5
الباب الأول
في عقد الإمامة

الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع وإن شذ عنهم الأصم واختلف في وجوبها هل وجبت بالعقل أو بالشرع فقالت طائفة وجبت بالعقل لما في طباع العقلاء من التسليم لزعيم يمنعهم من التظالم ويفصل بينهم في التنازع والتخاصم ولولا الولاة لكانوا فوضى مهملين وهمجا مضاعين وقد قال الأفوه الأوردي وهو شاعر جاهلي

(لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم

ولا سراة إذا جهالهم سادوا)

وقالت طائفة أخرى بل وجبت بالشرع دون العقل لأن الإمام يقوم بأمور شرعية قد كان مجوزا في العقل أن لا يرد التعبد بها فلم يكن العقل موجبا لها وإنما أوجب العقل أن يمنع كل واحد نفسه من العقلاء عن التظالم والتقاطع ويأخذ بمقتضى العدل التناصف والتواصل فيتدبر بعقله لا بعقل 0 غيره ولكن جاء الشرع بتفويض الأمور إلى وليه في الدين قال عز وجل (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم) ففرض علينا أولى الأمر فينا وهم الأئمة المتآمرون علينا وروى هشام ابن عروة عن أبي صالع عن أبي هريرة أن رسول الله A قال سيليكم بعدي ولاة فيليكم البر ببره ويليكم الفاجر بفجوره فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق فإن أحسنوا فلكم ولهم وإن أساءوا فلكم وعليهم

فإذا ثبت وجوب الإمامة ففرضها على الكفاية كالجهاد وطلب العلم فإذا قام بها من هو أهلها سقط ففرضها على الكفاية وإن لم يقم بها أحد خرج من الناس


6
فريقان أحدهما أهل الاختيار حتى يختاروا إماما للأمة والثاني أهل الإمامة حتى ينتصب أحدهم للإمامة وليس على من عدا هذين الفريقين من الأمة في تأخير الإمامة حتى حرج ولا مأثم وإذا تميز هذان الفريقان من الأمة في فرض الإمامة أن يعتبر كل فريق منها بالشروط المعتبرة فيه

فأما أهل الاختيار فالشروط المعتبرة فيهم ثلاثة أحدها العدالة الجامعة لشروطها والثاني العلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة على الشروط المعتبرة فيها والثالث الرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار منهو للإمامة أصلح وبتدبير المصالح أقوم وأعرف وليس لمن كان في بلد الإمام على غيره من أهل البلاد فضل مزية تقدم بها عليه وإنما صار من يحضر ببلد الإمام متوليا لعقد الأمامة عرفا لا شرعا لسبوق علمهم بموته ولأن من يصلح للخلافة في الأغلب موجودون في بلده

وأما 0 أهل الإمامة فالشروط المعتبرة فيهم سبعة أحدها العدالة على شروطها الجامعة والثاني العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام والثالث سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان ليصح معها مباشرة ما يدرك بها والرابع سلامة الأعضاء من نقص يمنع عن استيفاء الحركة وسرعة النهوض والخامس الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح والسادس الشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو والسابع النسب وهو أن يكون من قريش لورود النص فيه وانعقاد الإجماع عليه ولا اعتبار بضرار حين شذ فجورها في جميع الناس لأن أبا بكر الصديق رضي اله عنه احتج يوم السقيفة على الأنصار في دفعهم عن الخلافة عن المشاركة فيها حين قالوا منا أمير ومنكم أمير تسليما لروايته وتصديقا لخبره ورضوا بقوله نحن الأمراء وأنتم الوزراء وقال النبي A قدموا قريشا ولا تقدموها ليس مع هذا النص المسلم شبهة المنازع فيه ولا قول لمخالف 0 له

والإمامة تنعقد من وجهين أحدهما باختيار أهل العقد والحل والثاني بعهد الإماما من قبل فأما انعقادها باختيار أهل الحل والعقد فقد اختلف العلماء


7
عدد من تنعقد به الإمامة منهم على مذاهب شتى فقالت طائفة لا تنعقد إلا بجمهور أهل العقد والحل من كل بلد ليكون الرضا به عاما والتسليم لإمامته إجماعا وهذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر رضي الله عنه على الخلافة باختيار من حضرها ولم ينتظر ببيعته قدوم غائب عنها وقالت طائفة أخرى أقل من تنعقد به منهم الإمامة خمسة يجتمعون على عقدها أو يعقدها أحدهم برضا الأربعة استدلالا بأمرين أحدهما أن بيعة أبي بكر رضي الله عنه انعقدت بخمسة اجتمعوا عليها ثم تابعهم الناس فيها وهم عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وأسيد بن حضير وبشر بن سعد وسالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنهم والثاني أن عمر رضي الله عنه جعل الشورى في ستة ليعقد لأحدهم برضا الخمسة وهذا قول أكثر الفقهاء والمتكلمين من أهل البصرة وقال آخرون من علماء الكوفة أتعقد بثلاثة 0 يتولاها أحدهم برضا الاثنين ليكونوا حكما وشاهدين كما يصح عقد النكاح بولي وشاهدين وقالت طائفة أخرى تنعقد بواحد لأن العباس قال لعلي رضوان الله عليه امدد يدك أبايعك فيقول الناس عم رسول الله A بايع ابن عمه فلا يختلف عليك اثنان ولأنه حكم واحد نافذ

فإذا اجتمع أهل العقد والحل للاختيار تصفحوا أحوال أهل الإمامة الموجودة فيهم شروطها فقدموا للبيعة منهم أكثرهم فضلا وأكملهم شروطا ومن يسرع الناس إلى طاعته ولا يتوقفون عن بيعته فإذا تعين لهم من بين الجماعة من أداهم الاجتهاد إلى أخياره عرضوها عليه فإن أجاب إليها بايعوه عليها وانعقدت ببيعتهم له الإمامة فلزم كافة الأمة الدخول في بيعته والانقياد لطاعته وإن امتنع من الإمامة ولم يجب إليها لم يجبر عليها لأنها عقد مراضاة واختيار لا يدخله إكراه ولا إجبار وعدل عنه إلى من سواه من مستحقيها فلو تكافأ في شروط الأمامة اثنان قدم لها اختيار أسنهما وإن 0 لم تكن زيادة السن مع كمال البلوغ شرطا فإن بويع أصغرهما سنا جاز ولو كان أحدهما أعلم والآخر أشجع روعي في الاختيار ما يوجبه حكم الوقت فإن كانت الحاجة إلى فضل الشجاعة أدعى لانتشار الثغور وظهور البغاة كان الأشجع أحق وإن كانت الحاجة إلى فضل العلم أدعى لسكون الدهماء وظهور أهل البدع كان الأعلم أحق فغن وقف الاختيار على واحد من اثنين فتنازعا فقد قال بعض الفقهاء يكون قدحا لمنعها منها ويعدل إلى غيرهما والذي عليه جمهور العلماء والفقهاء


8
أن التنازع فيها لا يكون قدحا مانعا وليس طلب الإمامة مكروها فقد تنازع أهل الشورى فما رد عنها طالب ولا منع منها راغب

واختلف الفقهاء فيما يقطع به تنازعهما مع تكافؤ أحوالهما فقالت طائفة يقرع بينهما ويقدم من قرع منهما وقال آخرون بل يكون أهل الاختيار بالخيار في بيعة أيهما شاءوا من غير قرعة فلو تعين لأهل الاختيار واحد هو أفضل الجماعة فبايعوه على الإمامة وحدث بعده من هو أفضل منه انعقدت ببيعتهم إمامة الأول ولم يجز العدول عنه إلى من هو أفضل منه ولو ابتدءوا بيعة المفضول مع وجود الأفضل نظر فإن كان ذلك لعذر دعا إليه من كون الأفضل غائبا أو مريضا أو كون المفضول أطوع في الناس وأقرب في القلوب انعقدت بيعة المفضول وصحت إمامته وإن بويع لغير عذر فقد اختلف في انعقاد بيعته وصحت إمامته فذهبت طائفة منهم الجاحظ إلى أن بيعته لا تنعقد لأن الاختيار 0 إذا دعا إلى أولى الأمرين لم يجز العدول عنه إلى غيره مما ليس بأولى كالاجتهاد في الأحكام الشرعية وقال الأكثر من الفقهاء والمتكلمين تجوز إمامته وصحت بيعته ولا يكون وجود الأفضل مانعا من أمامة المفضول إذا لم يكن مقصرا عن شروط الإمامة كما يجوز في ولاية القضاء تقليد المفضول مع وجود الأفضل لأن زيادة الفضل مبالغة في الاختيار وليست معتبرة في شروط الاستحقاق فلو تفرد في الوقت بشروط الإمامة واحد لم يشرك فيها غيره تعينت فيه الإمامة ولم يجز أن يعدل بها عنه غيره

واختلف أهل العلم ثبوت إمامته وانعقاد ولايته بغير عقد ولا اختيار فذهب بعض فقهاء العراق إلى ثبوت ولايته وانعقاد إمامته وحمل الأمة على طاعته وإن لم يعقدها أهل الاختيار لأن مقصود الاختيار تمييز المولي وقد تميز هذا بصفته وذهب جمهور الفقهاء والمتكلمين إلى أن إمامته لا تنعقد إلا بالرضا والاختيار لكن يلزم أهل الاختيار عقد الإمامة 0 له فإن اتفقوا أتموا لأن الإمامة عقد لا يتم إلا بعاقد وكالقضاء إذا لم يكن من يصلح له إلا واحد لم يصر قاضيا حتى يولاه فركب بعض من قال بذلك المذهب هذا الباب وقال يصير قاضيا إماما وقال بعضهم لا يصير المنفرد


9
قاضيا وإن صار المنفرد إماما وفرق بينهما بأن القضاء يجوز صرفه عنه مع بقائه على صفته فلم تنعقد ولايته إلا بتقليد مستنيب له والإمامة من الحقوق العامة المشتركة بين حق الله تعالى والآدميين لا يجوز صرف من استقرت فيه إذا كان على صفة فلم يفتقر تقليد مستحقها مع تميزه إلى عقد مستثبت له

وإذا عقدت الإمامة لإمامين في بلدين لم تنعقد إمامتهما لأنه لا يجوز أن يكون للأمة إمامان في وقت واحد وإن شذ قوم فجوزوه واختلف الفقهاء في الإمام منهما منها فقالت طائفة هو الذي عقدت له الإمامة في البلد الذي مات فيه من تندمه لأنهم بعقدها أخص وبالقيام بها أحق وعلى كافة الأمة في الأمصار كلها أن يفوضوا عقدها إليهم ويسلموها لمن بايعوه لئلا ينتشر المر باختلاف الآراء وتباين الأهواء وقال آخرون بل على كل واحد منهما أن يدفع الإمامة عن نفسه ويسلمها 0 إلى صاحبه طلبا للسلامة وحسما للفتنة ليختار أهل العقد أحدهما أو غيرهما وقال آخرون بل يقرع بينهما دفعا للتنازع وقطعا للتخاصم فأيهما قرع كان بالإمامة أحق والصحيح في ذلك وما عليه الفقهاء المحققون أن الإمامة لأسبقهما بيعة وعقد كالوليين في نكاح المرأة إذا زوجاها باثنين كان النكاح لأسبقهما عقدا فإذا تعين السابق منهما استقرت له الإمامة وعلى المسبوق تسليم الأمر إليه والدخول في بيعته وإن عقدت الإمامة لهما في حال واحد لم يسبق بها أحدهما فسد العقدان واستأنف العقد لأحدهما أو لغيرهما وإن تقدمت بيعة أحدهما أشكل المتقدم منهما وقف أمرهما على الكشف فإن تنازعاها وادعى كل واحد منهما أنه الأسبق لم تسمع دعواه ولم يحلف عليها لنه لا يختص بالحق فيها وإنما هو حق المسلمين جميعا فلا حكم ليمينه فيه ولا لنكوله عنه وهكذا لو قطع التنازع فيها وسلمها أحدهما إلى الآخر لم تستقر إمامته إلا ببينة تشهد بتقدمه ولو أقر بالتقدم 0 خرج المقر ولم تستقر للآخر لأنه مقر في حق المسلمين فإن شهد له المقر بتقدمه فيها مع شاهد آخر سمعت شهادته إن ذكر اشتباه الأمر عند التنازع ولم يسمع منه إن لم يذكر الاشتباه لما في القولين من التكاذب

وإذ دام الاشتباه بينهما بعد الكشف ولم تقم بينة لحدهما بالتقدم لم يقرع بينهما لأمرين أحدهما أن الإمامة عقد والقرعة لا مدخل لها في العقود


10
0 والثاني أن الأمامة لا يجوز الاشتراك فيها والقرعة لا مدخل لها فيما لا يصح الاشتراك فيه كالمناكح وتدخل فيما يصح فيه الاشتراك كالأموال ويكون دوام هذا الاشتباه مبطلا لعقدي الإمامة فيهما ويستأنف أهل الاختيار عقدهما لأحدهما فلو أرادوا العدل بها عنهما إلى غيرهما فقد قيل بجوازه لخروجهما عنهما وقيل لا يجوز لأن البيعة لهما قد صرفت الإمامة عمن عداهما ولأن الاشتباه لا يمنع ثبوتها في أحدهما

وأما انعقاد الإمامة بع من قبله فهو مما انعقد الإجماع على جوازه ووقع الاتفاق على صحته لأمرين عمل المسلمون بهما ولم يتناكروهما أحدهما أن أبا بكر رضي الله عنه عهد بها إلى عمر رضي الله عنه فأثبت المسلمون إمامته بعهده والثاني أن عمر رضي الله عنه عهد بها إلى أهل الشورى فقبلت الجماعة دخولهم فيها وهم أعيان العصر اعتقادا لصحة العهد بها 0 وخرج باقي الصحابة منها وقال علي للعباس رضوان الله عليهما حين عاتبه على الدخول في الشورى كان أمرا عظيما من أمور الإسلام لم أر لنفسي الخروج منه فصار العهد بها إجماعا في انعقاد الإمامة فإذا أراد الإمام أن يعهد بها فعليه أن يجهد رأيه في الأحق بها والأقوم بشروطها فإذا تعين له الاجتهاد في واحد نظر فيه فإن لم يكن ولدا ولا والد جاز أن ينفرد بعقد البيعة له وبتفويض العهد إليه وإن لم يستشر فيه أحدا من أهل الاختيار لكن اختلفوا هل ظهور الرضا منهم شرطا في انعقاد بيعته أو لا فذهب بعض علماء أهل البصرة إلى أن رضا أهل الاختيار لبيعته شرط في لزومها للأمة لأنها حق يتعلق بهم فلم تلزمهم إلا برضا أهل الاختيار منهم والصحيح أن بيعته منعقدة وأن الرضا بها غير معتبر لأن بيعة عمر رضي الله عنه لم تتوقف على رضا الصحابة ولأن الإمام أحق بها فكان اختياره فيها أمضى وقوله فيها أنفذ وإن كان ولى العهد ولدا 0 أو والدا فقد اختلف في جواز انفراده بعقد البيعة له على ثلاثة مذاهب أحدها لا يجوز أن ينفرد بعقد البيعة لولد ولا والد حتى يشاور فيه أهل الاختيار فيرونه أهلا لها فيصح منه حينئذ عقد البيعة له لأن ذلك منه تزكية له تجري مجرى الشهادة وتقليده على الأمة يجري مجرى الحكم وهو لا يجوز أن يشهد لوالد ولا لولد ولا يحكم لواحد منهما للتهمة العائدة إليه بما جبل من


11
الميل إليه والمذهب الثاني يجوز أن ينفرد بعقدها لولد ووالد لأنه أمير الأمة نافذ الأمر لهم وعليهم فغلب حكم المنصب على حكم النسب ولم يجعل للتهمة طريقا على أمانته ولا سبيلا إلى معارضته وصار فيها كعهده بها إلى غير ولده ووالده وهل يكون رضا أهل الاختيار بعد صحة العهد معتبرا في لزومه للأمة أو لا على ما قدمناه من الوجهين والمذهب الثالث انه يجوز أن ينفرد بعقد البيعة لوالده ولا يجوز أن ينفرد بها إلى ولده لأن الطبع يبعث على ممايلة الولد أكثر مما يبعث على ممايلة الوالد ولذلك كان كل ما يقتنيه في الأغلب مذخورا لولده دون والده فأما عقدها لأخيه ومن قاربه من عصبته ومناسبيه فكعقدها للبعداء الأجانب في جواز تفرده بها

وإذا عهد الإمام بالخلافة إلى من يصح العهد إليه على الشروط المعتبرة فيه كان العهد موقوفا على قبول المولي 0 واختلف في زمان قبوله فقيل بعد موت المولي في الوقت الذي يصح فيه نظر المولى وقيل وهو الأصح إنه ما بين عهد المولي وموته لتنتقل عنه الإمامة إلى الملي مستقرة بالقبول المتقدم وليس للإمام المولي عزل من عهد إليه ما لم يتغير حاله وإن جاز له عزل من استناب من سائر خلفائه لأنه مستخلف لهم في حق نفسه فجاز له عزلهم ومستخلف لولي عهد في حق المسلمين فلم يكن له عزله كما لم يكن لأهل الاختيار عزل من بايعوه إذا لم يتغير حاله فلو عهد الإمام بعد عزل الأول إلى ثان كان عهد الثاني باطلا والأول على بيعته فإن خلع الأول نفسه لم يصح بيعة الثاني حتى يبتدىء وإذا استعفى ولي العهد لم يبطل عهده بالاستعفاء حتى يعفى للزومه من جهة المولي ثم نظر فإن وجد غيره جاز استعفاؤه وخرج من العهد بإجماعهما على الاستعفاء والإعفاء وإن لم يوجد غيره فلم جز استعفاؤه ولا إعفاؤه وكان العهد على لزومه من جهتي المولي والمولى ويعتبر شروط 0 الإمامة في المولى من وقت العهد إليه وإن كان صغيرا أو فاسقا وقت العهد وبالغا عدلا عند موت المولي لم تصح خلافته حتى يستأنف أهل الاختيار بيعته وإذا عهد الإمام إلى غائب هو مجهول الحياة لم يصح عهده وإن كان معلوم الحياة وكان موقوفا على قودمه فإن مات المستخلف ولي العهد على غيبته استقدمه أهل الاختيار فإن بعدت غيبته واستضر المسلمون بتأخير النظر في أمورهم استناب


12
أهل الاختيار نائبا عنه يبايعونه بالنيابة دون الخلافة فإذا قدم الخليفة الغائب انعزل المستخلف النائب وكان نظره قبل الخليفة ماضيا وبعد قدومه مردودا ولو أراد ولي العهد قبل موت الخليفة أن يرد ما إليه من ولاية العهد إلى غيره لم يجز لأن الخلافة لا تستقر له غلا بعد موت المستخلف وهكذا لو قال جعلته ولي عهدي إذا أفضت الخلافة إلى لم يجز لأنه في الحال ليس خليفة فلم يصح عهده بالخلافة وإذا خلع الخليفة نفسه انتقلت إلى ولي عهده وقام خلعه مقام موته ولو عهد الخليفة إلى اثنين لم يقدم أحدهما على الآخر جاز واختار أهل الاختيار أحدهما بعد موته كأهل الشورى فإن عمر رضي الله عنه جعلها في ستة

حكى ابن إسحاق عن الزهري عن ابن عباس قال وجدت عمر ذات يوم مكروبا فقال ما أدري ما أصنع في هذا المر أقوم فيه وأقعد فقلت هل لك في علي فقال إنه لها 0 لأهل ولكنه رجل فيه دعابة وإني لأراه لو تولى أمركم لحملكم على طريقة من الحق تعرفونها قال قلت فأين أنت من عثمان فقال لو فعلت لحمل ابن أبي معيط على رقاب الناس ثم لم تلتفت إليه العرب حتى تضرب عنقه والله لو فعلت لفعل ولو فعل لفعولا قال قلت فطلحة قال إنه لزهو ما كان الله ليوليه أمر أمة محمد A مع ما يعلم من زهوه قال فقلت فالزبير قال إنه لبطل ولكنه يسأل عن الصاع والمد بالبقيع بالسوق أفذاك يلي أمر المسلمين قال فقلت سعد بن أبي وقاص قال ليس هناك إنه لصاحب مقتب يقاتل عليه فأما ولى أمر فلا قال فقلت فعبد الرحمن بن عوف قال نعم الرجل ذكرت لكنه ضعيف إنه والله لا يصلح لهذا الأمر يا ابن عباس إلا القوي في غير عنف اللين من غير ضعف والمسك من غير بخل والجواد في غير إسراف قال ابن عباس فلما جرحه أبو لؤلؤة وآيس الطبيب من نفسه وقالوا له اعهد جعلها شورى في ستة وقال هذا الأمر إلى علي وبإزائه الزبير وإلى عثمان وبإزائه 0 عبد الرحمن بن عوف وإلى طلحة وبإزائه سعد بن أبي وقاص فلما جاز الشورى بعد موت عمر رضي الله عنه قال عبد الرحمن اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم فقال الزبير جعلت أمري إلى علي وقال طلحة جعلت أمري إلى عثمان وقال سعد جعلت أمري إلى عبد الرحمن فصارت الشورى بعد الستة في هؤلاء الثلاثة وخرج منها أولئك الثلاثة فقال عبد الرحمن


13
أيكم يبرأ من هذا الأمر ونجعله إليه والله شهيد ليحرص على صلاح الأمة فلم يجبه أحد فقال عبد الرحمن أتجعلونه إلي وأخرج نفسي منه والله علي شهيد على أني لا ألوكم نصحا فقالا نعم فقال قد فعلت فصارت الشورى بعد الستة في ثلاثة وبعد الثلاثة في اثنين علي وعثمان ثم مضى عبد الرحمن ليستعلم الناس ما عندهم فلما أجنهم الليل استدعى المسور بن مخرمة وأشركه معه ثم حضر فأخذ على كل واحد منهما العهود أيهما بويع ليعمل بكتاب الله وسنة نبيه ولئن بايع لغيره ليسمعن وليطيعن ثم بايع عثمان بن عفان فكانت الشورى التي دخل أهل الإمامة فيها وانعقد الإجماع عليها أصلا في انعقاد الإمامة بالعهد وفي انعقاد البيعة بعدد يتعين في الإمامة لأحدهم باختيار أهل الحل والعقد فلا فرق بين أن تجعل شورى في اثنين أو أكثر إذا كانوا عددا محصورا ويستفاد منها أن لا تجعل 0 الإمامة بعده في غيرهم فإذا تعينت بالاختيار في أحدهم جاز لمن أفضت إليه الإمامة أن يعهد بها إلى غيرهم وليس لأهل الاختيار إذا جعلها الإمام شورى في عدد أن يختاروا أحدهم في حياة المستخلف العاهد إلا أن يأذن لهم في تقديم الاختيار في حياته لأنه بالإمامة أحق فلم يجز أن يشارك فيها فإن خافوا انتشار الأمر بعد موته استأذنوه واختاروا إن أذن لهم فإن صار إلى حال إياس نظر فإن زال عنه أمره وغرب عنه رأيه فهي كحاله بعد الموت في جواز الاختيار وإن كان على تمييزه وصحة رأيه لم يكن لهم الاختيار إلا عن إذنه

حكى ابن إسحاق أن عمر رضي الله عنه لما دخل منزله مجروحا سمع هدة فقال ما شأن الناس قالوا يريدون الدخول عليك فأذن لهم فقالوا اعهد يا أمير المؤمنين استخلف علينا عثمان كيف يحب المال والجنة فخرجوا من عنده ثم سمع لهم هدة فقال ما شأن الناس قالوا يريدون الدخول عليك فأذن لهم فقالوا استخلف علينا علي 0 بن أبي طالب قال إذن يحملكم على طريقة هي الحق قال عبد الله بن عمر فاتكأت عليه عند ذلك وقلت يا أمير المؤمنين وما يمنعك منه فقاليا بني أتحملها حيا وميتا ويجوز للخليفة أن ينص على أهل الاختيار كما يجوز له أن ينص على أهل العهد فلا يصح إلا اختيار من نص عليه كما لا يصح إلا بتقليد من عهد إليه لأنهما من حقوق خلافته


14

ولو عهد الخليفة إلى اثنين أو أكثر ورتب الخلافة فيهم فقال الخليفة بعدي فلان فإن مات فالخليفة بعد موته فلان فإن مات فالخليفة بعده فلان جاز وكانت الخلافة متنقلة إلى الثلاثة على ما رتبها فقد استخلف رسول اله A على جيش مؤتة زيد بن حارثة وقال فإن أصيب فجعفر بن أبي طالب فإن أصيب فعبد الله بن رواحة فإن أصيب فليرتض المسلمون رجلا فتقدم زيد فقتل فأخذ الراية جعفر وتقدم فقتل أخذ الراية عبد الله بن رواحة فتقدم فقتل فاختار المسلمون بعده خالد بن الوليد وإذ فعل النبي A ذلك في الإمارة جاز مثله في الخلافة فإن قيل هي عقد ولاية على صفة وشرط والولايات لا يقف عقدها على الشروط والصفات قيل هذا من المصالح العامة التي يتسع حكمها العقود الخاصة فقد عمل بذلك في الدولتين من لم ينكر عليه أحد من علماء العصر هذا سليمان بن عبد الملك 0 عهد إلى عمر ابن عبد العزيز ثم بعده إلى يزيد بن عبد الملك ولئن لم يكن سليمان حجة فإقرار من عاصره من علماء التابعين ومن لا يخافون في الحق لومة لائم هو الحجة وقد رتبها الرشيد رضي الله عنه في ثلاثة من بنيه في الأمين ثم المأمون ثم المؤتمن عن مشورة من عاصره من فضلاء العلماء فإذا عهد الخليفة إلى ثلاثة رتب الخلافة فيهم ومات والثلاثة أحياء كانت الخلافة بعد موته للأول ولو مات الأول في حياة الخليفة كانت الخلافة بعده للثاني ولو مات الثاني في حياة الخليفة كانت الخلافة بعده للثالث لأنه قد استقر لكل واحد من الثلاثة بالعهد إليه حكم الخلافة بعده ولو مات الخليفة والثلاثة من أولياء عهده أحياء وأفضت الخلافة إلى الأول منهم فأراد أن يعهد بها إلى غير الاثنين مما يختار لها فمن الفقهاء من منعه من ذلك حملا على مقتضى الترتيب إلا أن يستنزل عنها مستحقها طوعا فقد عهد السفاح إلى المنصور رحمهما الله وجعل 0 العهد بعده لعيسى ابن موسى فأراد المنصور تقديم المهدي على عيسى فاستنزله عن العهد عفو الحقه بعده وفقهاه الوقت على توافر وتكاثر لم يروا له فسحة في صرفه عن ولاية العهد قسرا حتى استنزل واستطيب والظاهر من مذهب الشافعي رحمه الله وما عليه جمهور الفقهاء أنه يجوز لمن أفضت إليه الخلافة من أولياء العهد أن يعهد بها إلى من شاء ويصرفها عمن كان مرتبا معه ويكون هذا الترتيب مقصورا على من يستحق الخلافة منهم بعد موت المستخلف


15
فإذا أفضت الخلافة منهم إلى أحدهم على مقتضى الترتيب صار أملك بها بعده في العهد بها إلى من شاء لأنه قد صار بإفضاء الخلافة إليه عام الولاية نافذ الأمر فكان حقه فيها أقوى وعهده بها أمضى وخلف هذا ما فعله رسول الله A من ترتيب أمرائه على جيش مؤتة لأنه كان ورسول الله A في الحياة حتى لم تنتقل أمورهم إلى غيره وهذا يكون بعد انتقال الأمر بموته إلى غيره فافترق حكم العهدين وأما استطابة المنصور نفس عيسى بن موسى فإنما أراد به تألف أهله لأنه كان في صدر الدولة والعهد قريب والتكافؤ بينهم منتشر وفي أحشائهم نفور موهن ففعله سياسة وإن كان في الحكم سائغا فعلى هذا لو مات الأول من أولياء العهد الثلاثة بعد إفضاء الخلافة إليه ولم يعهد إلى غيرهما كان الثاني هو الخليفة بعده بالعهد الأول وقدم على الثالث اعتبارا بحكم الترتيب فيه 0 ولو مات هذا الثاني قبل عهده صار الثالث هو الخليفة بعده لأن صحة عهد العاهد تقتضي ثبوت حكمه في الثلاثة ما لم يجدد بعده عهدا يخالفه فيصير العهد في الأول من الثلاثة حتما وفي الثاني والثالث موقوفا لأنه لا يجوز أن يعدل عن الأول فانحتم ويجوز أن يعدل على هذا المذهب عن الثاني والثالث فوقف ولو مات الأول من الثلاثة بعد إفضاء الخلافة إليه من غير أن يعهد إلى أحد فأراد أهل الاختيار أن يختاروا للخلافة غير الثاني لم يجز وكذلك لو مات الثاني بعد إفضاء الخلافة إليه لم يجز أن يختاروا لها غير الثالث وإن جاز أن يعهد بها الثاني إلى غير الثالث لأن العهد نص لا يستعمل الاختيار إلا مع عدمه ولكن لو قال الخليفة العاهد قد عهدت إلى فلان فإن مات بعد إفضاء الخلافة إليه فالخليفة بعده فلان لم تصح خلافة الثاني ولم تنعقد عهده بها لأنه لم يعهد إليه في الحال وإنما جعله ولي عهده بعد إفضاء الخلافة إلى الأول وقد 0 يجوز أن يموت قبل إفضائها إليه فلا تكون عهد الثاني بها منفذا فلذلك بطل وجاز للأول بعد إفضاء الخلافة إليه أن يعهد بها إلى غيره وإن مات من غير عهد جاز لأهل الاختيار اختيار غيره

فإذا استقرت الخلافة لمن تقلدها إما بعهد أو اختيار لزم كافة الأمة أن يعرفوا إفضاء الخلافة إلى مستحقها بصفاته ولا يلزم أن يعرفوه بعينه واسمه إلا أهل الدين تقوم بهم الحجة وببيعتهم تنعقد الخلافة وقال سليمان بن جرير واجب على


16
الناس كلهم معرفة الأمام بعينه واسمه كما عليهم معرفة الله ومعرفة رسوله والذي عليه جمهور الناس أن معرفة الإمام تلزم الكافة على الجملة دون التفصيل وليس على كل أحد أن يعرفه بعينه واسمه عند النوازل التي تحوج إليه كما أن معرفة القضاة الذين ينعقد بهم الأحكام والفقهاء الذين يفتون في الحلال والحرام تلزم العامة على الجملة دون التفصيل إلا عند النوازل المحوجة إليهم ولو لزم كل واحد من الأمة أن يعرف الإمام بعينه واسمه للزمت الهجرة إليه ولما جاز تختلف الأباعد ولأفضى ذلك إلى خلو الأوطان ولصار من العرف خارجا وبالفساد عائدا وإذا لزمت معرفته على التفصيل الذي ذكرناه فعلى كافة الأمة تفويض الأمور العامة إليه من غير افتيات عليه ولا معارضة له ليقوم بما وكل إليه من وجوه المصالح وتدبير الأعمال ويسمى خليفة لأنه خلف رسول الله A 0 في أمته فيجوز أن يقال يا خليفة رسول الله وعلى الإطلاق فيقال الخليفة واختلفوا هل يجوز أن يقال يا خليفة الله فجوزه بعضهم لقيامه بحقوقه في خلقه ولقوله تعالى (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات)

وامتنع جمهور العلماء من جواز ذلك ونسبوا قائله إلى الفجور وقالوا يستخلف من يغيب أو يموت والله لا يغيب ولا يموت وقد قيل لأبي بكر الصديق رضي الله عنه يا خليفة الله فقال لست بخليفة الله ولكني خليفة رسول الله A

والذي يلزمه من الأمور العامة عشرة أشياء أحدها حفظ الدين على أصوله المستقرة وما أجمع عليه سلف الأمة فإن نجم مبتدع أو زاغ ذو شبهة عنه أوضح له الحجة وبين له الصواب وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود ليكون الدين محروسا من خلل والأمة ممنوعة من زلل والثاني تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين وقطع الخصام بين المتنازعين حتى تعم النصفة فلا يتعدى ظالم ولا يضعف مظلوم الثالث 0 حماية البيضة والذب عن الحريم ليتصرف الناس في المعايش وينتشروا في الأسفار آمنين من تغرير بنفس أو مال والرابع إقامة الحدود لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك والخامس تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة حتى لا تظفر الأعداء بغرة ينتهكون فيها محرما أو يسفكون فيها


17
لمسلم أو معاهد دما والسادس جهاد من عائد الإسلام بعد الدعوة حتى ---- ويدخل في الذمة ليقام بحق الله تعالى في إظهاره على الدين كله والسابع جباية الفيء والصدقات ---- الشرع نصا واجتهادا من غير خوف ولا عسف والثامن تقدير العطايا وما يستحق في بيت المال من غير سرف ولا تقتير ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير التاسع استكفاء الأمناء وتقليد النصحاء فيما يفوض إليهم من الأعمال ويكله إليهم من الأموال لتكون الأعمال بالكفاءة مضبوطة والأموال بالأمناء محفوظة العاشر أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال لينهض بسياسة الملة ولا يعول على التفويض تشاغلا بلذة أو عبادة فقد يخون الأمين ويغش الناصح وقد قال تعالى (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) فلم يقتصر الله سبحانه 0 على التفويض دون المباشرة ولا عذره في الاتباع حتى وصفه بالضلال وهذا وإن كان مستحقا عليه بحكم الدين ومنصب الخلافة فهو من حقوق السياسة لكل مسترع قال النبي A كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته

وقد أصاب الشاعر فيما وصف به الزعيم المدبر حيث يقول

(وقلدوا أمركم لله دركم

رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا
لا مترفا إن رخاء العيش ساعده
ولا إذا عض مكروه به خشعا
مازال يحلب در الدهر أشطره
يكون متبعا يوما ومتبعا
حتى استمر على شزر مريرة
مستحكم الرأي لا فخما ولا ضرعا) وقال محمد بن يزداد للمأمون وكان وزيره

( من كان حارس دنيا إنه قمن

أفى لا ينام وكل الناس نوام
وكيف ترقد عينا من تضيفه
همان من أمره حل وإبرام)

وإذا قام الإمام بما ذكرناه من حقوق الأمة فقد أدى حق الله تعالى فيما لهم وعليهم حقان الطاعة والنصرة ما لم يتغير حاله والذي يتغير به حاله


18
فيخرج به عن الإمامة شيئان أحدهما جرح في عدالته والثاني نقص في بدنه فأما الجرح في عدالته وهو الفسق فهو على ضربين أحدهما ما تابع فيه الشهوة والثاني ما تعلق فيه بشبهة فأما الأول منهما فمتعلق بأفعال الجوارح وهو ارتكابه للمحظورات وإقدامه على المنكرات تحكيما وانقيادا للهوى فهذا فسق يمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها فإذا طرأ على من انعقدت إمامته خرج منها فلو عاد إلى العدالة لم يعد إلى الإمامة إلا بعقد جديد وقال بعض المتكلمين يعود إلى الإمامة بعوده إلى العدالة من غير أن يستأنف له عقد ولا بيعة لعموم ولايته ولحوق المشقة في استئناف بيعته وأما الثاني منهما فمتعلق بالاعتقاد المتأول بشبهة تعترض فيتأول لها خلاف الحق فقد اختلف العلماء فيها فذهب فريق منهم إلى أنها تمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها ويخرج بحدوثه 0 منها لأنه لما استوى حكم الكفر بتأويل وجب أن يستوي حالي الفسق الفسق بتأويل وغير تأويل وقال كثير من علماء البصرة إنه لا يمنع من انعقاد الإمامة ولا يخرج به منها كما يمنع من ولاية القضاء وجواز الشهادة

وأما ما طرأ على بدنه من نقص فينقسم ثلاثة أقسام أحدها نقص الحواس والثاني نقص الأعضاء والثالث نقص التصرف فأما نقص الحواس فينقسم ثلاثة أقسام قسم يمنع من الإمامة وقسم لا يمنع منها وقسم مختلف فيه فأما القسم المانع منها فشيئان أحدهما زوال العقل والثاني ذهاب البصر فأما القسم المانع منها فشيئان أحدهما زوال العقل والثاني ذهاب البصر فأما زوال العقل فضربان أحدهما ما كان عارضا مرجو الزوال كالإغماء فهذا لا يمنع من انعقاد الإمامة ولا يخرج منها لأنه مرض قليل اللبس سريع الزوال وقد أغمي على رسول الله A في مرضه والضرب الثاني ما كان لازما لا يرجى زواله كالجنون والخبل فهو على ضربين أحدهما أن يكون مطبقا 0 دائما لا يتخلله إفاقة فهذا يمنع من عقد الإمامة واستدامتها فإذا طرأ هذا بطلت به الإمامة بعد تحققه والقطع به والضرب الثاني أن يتخلله إفاقة يعود بها إلى حال السلامة فينظر فيه فإن كان زمان الخبل أكثر من زمان الإفاقة فهو كالمستديم يمنع من عقد الإمامة واستدامتها ويخرج بحودثه منها وإن كان زمان الإفاقة أكثر من الخبل منع عقد الإمامة


19
واختلف في منعه من استدامتها فقيل يمنع من استدامتها كما يمنع من ابتدائها فإذا طرأ بطلت به الإمامة لأن في استدامته إخلالا بالنظر المستحق فيه وقيل لا يمنع من استدامة الإمامة وإن منع من عقدها في الابتداء لأنه يراعي في ابتداء عقدها سلامة كاملة وفي الخروج منها نقص كامل وأما ذهاب البصر فيمنع من عقد الإمامة واستدامتها فإذا طرأ بطلت به الإمامة لأنه لما أبطل ولاية القضاء ومنع مع جواز الشهادة فأولى أن يمنع من صحة الإمامة وأما عشاء العين وهو أن لا يبصر عند دخول الليل فلا يمنع من الإمامة في عقد ولا استدامة لأنه مرض في زمان الدعة يرجى زواله وأما ضعف البصر فإن كان يعرف به الأشخاص إذا رآها لم يمنع من الإمامة وإن كان يدرك الأشخاص ولا يعرفها منع من الإمامة واستدامة وأما القسم الثاني من الحواس التي لا يؤثر فقدها 0 في الإمامة فشيئان أحدهما الخشم في الأنف الذي لا يدرك به شم الروائح والثاني فقد الذوق الذي يفرق به بين الطعوم فلا يؤثر هذا في عقد الإمامة لأنهما يؤثران في اللذة ولا يؤثران في الرأي والعمل وأما القسم الثالث من الحواس المختلف فيها فشيئان الصمم والخرس فيمنعان من ابتداء عقد الإمامة لأن كمال الأوصاف بوجودهما مفقود واختلف في الخروج بهما من الإمامة فقالت طائفة يخرج بهما منها كما يخرج بذهاب البصصر لتأثيرهما في التدبير والعمل وقال آخرون إن كان يحسن الكتابة لم يخرج بهما من الإمامة وإن كان لا يحسنها خرج من الإمامة بهما لأن الكتابة مفهومة والإشارة موهومة والأول من المذاهب أصح وأما تمتمة اللسان وثقل السمع مع غدارك الصوت إذا كان عاليا فلا يخرج بهما من الإمامة إذا أحدثا واختلف في ابتداء عقدها معهما فقيل يمنع ذلك من ابتداء عقدها لأنهما نقص يخرج بهما عن حال الكمال وقيل لا يمنع لأن نبي الله موسى 0 عليه السلام لم تمنعه عقدة لسانه عن النبوة فأولى أن لا يمنع من الإمامة فصل وأما فقد الأعضاء فينقسم إلى أربعة أقسام أحدها مالا يمنع من صحة الإمامة في عقد ولا استدامة وهو ما لا يؤثر فقده في رأي ولا عمل ولا نهوض ولا يشين
20
0 في المنظر وذلك مثل قطع الذكر والأنثيين فلا يمنع من عقد الإمامة ولا من استدامتها بعد العقد لأن فقد هذين العضوين يؤثر في التناسل دون الرأي والحنكة فيجري مجرى العنة وقد وصف الله تعالى يحيى بن زكريا بذلك وأثنى عليه فقال (وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين)

وفي الحصور قولان أحدهما أنه العنين الذي لا يقدر على إتيان النساء قاله ابن مسعود وابن عباس والثاني أنه من لم يكن له ذكر يغشى به النساء أو كان كالنواة قاله سعيد بن المسيب فلما لم يمنع ذلك من النبوة فأولى أن لا يمنع من الإمامة وكذلك قطع الأذنين لأنهما لا يؤثران في رأي ولا عمل ولهما شين خفي يمكن أن يستتر فلا يظهر والقسم الثاني ما يمنع من عقد الإمامة ومن استدامتها وهو ما يمنع من العمل كذهاب اليدين أو من النهوض كذهاب الرجلين فلا تصح معه الإمامة في عقد ولا استدامة لعجزه 0 عما يلزمه من حقوق الأمة في عمل أو نهضة والقسم الثالث ما يمنع من عقد الإمامة واختلف في منعه من استدامتها وهو ما ذهب به بعض العمل أو فقد به بعض النهوض كذهاب إحدى اليدين أو إحدى الرجلين فلا يصح معه عقد الإمامة لعجزه عن كمال التصرف فإن طرأ بعد عقد الإمامة ففي خروجه منها مذهبان للفقهاء أحدهما يخرج به من الإمامة لأنه عجز يمنع من ابتدائها فمنع استدامتها والمذهب الثاني أنه لا يخرج به من الإمامة وإن منع من عقدها لأن المعتبر في عقدها كمال السلامة وفي الخروج منها كمال النقص والقسم الرابع ما لا يمنع من استدامة الإمامة واختلف في منعه من ابتداء عقدها وهو ما شان وقبح ولم يؤثر في عمل ولا نهضة كجدع الأنف وسمل إحدى العينين فلا يخرج به من الإمامة بعد عقدها لعدم تأثيره في شيء من حقوقها وفي منعه من ابتداء عقدها مذهبان الفقهاء أحدهما أنه لا يمنع من عقدها وليس ذلك من الشروط المعتبرة فيها لعدم تأثيره 0 في حقوقها والمذهب الثاني أنه يمنع من عقد الإمامة وتكون السلامة منه شرطا معتبرا في عقدها ليسلم ولاة الملة من شين يعاب ونقص يزدرى فتقتل به الهيبة وفي قتلها نفور عن الطاعة وما أدى إلى هذا فهو نقص في حقوق الأمة


21

وأما نقص التصرف فضربان حجر وقهر فأما الحجر فهو أن يستولي عليه من أعوانه من يستبد بتنفيذ الأمور من غير تظاهر بمعصية ولا مجاهرة بمشاقة فلا يمنع ذلك من إمامته ولا يقدح في صحة ولايته ولكن ينظر في أفعاله من استولى على أموره فإن كانت جارية على أحكام الدين ومقتضى العدل جاز إقراره عليها تنفيذا لها وإمضاء لأحكامها لئلا يقف من الأمور الدينية ما يعود بفساد على الأمة وإن كانت أفعاله خارجة عن حكم الدين ومقتضى العدل لم يجز إقراره عليها ولزمه أن يستنصر من يقبض يده ويزيل تغلبه وأما القهر فهو أن يصير مأسورا في يد عدو قاهر لا يقدر على الخلاص منه فيمنع ذلك عن عقد الإمامة له لعجزه عن النظر في أمور المسلمين وسواء كان العدو مشركا أو مسلما باغيا وللأمة اختيار من عداه من ذوي القدرة وإن أسر بعد أن عقدت له الإمامة فعلى 0 كافة الأمة استنقاذه لما أوجبته الإمامة من نصرته وهو على إمامته ما كان مرجو الخلاص مأمول الفكاك إما بقتال أو فداء فإن وقع الإياس منه لم يخل حال من أسره من أن يكونوا مشركين أو بغاة المسلمين فإن كان في أسر المشركين خرج من الإمامة لليأس من خلاصه وليستأنف أهل الاختيار بيعة غيره على الإمامة فإن عهد بالإمامة في حال أسره نظر في عهده فإن كان بعد الإياس من خلاصه كان عهده باطلا لأنه عهد بعد خروجه من الإمامة فلم يصح منه عهد وإن عهد قبل الإياس من خلاصه وقت هو فيه مرجو الخلاص صح عهده لبقاء إمامته واستقرت إمامة ولي عهده بالإياس من خلاصه لزوال إمامته فلو خلص من أسره بعد عهده نظر في خلاصه فإن كان بعد الإياس منه لم يعد إلى إمامته لخروجه منها بالإياس واستقرت في ولي عهده وإن خلص قبل الإياس فهو على إمامته ويكون العهد في ولي العهد ثابتا وإن لم يصر إماما وإن كان مأسورا مع بغاة المسلمين فإن كان مرجو الخلاص فهو 0 على إمامته وإن لم يخل حال البغاة من أحد أمرين إما أن يكونوا نصبوا لأنفسهم إماما أو لم ينصبوا فإن كانوا فوضى لا إمام لهم فالإمام مأسور في أيديهم على إمامته لأن بيعته لهم لازمة وطاعته عليهم واجبة فصار معهم كمصيره مع أهل العدل إذا صارت تحت الحجر وعلى أهل الاختيار أن يستنيبوا عنه ناظرا يخلفه إن لم يقدر على الاستنابة فإن قدر


22
عليها كان أحق باختيار من يستنيبه منهم فإن خلع المأسور أو مات لم يصر المستناب إماما لأنها نيابة عن موجود فزالت بفقده وإن كان أهل البغي قد نصبوا لأنفسهم إماما دخلوا في بيعته وانقادوا لطاعته فالأمام المأسور في أيديهم خارج من الإمامة بالإياس من خلاصه لأنهم قد انحازوا بدرا تفرد حكمها عن الجماعة وخرجوا بها عن الطاعة فلم يبق لأهل العدل بهم نصرة وللمأسور معهم قدرة وعلى أهل الاختيار في دار العدل أن يعقدوا الإمامة لمن ارتضوا لها فإن خلص المأسور لم يعد إلى الإمامة لخروجه منها

وإذا تمهد ما وصفناه من أحكام الإمامة وعموم نظرها في مصالح الملة وتدبير الأمة فإذا استقر عقدها للإمام انقسم ما صدر عنه من ولايات خلفائه أربعة أقسام فالقسم الأول من تكون ولايته عامة في الأعمال العامة وهم الوزراء لأنهم يستنابون في جميع 0 الأمور من غير تخصيص والقسم الثاني من تكون ولايته عامة في أعمال خاصة وهم أمراء الأقاليم والبلدان لأن النظر فيما خصوا به من الأعمال عام في جميع الأمور والقسم الثالث من تكون ولايته خاصة في العمال العامة وهم كقاضي القضاة ونقيب الجيوش وحامي الثغور ومستوفي الخراج وجابي الصدقات لأن كل واحد منهم مقصور على نظر خاص في جميع الأعمال والقسم الرابع من تكون ولايته خاصة في الأعمال الخاصة وهم كقاضي بلد أو إقليم أو مستوفي خراجه أو جابي صدقاته أو حامي ثغره أو نقيب جند لأن كل واحد منهم خاص النظر مخصوص العمل ولكل واحد من هؤلاء الولاة شروط تنعقد بها ولايته ويصح معها نظره ونحن نذكرها في أبوابها ومواضيعها بمشيئة الله وتوفيقه


23
الباب الثاني
في تقليد الوزارة

والوزارة على تفويض وزارة تنفيذ فأما وزارة التفويض فهو أن يستوزر الإمام من يفوض إليه تدبير الأمور برأيه وإمضاءها على اجتهاده وليس يمتنع جواز هذه الوزارة قال الله تعالى حكاية عن نبيه موسى عليه الصلاة والسلام (واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري)

فإذا جاز ذلك في النبوة كان في الإمامة أجوز ولأن ما وكل إلى الإمام من تدبير الأمة لا يقدر على مباشرة جميعه إلا بالاستتابة ونيابة الوزير المشارك في التدبير أصلح في تنفيذ الأمور من تفرده بها ليستظهر به على نفسه وبها يكون أبعد من الزلل وأمنع من الخلل ويعتبر في تقليد هذه الوزارة شروط الإمامة إلا النسب وحده لأنه ممضى الآراء ومنفذ الاجتهاد فاقتضى أن يكون على صفات المجتهدين ويحتاج فيها إلى شرط زائد على شروط الإمامة وهو 0 أن يكون من أهل الكفاية فيما وكل إليه من أمر الحرب والخراج خبرة بهما ومعرفة بتفصيلهما فإنه مباشر لهما تارة ومستنيب فيهما أخرى فلا يصل إلى استنابة الكفاة إلا أن يكون من أهل الكفاية فيما وكل إليه من أمر الحرب والخراج خبرة بهما ومعرفة بتفضيلهما فإنه مباشر لهما تارة ومستنيب فيهما أخرى فلا يصل إلى استنابة الكفاة إلا أن يكون منهم كما لا يقدر على المباشرة إذا قصر عنهم وعلى هذا الشرط مدار الوزارة وبه تنتظم السياسة

حكى أن المأمون رحمه الله كتب في اختيار وزير إني التمست لأموري رجلا جامعا لخصال الخير ذا عفة في خلائقه واستقامة في طرائقه قد هذبته الآداب وأحكمته التجارب إن أؤتمن على الأسرار قام بها وإن قلد مهمات الأمور نهض فيها يسكته الحلم وينطقه العلم وتكفيه اللحظة وتغنيه اللحمة له صولة الأمراء وأناة الحكماء وتواضع العلماء وفهم الفقهاء إن أحسن إليه شكر وإن ابتلي بالإساءة صبر لا يبيع نصيب يومه 0 بحرمان غده يسترق قلوب الرجال بخلابة لسانه وحسن بيانه وقد جمع بعض الشعراء هذه الأوصاف فأوجزها ووصف بعض وزراء الدولة العباسية فقال


24

(بديهته وفكرته سواء

إذا اشتبهت على الناس الأمور
وأحزم ما يكون الدهر يوما
إذا أعي المشاور والمشير
وصدر فيه للهم اتساع
إذا ضاقت من الهم الصدور)

فهذه الأوصاف إذا كملت في الزعيم المدبر وقل ما تكمل فالصلاح بنظره عام وما يناط برأيه وتدبيره تام وإن اختلت فالصلاح بحسبها يختل والتدبير على قدرها يعتل ولئن لم يكن هذا من الشروط الدينية المحضة فهو من شروط السياسة الممازجة لشروط الدين لما يتعلق بها من مصالح الأمة واستقامة الملة فإذا كملت شروط هذه الوزارة فيمن هو أهل لها فصحة التقليد فيها معتبرة بلفظ الخليفة المستوزر لأنها ولاية تفتقر إلى عقد العقود لا تصح إلا بالقول الصريح فإن وقع له بالنظر وأذن له لم يتم التقليد حكما وإن أمضاء الولاة عرفا حتى يعقد له الوزارة بلفظ يشتمل على شرطين أحدهما عموم النظر والثاني 0 النيابة فإن اقتصر على عموم النظر دون النيابة فكان بولاية العهد أخص فلم تنعقد به الوزارة فإن اقتصر به على النيابة فقد أبهم ما استنابه فيه من عموم وخصوص أو تنفيذ وتفويض فلم تنعقد به الوزارة وإذا جمع بينهما انعقدت وتمت والجمع بينهما يكون من وجهين أحدهما وهو بأحكام العقود أخص أن يقول قد قلدتك ما إلى نيابة عني فتنعقد به الوزارة لأنه قد جمع له عموم النظر والاستنابة في النظر فإن قال له نب عني فيما إلى احتمل أن تنعقد به الوزارة لأنه قد جمع له في اللفظ بين الوجهين عموم النظر والاستنابة واحتمل أن لا تنعقد به الوزارة لأنه إذن يحتاج إلى أن يتقدمه عقد والإذن في أحكام العقود لا تصح به العقود ولكن لو قال قد استنبتك فيما إلى انعقدت به الوزارة لأنه عدل عن مجرد الإذن إلى ألفاظ العقود ولو قال انظر فيما إلي لم تنعقد به الوزارة لاحتماله أن ينظر في تصفحه أو تنفيذه أو في القيام به 0 والعقد لا ينبرم بلفظ محتمل حتى يصله بما ينفي عنه الاحتمال وليس يراعى فيما يباشره الخلفاء وملوك الأمم من العقود العامة لا يراعى في الخاصة من الشروط المؤكدة لأمرين أحدهما أن من عادتهم الاكتفاء بيسير القول عن كثيره فصار ذلك فيهم عرفا مخصوصا وربما استثقلوا الكلام فاقتصروا على الإشارة غير أنه ليس يتعلق بها في الشرع حكم لناطق سليم فكذلك خرجت بالشرع عن عرفهم والثاني أنهم لقلة ما يباشرونه من العقود تجعل شواهد الحال في تهيئهم لها موجبا لحمل لفظهم المجمل على الغرض المقصود دون الاحتمال


25
المجرد فهذا وجه والوجه الثاني وهو يعرف المنصب أشبه أن يقول قد استوزرتك تعويلا على نيابتك فتنعقد به هذه الوزارة لأنه قد جمع بين عموم النظر فيما إليه بقوله استوزرتك لأن نظر الوزراء عام وبين النيابة بقوله تعويلا على نيابتك فخرجت عن وزارة التنفيذ إلى وزارة التفويض ولو قال قد فوضت إليك وزارتي احتمل أن تنعقد به هذه الوزارة أو ذكر التفويض فيها يخرجها عن وزارة التنفيذ إلى وزارة التفويض ويحتمل أن لا تنعقد لأن التفويض من أحكام هذه الوزارة فافتقر إلى عقد يتقدمه والأول من الاحتمالين أشبه بالصواب فعلى هذا لو قال قد فوضنا إليك الوزارة صح لأن ولاة الأمور يكنون عن أنفسهم بلفظ الجمع ويعظمون عن إفاضة الشيء إليهم فيرسلونه فيقوم قوله قد فوضنا إليك مقام فوضت إليك وقوله الوزارة مقام قوله وزارتي وهذا أفخم قول عقدت به وزارة التفويض 0 وأوجزه ولو كنى غير الملوك عن أنفسهم بالجمع وترك الإضافة لما تعلق به حكم التفرد والإضافة لخروجه عن العرف المعهود فأما إذا قال قد قلدتك وزارتي أو قد قلدناك الوزارة لم يصر بهذا القول من وزارء التفويض حتى يبينه بما يستحق به التفويض لأن الله تعالى يقول حكاية عن نبيه موسى صلوات الله عليه (واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري)

فلم يقتصر على مجرد الوزارة حتى قرنها بشد أزره وإشراكه في أمره لأن اسم الوزارة مختلف في اشتقاقه على ثلاثة أوجه أحدها أنه مأخوذ من الوزر وهو الثقل لأنه يحمل عن الملك أثقاله الثاني أنه مأخوذ من الوزر وهو الملجأ ومنه قوله تعالى (كلا لا وزر) أي لا ملجأ فسمي بذلك لأن الملك يلجأ إلى رأيه ومعونته والثالث أنه مأخوذ من الأزر وهو الظهر لأن الملك يقوى بوزيره كقوة البدن بالظهر ولأي هذه المعاني كان مشتقا فليس في واحد منها ما يوجب الاستبداد بالأمور

وإذا 0 تقرر ما تنعقد به وزارة التفويض فالنظر فيها وإن كان على العموم معتبر بشرطين يقع الفرق بهما بين الإمامة والوزارة أحدهما يختص بالوزير وهو مطالعة الإمام لما أمضاه من تدبير وأنفذه من ولاية وتقليد لئلا يصير بالاستبداد كالإمام والثاني مختص بالإمام وهو أن يتصفح أفعال الوزير وتدبيره الأمور ليقر منها


26
منها ما وافق الصواب ويستدرك ما خالفه لأن تدبير الأمة إليه موكول على اجتهاده محمول ويجوز لهذا الوزير ---- يحكم بنفسه وأن يقلد الحكام كما يجوز ذلك الإمام لأن شروط الحكم فيه معتبرة ويجوز أن ينظر في المظالم ويستنيب فيها لأن شروط المظالم فيه معتبرة ويجوز أن يتولى الجهاد بنفسه وأن يقلد من يتولاه لأن شروط الحرب معتبرة ويجوز أن يباشر تنفيذ الأمور التي دبرها وأن يستنيب في تنفيذها لأن شروط الرأي والتدبير فيه معتبرة وكل ما صح من الإمام صح من الوزير إلا ثلاثة أشياء أحدها ولاية العهد فإن للإمام أن يعهد إلى من يرى وليس ذلك للوزير والثاني أن للإمام أن يستعفي الأمة من الإمامة وليس ذلك للوزير والثالث أن للإمام أن يعزل من قلده الوزير وليس للوزير أن يعزل من قلده الإمام وما سوى هذه الثلاثة فحكم التفويض إليه يقتضي جواز فعله 0 وصحة نفوذه منه فإن عارضه الإمام في رد أمضاه فإن كان في حكم نفذ عن وجهه أو في مال وضع في حقه لم يجز نقض ما نفذ باجتهاده من حكم ولا استرجاع ما فرق برأيه من مال فإن كان في تقليده وال وتجهيز جيش وتدبير حرب جاز للإمام معارضته بعزل المولى والعدول بالجيش إلى حيث يرى وتدبير الحرب بما هو أولى لأن للإمام أن يستدرك ذلك من أفعال نفسه فكان أولى أن يستدركه من أفعال وزيره

فلو قلد الإمام واليا على عمل وقلد الوزير غيره على ذلك العمل نظر في أسبقهما بالتقليد فإن كان الإمام أسبق تقليدا فتقليده أثبت ولا ولاية لمن قلده الوزير وإن كان تقليد الوزير أسبق فإن علم الإمام بما تقدم من تقليد الوزير كان في تقليده الإمام لغيره عزل الأول واستئناف تقليد الثاني فصح الثاني دون الأول وإن لم يعلم الإمام بما تقدم من تقليد الوزير فتقليد الوزير أثبت وتصح ولاية الأول دون الثاني لأن تقليد الثاني الجهل بتقليد 0 الأول لا يكون عزلا ولو علم تقليده وقال بعض أصحاب الشافعي رضي الله عنه لا ينعزل الأول مع علم الإمام بحاله إذا قلد غيره حتى يعزله قولا فيصير بالقول معزولا لا بتقليد غيره فعلى هذا إن كان النظر مما يصح فيه الاشتراك صح تقليدهما فكانا مشتركين في النظر فإن كان مما لا يصح فيه الاشتراك كان تقليدهما موقوفا على عزل أحدهما وإقرار الآخر فإن تولى ذلك الإمام جاز أن يعزل أيهما شاء ويقر الآخر وإن تولاه الوزير جاز أن يعزل من اختص بتقليده ولم يجز أن يعزل من قلده الإمام


27

وأما وزارة التنفيذ فحكمها أضعف وشروطها أقل لأن النظر فيها مقصور على راي الإمام وتدبيره وهذا الوزير وسط بينه وبين الرعايا والولاة يؤدي عنه ما أمر وينفذ عنه ما ذكر ويمضي ما حكم ويخبر بتقليد الولاة وتجهيز الجيوش ويعرض عليه ما ورد من مهم وتجدد من حدث ملم ليعمل فيه ما يؤمر به فهومعين في تنفيذ الأمور وليس بوال عليها ولا متقلدا لها فإن شورك في الرأي كان باسم الوزارة أخص وإن لم يشارك فيه كان باسم الواسطة والسفارة أشبه وليس تفتقر هذه الوزارة إلى تقليد وإنما يراعى فيها مجرد الإذن ولا تعتبر في المؤهل لها الحرية ولا العلم لأنه ليس له أن ينفرد بولاية ولا تقليد فتعتبر فيه الحرية ولا يجوز له أن يحكم فيعتبر فيه العلم وإنما هو مقصور النظر على أمرين أحدهما أن يؤدي إلى الخليفة والثاني أن يؤدي عنه فيراعي فيه سبعة أوصاف 0 أحدها الأمانة حتى لايخون فيما قد أؤتمن عليه ولا يغش فيما قد استنصح فيه والثاني صدق اللهجة حتى يوثق بخبره فيما يؤديه ويعمل على قوله فيما ينهيه والثالث قلة الطمع حتى لا يرتشي فيما يلي ولا ينخدع فيتساهل والرابع أن يسلم فيما بينه وبين الناس من عداوة وشحناء فإن العداوة تصدعن التناصف وتمنع من التعاطف والخامس أن يكون ذكورا لما يؤديه إلى الخليفة وعنه لأنه شاهد له وعليه والسادس الذكاء والفطنة حتى لا تدلس عليه الأمور فتشتبه ولا تموه عليه فتلتبس فلا يصح مع اشتباهها عزم ولا يصلح مع التباسها حزم وقد أفصح بهذا الوصف وزير المأمون محمد بن يزداد حيث يقول

( إصابة معنى المرء روح كلامه

فإن أخطأ المعنى فذاك موات
إذا غاب قلب المرء عن حفظ لفظه
فيقظته للعالمين سبات)

والسابع أن لا يكون من أهل الأهواء فيخرجه الهوى من الحق إلى الباطل ويتدلس عليه المحق من المبطل فإن الهوى خادع الألباب وصارف له عن لاصواب 0 ولذلك قال النبي A حبك الشيء يعمي ويصم


28
قال الشاعر

( إنا إذا قلت دواعي الهوى

وأنصفت السامع للقاتل
وصطرع القوم بألبابهم
نقضي بحكم عادل فاصل
لا نجعل الباطل حقا ولا
نلفظ دون الحق بالباطل
نخاف أن تسفه أحلامنا
فنحمل الدهر مع الحامل)

فإن كان هذا الوزير مشاركا في الرأي احتاج إلى وصف ثامن وهو الحنكة والتجربة التي تؤدي إلى صحة الرأي وصواب التدبير فإن في التجارب خبرة بعواقب الأمور وإن لم يشارك في الرأي لم يحتج إلى هذا الوصف وإن كان ينتهي إليه مع كثرة الممارسة ولا يجوز أن تقوم بذلك امراة وإن كان خبرها مقبولا لا لما تضمنه معنى الولايات المصروفة عن النساء لقول النبي A ما أفلح قوم أسسندوا أمرهم إلى أمرأة

ولأن فيها من طلب الرأي وثبات العزم ما تضعف عنه النساء ومن الظهور في مباشرة الأمور ما هو عليهن محظور ويجوز أن يكون هذا الوزير من أهل الذمة وإن لم 0 يجز أن يكون وزير التفويض منهم ويكون الفرق بين هاتين الوزارتين بحسب الفرق بينهما في النظرين وذلك من أربعة أوجه أحدها انه يجوز لوزير التفويض مباشرة الحكم والنظر في المظالم وليس ذلك لوزير التنفيذ والثاني أنه يجوز لوزير التفويض أن يستبد بتقليد الولاة وليس ذلك لوزير التنفيذ والثالث أنه يجوز لوزير التفويض أن ينفرد بتيسير الجيوش وتدبير الحروب وليس ذلك لوزير التنفيذ والرابع أنه يجوز لوزير التفويض أن يتصرف في أموال بيت المال بقبض ما يستحق له ويدفع ما يجب فيه وليس ذلك لوزير التنفيذ وليس فيما عدا هذه الفروق الأربعة ما يمنع أهل الذمة منها إلا أن يستطيلوا فيكونوا ممنوعين من الاستطالة ولهذه الفروق الأربعة بين النظرين افترق في أربعة من شروط الوزارتين أحدها أن الحرية معتبرة في وزارة التفويض وغير معتبرة في وزارة التنفيذ والثاني أن الإسلام معتبر في وزارة التفويض وغير معتبر في وزراة التنفيذ والثالث 0 أن العلم بالأحكام الشرعية معتبر في وزارة التفويض وغير معتبرة في وزراة التنفيذ والرابع أن المعرفة بأمري الحرب والخراج معتبرةفي وزارة التفويض وغير معتبرة في وزارة التنفيذ فافترقا في شروط التقليد من أربعةأوجه كما افترقا في حقوق النظر من أربعة أوجه واستويا فيما عدها من حقوق وشروط

ويجوز للخليفة أن يقلد وزيري تنفيذ على اجتماع وانفراد ولا يجوز أن يقلد وزيري تفويض على الاجتماع لعموم ولايتهما كما لا يجوز تقليد إمامين لأنهما ربما تعارضا في العقد والحل والتقليد والعزل وقد قال الله تعالى (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)

فإن قلد وزيري تفويض لم يخل حال تقليده لهما من ثلاثة أقسام أحدهما أن يفوض إلى كل واحد منهما عموم النظر فلا يصح لما قدمناه من دليل وتعليل وينظر في تقليدهما فإن كان في وقت واحد بطل تقليدهما معا وإن سبق احدهما الآخر صح تقليد السابق وبطل تقليد المسبوق والفرق 0 بين فساد التقليد والعزل أن فساد التقليد يمنع من نفوذ ما تقدم من نظره والعزل لا يمنع من نفوذ ما تقدم من نظره والقسم الثاني أن يشرك بينهما في النظر على اجتماعهما فيه ولا يجعل إلى واحد منهما أن ينفرد به فهذا يصح وتكون الوزارة بينهما لا في واحد منها ولهما تنفيذ ما اتفق رأيهما عليه وليس لهما تنفيذ ما اختلفا فيه ويكون موقوفا على رأي الخليفة وخارجا عن نظر هذين وتكون هذه الوزارة قاصرة على وزارة التفويض المطلقة من وجهين أحدهما اجتماعهما على تنفيذ ما اتفقا عليه والثاني زوال نظرهما عما اختلفا فيه فإن اتفقا بعد اختلاف نظر فإن كان عن رأي اجتمعا على صوابه بعد اختلافهما فيه دخل في نظرهما وصح تنفيذه منهما لأن ما تقدم من الاختلاف لا يمنع من جواز الاتفاق وإن كان من متابعة أحدهما لصاحبه بعد بقائهما على الرأي المختلف فيه فهو على خروجه من نظرهما لأنه لا يصح من الوزير تنفيذ ما لا يراه صوابا والقسم 0 الثالث أن لا يشرك بينهما في النظر ويفرد كل واحد منهما بما ليس فيه للآخر نظر وهذا يكون على أحد وجهين إما أن يخص كل واحد منهما بعمل يكون فيه عام النظر خاص العمل مثل أن يرد لأحدهما وزارة بلاد المشرق وإلىالآخر وزارة بلاد المغرب وإما أن يخص كل واحد منهما بنظر يكون فيه عام العمل خاص


30
0 النظر مثل أن يستوزر أحدهما على الحرب والآخر على الخراج فيصح التقليد على كلا الوجهين غير أنهما لا يكونان وزيرا تفويض يكونان واليين على عملين مختلفين لأن وزارة التفويض ما عمت ونفذ أمر الوزيرين بها في كل عمل وكل نظر ويكون تقليد كل واحد منهما مقصورا على ما خص به وليس له معارضة الآخر في نظره وعمله ويجوز للخليفة أن يقلد وزيرين وزير تفويض ووزير تنفيذ فيكون وزير التفويض مطلق التصرف ووزير التنفيذ مقصورا على تنفيذ ما وردت به أوامر الخليفة ولا يجوز لوزير التنفيذ أن يولى معزولا ولا أن يعزل مولى ويجوز لوزير التفويض أن يولي المعزول ويعزل من ولاه ولا يعزل من ولاه الخليفة وليس لوزير التنفيذ أن يوقع عن نفسه ولا عن الخليفة إلا بأمره ويجوز لوزير التفويض أن يوقع عن نفسه إلى عماله وعمال الخليفة ويلزمهم قبول توقيعاته ولا يجوز 0 أن يوقع عن الخليفة إلا بأمره في عموم أو مخصوص وإذا عزل الخليفة وزير التنفيذ لم ينعزل به أحد من الولاة وإذا عزل وزير التفويض إنعزل به عمال التنفيذ ولم ينعزل به عمال التفويض لأن عمال التنفيذ نياب وعمال التفويض ولاة ويجوز لوزير التفويض أن يستخلف نائبا عنه ولا يجوز لوزير التنفيذ أن يستخلف من ينوب عنه لأن الاستخلاف تقليد فصح من وزير التفويض ولم يصح من وزير التنفيذ وإذا نهى الخليفة وزير التفويض عن الاستخلاف لم يكن له أن يستخلف وإذا أذن لوزير التنفيذ في الاستخلاف جاز له أن يستخلف لأن كل واحد من الوزيرين يتصرف عن أمر الخليفة ونهيه وإن افترق حكمهما مع اطلاق التقليد وإذا فوض الخليفة تدبير الأقاليم إلى ولاتها ووكل النظر فيها إلى المسئولين عليها كالذي عليه أهل زماننا جاز لمالك كل إقليم أن يستوزر وكان حكم وزيره معه كحكم وزير الخليفة مع الخليفة في اعتبار الوزارتين وأحكان النظرين
31
الباب الثالث
في تقليد الإمارة على البلاد

وإذا قلد الخليفة أميرا على غقليم أو بلد كانت إمارته على ضربين عامة وخاصة فاما العامة فعلى ضربين إمارة استكفاء بعقد عن اختيار وإمارة استيلاء بعقد عن اضرار فإمارة الاستكفاء التي تنعقد عن أختياره فتشمل على عمل محدود ونظر معهود والتقليد فيها أن يفوض إليه الخليفة إمارة بلد أو إقليم ولاية على جميع أهله ونظرا في المعهود من سائر أعماله فيصير عام النظر فيما كان محدودا من عمل ومعهودا من نظر فيشتمل نظره فيه على سبعة أمور أحدها النظر في تدبير الجيوش وترتيبهم في النواحي وتقدير أرزاقهم إلا أن يكون الخليفة قدرها فيذرها عليهم والثاني النظر في الأحكام وتقليد القضاة والحكام والثالث جباية الخراج وقبض الصدقات وتقليد العمال فيهما وتفريق ما استحق منها والرابع حماية الدين والذب عن 0 الحريم ومراعاة الدين من تغير أو تبديل والخامس غقامة الحدود في حق الله وحقوق الآدميين والسادس الإمامة في الجمع والجماعات حتى يؤم بها أو يستخلف عليها والسابع تسيسر الحجيج من عمله ومن سلكه من غير أهله ختى يتوجهوا معانين عليه فإن كان هذا الإقليم ثغرا متاخما للعدو واقترن بها ثامن وهو جهاد من يليه من الأعداء وقسم غنائمهم في المقاتلة وأخذ خمسها لأهل الخمس وتعتبر في هذه الإمارة الشروط المعتبرة في وزارة التفويض لأن الفرق بينهما خصوص الولاية في الإمارة وعمومها في الوزارة وليس بين عموم الولاية وخصوصها فرق في الشروط المعتبرة فيها ثم ينظر في عقد هذه الإمارة فإن كان الخليفة قد تولاه كان لوزير التفويض عليه حق المراعاة والتصفح ولم يكن له عزله ولا نقله من إقليم إلى غيره وإن كان الوزير قد تفرد بتقليده فهو على ضربين احدهما أن يقلده عن إذن الخليفة فلا يجوز له عزله ولا نقله عن عمله إلى غيره إلا 0 عن إذن الخليفة وأمره ولو عزل الوزير لم ينعزل هذا الأمير والضرب الثاني أن يقلده عن نفسه فهو نائب عنه فيجوز له أن ينفرد بعزله والاستبدال به بحسب ما يؤديه الاجتهاد إليه من النظر


32
في الأولى والأصح ولو أطلق الوزير تقليد الأمير فلم يصرح فيه بأنه عن الحليفة ولا عن نفسه كان التقليد عن نفسه وله أن ينفرد بعزله زمتىانعزل هذا الأمير إلا أن يقره الخليفة على امارته فيكون ذلك تجديد ولاية واستئناف تقليد غير أنه لا يحتاج في لفظ العقد إلى ما يحتاج إليه ابتداء العقد من لاشروط ويكفي أن يقول الخليفة قد أقررتك على ولايتك ويحتاج في ابتداء العقد أن يقول قد قلدتك ناحية كذا إمارة على أهلها ونظرا على جميع ما يتعلق بها على تفصيل لا يدخله اجمال ولا يتناوله إحتمال فإذا قلد لالخليفة هذه الإمارة لم يكن فيها عزل للوزير عن تصفها ومراعاتها وإذا قلد الوزارة فلم يكن فيها عزل لهذا الأمير عن إمارته لأنه إذا اجتمع عموم التقليد وخصوصه في الولاية السلطانية كان عموم التقليد محمولا في العرف على مراعاة الأخص 0 وتصفحه وكان خصوص التقليد محمولا على مباشرة العمل وتنفيذه ويجوز لهذا الأمير أن يستوزر لنفسه وزير تنفيذ بأمر الخليفة وبغير أمره ولا يجوز أن يستوزر وزير تفويض إلا عن إذن الخليفة وأمره لأن وزير التنفيذ معين ووزير التفويض مستبد وإذا أراد هذا الأمير أن يزيد في أرزاق جيشه لغير سبب لم يجز فيه من استهلاك مال في غير حق وإن زادهم لحدوث سبب يقتضيه نظر في السبب فإن كان مما يرجى زواله لا تستقر به الزيادة على التأبيد كالزيادة لغلاء سعر أو حدوث حدث أو نفقة في حرب جاز للأمير أن يدفع هذه الزيادة من بيت المال ولا يلزمه استئمار الخليفة لأنها من حقوق السياسة الموكولة إلى اجتهاد وغن كان سبب الزيادة مما يقتضي إستقرارها على التأبيد كالزيادة لحرب أبلوا فيها وقاموا بالصبر حتى انجلت أوقفها على استئمار الخليفة فسها ولم يكن له التفرد بإمضائها ويجوز أن يرزق من بلغ من أولاد الجيش ويقرض لهم العطاء بغير أمر 0 ولا يجوز أن يفرض لجيش مبتدأ إلا بأمر وإذا فضل مال الخراج فاضل عن أرزاق جيشه حمله إلى الخليفة ليضعه في بيت المال العام المعد للمصالح العامة وإذا فضل من مال الصدقات فاضل عن أهل عمله لم يلزمه حمله إلى الخليفة وصرفه في أقرت أهل الصدقات من عمله وإذا نقص مال الخراج عن أرزاق جيشه طالب الخليفة تمامه من بيت المال ولو نقص مال الصدقات عن أهل عمله لم يكن له مطالبة الخليفة بتمامه لأن أرزاق الجيش مقدرة بالكفاية وحقوق أهل الصدقات معتبرة
33
بالوجود وإذا كان تقليد الأمير من قبل الخليفة لم ينعزل بموت الخليفة وإن كان من قبل الوزير انعزل بموت الوزير لأن تقليد الخليفة نيابة عن المسلمين وتقليد الوزير بموت الخليفة وإن لم ينعزل به الأمير لأن الوزارة نيابة عن الخليفة والإمارة نيابة عن المسلمين فهذا حكم أحد قسمي الإمارة العامة وهي إمارة الاستكفاء المعقودة عن اختيار ونحن نقدم امام القسم الأخير منها حمك الإمارة الخاصة لاشتراكهما في عقد الاختيار ثم نذكر القسم الثاني في إمارة الاستيلاء المعقودة عن اضطرار لنبني حكم الاضطرار على حكم الاختيار فيعلم فرق ما بينهما من شروط وحقوق

فأما الامارة الخاصة فهو أن يكون الأمير مقصور الإمارة على تدبير الجيش وسياسة الرعية وحماية البيضة والذب عن الحريم وليس له أن يتعرض للقضاء والأحكام ولجباية الخراج والصدقات فأما 0 إقامة الحدود فيما افتقر منها إلى اختيار لإختلاف الفقهاء فيه وافتقر إلى إقامة بينه لتناكر المتنازعين فيه فليس له التعرض لإقامتها لأنها من الأحكام الخارجة عن خصوص إمارته وإن لم يفتقر على إختيار ولا بينة أو افتقر إليهما فنفذ فيه اجتهاد الحاكم أو إقامة البينة عنده فلا يخلو أن يكون من حقوق الله سبحانه أو من حقوق الآدميين فإن كان من حقوق الآدميين كحد القذف والقصاص في نفس أو طرف كان ذلك معتبرا بحال الطالب فإن عدل عنه إلى الحاكم كان الحاكم أحق باستيفائه لدخوله في جملة الحقوق التي نذب الحاكم إلى إستيفائها وإن عدل الطالب لإستيفاء الحد وللقصاص إلى هذا الأمير كان الأمير أحق بإستيفائه لأنه ليس بحكم وإنما هو معونة على استيفاء الحق وصاحب المعونة هو الأمير دون الحاكم فإن كان هذا الحد من حقوق الله تعالى المحضة كحد الزنا جلدا أو رجما فالأمير أحق باستيفائه من الحاكم لدخوله في قوانين السياسة 0 وموجبات الحماية والذب عن الملة ولأن تتبع المصالح موكول إلى الأمراء المندوبين إلى البحث عنها دون الحكام المرصدين لفصل التنازع بين الخصوم فدخل في حقوق الإمارة ولم يخرج منها إلا بنص وخرج من حقوق القضاء فلم يدخل فيها إلا بنص وأما نظره في المظالم فإن كان مما نفذت فيه الأحكام وأمضاه القضاة والحكام جاز


34
له النظر في إستيفائه معونة للمحق على المبطل وإنتزاعا للحق من المعترف المماطل لأنه موكول إلى المنع من للتظالم والتغالب ومندوب إلى الأخذ بالتعاطف والتناصف فإن كانت المظالم مما تستأنف فيها الأحكام ويبتدأ فيها القضاة منع منه هذا الأمير لأنه من الأحكام التي لم يتضمنها عقد إمارته وردهم إلى حاكم بلده فإذا نفذ حكمه لأحدهم بحق قام باستيفائه إن ضف عنه الحاكم فإن لم يكن في بلده حاكم عدل بها إلى أقرب الحكام من بلده إن لم يلحقهما في المصير إليه مشقة فإن لحقت لم يكلفهما ذلك واستأمر الخليفة فيما تنازعا ونفذ حكمه فيه وأما تيسير الحجيج من عمله فداخل في أحكام إمارته لأنه من جملة المعونات التي ندب لها

فأما إمامة الصلوات في الجمع والأعياد فقد قيل إن القضاة بها أخص وهو بمذهب الشافعي أشبه وقيل إن الأمراء بها أحق وهو بمذهب أبي حنيفة 0 أشبه فإن تاخمت ولاية هذا الأمير ثغرا لم يكن له أن يبتدىء جهاد أهله إلا بإذن الخليفة وكان عليه حربهم ودفعهم إن هجموا عليه بغير إذنه لأن دفعهم من حقوق الحماية ومقتضى الذب عن الحريم ويعتبر في ولاية هذه الأمارة الشروط المعتبرة في وزارة التنفيذ وزيادة شرطينم عليها هما الإسلام والحرية لما تضمنتها من الولاية على أمور دينية لا تصح مع الكفر والرق ولا يعتبر فيها العلم والفقه وإن كان فزيادة فضل فصارت شروط الإمارة العامة معتبرة بشروط وزارة التفويض لإشاراكهما في عموم والنظر وإن اختلفا في خصوص العمل

وشروط الإمارة الخاصة تقصر عن شروط الإمارة العامة بشرط واحد وهو العلم لأن لمن عمت إمارته أن يحكم وليس ذلك لمن خصت إمارته وليس على واحد من هذين الأمرين مطالعة الخليفة بما أمضاه في عمله على مقتضى إمارته إذا كان معهودا إلا على وجه الاختيار تظاهرا بالطاعة فإن حدث حادث غير معهوم أو قفاه على مطالعة الإمام 0 وعملا فيه بأمره فإن خافا من اتساع الخرق إن أوقفاه قاما بما يدفع


35
هجومه حتى يرد عليهم إذن الخليفة فيما يعملان به بأن رأي الخليفة لإشرافه على عموم الأمور أمضى في الحوادث النازلة

وأما إمارة الإستيلاء التي تعقد عن إضطرار فهي أن يستولي الأمير بالقوة على بلاد يقلده الخليفة إمارتها ويفوض غليه تدبيرها وسياستها فيكون الأمير بإستيلائه مستبدأ بالسياسة والتدبير والخليفة بإذنه منفذا لأحكام الدين ليخرج من الفساد إلى الصحة ومن الحظر إلى الإباحة وهذا وإن خرج عن عرف التقليد المطلق في شروطه واحكامه ففيه من حفظ القوانين الشرعية وحراسة الأحكام الدينية ما لا يجوز أن يترك مختلا مدخولا ولا فاسدا معلولا فجاز فيه مع الاستيلاء والإضطرار ما امتنع في تقليد الاستكفاء الاختيار لوقوع الفرق بين شروط المكنة والعجز

والذي يتحفظ بتقليد المستولي من قوانين الشرع سبعة أشياء فيشترك في إلتزامها الخليفة 0 الولي والأمير المستولي ووجوبها في جهة المستولى أغلظ أحدها حفظ منصب الإمامة في خلافة النبوة وتدبير أمور الملة ليكون ما أوجبه الشرع من إقامتها محفوظا وما تفرع عنها من الحقوق محروسا والثاني ظهور الطاعة الدينية التي يزول معها حكم العناد فيه وينتفي بها إثم المباينة له والثالث اجتماع الكلمة على الألفة والتناصر ليكون للمسلمين يد على من سواهم والرابع أن تكون عقود الولايات الدينية جائزة والأحكام والأقضية فيها نافذة لا تبطل بفساد عقودها ولا تسقد بخلل عهودها والخامس أن يكون إستيفاء الأموال الشرعية بحق تبرأ به ذمة مؤديها ويستبيحه آخذه والسادس أن تكون الحدود مستوفى بحق وقائمة على مستحق فإن جنب المؤمن حمى إلا من حقوق الله وحدوده والسابع أن يكون الأمير في حفظ الدين ورعا عن محارم الله يأمر بحقه إن أطيع ويدعوا إلى طاعته إن عصى فهذه سبع قواعد في قوانين الشرع يحفظ بها حقوق الأمامة والأحكام 0 الأمة فلاجلها وجب تقليد المستولي فإن كملت منه شروط الإختيار كان تقليده حتما إستدعاء لطاعته ودفعا لمشاقته ومخالفته وسار بالإذن له نافذ التصر في حقوق الملة وأحكام الأمة وجرى على من استوزره واستنابه لأحكام من استوزره الخليفة واستنابه وجاز أن يستوزر وزير تفويض ووزير


36
وزير تنفيذ فإن لم يكمل المستولي شروط الاختيار جاز للخليفة إظهار تقليده إستدعاء لطاعته وحسما لمخالفته ومعاندته أو كان نفوذ تصرفه بالأحكام والحقوق موقوفا على أن يستنيب له الخليفة فيها لمن قد تكاملت فيه شروطها ليكون كمال الشروط فيمن أضيف إلى نيابته جبرا لما أعوز من شروطها في نفسه فيصير التقليد للمستولي والتنفيذ من المستناب وجاز مثل هذا وإن شذ عن الأصول لأمرين أحدهما أن الضرورة تسقط ما أعوز من شروط المكنة والثاني أن ما خيف انتشاره من المصالح العامة تخفف شروطه عن شروط المصالح الخاصة فإذا صحت إمارة الاستيلاء كان الفرق بينها وبين إمارة الاستكفاء من أربعة أوجه أحدها أن إمارة الاستيلاء متعينة في المتولي وإمارة الاستكفاء مقضورة على إختيار المستكفي والثاني أن إمارة الاستيلاء مشتملة على البلاد التي خلب عليها 0 المستولي وإمارة الاستكفاء مقصورة على البلاد التي تضمنها عهد المستكفي والثالث أن إمارة اللاستيلاء تشتمل على معهود النظر ونادره وإمارة الاستكفاء مقصورة على مهعود النظر دون نادره والرابع أن وزارةالتفويض تصح في إمارة الاستيلاء ولا تصح في إمارة الاستكفاء لوقوع الفرق بين المستولى ووزيره في النظر لأن نظر الوزير مقصور على المعهود وللمستولي أن ينظر في النادر والمعهود وإمارة الاستكفاء مقصورة على نظر المعهود فلم تصح معها وزارة تشتمل على مثلها من النظر المعهود لإشتباه حال الوزير بالمستوزر
37
الباب الرابع
فيب تقليد الإمارة على الجهاد

والإمارة على الجهاد مختصة بقتال المشركين وهي على ضربين أحدهما أن تكون مقصورة على سياسة الجيش وتدبير الحرب ويعتبر فيها شروط الإمارة الخاصة الضرب الثاني أن يفوض إلى الأمير فيها جميع أحكانها من قسم الغنائم وعقد الصلح فيعتبر فيها شروط الإمارة العامة وهي أكبر الولايات الخاصة احكاما وأوفرها فصولا وأقساما وحكمها إذا خصت داخل في حكمها إذا عمت فاقتصرنا عليه إيجازا والذي يتعلق بهامن الأحكام إذا عمت ستة أقسام القسم الأول في تسيير الجيش وعليه في السير بهم سبعة حقوق أحدها الرفق بهم في السير الذي يقدر عليه أضعفهم وتحفظ به قوة أقواهم ولا يجد السير فيهلك الضعيف ويستفرع جلد القوى وقد قال النبي A هذا الدين متين فإوغلوا فيه برفق فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى وشر السير الحقحقة 0 وروي عن النبي A أنه قال المضعف أمير الرفة

يريد أن من ضعفت دابته كان على القوم أن يسيروا بسيره والثاني أن يتقفد خيلهم التي يجاهدون عليها وظهورهم التي يمتطونها فلا يدخل في خيل الجهاد ضخما كبيرا وضرعا صغيرا ولا حطما كسيرا ولا أعجف زارحا هزيلا لأنها لا تقي وربما كان ضعفها وهنا ويتفقد ظهور الإمتطاء والركوب ويخرج منها ما لا يقدر على السير ويمنع من حمل زيادة على طاقتها قال الله تعالى


38
(وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل) وقال رسول الله A ارتبطوا الخيل فإن ظهورها لكم عز وبطونها لكم كنز والثالث أنة يراعى من معه من المقاتلة وهم صنفان مسترزقة ومتطوعة فأما المسترزقة فهم أصحاب الديوان من أهل الفيء والجهاد يفرض لهم العطاء من بيت المال من الفيء بحسب الغنى والحاجة وأما المتطوعة فهم الخارجون عن الديوان من البوادي والأعراب وسكان القرى والأمصار الذين خرجوا في النفير الذي ندب الله تعالى إليه بقوله(انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله) وفي قوله تعالى (خفافا وثقالا)

أربعة تأويلات أحدهما شبانا وشيوخا قاله الحسن وعكرمة والثاني أغنياء وفقراء قاله أبو صالح والثالث ركبانا ومشاة قاله أبو عمر والرابع ذا عيال وغير ذي عيال قاله الفراء وهؤلاء يعطون من الصدقات دون الفيء من 0 سهم رسول الله A المذكور في آية الصدقات ولا يجوز أن يعطوا من الفيء لأن حقهم في الصدقات ولا يعطي أهل الفيء المسترزقة من الديوان من مال الصدقات لأن حقهم في الفيء ولكل واحد من الفريقين مال لا يجوز أن يشارك غيره فيه وجوز أبو حنيفة صرف كل واحد من المالين إلى كل واحد من الفريقين بحسب الحاجة وقد ميز الله تعالى بين الفريقين فلم يجز الجمع بين ما فرق والرابع أن يعرف على الفريقين العرفاء وينقل عليهما النقباء ليعرف من عرفائهم ونقبائهم أحوالهم ويقربون عليه إذا دعاهم فقد فعل رسول الله A ذلك في مغازيه وقال الله تعالى (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا)

وفيها ثلاثة تأويلات أحدها أن للشعوب النسب الأقرب والقبائل النسب الأبعد قاله مجاهد والثاني أن الشعوب عرب قحطان والقبائل عرب عدنان والثالث أن الشعوب بطون العجم والقبائل بطون العرب والخامس أن يجعل لكل طائفة


39
شعارا يتداعون به ليصيروا متميزين وبالاجتماع متظافرين روى عروة بن الزبير عن أبيه أن النبي A جعل شعار المهاجرين يا بني عبد الرحمن وشعار الخزرج يا بني عبد الله وشعار الأوس يا بني عبيد الله وسمى خيله خيل الله

والسادس أن يتصفح الجيش ومن فيه ليخرج منهم من كان فيه تخذيل للمجاهدين وإرجاف للمسلمين أو عينا عليهم للمشركين فقد رد رسول الله A عبد الله بن أبي بن سلول في بعض غزواته لتخذيله المسلمين وقال تعالى (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) أي لا يفتتن بعضكم بعضا والسابع أن لا يمالىء من ناسبه أو وافق رأيه ومذهبه على من باينه في نسب أو خالفه في رأي ومذهب فيظهر من أحوال المباينة ما تفرق به الكلمة الجامعة تشاغلا بالتقاطع والاختلاف وقد أغضى رسول الله A عن المنافقين وهم أضداد في الدين وأجرى عليهم حكم 0 الظاهر حتى قويت بهم الشوكة وكثر بهم العدد وتكاملت بهم القوة ووكلهم فيما أضمرته قلوبهم من النفاق إلى علام الغيوب المآخذ بضمائر القلوب قال الله تعالى (ولا تنازعوا فتشلوا وتذهب ريحكم) وفيه تأويلان أحدهما أن المراد بالريح الدولة قال أبو عبيد والثاني أن المراد بها القوة فضرب الريح بها مثلا لقوتها

والقسم الثاني من أحكام هذه الإمارة في تدبير الحرب والمشركون في دار الحرب صنفان صنف منهم بلغتهم دعوة الإسلام فامتنعوا منها وتابوا عليها فأمير الجيش مخير في قتالهم بين أمرين يفعل منهما ما علم أنه الأصلح للمسلمين وأنكأ للمشركين من بياتهم ليلا ونهارا بالقتال والتحريق وأن ينذرهم بالحرب ويصافهم بالقتال والصنف الثاني لم تبلغهم دعوة الإسلام وقل أن يكونوا اليوم لما قد أظهر الله من دعوة رسوله إلا أن يكون قوم من وراء من يقابلنا من الترك والروم في مبادي المشرق وأقاصي المغرب لا نعرفهم فيحرم علينا 0 الإقدام على قتالهم غرة وبياتا بالقتل والتحريق وأن نبدأهم بالقتل قبل إظهاردعوة الإسلام لهم وإعلامهم من معجزات النبوة وإظهار


40
0 الحجو بما يقودهم إلى الإجابة فإن قاموا على الكفر بعد ظهورها لهم حاربهم وصاروا فيه كمن بلغتهم الدعوة قال الله تعالى (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنةوجادلهم بالتي هي أحسن) يعني ادع إلى دين ربك بالحكمة وفيها تأويلان أحدهما بالنبوة والثاني بالقرآن قال الكلبي وفي الموعظة الحسنة تأويلان أحدهما القرآن في لين من القول قاله الكلبي والثاني ما فيه من الأمر والنهي (وجادلهم بالتي هي أحسن) أي يبين لهم الحق ويوضح لهم الحجة فإن بدأ بقتالهم قبل دعائهم إلى الإسلام وانذارهم بالحجة وقتلهم غرة وبياتا ضمن ديات نفوسهم وكانت على الأصح من مذهب الشافعي كديات المسلمين وقيل بل كديات الكفار على اختلافها أختلاف معتقدهم وقال أبو حنيفة لا دية على قتلهم ونفوسهم هدر وإذا تقاتلت الصفوفو في الحرب جاز لمن قاتل من المسلمين أن يعلمهم بما يشتهر 0 به بين الصفين ويتميز به من جميع الجيش بأن يركب الأبلق وإن كانت خيول الناس دهما وشقرا ومنع أبو حنيفة من الإعلام بركوب الأبلق وليس لمنعه من ذلك وجه روى عبد بن عون الله عن عمير عن أبي إسحاق أن رسول A قال يوم بدر تسوموا فإن الملائكة قد تسومت

ويجوز أن يجيب إلى البراز إذا دعي إليه فقد دعا أبي بن خلف رسول الله A البراز يوم أحد فبرز إليه فقتله وأول حرب شهدها رسول الله A يوم بدر برز فيها من شرفاء قريش عتبة بن ربيعة وابنه الوليد وأخوه شيبة ودعوا إلى البراز فبرز إليهم من الأنصار عوف ومسعود ابنا عفراء وعبد الله بن رواحة فقالوا ليبرز أكفاؤنا إلينا فما نعرفكم فبرز إليهم ثلاثة من بني هاشم برز علي بن أبي طالب إلى الوليد فقتله وبرز حمزة بن عبد المطلب إلى عتبة فقتله وبرز عبيدة بن الحارث إلى شيبة فاختلفا بضربتين أثبت كل واحد منها صاحبه ومات شيبة لوقته واحتمل عبيدة حيا قد قدت رجله فمات بالصفراء 0 فقال فيه كعب بن مالك


41

(أيا عين جودي ولا تبخلي

بدمعك وكفا أن تنزري
على سيد هدنا هلكه
كريم المشاهد والعنصري
عبيدة أمسى ولا نرتجيه
لعرف غدا ولا منكر
وقد كان يحمي عداة القتال
حامية الجيش بالمبتر) ثم نذرت هند بنت عتبة لوحشي نذروا إن قتل حمزة بأبيها يوم أحد فلما قتله بقرت بطنه ولاكت كبده رضوان الله عليه وأنشأت تقول من السريع

( نحن جزيناكم بيوم بدر

والحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان عن عتبة لي من صبر
ولا أخي وعمه وبكر
سفيت نفسي وقضيت نذري
شفيت وحشى غليل صدري
فشكر وحشي على عمري
حتى تضم أعظمى في قبري) وهذا أقر عليه رسول الله A أقرب أهله إليه من بني هاشم وبني عبد المطلب من مبارزة يوم بدر مع ضنه بهم وإشفاقه عليهم وبارز أبيا بنفسه يوم أحد وأذن لعلي عليه السلام في حرب الخندق والخطب أصعب وإشفاقه A على علي أكثر بارز عمرو بن عبد ود لما دعا 0 إلى البراز أول يوم فلم يجبه أحد ثم دعا إلى البراز في اليوم الثاني فلم يجبه أحد ثم دعا إلىالبراز في اليوم الثالث وقال حين رأى الإحجام عنه والحذر منه يا محمد ألستم تزعمون أن قتلاكم في الجنة أحياء عند ربهم يرزقون وقتلانا في النار يعذبون فما يبالي أحدكم ليقدم على كرامة من ربه أو يقدم عدو إلى النار وأنشأ يقول من الكامل

(ولقد دنوت إلى النداء

لجمعهم هل من مبارز
ووقفت إذا جبن المشجع
موقف القرن المناجز إني كذلك لم أزل
متسرعا نحو الهزاهز
إن الشجاعة في الفتى
والجود من خير الغرائز) فقام علي عليه السلام فاستأذن رسول الله A في المبارزة فأذن له وقال أخرج يا علي في حفظ وعياذه فخرج وهويقول من الكامل
42

(أبشر أتاك يجيب صوتك

في الهزاهز غير عاجز
ذو نية وبصيرة
برجو الغداة نجاة فائز
إني لأرجو أن أقيم
عليك نائحة الجنائز
من طعنة نجلاءيبهر
ذكرها عند الهزائز) وتجاولا وثارت عجاجة أخفتهما عن الأبصار ثم انجلت عنهما وعلي رضي الله عنه يمسح سيفه بثوب عمرو وهو قتيل حكاه محمد بن إسحق في مغازيه فدل هذان الخبران على جواز البراز مع التغرير بالنفس فاما إذا أراد المقاتل أن يدعو إلى البراز مبتدئا فقد منعه أبو حنيفة لأن الدعاء إلى البراز والابتداء بالتطاول بغي وجوزه الشافعي لأنه إظهار قوة في دينالله تعالى ونصرة رسوله فقد ندب رسول الله A إلى مثله وحث عليه وتخير له مع استظهاره بنفسه من أقدم عليه وبدأ به

حكى محمد بن إسحق ان رسول الله A ظاهر يوم أحد بين درعين وأخذ سيفا فهزه وقال من يأخذ هذا السيف بحقه فقام عمر 0 بن الخطاب رضي الله عنه فقال أنا آخذه بحقه فأعرض عنه ثم هزه الثانية وقال من يأخذ هذا لاسيف بحقه فقام إليه الزبير بن العوام أنا آخذه بحقه فأعرض عنه فوجدا في أنفسهما ثم عرضه الثالثة وقال من يأخذ هذا السيف بحقه فقام إليه أبو دجانة سماك بن خراشة فقال وما حقه يا رسول الله قال أن تضرب في العدو حتى ينحني فأخذه منه وأعلم بعصابة حمراء كان إذا أعلم بها علم الناس أنه سيقاتل ويبلي ومشى إلى الحرب وهو يقول من السريع

(أنا الذي أخذته في رقه

إذ قال من يأخذه بحقه
قبلته بعدله وصدقه
للقادر الرحمن بين خلقه
المدرك الفائض فضل رزقه
من كان في مغربه وشرقه) ثم جعل يتبختر بين الصفين فقال النبي A إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن ودخل في الحرب مبتدئا بالقتال فأبلى وأنكى وهو يقول من السريع

( أنا الذي عاهدني خليلي

ونحن بالسفح من النخيل
لا أقوم الدهر في الكبول
أخذت سيف الله والرسول)
43
وإذا جازت المبارزة بما استشهدنا من حال المبتدىء بها وأجيب إليها كان لتمكين المبارزة شرطان أحدهما أن يكون ذا نجدة وشجاعة يعلم من نفسه أنه لن يعجز عن مقاومة عدوه فإن كان بخلافه منع والثاني أن لا يكون زعيما للجيش يؤثر فقده عليهم فإن فقد الزعيم المدبر مفض إلى الهزيمة ورسول الله A أقدم على البراز ثقه بنصر الله سبحانه وإنجاز وعده وليس ذلك لغيره ويجوز لأمير الجيش إذا حض على الجهاد أن يحرض للشهادة من الراغبين فيها من يعلم أن مثله في المعركة يؤثر أحد أمرين إما تحريض المسلمين على القتال حمية له وإما تخذيل المشركين بجرأة عليهم في نصرة الله

حكى محمد بن إسحق أن رسول الله A خرج من العريش يوم بدر فحرض الناس على الجهاد وقال لكل إمرىء ما أصاب وقال والذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فقتل صابرا محتسبا مقبلا غير 0 مدبر إلا أدخله الله الجنة فقال عمير بن حمام من بني مسلمة وفي يده تمرات يأكلهن بخ بخ ما بقي بيني وبين الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء القوم ثم قذف بالتمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل رحمه الله وهو يقول من السريع

(ركضا إلى الله بغير زاد

إلا التقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهاد
وكل زاد عرضه النفاد
غير التقى والبر والرشاد)

ويجوز للمسلم أن يقتل من ظفر به من مقاتلة المشركين محاربا وغير محارب واختلف في قتل شيوخهم ورهبانهم من سكان الصوامع والأديرة فأحد القولين فيهم أنهم لا يقتلون حتى يقاتلوا لأنهم موادعون كالذراري والثاني يقتلون وإن لم يقاتلوا لأنهم ربما اشاروا برأي هو أنكي للمسلمين من القتال وقد قتل دريد بن الصمة في حرب هوازن وهو يوم حنين وقد جاوز مائة سنة من عمره ورسول الله A يراه ولم ينكر قتله وكان يقول حيث قتل من الطويل

(أمرتهم أمري بمتعرج اللوى

فلم يستبينوا الرشد 0 إلا ضحى الغد
فلما عصوني كنت منهم وقد أرى
غوايتهم وأني غير مهتد)
44

ولا يجوز قتل النساء والولدان في حرب ولا في غيرها ما لم يقاتلوا لنهي رسول الله A عن قتلهم ونهى رسول A عن قتل العسفاء والوصفاء والعسفاء المستخدمون والوصفاء المماليك فإن قاتل النساء والولدان قوتلوا وقتلوا مقبلين ولا يقتلوا مدبرين وإذا تترسوا في الحرب بنسائهم وأطفالهم عند قتلهم يتوقى قتل النساء والأطفال فإن لم يوصل إلى قتلهم غلا بقتل النساء والأطفال جاز ولو تترسوا باسارى المسلمين ولم يوصل إلى قتلهم إلا بقتل الأسارى لم يجز قتلهم فإن أفضى الكف عنهم إلى الأحاطة بالمسلمين توصلوا إلى الخلاص منهم كيف أمكنهم وتحرزوا أن يعمدوا إلى قتل مسلم في أيديهم فإن قتل ضمنه قاتله بالدية والكفارة إن عرف أنه مسلم وضمن الكفارة وحدها إن لم يعرفه ويجوز عقر خيلهم من تحتهم إذا قاتلوا عليها ومنع بعض الفقهاء من عقرها وقد عقر حنظلة 0 بن الراهب فرس ابي سفيان بن حرب يوم أحد واستعلى عليه ليقتله فرآه بن شعوب فبرز إلى حنظلة وهو يقول من السريع

( لأحمين صاحبي ونفسي

بطعتة مثل شعاع الشمس) ثم طعن حنظلة فقتله واستنقذ ابا سفيان منه وخلص ابو سفيان وهو يقول من الطويل

(ومازال مهري مزجر الكلب منهم

لدن غدوة حتى دنت لغروب
أقاتلهم طرا وأدعو لغالب
وأدفعهم عني بركن صليب
ولو شئت نجاني حصان طمرة
ولم أحمل النعماء لأبن شعوب) فبلغ ذلك بن شعوب فقال مجيبا له حين لم يشكره من الطويل

( لولا دفاعي يا ابن حرب ومشهدي

لألفيت يوم النعف غير مجيب
ولولا مكر المهر بالعنف قرقرت
ضياع على أوصاله وكليب)

فأما إذا أراد المسلم أن يعقر فرس نفسه فقد روي أن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه اقتحم يوم مؤتة بفرس له شقراء حتى إلتحم القتال ثم نزل عنها وعقرها وقاتل حتى قتل رضي الله عنه فكان أول رجل من المسلمين عقر فرسه في الإسلام


45
وليس لأحد من المسلمين أن يعقر فرسه لأنها قوة أمر الله تعالى بإعدادها في جهاد عدوه حيث يقول (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) وجعفر إنما عقر فرسه بعد ان أحيط به فيجوز ان يكون عقره لها لئلا يتقوى بها المشركون على المسلمين فصار عقرها مباحا كعقر خيلهم وإلا جعفر أحفظ لدينه من أن يفعل ما منع منه الشرع ولما عاد جيشه تلقاهم رسول الله A والمسلمون معه فجعل الناس يحثون على الجيش التراب ويقولون يا فرار لم فررتم في سبيل الله ورسول الله A ليس بفرار ولكنه الكرار إن شاء الله

والقسم الثالث من أحكام هذه الإمارة ما يلزم من أمير الجيش في سياستهم والذي يلزمهم فيهم عشرة أشياء أحدها حراستهم من غرة يظفر بها العدو منهم وذلك بأن يتتبع المكامن ويحوط سوادهم بحرس أمنون به على نفوسهم ورحالهم 0 ليسكنوا في وقت الدعة ويأمنوا ما وراءهم في وقت المحاربة والثاني أن يتخير لهم موضع نزولهم لمحاربة عدوهم وذلك أن يكونوا أوطأ الأرض مكانا وأكثر مرعى وماء وأحرسها أكنافا وأطرفا ليكون أعون لهم على المنازلة وأقوى لهم على المرابطة والثالث إعداد ما يحتاج الجيش إليه من زاد وعلوفة تفرق عليهم في وقت الحاجة حتى تسكن نفوسهم إلى مادة يستغنون عن طلبها ليكونوا على الحرب أوفر وعلى منازلة العدو أقدر الرابع أن يعرف أخبار عدوه حتىيقف عليها ويتصفح أحواله حتى يخبرها فتسلم من مكره ويلتمس الغرة في الهجوم عليه والخامس ترتيب الجيش في مصاف الحرب والتعويل في كل جهة على من يراه كفؤا لها ويتفقد الصفوف من الخلل فيها ويراعي كل جهة يميل العدو أليهم عليها بمدد يكون عونا لها والسادس أن يقوي نفوسهم بما يشعرهم من الظفر ويخيل إليهم من أسباب النصر ليقل العد في أعينهم فيكون عليه أجرأ وبالجراءة يتسهل الظفر قال الله تعالى 0 (إذ يريكهم الله في منامك قليلاولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر)والسابع أن يعد أهل الصبر والبلاء منهم بثواب الله لو كانوا من أهل الآخرة وبالجزاء


46
والتفل من الغنيمة إن كانوا من أهل الدنيا قال الله تعالى (ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها) وثواب الدنيا الغنيمة وثواب الآخرة الجنة فيجمع الله تعالى في ترغيبه بين أرين ليكون أرغب الفريقين والثامن أن بشاور ذوي الرأي فيما أعضل ويرجع إلى أهل الحزم فيما أشكل ليأمن الخطأ ويسلم من الزلل فيكون من الظفر أقرب قال الله تعالى لنبه(وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله) واختلف أهل التأويل في أمره لنبيه A بالمشاروة مع ما أمده به من التوفيق وأعانه من التأييد على أربعة أوجه أحدها أنه أمره بمشاورتهم في الحرب ليستقر له الراي الصحيح فيه فيعمل عليه وهذا قول الحسن وقال ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم

والثاني أنه أمره بمشاورتهم تأليفا لهم وتطييبا لنفوسهم وهذا قول قتادة والثالث أنه أمره 0 بمشاورتهم لما علم فيها من الفضل وعاد بها من النفع وهذا قول الضحاك والرابع أمره بمشاورتهم ليستن به المسلمون ويتبعه فيها المؤمنون وإن كان عن مشورتهم غنيا وهذا قول سفيان والتاسع أن يأخذ جيشه بما أوجبه الله تعالى من حقوقه وأمر به من حدوده حتى لا يكون بينهم تجوز في دين ولا تحيف في حق فإن من جاهد عن الدين كان أحق الناس بإلتزام أحكامه والفصل بين حلاله وحرامه

وقال روى حارث بن نيهان عن أبان بن عثمان عن النبي A أنه قال أنهوا جيوشكم عن الفساد فإنه ما فسد جيش قط إلا قذف الله في قلوبهم الرعب وانهوا جيوشكم عن الغلول فإنه ما غل جيش قط إلا سلط الله عليهم الرجلة وأنهوا جيوشهم عن الزنا فإنه ما زنا جيش قط إلا سلط الله عليه المؤتان وقال أبو الدرداء أيها الناس اعملوا صالحا قبل الغزوة فإنما تقاتلون بأعمالكم والعاشر أن لا يمكن أحدا من جيشه أن يتشاغل بتجارة أو زراعة لصرفه الاهتمام بها


47
مصابرة العدو وصدق الجهاد روى عن النبي A أنه قال بعثت مرغمة ومرحمة ولم أبعث تاجرا ولا زارعا وإن شر هذه الأمة التجار والزراع إلا من شح على دينه وغزا نبي من أنبياء الله تعالى فقال لا يغزون معي رجل بنى بناء لم يكمله ولا رجل تزوج بإمرأة ولم يدخل بها ولا رجل زرع زرعا لم يحصده

والقسم الرابع من أحكام هذه الإمارة ما يلزم المجاهدين معه من حقوق الجهاد وهو ضربان احدهما ما يلزمهم في حق الله تعالى والثاني ما يلزمهم في حق الأمير عليهم فأما اللازم لهم في حق الله تعالى فأربعة أشياء احدها مصابرة العدو عند التقاء الجمعين بأن لا ينهزم عنه من متليه فما دونه وقد كان الله تعالى فرض في أول الإسلام على كل مسلم أن يقاتل عشرة من المشركين فقال (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين 0 وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون) ثم خفف الله عز وجل عنهم عند قوة الإسلام وكثرة أهله فاوجب على كل مسلم لاقى العدو أن يقاتل رجلين منهم فقال (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين) وحرم على كل مسلم أن ينهزم من مثليه إلا لإحدى حالتين إنا أن يتحرف لقتال فيولي لاستراحة أو لمكيدة ويعود إلى قتالهم وإما أن يتحيز إلى فئة أخري يجتمع معها على قتالهم لقول الله تعالى (ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله)

وسواء قربت الفئة التي يتحيز لها أو بعدت فقد قال عمر رضي الله عنه لأهل القادسية حين انهزموا إليه أنا فئة لكل مسلم ويجوز إذا زادوا على مثليه ولم يجد إلى المصابرة سبيلا أن يولي عنهم غير متحرف لقتال ولا متحيز إلى فئة هذا 0 مذهب الشافعي واختلف أصحابه فيمن عجز عن مقاومة مثليه وأشرف على القتل في جواز انهزامه


48
فقالت طائفة لا يجوز أن يولي عنهم منهزما وإن قتل للنص فيه وقالت طائفة يجوز أن يولي ناويا أن يتحرف لقتال أو يتحيز إلى فئة ليسلم من القتل وما ثم خلاف فإنهوإن عجز عن المصابرة فليس يعجز عن هذه النية وقال أبو حنيفة لا اعتبار بهذا التفصيل والنص فيه منسوخ وعليه أن يقاتل ما أمكنه وانهزم إذا عجز وخاف القتل والثاني أن يقصد بقتاله نصرة دين الله تعالى وإبطال ما خالفه من الأديان (ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)

فيكون بهذا الاعتقاد حائزا لثواب الله تعالى ومطيعا له في أوامره ونصرة دينه ومستنصرا به على عدوه ليستسهل ما لاقى فيكون أكثر ثباتا وأبلغ نكاية ولا يقصد بجهاده استفادة المغنم فيصير من الكتسبين لا من المجاهدين فإن رسول الله A لما جمع أسرى بدر وكانوا أربعة وأربعين رجلا بعد أن قتل في المعركة أشراف 0 قريش مثلهم شاور أصحابه فيهم فقال عمر يا رسول الله اقتل أعداء الله أئمة الكفر ورءوس الضلالة فإنهم كذبوك وأخرجوك وقال أبو بكر هم عشيرتك وأهلك تجاوز عنهم يستنقذهم الله بك من النار فدخل رسول الله A المدينة قبل الأسرى بيوم فمن قائل القول ما قال عمر ومن قائل القول ما قال أبو بكر ثم خرج رسول الله A على أصحابه وقال ما قولكم في هذين الرجلين إن مثلهما كمثل إخوة لهما كانوا من قبلهما قال نوح (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) وقال موسى (ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم) وقال عيسى (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) وقال إبراهيم (فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم) إن الله سبحانه ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة ويلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن وإن يكن منكم عليه فلا ينقلب أحد منكم إلا بفداء أو ضربة عنق وفاداه كل أسير بأربعة 0 آلاف درهم وكان في الأسرى العباس بن عبد المطلب أسره


49
أبو اليسر وكان العباس رجلا جسيما وأبو اليسر رجلا مجتمعا فقال النبي A لأبي اليسر كيف أسرت العباس قال يا رسول الله لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قط هيئته كذا وكذا فقال رسول A لقد اعانك عليه ملك كريم وقال لعباس إفد نفسك وابني أخيك عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث وحليفك عتبة بن عمر فقال يا رسول الله إني كنت مسلما ولكن القوم استكرهوني فقال رسول الله A إعلم بإسلامك فإن كان ما قلت فإن الله سبحانه يجزيك ففدى العباس نفسه بمائة أوقية وفدى كل واحد من ابني أخيه وحليفه بأربعين أوقية ونزل في العباس قوله تعالى (يا ايها النبي قل لمن في ايديكم من الأسرى إن يعلم الله ما في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم) فلما أخذ رسول الله A فداء اسرى بدر لفقر المهاجرين وحاجتهم عاتب الله تعالى نبيه على 0 ما فعل فقال (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يشحن في الأرض) يعني به القتل (تريدون عرض الدنيا) يعني مال الفداء (والله يريد الآخرة) يعني العمل بما يوجب ثواب الآخرة (والله عزيز حكيم) يعني عزيزا فيما كان من نصركم حكيم فيما أراه لكم (ولولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم يعني به مال الفداء المأخوذ من الأسر وفيه تأويلات

أحدها لولا كتاب من الله سبق في أهل بدر أن لا يعذبهم لمسكم فيما أخذتم من فداء اسرى بدر عذاب عظيم وهذا قول مجاهد والثاني لولا كتاب من الله سبق في أنه تستحل الغنائم لمسكم في تعجيلها من أهل بدر عذاب عظيم وهذا قول أبن عباس رضوان الله عليه والثالث لولا كتاب من الله سبق أن لا يؤاخذ أحدا بعمل أتاه على جهالة لمسكم فيما أخذتموه عذاب عظيم وهذا قول إسحاق فقال رسول الله A بعد نزول هذه الآية لو عذبنا الله في هذه الآية يا عمرما نجا غيرك


50
0 والثالث من حقوق الله تعالى أن يؤدي الأمانة فيما حازه من الغنائم ولا يغل أحد منهم شيئا حتى يقسم بين جميع الغانمين ممن شهد الواقعة وكان على العدو يدا لأن لكل واحد منهم فيها حقا قال الله تعالى (وما كان لنبي أن ينلا ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة)

وفيه ثلاثة تأويلات أحدها وما كان لنبي أن يغل أصحابه ويخوه في غنائمهم وهذا قول ابن عباس رضوان الله عليه والثاني وما كان لنبي أن يغله أصحابه ويخونوه في غنائمهم وهذا قول الحسن بن قتادة والثالث ما كان لنبي أن يكتم أصحابه ما بعثه الله تعالى به إليهم لرهبة منهم ولا لرغبة فيهم وهذا قول محمد بن إسحاق والرابع من حقوق الله تعالى أن لا يمايل من المشتركين ذا قربى ولا يحابي في نصرة دين الله ذا مودة فغن حق الله أوجب ونصرة دينة ألزم قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا 0 لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون غليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق) الآية

نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وقد كتب كتابا إلى مكة حين هم رسول الله A بغزوهم يعلمهم فيه حال مسيره إليهم وأنفذه مع سارة مولاة لبني عبد المطلب فأطلع الله نبيه عليها فأنفذه عليا والزبير في أثرها حتى أخرجاه من قرن راسها فدعا حاطبا وقال ما حملك على ما صنعت فقال والله يا رسول الله إني لمؤمن بالله ورسوله ما كفرت ولا بدلت ولكني إمرؤ ليس لي في القوم أصل ولا عشيرة وكان لي بين أظهرهم أهل وولد فطالعتهم بذلك وعفا عنه رسول الله A وأما ما يلزمهم في حق الأمير عليهم فاربعة أشياء أحدها التزام طاعته والدخول في ولايته لأن ولايته عليهم انعقدت وطاعته بالولاية وجبت قال الله تعالى (يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)

وفي أولى الأمر تأويلان أحدهما أنهم المراء وهذا قول ابن عباس رضوان الله 0 عليه والثاني أنهم العلماء ةهذا قول جابر بن عبد الله والحسن وعطاء وروى أبو صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله A


51
من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميرى فقد أطاعني ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصى أميري فقد عصاني والثاني أن يفوضوا الأمر إلى رايه ويكلوه إلى تدبيره حتى لا تختلف آراؤهم فتتلف كلمتهم ويفترق جمعهم قال تعالى (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم فجعل تفويض الأمر إلى وليه سببا لحصول العلم وسداد الأمر فغن ظهر لهم صواب خفي عليه بينوه له وأشاروا به عليه ولذلك ندب إلى المشاورة ليرجع بها إلى الصواب والثالث أن يسارعوا إلى إمتثال الأمر والوقوف عند نهيه وزجره لأنهما من لوازم طاعته فإن توقفوا عما أمرهم به وأقدموا على ما نهاهم عنه فله تأديبهم على المخالفة بحسب أحوالهم ولا يغلظ فقد قال الله تعالى (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) وروى سعيد بن المسيب 0 أن النبي A قال خير دينكم أيسره

والرابع أن لا ينازعوه في الغنائم إذا قسمها ويرضوا منه بتعديل القسمة عليهم فقد سوى الله تعالى فيها بين الشريف والمشروف وماثل بين القوي والضعيف وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إن الناس اتبعوا رسول الله A عام حنين يقولن اقسم علينا فيئنا حتى ألجأه إلى شجرة فاختطف عنه رداؤه فقال ردوا علي ردائي ايها الناس والله لو كان لكم عدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم وما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذوبا ثم أخذ وبرة من سنام بعيره فرفعها وقال يا أيها الناس والله مالي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس والخمس دردود فيكم فأدوا الخيط والمخيط فإن الغلول يكون على أهله عارا ونارا وشنارا يوم القيامة فرآه رجل من الأنصار بكبة من خيوط شعر فقال يا رسول الله أخذت هذه الكبة أعمل بها برذعة بغير لي قد برد فقال أما نصيبي منها فلك فقال أما إذا ما بلغت هذا فلا حاجة لي فيها ثم طرحها


52

والقسم الخامس من أحكام هذه الإمارة مصابرة الأمير قتال العدو ما صابر وإن تطاولت به المدة ولا يولي عنه وفيه قوة قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) وفيه ثلاثة تأويلات احدها اصبروا على طاعة الله وصابروا أعداء الله ورابطوا في سبيل الله وهذا قول الحسن والثاني اصبروا على دينكم وصابروا الوعد الذي وعدكم ورابطوا عدوي وعدوكم وهذا قول محمد بن كعب والثالث اصبروا على الجهاد وصابروا العدو ورابطوا بملازمة الثغر وهذا قول زيد بن أسلم وإذا كانت مصابرة القتال من حقوق الجهاد فهي لازمة حتى يظفر بخصلة من أربع خصال أحداهن أن يسلموا فيصير لهم بالإسلام ما لنا وعليهم ما علينا ويقروا على ما ملكوا من بلاد وأموال قال رسول الله A أمرت أن اقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها 0 عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها

وتصير بلادهم إذا أسلموا دار الإسلام يجري عليهم حكم الإسلام ولو أسلم في معركة الحرب منهم طائفة قلت أو كثرت أحرزوا بغسلامهم ما ملكوا في دار الحرب من أرض ومال فإن ظهر الأمير على دار الحرب لم يغنم أموال من أسلم وقال أبو حنيفة يغنم مالا ينقل من أرض ودار ولا يغنم ما ينقل من مال ومتاع وهو خلاف السنة

وقد أسلم في حصار بني قريظة ثعلبة وأسيدا ابنا شعبة اليوديان فأحرز أسلامهما أموالهما ويكون إسلامهم لإسلاما لصغار أولادهم ولكل حمل كان لهم وقال أبو حنيفة إذا أسلم كافر في دار الإسلام لم يكن إسلاما لصغار ولده ولو أسلم في دار الحرب كان إسلاما لصغار ولده ولا يكون إسلاما للحمل وتكون زوجته والحمل فيئا ولو دخل مسلم دار الحرب فاشترى فيها ارضا ومتاعا لم يملك عليه إذا ظهر المسلمون عليها وكان مشتريها أحق بها وقال أبو حنيفة يكون ما ملكه من أرض فيئا والخصلة الثانية 0 أن يظفره الله تعالى بهم مع مقامهم على شركهم فتسبى ذراريهم وتغنم أموالهم ويقتل من لم يحصل في الأسر منهم


53
ويكون في الأسرى مخيرا في استعمال الأصلح من أربعة أمور أحدها أن يقتلهم صبرا بضرب العنق والثاني أن يسترقهم ويجري عليهم أحكام الرق من بيع أو عتق والثالث أن يفادي بهم على مال أو أسرى والرابع أن يمن عليهم ويعفو عنهم قال الله تعالى (إذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب) وفيه وجهان أحدهما أنه ضرب رقابهم صبرا بعد القدرة عليهم والثاني أنه قتالهم بالسلاح والتدبير حتى يفضي إلى ضرب رقابهم في المعركة ثم قال (حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق) يعني بالإثخان الطعن وبشد الوثاق الأسر (فإما منا بعد وإما فداء)

وفي المن قولان أحدهما أنه العفو والإطلاق كما من رسول الله A على ثمامة بن أثال بعد أسره والثاني أنه العتق بعد الرق وهذا قول مقاتل وأما الفداء ففيه ههنا قولان أحدهما أنه المفاداة على مال يؤخذ أو أسير يطلق كما فادى 0 رسول A أسرى بدر على مال وفادى في بعض المواطن رجلا برجلين والثاني أنه البيع وهو قول مقاتل (حتى تضع الحرب أوزارها)

وفيه تأويلان أحدهما أوزار الكفر بالإسلام والثاني أثقال الحرب وهو السلاح وفي المقصود بهذا السلاح الموضوع وجهان أحدهما سلاح المسلمين بالنصر والثاني سلاح المشركين بالهزيمة ولهذه الأحكام الأربعة شرح يذكر مع قسمة الغنيمة بعد والخصلة الثالثة أن يبذلوا مالا على المسالمة والموادعة فيجوز أن يقبله منهم ويوادعهم على ضربين أحدهما أن يبذلوه لوقتهم ولا يجعلوه خراجا مستمرا فهذا المال غنيمة لأنه مأخوذ بإيجاف خيل وركاب فيقسم بين الغانمين


54
ويكون ذلك أمانا لهم في الانكفاف به عن قتالهم في هذا الجهاد ولا يمنع من جهادهم فيما بعد والضرب الثاني أن يبذلوه في كل عام فيكون هذا خراجا مستمرا ويكون الأمان به مستقرا والمأخوذ منهم في العام الأول غنيمة تقسم بين الغانمين وما يؤخذ في الأعوام المستقبلة يقسم في أهل الفيء ولا يجوز أن يعاود جهادهم ما كانوا مقيمين على بذل المال لاستقرار الموادعة عليه وإذا دخل أحدهم دار الإسلام كان له يعقد الموادعة الأمان على نفسه وماله فإن منعوا المال زالت الموادعة وارتفع من مال الجزية والصلح نقضا لأمانهم لأنه حق عليهم فلا ينتقض العهد بمنعهم منهم كالديون فأما حمل أهل الحرب هدية ابتدؤوها لم يصر لهم بالهدية عهد وجاز حربهم بعدها لأن العهد ما كان عن عقد والخصلة الرابعة أن يسالوا الأمان والمهادنة فيجوز إذا تعذر الظفر وأخذ المال أن 0 يهادنهم على المسالمة في مدة مقدرة يعقد الهدنة عليها إذا كان للإمام قد أذن له في الهدنة أو فرض الأمر إليه قد هادن رسول الله A قريشا عام الحديبية عشر سنين ويقتصر في مدة الهدنة على أقل ما يمكن ولا يتجاوز أكثرها عشر سنين فإن هادنهم أكثر بطلت المهادنة فيما زاد عليها ولهم الأمان فيها إلى انقضاء مدتها ولا يجاهدون فيها ما أقاموا على العهد فإن نقضوه صار حربا يجاهدون من غير إنذار قد نقضت قريش صلح الحديبية فسار إليهم رسول A عام الفتح محاربا حتى فتح مكة صلحا عند الشافعي وعنوة عند أبي حنيفة ولا يجوز إذا نقضوا عهدهم أن يقتل ما في ايدينا من رهائنهم قد نقض الروم عهدهم زمن معاوية وفي يده رهائن فامتنع المسلمون جميعا من قتلهم وخلوا سبيلهم وقالوا وفاء بغدر خير من غدر بغدر وقال النبي A (أد الأمانة لمن ائتمنك ولا تخن من خانك) فإذا لم يجر قتل الرهائن يجز غطلاقهم ما لم يحاربهم فإذا حاربهم وجب أطلاق
55
رهائنهم ثم نظر فيهم فإن كانوا رجالا وجب إبلاغهم مأمنهم وإن كانوا ذراري نساء وأطفالا وجب إيصالهم إلى أهليهم لأنهم أتباع لا ينفردون بأنفسهم ويجوز أن يشترط لهم في عقد الهدنة رد من أسلم من رجالهم فإذا أسلم أحد منهم رد إليهم إن كانوا مأمونين على دمه ولم يرد إليهم إن يؤمنوا عليه ولا يشترط رد من أسلم من نسائهم لأنهن ذوات فروج محرمة فإن اشترط ردهن لم يجز أن يردوا ودفع إلى أزواجهن مهورهن إذا طلقن وإذا لم تدع إلى عقد المهادنة ضرورة لم يجز أن يهادنهم ويجوز أن يوادعهم أربعة أشهر فما دون ولا يزيد عليها لقوله تعالى (فسيحوا في الأ{ض أربعة أشهر)

وأما الأمان الخاص فيصح أن يبذله كل مسلم من رجل وامرأة حر وعبد لقول النبي A المسلمون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم يسعى بذمتهم أدناهم يعني عبيدهم وقال أبو حنيفة لا يصح أمان 0 العبد إلا أن يكون مأذونا في القتال

والقسم السادس من أحكام هذه الإمارة اليسرة في نزال العدو وقتاله ويجوز لأمير الجيش في حصار العدو أن ينصب عليهم العرادات والمنجنيقات قد نصب رسول الله A على أهل الطائف منجنيقا ويجوز أن يهدم عليهم منازلهم يضع عليهم البيات والتحريق وإذا رأى في قطع نخلهم وشجرهم صلاحا يستضعفهم ليظفر بهم عنوة أو يدخلوا في السلم صلحا فعل ولا يفعل إذا لم ير فيه صلاحا قد قطع رسول A كروم أهل الطائف فكان سببا في إسلامهم وأمر في حرب بني النضير بقطع نوع من النخل يقال له الأصفر يرى نواه من وراء اللحاء وكانت اللحاء منها أحب إليهم من الوضيع فقطع بهم وحزنوا له وقالوا إنما قطعت نخلة وأحرقت نخلة ولما قطع نخلة قال سماك اليهودي في ذلك من المتقارب


56

( ألسنا ورثنا الكتاب الحكيم

على عهد موسى فلم نصرف
أنتم رعاء لشاء عجاف
بسهل تهامة والأحنف
يرون الرعاية مجدا لكم
كذا كل دهر بكم مجحف
فيا ايها الشاهدون انتهوا
عن الظلم والنطق الموكف
لعل الليالي وصرف الدهور
تديل من العادل المنصف
بقتل النضير وإجلائها
وعقر النخيل ولم تخطف) فأجابه حسان بن ثابت من الوافر

(هم أوتوا الكتاب فضيعوه

فهم عمي عن التوراة بور
كفرتم بالقرآن وقد أتاكم
بتصديق الذي قال النذير
فهان على سراة بني لوى
حريق بالبويرة مستطير)

فلما فعل رسول الله A ذلك بهم جل في صدور المسلمين وقالوا يا رسول الله هل لنا فيما قطعنا مت أجر وهل علينا فيما تركناه من وزر فأنزل الله تعالى (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليجزي الفاسقين) وفي لينة أربعة أقاويل احدها أنها النخلة من 0 أي الأصناف كانت وهذا قول مقاتل والثاني أنها كرام النخل وهذا قول سفيان والثالث أنها الفسيلة لأنها الين من النخلة والرابع أنها جميع الأشجار للينها بالحياة ويجوز أن يغور عليهم المياه ويقطعها عنهم وإن كان فيهم نساء وأطفال لأنه من أقوى اسباب ضعفهم والظفر بهم عنوة وصلحا وإذا استسقى منهم عطشان كان الأمير مخيرا بين سقيه


57
ومنعه كما كان مخيرا فيه بين قتله أو تركه ومن قتل منهم واراه عن الأبصار ولم يلزم تكفينه قد أمر رسول الله A بقتلى بدر فألقوا في القليب ولا يجوز أن يحرق بالنار منهم حيا ولا ميتا روى عن رسول الله A أنه قال لا تعذبوا عباد الله بعذاب الله

وقد أحرق أبو بكر رضي الله عنه قوما من أهل الردة ولعل ذلك كان منه والخبر لم يبلغه ومن قتل من شهداء المسلمين زمل في ثيابه التي قتل فيها ودفن بها ولم يغسل ولم يصل عليه قال رسول A في شهداء أحد زملوهم فإنهم يبعثون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دما اللون لون الدم والريح ريح المسك وإنما فعل ذلك بهم تكريما لهم إجراء لحكم الحياة في ذلك قال الله تعالى (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) وفيه تأويلان احدهما أنهم أحياء في الجنة بعد البعث وليسوا في الدنيا 0 بأحياء والثاني وهو قول الأكثرين أنهم بعد القتل أحياء الاستعمال لظاهر النص فرقا بينهم وبين من لم يوصف بالحياة ولا يمنع الجيوش في دار الحرب من أكل طعامهم وعلوفة دوابهم غير محتسب به عليهم ولا يعتدوا الفوت والعلوفة إلى ما سواهما من ملبوس دوابهم فإن دعتهم الضرورة إلى ذلك كان ما لبسوه أو ركبوه أو استعملوه مسترجعا منهم في المغنم إن كان باقيا ومحتسبا عليهم من سهمهم إن كان مستهلكا ولا يجوز لأحد منهم أن يطأ جارية من السبي إلا بعد أن يعطاها بسهمه فيطأها بعد الاستبراء فإن وطئها فبل القسمة عزر ولا يحد لأن له فيها سهما ووجب عليه مهر مثلها ويضاف إلى الغنيمة فإن أحبلها لحق به ولدها وصارت به أم ولد له إن ملكها


58
لعدوه ولا يحكم عليه لأن أسباب الحكم ظاهرة وأسباب الشهادة خافية فانتفت التهمة عنه في الحكم وتوجهت غليه في الشهادة وغذا مات القاضي انعزل خلفاؤه ولو مات الإمام لم تنعزل قضاته ولو اتفق أهل بلد قد خلا من قاض على أن قلدوا عليهم قاضيا فإن كان إمام الوقت موجودا بطل التقليد وإن كان مفقودا صح التقليد ونفذت احكامه عليهم فإن تجدد بعده نظره إمام لم يستدم النظر إلا بإذنه ولم ينقض ما تقدم من حكمه
59
الباب الخامس
في الولاية على حروب المصالح
الفصل الأول قتال أهل الردة

وما عدا جهاد المشركين من قتال بنقسم ثلاثة أقسام قتال أهل الردة وقتال أهل البغي وقتال المحاربين فاما القسم الأول في قتال أهل الردة فهو أن يرتد قوم حكم إسلامهم سواء ولدوا على فطرة الإسلام أو أسلموا عن طفر فكلا الفريقين في حكم الردة سواء فإذا ارتدوا عن الإسلام إلى أي دين انتقلوا إليه مما يجوز أن يقر أهله عليه كاليهودية والنصرانية أو لا يجوز أن يقر أهله عليه كالزندقة والوثنية لم يجز أن يقر من ارتد إليه لأن الإقرار بالحق يوجب التزام أحكامه قال رسول الله A من بدل دينه فاقتلوه

فإذا كانوا ممن وجب قتلهم بما ارتدوا عنه من دين الحق إلى غيره من الأيان لم يخل حالهم من أحد أمرين أما أن يكونوا في دار الإسلام شذاذا وأفرادا لم يتخيروا بدار 0 يتميزون بها عن المسلمين فلا حاجة بنا إلى قتالهم لدخولهم تحت القدرة ويكشف عن سبب ردتهم فإن ذكروا شبهة في الدين أوضحت لهم بالحجج والأدلة حتى يتبين لهم الحق وأخذوا بالتوبة مما دخلوا فيه من الباطل فإن تابوا قبلت توبتهم من كل ردة وعادوا إلى حكم الإسلامكما كانوا وقال مالك لا أقبل توبة من ارتد إلى ما يستر به من الزندقة إلا أنيبتدئها من نفسه وأقبل توبة غيره من المرتدين وعليهم بعد التوبة قضاء ما تركوه من الصلاة والصيام في زمان الردة لاعترافهم بوجوبه قبل الردة وقال أبو حنيفة لا قضاء عليهم كمن أسلم ومن كان من المرتدين


60
0 قد حج في الإسلام قبل الردة لم يبطل حجه بها ولم يلزمه قضاؤه بعد التوبة وقال أبو حنيفة قد بطل بالردة ولزمه القضاء بعد التوبة ومن أقام على ردته ولم يتب وجبقتله رجلا كان أو إمرأة وقال أبو حنيفة لا أقتل المرأة بالردة وقد قتل رسول A بالردة إمرأة كانت تكنى أم رومان ولا يجوز إقرار المرتد على ردته بجزية ولا عهد ولا تؤكل ذبيحته ولا تنكح منه إلمرأة

واختلف الفقهاء في قتلهم هل يعجل في الحال أو يؤجلون فيه ثلاثة أيام على قولين أحدهما تعجيل قتلهم هل يعجل في الحال لئلا يؤجر لله عز وجل حق والثاني ينظرون ثلاثة أيام لعلهم يستدركونه بالتوبة وقد أنذر علي عليه السلام المستورد العجلي بالتوبة ثلاثة أيام ثم قتله بعدها ويقتل صبرا بالسيف وقال أبن سريج من أصحاب الشافعي يضرب بالخشب حتى يموت لأنه أبطأ قتلا من السيف الموحى وبما استدرك 0 به التوبة وإذا قتل لم يغسل ولم يصل عليه وورى مقبورا ولا يدفن في مقابر المسلمين لخروجه بالردة عنهم ولا في مقابر المشركين لما تقدم له من حرمة الإسلام المباينة لهم ويكون ماله فيئا في بيت مال المسلمين مصروفا في أهل الفيء لأنه لا يرثه عنه وارث من مسلم ولا كافر وقال أبو حنيفة يورث عنه ما اكتسبه قبل الردة ويكون ما اكتسبه بعد الردة فيئا وقال أبو يوسف يورث عنه ما اكتسبه قبل الردة وبعدها فإذا لحق المرتد بدار الحرب كان ما له في دار الإسلام موقوفا عليه فإن عاد إلى الإسلام أعيد عليه وأن هلك على الردة صار فيئا وقال أبو حنيفة أحكم بموته إذا صار إلى دار الحرب وأقسم ماله بين ورثته فإن عاد إلى دار الإسلام أسترجعت ما بقي في أيديهم من ماله وام أغرمهم ما استهلكوه فهذا حكم المرتدين إذا لم ينحازوا إلى دار وكانوا شذاذا بين المسلمين والحالة الثانية أن ينحازوا إلى دار ينفردون بها عن المسلمين حتى يصيروا 0 فيها ممتنيين فيجب قتالهم على الردةبعد مناظرتهم على الإسلام وإيضاح دلائله ويجري على قتالهم بعد الإنذار والإعذار حكم قتال أهل الحرب في قتالهم غرة وبياتا ومصافتهم في الحرب جهارا وقتالهم مقبلين ومدبرين


61
ومن أسر منهم جاز قتله صبرا إن لم يتب ولا يجوز أن يسترق عند الشافعي رحمه الله وإذا ظهر عليهم لم تسب ذراريهم وسواء منهم في الإسلام أو بعد الردة وقيل إن من ولد منهم بعد الردة جاز سبيه وقال أبو حنيفة يجوز سبي من ارتد من نسائهم إذا لحقن بدار الحرب وإذا غنمت أمولهم لم تقسم في الغانمين وكان مال من قتل منها فيئا ومال الأحياء موقوفا إن أسلموا رد عليهم وإن هلكوا على ردتهم صار فيئا وما أشكل أربابه من الأموال المغنومة صار فيئا إذا وقع الإياس من معرفتهم وما استهلكه المسلمون عليه نائرة الحرب لم يضمن إذا أسلموا وما استهلكوا من أموال المسلمين في غير نائرة الحرب مضمون عليهم

واختلف في ضمان ما استهلكوه في نائرة الحرب على قولين أحدهما يضمنونه لأن معصيتهم بالردة لا تسقط عنهم غرم الأموال المضمونة والثاني لا ضمان عليهم فيما استهلكوه 0 من دم ومال قد أصاب أهل الردة على عهد أبي بكر رضي الله عنه نفوسا وأموالا عرف مستهلكوها فقال عمر رضي الله عنه يدون قتلانا ولا ندى قتلاهم فقال أبو بكر لا يدون قتلانا ولا ندى قتلاهم فجرت بذلك سيرته وسيرة من بعده وقد أسلم طليحة بعد أن سبي وكان قد قتل وسبي فأقره عمر رضي الله عنه بعد إسلامه ولم يأخذ بدم ولا مال ووفد أبو شجرة بن عبد العزى وكان من أهل الردة على عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يقسم الصدقات فقال أعطني فإني ذو حاجة فقال من أنت فقال أبو شجرة فقال أي عدو الله ألست تقول

(ورويت رمحي من كتيبة خالد

وإني لأرجو بعدها أن أعمرا) ثم جعل يعلوه بالدرة في رأسه حتى ولى راجعا إلى قومه وهو يقول

( ضن علينا أبو حفص بنائلة

وكل مختبط يوما له ورق
مازال يضربني حتى حدثت له
وحال من دون بعض البغية الشفق
لما رهبت أبا حفص وشرطته
والشيخ يقرع أحيانا فينحمق)
62
فلم يعرض له عمر رضي الله عنه بسوى التعزير لاستطالته بعد الإسلام ولدار الردة حكم تفارق به دار الإسلام ودار الحرب

وأما ما تفارق به دار الإسلام فمن أربعة أوجه أحدهما أنه لا يجوز أن يهادنوا على الموادعة في ديارهم ويجوز أن يهادن أهل الحرب والثاني أنه لا يجوز أن يصلحوا على مال يقرون به على ردتهم ويجوز أن يصالح أهل الحرب والثالث أنه لا يجوز استرقاقهم ولا سبي نسائهم ويجوز أن يسترق أهل الحرب وتسبى نساؤهم والرابع أنه لا يملك الغانمون أموالهم ويملكون ما غنموه من مال أهل الحرب وقال أبو حنيفة رضي الله عنه قد صارت ديارهم بالردة دار حرب ويسبون ويغنمون وتكون أرضهم فيئا وهم عنده كعبدة الأوثان من العرب

وأما ما تفارق به دار الإسلام فمن أربعة أوجه أحدها وجوب قتالهم مقبلين ومدبيرين كالمشركين والثاني إباحة إمائهم أسرى وممتنعين 0 والثالث تصير أموالهم فيئا لكافة المسلمين والرابع بطلان مناكحهم بمضي العدة وإن اتفقوا على الردة وقال أبو حنيفة تبطل مناكحهم بارتداد أحد الزوجين ولا تبطل بارتدادهما معا ومن ادعيت عليه الردة فأنكرها كان قوله مقبولا بغير يمينه ولو قامت عليه البينة بالردة لم يصر مسلما بالإنكار حتى يتلفظ بالشهادتين وإذا انمتنع قوم من أداء الزكاة إلى الإمام العادل جحودا لها كانوا بالجحود مرتدين يجري عليهم حكم أهل الردة لو امتنعوا من أدائها مع الإعتراف بوجوبها كانوا من بغاة المسلمين يقاتلون على المنع منه وقال أبو حنيفةرحمه الله لا يقاتلون وقد قاتل أبو بكر رضي الله عنه مانعي الزكاة مع تمسكهم بالإسلام حتى قالوا والله ما كفرنا بعد إيماننا ولكن شححنا على أموالنا فقال عمر رضي الله عنه علام تقاتلهم ورسول الله A يقول أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأولادهم إلا بحقها


63
قال أبو بكر هذا من حقها أرأيت لو سألوك ترك الصلاة أرأيت لو سألوك ترك الصيام أرأيت لو سألوك ترك الحج فغذا لا تبقي عروة من عرى الإسلام إلا احلت والله لو منعنوني عناقا وعقالا مما أعطوه رسول الله A لقاتلتهم عليه فقال عمر رضي الله عنه فشرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر رضي الله عنه وقد أبان عن إسلامهم قول زعيمهم حارثة بن سراقة في شعره

(ألا فاصطحبينا قبل نائرة الفجر

لعل المنايا قريب ولا ندري
أطعنا رسول الله ما كان بيننا
فيا عجبا ما بال ملك أبي بكر
فإن الذي سألوكم فمنعتمو
لكالتمر أو أحلى من التمر
سنمنعكم ما كان فينا بقية
كرام على العزاء في ساعة العسر) الفصل الثاني
في قتال أهل البغي

وإذا بغت طائفة من المسلمين وخالفوا رأي الجماعةوانفردوا بمذهب ابتدعوه فإن لم يخرجوا به عن المظاهرة بطاعة الإمام ولا يحيزوا بدار اعتزلوا 0 فيها وكانوا أفرادا متفرقين تنالهم القدرة وتمتد إليهم اليد تركوا ولم يحاربوا وأجريت عليهم أحكام العدل فيما يجب لهم وعليهم من الحقوق والحدود وقد عرض قوم من الخوارج لعلي بن أبي طالب رضوان الله عليه لمخالفة رايه وقال أحدهم وهو يخطب على منبره لا حكم إلا لله فقال علي رضي الله عنه كلمة حق أريد بها باطل لكم علينا ثلاث لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله ولا نبدؤكم بقتال ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا فإن تظاهروا باعتقادهم وهم على اختلاطهم بأهل العدل أوضح لهم الإمام فساد ما اعتقدوا وبطلان ما ابتدعوا ليرجعوا عنه إلى اعتقاد الحق وموافقة الجماعة وجاز للإمام أن يعزر منهم من تظاهر بالفساد أدبا وزجرا ولم يتجاوز إلى قتل أحد


64
روى عن النبي A أنه قال لا يحل دم إمرىء مسلم إلا بإحدىثلاث كفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان أو قتل نفس بغير نفس فإن اعتزلت هذه الفئة الباغية أهل العدل وتحيزت بدار تميزت فيها عن مخالفة الجماعة فإن لم تمتنع عن حق ولم تخرج عن طاعة لم يحاربوا ما أقاموا على الطاعة وتأدية الحقوق

وقد اعتزلت طائفة من الخوارج عليا عليه السلام بالنهروان فولى عليهم عاملا أقاموا على طاعته زمانا وهو لهم موادع إلى أن قتلوه فأنفذ إليهم أن سلموا إلي قاتله فأبوا وقالوا كلنا قتله قال فاساسلموا إلي أقتل منكم وسار إليهم فضل أكثرهم وإن امتنعت هذه الطائفة الباغية من طاعة الإمام ومنعوا عليهم من الحقوق وتفردوا باجتناء الأموال وتنفيذ الأحكام فإن فعلوا ذلك ولم ينصبوا لأنفسهم إماما ولا قدموا عليهم زعيما كان ما اجتبوه من الموال غضبا لا تبرأ منه 0 ذمة وما نفذوه من الأحكام مردودا لا يثبت به حق وإن فعلوا ذلك وقد نصبوا لأنفسهم إماما اجتبوا بقوله الأموال ونفذوا بأمره الأحكام لم يعترض لأحكامهم بالرد ولا لما اجتبوه المطالبة وحوربوا في الحالتين على سواء لينزعوا عن المباينة ويفيئوا إلى الطاعة قال الله تبارك وتعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت أحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتي تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين)وفي قوله (فإن بغت إحداهما على الأخرى) وجهان أحدهما بغت بالتعدي في القتال والثاني بغت بالعدول عن الصلح وقوله (فقاتلوا التي تبغي) تبغي بالسيف ردعا عن البغي وزجرا عن المخالفة


65
وفي قوله تعالى (حتى تفيء إلى أمر الله) وجهان أحدهما حتى ترجع إلى الصلح الذي أمر الله تعالى به وهو قول سعيد بن جبير والثاني إلى كتاب الله وسنة رسوله فيما لهم وعليهم وهذا قول قتادة (فإن فاءت) أي رجعت عن البغي(فأصلحوا بينهما بالعدل) فيه وجهان أحدهما بالحق والثاني بكتاب اللله تعالى فإذا قلد الإمام على قتال الممتنعين من البغاة قدم قبل القتال إنذارهم وإعذارهم ثم قتالهم إذا أصروا على البغي كفاحا ولا يهجم غرة وبياتا

ويخالف قتالهم المشركين والمرتدين من ثمانية أوجه أحدها أن يقصد بالقتال ردعهم ولا يتعمد به قتلهم ويجوز أن يتعمد قتل المشركين والمرتدين والثاني أن يقاتلهم مقبلين ويكف عنهم مدبرين ويجوز قتال أهل الردة والحرب مقبلين مدبرين والثالث أن لا يجهز على جريحهم وإن جاز الإجهاز على جرحى المشركين والمرتدين أمر 0 علي عليه السلام مناديه أن ينادي يوم الجمل ألا لا يتبع مدبر ولا يقذف على جريح والرابع أن لا يقتل أسراهم وإن قتل أسرى المشركين والمرتدين ويعتبر أحوال من في الأسر منهم فمن أمنت رجعته إلى القتال أطلق ومن لم تؤمن منه الرجعة حبس إلى انجلاء الحرب ثم يطلق ولم يجز أن يحبس بعدها أطلق الحجاج أسيرا من أصحاب قطري بن الفجاءة لمعرفة كانت بينهما فقال له قطري عد إلى قتال عدو الله الحجاج فقال هيهات غل يدا مطلقها واسترق رقبة معنتقها وأنشأ يقول

( أأقاتل الحجاج عن سلطانه

بيد تقر بأنها مولاته
إني لأخو الزيادة والذي
شهدت بأقبح فعله غدراته
ماذا أقول إذا برزت إزاءه
في الصف واحتجمت له فعلاته
أأقول جار علي لا أني إذا
لاحق من جارت عليه ولاته
وتحدث الأقوام أن صنائعا
غرست لدي فحنظت نخلاته)
66

والخامس أن لايغنم أموالهم ولا يسبي ذراريهم روى عن رسول الله A أنه قال منعت دار الإسلام ما فيها وأباحت دار الشرك ما فيها والسادس أن لا يستعان لقتالهم بمشرك معاهد ولا ذمي وإن جاز أن يستعان بهم على قتال أهل الحرب والردة والسابع أن لا يهادنهم إلى مدة ولا يوادعهم على مال فإن هادنهم إلى مدة لم يلزمه فإن ضعف عن قتالهم انتظر بهم بقوة عليهم وإن وادعهم على مال بطلت المودة ونظر في المال فإن كان من فيئهم أو من صدقاتهم لم يرده عليهم وصرف الصدقات في أهلها والفيء في مستحقيه وإن كان من خالص أموالهم لم يجز أن يملكه عليهم ووجب رده عليهم والثامن أن ينصب عليهم العرادات ولا يحرق عليهم المساكنولا يقطع عليهم النخيل والأشجار لنها دار غسلام تمنع ما فيها وإن بغى أهلها فإن أحاطوا بأهل العدل وخافوا منهم الاصطلام جاز أن يدفعوا عن أنفسهم 0 ما استطاعوا من اعتماد قتلهم ونصب العرادات عليهم فإن المسلم إذا اريدت نفسه جاز له الدفع عنها يقتل من أرادها إذا كان لا يندفع بغير القتل ولا يجوز أن يستمتع بدوابهم ولا سلاحهم ولا يستعان به في قتالهم ويرفع اليد عنه في وقت القتال وبعده وقال أبو حنيفة رضي الله عنه يجوز أن يستعان على قتالهم بدوابهم وسلاحهم ما كانت الحرب قائمة وقد قال رسول الله A لا يحل مال أمرىء إلا بطيب نفس منه

فإذا انجلت الحرب ومع أهل العدل لهم أموال ردت عليهم وما تلف منها في غير قتال فهو مضمون على متلفه وما أتفلوه في نائرة الحرب من نفس ومال فهو هدر وما أتلفوه على أهل العدل في غير نائرة الحرب من نفس ومال مضمون عليهم وما أتلفواه في نائرة الحرب ففي وجوب ضمانه عليهم قولان احدهما يكون هدرا لا يضمن والثاني يكون مضمونا عليهم لن المعصية لا تبطل حقا ولا تسقط غرما فتضمن النفوس بالقود في العمد والدية في الخطأ ويغسل 0 قتلى أهل البغي ويصلى


67
عليهم ومنع أبو حنيفة من الصلاة عليهم عقوبة لهم وليس على ميت في الدنيا عقوبة وقد قال النبي A فرض على أمتي غسل موتاها والصلاة عليهم

وأما قتلى أهل العدل في معركة الحرب في غسلهم والصلاة عليهم قولان أحدهما لا يغسلون ولا يصلى عليهم تكريما وتشريفا كالشهداء في قتال المشركين والثاني يغسلون ويصلى عليهم وإن قتلي بغيا وقد صلى على عمر وعثمان رضي الله عنهما وصلى بعد ذلك على علي عليه السلام وإن قتلوا ظلما وبغيا ولا يرث باغ قتل عادلا ولا عادل قتل باغيا لقول النبي A القاتل لا يرث

وقال أبو حنيفة أورث العادل من الباغي لأنه محق ولا أورث الباغي من العادل لأنه مبطل قال أبو يوسف أورث كل واحد منهما من صاحبه لأنه متأول في قتله وإذا مرتجار أهل الذمة بعشار أهل البغي فعشر أموالهم ثم قدر عليهم عشروا ولم يجزهم المأخوذ منهم 0 بخلاف المأخوذ من الزكوات لأنهم مروا بهم مختارين والزكوات مأخوذة من المقيمين المكرهين وإذا أني أهل البغي قبل القدرة عليهم حدودا ففي إقامتها بعد القدرة وجهان


68
الفصل الثالث
في قتال من امتنع من المحاربين وقطاع الطريق

وإذا اجتمعت طائفة من أهل الفساد على شهر السلاح وقطع الطريق وأخذ الأموال وقتل النفوس ومنع السابلةفهم المحاربون الذين قال الله تعالى فيهم (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض) فاختلف الفقهاء في حكم هذه الآية على ثلاث مذاهب أحدها أن الإمام ومن استنابه على قتالهم من الولاة بالخيار بين أن يقتل ولا يصلب وبين أن يقتل ويصلب وبين أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وبين أن ينفيهم من الأرض وهذا قول سعيد بين المسيب ومجاهد وعطاء وإبراهيم النخعي والمذهب الثاني أن من كان منهم ذا رأي وتدبير قتله ولم يعف عنه ومن كان ذا بطش وقوة قطع يده ورجله من خلاف ومن لم يكن منهم ذا 0 رأي ولا بطش عزره وحبسه هذا قول مالك بن أنس وطائفة من فقهاء المدينة فجعلها مرتبة باختلاف صفاتهم لا باختلاف أفعالهم والمذهب الثالث أنها مرتبة باختلاف أفعالهم لا باختلاف صفاتهم فمن قتل وأخذ المال قتل وصلب ومن قتل ولم يأخذ المال قتل ولم يصلب ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف ومن كثر وهيب ولم يقتل ولم يأخذ المال عزر ولم يقتل ولم يقطع وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدى وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه وقال أبو حنيفة إن قتلوا وأخذوا المال فالإمام بالخيار بين قتلهم وبين قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ثم قتلهم ومن كان منهم مهيبا مكثرا فحكمه كحكمهم وأما قوله تعالى (أو ينفوا من الأرض)


69
فقد اختلف أهل التأويل فيه أربعة أقاويل احدها أنه إبعادهم من بلاد الإسلام إلى بلاد الشرك وهذا قول مالك بن أنس والحسن وقتادة والزهري والثاني انه غخراجهم من مدينة إلى أخرى وهذا قول عمر بن عبد العزير رحمه الله وسعيد بن جبير والثالث أنه الحبس وهو قول أبي حنيفة ومالك ومالك والرابع وهو أن يطلبوا لإقامة الحدود عليهم فيبعدوا وهذا قول ابن عباس والشافعي وأما قوله تعالى (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم)

ففيه لأهل التأويل ستة أقاويل أحدها أنه وارد في المحاربين المفسدين من أهل الكفر إذا تابوا من شركهم بالإلسلام وأما المسلمون فلا تسقط التوبة عنهم حدا ولا حقا وهذا قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة رضى الله عنهم واثانىأنه وارد فى المسلمين من المحاربين إذا تابوا بأمان الإمام قبل القدرة عليهم وأما التائب 0 بغير أمان فلا تؤثر توبته في سقوط حد ولا حق وهذا قول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه والشعبي والثالث أنه وارد فيمن تاب من المسلمين بعد لحوقه بدار الحرب ثم عاد قبل القدرة وهوقول عروة بن الزبير رضي الله عنه والرابع أنه وارد فيمن كان في دار الإسلام في منعة وتاب قبل القدرة عليه سقطت عقوبته وإن لم يكن في منعة لم تسقط وهذا قول بن عمر وربيعة والحكم بن عيينة رضي الله عنهم والخامس أن توبته قبل القدرة عليه وإن لم يكن في منعة تضع عنه جميع حدود الله سبحانه ولا تسقط عنه حقوق الآدمييم وهذا قول الشافعي والسادس أن توبته قبل القدرة عليه تضع عنه جميع الحدود والحقوق إلا الدماء وهذا قول مالك بن أنس فهذا حكم الآية واختلاف أهل التأويل فيها ثم نقول في المحاربين أنهم إذا كانوا على إمتناعهم مقيمين قوتلوا كقتال أهل البغي في عامة أحوالهم ويخالفه من خمسة أوجه أحدها أنهم يجوز قتالهم مقبلين ومدبرين لإستيفاء 0 الحقوق منهم ولا يجوز اتباع من ولي من أهل البغي والثاني أنه يجوز أن يعمد في الحرب إلى قتل من قتل منهم ولا يجوز أن


70
0 يعمد إلى قتل أهل البغي والثالث انهم يؤاخذون بما استهلكوا من دم ومال في الحرب وغيرها بخلاف أهل البغي والرابع أنه يجوز حبس من أسر منهم لاستبراء حاله وإن لم يجز حبس احد من أهل البغي والخامس أن ما اجتبوه من خراج وأخذوه من صدقات فهو كالمأخوذ غصبا ونهبا لايسقط عن أهل الخراج والصدقات حقا فيكون غرمه عليهم مستحقا وإذا كان المولي على قتالهم مقصور الولاية على محاربتهم فليس له بعد القدرة أن يقيم عليهم حدا ولا أن يستوفي منهم حقا ويلزمه محاربتهم فليس له بعد القدرة أن يقيم عليهم حدا ولا أن يستوفي منهم حقا ويلزمه حملهم إلى الإمام ليأمر بإقامة الحدود عليهم واستيفاء الحقوق منهم وإن كانت ولايته عامة على قتالهم واستيفاء الحدود والحقوق منهم فلا بد أن يكون من أهل العلم والعدالة لينفذ حكمه فيما يقيمه من حد ويستوفيه من حق وإذا 0 كان كذلك كشف عن أحوالهم من أحد وجهين إما بإقرارهم طوعا من غير ضرب ولا إكراه وإما بقيام البينةالعادلة على ما أنكر فإذا علم من أحد هذين الوجهين ما فعله كل واحد منهم من جرائمه نظر فمن كان منهم قتل وأخذ المال قتله وصلبه بعد القتل وقال مالك يصلب حيا ثم يطعنه بالرمح حتى يموت وهذا القتل محتوم ولا يجوز العفو عنه وإن عفا عنه ولى الدم كان عفوه لغوا ويصلب ثلاثة أيام لا يتجاوزها ثم يحطه بعدها ومن قتل منهم ولم يأخذ المال قتله ولم يصلبه وغسله وصلى عليه وقال مالك يصلي عليه غير من حكم بقتله ومن أخذ منهم المال ولم يقتل قطع يده ورجله من خلاف فكان قطع يده اليمنى لسرقته وقطع رجله اليسرى لمجاهرته ومن جرح منهم ولم يقتل ولم يأخذ المال اقتص منهم الجراح إن كان في مثلها قصاص وفي إحتام القصاص في الجروح وجهان أحدهما أنه محتوم ولا يجوز العفو عنه كالقتل والثاني هو إلى خيار مستحقه يجب بمطالبته 0 ويسقط بعوفه وإن كان الجرح مما لا قصاص فيه وجبت دية المجروح إن طلب بها وتسقط إن عفا عنها ومن كان منهم مهيبا أو مكثرا لم يباشر قتلا ولا جرحا وى أخذ مال عزر أدبا وزجرا وجاز حبسه لأن الحبس أحد التعزيرين ولا يجوز بذلك لا قطع ولا قتل وجوز أبو حنيفة ذلك فيه إلحاقا بحكم المباشرين معه
71
فإن تابوا عن جرائمهم بعد القدرة عليهم سقطت عنهم المآثم دون المظالم وأخذوا بما وجب عليهم من الحدود فإن تابوا قبل القدرة عليهم سقطت عنهم مع المآثم حدود الله سبحانه ولم تسقط عنهم حقوق الآدميين فمن كان منهم قد قتل فالخيار إلى الولي في القصاص منه أو العفو عنه ويسقط بالتوبة إحتام قتله ومن كان منهم قد أخذ المال سقط عنه القطع ولم يسقط عنه الغرم إلا بالعفو ويجري على المحاربين وقطاع الطريق في الأمصار حكم قطاعه في الصحاري والأسفار وهم وإن لم يكونوا بالجراءة في الأمصار أغلط جرما لم يكونوا اخف حكما وقال أبو حنيفة يختصون بهذا الحكم في الصحاري حيث لا يدرك الغوث أما في الأمصار أو خارجها بحيث يدرك الغوث فلا يجري عليهم حكم الجرأة في الأمصار وإذا أدعوا التوبة قبل القدرة عليهم فإن لم تقترن بالدعوى أمارات تدل على التوبة 0 لم تقبل دعواهم لها لما في سقوطها من حد قد وجب وإن اقترن بدعواهم أمارات تدل على التوبة ففي قبولها منهم بغير بينة وجهان محتملان أحدهما تقبل ليكون ذلك شبهة تسقط بها الحدود والثاني لا تقبل إلا ببينة عادلة تشهد لهم بالتوبة قبل القدرة عليهم لأنها حدود وجبت والشبهة ما اقترنت بالفعل لا ما تأخرت عنه
72
الباب السادس
في ولاية القضاء

ولا يجوز أن يلقد القضاء غلا من تكاملت فيه شروطه التي يصح معها تقليده وينفذ بها وهي سبعة فالشرط الأول منها أن يكون رجلا وهذا الشرط يجمع صفتين البلوغ والذكورة فأما البلوغ لا يجري عليه قلم ولا يتعلق بقوله على نفسه حكم وكان أولى أن لا يتعلق به على غيره حكم وأما المرأة فلنقص النساء عن رتب الولايات وإن تعلن بقولهن أحكام وقال أبو حنيفة يجوز أن تقضي المرأة فيما يصح فيه شهادتها ولا يجوز أن تقضي فيما لا تصح فيه شهادتها وشذ ابن جرير الطبري فجوز قضاءها في جميع الحكام ولا اعتبار بقول يرده الإجماع مع قول الله تعالى (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض)

يعني في العقل والراي فلم يجز أن يقمن على الرجال والشرط الثاني وهو مجمع على اعتباره ولا يكتفي فيه بالعقل الذي 0 يتعلق به التكليف من علمه بالمدركات الضرورية حتى يكون صحيح التمييز جيد الفطنة بعيدا عن السهو والغفلة يتوصبل بذكائه إلى إيضاح ما أشكل وفصل ما أعضل والشرط الثالث الحرية لأن نقص العبد عن ولاية نفسه يمنع من انعقاد ولايته على غيره ولأن الرق لما منع من قبول الشهادة كان أولى أن يمنع من نفوذ الحكم وانعقاد الولاية وكذلك الحكم فيمن لم تكمل حريته من المدبر والمكاتب ومن رق بعضه ولا يمنعه الرق أن يفتي كما لا يمنعه الرق أن يروي بعدم الولاية في الفتوى والرواية ويجوز له إذا عتق أن يقضي وإن كان عليه ولاء لأن النسب غير معتبر في ولاية الحكم والشرط الرابع الإسلام لكونه شرطا في جراز الشهادة مع قول الله سبحانه وتعالى


73
(ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا)

ولا يجوز ان تقليد الكافر القضاء على المسلمين ولا على الكفار وقال أبو حنيفة يجوز تقلده القضاء بين أهل دينه وهذا وإن كان عرف الولاة يتقليده جاريا فهو تقليد زعامة ورئاسة وليس بتقليد حكم وقضاء وإنما يلزمهم حكمه لا لتزامهم له لا لزومه لهم ولا يقبل الإمام قوله فيما حكم به بينهم وإذا امتنعوا من تحاكمهم إليه لم يجبروا عليه وكان حكم الإسلام عليهم أنفذ والشرط الخامس العدالة وهي معتبرة في كل ولاية والعدالة أن يكون صادق اللهجة ظاهر الأمانة عفيفا عن المحارم متوقيا المأثم بعيدا من الريب مأمونا في الرضا والغضب مستعملا لمروءة مثله في دينه ودنياه فإذا تكاملت فيه العدالة التي تجوز بها شهادته وتصح معها ولايته وإن انحرم منها وصف منع من الشهادة والولاية فلم يسمع له قول ولم 0 ينفذ له حكم

والشرط السادس السلامة في السمع والبصر ليصح بهما إثبات الحقوق ويفرق بين الطالب والمطلوب ويميز المقر من المنكر ليتميز له الحق من الباطل ويعرف المحق من المبطل فإن كان ضريرا كانت ولايته باطلة وجوزها مالك كما جوز شهادته وإن كان أصم فعلى الاختلاف المذكور في الامانة فأما سلامة الأعضاء فغير معتبرة فيه وإن كانت معتبرة في الإمامة فيجوز أن يقضي وإن كان مقعدا ذا زمانه وإن كانت السلامة من الأفات أهيب لذوي الولاية والشرط السابع أن يكون عالما بالأحكام الشرعية وعلمه بها يشتمل على علم أصولها ---- بفورعها

وأصول الأحكام في الشرع أربعة أحدهما علمه بكتاب الله عز وجل على الوجه الذي تصح به معرفة ما تضمنه من الأحكام ناسخا ومنسوخا ومحكما ومتشابها وعموما وخصوصا ومجملا ومفسرا وللثاني علمه بسنة رسول الله A الثابتة من أقواله وأفعاله وطرق مجيئها في التواتر والآحاد والصحة والفساد وما كان عن سبب 0 أو إطلاق والثالث علمه بتأويل السلف فيما اجتمعوا عليه واختلفوا فيه ليتبع الاجماع ويجتهد برأيه في الاختلاف والرابع علمه بالقياس الموجب لرد الفروع


74
المسكوت عنها إلى الأصول المنطوق بها والمجمع عليها حتى يجد طريقا إلى العلم باحكام النوازل وتمييز الحمق من الباطل فإذا أحاط علمه بهذه الأصول الأربعة في أحكام الشريعة صار بها أهل الاجتهاد في الدين وجاز له أنيفتي ويقضي وجاز أن يستفتي ويستقضي وإن أخل بها أو بشيء منها خرج من أن يكون من أهل الاجتهاد فلم يجز ان يفتي ولا أن يقضي فإن قلد القضاء فحكم بالصواب أو الخطأ كان تقليده باطلا وحكمه وإن وافق الحق والصواب مردودا وتوجه الحرج فيما قضى به عليه وعلى من قلده الحكم والقضاء وجوز أبو حنيفة تقليده القضاء من ليس من أهل الاجتهاد ليستفتي في أحكامه وقضاياه والذي عليه جمهور الفقهاء أن ولايته باطلة وأحكامه مردودة ولأن التقليد في فروع الشرع ضرورة فلم يتحقق إلا ملتزم الحق دون ملزمه قد اختبر رسول الله A معاذا حين بعثه إلى اليمن 0 واليا وقال بم تحكم قال بكتاب الله قال فإن لم تجد قال بسنة رسول الله قال فإن لم تجد قال أجتهد برأيي فقال رسول الله A الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يرضى رسوله

فأما ولاية من لايقول بخبر الواحد فغير جائزة لأنه تارك لأصل قد اجتمعت عليه الصحابة وأكثر أحكام الشرع عنه مأخوذ فصار بمنزلة من لايقول بحجة الاجماع الذي لا تجوز ولايته لرد ما ورد النص به وأما نفاة القياس فضربان ضرب نفوه واتبعوا ظاهر النص وأخذوا بأقاويل سلفهم فيما لم يرد فيه نص وطرحوا الاجتهاد وعدلوا عن الفكر والاستنباط فلا يجوز تقليدهم القضاء لقصورهم عن طرق الأحكام وضرب منهم نفوا القياس واجتهدوا في الأحكام تعلقا بفحوى الكلام ومفهوم الخطاب كأهل الظاهر وقد اختلف أصحاب الشافعي رضي الله عنه في جواز تقليدهم القضاء على وجهين أحدهما لا يجوز للمعنى المذكور والثاني يجوز لأنهم يعتبرون واضح المعاني وإن عدلوا عن خفي 0 القياس فإذا ثبت ما وصفنا من الشروط المعتبرة في ولاية القضاء فلا يجوز أن يولي إلا بعد العلم باجتماعها فيه


75
إما بتقدم معرفة وإما باختيار ومسألة قد قلد رسول الله A عليا عليه السلام قضاء اليمن ولم يختبره به ولكن وصاه تنبيها على وجه القضاء فقال إذا حضر خصمان بين يديك فلا تقض لأحدهما حتى تسمع كلام الآخر فقال علي عليه السلام فما أشكلت على قضية بعدها وبعث معاذا إلى ناحية من اليمن واختبر A

ويجوز لمن اعتقد مذهب الشافعي رحمه الله أن يقلد القضاء من اعتقد مذهب أبي حنيفة لأن للقاضي أن يجتهد برأيه في قضائه ولا يلزمه أن يقلد في النوازل والأحكام من اعتزى إلى مذهبه فإذا كان شافعيا لم يلزمه المصير في أحكامه إلى أقاويل الشافعي حتى يؤديه اجتهاده إليها فإن أداه اجتهاده إلى الأخذ بقول أبي حنيفة عمل عليه وأخذ به وقد منع بعض الفقهاء من اعتزى إلى مذهب أن يحكم لغيره فمنع الشافعي أن يحكم بقول أبي حنيفة ومنع الحنفي أن يحكم بمذهب الشافعي 0 إذا أداه اجتهاده إليه لما يتوجه إليه من التهمة والممايلة في القضايا والأحكام وإذا حكم بمذهب لا يتعداه كان أنفى للتهمة وأرضى للخصوم وهذا وإن كانت السياسة تقتضيه فأحكام الشرع لا توجبه لأن التقليد فيها محظور والاجتهاد فيها مستحق وإذا نفذ قضاؤه بحكم وتجدد مثله من بعد أعاد الاجتهاد فيه وقضى بما أداه اجتهاده إليه وإن خالف ما تقدم من حكمه فإن عمر رضي الله عنه قضى في المشركة بالتشريك في عام وترك التشريك في غيره فقيل له ما كان هكذا حكمت في العام الماضي فقال تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي

فلو شرط المولىوهو حنفي أو شافعي من ولاء القضاء أن يحكم إلا بمذهب الشافعي أو أبي حنيفة فهذا ضربين احدهما ان يشترط ذلك عموما في جميع الأحكام فهذا شرط باطل سواء كان موافقا لمذهب المولي أو مخالفا له وأما صحة الولاية فإن لم يجعله شرطا فيها وأخرجه مخرج الأمر أو مخرج النهي وقال قد قلدتك


76
القضاء فاحكم بمذهب الشافعي رحمه الله على وجه الأمر أو لا تحكم بمذهب أبي حنيفة على وجه النهي كانت الولاية صحيحة والشرط فاسدا سواء تضمن أمرا أو نهيا ويجوز أن يحكم بما أداه اجتهاده إليه سواء وافق شرطه أو خالفه ويكون اشتراط المولي لذلك قدحا فيه إن علم أنه اشترط ما لا يجوز ولا يكون قدحا إن جهل لكن لا يصح مع الجهل به أن يكون مواليا ولا واليا فإن أخرج ذلك مخرج الشرط عقد الولاية فقال قد قلدتك القضاء على أن تحكم فيه إلا بمذهب الشافعي أو بقول ابي حنيفة كانت الولاية باطلة لأنه عقدها على شرط فاسد وقال اهل العراق تصح الولاية ويبطل الشرط والضرب الثاني أن يكون الشرط خاصا في حكم بعينه فلا يخلو الشرط من أن يكون امرا أو نهيا فإن كان أمرا فقال له أفد من العبد بالحر ومن المسلم بالكافر واقتص في القتل بغير الحديد كان أمره بهذا 0 الشرط فاسد ثم أن جعله شرطا في عقد الولاية فسدت وإن لم يجعله شرطا فيها صحت وحكم في ذلك بما يؤديه اجتهاده إليه وإن كان نهيا فهو على ضربين أحدهما أن ينهاه عن الحكم في قتل المسلم بالكافر والحر بالعبد ولا يقضي فيه بوجوب قود ولا بإسقاطه فهذا جائز لأنه اقتصر بولايته على ما عداه فصار ذلك خارجا عن نظره والضرب الثاني أن لا ينهاه عن الحكم وينهاه عن الحكم عن القضاء في القصاص

فقد اختلف أصحابنا في هذا النهي هل يوجب صرفه عن النظر فيه على وجهين احدهما أن يكون صرفا عن الحكم فيه وخارجا عن ولايته فلا حكم فيه بإثبات قود ولا أسقاطهوالثاني أنه لا يقتضي الصرف عنه ويجري عليه حكم الأمر به ويثبت صحة النظر إن لم يجعله شرطا في التقليد ويحكم فيه بما يؤديه أجتهاده إليه

وولاية القضاء تنعقد به الولايات مع الحضور باللفظ مشافهة ومع الغيبة مراسلة ومكاتبة لكن لا بد مع المكاتبة من أن يقترن بها من شواهد 0 الحال ما يدل عليها عند المولي وأهل عمله

والألفاظ التي تنعقد بها الولاية ضربان صريح وكناية فالصريح أربعة ألفاظ


77
قد قلدتك ووليتك واستخلفتك واستنبتك فإذا أتى بأحد هذه الألفاظ انعقدت ولاية القضاء وغيرها من الولايات وليس يحتاج معها إلى قرينة أخرى إلا أن يكون تأكيدا لا شرطا فإما الكناية فقد ذكر بعض أصحابنا أنها سبعة ألفاظ قد اعتمدت عليك وعولت عليك ورددت إليه وجعلت إليك وفوضت إليك ووكلت إليك وأسندت إليك فهذه الألفاظ لما تضمنته من الاحتمال تضعف في الولاية عن حكم الصريح حتى يقترن بها قي عقد الولاية ما ينفي عنها الاحتمال فتصير مع ما تقترن بها في حكم الصريح مثل قوله فانظر فيما وكلته إليك واحكم فيما اعتمدت فيه عليك فتصير الولاية بهذه القرينة مع ما تقدم من الكنتية منعقدة ثم تمامها موقوف على قبول المولي فإن كان التقليد مشافهة فقبوله على الفور لفظا وإن كان مراسلة أو مكاتبة جاز أن يكون على التراخي ويجوز قبوله بالقول مع التراخي 0 واختلف في صحة القبول بالشروع في النظر فجوزه بعضهم وجعله كالنطق وأباه آخرون حتى يكون نطقا لأن الشروع في النظر فرع لعقد الولاية فلم ينعقد به قبولها ويكون تمام الولاية مع ما ذكرنا من لفظ التقليد معتبرا باربعة شروط احدها معرفة المولي للمولى بأنه على الصفة التي يجوز ان يولى معها فإن لم يعلم أنه على الصفة التي تجوز معها تلك الولاية لم يصح تقليده فلو عرف بعد التقليد استأنفها ولم يجز أن تعول على ما تقدمها الشرط الثاني معرفة المولى بما عليه المولي من استحقاق تلك الولاية بصفاته التي يصير بها مستحقا لها وأنه قد تقلدها وصار مستحقا للإنابة فيها إلا أن هذا شرط معتبر في قبول المولي وجواز نظره وليس بشرط في عقد تقليده وولايته بخلاف الشرط المتقدم وليس يراعي في هذه المعرفة المشاهدة بالنظر وإنما يراعى انتشار يتتابع الخبر والشرط الثالث ذكر ما تضمنه التقليد من ولاية القضاء أو إمارة البلاد أو 0 جباية الخراج لأن هذه شروط معتبرة في كل تقليد فافتقرت أللا تسمية ما تضمنت ليعلم على أي نظر عقدت فإن جهل فسدت والشرط الرابع ذكر تقليد البلد الذي عقدت الولاية عليه ليعرف به العمل الذي يستحق النظر فيه ولا تصح الولاية مع الجهل به
78
فإذا انعقدت تم تقليد الولاية بما ذكرنا من الشروط واحتاج في لزوم النظر إلى شرط زائد على شروط العقد وهو إشاعة تقليد المولي في أهل عمله ليذعنوا بطاعته وينقادوا إلى حكمه وهو شرط في لزوم الطاعة وليس بشرط في نفوذ الحكم فإذا صحت عقدا ولزوما بما وصفنا صح فيها نظر المولي والمولى كالوكالة لأنهما معا استنابة ولم يلوم المقام عليها من جهة المولي ولا من جهة المولى وكان للمولي عزله عنها متى شاء وللمولى عزل نفسه إذا شاء غير أن الأولى بالمولي أن يعزله إلا بعذر وأن لا يعتزل المولى إلا من عذر لما في هذه الولاية من حقوق المسلمين فغذا عزل أو اعتزل وجب إظهار العزل كما وجب غظهار التقليد حتى لا يقدم على إنفاذ حكم ولا يغتر بالترافع إليه خصم فإن حكم بعد عزله وقد عرف عزله لم ينفذ حكمه وإن حكم غير عالم بعزله كان نفوذ حكمه وجهان 0 كاختلافهما في عقود الوكيل

ولا تخلو ولاية القاضي من عموم أو خصوص فإن كانت ولايته عامة مطلقة التصرف في جميع ما تضمنته فنظره مشتمل على عشرة أحكام أحدها فصل في التنازعات وقطع التشاجر والخصومات إما صلحا عن تراض ويراعى فيه الجواز أو إجبارا بحكم بات يعتبر فيه الوجوب والثاني استيفاء الحقوق ممن مطل بها وإيصالها إلى مستحقاقها بعد ثبوت استحقاقها من أحد وجهين إقرار أو بينة

واختلف في جواز حكمه فيها بعلمه فجوزه الشافعي ومالك رضي الله عنهما أصح قوليه ومنع منه في القول الآخر وقال أبو حنيفة رحمه الله يجوز أن يحكم بعلمه فيما علمه في ولايته ولا يحكم بما علمه قبلها والثالث ثبوت الولاية على من كان ممنوع التصرف بجنون أو صغر والحجر على من ترى الحجر عليه لنفسه أو فليس حفظا للأموال على مستحقيها وتصحيحا لأحكام العقود فيها والرابع النظر في الأوقات بحفظ أصولها وتنمية فروعها والقبض عليها وصرفها في سبيلها 0 فإن كان عليها مستحق للنظر فيها راعاه وإن لم يكن تولاه لأنه لا يتعين للخاص فيها أن


79
عمت ويجوز ان يفضي إلى العموم وإن خصت والخامس تنفيذ الوصايا على شروط الموصي فيما أباحه الشرع ولم يحظره وإن كانت لمعينين كان تنفيذها بالإقباض وإن كانت في موصوفين كان تنفيذها ان يتعين مستحقوها بالإجتهاد يملكوا بالإقباض فإن كان فيها وصى راعاه وإن لم يكن تولاه والسادس تزويج الأيامى بالأكفاء إذا عد من الأولياء ودعين إلى النكاح ولا يجعله ابو حنيفة رضي الله عنه من حقوق ولايته لتجويزه تفرد الأيم بعقد النكاح والسابع إقامة الحدود على مستحقيها فإن كان من حقوق الله تعالى تفرد باستيفائه من غير طالب إذا ثبت بإقراره أو بينة وغن كان من حقوق الآدميين كان موقوفا على طلب مستحقه وقال أبو حنيفة لا يستوفيها معا إلا بخصم مطالب والثامن النظر في مصالح عمله من الكف عن التعدي في الطرقات والأفنية وإخراج مالا يستحق من الأجنحة 0 والأبنية وله أن ينفرد بالنظر فيها وإن لم يحضره خصم وقال أبو حنيفة لا يجوز له النظر فيها إلا بحضور خصم مستعد وهي من حقوق الله تعالى التي يستوي فيها المستعدي وغير المستعدي فكان تفرد الولاية بها أخص والتاسع تصفح شهوده وأمنائه واختيار النائبين عنه من خلفائه في إقرارهم والتعويل عليهم مع ظهور السلامة والاستقامة وصرفهم والاستبدال بهم مع ظهور الجرح والخيانة ومن ضعف منهم عما يعانيه كان موليه بالخيار في أصلح الأمرين إما أن يستبدل به من هو أقوى منه وأكفى وإما أن يضم إليه من يكون إجماعه عليه أنفذ وأمضى والعاشر التسوية في الحكم بين القوي والضعيف والعدل في القضاء بين المشروف والشريف ولا يتبع هواه في تقصير المحق أو ممايلة مبطل قال الله تعالى (يا داود غنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب)وقد 0 استوفى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عهده إلى أبي موسى الأشعري شروط
80
0 القضاء وبين أحكام التقليد فقال فيه أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة فافهم إذا أدلى إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له وآس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك البينة على من ادعى واليمين على من أنكر والصلح جائز بين المسلمين غلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا ولا يمنعك قضاء قضيته أمس فراجعت اليوم فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق فإن الحق قديم لا يبطله شيء ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب الله تعالى ولا سنة نبيه ثم أرف الأمثال والأشباه وقس الأمور بنظائرها واجعل لمن ادعى حقا غائبا أو بينة أمدا ينتهى إليه فمن أحضر بينة أخذت له بحقه وإلا استحللت القضية عليه فإن ذلك أنفى للشك وأجلى للعمى والمسلمون عدول 0 بعضهم على بعض غلا مجلودا في حد أو مجربا عليه شهادة زور أو ظنينا في ولاء أو نسب فإن الله عفا عن الأيمان ودرأ بالبينات وإياك والقلق والضجر والتأفف بالخصوم فإن الحق في مواطن يعظم الله بها الأجر ويحسن به الذكر والسلام

فإن قيل ففي هذا العهد خلل من وجهين احدهما خلوه من لفظ التقليد الذي تنعقد به الولاية والثاني اعتباره في الشهود عدالة الظاهر والمعتبر فيه عدالة الباطل بعد الكشف والمسألة قيل أما خلوه عن لفظ التقليد ففيه جوابان احدهما أن العهد تقدمه لفظا وجعل العهد مقصورا على الوصاية والأحكام والثاني أن ألفاظ العهد تتضمن معاني التقليد مثل قوله فافهم إذا أدلى إليك وكقوله فمن أحضر بينة أخذت له بحقه وإلا استحللت القضية عليه فصار فحوى هذه الأوامر مع شواهد الحال مغنيا عن لفظ التقليد

وأما اعتباره في الشهود عدالة الظاهر ففيه جوابان أحدهما أنه يجوز أن يكون ممن يرى ذلك فذكره إخبارا عن 0 إعتقاده فيه لا أمرا به والثاني معناه أنهم بعد الكشف والمسألة عدول ما لم يظهر جرح إلا مجلودا في حد وليس لهذا القاضي


81
وإن عمت ولايته جباية الخراج لأن مصرفه موقوف على رأي غيره من ولاة الجيوش فأما أموال الصدقات فإن خصت بناظر خرجت عن عموم ولايته وإن لم يندب لها ناظر فقد تدخل في عموم ولايته فيقبضها من أهلها ويصرفها في مستحقيها لأنها من حقوق الله تعالى فيمن سماه لها وقيل لا تدخل في ولايته ويكون ممنوعا من التعرض لها لأنها من حقوق الأموال التي تحمل على اجتهاد الأئمة وكذلك القول في إمامة الجمع والأعياد فأما إن كانت ولايته خاصة فهي منعقدة على خصوصها ومقصورة النظر على ما تضمنته كمن قلد القضاء في بعض ما قدمناه من الحكام أو في الحكم بإقرار دون البينة أو في الديون دون المناكح أو في مقدر بنصاب فيصح هذا التقليد ولا يصح للمولي أن يتعداه لأنها استنابة فصحت عموما وخصوصا كالوكالة

ويجوز ان يكون القاضي عام النظر خاص العمل 0 فيقلد النظر في جميع الأحكام في أحد جانبي البلد أو في محلة منه فينفذ جميع أحكامه في الجانب الذي قلده والمحلة التي عينت له وينظر فيه بين ساكنيه وبين الطارئين إليه لأن الطارىء إليه كالساكن فيه إلا أن يقتصر به علىالنظر بين ساكنيه دون الغريبين والطارئين إليه فلا يتعداهم ولو قلد جميع البلد ليحكم في أحد جانبيه أو في محلة منه أو في دار من دوره جاز له الحكم في كل موضع منه لأنه لا يمكن الحجر عليه في مواضع جلوسه مع عموم ولايته فإن أخرج ذلك مخرج الشرط في عقد الولاية أبطلها وكان مردود الحكم في ذلك الموضع وغيره ولو قلد الحكم فيمن ورد إليه في داره أو في مسجده صح ولم يجز أن يحكم في غير داره ولا في غير مسجده لأنه جعل ولايته مقصورة على من ورد إلى داره أو مسجده وهم لا يتعينون إلا بالورود إليهما فلذلك صار حكمه فيهما شرطا قال أبو عبد الله الزبيري لم تزل الأمراء عندنا بالبصرة برهة من الدهر يستقضون 0 قاضيا على المسجد الجامع يسمونه قاضي المسجد يحكم في مائتي درهم وعشرين دينارا فما دونها ويفرض النفقات ولا يتعدى موضعه ولا ما قدر له

وإذا قلد قاضيان على بلد لم يخل حال تقليدهما من ثلاثة اقسام أحدها أن يرد إلى أحدهما موضعا منه وإلى الآخر غيره فيصح ويقتصر كل


82
واحد منهم على النظر في موضعه والقسم الثاني أن يرد إلى أحدهما نوع من الأحكام وإلى الآخر غيره كرد المداينات إلى احدهما والمناكح إلى الآخر فيجوز ذلك ويقتصر كل واحد منهما على النظر في ذلك الحكم الخاص في البلد كله والقسم الثالث أن يرد إلى كل واحد منهما جميع الأحكام في جميع البلد فقد اختلف أصحابنا في جوازه فمنعت منه طائفة لما يفضي إليه أمرهما من التشاجر في تجاذب الخصوم إليهما وتبطل ولايتهما إن اجتمعت وتصح ولاية الأول منهما إن افترقت وأجازته طائفة أخرى وهم الأكثرون لأنها استنابة كالوكالة ويكون القول عند تجاذب الخصوم قول الطالب دون المطلوب فإن تساويا اعتبر أقرب الحاكمين إليهما فإن استويا فقد قيل يقرع بينهما وقيل يمنعان من التحاكم حتى يتفقا على أحدهما

ويجوز أن تكون ولاية القاضي مقصورة على حكومة معينة بين خصمين 0 فلا يجوز أن ينفذ النظر بينهما إلى غيرهما من الخصوم وتكون ولايته على النظر بينهما باقية ما كان التشاجر بينهما باقيا فإذا بت الحكم بينهما زالت ولايته وإن تجددت بينهما مشاجرة أخرى لم ينظر بينهما إلا بإذن مستجد فلو لم يتعين الخصوم وجعل النظر مقصورا على الأيام وقال قلدتك النظر بين الخصوم في يوم السبت وحده جاز نظره فيه بين الخصوم في جميع الدعاوى وتزول ولايته بغروب الشمس منه ولو قال قلدتك النظر في كل يوم سبت جاز أيضا وكان مقصور النظر فيه فإذا خرج يوم السبت لم تزل ولايته لبقائها على أمثاله من الأيام وإنم كان ممنوعا من النظر فيما عداه ولو قال ولم يسم أحدا من نظر في يوم السبت بين الخصوم فهو خليفتي لم يجز للجهل بالمولي ولأنه قد يجوز أن ينظر فيه من ليس من أهل الاجتهاد فلو قال من نظر فيه من أهل الاجتهاد فهو خليفتي لم يجز أيضا للجهل به ولأنه يصير تمييز المجتهد موكولا إلى رأي غيره 0 من الخصوم ولو قال من نظر فيه من مدرسي أصحاب الشافعي أو مفتي أصحاب أبي حنيفة لم يجز وكذلك لو سمي عددا فقال من نظر فيه فلان أو فلان فهو خليفتي لم يجز سواء قل العدد أو كثر لأن المولي منهم مجهول لكن إذا قال قد رددت النظر فيه إلى فلان وفلان وفلان جاز سواء قل العدد أو كثر لأن جميعهم مولى فإذا نظر فيه أحدهم تعين وزال نظر الباقين لأنه لم يجمعهم على النظر


83
وإنما أفرد به أحدهم فإن جمعهم على النظر فيه لم يجز إن كثر عددهم وفي جوازهم إن قل وجهان من اختلاف أصحابنا في الجمع بين قاضيين

فأما طلب القضاء وخطبة الولاة عليه فإن من غير أهل الاجتهاد فيه كان تعرضه لطلبه محظورا وصار بالطلب مجروحا وإن كان من أهله على الصفة التي يجوز معها نظره فله في طلبه ثلاثة أحوال أحدها أن يكون القضاء في غير مستحقه إما لنقص علمه وإما لظهور جوره فيخطب القضاء دفعا لمن لا يستحقه ليكون فيمن هو بالقضاء أحق فهذا سائغ لما تضمنه من دفع منكر ثم ينظر فإن كان أكثر قصده إزالة غير المستحق كان مأجورا وإن كان أكثره اختصاصه بالنظر فيه كان قصده إزالة غير المستحق كان مأجورا وإن كان أكثره اختصاصه بالنظر فيه كان مباحا والحالة الثانية أن يكون القضاء في مستحقه ومن هو أله ويريد أن يعزله عنه إما لعداوة بينهما وإما 0 ليجر بالقضاء إلى نفسه نفعا فهذا الطلب محظور وهو بهذا الطلب مجروح والحالة الثالثة أن يكون في القضاء ناظر وهو خال من وال عليه فيراعى حاله حاله في طلبه فإن كان لحاجته إلى رزق القضاء المستحق في بيت المال كان طلبه مباحا وإن كان لرغبة في إقامة الحق وخوفه أن يتعرض له غير مستحق كان طلبه مستحبا فإن قصد بطلبه المباهاة والمنزلة فقد اختلف في كراهية ذلك مع الاتفاق على جوازه فكرهته طائفة لأن طلب المباهاة والمنزلة في الدنيا مكروه قال الله تعالى (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يرون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين)

وذهبت طائفة أخرى إلى أن طلبه لذلك غير مكروه لأن طلب المنزلة مما أبيح ليس بمكروه وقد رغب نبي الله يوسف عليه السلام إلى فرعون في الولاية والخلافة فقال (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) فطلب الولاية ووصف نفسه بما يستحقها به من قوله (إني حفيظ عليم) وفيه تأويلان أحدهما 0 حفيظ لما استودعني عليم بما وليتني وهذا قول عبد الرحمن ابن زيد والثاني أنه حفيظ للحساب عليم بالألسن وهذا قول إسحاق بن سفيان


84
وخرج هذا القول عن حد التزكية لنفسه والمدح لها لأنه كان لسبب دعاإليه واختلف لأجل ذلك في جواز الولاية من قبل الظالم فذهب قوم إلى جوازها إذا عمل بالحق فيما يتولاه لأن يوسف عليه السلام تولى منقبل فرعون ليكون بعدله دافعا لجوره وذهبت طائفة أخرى إلى حظرها والمنع من التعرض لها لما فيها من تولي الظالمين والمعونة له وتزكيتهم بالتقليد أو أمرهم وأجابوا عن ولاية يوسف عليه السلام من قبل فرعون بجوابين أحدهما أن فرعون يوسف كان صالحا وإنما الطاغي فرعون موسى والثاني أنه نظر في أملاكه دون أعماله فأما بذل المال على طلب القضاء فمن المحظورات لأنها رشوة محرمة يصير الباذبل لها والقاضي لها مجروحين روى ثابت عن أنس أن رسول الله A لعن الراشي والمرتشي والرايش والراشي باذل الرشوة والمرتشي قابلها والرايش المتوسط بينهما

وليس لمن تقلد القضاء 0 أن يقبل هدية من خصم ولا من أحد من أهل عمله وإن لم يكن له خصم لأنه قد يستعديه فيما يليه روى عن النبي A أنه قال هدايا الأمراء غلول

فإن قبلها وعجل المكافئة عليها ملكها وإن لم يعجل المكافئة عليها كان بيت المال أحق بها إن تعذر ردها على المهدي لأنه أولا بها منه وليس للقاضي تأخير الخصوم إذا تنازعوا إليه إلا من عذر ولا يجوز له أن يحجب إلا في أوقات الاستراحة وليس له أن يحكم لأحد من والديه ولا من أولاده لأجل التهمة ويحكم عليهم لإرتفاعها وكذلك لا يشهد لهم ويشهد عليهم ويشهد لعدوه ولا يشهد عليه ويحكم


85
وإن وطىء من لم يدخل في السبي حد لأن وطأها زنا ولم يلحق به ولدها إن علقت فإذا عقدت هذه الإمارة على غزوة واحدة لم يكن لأميرها أن يغزوا غيرها سواء غنم فيها أو لم يغنم وإذا عقدت عموما عاما بعد عام لزمه معاودت الغزو في كل وقت يقدر على غزو فيه ولا يفتر عنه مع ارتفاع الموانع إلا قدر الاستراحة وأقل ما يجزيه أن لا يعطل عاما من جهاد ولهذا الأمير إذا فوضت إليه الإمارة على المجاهدين أن ينظر في أحكامهم ويقيم الحدود عليهم وسواء من ارتزق منهم أو تطوع ولا ينظر في أحكام غيرهم ما كان سائرا إلى ثغرة فإذا استقر في الثغر الذي تقلده جاز أن ينظر في أحكام جميع أهله من مقاتلته ورعيته وإن كانت إمارة خاصة أجرى عليها حكم الخصوص
86
الباب السابع
في ولايةالمظالم

ونظر المظالم هو قود المتظالمين إلى التناصف بالرهبة وزجر المتنازعين عن التجاهد بالهيبة وكان من شروط الناظر فيها أن يكون جدير القدر نافذ الأمر عظيم الهيبة ظاهر العفة قليل الطمع كثير الورع لأنه يحتاج في نظره إلى سطوة الحمى وثبت القضاة فيحتاج إلى الجمع بين صفات الفريقين وأن يكون لجلالة القدرنافذ الأمر في الجهتين فإن كان ممن يملك الأمور العامة كالوزراء والأمراء لم يحتج النظر فيها إلى تقليد وكان له بعموم ولايته النظر فيها وإن كان ممن لم يفوض أليه عموم النظر إحتاج إلى تقليد وتولية إذا اجنمعت فيه الشروط المتقدمة وهذا إنما يصح فيمن يجوز أن يختار لولاية العهد أو لوزارة التفويض أو إمارة الأقاليم إذا كان نظره في المظالم عاما فإن اقتصر به على تنفيذ ما عجز القضاة عن تنفيذه وإمضاء ما 0 قصرت يدهم عن إمضائه جاز أن يكون دون هذه الراتبة في القدر والخطر بعد أن لا تأخذه في الحق لومة لائم ولا يستشفه الطمع إلى رشوة فقد نظر رسول A المظالم في الشرب الذي تنازعه الزبير بن العوام رضي الله عنه ورجل من الأنصار فحضره بنفسه فقال الزبير

اسق أنت يا زبير ثم الأنصاري فقال الأنصاري إنه لآبن عمتك يا رسول الله فغضب من قوله وقال يا زبير أجره على بطنه حتى يبلغ الماء إلى الكعبين وإنما قال أجره على بطنه أدبا له لجرأته عليه واختلف لما أمره بإجراء الماء إلى الكعبين هل كان حقا بينه لهما حكما أو كان مباحا فأمره به زجرا على جوابين ولم ينتدب للمظالم من الخلفاء الأربعة أحد لأنه في الصدر الأول مع ظهور الدين عليهم بين من يقوده التناصف إلى الحق أو يزجره الوعظ عن الظلم وإنما كانت المنازعات تجرى بينهم في أمور مشتبهة يوضحها حكم القضاء فإن تجوز جفاة أعرابهم متجورقناة الوعظ أن يدبر وقاده العنف 0 أن يحسن فاقتصر خلفاء السلف على فصل التشاجر


87
بينهم بالحكم والقضاء تعينا للحق في جهته لإنقيادهم إلى إلتزامه واحتاج علي رضي الله عنه حين تأخرت إمامته واختلط الناس فيها وتجوروا إلى فصل صرامة في السياسة وزيادة تقيض في الوصول إلى غوامض الأحكام فكان أول من سلك هذه الطريقة واستقل بها ولم يخرج فيها إلى نظر المظالم المحض لإستغنائه عنه وقال فيمن في البرية صار ثمنها تسعا وقضى في القارصة والقامصة والواقصة بالدية أثلاما وقضى في ولد تنازعته إمرأتان مما أدى إلى فصل القضاء ثم انتشر الأمر بعده حتى تجاهر الناس بالظلم والتغالب ولم يكفهم زواجر العظة عن التمانع والتجاذب فاحتاجوا في ردع المتغلبين وأصناف المغلوبين إلى نظر المظالم الذي يمتزج به قوة السلطنة ونصف القضاء وكان أول من أفرد للظلامات يوما يتصفح فيه قصص المتظلمين من غير مباشرة للنظر عبد الملك بن مروان وكان إذا 0 وقف منها على مشكل أو احتاج فيها إلى حكم منفذ رده إلى قاضيه أبا إدريس الأودي فنفذ فيه أحكامه لرهبة التجارب من عبد الملك بن مروان في عمله بالحال ووقوفه على السبب فكان أبو إدريس هو المباشر وعبد الملك هو الآمر ثم زاد من جور الولاة وظلم العتاه ما لم يكفهم عنه إلا أقوى الأيدي وأنقض الأوامر فكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله أول من ندب نفسه للنظر في المظالم فردها وراعى السنن العادلة وأعادها ورد مظالم بني أمية على أهلها حتى قيل له وقد شدد عليهم فيها وأغلظ إنا نخاف عليك من ردها العواقب فقال كل يوم أتقيه وأخافه دون يوم القيامة لا وقيته ثم جلس لها من خلفاء بني العباس جماعة وكان أول من جلس لها المهدي ثم الهادي ثم الرشيد ثم المأمون وآخر من جلس لها المهتدي حتى عادت الأملاك إلى مستحقيها وقد كان ملوك الفرس يرون ذلك من قواعد الملك وقوانين العدل الذي لا يعم الصلاح غلا بمراعاته ولا يتم 0 التناصف إلابمباشرته وكانت قريش في الجاهلية حين كثر فيهم الزعماء وانتشرت فيهم الرياسة وشاهدوا من التغالب والتجاذب ما لم يكفهم عنهم سلطان قاهر عقدوا حلفا على رد المظالم وإنصاف المظلوم من الظالم وكان سببه ما حكاه الزبير بن بكار أن رجلا من اليمن من بني زبيد قدم مكة معتمرا ببضاعة فاشتراها منه رجل من بني سهم وقيل أنه العاص بن وائل فلوى الرجل بحقه فسأله ماله أو متاعه فامتنع عليه فقام على الحجر وأنشد بأعلى صوته
88

(يا آل قصي لمظلوم بضاعته

ببطن مكة فأبى الدار والنفر
وشعث محرم لم تقض حرمته
بين المقام وبين الحجر والحجر
أقائم من بني سهم بذمتهم
أو ذاهب في ضلال مال معتمر) ثم قيس بن شيبة السلمي باع متاعا _لى أبي بن خلف فلواه وذهب بحقه فاستجار برجل من بني جمع فلم يجره فقال قيس

( يا ل قصي كيف هذا في الحرم

وحرمة البيت وأحلاف الكرم
اظلم لا يمنع عني من ظلم) فأجابه العباس بن مرداس

( إن كان جارك لم تنفعك ذمته

وقد شربت بكأس الذل أنفاسا
فات البيوت وكن من أهلها صددا
لا تليق تأديبهم فحشا ولا باسا
ومن يكن بفناء البيت معتصما
يلق ابن حرب ويلق المرء عباسا
قومي قريش بأخلاق مكملة
بالمجد والحزم ما عاشا وما ساما
ساق الحجيج وهذا ناشر فلج
والمجد يورث أخماسا وأسداسا)

فقام أبو سفيان والعباس بن عبد المطلب فردا عليه ماله واجتمعت بطون قريش فتحالفوا 0 في دار عبد الله بن جدعان على رد المظالم بمكة وأن لا يظلم أحد إلا منعوه وأخذوا للمظلوم حقه وكان رسول الله A يومئذ معهم قبل النبوة وهو ابن خمس وعشرين سنة فعقدو حلف الفضول في دار عبد اللع بن جدعان فقال رسول الله A ذاكر الحال لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلف الفضول ما لو دعيت إليه لأجبت وما أحب أن لي فيه حمر النعم وأني بقصته ما يزيده الإسلام شدة فقال بعض قريش في هذا الحفل

( تيم بن مرة إن سألت وهاشما

وزهرة لخير في دار ابن جدعان

89
متحالفين علىالندى ما عردت
ورقاء في فنن من جذع كتمان) وهذا إن كان فعلا جاهليا دعتهم إليه السياسة فقد صار بحضور رسول الله A له وما قاله في تأكيد أمره حكما شرعيا وفعلا تبويا

فإذا نظر في المظالم من انتدب لها جعل لنظره يوما معروفا يقصده فيه المتظلمون ويراجعه فيه المتنازعون ليكون ما سواه من الأيام لما هو موكول إليه من السياسة والتدبير إلا أن يكون من عمال المظالم المنفردين لها فيكون مندويا للنظر في جميع الأيام وليكن سهل الحجاب نزه الأصحاب

ويستكمل مجلس نظره بحضور خمسة أصناف لا يستغنىعنهم ولا ينتظم نظره إلا بهم أحدهم الحماة والأعوان لجذب القوى وتقويم الجريء والصنف الثاني القضاة والحكام لاستعلام ما يثبت عندهم من الحقوق ومعرفة ما يجري في مجالسهم بين الخصوم والصنف الثالث الفقهاء ليرجع إليهم فيما أشكل ويسألهم 0 عما اشتبه وأعضل والصنف الرابع الكتاب ليثبتوا ما جرى بين الخصوم وما توجه لهم أوعليهم من الحقوق والصنف الخامس الشهود ليشهدهم على ما أوجبه من حق وأمضاه من حكم فإذا استكمل مجلس المظالم بمن ذكرنا من الأصناف الخمسة شرع حينئذ في نظرها

والذي يختص بنظر المظالم يشتمل على عشرة أقسام فالقسم الأول النظر في تعدي الولاة على الرعية وأخذهم بالعسف في السيرة فهذا من لوازم النظر في المظالم الذي لا يقف على ظلامة متظلم فيكون لسيرة الولاة متصفحا عن أحوالهم مستكشفا ليقويهم إن أنصفوا وبكفهم إن عسفوا ويستبدل بهم إن لم ينصفوا

حكي أن عمر بن عبد العزيز خطب علي الناس في أول خلافتهوكانت أول خطبة فقال لهم أوصيكم بتقوى الله فإنه لا يقبل غيرها ولا يرجب إلا أهلها وقد كان قوم من الولاة منعوا الحق حتى اشترى منهم شراء وبذلوا الباطل حتى افتدي منهم فداء والله لولا سنة من الحق أميتت فأحييتها وسنة من الباطل أحييت 0 فأمتها ما باليت


90
0 أن أعيش وقتا واحدا أصلحوا آخرتكم تصلح لكم دنياكم إن أمرأ ليس بينه وبين آدم إلا الموت لمعرق له في الموت والقسم الثاني أجور العمال فيما يحبونه من الأموال فيرجع فيه إلى القوانين العادلة في دواوين الأئمة فيحمل الناس عليها ويأخذ العمال بها وينظر فيما استزادوه فإن رفعوا إلى بيت المال أمر برده وإن أخذواه لأنفسهم استرجعه لأربابه

فقد حكي عن المهدي رضي الله عنه أنه جلس يوما للمظالم فرفعت إليه قصص في الكسور فسأل عنها فقال سليمان بن وهب كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قسط الخراج على أهل السواد وما فتح من نواحي المشرق والمغرب ورقا وعينا وكانت الدراهم والدنانير مضروبة على وزن كسرى وقيصر وكان أهل البلدان يؤدون ما في أيديهم من المال عددا ولا ينظرون في فضل بعض الأوزان على بعض ثم فسد الناس فصار أرباب الخراج يؤدون الطبرية 0 التي هي أربعة دوانق وتمسكوا بالوافي الذي وزنه وزن المثقال فلما ولي زياد العراق طالب بأداء الوافي وألزمهم الكسور وجار فيه عمال بني أمية إلى أن ولي عبد الملك بن مروان فنظر بين الوزنين وقد وزن الدراهم على نصف وخمس المثقال وترك المثقال على حاله ثم إن الحجاج من بعده أعاد المطالبة بالكسور حتى أسقطها عمر بن عبد العزيز وأعادها من بعده إلى أيام المنصور إلى أن خرب السواد فأزال المنصور الخراج عن الحنطة والشعير ورقا وصيره مقاسمة وهما أكثر غلات السواد وأبقى اليسير من الحبوب والنخل والشجر على رسم الخراج وهو كما يلزمون الآن الكسور والمؤن فقال المهدي معاذ الله أن ألزم الناس ظلما تقدم العمل به أو تأخر أسقطوه عن الناس فقال الحسن بن مخلد إن أسقط أمير المؤمنين هذا ذهب من أموال السلطان في السنة إثنا عشر ألف ألف درهم فقال المهتدي على أن أقرر حقا وأزيل ظلما وإن أجحف بيت المال

والقسم الثالث كتاب 0 الدواوين لأنهم أمناء المسلمين على ثبوت أموالهم فيما يستوفون له ويوفونه منه أعاده فيتصفح أحوال ما وكل إليهم فإن عدلوا بحق من دخل أو خرج إلى زيادة أو نقصان إلى قوانينه وقابل على تجاوزه


91

حكي أن المنصور رضي الله عنه بلغه عن جماعة من كتاب دواوينه أنهم زوروا فيه وغيروا فأمر بإحضارهم وتقدم تأديبهم فقال حدث منهم وهو يضرب

(أطال الله عمرك في صلاح

وعز يا أمير المؤمنينا
بعفوك نستجير فإن تجرنا
فإنك عصمة للعالمينا
ونحن الكاتبون وقد أسأنا
فهينا للكرام الكاتبينا) فأمر بتخليتهم ووصل الفتى وأحسن إليه لأنه ظهرت من المانة وبانت فيه النجابةوهذه الأقسام الثلاثة لا يحتاج والي المظالم في تصفحها إلى متظلم

والقسم الرابع تظلم المسترزقة من نقص أرزاقهم او تأخرها عنهم وإجحاف النظر بهم فيرجع إلى ديوانه في فرض العطاء العادل فيجريهم عليه وينظر فيما نقصوه أو منعهوه من قبل فإن أخذوه ولاة أمورهم استرجعه منهم وإن يأخذوه قضاه من بيت المال كتب بعض ولاة أجناد إلى المأمون أن الجند شعبوا ونهبوا فكتب إليه لو عدلت لم يشعبوا 0 ولو وفيت لم ينهبوا وعزله عنهم وأدر عليهم أرزاقهم

والقسم الخامس رد الغصوب وهي ضربان أحدهما غصوب سلطانية قد تغلب عليها ولاة الجور كالملاك المقبوضة عن أربابها إما لرغبة فيمها وإما لتعد على أهلها فهذا إن علم به والي المظالم عند تصفح المور أمر برده قبل التظلم إليه وإن لم يعلم به فهو موقوف على تظلم أربابه ويجوز أن يرجع فيه عند تظلمهم إلى ديوان السلطنة فإذا وجد فيه ذكر قبضها على مالكها عمل عليه وأمر بردها إليه ولم يحتج إلى بينة تشهد به وكان ما وجده في الديوان كافيا

كما حكي أن عمر بن عبد العزيزرحمه الله خرج ذات يوم إلى الصلاة فصادفه رجل ورد من اليمن متظلما فقال

( تدعون جيران مظلوما ببابكم

فقد أتاك بعيد الدار مظلوم)فقال ما ظلامك فقال غصبني الوليد بن عبد الملك ضيعتي فقال يا مراجم ائتني
92
بدفتر الصوافي فوجد فيه أصفى عبد الله الوليد بن عبد الملك ضيعة فلان فقال أخرجها من الدفتر وليكتب برد ضيعته إليه ويطلق له ضعف نفقته والضرب الثاني من الغصوب ما تغلب عليها ذوو الأيدي القوية وتصرفوا فيه تصرف الملاك بالقهر والغلبة فهذا موقوف على تظلم أربابه ولا ينتزع من يد غاصبه إلا بأحد أربعة أمور إما باعتراف الغاصب وإقراره وإما بعلم والي المظالم فيجوز عليه أن يحكم عليه بعلمه وإما ببينة تشهد على الغاصب بغصبه أو تشهد للمغصوب منه بملكه وإما بتظاهر الأخبار الذي ينفي عنها التواطؤ ولا يختلج فيها الشكوك لأنه لما جاز للشهود أن يشهدوا في الأملاك بظاهر الأخبار كان حكم ولاة المظالم بذلك احق

والقسم السادس مشارفة الوقوف وهي ضربان عامة وخاصة فأما العامة فيبدأ يتصفحها وإن لم يكن فيها متظلم ليجريها على سبيلها 0 ويمضيها على شروط واقفها إذا عرفهم من أحد ثلاثة أوجه إما من دواوين الحكام المندوبين لحراسة الأحكام وإما من دواوين السلطنة على ما جرى فيها معاملة أو ثبت لها من ذكر وتسمية وإما من كتب فيها قديمة في النفس صحتها وإن لم تشهد الشهود بها لأنه ليس يتعين الخصم فيها فكان الحكم أوسع منه في الوقوف الخاصة

وأما الوقوف الخاصة فإن النظر فيها موقوف علىتظلم أهلها عند التنازع فيها لوقفها على خصوم متعينين عند التشاجر فيها على ما تثبت به الحقوق عند الحاكم يجوز أن يرجع إلى ديوان السلطنة ولا إلى ما يثبت من ذكرها في الكتب القديمة إذا لم يشهد بها شهود معدلون

والقسم السابع تنفيذ ما وقف القضاة من أحكامها لضعفهم عن إنفاذها وعجزهم عن المحكوم عليه لتعززه وقوةيده أو لعو قدره وعظم خطره فيكون ناظر المظالم أقوى يدا وأنفذ أمرا فينفذ الحكم على من توجه إليه بانتزاع ما في يده أو بالزامه الخروج مما في ذمته 0 والقسم الثامن النظر فيما عجز عنه الناظرون من الحسية في المصالح العامة


93
كالمجاهرة بمنكر ضعف عن دفعه والتعدي في طريق عجز عن منعه والتحيف في لم يقدر على رده فيأخذهم بحق الله تعالى في جميعه ويأمر بحملهم على موجبه

والقسم التاسع مراعاة العبادات الظاهرة كالجمع والأعياد والحج والجهاد من تقصير فيها وإخلال بشروطها فإن حقوق الله أولى أن تستوفى وفروضه أحق أن تؤدى والقسم العاشر النظر بين المتشاجرين والحكم بين المتنازعين فلا يخرج في النظر بينهم عن موجب الحق ومقتضاه ولا يسوغ أن يحكم بينهم إلا بما يحكم به الحكام والقضاة وربما اشتبه حكم المظالم على الناظرين فيها فيجورون في أحكامها ويخرجون إلى الحد الذي لا يسوغ فيها

وزالفرق بين نظر المظالم ونظر القضاة من عشرة أوجه أحدها أن لناظر المظالم من فضل الهيبة وقوة اليد ليس للقضاة في كف الخصوم عن التجاحد ومنع الظلمة من التغالب والتجاذب والثاني أن نظر المظالم 0 يخرج من ضيق الوجوب إلى سعة الجواز فيكون الناظر فيه أفسح مجالا وأوسع مقالا والثالث أنه يستعمل من فضل الإرهاب وكشف الأسباب بالإمارات الدالة وشواهد الأحوال اللائحة ما يضيق على الحكام فيصل به إلى ظهور الحق ومعرفة المبطل من المحق والرابع أن يقابل من ظهر ظلمه بالتأديب ويأخذ من بان عدوانه بالتقويم والتهذيب والخامس أن له من التأني في ترداد الخصوم عند اشتباه أمورهم واستبهام حقوقهم ليمعن في الكشف عن أسبابهم وأحوالهم ما لبس للحكام إذا سألهم أحد الخصمين فصل الحكم فلا يسوغ أن سؤخره الحاكم ويسوغ أن يؤخره والي المظالم والسادس أنه له رد الخصوم إذا أعضلوا وساطة الأمناء ليفصلوا التنازع بينهم صلحا عن تراضي وليس للقاضي ذلك إلا عن رضى الخصمين بالرد والسابع أن يفسح في ملازمة الخصمين إذا وضحت أمارات التجاحد ويأذن في إلزام الكفالة فيما يسوغ فيه التكفل لينقاد الخصوم إلى التناصف ويعدلوا عن التجاحد والتكاذب والثامن 0 أنه يسمع من شهادات المستورين


94
ما يخرج عن عرف القضاة في شهادة المعدلين والتاسع أنه يجوز له إحلاف الشهود عند ارتيابه بهم إذا بدلوا أيمانهم طوعا ويستكثر من عددهم ليزول عنه الشك وينفي عنه الارتياب ةليس ذلك للحاكم والعاشر أنه يجوز أن يبتدىء باستدعاء الشهود ويسألهم عما عندهم في تنازع الخصوم وعادة القضاة تكليف المدعي إحضار بينة ولا يسمعونها إلا بعد مسألته فهذه عشرة أوجه يقع فيها الفرق بين نظر المظالم ونظر القضاة في التشاجر والتنازع وهما فيما عداهما متساويان وسنوضح من تفصيلهما ما نبين به إطلاق ما بينهما من هذه الفروق إن شاء الله

وإذا كان كذلك لم يخل حال الدعوى عند الترافع فيها إلى والي المظالم من ثلاثة أحوال إما أن يقترق بها ما يقويها أو يقترن بها ما يضعفها أو تخلو من الأمرين فإن اقترن بها ما يقويها فلما اقترن بها من القوة ستى أحوال 0 تختلف بها قوة الدعوى على التدريج فاول أحوالها أن يظهر معها كتاب فيه شهود معدلون حضور والذي يختص نظر في مثل شيئان احدهما يبتدىء الناظر فيها باستدعاء الشهود للشهادة والثاني الإنكار على الجاحد بسحب حاله وشواهد أحواله فإذا أحضر الشهود فإن كان الناظر في المظالم ممن يجل قدره كالخليفة أو وزير التفويض أو أمير إقليم راعى من أحوال المتنازعين ما تقتضيه السياسة من مباشرة الناظر بينهما إن جل قدرهما أو رد ذلك إلى قاضيه بمشهد منه إن كانا متسوطين أو على بعد منه إن كانا خاملين

حكي أن المأمون رضي الله عنه كان يجلس للمظالم في يوم الأحد فنهض ذات يوم من مجلس نظره فلقيته إمرأة في ثياب رثة فقالت

( يا خير منتصف يهدي له الرشد

ويا إماما به قد أشرق البلد
تشكو إليك عميد الملك أرملة
عدا عليها قما تقوى به أسد
فابتز منها ضياعا بعد منعتها
لما تفرق عنها الأهل والولد) فأطرق المأمون يسيرا ثم رفع 0 رأسه وقال

( من دون ما قلت عيل الصبر والجلد

وأقرح القلب هذا الحزن والكمد

95
هذا أو أن صلاة الظهر فانصرفي
وأحضر الخصم في اليوم الذي أعد
المجلس السبت إن يقض الجلوس لنا
أنصفك منه وإلا المجلس الأحد)

فانصرفت وحضرت يوم الحد في اول الناس فقال لها المأمون من خصمك فقالت القائم على رأسك العباس ابن أمير المؤمنين فقال المأمون لقاضيه يحيىبن أكثم وقيل لوزيره أحمد بن أبي خالد أجلسها معه وأنظر بينهما فأجلسها معه ونظر بينهما بحضرة المأمون وجعل كلامها يعلو فزجرها بعض حجابه فقال له المأمون دعها إن الحق أنطقها والباطل أخرسه وأمر برد ضياعها عليها ففعل المأمون في النظر بينهما حيث كان بمشهده ولم يباشر بنفسه لما اقتضته السياسة من وجهين أحدهما أنه حكم ربما توجه لولده وربما كان عليه وهو لا يجوز أن يحكم لولده وإن جاز أن يحكم عليه والثاني أن الخصم إمرأة يجل المأمون عن مجاورتها وابنه من 0 جلالة القدر بالمكان الذي لا يقدر غيره إلزامه الحق فرد النظر بمشهد منه إلى من كفاه مجاورة المرأة في استيفاء الدعوى واستيضاح الحجة وباشر المأمون رضي الله عنه تنفيذ الحكم وإلزام الحق

والحالة الثانية في قوى الدعوى أن يقترن بها كتاب فيه من الشهود المعدلين من هو غائب فالذي يختص بنظر المظالم في مثل هذه الدعوى أربعة أشياء أحدها إرهاب المدعي عليه فربما تعجل من إقراره بقوة الهيبة ما يغني عن سماع البينة والثاني التقدم بإحضار الشهود إذا عرف مكانهم ولم يدخل الضرر الشاق عليهم والثالث الأمر بملازمة المدعي عليه ثلاثا ويجهد رأيه في الزيادة عليها بحسب الحال من قوة الإمارة ودلائل الصحة والرابع أن ينظر في الدعوى فإن كانت مالا في ذمة كفيل كلفه إقامة كفيل وإن كانت عينا قائما كالقعار حجر عليه فيها حجرا لا يرفع به حكم يده ورد استغلالها إلى أمين يحفظه على مستحقه منهما فإن تطاولت المدة ووقع الإياس 0 من حضور الشهود جاز لوالي المظالم أن يسأل المدعي عليه عن دخول يده عليه عن سبب إرهابه فإن مالك بن أنس رضي الله عنه يرى في مثل هذا الحال سؤال المدعى عليه عن سبب دخول يده وإن لم يره الشافعي وأبو حنيفة وللناظر في المظالم


96
استعمال الجائز ولا يلزم الاقتصار على الواجب فإن أجاب بما يقطع التنازع أمضاه وإلا فصل بينهما بمقتضى الشرع

والحالة الثالثة في قوة الدعوى أن يكون في الكتاب المقترن بها ضهود حضور لكنهم غير معدلين عند الحاكم فالذي يختص بنظر المظالم أن يتقدم الناظر فيها بإحضار وسير احوالهم فإنه يجدهم على أحوال ثلاثة إما أن يكونوا من ذوي الهيئات وأهل الصيانات فالثقة بشهاداتهم أقوى وإما أن يكونوا أرذالا فلا تقوى عليهم لكن يقوى عليهم إرهاب الخصم وإما أن يكونوا أوساطا فيجوز له بعد الكشف عن أحوالهم أن يستظهر بإحلافهم إن رأى قبل الشهادة أو بعدها تم هو سماع شهادة هذين الضنفين بين ثلاثة أمور أحدها إما أن يسمعها بنفسه فيحكم بها وإما أن يرد إلى القاضي سماعها ليؤديها القاضي إليه ويكون الحكم إلا بها موقوفا عليه لأن القاضي لا يجوز 0 أن يحكم إلا بشهادة من ثبت عنده عدالته وإما أن يرد سماعها إلى الشهود المعدلين فإن رد إليهم نقل بشهادتهم غليه لم يلزمهم استكشاف أحوالهم وإن رد الشهادة عنده بما يصح من شهادتهم لزمهم الكشف عما يقتضي قبول شهادتهم ليشهدوا بها بعد العلم لصحتها ليكون تنفيذ الحكم بحسبها

والحالة الرابعة في قوىالدعوى أن يكون في الكتاب المقترن بها شهادة شهود موتى معدلين والكتاب موثوق بصحته فالذي يختص بنظر المظالم فيه ثلاثة أشياء أحدها إرهاب المدعى عليه بما يضطره إلى الصدق والاعتراف بالحق والثاني سؤاه عن دخول يده لجواز أن يكون من جوابه ما يتضح به الحق والثالث أن يكشف عن الحال من جيران الملك ومن جيران المتنازعين فيه ليتوصل به إلى وضح الحق فإن لم يصل إليه بواحد من هذه الثلاثة ردها إلى وساطة محتشم مطاع له بهما معرفة وبما تنازعاه خبرة ليضطرهما بكثرةالترداد وطول المدى إلى التصادق والصالح فغن أفضى الأمر 0 بينهما إلى أحدهما وغلا بت الحكم على ما يوجبه حكم القضاء

والحالة الخامسة في قوة الدعوى أن يكون مع الدعى عليه بما يتضمنه الدعوى فنظر المظالم فيه يقتضي سؤال المدعي عليه عن الخط وأن يقال له أهذا خطك فإن


97
حكم إقراره وإن لم يعترف بصحته فمن ولاة المظالم من حكم عليه بخطه إذا اعترف به وإن لم يعترف بصحته وجعل ذلك من شواهد الحقوق اعتبارا بالعرف والذي عليه محققوهم وما يراه جميع الفقهاء منهم أنه لا يجوز للناظر منهم أن يحكم بمجرد الخط حتى يعترف بخطه ما فيه لأن نظر المظالم لا يبيح من الحكام ما حظره الشرع ونظر المظالم فيه أن يرجع إلى ما يذكره من خطه فإن قال كتبته ليفرضني وما أقرضني أو ليدفع إلى ثمن ما بعته وما دفع فهذا مما يفعله الناس أحيانا ونظر المظالم في مثله أن يستعمل فيه من الإرهاب بحسب ما يشهد به الحال وتقوى به الإمارة ثم يرد إلى الوساطة فإن أفضت إلى لاصلح وإلا بت القاضي الحكم بينهما بالتحالف وإن أنكر الخط فمن ولاة المظالم من يختبر بين الخط بخطوطه التي كتبها ويكلفه من كثرة الكتابة ما يمنع من التصنع 0 فيها ثم يجمع بين الخطين فإذا تشابها حكم به عليه وهذا قول من جعل إعترافه الخط موجبا للحكم به والذي عليه المحققون منهم أنهم لا يفعلون ذلك للحكم عليه ولكن لإرهابه وتكون الشبهة مع إنكاره للخط أضعف منها مع إعترافه به وترفع الشبهة إن كان الخط منافيا لخطه ويعود الإرهاب على المدعي ثم يردان إلى الوساطة فإن أفضت الحال إلى الصلح وإلا بت القاضي الحكم بينهما بالإيمان

والحالة السادسة في قوة الدعوى إظهار الحساب بما تضمنت الدعوى وهذا يكون في المعاملات ولا يخلو حال الحساب من أحد أمرين إما أن يكون حساب المدعي في المعاملات أو حساب المدعى عليه فإن كان حساب المدعي فالشبهة فيه أضعف ونظر المظالم يرجع في مثله إلى مراعاة نظم الحساب فإن كان مختلا يحتمل فيه الإدغال كان مطرحا وهو يضعف الدعوى اشبه منه يقوتها وإن كان نظمه متسقا ونقله صحيحا فالثقة به أقوى فينقضي من الإرهاب بحسب شواهده ثم يردان إلى الوساطة 0 ثم إلى الحكم البات وإن كان الحساب للمدعى عليه كانت الدعوى به أقوى ولا يخلو أن يكون منسوبا إلى خطه أو خط كاتبه فإن كان منسوبا إلى خطه فلناظر المناظر فيه أن يسأل عنه المدعى عليه أهذا خطك فإن اعترف به قيل أتعلم ما هو فإن أقر بمعرفته قيل أتعلم صحته فإن أقر بصحته صار بهذه الثلاثة مقرا بمضمون الحساب فيؤخذ بما فيه فإن اعترف


98
بانه خطه وأنه لم يعلم ما فيه ولم يعترف بصحته فمن حكم بالخط من ولاة المظالم حكم عليه بموجب حسابه وإن لم يعترف بصحته وجعل الثقة بهذا اقوى من الثقة بالخط المرسل لأن الحساب لا يثبت فيه قبض ما لم يقبض والذي عليه المحققون منهم وهو قول الفقهاء أنه لا يحكم عليه بالحساب الذي لم يعترقف بصحته ما فيه ولكن يقتضي من فضل الإرهاب به أكثر مما اقتضاه الخط المرسل لما تقدم ذكره من الفرق بينهما في العرف ثم يردان بعده إلى الوساطة ثم إلى بت القضاة وإن كان الخط منسوبا إلى كاتبه سئل عنه المدعى عليه قبل سؤال كاتبه فإن اعترف بما فيه أخذ به وإن لم يعترف يسأل عنه كاتبه فإن أنكره ضعفت الشبهة بإنكاره وأرهب إن كان متهما ولم يرهب أن كان مأمونا فإن اعترف به وبصحته صار شاهدا به على المدعى عليه فيحكم عليه بشهادته إن كان عدلا ويقضى بالشاهد 0 واليمين إما مذهبا وإما سياسةتقتضيها شواهد الحال فإن لشواهد الحال في المظالم تأثيرا في اختلاف الأحكام ولكل حال منها في الإرهاب حد لا يتجاوزه تمييزا بين الأحوال بمقتضى شواهدها

وأما إن اقترن بالدعوى ما يضعفها فلما اقترن بها من الضعف ستة أحوال تنافي أحوال القوة فينتقل الإرهاب بها من جنبه المدعى عليه إلى جنبة المدعي فالحالة الأولى أن يقابل المدعي شهوده حضور معدلون يشهدون بما يوجب بطلان الدعوى وذلك من أربعة أوجه احدها أن يشهدوا عليه ببيع ما ادعاه والثاني أن يشهدوا على إقراره بأن الحق له فيما ادعاه والثالث أن يشهدوا على إقرار أبيه الذي ذكر انتقال الملك عنه أنه لاحق له قيما إدعاه والرابع أن يشهدوا للمدعى عليه بأنه مالك لما إدعاه عليه فبطل دعواه بهذه الشهادة ويقتضي نظر تأديبه بحسب حاله فإن ذكر أن الشهادة بالابتياع كانت على سبيل رهب وأجاء وهذا قد يفعله الناس أحيانا فينظر في كتاب الابتياع 0 فإن ذكر فيه أنه من غير رهب ولا إلجاء ضعفت شبهة هذه الدعوى وإن لم يذكر فيه قويت شبهة الدعوى وكان الإرهاب في الجهتين بمقتضى شواهد الحالين ورجع إلى الكشف بالمجاورين والخلطاء فإن بان ما يوجب العدول عن ظاهر الكتاب عمل عليه وإن لم يبن كان إمضاء الحكم بما


99
شهد يه شهود الابتياع أحق فإن سأل إحلاف المدعى عليه بأن ابتياعه كان حقا ولم يكن على سبيل الرهب والإلجاء فقد اختلف الفقهاء في جواز إحلافه لإختلاف ما إدعاه فذهب أبو حنيفة رضي الله عنه وطائفة من أصحاب الشافعي إلى جواز إحلافه لاحتمال ما ادعاه وإمكانه وامتنع آخرون من أصحاب الشافعي من إحلافه لأن متقدم إقراره ما إدعاه لمتأخر دعواه ولوالي المظالم أن يعمل من القوانين بما يقتضيه شواهد الحالين وهكذا لو كانت الدعوى دينا في الذمة فاظهر المدعى عليه كتاب براءة منه فذكر المدعي أنه أشهد على نفسه قبل أن يقبض ولم يقبض كان إحلاف المدعى عليه على ماتقدم ذكره

والحالة الثانية أن يكون شهود الكتاب المقابل للدعوى عدولا غائبين فهذا على ضربين أحدهما أن يتضمن غنكاره اعترافا بالسبب كقوله لا حق له في هذه الضيعة لأنني ابتعتها منه 0 ودفعت ثمنها إليه وهذا كتاب عهدي بالإشهاد عليه فيصير المدعى عليه مدعيا بكتاب قد غاب شهوده فيكون على ما مضى وله زيادة يد وتصر ف فتكون الأمارة أقوى وشاهد الحال أظهر فإن لم يثبت بها الملك فيرهبهما بحسب نا تقتضيه شواهد ا_والهما ويأمر بإحضار الشهود إن أمكن ويضرب لحضورهم أجلا يردهما فيه إلى الوساطة فإن أفضت إلى صلح عن تراض استقر به الحكم وعدل عن استماع الشهادة إذا حضرت وإن لم ينبرم ما بينهما صلحا أمعن في الكشف عن جيرانهما وجيران الملك وكان لوالي المظالم رأيه في زمان الكشف في خصلة من ثلاث منها ما يؤديه اجتهاده إليه بحسب الأمارات وشواهد الأحوال إما أن يرى انتزاع الضيعة من يد المدعى عليه وتسليمها إلى المدعي إلى أن تقوم عليه بينة بالبيع وإما أن يسلمها إلى أمين تكون في يده ويحفظ استغلالها على مستحقه وإما أن يقرها في يد المدعى عليه ويحجر عليه فيها وينصب أمينا يحفظ استغلالها ويكون 0 لها حالهما على مايراه والى المظالم في خصلة من هذه الثلاث ما كان راجيا أحد أمرين من ظهرو الحق بالكشف أو حضور الشهود للداء فإن وقع الإياس منهم بت الحكم بينهما فلو سأل المدعى عليه إحلاف المدعي أحلفه له وكان ذلك بتا للحكم بينهما والضرب الثاني أن لا يتضمن إنكاره إعترافا بالسبب ويقول هذه الضيعة لي لا حق لهذا المدعي فيها وتكون شهادة الكتاب


100
00 على المدعي على أحد وجهين إما إقراره بأن لا حق له فيها وإما على إقراره بأنها ملك المدعى عليه فالضيعة مقرة في يد المدعى عليه لا يجوز انتزاعها منه فأما الحجر عليه فيها وحفظ استغلالها مدة الكشف والوساطة فمعتبر بشواهد أحوالهما وإجتهاد والي المظالم فيما يراه بينهما إلى أن يثبت الحكم بينهما

وأما الحالة الثالثة أن شهود الكتاب المقابل لهذه الدعوى حضور غير معدلين قيراعي والي المظالم فيهم ما قدمنا من جنبة المدعي من أحوالهم الثلاث ويراعي حال إنكاره هل يتضمن إعترافا بالسبب أم لا فيعمل والي المظالم في ذلك بما قدمناه تعويلا على اجتهاده برأيه في شواهد الحوال

روالحالة الرابعة أن يكون شهود الكتاب موتى معدلين فليس يتعلق به حكم إلى في الإرهاب المجرد الذي يقتضي فضل الكشف ثم في بت الحكم على ما تضمنه الإنكار من الإعتراف بالسبب 0 أم لا

والحالة الخامسة أن يقابل المدعى عليه بخط المدعي بما يوجب إكذابه في الدعوى فيعمل بما قدمناه في الخط ويكون الإرهاب معتبرا بشاهد الحال والحالة السادسة أن يظهر في الدعوى حساب يقتضي بطلان الدعوى فيعمل فيه بما قدمناه في الحساب ويكون الكشف والإرهاب والمطاولة معتبرا بشواهد الحوال ثم يبت الحكم بعد الإياس قطعا للنزاع

فأما إن تجردت الدعوى عن أسباب القوة والضعف فلم يقترن بها ما يقويها ولا ما يضعفها فنظر المظالم يقتضي مراعاة حال المتنازعين في غلبة الظن ولا يخلو حالهما فيه من ثلاثة أحوال أحدهما أن تكون غلبة الظن في جنبةالمدعي ولاثني أن تكون في جنبةالمدعى عليه والثالث أن يتعدلا فيه والذي يؤثره غلبة الظن في إحدى الجهتين هو إرهابهما وتغليب الكشف من جهتهما وليس لفصل الحكم بينهما تأثير يعتبر فيه الظنون الغالبة فإن كانت غلبةالظن في جنبة المدعي وكانت الريبة متوجهة إلى المدعى عليه فقد يكون 0 من ثلاثة أوجه أحدها ان يكون المدعي مع خلوه من حجة يظهر بها مضعوف اليد مستلان الجنبة والمدعى عليه ذا بأس وقدرة فإذا إدعى عليه


101
01 غصب داره أو ضيعة غلب في الظن أن مثله مع لينه واستضعافه لا يتجوز في دعواه على من كان ذا بأس وذا سطوة والثاني أن يكون المدعي مشهورا بالصدق والأمانة والمدعى عليه مشهور بالكذب والخيانة فيغلت في الظن صدق المدعي في دعواه والثالث أن تتساوى أحوالهما غير أنه قد عرف للمدعي يد متقدمة وليس يعرف لدخول يد المدعى عليه سبب حادث فالذي يقتضيه نظر المظالم في هذه الأحوال الثلاثة شيئان أحدهما إرهاب المدعى عليه لتوجيه الريبة والثاني سؤاله عن سبب دخول يده وحدوث ملكه فإن مالك بن أنس رضي الله عنه يرى ذلك مذهبا في القضاء مع الارتياب فكان نظر المظالم بذلك أولى وربما ألف المدعى عليه مع علو منزلته عن مساواة خصمه في المحاكمة فينزل عما في يده لخصمه عفوا كالذي حكى عن موسى الهادي جلس يوما للمظالم وعمارة بن حمزة قائم على رأسه وله منزل 0 فحضر رجل في جملة المتظلمين يدعي أن عمار غصب ضيعة له فأمر الهادي بالجلوس معه للمحاكمة فقال يا أمير المؤمنين إن كانت الضيعة له فما أعارضه فيها وإن كانت لي فقد وهبتها له وما أبيع موضعي من مجلس أمير المؤمنين وربما تلطف والي المظالم في إيصال المتظلم إلى حقه بما يحفظ معه حشمه المطلوب أو مواضعه المطلوب على ما يحفظ به حشمة نفسه أن يكون منسوبا إلى تخيف ومنع من حق كالذي حكاه عون بن محمد أن أهل نهر المرغاب بالبصرة خاصموا فيه المهدي قاضيه عبيد الله بن الحسن العنبري فلم يسلمه إليهم ولا الهادي بعده ثم قام الرشيد فتظلموا إليه جعفر بن يحيى ناظر في المظالم فلم يرده إليهم فاشتراه جعفر بن يحيى من الرشيد بعشرين ألف درهم ووهبه لهم وقال إنما فعلت هذا لتعلموا أن أمير المؤمنين لحقه لجاج فيه وأن عبده اشتراه فوهبه إليكم فقال فيه أشجع السلمي

( رد السباح بذي يديه وأهلها

فيها بمنزلة السماك الأعزل
0 قد أيقنوا بذها بها وهلاكهم
والدهر يرعاها بيوم أعضل
فافتكها لهم وهم من دهرهم
بين الجران بين حد الكلكل
102
02 ما كان يرجى غيره لفكاكها
إن الكريم لكل أمر معضل)

فاحتمل ما فعله جعفر بن يحيى من أن يكون قد ابتداه من نفسه تنزيها للرشيد عن التظلم فيه واحتمل أن يكون الرشيد واضعه على هذا لئلا ينسب أبوه وأخوه إلى جور في حق وهو الأشبه ولأيهما كان فقد عاد به الحق إلى أهله مع حفظ الحشمة وحسم البذلة أما إن كان غلبة الظن في جنبة المدعى عليه فقد يكون ذلك من ثلاثة أوجه أحدها أن يكون المدعي مشهورا بالظلم والخيانة والمدعى عليه مشهورا بالنصفة والمانة والثاني أن يكون المدعي دنيئا مبتذلا والمدعى عليه نزها منصوبا فيطلب إحلافه قصدا لبذلته والثالث أن يكون لدخول يد المدعى عليه سبب معروف وليس يعرف لدعوى المدعي سبب فيكون غلبة الظن في هذه الأحوال الثلاثة في جنبة المدعى عليه والريبة متوجهة إلى المدعي فذهب مالك رحمه الله إن كانت دعواه 0 في مثل هذه الحالة بعين قائمة لم يسنعها إلا بعد ذكر السبب الموجب لها وإن كانت في مال الذمة لم يسمعها إلا بعد أن يقيم المدعي بينة أنه كان بينه وبين المدعى عليه معاملة والشافعي وأبو حنيفة رضي الله عنهما لا يريان ذلك في حكم القضاة

فأما نظر المظالم الموضوع على الأصلح فعلى الجائز دون الواجب فيسوغ فيه مثل هذا عند ظهور الريبة وقصد العناد ويبالغ في الكشف بالأسباب المؤدية إلى ظهور الحق ويصون المدعىعليه بما اتسع في الحكم فإن وقع الأمر على التحالف وهو غاية الحكم البات الذي لا يجوز دفع طالب عنه في نظر القضاء ولا في نظر المظالم إذا لم يكفه عنه الإرهاب ولا الوعظ فإن فرق دعاويه وأراد أن يحلف في كل مجلس منها على بعضها قصدا لأعانته وبذلته فالذي يوجبه حكم القضاء أن لا يمتنع من تبغيض الدعاوي وتفريق الأيمان والذي يتجه نظر المظالم أن يؤمر المدعي بجمع دعاويه عنه ظهور الإعنات منه وإخلاف الخصم 0 على جميعها يمينا واحدة فأما بأمارة أو ظنة فينبغي أن يساوي بينها في العظة وهذا مما يتفق عليه القضاة وولاة المظالم ثم يختص ولاة المظالم بعد العظة بالإرهاب لهما معا لتساويهما ثم بالكشف عن


103
03 أصل الدعوى وانتقال الملك فإن ظهر بالكشف ما يعرف به المحقق منهما عمل عليه وإن لم يظهر بالكشف ما ينفصل به تنازعهما ردهما إلىوساطة وجوه الجيران وأكابر العشائر فإن نجز بها ما بينهما وإلا كان فصل القضاء بينهما وهو خاتمة أمرهما بحسب ما يراه من المباشرة لبت الحكم والاستنابة فيه وربما ترفع إلى ولاة المظالم في غوامض الحكام ومشكلات الخصام ما يرشده إلى الجلساء ويفتحه عليه العلماء فلا ينكر منهم الابتداء ولا يستكثر أن يعمل به في الانتهاء كالذي رواه الزبير بن بكار عن إبراهيم الحرمي بم محمد بن معن الغفاري ان إمرأة أتت عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالت يا أمير المؤمنين إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل وأنا أكره أن أشكوه وهو يعمل لطاعة الله فقال لها الزوج نعم الزوج زوجك فجعلت تكرر عليه القول وهو يكرر عليها الجواب فقال 0 له كعب بن سور الأسدي يا أمير المؤمنين هذه إمرأة تشكو زوجها في مباعدته إياها عن فراشه فقال له عمر رضي الله عنه كما فهمت كلامها فاقض بينهما فقال كعب علي بزوجها فأتي به فقال إن إمرأتك تشكوك فقال أفي طعام أو شراب قال لا في واحد منهما فقالت المرأة

( يا أيها القاضي الحكيم رشده

ألهى خليلي عن فراشي مسجده
زهده في مضجعي تعبده
نهاره وليله ما يرقده
فلست في أمر النساء أحمده
فاقض القضا يا كعب لا تردده) فقال الزوج

( زهدني في فرشها وفي الحجل

أني امرو أذهلني ما قد نزل
في سورة النحل وفي السبع الطول
وفي كتاب الله تخوف جلل)
104
04 فقال كعب

(إن لها حقا عليك يا رجل

نصيبها في أربع لمن عقل
فأعطها ذاك ودع عنك العلل)

ثم قال له قد أحل لك من النساء مثنى وثلاث ورباع فلك ثلاثة أيام ولياليهن تعبد فيهن ربك ولها يوم وليلة فقال عمر لكعب رضي الله عنه والله ما أدري من أي أمريك أعجب أمن فهمك أمرهما أم من حكمك بينهما إذهب فقد وليتك القضاء بالبصرة وهذا القضاء من كعب والإمضاء من عمر رضي الله عنه حقه كان حكما بالجائز دون الواجب لأن الزوج لا يلزمه أن يقسم للزوجة الواحدة ولا يجيبها إلى الفراش إذا أصابها دفعة واحدة فدل هذا على أن لوالي المظالم أن يحكم بالجائز دون الواجب

فصل في توقيعات الناظر في المظالم

وإذا وقع الناظر في المظالم في قصص المتظلمين إليه بالنظر بينهم لم يخل حال الموقع إليه من أحد أمرين إما أن يكون واليا على ما وقع به إليه أو غير وال 0 عليه فإن كان واليا عليه كتوقيعه إلى القاضي بالنظر بينهما فلا يخلو حال ما تضمنه التوقيع من أحد أمرين إما أن يكون إذنا بالحكم أو إذنا بالكشف والوساطة فإن كان إذنا بالحكم جاز له الحكم بينهما بأصل الولاية ويكون التوقيع تأكيدا لا يؤثر فيه قصور معانيه وإن كان إذنا بالكشف للصورة أو التوسط بين الخصمين بالحكم أو إذنا بالكشف والوساطة فإن كان إذنا بالحكم وإن كان إذنا بالكشف للصورة أو التوسط بين الخصمين فإن كان التوقيع بذلك نهيه عن الحكم فيه لم يكن يحكم بينهما وكان هذا النهي عزلا له عن الحكم بينهما وهو عموم ولايته فيما عداها لأنه لما جاز أن تكون الولاية نوعين عامة وخاصة جاز أن يكون العزل نوعين عاما وخاصا وإن لم ينهه في التوقيع عن الحكم بينهما حين أمره بالكشف فقد قيل يكون نذره على عمومه في جواز حكمه بينهما لأن أمره ببعض ما إليه لا يكون منعا من خيره وقيل بل يكون منعا من غيره


105
05 وقيل بل يكون ممنوعا من الحكم مقصورا على ما تضمنه التوقيع من الكشف والوساطة لأن فحوى التوقيع دليل عليه ثم ينظر فإن كان التوقيع بالوساطة لم يلزمه إنهاء الحال إليه بعد الوساطة وإن كان يكشف الصورة لزمه إنهاء حالهما إليه لأنه استخبار منه فلزمه إجابته عنه فهذا حكم توقيعه إلى من له الولاية

وأما الحالة الثانية وهو أن يوقع إلى من لا ولاية له كتوقيعه إلى فقيه أو شاهد فلا يخلو حال توقيعه من ثلاثة أحوال أحدها أن يكون بكشف الصورة والثاني أن يكون بالوساطة والثالث أن يكون بالحكم فإن كان التوقيع بكشف الصورة فعليه أن يكشفها وينهى منها ما يصح أن يشهد به ليجوز للموقع أن يحكم به فإن أنهى ما لا يجوز أن يشهد به كان خبرا لا يجوز أن يحكم به الموقع ولكن يجعله في نظر المظالم من المارات التي يغلب بها حال أحد الخصمين في 0 الإرهاب وفضل الكشف فإن كان التوقيع بالوساطة توسط بينهما ولم يقف على ما تضمنه التوقيع من تخصيص الوساطة لأن الوساطة لا تفتقر إلى تقليد ولا ولاية وإنما يفيد التوقيع بالوساطة تعيين الوسيط باختيار الموقع وقود الخصمين إليه اختيارا فإن أفضت الوساطة إلى صلح الخصمين لم يلزمه إنهاؤها وكان شاهدا فيها متى استدعى للشهادة أداها وإن لم تنقض الوساطة إلى صلحها كان شاهدا عليهما فيما اعترفا به عنده يؤديه إلى الناظر في المظالم إن عاد الخصمان إلى التظلم ولا يلزمه أداؤه إن لم يعودا وإن كان التوقيع بالحكم بينهما فهذه ولاية يراعى فيها معاني التوقيع ليكون نظره محمولا على موجبه

وإذا كان كذلك فللتوقيع حالان أحدهما أن يحال به على إجابة الخصم إلى ملتمسه فيعتبر فيه حينئذ ما سأل الخصم في ظلامته ويصير النظر مقصورا عليه وسواء خرج المر كقوله إلى ملتمسه أو خرج مخرج الحكاية كقوله رأيك في إجابته إلى ملتمسه 0 كان موقعا لأنه لا يقتضي ولاية يلزمه حكمها فكان أمرها أخف فإن سأل المتظلم في قصته الحكم بينهما فلا بد أن يكون الخصم مسمى


106
06 والخصومة مذكورة لتصح الولاية عليها فإن لم يسم عليها ولم يذكر الخصومة لم تصح الولاية لأنها ليست ولاية عامة فيحمل على عمومها ولا خاصة للجهل بها وإن سمي رافع القصة خصمه وذكر خصومته نظر في التوقيع بإجابته إلى ملتمسه فإن خرج مخرج المر فوقع وأجاب إلى ملتمسه وعمل بما ألتمسه صحت ولايته في الحكم بينهما فهذا التوقيع وإن خرج مخرج الحكاية للحال فوقع رأيك في إجابته إلى ملتمسه فهذا التوقيع خارج في الأعمال السلطانية مخرج الأمر والعرف باستعماله فيها معتاد فأما في الأحكام الدينية فقد جوزته طائفه من الفقهاء اعتبارا في العرف فيه وصحت به الولاية ومنعت طائفة أخرى من جوازه وانعقاد الولاية به حتى يقترن به أمر تنعقد ولايته به اعتبارا بمعاني الألفاظ فلو كان رافع القصة سأل التوقيع بالحكم بينهما فوقع بإجابته إلى ملتمسه من يعتبر 0 العرف المعتاد صحت الولاية بهذا التوقيع وإن وقع من يعتبر معاني الألفاظ لم تصح به الولاية لأنه سأل التوقيع بالحكم ولم يسأل الحكم والحالة الثانية في التوقيعات أن يحال فيه على إجابة الخصم إلى ما سأل ويستأنف فيه الأمر بما تضمنه فيصير ما تضمنه التوقيع هو المعتبر في الولاية فإن كان كذلك فله ثلاثة أحوال حال كمال وحال جواز وحال يخلو عن الأمرين فأما الحالة التي يكون التوقيع فيها كما لا في صحة الولاية فهو يتضمن شيئين أحدهما النظر والثاني الأمر بالحكم فيذكر فيه انظر بين رافع هذه القصة وبين خصمه وأحكم بينهما بالحق وموجب الشرع فإذا كان كذلك جاز لأن الحكم لا يكون إلا بالحق الذي يوجبه حكم الشرع لا يكون إلا بالحق الذي يوجبه الشرع وإنما يذكر ذلك في التوقيعات وصفا لا شرطا فإن كان هذا التوقيع جامعا لهذين الأمرين من النظر والحكم فهو التوقيع الكامل ويصح به التقليد والولاية وأما الحالة التي يكون 0 فيها التوقيع جائزا مع قصوره عن حال الكمال فهو أن يتضمن الأمر بالحكم دون النظر فيذكر في توقيه أحكم بين رافع هذه القصة وبين خصمه أو يقول اقض بينهما
107
07 فتصح الولاية بذلك لأن الحكم والقضاء بينهما لا يكون غلا بعد تقدم النظر فصار الأمر به متضمنا لأنه لا يخلو منه

وأما الحالة التي يكون التوقيع فيها خاليا من كمال وجواز فهو أن يذكر في التوقيع انظر بينهما فلا تنعقد بهذا التوقيع ولاية لأن النظر بينهما قد يحتمل الوساطة الجائزة ويحتمل الحكم اللازم وهما في الاحتمال سواء فلم تنعقد به مع الاحتمال في الولاية وإن ذكر فيه انظر بينهما بالحق فقد قيل أن الولاية به منعقدة لأن الحق ما لزم ولا تنعقد به لأن الصلح والوساطة حق وإن لم يلزمه والله أعلم


108
08 الباب الثامن
في ولاية النقابة على ذوي الأنساب

وهذه النقابة موضوعة على صيانة ذوي الأنساب الشريفة عن ولاية من لا يكافئهم في النسب ولا يساويهم في الشرف ليكون أحبى وأمره فيهم أمضى روي عن النبي A أنه قال اعرفوا أنسابكم تصلوا أرحامكم فإنه لا قرب بالرحم إذا قطعت وإن كانت قريبة ولا بعد بها إذا وصلت وإن كانت بعيدة

وولاية هذه النقابة تصح من إحدى ثلاث جهات إما لمن جهة الخليفة المستولي على كل الأمور وإما ممن فوض الخليفة إليه تدبير الأمور كوزير التفويض وأمير الإقليم وإما من نقيب عام الولاية استخلف نقيبا خاص والولاية فإذا أراد المولي أن يولي على الطالبين نقيبا أو على العباسيين نقيبا يخير منهم أجلهم بيتا وأكثرهم فضلا وأجزلهم رأيا فيولي عليهم لتجتمع فيه شروط الرياسة والسياسة فيسرعوا إلى طاعته برياسته وتقسيم 0 أمورهم بسياسته

والنقابة على ضربين خاصة وعامة فأما الخاصة فهو أن يقتصر بنظره على مجرد النقابة من غير تجاوز لها إلى حكم وإقامة حد فلا يكون العمل معتبرا في شروطها ويلزمه في النقابة على أهله من حقوق النظر إثنا عشر حقا أحدها حفظ أنسابهم من داخل فيها وليس منها أو خارج عنها وهو منها فيلزمه حفظ الخارج منها كما يلزمه حفظ الداخل فيها ليكون النسب محفوظا على صحته معزوا إلى جهته والثاني تمييز بطونهم ومعرفة أنسابهم حتى لا يخفى عليه منهم بسنوات ولا يتداخل نسب في نسب ويثبتهم في ديوانه على تمييز أنسابهم والثالث معرفة ولد منهم من ذكر وأنثى فيثبته ومعرفة


109
09 من مات منهم فيذكره حتى لا يضيع نسب المولود إن لم يثبته ولا يدعي نسب الميت غيره إن لم يذكره والرابع أن يأخذهم من الآداب بما يضاهي شرف أنسابهم وكرم محتدهم لتكون حشمتهم في النفوس موفورة وحرمة رسول الله A فيهم محفوظة والخامس أن ينزههم عن المكاسب الدنيئة ويمنعهم من المطالب الخبيثة حتى لا يستقل منهم مبتذل ولا يستضام منهم متذلل والسادس أن يكفهم عن ارتكاب المآثم ويمنعهم من انتهاك المحارم ليكونوا على الدين الذي نصروه أغير وللمنكر الذي أزالوه أنكر حتى لا ينطلق بدمهم لسان ولا بشنأهم إنسان والسابع أن يمنعهم من التسلط على العامة لشرفهم والتشطط عليهم لنسبهم فيدعوهم ذلك إلى المقت والبغض ويبعثهم على المناكرة والبعد ويندبهم إلى استعطاف القلوب وتأليف النفوس ليكون الميل إليهم أوفى والقلوب لهم أصفى والثامن أن يكون 0 عونا لهم في استيفاء الحقوق حتى لا يضعفوا عنها وعونا عليهم في أخذ الحقوق منهم حتى لا يمنعوا منها ليصيروا بالمعونة لهم منتصفين وبالمعونة عليهم منصفين فإن عدل السيرة فيهم إنصافهم وإنتصافهم والتاسع أن ينوب عنهم في المطالبة بحقوقهم العامة في سهم ذوي القربى في الفيء والغنيمة الذي لا يختص به أحدهم حتى يقسم بينهم بحسب ما أوجبه الله تعالى لهم والعاشر أن يمنع أيامهم أن يتزوجن إلا من الأكفاء لشرفهن على سائر النساء وصيانة لأنسابهن وتعظيما لحرمتهن غير الولاة أو ينكحهن غير الكفاة والحادي عشر أن يقوم ذوي الهفوات منهم فيما سوى الحدود بما لا يبلغ به حدا ولا ينهر به دما ويقبل ذا الهيئة منهم عثرته ويغفر بعد الوعظ زلته والثاني عشر مراعاة وقوفهم بحفظ أصولها وتنمية فروعها وإذا لم يرد إليه جبايتها راعى الجباة لها فيما أخذوه وراعى قسمتها إذا قسموه وميز المستحقين لها إذا خصت وراعى أوصافهم فيها إذا 0 شرطت حتى لا يخرج منهم مستحق ولا يدخل فيها غير محق

وأما النقابة العامة فعمومها أن يرد إليه في النقابة عليهم مع ما قدمنا من حقوق النظر خمسة أشياء أحدها الحكم فيما تنازعو فيه والثاني الولاية على


110
0 أيتامهم فيما ملكوه والثالث إقامة الحدود عليهم فيما ارتكبوه والرابع تزويج الأيامى اللائي لا يتعين أولياؤهن أو قد تعينوا فعضلوهن والخامس إيقاع الحجر على من عته منهم أو سفه وفكه إذا أفاق ورشد فيصير بهذه الخمسة عامة النقابة فيعتبر حينئذ في صحة نقابته وعقد ولايته أن يكون عالما من أهل الاجتهاد ليصح حكمه وينفذ قضاؤه فإذا انعقدت ولايته لم يخل حالها من أحد أمرين إما أن يتضمن صرف القاضي عن النظر في أحكامه أو لا يتضمن فإن كانت ولايته مطلقة العموم لا تتضمن صرف القاضي عن النظر في أحكامهم ولم يكن تقليد النقيب ولا قاضي النظر في أحكامهم موجبا لصرف القاضي عنها جاز لكل واحد من النقيب والقاضي النظر في أحكامه أما النقيب فخصوص ولايته التي أوجب دخولهم فيها وأما القاضي فعموم ولايته التي أوجب دخولهم فيها فأيهما حكم في تنازعهم 0 وتشاجرهم وفي تزويج أيامهم نفذ حكمه وجرى أمرهما في الحكم على أهل النسب مجرى قاضيين في بلد فأيهما حكم نفذ حكمه بين المتنازعين ولم يكن للآخر إذا كان بحكمه في الاجتهاد مساغ أن ينقضه وإن اختلف متنازعان منهم فدعا أحدهما إلى حكم النقيب ودعا الآخر إلى حكم القاضي فقد قيل إن الداعي إلى نظر النقيب أولى لخوص ولايته وقيل بل هما سواء فيكونان كالمتنازعين في التحاكم إلى قاضيين في بلد فيغلب قول الطالب على المطلوب فإن تساويا كان على ما قدمناه من الوجهين أحدهما يقرع بينهما ويعمل على قول من قرع منهما والثاني يقطع التنازع بينهما حتى يتفقا على أحدهما وإن كان في ولاية النقيب صرف القاضي عن النظر بين أهل هذا النسب لم يجز للقاضي أن يتعرض للنظر في أحكامهم سواء استدعى إليه من الجانب الآخر مستعد أو لم يستعد وخالف ذلك حال القاضيين في جانبي بلد إذا استدعى إليه من الجانب الآخر مستعد يلزمه أن يعديه على خصمه للفرق 0 بينهما وذلك أن ولاية كل واحد من القاضيين محصورة بمكانة فاستوى حكم الطارىء إليه والقاطن فيه لأنهما يصيران من أهله وولاية النقابة محصورة بالنسب الذي لا يختلف حاله باختلاف الأماكن فلو تراضى المتنازعان من أهل النسب بحكم القاضي
111
لم يكن له النظر بينهما ولا أن يحكم لهما أو عليهما لأنه بالصرف منهي عنه وكان النقيب أحق بالنظر بينهما إذا كان التنازع بينهم لا يتعداهم إلى غيرهم فإن تعداهم فتنازع طالبي وعباسي فدعا الطالبي إلى حكم نقيبه ودعا العباسي إلى حكم نقيبه لم تجب على واحد منهما الإجابة إلى حكم غير نقيبه لخروجه عن ولايته فإذا أقام على تمانعهما من الإجابة إلى نقيب أحدهما ففيه وجهان أحدهما يرجعان إلى حكم السلطان الذي هو عام الولاية عليهما إذا كان القاضي مصروفا عن النظر بينهما ليكون السلطان هو الحاكم بينهما أما بنفسه أو بمن يستنيبه على الحكم بينهما والوجه الثاني وهو أشبه أن يجتمع النقيبان ويحضر كل واحد منهما صاحبه ويشتركان في سماع الدعوى وينفرد الحكم بينهما نقيب المطلوب دون الطالب لأنه مندوب إلى أن يستوفي من أهله حقوق مستحقيها فإن تعلق 0 ثبوت الحق ببينة تسمع إلى أحدهما أو يمين يحلف بها أحدهما سمع البينة نقيب المشهود عليه دون نقيب المشهود له وأحلف نقيب الحالف دون نقيب المستحلف ليصير الحاكم بينهما هو نقيب المطلوب دون الطالب وإن تمانع النقيبان أن يجتمعا لم يتوجه عليهما في الوجه الأول مأثم وتوجه عليهما المأثم في الوجه الثاني وكان أغلظ النقيبين مأثما نقيب المطلوب منهما لاختصاصه بتنفيذ الحكم فلو تراضى الطالبي والعباسي بالحاكم إلى أحد النقيبين فحكم بينهما أحدهما نظر فإن كان الحاكم بينهما نقيب المطلوب صح حكمه وأخذ به خصمه وإن حكم بينهما نقيب الطالب ففي نفوذ حكحمه عليه وجهان ينفذ حكمه في أحدهما ويرد في الآخر ولو أحضر أحدهما بينة عند القاضي ليسمعها على خصمه ويكتب بها إلى نقيبه وهو منصرف عن النظر بينهما لم يجز أن يسمع بينته وإن كان يرى القضاء على الغائب لأن حكمه لا ينفذ على من تقوم عليه البينة لو حضر فأولى أن لا ينفذ حكمه 0 عليه مع الغيبة ولو أراد القاضي الذي يرى القضاء على الغائب سماع بينته على رجل من غير عمله ليكتب بما أثبت عنده منه إلى قاضي بلده جاز سماع البينة عليه وأهل هذين النسبين إن حضر أحدهم عنده لم ينفذ حكمه عليه فكذلك لم يجز أن يسمع البينة عليه ولو كان أحد هذين أقر عند القاضي لصاحبه بحق جاز أن يكون القاضي شاهدا به
112
عليه عند نقيبه ولم يجز أن يجبر به حكما لأن حكمه لا ينفذ عليه وهكذا لو أقر به عند غير النقيبين كان شاهدا فيه عند نقيبه ولو أقر به عند نقيبه جاز وكان حكما عليه بإقراره ولو أقر به عند نقيب خصصه ففيه ما قدمناه من الوجيهن يكون في أحدهما شاهدا ويكون في الآخر حاكما فيه لما بيناه من الفرق بين نقيب الطالب والمطلوب وهكذا القول في ولايات زعماء العشائر وولاة القبائل المنفردين بالولايات على عشائرهم وقبائلهم
113
الباب التاسع
في الولايات على إمامة الصلوات

والأمامة على الصلوات تنقسم ثلاثة أقسام أحدها الإمامة في الصلوات الخمس والثاني الإمامة في الجمعة والثالث في صلوات الندب فأما الإمامة في الصلوات الخمس فنصب الإمام فيها معتبر بحال المساجد التي تقام فيها الصلوات وهي ضربان مساجد سلطانية ومساجد عامية فأما المساجد السلطانية فهي المساجد والجوامع والمشاهد وما عظم وكثر أهله من المساجد التي يقوم السلطان بمراعاتها فلا يجوز أن ينتدب للإمامة فيها إلا من ندبه السلطان لها وقلده الإمامة فيها لئلا يفتات الرعية عليه فيما هو موكول إليه فإذا قلد فيها إماما كان أحق بالإمامة فيها من غيره وإن كان أفضل منه وأعلم وهذه الولاية طريقها طريق الأولى لا طريق اللزوم والوجوب بخلاف ولاية القضاء والنقابة لأمرين أحدهما انه لو تراضى الناس بإمام وصلى 0 بهم أجزأهم وصحت جماعتهم والثاني أن الجماعة في الصلوات الخمس من السنن المختارة والفضائل المستحسنة وليست من الفروض الواجبة في قول جميع الفقهاء إلا داود فإنه تفرد بإيجابها إلا من عذر وإذا كانت من الندب المؤكد وندب السلطان لهذه المساجد إماما لم يكن لغيره أن يتقدم فيها مع حضوره فإن غاب واستناب الإمام فيمن تقدم فيها من استنابه فيها أحق بالإمامة وإن لم يستنب في غيبته استأذن الإمام فيمن تقدم فيها إن أمكن وإن تعذر استئذانه تراضى أهل البلد فيمن يؤمهم لئلا تتعطل جماعتهم فإذا حضرت صلاة أخرى والإمام على غيبته فقد قيل إن المرتضى للصلاة الأولى يتقدم في الثانية وما بعدها إلى أن يحضر الإمام المولى وقيل بل يختار للصلاة الثانية ثان يرتضى لها غير الأول لئلا يصير هذا الاختيار تقلدا سلطانيا والذي أراه أولى من إطلاق هذين الوجهين أن يراعى حال الجماعة في الصلاة الثانية فإن حضر لها من حضر في


114
الأولى كان المرتضى في الجماعة الأولى بالإمامة في الصلاة الثانية وإن حضرها غيرهم كان الأول كأحدهم واستأنفوا اختيار إمام يتقدمهم فإذا صلى إمام هذا المسجد بجماعة وحضر من لم يدرك تلك الجماعة لم يكن لهم أن يصلوا فيه فرادى لما فيه من إظهار المباينة والتهمة بالمشاقة والمخالفة وإذا قلد السلطان لهذا المسجد إمامين فإن خص كل واحد منهما ببعض الصلوات الخمس جاز وكان كل واحد منهما مقصورا على ما خص به كتقليد أحدهما صلاة النهار وتقليد الآخر صلاة الليل فلا يتجاوز كل واحد منهما ما رده إليه وإن قلد الإمامة من غير تخصيص كل واحد منهما ببعض الصلوات لكن رد إلى كل واحد منهما يوما صاحبه كان كل واحد في يومه أحق بالإمامة فيه من صاحبه فإن أطلق تقليدهما من غير تخصيص كانا في الإمامة سواء وأيهما سبق إليها كان أحق بها يكن للآخر أن يؤم 0 في تلك الصلاة بقوم آخرين لأنه لا يجوز أن يقام في المساجد السلطانية جماعتان في صلاة واحدة

واختلف في السبق الذي يستحق به التقدم على وجهين أحدهما سبقه بالحضور في المسجد والثاني سبقه بالإمامة فيه فإن حضر الإمامان في حالة واحدة لم يسبق أحدهما صاحبه فإن اتفقا على تقديم أحدهما كان أولى بالإمامة وإن تنازعا ففيه وجهان أحدهما يقرع بينهما ويتقدم من قرع منهما والثاني يرجع إلى اختيار أهل المسجد لأحدهما ويدخل في ولاية ويدخل في ولاية هذا الإمام تقليد المؤذنين ما لم يصرح له بالصرف منه لأن الآذان من سنن الصلوات التي ولى القيام بها فصار داخلا في الولاية وله أن يأخذ في المؤذنين بما يؤديه اجتهاده إليه في الوقت والأذان فإن كان شافعيا يرى تعجيل الصلوات في أول الأوقات وترجيع الآذان وإفراد الإقامة أخذ المؤذنين بذلك وإن كان رأيهم بخلافه وإن كان حنفيا يرى تأخير الصلوات إلى آخر الأوقات إلا المغرب ويرى 0 ترك الترجيع في الأذان وتثنية الإقامة أخذهم بذلك وإن كان رايهم بخلافه ثم يعمل الإمام على رأيه واجتهاده في أحكام صلاته فإن كان شافعيا يرى الجهر ببسم


115
الله الرحمن الرحيم والقنوت في الصبح لم يكن للسلطان أن ينهاه عن ذلك ولا للمأمومين ان ينكروه عليه وكذلك إن كان حنفيا يرى القنوت في الصبح وترك الجهر بالبسملة عمل على رأيه ولم يعارض فيه والفرق بين الصلاة والآذان أنه يؤدي الصلاة في حق نفسه فلم يجز أن يعارض في اجتهاده والمؤذن يؤذن في حق غيره فجاز أن يعارض في اجتهاده فإن أحب المؤذن أنه يؤذن لنفسه على اجتهاده أذن بعد الآذان العام أذانا خاصا لنفسه على رأيه يسر به ولا يجهر

والصفات المعتبرة في تقليد هذا الإمام خمس أن يكون رجلا عادلا قارئا فقيها سليم اللفظ من نقص أو لثغ فإن كان صبيا أو عبدا أو فاسقا صحت إمامته ولم تنعقد ولايته لأن الصغر والرق والفسق يمنع من الولاية ولا يمنع من الإمامة قد أمر رسول الله A عمرو بن مسلمة أن يصلي بقومه وكان صغيرا لأنه كان أقرأهم وصلى رسول 0 الله A خلف مولى له وقال صلوا خلف كل بار وفاجر

ويجوز أن يكون هذا الأمام إمرأة ولا خنثى ولا أخرس ولا ألثغ وإن أمرأة وخنى فسدت صلاة من ائتم بهما من الرحال والخناثى وإن أم ألثغ أو أخرس يبدل الحروف بغيرها بطلت صلاة من أئتم إلا أن يكون على مثل خرسه أو لثغه وأقل ما على هذا الإمام من القراءة والفقه أن يكون حافظا لأم القرآن عالما بأحكام الصلاة لأنه القدر المستحق فيها وإن كان حافظا لجميع القرآن عالما بأحكام الصلاة كان أولى وإذا اجتمع فقيه ليس بقارىء ليس بفقيه فالفقيه أولى من القارىء وإذا كان يفهم الفاتحة لأن ما يلزم من القرآن محصور وما ينوبه من الحوادث في الصلاة غير محصور ويجوز أن يأخذ هذا الإمام ومأذونه رزقا على الإمامة والأذان من بيت المال من سهم المصالح ومنع أبوحنيفة من ذلك وأما المساجد العامة التي يبنيها أهل الشوارع والقبائل في شوارعهم وقبائلهم فلا اعتراض للسلطان عليهم في أئمة مساجدهم 0 وتكون الأمامة فيها لمن اتفقوا على الرضا بإمامته وليس لهم الرضا به أن يصرفوه عن


116
الإمامة إلا أن يتغير حاله وليس لهم رضاهم به أن يستخلفوا مكانه نائبا عنه ويكون أهل المسجد حق الاختيار وإذا اختلف أهل المسجد في اختيار إمام عمل على قول الأكثرين فإن تكافأ المختلفون اختار السلطان لهم قطعا لتشاجرهم من هو أدين وأسن وأقرأ وأفقه وهل يكون اختياره مقصورا على العدد المختلف فيه أو يكون عاما في جميع المساجد على وجهين أحدهما أنه يكون مقصورا على ذلك العدد المختلف في اختياره أحدهم ولا يتعداهم إلى غيرهم لاتفاقهم على ترك من عداهم والثاني أنه يختار من جميع أهل المسجد من يراه لإمامته مستحقا لأن السلطان لا يضيق عليه الاختيار وإذا بنى رجل مسجدا لم يستحق الإمامة فيه كان هو وغيره من جيران المساجد سواء في إمامته وأذانه وقال اوبو حنيفة إنه أحق بالإمامة والأذان فيه وإذا حضرت جماعة منزل رجل للصلاة 0 فيه كان مالك المنزل أحقهم بالإمامة فيه وإن كان دونهم في الفضل فإن حضره السطان كان في أحد القوانين أحق من المالك لعموم ولايته عليه والمالك في القول الثاني أحق لاختصاصه بالتصرف في ملكه

وأما الإمامة في صلاة الجمعة فقد اختلف الفقهاء في وجوب تقليدها فذهب أبو حنيفة وأهل العراق إلى أنها من الولايات الواجبات وأن صلاة الجمعة لا تصح إلا بحضور السلطان أو من يستنيبه فيها وذهب الشافعي رضي الله عنه وفقهاء الحجاز إلى أن التقليد فيها ندب وأن حضور السلطان ليس بشرط فيها فإن أقامها المصلون على شرائطها انعقدت وصحت ولا يجوز ان يكون الإمام فيها عبدا وإن لم تنعقد ولايته وفي جواز إمامه الصبي قولان ولا يجوز إقامتها إلا في وطن مجتمع المنازل يسكنه من تنعقد بهم الجمعة لا يظعنون عنه شتاء ولا صيفا إلا ظعن حاجة سواء كان مصرا أو قربة وقال أبو حنيفة تختص الجمعة بالأمصار ولا يجوز إقامتها في القرى 0 واعتبر المصر بان يكون فيه سلطان يقيم الحدود وقاض ينفذ الحكام واختلف في وجوب الجمعة على من كان خارج المصر فأسقطها أبو حنيفة عنهم وأوجبها الشافعي عليهم إذا سمعوا نداءها


117
واختلف الفقهاء في العدد الذي تنعقد به الجمعة فذهب الشافعي رضي الله عنه إلى أنها تنعقد إلا بأربعين رجلا من أهل الجمعة ليس فيهم إمرأة ولا عبد ولا مسافر

واختلف أصحابه في إمامهم هل يكون زائدا على العدد أو أحد منهم فذهب بعضهم إلى أنها لا تصح إلابأربعين سوى الإمام وقال أكثرهم يجوز أن يكونوا أربعين مع الإمام وقال الزهري ومحمد بن الحسن تنعقد باثني عشر سوى الإمام وقال أكثرهم يجوز أن يكونوا أربعين مع الإمام وقال الزهري ومحمد بن الحسن تنعقد باثني عشر سوى الإمام وقال أبو حنيفة والمزني تنعقد بأربعة أحدهم الإمام وقال الليث وأبو يوسف تنعقد بثلاثة أحدهم الإمام وقال أبو ثور تنعقد باثنين كسائر الجماعات وقال مالك لا اعتبار بالعدد في انعقادها وإنما الاعتبار أن يكونوا عددا تبنى له الأوطان غالبا ولا يجوز أن تقام الجمعة في السفر 0 ولا خارج المصر إلا أن يتصل بناؤه وإذا كان المصر جامعا القرى قد اتصل بناؤها حتى اتسع بكثرة أهله كبغداد جاز إقامة الجمعة في موضعه القديمة ولا يمنع اتصال البنيان من إقامتها في مواضعها وإن المصر واحدا في موضوع الأصل وجامعه يسع جميع أهله كمكة لم يجز أن تقام الجمعة فيه إلا في موضع واحد منه وإن كان المصر واحد متصل الأبنية لا يسع جامعه جميع أهله لكثرتهم كالبصرة فقد اختلف أصحاب الشافعي في جواز إقامة الجمعة في موضعين منه للضرورة بكثرة أهله فذهب بعضهم إلى جوازها وأباه آخرون وقال إن ضاق بهم اتسعت لهم الطرقات فلم يضطروا إلى تفريق الجمعة في مواضع منه

وقد أقيمت الجمعة في موضعين في مصر قد منع أهله من تفريق الجمعة فيه ففيه قولان أحدهما أن الجمعة لأسبقها بإقامتها وعلى المسبوق أن يعيد الصلاة ظهرا والقول الثاني أن الجمعة للمسجد العظيم الذي يحضره السلطان سابقا كان أو مسبوقا وعلى من صلى في الأصغر إعادة 0 صلاتهم ظهرا وليس لمن قلد إمامة الجمعة أن يؤم في اصلوات الخمس واختلف فيمن قلد إمامة الصلوات الخمس هل يستحق الإمامة


118
في صلاة الجمعة فمنعه منها من جعل الجمعة فردا مبتدأ وجوزها له من جعلها ظهرا مقصورا وإذا كان الإمام في الجمعةيرى أنها تنعقد بأقل من أربعين رجلا وكان المأمومون وهم أقل من أربعين رجلا يرون انعقاد الجمعة بهم لم يجز أن يؤمهم ووجب عليه أن يستخلف عليهم أحدهم ولو كان الامام يرى أنها تنعقد بأقل من أربعين رجلا والمأمومون لا يرونه وهم أقل لم يلزم الإمام ولا المأمومين إقامتها لأن المأمومين لا يرونه والإمام لم يجد معه من يصليها وإذا أمر السلطان الإمام في الجمعة أن يصلي بأقل من أربيعن لم يكن له أن يصليها بأقل من أربعين وإن كان يراه مذهبا لأنه مقصورالولاية على الأربعين ومصروف عما دونها ويجوز أن يستخلف عليهم من يصليها لصرف ولاية عنها وإذا أمره السلطان أن يصلي بأقل من أربعين وهو يراه ففي ولايته وجهان أحدهما أنها باطلة لتعذرها من 0 جهته والثاني أنها صحيحة ويستخلف عليها من يراه منهم

وأما الإمامة في الصلوات المسنونة مثل الجمعة فخمس صلاة العيدين والخسوفين والاستسقاء وتقليد الإمامة فيما ندب لجوازها جماعة وفرادى واختلف في حكمها فذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنها من السنن المؤكدة وذهب آخرون منهم إلى أنها من فروض الكفاية وليس لمن قلد إمامة الصلوات الخمس أو إمامة الجمعة حق في إقامتها إلا أن يقلد جميع الصلوات فتدخل في غيرها

فأما صلاة العيد فوقتها ما بين طلوع الشمس وزوالها ويختار تعجيل الأضحى وتأخير الفطر ويكبر الناس في ليلتي العيدين من بعد غروب الشمس إلى حين أخذهم في صلاة العيد ويختص عيد الأضحى بالتكبير عقيب الصلوات المفروضة من بعد صلاة الظهر من يوم النحر إلى بعد صلاة الصبح من آخر أيام التشريق ويصلي العيدين قبل الخطبة والجمعة بعدها اتباعا للسنة فيهما

وتختص صلاة العيدين بالتكبيرات الزوائد واختلف الفقهاء في 0 عددها فذهب الشافعي رضي الله عنه إلى أنه يزيد في الأولى سبعا سوى تكبيرة الإحرام وفي الثانية خمسا سوى تكبيرة القيام قبل القراءة فيهما وقال مالك يزيد في الأولى ثلاثا قبل القراءة وفي


119
الثانية أربعا سوى تكبيرة القيام قبل القراءة ويعمل الإمام في هذه التكبيرات الزوائد على رأيه واجتهاده وليس لمن ولاه يأخذه برأي نفسه بخلاف العدد في صلاة الجمعة لأنه يصير بذكر العدد في صلاة الجمعة خاص الولاية لا يصير بذكر التكبير في صلاة العيد خاص الولاية فافترقا

فأما صلاة الخسوفين فيصليهما من ندبه السلطان لهما أو من عمت ولايته فاشتملت عليهما وهي ركعتان وقيامان يطيل القراءة فيهما فيقرأ في القيام الأول من الركعة الأولى سرا بعد الفاتحة بسورة البقرة أو بقدرها من غيرها ويركع مسبحا بقدر مائة آية ثم يرفع منتصبا ويقرا بعد الفاتحة بسورة آل عمران أو بقدرها ويركع مسبحا بقدر ثمانين آية يسجد سجدتين كسائر الصلوات ثم يصنع في الركعة الثانية كذلك يقرأ في قيامها ويسبح في ركوعها بثلثي ما قرأ وسبح في الركعة الأولى ثم يخط 0 بعدها وقال أبو حنيفة يصلي ركعتين كسائر الصلوات ويصلي لخسوف القمر كصلاة كسوف الشمس جهرا لأنها من صلاة الليل وقال مالك لا يصلى لخسوف القمر كصلاة كسوف الشمس

فأما صلاة الاستسقاء فمذهوب إليها عند انقطاع المطر وخوف الجدب بتقدم من قلدها بصيام ثلاثة أيام قبلها والكف فيها عن التظالم والتخاصم ويصلح فيها بين المتشاجرين والمتخاصمين والمتهاجرين وهي كصلاة العيد في وقتها وإذا قلد صلاة العيد في عام جاز مع إطلاق ولايته أن يصليها في كل عام ما لم يصرف وإذا قلد صلاة الكسوف والاستسقاء في عام لم يكن له مع إطلاق ولايته أن يصليها في غيره إلا أن يقلد لأن صلاة العيد راتبة وصلاة الخسوف والاستسقاء عارضة وإذا مطروا وهم في الاستسقاء أتموها خطب بعدها شكرا ولو مطروا قبل الدخول فيها لم يصلوا وشكروا الله تعالى بغير خطبة وكذلك في الخسوف إذا انجلى ولو اقتصر في الاستسقاء على الدعاء بغير صلاة أجزأ وروى أبو مسلم 0 عن أنس بن مالك أن أعرابيا أتى رسول الله A فقال له يا رسول الله لقد أتيناك وما لنا بعير يثط ولا صبي يصطحب ثم أنشده


120
0

(أتيناك والعذراء يدمى لبانها

وقد شغلت أم الصبي عن الطفل
وألقى بكفيه الصبي استكانة
من الجوع ضعفا لا يمر ولا يحلى
ولا شيء مما يأكل الناس عندنا
سوى الحنظل العلمي والعلهز الغسل
وليس لنا إلا إليك فرارنا
وأين فرار الناس إلاإلى الرسل) فقام رسول الله A يجر رداءه حتى صعد فحمد الله وأثنى عليه وقال اللهم أسقنا غيثا مغيثا سحا طبقا غير رائث ينبت به الزرع ويملأ به الضرع وتحيى به الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون فما استتم الدعاء حتى ألقت السماء بأرواقها فجاء أهل البطانة يصيحون يا رسول الله الغرق فقال حوالينا ولا علينا فانجابت السحاب عن المدينة كالإكبل فضحك رسول الله A حتى بدت نواجذه ثم قال لله در أبي طالب لو كان حيا لقرت عيناه من الذي ينشد شعره فقام علي بن أبي طالب فقال كأنك يا رسول الله أردت قوله

( وأبيض يستسقي 0 الغمام بوجهه

ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يلوذ به الهلاك من آل هاشم
فهم عنده في نعمة وفواضل
كذبتم وبيت الله نبزى محمدا
ولما نقاتل دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله
ونذهن عن أبنائنا والحلائل) فقام رجل من كنانة فأنشد النبي A

( لك الحمد والحمد ممن شكر

سقينا بوجه النبي المطر
121
دعا الله خالقه دعوة
وأشخص معها إليه النظر
فلم يك إلا كإلقاء الردا
وأسرع حتى رأينا المطر
دفاق العزالى حجم البعاق
أغاث به الله عليا مضر
وكان كما قاله عمه
أبو طالب أبيض ذا غرر
به الله أرسل صوب الغمام
وهذا العيان وذاك الخبر)

فقال النبي A إن يكن شاعر يحسن فقد أحسنت وليس السواد مختص بالأئمة في الصلوات التي تقام فيها دعوة السلطان اتباعا لشعاره الآن وتكره مخالفته فيه وإن لم يرد به شرع تحرزا من مباينته وإذا تغلب من منع الجماعة كان عذرا في ترك المجاهرة بها أو إذ أقامها المتغلب مع سوء معتقده اتبع فيها لا يتبع على بدعة يحدثها


122
الباب العاشر
في الولاية على الحج

وهذه الولاية على الحج ضربان أحدهما أن تكون على تسيير الحجيج والثاني على إقامة الحج فأما تسيير الحجيج فهو ولاية سياسة وزعامة وتدبير والشروط المعتبرة في المولى أن يكون مطاعا ذا رأي وشجاعة وهيبة وهداية والذي عليه في حقوق هذه الولاية عشرة أشياء أحدها جمع الناس في مسيرها ونزولهم حتى لا يتفرقوا فيخاف عليهم التوى والتعزير والثاني ترتيبهم في المسير والنزول بإعطاء كل طائفة منهم مقادا حتى يعرف كل فريق منهم مقاده إذا سار ويألف مكانه إذا نزل فلا يتنازعون فيه ولا يضلون عنه والثالث يرفق بهم في السير حتى لا يعجز عنه ضعيفهم ولا يضل عنه منقطعهم وروى عن النبي A أنه قال الضعيف أمير الرفقة

يريد أن من ضعفت دوابه كان على القوم أن يسيروا سيره الرابع أن يسلك بهم أوضح الطرق وأخصبها ويتجنب أجدبها 0 وأوعرها والخامس أن يرتاد لهم المياه إذا انقطعت والمراعي إذا قلت والسادس أن يحرسهم إذا نزلا أويحوطهم إذا رحلوا حتى لا يتخطفهم داعر ولا يطمع فيهم متلصص والسابع أن يمنع عنهم من يصدهم عن المسير ويدفع من يحصرهم عن الحج بقتال إن قدر عليه أو يبذل مال إن أجاب الحجيج إليه ولا يسعه أن يجبر أحدا على بذل الخفارة إن إمتنع منها حتى يكون باذلا لها عفوا ومجيبا إليها طوعا فإن بذل المال على التمكين من الحج لا يجب والثامن أن يصلح بين المتشاجرين ويتوسط بين المتنازعين ولا يتعرض للحكم بينهم إجبارا إلا أن يفوض الحكم إليه فيعتبر فيه أن يكون من أهله فيجوز له حينئذ الحكم بينهم


123
فإن دخلوا بلد فيه حاكم جاز له ولحاكم البلد أن يحكم بينهم فأيهما حكم نفذ حكمه ولو كان التنازع بين الحجيج وأهل البلد لم يحكم بينهم إلاحاكم البلد والتاسع أن يقوم زائغهم ويؤدب خائنهم ولا يتجاوز التعزير إلى الحد إلا أن يؤذن له فيه فيستوفيه إذا كان من أهل الاجتهاد فيه فإن دخل بلدا فيه من يتولى إقامة الحدود على أهله نظر فإن كان ما أتاه المحدود قبل دخول البلد فوالى الحجيج أولى بإقامة الحد عليه من والي البلد وإن كان ما أتاه المحدود في المحدود في البلد فوالي البلد أولى بإقامة الحد عليه من والي الحجيج والعاشر يراعي اتساع الوقت حتى يؤمن الفوات ولا يلجئهم ضيقه إلى الحث في السير فإذا وصل إلى الميقات أمهلهم للإحرام وإقامة سنته فإن كان الوقت متسعا عدل بهم إلى مكة ليخرجوا مع أهلها إلى المواقف وإن كان الوقت ضيقا عدله 0 بهم عن مكة إلى عرفة خوفا من فواتها فيفوت الحج فإن زمان الوقوف بعرفة ما بين زوال الشمس من يوم عرفة إلى طلوع الفجر الثاني من يوم النحر فمن أدرك الوقوف بها في شيء من هذا الزمان من ليل أو نهار فقد أدرك الحج فمن أدرك الوقوف بها حتى طلع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج وعليه إتمام ما بقي من أركانه وجبرانه بدم وقضاؤه في العام المقبل إن أمكنه وفيما بعده إن تعذر عليه ولا يصير حجة عمرة بالفوات ولا يتحلل بعد الفوات إلا بإحلال الحج وقال أبو حنيفة رحمه الله يتحلل بعمل عمرة وقال أبو يوسف يصير إحرامه بالفوات عمرة وإذا وصل الحجيج إلى مكة فمن لم يكن على العود منهم فقد زالت عنه ولاية الوالي على الحجيج فلم تكن له عليه يد ومن كان منهم على العود فهو تحت ولايته وملتزم أحكام طاعته فإذا قضى الناس حجهم أمهلهم الأيام التي جرت بها العادة في إنجاز علائقهم ولا يرهقهم في الخروج فيضربهم على طريق المدينة 0 لزيارة قبر رسول الله A ليجمع لهم بين حج بيت الله عز وجل وزيارة قبر رسول الله A رعاية لحرمته وقياما بحقوق طاعته ولئن لم يكن من فروض الحج فهو من ندب الشرع المستحبة وعادات الحجيج المستحسنة

روى نافع عن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله A قال


124
من زار قبري وجبت له شفاعتي

وحكى العتبي قال كنت عند قبر رسول الله Aفأتاه أعرابي فأقبل وسلم فأحسن ثم قال يا رسول الله إني وجدت الله تعالى يقول (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما) وقد جئتك تائبا من ذنبي مستشفعا بك إلى ربي ثم بكى وأنشأ يقول

( يا خير من دفنت بالقاع أعظمه

فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه
فيه العفاف وفيه الجود والكرم)

ثم ركب راحلته وانصرف قال العتبي فأغفيت إغفاءه فرأيت رسول الله A فقال لي يا عتبي الحق الأعرابي وأخبره أن الله سبحانه قد غفر له ثم يكون في عوده بهم ملتزما فيهم من الحقوق ما التزمه في صدرهم حتى يصل بهم إلى البلد الذي سار بهم منه فتنقطع ولايته عنهم بالعود إليه وإن كانت الولاية على إقامة الحج فهو 0 فيه بمنزلة الإمام في إقامة الصلوات فمن شروط الولاية عليه مع الشروط المعتبرة في أئمة الصلوات أن يكون عالما بمناسك الحج وأحكامه عارفا بمواقيته وأيامه وتكون مده ولايته مقدرة بسبعة أيام أولها من صلاة الظهر في اليوم السابع من ذي الحجة وآخرها يوم الحلاق وهو النفر الثاني في اليوم الثالث عشر من ذي الحجة وهو فيما قبلها وبعدها أحد الرعايا وليس من الولاة وإذا كان مطلق الولاية على إقامة الحج فله إقامته في كل عام ما لم يصرف عنه وإن عقدت له خاصة على عام واحد لم يتعد إلى غيره إلا عن ولاية

والذي يختص بولايته ويكون نظره مقصورا عليه خمسة أحكام متفق عليها وسادس مختلف فيه أحدها إشعار الناس بوقت إحرامهم والخروج إلى مشاعرهم ليكونوا له متبعين وبأفعاله مقتدين والثاني ترتيبهم للمناسك على ما استقر الشرع عليه لأنه متبوع


125
فيها فلا يقدم مؤخرا ولا يؤخر مقدما سواء كان الترتيب مستحقا أو مستحبا والثالث تقدير المواقف بمقامه فيها ومسيره عنها كما تقدر صلاة المأمومين بصلاة الإمام والرابع إتباعه في الأركان المشروعة فيها والتأمين على أدعيته بها ليتبعوه في القول كما اتبعوه في العمل وليكون اجتماع أدعيتهم أفتح لأبواب الإجابة والخامس إمامتهم في الصلوات في الأيام التي شرعت خطب الحج فيها وجمع الحجيج عليها وهن أربع فالأولى منهن وهي أول شروعه في مسنوناته ومندوباته بعد تقدم إحرامه وأن كان لو أخر إحرامه أجزأه أن يصلي بهم صلاة الظهر بمكة في اليوم السابع ويخطب بعدها وهي الأولى من خطب الحج الأربع مفتتحا لها بالتلبية إن كان محرما والتكبير إن كان محلا ويعلم الناس أن مسيرهم في غد إلى منى ليخرجوا إليها فيه وهو الثامن من العشر فينزل بحيف منى 0 ببني كنانة حيث نزل رسول الله A منه ويبيت بها ويسير بهم من غده وهو التاسع مع طلوع الشمس إلى عرفة على طريق ضبب ويعود على طريق المأزمين اقتداء برسول الله A وليكن عائدا من عبر الطريق الذي صدر منه فإذا أشرف على عرفة نزل ببطن عرفة وأقام به حتى تزول الشمس ثم سار منه إلى مسجد إبراهيم صلوات الله عليه بوادي عرفة يخطب بهم الخطبة الثانية من خطب الحج قبل الصلاة كالجمعة فإن جميع الخطب مشروعة بعد الصلاة إلا خطبتين خطبة الجمعة وخطبة عرفة فإذا خطبها ذكر للناس فيها ما يلزمهم من أركان الحج ومناسكه وما يحرم عليهم من محظوراته ثم يصلي بهم بعد الخطبة صلاة الظهر والعصر جامعا بينهما في وقت الظهر ويقصرهما المسافرون ويتمهما المقيمون اقتداء برسول الله A في جمعه وقصره ثم يسير بعد فراغه منهما إلى عرفة وهو الموقف المفروض قال رسول الله A الحج عرفة فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحج ومن فاته عرفة فقد فاته 0 الحج

وحد عرفة ما جاوز وادي عرفة الذي فيه المسجد وليس المسجد ولا وادي عرفة من عرفة إلى الجبال المقابلة على عرفة كلها فيقف منها عند الجبال الثلاثة النتيعة


126
والنتيعة والتائب فقد وقف رسول الله A على ضرس من التائب وجعل بطن راحلته إلى المحراب فهذا أحب المواقف أن يقف الإمام فيه وأينما وقف من عرفة الناس أجزأهم ووقوفه على راحلته ليقتدي به الناس أولى ثم يسير بعد غروب الشمس إلى مزدلفة مؤخرا صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء الآخرة بمزدلفة ويوم الناس فيهما ويبيت بمزدلفة وحدها من حيث يفيض من مأزمي عرفة وليس المأزمان منها إلى أن يأتي إلى قرن محسر وليس القرن منها ويلتفظ الناس منها حصى الجمار بقدر الأنامل مثل حصى الخذف ويسير منها بعد الفجر ولو سار قبله وبعد منتصف الليل أجزأ وليس المبيت بها ركنا ويجبره دم إن تركه وجعله أبو حنيفة من الأركان الواجبة ثم صار منها إلى المعشر الحرام فيقف منه يقرح داعيا وليس الوقوف به فرضا ثم يسير إلى منى فيبدأ برمي جمرة العقبة قبل الزوال 0 تسع حصيات ثم ينحر ومن ساق معه هديا من الحجيج ثم يحلق أو يقصر يفعل منهما ما شاء والحلق ثم يتوجه إلى مكة فيطوف بها طواف الإفاضة وهو الفرض ويسعى بعد طوافه إن لم يسع قبل عرفة ويجئه سعيه قبل عرفة ولا يجزئه طوافه قبلها ثم يعود إلى منى فيصلى بالناس الظهر ويخطب بعدها وهي الخطبة الثالثة من خطب الحج الأربع ويذكر الناس ما بقي عليهم من مناسكهم وحكم إحلالهم الأول والثاني وما يستبيحونه من محظورات الإحرام بكل واحد منهما على الانفراد وإن كان ففيها قال هل من سائل وإن لم يكن فقيها لم يتعرض للسؤال ويبيت بمنى ليلته ويرمي من غده وهو يوم النفر يوم الحادي عشر بعد الزوال الجمار الثلاث بإحدى وعشرين حصاة كل جمرة سبع حصيات ويبيت بها ليلته الثانية ويرمي من غدها وهو يوم النفر الجمار الثلاث ثم يخطب بعد صلاة الظهر الخطبة الرابعة وهي آخر الخطب المشروعة في الحج ويعلم الناس أن لهم في الحج نفرتين خيرهم الله 0 تعالى فيهما بقوله (واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى)
127
ويعلمهم أن من نفر من منى قبل غروب الشمس من يومه هذا سقط عنه المبيت بها لرمي الجمار من غده ومن أقام بها حتى غربت الشمس لزمه المبيت بها والرمي في غده وليس لهذا الإمام بحكم ولايته أن ينفر في النفر الأول ويقيم ليبيت بها وينفر في النفر الثاني من غده في يوم الحلاق وهو اليوم الثالث عشر بعد رمي الجمار الثلاث لأنه متبوع فلم ينفر إلا بعد استكمال المناسك فإذا استقر حكم النفر الثاني انفضت ولايته وقد أدى ما لزمه فهذه الأحكام الخمسة المتعلقة بولايته وأما السادس المختلف فيه فثلاثة أشياء أحدها إن فعل أحد الحجيج ما يقتضي تعزيرا أو يوجب فعله حدا فإن كان مما يتعلق بالحج لم يكن له تعزيره ولا حده وإن كان مما يتعلق بالحج فله تعزيره زجرا وتأديبا وفي إقامة الحد عليه وجهان أحدهما يحده لأنه من أحكام الحج وفي الآخر لا يحده لخروجه 0 عن أفعال الحج والثاني أنه لا يجوز أن يحكم بين الحجيج فيما تنازعوه من غير أحكام الحج وفي حكمه بينهما فيما تنازعوه من أحكام الحج كالزوجين إذا تنازعا في إيجاب كفارة للوطء ومؤنة القضاء وجهان أحدهما يحكم بينهما والثاني لا يحكم والثالث أن يأتي أحد الحجيج ما يوجب الفدية فله أن يجبره بوجوبها ويأمره بإخراجها وهل يستحق إلزامه لها ويصير خصما له في المطالبة أم لا على وجهين كما في إقامة الحدود ويجوز لوالي الحج أن يفتي من استفتاء إذا كان فقيها وإن لم يكن يجز أن يحكم وليس له أن ينكر عليهم ما يسوغ فعله إلا فيما يخاف أن يجعله الجاهل قدوة فقد أنكر عمر رضي الله عنه على طلحة بن عبيد الله ليس المضرج في الحج وقال أخاف إن يقتدي بك الجاهل وليس له أن يحمل الناس في المناسك على مذهبه ولو أقام للناس الحج وهو حلال غير محرم كره له ذلك وصح الحج معه وهو بخلاف الصلاة التي تصح إن يؤمهم فيها وهو غير 0 مصل لها ولو قصد الناس في الحج التقدم على إمامهم فيه والتأخير عنه جاز وإن كانت مخالفة المتبوع مكروهة ولو قصدوا مخالفته في الصلاة فسدت عليهم صلاتهم لارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام وانتصال حج الناس عن حج الإمام
128
الباب الحادي عشر
في ولاية الصدقات

الصدقة زكاة والزكاة صدقة يفترق الاسم ويتفق المسمى ولا يجب على المسلم في ماله حق سواها قال رسول الله A ليس في المال حق سوى الزكاة والزكاة تجب في الأموال المرصدة للنماء إما بأنفسها أو بالعمل فيها طهرة لأهلها ومعونة لأهل السهمان

والأموال المزكاة ضربان ظاهرة وباطنة فالظاهرة ما لا يمكن إخفاؤه كالزرع والثمار والمواشي والباطنة ما أمكن إخفاؤه من الذهب والفضة وعروض التجارة وليس لوالي الصدقات نظر في زكاة مال الباطن وأربابه أحق بإخراج زكاته منه إلا أن يبدلها أراب الأموال طوعا فيقبلها منهم ويكون في تفريغها عونا لهم ونظر ه مختص بزكاة الأموال الظاهرة يؤمر أرباب الأموال بدفعها إليه

وفي هذا الأمر إذا كان عادلا فيها قولان أحدهما أنه محمول على الإيجاب وليس لهم التفرد بإخراجها ولا 0 تجزئهم إن أخرجوها والقول الثاني محمول على الاستحباب إظهارا للطاعة وإن تفردوا بإخراجها أجزأتهم وله على القولين معا أن يقاتلهم عليها إذا امتنعوا من دفعا كما قاتل أبو بكر الصديق رضي الله عنه مانعي الزكاة لأنهم يصيرون بالامتناع من طاعة ولاة الأمر إذا عدلوا بغاة ومنع أبو حنيفة رضي الله عنه من قتالهم إذا أجابوا على إخراجها بأنفسهم والشروط المعتبرة في هذه الولاية أن يكون حرا مسلما عادلا بأحكام الزكاة إن كان من عمال التفويض وإن كان منفذا قد عينه الإمام على قدر يأخذه جاز أن لا يكون من أهل العلم بها ويجوز أن يتقلدها من تحرم عليه الصدقات من ذي القربى ولكن يكون رزقه عن سهم المصالح


129
وله إذا قلدها ثلاثة أحوال أن يقلد أخذها وقسمتها فله الجمع بين الأمرين على ما سنشرح والثاني أن يقلد أخذها وينهي عن قسمتها فنظره مقصور عن الأخذ وهو ممنوع من القسم والمقلد بهما بتأخير قسمها مأثوم إلا أن يجعل تقليدها لمن ينفرد بتعجيل قسمها والثالث أن يطلق تقليده عليها فلا يؤمر بقسمها ولا ينهي عنه فيكون بإطلاقه محمولا على عمومه في المرين من أخذها وقسمها فصارت الصدقات مشتملة على الأخذ والقسم لكل واحد منهما حكم وسنجمع بينهما في هذا الباب علىالاختصار

ونبدأ بأحكام أخذها فنقول إن الأموال المزكاة أربعة أحدها المواشي الإبل والبقر والغنم وسميت ماشية لرعيها وهي ماشية فأما الإبل فأول نصابها خمس وفيها إلى تسع شاة حذعة من الضأن أو ثنية من المعز والجذع من الغنم ماله ستة أشهر والثني منها ما استكمل سنة فإذا بلغت 0 الإبل عشرا ففيها إلى أربع عشرة شاتان وفي خمس عشرة إلى تسع عشرة ثلاث شياه وفي العشرين إلى أربع وعشرين أربع شياه فإذا بلغت خمسا وعشرين عدل في فرضها عن الغنم وكان فيها خمس وثلاثين بنت مخاض وهي التي استكملت السنة فإن عدمت فابن لبون ذكر فإذا بلغت ستا وثلاثين ففيها إلى خمس وأربعين ابنة لبون وهي ما استكملت سنتين فإذا بلغت ستا وأربعين ففيها إلى ستين حقه وهي ما استكملت ثلاث سنين واستحقت الركوب وطروق الفحل فإذا بلغت إحدى وستين ففيها إلى خمس وسبعين جذعة وهي ما استكملت أربع سنين فإذا بلغت ستا وسبعين ففيها إلى تسعين بنتا لبون فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها إلى مائة وعشرين حقتان وهذا ما ورد به النص وانعقد عليه الإجماع فإذا زادت على مائة وعشرين فقد اختلف الفقهاء في حكم ذلك فقال أبو حنيفة يستأنف بها الفرض المبتدأ وقال مالك لا اعتبار بالزيادة حتى تبلغ مائة وثلاثين فيكون بها حقة وابنتا لبون 0 وقال الشافعي إذا زادت على مائة وعشرين واحدة كان في أربعين بنت لبون وفي مائة وخمسين ثلاث حقاق وفي مائة وستين أربع بنات لبون وفي مائة وسبعين


130
0 حقة وثلاث بنات لبون وفي مائة وثمانين حقتان بنتا لبون وفي مائة وتسعون ثلاث حقاق وبنت لبون فإذا بلغت مائتين ففيها أحد فرضين إما أربع حقاق أو خمس بنات لبون فإن لم يوجد فيها إلا أحد الفرضين أخذ وإن وجدا معا أخذ العامل أفضلهما وقيل يأخذ الحقائق لأنها أكثر منفعة وأقل مؤنة ثم على هذا القياس فيما زاد في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة

وأما البقر فأول نصابها ثلاثون وفيها تبيع ذكر وهو ما استكمل ستة أشهر وقدر على اتباع أمه فإن أعطى تبيعة أنثى قبلت منه فإذا بلغت أربعين ففيها مسنة أنثى وهي التي قد استكملت سنة فإن أعطى مسنا ذكرا لم يقبل منه إن كان في بقره أنثى وإن كانت كلها ذكورا فقد قيل يقبل المسن الذكر وقيل لا يقبل

واختلف فيما زاد على الأربعين من البقر فقال أبو حنيفة في إحدى رواياته يؤخذ من خمسين بقرة مسنة 0 وربع وقال الشافعي لا شيء فيها بعد الأربعين حتى تبلغ ستين فيجب فيها تبيعان ثم فيما بعد الستين في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة فيكون في سبعين مسنة وتبيع وفي ثمانين مسنتان وفي تسعين ثلاثة أتبعة وفي مائة تبعان ومسنة وفي مائة وعشرة مسنتان وفي مائة وعشرين أحد فرضين كالمائتين من الإبل إما أربعة أتبعة أو ثلاث مسنات وقيل يأخذ العامل منهما ما وجد فإن وجدهما أخذ أفضلهما وقيل يأخذ المسنات ثم على هذا القياس فيما زاد في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة

وأما الغنم فأول نصابها أربعون وفيها إلى مائة وعشرين شاة جذعة أو ثنية من المعز إلا أن تكون كلها صغارا دون الجذاع والثنايا فيؤخذ منها على مذهب الشافعي صغيرة دون الجذع والثنية وقال مالك لا يؤخذ إلا جذعة أو ثنية فإذا صارت مائة وإحدى وعشرين ففيها شاتان إلا مائتي شاة فإذا صارت مائتي شاة وشاة ففيها ثلاث شياه إلى أن تبلغ أربعمائة شاة 0 فإذا بلغتها ففيها أربع شياه ثم في كل مائة استكملتها من بعد الأربعمائة شاة


131
ويضم الضأن إلى المعز والجواميس إلى البقر والبخاتي إلى العراب لأنهما نوعان من جنس واحد ولا يضم الإبل إلى البقر ولا البقر إلى الغنم لاختلاف الجنس ويجمع مال الإنسان في الزكاة وإن تفرقت أمواله والخلطاء في النصاب يزكون زكاة إذا اجتمعت فيها شرائط الخلطة وقال مالك لا تأثير للخلطة حتى يملك واحد منهم نصابا فيزكون حينئذ زكاة الخلطة وقال أبو حنيفة لا اعتبار بالخلطة ويزكي كل واحد منهم ما له على انفراده

وزكاة المواشي تجب بشرطين أحدهما أن تكون سائمة ترعى الكلأ فتقل مؤنتها ويتوفر درها ونسلها فإن كانت عاملة أو معلوفا لم تجب فيها زكاة على مذهب أبي حنيفة والشافعي وأوجبها مالك كالسائمة والشرط الثاني أن يحول عليها الحول الذي يستكمل فيه النسل لقول النبي A لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول

والسخال تزكى بحول أمهاتها إذا 0 ولدت قبل الحول وكانت الأمهات نصبا فإن نقصت الأمهات عن النصاب فعند أبي حنيفة تزكى الأمهات إذا بلغتا نصابا وعند الشافعي أنها يستأنف بها الحول بعد استكمال النصاب ولا زكاة في الخيل والبغال والحمير وأوجب أبو حنيفة في إناث الخيل السائمة عن كل فرس وقد قال النبي عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق

وإذا كان والي الصدقات من عمال التفويض أخذها فيما اختلف الفقهاء فيه على رأيه واجتهاده لا على اجتهاد الإمام ولا على اجتهاد أرباب الأموال ولم يجز للإمام أن ينص له على قدر ما يأخذه وإن كان من عمال التنفيذ عمل فيما اختلف ولزم الإمام اجتهاد الإمام دون أرباب الأموال ولم يجز لهذا العامل أن يجتهد ولزم الإمام أن ينص له على قدر المأخوذ ويكون رسولا في القبض منفذا لاجتهاد الإمام فعلى هذا إن كان هذا العامل عبدا أو ذميا جاز فإن كان في زكاة عامة لم يجز


132
لأن فيها ولاية لا يصح ثبوتها مع الكفر والرق وإن كان في زكاة خاصة نظر فإن كان في مال قد عرف مبلغ أصله وقدر زكاته جاز أن يكون هذا المأمور نقبضه عبدا أو ذميا لأنه تجرد من حكم الولاية وتخصص بأحكام الرسالة وإن كان في مال لم يعرف مبلغه ولا قدر زكاته لم يجز أن يكون المأمور بقبضه ذميا لأتمنه على مال لا يعمل فيه على خبره وجاز أن يكون عبدا لن خبر العبد مقبول وإذا تأخر عامل الصدقات عن أرباب الأموال بعد وجوب زكاتهم فإن كان بعد ورود عمله وتشاغله بغيرهم انتظروه لنه لا يقدر على أخذها إلا من طائفة بعد طائفة وإن تأخر عن جميعهم وتجاوز العرف في وقت زكاتهم أخرجوها بأنفسهم لأن الأمر بدفعها غليه مشروط بالمكنة وساقط مع عدم الإمكان وجاز لمن يتولى إخراجها من أرباب الأموال أن يعمل فيها على اجتهاده إن كان من أهل الاجتهاد وإن 0 لم يكن من أهله استفتى من الفقهاء من يأخذ بقوله ولا يلزمه أن يستفتي غيره وإن استفتى فقيهين فأفتاه أحدهما بإيجابها وأفتاه الآخر بإسقاطها أو أفتاه أحدهما بقدر وأفتاه الآخر بأكثر منه فقد اختلف أصحاب الشافعي فيما يعمل به منها فذهب بعضهم إلى أنه يأخذ بأغلظ القولين حكما

وقال آخرون يكون مخيرا في الأخذ بقول من شاء منهما فلو حضر العامل بعد أن عمل رب المال على اجتهاد نفسه أو اجتهاد من استفتاه وكان اجتهاد العامل مؤديا إلى إيجاب ما أسقطه أو الزيادة على ما أخرجه كان اجتهاد العامل أمضى إن كان وقت الإمكان باقيا واجتهاد رب المال أنفذ إن كان وقت الإمكان فائتا ولو أخذ العامل الزكاة باجتهاده وعمل في وجوبها وأسقطها على رأيه وأدى اجتهاد رب المال إلى إيجاب ما أسقطه أو الزيادة عما أخذه لزم رب المال فيما بينه وبين الله تعالى إخراج ما أسقطه من أصل أو تركه من زيادة لأنه معترف بوجوبها عليه لأهل 0 السهمان

فصل والمال الثاني من أموال الزكاة ثمار النخل والشجر فأوجب أبو حنيفة


133
الزكاة في جميعها وأوجبها الشافعي في ثمار النخل والكرم خاصة ولم يوجب في غيرهما من جميع الفواكه والثمار زكاة

وزكاتها تجب بشرطين أحدهما بدو صلاحها واستطابة أكلها وليس على من قطعها قبل بدو الصلاح زكاة ويكره أن يفعله فرارا من الزكاة ولا يكره إن فعله لحاجة والشرط أن تبلغ خمسة أوسق فلا زكاة فيها عند الشافعي إن كانت أقل من خمسة أوسق والوسق ستون صاعا والصاع خمسة أرطال وثلث بالعراقي وأوجبها أبو حنيفة في القليل والكثير ومنع أبو حنيفة من خرص الثمار على أهلها وجوزه الشافعي تقديرا للزكاة واستظهارا لأهل السهمان فقد ولى رسول A على خرص الثمار عمالا وقال لهم خففوا الخرص فإن في المال الوصية والعرية والواطئة والنائبة

فالوصية ما يوصي بها أربابها بعد الوفاة والعرية ما يعري للصلات في حال الحياة والواطئة ما تأكله السابلة منهم 0 وسموها واطئة لوطئهم الأرض والنائبة ما ينوب الثمار من الجوائح

فأما ثمار البصرة فيخرص كرومها وهم في خرصها كغيرهم ولا يخرص عليهم نخلها لكثرته ولحوق المشقة في خرصه فإنهم يبيحون في التعاون أكل المارة منها وغنما ما قد لهم الصدر الأول من ثناياها في يومي الجمعة والثلاثاء يصرف معظمه في أهل الصدقات وجعل لهم في عوض الثنايا كبار الثمار وحملها إلى كرسي البصرة ليستوفي أعشاها منهم هناك وليس يلزم هذا غيرهم فصاروا بذلك محالفين لمن سواهم

ولا يجوز خرص الكرم والنخل إلا بعد بدو الصلاح فيخرصان بسرا وعنبا وينظر ما يرجعان إليه تمرا وزبيبا ثم يخير أربابها إذا كانوا أمناء بين ضمانها بمبلغ خرصها ليتصرفوا ويضمنوا قدر زكاتها وبين أن تكون في أيديهم


134
أمانة يمنعون من التصرف فيها حتى تتناهى فتؤخذ زكاتها إذا بلغت وقدر الزكاة العشر إن سقيت غربا أو نضحا فإن سقيت بهما فقد قيل يعتبر أعلاهما وقيل يؤخذ بسقط كل واحد منهما وإذا اختلف رب المال والعامل فيما سقيت به كان القول ربها وأحلفه العامل استظهارا فإن نكل لم يلزمه إلا ما اعترف به ويضم النخل بعضها إلى بعض وكذلك أنواع الكرم لأن جميعها جنس واحد ولا يضم النخل إلى الكرم لاختلافهما في الجنس

وإذا كانت ثمار النخل والكرم تصير تمرا وزبيبا لم يؤخذ زكاتهما إلا بعد تناهي جفافهما تمرا وزبيبا وإن كانت مما لا يؤخذ إلا رطبا أو عنبا أخذ عشر ثمنها إذا بيعا فإن احتاج أهل السهمان إلى حقهم منهما رطبا أو عنبا جاز في أحد القولين إذا قيل إن القمسة تمييز نصيب ولم يجز في القول الثاني إذا قيل أن القسمة بيع وإذا هلكت الثمار بعد 0 خرصها بحائجة من أرض أو سماء قبل إمكان أداء الزكاة منها سقطت وإن هلكت بعد إمكان أدائها أخذت

والمال الثالث الزروع أوجب أبو حنيفة الزكاة في جميعها وعند الشافعي لا تجب غلا فيما زرعه الآدميون قوتا مدخرا ولا تجب عنده في البقول والخضر ولا تجب عند الشافعي فيهما ولا فيما لا يؤكل من القطن والكتان ولا فيما يزرعه الآدميون من نبات الأدوية والجبال وهي مأخوذة عنده من عشرة أنواع البر والشعير والأرز والبقلاء واللوبيا والحمص والعدس والدخن والجلبان فأما العدس فهو نوع من البر يضم إليه وعليه قشرتان لا تجب الزكاة فيه بقشرته غلا إذا بلغ عشرة أوسق وكذلك الأرز في قشرته وأما السلت فهو نوع من الشعير يضم إليه والجاروش نوع من الدخن يضم إليه وما عداهما أجناس لا يضم إلى بعضها إلى غيره وضم مالك الشعير إلى الحنطة وضم ما سواهما من القطنيات بعضها إلى بعض وزكاة الزرع تجب فيه بعد قوته واشتداده ولا تؤخذ منه دياسة وتصفيته


135
إذا بلغ النصف منه خمسة أوسق ولا زكاة فيما دونها وأوجبها أبو حنيفة في قليله وكثيره وإذا جز المالك زرعه بقلا أو قصيلا لم تجب زكاته ويكره أن يفعله فرارا من الزكاة ولا يكره إن كان لحاجة

وإذا ملك الذمي أرض عشر فزرعها فقد اختلف الفقهاء في حكمها فذهب الشافعي إلى أنه لا عشر فيها عليه ولا خراج وقال أبو حنيفة يوضع عليها الخراج ولا يسقط عنها فإذا اسلم سقط عنها مضاعفة الصدقة وقال محمد بن الحسن وسفيان الثوري يؤخذ منها صدقة ولا تضاعف بإسلامه وقال أبو يوسف منها ضعف الصدقة المأخوذة من المسلم

وإذا زرع المسلم أرض خراج أخذ منه عند الشافعي عشر الزرع مع خراج الأرض ومنع أبو حنيفة مع الجمع بينهما واقتصر على أخذ الخراج وحده وإذا استأجر أرض خراج على مؤجرها والعشر على مستأجرها وقال أبو حنيفة عشر الزرع على المؤجر وكذلك المعمر 0 فهذه الموال الثلاثة كلها أموال ظاهرة

وأما المال الرابع فهو الفضة والذهب وهما من الموال الباطنة وزكاتهما ربع العشر لقوله A في الورق ربع العشر ونصاب الفضة مائتا درهم بوزن الإسلام الذي وزن كل درهم منه ستة دوانق وكل عشرة منها سبعة مثاقيل وفيها إذا بلغت مائتي درهم خمسة دراهم هو ربع عشرها ولا زكاة فيها إذا نقصت عن مائتين وفيما زاد عليها بحسابه وقال أبو حنيفة لا زكاة فيما زاد على مائتين حتى يبلغ أربعين درهما فيجب فيها درهم سادس والورق مطبوعة والنقار سواء

وأما الذهب فنصابه عشرون مثقالا بمثاقيل الإسلام يجب فيه ربع عشرة ونصف مثقال وفيما زاد بحسابه ويستوي فيه خالصه ومطبوعه ولا تضم الفضة إلى الذهب ويعتبر نصاب كل واحد منهما على انفراده وضم مالك وأبو حنيفة الأقل إلى


136
الأكثر وقوماه بقيمة الأكثر وإذا أنجز بالدراهم والدنانير تجب زكاتهما وربحهما تبع لهما إذا حال الحول لأن زكاة الفضة والذهب تجب بحول الحول عليهما وأسقط داود زكاة مال التجار وشذ بهذا القول عن الجماعة وإذا اتخذ من الفضة والذهب حليا مباحا سقطت زكاته في أصح قول الشافعي وهو مذهب مالك ووجبت في أضعفهما وهو قول أبي حنيفة وإن اتخذ منهما ما خطر من الحلي والأواني وجبت زكاته في قول الجميع

وأما المعادن فهي من الأموال الظاهرة واختلف الفقهاء فيما تجب فيه الزكاة منها فأوجبها أبو حنيفة في كل ما ينطبع من فضة وذهب وصفر ونحاس وأسقطها عما لا ينطبع من مائع وحجر وأوجبها أبو يوسف فيما يستعمل منها حليا كالجواهر وعلى مذهب الشافعي تجنب في معادن الفضة والذهب خاصة إذا بلغ المأخوذ من كل واحد منهما بعد السبك والتصفية نصابا ففي قدر 0 المأخوذ من زكاته ثلاثة أقاويل أحدها ربع العشر كالمفتي من الذهب والفضة والقول الثاني الخمس كالركاز والقول الثالث يعتبر حاله فإن كثرت مؤنته ففيه ربع العشر وإن قلت مؤنته ففيه الخمس ولا يعتبر فيه الحول لأنها فائدة تزكى لوقتها

وأما الركاز فهو كل مال وجد مدفونا من ضرب الجاهلية في موات أو طريق سابل يكون لواجده وعليه خمسه يصرف في مصرف الزكاة لقول النبي A وفي الركاز الخمس وقال أبو حنيفة واجد الركاز مخير بين إظهاره وبين إخفائه والإمام إذا ظهر له مخير بين أخذ الخمس أو تركه وما وجد في أرض مملوكة فهو في الظاهر لمالك الأرض لا حق فيه لواجده ولا شيء فيه على مالكه إلا ما يجب من زكاة إن يكن قد أداها عنه وما وجد من ضرب الإسلام مدفونا أو غير مدفون فهو لقطة يجب تعريفها حولا فإن جاء صاحبها وإلا فللواجد أن يتملكها مضمونة في ذمته لمالكها إذا ظهر

وعلى عامل الصدقة أن يدعو لأهلها عند الدفع ترغيبا لهم 0 في المسارعة وتمييزا لهم من أهل الذمة في الجزية وامتثالا لقوله تعالى


137
(خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم)

ومعنى قوله سبحانه تعالى (تطهرهم وتزكيهم بها) أي تطهر ذنوبهم وتزكي أعمالهم وفي قوله تعالى (وصل عليهم) وجهان أحدهما استغفر لهم وهو قول ابن عباس رضي الله عنه والثاني أدع لهم وهو قول الجمهور وفي قوله تعالى (إن صلاتك سكن لهم) أربع تأويلات أحدها قربة لهم وهو قول ابن عباس رضي الله عنه والثاني رحمة لهم وهو قول طلحة والثالث تثبيت لهم وهو قول ابن قتيبة والرابع أمن لهم وهو من الاستحباب إن لم يسأل وفي استحقاقه إذا سئل وجهان أحدهما مستحب والثاني مستحق

وإذا كتم الرجل زكاة ماله وأخفاها عن العامل مع عدله أخذها العامل منه إذا ظهر عليها ونظر في سبب إخفائها فإن كان يتولى إخراجها بنفسه لم يعزره وإن أخفاها ليغلها ويمنع حق الله منها عزره ولم يغرمه زياد 0 عليها وقال مالك يأخذ منه شطر ماله لقوله عليه A من غل صدقة فأنا آخذها وشطر ماله عزمة من عزمات الله ليس لآل محمد نصيب فيها وفي قول النبي A ليس في المال حق سوى الزكاة ما يصرف هذا الحديث عن ظاهره من الإيجاب إلى الزجر والإرهاب كما قال من قتل عبده قتلناه

وإذا كان لا يقتل بعبده وإذا كان العامل جائزا في الصدقة عادلا في قسمتها جاز كتمها وأجزأ دفعها إليه وإذا كان عادلا في أخذها جائرا في قسمتها وجب كتمانها منه ولم يجز دفعها إليه فإن أخذها طوعا أو جبرا لم يجزهم عن حق الله تعالى في أموالهم ولزمهم إخراجها بأنفسهم إلى مستحقيها من أهل السهمان وقال مالك يجزئهم ولا


138
يلزمهم إعادتها وإذا أقر عامل الصدقات بقبضها من أهلها قبل قوله وقت ولايته سواء كان من عمال التفويض أن من عمال التنفيذ وفي قبول قوله بعد عزله وجهان تخريجا من القولين في دفع زكاة الأموال الظاهرة إليه وهل هو مستحب أو مستحق فإن قيل مستحب قبل قوله بعد العزل وإن قيل مستحق لم يقبل قوله إلا ببينة ولم يجز أن يكون شاهدا يقبضها وإن كان عدلا وإذا ادعى رب المال إخراجها فإن كان مع تأخير العامل عنه بعد إمكان أدائها قبل قوله وأحلفه العامل إن اتهمه وفي استحقاق هذه اليمين وجهان أحدهما مستحقه إن نكل عنها أخذت منه الزكاة والوجه الثاني استظهارا إن نكل عنها لم يؤخذ منه وإن ادعى ذلك مع حضور العامل لم يقبل قوله في الدفع إن قيل إن دفعها إلى العامل مستحق وقيل قوله إن قيل إنه مستحب

فأما قسم الصدقات في مستحقيها فهي لمن ذكر الله 0 تعالى في كتابه العزيز بقوله (إنا الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم) بعد أن كان رسول الله A يقسمها على رأيه واجتهاده حتى لزمه بعض المنافقين وقال اعدل يا رسول الله فقال ثكلتك أمك إذا لم أعدل فمن يعدل ثم نزلت عليه آية الصدقات بعد فعندها قال رسول الله A إن الله تعالى لم يرض في قسمة الموال بملك مقرب ولا بنبي مرسل حتى تولى قسمتها بنفسه

فواجب أن تقسم صدقات المواشي وأعشار الزرع والثمار وزكاة الأموال والمعادن وخمس الركاز لأن جميعها زكاة على ثمانية أسهم للأصناف الثمانية إذا وجدوا ولا يجوز أن يخل بصنف منهم وقال أبو حنيفة يجوز أن يصرفها إلى أحد الأصناف الثمانية مع وجودهم ولا يجب أن يدفعها إلى جميعهم وفي تسوية الله تعالى بينهم


139
وفي آية الصدقات ما يمنع من الاقتصار على بعضهم فواجب على عامل الصدقات بعد تكاملها ووجود جميع من سمي لها أن يقسمها على ثمانية أسهم بالتسوية فيدفع سهما منها إلى الفقراء والفقير هو الذي لا شيء له ثم يدفع السهم الثاني إلى المساكين والمسكين هو الذي له مالا يكفيه فكان الفقير أسوأ حالا منه وقال أبو حنيفة المسكين أسوأ حالا من الفقير وهو الذي قد أسكنه العدم فيدفع إلى كل واحد منهما إذا اتسعت الزكاة ما يخرج به من اسم فقير والمسكنة إلى أدنى مراتب الغنى وذلك معتبر بحسب حالهم فمنهم من يصير بالدينار الواحد غنيا إذا كان من أهل الأسواق يربح فيه قدر كفايته فلا يجوز أن يزاد عليه ومنهم من لا يستعني إلا بمائة دينار فيجوز أن يدفع إليه أكثر منه منهم من يكون ذا جلد يكتسب بضاعته قدر كفايته فلا يجوز أن يعطى وإن كان لا يملك درهما 0 وقدر أبو حنيفة رضي الله عنه أكثر ما يعطاه الفقير والمسكين بما دون مائتي درهم من الورق وما دون عشرين دينار من الذهب لئلا تجب عليه الزكاة فيما أخذ من الزكاة

ثم السهم الثالث سهم العاملين عليها وهم صنفان أحدهما المقيمون بأخذها وجبايتها والثاني المقيمون بقسمتها وتفريقها من أمين ومباشر ومتبوع وتابع جعل الله تعالى أجورهم في مال الزكاة لئلا يؤخذ من أرباب الأموال سواها فيدفع إليهم من سهمهم قدر أجور أمثالهم فإن كان سهمهم منها أكثر رد الفضل على باقي السهام وإن كان أقل تمت أجورهم من مال الزكاة في أحد الوجهين ومن مال المصالح في الوجه الآخر

والسهم الرابع سهم المؤلفة قلوبهم وهم أربعة أصناف صنف يتألفهم لمعونة المسلمين وصنف يتألفهم للكف عن المسلمين وصنف يتألفهم لرغبتهم في الإسلام وصنف لترغيب قومهم وعشائرهم في الإسلام فمن كان من هذه الأصناف الأربعة مسلما جاز أن يعطي من سهم المؤلفة من 0 الزكاة ومن كان منهم من مشركا عدل به عن مال الزكاة إلى سهم المصالح من الفيء والغنائم والسهم الخامس سهم الرقاب وهو عند الشافعي وأبي حنيفة مصروف في المكاتبين


140
0 يدفع لهم قدر ما يعتقون به وقال مالك يصرف في شراء عبيد يعتقون والسهم السادس للغارمين وهم صنفان صنف منهم استدانوا في مصالح أنفسهم فيدفع إليهم مع الفقر دون الغنى ما يقضون به ديونهم وصنف منهم استدانوا في مصالح المسلمين فيدفع إليهم مع الفقر والغنى قدر ديونهم من غير فضل

والسابع سهم سبيل الله تعالى وهم الغزاة يدفع إليهم من سهمهم قدر حاجتهم في جهادهم فإنه كانوا يرابطون في الثغر دفع إليهم نفقة ذهابهم وما أمكن من نفقات مقامهم وإن كانوا يعودون إذا جاهدوا أعطوا نفقة ذهابهم وعودهم والسهم الثامن سهم ابن السبيل وهم المسافرون الذين لا يجدون نفقة سفرهم يدفع إليهم من سهمهم إذا لم يكن سفر معصية قدر كفايتهم في سفرهم وسواء من كان منهم مبتدئا بالسفر أو مجتازا وقال أبو حنيفة أدفعه إلى المجتاز دون المبتدىء بالسفر

وإذا قسمت 0 الزكاة في الأصناف الثمانية لم يخل حالهم بعدها من خمسة أقسام أحدها أن تكون وفق كفايتهم من غير نقص ولا زيادة فقد خرجوا بما أخذوه من أهل الصدقات وحرم عليهم التعرض لها والقسم الثاني أن تكون مقصرة عن كفايتهم فلا يخرجون من أهلها ويحالون بباقي كفايتهم على غيرها والقسم الثالث أن تكون كافية لبعضهم مقصرة عن الباقين فيخرج المكتفون عن أهلها ويكول المقصرون على حالهم أهل الصدقات والقسم الرابع أن تفضل عن كفاية جميعهم فيخرجون من أهلها بالكفاية ويرد الفاضل من سهامهم على غيرهم من أقرب البلاد إليهم والقسم الخامس أن تفضل عن كفايات بعضهم وتعجز عن كفايات الباقين فيرد ما فضل عن المكتفين على من عجز من المقصرين حتى يكتفي الفريقان

وإذا عدم بعض الأصناف الثمانية قسمت الزكاة على من يوجد منهم ولو كان صنفا واحد ولا ينقل سهم من عدم في جيران المال إلا سهم سبيل الله في الغزاة فإنه ينقل إليهم لأنهم 0 يسكنون الثغور في الأغلب وتفرق زكاة كل ناحية في أهلها ولا يجوز


141
أن تنتقل زكاة بلد إلى غيره عدم وجود أهل السهمان فإن نقلها عنه مع وجودهم فيه لم يجزئه في أحد قولين وأجزأه في القول الآخر وهو مذهب أبي حنيفة ولا يجوز دفع الزكاة إلى كافر وجوز أبو حنيفة دفع زكاة الفطر خاصة إلى الذمي دون المعاهد ولا يجوز دفعها إلى ذوي القربى من بني هاشم وبني عبد المطلب تنزيها لهم عن أوساخ الذنوب وجوز أبو حنيفة دفعها إليهم ولا يجوز أن تدفع إلى عبد ولا مدير ولا أم ولد ولا من رق بعضه ولا يدفعها الرجل إلى زوجته ويجوز أن تدفع المرأة زكاتها إلى زوجها ومنع أبو حنيفة من ذلك ولا يجوز أن يدفع أحد زكاته إلى من تجب عليه نفقته من والد أو ولد لغناهم به إلا من سهم الغارمين إذا كانوا منهم ويجوز أن يدفعها إلى سواهم من أقاربه وصرفها فيهم أفضل من الأجانب وفي جيران المال أفضل من الأجانب وفي جيران 0 المال أفضل من الأباعد وإذا حضر رب المال أقاربه إلى العامل ليخصهم بزكاة ماله فإن لم تختلط زكاته بزكاة غيره خصم بها فإن اختلطت كانوا في المختلط أسوة غيرهم لكن لا يخرجهم منها لأن فيها ما هم أحق وأخص

وإذا استراب رب المال بالعامل في مصرف زكاته وسأله أن يشرف على قصمتها لم يلزمه إجابته إلى ذلك لأنه قد برأ منها بدفعها إليه ولو سأل العامل رب المال أن يحضر قسمتها لم يلزمه الحضور لبراءته منها بالدفع وإذا هلكت الزكاة في يد العامل قبل قسمتها أجزأت رب المال ولم يضمنها العامل إلا بالعدوان وإذا أتلفت الزكاة في يد رب المال قبل وصولها إلى العامل لم تجزه وأعادها ولو تلف ماله قبل إخراج زكاته سقطت عنه إن كان تلفه قبل إمكان أدائها ولا تسقط إن كان تلفه بعد إمكان أدائها وإذا أدعى رب المال تلف ماله قبل ضمان زكاته كان قوله مقبولا وإن اتهمه العامل أحلفه استظهارا ولا يجوز للعامل أن يأخذ رشوة 0 أرباب الأموال ولا يقبل هداياهم قال رسول الله A هدايا العمال غلول والفرق بين الرشوة والهدية أن الرشوة ما أخذت طلبا والهدية بذلت عفوا فإذا ظهرت على العامل خيانة كان الإمام هو الناظر في حاله المستدرك لخيانته دون أرباب الموال ولم يتعي


142
لأهل السهمان في خصومته إلا أن يتظلموا إلى الأمام تظلم ذوي الحاجات ولا تقبل شهادتهم على العامل للتهمة اللاحقة بهم فأما شهادة أرباب الأموال عليه فإذا كانت في أخذ الزكاة منهم لم تسمع شهادتهم وإن كانت في وضعه لها غير حقها سمعت وإذا ادعى أرباب الأموال دفع الزكاة إلى العامل وأنكرها أحلف أرباب الأموال على ما ادعوه وبرئوا وأحلف العامل على ما أنكره وبرىء فإن شهد بعض أرباب الأموال لبعض بالدفع إلى العامل فإن كان بعد التناكر والتخاصم لم نسمع شهادتهم عليه وإن كان قبلها سمعت وحكم على العامل بالغرم فإن أدعى بعد الشهادة أنه قسمها في أهل السهمان لم يقبل منه لأنه قد أكذب هذه الدعوى بإنكاره فإن شهد له أهل السهمان بأخذها لم يقبل منه لأنه أكذب هذه الدعوى بإنكاره الأخذ وإذا أقر العامل بقبض الزكاة وادعى قسمتها في أهل السهمان 0 فأنكروه كان قوله في قسمتها مقبولا لأنه مؤمن فيها وقولهم في الإنكار مقبول في بقاء فقرهم وحاجتهم ومن ادعى من أهل السهمان فقرا قبل منه ومن ادعى غرما لم يقبل منه ولا ببينة وإذا أقر رب المال عند العامل بقدر زكاته ولم يخبره بمبلغ ماله جاز أن يأخذها منه على قوله ولم يأخذه بإحضار ماله جبرا وإذا خطأ العامل في قسم الزكاة ووضعها في غير مستحق لم يضمن فيمن يخفي حاله من الأغنياء وفي ضمانه لها فيمن لا يخفى حاله من ذوي القربى والكفار والعبيد قولان ولو كان رب المال هو الخاطىء في قسمتها ضمنها فيمن لا يخفى حاله من ذوي القربى والعبيد وفي ضمانها فيمن يخفى حاله من الأغنياء قولان ويكون حكم العامل في سقوط الضمان أوسع لأن شغله أكثر فإن كان الخطأ اعذر
143
الباب العاشر
في قسم الفيء والغنيمة

وأموال الفيء والغنائم ما وصلت من المشركين أو كانوا سبب وصولها ويختلف المالان في حكمهما وهما مخالفان لأموال الصدقات من أربعة أوجه أحدها أن الصدقات مأخوذة من المسلمين تطهيرا لهم والفيء والغنيمة مأخوذان من الكفار انتقاما منهم والثاني أن مصرف الصدقات منصوص عليه ليس للأئمة اجتهاد فيه وفي أموال الفيء والغنيمة ما يقف مصرفه على اجتهاد الأئمة والثالث أن أموال الصدقات يجوز أن ينفرذ أربابها بقسمتها في أهلها ولا يجوز لأهل الفيء والغنيمة أن ينفردوا بوضعه في مستحقه حتى يتولاه أهل الاجتهاد من الولاة والرابع اختلاف المصرفين على ما سنوضح

أما الفيء والغنيمة فهما متفقان من وجهين ومختلفان من وجهين فأما وجها اتفاقهما فأحدهما أن يأكل واحد من المالين واصل بالكفر والثاني أن مصرف خمسهما 0 واحد وأما وجها اتفاقهما فأحدهما أن مال الفيء مأخوذ عفوا ومال الغنيمة مأخوذ قهرا والثاني أن مصرف أربعة أخماس الفيء مخالف الغنيمة لمصرف أربعة أخماس الغنيمة ما سنوضح إن شاء الله تعالى

وسنبدأ بمال الفيء إن كل مال وصل من المشركين عفوا من غير قتال ولا بايجاف خيل ولا ركاب فهو كمال الهدنة والجزية وأعشار متاجرهم أو كان واصلا بسبب من جهتهم كمال الخراج ففيه إذا أخذ منهم أداء الخمس لأهل الخمس مقسوما على خمسة وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا خص في الفيء ونص الكتاب في خمس الفيء يمنع من مخالفته قال تعالى


144
(ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل)

فيقسم الخمس على خمسة اسهم متساوية سهم منها كان لرسول الله A في حياته ينفق منه على نفسه وأزواجه ويصرفه في مصالحه ومصالح المسلمين واختلف الناس فيه بعد موته فذهب من يقول بميراث الأنبياء إلى أنه موروث عنه مصروف إلى ورثته وقال أبو ثور يكون ملكا للأمام بعده لقيامه بأمور الأمة مقامه وقال أبو حنيفة قد سقط يموته وذهب الشافعي رحمه الله إلى أن يكون مصروفا في مصالح المسلمين كأرزاق الجيش وإعداد الكراع والسلاح وبناء الحصون والقناطر وأرزاق القضاة والأئمة وما جرى هذا المجرى من وجوه المصالح والسهم الثاني سهم ذوي القربى زعم أبو حنيفة أنه سقط حقهم منه اليوم وعند الشافعي أن حقهم فيه ثابت وهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب ابنا 0 عبد مناف خاصة لا حق فيه لمن سواهم من قريش كلها يسوى فيه بين صغارهم وكبارهم وأغنيائهم وفقرائهم ويفضل فيه بين الرجال والنساء للذكر مثل حظ الأنثيين لأنهم أعطوه باسم القرابة ولا حق فيه لمواليهم ولا لأولاد بناتهم ومن مات منهم بعد حصول المال وقبل قسمه كان سهامه منه مستحقا لورثته والسهم الثالث لليتامى من ذوي الحاجات واليتم موت الأب مع الصغر ويستوي فيه حكم الغلام والجارية فإذا بلغا زال اسم اليتم عنهما قال رسول A لا يتم بعد حلم

والسهم الرابع للمساكين وهم الذين لا يجدون ما يكفيهم من أهل الفيء لا يجدون ما ينفقون وسواء منهم من ابتدأ بالسفر أو كان مجتازا فهذا حكم الخمس في قسمه وأما أربعة أخماسه ففيه قولان أحدهما أنه للجيش خاصة لا يشاركهم فيه غيرهم ليكون معدا لأرزاقهم والقول الثاني أنه مصروف في المصالح التي منها أرزاق الجيش وما لا غنى للمسلمين عنه ولا يجوز أن يصرف الفيء في أهل الصدقات ولا تصرف 0 في الصدقات في أهل الفيء ويصرف كل واحد من والمالين في أهله وأهل الصدقة من لا هجرة


145
له ليس من المقاتلة عن المسلمين ولا من حماة البيضة وأهل الفيء هم ذو الهجرة الذابون عن البيضة والمانعون عن الحريم والمجاهدون للعدو وكان اسم الهجرة لا ينطلق إلا على من هاجر من وطنه إلى المدينة لطلب الإسلام وكانت كل قبيلة أسلمت وهاجرت بأسرها تدعى البررة وكل قبيلة هاجرت بعضها تعدى الخبرة فكان المهاجرون بررة وحيرة ثم سقط حكم الهجرة بعد الفتح وصار المسلمون مهاجرين وأعرابا فكان أهل الصدقة يسمون على عهد رسول A أعرابا ويسمى أهل الفيء مهاجرين وهو ظاهر في أشعارهم كما قال فيه بعضهم

( قد لفها الليل بعصلبي

أروع خراج من الدوى
مهاجر ليس أعرابي)

ولاختلاف الفريقين في حكم المالين ما ثمين وسوى أبو حنيفة بينهما وجوز صرف كل واحد من المالين في كل واحد من الفريقين وإذا أراد الإمام أن يصل قوما لتعود صلاتهم بمصالح المسلمين 0 كالرسل والمؤلفة جاز أن يصلهم من مال الفيء فقد أعطى رسول الله A المؤلفة يوم حنين فأعطى عيينة بن حصن الفزاري مائة بعير والأقرع بن حابس بن التميمي مائة بعير والعباس بن مرداس خمسين بعيرا فتسخطها وعتب على رسول الله A وقال

( كانت نهابا تلافيتها

بكرى على المهر في الأجوع
وإيقاظي القوم أن يرقدوا
إذا هجع القوم لم أهجع
فأصبح نهبي ونهب العبيد
بين عيينة والأقرع
وقد كنت في الحرب ذا قدرة
فلم أعط شيئا ولم أمنع
وإلا أقاتل أعطيتها
عديد قوامها الأربع
فما كان حصن ولا حابس
يفوقان مرداس في مجمع
ولا كنت دون امرىء منهما
ومر تضع اليوم لا يرفع)
146
فقال رسول الله A لعلي بن ابي طالب اذهب فاقطع عني لسانه

فلما ذهب به قال أتريد ان تقطع لساني قال لا ولكن أعطيك حتى ترضى فاعطاه فكان ذلك قطع لسانه فأما إذا كانت صلة الإمام لا تعود بمصلحة على المسلمين وكان المقصود بها نفع المعطي خاصة كانت صلاتهم من ماله روى أن أعرابيا أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال

(يا عمر الخير جزيت الجنة

اكس بناياثي وأمهنه
وكر لنا من الزمان جنه
أقسم بالله لتفعلنه) فقال عمر رضي الله عنه إن لم أفعل يكون ماذا فقال

(إذا أبا حفص لأذهبنه) فقال وإذا ذهبت يكون ماذا فقال

( يكون عن حالي لتسألنه

يوم تكون الاعطيات هنه
وموقف المسئول بينهنه
إعا إلى نار وإما جنة)

قال فبكى عمر رضي الله عنه حتى خضبت لحيته وقال يا غلام أعطه قميصي هذا لذلك اليوم لا لشعره أما والله لا أملك غيره فجعل ما وصل به 0 من ماله لا من مال المسلمين لأن صلته لا تعد بنفع على غبره فخرجت من المصالح العامة ومثل هذا الأعرابي يكون من أهل الصدقة غير أن عمر رضي الله عنه لم يعطه منها إما لأجل شعره الذي استنزله فيه وإما لأن الصدقة مصروفة في جيرانها ولم يكن منهم وكان مما نقمه الناس على عثمان رضي الله عنه أن جعل كل الصلوات من مال الفيء ولم ير الفرق بين الأمرين

ويجوز للإمام أن يعطي ذكور أولاده من مال الفيء لأنهم من أهله فإن يكونوا


147
صغارا كانوا في إعطاء الذراري من ذوي السابقة والتقدم وإن كانوا كبارا ففي إعطاء المقاتلة من أمثالهم

حكى ابن إسحاق أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لما بلغ أتى أباه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وسأله أن يفرض له ففرض له ألفين ثم جاء غلام من أبناء الأنصار قد بلغ فسأله أن يفرض له ففرض له ثلاثة آلاف فقال عبد الله يا أمير المؤمنين فرضت لي في ألفين وفرضت لهذا في ثلاثة آلاف ولم يشهد أو هذا ما قد شهدت قال أجل لكنى رأيت أبا أمك يقاتل رسول الله Aورأيت أبا أم هذا يقاتل مع رسول الله A ولأم أكثر من الألف

ولا يجوز للإمام أن يعطي إناث أولاده من مال الفيء لأنهم من جملة ذريته الداخلين في عطائه وأما عبيده وعبيد غيره فإن لم يكونوا مقاتلة فنفقاتهم في ماله ومال ساداتهم وإن كانوا مقاتلة فقد كان أبو بكر رضي الله عنه يفرض 0 لهم في العطاء ولم يفرض لهم عمر رضي الله عنه والشافعي رحمه الله يأخذ فيهم بقول عمر رضي الله عنه فلا يفرض لهم العطاء ولكن تزاد ساداتهم في العطاء لأجلهم لأن زيادة العطاء معتبرة بحال الذرية فإن عتقوا جاز أن يفرض لهم العطاء ويجوز أن يفرض لنقباء أهل الفيء في عطاياهم ولا يجوز أن يفرض لعمالهم لأن النقباء منهم والعمال يأخذون أجرا على عملهم ويجوز أن يكون عامل الفيء من ذوي القربى من بني هاشم وبني عبد المطلب ولا يجوز أن يكون عامل الصدقات منهما إذا أراد سهمه منها إلا أن يتطوع لأن بني هاشم وبني عبد المطلب تحرم عليهم الصدقات منهما ولا يحرم عليهم الفيء ولا يجوز لعامل الفيء أن يقسم ما جباه إلا بإذن ويجوز لعامل الصدقات أن يقسم ما جباه بغير إذن ما لم ينه عنه لما قدمناه من صرف مال الفيء عن اجتهاد الإمام ومصرف الصدقة نص بالكتاب وصفة عامل الفيء مع وجود أمانته وشهامته تختلف بحسب اختلاف ولايته فيه 0 وهي تنقسم ثلاثة أقسام القسم الأول أحدها أن يتولى تقدير أموال الفيء وتقدير وضعها في الجهات


148
المستحقة منها كوضع الخراج والجزية فما شروط ولاية هذا العامل أن يكون حرا مسلما مجتهدا في أحكام الشريعة مضطلعا بالحساب والمساحة

والقسم الثاني أن يكون عام الولاية على جباية ما استقر من أموال الفيء كلها فالمعتبر في صحة ولايته شروط الإسلام والحرية والاضطلاع بالحساب والمساحة ولا يعتبر أن يكون فقيها مجتهدا لأنه يتولى قبض ما استقر بوضع غيره والقسم الثالث أن يكون خاص الولاية نوع من أموال الفيء خاص فيعتبر ما وليه منها فإن لم يستغن فيه عن استنابة اعتبر فيه الإسلام والحرية مع اضطلاعه بشروط ما ولى من مساحة أو حساب ولم يجز أن ذميا ولا عبدا لأن فيها ولاية وإن استغنى عن الاستنابة جاز أن يكون عبدا لأنه كالرسول المأمور وأما كونه ذميا فينظر فيما رد إليه من مال الفيء فإن كانت معاملته فيه مع أهل الذمة كالجزية وأخذ 0 العشر من أموالهم جاز أن ذميا وإن كانت معاملته فيه مع المسلمين كالخراج الموضوع على رقاب الأرضين إذا صارت في أيدي المسلمين ففي جواز كونه ذميا وجهان وإذا بطلت ولاية العامل فقبض مال الفيء مع فساد ولايته برىء الدافع مما عليه إذا لم ينهه عن القبض لأن القابض منه مأذون له وإن فسدت ولايته وجرى في القبض مجرى الرسول ويكون الفرق بين صحة ولايته وفسادها أن له الإجبار على الدفع مع صحة الولاية وله الإجبار مع فسدها فإن نهل عن القبض مع فساد ولايته لم يكن له القبض ولا الإجبار ولم يبرأ الدافع بالدفع إليه إذا علم بنهيه وفي براءته إذا لم بالنهي وجهان كالوكيل

فأما الغنيمة فهي أكثر أقساما وأحكاما لأنها أصل تفرع عنه الفيء فكان حكمها أعم وتشتمل على أقسام أسرى وسبي وأرضين وأموال فأما الأسرى فهم الرجال المقاتلون من الكفار إذا ظفر المسلمين بأسرهم أحياء


149
فقد اختلف الفقهاء في حكمهم فذهب الشافعي رحمه الله إلى أن الإمام أم من استنابه الإمام عليهم في أمر الجهاد مخير فيهم إذا أقاموا على كفرهم في الأصلح من أحد أربعة أشياء وإما القتل وإما الاسترقاق وإما الفداء بمال أو أسرى وإما المن عليهم بغير فداء

فإذا أسلموا سقط القتل وكان على خياره في أحد الثلاثة وقال مالك يكون مخيرا بين ثلاثة أشياء القتل أو الاسترقاق أو المفاداة بالرجال دون المال وليس له المن وقال أبو حنيفة يكون مخيرا بين شيئين القتل أو الاسترقاق وليس له المن ولا المفاداة بالمال وقد جاء القرآن بالمن والفداء قال تعالى (فإما منا وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها) ومن رسول الله A على أبي عزة الجمحي يوم بدر وشرط عليه ألا يعود لقتاله فعاد لقتاله يوم أحد فأسر فأمر رسول الله A بقتله فقال امنن علي فقال لا يلدغ المؤمن 0 من حجر مرتين

ولما قتل النضر بن الحارث بالصفراء بعد انكفائه من بدر لما استوقفته ابنته قتيلة يوم فتح مكة وأنشدته قولها

( يا راكبا إن الأثيل مظنة

عن صبح خامسة وأنت موفق
أبلغ به ميتا فإن تحية
ما إن تزال الركائب تخفق
منى إليه وعبرة مسفوحة
جاءت لمائجها وأخرى تخنق
أمحمد يا خير ضنء كريمة
في قومها والفحل فحل معرق
النضر أقرب من قتلت قرابة
وأحقهم إن كان عتق يعتق
ما كان ضرك لو مننت وربما
من الفتى وهو المغيظ المحنق) فقال النبي A لو سمعت شعرها ما قتلته
150
0 ولو لم يجز المن لما قال هذا لأن أقواله أحكام مشروعة

وأما الفداء فقد أخذ رسول A فداء أسرى بدر وفادى بعدهم رجلا برجلين فإذا ثبت خياره فيمن لم يسلم بين الأمور الأربعة تصفح أحوالهم واجتهد برأيه فيهم فمن علم منه بأس وشدة نكاية ويئس من إسلامه وعلم ما في قتله من وهن قومه قتله صبرا من غير مثله ومن رآه منهم ذا جلد وقوة على العمل مأمون الخيانة والخباثة استرقه ليكون عونا للمسلمين وما رآه منهم مرجو الإسلام أو مطاعا في قومه ورجا بالمن عليه إما إسلامه أو تألف قومه من عليه وأطلقه ومن وجد منهم ذا مال وجدة وكان المسلمين خلة وحاجة فاداه على مال وجعله عدة للإسلام وقوة للمسلمين وإن كان في أسرى عشيرته أحد من المسلمين من رجال أو نساء فاداه على إطلاقهم فيكون خياره في الأربعة على وجه الأحوط الأصلح ويكون المال المأخوذ 0 في الفداء غنيمة تضاف إلى الغنائم ولا يخص بها من أسر من المسلمين فإن رسول الله A دفع فداء الأسرى من أهل بدر إلى من أسرهم قبل نزول قسم الغنيمة في الغانمين ومن أباح الإمام دمه من المشركين لعظم نكايته وشدة أذيته ثم أسر جاز له المن عليه والعفو عنه قد أمر رسول الله A بقتل ستة عام الفتح ولو تعلقوا بأستار الكعبة عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب الوحي لرسول الله A فيقول له اكتب غفور رحيم فيكتب عليم حكيم ثم ارتد فلحق بقريش وقال إني أصرف محمدا حيث شئت فنزل فيه قوله تعالى (ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله) وعبد الله بن خطل كانت له قنيتان تغنيان بسبب رسول الله A والحويرث بن نفيل كان يؤذي رسول الله A ومقيس بن حبابة كان بعض الأنصار قتل أخا له خطأ فأخذ ديته ثم اغتال القاتل فقتله وعاد إلى مكة مرتدا وأنشأ يقول

( شفي نفسي أن قد بات بالقاع مسندا

يضرج ثوبيه الأخادع
وكانت هموم النفس من 0 قبل قتله
ثلم فتحفي عن وطاءالمضاجع

151
ثأرت به قهرا وحملت عقله
سراة بني النجار أرباب فارع
وأدركت ثأري وأضجعت موسدا
وكنت عن الإسلام أول راجع) وسارة مولاة لبعض بني المطلب كانت تسب وتؤذي وعكرمة بن أبي جهل يكثر التأليب على النبي A طلبا لثأر أبيه

فأما عبد الله بن سعد أبي سرح فإن عثمان رضي الله عنه أستأمن له رسول الله A فأعرض عنه ثم عاد الاستئمان ثانية فلما ولى قال ما كان فيكم من يقتله حين أعرضت عنه قالوا هلا أومأت إلينا بعينك قال ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين وأما عبد الله بن خطل فقتله سعيد بن حريث المخزومي وأبو برزة الأسلمي وأما مقيس بن حبابة فقتله نملية بن عبد الله رجل من قومه وأما الحويرث بن نفيل فقتله على بن أبي طالب صبرا بأمر رسول الله A ثم قال لا يقتل قرشي بعد هذا صبرا إلا بقود

وأما قنيتا ابن خطل فقتلت إحداهما وهربت الأخرى حتى استؤمن 0 لها من رسول الله A فأمنها وأما سار فتغيبت حتى استؤمن لها رسول الله A فأمنها ثم تغيبت بعد حتى أوطأها رجل من المسلمين فرسا له زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالأبطح فقتلها وأما عكرمة بن أبي جهل فإنه سار إلى ناحية البحر وقال لا أسكن مع رجل قتل أبا الحكم يعني أباه فلما ركب البحر قال له صاحب السفينة أخلص قال لم قال لا يصلح في البحر إلا الإخلاص فقال والله لئن كان لا يصلح في البحر إلا الإخلاص فإنه لا يصلح في البر غيره فرجع وكانت زوجته بنت الحارث قد أسلمت وهي أم حليم فأخذت له من رسول الله A أمانا وقيل بل خرجت إليه بأمانه إلى البحر فلما رآه رسول الله A قال مرحبا بالراكب المهاجر فأسلم فقال له رسول الله A لا تسألني اليوم شيئا إلا أعطيتك

فقال إني أسألك أن تسأل الله أن يغفر لي كل نفقة أنفقتها لأصد بها عن سبيل الله


152
وكل موقف وقفته لأصد به عن سبيل الله فقال رسول الله A اللهم اغفر له ما سأل فقال والله يا رسول الله لا أدع درهما أنفقته في الشرك إلا أنفقت مكانه درهمين في الإسلام ولا موقفا وقفته في الشرك إلا وقفت مكانه في الإسلام موقفين فقتل يوم اليرموك رضي الله عنه وهذا الخبر يتعلق به في سيرة رسول الله A أحكام فلذلك استوفيناه

وأما قتل من أضعفه الهرم أو أعجزته الزمانة أو كان ممن تخلى من الرهبان وأصحاب الصوامع فإن كانوا يمدون المقاتلة برأيهم ويحرضون على القتال جاز قتلهم عند الظفر بهم وكانوا في حكم المقاتلة بعد الأسر وإن لم يخالطوهم في رأي ولا تحريض ففي إباحة قتلهم قولان

وأما السبي فهم النساء والأطفال فلا يجوز أن يقتلوا إذا كانوا أهل كتاب لنهي رسول الله A عن قتل النساء والولدان ويكونوا سبيا مسترقا يقسمون مع الغنائم وإن كان النساء 0 من قوم ليس لهم كتاب كالدهرية وعبدة الأوثان وامتنعن من الإسلام فعند الشافعي يقتلن وعند أبي حنيفة يسترققن ولا يفرق فيمن استرققن بين والدة وولدها لقول النبي A لا توله والدة عن ولدها

فإن السبي على مال جاز لأن هذا الفداء بيع ويكون مال فدائهم مغنوما مكانهم ولم يلزمه استطابة نفوس الغانمين عنهم من سهم المصالح وإن أراد أن يفادي بهم عن أسرى من المسلمين في أيدي قومهم عوض الغانمين عنهم من سهم المصالح وإن أراد المن عليهم لم يجز غلا باستطابة نفوس الغانمين عنهم إما بالعفو عن حقوقهم منهم وإما بمال يعوضهم عنهم فإن كان المن عليهم لمصلحة عامة جاز أن يعوضهم من سهم المصالح وإن كان لأمر يخصه عاوض من مال نفسه ومن امتنع من الغانمين من ترك حقه لم يستنزل عنه إجبارا حتى يرضى وخالف ذلك حكم الأسرى الذي يلزمه


153
استطابة نفوس الغانمين في المن عليهم لأن قتل الرجال مباح وقتل السبي محظور فصار السبي مالا مغنوما لا يستنزلون عنه إلا باستطابة النفوس

وقد استعطفت هوازن النبي A حين سباهم بحنين وأتاه وفودهم وقد فرق الأموال وقسم السبي فذكروه حرمة رضاعه فيهم من لبن حليمة وكانت من هوازن حكى ابن إسحاق أن هوازن لما سبيت وغنمت أموالهم بحنين قدمت وفودهم مسلمين على النبي A وهو بالجعرانة فقالوا يا رسول الله لنا أصل وعشيرة وقد أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك فامنن علينا من الله عليك ثم قام منهم أبو صرد زهير بن صرد فقال يا رسول الله إنما في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللائي كن يكفلنك ولو أنا ملكنا للحارث بن أبي شمر أو النعمان بن المنذر ثم نزلنا بمثل المنزل الذي نزلنا رجونا عطفه وجائزته وأنت خير الكفيلين ثم أنشأ يقول

( امنن علينا 0 رسول الله في كريم

فإنك المرء نرجوه وندخر
أمنن على بيضة قد عاقها قدر
ممزق شملها في دهرها غبر
أمنن على نسوة قد كنت ترضعها
إذ فوك يملؤه من محضها الدرر
الآن إذا كنت طفلا كنت ترضعها
وإذ تربيك ما تأتي وما نذر
لا تجعلنا كمن شالت نعامته
واستبق منا فإنا معشر زهر
إذ لم تداركنا نعماء تنشرها
يا أرجح الناس حلما حين يختبر
إنا لنشكرك النعمى وإن كثرت
وعندنا بعد هذا اليوم ندخر) فقال رسول الله A أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم فقالوا خيرتنا بين أموالنا وأحسابنا بل ترد علينا أبناءنا ونساءنا فهم أحب غلينا فقال رسول الله A أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم
154
وقالت قريش ما كان لنا فهو لرسول الله A وقالت الأنصار ما كان لنا فهو لرسول الله وقال الأقرع بن حابس أما أنا وبنو تميم فلا وقال عيينة بن حصن أما أنا وبنو فزارة فلا وقال العباس بن مرداس السلمي أما أنا وبنو سليم فلا فقالت بنو سليم ما كان لنا فهو لرسول الله A فقال العباس بن مرداس لبني سليم قد وهنتموني فقال رسول الله A أما من تمسك منكم بحقه من هذا السبي فله بكل إنسان ست قلائص فردوا إلى الناس أبناءهم ونساءهم

فردوا وكان عيينة قد اخذ عجوزا من عجائز هوازن وقال إني لا أرى لها في الحي نسبا فعسى أن يعظم فداؤها فامتنع من ردها بست قلائص فقال أبو صرد خلها عنك فوالله ما فوها ببارد ولا ثيديها بناهد ولا بطنها بوالد ولا زوجها بواحد ولا درها بماغد فردها بست قلائص ثم إن عيينة لقي الأقرع فشكا إليه فقال إنك ما أخذتها 0 بيضاء غريرة ولا نصفا وثيرة وكان في السبي الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى أخت رسول الله A من الرضاعة فعنف بها إلى أن أتته وهي تقول أنا أخت رسول الله A من الرضاعة فلما انتهت إليه قالت له أنا أختك فقال رسول الله A وما علامة ذلك فقالت عضة عضضتنيها وأنا متوركتك فعرف العلامة وبسط لها رداءه وأجلسها عليه وخيرها بين المقام عنده مكرمة أو الرجوع إلى قومها ممتعة فاختارت أن يمتعها ويردها إلى قومها ففعل النبي A وذلك قبل ورود الوفد ورد السبي فأعطاها غلاما له يقال له مكحل وجارية فزوجت أحدهما بالآخر فقيهم من نسلهما بقية وفي هذا الخبر مع الحكام المستفادة منه سيرة يجب أن يتبعها الولاة فلذلك استوفيناه

وإذا كان في السبايا ذوات أزواج بطل نكاحهن بالسبي سواء سبي أزواجهن معهن أم لا وقال أبو حنيفة إن سبين مع أزواجهن فهن على النكاح وإن أسلمت منهن


155
ذات زوج قبل حصولها في السبي فهي حرة ونكاحها باطل بانقضاء العدة وإذا قسم السبايا في الغانمين حرم وطؤهن حتى يستبرين بحيضة إن كن من ذوات الأقراء أو بوضع الحمل إن كن حوامل روى أن رسول الله A مر بسبي هوازن فقال ألا لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض

وما غلب عليه المشركون من أموال المسلمين وأحرزوه لم يملكوه وكان باقيا على ملك أربابه من المسلمين فإن غنمه المسلمون رد على مالكه منهم بغير عوض وقال أبو حنيفة قد ملكه المشركون إذا غلبوا عليه حتى لو كانت أمة ودخل سيدها المسلم دار الحرب حرم عليه وطؤها ولو كانت أرضا أسلم عنها المتغلب عليها كان أحق بها وإذا غنمه المسلمون كانوا أحق به من مالكه وقال مالك إن أدركه مالكه قبل القسمة كان أحق به وإن أدركه بعدها كان مالكه أحق بثمنه وغانمه أحق بعينه ويجوز 0 شراء أولاد أهل الحرب منهم كما يجوز سبيهم ويجوز شراء أولاد أهل العهد منهم ولا يجوز سبيهم ولا يجوز شراء أولاد أهل الذمة منهم ولا يجوز سبيهم

ويجري على ما غنمه الواحد والإثنان حكم الغنيمة في أخذ خمسه وقال أبو حنيفة وصاحباه لا يؤخذ خمسه حتى يكونوا سرية واختلفوا في السرية فقال أبو حنيفة ومحمد السرية أن يكونوا عددا ممتنعا وقال أبو يوسف السرية تسعة فصاعدا لأن سرية عبد الله بن جحش كانت تسعة وهذا غير معتبر عند أكثر الفقهاء لأن رسول الله A بعث عبد الله بن أنيس إلى خالد بن سفيان الهذلي سرية واحدة فقتله وبعث عمرو بن أمية الضمري وآخر معه سرية

وإذا أسلم الأبوان كان إسلاما لصغار أولادهما من ذكور وإناث ولا يكون إسلاما للبالغين منهم إلا أن يكون البالغ مجنونا وقال مالك يكون إسلام الأب إسلاما لهم ولا يكون إسلام الأم إسلاما لهم ولا يكون إسلام الأطفال بأنفسهم إسلاما ولا ردتهم ردة وقال أبو 0 حنيفة إسلام الطفل إسلام وردته ردة إذا كان يعقل ويميز لكن لا يقتل حتى يبلغ وقال أبو يوسف يكون إسلام الطفل إسلاما ولا تكون ردته ردة وقال مالك في رواية معن عنه إن عرف نفسه صح إسلامه وإن لم يعرفها لم يصح


156

وأما الأرضون إذا استولى عليها المسلمون فتقسم ثلاثة أقسام أحدها ما ملكت عنوة وقهرا حتى فارقوها بقتل أو أسر أو جلاء فقد اختلف الفقهاء في حكمها بعد استيلاء المسلمين عليها فذهب الشافعي رضي الله عنه إلى أنها تكون غنيمة كالأموال تقسم بين الغانمين إلا أن يطيبو نفسا بتركها فتوقف على مصالح المسلمين وقال مالك تصير وقفا على المسلمين حين غنمت ولا يجوز قسمها بين الغانمين وقال أبو حنيفة الإمام فيها بالخيار بين قسمتها بين الغانمين فتكون أرضا عشرية أو يعيدها إلى أيدي المشركين بخراج يضربه عليها فتكون أرض خراج ويكون المشركون بها أهل ذمة أو يقفها على كافة المسلمين وتصير هذه الأرض دار إسلام سواء سكنها المسلمون أو أعيد إليها المشركون لملك المسلمين لها ولا يجوز أن يستنزل عنها للمشركين لئلا تصير دار حرب

والقسم 0 الثاني منها ما ملك منهم عفوا لإنجلائهم عنها خوفا فتصير بالاستيلاء عليها وقيل بل لا تصير وقفا حتى يقفها الإمام لفظا ويضرب عليها خراجا يكون أجرة لرقابها تؤخذ ممن عومل عليها من مسلم أو معاهد ويجمع فيها بين خراجها وأعشار زروعها وثمارها إلا أن تكون الثمار من نخل كانت فيها وقت الاستيلاء عليها فتكون تلك النخل وقفا معها لا يجب في ثمرها عشر ويكون الإمام فيها مخيرا بين وضع الخراج عليها أو المسافاة على ثمرتها ويكون ما أستؤلف غرسه من النخل معشورا وأرضه خراجا وقال أبو حنيفة لا يجتمع العشر والخراج ويسقط العشر بالخراج وتصير هذه الأرض دار إسلام ولا يجوز بيع هذه الأرض ولا رهنها ويجوز بيع ما استحدث فيها من نخل أو شجر

والقسم أن يستولي عليها صلحا على أن تقر في أيديهم بخراج يؤدونه عنها فهذا على ضربين أحدهما أن يصالحهم على أن ملك الأرض لنا فتصير بهذا الصلح وقفا من دار الإسلام ولا يجوز بيعها ولا 0 رهنها ويكون الخراج أجرة لا يسقط عنهم بإسلامهم فيؤخذ خراجها إذا انتقلت إلى غيرهم من المسلمين وقد صاروا بهذا الصلح


157
أهل عهد فإن بذلوا الجزية على رقابهم جاز إقرارهم فيها على التأييد وإن منعوا الجزية لم يجبروا عليها ولم يقروا فيها إلا المدة التي يقر فيها أهل العهد وذلك أربعة أشهر ولا يجاوزون السنة وفي إقرارهم فيها ما بين الأربعة أشهر والسنة وجهان والضرب الثاني أن يصالحوا على أن الأرضين لهم ويضرب عليها خراج يؤدونه عنها وهذا الخراج في حكم الجزية متى أسلموا سقط عنهم ولا تصير أرضهم دار إسلام وتكون دار عهد ولهم بيعها ورهنها وإذا انتقلت إلى مسلم لم يؤخذ خراجها ويقرون فيها ما أقاموا على الصلح ولا تؤخذ جزية رقابهم لأنهم في غير دار الإسلام وقال أبو حنيفة قد صارت دارهم بالصلح دار إسلام وصاروا به أهل ذمة تؤخذ جزية رقابهم فإن نقضوا الصلح بعد استقراره معهم فقد اختلف فيهم فذهب الشافعي رحمه الله إلى أنها إن ملكت أرضهم عليهم فهي على 0 حكمها وإن لم تملك صارت الدار حربا وقال أبو حنيفة إن كان في دارهم مسلم أو كان بينهم وبين دار الحرب بلد للمسلمين فهي دار إسلام يجري على أهلها حكم البغاة وإن لم يكن بينهم مسلم ولا بينهم وبين دار الحرب بلد للمسلمين فهي دار حرب وقال أبو يوسف ومحمد قد صارت دار حرب في الأمرين كليهما

وأما الأموال المنقولة فهي الغنائم المألوفة وقد كان رسول الله A يقسمها على رأيه ولما تنازع فيها المهاجرون والأنصار يوم بدر جعلها الله عز وجل ملكا لرسوله يضعها حيث شاء وروى أبو أمامة الباهلي قال سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال عن قوله تعالى (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم) فقال عبادة بن الصامت فينا أصحاب بدر حين أنزلت حين اختلفنا في النفل فساءت فيه أخلاقنا فانتزعه الله سبحانه من أيدينا فجعله إلى رسوله فقسمه بين المسلمين على سواء واصطفى من غنيمة بدر سيفه ذا الفقار 0 وكان سيف منبه بن الحجاج وأخذ منها سهمه ولم يخمسها إلى أن أنزل الله عز وجل بعد بدر قوله تعالى (واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) فتولى اله سبحانه قسمة الغنائم كما تولى قسمة الصدقات فكان أول غنيمة خمسها رسول الله A بعد بدر غنيمة بنو قينقاع


158

وإذا اجتمعت الغنائم لم تقسم مع قيام الحرب حتى تنجلي ليعلم بانجلائها تحقق الظفر واستقرار الملك ولئلا يتشاغل المقاتلة بها فهزموا فإذا انجلت الحرب كانت تعجيل قسمتها في دار الحرب وجواز تأخيرها إلى دار الإسلام بحسب ما يراه أمير الجيش من الصلاح وقال أبو حنيفة لا يجوز أن يقسمها في دار الحرب حتى تصير إلى دار الإسلام فيقسمها حينئذ فإذا أراد قسمتها بدأ بأسلاب القتلى فأعطى كل قاتل سلب قتيله سواء شرط الإمام له ذلك أو لم يشرطه وقال أبو حنيفة ومالك إن شرط لهم ذلك استحقوه وإن لم يشترطه لهم كان غنيمة فيشتركون فيها وقد نادى منادي رسول الله A بعد حيازة الغنائم من قتل قتيلا فله سلبه

والشرط ما تقدم الغنيمة لا ما تأخر عنها وقد أعطى أبا قتادة أسلاب قتلاه وكانوا عشرين قتيلا والسلب ما كان على المقتول من لباس يقيه وما كان 0 معه من سلاح يقاتل به وما كان تحته من فرس يقاتل عليه ولا يكون ما في المعسكر من أمواله سلبا وهل يكون ما في وسطه من مال وما بين يديه من حقيبة سلبا فيه قولان ولا يخمس السلب وقال مالك يؤخذ خمسه لأهل الخمس فإذا فرغ من إعطاء السلب فقد اختلف فيما يصنعه بعد ذلك فالصحيح من القولين أنه يبدأ بعد السلب بإخراج الخمس من جميع الغنيمة فيقسمه بين أهل الخمر على خمسة أسهم كما قال عز وجل (واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول) الآية وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ومالك يقسم الخمس على ثلاثة اسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل وقال ابن عباس رضي الله عنه يقسم الخمس على ستة أسهم سهم لله تعالى بصرف في مصالح الكعبة

وأهل الخمس في الغنيمة هم أهل الخمس في الفيء فيكون سهم من الخمس لرسول الله A ويصرف بعده للمصالح والسهم الثاني لذوي القربى من بني هاشم وبني المطلب والسهم الثلث لليتامى والسهم الرابع 0 للمساكين والسهم الخامس لابن السبيل ثم يرضخ بعد الخمس لأهل الرضخ وهم في القول الثاني مقدمون على الخمس وأهل الرضخ من لا سهم له من حاضري الوقعة من العبيد والنساء والصبيان والزمنى


159
وأهل الذمة يرضخ لهم من الغنيمة بحسب عنائهم لا يبلغ برضيخ أحد منهم بسهم فارس ولا راحل فلو زال نقص أهل الرضخ بعد حضور الوقعة بعتق العبد وبلوغ الصبي وإسلام الكافر فإن كان ذلك قبل انقضاء الحرب اسهم لهم ولم يرضخ وإن كان ذلك بعد انقضائها رضخ لهم ولم يسهم ثم تقسم الغنيمة بعد إخراج الخمس والرضخ منها بين من شهد الوقعة من أهل الجهاد وهم الرجال الأحرار المسلمون الأصحاء يشرك فيها من قاتل ومن لم يقاتل لأن من لم يقاتل عون للقاتل ورده له عند الحاجة وقد اختلف في قوله تعالى (وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا)

على تأويلين أحدهما أنه تكثير السواد وهذا قول السدى وابن جريج والثاني أنه المرابطة على الخيل وهو قول ابن عون وتقسم الغنيمة قسمة الاستحقاق لا يرجع فيها إلى الخيار القاسم ووالى الجهاد وقال مالك 0 مال الغنيمة موقوف على رأي الإمام إن شاء قسمه بين الغانمين تسوية وتفضيلا وإن شاء أشرك معهم غيرهم ممن لم يشهد الوقعة وفي قول النبي A الغنيمة لمن شهد الوقعة

ما يدفع هذا المذهب وإذا اختص بها من شهد الوقعة وجب أن يفضل الفارس على الراجل لفضل عنائه واختلف في قدر تفضيله فقال أبو حنيفة يعطى الفارس سهمين والراجل سهما واحدا وقال الشافعي يعطى الفارس ثلاثة أسهم والراجل سهما واحدا ولا يعطى سهم الفارس إلا لأصحاب الخيل خاصة ويعطى ركاب البغال والحمير والجمال والفيلة سهام الرجالة ولا فرق بين عتاق الخيل وهجانها وقال سليمان بن ربيعة لا يسهم إلا للعتاق السوابق وإذا شهد الوقعة بفرس أسهم له وإن لم يقاتل عليه وإذا خلفه في المعسكر لم يسهم له وإذا حضر الوقعة بأفراس لم يسهم إلا لفرس واحد وبه قال أبو حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف يسهم لفرسين به وقال الأوزاعي وقال ابن عيينة يسهم لما يحتاج إليه ولا 0 سهم لما لا يحتاج إليه ومن مات فرسه بعد حضور الوقعة أسهم


160
0 له ولو مات قبلها لم يسهم له وكذلك لو كان هو الميت وقال أبو حنيفة إن مات هو وفرسه بعد دخول دار الحرب أسهم له وإذا جاءهم مدد قبل انجلاء الحرب شاركوهم في الغنيمة وإن جاءوا بعد انجلائها لم يشاركوهم وقال أبو حنيفة إن دخلوا دار الحرب قبل انجلائها شاركوهم ويسوى في قسمة الغنائم بين مرتزقة الجيش وبين المتطوعة إذا شهد جميعهم الوقعة وإذا غزا قوم بغير إذن الإمام كان ما غنموه مخموسا وقال أبو حنيفة لا خمس وقال الحسن لا يملك ما غنموه

وإذا دخل المسلم دار الحرب بأمان أو كان مأسورا معهم فأطلقوه وأمنوه لم يجز أن يغتالهم في نفس ولا مال وعليه أن يؤمنهم وقال داود أن يغتالهم في أنفسهم وأموالهم إلا أن يستأمنوه كما أمنوه فيلزمه الموادعة ويحرم عليه الاغتيال وإذا كان في المقاتلة من ظهر عناؤه وأثر بلاؤه لشجاعته وإقدامه أخذ 0 سهمه من الغنيمة أسوة غيره وزيد من سهم المصالح بحسب عنائه فإن لذي السابقة والإقدام حقا لا يضاع قد عقد رسول الله A أول راية عقدها في الإسلام بعد عمه حمزة بن عبد المطلب لعبيدة بن الحارث في شهر ربيع الأول في السنة الثانية من الهجرة وتوجه معه سعد بن أبي وقاص إلى أدنى ماء الحجاز وكان أمير المشركين عكرمة بن أبى جهل فرمى سعد ونكى كان أول من رمى سهما في سبيل الله فقال

( ألا هل أتى رسول الله أني

حميت صحابي بصدور نبلي
أذود بها أوائلهم ذيارا
بكل حزونة وبكل سهل
فما يعتد رام في عدو
بسهم يا رسول الله قبلي
وذلك أن دينك دين صدق
وذو حق أتيت به عدل) فلما قدم اعتذر له رسول الله A بما سبق إليه وتقدم فيه
161
الباب الثالث عشر
في وضع الجزية والخراج

والجزية والخراج حقان أوصل الله سبحانه تعالى المسلمين إليهما من المشركين يجتمعان من ثلاث أوجه ويفترقان من ثلاثة أوجه ثم تتفرع أحكامهما فأما الأوجه التي يجتمعان فيها فأحدها أن كل واحد منهما مأخوذ عن مشرك صغارا له وذمة والثاني أنهما مالا فيء يصرفان في أهل الفيء والثالث أنهما يجبان بحلول الحول ولا يستحقان قبله

إنما الأوجه التي يفترقان فيها فأحدها أن الجزية نص وأن الخراج اجتهاد والثاني أن اقل الجزية مقدر بالشرع وأكثرها مقدر بالاجتهاد والخراج أقله وأكثره مقدر بالاجتهاد والثالث أن الجزية تؤخذ مع بقاء الكفر وتسقط بحدوث الإسلام والخراج يؤخذ مع الكفر والإسلام فأما الجزية فهي موضوعة على الرؤوس واسمها مشتق من الجزاء إما جزاء على كفرهم لأخذها منهم صغارا وإما جزاء على 0 أماننا لهم لأخذها منهم رفقا والأصل فيها قوله تعالى (وقاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)

أما قوله سبحانه (الذين لا يؤمنون بالله) فأهل الكتاب وإن كانوا معترفين بأن الله سبحانه واحد فيحتمل نفي هذا الإيمان بالله تأويلين أحدهما لا يؤمنون بكتاب الله تعالى وهو القرآن والثاني لا يؤمنون برسوله محمد A لن تصديق الرسل إيمان بالرسل


162
وقوله سبحانه (ولا باليوم الآخر) يحتمل تأويلين أحدهما لا يعرفون وعيد اليوم الآخر وإن كانوا معترفين بالثواب والعقاب والثاني لا يصدقون بما وصفه الله تعالى من أنواع العذاب

وقوله (ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله) يحتمل تأويلين أحدهما ما أمر الله سبحانه بنسخه من شرائعهم والثاني ما أحله الله لهم وحرمه عليهم وقوله (لا يدينون دين الحق) فيه تأويلان أحدهما ما في التوراة والإنجيل من إتباع الرسول وهذا قول الكلبي والثاني الدخول في الإسلام وهو قول الجمهور وقوله (من الذين أوتوا الكتاب) فيه تأويلان أحدهما من دين أبناء الذين أوتوا الكتاب والثاني من الذين بينهم الكتاب لأنهم في أتباعه كأبنائه

وقوله تعالى (حتى يعطوا الجزية) فيه تأويلان أحدهما حتى يدفعوا الجزية والثاني حتى يضمنوها لأن بضمانها يجب الكف عنهم وفي الجزية تأويلان 0 أحدهما أنها من الأسماء المجملة التي لا نعرف منها ما أريد بها إلا أن يرد بيان والثاني أنها من الأسماء العامة التي يجب إجراؤها على عمومها إلا ما قد خصه الدليل وفي قوله سبحانه وتعالى (عن يد) تأويلان أحدهما عن غنى وقدرة والثاني أن يعتقدوا أن لنا في أخذها منهم يدا وقدرة عليهم

وفي قوله (وهم صاغرون) تأويلان أحدهما أذلاء مستكينين والثاني أن تجري عليهم أحكام الإسلام فيجب على ولي أن يضع الجزية على رقاب من دخل في الذمة من أهل الكتاب ليقروا بها في دار الإسلام ويلتزم لهم ببذلها حقان أحدهما الكف عنهم والثاني الحماية لهم ليكونوا بالكف آمنين وبالحماية محروسين روى نافع عن عمر قال كان آخر ما تكلم به النبي أن قال احفظوني في ذمتي


163
والعرب في أخذ الجزية منهم كغيرهم وقال أبو حنيفة لا آخذها من العرب لئلا يجري عليهم صغار ولا تؤخذ من مرتد ولا دهري ولا عابد وثن وأخذها أبو حنيفة من عبدة الأوثان إذا كانوا عجما ولم يأخذها منهم إذا كانوا عربا وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى وكتابهم التوراة والإنجيل ويجري المجوس مجراهم في أخذ الجزية منهم وإن حرم أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم وتؤخذ من الصابئين والسامرة إذا وافقوا اليهود والنصارى في أصل معتقدهم وإن خالفوهم في فروعه ولا تؤخذ منهم إذا خالفوا اليهود والنصارى في أصل معتقدهم ومن دخل في اليهودية والنصرانية قبل تبديلهما أقر على مادان به منهما ولا يقر إن دخل بعد تبديلهما ومن جهلت حالته أخذت جزيته ولم تؤكل ذبيحته ومن انتقل من يهودية إلى نصرانية لم يقر أصح القولين وأخذ بالإسلام فإن عاد إلى دينه الذي انتقل عنه 0 ففي إقراره عليه قولان ويهود خيبر وغيرهم في الجزية سواء بإجماع الفقهاء

ولا تجب الجزية إلا على الرجال الأحرار العقلاء ولا تجب على امرأة ولا صبي ولا مجنون ولا عبد لأنهم أتباع وذراري ولو تفردت امرأة على أن تكون تبعا لزوج أو نصيب لم يؤخذ منها جزية لأنها تبع لرجل قومها وإن كانوا أجانب منها ولو تفردت امرأة من دار الحرب فبذلت الجزية للمقام في دار الإسلام لم يلزمها ما بذلته وكان ذلك منها كالهبة لا تؤخذ منها امتنعت ولزمت ذمتها وإن لم تكن تبعا لقومها ولا تؤخذ الجزية من خنثى مشكل فإن زال إشكاله وبان أنه رجل أخذ بها في مستقبل أمره وماضيه

واختلف الفقهاء في قدر الجزية فذهب أبو حنيفة إلى تصنيفهم ثلاثة أصناف أغنياء يؤخذ منهم ثمانية وأربعون درهما وأوساط يؤخذ منهم أربعة وعشرون درهما وفقراء يؤخذ منهم اثنا عشر درهما فجعلها مقدرة الأقل والأكثر ومنع من اجتهاد الولاة فيها وقال مالك لا يقدر 0 أقلها ولا أكثرها وهي موكولة لاجتهاد الولاة في الطرفين وذهب الشافعي إلى أنها مقدرة الأقل بدينار لا يجوز الاقتصار على أقل منه وعنده غير


164
مقدرة الأكثر يرجه فيه إلى اجتهاد الولاة ويجتهد رأيه في التسوية بين جميعهم أو التفضيل بحسب أحوالهم فإذا اجتهد رأيه في عقد الجزية معها على مرضاة أولى الأمر منهم صارت لازمة لجميعهم ولأعقابهم قرنا بعد قرن ولا يجوز زوال بعده أن يغيره إلى نقصان منه أو زيادة عليه فإن صولحوا على مضاعفة الصدقة عليهم ضوعفت كما ضاعف عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع تنوخ وبهراء وبني تغلب بالشام ولا يؤخذ من النساء والصبيان لأنها جزية تصرف في أهل الفيء فخالفت الزكاة المأخوذة من النساء والصبيان فإن جمع بينهما وبين الجزية أخذتا معا وإن اقتصر عليها وحدها كانت جزية إذا لم تنقص في السنة عن دينار وإذا صولحوا على من مر بهم من المسلمين قدرت عليهم ثلاثة أيام وأخذوا بها لا يزادون عليها كما صالح عمر نصارى الشام على ضيافة من مر بهم من المسلمين ثلاثة 0 أيام مما يأكلون ولا يكلفهم ذبح شاة ولا دجاجة وتبييت دوابهم من غير شعير وجعل ذلك على أهل السواد دون المدن فإن لم يشترط عليهم الضيافة ومضاعفة الصدقة فلا صدقة عليهم في زرع ولا ثمرة ولا يلزمهم إضافة سائل ولا سابل

ويشترط عليهم في عقد الجزية شرطان ومستحق ومستحب أما المستحق فستة شروط أحدها أن لا يذكروا كتاب الله تعالى بطعن وفيه ولا تحريف له والثاني لا يذكروا رسول الله A بتكذيب ولا إزدراء والثالث أن لا يذكروا دين الإسلام بذم له ولا قدح فيه والرابع أن لا يصبوا مسلمة بزنا ولا باسم نكاح والخامس أن لا يفتنوا مسلما عن دينه ولا يتعرضوا لماله ولا دينه والسادس أن لا يعينوا أهل الحرب ولا يودوا أغنيائهم فهذه الستة حقوق ملتزمة فتلزمهم بغير شرط وإنما تشترط إشعارا لهم وتأكيدا لتغليظ العهد عليهم ويكون ارتكابها بعد الشرط نقضا لعهدهم

وأما المستحق فستة أشياء أحدها تغيير هيئاتهم بلبس الغيار وشد الزنار 0 والثاني أن لا يعلوا على المسلمين في الأبنية ويكونوا إن لم ينقصوا مساوين لهم والثالث أن لا يسمعوهم أصوات نواقيسهم ولا تلاوة كتبهم ولا قولهم في عزير والمسيح والرابع


165
أن لا يجاهروهم بشرب خمورهم ولا بإظهار صلبانهم وخنازيرهم والخامس أن يخفوا دفن أمواتهم ولا يجاهروا بندب عليهم ولا نياحة والسادس أن يمنعوا من ركوب الخيل عناقا وهجانا ولا يمنعوا من ركوب البغال والحمير وهذه الستة المستحبة لا تلزم بعقد الذمة حتى تشترط فتصير بالشرط ملتزمة ولا يكون ارتكابها بعد الشرط نقصا لعهدهم لكن يؤخذون بها إجبارا ويؤبون عليها زجرا ولا يؤدبون إن لم يشترط ذلك عليهم ويثبت الإمام ما استقر من عقد الصلح معهم في دواوين الأمصار ليؤخذوا به إذا تركوه فإن لكل قوم صلحا ربما خالف ما سواه ولا تجب الجزية عليهم في السنة إلا مرة واحدة بعد انقضائها بشهور هلالية ومن مات منهم فيها أخذ من تركته بقدر ما مضى منها ومن أسلم منهم كان ما لزم من جزيته دينا في ذمته يؤخذ بها وأسقطها أبو حنيفة بإسلامه ومونه ومن بلغ 0 من صغارهم أو أفاق من مجانينهم استقبل به حول ثم أخذ بالجزية ويؤخذ العقير بها إذا أيسر وينظر بها إذا أعسر ولا تسقط عن شيخ ولا زمن وقيل تسقط عنهما وعن الفقير وإذا تشاجروا في دينهم واختلفوا في معتقدهم لم يعارضوا فيه ولم يكشفوا عنه وإذا تنازعوا في حق وترافعوا فيه إلى حاكمهم لم يمنعوا منه فإن ترافعوا فيه إلى حاكمنا حكم بينهم بما يوجبه دين الإسلام وتقام عليهم الحدود إذا أتوها ومن نقض منهم عهده بلغ مأمنه ثم كان حربا لأهل العهد إذا دخلوا دار الإسلام الأمان على نفوسهم وأموالهم ولهم أن يقيموا فيها أربعة أشهر بغير جزية ولا يقيموا سنة غلا بجزية وفيما بين الزمنين خلاف ويلزم الكف عنهم كأهل الذمة ولا يلزم الدفع عنهم بخلاف أهل الذمة

وإذا أمن بالغ عاقل من المسلمين حربيا لزم أمانة كافة المسلمين والمرأة في بذل الأمان كالرجل والعبد فيه كالحر وقال أبو حنيفة ولا يصح أمان العبد إلا أن يكون 0 مأذونا له في قتال ولا يصح أمان الصبي ولا المجنون ومن أمناه فهو حرب إلا أن جهل حكم أمانهم فيبلغ مأمنه ويكون حربا

وإذا تظاهر أهل العهد والذمة بقتال المسلمين كانوا حربا لوقتهم فيقتل مقاتلهم ويعتبر حال ما عدا المقاتلة بالرضى والإنكار وإذا امتنع أهل الذمة من أداء الجزية


166
كان نقضا لعهدهم وقال أبو حنيفة وينقض به عهدهم إلا أن يلحقوا بدار الحرب ويؤخذ منهم جبرا كالديون ولا يجوز أن يحدثوا في دار الإسلام بيعة ولا كنيسة فإن أحدثوها هدمت عليهم ويجوز أن يبنوا ما استهدم من بيعهم وكنائسهم العتيقة وإذا نقض أهل الذمة عهدهم لم يستبح بذلك قتلهم ولا غنم أموالهم ولا سبي ذراريهم ما لم يقاتلوا ووجب إخراجهم من بلاد المسلمين آمنين حتى يلحقوا مأمنهم من أدنى بلاد الشرك فإن لم يخرجوا طوعا أخرجوا كرها

وأما الخراج فهو ما وضع على رقاب الأرض من حقوق تؤدى عنها فيه من نص الكتاب بينة خالفت نص الجزية فلذلك كان موقوفا على اجتهاد الأئمة قال الله تعالى (أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير) وفي قوله أم تسألهم خرجا وجهان أحدهما أجرا والثاني نفعا وفي قوله فخراج ربك خير وجهان أحدهما فرزق ربك في الدنيا خير منه وهذا 0 قول الكلبي أيضا وقوله فأجر ربك في الآخرة خير منه هذا قول الحسن أيضا قال أبو عمرو بن العلاء والفرق بين الخرج والخراج أن الخرج من الرقاب والخراج من الأرض والخراج في لغة العرب اسم للكراه والغلة ومنه قول النبي A الخراج بالضمان وارض الخراج تتميز عن أرض العشر في الملك والحكم والأرضون كلها تنقسم أربعة أقسام أحدها ما استأنف المسلمون إحياءه فهو أرض عشر لا يجوز أن يوضع عليها خراج والكلام فيها يذكر في إحياء الموات من كتابنا هذا والقسم الثاني ما أسلم عليه أربابه فهم أحق به فتكون على مذهب الشافعي رحمه الله أرض عشر ولا يجوز أن يوضع عليها خراج وقال أبو حنيفة الإمام مخير بين أن يجعلها خراجا


167
أو عشرا فإن جعلها خراجا لم يجز أن تنقل إلى العشر وإن جعلها عشرا جاز أن تنقل إلى الخراج والقسم الثالث ما ملك من المشركين عنوة وقهرا فيكون على مذهب الشافعي رحمه الله غنيمة تقسم بين الغانمين وتكون أرض عشر لا يجوز أن يوضع عليها خراج وجعلها مالك وقفا على المسلمين بخراج يوضع عليها وقال أبو حنيفة يكون الإمام مخيرا بين الأمرين والقسم الرابع ما صولح عليه المشركون من أرضهم فهي الأرض بوضع الخراج عليها وهو صربين

أحدهما ما خلا عنه أهله حصلت بغير قتال فتصير وفقا على مصالح المسلمين ويضرب عليها الخراج ويكون أجرة تقر على الأبد وإن لم يقدر بمدة لما فيها من عموم المصلحة ولا يتغير بإسلام ولا ذمة ولا يجوز بيع رقابها اعتبارا لحكم الوقوف والضرب الثاني ما أقام فيه أهله وصولحوا على إقراراه في أيديهم بخراج يضرب عليهم فهذا على 0 ضربين أحدهما أن ينزلوا عن ملكها لنا عند صلحنا فتصير هذه الأرض وفقا على المسلمين كالذي انجلى عنه أهله ويكون الخراج المضروب عليهم أجرة لا تسقط بإسلامهم ولا يجوز لهم بيع رقابهم ويكونون أحق بها ما أقاموا على صلحهم ولا تنتزع من أيديهم سواء أقاموا على شركهم أم اسلموا كما لا تنتزع الأرض المستأجرة من يد مستأجرها ولا يسقط عنهم بهذا الخراج جزية رقابهم إن صاروا أهل ذمة مستوطنين وإن لم ينتقلوا إن الذمة وأقاموا على حكم العهد لم يجز أن يقروا فيها ستة وجاز إقرارهم فيها دونها بغير جزية

والضرب الثاني أن يستبقوها على أملاكهم ولا ينزلوا عن رقابهم عنها بخراج يوضع عليها فهذا الخراج جزية تؤخذ منهم ما أقاموا على شركهم وتسقط عنهم بإسلامهم ويجوز أن لا يؤخذ منهم جزية رقابهم ويجوز لهم بيع هذه الأرض على من شاءوا منهم أو من المسلمين أو من أهل الذمة فإن تبايعوها فيما بينهم كانت على حكمها في الخراج 0 وإن بيعت على مسلم سقط عنه خراجها وإن بيعت على ذمي


168
احتمل أن لا يسقط عنه خراجها لبقاء كفره واحتمل أن يسقط عنه خراجها بخروجه بالذمة عن عقده من صولح عليها ثم ينظر في هذا الخراج الموضوع عليها فإن وضع على مسائح الجربان بأن يؤخذ من كل جريب قدر من ورق أوجب فإن سقط عن بعضها بإسلام أهله ما بقي على حكمه ولا يضم غليه خراج ما سقط بالإسلام وإن كان الخراج الموضوع عليها صلحا على مال مقدر لم يسقط على مساحة الجربان فمذهب الشافعي أنه يحط عنهم مال الصلح ما سقط منه بإسلام أهله وقال أبو حنيفة يكون مال الصلح باقيا بكماله ولا يسقط عن هذا المسلم ما خصه بإسلامه فأما قدر الخراج المضروب فيعتبر بما تحتمله الأرض فإن عمر رضي الله عنه حين وضع الخراج على سواد العراق في بعض نواحيه على كل جريب قفيزا ودرهما وجرى في ذلك على ما استوفقه من رأي كسرى بن قتاذ فإنه أول من مسح السواد 0 ووضع الخراج وحدد الحدود ووضع الدواوين وراعى ما تحتمله الأرض من غير حيف بمالك ولا إجحاف بزارع وأخذ من كل جريب قفيزا ودرهما وكان القفيز وزنه ثمانية أرطال ثمنه ثلاثة درهم وزن المثقال لانتشار ذلك بما ظهر في جاهلية العرب قال زهير بن أبي سلمى

( فتغلل لكم ما لا تغل لأهلها

قرى بالعراق من قفيز ودرهم)

وضرب عمر رضي الله عنه على ناحية أخرى غيرها هذا القدر فاستعمل عثمان بن حتيف عليه وأمره بالمساحة ووضع ما تحتمله الأرض من خراجها فمسح ووضع على كل جريب من الكرم والشجر الملتف عشر دراهم ومن النخل أربعة دراهم ومن قصب السكر ستة دراهم ومن الرطبة خمسة دراهم ومن البر أربعة دراهم ومن الشعير درهمين وكتب بذلك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأمضاه وعمل في نواحي الشام على غير هذا فعلم أنه راعى في كل أرض ما تحتمله وذلك يجب أن يكون واضع الخراج بعده يراعي في كل أرض ما تحتمله فإنها تختلف من ثلاثة 0 أوجه يؤثر كل واحد منها في زيادة الخراج ونقصانه أحدها يختص بالأرض من جودة يزكو بها زرعها أو رداءة يقل بها ريعها الثاني ما يختص


169
بالزرع مع اختلاف أنواعه من الحبوب والثمار فمنها ما يكثر ثمنه ومنها ما يقل ثمنه فيكون الخراج بحسبه والثالث ما يختص بالسقي والشرب لأن ما التزم المؤنة في سقيه بالتواضح والدوالي لا يحتمل من الخراج ما يحتمله سقي السيوح والأمطار

وشرب الزرع والأشجار ينقسم أربعة أقسام أحدها ما سقاه الآدميين بغير آلات كالسيوح من العيون والأنهار يساق إليها فيسيح عليها عند الحاجة وبمنع منها عند الاستغناء وهذا أوفر المياه منفعة وأقلها كلفة والقسم الثاني ما سقاه الآدميون بآلة من نواضح ودواليب أو دوالي وهذا أكثر المياه مؤنة وأشقها عملا والقسم الثالث ما سقته السماء بمطر أو ثلج أو طل ويسمى العذى والقسم الرابع ما سقته الأرض بنداوتها وما استمكن من الماء في قرارها فيشرب زرعها وشجرها بعرقه ويسمى البعل فأما الغيل وهو ما شرب بالقناة 0 فإن ساح فهو من القسم الأول وإن لم يسح فهو من القسم الثاني وأما الكظائم فهو ما شرب من الآبار فإن نضج منها بالغروب فهو من القسم الثاني وإن استخرج من القناة فهو غيل يلحق بالقسم الأول وإذا استقر ما ذكرنا فلا بد لواضع الخراج من اعتبار ما وصفناه من الأوجه الثلاثة من اختلاف الأرضين وإختلاف الزروع واختلاف السقي ليعلم قدر ما تحمله الأرض من خراجها فيقصد العدل فيها فيما بين أهلها وبين الفيء من غير زيادة تجحف بأهل الخراج ونقصان يضر بأهل الفيء نظرا للفريقين ومن الناس اعتبر شرطا رابعا وهو قربها من البلدان والأسواق ويعدها لزيادة أثمانها ونقصانها وهذا إنما يعتبر فيما يكون خراجه ورقا ولا يعتبر فيما يكون خراجه حبا وتلك الشروط الثلاثة تعتبر في الحب والورق وإذا كان الخراج معتبرا بما وصفنا فكذلك ما اختلف قدره وجاز أن يكون خراج كل ناحية مخالفا لخراج غيرها ولا يستقصي في وضع الخراج غاية ما يحتمله 0 وليجعل فيه لأرباب الأرض بقية يجبرون بها النواب والحوائج


170
0 حكي أن الحجاج كتب إلى عبد الملك بن مروان يستأذنه في أخذ الفضل من أموال السواد فمنعه من ذلك وكتب إليه لا تكن على درهمك المأخوذ أحرص منك على درهمك المتروك وأبق لهم لحوما يعقدون بها شحوما

فإذا تقرر الخراج بما إحتلمته الأرض من الوجوه التي قدمناها راعى فيها أصلح الأمور من ثلاثة أوجه أحدها أن يضعه على مسائح الأرض والثاني أن يضعه على مسائح الأرض والثالث أن يجعلها مقاسمة فإن وضعه على مسائح الأرض كان معتبرا بالسنة الهلالية وإن وضعه على مسائح الزرع كان معتبرا بالسنة الشمسية وإن جعله مقاسمة كان معتبرا بكمال الزرع وتصفيته فإذا استقر على أخذها مقدرا بالشروط المعتبرة فيه صار ذلك مؤبدا لا يجوز أن يزاد فيه ولا ينقص منه ما كانت الأرضون على أحوالها في سقيها ومصالحها

فإن تغير سقيها ومصالحا إلى الزيادة أو النقصان فذلك 0 ضربان أحدهما أن يكون حدوث الزيادة والنقصان بسبب من جهتهم كزياد حدثت بشق أنهار أو استنباط مياه أو نقصان حدث لتقصير في عمارته أو عدول عن حقوق ومصلحة فيكون الخراج عليهم بحاله لا يزاد عليهم فيه لزيادة عمارتهم فيه ولا ينقص منه لنقصانها ويؤخذون العمارة لئلا يستديم خرابها فتعطل والضرب الثاني أن يكون حدوث ذلك من غير جهتهم فيكون النقصان لشق أنشق أو نهر تعطل فإن كان سده وعمله ممكنا فوجب على الإمام أن يعمله من بيت المال من سهم المصالح والخراج ساقط عنهم ما لم يعمل وإن لم يكن عمله فخراج تلك الأرض ساقط عن أهلها إذا عدم الانتفاع بها فإن أمكن الانتفاع بها في غير الزراعة كمصائد أو مراع جاز أن يستأنف وضع خراج عليها بحسب ما يحتمله الصيد والمراعي وليست كالأرض الموات التي لا يجوز أن يوضع على مصائدها ومراعيها خراج لأن هذه الأرض مملوكة وأرض الموات مباحة


171
أما الزيادة التي أحدثها الله تعالى كأنهار حضرها السيل وصارت الأرض بها سائحة بعد أن كانت تسقى بآلة فإن كان هذا عارضا لا يوثق بدوامه لم يجز أن يزاد في الخراج وإن وثق بدوامه راعى الإمام فيه المصلحة لأرباب الضياع وأهل الفيء وعمل بالزيادة أو المتاركة بما يكون عدلا بين الفريقين

وخراج الأرض إذا أمكن زرعها مأخوذ منها وإن لم تزرع وقال مالك لا خراج عليها سواء تركها مختارا أو معذورا وقال أبو حنيفة يؤخذ منها إن كان مختارا ويسقط عنها إن كان معذورا وإذا كان خراج ما أخل بزرعه يختلف باختلاف الزروع أخذ منه فيما أخل بزرعه عن أقل ما يزرع فيها لأنه لو اقتصر على زرعه لم يعارض فيه وإذا كانت أرض الخراج لا يمكن زرعها في كل عام حتى تراح في عام وتزرع في عام آخر روعي حالها في ابتداء وضع الخراج عليها واعتبر أصلح الأمور لأرباب الضياع 0 وأهل الفيء في خصلة من ثلاث إما أن يجعل خراجها على الشطر من خراج ما يزرع كل عام فيؤخذ من المزروع والمتروك وإما أن يمسح كل جريبين منها بجريب ليكون أحدهما للمزروع والآخر للمتروك وإما أن يضعه بكماله على مساحة المزروع والتروك ويستوفي من أربابه الشطر من زراعة أرضهم وإذا كان خراج الزروع والثمار مختلفا باختلاف الأنواع زرع أو غرس ما لم ينص عليه اعتبر خراجه بأقرب المنصوصات به شبها ونفعا

وإذا زرعت أرض الخراج ما يوجب العشر لم يسقط عشر الزرع بخراج الأرض وجمع فيها بين الحقين على مذهب الشافعي رحمه الله وقال أبو حنيفة لا أجمع بينهما واقتصر على أخذ الخراج وإسقاط العشر ولا يجوز أن تنقل أرض الخراج إلى العشر ولا أرض العشر إلى الخراج وجوزه أبو حنيفة وإذا سقي بماء الخراج أرض عشر كان المأخوذ منها عشرا وإذا سقي بماء العشر أرض خراج كان المأخوذ منها خراج اعتبارا بالأرض دون الماء وقال أبو حنيفة يعتبر 0 حكم الماء فيؤخذ بماء الخراج منه


172
أرض العشر الخراج ويؤخذ بماء العشر من أرض الخراج العشر اعتبارا بالماء دون الأرض واعتبار الأرض أولى من اعتبار الماء لأن الخراج مأخوذ عن الأرض والعشر مأخوذ عن الزرع وليس على الماء خراج ولا عشر فلا يعتبر في واحد منهما وعلى هذا الاختلاف منع أبو حنيفة صاحب الخراج أن يسقي بماء العشر ومنع صاحب العشر أن يسقي بماء الخراج ولم يمنع الشافعي رحمه الله واحدا منهما أن يسقي بأي الماءين شاء

وإن بنى في أرض الخراج أبنية من دور أو حوانيت كان خراج الأرض مستحقا لأن لرب الأرض أن ينتفع بها كيف يشاء وأسقطه أبو حنيفة إلا أن تزرع أو تغرس والذي أراه أن مالا يستغنى عن بنيانه من مقامه في أرض الخراج لزراعتها عفو يسقط عنه خراجه لأن لا يستقر إلا بسكن يستوطنه وما جاوز قدر الحاجة مأخوذ بخراجه وإذا أوجرت أرض الخراج أو أعيرت فخراجها على المالك 0 دون المستأجر والمستعير وقال أبو حنيفة خراجها في الإجارة على المالك وفي العارية على المستعير

وإذا اختلف العامل ورب الأرض في حكمها فادعى العامل أنها أرض خراج وادعى ربها أنها أرض عشر وقولهما ممكن فالقول قول المالك دون العامل فإن اتهم أحلف استظهارا ويجوز أن يعمل في مثل هذا الاختلاف على شواهد الدواوين السلطانية إذا علم صحتها ووثق بكتابها وقلما يشكل ذلك إلا في الحدود وإذا ادعى رب الأرض دفع الخراج لم يقبل منه قوله ولو ادعى دفع العشر قبل قوله ويجوز أن يعمل في دفع الخراج على الدواوين السلطانية إذا عرف صحتها اعتبارا بالعرف المعتاد فيها ومن أعسر بخراجه أنظر به إلى ايساره وقال أبو حنيفة يجب بإيساره ويسقط بالإعسار وإذا مطل بالخراج مع إيساره حبس به إلا أن يوجد له مال فيباع عليه في خراجه كالمديون فإن لم يوجد له غير أرض الخراج فإن كان السلطان يرى جواز بيعها باع منها عليه بقدر خراجها وإن 0 كان لا يرى ذلك أجراها عليه واستوفى الخراج من مستأجرها فإن زادت الأجرة زيادتها وإن نقصت كان عليه نقصانها وإذا عجز رب الأرض من عمارتها قيل له أن تؤجرها أو ترفع يدك عنها لتدفع إلى من يقوم بعمارتها ولم يترك على خراجها وإن خراجها لئلا تصير بالخراب مواتا


173
وعامل الخراج يعتبر بصحة ولايته الحرية والأمانة والكفاية ثم يختلف حاله باختلاف ولايته فإن تولى وضع الخراج اعتبر فيه أن يكون فقيها من أهل الاجتهاد وإن ولي جباية الخراج صحت ولايته وإن لم يكن فقيها مجتهدا ورزق عامل الخراج في مال الخراج كما أن رزق عامل الصدقة في مال الصدقة من سهم العاملين وكذلك أجور المساح وأما أجرة القسام فقد اختلف الفقهاء فيها فذهب الشافعي رحمه الله إلى أجور قسام العشر والخراج معا في حق الذي استوفاه السلطان منهما وقال أبو حنيفة أجور من يقسم غلة العشر وغلة الخراج وسط من أصل الكيل وقال أبو سفيان الثوري أجور الخراج على السلطان وأجور العشر على أهل الأرض وقال مالك أجور العشر على صاحب الأرض وأجور الخراج على الوسط والخراج حق معلوم على مساحة معلومة فاعتبر في العلم بها ثلاثة مقادير تنفي الجهالة عنها 0 أحدها مقدار الجريب بالذراع المسموح به والثاني مقدار الدرهم المأخوذ به والثالث مقدار الكيل المستوفى به

فأما الجريب فهو عشر قصبات في عشر قصبات القفيز عشر قصبات في قصبة والعشير قصبة في قصبة والقصبة ستة أذرع فيكون الجريب ثلاثة آلاف وستمائة ذراع مكسرة والقفيز ثلاثمائة وستون ذراعا مكسرة وهو عشر الجريب والعشير ستة وثلاثون ذراعا وهو عشر القفيز وأما الذراع فالأذرع سبع أقصرها القاضية ثم اليوسفية ثم السوداء ثم الهاشمية الصغرى وهي البلالية ثم الهاشمية الكبرى وهي الزيادية ثم العمرية ثم الميزانية فأما القاضية وتسمى ذراع الدور فهي أقل من ذراع السوداء بإصبع وثلثي إصبع وأول من وضعها ابن أبي القاضي وبها يتعامل أهل كلواذى وأما اليوسفية وهي التي تذرع بها القضاة الدور بمدينة السلام فهي أقل من السوداء بثلثي إصبع وأول من وضعها أبو يوسف القاضي


174
وأما السوداء فهي أطول من ذراع الدور بإصبع وثلثي إصبع وأول من وضعها الرشيد رحمه الله تعالى بذراع خادم أسود كان على رأسه وهي التي يتعامل بها الناس في ذراع البز والتجارة والأبنية وقياس نيل مصر

وأما الذراع الهاشمية الصغرى وهي البلالية فهي أطول من الذراع السوداء بإصبعين وثلثي إصبع وأول من أحدثها بلال بن أبي بردة وذكر أنها ذراع جده أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وهي أنقص من الزيادية بثلاثة أرباع عشر وبها يتعامل الناس بالبصرة والكوفة وأما الهاشمية الكبرى وهي ذراع الملك وأول من نقلها إلى الهاشمية المنصور رحمه الله تعالى فهي أطول من الذراع السوداء بخمس أصابع وثلثي إصبع فتكون ذراعا وثمنا وعشرا بالسوداء وتنقص عنها الهاشمية الصغرى بثلاث أرباع عشر وسميت زيادية لن زيادتها مسح بها أرض السواد وهي التي يذرع بها 0 أهل الأهواز

وأما الذراع العمرية فهي ذراع عمر بن الخطاب رضي الله عنه التي مسح بها أرض السواد وقال موسى بن طلحة رأيت ذراع عمر بن الخطاب رضي الله عنه التي مسح بها أرض السواد وهي ذراع وقبضة وإبهام قائمة قال الحكم بن عيينة إن عمر رضي الله عنه عمد إلى أطولها ذراعا وأقصرها وأوسطها فجمع منها ثلاثة وأخذ الثلث منها وزاد عليه قبضة وإبهاما قائمة ثم ختم في طرفيه بالرصاص وبعث بذلك إلى حذيفة وعثمان بن حنيف حتى مسحا بها السواد وكان أول من مسح بها بعده عمر بن هبيرة أما الذراع الميزانية فتكون بالذراع السوداء وثلثي إصبع وأول من وضعها المأمون رضي الله عنه وهي التي يتعامل الناس فيها في ذراع البرائد والمساكن والأسواق وكراء الأنهار والحفائر وأما الدرهم فيحتاج فيه إلى معرفة وزنه ونقده فأما وزنه فقد استقر الأمر في الإسلام على أن وزن الدرهم ستة دوانيق ووزن كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل


175

واختلف في سبب استقراره على هذا الوزن فذكر قرم أن الدراهم كانت أيام الفرس مضروبة على ثلاثة أوزان منها درهم على وزن المثقال عشرون قيراطا ودرهم وزنه اثنا عشر قيراطا ودرهم وزنه عشرة قراريط فلما احتيج في الإسلام إلى تقديره في الزكاة أخذ الوسط من جميع الأوزان الثلاثة وهو اثنان وأربعون قيراطا فكان أربعة عشر قيراطا من قراريط المثقال فلما ضربت الدراهم الإسلامية على الوسط من هذه الأوزان الثلاثة قيل في عشيرتها وزن سبعة مثاقيل لأنها كذلك وذكر آخرون أن السبب في ذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما رأى اختلاف الدراهم وأن منها البعلى وهو ثمانية دونق ومنها اليمنى وهو دانق قال انظروا الأغلب مما يتعامل به الناس من أعلاها وأدناها فكان الدرهم البغلي والدرهم الطبري فجمع بينهما فكانا اثنا عشر دانقا فأخذا نصفا فكان 0 ستة دوانق فجعل الدرهم الإسلامي بينهما فكانا اثني عشر دانقا فأخذ نصفا فكان ستة دوانق فجعل الدرهم الإسلامي في ستة دوانيق ومتى زدت عليه ثلاثة أسباعه كان مثقالا ومتى نقصت من المثقال ثلاثة أعشاره كان درهما فكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل وكل عشرة مثاقيل أربعة عشر درهم وسبعان فأما النقص فمن خالص الفضة وليس لمغشوشه مدخل في حكمه وقد كان الفرس عند فساد أمورهم فسدت نقودهم فجاء الإسلام ونقودهم من العين والورق غير خالصة إلا أنها كانت تقوم في المعاملات مقام الخالصة وكان غشها عفوا لعدم تأثيره بينهم إلى أن ضربت الدراهم الإسلامية فتميز المغشوش من الخالص واختلف في أول من ضربها في الإسلام فقال سعيد بن المسيب أن أول من ضرب الدراهم المنقوشة عبد الملك بن مروان وكانت الدنانير ترد رومية والدراهم ترد كسروية وحميرية قليلة قال أبو الزناد فأمر عبد الملك بن مروان الحجاج أن يضرب الدراهم بالعراق فضربها 0 سنة أربع وسبعين وقال المدائني بل ضربها الحجاج في آخر سنة خمس وسبعين ثم أمر بضربها في النواحي سنة ست وسبعين وقيل إن الحجاج خلصها تخليصا ولم يستقصه وكتب عليها الله أحد الله الصمد وسمية مكروهة واختلف في تسميتها بذلك فقال قوم لأن الفقهاء كرهوها لما


176
لما عليها من القرآن وقد يحملها الجنب والمحدث وقال الآخرون لأن الأعاجم كرهوا نقصانها فسميت مكروهة ثم ولى بعد الحجاج عمر بن هبيرة في أيان يزيد بن عبد الملك فضربها أجود مما كانت ثم ولى بعده خالد بن عبد الله القسري فشدد في تجويدها وضرب بعده يوسف بن عمر فأفرط في التشديد فيها والتجويد فكانت الهبيرية والخالدية واليوسفية أجود نقود بني أمية وكان المنصور رضي الله عنه لا يأخذ في الخراج من نقودهم غيرها

وحكى يحيى بن النعمان الغفاري عن أبيه أن أول من ضرب الدراهم مصعب بن الزبير عن أمر أخيه عبد الله بن الزبيرسنة سبعين على ضرب الأكاسرة وعليها تركه في جانب والله في الجانب الآخر ثم غيرها الحجاج بعد سنة وكتب عليها بسم الله في جانب والحجاج في جانب وإذا خلص العين والورق من غش كان هوالمعتبر في النقود المستحقة والمطبوع منها 0 بالسكة السلطانية الموثوق بسلامة طبعه المأمون من تبديله وتلبسه هو المستحق دون نقار الفضة وسبائك الذهب لن لا يوثق بهما إلا بالسك والتصفية والمطبوع موثوق به لذلك كان من الثابت في الذمم فيما يطلق من أثمان البيعات وقيم المتلفات ولو كانت المطبوعة مختلفة القيمة مع اتفاقها في الجودة فطالب عامل الخراج بأعلاها قيمة نظر فإن كان ضرب سلطان الوقت أجيب إليه لأن في العدول عن ضربه مباينة له في الطاعة وإن كان من ضرب غيره نظر فإن كان هو المأخوذ في خراج من تقدمه أجيب إليه استصحابا لما تقدم وإن لم يكن مأخوذا فيما تقدم كانت المطالبة به غبنا وحيفا

وأما مكسور الدراهم والدنانير فلا يلزم أخذه لالتباسه وجواز اختلاطه ولذلك نقصت قيمتها عن المضروب الصحيح واختلف الفقهاء في كراهية كسرها فذهب مالك وأكثر فقهاء الدنية إلى أنه مكروه لأنه من جملة الفساد في الأرض وينكر على فاعله وروى عن النبي A أنه نهى 0 عن كسر سكة المسلمين الجارية بينهم


177
الباب الرابع عشر
فيما يختلف أحكامه من البلاد

بلاد الإسلام تنقسم على ثلاثة أقسام حرم وحجاز وما عداهما أما الحرم فمكة وما طاف بها من نصب حرمها وقد ذكرها الله تعالى باسمين في كتابه مكة وبكة فذكر مكة في قوله (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة بم بعد أن أظفركم عليهم) ومكة مأخوذ من قولهم تمككت المخ من العظم تمككا إذا استخرجته عنه لأنها تمك الفاجر عنها وتخرجه منها على ما حكاه الأصمعي وأنشد قول الراجز في تلبيته

( يا مكة الفاجر مكي مكا

ولا تمكي مذحجا وعكا) وذكر بكة في قوله عز وجل (إن أول بيت وضع للناس لذي ببكة مباركا) قال الأصمعي وسميت بكة لأن الناس يبك بعضهم بعضا فيها أي يدفع وأنشد

( إذا الشريب أخذته أكه

فخله حتى يبك بكة)

واختلف الناس في هذين الأسمين فقال قوم هما لغتان والمسمى بهما 0 واحد لأن العرب تبدل الميم بالباء فتقول ضربه لازب وضربه لازب لقرب المخرجين وهذا قول مجاهد وقال آخرون بل هما اسمان والمسمى بهما شيئان لأن لاختلاف الأسماء موضوع باختلاف المسمى ومن قال بهذا اختلف في المسمى بهما قولين أحدهما أن مكة اسم البلد كله وبكة أسم البيت وهذا قول إبراهيم النخعي ويحيى بن أبي أيوب والثاني أن مكة الحرم كله


178
وبكة المسجد وهذا قول الزهري وزيد بن اسلم وحكى مصعب بن عبد الله الزبيري قال كانت مكة في الجاهلية تسمى صلاحا لأمنها وأنشد قول أبي سفيان بن حرب بن أمية لابن الحضرمي

(أبا مطر هلم إلى صلاح

فيكفيك الندامى من قريش
وتنزل بلدة عزت قديما
وتأمن أن يزورك رب جبش) وحكى مجاهد أن من أسماء مكة أم زحم والباسة فأما أم زحم فلأن الناس يتزاحمون بها ويتنازعون وأما الباسة فلأنها تبس من الحد فيها أي تحطمه وتهلكه ومنه قول الله تعالى (وبست الجبال بسا)

ويروى الناسة بالنون ومعناه أنها تنس فيها أي تطرده وتنقيه وأصل مكة وحرمتها ما عظمه الله سبحانه من حرمة بيته حتى جعلها لأجل البيت الذي أمر برفع قواعده وجعله عبادة أم القرى كما قال الله سبحانه (لتنذر أم القرى ومن حولها) وحكى جعفر بن محمد بن علي رضي الله عنه أن سبب وضع البيت والطواف 0 به أن الله تعالى قال للملائكة (إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون) فغضب عليهم فعاذوا بالعرش فطافوا حوله سبعة أطواف يسترضون ربهم فرضي عنهم وقال لهم ابنوا لي في الأرض بيتا يعوذ به من سخطت عليه من بني آدم يطفون حوله كما فعلتم بعرشي فرضي عنهم فبنوا له هذا البيت فكان أول بيت وضع للناس قال تعالى (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين) فلم يختلف أهل العلم أنه أول بيت وضع للناس للعبادة وإنما اختلفوا هل كان أول بيت وضع لغيرها فقال الحسن وطائفة قد كان قبله بيوت كبيرة وقال مجاهد وقتادة لم يكن قبله بيت


179
وفي قوله تعالى (مباركا) تأويلان أحدهما أن بركته بما يستحق من ثواب للقصد إليه والثاني أنه أمن لمن دخله حتى الوحش فيجتمع فيه الظبي والذئب (وهدى للعالمين) تحتمل تأويلين أحدهما هدى لهم إلى توحيده والثاني إلى عبادته في الحج والصلاة (فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا)

وكانت الآية في مقام إبراهيم تأثير قدميه فيه وهو حجر صلد والآية في غير المقام الخائف وهيبة البيت عند مشاهدته وامتناع الطير من العلو عليه وتعجيل العقوبة لمن عتا فيه وما كان في الجاهلية من أصحاب الفيل وما عطف عليه قلوب العرب في الجاهلية من تعظيمه وأن من دخله من الجاهلية وهم غير أهل كتاب ولا متبعي شرع يلتزمون أحكامه حتى أن الرجل منهم كان يرى فيه قاتل أخيه وأبيه فلا يطلبه بثأره فيه وكل ذلك آيات الله تعالى ألقاها على قلوب عباده وأما 0 أمنه في الإسلام ففي قوله سبحانه تعالى (ومن دخله كان آمنا) تأويلان أحدهما آمنا من النار وهذا قول يحيى بن جعدة والثاني آمنا من القتل لأن الله تعالى أوجب الإحرام على داخله وحظر عليه أن يدخله محلا وقال أيضا رسول الله A حين دخل مكة عام الفتح حلالا أحلت لي ساعة من نهار ولم تحل لأحد من قبلي ولا تحل لأحد من بعدي ثم قال (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) فجعل حجه فرضا بعد أن صار في الصلاة قبلة لأن استقبال الكعبة في الصلاة فرض في السنة الثانية من الهجرة والحج فرض في السنة السادسة وإذ قد تعلق بمكة للكعبة من أركان الإسلام عبادتان وباينت بحرمتها سائر البلدان وجب أن نصفها ثم نذكر حكم حرمها


180
0 فأما بناؤها فأول من تولاه بعد الطوفان إبراهيم عليه الصلاة والسلام فإنه سبحانه قال (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسمعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم) فدل ما سألاه من القبول على أنهما كانا ببنائها مأمورين وسميت كعبة لعلوها مأخوذ من قولهم كعبت المرأة إذا علا ثديها ومنه سمي الكعب كعبا لعلوه وكانت الكعبة بعد إبراهيم A مع جرهم والعمالقة إلى أن انقرضوا حتى قال فيهم عامر بن الحارث

( كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا

أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا
صروف الليالي والجدود العواثر)

وخلفهم فيها قريش بعد استيلائهم على الحرم لكثرتهم بعد القلة وعزتهم بعد الذلة تأسيسا ما يظهره الله تعالى فيهم من النبوة فكان أول من جدد بناء من قريش بعد إبراهيم عليه السلام قصي بن كلاب وسقفها بخشب الدوم وجريد 0 النخل قال الأعشى

( حلفت بثوبي راهب الشام والتي

بناها قصي جده وابن جرهم
لئن شب نيران العداوة بيننا
ليرتحلن منى على ظهر شيهم)

ثم بنتها قريش بعده ورسول الله A ابن خمس وعشرين سنة وشهد بناءها وكان بابها في الأرض فقال أبو حذيفة بن المغيرة يا قوم ارفعوا باب الكعبة حتى لا تدخل إلا بسلام فإنه لا يدخلها حينئذ إلا من ارتدتم فإن جاء أحد ممن تكرهون رميتم به فيسقط فكان نكالا لمن رآه ففعلت قريش ذلك وسبب بنائها أن الكعبة استهدمت وكانت فوق القامة فأرادوا تعليتها وكان البحر قد ألقى سفينة لرجل من تجار الروم إلى جدة فاخذوا خشبها وكان في الكعبة حية يخافها الناس فخرجت فوق جدار الكعبة فنزل طائر فاختطفها فقالت قريش إنا لنرجوا أن يكون الله سبحانه قد رضي ما أردنا


181

فهدموها وبنوها بخشب السفينة وكانت على بنائها إلى حوصر بن الزبير بالمسجد من الحصين بن نميرة وعسكر الشام حين حاربوه أربع وستين في زمن يزيد بن معاوية فاخذ رجل من أصحابه نارا في ليفة على راس رمح وكانت الريح عاصفة فطارت شرارة فتعلقت بأستار الكعبة فأحرقتها فتصدعت حيطانها واسودت وتناثرت أحجارها فلما مات يزيد وانصرف الحصين ابن نمير شاروا عبد الله بن الزبير أصحابه في هدمها وبنائها فأشار به جابر بن عبد الله وعبيد ابن عمير وأتاه عبد الله بن عباس وقال لا تهدم بيت الله تعالى فقال ابن الزبير أما ترى الحمام يقع على حيطان البيت فتتناثر حجارته ويظل أحدكم يبني بيته ولا يبني بيت الله إلا إني هادمه بالغداة فقد بلغني أن رسول الله A قال لو كانت لنا سعة لبنيته على أس إبراهيم ولجعلت له بابين شرقيا وغربيا وسأل الأسود هلة سمعت 0 من عائشة رضي الله عنها في ذلك شيئا فقال نعم أخبرتني أن النبي قال لها إن النفقة فصرت بقومك فاقتصروا ولولا حدثان عهدهم بالكفر لهدمته وأعدت فيه ما تركوا

فاستقر رأي ابن الزبير على هدمه فلما أصبح أرسل إلى عبيد بن عمير فقيل هو نائم فأرسل إليه وأيقظه وقال له أما بلغك أن النبي A قال إن الأرض لتضج إلى الله من نومة العلماء في الضحى فهدمها فأرسل إليه ابن عباس إن كنت هادمها فلا تدع الناس بلا قبلة فلما هدمت قال الناس كيف نصلي بغير قبلة فقال جابر وزيد صلوا إلى موضعها فهو القبلة وأمر ابن الزبير بموضعها فستر ووضع الحجر في تابوت في خرقة حرير قال عكرمة رأيته فإذا هو ذراع أو يزيد وكان جوفه أبيض مثل الفضة وجعل حلى الكعبة عند الحجبة في خزانة الكعبة فلما أراد بناءها حفر من قبل الحطيم حتى استخرج أس إبراهيم


182
عليه السلام فجمع الناس ثم قال هل تعلمون أن هذا أس إبراهيم قالوا نعم فبناها على أس إبراهيم A وأدخل فيها الحجر ستة أذرع وترك منه أربعا وقيل أدخل سبعة أذرع وترك ثلاثا وجعل لها بابين ملصوقين بالأرض شرقيا وغربيا يدخل من واحد ويخرج من الآخر وجعل على بابهما صفائح الذهب وجعل مفاتيحها من ذهب وكان ممن حضر بناءها من رجال قريش أبو الجهم بن حذيفة العدوي فقال عملت في بناء الكعبة مرتين واحدة في الجاهلية بقوة غلام نفاع وأخرى في الإسلام بقوة كبير فان وذكر الزبير ابن بكار أن عبد الله بن الزبير وجد في الحجر صفائح حجارة خضر قد أطبق بها قبر فقال له عبد الله بن صفوان هذا قبر نبي الله إسماعيل عليه السلام فكف عن تحريك تلك الحجارة ثم بقيت الكعبة أيام الزبير على حالها إلى أن حاربه الحجاج وحصره في المسجد ونصب عليه المنجنيقات 0 إلى أن ظفر به وقد تصدع بناء الكعبة بأحجار المنجنيق فهدمها الحجاج وبناها بأمر عبد الله بن مروان وأخرج الحجر منها وأعادها إلى بناء قريش على ما هي عليه اليوم فكان عبد الملك بن مروان بقول ودوت أني كنت حملت ابن الزبير من أمر الكعبة وبنائها ما تحمله وأما كسوة الكعبة فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي A إن أول من كسا البيت سعد اليماني

ثم كساها رسول الله A الثياب اليمانية ثم كساها عمر بن الخطاب وعثمان رضي الله عنهما القاطبي ثم كساها يزيد بن معاوية الديباج الخسرواني وحكى محارب ابن دثار أن أول من كسا الكعبة الديباج خالد بن جعفر بن كلاب أصاب لطيمة في الجاهلية وفيها نمط ديباج فناطه بالكعبة ثم كساها ابن الزبير والحجاج الديباج ثم كساها بنو أمية في بعض أيامهم الحلل التي كانت على أهل نجران في حربهم وفوقها الديباج ثم جدد المتوكل رخام الكعبة وأزرها بفضة وألبس سائر حيطانها وسقفها بذهب 0 ثم كسا أساطينها الديباج ثم لم يزل الديباج كسوتها في الدولة العباسية باسرها

وأما المسجد الحرام فقد كان فناء حول الكعبة للطائفين ولم يكن له على عبد


183
رسول الله A وأبي بكر الصديق رضي الله عنه جدار يحيط به فلما استخلف عمر رضي الله عنه وكثر الناس وسع المسجد واشترى دورا هدمها فيه وهدم على قوم جيران المسجد أبوا أن يبيعوا ووضع لهم الأثمان حتى أخذوها بعد ذلك واتخذ للمسجد جدار قصيرا دون القامة وكانت المصابيح توضع عليه وكان عمر رضي الله عنه أول من اتخذ جدارا للمسجد فلما استخلف عثمان رضي الله عنه ابتاع منازل فوسع بها المسجد واخذ منازل أقوام ووضع لهم أثمانها فضجوا منه عند البيت فقال إنما جرأكم على حلمي عنكم فقد فعل عمر رضي الله عنه هذا فأقررتم ورضيتم ثم أمر بهم إلى الحبس حتى كلمه فيهم عبد الله بن خالد بن أسد فخلى سبيلهم وبنى للمسجد الأروقة حين وسعه فكان عثمان رضي الله عنه أول من اتخذ للمسجد الأروقة ثم إن الوليد بن عبد الملك وسع المسجد وحمل غليه أعمدة الحجارة 0 والرخام ثم إن المنصور رحمه الله زاد في المسجد وبناه وزاد فيه المهدي رحمه الله بعده وعليه استقر بناؤه إلى وقتنا هذا

وأما مكة فلم تكن ذات منازل وكانت قريش بعد جرهم والعمالقة ينتجعون جبالها وأوديتها ولا يخرجون من حرمها انتسابا إلى الكعبة لاستيلائهم عليها وتخصصا بالحرم لحلولهم فيه ويرون أنه سيكون لهم بذلك شأن وكلما كثر فيهم العدد ونشأت فيهم الرياسة قوي أملهم وعلموا أنهم سيتقدمون على العرب وكان فضلاؤهم وذوو الرأي والتجربة منهم يتخيلون أن ذلك لرياسة في الدين وتأسيس لنبوة ستكون لأنهم تمسكوا من أمور الكعبة بما هو بالدين أخص فأول من شعر بذلك منهم وألهمه كعب ابن لؤي بن غالب وكانت قريش تجتمع إليه في كل جمعة وكان يوم الجمعة يسمى في الجاهلية عروبة فسماه كعب يوم الجمعة وكان يخطب فيه على قريش فيقول على ما حكاه الزبير بن بكار وأما بعد فاسمعوا وتعلموا وافهموا واعلموا أن الليل ساج والنهار 0 صاح والأرض مهاد والجبال أوتاد والسماء بناء والنجوم أعلام والأولين كالآخرين والذكر والأنثى زوج إلى أن يأتي ما يهيج فصلوا أرحامكم واحفظوا أصهاركم وثمروا أموالكم فهل رأيتم من هالك رجع وميت انتشر والدار أمامكم


184
والظن غير ما تقولون حرمكم زينوه وعظموه وتمسكوا به فسيأتي نبا عظيم وسيخرج منه نبي كريم ثم يقول

( نهار وليل كل يوم بحادث

سواء علينا ليلها ونهارها
يئوبان بالأحداث فينا تأوبا
وبالنعم الضافي علينا ستورها
صروف وأنباء تقلب أهلها
لها عقد ما يستحيل مريرها
على غفلة يأتي النبي محمد
فيخبر أخبارا صدوقا خبيرها)

فيقول أما والله لئن كنت فيها ذا سمع وبصر ويد ورجل لتنصبت فيها تنصب الجمل ولأرقلت فيها إرقال الفحل ثم يقول

( يا ليتني شاهد فحواء دعوته

حين العشيرة تبغي الحق خذلانا) وهذا من فطن الإلهامات التي تخيلتها العقول فصدقت وتصورتها النفوس فتحققت ثم انتقلت الرياسة بعده إلى قصي بن كلاب فبنى دار الندوة ليحكم فيها بين قريش ثم صارت الدار لتشاورهم وعقد الألوية في حروبهم قال الكلبي فكانت أول دار بنيت بمكة ثم تتابع الناس 0 فبنوا من الدور ما استوطنوه وكلما قربوا من عصر الإسلام إزدادوا قوة وكثرة عدد حتى دانت لهم العرب فصدقت المخيلة الأولى في الرياسة عليهم ثم بعث الله سبحانه نبيه رسولا فصدقت المخيلة الثانية في حدوث النبوة فيهم فآمن به من هدى وجحد من عائد وهاجر عنهم A حين اشتد به الأذى حتى عاد ظافرا بعد ثماني سنين من هجرته عنهم

واختلف الناس في دخوله A مكة عام الفتح هل دخلها عنوة أو صلحا مع إجماعهم إلى أنه لم يغنم منها مالا ولم يسب فيها ذرية فذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنه دخلها عنوة فعفا عن الغنائم ومن على السبي وإن للإمام إذا فتح بلدا عنوة أن يغفو عن غنائمه ويمن على سبيه وذهب الشافعي إلى أنه دخلها صلحا عقده مع أبي سفيان كان الشرط فيه أن


185
أن من أغلق بابه كان آمنا ومن تعلق بأستار الكعبة فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن إلا ستة أنفس استثنى قتلهم ولو تعلقوا بأستار الكعبة وقد مضى ذكرهم ولأجل عقد الصلح لم يغنم ولم يسب وليس للإمام إذا فتح بلدا عنوة أن يعفو عن غنائمه ولا يمن على سبيه لما فيهما من حقوق الله تعالى وحقوق الغانمين فصارت مكة وحرمها حين لم تغنم أرض عشر إن زرعت لا يجوز أن يوضع عليها خراج

واختلف الفقهاء في بيع دور مكة وإجارتها فمنع أبو حنيفة من بيعها وأجاز إجارتها في غير أيام الحج ومنع منهما في أيام الحج لرواية الأعمش عن مجاهد أن النبي A قال مكة حرام لا يحل بيع رباعها ولا أجور بيوتها

وذهب الشافعي رحمه الله إلى جواز بيعها وإجارتها لأن رسول A اقرهم عليها بعد الإسلام بعد ما كانت عليه قبله ولم يغنمها ولم يعارضهم فيها وقد 0 كانوا يتبايعونها قبل الإسلام وكذلك بعده هذه دار الندوة وهي أول دار بنيت بمكة صارت بعد قصي لعبد الدار بن قصي وابتاعها معاوية في الإسلام من عكرمة بن عامر ابن هشام ابن عبد الدار بن قصي وجعلها دار الإمارة وكانت من أشهر دار ابتيعت ذكرا وأنشرها في الناس خبرا فما أنكر بيعها أحد من الصحابة وابتاع عمر وعثمان رضي الله عنهما ما زاداه في المسجد من دور مكة وتملك أهلها أثمانها ولو حرم ذلك لما بذلاه من أموال المسلمين ثم جرى به العمل إلى وقتنا هذا فكان إجماعا متبوعا وتحمل رواية مجاهد مع إرسالها على أنه لا يخل بيع رباعها على أهلها تنبيها على أنها لم تغنم فتملك عليهم فذلك لم تبع وكذلك حكم الإجارة

أما الحرم فهو ما أطاف بمكة من جوانبها وحده من طريق المدينة دون التنعيم عند بيوت بني نفار على ثلاثة أميال ومن طريق العراق على ثنية جبل بالمنقطع على سبعة أميال ومن طريق الجعرانة بشعب آل عبد الله بن خالد 0 على تسعة أميال


186
ومن طريق الطائف على عرفة من بطن نمرة على سبعة أميال ومن طريق جدة منقطع العشائر على عشرة أميال فهذا حد ما جعله الله تعالى حرما لما اختص به من التحريم وباين بحكمه سائر البلاد قال الله عز وجل (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا) يعني مكة وحرمها (وارزق أهله من الثمرات)

لأنه كان واديا غير ذي زرع فسال الله تعالى أن يجعل لأهله الأمن والخصب ليكونوا بهما في رغد من العيش فأجابه الله تعالى إلى ما سأل فجعله حرما آمنا يتخطف الناس من حوله وجبا ثمرات كل بلد حتى جمعها فيه

واختلف الناس في مكة وما حولها هل صارت حرما آمنا بسؤال إبراهيم عليه السلام أو كانت قبله كذلك على قولين أحدهما أنها لم تزل حرما آمنا بسؤال إبراهيم عليه السلام من الجبابرة والمسلطين ومن الخسوف والزلازل وإنما سال إبراهيم عليه السلام ربه سبحانه أن يجعله 0 حرما آمنا من الجدب والقحط وأن يرزق أهله من الثمرات لرواية سعيد بن أبي سعيد قال سمعت أبا شريح الخزاعي يقول إلى رسول الله A لما فتح مكة قام خطيبا فقال أيها الناس الله سبحانه حرم مكة يوم خلق السموات والأرض فهي حرام إلى يوم القيامة لا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما أو يعضد بها شجرا وإنها لا تحل لأحد بعدي ولم تحل لي إلا هذه الساعة غضبا على أهلها ألا وهي قد رجعت على حالها بالأمس ألا ليلغ الشاهد الغائب فمن قال إن رسول الله قد قتل بها أحدا فقولوا إن الله تعالى قد أحلها لرسوله ولم يحلها لك

والقول الثاني أن مكة حلالا قبل دعوة إبراهيم عليه السلام كسائر البلاد أنها صارت بدعوته حرما آمنا حين حرمها كما صارت المدينة بتحريم رسول الله A حراما بعد أن كانت حلالا لرواية الأشعث عن نافع عن أبي هريرة قال رسول الله A


187
إن إبراهيم عليه السلام كان عبد الله وخليله وأني عبد الله ورسوله وإن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة ما بين لا بيتها عضاهها ولا يحمل بها سلاح لقتال ولا يقطع بها شجر إلا لعلف بعير

والذي يختص به الحرم من الأحكام التي تباين بها سائر البلاد خمسة أحكام أحدها أن الحرم لا يدخله محل قدم غليه حتى يحرم لدخوله إما بحج أو بعمرة يتحلل بها من إحرامه وقال أبو حنيفة يجوز أن يدخلها المحل إذا لم يرد حجا أو عمرة وفي قول النبي A حين دخل مكة عام الفتح حلالا أحلت لي ساعة من نهار لم تحل لأحد من بعدي مما يدل على وجوب الإحرام على داخلها إلا أن يكون ممن يكثر الدخول غليها لمنافع أهلها كالحطابين والسقايين الذين يخرجون منها غدوة ويعودون إليها عشية فيجوز لهم دخولها محلين لدخول المشقة عليهم في الإحرام كلما دخلوا فغن علماء مكة 0 أقروهم على دخولها محلين فخالفوا حكم من عداهم فإن دخل القادم غليها حلالا فقد أثم ولا قضاء عليه ولا دم لأن القضاء متعذر فإنه إذا خرج للقضاء كان إحرامه الذي يستأنفه مختصا بدخول الثاني فلم يصح أن يكون قضاء عن دخوله الأول فتعذر القضاء وأعوز فسقط وأما الدم فلا يلزمه الدم لأن الدم يلزم جبران النسك ولا يلزم جبرانا لأصل النسك

والحكم الثاني أن لا يحارب أهلها لتحريم رسول الله A قتالهم فإن بغوا على أهل العدل فقد ذهب بعض الفقهاء إلى تحريم قتالهم مع بغيهم ويضيق عليهم حتى يرجعوا عن بغيهم ويدخلوا في أحكام أهل العدل والذي عليه أكثر الفقهاء أنهم يقاتلون على بغيهم إذا لم يمكن ردهم عن البغي إلا بقتال لأن قتال أهل البغي من حقوق الله تعالى التي لا يجوز أن تضاع ولأن تكون محفوظة في حرمة أولى من أن تكون مضاعفة فيه فأما إقامة الحدود في الحرم فذهب رحمه الله إلى أنها تقام فيه على من أتاها ولا 0 يمنع الحرم من إقامتها سواء أتاها في الحرم أو في الحل ثم لجأ إلى الحرم وقال أبو حنيفة إن أتاها في الحرم أقيمت فيه وإن أتاها في الحل ثم لجأ إلى الحرم لم يقم عليه فيه وألجىء إلى الخروج منه فإذا خرج أقيمت عليه


188
والحكم الثالث تحريم صيده على المحرمين والمحلين من أهل الحرم من طرأ إليه فإن أصاب في صيده وجب عليه إرساله فإن تلف في يده ضمنه بالجزاء كالمحرم وهكذا لو رمى من الحرم صيدا في الحل ضمنه لأنه قاتل في الحرم وهكذا لو رمى من الحل صيدا ضمنه لأنه مقتول في الحرم ولو صيد في الحل ثم أدخل الحرم كان لا حكم له عند الشافعي رحمه الله وحراما عليه عند أبي حنيفة ولا يحرم قتل ما كان مؤذيا من السباع وحشرات الأرض

والحكم الرابع يحرم قطع شجرة الذي أنبته الله تعالى ولا يحرم قطع ما غرسه الآدميون كما لا يحرم فيه ذبح الأنيس من الحيوان ولا يحرم رعي خلاه ويضمن على قطعه من محظور شجره فيضمن الشجرة الكبيرة ببقرة والشجرة الصغيرة بشاة والغصن من كل واحد منهما يسقطه من ضمان اصله ولا يكون ما استخلف بعد قطع الأصل مسقطا لضمان الأصل

الحكم 0 الخامس أن ليس لجميع من خالف دين الإسلام من ذمي أو معاهد أن يدخل الحرم لا مقيما ولا مارا به وهذا مذهب الشافعي رحمه الله وأكثر الفقهاء وجوز أبو حنيفة دخولهم إليه إذا لم يستوطنوه وفي قوله تعالى (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) نص يمنع ما عداه فإن دخله مشرك عزر إن دخله بغير إذن ولم يستبح قتله وإن دخله بإذن لم يعزر وأنكر على الآذان له وعزر إن اقتضت حاله التعزير وأخرج منه المشرك آمنا وإذا أراد مشرك دخول الحرم ليسلم فيه منع منه حتى يسلم قبل دخوله وإذا مات مشرك في الحرم حرم دفنه فيه ودفن في الحل فإن دفن في الحرم نقل إلى الحل إلا أن يكون قد بلى فيترك فيه كما تركت أموات الجاهلية وأما سائر المساجد فيجوز أن يؤذن لهم في دخولها ما لم يقصد بالدخول استبذالها بأكل أو نوم فيمنعوا وقال مالك لا يجوز أن يؤذن لهم في دخولها بحال


189

أما الحجاز فقد قال الأصمعي سمي حجازا لأنه حجز بين نجد وتهامة وقال ابن الكلبي سمي حجازا لما احتجز به من الجبال وما سوى الحرم منه محصور من سائر البلاد بأربعة أحكام أحدها أن لا يستوطنه مشرك من ذمي ولا معاهد وجوزه أبو حنيفة وقد روى عبيد الله بن عتبة بن مسعود رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها قالت كان آخر ما عهد به رسول الله A أن قال لا يجتمع في جزيرة العرب دينان

وأجلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أهل الذمة عن الحجاز وضرب لمن قدم منهم تاجرا أو صانعا مقام ثلاثة أيام ويخرجون بعد انقضائها فجرى به العامل واستقر عليه الحكم فمنع أهل الذمة من استيطان الحجاز ولا يمكنون من دخوله ولا يقيم الواحد منهم في موضع منه أكثر من ثلاثة أيام فإذا انقضت صرف عن موضعه وجاز أن يقيم في غيره ثلاثة أيام ثم يصرف إلى غيره فإن أقام 0 بموضع منه أكثر من ثلاثة أيام عزر إن لم يكن معذورا

والحكم الثاني أن لا تدفن أمواتهم وينقلوا إن دفنوا فيه إلى غيره لأن دفنهم مستدام فصار كالاستيطان إلا أن يبعد مسافة إخراجهم منه ويتغيروا إن أخرجوا فيجوز لأجل الضرورة أن يدفنوا فيه والحكم الثالث أن لمدينة رسول الله A بالحجاز حرما محظورا ما بين لابتيها يمنع من تنفير صيده وعضد شجره كحرم مكة وأباحه أبو حنيفة وجعل المدينة كغيرها وفيما قدمناه من حديث أبي هريرة دليل على أن حرم المدينة محظور فإن قتل صيدة وعضد شجرة فقد قيل إن جزاءه سلب ثيابه وقيل تعزيره والحكم الرابع أن ارض الحجاز تنقسم لاختصاص رسول الله A بفتحها قسمين أحدهما صدقات رسول الله A التي بحقيه فإن أحد حقية خمس الخمس


190
0 من الفيء والغنائم والحق الثاني أربعة أخماس الفيء الذي أفاده الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب فما صار غليه بواحد من هذين الحقين فقد رضخ منه لبعض أصحابه وترك باقيته لنفقته وصلاته ومصالح المسلمين حتى مات عنه A فاختلف الناس في حكمه بعد موته فجعله قوم موروثا عنه مقسوما على المواريث ملكا وجعله آخرون للإمام القائم مقامه في حماية البيضة وجهاد العدو والذي عليه جمهور الفقهاء أنها صدقات محرمة الرقاب مخصوصة المنافع مصروفة في وجوه المصالح العامة وما سوى صدقاته أرض عشر لا خراج عليها لأنها ما بين مغنوم ملك على أهله أو متروك لمن أسلم عليه وكلا الأمرين معشور لا خراج عليه

فأما صدقات النبي A محصورة لأنه قبض عنها فتعينت وهي ثمانية إحداها وهي أول أرض ملكها رسول الله A وصية مخيريق اليهودي من أموال 0 بني النضير حكى والواقدي أن مخيريق اليهودي كان حبار من علماء بني النضير آمن برسول الله A يوم أحد وكانت له سبعة حوائط وهي المبيت والصافية والدلال وجنسى وبرقة والأعراف والمسربة فوصى بها لرسول الله A حين اسلم وقال معه بأحد حتى قتل رحمه الله

والصدقة الثانية أرضه من أموال بني النضير بالمدينة وهي أول ارض أفاءها الله على رسوله فأجلاهم عنها وكف عن دمائهم وجعل لهم ما حملته الإجل من أموالهم إلا الحلقة وهي السلاح فخرجوا بما استقلت إبلهم إلى خيبر والشام وخلصت أرضهم كلها لرسول الله A إلا ما كان ليامين بن عمير وأبي سعد بن وهب فإنهما اسلما قبل الظفر فأحرز لهما إسلامهما جميع أموالهم ثم قسم رسول الله A ما سوى الأرضين من أموالهم على المهاجرين الأوليين دون الأنصار إلا سهل بن حنيف وأبا دجانة سماك بن خرشة فغنهما ذكرا فقرا فأعطاهما وحبس الأرضين على نفسه


191
فكانت من صدقاته يضعها حيث يشاء وينفق على أزواجه ثم سلمها عمر إلى العباس وعلي رضوان الله عليهما ليقوما بمصرفها

والصدقة الثالثة والرابعة والخامسة ثلاثة حصون من خيبر ثمانية حصون ناعم والقموص وشق والنطاة والكتيبة والوطيح والسلالم وحصن الصعب بن معاذ وكان أول حصن فتحه رسول الله A منها ناعم وعنده قتل محمود ين مسلمة أخو محمد ابن مسلمة والثاني القموص وهو حصن بن أبي الحقيق ومن سببه أصطفى رسول الله A صفية بنت حيي بن أخطب وكانت عند كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق فأعتقها رسول A وتزوجها وجعل عتقها صداقها ثم حصن الصعب بن معاذ وكان أعظم حصون خيبر وأكثرها مالا وطعاما وحيوانا ثم شق والنطاة والكتيبة فهذه الحصون الستة فتحا عنوة ثم أفتتح الوطيح والسلالم وهي آخر فتوح خيبر صلحا بعد أن حاصرهم بضع عشر ليلة فسألوه أن يسير بهم 0 ويحق لهم دماءهم ففعل ذلك وملك من هذه الحصون الثمانية ثلاثة حصون الكتيبة والوطيح والسلالم أما الكتيبة فأخذها بخمس الغنيمة وأما الوطيح فهما مما أفاء الله عليه لأنه فتحها صلحا فصارت هذه الحصون الثلاثة بالفيء والخمس خالصة لرسول الله A فتصدق بها وكانت صدقاته وقسم الخمسة الباقية بين الغانمين وفي جملتها وادي خيبر وواديا السرير ووادي حاضر على ثمانية عشر سهما وكانت عدة من قسمت عليه ألفا وأربعمائة وهم أهل الحديبية من شهد منهم خيبر ومن غاب ولم يغب عنها إلا جابر بن عبد الله قسم له كسهم من حضرها وكان فيهم مائتا فارس أعطاهم ستمائة سهم وألف ومائتا سهم لألف ومائتي رجل فكانت سهام جميعهم ألفا وثمانمائة سهم أعطى لكل مائة سهما فلذلك صارت خيبر مقسومة على ثمانية عشر سهما

والصدقة السادسة النصف من فدك فقد كان رسول A لما فتح خيبر جاءه أهل فدك فصالحوه بسفارة محيصة بن مسعود على أن له نصف أرضهم 0 ونخلهم يعاملهم عليه ولهم النصف الآخر فصار النصف منها من صدقاته معاملة مع أهلها بالنصف من ثمرتها والنصف الآخر خالصا لهم إلى أن أجلاهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيمن


192
أجلاه من أهل الذمة عن الحجاز فقوم فدك ودفع إليهم نصف القيمة فبلغ ذلك ستين ألف درهم وكان الذي قومها مالك بن التيهان وسهل بن أبي حثمة وزيد بن ثابت فصار نصفها من صدقات رسول الله A ونصفها الآخر لكافة المسلمين ومصرف النصفين الآن سواء

والصدقة السابعة الثلث من أرض وادي القرى لأن ثلثها لليهود فصالحم رسول الله A على نصفه فصارت أثلاثا ثلثها لرسول الله A هو صدقاته وثلثها لليهود وثلثها لبني عذرة إلى أن أجلاهم عمر رضي الله عنه عنها وقوم حقهم فيها فبلغت قيمته تسعين ألف دينار فدفعها إليهم خمسة وأربعون ألف دينار فصار نصف الوادي لبني عذرة والنصف الآخر الثلث منه في صدقات رسول الله A والسدس منه لكافة المسلمين ومصرف جميع النصف سواء

والصدقة الثامنة موضع سوق بالمدينة يقال له مهر وإستقطها مروان من عثمان رضي الله عنه فنقم 0 الناس عليه فاحتمل أن يكون إقطاع تضمين لا تمليك ليكون له في الجواز وجه فهذه ثمان صدقات حكاها أهل السير ونقلها وجوه رواة المغازي والله أعلم بصحة ما ذكرنا

فأما سوى هذه الصدقات الثمانية من أمواله فقد حكى الواقدي أن رسول الله A ورث من أبيه عبد الله أم أيمن الحبشية واسمها بركة وخمسة أجمال وقطعة من غنم وقيل ومولاه شقران وابنه صالحا وقد شهد بدرا وورث من أمه آمنة بنت وهب الزهرية دارها التي ولد فيها في شعب بني علي وورث من زوجته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها دارها بمكة بين الصفا والمروة خلف سوق العطارين وأموالا وكان حكيم بن حزام اشترى لخديجة زيد بن حارثة من سوق عكاظ بأربعمائة درهم فاستوهبه منها رسول الله A فاعتقه وزوجه أم أيمن فولدت


193
أم أيمن أسامة بعد النبوة فأما الداران فإن عقيل بن أبي طالب باعهما بعد هجرة رسول الله A فلما قدم مكة في حجة الوداع قيل له في أي داريك تنزل فقال هل ترك لنا عقيل من ربع فلم يرجع فيما باعه عقيل لأنه تغلب عليه ومكة دار حرب يومئذ فأجرى عليه حكم المستهلك فخرجت هاتان الداران من صدقاته وأما دور أزواج النبي A فقد كان أعطى كل واحدة منهن الدار التي تسكنها ووصى بذلك لهن فإن كان ذلك منه عطية تمليك فهي خارجة من صدقاته وإن كان عطية سكنى وإرفاق فهي من جملة صدقاته وقد دخلت اليوم في المسجد ولا أحسب منها ما هو خارج عنه

وأما رحل رسول الله A وآلته فقد روى هشام الكلبي عن عوانة بن الحكم أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه دفع إلى علن رضي الله عنه آلة رسول الله A ودابته وحذاء وقال ما سوى ذلك صدقة وروى الأسود عن عائشة رضي 0 الله عنها قالت توفي رسول الله A ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير فإن كانت المعروفة بالبتراء فقد حكى أنها كانت عند الحسين بن علي رضوان الله عليهما يوم قتل فأخذها عبيد الله بز زياد فلما قتل المختار عبيد الله بن زياد صارت الدرع إلى عباد بن الحصين الحنظلي ثم إن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد وكان أمير البصرة سأل عبادا عنها فجحده إياها فضربه مائة سوط فكتب غليه عبد الملك ابن مروان مثل عباد لا يضرب إنما كان ينبغي أن يقتل أو يعفى عنه ثم لا يعرف للدرع خبر بعد ذلك

أما البردة فقد اختلف الناس فيها فحكى أبان بن ثعلب أن رسول الله A كان وهبها لكعب بن زهير واشتراها منه معاوية رضي الله عنه وهي التي يلبسها الخلفاء وحكى ضمرة بن ربيعة أن هذه البردة أعطاها رسول الله A أهل أيلة أمانا لهم فأخذها منهم سعيد بن خالد بن أبي أو في وكان عاملا عليهم من قبل مروان بن محمد فبعث بها إليه وكانت 0 في خزائنه حتى أخذت بعد قتله وقبل اشتراها أبو العباس السفاح بثلاثمائة دينار


194
وأما القضيب فهو من تركه رسول الله A التي هي صدقة وقد صار مع البدرة من شعار الخلافة أما الخاتم فلبسه بعد رسول اله A أبو بكر ثم عمر ثم عثمان رضي الله عنه حتى سقط من يده في بئر فلم يجده فهذا شرح ما قبض عنه رسول من صدقته وتركته

وأما ما عدا الحرم والحجاز من سائر البلاد فقد ذكرنا أقسامها أربعة أقسام قسم أسلم عليه أهله فيكون أرض عشر وقسم أحياه المسلمون فيكون بما أحيوه معشورا وقسم أحرزه الغانمون عنوة فيكون معشرا وقسم صولح أهله عليه فيكون فيئا يوضع عليه الخراج وهذا القسم ينقسم قسمين أحدهما ما صولحوا على زوال ملكهم عنه فلا يجوز بيعه ويكون الخراج أجرة لا تسقط بإسلام أهله فتؤخذ من المسلم وأهل الذمة والثاني ما صولحوا على بقاء ملكهم عليه فيجوز بيعه ويكون الخراج جزية تسقط بإسلامهم ويؤخذ من أهل الذمة ولا يؤخذ من 0 المسلمين

وإذ قد انقسمت البلاد على هذه الأقسام فسنشرح حكم أرض السواد فإنها أصل حكم الفقهاء فيها بما يعتبر به نظائرها وهذا السواد يشار به إلى سواد كسرى الذي فتحه المسلمون على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أرض العراق سمي سوادا لسواده بالزرع والأشجار لأنه حين تاخم جزيرة العرب التي لا زرع فيها ولا شجرة كانوا إذا أخرجوا من أرضهم إليه ظهرت لهم خضرة الزرع والأشجار وهم يجمعون بين الخضرة والسواد في الأسامي كما قال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب وكان أسود اللون

( وأنا الأخضر من يعرفني

أخضر الجلدة من نسل العرب) فسموا خضرة العراق سوادا وسمي عراقا لاستواء أرضه حين خلت من جبال تعلو وأودية تنخفض والعراق في كلام العرب هو الإستواء قال الشاعر
195

( سقتم الحق لهم وساقوا

سياق من ليس له عراق) أي ليس له استواء وحد السواد طولا من حديثه الموصل إلى عبادان وعرضه من عذيب القادسية إلى حلوان يكون طوله مائة وستين فرسخا وعرضه ثمانين فرسخا فأما العراق فهو في العرض مستوعب لأرض السواد عرفا ويقصر عن طوله في العرف لأن أوله من شرقي دجلة العلث وفي غربيها حربى ثم يمتد إلى آخر أعمال البصرة من جزيرة عبادان فيكون طوله مائة وخمسة وعشرين فرسخا يقصر عن السواد بخمسة وثلاثين فرسخا وعرضه مع تبعه في العرف ثمانون فرسخا كالسواد قال قدامة بن جعفر يكون ذلك مكسرا عشرة آلاف فرسخ وطول الفرسخ اثنا عشر ألف ذراع بالذراع المرسلة ويكون بذراع المساحة وهي الذراع الهاشمية تسعة آلاف ذراع فيكون ذلك إذا ضرب في مثله هو تكسير فرسخ في فرسخ اثنين وعشرين ألف جريب وخمسمائة جريب فإذا ضرب ذلك في عدد 0 الفراسخ وهي عشرة آلاف فرسخ بلغ مائتي ألف ألف وخمسة وعشرين ألف ألف جريب يسقط منها بالتخمين مواضع التلال والآكام والسباخ والآجام ومداس الطرق والمحاج ومجاري الأنهار وعراض المدن والقرى ومواضع الأرجاء والبريدات والقناطر والشاذر وأنات والبنادر ومطارح القصب وأتاتين الآجر وغير ذلك الثلث وهو خمسة وسبعون ألف ألف جريب يصير الباقي من مساحة العراق مائة ألف ألف وخمسين ألف ألف يراح منها النصف ويكون النصف مزروعا مع ما في الجميع من النخل والكرم والأشجار فإذا أضيف إلى ذكره قدامة في مساحة العراق ما زاد عليها من بقية السواد وهو خمسة وثلاثون فرسخا كانت الزيادة على تلك المساحة قدر ربعها فيصير ذلك مساحة جميع ما يصلح للزرع والغرس من أرض السواد وفي المتعذر أن يستوعب زرع جميعه وقد يتعطل منه بالعوارض والحوادث ما لا ينحصر وقد قيل إنه بلغت مساحة السواد في أيام كسرى قباذ مائة ألف ألف وخمسين ألف ألف 0 جريب فكان مبلغ ارتفاعه مائتي
196
ألف ألف وسبعة وسبعين ألف ألف بوزن سبعة لأنه كان يأخذ على كل جريب درهما وقفيزا ثمنه ثلاثة دراهم بوزن المثقال وأن مساحة ما كان يزرع منه على عهد عمر رضي الله عنه من اثنين وثلاثين ألف ألف جريب إلى ستة وثلاثين ألف ألف جريب

وإذ قد استقر ما ذكرناه من حدود السواد ومساحة مزارع فقد اختلف الفقهاء في فتحه وفي حكمه فذهب أهل العراق إلى أنه فتح عنوة لكن لم يقسمه عمر رضي الله عنه بين الغانمين وأقره على سكانه وضرب الخراج على أرضه والظاهر من مذهب الشافعي رحمه الله في السواد أنه فتح عنوة واقتسمه الغانمون ملكا ثم استنزلهم عمر رضي الله عنه فنزلوا إلا طائفة استطاب نفوسهم بمال عاوضهم به عن حقوقهم منه فلما خلص للمسلمين ضرب عمر رضي الله عنه عليه خراجا واختلف أصحاب الشافعي في حكمه لمذهب أبو سعيد الأصطخري في كثير منهم 0 أن عمر رضي الله عنه وقفه على كافة المسلمين وأقره في أيدي أربابه بخراج ضربه على رقاب الأرضين يكون أجرة لها تؤدى في كل عام وإن لم تقدر مدتها لعموم المصلحة فيها وصارت بوقفه لها في حكم ما أفاء الله على رسوله من خيبر والعوالي وأموال بني النضير ويكون المأخوذ من خراجها مصروفا في المصالح ولا يكون فيئا مخموسا لأنه قد خمس ولا يكون مقصورا على الجيش لأنه وقف على عامة المسلمين فصار مصرفه في عموم مصالحهم التي منها أرزاق الجيش وتحصين الثغور وبتاء الجوامع والقناطر وكراء الأنهار وأرزاق من تعم بهم المصلحة من القضاة والفقهاء والشهود والقراء والأئمة والمؤذنين فهذا يمنع من بيع رقابها وتكون المعارضة عليها بالإنتفاع لأيد وجواز التصرف لا لثبوت الملك إلا على ما أحدث فيها من غرس وبناء وقيل إن عمر رضي الله عنه وقف السواد برأي علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما وقال أبو العباس ابن سريج في 0 نفر من أصحاب الشافعي إن عمر رضي الله عنه حين استنزل الغانمين عن


197
السواد باعه على الأكره والدهاقين بالمال الذي وضعه عليها خراجا يؤدونه في كل عام فكان الخراج ثمنا وجاز مثله في عموم المصالح كما قيل بجواز مثله في الإجارة أن بيع أرض السواد يجوز ويكون البيع موجبا للتمليك

وأما قدر الخراج المضروب عليها فقد حكى عمر بن ميمون أن عمر رضي الله عنه حين استخلص السواد بعث حذيفة على ما وراء دجلة وبعث عثمان بن حنيف على ما دون دجلة قال الشعبي فمسح عثمان بن حنيف السواد فوجده ستة وثلاثين ألف ألف جريب فوضع على كل جريب درهما وقفيزا قال القاسم بلغني أن القفيز مكيال لهم يدعى الشابرقان قال يحيى بن آدم هو المحتوم الحجاجي وروى قتادة عن أبي مخلد أن عثمان بن حنيف جعل على كل جريب من الكرم عشرة دراهم وعلى كل من النخل ثمانية دراهم وعلى كل جريب من قصب السكر ستة دراهم وعلى كل جريب من الرطبة خمسة 0 دراهم وعلى كل جريب من البر أربعة دراهم وعلى كل جريب شعير درهمين فكان خراج البر والشعير في الرواية مخالفا لخراجهما في الرواية الأخرى وهذا لاختلاف النواحي بحسب ما تحتمل وكانت ذراع حذيفة وعثمان بن حنيف ذراع اليد وقبضة وإبهاما ممدودا وكان السواد في أول أيام الفرس جاريا على المقاسمة إلى أن مسحه ووضع الخراج عليه قباذ بن فيروز فارتفع له المساحة مائة وخمسون ألف ألف درهم بوزن المثقال

وكان السبب في مساحته وإن كان من قبل جاريا على المقاسمة ما حكى أنه خرج يوما يتصيد فأمضى إلى شجر ملتف فدخل فيه للصيد فصعد إلى رابية يشرف منها على الشجر ليرى ما فيه من الصيد فرأى امرأة تحفر في بستان فيه نخل ورمان مثمر ومعها صبي يريد أن يتناول شيئا من الرمان وهي تمنعه فعجب منها وأنفذ إليها رسولا يسألها عن سبب منع ولدها من الرمان فقالت إن للملك حق لم يأت القاسم لقبضه ونخاف أن ينال منه شيئا إلا بعد أخذ حقه 0 فرق الملك لقولها وأدركته رأفة برعيته فتقدم إلى وزرائه بالمساحة التي يقارب قسطها ما يحصل بالمقاسمة لتمتد يد كل إنسان إلى


198
ما يملكه في وقت حاجته إليه فكان الفرس على هذا في بقية أيامهم وجاء الإسلام فأقره عمر بن الخطاب على المساحة والخراج فبلغ ارتفاعه في أيامه مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف درهم وجباه عبيد الله بن زياد مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف بغشه وظلم وجباه الحجاج مائة ألف ألف وثمانية عشر ألف ألف بغشه وخراجه وجباه عمر بن عبد العزيز رحمه الله مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف بعدله وعمارته وكان ابن هبيرة يجيبه مائة ألف ألف سوى طعام الجند وأرزاق المقاتلة وكان يوسف بن عمر يحصل منه كل سنة من ستين ألف ألف إلى سبعين ألف ألف ويحتسب بعطاء من قبله من أله الشام ستة عشر ألف ألف وفي نفقة البريد أربعة آلاف درهم وهم في الطوارق ألف ألف ويبقى في بيوت الأحداث والعوانق عشرة آلاف ألف درهم وقال عبد الرحمن بن جعفر بن سليمان ارتفاع هذا الإقليم في الحقين 0 ألف ألف ألف ثلاث مرات فما نقص من مال الرعية زاد في مال السلطان وما نقص من مال السلطان زاد في مال الرعية ولم يزل السواد على المساحة والخراج إلى أن عدل لهم المنصور رحمه الله في الدولة العباسية عن الخراج إلى المقاسمة لأن السعر نقص فلم تف الغلات بخراجها وخرب السواد فجعله مقاسمة وأشار أبو عبيد الله على المهدي أن يجعل أرض الخراج مقاسمة بالنصف إن سقى سيحا وفي الدوالي على الثلث وفي الدواليب على الربع لا شيء عليهم سواه وأن يعمل في النخل والكرم والشجر مساحة خراج تقدر بحسب قربه من الأسواق والفرض ويكون البين مثل المقاسمة فإذا بلغ حاصل الغلة ما يفي بخراجين أخذ عنها خراجا كاملا وإذا نقص ترك فهذا ما جرى في أرض السواد والذي يوجبه الحكم أن خراجها هو المضروب عليها أولا وتغييره إلى المقاسمة إذا كان لسبب حادث اقتضاه اجتهاد الأئمة فيكون أمضى مع بقاء سببه وإلا أعيد إلى حاله الأول عند 0 زوال سببه إذ ليس للإمام أن ينقض اجتهاد من تقدمه فأما تضمين العمال لأموال العشر والخراج فباطل لا يتعلق به الشرع حكم لن العامل مؤتمن يستوفي ما وجب ويؤدي ما حصل فهو كالوكيل الذي إذا أدى الأمانة لم يضمن نقصانا ولم يملك زيادة وضمان الأموال بقدر معلوم يقتضي الاقتصار عليه في تملك ما زاد غرم ما نقص وهذا مناف لوضع العمالة وحكم الأمانة فبطل
199
وحكى أن رجلا أتى ابن العباس رضي الله عنه يتقبل من الأبله مائة ألف درهم فضربه مائة سوط وصلبه حيا تعزيرا وأدبا

وقد خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه الناس فجمع في خطبته بين صفتهم وصفة ولايته عليهم وحكم المال الذي يليه بما هو الصواب المسموع والحق المتبوع فقال أيها الناس إقرءوا القرآن تعرفوا به واعملوا بما فيه تكونوا من أهله ولن يبلغ ذو حق أن يطاع في معصية الله إلا وإنه لن يبعد من زرق ولن يقرب من أجل يقول المرء حقا إلا وإني ما وجدت صلاح ما ولاني الله إلا بثلاث أداء الأمانة والأخذ بالقوة والحكم بما أنزل الله إلا وأني ما وجدت صلاح هذا المال إلا بثلاث أن يؤخذ بحق وأن يعطى في حق وأن يمنع من باطل ألا وإني في مالكم كولي اليتيم إن استغنيت استعففت وإن افتقرت أكلت بالمعروف كترمم البهيمة الأعرابية


200
00 الباب الخامس عشر
في إحياء الموات واستخراج المياه

من أحيا مواتا ملكه بإذن الإمام وبغير إذنه وقال أبو حنيفة لا يجوز إحياؤه إلا بإذن الإمام لقول النبي A ليس لأحد إلا ما طابت به نفس إمامه وفي قول النبي A من أحيا أرضا مواتا فهي له دليل على أن مالك الموات معتبر بالإحياء دون إذن الإمام

والموات عند الشافعي كل ما لم يكن عامرا ولا حريما لعامر فهو موات وإن كان متصلا بعامر وقال أبو حنيفة الموات ما بعد من العامر ولم يبلغه الماء وقال أبو يوسف الموات كل أرض إذا وقف على أدناها من العامر مناد بأعلى صوته لم يسمع أقرب الناس إليها في العامر وهذان القولان يخرجان عن المعهود في اتصال العمارات ويستوي في إحياء الموات جيرانه والأباعد وقال مالك جيرانه من أهل العامر أحق بإحيائه من الأباعد وصفة الإحياء معتبرة بالعرف فيما يراد 0 له الإحياء لن رسول الله A أطلق ذكره إحالة على العرف المعهود فيه فإن أراد إحياء الموات للسكنى كان إحياؤه بالبناء والتسقيف لأنه أول كمال العمارة التي يمكن سكناها

وإن أراد إحياءها للزرع والغرس اعتبر فيه ثلاثة شروط أحدها جمع التراب المحيط بها حتى يصير حاجزا بينها وبين غيرها والثاني سوق الماء إليها إن كانت يبسا وحبسه عنها إن كانت بطائح لن إحياء لليبس بسوق الماء إليه وإحياء البطائح بحبس الماء عنها حتى يمكن زرعها وغرسها في الحالين والثالث حرثها والحرث


201
01 يجمع إثارة المعتدل وكسح المستعلي وطم المنخفض فإذا استكملت هذه الشروط الثلاثة كمل الإحياء وملك المحي وغلط بعض أصحاب الشافعي فقال لا يملكه حتى يزرعه أو يغرسه وهذا فاسد لنه بمنزلة السكنى التي لا تعتبر في تملك المسكون فإن زارع عليها بعد الإحياء من قام بحرثها وزراعتها كان المحي مالكا للأرض والمثير مالكا للعمارة فإن أراد مالك الأرض بيعها جاز وإن أراد مالك العمارة بيعها فقد اختلف في جوازه فقال أبو حنيفة إن كان له إثارة جاز له بيعها وإن لم يكن له إثارة لم يجز وقال مالك يجوز له بيع العمارة على الأحوال كلها ويجعل الأكار شريكا في الأرض بعمارته وقال الشافعي لا يجوز له بيع العمارة بحال إلا أن يكون له فيها أعيان قائمة كشجر أو زرع فيجوز له بين الأعيان دون الإثارة وإذا تحجر على موات كان أحق بإحيائه من غيره فإن تغلب 0 عليه من أحياه كان المحي أحق به من المتحجر فإن أراد المتحجر على الأرض بيعها قبل إحيائها لم يجز على الظاهر من مذهب الشافعي وجوزه كثير من أصحابه لأنه لما صار بالتحجير عليها أحق بها جاز له بيعها كالأملاك فعلى هذا لو باعها فتغلب عليها في يد المشتري من أحياها فقد زعم ابن هريرة من أصاب الشافعي أن ثمنها لا يسقط عن المشتري لتلف ذلك في يده بعد قبضه وقال غيره من أصحابه القائلين بجواز بيعه إن الثمن يسقط عنه لأن قبضه لم يستقر فأما إذا تحجر وساق الماء ولم يحرث فقد ملك الماء وما جرى فيه من الموات وحريمه ولم يملك ما سواه وإن كان به أحق وجاز له بيع ما جرى فيه الماء وفي جواز بيع ما سواه من المحجور ما قدمناه من الوجهين

وما أحي من الموات معشور ولا يجوز أن يضرب عليه خراج سواء سقي بماء العشر أو بماء الخراج وقال أبو حنيفة وأبو يوسف إن ساق إلى ما أحياه ماء العشر كانت أرض عشر وإن ساق إليها ماء 0 الخراج كانت أرض خراج وقال محمد بن الحسن إن كانت الأرض المحياة على أنهار حفرتها الأعاجم فهي أرض خراج وإن كانت على أنهار أجراها الله عز وجل كدجلة والفرات في أرض عشر وقد أجمع العراقيون


202
02 وغيرهم على أن ما أحي من موات البصرة وسباخها أرض عشر أما على قول محمد بن الحسن فلأن دجلة البصرة مما أجراه الله تعالى وما عليها من الأنهار المحدثة فيه محياة احتفرها المسلمون في الموات وأما على قول أبي حنيفة فقد اختلف أصحابه في تعليل ذلك على قولين فجعل بعضهم العلة فيه أن ماء الخراج يغيض في دجلة البصرة وفي جزرها وأرض البصرة تشرب من مرها والمد من البحر وليس من دجلة والفرات وهذا التعليل فاسد لأن المد يفيد الماء العذب من البحر ولا يمتزج بمائه ولا تشرب وإن كان المد شربها إلا ماء دجلة والفرات وقال أصحابه منهم طلحة بن آدم بل العلة فيه أن ماء دجلة والفرات يستقر في البطائح فينقطع حكمه ويزول الانتفاع به ثم يخرج إلى دجلة البصرة فلا يكون من ماء الخراج لأن البطائح ليست من أنهار الخراج وهذا تعليل فاسد أيضا لأن البطائح 0 بالعراق انبطحت قبل الإسلام فتغير حكم الأرض حتى صارت مواتا ولم يتغير حكم الماء وسببه ما حكاه صاحب السير أن ماء دجلة كان ماضيا في الدجلة المعروفة باللغور الذي ينتهي إلى دجلة البصرة من المدائن في منافذ مستقيمة المسالك محفوظة الجوانب وكان ينتهي موضع البطائح الآن أرض مزارع وقرى ذات منازل فلما كان الملك قباذ بن فيروز انفتح في أسافل كسكر بثق عظيم أغفل أمره حتى غلب ماؤه وغرق من العمارات ما علاه فلما ولى أو شروان ابنه أمر بذلك الماء فتزحم بالمسنيات حتى عاد بعض تلك الأرض إلى عمارتها وكانت على ذلك سنة ست من الهجرة وهي السنة التي بعث فيها رسول الله A عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى رسولا وهو كسرى أبرويز فزادت دجلة والفرات زيادة عظيمة لم ير مثلها عظاما اجتهد أبرويز في سكرها حتى صلب في يوم واحد سبعين سكارى وبسط الموال على الإقطاع فلم يقدر للماء على حيلة ثم ورد المسلمين العراق 0 وتشاغلت الفرس بالحروب فكانت البثوق تنفجر فلا يلتفت إليها ويعجز الدهاقين عن سدها فاتسعت البطيحة وعظمت فلما ولي معاوية رضي الله عنه ولى مولاه عبد الله بن دراج خراج العراق فاستخرج له من أرض البطائح ما بلغت غلته آلاف ألف درهم واستخرج بعده حسان النبطي للوليد بن
203
03 عبد الملك ثم لهشام من بعده كثيرا من أرض البطائح ثم جرى الناس على هذا إلى وقتنا هذا حتى صارت جوامدها مثل بطائحا وأكثر وكان هذا التعليل من أصحاب أبي حنيفة مع ما شرحناه من أحوال البطائح عذرا دعاهم إليه ما شاهدوا الصحابة عليه من إجماعهم على أن ما أحي من موات البصرة أرض عشر وما ذلك لعلة غير الإحياء

وأما حريم ما أحياه من الموات لسكنى أو زرع فهو عند الشافعي معتبر بما لا تستغني عنه تلك الأرض من طريقها وفنائها ومجاري مائها ومغيضها وقال أبو حنيفة حريم أرض ما بعد منها ولم يبلغه ماؤها وقال أبو يوسف حريمها ما انتهى إليه صوت المنادي من حدودها ولو كان لهذين القولين وجه لما اتصلت عمارتان ولا تلاصقت داران وقد مصرت الصحابة رضي الله عنهم البصرة على عهد عمر رضي الله عنه وجعلوها خططا لقبائل أهلها فجعلوا عرض شارعها الأعظم وهو 0 مربدها ستين ذراعا وجعلوا عرض ما سواه من الشوارع عشرين ذراعا وجعلوا عرض كل زقاق سبعة أذرع وجعلوا وسط كل خطة رحبة فسيحة لمرابط خيلهم وقبور موتاهم وتلاصقوا في المنازل ولم يفعلوا ذلك إلا عن رأي اتفقوا عليه ونص لا يجوز خلافه وقد روى بشير بن كعب عن أبي هريرة أن رسول الله A قال إذا تدارأ القوم في طريق فليجهل سبعة أذرع

وأما المياه المستخرجة فتنقسم ثلاثة أقسام مياه أنهار ومياه آبار ومياه عيون فأما الأنهار فتقسم ثلاثة أقسام أحدها ما أجراه الله تعالى من كبار الأنهار التي يحتفرها الآدميون كدجلة والفرات يسميان الرافدين فماؤهما يتسع للزرع للشاربة وليس يتصور فيه قصور عن كفاية ولا ضرورة تدعو فيه إلى تنازع أو مشاحنة فيجوز لمن شاء من الناس أن يأخذ منها لضيعته شربا ويجعل من ضيعته إليها مغيضا ولا يمنع من أخذ شرب ولا يعارض في إحداث مغيض


204
04 والقسم الثاني ما أجراه الله تعالى من صغار الأنهار وهو على ضربين أحدهما أن يعلو ماؤها وإن لم يحبس ويكفي جميع أهله من غير تقصير فيجوز لكل ذي أرض من أهله أن يأخذ منه شرب أرضه في وقت حاجته ولا يعارض بعضهم بعضا فإن أراد قوم أن يستخرجوا منه نهرا يساق إلى أرض أخرى أو يجعلوا إليه مغيض نهر آخر نظر فإن كان ذلك مضرا بأهل هذا النهر منع منه وإن لم يضر بهم لم يمنع والضرب الثاني أن يستقل ماء هذا النهر ولا يعلو للشرب إلا بحسبه فللأول من أهل النهر أن يبتدىء بحبسه ليسقي أرضه حتى تكتفي منه وترتوي ثم يحبسه من يليه حتى يكون آخرهم أرضا آخرهم حبسا روى عبادة بن الصامت أن النبي A قضى في شرب النخل من السيل أن للأعلى أن يشرب قبل الأسفل ثم يرسل الماء إلى الأسفل الذي يليه كذلك حتى ينقضي الأرضون

وأما قدر ما يحبسه في الماء في أرضه 0 فقد روى محمد بن إسحاق عن أبي مالك ابن ثعلبة عن أبيه أن رسول الله A قضى في وادي مهزور أن يحبس الماء في الأرض إلى الكعبين فإذا بلغ إلى الكعبين أرسل الأخرى وقال مالك وقضي في سيل بطحان بمثل ذلك فقدره بالكعبين وليس هذا القضاء منه على العموم في الأزمان والبلدان لأنه مقدر بالحاجة

وقد يختلف من خمسة أوجه أحدها باختلاف الأرضين فمنها ما يروى باليسير ومنها مالا يرتوي إلا بالكثير والثاني بإختلاف ما فيها فإن للزرع من الشرب قدرا وللنخل والأشجار قدرا والثالث بإختلاف الصيف والشتاء فإن لكل واحد من الزمانين قدرا والرابع بإختلافها في وقت الزرع وقبله فإن لكل واحد من الوقتين قدرا والخامس باختلاف حال الماء في بقائه وانقطاعه فإن المنقطع يؤخذ منه ما يدخر والدائم يؤخذ منه ما يستعمل فلإختلافه من هذه الأوجه الخمسة لم يكن تحديده بما قضاه رسول الله A في أحدها وكان معتبرا بالعرف المعهود عند الحاجة إليه 0 فلو سقى رجل أرضه أو فجرها فسال من مائها إلى أرض جاره فغرقها لم يضمن


205
05 لأنه تصرف في ملكه بمباح فإن اجتمع في ذلك الماء سمك كان الثاني أحق بصيده من الأول لأنه في ملكه

والقسم الثالث من الأنهار ما احتفره الآدميون لما أحيوه من الأرضين فيكون النهر بينهم ملكا مشتركا كالزقاق المرفوع بين أهله لا يختص أحدهم بملكه فإن كان هذا النهر بالبصرة يدخله ماء المد فهو يعم جميع أهله لا يتشاحون فيها لاتساع مائه ولا يحتاجون إلى حبسه لعلوه بالمد إلى الحد الذي ترتوي منه جميع الأرضين ثم يقبض بعد الارتواء في الجزر وإن كان بغير البصرة من البلاد التي لا مد فيها ولا جزر فالنهر مملوك لمن احتفره من أرباب الأرضين لا حق فيه لغيره في شرب منه ولا مغيض ولا يجوز لواحد من أهله أن ينفرد بنصب عبارة عليه ولا برفع مائه ولا إدارة رحى فيه إلا عن مرضاة جميع أهله لاشتراكهم فيما هو ممنوع من التفرد به كما لا يجوز في الزقاق 0 المرفوع أن يفتح إليه بابا ولا أن يخرج عليه جناحا ولا يمد عليه ساباطا إلا بمرضاة جميعهم

ثم لا يخلو حال شربهم منه من ثلاثة أقسام أحدها أن يتناوبوا عليه بالأيام إن قلوا وبالساعات إن كثروا ويقترعوا إن تنازعوا في الترتيب حتى يستقر لهم ترتيب الأول ومن يليه ويختص كل واحد منهم بنوبته لا يشاركه غيره فيها ثم هو من بعدها على ما ترتبوا

والقسم الثاني أن يقتسموا فم النهر عرضا بخشبة تأخذ جانبي النهر يقسم فيها حفور مقدرة بحقوقهم من الماء يدخل في كل حفرة منها قدر ما استحقه صاحبها من خمس أو عشر ويأخذه على أرضه على الأدوار

والقسم الثالث أن يحفر كل واحد منهم في وجه أرضه شربا مقدرا لهم باتفاقهم أو على مساحة أملاكهم ليأخذ من ماء النهر حقه ويساوي فيه جميع شركائه وليس له أن يزيد فيه ولا لهم أن ينقصوه ولا لواحد منهم أن يؤخر شربا مقدما كما ليس


206
06 لواحد من أهل الزقاق المرفوع أن يؤخر بابا مقدما وليس له أن يقدم شربا مؤخرا وإن جاز أن يقدم بابا مؤخرا لأن في تقديم الباب المؤخر اقتصارا على بعض الحق وفي تقديم الشرب المؤخر زيادة في الحق فأما حريم هذا النهر المحفور في الموات فهو عند الشافعي معتبر بعرف الناس في مثله وكذلك حكم القناة لأن القناة نهر باطن وقال أبو حنيفة حريم النهر ملقى طينه قال أبو يوسف وحريم القناة ما لم يسح على وجه الأرض وكان جامعا للماء ولهذا القول وجه مستحسن

وأما الآبار فلحافرها ثلاثة أحوال أحدها أن يحفرها لسابلة فيكون ماؤها مشتركا وحافرها فيه كأحدهم قد وقف عثمان رضي الله عنه بئر رومة فكان يضرب بدلوه مع الناس ويشترك في مائها إذا اتسع شرب الحيوان وسقي الزرع فإن ضاق ماؤها عنهما كان شرب الحيوان أولى به من الزرع ويشترك فيها الآدميون 0 والبهائم فإن ضاق عنهما كان الآدميون بمائها أحق من البهائم

والحالة الثانية أن يحتفرها لإرتفاقه بمائها كالبادية إذا انتجعوا أرضا وحفروا فيها بئرا لشربهم وشرب مواشيهم كانوا أحق بمائها ما أقاموا عليها في نجعهم وعليهم بذل الفضل من مائها للشاربين دون غيرهم فإذا انحلوا عنها صارت البئر سابلة فتكون خاصة الابتداء وعامة الانتهاء فإن عادوا إليها بعد الارتحال عنها كانوا هم وغيرهم سواء فيها ويكون السابق إليها أحق بها

الحالة الثالثة أن يحتفرها لنفسه ملكا فما لم يبلغ بالحفر إلى استنباط مائها لم يستقر ملكه عليها وإذا استنبط ماؤها استقر ملكا بكامل الإحياء إلا أن يحتاج إلى طي قيكون طيها من كمال الإحياء واستقرار الملك ثم يصير مالكا لها ولحريمها واختلف الفقهاء في قدر حريمها فذهب الشافعي رحمه الله إلى أنه معتبر بالعرف


207
07 المعهود في مثلها وقال أبو حنيفة حريم البئر للناضح خمسون ذراعا وقال أبو يوسف حريمها ستون ذراعا إلا أن يكون رشاؤها أبعد فيكون لها منتهى رشائها قال أبو يوسف وحريم بئر العطن أربعون ذراعا وهذه مقادير لا تثبت إلا بنص فإن جاءها نص كان متبعا وإلا فهو معلول وللتقدير بمنتهى الرشاء وجه يصح اعتباره ويكون داخلا في العرف المعتبر فإذا استقر ملكه على البئر وحريمها فهو أحق بمائها واختلف أصحاب الشافعي هل تصير مالكا له قبل استقائه وحيازته فذهب بعضهم على أنه يجري على ملكه في قراره قبل حيازته كما إذا ملك معدنا ملك ما فيه قبل أخذه يجوز بيعه قبل استقائه ومن استقاه بغير إذنه استرجع منه وقال آخرون لا يملكه إلا بعد الحيازة صلة موضوع على الإباحة وله أن يمنع من التصرف فيها باستقائه فإن غلبه من استقاء لم يسترجع منه شيئا فإذا استقر حكم 0 هذه البئر في اختصاصه بملكها واستحقاقه لمائها فله سقي مواشيه وزرعه ونخليه وأشجاره فإن لم يفضل عن كفايته فضل لم يلزمه بذل شيء منه لمضطر على نفس

وروى الحسن رحمه الله أن رجلا أتى أهل ما فاستسقاهم فلم يسقوه حتى مات فأرغمهم عمر رضي الله عنه الدية وإن فضل منه بعد كفايته فضل لزمه على مذهب الشافعي أن يبذل فضل مائه للشاربة من أرباب المواشي والحيوان دون الزرع والأشجار وقال من أصحابه أبو عبيدة بن جرثونة لا يلزمه بذل الفضل منه لحيوان ولا زرع وقال آخرون منهم يلزمه بذله للحيوان دون الزرع وما ذهب إليه الشافعي من وجوب بذله للحيوان دون الزرع هو المشروع روى أبو زناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال رسوله الله A من منع فضل الماء ليمنع به فضل الكلأ منعه الله فضل رحمته يوم القيامة


208
08

وبذل هذا الفضل معتبر بأربعة شروط أحدها أن يكون في قرار البئر فإن استقاه لم يلزمه بذله والثاني أن يكون متصلا بكلأ يرعى فإن لم يقرب من الكلأ لم يلزمه بذله والثالث أن لا تجد المواشي غيره فإن وجدت مباحا غيره لم يلزمه بذله وعدلت المواشي إلى الماء المباح فإن كان غيره من الموجود مملوكا لزم كل واحد من مالكي الماءين أن يبذل فضل مائه لمن ورد غليه فإذا اكتفت المواشي بفضل أحد الماءين سقط الفرض عن الآخر الرابع أن لا يكون عليه في ورد المواشي إلى مائه ضرر يلحقه في زرع ولا ماشية فإن لحقه بورودها ضرر منعت وجاز للرعاة استقاء فضل الماء لها فإذا كملت هذه الشروط الأربعة لزمه بذل الفضل وحرم عليه أن يأخذ له ثمنا ويجوز مع الإخلال بهذه الشروط أن يأخذ ثمنه إذا باعه مقدرا بكيل أو وزن ولا يجوز أن يبيعه جزافا ولا مقدرا بري 0 ماشية أو زرع وإذا احتفر بئرا أو ملكها وحريمها أو احتفر آخر بعد حريمها بئرا فنضب ماء الأول إليها وغار فيها أقر عليها ولم يمنع منها وكذلك لو حفرها لطهور فتغير بها ماء الأول أقرب وقال مالك إذا نضب ماء الأول إليها أو تغير بها منع وطمت

وأما العيون فتنقسم ثلاثة أقسام أحدها أن يكون مما أنبع الله تعالى ماءها ولم يستنبطه الآدميون فحكمها حكم ما أجراه الله تعالى من الأنهار ولمن أحيا أرضا بمائها أن يأخذ منه قدر كفايته فإن تشاحوا فيه لضيقه روعي ما أحي بمائها من الموات فإن تقدم فيه بعضهم على بعض كان لأسبقهم إحياء أن يستوفي منها شرب أرضه ثم لمن يليه فإن قصر الشرب عن بعضهم كان نقصانه في حق الأخير وإن اشتركوا في الإحياء على سواء ولم يسبق به بعضهم بعضا تحاضوا فيه إما بقسمة الماء وإما بالمهايأة عليه والقسم الثاني أن يستنبطها الآدميون فتكون ملكا لمن استنبطها ويملك معها حريمها وهو على مذهب 0 الشافعي معتبر بالعرف المعهود في مثلها ومقدر بالحاجة الداعية إليها وقال أبو حنيفة حريم العين خمسمائة ذراع ولمستنبط هذه العين سوق مائها إلى حيث شاء وكان ما جرى فيه ماؤها ملكا له وحريمه


209
09 والقسم الثالث أن يستنبطها الرجل في ملكه فيكون أحق بمائها لشرب أرضه فإن كان قدر كفايتها فلا حق عليه فيه إلا لشارب مضطر وإن فضل عن كفايته أراد أن يحي بفضله أرضا مواتا فهو أحق به لشرب ما أحياه وإن لم يرده لموات أحياه لزمه بذله لأرباب المواشي دوت الزرع كفضل ماء البئر فإن اعتاض عليه من أرباب الزرع جاز وإن اعتاض من أرباب المواشي لم يجوز لمن احتفر في البادية بئرا فملكها أو عينا استنبطها أن يبيعها ولا يحرم عليه ثمنها وقال سعيد بن المسيب وابن أبي ذئب لا يجوز له بيعها ويحرم ثمنها وقال عمر بن عبد العزيز وأبو زناد إن باعها لرغبة جاز وإن باعها لخلاء لم يجز وكان أقرب الناس إلى مالك أحق بها بغير ثمن فإن رجع الخالي فهو أملك لها
210
0 الباب السادس عشر
في الحمى والإرفاق

وحمى الموات هو المنع من إحيائه إملاكا ليكون مستبقى الإباحة لنبت الكلأ ورعي المواشي قد حمى رسول الله A بالمدينة وصعد جبلا بالبقيع قال أبو عبيدة هو النقيع بالنون وقال هذا حماي وأشار بيده إلى القاع وهو قدر ميل في ستة أميال حماه لخليل المسلمين من الأنصار والمهاجرين فأما حمى الأئمة من بعده فإن حموا به جميع الموات أو أكثره لم يجز وإن حموا أقله لخاص من الناس أو لأغنامهم لم يجز وإن حموه لكافة المسلمين أو للفقراء والمساكين ففي جوازه قولان أحدهما لا يجوز ويكون الحمى خاصا لرسول الله A لرواية الصعب ابن جثامة أن رسول الله A حين حمى البقيع قال لا حمى إلا لله ولرسوله

والقول الثاني أن حمى الأئمة بعده جائز كجوازه لهم لأنه كان يفعل ذلك لصلاح المسلمين لا لنفسه فكذلك من قام مقامه 0 في مصالحهم قد حمى أبو بكر رضي الله عنه بالربذة لأهل الصدقة واستعمل عليه مولاه أبا سلامة وحمى عمر رضي الله عنه من الشرف مثل ما حماه أبو بكر من الربذة وولى عليه مولى له يقال له هني وقال يا هني ضم جناحك عن الناس واتق دعوة المظلوم فإن دعوة


211
المظلوم مجابة وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة وإياك ونعم بن عفان وبن عوف فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى نخل وزرع وإن رب الصريمة ورب الغنيمة يأتيني بعياله فيقول يا أمير المؤمنين أفتاركهم أنا لا أباك فالكلأ أهون على من الدينار والدرهم والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرا فأما قول رسول الله A لا حمى إلا لله ولرسوله

فمعنها لا حمى إلا على مثل ما حماه الله ورسوله للفقراء والمساكين ولمصالح كافة المسلمين لا على مثل ما كانوا عليه في الجاهلية من تفرد العزيز منهم بالحمى لنفسه كالذي كان يفعله كليب بن وائل فإنه كان يوافي بكلب عن نشاز من الأرض ثم يستعديه ويحمي ما انتهى إليه عواؤه من كل الجهات ويشارك الناس فيما عداه حتى كان ذلك سبب قتله وفيه يقول العباس بن مرداس 0

( كما كان يبغيها كليب بظلمه

من العز حتى طاح وهو قتيلها
على وائل إذ يترك الكلب نابحا
وإذ يمنع الأقناء منهاحلوها)

وإذا جرى على الأرض حكم الحمى استبقاء لمواتها سابلا ومنعا من إحيائها ملكا روعي حكم الحمى فإن كان للكافة تساوى فيه جميعهم من غني وفقير ومسلم وذمي في رعي كلئهم بخيلهم وماشيتهم فإن خص به المسلمون اشتراك فيه أغنياؤهم وفقراؤهم ومنع منهم أهل الذمة وإن خص به الفقراء والمساكين منع منه الأغنياء وأهل الذمة ولا يجوز أن يخص به الأغنياء دون الفقراء ولا أهل الذمة دون المسلمين وإن خص به نعم الصدقة أو خيل المجاهدين لم يشركهم فيه غيرهم ثم يكون الحمى جاريا على ما استقر من عموم وخصوص فلو اتسع الحمى المخصوص لعموم الناس جاز أن يشتركوا فيه لارتفاع الضرر عمن خص به ولو ضاق الحمى العام عن جميع الناس لم يجز أن يختص به أغنياؤهم وفي جواز اختصاص فقرائهم به وجهان وإذا استقر حكم الحمى على أرض فأقدم 0 عليها من أحياها ونقض حماها روعي الحمى فإن كان مما


212
حماه رسول الله A كان الحمى ثابتا والإحياء باطلا والمتعرض لإحيائه مردودا مزجورا لا سيما إذا كان سبب الحمى باقيا لأنه لا يجوز أن يعارض حكم رسول الله A بنقض ولا إبطال وإن كان من حمى الأئمة ففي إقرار إحيائه قولان أحدهما لا يقر ويجري عليه حكم الحمى كالذي حماه رسول الله A لأنه حكم نفذ بحق والقول الثاني يقر الإحياء ويكون حكمه أثبت من الحمى لتصريح رسول الله A بقوله من أحي أرضا مواتا فهي له ولا يجوز لأحد من الولاة أن يأخذ من أرباب المواشي عوضا عن مراعي موات أو حمى لقول رسول الله A المسلمون شركاء في ثلاث الماء والنار والكلأ

وأما الإرفاق فهو إرفاق الناس بمقاعد الأسواق وأفنية الشوارع وحريم الأمصار ومنازل الأسفار فيقسم ثلاثة أقسام قسم يختص الإرتفاق فيه بالصحاري والفلوات وقسم يختص الإرتفاق فيه بأفينة الأملاك 0 وقسم يختص بالشوارع والطرق فأما القسم الأول وهو ما اختص بالصحاري والفلوات فكمنازل الأسفار وحلول المياه وذلك ضربان أحدهما أن يكون لاجتياز السابلة واستراحة المسافرين فيه فلا نظر للسلطان فيه لبعده عنده وضرورة السابلة إليه والذي يختص السلطان له من ذلك بإصلاح عورته وحفظ مياهه والتخلية بين الناس وبين نزوله ويكون السابق إلى المنزل أحق بحلوله فيه من المسبوق حتى يرتحل عنه لقول النبي A منى مناخ من سبق إليها

وكذلك وروده على سواء وتنازعوا فيه نظر في التعديل بينهم مما يزيل تنازعهم وكذلك


213
البادية إذا انتجعوا طلبا للكلأ وارتفاقا بالمرعى وانتقالا من أرض إلى أخرى كانوا فيما نزلوه وارتحلوا عنه كالسابلة لا اعتراض عليهم في تنقلهم ورعيهم والضرب الثاني أن يقصدوا بنزول الأرض الإقامة فيها والاستيطان لها فللسلطان في نزولها بها نظر يراعى فيه الأصلح فإن كان مضرا بالسابلة منعوا منها قبل النزول وبعده وإن لم يضر بالسابلة راعى الأصلح في نزولهم فيها أو منعهم منها ونقل غيرهم إليها كما فعل عمر حين مصر البصرة والكوفة نقل إلى كل واحد من المصرين من رأي المصلحة فيه لئلا يجتمع فيه المسافرون فيكون سببا لانتشار الفتنة وسفك الدماء وكما يفعل في إقطاع الموات ما يرى فإن لم يستأذنوه حتى نزلوه لم ينعهم منه كما لا يمنع نم أحي مواتا بغير إذنه ودبرهم بما يراه صلاحا لهم ونهاهم عن إحداث زيادة من بعد إلا إذنه روى 0 كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده قال قدمنا مع عمر بن الخطاب في عمرته سنة سبع عشرة فكلمه أهل المياه في الطريق أن يبنوا بيوتا فيما بين مكة والمدينة لم تكن قبل ذلك فأذن لهم واشترط عليهم أن ابن السبيل أحق بالماء والظل

وأما القسم الثاني وهو ما يختصر بأفنية الدور والملاك فإن كان مضرا بأربابها منع المرتفقون منها إلا أن يأذنوا بدخول الضرر عليهم فيمكنوا وإن كان غير مضر بهم ففي إباحة ارتفاعهم به من غير إذنهم قولان أحدهما أن لهم الإرتفاق بها وإن لم يأذن أربابها لأن الحريم مرفق إذا وصل أهله إلى حقهم منه سلواهم الناس فيما عداه والقول الثاني أنه لا يجوز الإرتفاق بحريمهم إلا عن إذنهم لأنه تبع لأملاكهم فكانوا به أحق وبالتصرف فيه أخص فأما حريم الجوامع والمساجد فإن كان الاتفاق به مضرا بأهل المساجد والجوامع منعوا منه ولم يجز للسلطان أن يأذن لهم فيه لأن المصلين به أحق وإن لم يكن مضرا أجاز 0 ارتفاقهم بحريمها وهل يعتبر فيه إذن السلطان لهم على وجهين نم القولين في حريم الأملاك

وأما القسم الثالث وهو ما اختص بأفنية الشوارع والطرق فهو موقوف على نظر السلطان وفي نظره وجهان أحدهما أن نظره فيه مقصور على كفهم عن التعدي ومنعهم من الإضرار والإصلاح بينهم عند التشاجر وليس له أن يقيم جالسا


214
ولا أن يقدم مؤخرا ويكون السابق إلى المكان أحق به من المسبوق والوجه الثاني أن نظره فيه نظر مجتهد فيما يراه صلاحا في إجلاس من يجلسه ومنع من يمنعه وتقديم من يقدمه كما يجتهد في أموال بيت المال وإقطاع الموات ولا يجعل السابق أحق وليس له على الوجهين أن يأخذ منهم على الجلوس أجرا وإذا تركهم على التراضي كان السابق منهما إلى المكان أحق به من المسبوق فإذا انصرف عنه كان هو وغيره من الغد فيه سواء يراعى فيه السابق إليه وقال مالك إذا عرف أحدهم بمكان وصار به مشهورا كان أحق به من غيره قطعا للتنازع وحسما للتشاجر واعتبار هذا وإن كان له في المصلحة وجه يخرجه عن الحكم الإباحة إلى حكم الملك

وأما جلوس العلماء والفقهاء في الجوامع والمساجد والتصدي للتدريس والفتيا فعلى كل واحد منهم زاجر ن نفسه أن لا يتصدى لما ليس له 0 بأهل فيضل به المستهدي ويزل به المسترشد وقد جاء الأثر بأن أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على جراثيم جهنم والسلطان فيهم من النظر ما يوجبه الاختيار من إقراره أو إنكاره فإذا أراد من هو لذلك أهل أن يترتب في أحد المساجد لتدريس أو فتيا نظر حال المسجد فإن كان من مساجد المحال التي لا يترتب الأئمة فيها من جهة السلطان لم يلزم من ترتب فيه للتدريس والفتيا استئذان السلطان في جلوسه كما لا يلزم أن يستأذن فيه من ترتب للإمامةوإن كان من الجوامع وكبار المساجد التي ترتب الأئمة فيها بتقليد السلطان روعي في ذلك عرف البلد وعادته في جلوس أمثاله فإن كان للسلطان في جلوس مثله نظر لم يكن له أن يترتب للجلوس فيه إلا عن إذنه كما لا يترتب للإمامة فيه إلا عن إذن لئلا يفتات عليه في ولايته وإن لم يكن للسلطان في مثله نظر معهود لم يلزم استئذانه للترتيب فيه وصار كغيره من المساجد وإذا ارتسم بموضع من جامع أو 0 مسجد فقد جعله مالك أحق بالموضع إذا عرف به والذي عليه جمهور الفقهاء أن هذا يستعمل في عرف الاستحسان وليس بحق مشروع وإذا قام عنه زال حقه منه وكان السابق إليه أحق لقول الله تعالى (سواء العاكف فيه والباد)


215
ويمنع الناس في الجوامع والمساجد من استطراق حلق الفقهاء والقراء صيانة لحرمتها وقد روى عن النبي A أنه قال لا حمى إلا في ثلاث ثلة بئر وطول الفرس وحلقة القوم فأما ثلة البئر فهو منتهى حريمها وأما طول الفرس فهو ما دار فيه بمقوده إذا كان مربوطا وأما حلقة القوم فهو استدارتهم في الجلوس للتشاور والحديث

وإذا تنازع أهل المذاهب المختلفة فيما يسوغ فيه الاجتهاد لم يتعرض عليهم فيه إلا أن يحدث بينهم تنافرا فيكفوا عنه وإن حدث نازع ارتكب مالا يسوغ فيه الاجتهاد كف عنه ومنع منه فإن أقام عليه وتظاهر باستغواء من يدعو إليه لزم السلطان أن يحسم بزواجر السلطنة ظهور بدعته ويوضح بدلائل الشرع فساد مقالته فإن لكل بدعة مستمعا ولكل مستغو متبعا وإذا تظاهر بالصلاح من استبطن ما سواه ترك وإذا تظاهر بالعلم من عرى منه هتك لأن الداعي 0 إلى صلاح ليس فيه مصلح والداعي إلى علم ليس فيه مضل


216
الباب السابع عشر
في أحكام الإقطاع

وإقطاع السلطان مختص بما جاز فيه تصرفه ونفذت فيه أوامره ولا يصح فيما تعين فيه مالكه وتميز مستحقه وهو ضربان إقطاع تمليك وإقطاع استغلال فأما إقطاع التمليك فتنقسم فيه الأرض المقطعة ثلاثة أقسام موات وعامر ومعادن فأما الموات فعلى ضربين أحدهما ما لم يزل مواتا على قديم الدهر فلم تجز فيه عمارة ولا يثبت عليه ملك فهذا للذي يجوز للسلطان أن يقطعه من يحييه ومن يعمره ويكون الإقطاع على مذهب أبي حنيفة شرطا في جواز الإحياء لأنه يمنع من إحياء الموات إلا بإذن الإمام وعلى مذهب الشافعي أن الإقطاع يجعله أحق بإحيائه من غيره وإن لم يكن شرطا في جوازه لأنه يجوز إحياء الموات بغير إذن الإمام وعلى كلا المذهبين يكون المقطع أحق بإحيائه من غيره

قد أقطع رسول الله A الزبير بن العوام ركض فرسه من موات النقيع 0 فأجراه ثم رمى بسوطه رغبة في الزيادة فقال رسول الله A أعطوه منتهى سوطه والضرب الثاني من الموات ما كان عامرا فخرب فصار مواتا عاطلا وذلك ضربان أحدهما ما كان جاهليا كأرض عاد وثمود فهي كالموات الذي لم يثبت فيه عمارة ويجوز إقطاعه قال رسول الله A عادي الأرض لله ولرسوله ثم هي لكم مني يعني أرض عاد والضرب الثاني ما كان إسلاميا جرى عليه ملك المسلمين خرب حتى صار مواتا عاطلا فقد اختلف الفقهاء في حكم إحيائه على ثلاثة أقوال فذهب


217
الشافعي فيه إلى أنه لا يملك بالإحياء سواء عرف أربابه أو لم يعرفوا وقال مالك يملك بالإحياء سواء عرف أربابه أو لم يعرفوا وقال أبو حنيفة رحمه الله إن عرف أربابه لم يملك بالإحياء وإن لم يعرفوا ملك بالإحياء وإن لم يجز على مذهبه أن يملك بالإحياء من غير إقطاع فإن عرف أربابه لم يجز إقطاعه وكانوا أحق ببيعه وإحيائه وإن لم يعرفوا جاز إقطاعه وكان الإقطاع شرطا في جواز إحيائه فإذا صار الموات على ما شرحناه إقطاعا فمن خصه الإمام به صار بالإقطاع أحق الناس به لم يستقر ملكه عليه قبل الإحياء فإن شرع في إحيائه صار بكمال الإحياء مالكا له وإن ملكه عليه قبل الإحياء فإن شرع في إحيائه صار بكمال الإحياء مالكا له وإن أمسك عن إحيائه كان أحق به يدا وإن لم يصر ملكا ثم روعي إمساكه عن إحيائه فإن كان لعذر ظاهر لم يتعرض عليه فيه وأقر يده إلى 0 زوال عذر هو إن كان غير معذور قال أبو حنيفة لا يعارض فيه قبل مضي ثلاث سنين فإن أحياه فيها وإلا بطل حكم إقطاعه بعدها احتجاجا بأن عمر رضي الله عنه جعل أجل الإقطاع ثلاث سنين وعلى مذهب الشافعي أن تأجيله لا يلتزم وإنما المعتبر فيه القدرة على إحيائه فإذا مضى عليه زمان يقدر على إحيائه فيه قبل له إما أن تحييه فيه فيقر في يدك وإما أن ترفع يدك عنه ليعود إلى حاله قبل إقطاعه وأما تأجيل عمر رضي الله عنه فهو قضية في عين يجوز أن يكون لسبب اقتضاه أو لاستحسان رآه

فلو تغلب على هذا الموات المستقطع متغلب فأحياه فقد اختلف العلماء في حكمه على ثلاث مذاهب مذهب الشافعي أن محييه أحق به من مستقطعه وقال أبو حنيفة إن أحياه قبل ثلاث سنين كان ملكا للمقطع وإن أحياه بعدها كان ملكا للمحي وقال مالك إن أحياه عالما بالإقطاع كان ملكا للمقطع وإن أحياه غير عالم بالإقطاع خير المقطع بين أخذه وإعطاء المحي نفقة عمارته وبين 0 تركه للمحي والرجوع عليه بقيمة الموات قبل إحيائه

وأما العامر فضربان أحدهما ما تعين مالكه فلا نظر للسلطان فيه إلا ما يتعلق بتلك الأرض من حقوق


218
بيت المال إذا كانت دار الإسلام سواء كانت لمسلم أو ذمي فإن كانت دار الحرب التي لا يثبت للمسلمين عليها يد فأراد الإمام أن يقطعها ليملكها المقطع عند الظفر بها جاز وقد سأل تميم الداري رسول الله A أن يقطعه عيون البلد الذي كان منه بالشام قبل فتحه ففعل وسأله أبو ثعلبة الخشبي أن يقطعه أرضا كانت بيد الروم فأعجبه ذلك وقال ألا تسمعون ما يقول فقال والذي بعثك بالحق ليفتحن عليك فكتب له بذلك كتابا وهكذا لو استوهب من الإمام مال في دار الحرب وهو على ملك أهلها أو استوهب أحد من سبيها وذاريها ليكون أحق به إذا فتحها جاز وصحت العطية فيه مع الجهالة بها لتعلقها بالأمور العامة روى الشعبي أن حريم بن أوس بن حارثة الطائي قال للنبي A إن فتح الله عليك الحيرة فأعطني بنت نفيلة

فأراد خالد صلح أهل الحيرة قال له حريم إن رسول الله 0 A جعل لي بنت نفيلة فلا تدخلها في صلحك وشهد له بشير بن سعد بن مسلمة فاستثناها من الصلح ودفعها إلى حريم فاشتريت منه بألف درهم وكانت عجوزا قد حالت عن عهده فقيل له ويحك لقد أرخصتها كان أهلها يدفعون إليك ضعف ما سألت بها فقال ما كنت أظن أن عددا يكون أكثر من ألف وإذا صح الإقطاع والتمليك على هذا الوجه نظر حال الفتح فإن كان صلحا خلصت الأرض لمقطعها وكانت خارجة عن حكم الصلح بالإقطاع السابق وإن كان الفتح عنوة كان المستقطع والمستوهب أحق بما استقطعه واستوهبه من الغانمين فإن علموا بالإقطاع والهبة قبل الفتح فليس لهم المطالبة بعوض ما استقطع ووهب وأن لم يعلموا حتى فتحوا عاوضهم الإمام


219
عنه بما يستطيب به نفوسهم كما يستطيب نفوسهم عن غير ذلك من الغنائم وقال أبو حنيفة لا يلزمه استطابة نفوسهم عنه ولا عن غيره من الغنائم إذا رأى المصلحة في أخذها منهم

والضرب الثاني من العامر ما لم يتعين مالكوه ولم يتميز مستحقوه وهو على ثلاثة أقسام أحدها ما اصطفاه الإمام لبيت المال من فتوح البلاد إما بحق الخمس فيأخذه بإستحقاق أهله له وإما بأن يصفيه بإستطابة نفوس الغانمين عنه فقد اصطفى عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أرض السواد أموال كسرى وأهل بيته وما وهب عنه أربابه أو هلكوا فكان مبلغ غلتها تسعة آلاف درهم كان مصرفها في مصالح المسلمين ولم يقطع شيئا منها ثم إن عثمان رضي الله عنه أقطعها لأنه رأى إقطاعها أوفر لغلتها من تعطيلها وشرط على من أقطعها إياه إن يأخذ منه حق الفيء فكان ذلك منه إقطاع إجارة لا إقطاع تمليك فتوفرت 0 غلتها حتى بلغت على ما قيل خمسين ألف درهم فكان منها صلاته وعطاياه ثم تناقلها الخلفاء بعده فلما كان عام الجماجم سنة اثنين وثمانين في فتنة ابن الأشعث أحرق الديون وأخذ كل قوم ما يليهم فهذا النوع من العامر لا يجوز إقطاع رقبته لأنه صار باصطفائه لبيت المال ملكا لكافة المسلمين فجرى على رقبته حكم الوقوف المؤبدة وصار استغلاله هو المال الموضوع في حقوقه

وللسلطان فيه الخيار على وجه النظر في الأصلح بين أن يستغله لبيت المال كما فعل عمر رضي الله عنه وبين أن يخير له من ذوي المكنة والعمل من يقوم بعمارة رقبته بخراج يوضع عليه مقدر بوفور الاستغلال ونقصه كما فعل عثمان رضي الله عنه ويكون الخراج أجرة تصرف في وجوه المصالح إلا أن يكون مأخوذا بالخمس فيصرف في أهل الخمس فإن كان ما وضعه من الخراج مقاسمة على الشطر من الثمار والزروع جاز في النخل كما ساق رسول الله A أهل خيبر على النصف من ثمار النخل وجوازها 0 في الزرع معتبر باختلاف الفقهاء في جواز المخابرة فمن أجازها أجاز الخراج بها ومن منع منها منع من الخراج بها وقيل بل يجوز الخراج بها وإن منع من المخابرة


220
0 لما يتعلق بها من عموم المصالح التي يتسع حكمها عن أحكام العقود الخاصة ويكون العشر واجبا في الزرع دون الثمر لأن الزرع ملك لزارعيه والثمرة ملك لكافة المسلمين مصروفة في مصالحهم

والقسم الثاني من العامر أرض الخراج فلا يجوز إقطاع رقابهم تملكيا لأنها تنقسم على ضربين ضرب يكون رقابهم وقفا وخراجها أجرة فتمليك الوقف لا يصح بإقطاع ولا بيع ولا هبة وضرب يكون رقابها ملكا وخراجها جزية فلا يصح إقطاع مملوك تعين مالكوه فأما إقطاع خراجها فنذكره بعد في إقطاع الاستغلال والقسم الثالث ما مات عنه أربابه ولم يتسحقه وارثه بفرض ولا تعصيب فينتقل إلى بيت المال ميراثا لكافة المسلمين مصروفا في مصالحهم وقال أبو حنيفة من لا وارث له مصروف في الفقراء خاصة صدقة عن الميت ومصرفه عند الشافعي في وجوه المصالح أعم لأنه قد كان من الأملاك الخاصة وصار بعد الانتقال 0 إلى بيت المال من الأملاك العامة وقد اختلف أصحاب الشافعي فيما انتقل إلى بيت المال من رقاب الأموال هل يصير وقفا عليه بنفس الانتقال إليه على وجهين أحدهما أنها تصير وقفا لعموم مصرفها الذي لا يختص بجهة فعلى هذا يجوز بيعها ولا إقطاعها والوجه الثاني لا تصير وقفا حتى يقفها الإمام فعلى هذا يجوز له بيعها إذا رأى بيعها أصلح لبيت المال ويكون ثمنها مصروفا في عموم المصالح وفي ذوي الحاجات من أهل الفيء وأهل الصدقات وأما إقطاعها على هذا الوجه فقد قيل بجوازه لأنه لما جاز بيعها وصرف ثمنها إلى من يراه من ذوي الحاجات وأرباب المصالح جاز إقطاعها له ويكون تمليك رقبتها كتمليك ثمنها وقيل إن إقطاعها لا يجوز وإن جاز بيعها لأن البيع معارضة وهذا الإقطاع صلة والأثمان إذا صارت ناضة لها حكم يخالف في العطايا حكم الأصول الثابتة فافترقا وإن كان الفرق بينهما ضعيفا وهذا الكلام في العطايا حكم الأصول الثابتة فإفترقا وإن 0 كان الفرق بينهما ضعيفا وهذا في إقطاع التمليك وأما إقطاع الاستغلال فعلى ضربين عشر وخراج فأما العشر فإقطاعه لا يجوز لأنه زكاة لأصناف يعتبر وصف استحقاقها عند دفعها إليهم وقد يجوز أن يكون أن لا يكونوا من أهلها وقت استحقاقها لأنها تجب بشروط يجوز


221
أن لا توجد فلا تجب وكان مقطها وقت الدفع مستحقا كانت حوالة بعشر قد وجب على ربه عن هو من أهله صح وجاز دفعه إليه ولا يصر دينا له مستحقا حتى يقبضه لأن الزكاة لا تملك إلا بالقبض فإن منع من العشر لم يكن له خصما فيه وكان كامل العشر بالمطالبة أحق

وأما الخراج فيختلف حكم إقطاعه باختلاف حال مقطعه وله ثلاثة أحوال أحدها أن يكون من أهل الصدقات فلا يجوز أـن يقطع مال الخراج لأن الخراج فيء لا يستحقه أهل الصدقة كما لا يتسحق الصدقة أهل الفيء وجوز أبو حنيفة ذلك لأنه يجوز صرف فيء في أهل الصدقة

والحالة الثانية أن يكون من أهل المصالح ممن ليس له رزق مفروض فلا يصح أن يقطعه على الإطلاق وإن جاز أن يعطاه من مال الخراج لأنه من نفل أهل الفيء لا من فرضه وما يعطى له إنما هو من صلات المصالح فإن جعل له من مال الخراج شيء أجرى 0 عليه حكم الحوالة والتسبب لا حكم الإقطاع فتعتبر في جوازه شرطان أحدهما أن يكون بمال مقدر قد وجد سبب استباحته والثاني أن يكون مال الخراج قد حل ووجب ليصح التسبب عليه والحولة به فخرج بهذين الشرطين عن حكم الإقطاع والحالة الثالثة أن تكون من مرتزقة أهل الفيء وفرضية الديوان وهم أهل الجيش وهم أخص الناس بجواز الإقطاع لأن لهم أرزاقا مقدرة تصرف إليهم مصرف الاستحقاق لأنها تعويض عما أرصدوا نفوسهم له من حماية البيضة والذب عن الحريم فإذا صح أن يكونوا من أهل الإقطاع روعي حينئذ مال الخراج فإن له حالين حال يكون جزية وحال يكون أجرة فأما ما كان منه جزية فهو غير مستقر على التأييد لنه مأخوذ مع بقاء الكفر وزائل مع حدوث الإسلام فلا يجوز إقطاعه أكثر من سنة لأنه غير موثوق باستحقاقه بعدها فإن أقطعه سنة بعد حلوله واستحقاقه صح وإن أقطعه في السنة قبل استحقاقه ففي جوازه وجهان أحدهما يجوز إذا قيل إن حول 0 الجزية مضروب للأداء والثاني لا يجوز إذا قيل إن حول الجزية مضروب للوجوب وأما ما كان من الخراج أجرة فهو مستقر الوجوب على التأييد فيصح إقطاعه سنتين ولا يلزم الاقتصار منه على سنة واحدة بخلاف الجزية التي لا تستقر


222
وإذا بطل ما اجتباه منه مأذونا فيه عن عقد فاسد فيبرأ أهل الخراج بقبضه وحسب من جملة رزقه فإن كان أكثر رد الزيادة وإن كان أقل رجع بالباقي وأظهر السلطان فساد الإطلاع حتى يمنع من القبض ويمنع أهل الخراج من الدفع فإن دفعوه بعد إظهار ذلك لم يبرأ منه

والقسم الثالث أن يستقطعه مدة حياته ففي صحة الإقطاع قولان أحدهما أنه صحيح إذا قيل إن حدوث زمانته لا يقتضي سقوط رزقه والقول الثاني أنه باطل إذا قيل إن حدوث زمانته يوجب سقوط رزقه وإذا صح الإقطاع فأراد السلطان استرجاعه من مقطعه جاز ذلك فيما بعد السنة التي هو فيها ويعود رزقه إلى ديوان العطايا فأما في السنة التي هي فيها فينظر فإن حل رزقه فيها قبل حلول خراجها لم يسترجع منه في سنته لاستحقاق خراجها في رزقه وإن حل خراجها قبل حلول رزقه جاز استرجاعه منه لأن تعجيل المؤجل 0 وإن كان جائزا ليس بلازم

وأما ما عدا الجيش إذا أقطعوا بها مال الخراج فيقسمون ثلاثة أقسام أحدها من يرتزق على عمل غير مستديم كعمال المصالح وجباة الخراج فالإقطاع بأرزاقهم لا يصح ويكون ما حصل لهم بها من مال الخراج ج تسببا وحوالة بعد استحقاق الرزق وحلول الخراج والقسم الثاني من يرزق على عمل مستديم ويجري رزقه مجرة الجعالة وهم الناظرون في أعمال البر التي يصح التطوع بها إذا ارتزقوا عليها كالمؤذنين والأئمة فيكون جعل الخراج لهم في أرزاقهم تسببا به وحوالة عليه ولا يكون إقطاعا

والقسم الثالث من يرتزق على عمل مستديم ويجري رزقه مجرى الإجارة وهو من لا يصح نظره إلا بولاية وتقليد مثل القضاة والحكام وكتاب الدواوين فيجوز أن يقطعوا بأرزاقهم خراج سنة واحدة ويحتمل جواز إقطاعهم أكثر من سنة وجهين أحدهما يجوز كالجيش والثاني لا يجوز لما يتوجه إليهم من العزل والاستبدال

وأما إقطاع المعادن وهي البقاع التي 0 أودعها الله تعالى جواهر الأرض


224
فأما الظاهر فهي ما كان جوهرها المستودع فيها بارزا كمعادن الكحل والملح والقار والنفط وهو كالماء الذي لا يجوز إقطاعه والناس فيه سواء يأخذه من ورد إليه روى ثابت بن سعيد عن أبيه عن جده أن الأبيض بن حمال استقطع رسول الله A ملح مآرب فأقطعه فقال الأقرع ابن حابس التميمي يا رسول الله إني وردت هذا الملح في الجاهلية وهو بأرض ليس فيها غيره من ورده أخذه وهو مثل الماء العد بالأرض فاستقال الأبيض في قطيعه الملح فقال قد أقلتك على أن تجعله مني صدقة فقال النبي A هو منك صدقة وهو مثل الماء العد من ورده أخذه

قال أبو عبيد الماء العد هو الذي له مواد تمده مثل العيون والآبار وقال غيره هو الماء المتجمع المعد فإن أقطعت هذه المعادن الظاهرة لم يكن لإقطاعها حكم وكان المقطع وغيره فيا سواء وجميع من ورد إليها أسوة مشتركون فيها فإن منعهم 0 المقطع منها كان بالمنع متعديا وكان لما أخذه مالكا لأنه متعد بالمنع لا بالأخذ فكف عن المنع وصرف عن مداومة العمل لئلا يثبته إقطاعا بالصحة أو يصير معه كالأملاك المستقر وأما المعادن الباطنة فهي ما كان جوهرها مستكنا فيها لا يوصل أليه إلا بالعمل كمعادن الذهب والفضة والصفر والحديد فهذه وما أشبهها معادن باطنة سواء احتاج المأخوذ منها إلى سبك وتخليص أو لم يحتج

وفي جواز إقطاعها قولان أحدهما لا يجوز كالمعادن الظاهرة وكل الناس فيها شرع والقول الثاني يجوز إقطاعها لرواية كثير بن عبد الله بن عوف المزني عن أبيه عن جده عن رسول الله A أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية جليسها وغوريها وحيث يصلح الزرع من قدس ولم يقطعه حق مسلم وفي الجلسي والغوري تأويلان أحدهما أنه أعلاها وأسفلها وهو قول عبد الله


225
ابن وهب والثاني أن الجلسي بلاد نجد والغوري بلاد تهامة وهذا قول أبي عبيدة ومنه قول الشماخ

( فمرت على ماء العذيب وعينها

كوقب الحصى جليسها قد تغورا) فعلى هذا يكون المقطع أحق بها وله منع الناس منها

وفي حكمه قولان أحدهما أنه إقطاع تمليك يصير به المقطع مالكا لرقبة المعدن كسائر أمواله في حال عمله وبعد قطعه يجوز له بيعه في حياته وينتقل إلى ورثته بعد موته والقول الثاني أنه إقطاع إرفاق لا يملك به رقبة المعدن ويملك به الارتفاق بالعمل فيه مدة مقامه عليه وليس لأحد أن يتنازعه فيه ما أقام على العمل فإذا ترك زال حكم الإقطاع عنه وعاد إلى حال الإباحة فإذا أحي مواتا بإقطاع أو غير إقطاع فظهر فيه بالإحياء معدن ظاهر أو باطن ملكه المحي على التأييد كما يملك ما استنبطه من العيون واحتفر من الآبار


226
الباب الثامن عشر
في وضع الديوان وذكر أحكامه

والديوان موضع لحفظ ما يتعلق بحقوق السلطنة من العمال والموال ومن يقوم بها من الجيوش والعمال وفي تسميته ديوانا وجهان أحدهما أن كسرى اطلع ذات يوم على كتاب ديوانه فرآهم يحسبون مع أنفسهم فقال ديوانه أي مجانين فسمي موضعهم بهذا الاسم ثم حذفت الهاء عند كثرة الاستعمال تخفيفا للاسم فقيل ديوان والثاني أن الديوان بالفارسية إسم الشياطين فسمي الكتاب باسمهم لحذقهم بالأمور وقوتهم على الجلي والخفي وجمعهم لما شذ وتفرق ثم سمي مكان جلوسهم باسمهم فقيل ديوان

وأول من وضع الديوان في الإسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه واختلف الناس في سبب وضعه له فقال قوم سببه أن أبا هريرة قدم عليه بمال من البحرين فقال له عمر ماذا جئت به فقال خمسمائة ألف درهم فاستكثره عمر فقال له أتدري ما تقول 0 قال نعم مائة ألف خمس مرات فقال عمر أطيب هو فقال لا أدري فصعد عمر المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال أيها الناس قد جاءنا مال كثير فإن شئتم كلنا لكم كيلا وإن شئتم عددنا لكم عدا فقام إليه رجل فقال يا أمير المؤمنين قد رأيت الأعاجم يدونون ديونا لهم فدون أنت لنا ديوانا وقال آخرون بل سببه أن عمر بعث بعثا وكان عنده الهرمزان فقال لعمر هذا بعث قد أعطيت أهله الأموال فإن تخلف منهم جل وآجل بمكانه فمن أين يعلم صاحبك به فأثبت لهم ديوانا فسأله عن الديوان حتى فسره لهم روى عابد بن يحيى عن الحارث بن نفيل أن عمر رضي الله عنه استشار المسلمين في تدوين الديوان فقال له علي بن أبي طالب رضي الله عنه تقسم كل سنة ما اجتمع في إليك من المال ولا تمسك سنة شيئا وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه أرى مالا كثيرا يتبع الناس فإن لم يحصوا حتى يعرف من أخذ ممن لم يأخذ خشيت أن ينتشر الأمر فقال خالد 0 بن الوليد قد كنت بالشام فرأيت


227
ملوكها قد دونوا ديوانا وجندوا جنودا فدون ديوانا وجند جنودا فأخذ بقوله ودعا عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم وكانوا من شبان قريش وقال اكتبوا الناس على منازلهم فبدءوا ببني هاشم فكتبوهم ثم أتبعوهم أبا بكر وقومه ثم عمر وقومه وكتبوا القبائل ووضعوها على الخلافة ثم رفعوا إلى عمر فلما نظر فيه قال لا ما وددت أنه كان هكذا ولكن ابدءوا بقرابة رسول الله A الأقرب فالأقرب حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله فشكره العباس رضوان الله عليه على ذلك وقال وصلتك رحم وروى زيد بن أسلم عن أبيه أن بني عدي جاءوا إلى عمر فقالوا إنك خليفة رسول الله وخليفة أبي بكر وأبو بكر خليفة رسول الله فلو جعلت نفسك حيث جعلك الله سبحانه وجعلك هؤلاء القوم الذين كتبوا فقال بخ بخ يا بني عدي أردتم الأكل على ظهري وأن أهب حسناتي لكم لا ولكنكم 0 حتى تأتيكم الدعوة وأن ينطبق عليكم الدفتر يعني ولو تكتبوا آخر الناس إن لي صاحبين سلكا طريقا فإن خالفتهما خولف بي ولكنه والله ما أدركنا الفضل في الدنيا ولا نرجو الثواب عند الله تعالى على عملنا إلا بمحمد A فهو شرفنا وقومه أشراف العرب ثم الأقرب فالأقرب ووالله لئن جاءت الأعاجم بعمل وجئنا بغير عمل لهم أولى بمحمد A منا يوم القيامة فإن من قصر به عمله لم يسرع به نسبه وروى عامر أن عمر رضي الله عنه حين أراد وضع الديوان قال بمن أبدأ فقال له عبد الرحمن بن عوف إبدأ بنفسك فقال عمر أذكر أنى حضرت مع رسول الله A وهو يبدأ ببني هاشم وبني عبد المطلب فبدأ بهم عمر ثم بمن يليهم من قبائل قريش بطنا بعد بطن حتى استوفى جميع قريش ثم انتهى إلى الأنصار فقال عمر ابدءوا برهط سعد بن معاذ من الأوس ثم الأقرب فالأقرب لسعد وروى الزهري عن سعيد بن المسيب أنه كان ذلك في المحرم سنة عشرة فلما استقر ترتيب الناس في الدواوين 0 على قدر النسب المتصل برسول الله A فضل بينهم في العطاء على قدر السابقة في الإسلام والقربى من رسول الله A وكان أبو بكر رضي الله عنه يرى التسوية بينهم في العطاء ولا يرى التفضيل بالسابقة كذلك كان رأي علي رضي الله عنه في خلافته وبه أخذ الشافعي ومالك وكان رأي
228
عمر رضي الله عنه التفضيل بالسابقة في الإسلام وكذلك كان رأي عثمان رضي الله عنه بعده وبه أخذ أبو حنيفة وفقهاء العراق

وقد نظر عمر أبا بكر حين سوى بين الناس فقال أتسوي بين من هاجر الهجرتين وصلى القبلتين وبين من أسلم عام الفتح خوف السيف فقال له أبو بكر إنما عملوا لله وإنما أجورهم على الله وإنما الدنيا دار بلاغ للراكب فقال له عمر لا أجعل من قاتل رسول الله A كمن قاتل معه فلما وضع الديوان فضل بالسابقة ففرض لكل من شهد بدرا من المهاجرين الأولين خمسة آلاف درهم في كل سنة منهم علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله والزبير بن عوام وعبد الرحمن بن عرف رضي الله عنهم وفرض لنفسه معهم خمسة آلاف درهم وألحق به العباس بن عبد المطلب والحسن والحسين رضوان الله عليهم لمكانهم من رسول الله A وقيل بل فضل العباس وفرض له سبعة 0 آلاف درهم وفرض لكل من شهد بدرا من الأنصار أربعة آلاف درهم ولم يفضل على أهل بدرا أحدا إلا أزواج رسول الله A فإنه فرض لكل واحدة منهن عشرة آلاف درهم إلا عائشة فإنه فرض لها اثني عشرة ألف درهم وألحق بهن جويرية بنت الحارث وصفية بنت حيي وقيل بل فرض لكل واحدة منهن ستة آلاف درهم وفرض لكل من هاجر قبل الفتح ثلاثة آلاف درهم ولمن أسلم بعد الفتح ألفي درهم لكل رجل وفرض لغلمان أحداث من أبناء المهاجرين والأنصار كفرائض مسلمي الفتح وفرض لعمر بن أبي سلمة المخزومي أربعة آلاف درهم لأن أمه أم سلمة زوج النبي A فقال له محمد بن عبد الله بن جحش لم تفضل عمر علينا وقد هاجوا آباؤنا وشهدوا بدرا فقال عمر أفضله لمكانه من رسول الله A فليأت الذي يستعتب بأم مثل أم سلمة أعتبه وفرض لأسامة ابن زيد أربعة آلاف درهم فقال له عبد الله بن عمر فرضت لي ثلاثة آلاف درهم وفرضت لأسامة أربعة آلاف درهم وقد شهدت ما لم يشهد أسامة 0 فقال عمر زدته لأن كان أحب إلى رسول الله A منك وكان أبوه أحب إلى رسول الله من أبيك ثم فرض للناس على منازلهم وقراءتهم القرآن وجهادهم وفرض لأهل اليمن وقيس


229
بالشام والعراق لكل رجل من ألفين إلى ألف إلى خمسمائة إلى ثلاثمائة ولم ينقص أحدا منها وقال لئن كثر المال لأفرضن لكل رجل أربعة آلاف درهم ألفا لفرسه وألفا لسلاحه وألفا لسفره وألفا يخلفها في أهله وفرض وفرض للنفوس مائة درهم فإذا ترعرع بلغ به مائتي درهم فإذا بلغ زاده وكان لا يفرض لمولود شيئا حتى يفطم إلى أن سمع امرأة ذات ليلة وهي تكره ولدها على الفطام وهو يبكي فسألها عنه فقالت إن عمر لا يفرض للمولد حتى يفطم فأنا أكرهه على الفطام حتى يفرض له فقال ياويل عمركم احتقب من وزر وهو لا يعلم ثم أمر عمر مناديه فنادى ألا لا تجعلوا أولادكم بالفطام فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام ثم كتب إلى أهل العوالي وكان يجري عليهم القوت فأمر بجريب من الطعام فطحن ثم خبز ثم ثرد ثم دعا ثلاثين فأكلوا منه غداهم حتى أصدرهم ثم فعل 0 العشاء مثل ذلك فقال يكفي الرجل جريبان في كل شهر وكان يرزق الرجل والمرأة والمملوكة جريبين في كل شهر كان إذا أراد الرجل أن يدعو على صاحبه قال له قطع الله عنك جريبك

وكان الديوان موضوعا على دعوة العرب في ترتيب الناس فيه معتبرا بالنسب وتفضيل العطاء معتبرا بالسابقة في الإسلام وحسن الأثر في الدين ثم روعي في التفضيل عند انقراض أهل السوابق بالتقدم في الشجاعة والبلاء في الجهد فهذا حكم ديوان الجيش في ابتداء وضعه على الدعوة القريبة والترتيب الشرعي وأما ديوان الاستيفاء وجباية الأموال فجرى هذا الأمر فيه بعد ظهور الإسلام بالشام والعراق على ما كان عليه من قبل فكان ديوان الشام بالرومية لأنه كان من ممالك الروم وكان ديوان العراق بالفارسية لأنه كان من ممالك الفرس فلم يزل أمرهما جاريا على ذلك إلى زمن عبد الملك بن مروان فنقل ديوان الشام إلى العربية سنة إحدى وثمانين

وكان سبب نقله إليه ما حكاه المدائني 0 أن بعض كتاب الروم في ديوانه أراد ماء لدواته فبال فيها بدلا من الماء فأدبه وأمر سليمان بن سعد أن ينقل الديوان للعربية فسأله أن يعينه بخراج الأردن سنة ففعل وولاه الأردن وكان خراجه مائة وثمانين ألف دينار فلم تنقص السنة حتى فرغ من الديوان فنقله وأتى به إلى عبد الملك بن


230
0 مروان فدعا سرجون كاتبه فعرضه عليه فغنمه وخرج كئيبا فلقيه قوم من كتاب الروم فقال لهم اطلبوا المعيشة من غير هذه الصناعة وقد قطعها الله عنكم

وأما ديوان الفارسية بالعراق فكان سبب نقله إلى العربية أن كاتب الحجاج كان يسمى زادان فروخ كان معه صالح بن عبد الرحمن يكتب بين يديه بالعربية والفارسية فوصله زادان فروخ بالحجاج فخف على قلبه فقال صالح لزادان فروخ إن الحجاج قد قربني ولا آمن عليك أن يقدمني عليك فقال لا تظن ذلك فهو إلي أحوج مني إليه لأنه لا يجد من يكفيه حسابه غيري فقال صالح والله لو شئت أن أحول الحساب إلى العربية لفعلت فحول منه ورقة أو سطر حتى أرى ففعل ثم قتل زادان فروخ في أيام عبد الرحمن بن الأشعث فاستخلف الحجاج صالحا مكانه فذكر له ما جرى بينه وبين زادان فروخ فأمره أن ينقله فأجابه إلى ذلك وأجله فيه أجلا 0 حتى نقله إلى العربية فلما عرف مرد إنشاه بن زادان فروخ ذلك بذل له مائة ألف درهم ليظهر للحجاج العجز عنه فلم يفعل فقال له قطع الله أوصالك من الدنيا كما قطعت أصل الفارسية فكان عبد الحميد بن يحيى كاتب مروان يقول لله در صالح ما أعظم منته على الكتاب

والذي يشتمل عليه ديوان السلطنة ينقسم أربعة أقسام أحدها ما يختص بالجيش من إثبات وعطاء والثاني ما يختص بالأعمال من رسوم وحقوق والثالث ما يختص بالعمال من تقليد وعزل والرابع ما يختص ببيت المال من دخل وخراج فهذه أربعة أقسام تقتضيها أحكام الشرع ويتضمن تفضيلها ما ربما كان لكتاب الدواوين في إفرادها عادة هم بها أخص فأما القسم الأول فيما يختص بالجيش من إثبات وعطاء فإثباتهم في الديوان معتبر بثلاثة شروط أحدها الوصف الذي يجوز له إثباتهم والثاني السبب الذي يستحق به ترتيبهم والثالث الحال التي يقدر به عطاؤهم

فأما شرط جواز إثباتهم في الديوان فيراعى فيه 0 خمسة أوصاف أحدها البلوغ فإن الصبي من جملة الذراري والأتباع فلم يجز أن يثبت في ديوان الجيش فكان جاريا في عطاء الذراري


231
ولاثني الحرية لأن المملوك تابع لسيده فكان داخلا في عطائه وأسقط أو حقيقة اعتبار الحرية وجوز إفراد العبد بالعطاء في ديوان المقاتلة وهو رأي أبي بكر وخالفه فيه عمر واعتبر الحرية في العطاء وبه أخذ الشافعي والثالث الإسلام ليدفع عن الملة باعتقاده ويوثق بنصحه واجتهاده فإن أثبت فيهم ذميا لم يجز وإن ارتد منهم مسلم سقط والرابع السلامة من الآفات المانعة من القتال فلا يجوز أن يكون زمنا ولا أعمى ولا أقطع ويجوز أن يكون أخرس أو أصم فأما الأعرج فإن كان فارسا أثبت وإن كان راجلا لم يثبت

والخامس أن يكون فيه إقدام على الحروب ومعرفة بالقتال فإن ضعفت منته عن الإقدام أو قلت معرفته بالقتال لم يجز إثباته لأنه مرصد لما هو عاجز عنه فإذا تكاملت فيه هذه الأوصاف لخمس كان إثباته في ديوان الجيش موقوفا على الطلب والإيجاب فيكون منه 0 الطلب إذا تجرد عن كل عمل ويكون لمن ولي الأمر الإجابة إذا دعت الحاجة إليه فإن كان مشهور الاسم نبيه القدر لم يحسن إذا أثبت في الديوان أن يحلى فيه وينعت فإن كان من المغمورين في الناس حلى ونعت فذكر سنة وقده ولونه وحلى وجهه ووصف بما يتميز به عن غيره لئلا تتفق الأسماء ويدعى وقت العطاء وضم إلى نقيب عليه أو عريف له ليكون مأخوذا بدركه

وأما ترتيبهم في الديوان إذا اثبتوا فيه فمعتبر من وجهين أحدهما عام والآخر خاص فأما العام فهو ترتيب القبائل والأجناس حتى تتميز كل قبيلة عن غيرها وكل جنس عمن خالفه فلا يجمع فيه بين المختلفين ولا يفرق به بين المتفقين لتكون دعوة الديوان على نسق واحد معروف بالنسب يزول به التنازع والتجاذب وإذا كان هكذا لم يخل حالهم من أن يكونوا عربا أو عجما فإن كانوا عربا نجمعهم أنساب وتفرق بينهم أنساب ترتبت قبائلهم بالقربى من رسول الله A كما فعل عمر رضي الله عنه حين دونهم


232
فيبدأ بالترتيب في أصل النسب بما يتفرغ عنه فالعرب عدنان وقحطان فتقدم عدنان على قحطان لأن النبوة فيهم وعدنان يجمع ربيعة ومضر فتقدم على ربيعة لأن النبوة فيهم ومضر يجمع قريشا وغير قريش فتقدم قريش لأن النبوة فيهم وقريش يجمع بني هاشم وغيرهم فتقدم بنو هاشم لأن النبوة فيهم فيكون بنو هاشم قطب الترتيب ثم بمن يليهم من أقرب الأنساب إليهم حتى يستوعب قريشا ثم بمن يليهم في النسب حتى يستوعب جميع مضر ثم بمن يليهم في النسب حتى يستوعب جميع عدنان

وقد رتبت أنساب العرب ستة مراتب فجعلت طبقات أنسابهم هي شعيب ثم قبيلة ثم عمارة ثم بطن ثم فخذ ثم فصيلة فالشعب النسب الأبعد مثل عدنان وقحطان سمي شعبا لأن القبائل منه تشعبت ثم القبيلة وهي ما إنقسمت فيها أنساب الشعب مثل ربيعة ومضر سميت قبيلة لتقابل الأنساب فيها ثم العمارة وهي ما انقسمت 0 فيها أنساب القبائل مثل قريش وكنانة ثم البطن وهو ما انقسمت فيه أنساب العمارة مثل بني عبد مناف وبني مخزوم ثم الفخذ وهو ما انقسمت فيه أنساب البطن مثل بني هاشم وبني أمية ثم الفصيلة وهي ما انقسمت فيها أنساب الفخذ مثل بني أبي طالب وبني العباس فالفخذ يجمع الفصائل والبطن يجمع الأفخاذ والعمارة تجمع البطون والقبيلة تجمع العمائر والشعب يجمع القبائل وإذا تباعدت الأنساب صارت القبائل شعوبا والعمائر قبائل

وإن كانوا عجما لا يجتمعون على نسب فالذي يجمعهم عند فقد النسب أمران إما أجناس وإما بلاد فالمتميزون بالأجناس كالترك والهند ثم يتميز الترك أجناسا والهند أجناسا والمتميزون بالبلاد كالديلم والجبل ثم يتميز الديلم بلدانا والجبل بلدانا وإذا تميزوا بالأجناس أو البلدان فإن كانت لهم سابقة في الإسلام ترتبوا عليها في الديوان وإن لم تكن لهم سابقة ترتبوا بالقرب من ولي الأمر فإن تساووا فالسبق إلى طاعته

وأما الترتيب 0 الخاص فهو ترتيب الواحد بعد الواحد يرتب بالسابقة في الإسلام


233
فإن تكافئوا في السابقة ترتبوا بالدين فإن تقاربوا فيه ترتبوا بالسن فإن تقاربوا فيها ترتبوا بالشجاعة فإن تقاربوا فيها فولى الأمر بالخيار بين أو يرتبهم بالقرعة أو يرتبهم عن رأيه واجتهاده وأما تقدير العطاء فمعتبر بالكفاية حتى يستغني بها عن التماس مادة تقطعه عن حماية البيضة

والكفاية معتبرة من ثلاثة أوجه أحدها عدد من يعوله من الذراري والمماليك والثاني عدد ما ترتبطه من الخيل الظهر والثالث الموضع الذي يحله في الغلاء والرخص فيقدر كفايته في نفقته وكسوته لعامة كله فيكون هذا المقدر في عطائه ثم تعرض حاله في كل عام فإن زادت رواتبه الماسة زيد وإن نقصت نقص

واختلف الفقهاء إذا تقدر رزقه بالكفاية هل يجوز أن يزاد عليها فمنع الشافعي من زيادته على كفايته وإن اتسع المال لأن أموال بيت المال لا توضع إلا في الحقوق اللازمة وجوز 0 أبو حنيفة زيادته على الكفاية إذا اتسع المال لها ويكون وقت العطاء معلوما يتوقعه الجيش عند الاستحقاق وهو معتبر بالوقت الذي تستوفي فيه حقوق بيت المال فإن كانت تستوفي في وقت واحد من السنة جعل العطاء في رأس كل سنة وإن كانت تستوفى في وقتين جعل العطاء في كل سنة مرتين وإذا كانت تستوفى في كل شهر جعل العطاء في رأس كل شهر ليكون المال مصروفا إليهم عند حصوله فلا يحبس عنهم إذا اجتمع ولا يطالبون به إذا تأخر وإذا تأخر عنهم العطاء عند استحقاقه وكان حاصلا في بيت المال كان لهم المطالبة به كالديون المستحقة وإن أعوذ بيت المال لعوارض أبطلت حقوقه أو أخرتها كانت أرزاقهم دينا على بيت المال وليس لهم مطالبة ولي الأمر به كما ليس لصاحب الدين مطالبة من أعسر بدينه وإذا أراد ولي الأمر إسقاط بعض الجيش لسبب أوجبه أو لعذر اقتضاه جاز وإن كان لغير سبب لم يجز لأنهم جيش المسلمين في الذب عنهم

وإذا أراد بعض الجيش 0 إخراج نفسه من الديوان جاز مع الاستغناء عنه ولم يجز مع الحاجة إليه إلا أن يكون معذورا وإذا جرد الجيش لقتال فامتنعوا وهم أكفاء


234
من حاربهم سقطت أرزاقهم وإن ضعفوا عنهم لم تسقط وإذا نفقت دابة أحدهم في حرب عوض عنها وإن نفقت في غير حرب لم يعوض وإذا استهلك سلاحه فيها عرض عنه إن لم يكن يدخل في تقدير عطائه ولم يعوض إن دخل فيه وإذا جرد لسفر أعطى نفقة سفره إن لم تدخل في تقدير عطائه ولم يعط إن دخلت فيه وإذا مات أحدهم أو قتل كان ما يستحق من عطائه موروثا على فرائض الله تعالى وهو دين لورثته في بيت المال

واختلف الفقهاء في نفقات ذريته من عطائه في ديوان الجيش على قولين أحدهما أنه قد سقطت نفقتهم من ديوان الجيش لذهاب مستحقه ويحالون على مال العشر والصدقة والقول الثاني أنه يستبقي من عطائه نفقات ذريته ترغيبا له في المقام وبعثا له على الإقدام واختلف الفقهاء أيضا في سقوط عطائه إذا حدثت به زمانة على قولين أحدهما يسقط لأنه في مقابلة عمل قد عدم والقول 0 الثاني أنه باق على العطاء ترغيبا في التجند والإرتزاق

وأما القسم الثاني فيما اختصر بالأعمال من رسوم وحقوق فيشمل على ستة فصول أحدها تحديد العمل بما يتميز به من غيره وتفضيل نواحيه التي تختلف أحكامها فيجعل لكل بلد لا يشاركه فيه غيره ويفصل نواحي كل بلد إذا اختلفت أحكام نواحيه وإن اختلفت أحكام الضياع في كل ناحية فصلت ضياعه كتفصيل نواحيه وإن لم تختلف اقتصر على تفصيل النواحي دون الضياع والفصل الثاني أن يذكر حال البلد هل فتح عنوة أو صلحا وما استقر عليه حكم أرضه من عشر أو خراج وهل اختلفت أحكامه ونواحيه أو تساوت فإنه لا يخلو من ثلاثة أحوال إما أن تكون جميعه أرض عشر أو جميعه أرض خراج أن يكون بعضه عشرا وبعضه خراجا فإن كان جميعه أرض عشر لم يلزم إثبات مسائحه لأن العشر على الزرع دون المساحة ويكون ما استؤنف زرعه مرفوعا إلى ديوان العشر


235
لا مستخرجا منه ويلزم تسمية أربابه عند رفعه إلى الديوان لأن وجوب العشر فيه معتبر بأربابه دون رقاب الأرضين وإذا رفع الزرع بأسماء أربابه ذكر مبلغ كليه وحال سقيه بسيح أو عمل لاختلاف حكمه ليستوفي على موجبه وإن كان جميعه أرض خراج لزم إثبات مسائحه لأن الخراج على المساحة فإن كان هذا الخراج في حكم الجرة لم يلزم تسمية أرباب الأرضين لأنه لا ختلف بإسلام ولا كفر وإن كان الخراج في حكم الجزية لزم تسمية أربابه ووصفهم بالإسلام والكفر لاختلاف حكمه باختلاف أهله وإن كان بعضه عشرا وبعضه خراجا فصل في ديوان العشر ما كان منه عشرا وفي ديوان الخراج ما كان منه خراجا لاختلاف الحكم فيهما وأجرى على كل واحد منهما ما يختص بحكمه

والفصل الثالث أحكام خراجه وما استقر على مسائحه هل هو مقاسمة على زرعه أو هو رزق مقدر على خراجه فإن كان مقاسمة 0 لزم إذا أخرجت مسائح الأرضين من ديوان الخراج أن يذكر معها مبلغ المقاسمة من ربع أو ثلث أو نصف ويرفع إلى الديوان مقادير الكيول لتستوفي المقاسمة على موجبها وإن كان الخراج ورقا لم يخل من أن يكون متساويا مع اختلاف الزروع أو مختلفا فإن كان متساويا مع اختلاف الزروع أخرجت المسائح من ديوان الخراج ليستوفي خراجها ول يلزم أن يرفع إليه إلا ما قبض منها وإن كان الخراج مختلفا باختلاف الزروع لزم إخراج المسائح من ديوان الخراج وأن يرفع إليه أجناس الزروع ليستوفي خراج المساحة على ما يوجبه حكم الزرع

والفصل الرابع ذكر من في كل بلد من أهل الذمة وما استقر عليهم في عقد الجزية فإن كانت مختلفة باليسار والإعسار سموا في الديوان مع ذكر عددهم ليختبر حال يسارهم وإعسارهم وإن لم تختلف في اليسار والإعسار جاز الاقتصار على ذكر عددهم ووجب مراعاتهم في كل عام ليثبت من بلغ ويسقط من مات أو أسلم لينحصر بذلك 0 ما يستحق من حريتهم والفصل الخامس إن كان من بلدان المعادن أن يذكر أجناس معادنه وعدد كل


236
جنس منها ليستوفي في حق المعدن منها وهذا مما لا ينضبط بمساحة ولا ينحصر بتقدير لاختلافه وإنما ينضبط بحسب المأخوذ منه إذا أعطى وأنال ولا يلزم في أحكام المعادن أن يوصف في الديوان أحكام فتوحها هل هي من أرض عشر أو خراج لأن الديوان فيها موضوع لاستيفاء الحق من نيلها وحقها لا يختلف باختلاف فتوحها وأحكام أرضها وإنما يختلف ذلك في حقوق العاملين فيها والآخذين وقد تقدم القول في اختلاف الفقهاء في أجناس ما يؤخذ حق المعادن منه وفي قدر المأخوذ منه فإن لم يكن قد سبق للأئمة فيها حكم اجتهد والي الوقت برأيه في الجنس الذي يجب فيه وفي القدر المأخوذ منه وعمل عليه في الأمرين معا إذا كان من أهل الاجتهاد وإن كان من سبق من الأئمة والولاة قد اجتهد برأيه في الجنس الذي يجب فيه وفي القدر المأخوذ منه وحكم به فيها أيده وأمضاه فاستقر 0 حكمه في الأجناس التي يجب فيها حتى المعدن ولم يستقر حكمه في القدر المأخوذ من المعدن لأن حكمه في الجنس معتبر بالمعدن الموجود في القدر معتبر بالمعدن المفقود

والفصل السادس إن كان البلد ثغرا يتاخم دار الحرب وكانت أموالهم دخلت دار الإسلام معشوره عن صلح استقر معهم وأثبت في ديوان عقد صلحهم وقدر المأخوذ منهم من عشر أو خمس وزيادة عليه أو نقصان منه فإن كان يختلف باختلاف الأمتعة والأموال فصلت فيه كان الديوان موضوعا لإخراج رسومه ولاستيفاء ما يرفع إليه من مقادير الأمتعة المحمولة إليه وأما أعشار الأموال المنتقلة في دار الإسلام من بلد إلى بلد فمحرمة لا يبيحها شرع ولا يسوغها اجتهاد ولا هي من سياسات العدل ولا من قضايا النصفة وقل ما تكون إلا في البلاد الجائرة وقد روي عن النبي A أنه قال شر الناس العشارون الحشارون وإذا غيرت الولاة أحكام البلاد ومقادير الحقوق فيها اعتبر ما فعلوه فإن كان مسوغا 0 في الإجتهاد لأمر اقتضاه لا يمنع الشرع منه لحدوث سبب يسوغ الشرع الزيادة


237
لأجله أو النقصان لحدوثه جاز وصار الثاني هو الحق المستوفى دون الأول وإذا استخرج حال العمل من الديوان جاز أن يقتصر على إخراج الحال الثانية دون الأولى والأحوط أن يخرج الحالين لجواز أن يزول السبب الحادث فيعود الحكم الأول وإن كان ما أخذ به الولاة من تغيير الحقوق غير مسوغ في الشرع ولا له وجه في الاجتهاد كانت الحقوق على الحكم الأول وكان الثاني مردودا سواء غيروه إلى زيادة أو نقصان لأن الزيادة ظلم في حقوق الرعية والنقصان ظلم في حقوق بيت المال وإذا استخرج حال العمل من الديوان وجب على رافعه من كتاب الدواوين إخراج الحالين إن كان المستدعي لإخراجها من الولاة لا يعلم حالها فيما تقدم وإن كان عالما بها لم يلزمه إخراج الحال الأول إليه لأن عمله بها قد سبق وجاز الاقتصار على إخراج الحال الثانية مع وصفها بأنها مستحدثة 0

وأما القسم الثالث فيما اختص بالعمال من تقليد وعزل فيشتمل ستة فصول أحدها ذكر من يصح منه تقليد العمال وهو معتبر بنفوذ الأمر وجواز النظر فكل من جاز نظره في عمل نفذت فيه أوامره وصح منه تقليد العمال عليه وهذا يكون من أحد ثلاثة إما من السلطان المستولي على كل الأمور وإما من وزير التفويض وإما من عامل عام الولاية كعامل إقليم أو مصر عظيم يقلد في خصوص الأعمال عاملا فأما وزير التنفيذ فلا يصح منه تقليد عامل إلا بعد المطالعة والاستثمار

والفصل الثاني من يصح أن يتقلد العمالة وهو من استقل بكفايته ووثق بأمانته فإن كانت عمالة تفويض تفتقر إلى اجتهاد روعي فيها الحرية والإسلام وإن كانت عمالة تنفيذ لا اجتهاد للعامل فيها لم يفتقر إلى الحرية والإسلام والفصل الثالث ذكر العمل الذي تقلده وهذا يعتبر فيه ثلاثة شروط أحدها تحديد الناحية بما تتميز به عن غيرها والثاني تعيين العمل الذي يختص بنظره 0 فيها من جباية أو خراج أو عشر والثالث العلم برسوم العمل وحقوقه على تفصيل ينتفي عنه الجهالة فإذا استكملت هذه الشروط الثلاثة في عمل علم به المولي والمولى صح التقليد ونفذ


238
والفصل الرابع زمان النظر فلا يخلو من ثلاثة أحوال أحدها أن يقدره بمدة محصورة الشهور أو السنين فيكون تقديرها بهذه المدة مجوز للنظر فيها ومانعا من النظر بعد انقضائها ولا يكون النظر في المدة المقيدة لازما من جهة المولي وله صرفه و استبدال به إذا رأى ذلك صلاحا فأما لزومه من جهة العامل المولى فمعتبر بحال جارية عليها فإن كان الجاري معلوما بما تصح به الأجور لزمه العمل في المدة إلى انقضائها لأن العمالة فيها تصير من الإجارات المحضة ويؤخذ العامل فيها بالعمل إلى انقضائها إجبارا والفرق بينهما في تخيير المولي ولزومها المولى أنها في جنبة المولى من العقود العامة لنيابته فيها عن الكافة فروعي الأصلح في التخيير وهي في جنبة المولى من العقود الخاصة لعقده لها في حق نفسه فيجري عليها حكم اللزوم وإن لم يقتدر جاريه بما يصلح في الجور 0 لم تلزمه المدة وجاز له الخروج من العمل إذا شاء بعد أن ينهي إلى موليه حال تركه حتى لا يخلو عمله من ناظر فيه

والحالة الثانية أن يقدر بالعمل فيقول المولى فيه قد قلدتك خراج ناحية كذا هذه السنة أو قلدتك صدقات بلد كذا في هذا العام فتكون مدة نظره مقدرة بفراغه عن عمله فإذا فرغ منه انعزل عنه وهو قبل فراغه على ما ذكرنا يجوز أن يعزله المولي وعزله لنفسه معتبر بصحة جارية وفساده والحالة الثالثة أن يكون التقليد مطلقا فلا يقدر ولا عمل فيقول فيه قد قلدتك خراج الكوفة أو أعشار البصرة أو حماية بغداد فهذا تقليد صحيح وإن جهلت مدته لأن المقصود منه الإذن لجواز النظر وليس المقصود منه اللزوم المعتبر في عقود الإيجارات

وإذا صح التقليد وجاز النظر لم يخل حاله من أحد أمرين إما أن يكون مستديما أو منقطعا فإن كان مستديما كالنظر في الجباية والقضاء وحقوق المعادن فيصح نظره فيها عاما بعد عام ما لم يعزل 0 وإن كان منقطعا فهو على ضربين أحدهما أن لا يكون معهود العود في كل عام كالوالي على قسم الغنيمة فينعزل بعد فراغه منها وليس له النظر في قسمة غيرها من الغنائم والضرب الثاني أن يكون عائدا في كل عام كالخراج الذي


239
إذا استخرج في عام عاد فيما يليه فقد اختلف الفقهاء هل يكون إطلاق تقليد مقصورا على نظر عامه أو محمولا على كل عام ما لم يعزل على وجهين أحدهما أنه يكون مقصورا للنظر على العام الذي هو فيه فإذا استوفى خراجه أو أخذ أعشارا انعزل ولم يكن له أن ينظر في العام الثاني إلا بتقليد مستجد اقتصارا على اليقين والوجه الثاني أنه يحمل على جواز النظر في كل عام ما لم يعزل اعتبارا بالعرف

والفصل الخامس في جاري العامل على عمله ولا يخلو فيه من ثلاثة أحوال أحدها أن يسمى معلوما والثاني أن يسمى مجهولا والثالث أن لا يسمى بمجهول ولا بمعلوم فإن سمي معلوما استحق المسمى إذا وفي العمالة حقها فإن قصر فيها روعي تقصيره فإن كان لترك بعض العمل لم يستحق جاري ما قابله وإن كان لخيانة منه مع استيفاء العمل استكمل جارية وارتجع ما خان فيه وإن 0 زاد في العمل روعيت الزيادة فإن لم تدخل في حكم عمله كان نظره فيها مردودا لا ينفذ وإن كانت داخلة في حكم نظره لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون قد أخذها بحق أو ظلم فإن كان أخذها بحق كان متبرعا بها لا يستحق لها زيادة على المسمى في جاريه وإن كان ظلما وجب ردها على من ظلم بها وكان عدوانا من العامل يؤخذ بجريرته وأما إن سمي جاريه مجهولا استحق جاري مثله فيما عمل فإن كان جاري العمل مقدرا في الديوان وعمل به جماعة من العمال صار ذلك القدر هو جاري المثل وإن لم يعمل به إلا واحدا لم يصر ذلك مألوفا في جاري المثل

وأما إن لم يسم جاريه بمعلوم ولا بمجهول فقد اختلف الفقهاء في استحقاقه لجاري مثله على عمله على أربعة مذاهب قالها الشافعي وأصحابه فمذهب الشافعي فيها أنه لا جاري له على عمله ويكون متطوعا به حتى يسمى جاريا معلوما أو مجهولا لخلو عمله من عوض وقال المزني له جاري مثله وإن لم يسمه 0 لاستيفاء عمله عن إذنه وقال أبو العباس بن سريج إن كان مشهورا بأخذ الجاري على عمله فله جاري مثله وإن لم يشهر بأخذ الجاري عليه فلا جاري له وقال أبو إسحاق المروزي من أصحاب الشافعي إن دعي إلى العمل في الابتداء أو أمر به فله جاري مثله فإن ابتدأ بالطلب فأذن له


240
0 في العمل فلا جاري له وإذا كان في عمله مال فجاريه مستحق فيه وإن لم يكن فيه مال فجاريه في بيت المال مستحق من سهم المصالح

والفصل السادس فيما يصح به التقليد فإن كان نطقا يلفظ به المولي صح به التقليد كما يصح به سائر العقود وإن كان عن توقيع المولي بتقليده خطا لا لفظا صح التقليد وانعقدت به الولايات السلطانية إذا اقترنت به شواهد الحال وإن لم تصح به العقود الخاصة اعتبارا بالعرف الجاري فيه وهذا إذا كان التقليد مقصورا عليه لا يتعداه إلىاستبانة غيره فيه ولا يصح إذا كان التقليد عاما متعديا فإذا صح التقليد بالشروط المعتبرة فيه وكان العمل قبله خاليا من ناظر تفرد هذا المولي بالنظر واستحق جاريه من أول وقت نظره فيه وإن كان في العمل ناظر قبل تقليده نظر في العمل فإن كان مما لا يصح الاشتراك فيه كان عزلا للأول وإن جرى 0 العرف بالاشتراك فيه لم يكن تقليده الثاني عزلا للأول وإن كان مما يصح فيه الاشتراك روعي العرف الجاري فيه فإن لم يجز العرف بالاشتراك فيه لم يكن تقليد الثاني عزلا للأول وكانا عاملين عليه وناظرين فيه فإن قلد عليه مشرف كان العامل مباشرا للعمل وكان المشرف مستوفيا له يمنع من زيادة عليه أو نقصان منه أو تفرد به

وحكم المشرف يخالف حكم صاحب البريد من ثلاثة أوجه أحدها أنه ليس للعامل أن ينفرد بالعمل دون المشرف وله أن ينفرد به دون صاحب البريد والثاني أن للمشرف منع العامل مما أفسد فيه وليس ذلك لصاحب البريد والثالث أن المشرف لا يلزمه الإخبار بما فعله العامل من صحيح وفاسد إذا انتهى إليه ويلزم صاحب البريد الإخبار بما فعله العامل من صحيح وفاسد لأن خبر المشرف استعداء وخبر صاحب البريد إنهاء والفرق بين خبر الإنهاء وخبر الاستعداء من وجهين أحدهما أن خبر الإنهاء يشتمل على الفاسد والصحيح وخبر الاستعداء 0 مختص بالفاسد دون الصحيح


241
والثاني أن خبر الإنهاء فيما رجع عنه العامل وفيما لم يرجع عنه وخبر الاستعداء مختص بما لم يرجع عنه دون ما رجع عنه وإذا أنكر العامل استعداء المشرف أو إنهاء صاحب البريد لم يكن قول واحد منهما مقبولا عليه حتى يبرهن عنه فإن اجتمعا على الإنهاء والاستعداء صار شاهدين عليه فيقبل قولهما عليه إذا كانا مأمونين وإذا طولب العامل برفع الحساب فيما تولاه لزمه رفعه في عمالة الخراج ولم يلزمه رفعه في عمالة العشر لأن مصرف الخراج إلى بيت المال ومصرف العشر إلى أهل الصدقات وعلى مذهب أبي حنيفة يؤخذ برفع الحساب في المالين لاشتراك مصرفهما عنده وإذا أدعى عامل العشر صرف العشر في مستحقه قبل قوله فيه ولو ادعى عامل الخراج دفع الخراج إلى مستحقه لم يقبل قوله إلا بتصديق أو بينة

وإذا أراد العامل أن يستخلف على عمله فذلك ضربان أحدهما أن 0 يستخلف عليه من ينفرد بالنظر فيه دونه فهذا غير جائز منه لأنه يجري مجرى الاستبدال وليس له أن يستبدل غيره بنفسه وإن جاز له عزل نفسه والضرب الثاني أن يستخلف عليه معينا له فيراعي مخرج التقليد فإنه لا يخلو من ثلاثة أحوال أحدها أن يتضمن إذنا بالاستخلاف فيجوز له أن يستخلف ويكون من استخلفه نائبا عنه يعزل بعزله إن لم يكن مسمى في الإذن فإن سمي له من يستخلفه فقد اختلف الفقهاء فيه إذا استخلفه هل ينعزل بعزله فقال قوم ينعزل وقال آخرون لا ينعزل

والحالة الثانية أن يتضمن التقليد نهيا عن الاستخلاف فلا يجوز له أن يستخلف وعليه أن ينفرد بالنظر فيه إن قدر عليه فإن عجز عنه كان التقليد فاسدا فإن نظر مع فساد التقليد صح من نظره ما اختص بالإذن من أمر ونهي ولم يصح منه ما اختص بالولاية من عقد وحل


242
والحالة الثالثة أن يكون التقليد مطلقا لا يتضمن إذنا ولا نهيا فيعتبر حال العمل فإن قدر على التفرد بالنظر فيه لم يجز أن يستخلف عليه وإن لم يقدر على التفرد بالنظر فيه جاز له أن يستخلف فيما عجز عنه ولم يجز أن يستخلف فيما قدر عليه

وأما القسم الرابع فيما اختص ببيت المال من دخل وخرج فهو أن كل مال استحقه المسلمون ولم يتعين مالكه منهم فهو من حقوق بيت المال فإذا قبض صار بالقبض مضافا إلى حقوق بيت المال سواء أدخل إلى حرزه أو لم يدخل لأن بيت المال عبارة عن الجهة لا عن المكان وكل حق وجب صرفه في مصالح المسلمين فهو حق على بيت المال فإذا صرف في جهته صار مضافا إلى الخراج من بيت المال سواء خرج من حرزه أو لم يخرج لأن ما صار إلى عمال المسلمين أو خرج من أيديهم فحكم بيت المال جار عليه في دخله إليه وخرجه وإذا كان كذلك فالأموال 0 التي يستحقها المسلمون تنقسم ثلاثة أقسام فيء وغنيمة وصدقة

فأما الفيء حقوق بيت المال لن مصرفه موقوف على رأي الإمام واجتهاده وأما الغنيمة فليست من حقوق بيت المال لأنها مستحقة للغانمين الذي تعينوا بحضور الواقعة لا يختلف مصرفها برأي الإمام ولا اجتهاد له في منعهم فلم تصر من حقوق بيت المال وأما خمس الفيء والغنيمة فينقسم ثلاثة أقسام قسم منه يكون من حقوق بيت المال وهو سهم النبي A المصروف في المصالح العامة لوقوف مصرفه على رأي الإمام واجتهاده وقسم منه لا يكون من حقوق بيت المال وهو سهم ذوي القربى لأنه مستحق لجماعتهم فتعين مالكوه وخرج عن حقوق بيت المال لخروجه عن اجتهاد الإمام ورأيه وقسم منه يكون بت المال فيه حافظا له على جهاته وهو سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل إن وجدوا دفع إليهم فقد أحرز لهم

وأما الصدقة فضربان صدقة مال باطن فلا يكون من حقوق بيت المال لجواز


243
أن ينفرد اربابه بإخراج زكاته في أهلها والضرب الثاني صدقة مال ظهر كأعشار الزروع والثمار وصدقات المواشي فعند أبي حنيفة أنه من حقوق بيت المال لأنه يجوز صرفه على رأي الإمام واجتهاده ولم يتعينه في أهل السهمين وعلى مذهب الشافعي لا يكون من حقوق بيت المال لأنه معين الجهات عنده لا يجوز صرفه على غير جهاته ولكن اختلف قوله هل يكون بيت المال محلا لإحرازه عند تعذر جهاته فذهب في القديم إلى أن بيت المال إذا تعذرت الجهات يكون محلا لإحرازه فيه إلى أن توجد لأنه كان يرى وجوب دفعه إلى الإمام ورجع عنه في مستجد قوله إلى أن بيت المال لا يكون محلا لإحرازه استحقاقا لأنه لا يرى فيه وجوب دفعه إلى الإمام وإن جاز أن يدفع إليه فذلك لم يستحق إحرازه في بيت المال وإن جاز إحرازه فيه

وأما المستحق على بيت المال فضربان أحدهما ما 0 كان بيت المال فيه حرزا فاستحقاقه معتبر بالوجود فإن المال موجودا فيه كان صرفه في جهاته مستحقا وعدمه مسقط لاستحقاقه والضرب الثاني أن يكون بيت المال له مستحقا فهو على ضربين أحدهما أن يكون مصرفه مستحقا على وجه البدل كأرزاق الجند وأثمان الكراع والسلاح فاستحقاقه غير معتبر بالوجود وهو من الحقوق اللازمة مع الوجود والعدم فإن كان موجودا عجل دفعه كالديون مع اليسار وإن كان معدوما وجب فيه على الأنظار كالديون مع الإعسار والضرب الثاني أن يكون مصرفه مستحقا على وجه المصلحة والإرفاق دون البدل فاستحقاقه معتبر بالوجود دون العدم فإن كان موجودا في بيت المال وجب فيه وسقط فرضه عن المسلمين وإن كان معدوما سقط وجوبه عن بيت المال وكان إن عم ضرره من فروض الكفاية على كافة المسلمين حتى يقوم به منهم من فيه كفاية كالجهاد وإن كان مما لا يعم ضرره كوعور طريق قريب يجد الناس طريقا غيره بعيدا أو انقطاع شرب 0 يجد الناس غيره شربا فإذا سقط وجوبه عن بيت المال بالعدم سقط وجوبه عن الكافة فوجود البدل فلو اجتمع على بيت المال ضاق عنهما واتسع لأحدهما صرف فيما يصير منهما دينا فيه فلو ضاق عن كل واحد منهما جاز لوالي المر إذا خاف الفساد أن


244
يقترض على بيت المال ما يصرفه في الديون دون الاتفاق وكان من حدث بعده من الولاة مأخوذا بقضائه إذا اتسع له بيت المال

وإذا فضلت حقوق بيت المال عن مصرفها فقد اختلف الفقهاء في فاضله فذهب أبو حنيفة إلى أنه يدخر في بيت المال لما ينوب المسلمين من حادث وذهب الشافعي إلى أنه يقبض على أموال من يعم به صلاح المسلمين ولا يدخر لأن النوائب تعين فرضها عليهم إذا حدثت فهذه الأقسام الأربعة التي وضعت عليها قواعد الديوان

أما كاتب الديوان وهو صاحب ذمامه فالمعتبر في صحة ولايته شرطان العدالة والكفاية فأما العادلة فلأنه مؤتمن على حق بيت المال والرعية فاقتضى أن يكون في العدالة والأمانة علىصفات المؤمنين وأما الكفاية فلأنه مباشر لعمل يقتضي أن يكون في القيام مستقلا بكفاية المباشرين فإذا صح تقليده فالذي ندب له ستة أشياء حفظ القوانين 0 واستيفاء الحقوق وإنياب الرفوع ومحاسبات العمال وإخراج الأحوال وتصفح الظلامات

فأما الأول منها وهو حفظ القوانين على الرسوم العادلة من غير زيادة وتحيف بها الرعية أو نقصان ينثلم به حق بيت المال فإن قررت في أيامه لبلاد استؤنف فتحها أو لموات ابتدىء في إحيائه أثبتها في ديوان الناحية وديوان بيت المال الجامع للحكم المستقر فيها وإن تقدمته القوانين المقررة فيها رجع فيها إلى ما أثبته أمناء الكتاب إذا وثق بخطوطهم وتسلمه من أمنائهم تحت ختومهم وكانت الخطوط الخارجة على هذه الشروط مقنعة في جواز الأخذ بها والعمل عليها في الرسوم الديوانية والحقوق السلطانية وإن لم تقنع في أحكام القضاء والشهادات إعتبارا بالعرف المعهود فيها كما يجوز للمحدث أن يروي ما وجده من سماعه بالخط الذي يثق به ويجيء على قول أبي حنيفة أنه لا يجوز لكاتب الديوان أن يعمل على الخط وحده حتى يأخذه سماعا من لفظ نفسه يحفظه عنه بقلبه 0 كما يقول في رواية الحديث اعتبارا بالقضاء والشهادات وهذا شاق مستبعد والفرق بينهما أن القضاء والشهادات من الحقوق الخاصة التي يكثر المباشر


245
لها والقيم بها فلم يضق الحفظ لها بالقلب فلذلك لم يجز أن يعول فيها على مجرد الخط وأن القوانين الديوانية من الحقوق العامة التي يقل المباشر لها ع كثرتها وانتشارها فضاق حفظها بالقلب فلذلك جاز التعوزل فيها على مجرد الخط وكذلك رواية الحديث

وأما الثاني وهو استيفاء الحقوق فهو على ضربين أحدهما استيفاؤها ممن وجبت عليه من العاملين والثاني استيفاؤها من القابضين لها من العمال فأما استيفاؤها من العاملين فيعمل فيه على إقرار العمال بقبضها وأما العمل فيها على خطوط العمال بقبضها فالذي عليه كتاب الدواوين أنه إذا عرف الخط كان حجة القبض سواء اعترف العامل بأنه خطه أو أنكره إذا قيس بخطه المعروف والذي عليه الفقهاء أنه إن لم يعترف العامل بأنه خطه وأنكره لم يلزمه ولم يكن حجة في القبض ولا يسوغ أن يقاس بخطه في الإلزام إجبارا وإنما يقاس 0 بخطه إرهابا ليعترف به طوعا وإن اعترف بالخط وأنكر القبض فالظاهر من مذهب الشافعي أن يكون في الحقوق السلطانية خاصة حجة للعاملين بالدفع وحجة على العمال بالقبض اعتبارا بالعرف والظاهر من مذهب أبي حنيفة أنه لا يكون حجة عليهم ولا للعاملين حتى يقربه لفظا كالديون الخاصة وفيما قدمناه من الفرق بينهما مقنع

وأما استيفاؤها من العمال فإن كانت خراجا إلى بيت المال لم يحتج فيها إلى توقيع ولي الأمر وكان اعتراف صاحب بيت المال بقبضها حجة في براءة العمال منها والكلام في خط إذا تجرد عن إقراره على ما قدمناه في خطوط العمال أنه يكون حجة على الظاهر من مذهب الشافعي ولا يكون حجة على الظاهر من مذهب أبي حنيفة وإن كانت خراجا من حقوق بيت المال ولم تكن خراجا إليه لم يمض العمال إلا بتوقيع ولي الأمر وكان التوقيع إذا عرفت صحته مقنعة في جواز الدفع

وأما الاحتساب به فيحتمل وجهين أحدهما أن يكون به موقوفا 0 على اعتراف الموقع له بقبض ما تضمنه لأن التوقيع حجة بالدفع إليه وليس بحجة في القبض منه والوجه الثاني يحتسب به العامل في حقوق بيت المال فإن أنكر صاحب التوقيع


246
القبض حاكم العامل فيه وأخذ العامل بإقامةالحجة عليه فأن عدمها أحلف صاحب التوقيع وأخذ العامل بالغرام وهذا الوجه أخص بعرف الديوان والوجه الأول أشبه بتحقيق الفقه فإن استراب صاحب الديوان بالتوقيع لم يحتسب للعامل به على الوجهين معا حتى يعرضه على الموقع فإن اعترف به صح وكان الاحتساب به على ما تقدم وإن أنكره لم يحتسب به للعامل ونظر في وجه الخراج فإن كان في خاص موجود رجع به العامل عليه وإن كان في جهات لا يمكن الرجوع بها سأل العامل إحلاف الموقع على إنكاره وإن لم يعرف صحة الخراج لم يكن للموقع إحلاف العامل لا في عرف السلطنة ولا في حكم القضاء فإن علم صحة الخراج فهو من عرف السلطنة مدفوع عن إحلاف الموقع وفي حكم القضاء يجاب عليه

وأما الثالث فهو إثبات الرفوع فينقسم ثلاثة أقسام رفوع مساحة وعمل ورفوع قبض واستيفاء ورفوع 0 خرج ونفقة فأما رفوع المساحة والعمل فإن كانت أصولها مقدرة في الديوان أعتبر صحة الرفع بمقابلة الأصل وأثبت في الديوان إن وافقها وإن لم يكن لها في الديوان أصول عمل في إثباتها على قول رافعها وأما رفوع القبض والاستيفاء فيعمل في إثباتها على مجرد قول رافعها لأنه يقر به على نفسه لا لها وأما رفوع الخراج والنفقة فرافعها مدع لها فلا نقبل دعواه إلا بالحجج البالغة فإن احتج بتوقيعات ولاة الأمور استعرضها وكان الحكم فيها على ما قدمناه من أحكام التوقيعات

وأما الرابع وهو محاسبة العمال فيختلف حكمها باختلاف ما تقلدوه وقد قدمنا القول فيها فإن كانوا من عمال الخراج لزمهم رفع الحساب ووجب على كاتب الديوان محاسبتهم على صحة ما رفعوه وإن كانوا من عمال العشر لم يلزمهم على مذهب الشافعي رفع الحساب ولم يجب على كاتب الديوان محاسبتهم عليه لأن العشر عنده صدقة لا يقف مصرفها على اجتهاد الولاة ولو تفرد أهلها بمصرفها 0 أجزأت ويلزمهم على مذهب أبي حنيفة رفع الحساب ويجب على كاتب الديوان محاسبتهم عليه لأن مصرف الخراج والعشر عنده مشترك وإذا حوسب من وجبت عليه محاسبته من العمال نظر فإن لم يقع بين العامل وكاتب الديوان حلف كان كاتب الديوان مصدقا في بقايا


247
الحساب فإن استراب به ولي الأمر كلفه إحضار شواهده فإن زالت الريبة عنه سقطت اليمين فيه وإن لم تزل الريبة وأراد ولي الأمر الإحلاف على ذلك أحلف العامل دون كاتب الديوان لأن المطالبة متوجبة على العامل دون الكاتب وإن اختلفا في الحساب نظر فإن كان اختلافهما في دخل فالقول فيه قول العامل لأنه منكر وإن كان اختلافهما في خراج فالقول فيه قول الكاتب لأنه منكر وإن كان اختلافهما في مساحة تمكن إعادتها اعتبرت بعد الاختلاف وعمل فيها على ما يخرج بصحيح الاعتبار

وأما الخامس وهو إخراج الأحوال فهو استشهاد صاحب الديوان على ما ثبت فيه من قوانين وحقوق فصار كالشهادة واعتبر فيه شرطان أحدهما أن لا يخرج من الأموال إلا ما علم صحته كما لا يشهد إلا بما علمه وتحققه والثاني أن لا يبتدىء بذلك حتى يستدعي منه كما لا يشهد حتى يستشهد 0 والمستدعي لإخراج الأحوال من نفذت توقيعاته كما أن لشهود عنده من نفذت أحكامه فإذا أخرج حالا لزم الموقع بإخراجها والأخذ بها والعمل عليها كما يلزم الحاكم تنفيذ الحكم بما يشهد به الشهود عنده فإن استراب الموقع بإخراج الحال جاز أن يسأله من أين أخرجه ويطالبه بإحضار شواهد الديوان بها وإن لم يجز للحاكم أن يسأل شاهدا عن سبب شهادته فإن أحضرها ووقع في النفس صحتها زالت عنه الريبة وإن عدمها وذكر أنه أخرجها من حفظه لتقدم عمله بها صار معلول القول والموقع مخير بين قبول ذلك منه أورده عليه وليس له استخلافه

وأما السادس وهو تصفح الظلامات فهو يختلف بسبب اختلاف التظلم وليس يخلو من أن يكون المتظلم من الرعية أو من العمال فإن كان المتظلم من الرعية تظلم من عامل تحيفه في معاملته كان صاحب الديوان فيها حاكما بينهما وجاز له أن يتصفح الظلامة ويزيل التحيف سواء وقع النظر إليه أو لم يقع لأنه مندوب لحفظ 0 القوانين واستيفاء الحقوق فصار بعقد الولاية مستحقا لتصفح الظلامة فإن منع منها امتنع وصار عزلا عن بعض ما كان إليه وإن كان المتظلم عاملا جوزف في حساب أو غولط في معاملة صار صاحب الديوان فيها خصما وكان المتصفح لها والي الأمر


248
الباب الثامن عشر
أحكام الجرائم

الجرائم محظورات شرعية زجر الله تعالى عنها بحد أو تعزير ولها عند التهمة حال استبراء تقتضيه السياسة الدينية ولها ثبوتها وصحتها حال استيفاء توجيه الحكام الشرعية فأما حالها بعد التهمة وقبل ثبوتها وصحتها فمعتبر بحال نظر فيها فإن كان حاكما رفع إليه قد اتهم بسرقة أو زنا لم يكن لتهمة بها تأثير عنده ولم يجز أن يحبسه لكشف ولا استقراء ولا أن يأخذه بأسباب الإقرار إجبارا ولم يسمع الدعوى عليه في السرقة إلا من خصم مستحق لما فرق وراعى ما يبدو من إقرار المتهوم أو إنكاره إن اتهم بالزنا لم يسمع الدعوى عليه غلا بعد أن يذكر المرأة التي زنى بها ويصف ما فعله بها بما يكون زنا موجبا للحد فإن أقر حده بموجب إقراره وإن أنكر وكانت بينة سمعها عليه وإن لم يكن أحلفه في الآدميين دون حقوق الله 0 تعالى إذا طلب الخصم اليمين

وإذا كان الناظر الذي رفع إليه هذا المتهوم أميرا أو من أولاد الأحداث والمعاون كان له مع هذا المتهوم من أسباب الكشف والاستبراء ما ليس للقضاء والحكام وذلك من تسعة أوجه يختلف بها حكم النظرين أحدهما أنه لا يجوز للأمير أن يسمع قرف المتهوم من أعوان الإمارة من غير تحقيق الدعوى المقررة ويرجع إلى قولهم في الإخبار عن حال المتهوم وهل هو أهل الريب وهل هو معروف بمثل ما قرف به أم لا فإن برءوه من مثل ذلك خفت التهمة ووضعت وعجل إطلاقه ولم يغلط عليه وإن قرفوه بأمثاله وعرفوه بأشباهه غلظت التهمة وقويت واستعمل فيها تمن حال الكشف ما سنذكره وليس هذا للقضاة


249
والثاني أن للأمير أن يراعي شواهد الحال وأوصاف المتهوم في قوة التهمة وضعفها فإن كانت التهمة زنا وكان المتهوم مطيعا للنساء ذا فكاهة وخلابة قويت التهمة وإن كان بضده ضعفت وإن كانت التهمة بسرقة وكان المتهوم بها ذا عيارة أو ندبة آثار ضرب أو كان معه حين أخذ منقب قويت التهمة وإن كان بضده ضعفت وليس هذا للقضاة أيضا

والثالث أن للأمير أن يجعل حبس المتهوم للكشف والاستبراء واختلف في مدة حبسه لذلك فذكر عبد الله الزبيري من أصحاب الشافعي أن حبسه للإستبراء والكشف مقدر بشهر واحد لا يتجاوزه وقال غيره بل ليس بمقدار وهو موقوف على رأي الإمام واجتهاده وهذا أشبه وليس للقضاة أن يحبسوا أحدا إلا بحق وجب والرابع أن يجوز للأمير مع قوة التهمة أن يضرب المتهوم ضرب التعزير لا ضرب الحد ليأخذه بالصدق عن حاله فيما قرف به واتهم فإن أقر وهو مضروب 0 اعتبرت حاله فيما ضرب عليه فإن ضرب ليقر لم يكن لإقراره تحت الضرب حكم وإن ضرب ليصدق عن حاله وأقر تحت الضرب قطع ضربه واستعيد إقراره فإذا أعاده كان مأخوذا عليه أن بالإقرار الثاني دون الأول فإن اقتصر على الإقرار الأول ولم يستبعده لم يضيق عليه أن يعمل بالإقرار الأول وإن كرهناه

والخامس أنه يجوز للأمير فيمن تكررت منه الجرائم ولم ينزجر عنها بالحدود أن يستديم حبسه إذا استضر الناس بجرائمه حتى يموت بعد أن يقوم بقوته وكسوته من بيت المال ليدفع ضرره عن الناس وإن لم يكن ذلك للقضاة والسادس أنه لا يجوز للأمير إحلاف المتهوم استبراء لحاله وتغليظا عليه في الكشف عن أمره في التهمة بحقوق الله تعالى وحقوق الآدميين ولا يضيق عليه أن يجعله بالطلاق والعتاق والصدقة كالأيمان بالله في البيعة السلطانية وليس للقضاة إحلاف أحد غير حق ولا يجاوزوا الأيمان بالله إلى الطلاق أو العتق

والسابع أن للأمير أن يأخذ 0 أهل الجرائم بالتوبة إجبارا ويظهر من الوعيد عليهم ما يقودهم إليها طوعا ولا يضيق عليهم الوعيد بالقتل فيما لا يجب فيه القتل لأنه وعيد


250
0 إرهاب يخرج عن حد الكذب إلى حيز التعزير والأدب ولا يجوز أن يحقق وعيده بالقتل فيقتل فيما لا يجب فيه القتل والثامن أنه لا يجوز للأمير أن يسمع شهادات أهل المال ومن لا يجوز أن يسمع منه القضاة إذا كثر عددهم

والتاسع أن للأمير النظر في المواثبات وإن لم توجد غرما ولا حدا فإن لم يكن بواحد منهما أثر سمع قول من سبق بالدعوى وإن كان بأحدهما أثر فقد ذهب بعضهم إلى أنه يبدأ بسماع دعوى من به الأثر ولا يراعى السبق والذي عليه أكثر الفقهاء أنه يسمع قول أسبقهما بالدعوى ويكون المبتدىء بالمواثبة أعظمهما جرما وأغلظهما تأديبا ويجوز أن يخالف بينهما في التأديب من وجهين أحدهما بحسب اختلافهما في الاقتراف والتعدي والثاني بحسب اختلافهما في الهيبة والتصاون وإذا رأى من الصلاح في ردع السفلة أن يشهرهم وينادي بجرائمهم ساغ له ذلك فهذه أوجه 0 يقع بها الفرق في الجرائم بين نظر الأمراء والقضاة في حال الاستبراء وقبل ثبوت الحد لاختصاص الأمير بالسياسة واختصاص القضاة بالأحكام

وأما بعد ثبوت جرائمهم فيستوي في إقامة الحدود عليهم أحوال الأمراء والقضاة وثبوتها عليهم يكون على وجهين إقرار وبينة ولكل واحد منهما حكم يذكر في موضعه والحدود زواجر وضعها الله تعالى للردع عن ارتكاب ما حظر وترك ما أمر به لما في الطبع من مغالبة الشهوات الملهية عن وعيد الآخرة بعاجل اللذة فجعل الله تعالى من زواجر الحدود ما يردع به ذا الجهالة حذرا من ألم العقوبة وخفية من نكال الفضيحة ليكون ما حظر من محارمه وما أمر به من فروضه متبوعا فتكون المصلحة أعم والتكليف أتم قال الله تعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) يعني في استنقاذهم من الجهالة وإرشادهم من الضلالة وكفهم عن المعاصي وبعثهم على الطاعة


251
وإذا كان كذلك فالزواجر ضربان حد وتعزير فأما الحدود فضربان أحدهما ما كان نم حقوق الله تعالى والثاني ما كان من حقوق الآدميين فأما المختصة بحقوق الله تعالى فضربان أحدهما ما وجب في ترك مفروض والثاني ما وجب في ارتكاب محظور فأما ما وجب في ترك مفروض كتارك الصلاة المفروضة حتى يخرج وقتها يسأل عن تركه لها فإن قال لنسيان أمر بها قضاء في وقت ذكرها ولم ينظر بها مثل وقتها قال رسول الله A من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فذلك وقتها لا كفارة لها غير ذلك وإن تركها لمرض صلاها بحسب طاقته من جلوس أو اضطجاع قال الله تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)

وإن تركها جاحدا لوجوبها كان كافرا حكمه حكم المرتد يقتل بالردة إذا لم يتب وإن تركها استثقالا لفعلها مع اعترافه بوجوبها فقد اختلف الفقهاء في حكمه فذهب أبو حنيفة إلى 0 أنه يضرب في وقت كل صلاة ولا يقتل وقال أحمد بن حنبل وطائفة من أصحاب الحديث يصير بتركها كافرا يقتل بالردة وذهب الشافعي إلى أنه لا يكفر بتركها ولا يقتل حدا ولا يصير مرتدا ولا يقتل إلا بعد الاستبانة فغن تاب وأجاب إلى فعلها ترك وأمر بها فإن قال أصليها في منزلي وكلت إلى أمانته ولم يجبر على فعلها بمشهد من الناس وإن امتنع من التوبة ولم يجب إلى فعل الصلاة قتل بتركها في الحال على أحد القولين وبعد ثلاثة أيام في القول الثاني ويقتله بسيف صبرا وقال أبو العباس ابن سريج يقتله ضربا بالخشب حتى يموت ويعدل عن السيف الموحي ليستدرك التوبة بتطاول المدى

واختلف أصحاب الشافعي في وجوب قتله بترك الصلوات الفوائت إذا امتنع من قضائها فذهب بعضهم إلى أنه قتله بها كالموقتات وذهب آخرون إلى أنه لا يقتل بها لاستقرارها في الذمة بالفوات ويصلي عليه بعد قتله ويدفن في مقابر المسلمين لأنه منهم ويكون ماله لورثته


252
فأما تارك الصيام فلا يقتل بإجماع الفقهاء ويحبس عن الطعام والشراب مدة صيام شهر رمضان ويؤدب تعزيرا فإن أجاب إلى الصيام ترك ووكل إلى أمانته فغن شوهد آكلا عزر ولم يقتل وأما إذا ترك الزكاة فلا يقتل بها وتؤخذ إجبارا من ماله ويعزر إن كتمها بغير شبهة وإن تعذر أخذها لامتناعه حورب عليها وإن أفضى الحرب إلى قتله حتى تؤخذ منه كما حارب أبو بكر الصديق مانعي الزكاة

وأما الحج ففرضه عند الشافعي على التراخي ما بين الاستطاعة والموت فلا يتصور على مذهبه تأخيره عن وقته وهو عند أبي حنيفة على الفور فيتصور على مذهبه تأخيره عن وقته ولكنه لا يقتل به ولا يعزر عليه لأنه يفعله بعد الوقت أداء لاقضاء فإن مات قبل أدائه حج عنه من رأس ماله وأما الممتنع من حقوق الآدميين من ديون وغيرها فتؤخذ منه جبرا إن أمكن ويحبس بها إذا تعذرت غلا 0 أن يكون بها معسرا فينظر إلى ميسرة فهذا حكم ما وجب بترك المفروضات وأما ما وجب بارتكاب المحظورات فضربان أحدهما ما كان من حقوق الله تعالى وهي أربعة حد الزنا وحد الخمر وحد السرقة وحد المحاربة والضرب الثاني من حقوق الآدميين شيئان حد القذف بالزنا والقذف في الجنيات وسنذكر كل واحد منهما مفصلا

الفصل الأول في حد الزنا

الزنا تغييب البالغ العاقل حشفه ذكره في أحد فرجين من قبل أو دبر ممن لا عصمة بينهما ولا شبهة وجعل أبو حنيفة الزنا مختصا بالقبل دون الدبر ويستوي في حد الزنا حكم الزاني والزانية ولكل منهما حالتان بكر ومحصن


253
أما البكر فهو الذي لم يطأ زوجة بنكاح فيحد إن كان حرا مائة سوط تفرق في جميع بدنه إلا الوجه والمقاتل ليأخذ كل عضو حقه بسوط لا حديد فيقتل ولا خلق فلا يؤلم واختلف الفقهاء في تغريبه مع الجلد فمنع منه أبو حنيفة اقتصارا على جلده وقال مالك يغرب الرجل ولا تغرب المرأة وأوجب الشافعي تغريبها عاما عن بلدها إلى مسافة أقلها يوم وليلة لقوله A خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم وحد الكافر والمسلم سواء عند الشافعي في الجلد والتغريب

وأما العبد ومن جرى عليه حكم الرق من المدبر والمكاتب وأم الولد فحدهم في الزنا خمسون جلدة على النصف من حد الحر لنقصهم بالرق واختلف في تغريب من رق منهم فقيل لا يغرب لما في التغريب من الإضرار بسيده وهو قول مالك وقيل يغرب عاما كاملا 0 كالحر وظاهر مذهب الشافعي أنه يغرب نصف عام كالجلد في تنصيفه وأما المحصن فهو الذي أصاب زوجته بنكاح صحيح وحده الرجم بالأحجار أو ما قام مقامه حتى يموت ولا يلزم توقي مقاتلة بخلاف الجلد لأن المقصود بالرجم القتل ولا يجلد مع الرجم وقال داود يجلد مائة سوط ثم يرجم والجلد منسوخ في المحصن وقد رجم النبي A ماعزا ول يجلده

وليس الإسلام شرطا في الإحصان فيرجم الكافر كالمسلم وقال أبو حنيفة الإسلام شرط في الإحصان فإذا زنا الكافر جلد ولم يرجم وقد رجم رسول الله A يهوديين زنيا ولا يرجم إلا محصنا فأما الحرية فهي من شروط الإحصان فإذا زنى العبد لم يرجم وإن كان ذا زوجة جلد خمسين وقال داود يرجم كالحر واللواط وإتيان البهائم يوجب جلد البكر ورجم المحصن وقيل بل يوجب قتل البكر والمحصن وقال أبو حنيفة لا حد فيهما وقد روى عن النبي A أنه قال اقتلوا البهيمة ومن أتاها


254
وإذا زنا البكر بمحصنة أو المحصن بالبكر جلد البكر منهما ورجم المحصن وإذا عاود الزنا بعد الحد حد وإذا زنى مرارا قبل الحد حد للجميع حدا واحدا

والزنا يثبت بأحد أمرين إما بإقرار أو بينة فأما الإقرار فإذا أقر البالغ العاقل بالزنا مرة واحدة طوعا أقيم عليه الحد وقال أبو حنيفة لا آخذه حتى يقر أربع مرات وإذا وجب الحد عليه بإقراره ثم رجع عنه قبل الجلد سقط عنه الحد وقال أبو حنيفة لا يسقط الحد برجوعه عنه وأما البينة فهو أن يشهد عليه بفعل الزنا أربعة رجال عدول لا إمرأة فيهم يذكرون أنهم شاهدوا دخول ذكره في الفرج كدخول المرود في المكحلة فإن لم يشاهدوا ذلك على هذه الصفة فإذا قاموا بالشهادة على حقها مجتمعين أو متفرقين قبلت شهادتهم وقال أبو حنيفة ومالك لا أقبلها إذا تفرقوا في الأداء وأجعلهم قذفة وإذا شهدوا بالزنا بعد 0 سنة أو أكثر سمعت شهادتهم وقال أبو حنيفة لا اسمعها بعد سنة وأجعلهم قذفة وإذا لم يكتمل شهود الزنا أربعة فهم قذفة يحدون في أحد القولين ولا يحدون في الثاني وإذا شهدت البينة على إقراره بالزنا جاز الاقتصار على شاهدين في أحد القولين ولا يجوز في القول الثاني أقل من أربعة وإذا رجم الزاني بالبينة حفرت له بئر عند رجمه ينزل فيها إلى وسطه يمنعه من الهرب فغن هرب اتبع ورجم حتى يموت وإن رجم بإقراره لم تحفر له وإن هرب يتبع ويجوز للإمام أو من حكم برجمه من الولاة أن يحضر رجمه ويجوز أن لا يحضر وقال أبو حنيفة لا يجوز أن يرجم إلا بحضور من حكم برجمه وقد قال النبي A أعد يا أنيس على هذه المرأة فإن اعترفت فارجمها

ويجوز أن لا يحضر الشهود رجمه وقال أبو حنيفة يجب حضورهم وأن يكونوا أول من يرجمه ولا حد حامل حتى تضع ولا بعد الوضوع حتى يوجد لولدها مرضع وإذا ادعى في الزنا شبهة محتملة من نكاح فاسد 0 أو اشتبهت عليه بزوجته أو جهل تحريم الزنا وهم حديث الإسلام درى بها عنه الحد قال النبي A اردءوا الحدود بالشبهات


255
وقال أبو حنيفة إذا اشتبهت عليه الأجنبية لزوجته لم يكن ذلك شبهة له وحد من أصابها وإذا أصاب ذات محرم بعقد نكاح حد ولا يكون العقد مع تحريمها بالنص شبهة في ردء الحد وجعله أبو حنيفة شبهة يسقط بها الحد عنه وإذا تاب الزاني بعد القدرة عليه لم يسقط عنه الحد ولو تاب قبل القدرة عليه يسقط عنه الحد في أظهر القولين قال تعالى (ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم) وفي قوله بجهالة تأويلان أحدهما بجهالة سوء والثاني لغلبة الشهوة مع العلم بأنها سوء وهذا أظهر التأويلين ولكن من جهل بأنها سوء يأثم بها ولا يحل لأحد أن يشفع في إسقاط حد عن زان ولا غيره ولا يحل للمشرع إليه أن يشفع فيه قال تعالى (من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها)

وفي 0 الحسنة والسيئات ثلاث تأويلات أحدها أن الشفاعة الحسنة التماس الخير لمن يشفع له والشفاعة السيئة التماس الشر له وهذا قول الحسن ومجاهد والثاني أن الحسنة الدعاء للمؤمنين والمؤمنات والسيئة الدعاء عليهم والثالث وهو محتمل أن الحسنة تخليصه من الظلم والسيئة دفعه عن الحق وفي الكفل تأويلان أحدهما الإثم وهو قول الحسن والثاني أنه النصيب وهو قول السدى


256
الفصل الثاني قطع السرقة

كل مال محرز بلغت قيمته نصابا إذا سرق بالغ عاقل لا شبهة له في المال ولا في حرزه قطعت يده اليمنى من مفصل الكوع فإن سرق ثانية بعد قطعه إما من ذلك المال بعد إحرازه أو من غيره قطعت رجله اليسرى من مفصل الكعب فإن سرق ثالثة قال أبو حنيفة لا يقطع فيها وعند الشافعي تقطع في الثالثة يده اليسرى وفي الرابعة رجله اليمنى وإن سرق خامسة عزر ولم يقتل وإن سرق مرارا قبل القطع فليس عليه إلا قطع واحد

واختلف الفقهاء في قدر النصاب الذي تقطع فيه اليد فذهب الشافعي إلى أنه مقدر بما تبلغ قيمته ربع دينار فصاعدا من غالب الدنانير الجيدة وقال أبو حنيفة هو مقدر بعشر دراهم أو دينار ولا تقطع في أقل منه وقدره إبراهيم النخعي بأربعين درهما أو أربعة دنانير وقدره ابن ليلى بخمسة دراهم وقدره مالك بثلاثة دراهم وقال 0 داود يقطع في الكثير والقليل من غير تقدير

واختلف الفقهاء في المال الذي تقطع فيه اليد فذهب الشافعي إلى أنه يقطع في كل مال حرم على سارقه وقال أبو حنيفة لا يقطع فيما كان أصله مباحا كالصيد والحطب والحشيش وعند الشافعي يقطع فيه بعد تملكه وقال أبو حنيفة لا يقطع في الطعام والرطب وعند الشافعي يقطع فيه وقال أبو حنيفة لا يقطع سارق المصحف وعند الشافعي يقطع وقال أبو حنيفة لا يقطع إذا سرق من قناديل المسجد أو أستار الكعبة وعند الشافعي يقطع وإذا سرق عبدا صغيرا لا يعقل أو أعجميا لا يفهم قطع عند الشافعي وقال أبو حنيفة لا يقطع ولو سرق صبيا صغيرا لم يقطع وقال مالك يقطع

واختلف الفقهاء في الحرز فشذ عنهم داود ولم يعتبره قطع كل سارق من حرز ما سرقه وأغرم وقال أبو حنيفة إن قطع لم يغرم وإن لم يقطع وإذا وهبت له السرقة لم يسقط عنه القطع وقال أبو حنيفة يسقط وإذا عفا رب المال عن القطع لم يسقط قد 0 عفى صفوان بن أمية عن سارق ردائه فقال رسول الله A لا عفا الله عني إن عفوت وأمر بقطعه وحكى أن معاوية أتى بلصوص فقطعهم حتى بقي واحد منهم فقدم ليقطع فقال

( يميني أمير المؤمنين أعيذها

بعفوك أن تلقى نكالا ببينها
يدي كانت الحسناء لو تم سترها
ولا تقدم الحسناء عيبا يشيبها
فلا خير في الدنيا وكانت خبيثة
إذا ما شمال فارقتها يمينها) فقال كيف أصنع بك وقد قطعت أصحابك فقالت أم السارق اجعلها من جملة ذنوبك التي تتوب إلى الله منها فخلى سبيله فكان أول حد ترك في الإسلام ويستوي في قطع السرقة الرجل والمرأة والحر والعبد والمسلم والكافر ولا يقطع صبي ولا يقطع المغمي عليه إذا سرق في إغمائه ولا يقطع عبد سرق من مال سيده ولا والد سرق من مال وله وقال داود يقطعان
الفصل الثالث في حد الخمر

كل ما أسكر كثيره أو قليله من خمر أو نبيذ حرام حد شاربه سواء سكر منه أو لم يسكر وقال أبو حنيفة يحد من شرب الخمر 0 وإن لم يسكر ولا يحد من شرب النبيذ حتى سكر والحد أن يجلد أربعين بالأيدي وأطراف الثياب ويكبت بالقول الممض والكلام الرادع للخبر المأثور فيه وقيل بل يحد بالسوط اعتبارا بسائر الحدود ويجوز أن يتجاوز الأربعين إذا لم يردع بها إلى ثمانين جلدة فإن عمر رضي الله عنه حد شارب الخمر


258
أربعين إلى أن رأى تهافت الناس فيه فشاور الصحابة وقال أرى الناس قد تهافتوا في شرب الخمر فماذا ترون فقال علي عليه السلام أرى أن تحده ثمانين لأنه إذا شرب الخمر سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى فحده ثمانين حد الفرية فجلد فيه عمر بقية أيامه والأئمة من بعده ثمانين فقال علي عليه السلام ما أحد أقيم عليه الحد فيموت فأجد في نفسي منه شيئا ألحق قتله إلا شارب الخمر فإنه شيء رأيناه بعد رسول الله A فإن حد شارب الخمر أربعين فمات منها كانت نفسه هدرا وإن حد ثمانين فمات ضمنت نفسه

وفي قدر ما يضمن منها قولان أحدهما جمع ديته لمجاوزته النص في حده والثاني نصف ديته لأن نصف حده مزيد ومن أكره على شرب الخمر أو شربها وهو يعلم أنها حرام فلا حد عليه وإن شربها لعطش حد لأنها لا تروي وإن شربها لداء لم يحد لأنه ربما يبرأ 0 بها وإذا اعتقد إباحة النبيذ حد وإن كان على عدالته ولا يحد السكران حتى يقر بشرب الخمر المسكر أو يشهد عليه شاهدان أنه شرب مختارا ما لم يعلم أنه مسكر وقال أبو عبيد الزبيري أحده للسكر وهذا سهو لأنه قد يكره على شرب المسكر

وحكم السكران في جريان الأحكام عليه كالصاحي إذا كان عاصيا بسكره فإن خرج عن حكم المعصية لإكراهه على شرب الخمر أو شرب مالا يعلم أنه مسكر لم يجر عليه كالمغمي عليه واختلف في حد المسكر فذهب أبو حنيفة إلى أن حد السكر مازال معه العقل حتى لا يفرق بين الأرض والسماء ولا يعرف أمه من زوجته وحده أصحاب الشافعي بأنه ما أفضى بصاحبه إلى أن يتكلم بلسان متسكر ومعنى غير منتظم ويتصرف بحركة مختبط ومشي متمايل وإذا جمع بين اضطراب الكلام وإفهاما وبين اضطراب الحركة مشيا وقياما صار داخلا في حد السكر وما زاد على هذا فهو زيادة في حد السكر


259
الفصل الرابع في حد القذف واللعان

حد القذف بالزنا ثمانين جلدة ورد النص بها وانعقد الإجماع عليها لا يزاد فيها ولا ينقص منها وهو من حقوق الآدميين يستحق بالطلب ويسقط بالعفو فإذا اجتمعت في المقذوف بالزنا خمسة شروط وفي القاذف ثلاثة شروط جب الحد فيه أما الشروط الخمسة في المقذوف فهي أن يكون بالغا عاقلا مسلما حرا عفيفا فإن كان صبيا أو مجنونا أو عبدا أو كافرا أو ساقط العصمة بزنا حد فيه فلا حد على قاذفه ولكن يعزر لأجل الأذى ولبذاءة اللسان

وأما الشروط الثلاثة في القاذف فهي أن يكون بالغا عاقلا حرا فإن كان صغيرا أو مجنونا لم يحد ولم يعزر وإن كان عبدا حد أربعين نصف الحد للحر لنصفه بالرق ويحد الكافر كالمسلم وتحد المرأة كالرجل ويفسق القاذف ولا يعمل بشهادته فإن تاب زال فسقه وقبلت شهادته قبل الحد وبعده فال أبو 0 حنيفة تقبل شهادته إن تاب وقبل الحد ولا تقبل شهادته إن تاب بعد الحد والقذف باللواط وإتيان البهائم كقذف الزنا في وجوب الحد ولا يحد القاذف بالكفر والسرقة ويعزر لأجل الأذى والقذف بالزنا ما كان صريحا كقوله يازاني أو قد زنيت أو رأيتك تزني فإن قال يا فاجر أو يا فاسق أو يا لوطي كان كناية لاحتماله فلا يجب به الحد إلا أن يريد به القذف ولو قال يا عاهر كانت نكاية عند بعض أصحاب الشافعي لاحتماله وصريحا عند آخرين لقول النبي A الولد للفراش وللعاهر الحجر وجعل مالك رحمه الله التعريض فيه كالصريح في وجوب الحد والتعريض أن يقول في حال الغضب والملاحاة أنا ما زنيت فجعله بمثابة قوله إنك زنيت ولا حد في التعريض عند الشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله يقر أنه أراد به القذف فإذا قال يا ابن الزانيين


260
0 كان قاذفا لأبويه دونه فيحد لهما إن طلبا أو أحدهما إلا أن يكونا ميتين فيكون الحد موروثا عنهما وقال أبو حنيفة حد القذف لا يورث ولو أراد المقذوف أن يصالح عن حد القذف بمال لم يجز وإذا قذف الرجل أباه حد له وإن قذف ابنه لم يحد وإذا لم يحد القاذف حتى زنا المقذوف لم يسقط حد القاذف حتى زنا المقذوف لم يسقط حد القذف وقال أبو حنيفة يسقط وإذا قذف الرجل زوجته بالزنا حد لها إلا أن يلاعن منها

واللعان أن يقول في المسجد الجامع على المنبر أو عنده بمحضر من الحاكم وشهود أقلها أربعة أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي هذه من الزنا بفلان وأن هذا الولد من زنا وما هو مني إن أراد أن ينفي الوالد ويكرر ذلك أربعا ثم يقول في الخامسة لعنه الله على إن كنت من الكاذبين فيما رميت به من الزنا بفلان إن كان ذكر الزاني بها 0 وإن هذا الولد من الزنا على زوجته إلا أن تلاعن فتقول أشهد بالله أن زوجي هذا لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا بفلان وأن هذا الولد منه وما هو من زنا مكرر ذلك أربعا ثم تقول في الخامسة وعلى غضب الله إن كان زوجي هذا من الصادقين فيما رماني به من الزنا بفلان فإذا أكملت هذه سقط حق الزنا عنها وانتفى الولد عن الزوج ووقعت الفرقة بينهما وحرمت على الأبد

واختلف الفقهاء فيا وقعت به الفرقة فذهب الشافعي إلى أن الفرقة واقعة بلعان الزوج وحده وقال مالك الفرقة بلعانهما مها وقال أبو حنيفة لا تقع الفرقة بلعانهما حتى يفرق بينهما الحاكم وإذا قذفت المرأة حدت ولم تلاعن وإذا أكذب الزوج نفسه بعد اللعان لحق به الولد وحد للقذف ولم تحل له الزوجة عند الشافعي وأحلها أبو حنيفة

الفصل الخامس في قود الجنايات وعقلها

الجنايات على النفوس ثلاثة عمد وخطأ وعمد وشبه الخطأ فأما العمد المحض فهو أن يتعمد قتل 0 النفس بما يقطع بحده كالحديد أو بما يمور في اللحم مور الحديد أو ما يقتل غالبا بثقله كالحجارة والخشب فهو قتل عمد يوجب الحد قال


261
أبو حنيفة العمد الموجب للقود ما قتل بحده من حديد وغيره وإذا مار في اللحم مورا ولا يكون ما قتل بثقله أو ألمه من الأحجار والخشب عمدا ولا يوجب قودا وحكم العمد عند الشافعي أن يكون ولي المقتول حرا مع تكافؤ الدمين بين القود والدية وقال أبو حنيفة لولي المقتول أن ينفرد بالقود وليست له الدية إلا عن مرضاة القاتل وولي الدم هو وارث المال من ذكر أو أنثى بفرض أو تعصيب وقال مالك أولياؤه ذكور الورثة دون إناثهم ولا قود لهم إلا أن يجمعوا على استيفائه فإن عفا أحدهم سقط القود ووجبت الدية وقال مالك لا يسقط وإذا كان فيهم صغير أو مجنون لم يكن للبالغ والعاقل أو ينفرد بالقود وتكافؤ الدمين عند الشافعي أن لا يفضل القاتل على المقتول بحرية ولا إسلام فإن فضل القاتل عليه بأحدهما فقتل حر أو عبد أو مسلم كافرا فلا قود عليه وقال 0 أبو حنيفة لاعتبار بهذا التكافؤ فيقتل الحر بالعبد والمسلم بالكافر كما يقتل العبد بالحر والكافر بالمسلم وما فتحاماه النفوس من هذا وتأباه قد منع القائلين به من العمل عليه

حكى أنه رفع إلى أبي يوسف القاضي مسلم قتل كافرا فحكم عليه بالقود فأتاه رجل برقعة فألقاها إليه فإذا فيها مكتوب

( يا قاتل المسلم بالكافر

جرت وما العادل كالجائر
يا من ببغداد وأطرافها
من علماء الناس أو شاعر
استرجعوا وابكوا على دينكم
واصبروا فالأجر للصابر
جار على الدين أوب يوسف
بقتله المؤمن بالكافر) فدخل أبو يوسف على الرشيد وأخبره الخبر وأقرأه الرقعة فقال له الرشيد تدارك هذا الأمر بحيلة لئلا تكون فتنة فخرج أبو يوسف وطالب أصحاب الدم ببينة على صحة الذمة وثبوتها فلم يأتوا بها فاسقط القود والتوصل إلى مثل هذا سائغ عند ظهور المصلحة فيه ويقتل العبد بالعبد وإن فضلت قيمة القاتل على المقتول وقال أبو حنيفة 0 لا قود على القاتل إذا زادت قيمته على قيمة المقتول
262
وإذا اختلف أديان الكفار قيد بعضهم ببعض ويقاد الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل والكبير بالصغير والعاقل بالمجنون ولا قود على صبي ولا مجنون ولا يقاد والد بولده ويقاد الولد بالوالد والأخ بالأخ

وأما الخطأ المحض فهو أن يتسبب إليه في القتل من غير قصد فلا يقاد القاتل بالمقتول كرجل رمى هدفا فأمات إنسانا أو حفر بئرا فوقع فيها إنسان أو أشرع جناحا فوقع على إنسان أو ركب دابة فرمحت ووطئت إنسانا أو وضع حجرا فعثر إنسان فهذا وما أشبه إذا حدث عنه الموت قتل خطأ محض يوجب الدية دون القود وتكون على عاقلة الجاني لا في ماله مؤجلة في ثلاث سنين من حين يموت القتيل وقال أبو حنيفة من حين يحكم الحاكم بدية والعاقلة من عدا الآباء والأبناء من العصبات فلا يحمله الأب وإن علا ولا الابن وإن سفل وجعل أبو حنيفة ومالك الآباء والأبناء 0 من العاقلة ولا يتحمل القاتل مع العاقلة شيئا من الدية وقال أبو حنيفة ومالك يكون القاتل كأحد العاقلة والذي يتحمله الموسر منهم في كل سنة نصف دينار أو قدره من الإبل ولا يتحمل الأوسط ربع دينار أو قدره من الإبل ويتجمل الفقير شيئا منها ومن أيسر بعد فقره تحمل ومن افتقر بعد يساره لم يتحمل

ودية نفس الحر المسلم إن قدرت ذهبا ألف دينار من غالب الدنانير الجيدة وإن قدرت ورقا إثنا عشر ألف درهم وقال أبو حنيفة عشرة آلاف درهم وإن كانت إبلا فهي مائة بعير أخماسا منها عشرون ابنة مخاض وعشرون ابنة لبون وعشرون ابن لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة وأصل الإبل وما عداها بدل ودية المرأة على النصف من دية الرجال في النفس والأطراف واختلف في دية اليهودي والنصراني فذهب أبو حنيفة إلى أنها كدية المسلم وقال مالك نصف دية المسلم وعند الشافعي أنها ثلث دية المسلم وأما المجوسي فديته ثلثا عشر دية المسلم ثمانمائة 0 درهم ودية العبد قيمته ما بلغت وإن زادت على دية الحر أضعافا عند الشافعي وقال أبو حنيفة لا أبلغ بها دية الحر إذا زادت وأنقص منها عشرة دراهم


263
وأما العمد شبه الخطأ فهو أن يكون عامدا في الفعل غير قاصد للقتل كرجل ضرب رجلا بخشبة أو رمى بحجر يجوز أن يسلم من مثلها أو يتلف فأفضى إلى قتله أو كمعلم ضرب صبيا بمعهود أو عزر السلطان رجلا على ذنب فتلف فلا قود عليه في هذا القتل وفيه الدية علىالعاقلة مغلظة وتغليظها في الذهب ولا ورق أن يزاد عليها ثلثها وفي الإبل أن يكون أثلاثا منها ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة وفي بطونها أولادها وروى أن النبي A قال لا تحمل العاقلة عبدا ولا عمدا ولا صلحا ولا اعترافا

ودية الخطأ المحض في الحرم والأشهر الحرم وذي الرحم مغلظة ودية العمد المحض إذا عفي فيه عن القود مغلظة تستحق في مال القاتل حالة وإذا اشترك جماعة في قتل واحد وجب القود على جمعهم فعليهم دية واحدة وإن كثروا ولوي الدم أن يعفو عن من شاء منهم ويقتل باقيهم 0 وإن عفا عن جميعهم فعليهم دية واحدة تسقط عليهم على عدد رؤوسهم فإن كان بعضهم جارحا أو موجئا فالقود في النفس على الذابح والموجىء والجارح مأخوذ بحكم الجراحة دون النفس وإذا قتل الواحد جماعة قتل بالأول ولزمته في ماله دية الباقين وقال أبو حنيفة يقتل بجميعهم ولا دية عليه وإذا قتلهم في حالة واحدة أقرع بينهم وكان القود لمن قرع منهم إلا أن يتراضى أولياؤهم على تسليم القود لأحدهم فيقاد له ويلزم في ماله ديات الباقين وإذا أمر المطاع رجلا بالقتل فالقود على الآمر والمأمور معا ولو كان الأمر غير مطاع كان القود على المأمور دون الآمر وإذا أكره على القتل وجب القود على المكره وفي وجوبه على المكره قولان

وأما القود في الأطراف فكل طرف قطع من مفصل ففيه القود فيقاد من اليد باليد والرجل بالرجل والإصبع بالإصبع والأنملة بالأنملة والسن بمثلها ولا تقاد يمنى بيسرى ولا عليا بسفلى ولا ضرس بسن ولا ثنية برباعية 0 ولا يؤخذ بسن من قد ثغر سن من لم يثغر ولا تؤخذ يد سليمة بيد شلاء ولا بلسان ناطق بلسان أخرس وتؤخذ اليد الكاتبة والصانعة بيد من ليس بكاتب ولا صانع وتؤخذ العين بالعين وتؤخذ النجلاء


264
بالحولاء والعشواء ولا تؤخذ العين القائمة واليد الشلاء إلا بمثلها ويقاد الأنف الذي يشم بالأف الأخشم وأذن السميع بأذن الأصم وقال مالك لا قود عليه ويقاد من العربي بالعجمي ومن الشريف بالدنيء فإن عفي عن القود بهذه الأطراف إلى الدية ففي اليدين الدية الكاملة وفي إحداهما نصف الدية وفي كل إصبع عشر الدية وهو عشر من الإبل وفي كل واحدة من أنامل الأصابع ثلاثة وثلث إلا أنملة الإبهام ففيها خمس من الإبل ودية اليدين كالرجلين إلا في أناملها فيكون في كل أنملة منها خمس من الإبل وفي العينين الدية وفي إحداهما نصف الدية ولا فضل لعين الأعور على من ليس بأعور وأوجب مالك رحمه الله في عين الأعور جميع الدية وفي الجفون الأربع جميع الدية وفي كل واحد منها ربع الدية وفي الأنف الدية وفي أحداهما نصف الدية وفي اللسان الدية وفي الشفتين ربع 0 الدية وفي كل سن خمس من الإبل ولا فضل لسن على ضرس ولا لثنية على ناجذ وفي إذهاب السمع الدية فإن قطع أذنيه فأذهب سمعه فعليه ديتان وكذلك لو قطع أنفه فأذهب شمه فعليه ديتان وفي إذهاب الكلام الدية فإن قطع لسانه فأذهب كلامه فعليه دية واحدة وفي إذهاب العقل الدية وفي إذهاب الذكر الدية وذكر ومعنين وغيرها سواء وقال أبو حنيفة وفي ذكر العنين والخصي حكومة وفي الأنثيين الدية وفي إحداهما نصف الدية وفي ثدي المرأة ديتها وفي إحداهما نصف الدية وفي ثديي الرجل حكومة وقيل دية

وأما الشجاج فأولها الخارصة وهي التي أخذت في الجلد ولا قود فيها ولا دية وفيها حكومة ثم الدامية وهي التي أخذت في الجلد وأدمت وفيها حكومة ثم الدامغة وهي التي قد خرج دماؤها من قطع الجلد كالدامغة وفيها حكومة ثم المتلاحمة وهي التي قطعت وأخذت في اللحم وفيها حكومة ثم الباضعة وهي التي قطعت اللحم بعد الجلد وفيها حكومة ثم السمحاق وهي التي 0 قطعت جميع اللحم بعد الجلد وأبقت على عظم الرأس غشاوة رقيقة وفيها حكومة حكومات هذه الشجاج تزيد على حسب ترتيبها ثم الموضحة وهي التي قطعت الجلد واللحم والغشاوة وأوضحت عن العظم ففيها القود فإن عفي عنها ففيها خمس من الإبل ثم الهاشمة وهي التي أوضحت عن


265
اللحم حتى ظهر وهشمت عظم الرأس حتى تكسر وفيها عشر من الإبل فإن أراد القود من الهشم لم يكن له وإن أراده من الموضحة قيد له منها وأعطى في زيادة الهشم خمسا من الإبل وقال مالك في الهشم حكومة ثم النقلة وهي التي أوضحت وهشمت حتى شظى العظم وزال عن موضعه واحتاج إلى نقله وإعادته وفيها خمس عشرة من الإبل فإن استقاد من الموضحة أعطى في الهشم والتنقيلي عشرا من الإبل ثم المأمومة وتمسى الدامغة وهي التي وصلت إلى أم الدماغ وفيها ثلث الدية

وأما جراح الجسد فلا تقدر دية شيء منها إلا الجافية وعلى الواصلة إلى الجوف وفيها ثلث الدية ولا قود في جراح الجسد غلا الموضحة عن عظم ففيها حكومة وإذا قطعت أطرافه فاندملت وجبت عليه دياتها وإن كانت أضعاف دية النفس ولو مات منها قبل اندمالها كانت عليه دية النفس وسقطت ديات الأطراف ولو مات بعد 0 اندمال بعضها وجبت عليه دية النفس فيما لم يندمل مع دية الأطراف وفيما لم يندمل مع الدية الأطراف وفيما اندمل من لسان الأخرس ويد الأشل والإصبع الزائد والعين القائمة حكومة والحكومة والحكومة في جميع ذلك أن يقوم الحاكم المجني عليه لو كان عبدا لم يجن عليه ثم يقومه لو كان عبدا بعد الجناية عليه ويعتبر ما بين القيمتين من ديته فيكون قدر الحكومة في جنايته وإذا ضرب بطن إمرأة فألقت من الضرب جنينا ميتا ففيه إذا كان حرا غرة عبد أو أمة تحملها العاقلة ولو كان مملوكا ففيه عشر قيمة أمه يستوي فيه الذكر والأنثى فإن استهل الجنين صارخا ففيه الدية كاملة ويفرق بين الذكر والأنثى وعلى كل قاتل نفس ضمن ديتها الكفارة عامدا كان أو خاطئا وأوجبها أبو حنيفة على الخاطىء دون العامد

والكفارة عتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب المضرة بالعمل فإن أعوزها صام شهرين متتابعين فإن عجز عنه أطعم ستين مسكينا في أحد القولين 0 ولا شيء عليه في القول الآخر وإذا ادعي قوم قتلا على قوم ومع الدعوى لوث واللوث أن يعنوا بالدعوى ما توقع بالنفس صدق الدعوى فيصير القول باللوث قول المدعي فيحلف خمسين يمينا ويحكم له بالدية دون القود ولو نكل المدعي عن اليمين أو بعضها


266
حلف عليه خمسين يمينا وبرىء وإذا وجب القود في نفس أو طرف لم يكن لوليه أن ينفرد باستيفائه إلا بإذن السلطان فإن كان في طرف لم يكنه السلطان من استيفائه حتى يتولاه غيره وأجره الذي يتولاه في مال المقتص منه دون المقتص له وقال أبو حنيفة تكون في مال المقتص له دون المقتص منه فإن كان القصاص في نفس جاز أن يأذن له السلطان في استيفائه بنفسه إذا كان ثابت النفس وإلا استوفاه السلطان له بأوحى سيف وأمضاه فإن تفرد ولي القود باستيفائه من نفس أو طرف ولم يتعد عزره السلطان لافتياته عليه وقد صار إلى حقه بالقود فلا شيء عليه
الفصل السادس في التعزير

والتعزير تأديب على ذنوب لم تشرع فيها الحدود ويختلف حكمه باختلاف حاله وحال فاعله فيوافق الحدود من وجه وهو أنه تأديب واستطلاح وزجر يختلف بحسب اختلاف الذنب ويخالف الحدود من ثلاثة 0 أوجه أحدها أن تأديب ذي الهيبة من أهل للصيانة أخف من تأديب أهل البذاء لقول النبي A أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم

فتدرج في الناس على منازلهم فإن تساووا في الحدود المقدرة فيكون تعزير من جل قدره بالإعراض عنه وتعزير من دونه بالتعنيف له وتعزير من دونه بزواجر الكلام وغاية اللإستخفاف الذي لا قذف فيه ولا سب ثم يعدل بمن دون ذلك إلى الحبس الذي يحبس فيه على حسب ذابهم وبحسب هفواتهم فمنهم من يحبس يوما ومنهم من يحبس أكثر منه إلى غاية مقدرة وقال أبو عبد الله الزبيري من أصحاب الشافعي تقدر غايته بشهر للإستبراء والكشف وبستة أشهر للتأديب والتقويم ثم يعدل بمن دون ذلك إلى النفي والإبعاد إذا تعدت ذنوبه إلى اجتذاب غيره إليها واستضراره بها واختلف في غاية نفيه وإباعده فالظاهر من مذهب الشافعي تقدر بما دون الحول ولو بيوم واحد لئلا يصير مساويا لتعزير الحول في الزنا وظاهر مذهب مالك أنه يجوز أن يزاد فيه 0 على الحول بما يرى من أسباب الزواجر ثم يعدل بمن دون ذلك إلى الضرب ينزلون فيه على حسب الهفوة في مقدار الضرب وبحسب الرتبة في الإمتهان والصيانة


267

واختلف في أكثر ما ينتهي إليه الضرب في التعزير فظاهر مذهب الشافعي أن أكثره في الحر تسعة وثلاثون سوطا لينقص عن أقل الحدود في الخمر فلا يبلغ بالحر أربعين وبالعبد عشرين وقال أبو حنيفة أكثر التعزير تسعة وثلاثون سوطا في الحر والعبد وقال أبو يوسف أكثره خمسة وسبعون وقال مالك لا حد لأكثره ويجوز أن يتجاوز به أكثر الحدود وقال أبو عبد الله الزبيري تعزير كل ذنب مستنبط من حده المشروع فيه ,أعلاه خمسة وسبعون يقصر به عن حد القذف بخمسة أسواط فإن كان الذنب في التعزير بالزنا روعي منه ما كان فإن أصابوهما بأن نال منها ما دون الفرج ضربوهما أعلى التعزير وهو خمسة وسبعون سوطا وإن وجدوهما في إزار لا حائل بينهما متباشرين غير متعاملين للجماع ضربوهما ستين سوطا وإن وجدوهما غير متباشرين ضربوهما أربعين سوطا وإن وجدوهما خاليين في 0 بيت عليهما ثيابهما ضربوهما ثلاثون سوطا وإن وجدوهما في طريق يكلمها وتكلمه ضربوهما عشرين سوطا وإن وجدوه يتبعها ولم يقفوا على غير ذلك يحققوا وإن وجدوهما يشير إليها وتشير إليه بغير كلام ضربوهما عشرة أسواط وهكذا يقول في التعزير بسرقة ما لا يجب فيه القطع فإذا سرق نصابا من غير حرز ضرب أعلى التعزير خمسة وسبعين سوطا وإذا سرق من حرز أقل من نصاب ضرب ستين سوطا وإذا سرق أقل من نصاب من غير حرز ضرب خمسين سوطا فإذا جمع المال في الحرز واسترجع منه قبل إخراجه ضرب أربعين سوطا وإذا نقب الحرز ودخل ولم يأخذ ضرب ثلاثين سوطا وإذا نقب الحرز ولم يدخل ضرب عشرين سوطا وإذا تعرض للنقب أو لفتح باب ولم يكمله ضرب عشرة أسواط وإذا وجد معه منقب أو كان مراصد للمال يحقق ثم على هذه العبارة فيما سوى هذين وهذا الترتيب وإن كان مستحسنا في الظاهر فقد تجرد الاستحان فيه عن دليل يتقدر به وهذا الكلام في أحد الوجوه التي يختلف 0 فيها الحد والتعزير

والوجه الثاني أن الحد وإن لم يجز العفو عنه ولا الشفاعة فيه فيجوز في التعزير العفو عنه وتسوغ الشفاعة فيه فإن تفرد التعزير بحق السلطنة وحكم التقويم ولم يتعلق


268
به حتى لآدمي جاز لولي الأمر أن يراعي الأصلح في العفو أو التعزير وجاز أن يشفع فيه من سأل العفو عن الذنب روى عن النبي A أنه قال اشفعوا إلي ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء

ولو تعلق بالتعزير حتى لآدمي كالتعزير في الشتم والمواثبة ففيه حق للمشتوم والمضروب وحق السلطنة للتقويم والتهذيب فلا يجوز لولي الأمر أن يسقط بعفوه حق المشتوم والمضروب وعليه أن يستوفي له حقه من تعزير الشاتم والضارب فإن عفا المضروب والمشتوم كان ولي الأمر بعد عفوهما على خياره في فعل الأصلح من التعزير تقويما والصفح عنه عفوا فإن تعافوا عن الشتم والضرب قبل الترافع إليه سقط التعزير الآدمي

واختلف في سقوط حق السلطنة عنه والتقويم على الوجهين أحدهما وهو قول أبي عبد الله الزبيري أنه سقط وليس لولي الأمر أن يعزر فيه لأن حد القف أغلظ ويسقط حكمه 0 بالعفو فكان حكم التعزير بالسلطنة أسقط والوجه الثاني وهو الأظهر أن لولي الأمر أن يعزر فيه مع العفو قبل الترافع إليه كما يجوز أن يعزر فيه مع العفو بعد الترافع إليه مخالفة للعفو عن حد القذف في الموضعين لأن التقويم من حقوق المصلحة العامة ولو تشاتم وتواثب والد مع ولد سقط تعزير الوالد في حق الولد ولم يسقط تعزير الولد في حق الوالد كما يقتل الوالد بولده ويقتل الولد بوالده وكان تعزيز الأب مختصا بحق السلطنة والتقويم لا حق فيه للولد ويجوز لولي الأمر أن ينفرد بالعفو عنه وكان تعزير الولد مشتركا بين حق الولد وحقوق السلطنة فلا يجوز لولي الأمر أن ينفرد بالعفو عنه مع مطالبة الوالد به حتى يستوفيه له هذا الكلام في الوجه الثاني الذي يختلف فيه الحد والتعزير والوجه الثالث أن الحد وإن كان ما حدث عنه من التلف هدرا فإن التعزير يوجب ضمان ما حدث عنه التلف قد أرهب عمر بن الخطاب إمرأة فأخمصت بطنها 0 فألقت جنينا ميتا فشاور عليا عليه السلام وحمل دية جنينها واختلف في محل دية التعزير فقيل تكون على عاقلة ولي الأمر وقيل تكون


269
في بيت المال فأما الكفارة ففي ماله إن قيل إن الدية علىعاقلته وإن قيل إن الدية في بيت المال ففي محل الكفارة وجهان أحدهما في ماله والثاني في بيت المال وهكذا العلم إذا ضرب صبيا أدبا معهودا في العرف فأمضى إلى تلفه ضمن ديته على عاقلته والكفارة في ماله ويجوز للزوج ضرب زوجته إذا نشزت عنه فإن تلفت من ضربه ضمن ديتها على عاقلته إلا أن يتعمد قتلها فيقاد بها

وأما صفة الضرب في التعزير فيجوز أن يكون بالعصا وبالسوط الذي كسرت ثمرته كالحد واختلف في جوازه بسوط لم تسكر ثمرته فذهب الزبيري إلى جوازه فإن زاد في الصفة على ضرب الحدود وأنه يجوز أن يبلغ به إنهار الدم وذهب جمهور أصحاب الشافعي رضي الله عنه إلى حظره بسوط لم تسكر ثمرته لأن الضرب في الحدود أبلغ وأغلظ وهو كذلك محظور فكان في التعزير أولى أن يكون محظورا ولا يجوز 0 أن يبلغ بتعزير إنهار الدم وضرب الحد يجب أن يفرق في البدن كله بعد توقي المواضع القاتلة ليأخذ كل عضوا نصيبه من الحد ولا يجوز أن يجمع في موضع واحد من الجسد واختلف في ضرب التعزير فأجراه جمهور أصحاب الشافعي مجرى الضرب في تفريقه وحظر جمعه وخالفهم الزبيري فجوز جمعه في موضع واحد من الجسد لأنه لما جاز إسقاطه عن جميع الجسد جاز إسقاطه عن بعضه بخلاف الحد ويجوز أن يصلب في التعزير حيا قد صلب رسول الله A رجلا على جبل يقال له أبو ناب ولا يمنع إذا صلب أداء طعام ولا شراب ولا يمنع من الوضوء للصلاة ويصلي موميا ويعيد إذا أرسل ولا يتجاوز بصلبه ثلاثة أيام ويجوز في نكال التعزير أن يجرد من ثيابه إلا قدر ما يستر عورته ويشهر في الناس وينادى عليه بذنبه إذا تكرر منه ولم يتب ويجوز أن يحلق شعره ولا يجوز أن تحلق لحيته واختلف في جواز تسويد وجوههم فجوزه الأكثرون ومنع منه الأقلون


270
0 الباب العشرون
في أحكام الحسبة

الحسبة هي أمر بالمعروف إذا ظهر ونهي عن المنكر إذا أظهر فعله وقال الله تعالى (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) وهذا وإن صح من كل مسلم فالفرق فيه بين المتطوع والمحتسب من تسعة أوجه أحدها أن فرضه متعين على المحتسب بحكم الولاية وفرضه على غيره داخل في فروض الكفاية والثاني أن قيام المحتسب به من حقوق تصرفه الذي لا يجوز أن يتشاغل عنه وقيام المتطوع به من نوافل عمله الذي يجوز أن يتشاغل عنه بغيره والثالث أنه منصوب للإستعداء وليس المتطوع منصوبا للإستعداء والرابع أن على المحتسب إجابة من استعداه وليس على المتطوع إجابته والخامس أن عليه أن يبحث عن المنكرات الظاهرة ليصل إلى إنكارها وبفحص عما ترك من المعروف الظاهر ليأمر بإقامته وليس على غيره من المتطوعة 0 بحث ولا فحص والسادس أن له أن يتخذ على إنكاره أعوانا لأنه عمل هو له منصوب وإليه مندوب ليكون له أقهر وعليه أقدر وليس للمتطوع أن يندب لذلك أعوانا والسابع أن له أن يعزر في المنكرات الظاهرة لا يتجاوز إلى الحدود وليس للمتطوع أن يعزر على منكر


271

والثامن أن له أن يرتزق على حسبته من بيت المال ولا يجوز للمتطوع أن يرتزق على إنكار منكر والتاسع أن له اجتهاد رأيه فيم تعلق بالعرف دون الشرع كالمقاعد في الأسواق وإخراج الأجنحة فيه فيقر وينكر من ذلك ما أداه اجتهاده إليه وليس هذا للمتطوع فيكون الفرق بين والي الحسبة وإن كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وبين غيره من المتطوعين وإن جاز أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر من هذه الوجوه التسعة وإذا كان كذلك فمن شروط والي الحسبة أن يكون حرا عدلا ذا رأي وصرامة وخشونة في الدين وعلم بالمنكرات الظاهرة

واختلف الفقهاء من أصحاب الشافعي هل يجوز له أن يحمل الناس فيما ينكره من الأمور التي اختلف الفقهاء فيها على رأيه واجتهاده أم لا على وجهين أحدهما وهو قول أبي سعيد الأصطخري أن له أن يحمل ذلك على رأيه واجتهاده فعلى هذا 0 يجب على المحتسب أن يكون عالما من أهل الاجتهاد في أحكام الدين ليجتهد رأيه فيما اختلف فيه والوجه الثاني ليس له أن يحمل الناس على رأيه واجتهاده ولا يقودهم إلى مذهبه لتسويغ الاجتهاد الكافة وفيما اختلف فيه فعلى هذا يجوز أن يكون المحتسب من غير أهل الاجتهاد إذا كان عارفا بالمنكرات المتفق عليها

وأعلم أن الحسبة واسطة بين أحكام بالقضاء وأحكام المظالم فأما ما بينهما وبين القضاء فهي موافقة لأحكام القضاء من وجهين ومقصورة عنه من وجهين وزائدة عليه من وجيهن فأما الوجهان في موافقتها لأحكام القضاء فأحدهما جواز الاستعداء إليه وسماعه دعوى المستعدي على المستعدى عليه في حقوق الآدميين وليس هذا عموم الدعاوي وإنما يختص بثلاثة أنواع من الدعوى أحدها أن يكون فيما يتعلق ببخس وتطفيف في كيل أو وزن والثاني ما يتعلق بغش أو تدليس في مبيع أو ثمن والثالث فيما يتعلق بمطل وتأخير لدين مستحق مع المكنة وإنما جاز 0 نظره في هذه الأنواع الثلاثة من الدعاوى دون ما عداها من


272
سائر الدعاوي لتعلقها بمنكر ظاهر هو منصوب لإزالته واختصاصها بمعروف بين هو مندوب إلى إقامته لأن موضوع الحسبة إلزام الحقوق والمعونة على استيفائها وليس للناظر فيها أن يتجاوز ذلك إلى الحكم الناجز والفصل البات فهذا أحد وجهي الموافقة والوجه الثاني أن له إلزام المدعى عليه للخروج من الحق الذي عليه وليس هذا على العموم في كل الحقوق وإنما هو خاص في الحقوق التي جاز له سماع الدعوى فيها وإذا وجبت باعتراف وإقرار مع تمكنه وإيساره فيلزم المقر الموسر الخروج منها ودفعها إلى مستحقها لأن تأخير لها منكر هو منصوب لإزالته

وأما الوجهان في قصورها عن أحكام القضاء فأحدهما قصورها عن سماع عموم الدعاوي الخارجة عن ظواهر المنكرات من الدعاوي في العقود والمعاملات وسائر الحقوق والمطالبات فلا يجوز أن ينتدب لسماع الدعوى لها ولا أن يتعرض للحكم 0 فيها لا في كثير الحقوق ولا في قليلها من درهم فما دونه إلا أن يرد ذلك إليه بنص صريح يزيد على إطلاق الحسبة فيجوز ويصير بهذه الزيادة جامعا بين القضاء وحسبة فيراعى فيه أن يكون من أهل الاجتهاد وإن اقتصر به عن مطلق الحسبة فالقضاة والحكام بالنظر في قليل ذلك وكثير أحق فهذا وجه والوجه الثاني أنها مقصورة علىالحقوق المعترف بها فأما ما يتداخله التجاحد والتناكر فلا يجوز له النظر فيه لأن الحاكم فيها يقف على سماع بينة وإحلاف يمين ولا يجوز للمحتسب أن يسمع بينة على إثبات الحق ولا أن يحلف يمينا على نفي الحق والقضاة والحكام بسماع البينة وإحلاف الخصوم أحق وأما الوجهان في زيادتها على أحكام القضاء فأحدها أنه يجوز للناظر فيها أن يتعرض لنصفح ما يأمر به من معروف وينهى عنه من المنكر وإن لم يحضره خصم مستعد وليس للقاضي أن يتعرض لذلك إلا بحضور خصم يجوز له سماع الدعوى منه فإن تعرض لذلك خرج عن منصب ولايته 0 وصار متجوزا في قاعدة نظره


273

والثاني أن للناظر في الحسبة من سلاطة السلطنة واستطالة الحماة فيم تعلق بالمنكرات ما ليس للقضاة لأن الحسبة موضوعة للرهبة فلا يكون خروج المحتسب إليها بالسلاطة والغلظة تجورا فيها ولا خرقا ولاقضاء موضوع للمناصفة فهو بالأناة والوقار أحق وخروجه عنهما إلى سلاطة الحسبة تجور وخرق لأن موضوع كل واحد من المنصبين تختلف فالتجوز فيه خروج عن حده وأما ما بين الحسبة والمظالم فيهما شبه مؤتلف وفرق مختلف فأما الشبه بينهما فمن وجهين أحدهما موضوعهما مستقر على الرهبة المختصة بسلاطة السلطنة وقوة الصرامة والثاني جواز التعرض فيهما لأسباب المصالح والتصلع إلى إنكار العدوان الظاهر

وأما الفرق بينهما فمن وجهين أحدهما أن النظر في المظالم موضوع لما عجز عنه القضاة والنظر في الحسبة موضوع لما رفه عنه القضاة ولذلك كانت رتبة المظالم أعلى ورتبة الحسبة 0 أخفض وجاز لوالي المظالم أن يوقع إلى المحتسب ولم يجز للقاضي أن يوقع إلى والي المظالم وجاز له أن يوقع إلى المحتسب ولم يجز للمحتسب أن يوقع إلى واحد منهما فهذا الفرق الثاني أنه يجز لوالي المظالم أن يحكم ولا يجوز لوالي الحسبة أن يحكم وإذا استقر ما وصفناه من موضوع الحسبة ووضع الفرق بينهما وبين القضاء والمظالم فهي تشتمل على فصلين أحدهما أمر بالمعروف والثاني نهي عن المنكر

فأما الأمر بالمعروف فينقسم ثلاثة أقسام أحدها ما يتعلق بحقوق الله تعالى والثاني ما يتعلق بحقوق الآدميين والثالث ما يكون مشتركا بينهما فأما المتعلق بحقوق الله عز وجل فضربان أحدهما يلزم الأمر به في الجماعة دون الانفراد كترك الجمعة في وطن مسكون فإن كانوا عددا قد اتفق على انعقاد الجمعة بهم كالأربعين فما زاد فواجب أن يأخذهم بإقامتها ويأمرهم بفعلها ويؤدب على الإخلال بها وإن كانوا عددا إختلف في انعقاد الجمعة بهم فله ولهم 0 أربعة أحوال


274
أحدها أن يتفق رأيه ورأي القوم على انعقاد الجمعة بذلك العدد فواجب عليه أن يأمرهم بإقامتها وعليهم أن يسارعوا إلى أمره بها ويكون في تأديبهم على تركها ألين من تأديبه على ترك ما انعقد الإجماع عليه

والحالة الثانية أن يتفق رأيه ورأي القوم على أن الجمعة لا تنعقد بهم فلا يجوز أن يأمرهم بإقامتها وهو بالنهي عنها لو أقيمت أحق والحالة الثالثة أن يرى القوم انعقاد الجمعة بهم ولا يراه المحتسب فلا يجوز له أن يعارضهم فيها ولا يأمر بإقامتها لأنه لا يراه ولا يجوز أن ينهاهم عنها ويمنعهم مما يرونه فرضا عليهم

والحالة الرابعة أن يرى المحتسب انعقاد الجمعة بهم ولا يراه القوم فهذا مما في استمرار تركه تعطيل الجمعة مع تطاول الزمان وبعده وكثرة العدد وزيادته فهل للمحتسب أن يأمرهم بإقامتها اعتبارا بهذا المعنى أم لا على وجهين لأصحاب 0 الشافعي رضي الله عنه أحدهما وهو مقتضى قول سعيد الأصطخري أنه يجوز له أن يأمرهم بإقامتها اعتبارا بالمصلحة لئلا ينشأ الصغير على تركها فيظن أنها تسقط مع زيادة العدد كما تسقط بنقصانه فقد راعى زياد مثل هذا في صلاة الناس في جامعي البصرة والكوفة فإنهم إذا كانوا صلوا في صحنه فرفعوا من السجود مسحوا جباههم من التراب فأمر بإلقاء الحصى في صحن المسجد الجامع وقال لست آمن أن يطول الزمان فيظن الصغير إذا نشأ أن مسح الجبهة من أثر السجود سنة في الصلاة

والوجه الثاني لا يتعرض لأمرهم بها لأنه ليس له حمل الناس على اعتقاده ولا أن يأخذهم في الدين برأيه مع تسويغ الاجتهاد فيه وأنهم يعتقدون أن نقصان العدد يمنع من إجزاء الجمعة وأما أمرهم بصلاة العيد فله أن يأمرهم بها وهل يكون الأمر بها من الحقوق اللازمة أو من الحقوق الجائزة على وجهين من إختلاف أصحاب الشافعي فيها هل هي مسنونة أو من فروض الكفاية فإن قيل 0 إنها مسنونة كان الأمر بها ندبا وإن قيل إنها من فروض الكفاية كان الأمر بها حتما


275

فأما صلاة الجماعة في المساجد وإقامة الأذان فيها للصلوات فمن شعائر الإسلام وعلامات التعبد التي فرق بها رسول الله A بين دار الإسلام ودار الشرك فإذا إجتمع أهل بلد أو محلة على تعطيل الجماعة في مساجدهم وترك الأذان في أوقات صلواتهم كان المحتسب مندوبا إلى أمرهم بالأذان والجماعة في الصلوات وهل ذلك واجب عليه يأثم بتركه أو مستحب له يثاب على فعله على وجهين من إختلاف أصحاب الشافعي في اتفاق أهل بلد على ترك الأذان والإقامة والجماعة وهل يلزم السلطان محاربتهم عليه أم لا

فأما ترك صلاة الجمعة من آحاد الناس أو ترك الأذان والإقامة لصلاته فلا اعتراض للمحتسب عليه إذا لم يجعله عادة وإلفا لأنها من الندب الذي يسقط بالأعذار إلا أن يقترن به استرابة أو يجعله إلفا وعادة ويخاف تعدي ذلك إلى غيره في الاقتداء فيراعى حكم المصلحة به 0 في زجره عما استهان به من سنن عبادته ويكون وعيده على ترك الجماعة معتبرا بشواهد حاله كالذي روى عن النبي A أنه قال لقد هممت أن آمر أصحابي أن يجمعوا حطبا وآمر بالصلاة فيؤذن لها وتقام ثم أخالف إلى منازل أقوام لا يحضرون الصلاة فأحرقها عليهم

وأما ما يأمر به آحاد الناس وأفرادهم فكتأخير الصلاة حتى يخرج وقتها فيذكر بها ويأمر بفعلها ويراعى جوابه عنها فإن قال تركتها لنسيان حثه على فعلها بعد ذكره ولم يؤدبه وإن قال تركتها لتوان وهو إن أدبه زجرا وأخذه بفعلها جبرا ولا اعتراض على من أخرها والوقت باق لاختلاف الفقهاء في فضل التأخير ولكن لو كانت الجماعات في بلد قد اتفق أهله على تأخير صلواتهم إلى آخره والمحتسب يرى فضل تعجيلها فهل يأمرهم بالتعجيل على وجهين لأن اعتبار جميع الناس لتأخيرها يفضي بالصغير الناشىء إلى اعتقاد أن هذا هو الوقت دون ما تقدم ولو عجلها بعضهم ترك من أخرها منهم وما 0 يراه من التأخير

فأما الأذان والقنوت في الصلوات إذا خالف فيه رأي المحتسب فلا اعتراض فيه


276
بأمر ولا نهي وإن كان يرى إذا ما يفعل مسوغا في الاجتهاد لخروجه عن معنى ما قدمناه وكذلك الطهارة إذا فعلها على وجه سائغ يخالف فيه رأي المحتسب من إزالة النجاسة بالمائعات والوضوء بماء تغير بالمذرورات الطاهرات أو اقتصار على مسح أقل الرأس أو العفو عن قدر الدرهم من النجاسات فلا اعتراض له في شيء من ذلك بأمر ولا نهي وكان له في اعتراضه عليهم في الوضوء بنبيذ التمر عند عدم الماء وجهان لما فيه من الإفضاء إلى استباحته على كل حال فإنه آل إلى السكر من شربه ثم على نظائر هذا المثال تكون أوامره بالمعروف في حقوق الله تعالى

فأما الأمر بالمعروف في حقوق الآدميين فضربان عام وخاص فأما العام فكالبلد إذا تعطل شربه أو استهدم سوره أو كان يطرقه بنوالسبيل من ذوي الحاجات فكفوا عن معونتهم فإن كان في بيت المال مال لم يتوجه عليهم فيه ضرر 0 أمر بإصلاح شربهم وبناء سورهم وبمعونة بني السبيل في الاجتياز بهم لأنها حقوق تلزم بيت المال دونهم وكذلك لو استهدمت مساجدهم وجوامعهم فأما إذا أعوز بيت المال كان الأمر ببناء سورهم وإصلاح شربهم وعمارة مساجدهم وجوامعهم ومراعاة بني السبيل فيهم متوجها إلى كافة ذوي المكنة منهم ولا يتعين أحدهم في الأمر به وإن شرع ذوي المكنة في عملهم وفي مراعاة بني السبيل وباشروا القيام به سقط عن المحتسب حق الأمر به ولم يلزمهم الاستئذان في مراعاة بني السبيل ولا في بناء ما كان مهدوما ولكتن لو أرادوا هدم ما يعيدون بناءه من المسترم والمستهدم لم يكن لهم الإقدام على هدمه فيما عم أهل البلد من سوره وجامعهم إلا بإستئذان ولي الأمر دون المحتسب ليأذن لهم في هدمه بعد تضمينه القيام بعمارته وجاز فيما خص من المساجد في العشائر والقبائل ألا يستأذنوه وعلى المحتسب أن يأخذهم ببناء ما هدموه وليس له أن يأخذهم بإتمام 0 ما استأنفوه فأما إذا كف ذوي المكنة عن بناء ما استهدم وعمارة ما استرم فإن كان المقام في البلد ممكنا وكان الشرب وإن قل مقنا تاركهم وإباه وإن تعذر المقام في البلد لتعطيل شربه واندحاض سوره نظر فإن كان البلد ثغرا بدار الإسلام تعطيله


277
لم يجز لولي الأمر أن يفسح في الانتقال عنه وكان حكمة حكم النوازل إذا حدثت في قيام كافة ذوي المكنة به وكان تأثير المحتسب في مثل هذا إعلام السلطان به وترغيب أهل المكنة في عمله وإن لم يكن هذا البلد ثغرا مضرا بدار الأسلام كان أمره أيسر وحكمه أخف ولم يكن هذا للمحتسب أن يأخذ أهله جبرا بعمارته لأن السلطان أحق أن يقوم به ولو أعوزه المال فيستجده فيقول لهم المحتسب ما استدام عجز السلطان عنه أنتم مخيرون بين الانتقال عنه أو التزام ما يصرف في مصالحه التي يمكن معها دوام استيطانه فإن أجابوه إلى التزام ذلك كلف جماعتهم ما تسمح به نفوسهم ولم يجز ان يأخذ كل واحد منهم في عينه أن يلتزم جبرا ما لا تسمح به نفسه من قليل ولا كثير ويقول ليخرج كل واحد منهم ما سهل عليه وطاب نفسا به ومن أعوزه المال أعان بالعمل حتى إذا اجتمعت كفاية 0 المصلحة أو يلوح اجتماعها لضمان كل واحد من أهل المكنة قدرا طاب به نفسا شرع حينئذ في عمل المصلحة وأخذ كل ضامن من الجماعة بالتزام ما ضمنه وإن كان مثل هذا الضمان لا يلزم في المعاملات الخاصة لأن حكم ما عم من المصالح موسع فكان حكم الضمان فيه أوسع وإذا عمت هذه المصلحة لم يكن للمحتسب أن يتقدم بالقيام بها حتى يستأذن السلطان فيها لئلا يصير بالتفرد مفتاتا عليه إذ ليست هذه المصلحة من معهود حسبته فإن قلت وشق استئذان السلطان فيها أو خيف زيادة الضرر لبعد استئذانه جاز شروعه فيها من غير استئذان

وأما الخاص فكالحقوق إذا مطلت والديون إذا أخرت فللمحتسب أن يأمر بالخروج منها مع المكنة إذا استعداه أصحاب الحقوق وليس له أن يحبس بها لأن الحبس حكم وله أن يلازم عليها لأن لصاحب الحق أن يلازم وليس له الأخذ بنفقات الأقارب لافتقار ذلك إلى اجتهاد شرعي فيمن تجب له ووجب عليه إلا أن يكون الحاكم قد فرضها 0 فيجوز له أن يأخذ له بأدائها وكذلك كفالة من تجب كفالته من الصغار والاعتراض له فيها حتى يحكم بها الحاكم فيجوز حينئذ للمحتسب أن يأمر بالقيام بها على الشروط المستحقة فيها

وأما قبول الوصايا والودائع فليس له أن يأمر فيها أعيان الناس وآحادهم ويجوز أن يأمر بها على العموم حثا على التعاون بالبر والتقوى ثم على هذا المثال يكون أوامره بالمعروف في حقوق الآدميين


278

وأما الأمر بالمعروف فيما كان مشتركا بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين فكأخذ الأولياء بنكاح الأيامى أكفائهن إذا طلبن وإلزام النساء أحكام العدد إذا فورقن وله تأديب من خالف في العدة من النساء وليس له تأديب من امتنع من الأولياء ومن نفى ولدا قد ثبت فراض أمه ولحوق نسبه أخذه بأحكام الآدباء جبرا وعزره عن النفي أدبا ويأخذ السادة بحقوق العبيد والإماء وأن يكلفوا من الأعمال مالا يطيقون وكذلك أرباب البهائم يأخذهم بعلوفتها إذا قصروا وأن لا ستعملوها فيما لا تطيق

ومن أخذ لقيطا وقصر في كفالته أمره أن يقوم بحقوق التقاطه من التزام كفالته أو تسليمه إلى من يلتزمها ويقوم بها وكذلك واجد الصوال إذا قصر فيها يأخذه بمثل ذلك من القيام بها ويكون ضامنا للضالة بالتقصير ولا يكون به ضامنا اللقيط وإذا أسلم الضالة إلى غيره ضمنها ولا 0 يضمن اللقيط بالتسليم إلى غيره ثم على نظائر هذا المثال يكون أمره بالمعروف في الحقوق المشتركة

وأما النهي عن المنكرات فينقسم ثلاثة أقسام أحدها ما كان من حقوق الله تعالى والثاني ما كان من حقوق الآدميين والثالث ما كان مشتركا بين الحقين فأما النهي عنها في حقوق الله تعالى فعلى ثلاثة أقسام أحدها ما تعلق بالعبادات والثاني ما تعلق بالمحظورات والثالث ما تعلق بالمعاملات فأما المتعلق بالعبادات فكالقاصد مخالفة هيئاتهاالمشروعة والمتعمد تغيير أوصافها المسنونة مثلا من يقصد الجهر في صلاة الإسرار في صلاة الجهر أو يزيد في الصلاة أو في الآذان أذكارا غير مسنونة فللمحتسب إنكارها وتأديب المعاند فيها إذا لم يقل بما إرتكبه إمام متبوع وكذلك إذا أخل بتطهير جسده أو ثوبه أو موضع صلاته أنكره عليه إذا تحقق ذلك منه ولا يؤاخذه بالتهم ولا بالظنون كالذي حكى عن بعض الناظرين في الحسبة أنه سأل رجلا 0 داخلا إلى المسجد بنعلين هل يدخل


279
هل يدخل بهما بيت طهارته فلما أنكر ذلك أراد إحلافه عليه وهذا الجهل من فاعله تعدي فيه أحكام الحسبة وغلب فيه سوء الظنة وهكذا لو ظن برجل أنه يترك الغسل من الجنابة أو يترك الصلاة والصيام لم يؤاخذه بالتهم ولم يعامله بالإنكار ولكن يجوز له بالتهمة أن يعظ ويحذر من عذاب الله على إسقاطه حقوقه والإخلال بمفروضاته فإن رآه يأكل في شهر رمضان لم يقدم على تأديبه إلا بعد سؤاله عن سبب أكله إذا إلتبست أحواله فربما كان مريضا أو مسافرا ويلزمه السؤال إذا ظهرت منه أمارات الريب فإن ذكر من الأعذار ما يحتمله حاله كف عن عن زجره وأمره بإخفاء أكله لئلا يعرض نفسه للتهمة ولا يلزم أحلافه عند الاسترابة بقوله لأنه موكول إلى أمانته فإن لم يذكر عذرا جاهر بالإنكار عليه مجاهرة ردع وأدبه تأديب زجر وهكذا لو علم عذره في كل أنكر عليه المجاهرة بتعويض 0 نفسه للتهمة ولئلا يقتدي به من ذوي الجهالة ممن لا يميز حال عذره من غيره

وأما الممتنع من إخراج الزكاة فإن كان من الأموال الظاهرة فعامل الصدقة يأخذها منه جبرا أخص وهو بتعزيره على الغلول إن لم يجد له عذرا أحق وإن كان من الأموال الباطنة ويحتمل أن يكون العامل بالإنكار عليه من عامل الصدقة لأنه لا اعتراض للعامل في الأموال الباطنة ويحتمل أن يكون العامل بالإنكار عليه أخص لأنه لو دفعها له أجزاه ويكون تأديبه معتبرا بشواهد حاله في الامتناع من إخراج زكاته فإن ذكر أنه يخرجها سرا وكل إلى أمانته فيها وإن رأى رجلا يتعرض لمسألة الناس في طلب الصدقة وعلم أنه غني إما بمال أو عمل أنكره عليه وأدبه فيه وكان المحتسب بإنكاره أخص من عامل الصدقة قد فعل عمر رضي الله عنه مثل ذلك بقوم من أهل الصدقة ولو رأى عليه آثار الغنى وهو يسأل الناس أعلمه تحريمها على المستغني عنها ولم ينكره عليه لجواز أن يكون في الباطن 0 فقيرا وإذا تعرض للمسألة ذو جلد وقوة على العمل زجره وأمره أن يتعرض للإحتراف بعمله فإن أقام على المسألة عزره حتى يقلع عنها وإن دعت الحالة عند إلحاح من حرمت عليه المسألة بمال أو عمل إلى أن ينفق على ذي المال جبرا من ماله ويؤجر ذا العمل وينفق عليه من أجرته لم يكن للمحتسب أن يفعل ذلك بنفسه لأن هذا حكم الحاكم به أحق فيرفع أمره إلى الحاكم ليتولى ذلك أو يأذن فيه


280
0

وإذا وجد من يتصدى لعلم الشرع وليس من أهله من فقيه أو واعظ ولم يأمن اغترار الناس به في سوء تأويل أو تحريف جواب أنكر عليه التصدي لما ليس هو من أهله وأظهر أمره لئلا يغتر به ومن أشكل عليه أمره لم يقدر عليه بالإنكار إلا بعد الاختبار قد مر علي بن أبي طالب عليه السلام بالحسن البصري وهو يتكلم على الناس فاختبره فقال له ما عماد الدين فقال الورع قال فما آفته قال الطمع قال تكلم الآن إن شئت وهكذا لو ابتدع بعض المنتسبين إلى العلم قولا خرق به الإجماع وخالف فيه النص ورد قوله علماء عصره أنكره عليه وزجره عنه فإن أقلع وتاب وإلا فالسلطان بتهذيب الدين أحق وإذا تعرض بعض المفسرين لكتاب الله تعالى بتأويل عدل فيه عن ظاهر التنزيل إلى باطن بدعة تتكلف له غمض معانيه أو تفرد بعض الرواة بأحاديث مناكير تنفر منها النفوس أو 0 يفسد بها التأويل كان على المحتسب إنكار ذلك والمنع منه هذا إنما يصح منه إنكاره إذا تميز عنده الصحيح من الفاسد والحق من الباطل وذلك من أحد وجهين إما أن يكون بقوته في العلم واجتهاده فيه حتى لا يخفى ذلك عليه وإما بأن يتفق علماء الوقت على إنكاره وابتداعه فيستعدونه فيه فيعول في الإنكاره على أقاويلهم وفي المنع منه على اتفاقهم

وأما ما تعلق بالمحظورات فهو أن يمنع الناس من مواقف الريب ومظان التهمة فقد قال النبي A دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فيقدم الإنكار ولا يعجل بالتأديب قبل الإنكار حكى إبراهيم النخعي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه نهى الرجال أن يطوفوا مع النساء فرأى رجلا يصلي مع النساء فضربه بالدرة فقال الرجل والله إن كنت أحسنت لقد ظلمتني وإن كنت أسأت فما علمتني فقال عمر أما شهدت عزمتي فقال ما شهدت لك عزمة فألقي إليه الدرة وقال له اقتص قال لا أقتص اليوم قال فاعف عني قال لا أعفو عنك 0 فافترقا على ذلك ثم لقيه من الغد فتغير لون عمر فقال له الرجل يا أمير المؤمنين كأني أرى ما كان مني قد أسرع فيك فقال أجل قال فأشهد الله أني قد عفوت عنك وإذا


281
رأى رجل مع إمرأة في طريق سابل لم تظهر منهما أمارات الريب لم يتعرض عليهما بزجر ولا إنكار فما يجد الناس بدا من هذا

وإن كانت الوقفة في طريق خال فخلو المكان ريبة فينكرها ولا يعجل بالتأديب عليهما حذرا من أن تكون ذات محرم وليقل إن كانت ذات محرم فصنها عن مواقف الريب وإن كانت أجنبية فخف الله تعالى من خلوة تؤديك إلى معصية الله تعالى وليكن زجره بحسب الأمارات حكى أبو الأزهر أن ابن عائشة رأى رجلا يكلم امرأة في طريق فقال له إن كانت حرمتك إنه لقبيح بك أن تلكمها بين الناس وإن لم تكن حرمتك فهو أقبح ثم ولى عنه وجلس للناس يحدثهم فإذا برقعة قد ألقيت في حجره مكتوب فيها

( إن التي أبصرتني

سحرا أكلمها رسول
أدت إلي رسالة
كادت لها نفسي تسيل
من فاتر الألحاظ يجذب
خصره ردف ثقيل
متنكبا قوس الصبا
يرمي وليس له 0 رسيل
فلو أن أذنك بيننا
حتى تسمع ما نقول
لرأيت ما استقبحت من
أثري هو الحسن الجميل) فقرأها ابن عائشة ووجد مكتوبا على رأسها أبو نواس فقال ابن عائشة مالي وللتعرض لأبي نواس وهذا القدر من إنكاره ابن عائشة كاف لمثله ولا يكون لمن ندب للإنكار من ولاة الحسبة كافيا وليس فيما قال أبو نواس تصريح بفجور لاحتمال أن يكون إشارة إلى ذات محرم وإن كانت شواهد حاله وفحوى كلامه ينطقان بفجوره وريبته فيكون من مثل أبي نواس منكرا وإن جاز أن لا يكون من غيره منكرا فإذا رأى المحتسب في هذه الحال ما ينكره تأنى وفحص وراعى شواهد الحال ولم يعجل بالإنكار قبل الإستخبار كالذي رواه ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة قال بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه يطوف بالبيت إذ رأى رجلا يطوف وعلى عاتقه امرأة مثل المهاة يعني حسنا وجمالاوهو يقول
282

(قدت لهذي جملا ذلولا

موطأ أتبع الشهولا
أعد لها بالكف أن تميلا
أحذر أن تسقط أو تزولا
أرجو بذاك نائلا جزيلا) فقال له عمر رضي الله عنه يا عبد الله من هذه التي وهبت لها حجك قال أمرأتي يا أمير المؤمنين وإنها حمقاء مرغامة أكول قمامة لا يبقى لها خامة فقال له مالك لا تطلقها قال إنها حسناء لا تفرك وأم صبيان لا تترك قال فشأنك بها قال أبو زيد المرغام المختلط فلم يقدم عليه بالإنكار حتى استخبره فلما انتفت عنه الريبة لأن له وإذا جاهر رجل بإظهار الخمر فإن مكان مسلما أراقها عليه وأدبه وإن كان ذميا أدبه على إظهارها

واختلف الفقهاء في إراقتها عليه فذهب أبو حنيفة إلى أنها لا تراق عليه لأنها عنده من أموالهم المضنونة في حقوقهم ومذهب الشافعي أنها تراق عليهم لأنها لا تضمن عنده في حق مسلم ولا كافر وأما المجاهرة 0 بإظهار النبيذ فعند أبي حنيفة أنه من الأموال التي يقر المسلمون عليها فيمنع من إراقته ومن التأديب على إظهاره وعند الشافعي أنه ليس بمال كالخمر وليس إراقته غرم فيعتبر وإلى الحسبة بشواهد الحال فيه فينهي فيه عن المجاهرة ويزجر عليها إن كان لمعاقرة ولا يريقه عليه إلا أن يأمره بإراقته حاكم من أهل الاجتهاد لئلا يتوجه عليه غرم إن حوكم فيه وأما السكران إذا تظاهر بسكره وسخف بهجره على السكر والهجر تعزيرا لا حدا لقلة مراقبته وظهور سخفه

وأما المجاهرة بإظهار الملاهي المحرمة المحتسب أن بفصلها حتى تصير خشبا لتزول عن حكم الملاهي ويؤدب على المجاهرة بها ولا يكسرها إن كان خشبها يصلح لغير الملاهي وأما اللعب فليس يقصد بها إلف البنات لتربية الأولاد وفيها وجه من وجوه التدبير تقارنه معصية بتصوير ذوات الأزواج ومشابهة الأصنام


283
فللتمكين منها وجه وللمنع منها وجه وبحسب ما تقتضيه شواهد الأحوال يكون إنكاره وإقراره قد دخل النبي A على عائشة رضي الله عنها وهي تعلب بالبنات فأقرها ولم ينكر عليها وحكى أن أبا سعيد الأصطخري من أصحاب الشافعي تقلد حسبة بغداد أيام المقتدر فأزال سوق الدادي ومنع وقال لا يصلح إلا للنبيذ المحرم وأقر سوق اللعب ولم يمنع منها وقال قد كانت عائشة رضي الله عنها تلعب بالبنات بمشهد رسول الله A فلم ينكره عليها وليس ما ذكره من اللعب بالبعيد من الاجتهاد

فأما سوق الدادي فالأغلب من حاله أنه لا يستعمل إلا في النبيذ وقد يجوز أن يستعمل نادرا في الدواء وهو بعيد فبيعه عند من يرى إباحة النبيذ جائز لا يكره وعند من يرى تحريمه جائز لجواز استعماله في غيره ومكروه اعتبارا بالأغلب من حاله وليس منع أبي سعيد منه لتحريم بيعه عنده وإنما 0 منع من المظاهرة بإفراد سوقه والمجاهرة ببيعه إلحاقا له بإباحة ما إتفق الفقهاء على إباحة مقصده ليقع لعوام الناس الفرق بينه وبين غيره من المباحات وليس يمنع إنكار المجاهرة ببعض المباحات كما ينكر المجاهرة بالمباح من مباشرة الأزواج والأماء وأما ما لم يظهر من المحظورات فليس للمحتسب أن يتجسس عنها ولا أن يهتك الأستار حذرا من الاستتار بها قال النبي A من أتى من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله فإنه من يبد لنا صفحته نقم حد الله تعالى عليه

فإن غلب على الظن استسرار قوم بها لأمارات دلت آثار ظهرت فلذلك ضربان أحدهما أن يكون ذلك في انتهاك حرمة يفوت استدراكها مثل أن يخبره من يثق بصدقه أن رجلا يأمر ليزني أو برجل ليقتله فيجوز له في مثل هذه الحالة أن يتجسس ويقدم على الكشف والبحث حذرا من فوات ما لا يستدرك من انتهاك المحارم


284
وراتكاب المحظورات وهكذا لو عرف ذلك قوم من المتطوعة جاز لهم الإقدام على الكشف والبحث في ذلك والإنكار كالذي كان من شأن المغيرة بن شعبة

فقد روى أنه كان تختلف إليه بالبصرة أمرأة من بني هلال يقال لها أم جميل بنت محجم بن الأفقم وكان لها زوج من ثقيف يقال له الحجاج بن عبيد فبلغ ذلك أبا بكرة بن مسروح وسهل بن معبد ونافع بن الحارث وزياد بن عبيد فرصدوه حتى إذا دخلت عليه هجموا عليهما وكان من أمرهم في الشهادة عليه عند عمر رضي الله عنه ما هو مشهور فلم ينكر عليهم عمر رضي الله عنه هجومهم وإن كان حدهم القذف عند قصور الشهادة والضرب الثاني ما خرج عن هذا الحد هذه الرتبة فلا يجوز التجسس عليه ولا يكشف الأستار عنه

حكي أن عمر رضي الله عنه دخل على قوم يتعاقرون على شراب ويوقدون في أخصاص فقال نهيتكم عن المعاقرة ونهيتكم عن 0 الإيقعاد في الأخصاص فأوقدتم فقالوا يا أمير المؤمنين قد نهاك الله عن التجسس فتجسست ونهاك عن الدخول بغير إذن فدخلت فقال عمر رضي الله عنه هاتان بهاتين وانصرف ولم يتعرض لهم فمن سمع أصوات ملأة منكرة من دار تظاهر أهلها بأصواتهم أنكرها خارج الدار ولم يهجم عليه بالدخول لأن المنكر ظاهر وليس عليه أن يكشف عما سواه من الباطن

وأما المعاملات المنكرة كالزنا والبيوع الفاسدة وما منع الشرع منه مع تراضي المتعاقدين به إذا كان متفقا علىحظره فعلى والي الحسبة إنكاره والمنع منه والزجر عليه وأمره في التأديب مختلف بحسب الأحوال وشدة الحظر وأما ما إختلف الفقهاء في حظره إباحته فلا مدخل له في إنكاره إلا أن يكون مما ضعف الخلاف فيه كان ذريعة إلى محظور متفق عليه كربا النقد فالخلاف فيه ضعيف وهو ذريعة إلى ربا النساء المتفق على تحريمه فهل يدخل في إنكاره بحكم ولايته أم لا على ما قدمناه من الوجهين وفي معنى المعاملات 0 وإن لم تكن منها عقود المناكح المحرمة ينكرها إن إتفق العلماء


285
على حظرها ولا يتعرض لإنكارها إن اختلف الفقهاء فيها إلا أن يكون مما ضعف الخلاف فيه وكان ذريعة إلى محظور متفق عليه كالمتعة فربما صارت ذريعة إلى استباحة الزنا ففي إنكاره لها وجهان وليكن بدل إنكاره لها الترغيب في العقود المتفق عليها ومما يتعلق بالمعاملات غش المبيعات وتدليس الأثمان فينكره ويمنع منه ويؤدب عليه بحسب الحال فيه وروى عن النبي A أنه قال ليس منا من غش

فإن كان هذا الغش تدليسا على المشتري ويخفي عليه فهو أغلظ الغش تحريما وأعظمها مأثما فالإنكار عليه أغلظ والتأديب عليه أشد وإن كان لا يخفي على المشتري كان أخف مأثما وألين إنكارا وينظر في مشتريه فإن اشتراه ليبيعه من غيره توجه الإنكار على البائع لغشه وعلى المشتري بابتياعه لأنه قد يبيعه لمن لا يعلم بغشه فإن كان يشتريه ليستعمله خرج المشتري من جملة الإنكار 0 وتفرد البائع وحده وكذلك القول في تدليس الأثمان ويمنع من تصرية المواشي وتحفيل ضروعها عند البيع للنهي عنه فإنه نوع من التدليس

ومما هو عمدة نظره من التطفيف والبخس في المكاييل والموازين والصنجات لوعيد الله تعالى عليه عند نهيه عنه وليكن الأدب عليه أظهر والمعاقبة فيه أكثر ويجوز له إذا استراب بموازين السوقة ومكاييلهم أن يختبرها ويعايرها ولو كان له على ما عايره منها طابع معروف بين العامة لا يتعاملون إلا به كان أحوط وأسلم فإن فعل ذلك وتعامل قوم بغير ما طبع بطابعه توجه الإنكار عليهم إن كان مبخوسا من وجهين أحدهما لمخالفته في العدول عن مطبوعه وإنكاره من الحقوق السلطانية والثاني للبخس والتطفيف في الحق وإنكاره من الحقوق الشرعية فإن كان ما تعاملوا به من غير المطبوع سليما من بخس ونقص توجه الإنكار عليهم بحق السلطنة وحدها لأجل المخالفة وإن زور قوم طابعه كان المزور فيه كالمبهرج على طابع الدراهم 0 والدنانير


286
فإن قرن التزوير بغش كان الإنكار عليه والتأديب مستحقا من وجهين أحدهما في حق السلطنة من جهة التزوير والثاني من جهة الشرع في الغش وهو أغلظ التكوين وإن سلم التزوير من غش تفرد بالإنكارالسلطاني منهما فكان أحقهما إذا اتسع البلد حتى إحتاج أهله فيه كيالين ووزانين ونقادين تخيرهم المحتسب ومنع أن ينتدب لذلك إلا من ارتضاه من الأمناء الثقات وكانت أجورهم من بيت المال إن اتسع لها فإن ضاق عنها قدرها لهم حتى لا يجري بينهم فيها استزادة ولا نقصان فيكون ذلك ذريعة إلى الممايلة والتحيف في مكيل أو موزون وقد كان الأمراء يقومون باختيارهم وترتيبهم لذلك ويثبتونهم بأسمائهم في الدواوين حتى لا يختلط بهم غيرهم ممن لا تؤمن وساطته فإن ظهر أحد هؤلاء المختارين للكيل والوزن تحيف في تطفيف أو ممايلة في زيادة أدب وأخرج عن جملة المختارين ومنع 0 أن يتعرض للوساطة بين الناس وكذلك القول في اختيار الدلالين يقر منهم الأمناء ويمنع الخونة وهذا مما يتولاه ولاة الحسبة إن قعد عنه الأمراء وأما اختيار القسام فالقضاة أحق باختيارهم من ولاة الحسبة لأنهم قد يستنابون في أموال الأيتام والغيب

وأما اختيار الحراسيين في القبائل والأسواق فإلى حماة وأصحاب المعاون وإذا وقع في التطفيف تخاصم جاز أن ينظر المحتسب إن لم يكن مع الخصم فيه تجاحد وتناكر فإن أفضى إلى تجاحد وتناكر كان القضاة أحق النظر فيه من ولاة الحسبة لأنهم بالأحكام أحق وكان التأديب فيه إلى المحتسب فإن تولاه الحاكم جاز لاتصاله بحكمهم ومما لا ينكره المحتسب في العموم ولا ينكره في الخصوص والآحاد التبايع بما لم يألفه أهل البلد من المكاييل والأوزان التي لا تعرف فيه إن كانت معروفة في غيره فإن تراضى بها اثنان لم يعترض عليهما بالإنكار والمنع ويمنع أن يرتسم بها قوم من العموم لأنه قد يعاملهم فيها 0 من لا يعرفها فيصيرمغرورا

وأما ما ينكر من حقوق الآدميين المحضة فمثل أن يتعد رجل في حد لجاره أو في حريم لداره أو في وضع أجذاع على جداره فلا اعتراض للمحتسب فيه ما لم يستعده الجار لأنه حق يخصه فيصح منه العفو عنه والمطالبة به فإن خاصمه فيه كان للمحتسب


287
النظر فيه إن لم يكن بينهما تنازع وتناكل وأخذ المتعدي بإزالة تعديه وكان له تأديبه عليه بحسب شواهد الحال فإن تنازعا كان الحاكم بالنظر فيه أحق ولو أن الجار أقر جاره على تعديه وعفا عن مطالبته بهدم ما تعدى فيه ثم عاد مطالبا بعد ذلك كان له ذلك وأخذ المتعدي بعد العفو عنه بهدم ما بناه ولو كان قد ابتدأ البناء ووضع الأجذاع بإذن الجار ثم رجع الجار في إذنه لم يؤخذ الثاني بهدمه لو انتشرت أغصان الشجرة إلى دار جاره كان للجار أن يستعدي المحتسب حتى يعديه على صاحب الشجرة ليأخذه بإزالة ما انتشر من أغصانها في داره ولا تأديب عليه لأن انتشارها ليس من فعله ولو انتشرت عروق الشجرة تحت الأرض حتى دخلت في قرار أرض الجار لم يؤخذ بقلعها ولم يمنع الجار من التصرف في قرار أرضه وإن قطعها وإذا نصب الملك تنورا في داره فتأذى الجار بدخانه 0 لم يعترض عليه ولم يمنع منه وكذلك لو نصب في دراه رحى أو وضع فيها حدادين أو قصارين لم يمنع لأن للناس التصرف في أملاكمهم بما أحبوا وما يجد الناس من مثل هذا بدا وإذا تعدى مستأجر على أجير في نقصان أجرة أو استزادة عمل كفه عن تعديه وكان الإنكار عليه معتبرا بشواهد حاله ولو قصر الأجير في حق المستأجر فنقصه من العمل أو استزاده في الأجرة منعه منه وأنكره عليه إذا تخاصما إليه فإن اختلفا وتناكرا بالنظر بينهما أحق

ومما يؤخذ ولاة الحسبة بمراعاته من أهل الصنائع في الأسواق ثلاثة أصناف منهم من يراعي عمله في الوقور والتقصير ومنهم من يرعى حاله في الأمانة والخيانة ومنهم من يراعي عمله في الجودة والرداءة فأما من يراعى في الوقور والتقصير فكالطبيب والمعلمين لأن الطبيب إقداما على النفوس يفضي التقصير فيه إلى تلف أو سقم وللمعلمين من الطرائق التي ينشأ الصغار عليها ما يكون نقلهم عنها بعد الكبر عسيرا فيقر منهم من توفر 0 عمله وحسنت طريقته ويمنع من قصر وأساء من التصدي لما يفسد به النفوس وتخبث به الآداب وأما من يراعي حاله في الأمانة والخيانة فمثل الصاغة والحاكة والقصارين والصباغين


288
لأنهم ربما هربوا بأموال الناس فيراعى أهل الثقة والأمانة منهم فيقرهم ويبعد من ظهرت خيانته ويشهر أمره لئلا يغتر من لا يعرفه وقد قيل إن الحماة وولاة المعاون أخص بالنظر في أحوال هؤلاء من ولاة الحسبة وهو الأشبه لأن الخيانة تابعة للسرقة

وأما من يراعي عمله في الجودة والرداءة مما ينفرد بالنظر فيه ولاة الحسبة ولهم أن ينكروا عليهم في العموم فساد العمل ورداءته وإن لم يكن فيه مستعد وأما في عمل مخصوص اعتاد الصانع فيه الفساد والتدليس فإذا استعداه الخصم قابل عليه بالإنكار والزجر فإن تعلق بذلك غرم روعي حال الغرم فإن افتقر إلى تقدير أو تقويم لم يمكن للمحتسب أن ينظر لافتقاره إلى اجتهاد حكمي وكان القاضي بالنظر فيه أحق وإن لم يفتقر إلى تقدير ولا تقويم واستحق فيه المثل الذي لا اجتهاد فيه ولا تنازع فللمحتسب أن 0 ينظر فيه بإلزام الغرم والتأديب على فعله لأنه أخذ بالتناصف وزجر عن التعدي

ولا يجوز أن يسعر على الناس الأقوت ولا غيرها في رخص ولا غلاء وأجازه مالك في الأقوات مع الغلاء وأما ما ينكر من الحقوق المشتركة بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين فكالمنع من الإشراف على منازل الناس ولا يلزم من علا بناؤه أن يستر سطحه وإنما يلزم أن لا يشرف على غيره ويمنع أهل الذمة من تعلية أبنيتهم على أبنية المسلمين فإن ملكوا أبينة عالية أقروا عليها ومنعوا من الإشراف منها على المسلمين وأهل الذمة بما شرط عليهم في ذمتهم من لبس الغيار والمخالفة في الهيئة وترك المجاهرة بقولهم في العزير ويمنع عنهم من تعرض لهم من المسلمين بسب أو أذى ويؤدب عليه من خالف فيه وإذا كان في أئمة المساجد السابلة والجوامع الجفلة من يطيل الصلاة حتى يعجز عنها الضغفاء وينقطع بها ذوو الحاجات أنكر ذلك عليه كما أنكره رسول الله A على معاذ 0 بن جبل حين أطال الصلاة بقومه وقال أفتان أنت يا معاذ


289
فإن أقام على الإطالة ولم يمتنع منها لم يجز أن يؤديه عليها ولكن يستبدل به من يخففها وإذا كان في القضاة من يجب الخصوم إذا قصدوه ويمتنع من النظر بينهم إذا تحاكموا إليه حتى تقف الأحكام ويستضر الخصوم فللمحتسب أن يأخذه مع ارتفاع الأعذار بما ندب له من نظر بين المتحاكمين وفصل القضاء بين المتنازعين ولا يمنع علو رتبته من إنكار ما قصر فيه

قد مر إبراهيم بن بطحاء والى الحسبة بجانبي بغداد بدار أبي عمر بن حماد وهو يومئذ قاضي القضاة فرأى الخصوم جلوسا على بابه ينتظرون جلوسه للنظر بينهم وقد تعالى النهار وهجرت الشمس فوقف واستدعى حاجبه وقال تقول لقاضي القضاة الخصوم جلوس على الباب وقد بلغتهم الشمس وتأذوا بالإنتظار فإما جلست لهم أو عرفتهم عذرك فينصرفوا ويعودوا وإذا كان سادة العبيد من يستعملهم فيما لا يطيقون الدوام 0 عليه كان منعهم والإنكار عليهم موقوفا على استعداد العبيد على وجه الإنكار والعظة فإذا استعدوه منع حينئذ وزجر

وإذا كان من أرباب المواشي من يستعملها فيما لا تطيق الدوام عليه أنكره المحتسب عليه ومنعه منه وإن لم يكن فيه مستعد إليه فإن أدعى المالك احتمال البهيمة لما يستعملها فيه جاز للمحتسب أن ينظر فيه لأنه وإن افتقر إلى اجتهاد فهو عرفي يرجع فيه إلى عرف الناس وعاداتهم وليس باجتهاد شرعي والمحتسب لا يمنع من اجتهاد العرف وإن امتنع من اجتهاد الشرع وإذا استعداه العبد في امتناع سيده من كسوته ونفقته جاز أن يأمره بهما ويأخذ بالتزامهما ولو استعداه من تقصير سيده فيهما لم يكن له في ذلك نظر ولا إلزام لأنه يحتاج في التقدير إلى اجتهاد شرعي ولا يحتاج في إلتزام الأصل إلى اجتهاد شرعي لأن التقديرمنصوص عليه ولزومه غير منصوص عليه

وللمحتسب أن يمنع أرباب السفن من حمل مالا تسعه ويخاف منه غرقها وكذلك منعهم 0 من المسير عند اشتداد الريح وإذا حمل فيها رجال ونساء حجز بينهم بحائل وإذا اتسعت السفن نصب للنساء مخارج للبراز لئلا يتبرجن عند الحاجة


290
0 وإذا كان في أسهل الأسواق من يختص بمعاملة النساء راعى المحتسب سيرته وأمانته فإذا تحققها منه أقره على معاملتهن وإن ظهرت منه الريبة وبان عليه الفجور منعه من معاملتهن وأدبه على التعرض لهن وقد قيل إن حماة وولاة المعاون أخص بإنكار هذا والمنع منه من ولاة الحسبة لأنه من توابع الزنا

وينظروا إلى الحسبة في مقاعد الأسواق فيقر منها مالا ضرر فيه على المارة ويمنع ما استضر به المارة ولا يقف منعه على الاستعداء إليه وجعله أبو حنيفة موقوفا على الاستعداء إليه وإذا بنى قوم في طريق سابل منع منه وإن اتسع الطريق يأخذهم بهدم ما بنوه ولو كان المبنى مسجدا لأن مرافق الطرق للمساوك لا للأبنية وإذا وضع الناس الأمتعة وآلات الأبنية في مسالك الشوارع والأسواق ارتفاقا لينقلوه حالا بعد حال مكنوا منه إن لم يستضر به المارة ومنعوا منه إن استضروا 0 به وهكذا القول في خراج الأجنحة والأسبطة ومجاري المياه وآبار الحشوش يقر ما لا يضر ويمنع ما ضر ويجتهد المحتسب رأيه فيما ضر وما لم يضر لأنه من الاجتهاد العرفي دون الشرعي والفرق بين الاجتهاد الشرعي ما روعي فيه أصل ثبت حكمه بالشرع والاجتهاد العرفي ما روعي فيه أصل ثبت حكمه بالعرف ويوضح الفرق بينهما بتمييز ما يسوغ فيه اجتهاد المحتسب مما هو ممنوع الاجتهاد فيه ولوالي الحسبة أن يمنع من نقل الموتى من قبورهم إذا دفنوا ملك أو مباح إلا من أرض مغصوبة فيكون لمالكها أن يأخذ من دفنه فيها بنقله منها واختلف في جواز نقلهم من أرض قد لحقها سيل أو ندى فجوزه الزبيري وأباه غيره ويمنع من خصاء الآدميين والبهائم ويؤدب عليه وإن استحق فيه قود أو دية استوفاه لمستحقه ما لم يكن فيه تناكر وتنازع ويمنع من خصاب الشيب بالسواد إلا للمجاهدة في سبيل الله ويؤدب من يصبغ به للنساء ولا يمنع من الخضاب بالحناء والكتم ويمنع 0 من التكسب بالكهانة واللهو


291
ويؤدب عليه الآخذ والمعطي وهذا فضل يطول أن يبسط لأن المنكرات لا ينحصر عددها فتستوفي وفيما ذكرناه من شواهدها دليل على ما أغفلناه

والحسبة من قواعد الأمور الدينية وقد كان أئمة الصدر الأول يباشرونها بأنفسهم لعموم صلاحها وجزيل ثوابها ولكن لما أعرض عنها السلطان وندب لها من هان وصارت عرضة للتكسب وقبول الرشا لأن أمرها هان على الناس خطرها وليس إذا وقع الإخلال بقاعدة سقط حكمها وقد أغفل الفقهاء عن بيان أحكامها ما لم يجز الإخلال به وإن كان أكثر كتابنا هذا يشتمل على ما قد أغفله الفقهاء أو قصروا فيه فذكرنا ما أغفلوه واستوفينا ما قصروا فيه وأنا أسأل الله توقيقنا لما توخيناه وعونا على ما نويناه بمنه ومشيئته وهو حسبي ونعم الوكيل