة والاستغفار والاستغاثة بالله واللجأ إليه واستنزال الصواب من عنده والاستفتاح من خزائن رحمته فقلما يلبث المدد الالهي ان يتتابع عليه مدا وتزدلف الفتوحات الالهية إليه بايتهن يبدأ ولا ريب ان من وفق لهذا الافتقار
173
علما وحالا وسار قلبه في ميادينه بحقيقة وقصد فقد أعطى حظه من التوقيق ومن حرمه فقد منع الطريق والرفيق فمتى اعين مع هذا الافتقار ببذل الجهد في درك الحق فقد سلك به الصراط المستقيم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم
العلم بالحق مقدمة للحكم والفتيا
الفائدة الحادية عشرة اذا نزلت بالحاكم أوالمفتى النازلة فإما ان يكون عالما بالحق فيها أوغالبا على ظنه بحيث قد استفرغ وسعه في طلبه ومعرفته أولا فان لم يكن عالما بالحق فيها ولا غلب على ظنه لم يحل له ان يفتى ولا يقضى بما لا يعلم ومتى أقدم على ذلك فقد تعرض لعقوبة الله ودخل تحت قوله تعالى ! < قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون > ! فجعل القول عليه بلا علم اعظم المحرمات الاربع التي لا تباح بحال ولهذا حصر التحريم فيها بصيغة الحصر ودخل تحت قوله تعالى ! < ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون > ! ودخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم من افتى بغير علم فانما إثمة على من أفتاه وكان احد القضاة الثلاثة الذين ثلثاهم في النار وان كان قد عرف الحق في المسألة علما أوظنا غالبا لم يحل له ان يفتى ولا يقضى بغيره بالاجماع المعلوم بالضرورة من دين الاسلام وهو احد القضاة الثلاثة والمفتين الثلاثة والشهود الثلاثة وإذا كان من افتى أو حكم أو شهد بغير علم مرتكبا لأعظم الكبائر فكيف من أفتى أو حكم أو شهد بما يعلم خلافه فالحاكم والمفتي والشاهد كل منهم مخبر عن حكم الله فالحاكم مخبر منفذ والمفتي مخبر غير منفذ والشاهد مخبر عن الحكم الكوني القدري المطابق للحكم الديني الامري فمن اخبر منهم عما يعلم خلافه فهو كاذب على الله عمدا ! < ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة > ! ولا اظلم ممن
174
كذب على الله وعلى دينه وإن أخبروا بمالم يعلموا فقد كذبوا على الله جهلا وإن أصابوا في الباطن واخبروا بما لم يأذن الله لهم في الاخبار به وهم أسوأ حالا من القاذف اذا راى الفاحشة وحده فأخبر بها فإنه كاذب عند الله وإن أخبر بالواقع فإن الله لم يأذن له في الاخبار بها إلا اذا كان رابع أربعة فإن كان كاذبا عند الله في خبر مطابق لمخبره حيث لم يأذن له في الاخبار به فكيف بمن اخبر عن حكمة بما لم يعلم ان الله حكم به ولم يأذن له في الاخبار به قال الله تعالى ! < ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع قليل ولهم عذاب أليم > ! وقال تعالى ! < فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه > ! والكذب على الله يستلزم التكذيب بالحق والصدق وقال تعالى ! < ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين > ! وهؤلاء الايات وإن كانت في حق المشركين والكفار فإنها متناولة لمن كذب على الله في توحيده ودينه وأسمائه وصفاته وأفعاله ولا تتناول المخطئ المأجور إذا بذل جهده واستفرغ وسعه في إصابة حكم الله وشرعه فإن هذا هو الذي فرضه الله عليه فلا يتناول المطيع لله وإن أخطأ وبالله التوفيق
ما يجب على الراوي والمفتي والحاكم والشاهد
الفائدة الثانية عشرة حكم الله ورسوله يظهرعلى اربعة ألسنة لسان الراوي ولسان المفتي ولسان الحاكم ولسان الشاهد فالراوي يظهر على لسانه لفظ حكم الله ورسوله والمفتي يظهر على لسانه معناه وما استنبطه من لفظه والحاكم يظهر على لسانه الاخبار بحكم الله وتنفيذه والشاهد يظهر على لسانه الاخبار بالسبب الذي يثبت حكم الشارع والواجب على هؤلاء الاربعة ان يخبروا بالصدق المستند إلى العلم فيكونون عالمين بما يخبرون به صادقين في الاخبار
175
به وآفة احدهم الكذب والكتمان فمتى كتم الحق أو كذب فيه فقد حاد الله في شرعه ودينه وقد أجرى الله سنته ان يمحق عليه بركة علمه ودينه ودنياه اذا فعل ذلك كما أجرى عادته سبحانه في المتبايعين إذا كتما وكذبا أن يمحق بركة بيعهما ومن التزم الصدق والبيان منهم في مرتبته بورك له في علمه ووقته ودينه ودنياه وكان مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما فبالكتمان يعزل الحق عن سلطانه وبالكذب يقلبه عن وجهه والجزاء من جنس العمل فجزاء أحدهم ان يعزله الله عن سلطان المهابة والكرامة والمحبة والتعظيم الذي يلبسه اهل الصدق والبيان ويلبسه ثوب الهوان والمقت والخزي بين عباده فإذا كان يوم القيامة جازى الله سبحانه من يشاء من الكاذبين الكاتمين بطمس الوجوه وردها على أدبارها كما طمسوا وجه الحق وقلبوه عن وجهه جزاء وفاقا ! < وما ربك بظلام للعبيد > !
على المفتي ألا ينسب الحكم إلى الله ولا إلى رسوله إلا بنص قاطع
الفائدة الثالثة عشرة لا يجوز للمفتي ان يشهد على الله ورسوله بأنه احل كذا أوحرمه أواوجبه أوكرهه إلا لما يعلم ان الامر فيه كذلك مما نص الله ورسوله على اباحته أوتحريمه أوإيجابه أوكراهته وأما ما وجده في كتابه الذي تلقاه عمن قلده دينه فليس له ان يشهد على الله ورسوله به ويغر الناس بذلك ولا علم له بحكم الله ورسوله
قال غير واحد من السلف ليحذر احدكم ان يقول احل الله كذا أوحرم الله كذا فيقول الله له كذبت لم احل كذا ولم احرمه
وثبت في صحيح مسلم من حديث بريده بن الحصيب ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وإذا حاصرت حصنا فسألوك ان تنزلهم على حكم الله ورسوله فلا تنزلهم على حكم الله ورسوله فإنك لا تدري اتصيب حكم الله فيهم ام لا ولكن انزلهم على حكمك وحكم اصحابك
176
وسمعت شيخ الاسلام يقول حضرت مجلسا فيه القضاة وغيرهم فجرت حكومة حكم فيها احدهم بقول زفر فقلت له ما هذه الحكومة فقال هذا حكم الله فقلت له صار قول زفر هو حكم الله الذي حكم به وألزم به الامة قل هذا حكم زفر ولا تقل هذا حكم الله أونحو هذا من الكلام
الاحوال التي ترد على المفتي من المستفتى
الفائدة الرابعة عشرة المفتي اذا سئل عن مسالة فإما ان يكون قصد السائل فيها معرفة حكم الله ورسوله ليس إلا وإما ان يكون قصده معرفة ما قاله الامام الذي شهر المفتي نفسه باتباعه وتقليده دون غيره من الائمة واما ان يكون مقصوده معرفة ما ترجح عند ذلك المفتي وما يعتقده فيها لاعتقاده علمه ودينه وأمانته فهو يرضى تقليده هو وليس له غرض في قول إمام بعينه فهذه اجناس الفتيا التي ترد على المفتين
ففرض المفتي في القسم الاول ان يجيب بحكم الله ورسوله اذا عرفه وتيقنه لا يسعه غير ذلك
وأما في القسم الثاني فاذا عرف قول الامام نفسه وسعه ان يخبر به ولا يحل له ان ينسب إليه القول ويطلق عليه انه قوله بمجرد ما يراه في بعض الكتب التي حفظها أوطالعها من كلام المنتسبين إليه فانه قد اختلطت اقوال الائمة وفتاويهم بأقوال المنتسبين اليهم واختياراتهم فليس كل ما في كتبهم منصوصا عن الائمة بل كثير منه يخالف نصوصهم وكثير منه لا نص لهم فيه وكثير منه يخرج على فتاويهم وكثير منه أفتوا به بلفظه أوبمعناه فلا يحل لاحد ان يقول هذا قول فلان ومذهبه إلا ان يعلم يقينا انه قوله ومذهبه فما أعظم خطر المفتي وأصعب مقامه بين يدى الله تعالى
177
واما القسم الثالث فانه يسعه ان يخبر المستفتى بما عنده في ذلك مما يغلب على ظنه انه الصواب بعد بذل جهده واستفراغ وسعه ومع هذا فلا يلزم المستفتى الاخذ بقوله وغايته انه يسوغ له الاخذ به
فلينزل المفتي نفسه في منزلة من هذه المنازل الثلاث وليقم بواجبها فإن الدين دين الله والله سبحانه ولا بد سائله عن كل ما افتى به وهو موقره عليه ومحاسب ولا بد والله المستعان
على المفتي ان يفتي بالصواب ولو كان خلافا لمذهبه
الفائدة الخامسة عشرة ليحذر المفتي الذي يخاف مقامه بين يدي الله سبحانه ان يفتي السائل بمذهبه الذي يقلده وهو يعلم ان مذهب غيره في تلك المسألة ارجح من مذهبه واصح دليلا فتحمله الرياسة على ان يقتحم الفتوى بما يغلب على ظنه ان الصواب في خلافه فيكون خائنا لله ورسوله وللسائل وغاشا له والله لا يهدي كيد الخائنين وحرم الجنة على من لقيه وهو غاش للاسلام واهله والدين النصيحة والغش مضاد للدين كمضادة الكذب للصدق والباطل للحق وكثيرا ما ترد المسألة نعتقد فيها خلاف المذهب فلا يسعنا ان نفتي بخلاف ما نعتقده فنحكي المذهب الراجح ونرجحه ونقول هذا هو الصواب وهو اولى ان يؤخذ به وبالله التوفيق
على المفتي الا يبهم على السائل
الفائدة السادسة عشرة لا يجوز للمفتي الترويج وتخيير السائل وإلقاؤه في الاشكال والحيرة بل عليه ان يبين بيانا مزيلا للإشكال متضمنا لفصل الخطاب كافيا في حصول المقصود لا يحتاج معه إلى غيره ولا يكون كالمفتي الذي سئل عن مسألة في المواريث فقال يقسم بين الورثة على فرائض الله عزوجل وكتبه فلان وسئل اخر عن صلاة الكسوف فقال تصلي على حديث عائشة وان كان هذا اعلم من الاول وسئل اخر عن مسألة من الزكاة فقال اما اهل الايثار فيخرجون المال كله واما غيرهم فيخرج القدر الواجب عليه أوكما قال وسئل اخر عن مسالة فقال فيها قولان ولم يزد
178
قال ابو محمد بن جزم وكان عندنا مفت إذا سئل عن مسألة لا يفتى فيها حتى يتقدمه من يكتب فيكتب هو جوابي فيها مثل جواب الشيخ فقدر ان مفتيين اختلفا في جواب فكتب تحت جوابهما جوابي مثل جواب الشيخين فقيل له انهما قد تناقضا فقال وانا أتناقض كما تناقضا وكان في زماننا رجل مشار إليه بالفتوى وهو مقدم في مذهبه وكان نائب السلطان يرسل إليه في الفتاوي فيكتب يجوز كذا أو يصح كذا أو ينعقد بشرطه فارسل إليه يقول له تأتينا فتاوي منك فيها يجوز أو ينعقد أو يصح بشرطه ونحن لا نعلم شرطه فإما ان تبين شرطه وإما ان لا تكتب ذلك
وسمعت شيخنا يقول كل احد يحسن ان يفتى بهذا الشرط فإن أي مسألة وردت عليه يكتب فيها يجوز بشرطه أو يصح بشرطه أو يقبل بشرطه ونحو ذلك وهذا ليس بعلم ولا يفيد فائدة اصلا سوى حيرة السائل وتبلده وكذلك قول بعضهم في فتاويه يرجع في ذلك إلى رأي الحاكم فيا سبحان الله والله لو كان الحاكم شريحا واشباهه لما كان مرد احكام الله ورسوله إلى رأيه فضلا عن حكام زماننا فالله المستعان وسئل بعضهم 8 عن مسالة فقال فيها خلاف فقيل له كيف يعمل المفتي فقال يختار له القاضي احد المذهبين قال ابو عمرو بن الصلاح كنت عند ابي السعادات أبن الاثير الجزري فحكى لي عن بعض المفتين انه سئل عن مسألة فقال فيها قولان فأخذ يزرى عليه وقال هذا حيد عن الفتوى ولم يخلص السائل من عمايته ولم يأت بالمطلوب
قلت وهذا فيه تفصيل فإن المفتي المتمكن من العلم المضطلع به قد يتوقف في الصواب في المسألة المتنازع فيها فلا يقدم على الجزم بغير علم وغاية ما يمكنه ان يذكر الخلاف فيها للسائل وكثيرا ما يسأل الامام احمد رضى الله عليه وغيره من الائمة عن مسالة فيقول فيها قولان أوقد اختلفوا فيها وهذا كثير في اجوبة الامام احمد لسعه علمه وورعه وهو كثير في كلام الامام الشافعي رضى الله عنه يذكر المسالة ثم يقول فيها قولان وقد اختلف اصحابه هل يضاف القولان اللذان
179
يحكيهما إلى مذهبه وينسبان إليه ام لا على طريقين واذا اختلف علي وبن مسعود وبن عمر وبن عباس وزيد وابي وغيرهم من الصحابة رضى الله عنهم ولم يتبين للمفتي القول الراجح من أقوالهم فقال هذه مسألة اختلف فيها فلان وفلان من الصحابة فقد انتهى إلى ما يقدر عليه من العلم قال ابو إسحاق الشيرازي سمعت شيخنا ابا الطيب الطبري يقول سمعت ابا العباس الحضرمي يقول كنت جالسا عند ابي بكر بن داود الظاهري فجاءته امرأة فقالت ما تقول في رجل له زوجة لا هو ممسكها ولا هو مطلقها فقال لها اختلف في ذلك اهل العلم فقال قائلون تؤمر بالصبر والاحتساب ويبعث على التطلب والاكتساب وقال قائلون يؤمر بالانفاق ولا يحمل على الطلاق فلم تفهم المرأة قوله فأعادت المسألة فقال يا هذه اجبتك عن مسألتك وأرشدتك إلى طلبتك ولست بسلطان فأمضى ولاقاض فأقضى ولا زوج فارضى فانصرفى
لا يصح للمفتي ان يعتبر شرط الواقف إذا خالف الشارع
الفائدة السابعة عشرة اذا سئل عن مسألة فيها شرط واقف لم يحل له ان يلزم بالعمل به بل ولا يسوغه على الاطلاق حتى ينظر في ذلك الشرط فإن كان يخالف حكم الله ورسوله فلا حرمة له ولا يحل له تنفيذه ولا يسوغ تنفيذه وإن لم يخالف حكم الله ورسوله فلينظر هل فيه قربة أورجحان عند الشارع ام لا فان لم يكن فيه قربة ولا رجحان لم يجب التزامه ولم يحرم فلا تضر مخالفته وان كان فيه قربة وهو راجح على خلافه فلينظر هل يفوت بالتزامه والتقييد به ما هو احب إلى الله ورسوله وارضى له وانفع للمكلف واعظم تحصيلا لمقصود الواقف من الاجر فإن فات ذلك بالتزامه لم يجب التزامه ولا التقييد به قطعا وجاز العدول بل يستحب إلى ما هو احب إلى الله ورسوله وانفع للمكلف واكثر تحصيلا لمقصود الواقف وفي جواز التزام شرط الواقف في هذه الصورة تفصيل سنذكره إن شاء الله وإن كان فيه قربة وطاعة ولم يفت بالتزامه ما هو احب إلى الله ورسوله منه وتساوي هو وغيره في تلك القربة
180
ويحصل غرض الواقف بحيث يكون هو وغيره طريقين موصلين إلى مقصوده ومقصود الشارع من كل وجه لم يتعين عليه التزام الشرط بل له العدول عنه إلى ما هو اسهل عليه وارفق به وان ترجح موجب الشرط وكان قصد القربة والطاعة فيه أظهر وجب التزامه
فهذا هو القول الكلى في شروط الواقفين وما يجب التزامه منها وما يسوغ وما لا يجب
ومن سلك غير هذا المسلك تناقض اظهر تناقض ولم يثبت له قدم يعتمد عليه
شروط الواقفين المخالفة للشرع
فإذا شرط الواقف ان يصلي الموقوف عليه في هذا المكان المعين الصلوات الخمس ولو كان وحده وإلى جانبه المسجد الاعظم وجماعة المسلمين لم يجب عليه الوفاء بهذا الشرط بل ولا يحل له التزامه اذا فاتته الجماعة فإن الجماعة اما شرط لا تصح الصلاة بدونها واما واجبة يستحق تاركها العقوبة وإن صحت صلاته وإما سنة مؤكدة يقاتل تاركها وعلى كل تقدير فلا يصح التزام شرط يخل بها
وكذلك اذا شرط الواقف العزوبية وترك التأهل لم يجب الوفاء بهذا الشرط بل ولا التزامه بل من التزمه رغبة عن السنة فليس من الله ورسوله في شئ فإن النكاح عندالحاجة إليه إما فرض يعصي تاركه وإما سنة الاشتغال بها أفضل من صيام النهار وقيام الليل وسائر اوراد التطوعات واما سنة يثاب فاعلها كما يثاب فاعل السنن والمندوبات وعلى كل تقدير فلا يجوز اشتراط تعطيله أوتركه إذ يصير مضمون هذا الشرط انه لا يستحق تناول الوقف إلا من عطل ما فرض الله عليه وخالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن فعل ما فرضه الله عليه وقام بالسنة لم يحل له ان يتناول من هذا الوقف شيئا ولا يخفى ما في التزام هذا الشرط والالزام به من مضادة الله ورسوله وهو اقبح من اشتراطه
181
ترك الوتر والسنن الراتبة وصيام الخميس والاثنين والتطوع بالليل بل اقبح من اشتراطه ترك ذكر الله بكرة وعشيا ونحو ذلك
ومن هذا اشتراطه ان يصلي الصلوات في التربة المدفون بها ويدع المسجد وهذا ايضا مضاد لدين الاسلام اعظم مضادة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن المتخذين قبور أنبيائهم مساجد فالصلاة في المقبرة معصية لله ورسوله باطلة عند كثير من اهل العلم لا يقبلها الله ولا تبرأ الذمة بفعلها فكيف يجوز التزام شرط الواقف لها وتعطيل شرط الله ورسوله فهذا تغيير الدين لولا ان الله سبحانه يقيم له من يبين اعلامه ويدعو إليه
ومن ذلك اشتراط إيقاد سراج أوقنديل على القبر فلا يحل للواقف اشتراط ذلك ولا للحاكم تنفيذه ولا للمفتي تسويغه ولا للموقوف عليه فعله والتزامه فقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتخذين السرج على القبور فكيف يحل للمسلم ان يلزم أويسوغ فعل ما لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعله وحضرت بعض قضاة الاسلام يوما وقد جاءه كتاب وقف على تربة ليثبته وفيه وانه يوقد على القبر كل ليلة قنديل فقلت له كيف يحل لك ان تثبت هذا الكتاب وتحكم بصحته مع علمك بلعنة رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتخذين السرج على القبور فأمسك عن إثباته وقال الامر كما قلت أوكما قال
ومن ذلك ان يشترط القراءة عند قبره دون البيوت التي اذن الله ان ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال والناس لهم قولان احدهما ان القراءة لا تصل إلى الميت فلا فرق بين ان يقرأ عند القبر أوبعيدا منه عند هؤلاء والثاني انها تصل ووصولها فرع حصول الثواب للقارئ ثم ينتقل منه إلى الميت فإذا كانت قراءة القارئ ومجيئه إلى القبر إنما هو لأجل الجعل ولم يقصد به التقرب إلى الله لم يحصل له ثواب فكيف ينقل عنه إلى الميت وهو فرعه فما زاد بمجيئه إلى التربة الا العناء والتعب بخلاف ما اذا
182
قرأ لله في المسجد أوغيره في مكان يكون اسهل عليه واعظم لإخلاصه ثم جعل ثواب ذلك للميت وصل إليه
وذاكرت مرة بهذا المعنى بعض الفضلاء فاعترف به وقال لكن بقى شئ آخر وهو ان الواقف قد يكون قصد انتفاعه بسماع القرآن على قبره ووصول بركة ذلك إليه فقلت له انتفاعه بسماع القرآن مشروط بحياته فلما مات انقطع عمله كله واستماع القران من افضل الاعمال الصالحة وقد انقطع بموته ولو كان ذلك ممكنا لكان السلف الطيب من الصحابة والتابعين ومن بعدهم اولى بهذا الحظ العظيم لمسارعتهم إلى الخير وحرصهم عليه ولو كان خيرا لسبقونا إليه فالذي لا شك فيه انه لا يجب حضور التربة ولا تتعين القراءة عند القبر
ونظير هذا ما لو وقف وقفا يتصدق به عند القبر كما يفعل كثير من الجهال فإن في ذلك من تعنية الفقير وإتعابه وإزعاجه من موضعه إلى الجبانة في حال الحر والبرد والضعف حتى يأخذ تلك الصدقة عند القبر مما لعله ان يحبط اجرها ويمنع انعقاده بالكلية
ومن هذا لو شرط واقف الخانقاه وغيرها على أهلها ان لا يشتغلوا بكتابة العلم وسماع الحديث والاشتغال بالفقه فإن هذا شرط باطل مضاد لدين الاسلام لا يحل تنفيذه ولا التزامه ولا يستحق من قام به شيئا من هذا الوقف فإن مضمون هذا الشرط ان الوقف المعين انما يستحقه من ترك ما يجب عليه من العلم النافع وجهل امر الله ورسوله ودينه وجهل اسماءه وصفاته وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وأحكام الثواب والعقاب ولا ريب ان هذا الصنف من شرار خلق الله وأمقتهم عند الله ورسوله وهم خاصة الشيطان واولياؤه وحزبه ! < ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون > !
ومن ذلك ان يشترط الواقف ان لا يقرأ في ذلك المكان شئ من آيات
183
الصفات واحاديث الصفات كما امر به بعض اعداء الله من الجهمية لبعض الملوك وقد وقف مسجدا لله تعالى ومضمون هذا الشرط المضاد لما بعث الله به رسوله ان يعطل اكثر ايات القران عن التلاوة والتدبر والتفهم وكثير من السنة أواكثرها عن ان تذكر أوتروى أوتسمع أويهتدي بها ويقام سوق التجهم والكلام المبتدع المذموم الذي هو كفيل بالبدع والضلالة والشك والحيرة
ومن ذلك ايضا ان يقف مكانا أو مسجدا أو مدرسة أو رباطا على طائفة معينة من الناس دون غيرهم كالعجم مثلا أو الروم أو الترك أو غيرهم وهذا من أبطل الشروط فإن مضمونه ان اقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذرية المهاجرين والانصار لا يحل لهم ان يصلوا في هذا المسجد ولا ينزلوا في هذا الرباط أو المدرسة أو الخانقاه بل لو امكن ان يكون ابو بكر وعمر واهل بدر واهل بيعة الرضوان رضى الله عنهم بين اظهرنا حرم عليهم النزول بهذا المكان الموقوف
وهذه ال شروط والاشتغال بها والاعتداد بها من اسمج الهذيان ولا تصدر من قلب طاهر ولا ينفذها من شم روائح العلم الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم
وكذلك لو شرط ان يكون المقيمون بهذه الامكنة طائفة من اهل البدع كالشيعة والخوارج والمعتزلة والجهمية والمبتدعين في اعمالهم كأصحاب الاشارات واللاذن والشير والعنبر وأكل الحيات واصحاب النار واشباه الذئاب المشتغلين بالاكل والشرب والرقص لم يصح هذا الشرط وكان غيرهم احق بالمكان منهم وشروط الله احق
فهذه الشروط واضعافها واضعاف أضعافها من باب التعاون على الاثم
184
والعدوان والله تعالى انما امر بالتعاون على البر والتقوى وهو ما شرعه على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم دون ما لم يشرعه فكيف بما شرع خلافه والوقف إنما يصح على القرب والطاعات ولا فرق في ذلك بين مصرفه وجهته وشرطه فإن الشرط صفة وحال في الجهة والمصرف فإذا اشترط أن يكون المصرف قربة وطاعة فالشرط كذلك ولا يقتضي الفقه إلا هذا ولا يمكن احدا ان ينقل عن ائمة الاسلام الذين لهم في الامة لسان صدق ما يخالف ذلك البتة بل نشهد بالله والله ان الائمة لا تخالف ما ذكرناه وان هذا نفس قولهم وقد اعاذهم الله من غيره وانما يقع الغلط من كثير من المنتسبين اليهم في فهم اقوالهم كما وقع لبعض من نصب نفسه للفتوى من اهل عصرنا ما تقول السادة الفقهاء في رجل وقف وقفا على اهل الذمة هل يصح ويتقيد 2 الاستحقاق بكونه منهم فأجاب بصحة الوقف وتقييد الاستحقاق بذلك الوصف وقال هكذا قال اصحابنا ويصح الوقف على اهل الذمة فأنكر ذلك شيخنا عليه غاية الانكار وقال مقصود الفقهاء بذلك ان كونه من اهل الذمة ليس مانعا من صحة الوقف عليه بالقرابة أوبالتعيين وليس مقصودهم ان الكفر بالله ورسوله أوعبادة الصليب وقولهم إن المسيح بن الله شرط لاستحقاق الوقف حتى إن من آمن بالله ورسوله واتبع دين الاسلام لم يحل له ان يتناول بعد ذلك من الوقف فيكون حل تناوله مشروطا بتكذيب الله ورسوله والكفر بدين الاسلام ففرق بين كون وصف الذمة مانعا من صحة الوقف وبين كونه مقتضيا فغلظ طبع هذا المفتي وكثف فهمه وغلظ حجابه عن ذلك ولم يميز
ونظير هذا ان يقف على الاغنياء فهذا يصح اذا كان الموقوف عليه غنيا أوذا قرابة فلا يكون الغني مانعا ولا يصح ان يكون جهة الاستحقاق هو الغني فيستحق ما دام غنيا فإذا افتقر واضطر إلى ما يقيم اوده حرم عليه تناول
185
الوقف فهذا لا يقوله الا من حرم التوفيق وصحبة الخذلان ولو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا من الائمة يفعل ذلك لاشتد انكاره وغضبه عليه ولما اقره البتة وكذلك لو رأى رجلا من امته قد وقف على من يكون من الرجال عزبا غير متأهل فإذا تأهل حرم عليه تناول الوقف لاشتد غضبه ونكيره عليه بل دينه يخالف هذا فإنه كان إذا جاءه مال أعطى العزب حظا واعطى الاهل حظين واخبر ان ثلاثة حق على الله عونهم فذكر منهم الناكح يريد العفاف وملتزم هذا الشرط حق عليه عدم اعانة الناكح
ومن هذا ان يشترط انه لا يستحق الوقف إلا من ترك الواجب عليه من طلب النصوص ومعرفتها والتفقه في متونها والتمسك بها إلى الاخذ بقول فقيه معين يترك لقوله قول من سواه بل يترك النصوص لقوله فهذا شرط من ابطل الشروط وقد صرح اصحاب الشافعي واحمد رحمهما الله تعالى بأن الامام اذا شرط على القاضي ان لا يقضى إلا بمذهب معين بطل الشرط ولم يجز له التزامه وفي بطلان التولية قولان مبنيان على بطلان العقود بالشروط الفاسدة وطرد هذا ان المفتي متى شرط عليه ألا يفتى الا بمذهب معين بطل الشرط وطرده أيضا ان الواقف متى شرط على الفقيه ان لا ينظر ولا يشتغل إلا بمذهب معين بحيث يهجر له كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وفتاوي الصحابة ومذاهب العلماء لم يصح هذا الشرط قطعا ولا يجب إلتزامه بل ولا يسوغ
وعقد هذا الباب وضابطه ان المقصود إنما هو التعاون على البر والتقوى وان يطاع الله ورسوله بحسب الامكان وان يقدم من قدمه الله ورسوله ويؤخر من اخره الله ورسوله ويعتبر ما اعتبره الله ورسوله ويلغي ما الغاه الله ورسوله وشروط الواقفين لا تزيد على نذر الناذرين فكما انه لا يوفى من النذور إلا بما كان طاعة لله ورسوله فلا يلزم من شروط الواقفين إلا ما كان طاعة لله ورسوله
186
فإن قيل الواقف انما نقل ماله لمن قام بهذه الصفة فهو الذي رضى بنقل ما له إليه ولم يرض بنقله إلى غيره وإن كان افضل منه فالوقف يجري مجرى الجعالة فإذا بذل الجاعل ماله لمن يعمل عملا لم يستحقه من عمل غيره وان كان بينهما في الفضل كما بين السماء والارض
قيل هذا منشأ الوهم والايهام في هذه المسألة وهو الذي قام بقلوب ضعفة المتفقهين فالتزموا والزموا من الشروط بما غيره احب إلى الله وارضى له منه بإجماع الامة بالضرورة المعلومة من الدين
وجواب هذا الوهم ان الجاعل يبذل ماله في غرضه الذي يريده إما محرما أو مكروها أو مباحا أو مستحبا أو واجبا لينال غرضه الذي بدل فيه ماله واما الواقف فإنما يبذل ماله فيما يقربه إلى الله وثوابه فهو لما علم انه لم يبق له تمكن من بذل ماله في اغراضه احب ان يبذله فيما يقربه إلى الله وما هو انفع له في الدار الاخرة ولا يشك عاقل ان هذا غرض الواقفين بل ولا يشك واقف ان هذا غرضه والله سبحانه وتعالى ملكة المال لينتفع به في حياته وأذن له ان يحبسه لينتفع به بعد وفاته فلم يملكه ان يفعل به بعد موته ما كان يفعل به في حياته بل حجر عليه فيه وملكه ثلثه يوصى به بما يجوز ويسوغ ان يوصى به حتى إن حاف أو جار أو أثم في وصيته جاز بل وجب على الوصي والورثة رد ذلك الجور والحيف والاثم ورفع سبحانه الاثم عمن يرد ذلك الحيف والاثم من الورثة والاوصياء فهو سبحانه لم يملكه ان يتصرف في تحبيس ماله بعده إلا على وجه يقربه إليه ويدنيه من رضاه لا على أي وجه أراد ولم يأذن الله ولا رسوله للمكلف ان يتصرف في تحبيس ماله بعده على أي وجه اراده ابدا فأين في كلام الله ورسوله أواحد من الصحابة ما يدل على ان لصاحب المال ان يقف ما اراد على من اراد ويشرط ما اراد ويجب على الحكام والمفتين ان ينفذوا وقفه ويلزموا بشروطه واما ما قد لهج به بعضهم من قوله شروط الواقف كنصوص الشارع فهذا يراد به معنى صحيح ومعنى
187
باطل فإن اريد انها كنصوص الشارع في الفهم والدلالة وتقييد مطلقها بمقيدها وتقديم خاصها على عامها والاخذ فيها بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فهذا حق من حيث الجملة وان اريد انها كنصوص الشارع في وجوب مراعاتها والتزامها وتنفيذها فهذا من ابطل الباطل بل يبطل منها ما لم يكن طاعة لله ورسوله وما غيره احب إلى الله وارضى له ولرسوله منه وينفذ منها ما كان قربة وطاعة كما تقدم
ولما نذر ابو اسرائيل ان يصوم ويقوم في الشمس ولا يجلس ولا يتكلم امره النبي صلى الله عليه وسلم ان يجلس في الظل ويتكلم ويتم صومه فألزمه بالوفاء بالطاعة ونهاه عن الوفاء بما ليس بطاعة
وهكذا اخت عقبة بن عامر لما نذرت الحج ماشيه مكشوفة الرأس امرها ان تختمر وتركب وتحج وتهدى بدنة
فهكذا الواجب على اتباع الرسول صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله أن يعتمدوا في شروط الواقفين وبالله التوفيق
لا يجوز للمفتي إطلاق الفتوى في مسألة فيها تفصيل
الفائدة الثامنة عشرة ليس للمفتي ان يطلق الجواب في مسالة فيها تفصيل إلا اذا علم ان السائل انما سأل عن احد تلك الانواع بل اذا كانت المسالة تحتاج إلى التفصيل استفصله كما استفصل النبي صلى الله عليه وسلم ماعزا لما أقر بالزنى هل وجد منه مقدماته أو حقيقته فلما أجابه عن الحقيقة استفصله هل به جنون فيكون إقراره غير معتبر ام هو عاقل فلما علم عقله استفصله بأن امر باستنكاهه ليعلم هل هو سكران ام صاح فلما علم انه صاح استفصله هل احصن ام لا فلما علم انه قد أحصن اقام عليه الحد
ومن هذا قوله لمن سالته هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت فقال نعم إذا رأت الماء فتضمن هذا الجواب الاستفصال بأنها يجب عليها الغسل في حال ولا يجب عليها في حال
188
ومن ذلك أن ابا النعمان بن بشير سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يشهد على غلام نحله ابنه فاستفصله وقال أكل ولدك نحلته كذلك فقال لا فأبى ان يشهد وتحت هذا الاستفصال ان ولدك إن كانوا اشتركوا في النحل صح ذلك وإلا لم يصح
ومن ذلك ان بن ام مكتوم استفتاه هل يجد له رخصة ان يصلي في بيته فقال هل تسمع النداء قال نعم قال فأوجب فاستفصله بين ان يسمع النداء أولا يسمعه
ومن ذلك انه لما استفتى عن رجل وقع على جارية امراته فقال إن كان استكرهها فهي حرة وعليه مثلها وإن كانت طاوعته فهي له وعليه لسيدتها مثلها وهذا كثير في فتاويه صلى الله عليه وسلم
فإذا سئل المفتي عن رجل دفع ثوبه إلى قصار يقصره فانكر القصار الثوب ثم اقر به هل يستحق الاجرة على القصارة ام لا فالجواب بالاطلاق خطا نفيا وإثباتا والصواب التفصيل فإن كان قصره قبل الجحود فله أجرة القصارة لانه قصره لصاحبه وإن كان قصره بعد جحوده فلا اجره له لانه قصره لنفسه
وكذلك اذا سئل عن رجل حلف لا يفعل كذا وكذا ففعله لم يجز له ان يفتى بحنثه حتى يستفصله هل كان ثابت العقل وقت فعله ام لا واذا كان ثابت العقل فهل كان مختارا في يمينه ام لا واذا كان مختارا فهل استثنى عقيب يمينه ام لا واذا لم يستثن فهل فعل المحلوف عليه عالما ذاكرا مختارا ام كان ناسيا أو جاهلا أو مكرها واذا كان عالما مختارا فهل كان المحلوف عليه داخلا في قصده ونيته أوقصد عدم دخوله فخصصه بنيته أولم يقصد دخوله ولا نوى تخصيصه فإن الحنث يختلف باختلاف ذلك كله
وراينا من مفتى العصر من بادر إلى التحنيث فاستفصلناه فوجده غير
189
حانث في مذهب من افتاه وقع ذلك مرارا فخطر المفتى عظيم فإنه موقع عن الله ورسوله زاعم ان الله امر بكذا وحرم كذا أواوجب كذا
ومن ذلك ان يستفتيه عن الجمع بين الظهر والعصر مثلا هل يجوز له ان يفرق بينهما فجوابه بتفصيل المسألتين وان الجمع إن كان في وقت الاولى لم يجز التفريق وإن كان في وقت الثانية جاز
ومن ذلك انه لو قال له إن لم تحرق هذا المتاع أوتهدم هذه الدار أوتتلف هذا المال وإلا قتلتك ففعل هل يضمن ام لا جوابه بالتفصيل فإن كان المال المكره على إتلافه للمكره لم يضمنه وإن كان لغيره ضمنه
وكذلك لو ساله المظاهر إذا وطىء في اثناء الكفارة هل يلزمه الاستئناف أويبنى فجوابه بالتفصيل انه إن كان كفر بالصيام فوطئ في اثنائه لزمه الاستئناف وإن كفر بالاطعام لم يلزمه الاستئناف وله البناء فإن حكم تتابع الصوم وكونه قبل المسيس قد انقطع بخلاف الإطعام
وكذلك لو ساله عن المكفر بالعتق اذا اعتق عبدا مقطوعه اصبعه فجوابه بالتفصيل إن كان إبهاما لم يجزه وإلا اجزأه فلو قال له مقطوع الاصبعين وهما الخنصر والبنصر فجوابه بالتفصيل ايضا إن كانا من يد واحجدة واحدة لم يجزه وإن كانت كل اصبع من يد أجزأه
وكذلك لو ساله عن فاسق التقط لقطه أولقيطا هل يقر في يده فجوابه بالتفصيل تقر اللقطة دون اللقيط لانها كسب فلا يمنع منه الملتقط وثبوت يده على اللقيط ولاية وليس من أهلها
ولو قال له اشتريت سمكة فوجدت في جوفها مالا ما اصنع به فجوابه ان كان لؤلؤة أوجوهرة فهو للصياد لانه ملكه بالاصطياد ولم تطب نفسه لك به وإن كان خاتما أودينارأ فهو لقطة يجب تعريفها كغيرها
وكذلك لو قال له اشتريت حيوانا فوجدت في جوفه جوهرة فجوابه
190
إن كانت شاة فهي لقطة للمشتري يلزمه تعريفها حولا ثم هي له بعده وإن كان سمكة أوغيرها من دواب البحر فهي ملك للصياد والفرق واضح
ومن ذلك لو ساله عن عبد التقط لقطة فأنفقها هل تتعلق بذمته أوبرقبته فجوابه انه إن انفقها قبل التعريف حولا فهي في رقبته وإن انفقها بعد حول التعريف فهي في ذمته يتبع بها بعد العتق نص عليها الامام احمد مفرقا بينهما لانه قبل الحول ممنوع منها فإنفاقه لها جناية منه عليها وبعد الحول غير ممنوع منها بالنسبة إلى مالكها فإذا انفقها في هذه الحال فكأنه أنفقها بإذن مالكها فتتعلق بذمته كديونه
ومن ذلك لو ساله عن رجل جعل جعلا لمن رد عليه لقطته فهل يستحقه من ردها فجوابه إن التقطها قبل بلوغ قول الجاعل لم يستحقه لانه لم يلتقطها لاجل الجعل وقد وجب عليه ردها بظهور مالكها وإن التقطها بعد ان بلغه الجعل استحقه
ومن ذلك ان يسال فيقول هل يجوز للوالدين ان يتملكا مال ولدهما أويرجعان فيما وهباه فالجواب ان ذلك للاب دون الام
وكذلك إذا شهد له اثنان من ورثته غير الاب والابن بالجرح فالجواب فيه تفصيل فإن شهدا قبل الاندمال لم يقبلا للتهمة وإن شهدا بعده قلت لعدم التهمة
ومن ذلك إذا سئل عن رجل ادعى نكاح امرأة فأقرت له هل يقبل إقرارها ام لا جوابه بالتفصيل إن ادعى زوجيتها وحده قبل اقرارها وان ادعاها معه اخر لم يقبل
ومن ذلك لو سئل عن رجل مات فادعى ورثته شيئا من تركته وأقاموا شاهدا حلف كل منهم يمينا مع الشاهد فإن حلف بعضهم استحق قدر نصيبه من المدعي وهل يشاركه من لم يحلف في قدر حصته التي انتزعها بيمينه أولا يشاركه فالجواب فيه تفصيل إن كان المدعى دينا لم يشاركه وينفرد
191
الحالف بقدر حصته وإن كان عينا شاركه من لم يحلف لان الدين غير متعين فمن حلف فإنما ثبت بيمينه مقدار حصته من الدين لا غيره ومن لم يحلف لم يثبت له حق واما العين فكل واحد من الورثة يقر ان كل جزء منها مشترك بين جماعتهم وحقوقهم متعلقة بعينه فالمخلص مشترك بين جماعتهم والباقي غصب على جماعتهم
ومن ذلك إذا سئل عن رجل استعدى على خصمه ولم يحرر الدعوى هل يحضره الحاكم الجواب بالتفصيل إن استعدى على حاضر في البلد احضره لعدم المشقة وإن كان غائبا لم يحضره حتى يحررها
ومن ذلك لو سئل عن رجل قطع عضوا من صيد وأفلت هل يحل اكل العضو الجواب بالتفصيل إن كان صيدا بحريا حل أكله وإن كان بريا لم يحل
ومن ذلك لو سئل عن تاجر اهل الذمة هل يؤخذ منه العشر فالجواب بالتفصيل إن كان رجلا اخذ منه العشر وإن كانت امرأة ففيها تفصيل إن اتجرت إلى ارض الحجاز اخذ منها العشر وإن اتجرت إلى غيرها لم يؤخذ منها شئ لانها تقر في غير ارض الحجاز بلا جزية
ومن ذلك لو سئل عن ميت مات فطلب الاب ميراثه ولم يعلم من الورثة غيره كم يعطي الاب فالجواب بالتفصيل إن كان الميت ذكرا اعطى الاب اربعة من سبعة وعشرين سهما لان غاية ما يمكن ان يقدر معه زوجة وام وابنتان فله اربعة بلا شك من سبعة وعشرين وإن كان الميت أنثى فله سهمان من خمسة عشر قطعا لان اكثر ما يمكن ان يقدر زوج وام وابنتان فله سهمان من خمسة عشر قطعا
فإن قال السائل مات ميت وترك ثلاث بنات بن بعضهن اسفل من بعض مع العليا جدها قال المفتي إن كان الميت ذكرا فالمسألة محال لأن جد
192
العليا نفس الميت وإن كان الميت انثى فجد العليا إما أن يكون زوج الميت أولا يكون كذلك فإن كان زوجها فله الربع وللعليا النصف وللوسطى السدس تكملة الثلثين والباقي للعصبة
فلو قال السائل ميت خلف ابنتين وابوين ولم تقسم التركة حتى ماتت احداهما وخلفت من خلفت قال المفتي ان كان الميت ذكرا فمسألته من ستة للأبوين سهمان ولكل بنت سهمان فلما ماتت احداهما خلفت جدة وجدا واختا لأب فمسألتها من ستة وتصح من ثمانية عشر وتركتها سهمان توافق مسألتها بالنصف فترد إلى تسعة ثم تضربها في ستة تكون اربعه وخمسين ومنها تصح وإن كان الميت أنثى ففريضتها أيضا من ستة ثم ماتت إحدى البنتين عن سهمين وخلفت جدة وجدا من ام واختا لاب فلا شيء للجد وللجدة السدس وللأخت النصف والباقي للعصبة فمسألتها من ستة وسهامها اثنان فاضرب ثلاثة في المسألة الاولى تكن ثمانية عشر
والمقصود التنبيه على وجوب التفصيل اذا كان يجد السؤال محتملا وبالله التوفيق فكثيرا ما يقع غلط المفتي في هذا القسم فالمفتي ترد إليه المسائل في قوالب متنوعة جدا فإن لم يتفطن لحقيقة السؤال والا هلك وأهلك فتارة تورد عليه المسألتان صورتهما واحدة وحكمهما مختلف فصورة الصحيح والجائز صورة الباطل والمحرم ويختلفان بالحقيقة فيذهل بالصورة عن الحقيقة فيجمع بين ما فرق الله ورسوله بينه وتارة تورد عليه المسالتان صورتهما مختلفة وحقيقتهما واحدة وحكمهما واحد فيذهل باختلاف الصورة عن تساويهما في الحقيقة فيفرق بين ما جمع الله بينة وتارة تورد عليه المسالة مجملة تحتها عدة انواع فيذهب وهمه إلى واحد منها ويذهل عن المسئول عنه منها فيجيب بغير الصواب وتارة تورد عليه المسالة الباطلة في دين الله في قالب مزخرف ولفظ حسن فيتبادر إلى تسويغها وهي من ابطل الباطل وتارة بالعكس فلا اله الا الله كم ها هنا من مزلة اقدام ومجال اوهام وما دعي محق إلى حق
193
الا اخرجه الشيطان على لسان أخيه ووليه من الانس في قالب تنفر عنه خفافيش البصائر وضعفاءالعقول وهم اكثر الناس وما حذر احد من باطل الا اخرجه الشيطان على لسان وليه من الانس فى قالب مزخرف يستخف به عقول ذلك الضرب من الناس فيستجيبون له واكثر الناس نظرهم قاصر على الصور لا يتجاوزونها إلى الحقائق فهم محبوسون فى سجن الالفاظ مقيدون بقيود لعبارات كما قال تعالى ! < وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون > !
وأذكر لك من هذا مثالا وقع في زماننا وهو ان السلطان امر أن يلزم أهل الذمة بتغيير عمائمهم وأن تكون خلاف الوان عمائم المسلمين فقامت لذلك قيامتهم وعظم عليهم وكان في ذلك من المصالح وإعزاز الاسلام وإذلال الكفرة ما قرت به عيون المسلمين فألقى الشيطان على ألسنة أوليائه وإخوانه ان صوروا فتيا يتوصلون بها إلى إزالة هذا الغبار وهي ما تقول السادة العلماء في قوم من أهل الذمة ألزموا بلباس غير لباسهم المعتاد وزى غير زيهم المالوف فحصل لهم بذلك ضرر عظم في الطرقات والفلوات وتجرأ عليهم بسببه السفهاء والرعاة وآذوهم غاية الاذى فطمع بذلك في إهانتهم والتعدي عليهم فهل يسوغ للامام ردهم إلى زيهم الاول وإعادتهم إلى ما كانوا عليه مع حصول التميز بعلامة يعرفون بها وهل في ذلك مخالفة للشرع ام لا فاجابهم من منع التوفيق وصد عن الطريق بجواز ذلك وأن للامام إعادتهم إلى ما كانوا عليه قال شيخنا فجاءتني الفتوى فقلت لا تجوز إعادتهم ويجب إبقاؤهم على الزي الذي يتميزون به عن المسلمين فذهبوا ثم غيروا الفتوى ثم جاؤوا بها في قالب آخر فقلت لا تجوز إعادتهم فذهبوا ثم أتوا بها في قالب آخر فقلت هي
194
المسألة المعينة وان خرجت في عدة قوالب ثم ذهب إلى السلطان وتكلم عنده بكلام عجب منه الحاضرون فاطبق القوم على ابقائهم ولله الحمد
ونظائر هذه الحادثة اكثر من ان تحصى فقد القى الشيطان على ألسنة أوليائه ان صوروا فتوى فيما يحدث ليلة النصف في الجامع وأخرجوها في قالب حسن حتى استخفوا عقل بعض المفتين فأفتاهم بجوازه وسبحان الله كم توصل بهذه الطرق إلى إبطال حق وإثبات باطل واكثر الناس إنما هم اهل ظواهر في الكلام واللباس والافعال واهل النقد منهم الذين يعبرون من الظاهر إلى حقيقته وباطنه لا يبلغون عشر معشار غيرهم ولا قريبا من ذلك فالله المستعان
لا يفصل المفتي إلا إذا دعت الحاجة
الفائدة التاسعة عشرة اذا سئل عن مسالة من الفرائض لم يجب عليه ان يذكر موانع الارث فيقول بشرط الا يكون كافرا ولا رقيقا ولا قاتلا وإذا سئل عن فريضه فيها اخ وجب عليه ان يقول إن كان لاب فله كذا وإن كان لام فله كذا وكذلك إذا سئل عن الاعمام وبنيهم وبني الاخوة وعن الجد والجدة فلا بد من التفصيل والفرق بين الموضعين ان السؤال المطلق في الصورة الاولى يدل على الوارث الذي لم يقم به مانع من الميراث كما لو سئل عن رجل باع أو آجر أو تزوج امرأة أو أقر لم يجب عليه ان يذكر موانع الصحه من الجنون والاكراه ونحوهما إلا حيث يكون الاحتمال متساويا
ومن تأمل اجوبة النبي صلى الله عليه وسلم رآه يستفصل حيث تدعو الحاجة إلى الاستفصال ويتركه حيث لا يحتاج إليه ويحيل فيه مرة على ما علم من شرعه ودينه من شروط الحكم وتوابعه بل هذا كثير في القرآن كقوله تعالى ! < وأحل لكم ما وراء ذلكم > ! وقوله ! < فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره > ! وقوله تعالى ! < والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم > !
195
ولا يجب على المتكلم والمفتى ان يستوعب شرائط الحكم وموانعه كلها عند ذكر حكم المسألة ولا ينفع السائل والمتكلم والمتعلم قوله بشرطه وعدم موانعه ونحو ذلك فلا بيان اتم من بيان الله ورسوله ولا هدى اكمل من هدى الصحابة والتابعين وبالله التوفيق
الاختلاف في فتوى المقلد
الفائدة العشرون لا يجوز للمقلد ان يفتي في دين الله بما هو مقلد فيه وليس على بصيرة فيه سوى انه قول من قلده دينه هذا إجماع من السلف كلهم وصرح به الامام احمد والشافعي رضى الله عنهما وغيرهما
قال ابو عمرو بن الصلاح قطع ابو عبد الله الحليمي إمام الشافعيين بما وراء النهر والقاضي ابو المحاسن الروياني صاحب بحر المذهب وغيرها بانه لا يجوز للمقلد ان يفتى بما هو مقلد فيه
وقال وذكر الشيخ ابو محمد الجويني في شرحه لرسالة الشافعي عن شيخه ابي بكر القفال المروزي انه يجوز لمن حفظ كلام صاحب مذهب ونصوصه ان يفتى به وان لم يكن عارفا بغوامضه وحقائقه وخالفه الشيخ ابو محمد وقال لا يجوز ان يفتى به وإن لم يكن متبحرا فيه عالما بغوامضه وحقائقه كما لا يجوز للعامي الذي جمع فتاوي المفتين ان يفتى بها واذا كان متبحرا فيه جاز ان يفتى به
وقال ابو عمرو من قال لا يجوز له ان يفتى بذلك معناه لا يذكره في صورة ما يقوله من عند نفسه بل يضيفه إلى غيره ويحكيه عن إمامه الذي قلده فعلى هذا من عددناه في اصناف المفتين المقلدين ليسوا على الحقيقة من المفتين ولكنهم قاموا مقام المفتين وادعوا عنهم فعدوا منهم وسبيلهم في ذلك ان يقولوا مثلا مذهب الشافعي كذا وكذا ومقتضى مذهبه كذا وكذا وما أشبه ذلك ومن ترك منهم إضافة ذلك إلى إمامه فإن كان ذلك اكتفاء منه بالمعلوم عن الصريح فلا بأس
196
قلت ما ذكره ابو عمرو حسن إلا ان صاحب هذه المرتبة يحرم عليه ان يقول مذهب الشافعي لما لا يعلم انه نصه الذي افتى به أويكون شهرته بين اهل المذهب شهرة لا يحتاج معها إلى الوقوف على نصه كشهرة مذهبه في الجهر بالبسملة والقنوت في الفجر ووجوب تبييت النية للصوم في الفرض من الليل ونحو ذلك فأما مجرد ما يجد في كتب من انتسب إلى مذهبه من الفروع فلا يسعه ان يضيفها إلى نصه ومذهبه بمجرد وجودها في كتبهم فكم فيها من مسألة لا نص له فيها البتة ولا ما يدل عليه وكم فيها من مسألة نصه على خلافها وكم فيها من مسألة اختلف المنتسبون إليه في إضافتها إلى مقتضى نصه ومذهبه فهذا يضيف إلى مذهبه إثباتها وهذا يضيف إليه نفيها فلا ندري كيف يسع المفتي عندالله ان يقول هذا مذهب الشافعي وهذا مذهب مالك واحمد وابي حنيفة واما قول الشيخ ابي عمرو إن لهذا المفتي ان يقول هذا مقتضى مذهب الشافعي مثلا فلعمرالله لا يقبل ذلك من كل من نصب نفسه للفتيا حتى يكون عالما بمأخذ صاحب المذهب ومداركه وقواعده جمعا وفرقا ويعلم ان ذلك الحكم مطابق لأصوله وقواعده بعد استفراغ وسعه في معرفة ذلك فيها اذا اخبر ان هذا مقتضى مذهبه كان له حكم أمثاله ممن قال بمبلغ علمه ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها
وبالجملة فالمفتي مخبر عن الحكم الشرعي وهو اما مخبر عما فهمه عن الله ورسوله واما مخبر عما فهمه من كتاب أونصوص من قلده دينه وهذا لون وهذا لون فكما لا يسع الاول ان يخبر عن الله ورسوله إلا بما علمه فكذا لا يسع الثاني ان يخبر عن إمامة الذي قلده دينه إلا بما يعلمه وبالله التوفيق
الاختلاف في تولية الفقيه القاصر عن معرفة الكتاب والسنة الافتاء
الفائدة الحادية والعشرون إذا تفقه الرجل وقرأ كتابا من كتب الفقه أوأكثر وهو مع ذلك قاصر في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف والاستنباط والترجيح فهل يسوغ تقليده في الفتوى فيه للناس أربعة أقوال الجواز
197
مطلقا والمنع مطلقا والجواز عند عدم المجتهد ولا يجوز مع وجوده والجواز إن كان مطلعا على ما اخذ من يفتي بقولهم والمنع إن لم يكن مطلعا
والصواب فيه التفصيل وهو انه ان كان السائل يمكنه التوصل إلى عالم يهديه السبيل لم يحل له استفتاء مثل هذا ولا يحل لهذا ان ينسب نفسه للفتوى مع وجود هذا العالم وإن لم يكن في بلده أوناحيته غيره بحيث لا يجد المستفتي من يسأله سواه فلا ريب ان رجوعه إليه اولى من ان يقدم على العمل بلا علم أويبقى مرتبكا في حيرته مترددا في عماه وجهالته بل هذا هو المستطاع من تقواه المامور بها
ونظير هذه المسالة اذا لم يجد السلطان من يوليه إلا قاضيا عاريا من شروط القضاء لم يعطل البلد عن قاض وولي الامثل فالامثل
ونظير هذا لو كان الفسق هو الغالب على اهل تلك البلد وان لم تقبل شهادة بعضهم على بعض وشهادته له تعطلت الحقوق وضاعت قبل شهاده الامثل فالامثل
ونظيرها لو غلب الحرام المحض أوالشبهة حتى لم يجد الحلال المحض فإنه يتناول الامثل فالامثل
ونظير هذا لو شهد بعض النساء على بعض بحق في بدن أو عرض أو مال وهن منفردات بحيث لا رجل معهن كالحمامات والأعراس قبلت شهادة الأمثل فالأمثل منهن قطعا ولا يضيع الله ورسوله حق المظلوم ولا يعطل إقامة دينه في مثل هذه الصورة أبدا بل قد نبه الله تعالى على القبول في مثل هذه الصورة بقبول شهادة الكفار على المسلمين في السفر في الوصية في آخر سورة أنزلت في القرآن ولم ينسخها شيء ألبتة ولا نسخ هذا الحكم كتاب ولا سنة ولا أجمعت الأمة على خلافة ولا يليق بالشريعة سواه فالشريعة شرعت
198
لتحصيل مصالح العباد بحسب الإمكان وأي مصلحة لهم في تعطيل حقوقهم إذالم يحضر أسباب تلك الحقوق شاهدان حران ذكران عدلان بل إذا قلتم تقبل شهادة الفساق حيث لاعدل وينفذ حكم الجاهل والفاسق إذا خلا الزمان عن قاض عالم عادل فكيف لا تقبل شهادة النساء إذا خلا جمعهن عن رجل أوشهادة العبيد إذا خلا جمعهم عن حر أوشهادة الكفار بعضهم على بعض إذا خلا جمعهم عن مسلم وقد قبل بن الزبير شهادة الصبيان بعضهم على بعض في تجارحهم ولم ينكره عليه أحد من الصحابة وقد قال به مالك والإمام أحمد رحمهما الله تعالى في إحدى الروايتين عنه حيث يغلب على الظن صدقهم بأن يجتنبوا أويتفرقوا إلى بيوتهم وهذا هو الصواب وبالله التوفيق
وكلام أصحاب أحمد في ذلك يخرج على وجهين فقد منع كثير منهم الفتوى والحكم بالتقليد وجوزه بعضهم لكن على وجه الحكاية لقول المجتهد كما قال أبو إسحاق بن شاقلا وقد جلس في جامع المنصور فذكر قول أحمد أن المفتي ينبغي له أن يحفظ أربعمائة ألف حديث ثم يفتي فقال له رجل أنت تحفظ هذا فقال إن لم أحفظ هذا فأنا أفتي بقول من كان يحفظه وقال أبو الحسن بن بشار من كبار أصحابنا ماضر رجلا عنده ثلاث مسائل أوأربع من فتاوي الإمام أحمد يستند إلى هذه السارية ويقول قال أحمد بن حنبل
الاختلاف في إفتاء العامي في حادثة عرف دليلها
الفائدة الثانية والعشرون اذا عرف العامى حكم حادثة بدليلها فهل له ان يفتي به ويسوغ لغيره تقليده فيه ففيه ثلاثة اوجه للشافعية وغيرهم أحدها الجواز لانه قد حصل له العلم بحكم تلك الحادثة عن دليلها كما حصل للعالم وان تميز العالم عنه بقوة يتمكن بها من تقرير الدليل ودفع المعارض له فهذا قدر زائد على معرفة الحق بدليله والثاني لا يجوز له ذلك مطلقا لعدم اهليته للاستدلال
199
وعدم علمه بشروطه وما يعارضه ولعله يظن دليلا ما ليس بدليل والثالث ان كان الدليل كتابا أوسنة جاز له الافتاء وان كان غيرهما لم يجز لان القران والسنة خطاب لجميع المكلفين فيجب على المكلف ان يعمل بما وصل إليه من كتاب ربه تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ويجوز له ان يرشد غيره إليه ويدله عليه
الخصال التي يجب تحققها فيمن ينصب نفسه للفتيا
الفائدة الثالثة والعشرون ذكر ابو عبد الله بن بطة في كتابه في الخلع عن الامام احمد انه قال لا ينبغي للرجل ان ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال اولها ان تكون له نية فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور والثانية ان يكون له علم وحلم ووقار وسكينة الثالثة ان يكون قويا على ما هو فيه وعلى معرفتة الرابعة الكفاية والا مضغه الناس الخامسة معرفة الناس
وهذا مما يدل على جلالة احمد ومحله من العلم والمعرفة فإن هذه الخمسة هي دعائم الفتوى واي شئ نقص منها ظهر الخلل في المفتي بحسبه
النية
فأما النية فهي رأس الامر وعموده واساسه واصله الذي عليه يبنى فإنها روح العمل وقائده وسائقه والعمل تابع لها يبنى عليها يصح بصحتها ويفسد بفسادها وبها يستجلب التوفيق وبعدمها يحصل الخذلان وبحسبها تتفاوت الدرجات في الدنيا والاخرة فكم بين مريد بالفتوى وجه الله ورضاه والقرب منه وما عنده ومريد بها وجه المخلوق ورجاء منفعته وما يناله منه تخويفا أو طمعا فيفتي الرجلان بالفتوى الواحدة وبينهما في الفضل والثواب اعظم مما بين المشرق والمغرب هذا يفتى لتكون كلمة الله هي العليا ودينه هو الظاهر ورسوله هو المطاع وهذا يفتي ليكون قوله هو المسموع وهو المشار إليه وجاهه هو القائم سواء وافق الكتاب والسنة أو خالفهما فالله المستعان
200
وقد جرت عادة الله التي لا تبدل وسنته التي لا تحول ان يلبس المخلص من المهابة والنور والمحبة في قلوب الخلق وإقبال قلوبهم إليه ما هو بحسب إخلاصه ونيته ومعاملته لربه ويلبس المرائي اللابس ثوبى الزور من المقت والمهانة والبغضة ما هو اللائق به فالمخلص له المهابة والمحبة وللآخر المقت والبغضاء
من الصفات التي يتصف بها المفتي الحلم الوقار والسكينة
وأما قوله ان يكون له حلم ووقار وسكينة فليس صاحب العلم والفتيا إلى شئ احوج منه إلى الحلم والسكينة والوقار فإنها كسوة علمه وجماله وإذا فقدها كان علمه كالبدن العاري من اللباس وقال بعض السلف ما قرن شئ إلى شئ احسن من علم إلى حلم والناس ها هنا أربعة اقسام فخيارهم من اوتى الحلم والعلم وشرارهم من عدمهما الثالث من أوتى علما بلا حلم الرابع عكسه فالحلم زينة العلم وبهاؤه وجماله وضده الطيش والعجلة والحدة والتسرع وعدم الثبات فالحليم لا يستفزه البدوات ولا يستخفه الذين لا يعلمون ولا يقلقه أهل الطيش والخفة والجهل بل هو وقور ثابت ذو أناة يملك نفسه عند ورود أوائل الامور عليه ولا تملكه اوائلها وملاحظته للعواقب تمنعه من ان تستخفه دواعي الغضب والشهوة فبالعلم تنكشف له مواقع الخير والشر والصلاح والفساد وبالحلم يتمكن من تثبيت نفسه عند الخير فيؤثره ويصبر عليه وعند الشر فيصبر عنه فالعلم يعرفة رشده والحلم يثبته عليه وإذا شئت ان ترى بصيرا بالخير والشر لا صبر له على هذا ولا عن هذا رأيته وإذا شئت ان ترى صابرا على المشاق لا بصيرة له رأيته وإذا شئت ان ترى من لا صبر له ولابصيره رأيته وإذا شئت ان ترى بصيرا صابرا لم تكد فإذا رأيته فقد رايت إمام هدى حقا فاستمسك بغرزه والوقار والسكينة ثمرة الحلم ونتيجته
ولشدة الحاجة إلى السكينة وحقيقتها وتفاصيلها وأقسامها نشير إلى ذلك بحسب
201
علومنا القاصرة وأذهاننا الجامدة وعباراتنا الناقصة ولكن نحن ابناء الزمان والناس بزمانهم اشبه منهم بآبائهم ولكل زمان دولة ورجال
معنى السكينة
فالسكينة فعيلة من السكون وهو طمأنينة القلب واستقراره واصلها في القلب ويظهر اثرها على الجوارح وهي عامة وخاصة
سكينة الانبياء
فسكينة الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم اخص مراتبها وأعلى أقسامها كالسكينة التي حصلت لابراهيم الخليل وقد القى في المنجنيق مسافرا إلى ما اضرم له اعداء الله من النار فلله تلك السكينة التي كانت في قلبه حين ذلك السفر وكذلك السكينة التي حصلت لموسى وقد غشيه فرعون وجنوده من ورائهم والبحر أمامهم وقد استغاث بنو اسرائيل يا موسى إلى اين تذهب بنا هذا البحر امامنا وهذا فرعون خلفنا وكذلك السكينة التي حصلت له وقت تكليم الله له نداء ونجاء كلاما حقيقة سمعه حقيقة بأذنه وكذلك السكينة التي حصلت له وقد رأى العصا ثعبانا مبينا وكذلك السكينة التي نزلت عليه وقد راى حبال القوم وعصيهم كأنها تسعى فأوجس في نفسه خيفة وكذلك السكينة التي حصلت لنبينا صلى الله عليه وسلم وقد اشرف عليه وعلى صاحبه عدوهما وهما في الغار فلو نظر احدهم إلى تحت قدميه لرآهما وكذلك السكينة التي نزلت عليه في موافقة العظيمة واعداء الله قد أحاطوا به كيوم بدر ويوم حنين ويوم الخندق وغيره فهذه السكينة امر فوق عقول البشر وهي من اعظم معجزاته عند ارباب البصائر فان الكذاب ولا سيما على الله املق ما يكون واخوف ما يكون واشده اضطرابا في مثل هذه المواطن فلو لم يكن للرسل صلوات الله وسلامه عليهم من الآيات إلا هذه وحدها لكفتهم
سكينة اتباع الرسل
وأما الخاصة فتكون لاتباع الرسل بحسب متابعتهم وهي سكينة الايمان وهي سكينة تسكن القلوب عن الريب والشك ولهذا انزلها الله على المؤمنين في اصعب المواطن احوج ما كانوا اليها ! < هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما > !
202
فذكر نعمته عليهم بالجنود الخارجة عنهم والجنود الداخلة فيهم وهي السكينة عند القلق والاضطراب الذي لم يصبر عليه مثل عمر بن الخطاب رضى الله عنه وذلك يوم الحديبية قال الله سبحانه وتعالى يذكر نعمته عليهم بإنزالها أحوج ما كانوا اليها ! < لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا > ! لما علم الله سبحانه وتعالى ما في قلوبهم من القلق والاضطراب لما منعهم كفار قريش من دخول بيت الله وحبسوا الهدى عن محله واشترطوا عليهم تلك الشروط الجائرة الظالمة فاضطربت قلوبهم وقلقت ولم تطق الصبر فعلم تعالى ما فيها فثبتها بالسكينة رحمة منه ورافة ولطفا وهو اللطيف الخبير وتحتمل الاية وجها آخر وهو انه سبحانه علم ما في قلوبهم من الايمان والخير ومحبته ومحبة رسوله فثبتها بالسكينة وقت قلقها واضطرابها والظاهر ان الاية تعم الامرين وهو انه علم ما في قلوبهم مما يحتاجون معه إلى إنزال السكينة وما في قلوبهم من الخير الذي هو سبب انزالها ثم قال بعد ذلك ! < إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليما > ! لما كانت حمية الجاهلية توجب من الاقوال والاعمال ما يناسبها جعل الله في قلوب اوليائه سكينة تقابل حمية الجاهلية وفي السنتهم كلمة التقوى مقابلة لما توجبه حمية الجاهلية من كلمة الفجور فكان حظ المؤمنين السكينة في قلوبهم وكلمة التقوى على السنتهم وحظ اعدائهم حمية الجاهلية في قلوبهم وكلمة الفجور والعدوان على ألسنتهم فكانت هذه السكينة وهذه الكلمة جند من جند الله ايد بها الله رسوله والمؤمنين في مقابلة جند الشيطان الذي في قلوب اوليائه والسنتهم وثمرة هذه السكينة الطمأنينة للخير تصديقا وإيقانا وللامر تسليما وإذعانا فلا تدع شبهة تعارض الخير ولا إرادة تعارض الامر فلا تمر معارضات السوء بالقلب إلا وهي مجتازة من مرور الوساوس الشيطانية التي يبتلى بها العبد ليقوى إيمانه ويعلو عند الله ميزانه بمدافعتها وردها وعدم السكون اليها فلا يظن المؤمن انها لنقص درجته عند الله
203
فصل السكينة عند القيام بوظائف العبودية
ومنها السكينة عند القيام بوظائف العبودية وهي التي تورث الخضوع والخشوع وغض الطرف وجمعية القلب على الله تعالى بحيث يؤدي عبوديته بقلبه وبدنه والخشوع نتيجة هذه السكينة وثمرتها وخشوع الجوارح نتيجة خشوع القلب وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال
لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه
فإن قلت قد ذكرت اقسامها ونتيجتها وثمرتها وعلامتها فما اسبابها الجالبة لها
الاسباب المؤدية إلى السكينة
قلت سببها استيلاء مراقبة العبد لربه جل جلاله حتى كأنه يراه وكلما اشتدت هذه المراقبة اوجبت له من الحياء والسكينة والمحبة والخضوع والخشوع والخوف والرجاء ما لا يحصل بدونها فالمراقبة اساس الاعمال القلبية كلها وعمودها الذي قيامها به ولقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم اصول اعمال القلب وفروعها كلها في كلمة واحدة وهي قوله في الاحسان ان تعبد الله كانك تراه فتأمل كل مقام من مقامات الدين وكل عمل من اعمال القلوب كيف تجد هذا اصله ومنبعه
والمقصود ان العبد محتاج إلى السكينة عند الوساوس المعترضة في اصل الايمان ليثبت قلبه ولا يزيغ وعند الوساوس والخطرات القادحة في اعمال الايمان لئلا تقوى وتصير هموما وغموما وارادات ينقص بها ايمانه وعند اسباب المخاوف على اختلافها ليثبت قلبه ويسكن جأشه وعند اسباب الفرح لئلا يطمح به مركبه فيجاوز الحد الذي لا يعبر فينقلب ترحا وحزنا وكم ممن أنعم الله عليه بما يفرحه فجمح به مركب الفرح وتجاوز الحد فانقلب ترحا عاجلا
204
ولو أعين بسكينة تعدل فرحه لاريد به الخير وبالله التوفيق وعند هجوم الاسباب المؤلمه على اختلافها الظاهره والباطنه فما احوجه إلى السكينة حينئذ وما انفعها له وأجداها عليه واحسن عاقبتها
والسكينة في هذه المواطن علامة على الظفر وحصول المحبوب واندفاع المكروه وفقدها علامه على ضد ذلك لا يخطئ هذا ولا هذا والله المستعان
الاستظهار بالعلم
وأما قوله ان يكون قويا على ما هو فيه وعلى معرفته أي مستظهرا مضطلعا بالعلم متمكنا منه غير ضعيف فيه فإنه اذا كان ضيفا قليل البضاعة غير مضطلع به أحجم عن الحق في موضع ينبغي فيه الإقدام لقلة علمه بمواضع الإقدام والاحجام فهو يقدم في غير موضعه ويحجم في غير موضعه ولا بصيرة له بالحق ولا قوة له على تنفيذه فالمفتى محتاج إلى قوة في العلم وقوة في التنفيذ فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له
الكفاية
وأما قوله الرابعة الكفاية وإلا مضغه الناس فإنه إذا لم يكن له كفاية احتاج إلى الناس والى الاخذ مما في ايديهم فلا يأكل منهم شيئا إلا اكلوا من لحمه وعرضه اضعافه وقد كان لسفيان الثوري شئ من مال وكان لا يتروى في بذله ويقول لولا ذلك لتمندل بنا هؤلاء فالعالم اذا منح غناء فقد أعين على تنفيذ علمه وإذا احتاج إلى الناس فقد مات علمه وهو ينظر
معرفة الناس
وأما قوله الخامسة معرفة الناس فهذا اصل عظيم يحتاج إليه المفتي والحاكم فإن لم يكن فقيها فيه فقيها في الامر والنهي ثم يطبق احدهما على الاخر وإلا كان ما يفسد اكثر مما يصلح فإنه اذا لم يكن فقيها في الامر له معرفة بالناس تصور له الظالم بصوره المظلوم وعكسه والمحق بصورة المبطل وعكسه وراج
205
عليه المكر والخداع والاحتيال وتصور له الزنديق في صورة الصديق والكاذب في صورة الصادق ولبس كل مبطل ثوب زور تحتها الاثم والكذب والفجور وهو لجهله بالناس واحوالهم وعوائدهم وعرفياتهم لا يميز هذا من هذا بل ينبغي له ان يكون فقيها في معرفة مكر الناس وخداعهم واحتيالهم وعوائدهم وعرفياتهم فإن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعوائد والاحوال وذلك كله من دين الله كما تقدم بيانه وبالله التوفيق
فوائد تتعلق بالفتوى مروية عن الامام احمد
الفائدة الرابعة والعشرون في كلمات حفظت عن الامام احمد رحمه الله تعالى ورضى عنه في امر الفتيا سوى ما تقدم آنفا
قال في رواية ابنه صالح ينبغي للرجل اذا حمل نفسه على الفتيا ان يكون عالما بوجوه القرآن عالما بالاسانيد الصحيحة عالما بالسنن وقال في رواية أبي الحارث لا تجوز الفتيا إلا لرجل عالم بالكتاب والسنة وقال في رواية حنبل ينبغي لمن افتى ان يكون عالما بقول من تقدم وإلا فلا يفتي وقال في رواية يوسف بن موسى احب ان يتعلم الرجل كل ما تكلم فيه الناس وقال في رواية ابنه عبد الله وقد سأله عن الرجل يريد أن يسأله عن امر دينه مما يبتلي به من الايمان في الطلاق وغيره وفي مصره من أصحاب الراي واصحاب الحديث لا يحفظون ولا يعرفون الحديث الضعيف ولا الإسناد القوي فلمن يسأل لهؤلاء أولأصحاب الحديث على قلة معرفتهم فقال يسأل اصحاب الحديث ولا يسأل اصحاب الرأي ضعيف الحديث خير من الرأي وقال في رواية محمد بن عبيد الله بن المنادى وقد سمع رجلا يساله اذا حفظ الرجل مائة الف حديث يكون فقيها قال لا قال فمائتي ألف قال لا قال فثلاثمائة الف قال لا قال فأربعمائة الف قال بيده هكذا وحركها قال حفيده احمد بن جعفر بن محمد فقلت لجدي كم كان يحفظ احمد فقال أجاب عن ستمائة الف
206
وقال عبد الله بن احمد سالت ابي عن الرجل يكون عنده الكتب المصنفة فيها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وليس للرجل بصر بالحديث الضعيف المتروك ولا الاسناد القوي من الضعيف فيجوز ان يعمل بما شاء ويتخير منها فيفتى به ويعمل به قال لا يعمل حتى يسأل ما يؤخذ به منها فيكون يعمل على امر صحيح يسال عن ذلك اهل العلم
وقال ابو داود سمعت احمد وسئل عن مسألة فقال دعنا من هذه المسائل المحدثة وما احصى ما سمعت احمد سئل عن كثير مما فيه الاختلاف من العلم فيقول لا أدري وسمعته يقول ما رأيت مثل بن عيينة في الفتيا احسن فتيا منه كان اهون عليه ان يقول لا ادري من يحسن مثل هذا سل العلماء
وقال ابو داود قلت لأحمد الاوزاعي هو اتبع من مالك فقال لا تقلد دينك احدا من هؤلاء ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فخذ به ثم التابعين بعد الرجل فيه مخير وقال إسحاق بن هانئ سألت أبا عبد الله عن الذي جاء في الحديث أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار فقال يفتى بما لم يسمع وقال ايضا قلت لأبي عبد الله يطلب الرجل الحديث بقدر ما يظن أنه قد انتفع به قال العلم لا يعدله شئ وجاءه رجل يسأل عن شئ فقال لا اجيبك في شئ ثم قال قال عبد الله بن مسعود إن كل من يفتى الناس في كل ما يستفتونه لمجنون قال الاعمش فذكرت ذلك للحاكم فقال لو حدثتني به قبل اليوم ما افتيت في كثير مما كنت افتى به قال بن هانئ وقيل لابي عبد الله يكون الرجل في قرية فيسأل عن الشيء الذي فيه اختلاف قال يفتي بما وافق الكتاب والسنة وما لم يوافق الكتاب والسنة امسك عنه قيل له افتخاف عليه قال لا قيل له ما كان من كلام إسحاق بن راهويه وما كان وضع في الكتاب وكلام ابي عبيد ومالك ترى النظر فيه فقال كل كتاب ابتدع فهو بدعة أوكل كتاب محدث فهو بدعة واما ما كان عن مناظرة يخبر الرجل بما عنده وما يسمع من الفتيا فلا أرى به بأسا قيل له فكتاب ابي عبيد غريب الحديث
207
قال ذلك شئ حكاه عن قوم اعراب قيل له فهذه الفوائد التي فيها المناكير ترى ان تكتب قال المنكر ابدا منكر
دلالة العالم للمستفتي على غيره
الفائدة الخامسة والعشرون في دلالة العالم للمستفتى على غيره وهو موضع خطر جدا فلينظر الرجل ما يحدث من ذلك فإنه متسبب بدلالته إما إلى الكذب على الله ورسوله في أحكامه أوالقول عليه بلا علم فهو معين على الاثم والعدوان وإما معين على البر والتقوى فلينظر الانسان إلى من يدل عليه وليتق الله ربه فكان شيخنا قدس الله روحه شديد التجنب لذلك ودللت مرة بحضرته على مفت أومذهب فانتهرني وقال مالك وله دعه ففهمت من كلامه إنك لتبوء بما عساه يحصل له من الإثم ولمن أفتاه ثم رأيت هذه المسألة بعينها منصوصة عن الإمام أحمد قال أبو داود في مسائلة قلت لأحمد الرجل يسأل عن المسألة فأدله على إنسان يسأله فقال إذا كان يعني الذي أرشدته إليه متبعا ويفتي بالسنة فقيل لأحمد إنه يريد الاتباع وليس كل قوله يصيب فقال أحمد ومن يصيب في كل شيء قلت له فرأي مالك فقال لا تتقلد في مثل هذا بشيء قلت وأحمد كان يدل على أهل المدينة ويدل على الشافعي ويدل على إسحاق ولا خلاف عنه في استفتاء هؤلاء ولا خلاف عنه في أنه لا يستفتي أهل الرأي المخالفون لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالله التوفيق ولا سيما كثير من المنتسبين إلى الفتوى في هذا الزمان وغيره وقد رأى رجل ربيعة بن أبي عبد الرحمن يبكي فقال ما يبكيك فقال استفتي من لا علم له وظهر في الإسلام أمر عظيم قال ولبعض من يفتي ها هنا أحق بالسجن من السراق قال بعض العلماء فكيف لو رأى ربيعة زماننا وإقدام من لا علم عنده على الفتيا وتوثبه عليها ومد باع التكلف إليها وتسلقه بالجهل والجرأة عليها مع قلة الخبرة وسوء السيرة وشؤم السريرة وهو من بين أهل العلم منكر أوغريب
208
فليس له في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف نصيب ولا يبدي جوابا بإحسان وإن ساعد القدر فتواه كذلك يقول فلان بن فلان
يمدون للإفتاء باعا قصيرة
وأكثرهم عند الفتاوي يكذلك
وكثير منهم نصيبهم مثل ما حكاه أبو محمد بن حزم قال كان عندنا مفت قليل البضاعة فكان لا يفتي حتى يتقدمه من يكتب الجواب فيكتب تحته جوابي مثل جواب الشيخ فقدر أن اختلف مفتيان في جواب فكتب تحتهما جوابي مثل جواب الشيخين فقيل له إنهما قد تناقضا فقال وأنا أيضا تناقضت كما تناقضا وقد أقام الله سبحانه لكل عالم ورئيس وفاضل من يظهر مماثلته ويرى الجهال وهم الأكثرون مساجلته ومشاكلته وانه يجري معه في الميدان وأنهما عند المسابقة كفرسي رهان ولا سيما إذا طول الأردان وأرخي الذوائب الطويلة وراءه كذنب الأتان وهدر باللسان وخلا له الميدان الطويل من الفرسان
فلو لبس الحمار ثياب خز
لقال الناس يالك من حمار
وهذا الضرب إنما يستفتون بالشكل لا بالفضل وبالمناصب لا بالأهلية قد غرهم عكوف من لا علم عنده عليهم ومسارعة أجهل منهم إليهم تعج منهم الحقوق إلى الله تعالى عجيجا وتضح منهم الأحكام إلى من أنزلها ضجيجا فمن أقدم بالجرأة على ما ليس له من فتيا أوقضاء أوتدريس استحق اسم الذم ولم يحل قبول فتياه ولا قضائه هذا حكم دين الإسلام
وإن رغمت أنوف من اناس
فقل يارب لا ترغم سواها
حكم كذلكة المفتي
الفائدة السادسة والعشرون في حكم كذلكة المفتي ولا يخلو من حالين إما أن يعلم صواب جواب من تقدمه بالفتيا أولا يعلم فإن علم صواب جوابه فله
209
ان يكذلك وهل الاولى له الكذلكة أوالجواب المستقل فيه تفصيل
فلا يخلو المبتدئ اما ان يكون اهلا أومتسلقا متعاطيا ماليس له بأهل فإن كان الثاني فتركه الكذلكة اولى مطلقا إذ في كذلكته تقرير له على الإفتاء وهو كالشهادة له بالأهلية وكان بعض اهل العلم يضرب على فتوى من كتب وليس بأهل فإن لم يتمكن من ذلك خوف الفتنة منه فقد قيل لايكتب معه في الورقة ويرد السائل وهذا نوع تحامل والصواب انه يكتب في الورقة الجواب ولا يأنف من الإخبار بدين الله الذي يجب عليه الإخبار به لكتابة من ليس بأهل فإن هذا ليس عذرا عند الله ورسوله وأهل العلم في كتمان الحق بل هذا نوع رياسة وكبر والحق لله عز وجل فكيف يجوز ان يعطل حق الله ويكتم دينه لأجل كتابة من ليس بأهل
وقد نص الإمام أحمد على ان الرجل اذا شهد الجنازة فرأى فيها منكرا لا يقدر على إزالته انه لا يرجع ونص على انه إذا دعي إلى وليمة عرس فرأى فيها منكرا لايقدر على إزالته انه يرجع فسألت شيخنا عن الفرق فقال لأن الحق في الجنازة للميت فلا يترك حقه لما فعله الحي من المنكر والحق في الوليمة لصاحب البيت فإذا اتى فيها بالمنكر فقد اسقط حقه من الإجابة وإن كان المبتدي بالجواب أهلا للإفتاء فلا يخلو إما ان يعلم المكذلك صواب جوابه أولا يعلم فإن لم يعلم صوابه لم يجز له ان يكذلك تقليدا له إذ لعله ان يكون قد غلط ولو نبه لرجع وهو معذور وليس المكذلك معذورا بل مفت بغير علم ومن أفتى بغير علم فإثمه على من أفناه وهو احد المفتين الثلاثة الذين ثلثاهم في النار وإن علم انه قد أصاب فلا يخلو إما أن تكون المسألة ظاهرة لا يخفى وجه الصواب فيها بحيث لا يظن بالمكذلك انه قلده فيما لا يعلم أوتكون خفية فإن كانت ظاهرة فالاولى الكذلكة لانه إعانة على البر والتقوى وشهادة للمفتى بالصواب وبراءة من الكبر والحمية وإن كانت خفية بحيث يظن بالمكذلك انه وافقه تقليدا محضا فإن امكنه إيضاح ما أشكله الاول وزيادة بيان
210
أوذكر قيد أوتنبيه على أمر أغفله فالجواب المستقل اولى وإن لم يمكنه ذلك فإن شاء كذلك وإن شاء اجاب استقلالا
فإن قيل ما الذي يمنعه من الكذلكة إذا لم يعلم صوابه تقليدا له كما قلد المبتدي من فوقه فإذا افتى الاول بالتقليد المحض فما الذي يمنع المكذلك من تقليده
قيل الجواب من وجوه أحدها أن الكلام في المفتي الاول ايضا فقد نص الامام الشافعي واحمد وغيرهما من الائمة على انه لا يحل للرجل ان يفتى بغير علم حكى في ذلك الاجماع وقد تقدم ذكر ذلك مستوفى الثاني ان هذا الاول وإن جاز له التقليد للضرورة فهذا المكذلك المتكلف لا ضرورة له إلى تقليده بل هذا من بناء الضعيف على الضعيف وذلك لا يسوغ كما لا تسوغ الشهادة على الشهادة وكما لا يجوز المسح على الخفين على طهارة التيمم ونظائر ذلك كثيرة الثالث أن هذا لو ساغ لصار الناس كلهم مفتين إذ ليس هذا بجواز تقليد المفتى اولى من غيره وبالله التوفيق
جواز الفتوى للذي لا تجوز له الشهادة والقضاء
الفائدة السابعة والعشرون يجوز للمفتي ان يفتي أباه وابنه وشريكه ومن لا تقبل شهادته له وإن لم يجز أن يشهد له ولا يقضى له والفرق بينهما أن الافتاء يجري مجرى الرواية فكأنه حكم عام بخلاف الشهادة والحكم فإنه يخص المشهود له والمحكوم له ولهذا يدخل الراوي في حكم الحديث الذي يرويه ويدخل في حكم الفتوى التي يفتى بها ولكن لا يجوز له أن يحابي من يفتيه فيفتى أباه أوابنه أوصديقه بشئ ويفتى غيرهم بضده محاباة بل هذا يقدح في عدالته إلا أن يكون ثم سبب يقتضى التخصيص غير المحاباة ومثال هذا ان يكون في المسألة قولان قول بالمنع وقول بالإباحة فيفتي ابنه وصديقة بقول الاباحة والاجنبي بقول المنع
فإن قيل هل يجوز له ان يفتى نفسه
211
قيل نعم إذا كان له ان يفتي غيره وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم استفت قلبك وإن أفتاك المفتون فيجوز له أن يفتى نفسه بما يفتى غيره به ولا يجوز له أن يفتى نفسه بالرخصة وغيره بالمنع ولا يجوز له إذا كان في المسألة قولان قول بالجواز وقول بالمنع أن يختار لنفسه قول الجواز ولغيره قول المنع
وسمعت شيخنا يقول سمعت بعض الامراء يقول عن بعض المفتين من أهل زمانه يكون عندهم في المسألة ثلاثة اقوال احدها الجواز والثاني المنع والثالث التفصيل فالجواز لهم والمنع لغيرهم وعليه العمل
لا يجوز ان يكون غرض المفتي وإرادته معيار للفتوى
الفائدة الثامنة والعشرون لا يجوز للمفتي ان يعمل بما يشاء من الاقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح ولا يعتد به بل يكتفي في العمل بمجرد كون ذلك قولا قاله إمام أووجها ذهب إليه جماعة فيعمل بما يشاء من الوجوه والاقوال حيث رأى القول وفق إرادته وغرضه عمل به فإرادته وغرضه هو المعيار وبها الترجيح وهذا حرام باتفاق الامة
وهذا مثل ما حكى القاضي أبو الوليد الباجي عن بعض أهل زمانه ممن نصب نفسه للفتوى أنه كان يقول إن الذي لصديقي على إذا وقعت له حكومة أوفتيا أن أفتيه بالرواية التي توافقه وقال وأخبرني من أثق به انه وقعت له واقعة فأفتاه جماعة من المفتين بما يضره وأنه كان غائبا فلما حضر سألهم بنفسه فقالوا لم نعلم أنها لك وأفتوه بالرواية الاخرى التي توافقه قال وهذا مما لا خلاف بين المسلمين ممن يعتد بهم في الاجماع انه لا يجوز وقد قال مالك رحمه الله في اختلاف الصحابة رضى الله عنهم مخطئ ومصيب فعليك بالاجتهاد
وبالجملة فلا يجوز العمل والافتاء في دين الله بالتشهى والتخير وموافقة الغرض فيطلب القول الذي يوافق غرضه وغرض من يحابيه فيعمل به ويفتى به ويحكم به ويحكم على عدوه ويفتيه بضده وهذا من افسق الفسوق واكبر الكبائر والله المستعان
212
أنواع المفتين
الفائدة التاسعة والعشرون المفتون الذين نصبوا أنفسهم للفتوى أربعة أقسام
النوع الاول من أنواع المفتين
أحدهم العالم بكتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة فهو المجتهد في أحكام النوازل يقصد فيها موافقه الادلة الشرعية حيث كانت ولا ينافي اجتهاده تقليده لغيره أحيانا فلا تجد أحدا من الائمة إلا وهو مقلد من هو أعلم منه في بعض الاحكام وقد قال الشافعي رحمه الله ورضى عنه في موضع من الحج قلته تقليدا لعطاء فهذا النوع الذي يسوغ لهم الافتاء ويسوغ استفتاؤهم ويتأدى بهم فرض الاجتهاد وهم الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يبعث لهذه الامة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها وهم غرس الله الذين لا يزال يغرسهم في دينه وهم الذين قال فيهم علي بن ابي طالب كرم الله وجهه لن تخلو الارض من قائم لله بحجته
فصل النوع الثاني من أنواع المفتين
النوع الثاني مجتهد مقيد في مذهب من ائتم به فهو مجتهد في معرفة فتاويه وأقواله ومأخذه وأصوله عارف بها متمكن من التخريج عليها وقياس ما لم ينص من ائتم به عليه على منصوصه من غير ان يكون مقلدا لإمامه لا في الحكم ولا في الدليل لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتيا ودعا إلى مذهبه ورتبه وقرره فهو موافق له في مقصده وطريقة معا
وقد ادعى هذه المرتبة من الحنابلة القاضي ابو يعلى والقاضي أبو علي بن ابي موسى في شرح الارشاد الذي له ومن الشافعية خلق كثير وقد اختلف الحنفية في أبي يوسف ومحمد وزفر بن الهذيل والشافعية في المزني وبن سريج وبن المنذر ومحمد بن نصر المروزي والمالكية في أشهب وبن عبدالحكم وبن القاسم وبن وهب والحنابلة في ابى حامد والقاضي هل كان هؤلاء مستقلين بالاجتهاد أومتقيدين
213
متقيدين بمذاهب أئمتهم على قولين ومن تأمل أحوال هؤلاء وفتاويهم واختياراتهم علم أنهم لم يكونوا مقلدين لائمتهم في كل ما قالوه وخلافهم لهم أظهر من أن ينكر وإن كان منهم المستقل والمستكثر ورتبة هؤلاء دون رتبة الائمة في الاستقلال بالاجتهاد
فصل النوع الثالث من أنواع المفتين
النوع الثالث من هو مجتهد في مذهب من انتسب إليه مقرر له بالدليل متقن لفتاويه عالم بها لا يتعدى اقواله وفتاويه ولا يخالفها وإذا وجد نص إمامه لم يعدل عنه إلى غيره البته وهذا شأن اكثر المصنفين في مذاهب أئمتهم وهو حال اكثر علماء الطوائف وكثير منهم يظن انه لا حاجة به إلى معرفة الكتاب والسنة والعربية لكونه مجتزيا بنصوص إمامه فهي عنده كنصوص الشارع قد اكتفى بها من كلفة التعب والمشقة وقد كفاه الامام استنباط الاحكام ومؤنة استخراجها من النصوص وقد يرى إمامه ذكر حكما بدليله فيكتفى هو بذلك الدليل من غير بحث عن معارض
وهذا شأن كثير من أصحاب الوجوه والطرق والكتب المطولة والمختصرة وهؤلاء لا يدعون الاجتهاد ولا يقرون بالتقليد وكثير منهم يقول اجتهدنا في المذاهب فرأينا اقربها إلى الحق مذهب إمامنا وكل منهم يقول ذلك عن إمامه ويزعم انه اولى بالاتباع من غيره ومنهم من يغلو فيوجب اتباعه ويمنع من اتباع غيره
فيالله العجب من اجتهاد نهض بهم إلى كون متبوعهم ومقلدهم اعلم من غيره احق بالاتباع من سواه وأن مذهبه هو الراجح والصواب دائر معه وقعد بهم عن الاجتهاد في كلام الله ورسوله واستنباط الاحكام منه وتبرجيح ما يشهد له النص مع استيلاء كلام الله ورسوله على غاية البيان وتضمنه
214
لجوامع الكلم وفصله للخطاب وبراءته من التناقض والاختلاف والاضطراب فقعدت بهم هممهم واجتهادهم عن الاجتهاد فيه ونهضت بهم إلى الاجتهاد في كون إمامهم أعلم الامة واولاها بالصواب وأقواله في غاية القوة وموافقة السنة والكتاب والله المستعان
فصل النوع الرابع من انواع المفتين
النوع الرابع طائفة تفقهت في مذاهب من انتسبت إليه وحفظت فتاويه وفروعه وأقرت على أنفسها بالتقليد المحض من جميع الوجوه فإن ذكروا الكتاب والسنة يوما ما في مسألة فعلى وجه التبرك والفضيلة لا على وجه الاحتجاج والعمل وإذا رأوا حديثا صحيحا مخالفا لقول من انتسبوا إليه أخذوا بقوله وتركوا الحديث وإذا رأوا أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وغيرهم من الصحابة رضى الله عنهم قد أفتوا بفتيا ووجدوا لامامهم فتيا تخالفها أخذوا بفتيا إمامهم وتركوا فتاوي الصحابة قائلين الامام اعلم بذلك منا ونحن قد قلدناه فلا نتعداه ولا نتخطاه بل هو أعلم بما ذهب إليه منا ومن عدا هؤلاء فمتكلف متخلف قد دنا بنفسه عن رتبه المشتغلين وقصر عن درجة المحصلين فهو مكذلك مع المكذلكين وإن ساعده القدر واستقل بالجواب قال يجوز بشرطه ويصح بشرطه ويجوز ما لم يمنع منه مانع شرعي ويرجع في ذلك إلى رأي الحاكم ونحو ذلك من الاجوبة التي يستحسنها كل جاهل ويستحي منها كل فاضل
ففتاوي القسم الاول من جنس توقيعات الملوك وعلمائهم وفتاوي النوع الثاني من جنس توقيعات نوابهم وخلفائهم وفتاوي النوع الثالث والرابع من جنس توقيعات خلفاء نوابهم ومن عداهم فمتشبع بما لم يعط متشبه
215
بالعلماء محاك للفضلاء وفي كل طائفة من الطوائف متحقق بغيه ومحاك له متشبه به والله المستعان
هل يجوز للمفتي المقلد لمذهب ان يفتي به
الفائدة الثلاثون إذا كان الرجل مجتهدا في مذهب إمام ولم يكن مستقلا بالاجتهاد فهل له ان يفتى بقول ذلك الامام على قولين وهما وجهان لاصحاب الشافعي واحمد
أحدهما الجواز ويكون متبعه مقلدا للميت لا له وإنما له مجرد النقل عن الإمام
والثاني لا يجوز له ان يفتى لان السائل مقلد له لا للميت وهو لم يجتهد له والسائل يقول له انا أقلدك فيم تفتيني به
والتحقيق ان هذا فيه تفصيل فإن قال له السائل اريد حكم الله تعالى في هذه المسألة واريد الحق فيما يخلصني ونحو ذلك لم يسعه إلا أن يجتهد له في الحق ولا يسعه أن يفتيه بمجرد تقليد غيره من غير معرفة بأنه حق أوباطل وإن قال له اريد ان اعرف في هذه النازلة قول الامام ومذهبه ساغ له الاخبار به ويكون ناقلا له ويبقى الدرك على السائل فالدرك في الوجه الاول على المفتي وفي الثاني على المستفتي
هل يجوز تقليد الاموات
الفائدة الحادية والثلاثون هل يجوز للحي تقليد الميت والعمل بفتواه من غير اعتبارها بالدليل الموجب لصحة العمل بها فيه وجهان لأصحاب الامام احمد والشافعي فمن منعه قال يجوز تغيير اجتهاده لو كان حيا فإنه كان يجدد النظر عند نزول هذه النازلة إما وجوبا وإما استحبابا على النزاع المشهور ولعله لو جدد النظر لرجع عن قوله الاول والثاني الجواز وعليه عمل جميع المقلدين في أقطار الارض وخيار ما بأيديهم من التقليد تقليد الاموات ومن منع منهم تقليد الميت فإنما هو شئ يقوله بلسانه وعمله في فتاويه
216
وأحكامه بخلافه والاقوال لا تموت بموت قائلها كما لا تموت الاخبار بموت رواتها وناقليها
المجتهد في نوع من العلم له ان يفتي فيه ولا يفتي في غيره
الفائدة الثانية والثلاثون الاجتهاد حالة تقبل التجزؤ والانقسام فيكون الرجل مجتهدا في نوع من العلم مقلدا في غيره أوفي باب من ابوابه كمن استفرغ وسعه في نوع العلم بالفرائض وأدلتها واستنباطها من الكتاب والسنة دون غيرها من العلوم أوفي باب الجهاد أو الحج أو غير ذلك فهذا ليس له الفتوى فيما لم يجتهد فيه ولا تكون معرفته بما اجتهد فيه مسوغة له الافتاء بما لا يعلم في غيره وهل له ان يفتي في النوع الذي اجتهد فيه فيه ثلاثة اوجه أصحها الجواز بل هو الصواب المقطوع به والثاني المنع والثالث الجواز في الفرائض دون غيرها
فحجة الجواز أنه قد عرف الحق بدليله وقد بذل جهده في معرفة الصواب فحكمه في ذلك حكم المجتهد المطلق في سائر الانواع
وحجة المنع تعلق أبواب الشرع واحكامه بعضها ببعض فالجهل ببعضها مظنة للتقصير في الباب والنوع الذي قد عرفه ولا يخفى الارتباط بين كتاب النكاح والطلاق والعدة وكتاب الفرائض وكذلك الإرتباط بين كتاب الجهاد وما يتعلق به وكتاب الحدود والاقضية والاحكام وكذلك عامة ابواب الفقه
ومن فرق بين الفرائض وغيرها رأى انقطاع احكام قسمة المواريث ومعرفة الفروض ومعرفة مستحقها عن كتاب البيوع والاجارات والرهون والنضال وغيرها وعدم تعلقاتها وأيضا فإن عامة احكام المواريث قطعية وهي منصوص عليها في الكتاب والسنة
فإن قيل فما تقولون فيمن بذل جهده في معرفة مسألة أومسألتين هل له ان يفتي بهما
217
قيل نعم يجوز في أصح القولين وهما وجهان لاصحاب الامام احمد وهل هذا إلا من التبليغ عن الله وعن رسوله وجزى الله من أعان الاسلام ولو بشطر كلمة خيرا ومنع هذا من الافتاء بما علم خطأ محض وبالله التوفيق
من أفتى وليس أهلا للفتوى أثم
الفائدة الثالثة والثلاثون من أفتى الناس وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص ومن أقره من ولاة الامور على ذلك فهو آثم أيضا
قال ابو الفرج بن الجوزي رحمه الله ويلزم ولي الامر منعهم كما فعل بنو أمية وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب وليس له علم بالطريق وبمنزلة الاعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطب الناس بل هو أسوأ حالا من هؤلاء كلهم وإذا تعين على ولي الامر منع من لم يحسن التطبب من مداواة المرضى فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة ولم يتفقه في الدين
وكان شيخنا رضى الله عنه شديد الانكار على هؤلاء فسمعته يقول قال لي بعض هؤلاء أجعلت محتسبا على الفتوى فقلت له يكون على الخبازين والطباخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب
وقد روى الامام احمد وبن ماجة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا من افتى بغير علم كان إثم ذلك على الذي أفتاه وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الرجال ولكن يقبض العلم بقبض العلماء فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا وفي أثر مرفوع ذكره أبو الفرج وغيره من أفتى الناس بغير علم لعنته ملائكة السماء وملائكة الارض
وكان مالك رحمه الله يقول من سئل عن مسألة فينبغي له قبل ان
218
يجيب فيها ان يعرض نفسه على الجنة والنار وكيف يكون خلاصه في الاخرة ثم يجيب فيها وسئل عن مسألة فقال لا أدري فقيل له إنها مسألة خفيفة سهلة فغضب وقال ليس في العلم شئ خفيف أما سمعت قول الله عزه وجل ! < إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا > ! فالعلم كله ثقيل وخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة وقال ما أفتيت حتى شهد لي سبعون انى أهل لذلك وقال لا ينبغي لرجل ان يرى نفسه أهلا لشئ حتى يسأل من هو أعلم منه وما أفتيت حتى سألت ربيعة ويحيى بن سعيد فأمراني بذلك ولو نهياني انتهيت قال وإذا كان اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تصعب عليهم المسائل ولا يجيب احد منهم عن مسألة حتى يأخذ راى صاحبه مع ما رزقوا من السداد والتوفيق والطهارة فكيف بنا الذين غطت الذنوب والخطايا قلوبنا وكان رحمه الله إذا سئل عن مسألة فكأنه واقف بين الجنة والنار وقال عطاء بن ابي رباح أدركت أقواما إن كان أحدهم ليسال عن شئ فيتكلم وإنه ليرعد
وسئل النبي صلى الله عليه وسلم أي البلاد شر فقال لا أدري حتى أسأل جبريل فسأله فقال اسواقها
وقال الامام احمد من عرض نفسه للفتيا فقد عرضها لأمر عظيم إلا أنه قد تلجئ الضرورة وسئل الشعبي عن مسألة فقال لا أدري فقيل له الا تستحي من قولك لا أدري وأنت فقيه اهل العراق فقال لكن الملائكة لم تستحى حين ! < قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا > ! وقال بعض أهل العلم تعلم لا أدري فإنك إن قلت لا أدري علموك حتى تدري وإن قلت أدري سألوك حتى لا تدري وقال عتبة بن مسلم صحبت بن عمر اربعة وثلاثين شهرا فكان كثيرا ما يسأل فيقول لا أدري وكان سعيد بن المسيب لا يكاد يفتى فتيا ولا يقول شيئا إلا قال اللهم سلمني وسلم مني
وسئل الشافعي عن مسألة فسكت فقيل الا تجيب فقال حتى أدري الفضل في سكوتي أوفي الجواب وقال بن ابي ليلى ادركت مائة وعشرين من الانصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أحدهم عن المسألة فيردها
219
هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الاول وما منهم من أحد يحدث بحديث أويسأل عن شئ إلا ود أن أخاه كفاه وقال ابو الحسين الازدي ان احدهم ليفتي في المسألة لو وردت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر وسئل القاسم بن محمد عن شئ فقال إنى لا احسنه فقال له السائل إنى جئتك لا اعرف غيرك فقال له القاسم لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولى والله ما أحسنه فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه يا بن اخي الزمها فوالله ما رأيناك في مجلس أنبل منك اليوم فقال القاسم والله لان يقطع لساني احب إلى من ان اتكلم بما لا علم لي به وكتب سلمان إلى ابي الدرداء رضى الله عنهما وكان بينهما مؤاخاة بلغني انك قعدت طبيبا فاحذر ان تكون متطببا أوتقتل مسلما فكان ربما جاءه الخصمان فيحكم بينهما ثم يقول ردوهما على متطبب والله أعيدا على قضيتكما
حكم العامي إذا لم يجد مفتيا
الفائدة الرابعة والثلاثون إذا نزلت بالعامى نازلة وهو في مكان لا يجد من يسأله عن حكمها ففيه طريقان للناس أحدهما أن له حكم ما قبل الشرع على الخلاف في الحظر والاباحة والوقف لان عدم المرشد في حقه بمنزلة عدم المرشد بالنسبة إلى الامة والطريقة الثانية انه يخرج على الخلاف في مسالة تعارض الادلة عند المجتهد هل يعمل بالاخف أو بالأشد أو يتخير والصواب انه يجب عليه ان يتقى الله ما استطاع ويتحرى الحق بجهده ومعرفة مثله وقد نصب الله تعالى على الحق امارات كثيرة ولم يسو الله سبحانه وتعالى بين ما يحبه وبين ما يسخطه من كل وجه بحيث لا يتميز هذا من هذا ولا بد ان تكون الفطر السليمة مائلة إلى الحق مؤثرة له ولا بد ان يقوم لها عليه بعض الامارات المرجحة ولو بمنام أوبإلهام فإن قدر ارتفاع ذلك كله وعدمت في حقه جميع الامارات فهنا يسقط التكليف عنه في حكم هذه النازلة ويصير بالنسبة اليها كمن لم تبلغة الدعوة وإن كان مكلفا بالنسبة إلى غيره فأحكام التكليف تتفاوت بحسب التمكن من العلم والقدرة والله اعلم
220
من تجوز له الفتيا ومن لا تجوز
الفائدة الخامسة والثلاثون الفتيا اوسع من الحكم والشهادة فيجوز فتيا العبد والحر والمرأة والرجل والقريب والبعيد والاجنبي والامي والقارئ والاخرس بكتابته والناطق والعدو والصديق وفيه وجه انه لا تقبل فتيا العدو ولا من لا تقبل شهادته له كالشهادة والوجهان في الفتيا كالوجهين في الحكم وإن كان الخلاف في الحاكم اشهر وأما فتيا الفاسق فإن افتى غيره لم تقبل فتواه وليس للمستفتي ان يستفتيه وله ان يعمل بفتوى نفسه ولا يجب عليه ان يفتي غيره وفي جواز استفتاء مستور الحال وجهان والصواب جواز استفتائه وإفتائه
قلت وكذلك الفاسق إلا ان يكون معلنا بفسقه داعيا إلى بدعته فحكم استفتائه حكم إمامته وشهادته وهذا يختلف باختلاف الامكنة والازمنة والقدرة والعجز فالواجب شئ والواقع شئ والفقيه من يطبق بين الواقع والواجب وينفذ الواجب بحسب استطاعته لا من يلقى العداوة بني الواجب والواقع فلكل زمان حكم والناس بزمانهم اشبه منهم بآبائهم وإذا عم الفسوق وغلب على أهل الارض فلو منعت إمامه الفساق وشهاداتهم وأحكامهم وفتاويهم وولاياتهم لعطلت الاحكام وفسد نظام الخلق وبطلت اكثر الحقوق ومع هذا فالواجب اعتبار الاصلح فالاصلح وهذا عند القدرة والاختيار واما عند الضرورة والغلبة بالباطل فليس إلا الاصطبار والقيام بأضعف مراتب الانكار
يجوز للقاضي ان يفتي
الفائدة السادسة والثلاثون لا فرق بين القاضي وغيره في جواز الافتاء بما تجوز الفتيا به ووجوبها إذا تعينت ولم يزل امر السلف والخلف على هذا فإن منصب الفتيا داخل في ضمن منصب القضاء عند الجمهور والذين لا يجوزون قضاء الجاهل فالقاضي مفت ومثبت ومنفذ لما أفتى به
221
من يمنع فتوى ا القاضي
وذهب بعض الفقهاء من أصحاب الامام احمد والشافعي إلى انه يكره للقاضي ان يفتي في مسائل الاحكام المتعلقة به دون الطهارة والصلاة والزكاة ونحوها واحتج ارباب هذا القول بأن فتياه تصير كالحكم منه على الخصم ولا يمكن نقضه وقت المحاكمة قالوا ولانه قد يتغير اجتهاده وقت الحكومة أوتظهر له قرائن لم تظهر له عند الافتاء فإن اصر على فتياه والحكم بموجبها حكم بخلاف ما يعتقد صحته وإن حكم بخلافها طرق الخصم إلى تهمته والتشنيع عليه بأنه يحكم بخلاف ما يعتقده ويفتى به ولهذا قال شريح أنا اقضى لكم ولا أفتى حكاه بن المنذر واختار كراهية الفتوى في مسائل الاحكام وقال الشيخ ابو حامد الاسفرائيني لاصحابنا في فتواه في مسائل الاحكام جوابان أحدهما ليس له ان يفتى فيها لان لكلام الناس عليه مجالا ولاحد الخصمين عليه مقالا والثاني له ذلك لانه اهل له
حكم فتيا الحاكم
الفائدة السابعة والثلاثون فتيا الحاكم ليست حكما منه ولو حكم غيره بخلاف ما افتى به لم يكن نقضا لحكمه ولا هي كالحكم ولهذا يجوز ان يفتي الحاضر والغائب ومن يجوز حكمه له ومن لا يجوز ولهذا لم يكن في حديث هند دليل على الحكم على الغائب لانه صلى الله عليه وسلم إنما أفتاها فتوى مجردة ولم يكن ذلك حكما على الغائب فإنه لم يكن غائبا عن البلد وكانت مراسلته وإحضاره ممكنة ولا طلب البينة على صحة دعواها وهذا ظاهر بحمد الله
هل يفتى المفتي بشئ لم يقع
الفائدة الثامنة والثلاثون إذا سال المستفتي عن مسألة لم تقع فهل تستحب إجابتة أو تكره أو تخير فيه ثلاثة أقوال وقد حكى عن كثير من السلف انه كان لا يتكلم فيما لم يقع وكان بعض السلف اذا ساله الرجل عن مسالة قال هل كان ذلك فإن قال نعم تكلف له الجواب وإلا قال دعنا في عافية
222
وقال الامام احمد لبعض اصحابه اياك ان تتكلم في مسالة ليس لك فيها إمام والحق التفصيل فإن كان في المسألة نص من كتاب الله أوسنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أواثر عن الصحابة لم يكره الكلام فيها وإن لم يكن فيها نص ولا اثر فإن كانت بعيدة الوقوع أومقدرة لا تقع لم يستحب له الكلام فيها وإن كان وقوعها غير نادر ولا مستبعد وغرض السائل الإحاطة بعلمها ليكون منها على بصيرة اذا وقعت استحب له الجواب بما يعلم لا سيما إن كان السائل يتفقة بذلك ويعتبر بها نظائرها ويفرع عليها فحيث كانت مصلحة الجواب راجحة كان هو الاولى والله أعلم
لا يجوز للمفتي تتبع الحيل المحرمة والمكروهة
الفائدة التاسعة والثلاثون لا يجوز للمفتي تتبع الحيل المحرمة والمكروهة ولا تتبع الرخص لمن أراد نفعه فإن تتبع ذلك فسق وحرم استفتاؤه فإن حسن قصده في حيلة جائزة لا شبهة فيها ولا مفسدة لتخليص المستفتى بها من حرج جاز ذلك بل استحب وقد ارشد الله تعالى نبيه ايوب عليه السلام إلى التخلص من الحنث بأن ياخذ بيده ضغثا فيضرب به المرأة ضربة واحدة وأرشد النبي صلى الله عليه وسلم بلالا إلى بيع التمر بدراهم ثم يشترى بالدراهم تمرا آخر فيتخلص من الربا فاحسن المخارج ما خلص من المآثم وأقبح الحيل ما اوقع في المحارم أواسقط ما أوجبه الله ورسوله من الحق اللازم وقد ذكرنا من النوعين ما لعلك لا تظفر بجملته في غير هذا الكتاب والله الموفق للصواب
رجوع المفتى عما افتى به
الفائدة الاربعون في حكم رجوع المفتى عن فتياه إذا افتى المفتي بشئ ثم رجع عنه فإن علم المستفتى برجوعه ولم يكن عمل بالاول فقيل يحرم عليه العمل به وعندي في المسألة تفصيل وانه لا يحرم عليه الاول بمجرد رجوع المفتي بل يتوقف حتى يسأل غيره فإن أفتاه بموافقة الاول استمر على العمل به وإن أفتاه بموافقة الثاني ولم يفته احد بخلافه حرم عليه العمل بالاول وإن لم يكن في
223
البلد إلا مفت واحد سأله عن رجوعه عما افتاه به فإن رجع إلى اختيار خلافه مع تسويغه لم يحرم عليه وإن رجع لخطأ بأن له وأن ما أفتاه به لم يكن صوابا حرم عليه العمل بالاول هذا اذا كان رجوعه لمخالفة دليل شرعي فإن كان رجوعه لمجرد ما بان له ان ما أفتى به خلاف مذهبه لم يحرم على المستفتى ما أفتاه به اولا إلا أن تكون المسألة إجماعية
فلو تزوج بفتواه ودخل ثم رجع المفتى لم يحرم عليه إمساك امرأته إلا بدليل شرعي يقتضى تحريمها ولا يجب عليه مفارقتها بمجرد رجوعه ولا سيما إن كان إنما رجع لكونه تبين له ان ما أفتى به خلاف مذهبه وإن وافق مذهب غيره هذا هو الصواب
وأطلق بعض أصحابنا واصحاب الشافعي وجوب مفارقتها عليه وحكوا في ذلك وجهين ورجحوا وجوب المفارقة قالوا لان الرجوع عنه ليس مذهبا له كما لو تغير اجتهاد من قلده في القبلة في اثناء الصلاة فإنه يتحول مع الامام في الاصح
فيقال لهم المستفتى قد دخل بامرأته دخولا صحيحا سائغا ولم يفهم ما يوجب مفارقته لها من نص ولا إجماع فلا يجب عليه مفارقتها بمجرد تغير اجتهاد المفتى وقد رجع عمر بن الخطاب رضى الله عنه عن القول بالتشريك وافتى بخلافه ولم ياخذ المال من الذين شرك بينهم اولا وأما قياسكم ذلك على من تغير اجتهاده في معرفة القبلة فهو حجة عليكم فإنه لا يبطل ما فعله المأموم بالاجتهاد الاول ويلزمه التحول ثانيا لانه مامور بمتابعة الامام بل نظير مسألتنا ما لو تغير اجتهاده بعد الفراغ من الصلاة فإنه لا تلزمه الاعادة ويصلى الثانيه بالاجتهاد الثاني
وأما قول ابي عمرو بن الصلاح وابي عبد الله بن حمدان من اصحابنا إذا كان المفتي إنما يفتي على مذهب امام معين فإذا رجع لكونه بان له قطعا انه خالف في فتواه نص مذهب إمامه فإنه يجب نقضه وإن كان ذلك في محل الاجتهاد لان نص مذهب إمامه في حقه كنص الشارع في حق المفتى المجتهد
224
المستقل فليس كما قالا ولم ينص على هذه المسالة احد من الائمة ولا تقتضيها اصول الشريعة ولو كان نص امامه بمنزلة نص الشارع لحرم عليه وعلى غيره مخالفته وفسق بخلافه
ولم يوجب احد من الائمة نقض حكم الحاكم ولا إبطال فتوى المفتي بكونه خلاف قول زيد أوعمرو ولا يعلم احد سوغ النقض بذلك من الائمة والمتقدمين من أتباعهم وإنما قالوا ينقض من حكم الحاكم ما خالف نص كتاب أو سنة أو إجماع الامة ولم يقل احد ينقض من حكمه ما خالف قول فلان أوفلان وينقض من فتوى المفتي ما ينقض من حكم الحاكم فكيف يسوغ نقض احكام الحكام وفتاوي اهل العلم بكونها خالفت قول واحد من الائمة ولا سيما اذا وافقت نصا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوفتاوي الصحابة يسوغ نقضها لمخالفة قول فلان وحده ولم يجعل الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم ولا احد من الائمة قول فقيه من الامة بمنزلة نص الله ورسوله بحيث يجب اتباعه ويحرم خلافه فإذا بان للمفتي انه خالف إمامه ووافق قول الائمة الثلاثة لم يجب على الزوج ان يفارق امرأته ويخرب بيته ويشتت شمله وشمل اولاده بمجرد كون المفتي ظهر له ان ما أفتى به خلاف نص إمامه ولا يحل له ان يقول له فارق اهلك بمجرد ذلك ولا سيما إن كان النص مع قول الثلاثه وبالجملة فبطلان هذا القول أظهر من أن نتكلف بيانه
فإن قيل فما تقولون لو تغير اجتهاد المفتى فهل يلزمه إعلام المستفتى
قيل اختلف في ذلك فقيل لا يلزمه إعلامه فإنه عمل اولا بما يسوغ له فإذا لم يعلم بطلانه لم يكن آثما فهو في سعة من استمراره وقيل بل يلزمه إعلامه لان ما رجع عنه قد اعتقد بطلانه وبان له ان ما افتاه به ليس من الدين فيجب عليه إعلامه كما جرى لعبد الله بن مسعود حين افتى رجلا بحل ام امرأته التي فارقها قبل الدخول ثم سافر إلى المدينة وتبين له خلاف هذا القول فرجع إلى الكوفة وطلب هذا الرجل وفرق بينه وبين اهله وكما جرى للحسن بن زياد
225
اللؤلؤي لما استفتى في مسألة فأخطأ فيها ولم يعرف الذي افتاه به فاستأجر مناديا ينادي ان الحسن بن زياد استفتى في يوم كذا وكذا في مسألة فأخطأ فمن كان أفتاه الحسن بن زياد بشئ فليرجع إليه ثم لبث اياما لا يفتي حتى جاء صاحب الفتوى فأعلمه انه قد أخطأ وان الصواب خلاف ما افتاه به
قال القاضي ابو يعلى في كفايته من افتى بالاجتهاد ثم تغير اجتهاده لم يلزمه إعلام المستفتى بذلك إن كان قد عمل به وإلا أعلمه والصواب التفصيل فإن كان المفتي ظهر له الخطأ قطعا لكونه خالف نص الكتاب أوالسنة التي لا معارض لها أوخالف إجماع الامة فعليه إعلام المستفتى وإن كان إنما ظهر له انه خالف مجرد مذهبه أونص إمامه لم يجب عليه إعلام المستفتى وعلى هذا تخرج قصة بن مسعود رضى الله عنه فإنه لما ناظر الصحابة في تلك المسألة بينوا له ان صريح الكتاب يحرمها لكون الله تعالى ابهمها فقال تعالى ! < وأمهات نسائكم > ! وظن عبد الله ان قوله ! < اللاتي دخلتم بهن > ! راجع إلى الاول والثاني فبينوا له أنه إنما يرجع إلى امهات الربائب خاصة فعرف انه الحق وان القول بحلها خلاف كتاب الله تعالى ففرق بين الزوجين ولم يفرق بينهما بكونه تبين له ان ذلك خلاف قول زيد او عمرو والله اعلم
القول في ضمان المفتي للمال والنفس
الفائدة الحادية والاربعون إذا عمل المستفتى بفتيا مفت في إتلاف نفس أومال ثم بان خطؤه قال ابو إسحاق الإسفرائيني من الشافعية يضمن المفتى إن كان اهلا للفتوى وخالف القاطع وإن لم يكن اهلا فلا ضمان عليه لان المستفتى قصر في استفتائه وتقليده ووافقه على ذلك ابو عبد الله بن حمدان في كتاب آداب المفتى والمستفتى له ولم اعرف هذا لاحد قبله من الاصحاب ثم حكى وجها آخر في تضمين من ليس بأهل قال لانه تصدى لما ليس له بأهل وغر من استفتاه بتصد يه لذلك
226
قلت خطأ المفتى كخطأ الحاكم والشاهد وقد اختلفت الرواية في خطأ الحاكم في النفس اوالطرف فعن الامام احمد في ذلك روايتان إحداهما أنه في بيت المال لانه يكثر منه ذلك الحكم فلو حملته العاقله لكان ذلك إضرارا عظيمابهم والثانية انه على عاقلته كما لو كان الخطأ بسبب غير الحاكم وأما خطؤه في المال فإذا حكم بحق ثم بان كفر الشهود أوفسقهم نقض حكمه ثم رجع المحكوم عليه ببدل المال على المحكوم له وكذلك اذا كان الحكم بقود رجع اولياء المقتول ببدله على المحكوم له وكذلك إن كان الحكم بحق الله بإتلاف مباشر أوبالسراية ففيه ثلاثة اوجه احدها ان الضمان على المزكين لان الحكم إنما وجب بتزكيتهم والثاني يضمنه الحاكم لانه لم يتثبت بل فرط في المبادرة إلى الحكم وترك البحث والسؤال والثالث ان للمستحق تضمين أيهما شاء والقرار على المزكين لانهم الجأوا الحاكم إلى الحكم فعلى هذا إن لم يكن ثم تزكية فعلى الحاكم وعن احمد رواية اخرى انه لا ينقض بفسقهم فعلى هذا لا ضمان
وعلى هذا اذا استفتى الامام أوالوالى مفتيا فأفتاه ثم بان له خطؤه فحكم المفتى مع الامام حكم المزكين مع الحاكم وان عمل المستفتى بفتواه من غير حكم حاكم ولا إمام فأتلف نفسا أومالا فان كان المفتي اهلا فلا ضمان عليه والضمان على المستفتى وإن لم يكن أهلا فعليه الضمان لقول النبي صلى الله عليه وسلم من تطبب ولم يعرف منه طب فهو ضامن وهذا يدل على انه اذا عرف منه طب وأخطأ لم يضمن والمفتى اولى بعدم الضمان من الحاكم والامام لان المستفتى مخير بين قبول فتواه وردها فإن قوله لا يلزم بخلاف حكم الحاكم والامام وأما خطأ الشاهد فإما ان يكونوا شهودا بمال أو طلاق أو عتق أو حد أو قود فإن بان خطؤهم قبل الحكم لم يحكم بذلك وإن بان بعد الحكم
227
باستيفاء القود وقبل استيفائه لم يستوف قطعا وإن بان بعد استيفائه فعليهم دية ما تلف ويتقسط الغرم على عددهم وإن بان خطؤهم قبل الحكم بالمال لغت شهادتهم ولم يضمنوا وإن بان بعد الحكم به نقض حكمه كما لو شهدوا بموت رجل باستفاضة فحكم الحاكم بقسم ميراثه ثم بانت حياته فإنه ينقض حكمه وإن بان خطؤهم في شهادة الطلاق من غير جهتهم كما لو شهدوا انه طلق يوم كذا وكذا وظهر للحاكم انه في ذلك اليوم كان محبوسا لا يصل إليه احد أوكان مغمى عليه فحكم ذلك حكم ما لو بان كفرهم أوفسقهم فإنه ينقض حكمه وترد المرأة إلى الزوج ولو تزوجت بغيره بخلاف ما اذا قالوا رجعنا عن الشهاده فان رجوعهم ان كان قبل الدخول ضمنوا نصف المسمى لانهم قرروه عليه ولا تعود إليه الزوجه اذا كان الحاكم قد حكم بالفرقة وان رجعوا بعد الدخول ففيه روايتان احداهما انهم لا يغرمون شيئا لان الزوج استوفي المنفعة بالدخول فاستقر عليه عوضها والثانية يغرمون المسمى كله لانهم فوتوا عليه البضع بشهادتهم واصلهما ان خروج البضع من يد الزوج هل هو متقوم أولا واما شهود العتق فإن بان خطؤهم تبينا انه لا عتق وان قالوا رجعنا غرموا للسيد قيمة العبد
الاوضاع التي لا يصح للمفتي ان يفتي وهو متلبس بها
الفائدة الثانية والاربعون ليس للمفتي الفتوى في حال غضب شديد أو جوع مفرط أو هم مقلق أوخوف مزعج اونعاس غالب اوشغل قلب مستول عليه أوحال مدافعه الاخبثين بل متى أحس من نفسه شيئا من ذلك يخرجه عن حال اعتداله وكمال تثبته وتبينه امسك عن الفتوى فإن افتى في هذه الحالة بالصواب صحت فتياه ولو حكم في مثال هذه الحالة فهل ينفذ حكمه أولا ينفذ فيه ثلاثة اقوال النفوذ وعدمه والفرق بين ان يعرض له الغضب بعد فهم الحكومة فينفذ وبين ان يكون سابقا على فهم الحكومة فلا ينفذ والثلاثة في مذهب الامام احمد رحمه الله تعالى
228
على المفتي أن يرجع فيها المفتى إلى العرف
الفائدة الثالثة والاربعون لا يجوز له ان يفتى في الاقرار والايمان والوصايا وغيرها مما يتعلق باللفظ بما اعتاده هو من فهم تلك الالفاظ دون ان يعرف عرف اهلها والمتكلمين بها فيحملها على ما اعتادوه وعرفوه وإن كان مخالفا لحقائقها الاصلية فمتى لم يفعل ذلك ضل وأضل
فلفظ الدينار عند طائفة اسم لثمانية دراهم وعند طائفة اسم لاثني عشر درهما والدرهم عند غالب البلاد اليوم اسم للمغشوش فإذا أقر له بدراهم أو حلف ليعطينه إياها أوأصدقها امرأة لم يجز للمفتي ولا للحاكم أن يلزمه بالخالصة فلو كان في بلد إنما يعرفون الخالصة لم يجز له أن يلزم المستحق بالمغشوشة
وكذلك في ألفاظ الطلاق والعتاق فلو جرى عرف أهل بلد أوطائفة في استعمالهم لفظ الحرية في العفة دون العتق فإذا قال أحدهم عن مملوكة إنه حر أو عن جاريته إنها حرة وعادته استعمال ذلك في العفة لم يخطر بباله غيرها لم يعتق بذلك قطعا وإن كان اللفظ صريحا عند من ألف استعماله في العتق وكذلك إذا جرى عرف طائفة في الطلاق بلفظ التسميح بحيث لا يعرفون لهذا المعنى غيره فإذا قالت اسمح لي فقال سمحت لك فهذا صريح في الطلاق عندهم وقد تقدم الكلام في هذا الفصل مشبعا
وأنه لا يسوغ ان يقبل تفسير من قال لفلان على مال جليل أوعظيم بدانق أودرهم ونحو ذلك ولا سيما إن كان المقر من الاغنياء المكثرين أوالملوك وكذلك لو أوصى له بقوس في محله لا يعرفون إلا اقواس البندق أوالاقواس العربية أواقواس الرجل أوحلف لا يشم الريحان في محل لا يعرفون الريحان إلا هذا الفارسي أوحلف لا يركب دابة في موضع عرفهم بلفظ الدابة الحمار أو الفرس أو حلف لا يأكل ثمرا في بلد عرفهم في الثمار نوع واحد منها لا يعرفون غيره أوحلف لا يلبس ثوبا في بلد عرفهم في الثياب القمص وحدها دون الاردية والازر والجباب ونحوها تقيدت يمينه بذلك
229
وحده في جميع هذه الصور واختصت بعرفه دون موضوع اللفظ لغة أوفي عرف غيره بل لو قالت المرأة لزوجها الذي لا يعرف التكلم بالعربية ولا يفهمها قل لي انت طالق ثلاثا وهو لا يعلم موضوع هذه الكلمة فقال لها لم تطلق قطعا في حكم الله تعالى ورسوله وكذلك لو قال الرجل لآخر انا عبدك ومملوكك على جهة الخضوع له كما يقوله الناس لم يستبح ملك رقبته بذلك ومن لم يراع المقاصد والنيات والعرف في الكلام فإنه يلزمه ان يجوز له بيع هذا القائل وملك رقبته بمجرد هذا اللفظ
وهذا باب عظيم يقع فيه المفتي الجاهل فيغر الناس ويكذب على الله ورسوله ويغير دينه ويحرم ما لم يحرمه الله ويوجب ما لم يوجبه الله والله المستعان
على المفتي الا يعين على المكر والخداع
الفائدة الرابعة والاربعون يحرم عليه اذا جاءته مسالة فيها تحيل على إسقاط واجب أوتحليل محرم أو مكر أو خداع ان يعين المستفتى فيها ويرشده إلى مطلوبه أويفتيه بالظاهر الذي يتوصل به إلى مقصوده بل ينبغي له ان يكون بصيرا بمكر الناس وخداعهم واحوالهم ولا ينبغي له ان يحسن الظن بهم بل يكون حذرا فطنا فقيها بأحوال الناس وأمورهم يوازره فقهه في الشرع وإن لم يكن كذلك زاغ وأزاع وكم من مسألة ظاهرها ظاهر جميل وباطنها مكر وخداع وظلم فالغر ينظر إلى ظاهرها ويقضى بجوازه وذو البصيرة ينقد مقصدها وباطنها فالاول يروج عليه زغل المسائل كما يروج على الجاهل بالنقد زغل الدارهم والثاني يخرج زيفها كما يخرج الناقد زيف النقود وكم من باطل يخرجه الرجل بحسن لفظه وتنميقه وإبرازه في صورة حق وكم من حق يخرجه بتهجينه وسوء تعبيره في صورة باطل ومن له ادنى فطنة وخبرة لا يخفى عليه ذلك بل هذا أغلب احوال الناس ولكثرته وشهرته يستغنى عن الامثلة بل من تأمل المقالات الباطلة والبدع كلها وجدها قد أخرجها اصحابها في قوالب مستحسنة
230
وكسوها ألفاظا يقبلها بها من لم يعرف حقيقتها ولقد احسن القائل
تقول هذا جناء النحل تمدحه
وإن تشأ قلت ذا قيئ الزنابير
مدحا وذما وما جاوزت وصفهما
والحق قد يعتريه سوء تعبير
وراى بعض الملوك كأن اسنانه قد سقطت فعبرها له معبر بموت اهله واقاربه فأقصاه وطرده واستدعى آخر فقال له لا عليك تكون اطول اهلك عمرا فاعطاه وأكرمه وقربه فاستوفى المعنى وغير له العبارة واخرج المعنى في قالب حسن
والمقصود انه لا يحل له ان يفتي بالحيل المحرمة ولا يعين عليها ولا يدل عليها فيضاد الله في امره قال الله تعالى ! < ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين > ! وقال تعالى ! < ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين > ! وقال تعالى ! < يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون > ! وقال تعالى ! < ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين > ! وقال تعالى ! < ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله > ! وقال تعالى ! < إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم > ! وقال تعالى ! < وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون > ! وقال تعالى في حق ارباب الحيل المحرمة ! < ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين > !
وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ملعون من ضار مسلما أومكر به وقال لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل وقال المكر والخديعة في النار وفي سنن بن ماجة وغيره عنه صلى الله عليه وسلم ما بال أقوام يلعبون بحدود الله ويستهزئون بآياته طلقتك راجعتك طلقتك راجعتك وفي لفظ خلعتك راجعتك خلعتك راجعتك وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم لعن الله اليهود حرمت
231
عليهم الشحوم فجملوها وباعوها واكلوا اثمانها وقال ايوب السختياني يخادعون الله كما يخادعون الصبيان وقال بن عباس من يخادع الله يخدعه وقال بعض السلف ثلاث من كن فيه كن عليه المكر والبغي والنكث
وقال تعالى ! < ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله > ! وقال تعالى ! < إنما بغيكم على أنفسكم > ! وقال تعالى ! < فمن نكث فإنما ينكث على نفسه > !
وقال الامام احمد هذه الحيل التي وضعها هؤلاء عمدوا إلى السنن فاحتالوا في نقضها أتوا إلى الذي قيل لهم إنه حرام فاحتالوا فيه حتى حللوه وقال ما اخبثهم يعني أصحاب الحيل يحتالون لنقض سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال من احتال بحيلة فهو حانث وقال إذا حلف على شئ ثم احتال بحيلة فصار اليها فقد صار إلى الذي حلف عليه بعينه وقد تقدم بسط الكلام في هذه المسألة مستوفى فلا حاجة إلى إعادته
هل للمفتي اخذ الاجرة والهدية علي فتواه
الفائدة الخامسة والاربعون في أخذ الاجرة والهدية والرزق على الفتوى فيه ثلاث صور مختلفة السبب والحكم
فأما اخذه الاجرة فلا يجوز له لان الفتيا منصب تبليغ عن الله ورسوله فلا تجوز المعاوضة عليه كما لو قال له لا أعلمك الاسلام أوالوضوء أوالصلاة إلا بأجرة فهذا حرام قطعا ويلزمه رد العوض ولا يملكه
وقال بعض المتاخرين إن أجاب بالخط فله ان يقول للسائل لا يلزمني ان اكتب لك خطى إلا بأجرة وله أخذ الاجرة وجعله بمنزلة اجرة الناسخ فإنه يأخذ الاجرة على خطه لا على جوابه وخطه قدر زائد على جوابه
والصحيح خلاف ذلك وأنه يلزمه الجواب مجانا لله بلفظه وخطه ولكن لا يلزمه الورق ولا الحبر
232
وأما الهدية ففيها تفصيل فإن كانت بغير سبب الفتوى كمن عادته يهاديه اومن لا يعرف انه مفت فلا بأس بقبولها والاولى ان يكافئ عليها وإن كانت بسبب الفتوى فإن كانت سببا إلى ان يفتيه بما لا يفتي به غيره ممن لا يهدي له لم يجز له قبول هديته وإن كان لا فرق بينه وبين غيره عنده في الفتيا بل يفتيه بما يفتي به الناس كره له قبول الهدية لانها تشبه المعاوضة على الافتاء
وأما اخذ الرزق من بيت المال فإن كان محتاجا إليه جاز له ذلك وإن كان غنيا عنه ففيه وجهان وهذا فرع متردد بين عامل الزكاة وعامل اليتيم فمن الحقه بعامل الزكاة قال النفع فيه عام فله الاخذ ومن ألحقه بعامل اليتيم منعه من الاخذ وحكم القاضي في ذلك حكم المفتي بل القاضي اولى بالمنع والله اعلم
افتاء المفتي في واقعة افتى فيها قبل ذلك
الفائدة السادسة والاربعون إذا أفتى في واقعة ثم وقعت له مرة اخرى فإن ذكرها وذكر مستندها ولم يتجدد له ما يوجب تغير اجتهاده افتى بها من غير نظر ولا اجتهاد وإن ذكرها ونسى مستندها فهل له ان يفتي بها دون تجديد نظر واجتهاد فيه وجهان لاصحاب الامام احمد والشافعي احدهما ان يلزمه تجديد النظر لاحتمال تغير اجتهاده وظهور ما كان خافيا عنه والثاني لا يلزمه تجديد النظر لان الاصل بقاء ما كان على ما كان وإن ظهر له ما يغير اجتهاده لم يجز له البقاء على القول الاول ولا يجب عليه نقضه ولا يكون اختلافه مع نفسه قادحا في علمه بل هذا من كمال علمه وورعه ولأجل هذا خرج عن الائمة في المسألة قولان فأكثر وسمعت شيخنا رحمه الله تعالى يقول حضرت عقد مجلس عند نائب السلطان في وقف افتى فيه قاضي البلد بجوابين مختلفين فقرأ جوابه الموافق للحق فأخرج بعض الحاضرين جوابه الاول وقال هذا جوابك بضد هذا فكيف تكتب جوابين متناقضين في واقعة واحدة فوجم الحاكم
233
فقلت هذا من علمه ودينه افتى اولا بشئ ثم تبين له الصواب فرجع إليه كما يفتى إمامه بقول ثم يتبين له خلافه فيرجع إليه ولا يقدح ذلك في علمه ولا دينه وكذلك سائر الائمة فسر القاضي بذلك وسرى عنه
إذا صح الحديث فهو مذهب الشافعي حتى ولو خالف قوله
الفائدة السابعة والاربعون قول الشافعي رحمه الله تعالى إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوا ما قلته وكذلك قوله إذا صح الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وقلت انا قولا فانا راجع عن قولى وقائل بذلك الحديث وقوله اذا صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضربوا بقولى الحائط وقوله إذا رويت حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم اذهب إليه فاعلموا ان عقلى قد ذهب وغير ذلك من كلامه في هذا المعنى صريح في مدلوله وأن مذهبه ما دل عليه الحديث لا قول له غيره ولا يجوز ان ينسب إليه ما خالف الحديث ويقال هذا مذهب الشافعي ولا يحل الافتاء بما خالف الحديث على انه مذهب الشافعي ولا الحكم به صرح بذلك جماعة من ائمة اتباعه حتى كان منهم من يقول للقارئ إذا قرأ عليه مسألة من كلامه قد صح الحديث بخلافها اضرب على هذه المسالة فليست مذهبه وهذا هو الصواب قطعا ولو لم ينص عليه فكيف اذا نص عليه وابدى فيه وأعاد وصرح فيه بالفاظ كلها صريحة في مدلولها
فنحن نشهد بالله ان مذهبه وقوله الذي لا قول له سواه ما وافق الحديث دون ما خالفه وان من نسب إليه خلافه فقد نسب إليه خلاف مذهبه ولا سيما إذا ذكر هو ذلك الحديث وأخبر انه إنما خالفه لضعف في سنده أولعدم بلوغه له من وجه يثق به ثم ظهر للحديث سند صحيح لا مطعن فيه وصححه ائمة الحديث من وجوه لم تبلغه فهذا لا يشك عالم ولا يماري في انه مذهبه قطعا وهذا كمسالة الجوائح فإنه علل حديث سفيان بن عيينه بانه كان ربما ترك ذكر الجوائح وقد صح الحديث من غير طريق سفيان صحة لا مرية فيها ولا علة
234
ولا شبهة بوجه فمذهب الشافعي وضع الجوائح وبالله التوفيق
وقد صرح بعض ائمة الشافعيه بان مذهبه ان الصلاة الوسطى صلاة العصر وان وقت المغرب يمتد إلى مغيب الشفق وان من مات وعليه صيام صام عنه وليه وان أكل لحوم الابل ينقض الوضوء وهذا بخلاف الفطر بالحجامة وصلاة المأموم قاعدا إذا صلى إمامه كذلك فإن الحديث وإن صح في ذلك فليس بمذهبه فإن الشافعي قد رواه وعرف صحته ولكن خالفه لاعتقاده نسخه وهذا شئ وذاك شئ ففي هذا القسم يقع النظر في النسخ وعدمه وفي الاول يقع النظر في صحة الحديث وثقه السند فاعرفه
القول في جواز الافتاء لمن يملك كتب الحديث
الفائدة الثامنة والاربعون إذا كان عند الرجل الصحيحان أو أحدهما أو كتاب من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم موثوق بما فيه فهل له ان يفتي بما يجده فيه
رأي المانعين
فقالت طائفة من المتأخرين ليس له ذلك لانه قد يكون منسوخا او له معارض أويفهم من دلالته خلاف ما يدل عليه أويكون امر ندب فيفهم منه الايجاب أويكون عاما له مخصص اومطلقا له مقيد فلا يجوز له العمل ولا الفتيا به حتى يسال اهل الفقه والفتيا
رأي المجوزين
وقالت طائفة بل له أن يعمل به ويفتي به بل يتعين عليه كما كان الصحابة يفعلون إذا بلغهم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدث به بعضهم بعضا بادروا إلى العمل به من غير توقف ولا بحث عن معارض ولا يقول أحد منهم قط هل عمل بهذا فلان وفلان ولو رأوا من يقول ذلك لإنكروا عليه أشد الإنكار وكذلك التابعون وهذا معلوم بالضرورة لمن له أدنى خبرة بحال القوم وسيرتهم وطول العهد بالسنة وبعد الزمان وعتقها لا يسوغ ترك
235
الأخذ بها والعمل بغيرها ولو كانت سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسوغ العمل بها بعد صحتها حتى يعمل بها فلان أو فلان لكان قول فلان أوفلان عيارا على السنن ومزكيا لها وشرطا في العمل بها وهذا من أبطل الباطل وقد أقام الله الحجة برسوله دون آحاد الامة وقد امر النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغ سنته ودعا لمن بلغها فلو كان من بلغته لا يعمل بها حتى يعمل بها الامام فلان والامام فلان لم يكن في تبليغها فائدة وحصل الاكتفاء بقول فلان وفلان
قالوا والنسخ الواقع في الاحاديث الذي أجمعت عليه الامة لا يبلغ عشرة احاديث البتة بل ولا شطرها فتقدير وقوع الخطأ في الذهاب إلى المنسوخ اقل بكثير من وقوع الخطأ في تقليد من يصيب ويخطئ ويجوز عليه التناقض والاختلاف ويقول القول ويرجع عنه ويحكى عنه في المسألة الواحدة عدة أقوال ووقوع الخطأ في فهم كلام المعصوم اقل بكثير من وقوع الخطأ في فهم كلام الفقيه المعين فلا يفرض احتمال خطأ لمن عمل بالحديث وافتى به إلا وأضعاف أضعافه حاصل لمن افتى بتقليد من لا يعلم خطؤه من صوابه
القول الفصل
والصواب في هذه المسألة التفصيل فإن كانت دلالة الحديث ظاهرة بينة لكل من سمعه لا يحتمل غير المراد فله ان يعمل به ويفتي به ولا يطلب له التزكية من قول فقيه أوامام بل الحجة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن خالفه من خالفه وإن كانت دلالته خفية لا يتبين المراد منها لم يجز له ان يعمل ولا يفتى بما يتوهمه مرادا حتى يسأل ويطلب بيان الحديث ووجهه وإن كانت دلالته ظاهرة كالعام على أفراده والامر على الوجوب والنهي على التحريم فهل له العمل والفتوى به يخرج على الاصل وهو العمل بالظواهر قبل البحث عن المعارض وفيه ثلاثة اقوال في مذهب احمد وغيره الجواز والمنع والفرق بين العام فلا يعمل به قبل البحث عن المخصص والامر والنهي فيعمل به قبل البحث عن المعارض وهذا كله إذا كان ثم نوع اهليه ولكنه قاصر في معرفة الفروع وقواعد الاصوليين والعربية وإذا لم تكن ثمة اهلية قط ففرضه ما قال الله تعالى ! < فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون > !
236
وقول النبي صلى الله عليه وسلم الا سالوا اذا لم يعلموا إنما شفاء العى السؤال وإذا جاز اعتماد المستفتي على ما يكتبه المفتي من كلامه أوكلام شيخه وإن علا وصعد فمن كلام إمامه فلأن يجوز اعتماد الرجل على ما كتبه الثقات من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم اولى بالجواز وإذا قدر انه لم يفهم الحديث كما لو لم يفهم فتوى المفتى فيسأل من يعرفه معناه كما يسأل من يعرفه معنى جواب المفتى وبالله التوفيق
الاحوال التي يجوز للمفتي ان يخالف فيها مذهب إمامه
الفائدة التاسعة والاربعون هل للمنتسب إلى تقليد امام معين ان يفتي بقول غيره لا يخلو الحال من امرين إما ان يسأل عن مذهب ذلك الامام فقط فيقال له ما مذهب الشافعي مثلا في كذا وكذا أو يسأل عن حكم الله الذي اداه إليه اجتهاده فإن سئل عن مذهب ذلك الامام لم يكن له ان يخبره بغيره إلا على وجه الاضافة إليه وإن سئل عن حكم الله من غير أن يقصد السائل قول فقيه معين فههنا يجب عليه الإفتاء بما هو راجح عنده وأقرب إلى الكتاب والسنة من مذهب إمامه أومذهب من خالفه لا يسعه غير ذلك فإن لم يتمكن منه وخاف ان يؤدي إلى ترك الافتاء في تلك المسألة لم يكن له ان يفتي بما لا يعلم انه صواب فكيف بما يغلب على ظنه ان الصواب في خلافه ولا يسع الحاكم والمفتي غير هذا البتة فان الله سائلهما عن رسوله وما جاء به لا عن الامام المعين وما قاله وإنما يسال الناس في قبورهم ويوم معادهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم فيقال له في قبره ما كنت تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم ! < ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين > ! ولا يسأل أحد قط عن إمام ولا شيخ ولا متبوع غيره بل يسأل عمن اتبعه وائتم به غيره فلينظر بماذا يجيب وليعد للجواب صوابا
وقد سمعت شيخنا رحمه الله يقول جاءني بعض الفقهاء من الحنفية فقال
237
استشيرك في امر قلت ما هو قال اريد ان انتقل عن مذهبي قلت له ولم قال لاني ارى الاحاديث الصحيحة كثيرا تخالفه واستشرت في هذا بعض ائمة اصحاب الشافعي فقال لي لو رجعت عن مذهبك لم يرتفع ذلك من المذهب وقد تقررت المذاهب ورجوعك غير مفيد واشار على بعض مشايخ التصوف بالافتقار إلى الله والتضرع إليه وسؤال الهداية لما يحبه ويرضاه فماذا تشير به انت علي قال فقلت له اجعل المذهب ثلاثة اقسام قسم الحق فيه ظاهر بين موافق للكتاب والسنة فاقض به وانت به طيب النفس منشرح الصدر وقسم مرجوح ومخالفة معه الدليل فلا تفت به ولا تحكم به وادفعه عنك وقسم من مسائل الاجتهاد التي الادلة فيها متجاذبة فإن شئت ان تفتي به وإن شئت ان تدفعه عنك فقال جزاك الله خيرا أوكما قال
وقالت طائفة اخرى منهم ابو عمرو بن الصلاح وابو عبد الله بن حمدان من وجد حديثا يخالف مذهبه فان كملت آلة الاجتهاد فيه مطلقا أوفي مذهب امامه أوفي ذلك النوع أوفي تلك المسالة فالعمل بذلك الحديث اولى وان لم تكمل آلته ووجد في قلبه حزازة من مخالفة الحديث بعدان بحث فلم يجد لمخالفته عنده جوابا شافيا فلينظر هل عمل بذلك الحديث إمام مستقل ام لا فإن وجده فله ان يتمذهب بمذهبه في العمل بذلك الحديث ويكون ذلك عذرا له في ترك مذهب إمامه في ذلك والله اعلم
العمل فيما إذا ترجح للمفتي مذهب غير مذهب إمامه
الفائدة الخمسون هل للمفتي المنتسب إلى مذهب امام بعينه ان يفتي بمذهب غيره اذا ترجح عنده فإن كان سالكا سبيل ذلك الامام في الاجتهاد ومتابعة الدليل اين كان وهذا هو المنبع للامام حقيقة فله ان يفتي بما ترجح عنده من قول غيره وإن كان مجتهدا متقيدا بأقوال ذلك الامام لا يعدوها إلى غيرها فقد قيل ليس له ان يفتي بغير قول امامه فإن اراد ذلك حكاه عن قائله حكاية محضة
238
والصواب انه اذا ترجح عنده قول غير امامه بدليل راجح فلا بد ان يخرج على اصول امامه وقواعده فان الائمة متفقة على اصول الاحكام ومتى قال بعضهم قولا مرجوحا فأصوله ترده وتقتضي القول الراجح فكل قول صحيح فهو يخرج على قواعد الائمة بلا ريب فإذا تبين لهذا المجتهد المقيد رجحان هذا القول وصحة مأخذه خرج على قواعد إمامه فله ان يفتي به وبالله التوفيق
وقد قال القفال لو ادى اجتهادي إلى مذهب ابي حنيفة قلت مذهب الشافعي كذا لكني اقول بمذهب ابي حنيفة لان السائل إنما يسألني عن مذهب الشافعي فلا بد ان اعرفه ان الذي افتيته به غير مذهبه فسألت شيخنا قدس الله روحه عن ذلك فقال اكثر المستفتين لا يخطر بقلبه مذهب معين عند الواقعة التي سال عنها وانما سؤاله عن حكمها وما يعمل به فيها فلا يسع المفتي ان يفتيه بما يعتقد الصواب في خلافه
العمل عند اعتدال رايين عند المفتي
الفائدة الحادية والخمسون إذا اعتدل عند المفتي قولان ولم يترجح له احدهما على الاخر فقال القاضي ابو يعلى له ان يفتي بأيهما شاء كما يجوز له ان يعمل بأيهما شاء وقيل بل يخير المستفتى فيقول له انت مخير بينهما لانه إنما يفتي بما يراه والذي يراه هو التخيير وقيل بل يفتيه بالاحوط من القولين
قلت الاظهر انه يتوقف ولا يفتيه بشئ حتى يتبين له الراجح منهما لان احدهما خطأ فليس له ان يفتيه بما لا يعلم انه صواب وليس له ان يخيره بين الخطأ والصواب وهذا كما إذا تعارض عند الطبيب في امر المريض امران خطأ وصواب ولم يتبين له احدهما لم يكن له ان يقدم على احدهما ولا يخيره وكما لو استشاره في امر فتعارض عنده الخطا والصواب من غير ترجيح لم يكن له ان يشير باحدهما ولا يخيره وكما لو تعارض عنده طريقان مهلكة وموصلة ولم يتبين له طريق الصواب لم يكن له الاقدام ولا التخيير فمسائل الحلال والحرام اولى بالتوقف والله أعلم
239
لا يصح للمفتي ان يفتي بما رجع عنه إمامه
الفائدة الثانية والخمسون اتباع الائمة يفتون كثيرا باقوالهم القديمة التي رجعوا عنها وهذا موجود في سائر الطوائف فالحنفية يفتون بلزوم المنذورات التي مخرجها مخرج اليمين كالحج والصوم والصدقة وقد حكوا هم عن ابي حنيفة أنه رجع قبل موته بثلاثة أيام إلى التكفير والحنابلة يفتي كثير منهم بوقوع طلاق السكران وقد صرح الإمام أحمد بالرجوع عنه إلى عدم الوقوع كما تقدم حكايته والشافعية يفتون بالقول القديم في مسألة التثويب وامتداد وقت المغرب ومسألة التباعد عن النجاسة في الماء الكثير وعدم استحباب قراءة السورة في الركعتين الأخيرتين وغير ذلك من المسائل وهي أكثر من عشرين مسألة ومن المعلوم أن القول الذي صرح بالرجوع عنه لم يبق مذهبا له فإذا أفتى المفتي به مع نصه على خلافه لرجحانه عنده لم يخرجه ذلك عن التمذهب بمذهبه فما الذي يحرم عليه أن يفتي بقول غيره من الأئمة الأربعة وغيرهم إذا ترجح عنده
فإن قيل الأول قد كان مذهبا له مرة بخلاف مالم يقل به قط
قيل هذا فرق عديم التأثير إذ ما قال به وصرح بالرجوع عنه بمنزلة مالم يقله وهذا كله مما يبين أن أهل العلم لا يتقيدون بالتقليد المحض الذي يهجرون لأجله قول كل من خالف من قلدوه
وهذه طريقة ذميمة وخيمة حادثة في الإسلام مستلزمة لأنواع من الخطأ ومخالفة الصواب والله اعلم
لايصح للمفتي أن يفتي بضد لفظ النص
الفائدة الثالثة والخمسون يحرم على المفتي أن يفتي بضد لفظ النص وإن وافق مذهبه
ومثاله أن يسأل عن رجل صلى من الصبح ركعة ثم طلعت الشمس
240
هل يتم صلاته أم لا فيقول لا يتمها ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فليتم صلاته
ومثل ان يسأل عمن مات وعليه صيام هل يصوم عنه وليه فيقول لا يصوم عنه وليه وصاحب الشرع صلى الله عليه وسلم قال من مات وعليه صيام صام عنه وليه
ومثل أن يسأل عن رجل باع متاعه ثم أفلس المشتري فوجده بعينه هل هو احق به فيقول ليس أحق به وصاحب الشرع يقول فهو أحق به
ومثل أن يسأل عن رجل أكل في رمضان أوشرب ناسيا هل يتم صومه فيقول لا يتم صومه وصاحب الشرع يقول فليتم صومه
ومثل ان يسأل عن اكل كل ذي ناب من السباع هل هو حرام فيقول ليس بحرام ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أكل كل ذي ناب من السباع حرام
ومثل أن يسأل عن الرجل هل له منع جاره من غرز خشبة في جداره فيقول له أن يمنعه وصاحب الشرع يقول لا يمنعه
ومثل ان يسأل هل تجزي صلاة من لا يقيم صلبه من ركوعه وسجوده فيقول تجزيه صلاته وصاحب الشرع صلى الله عليه وسلم يقول لا تجزئ صلاة لايقيم الرجل فيها صلبه بين ركوعه وسجوده
أويسأل عن مسألة التفضيل بين الأولاد في العطية هل يصح أولا يصح وهل هو جور أم لا فيقول يصح وليس بجور وصاحب الشرع يقول إن هذا لا يصح ويقول لا تشهدني على جور
ومثل أن يسأل عن الواهب هل يحل له أن يرجع في هبته فيقول نعم يحل له أن يرجع إلا أن يكون والدا أوقرابة فلا يرجع وصاحب الشرع يقول لا يحل لواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد فيما يهب لولده
241
ومثل أن يسأل عن رجل له شرك في أرض أو دار أو بستان هل يحل له أن يبيع حصته قبل إعلام شريكه بالبيع وعرضها عليه فيقول نعم يحل له أن يبيع قبل إعلامه وصاحب الشرع يقول من كان له شرك في أرض أو ربعة أو حائط لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه
ومثل أن يسأل عن قتل المسلم بالكافر فيقول نعم يقتل المسلم بالكافر وصاحب الشرع يقول لا يقتل مسلم بكافر
ومثل أن يسأل عمن زرع في أرض قوم بغير إذنهم فهل الزرع له أم لصاحب الأرض فيقول الزرع له وصاحب الشرع يقول من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته
ومثل أن يسأل هل يصح تعليق الولاية بالشرط فيقول لا يصح وصاحب الشرع يقول أميركم زيد فإن قتل فجعفر فإن قتل فعبد الله بن رواحة
ومثل أن يسأل هل يحل القضاء بالشاهد واليمين فيقول لا يجوز وصاحب الشرع قضى بالشاهد واليمين
ومثل أن يسأل عن الصلاة الوسطى هل هي صلاة العصر أم لا فيقول ليست العصر وقد قال صاحب الشريعة صلاة الوسطى صلاة العصر
ومثل أن يسأل عن يوم الحج الأكبر هل هو يوم النحر أم لا فيقول ليس يوم النحر وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحج الأكبر يوم النحر
ومثل أن يسأل هل يجوز الوتر بركعة واحدة فيقول لا يجوز الوتر بركعة واحدة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة
242
ومثل أن يسأل هل يسجد في ! < إذا السماء انشقت > ! و ! < اقرأ باسم ربك الذي خلق > ! فيقول لا يسجد فيهما وقد سجد فيهما رسول الله صلى الله عليه وسلم
ومثل أن يسأل عن رجل عض يد رجل فانتزعها من فيه فسقطت أسنانه فيقول له ديتها وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لادية له
ومثل أن يسأل عن رجل اطلع في بيت رجل فخذفه ففقأ عينه هل عليه جناح فيقول نعم عليه جناح وتلزمه دية عينه وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه لو فعل ذلك لم يكن عليه جناح
ومثل أن يسأل عن رجل اشتري شاة أو بقرة أو ناقة فوجدها مصراة فهل له ردها ورد صاع من تمر معها أم لا فيقول لا يجوز له ردها ورد الصاع من التمر معها وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن سخطها ردها وصاعا من تمر
ومثل أن يسأل عن الزاني البكر هل عليه مع الجلد تغريب فيقول لا تغريب عليه وصاحب الشرع يقول عليه جلد مائة وتغريب عام
ومثل أن يسأل عن الخضراوات هل فيها زكاة فيقول يجب فيها الزكاة وصاحب الشرع يقول لازكاة في الخضراوات
أويسأل عما دون خمسة أوسق هل فيه زكاة فيقول نعم تجب فيه الزكاة وصاحب الشرع يقول لا زكاة فيما دون خمسة أوسق
أويسأل عن امرأة أنكحت نفسها بدون إذن وليها فيقول نكاحها صحيح وصاحب الشرع يقول فنكاحها باطل باطل باطل
أويسأل عن المحلل والمحلل له هل يستحقان اللعنة فيقول لا يستحقان اللعنة وقد لعنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير وجه
243
أويسأل هل يجوز إكمال شعبان ثلاثين يوما ليلة الإغماء فيقول لا يجوز إكماله ثلاثين يوما وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما
أويسأل عن المطلقة المبتوتة هل لها نفقة وسكني فيقول نعم لها النفقة والسكنى وصاحب الشرع يقول لا نفقة لها ولا سكني
أويسأل عن الإمام هل يستحب له أن يسلم في الصلاة تسليمتين فيقول يكره ذلك ولا يستحب وقد روى خمسة عشر نفسا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يسلم عن يمينه وعن يساره السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله
أويسأل عمن رفع يديه عند الركوع والرفع منه هل صلاته مكروهة أوهي ناقصة فيقول نعم تكره صلاته أوهي ناقصة وربما غلا فقال باطلة وقد روى بضعة وعشرون نفسا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يرفع يديه عند الافتتاح وعند الركوع وعند الرفع منه بأسانيد صحيحة لا مطعن فيها
أويسأل عن بول الغلام الذي لم يأكل الطعام هل يجزئ فيه الرش أم يجب الغسل فيقول لا يجزئ فيه الرش وصاحب الشرع يقول يرش من بول الغلام ورشه هو بنفسه
أويسأل عن التيمم هل يكفي بضربة واحدة إلى الكوعين فيقول لا يكفي ولا يجزئ وصاحب الشرع قد نص على أنه يكفي نصا صحيحا لا مدفع
أويسأل عن بيع الرطب بالتمر هل يجوز فيقول نعم يجوز وصاحب الشرع يسأل عنه فيقول لا آذن
244
أويسأل عن رجل أعتق ستة عبيد لا يملك غيرهم عند موته هل تكمل الحرية في اثنين منهم أو يعتق من كل واحد سدسه فيقول لا تكمل الحرية في اثنين منهم وقد أقرع بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكمل الحرية في اثتين وأرق أربعة
أويسأل عن القرعة هل هي جائزة أم باطلة فيقول لا بل هي باطلة وهي من أحكام الجاهلية وقد أقرع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بالقرعة في غير موضع
أويسأل عن الرجل يصلي خلف الصف وحدة هل له صلاة أم لا صلاة له وهل يؤمر بالإعادة فيقول نعم له صلاة ولا يؤمر بالإعادة وقد قال صاحب الشرع لا صلاة له وأمره بالإعادة
أو يسأل هل للرجل رخصة في ترك الجماعة من غير عذر فيقول نعم له رخصة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا أجد لك رخصة
أويسأل عن رجل أسلف رجلا ماله وباعه سلعة هل يحل ذلك فيقول نعم يحل ذلك وصاحب الشرع يقول لا يحل سلف وبيع
ونظائر ذلك كثيرة جدا وقد كان السلف الطيب يشتد نكيرهم وغضبهم على من عارض حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم برأي أو قياس أو استحسان أو قول أحد من الناس كائنا من كان ويهجرون فاعل ذلك وينكرون على من يضرب له الأمثال ولا يسوغون غير الانقياد له والتسليم والتلقي بالسمع والطاعة ولا يخطر بقلوبهم التوقف في قبوله حتى يشهد له عمل أو قياس أو يوافق قول فلان وفلان بل كانوا عاملين بقوله ! < وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم > ! وبقوله تعالى ! < فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما > !
245
وبقوله تعالى ! < اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون > ! وأمثالها فدفعنا إلى زمان إذا قيل لأحدهم ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كذا وكذا يقول من قال بهذا ويجعل هذا دفعا في صدر الحديث أويجعل جهله بالقائل به حجة له في مخالفتة وترك العمل به ولو نصح نفسه لعلم أن هذا الكلام من أعظم الباطل وأنه لا يحل له دفع سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الجهل وأقبح من ذلك عذره في جهله إذ يعتقد أن الإجماع منعقد على مخالفة تلك السنة وهذا سوء ظن بجماعة المسلمين إذ ينسبهم إلى اتفاقهم على مخالفة سنة الله صلى الله عليه وسلم وأقبح من ذلك عذره في دعوى هذا الإجماع وهو جهله وعدم علمه بمن قال بالحديث فعاد الأمر إلى تقديم جهله على السنة والله المستعان
ولا يعرف إمام من أئمة الإسلام ألبتة قال لا نعمل بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نعرف من عمل به فإن جهل من بلغه الحديث من عمل به لم يحل له أن يعمل به كما يقول هذا القائل
على المفتي ألا يتأول النصوص تأويلا فاسدا
الفائدة الخامسة والخمسون إذا سئل عن تفسير آية من كتاب الله أوسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس له أن يخرجها عن ظاهرها بوجوه التأويلات الفاسدة لموافقة نحلته وهواه ومن فعل ذلك استحق المنع من الإفتاء والحجر عليه وهذا الذي ذكرناه هو الذي صرح به أئمة الإسلام قديما وحديثا
قال أبو حاتم الرازي حدثني يونس بن عبد الأعلى قال قال لي محمد بن إدريس الشافعي الأصل قرآن أو سنة فإن لم يكن فقياس عليهما وإذا اتصل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصح الإسناد به فهو المنتهي
246
والإجماع أكبر من الخبر الفرد والحديث على ظاهرة وإذا احتمل المعاني فما أشبه منها ظاهرة أولاها به فإذا تكافأت الأحاديث فأصحها إسنادا أولاها وليس المنقطع بشيء ماعدا منقطع سعيد بن المسيب ولا يقاس أصل على أصل ولا يقال لأصل لم وكيف وإنما يقال للفرع لم فإذا صح قياسه على الأصل صح وقامت به الحجة رواه الأصم عن بن أبي حاتم
وقال أبو المعالي الجويني في الرسالة النظامية في الأركان الإسلامية ذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الرب تعالى والذي نرتضيه رأيا وندين الله به عقد اتباع سلف الأمة فالأولى الاتباع وترك الابتداع والدليل السمعي القاطع في ذلك أن إجماع الأمة حجة متبعة وهو مستند معظم الشريعة وقد درج صحب الرسول صلى الله عليه وسلم ورضى عنهم على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها وهم صفوة الإسلام والمستقلون بأعباء الشريعة وكانوا لا يألون جهدا في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها ولو كان تأويل هذه الظواهر مسوغا أو محتوما لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة وإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين لهم على الإضراب عن التأويل كان ذلك قاطعا بأنه الوجه المتبع فحق على ذي الدين أن يعتقد تنزيه الباري عن صفات المحدثين ولا يخوض في تأويل المشكلات ويكل معناها إلى الرب تعالى وعند إمام القراء وسيدهم الوقوف على قوله تعالى ! < وما يعلم تأويله إلا الله > ! من العزائم ثم الابتداء بقوله ! < والراسخون في العلم يقولون آمنا به > !
ومما استحسن من كلام مالك انه سئل عن قوله تعالى الرحمن على العرش استوى كيف استوى فقال الاستواء معلوم والكيف مجهول
247
والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة فلتجر اية الاستواء والمجىء وقوله ! < لما خلقت بيدي > ! وقوله ! < ويبقى وجه ربك > ! وقوله ! < تجري بأعيننا > ! وما صح من اخبار الرسول كخبر النزول وغيره على ما ذكرنا انتهى كلامه
وقال ابو حامد الغزالي الصواب للخلف سلوك مسلك السلف في الإيمان المرسل والتصديق المجمل وما قاله الله ورسوله بلا بحث وتفتيش
وقال في كتاب التفرقة الحق الاتباع والكف عن تغيير الظاهر رأسا والحذر عن اتباع تأويلات لم يصرح بها الصحابة وحسم باب السؤال رأسا والزجر عن الخوض في الكلام والبحث إلى ان قال ومن الناس من يبادر إلى التأويل ظنا لا قطعا فإن كان فتح هذا الباب والتصريح به يؤدي إلى تشويش قلوب العوام بدع صاحبه وكل ما لم يؤثر عن السلف ذكره وما يتعلق من هذا الجنس بأصول العقائد المهمة فيجب تكفير من يغير الظواهر بغير برهان قاطع
وقال ايضا كل ما لم يحتمل التأويل في نفسه وتواتر نقله ولم يتصور ان يقوم على خلافه برهان فمخالفته تكذيب محض وما تطرق إليه احتمال تأويل ولو بمجاز بعيد فإن كان برهانه قاطعا وجب القول به وإن كان البرهان يفيد ظنا غالبا ولا يعظم ضرره في الدين فهو بدعة وإن عظم ضرره في الدين فهو كفر
قال ولم تجر عادة السلف بهذه المجادلات بل شددوا القول على من يخوض في الكلام ويشتغل بالبحث والسؤال
وقال ايضا الإيمان المستفاد من الكلام ضعيف والإيمان الراسخ إيمان العوام الحاصل في قلوبهم في الصبا بتواتر السماع وبعد البلوغ بقرائن يتعذر التعبير عنها
قال وقال شيخنا ابو المعالي يحرص الإمام ما امكنه على جمع عامة الخلق على سلوك سبيل السلف في ذلك انتهى
248
وقد اتفقت الأئمة الأربعة على ذم الكلام وأهله وكلام الإمام الشافعي ومذهبه فيهم معروف عند جميع اصحابه وهو انهم يضربون ويطاف بهم في قبائلهم وعشائرهم هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة واقبل على الكلام
وقال لقد اطلعت من اهل الكلام على شيء ما كنت اظنه وقال لأن يبتلي العبد بكل شيء نهى عنه غير الكفر أيسر من أن يبتلي بالكلام وقال لحفص الفرد أنا أخالفك في كل شيء حتى في قول لا إله إلا الله أنا أقول لا إله إلا الله الذي يرى في الاخرة والذي كلم موسى تكليما وأنت تقول لا إله إلا الله الذي لا يرى في الآخرة ولا يتكلم
وقال البيهقي في مناقبه ذكر الشافعي إبراهيم بن إسماعيل بن علية فقال أنا مخالف له في كل شيء وفي قوله لا إله إلا الله لست أقول كما يقول أنا أقول لا إله إلا الله الذي كلم موسى من وراء حجاب وذاك يقول لا إله إلا الله الذي خلق كلاما أسمعه موسى من وراء حجاب
وقال في أول خطبة رسالته الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسه وفوق ما يصفه به الواصفون من خلقه وهذا تصريح بأنه لا يوصف إلا بما وصف به نفسه تعالى وأنه يتعالى ويتنزه عما يصفه به المتكلمون وغيرهم مما لم يصف به نفسه
وقال أبو نصر أحمد بن محمد بن خالد السجزي سمعت أبي يقول قلت لأبي العباس بن سريج ما التوحيد فقال توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتوحيد أهل الباطل الخوض في
249
الأعراض والأجسام إنما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بإنكار ذلك
وقال بعض أهل العلم كيف لا يخشى الكذب على الله ورسوله من يحمل كلامه على التأويلات المستنكرة والمجازات المستكرهة التي هي بالألغاز والأحاجي أولى منها بالبيان والهداية وهل يأمن على نفسه أن يكون ممن قال الله فيهم ! < ولكم الويل مما تصفون > ! قال الحسن هي والله لكل واصف كذبا إلى يوم القيامة وهل يأمن أن يتناوله قوله تعالى ! < وكذلك نجزي المفترين > ! قال بن عيينة هي لكل مفتر من هذه الأمة إلى يوم القيامة وقد نزه سبحانه نفسه عن كل ما يصفه به خلقه إلا المرسلين فإنهم إنما يصفونه بما أذن لهم أن يصفوه به فقال تعالى ! < سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين > ! وقال تعالى ! < سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين > ! ويكفي المتأولين كلام الله ورسوله بالتأويلات التي لم يردها ولم يدل عليها كلام الله أنهم قالوا برأيهم على الله وقدموا آراءهم على نصوص الوحي وجعلوها عيارا على كلام الله ورسوله ولو علموا أي باب شر فتحوا على الأمة بالتأويلات الفاسدة وأي بناء للإسلام هدموا بها وأي معاقل وحصون استباحوها لكان أحدهم أن يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يتعاطى شيئا من ذلك فكل صاحب باطل قد جعل ما تأوله المتأولون عذرا له فيما تأوله هو وقال ما الذي حرم على التأويل وأباحه لكم فتأولت الطائفة المنكرة للمعاد نصوص المعاد وكان تأويلهم من جنس تأويل منكرى الصفات بل أقوى منه لوجوه عديدة يعرفها من وازن بين التأويلين وقالوا كيف نحن نعاقب على تأويلنا وتؤجرون أنتم على تأويلكم قالوا ونصوص الوحي بالصفات أظهر وأكثر من نصوصه بالمعاد ودلالة النصوص عليها أبين فكيف يسوغ تأويلها بما يخالف ظاهرها ولا يسوغ لنا تأويل نصوص المعاد وكذلك فعلت الرافضة في أحاديث فضائل الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة رضى الله عنهم وكذلك فعلت المعتزلة في تأويل أحاديث الرؤية
250
والشفاعة وكذلك القدرية في نصوص القدر وكذلك الحرورية وغيرهم من الخوارج في النصوص التي تخالف مذاهبهم وكذلك القرامطة والباطنية طردت الباب وطمت الوادي على القرى وتأولت الدين كله فأصل خراب الدين والدنيا إنما هو من التأويل الذي لم يرده الله ورسوله بكلامه ولادل عليه أنه مراده وهل اختلفت الأمم على أنبيائهم إلا بالتأويل وهل وقعت في الأمة فتنة كبيرة أوصغيره إلا بالتأويل فمن بابه دخل إليها وهل أريقت دماء المسلمين في الفتن إلا بالتأويل
فساد الأديان بالتأويل
وليس هذا مختصا بدين الإسلام فقط بل سائر أديان الرسل لم تزل على الاستقامة والسداد حتى دخلها التأويل فدخل عليها من الفساد مالا يعلمه إلا رب العباد
وقد تواترت البشارات بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة ولكن سلطوا عليها التأويلات فأفسدوها كما أخبر سبحانه عنهم من التحريف والتبديل والكتمان فالتحريف تحريف المعاني بالتأويلات التي لم يردها المتكلم بها والتبديل تبديل لفظ بلفظ آخر والكتمان جحده وهذه الأدواء الثلاثة منها غيرت الأديان والملل وإذا تأملت دين المسيح وجدت النصارى إنما تطرقوا إلى إفساده بالتأويل بما لا يكاد يوجد قط مثله في شيء من الأديان ودخلوا إلى ذلك من باب التأويل وكذلك زنادقه الأمم جميعهم إنما تطرقوا إلى إفساد ديانات الرسل صلوات الله وسلامه عليهم بالتأويل ومن بابه دخلوا وعلى أساسه بنوا وعلى نقطه خطوا
البواعث المؤدية إلى التأويل
والمتأولون أصناف عديدة بحسب الباعث لهم على التاويل وبحسب
251
قصور أفهامهم ووفورها وأعظمهم توغلا في التأويل الباطل من فسد قصده وفهمه فكلما ساء قصده وقصر فهمه كان تأويله أشد انحرافا فمنهم من يكون تأويله لنوع هوى من غير شبهة بل يكون على بصيرة من الحق ومنهم من يكون تأويله لنوع شبهة عرضت له أخفت عليه الحق ومنهم من يكون تأويله لنوع هدى من غير شبهة بل يكون على بصيرة من الحق ومنهم من يجتمع له الأمران الهوى في القصد والشبهة في العلم
نتائج التأويل
وبالجملة فافتراق أهل الكتابين وافتراق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة إنما أوجبه التأويل وإنما أريقت دماء المسلمين يوم الجمل وصفين والحرة وفتنة بن الزبير وهلم جرا بالتأويل وإنما دخل أعداء الإسلام من المتفلسفة والقرامطة والباطنية والإسماعيلية والنصيرية من باب التأويل فما امتحن الإسلام بمحنة قط إلا وسببها التأويل فإن محنته إما من المتأولين وإما أن يسلط عليهم الكفار بسبب ما ارتكبوا من التأويل وخالفوا ظاهر التنزيل وتعللوا بالأباطيل فما الذي أراق دماء بني جذيمة وقد أسلموا غير التأويل حتى رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه وتبرأ إلى الله من فعل المتأول بقتلهم وأخذ أموالهم وما الذي أوجب تأخر الصحابة رضى الله عنهم يوم الحديبية عن موافقة رسول الله صلى الله عليه وسلم غير التأويل حتى اشتد غضبه لتأخرهم عن طاعته حتى رجعوا عن ذلك التأويل وما الذي سفك دم أمير المؤمنين عثمان ظلما وعدوانا وأوقع الأمة فيما أوقعها فيه حتى الآن غير التأويل وماالذي سفك دم علي رضى الله عنه وابنه الحسين وأهل بيته رضى الله تعالى عنهم غير التأويل وماالذي أراق دم عمار بن ياسر وأصحابه غير التأويل وما الذي أراق دم بن الزبير وحجر بن عدي وسعيد بن جبير وغيرهم من سادات الأمة غير التأويل وما الذي اريقت عليه دماء العرب في فتنة أبي مسلم غير التأويل
252
وما الذي جرد الإمام أحمد بين العقابين وضرب السياط حتى عجت الخليقة إلى ربها تعالى غير التأويل وما الذي قتل الإمام أحمد بن نصر الخزاعي وخلد خلقا من العلماء في السجون حتى ماتوا غير التأويل وما الذي سلط سيوف التتار على دار الإسلام حتى ردوا أهلها غير التأويل وهل دخلت طائفة الإلحاد من أهل الحلول والاتحاد إلا من باب التأويل وهل فتح باب التأويل إلا مضادة ومناقضة لحكم الله في تعليمه عباده البيان الذي امتن الله في كتابه على الإنسان بتعليمه إياه فالتأويل بالألغاز والأحاجي والأغلوطات أولى منه بالبيان والتبيين وهل فرق بين دفع حقائق ما أخبرت به الرسل عن الله وأمرت به بالتأويلات الباطلة المخالفة له وبين رده وعدم قبوله ولكن هذا رد جحود ومعاندة وذاك رد خداع ومصانعة
قال ابو الوليد بن رشد المالكي في كتابه المسمى ب الكشف عن مناهج الأدلة وقد ذكر التأويل وجنايته على الشريعة إلى أن قال ! < فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه > ! وهؤلاء أهل الجدل والكلام وأشد ما عرض على الشريعة من هذا الصنف أنهم تأولوا كثيرا مما ظنوه ليس على ظاهره وقالوا إن هذا التأويل هو المقصود به وإنما أمر الله به في صورة المتشابه ابتلاء لعباده واختبارا لهم ونعوذ بالله من سوء الظن بالله بل نقول إن كتاب الله العزيز إنما جاء معجزا من جهة الوضوح والبيان فما أبعد من مقصد الشارع من قال فيما ليس بمتشابه إنه متشابه ثم أول ذلك المتشابه بزعمه وقال لجميع الناس إن فرضكم هو اعتقاد هذا التأويل مثل ما قالوه في آية الاستواء على العرش وغير ذلك مما قالوا إن ظاهره متشابه ثم قال وبالجملة فأكثر التأويلات التي زعم القائلون بها أنها المقصود من الشرع إذا تأملت وجدت ليس يقوم عليها برهان
مثل من أول شيئامن الشرع
إلى أن قال ومثال من أول شيئا من الشرع وزعم أن ما أوله هو الذي
253
قصده الشرع مثال من أتى إلى دواء قد ركبه طبيب ماهر ليحفظ صحة جميع الناس أوأكثرهم فجاء رجل فلم يلائمه ذلك الدواء الأعظم لرداءة مزاج كان به ليس يعرض إلا للأقل من الناس فزعم أن بعض تلك الأدوية التي صرح باسمها الطبيب الأول في ذلك الدواء العام المنفعة لم يرد به ذلك الدواء العام الذي جرت العادة في اللسان أن يدل بذلك الاسم عليه وإنما اراد به دواء آخر مما يمكن أن يدل عليه بذلك باستعارة بعيدة فأزال ذلك الدواء الأول من ذلك المركب الأعظم وجعل فيه بدله الدواء الذي ظن أنه قصده الطبيب وقال للناس هذا هوالذي قصده الطبيب الأول فاستعمل الناس ذلك الدواء المركب على الوجه الذي تأوله عليه هذا المتأول ففسدت أمزجه كثير من الناس فجاء آخرون فشعروا بفساد أمزجه الناس من ذلك الدواء المركب فراموا إصلاحه بأن بدلوا بعض أدويته بدواء آخر غير الدواء الأول فعرض من ذلك للناس نوع من المرض غير النوع الأول فجاء ثالث فتأول في ادوية ذلك المركب غير التأويل الأول والثاني فعرض للناس من ذلك نوع ثالث من المرض غير النوعين المتقدمين فجاء متأول رابع فتأول دواء آخر غير الأدوية المتقدمة فعرض منه للناس نوع رابع من المرض غير الأمراض المتقدمة فلما طال الزمان بهذا الدواء المركب الأعظم وسلط الناس التأويل على أدويتة وغيروها وبدلوها عرض منه للناس أمراض شتى حتى فسدت المنفعة المقصودة بذلك الدواء المركب في حق أكثر الناس وهذه هي حالة الفرق الحادثة في هذه الشريعة مع الشريعة وذلك أن كل فرقة منهم تأولت غير التأويل الذي تأولته الفرقة الأخرى وزعمت أنه هو الذي قصده صاحب الشرع حتى تمزع الشرع كل ممزق وبعد جدا عن موضوعه الأول ولما علم صاحب الشرع صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله أن مثل هذا يعرض ولا بد في شريعته قال صلى الله عليه وسلم ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة يعني بالواحدة التي سلكت ظاهر الشرع ولم تؤوله
وأنت إذا تأملت ما عرض في هذه الشريعة في هذا الوقت من الفساد
254
العارض فيها من قبل التأويل تبينت ان هذا المثال صحيح
واول من غير هذا الدواء الأعظم هم الخوارج ثم المعتزلة بعدهم ثم الأشعرية ثم الصوفية ثم جاء ابو حامد فطم الوادي على القرى هذا كلامه بلفظه
ولو ذهبنا نستوعب ما جناه التأويل على الدنيا والدين ومانال الأمم قديما وحديثا بسببه من الفساد لاستدعى ذلك عدة اسفار والله المستعان
اطمئنان قلب المستفتي قبل العمل بالفتوى
الفائدة السادسة والخمسون لا يجوز العمل بمجرد فتوى المفتي اذا لم تطمئن نفسه وحاك في صدره من قبوله وتردد فيها لقوله صلى الله عليه وسلم استفت نفسك وإن افتاك الناس وافتوك فيجب عليه ان يستفتي نفسه اولا ولا تخلصه فتوى المفتي من الله اذا كان يعلم ان الأمر في الباطن بخلاف ما افتاه كما لا ينفعه قضاء القاضي له بذلك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من قضيت له بشيء من حق اخيه فلا يأخذه فإنما اقطع له قطعة من نار والمفتي والقاضي في هذا سواء ولا يظن المستفتي ان مجرد فتوى الفقيه تبيح له ما سأل عنه اذا كان يعلم ان الأمر بخلافه في الباطن سواء تردد أوحاك في صدره لعلمه بالحال في الباطن أولشكه فيه أولجهله به أولعلمه جهل المفتي أومحاباته في فتواه أوعدم تقييده بالكتاب والسنة أولأنه معروف بالفتوى بالحيل والرخص المخالفة للسنة وغير ذلك من الأسباب المانعة من الثقة بفتواه وسكون النفس إليها فإن كان عدم الثقة والطمأنينة لأجل المفتى يسأل ثانيا وثالثا حتى تحصل له الطمأنينة فإن لم يجد فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها والواجب تقوى الله بحسب الاستطاعة
العمل إذا وجد مفتيان أحدهما أعلم من الآخر
فإن كان في البلد مفتيان أحدهما أعلم من الآخر فهل يجوز استفتاء المفضول مع وجود الفاضل فيه قولان للفقهاء وهما وجهان لأصحاب الشافعي وأحمد
255
فمن جوز ذلك رأى أنه يقبل قوله إذا كان وحده فوجود من هو أفضل منه لا يمنع من قبول قوله كالشاهد ومن منع استفتاءه قال المقصود حصول ما يغلب على الظن الإصابة وغلبة الظن بفتوى الأعلم أقوى فيتعين والحق التفصيل بأن المفضول إن ترجح بديانة أو ورع أو تحر للصواب وعدم ذلك الفاضل فاستفتاء المفضول جائز إن لم يتعين وإن استويا فاستفتاء الأعلم أولى والله أعلم
ترجمة كلام المفتي والستفتي
الفائدة السابعة والخمسون إذا لم يعرف المفتي لسان السائل أولم يعرف المستفتي لسان المفتي أجزأ ترجمة واحد بينهما لأنه خبر محض فيكتفي فيه بواحد كأخبار الديانات والطب وطرد هذا الاكتفاء بترجمة الواحد في الجرح والتعديل والرسالة والدعوى والإقرار والإنكار بين يدي الحاكم والتعريف في إحدى الروايتين وهي مذهب ابي حنيفة واختارها أبو بكر إجراء لها مجرى الخبر والرواية الثانية لا يقبل في هذه المواضع أقل من اثنين إجراء لها مجرى الشهادة وسلوكا بها سبيلها لأنها تثبت الإقرار عند الحاكم وتثبت عدالة الشهود وجرحهم فافتقرت إلى العدد كما لو شهد على إقراره شاهد واحد فإنه لا يكتفي به وهذا بخلاف ترجمة الفتوى والسؤال فإنه خبر محض فافترقا
العمل في سؤال يحتمل صورا عديدة
الفائدة الثامنة والخمسون إذا كان السؤال محتملا لصور عديدة فإن لم يعلم المفتي الصورة المسئول عنها لم يجب عن صورة واحدة منها وإن علم الصورة المسئول عنها فله أن يخصها بالجواب ولكن يقيد لئلا يتوهم أن الجواب عن غيرها فيقول إن كان الأمر كيت وكيت أوكان المسئول عنه كذا وكذا فالجواب كذا وكذا وله أن يفرد كل صورة بجواب فيفصل الأقسام المحتملة ويذكر حكم كل قسم ومنع بعضهم من ذلك لوجهين أحدهما انه ذريعة إلى تعليم الحيل وفتح باب لدخول المستفتي وخروجه من حيث شاء الثاني أنه سبب لازدحام أحكام تلك الأقسام على فهم العامي فيضيع مقصودة والحق التفصيل فيكره حيث استلزم ذلك ولا يكره بل يستحب إذا كان فيه زيادة
256
إيضاح وبيان وإزالة لبس وقد فصل النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من أجوبته بقوله إن كان كذا فالامر كذا كقوله في الذي وقع على جارية امرأته إن كان استكرهها فهي حرة وعليه لسيدتها مثلها وإن كانت مطاوعة فهي له وعليه لسيدتها مثلها وهذا كثير في فتاويه صلى الله عليه وسلم
على المفتي ان يكون حذرا فطنا
الفائدة التاسعة والخمسون وهي مما ينبغي التفطن له إن رأى المفتي خلال السطور بياضا يحتمل أن يلحق به ما يفسد الجواب فليحترز منه فربما دخل من ذلك عليه مكروه فإما أن يأمر بكتابة غير الورقة وإما أن يخط على البياض أويشغله بشئ كما يحترز منه كتاب الوثائق والمكاتيب
وبالجملة فليكن حذرا فطنا ولا يحسن ظنه بكل أحد وهذا الذي حمل بعض المفتين على أنه كان يقيد السؤال عنده في ورقة ثم يجيب في ورقة السائل ومنهم من كان يكتب السؤال في ورقة من عنده ثم يكتب الجواب وليس شئ من ذلك بلازم والاعتماد على قرائن الاحوال ومعرفة الواقع والعادة
على المفتي ان يشاور الثقة
الفائدة الستون إن كان عنده من يثق بعلمه ودينه فينبغي له ان يشاوره ولا يستقل بالجواب ذهابا بنفسه وارتفاعا بها ان يستعين على الفتاوي بغيره من أهل العلم وهذا من الجهل فقد أثنى الله سبحانه على المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ! < وشاورهم في الأمر > ! وقد كانت المسألة تنزل بعمر بن الخطاب رضى الله عنه فيستشير لها من حضر من الصحابة وربما جمعهم وشاورهم حتى كان يشاور بن عباس رضى الله عنهما وهو إذا ذاك أحدث القوم سنا وكان يشاور عليا كرم الله وجهه وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين ولا سيما إذا قصد بذلك تمرين أصحابه وتعليمهم وشحذ أذهانهم قال البخاري في صحيحه باب إلقاء
257
العالم المسألة على أصحابه وأولى ما ألقى عليهم المسألة التي سئل عنها هذا ما لم يعارض ذلك مفسدة من إفشاء سر السائل أوتعريضه للأذى أومفسدة لبعض الحاضرين فلا ينبغي له ان يرتكب ذلك وكذلك الحكم في عابر الرؤيا فالمفتي والمعبر والطبيب يطلعون من أسرار الناس وعوراتهم على ما لا يطلع عليه غيرهم فعليهم استعمال الستر فيما لا يحسن إظهاره
على المفتي ان يكثر الدعاء لنفسه بالتوفيق
الفائدة الحادية والستون حقيق بالمفتي ان يكثر الدعاء بالحديث الصحيح اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والارض عالم الغيب والشهادة انت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم
وكان شيخنا كثير الدعاء بذلك وكان إذا اشكلت عليه المسائل يقول يا معلم ابراهيم علمني ويكثر الاستعانة بذلك اقتداء بمعاذ بن جبل رضى الله عنه حيث قال لمالك بن يخامر السكسكي عند موته وقد رآه يبكي فقال والله ما أبكى على دنيا كنت اصيبها منك ولكن أبكي على العلم والايمان اللذين كنت اتعلمهما منك فقال معاذ بن جبل رضى الله عنه إن العلم والايمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما اطلب العلم عند أربعة عند عويمر أبي الدرداء وعند عبد الله بن مسعود وابي موسى الاشعري وذكر الرابع فإن عجز عنه هؤلاء فسائر اهل الارض عنه أعجز فعليك بمعلم ابراهيم صلوات الله عليه
وكان بعض السلف يقول عند الافتاء سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم
وكان مكحول يقول لا حول ولا قوة إلا بالله وكان مالك يقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله العلي العظيم وكان بعضهم يقول رب اشرح لي صدري ويسر لي امري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي وكان بعضهم يقول اللهم وفقني واهدني وسددني واجمع لي بين الصواب والثواب واعذني من الخطأ
258
والحرمان وكان بعضهم يقرأ الفاتحة وجربنا نحن ذلك فرأيناه من أقوى اسباب الاصابة
والمعول في ذلك كله على حسن النية وخلوص القصد وصدق التوجه في الاستمداد من المعلم الاول معلم الرسل والانبياء صلوات الله وسلامه عليهم فإنه لا يرد من صدق في التوجه إليه لتبليغ دينه وإرشاد عبيده ونصيحتهم والتخلص من القول عليه بلا علم فإذا صدقت نيته ورغبته في ذلك لم يعدم أجرأ إن فاته أجران والله المستعان
وسئل الامام احمد فقيل له ربما اشتد علينا الامر من جهتك فلمن نسأل بعدك فقال سلوا عبد الوهاب الوراق فإنه أهل ان يوفق للصواب واقتدى الامام احمد بقول عمر بن الخطاب رضى الله عنه اقتربوا من افواه المطيعين واسمعوا منهم ما يقولون فإنهم تجلى لهم امور صادقة وذلك لقرب قلوبهم من الله وكلما قرب القلب من الله زالت عنه معارضات السوء وكان نور كشفه للحق أتم وأقوى وكلما بعد عن الله كثرت عليه المعارضات وضعف نور كشفه للصواب فإن العلم نور يقذفه الله في القلب يفرق به العبد بين الخطأ والصواب
وقال مالك للشافعي رضى الله عنهما في اول ما لقيه إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورا فلا تطفئه بظلمة المعصية وقد قال تعالى ! < يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا > ! ومن الفرقان النور الذي يفرق به العبد بين الحق والباطل وكلما كان قلبه اقرب إلى الله كان فرقانه اتم وبالله التوفيق
لا تتوقف الفتوى على غرض السائل
الفائدة الثانية والستون قد تكرر لكثير من اهل الافتاء الامساك عما يفتون به مما يعلمون انه الحق إذا خالف غرض السائل ولم يوافقه وكثير منهم يسألة عن غرضه فإن صادفه عنده كتب له وإلا دله على مفت أومذهب يكون غرضه عنده وهذا غير جائز على الاطلاق بل لا بد فيه من تفصيل فإن
259
كان المسئول عنه من مسائل العلم والسنة أومن المسائل العلميات التي فيها نص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسع المفتى تركه إلى غرض السائل بل لا يسعه توقفه في الافتاء به على غرض السائل بل ذلك إثم عظيم وكيف يسعه من الله ان يقدم غرض السائل على الله ورسوله وإن كانت المسألة من المسائل الاجتهادية التي يتجاذب اعنتها الاقوال والاقيسة فإن لم يترجح له قول منها لم يسع له ان يترجح لغرض السائل وإن ترجح له قول منها وظن انه الحق فأولى بذلك فإن السائل إنما يسأل عما يلزمه في الحكم ويسعه عند الله فإن عرفه المفتي أفتاه به سواء وافق غرضه أوخالفه ولا يسعه ذلك ايضا إذا علم ان السائل يدور على من يفتيه بغرضه في تلك المسألة فيجعل استفتاءه تنفيذا لغرضه لا تعبدا لله بأداء حقه ولا يسعه ان يدله على غرضه اين كان بل ولا يجب عليه ان يفتي هذا الضرب من الناس فإنهم لا يستفتون ديانه وانما يستفتون توصلا إلى حصول أغراضهم بأي طريق اتفق فلا يجب على المفتي مساعدتهم فإنهم لا يريدون الحق بل يريدون اغراضهم باي طريق وافق لهذا إذا وجدوا أغراضهم في أي مذهب اتفق اتبعوه في ذلك الموضع وتمذهبوا به كما يفعله ارباب الخصومات بالدعاوي عند الحكام ولا يقصد أحدكم حاكما بعينه بل أي حاكم نفذ غرضه عنده صار إليه
وقال شيخنا رحمه الله مرة انا مخير بين إفتاء هؤلاء وتركهم فإنهم لا يستفتون للدين بل لو صولهم إلى أغراضهم حيث كانت ولو وجدوها عند غيري لم يجيئوا إلى بخلاف من يسأل عن دينه وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في حق من جاءه يتحاكم إليه لاجل غرضه لا لالتزامه لدينه صلى الله عليه وسلم من اهل الكتاب ! < فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا > ! فهؤلاء لما لم يلتزموا دينه لم يلزمه الحكم بينهم والله تعالى اعلم
روح الفتوى الدليل عليها
الفائدة الثالثة والستون عاب بعض الناس ذكر الاستدلال في الفتوى
260
وهذا العيب اولى بالعيب بل جمال الفتوى وروحها هو الدليل فكيف يكون ذكر كلام الله ورسوله وإجماع المسلمين وأقوال الصحابة رضوان الله عليهم والقياس الصحيح عيبا وهل ذكر قول الله ورسوله إلا طراز الفتاوي وقول المفتي ليس بموجب للاخذ به فإذا ذكر الدليل فقد حرم على المستفتي ان يخالفه وبرئ هو من عهدة الفتوى بلا علم
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن المسألة فيضرب لها الامثال ويشبهها بنظائرها هذا وقوله وحده حجة فما الظن بمن ليس قوله بحجة ولا يجب الاخذ به واحسن أحواله وأعلاها ان يسوغ له قبول قوله وهيهات أن يسوغ بلا حجة وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سئل احدهم عن مسألة افتى بالحجة نفسها فيقول قال الله كذا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا أوفعل كذا فيشفى السائل ويبلغ القائل وهذا كثير جدا في فتاويهم لمن تأملها ثم جاء التابعون والائمة بعدهم فكان أحدهم يذكر الحكم ثم يستدل عليه وعلمه يأبى ان يتكلم بلا حجة والسائل يأبى قبول قوله بلا دليل ثم طال الامد وبعد العهد بالعلم وتقاصرت الهمم إلى ان صار بعضهم يجيب بنعم أولا فقط ولا يذكر للجواب دليلا ولا مأخذا ويعترف بقصورة وفضل من يفتى بالدليل ثم نزلنا درجة أخرى إلى ان وصلت الفتوى إلى عيب من يفتى بالدليل وذمه ولعله ان يحدث للناس طبقة اخرى لا يدري ما حالهم في الفتاوي والله المستعان
للمفتي ان يقلد المفتي الميت اذا علمت عدالتة
الفائدة الرابعة والستون هل يجوز للمفتي تقليد الميت اذا علم عدالته وانه مات عليها من غير ان يسأل الحي فيه وجهان لاصحاب احمد والشافعي اصحهما له ذلك فإن المذاهب لا تبطل بموت اصحابها ولو بطلت بموتهم لبطل ما بأيدي الناس من الفقه عن ائمتهم ولم يسغ لهم تقليدهم والعمل بأقوالهم وايضا لو بطلت اقوالهم بموتهم لم يعتد بهم في الاجماع والنزاع ولهذا لو شهد الشاهدان ثم ماتا بعد الاداء وقبل الحكم بشهادتهما لم تبطل شهادتهما وكذلك
261
الراوي لاتبطل روايته بموته فكذلك المفتي لا تبطل فتواه بموته ومن قال تبطل فتواه بموته قال أهليته زالت بموته ولو عاش لوجب عليه تجديد الاجتهاد ولأنه قد يتغير اجتهاده وممن حكى الوجهين في المفتى أبو الخطاب فقال إن مات المفتى قبل عمل المستفتى فله العمل بها وقيل لا يعمل بها والله أعلم
هل للمستفتي ان يكرر العمل بالفتوى إذ تكرر السبب
الفائدة الخامسة والستون إذا استفتاه عن حكم حادثة فأفتاه وعمل بقوله ثم وقعت له مرة ثانية فهل له أن يعمل بتلك الفتوى الأولى أم يلزمه الاستفتاء مرة ثانية فيه وجهان لأصحاب أحمد والشافعي فمن لم يلزمه بذلك قال الأصل بقاء ما كان على ما كان فله أن يعمل بالفتوى وإن أمكن تغير اجتهاده كما أن له أن يعمل بها بعد مدة من وقت الإفناء وإن جاز تغير اجتهاده ومن منعه من ذلك قال ليس على ثقة من بقاء المفتي على اجتهاده الاول فلعله أن يرجع عنه فيكون المستفتى قد عمل بما هو خطأ عند من استفتاه ولهذا رجح بعضهم العمل بقول الميت على قول الحي واحتجوا بقول بن مسعود من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة
استفتاء الاعلم والادين
الفائدة السادسة والستون هل يلزم المستفتي ان يجتهد في أعيان المفتين ويسأل الاعلم والادين ام لا يلزمه ذلك فيه مذهبان كما سبق وبينا مأخذهما والصحيح انه يلزمه لانه المستطاع من تقوى الله تعالى المأمور بها كل احد وتقدم انه اذا اختلف عليه مفتيان احدهما اورع والاخر أعلم فأيهما يجب تقليده فيه ثلاثة مذاهب سبق توجيهها
القول في التمذهب بمذهب معين
وهل يلزم العامي ان يتمذهب ببعض المذاهب المعروفة ام لا فيه مذهبان احدهما لا يلزمه وهو الصواب المقطوع به إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله
262
ورسوله ولم يوجب الله ولا رسوله على أحد من الناس ان يتمذهب بمذهب رجل من الامة فيقلده دينه دون غيره وقد انطوت القرون الفاضلة مبرأة مبرا اهلها من هذه النسبة بل لا يصح للعامي مذهب ولو تمذهب به فالعامي لا مذهب له لان المذهب إنما يكون لمن له نوع نظر واستدلال ويكون بصيرا بالمذاهب على حسبه أولمن قرأ كتابا في فروع ذلك المذهب وعرف فتاوي إمامه وأقواله وأما من لم يتأهل لذلك ألبتة بل قال أنا شافعي أو حنبلي أو غير ذلك لم يصر كذلك بمجرد القول كما لو قال أنا فقيه أو نحوي أو كاتب لم يصر كذلك بمجرد قوله
يوضحه ان القائل إنه شافعي أو مالكي أو حنفي يزعم انه متبع لذلك الامام سالك طريقه وهذا إنما يصح له إذا سلك سبيله في العلم والمعرفة والاستدلال فأما مع جهله وبعده جدا عن سيرة الامام وعلمه وطريقه فكيف يصح له الانتساب إليه إلا بالدعوى المجردة والقول الفارغ من كل معنى والعامي لا يتصور ان يصح له مذهب ولو تصور ذلك لم يلزمه ولا لغيره ولا يلزم أحدا قط ان يتمذهب بمذهب رجل من الامة بحيث يأخذ اقواله كلها ويدع أقوال غيره
وهذه بدعة قبيحة حدثت في الامة لم يقل بها احد من أئمة الاسلام وهم أعلى رتبة وأجل قدرا وأعلم بالله ورسوله من ان يلزموا الناس بذلك وأبعد منه قول من قال يلزمه ان يتمذهب بمذهب عالم من العلماء وأبعد منه قول من قال يلزمه ان يتمذهب بأحد المذاهب الاربعه
فيالله العجب ماتت مذاهب اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومذاهب التابعين وتابعيهم وسائر أئمة الاسلام وبطلت جملة إلا مذاهب اربعة أنفس فقط من بين سائر الامة والفقهاء وهل قال ذلك احد من الائمة أودعا إليه أودلت عليه لفظه واحدة من كلامه عليه والذي اوجبه الله تعالى ورسوله على الصحابة والتابعين وتابعيهم هو الذي اوجبه على من بعدهم إلى يوم القيامه
263
لا يختلف الواجب ولا يتبدل وإن اختلفت كيفيته أوقدره باختلاف القدرة والعجز والزمان والمكان والحال فذلك أيضا تابع لما أوجبه الله ورسوله
ومن صحح للعامي مذهبا قال هو قد اعتقد ان هذا المذهب الذي انتسب إليه هو الحق فعليه الوفاء بموجب اعتقاده وهذا الذي قاله هؤلاء لو صح للزم منه تحريم استفتاء اهل غير المذهب الذي انتسب إليه وتحريم تمذهبه بمذهب نظير إمامه أوأرجح منه أوغير ذلك من اللوازم التي يدل فسادها على فساد ملزوماتها بل يلزم منه أنه إذا راى نص رسول الله صلى الله عليه وسلم أوقول خلفائه الاربعة مع غير إمامه ان يترك النص وأقوال الصحابة ويقدم عليها قول من انتسب إليه
وعلى هذا فله ان يستفتى من شاء من أتباع الائمة الاربعة وغيرهم ولا يجب عليه ولا على المفتى ان يتقيد بأحد من الائمة الاربعة بإجماع الامة كما لا يجب على العالم ان يتقيد بحديث اهل بلده أوغيره من البلاد بل إذا صح الحديث وجب عليه العمل به حجازيا كان أوعراقيا أوشاميا أومصريا أويمنيا
وكذلك لا يجب على الانسان التقيد بقراءة السبعة المشهورين باتفاق المسلمين بل اذا وافقت القراءة رسم المصحف الامام وصحت في العربية وصح سندها جازت القراءة بها وصحت الصلاة بها أتفاقا بل لو قرأ بقراءة تخرج عن مصحف عثمان وقد قرأ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة بعده جازت القراءة بها ولم تبطل الصلاة بها على أصح الاقوال والثاني تبطل الصلاة بها وهاتان روايتان منصوصتان عن الامام احمد والثالث إن قرأ بها في ركن لم يكن مؤديا لفرضه وإن قرأ بها في غيره لم تكن مبطلة وهذا اختيار أبي البركات بن تيمية قال لانه لم يتحقق الاتيان بالركن في الاول ولا الاتيان بالمبطل في الثاني ولكن ليس له ان يتبع رخص المذاهب واخذ غرضه من أي مذهب وجده فيه بل عليه اتباع الحق بحسب الامكان
264
العمل عند اختلاف المفتيين
الفائدة السابعة والستون فإن اختلف عليه مفتيان فأكثر فهل يأخذ بأغلظ الاقوال أو بأخفها أو يتخير أو يأخذ بقول الاعلم أو الأورع أو يعدل إلى مفت اخر فينظر من يوافق من الاولين فيعمل بالفتوى التي يوقع عليها أويجب عليه ان يتحرى ويبحث عن الراجح بحسبه فيه سبعة مذاهب ارجحها السابع فيعمل كما يعمل عند اختلاف الطريقين أو الطبيبين أو المشيرين كما تقدم وبالله التوفيق
هل قول المفتي ملزم
الفائدة الثامنة والستون إذا استفتى فأفتاه المفتي فهل تصير فتواه موجبة على المستفتي العمل بها بحيث يكون عاصيا إن لم يعمل بها أولا يوجب عليه العمل فيه اربعة أوجه لاصحابنا وغيرهم أحدها انه لا يلزمه العمل بها إلا ان يلتزمه هو والثاني انه يلزمه إذا شرع في العمل فلا يجوز له حينئذ الترك والثالث انه إن وقع في قلبه صحة فتواه وأنها حق لزمه العمل بها والرابع انه اذا لم يجد مفتيا آخر لزمه الاخذ بفتياه فإن فرضه التقليد وتقوى الله ما استطاع وهذا هو المستطاع في حقه وهو غاية ما يقدر عليه وإن وجد مفتيا آخر فإن وافق الاول فأبلغ في لزوم العمل وإن خالفه فإن استبان له الحق في إحدى الجهتين لزمه العمل به وإن لم يستبن له الصواب فهل يتوقف أويأخذ بالاحوط أو يتخير أو يأخذ بالاسهل فيه وجوه تقدمت
العمل بالفتوى اذا لم تبلغه مشافهة من المفتي
الفائدة التاسعة والستون يجوز له العمل بخط المفتي وإن لم يسمع الفتوى من لفظه إذا عرف انه خطه أواعلمه به من يسكن إلى قوله ويجوز له قبول قول الرسول إن هذا خطه وإن كان عبدا أو امرأة أو صبيا أو فاسقا كما يقبل قوله في الهدية والاذن في دخول الدار اعتمادا على القرائن والعرف وكذا
265
يجوز اعتماد الرجل على ما يجده من كتابة الوقف على كتاب أورباط أوخان أونحوه فيدخله وينتفع به وكذلك يجوز له الاعتماد على ما يجده بخط ابيه في برنامجه أن له على فلان كذا وكذا فيحلف على الاستحقاق وكذا يجوز للمرأة الاعتماد على خط الزوج انه أبانها فلها ان تتزوج بناء على الخط وكذا الوصي والوارث يعتمد على خط الموصي فينفذ ما فيه وإن لم يشهد شاهدان وكذا اذا كتب الراوي إلى غيره حديثا جاز له ان يعتمد عليه ويعمل به ويرويه بناء على الخط اذا تيقن ذلك كله هذا عمل الامة قديما وحديثا من عهد نبينا صلى الله عليه وسلم والى الان وإن انكره من انكره
ومن العجب ان من انكر ذلك وبالغ في إنكاره ليس معه فيما يفتي به إلا مجرد كتاب قيل إنه كتاب فلان فهو يقضى به ويفتى ويحل ويحرم ويقول هكذا في الكتاب والله الموفق
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسل كتبه إلى الملوك والى الامم يدعوهم إلى الاسلام فتقوم عليهم الحجة بكتابه وهذا أظهر من أن ينكر وبالله التوفيق
ما يفعل المفتي إذا حدثت حادثة ليس فيها قول لاحد من العلماء
الفائدة السبعون إذا حدثت حادثة ليس فيها قول لاحد من العلماء فهل يجوز الاجتهاد فيها بالافتاء والحكم ام لا فيه ثلاثة اوجه
احدها يجوز وعليه تدل فتاوي الائمة وأجوبتهم فإنهم كانوا يسالون عن حوادث لم تقع قبلهم فيجتهدون فيها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله اجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر وهذا يعم ما اجتهد فيه مما لم يعرف فيه قول من قبله وما عرف فيه اقوالا واجتهد في الصواب منها وعلى هذا درج السلف والخلف والحاجة داعية إلى ذلك لكثرة
266
الوقائع واختلاف الحوادث ومن له مباشرة لفتاوي الناس يعلم ان المنقول وإن اتسع غاية الاتساع فإنه لا يفي بوقائع العالم جميعا وانت إذا تأملت الوقائع رأيت مسائل كثيرة واقعة وهي غير منقولة ولا يعرف فيها كلام لأئمة المذاهب ولا لأتباعهم
والثاني لا يجوز له الافتاء ولا الحكم بل يتوقف حتى يظفر فيها بقائل قال الامام احمد لبعض اصحابه إياك ان تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام
والثالث يجوز ذلك في مسائل الفروع لتعلقها بالعمل وشدة الحاجة اليها وسهولة خطرها ولا يجوز في مسائل الاصول
والحق التفصيل وأن ذلك يجوز بل يستحب أويجب عند الحاجة واهلية المفتي والحاكم فإن عدم الامران لم يجز وإن وجد أحدهما دون الاخر احتمل الجواز والمنع والتفصيل فيجوز للحاجة دون عدمها والله أعلم
فصل فتاوي إمام المفتين صلى الله عليه وسلم
ولنختم الكتاب بذكر فصول يسير قدرها عظيم أمرها من فتاوي إمام المفتين ورسول رب العالمين تكون روحا لهذا الكتاب ورقما على جلة هذا التأليف
فتاوي امام المفتين صلى الله عليه وسلم في العقيدة
فصح عنه صلى الله عليه وسلم انه سئل عن رؤية المؤمنين ربهم تبارك وتعالى فقال هل تضارون في رؤية الشمس صحوا في الظهيرة ليس دونها سحاب قالوا لا فقال هل تضارون في رؤية القمر البدر صحوا ليس دونه سحاب قالوا لا قال فإنكم ترونه كذلك متفق عليه
وسئل كيف نراه ونحن ملء الارض وهو واحد فقال أنبئكم عن ذلك
267
في آلاء الله الشمس والقمر آية منه صغيرة ترونهما ويريانكم ساعة واحدة لا تضارون في رؤيتهما ولعمر إلهك لهو أقدر على ان يراكم وترونه ذكره احمد
وصح عنه صلى الله عليه وسلم انه سئل عن مسألة القدر وما يعمل الناس فيه أمر قد قضى وفرغ منه أم أمر يستأنف فقال بل أمر قد قضى وفرغ منه فسئل حينئذ ففيم العمل فأجاب بقوله اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ قوله تعالى ! < فأما من أعطى واتقى > ! إلى اخر الآيتين ذكره مسلم
وصح عنه صلى الله عليه وسلم
انه سئل عما يكتمه الناس في ضمائرهم هل يعلمه الله فقال نعم ذكره مسلم
وصح عنه صلى الله عليه وسلم انه سئل اين كان ربنا قبل ان تخلق السماوات والارض فلم ينكر على السائل وقال كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء ذكره احمد
وصح عنه صلى الله عليه وسلم انه سئل عن مبدأ تخليق هذا العالم فأجاب بأن قال كان الله ولم يكن شئ غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شئ ذكره البخاري
وصح عنه صلى الله عليه وسلم انه سئل اين يكون الناس يوم يبدل الارض فقال على الصراط وفي لفظ آخر هم في الظلمة دون الجسر فسئل من أول الناس إجازة فقال فقراء المهاجرين ذكره مسلم ولا تنافى بين الجوابين فإن الظلمة أول الصراط فهناك مبدأ التبديل وتمامه وهم على الصراط
وسئل صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى ! < فسوف يحاسب حسابا يسيرا > ! فقال ذلك العرض ذكره مسلم
268
وسئل صلى الله عليه وسلم عن أول طعام يأكله اهل الجنة فقال زيادة كبد الحوت فسئل صلى الله عليه وسلم ما غذاؤهم على أثره فقال ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها فسئل صلى الله عليه وسلم ما شرابهم عليه فيها فقال من عين فيها تسمى سلسبيلا ذكره مسلم
وسئل صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك فقال نور أنى أراه ذكره مسلم فذكر الجوار ونبه على المانع من الرؤية وهو النور الذي هو حجاب الرب تعالى الذي لو كشفه لم يقم له شئ
وسئل صلى الله عليه وسلم يا رسول الله كيف يجمعنا ربنا بعد ما تمزقنا الرياح والبلى والسباع فقال للسائل أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله الارض اشرفت عليها وهي مدرة بالية فقلت لا تحيي أبدا ثم أرسل ربك عليها السماء فلم تلبث عليك إلا أياما ثم أشرفت عليها وهي شربة واحدة ولعمر إلهك لهو أقدر على ان يجمعهم من الماء على ان يجمع نبات الارض ذكره احمد
وسئل صلى الله عليه وسلم يا رسول الله ما يفعل بنا ربنا إذا لقيناه فقال تعرضون عليه بادية له صفحاتكم لا تخفى عليه خافية منكم فيأخذ ربك عز وجل بيده غرفة من الماء فينضح بها قلبكم فلعمر إلهك ما يخطى وجه واحد منكم منها قطرة فأما المسلم فتدع وجهه مثل الريطة البيضاء وأما الكافر فتحطمه بمثل الحميم الاسود ذكره احمد
وسئل صلى الله عليه وسلم بم نبصر وقد حبس الشمس والقمر فقال للسائل بمثل بصرك ساعتك هذه وذلك مع طلوع الشمس وذلك في يوم اشرقت فيه الارض ثم واجهته الجبال فسئل صلى الله عليه وسلم بم نجزي من حسناتنا وسيئاتنا فقال الحسنة بعشرة أمثالها والسيئة بمثلها أويعفو فسئل صلى الله عليه وسلم على ماء يطلع من الجنة فقال على انهار من عسل مصفى وانهار
269
من كأس ما بها من صداع ولاندامة وانهار من لبن لم يتغير طعمه وماء غير آسن وفاكهة لعمر إلهك مما تعلمون وخير من مثله معه وأزواج مطهرة فسئل صلى الله عليه وسلم ألنا فيها ازواج فقال الصالحات للصالحين تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا ويلذونكم غير ان لا توالد ذكره احمد
وسئل صلى الله عليه وسلم عن كيفية إتيان الوحي إليه فقال يأتيني أحيانا مثل صلصلة الجرس وهو أشده على فيفصم عنى وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا متفق عليه
وسئل صلى الله عليه وسلم عن شبه الولد بأبيه تارة وبأمه تارة فقال إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة كان الشبه له وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل فالشبه لها متفق عليه
وأما ما رواه مسلم في صحيحه انه قال إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكر الرجل بإذن الله وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل انت بإذن الله فكان شيخنا يتوقف في كون هذا اللفظ محفوظا ويقول المحفوظ هو اللفظ الاول والاذكار والإيناث ليس له سبب طبيعي وإنما هو بأمر الرب تبارك وتعالى للملك ان يخلقه كما يشاء ولهذا جعل مع الرزق والاجل والسعادة والشقاوة
قلت فإن كان هذا اللفظ محفوظا فلا تنافى بينه وبين اللفظ الاول ويكون سبق الماء سببا للشبه وعلوه على ماء الآخر سببا للإذكار والإيناث والله أعلم
وسئل صلى الله عليه وسلم عن اهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب من ذراريهم ونسائهم فقال هم منهم حديث صحيح ومراده صلى الله عليه وسلم بكونهم منهم التبعية في أحكام الدنيا وعدم الضمان لا التبعية في عقاب الآخرة فإن الله تعالى لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه
270
وسئل صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى ! < ولقد رآه نزلة أخرى > ! فقال إنما هو جبريل عليه السلام لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين ذكره مسلم
ولما نزل قوله تعالى ! < إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون > ! سئل صلى الله عليه وسلم يا رسول الله أيتكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب فقال نعم ليكررن عليكم حتى تؤدوا إلى كل ذي حق حقه فقال الزبير والله إن الامر لشديد
وسئل صلى الله عليه وسلم كيف يحشر الكافر على وجهه فقال أليس الذي أمشاه في الدنيا على رجليه قادر أن يمشيه في الاخرة على وجهه
وسئل صلى الله عليه وسلم هل تذكرون أهاليكم يوم القيامة فقال أما في ثلاث مواطن فلا يذكر أحد أحدا حيث يوضع الميزان حتى يعلم أيثقل ميزانه ام يخف وحيث يتطاير الكتب حتى يعلم كتابه من يمينه أومن شماله أومن وراء ظهره وحيث يوضع الصراط على جسر جهنم على حافتيه كلاليب وحسك يحبس الله به من يشاء من خلقه حتى يعلم أينجو أم لا ينجو
وسئل صلى الله عليه وسلم يا رسول الله الرجل يحب القوم ولما يعمل بأعمالهم فقال المرء مع من أحب
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الكوثر فقال هو نهر أعطانيه ربي في الجنة هو أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل فيه طيور أعناقها كأعناق الجزر قيل يا رسول الله إنها لناعمة قال آكلها أنعم منها
وسئل صلى الله عليه وسلم عن اكثر ما يدخل الناس النار فقال الاجوفان الفم والفرج وعن أكثر ما يدخلهم الجنة فقال تقوى الله وحسن الخلق
271
وسئل صلى الله عليه وسلم عن المرأة تتزوج الرجلين والثلاثة مع من تكون منهم يوم القيامة فقال تخير فتكون مع احسنهم خلقا
وسئل صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم فقال أن تجعل لله ندا وهو خلقك قيل ثم ماذا قال أن تقتل ولدك خشية ان يطعم معك قيل ثم ماذا قال ان تزني بحليلة جارك
وسئل صلى الله عليه وسلم أي الاعمال احب إلى الله فقال الصلاة على وقتها وفي لفظ لاول وقتها قيل ثم ماذا قال الجهاد في سبيل الله قيل ثم ماذا قال بر الوالدين
وسئل صلى الله عليه وسلم عن قوله ! < يا أخت هارون > ! وبين عيسى وموسى عليهما السلام ما بينهما فقال كانوا يسمون بأنبيائهم وبالصالحين قبلهم
وسئل صلى الله عليه وسلم عن أول أشراط الساعة فقال نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب وهذه إحدى مسائل عبد الله بن سلام الثلاث والمسألة الثانية ما أول طعام يأكله أهل الجنة والثالثة سبب شبه الولد بأبيه وأمه فولدها الكاذبون وجعلوها كتابا مستقلا سموه مسائل عبد الله بن سلام وهي هذه الثلاثة في صحيح البخاري
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الاسلام فقال شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الايمان فقال ان تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الاحسان فقال ان تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك
272
وسئل صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى ! < والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة > ! فقال هم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ويخافون ان لا يقبل منهم
وسئل صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى ! < وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم > ! الآية فقال إن الله تعالى خلق آدم ثم مسح على ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح على ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل اهل النار يعملون فقال رجل يا رسول الله ففيم العمل فقال إن الله إذ خلق العبد للجنة استعمله بعمل اهل الجنة حتى يموت على عمل من اعمال اهل الجنة فيدخله الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل اهل النار حتى يموت على عمل من أعمال اهل النار فيدخل النار
وسئل صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى ! < يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم > ! فقال بل ايتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأى برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العوام
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الادوية والرقى هل ترد من القدر شيئا فقال هي من القدر
وسئل صلى الله عليه وسلم عمن يموت من أطفال المشركين فقال الله أعلم بما كانوا عاملين وليس هذا قولا بالتوقف كما ظنه بعضهم ولا قول بمجازاة الله لهم على ما يعلمه منهم أنهم عاملوه لو كانوا عاشوا بل هو جواب فصل وأن الله يعلم ما هم عاملوه وسيجازيهم على معلومه فيهم بما يظهر منهم يوم القيامة لا على مجرد علمه كما صرحت به سائر الاحاديث واتفق عليه
273
أهل الحديث انهم يمتحنون يوم القيامة فمن أطاع دخل الجنة ومن عصى دخل النار
وسئل صلى الله عليه وسلم عن سبأ هل هو أرض أم امرأة فقال ليس بأرض ولا امرأة ولكنه رجل ولد عشرة من العرب فتيامن منهم ستة وتشاءم منهم أربعة فأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وغسان وعاملة وأما الذين تيامنوا فالازد والاشعريون وحمير وكندة ومذحج وأنمار فقال رجل يا رسول الله وما أنمار فقال الذين منهم خثعم وبجيلة
وسئل عن قوله تعالى ! < لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة > ! فقال صلى الله عليه وسلم هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أوترى له
وسئل عن افضل الرقاب يعنى في العتق فقال انفسها عند اهلها وأغلاها ثمنا
وسئل صلى الله عليه وسلم عن افضل الجهاد فقال من عقر جواده وأريق دمه
وسئل صلى الله عليه وسلم عن افضل الصدقة فقال ان تتصدق وانت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى
وسئل صلى الله عليه وسلم أي الكلام افضل فقال ما اصطفى الله للملائكة سبحان الله وبحمده
وسئل صلى الله عليه وسلم متى وجبت لك النبوة وفي لفظ متى كنت نبيا فقال وآدم بين الروح والجسد هذا هو اللفظ الصحيح والعوام يروونه بين الماء والطين قال شيخنا وهذا باطل وليس بين الماء والطين مرتبة واللفظ المعروف ما ذكرناه
وذكر الامام احمد في مسنده ان اعرابيا ساله يا رسول الله اخبرني عن الهجرة اليك أينما كنت أم لقوم خاصة ام إلى ارض معلومة ام إذا مت انقطعت فسأل ثلاث مرات ثم جلس فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم
274
يسيرا ثم قال اين السائل قال ها هو ذا حاضر يا رسول الله قال الهجرة ان تهجر الفواحش ما ظهر منها وما بطن وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ثم أنت مهاجر وإن مت في الحضر فقام آخر فقال يا رسول الله أخبرني عن ثياب أهل الجنة أتخلق خلقا ام تنسج نسجا قال فضحك القوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تضحكون من جاهل يسأل عالما فاستلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة ثم قال اين السائل عن ثياب اهل الجنة فقال ها هو ذا يا رسول الله قال لا بل تنشق عنها ثمار الجنة ثلاث مرات
وسئل صلى الله عليه وسلم انفضى إلى نسائنا في الجنة وفي لفظ آخر هل نصل إلى نسائنا في الجنة فقال إي والذي نفسي بيده إن الرجل ليفضي في الغداة الواحدة إلى مائة عذراء قال الحافظ ابو عبد الله المقدسي رجال إسناده عندي على شرط الصحيح
وسئل أنطأ في الجنة فقال نعم والذي نفسي بيده دحما دحما فإذا قام عنها رجعت مطهرة بكرا ورجال إسناده على شرط صحيح بن حبان
وفي معجم الطبراني انه سئل هل يتناكح اهل الجنة فقال بذكر لا يميل وشهوة لا تنقطع دحما دحما
قال الجوهري الدحم الدفع الشديد
وفيه ايضا انه سئل صلى الله عليه وسلم أيجامع اهل الجنة فقال دحما دحما ولكن لا منى ولا منية
وسئل صلى الله عليه وسلم أينام اهل الجنة فقال النوم أخو الموت وأهل الجنة لا ينامون
وسئل صلى الله عليه وسلم هل في الجنة خيل فقال إن دخلت الجنة أتيت بفرس من ياقوتة له جناحان فحملت عليه فطار بك في الجنة حيث شئت
275
وسئل صلى الله عليه وسلم هل في الجنة إبل فلم يقل للسائل مثل ما قال للأول بل قال إن يدخلك الله الجنة يكن لك فيها ما اشتهت نفسك وقرت عينك
وفي معجم الطبراني ان ام سلمة رضى الله عنها سألته فقالت يا رسول الله أخبرني عن قول الله عز وجل ! < وحور عين > ! قال حور بيض عين ضخام العيون شعر الحوراء بمنزلة جناح النسر قلت أخبرني عن قول الله عزوجل ! < كأمثال اللؤلؤ المكنون > ! فقال صفاؤهن صفاء الدر الذي في الاصداف الذي لم تمسه الايدى قلت اخبرني عن قوله تعالى ! < فيهن خيرات حسان > ! قال خيرات الاخلاق حسان الوجوه قلت اخبرني عن قول الله عزوجل ! < كأنهن بيض مكنون > ! قال رقتهن كرقة الجلد الذي رأيت في داخل البيضة مما يلي القشرة قلت أخبرني يا رسول الله عن قوله تعالى ! < عربا أترابا > ! قال هن اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز رمصا شمطا خلقهن الله بعد الكبر فجعلهن الله عذارى عربا متعشقات متحببات أترابا على ميلاد واحد قلت يا رسول الله نساء الدنيا افضل ام الحور العين قال بل نساء الدنيا افضل من الحور العين كفضل الظهارة على البطانة قلت يا رسول الله وبم ذاك قال بصلاتهن وصيامهن وعبادتهن الله تعالى البس الله وجوههن النور وأجسادهن الحرير بيض الالوان خضر الثياب صفر الحلى مجامرهن الدر وأمشاطهن الذهب يقلن نحن الخالدات فلا نموت ونحن الناعمات فلا نبأس أبدا ونحن المقيمات فلا نظعن أبدا ونحن الراضيات فلا نسخط أبدا طوبي لمن كناله وكان لنا قلت يا رسول الله المرأة منا تتزوج الزوجين والثلاثة والاربعة ثم تموت فتدخل الجنة ويدخلون معها من يكون زوجها قال يا ام سلمة إنها تخير فتختار أحسنهم خلقا فتقول يا رب إن هذا كان أحسنهم معي خلقا في دار الدنيا فزوجنيه يا أم سلمه ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والاخرة
276
وسئل صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى ! < والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه > ! اين الناس يؤمئذ قال على جسر جهنم
وسئل عن الايمان فقال إذا سرتك حسناتك وساءتك سيئاتك فأنت مؤمن
وسئل عن الإثم فقال إذا حاك في قلبك شئ فدعه
وسئل عن البر والاثم فقال البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس والاثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر
وسأله عمر هل نعمل في شئ نستأنفه ام في شئ قد فرغ منه قال بل في شئ قد فرغ منه قال ففيم العمل قال يا عمر لا يدرك ذلك إلا بالعمل قال إذا نجتهد يا رسول الله
وكذلك سأله سراقة بن مالك بن جعشم فقال يا رسول الله اخبرنا عن امرنا كأننا ننظر إليه أبما جرت به الاقلام وثبتت به المقادير أم بما يستأنف فقال لا بل بما جرت به الاقلام وثبتت به المقادير قال ففيم العمل إذا قال اعملوا فكل ميسر قال سراقة فلا أكون ابدا أشد اجتهادا في العمل منى الان
فصل فتاوي إمام المفتين صلى الله عليه وسلم في الطهارة
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الوضوء بماء البحر فقال هو الطهور ماؤه والحل ميتته وسئل صلى الله عليه وسلم عن الوضوء من بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها الحيض والنتن ولحوم الكلاب فقال الماء طهور لا ينجسه شيء
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الماء يكون بالفلاة وما ينوبه من الدواب والسباع فقال إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شئ
277
وسأله ابو ثعلبة فقال إنا بأرض قوم أهل كتاب وإنهم يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم فقال إن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء واطبخوا فيها واشربوا
وفي الصحيحين إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنا كل في آنيتهم قال لا تأكلوا فيها إلا ان لا تجدوا غيرها فاغسلوها ثم كلوا فيها
وفي المسند والسنن أفتنا في آنية المجوس إذا اضطررنا اليها فقال إذا اضطررتم اليها فاغسلوها بالماء واطبخوا فيها
وفي الترمذي سئل عن قدور المجوس فقال أنقوها غسلا واطبخوا فيها
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الرجل يخيل إليه انه يجد الشئ في الصلاة فقال لا ينصرف حتى يسمع صوتا أويجد ريحا
وسئل صلى الله عليه وسلم عن المذى قال يجزئ منه الوضوء فقال له السائل فكيف بما أصاب ثوبي منه فقال يكيفك ان تأخذ كفا من ماء فتنضح به ثوبك حيث ترى انه أصاب منه صححه الترمذي
وسئل صلى الله عليه وسلم عما يوجب الغسل وعن الماء يكون بعد الماء فقال ذاك المذى وكل فحل يمذى فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك وتوضأ وضوءك للصلاة
وسألته فاطمة بنت ابي حبيش فقالت إني امرأة استحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة فقال لا إنما ذلك عرق وليس بحيضة فإذا أقبلت حيضتك فدعى الصلاة فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي
وسئل عنها ايضا فقال النبي صلى الله عليه وسلم تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تحيض فيها ثم تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة وتصوم وتصلي
278
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الوضوء من لحوم الغنم فقال إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الوضوء من لحوم الابل فقال نعم توضأ من لحوم الابل
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في مرابض الغنم فقال نعم صلوا فيها
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في مبارك الابل فقال لا
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال يا رسول الله ما تقول في رجل لقى امرأة لا يعرفها فليس يأتى الرجل من امرأته شئ إلا قد أتاه منها غير أنه لم يجامعها فأنزل الله تعالى هذه الاية ! < وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات > ! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثم صل فقال معاذ فقلت يا رسول الله أله خاصة أم للمؤمنين عامة قال بل للمؤمنين عامة
وسألته أم سليم فقالت يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم إذا رأت الماء فقالت ام سلمة أوتحتلم المرأة فقال تربت يداك فبم يشبهها ولدها وفي لفظ ان ام سليم سألت نبي الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأت المرأة ذلك فلتغتسل
وفي المسند ان خولة بنت حكيم سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل فقال ليس عليها غسل حتى تنزل كما أن الرجل ليس عليه غسل حتى ينزل
وساله أمير المؤمنين علي بن ابي طالب كرم الله وجهه عن المذي فقال من المذي الوضوء ومن المني الغسل وفي لفظ إذا رأيت المذي فتوضأ واغسل
279
ذكرك وإذا رأيت نضح الماء فاغتسل ذكره احمد
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما فقال يغتسل وعن الرجل يرى انه قد احتلم ولم يجد البلل فقال لا غسل عليه ذكره احمد
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل وعائشة جالسة فقال إنى أفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل ذكره مسلم
وسألته ام سلمة فقالت يا رسول الله إني امرأة اشد ضفر رأسي أفأنقضه بغسل الجنابة فقال لا إنما يكفيك ان تحثى على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء ذكره مسلم وعند ابي داود واغمري قرونك عند كل حفنة
وسألته صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت يا رسول الله إن لنا طريقا إلى المسجد منتنة فكيف نفعل إذا مطرنا فقال أليس بعد طريق هي أطيب منها قلت بلى يا رسول الله قال هذه بهذه وفي لفظ أليس بعده ما هو أطيب منه قلت بلى قال فإن هذا يذهب بذاك ذكره أحمد
وسئل صلى الله عليه وسلم فقيل له إنا نريد المسجد فنطأ الطريق النجسة فقال الارض يطهر بعضها بعضا ذكره بن ماجة
وسألته صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة كيف تصنع به فقال تحته ثم تقرضه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه متفق عليه
وسئل صلى الله عليه وسلم عن فأرة وقعت في سمن فقال ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم ذكره البخاري ولم يصح فيه التفصيل بين الجامد والمائع
280
وسألته صلى الله عليه وسلم ميمونة عن شاة ماتت فألقوا إهابها فقال هلا أخذتم مسكها فقالت نأخذ مسك شاة قد ماتت فقال لها صلى الله عليه وسلم إنما قال تعالى ! < قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير > ! وإنكم لا تطعمونه إن تدبغوه تنتفوا به فأرسلت اليها فسلخت مسكها فدبغته فاتخذت منه قربة حتى تخرقت عندها ذكره احمد
وسئل صلى الله عليه وسلم عن جلود الميتة فقال ذكاؤها دباغها ذكره النسائي
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الاستطابة فقال أولا يجد أحدكم ثلاثة احجار حجران للصفحتين وحجر للمسر به حديث حسن وعند مالك مرسلا أولا يجد احدكم ثلاثة احجار ولم يزد
وساله سراقة عن التغوط فأمره ان يتنكب القبلة ولا يستقبلها ولا يستدبرها ولا يستقبل الريح وان يستنجي بثلاثة احجار ليس فيها رجيع أوثلاثة اعواد أوبثلاث حثيات من تراب ذكره الدارقطني
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الوضوء فقال اسبغ الوضوء وخلل بين الاصابع وبالغ في الاستنشاق إلا إن تكون صائما ذكره ابو داود
وسأله صلى الله عليه وسلم عمرو بن عنبسة فقال كيف الوضوء قال أما الوضوء فإنك إذا توضأت فغسلت كفيك فأنقيتهما خرجت خطاياك من بين أظفارك وأناملك فإذا تمضمضت واستنشقت وغسلت وجهك ويديك إلى المرفقين ومسحت رأسك وغسلت رجليك اغتسلت من عامة خطاياك كيوم ولدتك امك ذكره النسائي
وسأله صلى الله عليه وسلم أعرابي عن الوضوء فأراه ثلاثا ثلاثا ثم قال هكذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم ذكره احمد
281
وسأل النبي صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال يا رسول الله الرجل منا يكون في الصلاة فيكون منه الرويحة ويكون في الماء قلة فقال إذا فسا أحدكم فليتوضأ ولا تأتوا النساء في أعجازهن فإن الله لا يستحيي من الحق ذكره الترمذي
وسئل صلى الله عليه وسلم عن المسح على الخفين فقال للمسافر ثلاثة ايام وللمقيم يوما وليلة
وسأله صلى الله عليه وسلم بن ابي عمارة فقال يا رسول الله امسح على الخفين فقال نعم قال يوما قال ويومين قال وثلاثة ايام قال نعم وما شئت ذكره ابو داود فطائفة من أهل العلم أخذت بظاهره وجوزوا المسح بلا توقيت وطائفة قالت هذا مطلق وأحاديث التوقيت مقيدة والمقيد يقضى على المطلق
وسأله صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال اكون في الرمل أربعة اشهر أوخمسة أشهر ويكون فينا النفساء والحائض والجنب فما ترى قال عليك بالتراب ذكره احمد
وسأله صلى الله عليه وسلم أبو ذر إني أغرب عن الماء ومعي أهلي فتصيبني الجنابة فقال إن الصعيد الطيب طهور ما لم تجد الماء عشر حجج فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك حديث حسن
وسأله صلى الله عليه وسلم امير المؤمنين علي بن ابي طالب كرم الله وجهه فقال انكسرت إحدى زندي فأمره ان يمسح على الجبائر ذكره بن ماجة
وقال ثوبان استفتوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الغسل من الجنابة فقال اما الرجل فلينشر راسه فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر وأما المرأة فلا عليها ان لا تنقضه لتغرف على رأسها ثلاث غرفات تكفيها ذكره ابو داود
282
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال إني أغتسلت من الجنابة وصليت الصبح ثم أصبحت فرأيت قدر موضع الظفر لم يصبه ماء فقال لو كنت مسحت عليه بيدك أجزاك ذكره بن ماجه
وسألته صلى الله عليه وسلم امرأة عن الحيض فقال تأخذ إحداكن ماءها وسدرها فتطهر فتحسن الطهور ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكا شديدا حتى تبلغ شئون رأسها ثم تصب عليها الماء ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها
وسألته صلى الله عليه وسلم عن غسل الجنابة فقال تأخذ ماء فتطهر فتحسن الطهور ثم تصب الماء على رأسها فتدلكه حتى يبلغ شئون رأسها ثم تفيض الماء عليها
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل ما يحل لي من امرأتي وهي حائض فقال تشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها ذكره مالك
وسئل صلى الله عليه وسلم عن مؤاكلة الحائض فقال واكلها ذكره الترمذي
وسئل صلى الله عليه وسلم كم تجلس النفساء فقال تجلس اربعين يوما إلا ان ترى الطهر قبل ذلك ذكره الدارقطني
فتاوي إمام المفتين صلى الله عليه وسلم في الصلاة
وسأله صلى الله عليه وسلم ثوبان عن أحب الاعمال إلى الله تعالى فقال عليك بكثرة السجود لله عزوجل فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط بها عنك خطيئة ذكره مسلم
وسأله عبد الله بن سعد أيما أفضل الصلاة في بيتي أوالصلاة في المسجد فقال ألا ترى إلى بيتي ما أقربه من المسجد فلأن أصلي في بيتي أحب إلى
283
من ان أصلي في المسجد إلا ان تكون صلاة مكتوبة ذكره بن ماجة
وسئل صلى الله عليه وسلم عن صلاة الرجل في بيته فقال نوروا بيوتكم ذكره بن ماجه
وسئل صلى الله عليه وسلم متى يصلي الصبي فقال إذا عرف يمينه من شماله فمروه بالصلاة
وسئل صلى الله عليه وسلم عن قتل رجل مخنث يتشبه بالنساء فقال إنى نهيت عن قتل المصلين ذكره ابو داود
وسئل صلى الله عليه وسلم عن وقت الصلاة فقال للسائل صل معنا هذين اليومين فلما زالت الشمس أمر بلالا فأذن ثم أمره فأقام الظهر ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية ثم امره فأقام المغرب حتى غابت الشمس ثم امره فأقام العشاء حين غاب الشفق ثم امره فأقام الفجر حين طلع الفجر فلما كان اليوم الثاني امره فأبرد بالظهر وصلى العصر والشمس مرتفعة أخرها فوق الذي كان وصلى المغرب قبل ان يغيب الشفق وصلى العشاء بعد ما ذهب ثلث الليل وصلى الفجر فأسفر بها ثم قال أين السائل عن وقت الصلاة فقال الرجل انا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال وقت صلاتكم ما رأيتم ذكره مسلم
وسئل صلى الله عليه وسلم هل من ساعة أقرب إلى الله من الاخرى قال نعم أقرب ما يكون الرب عزوجل من العبد جوف الليل الاخر فإن استطعت ان تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن
وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة الوسطى فقال هي صلاة العصر
وسئل صلى الله عليه وسلم هل في ساعات الليل والنهار ساعة تكره الصلاة فيها فقال نعم إذا صليت الصبح فدع الصلاة حتى تطلع الشمس
284
فإنها تطلع بين قرني شيطان ثم صل فإن الصلاة محضورة متقبلة حتى تستوي الشمس على رأسك كالرمح فدع الصلاة فإن تلك الساعة تسجر جهنم وتفتح فيها أبوابها حتى ترتفع الشمس عن حاجبك الايمن فإذا زالت الشمس فالصلاة محضورة متقبلة حتى تصلى العصر ثم دع الصلاة حتى تغيب الشمس ذكره بن ماجه وفيه دليل على تعلق النهي بفعل صلاة الصبح لا بوقتها
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال لا أستطيع أن آخذ شيئا من القرآن فعلمني ما يجزيني فقال قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله فقال يا رسول الله هذا لله فما لي فقال قل اللهم ارحمني وعافني واهدني وارزقني فقال بيده هكذا وقبضها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما هذا فقد ملأ يديه من الخير ذكره أبو داود
وسأله صلى الله عليه وسلم عمران بن حصين وكان به بواسير عن الصلاة فقال صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنبك ذكره البخاري
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل أقرأ خلف الامام أو انصت قال بل أنصت فإنه يكفيك ذكره الدارقطني
وسأله صلى الله عليه وسلم حطان فقال يا رسول الله إنا لا نزال سفرا فكيف نصنع بالصلاة فقال ثلاث تسبيحات ركوعا وثلاث تسبيحات سجودا ذكره الشافعي مرسلا
وسأله صلى الله عليه وسلم عثمان بن ابي العاص فقال يا رسول الله إن الشيطان قد حال بين صلاتي وبين قراءتي يلبسها على فقال ذاك شيطان يقال له خترب فإذا أحسسته فتعوذ بالله واتفل على يسارك ثلاثا قال ففعلت ذلك فأذهبه الله ذكره مسلم
285
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال أصلي في ثوبي الذي أتى فيه أهلي قال نعم إلا ان ترى فيه شيئا فتغسله
وسأله صلى الله عليه وسلم معاوية بن حيدة يا رسول الله عوراتنا ما نأتى منها وما نذر قال احفظ عورتك إلا من زوجتك أوما ملكت يمينك قال قلت يا رسول الله الرجل يكون مع الرجل قال إن استطعت أن لا يراها أحد فافعل قلت فالرجل يكون خاليا قال الله أحق ان يستحيا منه ذكره احمد
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في الثوب الواحد قال أوكلكم يجد ثوبين متفق عليه
وسأله صلى الله عليه وسلم سلمة بن الاكوع يا رسول الله إني اكون في الصيد فأصل وليس على إلا قميص واحد فقال فازرره وإن لم تجد إلا شوكة ذكره احمد وعند النسائي إنى اكون في الصيف وليس على إلا قميص
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل يا رسول الله أصلي في الفراء قال فأين الدباغ
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في القوس والقرن فقال اطرح القرن وصلى في القوس ذكره الدارقطني والقرن بالتحريك الجعبة
وسألته ام سلمة هل تصلي المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار فقال إذا كان الدرع سابلا يغطي ظهر قدميها ذكره ابو داود
وسأله صلى الله عليه وسلم ابو ذر عن اول مسجد وضع في الارض قال المسجد الحرام فقال ثم أي قال المسجد الاقصى فقال كم بينهما قال اربعون عاما ثم الارض لك مسجد حيث أدركتك الصلاة فصل متفق عليه
وذكر الحاكم في مستدركه ان جعفر بن ابي طالب سأله عن الصلاة في السفينة فقال صل فيها قائما إلا ان تخاف الغرق
وسئل صلى الله عليه وسلم عن مسح الحصى في الصلاة فقال واحدة أودع
286
وسأله صلى الله عليه وسلم جابر عن ذلك فقال واحدة ولان تمسك عنها خير لك من مائة ناقة كلها سواد الحدق فقلت المسجد كان مفروشا بالحصباء فكان أحدهم يمسحه بيديه لموضع سجوده فرخص النبي في مسحه واحدة وندبهم إلى تركها والحديث في المسند
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة فقال هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال يصلي أحدنا في منزله الصلاة ثم يأتى المسجد وتقام الصلاة أفأصلي معهم فقال لك سهم جمع ذكره ابو داود
وسأله صلى الله عليه وسلم ابو ذر عن الكلب الاسود يقطع الصلاة دون الاحمر والأصفر فقال الكلب الاسود شيطان
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال يا رسول الله إنى صليت فلم أدر أشفعت أوأوترت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إياكم ان يتلعب بكم الشيطان في صلاتكم من صلى فلم يدر اشفع ام اوتر فليسجد سجدتين فإنهما تمام صلاته ذكره احمد
وسئل صلى الله عليه وسلم لأي شئ فضلت يوم الجمعة فقال لان فيها طبعت طينة ابيك آدم وفيها الصعقة والبعثة وفيها البطشة وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها استجيب له وسئل ايضا عن ساعة الاجابة فقال حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها ولا تنافي بين الحديثين لأن ساعة الاجابة وإن كانت آخر ساعة بعد العصر فالساعة التي تقام فيها الصلاة أولى ان تكون ساعة الاجابة كما ان المسجد الذي اسس على التقوى هو مسجد قباء ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم اولى بذلك منه وهو اولى من جمع بينهما بتنقلها فتأمل
وسئل صلى الله عليه وسلم يا رسول الله اخبرنا عن يوم الجمعة ما فيه من الخير فقال فيه خمس خلال فيه خلق آدم وفيه أهبط آدم إلى
287
الارض وفيه توفي الله آدم وفيه ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئا إلا اعطاه إياه ما لم يسأل إثما أوقطيعة رحم وفيه تقوم الساعة فما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض ولا جبال ولا حجر إلا وهو مشفق من يوم الجمعة ذكره احمد والشافعي
وسئل صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل فقال مثنى مثنى فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة متفق عليه وسأله أبو أمامة بكم أوتر قال بواحدة قال إني أطيق اكثر من ذلك قال ثلاث ثم قال بخمس ثم قال بسبع وفي الترمذي انه سئل عن الشفع والوتر فقال هي الصلاة بعضها شفع وبعضها وتر وفي سنن الدارقطني ان رجلا سأله عن الوتر فقال افصل بين الواحدة والثنتين بالسلام
وسئل صلى الله عليه وسلم أي الصلاة افضل قال طول القنوت ذكره احمد
وسئل أي القيام أفضل قال نصف الليل وقليل فاعله
وسئل صلى الله عليه وسلم هل من ساعة اقرب إلى الله من الاخرى قال نعم جوف الليل الاوسط ذكره النسائي
فصل فتاوي إمام المفتين صلى الله عليه وسلم في الموت
وسئل صلى الله عليه وسلم عن موت الفجاءة فقال راحة للمؤمن وأخذة أسف للفاجر ذكره احمد ولهذا لم يكره احمد موت الفجاءة في إحدى الروايتين عنه وقد روى عنه كراهتها وروى في مسنده ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بجدار أوحائط مائل فأسرع المشي فقيل له في ذلك فقال
288
إني اكره موت الفوات ولا تنافي بين الحديثين فتأمله
وسئل تمر بنا جنازة الكافر أفنقوم لها قال نعم إنكم لستم تقومون لها إنما تقومون إعظاما للذي يقبض النفوس ذكره احمد وقام لجنازة يهودية فسئل عن ذلك فقال إن للموت فزعا فإذا رأيتم جنازة فقوموا
وسئل عن امرأة اوصت ان يعتق عنها رقبة مؤمنة فدعا بالرقبة فقال من ربك قالت الله قال من انا قالت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنه ذكره ابو داود
وسأله صلى الله عليه وسلم عمر رضى الله عنه هل ترد إلينا عقولنا في القبر وقت السؤال فقال نعم كهيئتكم اليوم ذكره احمد
وسئل عن عذاب القبر فقال نعم عذاب القبر حق
فصل فتاوي إمام المفتين صلى الله عليه وسلم في الزكاة
وسئل صلى الله عليه وسلم عن صدقة الابل فقال ما من صاحب إبل لا يؤدي حقها ومن حقها حلبها يوم ورودها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر أوفر ما كانت لا يفقد منها فصيلا واحدا تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها كلما مر عليه اولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين الف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار
وسئل صلى الله عليه وسلم عن البقر فقال ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئا ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما مرت عليه أولاها
289
رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين الف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الخيل فقال الخيل ثلاثة هي لرجل وزر ولرجل ستر ولرجل أجر فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال لما في مرج أوروضة فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أوالروضة كانت له حسنات ولو أنه انقطع طيلها فاستنت شرفا أوشرفين كانت له آثارها وأرواثها حسنات ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد ان يسقيها كانت له حسنات فهي لذلك الرجل اجر ورجل ربطها تغنيا وتعففا ثم لم ينس حق الله في رقابها ولا في ظهورها فهي لذلك الرجل ستر ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء لاهل الاسلام فهي على ذلك وزر
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الحمر فقال ما أنزل على فيها إلا هذه الاية الجامعة الفاذة ! < فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره > ! ذكره مسلم
وسألته صلى الله عليه وسلم ام سلمة فقالت إني البس أوضاحا من ذهب أكنز هو قال ما بلغ ان تؤدي زكاته فزكي فليس بكنز ذكره مالك
وسئل صلى الله عليه وسلم أفي المال حق سوى الزكاة قال نعم ثم قرأ ! < وآتى المال على حبه > ! ذكره الدارقطني
وسألته صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت إن لي حليا وإن زوجي خفيف ذات اليد وإن لي بن أخ أفيجزئ عني ان أجعل زكاة الحلي فيهم قال نعم
وذكر بن ماجة ان ابا سيارة ساله فقال إن لي نخلا فقال اد العشر فقلت يا رسول الله احمها لي فحماها لي
وسأله صلى الله عليه وسلم العباس عن تعجيل زكاته قبل ان يحول الحول فإذن له في ذلك ذكره احمد
290
وسئل صلى الله عليه وسلم عن زكاة الفطر فقال هي على كل مسلم صغيرا أوكبيرا حرا أوعبدا صاعا من تمر أوصاعا من شعير أوأقط
وسأله صلى الله عليه وسلم أصحاب الاموال فقالوا إن أصحاب الصدقة يعتدون علينا أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا قال لا ذكره ابو داود
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال إنى ذو مال كثير وذو أهل وولد وحاضرة فأخبرني كيف انفق وكيف امنع فقال تخرج الزكاة من مالك فإنها طهرة تطهرك وتصل بها رحمك وأقاربك وتعرف حق السائل والجار والمسكين فقال يا رسول الله أقلل في قال ! < وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا > ! فقال حسبي وقال يا رسول الله إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله قال رسول الله نعم اذا اديتها إلى رسولي فقد برئت منها ولك أجرها وإثمها على من بدلها ذكره احمد
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الصدقة على ابي رافع مولاه فقال إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة وإن مولى القوم من انفسهم ذكره احمد
وسأله صلى الله عليه وسلم عمر عن ارضه بخيبر واستفتاه ما يصنع فيها وقد اراد ان يتقرب بها إلى الله فقال إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها ففعل وتصدق عبد الله بن زيد بحائط له فأتاه ابواه فقالا يا رسول الله إنها كانت قيم وجوهنا ولم يكن لنا مال غيره فدعا عبد الله فقال إن الله قد قبل منك صدقتك وردها على ابويك فتوارثاها بعد ذلك ذكره النسائي
وسئل صلى الله عليه وسلم أي الصدقة افضل فقال المنيحة ان يمنح أحدكم الدرهم أوظهر الدابة أولبن الشاة أولبن البقرة ذكره احمد
وسئل صلى الله عليه وسلم مرة عن هذه المسألة فقال جهد المقل وأبدأ بمن تعول ذكره ابو داود
291
وسئل صلى الله عليه وسلم مرة اخرى عنها فقال ان تتصدق وانت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى
وسئل مرة اخرى عنها فقال سقى الماء
وساله صلى الله عليه وسلم سراقة بن مالك عن الابل تغشى حياضه هل له من أجر في سقيها فقال نعم في كل كبد حرى أجر ذكره احمد
وسألته صلى الله عليه وسلم امرأتان عن الصدقة على أزواجهما فقال لهما أجران أجر القرابة وأجر الصدقة متفق عليه وعند بن ماجة اتجزئ عني من النفقة الصدقة على زوجي وأيتام في حجري فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لها أجران أجر الصدقة وأجر القرابة
وسألتة صلى الله عليه وسلم اسماء فقالت مالي مال إلا ما أدخل على الزبير أفأتصدق فقال تصدقي ولا توعي فيوعى عليك متفق عليه
وسأله صلى الله عليه وسلم مملوك اتصدق من مال مولاى بشئ فقال نعم والاجر بينكما نصفان ذكره مسلم
وسأله صلى الله عليه وسلم عمر رضى الله عنه عن شراء فرس تصدق به فقال لا تشتره ولا تعد في صدقتك وإن اعطاكه بدرهم فإن العائد في هبته كالعائد في قيئه متفق عليه
وسئل صلى الله عليه وسلم عن المعروف فقال لا تحقرن من المعروف شيئا ولو ان تعطي صلة الحبل ولو ان تعطى شسع النعل ولو ان تفرغ من دلوك في إناء المستسقى ولو ان تنحى الشئ من طريق الناس يؤذيهم ولو ان
292
تلقى أخاك ووجهك إليه طلق ولو ان تلقى اخاك فتسلم عليه ولو ان تؤنس الوحشان في الارض ذكره احمد
فلله ما أجل هذه الفتاوي وما احلاها وما أنفعها وما أجمعها لكل خير فوالله لو ان الناس صرفوا هممهم اليها لأغنتهم عن فتاوي فلان وفلان والله المستعان
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال إنى تصدقت على أمي بعبد وإنها ماتت فقال وجبت صدقتك وهو لك بميراثك ذكره الشافعي
وسألته صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت إني تصدقت على امي بجارية وإنها ماتت فقال وجب أجرك وردها عليك الميراث ذكره مسلم
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال إن امي توفيت أفينفعها إن تصدقت عنها قال نعم ذكره البخاري
وسأله آخر فقال إن أمي افتلتت نفسها وأظنها لو تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها قال نعم متفق عليه
وسأله صلى الله عليه وسلم آخر فقال إن ابي مات ولم يوص أفينفعه ان اتصدق عنه قال نعم ذكره مسلم
وسأله صلى الله عليه وسلم حكيم بن حزام فقال يا رسول الله امور كنت اتحنث بها في الجاهلية من صلة وعتاقه وصدقة هل لي فيها أجر قال أسلمت على ما سلف لك من خير متفق عليه
وسألته صلى الله عليه وسلم عائشة رضى الله عنها عن بن جدعان وأنه كان في الجاهليه يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذلك نافعه فقال لا ينفعه إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين ذكره مسلم
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الغني الذي يحرم المسألة فقال خمسون
293
درهما أوقيمتها من الذهب ذكره احمد
ولا ينافى هذا جوابه للآخر ما يغديه أويعشيه فإن هذا غناء اليوم وذاك غناء العام بالنسبة إلى حال ذلك السائل والله أعلم
وسأله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضى الله عنه وقد أرسل إليه بعطاء فقال اليس أخبرتنا ان خيرا لاحدنا ان لا يأخذ من أحد شيئا فقال إنما ذلك من المسألة فأما ما كان عن غير مسألة فإنما هو رزق رزقكه الله فقال عمر والذي نفسي بيده لا أسأل أحدا شيئا ولا يأتيني شئ من غير مسألة إلا اخذته ذكره مالك
فصل فتاوى إمام المفتين صلى الله عليه وسلم في الصوم
وسئل صلى الله عليه وسلم أي الصوم أفضل فقال شعبان لتعظيم رمضان قيل فأي الصدقة أفضل قال صدقة رمضان ذكره الترمذي والذي في الصحيح انه سئل أي الصيام افضل بعد شهر رمضان فقال شهر الله الذي تدعونه المحرم قيل فأي الصلاة افضل بعد المكتوبة قال الصلاة في جوف الليل
قال شيخنا ويحتمل ان يريد بشهر الله المحرم اول العام وان يريد به الاشهر الحرم والله اعلم
وسألته صلى الله عليه وسلم عائشة رضى الله عنها فقالت يا رسول الله دخلت على وانت صائم ثم اكلت حيسا فقال نعم إنما منزلة من صام في غير رمضان أوقضى رمضان في التطوع بمنزلة رجل اخرج صدقة من ماله فجاد منها بما شاء فأمضاه وبخل بما شاء فأمسكه ذكره النسائي
ودخل صلى الله عليه وسلم على أم هانئ فشرب ثم ناولها فشربت فقالت إني كنت صائمة فقال الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر
294
ذكره أحمد وذكر الدارقطني أن أبا سعيد صنع طعاما فدعا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال رجل من القوم إني صائم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع لك أخوك طعاما وتكلف لك أخوك أفطر وصم يوما آخر مكانه وذكر أحمد أن حفصة أهديت لها شاة فأكلت منها هي وعائشة وكانتا صائمتين فسألتا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال أبدلا يوما مكانه
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال قد اشتكيت عيني أفأكتحل وأنا صائم قال نعم ذكره الترمذي وذكر الدارقطني أنه سئل أفريضة الوضوء من القيء فقال لا لو كان فريضة لوجدته في القرآن وفي إسناد الحديثين مقال
وسأله صلى الله عليه وسلم عمر بن أبي سلمة أيقبل الصائم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم سل هذه لأم سلمة فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك قال يارسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إنى لأتقاكم لله وأخشاكم له ذكره مسلم وعند الامام احمد ان رجلا قبل امرأته وهو صائم في رمضان فوجد من ذلك وجدا شديدا فأرسل امرأته فسألت أم سلمة عن ذلك فأخبرتها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله فأخبرت زوجها فزاده ذلك شرا وقال لسنا مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يحل لرسوله ما شاء ثم رجعت امرأته إلى ام سلمة فوجدت عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذه المرأة فأخبرته ام سلمة فقال ألا اخبرتيها أنى أفعل ذلك قالت قد أخبرتها فذهبت إلى زوجها فزاده ذلك شرأ وقال لسنا مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يحل لرسوله ما شاء فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال والله إنى لأتقاكم لله وأعلمكم بحدوده ذكره مالك واحمد والشافعي رضى الله عنهم وذكر أحمد ان شابا
295
ساله فقال أقبل وأنا صائم قال لا وسأله شيخ أقبل وأنا صائم قال نعم ثم قال إن الشيخ يملك نفسه
وساله صلى الله عليه وسلم رجل فقال يا رسول الله أكلت وشربت ناسيا وانا صائم فقال أطعمك الله وسقاك ذكره أبو داود وعند الدارقطني فيه بإسناد صحيح أتم صومك فإن الله أطعمك وسقاك ولا قضاء عليك وكان اول يوم من رمضان
وسألته صلى الله عليه وسلم عن ذلك امرأة أكلت معه فأمسكت فقال مالك فقالت كنت صائمة فنسيت فقال ذو اليدين الان بعد ماشبعت فقال صلى الله عليه وسلم أتمى صومك فإنما هو رزق ساقه الله إليك ذكره احمد
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الخيط الابيض والخيط الاسود فقال هو بياض النهار وسواد الليل ذكره النسائي
ونهاهم عن الوصال وواصل فسألوه عن ذلك فقال إنى لست كهيئتكم انى يطعمنى ربي ويسقينى متفق عليه
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال يا رسول الله تدركني الصلاة وانا جنب فأصوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا تدركني الصلاة وانا جنب فأصوم فقال لست مثلنا يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال والله إنى لأرجو ان اكون أخشاكم لله وأعلمكم بما اتقى ذكره مسلم
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الصوم في السفر فقال إن شئت صمت وإن شئت أفطرت وسأله صلى الله عليه وسلم حمزة بن عمرو فقال إنى أجد في قوة على الصيام في السفر فهل على جناح فقال هي رخصة الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب ان يصوم فلا جناح عليه ذكرهما مسلم
296
وسئل صلى الله عليه وسلم عن تقطيع قضاء رمضان فقال ذلك إليك أرأيت لو كان على أحدكم دين قضى الدرهم والدرهمين الم يكن ذلك قضاء فالله احق ان يعفو ويغفر ذكره الدارقطني وإسناده حسن
وسألته صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت إن أمي ماتت وعليها صوم نذره أفأصوم عنها فقال أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها قالت نعم قال فصومي عن أمك متفق عليه
وعن أبي داود ان امرأة ركبت البحر فنذرت إن الله عزوجل نجاها ان تصوم شهرا فنجاها الله فلم تصم حتى ماتت فجاءت ابنتها أواختها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها ان تصوم عنها
وسالته صلى الله عليه وسلم حفصة فقالت إنى أصبحت أنا وعائشة صائمتين متطوعتين فأهدى لنا طعام فأفطرنا عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقضيا مكانه يوما ذكره احمد ولا ينافى هذا قوله الصائم المتطوع امير نفسه فإن القضاء افضل
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال هلكت وقعت على امرأتي وأنا صائم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تجد رقبة تعتقها قال لا قال فهل تستطيع ان تصوم شهرين متتابعين قال لا قال هل تجد إطعام ستين مسكينا قال لا قال اجلس فبينا نحن على ذلك إذ أتى النبي صلى الله عليه وسلم بفرق فيه تمر والفرق المكتل الضخم فقال اين السائل قال أنا قال خذ هذا فتصدق به فقال الرجل أعلى أفقر منى يا رسول الله فوالله ما بين لابتيها يريد الحرتين أهل بيت أفقر من أهل بيتي فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ثم قال أطعمه أهلك متفق عليه
297
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل أي شهر تأمرني أن أصوم بعد رمضان فقال إن كنت صائما بعد رمضان فصم المحرم فإنه شهر فيه تاب الله على قوم ويتوب فيه على قوم آخرين ذكره احمد
وسئل صلى الله عليه وسلم يا رسول الله لم نرك تصوم في شهر من الشهور ما تصوم في شعبان فقال ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الاعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملى وأنا صائم ذكره احمد
وسئل صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الاثنين فقال ذاك يوم ولدت فيه وفيه انزل على القرآن ذكره مسلم
وسأله صلى الله عليه وسلم أسامة فقال يا رسول الله إنك تصوم لا تكاد تفطر وتفطر حتى لا تكاد تصوم إلا يومين إن دخلا في صيامك وإلا صمتهما قال أي يومين قال يوم الاثنين ويوم الخميس قال ذانك يومان تعرض فيهما الاعمال على رب العالمين فأحب ان يعرض عملى وانا صائم ذكره احمد
وسئل صلى الله عليه وسلم فقيل يا رسول الله إنك تصوم الاثنين والخميس فقال إن يوم الاثنين والخميس يغفر الله فيهما لكل مسلم إلا مهتجرين يقول حتى يصطلحا ذكره بن ماجة
وسئل صلى الله عليه وسلم يا رسول الله كيف بمن يصوم الدهر قال لا صام ولا أفطر أوقال لم يصم ولم يفطر قال كيف بمن يصوم يومين ويفطر يوما قال ويطيق ذلك احد قال كيف بمن يصوم يوما ويفطر يوما قال ذاك صوم داود عليه السلام قال كيف بمن يصوم يوما ويفطر يومين قال وددت أنى طوقت ذلك ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان
298
هذا صيام الدهر كله صيام يوم عرفة احتسب على الله ان يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده وصيام يوم عاشوراء احتسب على الله ان يكفر السنة التي بعده ذكره مسلم
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل اصوم يوم الجمعة ولا أكلم أحدا فقال لا تصم يوم الجمعة إلا في أيام هو أحدها أوفي شهر واما ان لا تكلم احدا فلعمرى ان تكلم بمعروف أوتنهى عن منكر خير من ان تسكت ذكره احمد
وساله صلى الله عليه وسلم عمر رضى الله عنه فقال إنى نذرت في الجاهلية ان أعتكف يوما في المسجد الحرام فكيف ترى فقال اذهب فاعتكف يوما
وسئل صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر أفي رمضان أوفي غيره قال بل في رمضان فقيل تكون مع الأنبياء ما كانوا فإذا قبضوا رفعت أم هي إلى يوم القيامة قال بل هي إلى يوم القيامة فقيل في أي رمضان هي قال التمسوها في العشر الأول أوفي العشر الأخر فقيل في أي العشرين قال ابتغوها في العشر الأواخر لا تسألني عن شيء بعدها فقال أقسمت عليك بحقي عليك لما أخبرنتي في أي العشر هي فغضب غضبا شديدا وقال التمسوها في السبع الأواخر لا تسألن عن شيء بعدها ذكره أحمد والسائل أبو ذر وعند أبي داود أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن ليلة القدر فقال في كل رمضان وسئل عنها أيضا فقال كم الليلة فقال السائل اثنتان وعشرون فقال هي الليلة ثم رجع فقال أوالقابلة يريد ثلاثا وعشرين ذكره أبو داود
وسأله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أنيس متى نلتمس هذه الليلة المباركة فقال التمسوها هذه الليلة وذلك مساء ليلة ثلاث وعشرين
وسألته صلى الله عليه وسلم عائشة رضى الله عنها إن وافقتها فبم أدعو قال قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني حديث صحيح
299
فصل فتاوي إمام المفتين صلى الله عليه وسلم في الحج
وسألته صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها فقالت نرى الجهاد أفضل الأعمال أفلا نجاهد قال لكن أفضل الجهاد وأجمله حج مبرور ذكره البخاري وزاد أحمد لكن هو جهاد
وسألته صلى الله عليه وسلم امرأة ما يعدل حجة معك فقال عمرة في رمضان ذكره أحمد وأصله في الصحيح
وسألته صلى الله عليه وسلم أم معقل فقالت يا رسول الله إن على حجة وإن لأبي معقل بكرا فقال ابو معقل صدقت قد جعلته في سبيل الله فقال اعطها فلتحج عليه فإنه في سبيل الله فأعطاها البكر فقالت يا رسول الله إنى امرأة قد كبرت سنى وسقمت فهل من عمل يجزئ عنى من حجتي فقال عمرة في رمضان تجزئ عن حجة ذكره ابو داود
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال إني أكرى في هذا الوجه وكان الناس يقولون ليس لك حج فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبه حتى نزلت هذه الاية ! < ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم > ! فارسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأها عليه وقال لك حج ذكره ابو داود
وسئل صلى الله عليه وسلم أي الحج افضل قال العج والثج فقيل ما الحاج قال الشعث التفل قال ما السبيل قال الزاد والراحلة ذكره الشافعي
وسئل صلى الله عليه وسلم عن العمرة أواجبه هي فقال لا وان تعتمر فهو افضل قال الترمذي صحيح وعند احمد ان اعرابيا قال يا رسول الله أخبرني عن العمرة اواجبه هي فقال لا وان تعتمروا خير لكم
300
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال إن ابي ادركه الاسلام وهو شيخ كبير لا يستطيع ركوب الرحل والحج مكتوب علينا أفأحج عنه قال انت اكبر ولده قال نعم قال أرأيت لو كان على ابيك دين فقضيته عنه كان ذلك يجزئ عنه قال نعم قال فحج عنه ذكره احمد
وسأله صلى الله عليه وسلم ابو ذر فقال أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن فقال له حج عن ابيك واعتمر قال الدارقطنى رجال إسناده كلهم ثقات
وسأله رجل فقال إن ابي مات ولم يحج أفاحج عنه فقال أرأيت إن كان على أبيك دين أكنت قاضيه قال نعم قال فدين الله أحق ذكره احمد
وسألته صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت إن امي ماتت ولم تحج أفأحج عنها قال نعم حجى عنها حديث صحيح وعند الدارقطني ان رجلا سأله قال هلك أبي ولم يحج قال أرأيت لو كان على ابيك دين فقضيته أيقبل منك قال نعم قال فاحجج عنه وهو يدل على ان السؤال والجواب إنما كانا عن القبول والصحة لا عن الوجوب والله أعلم
وأفتى صلى الله عليه وسلم رجلا سمعه يقول لبيك عن شبرمة قريب له فقال احججت عن نفسك قال لا قال حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة ذكره الشافعي واحمد رحمهما الله تعالى
وسألته امرأة عن صبى رفعته إليه فقالت ألهذا حج قال نعم ولك أجر ذكره مسلم
وسأله رجل فقال إن أختي نذرت أن تحج وإنها ماتت فقال النبي صلى الله عليه وسلم لو كان عليها دين أكنت قاضيه قال نعم قال فاقض الله فهو أحق بالقضاء متفق عليه
301
وسئل ما يلبس المحرم في إحرامه فقال لا يلبس القميص ولا العمامة ولا البرنس ولا السراويل ولا ثوبا مسه ورس ولا زعفران ولا الخفين إلا أن لا يجد نعلين فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين متفق عليه
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل عليه جبة وهو متضمخ بالخلوق فقال احرمت بعمرة وانا كما ترى فقال انزع عنك الجبة واغسل عنك الصفرة متفق عليه وفي بعض طرقه واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك
وسأله صلى الله عليه وسلم ابو قتادة عن الصيد الذي صاده وهو حلال فأكل اصحابه منه وهو محرمون فقال هل معكم منه شئ فناوله العضد فأكلها وهو محرم متفق عليه
وسئل صلى الله عليه وسلم عما يقتل المحرم فقال الحية والعقرب والفويسقة والكلب العقور والسبع العادي زاد احمد ويرمى بالغراب ولا يقتل
وسألته صلى الله عليه وسلم ضباعة بنت الزبير فقالت إنى اريد الحج وانا شاكية فقال النبي صلى الله عليه وسلم حجى واشترطى ان محلى حيث حبستني ذكره مسلم واستفتته ام سلمة في الحج وقالت إنى اشتكى فقال طوفي من وراء الناس وانت راكبة
وسألته صلى الله عليه وسلم عائشة فقالت يا رسول الله ألا أدخل البيت فقال ادخلى الحجر فإنه من البيت
واستفتاه صلى الله عليه وسلم عروة بن مضرس فقال يا رسول الله جئت من جبلى طى أذللت مطيتى واتعبت نفسي والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه هل لي من حج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدرك معنا هذه الصلاة يعنى صلاة الفجر وأتى عرفات قبل ذلك ليلا أونهارا تم حجه وقضى تفثه حديث صحيح
302
واستفتاه صلى الله عليه وسلم ناس من أهل نجد فقالوا يا رسول الله كيف الحج فقال الحج عرفة فمن جاء قبل صلاة الفجر تم حجة ومن تأخر فلا إثم عليه ثم أردف رجلا خلفه ينادي بهن ذكره احمد
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال لم أشعر فحلقت قبل ان أذبح فقال اذبح ولاحرج وسأله صلى الله عليه وسلم آخر فقال لم أشعر فنحرت قبل ان ارمي فقال ارم ولا حرج فما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شئ قدم ولا أخر إلا قال افعل ولا حرج متفق عليه وعند احمد فما سئل يومئذ عن امر مما ينسئ المرء أويجهل من تقديم بعض الامور على بعض وأشباهها إلا قال افعل ولاحرج وفي لفظ حلقت قبل ان انحر قال اذبح ولا حرج وساله صلى الله عليه وسلم آخر قال حلقت ولم أرم قال ارم ولا حرج وفي لفظ انه سئل عمن ذبح قبل ان يحلق أوحلق قبل ان يذبح قال لا حرج وقال كان الناس يأتونه فمن قائل يا رسول الله سعيت قبل ان اطوف واخرت شيئا وقدمت شيئا فكان يقول لا حرج إلا على رجل اقترض عرض مسلم وهو ظالم فذلك الذي حرج وهلك ذكره ابو داود
وأفتى صلى الله عليه وسلم كعب بن عجرة ان يحلق رأسه وهو محرم لاذى القمل وان ينسك بشاة أويطعم ستة مساكين أويصوم ثلاثة ايام
وأفتى صلى الله عليه وسلم من أهدى بدنه ان يركبها متفق عليه
وسأله صلى الله عليه وسلم ناجية الخزاعى ما يصنع بما عطب من الهدى فقال انحرها واغمس نعلها في دمها واضرب به صفحاتها وخل بينها وبين الناس فيأكلوها ولا يأكل منه هو ولا أحد من أهل رفقته
وساله عمر فقال إنى أهديت نجيبا فأعطيت بها ثلاثمائة دينار فأبيعها
303
فأشترى بها بدنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا انحرها إياها
وسأله صلى الله عليه وسلم زيد بن ارقم ما هذه الاضاحي فقال سنة أبيكم ابراهيم صلاة الله وسلامة عليه قال فما لنا منها قال بكل شعرة حسنة قالوا يا رسول الله فالصوف قال بكل شعرة من الصوف حسنة ذكره احمد
وسأله صلى الله عليه وسلم امير المؤمنين علي بن ابي طالب كرم الله وجهه عن يوم الحج الاكبر فقال يوم النحر ذكره الترمذي وعند ابي داود بإسناد صحيح ان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فيها فقال أي يوم هذا قالوا يوم النحر فقال هذا يوم الحج الاكبر وقد قال تعالى ! < وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله > ! وإنما أذن المؤذن بهذه البراءة يوم النحر وثبت في الصحيح عن ابي هريرة انه قال يوم الحج الاكبر يوم النحر
وأفتى صلى الله عليه وسلم اصحابه بجواز فسخهم الحج إلى العمرة ثم افتاهم باستحبابه ثم أفتاهم بفعله حتما ولم ينسخه شئ بعده وهو الذي ندين الله به ان القول بوجوبه اقوى واصح من القول بالمنع منه وقد صح عنه صحة لا شك فيها انه قال من لم يكن أهدى فليهل بعمرة ومن كان أهدى فليهل بحج مع عمرة وأما ما فعله هو فإنه صح عنه انه قرن بين الحج والعمرة من بضعة وعشرين وجها رواه عنه ستة عشر نفسا من أصحابه ففعل القرآن وامر بفعله من ساق الهدى وامر بفسخه إلى التمتع من لم يسق الهدى وهذا من فعله وقوله كأنه راى عين وبالله التوفيق
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل أرأيت إن لم أجد إلا منيحة أنثى أفأضحى بها قال لا ولكن خذ من شعرك وأظفارك وقص شاربك
304
وتحلق عانتك وذلك تمام أضحيتك عند الله ذكره ابو داود والمنيحة الشاة التي أعطاه إياها غيره لينتفع بلبنها فمنعت من التضحية بها بأنها ليست ملكة وإن كان قد منحها هو غيره وقتا معلوما لزم الوفاء له بذلك فلا يضحى بها أيضا
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة من أصحابه كانوا معه فأخرج كل واحد منهم درهما فاشتروا اضحية فقالوا يا رسول الله لقد أغلينا بها فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن افضل الضحايا اغلاها واسمنها فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ رجل برجل ورجل برجل ورجل بيد ورجل بيد ورجل بقرن ورجل بقرن وذبحها السابع وكبروا عليها جميعا ذكره احمد نزل هؤلاء النفر منزلة اهل البيت الواحد في إجزاء الشاة عنهم لانهم كانوا رفقة واحدة وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال إن على بدنه وأنا مؤثر بها ولا أجدها فأشتريها فأفتاه النبي صلى الله عليه وسلم ان يبتاع سبع شياه فيذبحهن ذكره احمد
وسأله صلى الله عليه وسلم زيد بن خالد عن جذع من المعز فقال ضح به ذكره احمد
وسأله صلى الله عليه وسلم ابو بردة بن نيار عن شاة ذبحها يوم العيد فقال أقبل الصلاة قال نعم قال تلك شاة لحم قال عندى عناق جذعة هي أحب إلى من مسنة قال تجزئ عنك ولن تجزئ عن احد بعدك ذكره احمد وهو صحيح صريح في ان الذبح قبل الصلاة لا يجزئ سواء دخل وقتها أو لم يدخل وهذا الذي ندين الله به قطعا ولا يجوز غيره
وفي الصحيحين من حديث جندب بن سفيان البجلى عنه صلى الله عليه وسلم من كان ذبح قبل ان يصلي فليذبح مكانها اخرى ومن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح باسم الله
305
وفي الصحيحين من حديث انس عنه صلى الله عليه وسلم انه قال من كان ذبح قبل الصلاة فليعد ولا قول لاحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
وسأله صلى الله عليه وسلم ابو سعيد فقال اشتريت كبشا اضحي به فعدا الذئب فأخذ أليته فقال ضح به ذكره احمد
وأفتى صلى الله عليه وسلم من أراد الخروج إلى بيت المقدس للصلاة ان يصلي في مكة ذكره احمد
وسأله صلى الله عليه وسلم آخر يوم فتح مكة فقال إنى نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس فقال صل ها هنا ثم ساله فقال شأنك إذا ذكره ابو داود
وسأله صلى الله عليه وسلم ابو ذر أي مسجد وضع في الارض اول قال المسجد الحرام قال ثم أي قال المسجد الاقصى قال كم بينهما قال أربعون عاما متفق عليه
وسئل صلى الله عليه وسلم أى المسجدين اسس على التقوى قال مسجدكم هذا يريد مسجد المدينة ذكره مسلم وزاد الامام احمد وفي ذلك خير كثير يعنى مسجد قباء
فصل فتاوى إمام المفتين صلى الله عليه وسلم في فضل بعض من سور القرآن
وسئل أى آية في القرآن اعظم فقال الله لا إله إلا هو الحي القيوم ذكره ابو داود
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب انه قبر فإذا إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها فقال النبي صلى الله عليه وسلم
306
هي المانعة هي المنجية تنجيه من عذاب القبر ذكره الترمذي وقال بن عبدالبر هو صحيح
وساله صلى الله عليه وسلم رجل فقال اقرئني سورة جامعة فأقرأه ! < إذا زلزلت الأرض > ! حتى فرغ منها فقال الرجل والذي بعثك بالحق لا أزيد عليها أبدا ثم أدبر الرجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم افلح الرو يجل مرتين ذكره ابو داود
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال إنى احب سورة ! < قل هو الله أحد > ! فقال حبك اياها ادخلك الجنة
وقال له عقبة بن عامر أقرأ سورة هود وسورة يوسف فقال لن تقرأ شيئا أبلغ عند الله من ! < قل أعوذ برب الفلق > ! و ! < قل أعوذ برب الناس > ! ذكره النسائي
وفي الترمذي عنه انه سئل صلى الله عليه وسلم أي الاعمال احب إلى الله قال الحال المرتحل وفهم بعضهم من هذا انه اذا فرغ من ختم القرآن قرأ فاتحة الكتاب وثلاث آيات من سورة البقرة لانه حل بالفراغ وارتحل بالشروع وهذا لم يفعله احد من الصحابة ولا التابعين ولا استحبه احد من الائمة والمراد بالحديث الذي كلما حل من غزاة ارتحل في أخرى أوكلما حل من عمل ارتحل إلى غيره تكميلا له كما كمل الاول واما هذا الذي يفعله بعض القراء فليس مراد الحديث قطعا وبالله التوفيق
وقد جاء تفسير الحديث متصلا به أن يضرب من أول القران إلى اخره كلما حل ارتحل وهذا له معنيان احدهما انه كلما حل من سورة أوجزء ارتحل في غيره والثاني انه كلما حل من ختمه ارتحل في أخرى
وسئل عن أهل الله من هم فقال هم اهل القرآن أهل الله وخاصته ذكره احمد
وسأله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمرو بن العاص في كم اقرأ القران
307
فقال في شهر فقال أطيق أفضل من ذلك فقال في عشرين فقال اطيق أفضل من ذلك فقال في خمس عشرة فقال اطيق افضل من ذلك قال في عشر فقال اطيق افضل من ذلك قال في خمس قال اطيق افضل من ذلك قال لا يفقه القرأن من قراه في اقل من ثلاث ذكره احمد
واختلف رجلان في اية كل منهما أخذها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه عنها فقال لكل منهما هكذا انزلت ثم قال انزل القران على سبعة احرف متفق عليه
وسئل صلى الله عليه وسلم أي المجاهدين اعظم أجرا قال أكثرهم ذكرا لله قيل فأي الصائمين اعظم أجرا قال اكثرهم لله ذكرا ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة كل ذلك يقول اكثرهم لله ذكرا فقال ابو بكر لعمر رضى الله عنهما ذهب الذاكرون بكل خير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل ذكره احمد
وسئل صلى الله عليه وسلم عن المفردين الذين هم اهل السبق فقال الذاكرون الله كثيرا وفي لفظ المشتهرون بذكر الله يضع الذكر عنهم اثقالهم فيأتون يوم القيامة خفافا ذكره الترمذي
وسئل عن رياض الجنة فقال حلق الذكر
وسئل صلى الله عليه وسلم عن أهل الكرم الذين يقال لهم يوم القيامة سيعلم اهل الجمع من اهل الكرم فقال هم اهل الذكر في المساجد ذكره احمد
وسئل عن غنيمة مجالس الذكر فقال غنيمة مجالس الذكر الجنة ذكره احمد
وسئل صلى الله عليه وسلم عن قوم غزوا فقالوا ما رأينا افضل غنيمة ولا اسرع رجعة منهم فقال ادلكم على قوم أفضل غنيمة منهم واسرع رجعة قوم شهدوا صلاة الصبح ثم جلسوا يذكرون الله حتى طلعت الشمس فأولئك اسرع رجعة وافضل غنيمة ذكره الترمذي
308
وسئل صلى الله عليه وسلم عن خيار الناس فقال الذين إذا رأوا ذكر الله ذكروا ذكره احمد
وسئل صلى الله عليه وسلم عن خير الاعمال وازكاها عند الله وأرفعها في الدرجات فقال ذكر الله ذكره احمد
وسئل صلى الله عليه وسلم أي الدعاء اسمع فقال جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات ذكره احمد وقال الدعاء بين الاذان والاقامة لا يرد قالوا فماذا نقول يا رسول الله قال سلوا الله العافية في الدنيا والاخرة ذكره الترمذي
وسئل صلى الله عليه وسلم بأي شئ نختم الدعاء فقال بآمين ذكره ابو داود
وسئل صلى الله عليه وسلم عن تمام النعمة فقال الفوز بالجنة والنجاة من النار ذكره الترمذي فنسأل الله تمام نعمته بالفوز بالجنة والنجاة من النار وسئل صلى الله عليه وسلم عن الاستعجال المانع من إجابة الدعاء فقال يقول قد دعوت قد دعوت فلم يستجب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء ذكره مسلم وفي لفظ يقول قد سألت قد سألت فلم أعط شيئا
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الباقيات الصالحات فقال التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد ولا حول ولا قوة إلا بالله ذكره احمد
وسأله صلى الله عليه وسلم الصديق رضى الله عنه ان يعلمه دعاء يدعو به في صلاته فقال قل اللهم إنى ظلمت نفسي ظلما كثيرا وإنه لا يغفر الذنوب إلا انت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك انت الغفور الرحيم متفق عليه
وسأله صلى الله عليه وسلم الاعرابي الذي علمه ان يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له الله اكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله رب العالمين
309
ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم فقال هذا لربي فما لي فقال قل اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني وعافني فإن هؤلاء تجمع لك دنياك وأخرتك ذكره مسلم
وسئل صلى الله عليه وسلم عن رياض الجنة فقال المساجد فسئل صلى الله عليه وسلم عن الرتع فيها فقال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر ذكره الترمذي
واستفتاه صلى الله عليه وسلم رجل فقال لا استطيع ان آخذ من القرآن شيئا فعلمنى ما يجزيني قال قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله قال يا رسول الله هذا لله فما لي قال قل اللهم ارحمني وعافني واهدني وارزقني فقال هكذا بيده وقبضها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما هذا فقد ملأ يده من الخير ذكره ابو داود
ومر صلى الله عليه وسلم بأبي هريرة وهو يغرس غرسا فقال الا ادلك على غراس خير لك من هذا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر يغرس لك بكل واحدة شجرة في الجنة ذكره بن ماجه
وسئل صلى الله عليه وسلم كيف يكسب احدنا كل يوم الف حسنة قال يسبح مائة تسبيحة يكتب له الف حسنة أويحط عنه الف خطيئة ذكره مسلم
وافتى صلى الله عليه وسلم من قال له لدغتني عقرب بأنه لو قال حين امسى أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضره ذكره مسلم
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل أن يعلمه تعوذا يتعوذ به فقال قل اللهم إنى أعوذ بك من شر سمعي وشر بصري وشر لساني وشر قلبي وشرهنى يعني الفرج ذكره النسائي
وسئل صلى الله عليه وسلم عن كيفية الصلاة عليه فقال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم وعلى ال ابراهيم انك
310
حميد مجيد وبارك على محمد وعلى أل محمد كما باركت على ابراهيم وعلى ال ابراهيم انك حميد مجيد متفق عليه
وقال له صلى الله عليه وسلم معاذ يا رسول الله اخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار قال لقد سالت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ثم قال ألا أدلك على ابواب الخير قلت بلى يا رسول الله قال الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وصلاة الرجل في جوف الليل ثم قال الا اخبرك برأس الامر وعموده وذروة سنامه رأس الامر الاسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ثم قال الا اخبرك بملاك ذلك كله قلت بلى يا رسول الله قال كف عليك هذا وأشار إلى لسانه قلت يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به فقال ثكلتك امك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد السنتهم حديث صحيح
وسأله صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة قال تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان فقال والذي نفسي بيده لاأزيد على هذا ولا أنقص منه فلما ولى قال النبي صلى الله عليه وسلم من سره ان ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا متفق عليه
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل آخر فقال أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويبعدني من النار فقال تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة وتصل الرحم متفق عليه
وساله اعرابي فقال علمني عملا يدخلني الجنة فقال لئن كنت اقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة اعتق النسمة وفك الرقبة قال أوليسا واحدا
311
قال لا عتق النسمة ان تنفرد بعتقها وفك الرقبة ان تعين في عتقها والمنحة الوكوف والفيء على ذي الرحم الظالم فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع واسق الظمآن وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من خير ذكره أحمد
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل ما الإسلام فقال أن يسلم قلبك لله وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك قال فأي الإسلام أفضل قال الإيمان قال وما الإيمان قال تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت قال فأي الإيمان أفضل قال الهجرة قال وما الهجرة قال أن تهجر السوء قال فأي الهجرة أفضل قال الجهاد قال وما الجهاد قال أن تقاتل الكفار إذا لقيتهم قال فأي الجهاد أفضل قال من عقر جواده وأهريق دمه ثم عملان هما أفضل الأعمال إلا من عمل بمثلهما حجة مبرورة أوعمرة ذكره أحمد
وسئل صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل فقال الإيمان بالله وحده ثم الجهاد ثم حجة مبرورة تفضل سائر العمل كما بين مطلع الشمس ومغربها ذكره أحمد
وسئل صلى الله عليه وسلم أيضا أي الأعمال أفضل فقال أن تحب لله وتبغض لله وتعمل لسانك في ذكر الله قال السائل وماذا يا رسول الله قال وأن تحب للناس ما تحب لنفسك وأن تقول خيرا أوتصمت
واختلف نفر من الصحابة في أفضل الأعمال فقال بعضهم سقاية الحاج وقال بعضهم عمارة المسجد الحرام وقال بعضهم الحج وقال بعضهم الجهاد في سبيل الله فاستفتى عمر في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل ! < أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين > !
312
إلى قوله تعالى ! < وأولئك هم الفائزون > !
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال يا رسول الله شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصليت الخمس وأديت زكاة مالي وصمت شهر رمضان فقال من مات على هذا كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا ونصب أصابعه مالم يعق والديه ذكره أحمد
وسأله صلى الله عليه وسلم آخر فقال أرأيت إذا صليت المكتوبة وصمت رمضان وأحللت الحلال وحرمت الحرام ولم أزد على ذلك شيئا أدخل الجنة قال نعم قال والله لا أزيد على ذلك شيئا ذكره مسلم
وسئل صلى الله عليه وسلم أي الأعمال خير قال أن تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف متفق عليه
وسأله صلى الله عليه وسلم أبو هريرة فقال إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني فأنبئني عن كل شيء فقال كل شيء خلق من ماء قال أنبئني عن أمر إذا أخذت به دخلت الجنة قال أفش السلام وأطعم الطعام وصل الأرحام وقم بالليل والناس نيام ثم ادخل الجنة بسلام ذكره أحمد
وسأله صلى الله عليه وسلم آخر فشكا إليه قسوة قلبه فقال إذا أردت أن يلين قلبك فأطعم المسكين وامسح رأس اليتيم
وسئل صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل قال طول القيام قيل فأي الصدقة أفضل قال جهد المقل قيل فأي الهجرة أفضل قال من هجر ما حرم الله عليه قيل فأي الجهاد أفضل قال من جاهد المشركين بماله ونفسه قيل فأي القتل أشرف قال من أهريق دمه وعقر جواده ذكره أبو داود
313
وسئل صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل قال إيمان لا شك فيه وجهاد لا غلول فيه وحج مبرور
وسأله صلى الله عليه وسلم أبو ذر فقال من أين أتصدق وليس لي مال قال إن من أبواب الصدقة التكبير وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله وأستغفر الله وتأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر وتعزل الشوكة عن طريق الناس والعظم والحجر وتهدي الأعمى وتسمع الأصم والأبكم حتى يفقه وتدل المستدل على حاجة له قد علمت مكانها وتسعى بشدة ساقيك إلى اللهفان المستغيث وترفع بشدة ذراعيك مع الضعيف كل ذلك من أبواب الصدقة منك على نفسك ولك من جماعك لزوجتك أجر فقال أبو ذر فكيف يكون لي أجر في شهوتي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت لو كان لك ولد ورجوت أجرة فمات أكنت تحتسب به قلت نعم قال أنت خلقته قلت بل الله خلقه قال فأنت هديته قلت بل الله هداه قال فأنت كنت رزقته قلت بل الله كان يرزقه قال فكذلك فضعه في حلاله وجنبه حرامه فإن شاء الله أحياه وإن شاء الله اماته فلك اجر ذكره أحمد
وسأل صلى الله عليه وسلم أصحابه يوما من أصبح منكم اليوم صائما قال أبو بكر أنا قال من اتبع منكم اليوم جنازة قال أبو بكر انا قال من أطعم منكم اليوم مسكينا قال أبو بكر أنا قال فمن عاد منكم اليوم مريضا قال أبو بكر أنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اجتمعن في رجل إلا دخل الجنة ذكره مسلم
وسئل صلى الله عليه وسلم يا رسول الله الرجل يعمل العمل فيستره فإذا اطلع عليه أعجبه فقال له أجران أجر السر وأجر العلانية ذكره الترمذي
وسأله صلى الله عليه وسلم أبو ذر يا رسول الله أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير يحمده الناس عليه قال تلك عاجل بشرى المؤمن ذكره مسلم
314
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل أي العمل أفضل فقال الإيمان بالله وتصديق به وجهاد في سبيله قال أريد أهون من ذلك يا رسول الله قال السماحة والصبر قال أريد أهون من ذلك قال لا تتهم الله تعالى في شيء قضى لك ذكره أحمد
وسأله صلى الله عليه وسلم عقبة عن فواضل الأعمال فقال يا عقبة صل من قطعك وأعط من حرمك وأعرض عمن ظلمك ذكره أحمد
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل كيف لي أن أعلم إذا أحسنت أني قد أحسنت وإذا أسأت أني قد أسأت فقال إذا قال جيرانك إنك قد أحسنت فقد أحسنت وإذا قالوا قد أسأت فقد أسأت ذكره بن ماجة وعند الإمام أحمد إذا سمعتهم يقولون قد أحسنت فقد أحسنت وإذا سمعتهم يقولون قد أسأت فقد أسأت
فصل فتاوي إمام المفتين صلى الله عليه وسلم في الأموال
وسئل صلى الله عليه وسلم أي الكسب أفضل قال عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور ذكره أحمد
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال إن لي مالا وولدا وإن أبى يريد أن يجتاح مالي قال أنت ومالك لأبيك إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم فكلوه هنيئا ذكره أبو داود وأحمد
وسألته صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت إنا كل على آبائنا وأبنائنا وأزواجنا فما يحل لنا من أموالهم قال الرطب تأكلينه وتهدينه ذكره أبو داود وقال عقبة الرطب يعني به ما يفسد إذا بقي
وسئل صلى الله عليه وسلم إنا نأخذ على كتاب الله أجرا فقال إن
315
أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله ذكره البخاري في قصة الرقية
وسئل صلى الله عليه وسلم عن أموال السلطان فقال ما أتاك الله منها من غير مسألة ولا إشراف فكله وتموله ذكره أحمد
وسئل صلى الله عليه وسلم عن أجرة الحجام فقال أعلفه ناضحك وأطعمه رقيقك ذكره مالك
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل عن عسب الفحل فنهاه فقال إنا نطرق الفحل فنكرم فرخص له في الكرامة حديث حسن ذكره الترميذي
ونهى عن القسامة بضم القاف فسئل عنها فقال الرجل يكون على الفئام من الناس فيأخذ من حظ هذا وحظ هذا ذكره ابو داود
وسئل صلى الله عليه وسلم أي الصدقة افضل قال سقى الماء
بعض الفتاوي المختلفة
وسألته صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت يا رسول الله اني احب الصلاة معك قال قد علمت انك تحبين الصلاة معي وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي فأمرت فبنى لها مسجد في اقصى شيء من بيتها واظلم فكانت تصلي فيه حتى لقيت الله عز وجل
وسئل صلى الله عليه وسلم أي البقاع شر قال لا ادري حتى اسال جبريل فسأل جبريل فقال لا ادري حتى اسأل ميكائيل فجاء فقال خير البقاع المساجد وشرها الاسواق
وقال في الانسان ستون وثلاثمائة مفصل عليه ان يتصدق عن كل مفصل صدقة فسألوه من يطيق ذلك قال النخامة تراها في المسجد فتدفنها أوالشيء فتنحيه عن الطريق فإن لم تجد فركعتا الضحى يجزيانك
316
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الصلاة قاعدا فقال من صلى قائما فهو افضل ومن صلى قاعدا فله نصف اجر القائم ومن صلى مضطجعا فله نصف اجر القاعد قلت وهذا له محملان احدهما ان يكون في النافلة عند من يجوزها مضطجعا والثاني على المعذور فيكون له بالفعل النصف والتكميل بالنية
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال ما يمنعني ان اتعلم القران الا خشية ان لا اقوم به فقال تعلم القران واقرأه وارقد فإن مثل القران لمن تعلمه فقرأه وقال به كمثل جراب محشو مسكا يفوح ريحه على كل مكان ومن تعلمه ورقد وهو في جوفه كمثل جراب وكي على مسك
وقال عن رجل توفي من أصحابه ليته مات في غير مولده فسئل لم ذلك فقال إن الرجل إذا مات في غير مولده قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة ذكر هذه الأحاديث أبو حاتم وبن حبان في صحيحه
وسئل صلى الله عليه وسلم أيغني الدواء شيئا فقال سبحان الله وهل أنزل الله تبارك وتعالى من داء في الأرض إلا جعل له شفاء
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الرقي والأدوية هل ترد من قدر الله شيئا قال هي من قدر الله
وسئل صلى الله عليه وسلم عن رجل من المسلمين طعن رجلامن المشركين في الحرب فقال خذها وأنا الغلام الفارسي فقال لا بأس في ذلك يحمد ويؤجر ذكر هما احمد
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل أن يعلمه ما ينفعه فقال لا تحقرن من المعروف شيئا ولو ان تفرغ من دلوك في إناء المستسقي ولو أن تكلم أخاك ووجهك منبسط إليه وإياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة ولايحبها الله
317
وإن امرؤ شتمك بما يعلم فيك فلا تشتمه بما تعلم منه فإن أجره لك ووباله على من قاله
وسئل صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية فقال لا تحل لمن شهد انى رسول الله ذكره أحمد
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها كيف يصنع معهم فقال صل الصلاة لوقتها ثم صل معهم فإنها لك نأفلة حديث صحيح
وسألته صلى الله عليه وسلم امرأة صفوان بن المعطل السلمي فقالت إنه يضربني إذا صليت ويفطرني إذا صمت ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس فسأله عما قالت امرأته فقال أما قولها يضربني إذا صليت فإنها تقرأ بسورتين وقد نهيتها عنهما فقال صلى الله عليه وسلم لو كانت سورة واحدة لكفت الناس وأما قولها يفطرني إذا صمت فإنها تنطلق فتصوم وأنا رجل شاب ولا أصبر فقال صلى الله عليه وسلم يومئذ لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها قال وأما قولها لا أصلي حتى تطلع الشمس فإنا أهل بيت لا نكاد أن نستيفظ حتى تطلع الشمس فقال صل إذا استيقظت ذكره بن حبان
قلت ولهذا صادف أم المؤمنين في قصة الإفك لأنه كان في آخر الناس ولا ينافي هذا الحديث قوله في حديث الإفك والله ما كشفت كنف أنثى قط فإنه إلى ذلك الوقت لم يكشف كنف أنثى قط ثم تزوج بعد ذلك
وسئل صلى الله عليه وسلم عن قتل الوزغ فأمر بقتله ذكره بن حبان
وسئل صلى الله عليه وسلم عن رجل نذر أن يمشي إلى الكعبة فجعل بهادي بين رجلين فقال إن الله لغنى عن تعذيب هذا نفسه وأمره أن يركب
318
واستفتاه صلى الله عليه وسلم رجل في جار له يؤذيه فأمره بالصبر ثلاث مرات فقال له في الرابعة اطرح متاعك في الطريق ففعل فجعل الناس يمرون به ويقولون ماله ويقول آذاه جاره فجعلوا يقولون لعنه الله فجاءه جاره فقال رد متاعك والله لا اوذيك أبدا ذكره أحمد وبن حبان
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال إني أذنبت ذنبا كبيرا فهل لي من توبة فقال له ألك والدان فقال لا قال فلك خالة قال نعم قال فبرها ذكره بن حبان
وسئل صلى الله عليه وسلم عن رجل قد أوجب فقال أعتقوا عنه رقبة يعتق الله بكل عضومنها عضوا منه من النار ذكره بن حبان أيضا
أوجب أي استوجب النار بذنب عظيم ارتكبه
وسأله رجل فقال إن أبوي قد هلكا فهل بقي من بعد موتها شيء فقال نعم الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عقودهما من بعدهما وإكرام صديقهما وصلة رحمهما التي لا رحم لك إلا من قبلهما قال الرجل ما ألذ هذا وأطيبه قال فاعمل به
وسئل صلى الله عليه وسلم عن رجل شد على رجل من المشركين ليقتله فقال إني مسلم فقتله فقال فيه قولا شديدا فقال إنما قاله تعوذا من السيف فقال إن الله حرم علي أن أقتل مؤمنا حديث صحيح وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال يارسول الله أخبرنا بخيرنا من شرنا فقال خيركم من يرجى خيره ويؤمن شره وشركم من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره ذكره بن حبان
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل ما الذي بعثك الله به فقال الإسلام فقال
319
وما الإسلام قال أن تسلم قلبك لله وأن توجه وجهك لله وأن تصلي الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة أخوان نصيران لا يقبل الله من عبد توبة أشرك بعد إسلامه ذكره بن حبان أيضا
وسأله صلى الله عليه وسلم الأسود بن سريع فقال أرأيت إن لقيت رجلا من المشركين فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ مني بشجرة فقال أسلمت لله أفأقتله بعد أن قالها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقتله فقلت يا رسول الله إنه قطع إحدى يدي ثم قال ذلك بعد إن قطعها أفأقتله قال لا تقتله فإنك إن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وأنت بمنزلته قبل ان يقول كلمته التي قال حديث صحيح
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال يارسول الله مررت برجل فلم يضفني ولم يقرني أفأحتكم قال بل اقره ذكرهما بن حبان وقوله أحتكم أي أعامله إذا مر بي بمثل ما عاملني به
وسأله صلى الله عليه وسلم أبو ذر فقال الرجل يحب القوم ولا يستطيع أن يعمل بعملهم قال يا أبا ذر أنت مع من أحببت قال فإني أحب الله ورسوله قال انت يا أبا ذر مع من أحببت
وسأله صلى الله عليه وسلم ناس من الأعراب فقالوا أفتنا في كذا أفتنا في كذا أفتنا في كذا أفتنا في كذا فقال أيها الناس إن الله قد وضع عنكم الحرج إلا من اقترض من عرض أخيه فذلك الذي حرج وهلك قالوا أفنتداوى يا رسول الله قال نعم إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له دواء غير داء واحد قالوا يا رسول الله وما هو قال الهرم قالوا فأي الناس أحب إلى الله يا رسول الله قال أحب الناس إلى الله أحسنهم خلقا ذكره أحمد وبن حبان
320
وسأله صلى الله عليه وسلم عدي بن حاتم فقال إن ابي كان يصل الرحم وكان يفعل ويفعل فقال إن أباك أراد أمرا فأدركه يعني الذكر قال قلت يا رسول الله إني أسألك عن طعام لا أدعه إلا تحرجا قال لا تدع شيئا ضارع النصرانية فيه قال قلت إني أرسل كلبي المعلم فيأخذ صيدا فلا أجد ما أذبح به إلا المروة والعصي قال لا أهرق الدم بما شئت واذكر اسم الله ذكره بن حبان
وسألته صلى الله عليه وسلم عائشة عن بن جدعان وما كان يفعل في الجاهلية من صلة الرحم وحسن الجوار وقري الضيف هل ينفعه فقال لا لأنه لم يق يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين
وسأله صلى الله عليه وسلم سفيان بن عبد الله الثقفي أن يقول له قولا لا يسأل عنه أحدا بعده فقال قل آمنت بالله ثم استقم
وسألته صلى الله عليه وسلم من أكرم الناس فقال أتقاهم لله قالوا لسنا عن هذا نسألك قال فعن معادان العرب تسألوني خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا
وسألته صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت إني نذرت إن ردك الله سالما ان أضرب على رأسك بالدف فقال إن كنت نذرت فافعلي وإلا فلا قالت إني كنت نذرت فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربت بالدف حديث صحيح وله وجهان أحدهما أن يكون أباح لها الوفاء بالنذر المباح تطيبا لقلبها وجبرا وتأليفا لها على زيادة الإيمان وقوته وفرحها بسلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم والثاني أن يكون هذا النذر قربة لما تضمنه من السرور والفرح بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم سالما مؤيدا منصورا على أعدائه قد أظهره الله وأظهر دينه وهذا من أفضل القرب فامرت بالوفاء به
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال يا رسول الله الرجل يريد الجهاد في
321
سبيل الله وهو يبتغي من عرض الدنيا فقال لا أجر له فأعظم ذلك الناس فقالوا للرجل أعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلعلك لم تفهمه فقال الرجل يا رسول الله رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي من عرض الدنيا فقال لا أجر له فأعظم ذلك الناس فقالوا أعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأعاد فقال لا أجر له
سأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال أقاتل أوأسلم قال أسلم ثم قاتل فأسلم ثم قاتل فقتل فقال البي صلى الله عليه وسلم هذا عمل قليلا وأجر كثيرا
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل ما أكثر ما تخاف على فأخذ بلسانه ثم قال هذا
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال قل لي قولا ينفعني الله به وأقلل لعلي أعقله فقال لا تغضب فردد مرارا كل ذلك يقول له لا تغضب
وسألته صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت إن لي ضرة فهل على جناح إن استكثرت من زوجي بما لا يعطيني فقال المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور وكل هذه الأحاديث في الصحيح
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال إن شرائع الإسلام قد كثرت على فأوصنى بشيء أتشبت به فقال لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله ذكره أحمد
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال يا رسول الله أرسل ناقتي وأتوكل على الله فقال بل اعقلها وتوكل ذكره بن حبان والترمذي
وقال له صلى الله عليه وسلم رجل ليس عندي يا رسول الله ما أتزوج به قال أو ليس معك قل هو الله أحد قال بلى قال ثلث القرآن قال أليس معك قل يا أيها الكافرون قال بلى قال ربع القرآن قال أليس معك إذا زلزلت الأرض قال بلى قال ربع القرآن
322
قال
أليس معك إذا جاء نصر الله قال بلى قال ربع القرآن أليس معك آية الكرسي قال بلى قال ربع القرآن قال تزوج تزوج تزوج ثلاث مرات ذكره أحمد
وسأله صلى الله عليه وسلم معاذ فقال يا رسول الله أرأيت إن كان علينا أمراء لا يستنون بسنتك ولا يأخذون بأمرك فما تأمرنا في أمرهم قال لا طاعة لمن لم يطع الله
وسأله صلى الله عليه وسلم أنس أن يشفع له فقال إني فاعل قال فأين أطلبك يوم القيامة قال اطلبني أول ما تطلبني على الصراط قلت فإذا لم ألقك على الصراط قال فأنا على الميزان قلت فإن لم ألقك عند الميزان قال فأنا عند الحوض لا أخطئ هذه الثلاث مواطن يوم القيامة ذكرهما أحمد
وسأله صلى الله عليه وسلم الحجاج بن علاط فقال إن لى بمكة مالا وإن لي بها أهلا وإني أريد أن آتيهم فأنا في حل إن أنا نلت منك أوقلت شيئا فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول ما شاء ذكره أحمد
وفيه دليل على أن الكلام إذا لم يرد به قائلة معناه إما لعدم قصده له أولعدم علمه به أوانه أراد به غير معناه لم يلزمه مالم يرده بكلامه وهذا هو دين الله الذي أرسل به رسوله ولهذا لم يلزم المكره على التكلم بالكفر الكفر ولم يلزم زائل العقل بجنون أو نوم أو سكر ما تكلم به ولم يلزم الحجاج بن علاط حكم ما تكلم به لأنه أراد به غير معناه ولم يعقد قلبه عليه وقد قال تعالى ! < لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان > ! وفي الاية الاخرى ! < ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم > ! فالاحكام في الدنيا والاخرة مرتبة على ما كسبه القلب وعقد عليه وأراده من معنى كلامه
323
وسألته صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت يا رسول الله إن نساء اسعدنني في الجاهلية يعنى في النوح أفأساعدهن في الاسلام فقال
لا إسعاد في الاسلام ولا شغار في الاسلام ولا عقر في الاسلام ولاجلب في الاسلام ومن انتهب فليس منا ذكره احمد
والاسعاد اسعاد المراة في مصيبتها بالنوح والشغار ان يزوج الرجل ابنته على ان يزوجه الآخر ابنته والعقر الذبح على قبور الموتى والجلب الصياح على الفرس في السباق والجنب ان يجنب فرسا فإذا اعيت فرسه انتقل إلى تلك في المسابقة
وسأله صلى الله عليه وسلم بعض الانصار فقالوا قد كان لنا جمل نسير عليه وانه قد استصعب علينا ومنعنا ظهره وقد عطش الزرع والنخل فقال لاصحابه قوموا فقاموا فدخل الحائط والجمل في ناحيته فمشى النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم نحوه فقالت الانصار يا نبي الله انه قد صار مثل الكلب الكلب وانا نخاف عليك صولته فقال ليس علي منه بأس فلما نظر الجمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اقبل نحوه حتى خر ساجدا بين يديه فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بناصيته اذل ما كان قط حتى ادخله في العمل فقال له الصحابة يا نبي الله هذا بهيمة لا تعقل تسجد لك ونحن نعقل فنحن احق ان نسجد لك فقال لا يصلح لبشر ان يسجد لبشر ولو صلح لبشر ان يسجد لبشر لا مرت المراة ان تسجد لزوجها من عظم حقه عليها والذي نفسي بيده لو كان من قدمه إلى مفرق راسه يتنجس بالقيح والصديد ثم استقبلته تلحسه ما ادت حقه ذكره احمد فأخذ المشركون مع مريديهم بسجود الجمل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتركوا قوله لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر وهؤلاء شر من الذين يتبعون المتشابه ويدعون المحكم
وسئل صلى الله عليه وسلم فقيل له ان اهل الكتاب يحتفون ولا ينتعلون في الصلاة قال فاحتفوا وانتعلوا وخالفوا اهل الكتاب قالوا فإن اهل
324
الكتاب يقصون عثانينهم ويوفرون سبالهم فقال قصوا سبالكم ووفروا عثانينكم وخالفوا اهل الكتاب ذكره احمد
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال يا نبي الله مررت بغار فيه شيء من ماء فحدثت نفسي بأن أقيم فيه فيقوتني ما فيه من ماء وأصيب ما حوله من البقل وأتخلى عن الدنيا فقال النبي صلى الله عليه وسلم إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكني بعثت بالحنيفية السمحة والذي نفس محمد بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة
فصل فتاوي امام المفتين صلى الله عليه وسلم في أنواع البيوع
واخبرهم ان الله سبحانه وتعالى حرم عليهم بيع الخمر والميتة والخنزير وعبادة الاصنام فسألوه وقالوا ارايت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال هو حرام ثم قال قاتل الله اليهود فإن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه واكلوا ثمنه
وفي قوله هو حرام قولان احدهما ان هذه الافعال حرام والثاني ان البيع حرام وان كان المشتري يشتريه لذلك والقولان مبنيان على ان السؤال منهم هل وقع عن البيع لهذا الانتفاع المذكور أووقع عن الانتفاع المذكور والاول اختيار شيخنا وهو الاظهر لانه لم يخبرهم اولا عن تحريم هذا الانتفاع حتى يذكروا له حاجتهم إليه وانما اخبرهم عن تحريم البيع
325
فأخبروه انهم يبتاعونه لهذا الانتفاع فلم يرخص لهم في البيع ولم ينههم عن الانتفاع المذكور ولا تلازم بين جواز البيع وحل المنفعة والله اعلم
وسأله صلى الله عليه وسلم أبو طلحة عن أيتام ورثوا خمرا فقال أهرقها قال أفلا أجعلها خلا قال لا حديث صحيح وفي لفظ أن أبا طلحة قال يا رسول الله إني اشتريت خمرا لايتام في حجري فقال أهرق الخمر واكسر الدنان
وسأله صلى الله عليه وسلم حكيم بن حزام فقال الرجل يأتيني ويريد مني البيع وليس عندي ما يطلب أفأبيع منه ثم أبتاع من السوق قال لا تبع ماليس عندك ذكره أحمد
وسأله صلى الله عليه وسلم أيضا فقال إني أبتاع هذه البيوع فما يحل لي منها وما يحرم علي منها قال يا بن أخي لا تبيعن شيئا حتى تقبضه ذكره أحمد
وعند النسائي ابتعت طعاما من طعام الصدقة فربحت فيه قبل أن أقبضه فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فقال لا تبعه حتى تقبضه
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الصلاح الذي إذا وجد جاز بيع الثمار فقال تحمار وتصفار ويؤكل منها متفق عليه
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال ماالشيء الذي لا يحل منعه قال الماء قال ماالشيء الذي لا يحل منعه قال الملح قال ثم ماذا قال النار ثم سأله صلى الله عليه وسلم ماالشيء الذي لا يحل منعه قال أن تفعل الخير خير لك ذكره ابو داود
وسئل ان يحجر على رجل يغبن في البيع لضعف في عقدته فنهاه عن البيع فقال لا أصبر عنه فقال إذا بايعت فقل لا خلابة وأنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاثا
326
وسئل صلى الله عليه وسلم عن رجل ابتاع غلاما فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم ثم وجد به عيبا فرده عليه فقال البائع يا رسول الله قد استغل غلامي فقال الخراج بالضمان ذكره أبو داود
وسألته صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت إني امرأة أبيع وأشتري فإذا أردت أن أبتاع الشيء سمت به أقل مما أريد ثم زدت حتى أبلغ الذي أريد وإذا أردت ان ابيع الشيء سمت به أكثر من الذي اريد ثم وضعت حتى أبلغ الذي أريد فقال لا تفعلي إذا اردت ان تبتاعي شيئا فاستامى به الذي تريدين أعطيت أومنعت وإذا أردت ان تبيعي شيئا فاستامى به الذي تريدين أعطيت أومنعت ذكره بن ماجه
وسأله صلى الله عليه وسلم بلال عن تمر ردئ باع منه صاعين بصاع جيد فقال أوه عين الربا لا تفعل ولكن اذا اردت ان تشتري فبع التمر بيعا آخر ثم اشتر بالثمن متفق عليه
وسأله صلى الله عليه وسلم البراء بن عازب فقال اشتريت أنا وشريكي شيئا يدا بيد ونسيئة فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم فقال أما ما كان يدا بيد فخذوه وما كان نسيئة فذروه ذكره البخاري وهو صريح في تفريق الصفقة وعند النسائي عن البراء قال كنت أنا وزيد بن ارقم تاجرين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عن الصرف فقال إن كان يدا بيد فلا بأس وإن كان نسيئة فلا يصلح
وسأله صلى الله عليه وسلم فضالة بن عبيد عن قلادة اشتراها يوم خيبر باثنى عشر دينارا فيها ذهب وخرز ففصلها فوجد فيها اكثر من اثني عشر دينارا فقال لا تباع حتى تفصل ذكره مسلم وهو يدل على ان مسألة مد عجوة لا تجوز إذا كان أحد العوضين فيه ما في الاخر وزيادة فإنه صريح الربا
327
والصواب ان المنع مختص بهذه الصورة التي جاء فيها الحديث وما شابهها من الصور
وسئل صلى الله عليه وسلم عن بيع الفرس بالافراس والنجيبة بالإبل فقال لا بأس إذا كان يدا بيد ذكره احمد
وسأله صلى الله عليه وسلم بن عمر فقال اشترى الذهب بالفضة فقال إذا اخذت واحدا منهما فلا يفارقك صاحبك وبينك وبينه لبس وفي لفظ كنت أبيع الابل وكنت آخذ الذهب من الفضة والفضة من الذهب والدنانير من الدراهم والدراهم من الدنانير فسالت النبي صلى الله عليه وسلم فقال إذا اخذت أحدهما وأعطيت الآخر فلا يفارقك صاحبك وبينك وبينه لبس ذكره بن ماجه
وتفسير هذا ما في اللفظ الذي عند ابي داود عنه قلت يا رسول الله إنى ابيع الابل بالنقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير اخذ هذه من هذه واعطى هذه من هذه فقال لا بأس ان تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شئ ذكره احمد
وسئل صلى الله عليه وسلم عن اشتراء التمر بالرطب فقال اينقص الرطب إذا يبس قالوا نعم فنهى عن ذلك ذكره احمد والشافعي ومالك رضى الله عنهم
وسئل صلى الله عليه وسلم عن رجل اسلف في نخل فلم يخرج تلك السنة فقال اردد عليه ماله ثم قال لا تسلفوا في النخل حتى يبدو صلاحه وفي لفظ ان رجلا اسلم في حديقة نخل قبل ان يطلع النخل فلم يطلع النخل شيئا ذلك العام فقال المشتري هو لي حتى يطلع وقال البائع إنما بعتك النخل هذه السنة فاختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال للبائع أخذ من نخلك
328
شيئا قال لا قال فبم تستحل ماله اردد عليه ماله ثم قال لا تسلفوا في النخل حتى يبدو صلاحه
وهو حجة لمن لم يجوز السلم إلا في موجود الجنس حال العقد كما يقوله الاوزاعي والثوري وأصحاب الرأي
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال إن بني فلان قد أسلموا لقوم من اليهود وإنهم قد جاعوا فأخاف ان يرتدوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم من عنده قال رجل من اليهود عندي كذا وكذا لشئ سماه أراه قال ثلاثمائة دينار بسعر كذا وكذا من حائط بني فلان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بسعر كذا وكذا وليس من حائط بني فلان ذكره بن ماجه
فصل فتاوي إمام المفتين صلى الله عليه وسلم في فضل بعض الاعمال
وسأله صلى الله عليه وسلم حمزة بن عبد المطلب فقال اجعلني على شئ أعيش به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا حمزة نفس نحيها احب اليك ام نفس تميتها فقال نفس أحييها قال عليك نفسك ذكره احمد
وسئل صلى الله عليه وسلم ما عمل الجنة قال الصدق فإذا صدق العبد بر وإذا بر آمن وإذا آمن دخل الجنة
وسئل صلى الله عليه وسلم ما عمل أهل النار قال الكذب إذا كذب العبد فجر وإذا فجر كفر وإذا كفر دخل النار
وسئل صلى الله عليه وسلم عن أفضل الاعمال فقال الصلاة قيل ثم مه قال الصلاة ثلاث مرات فلما غلب عليه قال الجهاد في سبيل الله قال الرجل فإن لي والدين قال آمرك بالوالدين خيرا قال والذي بعثك بالحق نبيا لأجاهدن ولأتركهما فقال انت أعلم ذكره احمد
329
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الغرف التي في الجنة يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها لمن هي قال لمن ألان الكلام واطعم الطعام وبات لله قائما والناس نيام
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل أرأيت إن جاهدت بنفسي ومالي فقتلت صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر ادخل الجنة قال نعم فقال ذلك مرتين أوثلاثا قال إلا إن مت وعليك دين وليس عندك وفاؤه وأخبرهم بتشديد أنزل فسألوه عنه فقال الدين والذي نفسى بيده لو ان رجلا قتل في سبيل الله ثم عاش ثم قتل في سبيل الله ثم عاش ثم قتل في سبيل الله ما دخل الجنة حتى يقضى دينه ذكرهما احمد وسأله صلى الله عليه وسلم رجل عن أخيه مات وعليه دين فقال هو محبوس بدينه فاقض عنه فقال يا رسول الله قد أديت عنه إلا دينارين ادعتهما امرأة وليس لها بينة فقال أعطها فإنها محقة ذكره احمد
وفيه دليل على أن الوصي إذا علم بثبوت الدين على الميت جاز له وفاؤه وإن لم تقم به بينة
وسألوه صلى الله عليه وسلم ان يسعر لهم فقال إن الله هو الخالق القابض الباسط الرازق وإنى لأرجو ان القى الله ولا يطلبني احد بمظلمة ظلمتها إياه في دم أومال ذكره احمد
فصل متفرقات من فتاوي إمام المفتين صلى الله عليه وسلم
وساله صلى الله عليه وسلم رجل فقال ارضى ليس لاحد فيها شركة ولا قسمة إلا الجار فقال الجار احق بصقبه ذكره احمد والصواب العمل بهذه الفتوى اذا اشتركا في طريق أوحق من حقوق الملك
330
وسئل صلى الله عليه وسلم أي الظلم اعظم قال ذراع من الارض ينتقصه من حق اخيه وليست حصاة من الارض أخذها إلا طوقها يوم القيامة إلى قعر الارض ولا يعلم قعرها إلا الذي خلقها ذكره أحمد
وأفتى صلى الله عليه وسلم في شاة ذبحت بغير إذن صاحبها وقدمت إليه أن تطعم الاساري ذكره ابو داود
وافتى صلى الله عليه وسلم بأن ظهر الرهن يركب بنفقته إذا كان مرهونا ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا وعلى الذي يركب ويشرب النفقة ذكره البخاري واخذ احمد وغيره من أئمة الحديث بهذه الفتوى وهو الصواب
وأفتى صلى الله عليه وسلم بأن الرهن لا يغلق من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه حديث حسن
وأفتى صلى الله عليه وسلم في رجل اصيب في ثمار ابتاعها فكثر دينه فأمر ان يتصدق عليه فلم يوف ذلك دينه فقال للغرماء خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك ذكره مسلم
وأفتى صلى الله عليه وسلم من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به من غيره متفق عليه
وسألته صلى الله عليه وسلم امرأة عن حلى لها تصدقت به فقال لها لا يجوز لامرأة عطية في مالها إلا بإذن زوجها وفي لفظ لا يجوز للمرأة امر في مالها إذا ملك زوجها عصمتها ذكره اهل السنن وعند بن ماجه ان خيرة امرأة كعب بن مالك أتته بحلي فقالت تصدقت بهذا فقال هل استأذنت
331
كعبا فقالت نعم فبعث إلى كعب فقال هل أذنت لخيرة ان تتصدق بحليها هذا فقال نعم فقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال ليس لي مال ولي يتيم فقال كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر ولا متأثل مالا ومن غير ان تقى مالك أوقال تفدى مالك بماله
ولما نزلت ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي احسن عزلوا اموال اليتامى حتى جعل الطعام يفسد واللحم ينتن فسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ذكره احمد وأهل السنن
وسئل صلى الله عليه وسلم عن لقطة الذهب والورق فقال اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه
فسئل صلى الله عليه وسلم عن ضالة الابل فقال مالك ولها دعها فإن معها حذاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يحدها ربها
فسئل صلى الله عليه وسلم عن الشاة فقال خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو الذئب متفق عليه وفي لفظ لمسلم فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها وعددها ووكاءها فأعطها إياه وإلا فهي لك وفي لفظ لمسلم ثم كلها فإن جاء صاحبها فأدها إليه
وقال ابي بن كعب وجدت صرة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها مائة دينار فاتيت بها النبي صلى الله عليه وسلم فقال عرفها حولا فعرفتها حولا ثم اتيته بها فقال عرفها حولا فعرفتها ثم اتيته بها فقال عرفها حولا فعرفتها ثم اتيته بها الرابعة فقال اعرف عددها ووكاءها
332
ووعاءها فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها فاستمتعت بها متفق عليه واللفظ للبخاري
وساله صلى الله عليه وسلم رجل من مزينة عن الضالة من الإبل قال معها حذاؤها وسقاؤها تاكل الشجر وترد الماء فدعها حتى يأتيها باغيها قال الضالة من الغنم قال لك أو لأخيك أو للذئب تجمعها حتى يأتيها باغيها قال الحريسة التي توجد في مراتعها قال فيها ثمنها مرتين وضرب نكال وما أخذ من عطنه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن قال يا رسول الله فالثمار وما اخذ منها في أكمامها قال ما أخذ بفمه فلم يتخذ خبيئة فليس عليه شئ وما احتمل فعليه ثمنه مرتين وضرب نكال وما اخذ من أجرانه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن قالوا يا رسول الله فاللقطة يجدها في سبيل العامرة قال عرفها حولا فإن وجدت باغيها فأدها إليه وإلا فهي لك قال ما يوجد في الحرب العادي قال فيه وفي الركاز الخمس ذكره احمد واهل السنن
والإفتاء بما فيه متعين وإن خالفه من خالفه فإنه لم يعارضه ما يوجب تركه
وأفتى بأن من وجد لقطة فليشهد ذوى عدل وليحفظ عفاصها ووكاءها ثم لا يكتم ولا يغيب فإن جاء ربها فهو أحق بها وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء
وسئل صلى الله عليه وسلم عن رجل جلس لحاجته فاخرج جرذ من جحر دينارا ثم أخرج آخر ثم أخرج آخر حتى اخرج سبعة عشر دينارا ثم اخرج طرف خرقة حمراء فأتى بها السائل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبرها وقال خذ صدقتها قال ارجع بها لا صدقة فيها بارك الله لك فيها ثم قال لعلك أهويت بيدك في الجحر قلت لا والذي أكرمك بالحق فلم يفن آخرها حتى مات
333
وقوله والله اعلم لعلك اهويت بيدك في الجحر إذ لو فعل ذلك لكان ذلك في حكم الركاز وإنما ساق الله هذا المال إليه بغير فعل منه أخرجته له الارض بمنزلة ما يخرج من المباحات ولهذا والله أعلم لم يجعله لقطة إذ لعله علم انه من دفن الكفار
فصل فتاوي إمام المفتين صلى الله عليه وسلم في الهدية والصدقة
وأهدى له صلى الله عليه وسلم عياض بن حماد إبلا قبل أن يسلم فابى أن يقبلها وقال إنا لا نقبل زبد المشركين قال قلت وما زبد المشركين قال رفدهم وهديتهم ذكره احمد ولا ينافى هذا قبوله هدية اكيدر وغيره من اهل الكتاب لانهم اهل كتاب فقبل هديتهم ولم يقبل هدية المشركين
وسأله صلى الله عليه وسلم عبادة بن الصامت فقال رجل أهدى إلى قوسا ممن كنت اعلمه الكتاب والقرآن وليست بمال وأرمي عليها في سبيل الله فقال إن كنت تحب ان تطوق طوقا من نار فاقبلها
ولا ينافي هذا قوله ? < إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله > ? في قصة الرقية لان تلك جعالة على الطب فطبه بالقرآن فأخذ الاجرة على الطب لا على تعليم القرآن وههنا منعه من أخذ الاجرة على تعليم القرآن فإن الله تعالى قال لنبيه ! < قل لا أسألكم عليه أجرا > ! وقال تعالى ! < قل ما سألتكم من أجر فهو لكم > ! وقال تعالى ! < اتبعوا من لا يسألكم أجرا > ! فلا يجوز أخذ الاجرة على تبليغ الاسلام والقرآن
وسأله صلى الله عليه وسلم ابو النعمان بن بشير ان يشهد على غلام نحله لابنه فلم يشهد وقال لا تشهدني على جور وفي لفظ إن هذا لا يصلح وفي لفظ أكل ولدك نحلته مثل هذا قال لا قال فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم وفي لفظ فارجعه وفي لفظ اشهد على هذا غيري متفق عليه وهذا امر تهديد قطعا لا امر إباحة لانه سماه جورا وخلاف العدل واخبر أنه لا يصلح
334
وامره برده ومحال مع هذا ان يأذن الله له في الاشهاد على ما هذا شأنه وبالله التوفيق
وساله صلى الله عليه وسلم سعد بن ابي وقاص رضى الله عنه فقال يا رسول قد بلغ بي من الوجع ما ترى وانا رجل ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي أفأتصدق بثلثي مالي قال لا قلت فالشطر يا رسول الله قال لا قلت فالثلث قال الثلث والثلث كثير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس وإنك لن تنفق نفقة تبتغى بها وجه الله إلا اجرت بها حتى ما تجعل في في امرأتك متفق عليه
وساله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص فقال يا رسول الله إن ابي اوصى أن يعتق عنه مائة رقبة فأعتق ابنه هشام خمسين وبقيت عليه خمسون رقبة أفأعتق عنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه لو كان مسلما فأعتقتم عنه أو تصدقتم عنه أو حججتم عنه بلغه ذلك ذكره ابو داود
فصل فتاوي إمام المفتين صلى الله عليه وسلم في المواريث
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال إن بن ابني مات فما لي من ميراثه فقال لك السدس فلما أدبر دعاه فقال لك سدس آخر فلما ولى دعاه وقال إن السدس الآخر طعمة ذكره احمد
وسأله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضى الله عنه عن الكلالة فقال يكفيك من ذلك الآية التي انزلت في الصيف في آخر سورة النساء ذكره مالك
وسأله صلى الله عليه وسلم جابر كيف اقضى في مالي ولا يرثني إلا كلالة فنزلت ! < يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة > ! ذكره البخاري
335
وسأله صلى الله عليه وسلم تميم الداري يا رسول الله ما السنة في الرجل من المشركين يسلم على يد رجل من المسلمين فقال هو اولى الناس بمحياه ومماته ذكره أبو داود
وسألته صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت كنت تصدقت على امي بوليدة وإنها ماتت وتركت الوليدة قال قد وجب اجرك ورجعت اليك في الميراث ذكره أبو داود وهو ظاهر جدا في القول بالرد فتأمله
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الكلالة قال ما خلا الولد والوالد ذكره ابو عبد الله المقدسي في احكامه
وسألته صلى الله عليه وسلم امرأة سعد فقالت يا رسول الله هاتان ابنتا سعد قتل معك يوم احد وإن عمهما اخذ جميع ما ترك ابوهما وإن المرأة لا تنكح إلا على مالها فسكت النبي صلى الله عليه وسلم حتى انزلت آية الميراث فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخا سعد بن الربيع فقال اعط بنتى سعد ثلثي ميراثه واعط امرأته الثمن وخذ انت ما بقى ذكره احمد
وسئل ابو موسى الاشعري عن ابنه وابنة بن واخت فقال للبنت النصف وللاخت النصف وأت بن مسعود فسيتابعنى فسئل بن مسعود واخبر بقول ابي موسى فقال لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين اقضى فيها بما قضى النبي صلى الله عليه وسلم للبنت النصف ولا بنة الابن السدس تكملة الثلثين وما بقى فللاخت ذكره البخاري
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال عندي ميراث رجل من الازد ولست أجد ازديا ادفعه إليه فقال اذهب فالتمس ازديا حولا فأتاه بعد الحول فقال يا رسول الله لم أجد أزديا أدفعه إليه قال فانطلق فانظر أول خزاعي تلقاه فادفعه إليه فلما ولى قال على بالرجل فلما جاءه قال انظر اكبر خزاعة فادفعه إليه ذكره احمد
336
وسئل صلى الله عليه وسلم عن رجل مات ولم يدع وازثا إلا غلاما له كان اعتقه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل له احد قالوا لا إلا غلاما له كان اعتقه فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثه له ذكره احمد واهل السنن وهو حسن وبهذه الفتوى نأخذ
وأفتى صلى الله عليه وسلم بأن المرأة تحوز ثلاثة مواريث عتيقها ولقيطها وولدها الذي لا عنت عليه ذكره احمد وأهل السنن وهو حديث حسن وبه نأخذ
وأفتى صلى الله عليه وسلم بأن المرأة ترث من دية زوجها وماله وهو يرث من ديتها ومالها ما لم يقتل احدهما صاحبة عمدا فإذا قتل أحدهما صاحبه عمدا لم يرث من ديته وماله شيئا وإن قتل أحدهما صاحبه خطأ ورث من ماله ولم يرث من ديته ذكره بن ماجه وبه نأخذ
وأفتى صلى الله عليه وسلم بأنه أيما رجل عاهر بحرة او امه فالولد ولد زنا لا يرث ولا يورث ذكره الترمذي
وقضى صلى الله عليه وسلم في ولد المتلاعنين انه يرث امه وترثه امه ومن قذفها جلد ثمانين ومن دعاه ولد زنا جلد ثمانين ذكره احمد وابو داود وعند ابي داود وجعل ميراث ولد الملاعنة لامه ولورثتها من بعدها
فتاوي إمام المفتين صلى الله عليه وسلم في العتق
وسأله صلى الله عليه وسلم الشريد بن سويد فقال إن امي اوصت ان تعتق عنها رقبة مؤمنة وعندي جارية سوداء نوبية أفأعتقها عنها فقال ائت بها فقال من ربك قالت الله قال من انا قالت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اعتقها فإنها مؤمنة ذكره اهل السنن
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال على عتق رقبة مؤمنة وأتاه بجارية سوداء أعجمية فقال لها اين الله فأشارت إلى السماء بأصبعها السبابة فقال
337
لها من انا فأشارت بأصبعها إلى رسول الله والى السماء أي انت رسول الله فقال اعتقها ذكره احمد
وسأله معاوية بن الحكم السلمي فقال كانت لي جارية ترعى غنما لي قبل نجد والجوابية فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها وأنا رجل من بني آدم آسف كما ياسفون فصككتها صكة فعظم ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت افلا أعتقها فقال ائتنى بها فقال لها اين الله قالت في السماء قال من انا قالت انت رسول الله قال اعتقها فإنها مؤمنة
قال الشافعي فلما وصفت الايمان وان ربها تبارك وتعالى في السماء قال اعتقها فإنها مؤمنة فقد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم اين الله
وسأل صلى الله عليه وسلم اين الله فأجاب من سأله بأن الله في السماء فرضى جوابه وعلم به انه حقيقة الايمان لربه واجاب هو صلى الله عليه وسلم من سأله اين الله ولم ينكر هذا السؤال عليه وعند الجهمى ان السؤال بأين الله كالسؤال بما لونه وما طعمه وما جنسه وما أصله ونحو ذلك من الاسئلة المحالة الباطلة
وسالته صلى الله عليه وسلم ميمونة ام المؤمنين فقالت أشعرت انى اعتقت وليدتى قال لو اعطيتها اخوالك كان اعظم لاجرك متفق عليه
وسأله صلى الله عليه وسلم نفر من بني سليم عن صاحب لهم قد اوجب يعنى النار بالقتل فقال اعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار ذكره ابو داود
338
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل كم اعفو عن الخادم فصمت عنه ثم قال يا رسول الله كم اعفو عن الخادم قال اعف عنه كل يوم سبعين مرة ذكره ابو داود
وسئل صلى الله عليه وسلم عن ولد الزنى فقال لا خير فيه نعلان أجاهد فيهما في سبيل الله أحب إلى من ان اعتق ولد الزنى ذكره احمد
وساله صلى الله عليه وسلم سعد بن عبادة فقال إن امي ماتت وعليها نذر أفيجزى عنها ان اعتق عنها قال اعتق عن أمك ذكره احمد وعند مالك إن أمي هلكت 2 فهل ينفعها ان اعتق عنها فقال نعم
واستفتته صلى الله عليه وسلم عائشة رضى الله عنها فقالت إنى اردت ان اشترى جارية فأعتقها فقال اهلها نبيعكها على ان ولاءها لنا فقال لا يمنعك ذلك إنما الولاء لمن اعتق
والحديث في الصحيح فقالت طائفة يصح الشرط والعقد ويجب الوفاء به وهو خطأ وقالت طائفة يبطل العقد والشرط وإنما صح عقد عائشة لان الشرط لم يكن في صلب العقد وإنما كان متقدما عليه فهو بمنزلة الوعد لا يلزم الوفاء به وهذا وإن كان اقرب من الذي قبله فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يعلل به ولا اشار في الحديث إليه بوجه ما والشرط المتقدم كالمقارن وقالت طائفة في الكلام إضمار تقديره اشترطى لهم الولاء أولا تشترطيه فإن اشتراطه لا يفيد شيئا لأن الولاء لمن أعتق وهذا اقرب من الذي قبله مع مخالفته لظاهر اللفظ وقالت طائفة اللام بمعنى على أي اشترطى عليهم الولاء فأنك انت التي تعتقين والولاء لمن اعتق وهذا وإن كان اقل تكلفا مما تقدم ففيه الغاء الاشتراط فإنها لو لم تشترطه لكان الحكم كذلك وقالت طائفة هذه الزيادة ليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم بل هي من قول
339
هشام بن عروة وهذا جواب الشافعي نفسه وقال شيخنا بل الحديث على ظاهره ولم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم باشتراط الولاء تصحيحا لهذا الشرط ولا إباحة له ولكن عقوبة لمشترطه إذ ابى ان يبيع جارية للمعتق إلا باشتراط ما يخالف حكم الله تعالى وشرعه فأمرها ان تدخل تحت شرطهم الباطل ليظهر به حكم الله ورسوله لان الشروط الباطلة لا تغير شرعه وإن من شرط ما يخالف دينه لم يجز ان يوفى له بشرطه ولا يبطل البيع به وإن من عرف فساد الشرط وشرطه ألغى اشتراطه ولم يعتبر فتأمل هذه الطريقة وما قبلها من الطرق والله تعالى أعلم
فصل فتاوي إمام المفتين صلى الله عليه وسلم في الزواج
وسئل صلى الله عليه وسلم أي النساء خير فقال التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا امر ولا تخالفه فيما يكره في نفسها وماله ذكره احمد
وسئل صلى الله عليه وسلم أي المال يتخذ فقال ليتخذ احدكم قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على أمر الآخرة ذكره احمد والترمذي وحسنه
وساله صلى الله عليه وسلم رجل فقال إنى اصبت امرأة ذات حسب وجمال وإنها لا تلد أفأتزوجها قال لا ثم أتاه الثانية فنهاه ثم أتاه الثالثة فقال تزوجوا الولود الودود فإنى مكاثر بكم الامم
وسأله صلى الله عليه وسلم ابو هريرة رضى الله عنه فقال إنى رجل شاب وإنى أخاف الفتنة ولا أجد ما أتزوج به أفلا أختصي قال فسكت عني ثم قلت فسكت عنى ثم قال يا أبا هريرة جف القلم بما أنت لاق فاختصر على ذلك أوزد ذكره البخاري
340
وسأله صلى الله عليه وسلم آخر فقال يا رسول الله أئذن لي ان اختصى قال خصاء امتى الصيام ذكره احمد
وسأله صلى الله عليه وسلم ناس من اصحابه فقالوا ذهب اهل الدثور بالاجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول اموالهم قال أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به ان كل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وامر بمعروف صدقة ونهى عن منكر صدقة وفي بضع احدكم صدقة قالوا يا رسول الله يأتي احدنا شهوته ويكون له فيها اجر قال ارايتم لو كان وضعها في حرام اكان عليه وزر فكذلك اذا كان وضعها في الحلال كان له اجر ذكره مسلم
وافتى صلى الله عليه وسلم من اراد ان يتزوج امراة بأن ينظر اليها
وسأله صلى الله عليه وسلم المغيرة بن شعبة عن امراة خطبها قال اذهب فانظر اليها فإنه اجدر ان يؤدم بينكما فأتى ابويها فأخبرهما بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فكأنهما كرها ذلك فسمعت ذلك المراة وهي في خدرها فقالت ان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم امرك ان تنظر فانظر والا فإني انشدك كأنها عظمت ذلك عليه قال فنظرت اليها فتزوجتها فذكر من موافقتها له ذكره احمد واهل السنن
وسأله صلى الله عليه وسلم جرير عن نظرة الفجاءة فقال اصرف بصرك ذكره مسلم
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال عوراتنا ما نأتي منها وما نذر قال احفظ عورتك الا من زوجتك وما ملكت يمينك قال قلت يا رسول الله اذا كان القوم بعضهم في بعض فقال ان استطعت ان لا يرينها احد فلا يرينها قال قلت يا رسول الله اذا كان احدنا خاليا قال الله احق ان يستحيا منه ذكره اهل السنن
341
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل ان يزوجه امراة فأمره ان يصدقها شيئا ولو خاتما من حديد فلم يجده فقال ما معك من القران قال معي سورة كذا وسورة كذا قال تقرؤهن عن ظهر قلبك قال نعم قال اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن متفق عليه
واستأذنته صلى الله عليه وسلم ام سلمة في الحجامة فأمر ابا طيبة ان يحجمها قال حسبت انه كان اخاها من الرضاعة أوغلاما لم يحتلم ذكره مسلم
وأمر صلى الله عليه وسلم ام سلمة وميمونة ان يحتجبا من بن ام مكتوم فقالتا اليس هو اعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا قال افعمياوان انتما الستما تبصرانه ذكره اهل السنن وصححه الترمذي فأخذت طائفة بهذه الفتوى وحرمت على المراة نظرها إلى الرجل وعارضت طائفة اخرى هذا الحديث بحديث عائشة في الصحيحين انها كانت تنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد وفي هذه المعارضة نظر اذ لعل قصة الحبشة كانت قبل نزول الحجاب وخصت طائفة اخرى ذلك بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم
وسألته صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها عن الجارية ينكحها اهلها اتستأمر ام لا فقال نعم تستأمر قالت عائشة رضي الله عنها فإنها تستحى فقال صلى الله عليه وسلم فذاك اذنها اذا هي سكتت متفق عليه
وبهذه الفتوى نأخذ وانه لا بد من استئمار البكر وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم الايم احق بنفسها من وليها والبكر تستأمر في نفسها واذنها صماتها وفي لفظ والبكر يستأذنها ابوها في نفسها واذنها صماتها وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم لا تنكح البكر حتى تستأذن قالوا وكيف اذنها قال ان تسكت وسألته صلى الله عليه وسلم جارية بكر فقالت ان اباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم فقد امر باستئذان البكر
342
ونهى عن انكاحها بدون اذنها وخير صلى الله عليه وسلم من نكحت ولم تستأذن فكيف بالعدول عن ذلك كله ومخالفته بمجرد مفهوم قوله الأيم احق بنفسها من وليها كيف ومنطوقه صريح في ان هذا المفهوم الذي فهمه من قال تنكح بغير اختيارها غير مراد فإنه قال عقيبه والبكر تستأذن في نفسها بل هذا احتراز منه صلى الله عليه وسلم من حمل كلامه على ذلك المفهوم كما هو المعتاد في خطابه كقوله لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده فإنه لما نفى قتل المسلم بالكافر أوهم ذلك إهدار دم الكافر وأنه لا حرمة له فرفع هذا الوهم بقوله ولا ذو عهد في عهده ولما كان الاقتصار على قوله ولا ذو عهد يوهم انه لا يقتل إذا ثبت له العهد من حيث الجملة رفع هذا الوهم بقوله في عهده وجعل ذلك قيدا لعصمة العهد فيه وهذا كثير في كلامه صلى الله عليه وسلم لمن تأمله كقوله لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا اليها فإن نهيه عن الجلوس عليها لما كان ربما يوهم التعظيم المحذور رفعه بقوله ولا تصلوا اليها والمقصود ان امره باستئذان البكر ونهيه عن نكاحها بدون إذنها وتخييرها حيث لم تستأذن لا معارض له فيتعين القول به وبالله التوفيق
وسئل صلى الله عليه وسلم عن صداق النساء فقال هو ما اصطلح عليه أهلوهم ذكره الدارقطني وعنده مرفوعا أنكحوا اليتامى قيل يا رسول الله ما العلائق بينهم قال ما تراضى عليه الاهلون ولو قضيبا من أراك
وسألته صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت إن أبي زوجني من بن اخيه ليرفع بي خسيسته فجعل الامر اليها فقالت قد اجزت ما صنع ابي ولكن اردت ان يعلم النساء ان ليس إلى الاباء من الامر شئ ذكره احمد والنسائي
343
ولما هلك عثمان بن مظعون ترك ابنة له فزوجها عمها قدامة من عبد الله بن عمر ولم يستأذنها فكرهت نكاحه واحبت ان يتزوجها المغيرة بن شعبة فنزعها من بن عمر وزوجها المغيرة وقال إنها يتيمة ولا تنكح إلا بإذنها ذكره احمد
وسأله صلى الله عليه وسلم مرثد الغنوي فقال يا رسول الله انكح عناقا وكانت بغيا بمكة فسكت عنه فنزلت الاية ! < الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك > ! فدعاه فقرأها عليه وقال لا تنكحها
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل آخر عن نكاح امرأة يقال لها ام مهزول كانت تسافح فقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية ذكره احمد
وأفتى صلى الله عليه وسلم بأن الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله فأخذ بهذه الفتاوي التي لا معارض لها الامام احمد ومن وافقه وهي من محاسن مذهبه رحمه الله عليه فإنه لم يجوز ان يكون الرجل زوج قحبة ويعضد مذهبه بضعة وعشرون دليلا قد ذكرناها في موضع آخر
وأسلم قيس بن الحارث وتحته ثمان نسوة فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال اختر منهن اربعا واسلم غيلان وتحته عشر نسوة فامره صلى الله عليه وسلم ان يأخذ منهن اربعا ذكرهما احمد وهما كالصريح في ان الخيرة إليه بين الاوائل والاواخر
وسأله صلى الله عليه وسلم فيروز الديلمي فقال اسلمت وتحتى اختان فقال طلق ايتهما شئت ذكره احمد
وسأله صلى الله عليه وسلم بصرة بن اكتم فقال نكحت امرأة بكرا في سترها فدخلت عليها فإذا هي حبلى فقال النبي صلى الله عليه وسلم
344
لها الصداق بما استحللت من فرجها والولد عبد لك فإذا ولدت فاجلدوها وفرق بينهما ذكره ابو داود
ولا يشكل من هذه الفتوى إلا مثل عبودية الولد والله اعلم
وأسلمت امرأة على عهده صلى الله عليه وسلم فتزوجت فجاء زوجها فقال يا رسول الله إنى كنت اسلمت وعلمت بإسلامي فانتزعها رسول الله صلى الله عليه وسلم من زوجها الاخر وردها إلى الاول ذكره احمد وبن حبان
وسئل صلى الله عليه وسلم عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقا حتى مات فقضى لها على صداق نسائها وعليها العدة ولها الميراث ذكره احمد واهل السنن وصححه الترمذي وغيره وهذه فتوى لا معارض لها فلا سبيل إلى العدول عنها
وسئل صلى الله عليه وسلم عن امرأة تزوجت ومرضت فتمعط شعرها فأرادوا ان يصلوه فقال لعن الله الواصلة والمستوصلة متفق عليه
وسئل صلى الله عليه وسلم عن العزل قال أوإنكم لتفعلون قالها ثلاثا ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة متفق عليه ولفظ مسلم ألا عليكم ان لا تفعلوا ما كتب الله عزوجل خلق نسمة هي كائنة إلى يوم القيامة إلا ستكون
وسئل صلى الله عليه وسلم ايضا عن العزل فقال ما من كل الماء يكون الولد وإذا اراد الله خلق شئ لم يمنعه شئ وسأله صلى الله عليه وسلم آخر فقال إن لي جارية وأنا أعزل عنها وأنا اكره ان تحمل وانا اريد ما يريد الرجال وإن اليهود تحدث ان العزل موءودة صغرى فقال كذبت اليهود لو أراد الله ان يخلقه ما استطعت ان تصرفه ذكرهما احمد وابو داود
345
وسأله صلى الله عليه وسلم آخر فقال عندي جارية وانا أعزل عنها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ذلك لا يمنع شيئا إذا اراد الله فجاء الرجل فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن الجارية التي كنت ذكرتها لك حملت فقال أنا عبد الله ورسوله ذكره مسلم وعنده ايضا إن لي جارية هي خادمتنا وساقيتنا وأنا أطوف عليها وأنا اكره ان تحمل فقال اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها فلبث الرجل ثم اتاه فقال إن الجارية قد حملت فقال قد اخبرتك انه سيأتيها ما قدر لها
وسأله صلى الله عليه وسلم آخر عن ذلك فقال لو ان الماء الذي يكون منه الولد اهرقته على صخرة لاخرجه الله منها وليخلقن الله عزوجل نفسا هو خالقها ذكره احمد
وسأله صلى الله عليه وسلم آخر فقال إنى اعزل عن امرأتي فقال لم تفعل ذلك فقال إنى اشفق على ولدها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان ذلك ضارا ضر فارس والروم وفي لفظ إن كان كذلك فلا ما ضر ذلك فارس والروم ذكره مسلم
وسألته صلى الله عليه وسلم امرأة من الانصار عن التجبية وهي وطء المرأة في قبلها من ناحية دبرها فتلا عليها قوله تعالى ! < نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم > ! صماما واحدا ذكره احمد
وسأله صلى الله عليه وسلم عمر رضى الله عنه فقال يا رسول الله هلكت قال وما اهلكك قال حولت رحلى البارحة فلم يرد عليه شيئا فأوحى الله إلى رسوله ! < نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم > ! أقبل وأدبر واتقوا الحيضة والدبر ذكره احمد والترمذي وهذا هو الذي أباحه الله
346
ورسوله وهو الوطء من الدبر لا في الدبر وقد قال ملعون من أتى امرأته في دبرها وقال من أتى حائضا أوامرأة في دبرها اوكاهنا فصدقة فقد كفر بما انزل على محمد وقال إن الله لا يستحي من الحق لا تاتوا النساء في أدبارهن وقال لا ينظر الله إلى رجل اتى رجلا أوامرأة في الدبر وقال في الذي يأتي امرأته في دبرها هي اللوطية الصغرى وهذه الاحاديث جميعها ذكرها احمد في المسند
وسئل صلى الله عليه وسلم ما حق المرأة على الزوج قال ان يطعمها إذا طعم ويكسوها إذا اكتسى ولا يضرب الوجه ولا يقبح ولا يهجر إلا في البيت ذكره احمد واهل السنن
فصل فتاوي إمام المفتين صلى الله عليه وسلم في الرضاع
وسألته صلى الله عليه وسلم عائشة أم المؤمنين فقالت إن أفلح أخا ابي القعيس استأذن علي وكانت امرأته أرضعتني فقال إيذنى له إنه عمك متفق عليه
وسأله صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال إنى كانت لى امرأة فتزوجت عليها أخرى فزعمت امرأتي الاولى انها ارضعت امرأتى الحدثاء رضعة أورضعتين فقال لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان ذكره مسلم
وسألته سهلة بنت سهيل فقالت إن سالما قد بلغ ما يبلغ الرجال وعقل ما عقلوا وإنه يدخل علينا وإنى أظن ان في نفس ابي حذيفة من ذلك شيئا فقال أرضعيه تحرمي عليه ويذهب الذي في نفس ابي حذيفة فرجعت فقالت إنى قد أرضعته فذهب الذي في نفس ابي حذيفة ذكره مسلم
فاخذت طائفة من السلف بهذه الفتوى منهم عائشة ولم ياخذ بها اكثر
347
أهل العلم وقدموا عليها احاديث توقيت الرضاع المحرم بما قبل الفطام وبالصغر وبالحولين لوجوه احدها كثرتها وانفراد حديث سالم الثاني ان جميع ازواج النبي صلى الله عليه وسلم خلا عائشة رضى الله عنهن في شق المنع الثالث انه احوط الرابع ان رضاع الكبير لا ينبت لحما ولا ينشر عظما فلا تحصل به البعضية التي هي سبب التحريم الخامس انه يحتمل ان هذا كان مختصا بسالم وحده ولهذا لم يجئ ذلك إلا في قصته السادس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على عائشة وعندها رجل قاعد فاشتد ذلك عليه وغضب فقالت إنه أخي من الرضاعة فقال انظرن من إخوانكن من الرضاعة فإنما الرضاعة من المجاعة متفق عليه واللفظ لمسلم وفي قصة سالم مسلك آخر وهو ان هذا كان موضع حاجة فإن سالما كان قد تبناه ابو حذيفة ورباه ولم يكن له منه ومن الدخول على أهله بد فإذا دعت الحاجة إلى مثل ذلك فالقول به مما يسوغ فيه الاجتهاد ولعل هذا المسلك اقوى المسالك واليه كان شيخنا يجنح والله أعلم
وسئل صلى الله عليه وسلم ان ينكح ابنة حمزة فقال لا تحل لي إنها ابنة اخي من الرضاعة ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب ذكره مسلم
وسأله صلى الله عليه وسلم عقبة بن الحارث فقال تزوجت امرأة فجاءت امة سوداء فقالت ارضعتكما وهي كاذبة فأعرض عنه فقال إنها كاذبة فقال كيف بها وقد زعمت بأنها ارضعتكما دعها عنك ففارقها وانكحت غيره ذكره مسلم وللدارقطني دعها عنك فلا خير لك فيها
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال ما يذهب عني مذمة الرضاع فقال غرة عبد أوامة ذكره الترمذي وصححه والمذمة بكسر الذال من الذمام لا من الذم الذي هو نقيض المدح والمعنى ان للمرضعة على المرضع حقا وذماما فيذهبه عبد أوامة فيعطيها إياه
348
وسئل صلى الله عليه وسلم ما الذي يجوز من الشهود في الرضاع فقال رجل أوامرأة ذكره احمد
فصل فتاوي إمام المفتين صلى الله عليه وسلم في الطلاق
ثبت عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه انه سأله عن طلاق ابنه امرأته وهي حائض فأمر بأن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء ان يطلق بعد فليطلق
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال إن امرأتي وذكر من بذائها فقال طلقها فقال إن لها صحبة وولدا قال مرها وقل لها فإن يكن فيها خير فستفعل ولا تضرب ظعينتك ضربك أمتك ذكره احمد
وسأله صلى الله عليه وسلم آخر فقال إن امرأتي لا ترد يد لامس قال غيرها إن شئت وفي لفظ طلقها قال إنى اخاف ان تتبعها نفسي قال فاستمتع بها
فعورض بهذا الحديث المتشابه الاحاديث المحكمة الصريحه في المنع من تزويج البغايا واختلفت مسالك المحرمين لذلك فيه فقالت طائفة المراد باللامس ملتمس الصدقة لا ملتمس الفاحشة وقالت طائفة بل هذا في الدوام غير مؤثر وإنما المانع ورود العقد على زانية فهذا هو الحرام وقالت طائفة بل هذا من التزام اخف المفسدتين لدفع أعلاهما فإنه لما امر بمفارقتها خاف ان لا يصبر عنها فيواقعها حراما فأمره حينئذ بإمساكها إذ مواقعتها بعد عقد النكاح اقل فسادا من مواقعتها بالسفاح وقالت طائفة بل الحديث ضعيف لا يثبت وقالت طائفة ليس في الحديث ما يدل على انها زانية وإنما فيه انها لا تمتنع ممن لمسها
349
أووضع يده عليها أونحو ذلك فهي تعطى الليان لذلك ولا يلزم ان تعطيه الفاحشة الكبرى ولكن هذا لا يؤمن معه إجابتها لداعى الفاحشة فأمره بفراقها تركا لما يريبه إلى ما لا يريبه فلما اخبره بان نفسه تتبعها وانه لا صبر له عنها رأى مصلحة إمساكها أرجح من مفارقتها لما يكره من عدم انقباضها عمن يلمسها فأمره بإمساكها وهذا لعله ارجح المسالك والله اعلم
وسألته صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت ان زوجي طلقني يعنى ثلاثا وإني تزوجت زوجا غيره وقد دخل بي فلم يكن معه إلا مثل هدبة الثوب فلم يقربني إلا بهنة واحدة ولم يصل منى إلى شئ افأحل لزوجي الاول فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحلين لزوجك الاول حتى يذوق الاخر عسيلتك وتذوقي عسيلته متفق عليه
وسئل صلى الله عليه وسلم ايضا عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا فيتزوجها الرجل فيغلق الباب ويرخى الستر ثم يطلقها قبل ان يدخل بها قال لا تحل للاول حتى يجامعها الاخر ذكره النسائي
وسئل صلى الله عليه وسلم عن التيس المستعار فقال هو المحلل ثم قال لعن الله المحلل والمحلل له ذكره بن ماجه
وسألته صلى الله عليه وسلم امرأة عن كفر المنعمين فقال لعل إحداكن ان تطول ايمتها بين يدى ابويها تعنس فيرزقها الله زوجا ويرزقها منه مالا وولدا فتغضب الغضبة فتقول ما رأيت منه يوما خيرا قط ذكره احمد
وسأله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا فقام غضبان ثم قال أيلعب بكتاب الله وأنا بين اظهركم حتى قام رجل فقال يا رسول الله ألا أقتله ذكره النسائي
350
وطلق ركانة بن عبد يزيد أخو بنى المطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف طلقتها فقال طلقتها ثلاثا فقال في مجلس واحد فقال نعم قال إنما تلك واحدة فارجعها إن شئت قال فراجعها فكان بن عباس يروى إنما الطلاق عند كل طهر ذكره احمد قال حدثنا سعيد بن ابراهيم قال حدثني ابي عن محمد بن إسحاق قال حدثني داود بن الحصين عن عكرمة مولى بن عباس فذكره واحمد يصحح هذا الاسناد ويحتج به وكذلك الترمذي وقد قال عبد الرزاق أنبأنا بن جريج قال أخبرني بعض بنى رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عكرمة عن بن عباس قال طلق عبد يزيد ابو ركانة وإخوته ام ركانة ونكح امرأة من مزينة فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت ما يغنى عنى إلا كما تغنى هذه الشعرة لشعرة اخذتها من رأسها ففرق بيني وبينه فأخذت النبي صلى الله عليه وسلم حميته فدعا بركانة وإخوته ثم قال لجلسائه اترون ان فلانا يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد وفلانا منه كذا وكذا قالوا نعم قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد يزيد طلقها ففعل فقال راجع امرأتك ام ركانة وإخوته فقال إنى طلقتها ثلاثا يا رسول الله قال قد علمت راجعها وتلا ! < يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن > !
قال ابو داود حدثنا احمد بن صالح قال حدثنا عبد الرزاق فذكره فهذه طريقة اخرى متابعة لابن إسحاق والذي يخاف من بن إسحاق التدليس وقد قال حدثني وهذا مذهبه وبه أفتى بن عباس في إحدى الروايتين عنه صح عنه ذلك وصح عنه إمضاء الثلاث موافقة لعمر رضى الله عنه وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم ان الثلاث كانت واحدة في عهده وعهد ابي بكر وصدرا من خلافه عمر رضى الله عنهما وغاية ما يقدر مع بعده ان الصحابة كانوا على ذلك ولم يبلغه وهذا وإن كان كالمستحيل فإنه يدل على انهم كانوا يفتون
351
في حياته وحياة الصديق بذلك وقد افتى هو صلى الله عليه وسلم به فهذه فتواه وعمل اصحابه كأنه اخذ باليد ولا معارض لذلك ورأى عمر رضى الله عنه ان يحمل الناس على إنفاذ الثلاث عقوبة وزجرا لهم لئلا يرسلوها جملة وهذا اجتهاد منه رضى الله عنه غايته ان يكون سائغا لمصلحة رآها ولا يوجب ترك ما أفتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عليه أصحابه في عهده وعهد خليفته فإذا ظهرت الحقائق فليقل امرؤ ما شاء وبالله التوفيق
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل قال إن تزوجت فلانة فهي طالق ثلاثا فقال تزوجها فإنه لا طلاق إلا بعد النكاح
وسئل صلى الله عليه وسلم عن رجل قال يوم اتزوج فلانة فهي طالق فقال طلق ما لا يملك ذكرهما الدارقطني
وسأله صلى الله عليه وسلم عبد فقال إن مولاتي زوجتني وتريد ان تفرق بيني وبين امرأتي فحمد الله وأثنى عليه وقال ما بال اقوام يزوجون عبيدهم إماءهم ثم يريدون ان يفرقوا بينهم الا إنما يملك الطلاق من أخذ بالساق ذكره الدارقطني
فتاوي امام المفتين صلى الله عليه وسلم في الخلع
وسأله صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس هل يصلح ان يأخذ بعض مال امرأته ويفارقها قال نعم قال فإنى قد أصدقتها حديقتين وهما بيدها فقال النبي صلى الله عليه وسلم خذهما وفارقها ذكره ابو داود وكانت قد شكته إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتحب فراقة كما ذكره البخاري انها قالت يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعيب عليه في خلق ولا دين ولكني اكره الكفر في الاسلام فقال اتردين عليه حديقته قالت نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقبل الحديقة وطلقها تطليقة وعند بن ماجة إنى اكره الكفر في الاسلام ولا اطيقه بغضا فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ان ياخذ منها حديقته ولا يزداد وعند النسائي ان النبي صلى الله عليه وسلم افتاها ان تتربص
352
حيضة واحدة وعند ابي داود ان النبي صلى الله عليه وسلم امرها ان تعتد بحيضة واحدة
وافتى النبي صلى الله عليه وسلم ان المرأة إذا ادعت طلاق زوجها فجاءت على ذلك بشاهد عدل استحلف زوجها فإن حلف بطلت شهادة الشاهد وإن نكل فنكوله بمنزلة شاهد آخر وجاز طلاقه ذكره بن ماجة من رواية عمرو بن ابي سلمة وقد روى له مسلم في صحيحه
فصل فتاوي إمام المفتين صلى الله عليه وسلم في الظهار واللعان
وسئل صلى الله عليه وسلم عن رجل ظاهر من امرأته ثم وقع عليها قبل ان يكفر قال وما حملك على ذلك يرحمك الله قال رأيت خلخالها في ضوء القمر قال لا تقربها حتى تفعل ما امرك الله عزوجل حديث صحيح
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال لو ان رجلا وجد مع امرأته رجلا فتكلم جلدتموه او قتل قتلتموه أوسكت سكت على غيظ فقال اللهم افتح وجعل يدعو فنزلت آية اللعان فأبتلى به ذلك الرجل من بين الناس فجاء هو وامرأته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاعنا ذكره مسلم
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل آخر فقال إن امرأتي ولدت على فراشي غلاما أسود وإنا أهل بيت لم يكن فينا أسود قط قال هل لك من إبل قال نعم قال فما ألوانها قال حمر قال هل فيها من أورق قال نعم قال فأني كان ذلك قال عسى أن يكون نزعه عرق قال فلعل ابنك هذا نزعه عرق متفق عليه
353
وحكم بالفرقة بين المتلاعنين وأن لا يجتمعا أبدا وأخذ المراة صداقها وانقطاع نسب الولد من ابيه وإلحاقه بأمه ووجوب الحد على من قذفه أوقذف امه وسقوط الحد عن الزوج وانه لا يلزمه نفقة ولا كسوة ولا سكنى بعد الفرقة
وسأله صلى الله عليه وسلم سلمة بن صخر البياضي فقال ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ شهر رمضان فبينما هي تخدمني ذات ليلة إذا انكشف لي منها شئ فلم البث ‌ ان نزوت عليها فقال انت بذاك يا سلمة فقلت أنا بذاك فأنا صابر لامر الله عز وجل فاحكم في بما أراك الله قال حرر رقبة قلت والذي بعثك بالحق ما املك رقبة غيرها وضربت صفحة رقبتي قال فصم شهرين متتابعين فقلت وهل اصبت الذي أصبت إلا من الصيام قال فاطعم وسقا من تمر بين ستين مسكينا قلت والذي بعثك بالحق نبيا لقد بتنا وحشيين ما لنا من طعام قال فانطلق إلى صاحب صدقة بنى زريق فليدفعها اليك فأطعم ستين مسكينا وسقا من تمر وكل انت وعيالك بقيتها فرجعت إلى قومي فقلت وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي ووجدت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم السعة وحسن الرأي وأمر لي بصدقتكم ذكره احمد وسألته صلى الله عليه وسلم خولة بنت مالك فقالت إن زوجها اوس بن الصامت ظاهر منها وشكته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجادلها فيه بقوله اتقي الله فإنه بن عمك فما برحت حتى نزل القرآن ! < قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله > ! الايات فقال يعتق رقبة قالت لا يجد قال فيصوم شهرين متتابعين قالت إنه شيخ كبير ما به من صيام قال فليطعم ستين مسكينا قالت ما عنده من شئ يتصدق به فأتى ساعته بعرق من تمر قلت يا رسول الله إنى اعينه بعرق آخر قال احسنت اذهبي فاطعمي بها عنه ستين مسكينا وارجعي إلى بن عمك ذكره احمد وابو داود
354
ولفظ احمد قالت في والله وفي اوس بن الصامت انزل الله صدر سورة المجادلة قالت كنت عنده وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه وضجر قالت فدخل على يوما فراجعته بشئ فغضب فقال انت علي كظهر امي ثم خرج فجلس في نادى قومه ساعة ثم دخل علي فإذا هو يريدني عن نفسي قالت قلت كلا والذي نفس الخويلة بيده لا تخلص إلى وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكم قالت فواثبني فامتنعت منه فغلبته بما تغلب المرأة الشيخ الضعيف فألقيته عنى ثم خرجت إلى بعض جاراتي فاستعرت منها ثيابها ثم خرجت حتى جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست بين يديه فذكرت له ما لقيت منه فجعلت اشكو إليه ما القى من سوء خلقه فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يا خويلة بن عمك شيخ كبير فاتقى الله فيه قالت فوالله ما برحت حتى نزل القرآن فتغشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يتغشاه ثم سرى عنه فقال يا خويلة قد انزل الله فيك وفي صاحبك ثم قرأ على قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله إلى قوله وللكافرين عذاب اليم قالت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مريه فليعتق رقبة وذكر نحو ما تقدم
وعند بن ماجه انها قالت يا رسول الله أكل شبابي ونثرت له بطنى حتى إذا كبر سنى وانقطع ولدى ظاهر منى اللهم إنى اشكو اليك فما برحت حتى نزل جبرائيل عليه السلام بهؤلاء الايات
فصل فتاوي إمام المفتين صلى الله عليه وسلم في العدد
ثبت ان سبيعة الاسلمية سألته وقد مات زوجها ووضعت حملها بعد موته
355
قالت فأفتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنى قد حللت حين وضعت حملي وامرني بالتزويج إن بدا لي
وعند البخاري أنها سئلت كيف أفتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت أفتاني إذا وضعت أن أنكح وكانت أم كلثوم بنت عقبة عند الزبير بن العوام فقالت له وهي حامل طيب نفسي بتطليقة فطلقها تطليقة ثم خرج إلى الصلاة فرجع وقد وضعت فقال لها خدعتيني خدعك الله ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن ذلك فقال سبق الكتاب أجله أخطبها إلى نفسها ذكره بن ماجه
وسألته صلى الله عليه وسلم فريعة بنت مالك فقالت إن زوجي خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا كان بطرف القدوم لحقهم فقتلوه فسألته أن ترجع إلى أهلها وقالت إن زوجي لم يترك لي مسكنا يملكه ولا نفقة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم قالت فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة أوفي المسجد ناداني رسول الله صلى الله عليه وسلم أوأمر بي فنوديت له فقال كيف قلت فرددت عليه القصة التي ذكرت له فقال امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله قالت فاعتددت فيه أربعة اشهر وعشرا فلما كان عثمان أرسل إلى فسألني عن ذلك فأخبرته فاتبعه وقضى به حديث صحيح ذكره أهل السنن
وأفتى صلى الله عليه وسلم امرأة ثابت بن قيس بن شماس وجميلة بنت عبد الله بن آبي لما اختلعت من زوجها فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تتربص حيضة واحدة وتلحق بأهلها ذكره النسائي وعند أبى داود والترمذي عن بن عباس أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتد حيضة وعند الترمذي عن الربيع بنت معوذ أنها اختلعت على عهد رسول الله فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم
356
أوأمرت أن تعتد بحيضة قال الترمذي حديث الربيع الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة وعند النسائي وبن ماجه واللفظ له عن الربيع قالت اختلعت من زوجي ثم جئت عثمان فسألت ماذا على من العدة فقال لا عدة عليك إلا أن يكون حديث عهد بك فتمكثين عنده حتى تحيضي حيضة قالت وإنما تبع في ذلك قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في مريم المغالية وكانت تحت ثابت بن قيس فاختلعت منه
فصل فتاوي إمام المفتين صلى الله عليه وسلم في ثبوت النسب
واختصم إليه صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في الغلام فقال سعد هو بن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلى انه ابنه انظر إلى شبهه وقال عبد بن زمعة هو أخي ولد على فراش أبي من وليدته فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شبهه فرأى شبها بينا بعتبة فقال هو لك يا عبد الولد للفراش وللعاهر الحجر واحتجى منه يا سودة فلم تره سودة قط متفق عليه وفي لفظ البخاري هو أخوك يا عبد وعند النسائي واحتجبي منه يا سودة فليس لك بأخ وعند الإمام احمد أما الميراث فله وأما أنت فاحتجبي منه فإنه ليس لك بأخ فحكم وأفتى بالولد لصاحب الفراش عملا بموجب الفراش وأمر سودة ان تحتجب منه عملا بشبهه بعتبة وقال ليس لك بأخ للشبهة وجعله أخا في الميراث فتضمنت فتواه صلى الله عليه وسلم أن الأمة فراش وان الأحكام تتبعض في العين الواحدة عملا بالاشتباه كما تتبعض في الرضاعة وثبوتها يثبت بها الحرمة والمحرمية دون الميراث والنفقة وكما في ولد الزنى هو ولد في التحريم وليس ولدا في الميراث ونظائر ذلك اكثر من ان تذكر فيتعين الأخذ بهذا الحكم والفتوى وبالله التوفيق
357
فتاوي إمام المفتين صلى الله عليه وسلم في الإحداد على الميت
وسألته صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا مرتين أوثلاثا متفق عليه
ومنع صلى الله عليه وسلم المرأة أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج فإنها تحد أربعة اشهر وعشرا ولا تكتحل ولا تطيب ولا تلبس ثوبا مصبوغا ورخص لها في طهرها إذا اغتسلت في نبذه من قسط أواظفار متفق عليه وعند أبي داود والنسائي ولا تختضب وعند النسائي ولا تمتشط وعند احمد لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الشقة الممشقة ولا الحلي ولا تختضب ولا تكتحل وجعلت أم سلمة رضى الله عنها على عينيها صبرا لما توفي أبو سلمة فقال ما هذا يا أم سلمة قالت إنما هو صبر ليس فيه طيب قال إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب قلت بأي شئ امتشط يا رسول الله قال بالسدر تغلفين به رأسك ذكره النسائي وعند أبي داود فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار
وسألته صلى الله عليه وسلم خالة جابر بن عبد الله وقد طلقت هل تخرج تجد نخلها فقال فجدى نخلك فإنك عسى ان تتصدقي أوتفعلي معروفا ذكره مسلم
فصل فتاوي إمام المفتين صلى الله عليه وسلم في نفقة المعتدة وكسوتها
ثبت ان فاطمة بنت قيس طلقها زوجها ألبتة فخاصمته في السكنى والنفقة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة وفي السنن ان النبي صلى الله عليه وسلم قال يا بنت آل قيس إنما السكنى والنفقة على من كانت له
358
رجعة ذكره احمد وعنده ايضا إنما السكنى والنفقة للمرأة على زوجها ما كانت له عليها رجعة فإذا لم يكن له عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى وفي صحيح مسلم عنها طلقني زوجي ثلاثا فلم يجعل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم سكنى ولا نفقة
وفي رواية لمسلم ايضا ان ابا عمرو بن حفص خرج مع علي كرم الله وجهه إلى اليمن فأرسل إلى امرأته بتطليقة بقيت من طلاقها وأمر عياش بن ابي ربيعة والحارث بن هشام ان ينفقا عليها فقالا والله ما لها نفقة إلا ان تكون حاملا فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له قولهما فقال لا نفقة لك فاستأذنته في الانتقال فأذن لها فقلت له أين يا رسول الله فقال عند بن ام مكتوم وكان اعمى تضع ثيابها عنده ولا يراها فلما مضت عدتها أنكحها النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد فأرسل اليها مروان قبيصة بن ذؤيب يسألها عن الحديث فحدثته فقال لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها فقالت فاطمة حين بلغها قول مروان بيني وبينكم القرآن قال تعالى ! < لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن > ! الاية قالت هذا لمن كانت له مراجعة فأي امر يحدث بعد الثلاث
وأفتى النبي صلى الله عليه وسلم بأن للنساء على الرجال رزقهن وكسوتهن بالمعروف ذكره مسلم
وسئل صلى الله عليه وسلم ما تقول في نسائنا فقال أطعموهن مما تأكلون واكسوهن مما تلبسون ولا تضربوهن ولا تقبحوهن ذكره مسلم
وسألته صلى الله عليه وسلم هند امرأة ابي سفيان فقالت إن ابا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم قال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف متفق عليه
فتضمنت هذه الفتوى امورا احدها ان نفقة الزوجة غير مقدرة
359
بل المعروف ينفى تقديرها ولم يكن تقديرها معروفا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم الثاني ان نفقة الزوجة من جنس نفقة الولد كلاهما بالمعروف الثالث انفراد الاب بنفقة اولاده الرابع ان الزوج أوالاب إذا لم يبذل النفقة الواجبة عليه فللزوجة والاولاد أن يأخذوا قدر كفايتهم بالمعروف الخامس ان المرأة إذا قدرت على أخذ كفايتها من مال زوجها لم يكن لها إلى الفسخ سبيل السادس ان ما لم يقدره الله ورسوله من الحقوق الواجبة فالمرجع فيه إلى العرف السابع أن ذم الشاكي لخصمه بما هو فيه حال الشكاية لا يكون غيبه فلا يأثم به هو ولا سامعه بإقراره عليه الثامن ان من منع الواجب عليه وكان سبب ثبوته ظاهرا فلمستحقة ان يأخذ بيده إذا قدر عليه كما افتى به النبي صلى الله عليه وسلم هندا وأفتى به صلى الله عليه وسلم الضيف إذا لم يقره من نزل عليه كما في سنن ابي داود عنه صلى الله عليه وسلم انه قال ليلة الضيف حق على كل مسلم فإن اصبح بفنائه محروما كان دينا عليه إن شاء اقتضاه وإن شاء تركه وفي لفظ من نزل بقوم فعليهم ان يقروه فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه وإن كان سبب الحق خفيا لم يجزله ذلك كما أفتى النبي صلى الله عليه وسلم في قوله أد الامانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل من أحق الناس بحسن صحابتي قال امك قال ثم من قال امك قال ثم من قال امك قال ثم من قال ابوك متفق عليه زاد مسلم ثم أدناك فأدناك
قال الامام احمد للام ثلاثة ارباع البر وقال ايضا الطاعة للاب وللام ثلاثة ارباع البر وعند الامام احمد قال ثم الاقرب فالأقرب وعند ابي داود ان رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم من أبر قال أمك وأباك وأختك وأخاك ومولاك الذي يلي ذاك حق واجب ورحم موصولة
360
فصل فتاوي إمام المفتين صلى الله عليه وسلم في الحضانة
قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها خمس قضايا
إحداها قضى بابنه حمزة لخالتها وكانت تحت جعفر بن ابي طالب وقال الخالة بمنزلة الام فتضمن هذا القضاء ان الخالة مقام الام في الاستحقاق وان تزوجها لا يسقط حضانتها إذا كانت جارية
القضية الثانية أن رجلا جاء بابن له صغير لم يبلغ فاختصم فيه هو وأمه ولم تسلم الام فأجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم الاب ها هنا واجلس الام ها هنا ثم خير الصبي وقال اللهم اهده فذهب إلى امه ذكره احمد
القضية الثالثة ان رافع بن سنان اسلم وأبت امرأته ان تسلم فأتت النبي صلى الله عليه وسلم وقالت ابنتي فطيم أوشبهه وقال رافع ابنتي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقعد ناحية وقال لها اقعدي ناحية فأقعد الصبية بينهما ثم قال ادعواها فمالت إلى امها فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم اهدها فمالت إلى ابيها فأخذها ذكره احمد
القضية الرابعة جاءته امرأة فقالت إن زوجي يريد ان يذهب بابنى وقد سقاني من بئر ابي عتبة وقد نفعنى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم استهما عليه فقال زوجها من يحاقنى في ولدى فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذا ابوك وهذه امك فخذ بيد ايهما شئت فأخذ بيد امه فانطلقت به ذكره ابو داود
القضية الخامسة جاءته صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت يا رسول الله
361
إن ابني هذا كان بطني له وعاء وثديي له سقاء وحجري له حواء وإن أباه طلقنى وأراد ان ينزعه منى فقال لها أنت احق به ما لم تنكحى ذكره ابو داود
وعلى هذه القضايا الخمس تدور الحضانة وبالله التوفيق
فصل فتاوي إمام المفتين صلى الله عليه وسلم في الدماء
ومن فتاويه صلى الله عليه وسلم في باب الدماء والجنايات
سئل صلى الله عليه وسلم عن الآمر والقاتل فقال قسمت النار سبعين جزءا فللآمر تسع وستون وللقاتل جزء ذكره احمد
وجاءه رجل فقال إن هذا قتل اخي قال اذهب فاقتله كما قتل اخاك فقال له الرجل اتق الله واعف عني فإنه اعظم لأجرك وخير لك يوم القيامة فخلى عنه فأخبر النبي فسأله فأخبره بما قال له فقال له أما إنه خير مما هو صانع بك يوم القيامة تقول يا رب سل هذا فيم قتل اخي
وجاءه صلى الله عليه وسلم رجل بآخر قد ضرب ساعده بالسيف فقطعها من غير مفصل فأمر له بالدية فقال أريد القصاص فقال خذ الدية بارك الله لك فيها ولم يقض له بالقصاص ذكره بن ماجه
وأفتى صلى الله عليه وسلم بأنه إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الاخر يقتل الذي قتل ويحبس الذي امسك ذكره الدارقطني
ورفع إليه صلى الله عليه وسلم يهودي قد رض رأس جارية بين حجرين فأمر به ان يرض رأسه بين حجرين متفق عليه
وقضى صلى الله عليه وسلم ان شبه العمد مغلظ مثل العمد ولا يقتل صاحبه ذكره ابو داود
362
وقضى صلى الله عليه وسلم في الجنين يسقط من الضربة بغرة عبد أو أمة ذكره ابو داود ايضا
وقضى صلى الله عليه وسلم في قتل الخطأ شبه العمد بمائة من الابل اربعون منها في بطونها اولادها ذكره ابو داود
وقضى صلى الله عليه وسلم ان لا يقتل مسلم بكافر متفق عليه
وقضى صلى الله عليه وسلم ان لا يقتل الوالد بالولد ذكره الترمذي
وقضى صلى الله عليه وسلم ان يعقل المرأة عصبتها من كانوا ولا يرثون عنها إلا ما فضل عن ورثتها وإن قتلت فعقلها بين ورثتها فهم يقتلون قاتلها ذكره ابو داود
وقضى صلى الله عليه وسلم ان الحامل إذا قتلت عمدا لم تقتل حتى تضع ما في بطنها وحتى تكفل ولدها وإن زنت حتى تضع ما في بطنها وحتى تكفل ولدها ذكره بن ماجه
وقضى صلى الله عليه وسلم ان من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما ان يفدى وإما ان يقتل متفق عليه
وقضى صلى الله عليه وسلم ان من أصيب بدم أوخبل والخبل الجراح فهو بالخيار بين أحدى ثلاث فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه ان يقتل أو يعفو أو يأخذ الدية فمن فعل شيئا من ذلك فعاد فإن له نار جهنم خالدا مخلدا أبدا فيها يعنى قتل بعد عفوه واخذ الدية أوقتل غير الجاني
وقضى صلى الله عليه وسلم ان لا يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه ذكره احمد
وقضى صلى الله عليه وسلم في الانف اذا اوعب جدعا بالدية وإذا جدعت ارنبته بنصف الدية
وقضى صلى الله عليه وسلم في العين بنصف الدية خمسين من الابل اوعدلها
363
ذهبا أوورقا او مائة بقرة أوالف شاة وفي الرجل نصف العقل وفي اليد نصف العقل والمأمومة ثلث العقل والمنقلة خمس عشرة من الابل والموضحة خمس من الابل والاسنان خمس خمس ذكره احمد
وقضى صلى الله عليه وسلم ان الاسنان سواء الثنية والضرس سواء ذكره ابو داود
وقضى صلى الله عليه وسلم في دية اصابع اليدين والرجلين بعشر عشر صححه الترمذي
وقضى صلى الله عليه وسلم في العين العوراء السادة لمكانها إذا طمست بثلث الدية وفي اليد الشلاء إذا قطعت ثلث ديتها ذكره ابو داود
وقضى صلى الله عليه وسلم في اللسان بالدية وفي الشفتين بالدية وفي البيضتين بالدية وفي الذكر بالدية وفي الصلب بالدية وفي العينين بالدية وفي الرجل الواحدة نصف الدية وأن الرجل يقتل بالمرأة ذكره النسائي
وقضى صلى الله عليه وسلم ان من قتل خطأ فديته مائة من الابل ثلاثون بنت مخاض وثلاثون بنت لبون وثلاثون حقة وعشرة بن لبون ذكره النسائي وعند ابي داود عشرون حقة وعشرون جذعة وعشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون بن مخاض ذكر
وقضى صلى الله عليه وسلم ان من قتل متعمدا دفع إلى اولياء المقتول فإن شاءوا قتلوا وإن شاءوا اخذوا الدية وهي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة واربعون خلفه وما صولحوا عليه فهو لهم ذكر الترمذي وحسنه
364
وقضى صلى الله عليه وسلم على أهل الابل بمائة من الابل وعلى اهل البقر بمائتي بقرة وعلى اهل الشاة الفي شاة وعلى اهل الحلل مائتي حلة ذكره ابو داود
وقضى صلى الله عليه وسلم ان عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى تبلغ الثلث من ديتها ذكره مسلم
وقضى صلى الله عليه وسلم ان عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين ذكره النسائي وعند الترمذي عقل الكافر نصف عقل المؤمن حديث حسن يصحح مثله اكثر اهل الحديث وعند ابي داود كانت قيمة الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانمائة دينار وثمانية ألاف درهم ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلم فلما كان عمر رفع دية المسلمين وترك دية اهل الذمة لم يرفعها فيما رفع من الدية
وقضى صلى الله عليه وسلم في جنين امرأه ضربتها اخرى بغرة عبد اوامة ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت فقضى صلى الله عليه وسلم ان ميراثها لبنيها وزوجها وأن العقل على عصبتها متفق عليه
وقضى صلى الله عليه وسلم في امرأتين قتلت إحداهما الاخرى ولكل منهما زوج بالدية على عاقله القاتلة وميراثها لزوجها وولدها فقال عاقلة المقتولة ميراثها لنا يا رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم لا ميراثها لزوجها وولدها ذكره ابو داود
وجاءه صلى الله عليه وسلم عبد صارخ فقال مالك قال سيدي رآنى اقبل جارية له فجب مذا كيري فقال على بالرجل فطلب فلم يقدر عليه فقال اذهب فأنت حر قال على من نصرتي يا رسول الله قال على كل مؤمن أومسلم ذكره بن ماجه
365
وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإبطال دية العاض لما انتزع المعضوض يده من فيه فأسقط ثنيته متفق عليه
وقضى صلى الله عليه وسلم بأن من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فخذفوه ففقؤوا عينه بأنه لا جناح عليهم متفق عليه وعند مسلم فقد حل لهم ان يفقؤا عينه وعند الامام احمد في هذا الحديث فلا دية له ولا قصاص
وقضى صلى الله عليه وسلم انه لا دية في المأمومة ولا الجائفة ولا المنقلة ذكره بن ماجه
وجاءه صلى الله عليه وسلم رجل يقود آخر بنسعة فقال هذا قتل اخى فقال كيف قتلته قال كنت أنا وهو نختبط من شجرة فسبنى فأغضبنى فضربته بالفأس على قرنه فقتلته فقال هل لك من شئ تؤديه عن نفسك قال مالي إلا كسائي وفأسي قال فترى قومك يشترونك قال انا أهون على قومي من ذلك فقال دونك صاحبك فانطلق به فلما ولى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن قتله فهو مثله فرجع فقال يا رسول الله بلغني انك قلت إن قتله فهو مثله وأخذته بأمرك فقال أما تريد ان يبوء بإثمك وإثم صاحبك قال يا نبي الله بلى فرمى بنسعته وخلى سبيله ذكره مسلم
وقد اشكل هذا الحديث على من لم يحط بمعناه ولا إشكال فيه فإن قوله صلى الله عليه وسلم إن قتله فهو مثله لم يرد به انه مثله في الاثم وإنما عنى به انه إن قتله لم يبق عليه إثم القتل لانه قد استوفى منه في الدنيا فيستوى هو والولي في عدم الاثم اما الولي فإنه قتله بحق واما هو فلكونه قد اقتص منه وأما قوله تبوء بإثمك وإثم صاحبك فإثم الولي مظلمته بقتل أخيه وإثم المقتول إراقة دمه وليس المراد انه يحمل خطاياك وخطايا اخيك والله أعلم
366
وهذه غير قصة الذي دفع إليه وقد قتل فقال والله ما أردت قتله فقال أما إنه إن كان صادقا فقتلته دخلت النار فخلاه الرجل صححه الترمذي وإن كانت هي القصة فتكون هذه علة كونه إن قتله فهو مثله في المأثم والله أعلم
فصل فتاوي إمام المفتين صلى الله عليه وسلم في القسامة
وأقر صلى الله عليه وسلم القسامة على ما كانت عليه قبل الاسلام وقضى بها بين ناس من الانصار في قتيل ادعوه على اليهود ذكره مسلم
وقضى صلى الله عليه وسلم في شأن محيصة بأن يقسم خمسون من أولياء القتيل على رجل من المتهمين به فيدفع برمته إليه فأبوا فقال تبرئكم يهود بأيمان خمسين فأبوا فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمائة من عنده متفق عليه وعند مسلم بمائة من إبل الصدقة وعند النسائي فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته عليهم وأعانهم بنصفها
وقضى صلى الله عليه وسلم انه لا تجنى نفس على اخرى ولا يجنى والد على ولده ولا ولد على والده والمراد انه لا يؤخذ بجنايته فلا تزر وازرة وزر اخرى
وقضى صلى الله عليه وسلم ان من قتل في عميا أورميا لكونه بينهم بحجر أوسوط فعقله عقل خطأ ومن قتل عمدا فقود يديه فمن حال بينه وبينه فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين ذكره ابو داود
367
وقضى صلى الله عليه وسلم ان المعدن جبار والعجماء جبار والبئر جبار متفق عليه وفي قوله المعدن جبار قولان احدهما انه إذا استأجر من يحفر له معدنا فسقط عليه فقتله فهو جبار ويؤيد هذا القول اقترانه بقوله وفي الركاز الخمس ففرق بين المعدن والركاز فأوجب الخمس في الركاز لانه مال مجموع يؤخذ بغير كلفة ولا تعب وأسقطها عن المعدن لانه يحتاج إلى كلفة وتعب في استخراجه والله اعلم
فصل فتاوي إمام المفتين صلى الله عليه وسلم في حد الزنى
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال إن ابنى كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته فافتديت منه بمائة شاة وخادم وإنى سألت رجالا من أهل العلم فأخبرونى ان على ابني جلد مائة وتغريب عام وإن على امرأة هذا الرجم فقال والذي نفسي بيده لاقضين بينكما بكتاب الله المائة والخادم رد عليك وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها فاعترفت فرجمها متفق عليه
وقضى صلى الله عليه وسلم فيمن زنى ولم يحصن بنفى عام وإقامة الحد عليه ذكره البخاري
وقضى صلى الله عليه وسلم ان الثيب بالثيب جلد مائة ثم الرجم والبكر بالبكر جلد مائة ثم نفى سنة ذكره مسلم
وجاءه اليهود فقالوا إن رجلا منهم وامرأة زنيا فقال لهم ما تجدون في التوراة في شأن الرجم فقالوا نفضحهم ويجلدون فقال عبد الله بن سلام كذبتم إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده
368
على آية الرجم فقرأ ما بعدها وما قبلها فقال له عبد الله بن سلام ارفع يدك فرفع يده فإذا آية الرجم فقالوا صدق يا محمد فيها آية الرجم فأمر بهما فرجما متفق عليه
ولأبي داود ان رجلا منهم وامرأة زنيا فقالوا اذهبوا به إلى هذا النبي فإنه بعث بالتخفيف فإن أفتانا بفتيا دون الرجم فبلناها منه واحتججنا بها عند الله وقلنا إنها فتيا نبي من انبيائك فأتوه وهو جالس في المسجد في الصحابة فقالوا يا ابا القاسم ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا فلم يكلمهم بكلمة حتى اتى بيت مدراسهم فقام على الباب فقال انشدكم بالله الذي انزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى إذا احصن قالوا يحمم ويجبه ويجلد والتجبية ان يحمل الزانيان على حمار وتقابل اقفيتهما ويطاف بهما فسكت شاب منهم فلما رأه النبي صلى الله عليه وسلم سكت نظر إليه وأنشده فقال اللهم إذ انشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم فقال النبي صلى الله عليه وسلم فما أول ما ارتخصتم امر الله قال زنى ذو قرابة ملك من ملوكنا فأخر عنه الرجم ثم زنى رجل في اسرة من الناس فأراد رجمه فحال قومه دونه وقالوا لا يرجم صاحبنا حتى تجئ بصاحبك فترجمه فاصطلحوا على هذه العقوبة بينهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم فإنى احكم بما في التوراة فأمر بهما فرجما
وعند ابي داود ايضا انه دعا بالشهود فجاءه اربعة فشهدوا انهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة
وسأله صلى الله عليه وسلم ماعز بن مالك ان يطهره وقال إنى قد زنيت فأرسل إلى قومه هل تعلمون بعقله بأسا تنكرون منه شيئا قالوا ما نعلمه إلا اوفى العقل من صالحينا فيما نرى فأقر أربع مرات فقال له في الخامسة أنكتها قال نعم قال حتى غاب ذلك منك في ذلك منها قال نعم قال
369
كما يعيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر قال نعم قال فهل تدري ما الزنى قال نعم اتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا قال فما تريد بهذا القول قال اريد ان تطهرني فأمر رجلا فاستنكهه ثم امر به فرجم ولم يحفر له فلما وجد مس الحجارة فريشتد حتى مر برجل معه لحى جمل فضربه وضربه الناس حتى مات فقال النبي صلى الله عليه وسلم هلا تركتموه وجئتموني به
وفي بعض طرق هذه القصة انه صلى الله عليه وسلم قال له شهدت على نفسك اربع مرات اذهبوا به فارجموه
وفي بعضها فلما شهد على نفسه اربع مرات دعاه النبي صلى الله عليه وسلم قال أبك جنون قال لا قال هل احصنت قال نعم قال اذهبوا به فارجموه
وفي بعض طرقها انه صلى الله عليه وسلم سمع رجلين من أصحابه يقول احدهما لصاحبه الم تر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب فسكت عنهما ثم سار ساعة حتى مر بجيفة حمار شائل برجليه فقال اين فلان وفلان فقالا نحن ذان يا رسول الله فقال انزلا وكلا من جيفة هذا الحمار فقالا يا نبي الله من يأكل هذا قال فما نلتما من عرض أخيكما آنفا اشد أكلا منه والذي نفسي بيده إنه الآن لفي انهار الجنة ينغمس فيها
وفي بعض طرقها انه صلى الله عليه وسلم قال له لعلك رأيت في منامك لعلك استكرهت وكل هذه الالفاظ صحيحة
وفي بعضها انه امر فحفرت له حفيرة ذكره مسلم وهي غلط من رواية بشير بن المهاجر وإن كان مسلم قد روى له في الصحيح فالثقة قد يغلط على ان احمد وأبا حاتم الرازي قد تكلما فيه وإنما حصل الوهم من حفرة الغامدية فسرى إلى ماعز والله أعلم
370
وجاءته صلى الله عليه وسلم الغامدية فقالت إنى قد زنيت فطهرني وإنه رددها فقالت ترددني كما رددت ماعزا فوالله إنى لحبلى فقال اذهبي حتى تلدي فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة فقالت هذا قد ولدته فقال اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه فلما فطمته اتته به وفي يده كسرة من خبز فقالت هذا قد فطمته وأكل الطعام فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين ثم امر بها فحفر لها إلى صدرها وامر الناس فرجموها فأقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فنضح الدم على وجهه فسبها فسمع نبي الله صلى الله عليه وسلم سبه إياها فقال مهلا يا خالد فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له ثم امر بها فصلى عليها ودفنت ذكره مسلم
وجاءه صلى الله عليه وسلم رجل فقال يا رسول الله إنى اصبت حدا فأقمه على ولم يسأله عنه وحضرت الصلاة فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فقام إليه الرجل فقال يا رسول الله إنى اصبت حدا فأقم في كتاب الله قال أليس قد صليت معنا قال نعم قال فإن الله قد غفر لك ذنبك أوقال حدك متفق عليه
وقد اختلف في وجه هذا الحديث فقالت طائفة اقر بحد لم يسمه فلم يجب على الامام استفساره ولو سماه لحده كما حد ماعزا وقالت طائفة بل غفر الله له بتوبته والتائب من الذنب كمن لا ذنب له وعلى هذا فمن تاب من الذنب قبل القدرة عليه سقطت عنه حقوق الله تعالى كما تسقط عن المحارب وهذا هو الصواب
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال اصبت من امرأة قبله فنزلت ! < وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين > ! فقال الرجل ألى هذه فقال بل لمن عمل بها من امتي متفق عليه
وقد استدل به من يرى ان التعزير ليس بواجب وان للامام إسقاطه ولا دليل فيه فتأمله
371
وخرجت امرأة تريد الصلاة فتجللها رجل فقضى حاجته منها فصاحت وفر ومر عليها غيره فأخذوه فظنت انه هو وقالت هذا الذي فعل بي فأتوا به النبي صلى الله عليه وسلم فأمر برجمه فقام صاحبها الذي وقع عليها فقال أنا صاحبها فقال النبي صلى الله عليه وسلم اذهبي فقد غفر الله لك وقال للرجل قولا حسنا فقالوا الا ترجم صاحبها فقال لا لقد تاب توبة لو تابها اهل المدينة لقبل منهم ذكره احمد واهل السنن ولا فتوى ولا حكم احسن من هذا
فإن قيل كيف امر برجم البرئ
قيل لو انكر لم يرجمه ولكن لما اخذ وقالت هو هذا ولم ينكر ولم يحتج عن نفسه فاتفق مجئ القوم به في صورة المريب وقول المرأة هذا هو وسكوته سكوت المريب وهذه القرائن أقوى من قرائن حد المرأة بلعان الرجل وسكوتها فتأمله
تأثير اللوث في الدماء والحدود والاموال
وللوث تأثير في الدماء والحدود والاموال اما الدماء ففي القسامة واما الحدود ففي اللعان واما الاموال ففي قصة الوصية في السفر فإن الله تعالى حكم بأنه إن اطلع على ان الشاهدين والوصيين ظلما وغدرا ان يحلف اثنان من الورثة على استحقاقهما ويقضى لهم وهذا هو الحكم الذي لا حكم غيره فإن اللوث إذا أثر في إراقة الدماء وإزهاق النفوس وفي الحدود فلأن يعمل به في المال بطريق الاولى والاحرى وقد حكم به نبي الله سليمان بن داود في النسب مع اعتراف المرأة انه ليس بولدها بل هو ولد الاخرى فقال لها هو ابنك ومن تراجم النسائي على قصته التوسعة للحاكم ان يقول للشئ الذي لا يفعله أفعل كذا ليستبين به الحق ثم ترجم عليه ترجمة اخرى فقال الحكم بخلاف ما يعترف به المحكوم عليه إذا تبين للحاكم ان الحق غير ما اعترف به وهذا هو العلم استنباطا ودليلا ثم ترجم عليه ترجمة ثالثة فقال نقض الحاكم ما حكم به من هو مثله أواجل منه
372
قلت وفيه رد لقول من قال يكون بينهما إجراء للنسب مجرى المال وفيه ان حكم الحاكم لا يزيل الشيء عن صفتة في الباطن وفيه نوع لطيف شريف عجيب من انواع العلم النافع وهو الاستدلال بقدر الله على شرعة فإن سليمان عليه السلام استدل بما قدره الله وخلقه في قلب الصغرى من الرحمه والشفقة بحيث ابت ان يشق الولد على انه ابنها وقوى هذا الاستدلال رضى الاخرى بأن يشق الولد وقالت نعم شقه وهذا قول لا يصدر من أم وإنما يصدر من حاسد يريد ان يتأسى بصاحب النعمة في زوالها عنه كما زالت عنه هو ولا أحسن من هذا الحكم وهذا الفهم وإذا لم يكن مثل هذا في الحاكم اضاع حقوق الناس وهذه الشريعة الكاملة طافحة بذلك
اختلاف العلماء في العمل بالسياسة
وجرت في ذلك مناظرة بين ابي الوفاء بن عقيل وبين بعض الفقهاء فقال بن عقيل العمل بالسياسة هو الحزم ولا يخلو منه إمام وقال الاخر لا سياسة إلا ما وافق الشرع فقال بن عقيل السياسة ما كان من الافعال بحيث يكون الناس معه اقرب إلى الصلاح وابعد عن الفساد وإن لم يشرعه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نزل به وحي فإن اردت بقولك لا سياسة إلا ما وافق الشرع أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح وإن اردت ما نطق به الشرع فغلط وتغليط للصحابة فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والمثل ما لا يجحده عالم بالسير ولو لم يكن إلا تحريق المصاحف كان رأيا اعتمدوا فيه على مصلحة وكذلك تحريق على كرم الله وجهه الزنادقة في الاخاديد ونفى عمر نصر بن حجاج
قلت هذا موضع مزلة اقدام ومضلة افهام وهو مقام ضنك في معترك صعب فرط فيه طائفة فعطلوا الحدود وضيعوا الحقوق وجرءوا اهل الفجور على الفساد وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد وسدوا على انفسهم
373
طرقا صحيحة من الطرق التي يعرف بها المحق من المبطل وعطلوها مع علمهم وعلم الناس بها انها ادلة حق ظنا منهم منافاتها لقواعد الشرع والذي اوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة حقيقة الشريعة والتطبيق بين الواقع وبينها فلما رأى ولاة الامر ذلك وان الناس لا يستقيم امرهم إلا بشئ زائد على ما فهمه هؤلاء من الشريعة فأحدثوا لهم قوانين سياسية ينتظم بها مصالح العالم فتولد من تقصير اولئك في الشريعة وإحداث هؤلاء ما أحدثوه من اوضاع سياستهم شر طويل وفساد عريض وتفاقم الامر وتعذر استدراكه وافرط فيه طائفة اخرى فسوغت منه ما يناقض حكم الله ورسوله وكلا الطائفتين اتيت من قبل تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله فإن الله ارسل رسله وانزل كتبه ليقوم الناس بالقسط وهو العدل الذي قامت به السماوات والارض فإذا ظهرت أمارات الحق وقامت ادلة العقل واسفر صبحه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه ورضاه وامره والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته واماراته في نوع واحد وأبطل غيره من الطرق التي هي اقوى منه وادل وأظهر بل بين بما شرعه من الطرق ان مقصوده إقامة الحق والعدل وقيام الناس بالقسط فأي طريق استخرج بها الحق ومعرفة العدل وجب الحكم بموجبها ومقتضاها والطرق اسباب ووسائل لا تراد لذواتها وإنما المراد غاياتها التي هي المقاصد ولكن نبه بما شرعه من الطرق على أسبابها وامثالها ولن تجد طريقا من الطرق المثبتة للحق إلا وهي شرعة وسبيل للدلالة عليها وهل يظن بالشريعة الكاملة خلاف ذلك
السياسة العادلة موافقة للشريعة
ولا نقول إن السياسة العادلة مخالفة للشريعة الكاملة بل هي جزء من اجزائها وباب من أبوابها وتسميتها سياسة امر اصطلاحي وإلا فإذا كانت عدلا فهي من الشرع فقد حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم في تهمه وعاقب في تهمة لما ظهرت امارات الريبة على المتهم فمن اطلق كل متهم وخلى سبيله أوحلفه
374
مع علمه باشتهاره بالفساد في الارض ونقب الدور وتواتر السرقات ولا سيما مع وجود المسروق معه وقال لا آخذه إلا بشاهدي عدل أوإقرار اختيار وطوع فقوله مخالف للسياسة الشرعية وكذلك منع النبي صلى الله عليه وسلم الغال من الغنيمة سهمه وتحريق الخلفاء الراشدين متاعه ومنع المسئ على أمين سلب قتيله وأخذه شطر مال مانع الزكاة وإضعافه الغرم على سارق ما لا قطع فيه وعقوبته بالجلد وإضعافه الغرم على كاتم الضالة وتحريق عمر بن الخطاب حانوت الخمار وتحريقه قرية يباع فيها الخمر وتحريقه قصر سعد بن ابي وقاص لما احتجب فيه عن رعيته وحلقة راس نصر بن حجاج ونفيه وضربه صبيغا بالدرة لما تتبع المتشابه فسأل عنه إلى غير ذلك من السياسة التي ساس بها الامة فسارت سنة إلى يوم القيامة وإن خالفها من خالفها
ولقد حد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في الزنى بمجرد الحبل وفي الخمر بالرائحة والقئ وهذا هو الصواب فإن دليل القئ والرائحة والحبل على الشرب والزنى اولى من البينة قطعا فكيف يظن بالشريعة إلغاء اقوى الدليلين ومن ذلك تحريق الصديق اللوطى وإلقاء امير المؤمنين علي كرم الله وجهه له من شاهق على رأسه ومن ذلك تحريق عثمان المصاحف المخالفة للمصحف الذي جمع الناس عليه وهو الذي بلسان قريش ومن ذلك تحريق الصديق الفجاءة السلمي ومن ذلك اختيار عمر رضى الله عنه للناس إفراد الحج وأن يعتمروا في غير اشهر الحج فلا يزال البيت الحرام معمورا بالحجاج والمعتمرين ومن ذلك منع عمر رضى الله عنه الناس من بيع امهات الاولاد وقد باعوهن في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحياة ابي بكر رضى الله عنه وأرضاه ومن ذلك إلزامه بالطلاق الثلاث لمن اوقعه بفم واحد عقوبة له كما صرح هو بذلك وإلا فقد كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من إمارته هو يجعل واحدة إلى اضعاف ذلك من السياسات العادلة التي ساسوا بها الامة وهي مشتقة من أصول الشريعة وقواعدها
375
السياسة والحقيقة والطريقة والعقل تنقسم إلى صحيحة وفاسدة
وتقسيم بعضهم طرق الحكم إلى شريعة وسياسة كتقسيم غيرهم الدين إلى شريعة وحقيقة وكتقسيم آخرين الدين إلى عقل ونقل وكل ذلك تقسيم باطل بل السياسة والحقيقة والطريقة والعقل كل ذلك ينقسم إلى قسمين صحيح وفاسد فالصحيح قسم من اقسام الشريعة لا قسيم لها والباطل ضدها ومنافيها وهذا الاصل من اهم الاصول وانفعها وهو مبنى على حرف واحد وهو عموم رسالته صلى الله عليه وسلم بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم واعمالهم وانه لم يحوج امته إلى احد بعده وإنما حاجتهم إلى من يبلغهم عنه ما جاء به فلرسالته عمومان محفوظان لا يتطرق اليهما تخصيص عموم بالنسبة إلى المرسل اليهم وعموم بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه من بعث إليه في اصول الدين وفروعه فرسالته كافية شافية عامة لا تحوج إلى سواها ولا يتم الايمان به إلا بإثبات عموم رسالتة في هذا وهذا فلا يخرج احد من المكلفين عن رسالته ولا يخرج نوع من انواع الحق الذي تحتاج إليه الامة في علومها واعمالها عما جاء به
الرسول يبين كل شئ
وقد توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر للامة منه علما وعلمهم كل شئ حتى أداب التخلي وآداب الجماع والنوم والقيام والقعود والاكل والشرب والركوب والنزول والسفر والاقامة والصمت والكلام والعزلة والخلطة والغنى والفقر والصحة والمرض وجميع احكام الحياة والموت ووصف لهم العرش والكرسي والملائكة والجن والنار والجنة ويوم القيامة وما فيه حتى كأنه رأى عين وعرفهم معبودهم والههم اتم تعريف حتى كأنهم يرونه ويشاهدونه بأوصاف كماله ونعوت جلاله وعرفهم الانبياء واممهم وما جرى لهم وما جرى عليهم معهم حتى كأنهم كانوا بينهم وعرفهم من طرق الخير والشر دقيقها وجليلها ما لم يعرفه نبي لامته قبله وعرفهم صلى الله عليه وسلم من أحوال الموت وما يكون بعده في البرزخ وما يحصل فيه من النعيم
376
والعذاب للروح والبدن ما لم يعرف به نبي غيره وكذلك عرفهم صلى الله عليه وسلم من أدلة التوحيد والنبوة والمعاد والرد على جميع فرق اهل الكفر والضلال ما ليس لمن عرفه حاجة من بعده اللهم إلا إلى من يبلغه إياه ويبينه ويوضح منه ما خفى عليه وكذلك عرفهم صلى الله عليه وسلم من مكايد الحروب ولقاء العدو وطرق النصر والظفر ما لو علموه وعقلوه ورعوه حق رعايته لم يقم لهم عدو أبدا وكذلك عرفهم صلى الله عليه وسلم من مكايد إبليس وطرقه التي يأتيهم منها وما يتحرزون به من كيده ومكره وما يدفعون به شره ما لا مزيد عليه وكذلك عرفهم صلى الله عليه وسلم من أحوال نفوسهم وأوصافها ودسائسها وكمائنها ما لا حاجة لهم معه إلى سواه وكذلك عرفهم صلى الله عليه وسلم من امور معايشهم ما لو علموه وعملوه لاستقامت لهم دنياهم أعظم استقامة
لا حاجة للناس بعد رسول الله ودينه
وبالجملة فجاءهم بخير الدنيا والاخرة برمته ولم يحوجهم الله إلى احد سواه فكيف يظن ان شريعته الكاملة التي ما طرق العالم شريعة اكمل منها ناقصة تحتاج إلى سياسة خارجة عنها تكملها أوإلى قياس أو حقيقة أو معقول خارج عنها ومن ظن ذلك فهو كمن ظن ان بالناس حاجة إلى رسول آخر بعده وسبب هذا كله خفاء ما جاء به على من ظن ذلك وقلة نصيبه من الفهم الذي وفق الله له اصحاب نبيه الذين اكتفوا بما جاء به واستغنوا به عما ما سواه وفتحوا به القلوب والبلاد وقالوا هذا عهد نبينا الينا وهو عهدنا اليكم وقد كان عمر رضى الله عنه يمنع من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية ان يشتغل الناس به عن القرآن فكيف لو رأى اشتغال الناس بآرائهم وزبد افكارهم وزبالة اذهانهم عن القرآن والحديث فالله المستعان
وقد قال الله تعالى ! < أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون > ! وقال تعالى ! < ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين > !
377
وقال تعالى ! < يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين > ! وكيف يشفى ما في الصدور كتاب لا يفي هو وما تبينه السنة بعشر معشار الشريعة ام كيف يشفى ما في الصدور كتاب يستفاد منه اليقين في مسألة واحدة من مسائل معرفة الله وأسمائه وصفاته وأفعاله أوعامتها ظواهر لفظية دلالتها موقوفة على انتفاء عشرة امور لا يعلم انتفاؤها سبحانك هذا بهتان عظيم
ويالله العجب كيف كان الصحابة والتابعون قبل وضع هذه القوانين التي اتى الله بنيانها من القواعد وقبل استخراج هذه الآراء والمقاييس والاوضاع أهل كانوا مهتدين مكتفين بالنصوص أم كانوا على خلاف ذلك حتى جاء المتأخرون فكانوا اعلم منهم وأهدى وأضبط للشريعة منهم واعلم بالله وأسمائه وصفاته وما يجب له وما يمتنع عليه منهم فوالله لان يلقى الله عبده بكل ذنب ما خلا الإشراك خير من أن يلقاه بهذا الظن الفاسد والاعتقاد الباطل
فصل كلام الإمام احمد في السياسة الشرعية
وهذه نبذة يسيرة من كلام الإمام احمد رحمه الله في السياسة الشرعية
قال في رواية المروزي وبن منصور والمخنث ينفى لأنه لا يقع منه إلا الفساد والتعرض له وللإمام نفيه إلى بلد يأمن فساد أهله وإن خاف به عليهم حبسه
وقال في رواية حنبل فيمن شرب خمرا في نهار رمضان أوأتى شيئا نحو هذا أقيم الحد عليه وغلظ عليه مثل الذي يقتل في الحرم دية وثلث
وقال في رواية حرب إذا أتت المرأة المرأة تعاقبان وتؤدبان
378
وقال أصحابنا إذا رأى الإمام تحريق اللوطي بالنار فله ذلك لان خالد بن الوليد كتب إلى أبى بكر رضى الله عنه انه وجد في بعض نواحي العرب رجلا ينكح كما تنكح المرأة فاستشار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه وكان أشدهم قولا فقال إن هذا الذنب لم تعص الله به أمة من الأمم إلا واحدة فصنع الله بهم ما قد علمتم أري أن يحرقوه بالنار فأجمع رأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يحرقوه بالنار فكتب أبو بكر الصديق رضى الله عنه إلى خالد بن الوليد رضى الله عنهما بأن يحرقوا فحرقهم ثم حرقهم بن الزبير ثم حرقهم هشام بن عبد الملك
ونص الإمام احمد رضى الله عنه فيمن طعن على الصحابة انه قد وجب على السلطان عقوبته وليس للسلطان أن يعفو عنه بل يعاقبه ويستتيبه فإن تاب وإلا أعاد العقوبة
وصرح أصحابنا في أن النساء إذا خيف عليهن المساحقة حرم خلوة بعضهن ببعض
وصرحوا بأن من اسلم وتحته أختان فإنه يجبر على اختيار إحداهما فإن أبى ضرب حتى يختار
قالوا وهكذا كل من وجب عليه حق فامتنع من أدائه فإنه يضرب حتى يؤديه
وأما كلام مالك وأصحابه في ذلك فمشهور
الشافعي يعتبر قرائن الأحوال
وابعد الناس من الأخذ بذلك الشافعي رحمه الله تعالى مع انه اعتبر قرائن الأحوال في اكثر من مائة موضع وقد ذكرنا منها كثيرا في غير هذا الكتاب منها جواز وطء الرجل المرأة ليلة الزفاف وإن لم يرها ولم يشهد عدلان إنها
379
امرأته بناء على القرائن ومنها قبول الهدية التي يوصلها إليه صبي أو عبد أو كافر وجواز أكلها والتصرف فيها وإن لم يشهد عدلان أن فلانا أهدى لك كذا بناء على القرائن ولا يشترط تلفظه ولا تلفظ الرسول بلفظ الهبة والهدية ومنها جواز تصرفه في بابه بقرع حلقته ودقه عليه وإن لم يستأذنه في ذلك ومنها استدعاء المستأجر للدار والبستان لمن شاء من أصحابه وضيوفه وإنزالهم عنده مدة وإن لم يستأذنه نطقا وإن تضمن ذلك تصرفهم في منفعة الدار وإشغالهم الكنيف وإضعافهم السلم ونحوه ومنها جواز الأقدام على الطعام إذا وضعه بين يديه وإن لم يصرح له بالإذن لفظا ومنها جواز شربه من الإناء وإن لم يقدمه إليه ولا يستأذنه ومنها جواز قضاء حاجته في كنيفه وإن لم يستأذنه ومنها جواز الاستناد إلى وسادته ومنها اخذ ما ينبذه رغبة عنه من الطعام وغيره وإن لم يصرح بتمليكه له ومنها انتفاعه بفراش زوجته ولحافها ووسادتها وآنيتها وإن لم يستأذنها نطقا إلى أضعاف أضعاف ذلك
وهل السياسة الشرعية إلا من هذا الباب وهي الاعتماد على القرائن التي تفيد القطع تارة والظن الذي هو أقوى من ظن الشهود بكثير تارة وهذا باب واسع وقد تقدم التنبيه عليه مرارا ولا يستغنى عنه المفتى والحاكم
فصل فتاوي إمام المفتين صلى الله عليه وسلم في الأطعمة
فلنرجع إلى فتاوي رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر طرف من فتاويه في الأطعمة
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الثوم أحرام هو قال لا ولكنى اكرهه من أجل رائحته ذكره مسلم
380
وسأله صلى الله عليه وسلم أبو أيوب هل يحل لنا البصل فقال بلى ولكنى يغشاني ما لا يغشاكم ذكره احمد
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الضب أحرام هو فقال لا ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه متفق عليه
وسئل صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفرا فقال الحلال ما أحله الله في كتابه والحرام ما حرمه الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه ذكره بن ماجه
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الضبع فقال أويأكل الضبع احد
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الذئب فقال أويأكل الذئب احد فيه خير ذكره الترمذي وعند بن ماجه قال قلت يا رسول الله ما تقول في الضبع قال ومن يأكل الضبع وإن صح حديث جابر في إباحة الضبع فإن في القلب منه شيئا كان هذا الحديث يدل على ترك أكله تقذرا أوتنزها والله أعلم
وسألته صلى الله عليه وسلم عائشة رضى الله عنها فقالت إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه ام لا فقال سموا انتم وكلوا ذكره البخاري
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال أنأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله فأنزل الله ! < ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه > ! إلى آخر الاية هكذا ذكره ابو داود وأن الذي سأل هذا السؤال هم اليهود والمشهور في هذه القصة ان المشركين هم الذين اوردوا هذا السؤال وهو الصحيح ويدل عليه كون السورة مكية وكون اليهود يحرمون الميتة كما يحرمها المسلمون فكيف يوردون هذا السؤال وهم يوافقون على هذا الحكم ويدل عليه ايضا قوله ! < وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم > ! فهذا سؤال مجادل في ذلك واليهود لم تكن تجادل في هذا وقد رواه الترمذي بلفظ ظاهره ان بعض
381
المسلمين سأل هذا السؤال ولفظه أتى ناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله أنأكل مما نقتل ولا نأكل مما قتل الله فأنزل الله تعالى ! < فكلوا مما ذكر اسم الله عليه > ! إلى قوله ! < وإن أطعتموهم إنكم لمشركون > ! وهذا لا يناقض كون المشركين هم الذين أوردوا هذا السؤال فسأل عنه المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا احسب قوله إن اليهود سألوا عن ذلك إلا وهما من أحد الرواة والله أعلم
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال يا رسول الله إنى اذا اصبت اللحم انتشرت للنساء واخذتني شهوتي فحرمت على اللحم فأنزل الله تعالى ! < يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا > ! ذكره الترمذي
وسأله صلى الله عليه وسلم ابو ثعلبة الخشني رضى الله عنه فقال إن أرضنا أرض أهل كتاب وإنهم يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم فقال صلى الله عليه وسلم إن لم تجدوا غيرها فارحضوها واطبخوا فيها واشربوا قال قلت يا رسول الله ما يحل لنا وما يحرم علينا قال لا تأكلوا لحم الحمر الإنسية ولا يحل كل ذي ناب من السباع ذكره احمد وقد ثبت عنه في صحيح مسلم من حديث ابي هريرة انه قال اكل كل ذي ناب من السباع حرام وهذان اللفظان يبطلان قول من تأول نهيه عن أكل كل ذى ناب من السباع بأنه نهى كراهة فإنه تأويل فاسد قطعا وبالله التوفيق
فتاوي إمام المفتين صلى الله عليه وسلم في الزكاة والصيد
وسئل صلى الله عليه وسلم أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة فقال لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك ذكره ابو داود وقال هذا ذكاة المتردى وقال يزيد بن هارون هذا للضرورة وقيل هو في غير المقدور عليه
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الجنين يكون في بطن الناقة أو البقرة أو الشاة
382
أنلقيه ام نأكله فقال كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة امه ذكره احمد وهذا يبطل تأويل من تأول الحديث انه يذكى كما تذكى امه ثم يؤكل فإنه أمرهم بأكله وأخبر أن ذكاة امه ذكاة له وهذا لانه جزء من أجزائها فلم يحتج إلى ان يفرد بذبح كسائر أجزائها
وسأله صلى الله عليه وسلم رافع بن خديج فقال إنا لاقو العدو غدا وليست معنا مدى أفنذكى بالليطة فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل إلا ما كان من سن أوظفر فإن السن عظم والظفر مدى الحبشة متفق عليه والليطة الفلقة من القصب
وسأله صلى الله عليه وسلم عدى بن حاتم رضى الله عنه فقال إن أحدنا ليصيب الصيد وليس معه سكين أيذبح بالمروة وشقة العصى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الدم وأذكر اسم الله ذكره احمد
وسئل صلى الله عليه وسلم عن شاه حل بها الموت فأخذت جارية حجرا فذبحتها به فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأكلها ذكره البخاري
وسئل صلى الله عليه وسلم عن شاة نيب فيها الذئب فذبحوها بمروة فرخص لهم في أكلها ذكره النسائي
وسئل صلى الله عليه وسلم عن أكل الحوت الذي جزر البحر عنه فقال كلوا رزقا اخرجه الله لكم وأطعمونا إن كان معكم متفق عليه
وسأله صلى الله عليه وسلم ابو ثعلبة الخشني فقال إنا بأرض صيد أصيد بقوسى وبكلبى المعلم وبكلبى الذي ليس بمعلم فما يصلح لي فقال ما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت دكاته فكل متفق عليه وهو صريح في اشتراطه التسمية لحل الصيد ودلالته على ذلك اصرح من دلالته على تحريم صيد غير المعلم
383
وسأله صلى الله عليه وسلم عدي بن حاتم فقال إنى أرسل كلابي المعلمة فيمسكن على وأذكر اسم الله فقال إذا ارسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما امسك عليك قلت وإن قتلن قال وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس منها قلت فإنى ارمي بالمعراض الصيد فأصيب فقال إذا رميت بالمعراض فخزق فكله وإن اصابه بعرضه فلا تأكله متفق عليه
وفي بعض الفاظ هذا الحديث إلا أن يأكل الكلب فإن أكل فلا تأكل فإنى أخاف ان يكون إنما امسك على نفسه وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره
وفي بعض الفاظه إذا ارسلت كلبك المكلب فاذكر اسم الله فإن امسك عليك فأدركته حيا فاذبحه وإن ادركته قد قتل ولم يأكل منه فكله فإن اخذ الكلب ذكاته وفي بعض الفاظه إذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله وفيه فإن غاب عنك اليومين أوالثلاثة ولم تجد فيه إلا اثر سهمك فكل إن شئت فان وجدته غريقا في الماء فلا تأكل فإنك لا تدري الماء قتله أوسهمك
وسأله صلى الله عليه وسلم ابو ثعلبة الخشنى فقال يا رسول الله إن لي كلابا مكلبة فأفتنى في صيدها فقال إن كانت لك كلاب مكلبة فكل مما أمسكت عليك فقال يا رسول الله ذكر أو غير ذكي قال ذكي أو غير ذكى قال وإن اكل منه قال وإن أكل منه قال يا رسول الله افتني في قوسي قال كل ما امسكت عليك قوسك قال ذكى وغير ذكى قال ذكى وغير ذكى قال وإن تغيب عنى قال وإن تغيب عنك ما لم يصل يعنى يتغير أوتجد فيه اثرا غير اثر سهمك ذكره ابو داود
ولا يناقض هذا قوله لعدى بن حاتم وإن أكل منه فلا تأكل فإن
384
حديث عدي فيما أكل منه حال صيده اذ يكون ممسكا على نفسه وحديث ابي ثعلبة فيما اكل منه بعد ذلك فإنه يكون قد امسك على صاحبه ثم اكل منه بعد ذلك وهذا لا يحرم كما لو اكل مما ذكاه صاحبه
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الذي يدرك صيده بعد ثلاث فقال كله مالم ينتن ذكره مسلم
وساله صلى الله عليه وسلم اهل بيت كانوا في الحرة محتاجين ماتت عندهم ناقة لهم أولغيرهم فرخص لهم في اكلها فعصمتهم بقية شتائهم ذكره احمد
وعند ابي داود ان رجلا نزل بالحرة ومعه اهله وولده فقال له رجل ان لي ناقة قد ضلت فإن وجدتها فأمسكها فوجدها فلم يجد صاحبها فمرضت فقالت امرأته انحرها فأبى فنفقت فقالت اسلخها حتى نقدد شحمها ولحمها نأكله فقال حتى اسال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه فسأله فقال له هل عندك ما يغنيك قال لا قال فكلوه قال فجاء صاحبها فأخبره الخبر فقال هلا كنت نحرتها قال استحييت منك وفيه دليل على جواز امساك الميتة للمضطر
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال من الطعام طعام نتحرج منه فقال لا يختلجن في نفسك شيء ضارعت فيه النصرانية ذكره احمد ومعناه والله اعلم النهي عما شابه طعام النصارى يقول لا تشكن فيه بل دعه فأجابه بجواب عام وخص النصارى دون اليهود لان النصارى لا يحرمون شيئا من الاطعمة بل يبيحون مادب ودرج من الفيل إلى البعوض
وسأله صلى الله عليه وسلم عقبة بن عامر فقال انك تبعثنا فننزل بقوم لا يقروننا فما ترى فقال ان نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوه فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم ذكره البخاري
385
وعند الترمذي انا نمر بقوم فلا يضيفوننا ولا يؤدون ما لنا عليهم من الحق ولا نحن نأخذ منهم فقال ان ابوا الا ان تأخذوا قرى فخذوه وعند ابي داود ليلة الضيف حق على كل مسلم فإن اصبح بفنائه محروما كان دينا عليه ان شاء اقتضاه وان شاء تركه وعنده ايضا من نزل بقوم فعليهم ان يقروه فإن لم يقروه فله ان يعقبهم بمثل قراه
وهو دليل على وجوب الضيافة وعلى أخذ الإنسان نظير حقه ممن هو عليه إذا أبى دفعه وقد استدل به في مسألة الظفر ولا دليل فيه لظهور سبب الحق ها هنا فلا يتهم الآخذ كما تقدم في قصة هند مع أبي سفيان
وسأله صلى الله عليه وسلم عوف بن مالك فقال الرجل أمر به فلا يقريني ولا يضيفني ثم يمر بي أفأجزيه قال لا بل اقره قال ورآني يعني النبي صلى الله عليه وسلم رث الثياب فقال هل لك من مال قال قلت من كل المال قد أعطاني الله من الإبل والغنم قال فلير عليك ذكره الترمذي
وسئل صلى الله عليه وسلم عن جائزة الضيف فقال يومه وليلته والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة ولا يحل له ان يثوي عنده حتى يحرجه متفق عليه
فصل فتاوي إمام المفتين صلى الله عليه وسلم في العقيقة
وسئل صلى الله عليه وسلم عن العقيقة وكان كره الاسم وقال من ولد له مولود فأحب ان ينسك عنه فليفعل ذكره أحمد وعنده أيضا أنه سئل صلى الله عليه وسلم عن العقيقة فقال لايحب الله العقوق كانه كره الاسم قالوا يارسول الله إنما نسألك عن أحدنا يولد له ولد قال من يولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فلينسك عن الغلام شاتين متكافئتين وعن الجارية شاة
386
فصل فتاوي إمام المفتين صلى الله عليه وسلم في الأشربة
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال لا أروى من نفس واحدة قال فأبن القدح عن فيك ثم تنفس قال فإني أرى القذاة فيه قال فأهرقها ذكره مالك وعند الترمذي انه صلى الله عليه وسلم نهى عن النفخ في الشراب فقال رجل القذاة اراها في الاناء قال أهرقها قال إنى لا أروى من نفس واحدة قال فأبن القدح إذن عن فيك حديث صحيح
وسئل صلى الله عليه وسلم عن البتع فقال كل شراب أسكر فهو حرام متفق عليه
وسأله صلى الله عليه وسلم ابو موسى فقال يا رسول الله أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن البتع وهو من العسل ينبذ حتى يشتد والمزر وهو من الذرة والشعير ينبذ حتى يشتد فقال كل مسكر حرام متفق عليه
وسأله صلى الله عليه وسلم طارق بن سعيد عن الخمر فنهاه ان يصنعها فقال إنما أصنعها للدواء فقال إنه ليس بدواء ولكنه داء
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل من اليمن عن شراب بأرضهم يقال له المزر قال امسكر هو قال نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل مسكر حرام وإن على الله عهدا لمن شرب المسكر ان يسقيه من طينة الخبال قالوا يا رسول الله وما طينة الخبال قال عرق أهل النار أوقال عصارة اهل النار
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل من عبد قيس فقال يا رسول الله ما ترى في شراب نصنعه في أرضنا من ثمارنا فأعرض عنه حتى سأله ثلاث مرات حتى قام يصلى فلما قضى صلاته قال لا تشربه ولا تسقه أخاك المسلم فوالذي
387
نفسي بيده أووالذي يحلف به لا يشربه رجل ابتغاء لذة سكر فيسقيه الله الخمر يوم القيامة ذكره احمد
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الخمر تتخذ خلا قال لا ذكره مسلم
وسأله صلى الله عليه وسلم ابو طلحة عن ايتام ورثوا خمرا فقال اهرقها قال أفلا نجعلها خلا قال لا ذكره احمد وفي لفظ ان يتما كان في حجر أبي طلحة فاشترى له خمرا فلما حرمت الخمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم أيتخذها قال لا
وسأله صلى الله عليه وسلم قوم فقالوا إنا ننتبذ نبيذا نشربه على غدائنا وعشائنا وفي رواية على طعامنا فقال اشربوا واجتنبوا كل مسكر فأعادوا عليه فقال إن الله ينهاكم عن قليل ما أسكر وكثيره ذكره الدارقطني
وسأله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن فيروز الديلمي رضى الله عنهما فقال إنا اصحاب اعناب وكرم وقد نزل تحريم الخمر فما نصنع بها قال تتخذونه زبيبا قال نصنع بالزبيب ماذا قال تنقعونه على غدائكم وتشربونه على عشائكم وتنقعونه على عشائكم وتشربونه على غدائكم قال قلت يا رسول الله نحن ممن قد علمت ونحن بين ظهراني من قد علمت فمن ولينا فقال الله ورسوله قال حسبي يا رسول الله
فصل فتاوي إمام المفتين صلى الله عليه وسلم في الايمان والنذور
وسأله سعد بن ابي وقاص فقال يا رسول الله إنى حلفت باللات والعزى وإن العهد كان قريبا فقال قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له ثلاثا ثم انفث عن يسارك ثلاثا ثم تعوذ ولا تعد ذكره احمد
388
ولما قال صلى الله عليه وسلم من أقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة واوجب له النار سألوه صلى الله عليه وسلم وإن كان شيئا يسيرا قال وإن كان قضيبا من أراك ذكره مسلم
وأعتم رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع إلى أهله فوجد الصبية قد ناموا فأتاه اهله بطعام فحلف لا يأكل من أجل الصبية ثم بدا له فأكل فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليتها وليكفر عن يمينه ذكره مسلم
وسأله صلى الله عليه وسلم مالك بن فضالة فقال يا رسول الله أرأيت بن عم لي آتيه أسأله فلا يعطيني ولا يصلني ثم يحتاج إلى فيأتيني فيسألني وقد حلفت ان لا اعطيه ولا أصله قال فأمرني ان آتى الذي هو خير واكفر عن يميني
وخرج سويد بن حنظلة ووائل بن حجر يريدان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومهما فأخذ وائلا عدو له فتحرج القوم ان يحلفوا انه اخوهم وحلف سويد انه اخوه فخلوا سبيله فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال انت ابرهم واصدقهم المسلم اخو المسلم ذكره احمد
وسئل صلى الله عليه وسلم عن رجل نذر ان يقوم في الشمس ولا يقعد ويصوم ولا يفطر بنهاره ولا يستظل ولا يتكلم فقال مروه فليستظل وليتكلم وليقعد وليتم صومه ذكره البخاري
وفيه دليل على تفريق الصفقة في النذر وان من نذر قربة صح النذر في القربة وبطل في غير القربة وهكذا الحكم في الوقف سواء
وسأله صلى الله عليه وسلم عمر رضى الله عنه فقال إنى نذرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال اوف بنذرك متفق عليه
389
وقد احتج به من يرى جواز الاعتكاف من غير صوم ولا حجة فيه لان في بعض الفاظ الحديث أن اعتكف يوما أوليلة ولم يأمره بالصوم إذ الاعتكاف المشروع إنما هو اعتكاف الصائم فيحمل اللفظ المطلق على المشروع
وسئل صلى الله عليه وسلم عن امرأة نذرت ان تمشي إلى بيت الله الحرام حافية غير مختمرة فأمرها ان تركب وتختمر وتصوم ثلاثة ايام ذكره احمد
وفي الصحيحين عن عقبة بن عامر قال نذرت أختي ان تمشي إلى بيت الله الحرام حافية فأمرتني ان استفتى لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيته فقال لتمش ولتركب
وعند الامام احمد ان اخت عقبة نذرت ان تحج ماشية وانها لا تطيق ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله لغنى عن مشي اختك فلتركب ولتهد بدنه
ونظر وهو يخطب إلى اعرابي قائم في الشمس فقال ما شأنك قال نذرت ان لا أزال في الشمس حتى يفرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخطبة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس هذا نذرا إنما النذر فيما ابتغى به وجه الله ذكره احمد
ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم شيخا يهادى بين ابنيه فقال ما بال هذا فقالوا نذر ان يمشي فقال إن الله لغنى عن تعذيب هذا نفسه وامره ان يركب متفق عليه
ونظر إلى رجلين مقترنين يمشيان إلى البيت فقال ما بال القرآن قالوا يا رسول الله نذرنا ان نمشي إلى البيت مقترنين فقال ليس هذا نذرا إنما النذر فيما ابتغى به وجه الله ذكره احمد
390
سألته صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت إن امي توفيت وعليها نذر صيام فتوفيت قبل ان تقضيه فقال ليصم عنها الولي ذكره بن ماجه
وصح عنه صلى الله عليه وسلم انه قال من مات وعليه صيام صام عنه وليه
فطائفة حملت هذا على عمومه وإطلاقه وقالت يصام عنه النذر والفرض
وابت طائفة ذلك وقالت لا يصام عنه نذر ولا فرض
وفصلت طائفة فقالت يصام عنه النذر دون الفرض الاصلي وهذا قول بن عباس وأصحابه والامام احمد واصحابه وهو الصحيح لان فرض الصيام جار مجرى الصلاة فكما لا يصلي احد عن احد ولا يسلم احد عن احد فكذلك الصيام وأما النذر فهو التزام في الذمة بمنزلة الدين فيقبل قضاء الولي له كما يقضى دينه وهذا محض الفقه وطرد هذا انه لا يحج عنه ولا يزكى عنه إلا اذا كان معذورا بالتأخير كما يطعم الولي عمن افطر في رمضان لعذر فأما المفطر من غير عذر اصلا فلا ينفعه اداء غيره عنه لفرائض الله تعالى التي فرط فيها وكان هو المأمور بها ابتلاء وامتحانا دون الولي فلا تنفع توبه احد عن احد ولا إسلامه عنه ولا أداء الصلاة عنه ولا غيرها من فرائض الله تعالى التي فرط فيها حتى مات والله أعلم
وسألته صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت إنى نذرت ان اضرب على رأسك بالدف فقال أوفي بنذرك قالت إنى نذرت ان اذبح بمكان كذا وكذا مكان يذبح فيه اهل الجاهلية قال لصنم قالت لا قال لوثن قالت لا قال اوفي بنذرك ذكره ابو داود
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال إنى نذرت ان انحر إبلا ببوانة فقال النبي صلى الله عليه وسلم كان فيها وثن من اوثان الجاهلية يعبد قالوا لا قال فهل كان فيها عيد من اعيادهم قالوا لا قال اوف بنذرك فإنه لا وفاء بالنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك بن آدم ذكره ابو داود
391
فصل فتاوي إمام المفتين صلى الله عليه وسلم في الجهاد
سئل عن قتال الامراء الظلمة فقال لا ما أقاموا الصلاة وقال خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم قالوا أفلا ننابذهم قال لا ما أقاموا فيكم الصلاة لا ما أقاموا فيكم الصلاة ثم قال صلى الله عليه وسلم ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعته ذكره مسلم
وقال يستعمل عليكم امراء فتعرفون وتنكرون فمن كرة فقد برئ ومن انكر فقد سلم ولكن من رضى وتابع قالوا افلا نقاتلهم قال لا ما صلوا ذكره مسلم وزاد احمد ما صلوا الخمس
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال أرأيت إن كان علينا امراء يمنعوننا حقنا ويسألوننا حقهم قال اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم ذكره الترمذي
وقال إنها ستكون بعدى أثرة وامور تنكرونها قالوا فما تامرنا من أدرك ذلك قال تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم متفق عليه
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال دلني على عمل يعدل الجهادقال لا اجده ثم قال هل تستطيع إذا خرج المجاهد ان تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر قال ومن يستطيع ذلك فقال مثل المجاهد
392
في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله ذكره مسلم
وسئل صلى الله عليه وسلم أي الناس افضل فقال مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله قال ثم من قال رجل في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره متفق عليه
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال يا رسول الله ارايت إن قتلت في سبيل الله وانا صابر محتسب مقبل غير مدبر يكفر الله عني خطاياي قال نعم ثم قال كيف قلت فرد عليه كما قال فقال نعم فكيف قلت فرد عليه القول ايضا فقال أرأيت يا رسول الله إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر يكفر الله عنى خطاياي قال نعم إلا الدين فإن جبريل سارني بذلك ذكره احمد
وسئل صلى الله عليه وسلم ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد قال كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة ذكره النسائي
وسئل صلى الله عليه وسلم أي الشهداء افضل عند الله تعالى قال الذين يلقون في الصف لا يلفتون وجوههم حتى يقتلوا اولئك ينطلقون في الغرف العلى من الجنة ويضحك اليهم ربك تعالى واذا ضحك ربك إلى عبد في الدنيا فلا حساب عليه ذكره احمد
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله قال من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله متفق عليه
وعند ابي داود ان اعرابيا اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الرجل يقاتل للذكر ويقاتل ليحمد ويقاتل ليغنم ويقاتل ليرى مكانه فمن في
393
سبيل الله قال من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال يا رسول الله الرجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرضا من أعراض الدنيا فقال لا اجر له فأعظم ذلك الناس وقالوا للرجل عد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإنك لم تفهمه فقال يا رسول الله رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرضا من عرض الدنيا فقال لا أجر له فقالوا للرجل عد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الثالثة فقال لا أجر له ذكره ابو داود
وعند النسائي انه سئل صلى الله عليه وسلم أرأيت رجلا غزا يلتمس الاجر والذكر ماله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا شئ له فأعادها ثلاث مرار يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا شئ له ثم قال إن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا له وابتغى به وجهه
وسألته صلى الله عليه وسلم ام سلمة فقالت يا رسول الله يغزو الرجال ولا تغزو النساء وإنما لنا نصف الميراث فأنزل الله تعالى ! < ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض > ! الاية ذكره احمد
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الشهداء فقال من قتل في سبيل الله فهو شهيد ومن مات في سبيل الله فهو شهيد ومن مات في الطاعون فهو شهيد ومن مات في البطن فهو شهيد ذكره مسلم
فصل فتاوي إمام المفتين صلى الله عليه وسلم في الطب
سأله صلى الله عليه وسلم اعرابي فقال يا رسول الله انتداوى قال نعم فإن الله لم ينزل داء إلا انزل له شفاء علمه من علمه وجهلة من جهله ذكره احمد
394
وفي السنن ان الاعراب قالت يا رسول الله الا نتداوى قال نعم عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء أودواء إلا داء واحدا قالوا يا رسول الله وما هو قال الهرم
وسئل صلى الله عليه وسلم فقيل له أرايت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا قال هي من قدر الله ذكره الترمذي
وسئل صلى الله عليه وسلم هل يغنى الدواء شيئا فقال سبحان الله وهل انزل الله تبارك وتعالى من داء في الارض إلا جعل له شفاء ذكره احمد
وسئل صلى الله عليه وسلم عن السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب من أمته فقال هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون متفق عليه
وسأله صلى الله عليه وسلم آل عمرو بن حزم فقالوا إنه كانت عندنا رقية نرقى بها من العقرب وإنك نهيت عن الرقي قال اعرضوا على رقاكم قال فعرضوا عليه فقال ما أرى بأسا من استطاع ان ينفع اخاه فليفعل ذكره مسلم
واستفتاه عثمان بن ابي العاص رضى الله عنه وشكا إليه وجعا يجده في جسده منذ اسلم فقال ضع يدك على الذي يألم من جسدك وقل باسم الله ثلاثا وقل سبع مرات اعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما اجد واحاذر ذكره مسلم
وسئل صلى الله عليه وسلم أي الناس اشد بلاء قال الانبياء ثم الامثل فالامثل الرجل يبتلى على حسب دينه فإن كان رقيق الدين ابتلى على حسب ذلك وإن كان صلب الدين ابتلى على حسب ذلك فما يزال البلاء بالرجل حتى يمشي على وجه الارض وما عليه خطيئة ذكره احمد وصححه الترمذي
395
وذكر بن ماجه انه سئل أي الناس اشد بلاء قال الانبياء قلت يا رسول الله ثم من قال ثم الصالحون إن كان احدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة تحويه وإن كان احدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح احدكم بالعافية
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل أرايت هذه الامراض التي تصيبنا مالنا بها قال كفارات قال ابو سعيد الخدري رضى الله عنه وإن قلت قال وإن شوكة فما فوقها فدعا ابو سعيد على نفسه ان لا يفارقه الوعك حتى يموت وأن لا يشغله عن حج ولا عن عمرة ولا جهاد في سبيل الله ولا صلاة مكتوبة في جماعة فما مسه إنسان إلا وجد حرة حتى مات ذكره احمد
وقال أسامة رضى الله عنه شهدت الاعراب يسألون النبي صلى الله عليه وسلم اعلينا حرج في كذا اعلينا حرج في كذا فقال عباد الله وضع الله الحرج إلا من اقترض من عرض اخيه شيئا فذلك هو الحرج فقالوا يا رسول الله هل علينا من جناح ان نتداوى قال تداووا عباد الله فإن الله لم يضع داء إلا وضع معه شفاء إلا الهرم قالوا يا رسول الله ما خير ما أعطى العبد قال حسن الخلق ذكره بن ماجه
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الرقي فقال اعرضوا على من رقاكم ثم قال لا بأس بما ليس فيه شرك ذكره مسلم
وسأله صلى الله عليه وسلم طبيب عن ضفدع يجعلها في دواء فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلها ذكره اهل السنن
وشكا إليه صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف القمل فأفتاهما بلبس قميص الحرير ذكره البخاري في صحيحه
وأفتى صلى الله عليه وسلم ان من تطبب ولم يعرف منه طب فهو ضامن وهو يدل بمفهومه على انه إذا كان طبيبا واخطأ في تطبيبه فلا ضمان عليه
396
وشكا إليه صلى الله عليه وسلم المشاة في طريق الحج تعبهم وضعفهم عن المشي فقال لهم استعينوا بالنسل فإنه يقطع عنكم الارض وتخفون له قالوا ففعلنا فخففنا له والنسل العدو مع تقارب الخطأ ذكر بن مسعود الدمشقي ان هذا الحديث في مسلم وليس فيه وإنما هو زيادة في حديث جابر الطويل الذي رواه مسلم في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم وإسناده حسن
وسألته صلى الله عليه وسلم اسماء بنت عميس رضى الله عنها فقالت يا رسول الله إن ولد جعفر تسرع اليهم العين أفاسترقى لهم قال نعم فإنه لو كان شئ سابق القدر لسبقته العين ذكره احمد
وعند مالك عن حميد بن قيس المكي قال دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنى جعفر بن ابي طالب فقال لحاضنتهما مالى أراهما ضارعين فقالت إنه لتسرع اليهما العين ولم يمنعنا ان نسترقى لهما إلا انا لا ندري ما يوافقك من ذلك فقال استرقوا لهما فإنه لو سبق شئ القدر لسبقته العين
وسئل صلى الله عليه وسلم عن النشرة فقال هي من عمل الشيطان ذكره احمد وابو داود والنشرة حل السحر عن المسحور وهي نوعان حل سحر بسحر مثله وهو الذي من عمل الشيطان فإن السحر من عمله فيتقرب إليه الناشر والمنتشر بما يحب فيبطل عمله عن المسحور والثاني النشرة بالرقية والتعوذات والدعوات والادوية المباحة فهذا جائز بل مستحب وعلى النوع المذموم يحمل قول الحسن لا يحل السحر إلا ساحر
فصل فتاوي إمام المفتين صلى الله عليه وسلم في الفأل والطيرة
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الطاعون فقال عذابا كان يبعثه الله على من كان قبلكم فجعله الله رحمة للمؤمنين ما من عبد يكون في بلد
397
ويكون فيه فيمكث لا يخرج صابرا محتسبا يعلم انه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد ذكره البخاري
وسأله صلى الله عليه وسلم فروة بن مسيك رضى عنه فقال يا رسول الله إنا بأرض يقال لها أبين وهي ريفنا وميرتنا وبية أوقال وباها شديد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعها عنك فإن من القرف التلف
وفيه دليل على نوع شريف من أنواع الطب وهو استصلاح التربة والهواء كما ينبغي استصلاح الماء والغذاء فإن بصلاح هذه الأربعة يكون صلاح البدن واعتداله
وقال صلى الله عليه وسلم لا طيرة وخيرها الفأل قيل يا رسول الله وما الفال قال الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم متفق عليه
وفي لفظ لهما لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل قالوا وما الفأل قال كلمة طيبة
ولما قال لا عدوى ولاطيرة ولا هامة قال له رجل ارايت البعير يكون به الجرب فتجرب الابل قال ذاك القدر فمن أجرب الاول وذكره احمد
ولاحجة في هذا لمن انكر الاسباب بل فيه إثبات القدر ورد الاسباب كلها إلى الفاعل الاول إذ لو كان كل سبب مستندا إلى سبب قبله لا إلى غاية لزم التسلسل في الاسباب وهو ممتنع فقطع النبي صلى الله عليه وسلم التسلسل بقوله فمن اعدى الاول إذ لو كان الاول قد جرب بالعدوى والذي قبله كذلك لا إلى غايه لزم التسلسل الممتنع
وسألته صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت يا رسول الله دار سكناها والعدد كثير والمال وافر فقل العدد وذهب المال فقال دعوها ذميمة ذكره مالك مرسلا
وهذا موافق لقوله صلى الله عليه وسلم إن كان الشؤم في شئ فهو في ثلاثة في الفرس وفي الدار والمرأة وهو إثبات لنوع خفى من الاسباب ولا يطلع عليه
398
أكثر الناس ولا يعلم إلا بعد وقوع مسببه فإن من الاسباب ما يعلم سببيته قبل وقوع مسببه وهي الاسباب الظاهرة ومنها ما لا يعلم سببيته إلا بعد وقوع مسببه وهي الاسباب الخفية ومنه قول الناس فلان مشئوم الطلعة ومدور الكعب ونحوه فالنبي صلى الله عليه وسلم اشار إلى هذا النوع ولم يبطله وقوله إن كان الشؤم في شئ فهو في ثلاثة تحقيق لحصول الشؤم فيها وليس نفيا لحصوله من غيرها كقوله إن كان في شئ تتداوون به شفاء ففي شرطة محجم أوشربه عسل أولذعة بنار ولا احب الكي ذكره البخاري
وقال من ردته الطيرة من حاجته فقد أشرك قالوا يا رسول الله وما كفارة ذلك قال أن يقول اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ذكره احمد
فصل فتاوي إمام المفتين صلى الله عليه وسلم في ابواب متفرقة
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال إنى اصبت ذنبا عظيما فهل لي من توبة فقال هل لك من ام قال لا قال فهل لك من خالة قال نعم قال فبرها ذكره الترمذي وصححه
وقال بن عباس رضى الله عنهما كان رجل من الانصار أسلم ثم ارتد ولحق بالمشركين ثم ندم فأرسل إلى قومه سلوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لي من توبة فجاء قومه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا هل له من توبة فنزلت ! < كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم > ! إلى قوله ! < إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم > ! فأرسل إليه فأسلم ذكره النسائي
399
وسئل صلى الله عليه وسلم عن رجل اوجب فقال اعتقوا عنه ذكره احمد وقوله اوجب أي فعل ما يستوجب النار
وسئل صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى ! < وتأتون في ناديكم المنكر > ! قال كانوا يخذفون اهل الطريق ويسخرون منهم وذلك المنكر الذي كانوا يأتونه ذكره احمد
وسئل صلى الله عليه وسلم ايكون المؤمن جبانا قال نعم قالوا ايكون بخيلا قال نعم قالوا ايكون كذابا قال لا ذكره مالك
وسألته صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت إن لي ضرة فهل على جناح إن تشبعت من زوجي غير الذي يعطيني فقال المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور متفق عليه
وفي لفظ اقول إن زوجي اعطاني ما لم يعطني
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال هل أكذب على امرأتي قال لا خير في الكذب فقال يا رسول الله اعدها وأقول لها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا جناح ذكره مالك
وقال صلى الله عليه وسلم اتقوا هذا الشرك فإنه اخفى من دبيب النمل فقيل له كيف نتقيه وهو اخفى من دبيب النمل يا رسول الله فقال قولوا اللهم إنا نعوذ بك ان نشرك بك شيئا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلم ذكره احمد
وقال صلى الله عليه وسلم إن اخوف ما اخاف على امتي الشرك الاصغر قالوا وما الشرك الاصغر يا رسول الله قال الرياء يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء ذكره احمد
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الاخسرين اعمالا يوم القيامة فقال هم
400
الاكثرون أموالا إلا من قال هكذا وهكذا إلى من بين يدية ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وقليل ما هم
ولما نزلت الذين آمنوا ولم يلبسوا هكذا وهكذا وهكذا إلى من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وقليل ما هم ولما نزلت ! < الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم > ! شق ذلك عليهم وقالوا يا رسول الله وأينا لم يظلم نفسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس ذلك إنما هو الشرك ألم تسمعوا قول لقمان لابنه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم متفق عليه
وخرج عليهم وهم يتذاكرون المسيح الدجال فقال ألا اخبركم بما هو اخوف عليكم عندي من المسيح الدجال قالوا بلى قال الشرك الخفي قالوا وما الشرك قال ان يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل آخر ذكره بن ماجه
وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طاعة الامير الذي امر اصحابه فجمعوا حطبا فأضرموه نارا وامرهم بالدخول فيها فقال صلى الله عليه وسلم لو دخلوها ما خرجوا منها إنما الطاعة في المعروف وفي لفظ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وفي لفظ من امركم منهم بمعصية الله فلا تطيعوه
فهذه فتوى عامة لكل من أمره أمير بمعصية الله كائنا من كان ولا تخصيص فيها ألبتة
ولما قال صلى الله عليه وسلم إن من اكبر الكبائر شتم الرجل والديه سالوه كيف يشتم الرجل والديه قال يسب ابا الرجل وأمه فيسب أباه وامه متفق عليه
وللامام احمد إن أكبر الكبائر عقوق الوالدين قيل وما عقوق الوالدين قال صلى الله عليه وسلم يسب أبا الرجل وأمه فيسب اباه وامه
وهو صريح في اعتبار الذرائع وطلب الشرع لسدها وقد تقدمت شواهد هذه القاعدة بما فيه كفاية
401
وقال صلى الله عليه وسلم ما تقولون في الزنى قالوا حرام فقال لان يزنى الرجل بعشر نسوة ايسر عليه من ان يزنى بامرأة جاره ما تقولون في السرقة قالوا حرام قال لان يسرق الرجل من عشرة ابيات ايسر من ان يسرق من بيت جاره ذكره احمد
وقال صلى الله عليه وسلم اتدرون ما الغيبة قالوا الله ورسوله اعلم قال ذكرك اخاك بما يكره قيل ارأيت إن كان في اخي ما اقول قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته ذكره مسلم
وللإمام احمد ومالك ان رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الغيبة فقال ان تذكر من المرء ما يكره ان يسمع فقال يا رسول الله وإن كان حقا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قلت باطلا فذلك البهتان
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الكبائر فقال الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقول الزور وقتل النفس التي حرم الله والفرار يوم الزحف ويمين الغموس وقتل الانسان ولده خشية ان يطعم معه والزنا بحليلة جارة والسحر وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات وهذا مجموع من احاديث
فصل بعض الكبائر
ومن الكبائر ترك الصلاة ومنع الزكاة وترك الحج مع الاستطاعة والافطار في رمضان بغير عذر وشرب الخمر والسرقة والزنى واللواط والحكم بخلاف الحق واخذ الرشا على الاحكام والكذب على النبي صلى الله عليه وسلم والقول على الله بلا علم في اسمائه وصفاته وافعاله واحكامه وجحود ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله واعتقاد ان كلامه وكلام رسوله لا يستفاد منه
402
يقين اصلا وان ظاهر كلامه وكلام رسوله باطل وخطأ بل كفر وتشبيه وضلال وترك ما جاء به لمجرد قول غيره وتقديم الخيال المسمى بالعقل والسياسة الظالمة والعقائد الباطلة والآراء الفاسدة والادراكات والكشوفات الشيطانية على ما جاء به صلى الله عليه وسلم ووضع المكوس وظلم الرعايا والاستيثار بالفئ والكبر والفخر والعجب والخيلاء والرياء والسمعة وتقديم خوف الخلق على خوف الخالق ومحبته على محبة الخالق ورجائه على رجائه وإرادة العلو في الارض والفساد وإن لم ينل ذلك ومسبة الصحابة رضوان الله عليهم وقطع الطريق وإقرار الرجل الفاحشة في أهله وهو يعلم والمشي بالنميمة وترك التنزه من البول وتخنث الرجل وترجل المرأة ووصل شعر المرأة وطلبها ذلك وطلب الوصل كبيرة وفعله كبيرة والوشم والاستيشام والوشر والاستيشار والنمص والتنميص والطعن في النسب وبراءة الرجل من ابيه وبراءة الاب من ابنه وإدخال المرأة على زوجها ولدا من غيره والنياحة ولطم الخدود وشق الثياب وحلق المرأة شعرها عند المصيبة بالموت وغيره وتغيير منار الارض وهو اعلامها وقطيعة الرحم والجور في الوصية وحرمان الوارث حقه من الميراث وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير والتحليل واستحلال المطلقة به والتحيل على إسقاط ما اوجب الله وتحليل ما حرم الله وهو استباحة محارمه وإسقاط فرائضه بالحيل وبيع الحرائر وإباق المملوك من سيده ونشوز المرأة على زوجها وكتمان العلم عند الحاجة إلى اظهاره وتعلم العلم للدنيا والمباهاة والجاه والعلو على الناس والغدر والفجور في الخصام وإتيان المرأة في دبرها وفي محيضها والمن بالصدقة وغيرها من عمل الخير وإساءة الظن بالله واتهامه في احكامه الكونية والدينية والتكذيب بقضائه وقدرة واستوائه على عرشه وأنه القاهر فوق عباده وان رسول الله صلى الله عليه وسلم عرج به إليه وانه رفع المسيح إليه وأنه يصعد إليه الكلم الطيب وانه كتب كتابا فهو عنده على عرشه وان رحمته تغلب غضبه
403
وانه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يمضي شطر الليل فيقول من يستغفر فأغفر له وأنه كلم موسى تكليما وانه تجلى للجبل فجعله دكا واتخذ ابراهيم خليلا وأنه نادى آدم وحواء ونادى موسى وينادى نبينا يوم القيامة وانه خلق آدم بيديه وأنه يقبض سمواته بإحدى يديه والارض باليد الاخرى يوم القيامة
ومنها الاستماع إلى حديث قوم لا يحبون استماعه وتخبيث المرأة على زوجها والعبد على سيده وتصوير صور الحيوان سواء كان لها ظل أولم يكن وأن يرى عينيه في المنام ما لم ترياه واخذ الربا وإعطاؤه والشهادة عليه وكتابته وشرب الخمر وعصرها واعتصارها وحملها وبيعها واكل ثمنها ولعن من لم يستحق اللعن وإتيان الكهنة والمنجمين والعرافين والسحرة ونصديفهم والعمل باقوالهم والسجود لغير الله والحلف بغيره كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من حلف بغير الله فقد اشرك وقد قصر ما شاء ان يقصر من قال إن ذلك مكروه وصاحب الشرع يجعله شركا فرتبته فوق رتبة الكبائر واتخاذ القبور مساجد وجعلها اوثانا واعيادا يسجدون لها تارة ويصلون اليها تارة ويطوفون بها تارة ويعتقدون ان الدعاء عندها أفضل من الدعاء في بيوت الله التي شرع ان يدعى فيها ويعبد ويصلى له ويسجد
ومنها معاداة اولياء الله وإسبال الثياب من الازار والسراويل والعمامة وغيرها والتبختر في المشي واتباع الهوى وطاعة الهوى وطاعة الشح والاعجاب بالنفس وإضاعة من تلزمه مؤنته ونفقته من اقاربه وزوجته ورقيقه ومماليكه
404
والذبح لغير الله وهجر اخيه المسلم سنة كما في صحيح الحاكم من حديث ابي خراش الهذلي السلمي عن النبي صلى الله عليه وسلم من هجر اخاه سنة فهو كقتله واما هجرة فوق ثلاثة ايام فيحتمل انه من الكبائر ويحتمل انه دونها والله اعلم
ومنها الشفاعة في اسقاط حدود الله وفي الحديث عن بن عمر يرفعه من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في امره رواه احمد وغيره بإسناد جيد
ومنها تكلم الرجل بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها بالا
ومنها ان يدعى إلى بدعة أو ضلالة أو ترك سنة بل هذا من اكبر الكبائر وهو مضادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم
ومنها ما رواه الحاكم في صحيحه من حديث المستورد بن شداد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أكل بمسلم أكلة اطعمه الله بها أكلة من نار جهنم يوم القيامة ومن قام بمسلم مقام سمعة اقامه الله يوم القيامة مقام رياء وسمعة ومن اكتسى بمسلم ثوبا كساه الله ثوبا من نار يوم القيامة
ومعنى الحديث انه توصل إلى ذلك وتوسل إليه بأذى اخيه المسلم من كذب عليه أو سخرية أو همزة أو لمزة أو غيبة والطعن عليه والازدراء به والشهادة عليه بالزور والنيل من عرضه عند عدوه ونحو ذلك مما يفعله كثير من الناس واوقع في وسطه والله المستعان
ومنها التبجح والافتخار بالمعصية بين اصحابه واشكاله وهو الاجهار الذي لا يعافى الله صاحبه وإن عافاه من شر نفسه
ومنها ان يكون له وجهان ولسانان فياتي القوم بوجه ولسان ويأتي غيرهم بوجه ولسان اخر
405
ومنها أن يكون فاحشا بذيا يتركه الناس ويحذرونه اتقاء فحشه
ومنها مخاصمة الرجل في باطل يعلم انه باطل ودعواه ما ليس له وهو يعلم انه ليس له
ومنها ان يدعى انه من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس منهم أويدعي انه بن فلان وليس بابنه وفي الصحيحين من ادعى إلى غير ابيه فالجنة عليه حرام وفيهما ايضا لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن ابيه فهو كافر وفيهما ايضا ليس من رجل ادعى لغير ابيه وهو يعلمه إلا وقد كفر ومن ادعى ما ليس له فليس مناوليتبوا مقعده من النار ومن دعا رجلا بالكفر أوقال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه
فمن الكبائر تكفير من لم يكفره الله ورسوله وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد امر بقتال الخوارج واخبر انهم شر قتلى تحت أديم السماء وانهم يمرقون من الاسلام كما يمرق السهم من الرمية ودينهم تكفير المسلمين بالذنوب فكيف من كفرهم بالسنة ومخالفة آراء الرجال لها وتحكيمها والتحاكم اليها
ومنها ان يحدث حدثا في الاسلام أويؤوى محدثا وينصره ويعينه وفي الصحيحين من احدث حدثا أوآوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا ومن أعظم الحدث تعطيل كتاب الله وسنة رسوله وإحداث ما خالفهما ونصر من احدث ذلك والذب عنه ومعاداة من دعا إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم
ومنها إحلال شعائر الله في الحرم والاحرام كقتل الصيد واستحلال القتال في حرم الله
ومنها لبس الحرير والذهب للرجال واستعمال اواني الذهب والفضة للرجال
406
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال الطيرة شرك فيحتمل ان يكون من الكبائر وان يكون دونها
ومنها الغلول من الغنيمة ومنها غش الامام والوالي لرعيته ومنها ان يتزوج ذات رحم محرم منه أويقع على بهيمة
ومنها المكر بأخيه المسلم ومخادعته ومضارته وقد قال صلى الله عليه وسلم ملعون من مكر بمسلم أوضار به
ومنها الاستهانة بالمصحف وإهدار حرمته كما يفعله من لا يعتقد ان فيه كلام الله من وطئه برجله ونحو ذلك
ومنها ان يضل اعمى عن الطريق وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعل ذلك فكيف بمن اضل عن طريق الله أوصراطه المستقيم
ونها أن يسم إنسانا أودابة في وجهها وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعل ذلك
ومنها ان يحمل السلاح على اخيه المسلم فإن الملائكة تلعنه
ومنها ان يقول ما لا يفعل قال الله تعالى ! < كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون > !
ومنها الجدال في كتاب الله ودينه بغير علم
ومنها إساءة الملكة برقيقة وفي الحديث لا يدخل الجنة سئ الملكة
ومنها ان يمنع المحتاج فضل مالا يحتاج إليه مما لم تعمل يداه
ومنها القمار واما اللعب بالنرد فهو من الكبائر لتشبيه لاعبه بمن صبغ يده في لحم الخنزير ودمه ولا سيما اذا اكل المال به فحينئذ يتم التشبيه به فان اللعب بمنزلة غمس اليد واكل المال بمنزلة اكل لحم الخنزير
ومنها ترك الصلاة في الجماعة وهو من الكبائر وقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم
407
على تحريق المتخلفين عنها ولم يكن ليحرق مرتكب صغيرة وقد صح عن بن مسعود انه قال ولقد رأيتنا وما يتخلف عن الجماعة إلا منافق معلوم النفاق وهذا فوق الكبيرة
ومنها ترك الجمعة وفي صحيح مسلم لينتهين اقوام عن ودعهم الجمعات أوليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين وفي السنن بإسناد جيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه
ومنها ان يقطع ميراث وارثه من تركته أويدله على ذلك ويعلمه من الحيل ما يخرجه به من الميراث
ومنها الغلو في المخلوق حتى يتعدى به منزلته وهذا قد يرتقي من الكبيرة إلى الشرك
وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال إياكم والغلو وإنما هلك من كان قبلكم بالغلو
ومنها الحسد وفي السنن انه يأكل الحسنات كما تاكل النار الحطب
ومنها المرور بين يدي المصلي ولو كان صغيرة لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال فاعله ولم يجعل وقوفه عن حوائجه ومصالحه اربعين عاما خيرا له من مروره بين يديه كما في مسند البزار والله اعلم
فصل مستطرد من فتاويه صلى الله عليه وسلم فارجع إليها
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الهجرة فقال إذا اقمت الصلاة وآتيت الزكاة فأنت مهاجر وإن مت بالحضرمة يعنى ارضا باليمامة ذكره احمد
وسأله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حوالة ان يختار له بلادا يسكنها فقال عليك بالشام فإنها خيرة الله من ارضه يجتبى اليها خيرته من عباده
408
فإن أبيتم فعليكم بيمنكم واسقوا من غدركم فإن الله يتوكل لى بالشام واهله ذكره ابو داود بإسناد صحيح
وسأله معاوية بن حيدة جد بهز بن حكيم فقال يا رسول الله اين تأمرني قال ها هنا ونحا بيده نحو الشام ذكره الترمذي وصححه
وسألته صلى الله عليه وسلم اليهود عن الرعد ما هو فقال ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوقه به حيث يشاء الله قالوا فما هذا الصوت الذي يسمع قال زجره السحاب حتى تنتهي حيث امرت قالوا صدقت ثم قالوا فأخبرنا عما حرم اسرائيل على نفسه قال اشتكى عرق النسا فلم يجد شيئا يلائمه إلا لحوم الابل والبانها فلذلك حرمها على نفسه قالوا صدقت ذكره الترمذي وحسنه
وسئل صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير أهي من نسل اليهود فقال إن الله لم يلعن قوما قط فمسخهم فكان لهم نسل حتى يهلكهم ولكن هذا خلق كان فلما كتب الله على اليهود مسخهم جعلهم مثلهم ذكره احمد
وقال فيكم المغربون فقالت عائشة وما المغربون قال الذين يشترك فيهم الجن ذكره ابو داود وهذا من مشاركة الشياطين للانس في الاولاد وسموا مغربين لبعد انسابهم وانقطاعهم عن اصولهم ومنه قولهم عنقاء مغرب
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال اين اتزر فأشار إلى عظم ساقه وقال ها هنا اتزر قال فإن ابيت قال فههنا اسفل من ذلك فإن ابيت فههنا فوق الكعبين فإن ابيت فإن الله لا يحب كل مختال فخور ذكره احمد
وسأله صلى الله عليه وسلم ابو بكر الصديق رضى الله عنه فقال إن إزارى يسترخى إلا ان أتعاهده فقال إنك لست ممن يفعله خيلاء ذكره البخاري
409
وقال من جر إزاره خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فقالت ام سلمة فكيف تصنع النساء بذيولهن قال يرخين شبرا فقالت إذا تنكشف اقدامهن قال يرخين ذراعا لا يزدن عليه
وسألته صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت إن ابنتي اصابتها الحصبة فامزق شعرها أفاصل فيه فقال لعن الله الواصلة والمستوصلة متفق عليه
وسئل صلى الله عليه وسلم عن إتيان الكهان فقال لا تأتهم
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الطيرة قال ذلك شئ يجدونه في صدورهم فلا يردنهم
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الخط فقال كان نبي من الانبياء يخط فمن وافق خطه فذاك
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الكهان ايضا فقال ليسوا بشئ فقال السائل إنهم يحدثوننا احيانا بالشئ فيكون فقال تلك الكلمة من الحق يخطفها الجنى فيقذفها في أذن وليه من الانس فيخلطون معها مائة كذبة متفق عليه
وسئل صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى ! < لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة > ! فقال هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أوترى له ذكره احمد
وسألته صلى الله عليه وسلم خديجة رضى الله عنها عن ورقة بن نوفل فقالت إنه كان صدقك ومات قبل ان تظهر فقال رأيته في المنام وعليه ثياب بيض ولو كان من اهل النار لكان عليه لباس غير ذلك
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل رأى في المنام كأن رأسه ضرب فتد حرج فاشتد في اثره فقال لا تحدث الناس بتلعب الشيطان بك في منامك ذكره مسلم
410
وسألته صلى الله عليه وسلم ام العلاء فقالت رأيت لعثمان بن مظعون عينا تجري يعنى بعد موته فقال ذاك عمله يجري له
وذكر ابو داود ان معاذا سأله فقال بم اقضى قال بكتاب الله قال فإن لم اجد قال فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فإن لم اجد قال استدن الدنيا وعظم في عينيك ما عند الله واجتهد رأيك فسيسددك الله بالحق وقوله استدن الدنيا أي استصغرها واحتقرها
وسأله صلى الله عليه وسلم دحية الكلبى فقال لا احمل لك حمارا على فرس فتنتج لك بغلا فتركبها فقال إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون ذكره احمد
ولما نزل التشديد في أكل مال اليتيم عزلوا طعامهم عن طعام الايتام وشرابهم من شرابهم فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى ! < ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم > ! فخلطوا طعامهم وشرابهم بشرابهم
وسألته صلى الله عليه وسلم عائشة رضى الله عنها عن قوله تعالى ! < هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله > ! فقال إذا رايتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم متفق عليه
وسئل صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى ! < يا أخت هارون > ! فقال كانوا يسمون باسماء انبيائهم والصالحين من قومهم
وفي الترمذي انه سئل صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى ! < وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون > ! كم كانت الزيادة قال عشرة الاف
411
وسأله صلى الله عليه وسلم ابو ثعلبة عن قوله تعالى ! < يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم > ! الاية فقال ائتمروا بالمعروف وانتهوا عن المنكر حتى اذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأى برأيه فعليك بنفسك ودع عنك العوام فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن مثل اجر خمسين يعملون مثل عملكم ذكره ابو داود
وسئل صلى الله عليه وسلم متى وجبت لك النبوة فقال وآدم بين الروح والجسد صححه الترمذي
وسئل صلى الله عليه وسلم كيف كان بدء امرك فقال دعوة ابى ابراهيم وبشرى عيسى ورؤيا امي رأت انه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام ذكره احمد
وساله صلى الله عليه وسلم ابو هريرة يا رسول الله ما اول ما رأيت من النبوة قال إنى لفى الصحراء بن عشرين سنة واشهر وإذا بكلام فوق رأسي وإذا برجل يقول لرجل اهو هو فاستقبلاني بوجوه لم ارها لاحد قط وارواح لم أجدها لخلق قط وثياب لم ارها على خلق قط فأقبلا يمشيان حتى اخذ كل منهما بعضدى لا اجد لاخذهما مسا فقال احدهما لصاحبه اضجعه فأضجعاني بلا قصر ولا هصر فقال احدهما لصاحبه أفلق صدره فحوى احدهما صدري ففلقه فيما ارى بلا دم ولا وجع فقال له اخرج الغل والحسد فأخرج شيئا كهيئة العلقة ثم نبذها فطرحها ثم قال له ادخل الرأفة والرحمة فإذا مثل الذي اخرج شبه الفضة ثم هز إبهام رجلي اليمنى فقال اغد سليما فرجعت بها رقة على الصغير ورحمة على الكبير ذكره احمد
412
وسئل صلى الله عليه وسلم اي الناس خير قال القرن الذي انا فيه ثم الثاني ثم الثالث
وسئل صلى الله عليه وسلم عن احب النساء إليه فقال عائشة فقيل ومن الرجال فقال ابوها فقيل ثم من قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه
وسأله صلى الله عليه وسلم علي والعباس أي أهلك احب اليك قال فاطمة بنت محمد قالا ما جئناك نسألك عن اهلك قال احب اهلي الي من انعم الله عليه وانعمت عليه اسامة بن زيد قالا ثم من قال علي بن ابي طالب قال العباس يا رسول الله جعلت عمك آخرهم قال إن عليا سبقك بالهجرة ذكره الترمذي وحسنة
وفي الترمذي ايضا انه صلى الله عليه وسلم سئل أي اهل بيتك احب اليك قال الحسن رضى الله عنه والحسين رضى الله عنه
وسئل صلى الله عليه وسلم أي الاعمال احب إلى الله فقال الحب في الله والبغض في الله ذكره احمد
وسئل صلى الله عليه وسلم عن امرأة كثيرة الصيام والصلاة والصدقة غير انها تؤذي جيرانها بلسانها فقال هي في النار فقيل إن فلانه فذكر قلة صلاتها وصيامها وصدقتها ولا تؤذى جيرانها بلسانها فقال هي في الجنة ذكره احمد
وسألته صلى الله عليه وسلم عائشة فقالت ان لي جارين فإلى ايهما اهدى قال إلى اقربهما منك بابا ذكره البخاري
ونهاهم عن الجلوس بالطرقات إلا بحقها فسئل عن حق الطريق فقال
413
غض البصر وكف الاذى ورد السلام والامر بالمعروف والنهي عن المنكر
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال إن لي مالا ووالدا وإن ابي اجتاح مالي فقال انت ومالك لابيك إن اولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من كسب اولادكم ذكره ابو داود
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل عن الهجرة والجهاد معه فقال الك والدان قال نعم قال فارجع إلى والديك فاحسن صحبتهما ذكره مسلم
وسأله صلى الله عليه وسلم آخر عن ذلك فقال ويحك احيه امك قال نعم قال ويحك الزم رجلها فثم الجنة ذكره بن ماجة
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل من الانصار هل بقى على من بر ابوي شئ بعد موتهما قال نعم خصال اربع الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما فهو الذي بقى عليك من برهما بعد موتهما ذكره احمد
وسئل صلى الله عليه وسلم ما حق الوالدين على الولد فقال هما جنتك ونارك ذكره بن ماجه
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال إن لي قرابة اصلهم ويقطعوني واحسن اليهم ويسيئوني واعفو عنهم ويظلموني أفأكافئهم قال لا إذا تكونوا جميعا ولكن خذ الفضل وصلهم فإنه لن يزال معك ظهير من الله ما كنت على ذلك ذكره احمد وعند مسلم لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل ولن يزال معك من الله ظهير ما دمت على ذلك
وسئل صلى الله عليه وسلم ما حق المرأة على الزوج قال يطعمها إذا
414
طعم ويكسوها إذا لبس ولا يضرب لها وجها ولا يقبح ولا يهجر إلا في البيت ذكره ابو داود
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل فقال أستأذن على امي قال نعم فقال إنى معها في البيت فقال استأذن عليها فقال إنى خادمها قال استأذن عليها اتحب ان تراها عريانة قال لا قال استأذن عليها ذكره مالك
وسئل عن الاستئناس في قوله تعالى ! < حتى تستأنسوا > ! قال يتكلم الرجل بتسبيحة وتكبيرة وتحميدة ويتنحنح ويؤذن أهل البيت ذكره بن ماجه
وعطس رجل فقال ما اقول يا رسول الله قال قل الحمد لله فقال القوم ما نقول له يا رسول الله قال قولوا له يرحمك الله قال ما أقول لهم يا رسول الله قال قل لهم يهديكم الله ويصلح بالكم ذكره احمد ^