1 الإنصاف في حقيقة الأولياء ومالهم 1
1
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي له الملك والملكوت الحي الجبار الذي لا يموت الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ! < إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا > ! فليس للعبد تصرف مع مولاه ولا له تقدم بين يديه ولا شفاعة ولا غيرها الا بإذنه ورضاه
والصلاة والسلام على من تركنا على الواضحة البيضاء ليلها كنهارها وأشرقت شمس نبوته فامتلأت الأرض بأنوارها
أخرج ابن ماجه عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتذاكر الفقر ونتخوفه فقال ( الفقر تخافون والذي نفسي بيده لتصبن عليكم الدنيا صبا حتى قال لقد تركتكم على المحجة البيضاء ليلها ونهارها سواء )
وعلى آله الذين بهديه يهتدون وبه يقتدون 2
2
واعلم أنه صلى الله عليه وسلم قد حذر امته من الابتداع لما اعلمه الله ان امته تاتي بالابتداع بأجناس وانواع فقال صلى الله عليه وسلم ( شر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة )
وقال ( خير الامور كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة )
وقال ( لا يقبل الله لصاحب بدعة صوما ولا صلاة ولا صدقة ولا حجا ولا عمرة ولا جهادا ولا صرفا ولا عدلا يخرج من الإسلام كما تخرج الشعرة من العجين )
أخرج هذه الأحاديث ابن ماجه وغيره
قلت ووجه عظمة الابتداع في الدين انه كالرد على قول الله تعالى ! < اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا > ! فالابتداع بزيادة في الدين أو نقصان منه فلهذا عظم شأن البدعة التي خرج بها صاحبها من الدين كما تخرج الشعرة من العجين
وبعد فإني وقفت على مقالة جواب سؤال عن شأن الأولياء الأحياء منهم والأموات وما لهم من الأحوال والكرامات مقتضى الجواب فيها ان للأولياء ما يريدون وانهم ممن يقول لأي شيء أرادوه كن فيكون وانهم من القبور لقضاء الحوائج يخرجون وانهم لمواقف جهاد الكفار يحضرون وان 3
@ 3 @ العلماء منهم بعد الموت للعلوم يدرسون وأن الخضر اخذ عن أبي حنيفة علوم الشريعة بعد ان ضمه الرخام ولازم قبره خمسة عشر من الأعوام وانهم ينكحون في القبور ويأكلون ويشربون ويطعمون ولهم ما يشتهون ومن هذا الكلام الذي تمجه الأسماع وتقذفه الأفهام # 1 ب فتعين ايقاظ اهل الغفلة والمنام من القاصرين والعوام ببيان حقيقة الولي وما ورد في صفته من الآثار وبيانه من الكتاب والسنة والأخبار ثم بيان رد ما اورده المجيب من الهذيان وانه جعل الأولياء من جملة الأصنام والأوثان ووصفهم بانهم كالإله تقدس وتعالى وانهم يقولون للشيء كن فكان # فرأيته يتعين ابانة الصواب وبيان حقيقة ما افتراه من الأوتاد والأنجاب والأقطاب وما خالف فيه بهذه البدعة من ادلة السنة والكتاب # أرجو بيان ذلك للإثابة من الرب الوهاب والهداية لمن هو من اولي الألباب واما من غلب عليه الابتداع وخالف طريقه من هم للكتاب والسنة أتباع فإنه يسد عما تلقيه الأسماع والواجب علينا هو البلاغ المبين وأما الهداية والتوفيق فمن رب العالمين # فنقول قوله نعم أولياء الله وهم العارفون به حسبما تمكن المواظبون على الطاعات والمعرضون عن الانهماك في الملذات والشهوات أقول هذا جهل بحقيقة الأولياء هذا اللفظ نقله من شرح المحلى على جمع الجوامع إلا أنه حذف منه قوله ( المجتنبون للمعاصي ) وهو قيد لا بد منه اتفاقا فكأنه وقع في سقط القلم
4
4
والانهماك يقال همكه في الأمر فانهمك لججه فلج كما في القاموس وفسر اللجاجة بالخصومة ولا يظهر مناسبتها لما هنا وهي عبارة المحلى
ثم هذا التفسير للولي هو الذي يفسرون به العدل فإنه قال ابن حجر في شرح النخبة إن العادل من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة والمراد بالتقوى اجتناب الأعمال السيئة من شرك او فسق او بدعة
انتهى بلفظه
وقد فاته أيضا فيه قيد لا بد منه في تفسير التقوى وهو الإتيان بالواجبات فإنه لا يكفيه منه اجتناب السئية ولكنه لما قال من شرك او فسق او بدعة علم انه لو لم يأت بالواجبات ما صدق عليه اجتناب السيئات وأي سيئة أعظم من ترك الواجبات
وإذا عرفت هذا علمت ان الولي عند العلماء هو العدل لتلاقي التفسيرين بل تعريف العدل أضيق لأنه أخذ فيه الملكة وأخذ فيه عدم التلبس ببدعة وقد اوضحنا ما في تفسيرهم العدل بما ذكر في مؤلفاتنا كثمرات النظر في علم الأثر وغيرها
وأقول إعلم ان الله تعالى قد عرفنا بأوليائه في كتابه العزيز فقال ! < ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون > ! ثم فسرهم لنا بقوله 5
@ 5 @ # ! < الذين آمنوا وكانوا يتقون > ! فإنها مستأنفة استئنافا بيانيا كأنه قيل من هم قال ! < الذين آمنوا وكانوا يتقون > ! # يدل على ذلك ما اخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله ! < ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون > ! قيل من هم يا رب قال ! < الذين آمنوا وكانوا يتقون > ! # وفسر النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان في حديث جبريل الذي أخرجه مسلم من حديث عمر حين جاء يسأله عن الإيمان فقال صلى الله عليه وسلم ( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره ) والحديث مأخوذ من قوله تعالى ! < آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله > ! ولم يذكر في الآية الا أربعة أركان والحديث ستة لأن من 2 أ آمن بكتب الله ورسله فقد آمن باليوم الآخر وبالقدر أي سبق تقدير كل كائن وإنما الحديث فصل والآية أجملت بعض الأعمال لأنه تعالى قال لرسوله ! < لتبين للناس ما نزل إليهم > ! # فبين بزيادة التفصيل لأركان الإيمان وقد ذكر تعالى ! < المؤمنون حقا > ! بقوله ! < إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا > !
6 ) ففسرهم بأنهم من اتصف بهذه الست الصفات
واما المتقون فإن الله تعالى بين من هم وفسرهم في صدر سورة البقرة حيث قال ! < هدى للمتقين > ! كأنه قيل من هم قال ! < الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون > !
فوصفهم انهم من اتصف بهذه الصفات الست وهي صفات مركبة من أجزاء الإسلام ومن اجزاء الإيمان كما في آية الأنفال حيث ذكر الله فيها صفات المؤمنين حقا مركبة من اجزاء النوعين
وذلك أنه صلى الله عليه وسلم قال في حديث جبريل الذي تقدمت الاشارة اليه وقد قال له ما الإسلام يا محمد قال ( ان تشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ان استطعت اليه سبيلا ) الحديث
فجعل إقامة الصلاة وايتاء الزكاة من اجزاء الإسلام فالآيتان أشارتا بذكر بعض اجزاء الاسلام وهما إقامة الصلاة وايتاء الزكاة إلى اعتبار الإسلام بجميع أفراده الا انهما خصتا أعظم أجزائهما البدنية والمالية ويعلم الصوم والحج بالسنة التي وردت بيانا للقرآن فإن بيانه بتفصيل مجمله وتقييد مطلقه وتفسير مبهمه وغير ذلك وأشارتا بالإيمان وزيادته الى اعتبار الإيمان 7
@ 7 @ بأجزائه فأفادتا أنه لا يكون العبد مؤمنا الا باستكماله لخصال الاسلام والإيمان # وأشارت آية البقرة الى ان المتقين هم الجامعون بين الإسلام بقوله ! < الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة > ! والايمان بقوله ! < والذين يؤمنون بما أنزل إليك > ! الآية # وإذا عرفت هذا فقد بين القرآن اولياء الله بيانا شافيا انهم الذين جمعوا بين الايمان والتقوى ثم بين تعالى الايمان واجزاءه والتقوى واجزاءها ثم بعد تقرير هذا فلا ريب ان رتبة الإيمان تتفاوت إلى زيادة ونقصان حتى ينتهي الإيمان الى مقدار مثقال الخردلة كما وردت به الأحاديث النبوية الثابتة الصحيحة وقد قرر في مجاله # كما ان رتبة التقوى تتفاوت فقد اخرج احمد في الزهد وابن ابي حاتم وأبو الشيخ عن وهب قال قال الحواريون يا عيسى ابن مريم من اولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون قال عيسى عليه السلام الذين نظروا الى باطن الدنيا حين نظر الناس الى ظاهرها والذين نظروا إلى آجل الدنيا حين نظر الناس الى عاجلها فأماتوا فيها ما يخشون أن يميتهم وتركوا ما علموا أنه سيتركهم فصار استكثارهم استقلالا وذكرهم اياها موتا وفرحهم بما أصابوا منها حزنا وما عارضهم من نائلها رفضوه وما عارضهم من رخصتها بغير الحق وضعوه خلقت الدنيا عندهم فليسوا 2 ب يجددونها وخربت بين أيديهم فليسوا يعمرونها وماتت في صدورهم فليسوا يحيونها يهدمونها فيبنون بها آخرتهم ويبيعونها ويشترون
8
8
ما بقي لهم رفضوها فكانوا برفضها الفرحين وباعوها فكانوا ببيعها المربحين ونظروا الى اهلها صرعى وقد خلت منهم المثلات فأحيوا ذكر الموت واماتوا ذكر الحياة يحبون الله تعالى ويستضيئون بنوره ويصيبون به لهم خبر عجيب وعندهم خبر عجيب بهم قام الكتاب وبه قاموا وبهم نطق وبه نطقوا وبهم علم الكتاب وبه علموا ليسوا يرون نائلا مع ما نالوا ولا اماني دون ما يرجون ولا خوفا دون ما يحذرون اه
وأخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس مرفوعا وموقوفا ! < ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون > ! الذين إذا رووا يذكر الله لرؤيتهم
وأخرج احمد والحكيم الترمذي عن عمرو بن الجموح أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( لا يستحق العبد صريح حق الايمان حتى يحب لله ويبغض لله فإذا احب لله وأبغض لله فقد استحق الولاية من الله وان اوليائي من عبادي واحبابي من خلقي الذين يذكرون بذكري وأذكر بذكرهم
وهذا المعنى كثير في الاحاديث كثرة واسعة والمراد من قوله يحب لله أي يحب الطاعة لأن الله يحبها ويبغض المعصية لأن الله يبغضها 9
9
قال تعالى ! < ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون > !
وفي الحديث المؤمن من سرته حسنته وساءته سيئته
وكذلك يبغض العاصي لعصيانه ويحب التقى لتقواه فهذا هو الحب لله والبغض له
وقوله الذين يذكرون بذكري يحتمل المراد الذين يذكرون بسبب ذكرهم إياي أي ان ذكرهم لله تعالى كان سببا لذكره تعالى لهم من باب قوله تعالى ! < فاذكروني أذكركم > ! وقوله صلى الله عليه وسلم حاكيا عن الله إن العبد إذا ذكره في ملأ ذكره الله تعالى في ملئه خير من مثله وإن ذكره في نفسه ذكره تعالى في نفسه
ويحتمل ان يراد الذين يذكرون بسبب ذكري إياهم أي الذين إذا ذكرهم في الملأ الأعلى ذكروا الله فبسبب ذكر الله لهم ذكروا
! < واذكر > ! أي بسبب ذكرهم اياي إذا ذكروني فهم يذكرون العباد بالله وبنعمه ونقمه فيذكرون الله عند ذلك
ويحتمل ان المراد يذكرون الله بالأذكار الشرعية من التسبيح والتقديس والتهليل فيذكر الله العباد بذلك بسبب تذكيرهم اياي
إذا عرفت هذا عرفت أولياء الله وأن صفاتهم الخوف من الله والإقبال على ما يرضاه والإعراض عن كل ما سواه ويعرف بطلان ما يأتي 10
@ 10 @ من تفسير القوم للأقطاب والأوتاد والأنجاب بانهم الذين لهم التصرف في الأكوان وانهم الذين يقولون للشيء كن فكان وغير ذلك من الافتراء والبهتان والهذيان مما لا يقبله من في قلبه مثقال ذرة من إيمان ممن جعل إمامه القرآن وكلام سيد ولد عدنان صلى الله عليه وسلم ما اختلف الملوان # قوله موجودون الى يوم القيامة لعموم قوله صلى الله عليه وسلم ( لا تزال طائفة من امتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة ) # أقول هو خبر قوله أولياء الله أي اولياؤه تعالى موجودون 3 أ الى يوم القيامة واستدل بحديث لا تزال طائفة الحديث اخرجه أئمة الحديث فاخرج الشيخان البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة انه صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لا تزال طائفة من امتي ظاهرين حتى يآيتهم أمر الله وهم ظاهرون ) # واخرج مسلم والترمذي وابن ماجه عن ثوبان عنه صلى الله عليه وسلم قال ( لا تزال طائفة من امتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ) # واخرج مسلم عن عقبة بن عامر انه صلى الله عليه وسلم قال ( لا تزال عصابة من امتي يقاتلون على
11
11
امر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم كذلك
واخرج احمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم عن عمران بن حصين انه صلى الله عليه وسلم قال ( لا تزال طائفة من امتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من قاتلهم حتى يقاتل آخرهم الدجال )
واخرج مسلم عن جابر بن عمرة عنه صلى الله عليه وسلم انه قال ( لن يبرح هذا الدين قائما يقاتل عنه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة )
وأخرج أبو داود الطيالسي وعبد بن حميد عن زيد بن أرقم عنه صلى الله عليه وسلم انه قال ( لا تزال طائفة من امتي يقاتلون على الحق حتى يأتي امر الله )
وأخرج أبو داود والحاكم عن عمر مرفوعا انه قال لا تزال طائفة من امتي على الحق منصورين حتى يأتي امر الله
وأخرج الطبراني في الكبير عن جابر بن سمرة عنه صلى الله عليه وسلم ( لا يبرح هذا الدين قائما يقاتل عنه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة ) 12
12
وأخرج مسلم واحمد عن جابر عنه صلى الله عليه وسلم انه قال ( لا تزال طائفة من امتي على الحق ظاهرين الى يوم القيامة فينزل عيسى فيقول اميرهم صل بنا فيقول لا إن بعضكم على بعض أمير تكرمة لهذه الأمة )
والأحاديث في هذا كثيرة شهيرة
وقد اختلف العلماء في هذه الطائفة من هم
فذهبت طائفة من العلماء الى انهم أئمة الحديث
وذهبت طائفة اخرى الى ان المراد بهم اهل الاجماع وهم العلماء المجتهدون وعليه بنى الحسين بن الإمام في شرح الغالي في بحث الإجماع وفي بحث الاجتهاد
والحق ما قاله جماعة من العلماء ان المراد بهم المجاهدون في سبيل الله لتصريح الأحاديث بقوله يقاتلون وينصرون ونحوه
وما اطلق فهو محمول على ما قيد كيف وقد صرح بأنه ينزل عيسى عليكم وهؤلاء الذين ينزل فيهم هم الذين يقاتلون الدجال
وما هو واضح من لفظ الأحاديث في غير موضع يعم الأولياء وهم المؤمنون العدول باقون حتى تقوم الساعة على القول بأنه لا تخلو الأرض عن 13
@ 13 @ مؤمن والا فقد ثبت في الأحاديث انها لا تقوم الساعة حتى لا يعبد الله في الأرض ولا يقال الله # قوله كالأبدال # أقول في القاموس الأبدال قوم بهم يقيم الله عز وجل الأرض وهم سبعون أربعون بالشام وثلاثون بغيره لا يموت احدهم الا قام مكانه آخر من سائر الناس # وفي النهاية من حديث علي الأبدال بالشام وهم الأولياء والعباد الواحد منهم بدل كجمل سموا بذلك لأنه كلما مات منهم واحد بدل بآخر # وفي التعريف للمناوي ان الأبدال سبعة لا يزيدون ولا ينقصون يحفظ الله بهم الأقاليم السبعة فكل بدل له إقليم فيه ولايته منهم واحد على قدم الخليل وله الإقليم الأول والثاني على قدم الكليم والثالث على قدم هارون والرابع على قدم إدريس والخامس على قدم يوسف والسادس 3 ب على قدم عيسى والسابع على قدم آدم على ترتيب الأقاليم وهم عارفون بما اودع الله في الكواكب السيارة من الأسرار والحركات والمنازل وغيرها ولهم من الأسماء أسماء الصفات وكل واحد بحسب ما تعطيه حقيقة ذلك الإسم الإلهي من الشمول والإحاطة # انتهى
14
14
قلت وهذا افتراء على الله فإنه لم يات عنه تعالى ولا عن رسله حرف واحد من هذه الأقوال في هؤلاء السبعة ولم يأت في الأبدال الا ما سنذكره لك قريبا من الأحاديث وفي كل منها مقال
ومن عجائب ما في التعريفات ان الأوتاد أربعة في كل زمان لا يزيدون ولا ينقصون أحدهم يحفظ الله به المشرق وولايته فيه والآخر المغرب والاخر الجنوب والآخر الشمال ويعبر عنه بالجبال لحكمهم في العالم حكم الجبال في الأرض وألقابهم في كل زمن عبد الحي وعبد العظيم وعبد القادر وعبد المريد
وفي التعريفات أيضا القطب ويسمى غوثا باعتبار التجاء الواحد اليه عبارة عن الواحد الذي هو موضع نظر الله في زمانه أعطاه الله الطلسم الأعظم من لدنه وهو يسري في الملكوت وأعيانه الباطنة والظاهرة سريان الروح في الجسد بيده قسطاس الفيض الأعم وزنه يتبع علمه وعلمه يتبع علم الحق وعلم الحق يتبع الماهيات الغير المجعولة تفيض روح الحياة على الكون الأعلى والأسفل وهو على قلب اسرافيل من حيث حصته الملكية الحاملة مادة الحياة والإحساس لا من حيث انسانيته وحكم جبرائيل فيه كحكم النفس الناطقة في النشأة الإنسانية وحكم ميكائيل فيه كحكم القوة الجاذبة فيها وحكم عزرائيل فيه كحكم القوة الدافعة فيها
وقال في التعريفات النجباء ثمانية في كل زمان لا يزيدون ولا ينقصون عليهم اعلام القبول في احوالهم ويغلب عليهم الحال بتغير اختيارهم هم اهل علم الصفات الثمانية ومن لهم الكرسي لا يتعدونه ما داموا نجباء ولهم القدم الراسخ في علم تسيير الكواكب كيفا واطلاعا لا من 15
15
جهة طريقة علماء هذا الشأن
والنجباء هم الذين حازوا علم الفلك التاسع
انتهى كلامه
وإنما نقلناه بألفاظه ليعلم من يقف عليه ممن له بقية نظر لدينه ولإيمانه بالله ورسله وما جاءت به الرسل أن هذه النقولات كلها مجانبة لما جاءت به الرسل ولما وردت به كتب الله تعالى المنزلة وان هذه نقطة من نقاط المعطلين لله ولرسله وانها من كلمات العباد للعباد وان هذا عائد الى قول من يقول بإلهية الأفلاك والكواكب وانظر تلعبه بملائكة الله بل إنكارهم وهروبهم نعوذ بوجه الله من الخذلان
فهؤلاء اولياء الله عند هؤلاء المبتدعة بل المعطلة وانظر بالله عليك ان كان فيك بقية من عقل كم بين وصف عيسى عليه السلام لأولياء الله الذي سبق حديثه في اول هذه الرسالة من الخشوع والعبادة والزهادة وبين وصف هؤلاء لمن وصفوه بمشاركة الله في التصرف في العالم بل إن العالم قد استغنى بهم عن الله وانظر في كلام رسل الله فإن نوحا يقول لقومه ! < ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك > ! ومحمد صلى الله عليه وسلم يقول له الله ! < قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك > !
وهؤلاء الضلال جعلوا الملائكة الأربعة أبعاضا لهؤلاء الأقطاب وكل هذه الألفاظ من الأقطاب وغيرها مبتدعة اصطلاحية لم تات سنة بها ولا كتاب ولا لغة الا الأبدال كما أفاده القاموس والنهاية لأنه قد روى ذلك على احاديث 16
16
فأخرج أحمد عن عبادة بن الصامت مرفوعا الأبدال في هذه الأمة ثلاثون رجلا قلوبهم على قلب ابراهيم خليل الرحمن كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا
واخرج الطبراني عن عبادة ايضا مرفوعا الأبدال في امتي ثلاثون بهم تقوم الأرض وبهم يمطرون وبهم ينصرون
وأخرج الطبراني عن عوف بن مالك مرفوعا الأبدال في اهل الشام وهم اربعون رجلا كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا يسقى بهم الغيث وينتصر بهم على الأعداء او يصرف عن اهل الشام بهم العذاب
واخرج الجلال في كرامات الأولياء والديلمي في مسند الفردوس عن انس مرفوعا الأبدال أربعون رجلا وأربعون امرأة كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا وكلما ماتت امراة أبدل الله مكانها امراة 17
17
فهذه الأحاديث في الأبدال وفي صحتها عند اهل الحديث مقال وإن سلمنا صحة الأحاديث في ذلك فإنه لم يجعل الله لهم علامة يعرفون بها بأعيانهم اتفاقا فلا يعرف ان الشخص من الأبدال حتى نعتقد انه ولي الله الولاية الخاصة التي يزعمون والا فالمؤمنون المتقون اولياء الله قال الله تعالى ! < إن أولياؤه إلا المتقون > ! على احد الوجهين في الآية كما في البيضاوي فهو مثل آية يونس التي قدمناها وإنما حصرت اولياءه على المتقين فالمتقي هو الولي وغير المتقي لا يكون وليا والمتقي هو المؤمن الآتي بالواجبات المجتنب المقبحات والذي يصدق عليه كلام المجيب في حده للولي لكن المجيب وأشباهه يريدون بالولي غير هذا ولقد كبرت كلمة قالها شيخنا إبراهيم الكردي في كتابه قصد السبيل فإنه قال في خطبته إن معرفة الله التي وراء طور العقول مما لا تستقل العقول بإدراكها بطريق الفكر وترتيب المقدمات وإنما تدرك بنور النبوة والولاية
ولم يزل هكذا يجعل الولاية قسيما للنبوة كانه يريد ان الولي غير داخل تحت الدعوة النبوية ولا من الأمة المحمدية بل هو قسيم له وهذا من الجهل
أولا بدعوى ان الولي غير المؤمن التقي بل له رتبة غير هذه الرتبة
ثم دعوى انه يستمد من غير واسطة الرسول وهم كذا يصرحون بذلك
واعلم ان البيضاوي وغيره يفسرون التقوى ثلاث مراتب التقي صفة مشبهة من قولهم وقاه الله فاتقى والوقاية فرط الصيانة وهي في عرف الشرع اسم لمن صان نفسه عما يضره في الآخرة ولها ثلاث مراتب 18
18
الأولى التقوى عن العذاب المخلد بالتبري عن الشرك وعليه قوله ! < وألزمهم كلمة التقوى > !
والثانية التجنب عما يؤثم من فعل أو ترك حتى الصغائر عن قوم وهو المتعارف باسم التقوى في الشرع وهو المعني بقوله تعالى ! < ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا > ! الآية
والثالثة ان ينتزه عما يشغل سره عن الحق ويقبل الله بشراشره وهو التقوى الحقيقي المطلوب لقوله تعالى ! < اتقوا الله حق تقاته > !
انتهى
الشراشر بالشين المعجمة والراء المهملة مكررتين بينهما ألف وهي النفس
وهذا التقسيم اصطلاحي ليس عليه دليل من لغة او شرع
وكلمة التقوى هي لا اله الا الله كما في التفاسير الأثرية والضمير في ألزمهم له صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهذه هي كلمة التقوى لكل مؤمن
قال ابن عباس ! < وألزمهم كلمة التقوى > ! وهي شهادة ان لا إله الا الله وهي رأس كل التقوى حتى رأس الثلاثة الأقسام وغيرها 19
@ 19 @ # وقد قدمنا لك ان التقوى تزيد وتنقص كالإيمان واما حصره في ثلاثة او أقل او اكثر فلا دليل عليه # 4 ب وقد فسر السلف قوله ! < حق تقاته > ! بقول بعضهم استفراغ الوسع بالقيام بالواجب والاجتناب عن المحارم كقوله ! < فاتقوا الله ما استطعتم > ! # وعن ابن مسعود وهو ان يطاع فلا يعصى ويشكر فلا يكفر ويذكر فلا ينسى اه # قوله وكراماتهم ثابتة وتصرفهم باق الى يوم القيامة ولا ينقطع بالموت لأن مرجع الكرامة كالمعجزة الى قدرة الله تعالى التامة العامة المحيطة المتعلقة بجميع الممكنات بامرها ايجادا وإعداما على وفق الارادة الأزلية التي يترجح بها حصول الممكن على مقابله ولا يمتنع شيء منها على قدرته وإرادته # أقول في جمع الجوامع لابن السبكي وشرحه للمحلى ما لفظه وكرامات الأولياء حق أي جائزة وواقعة قال القشيري ولا ينتهون الى نحو ولد بلا والد وقلب جماد بهيمة # قال المصنف وهذا حق يخصص قول غيره ما جاز ان يكون معجزة لنبي جاز ان يكون كرامة لولي لا فارق بينهما الا التحدي قال ومنع اكثر المعتزلة الخوارق من الأولياء وكذلك الأستاذ ابو اسحق الاسفراييني قال كلما جاز تقديره معجزة للنبي لا يجوز ان يكون ظهور مثله كرامة لولي وإنما مبالغ الكرامات إجابة دعوته او موافاة ماء في بادية في غير موقع المياه او نحو ذلك مما ينحط عن خرق العادات # انتهى
20
20
واعلم ان اعطاء الله المؤمن الكرامات باجابات الدعوات وتيسير الطلبات امر لا شك فيه ولكن هذا لا تختص به طائفة معينة بل هو حاصل للمؤمنين إذا أخلصوا النيات وأقبلوا على الله تعالى إقبال صدق وثبات ووثوق بتيسير المطلوبات مراعاة لمواقع الإحسان وانه تعالى خاطب جميع المؤمنين بقوله ! < ادعوني أستجب لكم > ! وبقوله ! < وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان > ! ولكن اعطاؤه تعالى للمطلوب وتفريجه عن المكروب يتوقف على مشيئته وحكمته فقد لا يعجل للعبد ما أراده إذ قد يكون فيه هلاكه في دينه ودنياه قال تعالى ! < عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد > !
وثبت في الأحاديث أن للدعوة ثلاث حالات إما ان يعجلها الرب او يدخرها لعبده يوم القيامة او يعطيه خيرا مما سأل وفي رواية او يكفر عنه بها
فإن أريد بالكرامات ما ذكره أبو اسحق الاسفراييني فهو حق لا ريب فيها ولا يخالف فيها الا جاهل اعني نفي الكرامة بهذا المعنى فمن انكرها بهذا المعنى فقد فرط كما ان من ادعى اثبات الخوارق قد أفرط والحق التوسط بين الطرفين كما يقوله أبو اسحاق وغيره 21
@ 21 @ # واما قوله إن كل معجزة لنبي تصح ان تكون كرامة لولي # فهذه دعوى لا دليل عليها وقد نقل أقوام عوام كذبات لقوم من الصالحين تجاوزوا حد الاعجاز كما في حلية أبي نعيم انه قال قائل لأبي يزيد البسطامي بلغني انك تمر في الهواء # فقال وأي أعجوبة في هذا طير يأكل الميتة ويمر في الهواء والمؤمن أشرف من طير # انتهى # ولا يقول هذا عارف فإن الله تعالى جعل من آياته مرور الطير في جو السماء ! < ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون > ! قال ! < والطير صافات > ! ونحوها من الآيات # ولا يعاب الطير بأنه يأكل من الميتة بل هي رزقه ولم يحرم عليه كما انها حرمت الزكاة على الغني واحلت للفقير والله سبحانه وتعالى لما أسرى برسوله صلى الله عليه وسلم لم يطر في السماء بل أرسل اليه البراق ثم صعد إليها على المعراج فما هذا الكلام الفارغ الذي ينقلونه عن أبي يزيد إن صح فهو من شطحات هؤلاء المتهوكة ولقد راجت هذه الدعاوى الفارغة 5 أ على جماعة من علماء الاسلام صاروا كالعامة في قبول المحالات فقد ألف الحافظ السيوطي رسالة سماها المتجلي في تطورات الولي وأتى فيها بحكايات باطلة وأقوال عن الأدلة عاطلة حتى كانه ما عرف السنة والكتاب ولا ملأ الدنيا بمؤلفاته التي أتى فيها بكل عجاب
22
22
فلا يغتر الناظر بنقل ما يخالف السنة والكتاب وإن حكاه من العلماء بحر علم عباب
وما احسن ما قاله ابن الجوزي في كتابه صيد الخاطر قال فاعلم ان المحقق لا يهوله اسم معظم كما قال رجل لعلي رضي الله عنه أتظن انا نظن ان طلحة والزبير كانا على باطل فقال له علي رضي الله عنه أن الحق لا يعرف بالرجال اعرف الحق تعرف اهله
ولعمري إنه قد وقع في النفوس تعظيم أقوام فإذا نقل عنهم شيء فسمعه الجاهل بالشرع قبله لتعظيمهم في نفسه كما ينقل عن أبي يزيد انه قال آليت على نفسي فحلفت الا أشرب الماء سنة وهذا إذا صح عنه كان خطأ قبيحا وزلة فاحشة لأن الماء ينفذ الأغذية الى البدن ولا يقوم مقامه شيء وإذا لم يشرب فقد سعى في أذية بدنه
وقد كان يستعذب الماء لرسول الله صلى الله عليه وسلم
افترى هذا فعل من يعلم ان نفسه ليست له وانه لا يجوز التصرف فيها الا بإذن من مالكها
وكذلك كانوا ينقلون عن بعض الصوفية انه قال سرت إلى مكة على طريق التوكل حافيا فكانت الشوكة تدخل في رجلي فأحكها بالأرض ولا أرفعها
وكان علي مسح فكانت عيني إذا آلمتني أدلكها بالمسح 23
23
فذهبت إحدي عيني وأمثال هذا كثير وربما حملها القصاص على الكرامات وعظموها عند العوام فتخايل لهم ان فاعل هذا اعلى مرتبة من الشافعي واحمد
ولعمري إن هذا من أعظم الذنوب وأقبح العيوب فإن الله تعالى قال ! < ولا تقتلوا أنفسكم > ! وقال صلى الله عليه وسلم ( إن لنفسك عليك حقا ) وقد طلب أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم في طريق الهجرة ظلا حتى رأى صخرة ففرش له في ظلها
قلت وفي هذا الحديث أيضا انه حلب له صلى الله عليه وسلم أبو بكر كثبة من لبن ثم صب عليها الماء لتبرد ثم سقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم 24
24
وكم ينقلون عن ذي النون انه لقي امراة في السياحة فكلمها وكلمته وينسون ما في الأحاديث الصحاح لا يحل لامراة ان تسافر يوما وليلة الا بمحرم
وكم ينقلون ان أقواما مشوا على الماء وقد قال ابراهيم الحربي لايصح ان احدا يمشي على الماء قط فإذا سمعوا هذا قالوا ينكرون كرامات الأولياء
فنقول لا ننكرها بل نتبع ما صح والصالحون هم الذين يتبعون الشرع ولا يتعبدون بآرائهم
قال واسمع مني بلا محاباة لا تحتجن علي بأسماء الرجال وتقول قد قال ابراهيم بن أدهم قد قال بشر الحافي من احتج برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأصحابه رضي الله عنهم أقوى حجة الى ان قال ومن تأمل هذه الأشياء علم ان فقيها واحدا وإن قلت اتباعه وخفت إذا مات أشياعه أفضل من الوف يتمسح العوام بهم تبركا وتشيع جنائزهم ما لا يحصى وهل الناس الا صاحب اثر يتبعه او فقيه يفهم مراد الشرع ويفتي به
نعوذ بالله من الجهل وتعظيم الأسلاف تقليدا لهم بغير دليل 25
@ 25 @ فإن من ورد المشرب الأول رأى سائر المشارب كدرة والمحنة العظمى مدائح العموم فكم غرت كما قال علي رضي الله عنه ما أبقى خفق النعال وراء الحمقى من عقولهم شيئا انتهى من فصل طويل أردت بنقله اعلاما للناظرين ان اكثر الكرامات التي شاعت بين العوام وحازت على عقول الخواص كذب من العوام الذين هم فتنة دين الإسلام أتباع كل ناعق لم يستضيئوا بنور العلم وهم الهمج الرعاع كما قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه 5 ب في كلامه لكميل بن زياد ولكن نفذ كلام العوام فصار العلماء لهم اتباعا ولأقوالهم أشياعا يؤلفون ترويجا لما يروونه من الكذبات وينحلون لهم في التصانيف بوارد الدلالات كما قدمناه عن تطورات الولي وكهذه الرسالة التي نحن بصدد الرد على ما فيها وكم وكم ولا إله إلا الله ما أشد ضرر العالم المعروف بين الأنام إذا روج لهم الأباطيل وزخرف لهم باطل الأقاويل ويحاول إجراءها على سنن السنة وتنزيلها منزلة التنزيل فيصدق الكذب المحال عقلا وشرعا ويؤلف في صحتها لتكون لمن يأتي بعده أصلا متبعا فإذا أراد العالم بالكتاب والسنة ان يبين بطلان تلك الأساطير صدمه الجاهل ورد عليه بقوله قد قال بصحة هذا السيوطي وابن حجر الهيتمي وفلان الرملي وفلان وفلان فأين يقع من هؤلاء الأعيان وقد سخر به العوام يقولون أنكر كرامات الصالحين الأعلام # ولله الكلمة العلوية اعرف الحق تعرف اهله لكن أين من يتأهل للخطاب ويسمع او يعقل إن هم الا كالدواب
26
26
قوله ولا ينقطع أي تصرفهم وكراماتهم بالموت لم يعلل هذه الدعوى الا بأن مرجع الكرامة الى قدرة الله تعالى وانه لا يمتنع شيء على قدرته وإرادته
أقول علل وقوع الكرامة للأولياء بعد موتهم بعموم قدرة الله تعالى المتعلقة بجميع الممكنات وقدرة الله تعالى على جميع الممكنات مما لا نزاع فيه بين المسلمين
فإنه قد علم من ضرورة الدين ان الله على كل شيء قدير ولكن ما كل مقدور واقع اتفاقا وقطعا عقلا وسمعا قال الله تعالى ! < إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد > ! وقال ! < ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون > ! ! < إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين > ! وفي بعضها بين الله تعالى الحكمة التي اقتضت عدم إيجاده المقدور كقوله ! < ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم > ! الآية
وجميع ما تمدح به تعالى من هذه الأمور المقدورة لم يقع والبحث عن وقوع المقدور لا في إمكانه
واما قوله إن الكرامات للأموات واقعة لأنه من قادر على كل الممكنات بطريق قولك لجبل من الجبال هذا ذهب لأن الله تعالى قادر على ان يجعله ذهبا 27
27
فيقال صدق نصف هذا الكلام وكذب نصفه فإن قولك إنه ذهب كاذب وقولك إن الله قادر على ان يجعله ذهبا صادق لكن لا ينفع صدقه في مدعاك
قوله وهذا امر قطعي لا مرية فيه البتة عند اهل السنة والجماعة
أقول إن أراد كونه تعالى على كل شيء قدير وانه لا يمتنع شيء عن قدرته فهذا تقوله جميع فرق المسلمين بل واهل الكتابين بلا نزاع فيه لمن أثبت الرب تعالى
وإن أراد بالاشارة ثبوت الكرامات للأ موات وتصرفهم كما قاله فهذا أبو اسحق الاسفراييني من أئمة اهل السنة بلا نزاع وقد ثبت نزاعهم معه في الكرامات للأحياء فضلا عن الأموات
وهب انه يقول أهل السنة والجماعة بذلك فلا دليل في ذلك إذ ليسوا بأهل الاجماع حتى يكون قولهم دليلا
وقد اطلنا الكلام على تسميتهم انفسهم اهل السنة والجماعة في مؤلفنا الأنفاس الرحمانية في أبحاث على الإفاضة المدنية
قوله قال شيخ الإسلام الى آخره
أقول دليل شيخ الإسلام هو الدليل الأول وهو كونه تعالى على كل شيء قدير ولا نزاع في الدليل ولكنه ما يدل على مدعاه وليس له الى إثباته سبيل
قوله تارة بدعائهم وتارة بفعلهم واختيارهم
أقول هذا يتم في الأحياء دون الأموات 28
@ 28 @ # قوله وتارة بغير قصد ولا شعور ولا اختيار منهم # اقول فما وجه نسبتها اليهم فإنه إنما ينسب الى الإنسان ما له فيه اختيار والا فهو وغيره فيه سواء # قوله فقد أثبت علماء الإسلام قاطبة # أقول في القاموس قاطبة جميعا لا تستعمل الا حالا # انتهى # ولايخفى ما في هذه الدعوى فإن المعتزلة من علماء الاسلام عند العلماء 6 أ جميعا منهم اهل السنة والجماعة لأنهم لا يخرجون احدا من اهل الإسلام ولا يكفرونه فعلماء المعتزلة غير داخلين فيما ذكره وكذلك الأستاذ ابو إسحق من علماء الإسلام بلا مرية وقد خالف هو و المعتزلة في وقوع الخوارق من الأولياء فكيف يجازف المجيب هذه المجازفة ويذكر الإتفاق عن علماء الإسلام قاطبة والواجب على من يريد ان يتكلم ان يتحرى الصدق في مقاله سيما في مسائل العلم والنسبة إلى العلماء ثم تعليله لهذه الدعوى بان معجزات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لا تنحصر ومنها كرامات الأولياء فجعل الكرامات بعضها من المعجزات وهذا جهل او تجاهل بحقيقة المعجزة فإن للمعجزة شروطا خمسا ثالثها ان تكون عقيب دعوى المدعي للنبوة وهذا معلوم قطعا ان لا يكون شرطا في الكرامة إذن لكان الولي نبيا والفرض انه ولي
29
29
وكأنه يريد ان الكرامة كالمعجزة من حيث إنها دلت على صدق الرسول حيث وقعت على يد بعض من اتبعه فدلت على صدقه كما قال الدال على صحة نبوته وهذه الدلالة لا أدري لمن تكون إن كانت للولي الذي حصلت له الكرامة فالفرض انه قد آمن بالرسول صلى الله عليه وسلم وصارت نبوته عنده قطعية وصحتها لديه ضرورية والا فما قد كمل الايمان فضلا عن الولاية وإن أراد انها تكون دالة لمن يدخل في الإسلام ويصدق نبوة سيد الأنام فهذا اعجب فإن الكافر لم يصدق بالمعجزة الحقيقية فكيف بالكرامة وهذا القرآن باق ببقاء الأزمان وسائر المعجزات الواقعة في عصره صلى الله عليه وسلم وقد تواترت لمن له أذنان ولا يققول قائل إن هذا منا إنكار للكرامات إنا قد قدمنا انه لا ينكرها بإجابة الدعوات وتيسر المطلوبات ودفع المحذورات الا جاهل بالحقائق لكنا لا نخصها بفريق معين مثل هؤلاء الذين ينصون عليهم منهم من الشيخ احمد البدوي وغيره بل نقول عطاء ربنا غير محصور فإنه امر بالدعاء جميع عباده ووعد بالإجابة فقال ! < ادعوني أستجب لكم > ! ! < وإذا سألك عبادي عني فإني قريب > ! ولا نعرف من الكرامات الا إجابة الدعوات بعافية المريض واالسلامة من المخاوف والتيسير للمطالب ونحو ذلك وهذا عام للمؤمنين لا يمنع الإجابة الا ما عرف من اكل الحرام او الدعاء بالقطيعة والآثام بل قد اخبر الله تعالى انه يجيب دعوة المظلوم وإن كان كافرا بل قال تعالى في خطاب المشركين ! < وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه > ! وقال تعالى ! < وإذا مس الإنسان الضر دعانا > ! 30
@ 30 @ لجنبه او قاعدا او قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا الى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون ) # إنما وسع القاصرون نطاق الكرامة قالوا كل ما كان معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم جاز ان يكون كرامة لولي وانه يقلب العصا حية وتخرج الناقة من الصخرة الصماء فهذا لا نقوله ولا كرامة ولا دليل عليه ولا يقوله الإمام ابو إسحق الإسفراييني وقد قال ابن السبكي إنه يستنبىء مثل هذا ويقيد به الإطلاق # قوله قال شيخ مشايخنا احمد الرملي الخ # أقول ليس في نقل كلامه فائدة فإنه ليس الا انه اخبر عن اعتقاده ونحن نطالبه في دليل هذه العقيدة # قوله اما الأنبياء فلأنهم احياء في قبورهم ياكلون ويشربون ويصلون ويحجون بل وينكحون كما وردت بذلك الأخبار # أقول الذي وردت به الأخبار حياة الأنبياء عليهم السلام في قبورهم وقد 6 ب ألف فيما ورد في ذلك الحافظ السيوطي رسالة سماها إنباه الأذكياء بحياة الأنبياء وسبقه إلى ذلك البيهقي فجمع كتابا لطيفا في حياة الأنبياء عليهم السلام وسرده ابن حجر في فتح الباري وسرد احاديث لا تقوى على هذا الاصل وذهب الى انهم احياء في القبور والكلام في الأولياء وأصل السؤال فيهم مع انه لا يمكن دعوى معجزة للنبي تحصل بعد موته لما عرفت من حقيقتها ولأنه قد ثبت انه إذا مات الإنسان انقطع عمله الا من ثلاث صدقة جارية او علم ينتفع به او ولد صالح يدعو له أخرجه
31
31
البخاري في الأدب المفرد ومسلم في الصحيح وأبو داود والترمذي والنسائي ووردت احاديث فيها خصال اخرى انتهت إلى عشر وقد سردناها منظومة في جمع الشتيت شرح أبيات التثبيت وهذا لفظ يعم كل إنسان
وسلمنا انه يخص الأنبياء عليهم السلام بالصلاة في قبورهم فالأولياء أين الدليل على حياتهم فيها ثم لا يعزب عنك ان في ذكره حياة الأنبياء عليهم السلام في القبور ما يشعر ان الكرامات لا تثبت عنده الا للأحياء وإلا فما لنا وللخوض في حياة الأنبياء عليهم السلام في القبور على انه قد اخرج أبو داود والبيهقي عن اوس بن اوس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من أفضل أيامكم يوم الجمعة فاكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم تعرض علي فقالوا يا رسول الله كيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت يعني بليت قال إن الله حرم على الأرض ان تأكل اجساد الأنبياء ) وهذا ظاهر في أنه صلى الله عليه وسلم كغيره من الأموات 32
32
الا ان جسده لا تأكله الأرض ولو كان صلى الله عليه وسلم حيا في قبره لقال إني حي في قبري
وقد بين هذا العرض وإدراكه صلى الله عليه وسلم لما يعرض ما اخرجه احمد في مسنده وأبو داود والبيهقي في شعب الإيمان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( ما من احد يسلم علي الا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام ) ولا ريب أن هذا دال على انه صلى الله عليه وسلم تفارقه روحه وقد تكلف السيوطي من القائلين بحياة الأنبياء عليهم السلام الى تأويل هذا الرد وهو قوله الا رد الله علي روحي بما هو مردود
وقد حقق ابن القيم ان للأرواح بعد مفارقتها الأبدان اتصال بالأبدان بسببه يعرف الميت زائره كما ثبت به الأحاديث في كل مؤمن وبسببه يرد السلام على من يسلم عليه وهو مع ذلك ميت مفارق لروحه وقد نقلنا كلامه في جمع الشتيت وبسطناه في اوائل التنوير شرح الجامع الصغير في حديث الإسراء
واما قوله يأكلون ويشربون ويصلون ويحجون بل وينكحون
فلم يأت خبر بهذا من الأخبار التي ادعاها ولا رأينا ما يدل عليها الا ما ورد عن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبر موسى عليه السلام 33
@ 33 @ وهو قائم يصلي فيه # وأخرج أبو يعلى في مسنده والبيهقي في كتاب حياة الأنبياء عن انس ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ( الأنبياء احياء في قبورهم يصلون ) أخرجه أبو نعيم في الحلية فهذا الذي ورد في موسى عليه السلام وفي عموم الأنبياء انهم يصلون في قبورهم على ان طرق هذه الأحاديث مظلمة إذ ليس رجالها لنا بمعروفين ولئن قلنا بصحتها فأين ادلة انهم يأكلون ويشربون وينكحون فإن هذا الحافظ السيوطي ألف كتابا في حياتهم ولم يأت بحرف واحد ف انهم يفعلون شيئا غير الصلاة وهو اكثر الآخرين 7 أ اطلاعا واوسعهم تأليفا # نعم ثبت نص القرآن ان الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله ! < أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله > ! بل نهى الله عن تسميتهم امواتا فقال ! < ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون > !
34
34
وثبت في الأحاديث ان أرواح الشهداء في حواصل طير خضر ترعى في رياض الجنة ثم يكون ماواها الى قناديل معلقة بالعرش وارواحهم في قباب بيض من قباب الجنة ورد انهم يرزقون من ثمار الجنة ويجدون ريحها ولا يدخلونها
والأحاديث في هذا كثيرة وكانهم انواع وكل منهم له رزق ونعيم فالثابت بلا شك حياتهم وانهم يرزقون
وقد كان صلى الله عليه وسلم من الشهداء كما قال ابن مسعود رضي الله عنه لأن احلف تسعا ان رسول الله قتل قتلا احب إلي من ان احلف يمينا واحدة انه لم يقتل وذلك ان الله اتخذه نبيا واتخذه شهيدا أخرجه احمد وأبو يعلى والطبراني والحاكم في المستدرك والبيهقي في دلائل النبوة
وأخرج البخاري والبيهقي عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذي توفي فيه ( لم ازل أجد الم الطعام الذي اكلت بخيبر فهذا أوان انقطاع أبهري من ذلك السم )
وحينئذ فيكون صلى الله عليه وسلم شهيدا 35
35
وبهذا استدل السيوطي على حياته صلى الله عليه وسلم في قبره الا ان هذه الشهادة سماها العلماء شهادة اخرى كالمبطون والمطعون فلهم حكم الشهداء في الآخرة ولهذا غسل صلى الله عليه وسلم وصلي عليه صلاة الجنازة
ثم لا يخفى بعد هذا كله ان هذا الخوض في الأنبياء عليهم السلام خوض اجنبي لا يتعلق به سؤال السائل بل سؤاله عن الأولياء وكراماتهم لا عن الأنبياء ومعجزاتهم ولكنه تدرج بذكرهم الى إلحاق الأولياء بهم في حياتهم بعد الموت وكراماتهم وهو استدلال باطل وقياس فاسد فإن النبوة رتبة عالية والمعجزات منهم مطلوبة عند التحدي ولا يلحق أحد بالأنبياء عليهم السلام في لوازم النبوة بالاتفاق إذ من شرط القياس مشاركة الفرع للأصل في علة الحكم والحكم هنا ثبوت المعجزات والعلة النبوة والتحدي والولي ليس له نبوة اتفاقا فلا معجزة
والكرامة بإجابة الأدعية ونحوها ثابتة بأدلة القرآن والسنة وغيرها من الخوارق ممنوع صدوره عن الأولياء كما تقدم نقله عن ابن السبكي والقشيري والأستاذ أبي إسحاق الاسفراييني الذي قال الأسنوي في وصفه أبو إسحق إبراهيم بن محمد الإسفراييني صاحب العلوم الشرعية والعقلية واللغوية والاجتهاد في العبادة والورع وأثنى عليه ثناء كثيرا ذكره في طبقات الشافعية إذا عرفت هذا فإنه لم يثبت دليل على مدعاه من ان الأنبياء عليهم السلام يأكلون ويشربون وينكحون غاية ما في ذلك انه ثبت للشهيد منهم الرزق الذي ذكره الله تعالى ولا ينفعه هذا جميعه في جواب السؤال 36
@ 36 @ # قوله والشهداء أيضا أحياء عند ربهم شوهدوا نهارا وجهارا يجاهدون الكفار # أقول يكذب هذه الدعوى ما اخرجه الحاكم وصححه عن جابر رضي الله عنه أنه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم يا جابر إن الله احيا أباك وكلمه كفاحا # قال ألا تمنى قال اتمنى ان ترد روحي وتنشيء خلقي كما كان وترجعني الى نبيك فأقاتل فأقتل في سبيل الله مرة اخرى قال إني قضيت انهم إليها لا يرجعون # وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وهناد وعبد 7 ب بن حميد ومسلم والترمذي وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في الدلائل عن مسروق قال سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية ! < ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله > ! الآية وفيه انه تعالى أطلع على الشهداء اطلاعة فقال هل تشهون شيئا قالوا أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث نشاء ففعل بهم ذلك ثلاث مرات فلما رأواء انهم لم يتركوا من ان يسألوا قالوا يا رب نريد ان ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى ان ليس لهم حاجة تركوا
37
37
وأخرج احمد والنسائي والحاكم عن انس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يؤتى بالرجل من اهل الجنة فيقول الله يا ابن آدم كيف وجدت منزلك فيقول إي رب خير منزل فيقول له سل وتمنه فيقول ما أسألك وأتمنى أسألك ان تردني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك عشر مرات
لما راى من فضل الشهادة
واخرج احمد والنسائي عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما من نفس تموت ولها عند الله خير تحب أن ترجع إليكم الا القتيل في سبيل الله فإنه يحب ان يرجع فيقتل مرة أخرى )
وأخرج احمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وغيرهم عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من احد من اهل الجنة يسره ان يرجع الى الدنيا وله عشر امثالها الا الشهيد فإنه ود لو رد إلى الدنيا عشر مرات فاستشهد لما يرى من فضل الشهادة
والأحاديث كثيرة بان الشهداء لا يرجعون الى الدنيا ولا يقاتلون ولا يقتلون بل يحبون ذلك وأجاب الله بأنهم اليها لا يرجعون فاعجب لدعوى المجيب أي حاجة له الى اثبات عود الشهداء إلى الدنيا يقاتلون فيها مع ان الكرامة عنده ثابتة للموجود والميت مفقود 38
38
قوله واما الأولياء إلى قوله والدليل على جوازها أنها امور ممكنة
أقول قدمنا لك ان إمكان الشيء ودخوله تحت القدرة الإلهية لا يستدل احد به بوقوع الممكن فما كل ممكن واقع وقدمنا لك الأدلة على هذا فلا نعيدها
قوله وعلى الوقوع
أقول اي والدليل على وقوع الكرامة للأولياء قصة مريم وان الله كان يأتيها بفاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء وهذا قد نطق به التنزيل وكذلك ما ذكره من القصص الواقعة للصحابة
والجواب أن هذا اولا في حق الأحياء وكلامه في الأحياء والأموات ثم إنه قال القرطبي الصحيح ان مريم نبيه وبهذا فليست قصتها في محل النزاع ثم ان أراد أنا نثبت الكرامات لمن ادعاها لأجل أنها قد وقعت لمن ذكر فهذا غير صحيح لأنه اثبات لها بالقياس وإثبات الكرامات بالقياس ما يقوله احد من اهل الإسلام لا من العلماء ولا العوام لأن الكرامة إنما هي فضل من الله يؤتيه من يشاء لا من نشاء نحن والقياس لا يحكم به على الرب عز وجل فيقال كما احدث كرامة لمريم يحدثها لفلان هذا هذيان وتحكم على جناب الله الرحمن
وإن كان المراد أنها وقعت لا ننكرها فقد قدمنا لك عدم إنكار غير الخارق واما الخارق فهو محل النزاع ولا يتم الاستدلال بقصة مريم فإن الله اختصها بخوارق لم تكن لغيرها هنا مثل الإتيان بولد من غير أب ونطق ولدها في المهد فدل ان لها رتبة رمزية ليست لغيرها
واما قصة أبي بكر فهو من إحداث البركة في الطعام ولا ينكر 39
@ 39 @ # وقد اخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ان صلة الأرحام سبب لزيادة الأرزاق والأعمار وكذلك كثير من انواع الخير أسباب لحصول كثير من انواع الخيرات امر لا ينكر فعله الله من باب الأسباب والمسببات ولا يختص به الولي بل اخبر ان طعام الواحد يكفي الاثنين لحصول البركة # واما قصة سارية مع عمر فلم يسندها ولم نجدها مسندة ومثلها لو كان لشاع وكان متواترا وهذا مما يقول اهل الأصول أنه إذا انفرد 8 أ الواحد بخبر توفر الدواعي على نقله فإنه يرد خبره ومثلوه بقتل خطيب على المنبر وهذه نقلها لا بد من تواتره # قوله فأجاب بأنه ما قال صحيح # أقول أي من ان الولي يقول للشيء كن فيكون # قلت سبحانك هذا بهتان عظيم بينما المجيب يخوض في اثبات الكرامة لولي صار الكلام في إثبات خواص الإلهية له والحال ان الرسل الذين هم الهداة للأمم وباتباع شعاع انوارهم صار الولي وليا إذا قالت لهم الأمم يأتون بآية يقولون إنما الآيات عند الله ويأمر أفضل رسله صلى الله عليه وسلم أن يقول ! < قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله > ! وينهاه ان يقول للشيء إني فاعل ذلك غد ا الا ان يشاء الله وهؤلاء يقولون امر الولي بين الكاف والنون وهذا غلو كغلو النصارى في المسيح او نوع من الجنون # وقد اختلف أئمة الأصول هل يجوز أن يفوض الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم حكما من الأحكام الشرعية فكيف إطلاق التصرف في الأكوان ايجادا وإعداما في الأمور الكونية وبالجملة فرد هذا الهذيان
40
40
لا يحتاج إلى دليل من سنة ولا قرآن إنما يحتاج الى عقل يفرق بين خالق الأكوان وبين الإنسان
قوله قال شيخ الإسلام احمد بن علي ما يقع من العامة من قولهم عند الشدائد يا شيخ فلان الى قوله وإثبات أن الاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والعلماء والصالحين جائزة وعلله بأن معجزات الأنبياء وكرامة الأولياء لا تنقطع بموتهم
أقول هذا الكلام كما يقال لحم جمل غث على جبل وعر لا سمين فينتقى ولا سهل فيرتقى
اما قوله المعجزات لا تنقطع بالموت بمعنى ان الله يحدثها للنبي عليه السلام بعد موته فقد عرفت ان المعجزة من شرطها مقارنة التحدي عند دعوى النبوة والميت لا يدعى النبوة ولا يتحدى بإتفاق العقلاء فكيف رسله قال عيسى ! < وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم > ! وقال تعالى ! < وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم > ! فأي دعوى للنبوة بعد الموت وأي تحد وأي معجزة ثم هذه الاستغاثة معلومة يقينا انها بدعة فلم يعلم انه صلى الله عليه وسلم استغاث برسول من اولي العزم ولا غيرهم عند الشدائد التى لاقاها بل كان أعظم ما لاقاه منها يوم الطائف فكان دعاؤه الدعاء المعروف والتجأ الى الله تعالى وكذلك أصحابه من بعده لا يعلم عن احد منهم انه استغاث به صلى الله عليه وسلم بعد موته ولا يمكن احد ان ياتي بحرف واحد عن أصحابه في انه قال 41
@ 41 @ يا رسول الله ويا محمد مستغيثا به عند شدة نزلت به بل كل يرجع عند الشدائد الى الله تعالى حتى عباد الأصنام إذا مسهم الضر في البحر ضل من يدعون الا اياه وهذا خليل الله إبراهيم لما رمي به إلى النار لاقاه جبريل في الهواء فقال له هل من حاجة قال اما اليك فلا # وهذه الأدعية النبوية المأثورة قد ملأت كتب السنة والحديث ليس منها حرف واحد فيه استغاثة بمخلوق وسؤال بحقه وقد ذكر ابن القيم في مدارج السالكين انه ورد في أثر إسرائيلي ان داود عليه السلام قال يارب أسألك بحق آبائي عليك فاوحى الله الى داود يا داود وأي حق لآبائك علي ألست انا الذي هديتهم ومننت عليهم واصطفيتهم فلي الحق عليهم # فهذه البدعة وهي الاستغانة بالأموات وإنزال الحاجات بهم والتوسل إنما هو بقية من عبادة الأصنام فإن الجاهلية كانوا يستغيثون بهم ويطلبون الحاجات منهم وكل بدعة ضلالة كما ثبت في الأحاديث 8 ب وأي ضلالة اعظم من عبد ينزل حاجاته بالأموات ويعرض عن باريء البريات # وقد ثبت انه صلى الله عليه وسلم بايعه جماعة من الصحابة على ان لا يسألوا الناس شيئا فكان احدهم اذا سقط سوطه وهو على راحلته لم يسأل من يناوله بل ينزل بنفسه # كل هذا لتفرد الله بالسؤال وطلب الحاجات وان قال لم اعرض عن الله إنما تقربت بهم اليه فيقال هذا بعينه هو الذي قاله من قال إنه لا يعبد الأصنام الا لتقربه الى الله زلفى غاية الفرق ان صنمه من حجارة او خشب وصنمك من سلالة من طين # واما التوسل وطلب الحاجات فهو العبادة بل هو مخ العبادة كما ثبت في الأحاديث ولو كان التوسل بالأموات جائزا او مندوبا لعلم
42
42
رسول الله صلى الله عليه وسلم امته ذلك فإنه قد علمهم كل خير ونهاهم عن كل شر فانه علمهم صلاة الإستخارة وأذكار الصباح والمساء والدعوات عند العوارض من الهم والغم والأخواف بل قال لهم من أصيب بمصيبة فليذكر مصيبته في الحديث
فعلمهم التأسية عند المصائب ولم يأت عنه حرف واحد انه قال من نزل به امر فليستغث بي وقد نهى العلماء عن هذه البدعة والضلالة وبينوا انها حرام
قال ابو حنيفة لا ينبغي لأحد ان يدعو الله الا به فلا يقول اسألك بفلان وفلان وبملائكتك او بانبيائك او نحو ذلك لأنه لا حق للمخلوق على خالقه
قال ابن عبد السلام إنه لا يجوز سؤال الله بشيء من مخلوقاته لا الأنبياء ولا غيرهم الا انه توقف في نبينا صلى الله عليه وسلم لاعتقاده انه جاء فيه حديث ولا يعرف صحته
قال ابن القيم قال شيخنا يريد ابن تيمية هذه الأمور المبتدعة عند القبور مراتب
أبعدها عن الشرع ان يسأل الميت حاجته ويستغيث به فيها كما يفعله كثير من الناس قال وهؤلاء من جنس عباد الأصنام ولهذا قد يتمثل لهم الشيطان في صورة الميت او الغائب كما يتمثل لعباد الأصنام وكذلك السجود للقبر والتمسح به وتقبيله
الثانية ان يسأل الله به وهذا يفعله كثير من المتاخرين وهو بدعة باتفاق المسلمين
الثالثة ان يسأله بعينه 43
43
الرابعة ان يظن ان الدعاء عند القبر مجاب او انه أفضل من المسجد فيقصد زيارته والدعاء عنده لأجل طلب حوائجه وهذا أيضا من المنكرات المبتدعة باتفاق المسلمين وهي محرمة وما علمت في ذلك نزاعا بين أئمة الدين وإن كان كثير من المتأخرين يفعل ذلك
انتهى
فإن قلت قد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه أتدري ما حق الله على العباد قال الله ورسوله اعلم قال حقه عليهم ان يعبدوه ولا يشركوا به شيئا
أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك قلت الله ورسوله اعلم قال حقهم عليه ان لا يعذبهم بالنار
انتهى
قلت هذا الحق الذي أثبته لعباده على نفسه هو بالإثابة لهم بإفراده بالعبادة ولا دليل انا نسأله بحقهم وذلك كما قيل
( ما للعباد عليه حق واجب
كلا ولا سعي لديه ضائع )
( ان عذبوا فبعدله او نعموا
فبفضله وهو الكريم الواسع )
وورد في دعاء الصلاة وبحق السائلين عليك أي بما وعدت به من إجابة السائلين فهو سؤال الله بإجابة السائلين الذي جعله على نفسه حقا لهم بقوله ! < ادعوني أستجب لكم > ! فهو نظير قول زكريا ! < ولم أكن بدعائك رب شقيا > ! 44
@ 44 @ # أو المراد بحقك الواجب على السائلين ان يفعلوه من الإخبات وإنزالهم الحاجات بك ورفع الأكف إليك فهذا حق الله على السائلين ان 9 أ يفعلوه لقوله ! < ادعوني > ! فقد أمر بالدعاء فصار حقا له فالإضافة في حق السائلين إضافة الى المفعول أي بحقك على السائلين ثم حذف حرف الجر بعد حذف فاعل المصدر وأضيف الى مفعول وهذا الأخير أقوى # فإن قلت قد اخرج الطبراني في المعجم الصغير والحاكم وابو نعيم والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أذنب آدم الذنب الذي أذنبه رفع رأسه الى العرش فقال أسألك بحق محمد الا غفرت لي فأوحى الله اليه ومن محمد فقال تبارك اسمك لما خلقتني رفعت رأسي الى عرشك فإذا فيه مكتوب لا اله الا الله محمد رسول الله فعلمت ان ليس أحد اعظم عندك قدرا ممن جعلت اسمه مع اسمك فأوحى الله يا آدم إنه آخر النبيين من ذريتك ولولاه ما خلقتك # قلت بعد صحة الحديث فيختص هذا بمحمد صلى الله عليه وسلم وحده ولكني لا أدري كيف صحته ولعله الذي توقف فيه ابن عبد السلام لعدم معرفته بصحته ويحتمل ان الذي توقف فيه حديث صلاة الحاجة فإن فيه يا محمد نستشفع بك الى الله الحديث وفيه مقال كما في الحديث الذي اخرجه ابن النجار من حديث ابن عباس قال
45
45
سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه سأله بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين
انتهى
والحاصل ان سؤال الله بحق غيره عليه أمر عظيم لا يؤخذ فيه الا باحاديث صحيحة لأنه خطاب للرب عز وجل وإثبات لحق المخلوقين عليه وكيف يجزم به القائل والله تعالى امر عباده أن يدعوه بأسمائه الحسنى فقال ! < ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها > ! وقد ثبتت الأحاديث وصحت انه لا يجوز الحلف الا بالله وان من حلف بغيره فقد أشرك وذلك لما فيه من تعظيم المحلوف به فالاستغاثة والإقسام على الله بحقه إذا لم يكن أعظم من الحلف كان مثله في انه شرك وقد وسعنا الكلام في هذا في رسالة تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد
قوله في جواب ابن الشحنة وينبغي الدعاء عندها
أقول هذه بدعة قطعا فالزيارة النبوية التي كان يفعلها صلى الله عليه وسلم عند زيارة الصالحين كعمه الحمزة وسائر الشهداء وغيرهم ان يقولوا السلام عليكم دار قوم مؤمنين ورحمة الله وبركاته وفي بعضها نسأل الله لنا ولكم العافية 46
46
فالدعاء بطلب الحاجات عند قبر الميت كلام في غير محل السؤال فإن محله التوسل وهذا شيء آخر هو ان يجعل قبره مما يستجاب فيه الدعاء والحاصل ان زيارة الأموات التي شرعها الله لعباده تكون بثلاثة امور
الأول تذكير الاخرة والاعتبار والاتعاظ كما أفاده قوله صلى الله عليه وسلم زوروا القبور فإنها تذكر الآخرة
والثاني الإحسان الى الميت كما يحسن الى الحي بزيارته فإنه إذا زاره واهدى اليه هدية من صدقة او دعاء واستغفار سر به وفرح ولذا كان صلى الله عليه وسلم يسلم عليهم ويدعو لهم بالعافية والرحمة كما يسر الحي ويفرح به إذا زاره واهدى اليه هدية
الثالث إحسان الزائر الى نفسه باتباع السنة والمتابعة له صلى الله عليه وسلم فيما فعله واقتداؤه به فيما قاله فهذه الزيارة النبوية بلا زيادة واما طواف الزائر بقبر الميت وتقبيله الأركان وسؤال الحاجات منه وعنده فهي عبادة المشركين لأصنامهم كما قررناه في تلك الرسالة
قوله وقد اشتهر عند اهل بغداد إجابة الدعاء عند قبر الشيخ معروف الكرخي 47
47
أقول قال بعض المحققين ان العبد إذا وقف على من يستعظمه جعل له رقة وخشوعا وإقبال قلب وإخلاصا في الدعاء فقد يجاب فيظن انه ببركة صاحب القبر والمعلوم ان صاحب القبر طالب من الزائر ان يدعو له ويستغفر له فهو في برزخ قد انقطع عن الأعمال يفرح بما يهدى اليه من الأحياء لا أنه بصدد قضاء حاجات الأحياء
وعلى الجملة هب ان الدعاء عند قبور الأولياء مندوب كما قال ينبغي فالندب حكم لابد له من دليل ثم هذا غير محل السؤال قطعا
قوله وقد توسل عمر بالعباس
أقول هذا غير محل السؤال فإن عمر إنما جعل العباس إماما يدعو بهم ويستسقى ويسأل الله لاعتقاد عمر إنه مجاب الدعوة لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا انه توسل به كما يتوسل القبوريون بالأموات ولا قال عمر أسألك بحق العباس بل هو مثل طلب الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم أن يستسقي لهم فهذا غير محل النزاع
قوله لأن الطلب إنما هو من الله
أقول هذا هو الحق لكن التوسل اليه بالمخلوقين شيء لم يأذن به الله لعباده فهو بدعة وهو تهجم على الجناب العلي بما لم يأت به شرع بل طريقه عباد الأوثان القائلين إنهم يعبدونها لتقربهم الى الله زلفى
والذي امر الله به عباده في كتابه بقوله ! < وإياك نستعين > ! أي نخصك بالاستعانة فلا نستعين الا بك كما عرف في علم البيان ان تقديم المفعول 48
48
هنا أفاد الاختصاص لا سيما وقد قدم قوله ! < إياك نعبد > ! أي نخصك بالعبادة فكما انه مختص بالعبادة لا يعبد سواه بالاتفاق فهو مختص بان لا يستعان بغيره والتوسل بالمخلوقين استعانة بهم ثم إنه تعالى يقول ! < من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه > ! ويقول ! < ولا يشفعون إلا لمن ارتضى > ! فمن أين للمتوسل بالمخلوقين ان الله تعالى قد أذن لهم بالشفاعة للسائل في قضاء حاجاته ثم قد قرر آنفا هذا المجيب ان لهؤلاء الأولياء ان يقولوا للشيء كن فيكون فأي حاجة الى التوسل بهم بل منهم تطلب الحاجات وتسأل الحياة والممات وقد صيرهم آلهة يفعلون ما يريدون وتنقاد لهم الأكوان وما فيها كما يشاءون وربنا جل جلاله يقول لأشرف مخلوق ! < قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله > ! ويقول له ! < قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك > ! وهؤلاء الجهلة قالوا الولي يقول للشيء كن فيكون فزاد على رتبة الملائكة ورتبة الأنبياء وصاروا أربابا بل جعلوا الملائكة الأربعة أبعاضا للقطب كما أسلفنا الاشارة اليه
واعلم ان التوسل بالمخلوقين الى رب العالمين هي طريقة الصابئة احد الفرق الست التي عدهم الله في سورة الحج حيث قال ! < إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا > ! وذكرهم 49
@ 49 @ الله في آيات تضمهم الى اهل الكتاب كما حققه الأئمة من اهل الملل والنحل كعبد الكريم الشهرستاني وغيره # والمعروف كتابا وسنة ان نسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته وهذا هو احد التأويلين في قوله تعالى ! < ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها > ! # مثل الدعاء المأثور الصحيح انه قال ما أصاب عبدا قط هم ولا حزن فقال اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن امتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك اسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو انزلته في كتابك او علمته احدا من خلقك او استأثرت به في علم الغيب عندك ان تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي وشفاء صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي الا أذهب الله تعالى همه وغمه وأبدل مكانه 10 أ فرجا وهذا احد ثلاثة أنواع شرعت في الدعاء # الثاني ان تدعوه متوسلا بفقرك وحاجتك نحو ان تقول انا العبد الفقير الخائف المستجير ومنه قول أبي البشر ! < ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين > ! فتوسل بظلمه ان جعله عنوان سؤاله
50
50
ومثله الدعاء الذي علمه صلى الله عليه وسلم أبا بكر وقد سأله ان يعلمه دعاء يدعو به في صلاته فقال قل ( اللهم اني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ) والحديث صحيح
الثالث ان تدعو الله طالبا لحاجتك غير متوسل باسم من أسمائك ولا بحاجتك وفقرك
واما التوسل بالمخلوقين في الأدعية فهو بدعة وكل بدعة ضلالة ولا يقبل لصاحب بدعة صرفا ولا عدلا
قوله او عمارة مشهدة
أقول هذا هو مسألة النذر على القبور وقد أشبعنا الكلام عليه في رسالتنا تطهير الاعتقاد وأبنا ان الواجب هدم ما يعمرونه في القبور ويسمونه مشهدا عملا بأمره صلى الله عليه وسلم لأمير المؤمنين علي عليه السلام حين بعثه الى اليمن الا يدع قبرا مشرفا الا هدمه وسواه بالأرض والحديث اخرجه مسلم
قوله وقال العلامة ابن حجر الحق ان اهل السنة والجماعة من الفقهاء والمحدثين والأصوليين الى آخر كلامه
أقول فيه اولا أبحاث
الأول ان اهل السنة والجماعة هم الذين كانوا على طريقة المصطفى وأصحابه الذين لم يبتدعوا بدعة في الدين ولا خالفوا طريق سيد المرسلين 51
51
وهؤلاء الذين أرادهم ابن حجر هم من أهل الابتداع لمسائل الكلام وغيرها وأعظمها بدعة عبادة القبور والتسريج عليها والنذور
فإن قلنا إن البدعة لا تضرهم في تسميتهم اهل السنة فأنها لا تضر المعتزلة وأشباههم بل والخوارج لأن لكل نسبة في الجملة الى السنة
الثاني اشترط في الأولياء السلامة من الهفوات والزلل فانه شرط لم يأت به المجيب في اول كلامه ولا يقوله احد فإن بني آدم خطاءون كما في الحديث وخير الخطائين التوابون
الثالث ذكر انه يخرج الولي من قبره ويقضى حوائج الناس والآيات القرآنية والأحاديث النبوية والمعلوم من الضرورة الدينية ان من واراه القبر لا يخرج منه الا في المحشر قال الله تعالى ! < منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى > ! ولم يقل تارات أخر وقال تعالى ( ثم اماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره ) وقال الله تعالى ! < ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون > !
واما الأحاديث النبوية فإنها متواترة ان من أدخل قبره لا يخرج منه الا عند النفخة الثانية في الصور وقد سردها السيوطي في شفاء الصدور في أحوال الموتى وأهل القبور وقد ذكرنا من ذلك عدة احاديث صحيحة في كتابنا جمع الشتيت وبالجملة فالقول بخروج الميت من قبره وبروزه بشخصه لقضاء أغراض الأحياء قول مخالف للعقل والنقل وهو غير محل النزاع فإن النزاع إنما هو في حصول الكرامة للميت لا في خروجه من قبره 52
@ 52 @ # الرابع قوله ان الخضر كان يحضر مجلس أبي حنيفة يتعلم علم الشريعة # أقول اولا ان أئمة العلم من المحققين قائلون بعدم حياة الخضر ولم يأت حديث صحيح انه حي ولا اتى حديث صحيح انه لقي نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم # قال الحافظ ابن حجر الذي جزم به البخاري وابراهيم الحربي وابن العربي وطائفة عدهم من الأئمة انه قد مات وذكر ادلة القائلين بحياته والقائلين بوفاته وأطال في ذلك وقوى وفاته والجواب لا يتسع له هذا الجواب # ثم سلمنا انه حي اما كان له في التعلم للشريعة الإسلامية من الآتي بها محمد بن عبد الله في حياته كفاية يأخذ عنه كما أخذ عنه الصحابة ثم هلا 10 ب أخذها عن الصحابة من بعده صلى الله عليه وسلم ولم تأخر أخذه لها الى عصر أبي حنيفة وصبر على الجهل بها هذه المدة الطويلة ثم ماذا كان يأخذ منه هل علم درايته وفروعه التي أقامها ام علم روايته # الأول لا يحتاج اليه الا من يقلد أبا حنيفة والفرض ان الخضر نبي لا يجوز له التقليد وان كان الثاني فأبو حنيفة ليس من المكثرين في علم الرواية # والعجب من هزئهم بالأنبياء وبيانهم من قصور همة الخضر كيف لم يأخذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم الشريعة ولا عن علي ولا عن احد من الصحابة وكانه أخذ عن أبي حنيفة فروعه الفقهية طمعا في ان يتولى القضاء في بلاد الحنفية ولعله أدرك فتاوى القاضي خان وغيره من حنفية الزمان فإن لم يكن هذا القول من أقوال اهل الجنون وإلا فلا جنون في الأكوان
53
53
وأعجب من هذا قول السيوطي إن من كرامة الولي ان يرى النبي صلى الله عليه وسلم ويجتمع به في اليقظة ويأخذ عنه ما فهم من مذاهب ومعارف قال وممن نص على ذلك من أئمة الشافعية الغزالي والسبكي واليافعي ومن المالكية القرطبي وابن أبي جمرة وابن الحاج في المدخل قال وحكي عن بعض الأولياء انه حضر مجلس فقيه فروى ذلك الفقيه حديثا فقال له الولي هذا الحديث باطل فقال له الفقيه من أين لك هذا قال هذا النبي واقف على رأسك يقول إني لم أقل هذا الحديث وكشف للفقيه فرآه وقال الشيخ ابو الحسن الشاذلي لو حجب عني النبي صلى الله عليه وسلم طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين
وهذا استدل به السيوطي على ان عيسى ابن مريم إذا نزل من السماء آخر الزمان فإنه يأخذ علم شريعة محمد عنه صلى الله عليه وسلم وهو في قبره
واما الخضر فقالوا أخذ عن أبي حنيفة خمسة عشر سنة بعد موته وفيه دلالة على بلادة الخضر عندهم وقلة فهمه حيث بقي هذه المدة يأخذ العلم والحاصل ان هذا الكلام لا تجري به أقلام من لهم عقول فضلا عمن تعرف آثاره من علم معقول او منقول
وقد ثبت ان ابا بكر الصديق وعمر الفاروق كانا يتمنيان لو سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسائل من علم الدين
وهذا أبو بكر يقول للجدة لما جاءت تطلب ميراثها من ابن ابنها وابن بنتها ما أجد لك في الكتاب شيئا ولا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا وسأسأل الناس العشية فلما صلى الظهر أقبل على الناس فقال إن الجدة أتتني تسألني ميراثها الى ان قال فهل سمع احد منكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فقام المغيرة بن شعبة فقال 54
@ 54 @ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي لها بالسدس فقال هل سمع ذلك معك احد فقام محمد بن مسلمة فقال كقول المغيرة ومثله قصة عمر في الاستئذان ورجوعه الى امير المؤمنين علي عليه السلام في عدة وقائع # وكم من مسائل اجتهد فيها الصحابة وهم في الحجرة النبوية وفي المدينة الطيبة فكيف ساغ لهم الاجتهاد مع إمكان وجود النص وأخذه عن لسان المصطفى صلى الله عليه وسلم وكم وكم من قضايا حار فيها الصحابة فرجعوا الى الرأي وبعضهم لا يعلم الحديث في القضية التي حار فيها حتى يرويها له بعض الصحابة ولا حاجة الى التطويل لذلك # فيا عجبا لعقول تقبل هذا الهذيان ومن قوم يعدون انفسهم من العلماء الأعيان ثم يصيرون كعبدة الأوثان يعتقدون في القبور والموتى لما لم ياتوا 11 أ عليه ببرهان وينسون ما قاله سيد ولد عدنان صلى الله عليه وسلم وعلى آله ما اختلف الملوان حيث يقول ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ ) ويقول ( خير القرون قرني ) ثم تأتي هذه الحثالة بهذه الجهالة بعد مضي القرون الفاضلة وذهاب الأمم الفاضلة فيجعلون القبور أوثانا واموالهم لها نذرا وينبذون وراء ظهورهم سنة وقرآنا وياتون بهذه البدع التي تقشعر منها الجلود وبهذه الكذبات على عباد الله الذين ضمتهم بطون اللحود كقولهم إن هذا الحنفي قال في مرض موته إنهم ياتون لحاجتهم الى قبره وانه لا يحجبه عنهم ذراع من تراب فإن هذا كذب عليه فقد خاب من افترى وان كان قاله فما على
55
55
المريض حرج فإنه يحصل الهذيان للمريض ويأتون من الأقوال والأفعال بما لا يرضي
ويا عجباه هذا رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم القيامة وهو على حوضه وراى جماعة من أصحابه يذادون عن الحوض فيقول ( أصحابي أصحابي ) فيقال له إنك لا تدري ما احدثوا بعدك فيقول ( سحقا سحقا لمن بدل بعدي ) فلم يعرف صلى الله عليه وسلم تبديل من بدل الا يوم القيامة وهؤلاء يقولون لا يحجب الولي عن أصحابه ذراع من تراب بل يعلم بأصحابه ويقضي حوائجهم
واحاديث انه يذاد عن الحوض أقوام من أصحابه صحيحة متواترة
قوله واما تقبيل توابيت الأولياء وأعتابهم فلا خلاف في جوازه ولا كراهة
أقول التقبيل للجمادات لم يثبت الا في تقبيل الحجر الأسود كما اخرجه النسائي من حديث عمر رضي الله تعالى عنه عن ابن عباس قال رأيت عمر قبل الحجر ثلاثا ثم قال إنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك
قال الطبري إنما قال عمر ذلك لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام فخشي عمر ان يظن الجهال ان تقبيل الحجر من باب تعظيم بعض 56
56
الأحجار كما كانت العرب تفعل في الجاهلية فأراد ان يبين لهم ان ما فعله اتباعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا لأن الحجر يضر او ينفع
انتهى
فهذا الذي ورد في تقبيل الجماد ولا يقاس على الحجر الأسود غيره لأنه اختص بخصائص ليست لشيء من الجمادات ولأن تقبيله لحكمة تختص به
فإنه أخرج الحاكم من حديث أبي سعيد ان عمر لما قال هذا قال له علي ابن أبي طالب إنه يضر وينفع وذكر ان الله لما أخذ الميثاق على ولد آدم كتب ذلك في رق وألقمه الحجر قال وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود وله لسان ذلق يشهد لمن استلمه بالتوحيد
انتهى
فهذه خاصة بالحجر الأسود لا يلحق بها غيرها إذ من شرط القياس الاشتراك في العلة اتفاقا
وبهذا يعلم بطلان ما نقله الحافظ ابن حجر في فتح الباري من انه استنبط بعضهم من تقبيل الحجر الأسود تقبيل كل من يستحق التعظيم
فإنه استنباط باطل ولو سلمنا صحته فقد عارضته مفسدة عظيمة وهي ان تقبيل الحجر والأخشاب التي تنحت عليها ويقال لها التوابيت هو بعينه التي كانت تفعله عباد الأوثان لأوثانهم وهم من جملة عبادها إذ كل تعظيم فهو من العبادة وتعظيم جماد لا يضر ولا ينفع منهي عنه لأن التعظيم من خاصية المعبود بحق فلا تعظيم الا لله تعالى بالعبادة بكل جارحة من الجوارح ومن 57
@ 57 @ 11 ب أذن لنا بأن نعظمه من الأحياء من الأنبياء والمرسلين والعلماء العاملين ونحو ذلك # واما قوله إنه أفتى بجواز ذلك الرملي # فمجرد فتواه لا تحق باطلا ولا تحلل محرما ولا تحرم حلالا حتى يأتي بالدليل وعليه يدور القال والقيل # والعجب قوله آخرا وهذا كله ظاهر غني عن طلب دليل كأنه جعل من ضروريات الدين نعم هو من ضروريات الدين دين الجاهلين عباد القبور المغفلين الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون بل التحقيق انهم ما عرفوا ظاهر الحياة حيث قبلوا بالأفواه وعفروا الجباه لمن لا ينفعهم شيئا ولا يضرهم أف لهم ولما يعبدون # فإن من عرف الظاهر من الدنيا يحرص على ان لا يبذل مقالا ولا مالا ولا قبلة ولا استلاما الا اذا كان لأمر يعود عليه نفعه في دينه او دنياه ولقد عقل هذا المشركون عباد الأصنام لما قال لهم الخليل ! < ما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون > ! # فانظر كيف اجابوا بانها لا تسمع ولا تضر ولا تنفع بل أثبتوا عبادتها لأنهم ألفوا آبائهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون # فلقد عقل المشركون ما لا يعقله الجاهلون من هذه الأمة فإن هؤلاء الجهلة قالوا بنفع هؤلاء الأموات وتقبيل القبور لما فيها من العظام النخرة الرفات وهذا ليس وراءه ضلال وليس لإبليس بعده في الغواية مجال إذ ابتدع هؤلاء القبوريون هذه الابتداعات من العمارة على القبور وإضاعة
58
58
الأموال في رص الأحجار عليها والصخور وتسميتها بالقباب والمشاهد وإقرار عين إبليس بهذه البدع التي هي للشريعة أعظم مضادة ثم جعلوا عليه التابوت وكسوه بنفيس الثياب وهذا هو والله بعينه الذي كانت تصنعه عباد الأوثان ثم الكتب عليها وإيقاد الشموع والقنديل والمصباح وهذا هو الذي لعن المصطفى فاعله في الأحاديث الصحاح
قال ابن القيم في إغاثة اللهفان أصل تعظيم القبور ماخوذ من عباد الأصنام فإنهم قالوا الميت المعظم الذي لروحه قرب من الله تعالى له مزية لا تزال تأتيه الألطاف من الله وتفيض على روحه الخيرات فإذا علق الزائر روحه به وادناها منه فاض من روح المزور على روح الزائر من تلك الألطاف بواسطتها كما ينعكس الشعاع من المرآة الصافية والماء ونحوه على الجسم المقابل له
قالوا فحق الزيارة ان يتوجه الزائر بروحه وقلبه الى الميت ويعكف بهمته عليه ويوجه قصده كله وإقباله عليه بحيث لا يبقى فيه التفات إلى غيره وكلما كان جمع الهمة والقلب عليه اعظم كان اعظم الى انتفاعه به
وذكر هذه الزيارة على هذا الوجه ابن سينا والفارابي وغيرهما وصرح بها عباد الكواكب في عبادتها قالوا إذا تعلقت النفس الناطقة بالأرواح العلوية فاض عليها منها النور وبهذا السر عبدت الكواكب واتخذت لها الهياكل وصنفت لها الدعوات واتخذت الأصنام المجسدة لها وهذا بعينه هو الذي اوجب لعباد القبور اتخاذها اعيادا وتعليق الستور عليها وإيقاد السرج عليها وبناء المساجد عليها وهذا هو الذي قصد صلى الله عليه وسلم إبطاله بالكلية وسد الذرائع المفضية اليه فوقف المشركون 59
@ 59 @ في طريقه وناقضوه في قصده وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم 12 أ في شق وهؤلاء في شق # وهذا الذي ذكره هؤلاء في زيارة القبور هي الشفاعة التي ظنوا ان آلهتهم تنفعهم بها وتشفع لهم عند الله قالوا فإن العبد إذا تعلقت روحه بروح الوجيه المقرب عند الله وتوجه بهمته اليه وعكف بقلبه عليه صار بينهم وبينه اتصال يفيض به عليه نصيب مما يحصل له من الله وشبهوا ذلك بمن يخدم ذا جاه وحظوة وقرب من السلطان فهو شديد التعلق به فما يحصل لذلك من السلطان من الإفضال والإنعام فإنه ينال ذلك المتعلق به بحسب تعلقه به # فهذا سر عبادة الأصنام وهو الذي بعث الله ورسوله وانزل كتبه بإبطاله وتكفير أصحابه ولعنهم وأباح اموالهم ودماءهم وسبي ذراريهم واوجب لهم النار والقرآن من اوله الى آخره مملوء من الرد على اهله وإبطال مذهبهم # قال الله تعالى ! < أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض > ! # فأخبر بان الشفاعة لمن له ملك السموات والأرض وهو الله وحده والشفاعة له والذي يشفع إنما يشفع بإذنه له وامره بعد شفاعته سبحانه الى نفسه وهي إرادته من نفسه ان يرحم عبده وهو ضد الشفاعة الشركية التي أثبتها هؤلاء المشركون ومن وافقهم وهي التي أبطلها سبحانه في كتابه بقوله ! < واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون > !
60 وقوله ! < يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة > ! وقوله تعالى ! < وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون > ! وقال تعالى ! < إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام > ! الى قوله ! < ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع > !
فأخبر سبحانه انه ليس للعباد شفيع من دونه بل إذا أراد الله سبحانه رحمة عبده أذن هو لمن يشفع فيه كما قال تعالى ! < ما من شفيع إلا من بعد إذنه > ! وقال تعالى ! < من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه > ! فالشفاعة بإذنه ليست شفاعة من دونه
فالشفاعة التي أبطلها شفاعة الشريك والشفاعة التي أثبتها شفاعة العبد المأمور الذي لا يشفع ولا يقدم بين يدي مالكه حتى يأذن له ويقول اشفع في فلان اذا كان المشفوع له ممن ارتضاه سبحانه لقوله ! < ولا يشفعون إلا لمن ارتضى > ! وقال ! < يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا > ! 61
61
فأخبر الله انه لا تحصل يومئذ شفاعة تنفع الا بعد رضاه قول المشفوع له وإذنه للشافع فيه
وسر هذا كله ان الأمر كله بيده وحده فليس لأحد معه من الأمر شيء وأعلى الخلق وأفضلهم واكرمهم عنده هم الرسل والملائكة المقربون وهم عبيد لا يسبقونه بالقول ولا يتقدمون بين يديه ولا يفعلون شيئا الا بعد إذنه وأمره
واما قياس رب العالمين على الكبراء حيث يتخذ الرجل من خواصه واوليائه من يشفع عنده في الحوائج فهذا قياس فاسد والفرق بينهما هو الفرق بين الخلق والخالق والرب والعبد والمالك والمملوك والغني والفقير والذي لا حاجة له الى احد قط والمحتاج من كل وجه الى غيره
فأي قياس أبطل في الوجود من هذا القياس مع مخالفته النصوص القرآنية والسنة الإلهية والطريقة الإيمانية
وقد انتهى ما أردت بطلانه لوجوب ذلك علي ووجوب بيانه حذرا من اغترار الجهال بهذه الضلالات من الأقوال لعموم الجهال وعدم العلماء العاملين الناصحين للأمة بالأقوال والأفعال وحسبنا الله ونعم الوكيل عليه لا على غيره الاتكال وصلى الله على سيدنا محمد وآله خير آل
قال ناقلها انتهت هذه الرسالة الجليلة والحمد لله كثيرا فرغت من نقلها يوم الأربعاء الموافق ربيع الأول عام 1296 ه
وأقول انتهيت من إعدادها للطبع في شهر شعبان من سنة 1415 ه