الأرجنتين وآراء العباقرة حول كتاب الفردوس الأعلى ققق بيان لم يظهر كتاب (الفردوس الأعلى) لشيخنا واستاذنا الأمام آية الله كاشف الغطاء دام ظله من المطبعة – الطبعة الأولى - ويصل الى بعض الصحف العراقية وغيرها الا ونوهوا به واعلنوا عنه ايجازاً من بعض وتفصيلاً من آخرين وحيـث ان احسـن من كتب في هذا الموضوع وادى بعض حقه او كل ما هو اهل له عباقرة صحافي (المهجر) وادبائهم اللامعين والغيارى على الأسلام والعروبة والعلم والفضيلة في (بوئنوس آيرس) من الأرجنتين (اميركا الجنوبية) كالاستاذ عبد اللطيف الخشن في صحيفته الغراء (العالم العربي) والأستاذ الشيخ يوسف كمال في مجلته الزاهرة (الرفيق) والأستاذ الفاضل (صارمي) في مجلته الباهرة (المواهب) ونحن من اجل بيان فضلهم وتقدير معارفهم وسمو مداركهم ونفوذ افكارهم الى اعماق الفضائل واسرار العلوم والحقائق كما يتجلى ذلك من نفحات الفاظهم ورشحات اقلامهم وبديع اساليبهم ننشر هنا ما ذكروا ونذكر ما نشروا واننا اذ ننشر نص كلماتهم في هذه الطبعة الثانية انما نريد تخليد فخرهم وتشييد ذكرهم والاعتراف في صدر الكتاب بمعروفهم ومعارفهم زادهم الله كرامة وفضلاً وشهامة ونبلاً واليك مقال كل واحد من تلك الصحف على ترتيب ما وردنا منهم ومن الله نستمد التوفيق ونسأل التأييد. القاضي الطباطبائي (الكلمة الأولى) (للعالم العربي) ننقلها عن مجلة (الغري) الغراء عدد 6 السنة الرابعة عشر النجف الأشرف الفردوس الأعلى في نظر الصحافة الأمريكية صدر الأمام الأكبر آية الله كاشف الغطاء آخر مؤلف له ــ وما اكثر مؤلفاته وفيوضاته ـــ وسماه بـ(الفردوس الأعلى) لما فيه من مختلف ازهار العلوم وباقات الفكر والفلسفة، ولما فيه من حياة الروح وسعادة الفكر، ومتعة النفس ولما فيه من الهداية الى الأيمان بالله، والاعتقاد باليوم الآخر. وقد جاء هذا الكتاب كسائر مؤلفات الأمام – مفرغة عن بيان ساحر وحقائق علمية ناصعة، ومؤلفة عن حاجة والحاح وضرورة – وانتشر كأخواتها في آفاق العالم وانحاء البلاد حتى وصل الى اميركا واطلع عليه ذلك العالم الجديد البعيد فكتب صحفيها البارع عن مدى تأثير الكتاب على ذهنية ذلك العالم ومدى تأثيرهم به ونحن نقتطف هذه الكلمة البليغة عن صحيفة (العالم العربي) الصادرة في الارجنتين نظراً لاهميتها وايفائها حق الكتاب وحق مؤلفه الامام (حفظه الله) بقدر المستطاع. ((الغري)) سماحة الامام الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء العراقي النجفي، ربما كان بين علماء المسلمين اليوم ابعدهم صيتاً واغزرهم علماً واكثرهم انتاجاً فيما اذا توفرت الاسباب. وبالرغم من السنين الطوال. البالغة السبعة عقود التي ينوء تحتها هذا الفيلسوف الكبير، لا يزال قلمه جمرة تستعر دفاعاً عن الدين، وكرامته، والعروبة، ومناوئيها، بل لا يزال الامام آل كاشف الغطاء يتدفق فلسفة، وعبقرية وبحثاً وتدقيقاً، حتى غدا مرجعاً دينياً للعرب، والعجم من المسلمين. الفردوس الاعلى لقد اهدانا الامام الحجة نسخة من مؤلفه الجديد الذي اطلق عليه اسم (الفردوس الاعلى) وبالرغم من عرفنا في اعمالنا اليومية حتى الاسنان والاذقان حاولنا ان نكتفي من معدن علاّمتنا الاكبر بنهلة، وانكببنا على مطالعة (الفردوس الاعلى) ولكن النفس المتعطشة الى كل جديد المتعشقة ما ينتجه قلم هذا الفيلسوف الكبير، لم يطف علتها بضع صفحات في الكتاب، بل اخذنا نشفع الكأس بالكأس والكوب بالكوب حتى الثمالة، وحتى وصلنا الى نهاية هذا الكتاب النفيس الذي يصح ان يكون مرجعاً للمؤمن، والكافر، للعابد والجاحد. ان اعظم ما لفت نظر ما في الكتاب، واعادنا الى الاسلام الصحيح،.. وافرغ قلبنا من نزوات الشك، وسقطات الظن، والتقدير، وابعد عنا شيطان الوسوسة المباحث الآتية في الكتاب ((غيب ولكنه بلا ريب)) هذا الباب يتعلق بسيرة المعراج وحديث احضار آصف عرش بلقيس وغير ذلك، وفسر بعض الآيات القرآنية تفسيراً علمياً ينطبق على نظريات عميقة تهدي القارئ الى ضالته المنشودة عندما يتعسر عليه معرفة كنه اسرار غوامض الحياة من شتى النواحي وقد جال قلم المؤلف في تفسير المادة، والروح تفسيراً علمياً منقطع النظير ينطبق على اقوال الكثيرين من علماء هذا العصر ((حتى الذين لا يؤمنون بخلود الروح ولا بوجود الخالق)). يقول المؤلف مد الله في عمره: ((… ان في الانسان بدناً برزخياً بين الروح المجردة والبدن المادي، فاعلم ان هذا البدن قد تغلب عليه الناحية الروحية، والنزعات العقلية، فيغلب على الجسد المادي ويسخره لحكمه، ويكن تابعاً له، ومنقاداً لامره، وقد ينعكس الامر فتتغلب النواحي المادية، والشهوات الحسية على الملكات الروحية فتصير الروح مسخرة للمادة، تابعة لها منقادة لرغباتها، وشهواتها، وهنا تصير الروح مادة تهبط الى الدرك الاسفل وظلمات الجهالات، ولكنه اخلد الى الارض. وهناك تصير المادة روحاً حتى تخف، وتلطف، وتنطبع بطابع المجردات، فتسمو الى الملأ الاعلى في هذه الحياة الدنيا فضلاً عن الحياة الاخرى)). وقديماً قال بعض الشعراء في سوانحهم الشعرية: خفت وكادت ان تطير بجسمها وكذا الجسوم تخف بالأرواح وفي باب (المعاد الجسماني) للمؤلف براهين تهبط بالرجل الدهري من عالم المادة، الفارغ من جوهر الايمان الى العالم الملموس المحسوس وتوقفه على نافذة الحياة التي يرى منها شعاع النور الالهي. وفي باب (الزكاة والاشتراكية الصحيحة) والتعاون في الاسلام ما يغني العالم كله عن البحث في كيفية التعاون المشترك بين الفرد، والجماعات وبين الاسر والعائلات، وقد افاض العلامة آل كاشف الغطاء بالبحث عن الاشتراكية حتى صورها من افضل مزايا الاسلام. وهناك اسئلة واجوبة تتعلق في اصول الدين، وفروعه والفروض والفروع، وقد جاءت بعض فتاوي الحجة الامام آل كاشف الغطاء موافقة لروح العصر الحالي اذا لم تجيء كلها ((والذي لفت نظرنا هو ان سماحة المؤلف يستشهد كثيراً باقوال ابي هريرة، بينما زميله الامام السيد عبد الحسين آل شرف الدين (صور) جبل عامل، وقد فند جميع اقواله، في مؤلفه المشهور(ابو هريرة) وجردها من الحقائق، والاسانيد العلمية، التي يصح الاخذ بها والاعتماد عليها، ونحن لا نحاول بكلمتنا هذه ان نستبق الظروف, ونجعل من ضعفنا في التعرض للبحوث الدينية والعلمية قوة للخوض في معركة من هذه المعارك بينما يعلم الجميع ان هذه الجريدة لا تهتم الا للقضايا الوطنية البحتة، بقطع النظر عن احترامنا للدين، واربابه، ولعلماء الدين العاملين المخلصين كافة عامة). فإلى سماحته (سماحة الأمام آل كاشف الغطاء) تحياتنا وتهانينا الحارة بمؤلفه الجديد طالبين من الجمعيات الإسلامية المنتشرة في هذه الجمهورية وغيرها ان تطلب من هذا الكتاب نسخاً للمطالعة، والإهداء، وبذلك تعود هذه الجمعيات (بعد ان غرقت في بحر المادة) الى الحياة مرة ثانية فتقف امام الخالق الديان وقفة المعترف بذنوبه، المقر بعيوبه، وما في كتاب (الفردوس الأعلى) كفاية لمن يفتش عن ربه وعن ذنبه معاً!.. العالم العربي (الكلمة الثانية) عن مجلة الرفيق العدد 10 السنة 8 شهر رجب 1372هـ نيسان 1953م حول كتاب الفردوس الأعلى بقلم: الأستاذ احمد سليمان الأحمد الأديب البارع الشهير حفظه الله تمهيد صدر هذا الكتاب النفيس الرائع لمؤلفه الشهير مولانا الأمام الحجة الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء صاحب المؤلفات العديدة الفريدة والتي منها كتاب (الدين والاسلام) الذي اخذ شهرة واسعة في العالمين الشرق والغرب معاً فكان برهاناً ساطعاً للمطيعين. والفردوس الأعلى الذي بين ايدينا جامع للشروط والأحكام العصرية من دينية ومدنية، حاو لكثير من المسائل العلمية والفقهية لكبار علماء الأمة في مختلف البلدان الشرقية يستفتون الأمام كاشف الغطاء بها واجوبته الجليلة الواضحة عليها بما يقنع ويرضى كل سائل مستفيد. ونحن اذ نشكر لمولانا الحجة آل كاشف الغطاء هديته الثمينة ندعو بطول بقائه واسعاده لنتمتع ببركاته وادعيته وعلمه الغزير، وليس لنا ما نقول بعد هذه الكلمة التي ننشرها لشاعر شباب العرب الأستاذ احمد سليمان الأحمد بهذا المؤلف الغزير المادة والكثير المنفعة والفائدة كما ننشر بختامها بعض الأسئلة الواردة واجوبتها، وهذه كلمة الأستاذ الأحمد الموفقة وفقه الله وزيد في حياته ورضي عنه. (قلم التحرير) حول كتاب الفردوس الأعلى قال سبحانه وتعالى: [ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا]. بهذه الآية الكريمة صدر الأمام الحجة آية الله الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء كتابه الجديد (الفردوس الاعلى). وحقيق بنا ان نقف امام ما يكتبه هذا الامام الجليل، وان نسترسل معه في افاقة الفكرية ننهل من معين ينبوعه الفيّاض، او نقطف من غرس (فردوسه الاعلى). وحقيق بنا ان نذهب مع هذا العالم الفقيه كل مذهب في ابحاثه ونظراته ونستشف منها حقيقة الدين، هذا الدين الذي يبرأ من فريقين، يدعيه الاول وهو اشد ما يكون منه براءة، هذا الفريق الاول هو حزب الجمود والخرافات والاكاذيب والأضاليل والانعزال والكره والتعصب، يعد هذه المجموعة ديناً ولا يقول الا بها، فيشوه حقيقة الدين ويكون هؤلاء القائلون الحجة القوية بنظر الملاحدة الذين يميلون عن الدين ويغالون في التنكر لكل عظيم وجميل وسام فيه. ذاك الفريق الأول وهذا الفريق الثاني (الملاحدة) يلتقيان على صعيد واحد. كلاهما شقاء للإنسانية، وكلاهما لطخة عار في جبينها، بل في رأيي واعتقادي ان الفريق الأول اشد خطراً. والمجتمع الذي تفشو فيه هذه السموم هو مجتمع كتب عليه التأخر. في كتابة الأمام الحجة كاشف الغطاء وامثاله من المصلحين العظام ما يزيد ايماننا بالدين وبروحيته وبقداسته، وبانه الطريقة الوحيدة لإنقاذ العالم من التخبط من حمأة حلوله وشكوكه وظنونه، وما اكثر ما يثلج صدورنا، نحن دعاة الإصلاح ان نرى احبار امتنا تنهد للإصلاح الديني فلا تحيد خطوة واحدة عما يؤيده العقل، وعما يرتفع بالإنسان مادة وروحاً. ان النقيق المجرم الزري الذي قال بالخرافات والأوهام هو نفسه النقيق المجرم الزري الذي تهجم على حملة لواء الإسلام والأيمان، فماذا يقول الإسلام والأيمان، ويا ليت شعري أي معنى لحركة او نظرية واي قيمة لها اذا كان علم يبرأ منها ويبين اخطاءها ثم يعتنقها جاهل او خمسون جاهلاً. حدانا الى هذه العجالة الفكرية ما طلع علينا به علامتنا المرجع الديني الأعلى الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء في: (فردوسه الأعلى) وما دبجه قلمه البليغ من روائع الفكر والإلهام.. والحق ان مباحث العلامة الأكبر تمتاز بذلك التفكير المجرد، والإحاطة الشاملة في الموضوع، بل اسارع واقول ان ما يهتدى اليه من الشرح والتعليل وانارة السائل لما يعز نظيره ويكاد ينفرد به الشيخ الحجة من خوالج وخواطر وحقائق ودقائق. وقد هزنا بنوع خاص، وما اكثر قول الأمام الذي يأخذ بمجامع القلوب ويملك الأفكار والعقول ــ اقول لقد هزنا بنوع خاص وصفه لمن يجب او يجوز الأخذ عنه وتقليده فيقول: ((النظر الى مقدار انتاجه وكثرة مؤلفاته وعظيم خدماته المشرع والإسلام ومساعيه في صيانة الحوزة والذب عنها)). وما اروع واجل تفسيره، (()، لانخساف قمر العقل وانكساف شمس المعرفة، وما اعظم نصيحته في آخر الجواب: وان ابيت فطرح تلك الأخبار هو الأصح والله العالم. كم في نفس هذا العالم من هدى وعلم ومعرفة واصلاح، ويا حبذا لو تأخذ الأمة بنصائحه وتوجيهاته, اذاً لعادلنا عزنا وفوزنا في الدنيا والآخرة، وماذا اقوب في الامام الا ترديد بيت من قصيدة لمولاي الوالد وجهها جواباً لقصيدة ارسلها اليه الامام الحجة الشيخ محمد الحسين. فقال: بك ابن الرضى دالت الى العلم دولة بها خدمت بيض الصفائح اقلاما وماذا اقول في (الفردوس الاعلى) الا ان انقله بكليته للقاريء، وياحبذا لو عمم في البيوت ولو وعته القلوب التي تبصر. احمد سليمان الاحمد في عالم التأليف بقلم: آل كاشف الغطاء (الكلمة الثالثة) عن مجلة المواهب الفردوس الاعلى (بعض اسرار الحج) بحسب هذا المؤلف الجديد (( الفردوس الاعلى )) ان يكون بقلم الامام المجتهد الاكبر آية الله العلامة، سماحة حجة الاسلام الاشهر، الاجل الافقه الانور مولانا الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء متع الله الانام باطالة عمره الشريف فيأتي مطابقاً اسمه مسماه، ولفظه معناه، ويجيء آية في سلامة العقيدة والتفكير، وبلاغة التفسير والتعبير، وفي كشف دقائق الفقه والعرفان، وتوضيح اسرار العبادات والزكاة والحج والصوم ووحدة الوجود والمعاد الجسماني وغير ذلك بأجلى بيان واقوى برهان، عدا مقدمات حافلة الضرع جليلة النفع يحتوي عليها هذا الكتاب العظيم وعلى مسائل فقهية فسيحة الارجاء متشعبة الطرق متعددة المقاصد، مسائل يندر جداً في عصرنا هذا، عصر العلوم والفنون من بوسعه وطاقته الاجابة عنها بهذا البيان الشافي المبدع، والاسلوب الرشيق الممتع بهذه الحجج البالغة والادلة القاطعة، كما تكرم واجاب عنها صاحب (الفردوس الاعلى) اعلى الله كلمته، من طريق العقل الناضج الراجح والنقل الثابت الصحيح ولا غرابة، فاما منا آل كاشف الغطاء ان هو الا في الربيئة من اولئك الرجال الافذاذ الذين غاصوا بجهدهم واجتهادهم الى القرار في بحار علوم اهل العظمة آل بيت الرسول ائمة الهدى ومناثر الايمان والاسلام عليه وعليهم السلام، فأستخرجوا درر كلمهم من مكامنها وجواهر معانيهم من معادنها، ثم اخذوا يبثونها في النفوس كتابياً شريفاً وسنناً نبوية سنية، تصقل الافهام وتنير الأذهان وتهدى الى سواء السبيل فما اكبرها نعمة على الناس وما اجلها منة!. بئر معطلة وقصر مشرف مثل لآل محمد مستطرف فالقصر مجدهم الذي لا يرتقى والبئر علمهم الذي لا ينزف تعطف سماحة الأب الروحي البار سيدنا المؤلف الأمام فشرفنا ولسماحته اكمل الشكر، باهداء نسخة من ((فردوسه الأعلى)) صادرة من مدرسته في النجف الأشرف في 15 ربيع الأول 1372. وبكلمة الاهداء عليها بقلمه الشريف نراه يتلطف فيرغب الينا بان نطالعه بامعان وروية واستيعاب، ثم نفيه بعد ذلك حقه من نقد او رد، اما المطالعة بامعان فسمعاً وطاعة لما امر، واما النقد والرد، فأن من يطبقهما ــ بعرفنا ــ على هذا الكتاب القيم القويم، الذي ما خرج عن كونه تقريراً لأحكام الشريعة الإسلامية الغراء فانه يطيق الرد على كتاب الله وسنة نبيه (() وكلام الموالي اهل البيت المعصومين ((). وتتشرف ((المواهب)) بنقل الفصل الآتي ((بعض اسرار الحج)) من هذا الكتاب الجليل الذي يجدر بكل اديب عربي حق مسلم وغير مسلم ان يطالعه بامعان وروية ليتبين مقدار فضله ونفعه وحاجة النفوس الخير اليه، واليكه: انتهى عن مجلة المواهب العدد 9 – 10 – السنة الثامنة – جمادى الثانية ورجب (سنة 1372هـ، ص14) بسمه تعالى شأنه [الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا] (قرآن) الفردوس الأعلى تأليف سماحة الأمام آية الله العظمى الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء دام ظله وعليه تعليقات نفيسة بقلم: السيد محمد علي القاضي الطباطبائي ?? ?? ?? ?? (10) الفردوس الأعلى (5)_ الكلمة الأولى (7)_ الكلمة الثانية_اا (9)_ الكلمة_ الثالثة_ (3)_ مقدمة المؤلف__ بسمه تعالى مقدمة الطبعة الثانية (عرفت الله بفسخ العزائم) لمّا قضت العناية الإلهية وتقدير العزيز العليم في العام الماضي اعني سنة (1371هـ) بالتوفيق والتأييد، ووفقنا في النجف الأشرف لطبع كتاب (الفردوس الأعلى) من تصارنيف سماحة شيخنا واستاذنا الأمام آية الله كاشف الغطاء ــ وهو اليوم من اكبر مراجع الشيعة ومجتهديهم ــ متع الله الأمة بطول حياته وبقائه، بعد ان بذلنا الجهد في طبعه ونشره باهتمام الشاب النشيط في مطبعته الحيدرية، فبرز هذا الأثر الخالد الى عالم العلم والأدب، وما كان القصد الا خدمة الدين والمذهب وبث العلم ونشر الحقائق، وبعد برهة قليلة من زمن نشره وارتواء الناس من مناهله العذبة، وقعنا في المضايق المكربة بسبب بعض الحوادث العجيبة وتصارف الزمان والدهر الخوان، فعزمنا للقفول الى الأرض التي نشأنا فيها وفي قصد العود الى النجف الأشرف ــ مركز الفقاهة والثقافة العلمية والنزعات الأدبية ــ عاجلاً من دون تأن في ذلك ولا تأخير، فوردنا الى (تبريز) ووقعنا في الحوادث المزعجة التي تشمئز من سماعها النفوس الطيبة والقلوب النيرة، فعاقت هذه العوائق بيني وبين تلك الأمنية والرجوع الى الأرض المقدسة، ومن جراء ذلك لم اجد بداً الا التوقف والأقامة حتى تنفرج المضايق وتنقضي هذه الظروف بعون الله تعالى. وصار من العنايات الربانية في هذه الآونة الأخيرة ان قيض الله تعالى بعض الناشرين للعلوم والفضائل لطبع هذا الكتاب النفيس والسفر الجليل طبعاً ثانياً، بحلة قشيبة رائعة وطبعة جديدة طامحة، فكتبنا الى سماحة شيخنا الأمام دام ظله في النجف الأشرف، نستدعي الأذن في ذلك فتفضل علينا وعلى روّاد العلم وطلاب الفضيلة بالإجازة لتجديد طبعه، وامر بارسال نسخة مصححة بقلمه الشريف وفيها بعض الزيادات والتنقيحات، وامرني بتوقيعه المبارك بكتابه بعض التعاليق ايضاً زيادة على التعليقات التي كتبنا في الطبعة الأولى، وليس ذلك الا من الطافه الخاصة الينا، فبادرت لامتثال اوامره شاكراً لألطافه ولأرشاده الى ضالتي المنشودة وبغيتي المأمولة. وقد ساعدنا في امور الطبع والتصحيح ونشر هذا الأثر النفيس بأبهى حلة حضرة العالم الفاضل الأستاذ السيد محمد حسين الطباطبائي(1)، نسأل الله تعالى ان يوفقه وايانا لأداء امثال هذه الخدمات الدينية الى العالم الإسلامي والمجتمع المذهبي، ومن الله التوفيق وهو المستعان وعليه التكلان. تبريز ــ ايران. شوال المكرم 1372هـ ــ 1953م محمد علي القاضي الطباطبائي كلمة الأمام المجتهد الأكبر آية الله كاشف الغطاء المؤلف ــ ادام الله ظله ــ كمقدمة للكتاب ققق وله الحمد والمجد قال جلّ شأنه في محكم كتابه الكريم [وَمِنْ ءَايَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ ](1). وكما انّ الحكمة الأزلية والعناية الكلية قضت اختلاف افراد البشر وامتياز كل واحد عن الآخر في طوله وشكله وملامحه وسائر جوارحه بل وحتى في نبراته ونغمات صوته فلا تكاد تجد فردين من نوع الانسان يتساويان في كل المزايا الجسمية والزوايا العضوية من لون او لغة او غيرهما كل ذلك دليلا على عظيم القدرة وآية على باهر الصنعة وان سعة المشيئة لا حد لها ولا منتهى ثم وعلى هذا ومثله جعل اختلافهم في الإفهام والمدارك والشعور والميول والأذواق والغرائز ولعل اختلافهم وتباينهم في الأخلاق اكثر من اختلافهم في الخلق حكمة باهرة، وقدرة قاهرة، جلت وعظمت فوق العظمة والإجلال بما لا يتناهى من الكبرياء والكمال وكان من الغرائز والميول التي اودعها جل شأنه في هذا البدن النحيف، والجسم الضعيف منذ درج على الارض او صار يميز بين الطول والعرض، الميل والرغبة الملحة الى التأليف والجمع، من كل اصل وفرع، ينضم وتنتظم بها الرغبة المتوقدة الى التذوق والمشاركة في شتّى العلوم واكثر الفنون فما انتهى العقد الاول من اعوامي الا وقد شرعت او كرعت من مناهل علوم العربية والادب مبادئ الفقه واصوله واول تأليف برز لي في هذه البرهة كتاب (العبقات العنبرية في طبقات الجعفرية) مجلدان كله ادب وتاريخ ونوادر برزت نسخة واحدة منه الى المبيضة ارسلناها في ذلك العصر الى عم لنا كان في اصفهان كي يمثله للطبع فعاجله الأجل قبل انجاز العمل ومات وماتت تلك النسخة النفسية معه وقد علمنا انها ما نشرت ولكن لا نعلم اين قبرت وليس عندنا منه سوى مسودة الجزء الاول بخطنا قبل ستين سنة وقد انتهل من مشارع هذه النسخة جملة من ادباء العصر ونقلو الكثير من فرائدها الى مؤلفاتهم مع حفظ امانة النقل وبدونها، ثم لم تنطو صحيفة العقد الثاني من حياتنا الا ونحن منهمكون في طلب دائب وحركة سافرة بالاشتغال في علوم الحكمة والفلسفة والكلام عند اساطينها الذين هاجروا الى النجف الاشرف لتحصيل العلوم الشرعية عند مراجع الشيعة الاعاظم في اوائل القرن الرابع عشر مضافاً الى اشتغالنا في علوم البلاغة كالمعاني والبيان والبديع والرياضيات من الحساب والهيئة واضرابها بله الفقه واصوله والحضور في حوزة درس الطبقة العليا من الاساطين كالكاظمين صاحب العروة وصاحب الكفاية (() فقد لازمت الحضور عليه من السنة الثانية عشر هجرية الى حين وفاة الاول سنة 1337هـ والثاني سنة 1329هـ وعلى الشيخ الفقيه الهمذاني صاحب مصباح الفقيه المتوفي سنة 1322هـ وغير هؤلاء من الاعاظم (قدس الله اسرارهم) وفي حين الوقت الذي احضر عند هؤلاء الاساتذة الاعلام كانت لي حوزة درس من الافاضل المهاجرين لطلب العلم فكنت اكتب ما القاه من اساتذتي في الفقه واصوله واحرر ما القيه من الدروس على تلاميذي وفي هذه الآونة وانا في وسط العقد الثالث الفت شرح العروة في مجلدين كبيرين لم يطبع شيء منها الى الآن ومع استفراغ الوسع وبذل الجهود البليغة في علمي الفقه واصوله والحديث والتفسير ونحوهما وصرف اكثر ساعات يومي وليلتي فيها اجد في فؤادي شعلة متوقدة وعطشى ملتهباً يحفزني الى الانتهال والاشتعال بالعلوم الالهية، والمعارف العليا، والحكمة المتعالية، فكت ادرس في عين ذلك الوقت كتب صدر المتألهين (()(1) من مختصراته كالمشاعر والعرشية وشرح الهداية ومطولاته كالاسفار وشرح اصول الكافي ثم الح بي العطش والظمأ الى التماس جرعة من كتب العرفاء الشامخين كالفصوص والنصوص والفكوك وكثير من مثنويات ملا جلال الدين الرومي والجامي وشمس التبريزي والشبستري وغيرهم ممن نهج على منهاجهم وعرج في معراجهم فكنت لا اجد راحة وروحاً لروحي من عناء الحياة ومتاعب الكفاح لا بمزاولة الادب العربي والتلذذ بمطالعة كتب القوم والانس باشعارهم ومعارفهم حتى بلغت من ذلك على مثل ما قيل كنت اشرب ولا ارتوي فصرت ارتوي ولا اشرب، وعلى كل فلا اريد بكلمتي هذه ان اترجم لنفسي شؤون حياتي وكيف انقضت ساعات ايامي وليلاتي فان هذا يحتاج الى مؤلف ضخم كله عجائب وغرائب ودروس وحوادث وكوارث وعبر ولعل التاريخ يحتفظ بشيء منه ان كان لا يستطيع الاحتفاظ بكله، نعم جل القصد من هذه الومضة انارة زاوية واحدة من هذا العمر الحافل بالزوايا والمزايا، وهي ناحية الشغف والولع بالتأليف ونشر العلوم والثقافة بشتى انواعها فكان اول تأليف لنا (العبقات) كما اسلفنا وهو ادب وتأريخ وتراجم، واول تأليف في الفقه شرح العروة الوثقى كنا نكتب الشرح ليلاً ونلقيه نهاراً على حوزة الدرس المؤلفة من اعلام الافاضل المتجاوز عددهم المائة مسجد الهندي تارة وفي غيره اخرى وبعد وفاة استاذنا الطباطبائي اعلى الله مقامه بسنة واحدة رجع الينا جماعة من المؤمنين من اهلي بغداد وطلبوا منا تعليقاً على التبصرة ليكون عملهم عليها فعلقنا عليها حواشي وطبعت في هامش الكتاب مع حاشية الاستاذ (() سنة 1338هـ، وفي خلال هذا ترجمنا عدة كتب من الفارسية الى العربية (كفارسي هيئت) و(حجة السعادة) ورحلة (ناصر خسرو) واول تأليف لنا في الحكمة والعقائد (الدين والاسلام) وكنا وسمناه (الدعوة الاسلامية) الى مذهب الامامية وشرعنا لطبعه بمطبعة در السلام في بغداد وبينا كانت المطبعة تشتغل بطبع الجزء الثاني سنة (1329هـ) وكانت بعض نسخ من الجزء الاول الذي نجز طبعه قد انتشر وتداولته الأيدي واذا بالسلطة تهاجم المطبعة بغتة وتصادر الكتاب بجزئيه وتحمله الى حيث لا ندري الى الآن وكان ذلك بأمر الوالي الشهير في عهد دولة (عبد الحميد ورشاد) (ناظم باشا) وبأيعاز المفتي (شيخ سعيد الزهاوي) فكبدونا بهذه الحركة الجائرة خسائر باهظة مادية ومعنوية بعثت فينا روح النشاط والحماس الى السعي بطبعه خارج العراق فصممنا العزيمة على الحج الى بيت الله الحرام من الكاظمية الى الشام على البغال شهراً كاملاً ومنها الى المدينة المنورة بالقطار ومنها الى مكة على الجمال وكتبنا بهذا السفر رحلة بديعة اسميناها (نزهة السمر ونزهة السفر) لا تزال بخطنا ثم اقفلنا بعد الفراغ من اداء المناسك الى الشام ايضاً ومنها الى بيروت فصيدا فانجزنا طبع الجزأين منه ولطفنا من اسلوبه الثقيل في الطبعة الاولى حتى ساغ مشربه للجميع ثم طبعنا الجزأين من (المراجعات الربحانية) والجزأين من (التوضيح في الانجيل والمسيح) وفي خلال هذا واصلنا السعي لنشر عدة كتب مهمة واشرفنا على تصحيحها ((كالوساطة)) للقاضي الجرجاني و ((معلم الاصابة)) في الكاتب والكتابة وديوان السيد الحبوبي و ((سحر بابل)) وغيرها ثم عدنا الى النجف الأشرف سنة 1332هـ اوائل الحرب العالمية الأولى والجأونا الى الإرشاد والدعوة وسافرنا للجهاد عدة مرات حتى اذا وضعت الحرب اوزارها وانتقل استاذنا السيد الأمام الكاظم الى جوار ربه وتحملنا اعباء وصيته مع الأخ المرحوم اعلى الله مقامه الذي اجتهدنا معه في تنقيح تأليف ((العروة الوثقى)) وطبعها مرتين في حياته وكانت مرجعية الأمامية في عموم الأقطار قد انتهت اليه (()، وعلينا كان يعول في جميع فهماته ولا يضع ثقته عند غيرنا والينا يرجع كل مرافعة تنشر عنده فيحكم بحكمنا ويقضى بقضائنا ولا تزال وصاياه بخطه عندنا، وهذا تسعت دائرة المرجعية الينا بعد وفاته اضطرّتنا الظروف الى نشر الرسائل العملية المتنوعة فأصدرنا عدة رسائل كالوجيزتين الصغرى والكبرى فارسية وعربية، وقد طبعت عدة طبعات، وكالسؤال والجواب العربي الذي طبع تكراراً وكزاد المقلدين الفارسي الذي تكرر ايضاً طبعه في النجف الأشرف وفي خراسان، وكحاشية التبصرة وحاشية التبصرة وحاشية العروة وفيه انفس التحقيقات في المدارك الفقهية، وكذلك التعليقات على سفينة النجاة اربع مجلدات والأصل مجلدان للأخ المرحوم طبع ونفذ في حياته فعلقنا عليه حتى بلغ اربعة اجزاء وطبعناه ثانياً، والفنا الآيات البينات اربع رسائل مهمة في رد الأموية والبهائية والوهابية والطبيعية وقبل الحرب العامة الثانية الّفنا ((تحرير المجلة)) في خمسة اجزاء ويعرف قدر هذا الكتاب وعظيم وقعه وعلو مقامه من يطالعه ان كان من اهل ذلك، واعظم من كل هذا اثراً واعظم نفعاً واصدق خبراً وخبراً الكتاب ((اصل الشيعة)) الذي ترجم الى عدة لغات وطبع اثنى عشر مرة ويتلوه ((الأرض والتربة الحسينية)) ترجم الى الفارسية وطبع فارسياً وعربياً والمترجم لهما هو العالم المتبحر البر التقي الشاهزادة خسرواني اطال الله عمره واجزل اجره، وكان البريد وغيره يوصل الى مكتبتي سحابة عمري كتباً من الأقطار البعيدة والقريبة من العراق وخارجه تشتمل على اسئلة في مسائل عويصة ومشاكل غامضة في اصول الدين وفروعه، واسرار التشريع، والحكمة في الأحكام، مضافاً الى الاستفتاء في الفروع الفقهية والقضايا العملية فكان الجواب عنها يذهب مع السؤال ولم نحتفظ الا بالنزر اليسير مما ذهب وقد جمعنا من هذا اليسير مجلداً كبيراً واسميناه ((بدائرة المعارف العليا)) يصح ان يعد ثروة علمية من انفس الذخائر وقد بقي من هذا النوع اوراق مبعثرة في حقائبنا ومجاميعنا فيها الكثير من الخطب والكلمات والمقالات التي تتعلق بأهل البيت (() باختلاف المناسبات من ايام شهادتهم ووفياتهم ومواليدهم واسرار شهاداتهم وما الى ذلك مما يناط بهم ويعود اليهم مما نشر بعضه في بعض الصحف والمجلات وما لم ينشر كنت طالما احدث نفسي بجمع تلك المتفرقات في كتاب عسى ان يكون كعقد ثمين ينتظم في سلك تلك العقود من المؤلفات التي وفقنا الله جل شأنه لنشرها ولخدمة العلم والفضيلة ونفع الإنسانية وهداية البشر بها التي تجاوزت الثمانين والكثير او الأكثر ثم رأيت ان افرد المسائل العلمية والمباحث النظرية في كتاب وما يتعلق بالنبي واهل بيته الطاهرين (() في كتاب آخر ينتفع به اهل المنابر والخطباء مستقلاً على الأكثر وان كان هذا المنهل العذب للجميع شرعاً سواء، واجعل هذين المؤلفين او الثلاثة مسك الختام او ختامه مسك لحياتي التي اوشكت على الزوال وهي في آخر مراحلها وقد ذرفت على السبعين واخذت بعنقي او أخذت بعنق الثمانين: قالوا انينك طول الليل يزعجنا فما الذي تشكي قلت(الثمانينا) ثم هذه السبعون او الثمانون مع تفاقم العلل والأسقام وضعف الحال وتراكم الاشغال وتوالي الاحن والمحن واجلاء وسوء الزمن واهل الزمن هو الذي كان يحول بيني وبين انجاز تلك الرغبة وجعلها في حيز العمل، وكنت مدة سنتين او اكثر على هذا الحال من التسويف والمطال حتى كانت احدى الليالي الشريفة من شهر رجب العام الغابر وبعد الفراغ سحراً من وظائفه وانا جالس في مصلاي انتظر الفجر اخذتني سنة، نقلتني الى غير العالم الذي انا فيه. وتمثل لي ملاك لصورة انسان وانسان بهيئة ملك يقول لي لماذا والى كم تساهل عن ((الفردوس))؟ قلت سيدي وما الفردوس؟ قال الكتاب الذي عزمت على تأليفه، اما انه هو الفردوس لك ولشيعتنا فاخذتني هزة ادهشتني، ورجعت بها الى هذا العالم المحسوس او المنحوس وصممت العزيمة من ساعتي على الشروع في هذا المشروع على ان يكون اسم المجلد الاول (الفردوس العليا) او الاعلى، واسم المجلد الثاني الخاص بأهل البيت (() ((جنة المأوى)) ومواد هذا الجزء كلها جاهزة وان فسح الله تعالى في الاجل ووفقنا لان نعززها بثالث نجعله ((شجرة طوبى. وسدرة المنتهى)) فتلك زيادة فضل منه تعالى الذي عودنا على الطافه منذ اوجدنا واسعد جدنا. وكان من الالطاف الالهية والعنايات الغيبية نشر هذا الكتاب الذي وضعناه بين يديك ايها الناظر فيه. نعم من اقوى اسباب ظهوره وسطوع نوره تصدي العلامة الشريف الجامع بين شرفي الحسب والنسب وطرفي فضيلتي العلم والتقى حجة الاسلام (السيد محمد علي القاضي) التبريزي دامت بركات وجوده، وكانت عرى الولاء بيننا وثيقة وامراس التعارف معه بالمراسلات المتوالية متينة، ايام توقفه في بلدة (قم) للتحصيل ثم هاجر هذه البرهة الى (النجف الاشرف) للتكميل فتفضل علينا بل على العلم والفضيلة وتصدى للاشراف على طبع الكتاب وتصحيحه وعلق عليه تعاليق نفيسة لامعة لا تقصر فائدتها عن الاصل ان لم تزد عليه مع ان وقته العزيز مستغرق في الدرس والبحث ولكن من اخلص لله تعالى في عمله بارك الله في وقته وعمره واهله. واذا اراد الله شيئاً هيأ اسبابه ومن الاسباب التي هيئها جل وعلا اقدام شاب نجيب لا يزال يدأب في نشر الكتب النافعة على نفقته وفي مطبعته زاد الله في توفيقه وكثر امثاله. ترجمة المسائل القندهارية الثمان بقلم: القاضي الطباطبائي ققق الحمد لله مستحق الحمد، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطاهرين ولا سيما ابن عمه أمير المؤمنين. بعد: فهذه المسائل الثمان هي المسائل والقندهارية التي سألها بعض اهل بلدة قندهار من سماحة شيخنا الامام العلامة المجتهد الاكبر آية الله الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء ــ متعنا الله بوجوده ونفعنا بعلومه وكانت تلك الاسئلة مع اجوبتها باللغة الفارسية وبرزت الى عالم المطبوعات سنة (1339هـ) في النجف الأشراف وكانت الاستضاءة بانوارها والاهتداء بشعاع لمعانها مختصة بالامة الفارسية، وكنا على عادتنا المستمرة نتشرف بالحضور مع جمع من افاضل اصدقائنا لدى سماحة الامام للتزود من علومه الجمة والاستفادة من افكاره العلمية، والارتشاف من نمير حكمته العالية التي تجرى من قلبه على لسانه ورشحات اقلامه، فرأينا ان بعض المسلمين من اهل البلاد العربية استدعى من سماحة الامام كاشف الغطاء عن حقيقة تلك المسائل التي كشف سماحته منذ سنين الستار عن وجه حقيقتها والبسها الحياة العلمية ومحص حقائقها وابان المغزى فيها مع دقة نظرياته البديعة في اجوبتها. بيد انه لا مجال لسماحته الآن من جراء كثرة المراجعات ورجوع الناس اليه في القضاء والفتيا وفي حوائجهم واحتياجاتهم مع ضعف في مزاجه الشريف في هذه الآونة الاخيرة عن كتابة الاجوبة المفصلة خصوصاً فيما يحتاج الى فراغ واسع وصرف شطر وافر من اوقاته الشريفة فيه. ولا غرو ان سماحة الامام اليوم علم من اعلام الدين الشاهقة، وركن من اركان الامة الاسلامية، وهو العماد الاكبر في الجامعة الكبرى للشيعة الامامية، وليس له فرصة للتصدي باجوبة السؤالات العلمية على نحو التفصيل والتوضيح. واضف الى ذلك انه يسد فراغاً واسعاً لا يستهان به في التأليف والتصنيف وقضاء حوائج المؤمنين وانجاح مقاصدهم مع نشر العظات والنصائح العلمية والعملية والدعوة الاسلامية بالادلة والبراهين الحقة وكل ذلك خدمة للشريعة ونصرة للحق واذاعة للنصيحة وتفادياً للدين فله المنة الكبرى التي يلزم ذكرها ويجب شكرها على كل مسلم حي مثقف وشيعي متيقظ طامح. فصار من التوفيقات الربانية لهذا العبد ومن الطاف سماحة الامام ان صدر امره دام ظله في هذه الارض المقدسة (النجف الأشراف) في عامنا هذا (1370هـ) بترجمة هذه المسائل ونقلها الى اللغة العربية اللغة الدينية الاسلامية ليعم نفعها للمسلمين عامة، والشيعة خاصة، فبادرت لذلك امتثالاً لامره وانقياداً لطاعته وشاكراً لارشاده الى ضالتي المنشودة. وقد رأيت ان أقدّم وأأُخّر في بعض المسائل حرصاً على التنسيق مع الاحتفاظ بالاصل الاولي، وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه انيب. وانا العبد محمد علي القاضي الطباطبائي بسمه تعالى (السؤال الاول) سماحة حجة الاسلام الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء دام ظله: انّ علماء العامة بل عموم اهل السنة ينتقدون الشيعة الامامية الاثنا عشرية في قولهم بوجوب غسل مس الميت لانهم ليسوا بقائلين به، ولا يفعلون هذا الغسل حتى على نحو الاستحباب ويطالبون الدليل من الامامية على ذلك وان كان العلامة(1) (() قد ذكر دليل المسألة في كتابه تذكرة الفقهاء. فانّا نستدعي من سماحتكم ان تتفضلوا بدفع ما اوردوه كما هو حقه بقلمكم المبارك مشفوعاً بذكر الدليل من كتبهم ان كان موجوداً فيها فان تفضلتهم باجابة ملتمسنا يعد ذلك من جزيل الطافكم علينا. (الجواب) ليس لمسألة غسل مس الاموات في الكتب الفقهية لاهل السنة عين ولا اثر على ما وصل بأيدينا من كتبهم ومصنفاتهم من متونها او مطولاتها ومختصراتها لا نفياً ولا اثباتاً. والظاهر ان في النجف الاشرف بل في اغلب انحاء بلاد العراق ليست مكتبة حافلة بالكتب ومصنفات الفريقين من مخطوطها ومطبوعها كجامعية مكتبتنا واشتمالها على كتب الفقه والحديث لأهل السنة وفيها عدة من نفائس المؤلفات من المهمات والمطولات وتشتمل على التصانيف القديمة والحديثة وفيها الصحاح الستة وشروحها والكتب الفقهية من جميع كتب المذاهب الاربعة المعروفة وغيرها، واني بعدما ورد على هذا السؤال راجعت كتبهم وتنبعت ما قالوا في مؤلفاتهم في هذا الموضوع، وليس لي الآن فرصة الأستيعاب والاستقراء التام في مصنفاتهم ومع ذلك بذلت الوسع في التتبع في الجملة بحيث يمكن ان يحصل الاطمئنان بمـا في باقي كتبهم مما لم ارجع اليها، وما رأيت (1) وكيل مجلة (العرفان) الغراء بتبريز – ايران، لصاحبها العلامة المصلح المجاهد الشيخ احمد (عارف الزين) تلك المجلة الجليلة التي خدمت العلم والدين طيلة اربعين سنة وهي اليوم من اكبر المجلات الأسلامية الراقية انتشاراً وازدهاراً تصدر في صيدا - لبنان. (1) سورة الروم آية: 22. (1) اشارة الى الحالة الوضاءة التي كانت عليها جامعة النجف الأشرف في اوائل هذا القرن من بزوغ شموخ العلوم والمعارف والثقافة الدينية والثروة العلمية والمكانة الأدبية وسائر المزايا الفاضلة. فأن منذ تأسيس هذه الجامعة من زمن مؤسسها شيخ الطائفة وزعيم الشيعة الأكبر الشيخ ابي جعفر محمد بن الحسن الطوسي النجفي المتوفي (460)هـ الى اليوم تشد اليها الرحال من البلدان والأقطار الأسلامية لأقتباس العلوم الدينية على اختلاف‌ ‌انواعها واصنافها عند اساتذتها الأكابر زعماء الدين وكبراء المذهب، اجل تشد اليها الرحال ويكثر الى ارض الغري الترحال ويطوف رواد العلم وطلاب الفضيلة حول ضريح امير المؤمنين (() ومن قال في حقه الرسول الأمين (( ): (انا مدينة العلم وعلي بابها) انما المصطفى مدينة علم وهو الباب من اتاه اتاها هاجر شيخ الأمامية من خراسان وقدم العراق سنة (408)هـ واقام في بغداد الى سنة (448)هـ واستقل بالأمامة للشيعة بعد وفاة استاذه الشريف علم الهدى السيد المرتضى المتوفى (436)هـ فاشتهر صيته في الآفاق وسطع نوره وعرف فضله وانقاد الكل لعظمته وازدلفت اليه العلماء والفضلاء من كل حدب للتلمذة والحضور تحت منبره واجتمع اليه المستفيدون من الأقطار وبلغت عدة تلامذته الى ثلاثمائة من مجتهدي الفريقين حتى ان الخليفة العباسي (القائم بامر الله عبد الله بن القادر بالله احمد) جعل له كرسي الكلام وما كان العباسيون يسمحون به يوم ذاك الا لمن هو في الرعيل الأول والقمة العليا بين العلماء في علومه والمتفوق على نظرائه في الكلام فغلت الأضغان والأحقاد في قلوب الحساد واشتعلت نائرة الفتنة بين الفريقين وسارعوا في القضاء على الأخوة الأسلامية واوردوا ضربتهم المنكرة عليها واحترقت من جرائها كتب الشيخ (() وداره في باب الكرخ وكرسي كان يدرس عليه للكلام. فهاجر شيخنا وقتئذ الى النجف الأشرف ـ هذه الأرض المقدسة ـ واسس هذه الجامعة واختارها للمركزية العلمية، تحت لواء القبة العلوية، فازدلفت اليه العلماء والأفاضل وهاجروا معه واحاطوا به من كل جانب كالهالة على القمر وتقاطر اليه الفضلاء من كل صقع وناحية حتى برعوا بعلومه الجمة، ونشروا الوية العلم والدين في انحاء البسيطة بعده، وابى الله الا ان يتم نوره. ولا يزال من ذلك الزمن الغابر هذه الأرض المقدسة محطاً لرحال رجال العلم ودار الهجرة رواده ولم يزل فيها على مر القرون الى اليوم جمع من اكابر العلماء والفقهاء يتكفلون امور شيعة اهل البيت (( ) في التقليد والفتوى وتربية طلاب العلوم الدينية ورواد الفضيلة ولذا نجد اكثر علماء الشيعة بل جلهم في الأقطار والأمصار من تلك القرون الى اليوم من ةخريجي هذه المدرسة العلوية والمقتبسون علومهم ومعارفهم الدينية من هذه الجامعة المرتضوية فانها كالجامعات والكليات الراقية بالأضافة الى المدارس الأبتدائية بين جميع المعاهد العلمية للشيعة وانتشرت منها الى اليوم الملائين من المصنفات النفيسة والتصانيف الممتعة التي يعسر لنا بل لا يمكن لأحد احصاءها وعدها على التحقيق ومنذ تأسيس هذه الجامعة لم تزل تزدهر وتموج بالفضائل في كل هذه العصور, ولها تأثير عالمي واثر قوي يشمل الأنسانية ويحيط البشرية جمهاء، بيد ان اوائل هذا القرن من العصور المشرقة التي حوت على بعض المزايا الخالدة والثمار اليانعة في هذه الجامعة يوم ناهز فيها عدد طلاب العلوم الدينية عشر آلاف نسمة واجتمع فيه جم غفير من فطاحل الفقهاء والمجتهدين ورؤساء الدين وكانت الحرية التامة في دراسة العلوم من معقولها ومنقولها والتوسع في اقتنائها وتحصيلها على انواعها سائدة على تلك الجامعة، وفتحت طرقات سهلة في التحليل والتحري العلمي وتنوير الأفكار في البحث والتنقيب النظري واجتمع فيها ايضاً جمع من أكابر الحكماء المتشرعين والعرفاء الشامخين والمربين للنفوس بالحكمة العملية والدراسة العلمية وبتخلقهم بأخلاق الله بخشيتهم في جنب الله بتحليهم بالفضائل الأنسانية وما كان من نياتهم الا خدمة البشرية مع مراعاتها الطريقة المثلى والشرعة الوسطى في بحوثهم القيمة ودروسهم العالية، وتجنبهم عن الجمود والوقوف عن تحصيل‌ ‌العلوم والرجوع الى القهقري وممن رحل الى هذه الجامعة واقام مدة فيها من فحول ابطال العلوم العقلية والنقلية واساتذتها الأفاخم هو العلامة الحكيم والفقيه الشهيد الشيخ محمد باقر الشيرازي الأصطهباناتي الفائز لدرجة الشهادة حينما وقع هدفاً للرصاص في حسينية (قوام) بشيراز سنة 1326هـ كان (() مدرساً في المعقول والمنقول((وقفنا على تأريخ حياة هذا الفقيه الحكيم على نحو التحقيق والتفصيل وكيفية شهادته وخدماته الدينية وترويجه للشريعة وقيامه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر احسن قيام بعد ان قفل عن النجف الأشرف الى وطنه ــ في سفرنا الى شيراز قبل عدة سنين وكتب لنا تأريخ شؤون حياته ايضاً نجله الجليل بخطه ونقلناه بطوله في بعض مجاميعنا وكان من تلامذته وخاصته بل صاحب اسراره حضرة سيدي الوالد الماجد المرحوم قدس الله روحه وسمعت اشعة من ترجمة حياته منه (( ) ايضاً))، وماهراً في تدريس الحكمة المتعالية على طريقة صدر المتألهين (( ) درس العلوم الفلسفية والمعارف الآلهية والأصول الكلامية عل تلاميذه الكثيرين متناً وخارجاً واجتمع للارتشاف من نمير حكمته جم غفير من الأعلام والزعماء الكبراء من عظماء العلوم والفضائل في طليعتهم شيخنا الأمام العلامة ادام الله ظلاله وايامه كما ترشحت الإشارة به من قلمه الشريف في ذيل صفحة33 ج1 من كتابه القيم النفيس (الدين والإسلام) عند ذكره ترجمة موجزة لصدر المتألهين وصاحب الأسفار عن استاذه الحكيم المنوّه باسمه الشريف. وايضاً كان من مشاهير المدرسين للحكمة العالية في ذلك الوقت الشيخ العلامة الجامع لأنواع العلوم الحاج ميرزا فتح الله الشهير بـ(شيخ الشريعة) الأصفهاني المتوفي سنة 1339هـ ــ الذي تقلّد الزعامة العامة والمرجعية في التقليد والفتوى مدة يسيرة في اواخر عمره الشريف ــ فأنه عند قدومه من ايران الى العراق مجازاً من علماء اصفهان سنة 1295هـ كان مدرساً كبيراً في الحكمة والكلام والفلسفة العالية والمعارف الدينية وكان خصيصاً في تشييد عقائد الدين في قلوب المحصلين بالأدلة والبراهين بغية استعدادهم وتثقيفهم للقيام بالذب عن الدين كيد الأعداء والخصماء وشبهات الملحدين واهل الضلال والأهواء ومدافعة الخصوم الواقفين في طريق السير والانتهاء الى اهدافهم المقدسة وفي سبيل بث العقائد الإسلامية، وكان (( ) يدرس في المسجد الطوسي الواقع في جوار القبة العلوية ليلاً ونهاراً ويحضر بين يديه مئات من المشتغلين كما نقل لنا ذلك جمع من مشايخنا الأعلام واساتذتنا العظام ادام الله بركاتهم وذكرنا ايام اقامتنا في بلدة (قم) اشعة من تأريخ حياته وفهرساً من تصانيفه الممتعة مع الإشارة الى موضوعاتها في مقدمة كتابه (افاضة القدير في احكام العصير) المطبوع بـ(قم) سنة 1370هـ فراجع وايضاً كان من الجهابذة في الحكمة والفلسفة ومن المدرسين في هذه الجامعة الشيخ العلاّمة الحكيم الشيخ احمد الشيرازي المتوفي 1332هـ الجامع بين المعقول والمنقول وهو ايضاً من اساتذة سماحة شيخنا العلاّمة ادام الله ايامه وله حاشية على كتاب الفصول في اصول الفقه ونسخة منها بخط تلميذه حضرة سيدي الوالد الماجد(() ((انظر ترجمته في مجلة (العرفان) الأغر ــ ص1197 ــ 1198 ج10 مج 33 ط صيدا)) موجودة في مكتبتنا الشخصية بـ(تبريز) فلو اردنا احصاء المدرسين والأساتذة الكبراء في المعقول والأخلاق والعرفان والحديث والرجال وعلوم القرآن في اوائل هذا القرن لطال بنا الكلام، واما الفقهاء والمجتهدين من افذاذ الفقه واصوله وحملة الشرع المقدس وقادته في فروعه واحكامه في ذلك الوقت فهم كثيرون يعسر احصاؤهم والاشارة الى اساميهم الشريفة في المقام خاصة من تلامذة الشيخ الامام الانصاري رضوان الله عليه.‌ ‌وغير خفي على القارء الكريم اني لا اريد بكلمتي هذه ان احوم حول تأريخ النجف الأشرف وجامعتها ومزاياها وشؤونها الأجتماعية وتطورات اوضاعها التاريخية وآثارها العلمية الغابرة منها والحاضرة واثرها العميق ووقعها العظيم وتأثيرها المعجب في العالم الأسلامي والمجتمع المذهبي وشرح آثارها الخالدة وثروتها العلمية ومكانتها السامية في قلوب المسلمين عموماً والشيعة خصوصاً، فأن التجوال في هذا المجال يحتاج الى تأليف كتاب مستقل وترصيف تصنيف منيف وانما الغرض هو الأشارة بل الأشادة الى الثقافة العالية والحضارة العلمية والنزعات الدينية والرغبات الأدبية والتوسع في نطاقها والأهتمام في شؤونها في هذه الجامعة مضافاً الى مركزيتها للفقاهة والأجتهاد وسائر العلوم الدينية الموجودة اشعة لمعانها الى اليوم ببركة اعلام الشيعة وعظمائها ومراجع الأمامية وزعمائها وافذاذ الأمة ورؤسائها الأفصاح بأن اللازم على كل مسلم وشيعي حي غيور الحافظ على كيانه السامي العناية التامة لحفاظة هذه الجامعة الكبرى ولفت انظارهم اليها فأن في تقويتها قوة للمذهب وفي تشييدها ترويج للدين وفي الأهتمام بها قمع للباطل وذلك غير خفي على من له المام بهذا الموضوع واهتمام بهذا المشروع المقدّس ان كان ممن رزقه الله تعالى فهم ما هو الصالح لعالم التشيّع وحماية حوزة الدين وممن يقدم المصالح العامة والمنافع الأجتماعية على المنافع الشخصية والأغراض الفردية، وليعلموا اخواننا بالقطع واليقين ان من نيات اعداء الدين وخصماء المذهب من الأمم الأجنبية ومن مكايدهم الممقوتة، هدم اساس هذه الجامعة ومحوها وابادة مجدها وعظمتها وحطها عن مقامها الشامخ في عالم التشيّع ونسف حضارتها العلمية ونزعاتها الدينية، ولهم السعي البليغ في تهيئة اسباب ضعفها وسقوطها واضمحلالها وارجاع الناس الى غيرها وترغيبهم الى سواها في امر التقليد والفتوى، وتحكيم الجمود على افراده وسوقهم الى نبذ اغلب العلوم الى ورائهم ظهريا، والأكتفاء لبعض العلوم التي لا يكفي في قلع اساس الأباطيل والأضاليل وقمع جرثومة الزندقة والألحاد، كما فعلوا ذلك كله بالنسبة اليها بعد اوائل هذا القرن، وشاهدنا ذلك في هذه السنين الأخيرة وفي اثر ذلك توقف جمع من الأساتذة في هذه الجامعة عن دراسة بعض العلوم، وصار هذه الأمر من الجنايات التي لا يسدها شيء الا التيقظ او سد هذه الثلمة بالحربة التامة في تحصيل العلوم بشتى انواعها. نسأل الله تعالى ان يوفق اهل الأيمان والعقيدة الراسخة لحفاظة هذه الجامعة وتشييدها وتأييدها وتقوية هذا الهدف الأسمى والغرض الأقصى ورزقفهم التيقظ عن رقدة الغفلة والأهتمام بمستوى الامة والقيام تجاه واجبهم الديني وفرضهم المذهبي وان يوفقهم لنبذ المصالح الشخصية والأقبال على المعاضدة للأمور الأجتماعية والدينية وتوحيد الجهود والتخلص عن كل غرض ممقوت والله الموفق. 18 ــ 9 ــ 1371هـ القاضي الطباطبائي (!) هو جمال الدين ابو منصور الحسن بن سديد الدين يوسف بن علي بن مطهر الحلي الشهير بآية الله العلامة رئيس الأمامية وزعيمها الأكبر صاحب التصانيف الكثيرة الممتعة في مختلف العلوم قرأ على جماعة كثيرين من علماء الشيعة والسنة وناظر علماء المذاهب الأربعة، وافحمهم وتشيع بسبب السلطان محمد المغولي الملقب بـ ((شاه خدا بنده الجايتو)) المولود 680هـ والمتوفي ليلة عيد الفطر 716هـ ودفن في السلطانية على مسافة عدة فراسخ من بلدة (زنجان) وامر هذا السلطان بتزيين الخطبة والسكة بأسامي الائمة الأثني عشر (( ) وكان قبل‌ ‌ذلك بأسامي الخلفاء الأربعة ورأيت من تلك المسكوكات في هذه الآونة الأخيرة وامر ايضاً بترتيب مدرسة سيارة للعلامة تحتوي على مائة نفر من طلاب مجلسه الشريف وهي ذات غرف من الخيام الكرباسية وما يحمل عليها من الدواب وكانت تحمل مع الموكب السلطاني وتضرب من كل منزل. ونقل انه وجد في اواخر بعض الكتب وقوع الفراغ منه في المدرسة السيارة السلطانية في كرمانشاهان. وكان للعلامة ثروة طائلة وقرى كثيرة قد حفر انهارها بنفسه واحياها بماله لم يكن لأحد فيها من الناس تعلق واوقف كثيراً من قراه في حياته. وذكر الشيخ ابراهيم القطيفي في كتابه السراج الوهاج: انه رأى خطه الشريف وخط الفقهاء المعاصرين له من الشيعة والسنة على الوقف، وفي صدر سجله انه احياها وكانت مواتاً. وصاحب العلامة وولده فخر المحققين ذلك السلطان سفراً وحضراً ولم يفارقاه طيلة حياته منذ صاحباه وتوفى العلامة سنة 726هـ وولده سنة 771هـ. ومن اغرب ما ذكره بعض من سود وجه التاريخ بالترهات والشطحات كأبن بطوطة الرحالة الشهير ان السلطان المذكور رجع عن مذهب الأمامية الى طريقة اهل السنة وتبعه في هذا الزعم بعض المعاصرين لعدم تحريره الصادق في التأريخ. غفرانك اللهم من هذا الأفك العظيم الناشئ من العصبية الممقوتة اعاذنا الله منها والله العاصم. القاضي الطباطبائي ?? ?? ?? ?? (20) الفردوس الاعلى (13) مقدمة الناشر (19) مقدمة المؤلف (21) ترجمة المسائل القندهارية في كتبهم الفقهية من المتون والشروح والمختصرات والمطولات لهذه المسألة ذكراً واثراً اصلا, واما كتبهم وجوامعهم الحديثية من الصحاح الستة وغيرها كصحيح البخاري وصحيح مسلم والنسائي وسنن ابي داود السجستاني بعد ان اتعبت النفس في التتبع فيها بما وجدت ايضاً اثراً وذكراً لهذه المسألة فيها، واني وان لم الاحظ صفحاتها صفحة بعد صفحة وما فتشتها سطراً بعد سطر ولكني نظرت للدقة الى الابواب والمظان لتلك المسألة فما وجدت شيئاً منها في المحل المناسب لها، نعم في صحيح الترمذي وهو من صحاحهم الستة وجدت ما يناسب هذه المسألة بل يمكن ان يكون ذلك دليلاً لمسألتنا او رافعاً للاستبعاد على الاقل لانه اما نفس هذه المسألة او نظير لها ففي صحيح الترمذي صفحة (185) ج1 من طبع مصر سنة (1293هـ) ما هذه عبارته. حدثنا محمد بن عد الملك بن ابي الشوارب، حدثنا عبد العزيز بن المختار عن شهيل بن ابي صالح عبد ابي هريرة عن النبي(() قال من غسله الغسل ومن حمله الوضوء يعني الميت، وفي الباب عن علي (() وعايشة قال ابو عيسى ((يعني الترمذي نفسه)) حديث ابي هريرة حديث حسن، وقد روي عن ابي هريرة موقوفاً وقد اختلف اهل العلم في الذي يغسل الميت فقال بعض اهل العلم من اصحاب النبي (() وغيرهم اذا غسل ميتاً فعليه الغسل وقال بعضهم عليه الوضوء وقال مالك بن انس استحب الغسل من غسل الميت ولا ارى ذلك واجباً، وهكذا قال الشافعي، وقال احمد: من غسل ميتاً ارجو ان لا يجب عليه الغسل، واما الوضوء فاقل ما قيل فيه، وقال اسحق: لا بد من الوضوء، قال وقد روي عن عبد الله بن المبارك انه قال لا يغتسل ولا يتوضأ من غسل الميت، انتهى. ومن المعلوم ان ظاهر هذه الرواية وجوب الغسل على من غسل ميتاً وجمع من صحابة الرسول (() ومن التابعين أفتوا بذلك ينقل الترمذي ولا سبب لوجوب الغسل على الغاسل الا مباشرته ومماستّه للميت وهذا ليس من القياس الضروري البطلان في مذهب الامامية بل ذلك تنقيح للموضوع فكأنه قال مباشرة الميت توجب الغسل وان سلمنا انه قياس فلا يضرنا ذلك ايضاً بناء على مذهبهم. وفي كتاب الموطأ روى مالك بن انس ــ وهو رئيس مذهب المالكية من المذاهب الاربعة المعروفة ــ ما هذه عبارته: قال في صفحة (91) ج1 من طبع مصر سنة (1280هـ). حدثني عن مالك عن عبد الله بن ابي بكر ان اسماء بنت عميس غسلت ابا بكر الصديق حين توفي ثم خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين فقالت: اني صائمة وان هذا يوم شديد البرد فهل عليّ من غسل؟ فقالوا: لا. ومن تأمل في هذا الحديث علم ان وجوب الغسل على غاسل الميت كان امراً مفروغاً عنه في صدر الاسلام حتى علمته النساء, وكان من النساء المسلمات، حتى عند المخدّرات، واسماء بنت عميس(1) من مشاهير النساء ومن اللآتي لا يشك في انها من ذوات الدين والمعرفة من مشاهير النساء ومن اللآتي لا يشك في انها من ذوات الدين والمعرفة ومن اللآئي التزمن بيت الوحي والنبوة وهي ام محمد بن ابي بكر وبعد وفاة ابي بكر تزوجها مولانا امير المؤمنين (() ونالت الشرافة والاحترام بهذا الزواج المقدّس فهي بعد ما غسلت ابا بكر ــ أشكل عليها الأمر بأن الغسل لاريب انه واجب فهل هو واجب على غاسل الميت حتى في حال الضرورة وشدة البرد؟ فحين ذاك قالوا لها انه ساقط في حال الضرورة وليس بواجب في تلك الحالة الصعبة. وقد فسر الحديث بهذا المعنى الشارح الزرقاني(1) وهو من كبار علماء اهل السنة في شرحه الكبير على كتاب الموطأ صفحة 5 ج2 وقال والمعنى ان الغسل ليس بواجب عليكِ لأنك معذورة بسبب الصوم والبرد، وبسط القول في اختلاف علماء اهل السنة في هذه المسألة فنقل عن مالك صاحب المذهب وجمع آخر من علماء الشافعية وغيرهم القول بالوجوب ودليلهم على ذلك هي رواية ابي هريرة ان النبي (() قال من غسل ميتاً فليغسل والأمر ظاهر في الوجوب، وعلى ايّ حال ان وجوب الغسل على الغاسل اما هي نفس مسألة المسّ او نظيرها وذلك كاف الاستبعاد ولذا ذكر العلامة اعلى الله مقامه هذه المسألة اعني مسألة الغسل على الغاسل في مسألة الغسل. ثم ان في اغلب تلك الكتب التي اوعزنا اليها نقل القول بالاستحباب عن ابي حنيفة وغيره ونقل القول بالوجوب عن الآخرين، اذاً فعليه يمكن ان يقال ان القول بوجوب غسل المس في الجملة فضلاً عن القول بالاستحباب موجود عندهم والأحاديث الدالة على الوجوب موجودة في الكتب المعتبرة لديهم ووردت احاديث في ذلك من طرقهم وليس فرق كبير بين تغسيل الميت وبين مسه. وقد اتفق لي نظير هذا السؤال من بعض المعاصرين من علماء اهل السنة في بلاد الشام وذلك في السنة التي عزمنا فيها على سفر الحج والتشرف لزيارة بيت الله الحرام زاده الله تعالى شرفاً سنة 1330هـ أي قبل اربعين سنة واتفق ملاقاتي فيها مع جمع من علماء اهل السنة فجرى الكلام بيننا وبينهم وأنجرَّ الحديث ــ والحديث ذو شجون ــ الى المذاكرة في مسائل متفرقة ومنها انهم قالوا ان للامامية فتاوي عجيبة في الأحكام الشرعية بحيث تنافى ضرورة العقل مثل انهم يرون وجوب الغسل على من مسّ ميتاً آدمياً مع ان النوع الأنساني وعلى الأخص المسلمين منهم من اطهر الحيوانات واشرف الموجودات فكيف يوجب مس بدنه بعد الموت الغسل مع انهم يكتفون في مسّ ميتة الكلب وهو انجس الحيوانات واخسّ جميع الموجودات بغسل اليد فقط، وهذا الأمر من الفساد بحيث لا يحتاج الى بيان حتى صار سبباً لطعن اليهود والنصارى في دين الإسلام، ولم اكن قبل ذلك مسبوقاً بهذا السؤال والاعتراض حتى اكون مستحضراً الجواب ان روحانيـة الشرع المقـدس وكـون الحق ــ يعلو ولا يعلى عليه ــ الهماني بعد دقيقة من التأمل ان قلت: ان ضرورة العقل تقضي بما قالته الأمامية في هذه المسألة فتعجبوا من كلامي واستغربوا مقالي. فقلت لهم استمعوا حتى اكشف لكم الحقائق الراهنة ليتبين لكم اللبّ والمغزى في هذه المسألة فقد اعترفتم ان النوع الأنساني انما هو اشرف الموجودات واكمل المخلوقات كما هو من الضروريات والبديهيات، وسر ذلك على الأجمال هو ان الإنسان انما هو في آخر قوس النزول ومبدأ قوس الصعود بمعنى ان وجوده المفاض تنزل من المراتب الشامخة والعقول والنفوس الكاملة والأملاك والأفلاك العالية حتى ورد الى مرتبة الأجسام العنصرية ووصل نهايتها وهي مرتبة الهيولي الأولى(1) التي تلازم الصورة ثم الى مرتبة النطفة، ولكنه في هذه الحال حامل لجميع تلك الصفات الكمالية التي مرّ بها في سيره وحركته في تلك المراتب على نحو الاستعداد وهذا آخر قوس النزول ومن هذه المرتبة ينهض للترقي والصعود فيترقى من مرتبة الجسم المعدني الى الجسم النامي النباتي ثم الى مرتبة الجسم الحيواني ثم الأنساني وهكذا الى ان يصل الى مرتبة العقول (القادسة) والأنوار الشامخة منه المبدأ واليه المنتهى، كما بدأكم تعودون، والى هذا المعنى اشار سيّد الموحدين وغاية العارفين بقوله: (وفيك انطوى العالم الأكبر) فأذاً من هنا يعلم الانسان خلاصة الكائنات وزبدة الممكنات ونتيجة العوالم ولا بد ان تكون روحه من الطف الأرواح وجسمه من الطف جميع الأجسام وحين انفصال هذه الروح من بدنه وقطعها علائقها من جسمه التي بها حياة البدن وصحته قائمة بها يفسد البدن والدم لا محالة وبفسادهما تفسد البخارات السارية والدسوم المنتشرة في البدن لأنفصال تلك الروح المحافظة لجميع شؤون البدن ومواده، ومن الممكن ان يقال حينئذ ان في تلك الأبخرة و الدسوم جواهر في غاية الدقة و اللطافة، وجراثيم في نهاية الرقة والنفوذ التي يعبر عنها في لسان الفلسفة الطبيعية الجديدة (ميكروبات) وهذه الجواهر اللطيفة الفاسدة هي في الحقيقة جواهر الموت بناء على ما هو التحقيق من ان الموت والحياة امران وجوديان لا انهما وجود وعدم كما يدل على ذلك قوله تعالى: [الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ](1) وهذه الجواهر الشفافة من غاية لطافتها والنفوذ الموجود فيها اذا مسها بعض اعضاء الانسان الحي نفذت حالاً في جميع مسامات بدنه من دون ادنى تأخير في البين وتسري الى دمه ويصير هذا سبباً لابتلائه بأنواع الأمراض الجسمانية او النفسانية من الأخلاق الرذيلة والملكات القبيحة والصفات الخبيثة، والحق سبحانه وتعالى بمقتضى رأفته ورحمته على عباده وحسب حكمته البالغة وعطوفته الشاملة في حق عبيده شرع جميع التكاليف في حقهم لجهة من المصالح الموجود فيها والحكم الدنيوية والآخروية الكامنة فيها، وهو جلَّ شأنه يعلم بعلمه الأزلي ان القالع لتلك الجواهر الخبيثة والمواد الفاسدة والقامع لها من اساسها سواء من بدن الميت او الانسان الحي المباشر لبدن الميت واللامس له ليس الا الماء. ولذا ورد في بعض الأخبار بهذا المضمون ( ما خلق الله لعباده نعمة اعظم من الماء). ونقل ان الأطباء استكشفوا في الطب الجديد ان باطن دماغ الانسان وسطح انسانه جراثيم ( ميكروبات) اصغر من الذرّ لاصقة ولا يقلعها الا الماء ومن هنا يعلم الحكمة في امر الشارع المقدس باستحباب المضمنة والاستنشاق عند كل غسل ووضوء. فقال لي احد الحاضرين في اثناء هذه المحاورة والمحادثة إنا نرى بالعيان ونشاهد بالوجدان ان اناساً يباشرون الموتى ولا يغتسلون ولا يبالون بذلك اصلاً فقلت له ان من سبرَ واستقرأ الحكم والمصالح الشرعية يعلم ان ملاحظة شؤون صحة النفس وحفظها من الأخلاق الرذيلة وصونها من الصفات الخبيثة وتخليتها من تلك الصفات وتحليتها بالأخلاق الروحانية والأوصاف الإنسانية عند الشارع المقدس اهم واعظم بمراتب من ملاحظة الصحة الجسمانية ورعاية صلاح البدن واستقامة المزاج ولعل مصالح اغلب المحرمات والواجبات وسائر الأحكام والآداب والسنن التي اتانا بها الدين الإسلامي وارشدنا اليها الشرع المحمدي (() انما هي من هذا القبيل ولعل الأشخاص الذين يشربون الخمر ويأكلون لحم الخنزير ويرتكبون المعاصي ويتوغلون في الملاهي يصير بدنهم قوياً سميناً ولكن الأمراض الأخلاقية النفسانية كقساوة القلب ومسلوبية الغيرة وزوال الحمية وامثالها تعرض لنفوسهم بحيث تحطهم من المرتبة الأنسانية الى اخس مراتب الحيوانات فتظهر منهم افعال السباع واوصاف البهائم [ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلا كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلأ](1) و[ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ]. وخلاصة المقال ان الإنسان بحسب تلك المراتب من اللطافة والصفاء وفي أي مرتبة كان من المراتب والمقامات يحصل بموته اثر في جسمه بحيث ينتقل ويسري ذلك الأثر الى الجسم الآخر المباشر له والمماس ببدنه ويوجب المضرة العظيمة والمفسدة المهمة اما المضرة الجسمية او الروحية النفسية او كليهما واللازم في نظر الشارع دفعها ويجب رفعها ولا يمكن ذلك في نظره ايضاً الا بغسل جميع البدن لعلة سراية ذلك الأثر لمعظم البدن بخلاف ميتة الكلب وامثاله فأن الكثافات التي في روحه وبدنه ليست بمرتبة تسري وتنفذ في مسامات بدن الانسان بمجرد مماسته لميتته ولا يتجاوز من سطح ظاهر بدن المباشر الى باطنه ولذلك يجب غسل الموضع الملاقي فقط. ويؤيد هذا الاعتبار ويقرب هذا البيان والتقرير الخصوصيات والقيود التي اعتبرها الشارع في هذا الحكم اعني وجوب غسل المس فانه اوجب ذلك بعد البرد وقبل التغسيل لان قبل برودة البدن لا يصل الفساد المترتب على المس الى تلك المرتبة الموجبة لغسل البدن بأجمعه بواسطة بقاء اشعة الحياة في البدن وعدم زوالها بتمامها. واما بعد التغسيل فمن جهة ان الجواهر او الابخرة او ميكروبات ــ بأي لسان شئت فعبر ــ تصير بتغسيل الميت الذي بالغ الشارع فيه وحرض الناس عليه و اوجبه بمزج السدر والكافور مع الماء ثلاث دفعات، وفي احاديث اهل السنة اعتبار خمس دفعات، مضمحلة و متلاشية و تزول تلك المواد و جراثيم الفساد وعند ذلك فلا مضرة في المس اصلاً. وليعلم انا بهذه الاعتبارات والمناسبات لا نقدر على جعل حكم او انشاء احكام واقعية ولكن بعد ان جاء الحكم من قبل الشارع بدليل معتبر يكون واجب الاتباع وحينئذ يمكن التعليل وبيان الحكم والمصالح ولو احتمالاً بهذه الاعتبارات ولو لرفع الاستبعاد وكسر سورة الاشخاص المدعين بان هذا حكم مخالف لضرورة العقل مع ان بعد بيان تلك الشواهد والتقريبات يمكن للانسان الجزم بحكمة هذا الحكم وانها عبارة عن هذه الاعتبارات والجهات التي ذكرنا او ما يقرب منها. وحقاً اقول انه كلما ازداد الانسان رقيّاً في عقله وتقدماً في معرفته وكان عميق الفكر وحاد النظر رأى دلائل باهرة وشاهد معاجز واضحة للعترة الطاهرة (() ولمذهب الامامية ما يعبر عنه بمعجزات العلم وهذه المعجزة من اسمى مراتب المعاجز واوضحها واعلاها بل اجلى الف مرة من معجزة شق القمر وتسبيح الحصى وحنين الجذع وما نحن فيه من جملة تلك المعجزات العلمية. وإنّا وان اسهبنا في الجواب ولكن المقام كان يقتضي ذلك بل ازيد من هذا، واختصرنا المقال بالنسبة الى المقام فصلوات الله وسلامه عليهم وله الحمد والمنة على ما من به علينا من معرفتهم والتمسك بولايتهم والاقتباس من انوارهم والسلام على كافة اخواننا المؤمنين ورحمة الله وبركاته. في ــ 9ــ ج2ــ1339ــ هـ (السؤال الثاني) الى سماحة الامام حجة الاسلام ادام الله ظلكم العالي. هل يوجد دليل على استحباب او جواز لطم الصدور في عزاء ابي عبد الله الحسين ارواحنا فداه اولاً ؟. فأن بعض من ليسوا من اهل نحلتنا ينكرون الجواز، وبعض آخر يقولون انا نستكشف الجواز من لطم الفاطميات فتفضلوا ببيان الجواب ولو على نحو الاجمال. (الجواب) مسألة لطم الصدور ونحو ذلك من الكيفيات المتداولة في هذه الازمنة كالضرب بالسلاسل والسيوف وامثال ذلك ان اردنا ان نتكلم فيها على حسب ما تقتضيه القواعد الفقهية والصناعة المقررة لأستنباط الاحكام الشرعية فلا تساعدنا الا على الحرمة ولا يمكننا الا الفتوى بالمنع والتحريم فانه لا مخصص للعمومات الاولية والقواعد الكلية من حرمة الاضرار وايذاء النفس والقائها في التهلكة ولا دليل لنا يخرجها عنها في المقام ولكن الذي ينبغي ان يقال بالقول الصريح ان من قطعيات المذهب الامامي ومن مسلمات هذه الفرقة الحقة الاثنا عشرية. ان فاجعة الطف والواقعة الحسينية الكبرى واقعة عظيمة ونهضة دينية عجيبة والحسين(() رحمة الله الواسعة وباب نجاة الامة ووسيلة الوسائل والشفيع الذي لا يرد وباب الرحمة الذي لا يسد(1). واني اقول ان حق الامر وحقيقة هذه المسألة انما هو عند الله جل وعلا ولكن هذه الاعمال والافعال ان صدرت من المكلف بطريق العشق الحسيني والمحبة والوله لابي عبد الله (() على نحو الحقيقة بالطريقة المستقيمة وانبعثت من احتراق الفؤاد واشتعال نيران الاحزان في الاكباد بمصاب هذا المظلوم ريحانة الرسول (() المصاب بتلك الرزية بحيث تكون خالية ومبراة من جميع الشوائب والتظاهرات والاغراض النفسانية فلا يبعد ان يكون جائزاً بل يكون حينئذ من القربات واجل العبادات وعلى هذا يحمل ما صدر من الاعمال ونظائر هذه الافعال من اهل بيت العصمة والطهارة (() مثل ما نقل عن العقيلة الكبرى والصديقة الصغرى زينب (() من ((انها نطحت جبينها بمقدم المحمل حتى سال الدم من تحت قناعها))(1). ومثل ما ورد في زيارة الناحية المقدسة في وصف مخدّرات اهل البيت (() ((للشعور ناشرات وللخدود لاطمات))، ولكن هذا المعنى الذي اشرنا اليه لا يتيسر لكل احد وليس شرعة لكل وارد ولا مطمع لكل طامع ولا يحصل بمحض الادعاء والتخيل فأنّه مرتبة عالية ومحل رفيع ومقام شامخ منيع واغلب الاشخاص الذين يرتكبون هذه الامور والكيفيات لا يأتون بها الا من باب التظاهر والمراآت والتحامل والمداجات مع ان هذا المعنى بغير القصد الصحيح والنيّة الصادقة لا يخلو من اشكال بل حرام وحرمته تتضاعف لبعض الجهات والعوارض الحالية والطوارى المقامية واحسن الاعمال وانزها في ذكر الحسين السبط (صلوات الله عليه) هو النياحة والندبة والبكاء لريحانة الرسول (() والمظلوم الموتور والسلام عليه والزيارة له واللعن على اعدائه والتبري من ظالميه والمشاركين في دمه وقاتليه والراضين بقتله (صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين واولاده الميامين المنتجبين). (السؤال الثالث) حضرة المجتهد الاكبر متّعنا الله والمؤمنين بطول بقائكم، هل يكفي في زيارة عاشوراء قراءة كل من السلام واللعن مرّة واحدة بدلاً عن مائة مرّة واحدة كما يرى ذلك العلامة الميرزا حسين النوري(1) ((), ام لا؟ فالمرجو من سماحتكم ان تتفضلوا ببيان الجواب مشفوعاً بالدليل. (الجواب) لا بد وان يعلم انّ اكثر المستحبات المركبة غير ارتباطية بمعنى ان ثواب بعض اجزائها وصحتها غير موقوفة على صحة وثواب الباقي بل كثير منها من باب المستحب في المستحب كما أنّ القنوت في الصلاة مستحب ودعاء الفرج ايضاً في القنوت مستحب آخر، فان قلنا انّ زيارة (عاشوراء) من هذا القبيل فيمكن الاكتفاء بلعن واحد وسلام واحد ولكن هذا المعنى من مساق الادلة والاخبار بعيد في الغاية بل زيارة (عاشوراء) نظير صلاة جعفر الطيار والتسبيحات الاربع المعتبر فيها بعدد ستين وثلاثمائة تسبيحة على الترتيب المعروف فان نقص عدد واحد منها في هذه الصلاة المخصوصة التي لها اثارها الخاصة فكانه لم يات المكلف بتلك الصلاة وهكذا بزيارة(عاشوراء) الواردة برواية سيف بن عميرة ورواية صفوان الجمال بالكيفيات المعهودة والآثار المخصوصة فان تركت تكبيرة واحدة من تكبيراتها فضلاً عن اللعن والسلام كل واحد منهما مائة مرة يكون هذا العمل باطلاً نعم لا يحرم المكلف ثواب مطلق زيارة سيد الشهداء (() بل يحسب من زائريه بلا شك. ويمكن لنا استفادة مطلب اخر من هذه الاخبار وهو ان الزائر ان كان له شغل او عذر ولا سيما الشغل الذي هو مستحب مؤكد عند الشارع المقدس مثل عيادة المؤمن وتشييع جنازته او قضاء حوائج اخوانه في الدين ونظائر ذلك فيمكن له ان يكتفي بلعن واحد وسلام واحد بمعنى ان له الشروع باللعن واتمامه ولو حال المشي في الطريق او في مجلس آخر فان الأمر اذا دار بين فوات الأجزاء او الشرائط فمراعاة الأتيان بالأجزاء اولى واهم والظاهر ان شيخ من مشايخنا المحقق الأنصاري(1) (() تعرّض لهذا المطلب في (فرائده) في رسالة اصل البراءة ويمكن ان نتوسع في هذا المعنى حتى بالنسبة الى الصلوات المستحبة كصلاة جعفر وغيرها بمعنى انه ان عرض شغل مهم للمكلف امكن له ان يصلي تلك الصلاة حيثما اراد اربع ركعات متعارفة بنية صلاة جعفر وبقصدها وبعد اتمامها يسبّح ستين وثلاثمائة تسبيحة(2) فان لم يتكلم في الاثناء كان احسن واولى. واما في زيارة (عاشوراء) فان اكتفى بلعن واحد وسلام واحد فينبغي اتمام العمل حتى السجدة الأخيرة وبعد ذلك يتم اللعن والسلام مائة مرة الى آخر العمل وهذا النحو ايضاً احسن واولى البتة والله العالم. (السؤال الرابع) ظاهر الآية الشريفة في القرآن الكريم [فَاغسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ](1) يدل على ان الغسل من الأصابع الى المرافق فما وجه العكس أي الغسل من المرافق الى رؤوس الأصابع؟. تفضلوا ببيانه زاد الله تعالى في علومكم. (الجواب) المتحصّل والمستفاد من هذه الآية الشريف هو انه لابد من غسل الوجه والايدي ومسح الرأس والأرجل في الوضوء، ولمّا كان عند الشارع المقدّس يكفي في خصوص الرأس مسمّى المسح بمقدار من مقدم الرأس كما يدل على ذلك دخول باء التبعيض في قوله تعالى ((برؤوسكم)) ليفيد هذا المعنى واما باقي الأعضاء فلما كان غسلها او مسحها باجمعها مما لابد منه فلم يدخل الباء عليها ولكن لابد من بيان حدودها، اما حدود الوجه فهي معلومة ولا يطلق عند العرف على المعني المختلفة فان من المعلوم عند عموم الناس ان الوجه هو ما يواجه به في مجلس التخاطب ويشاهد حين التقابل وحده منتهى شعر الرأس من طرف الجبين الى آخر الذقن، واما الأيدي والأرجل فلما كانت حدود هما مشتبهة ولها اطلاقات كثيرة عند العرف فتارة يراد من اليد عندهم خصوص الكف التي هي عبارة عن الأصابع الى الزند وتارة اخرى تطلق الى المرفق وثالثة الى الكتف كان من اللازم تعيين المراد من اليد وانه اى معنى اراد سبحانه من هذه المعاني فقال تبارك وتعالى ((الى المرافق)) وهكذا الحال في الأرجل حيث كان لها اطلاقات كثيرة فقال تعالى ((الى الكعبين)) فيعلم من ذلك ان هاتين الكلمتين في الآية الشريفة انما هما لبيان غاية المغسول والممسوح وبيان حدودهما لا لبيان غاية الغسل والمسح، والحق ان الغسل والمسح في الآية الشريفة مطلقان من حيث النكس وغير النكس اما بطلان الوضوء بالنكس فهو مستفاد من الأخبار لا من الآية، وما ذكرناه في المقام هو تحقيق انيق في فهم المراد من الآية الشريفة والله الموفق وبه المستعان. (السؤال الخامس) الى سماحة حجة الإسلام ــ ادام الله بركاته ــ هل يلزمنا اجتناب اهل السنة والجماعة مع العلم بأنهم يباشرون اهل الكتاب والمشركين بالرطوبة حتى في الأكل والشرب وانهم قائلون بطهارة الدم والمني او لا يلزم ذلك؟ وهل يجوز اكل الدم المتخلف في رقبة الحيوان اذا طبخ او لا؟ من جهة استصحاب النجاسة تفضلوا ببيان الدليل في المسألة لازلتم مرجعاً للعلم والدين. (الجواب) اعلم ان كل من يشهد الشهادتين يحكم عليه شرعاً بالطهارة غير الغلاة والنواصب والخوارج فأهل السنة من حيث الذات في انفسهم طاهرون ببركة الشهادتين، واما من حيث نجاستهم العرضية بسبب ملاقاة احدى النجاسات فلا بد من اعتبارهم متنجسين ولا فرق في هذه الجهة بين الخاصة والعامة، وعموم المسلمين الذين هم محكومون بالطهارة بل وجميع الأشياء التي يحكم بكونها طاهرة بالذات لا يحكم بنجاستها باحتمال التنجس وقاعدة الطهارة حاكمة وليس لنا ان نخرج من هذا الأصل الا بالعلم اليقيني الوجداني او ما يقوم مقام العلم شرعاً كالبينة او خبر العدل الواحد على القول به في الموضوعات واما الاعتماد على العلم العادي في هذه الموارد فمشكل وبناء على هذا ففي كل مقام ومورد جاء احتمال الطهارة ولو كان في غاية الضعف فلا بد من البناء على الطهارة وهذه القاعدة المباركة حاكمة، ومن المعلوم ان الطهارة في نظر الشارع المقدّس مبنية على التوسعة، واما امر النجاسة والتنجس فهو مبني على الضيق وعدم التوسع [ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ](1) بل الغالب ان هذه الخيالات والتوهمات تنجرّ الى الوساوس والمخاطر وهي الطامة الكبرى المفسدة للدين والدنيا فعلى هذا فان رأيت بعينك ان العامي باشر الدم او المني ولم يجتنب منهما او انه باشر الكافر ولم يتباعد عنه ففي ذاك المجلس اجتنب عنه وكذا ان علمت انه في الأمس او في مجلس قبل هذا المجلس باشر الكافر لزم الاجتناب ايضاً وليست الغيبة في هذا المقام مطهره فأنه يشترط فيها العلم بالنجاسة وهو ليس بقائل بنجاسة هذه الأمور المذكورة ففي هذا الفرض يجري استصحاب النجاسة واما اذا علمت ان المباشرة انما وقعت في وقت من الأوقات ولكن لم يعلم انها في أي وقت وقعت بالخصوص ففي هذه الصورة لا يجري الاستصحاب بل تجري قاعدة الطهارة. فصارت النتيجة ان في كل مورد تزاحم احتمال الطهارة مع احتمال النجاسة فاحتمال الطهارة مقدّم عليه عند الشارع المقدّس ولو كان احتمال النجاسة اقوى عند العرف والعادة او من قرائن الأحوال الا ان يجري اصل او تقوم بينة ومع عدمهما وعدم كون المقام مورداً لهما يبنى على الطهارة وهذا المقام من الموارد التي يحسن الاحتياط فيها ولكن في غير موارد العسر والحرج، واما الدم المتخلف في الرقبة او في مطلق الذبيحة من الحيوان الطاهر بعد قذف القدر المتعارف منه فهو من الخبائث واكله مستقلاً حرام ولو كان بعد الطبخ، واما تبعاً للحم فيجوز اكله فأنه ليس له في نظر العرف وجود مستقل فلا يكون مورداً للاستصحاب والله العالم. (السؤال السادس) الى سماحة حجة الإسلام ــ متعنا الله تعالى بطول بقائه ــ هل يعتبر في سهم الأمام (() وكذا في سائر الحقوق الشرعية اذن مطلق الحاكم الشرعي او هو مختص بكون المقلّد مأذوناً من مجتهده ومقلّده كما يعتقد ذلك بعض العوام وفي اعتقادهم انه ورد في هذا الباب نص خاص. (الجواب) لا يكفي في ذلك اذن مطلق الحاكم الشرعي الجامع للشرائط بل لابد من اذن الأعلم، والأذن المخصوص من مجتهده ومقلّده ليس بلازم، ولم يرد نص خاص في هذا الباب ولكن لما كان خصوص سهم الأمام ارواحنا فداه من بين سائر الحقوق مبنياً على الاحتياط التام والتشديد فالأحوط على نحو التأكيد بل لا ينبغي تركه هو الرجوع الى المجتهد الذي قلّده في الأحكام الشرعية ان كان اعلم والا فعلى القول بجواز الرجوع الى غير الأعلم يلزم الرجوع في خصوص اخذ الأذن او التسليم الى الأعلم والأحوط هو الرجوع اليهما وان كان الأقوى كفاية الأعلم والحاصل ان سهم الأمام صلوات الله عليه عندي امر مهم(1) وموضوع صعب في الغاية وصرفه في الموارد التي يحصل للمجتهد القطع برضاء الأمام(() فيها مقام متعذر او متعسّر بل رده لكل مجتهد ايضاً مشكل غاية الأشكال بل لابد من الرجوع الى الأعلم والله اعلم. (السؤال السابع) الى سماحة شيخنا الحجة اطال الله بقاه ــ ما المراد من العقول العشرة وما هي تلك العقول نرجو من الطافكم ان تتفضلوا ببيان الجواب على نحو التصريح والتوضيح. (الجواب) اعلم اولاً ان المراد من العقول هي الموجودات المقدّسة والجواهر الخالصة المنزهة من شوب المادة والمادي والجسم والجسماني ومعروف ان العقل هو الجوهر المجرد في ذاته وفي فعله واتفق الحكماء بالأدلة والبراهين المحكمة كقاعدة امكان الأشرف وغيرها: ان العقول اوّل الموجودات ومبدأ الصوادر ووسائط الفيض، وذهب المشاؤون ــ وهم طائفة من الحكماء ورئيسهم المعلم الأول ارسطو(1) ــ الى حصر العقول الكلية في العشرة وليس المراد الكلي المفهومي بل الكلي الوجودي ويسمونه على اصطلاح الحكماء برب النوع. وبيان ذلك اجمالاً هو ان بحكم القاعدة المبرهنة في محلها وهي ان (الواحد لا يصدر عنه الا الواحد ) لا بد وان يكون الصادر الأول من الواحد البسيط من جميع الجهات هو الواحد ولما كان الحق سبحانه واحداً من جميع الجهات وبسيطاً من كل الحيثيات فلا بد وان يكون الصادر الأول من ذاته الأحدية العقل الأول والأحاديث الشريفة عند الفريقين متواترة و في كتاب (الكافي) وغيره من الجوامع الحديثية مروية من ان اول ما خلق الله العقل فقال له اقبل الخ(1)..، وهذا العقل الأول عبارة عن مرتبة العقل المحمدي (() ولهذا الجهة قال (() ان اول ما خلق الله نوري فلا تنافي بين هذين الحديثين، وهذا العقل الأول هو الذي يعبر عنه في لسان الشرع المقدس بالعبارات المختلفة فهو العقل الأول، والحقيقة المحمدية، ونور محمد وآله، ورحمته التي وسعت كل شيء وامثال ذلك، وهذا العقل وان كان واحداً ولم يصدر الا عن الواحد لكن لما كان ممكناً ومعلولاً وحادثاً ومتعدد الجهات والحيثيات اعتبر فيه ثلاث جهات. الأولى: من حيث نسبته الى علته يعني وجوبه الغيري. والثانية: من حيث ذاته ووجوده يعني وجوده الأمكاني. والثالثة: من حيث ماهيته وحقيقته يعني ماهيته الامكانية فتحصل فيه ثلاثة معان وجهات: وجوب، ووجود، وماهية، وبعبارة اخرى نور، وظلّ، وظلمة. فمن حيث تعلقه بمبدأه صدر منه العقل الثاني ونال فيض الوجود، ومن حيث تعقّله لوجود ذاته خلق نفس الفلك الأعلى ومن حيث تعقله لماهيته وحدّه وامكانه ــ وهذه الثلاثة عبارة عن معنى واحد ــ خلق جسم الفلك الأعلى وهكذا الكلام في العقل الثاني، وتلك الجهات والحيثيات الثلاثة فيه ايضاً موجودة فمن الجهة الأولى صدر العقل الثالث ومن الثانية خلقت النفس الفلكية للفلك الثاني ومن الجهة الثالثة خلق جسم الفلك الثاني وهكذا فهل جرّا الى العقل العاشر وهو آخر العقول ويقال له العقل الفعال وهو من جهة بعده عن مبدئه الأصلي وعلته الأولى ظهر فيه الضعف ومن جهة انه لما لم يكن فيه صلاحية الفيض لم يصدر عنه عقل ايضاً، ولكن بوجوده الأمكاني افيضت هيولي العوالم العنصرية من فلك القمر وما هو في ضمنه، وبوجوبه الغيري ووجوده افيضت النفوس والصّور على تلك الهيولي ولهذا قال بعض الحكماء انه فوّض للعقل الفعال ربوبية عالم العناصر, فصدر من كل واحد من تلك العقول عقل واحد وفلك واحد ونفس فلكية حتى تمّت العقول العشرة والأفلاك التسعة الحيّة بمعنى ان لها نفساً مدركة عالمة وبعض كلمات ارباب العصمة والطهارة (() دالة على حياة الأفلاك بهذا المعنى فمن تأمل في دعاء(1) رؤية الهلال من ادعية زبور آل محمد ــ (() اعني الصحيفة السجادية (() ظهر له هذا المطلب غاية الظهور والوضوح. وليعلم ان الحكماء شرحوا هذه القضايا ونظموا هذه البيانات ونضدوها كنضد الدرر ولكن لم يذهبوا ــ معاذ الله ــ الى ان العقل الاول خالق للعقل الثاني والفلك الاول حتى يقال في حقهم أنهم يجعلون شريكاً للحق جل وعلى في الخلق والايجاد ــ حاشاهم ان يقولوا هذا، ولم يتفوه احد منهم بهذه المقالة الفاسدة والكلمة الفاضحة كيف وجميع طوائف الحكماء اتفقوا على انه(لا مؤثر في الوجود الا الله) بل مرادهم ان كل عقل بالنسبة الى الآخر واسطه للفيض ومعدّ للوجود له بمعنى ان الحق جل وعلا يفيض الوجود الى العقل الاول ابتداء والى العقل الثاني والفلك الاول ثانياً وبالواسطة كما أنكم تقولون في محاوراتكم ان من الاب والام خلق الولد والوالد علة لوجود الولد وليس المراد ــ والعياذ بالله ــ ان الوالد خالق للولد او مفيض الوجود للولد بل لا خالق ولا موجد الا الله تبارك وتعالى ولكن الشخص الذي هو عبارة عن زيد بن عمرو وهند لا يكون موجوداً بهذه الخصوصيات الا بعد وجود عمرو وهند، وهكذا العقل الثاني وجود واحد في مرتبة خاصة لا يكون موجوداً بهذه المرتبة من الخصوصية الا بعد العقل الاول فالعقل الاول له نحو اعداد لوجود العقل الثاني كمعدية وجود الآباء والاجداد في وجودي و وجودك. وبناءاً على مذهب المشائين الذي ذكرنا خلاصته العقول الكلية عندهم انما تكون طولية وليست هناك عقول عرضية كلية والعقول الكلية الطولية عندهم محصورة في العشرة، واما العقول الجزئية فهي غير متناهية وليس على هذا العصر برهان والبيان الذي ذكروه والتقريب الذي صدعوا به لا يفيد الحصر فان في المرتبة النازلة حيثيات و جهات متضاعفة من جهة تعدد الواسطة والوسائط، ولذا ينبغي الافصاح بان الحق في هذه المسألة هو مذهب الاشراقيين من الحكماء فانهم ذهبوا الى ان العقول الكلية الطولية و العرضية فضلاً عن العقول الجزئية غير متناهية وهذا موضوع واسع الاطراف، ومسألة في غاية الاحكام والمتانة وأقرب الى الشرع المقدس والصق بكلمات اصحاب الوحي والتنزيل واليق بعظمة الحق سبحانه وعدم تناهي قدرته وهي اسماؤه التي ملأت اركان كل شيء وفي دعاء مولانا الحجة المنتظر (عجل الله تعالى فرجه ) في أيام شهر رجب واوله (اللهم اني اسئلك بمعاني جميع ما يدعوك به ولاة امرك)(1)الى آخره اشارات، ورموز تحتها معادن، وكنوز، ودلالات لتلك المباني والمعاني. وشرح هذه المطالب والمذاهب وتنسيق تلك الحقائق والرقائق يحتاج الى افراد رسالة مستقلة في التأليف والترصيف ولا فسحة في المقام ولا وسعة لتلك التحقيقات الطويلة الذيل: شرح اين هجران واين خون جكر اين زمان بكذار تا وقت ديكر وله الحمد والمنة اولاً وآخراً وبه المستعان وعليه التكلان. (السؤال الثامن) المرجو من سماحة حجة الاسلام ــ أدام الله تعالى ظله ان يتفضل ببيان المراد في قولهم (الواحد لا يصدر عنه الا الواحد). (الجواب) هذه القاعدة الجليلة هي من مهمات المسائل الحكمية وامهاتها وان ناقش فيها بعض الحكماء والاكابر من المتقدمين والمتأخرين، ولكن حقاً اقول ان التوحيد الحق لحضرة الحق جل وعلا وما يليق بوحدانية ذاته المقدسة الا حدية بل اصل وجوب الوجود للواجب تعالى شأنه لا يتم الا بهذه القاعدة. وبيان ذلك على سبيل الاجمال والاختصار ان حضرة الحق سبحانه لا بد ان يكون احديُّ الذات احديُّ الصفات فانه ان لم يكن كذلك يلزم التركيب والتركيب ملازم للامكان والامكان يطارد الوجوب ولا يجتمع معه فلو كانت فيه حيثيتان متبائنتان لكان مركباً ولو كان مركباً لكان ممكناً ولو كان ممكناً لم يكن واجباً وهذا خلف. وهنا قاعدة اخرى يطابقها البرهان ويساعدها الوجدان وهي ان بين كل علة ومعلول لا بد ان تكون سنخية واسبة بمعنى ان تكون بينهما جهة وحيثية وبتلك الجهة والحيثية يصدر هذا المعلول من تلك العلة فان لم يكن بينهما السنخية والاقتضاء الخاص يلزم ان يؤثر كل شيء في كل شيء ومعروف انه لولا السنخية بين العلة والمعلول لزم تأثير كل شيء في كل شيء فان صح هاتان القاعدتان واذعنا بتصديقهما فنقول حينئذ ان صدر شيئان متبائنان من جميع الجهات والحيثيات من واحد بسيط من جميع الجهات والحيثيات بحيث لا يتعقل فيه حيثية دون اخرى وجهة دون جهة يلزم اما بطلان القاعدة الاولى او الثانية لان هذين المعلولين المتبائنين ان صدرا من حيثيتين متبائنتين لزم التركيب في العلة وانقلب الواجب ممكناً وان صدر المعلولان المتبائنان من تلك العلة البسيطة التي ليست فيها حيثيات متغايرة وجهات متعددة اصلاً وابداً فلا بد حينئذ من صدور احدى الحيثيتين الذاتيتين بمعنى ان تمام ذات العلة البسيطة تقتضي وتستدعي وجود ذلك المعلول وحينئذ فاما ان لا يصدر منه معلول آخر فيثبت المطلوب من ان الواحد لم يصدر عنه الا واحد، واما ان يصدر عنه معلول آخر فيلزم عدم السنخية والاقتصاء الخاص بين العلة والمعلول بمعنى انه يلزم صدور المبائن عن مبائنه وهذا مستحيل لضرورة العقل. فملخص البرهان على صحة هذه القاعدة انه ان صدر من واحد عير الواحد يلزم اما التركيب في ذات الواجب فيكون ممكناً واما عدم السنخية بين العلة والمعلول وكلاهما باطلان بضرورة العقل فصح ان الواحد لا يصدر عنه الا الواحد. وهذا البرهان بهذا النحو من البيان والسهولة والاختصار لم اقف عليه في محل، والبراهين التي ذكرها القوم فيها تطويلات وتفصيلات لا يفهم منها شيء الا بعد الف ليت ولعل. ولا بد وان يعلم اني لا استحسن ان يسأل مني نظائر هذه الاسئلة فانه مضافاً الى ان هذه المعاني لا يتحملها خصوص اذهان العوام ولا ينتفع منها اغلب الانام ان اذهان اكثر الطلاب والناشئة المنتمين للعلم ايضاً لا تتحملها ولا تسعها ولا يصلون الا لباب نكات معانيها واسرار دقائق مطاويها ويمكنني أن ادّعي انّي لم اراجع امثال هذه المطالب والمسائل منذ خمس عشرة سنة بل انحصر عملي واشتغالي بفقه آل محمد (() فان عرض لي صدفة امثال هذه الاسئلة والبحوث والمطالب افصح عنه واكتب من بقايا تلك المكنونات المغروسة في الضمير وما اختمر من تلك المطالب في الفكر من دون تجديد مراجعة حتى الى المختصرات فضلاً عن المطولات واغلب المطالب الحكمية والبحوث القيمة التي لها نفع في اصول الدين وتبتنى عليها العقائد الحقّة اوردناها بأحسن بيان واوفى برهان في كتابنا (الدين والاسلام) فان رجع اليه اهل الفضل واولى النجدة والكمال وجدوا في ذلك السفر الجليل فلسفة وثيقة وكنوزاً من العلوم الجمة وفيه ضالتهم المنشودة وما الثقة الا بالله وما المستعان الا به. (دفع وهم) اني بعدما اقمت البرهان على صحة قاعدة (الواحد لا يصدر عنه الا الواحد) خلج ببالي وخطر في ضميري انه من الممكن ان يقع في ذهن بعض الناس في زمرة الخواطر والاوهام انه يلزم على هذا ان تصدر هذه الممكنات والموجودات التي لا تعد ولا تحصى من غير الحق جل شأنه فلا بد حينئذ اما من الالتزام ــ العياذ بالله ــ بالشريك للحق سبحانه في الخلق والايجاد وامّا القول ببطلان القاعدة المذكورة. ودفع هذا التوهم بأنه مع القول بان الواحد لا يصدر عنه الا الواحد نقول ايضاً ان جميع الموجودات والكائنات من عالم النفوس والاملاك والافلاك والعناصر جزئية وكلية بكافتها من اولها الى آخرها صادرة عن حضرة الحق جل جلاله وقد اشرنا فيما سبق بأن لا مؤثر في الوجود الا الله وهذه الكثرة ليست منافية للوحدة بل الكثرة مؤكدة للوحدة [وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ](1) ولكن لمسألة صدور الكثرة عن الوحدة وربط الحادث بالقديم مباحث مفصلة ومسائل متنوعة وهي من معظم المسائل الحكمية وصنف الحكماء في خصوصها كتب ورسائل مستقلة وهي تبتني على مقدمات كثيرة ولا يسع المقام لذكر واحد منها فضلاً عن جميعها ولكن نشير اجمالاً الى محصلها او نتيجة تلك المقدمات هي ان الصادر الواحد الذي نعبر عنه بالنفس الرحماني، ورحمة التي وسعت كل شيء، والحق المخلوق به، هو هذا الواحد الجامع لجميع الوجودات والموجودات كلها ما هي الا واحد صدر من واحد ولكن مع وحدته وتمام بساطته محيط ومستوعب لجميع الموجودات من العقل العلوي الى العالم السفلي ومن العقل المجرد الى الهيولي العنصري والكثرات الواقعة في البين كلها عرضية وموجودة بالتبع ومنتزعة من الحدود والاعتبارات للوجود، فالوجود للوجود والعدم للعدم وكل شيء يرجع الى اصله ــ وكل شيء هالك الا وجهه ــ ووجه وجود الواجب وجودات امكانية معلولة ووجه العدم ماهيات اعتبارية كما قلنا في ما سبق انه نور وظل وظلمة. فالواحد لم يصدر عنه الا الواحد ولكن في هذا الوجه الواحد كل الكثرات ولا خالق ولا موجد الا الله ولا حول ولا قوة الا بالله، وجميع الموجودات باتحادها صارت موجودة بنحو جامع للكثرة وحافظ للوحدة وليس التوحيد الكامل الا بأن ترى الوحدة في الكثرة والكثرة في الوحدة: همه عالم صداية نغمة اوست كه شنيداين جنين صداي دراز وهذا الوجود الممتد الساري والمستوعب الذي اشرق على ظلمات الماهيات وهياكل الممكنات هو الواحد الجامع للكثرات وهو وجه الواحد الاحد الباقي ببقائه الدائم بدوامه، وانما الفناء والتغيرات للحدود والاعدام والوجود يستحيل ان يقبل ضده. قرنها بر قرنها رفت أي همام واين معاني بر قرار وبر دوام شد مبدل آب اين جوجندبار عكس ماه وعكس اختر بر قرار فيا أيها الاخوان: هذه المطالب والحقائق الشامخة والمباحث السامية ليست وليدة الاهواء والميول وان فرض انها من ميول النفس وهواها فقد كفى هذا، وما كان يخطر في مخيلتي ذكرها بهذا المقدار ايضاً ولكن اندفعت بحكم ضميري وجرى على قلمي ومحط نظري وعمدة قصدي انما هو التنبيه على انه اياك وسوء الظن في حق الحكماء الشامخين والعلماء الراسخين خصوصاً بحكمائنا الاسلاميين، واياك والمبادرة الى التفسيق مثل بعض الناس ممن لا يفهم مرادهم ولا يصل الى مغزى مقاصدهم ومطالبهم فيتسرع الى التجوال في ساحة الطعن والا يراد مع الذهول والغفلة عن المراد. وحقّاً أقول ان الرشاد والكمال العبقرية والمهارة انما هو في فهم كلمات العلماء والاكابر وفهم بحوثهم النظرية ومطالبهم العلمية من حيث المراد مع التعمق وتحصيل الاستعداد لا التشنيع والايراد، فان ذلك من دأب القاصرين وعادة الجاهلين. واعلموا بالقطع واليقين ان اغلب مطالب الحكماء بل جميعها مأخوذة من كلمات ارباب الوحي وامناء العصمة (() وقد بيّن جميع هذه المطالب مولانا سيّد العارفين والموحدين امير المؤمنين(() في طيّ خطبه المباركة وتضاعيف كلماته الشريفة التي جمعها سيدنا الشريف الرضي(1) (رضوان الله عليه) في كتاب (نهج البلاغة) وغيره وفي كلماته التي انشأها(() في ضمن ادعيته المباركة، ولكن اين من يفهم هذه الحقائق والدقائق وتلك النكات والرقائق. والظاهر بل اليقين ان اقوى المساعدات وأعد الاسباب والموجبات للوصول الى مقاصد امناء الوحي وكلمات الانبياء والاوصياء (() انما هو فهم كلمات الحكماء المتشرعين وكان من السابقين الاولين من اولياء الدين اناس ادركوا فيض حضورهم ووصلوا الى السعادة ونالوا الشرافة والكرامة كسلمان المحمدي الفارسي وابي ذر الغفاري واضرابهم من الملازمين لبيت النبوة والواصلين ببركة ملازمتهم لمعادن العلم وخزان الحكمة الى مرتبة صاروا بها في غنى عن الصناعات العلمية والقواعد الرسمية ووصلوا الى النتيجة من اقرب الطرف واسهلها واكمل السبل واشرفها. فمن اراد الخوض في تلك المطالب الحكمية والغوص في بحار المباحث العلمية فاللازم له اخذها وتعلمها من اساتذة الفن واكابر الصناعة والتلمُّذ لديهم والتعلم منهم مدة طويلة وسنين عديدة كما هو الشأن في تعلم كل علم وصناعة ولا يكتفي بمحض المطالعة ومجرد النظر في كتب القوم ومؤلفات الحكماء كما هو دأب بعض الناس وديدن كثير من الاشخاص من دون ان يتلمذ عند استاذ والا فلا محيص له الا ان يضل عن الطريق ولا محالة يقع في احدى المفسدتين ويتورط في احدى المهلكتين اما الوقوع بنفسه في الكفر او تكفير قوم بغير حق. وقد رأيت في خلال هذه الايام رسالة خطّية الفها احد الاعاظم من العلماء المعاصرين وقد توفى في هذه السنة وكان موضوع تلك الرسالة ابطال هذه القاعدة اعني ((الواحد لا يصدر عنه الا الواحد)) واورد فيها بزعمه ايرادات كثيرة على الحكماء فطالعتها برهة وقرأتها مدة فرأيت ان هذا الرجل الجليل تحمل المشقات الكادحة واتعب نفسه في ايراد المناقشات والطعون والايرادت وليته تحمل تلك المشقات والرياضات ولا اقل من صرف بعض تلك المشاق في فهم كلمات الحكماء وتفهّم مرادهم من ــ هذه القاعدة ــ ولم يقع في ورطة الايراد والأشكال وقلت لتلميذ هذا الرجل الجليل وقد كنت رأيت تلك الرسالة المؤلفة عنده الأحسن ان لا تنشروا هذه الرسالة واحفظوا كرامة استاذكم. وما الفضل الا بالله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. واتفق الفراغ من تعريبها في اليوم الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة 1370هـ في النجف الأشرف على من حل فيها آلاف الصلاة والسلام والتحف. القاضي الطباطبائي بسم الله الرحمن الرحيم النجف الأشرف 18 ربيع الأول 1366هـ هذه ايضاً اجوبة المسائل التي سألنا بها ذلك العالم العلامة الحبر الشريف ثقة الأسلام السيد محمد علي القاضي التبريزي ايده الله تعالى وقد ارسلها من قم دار هجرته الأولى. بسم الله الرحمن الرحيم المرجو من سماحة الأمام العلامة الشهير آية الله شيخنا الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء المحترم ادام الله تعالى ظله العالي ان يتفضل علينا ببيان اجوبة هذه الأسئلة لا زال وجوده الشريف مرجعاً للعلم والدين. ــ قم ــ محمد علي القاضي الطباطبائي (السؤال الأول) قوله تعالى في سورة الجمعة المباركة [ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ اللَّهْوِ وَمِنْ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ](1) بينوا لنا النكتة في تقديم التجارة على اللهو في صدر الآية وتأخيرها عنه في ذيلها. (الجواب) النكتة في تقديم التجارة على اللهو وتأخيرها في التنزيل في آية الجمعة واضحة وبديهة فأن التجارة لما كانت عملاً عقلائياً وهي اشرف من اللهو وطبعاً ناسب ان يكون الترقي منها الى اللهو وفي الجملة الأولى فكأنه تعالى يقول اذا رأوا تجارة بل ما هو اخسّ من التجارة وهو اللهو تركوا الصلاة واشتغلوا باللهو. اما في الجملة الثانية فالمناسبة تقتضي العكس فكأنه تعالى يقول ما عند الله خير من اللهو بل خير من التجارة التي هي اشرف من اللهو وهذه من نكات بلاغة القرآن المجيد. وفي الآية سؤال آخر وهو ما وجه افراد الضمير في قوله تعالى ــ انفضوا اليها ــ مع ان المقام يقتضي ان يقال انفضوا اليها، ويخطر على بالي ان المفسرين يجعلونه من باب الحذف والتقدير، واذا رأوا تجارة انفضوا اليها او لهواً انفضوا اليه ومثله في قوله تعالى [وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ](1) وحقّها ان يقال ولا ينفقونهما والوجه المتقدم في هذه الآية مقبول في الجملة يعني حذف من الأول لدلالة الثاني عليه. اما في آية الجمعة فغير مستحسن كما لا يخفى بعد ادنى تأمل والذي اراه في الآيتين وامثالهما عدم الحاجة الى التقدير بل المراد بالضمير المذكورات واذا رأوا تجارة او لهواً انفضوا اليها أي الى المذكورات وهكذا في الثانية ولعل نظائره في القرآن الكريم وغيره غير عزيز. (السؤال الثاني) قوله تعالى في سورة الأحزاب [وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا](2) لم يعبّر سبحانه في الجملتين المتعاطفتين بنسق واحد لم يقل جلّ وعلا [فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا] ولا بالعكس فما النكتة في ذلك. (الجواب) ولعل السرّ في التغيير هو المحـافظة على الرويّ فأن آيات سورة الأحزاب من اولها الى آخرها رويها الالف مضافاً الى احتمال الأشارة الى ان الأسر كالقتل لا فرق ولا فاصل بينهما. فاتصالهما في الالفاظ الى اتصالهما في المعنى. (السؤال الثالث) السماوات التي نطق بها القرآن الكريم ما حقيقتها في الديانة المقدّسة وتطبيقها مع الأفلاك التي تقول بها الهيئة القديمة وكذا تطبيقها مع الهيئة الجديدة لا تطمئن به النفس وايضاً أي دليل دلّ صريحاً من الكتاب والسنة على كون العرش والكرسي شيئاً جسمانياً المرجوّ من لطفكم العميم ام تكشفوا لنا الغطاء عن هذه المعضلة. (الجواب) ظاهر القرآن العزيز ان السماوات اجسام واجرام مبدأها دخان [ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ](1) ولعله كناية عن الغاز او الأثير او ما اشبه ذلك من العناصر اللطيفة الشفافة السائلة ثم تماسكت وجمدت كما تشير اليه بعض خطب امير المؤمنين (() في النهج وغيره، وهذا قريب الى ما تصوره الهيئة القديمة من الأفلاك السبعة بل التسعة من فلك الأفلاك الى فلك القمر وان كل واحد منهما جسم اثيري مستدير لا يقبل الخرق والألتئام والكوكب يعني زحل والمشتري والمريخ واخواتها كل واحد منها مركوز في ثخن فلكه وفرضوا لبعضها حوائل وموائل وجوزهرات الى تمام ما هو مبسوط في الهيئة القديمة من الحدسيات ونحوها مما اضطرهم الى فرضه حركات تلك الكواكب السبعة ولا سيّما الخمسة المتحيرة منها ذوات الرجوع والإقامة والاستقامة نعم ما هو الظاهر من الشرع في السماوات والكواكب لا ينطبق على الهيئة الحديثة بل هي قديمة ايضاً فأنها مبنية على الفضاء الغير المتناهي وكل كوكب يتحرك في ذلك الفضاء في مدار مخصوص ويرتسم من حركته فلك أي دائرة لا ينفك سيره عليها، وفرضوا شموساً ولكل شمس نظام من اقمار وكواكب واراضي تدور حول شمسها احدها بل اصغرها نظامنا الشمسي، وليس في انكارهم للسموات بالمعنى الظاهر من الشرع دعوى اليقين بعدمها بل بمعنى ان علمهم وبحثهم لم يوصلهم اليها وهي أي هذه الطريقة اسلم وابسط من الأولى والأعتبار والآثار تدل عليها ولم يحتاجوا الا الى فرض الأثير المائي لذلك الفضاء لنقل النور من كوكب الى آخر، وقد اكتشفوا بآلاتهم الرصدية سيارات اخرى كثيرة غير السبعة المشهورة مما لا مجال لذكرها في هذا المقام واما العرش والكرسي فلـيس في الشرع كتاباً وسنة ما يدل صريحاً على جسمانيتهما سوى بعض اشـارات طفيفة مثـل قولـه تـعالى[وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ](1) وقوله [عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى](2) وهي مصروفة عن هذا الظاهر قطعاً واما السنة فالأخبار كما في السماء والعالم من البحار وغيره مختلفة اشد الاختلاف وفيها ما يشعر بأنهما جسمان واكثرها صريح في عدم الجسمية وانهما من مقولة العلم والقدرة والملك وصفات الذات المقدسة، وبالجملة فامعان النظر في الاخبار وكلمات العلماء والمفسرين لا يزيد الا الحيرة والارتباك والذي اراه في هذا الموضوع الدقيق والسر العميق والبحث المغلف بسرائر الغيب وحجب الخفاء ان المراد بالكرسي هو الفضاء المحيط بعالم الاجسام كلها من السماوات والارضين والكواكب والافلاك والشموس فان هذه العوالم الجسمانية بالقطع والضرورة لها فضاء يحويها ويحيط بها سواء كان ذاك الفضاء متناهياً بناء على تناهي الابعاد او غير متناهي أي مجهول النهاية بناءاً على صحة عدم تناهي معلولات العلة الغير المتناهية، وهذا الفضاء المحيط بعوالم الاجسام هو الكرسي [وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ] وهو المعبر عنه ايضاً بلسان الشرع (بعالم الملك) تبارك الذي بيده الملك، ثم تحمل هذا الفضاء وكل ما فيه القوة المدبرة المتصرفة فيه وليست هي من الاجسام بل نسبتها الى الاجسام نسبة الروح الى الجسم وهذه هي (العرش) الذي يحيط بالكرسي ويحمله ويدبره ويصرفه ويتصرف فيه، وتقوم تلك القوة بثمانية اركان كل واحد متكفل بجهة من لتدبير فتحمل ذلك العرش المحيط بالكرسي وما فيه وهي حملة العرش، ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية، ولعل هذه الثمانية هي الصفات الثمانية: العلم والقدرة والحياة والوجود والارادة والسمع والبصر والادراك، فهي بالنظر الى نسبتها الى تدبير الاجسام والسماء والارض وما فيهما (العرش الاولى) وبالنظر الى نسبتها الى الذات المقدسة وانها صفات تلك الذات (العرش الاعلى) والملائكة الكروبيين، والعرش الاعلى والادنى هو عالم الملكوت ثم فوق القوة المدبرة للاجسام عالم العقول والمجردات والملائكة الروحانيين وهذا هو عالم الجبروت، ثم يحيط بهذا العالم ويدبره ويتصل به عالم الاسماء والصفات والاشراقات والتجليات وهو عالم اللاهوت، فانتظمت العوالم الاربعة هكذا عالم اللاهوت، ثم عالم الجبروت، ثم عالم الملكوت وهوالعرش، ثم عالم الملك وهو الكرسي اعني الاجسام والجسمانيات. اما اهل الهيئة القديمة من علماء المسلمين فقد جعلوا فلك الثوابت هو الكرسي، والفلك التاسع الاطلس هو العرش، ومهما كان الواقع فان كل هذه العوالم اشعة تلك الذات المقدسة الاحّدية ومضافة اليها اضافة اشراقية لا مقولية وسارية تلك الحقيقة سريان العلة في المعلول. جمالك في كل الحقائق سائر وليس له الا جلالك ساتر الى آخر الابيات، وهذا البيان في توجيه العرش والكرسي وتطبيقه على العوالم الكونية من متفرداتنا ولنا هنا مباحث دقيقة واسرار عميقة لا يتسع لها الوقت ولا المجال ولله الحمد والمنة على كل حال. (السؤال الرابع) الدعاء الموسوم بدعاء الصباح المنسوب الى امير المؤمنين(() هل هو مروي مسنداً عنه (() او وجد بجطة الشريف بحيث تطمئن به النفس ام لا؟ وقد نقل العلامة المولى اسماعيل الخاجوئي (()(1) في شرحه عليه عن بعض الاصحاب انه وجده باسانيد صحيحة وروايات صريحة متصلة اليه (() بعد ان صرّح هو نفسه اولاً بعدم وجدان سند صحيح اليه، وقال ما لفظه ونحن وان لم نجده بسند صحيح متصل الى ذلك المستطاب لكن نقل بعض الاصحاب انه وجده بأسانيد صحيحة وروايات صريحة متصلة اليه (() فتفضلوا ببيان ما تحقق عندكم في ذلك فكم من تحقيقات جليلة انيقة جرت بقلم آية الله العلامة ادام الله ايامه حتى عم نفعها العالم الاسلامي. (الجواب) لا يخفي على احد ان لكل طائفة من ارباب الفنون والعلوم بل لكل امة بل لكل بلد اسلوباً خاصاً من البيان ولهجة متميزة عن غبرها، فلهجة اليزدي غير لهجة الاصفهاني، ونغمة الاصفهاني غير نغمة الطهراني والخرساني والكل فارسي ايراني، وللائمة (() اسلوب خاص في الثناء على الله والحمد لله والضراعة له والمسألة منه يعرف ذلك من مارس احاديثهم وآنس بكلامهم وخاض في بحار ادعيتهم ومن حصلت له تلك الملكة وذلك الانس لا يشك في ان هذا الدعاء صادر منهم وهو اشبه ما يكون بادعية الامير (() مثل دعاء كميل وغيره فان لكل امام لهجة خاصة واسلوباً خاصاً على تقاربها وتشابهها جميعاً وهذا الدعاء في اعلى مراتب الفصاحة والبلاغة والمتانة والقوة مع تمام الرغبة والخضوع والاستعارات العجيبة انظر الى اول فقرة منه( يامن دلع لسان الصباح بنطق تبلجه) واعجب لبلاغتها وبديع استعاراتها. واذا اتجهت الى قوله ــ يا من دل على ذاته بذاته ــ تقطع بأنها من كلماتهم سلام الله عليهم مثل قول زين العابدين(() بك عرفت وانت دللتني عليك وبالجملة فما اجود ما قال بعض علمائنا الاعلام اننا كثيراً ما نصحح الاسانيد بالمتون فلا يضر بهذا الدعاء الجليل ضعف سنده مع قوة متنه فقد دل على ذاته بذاته ــ سبوح لها منها عليها شواهد ــ. (السؤال الخامس) على القول بوجوب تقلبد الاعلم هل يتعين بالشياع في زماننا هذا مع شيوع بعض الاغراض الفاسدة من الاغراض السياسية(1) وغيرها او لابد من قيام البينة واذا تعارضتا فايتهما مقدمة. (الجواب) ذكرنا في تعاليقنا على كتاب (سفينة النجاة) الجزء الاول صفحة 28 ــ 61ط نجف ما هو المعيار والميزان الصحيح الذي لا يميل فيه ولا حيث وخلاصة ذلك ان طريقة الامامية في تعيين من له احقّيّة المرجعية من زمن الشيخ المفيد الى زمن الشيخ الانصاري (رضوان الله عليهما) هي النظر الى مقدار انتاجه وكثرة مؤلفاته وعظيم خدماته للشرع والاسلام، ومساعيه في صيانة الحوزة والذبّ عنها لا ببذل المال وكثرة الدعايات الناشئة من المطامع والاغراض اعاذنا الله وعصمنا من كل سوء وشين ان شاء الله. (السؤال السادس) عموم الولاية للفقيه في زمن الغيبة ثابت ام لا؟ افيدونا ما هو المحقق عندكم في ذلك. (الجواب) الولاية على الغير نفساً، او مالاً، او أي شأن من الشؤون لها ثلاث مراتب بل اربعة: (الاولى) ولاية الله جل شأنه على عباده وهو المالك لهم ولما يملكون بالملك الحقيقي الذاتي لا الجعلي العرضي (هنالك الولاية لله) وهذه الولاية بدرجتها (الثانية) جعلاً وذاتاً لرسول الله والائمة (() [النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ](1) أي فضلاً عن الكافرين أي فضلاً عن الكافرين، وهذه الآية واسعة مطلقة بتمام السعة والاطلاق بحيث لو ان النبي او الامام طلّق زوجة رجل طلقت رغماً عليه فضلاً عن المال او غيره. (المرتبة الثالثة) ولاية الفقيه المجتهد النائب عن الامام وهي طبعاً اضيق من الاولى، والمستفاد من مجموع الادلة ان له الولاية على الشؤون العامة وما يحتاج اليه نظام الهيئة الاجتماعية المشار اليه بقولهم ((): (مجاري الامور بايدي العلماء والعلماء ورثة الانبياء وامثالها) وهي المعبر عنها في لسان المتشرّعة بالامور الحسبية مثل التصرف باموال القاصرين الذين لا ولي لهم، والاوقاف التي لا متولي عليها، وتجهيز الاموات الذين لا ولي لهم، واخذ ارث من لا وارث له، وطلاق زوجة من لا ينفق على زوجته ولا يطلقها، او الغائب غيبة منقطعة وكثير من امثال ذلك مما لابد منه وعدم امكان تعطيله للزوم العسر والحرج، ولعل من هذا الباب اقامة الحدود مع الإمكان وامن من الضرر، وبالجملة فالعقل والنقل يدل على ولاية الفقيه الجامع على مثل هذه الشؤون فانها للأمام المعصوم اولاً، ثم للفقيه المجتهد ثانياً بالنيابة المجعولة بقوله (() وهو حجتي عليكم وانا حجة الله عليكم ومن هنا يتضح جواب السؤال الآتي. (السؤال السابع) ما الدليل على لزوم اعطاء سهم الأمام (() من الخمس الى المجتهد وعلى تقدير لزوم الإعطاء له ما الدليل على لزوم اعطاء كل شخص للمجتهد الذي قلّده في الأحكام الفرعية واي مورد يكون قدراً متيقناً من محل مصرفه ويكون الصرف فيه موافقاً للاحتياط تفضلوا علينا ببيان مختاركم في هذه المسألة. (الجواب) اما الدليل على لزوم اعطاء سهم الأمام(() للمجتهد فأنه يكفي في ذلك كون المجتهد هو الوكيل العام للأمام فهو مال لغائب يجب دفعه الى وكيله ولا اقل من انه هو القدر المتيقن لبراءة الذمة فيجب، واما دفعه الى خصوص المقلد فالواجب ان يدفعه الى الأعلم فكما يجب تقليد الأعلم كذلك يجب دفع الحق اليه، وقد عرفت من هو الأعلم الذي يجب تقليده ودفع الحق اليه الذي يجب تقليده ودفع الحق اليه ولا تبرأ ذمة المكلف بدون ذلك اما اليوم فقد صار مال الأمام (()كمال الكافر الحربي ينبه كل من استولى عليه فلا حول ولا قوة الا بالله (المرتبة الثالثة بل الرابعة) ولاية عدول المؤمنين عند تعذر الفقيه المجتهد وهي في امور خاصة ضابطتها ما تقضي الضرورة به مثل دفن الموتى والأنفاق على الصغير من ماله، وامثال ذلك وهي اضيق من ولاية الفقيه طبعاً فأنها تختص بما لا يمكن تعطيله وولاية الفقيه تعم كل ما فيه المصلحة. (السؤال الثامن) الموضوعات العرفية في نظر المجتهد اذا خالف نظر المقلد هل يجب عليه اتباع المجتهد؟ وكذا الموضوعات الخارجية اذا ثبت حكم عند المجتهد والمقلد لا يعتقد ذلك الحكم فهل يجب على المقلد تنفيذ هذا الحكم ام لا؟. (الجواب) الموضوعات العرفية لا تقليد فيها فاذا اعتقد المقلد ان هذا المائع ماء وقال المجتهد هو خمر لا يجب عليه اتباع المجتهد نعم في بعض الموارد يكون كشهادة العدل الواحد، وكذلك الموضوعات الخارجية من حيث نفس الموضوع اما من حيث الحكم فان كان شرعياً وجب على المقلد اتباعه والا فلا تقليد في غير الأحكام الشرعية وقد ذكرنا مفصلا هذه المباحث في باب الاجتهاد والتقليد من السفينة فلا حاجة الى الإعادة. (السؤال التاسع) الجلود التي تباع في سوق المسلمين، ومعلوم انها مجلوبة من بلاد الكفار ولكن البائع مسلم فهل هي محكومة بالطهارة ويجوز الصلاة فيها ام لا؟، تفضلوا علينا ببيان مختاركم في حكم المسألة مع الإشارة الى دليله. (الجواب) الجلود اذا اخذها من يد المسلم، او من سوق المسلمين وهو يعلم بأنها مجلوبة من بلاد الكفّار ان احتمل انها من صنع المسلمين ولو في بلد الكفر امكن البناء على طهارتها وتذكيتها، وان لم يحتمل ذلك وعلم انها من صنع الكفار فهي محكومة بأنها ميتة ولا يجوز الصلاة فيها ولا استعمالها في مشروط الطهارة، وذلك لأن شرط جواز الاستعمال التذكية وهي امر وجودي، والأصل عدمه عند الشك فيه. (السؤال العاشر) لو وقع التنازع بين الزوجين في دوام العقد، وانقطاعه، فمن يقدم قوله منهما؟، أفيدونا مع الإشارة الى الدليل. (الجواب) التحقيق ان الدوام والانقطاع صنفان من حقيقة واحدة، ولكن الأصل هو الدوام بمعنى انه مع الشك يبني على الدوام لأصالة الإطلاق لأن الانقطاع قيد والأصل عدمه، وبالجملة فالقول قول مدعي الدوام حتى يثبت خلافه. (السؤال الحادي عشر) انه قد تعارف بين الأعاجم عقد الأخوة بين اثنين ووضعوا له صيغة تداولوها ونقلها المحدث المعاصر القمي(1)(()في مفاتيح الجنان اخذاً عن شيخه في المستدرك وقال: ينبغي ايجادها في يوم عيد الغدير وهي ان يقول الأكبر سناً بعد ان وضع يده اليمنى على يد اخيه المؤمن ( آخيتك في الله وصافيتك في الله وصافحتك في الله وعاهدت الله وملائكته وكتبه ورسله وانبيائه والائمة المعصومين (() على اني ان كنت من اهل الجنة والشفاعة واذن لي بأن ادخل الجنة لا ادخلها الا وانت معي) فيقول الآخر (قبلت واسقطت عنك جميع حقوق الأخوة ما خلا الشفاعة والدعاء والزيارة) واثبتها بعض من صنّف في صيغ العقود في كتابه ولكن قال بعض الجلة (()من مشايخنا الذين عاصرناهم (ان ايجاد العقد المذكور بقصد الشرعية تشريع محرم) فما هذه الأخوة واي دليل دلّ على شرعية ايجاد هذا العقد وكيف يمكن اسقاط الحقوق الثابتة بأصل الشرع؟، فالمرجوّ من سماحة الأمام دام ظله كشف الغطاء عن وجه الحقيقة في هذه المسألة. (الجواب) الذي دفع المتشرعين الى تفشي هذه الاعمال وشيوع استعمالها، هو اشتهار قاعدة التسامح بالسنن وأنَّ من بلغه ثواب على عمل فعمله كان له ذلك الثواب وان لم يكن الامر كما بلغه، ومن هذا الباب ما شاع من الختومات مثل ختم الواقعة، وختم أمّن يجيب المضظرّ، وهكذا في جميع الاعمال التي لم يرد بها نص خاص معتبر بل وفي بعضها ليس فيها خبر لا ضعيف ولا قوي فكل هذه الامور بما انها لا تخرج عن كونها ذكراً، او دعاء، او عملاً مستحسناً عقلاً، ولا نص على المنع منه فلا مانع من العمل به برجاء المحبوبية، أو المصلحة الواقعية، اما الاتيان به مع قصد الورود فهو مشكل لدخوله في عنوان التشريع الحرام اما اسقاط الحقوق الثابتة شرعاً فلا مانع منه مثل حق الزيارة والعيادة بل وحق الغيبة والجوار وامثالها من الحقوق الوجوبية او الايجابية, والحاصل لا اهمية في البحث عن الدليل الخاص على رجحان هذه الاعمال او جوازها بعد اندراجها في العمومات وان الاعمال بالنيات ولكل امرء ما نوى، وما على المحسنين من سبيل وعلى الله قصد السبيل، وبالجملة فرجاء الواقع له نصيب من الحق والواقع وقصد الخير من الخير القصد والله ولي التوفيق وبه المستعان. (السؤال الثاني عشر) هل البيّنة حجة من البلد في ثبوت الهلال فيما اذا لم يكن في السماء علة ام لا؟ كما تأمل في حجيتها من البلد بعض المعاصرين من الاعلام في حواشيه على العروة الوثقى، أفيدونا مع بيان الدليل. (الجواب) في السؤال نوع اجمال ولكن الضابطة الكلية ان ادلة حجية البينة مطلقة غير مقيدة بعدم الأستبعاد، وعدم الريب فيها بعد تحقق موضوعها، الا ان يعلم اشتباهها او خطأها، ولا فرق بين كونها من البلد او خارج البلد بعيدة او قريبة كما انها حجة عند كل من شهدت عنده ولا حاجة الى حكم الحاكم كالشياع، نعم الأحوط التوقف على حكمه لأنه اعرف بموازين البينات. (السؤال الثالث عشر) ما يقول ففيه الشيعة في هذه المسألة الشرعية انه قد تعارف بين الناس ولا سيما الأيرانيين ان الرجل يعطي الى ابنته حين ارسالها الى بيت زوجها اموالاً من اثاث البيت وغيرها يسمونها (جهيزية) ثم بعد وفاة الرجل يدعي ورثته ان تلك الأموال داخلة في جملة ما تركه الميت ولا بد من تقسيمها على ما فرضه الله تعالى كسائر امواله والحال انه لم يعلم ان الرجل بأي عنوان اعطاها تلك الأموال فهل هو بعنوان الهبة وغيرها او اعطاها بعنوان كونها امانة في يدها، فهل الإعطاء ظاهر في الملكية ولا تدخل في تركة الميت؟ او الظاهر كونها امانة في يدها ما لم يعلم احد النواقل الشرعية؟ وبأي الطرفين يتوجه القسم؟ افيدونا حكم المسألة مشروحاً مع بيان الدليل والأستدلال على مختاركم تفصيلاً أدام الله تعالى ظلكم العالي على رؤوس الأنام. (الجواب) لا يخفى ان للأعمال ظهوراً كظهور الأقوال، وظهورها ايضاً حجة كظهور الألفاظ ولا شك ان اعطاء الأثاثية من الآباء للبنات ظاهر في التمليك، والهبة المجانية مضافاً الى الغلبة والمتعارف وما سمعنا في العراق او ايران ان الورثة اخذو ما اعطاه الأب لأبنته وقسموه ميراثاً، والغلبة في مثل هذه الأمور حجة ولكن يخطر على بالي ان الميرزا القمي(1) اعلى الله مقامه في جامع الشتات جعل القول قول الورثة وعلى البنت الإثبات ولعل مدركه الاستصحاب وقد عرفت انه مقطوع ومرفوع بالأمارتين الاجتهاديتين ظهور الإعطاء في التمليك مع الغلبة وعلى البنت يتوجب القسم بأنها ما سمعت من ابيها ان ما دفعه لها عارية او امانة. (السؤال الرابع عشر) في حد السرقة عند اجتماع الشرائط تقطع الأصابع الأربع من يده اليمنى فأن عاد قطعت رجله اليسرى من مفصل القدم ويترك له العقب وقد علل الأمام (() قطع الأصابع من اليد بأن المساجد لله تعالى وورد في رواياتنا ان ما كان لله لا يقطع فكيف يأتي هذا التعليل في قطع الرجل اليسرى اليس رأس الإبهام من جملة المساجد على المشهور فلمَ قطع من مفصل القدم؟ تفضلوا ببيات حل الأشكال. (الجواب) لا يبعد ان السر في ذلك نظير من جنى جناية عليها حد خارج الحرم ثم التجأ الى الحرم لا يقام عليه الحد حتي يخرج رعاية لحرمة الحرم اما لو جنى في الحرم اقيم عليه الحد ولو في الحرم لأنه هو الذي هتك حرمة الحرم والى مثله يؤمى قوله عز شأنه [وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ](1) ومنه ايضاً قضية فداء اليد بخمسمائة دينار وقطعها بربع دينار وهو الأعتراض الذي اعترضه الحكيم المعري(2) بقوله المشهور: يد بخمس مئين عسجد فديت ما بالها قطعت في ربع دينار(3) والاجوبة التي اجابوا بها واجادوا فبين قائل: هاتيك مظلومة غالي بقيمتها وتلك ظالمة هانت على الباري وبين قائل: عز الامانة اغلاها وارخصها ذل الخيانة فانظر حكمة الباري وحيث ان السارق في اول مرة له بعض العذر لذا روعي في حقه حرمة المساجد فلم يحكم بقطعها بل ابقاها الشارع له رأفة به ثم لما تجرأ وعاد الى السرقة ثانياً وبعد اقامة الحد ايضاً قد هتك هو حرمة مساجده بل هتك حرمة الله في مساجده التي هي لله فقوبل بمثل عمله أي ان عمله وعودة الى الجريمة كان قاسياً فناسب ان يكون جزاؤه ايضاً قاسياً ولعل هذا من اسرار احكام الشارع وبدائع حكمته ويكاد العارف يقطع به بعد التأمل فيه والله العالم(1). محمد حسين آل كاشف الغطاء حرره في مدرسته العلمية بالنجف الاشرف ووردت منه ايضاً ايّده الله هذه السؤالات: (السؤال الاول) رجل هاشمي علوي يملك ما لا يتجربه او ضيعة يستغلها ولا يفي ربح المال او الضيعة بقوت سنته فهل يجوز له اخذ العائز من الخمس او لا؟ كما ان العامّي الذي حاله هذه يأخذ العائز من الزكاة فهل فرق بين الخمس والزكاة في هذه المسألة او لا؟..، او النصوص واردة في الزكاة وقياس الخمس عليها فيما نحن فيه من القياس الذي لا يقول به الامامية افيدونا ادام الله تعالى ظلّكم العالي. (الجواب) نعم يجوز للهاشمي ان يأخذ تتمة نفقته من الخمس حيث تكون ضيعة او رأس مال لا يفي ربحه بنفقته ونفقة عياله كما يجوز للعامي ان يأخذ ذلك من الزكاة وليس هو من القياس في شيء بل من باب تحقق الموضوع فيتّبعه الحكم والاحكام تتبع الموضوعات واخبار الزكاة كصحيحة معاوية بن وهب ونظائرها تحقق موضوع الفقير الشرعي والخمس للفقير من السادة كما انّ الزكاة للفقير من العوام والظاهر ان المسألة متّفق عليها كما في الزكاة والله العالم. (السؤال الثاني) رجل تزوّج صغيرة بالعقد الدائم ثم ارتكب الحرام وادخل بها ولمّا بلغت طلقها بدون الدخول فهل يجب لها العدّة او لا؟ وهل لها المطالبة بتمام المهر او بنصفه؟ (الجواب) نعم يجب عليها العدّة ولها المطالبة بتمام المهر لأن المدار على مطلق الدخول والمس، واخبار ان الصغيرة لا عدّة عليها ناظرة بل ظاهرة في غير المدخول بها دلالة اقتضائيّة مضافاً الى موافقة الاحتياط، وحرمة الدخول قبل البلوغ تكليفية فقط كالوطي في الحيض ليس له اثر وضعي اصلاً والله العالم. (السؤال الثالث) انّه قد تعارف بين الناس انّهم اذا وجدوا جسد ميت من العلماء وغيرهم بعد سنين من دفنه طريّا لم يتغيّر يعدون ذلك من الكرامات له ويحسبون ان ذلك من علائم السعادة فما وجه هذا الاعتقاد هل هو دليل ومستند مستفاد من اخبار اهل البيت (() خزان علم الله وحفظة وحيه او لا؟ مع انّا نشاهد بالوجدان والعيان ظهور جسد بعض الفسّاق بل ومن هو اسوأ حالاً منهم ايضاً بعد اعوام كثيرة من موته طريّاً لم يتغيّر اكشفوا لنا الغطاء عن هذه المعضلة لا زلتم مرجعاً في احكام الدين وكهفاً للمسلمين. (الجواب) يخطر على بالي ان في احد الكتب من ارشاد الديلمي، او معالم الزلفي او الانوار النعمانيّة: ان الانبياء والائمة (() بل والعلماء لا تبلى اجسادهم وهذه القضيّة شائعة عند عوام الشيعة، بل وبعض الخواص ولعله بلغكم ما يقال: من ان احد الامراء اراد نبش قبر الامام موسى بن جعفر (() ليتحقق هذه القضيّة فقيل له ان الشيعة يعتقدون ذلك في علمائهم ايضاً فنبش قبر الكليني(1)، او المفيد(2)(() فوجده بحاله لم يتغير، ومثلها للشاه اسماعيل الصفوي(3) مع الحر (سلام الله عليه)، ومثل هذه الاشياء لا ينبغي الجزم بتصديقها ولا تكذيبها بل [فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ] وقاعدة الشيخ الرئيس(4) كل ما قرع سمعك ــ الى آخرها(5) اما في الادلة الشرعية من الكتاب والسنة فلا اتخطر دليلاً في ذلك معتبراً ان يعتمد عليه، نعم في خواص بعض الاعمال المستحبّة كغسل الجمعة ربما يوجد ان من غواصها حفظ الجسد من البلا وعلى فرضه فلا بد ان يكون المراد الى مدة ما والا فكل شيء فان ولا يبقى الا وجهه الكريم وبقاء الاجسام وتلاشيها ببطء او سرعة يختلف باختلاف استعدادها والتربة التي يدفن فيها ورب جسد يبقى مائة سنة وآخر الى جنبه تلاشى بخمسين سنة ولله البقاء ومنه البدء وحده واليه المعاد. حرره الفقير: محمد الحسين آل كاشف الغطاء في مدرسته العلمية بالنجف الأشرف (ربيع الثاني ــ 1368هـ) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة على رسوله وعلى آله وبعد: فهذه مسائل سألتها من حضرة الأستاذ العلامة الأكبر والمصلح الأعظم فيلسوف الإسلام آية الله في الأنام الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء مد ظله. (السؤال الأول) القول بالنشوء والارتقاء وادوار الأرض الجيولوجية موافق لمذهب الإسلام ام مخالف؟..، وما الدليل على الوفاق، او الخلاف؟. (الجواب) الإسلام عقيدة وعمل يعني تهذيب للروح وتكميل للقوة العاقلة ولا علاقة له بالعلوم الطبيعية وخواص المادة ــ والمهمة التي جاءت بها الأديان ونزلت بها الكتب ــ هي معالجة النفوس من الأمراض الخبيثة التي هي السبب الوحيد فيما يقع في في الحياة الاجتماعية من الشرور، وسفك الدماء كالحسد، والحرص، والطمع، والشهوة، ونظائرها وتبديلها بأضدادها الموجبة للصحة والاستقامة وتعديل القوتين الغضبية والشهوية. هذه هي مهمة الشرائع والأديان واساس كل ذلك هو رسوخ الاعتقاد بالمبدأ المقدس والصانع والدينونة بأن من يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره. نعم القرآن العزيز مثله الاعلى ومهمته الاولى هي الدعوة الى الله وتقوية الاعتقاد بالمبدأ والمعاد، ونشر الفضيلة، وقمع الرذيلة، ولكن بما انه كتاب الأبد وسفر الخلود، والمعجزة الباقية ــ تعرض تلويحاً مرة وتصريحاً اخرى ــ وبين التصريح والتلويح ثالثة الى فلسفة التكوين وبدء الخليقة، وبعض اسرار الطبيعة، ولا يبعد ان يكون امثال قوله تعالى: [خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ](1) ثم فصلها في سورة (فصلت) بقوله تعالى: [خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ](2). وجعل فيها رواسي وقدر فيها اقواتها في اربعة ايام ــ الى قوله ــ فقضاهن سبع سماوات في يومين، وقوله عز شأنه: [خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ](3). نعم لا يبعد ان يكون عز شأنه اشار بهذه الآيات الى ادوار الأرض، وطبقاتها ومبادئ تكوينها من الغاز ثم البخار ثم الجليد ثم التراب وهكذا وفق ما اهتدى اليه العلم الحديث، وما سيكشفه البحث والتنقيب في المستقبل فأن من المراد بهذه الآيات تلك المعاني والمقاصد فذاك والا فلا يقدح بكرامة القرآن العظيم خلوه من ذلك فأنه مسوق لغير هذه الغاية. نعم هو مسوغ لتك المقاصد الشريفة، والغايات المقدسة التي لو اخذ الناس بها لأصبحت الدنيا جنة من جنان الفردوس التي وعد الله بها عباده المتقين فليس في القرآن الكريم نص صريح بتلك الأمور حتى نقول انها توافق الإسلام او تخالف. (السؤال الثاني) هل القرآن دال على كون آدم ابا البشر، واول خليقة من هذا النوع ام لا؟.، وعلى فرض كون آدم اول مخلوق من النوع الإنساني فكيف التناسل بين اولاده؟. (الجواب) جميع الآيات الكريمة في هـذا الـموضـوع صريحة في ان آدم خـلق من تراب وتكون بالخلق الفجائي، وان ينبوع الحياة الأزلي نفخ فيه نسمة الحياة، وهو حي مستحدث من جماد بالحق الصراح عند ارباب الفلسفة العالية ان الروح في سائر الأجسام الحية هي جسمانية الحدوث روحانية البقاء فآدم الذي نوَّه عنه القرآن الكريم هو الأب الأعلى لهذا النوع الموجود على هذه البسيطة وكلهم من نسله ولكن ليس في القرآن ولا الأحاديث ما يدل على انه الأول من هذا النوع بل في الكتاب والحديث ما يدل على خلاف ذلك ففي تفسير قوله تعالى: [بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ](1) وردت عدة اخبار عن الصادقين ــ سلام الله عليهم ــ مضمونها، او نصها تقريباً…(تحسبون انه ليس غير آدمكم هذا بلى ان الله سبحانه خلق الف الف آدم والف الف عالم قبل هذا، ويخلق بعد انقراض هذا العالم ودخول اهل الجنة جنتهم، واهل الجحيم جحيمهم الف الف آدم والف الف عالم)، وتجد معظم هذه الأخبار في كتاب ((الخصال)) للصدوق اعلى الله مقامه وصريح هذه الأخبار انّ هناك ما لا يحصى من الآدميين والعوالم وهو الموافق لعدم تناهي قدرنه تعالى وان يده مبسوطتان، وان فيضه ما زال ولا يزال ولا ينقطع في حال من الحوال، وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت ايديهم ولعنوا بما قالوا ــ اما كيفية التناسل في بدء هذا الدور اعني دور آدمنا هذا الذي نحن من نسله فلها حسب ما ورد في بعض الآثار والأخبار طريقتان: الأولى: ولعلها الأصح ان حواء كانت تلد توأماً كل بطن ذكر وانثى فكان يزوج الذكر من هذا البطن من الأنثى من البطن الآخر وهكذا والأشكال انه كيف يزوّج الأخت من اخيها ولو من بطن آخر، وانه لا يخرج عن كونه زنا وبذات المحارم مدفوع بأنّ الزنا ليس الا مخالفة القوانين المشروعة، والنواميس المقررة من المشرّع الحكيم، وحيث انّ في بدء الخليقة لا يمكن التناسل الا بهذا الوضع اجازه الشرع في وقته لوجود المقتضى وعدم المانع ثم لما تكثر النسل، ومسّت الحاجة الى حفظ الأنساب وتميّز الأسر والأرحام، وحفظ النظام العائلي، وحصل المانع من تزوّج الأخ بأخته وامثال ذلك مما تضيع فيه العائلة وتهد دعائم الأسر ولا يتميز الأخ من الابن والأخت من البنت لذلك وضع الشارع قوانين للزواج يصون النسل عن الاختلاط والامتزاج وهذا المحذور لم يكن في بدء الخليقة يوم كانت اسرة آدم وحوّاء نفراً معدوداً. الثانية: ما في بعض الأخبار من ان الله جل شأنه انزل حوريتين فتزوجهما ولد آدم فكان النسل منهما، ولعل المراد من الحوريتين امرأتين بقيتا من السلائل البشرية المتقدمة على آدمنا هذا، وعلى كلّ حال فلا يلازم الزنا، ولا مخالفة حرمة نكاح المحارم. (السؤال الثالث) ذكر علماء الهيئة ان سبب الخسوف هو حيلولة الارض بين القمر والشمس، وسبب الكسوف هو حيلولة القمر بين الارض والشمس وبهذا يعلم المنجمون وقت الخسوف والكسوف، فحينئذ أي ربط بين ما ذكروه وبين ما في بعض الاخبار بان سببهما كثرة الذنوب وهاتان من علامة غضب الله، فكيف يعلم المنجمون وقت غضب الله. فلو فرضنا عدم وجود انسان في الدنيا لا يكون خسوف ولا كسوف؟.. (الجواب) ما ذكره علماء الهيئة في سببهما كاد يكون محسوساً او كالمحسوس اما ما ورد في الاخبار من ان سببهما كثرة الذنوب فهو مضافاً الى ضعفها المانع عن جواز التعويل عليها ومعارضة بعض الاحاديث النبوية لها الواردة في الخسوف المقارن لموت ابراهيم بن رسول الله (() واعتقاد الناس ان ذلك لموت ابراهيم فردعهم النبي (() وخطب قائلاً: ان الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان بموت احد ولا لحياة احد، الخ. يمكن تأويلها وحملها على ارادة المعنى الكنائي: وهي ان كثرة الذنوب هي التي تطمس نور الشمس الهداية وتذهب بنور اقمار العقول. فالذنوب هي التي ينخسف بها قمر العقل وينكسف شمس المعرفة فلا يبقى للعقل ولا للمعارف اثر كما ينكسف الشمس بحيلولة القمر، والقمر بحيلولة الارض، وهذا معنى حسن ومقبول عند ذوي العقول وان ابيت فطرح تلك الاخبار هو الاصح والله العالم. (السؤال الرابع) ما معنى المعاد الجسماني، هل يعود عين البدن الدنيوي او غيره؟ فلو كان عين البدن الدنيوي فما معنى قوله تعالى [لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا](1)؟. (الجواب) معنى المعاد الجسماني كما في بعض الاخبار انّك لو رأيته لقلت هذا هو فلان بعينه، وكما انّك لو رأيت شخصاً في الدنيا وهو صحيح سليم الاعضاء ثم رأيته بعد عشر سنين مثلاً مقطوع الاصبع، او اليد، او قد ذهبت عينه، او اذنه تقول هو فلان بعينه ولا يقدح في شخصيته فقدان يده فكذلك في الآخرة لا يقدح في وحدته، وتشخصه كونه كان في الدنيا بصيراً ويحشر في الآخرة اعمى، وهذا العمى هو العمى الحقيقي الذي كان له في الدنيا وهو عمى البصيرة وحيث ان الدار الآخرة هي الدار التي تبلي فيها السرائر وتظهر الحقائق ــ فلا محيص من ان يحشر الكافر والفاسق اعمى، ويعرف اهل المحشر ان هذا هو الذي كان اعمى في الدنيا حقيقة وان كان بصيراً صورة قد حشره الله بصورته الحقيقية في الآخرة التي هي دار الحق والحقيقة، ويؤيده قوله تعالى كذلك أتتك آياتنا من فنسيتها وكذلك اليوم تنسى فتدبره جيداً واغتنمه فأنك لا تجده في شيء من كتب التفاسير ولا غيرها والمنة لله وحده وعسى ان يأتي البعث عن المعاد الجسماني مفصلاً. (السؤال الخامس) ولد الزنا هل له نجاة في الآخرة ام لا؟.، وفرض كونه من الهالكين خلاف مقتضى العدل لأن الذنب على ابويه. (الجواب) ولد الزنا حسب قواعد العدلية المطابقة للموازين العقلية والأدلة القطعية ــ من أنه لا تزر وازرة وزر اخرى، ولا يعقب شخص بجريمة غيره فحاله اذاً حال سائر المكلفين ان اختار الطاعة وعمل الخير فهو من اهل الجنة والنعيم، وان اختار المعصية وعمل الشر كان من اهل الجحيم وكل ما في الأخبار مما ينافي هذا فلابد من تأويلها، وحملها على ما لا ينافي تلك القاعدة المحكمة، وخبث نطفته وشقاوة ابويه ليسا بحيث يسلبان القدرة والاختيار على الطاعة والمعصية فهذه الأخبار كأخبار الطينة والسعادة والشقاوة مثل انه تعالى قبض قبضة من طينة البشر وقال: هذه للنار ولا ابالي، وقبض أخرى وقال هذه للجنة ولا ابالي، وامثال قوله تعالى [طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ](1)، [وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ](2)، وهي كثيرة في القرآن العزيز مما يدل بظاهره ان الإغواء والإضلال والطبع والشقاء هو من الله قهراً وجبراً على العباد وليس ذلك هو المراد قطعاً ولا مجال لبسط الكلام في هذا المقام بأكثر من هذا. (السؤال السادس) ظاهر القرآن، او الدليل العقلي يساعد كون نبينا محمد (() خاتم الأنبياء ((بالكسر)) ام لا ؟. (الجواب) نعم ظاهر القرآن في قوله تعالى: [ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ](3) على القراءتين الفتح والكسر ((اسم فاعل واسم مفعول)) هو انه صلوات الله عليه وآله قد ختمت به النبوة، واما الدليل العقلي فهو واضح لمن تدبّر نواميس هذه الشريعة واحكامها وانّها بلغت الغاية في الإحاطة بمصالح البشر والنظام الاجتماعي الذي لا تتصور العقول ارقى منه واكمل. فلا بد أن تكون هي الغاية والخاتمة كما قال جلّ شأنه [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُم دِينَكُمْ](4) واذا اكـمل الشـيء فقد تم وانتهى ولا مجال لجعل غيره اذ المجعول اما مثله او انقص فهو قبيح واما الإكمال فهو حاصل في هذه الشريعة والله العالم. (السؤال السابع) في الحديث ان النبي (() لما فتح مكة ودخل الكعبة وكسر الأصنام كان صنم في موضع مرتفع فقال علي ((): يا رسول الله انا احملك لتكسر هذا الصنم، فقال رسول الله ((): انت لا تطيق حمل النبوة، ما معنى هذا الحديث والحال ان النبي يركب الدواب؟. (الجواب) نعم فرق بين حمل الدواب للنبي (() وحمل أمير المؤمنين (() له اذ من المعلوم الضروري ام البدن سواء في الحيوان, او الإنسان هو الذي يحمل الأثقال وينهض نهضة الأبطال ولكن انما ينهض البدن بحملها بقوة الروح وعزيمة الهمّة والشعور ضرورة ان الجبل الشامخ لا يقوى على حمل طائر بل لا يقدر على حمل ذبابة بل الطائر والذبابة تحمل نفسها عليه. فأن الإنسان بقدر عزمه وهمّته وشعوره يحمل الأثقال، ولما كان مثل امير المؤمنين (() يعرف عظمة النبي (() ويقدر هيبة النبوة، ويدرك معنى تلك المرتبة والوظيفة الآلهية، فلا ريب ان قوة البشرية مهما كانت عظيمة فهي تتصاغر امام تلك العظمة وتندك لدى اشراق لمعات تلك الهيبة. لأن تقديرها على مقدار ادراكها والشعور بها، اما الحيوان وسائر افراد الانسان فلا يدرك من النبي(() ولا يعرف من حقيقته الا جسده الظاهري وهيكله المادي ومعلوم انه خفيف الطبع لطيف الجسد يقوى على حمله من هذه الجهة كل احد ولكن امير المؤمنين (() وجبرئيل يعرفان من فضله ما يعجزهما عن حمله فتدبّره واغتنم وبالله التوفيق. (السؤال الثامن) ما هي فلسفة الاضحية في منى، نرى كثرة الحجاج، وعدم المصرف للحوم ذبائحهم في منى، فلو فرضنا الحجاج مائة الف فلا يقل كل واحد غالباً من ذبيحتين في الاضحية والكفارة تصير مائتي الف ذبيحة فيذبح ولا مصرف لها، ولا احد يأخذ، فيطرح على الارض ويفسد الهواء ويتولد الامراض، وفي هذا الزمان يقولون يجمعها بن سعود في بئر ويطرح عليها التراب. فأي فائدة فيها اجتماعية وانفراديّة فلو عيّن الشارع الاسلامي على كل احد من الحجاج بدل الهدي مقداراً معيّناً من النقود فيجمع للصرف في مصالح العامة للمسلمين أليس احسن؟. (الجواب) قضية الذبائح والقرابين وتقديمها للآلهة بكثرة شعيرة من الشعائر القديمة في اكثر الاديان حتى عند المشركين وعبدة الاوثان فضلاً عن الديانات الثلاث المشهورة، وحيث ان الشريعة الاسلامية جعلت الكعبة قبلة للمسلمين واليها حجّهم وموقع الكعبة هو الحجاز، وهي ارض (كما يعلم كل احد) قاحلة وحرة سوداء لا يعيش فيها ضرع ولا زرع، واهل الحجاز على الغالب فقراء بالفقر المدقع الذي كان يدفعهم الى استطابة اكل الحشرات والوحوش من الضب، واليربوع، والارانب ونحوها بل ربما يضطرون في بعض السنوات الى اكل الدم الممتزج بالصوف وما هو اسوء من ذلك فقضت الحكمة الالهية الارفاق باهل تلك البلاد والتوسعة عليهم، ومن يتجول في القبائل الحجازية وينظر شحوب تلك الشعوب، وغبرة وجوههم، ورث ملابسهم وجشوبة طعامهم يعرف سعة الرحمة الالهية والشفقة الربوبية في فرض هذا النسك، ومن يراجع الآيات الكريمة الواردة في هذا الموضوع يعرف جليّاً ان الحكمة والغرض من هذا الحكم هو التوسعة على الفقراء والهلكى الذين هم اكثر اهل الحجاز واشباع نهمهم وسد فورتهم يقول جلّ شأنه: [فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ](1) ــ ثم يقول: [فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانعَ وَالْمُعْتَرَّ](2)، فقول السائل انه لا مصرف لها غير صحيح وكل احد يعلم ان جمعاً كبيراً من اعراب تلك النواحي يجتمعون ويتقاسمون تلك الذبائح فيما بينهم ويتناهبون تلك الاغنام انتهاب الغنائم، وان بقى فضلة منها فهي من التوابع القهرية، والغالب ان الخير الكثير ليستتبع الشر اليسير، وهذا ايضاً لا يعود الى نقص في التشريع فان قبائل الحجاز لو اجتمع نصفهم فضلاً عن كلّهم لما كان يقع سهم كل واحد منهم شاة واحد من تلك الاضاحي الكثيرة لانهم يبلعون على اقل تقدير اكثر من مليونين ونصفهم على اقل فرض فقراء، فلو اجتمعوا في صحراء منى وعرفات، وهي قريبة منهم او ارسلوا وكيلاً او وكلاء يحملون اليهم حصصهم لكان سهم كل عشرة شاة واحدة ولكن هم المقصرون في الانتفاع بما فرضه الله لهم على حد قول شاعر الفرس: (كر كدا كاهل بود تقصير صاحب خانه جيست) امّا تعين مقدار من النقود بدلها فهو خلاف غرض الشارع الذي يحب اطعام الطعام، وبذل الزاد لاشباع الجائع، ودفع كضّة النهم، والقرم فانّه قد يمر على البدوي في الصحراء الشهر او الشهرين لا يذوق فيها طعم اللحوم، ولا يشم قتار الدسوم على ان الشارع ببركة ما اوجب على اغنياء المسلمين في الحج الى تلك المشاعر، والشعائر، وما ينفقون فيها من الاموال الطائلة قد صب عليهم البركة صبّاً وملأ جيوبهم بالنقود ــ فاوجب الاضاحي ــ تكميلاً للغاية، واتساعاً في المنفعة واستقصاء في الاخذ بأسباب الجود وعموم الكرم ولعل هذا هو السر او بعض المصالح والحكمة التي نظرت اليها العناية العليا والرعاية الازلية حتى صارت القرابين والاضاحي من النواميس المقدسة في اكثر الشرائع والاديان، وحثت على الاكثار منها ولان كان هذا بالغاً مرتبة الرجحان في سائر الاقطار والبلدان فهو الحجاز ولا سيما البيت الحرام، وهو بواد غير ذي زرع، ولا سبد، ولا لبد ينبغي بل يلزم ن يكون بحد الوجوب، وهكذا كان الامر من لدن حكيم عليم، نعم يلزم على اولياء الامور في تلك المشاعر التنظيم والعناية بما يستوجب الانتفاع بتلك الذبائح ورفع مضارها أو بيع ما لا يمكن الانتفاع منه الا بالاحتفاظ به بعمل وتدبير كجلودها واصوافها فيلزم اصلاحه اولاً ثم بيعه وتوزيع ثمنه على الفقراء او المصالح العامة باجازة حاكم الشرع او الحاكم العادل. (السؤال التاسع) كيف يمكن التوفيق بين قوله تعالى: [ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ](1) وقوله عليه الصلاة والسلام في زيارة الجامعة المشهورة: وحسابهم عليكم. (الجواب) هذا سهل واضح، وما اكثر التوسع في لغة العرب وانواع الكنايات والمجاز فتقول: بنى الامير المدينة، ونقول: بنى العمال المدينة. الاول تسبيباً واشرافاً، والثاني مباشرة وعملاً، والله سبحانه هو الذي يأمر انبياءه واوصياءهم بمحاسبة الخلق. فيكون حسابهم عليه امراً واشرافاً واحاطة والانبياء محاسبون معاشرة، وولاية، ويصح نسبة الحساب من هذه الحيثيات الى الله جل شأنه من جهة والى الائمة(() من جهة اخرى. (السؤال العاشر) ما الحكمة من تعدد ازواج النبي (()؟. (الجواب) اننا لو اردنا ان نكتب مؤلفاً خاصاً في الحكم، والمصالح التي اشتملت عليه هذه الشرعة النبوية والسياسة المحمدية لكان يلزمنا القيام باكبر مؤلف، وقد لا نحيط بسائر الجهات منها، نعم نعلم على الجملة ان اقترانه بكل واحد من تلك الزوجات كانت المصلحة في تلك الظروف المعينة يقتضي وجوبه الحتمي، وللمجموع اعني لمجموع التعدد اجمالاً حكم ومصالح ايضاً توجبه وتلزم به، ولا يسعنا ايضاح تلك المصالح جميعاً ولكن نشير الى واحدة منها اشارة اجمالية وهي: انه سلام الله عليه اراد ان يضرب المثل الاعلى والبرهان الاتمّ الاجلي لنفسه الملكوتية ومقدار رزانتها، وقوة استقامتها وعدلها، وعدالتها، وكل احد يعلم كيف تتلاعب النساء بأهواء نفوس الرجال وتتصرف فيها حسب ما تشاء، كما يعلم كل احد ما بين النساء والزوجات من التنافس، والغيرة، واعمال الدسائس والمكائد فيما بينهن، واضطراب حبل النظام العائلي والقلق الداخلي، وهذه الذات المقدسة الغريبة في جميع اطوارها ــ ضربت المثل الاعلى في ضبط النفس، واقامة العدل بين زوجاته المتعددات وعدم الانحراف عن محجّة العدل والانصاف بينهن قيد شعرة مع جمعه لهن في منزل واحد واختلافهن في السن والجمال وسائر الجهات التي تستهوى النفوس ونحن نجد في الكثير الغالب ان الرجل الصلب القوي قد يعجز عن ارضاء زوجتين واقامة ميزان العدل بينهن على اتم حدوده ومقاييسه، و لابد ان ترجح احدى الكفتين عنده ولو قليلاً مهما بالغ في التحفظ والكتمان فكيف بمن يحسن معاشرة تسع نساء، او اكثر في منزل واحد فيرضى الجميع ويعدل بين الكل ويخضعنَّ له جميعاً وهن (حبائل الشيطان ) ولا يرضيهن في الغالب كل ما في الكون من ثروة وسلطان حتى ان احدى زوجاته وهي سودة بنت زمعة(1) لما اراد النبي طلاقها وهبت لعائشة ليلتها ولم ترضَ ان يطلقها وقالت: اريد ان احشر في ازواجك، وكانت بيئته وقلت ذات يده وجشوبة عيشه وخشونة ازيائه كلها تستدعي على الدوام بينهن حدوث الشغب وتقطع حبل الراحة بمقاريض التعب، ولكنه على ذكره السلام لم يحدث شيء واحد من ذلك في بيته مدة عمره بينهنَّ سوى واقعة واحدة هي في غاية البساطة بل هي من اعلام النبوة ودلائل الوحي والرسالة واحدى قضايا الأعجاز وهي قضية مارية القبطية(1) التي نزلت فيها أوائل سورة التحريم، وفي قضية الزوجتين اللتين اودعهما النبي (() سراً فأظهرتاه والمرأة مهما كانت رخوة العنان ضعيفة الكتمان ولكن اراد النبي (()ان يصهرهنَّ في بوتقة الامتحان حتى يظهر الذهب الخالص من المزيف، وعلى كل حال فقد اظهر الله جل شأنه لنبيه في تعدد الزوجات معجزتين: الأولى: في داخليته وعدله المستمر بينهنَّ اكثر من عشر سنين. الثانية: وهي اكبر آية واعظم اعجازاً واسطع برهاناً. ذاك ان من يستقرئ سيرة النبي (() بعد هجرته من وطنه البيت الحرام الى مصيره الأخير ــ يثرب يجده في هذه السنوات الأخيرة من عمره الشريف كالرجل الفراغ البال من اثقال العيال، يجده كالوادع الآمن والهادئ المطمئن كأنه لا علاقة له بشيء من النساء ولا واحدة فضلاً عن المتعدد، فهو قائد جيش ومشرع احكام، وامام محراب، وقاضي خصومات، وعاقد رايات، ومؤسس شريعة، وعابد منقطع الى التهجد والعبادة، ولقد كان يصلي حتى ورمت قدماه فكيف مع ذلك كله استطاع ادارة تسع نساء او اكثر مع شدة الغيرة والتنافس بينهنَّ وكيف لم يقسمنَّ فكره ويشغلن باله عن تلك الأعمال الجبارة والعزيمة القهّارة. فهل هذه الا المعجزة بذاتها والقدرة الآلهية بأجلى مظاهرها؟. وهل تريد لتعدد الزوجات اعظم من هذه الحكمة وابلغ من هذه الفائدة؟ ولعل هذه واحدة من الف، واشراقة من شمس والا فالمسألة كما ذكرنا تستحق ان تفرد بالتأليف لكثرة ما فيها من السياسات والحكم. (السؤال الحادي عشر) ما وجه القسم بالتين، والزيتون؟ وما سبب امتيازهما بين المخلوقات؟ وما تفسيرها؟. (الجواب) جرت سنة الله العظيم في كتابه: ان يقسم لمخلوقاته العظيمة البركة العميمة الفائدة كالشمس والقمر، والنون والقلم، والرياح الذاريات، والمرسلات، كما يقسِم بالقرآن الذي هو شمس الهداية الحقيقية، وهداية الأرواح، والنفوس والعقول، بل بما دون ذلك كالصبح، والليل والجواري الخنَّس، والكواكب الكنّس، وامثال ذلك مما هو كثير في الكتاب الكريم، وحيث ان التين والزيتون من الأطعمة العظيمة الخير والبركة فأن التين فاكهة وحلوى رطبة نافع وجافة انفع وهو غذاء ودواء وطعام وادام وفيه منافع كثيرة، ومثله الزيتون ولعله اشرف، والطف واعظم بركة ونفعاً بأعتبار دهنه التي لا تعد ولا تحصى منافعه وخيراته وخواصه، وآثاره، وهو مع انه من احسن الأدام، والصبغ للآكلين فيه منافع عظيمة وخواص بليغة في المعالجات فلهذا حسن القسم بهما لعظيم فائدتهما، هذا كله بناء على ان المراد بهما تلك الثمرتان، او الشجرتان المباركتان، ومن الجائز القريب بل لعله الأقرب ان المراد بالتين جبل يكثر فيه شجرة التين من جبال القدس وحبرون(1) الذي تجلّى عليه الجليل لأبراهيم الخليل (()، والزيتون جبل الزيتا الذي تجلّى الرب فيه لإسرائيل يعقوب ابي الأسباط وللمسيح فيه مواقف كثيرة، ويشهد له عطف طور سينين عليهما وهو الجبل الذي تجلّى فيه الجليل لكليمه موسى(()، ثم عطف عليهما البلد الأمين وفيه جبل حراء الذي تجلّى فيه الحق لحبيبه محمد(()، فهذه الجبال الأربع هي مظاهر الأنوار الآلهية، والتجليات الربوبية على الأرواح النبوية والهياكل البشرية، ولا شيء احق منها للحق بأن يقسم بها من مخلوقاته، والله اعلم واحكم بأسرار كلماته وسائر آياته. (السؤال الثاني عشر) لأي علة منع لبس خاتم الذهب وزر الذهب للرجال؟. (الجواب) حق السؤال ان يكون هكذا ــ لماذا منع الدين الأسلامي من لبس الرجال الحرير والذهب؟..، والجواب: ان الدين الأسلامي يريد من الرجال الخشونة والصلابة، وان يكونوا اشداء واقوياء، ولما كان في الحرير والذهب من النعومة والطراوة والميعان واللمعان ما ليس في غيرهما حرمهما على الرجال لعلمه تعالى ولعله من المشاهد المحسوس ان الزينة بمثل هذه الأشياء يوجب التأنّث والتخنث وسفالة الهمة والميل والانقياد الى الشهوات البهيمية، ويسقط همة الرجل فيها عن السمو الى نيل المعالي وعظائم الفتوح وعزائم الروح، ولا يقاس هذا بلبس الأحجار الكريمة والجواهر الثمينة فأنها توجب العزة والكرامة والسمو وعلو الهمة، واين هذا من نعومة الحرير ولمعن الذهب التي تلائم ربات الحجال. ويجب ان تترفع عنها الرجال حتى لو لم يحرمهما الشارع. فلله شريعة الأسلام ما اعظمها واجلها ولله هذه الأمة المسلمة ما اضعفها واجهلها والحكم لله ولا حول ولا قوة الا بالله عليه توكلت واليه انيب. مسألة مهمة وهي مسألة الفرق بين الحقوق والأحكام(1) الحق نحو سلطنة والسلطنة عبارة عن القاهرية والتسلط ولها مراتب كثيرة أعلاها واجلها هو سلطنة الحق تعالى شـأنه وقـهاريته على مخلوقاته وهو حق لا يتغير ولا يتبدل (1)اسماء بنت عميس الخثعمية من مشاهير العالمات في الإسلام، اسلمت قديماً وهاجرت الى الحبشة مع زوجها جعفر بن ابي طالب (( ) فولدت له بالحبشة عبد الله وعوناً ومحمداً ثم هاجرت الى المدينة فلما استشهد عنها جعفر الطيار تزوجها ابو بكر فولدت له محمد بن ابي بكر ثم مات عنها فتزوجها امير المؤمنين (() فولدت له يحيى. قال العلامة المامقاني (( ): انها ثقة مقبولة الرواية. وروى الصدوق (( ) في الخصال مسنداً عن ابي‌ ‌بصير عن ابي جعفر (( ) قال سمعته يقول رحم الله الأخوات من اهل الجنة: اسماء بنت عميس الخثعمية وكانت تحت جعفر بن ابي طالب وسلمى بنت عميس الخثعمية وكانت تحت حمزة وخمس من بني هلال الخ الحديث وكان عمر بن الخطاب يسأل اسماء بنت عميس عن تعبير المنام ونقل عنها اشياء من ذلك وفرض لها الف درهم وماتت بعد امير المؤمنين (( ) وقيل توفيت في زمن خلافته (( ) ويقال انها لما بلغها قتل ولدها محمد بمصر قامت الى مسجد بيتها وكظمت غيظها حتى شخبت ثدياها دماً واوصى ابو بكر ان تغسله امرأته اسماء بنت عميس انظر لسان الميزان ج6 ص853 ط حيدر آباد الدكن. اسد الغابة ج5، ص395 ط مصر. اعيان الشيعة ج11، مج12، ص219 ــ 232ط دمشق. الأصابة ج4، ص225، ط مصر 1359هـ. تنقيح المقال ج3 فصل النساء ص69، ط نجف. اعلام النساء ج1، ص46، ط دمشق. الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ص35، ط مصر 1313هـ. القاضي الطباطبائي (1)ابو عبد الله محمد بن عبد الباقي بن يوسف المصري المالكي الزرقاني توفي سنة (1122)هـ له شرح الموطأ وغيره من المؤلفات. القاضي الطباطبائي (1) وليسمح لي القارئ العزيز ان ابين في هذا المقام معنى (الهيولي ومرتبتها) واقول اعلم انه كما يوجد في المفاهيم المعقولة امراً مشتركاً بينها يسمى الجنس، وأمراً مميزاً يسمى الفصل، وامراً مؤلفاً في العقل منهما بسيطاً في الخارج يسمى النوع، كذلك اذا لاحظنا المحسوسات والأجسام : فأن من انعم النظر لمثل (المدرة) مثلاً ولاحظها يرى فيها من حيث وجودها الخارجي شيئاً تساوق المدرة في ذلك الشيء جميع الأشياء القائمة بذاتها وتفارق‌ ‌الأمور العرضية, وذلك الشيء هو الجوهر وتمتاز المدرة فيه اذن عن الأعراض ويرى فيها شيئاً آخر تشارك فيه جملة من الأشياء الجوهرية وتمتاز عن جملة اخرى وذلك الشيء هو (الجسم) فأن المدرة تمتاز عن العقل ونحوه في ذلك وتساوق الحجر والياقوت وزيداً مثلاً فيه فمن هنا يعلم الانسان ان في المدرة وراء الجوهرية شيء آخر هو من جنس الجواهر واخص منه. ثم ان هذه الجسمية بعد امعان النظر فيها نرى ان حقيقتها ليس الا امراً مؤلفاً من شيء ومقدار وهذا نظر اجمالي الى ذاتها الموجود، وبعد لفت النظر في هذا الأمر اذا دققناه فيه رأيناه ينحل الى اشياء يطلق الجسم على مجموعها فأول ما نرى فيها ويظهر هو مقدار هذه المدرة عرضاً وطولاً وعمقاً وهو المقدار الخاص لها، فأذا تعمقنا في هذا المقدار الخاص نقطع بأنه ليس مناط جسميتها والا كانت المدرو الأخرى التي تخالفها في جميع انحاء هذا المقدار الخاص غير جسم وهو باطل، فنعلم من ذلك ان خصوصية هذا المقدار يجب ان يكون امراً عارضاً على الجسم بما هو جسم وان الجسم انما يكون ذا مقدار كلي ولا يقتضي خصوصية المقدار. ‌ ‌ثم بعد التأمل والتعمق تارة اخرى نرى ان بعض الأجسام ليس لها مقدار فعلاً وهي جسم وان فعلية المقدار لو كان داخلاً في قوام الجسمية لم يمكن لنا ان نفرض جسماً ليس له مقدار فعلاً لأنه كفرض جسم ليس بجسم فيتضح من ذلك وضوحاً لا يقبل الشك ان قوام الجسمية ليس بفعلية المقدار بل بقابليته، ثم بعد الأمعن والدقة نجد ان حقيقة الجسم هي الشيء القابل للمقادير مشتركة بين جميع انواع الأجسام وهي مختلفة في امور ذاتية وفصول كجسم الحيوان، وجسم النبات، وجسم المعدن، ونحو ذلك ونجد ان هذه الحقيقة بأختلاف فصولها مرتبة فعلية الجسم وبين هذه الأجسام المتمايزة بحسب الفصول شيء مشترك من الجسم قابل لأنظمام كل من الهيئات اليه. قتحقق بالتنقيب والتحليل الصحيح بحيث لا يشوبه شيء من الدجل ان في جسم المدرة اشياء عديدة، مقدار خاص، واتصال عرضي وهو المقدار المطلق الذي يعرضه خصوصية المقدار، وصورة المدرية المميزة المدرة عن صورة النخلة مثلاً وشيء مشترك قابل لطريان الصورة وعروضها. فهذه امور اربعة: اولها الشكل، وثانيها الكم المتصل، وثالثها الصورة الجوهرية، ورابعها المادة الجوهرية، والأولان عرضيان والأخيران جوهريان والأخير أي المادة هي الهيولي، والثالث الصورة، فالهيولي وراء الجوهر امر جسمي مشترك بين جميع انواع الأجسام وليس الا قابلاً ومرتبة القابلية للصور والفعلية موقوفة على الصورة ولذا قلنا: ان الهيولي تلازم الصورة.. هذا ما فهمنا من في تصوير الهيولي والصورة وهو تنقيح ما يظهر من كتاب الشفا للشيخ الرئيس ابن سينا. مع بيان بعض الأساتذة الأعاظم، ولا اظن بقاء شبهة بعد هذا البيان في فهم معنى الهيولي ومرتبتها، فنسبة الهيولي الى الأمور الجسمية الخارجية نسبة الجنس الى المفاهيم المعقولة الذهنية كما صرح به رئيس فلاسفة الأسلام في الهيئات الشفاء. ثم انه غير خفي على الباحث المنقب ان التعبير عن الأمر الجسمي المشترك بين جميع انواع الأجسام بـ(الهيولي) اصطلاح للفلاسفة الأقدمين واما الفلاسفة في الأعصار المتأخرة فهم يعبرون في الأغلب عن ذلك الأمر بالمادة والقوة، او الأثير، او ( اتوم )، او الجواهر الفردة، او تحولات الحركة، على اختلاف آرائهم وتشتت اقوالهم وافكارهم حتى اليوم، والأقدمون مع قولهم بالهيولي قائلون بالصانع القديم القادر المختار اذ لا تنافي بين القول بالهيولي والصانع المختار كما هو رأي حكمائنا الأسلاميين الذين وصلوا الى القمة العليا والدرجة القصوى في الآلهيات، واما الفلاسفة الماديون في العصر التعيس مع تشتت آرائهم وتناقض اقوالهم يظهر من كلماتهم انه يدعون عدم العلم بما وراء الطبيعة والمادة فأنهم من كثرة انهماكهم وتوغلهم في المادة والماديات وتهاجم شبهات الألحاد عليهم بعدوا اشواطاً شاسعة عن الروحانيات والآلهيات ولا ينافي ادعائهم عدم العلم مع اثبات الآلهيين وعلمهم ان في ما وراء المادة قوة روحية وافاضة معنوية وهي علة العلل ومفيض الكل والمبدأ الحقيقي للهيولي او المادة او الأثير وبالجملة للكائنات والموجودات كلها وان شئت فعبر بأصطلاح فلاسفة الآلهيين ــ ان الكائنات بأسرها بجميع عللها ومعلولاتها تنتهي الى ( واجب الوجود بذاته ) المنزه عن كل ما ينافي وجوب وجوده فمن ينفي الصانع ويدعي عدم الدلالة في الكائنات والموجودات عليه او الدلالة على عدمه فعليه اثبات ذلك بالبرهان الصحيح والتحليل العلمي النزيه من كل موجود ولا يكفيه مجرد النفي وادعاء عدم العلم فأن النفي يحتاج الى الحجة كالأثبات ولا يكفيهم خوضهم في الطبيعيات وغورهم في الماديات وان بلغوا ما بلغوا فيها من الرقي‌ ‌والاكتشافات الطبيعية فأن القوة القاهرة المعنوية والإفاضة الباطنية الشاعرة انما هي ما وراء الطبيعة والمادة وهي المدبرة لهذه الموجودات من المادة والماديات كلها لا الطبيعة العمياء والمادة الصماء الفاقدة للحس والشعور. ولهذا اعترف جمع من فلاسفة الغرب ومشاهيرهم في القرون المتأخرة بالصانع القادر المختار القاهر المحيط بكل شيء منهم (باستور) العالم الفلكي الفرنسي المتوفي (1912م) و (نيوتن) الطبيعي الفيلسوف الانكليزي الشهير الذي دحض آراء الماديين ومعتقد انهم المتوفي (1727م) و(مالبرانش) الفرنسي المتوفي (1715م) و(هكسلي) من اكبر علماء الأنكليز المتوفي (1895م) وقد اعترف بأنه: (يستحيل نقض الألوهية بحسب مذهب الأرتقاء) و(بليز باسكال) الفيلسوف العظيم الفرنسي المتوفي (1662م) والى غيرهم ممن يطول بنا الكلام بذكر اساميهم وآائهم وكلماتهم في هذا المقام. القاضي الطباطبائي (1) سورة الملك آية:2. (1) سورة الفرقان آية: 44. (1) وقد خدم (( ) الدين بنهضته المقدسة واحيى التوحيد في العالم بتلك التضحية العظيمة ولولا شهادته لم تقم للأسلام قائمة فأن الأحقاد القديمة من بني امية وتلك الضغائن الخبيثة من تلك الشجرة الملعونة نهضت على محو الدين الأسلامي الذي ظهر من اسرة عريقة بالمجد والشرف اعني البيت الهاشمي البازغ منهم شمس الرسالة والنبوة، فلو ارخينا عنان القلم نحو الوجهة التاريخية وما كان للأمويين من النيات الممقوتة في هدم الأسلام لخرجنا عن الغرض المقصود في هذه الرسالة وهي ترجمة الكلمات المترشحة من قلم سماحة الأمام دام ظله. ولكن استطيع ان اقول ايها القارئ العزيز على الأجمال: ان بني امية سلكوا في سياستهم الغاشمة في هدم الأسلام ونسفه المسلك والشرعة التي علمها لهم رئيسهم ورئيس المنافقين والزنادقة ابو سفيان ــ في تلقينه لهم تعاليمه الجاهلية ونزعاته الأموية حين دخل على عثمان بعد ان ولى الخلافة وخاطبهم بكلامه المعلن بكفره ونفاقه وقال: (يا بني امية تلقفوها تلقف الكرة والذي يحلف به ابو سفيان ما زلت ارجوها لكم ولتصيرنَّ الى صبيانكم وراثة) وقال لعثمان ادرها كالكرة واجعل اوتادها بني امية فأنما هو الملك ولا ادري ما من جنة ولا نار. وأتى قبر ‌حمزة سيد الشهداء (( ) فركله برجله ثم قال: يا حمزة ان الأمر الذي كنت تقاتلنا عليه بالأمس قد ملكناه اليوم وكنا احق به من تيم وعدي. القاضي الطباطبائي (1)البحار للعلامة المجلسي ج10 ص220 طبع امين الضرب باختلاف يسير في العبارة ويكفي في الاعتماد بهذا الخبر نقل المجلسي له عن بعض الكتب المعتبرة ولهذا اعتمد سماحة شيخنا الأمام دام ظله عليه ايضاً في المقام فدع عنك ما يظهر من كلمات بعض من يدعي التتبع من المناقشة في هذا الخبر فأنه مناقشة واهية لا وجه لها سوى الاستبعاد المحض الذي لا يعبأ به بعد ما عرفت من كلام سماحة الأمام دام ظله الوجه في فعل الصديّقة الصغرى زينب ((). وزينب الكبرى هي عقيلة بني هاشم وهي الصديّقة الصغرى عالمة اهل البيت (( ) وكريمة امير المؤمنين (() وامها الصديقة الكبرى سيدة نساء العالمين وهي شريكة الحسين (( ) في ابادة كبرياء الظالمين واطفاء نائرة سلطتهم الجائرة ولولاها لأنقرضت سلالة العترة الطاهرة، وهي وحيدة عصرها في الصبر والثبات وقوة الأيمان والتقوى والعفاف وفي الفصاحة كأنها تفرغ عن لسان امير المؤمنين (( ) واوصى اخوها اليها بجملة من وصاياه وانابها السجاد (( ) نيابة خاصة في بيان الأحكام وكان ما يخرج عن علي بن الحسين (( ) من علم ينسب الى زينب (() تستراً على الأمام السجاد (( ) وذكرها علماء الرجال من الفريفين في كتبهم وافرد بعضهم في حقها مؤلفاً خاصاً ككتاب (السيدة زينب) وكتاب (زينب الكبرى) للعلامة النقدي (( ) وكتاب (الطراز المذهّب) بالفارسية لولد صاحب ناسخ التواريخ وقد خلط مؤلفه فيه الصحيح بالسقيم ولا ينبغي الاعتماد عليه من غير تثبت وتحقيق. وصنفت الدكتورة بنت الشاطئ كتاب (بطلة كربلاء زينب بنت الزهراء) وهو عدد 11 لسنة (1371)هـ من كتب الهلال التي هي سلسة شهرية تصدر عن دار الهلال بالقاهرة وكتاب (زينب عقيلة بني هاشم). وغير ذلك من المؤلفات الخاصة في حق هذه العقيلة التي هي في المقدمة بين الأنقياء المجاهدين والطيبات‌ ‌والطيبين من آل البيت النبوي الذين ضحوا في سبيل الحق والعدالة واصلاح زيغ البشرية واحتملوا من المآسي ما كان له اثره الخالد ووقعه العظيم في التاريخ الأسلامي. وفي مدفنها وتأريخ وفاتها آراء واقوال شتى لم اهتد الى تحقيقها والتحري الدقيق فيها كي تطمئن النفس بأحداها لقلة المصادر ولأسباب اخرى قيل انها ولدت في حياة النبي (( ) من غير ذكر سنة الولادة كما في الإصابة وغيرها، وقيل ولدت في الخامس من جمادى الأولى في السنة الخامسة للهجرة وهو الراجح في نظري، وقيل في السنة السادسة وقيل في الرابعة، وتوفيت نحو سنة (65)هـ كما ذهب اليه الزركلي في الأعلام ج1 (351 وعمر رضا كحالة في اعلام النساء ج1 (508 وفي الأخير انها دفنت بمصر واليه ذهب جمع من علماء اهل السنة، وذهب العلاّمة الشهرستاني في نهضة الحسين (( ) الى انها توفيت في نصف رجب سنة (65)هـ، وقيل انها لم تمكث بعد اخيها الا يسيراً وتوفيت بعد ورود المدينة بثمانين يوماً وان قبرها بها، كما في تنقيح المقال ج3 ــ فصل النساء ص80 واستظهر صاحب كتاب اعيان الشيعة ج33 ــ ص207 ــ 210ط بيروت ايضاً ان قبرها بالمدينة وقيل انها توفيت في النصف من رجب سنة (62)هـ بمصر كما ذهب اليه العبيدلي في رسالة (الزينبات) المنسوبة اليه وقيل انها توفيت في احدى قرى الشام ودفنت بها وهذا القول بعيد عن الصواب فأن الألسن تلهج في سبب ذلك بحديث (حديث المجاعة ومجيء عبد الله بن جعفر مع زينب (() الى الشام) لا اثر له في صفحات التأريخ ‌ والسير، وما ذكره العبيدلي من تاريخ وفاتها ومدفنها بمصر بعيد ايضاً للقرائن التي لا يسعنا المجال ولا المقام لذكرها، والحق ان لهذه السيدة شباهة تامة لأمها الصديّقة الطاهرة (( ) في اختفاء قبرها ومدفنها ((). (1) هو العلامة المحدّث المتبحّر الحاج ميرزا حسين بن محمد تقي النوري الطبري صاحب مستدرك الوسائل المتوفي (1320)هـ. (1) هو الأمام آية الله الشيخ مرتضى بن محمد امين الأنصاري التستري النجفي المؤسس في اصول الفقه واليه انتهت رئاسة الأمامية وعكف على مصنفاته وآرائه ونظرياته البديعة في اصول الفقه كل من نشأ بعده الى اليوم ولد في (1214)هـ وتوفي سنة (1281)هـ. القاضي الطباطبائي (2) هنا كتب دام ظله في اصل الكتاب كما في ترجمته في الطبعة الأولى (ثلاثمائة وستين تسبيحة) ثم كتب بقلمه الشريف في هامش النسخة المصححة التي ارسلها الينا ما يلي: كتبنا (ثلاثمائة وستين تسبيحة) يعني بزيادة ستين نظراً الى وقوع العدد خارج الصلاة فلا يكون تغييراً لكيفية الصلاة الوارد بالنص وتكون الزيارة ذكراً مستحباً في ‌ نفسه وذكر الله حسن في كل حال ويطابق عدد ايام السنة لكل يوم تسبيحة وجبراً لفوات التسبيح في داخل الصلاة فأنت ايها العامل مخير بين الثلاث مائة والثلاثمائة وستين اذا اضطررت الى الذكر خارج الصلاة وبالله المستعان منه دام ظله. القاضي الطباطبائي (1) سورة المائدة آية: 6. (1) سورة البقرة آية: 185. (1) ولعل نظر شيخنا المجتهد الأكبر دام ظله ــ في كون سهم الأمام (( ) امراً مهماً وموضوعاً صعباً عنده ــ الى ان لفقهاء الأمامية في زمن الغيبة خلافاً شديداً واقوالاً شتى في حكم سهم الأمام (( ) وفي موارد مصرفة تربو تلك الأقوال عن التسعة مع عدم دليل خاص في البين بحيث يوضح حكمه على نحو يوجب الوثوق والاطمئنان به، ولهذا اختلفت الآراء والمذاهب الفقهية في هذه المسألة وكشف رضاء الأمام (( ) في الموارد الخاصة التي يصرف فيها في غاية التعذر ولذا كان اهل الورع والتقوى من اهل العلم والدين في الزمن الغابر في اشد الاجتناب عن صرفه في حاجاتهم المادية واما اليوم فينهبه كل من استولى عليه، ومن الغريب انه تحسب عدة من الناس ان الشارع شرع سهم الأمام (( ) وهيأه في زمن الغيبة لمؤنتهم ولصرفهم في حوائجهم ومعايشهم وحاجاتهم الشخصية مع انّا نرى احتياج جمع من اسرة الأمام (( ) ورهطه من بني فاطمة (( ) ــ من الذين لا يشك في صحة انتسابهم واتصال سلاسل نسبهم لبيت النبوة الى المساعدات اللازمة، وسهم الأمام (( ) انما هو من الخمس والخمس في الدين الأسلامي شرع لبيت الهاشمي النبوي ــ الأمام (( ) وسائر الذرية الطيبة والسلالة الهاشمية ــ ولا ينبغي لغيرهم التصرف فيه كما لاتحل للذرية الطاهرة التصرف في الصدقات من الزكاة ــ اوساخ الناس ــ ومع احتياج الذرية فصرفه في غيرهم في غاية الصعوبة، ولهذا ذهب جمع كثير من الفقهاء الأكابر زعماء الدين ورؤساء المذهب كالشيخ المفيد والمحقق والعلامة والمحقق الثاني والمجلسي والشيخ كاشف الغطاء وغيرهم رضوان الله عليهم الى ان سهم الأمام (( ) كسهم الذرية يصرف اليهم، وقال الشهيد الثاني في شرح اللمعة: (انه المشهور بين المتأخرين) وقال السيد صاحب الرياض: (انه الذي استقر عليه رأي المتأخرين كافة على الظاهر المصرّح به في المدارك) وصرح جمع آخر ايضاً ان هذا القول هو المشهور والموافق للأحتياط والله العالم بأحكامه. القاضي الطباطبائي (1) ارسطو (384 ــ 322ق م) خاتمة حكماء اليونان وسيد علمائهم واليه انتهت فلسفتهم ويلقب بالمعلم الأول لأنه اول من جمع علم المنطق ورتبه وخلص صناعة البرهان من سائر الصناعات المنطقية وصورها بالأشكال الثلاثة وجعلها آلة للعلوم النظرية ويسمى اتباعه بالمشائين. وذكروا في وجه تسميتهم: ان استاذه افلاطون الحكيم كان يدرس تلاميذه وهو ماش احتراماً للفلسفة وتقديساً لها، او انهم كانوا يمشون في ركاب ارسطو، او ان هذا الأسم رمز الى المشي الفكري في تحصيل العلوم، الى غير ذلك مما قالوا او تخيلوا في وجه هذه التسمية، ولكن المنقول عن بعض الكتب الغربية: ان في سنة احدى وثلاثين وثلاثمائة قبل الميلاد ورد ارسطو الحكيم اليوناني الى بلدة (آثنية) وكان حول البلدة محل للتفرج يسمى (ليكيون) وبنى هذا الحكيم فيه مدرسة وسميت بأسم المحل وقالوا لها مدرسة (ليكيون) ثم سميت هذه المدرسة باليوناني مدرسة التفرج والتنزه والحكماء التابعون لآراء ارسطو كانوا ساكنين في تلك المدرسة فنسبهم الناس اليها فقالوا (طائفة المشائين والمتفرجين) وقالوا لأرسطو وهو زعيم المدرسة: رئيس المشائين. بيد ان نقلة الكتب اليونانية الى العربية لعدم تحريهم الصادق في تأريخ اليونانيين غفلوا عن حقيقة الأمر في وجه هذه التسمية فتخيلوا ما هو المشهور الى اليوم. وقد كتبنا ذلك في بعض ملاحظاتنا في مجلة (العرفان) الزاهرة ج10 ــ مج39 ص ــ 1247ط صيدا. القاضي الطباطبائي (1) روى ثقة الإسلام الكليني (( ) باسناده عن سماعة بن مهران قال: كنت عند ابي عبد الله (( ) وعنده جماعة من مواليه فجرى ذكر العقل والجهل، فقال ابو عبد الله (( ): اعرفوا العقل وجنده والجهل وجنده تهتدوا، قال سماعة: فقلت جعلت فداك لان نعرف الا ما عرفتنا، فقال ابو عبد الله (( ): ان الله عز وجل خلق العقل وهو اول خلق من الروحانيين عن يمين العرش من نوره، فقال له: ادبر، فأدبر ثم قال له: اقبل فأقبل الى آخر الحديث الشريف، انظر كتاب العقل والجهل من الجامع الكبير (الكافي) وهو الحديث الثالث عشر منه وتأمل فيه. القاضي الطباطبائي (1) دعاء ــ 43 ــ من ادعية الصحيفة السجادية (( ) فلاحظ وتأمل. (1) رواه شيخ الطائفة ابو جعفر الطوسي (( ) ــ شيخ الأمامية منذ زمنه الى اليوم ــ في كتابه (مصباح المتهجدين) قال: اخبرني جماعة عن ابن عياش قال مما خرج على يد الشيخ الكبير ابي جعفر محمد بن عثمان بن سعيد (() من الناحية المقدسة ما حدثني به خير بن عبد الله قال كتبته من التوقيع الخارج اليه الخ. القاضي الطباطبائي (1) سورة القمر آية: 50. (1) ابو الحسن محمد بن الحسين الموسوي اخو الشريف المرتضى علم الهدى امره في العلم والفضل والجلالة والأدب والورع والوثاقة اشهر من ان يذكر. وقد صنف جمع من علماء الفريقين في حقه كتب ورسائل مستقلة توفي يوم الأحد لست خلون من المحرم سنة (406)هـ. القاضي الطباطبائي (1) سورة الجمعة آية: 11. (1) سورة التوبة آية: 34. (2) سورة الأحزاب آية: 26 قوله تعلى من صياصيهم: أي من حصونهم وقلاعهم. نزلت الآية الشريفة في بني قريظة انظر تفصيل ذلك في التفاسير. القاضي الطباطبائي (1) سورة فصلت آية: 11. (1) سورة البقرة آية: 255. (2) سورة طه آية: 5. (1)المولى اسماعيل بن محمد حسين بن محمد رضا المازندراني العلامة الورع الحكيم المتأله من اكابر علماء الأمامية سكن في محلة (خاجو) بأصفهان وتوفي بها سنة (1173)هـ ودفن في مقبرة تخته فولاد. وله تصانيف ممتعة منها شرح دعاء الصباح. القاضي الطباطبائي (1)نعم ما صدع بالحق بعض الأساتذة بقوله: الا قاتل الله السياسة والرياسة فما دخلا شيئاً الا افسداه. قلت الا قاتل الله السياسة الغاشمة وعمالها الجائرة ذوي المطامع والاغراض الفاسدة من ارباب الأقلام المستأجرة في هذه الصحف والجرائد السوداء الذين لهم الدعايات الكاذبة والنيات الممقوتة في تعيين المرجع للتقليد والفتوى وقد تداخلت ايديهم الظالمة في هذه السنين الأخيرة في البلاد الأيرانية في تعيين المجتهد الذي يتعين الرجوع اليه، ولذا قد يلتبس الأمر على العوام ولا بد لهم من التيقظ وعدم الغفلة في هذا العصر التعيس والتثبت والتحقيق في تعيين المرجع للتقليد وعدم الإصغاء لهذه الأصوات المنكرة وهذه الدعايات المشؤمة في الصحف والجرائد المنحوسة ولا سيما المنتشرة منها في هذه البلاد والرجوع في معرفة المجتهد والقائد المذهبي الى تشخيص اهل الورع والتقوى والفضل والاجتهاد من العلماء، وحقاً اقول وما في الحق مغضبة: انه ضاعت الموازين الشرعية والمعيار الصحيح في تعيين المرجع الديني في هذا الزمان، واضف الى ذلك انه كثر من يدعى الأجتهاد وهذا المنصب العظيم من‌ ‌غير اهله ممن ليس له اهلية التصدي للفتوى اصلاً، ولشيخنا الأمام دام ظله في الصفحة التي اشار سماحته اليها من السفينة اعني صفحة (61) كلمة نيرة ابان بها الحقائق الراهنة حيث كتب تعليقة على قول اخيه آية الله الفقيه المرحوم (( ) في السفينة (ومن ادعى الأجتهاد والأهلية فان كان ممن يحتمل في حقه ذلك حمل على الصحة ولم يفسق بذلك ولكن لا يجوز ترتيب الآثار بمجرد ذلك واما اذا خالف الضرورة في دعواه فشارب الخمر خير منه) وذكر ما يلي: (وما اكثر المدعين لهذا المنصب ولا سيما في هذه العصور التعيسة جهلاً بأنفسهم وبهذا المقام وما اكثر المخدوعين بهم جهلاً او لغرض والغرض يعمي ويصم ولا حول ولا قوة الا بالله، وقد ذكرنا ان احسن معيار للكشف عن صدق هذه الدعوى وكذبها هو الأنتاج العلمي وكثرة المؤلفات النافعة وان طريقة الأمامية من زمن الأئمة (( )الى عصرنا القريب هو ان المرجعية العامة والزعامة الدينية تكون لمن انتشرت وكثرت مؤلفاته كالشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي الذي تكاد مؤلفاته تزيد على الأربعمائة والشيخ الصدوق له‌ ‌ثلاثمائة مؤلف وهكذا كان هذا هو المعيار الصحيح والميزان العادل الى زمن السيد بحر العلوم صاحب المصابيح والشيخ الأكبر صاحب كشف الغطاء الى الشيخ الأنصاري صاحب المؤلفات المشهورة التي عليها مدار التدريس اليوم اما الرسالة العملية وان تعددت فلا تدل على شيء وما اكثر ما يأخذها اللاحق من السابق وليس له فيها سوى تبديل الأسم او تغيير بعض الكلمات واليه تعالى نفزع في اصلاح هذه الطائفة وتسديد خطواتها الى السداد ان شاء الله) ولله در القائل: وما افسد الناس الا الملوك واحبار دين ورهبانها القاضي الطباطبائي (1) سورة الأحزاب آية: 6. (1)الحاج شيخ عباس بن محمد رضا القمي العالم المحدث المتتبع صاحب التصانيف المنتشرة باللغتين ــ العربية والفارسية ــ توفي بالنجف الأشرف في 23 ذي الحجة سنة (1359)هـ ودفن بها رحمه الله تعالى. القاضي الطباطبائي (1) ابو القاسم محمد حسن الجيلاني المعروف بـ(ميرزا القمي) العالم الرباني شيخ الفقهاء واحد اركان الدين في عصره صاحب التصانيف النفيسة في الفقه واصوله منها القوانين والغنائم وجامع الشتات والمناهج وغير ذلك ورأيت الأخير بخطه الشريف، وكان له الماماً بالأدب والشعر وحسن الخط ولد سنة (1151)هـ وضبط تأريخ وروده الى جامعة النجف الأشرف لدراسة العلوم بسنة (1174)هـ كما في اشعاره الفارسية التي انشدها في تأريخ وروده اليها ورأيتها بخطه الشريف ونقلناها في كتابنا (خاندان عبد الواحد) بالفارسية. وتوطن (( ) في بلده (قم) وتوفي بها سنة (1231)هـ وقبره الشريف مشهور بـ(قم) يزار ويتبرك. القاضي الطباطبائي (!)سورة المائدة آية: 95. (2)ابو العلاء احمد بن عبد الله بن سليمان بن محمد بن سليمان المعري، ولد بمعرة النعمان في عام (363)هـ، وتوفي عام (449)هـ، وهو شاعر فيلسوف زاهد متشائم اوصى ان يكتب على قبره. هذا جناه ابي علي وما جنيت على احد انظر ذيل تاريخ الفلسفة في الإسلام تعريب الأستاذ محمد عبد الهادي ابو ريدة ص93 ــ ط2 قاهرة. (3) واول بيت: تـــــناقــــض مــــا لنــــا الا الســــكــــــوت بـــــــه وان نــــعـــــــوذ بـــمـولانـــــا مــــــن الــنــــــار (1) تفضل شيخنا الأمام دام ظله في آخر هذه الأجوبة الشريف وكتب بخطه الشريف خطاباً لهذا العبد الضعيف ما يلي: ايها السيد الحبر ــ الرجاء والمعذرة من رداءة الخط وضعف الإنشاء والإملاء فقد وهنت العظام وتراكمت العلل والأسقام ولو رأيتني لم تجد سوى الهيكل العظمي ولعجبت كيف استطيع هذا القدر من الكتابة واملاء هذه الأبحاث وان وهنت وهانت وتواضعت واستكانت ولأستكثرت مني هذا القليل واستكبرت هذا البيان الضئيل مضافاً الى تزاحم الأشغال الباهضة من الفتاوي والمكاتيب والوكالات وفصل الخصومات فلا صحة ولا راحة ولا حول ولا قوة. وعلى كل فالمستعان بالله وما قصدنا سوى خدمة هذا الشرع الشريف واقامة الحق والعدل وكسح ما شاع من الأباطيل والأضاليل والأمل فيكم ايدكم الله ان نجد منكم اقوى ساعد ومساعد ونرى اثر مساعيكم الكريمة وارشاداتكم الثمينة لأهل آذربايجان عموماً وفي تبريز خصوصاً نرى اثركم وتأثيركم في الفريب العاجل محسوساً وملموساً تعاوناً في نصرة الحق ونشر الحقيقة وقمع الباطل واي ذات كريمة اولى من ذاتك الشريفة في نصرة الشريعة، وعرّفونا وصول هذه الأجوبة ورأيكم فيها، والله يحفظك ويرعاك بدعاء. ــ الأب الروحي. محمد الحسين (1)ابو جعفر محمد بن يعقوب بن اسحق الكليني الرازي ثقة الإسلام صاحب الجامع الكبير (الكافي) الذي هو من جلائل الكتب الإسلامية ومن نفائس الآثار الدينية لم يعمل للأمامية مثله توفي ببغداد سنة (329)هـ. (2)ابو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان البغدادي الملقب بـ(المفيد) شيخ ــ الأمامية ورئيس الشيعة الأثنا عشرية صاحب المؤلفات النفيسة والآثار الخالدة تولد سنة (326)هـ، وتوفي ببغداد سنة (413)هـ. (3) الشاه اسماعيل بن سلطان حيدر الموسوي الصفوي من اكبر سلاطين الشيعة الأمامية ولد سنة (892)هـ، وامه كريمة جدنا السلطان حسن بك آق قوينلو المعروف بـ(اوزون حسن) فأن والده حيدر كان ابن اخت الحسن بك وصهراً على ابنته ايضاً كما ان جدنا الفقيه الشهيد في اعماق السجون وظلمات الجباب الأمير عبد الوهاب الحسني الطباطبائي (شيخ الأسلام) الشهير (( ) كان صهراً آخر ايضاً للحسن بك اطلب تفصيل ذلك من كتابنا (خاندن عبد الوهاب). (4) ابو علي عبد الله بن سينا البلخي البخاري الفيلسوف الطائر الصيت رئيس فلاسفة الإسلام صاحب المصنفات المشهورة توفي (427)هـ ودفن بـ(همدان) وهو القائل في حق امير المؤمنين (( ) (علي بين الخلق كالمعقول بين المحسوس) انظر اعيان الشيعة ج26 ص298 ط دمشق وغيره من كتب التراجم والرجال للفريقين. (5) اشارة الى القاعدة او النصيحة التي ذكرها الشيخ الرئيس ابن سينا (( ) في النمط العاشر من كتابه (الإشارات) وقال: (نصيحة: اياك ان يكون تكيسك وتبرؤك عن العامة هو ان تبرئ منكر الكل شيء فذلك طيش وعجز وليس الخرق في تكذيبك ما لم يستبن لك بعد جلبته دون الخرق في تصديقك به ما لم تقم بين يديك ببينة بل عليك الاعتصام بحبل التوقف وان ازعجك استنكار ما يوعاه سمعك ما لم تتبرهن استحالته لك فالصواب ان يسرح امثال ذلك الى بقعة الإمكان ما لم يذدك عنه قائم البرهان) وقال المحقق الطوسي (( ) في شرحه: (والغرض من هذه النصيحة النهي عن مذاهب المتفلسفة الذين يرون انكار ما لا يحيطون به علماً: حكمة وفلسفة والتنبيه على ان انكار احد طرفي الممكن من غير حجة ليس الى الحق اقرب من الأقرار بطرفه الأخر من غير بينة بل الواجب في هذا المقام التوقف). القاضي الطباطبائي (1) سورة يونس آية: 3. (2) سورة فصلت آية: 9 ــ 10 ــ 11 ــ 12. (3) سورة الطلاق آية: 12. (1) سورة ق آية: 15. (1) سورة طه آية: 125. (1) سورة التوبة آية: 93. (2) سورة الجاثية آية: 23. (3) سورة الأحزاب آية: 40. (4) سورة المائدة آية: 3. (1) سورة الحج آية: 28. (2) سورة الحج آية: 36. (1) سورة الغاشية آية: 26. (1) سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس القرشية العامرية. عدها شيخ الطائفة الطوسي (( ) في رجاله من الصحابيات وكذلك جمع من العلماء اهل السنة وكانت قبل ان يتزوجها رسول الله (( ) تحت ابن عم لها يقال له: السكران بن عمرو. ولما اسلمت وبايعت النبي (( ) اسلم زوجها معها وهاجرا جميعاً الى ارض الحبشة فلما توفي عنها تزوجها رسول الله (( ) وكان ذلك في شهر رمضان سنة عشر من النبوة بعد وفاة خديجة بمكة وقيل سنة ثمان للهجرة على صداق قدره اربعمائة درهم وهاجر بها الى المدينة وكانت امرأة ثقيلة ثبطة ومن فواضل عصرها واسنت عند رسول الله (( ) ولم تصب منه ولداً. ووهبت ليلتها لعائشة حين اراد طلاقها فقالت: لا تطلقني وامسكني واجعل يومي لعائشة لا رغبة لي في الرجال وانما اريد ان احشر في ازواجك ففعل (() فنزلت: فلا جناح عليهما ان يصلحا بينهما والصلح خير. وروى محمد بن اسحاق عن حكيم بن حكيم عن محمد بن علي بن الحسين عن ابيه (( ) قال: كان جميع ما تزوج رسول الله (( ) خمس عشرة امرأة وكان اول امرأة تزوجها بعد خديجة بنت خويلد سودة بنت زمعة. وذكر النسابة محمد بن حبيب البغدادي المتوفى سنة (245)هـ بسر من رأى في زمن خلافة المتوكل العباسي ــ في كتابه (المحبر) ص79 طبعة حيدر آباد الدكن. ان سودة (كانت قد رأت في المنام ان النبي (( ) اقبل يمشي حتى وطئ على عنقها فأخبرت زوجها فقال: وابيك لأن صدقت رؤياك لأموتن وليتزوجنك محمد (( ) ثم رأت في المنام ليلة اخرى كأن قمراً انقض عليها من السماء وهي مضطجعة فأخبرت زوجها فقال: وابيك لا البث الا يسيراً حتى اموت ثم تتزوجين من بعدي فأشتكى السكران من يومه ذلك فلم يلبث الا قليلا حتى مات، فتزوجها النبي (( ) ثم طلقها تطليقة وكانت كبرت فبلغها ذلك فجمعت ثيابها، ثم جلست على طريقه الذي يخرج منه الى الصلاة فما دنا منها بكت، ثم قالت: يا رسول الله (( ) هل غمصت عليّ في الإسلام؟ فقال: اللهم لا، فقالت: فأني اسألك لما راجعتني فراجعها فقالت له: يا رسول الله (() يومي لعائشة في رضاك لأنظر الى وجهك فوالله ما بي ما تريد النساء ولكني احب ان يبعثني الله في نسائك يوم القيامة وكانت حاضنة ولده (( ) توفيت سودة بالمدينة في شوال سنة (54)هـ. ثم ان سودة التي كانت في زمن خلافة امير المؤمنين (( ) هي سودة بنت عمارة بن الأشتر الهمدانية وهي شاعرة من شواعر العرب ذات فصاحة وبيان ووفدت على معاوية فأستأذنت عليه فأذن لها: فلما دخلت عليه سلمت فقال لها: كيف انت يا ابنة الأشتر؟ قالت بخير قال لها: انت القائلة لأبيك: شمر كفعل ابيك يا ابن عمارة يوم الطعان وملتقى الأقران وانصر علياً والحسين ورهطه واقص لهند وابنها بهوان ان الأمام اخا النبي محمد علم الهدى ومنارة الأيمان فقد الجيوش وسر امام لوائه قدماً بأبيض صارم وسنان قالت: أي والله ما مثلي من رغب عن الحق او اعتذر بالكذب قال لها: فما حملك على ذلك؟ قالت: (حب علي واتباع الحق) الى آخر كلامها مع معاوية. ولله درها وقد اشادت بالحق وصدعت بما يرضي الله ورسوله (( ) وصارحت بما في نفسها من حب امير المؤمنين (( ) وجاهرت به في وجه معاوية عدو الإسلام ومبغضه الذي صارت الخلافة الإسلامية بيده ملكاً عضوضاً وسلطنة كسروية. ((المصادر)) انظر بلاغات النساء. العقد الفريد. رجال الشيخ الطوسي. تنقيح المقال. اسد الغابة. الإصابة. الاستيعاب. طبقات ابن سعد. المحبر. التاريخ الصغير للبخاري. شرح الزرقاني على المواهب. اعلام النساء ــ. القاضي الطباطبائي (1)مارية بنت شمعون القبطية من فواضل نساء عصرها عدها جمع من علماء الرجال من الصحابيات وهي مولاة رسول الله (( ) وسريته وهي ام ولده ابراهيم بن النبي (( ) وكانت ام مارية رومية وكانت مارية بيضاء جعدة جميلة فأهداها المقوقس صاحب الأسكندرية الى رسول الله (( ) سنة (7)هـ ومعها اختها سيرين والف مثقال ذهباً وعشرين ثوباً ليناً وبغلته (دلدل) وحماره (عفير) ومعهم خصى يقال له: مابور وهو شيخ كبير وبعث كل ذلك مع حاطب بن ابي بلتعة وعرض حاطب على مارية الإسلام ورغبها فيه فأسلمت واسلمت اختها واقام الخصى على دينه حتى اسلم بالمدينة في عهد رسول الله (( )فاعجب رسول الله (( )بمارية وانزلها بالعالية وكان رسول الله (( )يختلف اليها هناك وضرب عليها الحجاب وفي ذي الحجة من سنة ثمان للهجرة ولدت مارية ابراهيم فدفعه رسول الله (( )الى ام بردة بنت المنذر بن زيد بن النجار فكانت ترضعه. وقالت عائشة: ما غرت على امرأة الا دون ما غرت على مارية وذلك انها كانت‌ ‌جميلة من النساء جعدة واعجب بها رسول الله (( )وكان انزلها اول ما قدم بها في بيت لحارثة بن النعمان فكانت جارتنا فكان رسول الله (( )عامة النهار والليل عندها حتى فرغنا لها فجزعت فحولت الى العالية فكان يختلف اليها هناك فكان ذلك اشد علينا ثم رزق الله منه الولد وحرمناه منه قلت: اني اتعجب من غيرة عائشة على مارية كما ان من العجب حقدها على الصديقة الطاهرة فاطمة بنت رسول الله (( )وكان من جراء ذلك انه توفيت فاطمة (()فجاء نساء رسول الله (( )كلهن الى بني هاشم في العزاء الا عائشة فأنها لم تأت واظهرت مرضاً ونقل علي (( )عنها ما يدل على السرور. راجع اعلام النساء لعمر رضا كحالة ج2 ص852 ط دمشق. وتوفيت مارية في خلافة عمر سنة (16)هـ، ودفنت بالبقيع بالمدينة. انظر اعلام النساء. تاريخ الطبري. اسد الغابة. الإصابة. الاستيعاب. طبقات ابن سعد. تنقيح المقال. القاضي الطباطبائي (1)(حبرون) بالفتح ثم السكون وضم الراء وسكون الواو ونون اسم القرية التي فيها قبر ابراهيم الخليل (( ) بالبيت المقدس وقد غلب على اسمها الخليل ويقال لها ايضاً حبرى. قاله ياقوت في معجم البلدان ج3 ص208 وقدم على رسول الله (( )تميم الداري في قومه وسأله ان يقطعه حبرون فأجابه وكتب له كتاباً انظر نسخته في معجم البلدان ج3 ص209 وهامش كتاب (الأموال) لأبي عبيد القاسم بن سلام المتوفي (224)هـ ص274 ط مصر. القاضي الطباطبائي (1) هذه المسألة بقلمه الشريف هي مختصر ما ألقاه شيخنا الأمام دام ظله في حوزة الدرس قبل ثلاثين سنة في النجف الأشرف الجامعة الكبرى للشيعة الأمامية. ?? ?? ?? ?? (48) الفردوس الأعلى (27) المسائل القندهارية (49) اسئلة القاضي الطباطبائي ولا ينتقل بحال ابداً، ويستحيل سقوطه بوجه من الوجوه وهو ذاتي متأصّل، واليه ترجع سائر الحقوق بل الحقوق كلها له جلَّ شأنه، وبسلطنته خلق الخلق وثبت الحق فحق الخالقّية والإيجاد والجعل والتكوين حق ذاتي غير مجعول، وهو ثابت له تعالى في تمام الأحوال وله آثار كثيرة لا تعد ولا تحصى، ومن آثاره شكره وحمده وعبادته وأطاعته وتسبيحه وتقديسه، والقيام بما أمر به، والانتهاء عما نهى عنه وهذه السلطنة العظمى كما أشير إليه لا تنالها يد الجعل وهي من خصائصه عز شأنه، ولا توجد في غيره وأقرب المراتب إلى هذه المرتبة من الحقوق حق النبوة ثم حق الولاية ثم حق العلماء والمعلم والأب والابن وحق الجوار والصحبة وأمثالها. وجميع هذه الحقوق ترجع إلى حقه تعالى في المعنى باعتبار صدور الكل منه، ورجوع الكل إليه، ولكل واحد من هذه الحقوق آثار كثيرة يترتب عليها ثم إن أمهات الحقوق بعد حقه تعالى تنحصر في ثلاثة أقسام لأن السلطنة الثابتة للإنسان أما إن تكون على إنسان آخر كسلطنة النبوة والولاية وغيرهما من الحقوق متنزلة إلى اضعف المراتب كحق الصاحب والجليس وأما إن تكون تلك السلطنة على الأعيان الخارجية غير الإنسان وأما على النسب والإضافات. وان شئت قلت إن الحق نحو سلطنة إنسان على غيره مطلقاً من إنسان أو أعيان أو عقد أو إضافة أو نسبة أما الأول فقد يكون منشؤه أفعال خارجية وأمور حقيقية كالهداية والإرشاد والتعليم فأن هداية النبي (() وإرشاده إليه تعالى صار سبباً ومنشأ لحقه (() على العباد، وهكذا الولي والعالم والمعلم إلى آخر المراتب واضعفها، وفي مقابل هذه الهداية والإرشاد لابد من الشكر والامتنان والانقياد والإطاعة. وهذا النحو من الحق لا يتبدل ولا يتحول ولا ينتقل ولا يقبل الأسقاط، ولا المعاوضة، لأن منشؤه لا يقبل شيئاً مما ذكر بداهة إن الفعل الخارجي بعد وقوعه على وجه مخصوص لا يتغير عما وقع عليه، وقد يكون منشأ الحق امور اعتبارية وجهات اضافية مما ليس لها ما بأزاء في الخارج. نعم لها منشأ انتزاع محقق لا كأنياب الأغوال، وذلك مثل حق المولى على عبده والزوج على زوجته فأنّ حق المالك والزوج نشأ من الملكية والزوجية وهما من المعقولات الثانوية التي ليس لها ما بأزاء في الخارج، ولكنهما منتزعان من امر خارجي وهو العقد الخاص الصادر من اهله في محله باعتبار الشرع او العرف وليس هو من الأمور الوهمية بل الأمور الواقعية بحسب منشأ انتزاعها. وهذا النحو من الحقوق لا يقبل النقل والإسقاط والمعاوضة ابتداءً كالأولى. نعم يمكن رفع الحق بتوسط رفع منشأ انتزاعه او حله وهذه هي السلطنة على تلك النسب والإضافات من حيث وضعها و رفعها. واما سلطنة الإنسان على الأعيان من مال وغيره فقد يكون السبب فيه والعلة امراً اختيارياً من تجارة او اجارة او صناعة او زراعة او حيازة ونحو ذلك، وقد يكون امراً غير اختياري كالإرث والدية ونحوهما ومن هذا القبيل تملك الفقراء والمساكين والسادات للحقوق وتلك الأسباب بقسميها قد توجب السلطنة المطلقة اى الملكية العامة. وقد توجب سلطنة مقيّدة محدودة وهي الحقوق الخاصة كحق الرهن والخيار والحجر ونحوهما, كما ان حق الراهن مثلاً وسلطنته على العين المرهونة ما زالت ولا انتقلت بشراشرها وجميع شؤونها بل له استرجاعها ولو ببيعها فكذلك حق المرتهن فأنه حق وسلطنة مقيدة بعدم اداء الدين، والاستيلاء على الأستيفاء، وهذه الحقوق كلها بأنحائها المختلفة واعتباراتها الملحوظة قابلة للنقل والانتقال والإسقاط والمعاوضة ويتحقق فيها عنوان الغصبية لأنها اجمع حقوق مالية وامور اعتبارية جعلية فهي تتبع مقدار جعلها وتدور مدار اعتبارها فأنها احكام وضعيّة تستتبع احكاماً تكليفية فمن غصب عيباً او منفعة للغير او ما فيه حق له كحق الرهن او الخيار او نحو ذلك فصلى فيه تكون صلاته باطلة وهو ضامن له لو تلف. وبالجملة فتلك الحقوق هي عبارة عن احكام وضعية تستتبع احكاماً تكليفية من حرمة او وجوب قد ينعكس الأمر فيكون الحكم التكليفي منشأ لأنتزاع حكم وضعي بمعنى ان الحكم التكليفي المتعلق بموضوع خاص ينتزع منه صورة حق وسلطنة ولا سلطنة هناك ولا حق واقعاً بل كلها احكام تكليفية صرفة كما في المعابد والمساجد المحترمة وكالشوارع العامة، والأسواق المشتركة بين سائر العناصر والطبقات فأن جميع المشتركات العامة سواء كانت مشتركة بين عامة البشر كالطرق والشوارع والأسواق وامثالها او بين نوع خاص منهم مثل مكة المشرّفة ومنى او على صنف مخصوص كالحضرات والمدارس وامثالها محكومة بأن من سبق الى مكان من هذه المواضع فهو احق به ومعنى هذا الحق انّه لا يجوز لغيره دفعه عنه ومزاحمته فيه فيرجع هذا الحق الى حكم تكليفي صرف، وهو جواز الانتفاع به، والجلوس فيه او المرور لكل انسان، او لكل مسلم. وهكذا. وحرمة مزاحمة الغير له فليس هنا سوى احكام تكليفية متبادلة ينتزع منها حق لمن له الحكم ويكون منشأ انتزاع ذلك الحق من الحكمين المتضايفين بين من يجوز له الجلوس والانتفاع ومن يحرم عليه المزاحمة، وليس الحق هنا كما هو في سائر المقامات من كونه نحو سلطنة على الغير مقيّدة او مطلقة تستتبع تلك السلطة احكاماً وضيعة وتكليفية لمن له السلطنة وعليه ولغيره وعليه. واذا كانت العين التي هي متعلق السلطنة لها مالية او ترجع الى مال كان من آثارها حرمة غصبها ولزوم ضمانها وبطلان كل تصرف فيها بدون رخصة صاحب الحق والسلطنة المعبّر عنها بالمالك. ومن هنا ظهر ان المساجد والمدارس وما على شاكلتها لا يعقل تحقق الغصب فيه اصلاً اما المساجد فقد اخترنا زوال ماليتها كلية وجعلها محررة كما في تحرير العبد الذي تزول ماليّته بعتقه وتحريره, وكذلك المعابد والمشاهد والمشاعر، وبعد ارتفاع المالية عنها لا يعقل تحقق الغصب فيها كما لا يعطل تعلق السلطنة لأحد بها فلو دفع انسان آخر كان قد سبق الى مكان فيها لم يغصب منه مالاً ولا دفعه عن حق مالي له في المسجد او المشهد. نعم فعل حراماً، ولكن لو صلّى الدافع في مكان المدفوع له لم تبطل صلاته لأنهما سواء من حيث الاستحقاق وجواز الانتفاع، واما الاسواق، والشوارع فهي وان لم تزل عن المالية بالكلية كما في المساجد ولكنها ما دامت متصفة بذلك العنوان الخاص اعني عنوان المرور والسوقية فليس لاحد سلطنة خاصة به دون غيره على شيء منها بل الجميع فيها شرع سواء يجوز لكل واحد منهم الانتفاع بها على النحو الخاص ولا يجوز للاحق مزاحمة السابق، ولكن لو زاحمه لم يكن اخذ منه حقّاً ماليّاً يجب ضمانه ودفع بدله بل يكون فعل حراماً وخالف تكليفاً شرعياً. والحاصل انه لم يغتصب منه عيناً او منفعة مملوكتين أو عيناً ذات حق مالي كحق الرهن والحجر ونحوهما. واما الاعيان الموقوفة فهي على قسمين موقوفات عامة ليس الغرض منها سوى اباحة نفس الانتفاع، وحبس العين، ووقوفها عن الانتقال، وسائر التصرفات ولا ملكية هنا، ولا مالية اصلاً، موقوفات خاصة الغرض منها تمليك المنفعة وحبس العين، فالمنافع هنا باقية ملحوظة للواقف كما هي باقية في نظر العرف والشرع بخلافها في القسم الاول فانها قد الغيت في نظر الواقف فلا العين ولا المنافع مملوكة وانما اباح المالك الانتفاع فقط كما في المدارس العلمية والخانات في طرق المسافرين واشباهها فان الواقف لم يملكهم المنفعة، ولذا لا يقدرون ولا يسوغ لهم نقلها وهبتها وبيعها بخلافها في النوع الثاني وليس هو في الحقيقة حق بل صورة حق وانما هو حكم محض يعني جواز انتفاعه بمناع العين الموقوفة كجواز انتفاعه بالطرق والشوارع والمشتركات العامة وانما ينتزع صورة ذلك الحق من حكمين جواز الانتفاع لمن سبق الى مكان منه وحرمة مزاحمة الغير فالمنافع مسبلة والانتفاع مباح والحاصل ان الوقف الذي هو عبارة عن تحبيس الاصل تارة يكون قصد الواقف مجرد انتفاع المسلمين كوقف القرآن على الحرم الشريف ووقف المشاهد والمعابد والمعابر كالخانات والتكايا وهذا هو الوقف العام، وقد يكون قصده تمليك المنفعة لطائفة مخصوصة او افراد متعاقبة مع بقاء العين ووقوفها عن الجري والحركة، وهذا هو الوقف الخاص الذي يجري على المنفعة فيه جميع آثار الملكية والنواقل. بخلاف القسم الاول الذي لا يجري فيه شيء من خواص الملك وآثاره الكاشف ذلك عن عدم الملكية اصلاً وانما هو حكم محض نعم الولاية العامة فيه للامام او نائبه والخاصة للمتولي الخاص ان كان. واما الثالث: وهو السلطنة على النسب والاضافات كعقد العقود وحلها فحيث ان حقيقة امرها وواقع لبها ترجع الى شؤون السلطنة على العين فان من شؤون السلطنة على الدار والدابّة مثلاً هو نقلها بالعقد اللازم الذي لا خيار فيه او بيع خياري يمكنه حلّه. وهكذا سائر العقود لازمة، او جائزة، وجميع تلك العقود ان كان متعلقها مالاً فهي مالية، والحقوق المتعلقة بها حقوق مالية كالخيار والرهن والحجر كلها ايضاً تقبل بحسب طباعها واصل وضعها للنقل والمصالحة والاسقاط والمعاوضة الا ان يمنع الدليل الخاص عن شيء من ذلك. واما ما لا يتعلق بالمال كحقوق الولايات والوصايات واكثر حقوق الزوجية فانها بحسب الاصل والقاعدة لا تقبل شيئاً من ذلك، وهي في الحقيقة سلطنة خاصة وسلطنة مقيدة. والخلاصة ان الحق ان كان جل الغرض منه استيفاء او استعادة او استفادة مال للانسان فذاك حق مالي تجري عليه جميع تلك الاحكام وان كان جل الغرض منه شؤون اخرى لا ترجع الى استفادة مال لنفس صاحب الحق بل الغرض السلطنة على حفظ مال الغير او توفيره، وسائر التقلبات والتصرفات فيه او نحو مخصوص من التصرفات او غير ذلك من الشؤون التي لا ترجع الى جر مال لصاحب الحق فمقتضى القاعدة فيه في القسم الاول هو جريان الاسقاط والنقل والمعاوضة فيه الا ما خرج، وتقتضي القاعدة في القسم الثاتي عدم جريان شيء من ذلك الا ما خرج ايضاً، وهنا قسم ثالث من الحقوق. وهو ما اشتمل على كلا الجهتين اعني جهة المالية وجهات اخرى وذلك كعقود الانكحة التي يقال انها برزخ بين العبادات والمعاملات فمن حيث المهر تكون جهة مالية، ومن حيث ان الغرض المهم من عقد الزواج هو حفظ النظام وتواصل النسل وصلاح البيت والعائلة فهو عقد غير مالي وحيث ان هذه الجهة اقوى من الاولى بل لا اثر للاولى في جنب الثانية اصلاً، ولذا ربما يصح بدون المهر، ولذلك صارت عقود الانكحة عقود غير مالية واكثر الحقوق فيها حقوق لا تقبل النقل ولا الاسقاط، ولا المعاوضة الا ما خرج وقام عليه الدليل بخصوصه فالضابطة الكلية في المقام ان الحق الذي علم ان عمدة الغرض منه هو المال فالاصل فيه قبول المعاوضة والنقل والاسقاط، وما علم بأن عمدة الغرض منه غير ذلك فالاصل فيه عدم قبوله لشيء من ذلك ومع الشك في ماليته وعدمها وقبوله لتلك الاحكام وعدم قبوله فالمرجع الى الاصل أي اصالة عدم ترتب الاثر في كل مقام بحسبه ولا وجه للرجوع الا عمومات العقود مثل اوفوا بالعقود، واحل الله البيع، والصلح جائز بين المسلمين، وامثال ذلك لانه من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية. ومن جميع ما مر عليك ظهر لك ان الصلاة في ملك الغير عيناً او منفعة او حقّاً من غير رضاه باطلة بالضرورة لأنها حرام، والحرام لا يكون مقرباً والكاشف عن الرضا: اما القول مع العلم الصريح او شاهد الحال او الفحوى بداهة ان الرضا حالة من احوال النفس التي لا تحس الا بواسطة كاشف يكشف عنها او امارة تدل عليها كسائر اوصاف النفس القائمة بها من الحزن والفرح والانقباض والانبساط كالملكات مثل الشجاعة والجبن التي لا تعرف الا بكواشفها. والكاشف عن الرضا اما القول الصريح. وهو اقواها وادلها او شاهد الحال مثل من يفتح بابه ويتلقى الداخلين عليه بالبشر والبشاشة او الفحوى وهي الاولوية مثل ان يأذن لغير العبد او الولد من جهة المولى والوالد فيكشف ذلك عن اذنه لهما بطريق اولى واعتبار تحقق الرضا بأحد هذه الكواشف على سبيل منع الخلو في صحة التصرف بمال الغير وحرمه بدونه مما لا كلام فيه. نعم يظهر من كلمات اكثر العلماء جواز الصلاة والمكث في الاراضي الواسعة والوضوء والشرب من الانهار الكبيرة. وقد استمرت السيرة المستمرة الشائعة على تلك التصرفات من دون حاجة الى احراز رضا المالك او اذنه بل تجد عامة المسلمين يصلون ويمرون في تلك الاراضي التي يعلمون بان لها مالكاً مخصوصاً ويتوضؤن ويشربون من تلك الانهار ولا يخطر ببال احدهم رضا المالك وعدمه واذا خطر ببال احدهم لا يعتني ولا يتوقف عن اكثر انحاء التصرفات كالنزول والتظليل وضرب الخيام الى غير ذلك، وقد اختلفت كلمات الاعلام في مدرك ذلك ووجه صحته مع قضاء تلك القاعدة المحكمة شرعاً وعقلاً بحرمته وفساد العبادة معه فعن صاحب المستند(1) على ما يخطر ببالي انه قال بان القدر المتيقن من ادلة حرمة الغصب هو ما اذا علم بمنع المالك وعدم رضاه اما مع الشك واحتمال الرضا فلا دليل على الحرمة وهو كما ترى فان الادلة كلها ظاهرة بل صريحة في خلاف مدعاه وان الجواز معلق ومشروط بالرضا الذي لا يحرز الا بالعلم او الظن المعتبر مثل قوله لا يحل مال امرء الا بطيب نفسه لا تعليق الحرمة بالمنع وعدم الرضا مضافاً الى استلزامه الهرج والمرج وفساد نظام العالم لاستلزامه جواز تصرف كل احد في مال غيره او الى ان يمنعه على ان قبحه عقلاً كاف في حرمته شرعاً بناء على الملازمة واضعف منه ما قد يقال من كفاية الرضا التقديري الحاصل في مثل تلك الموارد غالباً وقد عرفت قريباً ان الرضا وطيب النفس حال من الاحوال النفسانية. وما لم يكن حاصلاً ومحققاً لا يصير وصفاً حقيقياً والحاصل: ان مقتضى حكم العقل وظاهر الادلة الشرعية هو اعتبار وجود الرضا والطيب من المالك في جواز التصرف في ماله فلا يجوز التصرف بمقتضى الحصر الا بعد طيب النفس، والرضا التقديري ليس برضا حقيقة بالحمل الشائع وانما الرضا هو تلك الصفة الخاصة التي تقوم بالنفس، ولا تحصل الا بعد مقدمات كثيرة وتصورات متعاقبة مضافاً الى استلزامه اختلال النظام ايضاً فان كل فقير مضطر حينئذ يجوز له التصرف في مال غيره مع عدم رضاه فعلاً باعتقاد أنه لو اطلع على شدّة فقره لرضي وطابت نفسه بل يمكن تسرية ذلك حتى مع المنع الفعلي وهو كما ترى وقد يقال: ان الوجه في ذلك هو العسر والحرج وانت خبير بان الحرج انما يؤثر في ارتفاع الاحكام الالهية أي ما يتعلق بحقوق الله تعالى ولا يوجب العسر والحرج استباحة اموال الناس بغير رضا منهم، نعم ورد في خصوص الاكل في المخمصة جواز تناول ما يتوقف حفظ النفس المحترمة عليه، ولكن مع ضمانه بالمثل او القيمة كما ربما يستشعر ذلك من الآية الشريفة، والذي يخطر لنا في وجه صحة ذلك ــ احد امرين: الاول: ان حقيقة الغصب هو التصرف في مال الغير، وتحقق عنوان التصرف موكول الى نظر العرف وهو يختلف باختلاف المقامات والاشخاص والازمان والاعيان التي يقع التصرف فيها والاعمال التي يتحقق التصرف بها فرب عمل يعد تصرفاً وان كان قليلاً، ورب عمل لا يعد تصرفاً وان كان كثيراً فمثل الاستضاءة بضوء الغير والاستظلال بظل اشجاره او داره لا يعد تصرفاً وان عظم الانتفاع به، ووضع اليد والقدم على بساط الغير او فراشه يعد تصرفاً وان لم تكن فيه منفعة. فالاستطراق والمرور في الاراضي الواسعة والوضوء والشرب من الانهار الكبيرة لا يعد تصرفاً فان تصرف كل سيء بحسبه، والتصرف في الاراضي الواسعة انما يكون بمثل البناء أو الغرس او الزرع بها او نحو ذلك. والتصرف في النهر الكبير ان يسقي منه او يشق نهراً صغيراً في اثنائه وحيث لا يعد تصرفاً لا يكون غصباً ولا سيما وان جميع الادلة الدالة على حرمة الغصب مرجعها الى كم العقل بقبح التصرف في مال الغير بغير رضاه فاذا زال التصرف زال موضوع القبح والحرمة. الثاني: انه لا يبعد كون اصل الملكية المجعولة من الملك الحقيقي في مثل هذه الموارد ضعيفة لضعف سببها وهو الامضاء المنتزع من وجوب الوفاء فكأن مالكها ليس له السلطنة التامة هنا كسلطنته على سائر امواله واملاكه نعم له السلطنة على جميع التصرفات والتقلبات الا منع المارة من النزول والمرور ونحو ذلك. ومعلوم ان السلطنة امر مجعول يتبع دليل جعله سعة وضيقاً وشدة وضعفاً والملكية من الامور القابلة للشدة والضعف والسعة والضيق بالضرورة، وتكون السيرة المستمرة على وقوع تلك التصرفات من غير اذن المالك هو الدليل الكاشف عن ضعف تلك الملكية المستلزم لعدم اعتبار رضاه واذنه في جواز التصرف في هذا النحو من امواله بل يمكن على الوجهين ان يقال بجواز التصرف حتى مع منعه الصريح وان كان الاحتياط يقتضي خلافه ولكنه قوي والله العالم. اما الموقوفات والمسبلات كالمدرسة والخان والتكايا والحسينيات وما اشبهها فنقول: ان نحو الوقف من جهة الواقف لا يخلو من ثلاث اقسام: الاول: المحررات وهي على اقسام فمنها ما جعل مشعراً او معبداً ومنها ما جعل وقفاً عامّاً او خاصّاً، ومنها ما خصص محفلاً او محشداً الى غير ذلك من الجهات المقصودة للواقفين، ويجمعها جميعاً قصد بقاء العين وتسبيل المنفعة على نوع البشر او صنف خاص منهم تجمعهم وحدة دين او مذهب او عنصر او غير ذلك، ويشترك الجميع في سلب المالية عن العين والمنفعة وتحريرها وعدم تمليك المنفعة لاحد وانما فائدة الوقف والغرض منه اباحة تلك الاعيان لطائفة من الناس او لعامّتهم وحيث ان المنفعة غير مملوكة لاحد بل هو تسبيل واباحة فلا يعتبر فيها الاذن والرضا بل يكفي ذلك الاذن العام والرضا الاول بانتفاع كل واحد ممن لحظه بالعنوان واباح له الانتفاع نعم من كان خارجاً عنه يحرم عليه الانتفاع لعدم شمول اذن المالك له، وهذا القسم هو الذي اشرنا اليه من عدم تحقق الغصب فيه لعدم بقاء ماليته وعدم تملّك المنفعة لاحد. الثاني: ما يكون الغرض فيه تمليك المنفعة لافراد مخصوصه تندرج تحت عنوان خاص كأولاده او المشتغلين او الفقراء ونحو ذلك، وحال هذا القسم حال الملك الخاص في توقف التصرف على اذن المالك او الموقوف عليه الخاص فان العين وان لم تنتقل عن ملك الواقف على الاصح عندنا ولكن المنافع مملوكة تماماً للموقوف عليهم وهي مضمونة على الغاصب، وتجري عليه جميع احكام الملك والحاصل ان القسم الاول اباحة الانتفاع، والثاني تمليك المنفعة والفرق بينهما واضح ضرورة ان الموقوف عليه في الاول لا يملك شيئاً وليس له ان يبيع المنفعة ولا ان يهبها ولا يصالح عليها بخلافه في الثاني. الثالث: ما يكون برزخاً بينهما فتكون المالية في المنفعة محفوظة ولكن الملكية لاحد غير ملحوظة وتلك كالاعيان الموقوفة على المساجد والمدارس كالبساتين والدكاكين ونحوها فان المنفعة محفوظة تباع وتؤجّر وتملك ولكن ليس للمالية الناتجة منها مالك مخصوص كما في الوقف الخاص الذي يملك الموقوف عليه منافعها بتمام معنى الملكية وجميع آثارها، اما هنا فالموقوف عليهم عامّاً كان كالمسلمين بالنسبة الى المساجد والاعيان الموقوفة عليها للضياء والخادم والفرش او خاصّاً كالمشتغلين بالنسبة الى المدارس والاموال الموقوفة للضياء والماء ايضاً فان الجميع يملكون الانتنفاع لا المنفعة وقد عرفت ان ملكية الانتفاع راجعة الى اباحة الانتفاع ولا ملكية هنا حقيقة. نعم مالية المنفعة هنا محفوظة بيد المتولي يبيعها ويؤجرها وينفقها في تلك الجهات لينتفع بها الموقوف عليهم وليست هنا كالمنفعة في القسم الاول التي اسقط الواقف ماليتها عن الاعتبار واباحها للموقوف عليهم. وحيث ان المالية محفوظة وزمامها بيد المتولي فلا بد من الاذن، ويتحقق فيها الغصب بالنسبة الى نفس الاعيان الموقوفة ومنافعها اما بالنسبة الى مصرفها من الضياء ونحوه فلا يتحقق الغصب بالانتفاع به بدون غصب العين او المنفعة. اما الانتفاع فلا يتجه به الغصب وان حرم مطلقاً او مع مزاحمة الموقوف عليهم وقد استبان لك من كل ما ذكرنا الفرق بين الحق والحكم وان الاول نوع سلطنة تستتبع اثراً وضعياً او تكليفياً يقبل الاسقاط والمعاوضة غالباً بخلاف الحكم فانه خطاب يتضمن الاقتضاء او التخير لا يقبل الاسقاط ولا المعاوضة فمثل الطلاق والرجعة فيه حكم لا يقبل شيئاً منهما بعكس النفقة للزوجة فانها تقبل الاسقاط كما تقبل المعاوضة. بسم الله الرحمن الرحيم وله الحمد وبه المستعان وصلى الله على محمد وآله الطاهرين في بيان حقيقة البيع والملك والملكية(1) الملك والملكية نسبة واضافة خاصة بين الانسان وعين مميزة من الاعيان اما في الذمة او في الخارج او منفعة عين كذلك ولا وجود لها الا بوجود منشأ انتزاعها ولا تحقق لها الا بتحقق اعتبارها عند العرف والعقلاء وليس لها ما بحذاء في الخارج فليست من المحمولات بالضميمة بل من خوارج المحمول ومن المعقولات الثانوية باصطلاح الحكيم لا المنطقي فالعروض ذهني والاتصاف خارجي كالابوة والبنوة لا كالكلية للانسان وهي اما مقولة مستقلة او من مقولة الاضافة وعلى كل حال فانما تتحقق عند العقلاء بتحقق منشأ انتزاعها وهي امور خارجية تعتبر كأسباب لها عرفاً وشرعاً وتلك اما قهرية كالارث والنذر ونحوها. او اختيارية وهي اما بفعل الانسان فقط مباشرة او تسبيباً كالحيازة ونحوها او بفعله المنوط بغيره وهي عقود المعاملات وهي اما معاوضات حقيقية ليس المقصود بالاصالة منها الا المال وهي خمسة كالبيع والإجارة والصلح والهبة المعوضة والقرض او يكون مقصوداً بالتبع فيكون شبه المعاوضات كعقود النكاح دواماً او انقطاعاً. والاصل في تمليك الاعيان بالعوض هو البيع كما ان الاصل في تمليك المنافع بالعوض هو الاجارة، وسيأتي قريباً ان شاء الله الاشارة الى بيان معنى الاصل في ذلك، وحيث ان البيع باعتبار اسبابه وغاياته واحكامه وذات حقيقته متعدد الجهات والحيثيات متكثّر الاعتبارات وليس له على التحقيق عند الشرع ولا المتشرعة حقيقة خاصة بل هو باق على حقيقته العرفية لذلك اختلفت عبارات اللغويين والفقهاء في التعبير عنه بمرادفة وشرح اسمه والاشارة الى بعض خواصه ولم يكن مرادهم بيان الحد الشارح للحقيقة والماهية. فبالنظر الى ما يحصل به من تبادل المالين قيل انه مبادلة مال بمال، وبالنظر الى ما يترتب عليه من النقل والانتقال قيل انه نقل العين وانتقالها بعوض، وبالنظر الى انه لا يتحقق الا باللفظ الخاص قيل انه هو اللفظ الدال على النقل، وبلحاظ لزوم القبول في تحققه خارجاً قيل انه الايجاب والقبول الدالان على النقل، وبلحاظ لزوم قصد الانشاء في حصوله قيل انه انشاء تمليك العين بمال، وهكذا كل نظر الى جهة من الجهات ولازم من اللوازم وان كان لازماً اعماً فعبر به والكل وان اصابوا بالنظر الى الجهة التي اشاروا اليها ولكن حيث ان جميع تلك الجهات وان اشارت الى الحقيقة من وجه ولكنها لا تفي بتمام الحقيقة من كل وجه ولا يتميز البيع به عن اخوته من العقود المملكة كالاجارة والصلح والهبة المعوضة والقرض لذلك كثر النقض والابرام في تلك التعاريف وبيان الخلل في تلك العبارات نظراً لكون حقيقة البيع ومفهومه لا يرادف مفهوم المبادلة ولا يساوي مفهوم النقل والانتقال والتمليك ولا انشاء التمليك. ويشهد لذلك الاتفاق ظاهراً على انه لو قال بادلت او نقلت او ملكت لا يكون بيعاً فمفهوم البيع اذاً مغاير لكل تلك المفاهيم مضافاً الى صدق اكثر تلك العبارات على غير البيع من عقود المعاوضات كالصلح والهبة المعوضة وغيرها، ولم نجد في كلماتهم على كثرتها من عبّر عن ذات حقيقة البيع وجوهر معناه الذي يمتاز به عن كافة ما يشاركه في النقل والتمليك من عقود المعاوضات فنقول وبالله التوفيق: لا ريب ان للاعيان الخارجية في نظر العرف والعقلاء جهتين تارة من حيث شخصيتها ووجودها الخارجي وبما هي دار او عقار او بستان او غير ذلك، واخرى من حيث ماليتها الناشئة من وفور الانتفاع بها وكثرة فوائدها الباعثة على توفر الرغبات فيها وكثرة الطلب لها ومزيد العناية بها وعلى مقدار ما في العين من المنفعة والرغبة تزداد ماليتها وتنقص. ومالية كل عين هي قوامها وقيمتها الكامنة فيها فالعين تلحظ تارة بشخصها واخرى بقيمتها وماليتها فاذا احتاج صاحب العين الى المال انبعث في نفسه العزم على بذلها وابدالها بالمال ولكن لا بمطلق المال بل بماليته الكامنة فيها وقيمتها المقومة لها بنظر العرف، ولذا يتحرى البائع قيمته الواقعية وان لا يقع فيها غبن ولا نقص، وكذلك المشتري يتحرى ان لا يبذل ازيد من قيمتها فتمليك شخصية العين بماليتها وقيمتها الواقعية الكامنة فيها هو حقيقة البيع وبها يمتاز عن سائر العقود سوى الاجارة فانها ايضاً تمليك المنفعة بماليتها وقيمتها الواقعية وتمتاز عن البيع بأنها لنقل المنافع، والبيع لنقل الاعيان. واما الصلح فهو عقد وضع في الاصل للتسالم وقطع الخصومة. والاتفاق على تمليك عين او منفعة او اسقاط حق او دين امر تبعي ولو اشتمل على عوض فلا يلزم ان يكون مالية تلك العين او المنفعة محفوظة كما في البيع ولذا يصح الصلح على ما يساوي الالف بواحد او اقل كقطعة نبات او نحوها فيصح صلحاً ولا يصح بيعاً، وفي الحقيقة ان العوض في الصلح ليس عوض عن العين المصالح عليها بل عوضاً عن الرضا التام على تمليك العين ومثله الكلام في الهبة المعوضة فان المعاوضة بين الهبتين لا بين الموهوبين ضرورة ان المجانية وكون الموهوب بلا عوض مأخوذ في حقيقة الهبة وماهيتها ولكن لا مانع من ان يهبه العين مجاناً ويشترط في ضمن العقد ان يهبه الموهوب له عيناً اخرى بقيمتها او اقل او اكثر فاذا لم يف كان له الرجوع في هبته، واما الدين فهو وان كان تمليك العين لكونها احدى المصاديق او بمثلها من سائر المصاديق فليس حقيقة من باب المعاوضات اصلاً وان استلزم المعاوضة ضمناً وضماناً. فالخاصة اللازمة للبيع التي لا توجد في غيره والكاشفة عن تمام حقيقته هي كونه تمليكاً للعين من الغير بماليتها منه، وهذا المعنى له ثلاثة انحاء من التحقق: الاول: في مقام التصور والفكر والارادة وهو كمعنى خبري. والثاني: تحققه في مقام الانشاء قولاً او فعلاً حيث يقول: بعت داري من فلان. والثالث: تحققه خارجاً وحصول البيع الذي يترتب عليه آثاره واقعاً شرعاً وعرفاً، وذلك اذا تعقبه القبول مع سائر الشرائط. فان نظرنا الى مقامه في المرتبة الاولى قلنا: هو تمليك العين بماليتها، واذا نظرنا اليه في المرتبة الثانية قلنا: انشاء تمليك العين بماليتها، واذا نظرنا الى المرتبة الثالثة قلنا: انشاء تملكيها بماليتها من الغير مع قبوله، وبهذا تعرف ان كل واحد من الفقهاء نظر الى مرتبة فعبر بما يناسبها وفاتهم لاشارة الى ان العوض ليس هو مطلق المال بل ماليتها الخاصة الكامنة فيها المقومة لها التي تعتبر في العرف قيمة لها فكأن صاحب السلعة اذا اخذ قيمتها قد استرد سلعته ولكن من حيث ماليتها، وباذل المال قد استرده ولكن في ضمن عين تلك السلعة، وهذا المعنى ارتكازي في النفوس موجود في اذهان المتبايعين اجمالاً ومغفول عنه تفصيلاً. ولذا لو تبين الغبن والزيادة والنقصية في الثمن او المثمن كان للمغبون الفسخ لانه لم يصل اليه تمام مالية العين. او دفع المشتري زائداً عليها فلم يصل اليه في العين تمام ما دفع من المال. ثم ان تلك المراتب التي ذكرناها للبيع ليست معان متبائنة، ومفاهيم متغايرة بل هو معنى واحد وتلك انحاء تحققاته واطوار تشخصه فاذا قيل (البيع والشراء) فهي مرتبة وجوده المفهومي التصوري واذا قال البائع في مقام الايجاب بعت فهي مرتبة وجوده الانشائي واذا قيل احل الله البيع وحرم الربا فهي اشارة الى مرتبة وجوده الخارجي بحسب مصاديقه الشخصية واما استعماله في الانتقال فهو من قبيل استعمال لفظ السبب في المسبب فان التمليك سبب للانتقال وعليه يحمل تعريف المبسوط ومن تبعه وتعريف الشيء بذكر اثر من آثاره ليس بغريب. فكأنهم ارادوا ان البيع الذي هو التمليك ما يكون مؤثراً للانتقال نظراً الى مرتبة وجوده الحقيقي الذي ترتبت عليه آثاره الخارجية أي ما هو بيع بالحمل الشائع الصناعي لا ما هو بيع بحسب المفهوم والماهية وبالحمل الذاتي وهذا احسن من توجيهه بارادة التبعية فانه من البعد بمكان واما استعماله في العقد بمعنى الايجاب والقبول كما هو الشائع في لسان الفقهاء حيث يجعلونه عقداً من العقود في مقابل الصلح والاجارة ونحوها مما يقابل الايقاعات. فهو ايضاً توسع في الاستعمال، ومن علاقة السببية ايضاً كما صرح به الشهيد الثاني(1) فان الايجاب بالضرورة سبب للتمليك الحقيقي فيستعمل اللفظ الموضوع للتمليك في سببه وهو الايجاب ولقبول، وقول شيخنا المرتضى (() والظاهر ان المسبب هو الاثر الحاصل في نظر الشارع لانه المسبب عن العقد الخ.. مشيراً: الى ان مسبب العقد واثره النقل الشرعي لا التمليك والنقل الحاصل بايجاب البائع فانه غير موقوف على القبول فاستعمال لفظ البيع الموضوع لتمليك الموجب ونقله من الايجاب والقبول أي العقد استعمال بلا علاقة لانه لا سببية بين العقد والتمليك الانشائي وانما السببية بين العقد وبين النقل الشرعي الذي لا دخل له بالبيع ــ غريب جداً ومنشأه الذهول عن المرتبة الحقيقية للبيع، ووجوده الخارجي الذي هو التمليك الحقيقي في نظر العرف والعقل، وليس للشارع سوى الامضاء وعدمه والحكم بالالزام او عدم اللزوم، وبالجملة فكون التمليك الحقيقي الذي يترتب عليه اثره وهو الانتقال، وتبدل الملكية ثمناً ومثمناً مسبباً عن العقد أي الايجاب والقبول مما لا يمكن انكاره وهو ضروري لكل احد، ولا ينافيه ان النقل الانشائي اثر حاصل بايجاب الموجب فقط بل هو مؤيد لما ذكرناه: فان النقل الصوري الانشائي اثر الايجاب فقط، والنقل الحقيقي اثرهما معاً. هذا كله مع قطع النظر عن الشارع الذي ليس له سوى الامر بوجوب الوفاء والالتزام بما التزما به، او عدم وجوب الوفاء الراجع الى مخالفة العرف في الأسباب لتلك الملكية الحقيقية، او اعتبار بعض الشروط في السبب وهو العقد، لا الى الاختلاف في حقيقة البيع، او ان العقد ليس مسبب للملكية كما يظهر منه (() فتدبره جيداً، ومن هنا ظهر الوجه ايضاً في استعماله في الايجاب بشرط تعقبه بالقبول، والفرق بينه وبين سابقه اعتباري وهما بالنتيجة سواء وهو ايضاً بعلاقته السببية كما سبق بيانه. ولا مانع من ان يكون قول المخبر بعت مستعملاً في الايجاب المتعقب بالقبول اذ لا ثمرة في الايجاب المجرد، وقرينة المقام قرينة التجوز باستعمال اللفظ في المقيد لا ان القيد مستفاد من الخارج. وقوله: (نعم تحقق شرط للانتقال في الخارج لا في نظر الناقل.. الخ) ففيه: اولاً: ان الحال في نظر الناقل ونظر غيره سواء في المقام في ان النقل الانشائي بالايجاب وحده حاصل في نظر الناقل وفي نظر غيره والنقل الحقيقي غير حاصل به في نظر الناقل وفي نظر غيره ايضاً اذ لا يعقل ان الناقل يرى حصول النقل الحقيقي بايجابه فقط، كيف وهو بايجابه قد ملك العين وتملك الثمن وهو في تمليكه المثمن اصيل وفي تملك الثمن الذي هو ملك المشتري كفضولي يحتاج الى اجازة المشتري واجازته قبوله ورضاه بجملة عمل البائع تمليكاً وتملكاً ولذا قلنا فيما سبق: ان البيع بتمامه من عمل البائع ولكن لا يتحقق في الخارج ولا تحصل ثمرته بنظر العرف والعقل الا بقبول المشتري. وثانياً: ان الاثر وان كان لا ينفك عن التأثير (كما افاد (()) ولكن اثر كل مرتبة لا ينفك عن التأثير في تلك المرتبة لا في مرتبة اخرى فتأثيره مرتبة الانشاء لا ينفك عن اثرها وهو التمليك الانشائي لا التمليك الحقيقي الذي هو اثر الايجاب والقبول معاً. وثالثاً: ان قياس البيع وما يساويه معنى على الوجوب والايجاب قياس مع الفارق فان الوجوب والايجاب من المعاني الايقاعية الاستقلالية التي يكفي في تحققها صرف انشائها من طرف واحد. ولا تحتاج الى انشائين بل يكفيها انشاء واحد والطلب الايجابي من العالي والسافل والمساوي كله من سنخ واحد وهو في الجميع يستلزم تحقق الوجوب من الموجب غايته: ان العقل يلزم بوجوب الامتثال ان كان من العالي تحرزاً من العقاب دون الاخيرين للامن من العقاب فيهما. وهذا امر خارج عن حقيقة الوجوب، اما البيع فهو من المعاني الارتباطية التي لا تحقق حقائقها بصرف انشائها ولا يكفي فيها الانشاء من واحد وما ابعد التفاوت بين العقود والايقاعات... فالبيع واخواته من قبيل الابوة والبنوّة غايته نه اضافة واعتبار ينتزع من عمل انشائي بخلاف الابوّة فانها اضافة تنتزع من امر خارجي غير الانشاء اما الايجاب والوجوب فهما من قبيل العتاق والطلاق التي تنتزع من انشائها من الفاعل القابل في المحل القابل. والبيع يحتاج الى فاعل وقابل في المحل القابل فلو تخيل التراب حنطة وقال: بعتك منّاً من هذه الحنطة وقال المشتري: قبلت لم يقع التمليك الحقيقي وان حصل الايجاب والقبول والتمليك الصوري والنقل الانشائي اللغوي في الايجاب والقبول في المحل القابل عرفاً وعقلاً مستلزم للتمليك الحقيقي والنقل الواقعي كالكسر والانكسار لا ينفك احدهما عن الآخر ابداً لا ذهناً ولا خارجاً نعم الكسر والانكسار من الامور الخارجية التي ليس لها مرتبة إنشاء كالبيع فهما يشابهان العقد واثره اعني ان النقل الحقيقي من جهة، ويختلفان عنه من جهة، وكذا الابوة والبنوّة والخلاصة ان البيع الحقيقي لا ينفك ابداً عن العقد في المحل القابل في نظر الناقل وغير الناقل،.. نعم قد يقع في الاعتبار الغير الصحيح تحقق التملك الحقيقي بدون قبول المالك كما يتملك ارباب النهب والغصب اموال المغصوبين والمنهوبين بمجرد الاستيلاء. وهذا مع انه ليس بيعاً حتى عند الغاصب خارج عما نحن فيه من الاعتبارات الصحيحة، ومما ذكرنا من توضيح حقيقة البيع ظهر لك انه مختص بحسب طباعه وجوهر معناه بنقل الاعيان لا انه اصطلاح من الفقهاء فقط (كما يظهر منه(() ) في اول البحث كيف وقد صرح بعده بقليل انه ليس له حقيقة شرعية ولا متشرّعية بل هو باق على معناه العرفي. ولا يخفى ان البيع المبحوث عن معناه في المقام ما هو عمل البائع لا ما هو عملهما معاً غايته ان عمل البائع وتمليكه العين وتملكه الثمن لا يكون حقيقياً عند العقلاء بل وفي نظره الا بالقبول اما المبادلة بين المالين فهي من عمله فقط والمشتري قد امضى تلك المبادلة ورضي بها، فما اورده بعض اساتيذنا في حاشيته من ان المبادلة من عمل البائع والمشتري والبيع المقصود بالتعريف هو عمل البائع غير سديد وحيث عرفت اختصاص المعرض في البيع بالاعيان وان اطلاقه على تمليك المنافع في كلمات بعضهم وبعض الاخبار كخبر اسحاق بن عمار في بيع سكنى الدار التي لا يعلم صاحبها. وخبر ابي مريم، والسكوني في المدبر يبيع خدمته ولا يبيع رقبته كل ذلك توسع في الاستعمال وضرب من المجاز اما استعمال الاجارة في نقل بعض الاعيان كاجارة الشجرة لتمليك الثمرة والشاة والمرضعة للصوف واللبن ونحوها فهو على حقيقة. لان الثمرة واللبن يعد منفعة للشجرة والشاة حيث يقع عقد الاجارة عليها لا على نفس الثمرة واللبن فيستقلان باللحاظ، فأعلم انهم قد اتفقوا ظاهراً على عدم اختصاص العوض بالاعيان وانه لا اشكال في كونه منفعة سواء كانت محققة قبل المعاوضة او يتحقق اعتبارها بنفس المعاوضة كعمل الحّر لو قلنا: بان منافعة ليست بمال قبل المعاوضة كما هو الظاهر، وعبارة المصباح لا يظهر منها اعتبار تقدم المالية، وكما لا يعتبر في المعوض ان تكون ماليته قبل المعاوضة كما في بيع الكلي في الذمة فكذا في العوض حيث يكون منفعة. واما الحقوق فهي: على ثلاثة اقسام (منها) ما يقبل الاسقاط والانتقال ويعاوض بالاموال كحق الخيار والتحجير فلا ينبغي الاشكال في صحة جعله عوضاً اذ كل ما يقابل بالمال فهو مال بالضرورة و(منها) ما لا يقبل شيئاً من ذلك كحق الولاية على اليتيم ونحوه ولا اشكال في عدم صحة التعويض به و(منها) ما يقبل الاسقاط دون الانتقال فان كان يقابل بالمال كحق الشفعة لو دفع المشتري ما لا الى الشريك ليسقط حق شفعته فلا مانع من جعله عوضاً في البيع والاّ فلا يصح لعدم ماليته حينئذ نعم جعل جدنا كاشف الغطاء(1) (() ــ في شرحه على القواعد الوجه في عدم صلاحية الحق لجعله ثمناً ولا مثمناً ضعف الملكية وعدم تبادره من الملك ولكنه على اطلاقه محل نظر، والحق ان المدار في الحق على المالية فمتى تحققت صح جعله عوضاً والاّ فلا. اما ما افاده شيخنا المرتضى (() بقوله (واما الحقوق الاخر كحق الشفعة وحق الخيار الى قوله: والسر ان الحق سلطنة فعلية لا يعقل قيام طرفيها بشخص واحد.. الخ) فتوضيح مراده ان ما لا يقبل الانتقال من الحقوق لا يصح جعله عوضاً في البيع ضرورة ان البيع تمليك الغير عوضاً ومعوضاً فاذا كان الحق لا يمكن نقله الى الغير فكيف يكون عوضاً ويملك للغير، والتمليك لا يتحقق بدون النقل فحيث لا نقل لا تمليك فلا بيع فان قيل لا يتوقف البيع دائماً على النقل والتمليك فان الكلي يصح بيعه على من هو عليه اتفاقاً مع ان التمليك والنقل فيه غير معقول لأنا نقول لا مانع من كونه تمليكاً اثره السقوط، ولذا جعل الشهيد(1) الابراء بين الاسقاط والتمليك فانه ظاهر في ان الكلي يمكن ان يملك لمن هو عليه فان قيل فليكن جعل الحق عوضاً ايضاً تمليك لمن هو عليه ويكون اثره سقوط الحق كما في الدين فيصح لمن له حق الشفعة مثلاً ان يجعله عوضاً المشتري الذي عليه الحق حق الشفعة ويكون اثره السقوط لانا نقول فرق بين الحق والملك فيعقل ان يكون مالكاً لما في ذمته فيسقط، ولا يعقل ان يتسلط على نفسه، والسر ان الحق سلطنة لمن له الحق على من عليه الحق فهو موقوف على طرفين، ولا يعقل قيامهما بشخص واحد بخلاف الملك فانه لا يحتاج الى من عليه الملك بل هو نسبة بين المالك والمملوك فيصح ان يملك ما في ذمته ولا يلزم اتحاد المالك والمملوك عليه المستحيل ولعله يشير (() الى ان انتقال الحق الى من هو عليه من قبيل انتقال العرض وهو مستحيل بخلاف انتقال الملك الى من هو عليه فانه من قبيل تبدل العرض وهو ممكن هذا غاية ما يمكن ان يقال في توضيح مراده وتنقيحه ولكنه واضح الضعف من وجوه ــ وحل هذه العقدة بحيث ينكشف مواضع الخلل فيما افاد (() ان الملك: كما لا يحتاج الى من يملك عليه احياناً كما في ملك الاعيان والمنافع فكذلك الحق قد لا يحتاج الى من عليه الحق كحق التحجير وحق الخيار وامثالها، وكما ان الحق قد يحتاج الى من عليه الحق كحق القصاص وحق الجناية وحق الشفعة في وجه فكذلك الملك كملك الكلي في الذمة ونحوه، وكما يصح لحاظ الملك بين المالك والمملوك يصح لحاظ الحق وكما يصح لحاظ سلطنة بين من له الحق على من هو عليه فلا يعقل اتحاد طرفيها في شخص واحد فكذا يصح لحاظ الملك سلطنة فعلية لمن له ملك على من هو عليه فلا يعقل اتحادهما ومنشأ التوهم اخذ الحق بالمعنى المفعولي واخذ الملك بالمعنى المصدري ولو اخذا بنسبة واحدة لم يكن فرق بينهما بالضرورة كيف ولو لم يؤخذ المملوك عليه في بيع الكلي لم يكن هناك مال ولا مملوك اصلاً حتى يصح بيعه وماليته وباعتبار ذمة المملوك عليه والزامه نحقق الكلي فقوام المملوك هنا انما هو بالمملوك عليه لا المالك. فلو اشترى ما في ذمته لزم قيام الطرفين المالك والمملوك عليه بشخص واحد ولزومه ايضاً اظهر من لزومه في الحق ويندفع كل هذه الاوهام بان المصحح في المقامين هو اختلاف الحيثية والاعتبار فباعتبار السبب الاول كان عليه الحق ومملوكاً عليه وباعتبار السبب الثاني صار له الحق ومالكاً ويكون اثر ذلك السقوط فيهما معاً حقاً او ملكاً فتدبره جيداً. والحق ما ذكرناه اولاً من ان الحق ان كان يقابل بالمال ويمكن سقوطه او انتقاله صح جعله عوضاً والا فلا. وهل البيع وغيره من اسماء المعاملات موضوع الصحيح او الاعم؟ فاعلم اولاً ان هذا من المباحث المستحدثة من زمن الشهيدين وما بعدهما ولم يكن له عند المتقدمين عنوان ولا اثر. وفي الحقيقة ان هذا البحث ساقط من اصله وباطل من ذاته وبيان ذلك: ان من المعلوم ان عامة اسماء الاجناس سواء كانت معانيها من الحقائق الخارجية العينية كالانسان والشجر ونحوهما او من المعاني الجعلية الاعتبارية كالبيع والاجارة والزوجية والملكية ونحوهما انما هي موضوعة للماهيات والمفاهيم الكلية والماهية من حيث هي ليست الا هي: ويستحيل ان تتصف بصحة او فساد ضرورة ان الصحة عبارة عن كون الشيء بحيث يترتب عليه الاثر المطلوب منه وفساده عبارة عن عدم ترتب ذلك الاثر عليه والماهية من حيث هي لا يعقل ان يترتب عليها اثر من الآثار، وانما الاثر للوجود فالاحراق لا يترتب على ماهية النار وانما يترتب على وجودها ومصاديقها وهكذا كل ماهية واقعية او اعتبارية. نعم لما كانت الماهية الاعتبارية لا وجود لها في الخارج الا بوجود منشأ انتزاعها، وليس منشأ انتزاعها سوى الاسباب التي اعتبرها العقلاء محققة لها فالصحّة والفساد انما تعرض على اسبابها اولاً وبالذات وتعرضها ثانياً وبالعرض، والخلاصة ان البيع مثلاً بمعنى تمليك العين بعوض لا يعقل ان يتصف بصحّة او فساد. نعم السبب فيه وهو العقد ان كان بحيث يترتب عليه اثره وهو التمليك كان صحيحاً والا كان فاسداً وهكذا سائر المعاملات انما تكون صحتها وفسادها باعتبار اسبابها كما ان العبادات من الصلاة والصوم والحج ونحوها انما تتصف بالصحة والفساد باعتبار وجودها وبالنظر الى مصاديقها فان كان جامعاً لما اعتبر فيه من اجزاء وشرائط بحيث يترتب عليه الاثر كان صحيحاً والا كان فاسداً واذا اتضح ان الماهيات والمعاني لا تتصف بصحة او فساد وان اسماء العبادات والمعاملات لتلك المفاهيم، والصحة متأخرة عنها رتبة، ظهر لك سقوط النزاع من اصله في ان تلك الاسماء موضوعة للصحيح او الاعم وان مبحث الصحيح والاعم من الابحاث التي هي مضافاً الى عدم الفائدة والثمرة فيه غير معقولة في نفسها. وفساد ما ذكروه من الثمرات لهذا النزاع اوضح من ان تحتاج الى بيان. نعم يمكن ان يقال ان اطلاق البيع في مقام الاخبار ينصرف الى وجود البيع الصحيح أي السبب الجامع لشرائط التأثير اما في مقام الانشاء فالصحة والفساد ينتزعان منه بلحاظ متأخر لا ان الانشاء يتعلق بالصحيح كما يتعلق بالفاسد كما لا يخفى على المتدبر. اما وجه تمسك العلماء قديماً وحديثاً بعمومات المعاملات مثل ــ احل الله البيع ــ فهو بالنظر الى ان البيع بمعنى التمليك لما كان غير فعل اختياري الا بالواسطة كسائر الافعال التوليدية فلا تتعلق الحلية وغيرها من الاحكام به الا بواسطة سببه فيمون مفاد الآية حلية اسباب التمليك، ويدل باطلاقه على حلية كل ما هو سبب للتمليك عند العرف. والمراد بالحلية في مثل هذه الموارد الامضاء والتقرير يعني ان الله انفذ وقرر اسباب البيع التي هي اسباب عند العرف وامضى سببيتها وضعاً وحلية التصرفات في المبيع تكليفاً تابعة لتلك الحلية الوضعية ومنتزعة منها لا انها هي المقصودة بالاصالة والمدلول عليها بالجملة بحيث يكون المراد من البيع المبيع وتكون حليته باعتبار حلية التصرفات فيستلزم خلاف الاصل من وجهين الحذف والمجاز ولا يلزم شيء من ذلك على ما ذكرناه ضرورة ان تعلق الاحكام بالاعيان والافعال التوليدية وارادة اسبابها شائع لا يعد من المجاز اصلاً لعدم العناية والتكلف فيه بالضرورة فحلية البيع وحرمة الربا ووجوب الوفاء بالعقود لا يفهم منها الا ارادة نفوذ العقود العرفية ووجوب الالتزام بها على ما هي عليه عند العرف ومضى سببية كل ما هو سبب عند العرف للبيع ونحوه وعدم سببية الربا للملكية وان كان سبباً عند العرف فليس للشارع في العقد والبيع والربا اصطلاح خاص او حقيقة شرعية وانما له الامضاء والتقرير او عدمه لا غير فكل عقد وكل سبب للبيع بمقتضى هذه الاطلاقات نافذ الا ما قام الدليل على بطلانه. المعاطات ومن هنا ظهر لك ان المعاطات بعد تسالمهم على كونها بيعاً عرفاً و صحيحة شرعاً وانها ليست بيعاً فاسداً ولم ينسب احتمال ذلك الا الى العلامة (() في النهاية وقد ثبت رجوعه عنه كما انه لا خلاف ايضاً في ان قصد المتعاطين هو التمليك. وحينئذ فتشمله عمومات احل الله البيع وتجارة عن تراض وامثالها. ولكن اتفق الاكثر على الظاهر بل الجميع على ما يقال انها تفيد الاباحة لا التمليك وبهذا اعضلت المسألة وتضاربت الاصول والقواعد واضطربت فيها مذاهب العلماء فبين قائل بالاباحة عامة او خاصة، وبين قائل بالتمليك جائزاً او لازماً كما ان المتأخرين اختلفوا في تحرير محل النزاع عند المتقدمين فبين قائل انه فيما اذا قصد المتعاطيان التمليك وبين قائل كصاحب الجواهر(1) انه فيما اذا قصدا الاباحة. انتهى ما وجد بخطه دامت افاضاته بسم الله الرحمن الرحيم هذه تقريرات درس شيخنا الامام العلامة المرجع الديني الاكبر آية الله كاشف الغطاء ادام الله علينا ايام افاداته. بقلم: بعض الفضلاء من تلاميذه ايّده الله تعالى لا تجوز الصلاة في المكان المغصوب عيناً او منفعة فيما اذا كان ملكاً طلقاً وهذا مما لا اشكال فيه وان امكن القول بجواز الصلاة في كل مكان مملوك او غير مملوك رضي صاحبه او لا لأن حق الصلاة لله الملك الحقيقي مقدم على حق المالك الصوري المحجازي كما لعله يشير اليه في الحديث جعلت لي الارض مسجداً وطهوراً اينما ادركتني الصلاة صليت وغيره والله العالم نعم لا اشكال على المشهور في بطلان الصلاة في المكان المغصوب. وانما الاشكال فيما لو وقعت في حق الغير من غير رضاه وانها هل هي صحيحة مطلقاً، او باطلة كذلك، او يفصل بين الحقوق المالية التي تقبل الاسقاط والمعاوضة والنقل وبين الحقوق الغير مالية التي هي عكس الحقوق المالية وقد يشتبه الامر ولا يفرق بينهما في بعض الحقوق التي يقبل بعضها دون بعض آخر وتنقيح المقام بحيث يرتفع به غواشي الاوهام يحتاج الى بيان الفرق بين الحقوق والاحكام ثم ملاحظة ان الحقوق التي وقعت فيها الصلاة بغير اذن صاحبها هل تكون مما يصدق عليه التصرف العرفي وبعبارة اخرى الصلاة فيها موجبة للتصرف المحرم ام لا فنقول: انّ الحق نحو سلطنة والسلطنة عبارة عن القاهرية والتسلط ولها مراتب كثيرة اعلاها واجلها هو سلطنة الحق تعالى شأنه وقهاريته على مخلوقاته وهو من اعظم الحقوق ولا يتبدل ولا يتغير بحال ابداً وهو ذاتي متأصل واليه ترجع سائر الحقوق بل الحقوق كلها له جلّ شأنه وبسلطنته خلق الخلق والحاصل ان حق الخالفية حق ذاتي غير مجعول وهو ثابت له تعالى في تمام الاحوال وله آثار كثيرة لا تعد ولا تحصى ومن آثاره شكره وحمده وعبادته واطاعته وتسبيحه وتقديسه والقيام بما امر به والانتهاء عما نهى عنه وهذه السلطنة العظيمة سلطنة لاننا لها يد الجعل ولا توجد في غيره تعالى ثم بعد التنزل عن هذه المرتبة هو حق النبوة ثم حق الولاية ثم حق العلماء والمدرس والاب والابن وحق الجار على جاره وجميع هذه الحقوق ترجع الى حقه تعالى في المعنى ولكل واحد من هذه الحقوق آثار كثيرة تترتب عليها ثم ان امهات الحقوق غير حقه تعالى على ثلاثة اقسام لان السلطنة الخاصة الثابتة للانسان اما تكون على انسان آخر كسلطنة النبوة والولاية وغيرهما من الحقوق الى اضعف مراتبها وهو حق مرشد الاعمى وهاديه الى منزله او رافع الحجر عن طريق الآخر واما ان تكون على الاعيان واما على النسب والاضافات وان شئت قلت ان الحق نحو سلطنة انسان على غيره من انسان او اعيان او عقد واضافة ونسبة. اما الاول فقد يكون منشأه افعال خارجية وامور حقيقية كالهداية والارشاد والتعليم ورفع الحجر وغير ذلك من الافعال الخارجية الجوارحية فان هداية النبي (() وارشاده اليه تعالى صار سبباً ومنشئاً لحقه (() على العباد وهكذا الولي(() والعالم والمعلم الى آخر مراتبه واضعفها وفي مقابل هذه الهداية والارشاد لابد من التشكّر والامتنان والعمل بما يأمره وينهاه وكذا بالنسبة الى غيره (() وهذا النحو من الحق اثره انه لا يتبدل ابداً فلا يقبل الاسقاط ولا المعاوضة ولا النقل لان منشأه امر لا يقبل شيئاً مما ذكر بداهة كونه افعال خارجية لا يمكن عودها بعد وقوعها وقد يكون منشأه امور اضافية واعتبارات صرفة ليس لها ما بازاء في الخارج ولكنه مما له منشأ انتزاع محقق فيه لا كأنياب الاغوال مثل حق المولى والزوج على عبده وزوجته فحق المالك والزوج نشأ من الملكية والزوجية اللتين هما من المعقولات الثانوية ليس لهما ما بازاء في الخارج ولكنهما انتزعتا من العقد الخاص الذي صدر عن اهله في محله وبالجملة الحقوق المنتزعة عن المعقولات الثانوية الحاصلة بعد التقابل بينها وبين طرفها التي ليست من الامور الوهمية بل من الامور الواقعية ولها منشأ انتزاع في الخارج وهذا النحو من الحقوق ايضاً لا تقبل النقل والاسقاط والمعاوضة ابداً كالحقوق الاولى نعم يمكن رفع الامور المذكورة بتوسط حل منشأ انتزاعها وهو من المعقولات الثانوية كالملكية والزوجية وحل ذاك المنشأ لا يمكن اولاً وبالذات ايضاً بل يحتاج في حلة الى حل منشأ انتزاعه وهو العقد الصادر عن اهله في محله وحق الزوجية والملكية مثلاً لا يتبدل ولا يتغير الا بتبدل ذاك العقد وانحلاله الموجب لانحلال الزوجية والملكية المستلزم لانحلال هذا الحق هذا بخلاف الحقوق الاولى فان منشأ انتزاعها هو الامور الحقيقية والافعال الخارجية التي ليس لها استقرار وثبات في الخارج حتى يمكن حلها ومن هذا القبيل حق الانسان على نفسه فانه من اهم الحقوق واجلها وهو ايضاً لا يقبل النقل والاسقاط والمعاوضة اصلاً كحق الانسان على الانسان وهو مسلط على نفسه ومختار في حركاته وسكناته الا ان يستلزم المعصية والتجري على المولى الحقيقي. واما الثاني وهو سلطنة الانسان على الاعيان والاموال فقد يكون السبب والعلة في حصول تلك الاموال هو الامور الاختيارية من تجارة وولاية واجارة وصناعة وقد يكون السبب فيه هو الامور الغير الاختيارية كما في الارث والبذل ومنه تملك الفقراء والمساكين الزكاة والسادات المحترمين الخمس بل اخذ الزوجة النفقة من زوجه وتملكها لها بخلاف انفاق الوالد على اولاده فانهم لا يملكونه ابداً وعلى كلا التقديرين اما تكون الاموال ملكاً طلقاً له بحيث يملكها بجميع انحائها واعتبارياتها واما لا يكون ملكاً طلقاً بل ملكاً محدوداً ومضيقاً ومن هذا القبيل حق الرهن والتحجير والخيار فان حق الراهن مثلاً وسلطنته ما زالت عن ماله بشراشرها بل له اخذه ولو ببيع المرهون فان هذا الحق والسلطنة من شؤون السلطنة المطلقة وحدودها وبالجملة الحق يتبع الملك في الإطلاق والتحديد فالملك ان كان محدوداً فالسلطنة محدودة وان كان مطلقاً فالسلطنة ايضاً كذلك وهذا النحو من الحقوق كلها وبانحائها المختلفة واعتباراتها الملحوظة قابلة للنقل والانتقال والإسقاط والمعاوضة ومن هذا القبيل حق الخيار ايضاً ويتحقق فيها عنوان الغصبية فيمن غصب ملك انسان او منفعته ولو لم يكونا طلقاً بل مضيقاً محدوداً فصلى فيه فتكون صلاته باطلة هذا وقد تنتزع من الحكم التكليفي المتعلق على موضوع خاص لا يصلح للملكية صورة حق وهو ليس بحق واقعاً بل وهو حكم تكليفي محض كما في المعابد والمساجد المحترمة والبقاع المتبركة وكالشوارع العامة كالطرق وسوق المسلمين وبالجملة المشتركات العامة بأنحائها سواءً كانت مشتركة بين الناس والعناصر والطبقات كلها كالطرق والأسواق او مختصة بنوع خاص وعناصر مخصوصة مثل مكة المشرفة والمشعر الحرام ومنى والمساجد او على صنف كالحرم الشريف والمدارس العلمية ومن سبق الى مكان في هذه الأمكنة المباركة وزاحمه آخر واخرجه من مكانه وصلى فيه لا تكون صلاته باطلة وان فعل حراماً لأن الغرض من وضع هذه الأمكنة ليس الا استيفاء الانتفاع وجواز السكنى والتوقف لأجل العبادة اما المساجد فقد الغى الشارع المالية فيها وحررها بل وكذا غيرها من المشتركات العامة فان الغرض من بنائها ووضعها ليس الا انتفاع الاناس بطبقاتهم وباختلاف عناصرهم لا تملكهم العين ولا المنفعة بل لهم جواز الانتفاع ولغيرهم حرمة المزاحمة لما استمر عليها السيرة القطعية من ذمّ العقلاء كل من زاحم آخراً واخرجه من مكانه مضافاً الى ورود اخبار كثيرة من ان اسواق المسلمين كمساجدهم والحاصل بعد القول بأن الغرض منها ليس الا الانتفاع وجواز الدخول والتوقف والخروج لا التملك العيني ولا المنفعتي لا معنى للغصبية ابداً لأنه عبارة عن التصرف بمال الغير من دون اذنه واذا انتفى المالية القائمة بالتمليك العيني او المنفعتي فقد انتفى موضوع الغصبية وعنوانها. وامّا الموقوفات العامة فعلى قسمين بعضها كالمشتركات العامة ليس الغرض منها الا انتفاع المسلمين على طبقاتهم المتشتتة وبعضها ليس كذلك بل الغرض منها هو تمليك المنافع كالوقف الخاص بل هو وقف خاص ولا ينافيه كثرة الموقوف عليهم والحاصل الوقف الذي هو عبارة عن تحبيس المال تارة يكون قصد الواقف مجرد انتفاع المسلمين كوقف القرآن على الحرم الشريف وكوقف البساتين لانتفاع المسلمين من ثمراتها لا فيما اذا وقفها لأن يتملكوا منافعها فهذا القسم من الوقف هو الوقف العام وان لم يجر عليه اصطلاح القوم وقد يكون قصده هو تملكهم المنافع كما في كثير من الموقوفات فهذا القسم هو الوقف الخاص بالدقة واما الاصطلاح فلا مشاحة فيه والغرض هو عدم تحقق الغصبية في القسم الأول لو دفع بعضهم بعضاً وازاله عن مكانه لعدم المالية التي تحقق عنوان الغصبية وتحققه في القسم الثاني لأنّ المنفعة مال فمن غصبها وصلى فيها بطلت صلاته بلا اشكال. وامّا الثالث وهو سلطنة الانسان على النسب والعقود والأضافات فقد علم حكمها مما قدمناه من القسمين الأولين لأنها ان رجعت الى السلطنة المالية وحقوقها فيكون كالقسم الثاني من قبولها النقل والاسقاط والمعاوضة كما في جميع السلطنات المتعلقة بالعقود لازمة كانت او جائزة وسواء جعلت السلطنة لكلا الطرفين او لأحدهما فأن في العقود الجائزة لكل من الطرفين سلطنة على حلّ النسبة وان لم ترجع اليها بل كانت السلطنة على امر غير مالي كما في الوكالة والكفالة فيكون كالقسم الأول في عدم قبولها النقل والإسقاط والمعاوضة لأنها على هذا الفرض ليست الا مجرد حكم وهو مجعول شرعي لا يقبل شيئاً مما ذكر بقى في المقام شيء جامع لكلتا الصفتين وهو عقود الأنكحة بانحائها فانها برزخ بين المعاملات والعبادات كما صرح به بعض الاساطين من حيث انها سلطنة انسان على ما يرجع بالآخرة على المال فيقتضي ان تقبل كلاَ من الامور المذكورة ومن حيث انها سلطنة انسان على انسان لا على الاموال فيقتضي عدمه وبعبارة اخرى من حيث ان الغرض منها ليس الا اخذ المال الذي هو عبارة عن المهر فيقتضي دخولها في المعاملات والسلطنة والحاصلة فيها تكون راجعة الى سلطنة مالية ومن حيث انها ليست من جنس المعاملات بل مباينة لها كل التباين فيقتضي عدم قبولها لشيء مما ذكر لكونها سلطنة الانسان على مثله والتدبر في ملاك الانكحة يقتضي هذا الوجه بل المتعين هو هذا الوجه والجهة الملية تبعة محضة ولذا تصح بلا مهر يعتد به بل بقراءة القرآن والغرض منها هو حفظ نظام العالم ورفع نقصانية المرء ودينه لان الرجل بلا زوجة فاقد لاحد طرفيه ولذا قال الشارع من تزوج فقد احرز نصف دينه وهذا لا ينافي خروج بعض الافراد لعارض ولعلة خارجية وكيف ما كان فان فذلكة المقام وخلاصة ما تلوناه من المرام هو ان الحقوق والسلطنة ان تعلقت على المال ولو بوسائط كانت الصلاة فيه بدون اذن مالكه باطله لتحقق عنوان الغصبية كما في الخيار قلنا ان السلطنة تعلقت على فك النسبة لا على استرجاع المال وان تعلقت على نسب وعقود غير راجعة الى المال فلا تجيء فيه قضية غصبية أصلاً لعدم تحقق عنوانها وان شك فيهما أي في كون متعلق الحق مالاً او غير مال فربما يقال بالرجوع الى العمومات الدالة على صحة البيوع والمصالحة ولكنه غير صحيح لكونه تمسكاً بها في الشبهات المصداقية كما لا يخفى والحق هو الرجوع الى الاستصحاب في كل مورد بالنسبة الى اثبات آثارها ففي الشك في قبول الاسقاط وعدمه يستصحب عدمه فلا تجري فيه آثاره وكذا بالنسبة الى المعاوضة والنقل هذا اجمال الكلام في هذا المقام ولتوضيحه وبسطه مقام آخر. ثم اننا حيث قلنا ان الصلاة في ملك الغير م غير اذنه باطلة لا تصح ابداً بل تحتاج الى رضاء مالكه الكاشف عنه الاذن او شاهد الحال والفحوى وبيان ذلك ان الرضاء حل من حالات النفس وطور من اطواره وهو ليس الا مثل سائر اوصاف النفس القائمة بها والظاهر المبادر منه هو الرضا الفعلي واما التقديري فيأتي بيانه له كواشف ثلاثة على المشهور الاذن الصريح الذي هو اعلى الكواشف واجلها وشاهد الحال واذن الفحوى الذي هو عبارة عن الاولوية القطعية ولكنها غير منحصرة فيها لامكان الكشف عنه بغيرها وبالجملة بعد ان قلنا ان الرافع للغصبية والظلم هو الرضا وهو من حالات النفس فلا يمكن الاطلاع عليها. الا بمؤنة الامارة والكواشف ظهر لك ان الكاشف مقدمة صرفة فلا مانع من تعدده اصلاً اذا عرفت ذلك(1) فاعلم انه وقع الخلاف بين الاكابر والاعلام في توجيه صحة والعبادة والتصرف في الاراضي المتسعة والبعيدة المسافة والانهار الكبيرة حيث استمرت السيرة القطعية على التصرف فيها بلا احتياج الى الاذن من مالكها بل ولا يخطر ببال احد الاستئذان للصلاة والوضوء والشرب فيها وكذا في غيرها من انحاء التصرفات مثل التظليل وغيره والصحة في الجملة مما لا ريب فيه ابداً وانما الكلام في وجهها ومناطها وقد اختلفت كلمات الاصحاب واضطربت في وجهها ويظهر من المستند ان الوجه فيها هو قصور شمول ادلة الغصب على مثل تلك الموارد مثل قوله: لا يحل مال امرء الا بطيب نفسه حيث قصرها على صورة المنع أي العلم بمنع المالك او الظن المعتبر على منعه واما في غير هذين الموردين فمشكوك الشمول والعموم وانت خبير بفساده وانه مستلزم للهرج والمرج في نظام العالم لانه مستلزم لجواز التصرف فيه مال الغير فيما اذا احتمل رضاء مالكه او تساوي الاحتمالان عنده واضعف من هذا ما يقال من ان الملاك في الجواز في الاراضي والانهار هو الاذن التقديري وكما يكفي الفعلي منه وكذلك يكفي التقديري لان قوله: لا يحل مال امرء الا بطيب نفسه اعم من طيب النفس الفعلي او التقديري لانه يستلزم جواز التصرف في مال الغير واخذ امواله لكل من هو محتاج في الواقع على نحو يعلم بان صاحب المال لو اطلع على احتياجه وفقره لرضي بتصرفه في ماله واخذه منه وقد تمسك بعضهم بالعسر والحرج ومع انه مختص بالاحكام الالهية لا يثبت المدعي لكونه اخص منه والذي ينبغي ان يقال في وجه صحة ذلك هو احد امرين. اما القول بعدم تحقق عنوان التصرف العرفي، او بعدم تحقق عنوان المالية، اما الاول فلما اشرنا اليه من ان الغصب هو التصرف في مال الغير عرفاً بحيث يعد في العرف تصرفاً بالتصرف في هذه الاراضي والانهار لا يعد تصرفاً في العرف لتوسعة المتصرف فيه واما الثاني فلأن الاراضي بانحائها المختلفة وباقسامها المتشتة كانت لمالك الملوك وانّما ملكها العباد بالعرض مثل الحيازة وغيرها فيمكن القول بأن الله تبارك وتعالى الذي هو المالك الملوك الحقيقي لما اباح الأراضي المتسعة والأنهار الكبيرة لعباده ما اذن لهم بالمزاحمة في التصرفات الغير المعتدة بها بل اباحها من هذه الحيثية والجهة لنوع عباده وكذا الأمام (() في الأراضي الراجعة اليه من قبل مالكها الأوليّ وهو الله تعالى فانّ الأئمة (() اباحوها لشيعتهم لأجل انتفاعهم من الأنكحة والعبادة وغيرها وكيفما كان فأنّ اعتبار الرضا المستكشف بالأذن الصريح وغيره في هذه الأراضي والأنهار ساقط للسيرة المستمرة وهل يعتبر الرضاء في الموقوفات كالأموال والأعيان ام لا؟ الحق التفصيل لأن الموقوفات باعتبار تغير حكمها على ثلاثة اقسام واما بالأعتبارات التي لا دخل لها في تغيير حكمها مثل كونها عاماً او خاصاً وغيرهما فلا فائدة للبحث عنها من هذه الجهة، (احدها) هو ان الغرض منها هو سلب المالية بكليتها وجعلها محرراً كما في البيت العتيق والمشاهد المقدسة التي جعلها الله تعالى في اصل خلقتها محررة وكالمساجد التي بناها العباد فهذا القسم منها مما لا اشكال في عدم مدخلية اذن المالك ولا الموقوف عليهم ابداً لعدم لحاظ المالية ولا الملكية هنا اصلاً و(ثانيها) هو كون الغرض منها منفعة الوقوف عليهم مع تحبيس عين المال وتوقيفه كما في الموقوفات التي تعلق غرض الواقف فيها بهذا النحو وهذا القسم من الموقوفات لا بدّ في التصرف فيها من اذن المالك او المتولي او الحاكم الشرعي ولا فرق فيه بين كون الموقوف عليهم هو خصوص الآحاد والأشخاص او هو عموم الأناسي كالقسم الأول وهذا القسم نظير الدار المستأجرة و(ثالثها) هو تحبيس العين وتوقيفها والغاء المنفعة وملاحظة الأنتفاع للأفراد المعينة والأشخاص المخصوصة وبالجملة الغرض منه هو انتفاع نوع واحد كالمدارس العلمية مثلاً فأنّ الغرض من وقفها هو انتفاع الطلاب بالسكنى فيها لطلب العلم بحيث لو زاحمهم غيرهم لا يجوز له ذلك ابداً وبالنسبة الى الأنتفاعات الغير المزاحمة لحقهم فهي داخلة في القسم الأول من انها محررة ومسبّلة لم تلاحظ فيها سلطنة المالك اصلاً لألغائه الأنتفاعات بأسرها (والحاصل) المدار في تغيير الحكم هو قصود الواقفين من تحبيسهم العين وتمليكهم المنفعة او اباحتهم الانتفاع فقط والغاء جهة المالية بالكلية لا خصوصية الموقوف عليهم وعموميتهم ومن هنا ظهر وجه التصرف في مياه الحياض الواقعة في المدارس وغيرها لغير الموقوف عليهم من الأناسي فأنه يتبع قصد الواقف ان علم به من الخارج او حصل الظن المعتبر فيعمل على طبقه والا الأصل هو عدم جواز التصرف من غير احراز الأذن من مالكها او متوليها او ممن له الأذن (وظهر) مما ذكرنا ان التصرف في مال الغير من دون رضاء مالكه حرام والصلاة فيه باطلة الا في الأراضي المتسعة والأنهار العظيمة والموقوفات التي حررت وسبلت لعموم الأناسي او نوع وصنف منهم بل وكذا في بعض الموقوفات الخاصة كالمقابر الموقوفة لأشخاص معينة لكي يدفنوا فيها فأن حرية التصرف فيها بما لا ينافي جهة الوقفية مما لا ريب فيه وليس وجهه الا تسبيل المالك الأنتفاعات الغير المزاحمة لجهة الوقفية وتحريره لها بالنسبة الى عموم افراد البشر ثم الرضاء المعتبر الذي يتوقف عليه التصرّف هو الرضا الفعلي المستكشف عنه بالأذن الصريح او بشاهد الحال او شاهد الفحوى وقد اشرنا الى كل منها في تضاعيف كلامنا واعتبار هذا الرضاء وكفايته في دفع القبح وقطعه العذر في التصرف في أموال الغير مما لا اشكال فيه وانما الكلام في الرضا التقديري والفرضي بحيث لو علمه لرضي به وربما يقال بكفايته تعويلاً على اخبار لا تدل على المطلوب بل ولا صدرت لبيان الأحكام الآلهية ابداً بل انما صدرت لبيان مراتب الكمال والفضيلة من الأخوة الواقعة بين المسلمين وان المسلم الذي يدعي الأخوة لا بد بأن يرضى لإدخال اخيه يده الى جيبه وكيسه وعدم دفعه لها ولو سلم فهذه الأخبار ادّل على الرضا الفعلي من التقديري فتأمل واستدل ايضاً بالسيرة القطعية بحيث يكتفي جميع افراد البشر بالرضا التقديري في تصرفاتهم وعليه نظام معيشتهم. اقول: الرضا التقديري يتصور على وجوه: احدها: هو ما لم يجامع المنع ولا الرضا الفعليين وهذا هو القدر المتيقن منه في المقام. ثانيها: هو ما يجامع المنع الفعلي فهذا يتصور على نحوين لأنه تارة يمنعه لذاته جهلاً بصفاته مثل ان تقول لا تدخل الى داري بحيث جعل المتعلق هو الذات جهلاً بأنه محبه او فيه اوصاف حسنة بحيث لو علم بها لما منعه واخرى يمنعه لذاته جهلاً بذاته كمن تخيل انَّ زيداً يحبه وعمرواً يبغضه فمنعه. ثالثها: يجامع المنع الفعلي مع دخوله تحت عنوان من له الرضا الفعلي فالأحكام تختلف حسب اختلافه فيمكن القول في الأول بالمنع وعدم كفاية الرضا المقارن له كما يمكن القول بالجواز في الآخرين فان حصل الشك فيرجع الى الأصول العملية لا الى الأدلة الدالة على عدم جواز التصرف في مال الغير الا بعد احراز اذن صاحبه لكونه تمسكاً بها في الشبهة المصداقية والجاري من الأصول هو استصحاب عدم الرضاء وحرمة التصرف فهو يجري بكلا قسميه حكماً وموضوعاً وظهر من جميع ما ذكرنا ان الصلاة في مال الغير من غير رضاه باطلة لا تسقط الأمر اصلاً بل في جميع العبادات بحيث لو تحقق عنوان التصرف في مال الغير لبطلت وهذا المعنى لا يتفاوت بين العبادات ابداً وكذا بين انحاء الصلاة يومية او ليلية فرضية او نقلية بجميع اقسامها وانواعها ولم يخالف فيه احد ولم نستثني منه الاّ موردين: احدهما: ما استثناه بعض العامة وهو صلاة العيدين والجمعة والجنازة معللاً بأنه لو بطلت صلاة المأمومين للزم سقوط الواجب من اصله وزعم بعضهم ان المسألة داخلة تحت تعارض الأهم والمهم ويمكن تصحيحه بتخصيصه على ما لو جهل الامام الغصبية او صلى في مكان مباح والمأمومين صلوا في المكان الغصبي ائتماماً له وكيف كان لا يتم هذا القول بالنسبة الى صلاة الجنازة لسقوط الوجوب بصلاة الامام فقط فلا يحتاج معه الى المأمومين وكيف كان(1). ثانيهما: هو صلاة النوافل ذكره كاشف اللثام(2) نقلاً عن المحقق(3) نظراً الى ان الحركات الكونية غير مضرة فيها لعدم كونها من شروطها ولا من مقوماتها بخلاف الفرائض فان الحركات الخاصة المتحدة مع الغصب خارجاً شرط فيها كالوقوف والطمأنينة والركوع والسجود الى غير ذلك من اجزاء الصلاة فالمعتبر في النوافل هو القراءة من حيث هي والتصرف في الهواء مقدمة لها ومن هنا يمكن القول بالصحة فيما لو صلى صلاة الاختيار لان الركوع والسجود والقيام لم تكن معتبرة ولا مأموراً بها ولا اخذت شرطاً فيها حتى يقال بأنها تفسد بفساد شرطها هذا غاية ما يوجه به هذا الكلام ولكن بعد الاحاطة بما قدمناه لا يبقى مجال لهذا الكلام اصلاً لان المناط والملاك على ما قدمناه تفصيلاً في حرمة الغصب هو صدق عنوان التصرف العرفي ومتى تحقق هذا العنوان في نظرهم يكون موجباً لبطلان الصلاة مطلقاً ومعه لا مجال للتلفيقات اصلاً. (فرع) من دخل ملك الغير باذن صاحبه ثم منعه وهو يريد الصلاة او بعد ان دخل فيها والمسألة ذات صور اربعة لان المنع من المالك اما يصدر قبل الشروع في الصلاة او بعده وعلى كلا التقديرين الوقت اما موسع او مضيق والصورة الواحدة منها وهو ما لو صدر المنع منه قبل الشروع فيها مع سعة الوقت متفق على انه يجب عليه الخروج ويصلي في المكان المباح بل وكذا فيما لو شرع بها والوقت واسع فانه يجب القطع والخروج غاية ما يقال عليه هو حرمة القطع مع الشروع فيها على وجه صحيح ولكنه غير مفيد لان الادلة الدالة على حرمة القطع غير شاملة لامثال هذه المقامات لكونها ضعيفة وقاصرة ولذا يجوز قطعها بعروض ادنى مرجح كقتل حية وفوت امر من الامور اللازمة ولو عادة واما (الصورة الثالثة) وهو ما لو صدر المنع منه والوقت مضيق وهو غير متلبس بها فالمشهور بل الاجماع فيها هو وجوب الخروج والاتيان بها خارجاً جمعاً بين حق الله تعالى وحق العباد فيصلي خروجاً مقتصراً على واجباتها وقد اورد عليها صاحب الجواهر(() فما مفاده وهو ان حق الله تعالى بتقدمه واسبقيته مقدم على حق الناس فالصلاة فيه مع الضيق صحيحة ولو منعه فيه ولم يرض بوقوفه لان الامر بالصلاة سابق على منعه فلا يؤثر شيئاً هذا ملخص مرامه والاولى نقل عبارته بلفظها قال فيه بعد تأييد القول المشهور وهو لزوم الاتيان بها وهو خارج لكن عن ابن سعيد(1) انه نسب صحة هذه الصلاة الى القول مشعراً بنوع توقف فيها ومثله العلاّمة الطباطبائي(1) في منظومته ولعله لعدم ما يدل على صحتها بل قد يدعي وجود الدليل على العدم باعتبار معلومية اعتبار الاستقرار والركوع والسجود ونحو ذلك ولم يعلم سقوطه هنا والامر للخروج بعد الاذن في الكون وضيق الوقت وتحقق الخطاب بالصلاة غير مجد فهو كما لو اذن له في الصلاة وقد شرع فيها وكان الوقت ضيقاً مما ستعرف عدم الاشكال في اتمام صلاته فالمتجه حينئذ عدم الالتفات الى امره بعد فرض كونه عند ضيق الوقت الذي هو محل الامر بصلاة المختار المرجح على امر المالك بسبق التعلق فلا جهة للجمع بينهما بما سمعت بل يصلي صلاة المختار مقتصراً فيها على الواجب مبادراً في ادائها على حسب التمكن لكن لم اجد قائلاً بذلك بل ولا احد احتمله ممن تعرض للمسألة انتهى ما هو المهم من كلامه رفع مقامه وانت خبير بفساد هذه المقالة من وجوه: اولاً: انها مخالفة للقاعدة المسلمة عند الكل وهو انه لو وقع التزاحم والتعارض بين ماله بدل وبين ما ليس له بدل لا بد من ترجيح ما ليس له البدل وتقديمه على ماله البدل لكونه اخذاً بهما في الواقع وجمعاً بينهما وهو مهماً امكن اولى من الطرح. وثانياً: يمنع التعارض والتزاحم لان ادلة السلطنة حاكمة وواردة على الادلة الدالة على اعتبار صلاة المختار ورافعة لموضوعها بداهة ان ادلة السلطنة تجعله معذوراً غير مختار وليت شعري كيف يمكن تقدم حقه تعالى على حق العباد وهل هو الا الالتزام لتقيد ادلة السلطنة وهو مخالف للقاعدة المعروفة ضرورة عدم قابلية تقيد السلطنة الثابتة للعباد ابداً بخلاف الادلة الدالة على اعتبار الاجزاء والشرائط. وثالثاً: ان قياسه بما اذن له وقد شرع فيها ونفى الاشكال فيه مما لا وجه له اصلاً لما يأتي من ان الاقوى فيه ايضاً هو الاتيان بها خارجاً. ورابعاً: لا يحصل الفرق حينئذ بين ضيق الوقت وسعته فافهم (الصورة الرابعة) ما لو تضيق الوقت وهو قد شرع فيها والمشهور هنا ايضاً هو الخروج مصلياً صلاة المضطر مبادراً في ادائها على حسب التمكن وربما يقال هنا: بالاتمام والمضي فيها استناداً الى امور: احدها: هو تعارض ادلة السلطنة وادلة الاجزاء والشرائط وبعد التساقط يرجع الى اصالة الصحة. وثانيها: هو التمسك بالاستصحاب بعد تعارضهما وتساقطهما. ثالثها: هو قياسه على الميت المدفون في ارض الغير باذنه فان نفوذ امره باخراجه مستلزم لهتك حرمة الميت وهو مخالف للكل ولم يقل به احد. رابعها: هو التمسك بقوله ((): (ان الصلاة على ما افتتحت). خامسها: انه امر بالمنكر فلا ينفذ في حقه وغير ذلك من الوجوه المذكورة و(انت خبير) بفساد كلها وعدم نهوضها حجة له اما (الاول) فلما عرفت بما لا مزيد عليه من انه لا تعارض بين ادلة السلطنة وبين ادلة الاجزاء والشرائط ابداً وان ادلة السلطنة رافعة لموضوعها على انه فاسد في اصله كما حققناه تفصيلاً ومن هنا ظهر فساد القول بالرجوع الى اصالة الصحة كما في الامر الاول او الى الاستصحاب كما في الامر (الثاني) واما (الثالث) وهو قياسه بالميت فهو غريب لان الميت بعد دفنه في الارض بوجه شرعي يكون ذا حق بحيث يكون اعمال السلطنة اضراراً لحقه وهتكاً لحرمته فان حرمة الاموات ازيد من حرمة الاحياء وبالجملة هو قياس مع الفارق واما (الرابع) فهو كما ترى غير ناظر الى موارد قطع الصلاة وعدمه ابداً بل هو مسوق لبيان جواز العدول وعدمه واما (الخامس) فهو اول الكلام لان منكريته غير محرزة ومن هنا ظهر فساد القول به من جهة حرمة القطع لانه مصادرة محضة والحق هو ما ذهب اليه المشهور من الاتيان بها خارجاً وان شرع بها. ثم اعلم انه قد ظهر مما ذكرنا ان اباحة المكان من الشروط العقلية التي لم يقم دليل لفظي على اعتبارها ابداً كالطهارة والحدث والاستدبار وغيرها من الشروط الشرعية المعتبرة بجعل الشارع واعتباره فشرطيتها حينئذ منتزعة من التكليف المنجز النفسي المستقل وهو حرمة الغصب فلو لم يتنجز ذلك التكليف لجهل او لسهو او لاضطرار او لاجبار مثلاً لم تتحقق تلك الشرطية اصلاً ومن هنا ظهر الحال في صلاة المحبوس في المكان المغصوب فان صلاته صحيحة فيه كصلاته في المكان المباح وذلك لعدم تنجس التكليف المنتزع عنه شرطية الاباحة لاضطراره ولاجباره فيه والنهي عنها تكليف لما لا يطاق وبالجملة فالادلة العقلية والنقلية قاضية بصحة صلاته وكذا سائر تصرفاته العادية التي قضت الحاجة والضرورة اليها بحسب عادة البشر لان اجباره في الكون غير مقيد بشيء آخر وهو مجبور في ذات الكون لا في الكون المخصوص فحينئذ لا يفرق الحال بين قيامه وقعوده وسائر حركاته العادية نعم لا بد ان لا يتصرف ازيد من التصرفات العادية ومن هنا ظهر فساد ما ذهب اليه بعض الاعلام من انه لا يجوز له ان يتصرف ازيد من الكيفية التي كان عليها من اول الدخول الى المكان المحبوس فيه ان قائماً فقائم وان جالساً فجالس بل ترقى وقال لا يجوز له الانتقال الى حالة اخرى في غير الصلاة ايضاً ولقد اجاد صاحب الجواهر (() حيث قال فيه بعد نقل هذا القول ولم يتفطن ان البقاء على الكون الاول تصرف ايضاً لا دليل على ترجيحه على ذلك التصرف كما انه لم يتفطن انه عامل هذا المظلوم المحبوس قهراً باشد ما عامله الظالم بل حبسه حبساً ما حبسه احد لأحد اللهم الاّ ان يكون في يوم القيامة مثله خصوصاً وقد صرّح بعض هؤلاء انه ليس له حركة اجفان عيونه زائداً على ما يحتاج اليه ولا حركة يده او بعض اعضائه كذلك بل ينبغي ان تخص الحاجة في التي تتوقف عليها حياته ونحوهما مما ترجح على حرمة التصرف في مال الغير وكلّ ذلك ناش عن عدم التأمل في اول الأمر والأنفة عن الرجوع بعد ذلك اعاذ الله الفقه من امثال هذه الخرافات اقول: ثم استغرب دعوتهم ان الفقهاء على ذلك واستشهد بأقوال العلماء وشدد النكير والغرابة على هؤلاء فراجع. ثم اعلم ان الشرط المستقل النفسي في المكان هو اباحته فقط اما الشروط التي ذكرها السيد (()(1)في العروة من اشتراط كونه في المكان القار وان لا يكون في معرض التلف وان لا يكون معرضاً لعدم امكان الإتمام والتزلزل في البقاء إلى آخر الصلاة وغير ذلك من الأمور التي جعلها من شروط المكان فليس على ما ينبغي بداهة عدم كون شيء منها من شروط المكان فإطلاق الشرط على بعضها لا يخلو من تأمّل بل هي واجبات او محرمات نفسية مقارنة للصلاة لا يوجب فقدها فساداً للصلاة وبعضها يرجع إلى شرط آخر كشرط كونه قاراً بل بعضها راجع إلى شروط اصل الصلاة وبعضها الآخر غير راجع إلى الشرطية ابداً فالبطلان في المكان الغير القار انما هو لأجل الإخلال بالطمأنينة التي شرط فيها وفي معرض التلف لكونه القاء النفس على التهلكة ولا دخل له بالصلاة اصلاً بل هو حرام في جميع الأحوال والحاصل كلّ من كان له ادنى تأمل يعلم بان الأمور المذكورة ليست من شروط المكان بشيء بل بعضها مستلزم للإخلال ببعض الشروط اصل الصلاة فتبطل به وبعضها غير راجع إلى الشرطية اصلاً فلا وجه لبطلانها به مثل اشتراط عدم كونه في معرض عدم امكان الأتمام فأنه لا وجه لبطلانها به فيما اذا صدر عنه النية ومع عدمه يرجع إلى الأخلال بها فمعه تكون الصلاة باطلة للإخلال بها لا له نعم قد وقع الخلاف في الشرط السابع من الشروط المذكورة في العروة وهو اشتراط عدم كونه مقدماً على قبر معصوم بل ولا مساوياً على قول كما في العروة ولو قلنا بشرطية هذا الشرط مستقلاً فأنما هو للنص الوارد في المقام بخلاف سائر الشروط المذكورة فيها فحينئذ ينبغي ان ينظر في الأخبار الواردة في المقام لكي يتضح الحال من ان قبور الأئمة (()من حيث هي علة الحكم ومناط له او لكون الصلاة امامهم موجبة لهتك حرمتهم سلام الله عليهم. فنقول: قبل ذكر الأخبار انّ المشهور بين القدماء هو الكراهة ولم ينقل الحرمة من احد إلى زمن والد(1) الشيخ البهائي (() وهو ومن تأخر عنه ذهبوا إلى الحرمة حتى صارت في هذا العصر مشهورة وكيف كان لا بد من الرجوع إلى الأدالة والنظر في مداليلها لكي يعلم الغرض منها وأنها مفيدة للحرمة أو الكراهة وعلى الأول هل تكون الحرمة تكليفية أو يعمه والوضعية فينبغي البحث في المقامين المقام الأول في الحرمة وعدمها تكليفاً: فأعلم ان الأخبار الواردة في المقام على طوائف منها ما يدل على حرمة الصلاة بين المقابر مطلقاً ومنها ما ينفي البأس عنها كذلك فيها فتجمع بينهما بحمل الأول على الكراهة وهذا مما لا أشكال فيه وطائفة تدل على حرمة جعل قبور الأئمة (()بخصوصها مسجداً وقبلة وفي مقابلها اخبار كثيرة متواترة تدل على افضلية الصلاة عند قبورهم (() وانّ ركعة من الصلاة عندهم يقابل كذا وكذا كما في زيارة مولى الموالي امير المؤمنين (() وسيد الشهداء وأئمة البقيع والكاظمية والعسكريين والمشهد الرضوي (سلام الله عليهم اجمعين) وربما يقال بالتنافي بين الأخبار الدالة على عدم جواز جعل قبوره وقبر النبي (() مسجداً وقبلة وبين الأخبار المجوزة ولكنه واضح الفساد لأن المراد من جعل قبورهم قبلة ومسجداً هو اتخاذها قبلة وكعبة للعبادة كالكعبة زادها الله شرفاً كما هو ظاهر وطائفة منها تدل على حرمة جعل قبورهم في الخلف بل وفي اليمين واليسار في حال الصلاة منها مكاتبة الحميري التي ذكرها في الاحتجاج و(يب) ووقع الخلاف بين النسختين ولذا توهم بعضهم بأنها روايتان والحق انها رواية واحدة لاستبعاد سؤال الحميري عن حكم الشيء الواحد بسؤالين مع ما هو عليه من العلم والفضل والمعرفة وكان من وكلاء الحجة عجل الله فرجه في الغيبة الصغرى والمروي في (يب) قال كتبت إلى الفقيه (() اسأله عن الرجل يزور قبور الأئمة (() هل يجوز ان يصلي على القبر ام لا؟ وهل يجوز لمن صلى عند قبورهم ان يقوم وراء القبر ويجعل القبر قبلة ويقوم عند رجليه؟ وهل يجوز ان يتقدم القبر ويصلي ويجعله خلفه؟، فأجاب وقرأت التوقيع ومنه نسخت اما السجود على القبر فلا يجوز في نافلة ولا فريضة ولا زيارة بل يضع خده الايمن على القبر واما الصلاة فانها خلفه ويجعله الأمام ولا يجوز ان يصلي بين يديه لأن الأمام لا يتقدم ويصلي عن يمينه وشماله ورواها الطبرسي(1) في الأحتجاج بهذا المتن الا انه قال في آخرها ولا يجوز ان يصلي بين يديه ولا عن يمينه ولا شماله لأن الأمام لا يتقدم ولا يساوى والظاهر بل المقطوع به بعد ادنى تأمل وحدة الرواية اذ من المستبعد ان يكون الحميري قد سأل الأمام (() مرتين واجابه (() بجوابين مختلفين والقائلون بالكراهة لم يعتبروا هذه الرواية نظراً إلى ضعف سنده ومعارضة نسخة الشيخ (()مع نسخة الطبرسي (() ويؤيد التعبير فيها بالفقيه والمراد به في عرف الرواة خصوص ابي الحسن موسى (() والحميري ليس من أصحابه ولكن لا يكاد يتم شيء منها أما الأول وهو ضعف السند لكونها مرسلة فلان ظاهر الشيخ في الفهرست كون الواسطة بينه وبين الراوي جماعة ثقاة وأما الثاني فلما قد ثبت في محله أن الرواية المشتملة على أحكام متعددة لو تعارضت في خصوص بعضها لما سقطت عن الاعتبار بالكلية وفي الجهات الاخرى والأحكام الباقية وأما الثالث وهو التعبير بالفقيه فانه قد يعبر به عن غيره (() من الأئمة للتقية وطلب الستر الذي هو في الحجة عجل الله فرجه أشد وأقوى ويؤيد ان المراد به هو الحجة (() التصريح به في الاحتجاج ومن هنا ظهر ان الأقوى هو ترجيح رواية التهذيب لو سلمنا التعارض فلا ينافيه ارساله لها والتعبير عن الحجة (() بالفقيه كما عرفت وكيف كان فلا ريب في اعتبار هذه المكاتبة وصحة الاعتماد عليها ولا سيما مع اعتضادها بجملة من الأخبار كخبر هشام بن سالم عن ابي عبد الله (()في حديث طويل (قال اتاه رجل فقال: يا بن رسول الله هل يزار والدك؟، قال: نعم ويصلى عنده ولا يتقدم عليه). ومفادها على الظاهر عدم جواز الصلاة مع التقدم على القبر ولكن الشأن في تنقيح مفادها ومواردها فأن قوله (() يجعله الأمام إلى قوله لأن الأمام لا يتقدم عليه محتمل لوجهين: الأول: ان يكون المراد يجعله الأمام أي يجعل القبر بمنزلة من فيه فكما انّ نفس الأمام لا يتقدم عليه فكذلك قبره الشريف. الثاني: ان يكون المراد يجعله بمنزلة امام الجماعة فكما لا تجوز الصلاة جماعة مع التقدم على الأمام فكذلك لا تجوز الصلاة هنا مقدماً على القبر فيكون الغرض مجرد تشيبه القبر بامام الجماعة في عدم التقدم عليه، والأول انسب بالمقام والمورد وهو قبر الأمام المعصوم ولكن يبعده ان المناسب حينئذ عدم جواز التقدم عليه في سائر الأحوال في صلاة أو غيرها وليس الحال في القبر بل ولا في نفس الأمام (() كذلك اللهم الا مع الاستخفاف فأنه حرام مطلقاً لكنه خارج عن محل الكلام ويبعد الثاني انه يكون التعليل حينئذ بمنزلة التأكيد بل التكرير لقوله (() يصلى خلفه بل لا يظهر للتعليل وجه مناسبة حينئذ بعد تعذر ان يراد انه يجعله كإمام الجماعة في الأئتمام والتابعية والأظهر عندي ارادة الوجه الأول لأنه انسب بالمقام واقرب إلى عموم الشبه ويكون الغرض من التشبيه اشارة في تأكيد الحكم إلى مناسبة لطيفة وهي انه كما ان الأمام (() لو كان حاضراً حياً لا تعذر ان تصلي وتدعه خلفك فكذلك قبره فالملحوظ في الحكم ومحط النظر في التشبيه والتنزيل هو خصوص حال الصلاة واما سائر الأحوال فغير ملحوظة كانت كذلك أو لا تكون واما حمله على امام الجماعة فبعيد جداً ولا يظهر من العبارة اصلاً. ثم ان الكلام يقع في ان النهي هل هو الكراهة أو التحريم والتحريم هل هو تكليفي أو وضعي ظاهر المشهور حمله على الكراهة بل في الحدائق اني لم اقف على من قال بالتحريم عملاً بظاهر الصحيحة المذكورة يعني مكاتبة الحميري سوى شيخنا البهائي(1) طاب ثراه ثم اقتفاه جمع ممن تأخر عنه منهم شيخنا المجلسي(()(1)وهو الأقرب عندي اذ لا معارض للمخبر المذكور بل في الأخبار ما يؤيده مثل حديث هشام بن سالم المتقدم (انتهى). اقول: قد عرفت ان المشهور بين القدماء هو الكراهة نظراً إلى ضعف المكاتبة وعدم نهوضها حجة للحرمة فيحمل على الكراهة لأجل التسامح في ادلتها ولكنه قد ظهر لك حقيقة الحال وانها صحيحة معتبرة لا يجوز ان يرفع اليد عنها للأمور المذكورة فاذاً فالأقوى هو الحرمة من حيث التكليف واما حرمته الوضعية فربما يقال بها نظراً إلى ان النهي في الخبر وقع عن الصلاة والنهي في العبادة يقتضي الفساد فيكون التحريم وضعياً بل يمكن دعوى صراحة قوله: لا يجوز ان يصلي بين يديه..الخ فيه ويؤيده ان الأصل في النواهي الواردة في العبادات انها ظاهرة في الغيرية والشرطية لا في النفسية ولكن الأستاذ مد ظله مع قوله به كان مصراً على ظهور الأخبار في النفسية وانها وقعت عنها بحسب الظاهر ولكن المراد به وهو حرمة التقدم فيها لكونه هتكاً لشأنه كيف يجعل وجه الله خلفه ويصلي امامه واختصاصها بها لكونها مقام القرب والإطاعة فتأمل. (الشرط العاشر) من شروط المكان على ما ذكره في العروة ان لا يصلي الرجل والمرأة في مكان واحد بحيث تكون المرأة مقدمة على الرجل أو مساوية له الا مع الحائل إلى آخر ما ذكره فيها اقول: واعلم انَّ الأخبار في هذه المسألة كثيرة واختلافها هو منشأ اختلاف الأصحاب فبين قائل بالحرمة وهو المشهور بين المتقدمين الا مع الحائل أو فضل عشرة اذرع وبين قائل بالكراهة وهو الأشهر عند المتأخرين وعن الجعفي(2) المنع الا مع الفصل بقدر عظم الذراع وكيف كان فلابد من سرد الأخبار اولاً فنقول: هي على طوائف اربع مطلقة في الجواز ومطلقة في المنع ومفصلة بين وجود الفاصل فيجوز بين عدمه فلا الفاصل في بعضها عشرة فأكثر وفي بعضها شبر وما يقاربه والأولى بين صريحة في الكراهة أو ظاهرة فيها وبين مطلقة في عدم البأس والأقوى هو الكراهة وفاقاً للمتأخرين لان اخبار الجواز صريحة فيه ونص في عدم البأس بحيث لا تقبل التخصيص ولا تتحمل التصرف فيها بنحو من انحائه بخلاف اخبار الحرمة فانها بين ظاهرة فيها وبين ظاهرة في الكراهة فيرفع اليد عن ظهورها لنصوصية تلك الاخبار المجوزة فالمراد بالنهي فيها هو النهي ألتنزيهي ويؤيده اختلاف الأخبار في تعيين مقدار الفاصل فان اختلاف الأخبار في المقادير يكشف عن كراهيتها ومراتبها تختلف شدة وضعفاً كما في تعيين الوقت ومنزوحات البئر ويؤيده وجاهة حمل نصوص المنع على الكراهة التي هي من مراتبه بخلاف ما اذا قلنا بالحرمة فانه يقتضي طرح الأخبار الدالة على الجواز صريحاً. ثم اعلم ان المتبادر من الاوامر والنواهي الواردة في العبادات هو الشرطية والغيرية وكونها مسوقة لبيان التكليف الغيري فالنهي عن الصلاة بحذاء امرأة تصلي ظاهر في المانعية والشرطية مطلقاً ولو في حال الغفلة وعدم الالتفات اللهم الا ان يقال بالمعذورية فيه لحديث الرفع وحديث لا تعاد كما هو كذلك. وينبغي التنبيه على امور(منها) ان هذا الحكم غير مختص بالرجال بل يعمه والامرأة كما هو ظاهر كلمات الاصحاب وجملة من الأخبار كما هو ظاهر صحيحة محمد بن مسلم ورواية ابي بصير وان كانت هذه الأخبار بحسب الظاهر مسوقة لبيان حكم كل منهما و(منها) لو اقترن الصلاتان بطلتا جميعها ولو تعاقبا اختص المنع باللاحقة دون السابقة وذلك ان المدار على تحقق عنوان القضية المذكورة في الخبر وهي قوله لا يصلي الرجل وبحياله امرأة تصلي ومتى تحققت هذه القضية وحيثما وجدت ولصارت موجبة للمنع (فان قلت) كيف يصدق هذا العنوان على صلاته مع أنها منهية والنهي في العبادة يقتضي الفساد وهو بعد تعلق النهي غير قادر على إتيانها (قلت) والمدار على الصلاة الغير ملحوظة في ضمن النهي وهو قادر عليها لولا هذا النهي فيكون مفاده لا يصلي الرجل صلاة صحيحة لولا هذا النهي ومن هنا ظهر وجه بطلان صلاتهما فيما لو اقترنا لأنه يصدق على كل منهما صلى على حيال الآخر صلاة صحيحة لولا النهي (فأن قلت) يلزم على هذا بطلان صلاة السابق منهما ايضاً بداهة صدق هذا العنوان في حقه فأنه صلى بحيال الآخر ولو استمراراً وهو صلى بحيال من يصلي صلاة صحيحة لولا النهي (قلت) والظاهر من هذه القضايا هو حرمة الشروع فيها والايجاد في الخارج ابتداءاً لا مطلقاً فعلى هذا يكون مفاد القضية لا يصلي الرجل أي لا يشرع فيها و بحياله امرأة مصلية وهذا العنوان يصدق على كل منهما فيما لو افترضنا ولذا تكون صلاتهما باطلة بخلاف فيما لو تعاقبا فأنه لا يصدق على السابق اصلاً بخلاف اللاحق منهما فأنه يصدق عليه كما لا يخفى ومن هنا ظهر وجه الصحة فيما لو حصلت اللاحقة لا عن عمد فأن صلاتها صحيحة للغفلة وكذا صلاة السابقة على ما حققنا لانه ما شرع فيها وبحياله امرأة مصلية بل كان مصلياً وشرع فيها من غير عذر اصلاً ولو عممنا الابتداء أو الاستمرار لكان مشكلاً كما لا يخفى ومنه ظهر عدم الحاجة إلى الجواب عنه بمنع شمول الادلة على هذا المورد، و(منها) حكم الخنثى فيجب عليها الاجتناب دون غيرها كما في اللباس والقول بان الادلة غير شاملة عليها مجازفة لأنها مسوقة لبيان احكام الموضوعات الواقعية والمفروض انها اما داخلة في الذكور أو الاناث بحسب الواقع ونفس الامر كما لا يخفى ثم اذا قلنا بالكراهة كما هو المختار فالامر بالنسبة إلى الفواصل سهل واما اذا قلنا بالحرمة كما عليه المشهور فتزول اذا كان بينهما حائل بلا خلاف للاخبار المستفيضة الدالة على المضي فيها فيما اذا كان بينهما حائل نعم وقع الخلاف في الجملة في اعتبار الحائل على نحو يكون مانعا عن المشاهدة وعدمه والاقوى هو عدمه لصحيحة علي بن جعفر (() المروية عن كتاب مسائله عن اخيه موسى (() قال: سألته عن الرجل هل يصلح ان يصلي في مسجد حيطانه كوى(1) كله قبلته وجانباه وامرأة تصلي بحياله يراها ولا تراه؟ قال ((): لا بأس، وخبره الآخر المروي عن قرب الاسناد عن اخيه موسى (() المتضمن لنفي البأس فيما اذا كان بينهما حائط قصير أو طويل فان هذين الخبرين صريحان في عدم اعتبار الحائل المانع عن المشاهدة وبهما تقيد الأخبار المطلقة ويؤيده الأخبار الدالة على نفي البأس فيما اذا كان بينهما شبر أو ذراع بناءاً على ان المراد به ما كان ارتفاعه عن الارض بهذا المقدار والحاصل لاريب في عدم اعتبار الفاصل المانع كما لا ريب في ان المتبادر من الحائل هو الحائل الجسماني فلو حصل الفصل بينهما لظلمة أو لعدم الابصار لا يكفي فضلاً عن تغميض عينه على ان القياس كما ترى من العلة المستنبطة كما ذكره في الجواهر وكذا تزول الحرمة فيما اذا كان بينهما مقدار عشرة اذرع كما يدل عليه جملة من الأخبار مضافاً إلى كونه مما لا خلاف فيه، نعم يقع الكلام في ان المدار في ارتفاع الحرمة هو هذا المقدار أو يكفي ولو كان مقدار عظم ذراع أو شبر كما يدل عليهما جملة منها والضابط هو ملاحظة الأخبار ان امكن الجمع بينهما بحيث لم يكن الأخبار الدالة على الازيد منافياً للاخبار الدالة على الاقل لا منطوقاً ولا مفهوماً فيأخذ بكل منهما كما في الواجبات التخييرية والا فيرفع اليد عن الظهور بنصوصية الاخرى وان تساويا فالمدار اما على الطرح والرجوع إلى الاصل الاولي أو القول بالتخيير بملاحظة الأخبار العلاجية المانعة عن الرجوع اليه بعد التساوي هذا كله فيما اذا لم يكن المرجح لاحدها فيؤخذ به ولعل الاخذ بمقدار الزائد هنا هو الموافق للاحتياط ولذا اخذ الفقهاء به والله العالم. ثم هذا كله فيما اذا تحاذى كل منهما بحسب المكان ولا يتقدم احدهما على الآخر في موقفهما أو موضع سجودهما فيعتبر المحاذاة بين الموقفين في حال القيام وبين مسجده وموقفها عند السجود ولو كان بينهما بمقدار العشرة في حال القيام فتباعدا في حال السجود بحيث حصل الفصل بينهما من هذه الحالة ايضاً بهذا المقدار اجزأهما فلو كان احدهما على بناء أو نحوه مرتفع عن طول قامة الاخرى فهو خارج عن منصرف الادلة فيرجع فيه إلى الاصل المقرر عند الشك في المانعية والشرطية نعم يمكن القول بالصدق يميناً ويساراً يعني صدق الصلاة عن يمينه ويساره ولو لم يتحاذى بحسب المكان وبالجملة وان كان يصدق مفردات القضية من اليمين واليسار والحذاء بداهة انتزاع تلك المفاهيم عند تقابل الجسمين باي نحو كان ولكن العمدة والمدار هو على صدق القضية بعد التركيب بحيث يصدق مفاد قوله (() لا يصلي الرجل بحيال امرأة تصلي في نظر العرف فلو وقعا في مكان لا يمكن التباعد ولا التقدم يصلي الرجل اولاً ثم تصلي المرأة كما تدل عليه صحيحة محمد بن مسلم ورواية ابي بصير والظاهر انه على سبيل الاولوية والفضل من باب تقدم من له الفضل على غيره اذ من المستبعد كون تأخيرها لها واجباً شرطياً أو شرعياً تعبدياً كما يشهد لذلك صحيحة ابن ابي يعفور الا ان يتقدم هي أو انت ومن هنا ظهر انه لو ضاق الوقت لا يسقط الصلاة عنهما بل يصليان معاً ولا وجه للقول بالعزيمة اصلاً ثم هل يعم الحكم على الصبيان أو البنات ام لا؟ فربما يقال نعم لورود لفظ البنت في بعض الأخبار ولكنه ضعيف لعدم احراز كونها مصلية فالمدار فيه على الصدق وعدمه (الشرط الثاني) من شروط المكان هو اعتبار طهارته والكلام فيه يقع في مقامين: المقام الاول: هل يشترط الطهارة فيما عدا موضع الجبهة مما يصلي عليه ام لا؟ وقد حكي عن ابي الصلاح(1) انه اعتبر طهارة موضع المساجد السبعة وعن السيد المرتضى(()(2) انه اعتبر طهارة مكان المصلي ويستدل على قول ابي الصلاح بالنبوي (() جنبوا مساجدكم النجاسة وهذا كما ترى ظاهر في الاماكن المعدة للصلاة المسماة بالمسجد وعلى فرض العموم لا يعلم منه العموم غايته هو موضع الجباه كما لا يخفى وكذا مفهوم صحيحة ابن محبوب عن الرضا (() انه كتب اليه (() يسأله عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى يجصص به المسجد أيسجد عليه؟ فكتب اليه ان الماء والنار قد طهراه وهذا كما ترى لو سلم المفهوم لا تدل ازيد من الطهارة في الجملة واما القول المحكى عن السيد (() فأستدل له بالنهي بالصلاة في المجزرة وهي مواطن النجاسة فهو ايضاً كسابقه مضافاً إلى احتمال النهي ألتنزيهي في هذه الموارد غالباً واستدل ايضاً بموثقة ابن بكير عن ابي عبد الله (()في الشاذ كونه(1) يصيبها الاحتلام أيصلي عليه؟ قال: لا، وموثقة عمار الدالة على عدم جواز الصلاة في موضع القدر ما دام لم تكن الشمس جففته وان يبس بغير الشمس ايضاً لا يجوز الصلاة فيه ولكن هذين الموثقتين متعارضتان بالصحاح المستفيضة المعمول بها عند الأصحاب والترجيح يكون بها لكونها اكثر عدداً واوضح دلالة واقوى سنداً فلا بد من الأخذ لها والتصرف في ظهور الموثقتين بحملهما على الكراهة لأن استعمال النهي فيها في غاية الكثرة وهذا مما لا شك فيه وانما الكلام في المكان النجس بالنجاسة المسرية فالمشهور بل الإجماع على بطلان الصلاة فيه لطائفتين من الأخبار الطائفة الأولى هي الأخبار الدالة على اعتبار الطهارة في الثوب والبدن فيها فمع السراية يفقد ذاك الشرط كما لا يخفى والطائفة الثانية هي مفاهيم المطلقات الدالة بمنطوقها على جواز الصلاة في النجس اليابس ولدعوى الإجماع والأتفاق وهذا لا كلام فيه على الظاهر وانما الكلام في أنَّ هذا الشرط من شروط المكان من حيث هو هو أو اعتبار لكونه مستلزماً لفقدان الشرط الآخر وهو الطهارة والظاهر من كلامهم هو الثاني والأخبار منصرفة إلى هذا لأجل الأنس والارتكاز من الخارج فانس الذهن بان الطهارة شرط فيها وارتكازه فيه مانع عن اطلاق الادلة وصالح لان يكون بياناً ويشهد على ذلك تعبيرهم بالنجاسة المسرية فحينئذ لو صلى في المجلس المسري لكن بمقدار يعفى عنه فيها أو في دم القروح والجروح أو صلى فيه ولكن ما سرت إلى لباسه وبدنه فالصلاة فيه صحصحة بخلاف ما اذا قلنا انه شرط في المكان مستقلاً فانها تكون باطلة مطلقاً سواء سرت ام لا وسواء كان النجس مما يعفى عنه ام لا واليه ذهب فخر المحققين(2) ويؤيده بان قضية تأنس الذهن لا يوجب الانصراف ابداً لانه مستلزم لتطبيق الادلة بما فيه لا استخراج حكم من الادلة بل الادلة مطلقة فلا استبعاد من ان يكون للمكان النجس بالنجاسة المسرية خصوصية مانعة عنها فحينئذ فما ذهب اليه فخر المحققين (() لا يخلو عن قوة ويؤيده انه كيف يمكن سؤال كبراء الاصحاب عن حكم طهارة اللباس والبدن بعد علمهم به اولاً ولو لم يكن فيه خصوصية زائدة لما وقع التأكيد فيه عن الائمة (() والصحابة والتجديد بهذه المثابة. واما المقام الثاني: وهو اشتراط طهارة موضع الجبهة فهو اجماعي على الظاهر ولا ينافيه جواز السجود على النجس اليابس بالشمس عند بعضهم فانه من الممكن تخصيص المورد المخصوص بالادلة الخارجية فتحمل الأخبار الدالة على طهارة ما جففته الشمس على جواز السجود عليه والقول بأنه لا يكشف عن الطهارة بل يمكن ان يبقى على نجاسة ومع ذلك كان السجود عليه جائزاً كما ادعى جماعة من الاصحاب غير مناف للاجماع المدعي اصلاً فان المطلوب هو اثبات الموجبة الجزئية فلا ينافيه السلب كذلك وربما يستدل على طهارته بمفهوم صحيحة ابن محبوب المتقدمة فان قوله (() بعد الجواب بان الماء والنار قد طهراه وتعليله هذا كاشف عن اعتبار الطهارة كما لا يخفى ولكنه في غاية الضعف لان الصحيحة في غاية الاجمال من وجوه لا يخفى فالاعتماد بمثل مفهوم هذه الصحيحة أو بغيرها من المطلقات المحمولة عليه لا يخلو من عدم المبالاة والجسارة في الحكم بداهة ان الحمل انما يصح اذا كان اصل الحكم محرزاً قبله فظهر ان المسألة كأنها اخذت عن الائمة (() يداً بيد حتى وصلت إلى زماننا هذا وهي غير منصوصة بخصوصها هذا وينبغي التنبيه على امور: الاول: لو كان موضع السجدة بمقدار ما يعتبر فيها طهراً والباقي نجساً فهل يصح السجود عليه ام لا؟ وجهان نظراً إلى ان المسألة لما كانت غير منصوصة بل المدار فيها الإجماع الذي هو من الأدلة اللبّية فلزم الاكتفاء فيها على القدر المتيقن وهو الطهارة في الجملة ونظراً إلى ان عبائر الفقهاء التي كالنص في المقام لما كانت ظاهرة في الاستيعاب بحسب الفهم العرفي فيشترط طهارة الجميع لان المتبادر من طهارة الشيء هو طهارة جميعه بحيث لو كان جزء من أجزائه نجساً لما صدق الطهارة عليه أصلاً الا ترى انه لا يقال لمن صلى في لباس كان خيطه نجساً فضلاً عن طرفه انه صلى في لباس طاهر هذا بخلاف طرف النجاسة فانه لو تحقق طبيعة النجاسة في الخارج ولو كانت الطهارة غالبة عليها لصدق وصف النجاسة فيقال لمن صلى في لباس خيطه نجس انه صلى في لباس نجس كما لا يخفى (ان قلت) فعلى هذا يلزم بطلان الصلاة فيما اذا وقعت السجدة على الأرض والمعادن ولو كانت الارض بمقدار ما يعتبر في السجود عليه مع ان الصحة وعدم البطلان وفاقي وما ذهب اليه احد (قلنا) الفرق بين الطهارة وغيرها ظاهر لان الاول من شروط موضع السجدة وغيرها شروط في اصل السجدة بماهيتها وفرق واضح بين ان يقال يشترط فيما يقع عليه السجود الطهارة وبين ان يقال يشترط في السجدة ان لا تقع الا على الارض أو ما ينبت فيها بحيث ينافي تحقق النجاسة في الاول ولو كانت قليلة ولا ينافي وقوعها عليها مع المعادن وغيرها من الاجزاء الغير الجائزة عليها السجود وحدها كما لا يخفي لمن له ادنى تأمل. الثاني: لو انحصر مكان السجدة في النجس هل يسجد عليه أو ينتقل إلى بدله وهو الايماء لان انتفاء الشرط موجب لانتفاء المشروط والاقوى هو الاول لان المستفاد من سير مجموع الأخبار هو انتفاض هذه القاعدة في باب الصلاة الا في قضية الحدث لان انتفاء الطهارة بكلا قسميه موجب لانتفاء الصلاة على الاقوى وبالجملة انتفاء وصف الشرط لا يستلزم انتفاء اصل الشرط بماهيته الا ترى غير العالم بالفاتحة على نحو ما اعتبره الشارع يقرأ حسب مقدوره منها لا انها تكون ساقطة في حقه من اصلها. الثالث: لو صلى في المكان النجس سهواً ثم علم به بعد الصلاة والمسألة مبنية على كيفية اعتبار شرطية طهارة المكان من انها شرط واقعي أو ذكرى اللهم الا ان يقال ان الادلة الثانوية موجبة لصحتها وعدم اعادتها وان كان مقتضى القاعدة الاولية هو الشرط الواقعي كما مر التنبيه عليه غيره مرة. (الشرط الثالث): ان يكون ما يسجد عليه الانسان ارضاً أو ما انبتت الارض الا اذا كان مأكولاً او ملبوساً والدليل على ذلك كله هو الأخبار المستفيضة منها صحيحة هشام بن الحكم عن ابي عبد الله (() قال له اخبرني عما يجوز السجود عليه وعما لا يجوز قال (() السجود لا يجوز الا على الارض وعلى ما انبتته الارض الا ما اكل ولبس وخبر الصدوق (()(1) في العلل مثله بزيادة فقلت له جعلت فداك: ما العلة في ذلك؟ قال (() لأن السجود خضوع لله عز وجل فلا ينبغي أن يكون ما يؤكل ويلبس لأن ابناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون والساجد في سجوده في عبادة الله عز وجل فلا ينبغي أن يضع جبهته في سجوده على معبود ابناء الدنيا الذين اغتروا بغرورها والسجود على الأرض أفضل لأنه ابلغ في التواضع والخضوع لله عز وجل وخبر الأعمش المروي عن الخصال عن الصادق (() في شرائع الدين قال: (لا يسجد الا على الارض أو على ما انبتت الارض الا المأكول والقطن والكتان) وعن الفضل ابي العباس قال: قال ابو عبد الله ((): (لا يسجد الا على الارض أو ما انبتت الارض الا القطن والكتان) وصحيحة حماد بن عثمان عن ابي عبد الله (() قال: (السجود على ما انبتت الارض الا ما اكل و لبس) إلى كثير من هذه الأخبار مما هو صريح في عدم جواز السجود الا على الارض أو النبات الخارج منه الغير المأكول والملبوس والظاهر ان المسألة اجماعية بل هو من ضروريات المذهب وانما الاشكال في بعض المصاديق والمحققات الخارجية لتي وقع الاشتباه في خروجه عن الارضية فنقول: ان المراد من الارض هو كل ما صدق عليه اسمها في العرف متصلة كانت ام منفصلة والقول: بأن المنفصلة منها لا يصدق عليها الارض كما ترى ولا سيما بعد ورود الاخبار الخاصة الدالة بأن الائمة (() كانوا يسجدون عليها متصلة و منفصلة وكالاخبار الدالة على افضلية السجود على طين قبر الحسين (() والقول: بأن التربة الحسينية (() انما خرجت بالنص كما ترى وكيف كان لا اشكال في السجود على الارض المنفصلة مادام يصدق عليها اسمها مع بقائها على حقيقتها وعدم انقلابها إلى حقيقة اخرى وانما الكلام في جملة من الموارد التي يشك في تحقق هذا المعنى واما الاشياء الغير الصادقة عليها اسم الارضية كالمعادن بانحائها المختلفة التي لا شك في انقلابها عن حقيقة الارضية فهو مما لا ريب في عدم جواز السجود عليها لا لكونها معادناً بل لعدم كونها ارضاً في نظر العرف فالتعليل في بعض الاشياء بأنه معدن لا يجوز السجود عليه ليس على ما ينبغي وبالجملة ومن الموارد المشكوكة هو الجص والخزف والنورة والآجر مما هو معلوم الارضية وما الذين يقولون بأنها ارض لا شك في صدقها عليها فلا نزاع ان كانت دعواهم مطابقة للواقع وكيف كان ربما يقال بجوز السجود على تلك الاشياء لأمور: (منها) منع الانقلاب وخروجها عن حقيقة الارض لأجل بعض التغيرات وهي ليست الا مثل ما كانت قبل ان يوقد عليا النار و(منها) التمسك باستصحاب الارضية بداهة ولا اقل من الشك في الانقلاب وعدمه فيستصحب الارضية المتيقنة و(منها) دعوى دلالة صحيحة حسن بن محبوب على ذلك حيث اقتصر الامام (() فيها على جواب طهارة الجص وكان جواز السجود عليه كان مفروغاً عنه وانما المانع كان هو النجاسة فأجابه (() بأن الماء والنار قد طهراه و(منها) الأخبار الدالة على جواز التيمم بها فان المسألة من واد واحد ولا ينافي ما ذكرنا خبر عمرو بن سعيد الدال على عدم جواز السجود على الصاروج ومنعه عنه لأن الصاروج ليس هو النورة بل مركب منها ومن الرماد فيحتمل ان يكون منعه (() للرماد لما نهى عن التيمم عليه في بعض الأخبار معللاً بأنه يخرج من الشجر وليس يخرج من الارض هذا وربما يقال بخروجها عن حقيقة الارض كما يكشف عنه اختلاف الآثار وتبدلت حقيقة الارضية إلى الحقيقة الثانوية ويشهد لذلك اتفاقهم على خروج الرماد عن حقيقتها وعن حقيقة انباتها مع انه احراق كاحراق الجص والنورة والتمسك بالصحيحة غير جائز لما قلنا من انها مجملة من وجوه والملازمة بين السجود والتيمم غير ثابتة والاخبار الدالة على جواز التيمم بهما محتملة فيما اذا كان المراد من الجص والنورة هو قبل الاحراق لا بعده ومن هنا ظهر فساد التمسك بالاستصحاب لتبدل الموضوع كما لا يخفى وبالجملة بعد القول بأن الارضية شرط في صحة السجود فلا بد من احرازها والاحتياط في موارد الاشتباه لما نثبت في محله ان الشك في مصاديق الشروط ومحققاتها موجب للاحتياط هذا بخلاف الشك في مصاديق الموانع واما البلور والزجاج والرمال والرماد فلا اشكال في عدم جواز السجود على شيء منها وهو الظاهر موضع وفاق سواء كان من الأرض واجزائها المحضة ام من غيرها من حجارة أو حصى أو غيرهما من ملح أو غيره لعدم صدق عنوان الأرضية على شيء منها فهذه الأشياء في نظر العرف صارت حقائق مباينة لحقيقة الأرض بل لا يخطر ببالهم انها من الأرض أو غيرها ويشهد لما ذكرنا صحيحة محمد بن الحسين قال: بعض اصحابنا كتب إلى ابي الحسن الماضي (()يسأله عن الصلاة على الزجاج قال: فلما نفذ كتابي اليه تفكرت وقلت: هو مما انبتت الأرض وما كان لي ان أسأل عنه قال: فكتب اليّ لا تصل على الزجاج وان حدثتك نفسك: انه مما انبتت الأرض ولكنه من الملح والرمل وهما ممسوخان(1)والمراد من مسخهما هو صيرورتهما زجاجاً لا كونهما في الأصل من الممسوخات كما يوهمه ظاهر العبارة ومن هنا حكم بعضهم: بمنع جواز السجود على الرمل ولكنه بعيد جداً كيف وهو ارض والإجماع قائم على خلافه مع بعض النصوص ومما ذكرنا ظهر حال كل ما هو خارج عن حقيقة الأرضية بحيث لا يصدق عليه بحسب العرف ولا يعد من الأرض ولا من نباتها لأن الأدلة كما عرفت جملة منها صريحة في الجواز على العنوانين والمنع عن غيرهما من العناوين المغايرة لهما اللهم الا ان يقوم دليل خاص في الموارد الخاصة فيقتصر عليه لا غيركما في القرطاس والقير ولكن اخبار جواز القير معارضة بما هو اقوى منها وهي غير معمول بها عند الأصحاب فحملها على التقية أو الاضطرار حذراً من الطرح اولى من حمل النهي في تلك الأخبار على الكراهة بعض اعراض الأصحاب عنها وبالجملة اعراض الأصحاب قرينة على وجوب التصرف في اخبار الجواز مع مخالفتها لعمومات الباب الدالة على حصر السجود في العنوانين ولكنه علل في بعض اخبار الجواز بأنه من نبات الأرض ولكنه غير موافق لما هو مترا آمن انظار العرف ثم المراد من المأكول والملبوس هل هو المأكول والملبوس الفعلي أو يعمه والشأني الأقتضائي؟ وعلى كلا التقديرين هل المراد هو المأكول والملبوس بحسب النوع أو يعمه والصنف والأفراد؟ ثم الشيء المأكول أو الملبوس عند قوم هل يحرم عليهم أو على جميع المكلفين؟ وجوه: وأما المأكول والملبوس من غير عادة كما في حال الاضطرار فهو غير مشمول للأخبار قطعاً والظاهر بل المقطوع به هو ان المراد من المأكول المنهي عن السجود عليه ليس هو خصوص المأكول بالفعل بل يعمه والشأني فكل ما اعد لأكل الانسان من الحنطة والشعير واشباههما مما هو غير مأكول بالفعل بحسب العادة بل يحتاج إلى العلاج فلا يجوز السجود عليه قبل نضجها وقبل انفصال قشرها وان كان القشر مما لا يؤكل كالجوز واللوز والسر في ذلك ان القشر غير ملحوظ في حيال اللب باللحاظ الاستقلالي فالسجود على القشر سجود على اللباب لأنه مندك فيها كما لا يخفى نعم بعد الانفصال لا مانع من السجود عليه لعدم دخوله تحت الأدلة وهي منصرفة عنه وقد حكى: عن العلامة (() في التذكرة والمنتهى: انه جوّز السجود على الحنطة والشعير قبل الطحن معللاً بكونهما غير مأكولين وان القشر حائل بين المأكول والجبهة ولكن لا يخفى ضعفه لما عرفت من اندكاك القشور في اللباب بحيث لا وجود لها عند العرف وراء وجود اللباب بل اطلاق جملة من الأدلة شامل لها مثل ما في خبر محمد بن مسلم عن ابي جعفر (() قال ((): لا بأس بالصلاة على البواري والخصفة وكل نبات الا الثمرة وفي صحيحة زرارة ولا شيء من ثمار الأرض وقد يتوهم التنافي بين هذه الأخبار الظاهرة في العموم لما يؤكل من الأثمار وما لا يؤكل وبين الأخبار المتقدمة الدالة على منع السجود على المأكول لا غيره من الأثمار وقد يدعى عدم التنافي بين استثناء الثمرة واستثناء المأكول لأن النسبة بينهما العموم المطلق فتخص الثمرة بالمأكول منها وعلى هذا لا حاجة إلى دعوى انصراف المأكول إلى النبات المتعارف، قال الأستاذ مد ظله في كتابته في هذا المقام ما لفظه واجاب استاذنا الفقيه عنه: بأن التنافي في امثال هذه الموارد ينشأ من قبل الحصر المستفاد من الاستثناء لا من الأستثنائين وبيانه ان في المقام طائفتان من الأخبار: الأولى: ما وقع فيها استثناء ما اكل ولبس مما انبتت الأرض. والثانية: ما اشتمل على استثناء مطلق الثمرة وكل منها بحسب ما فيها من الأستثناء ينحل إلى عقدين ايجابي وسلبي اما العقد الأيجابي وهو عمدة ما سبق له الكلام فمن الأولى انه يجوز السجود على ماعدا المأكول والملبوس مما انبتته الأرض مطلق الثمرة كانت ام غيرها ومن الثانية انه يجوز السجود على ما عدا الثمرة منه مطلقاً والعقد السلبي من الأولى انه لا يجوز السجود على المأكول والملبوس مما انبتته الأرض ومن الثانية انه لا يجوز السجود على الثمرة ومن الواضح انه لا منافاة بين الأيجابين ولا بين السلبيين وانما التنافي بين العقد الأيجابي من الأولى والسلبي من الثانية بناء على كون الثمرة اعماً مطلقاً من المأكول كما هو المفروض فلا بد في رفع التنافي اما من رفع اليد عن ظاهر الحصر وارتكاب تخصيص آخر في المستثنى منه زائداً على التخصيص الذي تضمنه الكلام أو تقييد الثمرة بما اذا كانت مأكولة ولا شبهة ان الثاني اولى كما انا ان قلنا بأن المأكول ايضاً اعم من وجه من الثمرة لصدقه على الخس واشباهه مما لا يعد في العرف ثمرة لتحقق التنافي بين العقد الأثباتي من الثانية حيث تدل على جواز السجود على ما عدا الثمرة مطلقاً والعقد السلبي من الأولى فلا بد في مقام الجمع اما من تقييد المأكول الذي نهى عن السجود عليه بما اذا كان ثمرة أو تصرف في ظاهر ما دل على انحصار ما هو الخارج عن عموم ما انبتته الأرض بالثمرة اما بأرتكاب التخصيص في المستثنى منه بالنسبة إلى ما عدا الثمرة من المأكول أو التوسع في الثمرة بحملها على ارادة مطلق المأكول وتخصيصها بالذكر للجري مجرى الغالب ولكن يبعد الأول أي تقيد المأكول بكونه ثمرة اطلاق فتاوي الأصحاب المعتضد بظاهر صحيحة هشام المشتملة على التعليل القاضي باناطة المنع بالمأكولية لا بكونه ثمرة كما لا يخفى انتهى ما نقله الأستاذ مد ظله العالي عن شيخه الفقيه الهمذاني (()(1) ومما قدمنا ظهر لك ان المدار في جواز السجود وعدمه هو تحقق عنوان الارضية وما انبتته الارض غير المأكول والملبوس على النحو المتقدم ومن هنا ظهر الحال في القطن والكتان لأنهما وان كانا من نبات الارض الا انهما ملبوسان بل الاغلب في نوع الالبسة هو القطن والكتان فلذا يقال ان قدر المتيقن من عنوان الملبوس المستثنى من جواز السجود هو الكتان والقطن مضافاً إلى الأخبار الدالة على عدم جواز السجود عليهما ووقوع التعليل في بعض الأشياء التي منع الشارع عن السجود عليها بأنه من القطن أو الكتان فلا يعارضها ظهور بعض الأخبار في جواز السجود عليها ولو سلم في الترجيح لأخبار المنع لكونها اقوى دلالة واكثر عدداً فلا بد من حمل اخبار المنع على مورد الضرورة أو التقية ولا ينافيه وقوع السؤال في بعضها مقيداً بلا تقية ولا ضرورة بداهة عدم لزوم بيان الحكم الواقعي على الأمام (() في مقام التقية بل وقوع السؤال على النحو المذكور يؤكد حملها على التقية كما لا يخفى والحاصل الأخبار الحاصرة جواز السجود على الأرض أو ما انبته الأرض غير المأكول والملبوس حجة في الموارد كلها ولا يرفع اليد عنها الا بالدليل المعتبر الغير المعارض واما الأخبار المعارضة بمثلها فلا يصلح للتقيد ورفع اليد عنها ابداً ولا سيما اذا كانت غير معمول بها ومعرض عنها لدى الأصحاب. واما القرطاس فقد اتفقت كلمة الأصحاب في الجملة على جواز السجود عليه للأخبار الصريحة في الجواز ولا وجه لرفع اليد عنها بعدما كانت غير معارضة ولا مجملة كما لا وجه لحملها على حال الضرورة بعد ان كانت ظاهرة في العموم وكذا الخدشة فيه من جهة اشتماله على اجزاء النورة أو اخذه من الكتان والأبريسم بداهة صيرورته حقيقة على حدة والأجزاء المادية مندكّة فيه وغير ملحوظة ابداً بل ولا يخطر على بال العرف ولا يرونه الا موضوعاً من الموضوعات الخارجية وحقيقة من الموجودات الإمكانية. المقدمة السادسة (في الآذان والاقامة) مشروعيتهما في الجملة من الضروريات بل كاد ان يكون منكرهما منكراً لضرورة المذهب بل ضرورة الاسلام وهذا مما لا ريب فيه ابداً وانما الكلام في كيفية مشروعيتهما واعتبارهما في الصلاة فنقول: ان الاقوال في المسألة خمسة: احدها: هو اعتبارهما في الجماعة دون غيرها. ثانيها: هو اعتبارهما للرجال مطلقاً دون النساء. ثالثها: هو اعتبارهما في الغداة والمغرب لا غير. رابعها: عدم اعتبارهما مطلقاً. خامسها: هو التفصيل بين الاذان والاقامة فالقول بالاستحباب في الاول مطلقاً وبالوجوب في الثاني كذلك والى هذا ذهب جمع مع المحققين ومنهم استاذنا الاعظم كاشف الغطاء مد ظله العالي نظراً إلى ظهور جملة من الأخبار في الوجوب بل وفي بعضها لا صلاة الا بالاذان والاقامة غايته يرفع اليد عنه بالنسبة إلى الاذان لقيام الدليل الخارجي فمقتضى الجمع بين الأخبار بالنسبة اليه هو حمل الأخبار الظاهرة في الوجوب على الاستحباب بنصوصية بعض الأخبار الدالة على عدم اعتباره واما الاقامة فحيث لم يقم دليل معتبر على ما ينافي ظواهر الأخبار فلا وجه لرفع اليد عنها بالنسبة اليها نعم غاية ما يقال في المقام امور: احدها: منع ظهور الأخبار في الوجوب وذلك لان الأخبار الصادرة في الباب على طوائف بحسب التركيب والاسلوب منها ما فيه مادة الاجزاء وان الاقامة مجزية عن الاذان وهو الاكثر والعمدة في الباب وغاية مفاد تلك الأخبار هو اجزاء الاقامة وحدها عن التكليف الثابت في المقام واما التكليف الثابت هل هو وجوب أو استحباب فغير ناظرة اليه اصلاً لان الاجزاء يستعمل في المندوبات كاستعماله في الواجبات بلا تجوز ولا تكلف ابداً ومنها ما يدل على لزوم الإقامة في الصلاة على صيغ مختلفة مثل قوله (() لا صلاة الا بالأذان والإقامة أو انه لا بد من الإقامة وانه لا يسقط بحال وغير ذلك من الأخبار وهذه الأخبار كما ترى لا تدل على ازيد من اللزوم المطلق والنفي راجع إلى الكمال كما هو غالب موارد استعماله. ثانيها: ان القول بالوجوب في الإقامة والاستحباب في الأذان خرق للإجماع المركب هذا عمدة اتكال المانعين كما يظهر من ملاحظة كلماتهم. ثالثها: هو ظهور بعض الأخبار في الاستحباب كما في صحيحة زرارة أو خبره سألت ابا جعفر (() عن رجل نسي الأذان والإقامة حتى دخل في الصلاة، قال ((): فليمضِ في صلاته وانما الأذان سنة بناءًَ على ظهور السنة في الاستحباب وارادة الأعم من الأذان لكي يطابق السؤال ويؤيد ذلك اختلاف الأخبار في ترتب الثواب والجر على من اذن واقام وانه يصلي خلفه صفان من الملائكة. رابعها: هو قيام الشهرة على القول بالاستحباب فيهما مطلقاً وهي اقوى قرينة على عدم ظهور تلك الأخبار في الوجوب أو انها تكشف عن القرينة الدالة على الاستحباب والا لما صار جلَّ الأصحاب اليه مع كون هذه الأخبار بمسمع منه ومرأى هذا زبدة ما يقال في المقام وخلاصته ولكنه لا يكاد يتم شيء منها اما الأول فلأن التراكيب المأخوذة فيها مادة الأجزاء واساليبها على نحو لو القيت إلى العرف لا يفهمون منها الا وجوب التكليف الذي اقل ما يجزيه هو الإقامة وما ذكر في المقام انما هو تطبيق الدليل على ما ارتكز في الذهن من ذهاب الأكثر الى الاستحباب لا أخذ الحكم منه والا لو خلي الذهن عن هذا الارتكاز لما فهم منها الا الوجوب واما الثاني فهو على اللزوم والحتم اذل لأن اللاء المركب الذي هو مفاد كان الناقصة ظاهرة في اللزوم والأبدية وبعبارة اخرى ظاهر في لزوم شيء في شيء بحسب العرف بداهة ان الظاهر من قوله ((): لا صلاة لجار المسجد الا في المسجد ولا صلاة الا باقامة ونحو ذلك من التراكيب المشتملة على اللاء المركب هو لزوم وقوع صلاة جار المسجد في المسجد ولزوم الإتيان بالاقامة معها وانه لا بد منه الا ان يأتي دليل آخر يستوجب رفع اليد عن هذا الظهور. بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلوات الله على محمد وآله الطاهرين. الكلام في قسمة الدين تارة يقع في قسمة المديونين ما عليهم من الديون واخرى في قسمة الدائنين ما لهم من الديون. اما (الاول): فكورثة الميت الذي تعلق حق الغرماء في تركته فللورثة ان يقتسموا الديون فيتقبل كل واحد منهم دين غريم من الغرماء فان رضي الغرماء اجمع بذلك صحت القسمة وبرأت ذمة الميت وانتقلت الديون إلى ذمم الورثة فلو خاس بعض الورثة بحق صاحبه لم يكن الرجوع على باقي الورثة ولا الغرماء ولا التركة لأن الحق لكل واحد منهم وقد رضى والتزم بأنتقاله وتحويله إلى ذمة الغير فليس له الا مطالبة تلك الذمة بحقه اما صحة القسمة فلا اشكال فيها لدخولها في عمومات القسمة كما ان لزومها كذلك. واما (الثاني): اعني قسمة ارباب الدين فهي ايضاً تقع على وجهين لأن الدين المشترك اما في ذمة واحدة أو في ذمم متعددة سواء كان الدين المشترك المشاع عوض مال مشاع ايضاً كما لو كانت دار مشاعة بين جماعة فباعوها من واحد أو جماعة أو لم يكن كذلك كما لو باع رجلان صفقة واحدة هذا داره وذاك عقاره بمائة دينار فتكون المائة مشاعة بينهما بالنسبة وان لم تكن العوض مشاعاً وكيف كان فالكلام يقع تارة في الديون المتعدد على ذمة واحدة واخرى في المتعلقة بذمم متعددة اما الثاني فالمشهور بينهم عدم الصحة وخالف في ذلك ابن ادريس وجماعة من المتأخرين كالمحقق الأردبيلي (()(1)وغيره ويظهر من صاحب الجواهر (() ان مقتضى الأصل عدم الصحة وكأنه ناظر إلى اصالة بقاء المال على اشاعته واشتراكه بناءً على ما هو الحق من تحقق الإشاعة والاشتراك بما في الذمة ولكنك خبير بانقطاع الأصل بشمول ادلة القسمة للمقام وعدم المانع فلو كان مائة لشخصين في ذمة زيد ومثلها لهما في ذمة عمرو ثم اقتسما ذينك المائتين المشاعتين فعينا حق احدهما بما في ذمة زيد والآخر بما في ذمة عمرو كانت قسمة صحيحة وتمييزاً للحقين وتعييناً لأحدهما من الآخر والظاهر انه لا كلام لهم في ان مقتضى الأصل والقاعدة صحة القسمة في هذا الفرض اعني صورة الذمم المتعددة وانما المانع عندهم في صحتها اطلاق الأخبار المانعة بزعمهم وسيأتي الكلام عليها. نعم قد يشكّل الحال في صورة تعدد الديون على الذمة الواحدة، وذلك كالمثال المتقدّم فيما لو باع زيد داره وعمرو عقاره صفقة واحدة من خالد بمائة مثلاً فالمائة في الفرض وان كانت مشاعة بينهما في الذمة ومقتضى اشاعتها ان كل مقدار يستوفيه احدهما منها فهو لهما وكل ما هلك وتوى فهو عليهما فهما بمنزلة الدائن الواحد وقبض احدهما النصف نصف قبض لا قبض النصف ولكن ذلك لا يمنع قبوله للقسمة وصحتها ولو اتفقا عليها بأن يعينا حق كل واحد منهما في ما يقبضه فأن قبضا معاً فكل واحد قبض حقه وان قبض احدهما تعين الباقي للآخر فدعوى عدم امكان القسمة لعدم امكان التعيين مما لا وجه لها وهذا القدر كافِ في صحة القسمة بلا ريب فأنه تعيين للحق رافع لتلك الإشاعة والاشتراك حقيقة فأذاً عينه المالك اعني كل واحد من الشريكين تعين، فأن المال الكلي الثابت في الذمة لهما، ولهما التصرف فيه كيف شاءآ سواء رضى من عليه الحق ام لا، وان كان له اختيار تعيين الكلّي في أي مصداق اراد، وبالجملة فلا مجال للتأمل في صحة القسمة وان وامكانها وشمول عموماتها لهذا النوع بل ولزومها بعد تحققها فيكون لكل منهما ما يقبضه ولا يشاركه الآخر فيه ولو قبض احدهما وتعذر قبض الآخر بحيث عد كالتالف كان من نصيبه فقط، بل يمكن القول بصحة قبض احدهما نصيبه من ذلك المشاع حتى مع عدم القسمة، فلو عمد احد الشريكين وقبض نصف المال ممن عليه الحق ولكن بقصد انه قبض حقه وتمام حصته لا بقصد الحصة المشتركة من المال المشترك صح وكان المقبوض له بتمامه ولو مع اذن شريكه بل ولو مع عدم رضاه كما يظهر من ابن ادريس(1) من ان لأحد الشريكين ان يقبض حقه كما له ان يهبه أو يبرأ الغريم منه أو يصالح عليه، فلو شاركه في المقبوض لكان في هذه الصور كلها يشارك من لم يهب ولم يبرء فيما يستوفيه الخ، لان هذه التصرفات كلها لا تنافي الاشاعة ضرورة جواز الصلح على المشاع وهبته ونحو ذلك، بل لان الدين المشترك ولو على ذمة واحدة في نظر وبناء العقلاء كدينين مستقلين في ذمة واحدة أو ذمم متعددة فهو كما لو كان لزيد مال في ذمة بكر ولعمرو مال مستقل في ذمته فلكل منها ان يستوفيه مستقلاً غير منوط احدهما بالآخر، هذا ما يقتضيه الاصل والقاعدة في جميع تلك الصور. واما الأخبار التي قد يتوهم مها دلالتها على مقالة المشهور من عدم الصحة فليس في شيء منها ما يدل على المنع في محل الفرض اعني قسمة الدين اذ ليس في شيء منها التصريح بلفظ الدين عدا موثق ابن سنان وهو لا يصلح وحده لاثبات مثل هذا الحكم المخالف للاصل وللقاعدة كما عرفت واما بقية الأخبار: فالظاهر منها ارادة قسمة المال الحاضر والغائب من الاعيان المشتركة، ومن المعلوم عدم صحة قسمة الاعيان الغائبة مع جهالتها، ويحتمل ان يراد به قسمة الدين ولكن لا على نحو القسمة الشرعية بل على نحو التفويض والتخويل من غير جبر ولا تعديل، أو تحمل على انه قد جعل التأوي لأحدهما بعد العلم بتوائه عادة، ويحتمل بعيداً ان يراد وجود وجوب ان يرّد احدهما على الآخر شيئاً مما استوفاه تعبداً وجبراً لا استحقاقاً ولكن ينافيه قوله ما يذهب بماله، وكيف كان فالوجوه المحتملة فيها كثيرة تصادم ظهورها في ارادة قسمة ان لم نقل بظهورها في غيره وليس الصريح سوى خبر واحد يقصر عن اثبات حكم مثل هذا مصادم للقواعد المتقنة والاصول المحكمة، واما الشهرة فمعلومة الحال ويكفي فيها انهم تخيلوا دلالة الأخبار على المنع أو تخيل شيخ على الاكابر ذلك ثم اتباع الباقين له كالشيخ الطوسي (()(2)حتى صار مشهوراً، فالحكم بالصحة في جميع الصور هو المطابق للقاعدة، مضافاً إلى ان في بعض الأخبار ما يدا على الصحة ايضاً كخبر على بن جعفر (() عن اخيه موسى (() المروي عن قرب الاسناد سألته عن رجلين اشتركا في سلم أيصلح لهما ان يقتسما قبل ان يقبضا قال:لا باس(1) ــ وحمله المشهور على ارادة بيان الجواز وانت خبير بان لازم قولهم بعدم امكان التعيين فلا يمكن القسمة عدم الجواز اصلاً وطرح الخبر فلا محيص عن الالتزام بالأمكان والجواز والصحة بل واللزوم هذا، وقد افرط بعضهم فقال: بعدم جواز الصلح عليه بان يصالح من عليه الحق على حصته ويقبض حقه منه بدعوى اطلاق النصوص في المنع تارة وبكون القسمة نوعاً من الصلح أو قريبة منه فمع ظهور النصوص في عدم قسمة الدين قد يستفاد منه عدمها ولو بالصلح ايضاّ ولكن الجميع كما ترى. هذا جميعاً خلاصة ما افاده شيخنا الاعظم آية الله ادام الله ظله في الدرس نسأله تعالى دوام ايام افاداته. بعض ما في العبادات من الحكم والاسرار وما تشتمل عليه من جلب المنافع ودفع المضار ــ بقلمه الشريف. ذكرنا في آخر المجلد الاول من تعاليقنا على (السفينة) جملة من اسرار الطهارة اعني الطهارة المائية،ولم نتعرض لبدلها، وهو الطهارة الترابية لأن الذي يظهر من الأخبار ان الغرض منها محض التعبد واطاعة الامر، ولكن يمكن ان يكون فيها مضافاً إلى ذلك فائدة للمحدث في إزالة الحدث ولو بالنسبة إلى تخفيفه وإزالة مرتبة منه، وقد حققنا في بعض مؤلفاته ان الحدث الحاصل من الأسباب المعروفة اقرب تمثل له هو الظلمة الحاصلة في البيت، هو ظلام وانقباض وكدر يحصل في البدن والطهارة كنور يطرد ذلك الظلام، ويزيل ذلك الكدر، ويبدله بالصفاء، ولعل إلى هذا يشير ما في بعض الأخبار من ان تجديد الوضوء نور على نور، وكما ان النور له مراتب، ويقبل الشدة والضعف، فكذا الظلمة وما يشبهها من الحدث وهذا واضح جلي، بان حدث الحيض والجنابة اشد من حدث المس والاستحاضة فضلاً على الأحداث الصغرى كالنوم والبول، وكما ان الأحداث تختلف في مراتبها ضعفاً وشدة فكذا روافعها اعني النور الحاصل ايضاً يختلف قوة وضعفاً، فالغسل هو الرافع الأعظم الأعلى والوضوء هو الأصغر والأدنى، ويجوز أن يكون مس التراب والأرض وهي (أمنا الحنون) كما في بعض الأخبار وهي التي نشأنا منها واليها نعود كما المعنى إلى لمحة من هذا في رسالتنا (الأرض والتربة الحسينية) والتي تختلف أيضاً في الشرف والقداسة كأرض الكعبة والتربة الحسينية، وارض المساجد المعظمة، ومراقد الأئمة والعلماء التي يحرم تنجيسها، وهتك حرماتها، حرمة مؤكدة، ولا سيما تربة الحسين (() وهي تربة الشفاء وتربة السجود وتربة الدفن كي تنجي من عذاب البرزخ، وقد اشرنا إلى نبذة من خواصها وأسرار عظمتها في تلك الرسالة، وإنما الغرض هنا انه ليس من الغريب جداً أن يكون لمس الأرض أو التراب ومسح الجبين واليدين خصوصية في الحدث لا لرفع كله بل لرفع مرتبة منه، ولذا اخترنا في أبحاثنا الفقهية أن التيمم رافع لا مبيح كما لعله المشهور، غايته انه رافع لمقدار منه، وليس وجود الماء أو التمكن من استعماله ناقض للتيمم كما قد يتوهم، بل التمكن من استعماله مستوجب للطهارة المائية لإزالة ما بقي من الحدث، يعني إزالة الحدث بجميع مراتبه ورفع الظلمة بكل طبقاتها، بهذا تنحل عقدة الإشكال الذي يصدم القول بالرافعية ومن تدبر فيما تخرجه الأرض والتراب من الفواكه والحبوب والخضروات يندهش عقله لما يحتوي هذا التراب من العناصر والأواصر والمواد، وما فيها من الأجزاء ذات القوة والاستعداد والعتاد لمنافع العباد، فسبحان المبدع الحكيم: ولأحكامه وحكمته الانقياد والتسليم. وحيث أن ما كتبناه من أسرار الطهارة والصلاة في ذلك الجزء وان كان من النزر اليسير ولكه على قلته كثير وخطير، ومن أراد معرفة عظمة التشريع الإسلامي في كافة أحكامه فلينظر فيه فانه يجد فيه ما يكفيه إن شاء الله: ولكن تكملة لتلك المباحث نعيد النظر في قوله تعالى: [ إِن الصَّلاَةَ تَنْهى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ](1) فانا ذكرنا طرداً ولم نقف عندها ولو قليلاً وتداركاً لذلك نقول: إن علماء التفسير وأهل الذكر، وان ذكروا في تفسيرها وجوهاً وحملوها على معاني شتى، ولكن الذي اطمأن إليه واعتمد عليه أن المراد (والله اعلم) إن الصلاة التي هي ذكر ودعاء وتوجيه إلى المبدأ الأعلى واستحضار عظمه وكبريائه في كل تكبير استحضاراً يستوجب أقصى مراتب الخضوع والخشوع في السجود والركوع، وبالضرورة إن مثل هذه الصلاة تنهي العبد عن ارتكاب أي معصية كبيرة أو صغيرة، بل كل الذنوب كبائر بالنظر إلى مخالفة ذلك الكبير، ولا شك أنها تصده وتمنعه عن ارتكاب الفحشاء والمنكر، وذكر الله وتصور عظمته وعظيم نعمه على العبد اكبر من أن يجتمع من الفحشاء والمنكر، فالصلاة اكبر من أن تجتمع مع المعصية، والعبد إذا ذكر الله فصلى، ولكن ذكر الله بالرحمة والتوفيق في اجتناب المنكر اكبر من ذكره لله؛ فذكره لله يمنعه عن المنكر، وهذا كبير ولكن ذكر الله له اكبر، وقد جمعت الآية على وجازتها كلتا الجهتين واعلى الناحيتين، وذكر الله اكبر فانعم النظر فيه وتدبر، ولذا فاني لا ازال ادعو الشبَّان بل وغيرهم ممن يتقاذفهم تيار من الشهوات في الغمرات ويرمي بهم على غرة من غمرة إلى غمرة، انصحهم انهم مهما انجرفوا في شهواتهم ومعاصيهم، ولكن عليهم ان يلتزموا باقامة الصلاة ولو بأقل مراتبها، فانهم اذا التزموا بها لا شك انها تجرهم إلى خير، وتختم لهم بالحسنى، واذا ضيعوها ضاعوا وضاع عنهم كل خير، فانها الحبل الذي يوصل العبد بربه، وبتركها ينقطع الحبل المتين، وهنالك الخسران المبين في الدنيا والآخرة ولا حول ولا قوة. الزكاة والاشتراكية الصحيحة والتعاون في الاسلام لما قضت العناية الازلية، والحكمة البليغة لبقاء هذا النوع (البشر) ان يكونوا مختلفين غير متساويين في القوى والملكات والافهام والذكاء كاختلافهم في الاخلاق والصفات، والخلق والهيئات، وكاختلافهم في الغنى والفقر، والسعادة والشقاء، ولو كانوا جميعاً في رتبة واحدة من الذكاء والفقر والغنى والسعادة والعنا لهلكوا جميعاً، والى هذا اشار الامام الجواد (() في كلمة موجزة من ابلغ الكلمات القصار، حيث يقول: (لو تساويتم لهلكتم)، وهذا جلي واضح لا حاجة إلى ايضاحه، ولكن لازم هذا الاختلاف الواسع والتباين الشاسع لحفظ بقاء النوع هو التعاون مع رعاية التوازن، والتعاون ضرورة من ضرورات الحياة، وهو في الجملة غريزة وطبيعة قضت به حاجة بعضهم إلى بعض، وتبادل المنفعة وتكافئ المصالح، وبه يتم النظام، وتحفظ الهيئة الاجتماعية، وهذا التعاون التي تدفع اليه الحاجة وتدعو له الضرورة هو في غنى عن الحث والبعث اليه وانما الذي يحتاج إلى التشريع والبعث اليه هو التعاون بلا عوض, وعمل الخير والاحسان؛ وصنع المعروف لوجه الله، وفي سبيل الله، لجميع عباد الله، للفقير والغني، والعاجز والقوي، للمؤمن والكافر، وهذه الفضيلة هي فضيلة الجود والسخاء التي يقابلها رذيلة الشح والبخل فالكرم عطاء بلا عوض، وبذل من دون نظر إلى الاستحقاق وعدمه، والبخل المنع حتى مع الاستحقاق، والأولى هي بمرتبتها العليا هي صفة الحق جلّ شأنه والأمثل فالأمثل من الأنبياء والمرسلين، والأوصياء والصديقين، ولعلها في بعض البشر من الغرائز والمواهب لا تحصل بالطلب والكسب كصفاء اللؤلؤة واشراق الشمس وفيض الينابيع، ومثلها رذيلة البخل قد تكون طبيعية في بعض البشر وغريزة وهناك اوساط ونفوس ساذجة ليس في جبلتها هذا ولا ذاك فيؤثر فيها المحيط والتربية، والأفران فضيلة أو رذيلة، وما من شريعة من الشرائع، ولا دين من الأديان، ولا كتاب من الكتب قد حثَّ وبعث وبالغ في الدعوة إلى الإحسان والمعروف وبذل المال في سبيل الخير مجاناً لوجه الله تعالى كشريعة الإسلام وكتابها المجيد، وقلما تجد سورة من سور القرآن ولم يتكرر فيها طلب الأنفاق والوعد بالأجر العظيم له خذ اول سورة بعد الفاتحة وهي اوسع سورة بعد الفاتحة وهي اوسع سورة تضمنت التشريع الاسلامي وعامة فرائضه من الصلاة والصوم والزكاة والحج والنكاح والرضاع والطلاق والمعاملات والديون والرهن والقصاص والديات وغير ذلك، افتتح البارئ جل شأنه هذه السورة بالأنفاق، وقرنه بالايمان بالله، وبأهم دعائم الاسلام وهي الصلاة فقال: [الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهمْ يُنفِقُونَ](1) ثم قال جلَّ شأنه فيها بعد جملة آيات [وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ](2) ، ثم قال بعد فصول طويلة، وبيان احكام كثيرة [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ](3) ، ولم يكتف بهذا كله في هذه السورة المباركة حتى افاض في فضل الانفاق واجره العظيم، وانّه يعود باضعافه المضاعفة وجاء بأبلغ الامثال، وابدع المقال فندب الى البذل والاحسان وحرمة الربا الذي فيه قطع سبيل المعروف، وأكل المال بالباطل، وجعل من يصر على استعماله محارباً لله العظيم والله محارب له، كل ذلك في ضمن اكثر من ثلاثة عشر آية مطولة بأها عزَّ شأنه بقوله: [مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ](4) الى قوله تعالى: [الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ](5) ، ثم بعدها اربعة عشر في فضل الانفاق الحقها بتحريم الربا، وفظاعة شأنه، وتهويل جريمته، وبيان جملة من احكامه فقال: [الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ](6) وهذا تصوير بديع لحال المرابين، وعظيم جشعهم، وحرصهم على جمع المال وادخاره وتوفيره، فهو كالذي فيه مس من الجنون يذهب ويجيء ويقوم ويقعد ويأخذ ويعطي، فهو في حركة دائبة، وعمل متواصل لا يقر له قرار، ولا يستريح من التفكير والتوفير والادخار في ليل ولا نهار واذا اعترضه معترض قال مبرراً عمله انما البيع مثل الربا والبيع حلال فالربا مثله، وهو قياس فاسد، ويعرف فساده من القاعدة الشرعية المباركة (الغنم بالغرم)(1) فكل معاملة فيها غنم بلا غرم فهي اكل مال بالباطل، والبيع غنم بغرم، ومبادله مال بمال، بخلاف الربا فأنه للآخذ غنم بلا غرم، وللدافع غرم بلا غنم، فاذا اعطى العشرة باثنتي عشر من جنس واحد فقد اخذ اثنين بلا عوض فهو اكل مال بالباطل ولذا اختص الربا بالمتجانسين، أي ان يكون العوضان من جنس واحد ويكون من المكيل والموزون، اذ المعاملة بالمعدود، والمشاهدة نادرة والنادر ملحق بالعدم، ومدار المعاملات في العالم على الكيل والوزن مضافاً الى جهات اخرى، وما ابدع ما اروع تعقيب آيات الحث من الانفاق احساناً وكرماً بآيات تحريم الربا فأن ذلك فضل واحسان، وهذا جور وعدوان،وهذه الفصول في آخر هذه السورة التي هي اطول او افضل سور القرآن من حيث بيان النواميس الاسلامية، محبوكة كالسرد الوضين فأنه عزَّ شأنه ذكر فضل الإنفاق في سبيل الله والعطاء المجاني وربط به حرمة الربا، وهو الاخذ العدواني، ثم اردفه بالدين والرهن واحكامهما والامر بانظار المعسر [وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ](1) انظر واعجب لهذه الرحمة الواسعة، وهذا التشريع الرفيع، وهل يبقى لك شك في ان هذا القرآن من الوحي المعجز والذكر المبين، نزل به الروح الامين من رب العالمين، وهل تجد شيئاً من هذه الاساليب في شيء من التوراة والانجيل والزبور وغيرها، وهي اكبر حجماً، واكثر الفاظاً ورقماً أرأيت كيف تنازل العظيم من أوج عظمته الى مخلوقه العاجز الضعيف فصار يستقرضه ويقول: [مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ](2) ثم لم يكتف بهذا كله في الدعوة الى التعاون وتعاطف البشر بعضهم على بعض بالاحسان والمعروف، نعم لم يكتف بما ندب اليه من المعروف على سبيل الندب والاستحباب وان كان واجباً اخلاقياً، نعم لم يكتف بذلك العموم والاطلاق في الترغيب الى الانفاق والاحسان لكل ذي روح حتى البهائم والهوام بل وحتى الكلب العقور، فأذا رأيت كلباً يلهث من العطش استحب لك في الشريعة الاسلامية ان تسقيه الماء (فأن لكل كبد حرا أجر) كما في الحديث امّا الرفق بالحيوان والحمولة والدواب فقد عنيت الآداب الاسلامية برعايتها والرحمة لها عناية بالغة، وفي الحديث ما مضمونه: اذا وصلت المنزل فأبدأ بسقي دابتك وعلفها وراحتها قبل نفسك ولا تتخذوا ظهور دوابكم منابر، ولا تحملوا عليها فوق طاقاتها ولا تجهدوها ولا تضربوا وجوهها الى كثير من امثال ذلك مما لا مجال لإحصائه في هذا البيان، اما الفقراء والضعفاء والعجزة فلم يكتف لهم الشارع المقدّس ورحمته الواسعة بهذه العمومات والمطلقات، بل جعل لهم مزيد عناية تخصّهم وفرض لهم في اموال الاغنياء نصيباً مفروضاً، وصيّرهم شركاء لهم فيما بأيديهم، ولكن من دون اجحاف واعتساف باموالهم بل قال الشارع الأقدس في كتابه المقدّس [وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ](1) يعني الزائد من المال على حاجته حسب شأنه في سنة او سنوات، وقال المبلغ عنه من فضول اموال اغنيائكم ترد على فقرائكم وفي الحديث ما مؤدّاه (لمّا علم الله ان نسبة الفقراء من الاغنياء العشر فرض لهم العشر في اموالهم وما جاع فقير الا بما منعه الغني من حقه) نعم فرض للفقراء الحق على الاغنياء ولكن جعل السلطنة للاغنياء واعطاهم الحرية الواسعة والاختيار العام فيما يدفعون من نقود او عروض ولأي فقير يدفعون، وبأي وقت يشاؤون، والفقير وان صار شريكاً ولكن لا سلطة له على الاخذ وانّما سلطة الدفع والتعيين لربّ المال، وعدلت الشريعة الاسلامية هذه القضية حذراً من تفشي داء الكسل والاتكال في النفوس وترك الناس السعي والعمل وتغلب البطالة والكسالة على المجتمع فخصَّ ذلك الحق بالفقير الذي لا يستطيع العمل لعذر من الاعذار، او كان عمله لا يفي بمؤنة عياله، ثم حث الناس على الكسب والسعي في توفير المال وأوجبه لتحصيل الرزق له وللعيال، كما اوجب للعمال دفع حقوقهم موفرة من ارباب الاموال وعدم بخس ما يستحقونه من الأجر وان يدفع للعامل أجرته فوراً قبل ان يجف عرقه، وهذه هي الاشتراكية الصحيحة العادلة السمحاء التي وقعت وسطاً بين افراط الاشتراكية الحمراء وتفريط الرأسمالية القاسية السوداء فلم تسلب الغنيّ حريته فيما بيده وما استحصله بجهده كما تسلبه الشيوعية الظالمة التي تسلب بعسفها، وظلمها افضل نعم الله على العبد وهو الحريّة، ولا سلبت العامل ما يستحقه بعمله من الأجرة، ولم تبخس حقه كالرأسمالية [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا](2) انظر سعة نظر التشريع الاسلامي وعنايته بسد الحاجة وتدارك مواضع الضعف في الأمة فيما فرض من الزكاة وتعيين مصرفها ومستحقيها فجعل الفقراء والمساكين في الدرجة الاولى ثم للعاملين في جبايتها ثم للمدينين الذين لا يستطيعون وفاء دينهم ثم الاسراء والعبيد وعتقهم ثم ابناء السبيل المنقطعين في الغربة والمؤلفة قلوبهم وفي سبيل الله أي المصالح العامة كبناء القناطر والمدارس والمعاهد والمعابد وتعبيد الطرق وامثال ذلك فرض الله الفقراء العاجزين عن تحصيل ما يمونهم وعيالهم لنقص في ابدانهم من مرض ونحوه او عدم مواتاة الحظ لهم (أن صح انّ شيئاً يسمى الحظ له شيء من التأثير في المقادير) نعم فرض الله الزكاة وقرنها بالصلاة اهتماماً بها في زهاء عشرين آية متفرقة [أَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ] اربع منها في سورة البقرة(1) ثم تكررت في عامة سور الطوال، والمفصل والقصار وآخرها في سورة البينة آخر القرآن [وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ](2) وفي الجميع قدمت الصلاة على الزكاة الا في آية واحدة [ قدْ أَفلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى](3) لنكتة معلومة، ولكن في الحديث ما يشير الى انه تعالى ربط الزكاة بالصلاة للدلالة على ان من لا زكاة له لا صلاة له، يعني ان من وجبت عليه زكاة في امواله لم يدفعها لمستحقها لم تقبل صلاته، وان اتى بها على اصح وجوهها، ومن سعة رحمته وعنايته بخلقه جعلها في اهم الاشياء واعمها، والزمها في حياة البشر ومقومات العيش وهي الاجناس التسعة النقدان، والغلات الاربع والانعام الثلاثة، وهو عزَّ شأنه وان فرض فيها النزر اليسير، وهو العشر ونصفه أو ربعه ولكن الحاصل من مجموعه الشيء الكثير، وليست فوائد هذا التشريع وهذه الاشتراكية العادلة الحرة مقصورة على الناحية المادية فقط بل فيها من الفوائد الاجتماعية والتأليف بين الطبقات، وتعاطف الناس بعضهم على بعض وقطع دابر الفساد والشغب فيما بينهم ما هو اوسع وانفع واجلّ واجمع فأنّ فيه غرس بذور المحبة بين الغني والفقير فالغني يدفع وينفع الفقير باليسير من ماله عن طيب خاطره اداءً لواجبه ورغبة بطلب المثوبة من ربه والفقير يأخذ من غير مهانة ولا ذلة لأنه اخذ الحق الواجب له من مالكه وخالقه ثم اردف الزكاة بالخمس توفيراً لحق الفقراء، وتكريماً للعترة الطاهرة عن تلك الفضول التي هي صدقات ونوع من الاستجداء ثم رعاية شبه الجزاء والاجر لجدهم الاعظم فيما تحمل من عناء التبليغ واعباء اداء الرسالة. وبعد ذلك الحث على الانفاق عموماً، وتشريع الزكاة والخمس خصوصاً هل قنعت واستكفت سعة تلك الرحمة وبليغ هاتيك الحكمة؟. هل اكتفت للفقراء والعناية بهم بكل ذلك؟.، كلا بل فتحت في التشريع الاسلامي باب (الكفارات) وهو باب واسع يدخل في اكثر العبادات وغير العبادات وغير المحرمات، فقد مشت وفشت فريضة هذه الضريبة حتى في الصلاة وتكثّرت في الصوم والاعتكاف والحج والايلاء والظهار والنذر واليمين وقتل الخطأ بل والعمد وغير ذلك مما يجد المتتبع في اكثار ابواب الفقه، وهو اطعام للفقراء تارة، وكسوة اخرى، وعتق ثالثة، جمعت الشريعة الاسلامية بسعة رحمتها وعظيم حكمتها بين رعاية الفضل والعدل، واقامت قواعد الاقتصاد والاعتدال في بذل الاموال ولما ندبت وبالغت في الحث على الانفاق في سبيل الله، وتدرجت فيه الى ابعد غاية الانفاق من فاضل المال وحواشيه اولاً لا من صلبه ثم المواساة والمشاطرة من صميمه ثانياً [وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ](1) ثم الايثار على النفس ثالثاً [وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ](2) وهذا اقصى ما يتصوّر من السخاء والكرم والردع عن رذيلة البخل والشحّ، وحذراً من ان تطغي هذه العاطفة فتجحف بالمال وتضرّ بالأهل والعيال، ويضطرب بها حبل المعيشة والعائلة تداركت الشريعة ذلك وعدلت هذا الميل على المال، وقالت لا صدقة وذو رحم محتاج بل سبق ذلك كتاب الله المجيد، فأنه جلّت عظمته لمّا بالغ في دعوة الناس عموماً، والمسلمين خصوصاً الى البذل والاحسان وانفاق المال على الفقراء والمساكين فيما يزيد على سبعين آية بأساليب مختلفة، وتراكيب عجيبة توجه الكتاب الكريم الى تعديل ذلك فأمر بالاقتصاد والتدبير والاعتدال ومجانبة التبذير فقال جلّ وعلا: [وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا](1) بل زاد فقال: [كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُوا](2) أي لا تسرفوا في العطاء بل اوضح ذلك في سورة الاسراء وسورة الفرقان فقال في الاولى: [وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا](3) وفي الثانية: [الَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا](4)الى كثير من امثالها، ومن هنا كانت الشريعة الاسلامية شريعة العدل والفصل [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكمْ أُمَّةً وَسَطًا](5) لا تدعو الى فضيلة الا وتقرنها بالاعتدال والعقل والتوسط (خير الامور اوسطها) فلله شريعة الاسلام المقدّسة ما اوسعها واجمعها وامنعها وانفعها، افلا قائل يقول لهذا الشباب الطائش المخدوع بتلك الشيوعية الحمراء، والبلشفية السوداء؟… أتطلبون اشتراكية اعلى وأصح من هذه الأشتراكية المنظمة العادلة التي توسع على الفقراء والمحاويج ما يرفع حاجتهم، ويحفظ لأرباب الاموال والاغنياء مكانتهم وحريتهم، ولا تضايقهم ولا ترهقهم ولا تحرم العاملين ثمرة اتعابهم ولا تجعلهم كآلة ميكانيكية، او كالبهائم ليس لها الا علفها ومعلفها، نعم انك لا تهدي مـن احببـت ولكن الله يهـدي من يشـاء، بـل الشيـطان سـوّل لـهم وامـلي لهم، ولعل العناية تدركهم فتردهم الى صوب الصواب والمنهج القويم ان شاء الله تعالى(1). بسم الله الرحمن الرحيم وله الحمد وصلى الله على محمد وآله كتاب الزكاة يشترط في وجوبها أمور: الأول: البلوغ وهو والعقل من الشرائط العامة في كل تكليف مضافاً إلى المعتبرة المستفيضة المشتملة على انه لا زكاة في مال الطفل أو لا زكاة على مال الطفل ولا زكاة في مال اليتيم وأمثال هذه التراكيب الظاهرة أو الصريحة في نفي الوجوب وضعاً كنفيه عن غير البالغ تكليفاً، وهذه اخصّ مما دل على تعلق الزكاة وحق الفقير فيما بلغ النصاب من غير اختصاص بالبالغ مثل قولهم ((): (فيما سقت السماء العشر وفي كل اربعين شاة شاة) على ان الأطلاق فضلاً عن العموم في امثال هذه الأدلة ممنوع فأنها مسوقة لبيان المقدار لا لبيان من عليه المقدار فالقول بوجوبها على الطفل اذا بلغ اثناء الحول ويؤديها عنه وليّه أو بعد البلوغ ضعيف ولكنه الأحوط. الثاني: العقل فلا زكاة في مال المجنون في تمام الحول أو بعضه ولو ادواراً فلا تجب لا وضعاً للأصل بعد ما عرفت من قصور ما دل على ثبوت الحق في تلك المقادير الخاصة عن شمولها للصبي والمجنون بقسميه مضافاً إلى صحيحة ابن الحجاج وخبر ابن بكير والأجماع المستفيض ولا تكليفاً لحديث رفع القلم عن المجنون حتى يفيق وظاهر معاقد الأجماعات وبعض الأدلة اعتبار العقل في تمام الحول على حد اعتبار البلوغ والملك ونحوهما فالمجنون ادواراً يعتبر حوله من حين افاقته كما صرح به العلامة (() في محكى المنتهى، حيث قال: ولو كان الجنون يعتوره أدواراً اشترط الكمال طول الحول فلو جن في أثنائه سقط واستأنف من حين عوده، وخالفه في المدارك فقال: انما تسقط الزكاة عن المجنون المطبق واما ذو الأدوار فالأقرب تعلق الوجوب به في حال الافاقة إذ لا مانع من توجه الخطاب إليه في تلك الحال انتهى، وفيه ان المراد ان كان عدم المانع من توجه الخطاب المنجز اليه بالزكاة حال افاقته ولو في اثناء الحول أو اوله ففيه مضافاً إلى ما قيل من استلزام كون غير المكلف اسوء حالاً من المكلف وان عدم التكليف لا يصير منشأ للتكليف ان هذا مخالف لجميع ما دل على اعتبار الحول مطلقاً في النقدين والمواشي واعتبار بدّ والصلاح في الغلات وان كان المراد عدم المانع من توجه الخطاب المعلق إلى تمام الحول بمعنى اعتبار مدة الجنون من الحول ففيه ان هذا يحتاج إلى دليل خاص يفي بهذا الشرح والبيان اما اطلاق ادلة الحول فهي قاصرة عن شمولها لمثل هذا الفرد وبعبارة اجلى إن هنا إطلاقان اطلاق ادلة لا زكاة على مال المجنون، وافراده المتيقنة المجنون المطبق، واطلاق ادلة اعتبار الحول وافراده المتيقنة العاقل طول الحول وبقى من يجن في بعض الحول ويفيق في بعضه، وليس دخوله في احد الأطلاقين اولى، ومع الشك وقصور الأدلة فالمرجع إلى اصالة عدم الوجوب، وبعد بطلان الأحتمالين تعين ان عدم المانع انما هو عن توجه الخطاب المعلّق على تمام الحول من حين افاقته، وهذا هو الذي اختاره العلامة (() وعليه ظاهر المشهور. الثالث: الحرية فلا زكاة على العبد وان قلنا بملكه بل ولو قلنا بعدم منعه من التصرف في بعض امواله، كما يظهر من موثقة ابن عمار: في رجل وهب لعبده الف درهم استحلالاً منه عما لعله ظلمه بضرب أو نحوه هل يحل ذلك المال للمولى، فقال((): لا يحل له وليردها له، وغيرها من الأخبار الظاهرة في ملكيته المطلقة، فليس المانع من وجوب الزكاة عدم الملكية، أو المنع من التصرف، بل المانع نفس العبودية والرقية، كما يظهر من ملاحظة مجموع الأدلة، كما لا تجب على العبد، كذا لا تجب على سيده، كما ذكر (() في المسألة (3) وهو على القول بملكية العبد واضـح، (1) المولى احمد بن العلامة المولى مهدي النراقي العلامة الفقيه العارف الجامع للمعقول والمنقول من أعاظم الفقهاء ومشاهيرهم في القرن الثالث عشر صاحب المؤلفات الثمينة في مختلف العلوم منها مستند الشيعة في الفقه ومعراج السعادة بالفارسية في الأخلاق وعوائد الأيام والخزائن وغير ذلك وقد نسج في الخزائن على منوال والده في كتابه مشكلات العلوم ولم يكن (( ) فقيهاً محصا بل كان له إلماما بالفنون وله في الأدب والشعر والتأريخ والرد على الأديان الباطلة خطوات شاسعة وديوان شعر بالفارسية يسمى (طاقديس) وقد برز إلى عالم المطبوعات وهو غير ديوانه الفارسي الكبير انظر إلى فهرست مؤلفاته في (ريحانة الأدب بالفارسية) لأستاذنا العلامة ميرزا محمد على المدرس التبريزي ج4 184ط طهران ويروى عنه تلميذه الشيخ الأمام الأنصاري (( ) ورأيت نسخة اجازة روايته له بأصفهان عند بعض الأصدقاء. ويروى الشيخ المترجم له عن العلامة الطباطبائي بحر العلوم وعن والده العلامة الشهير وعن الشيخ الأكبر كاشف الغطاء وعن العلامة المتبحر ميرزا محمد مهدي الشهرستاني كما ان جدنا العالم الرباني ميرزا محمد مهدي القاضي الطباطبائي المتوفي (1241)هـ ايضاً يروى عن استاذه وسميه ميرزا الشهرستاني المذكور. توفي المترجم له سنة (1244)هـ ودفن بالنجف الأشر في الصحن الشريف العلوى. ‌ ‌و(نراق) بفتح النون كما هو المشهور في الألسنة وقيل: بكسرها كعراق قرية من قرى بلدة كاشان بايران تبعد عنها عشرة فراسخ. القاضي الطباطبائي (1) هذا المطلب بقلم الشيخ الأمام دام ظله وهو مختصر ما ألقاه في حوزة الدرس قبل (35) سنة في النجف الأشرف. (1)زين الدين بن نور الدين علي العاملي الجبعي الشهير بـ(الشهيد الثاني) من اشهر فقهاء الأمامية وقادتهم المشاهير ولد في (3) شوال سنة (911)هـ ونال الشهادة والسعادة سنة (965)هـ، انظر اعيان الشيعة ج33 ص223 ــ 296ط بيروت. تنقيح المقال ج1 ــ ص472. القاضي الطباطبائي (1)الشيخ جعفر بن الشيخ خضر الجناحي النجفي امام الطائفة وشيخها الأكبر من اساطين الدين واركان المذهب وزعيم الشيعة الأعظم وشيخ الفقهاء صاحب كشف الغطاء وغيره من المؤلفات النفيسة. واولاده الأمجاد اسرة عريقة بالعلم والفضيلة ونبغ منهم الفقهاء والأكابر زعماء الدين ورؤساء الأسلام ومنهم اليوم شيخنا الأمام ادام الله ظله الذي يحتاج تأريخ شؤون حياته وترجمته الشريفة إلى تأليف مستقل. وكان بين الشيخ الأكبر وبين معاصره جدنا العلامة الفقيه ميرزه محمد نقي القاضي المتوفي (1222)هـ ــ تلميذ الوحيد البهبهاني (() ــ صداقة كاملة وكذا ايضاً بين الشيخ الأكبر وبين تلميذه جدنا العالم الرباني الحاج ميرزه مهدي القاضي الكبير المتوفى (1241)هـ كما يشهد بذلك المراسلات المتوالية بينه وبين الشيخ (() الموجودة عندنا بخطه الشريف. وقد جاء الشيخ الاكبر الى تبريز في اوائل الثورة الروسية حينما تداخلت ايديهم الظالمة على ايران في ايام فتح علي الشاه القاجاري ليحرض الناس على الدفاع عن البلاد الايرانية واتفق في تبريز لقاء الشيخ (() مع جدنا القاضي الكبير واوجد ذلك اثراً عظيماً في النفوس. ‌ ‌توفي الشيخ (( ) سنة (1228)هـ وممن رثاه بالفارسية هو الشيخ الفاضل علي اشرف التبريزي الطسوجي المتولد (1189)هـ والمتوفي (1268)هـ وانشأ اشعاراً تتضمن تأريخ وفاته ورأيتها بخطه ولا بأس بنقلها في هذا المقام: جون جناب شيخ جعفر راروان شد بسوى جنة المأوى روان وهن فاحش شد بدين جعفري دين جعفر راشكستي شد عيان شد مدارك رامسالك بي سلوك شد شرايع را قواعد بي نشان بعد ازآن آوخ مفاتيح ودروس بعد از اين هيهات تحرير وبيان بود تابودش زمين راصد شرف با وجود او بهفتم آسمان بي وجود او نيارم هيج كفت خاك برفرق من واين خاكدان رونق كلشن كجا ماند دكر رخت بر بندد جوكل ازكلستان خواستم تأريخ سال فوت او بالبديهة (أشرف) تأريخ دان بادريغ وحسرت وافسوس كَفت بود دين جعفري رفت از ميان (1228)هـ وله ابيات اخرى ايضاً في تأريخ وفاته (( ) تركنا ذكرها خوف الأطالة. القاضي الطباطبائي (1)ابو عبد الله محمد بن جمال الدين مكي الدمشقي العاملي الجزيني رئيس المذهب وزعيم الملة وافقه فقهاء الأفاق بعد المحقق على الأطلاق وهو رأس المحققين ورئيسهم والف التصانيف الرائقة في الفنون الشرعية وله انظار دقيقة ونظريات بديعة ولد سنة (734)هـ ونال الشهادة في يوم الخميس التاسع من جمادى الأولى سنة‌ ‌(786)هـ قتل بالسيف ثم صلب ثم رجم ثم احرق بدمشق في دولة (بيدمرو) وسلطنة (برقوق) بفتوى القاضي برهان الدين المالكي وعباد بن جماعة الشافعي بعدما حبس سنة كاملة في قلعة الشام قدس الله روحه وحشره مع الشهداء والصديقين وحسن اولئك رفيقا. القاضي الطباطبائي (1) الشيخ محمد حسن بن الشيخ باقر النجفي من مشاهير فقهاء الأمامية صاحب الجامع الكبير (جواهر الكلام) توفي سنة (1266)هـ في النجف الأشرف ودفن في مقبرته المعروفة. (1) قد تقدم هذا البحث بقلمه الشريف وهذا بقلم بعض افاضل تلاميذه في حوزة درسه. (1) هذا الكلام غير منقح يحتاج إلى المراجعة منه دام ظله. (2) محمد بن الحسن بن محمد الأصفهاني الشهير بــ(الفاضل الهندي) من اكبر فقهاء الأمامية في القرن الثاني عشر وحيد عصره. واعجوبة دهره له مؤلفات ممتعة منها (كشف اللثام) في الفقه توفي في فتنة الأفغان باصبهان سنة (1137)هـ ــ تلك الفتنة الفجيعة والكارثة المفجعة ــ ودفن في مقبرة تخته فولاد. (3) الشيخ نجم الدين ابو القاسم جعفر بن الحسن الحلي المحقق اما الطائفة احد اركان الدين شيخ الفقهاء ومربي العلماء الجامع لجميع الفضائل والكمالات الإنسانية صاحب التصانيف الرائقة اشهرها كتاب (شرائع الإسلام) في الفقه توفي في ربيع الثاني سنة (676)هـ. (1)ابو زكريا يحيى بن احمد بن يحيى بن الحسن بن سعيد الحلي الهذلي الأمام الفقيه الورع الزاهد المعروف بــ(الشيخ نجيب الدين) ابن عم المحقق وسبط صاحب السرائر ولد سنة (601)هـ، وتوفي سنة (689)هـ، ودفن بالحلة. (1) السيد محمد مهدي بن السيد مرتضى الحسني الطباطبائي النجفي الشهير بــ(بحر العلوم) سيد علماء الاسلام صاحب الكرامات الباهرة زعيم الأمامية ومفخرة الطائفة تولد في الحائر الشريف سنة (1155)هـ، وتوفي سنة (1212)هـ، ودفن في النجف الأشرف في مقبرته المعروفة. (1) سيدنا الأمام آية الله السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي مرجع الشيعة الأمامية في الأقطار الإسلامية له ايادي مشكورة للشيعة في ايقاظهم عن رقدة الغفلة توفي سنة (1337)هـ قدس الله روحه. (1) الشيخ عز الدين حسين بن عبد الصمد الحارثي الهمداني العاملي (والد الشيخ البهائي) من اكابر علماء الأمامية تصدى لمشيخة الإسلام في عهد الشاه طهماسب الصفوي. توفي سنة (484)هـ ومن غرائب فتاواه القول بعينية وجوب صلاة الجمعة في زمن الغيبة. (1)احمد بن علي بن ابي طالب الطبرسي من اكابر فقهاء الأمامية وثقاتهم صاحب كتاب الأحتجاج على اهل اللجاج وهو من الكتب المعتبرة انظر (الذريعة) لسيخنا العلامة الطهراني مد ظله ج1 ص281 ط نجف. و(طبرسي) نسبة إلى (طبرس) وهي رستاق بين اصفهان وكاشان وقم و(طبرس) بالطاء المهملة المفتوحة والباء الموحدة الساكنة والراء الكسورة والسين المهملة معرب (تفرش) الحالية بايران كما عن العلامة المجلسي (( ) والقول بأن الطبرسي منسوب إلى (طبرستان) كما هو المشهور اشتباه من بعض السلف ومنه تسرب الوهم إلى‌ ‌اكثر الخلف كما حققنا ذلك تفصيلاً في المقالة التي نشرناها في مجلة (العرفان) ــ ص371 ــ 375 ج2 مج 39 ط صيدا. وانظر ايضاً إلى تأريخ بيهق ــ ص242 ط طهران. والى ذيل ذلك التاريخ ص347 ــ 353 والى ما ذكره خطيبنا العلامة الواعظ الجرندابي في تعليقاته على شرح عقائد الصدوق ص59 ط2 تبريز ايران. القاضي الطباطبائي (1) الشيخ بهاء الدين محمد بن الحسين الجبعي العاملي من اشهر فقهاء الأمامية واعلام الدين الشاهقة الجامع لأنواع العلوم والفنون انتهت رياسة الدين اليه وتصدى لمشيخة الاسلام بايران واشتهر في الآفاق وسمع بأسمه الشريف كل من نشأ بعده منذ زمنه إلى اليوم وله مؤلفات فائقة نفيسة اكثرها مطبوعة منتشرة ولد سنة (953)هـ وتوفي سنة (1031)هـ انظر سلافة العصر للعلامة السيد علي خان (289 ــ 302ط مصر. (1) المولى محمد باقر بن العلامة المولى محمد تقي المجلسي شيخ الاسلام والمسلمين ورئيس المحدثين صاحب الجامع الكبير (بحار الأنوار) الذي هو بمنزلة دائرة المعارف في جمع شتات الأخبار ومتفرقات الآثار تصدى لمشيخة الاسلام بايران توفي سنة (1111)هـ أو سنة (1110)هـ. (2) محمد بن احمد بن ابراهيم الجعفي الكوفي ثم المصري المعروف بـ(الصابوني) من قدماء فقهاء الأمامية واعلامهم المشاهير ادرك الغيبتين وله مؤلفات كثيرة في الفقه منها كتاب الفاخر انظر تنقيح المقال ج2 باب الميم ص65 رقم (10291). (1) الكوة تفتح وتضم الثقبة في الحائط وجمع المفتوح على لفظه كوات مثل حبة وحبات وكواء ايضاً بالكسر والمد مثل ظبية وظباء وجمع المضموم كوى بالضم والقصر مثل مدية ومدى كذا ذكره الفيومي في المصباح. القاضي الطباطبائي (1)ابو الصلاح الشيخ تقي بن النجم الحلبي الفقيه الثقة الجليل من اكابر فقهاء الامامية قرأ على السيد المرتضى والشيخ الطوسي ويروي عنه القاضي ابن البراج وله مؤلفات في الفقه. (2) ابو القاسم ذو المجدين علي بن الحسين الموسوي الشهير بـ(السيد المرتضى علم الهدى) سيد علماء الامة وزعيم الشيعة الاكبر ومفخرة الامامية جمع من العلوم ما لم يجمعه احد وكان له ثروة طائلة واموال وقرى كثيرة وصنف المؤلفات الرائقة الممتعة سنة (355)هـ، وتوفي سنة (436)هـ، قدس الله روحه. (1) كلمة فارسية معربة تستعمل في الطراحة التي ينام عليها ومعناها في التركية توشك وتستعمل ايضاً في المتكا (المخدة) والجبة واللبادة ونحوها مما يلبس فوق الثياب. انظر المعجم الفارسي الكبير (برهان قاطع) للشيخ محمد حسين بن خلف التبريزي ص1223 ــ 1224 ج2 والى مادة (توشك) ص534 ــ ج1 ط ــ طهران سنة (1331)هـ. القاضي الطباطبائي (2) ابو طالب فخر المحققين محمد بن آية الله العلامة الحلي من وجوه هذه الطائفة وثقاتها وحيد عصره وفريد دهره صاحب التصانيف الجيدة توفي سنة (771)هـ. (1) ابو جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي رئيس المحدثين من عظم اركان الدين صاحب كتاب (من لا يحضره الفقيه) الذي هو احد الكتب الاربعة للامامية له نحو من ثلاثمائة مصنف توفي سنة (381)هـ بالري ودفن بها وقبره مشهور يزار ويتبرك به. (1)اثبتنا الرواية كذلك فأنها هكذا وردت في اغلب نسخ جوامعنا الحديثية الموجودة بأيدينا اليوم وكذا فيما وقفنا عليها من الكتب الفقهية الاستدلالية فقد روى ثقة الاسلام الكليني (( )في فروع الكافي ج1 ــ ص92 عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين ان بعض اصحابنا كتب الخ ورواها شيخ الطائفة (( )بأسناده عن محمد بن يحيى ايضاً وروى الشيخ الصدوق (( )في كتابه العلل عن ابيه محمد بن يحيى عن محمد بن أحمد عن السياري ان بعض اهل المدائن كتب إلى ابي الحسن الماضي (( ) الخ ثم قال الصدوق (( )بعد نقل الرواية (ليس كل رمل ممسوخاً ولا كل ملح ولكن الرمل والملح الذي يتخذ منه الزجاج ممسوخان)ويظهر من ذلك ان الرواية هكذا وصلت اليه (( ) ولذا اضطر إلى التوجيه واخذ بعض بظاهر هذه الرواية ولكن حملها المحققون على خلاف ظاهرها من الكراهة بعد ان كان مقتضى الظاهر هو الحرمة ولا سيما بعد وقوع الرمل تعليلاً للنهي عن السجود على الزجاج مع ان النص والإجماع يدلان على جواز السجود على الرمل ومن المعلوم ايضاً كونه من الأرض ودخوله في مسماها بلا شك. ولكني اقول بتوفيق الله تعالى ومنه العميم انه يظهر بعد التتبع والفحص في كتب احاديث اصحابنا الأمامية (( ) ــ ولعله يحصل الاطمئنان بذلك ــ ان في الرواية تصحيفاً في اولها وآخرها اما في اولها فهو ان (ابي الحسن الماضي) انما هو تصحيف (ابي الحسن الهادي) ويعبر بأبي الحسن الماضي على ما هو المشهور عن مولانا الكاظم (( ) لشدة التقية في زمانه وطغيان بعض الفراعنة في اوانه نعم لشيخنا العلامة المقمقاني (( )كلام في التعبير عن الأمام (( ) بـ(الماضي) ذكره في كتابه القيم (تنقيح المقال) ج1 ص189 فراجع. واما التصحيف الواقع في ذيلها فأن الرواية مروية بأختلاف الألفاظ في ذيلها. فقد نقل الشيخ الثقة الجليل بهاء الدين علي بن عيسى الأربلي (( )في كشف الغمة في معجزات الهادي (( ) عن الدلائل للحميري ما لفظه (وكتب اليه محمد بن الحسين بن مصعب المدائني يسأله عن السجود على الزجاج قال فلما نفذ الكتاب حدثت نفسي انه مما انبتت الأرض وانهم قالوا لا بأس بالسجود على ما انبتت الأرض قال فجاء الجواب لا تسجد عليه وان حدثتك نفسك انه مما انبتت الأرض فأنه من الرمل والملح والملح سبخ) ورواه الشيخ المؤرخ الكبير المسعودي (( ) باختلاف في ذيل الرواية في كتابه اثبات الوصية في معجزات الهادي (( ) ص189‌ ‌طبعة النجف الثالثة عن الحميري عن الحسن بن مصعب المدائني وقال في آخرها (فأنه من الرمل والملح والملح سبخ والسبخ ارض ممسوخة) ورواه الشيخ ابي جعفر الطبري الأمامي في الدلائل عند ذكر معجزات الهادي (( ) بأختلاف ايضاً ص218 طبع النجف عن المعلى بن محمد البصري عن أحمد بن محمد بن عبد الله قال كتب محمد بن الحسين بن مصعب إلى ابي الحسن (( ) وقال في ذيل الرواية: (فأنه من الرمل والملح سبخ والرمل المسبخ بلد ممسوخ) وليعلم ان محمد بن الحسين الواقع في طريق الكليني هو محمد بن الحسين بن ابي الخطاب ابو جعفر الزيات الهمداني الثقة الجليل المتوفي (262)هـ بقرينة رواية محمد بن يحيى العطار الأشعري الثقة عنه وكان ابو جعفر الزيات من اصحاب الجواد والهادي والعسكري (( )والمراد من قوله بعض اصحابنا كتب الخ هو محمد بن الحسين بن مصعب المدائني كما ظهر ذلك من رواية الطبري والحميري بل من رواية الصدوق (( )ايضاً ولكن طريق شيخنا الصدوق (( ) في العلل ضعيف فأن المراد من السياري الواقع في طريقه هو أحمد بن محمد السياري من اصحاب العسكري (( ) وهو ضعيف الحديث وما ذكره العلامة النوري (( ) في خاتمة المستدرك من اثبات وثاقته والأعتماد عليه لا يلتفت اليه فأنه اجتهاد في مقابل النص وقد صرح علماء الرجال بتضعيفه وتخليطه. ثم ان لا شك عند المتأمل ان هذه الروايات المختلفة ذيلها لفظاً كلها رواية واحدة وهي سؤال محمد بن الحسين المدائني عن مولانا الهادي (( ) وانما جاء الأختلاف من قبل الرواة ومن غلط النساخ ومع هذا الاختلاف والأضطراب في ذيلها بحيث اوجب خفاء الواقع لنا لا يمكن الاستدلال بها على كراهية السجود على الرمل اصلاً بعد عدم امكان الأخذ بظاهرها ولعل مع هذا الاختلاف في ذيلها يظهر ايضاً ان النهي عن السجود على الزجاج انما هو من جهة الملح واستحالته والله العالم. القاضي الطباطبائي (1) الحاج آقا رضا محمد هادي الهمذاني من اكابر فقهاء الأمامية في اوائل هذا القرن له مؤلفات ممتعة نافعة في الفقه واصوله وكتابه (مصباح الفقيه) من انفس الكتب الفقهية الاستدلالية خرج منه كتاب الطهارة والصلاة والخمس والزكاة مع حسن التقرير وسلاسة التحرير توفي سنة (1322)هـ. (1) مولانا العالم الرباني احمد بن محمد الأذربيجاني الأردبيلي من آيات الله الباهرة ومن اكبر فقهاء الأمامية ورؤساء الأمة قال العلاّمة المجلسي ((): (لم اسمع بمثله في المتقدميين والمتأخريين) توفي سنة (993)هـ ودفن في جوار القبة العلوية البيضاء في النجف الأشرف قدس الله روحه. (1)محمد بن احمد بن ادريس الحلي صاحب كتاب السرائر من اعاظم فقهائنا وهو في الرعيل الاول بين المحققين توفي سنة (598)هـ. (2) ابو جعفر محمد بن الحسن الطوسي النجفي من دعائم الدين واركانه شيخ الطائفة وامامها ورئيسها الاعظم صاحب المؤلفات المشهورة الجليلة في جميع العلوم الاسلامية ولد سنة (385)هـ وتوفي سة (460)هـ. (1) قرب الاسناد لأبي العباس عبد الله بن جعفر الحميري ص151 طبع النجف. (1) سورة العنكبوت آية: 45. (1) سورة البقرة آية: 3. (2) سورة البقرة آية: 177. (3) سورة البقرة آية: 254. (4) سورة البقرة آية: 261. (5) سورة البقرة آية: 274. (6) سورة البقرة آية: 275 قوله تعالى: كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان أي المصروع وتخبط الشيطان من زعمات العرب يزعمون ان الشيطان يخبط الأنسان فيصرع والخبط الضرب على غير استواء كخبط العشواء فورد على ما كانوا يعتقدون والمس الجنون وهذا ايضاً من زعماتهم وان الجني يمسه فيختلط عقله ولهم في الجن قصص واخبار وعجائب وانكار ذلك عندهم كأنكار المشاهدات، هذا مختصر ما قاله الزمخشري في الكشاف. القاضي الطباطبائي (1) وقد شرح سماحة شيخنا الأمام ــ متعنا الله تعالى بطول بقائه ــ هذه القاعدة الشريفة في كتابه القيم (تحرير المجلة) ج1 (55 ــ 56 في مادة 85 ــ 87 وادى حقها في التحقيق والتنقيب ومن اراد ان يطلع عليها ويفهم المراد منها فعلية ان يراجع ذلك السفر الجليل الذي جادت به براعته منذ سنين وهو من جلائل الكتب الممتعة ومن نفائس الآثار المترشحة من قلم سماحته وفيه تستبين الموازين العلمية بين فقه سائر المذاهب الاسلامية وفقه المذهب الجعفري وما فيه من غزارة المادة وسعة الينبوع وكثرة الفروع وقوة المدارك وتشعب المسالك ورصانة المباني وسمو المعاني ومطابقة العقل والعرف وغير ذلك من المزايا العالية والخصائص الكامنة فيه وكيف لا يكون هذا الفقه جامعاً لهذه الأوصاف مع انه مأخوذ من اهل البيت النبوي ومن الأئمة الطاهرين (() خزان علم الله وحفظة وحيه وتراجمة كلامه وعلومهم مقتبسة من مشكاة النبوة وهم اعرف بفقه شريعة جدهم من غيرهم كأبي حنيفة الفارسي (( لاشك ان ابا حنيفة كان من الفرس انظر كتاب (تبييض الصحيفة في مناقب ابي حنيفة) من تصانيف جلال الدين السيوطي الشهير ص3 ط2 حيدر آباد الدكن ــ وفي ذلك الكتاب من القضاياء العجيبة التي ادوها من المناقب في حق ابي حنيفة مما تأباها العقول السليمة ففي صفحة (19) انه حفظ على ابي حنيفة انه ختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعين الف مرة ولم تفطر منذ ثلاثين سنة وفي صفحة (35) انه صلى خمساً واربعين سنة على ضوء واحد وامثال هذه الترهات كثير ولا يزيدك الا تعجباً فراجع)) وامثاله. فدع عنك الجنايات الصادرة من اقلام ابن خلدون البربري المغربي ونظرائه الذي عاش في اقصى المغرب ولم يطلع على مزايا الفقه الجعفري حتى تفوه في حقه بزخرف القول والكلام المقذع كما هو موجود في مقدمته المشهورة. وكم له من امثال هذه الجنايات الفظيعة التي اقتفى اثره فيها المقلدة من كتبة العصر فتحاملوا على الشيعة باقلامهم المستأجرة والصقوا بهم كل سنعاء. والى الله المشتكى. القاضي الطباطبائي (1) سورة البقرة آية: 280. (2) سورة الحديد آية: 11. (1) سورة البقرة آية: 219. (2) سورة البقرة آية: 143. (1) سورة البقرة آية: 43 ــ 83 ــ 110 ايضاً سورة البقرة آية: 177 [ اقام الصلاة وآتى الزكاة] ايضاً سورة البقرة آية: 277 [ اقاموا الصلاة وآتوا الزكاة]. (2) سورة البينة آية: 50. (3) سورة الاعلى آية: 14 ــ 15. (1) سورة المعارج آية: 24 ــ 25 وفي سورة الذاريات آية: 19 قوله تعالى [ وفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ]. (2) سورة الحشر آية: 91. (1) سورة الاسراء آية: 26 ــ 27. (2) سورة الانعام آية: 141. (3) سورة الاسراء آية: 29. (4) سورة الفرقان آية: 67. (5) سورة البقرة آية: 143. (1) وبمناسبة ذكر الزكاة نذكر فيما يلي بعض تعليقات سماحة شيخنا الأمام دام ظله على (العروة الوثقى) ــ للسيد آية الله الشريف الطباطبائي اليزدي (() ــ مما لم تذكر في حاشيته المطبوعة على الحجر سنة (1367)هـ في النجف الأشرف التي لم يكتب مثلها على كثرة التعاليق والحواشي مع الأشارة إلى المدارك والقواعد وزيادة بعض الفروع والمباحث العالية والفوائد النافعة والثمار اليانعة فراجعها تجدها فوق ما نقول. القاضي الطباطبائي ?? ?? ?? ?? (94) الفردوس الأعلى )))))) مسألة الفرق بين الحقوق والأحكام (85) )))))) في بيان حقيقة البيع والملك والملكية (93) )))))) تقريرات درس سماحة الشيخ كاشف الغطاء (137) )))))) في الآذان والاقامة (139) )))))) الكلام في قسمة الديون (143) )))))) بعض ما في العبادات من الحكم والاسرار (145) )))))) الزكاة والاشتراكية الصحيحة (153) )))))) كتاب الزكاة (155) واما على القول بعدم ملكه، فيجب عليه أي على سيده الزكاة مع التمكن العرفي من التصرف في المال الذي بيد العبد على نحو الوكالة والعمالة، كمال المضاربة، أو العارية والوديعة بحيث يقال عرفاً هو مال السيد في يد العبد، اما لو كان منسوباً إلى العبد عرفاً، كالمال الموهوب له من مولاه، أو من اجنبي بحيث لم تبق للواهب به علاقة فالأقوى عدم الوجوب عليهما معاً فانه كالطعام المعد للضيف الذي لا يسع صاحبه المنع عنه، مضافاً إلى صحيحة ابن سنان قلت له: مملوك في يده المال عليه زكاة؟ قال: لا قلت: فعلى سيده قال: لا لأنه لم يصل إلى السيد وليس هو للملوك، والمراد منها على الظاهر بعد التأمل ــ الأموال التي يكتسبها العبد المأذون من مولاه بالكسب، فأنها اموال في يد العبد ولكنها ليست له، فلا تجب عليه الزكاة، بل لمولاه، ولكن لا تجب عليه الزكاة ايضاً لأنها لم تصل ولم تحصل في يده وتستقر حولاً عنده. الرابع: ان يكون مالكاً اعتبار الملك ضروري عقلاً فضلاً عنه شرعاً وانما المعتبر هنا شرطاً شرعياً هو تمامية الملك فقبل تمام الملك لا زكاة قبل القبض كالموهوب ــ بناء على ان القبض شرط في الصحة وحصول الملكية، سواء جعلناه ناقلاً فلا ملكية قبله، أو كاشفاً وهو ممنوع من التصرف قبله وقول صاحب المدارك ان الخلاف في القبض بالهبة واقع بأنه شرط في الصحة أو اللزوم، لا في كونه كاشفاً أو ناقلاً، مدفوع بأنهم متفقون على ان الهبة بالقبض لا تصير لازمة وانها من العقود الجائزة بذاتها، ولا تلزم الا بأسباب مخصوصة، وان مرادهم باللزوم الكشف عن تحقيق الملكية السابقة لا اللزوم بالمعنى المصطلح في البيع ونحوه كما نبّه عليه كاشف الغطاء (() وكيف كان فلا اشكال في وجوب الزكاة بعد مضي الحول من حين القبض ولو كان الملك متزلزلاً، نعم لو رجع الواهب في اثناء الحول سقطت اما بعده فلا، وكذا فيما لا يعتبر فيه الحول كالغلات، فأنه يرجع المال إلى الواهب بعد اداء الزكاة؛ وكذا القرض لا تجب الا بعد قبض المقرض، وزكاته قبل ذلك على المقترض، كما سيأتي والفرق بين الهبة والقرض من حيث وجوبها على المقترض ويرجع المال بتمامه للمقرض وفي الهبة يرجع إلى الواهب بعد اخراج الزكاة منه ظاهر بالتأمل. الخامس: تمام التمكن من التصرف يظهر هذا الشرط من المستفيضة التي اعتبرت في وجوب الزكاة أن يكون المال عنده أو في يده وان يكون وصل اليه، وان لا يكون غائباً عنه وامثال ذلك، ولا ينبغي الريب في ان المراد بهذه الكلمات الكناية عن السلطة التامة الفعلية للمالك بحيث لا مانع له من التصرف باي نحو اراد لا شرعاً ولا عرفاً فمثل المغصوب، والمجحود، والمسروق والضائع، وامثالها، لا مانع له من التصرف شرعاً فيه باي نحو اراد، ولكنه ممنوع عرفاً، بمعنى ان تصرفاته تعد لغواً عند العرف، اما مثل المرهون والموقوف والمحجر عليه لفلس ونحوه، مما يتعلق بالعين حق الغير فهو ممنوع من التصرفات فيه شرعاً بل وعرفاً ولعله (() نظراً لهذا قال والمدار في التمكن على العرف فان العرف اذا احرز المنع الشرعي اكتفى به مانعاً اما النذر فسيأتي الكلام فيه. (مسألة 1): يستحب للولي الشرعي اخراج الزكاة في غلات غير البالغ الخ جمعاً بين صحيحة محمد بن مسلم وزرارة عن ابي جعفر وابي عبد الله (() مال اليتيم ليس عليه في العين والصامت شيء، فاما الغلات، فان عليها الصدقة واجبة، وبين موثقة ابي بصير وليس على جميع غلاته من نخل أو زرع أو غلة زكاة، فيحمل الوجوب على تأكد الاستحباب على اشكال، لان احتمال الاستحباب ليس باقوى من احتمال جريها مجرى التقية لان زكاة الغلات، بل والمواشي كان يأخذها عامل السلطان في تلك الازمنة، حتى من مال الصغير، ومن هنا ظهر الاشكال في استحباب اخراجها من مواشيه، وان الاحوط كما ذكره (() الترك، بل هو الاقوى، لعدم دليل عليه سوى ما يدعي من عدم القول بالفصل، وهو كما ترى. (مسألة 2): يستحب للولي الشرعي الخ مستنده صحيحة ابن الحجاج امرأة من اهلنا مختلطة أعليها زكاة؟ فقال: ان كان عمل به فعليها الزكاة، وان كان لم يعمل به فلا، ومثله خبر موسى بن بكير، وهو ظاهر في النقدين فلا تستحب في غيرهما ولو عمل به. (مسألة 3): الأظهر وجوب الزكاة على المغمى عليه الخ ونقل سيد المدارك(1) عن العلامة (() في التذكرة انه قال: وتجب الزكاة على الساهي، والنائم والمغفل، دون المغمى عليه، لانه تكليف وليس من اهله، ثم قال السيد في الفرق نظر فان اراده انه ليس اهلاً للتكليف حال الاغماء فمسلم، لكن النائم كذلك، وان اراد كونه مقتضياً لانقطاع الحول، كما في ذي الادوار، طولب بدليله انتهى ملخصاً وهو جيد. بعض اسرار الحج [وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ](2). بما ان الانسان متكون من جوهرين جسم وروح، فقد جعل شارع الشريعة الاسلامية لكل من الجوهرين فرائض، وتكاليف، ليس الغرض منها سوى سعادة الانسان، وتعاليه في معارج الكرامة ومدارج العظمة، واهم فرائض الروح العقيدة والايمان، واهم فرائض البدن، اعمال خاصة يسميها الشرع بالعبادات والفروع أي فروع الدين، كما يسمي تلك باصول الدين، وتلك العبادات خمسة:، الصلاة والصوم، وهي بدنية محضة، والخمس، والزكاة وهي مالية محضة، والحج يتضمنهما معاً، فهو عبادة مالية، وبدنية وقد جمعت كل واحد من هذه العبادات أسراراً وحكماً اذا لم يكن الحج أكبرها مقاصد وأكثرها أسراراً وفوائد فليس هو بأقلها وقد أشارت الآيات إلى بعض تلك الأسرار والمزايا، وهي مادية اقتصادية، واخلاقية اجتماعية، ورموز علوية، ورياضات روحية، نعم الناظر إلى أعمال الحج نظرة سطحية قد ينسبق إلى ذهنه أنها الاعيب من العبث، واضراب من اللهو والنصب ولكن لا تلبث تلك النظرة العابرة حتى تعود عبرة وفكرة، تذهل عندها الألباب وتطيش في سبحات جلالها العقول، اما الذي فيه من الفوائد المادية، والاجتماعية، والاخلاقية، فلعل سطحه الاول ظاهر مكشوف، والتوسع فيه يحتاج إلى مجال أوسع ونظر أعلى وأرفع، وهي التي اشير اليها بقوله عز شأنه [لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ]ولكن اذا لم يتسع لنا المجال للإشارة إلى تشريح هذه المنافع أفلا يمكن التلويح إلى بعض تلك النفحات التي تهب نسائهما من الكنوز والرموز الروحية التي تتضمنها اعمال الحج اوّلها الإحرام، أرأيت المحرم حين يتجرد من ثيابه التي يتجمل بها بين الناس فيستبدل بها قطعتين من القطن الأبيض اشارة إلى قطعه جميع علائق هذه الحياة، وزخارفها، واكتفائه بثوبين، كمن ينتقل من هذه الحياة إلى الحياة الأخرى، لابساً اكفانه، منصرف النفس عن كل شهواتها، وعازفاً عن كل لذاتها، أتراه حين يرفع صوته كلما علا جبلاً أو هبط وادياً أو نام أو استيقظ (لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك) كأنه يجيب داعياً، ويخاطب منادياً، نعم يجيب داعي الضمير، وخطاب الوجدان خطاباً يجيب به نداء ربه، واذان ابيه ابراهيم، ودعوة نبيه محمد (() أتراه كيف يتجرد من الدنيا ويتحلى عن الروح الحيوانية فيصير روحاً مجرداً، وملاكاً بشراً فيحرّم على نفسه التمتع حتى من النساء والطيب والطيبات، بل حتى العقد على النساء ويحرم عليه ان يؤذي حيواناً، ولو من الهوام وان يصيد صيداً ولو من الأنعام، وان يقطع شجراً؛ أو يقطع نباتاً، واذا عقد على امرأة في احرامه حرمت عليه ابداً، ارأيته حين يطوف حول الكعبة رمز الخلود، ومركز الأبدية وتمثال العرش الذي تطوف حوله الملائكة [وَتَرَى الْمَلاَئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ](1)طالباً ان تفتح ابوابها فتدخل في فردوسها الأبهى، ويخلد في نعيمها الأبدي، مع الخالدين، أتراك حين يبتدئ بطوافك من الحجر فتلمسه قاصداً انك تبايعه وتأخذ العهد منه وتقبله كأنك تقبل يد الرحمن، وانه قد نزل ابيض من اللجين ولكن ذنوب العباد كسته حلة السواد كناية انه تحمل ذنوبهم وتعهد بغفرانها من خالقهم، ارأيت كيف ينقلب الطائف حول الكعبة بعد الفراغ من طوافه إلى مقام ابراهيم فيصلى فيه اشارة إلى انه بعد طوافه على القلب قام مقام ابيه ابراهيم في دعائه إلى الرب واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى ربنا تقبل منا انك انت السميع العليم وتب علينا انك انت التواب الرحيم، أتراه حين ينفلت بعد الفراغ من الطواف إلى السعي بين الصفا والمروة مهرولاً يدفعه الشوق إلى السوق حذار ان تعرضه خطرات الوسواس فتكون حجر عثرة في طريقه إلى مشاهدة الحق وتكدر عليه ذلك الصفا المتجلى عليه من اشعة تلك اللمعات والصفا هو الصخرة التي وقف عليها نبي الرحمة في اول دعوته الناس إلى التوحيد، والدخول في دين الأسلام، والتخلي عن عبادة الأصنام، وما بين الصفا والمروة هو الموقع الذي سعت فيه هاجر ام اسماعيل سبع اشواط في طلب الماء لولدها الذي تركته في المسجد الحرام حول الكعبة ولما أيست رجعت لولدها، رجعت اليه فوجدت ماء زمزم قد نبع من تحت قدميه ثم بعد اكمال السعي يقصر من شعره، ولعله اشارة إلى ان السالك إلى الحق مهما جد في المسير، فان مصيره ومنهاه إلى القصور في شعوره، أو التقصير، فأذا عرف قصوره، واعترف به، حل من احرامه، واحل الله له الطيبات التي حرمها عليه، ورجع من الحق إلى الخلق، وهو احد الأسفار الأربع، والى هنا تنتهي عمرته، ثم يوم الثامن يوم التروية يعقد الإحرام ثانياً، وهو احرام الحج، ويتوجه إلى منى وقبل الظهر يوم التاسع يكون في عرفات من الظهر إلى غروب الشمس، ثم يفيض إلى المشعر، وقبل طلوع الشمس يعود إلى منى، فيأتي بمناسكها الثلاثة الرمي، والذبح، والحلق يوم عيد الأضحى، وبعد الحلق يحل من كل ما حرم عليه بالحرام الا الطيب، والصيد، والنساء، ثم يعود إلى مكة، لأحرام الحج ويحل له بعده الصيد، والطيب؛ ثم يعود إلى منى ويبيت فيها ليالي النفر؛ الحادية والثانية عشر ويرمي الجمرات في اليومين، أو الثلاث بعد الأضحى ثم يطوف طواف النساء فتحل له وهنا تنتهي اعمال الحج والمناسك بأجمعها وفي كل واحد من هذه الأعمال رموز واسرار وحكم ومصالح لو اردنا شرح بعضها فضلاً عن كلها لأحتجنا إلى مؤلف مستقل لا نستطيع القيام به، وقد وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا، ولكن ليعلم ان الأسرار والمصالح التي في الحج، بل وفي كل عبادة، نوعان خاصة وعامة، اما الخاصة فهي الأسرار التي يتوصل اليها السالكون والعلماء الراسخون، والعرفاء الشامخون ولا تنكشف استارها، وكنوزها لعامة للناس، بل ولا يتصورها بلمح الخيال احد منهم واما العمة فهي الواضحة المكشوفة التي يستطيع كل متفكر ومتدبر ان يعرفها ويتوصل اليها واعظمها واهمها واجلى المصالح والأهداف التي يرمي اليها ويتطلبها على الظاهر المكشوف والتي يدركها كل ذي شعور هي الناحية الاجتماعية، ومن المعلوم ان الإسلام دين اجتماعي وقد اعطى للنواحي الاجتماعية اعظم الأهمية فشرّع صلاة الجماعة في مسجد المحلة كلّ يوم ثلاث مرات أو خمس وصلاة الجمعة في المسجد كل اسبوع وصلاة العيدين لعموم اهل كل بلد وضواحيها كل سنة مرتين ولم يكتف بذلك كله حتى دعي إلى مؤتمر عام بجميع اهل الحجى، والثروة، والطبقة الراقية، مالاً وعقلاً من المسلمين المتفرقين في اقطار الأرض الشاسعة في صعيد واحد، ليتعارفوا اولاً فأذا تعارفوا تآلفوا واذا تآلفوا تكاتفوا وصار كل واحد منهم قوة للآخر يتفقد شؤونه، ويشاركه في سرّائه وضرائه، ونعيمه وشقائه، فتكون من ذلك للمسلمين قوة هائلة، لا تقاومها كل قوة في العالم، اذكر انّي عام (1330)هـ اعني قبل احدى واربعين سنة لما تشرفت للحج اجتمعت على ربوة(1)مساء حول مسجد الخيف بجماعة من الحجاج، فكان فيهم الصيني، والمراكشي، واليماني، والعراقي، والهندي، وكان فيهم من يحسن اكثر اللغات، فأنجز الحديث إلى الحج ومنافعه، وفوائده مع كثرة متاعبه، وتكاليفه، فقلت أي فائدة تريدون اعظم من اجتماعنا هذا وهل كان يدور في خلد احد ان يجتمع الصيني في اقصى الشرق بالمراكشي وهو في اقصى الغرب والعراقي والفارسي وهو في طرف الشمال واليماني وهو في اقصى الجنوب، ولكن المسلمون يا للأسف لو كان يجدي الأسف انّهم لما فاتهم الحجى واللبّ اصبحت اعمالهم بل وعباداتهم قشراً بلا لبّ، يجتمعون وهم متفرقون، ويتقاربون وهم متباعدون، متقاربة اجسامهم متضاربة احلامهم، يحجون ولا يتعرف احدهم بأخيه ولا يرى الا صورته، ولا يعرف شيئاً من احواله بل ولا اسمه، وبهذا ومثله وصلنا إلى الحال التي نحن فيها اليوم، فلا حول ولا قوة، وبالله المستعان على هذا الزمان واهل الزمان. بعض أسرار الصوم وامتيازه عن سائر العبادات تشترك العبادات عموماً بأنها أفعال وجودية، هي بمنزلة الجسد وروحها النية، فالصلاة، والطواف، والسعي، كالغسل والوضوء، وامثالها اعمال جسدية، اذا لم يأت بها المكلف بداعي القربة فهي كجسد الميت لا حياة فيه، وكأشباح بلا ارواح، ولكن مهما كان فهو جسم عبادة؛ وصورة طاعة؛ وكل العبادات في ذلك سواء اعني انها اجساد ولها ارواح فان كانت تلك الروح فيه فهو حي، والا فهو ميت الا الصوم فقد كاد بل كان روحاً مجردة، وحياة متمحضة لا جسم له ولا مادة، وهذه ميزة امتاز بها الصوم عن سائر العبادات، ولم يشاركه فيها سوى الاحرام؛ فان الصيام والاحرام كل منهما تروك محضة، وعدميات صرفه، ليس فيها من الاعمال الجسمانية شيء، ولكن الاحرام فضحته ثياب الاحرام ولبسها وبقي الصيام محتفظاً بروحيته وتجرده من كل عمل ظاهري، ولم يتجاوز عن كونه نية خالصة، وعبادة قلبية خفية، لا يعلم بها الا صاحبها وربه العالم بالسرائر, ومن هنا اختص الصوم بميزة انفرد بها دون كل عبادة، وهي عدم امكان دخول الرياء فيه بل يستحيل ذلك الا بالقول، فيكون الرياء حين ذلك بالعبارة لا بالعبادة، وبالكلام لا بالصيام والاحرام ايضاً بجوهره وان كان نية وتروكاً كالصوم الا ان الاحرام فيه عمل واحد وجودي؛ وهو لبس ثياب الاحرام، ومنه قد يتأتى تدخل الرياء فيه، بخلاف الصوم المتمحض في النية والتروك فقط فهو عبادة صامتة خرساء، ومعاملة سرية بين القلب والرب، ولعل هذا هو المراد من الحديث المشهور (الصوم لي وانا اجزي به) مبنياً للفاعل، فيكون القصد انه تعالى تكريماً للصائم يتولى جزاءه مباشرة من دون وسائط الفيض، وعلى المفعول: فيكون المراد انه هو جزائي واللائق بمقام عظمتي وتجردي، فان الصائم يتجرد ويصير روحانياً، والمتخلق باخلاق الروحانيين يلحق بهم، وبكون لحوقه بهم جزاؤه لهم سواء عاد الضمير الى الصوم أو للصائم هذا مضافاً إلى ما يتضمنه الصوم من الفوائد الصحية، والرياضة البدنية، وتربية قوة الارادة، ومضاء العزم، وتهذيب النفس، وقمعها عن الانقياد إلى بواعث الشهوات، وكبح جماح قوتي الشهوة والغضب اللتين هما اصل كل جريمة، والسبب في هتك كل حرمة، ومن آثاره تذكر حال الفقراء و اهل الفاقة ومن كضه الطوى وامضه الجوع، فان الصيام يوجب رقة القلب واندفاع الدمعة فيواسي اخوانه، ويكون حليماً ورحيماً ومهبطاً للرحمة، والراحمون يرحمهم الله تعالى. وحدة الوجود أو وحدة الموجود(1) هذه القضية من امهات أو مهمات قضايا الفلسفة الالهية وهي تتصل اتصالاً وثيقاً بعلم الحكمة العالية والالهي بالمعنى الاعم الذي يبحث فيه عن الامور العامة، كالوجود والموجود وكالواجب والممكن، والعلة والمعلول والوحدة والكثرة، وامثالها مما لا يتعلق بموضوع خاص، لا حقيقة معينة من الانواع لا ذهناً ولا خارجاً، وللتمهيد والمقدمة نقول: ان من المسائل الخلافية بين حكماء الاسلام وفلاسفة المسلمين مسألة اصالة الوجود أو الماهية بمعنى ان المتحقق في العين و الخارج هل هو الوجود والماهية امر اعتباري ينتزع من الوجود المحدود المقيد المتعين بالتعين الذي يميزه عن غيره بالجنس والنوع وغيرهما من الاعتبارات أو ان المتحقق في ظرف العين والخارج ونفس الامر والواقع هو الماهية والوجود مفهوم اعتباري خارج عنها منتزع منها محمول عليها من خوارج المحمول لا المحمولات بالضميمة، فماهية النار مثلاً اذا تحققت في الخارج وترتبت عليها آثارها الخاصة من الاضاءة والاحراق والحرارة صح انتزاع الوجود منها وحمله عليها فيقال النار موجودة والا فهي معدومة وهذا القول اعني اصالة الماهية، وان الوجود في جميع الموجودات حتى الواجب اعتبار محض على الظاهر كان هو المشهور عند الحكماء إلى اوائل القرن الحادي عشر، وعليه تبتني شبهة الحكيم(ابن كمونه)(1) التي اشكل بها على التوحيد زاعماً انه ما المانع من ان يكون في ظرف التحقق ونفس الامر والواقع هويتان مجهولتا الكنه والحقيقة؛ بسيطتان متباينتان بتمام ذاتيهما وينتزع وجوب الوجود من كل منهما ويحمل على كل واحد منهما من قبيل خارج المحمول لا المحمول بالضميمة لان ذات كل منهما بسيطة لا تركيب فيها إذ التركيب يلازم الامكان وقد فرضنا وجوب كل منهما وقد اعضلت هذه الشبهة في عصره على اساطين الحكمة واستمر اعضالها عدة قرون حتى صار يعبر عنها كما في اول الجزء الاول من الاسفار (افتخار الشياطين) وسمعنا من أساتذتنا في الحكمة ان المحقق الخونساري(2) صاحب (مشارق الشموس) الذي كان يلقب بالعقل الحادي عشر، قال: لو ظهر الحجة (عجل الله فرجه) لما طلبت معجزة منه الا الجواب عن شبهة ابن كمونة ولكن في القرن الحادي عشر الذي نبغت فيه أعاظم الحكماء كالسيد الداماد(1)، وتلميذه ملا صدرا(2)، وتلميذيه الفيض(3) واللاهيجي صاحب الشوارق الملقب بالفياض(4). انعكس الأمر واقيمت البراهين الساطعة على اصالة الوجود، وان الماهيات جميعاً اعتبارات صرفة ينتزعها الذهن من حدود الوجود اما الوجحود الغير المحدود كوجود الواجب جل شأنه فلا ماهية له بل (ماهيته انيته) وقد ذكر الحكيم السبزواري (()(5)في منظومته البراهين القاطعة على اصالة الوجود مع انه من اوجز كتب الحكمة فما ظنك بالاسفار وهي اربع مجلدات بالقطع الكبير، ويكفيك منها برهان واحد وهو اختلاف نحوي الوجود حيث نرى بالضرورة والوجدان ان النار مثلاً بوجودها الذهني لا يترتب عليها شيء من الآثار من احراق وغيره بخلاف وجودها الخارجي، ولو كانت هي المتأصلة في كلا الوجودين لترتبت آثارها ذهناً وخارجاً واليه اشار في المنظومة بقوله: وانه منبع كل شرف والفرق بين نحوي الكون يفي وحين اسفرت الابحاث الحكمية عن هذه الحقيقة الجلية من اصالة الوجود الخارجي الغير المحدود نعبر عنه بواجب الوجود جلت عظمته يستحيل ان يفرض له ثاني. فان كل حقيقة بسيطة لا تركيب فيها يستحيل ان تتثنى وتتكرر لا ذهناً ولا خارجاً ولا وهماً ولا فرضاً، وقد احسن المثنوي(1) في الأشارة إلى هذه النظرية القطعية حيث يقول: عن استاذه شمس التبريزي(2). شمس در خارج اكرجه هست فرد ميتوان هم مثل أو تصوير كرد ج شمس تبريزي كه نور مطلق آست آفتاب است وزانوار حقست شمس تبريزي كه خارج از أثير نبودش درذهن ودر خارج نظير وبعد ان اتضح بطلان اصالة الماهية، واشرق نور الوجود بأصالته اختلف القائلون بأصالة الوجود بين قائل بأن الوجودات بأجمهعا واجبها وممكنها الذهني منها، والخارجي المتبائنة في تشخصها وتعيينها قطعاً هل اطلاق الوجود عليها من باب المشترك اللفظي، وهو اطلاق اللفظ على المعاني المتكثرة والمفاهيم المتبائنة التي لا تندرج تحت حقيقة واحدة، ولا يجمعها قدر مشترك كالعين التي تستعمل في الباصرة وفي النابعة والذهب إلى آخر ما لها من المعاني الكثيرة المتبائنة على عكس المترادف الفاظ كثيرة لمعنى واحد والمشترك معاني كثيرة تحت لفظ واحد، وقد نسب هذا القول إلى المشائين أو لأكثرهم. أو انه من المشترك المعنوي فوجود النار ووجود الماء في باب المفاهيم ووجود زيد، ووجود عمرو في باب المصاديق شيء واحد وحقيقة فاردة وانما التبائن والتعدد في الماهيات المنتزعة من حدود الوجود وتعينات القيود فحقيقة الوجود من حيث هو واحدة بكل معاني الوحدة، وما به الامتياز هو عين ما به الاشتراك فتدبر هذه الجملة جيداً كي تصل إلى معناها جيداً، وحيث ان القول الأول يستلزم محاذير قطعية الفساد وما يستلزم الفاسد فاسد قطعاً، ومن بعض محاذيره لزوم العزلة بين وجود الواجب ووجود الممكن وعدم السنخية بين العلة والمعلول المنتهي إلى بطلان التوحيد من اصله واساسه، والى هذا اشار سيد الموحدين واما العلماء الشامخين امير المؤمنين(()حيث يقول: (توحيده تمييزه عن خلقه وحكم التمييز بينونة صفة لا بينونة عزلة) ولله هذه الحكمة الشامخة والكلمة الباذخة ما اجلها واجمعها لقواعد التوحيد والتجريد والتنزيه ودحض التشبيه، والأصح الذي لا غبار عليه ان حقيقة الوجود من حيث هي واحدة لا تعدد فيها ولا تكرار بل كل حقيقة من الحقائق وماهية من الماهيات ايضاً بالنظر إلى ذاتها مجردة عن كل ما سواها يستحيل تعددها وتكررها ومن قواعد الحكمة المتفق عليها ان (حقيقة الشيء لا تتثنى ولا تتكرر والماهيات انما تتكثر وتتكرر بالوجود) كما ان الوجود انما يتكثر بالماهيات والحدود يعني ان ماهية الانسان وحقيقته النوعية انما تكثرت بالأفراد العينية والمصاديق الخارجية والتعيّن انما جاء من الوجود وبه تكررت الماهية وتكثّرت، ولولا الوجود لما كانت الماهية من حيث هي الا هي لا تعدد ولا تكثّر وكما ان الماهية بالوجود تكررت وتكثّرت فكذلك الوجود انما تكرر وتكثر بالحدود والتعينّات التي انتزعت منها الماهيات، فالقضية مطردة منعكسة تكثر الوجود بالماهية، وتكثرت الماهية بالوجود. ثم ان الوجود نوعان ذهني وخارجي اما الذهني فهو اعتبار صرف ومفهوم محض كسائر المفاهيم الذهنية المنتزعة من المصاديق يحمل عليها بالحمل الشائع الصناعي من المحمولات بالضميمة لا خوارج المحمول فقولك زيد موجود كقولك: زيد كاتب وهو كلى واحد منطبق على افراده التي لا تحصى ومن المعقولات الثانوية باصطلاح الحكيم. اما الوجود العيني الخارجي الذي يحكى عنه ذلك المفهوم وينتزع منه فهو بأنواعه الأربعة الذاتي وهو بشرط لا والمطلق وهو لا بشرط والمقيد وهو بشرط شيء ويندرج فيه الوجود الرابط وهو مفاد كان الناقصة والرابطي وهو ما يكون وجوده في نفسه عين وجوده لغيره كالأعراض والربطي وهو ما يكون وجوده لنفسه في نفسه ولكن بغيره كالجواهر فأنها موجودة لنفسها وفي نفسها لكن بغيرها أي بعلتها اما واجب الوجود فوجوده لنفسه في نفسه بنفسه، وهو أي الوجود ايضاً بذاته وبجميع هذه الأنواع وحداني ذو مراتب متفاوتة بالقوة والضعف والأولية والأولوية اعلى مراتبه واولها واولاها الوجود الواجب الجامع لكمالات جميع ما دونه من مراتب الوجود بنحو البساطة والوحدة الجامعة لجميع الكثرات وكل الكثرات نشأت منها ورجعت اليها (انا لله وانا اليه راجعون) واليه الإشارة بقولهم (بسيط الحقيقة كل الأشياء وليس بشيء من الأشياء) والتوحيد الكامل (رد الكثرة الى الوحدة والوحدة الى الكثرة) وهذ الوجود الخارجي من اعلى مراتبه الوجوبيّة إلى اخس مراتبه الامكانية وهي الهيولي(1) التي لها اضعف حظ من الوجود وهي القوة القابلة لكل صورة ولعلها هي المشار اليها في دعاء السمات وانزجر لها العمق الأكبر كله واجبة ممكنة ومادية ومجردة حقيقة واحدة وان اختلف في القوة والضعف والوجوب والامكان والعلية والمعلولية ولكن كل هذا الاختلاف العظيم لا يخرجه عن كونه حقيقة واحدة ولا يصيره حقائق متبائنة وان كان بالنظر إلى حدوده ومراتبه متعدداّ ومتكثراّ ولكن حقيقته من حيث هي واحدة لا تعدد فيها ولا تكثر الا ترى ان الماء من حيث انواعه واصنافه ما اكثره واوسعه فماء السماء وماء البحر وماء النهر وماء البئر وهكذا ولكن مهما تكثّرت الأنواع وتعددت المصاديق فحقيقة الماء وطبيعته في الجميع واحدة وهكذا سائر الماهيات والطبائع اذاً فوحدة الوجود بهذا المعنى تكاد ان تكون من الضروريات التي لا تستقيم حقيقة التوحيد الا بها ولا تنتظم مراتب العلة والمعلول والحق والخلق الا بها فالوجود واحد مرتبط بعضه ببعض من اعلى مراتبه من واجب الوجود نازلاً إلى ادناها واضعفها وهو الهيولي التي لا حظ لها من الوجود سوى القوة والاستعداد ثم منها ساعداً إلى المبدأ الأعلى والعلة الأولى منه المبدأ واليه المعاد، ثم ان اول صادر منه واقرب موجود اليه هو العقل الكلي والصادر الأول (اول ما خلق الله العقل) الحديث وهو العقل الكلي الخارجي العيني لا الكلي الذهني المفهومي وهو ظل الله وفيضه الأقدس نعم هو ظل الله الممدود من سماء الجبروت عالم السكون المطلق ومركز الثبات، إلى عالم الملك والملكوت والناسوت موطن التغيّر والحركات، الم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكناً، وهذا هو وجه الله الكريم الذي لا يفنى ولن يفنى ابداً وهو اسم الله العظيم الأعظم ونوره المشرق على هياكل الممكنات الذي يطلق عليه عند الحكماء بالنفس الرحماني وعند العرفاء بالحق المخلوق به، وفي الشرع رحمته التي وسعت كل شيء والحقيقة المحمدية، والصادر الأول (اول ما خلق الله نوري) وهو الجامع لكل العوالم عالم الجبروت والملكوت والملك والناسوت، وجميع العقول المفارقة والمجردة والمادية الكلية والجزئية عرضية وطولية، والنفوس كذلك كلية وجزئية والأرواح والأجسام والمثل العليا، وارباب الأنواع التي يعبّر عنها في الشرع بالملائكة والروح الأعظم الذي هو سيد الملائكة ورب نوعها. كل هذه العوالم صدرت من ذلك الوجود المطلق والمبدأ الأعلى الذي هو فوق ما لا يتناهى بما لا يتناهى قوة وشدة وعدة ومدة، اوجد عز شأنه ذلك الصادر الأول الجامع لجميع الكائنات والوجودات الممكنات، اوجده بمحض المشيئة، وصرف الإرادة في ازل الآزال إلى ابد الآباد [وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ](1) والتشبيه من ضيق نطاق الألفاظ، والاّ فالحقيقة ادق وارق من ذلك وهو المثل الأعلى الحاكي بنوع من الحكاية عن تلك الذات المقدّسة المحتجبة بسرادق العظمة والجبروت وغيب الغيوب (يا من لا يعلم ما هو الا هو) وذلك العقل الكلي أو الصادر الأول (ما شئت فعبّر) أو الحقيقة المحمدية متصلة بمبتدئها غير منفصلة عنه، لا فرق بينك وبينها الا انهم عبادك وخلقك؛ بدؤها منك وعودها اليك، (انا اصغر من ربي بسنتين) والكل وجود واحد ممتد بلا مدة ولا مادة، من صبح الأزل إلى عشية الأبد بلا حد ولا عد، ولا بداية ولا نهاية، ومن المجاز البعيد، وضيق خناق الألفاظ قولنا: هو الأول والآخر والظاهر والباطن، وجوده قبل القبل في ازل الآزال، وبقائه بعد البعد من غير انتقال ولا زوال. همه عالم صداي نغمه اوست كه شنيد اين جنين صداي دراز [مَا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ](2) وذلك النفس الرحماني والعقل الكلي، والصادر الأول ــ هو كتاب الله التكويني ــ الذي لا مفاد لكلماته [قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا](3) ولو اردنا التوسع في هذه الغوامض والأسرار أو كشف الرموز عن هذه الكنوز ملأنا القماطير بالأساطير ولم نأتِ الا بقليل من كثير. ( مثنوى هفتاد من كاغد شود) ولكن ما ذكرناه مع غاية ايجازه لعله كاف للمتدبر في اثبات المعنى الصحيح (لوحدة الوجود) وانه مترفّع الأفق عن الإنكار والجحود، بل هو من الضروريات الأولية، وقد عرفنا الضروري في بعض مؤلفاتنا بأنه ما يستلزم نفس تصوره حصول التصديق به ولا يحتاج إلى دليل وبرهان، مثل ان الواحد نصف الأثنين فوحدة الوجود بالمعنى الذي ذكرناه لا ريب فيها ولا اشكال، انما الأشكال والاعضال في وحدة الموجود فأن المعقول في بادئ النظر وحدة الوجود، وتعدد الموجود المتحصل من الحدود والقيود والتعينات، ولكن الذي طفح وطغى في كلمات العرفاء الشامخين ومشايخ الصوفية السالكين والواصلين هو وحدة الوجود ووحدة الموجود ايضاً، وكانت هذه الكلمة العصماء يلوح بها اكابر العرفاء والأساطين في القرون الأولى كالجنيد(1) والشبلي(2)، وأبا يزيد البسطامي(3)، ومعروف الكرخي(4)، وامثالهم حتى وصلت إلى الحلاّج واقرانه إلى ان نبغ في القرون الوسطى محي الدين العربي وتلميذاه القونوي(5) والقيصري(6) فجعلوها فناً من الفنون والمؤلفات الضخام كالفتوحات المكية وغيرها، والمتون المختصرة كالفصوص والنصوص التي شرحها ونقحها صدر الدين القونوي، وانتشرت وعند عرفاء القرون الوسطى من العبر كابن الفارض وابن عفيف التلمساني(1) وغيرهما، ومن الفرس كثير لا يحصى عددهم كالعطار(2) والهاتف(3) والجامي(4) واضرابهم واحسن من ابدع فيها نظماً العارف التبريزي الشبستري في كتابه المعروف (كلشن راز) وخلاصة هذه النظرية ان تلك الطائفة لما ارادوا ان يبالغوا ويبلغوا اقصى مراتب التوحيد الذي ما عليه من مزيد، وان لا يجعلوا للحق شريكاً لا في الربوبية كما هو المعروف عند ارباب الاديان بل نفوا الشريك له حتى في الوجود فقالوا لا موجود سوى الحق، وهذه الكائنات من المجردات والماديات من ارضين وسماوات، وما فيها من الافلاك والانسان والحيوان والنبات بل العوالم باجمعها كلها تطوراته وظهوراته وليس في الدار غيره ديار، وكل ما نراه أو نحس به أو نتعقله لا وجود له،وانما الوجود والموجود هو الحق جل شأنه، ونحن اعدام وليس وجودنا الا وجوده. ما عد مهائيم وهستيها نما تو وجود مطلق وهستى ما كه همه اوست ونيست جزاو وحده لا اله الا هو وقد تفنن هؤلاء العرفاء في تقريب هذه النظرية إلى الاذهان وسبحوا سبحاً طويلاً في بحر هذا الخيال، وضربوا له الامثال (فصوروه) تارة بالبحر وهذه العوالم والكائنات كامواج البحر فأنها ليست غير البحر وتطوراته؛ وليس الأمواج شيء سوى البحر فأذا تحرك ظهرت، واذا سكن عدمت واندحرت، وهو معنى الفنـاء المشـار اليـه بقوله تعالى: [كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ](1) يفنى وجه الممكن ويبقى وجه الواجب. جه ممكن كرد امكان برفشاند بجز واجب ديكر جيزي نمامد نعم الأمواج تطورات البحر لا شيء موجود غير وجود البحر. جه درياي است وحدت ليك برخون كزاو خيزد هزاران موج مجنون هزاران موج خيزد هردم از وى نكردد قطرة هركز كم از وى قالوا: الوجه واحد والمرايا متعددة. وما الوجه الا واحد غير انه اذا انت عددت المرايا تعددا وكذلك العدد ليس الا تكرار الواحد إلى ما لا نهاية له: وجود اندر كما خويش ساري است تعينها امور اعتباري است امور اعتباري نيست موجود عدد بسيار ويكجيز است معدود جه واحد كشته در اعداد ساري ومن هذا القبيل التمثيل بالشعلة الجوّالة التي ترسم دائرة نارية من سرعة حركتها وليست هي الا تلك الشعلة الصغيرة. همه از وهم تو اين صورت غير ج جه نقطه دائره است از سرعت سير والوجود واحد والموجود واحد له ظهورات وتطورات، يترآئى انها كثرت وليست الا الذات ومظاهر الأسماء والصفات وشؤون الجمال والجلال والقهر واللطف؛ وقد رفع الكثير منهم حجب الأستار عن هذه الأسرار حتى ان محي الدين العربي(2) عبّر عن كل هذا بتغيير كلمة في البيت المشهور(3): وفي كل شيء له آية تدل على انه واحد فقال: (تدل على انه عينه) ثم تحامل وتقحم إلى ما هو اصرح واعظم حيث قال: سبحان من حجّب ناسوته نور سنا لاهوته الثاقب ثم بدا في خلقه بارزاً بصورة الآكل والشارب ومشى على السبيل المتوعر كثير من شعراء العرب وعرفائهم في القرون الوسطى يحمل رايتهم ويفرضها ابن الفارض(1) في اكثر شعره ولا سيما تائيته الصغرى والكبرى التي يقول فيها: هو الواحد الفرد الكثير بنفسه وليس سواه ان نظرت بدقة بدا ظاهراً للكل في الكل بيننا نشاهده بالعين في كل ذرة فكل مشاهد محسوس من الذرو إلى الذرى ومن العرش إلى الثرى هي اطواره وانواره ومظـاهره وتـجلياته وهو الـوجود الـحق المـطلق ولا شـيء غـيره فاذا قلت لهـم فالأصنام والأوثان يقول لك العارف الشبستري: مسلمان كربد انستي كه بت جيست بدانستي كه دين دربت برستيست واذا قلت فالقاذورات قاوا نور الشمس اذا وقع على النجاسة هو ذلك النور الطاهر ولا تؤثر عليه النجاسة شيئاً. نور خورشيد أر بيفتد بر حدث نور همان نور است نبذ يرد خبث وما اكتفوا بهذه التمثيلات والتقريبات حتى اخضعوا هذه النظرية المتمردة على العقول لسلطان البرهان الساطع والدليل القاطع وبيانه بالتنقيح وتوضيح منا بعد مقدمّّّتين وجيزتين: (الاولى): ان الوجود والعدم نقيضا والنقيضان لا يجتمعان ولا يقبل احدهما الآخر بالضرورة فالوجود لا يقبل العدم، والعدم لا يقبل الوجود يعني ان الموجود يستحيل ان يكون معدوماً والمعدوم يستحيل ان يكون موجوداً والا لزم ان يقبل الشيء ضده ونقيضه وهو محال بالبداهة. (الثانية):ان قلب الحقائق مستحيل، فحقيقة الانسان يستحيل ان تكون حجراً, وحقيقة الحجر تستحيل ان تكون انساناً، وهذا لمن تدبره من أوضح الواضحات، فالعدم يستحيل ان يكون وجوداً، والوجود يستحيل ان يكون عدماً، وبعد وضوح هاتين المقدمتين نقول: لو كان لهذه الكائنات المحسوسة وجود بنفسها لاستحال عليها العدم لان الوجود لا يقبل العدم وهو منافر له وضد له بطبيعته، مع اننا نراها بالعيان توجد وتعدم وتظهر وتفنى فلا محيص من الالتزام بأنها غير موجودة وليس الموجود الا وجود واجب الوجود الازلي الحق الذي يستحيل عليه العدم بطبيعة ذاته المقدسة وكل ما نراه من هذه الكائنات التي نحسبها بالوهم موجودة هي اطواره ومظاهره يفيضها ويقبضها يبقيها ويفنيها ويأخذها ويعطيها وهو المانع والمعطي والقابض والباسط وهو على كل شيء قدير وكل شيء هالك الا وجهه، وكل الاشياء تجلياته وظهوراته واشراقاته وانواره وكل الكائنات والممكنات كلها مضافة اليه بالاضافة الاشراقية لا المقولية اطرافها اثنان لا ثلاثة وسواء قلنا بان هذا البرهان صخرة صماء لا تمسه أظافر الخدشة أو ان للمناقشة فيه مجال فهو برهان منطقي على اصول الحكمة والمنطق هذا عدا ما يدعونه من الشهود والمكاشفة والعيان الذي هو اسمى من الدليل والبرهان اذ يقولون ان الدليل عكازة الاعمى: باي استدلاليان جو بين بود باي جوبين سخت بي تمكين بود(1) **
زهى احمق كه أو خورشيد تابان بنور شمع جويد در بيابان در آن جائي كه نور حق دليل است جه جاي كفتكوي جبرئيل است سبحانك أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك ومتى بعدت حتى تحتاج الى ما يوصلنا اليك، عميت عين لا تراك ولا تزال عليها رقيباً(2). ومع هذا كله فان علماء الظاهر وامناء الشرع يقولون ان سالك هذا الطريق كافر زنديق وهذه الطريقة اعني وحدة الوجود والموجود عندهم زندقة والحاد، تضاد عامة الشرائع والأديان مهما قام عليها الدليل والبرهان، اذ حينئذ اين الرب والمربوب، أين الخالق والمخلوق، وما معنى الشرائع والتكاليف، وما هو الثواب والعقاب، وما الجنة والنار، وما المؤمن والكافر، والشقي والسعيد، إلى آخر ما هنالك من المحاذير واللوازم الفاسدة، ولعل هذا هو مدرك ما ذكره السيد الأستاذ(() ((في العروة الوثقى)) ما نصه(1) (القائلين بوحدة الوجود من الصوفيّة اذا التزموا بأحكام الاسلام فالأقوى عدم نجاستهم) واذا احطت خبراً بما ذكرنا تعرف ما في هذا وامثاله من كلمات الفقهاء رضوان الله عليهم، واني لا ارى من العدل والأنصاف، ولا من الورع والسداد، المبادرة إلى تكفير من يريد المبالغة في التوحيد وعدم جعل الشريك لله تعالى في كل كمال والكمال والوجود كله لله وحده لا شريك له، ومع ذلك فهم يؤمنون بالشرائع، والنبوات والحساب، والعقاب، والثواب، والتكاليف، بأجمعها على ظواهرها فالحقيقة لا تصح عندهم ولا تنفع بدون الطريقة والطريقة لا تجدي بدون الشريعة والشريعة هي الأساس وبها يتوصل ملازم العبادة، إلى اقصى منازل السعادة وعندهم في هذه المسائل مراحل منازل وتحقيقات انيقة وتطبيقات رشيقة ومعارج يرتقي السالك بها إلى اسمى المناهج ومؤلفات مختصرة ومطولة فوق حد الاحصاء نظماً ونثراً واذكار سراً وجهراً ورياضات ومجاهدات لتهذيب النفس وتصفيتها كي تستعد للحوق بالملأ الأعلى والمبدأ الأول وهناك من البهجة والمسرة والجمال والجلال ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وههنا اسرار عميقة ومباحث دقيقة لا تحيط بها العبارة ولا تدركها الإشارة فلنتركها لاهلها، ونسأله تعالى ان يفيض علينا من فضله بفضلها، نعم لا ريب ان كل طائفة اندس فيها من ليس من اهلها من الدخلاء، واهل الأهواء حتى يكاد ان يغلبوا على اربابها الأصحاء، فلا ينبغي ضرب الجميع بسهم واحد وأخذهم أو نبذهم على سواء كما ان بعض ان بعض المتطرفين المتوغلين في الغرام والهيام والشوق إلى ذلك المقام الأسمى قد توقدت شعلة المعرفة في قلوبهم فلم يستطيعوا ضبط عقولهم والسنتهم فصدرت منهم شطحات لا تليق بمقام العبودية مثل قول بعضهم (انا الحق) (وما في جبتي الا الحق) واعظم منها في الجرأة والغلظ والشطط قول بعضهم (سبحاني ما أعظم شأني) وهذه الكلمات قد حملها الثابتون منهم على انها صدرت من البعض حالة المحو لا حالة الصحو، وفي مقام الفناء في الذات، لا في مقام الاستقلال والثبات، ولو صدرت في غير هذه الحال لكانت كفراً، على ان المنقول عن الحلاج(1) انه قال للذين اجتمعوا على قتله اقتلوني فأن دمي لكم مباح لأني قد تجاوزت الحدود ومن تجاوز الحدود (اقيمت عليه الحدود) ولكن العارف الشبستري(2) التمس العذر لهذه الشطحات وجملها على احسن وجه حيث قال: انا الحق كشف ان اسرار مطلق بجز حق كيست تاويد انا الحق روا باشد انا الحق از درختي جرا نبود روا از نيك بختي يقول من ذا يستطيع غير الحق ان يقول انا الحق واذا صح وحسن من الشجرة ان تقول انا الله فلماذا لا يحسن ذلك من العارف الحسن الحظ وحقاً اقول انَّ من اجال فكره وامعن النظر في جملة من آيات القرآن العزيز وكلمات النبي والأئمة المعصومين (()وادعيتهم واورادهم سيجد في الكثير منها الإشارة إلى تلك النظرية العبقرية، وقد شاعت كلمة رسول الله (() وهي قوله ((): (اصدق كلمة قالها شاعر قول لبيد)(3): (الا كل شيء ما خلا الله باطل)(4) وقد تضمنت هذه الكلمة في طياتها كل ما قاله العرفاء الشامخون من ان الأشياء اعدام اذ ليس الباطل الا العدم وليس الحق الاّ الوجود فالأشياء كلها باطلة واعدام وليس الحي والموجود الا واجب الوجود وهذا كل ما يقوله ويعتقده اولئك القوم افاض الله سبحانه هذه الكلمة على لسان ذلك الشاعر العربي الذي عاش اكثر عمره في الجاهلية وادرك في أخريات حياته شرف الإسلام فأسلم وقد صدق تلك الجوهرة الثمينة الصادق الأمين ومثلها كلمة ولده صادق اهل البيت (() (العبودية جوهرة كنهها الربوبية) بل لو امعنت النظر في جملة من مفردات القرآن المجيد تجدها وافية بذلك الغرض واضحة جلية مثل قوله تعالى: [كُلُّ منْ عَلَيْهَا فَانٍ](1) و[كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ](2) فان المشتق حقيقة فيمن تلبس بالمبدأ حالاً فكل شيء فان فعلاً وهالك حالاً لا أنه سوف يهلك ويفنى. ومهما أحاول ان اوضح الحقيقة أجدها عنّي ابعد من الشمس بيد انها اجلى منها وانّى لهذا اليراع القصير والعقل الصغير ان يجرأ فيتناول جرعة من ذلك البحر الغزير يا من بعد في دنوه، ودنى في علوه، ربنا عليك توكلنا واليك انبنا واليك المصير، سبحانك لا احصى ثناء عليك انت كما اثنيت على نفسك وفوق ما يقول القائلون وانا لله وانا اليه راجعون. وحيث وفقنا جلّ شأنه لذكر ثلاث مسائل مهمة من مسائل الحكمة نشرت بهذا (الفردوس) وهي قاعدة الواحد لا يصدر عنه الا الواحد ومعنى العقول العشرة، ووحدة الوجود والموجود، رأينا من المناسب ان نعززهن برابعة من معضلات الشرع والدين والتي قصرت عنها في الغالب الأدلة والبراهين وهي قضية (المعاد الجسماني) التي ينسب إلى الشيخ الرئيس ابو علي بن سينا (() انه قال ما مضمونه ان العقل قاصر عن اثباتها ولا تتم الا من ناحية الشرع. المعاد الجسماني المهّم و الاعضال في هذا الموضوع هو تصور كيف يعود هذا الجسم العنصري التي تعتور عليه الاطوار والادوار المختلفة المتنوعة التي ينتقل فيها من دور إلى دور لا يدخل في واحد الا بعد مفارقة ما قبله ولا يتشكل الا بشكل يباينه ما بعده ينشأ جنيناً، ثم طفلاً رضيعاً ثم صبياً وغلاماً، ثم شباباً وكهلاً، ثم شيخاً وهرماً، فبأي صورة من هذه الصور يبعث وأي جسم من هذه الأجسام يعود؟ ثم كيف يعود؟ وقد تفرق ورجع كل شيء إلى أصله غازاً أو تراباً، وكل ما فيه من عناصر، ولو جمعت كلها واعيدت فهو خلق جديد وجسد حادث، غايته انه مثل الأول لا عين الأول، مضافاً إلى الشبهات الكثيرة، كاستحالة اعادة المعدوم، وشبهة الآكل والمأكول وغير ذلك، وحيث ان الاعتقاد بالمعاد روحاً وجسماً يعدّ من اصول الدين الخمسة، أو من دعائم الإسلام الثلاثة التوحيد، والنبوة، والمعاد، ومهما كان فلا مجال للشك بأن المعاد الجسماني على الأجمال من ضروريات دين الإسلام، وهل الضروري من الدين الا ما يكون التديّن بذلك الدين مستلزماً للاعتقاد والتدين به مثلاً وجوب الصلاة من ضروريات دين الإسلام فهل يعقل الالتزام بدين الإسلام مع عدم الالتزام بوجوب الصلاة؟ والتصديق بنبوة النبي (() عبارة عن التصديق عن كل ما جاء به حق وهو من الله جلّ شأنه وهذا القدر يكفي في الاعتقاد بالمعاد ولا حاجة إلى اكثر من هذا للخروج من عهدة التكليف الشرعي أو العقل ولا يلزم معرفة كيف يعود؟ ومتى يعود؟ واين يعود؟ فأن التكليف بمعرفتها تكليف شاق على الخواص فكيف بغيرهم فأنه يكاد يكون تكليفاً بما لا يطاق والعلم اللازم في اصول الدين لا يقدح فيه الجمال ولا يلزم فيه ان يكون قادراً على البرهنة والاستدلال بل يكفي فيه حصوله من أي سبب كان وعدم جواز التقليد في اصول الدين يراد منه عدم كفاية الظن ولزوم القطع واليقين لا لزوم اقامة الحجج والبراهين، والغاية من هذا البيان والغرض الأقصى به انه لا يجب على المكلفين ولا سيما العوام البحث عن كيفية المعاد الجسماني بل قد لا يجوز لهم ذلك كسائر قضايا القواعد النظرية والمباحث الحكمية مثل قضية القضاء والقد والخير والشر والاختيار والجبر وما إلى ذلك من المعضلات العويصة اذ قد تعلق الشبهة بذهن احدهم(1) ولا يقدر على التخلص منها فيكون من الهالكين كما هلك ابليس اللعين بشبهة خلقتني من نار وخلقته من طين، فالأولى بل الأسلم هو الالتجاء إلى العلم الحاصل من النقل من كتاب وسنة واعتبارات يستفاد من مجموعها اليقين بأن المعاد الجسماني مثلاً من اصول الدين ويلتزم به ويقف عند هذا الحد وعلى هذه الجملة والأجمال لا يتجاوزه إلى تفاصيل الأحوال، اما الاستدلال عليه كما قد يقال: بأنه ممكن عقلاً وقد اخبر به الصادق الأمين فيجب تصديقه فهو دليل لا مناعة فيه لدفع الأشكال فأن المانع يمنع الصغرى ويدعى انه ممتنع عقلاً اما لاستحالة اعادة المعدوم أو لغير ذلك من المحاذير المعروفة وحينئذ فاذا ورد ما يدل عليه بظاهر الشرع فاللازم تأويله كي لا يعارض النقل دليل العقل كما في سائر الظواهر القرآنية مثل يد الله فوق ايديهم والرحمن على العرش إلى كثير من امثالها مما هو ظاهر في التجسيم المستحيل عقلاً اذاً أليس الأسد والأسعد للأنسان القاعة بالسنة والقرآن وترك البحث والتعمق وطلب التفصيل في كل ما هو من هذا القبيل؟ ولعل هذا المراد من الكلمة المأثورة(2) ((عليكم بدين العجائز)) أي اعتقاد الطاعنين أو الطاعنات في السن فأن من نشأ على عقيدة وشب وشاب عليها تكون في اقصى مراتب الرسوخ والقوة، ولا تزيله كل الشبهات والتشكيكات عنها، وان كانت العقيدة عنده مجردة عن كل دليل بل تلقاها من الآباء والأمهات انّا وجدنا آباءنا على امة وانّا على آثارهم مقتدون، ولعل في الكلمة (العجائز) تلميحاً ايضاً إلى العجز عن اقامة الدليل، فأن اهل الاستدلال والصناعات العلمية غالباً اقرب إلى التشكيك من اولئك البسطاء المتصلبين في عقائدهم غلطاً كانت في الواقع أو صواباً ولذلك كان الأنبياء (() يقاسون انواع البلاء واشد العناء في اقناع امتهم بفساد عقائدهم واقلاعهم عنها من عبادة الأصنام أو غيرها، والبساطة في كل شيء اقرب إلى البقاء والدوام من التركيب والأنضمام، والبسائط اثبت من المركبات، لقبول الأجزاء الانحلال والتفكك، ولعل هذا هو السبب في جعل الاعتماد في الاعتقاد بالمعاد والجسماني منه خاصة على ظواهر الشرع والأدلة النقلية دون العقلية من بعض اكابر الحكماء كالشيخ ابن سينا (() حيث قال في المقالة التاسعة من الهيات الشفاء (فصل المعاد) وبالحرى اننا نحقق ههنا احوال النفس الإنسانية اذا فارقت ابدانها وانها إلى أي حالة تعود فنقول: يجب ان نعلم ان المعاد منه ما هو مقبول من الشرع ولا سبيل إلى اثباته الا من طريق الشريعة وتصديق خبر النبوة وهو الذي البدن عند البعث وخيرات البدن وشروره معلومة وقد بسطت الشريعة الحقة التي اتانا بها سيدنا ونبينا ومولانا محمد بن عبد الله (() حال السعادة والشقاوة التي بحسب البدن، ومنه ما هو مدرك بالعقل والقياس البرهاني وقد صدقته النبوة وهما السعادة أو الشقاوة التي للأنفس انتهى محل الحاجة منه. وعليه فمن حصل له الاعتقاد بالمعاد من الأدلة السمعية ولم تعرض له فيه شبهة توجب تشكيكه لرسوخ عقيدته وقوتها فقد وفق واصاب، وبلغ النصاب، ولا ينبغي بل قد لا يجوز له الخوض في الأدلة العقلية والأصول النظرية ولكن من عرضته الشبهة واعتقد بالاستحالة والامتناع عقلاً وانه لا بد من تأويل الظواهر الشرعية كي لا يتنافى الشرع مع العقل ويسقط عنده قول المستدل: انه ممكن واخبر به الصادق الأمين لاندفاعه عنده بما اشرنا اليه قريباً فلا بد حينئذ من رفع هذه الدعوى اعني دعوى الاستحالة والامتناع وأثبات انه ممكن عقلاً بل واقع فاللازم اثبات امكانه الذاتي وامكانه الوقوعي ابقاء للأدلة الشرعية على ظواهرها، وقطع ايدي التأويل عن منيع مقامها. وحيث ان الحاجة إلى النظر في هذه القضية لا بد ان يكون من غير الظواهر النقلية بل من المبادئ العقلية، فأعلم أو لا ان الأقوال في المعاد اربعة: احدهما: انكاره مطلقاً لا جسماً ولا روحاً، وهو قول جميع الملاحدة والطبيعيين الذين ينكرون المبدأ، فكيف المعاد وهما متلازمان في المفاد وبينهما اقوى مراتب الاتحاد واثبات المبدأ يكفي في ابطال هذا القول. راجع الجزء الأول من (الدين والإسلام) تجد فيه لأثبات الصانع ما يغنيك عن غيره، بأجلى بيان، واقوى برهان. ثانيها: اثبات المعاد الروحاني فقط نظراً إلى ان الأرواح مجرّدة والمجرد باق، والجسم مركب من عناصر شتى، واذا فارقته الروح، ودخلت في عالم المفارقات انحل هذا المركب ولحق كل عنصر بأصله. وانعدم وتلاشى ذلك المركب، وانعدمت تلك الصورة، والمعدوم يستحيل عوده، والروح باقية، وهي التي تعاد للحساب وانجاز عملية الثواب والعقاب، ولعل إلى هذا الرأي المثالي أو الخيالي بشير المعلم الثاني ابو نصر الفارابي (()(1) في ارجوزته التي يقول فيها. اصبح في بلابلي وامسي أمسي كيومي وكيومي امسي يا حبذا يوم حلول رمسي مطلع سعدي ومغيب نحسي من عرض يبقى بدار الحس وجوهر يرقي لدار القدس وكل جنس لاحق لجنس ويعني بالعرض الجسم التعليمي، ذا الأبعاد الثلاثة، والكيفيات الخاصة وهو الذي تتفرق بالموت أجزاؤه، ويلحق كل جزء باصله من العناصر ولم يعلم رأيه انها تعود أو لا تعود وكيف تعود، وعلى كل فبطلان هذا القول يبتنى على منع صيرورة البدن معدوماً بالموت أو بعد الموت كما سيأتي قريباً ان شاء الله تعالى. ثالثها: القول بالمعاد الجسماني فقط، وهو مذهب جميع أهل الظاهر من المسلمين وبعض المتكلمين، وهو لازم كل من أنكر وجود النفس والروح المجردة، بل أنكر وجود كل مجرد سوى الله (فلا مجرد الا الله) أما الملائكة، والعقول، والنفوس والارواح، فكلها أجسام، غايته انها تختلف من حيث اللطافة والكثافة والعنصرية والمثالية، يظهر هذا من كلمات عدة من العلماء ولكني أجلهم عن ذلك؛ وكلماتهم محمولة على غير ما يترائى منها، ومغزاها معاني اخرى جليلة(1). رابعها: وهو احقها واصدقها اثبات المعادين الجسماني والروحاني أي معاد هذا الجسد الذي كان في الدنيا بروحه وجسمه! فيعود للنشر يوم الحشر كما كان، ويقف للدينونة بين يدي الملك الديان كما هو ظاهر جميع ما ورد في القرآن الكريم من الآيات الدالة على رجوع الخلائق إلى الله عز شأنه والرد على منكري البعث والمعاد لمحض العناد، أو الاستبعاد أو اخذاً بقضية استحالة اعادة المعدوم المرتكزة في الأذهان، وقد رد عليهم الفرقان المحمدي بأنحاء من الأساليب البليغة البالغة، إلى اقصى مراتب البلاغة والقوة، يعرفها من يتلو القرآن بتدبر وامعان، وحيث انّ غرضنا المهم من تحرير هذه الكلمات هو اثبات الأمكان، ودفع الأستحال؛ كي تبقى ظواهر الأدلة على حالها، لذلك لم نتعرض لسرد تلك الآيات النيّرات واتجهنا إلى تلك الوجهة، ودحض تلك الشبهة، بأوضح بيان، واصحّ برهان، ومنه تعالى نستمد وعلى فضل فيضه نعتمد، ونقول: حيث انّ من الواضح المعلوم بل المحسوس لكل ذي حس، ان كل شخص من البشر مركب من جزئين، الجزء المحسوس وهو البدن العنصري الذي يشاهد بعين الباصرة ويشغل حيزا من الفضاء، وجزء آخر يحس بعين البصيرة ولا تراه عين الباصرة، ولكن يقطع كل احد بوجود شيء في الانسان، بل والحيوان غير هذا البدن، بل هو المصرف والمتصرف في البدن، ولولاه لكان هذا البدن جماداً لا حس فيه ولا حركة ولا شعور ولا ارادة؛ اذاً فيلزمنا للوصول إلى الحقيقة والغاية المتوخاة البحث عن هذين الجزئين فأذا عرفنا هما حق المعرفة فقد عرفنا كل شيء واندفع كل اشكال ان شاء الله. (واليك البيان) يشهد العيان والوجدان وهما فوق كل دليل وبرهان واليهما منتهى اكثر الأدلة ان هذا البدن المحسوس الحي المتحرك بالإرادة لا يزال يلبس صورة ويخلعها وتفاض عليه اخرى وهكذا لا تزال تعتور عليه الصور منذ كان نطفة فعلقة فعظاماً فجنيناً فمولوداً فرضيعاً فغلاماً فشاباً فكهلاً فشيخاً فميتاً فتراباً، تكونت النطفة من تراب، ثم عادت إلى التراب، فهو لا يزال بعد أن انشأه باريه من امشاج ليبتليه فجعله سميعاً بصيراً، اما شاكراً أو كفوراً، في خلع ولبس، افعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد يخلع صورة ويلبس أخرى وينتقل من حال إلى حال ومن شكل إلى آخر مريضاً تارة وصحيحاً وهزيلاً وسميناً وابيضاً واسمراً وهكذا تعتوره الحالات المختلفة، والأطوار المتبائنة، وفي كلّ ذلك هو هو لم تتغير ذاته وان تبدلت احواله وصفاته فهو يوم كان رضيعاً هو يوم صار شيخاً هرماً لم تتبدل هويته ولم تتغير شخصيته بل هناك اصل محفوظ يحمل كل تلك الأطوار والصور، وليس عروضها عليه وزوالها عنه من باب الإنقلاب فان انقلاب الحقائق مستحيل فصورة المنويّة لم تنقلب دموّية أو علقية ولكن زالت صورة المني وتبدلت صورة الدم وهكذا فالصور متعاقبة متبادلة لا متعاقبة منقلبة (اذ صورة لصورة لا تنقلب) وهذه الصور كلها متعاقبة في الزمان لضيق وعائه مجتمعة في وعاء الدهر لسعته والمتفرقات في وعاء الزمان مجتمعات في وعاء الدهر ولا بدّ من محل حامل وقابل لتلك الصور المتعاقبة ما شئت فسمه مادة أو هيولي أو الأجزاء الأصلية كما في الخبر الآتي ان شاء الله وكما أن المادة ثابتة لا تزول فكذلك الصور كلها ثابتة في محلها في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا احصاها وقد عرفت في ما مرّ عليك من المباحث ان الشيء لا يقبل ضده والموجود لا يصير معدوماً والمعدوم لا يصير موجوداً وانقلاب الحقائق مستحيل. ثم انّ هذا البدن المحسوس العنصري لا ريب في انه يتحصل من الغذاء وانّ اجزاءه تتحلل وتتبدل فهذا الهيكل الجسماني بقوة الحرارة الغريزية التي فيه المحركة القوى الحيوانية العاملة في بنائه وحفظه وتخريبه وتجديده كالجاذبة والهاضمة والدافعة والماسكة وغيرها لا يزال في هدم وبناء واتلاف وتعويض كما قال شاعرنا الحكيم في بيته المشهور: والمتلف الشيء غارمه وقاعدة: المتلف ضامن وفي بيان أوضح انّ علماء (الفيزيولوجيا) علم أعضاء الحيوان قد ثبت عندهم تحقيقاً انً كل حركة تصدر من الانسان بل ومن الحيوان يلزمها يعني تستوجب احتراق جزء من المادة العضلية والخلايا الجسمية وكلّ فعل ارادي أو عمل فكري لا بد وان يحصل منه فناء في الأعصاب واتلاف من خلايا الدماغ بحيث لا يمكن لذرة واحدة من المادة ان تصلح مرتين للحياة ومهما يبدو من الإنسان بل مطلق الحيوان عمل عضلي أو فكري فالجزء من المادة الحية التي صرفت لصدور هذا العمل تتلاشى تماماً ثم تأتي مادة جديدة تأخذ محل التالفة وتقوم مقامها في صدور ذلك العمل مرة ثانية وحفظ ذلك الهيكل من الأنهيار والدمار وهكذا كلما ذهب جزء خلفه آخر خلع ولبس كما قال عزّ شأنه [أَفَعَيِينَا بِالْخلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ](1) ويكون قدر هذا الاتلاف بمقدار قوة الظهورات الحيوية والأعمال البدنية فكلمّا اشتد ظهور الحياة وتكثرت مزاولة الأعمال الخارجية ازداد تلف المادة وتعويضها وتجديدها ومن هنا تجد ارباب الأعمال اليدويّة كالبنائين والفلاحين واضرابهم اقوى اجساماً واعظم ابداناً بخلاف ذوي الأعمال الفكرية الذين تقل حركاتهم وتسكن عضلاتهم ثم انّ هذا التلف الدائم لا يزال يعتوره التعويض المتصل من المادة الحديثة الداخلة في الدم المتكونة من ثلاث دعائم من دعائم الحياة واسسها الجوهرية الهواء، والماء، والغذاء، ولو فقد الأنسان واحداً منها ولو بمدة قصيرة هلك وفقدت حياته. وهذا العمل التجديدي عمل باطني سريّ لا يظهر في الخارج الا بعد دقة في الفكر، وتعمق في النظر، ولكن عوامل الإتلاف ظاهرة للعيان يقال عنها انها ظواهر الحياة، وما هي في الحقيقة الا عوامل الموت، لأنها لا تتم الاّ باتلاف اجزاء من انسجتنا البدنية واليافنا العضوية فنحن في كل ساعة نموت ونحيا ونقبر وننشر، حتى تأتينا الموتة الكبرى، ونحيا الحياة الأخرى، اذاً فنحن بناء على ما ذكر في وسط تنازع هذين العاملين. عامل الأتلاف، وعامل التعويض، يفني جسمنا، ويتجدد في مدار الحياة عدة مرات، بمعنى انّ جسمنا الذي نعيش به من بدء ولادتنا إلى منتهى اجلنا في هذه الحياة تفنى جميع اجزائه في كل برهة وتتحصل اجزاء يتقوم بها هذا الهيكل ليس فيها جزء من الأجزاء السابقة، ولا يمكن تقدير هذه البرهة على التحقيق يعني أي مقدار به تتلاشى تلك الأجزاء جميعاً وتتجدد غيرها بموضعها نعم لا نعلم ذلك ولكن ينسب إلى الفيزلوجي (موليشت)(1) انّ مدة بقائها ثلاثين يوماً ثم تفنى جميعاً ونقل عن (فلورنس)(2) انّ المدة سبع سنين وقد اجرى العلماء المحققون في هذه الاعصار الامتحانات الدقيقة في بعض الحيوانات كالرانب وغيرها فأثبت لهم البحث والتشريح تجدد كلً انسجتها بل وحتى عظامها ذرة ذرة في مدة معينة، فكيف يتفق هذا مع ما يرتئيه الماديون ومنكرو النفس المجردة في زعمهم انّ الذاكرة قوة تنشأ من اهتزازات فسفورية تخزن في الخلية العصبية من الدماغ عند وصول التأثيرات الخارجية اليها، نعم كيف يجتمع هذا مع ما تقرر في الفن وشهد به الاختبار والاعتبار من ان كل ما فينا من الانسجة والعظام والخلايا العصبية تتلاشى ثم تجدد بمدة معلومة اقصى ما تجدد به السبع سنوات، ولو كانت قوة التذكر والتفكر مادية وقائمة في خلايا الدماغ لكان اللازم ان تضطر في كل سبع سنين إلى تجديد كل ما علمناه وتعلمناه سابقاً، والحالة المعلومة بالضرورة والوجدان عندنا ان سيال المادة المتجدد والمجدد لما يندثر منا على الاتصال لم يحدث ادنى تغيير في ذاكرتنا، ولم يطمس أي شعلة من علومنا ومعرفنا، ولعمري ان هذا الاقوى دليل على وجود قوة فينا مدركة شاعرة مجردة عن المادة باقية بذاتها، مستقلة في وجودها، بقيّومة مبدئها، محتاجة إلى آلاتها المادية في تصرفها متحدة معها في ادنى مراتبها، ودثور المادة لا يستوجب دثورها، ولا دثور شيء من كمالاتها وملكاتها، ولا من مدركاتها، ولا من معلوماتها، كيف لا ولا تزال تخطر على بالنا في وقت الهرم امور وقعت لنا ايام الشباب بل ايام الصبا وما قبله، وكيف كان فان من الوضوح بمكان ان كل ما فينا يؤيد ثبات شخصيتنا وعدم تغيرها مع تغير وتبدل جميع ذرات اجسامنا، ولمزيد الايضاح وبيان ما يتفرع على هذا الاصل الرصين لا بد لنا من ذكر اصول في فصول للحصول على الوصول إلى حل عقدة المعاد الجسماني التي أعضل حلها كما عرفت على اكبر حكماء الاسلام. (1) فصل وأصل قد تلونا عليك ما هو المعلوم لديك من أن هذه الأجسام من الإنسان والحيوان لا تعيش ولا تمتد حياتها الا بدعائم الحياة الثلاث الهواء، والماء، والغذاء، وما يلزمها من الحركة، والحرارة والضياء، ولكن لعلك تحسب ان الغذاء الذي نعيش به هو بذاته وصورته يكون جزء من أبداننا ومقوماً لأعضائنا وأنسجتنا كلاً فان هذا الوهم يذهب شعاعاً عند أول نظرة عن تدبر وفكرة وذلك ان كسرة الخبز التي نأكلها وفدرة اللحم التي نمضغها وتدخل في جوفها تعتور عليها عدة صور تخلع صورة وتلبس اخرى من الكيموس إلى ان تصير دماً، ثم توزعه العناية الكبرى المدبرة للكائنات والمربية للعوالم تلك العناية التي تحير العقول وتدهش الالباب، فتجعل من ذلك الدم لحماً وعظماً وشحماً وعصباً واليافاً وعروقاً وكبداً وقلباً ورئة وطحالاً إلى آخر ما يحتوي ويتكون منه هذا الهيكل الانساني والجسد الحيواني، اضرب بأجواء فكرك ما اتسع لك التفكير واعرف سر قولهم عليهم آلاف التحية والتسليم (تفكر ساعة خير من عبادة سبعين سنة) فكر وكبر عظمة المبدع كيف انشأ من كسرة الخبز التي نأكلها سبعين نوعاً من الانواع المختلفة والاجناس المتبائنة: فاين العظم من اللحم، واين الشحم من الغاز واين الغاز من المخ، واين المخ من الشعر، وهكذا وهلم جراً. كل هذا تكوّن من لقمة الخبز التي نأكلها، فهل في لقمة الخبز كل هذه الأنواع مندمجة مطوية؟ ام انقلبت وتحولت من صورة إلى صورة ومن حقيقة إلى اخرى؟ أو انها كانت معدة للنطفة بأن تفيض العناية اليها صورة العلقة والمضغة وهكذا حتى تصير انساناً كاملاً؟ كل ذلك مما تقف عنده العقول حائرة خاسرة مهما سطروا وحرروا، وألفوا وصنفوا، فأنهم دون الحقيقة وقفوا، ولكن مهما تغلغل الأمر والواقع في مجاهل الغيب والخفاء فأن من الواضح الجلي انّ تلك اللقمة التي تدخل في جوفنا وتتصرف بها المشية تلك التصاريف المتنوعة لم تدخل هي في كياننا، ولم تصر جزءاً من اجسامنا، بل تطورت عدة اطوار وتعاورتها صورة بعد صورة، دخلت في معامل مكانيكية وتحليلات كيمياوية إلى أن بلغت هذه المرحلة ونزلت من اجسامنا بتلك المنزلة، فلو ان مؤمناً أكل كل لحم في بدن الكافر، أو أكل الكافر كل لحم في بدن المؤمن فلا لحم الكافر صار جزءاً من بدن المؤمن ولا لحم المؤمن دخل في بدن الكافر، بل اللحم لما دخل في الفم وطحنته الأسنان وهو الهضم الأول زالت الصورة اللحمية منه وارتحلت إلى رب نوعها حافظ الصور واكتست المادة صورة اخرى، وهكذا صورة بعد صورة، ومن القواعد المسلمّة عند الحكماء بل عند كل ذي لب: انً الشيء بصورته لا بمادته اذاً فأين تقع شبهة (الآكل والمأكول)؟ وكيف يمكن تصويرها وتقريرها فضلاً عن الحاجة إلى دفعها والجواب عنها؟ وكيف استكبرها ذلك الحكيم الكبير الألهي فقال: (يدفعها من كان من فحول)؟ ويزيدك وضوحاً لهذا: انّ جميع المركبات العنصرية يطرّد فيها ذلك الناموس العام: ناموس التحوّل والتبدل والدثور والتجدد، انظر حبة العنب مثلاً فهل هي الا ماء وسكر؟ وهل فيها شيء من الخمر أو الخل أو الكحول؟ ولكنها بالاختمار تصير خلاً ثم خمراً ثم غازاً أو بخاراً وهكذا، أترى انً العنب صار جزءاً من الخل والخل صار جزءاً من الخمر؟ اذاً فمن اين جاءت شبهة الآكل والمأكول التي لا يدفعها الاّ من كان من الفحول؟ ومن اين اتجه القول بأن لحم الكافر يصير من بدن المؤمن ولحم المؤمن جزءاً من بدن الكافر؟ لا أدري. (2) فصل ووصل لعلك تقول: اذا كان هذا الهيكل الانساني عبارة عن صور متعاقبة يتلو بعضها بعضاً ويتصل بعضها ببعض اذاً فشخصية كل فرد من هذا النوع بماذا تتحقق؟ وتعينّة بأي شيء يكون؟ والماد بنفسها غير متحصّلة فكيف يتحصل بها غيرها وهي صرف القوة والأستعداد؟ فنقول: فليكن هذا ايضاً من احد الأدلة على وجود النفس المجرّدة ذاتاً المادية تعلقاً وتصرفاً وتشخّص كل فرد وتعيّنه انما يكون بتلك النفس التي تتعلق بتلك الصور المختلفة المتعاقبة بنحو الاتصال على المادة المبهمة والهيولي الأولي التي لا توجد ولا تخرج من القوة إلى الفعل الاّ بصورة من الصور وهي متحدة معها وجوداً منفكة عنها تعقلاً ومفهوماً والنفس الجزئية المستمدة من النفوس الكلية حافظة لها معاً وهي ايضاً متحدة بهما وجوداً ومتصلة بهما ذاتاً وتواكب وتصاحب كل تلك الصور المتعاقبة على نحو الاتصال والواحد السيال. وأضرب لك مثلاً محسوساً لتقريب ذاك إلى ذهنك واستحضاره بعقلك أرأيت النهر الجاري في الليلة القمراء؟ حيث يطل القمر على الماء المتدافع وكل موجة تأتي يشع القمر عليها وترتسم صورته فيها ثم تمضي وتأتي موجة أخرى ترتسم صورة القمر فيها وهكذا حتى يجف الماء ويغيب البدر فالقمر هو النفس والنهر هو البدن والموجات المتدافعة من الينبوع هي الصور المتعاقبة على البدن التي يشرق عليها ويتحد مع كل واحدة منها وهي مع كثرتها واحدة ومع انفصال بعضها عن بعض متصلة والنهر واحد سيال على الاتصال كذلك البدن من حيث الصور المتعاقبة عليه واحد كثير متصّل منفصل والنفس مشرقة عليه هي المدبرة له الباعثة فيه النور والحرارة والحركة والحياة وهذا العالم الصغير يحكى لك العالم الكبير بل (وفيك انطوى العالم الأكبر) وهو المثل (ولله المثل الأعلى). (ايها الانسان اعرف نفسك تعرف ربك) نعم النهر يجري من ينبوع الأرض والجسد والنفس تجري من ينبوع السماء بل من ينابيع العرش بل من ينابيع ربّ العرش عظمت جلالته، وجلت عظمته. شد مبدل آب اين جو جند بار عكس ماه وعكس أختر بر قرار تبدل ماء هذا الجدول عدة مرات وعكس القمر والشمس لم يتحول ولم يتبدل عن ذلك القرار. (3) فصل وأصل هل في هذا الهيكل الانساني سوى ما هو المعروف والمحسوس من انه: جسد وروح؟ روح مجردة بسيطة، وجسد مادي مركب من العناصر، فهل ثمة شيء ثالث؟ ــ الجواب نعم ولكن لا تستغرب ولا تعجب لو قلت لك ان في كل جسم حي مادي عنصري ــ جسم آخر اثيري سيال شفاف اخف والطف من الهواء هو برزخ بين الجسم المادي الثقيل، والروح المجرد الخفيف ولعل هذا هو الجسم البرزخي الذي يسأل في القبر ويحاسب، وينعم ان كان تقياً ويعذب ان كان شقياً ويبقى في نعيم أو حميم إلى يوم البعث إلى يوم القيامة الذي تعود فيه هذه الابدان العنصرية للحياة الابدية وقد تلونا عليك من قبل ان الحقائق الحكمية والدقائق الفلسفية لا تسعها العبارات اللفظية، وان الالفاظ لا يقتنص منها شوارد المعاني، واوابد الاسرار، ولكنها اذا كانت لا تحكي عن الحقيقة من كل وجه فقد تحكي عنها من وجه، ارأيتك حين تقول: روحي وجسدي وعقلي من تعني بياء المتكلم؟ ومن هو الذي تقصده بقولك (انا وانت وهو) وامثالها من الضمائر؟ فهل تريد بقولك: انا لهذا الجسد الخاص ولشخصيتك المتعينة من الجسد والنفس؟ اذاً فماذا تريد بقولك جسدي؟ ومن هو الذي اضفت اليه جسدك أو اضفت جسدك أو نفسك أو عقلك اليه؟. ثم هل تدبرت حالك حين تتلو سورة من القرآن؟ تحفظها في نفسك وتقرزها في خاطرك من دون ان تحرك لسانك أو يظهر صوتك وانت في تمام السكوت والسكون كان في داخلك شخصاً يقرً ويتلو عليك بغير صوت ولا لسان فقد تقرأ سورة من الطوال أو قصيدة ساحبة الاذيال مرتلاً لها ومترسلاً فيها واللسان صامت والمقول ساكت وقد قرأتها كلمة كلمة وتلوتها حرفاً حرفاً فمن ذا الذي املاها عليك؟ واين كانت مخزونة ومجتمعة، ثم جاءت واحدة بعد واحدة متقطعة، حقاً ان التفكر في هذه السلسلة سلسلة الفكر والذكر والحفظ والنسيان والتصور والتفكر والتصديق والشك واليقين وكل ما هو خارج عن المادة الجسمانية والاعضاء الحسية، حقاً ان معرفة كل ما هو من هذا النطاق امر لا يطاق ولا تصل انسرة العقول مهماً حلَّقت في سماء التفكير إلى كبرياء معراجه ومفتاح رتاجه، ولكن مهماً استعصى على اولي الحجى سره فهو يدل دلالة واضحة على ان في الانسان بشخصه الخاص جوهر مفيض وآخر مستفيض وغلاف وقشرة يحمل هذين الجوهرين فالمفيض هو النفس الجزئية المتصلة بالنفس الكلية المبدأ الاعلى، والمستفيض هو ذلك البدن المثالي الاثيري، والغلاف هذا البدن العنصري، على ان التحقيق والبحث الدقيق اوصلنا إلى حقيقة جلية وهي ان هذه الحقائق الثلاث شيء واحد وانها تنشأ نشأة واحدة وان النفس جسمانية الحدوث روحانية البقاء فهي تتدرج في تكونها ونشوئها ونموها من النطفة إلى ان تصير انساناً كاملاً عاقلاً بل إلى ان تصير عقلاً مجرداً ملكاً أو شيطاناً، فهذا العنصري هو النفس ولكن بمرتبتها السافلة، والنفس هي البدن ولكن مرتبته العالية، وكل ما فيه من الحواس الظاهرة والباطنة والقوى العاملة من الهاضمة والماسكة والدافعة والمصورة والمقدرة إلى غير ذلك كلها آلات للنفس وادوات تمدها وتستمدها وتتعاكس معها وتتعاون أخذاً ورداً وسلباً وايجاباً فكل الانفعالات النفسية تظهر فورها على البدن الا ترى جمرة الخجل وصفرة الوجل وضربان العروق وخفقان القلب عند الخوف وابتهاج البدن عند الفرح وبالعكس كلّ ما يصيب البدن من ضربة أو صدمة أو جرح تنفعل النفس به وتتألم؟ وكلّ هذا شاهد ودليل على وحدة النفس مع البدن، وانّ البدن المادي والبدن الأمتدادي المجرد عن المادة والروح المجردة عنهما شيء واحد، وهذا البدن الأمتدادي الأثيري هو همزة الوصل بين الروح المجردة عن المادة ذاتاً المتعلقة بها تصرفاً وبين البدن المادي ذاتاً والذي هو آلة الروح تعلقاً وتصرفاً وهو الذي تجد الاشارة عنه حيناً والتصريح به حيناً آخر في كلمات اكابر الفلاسفة الأقدمين والحكماء الشامخين والعرفاء السالكين مثل قول ارسطو فيما نقل عنه: انه ربما خلوت بنفسي وخلعت بدني وصرت كأني جوهر مجرد بلا بدن فأكون داخلاً في ذاتي خارجاً عن جميع الأشياء فأرى في ذاتي من الحسن والبهاء ما ابقى له متعجباً مبهوتاً فأعلم اني جزءاً من اجزاء العالم الأعلى الشريف، وعن الوصية الذهبية لفيثاغورس(1) أو ديوجانس(2) اذا فارقت هذا البدن اصبحت سابحاً في عوالم الفلك غير عائد إلى الإنسانية ولا قابلاً للموت وقال آخر: من قدر على خلع جسده صعد إلى الفلك وجوزي هناك بأحسن جزاء، والصعود إلى الفلك انما ذلك الجسم الأثيري بحكم التناسب فكما ان الجسم العنصري اخلد إلى الأرض لأنه منها ويعود اليها فكذلك الجسم الأثيري يرقى إلى الجسام الفلكية الأثيرية لأنه منها ويعود اليها ولا غرابة لو قال بعض العرفاء: ربما تجردت من بدني هذا وارتقيت إلى الأفلاك وسمعت تسبيح الملائكة، وكل هذه الأحوال انما هي لهذا البدن الأثيري المثالي لا للعنصري ولا للروح فأنها ترقى إلى عالم المجردات المحضة بعد كمالها لا إلى الأجسام الفلكية والعوالم الأثيرية. وعلى كلّ فيغنيك الوجدان عن البرهان في اثبات تلك الأبدان ــ الأبدان المثالية التي هي انت وانت هي وبقاؤك به لا بهذا الجسد العنصري الذي قد عرفت انه في كل برهة يتلاشى ولا يبقى منه شيء ثم يتجدد وتتعاقب في تقويمه الصور صورة بعد صورة وهيئة بعد هيئة وهو الذي يستعمل الحواس ويستخدمها وتملى عليه الروح المعارف والأمور العامة فيمليها على القلب واللسان. انظر اذا كنت تحفظ سورة من القرآن أو خطبة من الخطب أو قصيدة من الشعر فربما تلوتها في نفسك وقرأتها في خاطرك فتجد كأن شخصاً في طويتك يتلوها عليك كلمة كلمة وانت سامد ساكن لم تفتح فماً ولم تحرك لساناً وطالما كنتُ امسك القلم باناملي فاجد كأن انساناً أو ملاكاً يملي علي الخطبة أو الشعر أو المقال ويجري مع القلم من دون فكرة ولا روية كأني انقله من كتاب امامي وليس شيء من هذه الاعمال من وظائف الروح والنفس وانما وظائفها العلم والادراك ومعرفة الكليات المجردة والامور العامة مثل ان الكثرة هي الوحدة والوحدة هي الكثرة وان العلة تعالي المعلول والمعلول تنازل العلة وان الغاية هي الرجوع إلى البداية والبداية هي النهاية وامثال هذه من قواعد الحدوث والقدم والوجوب والامكان والجواهر والاعراض كما انها ايضاً ليست من وظائف الجسد المادي الحي فان وظيفته ادراك الجزئيات وثورة العواطف من تأثير الحس الظاهري أو الباطني نعم بحكم الوحدة والاتصال بين تلك القوى يستمد بعضها من بعض ويتقوى بعضها ببعض وحكم العالم الصغير مثل العالم الكبير فكما ان الجسمانيات العنصرية مرتبطة بالفلكيات وهي مرتبطة بالمجردات، والنفوس الجزئية تستمد من النفوس الكلية، وهي تستمد من العقول المجردة، فكذلك هذا الجسد الانساني الذي انطوى فيه العالم الاكبر ولا تعد قواه ولا تحصر. غيب ولكنه بلا ريب حيث عرفت جيداً ان في الانسان بدناً برزخياً بين الروح المجرد والجسد المادي فاعلم ان هذا البدن قد تغلب عليه الناحية الروحية والنزعات العقلية فيغلب على الجسد المادي ويسخره لحكمه ويكون تابعاً له ومنقاداً لامره وقد ينعكس الامر فتتغلب النواحي المادية والشهوات الحسية على الملكات الروحية فتصير الروح مسخرة للمادة تابعة لها منقادة لرغباتها وشهواتها وهنا تصير الروح مادة تهبط إلى الدرك الاسفل وظلمات الجهالات ولكنه اخلد إلى الارض وهناك تصير المادة روحاً حتى تخف وتلطف وتنطبع بطابع المجردات فتسمو إلى الملأ الاعلى في هذه الحياة الدنيا فضلاً عن الحياة الاخرى، وقديماً ما قال بعض الشعراء في سوانحهم الشعرية: خفت وكادت ان تطير بجسمها وكذا الجسوم تخف بالارواح بل الجسم قد يطير بالروح وقد قلت في كلمة سابقة: ان الانبياء والحكماء والعرفاء ومن هو على شاكلتهم من رجال الله تعالى جعلوا ابدانهم ارواحاً اما نحن فقد جعلنا ارواحنا ابداناً، واذا صار البدن روحاً وغلب حكم الملك على الملكوت لم يعسر على ذلك ان يخترق حدود الزمان وسدود المكان فيحكم على الزمان والمكان ولا يحكم شيء منهما عليه وبهذا يسهل عليك تصور المعراج الجسماني وسيره في الملكوت الاعلى ورجوعه قبل ان يبرد فراشه واحضار آصف عرش بلقيس قبل ان يرتد اليه طرفه ومبارحة امير المؤمنين(() المدينة إلى المدائن لتجهيز سلمان (() ورجوعه من ليلته بل وما هو اشد غرابة من ذلك وهو حضوره عند كل محتضر في شرق الارض وغربها من مؤمن أو منافق (يا حار همدان من يمت يرني) يسهل عليك تصور هذه القضايا الخارقة لنواميس الطبيعة يسهل اليك تصورها بل والتصديق بها، نعم وانما يستعصى علينا الاذعان بها ويجعل عندنا هذا القبيل من المستحيل انغمارنا في المادة وانطمار ارواحنا في مفازات الطبيعة فلا نبصر ولا نتعقل الا من وراء حجبها الكثيفة. ومن للاعمى والاكمه ان يرى نور الشمس أو يستلذ بلحن نغمات الاوتار وليس عندنا لرد هذه الانوار سوى الانكار وسد باب الاعتبار، ارأيت هذين الملوين المتعاقبين على هذه الكرة؟ لو قيل لك: ان احداً يراهما دفعة واحدة بعينه هل تعد هذا المقال الا من المحال، ولكن لو كان في احدى كواكب المجرة التي تبعد عن نظامنا الشمسي ملايين الملايين من الاميال ذو بصر حديد وايد شديد نظر إلى الارض لا بصر الليل والنهار فيها بآن واحد يعني يرى وجهها المقابل للشمس والمعاكس له دفعة واحدة وما ذاك الا لانه ترفع عن افق الزمان والمكان وخرج عن الحدود والقيود ولو ان البدن المثالي بما فيه من الروح تكاملت ملكاته وتعالت روحياته لغلبت قوته على هذا البدن العنصري وسار أو طار به حيث شاء كما ربما ينقل مثل ذلك عن بعض المرتاضين من العرفاء الواصلين وقد قيل لبعضهم انه روي ان عيسى (() مشى على الماء فقال: لو كمل يقينه لمشى على الهواء ولعل الى هذا ومثله الاشارة في الحديث القدسي المعروف (اطعني تكن مثلي اقول للشيء كن فيكون وتقول له: كن فيكون). البداية والنهاية والبدء هو الغاية كل جسم نامئ من نبات أو حيوان أو انسان فبدء تكونه بذرة مختلطة من امشاج الأرض وعناصرها المختلفة ثم تستمد نموها ورقيها من المواد الأرضية وتتعاقب عليها الصور فتلبس صورة ثم تخلعها وتكتسي صورة اخرى فهي بما فيها من القوة والأستعداد لا تزال في خلع ولبس ونمو وسمو دائبة في صراط السير والحركة إلى الغاية المعدة لها وجميع تلك الصور والفعليات التي تتعاور على تلك البذرة الحاملة للقوة والاستعداد لقبول كل تلك الصور يفيضها المبدأ الأعلى بتوسط المثل العليا والعقول المفارقة والنفوس الكلية متدرجة في قوس النزول إلى تلك المادة والبذرة الحاملة أو المحمولة للهيولي الأولى والتي هي محض القوة والأستعداد وهي آخر تنزلات تلك الفعلية التامة والهوية الوجودية الكاملة ثم بعد ان نزلت إلى اقصى مراتب الضعف والشأنية أخذت ترتقي في قوس الصعود من صعدة إلى اخرى حتى تصل إلى ما منه بدأت منه البدء واليه المعاد وكما بدأكم تعودون فالنهاية هي العود إلى البداية، والمبدأ هو الغاية، وكل تلك الصور المتعاقبة في قوس الصعود تتلاشى موادها وتتفرق عناصرها وتضمحل تراكيبها اما صورها فهي محفوظة عند ارباب انواعها ومثلها العليا من العقول المفارقة والمجردات القادسة المدبرات امراً التي هي وجه الله الذي لا يفنى ولن يفنى ابداً وان من شيء الا عندنا خزائنه وما عندكم ينفد وما عند الله باق كما ان تلك المادة الأولية والبذرة المعينة محفوظة في خزائن الغيب وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها الا هو فأذا جاءت الساعة بأشراطها وقامت القيامة بالبعث والنشور ونفخ في الصور وامطرت العناية الأزلية من سماء المشيئة فبرزت تلك البذور عند النفخة الثانية في الصور واعشبت الأرض والقت ما فيها وتخلت وهي غير هذه الأرض طبعاً يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهّار ظهر كل انسان بجسمه وبدنه وعاد عليه بدنه المثالي المتجسد المتحد بروحه فلو رأيته لقلت هذا فلان بعينه كما لو رأيت زيداً ايام شبابه ثم رأيته كهلاً لا تشك في أنه هو زيد بعينه مهما تغيرت صورته وتبدلت الوانه واشكاله ولكن بما ان الدار الآخرة دار الجمع ودار القرار والثبات ودار الحس والحياة وكل شيء هناك حيّ وناطق وأن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون، نعم كل شيء هناك حيّ وناطق حتى لحمك ودمك وجلدك وقالوا لجلودهم لم شهدتهم علينا قالوا انطقنا الله الذي انطق كل شيء، حيث انها دار الحسّ والحياة ودار الجمع والثبات تجتمع عندك جميع صورك في جميع ادوار حياتك ويتمثل لديك كل اعمالك صغيرة وكبيرة حسناتك وسيئاتك وتكون نفسك وذاتك وهويتك الخاصة وروحك البارزة في بدنك المثالي الأخروي العنصري المناسب لدار الحسّ والحياة التي تذوب وتنصهر فيها العنصريات والماديات، وبست الجبال بسّاً فكانت هباء منبثاً، وتكون الجبال كالعهن المنفوش والشمس كورت والكواكب انتثرت والبحار سجرت يعني ان المادة تتلاشى وتضمحل ويبقى الروح والجوهر والحسّ والشعور والحياة بارزة بأشكالها الدنيوية ولكنها جوهرية أخروية نعم تكون ذاتك ونفسك وهي كتابك اقرأ كتابك كفى بنفسك عليك اليوم حسيباً كتاب حسناتك بيمينك وكتاب سيئاتك بشمالك كل اعمالك بارزة امامك مجسمة بأجسامها المناسبة لها من خير أو شر وهذا معنى تجسم الأعمال وهي نفس اعمالك ترد اليك ( انما هي اعمالكم ردت اليكم) انما تجزون ما كنتم تعملون جزاؤكم نفس اعمالكم لكن بصورتها الحقيقية وحقيقتها الجوهرية وجوهرتها الروحية لا المادية اعمالك الصالحة واحسانك للناس يعود وجهاً حسناً جميلاً تأنس به واساءتك وشرّك يعود وجهاً قبيحاً تستوحش منه نعم وقد تعود حيات وعقارب تلسعك وهكذا اعضاؤك تعود عينك ولكن بغير شحم، ويعود سمعك ولكن بغير عظم. ويعود قلبك ولكن بدون لحم، وهكذا يعود كل شيء منك ولكن بأقوى واصح مما كان في الدنيا وكلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها هي غيرها وهي عينها ولو كانت غيرها تماماً لما جاز عقابها (ولا تنس حديث اللبنة)(1) وذاتك واعمالك وسريرتك واخلاقك ومعارفك وايمانك ويقينك وكفرك وجحودك هي ميزانك وهي كتابك وهي حسابك وهي صراطك وهي جنتك وهي جحيمك واشهد ان الموت حق والنشور حق والصراط حق والميزان حق وكل ما في القرآن العظيم حق على ظاهره وحقيقته من غير تأويل ولا تبديل ولكن اشهد ان الموت حق ليس معناه والمراد منه ان الموت أمر واقع فتكون شهادة تافهة باردة لأنه امر محسوس لا ينكره أحد بل المراد ان الموت حق لازم موافق للحكمة وحقيقة لابد منها ولولا الموت لكان الكون وايجاد الخلق عبثاً وباطلاً [أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ](1) فالموت والبعث والنشور والحساب والثواب والعقاب وكل ما ورد في الكتاب من المبدأ والمعاد واحوال البرزخ بينهما واحوال يوم القيامة بعدهما كله حق موافق للحكمة وضرورة لابد منها في العناية الأزلية فالحياة والموت والبرزخ والقيامة والحشر والنشر والكتاب والحساب وهكذا كلها مراحل تطويها النفس الإنسانية لتصل إلى الغاية التي منها بدأت نازلة ثم تعود اليها صاعدة. تفكر وتدبر، واحسن التفكر والتدبر بقوله تعالى: [الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ](2) وقوله عز شأنه: [أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ كَلاّ إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ](3) وهذه الإشارة خير من الف عبارة، فهذه النطفة القذرة كيف يصح لها ان تلتحق بعظمة جبروت الله وسعة ملكوته وتدخل في جناته وبهاء رضوانه الا بعد التصفية والتهذيب وطيّ تلك المراحل والمنازل فتعود اليه كما بدأت منه والاً بقيت مخلّدة في سجن الطبيعة وسجين المادة، وظلمات الأهواء، وجحيم الرذائل النفسانية، لهم نار جهنم خالدين فيها ابداً، عافانا الله منها ومن كل سوء واحسب انيّ بعد هذا كله قد اوضحت لك البيان وخرجت لك من العهدة، ومحضتك بعد المخض الحثيث بالزبدة، وعرّفتك من غوامض المبدأ ما يحل لك العقدة، وتضحي لك به انوار الحقيقة، ولكني حرصاً على مزيد اقناعك ورسوخ يقينك وشموخ عرفانك اضرب لك مثلاً من نفسك، هو اقرب شيء إلى وجدانك وحسّك، ففي الحكمة العالية ولعلها من معين ينابيع النبوة ايها الأنسان اعرف نفسك تعرف ربك (من عرف نفسه عرف ربه)(4) طرداً وعكساً، ولعلني بهذه اللمحة احسن لك التمثيل والتصوير وافتح لك باباً من التفكير، طالع وتطلع وانظر جسدك هذا الذي به حسّك وحياتك، وتدبر ما فيه من القوى والحواس ظاهرة وباطنة، وما اشتمل عليه من الجوارح والأعضاء، تجد لكل جارحة، ولكل عضو وظيفة معينة لا يتعداها ولا يشاركه غيره فيها فوظيفة العين مثلاً النظر، ووظيفة الأذن السمع فلا الاذن تتدخل يوماً في وظيفة البصر ولا العين تتدخل يوماً بوظيفة السمع بل كل منها ملازم لوظيفته لا يتعداها ولا يتجاوز إلى ما سواها وهكذا جميع الأعضاء والجوارح بل حتى الشرايين والعروق والوردة والشغاف واللحم والدم والعظم والقلب والكبد والرئة والدماغ، بل وخلايا الدماغ، بل وكريات الدم البيض والحمر لكل منها وظيفة معينة، وعمل خاص، لا يتجاوزه إلى غيره والكل والجميع وان كان يعمل لغاية واحدة ويرمى إلى هدف واحد وهو حراسة هذه المدينة وترميم ما يتداعى منها ودفع العداء المتهاجمين عليها لقلع قلاعها وردم حصونها ولكن كل واحد من اولئك العمال والموظفين يقوم بعمله مستقلاً كأنه ليس له أي ارتباط بالآخر موجوداً ام لا، فالعين تبصر وتؤدي وظيفتها سواء كانت الأذن موجودة ام مفقودة، وسواء قامت بوظيفتها تماماً ام قصرت فيها وهكذا كل واحد من الأعضاء والجوارح الظاهرة أو الباطنة مملكة مستقلة لا يرتبط احدها الآخر ولا يستمد بعضها من بعض حتى القلب وان كان هو خزانة التوزيع والتموين ولكن المدد الأعظم والفيض الأتم والذي ترتبط به جميع الأعضاء حتى القلب ولا يعمل شيء عمله الاّ بأشارته وبعثه هو الدماغ الذي هو عرش النفس وكرسيها الأعظم فالنفس أي الروح تعطي الحس وتبث الحياة لكل الجوارح والأعضاء وجميع الحواس الظاهرة والباطنة، وهي تعين وتعين كلّ جارحة وحاسة في وظيفتها فالعين لا تؤدي وظيفتها الاّ بتوجه النفس اليها، وتوجيهها للبصر والنظر، الا ترى ان النفس اذا كانت مشغولة في التفكر في موضوع مهم قد يمر به شخص فلا يراه وعيناه سالمة مفتوحة، وكذا قد يتكلم بحضوره متكلّم فلا يسمعه، كل ذلك لأن الروح منصرفة عن الحواس والجوارح منقطعة عن امدادها وارفادها التي به تستطيع اداء وظيفتها فالروح هي كل القوى وكلّها تستمد من الروح كما انّ القوى كلّها جنود تعمل لها وتقدم كل ما يتحصل لديها إلى النفس، وكل الصور المتحصلة للحواس على نحو البسط والنشر والتفصيل، من الخارج كانت كامنة ومتحصلة في النفس على نحو القبض والطي والجمال في الداخل افاضتها النفس على الحواس جمالاً وقوة واستعداداً فأدركتها وتحصلت لديها بسطاً وتفصيلاً وارتسمت في لوحها تعيناً وهوية فكانت المعلومات الذهنية المتحصلة من العيان الخارجية بدأت من النفس ثم عادت اليها فهي المبدأ واليها المعاد النفس تبسطها وتطويها وتعديها وتبديها، أرأيت السحاب كيف ينشأ من البحر ثم يعود إلى البحر أرأيت النواة حيث تغرسها في تربة وتسقيها ثم بعد قليل من الزمن تجد منها الخير وتجود لك بسعف وليف وكرب ثم بعد برهة بسراً ثم رطباً ثم تمراً وهكذا سبع سنين أو سبعين ثم بعد ذلك تفنى النخلة وتعود إلى النواة؛ ما ادري هل النخلة وكل ما نمى فيها وافيض منها كله كان في النواة؟ بنحو الكمون والبطون والأعداد والاستعداد والقوة والجمال ثم ظهر بنحو البسط والنشر والتفصيل والفعلية فكانت هي المبدأ واليها المعاد لا ادري، ولكن ايها الإنسان (اعرف نفسك تعرف ربك) أو اعكسها وقل: (اعرف ربك تعرف نفسك) العين لا تبصر الا بالنفس والنفس لا تبصر الا بالعين، نعم قد ترتقي النفس إلى حظائر القدس وتلتحق بالمجردات فلا تحتاج في مدركاتها إلى استعمال آلة فتكون بشدة اتصالها وتعلقها بمثلها العليا ومبادئها المقدسة سميعة بلا اذن بصيرة بلا عين قابضة وباسطة بلا يد عاقلة بلا قلب ذاك مقام (كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به)(1). (جه بي يسمع وبي يبصر عيان شد) هناك ترتقي النفس من جنات تجري من تحتها الأنهار إلى (رضوان الله اكبر) بل هناك أي في ذات نفسك الجنان والرضوان والحور والولدان هناك مقام اعددت لعبدي المؤمن ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون هناك مقام. باسمائك الحسنى اروح خاطري اذا ظمأت نفسي فانك ريها اذا هب من قدس الجلال نسيمها وان شقيت يوماً فانت نعيمها **
كر باقليم عشق رو آرى همه آفاق كلستان بيني آنجه بيني دلت همان خواهد وآنجه خواهد دلت همان بيني رزقنا الله تلك المنازل الرفيعة، وجعلنا من السالكين اليها الواصلين اليه ومن اهل الزلفى عنده، والكرامة عليه، فانه لا ينال ذلك الا بفضله، وفيضه ولطفه وكرمه. وان اردت الخلاصة والزبدة فاعلم: ان كل حركة تستلزم اربعة اركان المحرّك والمتحرك وما منه الحركة وما اليه الحركة ولا شك انك واقع في صراط الحركة والمحّرك علتك والمتحرك شخصيتك وهويتك(2) وما منه الحركة اوّل ما خلق الله النفس الرحماني(1) والعقل الكلي فان منه الحركة نزولاً واليه الحركة صعوداً اللهم لك الجود وانت الجواد ومنك الوجود والأيجاد، ومنك البدء واليك المعاد، النور واحد احدي بسيط لا تعدد فيه ولا تكرار، ولكن اذا اشرق على هياكل الممكنات ظهرت الأشباح والظلال على حسب القابليات، فالنور سطع من شمس الشموس وروح الأرواح وغيب الغيوب والأظلة هي الوجودات الأمكانية والقابلية هي حدود الماهية والأعيان الثابتة، ألم تر إلى ربك كيف مد الظل باشراق شمس الحقيقة عليه بسطاً ثم ينطوي ذلك النهار وتلك الأنوار فلا يبقى اثر لظله ولا لذي ظل قبضاً ولكن قبضاً يسيراً، فتدبر نكبة اليسير هنا احسن التفكير، وحقاً اذا اشرقت الشمس انطمست الكواكب وزالت الأشباح والأظلَّة وقامت القيامة وأتى النداء من معاقد عرش العظمة وسبحات وجه الجلال والجبروت ــ لمن الملك اليوم ــ لله الواحد القهّار، وكل شيء هالك الا وجهه وكل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذي الجلال والأكرام تندك الجهات ويبقى الوجه ثم قبضناه أي قبضنا وجه الكائنات وظل الممكنات الينا قبضاً سهلاً يسيراً، وما امرنا الا واحدة كلمح بالبصر. وعساك قد اقتنعت بما اترعت لك من البيان في تصوير المعاد الجسماني وانه ممكن ذاتاً واجب وقوعاً وليس هو من اعادة المعدوم ولا من الفرض الموهوم، وانما هو سير وحركة وتفريق وجمع واستبدال وانتقال من حال إلى حال، ويحسن ان تختم المقال ببعض ما جاء في الكتاب الكريم واحاديث اهل البيت (() ونجعله (مسك الختام). وليس الغرض من ذكرها الأستدلال بالدلة النقلية بل لبيان مطابقة العقل للنقل وموافقة الوحي للوجدان والبرهان للعيان. اما القرآن العزيز فأكثر الآيات ظاهرة في ان الذي يرجع إلى الله عزَّ شأنه ويعود اليه هو هذا الجسد المعين والهوية الخاصة التي يشار اليها بهذا ويعبر عن نفسه (أنا) مثل قوله تعالى: [إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ](1)[وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ](1) [أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ](2) وقوله تعالى: [كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ](3) [ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ](4) [هُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ](5) وتشير هذه الكريمة ونظائرها إلى ان ثبوت المبدأ يستلزم ثبوت المعاد بل هما متلازمان ثبوتاً أو اثباتاً ولولا المعاد بطلت الحكمة وإذا بطلت الحكمة بطل المبدأ ولزم التعطيل أو العبث أو الصدفة وما اشبه ذلك من اللوازم الفاسدة التي اوضحنا بطلانها في الجزء الأول من كتاب (الدين والأسلام)(6) فالمعاد في الجملة ضروري لا بد من الأعتراف به والمصير اليه وبعض الآيات كالصريحة بأنه جسماني [وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ](7) والآية التي بعدها تشير إلى كيفية الأحياء واسلوبه [الَّذِي جَعلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ](8) وهي طريقة البروز والكمون والطي والنشر. [أَو لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ](9) وهذه المثلية هي العينية فهو مثله باعتبار وعينه باعتبار آخر واختلاف الاعتبارين من اختلاف طباع النشأتين كما أوضحناه فيما مر عليك. (أما الأخبار الشريفة) فقد جاءت باوسع من ذلك البيان وأفصحت عن كل ما جلّ دقّ، وما هو بالحق أحق، ففي الاحتجاج عن أمير المؤمنين(() ومثله عن الصادق(() ونقله في البحار بطوله وفيه بعض القضايا المحتاجة إلى التأويل أو التحصيل ولكن محل شاهدنا منه لا غموض فيه بعد مراجعة ما ذكرناه كمن الفصول و الاصول قال أي الزنديق يسأل الصادق(() بعد قوله (() هو سبحانه يحي البدن بعد موته ويعيده بعد فنائه فاين الروح؟ قال: في بطن الارض حيث مصرع البدن إلى وقت البعث قال فمن صلب فاين روحه؟ قال: في كف الملك الذي قبضها حتى يودعها الارض واقول: لعله يشير (() بهذه الجملة إلى علاقة الروح بالبدن بعد فراقها وانها مرتبطة به لشدة الاتصال في الدنيا به كما عرفت من ان آثار الروح تظهر على البدن كحمرة الخجل وصفرة الوجل وضربان القلب ورعشة البدن وانفعالات البدن تظهر وتسري إلى الروح كألم الضربة والطعنة وسائر العوارض على البدن التي تتألم منها الروح بحكم تحقق الوحدة بينهما أي ان البدن هو الروح بمرتبته العليا، والروح هو البدن بمرتبته السفلى؛ والموت نوع من التعطيل في التصرف. ثم قال: أي الزنديق أفيتلاشى الروح بعد خروجه من قالبه ام هو باقي؟ قال: بل هو باقي إلى وقت ينفخ في الصور فعند ذلك تبطل الاشياء وتفنى فلا حس ولا محسوس ثم اعيدت الاشياء كما بدأها مدبرها اقول: هذا اشارة إلى ما بين النفختين يوم يأتي النداء لمن الملك اليوم فلا مجيب الا نور الانوار، لله الواحد القهار، حيث عرفت ان شمس الشموس، اذا تجلت بتمام نورها للعقول والنفوس، استولى عليها الفناء والطموس، فلا ظل ولا ذو ظل، ولا حس ولا محسوس. همه آنست ونيست جزاو ج وحده لا اله الا هو ثم قال: الزنديق(1) فأنّى له بالبعث والبدن قد بلى والأعضاء قد تفرقت فعضو ببلدة يأكله سباعها، وعضو بأخرى تمزقه هوامها، وعضو قد صار تراباً بني به مع الطين حائط قال: ان الذي انشأه من غير شيء وصوره على غير مثال سبق قادر ان يعيده كما بدأه قال: اوضح لي ذلك، قال الامام ((): ان الروح مقيمة في مكانها روح المحسن في ضياء وفسحة وروح المسيء في ضيق وظلمة والبدن يصير تراباً كما منه خلق وما تقذف به السباع والهوام من اجوافها مما اكلته ومزقته كل ذلك في التراب محفوظ عند من لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في ظلمات الأرض ويعلم عدد الأشياء ووزنها وان تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب فاذا كان حين البعث مطر الأرض مطر النشور فتربو الأرض ثم تمخض مخض السقاء فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب اذا غسل بالماء والزبد من اللبن اذا مخض فيجمع تراب كل قالب إلى قالبه ينتقل بأذن الله القادر إلى حيث الروح فتعود الصور بأذن المصور كهيآتها وتلج الروح فيها فأذن قد استوى لا ينكر من نفسه شيء انتهى ما اردنا نقله من هذا الخبر الشريف ولو اردنا شرح هذه الكلمات النيرة وتفسير كل جملة كما هو حقه اقتضى ذلك تأليف رسالة مستقلة ولكن نعلق على بعضها رسالة اجمالية تكون مفتاحاً لرتاجها وذبالة لسراجها. قوله ((): الروح مقيمة في مكانها وحيث انها من المجردات والتجرد فوق الزمان والمكان أي ليس للمجرد زمان ولا مكان فلعل المراد من كونها مقيمة في مكانها وقوفها عن الحركة لوصولها إلى الغاية التي تحصلت لها من سيرها إلى الكمال الميسر لها في نشأتها الأولى ((وكل ميسر لما خلق له)) اما بعد انتقالها إلى النشأة الثانية فهي هناك واقفة ومقيمة في مكانها قد خرجت في عالم الترقي والأعداد والاستعداد الذي كان لها بتلك الدار ونزلت بدار القرار والاستقرار بخلاف الجسد الذي بقى في صراط الحركة ودار الأعداد والاستعداد والتبدل والانتقال من حال إلى حال ومن صورة إلى اخرى حتى ينتهي إلى الصورة الأخيرة الجامعة لجميع الصور ذلك يوم الجمع وهي التي يبلغ البدن بها إلى الغاية التي يكون بها بدناً أخروياً يصلح للاتصال بالروح فيعود اليها كما كان في النشأة الأولى فالمعاد هو معاد البدن إلى الروح لا معاد الروح إلى البدن وهنا تقف الحركة وينتهي السير والأعداد والاستعداد وردوا إلى الله مولاهم الحق وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو اهون عليه، وله المثل الأعلى، والأهونية هنا من جهة القابل لا من جهة الفاعل فأنه جلّ وعلا ليس شيء اهون عليه من شيء اذ الجميع في ظرف قدرته سواء وما امرنا الا واحدة كلمح بالبصر ولكن حيث ان تراب البدن كما عرفت صارت له مع الروح علاقة خاصة اكتسب بها بعض المزايا وامتاز بذلك عن سائر الأتربة فرجوعه إلى الروح التي معها تمام الأنس واقوى العلاقة بل لا تزال العلاقة ثابتة فضعفت ثم تضاعفت اهون من انشاء الروح من التراب أي البدن الذي لم تكن لها به أي علاقة سابقة حسبما عرفت من ان النفس جسمانية الحدوث روحانية البقاء اذاً فما ابعد الفرق بين المقامين وهل من شك بأن النشأة الثانية اهون النشأتين. وقوله ((): ويعود تراباً كما منه خلق لعله يشير إلى ناحية من تلك الجوهرة يعني يصير تراباً كالتراب الذي خلق منه وحق المعنى ان يقال: يعود إلى التراب الذي خلق منه ولكن حيث ان التراب الذي خلق منه قد اكتسب من ملابسة الروح في النشأة ملكات وكمالات كانت فيه على نحو الاستعداد فصارت على نحو الفعلية لذا قال ((): كما منه خلق أي كالتراب الذي خلق منه من حيث نوعه لا من خصوصياته أو من حيث ان طريق نزوله كطريق صعوده فتدبّر جيداً. قوله ((): وما تقذف به السباع إلى الآخر اشارة إلى دفع شبهة الآكل والمأكول وان التغذية والنمو في الأجسام ليس بصيرورة المأكول جزءاً من الآكل بل هو معد لأفاضة النفس الكلية بمشيئته تعالى صورة اخرى عليه بدلاً عما تحلل من ذلك الجسم فالمراد ان جميع الصور المفاضة المتعلقة كلها محفوظة في التراب عند ربِّ الأرباب. قوله ((): (وان تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب) لعله اشارة إلى ان النفوس القادسة التي بلغت أقصى مراتب الصفاء والتجرد حتى تجردت أجسامها وصارت ارواحاً لا تبلى ولا تتغير كالذهب الذي لا يغيره التراب ولا يؤثر فيه كما ورد في كثير من الأخبار المنقولة في البحار وغيره ولعل المراد بمطر النشور نفخة الصور الثانية التي تقوم بها الخلائق أحياء بعد فناء الجميع بالنفخة الأولى وفي بعض الأخبار ان الله سبحانه وتعالى يرسل سحاباً فتمطر على ارض المحشر فينشر البشر ويخرج كما يخرج النبات من الأرض غب المطر واكثر آيات المعاد والحشر والنشر في القرآن العزيز تشير إلى ذلك مثل قوله تعالى: [وَنَزَّلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ](1)، [ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ](2)، [وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ](3)، [كَذَلِكَ النُّشُورُ](1) إلى كثير من امثالها. وقوله ((): فيجمع تراب كل قالب إلى قالبه ينتقل بأذن الله القادر إلى حيث الروح فتعود الصور بأذن المصور كهيآتها وتلج الروح فيها، صريح فيما سبق من ان البدن بعد استكماله وكماله وبلوغه اقصى ما قدّر له من السير في صراط الحركة والأعداد والاستعداد ينتقل إلى الروح ويتحد معها اقوى من اتحاده بها في النشأة الأولى لأنه صار لطيفاً روحانياً وكان كثيفاً مادياً، ولعل في قوله ((): فتعود الصور بأذن المصور كهيئاتها وتلج الروح فيها ايماء إلى ما ذكرنا من: أن الصور المتعاقبة على البذرة الأولى التي تكون الأنسان منها جنيناً ثم رضيعاً وشاباً وكهلاً وشيخاً كلها محفوظة في مبادئها العالية والنفوس الكلية ويوم الحشر والنشر وهو يوم الجمع تعود كهيآتها وتتصل بالروح الاتصال الذي عبّر عنه الأمام (() بقوله: وتلج الروح فيها فأذن قد استوى لا ينكر من نفسه شيئاً فتجتمع كل الصور فيه ماثلة لديه، وليس العائد تلك الصور المحسوسة فحسب بل يعود لك حتى اعمالك وصفاتك وملكاتك وكل عمل خير أو شرّ يعود ماثلاً لديك بحقيقته وجوهره فالنميمة عقرب يلسعك والسعاية افعى تلدغك والغيبة لحم ميت تأكله وهكذا كلّ ما جنت جوارحك واقترفته يدك أو لسانك ومثل ذا كل عمل حسن أو معروف تجده صورة جميلة تؤنسك [وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا](2) [وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ](3)[إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ](4) ولا حذف هنا ولا تقدير كما يتخيله بعض المفسرين بل الجزاء نفس العمل وفي الحديث يقول جلّ شأنه: يوم القيامة للعباد اعمالكم ردّت اليكم. ولكن بجوهرها وحقائقها فكل ما في هذه الدار مجاز والحقيقة هناك وهذا معنى ما سمعته أو تسمعه من تجسم الأعمال فان عملك هو الكتاب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الاّ احصاها [وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا](1) فعن العياشي عن خالد بن نسيج عن ابي عبد الله الصادق (() اذا كان يوم القيامة دفع إلى الانسان كتابه ثم قيل له اقرأ قلت فيعرف ما فيه؟ فقال ان الله يذكره فما من لحظة ولا كلمة ولا نقل قدم ولا شيء فعله الا ذكره كأنه فعله تلك الساعة قالوا يا ويلنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا احصاها، ومن ناحية تجسم الاعمال يأتي القرآن يوم القيامة شافعاً مشفعاً أو شاكياً إلى ربه ممن هجره أو لم يحفظه. ومن قرأ سورة لا اقسم وكان يعمل بها بعثها الله معه من قبره في احسن صورة تبشره وتضحك في وجهه حتى يجوز الصراط وبعض السور تصير صورة جميلة تؤنسه في قبره. ومن هذا ما ورد من ان اهل الجنة جرد مرد والمتكبرون يحشرون كالذر يطأهم الناس بأقدامهم وان ضرس احدهم كجبل احد. [إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا](2) وفي الكافي من حديث طويل يقول الصادق (() فيه: (يدعى المؤمن للحساب فيتقدم القرآن امامه في احسن صورة فيقول: يا رب انا القرآن وهذا عبدك المؤمن قد كان يتعب نفسه بتلاوتي ويطيل ليله بترتيلي وتفيض عيناه اذا تهجد فارضه كما ارضاني فيقول العزيز الجبار: ابسط يمينك فيملاها من رضوان الله ويملأ شماله من رحمة الله ثم يقال: هذه الجنة مباحة لك فاقرأ واصعد فكلما قرأ آية صعد درجة)، وفي خبر طويل روى بعضه في البحار عن عقد الدرر في الامام المنتظر(() يقول فيه الله تعالى يسلط على الكافر في قبره تسعة وتسعين تنيناً ينهشن لحمه ويكسرن عظمه يترددن عليه كذلك إلى يوم يبعث. اقول: وفي اربعين الشيخ البهائي (() ويسلط عليه حيات الارض روي في الكافي عن الامام ابي عبد الله الصادق (() ان الله يسلط عليه تسعة وتسعين تنيناً لو ان واحداً منها نفخ على الارض ما انبتت شجراً ابداً، وروى الجمهور هذا المضمون بهذا العدد الخاص ايضاً عن النبي (() قال: بعض اصحاب الحال ولا ينبغي ان يتعجب من التخصيص بهذا العدد فلعل عدد هذه الحيات يقدر عدد الصفات المذمومة من الكبر والرياء والحسد والحقد وسائر الاخلاق والملكات الردية فانما تتشعب وتتنوع انواعاً كثيرة وهي بعينها تنقلب حيات في تلك النشأة انتهى. واقول: ان التعبير الأصح هو ما قلناه من انها هي بعينها حيات في تلك النشأة وفي هذه لا أنها تنقلب ولكنما الدنيا غلاف الآخرة وقشرها والآخرة هي اللب والحقيقة وهي موجودة حالاً في باطن الدنيا كما يشير اليه قوله تعالى: [يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ](1) [يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ](2) واسم الفاعل حقيقة فيما تلبس بالمبدأ حالاً لا ما يتلبس به في المستقبل نعم الآخرة داخلة في الدنيا دخول الرقيقة في الحقيقة والمعنى في اللفظ والروح في الجسم والهيولي مع الصورة من هنا يتجه ببعض الأعتبارات دعوى اتحاد الدنيا مع الآخرة اتحاداً حقيقياً والأتحاد الحقيقي كما مرت الأشارة اليه هو اتحاد المتحصل مع غير المتحصل يعني اتحاد ما بالقوة مع ما بالفعل كاتحاد المادة بالصورة والجنس مع الفصل تحقيقاً واعتبار اما الشيئان المتحصلان فلا يتحدان ابداً كما ان الشيئين غير المتحصلين يستحيل ان يكونا متحدين الا اعتباراً وجعلاً لا حقيقة وواقعاً وقد احسن التلميح المليح إلى هذه الحقيقة الشاعر العرفاني ممن عاصرناه حيث يقول في لرنجالية له بديعة مطربة: روحي في روحك ممزوجة ج وربما نمزج روحان حتى كأني منك في وحدة ج لو صح ان يتحد اثنان ويعجبني منها قوله قدست روحه الزكيّة: هاموا هيامي فيك لو انهم قد عرفوا معناك عرفاني لكن تجليت فاعشيتهم ج بفرط انوار ونيران واليه يشير ايضاً العارف الالهي الشيخ محمود التبريزي الشبستري. ج حلول واتحاد اينجا محالست كه درو حدت دوئي عين ضلالست ومهما يكن من شيء فلا شك عند العارفين من ارباب اليقين ان كل شيء في هذه الدنيا قشر وصورة ولبابة وجوهرة في الآخرة والى هذا يرجع ما مر عليك من ان الآيات والاحاديث قد استفاضت صريحة بتجسّم الاحوال والاعمال والملكات وغيرها، وكل ذلك حق ليس فيه ريب.وانما يؤمن به الواصلون الذين شاهدوا الحقائق عياناً وارتفعوا عن درجة الايمان بالغيب(1). والنواة التي تدور عليها هذه الكهارب هي ما تكرر ذكره واشرنا اليه من ان شيئية الشيء وشخصيته التي تكون بها هويته ويصير هو هو ويمتاز عن غيره انما تحقق بصورته لا بمادته وانما المادة هيولي صرفة وقوة محضة واستعداد خاص لكل الصور المتعاقبة وكل صورة لاحقة جامعة لكمال ما قبلها من الصورة السابقة وكل سابقة فهي معدة لكل لاحقة حتى تنتهي إلى الصورة الاخروية الاخيرة التي تعاد يوم المعاد وتقف بين يدي رب العباد، وهي الصورة الدنيوية الاخروية الجامعة لكل الصور طولاً لا عرضاً، بل طولاً وعرضاً، فانه وان كان من المستحيل اجتماع صورتين فعليتين في شيء واحد كاستحالة اجتماع شخصيتين وهويتين في شخص واحد، ولكن هذا انما هو في هذه النشأة دار التزاحم والتصادم بخلاف النشأة الثانية دار الجمع والنظم، وكل هذا من جهة ضيق المادة وما يتألف منها، اما الصور المجردة عن المواد المتعالية عن القوة والاستعداد كالمفارقات العلوية فلا تزاحم فيها ولا تضاد، فتدبره عساك تكون من اهله.ثم ان المراد بالصورة في قولهم ان حقيقة كل شيء بصورته لا بمادته الصورة التي هي احد الانواع الجواهر الخمسة وهي الوجود الخاص المعين لا الصورة بمعناها العرفي واستعمالها الدارج التي ترتسم بالمرآة أو بالخطوط والنقوش أو بالماء ونحوه أو بالتصوير الشمسي فانها اعراض واشكال ترجع إلى كم أو كيف أو إضافة... والفصاري ان بهذه القاعدة الحكيمة المحكمة تمشي قضية المعاد الجسماني في سبيل لا حب لا ترى فيه عوجاً ولا امتاً، ولا التواء، ولا تعاريج، وتتهافت على اشعة كل الشبهات والمناقشات، تهافت الفراش على النار، ولا يبقى مجال لشبهة الآكل والمأكول، ولا لاستحالة اعادة المعدوم، ولا لغير ذلك مما قيل أو يقال في هذا المجال. نعم هنا خاطرة خاطئة لا بد من التعرض لها ونفض ما يعلق على بعض الاذهان من غبارها، واقالة عثارها، وهي توهم: ان في عود الروح إلى البدن أو عود البدن إلى الروح نوعاً من التناسخ ويشهد له ما قيل: من انه من دين من الاديان الا وللتناسخ فيه قدم راسخ وقد قامت الادلة العقلية والنقلية على بطلان التناسخ بجميع انواعه ولكن من عرف معنى التناسخ عند القائلين به يتضح له جلياً انه لا مجال لورود هذه الشبهة اصلاً فأن التناسخيين يقولون: ان عالم الكون والفساد محدود لا يزيد ذرة، ولا ينقص شعرة، وما الدنيا عندهم الا جمع متفرقات، أو تفريق مجتمعات، وهذا العالم المحسوس ما هو الا عناصر امتلأ بها الفضاء تجتمع فتصير اجساماً، وتتفرق فتصير غازاً، أو بخاراً، أو سديماً أو سحاباً، ثم تجتمع مرة اخرى فتصير انساناً أو حيواناً وهكذا، ثم ان النفوس ايضاً ارواح من الأزل محدودة لا تزيد ولا تنقص تدخل واحدة منها في جسم قد استعد لقبول روح انسانية أو حيوانية أو نباتية، وبحسب ما اكتسب من خير أو شر، اذا فارقت هذا الجسد دخلت في جسد آخر انساناً أو حيواناً؛ معذبة أو منعمة، وهكذا ما تزال منتقلة إلى الأبد ان صح ان يكون للأبد غاية أو يكون هو غاية ولذا جعلوا للتناسخ اربعة انواع فسخ أو مسخ أو فسخ أو رسخ(1) فالعمود الفقري للتناسخ هو انتقال الروح من بدن إلى آخر في هذه الحياة الدنيا. اما المعاد الجسماني في الاسلام فحبل وريده انتقال الروح أو عود الروح إلى بدنها الذي فارقته لا إلى بدن آخر أو عوده هو اليها، فكم من الفرق بين الامرين ولذا ينكر التناسخيون الدار الأخرى والحياة الثانية فلا مبدأ ولا معاد ولا حساب ولا كتاب ولا ثواب ولا عقاب بل كل جزاء من خير أو شر هو في هذه الحياة الدنيا ومن هنا اجمع ارباب الاديان على بطلان التناسخ تماماً لأنه يصادم الأديان تماماً ثم اذا احطت علماً بما ذكرناه يظهر لك الخلل فيما ذكره المجلسي (() في المجلد الثالث من البحار في (فذلكة له) حيث يقول: فالمراد بالقبر في اكثر الأخبار ما يكون الروح فيه في عالم البرزخ وهذا يتم على تجسم الروح وتجرده وان كان يمكن تصحيح بعض الأخبار بالقول بتجسم الروح ايضاً بدون الاجساد المثالية، ولكن مع ورود الاجساد المثالية في الأخبار المعتبرة لا محيص عن القول بها وليس هذا من التناسخ الباطل في شيء اذ التناسخ لم يقم دليل عقلي على امتناعه اذ ان اكثرها عليلة مدخولة والعمدة في نفيه ضرورة الدين واجماع المسلمين وهذا غير داخل فيما انعقد الاجماع والضرورة على نفيه انتهى، ومن المؤسف صدور مثل هذا الكلام من امثال هؤلاء الاعلام ولكن ليت من لا يعرف شيئاً لا يتدخل فيه وما اشد الخطأ والخطل بقوله:(التناسخ لم يقم دليل عقلي على امتناعه) ثم التمسك لابطاله بالادلة السمعية كالاجماع وضرورة الدين التي لا مجال لها في القضايا العقلية بل والعقلية المحضة كالتناسخ وتجسم الروح الذي هو من قبيل الجمع بين الضدين بل النقيضين واين المجرد من المادي والمحسوس من المعقول والبسيط من المركب ثم أي برهان عقلي اقوى من ان النفس التي تدرجت من القوة المحضة في الجنين إلى ان تكاملت فعلياتها إلى الكهولة وبلغ العقل اشده في الاربعين فالخمسين وهكذا وتستحيل ان ترجع القهقرى فتعود قوة محضة في جسم جنين آخر فان ما بالقوة يقع في صراط الحركة كما عرفت وينتهي إلى الفعلية ولكن ما هو بالفعل يستحيل ان يعود إلى ما بالقوة فالبرهان والوجدان شاهدان عدلان على بطلان التناسخ مضافاً إلى ادلة اخرى لا مجال لسردها فلا حاجة إلى الاجماع وغيره في ابطاله بل ذلك لا يجدي شيئاً في نقير أو فتيل ولا غرابة اذا غرب مثل هذا عن مثل شيخنا المجلسي طاب ثراه فانه من المتخصصين بعلم المنقول لا المعقول ولكن الغريب جداً ان يشتبه الامر على مثل شيخنا البهائي (() وهو من المتضلعين في المباحث العقلية قال في كتابه (الاربعين) (وهم وتنبيه) قد يتوهم ان القول بتعلق الارواح يعد مفارقة ابدانها العنصرية باشباح اخرى كما دلت عليه تلك الاحاديث قول بالتناسخ وهذا توهم سخيف ولأن التناسخ الذي اطبق المسلمون على بطلانه هو تعلق الارواح بعد خراب اجسامها باجسام أخر في هذا العالم اما عنصرية كما يزعمه بعضهم ويقسمه إلى النسخ والمسخ والفسخ والرسخ أو فلكية ابتداء أو بعد ترددها في الابدان العنصرية على اختلاف آرائهم الواهية المفصلة في محلها، واما القول بتعلقها في عالم آخر بابدان مثالية مدة البرزخ إلى ان تقوم قيامتها الكبرى فتعود إلى ابدانها الاولية باذن مبدعها اما بجمع اجزائها المتشتتة أو بايجادها من كتم العدم كما انشأها اول مرة فليس من التناسخ في شيء أو ان تسميته تناسخاً فلا مشاحة في التسمية اذا اختلف المسمى. وليس انكارنا على التناسخية وحكمنا بكفرهم وحكمنا بكفرهم لمجرد قولهم بانتقال الروح من بدن إلى آخر فان المعاد الجسماني كذلك عند كثير من المسلمين بل لقولهم بقدم النفوس وترددها في أجسام هذا العالم وانكارهم المعاد الجسماني انتهى ولعمر الحق ان عجبي لا يتناهى من قوله ان المعاد الجسماني كذلك عند كثير من اهل الإسلام أي انه عبارة عن انتقال الروح من بدن إلى آخر وهل الباطل الا هذا ولا ينبغي نسبة ذلك إلى احد من المسلمين بل المتسالم عندهم عودها وانتقالها إلى بدنها الأول لا إلى بدن آخر وكيف كان فلا شيء من الأبدان المثالية البرزخية ولا العنصرية الأخروية التي تعود يوم القيامة ابدان اخرى بل هي تلك الأبدان التي نشأت من جرثومة الحياة الأولى والتي منها تكونت الروح واخذت تنمو مع البدن المثالي والعنصري على ما سبق توضيحه بأقوى بيان واجلى برهان وفي المعاد لم يحصل بدن جديد ولا روح جديدة وانما هو اختلاف في نحوي التعلق والاتصال كاختلاف تعلق الروح بالبدن بين حالتي النوم واليقضة أو الصحو والسكر. وعلى ذكر حديث التناسخ نذكر ان بعض المتنطعين الذين يتكلفون ما ليس من شأنهم كتب الينا من (بغداد) كتاباً مطولاً يقول فيه ما خلاصته: انّ بعض الآيات في القرآن العزيز تدل على التناسخ ولماذا يحملها علماء الأديان على غير ظاهرها وذلك مثل قوله تعالى: [رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ](1) فان ظاهر الإماتة يقتضي ان تكون هناك حياة قبلها ولازم ذلك ان قبل هذه الحياة حياة وقبل هذا الموت الذي نحمل بعده إلى القبر موتاً وهذا هو التناسخ وقد اجبناه عن هذا التوهم ولعل الكتاب والجواب قد اثبتا في كتابنا ((دائرة المعارف العليا)) وقد تعرض المفسرون لتوجيه هذه الآية بوجوه اربعة كلها تصادم مبدأ التناسخ وقد استعمل الكتاب الموت والميت فيمن لم يعلم بأن له حياة سابقة أو معلوم عدمها [أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ](2) ، [فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ](3)، [كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بعْدَ مَوْتِهَا](1) ، إلى كثير من امثالها واصح واصرح من الجميع قوله: [كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ](2) وهو من العدم في مقابل الملكة كقولك للأعمى ذهب بصره ولا تقوله للحجر ومثله صغّر الله جسم البقة وكبّر جسد الفيل وضيق فم الركية، وفي هذا كفاية ان شاء الله ونقل الشيخ البهائي انّ الكتب الكلامية احتجوا بها على اثبات عذاب القبر فراجع. ثم ان الشيخ البهائي رضوان الله عليه ذكر في آخر (الأربعين) جملة من اخبار المعاد والبرزخ وتجسيم الأعمال وعلق عليها تعاليق كلها تحقيق وتوفيق، فمن تلك الأخبار الشريفة: ما رواه من الكافي من كتاب الجنائز عن الصادق (() انه سأل عن الميت يبلى جسده قال: نعم حتى لا يبقى له لحم ولا عظم الا طينته التي خلق فيها فأنها لا تبلى بل تبقى مستديرة حتى يخلق منها كما خلق اوّل مرة أقول: ان كلامه (() هنا شبيه بما تقدم نقله في احتجاجه مع الزنديق حيث يقول الأمام (() ان تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب فاذا كان حين البعث مطر الأرض مطر النشور فتربو الأرض ثم تمخض مخض السقاء فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب اذا غسل بالماء والزبد من اللبن اذا مخض إلى آخره والشيخ (() لم يفسر الحديث المتقدم ولا ذكر شيئاً من المتأخر هنا بل انتقل إلى اشادة بناء تجسيم الأعمال وسرد الشواهد عليه والأدلة، وينبغي ان يكون مآل الخبرين الشريفين إلى جوهرة واحدة هي انّ الجرثومة الأولى التي ينشأ شخص الانسان منها بنشوئها ونموها ويرتقي صاعداً من الجمادية إلى اقصى ما قدّر له من الكمال في الانسانية التي قد تعلو على الملكية كالبذرة التي تغرس في الأرض الطيبة فتنمو وتتصاعد حتى تثمر تمراً جنياً فصارت بعد الموت حياة، وبعد الجمادية نامية، وبعد الشحوب خضرة يانعة ثم اذا فارقته الحياة وخرجت منه الروح تتلاشى لحمه ودمه بل وكلّ شيء منه ولا يبقى في القبر الا بذرته الأولى وجرثومته السابقة على بساطتها مستديرة على نفسها، وابسط الأشكال هو المستدير، ولكن علاقتها مع الروح وما استفادت بواسطتها من الملكات محفوظة في التراب الذي قبرت فيه مستكنة في باطنه فاذا شاء الله البعث ونشر الخلائق امطرت الأرض العناية بالنشور فتمور الأرض موراً، وتسير الجبال سيراً، وجاءت الراجفة تتبعها الرادفة، فتمخض الأرض مخض السقاء الذي يرج ويهز هزاً عنيفاً لأخراج ما يستكن منتشراً فيه من الزبد فتخلص تلك البذور البشرية من التراب، وتفاض عليها تلك الصور المحفوظة عند ارباب انواعها ومثلها العليا، فيخلق منها كما خلق اول مرة، وما الفرق بين الخلقتين الا بالجملة والتفريق، والدفعة والتدريج، وفي ظرف الزمان تارة، وفي وعاء الدهر أخرى، فتعود الصور بأذن المصوّر كهيئاتها وتلج الروح فيها فأذن قد استوى لا ينكر من نفسه شيئاً، وفي الكافي عن ابي بصير قال سئلت ابا عبد الله (() عن ارواح المؤمنين فقال: في الجنة على صور ابدانهم لو رأيته لقلت فلان. وفي خبر آخر في الكافي ايضاً عنه (() الارواح في صفة الأجساد في شجرة في الجنة تتعارف وتتساءل إلى آخر الحديث. وعنه (() ان ارواح المؤمنين في حجرات الجنة يأكلون من طعامها ويشربون من شرابها، والأخبار الشريفة بهذه المضامين كثيرة ومعتبرة، ومنها اخبار (وادي السلام) وانهم أي الموتى يجلسون حلقاً حلقاً يتذاكرون ويعرفون من زارهم وتصلهم صدقة من تصدق عنهم واحسن اليهم، ومن اراد الاستقصاء فليطلبها من مظانها ويحسن طلباً للحسنى منه تعالى: ان نردف هذه الأخبار ببعض الأخبار الواردة في تجسيم الأعمال صراحة عسى ان تكون لنا ولإخواننا المؤمنين فيها عظة وعبرة ونصّاً، ففي الكافي بسنده إلى سويد بن غفلة(1) قال امير المؤمنين ((): ان ابن آدم اذا كان في آخر يوم من ايام الدنيا واولّ يوم من الآخرة مثل له ماله وولده وعمله فيلتفت إلى ماله فيقول: والله اني كنت عليك حريصاً شحيحاً فمالى عندك؟ فيقول: خذ مني كفنك، قال: فيلتفت إلى ولده فيقول: والله اني كنت لكم محباً وعليكم محامياً فمالي عندكم؟ فيقولون: نؤديك إلى حفرتك فنواريك فيها، قال: فيلتفت إلى عمله فيقول: والله اني كنت فيك لزاهد وان كنت عليّ لثقيلاً فمالي عندك؟ فيقول: أنا قرينك في قبرك ويوم نشرك حتى اعرض انا وانت على ربك فان كان لله وليّاً اتاه اطيب الناس ريحاً واحبهم منظراً واحسنهم رياشاً فيقول: ابشر بروح وريحان وجنة نعيم ومقدمك خير مقدم فيقول له: من انت؟ فيقول: انا عملك الصالح، ارتحل من الدنيا إلى الجنة وانه ليعرف غاسله ويناشد حامله ان يعجّله، ثم وصف (() مجيء الملكين في القبر وسؤالهما وقولهما له ثبتك الله فيما تحب وترضى، ثم يفسحان له في قبره مدّ بصره ويفتحان له باباً إلى الجنة ويقولون له: نم قرير العين نوم الشاب الناعم فان الله يقول: اصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً واحسن مقيلاً واذا كان لربه عدواً فانه يأتيه اقبح من خلق الله زياً وانتنه ريحاً فيقول: ابشر بنزل من حميم وتصلية جحيم وانه ليعرف غاسله ويناشد حامله ان يحبسوه، وفي خبر الصادق (() فيقول له: يا عبد الله من انت؟ فما رأيت شيئاً اقبح منك فيقول: انا عملك السيء الذي كنت تعمله ورأيك الخبيث إلى ان قال: ثم يفتحان له باباً إلى النار ويقولان له نم بشرّ حال ويسلط الله حيات الأرض وعقاربها وهوامها فتنهشه حتى يبعثه الله من قبره اعاذنا الله من كل ذلك، وسلك بنا إلى رضوانه انجح المسال ومثل هذا الحديث المستفيض نقله عند الفريقين عن قيس بن عاصم قال: وفدت مع جماعة من بني تميم على النبي (() فقلت يا نبي الله عظنا موعظة ننتفع بها فانا قوم نغير أو (نعبر) في البرية فقال رسول الله: يا قيس ان مع العز ذلاً وان مع الحياة موتاً وان مع الدنيا آخرة وان لكل شيء رقيباً وعلى كل شيء حسيباً وان لكل اجل كتاباً وانه لا بد لك يا قيس من قرين يدفن معك وهو حي وتدفن معه وانت ميت فان كان كريماً اكرمك وان كان لئيماً اسلمك ثم لا يحشر الا معك ولا تحشر الا معه ولا تسأل الا عنه فلا تجعله الا صالحاً فانه ان اصلح أنست به وان فسد لا تستوحش الا منه وهو عملك. فقلت يا نبي الله احب ان يكون هذا الكلام في ابيات من الشعر تفتخر به على من يلينا من العرب وندخره فامر النبي من يأتيه بحسان فاستبان لي القول قبل مجيئه فقلت: تخير خليطاً من فعالك انما ج قرين الفتى في القبر ما كان يفعل ولا بد بعد الموت من ان تعده ليوم ينادى المرء فيه فيقبل فان تكٌ مشغولاً بشيء فلا تكنج بغير الذي يرضى به الله تشغل ج فلن يصحب الانسان من بعد موته وفي قبره الا الذي كان يعمل ثم ان الشيخ البهائي رضوان الله عليه ختم كتابه ((الأربعين)) بفائدة جليلة فقال: ((ختام)) ما ورد في بعض احاديث اصحابنا (() من ان الأشباح التي تتعلق بها النفوس مادامت في عالم البرزخ ليست بأجسام وانهم يجلسون حلقاً حلقاً على صور اجسادهم العنصرية يتحدثون وتنعمون بالأكل والشرب وانهم ربما يكونون في الهواء بين الأرض والسماء يتعارفون في الجوّ ويتلاقون وامثال ذلك مما يدل على نفي الجسمية واثبات بعض لوازمها على ما هو منقول في الكافي وغيره عن امير المؤمنين والأئمة من اولاده (() يعطي ان تلك الأشباح ليست في كثافة الماديات ولا في لطافة المجردات بل هي ذوات جهتين وواسطة بين العالمين وهذا يؤيد ما قاله طائفة من اساطين الحكماء من ان في الوجود عالماً مقدارياً غير العالم الحسي هو واسطة بين عالم المجردات وعالم الماديات ليس في تلك اللطافة ولا في هذه الكثافة فيه ما للأجسام والأعراض من الحركات والسكنات والأصوات والطعوم والروائح وغيرها ومثل قائمة بذواتها معلقة لا في مادة، وهو عالم عظيم الفسحة، وسكانه على طبقات متفاوتة في اللطافة والكثافة، وقبح الصورة وحسنها، ولا بد انها المثالية جميع الحواس الظاهرة والباطنة فيتنعمون ويتألمون باللذات والآلام النفسانية والجسمانية وقد نسب العلاّمة(1) في شرح حكمة الاشراق القول بوجود هذا العالم إلى الأنبياء والأولياء والمتألهين من الحكماء وهو وان لم يقم على وجوده شيء من البراهين العقلية لكنه قد تأيد بالظواهر النقلية وعرفه المتألهون بمجاهداتهم الذوقية وتحققوه بمشاهداتهم الكشفية وانت تعلم ان ارباب الأرصاد الروحانية اعلى قدراً وارفع شاناً من اصحاب الأرصاد الفلكية الجسمانية، فكما انك تصدق هؤلاء فيما يلقونه اليك من خفايا الهيئات الفلكية، فحقيق ان تصدق اولئك ايضاً فيما يتلونه عليك من خبايا العوالم الملكية انتهى وبهذا انتهى كتابه (() وضاعف اجره. وقد احسن بهذا البيان غاية الإحسان ولكن يؤسفني اشد الأسف ان يغيب عن سعة علمه وقوة فهمه البراهين والقواعد العقلية على الأجسام المثالية مع كثرتها ومتانتها: مثل قاعدة اللطف: وقاعدة امكان الأشرف، وامكان الأخس، وعدم الطفرة في الوجود، وعدم البخل في المبدأ الفياض، وغير ذلك من القواعد التي لا تحضرني كلها حالاً وانا اكتب على جري القلم من غير مراجعة ولا مطالعة ولا استعمال فكرة، ولله الحمد والمنة، ولو اردنا شرح هذه القواعد والبرهنة عليها وما يبتنى من المباحث والفروع على اساسها لأحتجنا إلى مؤلف مستقل ولكن بما ذكرناه من الاشارة كفاية لأهل الفهم والدراية وحيث اننا قد خرجنا لك من العهدة ومحضنا لك الزبدة واعطيناك من الحقائق اصحّها ومن البيضة محّها فلنختم هذا الجزء شاكرين لله عظيم ما تفضل به علينا من عظيم النعمة، ووفقنا له من جسيم الخدمة، سائلين منه عز شأنه ان يتقبل هذا العمل بأحسن القبول، ويفسح لنا بالأجل حتى نؤدي رسالتنا كاملة غير منقوصة، ان شاء الله تعالى ربنا عليك توكلنا واليك انبنا المصير واليك المصير. وآخر دعواهم ان الحمد لله رب العالمين وسلام على المرسلين وقع الفراغ منه على يد مؤلفه يوم (14) شهر رمضان المبارك (1371)هـ ختامه مسك جادت براعة شيخنا الأمام دام ظله اثناء طبع الكتاب بكتاب كريم ارسله الينا بمقتضى لطفه وكرمه العميم نحو المخلص الصميم ننشره هنا ليكون ختامه مسكاً. بسمه تعالى شأنه سيدي الشريف العلاّمة ادام الله ايامه: اريد ان اكتب اليك هذه المرة بالعربية وانت العربي الصميم وابن سيد العرب والعجم. وردني كتابك مؤرخ (29) شوال يوم (14) ذي القعدة (1372)هـ ضمن ملازم (الفردوس) الستة وقد كنت بغاية التشويش لانقطاع كتبك اكثر من شهرين حتى راجعت ولدنا العزيز الشيخ (محيي الدين المامقاني) فراجعكم في هذا الشأن، وكل تشويشي كان خوفاً من انحراف صحتكم الغالية علينا وعلى كل عارف بسجاياكم العالية وقد كشف عنا كتابكم هذا غمامة سوداء مضافاً إلى مرضي الشديد الذي اصابني من اول شوال إلى اليوم وقد عجز اطباء النجف وكربلاء والكوفة عن رفعه واتفقوا على ضرورة السفر إلى مستشفى بغداد خوف الخطر على بقية رمق هذه الحياة المرة التي سأمتها وسأمتني(1). ( تلخ است مراعيش ولي مي جشمش ) وقد منعوني عن كل عمل حتى الكتابة والمطالعة واشغال الفكر وانى لي بذلك. واشكركم اجزل الشكر على اهتمامكم في طبع الكتاب ولا سيما على مبالغتكم في الصحة التي هي اهم ما يطلب وقد طالعت الملازم صفحة صفحة فلم اجد فيها سوى غلطتين بسيطتين الأولى صفحة: (و) اول السطر الثامن (النفسية) وصوابها (النفيسة) بتقديم الياء والثانية صفحة: (23) سطر (7) (القنوة) وصوابها (القنوت) كما نهما في الطبعة الأولى مرسومان على الصحة ولعل هناك ما زاغ عن بصري ولكنه على كل حال لكم الفضل والفخر بهذا العمل الشاق وقد احسنتم واحسن السيد الفاضل العالم النجيب السيد محمد حسين الطباطبائي حفظه الله واجركم على الله والله لا يضيع اجر المحسنين. وارجوا بتوفيقه تعالى ان يكون الباقي سالماً حتى في هذه الأغلاط الطفيفة وان كنت جد خبير بما في ذلك من الصعوبة ولكن الهمم العالية تنسف جبال المصاعب نسفاً. وتقدم اليه اطال الله عمره اسنى سلامنا وتحياتنا ولا شك انه يقتبس من انوار معارفكم فيقدر شرف هذا العمل مهما كان شاقاً ومتعباً ولكنه هو الأثر الخالد والذكر الباقي إلى ابد الدهر مضافاً إلى الجر الجزيل والذكر الجميل وفقكم الله تعالى لاتمامه على احسن ما يرام وانتم بخير وعافية انشاء الله تعالى. ولا برحتم مؤيدين بدعاء المخلص: محمد الحسين آل كاشف الغطاء النجف الأشرف 15 ذي القعدة 1372هـ (1) محمد بن علي بن الحسين الموسوي العاملي الجبعي من اكابر فقهاء الامامية سيد المحققين له كتاب المدارك في الفقه توفي سنة (1009)هـ. (2) سورة الحج آية: 27 ــ 28. (1) سورة الزمر آية: 75. (1)الربوة المكان المرتفع بضم الراء قال الفيومي وهو الأكثر والفتح لغة بني تميم والكسر لغة سميت ربوة لأنها ربت فعلت والجمع ربى مثل مدية ومدى. (1) طلب مني غير واحد من الفضلاء ان اكتب عن هذه المسألة المعضلة((مسألة وحدة الوجود أو الموجود من معضلات المسائل العلمية والمباحث الغامضة ومقصود شيخنا الامام (دام ظله) في هذا المقام هو بيان هذه المسألة وتشريح هذه النظرية وبحثها بحثاً علمياً تحليلياً على حسب معتقد القائلين بها واظهار حقيقة رأيهم حول هذا الاعتفاد كما يعتقدون انفسهم باجلى بيان واوضح عبارة. ( القاضي الطباطبائي))) ما يندفع به اشكالها ويرتفع اعضالها وكنت في حدود سنة الرابعة اوالخامسة وخمسين بعد الالف وثلاثمائة بعد رجوعنا من المؤتمر الاسلامي في القدس كتبت مقالة ضافية وافية نشرها الفاضل الاديب (تاج الدين الفاروقي) في صحيفته الغراء (الجامعة الاسلامية)التي كانت تصدر في (يافا) ولكن ذهب ذلك العدد ولا يحضرني حالاً ولذا الجأني ذلك إلى كتابتها مجدداً وكتبنا شيئاً عنها في اجوبة الفاضل الاديب (احمد حامد الصراف) وهي مرسومة في دائرة المعارف العليا من مجاميعنا. (منه دام ظله العالي) (1) عز الدولة سعد بن منصور بن سعد بن الحسن بن هبة الله بن كمونة البغدادي الشهير بـ(ابن كمونة) له مؤلفات بخطه في الخزانة الغروية في النجف الاشرف انظر كتاب (خزائن الكتب القديمة في العراق ص135ط بغداد) لمؤلفه البحّاثة العراقي كوركيس عواد عضو المجمع العلمي العربي بدمشق ــ يظهر منها اسلامه وحسن عقيدته وجدّه الاعلى هبة الله بن كمونة الاسرائيلي كان من فلاسفة اليهود في عصر الشيخ الرئيس ابن سينا وصاحب الشبهات المعروفة ونسب إلى عز الدولة كتاب (تنقيح الابحاث في البحث عن الملل الثلاث) انظر كشف الظنون ج1 ص495 ط اسلامبول سنة(1360)هـ، والحوادث الجامعة ص441 ط بغداد وفي الذريعة لشيخنا البحّاثة الكبير مد ظله ج2 ص97 ــ 286 ــ 358 ط نجف وايضاً ج4 ص460 ط طهران، ان نسبة هذا الكتاب اليه من تهمة العوام له وله شرح الاشارات فرغ منه سنة (679)هـ، واهداه لشمس الدين الجويني صاحب ديوان الممالك وتوفي سنة (690)هـ أو (683)هـ فلا وجه لما في كشف الظنون انه توفي سنة (676)هـ ومن ملاحظة ما ذكرناه على الاجمال وكذا المصادر التي اوعزنا اليها يظهر مواضع الخلل فيما ذكره اللغوي المعاصر (دهخدا) في كتابه الكبير الفارسي (لغت نامة) ج1 ص343 ط طهران فراجع. القاضي الطباطبائي (2) الحسين بن محمد الخونساري المحقق علامة زمانه في العلوم له مؤلفات نافعة ولد سنة (1016)هـ، وتوفي سنة (1098)هـ. (1) مولانا محمد باقر الحسيني الشهير بــ(الداماد) سيد الحكماء ومن أعظم رؤساء الدين له مقام شامخ في العلوم ومرتبة سامية في الفقاهة والرياسة والسياسة له مؤلفات نفيسة توفي سنة (1041)هـ، انظر سلافة العصر ص485 ــ 487ط مصر. الاعلام الزركلي ج3 ص868 ط مصر. (2) محمد بن ابراهيم صدر الدين الشيرازي الشهير بــ(ملا صدرا) و(صدر المتألهين) أكبر فيلسوف عارف متشرع أعلم حكماء الاسلام وافضلهم وهو امام من تأخر عنه واقتفى أثره كل من نشأ بعده من حكماء الامامية توفي سنة (1050)هـ انظر روضات الجنات ص331 ط 1 ــ طهران. (3) محمد بن مرتضى الشهير بـ( ملا محسن القاشاني) الفقيه العارف المحقق الحكيم المتأله صاحب التصانيف الكثيرة الشهيرة توفي (1091)هـ انظر الكنى والأقاب للقمي ج3 ص32 ــ 33ط صيدا. (4) المولى عبد الرزاق اللاهيجي العالم الحكيم المحقق المدقق صاحب التصانيف الجيدة توفي سنة (1051)هـ قد كتبنا في ترجمته رسالة مستقلة لم تطبع. (5) المولى هادي بن مهدي السبزواري من اكبر حكماء الامامية الفيلسوف الفقيه العارف صاحب التصانيف الجليلة ولد سنة (1212)هـ، وتوفي سنة (1289)هـ انظر المآثر والآثار ص147 ط طهران. (1) المولى جلال الدين محمد المولوي البلخي الرومي من اشهر مشايخ العرفاء وقادتهم الاكابر صاحب ديوان (المثنوي) الفارسي المشهور ولد سنة (604)هـ، وتوفي سنة(672)هـ. (2)شمس الدين محمد بن ملك داد التبريزي من مشاهير العرفاء والصوفية ومشايخهم الأكابر توفي سنة (645)هـ، انظر (ريحانة الأدب) ج2 ص338 ــ 339 ط طهران. (1) ذكرنا في هامش ترجمة مسائل القندهارية: معنى الهيولي ومرتبتها انظر صفحة 11 ــ 17 من هذا الكتاب. (1) سورة القمر آية: 50. (2) سورة لقمان آية: 28. (3) سورة الكهف آية: 109. (1)سعيد بن محمد بن الجنيد القواريري الزاهد المشهور سلطان الطائفة الصوفية توفي سنة (297)هـ. (2) ابو بكر دلف بن جحدر الشبلي الخراساني البغدادي من كبار مشايخ الصوفية نقل: انه كان يبالغ في تعظيم الشرع المطهّر توفي سنة (334)هـ. (3) ابو يزيد البسطامي طيفور بن عيسى الصوفي الزاهد المشهور توفي سنة (261)هـ. (4) معروف بن فيروز الكرخي ابو محفوظ احد اعلام الزهّاد والعرفاء كان من موالي الأمام علي بن موسى الرضا (() توفي ببغداد سنة (200)هـ،. انظر تنقيح المقال ج3 ص228 الأعلام ج2 ص1056 ط مصر. (5) ابو المعلي صدر الدين محمد بن اسحق الشافعي القونوي صاحب التصانيف توفي سنة (673)هـ. (6) داودين محمود الرومي الساوي نزيل مصر صاحب شرح فصوص الحكم القيصري توفي سنة (751)هـ. (1) شمس الدين محمد بن سليمان بن علي المعروف بـ(ابن العفيف التلمساني) وبـ(الشاب الظريف). شاعر مترقق مقبول الشعر ولد سنة (661)هـ وتوفي سنة (688)هـ الاعلام ج33 ص902. (2) فريد الدين محمد بن ابراهيم النيشابوري المعروف بـ(الشيخ العطار) صاحب الأشعار والمصنفات في التوحيد والمعارف توفي سنة (627)هـ. (3) الهاتف هو السيد احمد الاصفهاني الشاعر المشهور توفي سنة (1198)هـ والهاتفي هو المولى عبد الله ابن اخت الجامي توفي سنة (927)هـ. (4) المولى عبد الرحمان الجامي الدشتي الصوفي النحوي المنتهي نسبة إلى محمد بن الحسن الشيباني وهو صاحب شرح الكافية في النحو توفي سنة (898)هـ وقد يطلق الجامي على ابي نصر احمد بن محمد البجلي المعروف (زنده بيل) احد مشايخ الصوفية توفي حدود سنة (536)هـ. (1) سورة الرحمن آية: 26 ــ 27. (2) ابو عبد الله محمد بن علي الحاتمي الطائي الأندلسي المكي الشامي صاحب كتاب الفتوحات المكية المعروف بين العرفاء بـ(الشيخ الأكبر) توفي سنة (638)هـ. (3) هذا البيت الذي نسبه سماحة شيخنا الأمام ــ متّعنا الله تعالى بطول بقائه ــ إلى الشهرة انما هو لأبي العتاهية الشاعر المعروف وهو ابو اسحاق اسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان العنزي بالولاء العيني المولود 130 هـ والمتوفي 210 أو 211 أو 213هـ، والمدفون حيال قنطرة الزياتين في الجانب الغربي ببغداد. ويعد من مقدمي المولدين وفي طبقة بشار وابي نؤاس وامثالهما ونشأ في الكوفة وسكن بغداد. وعن الصولي انه كان يتشيّع بمذهب الزيدية التبرية. وروى انه جلس في دكان وراق فأخذ كتاباً فكتب على ظهره على البديهة (من المتقارب): ‌ الا اننا كلنا بائد وأي بني آدم خالد وبدءهم كان من ربهم وكل إلى ربه عائد فيا عجباً كيف يعصى الأله ام كيف يجحده الجاحد ولله في كل تحريكة وفي كل تسكينة شاهد وفي كل شيء له آية تدل على انه الواحد وفي نسخة: (على انه واحد) ولما انصرف اجتاز ابو نؤاس الشاعر الشيعي الشهير بالموضع فرأى الأبيات فقال: لمن هذا. فقيل له: لأبي العتاهية. فقال: لوددتها لي بجميع شعري. وروى صاحب الأغاني ان ابا العتاهية كان يرمى بالزندقة فجاء يوماً إلى الخليل بن اسد النوجشاني. فقال: زعم الناس اني زنديق والله ما ديني الا التوحيد. فقال له الخليل: فقل شيئاً نتحدث به عنك. فقال الأبيات السابقة انظر إلى الأنوار الزاهية في ديوان ابي العتاهية المطبوع في بيروت ص69 الطبعة الرابعة سنة (1914)م أقول: غير خفي على الباحث المنقب ان الرمي بالزندقة والكفر أو الغلو وما أشبه ذلك ناش في الأغلب من الحسد والحقد ومن افترآت الخصوم والمغرضين والمخالفين في المذهب والعقيدة ولا سيما في حق الشاعر الشيعي أو العالم الديني أو العارف الألهي ولذا نجد بعد البحث والتنقيب وامعان النظر والتحليل الصحيح ان اكثر هذه الأقوال الشائنة في حق الرجال عارية من الصحة وخالية عن الحقيقة ولا قيمة لها عند المؤرّخ الباحث والمتحري للحقائق وقد رموا جمعاً كثيراً من اكابر الشيعة بالزندقة والغلو وامثال هذه المفتريات وكلها من الهفوات والشطحات ومن التهاب نار البغضاء والعداوة في القلوب والأحقاد والسخائم في الصدور وحاشاهم ان يكونوا كذلك أو يقولوا ما يوجب ذلك. وحقاً اقول ان من العجيب ان الشهرة الكاذبة من الخصماء والأعداء والمغرضين في حق بعض رجال الدين ونشر الروايات الموضوعة في حقهم وذمهم وحطهم كانت بدرجة حتى صارت منشأ لأشتباه بعض علمائنا الرجاليين في حق بعض هؤلاء العظماء وذهولهم عن كيد الأعداء في حق هؤلاء الأتقياء كما اتفق ذلك في حق معلى بن خنيس الكوفي المدني ومحمد بن سنان الزاهري الخزاعي ومفضل بن عمر وجابر الجعفي وامثالهم رضوان الله عليهم. ومعلى من اصحاب الأمام الصادق (() وخواصه وصاحب سره ووكيله وامينه في جباية الأموال وجمعها من شيعته وايصالها اليه وقد شهد الأمام له بالجنة وهو من اجلاء الشيعة وجلالته وزعامته بينه بمثابة لم تخف حتى على علماء اهل السنة فقد قال ابن حجر العسقلاني في (لسان الميزان) ج6 ص63 طبع حيد آباد (معلى ابن خنيس الكوفي من كبار الروافض) امر بقتله داود بن علي العباسي وصلبه وفاز بالشهادة ونال السعادة ولم يصبر الأمام الصادق (() على هذه الفاجعة حتى امر ابنه اسماعيل بقتل قاتله وهو (السيرافي) صاحب شرطة داود ودعا الله تعالى على داود حتى اهلكه الله في ليلة واحدة ووردت الروايات الكثيرة عن الصادق (() في شأنه وكونه صاحب سر الأمام (() ولذا صرح المحققون من علمائنا الباحثين في علم الرجال ومنهم السيد بن طاووس والمجلسي الأول والمحقق البحراني والوحيد البهبهاني والشيخ عبد النبي الكاظمي وغيرهم قدس الله اسرارهم بجلالة قدره وعلو شأنه وقال شيخ الطائفة الشيخ ابي جعفر الطوسي (() في كتاب الغيبة ان المعلى كان من قوام ابي عبد الله (() وكان محموداً عنده ومضى على منهاجه. وأيضاً صرح جمع منهم في نتيجة بحوثهم القيمة بتوثيقه وتعديله كالعلامة الأردبيلي في جامع الرواة والمجتهد المحقق شيخنا العلامة المقمقاني (() في تنقيح المقال فراجع تجد بحثاً علمياً ضافياً حول ترجمة الرجل، ومن النغمات العجيبة والنزعات الممقوتة في‌ ‌القرن العشرين ما تفوه به بعض اهل عصرنا في حق المعلى حيث رماه بالمجوسية. غفرانك اللهم من هذا البهتان العظيم والأفك الصريح والجرأة العظيمة في حق خاصة الأمام ووكيله وقد اتى بهذا القول الشائن بعد القرون المتمادية رجماً بالغيب في حق رجل جليل بريء من هذه السفاسف والمفتريات. نعم ان حب الشيء يعمي ويصم حيث انه سوبت له نفسه جرح رجل كبير من اعاظم الشيعة لأثبات بعض اغراضه ودعاويه الموقدة نار التفرقة بين المسلمين، مع انهم عموماً والشيعة خصوصاً، في امس الحاجة اليوم إلى وحدة الكلمة، ونبذ الفرقة، وترك العداء ورفض الضغائن عصمنا الله تعالى عن التفوه بما يسخطه. ونظير هذه الأفترآت من ارباب الأغراض والأضغان ــ كما هو شأن الخصوم في كل عصر وزمان ــ ما اشتهر في حق ابي العتاهية حيث رموه بالزندقة حتى افهموا العامة والهمج الرعاع بهذا المعنى قال جامع ديوانه في مقدمته: ص10 ( وكانت طبقته الأولى تعيبه حسداً له وبغضاً حتى قالوا انه لا يؤمن بالبعث وانه زنديق وان شعره ومواعظه انما هي في ذكر الموت وقد بان في شعره لمن طالعه وعنى بهم كذبهم وافتراؤهم لما فيه من ذكر التوحيد وذكر البعث والأقرار بالجنة والنار والوعد والوعيد) فيا سبحان الله هل كان هذا التكفير في كل زمان والحكم في كل اوان بزندقة من تكلم في التوحيد وصفات الحق وآثار عظمة جلاله وجماله؟ وهل يرمى في كل الأعصار من افصح بذكر الموت وتزكية النفس والزهد في الدنيا والأعراض عنها، أو صدع بمناقب اهل بيت رسول الله (() بالتصوف، أو الغلو، أو الإلحاد، أو في هذا العصر التعيس بالمجوسية السوداء؟ واليك يا رب المشتكى. القاضي الطباطبائي (1) شرف الدين ابو القاسم عمر بن علي الحموي المصري العارف المشهور صاحب القصيدة التائية المعروفة توفي سنة (632)هـ، بالقاهرة. (1) هذا البيت للعارف الرومي صاحب (المثنوي) وانتقده سيد الحكماء السيد الداماد (() بابيات فارسية مذكورة في ديوانه ص20 ــ 21 ط اصفهان سنة (1350)هـ منها قوله ((): أي كه كفتي باي جو بين شد دليل ورنه بودي فخر رازي بي بديل فخر رازي نيست جزمرد شكوك كرتومردي از نصير الدين بكوك هست در تحقيق برهان اوستاد داده خاك خرمن شبهت بباد در كتاب حق اولوا الالباب بين وان تدبروا كه كرده است آفرين جيست آن جز مسلك عقل مصون كر نداري هستي از لا يعقلون ز آهن تثبيت فياض مبين باي استدلال كردم آهنين باي برهان آهنين خواهي براه از (صراط المستقيم) ما بخواه باي استدلال خواهي آهنين (نحن ثبتناه في الافق المبين) (2) هذه الكلمات النيرة بتغيير يسير من عبارات دعاء عرفة لسيد الشهداء (() نقلها السيد رضي الدين بن طاووس (() في كتابه (الاقبال). القاضي الطباطبائي (1) في فصل النجاسات وان منها الكافر بأقسامه مسألة: 2. (1) ابو معتب الحسين بن منصور الحلاج الصوفي الشهير قتل في سنة (309)هـ ببغداد اختلف الناس حتى الصوفية في حقه. انظر الفهرست لأبن النديم ص269 ــ 272ط مصر. تنقيح المقال ج1 ص345ط نجف. الكنى والألقاب ج2 ص164ط صيدا. (2) سعد الدين محمود بن امين الدين التبريزي الشبستري من اكابر العرفاء والحكماء صاحب كتاب (كلشن راز) الذي ناهز شروحه عن احد عشر شرحاً توفي سنة (720)هـ ولم يتجاوز عمره عن (33)سنة وقد عد في كشف الظنون بعض مؤلفاته من كتب الشيعة وكذا شيخنا البحّاثة المحقق في الذريعة انظر ج4 ص158 و ج7 ص42 ط طهران. (3) لبيد بن ربيعة العامري الأنصاري من الشعراء المخضرمين يقال انه مات في زمن معاوية وهو ابن مائة وسبع وخمسين سنة ولم يقل شعراً في الأسلام الا بيتاً واحداً وهو قوله: الحمد لله اذ لم يأتني أجلي حتى كساني من الأسلام سربالا وقال له عمر انشدني من شعرك فقرأ سورة البقرة وقال: ما كنت لأقول شعراً بعد اذ علمني الله سورة البقرة. الشعر والشعراء لأبن قتيبة ص50 ط1 مصر سنة (1322)هـ. (4) والمصرع الثاني قوله: (وكل نعيم لا محالة زائل) وبعده هذا البيت: سوى جنة الفردوس ان نعيمها ج يدوم وان الموت لا بد نازل (1) سورة الرحمن آية: 26. (2) سورة القصص آية: 88. (1)فأن الشبهة قد تثبت بالخاطر وتعلق به ويضل فهم احدهم عن ذكر الجواب اذ الشبهة قد تكون جلية واضحة ولكن الجواب عنها يكون دقيقاً علمياً غامضاً لا يحتمله عقله فيتورط في الهلكة كما صرح به الأمام المحقق نصير الدين الطوسي (() ايضاً في كلام اجاب به عن بعض من سأله عن ايمان الجاهل بأدلة المعارف الخمسة وصدع (() بايمانه وان كان جاهلاً بأدلتها تفصيلاً ونقل تلك الرسالة الوجيزة بتمامها العلامة ابن ابي جمهور الأحسائي (() في كتابه (معين المعين) المخطوط ــ ونقلها ايضاً القاضي نور الله الشهيد (() في مجالس المؤمنين والعلامة الفيض القاشاني (() في كتابه محجة البيضاء ولكن بتغيير في بعض العبارات والظاهر ان الرسالة المذكورة هي التي اشار اليها الشيخ الأنصاري (() في (الرسائل) ــ في الكلام في اعتبار الظن في اصول الدين. القاضي الطباطبائي (2) مراد شيخنا الأمام دام ظله من كون تلك الكلمة مأثورة هو كونها مأثورة عن بعض السلف لا انها مأثورة بهذه العبارة عن احد المعصومين (() لأنها ليست من المأثورات عن النبي (() أو اهل بيته (() ولم يروها احد من المحدثين بطرق اصحابنا الأمامية أو بطرق اصحابنا الأمامية أو بطرق اهل السنة في الجوامع الحديثية عنهم صلوات الله عليهم كما حققنا ذلك تفصيلاً في بعض مجاميعنا. وقال الحافظ أبو الفضل محمد بن احمد المقدسي في كتابه (تذكرة الموضوعات) ص40 ط2 مصر سنة 1354 (عليكم بدين العجائز ليس له اصل رواية صحيحة ولا سقيمة الا لمحمد بن عبد الرحمن البيلماني بغير هذه العبارة له نسخة كان يتهم). وذهب جماعة من العلماء كالشيخ البهائي وتلميذه الفاضل الجواد والفاضل المازندراني إلى ان تلك الكلمة من كلام سفيان الثوري من متصوفة العامة وقال القوشجي في شرح التجريد ان عمرو بن عبيدة لما اثبت منزلة بين الكفر‌ ‌والأيمان فقالت عجوزة: قال الله تعالى: هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن فلم يجعل الله من عباده الا الكافر والمؤمن فقال سفيان: عليك بدين العجائز وقال المحقق القمي (() صاحب القوانين ( المذكور في الألسنة والمستفاد من كلام المحقق البهائي (() في حاشية الزبدة ان هذا هو حكاية دولابها وكف اليد عن تحريكها لأظهار اعتقادها بوجود الصانع المحرك للأفلاك المدبر للعالم) وحكى سيد الحكماء السيد لداماد (() في (الرواشح السماوية) ص202 ط طهران عن بعض العلماء ان (عليكم بدين العجائز) من الموضوعات وعن كتاب (البدر المنير) انه لا اصل له بهذا اللفظ. ولكن روى الديلمي مرفوعاً اذا كان في آخر الزمان واختلفت الأهواء فعليكم بدين اهل البادية والنساء قفوا على ظواهر الشريعة واياكم والتعمق إلى المعاني الدقيقة أي فأنه ليس هناك من يفهمها انتهى. القاضي الطباطبائي (1)محمد بن محمد بن طرخان ابو نصر الفارابي ويعرف بالمعلم الثاني من أكبر حكماء المسلمين وفلاسفتهم المشاهير. وهو تركي الأصل مستعرب ولد في (فاراب) (260)هـ وانتقل إلى بغداد فنشأ فيها ورحل إلى الشام واتصل بسيف الدولة الهمداني وتوفي في دمشق سنة 339هـ وصلى عليه سيف الدولة في اربعة من خواصه‌ ‌متستراً، وكان مقدماً في كل الفنون لم يشاركه في التعليم احد الا المعلم الأول (ارسطو) وله نحو مائة تصنيف وبكتبه تخرج الشيخ الرئيس ابو علي ابن سينا ولولاه لم يكن ابو علي رئيساً لحكماء الأسلام كما نقل عن ابن سينا نفسه. وكان يحسن اكثر اللغات الشرقية المعروفة في عصره. وكان ازهد الناس في الدنيا والأعراض عنها. ولا شك في تشيعه وحسن عقيدته ولكنه ايضاً كأمثاله من الأكابر وقع هدفاً لسهام اللوم والتكفير والطعن والتقنيد. وقد تقدم منا انه لا وقع في التاريخ الصحيح بهذه التهم والأفائك لأن اغلب الأكابر لم يسلموا عن هذه السهام المسمومة ولم يشذ احد منهم عن القذف بالمروق والشذوذ وما شابه ذلك ولم يسلم اكثرهم سواء في حياتهم أو بعد مماتهم عن الكلمات الخاطئة والتحامل عليهم بالقول الزور وبكل افيكة. ولذا لا ينبغي التسرع إلى تلقي تلك الكلمات الشائنة في حقهم بالقبول والإصغاء اليها كما صرح به العلامة الوحيد البهبهاني (() وغيره لأن الرمي بالتكفير والتفسيق وما شابههما جهات واسباب مختلفة لا يسعنا المقام ذكرها منها الجهل وقصور الفهم وعد القابلية والاستعداد لدرك الحقائق ونقصان الغريزة عن فهم المطالب الغامضة والمعاني الدقيقة التي دبجوا الأكابر تضاعيف عباراتهم المعضلة وكلماتهم المتشابهة بها وهي ودائع منهم لأهلها ولمن نال استعداد فهمها وحفظها فصلوات الله وتسليماته على من تكلم بهذه الكلمة النيرة ان (هذه القلوب اوعية وخيرها اوعاها). ومن الواجب على رواد العلم وحملة الفضيلة ان ينعموا النظر في تلك الكلمات والعبارات والمطالب والغوامض ويحملوها على الصحة والسداد لا على الاعوجاج والفساد مع الذهول عن المقصود والغفلة عن المراد، ويتركوا الجمود والخمود، مع التجنب عن الاضطهاد والتباعد عن البغضاء والعناد ونبذ المعادات والتهمات، والى غيرها من الصفات والموبقات. وان يحملوا كلمات كل طائفة على ما هو ظاهر عندهم ومعلوم لديهم مع رعاية مصطلحاتهم ومعرفة اصطلاحاتهم واياهم والتداخل في العلوم التي لم يحوموا حولها ولم يدرسوها بالدراسة التحليلية عند اساتذتها كما اشار بذلك شيخنا واستاذنا الأمام والعلامة ادام الله ايامه فيما تقدم من ترجمة كلماته الشريفة ص41 ــ 43 فأنهم ان لم يراعوا هذه الطريقة المثلى والشرعة الوسطى، ولم يرفضوا المشاغبات والمضاربات من جميع الجهات، ولم يتركوا المطاعنات والمشاحنات من كافة نواحيها، فلا محالة يتورطون في المهالك والمسالك الوعرة، والغياهب المدهشة، واخزى تلك النكبات والهلكات تكفير قوم بغير حق وهذه هلكة هلكاء وشقة سوداء. ولذا لم يكد يسلم اكثر الأكابر في كل الأعصار وحتى اليوم عن طعن الطاعنين ورمي المغرضين وغمز الجاهلين وتكفير القاصرين. اليس مثل الشيخ الرئيس ابن سينا والفقيه الحر المتضلع ابن ادريس الحلي صاحب السرائر وآية الله العلامة الحلي والشيخ ابن ابي جمهور الأحسائي صاحب غوالي اللئالئ وشيخنا البهائي وتلميذه صدر المتألهين صاحب كتاب الأسفار الذي هو من جلائل كتب الأمامية ومن انفس آثارهم العلمية والحكيم الألهي المولى رجب علي التبريزي وتلميذه القاضي سعيد القمي والمحقق الثاني صاحب جامع المقاصد والفيض القاشاني صاحب الوافي والمحقق السبزواري صاحب الكفاية والذخيرة ونظرائهم من حماة الحق وذادته، واعضاد الدين وقادته، لقوا ما لقاه امثالهم من الطعن والتشنيع؟ بل جم غفير من علمائنا قبل هؤلاء العظماء لم يسلموا من الرمي بالغلو والتكفير، والتصوف البغيض، أليس القميين رموا جمعاً من علمائنا بالغلو والتكفير وآخر وأخرجوا رجالاً من (قم) بأدنى غمز فيهم وكانوا ينسبون اليهم الأنحراف في العقائد الدينية بمجرد رؤية رواية في كتابهم أو نسبة احد ذلك اليهم حتى افرطوا في الجمود وطعنوا في مثل يونس بن عبد الرحمن الثقة الكبير الذي كان من اكابر رجال ‌الشيعة وعلامة زمانه؟ وقد وبخ سيدنا مفخرة الأمامية السيد المرتضى علم الهدى (() في بعض رسائله (وتشرفت بمطالعة هذه الرسالة وهي مخطوطة) القميين بسبب جمودهم على الظواهر وافراطهم في التمسك بها واستثنى منهم رئيس المحدثين الشيخ الصدوق (() حيث ان الأفراط في الجمود على ظواهر عدة من اخبار الأحاد ــ التي لا بد من تأويلها ورفع اليد عن ظاهرها ــ يفضي إلى بعض المحظورات والأخطار من الجبر والتشبيه وامثال ذلك ولذا وبخهم سيد الأمامية وحذرهم من ذلك ولم يكن مقصود السيد ان القميين كانوا يعتقدون بعض العقائد الفاسدة. حاشا سيد الأمامية من نسبة العقائد السخيفة اليهم وحاشاهم ايضاً ان يعتقدوا العقائد الباطلة كما هو معلوم بالضرورة وقد ذهل العلامة المولى ابي الحسن العاملي (() تلميذ العلامة المجلسي (() عن مقصود سيد الأمامية وزعيمها ولم يصل إلى مغزى مرامه فصنف رسالته (تنزيه القميين) المطبوعة (بقم) سنة (1368)هـ حيث تخيل ان مراد السيد (() ان القميين يعتقدون بعض العقائد السخيفة حقيقة فتصدى في تلك الرسالة للذب عنهم واثبات نزاهة ساحتهم المقدسة عنها مع جلالة السيد (() الأسمى اجل واسنى من ان ينسب اليهم بعض الأعتقادات الممقوتة فما نسبه المولى العاملي (() إلى السيد (() وتصدى للجواب عنه فلعله ذهول منه (() ولكن هو ابصر واعرف بما به براعته فلو جمعنا ما ضبطه التأريخ من الطعون على الأكابر لصار كتاباً مستقلاً وسفراً لطيفاً. وقال الوحيد البهبهاني ((): (الذي نراه في زماننا انه لم يسلم جليل مقدس وان كان في غاية التقدس عن قدح جليل فاضل متدين فما ظنك بغيرهم ومن غيرهم حتى آل الأمر إلى انه لو سمعوا من احد لفظ (الرياضة) وامثال ذلك اتهموه بالتصوف وجمع منهم يكفرون معظم فقهائنا بأنهم يجعلون لأهل السنة نصيباً من الأسلام). فالتكفير الذي تفوه به بعض في حق الحكيم الفارابي وامثاله انما هو من هذا القبيل وناش من عدم تأمل وتحليل وقال بعض الأعلام ((): (اعلم ان بعض العلماء تسرع في تكفير الفارابي حيث وجد في كتبه ما يدل على قدم العالم وانكار المعاد وامثال ذلك ولم يلتفت ان هذا كله ترجمة بالعربي لكتب بعض الفلاسفة لا انه كتاب عقيدة لأبي نصر الفارابي أو ليس في رسالة النصوص المنسوبة اليه خلاف هذه الكلمات؟ وبالجملة لا ينبغي التسرع في مثل هؤلاء الأعاظم المعلوم بالضرورة اسلامهم وايمانهم بمجرد السواد على البياض الذي لم يتحقق موضوعه ولا حقيقة نسبته ولا صاحب قيله نعوذ بالله من سوء الرأي في الأعاظم). ونسأل الله تعالى ان يحفظنا من الأعوجاج وان يجمع كلمتنا على الخير والهدى وإماتة المطاعنات وهو مجيب الدعوات وغافر الخطايا والسيئات. القاضي الطباطبائي (1) ولعل من معاني كلامهم أنه اذا اعيدت الأجسام لزمت اعادة الارواح أيضاً باعتبار المشاركة للطافتها وسريانها فيها كما حمل قولهم على ذلك بعض العلماء اذ لا معنى لحشر الا جساد فقط فانها حينئذ جمادات ولا يقول بذلك عاقل فهذا القول يرجع أيضاً إلى القول بالمعادين الجسماني والروحاني معاً وحملة على الجسماني فقط بديهي البطلان ولذا قال شيخنا الامام دام ظله:(ولكني أجلهم عن ذلك). القاضي الطباطبائي (1) سورة ق آية: 15. (1) مولشت ــ عالم في علم وظائف الأعضاء ولد في هولندا (1822 ــ 1893)م وكان مادياً في تعاليمه وكتبه. انظر مبادئ الفلسفة تعريب الأستاذ أحمد أمين ص268 ط4 قاهرة. (2) فلورانس ــ عالم فرنسي من اشهر علماء وظائف العضاء وله تأليفات كثيرة في هذا الفن ولد سنة 1794م، وتوفي سنة 1867م، انظر قاموس العلام ج5 ط اسلامبول لمؤلفه شمس الدين سامي بك المتوفي سنة 1904م. (1) فيثاغورس ــ فيلسوف يوناني كان في القرن السادس قبل الميلاد، لم يعرف عن حياته الا القليل، وتعاليمه التي نقلت الينا موضع شك ولكن مما لا شك فيه انه كان يقول بتناسخ الأرواح وينسب اليه القول بأن نهاية الأشياء كلها العدد. انظر كتاب مبادئ الفلسفة ص263 ــ 264 ط 4 قاهرة. (2) دييوجانس ــ (ديوزن) الكلبي من مشاهير العلماء في المئة الرابعة قبل الميلاد. وسمي بهذا الأسم خمسة من حكماء يونان. انظر كتاب (مطرح الأنظار في تراجم اطباء الأعصار وفلاسفة الأمصار) لفيلسوف الدولة ميرزه عبد الحسين خان التبريزي (() ج1 ص373 ــ 375 ط تبريز سنة (1334)هـ. (1) رواه حفص بن غياث القاضي قال شهدت المسجد الحرام وابن ابي العوجاء يسأل ابا عبد الله (() عن قوله تعالى: كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب ما ذنب الغير؟ قال: ويحك هي هي وهي غيرها قال: فمثل لي ذلك شيئاً من امر الدنيا قال: نعم ارأيت لو ان رجلاً اخذ لبنة فكسرها ثم ردها في ملبنها فهي هي وهي غيرها. انظر الحديث في تفسير (البرهان) للعلامة السيد هاشم البحراني (() وقد نقله بتغيير في بعض الفاظ الحديث عن كتاب (المجالس) للشيخ الطوسي و(الأحتجاج) للطبرسي وغيرهما انظر (البرهان) ج1 ص233 ط طهران. القاضي الطباطبائي (1) سورة المؤمنون آية: 115. (2) سورة الملك آية: 2. (3) سورة الممعارج آية: 38 ــ 39. (4) المعروف في الألسن والمشهور في الكتب ان هذه الكلمة النيرة صادرة عن صاحب الرسالة المقدسة (() ولكن نقل العلامة الشيخ عبد الهادي نجا الأبياري في كتابه ( باب الفتوح لمعرفة احوال الروح) ص8 ط1 مصر‌ ‌سنة (1304)هـ عن القاضي الخفاجي انه قال: عند استشهاد القاضي البيضاوي في كلامه بقوله ((): من عرف نفسه فقد عرف ربه. انه (ليس بحديث بل هو من كلام ابي بكر الرازي كما ذكره الحفاظ وبعض الجهلة يظنه حديثاً كما يقع في بعض الموضوعات) وقال العلامة السيد عبد الله شبر (() في كتابه مصابيح النوار ص204 ج1 ط بغداد (الحديث الثلاثون ما رويناه عن جملة من علمائنا الأعلام وفضلائنا الكرام، واشتهر بين الخاص والعام من قول النبي ((): من عرف نفسه فقد عرف ربه) ومما هو جدير بالذكر ان هذه الكلمة لم يذكرها القاضي القضاعي في كتابه (الشهاب) من كلمات رسول الله (() بل هذه الكلمة المباركة هي الكلمة السابعة من مائة كلمة التي اخرجها واختارها كبير ائمة الأدب ابو عثمان الجاحظ من كلام امير المؤمنين(() قال الجاحظ: (ان لأمير المؤمنين علي بن ابي طالب مائة كلمة كل كلمة منها تفي بألف كلمة من محاسن كلام العرب) انظر مستدرك (نهج البلاغة) للعلامة الكبير الشيخ هادي آل كاشف الغطاء (() ص47 ط نجف وانظر ايضاً إلى هذه الكلمة الشريفة ص90 من ذلك الكتاب فظهر مما ذكرنا ان نسبتها إلى الرازي كذب محض وحديث خرافة اصلاً واساساً. القاضي الطباطبائي (1) اشارة إلى الحديث الشريف عن الأمام الصادق (() قال: قال الله تعالى: ما تقرب اليّ عبدي المؤمن بمثل اداء الفرائض وانه ليتنفل لي حتى احبه الخ، انظر إلى كتب الحاديث للأمامية تجد الحديث بأختلاف في بعض الفاظه ورواه الشيخ الثقة الجليل الحسين بن سعيد الأهوازي (() صاحب التصانيف الكثيرة وبكثرة كتبه يضرب المثل وهو من اصحاب الأمام علي بن موسى الرضا والجواد والهادي (() ــ في كتابه (المؤمن) ــ المخطوط ــ عن ابي جعفر وابي عبد الله ((). القاضي الطباطبائي (2) وقولنا المتحرك شخصيتك وهويتك اشارة إلى الحركة الجوهرية التي شيد اركانها وانار برهانها الحكيم الألهي استاذ الحكماء المتألهين (الملا صدرا) (() وتبعه من بعده وهي مبينة على ان تبدل الصفات والأعراض يستلزم تبدل الذات والا كان العرض مستقلاً عن معروضه.‌ ‌وهو باطل قطعاً وعلى ذلك يبتنى برهان حدوث العالم متغير وكل متغير حادث فلو كان تغير الصفات لا يستلزم تغير الذات لم يتم هذا البرهان كما هو ظاهر، وعليه فلا ريب ان كل شخص يتحرك في اعراضه واوصافه فهو اذاً متحرك بجوهره وذاته ولكن على نحو الإتصال وكل مرتبة لاحقة واجدة لما قبلها من المراتب حتى تصل إلى غايتها صاعدة وراجعة فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء واليه ترجعون. منه دام ظله (1) قد تكررت في عبارات هذا السفر الجليل كما في عبائر كثير من الحكماء والعرفاء خاصة في كتب صدر المتألهين (() التعبير عن اول ما خلق الله تعالى تارة ((بالنفس الرحماني)) وأخرى ((بالحق المخلوق به)) وثالثة ((بالرحمة التي وسعت كل شيء)) اما الأول فالمشهور انه بفتح الفاء. والنفس عبارة عن الهواء الذي يدخل الفم والأنف حال التنفس في الرئتين ويخرج منهما إلى الخارج. وهذا الهواء النقي ضروري لأستمرار حياة الأنسان الحي بل لكل حي ذي الرئة باصلاح الدم الفاسد بواسطة الرئتين في حركتي الشهيق والزفير واحالته إلى دم احمر شرياني بعد ان كان اسود وريدياً. وهذا الهواء الداخل والخارج باعتماده على المخارج يصير حروفاً مختلفة بالنوع. وذلك الهواء بمنزلة الوجود وانبساطه والمخارج بمنزلة الماهيات الممكنة والحروف المختلفة بمنزلة مراتب الماهيات المختلفة المتكثرة والنفس بمنزلة حقيقة الوجود الصرف والبحث البسيط وغيب الغيوب ولذا قال بعض الكابر من اساتذة الحكمة والعرفان في مقام التمثيل: ( النفس الرحماني كالنفس الأنساني ونسبة الماهيات الممكنة إلى النفس الرحماني كنسبة الحروف والكلمات إلى النفس الأنساني فكما ان الحروف والكلمات عين النفس الأنساني في الخارج ومتحدة معه ومتحصلة به فكذلك الماهيات عين النفس الرحماني ومتحدة معه ومتحصلة به) قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً. والغرض من هذه الكلمات اثبات المثال له تعالى لا اثبات المثل له فانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير كما في التنزيل المجيد. واحتمل بعض اساتذتنا دام بقاه ان التعبير بالنفس الرحماني لعله اقتباس من قوله تعالى: والصبح اذا تنفس حيث انه شبهوا هذا النور اعني نور الوجود المنبسط على هياكل الممكنات بتنفس الصبح واشراق نور الشمس وانبساطه كما اشرق ذلك النور على الماهيات واخذ كل واحد منها من هذا النور بقدرها [أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا]. واما الثاني اعني التعبير بالحق المخلوق به فأنهم قالوا ان المراد بالحق ههنا هو الثابت ولما كان هذا الوجود ثابتاً بذاته فلذا اطلق عليه الحق وكونه مخلوقاً به لكون الماهيات موجودة به. وأما الثالث فهو اقتباس من قوله تعالى: ورحمتي وسعت كل شيء. لأن المراد من الرحمة هو الخير والفيض الفائض من الفياض والأنعطاف والأحسان منه ولما كان الفيض المنبسط خيراً بل هو الخير الفائض وشاملاً لجميع الموجودات عبر عنه بها كما صرح به بعضهم.‌ ‌واما الأختلاف في التعبير فانما هو بحسب الأصطلاحات كما اشار به شيخنا الأمام دام ظله فيما سبق من كلامه الشريف انظر صفحة 206. القاضي الطباطبائي (1) سورة المائدة آية: 48. (1) سورة البقرة آية: 281. (2) سورة المؤمنون آية: 115. (3) سورة الأعراف آية: 29. (4) سورة الأنبياء آية: 104. (5) سورة الروم آية: 27. (6) طبع هذا الكتاب القيم في جزئين وبرز إلى عالم الوجود بالطبع الجيد النفيس وعم نفعه العالم السلامي سنة 1330هـ في بلدة صيدا ــ لبنان في مطبعة (العرفان) للشيخ العلامة المجاهد الشيخ احمد عارف الزين شيخ العلم والأدب مدير مجلة (العرفان) الغراء وكم لهذا الرجل الفذ امثال هذه الخدمات الجليلة التي اداها إلى المجتمع الديني والعالم المذهبي نسأل الله تعالى دوام توفيقه وتأييده. القاضي الطباطبائي (7) سورة يس آية: 78 ــ 79. (8) سورة يس آية: 80. (9) سورة يس آية: 81. (!) (الزنديق) كلمة فارسية معربة قال ثعلب: ليس زنديق ولا فرزين من كلام العرب ثم قال: ويلي البياذقة وهم الرجالة (يريدان الفرزين في الشطرنج يلي البياذقة والفرزين هو الملك في اصطلاح الشطرنج) وليس في كلام‌ ‌العرب زنديق وانما تقول العرب: رجل زندق وزندقي: اذا كان شديد البخل واذا ارادت العرب معنى ما تقوله العامة قالوا ملحد ودهري فاذا ارادوا معنى السن قالوا دهري (بالضم للفرق بينهما) وقال سيبوبه: الهاء في زنادقة وفرازنة عوض عن الياء في زنديق وفرزين قال ابي دريد: قال ابو حاتم الزنديق فارسي معرب كأن اصله عنده زنده كرد زنده: الحياة وكرد: العمل. أي: يقول بدوام الدهر قال ابو بكر: قالوا: رجل زندقي وزندقي(يعني بفتح الزاء وكسرها) وليس من كلام العرب وفي المعيار: وهو بالفارسية (زند كيش) انظر تفصيل ذلك في كتاب (المعرب) للجواليقي وهامشه ص166 ــ 167 ط مصر. وقيل هو معرب زندي اي متدين بكتاب يقال له (زند) ادّعى المجوس انه كتاب زرادشت ثم استعمل في العرف لمبطن الكفر وهم اصحاب مزدك الذي ظهر في ايام قباذ بن فيروز وقيل انه معرب (زن دين) أي دين المرأة انظر محيط المحيط ص889 ج 1 ط بيروت للمعلم بطرس البستاني المتوفي سنة (1301)هـ. وقال شيخنا الامام (دام ظله) في (الآيات البينات) (2 ــ 15 ط نجف عند بيان انواع الالحاد وضروب الزندقة (لا تحسب ان الزندقة مذهب من المذاهب أو دين من الاديان كلا بل هي ذلك الالحاد البحت والكفر المحض سوى ان لفظه الالحاد عربية صراح والزندقة فارسية معربة) ثم شرع (دام ظله العالي) ــ لبيان ان دخول هذا اللفظ في لسان المسلمين كان على الظن الغالب في اواخر القرن الاول وايضاً شرع لبيان تطورات الالحاد على مر القرون ومناقضته مع الاديان وتشكله باشكال مختلفة حتى وصل إلى البابية والبهائية ((احسن ما الف في تأريخ هذه الفرقة الضالة هو كتاب (مفتاح باب الابواب) المطبوع في مطبعة المنار بمصر سنة(1321)هـألفه المؤرخ المحقق زعيم الدولة رئيس الحكماء الدكتور ميرزه محمد مهدي خان التبريزي نزيل مصر(القاهرة) المتوفي في الرابع من شهر محرم سنة(1333)هـ وهو من انفس الآثار الخالدة واصح الكتب التأريخية واتقنها في تأخريخهم وسرد خرافاتهم وكونهم من ولائد السياسة الغاشمة بالتحقيق والتنقيب والتحليل الصحيح وكفتنا مؤنة التعريف بهذا الكتاب والأعتماد على ما جادت به براعة مؤلفه اطراء شيخنا الأمام دام ظله عليه وعلى مؤلفه المرحوم طاب ثراه في كتابه (الآيات البينات) ص15 ــ 16 ط نجف.))، الذين هم من اركان الألحاد والزندقة وذكر السيد المرتضى علم الهدى (() ايضاً شطراً وافراً من احوال الزنادقة في الأسلام في كتاب اماليه انظر ص88 ــ 102 ج1 ط مصر. القاضي الطباطبائي (1) سورة ق آية: 9. (2) سورة ق آية: 11. (3) سورة الروم آية: 19. (1) سورة فاطر آية: 9. (2) سورة الكهف آية: 49. (3) سورة النحل آية: 118. (4) سورة الطور آية: 16. (1) سورة الأسراء آية: 13 ــ 14. (2) سورة النساء آية: 10. (1) سورة الروم آية: 7. (2) سورة العنكبوت آية: 46. (1) فاستمع هنا ايها القاريء العزيز ــ لقضية نقلها العلّامة القاضي سعيد القمي (() المتوفي سنة (1103)هـ في رسالة الطلائع والبوارق الملكوتية في تحقيق ان لكل حقيقة من الحقائق الامكانية صورة وان احسنها الصورة الانسانية وهي الرسالة العاشرة من رسائل كتابه (الاربعينيات) ــ المخطوط. قال ((): (قد وصل الينا ممن يوثق به عن استاذ اساتيذنا بهاء الملة والدين العاملي عامله الله بلطفه الخفي والجلي انه ذهب يوماً إلى زيارة بعض ارباب الحال وهو يأوي إلى مقبرة من مقابر اصفهان فلما جلس عنده ذكر ذلك العارف للشيخ الاستاذ انه رأى قبل ذلك اليوم امراً غريباً في تلك المقبرة قال: رأيت جماعة جاؤا بجنازة إلى هذه المقبرة ودفنوا ميتهم بموضع كذا ورجعوا فلما مضت ساعة شممت رائحة طيبة لم يكن من روائح هذه النشأة فتحيرت من ذلك ونظرت متفحصاً يمنة ويسرة لا علم من اين جاءت تلك الرائحة الطيبة فاذا شاب حسن الهيئة جميل الوجه في زي الملوك يمشي نحو ذلك القبر إلى ان وصل اليه ــ خلف فصيل كان هناك ــ فتعجبت كثيراً فلما جلس عند القبر فقدته وكأنه نزل إلى القبر ثم لم يمض من ذلك زمان اذ فاجأتني رائحة خبيثة اخبث ما يكون فنظرت فاذا كلب يمشي على اثر الشاب إلى ان وصل إلى القبر واستتر هناك فبقيت متعجباً اذ خرج الشاب الذي جاء اولاً وهو رث الهيئة مجروح الجثة فأخذ في الطريق الذي جاء منه فتبعته والتمست منه حقيقة الحال فقال: اني كنت مأموراً بأن اصحب هذا الميت في قبره لأني كنت عمله الصالح وقد جاء هذا الكلب الذي رأيته وانه عمل غير صالح فاردت ان اخرجه من قبره وفاء لحق الصحبة واداء لدين الاخوة فنهشني وجرحني ودفعني وصيرني إلى ما ترى فلم املك الوقوف هناك فخرجت وتركته يصحبه هو فلما اتى العارف المكاشف بتمام القصة قال شيخنا ((): صدقت فيما قلت وحقاً قلت فنحن قائلون بتجسم الاعمال وتصورها بالصور المناسبة بحسب الاحوال وصدقه البرهان والدليل وأذعنه كشف ارباب الحال وابناء هذا السبيل) نقلنا القصة من نسخة منقولة عن خط القاضي سعيد (() نسأل الله تعالى ان يوفقنا للاعمال الصالحة بحق النبي (() وعترته الطاهرة ((). القاضي الطباطبائي (1) (النسخ): في اصطلاح الحكماء والمتكلمين عبارة عن انتقال النفس الناطقة الانسانية بعد الموت من بدن انساني إلى بدن انساني آخر، و(المسخ): انتقال النفس من بدن الانسان إلى بدن حيوان آخر غير الانسان و(الفسخ): انتقال النفس من بدن الانسان إلى جسم نباتي، و(الرسخ): انتقال النفس الانسانية إلى جسم معدني، وأخس هذه المراتب الأربعة هو المرتبة الرابعة كما ان اخس مرتبة النفس هو المرتبة الجمادية المسلوبة عنها جميع الكمالات الحسية والعقلية فان للنفس مراتب وهي متدرجة في الكمال والنقص والشدة والضعف واكمل تلك المراتب مرتبة النفس الناطقة الانسانية التي هي الجوهر النفيس الرباني ثم النفس الحيوانية التي ليس لها قابلية الترقي والتقدم في الفضائل والكمالات سوى ادراك المحسوسات والشهوات البدنية ثم النفس النباتية الفاقدة لمرتبة الإحساس والإدراك وليس لها سوى قوة التغذية والتنمية ثم مرتبة الجمادية التي عرفت انها اخس المراتب واسفلها والأنسان جامع لجميع تلك المراتب وخواصها موجودة فيه ولذا تظهر آثارها منه قال تعالى: [وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً] سورة الأسراء آية: 70. القاضي الطباطبائي (1) سورة المؤمنون آية: 11. (2) سورة الأنعام آية: 122. (3) سورة فاطر آية: 9. (1) سورة الروم آية: 50. (2) سورة البقرة آية: 28. (1) غفلة بالغين المعجمّة والفاء وقد صرّح به جمع من علماء الرجال وضبطه ابن داود (() بالعين المهملة والفاء المفتوحتين ولكن لم نجد له في هذا الضبط مواقفاً إلى اليوم من الفريقين. وسويد بن غفلة بن عوسجة بن عامر الجعفي العراقي مخضرم من كبار التابعين قاله ابن حجر وقال سيد الحكماء السيد الداماد ((): (انه من اولياء امير المؤمنين (() وخلص اصحابه ومن اصحاب ابي محمد الحسن (()) وعده من علماء اهل السنة من اصحاب رسول الله (() وعده شيخ الطائفة (الطوسي) من اصحاب امير المؤمنين (() والحسن (() ولد بعام الفيل أو بعده بعامين وقدم المدينة يوم دفن رسول الله (() وكان مسلماً في حياته ثم نزل الكوفة وشهد مع امير المؤمنين (() صفين ومات في زمن الحجاج وله مائة وثلاثون سنة وفي مدة عمره خلاف بينهم وقال الذهبي انه: (كان ثقة نبيلاً عابداً زاهداً قانعاً باليسير كبير الشأن (() يكنى‌ ‌ابا امية) وهو راوي الخطبة الموجزة لسيدتنا وجدتنا الصديقة الطاهرة ((). تلك الخطبة البليغة والكلمات النيرة التي صدعت فيها بالحقائق الراهنة والحجج البالغة وافصحت بالمصائب الواردة والنوائب النازلة عليها وعلى زوجها بعد ابيها صلوات الله وسلامه عليهما وآلهما الطاهرين. القاضي الطباطبائي (1) قطب الدين محمود بن مسعود الشيرازي الكازروني الشافعي الملقب عند العامة بـ(العلاّمة) تلميذ الأمام الخواجة نصير الدين الطوسي (() له مؤلفات كثيرة شهيرة كان مولده بشيراز واستوطن بتبريز وتوفى بها سنة (710)هـ ودفن بقرب القاضي البيضاوي. (1) اسفنا جداً لانحراف صحة الأمام مرجع الشيعة المرجع الكبر وذلك لكثرة مشاغله وكثرة ما يرد عليه من الكتب والفتاوي التي يجيب عنها كلها فقرر الأطباء عليه الزاماً باتاً بالكف عن كل عمل وكل حركة ولا سيما الأعمال الفكرية حتى عن تحرير المكاتيب العادية البس الله امامنا ثوب العافية والصحة الضافية ليعود إلى النجف (الجامعة الكبرى) ويقر عين الأمة جمعاء من قال آمين ابقى الله مهجته فان ذاك دعاء يشمل البشرا ?? ?? ?? ?? (160) الفردوس الأعلى كتاب الزكاة (157) بعض اسرار الحج (159) بعض اسرار الصوم (161) (179) وحدة الوجود او وحدة الموجود (185) المعاد الجسماني (191) فصل وأصل (193) فصل ووصل (195) فصل وأصل (197) غيب ولكنه بلا ريب (223) البداية والنهاية (225) ختامه مسك