1
التقرير والتحبير
1
1
3
3
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي رضي لنا الإسلام دينا وفتح علينا من خزائن علمه فتحا مبينا ومن علينا بالتحلي بشرعه الشريف ظاهرا وباطنا عملا ويقينا وجعل أجل الكتب فرقانه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وأفضل الهدي سنة نبيه الكريم الذي لا يدرك بشر قصارى مجده ولا شأو شرفه وخير الأمم أمته المحفوظ إجماعها من الضلال في سبيل الصواب والفائز أعلامها في استنباط الأحكام بأوفر نصيب من جزيل الثواب وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها ما زال عليما حكيما وأن سيدنا ومولانا محمدا عبده ورسوله نبيا ما برح بالمؤمنين رؤوفا رحيما فأقام بيمنه أود الملة العوجاء وأظهر بمفسر إرشاده محاسن الحنيفية السمحة البيضاء وأزال بمحكمات نصوصه كل شبهة وريب وأبان بأوامره ونواهيه منهج الحق طاهرا من كل شين وعيب وأوضح تقرير الدلالة على طرق الوصول إلى ما شرعه دينه القويم من جميل القواعد وراسخ الأصول فأضحى منهاج سالكه صراطا سويا وبحر أفضاله مورد إرواء وشرابا هنيا وتقويم آيات سماء فضائله حكما صادقا ودليلا مهديا وتنقيح مناط عقائل خرائده روضا أنفا وثمرا جنيا وتبيين منار بيناته توضيحا باهرا ومنطوقا جليا وتلويح إشارات عيونه عل أنواع فنونه إيماء رائعا ووحيا خفيا وتحقيق مقاصده بكشف غوامض الأسرار وإفاضة الأنوار في مواقف البيان خطيبا بليغا وكفيلا مليا ومنخول محصول حاصله بتحصيل الآمال وبلوغ الغاية القصوى من المنال ضمينا وفيا وسببا قويا ومنتخب فوائد جوامع كلمه وفرائد مآثر حكمه درا نقيا وعقدا بهيا ومستصفى نقود مواهبه وخلاصة عقود مآربه كنزا وافرا وذخرا سنيا وتحرير ميزان دلائله وتقرير آثار رسائله قضاء فصلا وقولا مرضيا فصلى الله على هذا النبي الكريم وعلى آله وأصحابه الذين بلغوا من المكارم مكانا قصيا ورفعهم في الدارين مقاما عليا وسلم تسليما دائما سرمديا
وبعد لما كان علم أصول الفقه والأحكام من أجل علوم الإسلام كما تقرر عند أولي النهي والأحلام أقام الله تعالى له في كل عصر وزمان طائفة من العلماء الأعيان ومعشرا من فضلاء ذلك الأوان فشيدوا بجميل المذاكرة والتصنيف قواعده الحسان واعتمدوا فيما حاولوه من حسن المدارسة والتأليف غاية الإحسان وإن من هؤلاء الأقوام شيخنا الإمام الهمام البحر العلامة والحبر المحقق الفهامة محقق حقائق الفروع والأصول محرر دقائق المسموع والمعقول شيخ الإسلام والمسلمين كمال الملة والفضائل والدين الشهير نسبه
4
4
الكريم بابن همام الدين تغمده الله برحمته ورفع في الفردوس علي درجته ومما شهد له بهذا الفضل الغزير مصنفه المسمى بالتحرير فإنه قد حرر فيه من مقاصد هذا العلم ما لم يحرره كثير مع جمعه بين اصطلاحي الحنفية والشافعية على أحسن نظام وترتيب واشتماله على تحقيقات الفريقين على أكمل توجيه وتهذيب مع ترصيع مبانيه بجواهر الفرائد وتوشيح معانيه بمطارف الفوائد وترشيح صنائعه بالتحقيق الظاهر وتطريف بدائعه وبالتدقيق الباهر وكم مودع في دلالاته من كنوز لا يطلع عليها إلا الأفاضل المتقنون ومبدع في إشاراته من رموز لا يعقلها إلا الكبراء العالمون فلا جرم أن صدقت رغبة فضلاء العصر في الوقوف على شرح يقرر تحقيقاته وينبه على تدقيقاته ويحل مشكلاته ويزيح إبهاماته ويظهر ضمائره ويبدي سرائره وقد كان يدور في خلدي مع قلة بضاعتي ووهن جلدي أن أوجه الفكر نحو تلقاء مدين هذه المآرب واصرف عنان القلم نحو تحقيق هذه المطالب لإشارة متعددة من المصنف تغمده الله برحمته إلى العبد بذلك حال قراءتي عليه لهذا الكتاب الجليل وسؤال خليل مني هذا المرام بعد خليل وكان يعوقني عن البروز في هذا المضمار ما قدمته من الاعتذار مع ما منيت به من فقد مذاكر لبيب ومنصف ذي نظر مصيب وإلمام بعض عوائق بدنية في الوقت بعد الوقت وقصور أسباب تقعد عن إدراك ما هو المأمول من الجد والبخت إلى أن صمم العزم على الإقدام على تحقيق هذا المرام بتوفيق الملك العلام فوقع الشروع فيه من نحو عشر حجج وتجشمت في الغوص على درر مقدمته ونبذة من مباديه غمرات اللجج ثم بينما العبد الضعيف يركب كل صعب وذلول في تقرير الكتاب ويكشف قناع محاسن أبكاره على الخطاب من الطلاب برزت الإشارة الشيخية بالرحلة إلى حضرته العلية قضاء للحق الواجب من زيارته وتلقيا للزيادات التي ألحقها بالكتاب بعد مفارقته واستطلاعا للوقوف على ما برز من الشرح وكيفية طريقته فطار العبد إليه بجناحين إلا أنه لم يقدم عليه إلا وقد نشبت به مخالب الحين ثم لم ينشب رحمه الله تعالى إلا قليلا ومات فلم يقض العبد الوطر مما في النفس من التحقيقات والمراجعات نعم اقتنصت في خلال تلك الأوقات ما أمكن من الفوائد الشاردات واثبت في الكتاب عامة ما استقر الحال عليه من التغييرات والزيادات ثم رجعت قافلا والقلب حزين على ما فات والعزم فاتر عن الخوض في هذه الغمرات والبال قاعد عن تجشم هذه المشقات وانطوى على هذه الأحوال السنون حتى كأن تلك الأمور كانت في سنات غير أن الأخلاء لم يرضوا بإعراض العبد عن القيام بهذا المطلوب ولا برغبته عن هذا الأمر المرغوب بل أكدوا العزيمة على إبرام العزم نحو تحقيق مطالبه وكرروا الإلحاح على إعمال الرجل والخيل في الكر على الظفر بغنيمة مآربه والعبد يستعظم شرح هذا المرام ويرى أن بعضهم أولى منه بهذا المقام وتطاول على ذلك الأمد وليس بمنصرف عن هذا المسؤول منهم أحد فحينئذ استخرت الله
5
5
تعالى ثانيا في شرح هذا الكتاب لكن لا على السنن الأول من الأطناب بل على سبيل الاقتصاد بين الاختصار والإسهاب وشرعت فيه موجها وجه رجائي في تيسيره إلى الكريم الوهاب سائلا من فضله تعالى مجانبة الزلل والثبات على صراط الصواب وأن يثيبني عليه من كرمه سبحانه جزيل الثواب وأن يرزقني من كل واقف عليه دعاء صالحا يستجاب وثمرة ثناء حسن يستطاب على أني متمثل في الحال بقول من قال
( ماذا تؤمل من أخي ثقة
حملته ما ليس يمكنه )
( إن بان عجز منه فهو على
عذر يبين إذا يبرهنه )
( قدمت فيما قلت معتذرا
هذا طراز لست أحسنه )
ولعله إذا فتح الله تعالى بإتمامه ومن بالفراغ من إتقانه واختتامه أن يكون مسمى ( بالتقرير والتحبير في شرح كتاب التحرير ) وحسبي الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
قال رحمه الله ! < بسم الله الرحمن الرحيم > ! [ الفاتحة 1 ] بدأ بالبسملة الشريفة تبركا ومجانبة لما نفرت عنه السنة القولية من ترك البداءة بها أو بما يسد مسدها في الثناء على الله تعالى بالجميل على سبيل التبجيل فإنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال
كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر
وفي رواية أقطع فإن قلت وقد جاء أيضا في رواية ثابتة لا يبدأ فيه بالحمد لله فهذه تعارض الأولى فما المرجح للأولى عليها قلت تصدير كتاب الله العظيم وكتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل وغيره بها على ما في الصحيح واستمرار العرف العملي المتوارث عن السلف قولا وفعلا على ذلك ثم هذا إذا كان المراد لا يبدأ بلفظهما لكن ذكر الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله أن المراد بحمد الله ذكر الله كما جاء في الرواية الأخرى فإن كتاب هرقل كان ذا بال من المهمات العظام ولم يبدأ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظ الحمد وبدأ بالبسملة اه
قال العبد الضعيف غفر الله تعالى له وفي ذلك نظر فإنه إن عنى حينئذ بذكر الله في قوله إن المراد بحمد الله ذكر الله ذكره بالجميل على قصد التبجيل الذي هو معنى الحمد خاصة فالأمر بقلب ما قال وهو أن المراد بذكر الله ما هو المراد بحمد الله فهو من باب حمل المطلق على المقيد لا من باب التجوز بالمقيد عن المطلق وحينئذ يبقى الكلام في تمشية مثل هذا الحمل على القواعد وهو متمش على قواعد الشافعية ومن وافقهم لأنهم يحملون في مثله المطلق على المقيد لا على قاعدة جمهور الحنفية لأنهم لا يحملون في مثله المطلق على المقيد لأن التقييد فيه راجع إلى معنى الشرط وإنما يجرون في مثله المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده حتى أنه يخرج عن العهدة بأي فرد كان من أفراد ذلك المطلق فتعليق
6
6
الحكم الثابت للمطلق بالمقيد من حيث إنه لا يؤثر اعتبار قيد ذلك المقيد في ذلك المطلق عندهم كإفراد فرد من العام بحكم العام حيث لا يوجب ذلك تخصيص العام كما هو المذهب الصحيح على ما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى وحينئذ يتجه أن يسألوا عن الحكمة في التنصيص على ذلك الفرد من المطلق دون غيره ويتجه لهم أن يجيبوا هنا بأن لعلها إفادة تعليم العباد ما هو أولى أو من أولى ما يؤدى به المراد من المطلق وإن عنى حينئذ بذكر الله في قوله المذكور ذكره مطلقا على أي وجه كان من وجوه التعظيم سواء كان تسبيحا أو تحميدا أو شكرا أو تهليلا أو تكبيرا أو تسمية أو دعاء فلا نسلم أن المراد بحمد الله ذكر الله على هذا الوجه من الإطلاق للعلم بأن المعنى الحقيقي للحمد ليس ذلك فلا يصح ذلك ولا داعي إلى التجوز به عن مطلق الذكر لاندفاع الإشكال بكتاب هرقل وما جرى مجراه بما ذكرناه على قول جمهور الحنفية فتأمل
( يقول العبد الفقير محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد الإسكندري مولدا السيواسي منتسبا الشهير بابن همام الدين ) لقب والده العلامة عبد الواحد المذكور كان قاضي سيواس البلد الشهير ببلاد الروم ومن بيت العلم والقضاء به قدم القاهرة وولي خلافة الحكم بها عن القاضي الحنفي بها ثمة ثم ولي قضاء الحنفية بالإسكندرية وتزوج بها بنت القاضي المالكي يومئذ فولدت له المنصف ومدحه الشيخ بدر الدين الدماميني بقصيدة بليغة يشهد له فيها بعلو المرتبة في العلم وحسن السيرة في الحكم ثم رغب عنها ورجع إلى القاهرة وأقام بها مكبا على الاشتغال في العلم إلى أن مات كذا ذكر لي المنصف رحمه الله وأما المصنف فمناقبه في تحقيق العلوم المتداولة معروفة مشهورة ومآثره في بذل المعروف والفضائل على ضروب شجونها محفوظة مأثورة فاكتفينا بقرب العهد بمعرفته عن بسط القول هنا في ترجمته
( غفر الله ذنوبه وستر عيوبه الحمد لله )
هذه الجملة كما أفاد المصنف فيما كان شرحه من كتاب البديع لابن الساعاتي إخبار صيغة إنشاء معنى كصيغ العقود قال وبالغ بعضهم في إنكار كونها إنشاء لما يلزم عليه من انتفاء الاتصاف بالجميل قبل حمد الحامد ضرورة أن الإنشاء يقارن معناه لفظه في الوجود ويبطل من قطعيتين إحداهما أن الحامد ثابت قطعا بل الحمادون والأخرى أنه لا يصاغ لغة للمخبر عن غيره من متعلق إخباره اسم قطعا فلا يقال لقائل زيد ثابت له القيام قائم فلو كان الحمد إخبارا محضا لم يقل لقائل الحمد لله حامد ولانتفى الحامدون وهما باطلان فبطل ملزومهما واللازم من المقارنة انتفاء وصف الواصف المعين لا الاتصاف وهذا لأن الحمد إظهار الصفات الكمالية الثابتة لا ثبوتها نعم يتراءى لزوم كون كل مخبر منشئا حيث كان واصفا للواقع ومظهرا له وهو توهم فإن الحمد مأخوذ فيه مع ذكر الواقع كونه على وجه ابتداء التعظيم وهذا ليس جزء ماهية الخبر فاختلفت الحقيقتان وظهر أن الغفلة عن اعتبار
7
7
هذا القيد جزء ماهية الحمد هو منشأ الغلط إذ بالغفلة عنه ظن إنه إخبار لوجود خارج مطابقه وهو الاتصاف ولا خارج للإنشاء وأنت علمت أن هذا خارج جزء المفهوم وهو الوصف بالجميل وتمامه وهو المركب منه ومن كونه على وجه ابتداء التعظيم لا خارج له بل هو ابتداء معنى لفظه علة له والله سبحانه الموفق اه
وقد عرفت منه معنى الحمد وللناس عبارات شتى في بيانه لا يخلو بعضها من نظر وبحث فيطلب مع بيان الفرق بين الحمد والشكر والمدح في مظانها إذ لا حاجة بنا هنا إلى الإطناب بها ثم من المعلوم أن الاسم الجليل أعني الله خاص بواجب الوجود الخالق للعالم المستحق لجميع المحامد بل هو أخص أسمائه الحسنى والصحيح أنه عربي كما عليه عامة العلماء لا أنه عبري أو سرياني كما ذهب إليه أبو زيد البلخي ثم على أنه عربي هل هو علم أوصفة فقيل صفة والصحيح الذي عليه المعظم أنه علم ثم على أنه علم هل هو مشتق أو غير مشتق فقيل مشتق على اختلاف بينهم في المادة التي اشتق منها وفي أن علميته حينئذ بطريق الوضع أو الغلبة وقيل غير مشتق بل هو علم مرتجل من غير اعتبار أصل أخذ منه وعلى هذا الأكثرون منهم أبو حنيفة ومحمد بن الحسن والشافعي والخليل والزجاج وابن كيسان والحليمي وإمام الحرمين والغزالي والخطابي ثم روى هشام عن محمد بن الحسن قال سمعت أبا حنيفة رحمه الله يقول اسم الله الأعظم هو الله وبه قال الطحاوي وكثير من العلماء وأكثر العارفين حتى أنه لا ذكر عندهم لصاحب مقام فوق الذكر به
وقد علممن هذا وجه تخصيص الحمد به دون غيره من أسمائه تعالى وإنما قدم الحمد عليه جريا على ما هو الأصل من تقديم المسند إليه مع انتفاء المقتضي للعدول عنه من غير معارض سالم من المعارض لأن كون ذكر الله أهم نظرا إلى ذاته يعارضه كون المقام مقام الحمد لله
( الذي أنشأ )
في الصحاح أنشأه الله خلقه والاسم النشأة والنشاءة بالمد عن أبي عمرو بن العلاء وأنشأ يفعل كذا أي ابتدأ
( هذا العالم )
المشاهد علويه وسفليه وما بينهما لذوي البصائر والأبصار على ممر السنين والأعصار ثم قيل هو مشتق من العلم فإطلاقه حينئذ على السموات والأرض وما بينهما بطريق التغليب لما في هذه من ذوي العلم من الثقلين والملائكة على غيرهم من الحيوانات والجمادات والجواهر والأعراض
وقيل هو مشتق من العلامة لأن فاعلا كثيرا ما يستعمل في الآلة التي يفعل بها الشيء كالطابع والخاتم فهو كالآلة في الدلالة على صانعه فهو حينئذ اسم لكل ما سوى الله تعالى بصفاته من الجواهر والأعراض فإنها لإمكانها وافتقارها إلى مؤثر واجب لذاته تدل على وجوده ولعل على هذا ما في الصحاح من تفسيره بالخلق أي المخلوق
( البديع )
وهو يحتمل أن يكون صفة مشبهة من بدع بداعة وبدوعا صار غاية في وصفه خيرا كان أو شرا وأن يكون معناه المبتدع على صيغة اسم المفعول أي المخترع لا على مثال كما أشار إليه في
8
8
الصحاح وغيره لكن على هذا يكون قوله البديع
( بلا مثال سابق )
تصريحا بلا زمين لإنشاء العالم لأن الظاهر أن الفعل المبتدأ للفاعل المطلق غير مسبوق إليه ولا متقدم في الوجود العيني ما يقدر متعلقه عليه كما هو ظاهر من قوله تعالى ! < إنا أنشأناهن إنشاء > ! [ الواقعة 35 ] بخلافه على الاحتمال الأول فإن عليه إنما يكون في هذا القول تصريح بلازم واحد وهو قوله بلا مثال سابق وأيا ما كان فلا ضير غير أن الأول أنسب بما سيأتي كما سنشير إليه وقد يقال الإنشاء والإبداع إيجاد الشيء بلا سبق مادة وزمان ولا توسط آلة وكل منهما يقابل التكوين لكونه مسبوقا بالمادة والإحداث لكونه مسبوقا بالزمان وعند العبد الضعيف غفر الله تعالى له في هذا نظر ينوره قوله تعالى ! < وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة > ! [ الأنعام 98 ] ! < ثم الله ينشئ النشأة الآخرة > ! [ العنكبوت 20 ) ! < إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون > ! [ يس 82 ]
( وأنار لبصائر العقلاء طرق دلالته على وجوده وتمام قدرته )
أي جعل أنواع الأدلة الأنفسية والآفاقية الدالة على وجوب وجوده بالذات وشمول كمال قدرته لسائر الممكنات واضحة جلية لذوي الاستبصار من عقلاء العباد حتى صار ذلك عند الخاصة من أولي الرشاد من ضرورات الدين بل ومن عين اليقين وأحسن بقول العارف أبي إسحاق إبراهيم الخواص
( لقد وضح الطريق إليك حقا
فما أحد أرادك يستدل )
وبقول الآخر
( لقد ظهرت فلا تخفى على أحد
إلا على أكمه لا يعرف القمرا )
( فهو إلى العلم بذلك سائق )
أي إيضاحه للأدلة عليه سائق للقلوب المستبصرة إلى العلم القطعي بوجوده الذاتي وقدرته الباهر ومن عيون كلام الشيخ أبي عمرو بن مرزوق قيل وكان من أوتاد مصر الطريق إلى معرفة الله وصفاته الفكر والاعتبار بحكمه وآياته ولا سبيل للألباب إلى معرفة كنه دانه فجميع المخلوقات سبل متصلة إلى معرفته وحجج بالغة على أزليته والكون جميعه ألسن ناطقة بوحدانيته والعالم كله كتاب يقرأ حروف أشخاصه المتبصرون على قدر بصائرهم
( دفع نظامه )
أي اضطر نظام العالم
( المستقر )
أي الثابت على أتم وجوه الانتظام من غير اختلال ولا انخرام للمعتبرين من ذوي النهي والأحلام
( إلى القطع بوحدانيته )
لأنه كما قال أصدق القائلين ! < لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون > ! [ الأنبياء 22 ] وقد أحسن أبو العتاهية في قوله
( فواعجبا كيف يعصى الإله
أم كيف يجحده الجاحد )
( ولله في كل تحريكة
وتسكينة أبدا شاهد )
( وفي كل شي له آية
تدل على أنه واحد )
9
9
( كما أوجب )
لذوي النظر الصحيح
( توالي نعمائه تعالى المستمر )
أي تتابعها الدائم على سائر مخلوقاته مع تلبس الكثير من المكلفين بالكفر والعصيان والجحود والطغيان
( العلم )
القطعي لهم
( برحمانيته )
أي باتصافه بالرحمة الواسعة التي هي إفاضة الإنعام أو إرادة الإحسان وإلا لبادوا عند المخالفة ولم يمهلوا وقتا من الزمان كما قال الكريم المنان ! < ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة > ! فاطر 45 ] إلى غير ذلك من آي القرآن وأنواع البرهان فسبحانه من إله وسع كل شيء رحمة وعلما وغفر ذنوب المذنبين كرما وحلما
( تنبيه )
وهذا من المصنف رحمه الله جار على منوال كون العلم الحاصل عقب النظر الصحيح واجبا أي لازما حصوله عقبه إما وجوبا عاديا كما هو منسوب إلى القاضي أبي بكر الباقلاني وإمام الحرمين أو وجوبا عقليا غير متولد منه كما هو اختيار الإمام فخر الدين الرازي وكشف القناع عنه في الكتب الكلامية يعني وجب بخلق الله تعالى للعقلاء عقب نظرهم الصحيح في دوام تواتر نعمائه التي لا تحصى على العباد مع كثرة أهل الشرك والعصيان في كثير من البلاد العلم القطعي باتصافه سبحانه بهذه الصفة العظيمة التي هي من أصول صفاته الحسنى ونعوته العلى فاتحد هذان المطلبان في القطع دليلا ومدلولا وقد ظهر أن هاتين الجملتين خرجتا مخرج البيان والشهادة لبداعة هذا العالم كما هو مقتضى الاحتمال الأول فيما اشتق منه البديع هنا ولجملة وأنار لبصائر العقلاء طرق دلالته فلا جرم أن لهذا ولكونهما لا يصح تشريكهما في حكم ما قبلهما من الجملتين الأوليين إذ لا يصلح أن يقعا صلتين لما الأوليان صلتان له فصلهما عنهما وظهر أيضا أن إسناد دفع إلى نظام وأوجب إلى توالي إسناد مجازي لملابسة السببية كما في قوله تعالى ! < وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا > ! الأنفال 2 ] وأن قوله المستمر مرفوع على أنه صفة توالي كما أن المستقر مرفوع على أن صفة نظامه وتعالى جملة معترضة بين الصفة والموصوف للدلالة على الإجلال والتعظيم ثم كما أن لربنا تعالى علينا نعما يتعذر إحصاؤها كذلك لنبينا أيضا علينا منن يبعد استقصاؤها وهو أيضا الوسيلة العظمى إليه ومن رام إنجاح مطالبه فهو كل عليه فلا جرم أن أتى المصنف بتبجيله وتمجيده منسوقا على حمد الله وتوحيده فقال
( وصلى الله على رسوله محمد )
وكون الحمد في صورة الجملة الاسمية والصلاة في صورة الجملة الفعلية غير ضائر لاتفاقهما هنا في كونهما إنشاء وسيأتي في مسألة هل المشترك عام استغراقي في مفاهيمه أن الصلاة موضوعة للاعتناء بإظهار الشرف وتتحقق منه تعالى بالرحمة ومن غيره بدعائه له ثم كما قال بعض المحققين أجمع الأقوال الشارحة للرسالة الإلهية إنها سفارة بين الحق والخلق تنبه أولي الألباب على ما يقصر عنه عقولهم من صفات معبودهم ومعادهم ومصالح دينهم وديناهم ومستحثات تهديهم ودوافع شبه ترديهم والأصح أنها غير مرادفة للنبوة وبينهما
10
10
فروق شهيرة فلا جرم أن قال القاضي عياض والصحيح الذي عليه الجمهور أن كل رسول نبي من غير عكس وهو أقرب من نقل غيره الإجماع عليه لنقل غير واحد الخلاف في ذلك ومما قيل في التفرقة بينهما أن الرسول مأمور بالإنذار وأنه يأتي بشرع مستأنف ولا كذلك النبي وإن كان قد أمر بالتبليغ وأنه يأتيه الوحي من جميع وجوهه والنبي يأتيه الوحي من بعض وجوهه والنبوة والرسالة أشرف مراتب البشر ثم لما كان من جملة ما يقع به التفضيل الثمرة والجدوى قال الشيخ شهاب الدين القرافي وجاء من هذا الوجه تفضيل الرسالة على النبوة فإنها تثمر هداية الأمة والنبوة قاصرة على النبي فنسبتها إلى النبوة كنسبة العالم إلى العابد وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام يلاحظ في النبوة جهة أخرى يفضلها بها على الرسالة وكان يقول النبوة عبارة عن خطاب الله تعالى نبيه بإنشاء حكم يتعلق به كقوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ! < اقرأ باسم ربك > ! [ العلق 1 ] فهذا وجوب متعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم والرسالة خطاب يتعلق بالأمة والرسول عليه السلام أفضل من الأمة بالخطاب المتعلق به فيكون أفضل من جهة شرف المتعلق فإن النبوة هو متعلقها والرسالة متعلقها الأمة وإنما حظه منها التبليغ فهذان وجهان متعارضان ولا مانع من أن تكون الحقيقة والواحدة لها شرف من وجه دون وجه اه
وقطع في مؤلف له بأن النبوة أفضل قائلا لأن النبوة إخبار عما يستحقه الرب سبحانه من صفات الجلال ونعوت الكمال وهي متعلقة بالله من طرفيها والإرسال دونها أمر بالإبلاغ إلى العباد فهو متعلق بالله من أحد طرفيه وبالعباد من الطرف الآخر ولا شك أن ما تعلق بالله من طرفيه أفضل مما تعلق من أحد طرفيه والحاصل أن النبوة راجعة إلى التعريف بالإله وبما يجب للإله والإرسال راجع إلى أمره الرسول بأن يبلغ عنه إلى عباده أو إلى بعض عباده ما أوجبه عليهم من معرفته وطاعته واجتناب معصيته والنبوة سابقة على الإرسال فإن قول الله سبحانه وتعالى لموسى عليه السلام ! < إني أنا الله رب العالمين > ! [ القصص 30 ] مقدم على قوله ! < اذهب إلى فرعون إنه طغى > ! طه 24 والنازعات 17 ] فجميع ما أخبره به قبل قوله ! < اذهب إلى فرعون إنه طغى > ! طه 24 والنازعات 17 ] نبوة وما أمره بعد ذلك من التبليغ فهو إرسال وأفاد أيضا رحمه الله تعالى أن الإرسال من الصفات الشريفة التي لا ثواب عليها وإنما الثواب على أداء الرسالة التي حملها وأما النبوة فمن قال النبي هو الذي ينبئ عن الله قال يثاب على إنبائه عنه لأنه من كسبه ومن قال بما ذهب إليه الأشعري من أنه الذي نبأه الله قال لا ثواب له على إنباء الله تعالى إياه لتعذر اندراجه في كسبه وكم من صفة شريفة لا يثاب الإنسان عليها كالمعارف الإلهية التي لا كسب له فيها وكالنظر إلى وجه الله الكريم الذي هو أشرف الصفات ثم لا شك في أن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله إلى الإنس والجن كما دل عليه الكتاب والسنة وانعقد عليه الإجماع وأما أنه هل هو مرسل إلى الملائكة أيضا فنقل
11
11
البيهقي في شعب الإيمان عن الحليمي من غير تعقب نفي إرساله إليهم ومشى عليه فخر الدين الرازي بل في نسخة من تفسير سورة الفرقان في تفسيره أجمعنا أنه عليه السلام لم يكن رسولا إلى الملائكة اه فما في تشنيف المسامع بجمع الجوامع بعد ذكر هذه مسالة وقع النزاع فيها بين فقهاء مصر مع فاضل درس عندهم وقال لهم الملائكة ما دخلت في دعوته فقاموا عليه ما لفظه وذكر فخر الدين في تفسير سورة الفرقان الدخول محتجا بقوله تعالى ! < ليكون للعالمين نذيرا > ! [ الفرقان 1 ] والملائكة داخلون في هذا العموم اه غلط فليتنبه له
ومحمد أشهر أسمائه الأعلام وهل هو منقول أو مرتجل فعلى ما عن سيبويه أن الأعلام كلها منقولة وما قيل في تفسير المرتجل بأنه الذي لم يثبت له أصل يرجع استعماله إليه وإنما هو لفظ مخترع أو أ نه الذي استعمل من أول الأمر علما ولم يستعمل نكرة هو منقول إما عن اسم المفعول أو المصدر مبالغة لأن هذه الصيغة كما تكون اسم مفعول كما هو الظاهر الكثير قد تكون مصدرا كما في قوله تعالى ! < مزقتم كل ممزق > ! [ سبا 19 ] وقولهم جربته كل مجرب ووجه كونه منقولا على القولين الأولين ظاهر وأما على الثالث فلأنه استعمل صفة قبل التسمية به وعرف بأداة التعريف قال الأعشى
( إلى الماجد الفرع الجواد المحمد
)
وعلى ما عن الزجاج الأعلام كلها مرتجلة لأن النقل خلاف الأصل فلا يثبت إلا بدليل ولا دليل على قصد النقل إذ لا يثبت إلا بالتصريح من الواضع ولم يثبت عنه تصريح هو مرتجل وعلى كونه مرتجلا مشى ابن معط ولا ينافيه قول القائل فيه
( وشق له من اسمه ليجله
فذو العرش محمود وهذا محمد )
ولا قول أهل اللغة يقال رجل محمد ومحمود أي كثير الخصال المحمودة لكن لعل النقل أشبه ثم أيا ما كان فكما قال العلماء إنما سمي بهذا الاسم لأنه محمود عند الله وعند أهل السماء والأرض وإن كفر به بعض أهل الأرض جهلا أو عنادا وهو أكثر الناس حمدا إلى غير ذلك وقد منع الله تعالى بحكمته أن يسمى به أحد غيره إلى أن شاع قبيل إظهاره للوجود الخارجي أن نبيا يبعث اسمه محمد فسمى قليل من العرب أبناءهم به رجاء من كل أن يكون ابنه ذلك ثم منع الله كلا منهم أن يدعي النبوة أو يدعيها أحد له أو يظهر عليه سبب يشكك أحدا في أمره ثم المفيد لصحة وصفه بما مدحه به من قوله
( أفضل من عبده من عباده )
الكتاب والسنة والإجماع التي من خالف شيئا منها فقد ضل طريق سداده وكذا لا ريب في كونه أعلم الخلق بالله وأتقاهم وأنه أرحم بأمته من الوالد العطوف بأولاده
( وأقوى من ألزم )
باللسان والسنان من أمكنه تبليغه
( أوامره )
ليفوز الملزم بذلك بالسعادة السرمدية أبد آباده
( ونشر ألوية شرائعه )
على اختلاف موضوعاتها وتباين محمولاتها فغدت على ممر
12
12
الأحقاب مرفوعة الأعلام
( في بلاده )
ثم يجوز أن يكون المراد بالأمر هنا دينه وشرعه كما في الحديث الصحيح
من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد
بدليل ما في لفظ آخر له
من أحدث في ديننا ما ليس فيه فهو رد
وجمعه نظرا إلى أنواع متعلقاته من الاعتقادات والعمليات ويجوز أن يكون المراد به ضد النهي وعلى هذا إنما لم يذكر النواهي اكتفاء بأحد الضدين كما في قوله تعالى ! < سرابيل تقيكم الحر > ! [ النحل 81 ] اي والبرد على أحد القولين ثم لا يخفى ما في قوله ونشر ألوية شرائعه في بلاده من حسن الاستعارة المكنية التخييلية المرشحة على طريقة صاحب التلخيص فإنه أضمر في النفس تشيبه الشرائع بالملوك ذوي الجيوش والرايات بجامع ما بينهما من السلطنة ونفاذ الحكم في متعلقهما فإن الشرائع الإلهية المتعلقة بالمكلفين نافذة أحكامها فيهم وواجب عليهم طاعة مقتضاها أبلغ من نفاذ أحكام الملوك في أتباعهم ورعاياهم وآكد من طاعة الرعايا لهم ثم رشح ذلك تخييلا بذكر نشر الألوية في البلاد فإن هذا من لوازم المشبه به وهو صفة كمال له ثم ما زال صلى الله عليه وسلم قائما بأعباء التبليغ ودعوة الخلق إلى دين الإسلام وطاعة الرحمن بنفسه وكتبه ورسله إلى البلاد بحسب الاستطاعة والإمكان حتى افترت ضاحكة عن جذل بالعدل والإحسان يقال افتر فلان ضاحكا إذا ضحك حتى بدت أسنانه فضاحكة منصوب على الحال من الضمير الذي للبلاد في افترت من قبيل الحال المؤكدة لعاملها كقوله تعالى ! < فتبسم ضاحكا > ! [ النمل 19 ] وعن جذل بفتح الجيم والذال المعجمة أي عن فرح وابتهاج مصدر جذل يجذل من حد علم يعلم وهو متعلق بافترت في محل النصب على أنه مفعول به وبالعدل والإحسان متعلق بجذل في محل النصب على أنه مفعول به أيضا أي حتى تجاوز افترار البلاد عن الفرح والسرور بما بسط الله في بسطتها من التوسط في الأمور اعتقادا كالتوحيد المتوسط بين التعطيل والتشريك والقول بالكسب المتوسط بين محض الجبر والقدر وعملا كالتعبد بأداء الواجبات المتوسط بين البطالة والترهب وخلقا كالجود المتوسط بين البخل والتبذير إلى غير ذلك ومن الإحسان في الطاعات كمية وكيفية وفي معاملة الخلق ومعاشرتهم حتى في قتل ما يجوز قتله من الناس والدواب ولا يخفى ما في هذه الغاية من حسن الاستعارة المكنية التخييلية المرشحة فإنه أضمر في النفس تشبيه البلاد بالعقلاء من بني آدم بجامع أن كلا منهما محل لمظاهر الأحكام وإقامة شرائع الإسلام ثم رشح ذلك تخييلا بالتبسم والضحك الناشئ عن السرور والفرح بهما فإن ذلك من لوازم فرح العقلاء عادة وصفة كمال لهم فعم البلاد آثار هذه الجود والامتنان
( بعد طول انتحابها على انبساط بهجة الإيمان )
لكثرة ما اشتملت عليه من الكفر والطغيان والظلم والعدوان ثم النحيب رفع الصوت بالبكاء والانبساط هنا ترك الاحتشام والبهجة الحسن وهذا ترشيح آخر للاستعارة الماضية البيان
( ولقد كانت )
البلاد في ذلك الزمان
13
13
( كما قيل
( وكأن وجه الأرض خد متيم
وصلت سجام دموعه بسجام )
المتيم العاشق من تيمه الحب ذلله وجعله عبدا لمحبوبه وسجم الدمع سجو ما سال وانسجم وإنما كان المحب على هذه الحال من الحزن والاكتئاب لما يتوارد عليه من ألوان العذاب في معاملة الأحباب ولا سيما إذا بعد من ذلك الجناب وفقد ما يوصله إليه من الأسباب بل ربما يبكي المحب في حالة القرب مخافة الافتراق كما يبكي حالة البعد من شدة الاشتياق كما قال القائل
( وما في الدهر أشقى من محب
وإن وجد الهوى حلو المذاق )
( تراه باكيا أبدا حزينا
لخوف تفرق أو لاشتياق
( فيبكي ان نؤوا شوقا إليهم
ويبكي إن دنوا خوف الفراق )
ثم غير خاف وجه هذا التشبيه وحسن ما فيه وقد سألت المصنف رحمه الله عن اسم صاحب هذا البيت فذكر أنه لا يحضره وقتئذ وأن البيت مذكور في كتاب نور الطرف ونور الظرف ثم إن المصنف ختم هذه الصفات المادحة للنبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة عليه ثانيا عودا على بدء لما عنده من الشغف بذلك ويحق له ذلك وليقرنها بالسلام عليه كما اقترنا في الأمر بهما في الكتاب العزيز فيخرج عن عهدة ما قيل من كراهة إفرادها عنه وإن لم يكن ذلك صحيحا كما بيناه في كتابنا حلبة المجلي وليقرب اتباع الآل والصحب له في ذلك فإن لهم من الاختصاص بذاته الشريفة ما ليس لسائر الأمة وقد وصل إلى الأمة بواسطتهم من الخيرات وأسباب البركات ولا سيما من تبليغ الأحكام الشرعية للمكلفين ما لم يصل مثله إليهم بواسطة غيرهم من اللاحقين فقال
( صلى الله عليه وعلى آله الكرام وأصحابه الذين هم مصابيح الظلام وسلم تسليما )
على أن الطبراني في الأوسط وأبا الشيخ في الثواب وغيرهما رووا بسند فيه ضعف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
( من صلى علي في كتاب لم تزل الملائكة يستغفرون له ما دام اسمي في ذلك الكتاب )
وفي لفظ لبعضهم
من كتب في كتابه صلى الله عليه وسلم لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام في كتابه
ومثل هذا مما يغتنم ولا يمنع منه الضعف المذكور لكونه من أحاديث الفضائل ولم يضعف بالوضع وقد اختلف في أصل الآل فسيبويه والبصريون أهل فأبدلت الهاء همزة ثم أبدلت الهمزة ألفا والكسائي ويونس وغيرهما أول فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها كما في قال وهذا هو الصحيح أما أولا فلأن هذا الانقلاب قياس مطرد في الأسماء والأفعال حتى صار من أشهر قواعد التصريف والاشتقاق بخلاف انقلاب الهاء همزة حتى قال الإمام أبو شامة إنه مجرد دعوى وحكمة العرب تأباه إذ كيف يبدل من الحرف السهل وهو الهاء حرف مستثقل وهو الهمزة التي عادتهم الفرار منها حذفا وإبدالا
14
14
وتسهيلا مع أنهم إذا أبدلوا الهاء همزة في هذا المكان فهي في موضع لا يمكن إثباتها فيه بل يجب قلبها ألفا فأي حاجة إلى اعتقاد هذا التكثير من التغيير بلا دليل ولا يشكل بماء لقيام الدليل على إبدال الهاء فيه همزة ليقوى على الإعراب وأما أرقت فالهاء فيه بدل من الهمزة لا بالعكس وأما ثانيا فلاختلافهما استعمالا مع عدم الموجب لذلك فيما يظهر فإن الآل لم يسمع إلا مضافا إلى معظم ذي علم علم أو ما جرى مجراه يصلح أن يكون مرجعا ومآلا بخلاف الأهل فإنه يضاف إلى معظم وغير معظم ذي علم وغير ذي علم علما ونكرة ومن ثمة يقال آل محمد وآل إبراهيم ولا يقال آل ضعيف ولا آل الدار ويقال أهل ضعيف وأهل الدار وأما قول عبد المطلب في الاستغاثة بالله على أصحاب الفيل
( وانصر على آل الصليب
وعابديه اليوم آلك )
فالظاهر أنه على سبيل المشاكلة كما في ! < تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك > ! [ المائدة 116 ] والأصل في الاسمين إذا اتحدا أن يتساويا في الاستعمال إلا لموجب ولا موجب هنا فيما يظهر وبهذا يندفع ما احتج به القائلون إن أصله أهل من أنه سمع في تصغيره أهيل لا أويل والتصغير يرد الأشياء إلى أصولها ووجه اندفاعه أنه لم يسمع مصغرا بالشروط المذكورة وإنما سمع في نحو يا أهيل الحمى يا أهيل النقى وقد عرفت من أنه لا يقال آل الدار بل يقال أهلها أنه لا يقال آل الحمى والنقى بل أهلهما فأهيل الحمى والنقى تصغير أهل حينئذ لا آل وكأن اختصاصه بذوي الخطر من ذوي العلم الأعلام منع من ذلك ويبقى بعد هذا علاوة ما ذكر الكسائي أنه سمع أعرابيا فصيحا يقول أويل في تصغير آل وأما ثالثا فإن الآل إذا ذكر مضافا إلى من هو له ولم يذكر من هو له معه مفردا أيضا تناوله الآل كما يشهد به كثير من المواقع كقوله تعالى ! < ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين > ! [ الأعراف 130 ] ! < أدخلوا آل فرعون أشد العذاب > ! [ غافر 46 ] إذ لا ريب في دخول فرعون في آله في كلتا الآيتين وكما في الصحيحين في صفة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أنه علمهم أن يقولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم فإن إبراهيم داخل فيمن صلى الله عليه بل هو الأصل المستتبع لسائر آله وما فيهما أيضا عن عبد الله بن أبي أوفى أن أباه أتى النبي بصدقة فقال
اللهم صل على آل أبي أوفى
ومعلوم أن أبا أوفى هو المقصود بالذات بهذه الدعوة ولا كذلك الأهل إذ لو قيل مثلا جاء أهل زيد لم يدخل زيد فيهم ثم الصحيح جواز إضافته إلى المضمر واختلف في المراد بهم في مثل هذا الموضع فالأكثرون أنهم قرابته الذين حرمت عليهم الصدقة على الاختلاف فيهم وقيل جميع أمة الإجابة وإلى هذا مال مالك على ما ذكر ابن العربي واختاره الأزهري ثم النووي في شرح مسلم وقيل غير ذلك وبسط الكلام فيه له موضع غير هذا الكتاب والكرام جمع كريم وهو قد يراد به الجواد الكثير الخير المحمود وقد يراد به الذات الشريفة وقد يراد به كل ذات صدر منها منفعة وخير وآله لم يخلوا
15
15
من هذه الأوصاف غالبا ومن كرمهم عموما تحريم أوساخ الناس عليهم ودخولهم في الصلاة عليه تبعا له حتى في الصلاة ومن لطيف ما يؤثر مما يناسب هذا ما حكى الخطيب قال دخل يحيى بن معاذ على علوي ببلخ أو بالري زائرا له ومسلما عليه فقال العلوي ليحيى ما تقول فينا أهل البيت فقال ما أقول في طين عجن بماء الوحي وغرست فيه شجرة النبوة وسقي بماء الرسالة فهل يفوح منه إلا مسك الهدى وعنبر التقوى فقال العلوي ليحيى إن زرتنا فبفضلك وإن زرناك فلفضلك فلك الفضل زائرا ومزورا والأصحاب جمع صحب قاله الجوهري وفي صحيح البخاري الإشهاد واحده شاهد مثل صاحب وأصحاب وهو أشبه وسيأتي في مسالة الأكثر على عدالة الصحابة أن الصحابي عند المحدثين وبعض الأصوليين من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مسلما ومات على الإسلام أو قبل النبوة ومات قبلها على الحنيفية كزيد بن عمرو بن نفيل أو ارتد وعاد في حياته وعند جمهور الأصوليين من طالت صحبته متتبعا له مدة يثبت معها إطلاق صاحب فلان عرفا بلا تحديد في الأصح ويذكر ثمة مزيد تحقيق لهذا إن شاء الله تعالى وفي وصفهم بكونهم مصابيح الظلام إشارة على سبيل التلميح إلى ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال
مثل أصحابي في أمتي مثل النجوم فبأيهم اقتديتم اهتديتم
وسيأتي الكلام عليه مع تخريجه في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى فإن النجوم تسمى مصابيح أيضا كما قال تعالى ! < ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح > ! [ الملك 5 ] ثم غير خاف أن بين الآل والأصحاب عموما وخصوصا من وجه وأن ذلك ليس بمانع من عطف أحدهما على الآخر
( وبعد فإني بعد أن صرفت طائفة من العمر )
أي مدة من مدة الحياة في الدنيا
( في طريقي الحنفية والشافعية في الأصول خطر لي أن أكتب كتابا مفصحا عن الاصطلاحين )
في الأصول للفريقين كائنا
( بحيث يطير من أتقنه إليهما بجناحين )
اي بحيث يصل من أحاط بما فيه دراية إلى معرفة الاصطلاحين ولا يخفى ما في هذه الاستعارة المكنية التخييلية المرشحة من اللطف والحسن فإنه شبه في النفس الاصطلاحين بالمكان الرفيع بجامع علو المقام بينهما وإن كان العلو في المكان حسيا وفي الاصطلاحين عقليا والمتقن للكتاب بالطائر بجامع السعي السريع بينهما الموصل للمطلوب وأثبت للمشبه الجناحين اللذين لا قوام للمشبه به إلا بهما تخييلا وترشيحا وما دعاني إلى قصد كتابة كتاب بهذه المثابة إلا
( إذ كان من علمته أفاض في هذا المقصود ) اي من صنف كتابا في بيان الاصطلاحين المذكورين كالنحرير العلامة صاحب البديع فإنه ذكر في ديباجته قد منحتك أيها الطالب لنهاية الوصول إلى علم الأصول هذا الكتاب البديع في معناه المطابق اسمه لمسماه لخصته لك من كتاب الأحكام ورصعته بالجواهر النفيسة من أصول فخر الإسلام ثم قال وهذا الكتاب يقرب منهما البعيد ويؤلف الشريد ويعبد لك الطريقين ويعرفك اصطلاح الفريقين
( لم يوضحهما حق الإيضاح ولم يناد مرتادهما )
أي طالبهما بالنصب مفعول ينادي وفاعله
( بيانه إليهما بحي
16
16
على الفلاح )
وهذا قد صار في العرف مثلا يستعمل في اشتهار التبليغ والإيقاظ له والإفصاح عن المقصود مأخوذ من قول المؤذن ذلك فكنى بهذا القول عن عدم بيان من صنف في بيان الاصطلاحين إياهما على الوجه الواضح الجلي المستوفى لأنك تارة ترى بعض المواضع منه عاريا من التمييز بينهما وتارة ترى بعضها منه خاليا من أحدهما
( فشرعت في هذا الغرض )
وهو كتابة كتاب مفصح عن الاصطلاحين بحيث يطير من أتقنه إليهما بجناحين
( ضاما إليه )
أي إلى بيان الاصطلاحين
( ما ينقدح )
أي يظهر
( لي من بحث )
وسيأتي تعريفه
( وتحرير )
أي تقويم
( فظهر لي بعد )
كتابة شيء
( قليل )
من ذلك
( أنه )
أي هذا المشروع فيه إذا تم
( سفر )
أي كتاب
( كبير وعرفت من أهل العصر )
أي من مشتغلي زماني
( انصراف هممهم )
أي توجهها جمع همة وهي اسم من الاهتمام بمعنى الاغتمام من هم إذا تدافع في القصد وقيل هي الباعث القلبي المنبعث من النفس لمطلوب كمالي ومقصود عالي
( في غير الفقه إلى المختصرات وإعراضهم عن الكتب المطولات )
وخصوصا إن كانت تلك المختصرات بالمعنى الحقيقي اللغوي للاختصار وهو رد الكثير إلى القليل وفيه معنى الكثير وقد يعبر عنه بما دل قليله على كثيره كما هو منقول عن الخليل بن أحمد فإن اختيار المختصرات حينئذ متجه لأن المختصر أقرب إلى الحفظ وأنشط للقارئ وأوقع في النفس ومن ثمة تداول الناس إعجاز قوله تعالى ! < ولكم في القصاص حياة > ! [ البقرة 179 ] وعجبوا من وجيز قوله سبحانه ! < فاصدع بما تؤمر > ! [ الحجر 94 ] ومن اختصار قوله عز وجل ! < يا أرض ابلعي ماءك > ! [ هود 44 ] الآية وقالوا إنها أخصر آية في كتاب الله واستحسنوا اختصار قوله جل وعلا ! < وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين > ! [ الزخرف 71 ] حيث جمع في هذا اللفظ الوجيز بين جميع المطعومات والمشروبات والملبوسات وغيرها ولفضل الاختصار على الإطالة قال النبي صلى الله عليه وسلم
أوتيت جوامع الكلم واختصرت لي الحكمة اختصارا
وقال الحسن بن علي رضي الله عنهما خير الكلام ما قل ودل ولم يطل فيمل غير أن للإطالة موضعا تحمد فيه ولذلك لم يكن جميع كتاب الله الكريم مختصرا ومن هنا اختيرت المطولات أيضا في الفقه واللغة والتواريخ لتعلق الغرض باتساع ما فيها من الجزئيات التي لا يجمعها ضابط في الغالب
( فعدلت )
بهذا السبب عن إتمام ذلك
( إلى )
تصنيف
( مختصر متضمن إن شاء الله تعالى الغرضين )
يعني والله أعلم غرضه الذي هو ذكر الاصطلاحين على الوجه الذي قصده من الإيضاح والإتقان وغرض أهل العصر الذي هو الاختصار في البيان
( واف بفضل الله سبحانه بتحقيق متعلق العزمين )
يعني والله أعلم بأحد العزمين العزم على بيان الاصطلاحين على الوجه الذي ذكره وبالآخر العزم على ضم ما ينقدح له من بحث وتحرير إلى ذلك ومتعلقهما البيان والضم المذكوران والعزم القصد المصمم وقد يعبر عنه بجزم الإرادة بعد التردد والباء في بفضل الله إما بمعنى من أو للسببية وفي بتحقيق للتعدية وهو ظاهر
( غير أنه
) أي
17
17
هذا المعدول إليه
( مفتقر إلى الجواد الوهاب تعالى أن يقرنه )
بكسر الراء وضمها
( بقبول أفئدة العباد )
والجواد بالتخفيف من أسماء الله تعالى ورد في عدة أحاديث منها حديث أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي وحسنه وهو في كلام العرب الكثير العطاء وقال أبو عمرو بن العلاء الكريم وأما كون الوهاب من أسمائه تعالى فمما تظافر عليه الكتاب والسنة والإجماع وهو في حقه تعالى يدل على البذل الشامل والعطاء الدائم بغير تكلف ولا غرض ولا عوض واختلف في أنه من صفات الذات أو الأفعال والوجه الصحيح الظاهر أنه من صفات الأفعال
( وأن يتفضل عليه بثواب يوم التناد )
أي يوم القيامة سمي به لأنه ينادي فيه بعضهم بعضا للاستغاثة أو يتنادى أصحاب الجنة وأصحاب النار وقيل غير ذلك وهذا إذا لم تكن الدال مشددة فإن كانت مشددة فلأنه يند بعضهم من بعض أي يفر كما قال تعالى ! < يوم يفر المرء من أخيه > ! [ عبس 34 ] الآية والأول هو الرواية وقراءة السبعة في قوله تعالى ! < إني أخاف عليكم يوم التناد > ! [ غافر 32 ] وإنما كان هذا المصنف محتاجا إلى كل من هذين الأمرين لأن الغرض في الدنيا من التصنيف نشر المصنف والتحلي بمعرفته وهو لا يتم إلا بعلاقة القلوب بكتابته ومدارسته واعتقاد صحته وحقيقته وفي الآخرة إفاضة الجود والإحسان من الكريم المنان مسببا ذلك في الجملة عما عاناه المصنف في ذلك العمل في سالف الأزمان ولما كان ذلك مقذوفا بمقتضى فضل الله الذي يخص به سبحانه من شاء من أفراد الإنسان قال
( والله سبحانه وتعالى أسأل ذلك )
أي جعله في الدنيا مقبولا وفي الآخرة إلى جزيل الثواب حبلا موصولا وذلك مما يصلح أن يقع إشارة إلى المثنى بدليل قوله لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك وقدم المفعول وهو الاسم الجليل للاهتمام والتخصيص والتخصيص
( وهو سبحانه نعم الوكيل )
وكفى به وكيلا وكيف لا وهو المستقل بجميع ما يحتاج إليه جميع الخلق وقد وكل أمور خلقه إليه ووكل عباده المتوكلون عليه أمورهم إليه ثم هذا من أسمائه تعالى التي تظافر عليها الكتاب والسنة والإجماع يجوز أن يكون بمعنى مفعول وعليه تفسيره بالموكول إليه الأمور من تدبير البرية وغيرها وأن يكون بمعنى فاعل وعليه تفسيره بالكفيل بالرزق والقيام على الخلق بما يصلحهم وبالمعين وبالشاهد وبالحفيظ وبالكافي إلى غير ذلك ثم أفاد القرطبي أنه إذا كان الوكيل الذي وكل عباده أمورهم إليه واعتمدوا في حوائجهم عليه فهو وصف ذاتي فيه معنى الإضافة الخاصة إذ لا يكل أمره إليه من عباده إلا قوم خاصة وهم أهل العرفان وإذا كان الوكيل الذي وكل أمور عباده إلى نفسه وقام بها وتكفل بالقيام عليها كان وصفا فعليا مضافا إلى الوجود كله لأن هذا الوصف لا يليق بغيره وعلى هذا يخرج شرح العلماء لهذا الاسم ويتضمن أوصافا عظيمة من أوصافه كحياته وعلمه وقدرته وغير ذلك والضمير المرفوع المنفصل هو المخصوص بالمدح قدمه للتخصيص
( وسميته بالتحرير )
لكونه مشتملا على تقويم قواعد هذا الفن وتقريب مقاصده وتهذيب مباحث هذا العلم
18
18
وكشف القناع عن وجوه خرائده
( بعد ترتيبه على مقدمة هي المقدمات )
الآتي ذكرها وهي الأمور الأربعة بيان المفهوم الاصطلاحي للاسم الذي هو لفظ أصول الفقه وبيان موضوعه أي التصديق بأنه ما هو وبيان المقدمات المنطقية التي هي جملة مباحث النظر وطرق معرفة صحيحه وفاسده وبيان استمداده من أي شيء فصارت المقدمة تقال على كل واحد من البيانات الأربعة وعلى مجموع البيانات كما يقال لكل فرد إنسان وللكل الإنسان وقد يقال إنسان بمعناه وعليه قوله مقدمة هي المقدمات ذكره المصنف
قال العبد الضعيف غفر الله تعالى له فظهر من هذا أن المراد بالمقدمة هنا ما يذكر أمام الشروع في العلم لتوقف الشروع على بصيرة أو زيادتها عليه ولما كان كل من هذه الأمور المذكورة لا تنفك عند التحقيق عن أحد هذين كما أن جملتها لا تنفك عنهما بطريق أولى ساغ أن يترجم عن هذا المعنى بلفظ مفرد نكرة نظرا إلى أنه معنى كلي تشترك فيه هذه الماصدقات فيكفي في التعبير عنه اسم الجنس النكرة لأن الأصل في الأسماء التنكير على ما عرف ثم لا موجب هنا يوجب مخالفته على أن ما كان على الأصل لا يسأل عن سببه ثم لما كانت المقدمات عبارة عن الأمور المذكورة وقد تقدم الشعور بالمعنى الكلي الشامل لها بحيث يعد كل منها من ما صدقاته لاستبداد كل منها في إفادة أحد ذينك الأمرين وإن كان بعضها أتم من بعض باعتبار تقدم اللفظ الحامل له أعني لفظ مقدمة تعين إذ جمعت هذه الماصدقات ووقعت تفسيرا له أن تعرف ويكون التعريف فيها للعهد الذكري لتقدم مدلولها معنى كما قالوا في قوله تعالى ! < وليس الذكر كالأنثى > ! [ آل عمران 36 ] فتأمله هذا وأفاد المصنف رحمه الله أنه إنما لم يقل على مقدمة في كذا كما في كلام غير واحد لأنه يستدعي تكلف كلام في مجازية الظرف المفاد بفي وبعد الفراغ منه يظهر أن حقيقة المقدمة ليس إلا عين البيان للأمور التي تقدم معرفتها على الشروع في الفن يوجب حصول زيادة البصيرة فيه فأسقط بذلك مؤنة ذلك ونبه على ما قد يغفل عنه من أنها هي المذكورات بعينها أعني البيانات بمعنى الحاصل بالمصدر اه
فإن قلت المشهور كون مقدمة العلم حده وغايته والتصديق بموضوعه فما بال المصنف أسقط ذكر الغاية وذكر المقدمات المنطقية والاستمداد قلت لأنه قد صرح غير واحد من المحققين منهم الشريف الجرجاني بأن ما جرت به العادة من ذكرهم وجه ما اشتملت عليه مقدمة العلم من حده وغايته والتصديق بموضوعه لم يقصدوا به بيان حصر المقدمة فيها بل توجيه ما ذكر فيها حتى لو وجد غيرها مشاركا لها في إفادة البصيرة ساغ ضمه وجعله منها وعلى قياس هذا ولو ظهر عدم الاحتياج إلى بعضها في إفادة البصيرة لسد غيره مسده جاز أيضا إسقاطه استغناء بغيره عنه ولا مرية في مشاركة المقدمات المنطقية والاستمداد لهذه الأمور في إفادة البصيرة كما أنه لا احتياج إلى ذكر الغاية مع ذكر الحد في
19
19
هذا الغرض كما سيتعرض له المصنف فيما سيأتي ويذكر عنه ثمة توجيهه إن شاء الله تعالى ومن هذا يظهر أن حصر المقدمة في الأمور المذكورة ليس من حصر الكل في أجزائه كما هو ظاهر كلام غير واحد بل من حصر الكلي في جزئياته أو في جزئيات منها بحسب الاستيفاء لها وعدمه كما مشى عليه المصنف ثم المقدمة اسم فاعل على المشهور قيل من قدم لازما بمعنى تقدم كبين بمعنى تبين وقيل متعديا لأن هذه الأمور لما فيها من سبب التقدم كأنها تقدم غيرها أو لإفادتها الشروع بالبصيرة تقدم من عرفها من الشارعين على من لم يعرفها وعن الزمخشري أن فتح الدال خلف وعن غيره جوازه إذا كانت من المتعدي فلعل ما عن الزمخشري محمول على ما إذا كانت من اللازم فلا يكون بين هذين تعارض ثم لم يبين الزمخشري وجه منع الفتح قيل ولعله أن في الفتح إيهام أن تقدم هذه الأمور إنما هو بالجعل والاعتبار دون الاستحقاق الذاتي وهو خلاف المقصود لأن تقدم هذه الأمور إنما هو بسبب استحقاقها للتقدم بحسب الذات كما بين في موضعه اه
قال العبد الضعيف غفر الله تعالى له وفيه أيضا من جهة اللفظ عدم ذكر الجار والمجرور ويلزم مع اسم المفعول من اللازم ذكر الجار والمجرور كما عرف في موضعه فانتفى على هذا ما قيل إن فتح الدال فيها ليس ببعيد لفظا ومعنى ثم هل هي منقولة عن مقدمة الجيش فيكون لفظها في مقدمتي العلم والكتاب حقيقة عرفية أو مستعارة منها فتكون مجازا فيهما أو كلاهما موجود فيها بناء على أنها في الأصل صفة حذف موصوفها وأطلقت على الطائفة المتقدمة من المعاني أو الألفاظ على العلم أو على سائر ألفاظ الكتاب والتاء إما للنقل من الوصفية إلى الاسمية أو لاعتباره مؤنثا كما قالوا في لفظ الحقيقة احتمالات ورجح أنها إن كانت بمعنى الوصف أي ذات مؤنثة ثبت لها صفة التقديم واعتبار معنى للتقديم فيها لصحة إطلاق الاسم كالضاربة فإطلاقها على الطائفة المذكورة حقيقة إن كان باعتبار أنها من أفراد هذا المفهوم ومجاز إن كان بملاحظة خصوصها وإن كانت بمعنى الاسم واعتبار معنى التقديم لترجح الاسم كما في القارورة فإطلاقها على الطائفة إنما يكون حقيقة لو ثبت وضع واضع اللغات المقدمة لهذه الطائفة والظاهر أنه لم يثبت بل الثابت إنما هو وضعه لها بإزاء مقدمة الجيش
( وثلاث مقالات في المبادئ )
أي وعلى ثلاث مقالات أولاها في بيان التصورات والتصديقات المعدودة من مبادئ هذا العلم
( وأحوال الموضوع )
أي وثانيها في بيان التصورات والتصديقات الراجعة إلى أحوال موضوع العلم
( والاجتهاد )
أي وثالثها في بيان ماهية الاجتهاد وما يقابله وهو التقليد وما يتبعهما من الأحكام ثم لما كان المذكور في هذه المقالة ما يفيد أنه ليس من مسائل الفن لأن مسائل الفن ما للبحث فيها رجوع إلى موضوعه ومسائل الاجتهاد وما يتبعه ليست كذلك كما سنذكره لكن جرت عادة كثير منهم الشافعية أن يذكروها عل سبيل اللواحق المتممة للغرض منه إسعافا أشار المصنف إلى ذلك فقال
20
20
( وهو )
أي الاجتهاد مع ما يتبعه
( متمم مسائله )
بعضها
( فقهية )
لكون هذا البعض من بيان أحكام أفعال المكلفين كمسألة الاجتهاد واجب عينا على المجتهد في حق نفسه وكذا في حق غيره إذا خاف فوت الحادثة على غير الوجه وحرام في مقابلة قاطع نص أو إجماع إلى أخر أقسامها إلى غير ذلك فإن الاجتهاد فعل المجتهد وهو بذل وسعه في طلب الحكم الشرعي وكل من الوجوب والحرمة وباقي محمولات أقسام موضوعات المسألة حكم شرعي وإلى هذا أشار بقوله
( لمثل ما سنذكر )
قريبا في بيان الموضوع أن البحث عن حجية الإجماع وخبر الواحد والقياس ليس منه بل من الفقه لأن موضوعاتها أفعال المكلفين ومحمولاتها الحكم الشرعي فإن مثل هذا الكلام جار في بعض مسائل الاجتهاد الكائن على هذا الوجه وإنما لم يقل لما سنذكر نظرا إلى خصوص الجزئية الكائن لهذه المسائل فإنه غير الخصوص الكائن لغيرها
( واعتقادية )
أي وبعضها مسائل اعتقادية لكونه راجعا إلى ما على النفس من الأمور الاعتقادية المنسوبة إلى دين الإسلام كمسألة لا حكم في المسألة الاجتهادية قبل الاجتهاد ومسألة يجوز خلو الزمان عن مجتهد فإن كلا من هاتين عقيدة دينية منسوبة إلى دين الإسلام غاية الأمر كما قال المصنف أنهم لم يدونوا هذه المسائل في الفقه والكلام وذلك لا يخرجها عنهما بعد رجوع البحث عنها إلى موضوعهما وكان مقتضى ما فعله في المقدمة أن يذكر في المقالات نظيره فيقول ثلاث مقالات هي المبادئ ولكن المقالة أجريت مجرى القول بالمعنى المصدري فكان المقول الذي هو نفس العلم متعلقه فيثبت التغاير والله أعلم
فإن قلت لم اختار الترتيب على التأليف قلت ليشير على سبيل التنصيص إلى أنه وضع ما اشتمل عليه المختصر من الأجزاء مواضعها اللائقة بها من التقديم والتأخير في الرتبة العقلية لأنهم قالوا الترتيب في اللغة جعل كل شيء في مرتبته وفي الاصطلاح جعل الأشياء المتعددة بحيث يطلق عليها اسم الواحد ويكون لبعضها نسبة إلى البعض بالتقديم والتأخير في الرتبة العقلية بخلاف التأليف فإنه جعل الأشياء المتعددة بحيث يطلق عليها اسم الواحد سواء كانت لبعضها نسبة إلى بعض بالتقديم والتأخير أم لا فهو أعم من الترتيب فلا يكون فيه إشارة ناصة على هذا المطلوب ثم قد ظهر من هذا أن الضمير المجرور في ترتيبه راجع إلى المختصر مرادا به مضمون ما قام في النفس من الأجزاء والمواد التي يستعقب تركيبها على الوجه المذكور المختصر لأن الصورة معلول الترتيب ولا ضير في ذلك وإن كان الضمير في سميته راجعا إلى المختصر مرادا به معناه المقرر له في الخارج المتبادر من إطلاقه فإن مثله شائع بل هو من التحسين المعنوي المسمى بالاستخدام عند أهل البديع فتنبه له
( المقدمة )
المذكورة فالتعريف فيها للعهد الذكري
( أمور )
أربعة وقد عرفت لم قال هكذا ولم يقل في أمور الأمر
( الأول مفهوم اسمه )
أي اسم هذا العلم وهو لفظ أصول الفقه ووجه تقديم هذا الأمر على غيره ظاهر
( والمعروف كونه )
أي اسمه حال كونه غير مراد به المعنى الإضافي
21
21
( علما وقيل )
بل اسمه
( اسم جنس لإدخاله اللام )
أي لصحة إدخال اللافظ اللام عليه فيقال الأصول وإلى هذا جنح القاضي تاج الدين السبكي حيث قال وجعله اسم جنس أولى من جعله علم جنس لأنه لو كان علما لما دخلته اللام قال المصنف
( وليس )
هذا القول بشيء أو ليس اللام بداخل عليه وهذا من المصنف مشى على ما ذهب إليه بعض النحويين من جواز حذف الخبر في باب كان وأخواتها في سعة الكلام اختصارا وإنما قلنا إن هذا ليس بشيء
( فإن العلم )
بفتح اللام هو الاسم
( المركب )
الإضافي من لفظي أصول و الفقه
( لا الأصول )
أي لا أحد جزأي هذا المركب الذي هو لفظ أصول فقط ونحن لا ندعي العلمية إلا للمركب المذكور حال كونه غير مراد به المعنى الإضافي واللام لم تدخل عليه بل على الجزء الأول حالة كونه فاقدا للإضافة مطلقا لأن اللام لا تجامع الإضافة وقد تعاقبها ونحن نقول إنه حينئذ نكرة فإذا دخلت عليه اللام عرفته ثم لما كان كثيرا ما يطلق لفظ الأصول محلى باللام ويراد به هذا العلم وقد ظهر أنه سبب وهم القائل أنه اسم جنس أشار إلى وجه ذلك فقال
( بل الأصول بعد كونه )
في الأصل لفظا
( عاما في المباني )
اي في كل ما يبنى عليه شيء سواء كان ذلك في الحسيات كبناء الجدار على الأساس أو في المعنويات كبناء المسائل الجزئية على القواعد الكلية كما هو مقتضى عرف اللغة يعني إذا لم يقصد بالأصول خصوص من المباني فإنه حينئذ من ألفاظ العموم صيغة ومعنى لكونه جمعا محلى باللام للاستغراق
( يقال )
لفظ الأصول أيضا قولا
( خاصا في المباني المعهودة للفقه )
التي هي عبارة عن هذا العلم على سبيل الغلبة عليه من بين سائر المباني كالنجم للثريا أعني الأدلة الكلية والقواعد التي يتوصل بمعرفتها إلى قدرة الاستنباط كما هو عرف الفقهاء حتى صار حقيقة عرفية فيه
( فاللام )
فيه حينئذ بالنسبة إلى أول حالات إرادتها بخصوصها منه لأهل هذا العرف
( للعهد )
الذهني ثم صارت بعد ذلك لازمة له كالجزء منه كهي في النجم للثريا يعني ومن المعلوم أيضا أنه بهذا الاعتبار ليس باسم جنس أيضا بل من الأعلام الكائنة على سبيل الغلبة وقصارى ما يلزم من هذا أن يكون له اسمان علم منقول لا بطريق الغلبة هو لفظ أصول الفقه وعلم منقول بطريق الغلبة وهو لفظ الأصول ولا محذور في ذلك ثم حيث كان المعروف كون اسمه الذي هو أصول الفقه علما فهل هو جنسي أو شخصي فنص المحقق الشريف الجرجاني على أنه من أعلام الأجناس لأن علم أصول الفقه كلي يتناول أفرادا متعددة إذ القائم منه بزيد غير ما قام بعمرو شخصا وإن اتحد مفهوما هما ولما احتيج إلى نقل هذا اللفظ عن معناه الإضافي جعلوه علما للعلم المخصوص على ما عهد في اللغة لا اسم جنس وقال المصنف
( والوجه )
في علمية أصول الفقه
( أنه )
أي أصول الفقه علم
( شخصي إذ لا يصدق )
أصول الفقه
( على مسألة )
واحدة من مسائله وهذا أمارة الشخصية لأن الكل لا يصدق على جزئه حقيقة
قال العبد الضعيف غفر الله تعالى له وهذا إنما ينفي كونه اسم جنس لا كونه علم
22
22
جنس لأن علم الجنس موضوع للحقيقة المتحدة في الذهن كما هو الصحيح وسيأتي في موضعه من هذا الكتاب ثم هم قد عاملوه معاملة المتواطئ في إطلاقه حقيقة على كل فرد كما صرح به ابن الحاجب وغيره فأصول الفقه إذا كان علم جنس فإنما هو موضوع للحقيقة المتحدة ذهنا التي هي مجموع الإدراكات او المدركات المتعينة فيه وأفراد هذا المعنى إنما هي المظاهر الوجودية للحقيقة المذكورة لا مسائله التي هي أجزاء مسماه على القول بأنه موضوع بإزائها فعدم صحة إطلاقه على المسألة الواحدة كما أنه لازم لكونه علم شخص كذلك هو لازم لكونه علم جنس فلا يصلح أن يكون معينا لأحدهما نافيا للآخر نعم يمكن إثبات كونه علم شخص بشيء غير هذا أشار إليه المصنف حال قراءتنا لهذا الموضع عليه وهو ما حاصله مزيدا عليه ما يكسوه إيضاحا وتحقيقا أنا لا نسلم أن هذا الاسم موضوع لأمر كلي يتناول أفرادا متعددة متغايرة قائمة بزيد وعمرو وغيرهما بل هو موضوع لأمر خاص هو مجموع إحدى الكثيرتين الإدراكات الخاصة أو المدركات الخاصة الآتي بيانهما أعني الكثرة الحاضرة المعينة في الذهن وإن تركبت من مفاهيم كلية فمسماه حينئذ إما مجموع أمور محققة خاصة هي العلم بأن الأمر للوجوب والعلم بأن النهي للتحريم إلى غير ذلك أو مجموع عين الأمر للوجوب والنهي للتحريم إلى غير ذلك ثم هو يصلح أن يكون متعلقا لإدراك زيد وعمرو وغيرهما بمعنى أن يكون مدركا لهم ومن المعلوم أن وقوع هذا له لا يقتضي تعددا له في نفسه من حيث هو بل هو حالة تعلق إدراك زيد به هو بعينه حاله تعلق إدراك عمرو به وهلم جرا كما أن تصورات متصورين لزيد علما وتصديقاتهم بأحواله لا يقتضي تعدده بل هو سواء تعلقت به تصوراتهم وتصديقاتهم بأحواله أو لم تتعلق
فإن قلت لا بأس بهذا فيما إذا كان الاسم موضوعا بإزاء المدركات لصحة تعلق الإدراكات بها أما إذا كان موضوعا بإزاء الإدراكات فكيف يسوغ ذلك إذ يصير الإدراك متعلق الإدراك قلت سواغه أيضا ظاهر لأنه حينئذ يكون بالنسبة إلى الإدراك المذكور مدركا وإن كان هو في نفسه إدراكا أيضا فتأمله ثم هذا جار في أسماء سائر العلوم والله سبحانه أعلم ثم لما كان تعريف مفهوم هذا الاسم مختلفا باعتبار ما كان اللفظ أولا عليه وباعتبار ما صار ثانيا إليه وقد أفادوا تعريفه على كليهما وافقهم المصنف على ذلك مشيرا إلى صنيعهم هذا تمهيدا لإفادته لذلك فقال
( والعادة تعريفه مضافا وعلما )
أي تعريف مفهوم اسمه الذي هو لفظ أصول الفقه من حيث كونه اسمه مركبا إضافيا ليس بعلم أو حال كونه كذلك ومن جهة كونه علما على هذا العلم أو حال كونه كذلك
والفرق بين الاعتبارين أنه باعتبار الإضافة مركب يعتبر فيه حال الأجزاء وباعتبار العلمية مفرد لا يعتبر فيه حال الأجزاء ثم بدأ بتعريفه على التقدير الأول ذاكرا معنى كل من جزأيه من حيث تصح الإضافة بينهما كما هو السبيل في مثله مراعاة للتقدم الوجودي فقال
23
23
( فعلى الأول )
أي فتعريف مفهوم اسمه على تقدير كون الاسم مركبا إضافيا ليس بعلم أن يقال
( الأصول الأدلة )
فأداة التعريف في الأصول للعهد أي المذكورة في قولنا أصول الفقه ثم هي جمع أصل وعنه لغة عبارات أحسنها كما يبتنى عليه غيره ما ذكره أبو الحسين وغيره وأشار المصنف آنفا إليه أي من حيث يبتنى عليه لما عرف أن قيد الحيثية لابد منه في تعريف الإضافيات إلا انه كثيرا ما يحذف لشهرة أمره ويستعمل اصطلاحا بمعان المناسب منها هنا الدليل كما ذكره المصنف ونذكر وجهه قريبا
والمراد بالأدلة الأدلة الكلية السمعية الآتي بيانها وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس وإنما لم يذكر المصنف لفظ الكلية للعلم به من حيث إن قيد الحيثية مراد منها كما ذكرنا حتى كأنه قال من حيث هي أدلته وهذا أيضا هو العذر في ترك التقييد لفظا بالسمعية ثم المعين أيضا لذلك كله إضافتها إلى الفقه كما سيتضح وجهه قريبا فإن دلائل الفقه في نفس الأمر كذلك ثم في هذا المعنى الاصطلاحي المعنى اللغوي لأن هذه الأدلة مبنى الفقه ومرجعه بل نص غير واحد من المحققين على أن الأصل هنا بمعنى الدليل ليس منقولا عن المعنى اللغوي السابق وإنما هو من ما صدقاته غايته أن بالإضافة إلى الفقه الذي هو معنى عقلي يعمل أن الابتناء هنا عقلي فيكون أصول الفقه ما يبتنى هو عليه ويستند إليه ولا معنى لمستند العلم ومبتناه إلا دليله وهو حسن نعم إذا أطلق لفظ الأصول مرادا به هذا العلم الخاص يكون علما بطريق الغلبة منقولا كما حققناه سالفا وإن اندرجت حقيقته في مطلق مسمى الأصول لغة لأن تخصيص الاسم بالأخص بعد كونه للأعم الصادق عليه وعلى غيره نقل بلا شك وقد نبه على هذا شيخنا المصنف في غير هذا الكتاب فلا تذهلن عنه
( والفقه التصديق لأعمال المكلفين التي لا تقصد لاعتقاد بالأحكام الشرعية القطعية مع ملكة الاستنباط )
فالتصديق أي الإدراك القطعي سواء كان ضروريا أو نظريا صوابا أو خطأ جنس لسائر الإدراكات القطعية بناء على اشتهار اختصاص التصديق بالحكم القطعي كما في تفسير الإيمان بالتصديق بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله ومن ثمة سيقول المصنف مشيرا إلى ظن الأحكام الشرعية وعلى ما قلنا ليس هو شيئا من الفقه ولا الأحكام المظنونة إلا باصطلاح ولا يضر استعمال المنطقيين إياه مرادا به ما هو أعم من القطعي والظني لأنهم قسموا العلم بالمعنى الأعم إلى التصور والتصديق تقسيما حاصرا توسلا به إلى بيان الحاجة إلى المنطق بجميع أجزائه ولأعمال المكلفين أي سواء كانت من أعمال الجوارح وهي حركات البدن أو من أعمال القلوب وهي قصودها وإراداتها والمكلف هو العاقل البالغ فصل أخرج التصديق لغير أعمالهم من السماء والأرض وغيرهما بالوجود وغيره والتي لا تقصد لاعتقاد فصل ثان أخرج التصديق لأعمالهم التي تقصد لاعتقاد كالتصديق لطاعاتهم ومعاصيهم بأنها واقعة بقضاء الله تعالى وقدره وإرادته ومشيئته والاعتقاد الحكم الذهني الذي لا يحتمل النقيض عند الحاكم لا بتقديره في نفسه ولا
24
24
بتشكيك مشكك وهو إن كان مطابقا فصحيح وإلا ففاسد وسببه الأكثري التقليد وقوته ورخاوته على حسب مراتب الكبراء في النفوس والمراد بكونها لا تقصد لاعتقاد أن لا يكون المقصود من الحمل عليها نفس الاعتقاد لها وبالأحكام الشرعية فصل ثالث أخرج التصديق لأعمالهم التي لا تقصد لاعتقاد بما ليس بحكم شرعي من عقلي أو لغوي أو غيرهما
والمراد بالأحكام الشرعية آثار خطابه تعالى المتعلق بأفعال المكلفين طلبا أو وضعا ما سيأتي بيانه مفصلا في أوائل المقالة الثانية إن شاء الله تعالى والقطعية فصل رابع أخرج التصديق لأعمالهم التي لا تقصد لاعتقاد بالأحكام الشرعية التي ليست بقطعية من المنظونات وغيرها والمراد بالقطعية ما ليس في ثبوته احتمال ناشئ عن دليل ومع ملكة الاستنباط أي مع حصولها لمن قام به هذا التصديق فصل خامس أخرج التصديق المذكور إذا لم تكن معه هذه الملكة والمراد بها كيفية راسخة في النفس متسببة عن استجماع المآخذ والأسباب والشروط التي يكفي المجتهد الرجوع إليها في معرفة الأحكام الشرعية الفرعية التي بحيث تنال بالاستنباط أي باستخراج الوصف المؤثر من النصوص المشتملة عليه لتعدي ذلك الحكم الكائن للمحال المنصوص عليها إلى المحال التي ليست كذلك لمساواتها إياها في الوصف المذكور ومن هذا عرفت أنه لا حاجة إلى تقييد الاستنباط بالصحيح كما أفصح به صدر الشريعة وآثر لفظ الاستنباط عل الاستخراج ونحوه إشارة إلى ما في استخراج الأحكام من النصوص من الكلفة والمشقة الملزومة لمزيد التعب كما هو الواقع فإن استعماله الكثير لغة في استخراج الماء من البئر والعين والتعب لازم لذلك عادة وإشارة أيضا إلى ما بين المستخرجين من المناسبة وهي التسبب إلى الحياة مع أنها في العلم أتم فإن في الماء حياة الأشباح وفي العلم حياة الأشباح والأرواح ثم قد وضح من هذا التقرير أن كلا من قوله لأعمال المكلفين ومن قوله بالأحكام في محل النصب على أنه مفعول به للتصديق وعداه إلى أحدهما باللام وإلى الآخر بالباء لأن مما يعبر به عنه الحكم وهو من شأنه أن يعدى إلى أحد مفعوليه بالباء وإلى الآخر بعلى في مثل هذا التركيب وجعل المعدى إليه باللام هو الأعمال والمعدى إليه بالباء هو الأحكام لأن الأعمال هي الموضوع والأحكام هي المحمول ومن هنا قدم الأعمال على الأحكام لن الأصل تقديم الموضوع على المحمول وأن قوله مع ملكة الاستنباط في محل النصب على أنه حال من التصديق ثم بقي أن يقال لم قيد الأحكام الشرعية بالقطعية ثم قيد التصديق للأعمال المذكورة بها بمصاحبة هذه الملكة والجواب إنما وقع التقييد بالقطعية دفعا لما كان يلزم من كون الفقه هو التصديق لعامة عمليات المكلفين المذكورة بعامة الأحكام الشرعية لعموم كل من أعمال المكلفين والأحكام الشرعية صيغة ومعنى ويلزم لكون الفقه هذا المعنى على هذه الصرافة من العموم أنه إلى الآن لم يوجد الفقه والفقيه لأن من المعلوم أن من الأحكام الشرعية الكائنة للأعمال المذكورة ما كل من دلالة النصوص عليه ومن طريق
25
25
وصوله إلى المكلفين قطعي كالثابت بالنص من الكتاب والسنة المتواترة والإجماع المتواتر وأن هذا مما يمكن إحاطة كثير من المكلفين به فضلا عن المجتهدين ومنها ما ليس كذلك إما لكون دلالة النصوص عليه غير قطعية أو لكون طريق وصوله إلى كثير من المكلفين غير قطعي كالثابت بالقياس وبخبر الواحد من حيث هو ثابت بهما وإن هذا مما لا يمكن لأحد من البشر الإحاطة به فإن الواقعات الجزئية لا تقف عند حد ولا تدخل تحت الضبط والعد لأنها لا تنتهي إلا بانتهاء دار التكليف واللازم باطل قطعا فالملزوم مثله ثم إنما لم يكتف بالتصديق القطعي للأعمال المذكورة بالأحكام الشرعية القطعية بل ضم إليه ملكة الاستنباط لما علم من أن مفيد الأحكام الشرعية للأعمال المذكورة أحد أمرين النص عليها في خصوص محالها والقياس على المنصوص حيث يتوفر شروط القياس وأن الفقيه الذي هو المجتهد هو القيم بكليهما معرفة تفصيلية في المنصوصات السمعية المشار إليها وملكة لإدراك ما سواها على الوجه الذي يخرج به عن عهدة التكليف بها شرعا ولا يقدح في هذا ثبوت لا أدري في بعض المسائل من بعض من لا شك في كونه مجتهدا كالإمام أبي حنيفة والإمام مالك لجواز أن يكون ذلك لتعارض الأدلة تعارضا يوجب الوقف أو لعدم التمكن من الاجتهاد في الحال أو لعارض غير هذين من العوارض الموقفة للمجتهد عن الحكم بشيء معين فإذن لابد من تقييد التصديق المذكور بملكة الاستنباط ليقع استيفاء جزأي المعنى المتبادر من إطلاق اللفظ اصطلاحا وإلا كان التعريف غير تام ثم من التأمل في هذا التحقيق يندفع أن يختلج في الذهن أن حصول ملكة الاستنباط شرط للفقه لا شطر ويظهر ما أشار إليه بقوله
( ودخل نحو العلم بوجوب النية )
في الفقه حتى تكون النية واجبة في الصلاة والزكاة والصوم والحج من مسائله لأن موضوعها عمل من أعمال المكلفين القلبية التي لا تقصد لاعتقاد ومحمولها حكم من الأحكام الشرعية القطعية وهو الوجوب وقد تعلق التصديق له بالوجوب وإنما نص عل هذا دفعا لوهم اختصاص الأعمال المذكورة بأعمال الجوارح كما وقع لبعضهم وإنما قال نحو العلم بوجوب النية تنبيها على دخول أمثال هذا مما موضوعه عمل من الأعمال القلبية التي لا تقصد لاعتقاد ومحموله حكم من الأحكام الشرعية القطعية كالعلم بتحريم الحسد والرياء
( وقد يخص )
الفقه
( بظنها )
أي الأحكام الشرعية للأعمال المذكورة حتى شاع أن الفقه من باب الظنون وهذا طريق الإمام فخر الدين الرازي وأتباعه وعليه مشى المصنف في ضمن كلام له في شرح الهداية فقال والعلم مطلقا بمعنى الإدراك جنس وما تحته من اليقين والظن نوع والعلوم المدونة تكون ظنية كالفقه وقطعية كالكلام والحساب والهندسة اه
وملخص ما قالوا في وجه هذا أن الفقه مستفاد من الأدلة اللفظية السمعية وهي لا تفيد إلا ظنا لتوقف إفادتها اليقين على نفي الاحتمالات العشرة المعروفة في موضعها ونفيها ما ثبت
26
26
إلا بالأصل والأصل إنما يفيد الظن قالوا وبتقدير أن يكون منه شيء قطعي الثبوت والدلالة فهو مما علم بالضرورة من الدين وهو ليس من الفقه اصطلاحا منهم على ذلك وسيتعرض المصنف لهذا قريبا ونذكر ما قيل في وجهه وعليه وعلى هذا فلا يقال في تعريفه العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية كما وقع لبعضهم بل الظن بذلك
( وعلى ما قلنا )
من أنه التصديق الخ
( ليس هو )
أي الظن بالأحكام الشرعية لأعمال المكلفين التي لا تقصد لاعتقاد
( شيئا من الفقه )
أي جزءا من أجزائه فضلا عن أن لا يكون الفقه سواه
( ولا الأحكام المظنونة )
أي ولا يكون نفس الأحكام المظنونة جزءا من الفقه أيضا حتى أن الظن بالأحكام الشرعية القطعية للأعمال المذكورة وما موضوعه عمل من الأعمال المذكورة ومحموله حكم شرعي مظنون لا يكون من مسائل الفقه
( إلا باصطلاح )
من الاصطلاحات غير اصطلاحنا المذكور كالاصطلاح بأن الفقه كله ظني فيكون الفقه هو الظن بالأحكام المذكورة للأعمال المذكورة إذا قلنا إن الاسم موضوع بإزاء الإدراك والأحكام المظنونة إذا قلنا إن الاسم موضوع بإزاء المدرك وإلى الإشارة إلى كون الفقه يقال على كل من هذين المعنيين تعرض لنفيهما تفريعا على ما اختاره من التعريف وكالاصطلاح بأن منه ما هو قطعي ومنه ما هو ظني وقد نص غير واحد من المتأخرين على أنه الحق فيكون حينئذ كل من ظن الأحكام المذكورة ومن الأحكام المظنونة من الفقه على الاختلاف في مسمى الاسم بقي الشأن في أي الاصطلاحات من هذه أحسن أو متعين ويظهر أن ما مشى عليه المصنف متعين بالنسبة إلى أن المراد بالفقيه المجتهد لما ذكرنا ونذكر وأن الثالث أحسن إذا كان موضوعا بإزاء المدرك وما زال العمل في التدوين له من السلف والخلف على هذا وغاية ما يلزم على هذا أنه لا يوجد جملة الفقه بهذا المعنى ما بقيت دار التكليف ويلزم منه انتفاء حصوله أجمع بهذا المعنى لأحد من البشر ولا ضير في ذلك إذ لا قائل بتوقف وجود حقيقة الاجتهاد والمجتهد عليه برمته بهذا المعنى في الواقع لينتفيا بسبب انتفاء تمام جملته والله سبحانه وتعالى أعلم
( ثم على هذا التقدير )
وهو كون الفقه الظن بالأحكام الشرعية للأعمال المذكورة وكذا على تقدير كون الفقه هو الأحكام الشرعية المظنونة للأعمال المذكورة
( يخرج ما علم بالضرورة الدينية )
أي يخرج من الفقه ما صار من الأمور الظاهرة المعروف انتسابها إلى دين الإسلام بحيث صار التصديق به كالتصديق البديهي في الاستغناء عن الاستدلال حتى اشترك في معرفة كونه من الدين العوام القاصرون والنساء الناقصات كوجوب الصلوات الخمس على المكلفين ووجه الخروج ظاهر فإن العناد بين الظن والعلم مفهوما قائم وكذا يخرج هذا من الفقه عند من جعله علما واشترط في كونه متعلقا بالأحكام والأعمال المشار إليهما أن يكون عن استدلال
27
27
قيل والنكتة في ذلك أن الفقه لما كان لغة إدراك الأشياء الخفية حتى يقال فقهت كلامك ولا يقال فقهت السماء والأرض خص بالعلوم النظرية ولا يخرج هذا من الفقه على قولنا لأنه جزئي من جزئيات العلم القطعي وهو أوجه فإنه يلزم المخرج إخراج أكثر علم الصحابة بالأحكام الشرعية للأعمال المشار إليهما من الفقه فإنه ضروري لهم لتلقيهم إياه من النبي صلى الله عليه وسلم حسا ومن المعلوم بعد هذا فكذا ما يفضي إليه
قال العبد الضعيف غفر الله تعالى له والجواب عن النكتة المذكورة أنا لا نسلم أن الفقه لغة ما ذكرت فقد نص في الصحاح وغيره على انه الفهم من غير تقييد بشيء وعلى هذا لا مانع من أن يقال فقهت السماء والأرض كما لا مانع من أن يقال فهمتها بمعنى علمتهما ولو سلم ذلك فلعل المانع أن الفهم إنما يذكر في الأمور المعنوية والسماء والأرض من المحسوسات ولو سلم ذلك فليس بلازم اعتبار المناسبة بين اللغوي والاصطلاحي في خصوص هذا الوصف ولو سلم ذلك فليس هو بلازم في كل مسألة من مسائله ولو سلم ذلك فاشتراطه إنما هو بحسب الأصل وهو موجود في هذا فإن ظهوره إلى هذا الحد إنما هو بعارض كونه قد صار من شعائر الدين فلا يكون هذا العروض له بمانع من جعله من الفقه وكذا على هذا التقدير يخرج منه ما علم ثبوته قطعا من الأحكام للأعمال المشار إليهما وإن لم يكن من ضروريات الدين ومن هذا يعرف أن المصنف إذ كان مصرحا بهذا اللازم لو قال وعلى هذا التقدير يخرج ما علم ثبوته قطعا لكان أولى لشموله حينئذ ما كان من ضروريات الدين وما لم يكن كذلك
( وأما قصره )
أي الفقه
( على اليقين )
أي يقين الأحكام الشرعية العملية بأن جعل اسما له حيث كان موضوعا بإزاء الإدراك
( وجعل الظن في طريقه )
اي هذا اليقين وهو مقدمتا القياس الموصل إليه كما أشار إلى هذا الصنيع إمام الحرمين ثم فخر الدين الرازي ومن تبعه كالبيضاوي فإنه بعد أن تعرض لاعتراض القاضي أبي بكر الباقلاني تعريف الفقه بالعلم بالأحكام الشرعية بقوله قيل الفقه من باب الظنون يعني فلا يجوز أن يؤخذ العلم جنس تعريفه أجاب بما حاصله مشروحا أن المراد بالعلم بالأحكام الشرعية يؤخذ العلم جنس تعريفه أجاب بما حاصله مشروحا أن المراد بالعلم بالأحكام الشرعية العلم بوجوب العمل بها عن ظن المجتهد قطعا وكل مظنون للمجتهد ثبوت ذلك الحكم وهذا أمر قطعي لأنه ثابت بدليل قطعي وهذا الحكم مظنون المجتهد قطعا يجب العمل به قطعا أما كون الصغرى قطعية فظاهر لأن ثبوت ظن الحكم له وجداني والإنسان يقطع بوجود ظنه كما يقطع بوجود جوعه وعطشه وأما كون الكبرى قطعية فقالوا للدليل القاطع على وجوب اتباع الظن ثم لم يعينه صاحب المحصول ولا مختصروه وعينه غيرهم على اختلاف بينهم في تعيينه وأحسن ما قيل فيه أنه الإجماع كما نقله الشافعي في رسالته ثم الغزالي في مستصفاه واعترض بأنه لا يفيد القطع ودفع بأنه خلاف المختار نعم يشترط في قطعيته أن لا يكون سكوتيا كما هو قول قوم من العلماء والظاهر أن هذا كذلك فإن الشافعي على ما نقل عنه أنه لا
28
28
يرى حجية السكوتي فضلا عن كونه قاطعا وقد نقله في معرض الاستدلال وأن يكون متواترا والاستقراء يدل على أنه كذلك حتى زعم بعضهم أن هذا الحكم الثابت به من ضروريات الدين وحيث كانت هاتان المقدمتان قطعيتين فالمطلوب وهو فهذا الحكم يجب العمل به قطعا قطعي غير أنه وقع الظن في طريقه كما رأيت من التصريح به محمولا في الصغرى موضوعا في الكبرى وذلك غير موجب لظنية المقدمة لأن المعتبر في كون المقدمة قطعية أو ظنية ما اشتملت عليه من الحكم فإن ظنيا فظنية وأن قطعيا فقطعية سواء كان الطرفان ظنيين في نفسهما أو قطعيين و أحدهما ظنيا والآخر قطعياوقد علمت هنا قطعية كل من الحكمين اللذين اشتمل عليهما المقدمتان المذكورتان وإذا كان هذا هو المراد من التعريف المذكور فيلزمه أمران
أحدهما ما أشار إليه بقوله
( فمغير لمفهومه )
أي فهذا الصنيع مغير لمفهوم الاسم لأنه صار المعنى العلم بوجوب العمل بالأحكام المظنونة للمجتهد وقد كان هو العلم بنفس الأحكام الشرعية العملية وأين أحدهما من الآخر
ثانيهما
ما أشار إليه بقوله
( ويقصره )
أي هذا الصنيع الفقه
( على حكم )
واحد من الأحكام الخمسة وهو وجوب العمل بما ظنه المجتهد فيصير الفقه كله هذه المسالة الواحدة وقد كان العلم بأحكام شرعية من وجوب وندب وتحريم وكراهة وإباحة وهذان اللازمان باطلان فالملزوم مثلهما
فإن قيل المراد العلم بمقتضى الظن بالأحكام على الوجه المظنون فإن ظن وجوبه علم وجوب العمل به وإن ظن حرمته علم حرمة العمل بها وكذا الباقي والتعرض للوجوب على سبيل التمثيل أجيب بأن القياس المذكور لا يفيد إلا وجوب العمل بمقتضى الظن لا غير و لا يقال المراد وجود اعتقاد الحكم على الوجه المظنون فإذا كان الندب مظنونا وجب اعتقاد ندبيته وهكذا الباقي لأنا نقول لا دلالة للعلم بالأحكام على ذلك فحينئذ يكون التعريف فاسدا ثم هذا كله بعد تسليم صحة أن يقال أولا العلم بالأحكام ويراد العلم بوجوب العمل بالأحكام وإلا فقد يقال أولا لا دلالة له على هذا بشيء من الدلالات الثلاث ولو قيل أطلق ذلك وأريد به هذا مجازا فجوابه أنه أولا ممنوع إذ لا علاقة بينهما مجوزة له ولو سلم فمثل هذا المجاز ليس بشهير ولا قرينة ظاهرة عليه فلا يجوز استعماله في التعريفات وثانيا العلم بوجوب العمل بالأحكام مستفاد من الأدلة الإجمالية والفقه مستفاد من الأدلة التفصيلية
وثالثا
إنما يتم هذا المطلوب على مذهب المصوبة القائلين بكون الأحكام تابعة لظن المجتهد وهو قول مرجوح كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى
وأما على مذهب غيرهم فيجب عليه اتباع ظنه ولو خطأ فلا يكون مناطا للحكم ولا
29
29
وجوب اتباعه موصلا له إلى العلم قال المحقق الشريف ولا مخلص إلا أن يراد بالأحكام أعم مما هو حكم الله تعالى في نفس الأمر أو في الظاهر ومظنونه حكم الله ظاهرا طابق الواقع أو لا وهو الذي نيط بظنه وأوصله وجوب اتباعه إلى العلم بثبوته ومن ههنا ينحل الإشكال بأنا نقطع ببقاء ظنه وعدم جزم مزيل له وإنكاره بهت فيستحيل تعلق العلم به لتنافيهما وذلك لأن الظن الباقي متعلق بالحكم قياسا إلى نفس الأمر والعلم المتعلق به مقيسا إلى الظاهر
( وما قيل في )
وجه
( إثبات قطعية مظنونات المجتهد )
بناء على أن المصيب واحد كما هو المذهب الراجح على ما ذكره الفاضل العبري في شرح منهاج البيضاوي من القياس المركب المفصول النتائج لإنتاج أن الفقه عبارة عن علم قطعي متعلق بمعلوم قطعي وهو الحكم المظنون للمجتهد وإن الظن إنما هو وسيلة إليه لا نفسه
( مظنونة )
أي الحكم المظنون للمجتهد
( مقطوع بوجوب العمل به
) للدليل القاطع عليه كما سلف فهذه صغرى قطعية
( وكل ما قطع الخ )
أي بوجوب العمل به
( فهو مقطوع به )
أي بأنه حكم الله وإلا لم يجب العمل به فهذه كبرى قطعية أيضا فينتج من الضرب الثاني من الشكل الأول لازم قطعي ضرورة قطعية المقدمتين وهو مظنون المجتهد مقطوع بأنه حكم الله وهو المطلوب ولما كان كل من هذه الصغرى والكبرى محتاجا إلى كسب بقياس آخر تجعل كبرى هذا القياس صغرى لكبرى قياس آخر هكذا كل ما قطع بوجوب العمل به فهو معلوم قطعا وكل ما هو معلوم قطعا فهو مقطوع به ينتج إذا سلمت مقدمتاه كل حكم قطع بوجوب العمل به فهو مقطوع به فتثبت الكبرى المذكورة حينئذ ثم تجعل صغري القياس الأول صغرى لقياس آخر وهذه النتيجة كبراه هكذا الحكم المظنون للمجتهد مقطوع بوجوب العمل به وكل مقطوع بوجوب العمل به فهو مقطوع به ينتج إذا سلمت مقدمتاه الحكم المظنون للمجتهد مقطوع به فتثبت الصغرى حينئذ فالجواب أن تمام هذا موقوف على تسليم مقدمتيه أو قيام الدليل عل تمامهما ولم يوجد كل منهما بل هو مسلم الصغرى
( ممنوع الكبرى )
وهي وكل ما قطع بوجوب العمل به فهو مقطوع بأنه حكم الله فإنا لا نسلم أن كل ما قطع بوجوب العمل به يكون هو نفسه قطعي الثبوت بأنه حكم الله لم لا يجوز أن يكون بعضه ظني الثبوت بأنه حكم الله بل هذا هو الثابت في نفس الأمر لأن من الظاهر أن أبا حنيفة مثلا يقطع بوجوب العمل بالوتر عليه ولا يقطع بثبوت وجوب الوتر نفسه بل إنما ظنه وقع بحكم آخر بعده وهو وجوب العمل بهذا المظنون فهو نفسه مظنون ولزوم العمل قطعي فظهر أن قوله وإلا لم يجب العمل به ممنوع لظهور أنه يجب العمل بما يظن أنه حكم الله تعالى أيضا على أنه كما قال الشيخ جمال الدين الإسنوي ما ذكر وإن دل على أن الحكم مقطوع به لكن لا يدل على أنه معلوم لأن القطع أعم من العلم إذ المقلد قاطع وليس بعالم يعني وقد عرف أنه لا يلزم من ثبوت الأعم ثبوت أخص بخصوصه وإن بنى على أن كل ما هو مظنون للمجتهد فهو حكم الله قطعا كما هو رأي البعض يكون ذكر
30
30
وجوب العمل ضائعا لا معنى له أصلا ذكره المحقق سعد الدين التفتازاني ولا يمنع هذا استرواحا إلى أن الاستدلال حينئذ من الشكل الثالث هكذا الحكم المظنون للمجتهد يجب العمل به وكل ما هو مظنون للمجتهد فهو حكم الله قطعا لأنه ينتج بعض ما يجب العمل به فهو حكم الله قطعا فلا يثبت المدعي وهو كل ما يجب العمل به من الحكم المظنون للمجتهد فهو حكم الله قطعا على أن هذا بناء على رأي غير سديد هذا واعلم أنه لما ظهر من تعريف المصنف للفقه أنه مجموع أمرين العلم بالأحكام الشرعية العملية القطعية وملكة الاستنباط وقد اعترض على مثله بأن ذكرها مما يجتنب في التعريف لعدم تعين ما هو المراد منها في نفسه وخصوصا إذا أريد بها الصفة التي يقال لها التهيؤ فإنه إن أريد مطلقه كان الفقه بهذا المعنى حاصلا لغير الفقيه لجواز حصول ذلك له وإن أريد خاص منه وهو المسمى بالقريب فمتفاوت المراتب ولهذا يفضل بعض المجتهدين على بعض ولا كلي ضابط لها ليكون هو المراد فلزمت الجهالة في المرتبة المرادة منه دفعه المصنف بأن المراد منها معلوم كما أشار إليه بقول
والمراد بالملكة أدنى ما يتحقق به الأهلية )
للاجتهاد بقرينة إضافتها إلى الاستنباط وهي أدنى المراتب التي بها يصير في رتبة الاجتهاد وهي التي لابد منها لكل مجتهد ومتى نزل عنها لم يكن مجتهدا
( وهو )
أي أدنى ما يتحقق به ذلك
( مضبوط )
في شروط مطلق الاجتهاد كما سيأتي وتقدمت العبارة الإجمالية عنه والحاصل أن هذه المرتبة مضبوطة بأن يراد بها الاتصاف بشروط الاجتهاد المذكورة في الفن ولا يضر لزوم اختلافها بالزيادة بالنسبة إلى بعض الأشخاص وإلا لم يثبت حكم بالاجتهاد ولم يصح إطلاق المجتهد على أحد وكلاهما منتف قطعا وخفاء هذا على من لا شعور له بمعاني اصطلاحات هذا الفن غير ضائر كما هو غير خاف فلا جهالة قادحة في صحة التعريف
ثم بقي أن يقال قد بقي لهذا التعريف جزء آخر كالصورة له وهو الإضافة وكما توقفت معرفته على معرفة الجزأين الماضيين اللذين كالمادة له يتوقف معرفته على معرفة هذا الجزء فلم لم يتعرض له والجواب أنه إنما لم يتعرض له للعلم بأن معنى إضافة المشتق وما في معناه كالأصل اختصاص المضاف بالمضاف إليه باعتبار مفهوم الإضافة مثلا دليل المسألة ما يختص بها باعتبار كونه دليلا عليها فأصل الفقه ما يختص به من حيث إنه مبني له ومستنده
( وعلى الثاني )
أي وأما تعريف أصول الفقه على أنه علم على هذا العلم
( فقال كثير أما تعرفه )
أو حده كما قال ابن الحاجب
( لقبا )
أي حال كون هذا الاسم لقبا لهذا العلم أو من جهة كونه كذلك فعبروا باللقب لا العلم
( ليشعروا برفعة مسماه )
أي ليعلموا الواقفين على هذه العبارة بالتنويه بمسمى هذا العلم مع تمييزه عن غيره لأن اللقب علم مشعر مع تمييز المسمى برفعته أو ضعته ولفظ أصول الفقه كذلك فإنه مشعر بابتناء الفقه في الدين على مسماه وهو صفة مدح لأن بالفقه في الدين نظام المعاش ونجاة المعاد بخلاف التعبير عن اسمه بالعلم فإنه لا يتعين
31
31
أن يكون فيه إشارة إلى هذه الرفعة فإن من أقسام العلم الاسم وهو إنما وضع على المسمى لمجرد التمييز من غير نظر إلى تعظيم ولا تحقير
( وبعضهم علما )
أي وقال بعضهم علما مكان لقبا وهو العلامة صاحب البديع ونقل عنه أنه قال وإنما لم نقل لقبا كما ذكره ابن الحاجب لأن اللقب أخص من العلم باعتبار أنه اعتبر في اللقب قيد كونه منبئا عن مدح أو ذم وذلك لا مدخل له في كونه معرفا تعريفا حديا وإلى شرح هذا أشار المصنف بقوله
( لأن التعريف )
الحدي إنما هو
( إفادة مجرد المسمى لا )
إفادة المسمى
( مع اعتبار ممدوحيته )
التي هي وصف له أيضا
( وإن كانت )
الممدوحية في نفس الأمر
( ثابتة ) للمسمى لأن التعريف الحدي إنما هو للحقيقة من حيث هي ثم إذ لم يلزم من كون الممدوحية وصفا ثابتا له في هذه الحالة أن يكون التعريف له باعتبارها لم يكن التصريح بحده مقيدا بالنظر إلى مطلق علميته التي لا دلالة لها من حيث هي على الممدوحية نفيا للممدوحية
( فلا يعترض )
على صاحب البديع
( بثبوتها )
أي بأن الممدوحية ثابتة له في نفس الأمر كما وقع من الشيخ سراج الدين الهندي حيث قال في شرحه ويرد عليه أن كونه علما لعلم هو صلاح أمر الدين والدنيا مدح له ففيه دلالة على المدح فيكون لقبا وجوابه بأن كونه مدحا باعتبار مفهومه الإضافي لا باعتبار دلالته على ذلك الشخص ليس بقوي فإن جميع الألقاب باعتبار دلالته على ذلك الشخص كذلك وإنما المعتبر في كونه مدحا تسميته بما يدل على المدح قبلها اه
فإن صاحب البديع ليس بمنكر أنه يشعر بذلك وأن اسمه لقب في نفس الأمر وإنما الكلام في تعريف مسمى لفظ أصول الفقه وهو ليس باعتبار إشعاره بذلك بل باعتبار ما يميزه عن غيره فقط وكذا كل تعريف سواء كان في نفس الأمر لقبا أولا فيتجه قول القائل علما على قول القائل لقبا ثم يحتاج الكل إلى التقصي عما اشتهر من ان الشخصي لا يحد وإنما طريق إدراكه الحواس لأنه إن أخذت العوارض المشخصة فيه فهي في معرض التغيير والتبديل وإن اقتصر على مقومات الماهية لم يكن حدا له من حيث إنه شخص وبهذا يندفع ما عسى أن يقال المحدود هنا هو المسمى المفهوم للعلم لا الشخص من حيث هو شخص لأن الفرض أنهم قالوا أما تعريفه علما ولقبا وقد عرفت أنه علم شخصي فكأنهم قالوا أما تعريفه من حيث هو شخصي ويمكن الجواب بأن المراد بحده هنا ما يفيد امتيازه عن جميع ما عداه من أفراد مطلق العلم الموجودة في نفس الأمر ولا خفاء في أن المذكور له تعريفا في هذه الحالة يفيد ذلك والحد بهذا المعنى مما يصلح أن يكن للشخصي كما يكون لغيره كما نبه عليه المحقق التفتازاني على أن لقائل أن يقول المشخصات في مثل هذا ليست في معرض التغيير والتبديل مع فرض بقاء ماهيته الخاصة لأنها هي المقومات لها حتى متى ما زالت وإنما ذلك في الشخصيات من الأعيان والله سبحانه أعلم
ثم أخذ المصنف في تمهيد تحقيق يتفرع عليه اختلاف التعريف العلمي باختلاف ما اسم
32
32
العلم موضوع بإزائه فقال
( وكل علم كثرتا إدراكات ومتعلقاتها )
الإضافة في كثرتا إدراكات ومتعلقاتها بيانية أي كل علم من العلوم المدونة عبارة عن كثرتين كثرة هي إدراكات وكثرة هي متعلقات تلك الإدراكات بفتح اللام لأن إضافة العلم إلى المتعلق المسماة بالتعلق بالمعلوم لابد منها أما على أنها داخلة في حقيقة العلم كما هو أحد المذهبين فيها فظاهر وأما على أنها عارض لازم له كما هو المذهب الآخر الراجح فكذلك وحينئذ فإما أن يكون المراد بالإدراكات ما يعم التصديقات بالمسائل ويعم المبادي بالمعنى الأخص لها وهو على ما قالوا ما لا يكون مقصودا بالذات بل يتوقف عليه ذلك سواء كان من قبيل التصورات أو التصديقات لأن المشهور أن المبادي بهذا المعنى من أجزاء العلم
وشيخنا المصنف موافق على ذلك كما سمعته منه في بعض المج السو الإدراك أي وصول النفس إلى المعنى بتمامه من نسبة أو غيرها يقال على ما يعم التصديق والتصور ولهذا قد يقسم إليهما ويجعل جنسا لهما وهو سائغ لا نزاع فيه وإنما لم نقل وما يعم التصديق بهلية ذات الموضوع أيضا مع تصريح بعض أعيان المتأخرين بأنه أيضا من أجزاء العلوم لأن شيخنا المصنف لم يختره كما سيشير إليه ونقرره إن شاء الله تعالى ويكون المراد بالمتعلقات هذه المدركات وإما أن يكون المراد بالإدراكات التصديقات وبالمتعلقات المسائل بناء على أن مقاصد العلوم بالذات هي مسائلها التي إدراكاتها تصديقات فالمقصود منها الإدراكات التصديقية
وأما الموضوع فإنما احتيج إليه ليرتبط بعض المسائل ببعض ارتباطا يحسن معه جعل تلك المسائل الكثيرة علما واحدا والمبادئ احتيج إليها لتوقف تلك المسائل عليها توقف المقصود على الوسيلة الأولى أن تعتبر تلك الإدراكات التصديقية على حدة وتسمى باسم وحينئذ فلعل من جعل الموضوع والمبادي من أجزاء العلوم تسامح في ذلك بناء على شدة احتياج المسائل إليهما فنزلا منزلة الأجزاء ثم بعد أن تشاركت العلوم كلها في كونها تصديقات وأحكاما بأمور على أخرى إنما صار كل طائفة من التصديقات علما خاصا بواسطة أمر ارتبط به بعضها ببعض وصار المجموع ممتازا عن الطوائف الأخر بحيث لولاه لم يعد علما واحدا ولم يستحسنوا إفراده بالتدوين والتعليم وذلك الأمر بحسب الواقع إما موضوع العلم بأن يكون مثلا موضوعات مسائله راجعة إلى شيء واحد كالعدد للحساب وإما غايته كالصحة في مسائل الطب الباحث عن أحوال بدن الإنسان والأدوية والأغذية من حيث إنها تتعلق بالصحة وقد يجتمعان معا كما في أصول الفقه إذ البحث فيه عن أحوال الدليل السمعي لاستثمار الأحكام قالوا والاصل الذي لابد من اعتباره في جهة الوحدة هو الموضوع لأن المحمولات صفات مطلوبة لذوات الموضوعات فإن اتحد فذاك وإن تعدد فلابد من تناسبها في أمر واتحادها بحسبه أما في ذاتي كأنواع المقدار المتشاركة فيه لعلم الهندسة أو عرضي
33
33
كموضوعات الطب في الانتساب إلى الصحة وكأقسام الدليل السمعي في الدلالة على الأحكام إن جعلت موضوعا لهذا الفن ومن ثمة نراهم يقولون تمايز العلوم بتمايز الموضوعات بأن يبحث في هذا عن أحوال شيء أو أشياء متناسبة وفي ذاك عن أحوال شيء آخر أو أشياء متناسبة أخرى ولا يعتبرون رجوع المحمولات إلى ما يعمها فالموضوع إما واحد أو في حكمه كما إذا قيس المتعدد إلى وحدة الغاية
وذهب شيخنا المصنف إلى أن الأصل في جهة الوحدة هي وحدة الغاية فقال
( ولها وحدة غاية تستتبع وحدة موضوعها أول الملاحظة وفي التحقق الاتصافي بالقلب )
أي وللإدراكات ومتعلقاتها التي هي معنى العلم جهة وحدة هي غايتها المقصودة أولا وبالذات من تحصيل تلك الكثرة بل ومن وضع موضوع تلك الكثرة أيضا ليبحث عن أحواله فتحصل الكثرتان ثم هذه الوحدة تستتبع وحدة أخرى هي وحدة الموضوع أي تجعل هذه الوحدة وحدة الموضوع تابعة لها بيانه أن الغرض من وضع سائر العلوم الذي هو تعليم أحوال الأشياء ليس ذات معرفة تلك الأحوال بل معرفة ما يترتب على معرفتها من مقاصد أخرى مهمة فأول ما يقع للإنسان مثلا طلب عصمة اللسان عن الخطأ فيما تسميه الأعراب نفيا للنقص والعيب عنه يأخذ ينظر ما يوصله إليه فيظهر له أنه معرفة ما يعرض من الأحكام للكلم العربية في التركيب فيضع الكلم العربية ليبحث عن أحوالها ماذا يكون عند التركيب فما وضع الموضوع ليبحث عن حاله إلا لتحصيل المقصود الذي هو العصمة الخاصة وهي الغاية هذا في أول عروض حاجته إلى الغاية ثم إذا وضعه وبحث عن أحواله واتصف بها لأن حاصله علم بأحوال أشياء اتصف بنفس الغاية فظهر أن الغاية مقدمة على ذي الغاية من حيث التصور وأما من حيث الوجود الاتصافي فالاتصاف بنفس العلم بالأشياء يكون في الخارج أولا ثم يتصف بعده بالغاية
مثلا بعد أن اتصف بالعلم بأحوال الكلم العربية في التركيب اتصف بقدرة على عصمة نفسه عن الخطأ في الإعراب وهذا معنى قوله وفي التحقيق الاتصافي بالقلب ومن هنا قالوا غاية الشيء علة له في الذهن معلولة له في الخارج أي سابقة له في التصور فإنها باعثة للفاعل على إيجاد ذي الغاية في الخارج متأخر وجودها في الخارج عن وجوده فيه فهذا الذي اختاره المصنف أظهر ثم إذا عرف هذا فنقول
( وأسماء العلوم )
المدونة من الفقه والأصول وغيرهما موضوعة اصطلاحا
( لكل )
من الكثرتين باعتبار أمر ربط البعض بالبعض وجعل المجموع شيئا واحدا
قال المصنف يعني اسم العلم الذي هو النحو مثلا يوضع تارة بإزاء لكثرة العلمية وباعتباره يقال هو علم بأحوال الكلم الخ وتارة بإزاء المعلومات وهي الكثرة للمتعلقات بتلك الإدراكات وباعتباره يقال فلان يعلم النحو فإن المعنى يعلم أحكام الكلم لا يعلم العلم بأحكام
34
34
الكلم وليس المراد أنه يوضع مرة لهذه الكثرة ولا يوضع للأخرى ومرة يوضع للأخرى دون هذه بل كل اسم لعلم فهو مشترك فرغ من وضعه لكل من الكثرتين بوضعين بدليل أن كل اسم علم يستعمل على النحوين
( وكما )
نقول استطرادا
( القاعدة والقضية )
يقال كل منهما اصطلاحا لكل من المعلومات المتعلق بها العلوم الكائنة بالمحكوم عليه وبه والنسبة ومن العلم المتعلق بالنسبة المذكورة وهو المسمى بالحكم فإن الحق أن الحكم من قبيل الإدراكات فهو كيف لا فعل للنفس لما ثبت أن الأفكار ليست موجدة للنتائج بل معدات للنفس لقبول صور النتائج العقلية عن واهبها وهو عندنا الله تبارك وتعالى والنتيجة هي العلم الثالث بشيء وليس هو إلا حكما بأن كذا لكذا فإذا لم يكن للنفس فيه فعل وتأثير كان صورة إدراكية مفاضة من الوهاب جل جلاله بعد العلم بالمقدمتين فلزم أن الحكم ليس فعلا لها كذا قرره المصنف رحمه الله
قلت ومن إطلاقهما مرادا بهما الإدراك إطلاق القاعدة على الحكم بأن المجاز خير من الاشتراك اللفظي وقولهم القضية إما صادقة أو كاذبة ومن إطلاقهما مرادا بهما المدرك قولهم القاعدة قضية كلية كبرى لصغرى سهلة الحصول والقضية قول يصح أن يقال لقائله إنه صادق فيه أو كاذب ثم إذا تقرر هذا فلا ريب أن الجدير بكل طالب علم أن يتصوره أولا بحده أو رسمه ليكون على بصيرة أو زيادتها في طلبه لأن التعريف للعلم إنما يؤخذ من جهة وحدة الموضوع أو الغاية أو كلتيهما لأن حقيقة ذلك العلم تتميز عن الحقائق الأخر بتلك الجهة ومن هنا يعلم كون التعريف حقيقيا أو رسميا وإنما كان الجدير بالطالب هذا لأنه لو لم يتصوره بوجه استحال طلبه ولو توجه إلى تصور كل واحد من أفراد تلك الكثرة بخصوصه تعذر عليه ذلك أو تعسر ولو اندفع إلى طلب الكثرة من حيث إنها جزئي للمفهوم العام قبل ضبطها بجهة الوحدة لم يتميز عنده المطلوب ولم يأمن أن يؤديه الطلب إلى غيره فيفوت ما يعنيه ويضيع عمره فيما لا يغنيه فحينئذ الجدير بطالب علم الأصول أن يتصوره أولا بحده غير أنه إذ كان التعريف له اسميا وأسماء العلوم تقال عليها بكل من الاعتبارين فحسن أن يعرف بالنظر إلى كل منهما
( فعلى الأول ) أي فيقال عل أن لفظ أمول الفقه موضوع بإزاء الإدراك
( هو )
أي مسمى هذا الاسم
( إدراك القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الفقه )
فإدراك مع قطع النظر عن كون متعلقه القواعد جنس صالح لأن تكون هي متعلقه وغيرها من الجزئيات والكليات وبإضافته إلى القواعد خرج إدراك الجزئيات وما عدا القواعد من الكليات والمراد بإدراكها التصديق بها أعم من أن يكون قطعيا أو ظنيا مطابقا للواقع أو غيره مطابق كما سيظهر
والمراد بالقواعد هنا القضايا الكلية المنطبقة على جزئياتها عند تعرف أحكامها فالمراد بها حينئذ المعلومات كما سيأتي قريبا بيانه وبقوله التي يتوصل بمعرفتها إلى استنباط الفقه خرجت القواعد التي ليست كذلك سواء كانت تلك لا يتوصل بها إلى شيء لكونها مقصودة
35
35
لنفسها أو يتوصل بها إلى غير الفقه سواء كان ذلك من الصنائع أو العلوم ومنه علم الخلاف فإنه علم يتوصل به إلى حفظ الأحكام المستنبطة المختلف فيها بين الأئمة أو هدمها لا إلى استنباطها ومنه علم الجدل فإنه علم بقواعد يتوصل بها إلى حفظ رأي أو هدمه أعم من أن يكون في الأحكام الشرعية أو غيرها فنسبته إلى الفقه وغيره سواء فإن الجدلي إما مجيب يحفظ وضعا أو معترض يهدم وضعا نعم أكثر الفقهاء فيه من مسائل الفقه وبنوا نكاته عليها حتى توهم أن له اختصاصا به وانطبق التعريف على مسمى أصول الفقه من غير حاجة إلى زيادة على وجه التحقيق لإخراج هذين العلمين كما فعل صدر الشريعة
فإن قلت من الظاهر أن المراد بالفقه هنا ما تقدم فيصير تقدير الحد إدراك القواعد المتوصل بمعرفتها إلى استنباط التصديق لأعمال المكلفين التي لا تقصد لاعتقاد بالأحكام الشرعية القطعية مع ملكة الاستنباط وفيه ما فيه قلت لا ضير فيه فإن المراد باستنباط التصديق المذكور الاستدلال عليه بضم القاعدة الكلية التي تقع كبرى إلى الصغرى السهلة الحصول في الشكل الأول ليخرج المطلوب الفقهي من القوة إلى الفعل ولا نكير في هذا غايته أن هذا لا يتأتى إلا للمجتهد لأن تحصيل تلك القاعدة الكلية ثم تركيبها مع غيرها على الوجه المنتج للمطلوب يتوقف على البحث عن أحوال الأدلة والأحكام ومعرفة الشرائط والقيود المعتبرة في كلية القاعدة وبالجملة يتوقف ذلك على قيام ملكة الاستنباط بالمحصل وهي لا تكون إلا لمن هو في رتبة الاجتهاد ولا باس بالقول باختصاص قيام هذا العلم أجمع بمن هو في هذه المرتبة حتى أن من ليس كذلك فهو إما عادم له أو ذو حظ منه بحسبه ولا يقال التعريف صادق على العلم بقواعد العربية والكلام لأنه يتوصل بكل منهما إلى استنباط الفقه لأنا نقول المراد بالتوصل بمعرفتها التوصل القريب بمساعدة باء السببية وإطلاق التوصل إلى ذلك إذ البعيد إنما يكون في الحقيقة إلى الواسطة ومنها إلى استنباط الفقه وكل من القواعد العربية والقواعد الكلامية من هذا القبيل فإنه يتوصل بقواعد العربية إلى معرفة كيفية دلالة الألفاظ على مدلولاتها الوضعية وبواسطة ذلك يقتدر على استنباط الأحكام من الكتاب والسنة وبقواعد الكلام إلى ثبوت الكتاب والسنة ووجوب صدقهما ليتوصل بذلك إلى الفقه
فإن قيل التوصل المذكور لا يكون إلا بقواعد المنطق فيكون المنطق جزءا من الأصول أجيب بأن وصف القواعد بالتوصل يشعر بمزيد اختصاص لها بالأحكام ولا كذلك قواعد المنطق ثم في قوله يتوصل الخ إشارة إلى أن هذا العلم طريق إلى غيره غير مقصود بالذات لنفسه وإلى أن غايته حصول غيره كما هو شأن العلوم الآلية كما أن غاية العلم المقصود حصول نفسه
قال شيخنا المصنف رحمه الله وإن كان له غاية أخروية أو دنيوية إذ ليس مسمى الغاية
36
36
إلا ما علمت اه وهو حسن وإلى وحدة غايته فإن الغاية المقصودة منه هي التمكن من استنباط الأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية
( وقولهم )
أي جمع من الأصوليين في تعريفه
( عن )
الأدلة
( التفصيلية )
بعد قولهم العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية كما هو تعريف ابن الحاجب وصاحب البديع وغيرهما
تصريح بلازم )
ظاهر للاستنباط فإن استنباط الأحكام المذكورة لا يكون إلا كذلك فهو بيان للواقع لا للاحتراز عما هو داخل بدون ذكره إذ لم يوجد علم بقواعد يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها الإجمالية حتى يحترز بذكر التفصيلية عنه فلا ضير في تركه بل لعل تركه أدخل في باب التحقيق في شأن الحدود
( وإخراج )
علم
( الخلاف )
عن تعريف علم الأصول
( به )
أي بقولهم عن أدلتها التفصيلية كما في البديع فإن قول الخلافي مثلا ثبت بالمقتضي السالم عن المعارض ولم يبينه أو لو ثبت لكان مع المنافي ولم يبينه تمسك بالدليل الإجمالي
( غلط )
فإنه لابد من تعيين ذلك المقتضي أو المنافي وإن أجمل في أول كلامه فيقول ثبت مع المقتضي وهو كذا أو مع المنافي وهو كذا وحينئذ فهو متمسك بالدليل التفصيلي وإلا لم يثبت له شيء لأن كلامه حينئذ مجرد دعوى أن هناك مقتضيا أو نافيا مثاله لو قال الحنفي المعلل الوتر واجب لا يكفيه أن يقتصر على قوله لوجود المقتضي بل لابد أن يعينه بأن يقول مثلا وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم
الوتر حق فمن لم يوتر فليس مني الوتر حق فمن لم يوتر فليس مني الوتر حق فمن لم يوتر فليس مني
كما رواه الحاكم وصححه ولو قال المعترض الشافعي الوتر ليس بواجب لا يكفيه أن يقتصر على قوله إذ لو ثبت وجوبه لكان مع المنافي بل لابد أن يعينه بأن يقول مثلا وهو ما في الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر على البعير فيحتاج المعلل إما أن يجمع بينهما بأن حديث ابن عمر واقعة حال لا عموم لها فيجوز أن يكون ذلك لعذر أو يرجح حديث الحاكم بأنه قول والقول مقدم على الفعل إلى غير ذلك فلم يذكر كل منهما إلا دليلا تفصيليا فظهر أن الاحتراز عن علم الخلاف لم يقع بقولهم عن الأدلة التفصيلية بل إنما وقع بما في الحد من وصف القواعد بكونها يتوصل بها إلى استنباط الفقه ثم نقول استطرادا
( وعليه )
أي على أن اسم العلم بإزاء الإدراك
( ما تقدم من )
تعريف
( الفقه )
تغليبا لأحد جزأيه الذي هو التصديق المذكور على الجزء الآخر الذي هو ملكة الاستنباط فإن التصديق إدراك وهو كالأصل في حصول الملكة
واعلم أنه لما وقع لجماعة كابن الحاجب تعريف الأصول بالعلم بالقواعد وفسره أعيان من المتأخرين كشمس الدين الأصفهاني وسراج الدين الهندي وسعد الدين التفتازاني بأنه الاعتقاد الجازم المطابق ووقع عند المصنف عدم اشتراط المطابقة والجزم لوجود المقتضي لعدم اشتراطهما أفاض في بيان ذلك فقال
( وجعل الجنس )
في تعريف الأصول إذا كان موضوعا بإزاء الإدراك
( الاعتقاد الجازم المطابق )
للواقع لموجب احترازا بالجزم عن الظن
37
37
وبالمطابقة عن الجهل وحذفوا هذين القيدين اللذين ذكرناهما للعلم بهما
( مشكل بقصة المخطئ في )
علم
( الكلام )
فإن مقتضى هذا الجعل أن لا يكون شيء من الإدراك الظني للقواعد المذكورة ومن الإدراك القطعي لها الذي ليس بمطابق للواقع من أصول الفقه لكن صرح القاضي عضد الدين وغيره بأن المخالف وإن خطئ سواء بدع في اعتقاده وفيما يتمسك به في إثباته كالمعتزلة أو كفر كالمجسمة لا يخرجه من علماء الكلام ولا علمه الذي يقتدر معه على إثبات عقائده الباطلة ولا مسائله من علم الكلام فإنه كما قال شيخنا المصنف علم الكلام يقال لما يبحث عن أحوال موضوعه الخاص الذي هو المعلوم من حيث يثبت له ما يصير معه عقيدة دينية أو ذات الله تعالى على اختلافهم فيدخل في ذلك علم المخطئ لأنه يبحث عن أحوال موضوعة كذلك فإذا كان هذا في الكلام وهو أعلى العلوم وألزمها قطعا بالمسائل ففي الأصول أولى ولاشك أن إدراك المخطئ ليس مطابقا في كل علم فلزم أن لا يذكر في علم من العلوم لفظ العلم جنسا ويراد به ذلك قلت وفي هذا دليل على أن أسماء العلوم إنما وضعت بإزاء ما أدى إليه البحث عن أحوال موضوعها من التصديقات أو المسائل طابقت أو لم تطابق ثم هذا بيان للمقتضي لدخول غير المطابق هنا وأما بيان المقتضي لدخول التصديق الظني فأشار إليه بقوله
( ولأنا نمنع اشتراطه )
أي الاعتقاد الجازم المطابق
( في الأصول )
قال المصنف لأن هذه القواعد التي هي مسائل أصول الفقه مما يكفي الظن في أن تنسب إلى موضوعاتها وهي الكليات الجارية على خصوصيات الأدلة التفصيلية أحكامها كالأمر للوجوب والنهي للتحريم وتخصيص العام يجوز والمشترك لا يعم وخبر الواحد مقدم على القياس الجاريات على أقيموا الصلاة لا تقربوا الزنى لا تقتلوا النساء والصبيان وخبر القهقهة ونحو ذلك قلت ثم هنا تنبيهات
أحدها
أنه قد ظهر أن هذا المنع الثاني الصريح المتسلط على اشتراط جملة هذا المركب التقييدي إنما هو راجع إلى اشتراط الجزم منه كما أن المنع الأول بالقوة إنما هو راجع إلى اشتراط المطابقة منه ولا ريب في صحة مثله لأنه لا وجود لجملة المركب بدون وجود جميع أجزائه
ثانيها
إن قلت كيف يسوغ هذا وقد تقرر أن الحد لا يمنع قلت ليس هذا بالمنع الممنوع وإن كان بلفظ المنع وإنما هو بيان خلل في الحد أوجب عدم كونه جامعا ومثله لا شك في جوازه
ثالثها أن قلت إذا كان هذا الإدراك الخاص طريقا إلى الفقه ومنه ما هو ظن لقاعدة مظنونة في نفسها يلزم منه أن يكون هذا الإدراك الخاص المتعلق بجزئياتها ظنا أيضا وأن تكون جزيئا القاعدة المظنونة مظنونة أيضا فلا يتم كون الفقه التصديق القطعي فقد أجاب المصنف عن هذا بما حاصله القول بالموجب ومنع تمام كون الفقه التصديق القطعي اصطلاحا
38
38
وأفاد أن ظن الأحكام المذكورة كوجوب الوتر وحرمة اليراع والشطرنج واستنان الأربع بتسليمة وكراهة التنفل قبل المغرب وما لا يحصى من أفراد الأحكام المظنونة متعلقات للفقه لا من الفقه لأن متعلقات الفقه ليست من ذاته ثم إذ قد ظهر أن اللازم أن لا يذكر في تعريف علم من العلوم لفظ العلم جنسا ويراد به الاعتقاد الجازم المطابق
( فالأوجه كونه )
أي معنى العلم جنسا في تعريف أي علم كان
( أعم )
من الجازم والمطابق
قال المصنف هذا إن شرط في ذلك العلم الجزم بالمسائل ولم يكتف فيه بالظن وإن اكتفى به فأحرى ثم إن الأصول ليس كالكلام فإن بعض مسائله ظنية كما تقدمت الإشارة إليه فلهذا عدل المصنف إلى جعل الجنس الإدراك الأعم من اليقين الكائن في المسائل الإجماعية من الأصول والجهل المركب الكائن من المخطئ في خلافياته والظن الكائن في الظنية منه والله سبحانه أعلم
( وعلى الثاني )
أي ويقال في تعريف أصول الفقه على أنه موضوع بإزاء المدرك
( القواعد التي يتوصل بمعرفتها )
إلى استنباط الفقه وإنما حذفه للعلم به مع قرب العهد حتى لو أريد الاقتصار على تعريفه بهذا الاعتبار وجب ذكر هذا المحذوف ثم عرفت أنه لا يشترط في هذه القواعد القطع ولا المطابقة وأن وصفها بكونها يتوصل بمعرفتها توصلا قريبا إلى استنباط الفقه مخرج لما عداها ثم لا باس أن يقال توضيحا
( والقواعد هنا ) أي في هذا التعريف
( معلومات أعني المفاهيم التصديقية الكلية من نحو الأمر للوجوب )
والنهي للتحريم وخبر الواحد يفيد الظن لا نفس الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس كما ظنه بعضهم
( ولذا )
أي ولأجل أن المراد هنا بلفظ القواعد المعلومات
( قلنا )
يتوصل
( بمعرفتها )
لأنها حينئذ تكون معروفة مدركة وإلا كان المعنى يتوصل بعلم العلم كذا عن المصنف يعني لو كان المراد بها الإدراكات ولقائل أن يقول لا ضير في ذلك لأنها تصير مدركة للإدراك وإن كانت هي في نفسها إدراكا أيضا كما تقدم نظيره في شرح قوله والوجه أنه شخصي بل التوصل المذكور إنما هو بمعرفتها بل برعايتها واستعمال مقتضياتها سواء كانت مدركات أو إدراكات وإن كانت هي في حد ذاتها صالحة للتوصل كما هو الشأن في سائر الآلات الموضوعة لتحصيل ما وضعت لتحصيله نعم الشائع أن يقال فيما هو مدرك في حد ذاته يتوصل بمعرفته فيما هو إدراك في نفسه يتوصل به تحاشيا عن صورة التكرار ولعل هذا هو مراد المصنف ثم في ظني أني كنت قد سألت المصنف رحمه الله تعالى عن وجه تخصيص التنبيه على أن القواعد هنا معلومات مع أنها في التعريف الأول كذلك فأجابني بما معناه لأنه ليس في كونها كذلك هناك لبس واحتمال بخلافها هنا
( ومعناها ) أي القاعدة من حيث هي مرادا بها المعلوم فينطبق على كل قاعدة من هذه القواعد لأنها من ما صدقاتها كغيرها أيضا لأن القواعد تضمنتها والمقيد يشتمل على المطلق
( كالضابط والقانون والأصل والحرف )
أي مثل معنى هذه الألفاظ اصطلاحا وإن كانت في الأصل لمعان غير ما نذكره من
39
39
المعنى الاصطلاحي لها أما ما عدا القانون فظاهر وأما القانون فلأنه في الأصل لفظ سرياني روي أنه اسم المسطر بلغتهم إما مسطر الكتابة أو الجدول والمعنى الاصطلاحي المترادفة هذه الألفاظ فيه
قضية كلية كبرى لسهلة الحصول )
أي لقضية صغرى سهلة الحصول فيخرج الفرع بترتيبها معها من القوة إلى الفعل وإنما لم يذكر هذا للعلم به ثم هذا هو المراد بما يقال أمر كلي منطبق على جزئياته عند تعرف أحكامها منه فإذن ما في الكتاب أجلى وأولى ثم إنما وصف القضية وقدمنا تعريفها بالكلية لأن القضية الجزئية أو الشخصية لا تسمى بشيء من هذه الأسماء وبكونها كبرى لأنه المحقق لتسميتها بهذه الأسماء وبكون صغراها سهلة الحصول لأنها من قبيل حمل الكلي على ما هو جزئي له وقد أشار إلى سبب سهولتها بقوله
( لانتظامها )
أي لكون صغراها منتظمة
( عن )
أمر
( محسوس )
والمراد بالفرع الذي يخرج بجعلها كبرى لتلك الصغرى من القوة إلى الفعل حكم ذلك الجزئي الذي حمل عليه الكلي ثم أشار بقوله
( كهذا نهي وأمر )
إلى مثالين للصغرى المذكورة من الأصول وهما أن يقال مثلا في قوله تعالى ! < ولا تقربوا الزنى > ! هذا أو لا تقربوا الزنى نهي وفي قوله تعالى ! < وأقيموا الصلاة > ! هذا أو أقيموا الصلاة أمر إذ لا خفاء في أن كلا من لا تقربوا الزنى وأقيموا الصلاة شيء محسوس بحاسة السمع فإذا ضممت إليه القاعدة التي هي وكل نهي للتحريم وكل أمر للوجوب انتظمت معه كبرى وخرج بهذا الترتيب الفرع وهو لا تقربوا الزنى للتحريم وأقيموا الصلاة للوجوب من القوة إلى الفعل
قال المصنف رحمه الله ومثال ذلك من الفقه قولنا كل تصرف أوجب زوال الملك في الموصى به فهو رجوع عن الوصية فإذا وجد بيع للموصى به انتظمت الصورة السهلة المسندة إلى الحس وهو قولنا هذا تصرف أوجب زوال الملك في الموصى به وتضم الكبرى هكذا وكل تصرف أوجب زوال الملك في الموصى به فهو رجوع عن الوصية فيخرج الفرع هذا رجوع عن الوصية ثم هنا تنبيه وتكميل فالتنبيه لم يذكر المصنف تعريف الفقه على اعتبار وضعه للكثرة المدركة لأنه لم يقع التعرض لتعريفه إلا لوقوعه جزءا من تعريف الأصول بالمعنى الإضافي وحيث عرفه بناء على اعتبار وضعه للكثرة الإدراكية اقتصر عليه لاندفاع الضرورة به وأنت إذا أردت تعريفه باعتبار وضعه للكثرة المدركة فلا يخفى عليك مما تقدم فعلى المنهج الذي سلكه المصنف المسائل التي موضوعاتها أعمال الملكفين التي لا تقصد لاعتقاد ومحمولاتها الأحكام الشرعية القطعية مع ملكة الاستنباط وعلى سبيل من خصصه بالظن إبدال القطعية بالظنية وعلى طريق من جعل بعضه قطعيا وبعضه ظنيا الجمع بينهما وأما التكميل فاعلم أن اسم العلم كما يوضع بإزاء كل من الكثرتين المذكورتين ويعرف باعتبار كل منهما يوضع بإزاء الملكة ويعرف باعتبارها كما صرحوا به في شرح غير ما تعريف بل بعد أن ذكر بعض الأفاضل أن الظاهر أن العلم حقيقة في الإدراك مجاز في القواعد المدركة
40
40
إطلاقا للمصدر على المفعول ولم يجعل حقيقة فيها ترجيحا للمجاز على الاشتراك وكذا إطلاق العلم على الملكة مجازا إطلاقا لاسم المسبب على السبب أو بالعكس قال وقد يقال يتبادر إلى الفهم من إطلاق العلم على العلوم المدونة والصناعات الملكة أو القواعد من غير استعانة بقرينة وهذا آية النقل فلفظ العلم فيهما حقيقة عرفية واصطلاحية اه وعلى هذا فتعريفهما على منهاج المصنف أن يقال الأصول الملكة الحاصلة من القواعد التي يتوصل بمعرفتها إلى استنباط الفقه هذا إن أريد بالفقه إحدى الكثرتين فإن أريد به الملكة قيل إلى حصول الفقه أو إلى الفقه والفقه الملكة التي يتوصل بها إلى التصديق بالأحكام الشرعية القطعية لأعمال المكلفين التي لا تقصد لاعتقاد والاستنباط
( وهذا )
التعريف
( اسمي )
وكذا ما تقدمه وكأنه إنما خصصه لقربه وظهور جريان هذا فيما قبله أيضا وإنما كانت هذه حدودا اسمية لأنها تعريف مفهوم الاسم وما تعقله الواضع فوضع الاسم بإزائه وهو بهذا الاعتبار اسمي البتة لأنه جواب ما التي لطلب مفهوم الاسم ومتعقل الواضع وهو هنا لإفادة ما وضع الاسم بإزائه بلفظ يشتمل على تفصيل ما دل عليه الاسم إجمالا ومن ثمة تعدد في المعنى كما في اللفظ ولو كان حدا ذاتيا ما لم يتعدد معنى لأن الشيء لا يكون له حدان ذاتيان إلا من جهة العبارة بأن يذكر بعض الذاتيات بالمطابقة تارة وبالتضمن أخرى بخلاف غيره فإنه جائز التعدد نعم قد يكون التعريف الاسمي نفس حقيقة ذلك الشيء بأن يكون متعقل الواضع نفس الحقيقة فيتحد التعريف الاسمي والحقيقي إلا أنه قبل العلم بوجود الشيء يكون اسميا وبعد العلم بوجوده ينقلب حقيقيا مثلا تعريف المثلث في مبادئ الهندسة بشكل يحيط به ثلاثة أضلاع تعريف اسمي وبعد الدلالة على وجوده بالبرهان الهندسي يصير هو بعينه تعريفا حقيقيا فلا جرم أن قال
( ولا ينافي )
التعريف الاسمي التعريف
( الحقيقي )
ثم لما وقع التنبيه على هذا ولم يثبت خلاف صريح في جواز وجود الحقيقي وغير الحقيقي من حيث هما ولا في جواز كون غير الحقيقي مقدمة للشروع وإنما ثبت في جواز الحقيقي مقدمة للشروع أشار إلى ذلك فقال
( واختلف فيه )
أي في الحد الحقيقي ومن حيث إنه هل يكون
( مقدمة للشروع )
في العلم
( ولا خلاف في خلافه كما قيل )
أي والحال أنه لا خلاف في خلاف الحقيقي المذكور مقدمة للشروع وهو الحقيقي الذي لم يذكر مقدمة له فإنه جائز الوجود بلا خلاف على ما قيل
( لإمكان تصور ما تتصف به )
النفس من تصور أو تصديق ولما كان تصور التصديق الذي اتصفت به النفس ليس به خفاء إذ لا خفاء في إمكان تصور النسبة الواقعة بين الشيئين والتي ليست بواقعة بينهما بخلاف التصور إذ قد يستبعد تصوره بواسطة أن حصول الشيء في النفس هو تصوره خصه بإزالة الوهم فقال
( ولو )
كان ذلك الوصف
( تصورا إذ الحصول لا يستلزمه )
أي تصور الحاصل فضلا عن كونه نفس تصوره قال المصنف رحمه الله وحاصله أن الحد تصور ذات المحدود إجمالا وغاية حاد العلم أن يكون متصفا بالعلم
41
41
بجميع مسائله والاتصاف بالشيء لا يستلزم تصوره كالشجاع متصف بالشجاعة وقد لا يتصورها وإذا كان كذلك أمكن أن يتعلق من العالم بالمسائل المشتملة على التصورات تصور لها على سبيل الإجمال فيكون تصورا متعلقا بتصور حاصل ليصير متصورا إجمالا ولا شك أن الإنسان وإن علم المسائل تفصيلا لا يصير عالما دائما بتفصيلها في مشاهد النفس فإن النفس لبساطتها لا ترك المتعدد التفصيلي إلا على التعاقب وإذا تم كذلك صار عندها صورة إجمالية منه حاصلة فصح أن يتعلق بها تصور لها اه فظهر أن التصور لا حجر فيه يتعلق بكل شيء حتى التصور وعدم التصور ثم كما أن الحصول لا يستلزم التصور كذلك التصور لا يستلزم الحصول والحاصل كما في شرح المواقف للمحقق الشريف وغيره أن ارتسام ماهية العلم في النفس على وجهين
أحدهما
أن ترتسم فيها بنفسها في ضمن جزئياتها وذلك حصولها وليس تصورها ولا مستلزما له على قياس حصول الشجاعة للنفس الموجبة لاتصافها بها من غير أن تتصورها
والثاني
أن ترتسم فيها بمثالها وصورتها وهذا هو تصورها لا حصولها على قياس تصور الشجاعة التي لا توجب اتصاف النفس بها ثم أفاض في بيان ما أشار إليه من الاختلاف فقال
( فقيل لا )
يجوز أن يكون الحقيقي مقدمة للشروع
( لأن الكثرة )
الخاصة الإدراكية أو المدركية التي هي عبارة عن العلم وقد وضع الاسم بإزائها لها جهة وحدة اعتبارية هي وحدة الغاية أو الموضوع كما سلف وظاهر أن هذه الكثرة
( بتلك الوحدة )
الاعتبارية
( لا تصير نوعا حقيقيا )
لأن الحد الحقيقي يكون بذكر الذاتيات الكلية التي هي الجنس الكلي للمحدود والمميز الكلي الداخل وهو الفصل وجهة الوحدة المأخوذة في تعريف العلم إنما هي عارضة من عوارض تلك الكثرة فلا يكون المعنى المنتزع من تلك الكثرة جنسا وفصلا حقيقيين فلا يكون التعريف حدا حقيقيا بل رسما وتعقبه المصنف بقوله
( ومقتضى هذا )
التعليل
( نفيه مطلقا )
أي نفي وجود الحقيقي مقدمة للشروع وغير مقدمة له وإذا كان كذلك
( ففيه الخلاف أيضا )
والحاصل أن المصنف نظر فيه بأن الدليل أعم من الدعوى فلو صح لبطل ما المبطل معترف بصحته وهو جواز وجود الحقيقي في حد ذاته ومنهم من علل منع الجواز بما أشار إليه بقوله
( ولأنه )
أي الحد الحقيقي
( بسرد العقل كل المسائل )
أي بتصور جميع مسائل العلم المحدود أو بتصور جميع التصديقات المتعلقة بها لما عرفت أن حقيقة كل علم مسائله إذا كان موضوعا بإزاء المعلومات أو التصديق بمسائله إذا كان موضوعا بإزاء العلم بالمعلومات
( وليس )
الحد الحقيقي
( حينئذ )
أي حين إذ كان عبارة عما ذكرنا ( المقدمة )
للشروع في العلم لأن الحد الحقيقي حينئذ بمعرفتها نفسها وذلك هو معرفة العلم نفسه لا مقدمة الشروع فيه فلا يتصور أن يكون له حد حقيقي هو مقدمة الشروع فيه
( وقيل نعم )
أي يجوز أن يكون مقدمة للشروع
( لأن الإدراكات أو متعلقاتها )
أي متعلقات الإدراكات التي كل
42
42
منهما نفس العلم على تقدير وضع اسم العلم بإزائه
( كالمادة )
لمسمى العلم فينتزع العقل منها واحدا كليا مشتركا بين سائر الإدراكات أو متعلقتها
( ووحدتها )
أي وحدة الإدراكات أو متعلقاتها على التقديرين وهي وحدة الموضوع
( الداخلة )
في مسمى العلم اصطلاحا
( كالصورة )
لمسمى العلم فينتزع العقل منها كليا خصا بذلك المسمى
( فينتظم المأخوذ منهما )
أي من الإدراكات أو متعلقاتها ومن وحدتها
( جنسا وفصلا )
بأن يكون ما هو كالمادة جنسا قريبا وما هو كالصورة فصلا قريبا فيتحقق الحد الحقيقي
( من غير حاجة )
في انتظام المأخوذ منهما حدا حقيقيا
( إلى سرد الكل )
أي إلى تصور كل المسائل أو تصور كل التصديقات بها على التقديرين وإذ أمكن تحققه بهذا الوجه فلا مانع من وقوعه مقدمة للشروع في العلم
قال المصنف رحمه الله تعالى فاندفع الوجه الأول وهو ظاهر وتضمن دفع الثاني أيضا فإنه لما أمكن حد العلم الحقيقي بأمرين كليين لم يلزم أن يكون حده بمعرفة عين تلك المسائل واحدة واحدة ولأن تلك جزئيات والتعريف ليس بها بل بالمنتزع الكلي منها كالحيوان الناطق المنتزع من زيد اه وفي اندفاع الأول بما سبق ما لا يخفى بل الوجه ما أشار إليه بقوله
وإذا كان العلم مطلقا )
أي بمعنى الإدراك
( ذاتيا لما تحته )
أي جنسا للأنواع التي هي اليقين والظن والشك والوهم
( والعلم المحدود ليس إلا صنفا )
من بعض أنواعه لأن واضع العلم لما لاحظ الغاية المطلوبة له فوجدها تترتب على العلم بأحوال شيء أو أشياء من جهة خاصة وضعه ليبحث عن أحواله من تلك الجهة فقد قيد ذلك النوع من العلم بعارض كلي فصار صنفا وقيل للواضع صنف العلم أي جعله صنفا فالواضع للعلم أولى باسم المصنف من المؤلفين وإن صح أيضا فيهم ذكره المصنف في فتح القدير فحينئذ
( لم يبعد كونه )
أي الخلاف في جواز وجود الحد الحقيقي مقدمة للشروع الذي هو فرع وجوده في حد ذاته خلافا
( لفظيا مبنيا على )
اختلاف
( الاصطلاح في مسمى )
الحد
( الحقيقي أهو ذاتيات )
الماهية
( الحقيقية )
وهي الثابتة في نفس الأمر مع قطع النظر عن اعتبار العقل
أو مطلقا )
أي أو هو الأمر الكلي الأعم من أن يكون ذاتيات الماهية الحقيقية أو ذاتيات الماهية الاعتبارية وهي الكائنة بحسب اعتبار العقل كما إذا اعتبر الواضع عدة أمور فوضع بإزائها أسماء فمن اصطلح على الأول نفى وجود الحد الحقيقي لشيء من العلوم لأن العلوم المحدودة كلها ليست إلا ماهيات اعتبارية لأن كل علم عبارة عن كثرة من الإدراكات هي علوم أو ظنون أو منها ومنها متعلقة بأشياء كما ذكرناه فميزت كل طائفة من تلك الإدراكات بنسبتها إلى متعلق خاص فعدت علما على حدة فكان كل علم طائفة من الإدراكات الجزئية انتزع منها كلي عام كالعلم والظن ونحوه وقيدت بعارض كلي هو جهة الغاية والموضوع وهو أمر خارج عن نفس تلك الإدراكات المنتزع منها والصنف هو النوع المقيد بعارض كلي فهو إذن أمر اعتباري لأن ماهيته ليست بحقيقية بل اعتبارية لأنه اعتبر فيه داخل وخارج جعل جزءه بخلاف النوع وإذا
43
43
انتفى وجود الحد الحقيقي في نفسه فقد انتفى كونه مقدمة للشروع ومن اصطلح على الثاني جوز وجود الحد الحقيقي للعلوم لما ذكرناه وحينئذ لا يبعد جواز وجوده مقدمة للشروع إذ لا مانع من ذلك والتعاليل من الطرفين مما يرشد إلى ذلك ولو وقع الاتفاق على أن مسمى الحد الحقيقي ما قاله الأولون أو ما قاله الآخرون لارتفع الخلاف إذ على التقدير الأول يقع الاتفاق على نفي وجوده مطلقا وعلى التقدير الثاني يقع الاتفاق على جواز وجوده مطلقا ولا بعد حينئذ في أن يقع الاتفاق على جواز كونه مقدمة للشروع ثم ما ذكره المصنف من أن العلم مطلقا ذاتي لما تحته من الأنواع لا عارض لها هو الظاهر للقطع بأن مفهومه معتبر فيما تحته منها يقينا وظنا وغيرهما لا يزيد كل منها عليه إلا بما ينضم إليه فيصير به نوعا فاندفع منع كونه ذاتيا لما تحته كما في شرح المواقف للمحقق الشريف ولا يقال ينبغي أن لا يصح انقسام العلم إلى ما ذكرتم لأنه من مقولة الكيف على ما هو الصحيح والكيفيات لا تقبل التقسيم ولا يبحث عنها بكم لأنها لا تتجزأ لأنا نقول التقسيم المنفي عنها تقسيم الكل إلى أجزائه ومطلق العلم كلي معقول وما تحته من المعاني هي جزئيات له ولا ريب في صحة قسمة الكلي إلى جزئياته فيجوز السؤال عن عدد جزئيات مطلق العلم وانقسامه إليها وحمله بالمواطأة عليها والله تعالى اعلم الأمر
( الثاني )
من الأمور التي مقدمة هذا الكتاب عبارة عنها في بيان موضوعه
( موضوعه )
أي أصول الفقه
( الدليل السمعي الكلي )
فالدليل سيأتي بيانه مستوفى والسمعي ما ثبت كونه كذلك بالشرع فصدق على القياس كما على الكتاب والسنة والإجماع وهو احتراز عما ليس بسمعي فإنه ليس موضوع هذا العلم سواء كان عقليا صرفا أو حسيا محضا أو غيرهما والكلي سيأتي معناه أيضا وهو احتراز عن الجزئي فإنه ليس موضوع هذا العلم وإنما هو من أفراد أنواعه أو أعراضه أو أنواعها يكون موضوعا لمسائله كما سيأتي قريبا
فإن قلت كيف يستقيم وصف الدليل السمعي به وهو لا وجود له في الخارج والدليل السمعي موجود فيه قلت الكلي الذي لا وجود له في الخارج هو العقلي والمنطقي وهذا الكلي ليس بأحدهما وإنما هو كلي طبيعي وهو مما قد يكون موجودا في الخارج على ما عرف ثم ليس الدليل المذكور من حيث هو موضوع هذا العلم بل
( من حيث يوصل العلم بأحواله )
أي الدليل
( إلى قدرة إثبات الأحكام )
الشرعية
( لأفعال المكلفين )
التي لا تقصد لاعتقاد وإنما طوى ذكرهما للعلم بهما مما تقدم
( أخذا من شخصياته )
أي حال كون الدليل المذكور مأخوذا أي منتزعا من ما صدقاته وإنما كان هذا موضوع هذا العلم لأن موضوع كل علم ما يبحث فيه عن أعراضه اللاحقة لذاته أو مساويه والعارض هنا الخارج المحمول وقد يتجوز في التمثيل بمبدئه والذاتي منه ما عروضه بلا واسطة في الثبوت في نفس الأمر وإن استدعى وسطا في التصديق لخفاء ذلك اللزوم لا ما منشؤه الذات كما ذهب إليه بعضهم
44
44
ومشى عليه في التلويح قال المصنف وإلا لما بحثوا عن وجود النفوس والعقول في الإلهي إذ ليس هو مقتضى ذواتها وكذا الأحكام السبعة بالنسبة إلى أفعال المكلفين وغير ذلك والمراد بالمساوي أعم من المساوي في الصدق وهو المشهور أو في الوجود حتى أن ما يعرض بواسطة المباين المساوي في الوجود الذي يثبت بوجود الجسم للجسم يبحث عنه في العلم حتى أنه يبحث عن الألوان في العلم الذي موضوعه الجسم الطبيعي وعروضه للجسم بواسطة السطح فليس الجسم أبيض إلا لأن السطح أبيض ولا شيء من الجسم بسطح
فإن قيل كون الذاتي لازما للذات يقتضي ثبوته معها ذهنا وإذا ثبت حيث ثبت فلا بحث فالجواب أن اللازم من اللزوم ثبوته معه صورة مع صورة وإن لم يكن مدركا إذ حصول الشيء ذهنا لا يستلزم تصوره والمراد من البحث الحكم بثبوته له صادقا عليه لزوما وهو أخص من ثبوته معه حتى أن ما من اللزوم يكفي في الحكم به تصور الملزوم أو الملزوم مع اللازم وهما البين بالمعنى الأخص والبين بالمعنى الأعم ليس واحد منهما مبحوثا عنه وإذا كان هذا في اللوازم العقلية كمساواة المثلث لقائمتين ففي الشرعية أولى اه
والدليل السمعي الكلي بالنسبة إلى هذا العلم بهذه المثابة لأنه يبحث فيه عن أعراضه اللاحقة لذاته وهي كونه مثبتا للأحكام الشرعية ثم لما كان اللازم في التعبير عنه لفظا للدلالة عليه بخصوصه أن يقيد بالحيثية التي يقع البحث عن أعراضه المذكورة من جهتها لأنه لم تتحقق غاية تترتب على البحث عن أحوال شيء من جميع جهاته قيده بها وقد اندفع بقوله إلى قدرة إثبات الأحكام الإشكال المشهور على قولهم إلى إثبات الأحكام وهو أنه إذا كان موضوع الأصول الأدلة الشرعية من حيث إثباتها للأحكام الشرعية كانت هذه الحيثية قيدا للموضوع فيكون جزءا منه وحينئذ يلزم تقدمها على نفسها لأنها مما يبحث عنها في هذا العلم ولا خفاء في أن ما به يعرض الشيء للشيء لابد وأن يتقدم على العارض على أن موضوع العلم ما يبحث فيه عن أعراضه المذكورة لا عنه ولا عن أجزائه حتى احتاجوا إلى الجواب عنه بأن الحيثية هنا ليست نفس الإثبات بل إمكانه وأن هذا ليس من الأعراض المبحوث عنها فيه
وذهب صدر الشريعة إلى أنها بيان الأعراض الذاتية المبحوث عنها فيه فإنه يمكن أن يكون للشيء أعراض متنوعة وإنما يبحث في ذلك العلم عن نوع منها فالحيثية لبيان ذلك النوع لا قيد للموضوع
( وبالفعل في المسائل )
أي والموضوع بالفعل في مسائل هذا العلم
( أنواعه )
أي الدليل الكلي السمعي نحو الكتاب يفيد الحكم قطعا إذا كانت دلالته قطعية وقد وقع في التلويح أن هذا الحمل على موضوع العلم وهو سهو كما نبه عليه المصنف فيما كتبه على البديع وقال فيه الدال على الموضوع إذا أفاد مسمى كليا فالموضوع هو ما صدق عليه
45
45
والحمل في المسائل قلما يقع عليه نفسه بل كما أفادني المصنف رحمه الله حال القراءة عليه أن موضوع العلم لا يكون موضوعا في شيء من مسائل العلم إلا إذا قلنا إن موضوع علم الكلام ذات الله سبحانه اه يعني كما هو قول القاضي الأرموي وقد نظر فيه في المواقف من وجهين على ما يعرف ثمة
( وأعراضه )
أي الدليل الذاتية كالعام قطعي الدلالة والأمر للوجوب
( وأنواعها )
أي الأعراض الذاتية كالعام المخصوص حجة ظنية في الباقي
( فالمراد بالأحوال )
المذكورة للدليل
( ما يرجع إلى الإثبات )
أي إثبات الأحكام المذكورة قطعا أو ظنا عموما أو خصوصا إلى غير ذلك ولو بالآخرة
( وهو )
أي إثبات الأحكام عرض
( ذاتي للدليل )
لأن عروض الإثبات للدليل بلا واسطة في ثبوته له في نفس الأمر وإن كان العلم بثبوته له قد يحتاج إلى برهان
( وإن لم يحمل الإثبات بعينه )
في مسألة من مسائل هذا العلم بل ما به الإثبات فإن ذلك غير ضائر
( ونظيره )
أي هذا الذي نحن فيه من حيث إن المحمول فيه ليس العرض الذاتي للمعروض الذي هو الموضوع بل إنما هو ما به لحوقه للمعروض ما تقرر
( في المنطق )
من أن الإيصال إلى مجهول عقلي تصوري أو تصديقي عارض ذاتي للمعلومات التصورية والتصديقية التي هي موضوع المنطق من حيث صحة إيصالها إلى ذلك مع أنه
( لا مسألة )
من مسائل المنطق
( محمولها الإيصال )
نفسه وإنما محمول مسائله ما به الإيصال
( ومقتضى الدليل )
العقلي في نفس الأمر
( خروج )
البحث عن
( عنوان الموضوع )
أي وصفه الكائن به موضوعا من مباحث العلم الذي هو موضوعه لأنه كما قال المصنف رحمه الله فيما كتبه على البديع إن أفاد الدال على الموضوع عنوانا خارجا فإنما يبحث في ذلك العلم عما صدق عليه إذا وجد متصفا به إذ الموضوع هو المقيد فما لم يوجد المقيد لم يوجد فإذا وجد مع قيده بحث حينئذ عن أحوال له أخرى غير القيد وهذا لأن البحث يستدعي جهالة ثبوته له فإذا بحث عن عنوانه والفرض أنه معرفه لبحث فيما علم ثبوته أو فيما لم يعلم موضوعيته فظهر أن عدم البحث يتحقق مع اعتبار الحالة قيدا خارجا غير متوقف على اعتبارها جزاء من الموضوع فإذا قلنا موضوع الإلهي الموجود فالبحث عن أحوال غير الوجود وحينئذ إذا قلنا موضوع الأصول الدليل السمعي فينبغي أن لا يبحث عن حجية شيء منها لأن كونه حجة هو كونه دليلا وهو وصف الموضوع العنواني بل إنما يبحث فيما تحقق باسم الحجة عن أحوال أخر من كونه مفيدا لكذا من الأحكام مقدما على كذا عند التعارض أو مؤخرا
( فالبحث عن حجية الإجماع وخبر الواحد والقياس ليس منه )
أي علم الأصول
( بل )
البحث عن حجية كل من هذه مسألة
( من الفقه لأن موضوعاتها أفعال المكلفين )
كما هو ظاهر في الإجماع وخبر الواحد وأما في القياس فعلى تقدير أنه فعل للمجتهد كما سينبه عليه قريبا
( ومحمولاتها )
التي هي حجة
( الحكم الشرعي إذ معنى )
قولنا إن أحد هذه
( حجة )
أنه
( يجب العمل بمقتضاه )
ولا ريب في أن هذا حكم شرعي وهذا هو الموعود بذكره قبيل المقدمة
46
46
( وهو )
أي وما ذكرنا من أن البحث عن حجية القياس مسألة فقهية لا أصلية إنما يتأتى
( في القياس عل تقدير كونه فعل المجتهد )
كما هو ظاهر أكثر عباراتهم عنه كما سيأتي
( أما على أنه المساواة الكائنة )
في الحكم بين الأصل والفرع الحاصلة
( عن تسوية الله تعالى بين الأصل والفرع في العلة )
المثيرة لذلك الحكم وهو الصحيح كما سيأتي أيضا إن شاء الله
( فليست )
القضية المذكورة التي هي القياس حجة
( مسألة )
أصلا تعويلا على أن المسألة اصطلاحا حكم خبري نظري أو حكم نظري من العلوم الموضوعة
( لأنها )
أي هذه القضية حينئذ
( ضرورية دينية )
بمعنى أنه متى علم أن معنى القياس المساواة المذكورة قطع بالضرورة من الدين بأنه يجب العمل بمقتضاه من غير نظر وتوقف هذا الحكم على الإطلاع على أن مفهوم الاسم ذلك لا ينافي الضرورة المذكورة لكن على هذا لا تكون ضرورية دينية مطلقا بل عند البعض دون البعض ومن ثمة لم يكفر منكرها ويطرقه أن الضروري الديني ما هو بحال لا يتطرق إليه من أهل الملة الشك ويستوي في معرفته جميع المكلفين منهم ويكفر منكر مقتضاه كوجوب الصلاة فالأظهر أن هذه ليست بضرورية دينية على أن أحكام الشرع وخصوصا على قاعدة الأشاعرة لا يعرف شيء منها إلا بالدليل السمعي فهي كلها نظرية إلا أنه لما كان بعض منها بما ذكرناه من الوصف أشبه الضروري فسمي به ورتب عليه إكفار منكره وحكم هذه القضية ليس كذلك لأنه تطرق إليه الشك من بعض العقلاء ومنع صحته غير واحد من المعدودين من علماء الملة ولم يكفر بذلك
فالوجه أنها مسألة كما أنها مسألة أيضا إذا فسرت المسألة اصطلاحا بما هو أعم من الحكم النظري والضروري لكنها ليست بأصلية بل كلامية كمسألتي كون كل من الكتاب والسنة حجة كما مشى عليه المصنف فيما كتبه على البديع وإليه يشير أيضا ما في التلويح
فإن قلت فما بالهم يجعلون من مسائل الأصول إثبات الإجماع والقياس للأحكام ولا يجعلون منها إثبات الكتاب والسنة كذلك قلت لأن المقصود بالنظر في الفن هو الكسبيات المفتقرة إلى الدليل وكون الكتاب والسنة حجة بمنزلة البديهي في نظر الأصولي لتقرره في الكلام وشهرته بين الأنام بخلاف الإجماع والقياس ولهذا تعرضوا لما ليس إثباته للحكم بينا كالقراءة الشاذة وخبر الواحد اه فظهر أن هذه الأبحاث ليس محلها هذا العلم بالذات
( بخلاف عموم النكرة في النفي فإنه )
أي العموم
( حال )
أي عرض ذاتي
( للدليل )
كما تقدم والنكرة مع قطع النظر عن عمومها وعدمه ما يتحقق باسم الدليل إذ لابد أن تفيد حكما ما فالبحث عن عمومها إذا وقعت في سياق النفي بحث أصلي
( فعن هلية الموضوع البسيطة أولى )
أي ثم إذ كان البحث عن حجية الإجماع وما ذكر معه ليس من الأصول فالبحث عن وجود الموضوع في حد ذاته أولى أن لا يكون منه وإنما قيد بالبسيطة وهي التي يطلب بها وجود الشيء كما ذكرنا لأن المركبة وهي التي يطلب بها وجود شيء لشيء من باب
47
47
البحث عن حال الموضوع وقد عرفت أنه من مسائل العلم هذا
( وقولهم )
في تعليل كون التصديق بهلية ذات الموضوع جزءا من العلم
( ما لم يثبت وجوده كيف يثبت له الأحكام يقتضي التوقف )
أي توقف البحث عن الأحوال التي هي غير الوجود على إثبات الوجود له إذا كان نظريا
( لا كونها )
أي لا أنه يقتضي كون القضايا الباحثة عن هلية الموضوع
( من مسائل العلم )
الذي جعل موضوعه ما أثبت وجوده كيف وكون الشيء موضوعا أمر زائد على وجوده فأنى يتحقق الشيء موضوعا لعلم دون أن يتحقق بأحد الوجودين بل بأحدهما يتم كونه موضوعا ثم ينظر في أحوال آخر له كذا أفاده المصنف فلا جرم أن في الشفاء وغيره أن التصديق بوجود الموضوع من المبادئ التصديقية لا أنه من أجزاء العلم
ثم اعلم أن كون الموضوع هو الأدلة السمعية من الحيثية المذكورة كما مشى عليه المصنف هو طريق الآمدي وصاحب البديع وغيرهما وهو المشهور وقيل هي والترجيح والاجتهاد لأنه يبحث عن أعراضهما فيه ورد إلى المشهور بأن البحث عن الترجيح بحث عن أعراض الأدلة باعتبار ترجح بعضها على بعض عند التعارض أو تساقطها به لعدم المرجح وعن الاجتهاد باعتبار أن الأدلة إنما يستنبط منها الأحكام المجتهد وحاصله أن المقصود بالذات أحول الأدلة من حيث دلالتها على الأحكام إما مطلقا وإما باعتبار تعارضها أو استنباطها منها فتكون هي موضوع العلم بالحقيقة والبحث عن الترجيح والاجتهاد راجعا إليها وقيل الأدلة والأحكام وصححه صدر الشريعة ثم المحقق التفتازاني لأنه يبحث فيه عن العوارض الذاتية للأدلة وهي إثباتها الحكم والعوارض الذاتية للأحكام وهي ثبوتها بتلك الأدلة وحقق هذا المحقق ذلك بأنا رجعنا الأدلة بالتعميم إلى الأربعة والأحكام إلى الخمسة ونظرنا في المباحث المتعلقة بكيفية إثبات الأدلة للأحكام إجمالا فوجدنا بعضها راجعة إلى أحوال الأدلة وبعضها إلى أحوال الأحكام فجعل أحدهما من المقاصد والآخر من اللواحق تحكم غاية ما في الباب أن مباحث الأدلة أكثر وأهم لكنه لا يقتضي الأصالة والاستقلال اه
ولقائل أن يقول في دعوى التحكم نظر فإن البحث بالذات إنما يقع في هذا العلم عن أحوال الأدلة من حيث كونها مثبتة للأحكام وأما البحث عن أحوال الأحكام فلم يقع إلا باعتبار كون أحوال الأحكام ثمرة أحوال الأدلة ولا خفاء في أن ثمرة الشيء أمر تابع له متفرع على تحققه لا أنه أصل مثله فذكرها فيه للاحتياج إلى تصورها ليتمكن من إثباتها أو نفيها لا لكون الأحكام موضوعا له أيضا فإذا عرف هذا فاعلم أن المصنف فرع على هذا القول الأخير ما أشار إليه بقول
( وعلى )
قول
( من ادخل الأحكام )
الشرعية مع الأدلة السمعية في الموضوعية لهذا العلم
( إذ يبحث عنها )
أي الأحكام الشرعية
( من حيث تثبت بالأدلة )
السمعية في هذا العلم كما يبحث عن الأدلة السمعية من حيث إنها تثبت الأحكام الشرعية فيكون موضوعه كلتيهما من الحيثيتين المشار إليهما
( لا يبعد إدخال المكلف الكلي )
أيضا معهما في
48
48
الموضوعية لهذا العلم
( إذ يبحث عنه )
أي المكلف الكلي فيه
( من حيث تتعلق به الأحكام )
المذكورة فكما اعتبرت الأدلة والأحكام موضوعا له لأنه يبحث فيه عن عوارضهما الذاتية من الحيثيتين المذكورتين يعتبر المكلف الكلي أيضا موضوعا معهما لأنه يبحث فيه عن عوارضه الذاتية من الحيثية المذكورة
( وقد وضعه الحنفية )
أي جعلوه في كتبهم الأصلية موضوعا
( معنى وأحواله )
العارضة له أيضا
( في ترجمة العوارض المساوية )
له وهي ما ليس للعبد فيها اختيار
( والمكتسبة )
أي والعوارض التي كسبها العبد أو ترك إزالتها
( لبيان كيف تتعلق به )
الأحكام وإنما قيد جعلهم المكلف الكلي موضوعا بقوله معنى لأنه إنما استفيد من بحثهم عن أهليته للحكم وإذا كان كذلك فلو ذهب ذاهب إلى هذا القول لكان هذا الصنيع منهم كالشاهد له ولا سيما إن كان حنفيا لكنه لم يذهب إليه ذاهب فيما علمه العبد الضعيف غفر الله تعالى له بل صدر الشريعة الذاهب إلى أن موضوع هذا العلم الأدلة والأحكام مصرح باندراج المباحث المتعلقة بالمحكوم عليه الذي هو المكلف والأهلية والعوارض المذكورة تحت القضية الكلية التي هي إحدى مقدمتي الدليل على مسائل الفقه المسماة بالقواعد لاختلاف الأحكام باختلاف المحكوم عليه وبالنظر إلى وجود العوارض وعدمها كاندراج المحكوم به الذي هو فعل المكلف تحتها أيضا لأن الأحكام تختلف باختلاف أفعال المكلفين لكن عليه أن يقال إن كان هذا موجبا لعدم جعل المكلف الكلي من الحيثية المذكورة موضوعا أو مانعا منه فكذلك الأحكام لإمكان اندراج أعراضها في مباحث أعراض الأدلة كما ذكرنا فجعلها موضوعا دونه تحكم ويجاب عنه بأن في جعل المكلف الكلي من الحيثية المذكورة موضوعا مانعا لما عرف من أن موضوع العلم ما يبحث فيه عن أعراضه الذاتية وأحوال المكلف الكلي التي هي العوارض المذكورة ليست بذايته له كما سيصرح المصنف به عند إفاضته في الكلام فيها والأهلية وصف عنواني له وقد عرفت أن مقتضى الدليل خروج البحث عن عنوان الموضوع من مبحاث العلم الذي هو موضوعه فلا يكون البحث عنها في هذا العلم دليلا على أن المكلف الكلي موضوعه فالتحقيق أن البحث عن هذه الأمور من باب التتميم بذكر التوابع واللواحق وكيف لا ومنها ما ليس بعارض للمكلف مع قيام هذا الوصف به كالصغر ومنها ما هو أفعال المكلفين كالسفر والإكراه والهزل والخطأ فالمباحث المتعلقة بها مسائل فقهية بلا ريب لأن موضوعاتها أفعال المكلفين ومحمولاتها الأحكام الشرعية وهذا كله مما سنح للعبد الضعيف والله سبحانه أعلم
ثم أخذ المصنف في استئناف بيان تحقيق لما في الواقع من أمر الموضوع فقال
( وإذا كانت الغاية المطلوبة )
الحصول لواضع علم لتحصيلها
( لا تترتب إلا على )
البحث عن أحوال
( أشياء كانت )
تلك الأشياء
( الموضوع )
لذلك العلم المطلوب لتلك الغاية
( كما لو ترتبت غايات على جمل من أحوال )
شيء
( واحد حيث يكون )
ذلك الشيء الواحد ( موضوع علوم )

49
49
مختلفة مقصودة لتلك الغايات المختلفة
( يختلف )
ذلك الشيء الواحد الذي هو الموضوع
( فيها )
أي تلك العلوم
( بالحيثية )
التي تعددت بها موضوعيته وإن كان واحدا بالذات فيكون كونه موضوعا العلم من حيث إنه يبحث عنه من جهة كذا غير كونه موضوعا لعلم آخر من حيث إنه يبحث عنه من جهة غير تلك الجهة فجاءت موضوعات العلوم منها ما هو أمر واحد لعلم واحد ومنها ما هو أمر واحد من حيثيتين لعلمين ومنها ما هو أمور متعددة من حيثية واحدة لعلم واحد لأن الموجب لانفصال الموضوعات تمايز الغايات عند ملاحظتها كما تقدم ولا مانع يمنع شيئا من هذه الأمور
( ومن هنا )
أي ومن أن الغاية المطلوبة إذا ترتبت على أشياء كانت هي الموضوع لذلك العلم الذي يثمر تلك الغاية
( استتبعته )
أي الغاية المطلوبة الموضوع أي كان تابعا لها ذهنا في التصور وإن كان حصولها خارجا تابعا لحصوله كما سلف بيانه ولما لزم من هذا أنه لو ترتبت الغاية المطلوبة على أشياء ليس بينها تناسب أن تكون موضوع علم تلك الغاية أشار إلى التزام هذا اللازم وحقيته وإن صرح غير واحد بأن الموضوع إذا كان أشياء يشترط تناسبها في ذاتي أو عرضي كما تقدم ذكره فقال
( ولزوم التناسب )
بين الأشياء التي هي موضوع علم على الوجه المذكور بسبب أن الغاية المطلوبة إنما ترتبت عليها أمر
( اتفاقي )
وهو إن اتفق أن لا تترتب غاية يعتد بها على أشياء إلا إذا كانت متناسبة لا لزومي إذ لا دليل على ذلك وحينئذ فنقول إن اتفق ترتب الغاية المطلوبة على أمور متناسبة فذاك وكانت هي الموضوع
( ولو اتفق ترتبها )
اي الغاية المطلوبة على أمور
( مع عدمه )
أي عدم تناسبها
( أهدر )
أي التناسب من الاعتبار في صحة موضوعية تلك الأمور حتى كانت هي الموضوع لذلك العلم المثمر لتلك الغاية ومن ثمة لما قرر المحقق الشريف وجه تمايز العلوم بحسب تمايز الموضوعات على المنوال المتداول كما أشرنا إليه قال وهذا أمر استحسنوه في التعلم والتعليم وإلا فلا مانع عقليا من أن تعد كل مسألة علما برأسه وتفرد بالتدوين ولا من أن تعد مسائل غير متشاركة في موضوع واحد سواء كانت متناسبة من وجه آخر أو لا علما واحدا وتفرد بالتدوين
( وبحسب اتفاق الترتب )
أي ترتب الغايات على ما ترتبت عليه من البحث عن أحوال شيء أو أشياء
( كانت )
العلوم
( متباينة )
إذا تباينت موضوعاتها
( ومتداخلة )
إذا كان بين الموضوعين خصوص وعموم فيكون الأخص داخلا تحت الأعم كعلمي الحديث والأصول
إلا في لزوم عروض عارض المباين للآخر في البحث )
فإنه حينئذ لا يكون ذلك العلمان متباينين وإن كان موضوعاهما متباينين أي بل نقول
( فتتداخل مع التباين )
حينئذ العلوم التي موضوعاتها متباينة بهذا الاعتبار
( للعموم الاعتباري )
في ذلك الموضوع العارض عارضه لذلك الموضوع المباين له فيندرج العلم العارض لموضوعه ذلك العارض على سبيل اللزوم له تحت العلم الخاص ذلك العارض بموضوعه
( كالمويسيقي )
أي كعلم المويسيقي بضم الميم وكسر السين المهملة والقاف وهو لفظ يوناني
50
50
معناه تأليف الألحان
( موضوعه النغم ويندرج )
علم المويسيقي
( تحت علم الحساب وموضوعه )
أي والحال أن موضوعه
( العدد )
وإنما اندرج علم المويسيقي تحت علم الحساب
( مع تباين موضوعيهما كما قيل إذ كان البحث في النغم عن النسب العددية )
العارضة للنغم على سبيل اللزوم وهي عارض خاص لموضوع علم الحساب والحاصل أن العلمين إنما يكونان متباينين لا يدخل أحدهما تحت الآخر بسبب تباين موضوعيهما إذا لم يكن موضوع أحد العلمين مقارنا لأعراض ذاتية خاصة بموضوع الآخر أما إذا كان موضوع أحدهما مقارنا الأعراض ذاتية خاصة بموضوع الآخر فإنه حينئذ يدخل العلم المقارن موضوعه ذلك تحت ذلك العلم الآخر كموضوع المويسيقي والحساب فإن موضوع المويسيقي النغم من حيث يعرض لها نسب عددية مقتضية للتأليف أي لتأليف النسب والنغم من الكيفيات المسموعة فلولا هذه الحيثية لكان جزءا من الطبيعي لكن النسب العددية أعراض خاصة للعدد الذي هو موضوع علم الحساب فيكون علم المويسيقي تحت علم الحساب مع تباين موضوعيهما لأن النغم إذا بحث فيها عن النسب العددية فلا بد وأن يعتبر فيها ضرب من التعدد فكأنها فرضت عددا مخصوصا فتندرج بهذا الاعتبار تحت العدد الذي هو موضوع علم الحساب فظهر أن الاستثناء المذكور من قوله كانت متباينة وأنه لو أخره عن متداخلة ليتصل الاستثناء به لكان أحسن وأن قوله للآخر متعلق بعروض لا بالمباين ثم جملة القول في هذا المقام أن العلوم إما متداخلة أو متناسبة أو متباينة وذلك يتعلق بتداخل موضوعاتها وتناسبها وتباينها فإن كانت موضوعاتها متداخلة بأن يكون موضوع أحد العلمين أعم من موضوع العلم الآخر أو موضوع أحدهما من حيث يقارن أعراضا خاصة بموضوع الآخر سميت العلوم متداخلة وسمي العلم الخاص موضوعا تحت العلم العام وإن لم تكن الموضوعات متداخلة فإن كانت واحدة لكن تتعدد بالاعتبار أو كانت أشياء لكنها تشترك في البحث أو تندرج تحت جنس واحد سميت متناسبة وإلا فمتباينة والله تعالى أعلم
ثم من الخواص المستفادة من المصنف تعقبا الكثير ما أشار إليه بقوله
( واعلم أن إيرادهم )
في أوائل الكتب المدونة في العلوم قبل الشروع فيها
( كلا من الحد والموضوع والغاية لتحصيل البصيرة لا يخلو عن استدراك إلا من حيث التسمية باسم خاص ولم يوردوه لذلك )
وقد بين ذلك فيما كتبناه عنه من الحواشي فقال اعلم أن ذكرهم الأمور الثلاثة أعني التعريف والتصديق بالموضوع والغاية لا يخلو عن استدراك لأن التعريف إن أخذ فيه الموضوع نحو باحث عن أحوال كذا أعني عن أفراد التصديق بالموضوع لأنه يستلزمه إذ يعلم منه أن كذا لذلك المذكور باسمه هو المبحوث عن أحواله وهذا هو عين العلم بأن موضوعه ماذا نعم لا يعلمه من حيث هو مسمى لفظ الموضوع وذلك غير مخل بالمقصود من ذكر الموضوع في أوائل العلوم وهو حصول البصيرة أو مزيدها لأنها إنما ترتبت على
51
51
معرفة خصوص ما يبحث في هذا العلم عن أحواله لا بقيد كونه مسمى بلفظ مخصوص فإنا لو لم نسمه بخصوص اسم سوى أن كذا هو المبحوث عن أحواله في العلم حصل المقصود وإن لم يؤخذ في التعريف الموضوع استلزم معرفة غايته لأنه لابد من المميز وهو في رسم مفهوم العلم ليس إلا حيثية الغاية كتعريف المواقف علم يقتدر معه على إثبات العقائد فإن ملكة إثباتها هي الغاية المقصودة أولا وإن كان يقال غايته الترقي من التقليد إلى الإيقان بالعقائد وقع المبطلين والدرجات عند الله تعالى فهي غاية الغاية وهذا كما يقال غاية أصول الفقه حصول أهلية الاجتهاد مع أنه يتأتى فيه جميع ما ذكرنا ولو سلم أن ما ذكرنا هو الغاية ابتداء فالعلم به لازم العلم بالغاية الأولى إذ يلزم كونه ذا ملكة إثبات العقائد فتحصل أن تعريف العلم من جهة الموضوع وهو حده لا حاجة معه في تحصيل البصيرة الكائنة في تصور الموضوع إلى أفراد تصديق به ومع رسمه لا حاجة في تحصيل البصيرة المستفادة من معرفة غايته إلى أفراد تصديق بها نعم يحتاج إليهما في إفادة لفظ اصطلاحي هو اسم الموضوع والغاية لكنهم لم يقدموا ذكره لهذا الغرض بل لما ذكرنا وليزداد جد الطالب في الغاية اه نعم في شرح المواقف للمحقق الشريف واعلم أن الامتياز الحاصل للطالب بالموضوع إنما هو للمعلومات بالأصالة وللعلوم بالتبع والحاصل بالتعريف على عكس ذلك إن كان تعريفا للعلم وأما إن كان تعريفا للمعلوم فالفرق أنه قد يلاحظ الموضوع في التعريف كما في تعريفا الكلام إن جعل تعريف المعلومه وهو غير قادح أيضا في هذا الذي أفاده المصنف رحمه الله
الأمر
( الثالث )
من الأمور التي مقدمة هذا الكتاب عبارة عنها
( المقدمات المنطقية )
ونسبها إلى المنطق لأنها منه وقوله
( مباحث النظر )
عطف بيان أو بدل منها
( وتسمية جمع )
من الأصوليين كالآمدي ومن تابعه
( لها )
أي لهذه المباحث
( مبادئ كلامية بعيد )
لأن هذه النسبة تفيد الاختصاص ظاهرا وعلم الكلام غير مختص بها
( بل الكلام فيها )
أي في هذه المباحث
( كغيره )
من العلوم الكسبية في الحاجة إليها
( لاستواء نسبتها )
أي هذه المباحث
( إلى كل العلوم )
الكسبية في كونها آلة لها
( وهو )
أي بيان الاستواء المذكور
( أنه )
أي الشأن
( لما كان البحث )
عرضا
( ذاتيا للعلوم )
لعروضه لها بلا وسط في الثبوت في نفس الأمر
( وهو )
أي البحث
( الحمل بالدليل )
وهذا أوجز ما قيل في تعريفه مع الجمع والمنع
( وصحته )
أي الدليل
( بصحة النظر وفساده به )
أي وفساد الدليل بفساد النظر كما سيظهر
( وجب التمييز )
بين النظر الصحيح والنظر الفاسد
( ليعلم )
بمعرفتهما
( خطأ المطالب وصوابها )
فإن خطأها من فساد دليلها الناشئ عن فساد النظر وصوابها عن صحة دليلها الناشئ عن صحة النظر فإذا عرف حال النظر عرف حال الدليل وإذا عرف حال الدليل عرف حال ما أدى إليه فإذا لابد من معرفة كل من النظر وقسميه والدليل وما يفيده من العلم والظن لتوقف معرفة حال المطلوب على هذه الأمور سواء كان المطلوب من المطالب الأصلية أو الكلامية أو غيرهما فجعل هذه
52
52
الأمور مبادئ كلامية للأصول ليس بأولى من العكس مثلا وقد صرح بذلك الإمام الغزالي في المستصفى حيث قال إن المقدمة المشتملة على هذه المباحث ليست من جملة أصول الفقه ولا من مقدماته الخاصة بل هي مقدمة العلوم كلها وحاجة جميع العلوم النظرية إلى هذه المقدمة كحاجة أصول الفقه اه
نعم لا بأس بما ذكره المحقق الشريف من أن الحق أن إثبات مسائل العلوم النظرية محتاج إلى دلائل وتعريفات معينة والعلم بكونها موصلة إلى المقصود لا يحصل إلا من المباحث المنطقية أو يتقوى بها فهي تحتاج إليها تلك العلوم وليست جزءا منها بل هي علم على حيالها وعلم الكلام لما كان رئيس العلوم الشرعية ومقدما عليها انتسبت إليه هذه القواعد المحتاج إليها فعدت مبادئ كلامية للعلوم الشرعية اه فإن حاصل هذا أن هذه الإضافة ليست للتخصيص بل لاتفاق سبق وقوعها مبادئ للكلام لتقدمه في الاعتبار والشرف على ما سواه والشيء يضاف إلى غيره بأدنى ملابسة على ما عرف في العربية والسبق من أسباب الترجيح وحيث يظهر أن المراد هذا فلا بأس بذلك ثم نقول استطرادا
( وليس في الأصول من الكلام إلا مسألة الحاكم )
فإنها من العقائد الدينية
( وما يتعلق بها من )
مباحث
( الحسن والقبح )
لكون ذلك وسيلة إلى ما هو من العقائد الدينية فتلحق بها في كونها من مسائل الكلام
( ونحوه )
أي هذا المذكور كمسألة المجتهد يخطئ ويصيب ومسألة يجوز خلو الزمان عن مجتهد وما ضاهاهما
( وهذه )
المذكورات
( من المقدمات )
لهذا العلم لا منه
( يتوقف عليها )
أي على معرفتها
( زيادة بصيرة )
لمعرفة بعض مقاصد هذا العلم تذكر فيه لهذا الغرض وليس ذكرها في أثناء المقاصد لمناسبة حسنته ثمة كما هو غير خاف على المتأمل بمانع من كونها من المقدمات وقد عرفت أن مقدمة العلم غير محصورة في حده وغايته والتصديق بموضوعه بل إذا وجد لهذه الأمور مشارك في إفادة البصيرة كان منها وساغ ذكره مع هذه الأمور فيها ثم لا يصح أن تكون هذه المذكورات من مبادئ هذا العلم على اصطلاح المنطقيين لأنها عندهم ما يبدأ به قبل المسائل لتوقفها عليه وهي معدودة من أجزاء العلم عندهم على ما هو المشهور وهذه المذكورات ليست كذلك
( وتصح )
أن تكون
( مبادئ )
له
( على )
اصطلاح
( الأصوليين )
وإن لم تكن منه لأن المبادئ عندهم ما تتوقف عليه مسائل العلم أو الشروع فيه على بصيرة فمنها ما هو من أجزائه ومنها ما ليس من أجزائه كهذه المذكورات في عندهم أعم منها عند المنطقيين وحينئذ فجعل هذه من المقدمات لا من المبادئ على اصطلاح المنطقيين وجعلها من المبادئ على اصطلاح الأصوليين اختلاف مبني على تفسير المبادئ ليس إلا
( ولما انقسم )
الدليل
( إلى ما يفيد علما )
قطعيا ولم يذكره لدلالة قسيمه عليه أعني قوله
( وظنا ميزا )
أي العلم والظن بما يفيد تصور كل على حدة ثم إذ وجب التمييز
( وتمامه )
أي والحال أن تمام تمييز الشيء من غيره على ما ينبغي قد يكون أيضا
( بالمقابلات )
أي بذكر المقابلات للشيء
53
53
وذكر معناها مع ذكر ذلك المميز فإن في ذلك أمانا من وهم الاشتباه وزيادة جلاء لبيان المقابلات والأشباه ومن ثمة قيل وبضدها تتبين الأشياء فلا علينا أن نأتي بمميز كل ثم بالمقابلات وبيان معناها وماله مناسبة بالمقام وتقدم الكلام في هذه الجملة على بيان الدليل وما يتبعه لكون العلم والظن هما المقصودين بالذات من الدليل وإن كان سائغا تقديمه عليهما ومن ثمة قدمه بعضهم عليهما لكونه وسيلة إليهما والوسائل قد تقدم على المطالب
( فالعلم حكم لا يحتمل طرفاه نقيضه عند من قام به لموجب )
أي إدراك نسبة موجبة أو سالبة بين محكوم ومحكوم عليه لا يحتملان نقيض ذلك الإدراك عند المدرك كائن لموجب فحكم شامل للعلم القطعي والظن والجهل وما كان من اعتقاد المقلد حكما ولا يحتمل طرفاه نقيضه عند من قام به أي لا يجوز الحاكم به تعلق نقيض ذلك بطرفيه في نفس الأمر مخرج للظن سواء كان عن دليل ظني أو تقليدا أو جهلا مركبا لأن الظن حكم يحتمل طرفاه نقيضه في نفس الأمر في الحال أو فيه وفي المآل عند الظان ولموجب بكسر الجيم أي من حس أو عقل أو برهان أو عادة مخرج للجهل المركب مطلقا ولاعتقاد المقلد مطلقا لأن كلا منهما ليس بمستند لموجب
( فدخل )
تحت هذا الحد العلم
( العادي )
وهو ما موجبه العادة وهو فعل المختار على سبيل الدوام كعلمنا بأن الجبل الذي شاهدناه فيما مضى حجر أنه في حال غيبتنا عنه حجر أيضا أي لم ينقلب ذهبا لأنه يصدق على هذا العلم أنه حكم لا يحتمل طرفاه نقيضه وهو الحكم بكونه ذهبا في نفس الأمر عندنا لموجب وهو العادة المستمرة بأن ما شوهد حجرا في وقت فهو كذلك دائما وإن كان كون الجبل ذهبا في هذه الحالة ممكنا لذاته
( لأن إمكان كون الجبل ذهبا )
في هذه الحالة
( لا يمنع الجزم بنقيضه )
أي كون الجبل ذهبا وهو الحكم بكونه حجرا في هذه الحالة في نفس الأمر
( عن موجبه )
أي هذا الجزم المذكور اتفاقا فإن الإمكان الذاتي لا ينافي الوجوب بالغير فلا يظن أن الحد غير منطبق عليه فلا يكون جامعا
واعلم أن جعل نقيض كون الجبل حجرا كونه ذهبا وبالعكس تسامح مشهور وافقناهم في التقرير عليه لعدم الخلل في المقصود وإلا فنقيض كون الجبل حجرا إنما هو كونه غير حجر وكونه ذهبا أخص من نقيضه ونقيض كونه ذهبا كونه غير ذهب وكونه حجرا أخص من نقيضه هذا
( والحق أن إمكان خرق العادة )
الموجبة لكون الجبل السابق مشاهدة حجريته حجرا بأن يصير ذهبا في نفس الأمر
( الآن )
أي في حال الغيبة عنه
( وهو )
أي والحال أن الإمكان المذكور
( ثابت )
في هذه الحالة في حق الجبل ومن ثمة كانت العادة قابلة للانخراق بكرامة ولي كما تقبله بمعجزة نبي وإن حلف ليقلبن هذا الحجر ذهبا انعقدت يمينه
( يستلزم تجويز النقيض )
وهو أن يكون ذهبا
( الآن )
أي في هذه الحالة
( إذا لوحظ )
النقيض في هذه الحالة 0 للإمكان وشمول قدرة القادر المختار وإلا كان ممتنعا امتناعا ذاتيا لكنه في نفس الأمر ممكن إمكانا ذاتيا والإمكان الذاتي وإن كان لا ينافي الوجوب بالغير لكنه لا يلزم من عدم
54
54
منافاته للوجوب بالغير عدم تجويز النقيض إذ ليس كل جائز واقعا فلا يصدق التعريف المذكور على العلم العادي وإنما قيد كون إمكان خرق العادة حالتئذ مستلزما التجويز النقيض حينئذ بملاحظة النقيض وقتئذ لتوقف استلزام تجويزه على ملاحظته لأن التجويز فرع الملاحظة حتى يكون مذهولا عنه عند عدمها ثم حين آل الأمر إلى خروج العلم العادي من هذا التعريف للعلم القطعي بواسطة أنه يتأتى فيه تجويز النقيض كما اقتضاه هذا التحقيق وقد فرض أن القطعي لا يتأتى فيه ذلك
( فالحق أن العلم كذلك )
أي حال كونه لا يتأتى فيه تجويز النقيض أن يقال
( هو ما )
أي حكم
( موجبه لا يحتمل التبدل كالعقل والخبر الصادق )
والحس فإن كلا من هذه الموجبات لا يحتمل التبدل أصلا لاستحالته عليها وحاصله أنه ما موجبه لا يحتمل الخروج عن كونه موجبا له فخرج العادي لأن العادة تحتمل التبدل بخرقها كما ذكرنا هذا غاية ما ظهر لي في تقرير هذه الجملة وعليه أن يقال ما قالوا أن معنى احتمال العاديات تجويز النقيض أنه لو فرض وقوع ذلك النقيض بدلها لم يلزم من ذلك محال لذاته لأن الأمور العادية ممكنة في حد ذاتها والممكن لا يستلزم شيء من طرفيه محالا لذاته ولا يخفى أن هذا جار في جميع الممكنات الواقعة لا اختصاص له بالعادية وأن معنى عدم احتمال العلم للنقيض هو أن العقل لا يجوز بوجه من الوجوه كون الواقع في نفس الأمر نقيض ذلك الحكم حينئذ وإن كان من الأمور الممكنة لامتناع إمكان اجتماع النقيضين وهذا ممنوع ثبوته في العلوم العادية كما في العلوم المستندة إلى الحس وغيرها فكما أنه إذا شاهد حركة زيد وبياض جسم لا يجوز العقل البتة في ذلك الوقت كون زيد ساكنا والجسم أسود بل يقطع بأن الواقع هو هذا النسبة لا غير فالعلم العادي كذلك ويوافقه ما قال شيخنا المصنف رحمه الله في تقرير دليل التمانع من كتابه المسايرة أنه لم يؤخذ في مفهوم العلم القطعي استحالة النقيض بل مجرد الجزم عن موجب بأن الآخر هو الواقع وإن كان نقيضه لم يستحل وقوعه اه
فإذن لا فرق بين أن نعلم كون الجبل حجرا مشاهدة وبين أن نعلم ذلك عادة في التجويز العقلي ونفي الاحتمال في نفس الأمر فلا يكون الحق أن يقال ما موجبه لا يحتمل التبدل نعم العلم بالأمور التي لا تقبل النسخ لذاتها كالعلم بوجوب وجود الواجب لذاته وبامتناع شريكه ونحو ذلك لا يحتمل النقيض بالمعنى المذكور ولا يتأتى فيها التجويز العقلي للنقيض لكن التعريف المذكور لم يشترط فيه نفي كليهما على أنه لو اعتبر في القطعي نفي كليهما لأدى إلى انحصار القطعي اصطلاحا في العلم بالواجب والممتنع لذاتيهما لا غير وليس كذلك قطعا كما يؤيده ما ذكرناه عن المصنف آنفا بل قد ذكر صدر الشريعة وغيره أن العلماء يستعملون العلم القطعي في معنيين أحدهما ما يقطع الاحتمال أصلا كالمحكم والمتواتر والثاني ما يقطع الاحتمال الناشئ عن دليل كالظاهر والنص والخبر المشهور مثلا والأول يسمونه علم اليقين والثاني علم الطمأنينة والله سبحانه أعلم
( والظن حكم يحتمله )
أي
55
55
يحتمل متعلقه الذي هو طرفاه نقيضه عند الحاكم احتمالا
( مرجوحا )
بمعنى أنه لو خطر بالبال لحكم بإمكانه ثم إن كان الحكم المذكور مطابقا للواقع فهو صادق وإلا فهو كاذب هو صنف من الجهل المركب على ما سيذكره المصنف قريبا ونوافقه عليه بعد تقييده بما يجب تقييده به إن شاء الله تعالى
ثم قيل إنما يسمى الحكم المذكور ظنا إذا لم يأخذ القلب بالراجح ولم يطرح الآخر أما إذا عقد القلب على الراجح وترك المرجوح يسمى الراجح أكبر الظن وغالب الرأي وهو غريب بل المعروف أن الظن هو الحكم المذكور أخذ القلب به وطرح المرجوح أو لم يأخذه ولم يطرح الآخر وأن غلبة الظن زيادة على أصل الرجحان لا يبلغ به الجزم الذي هو العلم
( وهو )
أي والاحتمال المرجوح أي ملاحظته هو
( الوهم )
ثم اعلم أن الشيخ حافظ الدين النسفي ذكر في أوائل كشف الأسرار تقسيما يخرج منه تفسير العلم وغيره وقد أشار المصنف إلى تعقب أمور منه فلا بأس أن نسوقه ليعلم ما هو محل التعقب منه عند تعرض المصنف له وإذا أحلنا عليه تقع حوالتنا عليه رائجة قال رحمه الله اعلم أن حكم الذهن بأمر على آخر إن كان جازما فجهل إن لم يطابق وتقليد إن طابق ولم يكن لموجب وعلم لو كان لموجب عقلي أو حسي أو مركب منهما فالأول بديهي إن كفى تصور طرفيه لحصوله وإلا فكري
والثاني
علم بالمحسوسات
والثالث
بالمتواترات والحدسيات والمجربات وإن لم يكن جازما فشك إن تساوى طرفاه وإلا فالراجح ظن والمرجوح وهم اه فصرح بأن كلا من الشك والوهم حكم كما ذكره جمع من المتأخرين وليس كذلك كما صرح به غير واحد من المحققين فلا جرم أن قال المصنف معرضا به
( ولا حكم فيه )
أي الوهم
( لاستحالته )
أي الحكم
( بالنقيضين )
للشيء الواحد في حالة واحدة للإتفاق على الحكم بالطرف الراجح مع الحكم بالطرف المرجوح على هذا القول واللازم باطل فالملزوم مثله بل هو من قبيل التصورات الساذجة
( والشك عدم الحكم بشيء )
نفيا وإثباتا لشيء
( بعد الشعور )
بذلك الحكم الذي بحيث يعرض لنسبة ذينك الطرفين بعد تصورهما وتصورها التصور الساذج والشعور أول مراتب وصول النفس إلى المعنى من غير وقوف على تمامه وهذا بشرط أن يكون عدم الحكم المذكور
( للتساوي )
أي لكون متعلقه من حيث هو يحتمل كلا من النفي والإثبات على حد سواء عند من بحيث يحكم وهو المتصور المذكور وعلى هذا فقوله بعد الشعور من باب التصريح باللازم إيضاحا ومن ثمة لم يصرح به غير واحد
( فيخرج )
عن الشك بواسطة لزوم الشعور المذكور له
( أحد قسمي الجهل البسيط )
وهو عدم الحكم بشيء مع عدم الشعور بذلك الحكم عما من شأنه أن يكون حاكما فإن من الجهل البسيط ما يكون كذلك كما في خالي الذهن
وأما القسم الآخر الذي هو قسيم هذا فهو عدم الحكم بالشيء مع الشعور بالحكم عما
56
56
من شأنه أن يكون حاكما والظاهر أن ما صدقاته إنما هي الشك والوهم لا غير لأن عدم الحكم بالشيء مع الشعور بذلك الحكم لا يتحقق إلا إذا كان ذلك المشعور به طرفاه سواء أو مرجوحا بالنسبة إلى طرفه الآخر فيخرج حينئذ باشتراط التساوي أحد فردي هذا القسم أيضا وهو الوهم هذا ولقائل أن يقول هذه العبارة تشير إلى أنه لا قسيم للجهل والبسيط وراء هذين القسمين وهو خلاف صريحهم وإشارتهم فقد عرفوه كما في المواقف وغيره بعدم العلم عما من شأنه أن يكون عالما وقال الآمدي والجهل البسيط يمتنع اجتماعه مع العلم لذاتيهما فيكون ضدا وإن لم يكن صفة إثبات وليس الجهل البسيط ضدا للجهل المركب ولا للشك ولا للظن ولا النظر بل يجامع كلا منها لكنه يضاد النوم والغفلة والموت لأنه عدم العلم عما من شأنه أن يقوم به العلم وذلك غير متصور في حالة النوم وأخواته وأما العلم فإنه يضاد جميع هذه الأمور المذكورة ويمكن الجواب عنه بأنه لما كان من الجهل البسيط قسمان يتناولهما جنس الشك أعني عدم الحكم بشيء ثم منهما بعد ذلك ما لا ينطبق تعريف الشك عليه أصلا ومنهما ما ينطبق على بعض أفراده وقسمان لا يتناولهما جنس الشك أصلا وهما كل من الحكم الجازم الغير المطابق والحكم الراجح الغير المطابق إذا لم يقترنا باعتقاد كونهما في الواقع كذلك توفرت العناية على التنبيه على خروج ذلك القسم المشارك له في الجنس المرتفع عن انطباق التعريف عليه أصلا ولم ينبه على خروج القسمين الأخيرين للعلم بخروجهما بمعنى عدم دخولهما أصلا على أنه قد كان الأولى أن يقول فخرج بعض أقسام الجهل البسيط ليتناول الوهم كما ذكرنا
( والجهل المركب الحكم غير المطابق )
للواقع وينبغي أن يزاد مع اعتقاد مطابقته وإلا لكان غير مانع لصدقه على البسيط فإن الحكم غير المطابق إذا لم يقترن باعتقاد مطابقته جهل بسيط لصدق تعريفهم إياه بعدم العلم عما من شأنه أن يكون عالما عليه فإن الظاهر أن المراد بالعلم الجازم لثابت المطابق وكما يصدق عدم العلم بهذا المعنى بانتفاء جميع هذه الأمور يصدق بانتفاء بعضها وقد ظهر من هذا أن دعوى الآمدي أن البسيط يجامع المركب ممنوعة للمعاندة بينهما في جزء المفهوم
( ولم نشرط )
نحن في الحكم الذي هو جنس الجهل المركب
( جزما )
كما شرطه في المواقف حيث قال هو عبارة عن اعتقاد جازم غير مطابق ومشى عليه في شرح المقاصد
( لأن الظن غير المطابق ليس سواه )
أي الجهل المركب والجزم مخرج له فلا يكون التعريف جامعا لكن قد عرفت أنه إنما يكون الظن غير المطابق جهلا مركبا إذا اعتقد مطابقته وإلا فهو بسيط وبهذا تعرف أن ما في الكشف من أن حكم الذهن بأمر على أمر إن كان جازما فجهل إن لم يطابق محمول على بيان بعض ما صدقات الجهل البسيط ثم قد ظهر من هذه الجملة أن اللائق أن يكون ما في المواقف تعريفا للجهل البسيط تعريفا لمطلق الجهل الصادق على البسيط والمركب وأما هما فما ذكرنا فلا جرم أن في التلويح وهو أي الجهل عدم العلم عما من شأنه فإن قارن
57
57
اعتقاد النقيض فمركب وهو المراد بالشعور بالشيء على خلاف ما هو به وإلا فبسيط وهو المراد بعدم الشعور اه ثم إنما سمي الجهل المركب مركبا لأن كونه اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه جهل بذلك الشيء واعتقاده أنه اعتقاد الشيء على ما هو عليه جهل آخر فقد تركبا معا وقد يتركب من ثلاثة كقول أبي الطيب
( ومن جاهل بي وهو يجهل جهله
ويجهل علمي أنه بي جاهل )
( وأما التقليد فليس من حقيقته ظن فضلا عن الجزم كما قيل )
وقد عرفت أن قائله صاحب الكشف لأن التقليد كما سيأتي وهو العمل بقول من ليس قوله إحدى الحجج بلا حجة منها فأين الظن فضلا عن الجزم
( بل قد يقدر )
المقلد
( عليه )
أي ظن ما قلد في اي على اكتساب ظن به
( إذا كان المقلد قريبا )
من مرتبة الاجتهاد لوجود أهليته في الجملة لاكتساب ذلك من الأدلة فإنه بعد فرض أنه قلد غيره في ذلك الحكم لا تخرجه هذه الحالة بالنسبة إلى هذه الواقعة عن كونه مقلدا كما في غيرها مما لم يقدر فيه على ظن حكم ما قلد فيه غيره
( وقد لا )
يقدر المقلد مطلقا على اكتساب ذلك أما القريب فلتعارض الأمارات عنده من غير ترجيح أو لغير ذلك وأما البعيد فلعدم الأهلية لاكتسابه من الدليل
( وغايته إذا )
أي وغاية المقلد إذا قلد المجتهد في حكم شرعي حالة كونه غير قادر على اكتساب جزم أو ظن بذلك الحكم من الدليل
( حسن ظنه )
أي المقلد
( بمقلده )
بفتح اللام وذلك بأن يعتقد أنه لم يقله عن هوى وإنما هو الحكم الذي أدى إليه اجتهاده بعد إفراغ الوسع في طلب الحق في ذلك ولا بدع في ذلك بل هو متعين
( وقد يكون )
أي يوجد التقليد لمن هو أهل له
( ولا ظن )
أي والحال أن لا ظن عند المقلد للحكم الذي ذهب إليه مقلده أصلا بل قد يقلده
( مع علمه )
أي المقلد
( أنه )
أي مقلده
( مفضول )
فيما قلده فيه ويقدم على تقليده والحالة هذه لكونه مسقطا للواجب لأن الجمهور على جواز تقليد المفضول مع وجود الفاضل كما سيأتي ثم هذا كله شيء وقع في البين فلنرجع النظر إلى تعريفي العلم والظن المذكورين فنقول
( وخرج التصور من العلم والظن )
بواسطة جعل الجنس فيهما الحكم وهذا يفيدك أن المراد لم يدخل التصور بأقسامه فيهما لأن حقيقة الخروج بالدخول ولم يوجد ولا ضير في كون الخروج مرادا به المنع من الدخول فإنه بهذا المعنى مجاز مشهور ثم هذا الخروج
( على الأكثر )
أي على قولهم إن العلم والظن من باب التصديق
( اصطلاحا )
منهم على ذلك
( لا لاعتبار الموجب )
اي لا أنه إنما خرج التصور عن العلم والظن لذكر الموجب في التعريف لأنه ليس بمقتض لذلك
( ويقال )
في تعريف العلم أيضا
( صفة توجب تمييزا لا يحتمل )
النقيض وإنما لم يذكره للعلم به مما تقدم مع شهرته وهذا معزو إلى الشيخ أبي منصور الماتريدي وقال ابن الحاجب وغيره إنه اصح الحدود
وفي المواقف وهو المختار فصفة أي معنى قائم بغيره يتناول العلم وغيره وتوجب أي
58
58
تستعقب بخلق الله تعالى عادة لمحلها الذي يتصف بها وهو النفس تمييزا بين الأمور يخرج الصفات التي توجب لمحلها تميزا عل الغير لا تمييزا وهو ما عدا الإدراكات من الصفات النفسانية كالشجاعة وغير النفسانية كالسواد مثلا فإن هذه الصفات توجب لمحالها تميزا عن غيرها ضرورة أن الشجاع بشجاعته ممتاز عن الجبان والأسود بسواده ممتاز عن الأبيض وأما الإدراكات فإنها توجب لمحالها تميزا عن غيرها على قياس ما مر وتوجب لها تمييزا لمدركاتها عما عداها أي تجعلها بحيث تلاحظ مدركاتها وتميزها عما سواها فظهر أن معنى الإيجاب ما يصحح قولنا إذا وجد وجد ولا يحتمل النقيض أي لا يحتمل متعلق التمييز نقيض ذلك التمييز بوجه من الوجوه بمعنى أنه غير قابل لطرو نقيض هذا التمييز عليه على وجه يطابق الواقع يخرج الصفات الإدراكية التي توجب لمحلها تمييزا يحتمل متعلقه نقيضه كالظن والشك والوهم فإن متعلق التمييز الحاصل فيه يحتمل نقيضه بلا خفاء والجهل المركب لاحتمال أن يطلع صاحبه في المستقبل على ما في الواقع فيزول عنه ما حكم به من الإيجاب والسلب إلى نقيضه وفي شرح المقاصد وقد يقال إن الجهل المركب ليس بتمييز اه والتقليد لأنه يزول بالتشكيك وفي شرح المقاصد بل ربما يتعلق بالنقيض جزما ومحصل هذا كما قال المحقق الشريف في شرح المواقف أن العلم صفة قائمة بمحل متعلقة بشيء توجب تلك الصفة إيجابا عاديا كون محلها مميزا للمتعلق تمييزا لا يحتمل ذلك المتعلق نقيض ذلك التمييز فلابد من اعتبار المحل الذي هو العالم لأن التمييز المتفرع على الصفة إنما هو له لا للصفة ولا شك أن تمييزه إنما هو لشيء تتعلق به تلك الصفة والتمييز وذلك الشيء هو الذي لا يحتمل النقيض اه لكن على هذا لقائل أن يقول فلا حاجة إلى التجوز بالتمييز عن متعلقه ولا إلى تقدير متعلقه مسندا إليه لا يحتمل على أنه لا فرق في الحاصل بين أن يكون مسندا إلى متعلقه مرادا به ما قدمناه أو إليه نفسه حقيقة بمعنى أنه غير قابل لطرو نقيضه بدله على وجه يطابق الواقع قال الفاضل سيف الدين الأبهري وهذا كما يقول المتكلمون تارة ماهية الممكن قابلة لوجودها وتارة وجود الممكن قابل لعدمه ومآل العبارتين واحد ثم هذا الحد يتناول التصديق اليقيني والتصور كما أشار إليه بقوله
( فيدخل )
أي التصور في حد العلم إذ لا نقيض للتصور على ما هو المشهور بناء على أن النقيضين هما المفهومان المتمانعان لذاتيهما ولا تمانع بين التصورات فمفهوما الإنسان واللاإنسان مثلا لا تمانع بينهما إلا إذا اعتبر ثبوتهما لشيء فحينئذ يحصل هناك قضيتان متنافيتان صدقا وإذا لم يكن للتصور نقيض صدق أن متعلقه لا يحتمل النقيض بوجه أيضا فإذا تصورنا ماهية الإنسان وحصل في ذهننا صورة مطابقة لها فالتمييز هنا هو تلك الصورة إذ بها تمتاز وتنكشف الماهية ولا تحتمل نقيض ذلك التمييز إذ لا نقيض له وعلى هذا فالعلم بالإنسان ليس تلك الصورة بل صفة توجبها ولا يقال فعلى هذا جميع التصورات علوم مع أن بعضها غير مطابق لأنا نقول لا
59
59
يوصف التصور بعدم المطابقة أصلا فإنا إذا رأينا من بعيد شبحا هو حجر مثلا وحصل منه في أذهاننا صورة إنسان فتلك الصورة صورة الإنسان والعلم به تصوري والخطأ إنما هو في حكم العقل بأن هذه الصورة للشبح المرئي فالتصورات كلها مطابقة لما هي تصورات له موجودا كان أو معدوما ممكنا كان أو ممتنعا وعدم المطابقة في أحكام العقل المقارنة لتلك التصورات فلا إشكال وإلى معنى هذا أشار بقوله
( وعدم المطابقة )
للواقع
( في تصور الإنسان )
حيوانا
صهالا )
لأن الإنسان في الواقع حيوان ناطق لا صهال إنما هو
( للحكم )
العقلي
( المقارن )
لتصور الإنسان حيوانا صهالا بأن الصورة المتصورة للإنسان حيوان صهال لا غير
( أما الصورة )
الحاصلة في الذهن التي العلم بها تصوري
( فلا تحتمل غيرها )
أي غير نفسها وفي هذا تعريض برد ما في حاشية المحقق التفتازاني على شرح القاضي عضد الدين مختصر ابن الحاجب تعقبا للقول بأن معنى لا نقيض للتصور أنه لا نقيض لمتعلقه لأن نقيض الشيء رفعه وسلبه ففيه شائبة الحكم والتصديق من أن هذا يبطل كثيرا من قواعد المنطق ويوجب شمول التعريف لجميع التصورات الغير المطابقة كما إذا تعقل الإنسان حيوانا صهالا اللهم إلا أن يقال إنه ليس بتمييز اه
نعم إن قيل المتناقضان هما المفهومان المتنافيان لذاتيهما والتنافي إما في التحقق والانتفاء كما في القضايا وإما في المفهوم بأنه إذا قيس أحدهما إلى الآخر كان أشد بعدا مما سواه فيوجد في التصورات أيضا كمفهومي الفرس واللافرس بهذا المعنى قيل رفع كل شيء نقيضه سواء كان رفعه في نفسه أو رفعه عن شيء ثم أيا ما كان فالمراد بالتصور الداخل في الحد المذكور ما ليس متعلقه محتملا للنقيض فلا يضر ما هو الواجب من خروج الوهم والشك من العلم كما تقدم ثم هذا بناء على أن إدراك الحواس الظاهرة من قبيل العلم كما ذهب إليه الشيخ أبو الحسن الأشعري وأما من لم ير ذلك وهم جمهور المتكلمين فيقيد التمييز بقوله بين المعاني أي ما ليس من الأعيان المحسوس بالحواس الظاهرة وهي الأمور العقلية كلية كانت أو جزئية بناء على أن المراد بالمعاني ما يقابل العينية الخارجية فيخرج عن حد العلم إدراك الحواس الظاهرة فإنها تفيد تمييزا في الأمور العينية ومنهم من قيد المعاني بالكلية ميلا إلى تخصيص العلم بالكليات والمعرفة بالجزئيات هذا وقد تعقب المحقق الشيخ ولي الدين الملوي هذا التعريف بأنه تفسير القوة العلمية وإلا فهم متفقون على أن العلم إما تصور وإما تصديق ضروري ومطلوب وليس ذلك نفس الصفة بل أثرها فعرضته على شيخنا المصنف رحمه الله فدافعه بعض المدافعة ثم استحسنه وألحقه بالكتاب قائلا
( والوجه )
في حد العلم على وجه يشمل التصور أن يقال
( إنه تمييز )
لا يحتمل النقيض
( وإلا فإنما يصدق على القوة العاقلة )
المفيدة للتصور والتصديق لا عليهما لما ذكرنا لكني أقول هذا إذا لم يكن من يقول أن العلم عبارة عن صفة حقيقية ذات تعلق بالمعلوم أما إذا كان ثمة من
60
60
يقول بهذا حتى أن العلم عنده من مقولة الكيف بالذات ومن مقولة المضاف بالعرض كما ذهب إليه ابن سينا وغيره فالقوة التي من شأنها ذلك هي نفس العلم عنده فلا يتم نفي كون هذا تفسيرا للعلم عنده فلا جرم أن صرح القاضي عضد الدين في المواقف بأن هذا التعريف عند من يقول بهذا القول ثم قال ومن قال إنه نفس التعلق يعني المخصوص بين العالم والمعلوم حده بأنه تميز معنى عند النفس تميزا لا يحتمل النقيض اه حتى يكون من قبيل الإضافات ومبدؤه من الكيفيات كما ذهب إليه صاحب الصحائف أومن قبيل الانفعال نعم يكون تقسيم العلم على القول الأول إلى التصور والتصديق مجازا باعتبار متعلقه بخلافه على القول الثاني ثم ظاهر قول شيخنا أنه تمييز يخالف كلا من هذين القولين لأن الظاهر أن التمييز فعل فليتأمل
ثم لما وقع التعرض لشمول هذا التعريف للتصور في الجملة ومنه الحد وقد ذكروا أن التصور من حيث هو لا يكتسب ببرهان ولا يطلب عليه دليل ولا يقبل المنع ولا يعارض سواء كان حدا حقيقيا أو اسميا أو غيرهما وصرحوا أيضا بأن الحد باعتبار عارض له قد يطلب ويقلم عليه الدليل ويعارض ويمنع أشار إلى ما يفيد المناط في هذه الأحكام ثبوتا وانتفاء فقال
( ولا دليل )
يطلب ويقام
( إلا على نسبة )
أي حكم نسبة بين شيئين ثبوتا أو نفيا لما سيعرف من معرفة الدليل
( وكذا المعارضة
لا تكون بين أمرين بحيث يكون أحدهما معارضا للآخر إلا إذا كانا حكمين وتحقق فيهما باقي الشروط المعتبرة في وجودى التدافع بينهما
( وذلك )
أي قيام الدليل والمعارضة إنما يقع في صور المتصورات ( عند ادعائها )
أي صور المتصورات الحاصلة في الذهن من الأمور التي الصور المذكورة عبارة عن تصورها
( صورة كذا كصور الحدود )
بالنسبة إلى المحدودات أي كادعاء أن الصورة الحاصلة من الأمر الفلاني المسمى بالحد هي الأمر الفلاني المسمى بالمحدود
( وحينئذ )
أي وحين يقصد الحكم بالحد على المحدود كما ذكرنا
( تقبل )
صور الحدود
( المنع )
لوجود ما يصلح أن يكون معروضا لذلك حينئذ وهو الحكم وكشف القناع عن ذلك أن التعريف الذي يقصد به تحصيل ما ليس بحاصل من التصورات قسمان
أحدهما
ما يقصد به تصور مفهومات غير معلومة الوجود في الخارج ويسمى تعريفا بحسب الاسم فإذا علم مثلا مفهوم الجنس إجمالا وأريد تصوره بوجه أكمل فإن فصل نفس مفهومه بأجزاء كان ذلك حدا له اسميا وإن ذكر في تعريفه عوارضه كان له رسما اسميا
ثانيهما
ما يقصد به تصور حقائق موجودة ويسمى تعريفا بحسب الحقيقة إما حدا أو رسما وكلا هذين القسمين لا يتجه عليه منع لأن التحديد تصويره ونقش لصورة المحدود في الذهن ولا حكم فيه أصلا والحاد إنما ذكر المحدود ليتوجه الذهن إلى ما هو معلوم بوجه ما ثم يرسم فيه صورة أتم من الأول لا ليحكم بالحد عليه إذ ليس هو بصدد التصديق بثبوته
61
61
له مثلا إذا قال الإنسان حيوان ناطق لم يقصد به أن يحكم على الإنسان بكونه حيوانا ناطقا وإلا لكان مصدقا إلا مصورا بل إنما أراد بذكر الإنسان أن يتوجه ذهنك إلى ما عرفته بوجه ما ثم شرع في تصويره بوجه أكمل فما مثله إلا كمثل النقاش إلا أن الحاد ينقش في الذهن صورة معقولة وهذا ينقش في اللوح صورة محسوسة فكما أنه إذا أخذ يرسم فيه نقشا لم يتوجه عليه منع فلا يقال مثلا لا نسلم كتابتك كذا لا يصح أن يقال لا نسلم أن الإنسان حيوان ناطق لأنه جار مجراه فاتضح أن الحد مع المحدود ليس قضية في الحقيقة وإن كان على صورتها وأما ما اشتهر في ألسنة العلماء أنا لا نسلم أنه حد لما حددتموه به فهذا منع عليه فأجيب بأن الحد له مفهوم وما صدق عليه والمنع يتوجه على الثاني لا الأول ففي المثال المذكور لا يمنع كونه ناطقا بل يمنع كونه جدا للإنسان أو أن الحيوان جنس له أو الناطق فصل له إلى غير ذلك فإن هذه الدعاوى صادرة عنه ضمنا وقابلة للمنع باعتبار ما لزم عنها من الحكم وبهذا الاعتبار يتجه أيضا على الحد النقض والمعارضة
فإذا قيل مثلا العلم ما يصح من الموصوف به إحكام الفعل يقال هذا منقوض بالواجبات والمستحيلات فإن سلم الحاد وجود العلم المتعلق بهما فقد اعترف ببطلان حده وفساد نقشه وإلا فلا ويقال أيضا هذا معارض بأنه الاعتقاد المقتضي لسكون النفس فإن سلم الحد الثاني بطل حده وإلا فلا إذ لا تعاند بين مفهومي هذين الحدين بل كل منهما مفهوم على حدة والله تعالى أعلم ثم أفاد ما يكون للحاد إذا منع حده على الوجه الذي يتوجه له دفعه فقال
( ويدفع )
المنع
( في الاسمي بالنقل )
عن أهل اللغة إن كان لغويا وعن أهل الشرع إن كان شرعيا وعلى هذا القياس فإذا أتى الحاد به فقد تم مطلوبه
( وفي )
منع الحد
( الحقيقي العجز لازم )
للحاد لكن
( لا لما قيل لا يكتسب الحد
) الحقيقي
( ببرهان )
أي بالحد الأوسط مع ما تقيد به ويقال في توجيهه
( للاستغناء عنه )
أي لاستغناء الحد عن البرهان
( إذ ثبوت أجزاء الشيء له )
أي للشيء
( لا يتوقف )
ثبوتها
( إلا على تصوره )
أي ذلك الشيء لا غيرن لأن الذاتي للشيء لا يعلل ثبوته للذات بشيء فيكفي في ثبوت أجزاء الشيء له تصوره وحقيقة الحد هي حقيقة المحدود وأجزاؤه على التفصيل فيكفي في ثبوت الحد للمحدود تصور المحدود وإنما منع المصنف التعليل بهذا
( لأن الفرض جهالة كونها )
أي أجزاء الشيء التي هي الحد
( أجزاء الصورة الإجمالية )
التي هي المحدود وإلا لو كان معلوما كونها إياها من غير توقف على نظر وكسب لكانت الصورة الإجمالية من قبيل البديهات المستغنية عن الحدود لا النظريات فكيف يكفي في معرفة الحد معرفة المحدود فإن قيل نسبة ما يقال إنه أجزاء الصورة الإجمالية إليها بالجزئية لها يوجب أن يكون تصور الصورة الإجمالية كافيا في ثبوت تلك الأجزاء لها فالجواب المنع
( ونسبتها )
أي ونسبة ما يقال إنه أجزاء الصورة الإجمالية
( إليها )
أي الصورة الإجمالية
( بالجزئية )
أي بأنها أجزاؤها
( مجرد دعوى )
يتسلط عليها المنع
62
62
ويحتاج إلى دليل يثبتها وإذا كان كذلك
( فلا يوجبه )
أي ثبوت أجزاء الحد للمحدود ( إلا دليل )
يوجبه والمفروض خلافه
( أو للدور )
عطف على قوله للاستغناء أي ولا لما قيل لا يكتسب الحد ببرهان دفعا للدور اللازم على تقدير كونه مكتسبا به لأن الاستدلال على ثبوت شيء لشيء يتوقف على تعقلهما فالدليل على ثبوت الحد للمحدود ويتوقف على تعقلهما ثم تعقل المحدود مستفاد من ثبوت الحد له فلو توقف ثبوت الحد له على الدليل يلزم الدور وإنما منع المصنف التعليل بهذا أيضا
( لأن توقف الدليل )
على تعقل المحكوم عليه وهو المحدود هنا إنما هو
( على تعقل المحكوم عليه بوجه )
ما لأنه يكفي في الاستدلال تصور المحكوم عليه بوجه ما
( وهو )
أي تعقل المحكوم عليه إنما يتوقف
( عليه )
أي الدليل
( بواسطة توقفه )
أي توقف المحكوم عليه
( على الحد بحقيقته )
المتوقف عليه الدليل فلا دور لأنه ظهر أن الدليل إنما توقف على تصور المحدود بوجه والمحدود إنما توقف على الدليل من حيث تصوره بحقيقته بواسطة استدعاء الدليل على ثبوت الحد للمحدود تصورا بالحد بحقيقته المستلزم لتصور المحدود بحقيقته
فيتلخص أن الدليل توقف على تصور المحدود بوجه وتصور المحدود بحقيقته توقف على الدليل لكن يطرق هذا أن الدليل يجب فيه تعقل المستدل عليه من جهة ما يستدل عليه فلو أقيم البرهان على ثبوت الحد للمحدود فلابد من تعقل الحد من حيث إنه حد وفيه تعقل المحدود بحقيقته فيكون تعقل حقيقة المحدود بالحد حاصلا قبل الدليل على ثبوته له فلو استدل عليه ليجعل ذريعة إلى تصوره بالحد لزم الدور
( أو لأنه إنما يوجب أمرا في المحكوم عليه )
عطف على قوله أو للدور أي ولا لما قيل لا يكتسب الحد ببرهان لأن البرهان يستلزم حصول أمر وهو المحكوم به للمحكوم عليه لأن حقيقته وسط يستلزم ذلك
( وبتقديره يستلزم عينه )
أي ولو قدر في الحد وسط يستلزم حصوله للمحدود لكان الوسط مستلزما لحصول عين المحكوم عليه لنفسه لأن الحد الحقيقي التام ليس أمرا غير حقيقة المحدود تفصيلا وفيه تحصيل الحاصل لأن ثبوت الشيء لنفسه بين فإذا تصور النسبة بينهما حصل الجزم بلا توقف على شيء أصلا ولا يمكن إقامة البرهان إلا بعد تصورها المستلزم للحكم فهو حاصل قبل البرهان فيلزم المحذور وإنما منع المصنف التعليل بهذا أيضا
( لأنه )
أي العليل به
( غير ضائر )
لدعوى إثبات الحد المحدود بالبرهان ولم يبين وحجه وكأنه لأن هذا المحذور إنما لزم من دعوى أن الحد عين المحدود وهي مما تمنع فإن الحد يغاير المحدود في الجملة ولو بالإجمال والتفصيل فلا يلزم من إثبات الحد للمحدود بالبرهان تحصيل الحاصل من كل وجه ولا يحصل الاستغناء عن البرهان مطلقا
( فإن قال )
المعلل بهذا وكيف يتجه دعوى اكتساب الحد للمحدود بالبرهان
( وتعقلها )
أي عين المحكوم عليه الذي هو المحدود
( يحصل بالحد )
بأي بتعقله ضرورة أنه أجزاء المحدود وحيث توقف ثبوته
63
63
للمحدود على تصوره لما قدمناه فإذا تعقل من حيث هو حد فقد حصل المحدود قبل إقامة البرهان على ثبوته له فلا حاجة إلى إقامة البرهان عليه
( فكالأول )
أي فالجواب عن هذا التوجيه لنفي اكتساب الحد للمحدود بالبرهان كالجواب عن التوجيه لنفيه باستغناء ثبوت الحد له عن البرهان وهو أن هذا إنما يتم إذا كانت أجزاء الحد معلومة الانتساب بالجزئية إلى المحدود بحيث يعلم قطعا من العلم بالمحدود من غير نظر ولا كسب لكن المفروض جهالة انتسابها إليه وإلا لكان المحدود بديهي التصور لا يحتاج إلى كسب ونظر والواقع خلافه وقد ظهر أن التعليل الأول وجوابه مغنيان عن هذا الإيراد والإشارة إلى جوابه ثم ذكر ما هو التعليل المتجه عنده لهذه الدعوى مضربا عن هذه التعاليل كلها فقال
( بل لعدمه )
أي بل العجز لازم للحاد في منع الحد الحقيقي لعدم وجود برهان عليه لأنه من قبيل التصورات المحضة وهي لا تستفاد من البرهان فالاقتصار في تعليله على ذكر عدم وجود البرهان له أولى لحصول المقصود مع قصر المسافة والسلامة من هذه المناقشات
( فإن قيل المتعجب يفيده )
أي إثبات الحد للمحدود بالبرهان لأنه يصلح أن يكون دليلا على إثبات الحيوانية الناطقة حدا للإنسان
( كناطق )
أي مثل أن يقال الإنسان حيوان ناطق
( لأنه )
أي الإنسان
متعجب وكل متعجب )
حيوان ناطق فالإنسان حيوان ناطق
( قلنا )
هذا الدليل
( يفيد مجرد ثبوته )
أي الحد الذي هو حيوان ناطق للمحدود الذي هو الإنسان للمساواة الكائنة بين الإنسان والمتعجب
( والمطلوب )
للقائل بأن الحد يكتسب بالبرهان
( أخص منه )
أي من مجرد ثبوت الحد للمحدود بالبرهان وهو
( كونه على وجه الجزئية )
أي كون كل من أجزاء الحد ثابتا للمحدود على أنه جزء معلوم منه بالبرهان وهذا الدليل لا يثبته كذلك
( فالحق حكم الإشراقيين )
وهم قوم من الفلاسفة يؤثرون طريقة أفلاطون وما له من الكشف والعيان على طريقة أرسطو وما له من البحث والبرهان
( لا يكسب الحقيقة إلا الكشف )
ولعل المراد به علم ضروري يدرك به حقائق الأشياء كإدراك الحقائق المحسوسة بالحس السليم غير مقدور للمخلوق تحصيله
( وهو معنى الضرورة )
أي ما ثبت بها وهو الضروري ومن ثمة فسر بما لا يكون مقدورا للمخلوق تحصيله وإلا فالضرورة هنا مفسرة بعدم القدرة على الفعل والترك وهولا يصدق ظاهرا على الكشف لا أن الاطلاع على الحقائق العينية مما يتوصل إليه بالحدود كما ذهب إليه المشاؤون من الفلاسفة المؤثرون طريقة أرسطو لأنهم سلموا أن الشيء يذكر في تعريفه الذاتي الخاص والعام وسلموا أن المجهول لا يتوصل إليه إلا من المعلوم والذاتي الخاص ليس بمعهود لمن يعرف به في مكان آخر وإلا لم يكن خاصا وقد فرض خاصا هذا خلف ثم حيث يكون الحق في باب إحاطة العلم بالمتصورات بالحقائق العينية ما سلكه الإشراقيون فمن هو بصدد المعارضة لغيره في هذا الباب إما موافق له على أنه يدرك حقيقة ما يعبر عنه بالعبارة الموافقة لما في نفس الأمر على الوجه الذي أدركه وحينئذ فباب المنع مسدود للتسجيل على
64
64
المانع حينئذ بالمكابرة والسفسطة في ضروري وإما عار عن ذلك وحينئذ فكل منهما معذور ولا حجة لحدهما على الآخر ثم لعل ما ذهب إليه الإمام فخر الدين الرازي من امتناع الكسب في التصورات وإنما هي بأسرها من قبيل الضروريات اختيار لطريقة الإشراقيين وبسط الكلام في ذلك غير هذا الكتاب به أليق
( وكذا منع التمام )
أي وكذا العجز لازم للحاد إذا منع مانع كون الحد الذي ذكره لأمر حقيقي حدا تاما له بأن منع كون المذكور فيه جميع ذاتيات المحدود فإن الحاد لا يستطيع حينئذ دفعه بالبرهان
( فلو قال )
الحاد في دفع هذا المنع هذا المنع ممنوع لأنه
( لو كان )
هذا الحد غير تام لإخلاله ببعض ذاتيات المحدود
( لم نعقلها )
أي حقيقة المحدود بالكنه ضرورة توقف تعقلها بالكنه على تعقل جميع ذاتياتها لكنا عقلناها بالكنه فالمذكور في حدها جميع ذاتياتها
( منع نفي التالي )
أي كان للمانع أن يمنع نفي التالي بأن يقول لا نسلم أنك عقلتها بالكنه فتقرر العجز
( فالاعتراض )
على الحد من حيث هو حد
( ببطلان الطرد )
أي طرده بأن وجد ولم يوجد المحدود كما لو قيل مثلا حد الكلمة بدال على معنى مفرد غير مطرد لصدقه على الخط وعدم صدق الكلمة عليه
( والعكس )
أي وببطلان عكسه بأن وجد فرد من أفردا المحدود ولم يصدق الحد عليه كما لو قيل مثلا حد الإنسان بحيوان ضاحك بالفعل غير منعكس لعدم صدقه على إنسان لم يضحك قط
( بناء على الاعتبار في المفهوم وعدمه )
فيتوجه الأول بناء على اعتبار المعترض هناك شيئا آخر لم يذكره الحاد في الحد وقد وضع الاسم لذلك المذكور والمتروك فهو داخل في المسمى فحيث لم يذكره لزم عدم الإطراد ويتوجه الثاني بناء على أن هناك شيئا آخر ذكره الحاد في الحد وهو خارج عن المحدود لعدم دخوله فيما وضع الاسم له فلزم من ذكره فيه عدم الانعكاس وحينئذ يطالب الحاد للمعترض بذكر الحد على رأيه ليقابل أحد الحدين بالآخر ويعرف الأمر الذي فيه يتفاوتان من زيادة أو نقصان ويجرد النظر إليه فيبطله بطريقه أو يثبته بطريقه وإذا كان الأمر على هذا
( فإنما يورد )
الاعتراض بكل منهما
( عليه )
أي الحد
( من حيث هو اسمي )
لأنه الذي يتأتى فيه الاعتبار المذكور وعدمه حتى يصح أن يقال للحاد قد أخرجت عن مسمى اللفظ كذا وهو داخل فيه أو أدخلته فيه وهو خارج عنه لا من حيث هو حد حقيقي لأنه لا يكون حدا حقيقيا حتى يكون مشتملا على جميع ذاتيات المحدود فلا يتأتى فيه ذلك بالاتفاق ثم لما كان النظر مأخوذا في تعريف الدليل قدم تفسيره عليه لئلا يحتاج إلى رجوع النظر إليه فقال
( والنظر حركة النفس من المطالب أي في الكيف طالبة للمبادئ باستعراض الصور أي تكيفها بصورة صورة لتجد المناسب وهو الوسط فترتبه مع المطلوب على وجه مستلزم )
اعلم أن النظر يستعمل لغة واصطلاحا بمعان والذي يهمنا شرحه هنا المعنى الاصطلاحي الذي ذكره المصنف وهو بهذا المعنى هو المعتبر في العلوم النظرية ويرادف الفكر في المشهور وهو بناء على أن النظر نفس الانتقال المذكور وهو كذلك فإن الاتفاق
65
65
على أن الفكر فعل إرادي صادر عن النفس لاستحصال المجهولات بالمعلومات ثم كما أن الإدراك بالبصر يتوقف على أمور ثلاثة مواجهة المبصر وتقليب الحدقة نحوه طلبا لرؤيته وإزالة الغشاوة المانعة من الإبصار كذلك الإدراك بالبصيرة يتوقف على أمور ثلاثة التوجه نحو المطلوب وتحديق العقل نحوه طلبا لإدراكه وتجريد العقل عن الغفلات التي هي بمنزلة الغشاوة ثم حيث كان الظاهر أن النظر اكتساب المجهولات من المعلومات كما هو مذهب أصحاب التعاليم ولا شبهة في أن كل مجهول لا يمكن اكتسابه من أي معلوم اتفق بلا لابد له من معلومات مناسبة له ولا في أنه لا يمكن تحصيله من تلك المعلومات على أي وجه كانت بل لابد هناك من ترتيب معين فيما بينها ومن هيئة مخصوصة عارضه لها بسبب ذلك الترتيب فنقول إذا أردنا تحصيل مجهول تصديقي مشعور به من وجه على وجه أكمل انتقلت النفس منه وتحركت في المعقولات حركة من باب الكيف كما أشار إليه المصنف في الكيفية النفسانية التي هي الصور المعقولة على قياس الحركة في الكيفيات المحسوسة طالبة المبادئ لهذا المطلوب أعني تكيفت النفس بواحد من المعاني المخزونة عندها بعد واحد بواسطة استعراضها وملاحظتها لتلك المعاني أي اتصفت بالحالات العارضة لها عند ملاحظتها للمعاني المخزونة عندها فإنها إذا لاحظت معنا يحصل لها حالة لم تكن لها مغايرة لما يعرض لها عند ملاحظة معنى آخر ولا تزال كذلك طالبة لمبادئ هذا المطلوب إلى أن تظفر بمباديه أعني الأمر المناسب له المفضي إلى العلم أو الظن به وهذا الأمر المناسب هو الحد الوسط بين طرفي المطلوب فتتحرك فيه مرتبة له مع طرفي المطلوب على وجه مستلزم له استلزاما قطعيا أو ظنيا كما سيأتي بيانه مفصلا وتنتقل منه إلى المطلوب
مثلا إذا كان مطلوب النفس كون العالم حادثا انتقلت منه وترددت في المعاني الحاضرة عندها فوجدت المتغير مناسبا لكونه محمولا على العالم وموضوعا للحادث فرتبته فحصل العالم متغير وكل متغير حادث ثم رجعت إلى أن العالم حادث فظهر أن هنا حركتين مختلفتين وأن ما منه الحركة الأولى هو المطلوب المشعور به من وجه وما هي فيه هي الصور العقلية المخزونة عند العقل وما هي إليه هو الحد الأوسط وما منه الحركة الثانية هو الأوسط أيضا وما هي فيه هي الحدود وما هي إليه هو التصديق بالمطلوب وأن الحركة الأولى تحصل ما هو بمنزلة المادة أعني مبادئ المطلوب التي يوجد معها الفكر بالقوة والثانية تحصل ما هو بمنزلة الصورة أعني الترتيب الذي يوجد معه الفكر بالفعل وحينئذ يتم الفكر بجزأيه معا وإلا فالفكر عرض لا مادة له ثم هذا على ما عليه المحققون من أن الفعل المتوسط بين المعلومات والمجهولات في الاستحصال هو مجموع الانتقالين إذ به يتوصل من المعلوم إلى المجهول توصلا اختياريا وأما الترتيب المذكور فهو لازم له بواسطة الجزء الثاني وأما المتأخرون فعلى أن الفكر هو ذلك الترتيب الحاصل من الانتقال الثاني لأن
66
66
حصول المجهول من مباديه يدور عليه وجودا وعدما وأما الانتقالان فخارجان عن الفكر إلا أن الثاني لازم له لا يوجد بدونه قطعا والأول لا بل هو أكثري الوقوع معه وهل هذا النزاع بحسب المعنى إنما هو في إطلاق لفظ الفكر لا غير جزم المحقق الشريف بالثاني وظهر أيضا خروج الحدس وما يتوارد على النفس من المعاني بلا قصد عن حد النظر ثم بقي أن هذا التعريف هل هو خاص بالصحيح وهو المشتمل على شرائطه مادة وصورة أو شامل له وللفاسد وهو ما ليس كذلك فذكر شيخنا المصنف رحمه الله أنه شامل لهما وأن الترتيب على وجه مستلزم لا يستلزم صحة النظر لأنه سيظهر أن فساد النظر قد يكون من جهة المادة فلو رتب مادة فاسدة ترتيبا مستلزما كأن اعتقد أن العالم مستغن عن المؤثر وكل مستغن عنه قديم حتى أنتج أن العالم قديم كان هذا نظرا فاسدا وعلى هذا فالمراد بوجود الأمر المناسب بحسب الاعتقاد سواء كان مطابقا للواقع أو لا كما أن الأمر كذلك في المطلوب نعم هو خاص بالمطالب التصديقية يقينية كانت أو ظنية كما يفيده قوله لتجد المناسب الخ لا ما يعمها ويعم التصورات والله سبحانه أعلم
( والدليل )
لغة فعيل بمعنى فاعل من الدلالة ثم ظاهر الصحاح وغيره أنها والهدى والرشاد مترادفات قال الأبهري لكن مقتضى قول صاحب الكشاف فيه أن الهدى أخص من الدلالة وقول صاحب المصادر أن الإرشاد أخص منها قالوا وللدليل لغة ثلاثة معان
( الموصل بنفسه )
إلى المقصود وعبر عنه الآمدي بالناصب للدليل
( والذاكر لما فيه إرشاد )
إلى المطلوب كالذي يعرف الطريق بذكر ما يفيد ذلك
( وما فيه إرشاد )
كالعلامة المنصوبة من الأحجار أو غيرها لتعريف الطريق فيقال على الأول الدليل على الله هو الله كما أجمع عليه العارفون وعلى الثاني هو العالم بكسر اللام الذاكر لما يدل عليه تعالى ولا يخفى أن هذا مما يصح أيضا في حق الله تعالى لأنه ذكر لعباده ما يدل عليه فيصح أن يقال على هذا المعنى أيضا إن الدليل على الله هو الله لكن لا على قصد الحصر بخلافه على الأول فتأمل وعلى الثالث العالم بفتح اللام لأن فيه إرشادا إليه ودلالة عليه قالوا وإطلاق الدليل على الدال والذاكر للدليل حقيقة وعلى ما فيه إرشاد مجاز إذ الفعل قد ينسب إلى الآلة كما يقال السكين قاطع
( وفي الاصطلاح )
الخاص لأهل الفقه واصوله لا الفقهاء لا غير كما هو ظاهر البديع
( ما يمكن التوصل بذلك النظر فيه إلى مطلوب خبري ) فما أي شيء جنس شامل للدليل وغيره وما عداه فصل أخرج ما سواه ثم قوله يمكن التوصل دون ما يتوصل تنبيه على أن الدليل من حيث هو دليل لا يعتبر فيه التصول بالفعل بل يكفي إمكانه فلا يخرج عن كونه دليلا بعدم النظر فيه أصلا بعد أن كانت فيه هذه الصلاحية وذلك لأن الدليل معروض الدلالة وهي كون الشيء بحيث يفيد العلم أو الظن إذا نظر فيه وهذا حاصل نظر فيه أو لم ينظر وقوله بذلك النظر يعني ما تقدم بيانه وقد عرفت أنه يشمل الصحيح والفاسد فهذا التعريف للدليل
67
67
يشمل الدليل الصحيح والفاسد أيضا لكن كما قال شيخنا المصنف رحمه الله هذا على المنطقيين أما على الأصوليين فيجب أن لا يكون الدليل فاسدا إلا بنوع من التجوز لأنه عندهم هو المحكوم عليه في المطلوب الخبري فلا يتصور فيه فساد اه
نعم المذكور في غير ما كتاب من الكتب المعتبرة تقييد النظر بالصحيح قالوا وإنما قيد به لأن الفاسد لا يمكن التوصل به إلى المطلوب لأنه ليس هو في نفسه سببا للوصول ولا آلة له وإن كان يفضي إليه في الجملة فذلك إفضاء اتفاقي وأورد الإفضاء إلى المطلوب يستلزم إمكان التوصل إليه لا محالة وأجيب بالمنع فإن معنى التوصل يقتضي وجه الدلالة بخلاف الإفضاء يعني التوصل إلى العلم أو الظن بالمطلوب لا يتحقق إلا بالنظر فيما هو معروض الدلالة من الجهة التي من شأنها أن ينتقل الذهن بها إلى المطلوب المسماة وجه الدلالة وهذه الجهة منتفية في النظر الفاسد وإنما غايته أنه قد يؤدي إلى المطلوب بواسطة اعتقاد أو ظن كما إذا نظر في العالم من حيث البساطة أو في النار من حيث التسخين فإن البساطة والتسخين ليس من شأنهما أن ينتقل بهما إلى وجود الصانع والدخان ولكن يؤدي إلى وجودهما ممن اعتقد أن العالم بسيط وكل بسيط له صانع وممن ظن أن كل مسخن له دخان والأشبه أن الفاسد قد يمكن به التوصل إلى المطلوب لأنه كما قال المحقق الشريف والحكم بكون الإفضاء في الفاسد اتفاقيا إنما يصح إذا لم يكن بين الكواذب ارتباط عقلي يصير به بعضها وسيلة إلى البعض أو يخص بفساد الصورة أو بوضع ما ليس بدليل مكانه وأريد بالنظر فيه ما يتناول النظر فيه نفسه وفي صفاته وأحواله فيشمل المقدمات التي هي بحيث إذا رتبت أدت إلى المطلوب الخبري والمفرد الذي من شأنه أنه إذا نظر في أحواله أوصل إليه كالعالم وحيث أريد بالإمكان المعنى العام المجامع للفعل والوجوب اندرج في الحد المقدمات المترتبة وحدها وأما إذا أخذت مع الترتيب فيستحيل النظر فيها إذ لا معنى للنظر وحركة النفس في الأمور الحاضرة المرتبة وقوله إلى مطلوب خبري وهو التصديق المحتمل للصدق والكذب احتراز مما يمكن التوصل به إلى مطلوب تصوري وهو القول الشارح حدا ورسما تامين وناقصين فإنه ليس بدليل اصطلاحا ثم حيث أطلق التوصل إلى المطلوب الخبري شمل ما كان بطريق العلم وما كان بطريق الظن وانطبق التعريف على القطعي والظني كالعالم الموصل بصحيح النظر في أحواله إلى العلم بوجود الصانع والغيم الرطب الموصل بصحيح النظر في حاله إلى ظن وقوع المطر وقد يخص الدليل بالقطعي فيقال إلى العلم بمطلوب خبري ويسمى الظن حينئذ أمارة هذا وقد تعقب شارح العقائد هذا التعريف بأنه ليس بجيد لصدقه على نفس المدلول ولأن استعمال يمكن مفسد إذ المراد بالإمكان إما عام فيكون مفهوم التعريف حينئذ الدليل هو الذي بصحيح النظر فيه سلب التوصل إلى العلم بمطلوب ليس بضروري أو خاص فيكون مفهومه سلب التوصل عنه وإثباته له ليسا بضروريين فعلى هذا
68
68
يلزم أن يكون كل شيء دليلا على أي شيء شئت لصدق هذا الحد عليه وهذا ظاهر البطلان لكن خفي على كثير من المنسوبين إلى التحقيق ثم قال ونحن نقول بعون الله وإلهامه لا يبعد أن يكون الحق في حد الدليل هنا هو الذي يلزم من النظر الصحيح فيه التصديق اه
والعبد الضعيف غفر الله تعالى له يقول التعقب للتعريف المذكور بصدقه على المدلول وارد على هذا التعريف أيضا لأنه قد يصدق على المدلول أنه يلزم من النظر الصحيح فيه التصديق فما هو جوابه عن هذا فهو جوابهم ثم الحق أنه ليس بمتجه عليهم ولا عليه لأن الدليل والمدلول من الأمور الإضافية والتعريف لها إنما هو من حيث هي كذلك وإذن لا نسلم صدق التعريف للدليل من حيث هو دليل على المدلول من حيث إنه مدلول نعم الوجه ذكر اللزوم لا الإمكان سواء كان المراد به الإمكان الخاص أو العام وإن أمكن التمحل لتوجيه كل منهما في الجملة لأن فيه بعد اللتيا والتي عدولا عما هو كالفصل القريب إلى ما هو بمنزلة العرض العام وأما أنه يلزم من الإمكان بالمعنى الخاص أن يكون كل شيء دليلا على ما أرد الناظر فغير لازم قطعا بل هو إسراف ظاهر وغلو مردود فتأمله والله سبحانه أعلم
( فهو )
أي الدليل اصطلاحا شرعيا
( مفرد )
بالمعنى الذي يقابل الجملة
( قد يكون المحكوم عليه في المطلوب كالعالم )
في المطلوب الخبري الذي هو قولنا العالم حادث حتى أنه يتوصل بالنظر في أحواله إلى هذا المطلوب الخبري بقولنا العالم متغير وكل متغير حادث
( أو الوسط ولو معنى في السمعيات )
أي وقد يكون الحد الأوسط في إثبات المطالب الخبرية السمعية بطرق القياس ولو كان كونه الحد الأوسط فيه دليلا إنما هو من جهة المعنى فقط
( ومنه )
أي الدليل المفرد
( نحو أقيموا الصلاة )
فإنه يتوصل بالنظر فيه إلى مطلوب خبري هو وجوب الصلاة بأن يقال أقيموا الصلاة أمر بإقامتها والأمر بإقامتها يفيد وجوبها فأقيموا الصلاة يفيد وجوبها وهذا وأمثاله من آتوا الزكاة ولا تقربوا الزنى كما يشير إليه لفظ نحو مما اجتمع فيه كون الدليل باعتبار اللفظ مفردا محكوما عليه في المطلوب وباعتبار المعنى مفردا حدا وسطا بين طرفي المطلوب أما الأول فلان المحكوم عليه لا يكون إلا مفردا لفظا ومعنى أو لفظا وأقيموا الصلاة ليس بمفرد معنى فهو مفرد لفظا وإن كان جملة في الصورة لأن الجملة إذا أريد بها اللفظ كانت مفردا كما تقرر في العربية وأما الثاني فلأن الأمر بإقامتها عبارة عن معنى أقيموا الصلاة وغير خاف أن لفظ الأمر بإقامتها ليس بجملة وهذا أحسن من قول الأبهري الدليل في عرف أهل الشرع ما يجعل محكوما عليه في صغرى الشكل الأول وهو الأصغر
( ذكر كل )
من هذين أنه دليل في الاصطلاح وقدمنا أيضا عن المحقق الشريف أن الدليل اصطلاحا يشمل المفرد الذي من شأنه أنه إذا نظر في أحواله أوصل إلى المطلوب الخبري والمقدمات التي بحيث إذا رتبت أدت إلى المطلوب الخبري والمقدمات المرتبة وحدها
( إلا أن من أفرد ) أي من قال بأن الدليل مفرد
( وأدخل الاستدلال في مسمى الدليل )
كالآمدي وابن الحاجب
69
69
فإنهما ذكرا من أقسام الدليل السمعي الاستدلال زيادة على الكتاب والسنة والإجماع والقياس فهو
( ذاهل )
لأن التركيب لازم في التلازم وهو من أقسام الاستدلال فإن حاصله على ما ستعلم تركيب اقتراني أو استثنائي وأيا ما كان فهو مركب فبعض الدليل حينئذ مركب وقد كان كله مفردا
( وعند المنطقيين )
الدليل
( مجموع المادة والنظر فهو الأقوال المستلزمة )
قولا آخر وحذفه للاعتماد على شهرته والمراد بالأقوال ما فوق قول واحد وبالقول المركب التام المحتمل للصدق والكذب المعقول إن كان الدليل معقولا والملفوظ إن كان الدليل ملفوظا لأن الدليل عندهم كالقول والقضية يطلق على المعقول والمسموع اشتراكا أو حقيقة ومجازا بالاستلزام أعم من أن يكون بينا أو غير بين ذاتيا أو غيره وبالقول الآخر المعقول لأن المسموع أعني التلفظ بالنتيجة غير لازم لا للمعقول ولا للمسموع وفيه إشارة إلى أنه يغاير كلا من المقدمتين وإلا لزم أن يكون كل قضيتين ولو متباينتين دليلا لاستلزام مجموعهما كلا منهما وليس كذلك فتخرج القضية الواحدة المستلزمة لذاتها عكسها المستوى وعكس نقيضها والقولان فصاعدا من المركبات التقييدية أو منها ومن التامة وقولان من التامة إذا لم يشتركا في حد أوسط ويدخل القياس الكامل وغيره والبسيط والمركب والقطعي والظني الذي هو الأمارة
( ولا تخرج الأمارة ولو يزاد لنفسها )
بعد المستلزمة قال المصنف يعني أن الأمارة وإن لم تستلزم ثبوت المدلول لا تخرج بقيد الاستلزام إذ لا شك أنه يلزم على الوجه الذي عليه المقدمتان فوجود القاضي في المنزل مثلاوإن لم يلزم من قيام بغلته مشدودة على بابه لكن يلزم ظنه من ذلك فإذا قلت إن كانت بغلة القاضي على بابه فهو في المنزل لكنها على بابه يلزم قطعا فهو في المنزل لكن على سبيل الظن لأن الشرطية التي هي الدليل ظن
فالحاصل أنه يلزم الظن قطعا بالظن بالمطلوب ثم من زاد لنفسها لم يزده لإخراجها
( بل ليخرج قياس المساواة )
وهو ما يتركب من قضيتين متعلق محمول أولاهما موضوع الأخرى ك
( أ )
مساو ل
( ج )
و
( ج ) مساو ل
( ب )
فإن هذا يستلزم
( أ )
مساو ل
( ب )
لكن لا لذاته بل كما قال
( لأنه للأجنبية )
أي لأن الاستلزام المذكور إنما هو بواسطة مقدمة أجنبية وهي أن كل مساو للمساوي للشيء مساو لذلك الشيء لأنه يتحقق الاستلزام حيث تصدق هذه المقدمة كما في هذه الصورة ولا يتحقق حيث لا تصدق كما في
( أ )
مباين ل
( ب )
و ( ب )
مباين ل
( ج )
فإنه لا يلزم منه أن
( أ )
مباين ل
( ج )
لأن مباين المباين لا يجب أن يكون مباينا
( ولا حاجة )
إلى هذه الزيادة لإخراج هذا القياس من الدليل
( لأعميته )
أي المستلزم ما كان بنفسه وما كان بواسطة مقدمة أجنبية
( فيدخل )
قياس المساواة في الدليل قال المصنف رحمه الله فتكون المقدمة الأجنبية جزء الدليل وإن لم تكن جزء قياس ويجعل الدليل اعم من القياس وكشف ذلك أنه لا شك في ملزومية العلم الثالث عند ثبوت المقدمات الثلاث
70
70
المقدمتان اللتان هما صورة الشكل والأجنبية فحينئذ الدليل تارة يقوم بمقدمتين وتارة بثلاث وتارة بأكثر كما في الأقيسة المركبة ثم وقع في عبارة كثير متى سلمت لزم عنها قول آخر فتعقبه المصنف بقوله
( ولا )
حاجة
( لقيد التسليم لأنه )
أي قيد التسليم
( لدفع المنع )
عن تلك الأقوال التي هي القياس
( لا )
لأنه شرط
( للاستلزام لأنه )
أي استلزام الأقوال المذكورة لازم
( للصورة )
البتة ثم إذا كان الأمر على هذا
( فتستلزم )
الصورة القول الآخر
( دائما على نحوها )
من قطع أو ظن فإن كانت الأقوال قطعية الثبوت استلزمت قطعيا وإن كانت ظنية استلزمت ظنيا وإن كانت صادقة أنتجت صادقا وإن كانت كاذبة أنتجت كاذبا ومن ثمة لم يذكر هذا القيد المتقدمون وإنما ذكره المتأخرون معترفين بأنه لا مدخل له في الاستلزام فإن من المعلوم أن تحقق اللزوم لا يتوقف على تحقق الملزوم ولا اللازم أو لا يرى أن قول القائل العالم قديم وكل قديم مستغن عن المؤثر يستلزم العالم مستغن عن المؤثر إذ لو تحقق الأول في نفس الأمر تحقق الثاني قطعا وهو معنى الاستلزام ولا تحقق لشيء منهما وإن التصريح به إشارة إلى أن القياس من حيث هو قياس لا يجب أن تكون مقدماته صادقة مسلمة فلا يتوهم من عدم ذكره خروج القياس الذي مقدماته كاذبة ولا أن تلك القضايا متحققة في الواقع وأن اللازم متحقق فيه أيضا
( ولزم )
من العلم بحقيقة النظر
( سبق الشعور بالمطلوب )
التصديقي النظري للناظر قبل النظر المستلزم لحصوله ضرورة استحالة طلب المجهول من كل وجه وذلك
( كطرفي القضية وكيفيتي الحكم )
أي كتصور طرفي المطلوب اللذين هما المحكوم عليه والمحكوم به والنسبة التي بينهما الصالحة موردا للحكم وصفته من الإيجاب والسلب تصورا ساذجا
( والتردد في ثبوت أحدهما )
أي وتردد الناظر إنما هو كائن في ثبوت المحكوم به للمحكوم عليه الذي هو الحكم
( على أي كيفيتيه )
من الإيقاع والانتزاع بعينها فهو ساع في تحصيل ذلك
والحاصل أن المطلوب التصديقي معلوم باعتبار التصور الذي به يتميز عما عداه مجهول باعتبار التصديق الذي هو المطلوب بحسبه فلم يلزم طلب ما لا شعور به أصلا ولا طلب ما هو حاصل ولا عدم معرفة أنه المطلوب إذا حصل ولما أورد على التصور مثل هذا كما هو أحد وجهي اختيار الإمام فخر الدين الرازي امتناع اكتساب التصورات وهو أن المطلوب التصوري يمتنع طلبه لأنه إما مشعور به مطلقا فهو حاصل وتحصيل الحاصل محال أو ليس بمشعور به مطلقا فطلبه محال أيضا لاستحالة طلب ما هو كذلك بل ظاهر كلام العلامة قطب الدين شارح المطالع أن هذا الإيراد إنما وقع أولا على المطالب التصورية وأن أول من أورده ماتن مخاطبا به سقراط وقد أجيب عنه بأن التقسيم غير حاصر بل هنا قسم ثالث وهو أنه معلوم من وجه مجهول من وجه فيطلب من الوجه المعلوم الوجه المجهول أشار إليه المصنف استطرادا فقال
( والمحدود معلوم )
للطالب
( من حيث هو مسمى )
للفظ معين عنده
71
71
مجهول له من حيث الذات والحقيقة
( فيطلب )
من هذه الحيثية التي هو بها معلوم حقيقته المجهولة وهي
( أنه أي مادة مركبة )
من المواد المركبة ليتصور أجزاءه متميزة عن غيرها ويرتبها على ما ينبغي فيتضح المحدود لأن الحد يميز أجزاء المحدود أو المحدود معلوم للطالب بسبب العلم ببعض صفاته الذاتية أو العرضية مجهول له من حيث الذات والحقيقة فيطلب ما هو مجهول له من الوجه الذي هو معلوم له ليصير المجهول له معلوما أيضا فالوجه المجهول وهو الذات هو المطلوب والوجه المعلوم وهو بعض الصفات أو الاعتبارات ولو مجرد كونه مسمى لفظ معين ليس بمطلوب فلم يلزم طلب المجهول مطلقا ولا تحصيل الحاصل وإنما قال أي مادة مركبة لأن البسيط لا يكتسب بالحد لن الحد كما عرفت يميز أجزاء المحدود لأن دلالته على معناه لا تعدد فيها والبسيط لا أجزاء له فينتفي تميزها
فإن قيل من الجائز أن يكتسب حقيقة البسيط المجهولة التصورية بالنظر بأن يكون هناك حركة واحدة من المطلوب إلى المبدأ الذي هو معنى بسيط يستلزم الانتقال إلى المطلوب فقد أجاب المصنف بالمنع قائلا
( وتجويز الانتقال إلى بسيط يلزمه المطلوب ليس به ) أي بالنظر المعتبر في العلوم
( ولو كان )
الانتقال المذكور
( بالقصد إذ ليس بالنظر )
بالمعنى المعتبر في العلوم
( الحركة الأولى
يعني الحركة من المطالب إلى المبادئ وإن كان النظر قد يطلق عليها أيضا بل النظر المعتبر في العلوم حركة النفس من المطالب إلى المبادئ والرجوع عنها إليها كما تقدم شرحه غايته أن ما تقدم تعريف للنظر الخاص بالتصديق وهذا يعم النظر فيه وفي التصور فهو مجموع الحركتين ثم كان الأولى ترك تعليل نفي كون النظر الحركة الأولى بقوله
( إذ لا تستلزم )
الحركة الأولى الحركة
( الثانية بخلاف الثانية )
يعني فإنها تستلزم الأولى
( ولذا )
أي ولكون الثانية تستلزم الأولى فيستغنى بالتنصيص عليها عن ذكر الأولى معها
( وقع التعريف بها )
أي بالثانية من غير ذكر الأولى معها بناء على استلزامها إياها
( كترتيب أمور الخ )
أي معلومة على وجه يؤدي إلى استعلام ما ليس بمعلوم كما هو مذكور في الطوالع إلى غير ذلك فإن ظاهر كلامهم أن كلا من الحركتين يستلزم الأخرى حتى قال المحقق سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد وكثيرا ما يقتصر في تفسير النظر على بعض أجزائه أو لوازمه اكتفاء بما يفيد امتيازه أو اصطلاحا على ذلك فيقال هو حركة الذهن إلى مبادئ المطلوب أو حركته عن المبادئ إلى المطالب أو ترتيب المعلومات للتأدي إلى مجهول اه ثم استلزام كل من الحركتين للأخرى ليس دائما بل أكثري كما صرحوا به في استلزام الثانية للأولى ويظهر أنه أيضا كذلك في استلزام الأولى للثانية ثم الترتيب ليس هو الحركة الثانية وإنما هو لازمها كما تقدم ثم قدمنا أن المتأخرين على أن الفكر المرادف للنظر بهذا المعنى هو الترتيب الحاصل من الحركة الثانية وأما الانتقالان فخارجان عنه إلا أن الثاني لازم له قطعا والأول لازم أكثري فلم لا يكون هذا التعريف بناء عليه كما هو الظاهر ثم حيث كان
72
72
المدعي أن النظر مجموع الحركتين فأي أثر لتعليل نفي كون النظر هو الحركة الأولى فقط بكونها غير مستلزمة للثانية سوى أنه لا يجوز في تعريفه الاقتصار عليها بخلاف الثانية كما وقع لبعضهم ومعلوم أنا لسنا الآن بهذا الصدد فظهر أن الوجه حذف هذه الجملة من البين
( ظهر )
من تعريف النظر والدليل
( أن فساد النظر )
بأمرين
أحدهما ( بعدم المناسبة )
أي بعدم دلالة ما يقع فيه النظر على المطلوب
( وهو )
أي عدم المناسبة للمطلوب
فساد المادة )
كما إذا جعلت مادة القياس المطلوب منه إنتاج أن العالم قديم العالم بسيط وكل بسيط قديم فإن هاتين المقدمتين كاذبتان مع أن البساطة لا ينتقل منها إلى
القدم ثانيهما
ما أشار إليه بقوله
( وعدم ذلك الوجه )
أي وبعدم المستلزم للمطلوب وهو فساد الصورة كأن لا يقع القياس جامعا لشرائط الإنتاج فظهر قصور ما في البديع من قوله وما عرفت جهة دلالته على المطلوب فصحيح وإلا ففاسد لأن ما يعرف جهة دلالته على المطلوب قد لا يكون صحيحا لفقد صورته
( وهو )
أي ذلك الوجه المستلزم
( جعل المادة على حد معين في انتساب بعضها إلى بعض وذلك )
الحد المعين
( طرق )
أربعة
( الأول ملازمة بين مفهومين ثم نفي اللازم لينتفي الملزوم أو إثبات الملزوم ليثبت اللازم )
أي الطريق الأول القياس الاستثنائي المتصل وهو مقدمتان أولاهما شرطية متصلة موجبة لزومية كلية أو جزئية إذا كان الاستثناء كليا أو شخصية حالها وحال الاستثناء متحد تفيد تلازما بين مفهومي جزأيها اللذين يسمى أحدهما الملزوم والشرط والمقدم وهو الأول والآخر اللازم والجزاء والتالي وهو الثاني وأخراهما استثنائية تفيد نفي اللازم لينتفي الملزوم لأن عدم اللازم يستلزم عدم الملزوم أو إثبات الملزوم ليثبت اللازم لأن وجود الملزوم يستلزم وجود اللازم
والمراد بالكلية أن تكون النسبة الإيجابية الاتصالية بين المقدم والتالي شاملة لجميع الأوضاع الممكنة الاجتماع مع المقدم فلا حاجة إلى ذكر الدوام معها كما ذكره الإمام ابن الحاجب إلا على سبيل التأكيد والتصريح باللازم كما مشى عليه المحقق الشريف ولا إلى كلية المقدم أو التالي بل تتحقق مع شخصيتهما كما صرحوا به قالوا وسور الموجبة الكلية الشرطية المتصلة كلما ومهما ومتى وأكثر ما يستثنى فيه عين المقدم ما يكون بان وأكثر ما يستثنى فيه نقيض المقدم ما يكون بلو قالوا ولا ينتج استثناء نقيض المقدم نقيض التالي ولا استثناء عين التالي عين المقدم وغير خاف أن هذا يتناول ما اللازم فيه مساو للملزوم وغيره كما هم مصرحون به لكن تعليلهم المنع بقولهم لجواز أن يكون التالي أعم من المقدم فلا يلزم من عدم الملزوم عدم اللازم ولا من وجود اللازم وجود الملزوم لا يقتضي نفي الإنتاج المذكور فيما إذا كان بين اللازم والملزوم مساواة لعدم جريان التجويز المذكور فيه فلا جرم أن قال
( أو نفي الملزوم لنفي اللازم في المساواة أو ثبوت اللازم لثبوت الملزوم فيه )
أي التساوي
( أيضا )
وقولهم إن لزوم هذا لخصوص المادة الدالة على المساواة لا لنفس صورة الدليل
73
73
وهو بالحقيقة بملاحظة لزوم المقدم للتالي وهو متصل آخر ليس بضائر في المطلوب كما تقدم نحوه في دخول قياس المساواة في القياس ثم لا بأس بإيضاحه بالأمثلة
( كان )
كان هذا الفعل واجبا
( أو كلما )
كان هذا الفعل واجبا
( أو لو كان )
هذا الفعل
( واجبا فتاركه يستحق العقاب )
على تركه فهذه مقدمة شرطية متصلة موجبة لزومية كلية على تقدير تصديرها بكلما وشخصية حالها وحال الاستثناء متحد على تقدير تصديرها بأن ولو بفرض أن يكون المراد في حال كذا في كل منها ومن الاستثناء ثم إن كانت المقدمة الاستثنائية نفي اللازم أعني
( لكن لا يستحق )
تارك هذا الفعل العقاب على تركه أنتج نفي الملزوم أعني
( فليس )
هذا الفعل واجبا وإن كانت إثبات الملزوم كما أشار إليه بقوله
( أو واجب )
لكن هذا الفعل واجب أنتج إثبات اللازم أعني
( فيستحق )
تاركه العقاب على تركه وإن كانت نفي الملزوم كما أشار إليه بقوله
( أو ليس )
أي لكن ليس هذا الفعل
( واجبا )
أنتج نفي اللازم أعني
( فلا يستحق )
تاركه العقاب على تركه وإن كانت إثبات اللازم أعني لكن يستحق
( تاركه )
العقاب على تركه أنتج إثبات الملزوم أعني فهذا الفعل واجب وهذان بناء على أن بين ترك الواجب واستحقاق العقاب عليه تلازما على سبيل المساواة وكأنه لم يذكر هذا المثال الأخير لإرشاد ما قبله إليه
( الطريق الثاني )
القياس الاستثنائي المنفصل وهو مقدمتان أولاهما موجبة كلية أو جزئية أو شخصية شرطية منفصلة حقيقية لتحقق الانفصال بين جزأيها في الصدق والكذب لتركبها من الشيء ونقيضه أو مساوي نقيضه فلا يجتمعان صدقا ولا يرتفعان كذبا كما أشار إليه بقوله
( عناد بينهما )
أي بين مفهومين
( في الوجود والعدم )
وأخراهما استثنائية لعين أحدهما فينتج نقيض الآخر أو لنقيض أحدهما فينتج عين الآخر كما أشار إليه بقوله
( ففي وجود أحدهما عدم الآخر وفي عدمه وجوده )
فيكون حينئذ له أربع نتائج اثنتان باعتبار استثناء العين واثنتان باعتبار استثناء النقيض كما ترى في قولنا دائما العدد إما زوج أو فرد لكنه زوج فهو ليس بفرد لكنه فرد فهو ليس بزوج لكنه ليس بزوج فهو فرد لكنه ليس بفرد فهو زوج
( أو في الوجود فقط )
أي أو مقدمتان أولاهما موجبة كلية أو جزئية أو شخصية شرطية مانعة الجمع لأنها يمتنع الجمع بين جزأيها في الصدق لعناد بينهما فيه لتركبها من الشيء والأخص من نقيضه وأخراهما استثنائية لعين أحدهما فينتج نقيض الآخر كما أشار إليه بقوله
( رفع وجود كل )
من الجزأين
( عدم الآخر )
ضرورة التنافي بينهما في الصدق
( وعدمه عقيم )
أي واستثناء نقيض كل منهما غير منتج لوجود الآخر لجواز ارتفاع عينيهما مثال الأول
( الوتر إما واجب أو مندوب لكنه واجب للأمر المجرد )
عن القرائن الصارفة عن الوجوب
( به )
أي بالوتر
( فليس مندوبا )
ولو قيل لكنه مندوب أنتج فليس واجبا وفي الاقتصار على المثال الأول مع قوله للأمر المجرد به إشارة إلى أنه لا ينبغي وضع المندوب المقتضي لرفع الوجوب لعدم مطابقته الواقع أما لو قيل لكنه ليس بواجب لم ينتج فهو مندوب أو لكنه ليس بمندوب لم ينتج فهو
74
74
واجب لجواز أن لا يكون واجبا ولا مندوبا لأن ما ليس بواجب أعم من المندوب وما ليس بمندوب أعم من الواجب
( أو في العدم )
فقط أي أو مقدمتان أولاهما موجبة كلية أو جزئية أو شخصية شرطية مانعة الخلو لأنها يمتنع الخلو من كل من جزأيها في النفي لمعاندة بينهما فيه لتركبها من الشيء والأعم من نقيضه وأخراهما استثنائية لنقيض أحدهما فينتج عين الآخر كما أشار إليه بقوله
( فقلب المثال وحكمه )
فقلب المثال المذكور الوتر إما لا واجب أو لا مندوب وقلب حكمه أن عدم كل ينتج وجود الآخر لأنهما لا يرتفعان ووجوده لا ينتج عدمه لأنهما يجتمعان فإذا قلت لكنه لا واجب أولا مندوب لم يفد بل إذا قلت لكنه واجب أنتج لا مندوب أو مندوب أنتج لا واجب كذا ذكره المصنف وهو حسن وقد ظهر أن الضمير في حكمه راجع إلى ما قبله لا إلى المثال لأنه لم يقلب حكمه أيضا فالمراد فقلب مثال ما قبله وقلب حكم ما قبله فتنبه له
واعلم أن المراد بالكلية في هذا النوع أن تكون النسبة العنادية بين المقدم والتالي على التقادير المذكورة شاملة لجميع الأوضاع الممكنة الاجتماع مع المقدم كما تقدم نظيره في النوع الأول قالوا وسور الموجبه الكلية الشرطية المنفصلة لفظة دائما والله سبحانه أعلم
( الطريق الثالث )
القياس الاقتراني وهو
( انتساب المناسب وهو )
أي المناسب
( الوسط لكل من طرفي المطلوب بالوضع والحمل )
أي بأن يكون الوسط موضوعا لكل من طرفي المطلوب أو محمولا لكل منهما أو موضوعا لأحدهما محمولا للآخر على وجه خاص من الوجوه الآتي بيناها لأن النسبة بين طرفيه لما كانت مجهولة لكونها مكتسبة بالقياس لابد من أمر ثالث مناسب لهما يتوسط بينهما ويكون له إلى كل منهما نسبة ليعلم بسببه النسبة بينهما وإلا لم يفد القياس المطلوب وإذا كان كذلك
( فيلزم )
في تحقق هذا الطريق
( جملتان خبريتان )
أي قولان محتملان للصدق والكذب من حيث هما
( وهما المقدمتان )
اللتان هما جزءا القياس وهما يكونان في الحقيقة مركبتين
( من )
حدود
( ثلاثة )
طرفي المطلوب والحد الوسط ينفرد كل من المقدمتين بأحد الطرفين ويشتركان في الحد الوسطوإنما لم يعتبر الحد الوسط اثنين مع أنه في الصورة كذلك
( لتكرر الوسط )
فلم يكن اثنين في المعنى والعبرة للمعنى
( ويسمى المحكوم عليه في المطلوب أصغر )
لأنه في الأغلب أخص والأخص أقل أفرادا فيكون أصغر
( وبه فيه )
أي ويسمى المحكوم به في المطلوب حدا
( أكبر )
لأنه في الأغلب أعم والأعم أكثر أفرادا والمشترك المكرر بين الأصغر والأكبر حدا اوسط لتوسطه بين طرفي المطلوب وباعتبارهما أي الأصغر والأكبر تسمى
( المقدمتان )
صغرى وهي ما اشتملت على الأصغر وكبرى وهي ما اشتملت على الأكبر
( ويتصور )
على صيغة المبني للفاعل الانتساب المذكور
( بأربع صور لأن المتكرر محمول في الصغرى موضوع في الكبرى أو عكسه )
أي موضوع في الصغرى محمول في الكبرى
( أو موضوع فيهما )
أي الصغرى والكبرى
( أو محمول )
فيهما فهذه أربع صور
75
75
( وكل صورة تسمى شكلا ) فإذن الأشكال أربعة إلا أن الصورة الأولى تسمى الشكل الأول والثانية الشكل الرابع والثالثة الشكل الثالث والرابعة الشكل الثاني
( وقطعية اللازم )
عن الصغرى والكبرى وهو المطلوب والنتيجة أيضا
( بقطعيتهما )
أي قطعية الصغرى والكبرى لأن لازم القطعي قطعي
( وهو )
أي القياس الكائن بهذا الوصف من القطعية هو
( البرهان )
وإنما سميت الحجة القطعية به لوضوح دلالتها على ما دلت عليه أخذا من معناه اللغوي وهو الشعاع الذي يلي وجه الشمس ومنه الحديث
إن روح المؤمن تخرج من جسده لها برهان كبرهان الشمس
( وظنيته )
أي اللازم
( بظنية إحداهما )
أي المقدمتين المشار إليهما فضلا عن ظنيتهما لأن لازم الظني ظني
( وهو )
أي القياس الكائن بهذا الوصف من الظنية هو
( الأمارة )
نعم اللزوم وهو الإنتاج قطعي مطلقا سواء كان اللازم قطعيا أو ظنيا ثم تسمية المرتب على المقدمتين لازما ظاهر ومطلوبا لأنه يوضع أولا ثم يرتب ما يتوصل به إليه ويستلزمه ونتيجة لأنه يتولد من القياس المذكور بخلق الله تعالى العلم به على ما هو المذهب الحق
فإذا تقرر هذا فنقول
( الشكل الأول بحمله في الصغرى ووضعه في الكبرى )
اي ما يكون الوسط فيه محمولا في صغراه موضوعا في كبراه
( شرط استلزامه )
أي هذا الشكل للمطلوب بحسب كيفية مقدماته وكميتها أمران أحدهما بحسب الكيفية وهو
( إيجاب صغراه )
ليندرج الأصغر تحت الأوسط فيحصل الإنتاج ولم يزد الجمهور على هذا وزاد غير واحد أو كونها في حكم الإيجاب أي ما يستلزم إيجابا بأن تكون موجبة محصلة المحمول أو معدولته أو سالبته وأن تكون الكبرى على وفقها في جانب الموضوع ليتحقق التلاقي وأفاد المصنف جواز وقوع الصغرى سالبة محضة بشرط مساواة طرفي الكبرى وكونها حينئذ موجبة كلية كما أشار إليه بقوله
( إلا في مساواة طرفي الكبرى )
لأن الشكل على هذا التقدير يحصل فيه أيضا اتحاد الوسط المقتضي للإنتاج كما هو ظاهر للمتأمل ثانيهما بحسب الكمية وهو ما أشار إليه بقوله
( وكلية الكبرى )
ليعلم اندراج الأصغر تحت الأوسط بخلاف ما لو كانت جزئية إذ يجوز كون الأوسط حينئذ أعم من الأصغر وكون المحكوم عليه في الكبرى بعضا من الأوسط غير الأصغر فلا يندرج فلا ينتج كما في نحو الإنسان حيوان وبعض الحيوان فرس
( فيحصل )
باشتراط هذين الأمرين لاستلزام هذا الشكل للمطلوب من الضروب الممكنة الانعقاد فيه
( ضروب )
اربعة منتجة وبما زاده المصنف زيادة خامس عليها الضرب الأول
( كليتان موجبتان )
فينتج كلية موجبة مثاله
( كل جص مكيل وكل مكيل ربوي فكل جص ربوي )
الضرب الثاني ما أشار إليه بقوله
( وبكيتيه )
أي ما يكون بصفتي الضرب الأول وهما الإيجاب في الصغرى والكبرى
( والصغرى جزئية )
والكبرى باقية على كميتها من الكلية فينتج جزئية موجبة مثاله
( بعض الوضوء منوي وكل منوي عبادة فبعض الوضوء عبادة )
الضرب الثالث ما أفصح عنه قوله
( وكليتان الأولى موجبة )
والثانية سالبة فينتج كلية سالبة مثاله
( كل وضوء
76
76
مقصود لغيره ولا مقصود لغيره يشترط فيه نية فلا وضوء يشترط فيه نية )
الضرب الرابع ما أشار إليه بقوله
( وقلبه في التساوي فقط )
اي قلب الثالث وهو ما يكون من كليتين صغرى سالبة وكبرى موجبة متساوية الطرفين فيتنج كلية سالبة مثاله
( لا شيء من الإنسان بصهال وكل صهال فرس )
فلا شيء من الإنسان بفرس
( ولو قلت )
بدل صهال
( حيوان لم يصح )
لكون المحمول أعم من الموضوع في الكبرى فلا يحصل الاندراج تحت الأوسط الضرب الخامس ما أشار إليه بقوله
( وبكيفيتي ما قبله والأولى جزئية )
أي ما يكون بصفتي ما قبل الرابع وهو الثالث من إيجاب الصغرى وسلب الكبرى إلا أن الصغرى في هذا جزئية بخلافها في الثالث فإنها فيه كلية وحاصله ما كان مركبا من جزئية موجبة صغرى وكلية سالبة كبرى فينتج سالبة جزئية مثاله بعض المكيل ربوي ولا شيء من الربوي بجائز التفاضل فليس بعض المكيل بجائز التفاضل وكأنه إنما لم يذكره للعلم به مما تقدم هذا ولقائل أن يقول يلزم من قود ما اختاره المصنف من زيادة ضرب خامس مركب من كليتين صغرى سالبة وكبرى موجبة متساوية الطرفين زيادة ضرب سادس مركب من جزئية سالبة صغرى وكلية موجبة كبرى متساوية الطرفين فينتج جزئية سالبة كقولنا ليس بعض الإنسان بفرس وكل فرس صهال فليس بعض الإنسان بصهال لاتحاد الوسط المقتضي للانتاج أيضا كما في الخامس المذكور
ثم اعلم أن ما ذكرنا من ترتيب هذه الضروب في الأولية ثم ما بعدها بناء على ترتيبها الذكري هكذا للمصنف وإلا فالذي درج عليه المنطقيون أن الضرب الثاني ما كان من كليتين موجبة صغرى وسالبة كبرى فينتج كلية سالبة والضرب الثالث ما كان من موجبتين جزئية صغرى وكلية كبرى فينتج موجبة جزئية والضرب الرابع ما كان من جزئية موجبة وكلية سالبة فينتج جزئية سالبة وادعوا أنها إنما رتبت هذا الترتيب لأن هنا كيفيتين إيجابا وسلبا والإيجاب أشرف لأنه وجود والسلب عدم والوجود أشرف وكميتين الكلية والجزئية والكلية أشرف لأنها أضبط وأنفع في العلوم وأخص من الجزئية والأخص أشرف لاشتماله على أمر زائد فإذن الموجبة الكلية أشرف المحصورات والسالبة الجزئية أخسها والسالبة الكلية أشرف من الموجبة الجزئية لأن شرف السلب الكلي باعتبار الكلية وشرف الإيجاب الجزئي بحسب الإيجاب وشرفه من جهة وشرف الكلي من جهات ثم إذ كان المقصود من الأقيسة نتائجها رتبت الضروب باعتبار ترتيب نتائجها شرفا الأشرف فالأشرف
وهذا التعليل وإن كان لا يعرى عن بحث لمن تحقق فقد صار من المسلمات عندهم ويمكن أن يحمل كلام المصنف على هذا المنوال لأنه لم يصرح بأولية ولا بما بعدها من المراتب بل إنما ذكرها بحرف الجمع المطلق ثم ليس لمثل هذا الاختلاف ثمرة تظهر في الحكم فتأمل
( وإنتاج )
ضروب
( هذا )
الشكل المنتجة
( ضروري )
بين بنفسه فلا يحتاج إلى برهان ثم كما أنه لابد من انتهاء المواد إلى ضروري يحصل التصديق به بلا كسب كذا لابد
77
77
من انتهاء الصور إلى ضروري قطعا للتسلسل وهو هذا الشكل
( وباقيها )
أي وإنتاج باقي هذه الأشكال الأربعة
( نظري )
غير بين بنفسه فيحتاج إلى برهان عليه
( فيرد إلى الضروري )
عند قصد الوقوف على نتائجه سريعا بالعكس أو الخلف كما سيأتي تفاصيله بل قال غير واحد من المحققين إن الشكل الأول هو المنتج منها في الحقيقة ولذا كان غيره موقوفا في إنتاجه على الرجوع إليه وعلى اشتماله على هيئته وإنما يعلم برجوعه إليه وبالجملة فحقيقة البرهان وجهة الدلالة منحصرتان في الشكل الأول فلا إنتاج في نفس الأمر إلا له والعقل لا يحكم بالإنتاج إلا بملاحظته سواء صرح به أو لا فلا جرم أن كان معيار العلوم ومن خواصه أيضا أنه ينتج المطالب الأربعة كما رأيت دون ما سواه فإنه لا ينتج إيجابا كليا كما سترى ثم لعل وضع الظاهر أعني الضروري في قوله إلى الضروري موضع الضمير لمزيد الاعتناء بالأعلام بثبوت هذاذ الوصف له ليتمكن في ذهن السامع فضل تمكن
( الشكل الثاني يحمله فيها )
أي ما يكون الوسط فيه محمولا في الصغرى والكبرى
( شرطه )
أي استلزم هذا الشكل للمطلوب أمران أحدهما بحسب الكيف وهو
( اختلافهما )
أي مقدمتيه
( كيفا )
أي من جهة الإيجاب والسلب بأن تكون إحداهما موجبة والأخرى سالبة وثانيهما بحسب الكم وهو ما أشار إليه بقوله
( وكلية كبراه )
سالبة إن كانت صغراه موجبة وموجبة إن كانت صغراه سالبة
( فلا ينتج )
هذا الشكل حينئذ
( إلا سلبا )
كليا أو جزئيا كما سترى وذلك لما أشار إليه بقوله
( والنتيجة تتضمن أبدا ما فيهما )
أي المقدمتين
( من خسة سلب وجزئية )
وهذا أتم من قولهم إنها تتبع أخس المقدمتين ثم لمية ذلك كله مبذولة في الكتب المنطقية فحينئذ
( ضروبه )
المنتجة من الضروب الممكنة الانعقاد فيه أربعة لا غير الضرب الأول
( كليتان الأولى موجبة )
والثانية سالبة فينتج سالبة كلية مثاله
( السلم رخصة للمفاليس ولا حال برخصة )
للمفاليس أما أن الأولى كلية فلأن أداة التعريف فيها للاستغراق وأما أن الثانية كلية فظاهر لأن النكرة في سياق النفي تعم ولا سيما في سياق لا التي لنفي الجنس كان فيما هنا
( فلا سلم حال رده )
أي هذا الضرب إلى الضرب الثالث من الشكل الأول
( بعكس الثانية )
عكسا مستويا وهو لا رخصة للمفاليس بحال ثم تضم إلى الأولى فينتج المطلوب المذكور وإنما انعكست عكسا مستويا هكذا لما أشار إليه بقوله
( والسالبة تنعكس ككميتها بالاستقامة )
إذا كانت مما تنعكس كما هو مقرر في الكتب المنطقية وهذه السالبة الكلية في هذا المثال مما يجوز أن تنعكس ثم قال استطرادا
( والموجبة الكلية )
تنعكس عكسا مستويا موجبة
( جزئية إلا في مساواة طرفيها )
فإنها تنعكس كلية فكل إنسان حيوان ينعكس إلى بعض الحيوان إنسان وكل إنسان ناطق ينعكس إلى كل ناطق إنسان والاستثناء من زوائد المصنف فإن المنطقيين على أن الموجبة الكلية تنعكس مطلقا جزئية ولعمري إنها لزيادة حسنة وإن الاعتذار عنهم بأنهم إنما يبحثون عن عكوس القضايا على وجه كلي من غير نظر إلى المواد الجزئية فلذا حكموا بأن عكس
78
78
الموجبة الكلية جزئية لأنها لازمة لها في جميع صورها بخلاف الكلية لتخلفها عنها في بعضها غير مقبول عند ذوي الإنصاف من أرباب العقول الضرب الثاني ما أشار إليه بقوله
( وقلبه )
أي الضرب الأول كليتان سالبة صغرى وموجبة كبرى فينتج سالبة كلية ايضا مثاله لا شيء من الحال برخصة وكل سلم رخصة فلا شيء من الحال بسلم
( ورده )
إلى الضرب الثالث من الشكل الأول أيضا
( بعكس الصغرى )
عكسا مستويا وهو لا شيء من الرخصة بحال
( وجعلها كبرى )
والكبرى صغرى فيصير كل سلم رخصة ولا شيء من الرخصة بحال فينتج لا شيء من السلم بحال
( ثم عكس النتيجة )
عكسا مستويا وهو عين المطلوب المذكور الضرب الثالث ما أشار إليه بقوله
( وكالأول إلا أن الأولى جزئية )
هنا وكلية هناك فهو حينئذ موجبة جزئية صغرى وسالبة كلية كبرى فينتج سالبة جزئية مثاله والصغرى والكبرى معدولتا المحمول
( بعض الوضوء غير منوي ولا عبادة غير منوي فبعض الوضوء ليس عبادة رده )
إلى الضرب الرابع من الشكل الأول
( كالأول )
أي كرد الضرب الأول من هذا الشكل إلى الضرب الرابع من الشكل الأول وهو بعكس الكبرى عكسا مستويا وقد عرفت أنها تنعكس كنفسها بعد أن تكون مما تنعكس وهي هنا كذلك فتنعكس حينئذ سالبة كلية معدولة الموضوع هكذا ولا غير منوي بعبادة وتضم إلى الصغرى المذكورة فينتج النتيجة المذكورة الضرب الرابع ما أشار إليه بقوله
( وكالثاني إلا أن أولاه )
أي أولى هذا
( جزئية )
وأولى الثاني كلية كما تقدم فهو حينئذ جزئية سالبة صغرى وكلية موجبة كبرى فينتج سالبة جزئية أيضا مثاله ( بعض الغائب ليس بمعلوم وكل ما يصح بيعه معلوم فبعض الغائب لا يصح بيعه رده )
إلى الضرب الرابع من الشكل الأول
( بعكس الثانية بعكس النقيض )
وهو عند قدماء المنطقيين جعل نقيض الجزء الثاني أولا ونقيض الجزء الأول ثانيا مع بقاء الكيف والصدق بحالهما وعند متأخريهم جعل نقيض الجزء الثاني أولا وعين الجزء الأول ثانيا مع المخالف في الكيف فعلى الأول يكون صورة عكسها وكل ما ليس بمعلوم لا يصح بيعه وعلى الثاني يكون صورة عكسها ولا شيء مما ليس بمعلوم يصح بيعه وأيا ما كان إذا ضم إلى الصغرى المذكورة أنتج النتيجة المذكورة
( وبالخلف )
بسكون اللام أي ورد هذا الشكل إلى الشكل الأول بقياس الخلف
( في كل ضروبه )
ثم فسر المراد به هنا بإبداله منه قوله
( جعل نقيض المطلوب وهو )
أي نقيض المطلوب
( الموجبة الكلية هنا )
أي في هذا الضرب الرابع من هذا الشكل
( صغرى )
الشكل
( الأول وتضم الكبرى )
من ضروب هذا الشكل الثاني
( إليها )
أي هذه الصغرى المذكورة
( يستلزم )
هذا الصنيع
( بالآخرة كذب نقيض المطلوب فالمطلوب حق )
وإنما كان نقيض المطلوب في هذا الضرب موجبة كلية لأن المطلوب فيه سالبة جزئية وهو بعض الغائب لا يصح بيعه فنقيضها موجبة كلية وهي كل غائب يصح بيعه فإذا جعلت صغرى للضرب الأول من الشكل الأول وضم إليها الكبرى من هذا الضرب يصير كل غائب يصح بيعه وكل ما
79
79
يصح بيعه معلوم وينتج كل غائب معلوم فتناقض صغرى الضرب المذكور إذ هي بعض الغائب ليس بمعلوم فإذن الصادق هي أو هذا اللازم لكن هي صادقة بالفرض فيكون الكاذب هذا اللازم وكذب اللازم يستلزم كذب المقدمتين أوكذب إحداهما لأنهما لو صدقتا كان اللازم صادقا والفرض أن الكبرى صادقة وهي كل ما يصح بيعه معلوم فيلزم كون الكاذب الصغرى التي هي كل غائب يصح بيعه فيصدق نقيضها وهو بعض الغائب لا يصح بيعه وهو المطلوب ثم لما كان الجزم بصدق المطلوب لا يتم إلا بتمام هذا التقرير قال المصنف يستلزم بالأخرة كذب نقيض المطلوب وعلى هذا القياس الضروب الثلاثة الماضية إلا أن نقيض المطلوب في الضرب الثالث موجبة كلية لأن المطلوب فيه سالبة جزئية وضم الكبرى إليه يجعله من الضرب الثالث من الشكل الأول بخلاف الأول والثاني فإن نقيض المطلوب فيهما موجبة جزئية لأن المطلوب فيهما سالبة كلية وضم الكبرى إليه في الثاني يجعله من الضرب الثاني من الشكل الأول وفي الأول يجعله من الضرب الرابع منه ثم إنما سمي هذا الطريق خلفا لأنه ينتج الباطل على تقدير حقية المطلوب لا لأنه باطل في نفسه وهذا بناء على أن الخلف هنا الباطل كما ذكره الجمهور وقيل لأن المتمسك به لما كان مثبا لمطلوبه بإبطال نقيضه فكأنه يأتي مطلوبه لا على الاستقامة بل من خلفه وهذا بناء على أن الخلف هنا ضد القدام كما ذهب إليه بعضهم ثم إنما رتبت ضروب هذا الشكل هذا الترتيب لأن الضربين الأولين ينتجان الكلي وقدم الأول على الثاني والثالث على الرابع لاشتمالهما على صغرى الشكل الأول بخلاف الثاني والرابع
( الشكل الثالث بوضعه فيهما )
اي ما يكون الوسط موضوعا في صغراه وكبراه
( شرطه )
أي استلزام هذا الشكل للمطلوب أمران أحدهما بحسب الكيفية وهو
( إيجاب صغراه )
حقيقة أو حكما كما تقدم في الشكل الأول وثانيهما بحسب الكمية وهو ما صرح به بقوله
( وكلية إحداهما )
أي مقدمتيه الصغرى والكبرى ولمية اشتراط هذين الأمرين مقررة في الكتب المنطقية فحينئذ
( ضروبه )
المنتجة من الضروب الممكنة الانعقاد فيه ستة لا غير الضرب الأول
( كليتان موجبتان )
فينتج جزئية موجبة مثاله
( كل بر مكيل وكل بر ربوي فبعض المكيل ربوي )
فإن قلت لم ينتج جزئيا مع أنه من موجبتين كليتين فالجواب
( لأن رده بعكس الأولى
أي لأنه لابد أن يرد إلى الشكل الأول كغيره ورده إليه إنما هو بعكس الأولى عكسا مستويا لأنها هي المخالفة للأول وإذا عكست صارت جزئية كما تقدم فلا جرم أن كان رد هذا الضرب إلى الضرب الثاني منه وكانت نتيجته جزئية ومن ثمة قالوا من خواص هذا الشكل أنه لا ينتج إلا جزئيا لأن هذا الضرب أخص ضروبه وهولا ينتج كليا ومتى لم ينتج الأخص شيئا لم ينتجه الأعم نعم لم ير المصنف لزوم هذا فيه في سائر المواد بل قال
( فلو كانت )
الأولى من هذا الضرب
( متساوية الجزأين أنتج )
هذا الضرب لازما
( كليا )
بناء على ما تقدم من اختياره كون الموجبة الكلية المتساوية الطرفين تنعكس
80
80
كنفسها وقد عرفت اتجاهه وحينئذ يكون رده إلى الضرب الأول من الشكل الأول مثاله كل إنسان ناطق وكل إنسان ضاحك ينتج كل ناطق ضاحك الضرب الثاني ما أشار إليه بقوله
( ومثله )
أي هذا الضرب الأول في الكيف وكلية الثانية
( إلا أن الأولى جزئية )
الضرب الثاني فهو حينئذ موجبتان جزئية صغرى وكلية كبرى
( ينتج مثله )
أي الأول موجبة جزئية مثاله بعض المكيل البر وكل مكيل ربوي فبعض الربوي
( ويرد )
إلى الضرب الثاني من الشكل الأول يعكس الصغرى وهو ظاهر الضرب الثالث ما اشار إليه بقوله
( وعكس )
الضرب
( الثاني )
فهو حينئذ موجبتان كلية صغرى وجزئية كبرى
( ينتج )
موجبه جزئية
( كالأول )
أي كما ينتجها الضرب الأول والثاني أيضا مثاله كل بر مكيل وبعض البر ربوي فبعض المكيل ربوي
( ورده )
إلى الضرب الثاني من الشكل الأول
( بجعل عكس الكبرى )
وهو بعض الربوي بر
( صغرى )
للضرب المذكور لعدم صلاحيتها أن تكون كبراه لجزئيتها وعين الصغرى كبراه ليصير بعض الربوي وكل بر مكيل فينتج بعض الربوي مكيل
( وعكس النتيجة )
اللازمة له ومعلوم أن عكسها حينئذ عين المطلوب ثم مما زاده المصنف بأخرة هنا وقرأناه عليه ما نصه
( فلو الصغرى متساوية عكست )
وكتب عليه ما صورته لأنعدم عكس الصغر هنا ليس إلا لأنها تنعكس جزئية فيصير الأول من جزئيتين وذلك لا يصح والمصنف يرى مع تساوي طرفي القضية تنعكس الكلية كلية فلذا قال فلو الصغرى الخ وحينئذ لا حاجة إلى عكس النتيجة اه
ولم يظهر للعبد الضعيف غفر الله تعالى له استقامة هذا فإن مثال هذا والصغرى متساوية الطرفين كل إنسان ناطق وبعض الإنسان كاتب واللازم عند بعض الناطق كاتب فإذا عكست الصغرى فلابد أن تكون هي الكبرى في الضرب الثاني من الشكل الأول لأن الكبرى من هذا الضرب من الكل الثالث لا يصلح أن تكون كبرى في الشكل الأول مطلقا وحينئذ إما أن تبقى عين الكبرى صغرى فيصير بعض الإنسان كاتب وكل ناطق إنسان وهذا إنما هو من ضروب الشكل الرابع المنتجة على ما اختاره المصنف كما سيأتي ومن ضروبه العقيمة على قول المنطقيين وأما عكسها فيصير بعض الكاتب إنسان وكل ناطق إنسان وهذا إنما هو من ضروب الشكل الرابع المنتجة على ما اختاره المصنف كما سيأتي ومن ضروبه العقيمة على قول المنطقيين وأما عكسها فيصير بعض الكاتب إنسان وكل ناطق إنسان وهذا كما ترى من ضروب الشكل الثاني العقيمة فالظاهر أن هذه الزيادة وقعت عن ذهول عن هذا المقام فسبحان من لا يذهل ولا يغفل الضرب الربع ما أفصح به قوله
( وكليتان الثانية سالبة )
والأولى موجبة مثاله
( كل بر مكيل وكل بر لا يجوز بيعه بجنسه متفاضلا فبعض المكيل لا يجوز بيعه بجنسه متفاضلا ينتج )
هذا الضرب
( كالأول في المساواة والأعمية )
يعني كما ينتج الضرب الأول فيهما فإذا كان هنا جزءا الأولى متساويين أنتج كليا كما هناك مثاله كل فرس صهال ولا شيء من الفرس بإنسان فإنه ينتج لا شيء من الصهال بإنسان وإذا كان هنا محمول الأولى أعم من موضوعها أنتج جزئيا ومثاله المثال المذكور فإن المكيل أعم من البر ثم هذا الضرب يرد إلى الشكل الأول
( بعكس الصغرى )
كما هناك أيضا لأنها المخالفة للأولى من الشكل الأول
81
81
إلا أن هذا الضرب يرد في المساواة إلى الضرب الثالث من الشكل الأول وفي الأعمية إلى الضرب الرابع منه وذاك يرد في المساواة إلى الضرب الأول وفي الأعمية إلى الضرب الثاني الضرب الخامس ما أشار إليه بقوله
( وكالرابع إلا أن أولاه جزئية )
بخلافها في الضرب الرابع فهو حينئذ جزئية موجبة صغرى وكلية سالبة كبرى
( ينتج سلبا جزئيا )
مثاله بعض الموزون ربوي ولا شيء من الموزون يباع بجنسه متفاضلا فبعض الربوي لا يباع بجنسه متفاضلا
( ويرد )
إلى الضرب الرابع من الشكل الأول بعكس الصغرى لأنها المخالفة للأولى فيه
( مثله )
أي مثل ما رد الرابع المذكور إليه في الأعمية فنقول في المثال المذكور بعض الربوي موزون والباقي بعينه من الكبرى والنتيجة الضرب السادس ما أشار إليه بقوله
( وقلبه )
أي الضرب الخامس
( كمية )
لا كيفية هو كلية موجبة صغرى وجزئية سالبة كبرى
( ينتج )
سلبا جزئيا
( مثله )
أي الخامس أيضا مثاله
( كل بر مكيل وبعض البر لا يباع بجنسه متفاضلا فبعض المكيل لا يباع الخ )
أي بجنسه متفاضلا ولما كان رد هذا الضرب إلى الضرب الثاني من الشكل الأول بعكس الكبرى وجعلها صغرى وضم الصغرى إليها كبرى فينتج ما تنعكس إلى المطلوب وكان مما يخال أنها لا تنعكس ثم على تقدير أن تنعكس إنما تنعكس سالبة والسالبة لا تصلح صغرى في الشكل الأول قرر المصنف رده بالطريق المذكور على وجه يصح أن يقع عكس الكبرى المذكور صغرى في الشكل الأول مع إشارة إلى دفع هذا المخيل فقال
( ورده باعتبار الكبرى موجبة سالبة المحمول )
أي سلب محمولها عن موضوعها بجعل السلب جزءا للمحمول ثم أثبت ذلك السلب للموضوع ولملاحظة السلب والإيجاب فيها سميت موجبة سالبة المحمول
( وهي )
أي الموجبة السالبة المحمول
( لازمة للسالبة )
كما أن السالبة لازمة لها أيضا إذ لا فرق في المعنى بين سلب الشيء عن الشيء وإثبات سلبه له ومن ثمة لا تحتاج هذه الموجبة إلى وجود الموضوع كالسالبة بخلاف المعدولة ولهذا لم نجعلها في حكم المعدولة وكما تنعكس الموجبة المحصلة وإن كانت جزئية تنعكس هذه السالبة
( وبجعلها عكسها )
مستويا
( صغرى )
للضرب الثاني من الشكل الأول وقد قدمنا أن هذه من ما صدق كون الصغرى في حكم الإيجاب وإذا عرف هذا فعكس الكبرى في هذا المثال بعض ما لا يباع بجنسه متفاضلا بر فيجعل صغرى
( لكل بر مكيل فينتج ما ينعكس )
مستويا
( إلى المطلوب )
فإنه ينتج بعض ما لا يباع بجنسه متفاضلا مكيل وهو ينعكس مستويا إلى بعض المكيل لا يباع بجنسه متفاضلا وهو المطلوب
( ويبين هذا )
الضرب
( وما قبله )
من الضروب الخمسة والأخصر ويبين ضروبه
( بالخلف )
أيضا أي بقياسه وهو أن تأخذ نقيض المطلوب كما أخذته في الشكل الثاني
( إلا أنك تجعل نقيض المطلوب كبرى )
لصغرى الشكل الأول هنا لأن الصغرى دائما موجبة ونقيض النتيجة دائما كلية وفي الشكل الثاني تجعله صغرى لكبرى الشكل الأول كما تقدم بيانه فتقول في هذا
82
82
الضرب لو لم يصدق بعض المكيل لا يباع بجنسه متفاضلا لصدق نقيضه وهو كل مكيل يباع بجنسه متفاضلا ويجعل كبرى للصغرى المذكورة وهي كل بر مكيل فينتج من الضرب الأول من الشكل الأول كل بر يباع بجنسه متفاضلا وهذا يناقض ما كان كبرى في هذا الشكل وهو بعض البر لا يباع بجنسه متفاضلا فلا يجتمعان صدقا لكن الكبرى صادقة بالفرض فتعين كذب هذا وكذبه يستلزم كذب مجموع المقدمتين أو إحداهما لأنهما لو صدقتا لصدق هو أيضا والفرض أن الصغرى منه صادقة فلزم كون الكاذبة هي الكبرى الآن التي هي نقيض المطلوب وإذا كذب نقيض المطلوب كان المطلوب صدقا وهو المدعى والباقي ظاهر تخريجه لمن تصوره وبالله التوفيق
ثم اعلم أن ترتيب ضروب هذا الشكل على هذا الوجه صنيع الإمام ابن الحاجب ومشى عليه الشارحون لمختصره وغيرهم وفي الشمسية جعل ما هو الضرب الثاني هنا الضرب الثالث وما هو الضرب الثالث هنا الضرب الخامس وما هو الضرب الرابع هنا الضرب الثاني وما هو الضرب الخامس هنا الرابع وأما الأول والسادس فكما هنا ومشى على هذا شارحوها معللين بأن الأول أخص الضروب المنتجة للإيجاب والثاني أخص الضروب المنتجة للسلب والأخص أشرف وقدم الثالث والرابع على الأخيرين لاشتمالهما على كبرى الشكل الأول والأمر في ذلك وإن كان قريبا ولا خلل في المقصود على كل حال إلا أنه لعل الأولى ما في الشمسية
( الشكل الرابع خالف )
الشكل
( الأول فيهما )
أي الصغرى والكبرى بأن كان الحد الوسط موضوعا في الصغرى محمولا في الكبرى وإذ كان كذلك
( فرده )
إلى الشكل الأول
( بعكسهما )
أي المقدمتين عكسا مستويا فيجعل في كل منهما الموضوع محمولا والمحمول موضوعا ويبقيان على حالهما من الترتيب
( أو قلبهما )
أي أو بتقديم الكبرى على الصغرى من غير تبديل الموضوع محمولا والمحمول موضوعا
( فإذا كانت صغراه )
أي هذا الشكل
( موجبة كلية أنتج مع السالبة الكلية )
التي هي كبراه سالبة جزئية
( برده )
إلى الضرب الرابع من الشكل الأول
( بعكس المقدمتين فقط )
أي لا مع القلب أيضا
( لعدم السلب في صغرى )
الشكل
( الأول )
وهو لازم للقلب
( و )
أنتج
( مع الموجبتين )
الكلية والجزئية كبريين موجبة جزئية برده إلى الضرب الثاني من الشكل الأول
( بقلبهما )
أي المقدمتين
( ثم عكس النتيجة لا بعكسهما لبطلان الجزئيتين )
فإنه لا قياس عنهما وهو لازم من عكسهما
( فسقطت السالبة الجزئية )
في هذا الشكل لعدم صلاحيتها أن تكون فيه صغرى أو كبرى
( لانتفاء الطريقين )
اللذين إنما يرتد هذا الشكل إلى الشكل الأول بأحدهما وهما العكس والقلب
( معها )
أي السالبة الجزئية أما انتفاء العكس فلأن هذه السالبة الجزئية لا تنعكس وأما انتفاء القلب فلأنها حينئذ إن كانت كبرى صارت صغرى الأول سالبة وإن كانت صغرى صارت كبرى الأول جزئية وكلاهما يمنع من الإنتاج فيه كما عرف ثم لما كان مختار
83
83
المصنف أن الموجبة الكلية إذا تساوى طرفاها تنعكس كنفسها فرع عليه
( ولو تساويا )
أي الطرفان
( في الكبرى الموجبة الكلية صح )
رد هذا الضرب إلى الضرب الأول من الشكل الأول بعكسهما لانتفاء المانع وكانت النتيجة حينئذ موجبة كلية
( وإذا كانت الصغرى )
في هذا الشكل
( موجبة جزئية فيجب كون الأخرى السالبة الكلية )
وإلا لكانت إما موجبة لسقوط السالبة الجزئية وحينئذ فإن كانت كلية لزم منه جعل الجزئية الموجبة كبرى للشكل الأول أي الطريقين سلكت أما طريق العكس فلأن عكس الموجبة الكلية موجبة جزئية وأما طريق القلب فلأن الفرض أن الصغرى موجبة جزئية فتحل محل الكبرى والجزئية الموجبة لا تصلح كبرى الأول وإن كانت جزئية فالجزئيتان لا ينتجان بنفسهما ولا بعكسهما بوجه ثم هذا كله إذا كانت الموجبة الكلية غير متساو طرفاها فأما إذا تساويا فنقول
( وعلى التساوي تجوز الموجبة الكلية )
أن تكون كبرى للموجبة الجزئية هنا لأن المانع من ذلك إنما كان لزوم صيرورة كبرى الشكل الأول جزئية وهذا المانع قد انعدم حينئذ لانعكاسها كلية إذا كانت كذلك كما تقدم غير مرة ويتعين حينئذ أن يكون الرد بطريق العكس
( أو )
كانت الصغرى في هذا الشكل
( السالبة الكلية فيجب )
حينئذ أن تكون
( الكبرى كلية موجبة لامتناع خلاف ذلك )
أما الموجبة الجزئية فلأنه لو قلبت حينئذ المقدمتان لم يكن بد من عكس النتيجة وهي جزئية سالبة لا تنعكس ولو عكستهما صارت الكبرى جزئية في الشكل الأول وأما السالبة الكلية فلأنه حينئذ يصير القياس من سالبتين وهما لا ينتجان أصلا وقد عرفت مع هذا أيضا سقوط السالبة الجزئية
فتلخص أن شرط إنتاج هذا الشكل أن لا تكون صغراه سالبة جزئية مع شيء من المحصورات الأربع ولا سالبة كلية مع مثلها ولا مع موجبة جزئية ولا موجبة جزئية مع مثلها ولا مع الموجبة الكلية ولا أن تكون كبراه سالبة جزئية مع إحدى الثلاث الباقية فحينئذ
( ضروبه )
المنتجة من الضروب الممكنة الانعقاد فيه خمسة لا غير الضرب الأول
( كليتان موجبتان )
ينتج موجبة جزئية مثاله
( كل ما يلزم عبادة مفتقر إلى النية وكل تيمم يلزم عبادة لازمة كل تيمم مفتقر إلى النية بلقب المقدمتين )
فيقال كل تيمم يلزم عبادة وكل ما يلزم عبادة مفتقر إلى النية فينتج اللازم المذكور
( ثم يعكس )
عكسا مستويا
( إلى المطلوب جزئيا بعض المفتقر تيمم فإن قلت ما السبب )
في كون المطلوب في هذا جزئيا
( وكل من لزوم الكلية )
الكائنة في اللازم المذكور للملزوم المذكور
( ومعناها صحيح قيل )
إنما كان المطلوب في هذا جزئيا
( لفرض كون الصغرى مطلقا )
أي في أي شكل من الأشكال الأربعة قدر
( ما اشتمل على موضوع المطلوب والكبرى محمولة )
أي وكون الكبرى مطلقا ما اشتمل على محمول المطلوب كما تقدم
( فإذا زعمت أن الاستدلال )
على المطلوب الذي هو افتقار التيمم إلى النية
( بالرابع )
أي بالشكل الرابع
( كان المفتقر موضوعه )
أي المطلوب
( والتيمم محموله )

84
84
أي المطلوب
( والحاصل عند الرد )
إلى الشكل الأول
( عكسه )
وهو أن يكون التيمم موضوع المطلوب والمفتقر محموله فيحتاج إلى عكسه ( فينعكس جزئيا )
لما عرف من أن الموجبة الكلية تنعكس موجبة جزئية فهذا سبب كون اللازم في هذا الضرب جزئيا ثم نقول على وتيرة ما تقدم
( ولو تساويا )
أي الطرفان في الموجبة الكلية التي هي لازم هذا الضرب
( كان )
عكسه
( كليا )
ولا يتأتى السؤال المذكور الضرب
( الثاني مثله أي الضرب الأول إلا أن الثانية جزئية )
فهو موجبتان كلية صغرى وجزئية كبرى ينتج موجبة جزئية مثاله
( كل عبادة بنية وبعض الوضوء عبادة )
ينتج بعض ما هو بنية الوضوء
( والرد واللازم كالأول )
أي ورد هذا الضرب إلى الشكل الأول واللازم له كالضرب الأول من هذا الشكل إلا أن الضرب الأول منه يرد إلى الضرب الأول من الشكل الأول وهذا الضرب يرد إلى الضرب الثالث منه فتقلب المقدمتان إلى بعض الوضوء عبادة وكل عبادة بنية فينتج بعض الوضوء بنية ثم يعكس هذا اللازم إلى بعض ما هو بنية الوضوء وهو المطلوب الضرب
( الثالث كليتان الأولى سالبة )
والثانية موجبة مثاله
( كل عبادة لا تستغني عن النية وكل مندوب عبادة ينتج سالبة كلية لا مستغن )
عن النية
( بمندوب بالقلب والعكس )
أي بقلب المقدمتين ليرتد إلى الضرب الثاني من الشكل الأول ثم عكس النتيجة إلى المطلوب فيقال كل مندوب عبادة وكل عبادة لا تستغني عن النية فينتج كل مندوب لا يستغني ن النية ويعكس إلى لا مستغن عن النية بمندوب الضرب
( الرابع كليتان الثانية سالبة )
والأولى موجبة
( ينتج جزئية سالبة )
مثاله
( كل مباح مستغن )
عن النية
( وكل وضوء ليس بمباح فبعض المستغني عن النية ليس بوضوء بعكس المقدمتين )
فتعكس الأولى إلى موجبة جزئية وهي بعض المستغني عن النية مباح والثانية إلى وكل مباح ليس بوضوء ثم تضمها إلى الأولى فيكون الضرب الرابع من الشكل الأول وينتج النتيجة المذكورة بعينها وهذا بإطلاقه ماش على قولهم وأما على ما تقدم غير مرة من أن الموجبة الكلية إذا تساوى طرفاها تنعكس كنفسها فنقول
( ولو كان في الموجبة تساو )
بين طرفيها
( كانت )
النتيجة سالبة
( كلية )
لكلية كلتا المقدمتين عينا وعكسا الضرب
( الخامس جزئية موجبة وسالبة كلية كالرابع )
أي هو كالضرب الرابع من هذا الشكل
( لازما وردا )
إلى الشكل الأول فينتج جزئية سالبة من الضرب الرابع من الشكل الأول بعكس المقدمتين مثاله بعض المباح مستغن عن النية ولا شيء من الوضوء بمباح فبعض المستغني عن النية ليس بوضوء فتعكس الأولى إلى بعض المستغني عن النية مباح والثانية إلى ولا شيء من المباح بوضوء فينتج اللازم المذكور بعينه
( ويبين الكل )
أي الضروب الخمسة من هذا الشكل
( بالخلف )
وهو أن تضم نقيض النتيجة إلى إحدى المقدمتين لينتج ما تنعكس إلى نقيض الأخرى غير أن المراد بإحدى المقدمتين المضموم إليها نقيض النتيجة في الضربين الأولين المنتجين للإيجاب هي الصغرى ويكون النقيض هو الكبرى كما في الخلف المستعمل في
85
85
الشكل الثالث وفي الضروب الثلاثة الأخر المنتجة للسلب هي الكبرى ويكون نقيض النتيجة هو الصغرى كما في الخلف المستعمل في الشكل الثاني فنقول في مثال الضرب الأول لو لم يصدق بعض المفتقر إلى النية تيمم لصدق نقيضه وهولا شيء من المفتقر إلى النية بتيمم وتضم كبرى إلى صغراه وهي كل ما يلزم عبادة مفتقر إلى النية فينتج من الضرب الثالث من الشكل الأول لا شيء مما يلزم عبادة بتيمم وتعكس إلى لا شيء من التيمم يلزم عبادة وهذا يناقض كبرى هذا الضرب المردود فإنها كل تيمم يلزم عبادة فالصادق إحداهما لكن كبرى هذا الضرب صادقة بالفرض فيكون الكاذب هذا اللازم وكذبه بكذب مقدمتيه اللتين هما الملزوم أو بكذب إحداهما والفرض أن هذه الصغرى صادقة فيلزم كون الكاذبة هي الكبرى التي هي نقيض المطلوب فالمطلوب حق ونقول في مثال الضرب الثالث لو لم يصدق لا مستغن عن النية بمندوب لصدق نقيضه وهو بعض المستغني عن النية مندوب فيضم صغرى إلى كبراه فينتج من الضرب الثاني من الشكل الأول بعض المستغني عن النية عبادة وينعكس إلى بعض العبادة مستغن عن النية وهذا يناقض صغرى هذا الضرب وهي كل عبادة لا تستغني عن النية فالصادق إحداهما لكن الصغرى صادقة بالفرض فيكون الكاذب هذا اللازم وكذبه بكذب كلتا المقدمتين أو إحداهما والفرض أن كبراه صادقة فيلزم كون الكاذبة هي هذه الصغرى التي هي نقيض المطلوب فالمطلوب حق وعلى هذين الإيضاحين احذ بالباقي ثم ترتيب هذه الضروب ليس باعتبار إنتاجها لبعدها عن الطبع بل باعتبار أنفسها فقدم الأول لأنه من موجبتين كليتين والإيجاب الكلي اشرف الأربع ثم الثاني لمشاركته الأول في إيجاب مقدمتيه ثم الثالث لارتداده إلى الشكل الأول بالقلب ثم الرابع لكونه أخص من الخامس ثم حصر الضروب المنتجة من هذا الشكل في هذه رأي المتقدمين وكثير من المتأخرين وزاد بعضهم ثلاثة أخرى بل وزاد نجم الدين النخجواني في كل من الشكل الأول والثاني أربعة أخرى وفي الثالث ستة أخرى وفي الرابع سبعة أخرى والتحقيق خلافه كما يعرف في موضعه
تذنيب قالوا وإنما وضعت الأشكال في هذه المراتب لأن الأول على النظم الطبيعي وهو الانتقال من موضوع المطلوب إلى الحد الوسط ثم منه إلى محموله حتى يلزم منه الانتقال من موضوعه إلى محموله وهذا لا يشارك الأول فيه غيره فوضع في المرتبة الأولى ثم ثني بالثاني لأنه أقرب ما بقي من الأشكال إليه لمشاركته له في صغراه التي هي أشرف لاشتمالها على موضوع المطلوب الذي هو أشرف من المحمول لأن المحمول إنما يطلب إيجابا وسلبا له ثم أردف بالثالث لأن له به قربا لمشاركته له في أخس المقدمتين ثم ختم بالرابع إذ لا قرب له به أصلا لمخالفته إياه في المقدمتين وبعده عن الطبع جدا
( الطريق الرابع الاستقراء تتبع الجزئيات )
أي استقصاء جميع جزئيات كلي أو أكثرها لتعرف حكم من
86
86
أحكام هي بحيث تتصف به هل الواقع أنها متصفة به على سبيل العموم أم لا وإذ كان كذلك
( فيستدل على )
ثبوت
( الحكم الكلي )
الشامل لكل فرد من أفراد المحكوم عليه
( بثبوته )
أي ذلك الحكم
( فيها )
أي الجزئيات المذكورة فالاستدلال به استدلال بحال الجزئي على حال الكلي وقد يقال على الغرض من هذا التتبع وعليه تعريفه بإثبات الحكم لكلي لثبوته في جزئياته
( وهو )
قسمان
( تام إن استغرقت )
الجزئيات بالتتبع
( يفيد القطع )
كالعدد إما زوج وإما فرد وكل زوج يعده الواحد وكل فرد يعده الواحد فكل عدد يعده الواحد ويسمى أيضا قياسا مقسما
( وناقص خلافه )
أي إن لم تستغرق جزئياته بالتتبع وإنما تتبع أكثرها لا يفيد القطع بل يفيد الظن لجواز أن يكون ما لم يستقرأ من جزئيات ذلك الكلي على خلاف ما استقرئ منها كما يقال كل حيوان يحرك عند المضغ فكه الأسفل لأن الإنسان والفرس وغيرهما مما نشاهده من الحيوانات كذلك مع أن التمساح بخلافه فإنه عند المضغ يحرك فكه الأعلى وأفادني المصنف إملاء فإن قيل الاستقراء التام إنما يفيد معرفة أحكام الجزئيات ولا يلزم من ذلك القطع بأن حكم الكلي هذا لجواز أن يكون بعض أفراده المقدرة الوجود لو وجدت كان حكمها غير هذا فالجواب أن حاجتنا في الشرعيات إنما هي الحكم على الأمور الخارجية واستقراء الشرع تام فيحصل به المقصود قطعا بخلاف استقراء اللغة فإنه غير تام اه ثم لما كانت طرق الاستدلال المقبول منحصرة في خمسة الأربعة الماضية والخامس ما يسمى بالتمثيل وكان هذا من أجزاء هذا العلم لم يقل الطريق الخامس التمثيل بل قال
( فأما التمثيل وهو القياس الفقهي الآتي فمن مقاصد الفن )
الأصولي تنبيها على أنه لا يجوز أن يعد هنا من المقدمات بالنسبة إلى هذا العلم لمنافاته حينئذ لجزئيته وإن صلح أن يكون منها بالنسبة إلى غيره ما عدا المنطق إذ لا ضير في ذلك الأمر
( الرابع )
من الأمور التي هي عبارة عن مقدمة هذا الكتاب
( استمداده )
أي ما منه مدد هذا العلم وهو أمران
أحدهما ( أحكام )
كلية لغوية
( استنبطوها )
أي استخرجها أهل هذا العلم من اللغة العربية باستقرائهم إياها إفرادا وتركيبا
( لأقسام من العربية جعلوها )
أي علماء هذا العلم الأحكام المستنبطة المذكورة
( مادة له )
أي جزءا لهذا العلم وإن كانت هذه الأحكام في نفس الأمر
( ليست مدونة قبله )
أي تدوين هذا العلم وإنما تذكر في غضون استدلالاتهم في الفروع وغيرها وذلك كالعموم والخصوص والتباين والترادف والحقيقة والمجاز والظهور والنصوصية والإشارة والعبارة ( فكانت )
هذه الأحكام حينئذ بعضا
( منه )
وأشار بهذا إلى دفع توهم أن هذا العلم أبعاض علوم كما سيشير إليه أيضا ثانيا ويصرح بنفيه ثالثا ثم استمداده من هذه الأحكام من جهة كل من تصورها وتصديقها ومن ثمة ترى كثيرا منها معنونا ذكره في هذا العلم بمسألة
فإن قيل بعض مقاصد هذا العلم تتوقف معرفته على معرفة بعض هذه الأحكام فلا تكون جزءا منه ضرورة كون المتوقف عليه خارجا عن المتوقف فلا تكون تلك الأحكام من
87
87
المقاصد الأصلية فالجواب كما قال
( وتوقف إثبات بعض مطالبه )
أي مسأل هذا العلم
( عليها )
أي هذه الأحكام تصورا وتصديقا كالتصديق مثلا بأن العموم يلحقه الخصوص
( لا ينافي الأصالة )
أي أن يكون ما توقف عليه ذلك المطلب من جملة أجزاء هذا العلم
( لجواز )
كون
( مسالة )
من العلم
( مبدأ لمسألة )
أخرى منه بالمعنى الأخص في المبدئية كما فيما ذكرنا من المثال ولا نسلم أن كل ما توقف على شيء يكون ذلك الشيء خارجا عنه فإن المركب يتوقف على كل من أجزائه ولا شيء من أجزائه بخارج عنه ثم لو سلمنا كون ما توقف عليه فيما نحن بصدده خارجا عن المتوقف فهو لا يقتضي أن يكون خارجا عن جملة هذا العلم
( وهذا )
أي وإنما قلنا هذا العلم مستمد من هذه الأحكام
( لأن الأدلة )
الكلية السمعية
( من الكتاب والسنة )
التي هي موضوع هذا العلم
( منها )
أي اللغة العربية فالاستدلال بها يتوقف على معرفة أقسام اللفظ العربي صيغة ومعنى
( وحمل حكم العام مثلا والمطلق )
أي وحمل حكمه على ما يكون من الأدلة من الكتاب والسنة عاما ومطلقا
( ليس بقيد كونه )
أي كون العام المحمول عليه
( عام الأدلة )
المذكورة ولا بقيد كون المطلق المحمول عليه مطلق الأدلة المذكورة أي ليس الحمل باعتبارها هذا التقييد الخاص
( بل ينطبق عليها )
أي بل باعتبار كل منهما في نفسه فينطبق على عام الكلام السمعي ومطلقه من الكتاب والسنة لأن كلا من هذين من ما صدقات ذينك حينئذ فاندفع أن يقال الأحكام الكائنة لأقسام من العربية إنما هي مذكورة في هذا العلم من حيث كونها أحكام الأدلة من الكتاب والسنة لا مطلقا فلا يكون هذا العلم مستمدا من الأحكام على الوجه الذي ذكرتم ووجه الاندفاع ظاهر ثم نبه على أن الأحكام قد لا تكون مجمعا عليها خشية توهم كونها أجمع مجمعا عليها فقال
( وقد يجري فيها خلاف )
بين المستنبطين كما ستقف عليه ثاني الأمرين ما أشار إليه بقوله
( وأجزاء مستقلة تصورات الأحكام )
الشرعية الخمسة التي هي الوجوب والتحريم والندب والكراهة والإباحة والوصف بالاستقلال إشارة إلى دفع توهم كون هذا العلم أبعاض علوم وهو المراد بقولنا سالفا إنه سيشير إليه ثانيا وإنما فسر الأجزاء بتصورات الأحكام لأن التصديق بإثباتها ونفيها من حيث استفادتها من أداتها من مسائل هذا العلم لا من مقدماته
( كالفقه )
أي كما أن الفقه يستمد من هذه الأجزاء المستقلة أيضا
( يجمعهما )
أي هذا العلم والفقه من حيث كون تصورات هذه الأحكام ممدة لكل منهما
( الاحتياج )
الكائن لكل منهما
( إلى تصورات محمولات المسائل )
أي مسائلهما لأن مقصود الأصولي من الأصول إثبات الأحكام ونفيها من حيث إنها مدلولة للأدلة السمعية ومستفادة منها والفقيه من الفقه إثباتها ونفيها من حيث تعلقها بأفعال المكلفين التي لا تقصد لاعتقاد وهي تقع جزءا من محمولات مسائلهما كالأمر للوجوب والوتر واجب فإن معنى الأولى أنه دال على الوجوب ومفيد له ومعنى الثانية أنه متعلق الوجوب وموصوف به فوقع الوجوب جزءا من المحمول فيهما لا نفس المحمول والحكم بالشيء نفيا وإثباتا فرع
88
88
تصوره بسائر أجزائه وهذا بالنسبة إلى الفقه استطراد وكذا قوله
( على أن الظاهر استمداد الفقه إياها )
أي تصورات الأحكام المذكورة
( منه )
أي علم الأصول
( لسبقه )
أي أصول الفقه الفقه في الاعتبار لكونه فرعا عليه
( وإن لم يدون )
علم الأصول مستقلا قبل تدوين الفقه فإن أول من دون الفقه ورتب كتبه وأبوابه الإمام أبو حنيفة رحمه الله
ومن هنا قال الإمام الشافعي رحمه الله من أراد الفقه فهو عيال على أبي حنيفة كما نقله الفيروزبادي الشافعي في طبقات الفقهاء وغيره وقال المطرزي في الإيضاح ذكر الإمام السرخسي في كتابه أن ابن سريج وكان مقدما في أصحاب الشافعي بلغه أن رجلا يقع في أبي حنيفة فدعاه فقال يا هذا أتقع في رجل سلم له الناس ثلاثة أرباع العلم وهو لا يسلم لهم الربع فقال وكيف ذلك فقال الفقه سؤال وجواب وهو الذي تفرد بوضع السؤال فسلم له نصف العلم ثم أجاب عن الكل وخصومه لا يقولون إنه أخطأ في الكل فإذا جعلت ما وافقوه فيه مقابلا بما خالفوه فيه سلم ثلاثة أرباع العلم له وبقي بينه وبين جميع الناس ربع العلم فتاب الرجل عن وقيعته في أبي حنيفة رحمه الله ويقال إن أول من دون في أصول الفقه على سبيل الاستقلال الإمام الشافعي صنف فيه كتاب الرسالة بالتماس ابن المهدي
( ويزيد )
هذا العلم على الفقه
( بها )
أي بتصورات الأحكام المذكورة
( موضوعات )
لمسائله
( في مثل المندوب مأمور به أو لا والواجب إما مقيد بالوقت أو لا )
فإن الموضوعات في هذه المسائل أسماء مشتقة من الأحكام وليس مثله بواقع في الفقه فيكون حينئذ احتياج هذا العلم إلى تصورات هذه الأحكام أكثر من احتياج الفقه إليها لأن استمداده منها أوفر من استمداد الفقه ثم لو قال مثل الإباحة حكم شرعي والإباحة ليست جنسا للوجوب لكان أولى
( وعنه )
أي كون هذا العلم يزيد بهذه الأحكام موضوعات لمسائله
( عدت )
هذه الأحكام
( من الموضوع )
أي موضوع هذا العلم لأن ذلك يقتضي كون نفس الأحكام موضوعا لهذا العلم لأن موضوعات مسائل العلم تتكون بحيث يصدق عليها موضوع العلم وقد أسلفنا بيان هذا ومن ذهب إليه وما عليه وأن البحث عنها وعن المكلف الكلي وأحواله من باب التتميم واللواحق فراجعه ثم بقي هنا شيء وهو أن الآمدي وابن الحاجب ومن تابعهما ذكروا أن استمداد هذا العلم من ثلاثة هذين والثالث علم الكلام ولعله إنما لم يذكره لأن مرادهم بما منه الاستمداد ما تكون الأدلة متوقفة عليه من حيث ثبوت حجيتها الأحكام أو من حيث إن إثبات الحكام أو نفيها متوقف على تصورها أو التصديق بها كما هو ظاهر من الوقوف على تعليلهم لهذه الدعوى
وعلم الكلام بالنسبة إلى الأدلة من قبيل الأول كما قرروه في كتبهم ومراد المصنف بما منه الاستمداد ما بحيث يكون مادة وجزءا لهذا العلم وليس علم الكلام كذلك ومن ثمة نبه فيما مضى على أنه ليس في الأصول من الكلام إلا مسألة الحاكم وما شابهها أو ما له تعلق بها وهي ليست من الأصول وقد أوضحناه فيما سلف ثم إنه وإن كان لا مناقشة في
89
89
الاصطلاح صنيع المصنف نظرا إلى المعنى اللغوي أولى لأن المدد للشيء لغة ما يزيد به الشيء ويكثر ومنه المدد للجيش وهذا غير ظاهر في الكلام
( وما قيل كله أجزاء علوم باطل )
أي وقول تاج الدين السبكي إن علم الأصول ليس علما برأسه بل هو أبعاض علوم جمعت من الكلام والفقه واللغة والحديث والجدل ليس بحق
( وما يخال من علم الحديث )
أي وما يظن من البحث عن أحوال راجعة إلى متن الحديث أو طريقه كالقول بأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب أو بالعكس أو لعمل الصحابي لا لروايته أو بالعكس وعدالة الراوي وجرحه وهو مذكور في علم الأصول كما في علم الحديث أنه من علم الحديث فيظن أن علم الأصول بالنسبة إلى هذا مستمد من علم الحديث حتى يكون الأصولي فيه عيالا على المحدث ليس كذلك كما أشار إليه بقوله
( ليس استمدادا )
أي ليس البحث عن هذه الأمور في هذا العلم استمدادا له من علم الحديث
( بل )
السبب في توارد بحثهما عنها
( تداخل موضوعي علمين يوجب مثله )
فقد عرفت جواز تداخلهما باعتبار عموم موضوع أحدهما بالنسبة إلى الآخر وخصوص موضوع الآخر بالنسبة إليه ولا شك أن ذلك قد يوجب التقاءهما بحثا في بعض المطالب من غير أن يكون أحدهما عيالا على الآخر في ذلك وموضوعا هذين العلمين كذلك كما أشار إليه بقوله
( والسمعي )
أي الدليل الكلي السمعي مطلقا
( من حيث يوصل )
العلم بأحواله إلى قدرة إثبات الأحكام لأفعال المكلفين
( يندرج فيه السمعي النبوي من حيث كيفية الثبوت )
وهو ظاهر لكون هذا جزئيا من جزئيات ذاك وقد عرفت أن ذاك موضوع أصول الفقه وهذا موضوع علم الحديث فإذن علم الحديث باب من الأصول وكون الأصولي يبحث عن الدليل المذكور من حيث الإيصال المشار إليه لا يقتضي نفي البحث عنه من حيث كيفية الثبوت وكيف يقتضيه والبحث من حيث الإيصال المذكور لا يكون إلا بعد معرفة كيفية الثبوت من صحة وحسن وغيرهما ومن ثمة تختلف صفات إثبات الأحكام للمكلفين باختلاف كيفية ثبوت الأدلة قوة وضعفا فلا تنافي بين قيدي الموضوعين فظهر أن ذكر تفاصيل مباحث السنة المذكورة في الأصول لا يوجب استمداده إياها من علم الحديث بل هي من مباحثه بالأصالة أيضا
( ومباحث الإجماع والقياس والنسخ ظاهر )
أي ومباحث هذه وما يتبعها ظاهر كونها مباحثه المختصة به ولا يعلم علم من العلوم المدونة كفيل بها سواه وأما الكلام فقد عرفت أنه ليس في الأصول منه إلا مسألة الحاكم وما يتعلق بها وأنها من المقدمات أو من المبادئ بالاصطلاح الأصولي وأما الفقه فليس في الأصول منه إلا ما هو إيضاح لقواعده في صور جزئية أو استطراد
قال المصنف رحمه الله والجدل المذكور فيه أعني كيفية الإيراد على الأقيسة الفقهية ذوات العلل الجعلية منه حادث بحدوثه فإن أفرد هذا الجدل فكالفرائض بالنسبة إلى الفقه والجدل القديم جمل قليلة في بيان ما على المانع والمعلل من حفظ وضعيهما وكذا مباحث
90
90
أقسام اللفظ الآتي تفصيلها منه لظهور توقف الإيصال المذكور على معرفتها وغاية ما يلزم كون المبادئ اللغوية جزءا من الأصول واللازم حق فظهر أن هذا العلم مستقل برأسه غير مستمد من علم مدون قبله شيئا يكون منه جزءا وهو المطلوب وهذا آخر الكلام في المقدمة
( المقالة الأولى في المبادئ اللغوية )
المبادئ جمع مبدأ وهو في الأصل مكان البداءة في الشيء أو زمانه ثم سمي به ما يحل فيه توسعا مشهورا كما هنا فإن المراد ما يبدأ به قبل ما سواه من مسائل هذا العلم لتوقفه عليه كما هو المصطلح المنطقي لأن المباحث المقصودة ذاتا للمصنف في هذه الترجمة من أجزاء هذا العلم ومن ثمة تراه ينبه على ما ذكر فيها مما ليس كذلك أنه ليس منها وقد عرف من هذا وجه تقديم هذه المقالة على المقالتين الآتيتين كما عرف مما تقدم قريبا وجه تسميتها لغوية ثم حاصل ما في هذه المقالة بيان معنى اللغة والإشارة إلى سبب وضعها وبيان الواضع وهل المناسبة بين اللفظ ومعناه لازمة وأن المعنى الذي وضع اللفظ له ذهني أو خارجي أو أعم منهما وطريق معرفة الوضع وهل يجري القياس في اللغة وانقسام اللفظ إلى أقسام متعددات متباينات ومتداخلات باعتبارات مختلفات كما ستقف عليها بحذافيرها مفصلات إن شاء الله تعالى مفيض الجود والخيرات
المقام الأول في بيان معنى اللغة
( اللغات الألفاظ الموضوعة )
للمعاني وحذفها لشهرة أن وضعها إنما هو لمعانيها كما هو المتبادر واللفظ صوت معتمد على مخرج حرف فصاعدا والمراد بالوضع تعيين اللفظ بإزاء المعنى فيعم ما يكون بنفسه أو بقرينة فيتناول الحقائق والمجازات والمعنى ما يقصد باللفظ ثم الألفاظ شاملة للمستعملات والمهملات المفردات والمركبات والموضوعة مخرجة للمهملات وإنما عبر بالجمع لأنه وقع تفسيرا للجمع
( ثم تضاف كل لغة إلى أهلها )
أو يجري عليها صفة منسوبة إليهم فيقال لغة العرب ولغة عربية تمييزا لها عما سواها
المقام الثاني في بيان سبب وضع لغات الأناسي لما خلق الله تعالى الإنسان غير مستقل بمصالحه في معاشه من مأكول ومشروب وملبس ومسكن وما يلحق بها من الأمور الحاجية وفي معاده من استفادة المعرفة والأحكام التكليفية التشريفية عن ربه سبحانه الموجبة لخيري الدارين مفتقرا إلى معاضدة غيره من بني نوعه على ذلك وكانت المعاضدة لا تتأتى له إلا بتعريف ما في الضمير والواقع إما باللفظ أو بالكتابة أو بالإشارة كحركة اليد والرأس أو بالمثال وهو الجرم الموضوع على شكل الشيء ليكون علامة عليه وكان في المثال عسر في كثير من الأشياء مع عدم عمومه إذ ليس كل شيء يتأتى له مثال وقد يبقى المثال أيضا بعد انقضاء الحاجة فيقف عليه من لا يريد وقوفه عليه والإشارة لا تفي بجميع الأشياء أيضا وكيف وهي لا تقع إلا في المحسوسات أو ما أجري مجراها والكتابة فيها من الحرج ما لا يخفى وكانت الألفاظ ايسر على العباد فإنها كيفيات تحدث من إخراج النفس
91
91
الضروري الحصول للإنسان الممتد للطبيعة بلا مشقة ولا تكلف مع أنها مقدرة بقدر الحاجة توجد مع وجودها وتنقضي مع انقضائها وأعم فائدة لأنها صالحة للتعبير بها عن كل مراد حاضر أو غائب معدوم أو موجود معقول أو محسوس قديم أو حادث كان الشأن كما قال المصنف
( ومن لطفه الظاهر تعالى وقدرته الباهرة )
أي ومن إفاضة الإحسان برفق على عباده في الباطن والظاهر كما هو واضح عند أولي الأبصار والبصائر وآثر صفته الأزلية المؤثرة في المقدورات عند تعلقها بها الغالبة لعقول العقلاء من الأوائل والأواخر لشمولها كل الممكنات على سائر الوجوه من النعوت والصفات
( الإقدار عليها )
أي إعطاؤه تعالى إياهم القدرة على هذه الألفاظ السهلة الحصول عليهم متى شاؤوا
( والهداية للدلالة بها )
أي وهدايتهم لأن يعلموا غيرهم بها ما في ضمائهم من الأغراض والمقاصد متى أرادوا
ثم كما قال المصنف الإقدار يرجع إلى القدرة والهداية إلى اللطف فهو لف ونشر مشوش
( فخفت المؤنة )
بهذا الطريق من التعريف ليسره وسهولته
( وعمت الفائدة )
لشموله وإحاطته ووضع الضمير موضع الظاهر في قوله ومن لطفه للعلم به وزيادة وضوحه أو لأنه بلغ من عظم الشأن إلى أن صار متعقل الأذهان
المقام الثالث في بيان الواضع وفيه مذاهب
أحدهما وهو مختار الإمام فخر الدين والآمدي وابن الحاجب ونسبه السبكي إلى الجمهور أنه الله تعالى وأنه وقف العباد عليها بوحيه إلى بعض الأنبياء أو بخلقه الألفاظ الموضوعة في جسم ثم إسماعه إياها لواحد أو جماعة إسماع قاصد للدلالة على المعاني أو بخلقه تعالى العلم الضروري لهم بها ومن ثمة يعرف هذا بالمذهب التوقيفي ولما كان في هذا الإطلاق بعض تفصيل أشار المصنف إليه بقوله
( والواضع للأجناس )
أسماء وأعلاما للأعيان والمعاني مقترنة بزمان وغير مقترنة به
( أولا الله سبحانه )
هذا
( قول الأشعري )
وقال للأجناس لأنه لا شك في أن واضع أسماء الله تعالى المتلقاة من السمع والأعلام من أسماء الملائكة وبعض الأعلام من أسماء الأنبياء هو الله تعالى وقال أولا لأنه سيشير إلى أنه يجوز أن يتوارد على بعضها وضعان لله أولا للعباد ثانيا كما سنوضحه قريبا
( ولا شك في أوضاع أخر للخلق عملية شخصية )
حادثة بإحداثهم إياها ومواضعتهم عليها لما يألفون على اختلاف أنواعه وكيف لا والوجدان شاهد بذلك بل كما قال الشيخ أبو بكر الرازي إن هذه الأسماء لا تتعلق باللغة ولا بمواضعات أهلها واصطلاحهم لأن لكل أحد أن يبتدئ فيسمي نفسه وفرسه وغلامه بما شاء منها غير محظور عن ذلك وقيد بالشخصية لانتفاء القطع بهذا الحكم للعلمية الجنسية ( وغيرها )
أي وغير هذه من أسماء الأجناس وأعلامها ( جائز )
أن يتوارد عليه في الجملة وضعان سابق للحق ولا حق للخلق بأن ضع الباري تعالى اسما منها لمعنى ثم يضعه الخلق لآخر حتى يكون ذلك الاسم من قبيل الأضداد إن كان المعنيان
92
92
متضادين أو يضعوا لذلك المعنى بعينه اسما آخر أيضا
( فيقع الترادف )
بين ذينك الاسمين إذ لا مانع من هذا التجويز فيتحرر أن محل النزاع أسماء الأجناس وأعلامها في أول الأمر وإنما ذهب من ذهب إلى هذا
( لقوله تعالى
! < وعلم آدم الأسماء كلها > ! فإن تعليمه تعالى آدم عليه السلام جميعها على سبيل الإحاطة بها ظاهر في إلقائها عليه مبينا له معانيها إما بخلق علم ضروري بها فيه أو إلقاء في روعه وايا ما كان فهو غير مفتقر إلى سابقة اصطلاح ليتسلسل بل يفتقر إلى سابقة وضع والأصل ينفي أن يكون ذلك الوضع ممن كان قبل أدم وممن عسى أن يكون معه في الزمان من المخلوقات فيكون من الله تعالى وهو المطلوب
ثانيها
ما أشار إليه بقوله
( وأصحاب أبي هاشم )
المعتزلي المشهور ويعبر عنهم بالبهشمية الواضع
( البشر آدم وغيره )
بأن انبعثت داعيتهم إلى وضع هذه الألفاظ بإزاء معانيها ثم عرف الباقون بتعريف الواضع أو بتكرار تلك الألفاظ مرة بعد أخرى مع قرينة الإشارة إليها أو غيرها كمافي تعليم الأطفال ويسمى هذا بالمذهب الاصطلاحي وإنا ذهب من ذهب إليه
( لقوله تعالى
! < وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه > ! اي بلغة قومه الذي هو منهم وبعث فيهم وإطلاق اللسان على اللغة مجاز شائع من تسمية الشيء باسم سببه العادي وهو مراد هنا بالإجماع ووجه الاستدلال بهذا النص أنه
( أفاد )
هذا النص
( نسبتها )
أي اللغة
( إليهم )
سابقة على الإرسال إليهم
( وهي )
أي ونسبتها إليهم كذلك
( بالوضع )
أي يتعين ظاهرا أن تكون بوضعهم لأنها النسبة الكاملة والأصل في الإطلاق الحمل على الكامل
( وهو )
أي وهذا الوجه
( تام على المطلوب )
أي على إثبات أنه الواضع البشر
( وأما تقريره )
أي الاستدلال بهذا النص
( دورا )
أي من جهة أنه يلزم الدور الممنوع على تقدير أن يكون الواضع الله كما ذكره ابن الحاجب وقرره القاضي عضد الدين
( كذا دل )
هذا النص
( على سبق اللغات الإرسال )
إلى الناس فإنه ظاهر في إفادته أن يكون أولا للقوم لسان أي لغة اصطلاحية لهم فيبعث الرسول بتلك اللغة إليهم
( ولو كان )
أي حصول اللغات لهم
( بالتوقيف )
من الله تعالى
( ولا يتصور )
التوقيف
( إلا بالإرسال )
للرسل إليهم
( سبق الإرسال اللغات فيدور )
لتقدم كل من الإرسال واللغات على الأخر وحيث كان الدور باطلا كان ملزومة وهو كون الواضع هو الله كذلك لأن ملزوم الباطل باطل
( فغلط لظهور أن كون التوقيف ليس إلا بارسال إنما يوجب سبق الإرسال على التوقيف لا )
أنه يوجب سبق الإرسال
( اللغات بل )
هذا النص
( يفيد سبقها )
أي اللغات على الإرسال ولا يلزم من سبقها عليه سبق التوقيف عليه أيضا لجواز وجودها بدونه فلا دور وحينئذ
( فالجواب )
من قبل التوقيفية عن هذا الاستدلال للاصطلاحية
( بأن آدم علمها )
بلفظ المبني للمفعول وبني له للعلم بالفاعل وهو الله أي علم الله آدم الأسماء
( وعلمها )
آدم غيره
( فلا دور )
إذ تعليمه بالوحي يستدعي تقدم الوحي على اللغات لا تقدم الإرسال إذ قد يكون هناك وحي باللغات وغيرها ولا إرسال له إلى قوم لعدمهم وبعد أن
93
93
وجدوا وتعلموا اللغات منه أرسل إليهم
( وبمنع حصر )
طريق
( التوقيف على الإرسال )
أي والجواب من قبل التوقيفية عن استدلال الاصطلاحية بالنص المذكور على هذا الوجه بهذا أيضا
( لجوازه )
أي التوقيف من الله
( بالإلهام )
بأن ألقى الله تعالى في روع العاقل من غير كسب منه أن واضعا ما وضع هذه الألفاظ بإزاء هذه المعاني
( ثم دفعه )
أي هذا الجواب
( بخلاف المعتاد )
أي بأن عادة الله تعالى لم تجر بذلك بل المعتاد في التعليم التفهيم بالخطاب ونحوه فإذا لم يقطع بعدمه فلا أقل من مخالفته للظاهر مخالفة قوية فلا يترك الظاهر لمجرده ثم قوله
( ضائع )
خبر قوله فالجواب وما عطف عليه ووجه ضياعه ظهر فإن ما بنى هذا كله عليه من دعوى الدور لم يتم
( بل الجواب )
من قبل التوقيفية عما تقدم من الاستدلال بالنص المذكور للاصطلاحية على الوجه التام بمطلوبهم
( أنها )
أي الإضافة في قوله تعالى بلسان قومه
( للاختصاص )
أي لاختصاصهم بها في التعبير عن مقاصدهم دائما أو غالبا من بين سائر اللغات
( ولا يستلزم )
اختصاصهم بها
( وضعهم )
أي أن يكونوا هم الواضعين لها
( بل يثبت مع تعليم آدم بنيه إياها وتوارث الأقوام فاختص كل بلغة )
أي بل يجوز أن يكونوا مختصين بها بعد وضعه تعالى إياها وتوقيفهم عليها بأن يكون الله تعالى وضعها وعلمها لآدم ثم آدم علمها لبنيه ثم ما زال الخلف منهم يتوارثها من السلف إلى أن تميز كل منهم بإرث لغة واختص بها دون من سواه ولا ريب أن مثل هذا مما يسوغ الإضافة ولا سيما والكلام الصحيح طافح بإضافة الشيء إلى غيره بأدنى ملابسة فما الظن بمثل هذا وهذا الجائز معارض لذلك الجائز ثم يترجح هذا بموافقته لظاهر وعلم آدم الأسماء ومخالفة ذاك لهذا الظاهر إذ الأصل عدم المخالفة والجمع بين المتعارضين واجب ما أمكن وقد أمكن بهذا الوجه فيتعين
( وأما تجويز كون علم )
أي كون المراد بعلم آدم الأسماء كلها
( ألهمه الوضع )
بأن بعث داعيته له وألقى في روعه كيفيته حتى فعل وسمى ذلك تعليما مجازا كما في قوله تعالى ! < وعلمناه صنعة لبوس لكم > ! وأطلق الأسماء وأراد وضعها لكونها متعلقة كما هذا تأويل من الاصطلاحية لدفع الاحتجاج بهذه الآية للتوقيفية
( أو ما سبق وضعه ممن تقدم )
أي أو ألهمه الأسماء السابق وضعها ممن تقدم آدم فقد ذكر غير واحد من المفسرين أن الله تعالى خلق جانا قبل أدم وأسكنهم الأرض ثم أهلكهم بذنوبهم والظاهر أنه كان لهم لغة كما هذا تأويل آخر من الاصطلاحية لدفع الاحتجاج بهذه الآية للتوقيفية
( فخلاف الظاهر )
من الآية مخالفة قوية ونحن ندعي الظهور والاحتمالات البعيدة لا تدفعه أما الأول
فلأن المتبادر من تعليم الله تعالى آدم الأسماء تعريف الله إياه الألفاظ الموضوعة لمعانيها وتفهيمه بالخطاب لا بالإلهام
وأما الثاني
فلأن الأصل عدم وضع سابق على أن القوم المشار إليهم لم يثبت وجودهم على الوجه المذكور ولو ثبت لم يلزم أن هذه اللغات كانت لهم ولا يصار إلى خلاف الظاهر إلا بدليل كالإجماع في وعلمناه ولم يوجد هنا ثم لما لزم من هذا ظن كون اللغات توقيفية
94
94
واشتهر أن لا ظن في الأصول نبه المصنف على أنه لا ضير فيه لأنها ليست من مقاصده فقال
( والمسألة ظنية من المقدمات والمبادئ فيها تغليب )
أي وإطلاق المبادئ على ما تضمنته هذه المقالة تغليب لما هو منها لكثرته على ما ليس منها لقلته هذه المسألة من هذا القبيل فالمبدئية فيها من هذا الباب من التغليب ومن هنا قال أبو الربيع الطوفي وهذه المسألة من رياضيات الفن لا من ضرورياته اه
على أن مباحث الألفاظ قد يكتفى فيها بالظواهر كما ذكره المحقق الشريف بل قد يكتفى بالظن في الأصول كما في كيفية إعادة المعدوم ونحوها من الأمور المتعلقة بالاعتقاد ولم يوجد فيها القطع فاندفع ما ذكره الفاضل الكرماني عن أستاذه القاضي عضد الدين في درسه من أن المسألة علمية فلا فائدة في بيان ظاهرية قول الأشعري كما ذكره ابن الحاجب إذ الظنون لا تفيد إلا في العمليات وقوله
كالتي تليها )
أي كما أن الأمور السابقة على هذه من تعريف اللغة وبيان سبب وضعها من المقدمات لهذا العلم والمبدئية فيها من باب التغليب المذكور أيضا ففاعل تليها ضمير مستتر يرجع إلى هذه المسألة ومفعوله الذي هو الهاء يرجع إلى الموصوف المقدر بين الجار والمجرور أي كالأمور التي تليها هذه المسألة أو كما أن الأمور الآتية بعد هذه المسألة من بيان هل المناسبة بين اللفظ والمعنى معتبرة وبيان الموضوع له وطرق معرفة اللغات من المقدمات لهذا العلم والمبدئية فيها من باب التغليب المذكور أيضا ففاعل تليها ضمير مستتر يرجع إلى الأمور الذي هو الموصوف المقدر ومفعوله الذي هو الهاء يرجع إلى هذه المسألة أي كالأمور التي تلي هذه المسألة لأن تلك السوابق وهذه اللواحق ليست مما يتوقف عليه مسائل هذا العلم وإنما تفيد نوع بصيرة فيه فإذن هذا من النوع المسمى بالتوجيه عند أهل البديع
ثم هذا مما يشهد بما ذكرناه صدر هذه المقالة من أن إطلاق المصنف المبادئ على ما اشتملت عليهم من الأحكام اللغوية إنما هو بالاصطلاح المنطقي
( وكون المراد بالأسماء المسميات بعرضهم )
أي وما قيل أيضا من قبل الاصطلاحية دفعا لاحتجاج التوقيفية بالآية الشريفة ليس بالمرار بالأسماء الألفاظ الموضوعة لمعانيها بل المراد بها حقائق الأشياء وخواصها بأن علمه أن حقيقة الخيل كذا وهي تصلح للكر والفر وأن حقيقة البقر كذا وهي تصلح للحرث وهلم جرا بدليل قوله تعالى ! < ثم عرضهم على الملائكة > ! لأن العرض للسؤال عن أسماء المعروضات فلا يكون المعروض نفس الألفاظ على أن عرضها من غير تلفظ بها غير متصور وبتلفظ بها يأباه الأمر بالإتيان بها على سبيل التبكيت ولأن الضمير الذي هو هم للأسماء إذ لم يتقدم غيره وهي إنما تصلح لذلك إذا أريد بها الحقائق لإمكانه حينئذ تغليبا لذوي العلم على غيرهم
( مندفع بالتعجيز بأنبئوني بأسماء هؤلاء )
لأنه تعالى أمرهم بالإنباء على سبيل التبكيت والإظهار لعجزهم عن القيام به وأضاف فيه الأسماء إلى
95
95
هؤلاء وهي المسميات ومعلوم أن ليس المراد بها هنا المسميات لما يلزمه من إضافة الشيء إلى نفسه وإنما المراد بها الألفاظ الدالة عليها فكذا الأسماء التي هي متعلق التعليم وإلا لما صح الإلزام بطلبه الإنباء بالأسماء ثم إنبائه تعالى إياهم بها لأن صحته إنما تكون لو سأل الملائكة عما علم آدم لا عن شيء آخر والضمير في عرضهم للمسميات المدلول عليه ضمنا إذ التقدير إما أسماء المسميات فحذف المضاف إليه لدلالة المضاف عليه لأن الاسم لابد له من مسمى وعوض عنه اللام كقوله تعالى ! < واشتعل الرأس شيبا > ! كما هو مذهب الكوفيين وبعض البصريين وكثير من المتأخرين وإما الأسماء للمسميات فحذف الجار والمجرور لدلالة الأسماء عليه كما هو مقتضى مذهب الباقين وأيا ما كان فلا إشكال إذ لا منافاة بين كون المراد بالأسماء الألفاظ وبين عود الضمير إلى المسميات التي هي ما أضيفت الأسماء إليه أو كانت متعلقة بها هذا ولا يبعد عند العبد الضعيف غفر الله تعالى له أن يقال في هذه الآية استخدام أعني يكون المراد بالأسماء في وعلم آدم الأسماء الألفاظ ويكون الضمير في عرضهم راجعا إلى الأسماء مرادا بها المسميات كقول الشاعر
( إذا نزل السماء بأرض قوم
رعيناه وإن كانوا غضابا )
وهذا مع كونه من المحسنات البديعية أيسر وأسهل
( وبعد علم المسميات )
أي ومندفع أيضا ببعد أن يقال وعلم آدم المسميات لأن المفعول الثاني للتعليم إنما يكون من قبيل الأعراض والصفات لا من قبيل الأشخاص والذوات إلا بنوع مقبول من التأويلات كما يشهد به استقراء الاستعمالات فلا يترك الظاهر القريب السالم من تكلف تأويل لاحتمال خفي من غير دليل
ثالثها
وهو مذهب القاضي أبي بكر الباقلاني ونقله في الحاصل عن المحققين وفي المحصول والتحصيل عن جمهورهم واختاره الإمام الرازي وأتباعه التوقف ولما كان ظاهر هذا عدم القول بمعين من الأقوال الممكنة فيها وقالوا في وجهه لأن كلا من المذاهب فيها ممكن لذاته لا يلزم من فرض وقوعه محال لذاته وشيء من الأدلة لا يفيد القطع فوجب الوقف أشار المصنف إليه مع الاعتراض عليه بقوله
( وتوقف القاضي )
عن القطع بشيء من المذاهب
( لعدم )
دليل
( القطع )
بذلك
( لا ينفي الظن )
بأحدها وهو ما الدليل يفيد ظنه بل يجامع الظن بأحدها عدم القطع بشيء منها فلا يلزم الوقف إلا بالنسبة إلى القطع فقط
( والمبادر )
إلى الذهن والأحسن ولكن المبادر
( من قوله )
أي القاضي
( كل )
من المذاهب فيها
( ممكن عدمه )
أي الظن بأحدها لأن مثل هذا الإطلاق يقتضي المساواة في الاحتمال من غير رجحان لاحتمال على أخر
( وهو )
أي عدم الظن بأحدها
( ممنوع )
لوجود ما يفيد ظن أحدها راجحا على غيره كما لعله دليل الأشعري بالنسبة إلى قوله على أن عبارة البديع والقاضي كل من هذه ممكن والوقوع ظني فهذا ظاهر في أن هذا لفظه وهذا صريح منه بظن أحدها وحينئذ
96
96
فلا بأس بحمل الإمكان على ما ذكروه يعني ليس منها شيء ممتنع لذاته ثم النظر إلى الواقع يفيد ظن وقوع أحدها سالما عن المعارض الموجب للوقف والله تعالى أعلم بما هو عنده فهو قائل به كذلك متوقف عن القطع به وبغيره لكن على هذا أن يقال إذا كان الأمر على هذا فلا ينبغي أن يكون واقفا عن القطع بل يكون قاطعا بعدم القطع بأحدها ولا ينافيه ظن أحدها لما ذكرنا ويمكن الجواب بأنه لعله كذلك على أنه إنما يلزم ذلك أن لو وجد من نفسه القطع بذلك عن ملاحظة ما في الواقع موجبا له في نظره والظاهر أنه لم يجده لمانع قام عنده وإن لم يكن ذلك بمانع في الواقع فأخبر عما عنده في ذلك ثم كأنه يرى أن الظن لا يغني في هذا شيئا فأطلق الوقف ولم يقيده بقوله عن القطع بناء على ظن تبادر ذلك منه فليتأمل
رابعها
وهو مذهب الأستاذ أبي إسحاق الأسفرايني أن القدر الذي يحتاج إليه الواضع في تعريف الناس اصطلاحه ليوافقوه عليه توقيفي من الله تعالى وما عداه ممكن ثبوته بكل من التوقيف والاصطلاح أو هو ثابت بالاصطلاح على اختلاف النقل عنه في هذا كما نذكره قريبا ويعرف هذا بالمذهب التوزيعي وقد أشار المصنف إليه في ضمن رده بقوله
( ولفظ كلها )
في قوله تعالى ! < وعلم آدم الأسماء كلها > !
( ينفي اقتصار الحكم على كون ما وضعه سبحانه القدر المحتاج إليه في تعريف الاصطلاح )
والأحسن ينفي اقتصار ما وضعه الله على القدر المحتاج إليه في تعريف الاصطلاح
( إذ يوجب )
لفظ كلها
( العموم )
للمحتاج إليه وغيره فإنه من ألفاظ العموم ولعل المصنف إنما اقتصر على هذا مع أن الأسماء تفيده أيضا لأنه أنص فيه ثم غاية ما فيه أنه خصص منه ما تقدم ذكره لقيام دليل التخصيص عليه فبقي فيما وراءه على العموم ولا بدع في ذلك
( فانتفى )
بهذا
( توقف الأستاذ في غيره )
أي غير المحتاج في بيان الاصطلاح بالنسبة إل ما هو الواقع بعينه فيه من التوقيف والاصطلاح
( كما نقل عنه )
أي الأستاذ لعدم موجب التوقف في ذلك ومن الناقلين عنه هذا الآمدي وابن الحاجب ونقل الإمام الرازي والبيضاوي عنه أن الباقي اصطلاحي وعلى هذا يقال بدل هذا فانتفى قوله بالاصطلاح في غيره ولعل المصنف اقتصر على الأول لكونه أثبت عنده ثم لما كان وجه قوله دعوى لزوم الدور على تقدير انتفاء التوقيف في المحتاج إليه كما ذكره ابن الحاجب بأن يقال لأنه لو لم يكن القدر المحتاج إليه في بيان الاصطلاح بالتوقيف لتوقف الاصطلاح على سبق معرفة ذلك القدر والمفروض أنه يعرف بالاصطلاح فيلزم توقفه على سبق الاصطلاح المتوقف على معرفته وهو الدور هذا تقرير القاضي عضد الدين وأما العلامة ومن تبعه فبنوا لزوم الدور على أنه لابد في الآخرة من العود إلى الاصطلاح الأول ضرورة تناهي الاصطلاحات أو دعوى التسلسل كما ذكره الآمدي بأن يقال لو لم يكن القدر المحتاج إليه في تعريف الاصطلاح بالتوقيف لتوقف معرفة الاصطلاح على سبق معرفة ذلك القدر باصطلاح آخر سابق وهو على آخر وهلم جرا والدور والتسلسل باطلان فملزومهما
97
97
باطل جمع المصنف بينهما مصرحا بانتفائهما فقال
( وإلزام الدور أو التسلسل لو لم يكن توقيف البعض منتف )
لأنا نمنع توقف القدر المحتاج إليه على الاصطلاح قولكم المفروض أنه يعرف بالاصطلاح ممنوع بل أنه لا يعرف بالتوقيف وهو لا يوجب ن يعرف بالاصطلاح بل بالترديد والقرائن كالأطفال وبهذا يظهر أنه يمكن منع توقف الاصطلاح على سبق معرفة ذلك القدر
( بل الترديد مع القرينة كاف في الكل )
ثم لما لزم من سوق المصنف الجنوح إلى المذهب التوقيفي وكان على الاستدلال له بالآية المتقدمة أن يقال إنها إنما تثبت بعض المدعي لاختصاص الأسماء بنوع خاص من أنواع الكلمة الثلاثة أشار إلى دفعه عودا على بدء فقال
( وتدخل الأفعال والحروف )
في الأسماء من قوله تعالى ! < وعلم آدم الأسماء > !
( لأنها أسماء )
لأن الاسم لغة ما يكون علامة للشيء ودليلا يرفعه إلى الذهن من الألفاظ وملخصه اللفظ الدال بالوضع وهذا شامل لأنواعها الثلاثة وأما تخصيصه بالنوع المقابل للفعل والحرف فاصطلاح حدث من أهل العربية بعد وضع اللغات فلا يحمل القرآن عليه على أنه لو سلم أن الاسم لغة يختص بالنوع المذكور فالتكلم بالأسماء لإفادة المعاني المركبة إذ هي الغرض من الوضع والتعليم يتعذر بدونهما على أنه لو سلم عدم التعذر فحيث ثبت أن الواضع للأسماء هو الله فكذا الأفعال والحروف إذ لا قائل بأن الأسماء توقيفية دون ما عداها والقائل بالتوزيع لم يذهب إليه وإن أمكن على مذهبه أن يقال به
تذنيب ثم قيل لا فائدة لهذا الاختلاف وقيل بل له فائدة فقال المارزي هي أن مره من قال بالتوقيف جعل التكليف مقارنا لكمال العقل ومن قال بالاصطلاح أخر التكليف عن العقل مدة الاصطلاح على معرفة الكلام وقيل غير ذلك والله سبحانه أعلم
المقام الرابع
في أنه هل يحكم باعتبار المناسبة بين اللفظ ومعناه الموضوع له فقال المصنف آتيا بما هو من فصل الخطاب علاقة وكيدة بين الخروج من الكلام إلى آخر الأمر
( هذا )
أو مضى هذا أو هذا كما ذكر
( وأما اعتبار المناسبة )
بين اللفظ ومعناه بمعنى أن هلا يقع وضع لفظ لمعنى إلا بعد أن يكون بينها مناسبة
( فيجب الحكم به )
أي باعتبارها بينهما
( في وضعه تعالى )
أي فيما علم أن واضع ذلك المعنى هو الله سبحانه فإن خفي ذلك علينا بالنسبة إلى بعض الألفاظ مع معانيها فلقصور منا أو لغيره من مقتضيات حكمته وإرادته وإنما قلنا هذا
( للقطع بحكمته )
وكيف لا وهو العليم الحكيم وهذا القدر من بعض آثار مقتضياتها فيجب القطع به
( وهو )
أي اعتبار المناسبة بينهما
( ظاهر في غيره ) أي مظنون وجوده في غير ما علم من الألفاظ وضع الباري تعالى إياها لمعانيها لأن الظاهر حكمة الواضع ورعاية التناسب من مقتضياتها فالظاهر وجوده وقوله
( والواحد قد يناسب بالذات الضدين )
جواب عن دخل مقدور وهو أن اللفظ الواحد قد يكون للشيء وضده كالجون للأبيض والأسود وبمناسبته لأحدهما لا يكون مناسبا للآخر وإيضاح الجواب أن اللفظ الواحد يجوز أن يناسب بالذات
98
98
معنيين متضادين من وجهين كلا من وجه فيصدق أن بين كل من المعنيين اللذين وضع اللفظ لكل منهما وبين اللفظ مناسبة ذاتية وكشف الغطاء عن هذا أن المناسبة اتحاد الشيئين في المضاف كاتحاد زيد وعمرو في بنوة بكر واتحاد متضادين في المضاف ليس بممتنع ولا مستبعد
( فلا يستدل على نفي لزومها )
أي المناسبة بين اللفظ ومعناه كما ذهب إليه من يذكره
( بوضع )
اللفظ
( الواحد لهما )
أي للضدين كما تواردوه لأنه قد ظهر أن هذا لا ينافيها ثم لما كان الذي عليه الجمهور تساوي نسبة الألفاظ إلى معانيها وأن المخصص لبعضها ببعض المعاني دون بعض هو إرادة الواضع المختار سواء كان هو الله تعالى أو غيره
وقد نقل غير واحد من الثقات أن أهل التكسر وبعض المعتزلة منهم عباد بن سليمان الصيمري ذهبوا إلى أن بين اللفظ والمعنى مناسبة طبيعية موجبة لدلالته عليه فلا يحتاج إلى الوضع يدرك ذلك من خصه الله به كما في القافة ويعرفه غيره منه وقد ذكر القرافي أنه حكي أن بعضهم كان يدعي أنه يعلم المسميات من الأسماء فقيل له ما مسمى آذغاغ وهو من لغة البربر فقال أجد فيه يبسا شديدا وأراه اسم الحجر وهو كذلك ورد الجمهور هذا القول بوجوه منها أنه لو كان كذلك لامتنع نقل اللفظ عن معناه الذاتي إلى معنى آخر بحيث لا يفهم منه الذاتي أصلا واللازم باطل فالملزوم مثله ثم ذكر السكاكي وغيره أن أهل التصريف والاشتقاق على أن للحروف في أنفسها خواص بها تختلف كالجهر والهمس وغيرهما مستدعية في حق عالمها إذ أخذ في تعيين شيء يركبه منها لمعنى أنه لا يهمل التناسب بينه وبين المعنى الذي عينه له قضاء لحق الحكمة ومن ثمة ترى الفصم بالفاء الذي هو حرف رخو لكسر الشيء من غير أن يبين وبالقاف الذي هو حرف شديد لكسر الشيء حتى يبين وأن لهيئات تركيبات الحروف أيضا خواص يلزم فيها ما يلزم في الحروف ومن ثمة كان الفعلان والفعلي بالتحريك لما في مسماه كثرة حركة كالنزوان والحيدي وقد تقرر أنه ينبغي حمل كلام العاقل على الصحة ما أمكن ولا سيما من كان من عداد العلماء لا جرم أن أول السكاكي قول عباد بهذا مجوزا أن يكون هذا مراده بنوع من الرمز إليه ووافقه المصنف في الجملة عليه لكن من غير التزام ضابط في المناسبة من جهة خاصة ليشمل ما ذكر وغيره لما على الحصر فيه من التعقب لما نذكر قريبا فقال
( وهو )
أي وجوب الحكم باعتبار المناسبة قطعا أو ظنا بين اللفظ ومعناه كما فصلناه
( مراد القائل بلزوم المناسبة في الدلالة )
أي دلالة الألفاظ على معانيها فإنه ممكن ولم يوجد ما يمنع إرادته بل وجد ما يعينها وهو حمل كلام العاقل على الصحة ما أمكن
( وإلا فهو ضروري البطلان )
أي وإن لم يكن هذا مراد عباد من قوله فقوله ضروري البطلان عند أولي العلم والإتقان كما يشهد به ما ذكروه من الحجج والبرهان ثم ينبغي التنبه هنا لأمرين أحدهما أن صرف قول عباد ومن وافقه عن ظاهره إلى أن يكون المراد به كما عليه التصريفيون إنما يتم إذا كان عباد ومن وافقه قائلين بأنه لابد مع ذلك
99
99
من الوضع كما ذكر الإسنوي أنه مقتضى كلام الامدي في النقل عنهم أما إذا كانوا مصرحين بأنه يفيد المعنى بذاته لمناسبة ذاتيه بينهما من غير احتياج إلى وضع كما قررناه آنفا ونقله في المحصول عن عباد وقال الأصفهاني إنه الصحيح عنه فلا يتم وهو ظاهر ثانيهما أنه يطرق ما عليه التصريفيون ما ذكره المحقق الشريف من انه لا يخفى أن اعتبار التناسب بين اللفظ والمعنى بحسب خواص الحروف والتركيبات يتأتى في بعض الكلمات وأما اعتباره في جميع كلمات لغة واحدة فالظاهر أنه متعذر فما الظن باعتباره في جميع كلمات اللغات
المقام الخامس
في بيان أن المعنى الموضوع له اللفظ هل هو الذهني أو الخارجي أو الأعم منهما وقد تعرض المصنف لهذا بقوله
( والموضوع له )
اللفظ
( قيل الذهني دائما )
كأنه يعني سواء كان له وجود في الذهن بالإدراك وفي الخارج بالتحقق كالإنسان أو في الذهن لا في الخارج كبحر زئبق وسواء كان اللفظ مفردا أو مركبا وهذا مختار الإمام الرازي ووجهه أما في المفرد فلاختلاف اللفظ لاختلاف الذهني دون الخارجي فإنا إذا رأينا جسما من بعيد وظننا حجرا سميناه به فإذا دنونا منه وعرفنا أنه حيوان لكن ظنناه طائرا سميناه به فإذا ازداد القرب وعرفنا أنه إنسان سميناه به وهذا آية على أن الوضع للذهني وأما في المركب فلأن قام زيد مثلا يدل على حكم المتكلم بأن زيدا قائم وهو أمر ذهني إن طابق كان صدقا وإلا كان كذبا لا على قيام زيد في الخارج وإلا كان صدقا وامتنع كذبه وليس كذلك وأجيب عن الأول بأن اختلاف الاسم لاختلاف المعنى في الذهن لظن أنه في الخارج كذلك لا لمجرد اختلافه في الذهن فالموضوع له ما فيا الخارج والتعبير عنه تابع لإدراك الذهن له حسبما هو كذا وعن الثاني بأنا لا نسلم أنه لو كان موضوعا للخارجي لامتنع الكذب وإنما يلزم لو كانت إفادته للخارجي قطعية وهو ممنوع لجواز أن تكون ظنية كالغيم الرطب للمطر فيتخلف المدلول مع وجود اللفظ فيكون كذبا ثم يلزم هذا القول أن لا تكون دلالة اللفظ على الموجودات في الخارج مطابقة ولا تضمنا وأن لا يكون استعماله فيها حقيقة
( وقيل )
المعنى الموضوع له اللفظ هو
( الخارجي )
وممن عزى إليه هذا أبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع والظاهر أن هذا فيما لمعناه وجود ذهني وخارجي لا ذهني فقط ثم قد تضمن رد وجه ما قبله وجهه
( وقيل )
المعنى الموضوع له اللفظ هو
( الأعم )
من الذهني والخارجي ونص الأصفهاني على أنه الحق في المفرد فالإنسان مثلا موضوع للحيوان الناطق أعم من أن يكون موجودا في الذهن أو في الخارج والوجود عينا أو ذهنا خارج عن مفهومه زائد على الماهية كما أن كونه واحدا أو كثيرا زائد عليه وما تقدم من إطلاق الحجر والطائر والإنسان على الجسم الواحد المرئي من بعيد ثم قريب إنما هو باعتبار اعتقاد أنه في نفس الأمر كذلك لا باعتبار أنه موجود فيا لذهن أو في الخارج قال وأما المركب الخبري فإنما يفيد حكم المتكلم بأن النسبة بين الطرفين إيجابية أو سلبية واقعة في نفس الأمر وبهذا الاعتبار يحتمل
100
100
التصديق والتكذيب وأما الإنشائية فموضوعة لإنشاء مدلولها وإثباته وليس لها خارج حتى يفيد إظهاره وأما سائر المركبات فحكمه حكم المفردات
( ونحن )
نقول اللفظ موضوع
( في الأشخاص للخارجي )
أي في الأعلام الشخصية للمعنى الخارجي وهو المسمى المتشخص في الخارج كما يبعد أن يذهب أحد إلى خلافه وقوله
( ووجوب استحضار الصورة للوضع لا ينفيه )
جواب عن دخل مقدر هو أن الوضع للشيء فرع تصوره فلابد من استحضار صورته في الذهن عند إرادة الوضع فحينئذ ما وضع اللفظ له هو الصورة الذهنية لا العينية وتوضيح الجواب أن هذا الاستحضار ليس مقصودا لذاته بل ليتوصل به إلى معرفة الموضوع له الذي هو المعنى الخارجي وظاهر أن هذا لا ينافي كون الوضع له وكيف ينافيه وهو طريق إليه
( ونفيناه )
أي ونفينا نحن في أوائل بحث المطلق من هذا الكتاب الوضع
( للماهيات الكلية سوى علم الجنس على رأي )
وهو رأي الفارقين بينه وبين اسم الجنس في المعنى بأن علم الجنس كأسامة موضوع للحقيقة المتحدة في الذهن واسم الجنس كأسد موضوع للفرد الشائع في أفراده وسيقول المصنف ثمة إن الفرق بينهما هكذا هو الأوجه
واعلم أن هذا موهم بأن ثم من يقول بأن علم الجنس لم يوضع للحقيقة المتحدة في الذهن ولم أقف عليه بل الظاهر أن لا خلاف في أن علم الجنس موضوع للماهية وإنما الخلاف في اسم الجنس كما سنشير إليه في المطلق وعلى هذا ينبغي حذف على رأي أو زيادة اسم الجنس قبله
( بل )
نقول اللفظ في غير الأعلام الشخصية والجنسية موضوع
( لفرد غير معين فيما أفراده خارجية أو ذهنية )
هذا والذي يظهر أن ما كان واضعه الله تعالى ومسماه مدرك في الذهن محقق في الخارج فهو موضوع لمسماه الخارجي كما يدل عليه ظاهر قوله تعالى ! < وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة > ! الآية فإن العرض في هذا إنما يكون لما له وجود في نفس الأمر وقد تقرر أن مسميات الأسماء التي وضعها الله تعالى لها وعلمها آدم هي المعروضات وما الظاهر أن الله تعالى وضعه لمعنى مدرك في الذهن غير موجود في الخارج فهو موضوع لذلك في الذهن وما كان واضعه غيره تعالى فمنه ما هو موضوع للشخص الخارجي كالعلم الشخصي ومنه ما هو موضوع للماهية الكلية الذهنية كالعلم الجنسي ومنه ما هو موضوع لفرد غير معين أي شائع في جنسه وهو اسم الجنس النكرة كما ذكره المصنف والله سبحانه أعلم
المقام السادس
في بيان طرق معرفة اللغات أعني معرفة كون اللفظ الفلاني موضوعا للمعنى الفلاني وقد أشار إليه بقوله
( وطريق معرفتها )
تنحصر في أمور ثلاثة أحدها
( التواتر كالسماء والأرض والحر والبرد )
لمعانيها المعروفة
( وأكثر ألفاظ القرآن )
لمعانيها
( منه )
أي مما ثبت لها بالتواتر كما ذكره في المحصول وغيره وكذا أكثر ألفاظ الأحاديث النبوية كما ذكره الأصفهاني وغيره
( والتشكيك فيه )
أي هذا النوع بأن أكثر الألفاظ دورانا على الألسن لفظ الله
101
101
وقد وقع الخلاف فيه أسرياني هو أم عربي وعلى أنه عربي أموضوع هو ابتداء من غير اشتقاق أو مشتق وعلى الأول أللذات من حيث هو أو لبعض المعاني أو للمفهوم الكلي أو الجزئي وعلى الثاني هل هو من أله أو من وله أو من غيرهما فما الظن بغيره من الألفاظ وبأن الرواة أخذوا ذلك من تتبع كلام البلغاء والغلط عليهم جائز وبأنهم معدودون كالخليل والأصمعي لم يبلغوا عدد التواتر فلا يحصل القطع بقولهم
( سفسطة في مقطوع )
به أي مكابرة لما علم قطعا بإخبار من يمنع العقل تواطؤهم على الكذب أنه موضوع لما استعمل فيه فلا يستحق قائله الجواب لأنه كإنكار البديهيات
( والآحاد )
أي وثانيها أخبار الآحاد
( كالقر )
أي كإخبارهم بأن القر بضم القاف وتشديد الراء اسم للبرد والتكأكؤ اسم للاجتماع والإفرنقاع اسم للافتراق إلى غير ذلك مما لا يكون كثير الدوران في الكلام وهذا لا يضره أيضا لتشكيك بشيء مما تقدم لأنه يكفي فيه الظن وهو غير قادح فيه
( واستنباط العقل من النقل )
أي وثالثها ان يستنبط العقل من مقدمتين نقليتين حكما لغويا
( كنقل أن الجمع المحلي
بأداة التعريف للجنس
( يدخله الاستثناء )
المتصل لأي فرد أو أفراد تراد
( وأنه )
أي الاستثناء المتصل المذكور
( إخراج بعض ما يشمله اللفظ )
فيعلم من هاتين المقدمتين المنقولتين أن الجمع المحلى يجوز أن يخرج منه أي فرد أو أفراد تراد
( فيحكم )
العقل
( بعمومه )
أي الجمع المذكور بضميمة حكمه بأنه لو لم يكن عاما متناولا لجميع الأفراد لم يجز فيه ذلك
والملخص أن العقل يدرك من الثانية أن كل ما يدخله الاستثناء فهو عام فتضم هذه النقلية إلى الأولى فينتج أن الجمع المحلى باللام عام ومن هنا قال الفاضل العبري لو بدلت الثانية بهذه وجعلت الثانية دليلا عليها لكان أظهر في المطلوب ثم الآمدي وابن الحاجب لم يفردا هذا بالذكر لأنه كما أشار إليه القاضي عضد الدين وأوضحه المحشون لا يخرج عن الأولين إذ لا يراد بالنقل ما يكون مستقلا بالدلالة على الوضع من غير مدخل للعقل فيه لاستحالة ذلك إذ صدق المخبر لابد منه في حصول العلم بالنقل وإنه عقلي لا يعرف بالنقل لاستلزامه الدور أو التسلسل وقد اتفقوا على أن الاستعانة بالعقل لا يشترط أن تكون بمقدمة من القياس بل المراد أن يكون للنقل فيه مدخل وهذا كذلك وكأن المصنف إنما أفرده كالبيضاوي لامتيازه عنهما بأن ما يثبت به لا يثبت ابتداء بمنطوق العبارة بل يثبت لازما لها بخلافهما ثم حيث كان في الحقيقة مندرجا فيهما فقد يكون قطعيا وقد يكون ظنيا فتنبه لذلك
( أما )
العقل
( الصرف )
بكسر الصاد أي الخالص
( فبمعزل )
بفتح الميم وكسر الزاي أي بمكان بعيد عن أن يستقل بمعرفة اللغات لأنها أمور وضعية ممكنة والعقل إذا لاحظ الممكن من حيث هو كذلك مع قطع النظر عن غيره تردد في وجوده وعدمه لاستوائهما بالقياس إلى ذاته فلابد من انضمام أمر آخر إليه ليجزم بأحد طرفيه ولا يتصور فيما نحن بصدده إلا النقل على أسلوب ما تقدم فكان الطريق فيه ذلك ثم نبه على ما هو المراد بنقلها بقوله
( وليس المراد )
من نقلها
( نقل
102
102
قول الواضع كذا لكذا )
أي اللفظ الفلاني موضوع للمعنى الفلاني
( بل )
المراد من نقلها
( توارث فهم كذا )
أي المعنى الفلاني
( من كذا )
أي اللفظ الفلاني فإن ذلك علامة واضحة على أن العلاقة بينهما وضع ذلك اللفظ لذلك المعنى لبعد توارت ذلك مع انتفاء الوضع
( فإن زاد )
الطريق النقلي المعرف لها على هذا المقدار بنحو اللفظ الفلاني موضوع للمعنى الفلاني
( فذاك )
أي فيها ونعمت لما فيه من زيادة الوضوح بالنص الصريح عليه وإلا فلا ضير
المقام السابع
في أن القياس هل يجري في اللغة بمعنى أنه يكون طريقا مثبتا لها وقد أشار المصنف إليه مفسرا لما هو محل الخلاف ومبينا لما هو المختار فقال
( واختلف في القياس أي إذا سمي مسمى باسم فيه )
أي في ذلك المسمى
( معنى يخال اعتباره في التسمية )
اي يظن كون ذلك المعنى سببا لتسمية ذلك المسمى بذلك الاسم
( للدوران )
أي لأجل دوران التسمية بذلك الاسم مع ذلك المعنى وجودا وعدما فيرى أنه ملزوم التسمية وأنها لازمة له فأينما وجد توجد
( ويوجد )
اي والحال أنه يوجد ذلك المعنى
( في غيره )
أي غير ذلك المسمى أيضا
( فهل يتعدى الاسم إليه )
أي إلى ذلك الغير
( فيطلق )
ذلك الاسم
( عليه )
أي على ذلك الغير
( حقيقة كالمسمى نقلا )
أي كما أطلق الاسم على ذلك المسمى الذي ثبت إطلاقه عليه نقلا لا تعدية أو لا يتعدى الاسم إليه بل يخص حقيقة ذلك المسمى وإنما يطلق إذا أطلق على غيره مجازا
( كالخمر )
فإنها اسم للنيء من ماء العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد فهل يطلق حقيقة
( على النبيذ )
من الأنبذة المسكرة كما يطلق على النىء من ماء العنب المذكور إلحاقا له به في الاسم المذكور
( للمخامرة )
أي للمعنى الذي هو التخمير للعقل وهو تغطيته المشترك بينهما الذي دارت التسمية للمسمى معه وجودا وعدما فإن التخمير للعقل ما لم يوجد في ماء العنب لا يسمى خمرا بل يسمى عصيرا وخلا وإذا وجد فيه سمي بها
( أو يخص )
هذا الاسم الذي هو الخمر
( بمخامر هو ماء العنب )
المذكور فلا يطلق حقيقة على النبيذ لانتفاء تلك الذات
( والسارق )
اي ومثل السارق فإنه اسم للآخذ مال الحي خفية من حرز لا شبهة له فيه فهل يطلق حقيقة
( على النباش )
وهو من يأخذ كفن الميت خفية من القبر بعد دفنه كما يطلق على الآخذ المذكور إلحاقا له به في الاسم المذكور
( للأخذ خفية )
أي لهذا المعنى المشترك بينهما الذي دارت التسمية للمسمى معه وجودا وعدما فإن الأخذ لمال الحي مجاهرة لا يسمى سارقا بل يسمى مكابرا أو غاصبا وإذا وجد المعنى المذكور يسمى سارقا أو لا يطلق حقيقة على النباش لانتفاء تلك الذات
( والزاني )
اي ومثل الزاني فإنه اسم للمولج آلته في قبل آدمية حية محرمة عليه بلا شبهة فهل يطلق
( على اللائط )
إلحاقا له به في الاسم المذكور للإيلاج المحرم الذي هو المعنى المشترك بينهما الذي دارت التسمية للمسمى معه وجودا وعدما أولا يطلق حقيقة على اللائط لانتفاء تلك الذات فالمشهور أن في هذه المسألة قولين أحدهما أن القياس يجري في ذلك وهو مختار ابن سريج وابن أبي هريرة وأبي
103
103
إسحاق الشيرازي والإمام الرازي ونقل ابن جني أنه قول أكثر علماء العربية
ثانيهما
المنع وهو قول أكثر الشافعية منهم إمام الحرمين والغزالي والآمدي وعامة الحنفية وإليه أشار بقوله
( والمختار نفيه )
أي كون القياس طريقا مثبتا للغة
( قالوا )
أي المثبتون الحجة
( الدوران )
أي دار الاسم مع المعنى وجودا وعدما كما بينا فدل على اعتباره لأن الدوران يفيد ظن العلية
( قلنا )
في جوابهم
( إفادته )
أي الدوران ذلك
( ممنوعة )
فإن في كونه طريقا صحيحا لإثبات المطلوب خلافا يأتي في مسالك العلة والحنفية على منعه فهذا المنع على طريقتهم ومن اقتفاها
( وبعد التسليم )
لصحته طريقا مثبتا للمطلوب كما هو طريقه غيرهم وتنزلا منهم
( إن أردتم )
بقولكم دار الاسم مع المعنى وجودا وعدما أنه دار معه
( مطلقا )
أي في كل محل بأن ثبت عن العرب أن الاسم لما فيه ذلك المعنى كائنا ما كان
( فغير المفروض )
محلا للنزاع لأن المفروض محلا له أن الاسم إذا كان موضوعا لمسمى ثم رأينا فيه معنى يناسب أن يكون سبب تسميته بذلك الاسم ووجدنا ذلك المعنى في مسمى غيره فهل يعدي ذلك الاسم إلى الغير أيضا حكما على اللغة أم لا وهذا الذي ذكرتم ليس كذلك
( لأن ما يوجد فيه )
ذلك المعنى من المسميات
( حينئذ )
أي حين يكون ثابتا عنهم كون الاسم موضوعا لما فيه ذلك المعنى يكون
( من أفراد المسمى )
بذلك الاسم أفاد الاستقراء لكلامهم أو النقل عنهم أن الاسم لمشترك معنوي ينطبق عليها وهو ما فيه ذلك المعنى كما في تسمية زيد في ضرب زيد فاعلا لكون تتبع كلام العرب أفاد أن كل ما أسند الفعل أو شبهه إليه وقدم عليه على جهة قيامه به يسمى فاعلا وتسميته ضاربا لنقلهم أن اسم الفاعل اسم لذات قام بها الفعل وهذا لا نزاع في صحة إطلاقه على ما وجد فيه ذلك المعنى وإن لم يسمع إطلاقه على ذلك الفرد بعينه لأن هذا وضع وتوقيف منهم على ذلك لا أن بعض أفراده مسكوت عن تسميته فيقاس على غيره منها في ذلك ثم كما أنه لا يسمع دعوى قياس بعض أفراد مسمى في حكم تناولها بطريق العموم على بعض في ذلك لا يسوغ سماع دعوى قياس تسمية بعض أفراد مسمى باسم موضوع للمعنى الشائع فيها على بعض في التسمية بذلك الاسم بجامع أن ليس أحدها بأولى من الآخر في ذلك في الفصلين مع انتفاء شرط القياس وهو أن يكون المقيس غير منصوص عليه فإن كلا من هذين الأمرين في هذين الفصلين ثابت بعين اللفظ
( أو في الأصل فقط )
أي أو أردتم بقولكم دار الاسم مع المعنى وجودا وعدما في المقيس عليه كالأخمر في النئ من ماء العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد لا في غيره من المحال سلمنا كون الأمر فيه كذلك كما قدمناه ثم ( منعنا كونه )
أي الدوران في الأصل
( طريقا )
مثبتا لتسمية الشيء باسم لمسمى فيه معنى يناسب تسميته به وقد وجد ذلك المعنى في ذلك الشيء
( هنا )
أي في هذه المسالة لجواز أن يكون الاسم موضوعا للمجموع من ذلك المعنى وتلك الذات فيكون الخمر موضوعا لمجموع النئ من ماء العنب المخامر للعقل فيكون المعنى حينئذ جزء العلة
104
104
المركبة منه ومن عين المحل لا علة مستقلة فلا يستلزم وجود المعنى فقط وجود الاسم
ثم لما كان من أدلة المثبتين القياس ثبت شرعا فيثبت لغة لأن المعنى الموجب للثبوت فيهما واحد وهو الاشتراك في معنى يظن اعتباره بالدوران أشار إليه وإلى دفعه بقوله
( وكونه )
أي القياس
( كذلك )
أي طريقا صحيحا
( في الشرعيات )
العمليات
( للحكم الشرعي )
أي لتعديته فيها من محل إلى محل
( لا يستلزمه )
أي كونه طريقا صحيحا
( في الاسم )
أي في تعدية الاسم لمسمى لغة إلى آخر لم يعلم تسميته به لغة أيضا
( لأنه )
أي قياس ما لم ينص عليه من الشرعيات العمليات على ما نص عليه منها لإثبات الحكم المنصوص فيما لم ينص عليه لمشاركته إياه في المعنى المصحح لتعديته إليه كما يعرف في محله إن شاء الله أمر
سمعي تعبد به )
أي تعبدنا الشارع به في ذلك بشروط ( لا )
أنه أمر
( عقلي )
يستوي فيه الممكنات من الشرعيات واللغويات وغيرهما فلا يكون دليلا إلا في الشرعيات العمليات خاصة وأيضا إنما كان القياس حجة فيها بالإجماع إذ خلاف الظاهرية غير قادح ولا إجماع هنا وبهذا ظهر أن ليس المعنى الموجب للقياس في الشرعي واللغوي واحدا
( ثم )
إن قيل مجرد تجويز كون الاسم موضوعا للمجموع من الوصف والذات لا يقتضي ترجح كونه كذلك حتى يمنع صحة كون الوصف علة بمفرده فيمنع من إطلاق الاسم على ما فيه ذلك فيقال
تجويز كون خصوصية المسمى معتبرة )
في تسمية المسمى بذلك الاسم
( ثابت بل ظاهر )
أي مظنون
( بثبوت منعهم طرد الأدهم والأبلق والقارورة والأجدل والأخيل وما لا يحصى )
من أسماء مسميات فيها معنى يناسب تسميتها بها فيما يوجد فيه ذلك المعنى من غيرها حتى أنهم لا يطلقون الأدهم الذي هو اسم للفرس الأسود على غيره مما هو أسود ولا الأبلق الذي هو اسم للفرس المخطط بالبياض والسواد على غيره مما هو مخطط لهم ولا القارورة التي هي اسم لمقر المائعات من الزجاج على ما هو مقر لها من غيره ولا الأجدل الذي هو اسم للصقر لقوته على غيره مما له هذا الوصف ولا الأخيل الذي هو اسم لطائر به خيلان على غيره مما به ذلك ولا السماك الذي هو اسم لكل من كوكبين مخصوصين مرتفعين على ما له السموك من غيرهما إلى غير ذلك مما يتعذر على البشر إحصاؤه فإن هذا المنع مما يفيد ظاهرا أن ذوات المسميات التي بها هذه المعاني جزء من علة تسميتها بهذه الأسماء وإلا لم يكن لمنعهم وجه في الظاهر
( فظهر )
من هذا
( أن المناط )
لتسمية المسمى باسمه المخيل كونه له باعتبار ما فيه من المعنى
( في مثله )
أي هذا النوع هو
( المجموع )
من الذات والوصف المخصوصين
( فإثباته )
أي اللغة حينئذ
( به )
أي بالقياس إثبات
( بالاحتمال )
المرجوح وفي بعض النسخ بمحتمل بصيغة المصدر الميمي ولا شك في أن إثبات اللغة بالاحتمال المرجوح غير جائز اتفاقا لأنه حكم بالوضع بمجرد الاحتمال ثم يقع القياس ضائعا وكان الأولى ذكر هذه الجملة عقب قوله منعنا كونه طريقا هنا لأنها جواب عن إيراد مقدر على سند مقدر لهذا المنع كما رأيت فتأمله
105
105
ثم قيل هذا الاختلاف في نفس الألفاظ وإطلاقها على مسميات أخر لا في أحكامها فإنها تثبت بالقياس بلا خلاف وقيل في الحقيقة لا المجاز والظاهر كما قال الأصفهاني أنه في الألفاظ وأحكامها والحقيقة والمجاز ثم ثمرة الخلاف تظهر في الحدود في الجنايات المذكورة فالقائل بالقياس يجوز التسمية ويثبت حد الخمر والسرقة والزنى في شارب النبيذ والنباش واللائط بالنصوص الواردة فيها وتناولها لما يلحق بها ومن لا يقول بالقياس لا يجوز التسمية ولا يثبت الحدود المذكورة فيها لعدم تناول النصوص إياها ذكره الشيخ سراج الدين الهندي في شرح البديع وعند العبد الضعيف في الشق الثاني نظر فإن الشافعية النافين للقياس فيها مصرحون بثبوت الحدود في هذه الجنايات المذكورة ووجهوه بما لا يخلو من نظر كما يعرف في موضعه
المقام الثامن
في أقسام للفظ وهي ضربان ما يخرجه القسمة الأولى له وما يخرجه غيرها ولما كان تقديم الضرب الأول أولى أشار إليه مبينا للحيثية المقتضية له فقال
( واللفظ إن وضع لغيره )
أي لغير نفسه بأن وضع لمعنى
( فمستعمل وإن )
فرض أنه
( لم يستعمل )
قط في ذلك المعنى ليكون حقيقة أو في معنى غيره فيكون مجازا
( وإلا )
أي وإن لم يوضع لغيره بل وضع لنفسه
( فمهمل وإن )
فرض أنه
( استعمل )
استعمالا ما
( كديز ثلاثة )
برفع كليهما على الابتدائية والخبرية فإن ديزا لفظ مهمل لعدم وضعه لمعنى وقد استعمل محكوما عليه بأنه ثلاثة أحرف في هذا الاستعمال
( وبالمهمل )
أي وباستعمال المهمل في نفسه
( ظهر وضع كل لفظ لنفسه )
وضعا علميا كما صرحوا به
( كوضعها لغيره )
أي كما ظهر وضع بعض الألفاظ لغير نفسه مع ذلك بالاستعمال الفاشي له في غير نفسه فأعاد الضمير إلى بعضها المفهوم مما تقدم بمعونة السياق وأنث الضمير الراجع إليه بناء على اكتسابه التأنيث من المضاف إليه ولا يقال لم لا يجوز أن يكون استعمال اللفظ في نفسه مجازا وفي غيره حقيقة فلا يلزم أن يكون كل لفظ وضع لنفسه كما وضع بعضها لغيره
( لأن الجاز يستلزم وضعا للمغاير )
أي لأنا نقول المجاز غير ممكن لأنه يستلزم وضعا للشيء المغاير له لما تقرر من أن المجاز يقتضي سابقة الوضع لغير المتجوز فيه لأنه استعمال اللفظ في غير ما وضع له
( وهو )
أي الوضع للمغاير
( منتف في المهمل )
إذ الفرض أنه لم يوضع لغير نفسه
( ولعدم العلاقة )
بين ما اللفظ باعتباره حقيقة وما اللفظ باعتباره مجاز في المستعمل وأما في المهمل فبطريق أولى لأنه لم يوضع لغيره أصلا فالأول خاص بالمهمل والثاني بالنسبة إلى المستعمل ولا تحقق للمجاز بدون تحقق علاقة صحيحة بينه وبين الحقيقة قال المصنف رحمه الله فصار استعماله في نفسه لا يجوز مجازا سواء كان موضوعا لغيره أو لا لعدم العلاقة المعتبرة فإنما يجوز كل منهما حقيقة اه
قال العبد الضعيف غفر الله تعالى له وعليه ان يقال لم لا يجوز أن يكون استعمال
106
106
اللفظ الموضوع لغيره في نفسه مجازا لوجود سابقة الوضع للمغاير والعلاقة المصححة لذلك وهي الاشتراك الصوري بينهما أو المجاورة فإنه لما كان اللفظ موضوعا لمعناه مستعملا فيه مرتسما معه في الخيال حصل بينهما مجاورة صالحة لأن تجعل علاقة كما صرح به الأصفهاني فليتأمل
فإن قيل فعلى هذا يصير اللفظ الموضوع لغيره مشتركا لفظيا لوضعه لغيره ولنفسه فيجب التوقف فيما هو المراد به قبل الحكم عليه مثلا إذا لم توجد قرينة تعين أحدهما كما هو شأن المشترك اللفظي في الاستعمال لكن تبادر المغاير عند ذكره حتى يحكم بأنه المراد منه قبل أن يظهر أنه كذلك بالحكم عليه أو ليس كذلك بالحكم على نفسه كما أشار إليه بقوله
( ويجب كون الدلالة على مغاير قبل المسند )
المفيد ذكره لأحدهما ينفي ذلك فالجواب أولا بمنع صيرورة اللفظ مشتركا اصطلاحا بمجرد هذا وثانيا سلمنا أنه مشترك وما ذكرتم من التبادر لا ينفيه لأنه لم ينشأ من عدم وضعه لنفسه بل مما قال
( لعدم الشهرة وشهرة مقابله )
أي عدم وشهرة الوضع في الوضع لنفسه وشهر الوضع في مقابل الوضع لنفسه وهو الوضع لغيره بل قد أنكر الوضع لنفسه كما سيأتي وجاز أن يشتهر اللفظ الذي له وضعان في أحد مفهوميه فيتبادر عند إطلاقه
( ولما كان )
وضع اللفظ لنفسه
( غير قصدي )
أي غير مقصود بالذات
( لأن الظاهر أنه )
أي وضع اللفظ لنفسه
( ليس إلا تجويز استعماله ليحكم عليه نفسه )
بما يسوغ الحكم به عليه حتى كأن هذا الوضع في المعنى هو قول الواضع جوزت أن تذكر هذه الألفاظ ليحكم على ذواتها بما يصح عليها مهملة كانت أو مستعملة فوضعها لنفسها هو هذا التجويز فقط بخلاف وضعها لغيرها فإن المقصود به إفادة الأحكام الكائنة لها في مواقع الاستعمال كما سيأتي بيانه قريبا
( لم يوضع )
للفظ كائنا ما كان
( الألقاب الاصطلاحية )
أي المنسوبة إلى اصطلاح الأصوليين
( باعتباره )
أي هذا الوضع لانتفاء مقتضياتها الاصطلاحية حينئذ
( فلم يكن كل موضوع للمغاير مشتركا )
مع أنه لابد له من وضعين لنفسه ولغيره
( ولم يسم باعتباره )
أي هذا الوضع
( علما ولا اسم جنس ولا دالا بالمطابقة )
ولا بالتضمن ولا بالالتزام لكن يطرق عموم هذا المنع المنع بالنسبة إلى الموضوع لغيره إذا استعمل لنفسه فإنه وقع التصريح بمجازيته كما ذكره الأصفهاني وتقدمت الإشارة إليه وأطلق بعضهم عليه العلم كما ستسمعه على الأثر من هذا
ثم اعلم أنه لما تصدى المحقق التفتازاني في حاشية الكشاف لتحقيق معاني الأفعال على وجه أفاد التصريح بانقسام الوضع إلى لغيره ولنفسه ثم تعقبه المحقق الشريف في حاشيته على الكشاف أيضا بأن دلالة الألفاظ على أنفسها ليست مستندة إلى وضع أصلا لوجودها في الألفاظ المهملة بلا تفاوت وجعلها محكوما عليها لا يقتضي كونها أسماء لأن الكلمات بأسرها متساوية الأقدام في جواز الإخبار عن لفظها بل هو جار في المهملات
107
107
كقولك جسق مركب من حروف ثلاثة ودعوى كونها موضوعة بإزاء نفسها وضعا قصديا أو غير قصدي مكابرة في قواعد اللغة على أن إثبات وضع غير قصدي لا يساعده نقل ولا عقل وما وقع في عبارة بعضهم من أن ضرب ومن وأخواتهما أسماء لألفاظها الدالة على معانيها وأعلام لها فكلام تقريبي قالوا ذلك لقيامها مقام الأسماء الأعلام في تحصيل المرام والتحقيق أنه إذا أريد إجراء حكم على لفظ مخصوص فإن تلفظ به نفسه لم يحتج هناك إلى وضع ولا إلى دال على المحكوم عليه للاستغناء بتلفظه وحضوره بذلك في ذهن السامع عما يدل عليه ويحضره فيه فالألفاظ كلها متشاركة في صحة الحكم عليها عند التلفظ بها أنفسها وإنما يحتاج إلى ذلك إذا لم يكن المحكوم عليه لفظا أو كان ولم يتلفظ به فينصب هناك ما يدل عليه ليتوجه الحكم إليه اه
وكان كشف الغطاء عن المراد بوضعه لنفسه كما أفاده المصنف وأوضحناه رافعا للخلاف في المعنى أشار أولا إلى التعقب المذكور مع زيادة في توجيهه ثم ثانيا إلى الخروج عن عهدته فقال
( والاعتراض بأنه )
أي وضع اللفظ لنفسه
( مكابرة للعقل بل ولا وضع )
للفظ لنفسه
( لاستدعائه )
أي الوضع
( التعدد )
ضرورة استلزامه موضوعا وموضوعا له ولا تعدد على تقدير وضع اللفظ لنفسه بل كيف يتصور أن يكون اللفظ نفسه مدلوله والدال لابد أن يكون غير المدلول
( ولأنه
أي الوضع
( للحاجة )
إلى إفادة المعاني القائمة بالنفس وغيرها
( وهي )
أي الحاجة المذكورة إنما تحصل
( في المغاير )
أي اللفظ الموضوع لغيره لا لنفسه
( مبني على ظاهر اللفظ )
أي على ما يظهر من إطلاق لفظ الوضع اصطلاحا كما يعطيه قوة كلام المعترض
( وما قلنا )
من أن المراد بوضعه لنفسه إنما هو الإذن في الإخبار عن ذاته
( مخلص منه )
أي من هذا الاعتراض إذ هذا المراد لا ينفيه عقل ولا نقل ولا المعترض أيضا كما رأيت وأجيب عن استدعائه التعدد بأن تغاير الاعتبار كاف في كون الشيء دالا ومدلولا ويجاب عن انحصار الحاجة في المغايرة بالمنع ثم قصارى المعترض أنه يمنع تسمية هذا المراد بالوضع نظرا إلى ما هو المتبادر منه عند إطلاقه ومثله مشاحة لفظية يدفعها أنه لا مناقشة في مثله من الأمور الاصطلاحية والله سبحانه وتعالى أعلم فهذا ما يتعلق بالقسمة الأولى للفظ ولنشرع من هنا في بيان الأقسام اللاحقة للفظ المستعمل من حيثيات مختلفة فنقول
( والمستعمل )
من حيث الإفراد والتركيب
( مفرد ومركب )
لما يعلم من تعريفهما ثم تعريفهما لغة هو المقصود بالذات وأنت إذا تأملته رأيت على اعتباره تقديم المفرد أولى فلا جرم أن قال ( فالمفرد ما له دلالة )
على معنى
( لاستقلاله بوضع )
أي لاستبداد ما له دلالة على معنى وهو اللفظ بوضعه لذلك المعنى
( ولا جزء منه )
أي مما له هذه الدلالة كائن
( له )
أي للجزء المذكور دلالة
( مثلها )
أي الدلالة المذكورة بأن يدل بالاستقلال على معنى لوضع ذلك الجزء لذلك المعنى
( والمركب ما له ذلك ولجزئه )
أي ما له دلالة بالاستقلال على معنى بالوضع له ولجزئه أيضا دلالة
108
108
بالاستقلال على معنى بالوضع له ثم لا يشترط في دلالة الجزء على المعنى أن تكون ثابتة له على الدوام بل يكفي ثبوتها له في أصل الوضع
( ولم نشرط كونه على جزء المسمى )
اي ولم نشرط في المفرد بدل ولا جزء منه له مثلها قولنا ولا جزء منه يدل على جزء المسمى ولا في المركب بدل ولجزئه مثلها قولنا ولجزئه دلالة وضعية على جزء المسمى كما شرطه المنطقيون لاختلاف الاصطلاحين
( فدخل نحو عبد الله )
حال كونه
( علما في المركب )
لكونه دالا على معناه العلمي بوضع مستقل ودلالة كل من جزايه اللذين هما عبد والاسم الشريف على معنى بوضع مستقل وإن لم تكن هذه الدلالة مرادة لهما في هذه الحالة وكما دخل في المركب المركب الإضافي علما دخل فيه سائر المركبات من المزجي والتوصيفي والعددي والإسنادي أعلاما ولعله إنما قال نحو عبد الله إشارة إلى هذه وقال علما لأنه إذا لم يكن علما كان مركبا اتفاقا
( وخرج )
أي ولم يدخل في المركب
( يضرب وأخواته )
بل هي داخلة في المفرد
قال المصنف رحمه الله قوله وأخواته يشمل المبدوء بالهمزة والنون والياء والمذاهب فيه ثلاثة المذكور هنا وهو الحق أن الكل مفرد ومقابله كون الكل مركبا ونسب إلى الحكماء والتفصيل قول ابن سينا إن المبدوء بالياء مفرد وغيره مركب وجه الحكماء أنه يدل جزؤه وهو حرف المضارعة على موضوع معين في غير ذي الياء وغير معين في ذي الياء وجوابه ما سنذكر من منع دلالة الجزء أعني حرف المضارعة بانفراده على شيء بل المجموع دال على المجموع وليس لحرف المضارعة وضع على حدته ولا وجه للتفصيل اه يعني موجبا له ثم إنما لم يدخل المضارع مطلقا
( لأنه )
أي المضارع موضوع
( لمجرد فعل الحال أو الاستقبال )
أولهما على سبيل الاشتراك اللفظي على اختلاف الأقوال فيه
( لموضوع خاص )
يعني لفعل المتكلم وحده إن كان بالهمزة وله مع غيره إن كان بالنون ولفعل المخاطب إن كان بالتاء ولفعل الغائب إن كان بالياء وضعا تضمنيا فليس شيء منها كلمتين بوضعين فهي مفردات
( بخلاف ضربت )
بتثليث التاء فإنه مركب لدلالته على إسناد الفعل إلى المتكلم أو المخاطب أو المخاطبة بوضع مستقل ودلالة جزئه الذي هو الفعل على حدث مقترن بزمان قبل زمان الإخبار بوضع مستقل ودلالة جزئه الذي هو التاء على متكلم أو مخاطب أو مخاطبة مسند إليه بوضع على حدة كما اشار إليه بقوله
( لاستقلال تائه بالإسناد )
وإن لم تكن مستقلة في اللفظ
( بخلاف تاء تضرب )
سواء كانت للمخاطبة أو للغائبة فإنها لسيت بدالة على مسند إليه بوضع على حدة بل ولا على غيره من المعاني على سبيل الاستقلال فيكون مفردا لأنه ليس لجزئه دلالة على معنى بوضع مستقل وسيأتي الرد على جعله مركبا
( وقيد المنطقيون )
في كلا تعريفي المفرد والمركب
( دلالة الجزء بجزء المعنى وقصدها )
فالمفرد عندهم ما ليس للفظه جزء دال على جزء معناه المقصود والمشهور صدقه على أربعة أقسام
109
109
ما لا جزء للفظه كهمزة الاستفهام وما للفظه جزء لكن لا دلالة له على معنى أصلا كزيد وما للفظه جزء دال على معنى لكن المعنى ليس جزء المعنى المقصود من اللفظ حال الإطلاق الخاص له كعبد الله علما فإن كلا من عبد وإن دل على العبودية ومن الاسم الشريف وإن دل على الألوهية ليس جزء المعنى المقصود من جملة اللفظ في هذه الحالة وهو الذات المشخصة وما للفظه جزء دال على جزء المعنى المقصود إلا أن دلالته غير مقصودة كالحيوان الناطق علما على شخص إنساني فإن معناه حينئذ الماهية الإنسانية مع التشخص والماهية الإنسانية مجموع مفهومي الحيوان والناطق فالحيوان مثلا دال على جزء المعنى المقصود لأنه دال على مفهومه ومفهومه جزء الماهية الإنسانية وهي جزء المعنى الذي هو الشخص الإنساني فيكون مفهومه أيضا الشخص الإنساني لأن جزء الجزء جزء لكن دلالة الحيوان على مفهومه ليست مقصودة حال العلمية لأن المراد من اللفظ علما لمعنى العلمي وإنما خص هذين القسمين بالذكر حيث قال
( فعبد الله مفرد والحيوان الناطق لإنسان )
أي اسما لفرد من أفراده مفرد أيضا حال كون كل منهما علما كما ذكرنا وصرح به سالفا في عبد الله فيعلم به تقييدهما به أيضا هنا وإلا كانا مركبين عند الكل لأن هذين مما عسى أن يتوهم كونهما مركبين وفيهما أيضا تظهر ثمرة اختلاف الاصطلاحين بخلاف الأولين والمركب عندهم ما دل جزؤه على جزء معناه المقصود وصدقه على ما عدا ما يصدق عليه المفرد وهو ظاهر
( وإلزامهم )
أي المنطقيين
( بتركيب نحو مخرج )
وضارب وسكران كما ذكره ابن الحاجب
( غير لازم )
لهم لأن المقتضي لهذا الإلزام إما ظن أن هذه الكلمات تدل على معنى وكلا من جوهرها ومن الهيئة الحاصلة من الحركات والسكنات وتقديم بعض الحروف على بعض يدل على جزء ذلك المعنى أو كلا من الحروف الأصلية منها ومن الحروف الزوائد فيها يدل على جزء ذلك المعنى فإن كان المقتضي لهذا هو الأول كما أشار إليه بقوله
( فعلى اعتبار الجزء الهيئة )
أي فأما عدم لزوم هذا الإلزام لهم بناء على اعتبار الملزم الجزء المنسوب إليه الدلالة على جزء المعنى
( لتصريحهم بالمسموع بالاستقلال )
أي لذكرهم بأن مرادهم بالأجزاء الألفاظ المرتبة في السمع المستقلة بذلك أي التي بحيث يسمع بعضها قيل وبعضها بعد وإن نوقشوا في هذه الإرادة من الحد
( ولأن الكلام في تركيب اللفظ )
أي في تركيب لفظ مع لفظ
( ظاهر )
لأن الهيئة مع المادة ليست بألفاظ مرتبة في السمع مستقلة بذلك ولا يتصور الترتيب بينها وبين المادة بل هما مسموعان معا وهي صفة عارضة للفظ وإن كان المقتضي له الثاني كما أشار إليه بقوله
( وعلى اعتباره )
أي وأما عدم لزوم هذا الإلزام لهم بناء على اعتبار الملزم الجزء المنسوب إليه الدلالة على جزء المعنى
( الميم )
في مخرج
( ونحوه )
أي ونحو الميم كالألف في ضارب
( فلمنع دلالته )
أي الجزء بهذا التفسير على جزء المعنى المراد
( بل )
الدال على مجموع المعنى المراد في هذه الألفاظ هو
( المجموع )
من الحروف الأصول والزوائد من
110
110
غير وضع الجزء بإزاء الجزء إلا أن لقائل أن يقول يلزمهم القول بتركيب مخرج ونحوه إذا كان الموجب لقولهم بتركيب أضرب ونحوه ما فيه من الزوائد مع باقي الحروف كما هو أحد الوجهين لهم في تركيب الفعل المضارع لأن الميم في مخرج والألف في ضارب من حيث الدلالة على المعنى الزائد على المصدر ليسا بأقل من كل من حروف المضارعة في دلالتها على معان من المتكلم وغيره عندهم وقد قالوا بتركيب أمثلة المضارع فكذا هذه إذ لا فارق مؤثر بين القبيلين على هذا التقدير كما يمكن أن يقلب هذا بأن يقال يلزمهم القول بإفراد أمثلة المضارع حيث قالوا إن مخرجا وضاربا ونحوهما مفردات لأن الدال على المعنى المراد في هذه مجموعها ولا جزء منها يدل على جزء ذلك المعنى فكذا في أمثلة المضارع المذكورة
( وجعل تضرب )
بالتاء المثناة من فوق للمخاطب أو الغائبة
( مركبا إن كان للإسناد )
أي إن كان هذا الجعل لعلة إسناد معناه
( إلى تائه فخلاف أهل اللغة )
لإجماعهم على أن لا إسناد إلى حرف من حروف المضارعة وكيف لا وكون الشيء مسند إليه من خواص الأسماء وحروف المضارعة حروف مبان فضلا عن أن تكون حروف معان فضلا عن أن تكون أسماء
( أو للمستكن )
أي وإن كان الجعل المذكور لعلة تركبه مع المستتر فيه من أنت للمخاطب وهي للغائبة
( فما ذكرنا )
أي فجوابه ما تقدم قريبا من أن المضارع إنما هو موضوع لفعل الحال أو الاستقبال لموضوع خاص من متكلم أو مخاطب أو غائب لا له مع إسناده إلى الضمير المستتر فيه وليس الكلام إلا فيه مع قطع النظر عن إسناده إلى شيء وهذا هو المراد بقوله
( ولذا لم يركب أضرب ويضرب في زيد يضرب )
ونضرب وإن كان في كل منها ضمير مستكن هو أنا وهو ونحن وإنما قيد يضرب بكونه في زيد يضرب لانتفاء كون يضرب في يضرب زيد مركبا بطريق أولى لخلوه من الضمير المستكن لإسناده إلى الاسم الظاهر
( وجواب مركبه )
أي الفعل المضارع للغائب في هذه الصورة
( منهم )
أي المنطقيين
( ما ذكرنا )
فلم يكن حاجة إلى زيادته
ثم إنما قال منهم لأن ابن سينا منهم لم يقل بتركيبه بل نص الفاضل الأبهري على أنه لم يذهب أحد من المنطقيين إلى أن يضرب للغائب مركب وإن اعترض به بعضهم إلزاما لكن في كلام القاضي عضد الدين إشارة إلى أنه لا فرق في هذا المعنى بين المضارع للغائب وغيره على ما توهمه ابن سينا كما ذكره المحقق التفتازاني وجزم به ومعلوم أن من حفظ حجة على من لم يحفظ لا بالعكس لكن بقي أن يقال إنما يلزم انتفاء كون يضرب وأخواته مركبة عندهم لانتفاء التعليلين المذكورين أن لو كانا أو أحدهما مساويا للمدعى ولا علة له غيرهما وليس كذلك لم لا يجوز أن يكون المضارع عندهم مركبا لكون حروف المضارعة فيه أجزاء مسموعة مرتبة دالة على المعاني المذكورة كما صرحوا به وذكرناه آنفا وكونها عندكم معشر أهل اللغة ليست أجزاء لأنها لم توضع وضعا مستقلا لهذه المعاني بل الصيغ التي هي في أوائلها كل منها بمجموعها وضع بإزاء مجموع المعنى من غير وضع للجزء بإزاء الجزء عندكم وما وقع في
111
111
بعض عبارات أهل العربية من أن الياء للغائب والتاء للمخاطب والهمزة للمتكلم وحده والنون له مع غيره فمحمول على التسامح والتساهل عندكم كما ذكره الأصفهاني في شرح الكافية لا يضرنا في إثبات أنها أجزاء لها دالة على جزء المعنى المقصود منها على اصطلاحنا فإنا لا نشترط في تحقق الجزء سوى كونه مسموعا مرتبا إلا على جزء المعنى المقصود للوضع فيه مدخل وقد وجد هذا في هذه الأحرف ودار معها وجودا وعدما على أن الاستراباذي الشهير بالرضي ذهب في شرح الكافية إلى أن المضارع مركب من كلمتين حروف المضارعة وما بعدها صارتا في شدة الامتزاج ككلمة واحدة ومن ثمة سكن أول أجزائه فأعرب إعرابها قلت ويستفاد من هذا دفع ما قيل الزوائد في المضارع وإن دلت على معنى لكن هذا القدر لا يقتضي التركيب وإنما يقتضيه أن لو كان الباقي منه يدل على الباقي من المعنى وليس كذلك فإنه لا يمكن الابتداء به فأقل ما في الباب أنه لا يكون لفظا دالا على أنه قد أجيب بمنعه فإن المركب يكفي فيه دلالة جزء واحد وأما دلالة الباقي من اللفظ على الباقي من المعنى فمما لا يقتضيه حد المركب قلت وبهذا أيضا يندفع ما قيل تعريف المفرد يقتضي أن يكون إن قام زيد مفردا لأن جزءه وهو القاف من قام وكذا الزاي من زيد لا يدل على جزء معناه فينبغي أن يقيد بالجزء القريب فتنبه له ثم هذا اصطلاح ولا مناقشة فيه باصطلاح غير أهله نعم يلزمهم على هذا القول بتركيب مخرج وضارب ونحوهما ما لم يبدوا مانعا منه والشأن في ذلك والظاهر بعده والله سبحانه أعلم
( وينقسم كل من المفرد والمركب )
إلى ما تقف عليه ولا علينا أن نبدأ ببيان أقسام المركب لقلتها بالنسبة إلى أقسام المفرد
( فالمركب إن أفاد نسبة تامة )
وهي تعلق لأحد جزأيه بالآخر يفيد المخاطب معنى يصح السكوت عليه
( بمجرد ذاته )
أي مع قطع النظر عن لاحق به محصل لهذه الإفادة أو مانع منها
( فجملة )
أي فهو جملة اسمية إن بدئ باسم كزيد قائم وإن زيدا عالم وفعلية إن بدئ بفعل نحو قام محمد ويا عبد الله وإن أكرمتني أكرمتك ويقال لهذه شرطية وأمامك أو في الدار من زيد أمامك أو في الدار وفاقا للبصريين ومن وافقهم في تقديرهم مثله بنحو حصل أو استقر ويقال لهذه ظرفية وخلافا للكوفيين في تقديرهم إياه بنحو حاصل أو مستقر فجعلوه من قبيل المفرد وأغرب ابن السراج بجعله قسما برأسه لا من المفرد ولا من الجملة
( أو ناقصة )
أي وإن أفاد نسبة ناقصة وهي تعلق لأحد جزايه بالآخر غير مفيد ما يصح السكوت عليه بمجرد ذاته
( فالتقييدي )
أي فهو المركب التقييدي لتقييد كل من جزأيه بالآخر والناقص لنقصان نسبته عن نسبة الأول فيشمل سائر المركبات حاشا الإسنادي
( ومفرد أيضا )
أي وهو مفرد أيضا في اصطلاح النحويين لأن المفرد عندهم مقول بالاشتراك اللفظي على هذا كما هو مرادهم به في تقسيم خبر المبتدأ إلى مفرد وجملة وعلى ما أشار إليه استطرادا بقوله
( وكذا في مقابلة المثنى والمجموع )
كما هو ظاهر تقسيم الاسم إليه
112
112
وإليهما وفي مقابلة المثنى والمجموع جمع سلامة لغير المؤنث كما هو مرادهم به في باب الإعراب بالحركات الثلاث
( والمضاف )
أي وعلى ما هو في مقابلة المضاف إلى غيره والمشبه به كما هو مرادهم به في قولهم المنادى المفرد المعرفة يبنى على ما يرفع به
فإن قيل يشكل هذا باسم الفاعل في حد ذاته كقائم فإنه يفيد نسبة ناقصة مع أنه ليس بمركب تقييدي فالجواب ما أشار إليه بقوله
ونحو قائم )
من الصفات في حد ذاته
( لا يرد )
على المركب
( لأنه مفرد )
لصدق تعريف المفرد عليه
( وأيضا )
ليس بمفيد نسبة ناقصة وضعا بل هو وضعا
( إنما يدل على ذت متصفة )
بالمعنى الذي اشتق هو منه
( فتلزم النسبة )
أي نسبته إلى شيء آخر
( عقلا )
ضرورة أن الوصف لابد أن يقوم بموصوف
( لا مدلول اللفظ )
أي لا أن النسبة المشار إليها مقصودة الإفادة من لفظه مدلولا له فلا نسبة وضعية فيه من حيث هو لا تامة ولا ناقصة ثم لو قيل ينبغي أن يكون اسم الفاعل المخبر به عن المبتدأ المسند إلى ضمير يرجع إليه مع الضمير جملة كالفعل إذا كان كذلك لقيل في جوابه
( وحال وقوعه )
أي اسم الفاعل
( خبرا في نحو زيد قائم نسبته إلى الضمير )
المستتر فيه وهو هو الراجع إلى زيد
( ليست تامة بمجرد ذاته )
أي قائم
( بل التامة )
نسبته
( إلى زيد )
فلا ينبغي أن يكون مع ضميره جملة
( ولذا )
أي ولكون نسبة قائم إلى الضمير المستتر فيه ليست بتامة
( عد )
قائم
( معه )
أي مع ضميره
( مفردا )
لا جملة كما هو قول المحققين على ما في شرح التسهيل لمصنفه وعلله ابن الحاجب في أمالي المسائل المتفرقة بوجهين
الأول
أن الجملة هي التي تستقل بالإفادة باعتبار المنسوب والمنسوب إليه واسم الفاعل مع ضميره ليس كذلك بدليل أنه يختلف لفظه باختلاف العوامل وهو حكم المفردات وعبر ابن مالك عن هذا بقوله لتسلط العوامل على أول جزأيه
الثاني
أن وضعه على أن يكون معتمدا على من هو له لأن وضعه على أن يفيد في ذات تقدم ذكرها فيستقل مع المعتمد عليه بالإفادة فاستعماله مبتدأ مستقلا بفاعله خروج عن وضعه اه على أن منهم من يقول بأن الفعل مع مرفوعه عند التحقيق ليس بجملة حال كونه خبرا أيضا قال وإلا يلزم أن يكون في نحو زيد قام أبوه خبران وهو باطل بالضرورة لكن لما كان الفعل مع مرفوعه حال كونه منفردا جملة تامة استصحبوا إطلاق الجملة عليه حال كونه خبرا للمبتدأ تسمية للشيء باسم ما كان عليه والمشتق لما لم يكن مع مرفوعه جملة تامة ضرورة احتياجه إلى ضميمة أخرى لم يجعلوه جملة وهذا هو الذي اعتمده الأصفهاني في وجه الفرق بين كون الفعل مع مرفوعه جملة دون اسم الفاعل مع مرفوعه هذا كله على اصطلاح النحويين
( وعلى المنقطيين )
أي وأما على اصطلاحهم
( في اعتباره )
أي اعتبارهم الضمير
( الرابطة )
الغير الزمانية في القضايا الحملية ليرتبط بها المحمول بالموضوع وهي عبارة عن وقوع النسبة أولا وقوعها سمي بها لدلالته على النسبة الرابطة بينهما تسمية للدال باسم
113
113
المدلول فيكون اسم الفاعل في نحو زيد قائم ليس بجملة
( أظهر )
لانتفاء الإسناد إليه أصلا كما نبه عليه بقوله
( فإسناده )
أي اسم الفاعل على اصطلاحهم
( ليس إلا إلى زيد )
لا إلى هو الرابطة لأنها غير مستقلة لتوقفها على المحكوم عليه وبه لأنها نسبة يرتبطان بها معقولة من حيث إنها حاصلة بينهما آلة لتعرف حالهما فلا يكون معنى مستقلا يصلح أن يكون محكوما عليه أوبه ففائدتها كما قال
( وهو )
أي الضمير في المثال المذكور هو الذي
( يفيد أن معناه )
أي اسم الفاعل محمول
( له )
أي لزيد
( وإلا استقل كل بمفهومه )
أي وإلا لو كان الضمير في مثل هذه القضية غير مفيد هذا استبد كل من الموضوع والمحمول لمفهومه عن الآخر
( فلم يرتبط )
كل منهما بالآخر فينبغي كونهما قضية بل يكونان من قبيل تعداد الألفاظ التي حقها أن ينعق بها والفرض خلافه
( وغاية ما يلزم )
من هذا
( طرده )
أي اعتبار الضمير
( في الجامد )
من الأخبار كما في المشتق منها لعين هذا المعنى
( وقد يلتزم )
طرد اعتبار الضمير في الجامد أيضا
( كالكوفيين )
فإنهم على أن خبر المبتدأ مشتقا كان أو غير مشتق فيه ضمير ويتأولون غير المشتق بالمشتق ليتحمل الضمير فيتأولون زيد أسد بشجاع وأخوك بمواخيك وغيرهما بما يناسبه من المشتقات بل عن الكسائي أن الجامد يتحمل الضمير وإن لم يؤول بمشتق وقد يعزى إلى الكوفيين والرماني أيضا وهو غير المشهور عنهم
ثم في شرح التسهيل لمصنفه وهذا وإن كان مشهورا انتسابه إلى الكسائي دون تقييد فعندي استبعاد إطلاقه إذ هو مجرد عن الدليل والأشبه أن يكون حكم بذلك في جامد عرف لمسماه معنى ملازم لا انفكاك عنه كالإقدام والقوة للأسد والحرارة والحمرة للنار اه فيتحصل أن لتحمل الجامد الضمير نظرين التأويل بالمشتق وهو المشهور عن الكوفيين والبقاء على مدلوله ولمح المعنى الملازم للمسمى وهو الذي ينبغي أن يحمل عليه قول الكسائي وقال الاستراباذي وأما الجامد فإن كان مؤولا بالمشتق نحو هذا القاع عرفج كله أي غليظ تحمل الضمير وإن لم يكن مؤولا به لم يتحمله خلافا للكسائي وكأنه نظر إلى أن معنى زيد أخوك متصف بالأخوة وهذا زيد متصف بالزيدية أو محكوم عليه بكذا وذلك لأن الخبر عرض فيه معنى الإسناد بعد أن لم يكن فلا بد من رابط وهو الذي يقدره أهل المنطق بين المبتدأ والخبر فالجامد كله على هذا متحمل للضمير عند الكسائي لكنه لما لم يشابه الفعل لم يرفع الظاهر كالمشتق ولذا لم يجر على ذلك الضمير تابع لخفائه فإذا لا ضير في التزام ملتزم لهذا الذي عليه الكوفيون بل لما عليه الكسائي
( وإن كان )
التزام طرده عند المنطقيين
( على غير مهيعهم )
أي على خلاف طريق الكوفيين فإن المنطقيين لا يلتزمون تحمل المشتق له فضلا عن الجامد بل إن كان ملفوظا فيها ويسمون القضية حينئذ ثلاثة وإن كان غير ملفوظ لشعور الذهن به قالوا هو محذوف للعلم به وسموا القضية حينئذ ثنائية نعم الشأن في صلاحية الضمير المستكن دليلا على الربط إذ عليه أن يقال الربط أمر خفي فينبغي أن يكون
114
114
دليله ظاهرا والضمير المستتر ليس كذلك وإلى هذا مع إفادة ما عدل إليه أشار بقوله
( ولخفائه والدال ظاهر )
أي والحال أن الدال ينبغي أن يكون ظاهر الدلالة على المدلول
( قيل الرابط )
للخبر بالمبتدأ
( حركة الإعراب )
كما ذكره المحقق التفتازاني في شرح الشمسية فإنها ضمة ظاهرة في آخر الاسم المفرد المعرب ويلحق بها في هذا ما يقوم مقامها من واو وألف لأن الظاهر أن الواضع كما وضع الألفاظ لإفادة المقاصد الباطنة وغيرها وضع الإعراب لإفادة المعاني الطارئة على بعضها بالتركيب توفية لكمال المقصود مع الاختصار لكن كما قال
( ولا يفيد )
كون الدليل على الربط حركة الإعراب في سائر القضايا
( إذ تخفى )
هذه الحركة
( في المبني والمعتل )
مقصورا كان أو منقوصا بل وفي المعرب بها إذا وقف عليه بالسكون
( والأظهر أنه )
أي الرابط بينهما
( فعل النفس )
وهو الحكم النفسي بالخبر على المبتدأ ثوبتا أو نفيا
( ودليله )
أي فعل النفس هذا لأنه أمر مبطن لا يوقف عليه إلا بتوقيف من الرابط
( الضم الخاص )
أي التركيب الخاص الموضوع نوعه لإفادة ذلك الربط لعمومه وأما الحركة
( فعند ظهورها )
لفقد مانع منه
( يتأكد الدال )
لتعدده حينئذ
( وإلا )
أي وإن لم يظهر لمانع
( انفرد )
الضم الخاص بالدلالة على ما بينهما من الربط وبه كفاية
( واعلم أن المقصود من وضع المفردات ليس إلا إفادة المعاني التركيبية )
لأنها الكافلة ببيان المرادات الدنيوية والأخروية التي هي المقصودة بالذات من وضع الألفاظ لا المعاني الإفرادية لها للزوم الدور على هذا التقدير لتوقف فهمها حينئذ على إفادة الألفاظ لها وهي متوقفة على العلم بوضع الألفاظ لها وهو متوقف على فهم المعاني المفردة
فإن قيل فمثل هذا يجيء في إفادتها النسب والمعاني التركيبية أيضا لأن فهمها يتوقف على العلم بوضع الألفاظ لها وهو يتوقف على فهمها أجيب بمنع توقف إفادتها المعاني التركيبية على العلم بكون الألفاظ موضوعة لتلك المعاني المركبة بل العلم بالنسب والتركيبات الجزئية يتوقف على العلم بالوضع وهو يتوقف على العلم بالنسب والتركيبات الكلية فلا يلزم الدور هذا وذهب غير واحد منهم الأصفهاني إلى أن الحق أن وضع الألفاظ المفردة لمعانيها المفردة ليفيد أن المتكلم أرادها منها عند استعمالها ووضع الألفاظ المركبة لمعانيها المركبة ليفيد أن المتكلم أرادها منها عند استعمالها إلا أن المقصود من استعمال المتكلم الألفاظ المفردة لمعانيها المفردة التوصل به إلى إفادة النسب والتركيبات لأنها المتكفلة بجدوى المخاطبات وهو حسن لا محذور فيه
( والجملة خبر إن دل على مطابقة خارج )
أي والمركب الذي هو جملة خبر إن فهم منه نسبة بين طرفية مطابقة للنسبة التي بينهما في نفس الأمر بأن تكونا ثبوتيتين أو سلبيتين
( وأما عدمها )
أي مطابقة النفسية للخارجية بأن كانت إحداهما ثبوتية والأخرى سلبية
( فليس مدلولا ولا محتمل اللفظ إنما يجوز العقل أن مدلوله )
أي اللفظ
( غير واقع )
بأن يكون المتكلم كاذبا وهذا ما ذكره بعض المحققين من أن الخبر من
115
115
حيث اللفظ لا يدل إلا على الصدق وأما الكذب فليس بمدلوله بل هو نقيضه وقولهم يحتمله لا يريدون أن الكذب مدلول لفظ الخبر كالصدق بل المراد أنه من حيث هو لا يمتنع عقلا أن لا يكون مدلوله ثابتا في الخارج لا أن احتمال عدم الثبوت مدلول له لأن دلالة الألفاظ على معانيها وضعية لا عقلية تقتضي استلزام الدليل للمدلول استلزاما عقليا ليستحيل التخلف كما في دلالة الأثر على المؤثر
( وإلا )
أي وإن لم يدل المركب الذي هو الجملة على مطابقة خارج بأن كان لا خارج لنسبته
( فإنشاء ولا حكم فيه )
لأنه من قبيل التصور وفسر الحكم بقوله
( أي إدراك أنها )
أي نسبته
واقعة أو لا )
دفعا لتوهم أن يراد به هنا النسبة فإنه مما يقال بالاشتراك اللفظي عليهما وعليه فيفرع أن يقال
( فليس كل جملة قضية )
لصدق الجملة على الخبر والإنشاء لإفادة كل منهما نسبة تامة بمجرد ذاته وعدم صدق القضية على الإنشاء لأنه لا يصح أن يقال لقائله إنه صادق فيه أو كاذب لعدم الخارج لنسبته وكل قضية جملة
( والكلام يرادفها )
أي الجملة
( عند قوم )
من النحويين منهم الزمخشري كما هو ظاهر المفصل
( وأعم )
منها مطلقا
( عند الأصوليين كاللغويين )
أي كما عندهم لنقل الآمدي في الأحكام عن أكثر الأصوليين والإمام الرازي في المحصول عن جميعهم أن الكلمة المركبة من حرفين فصاعدا كلام قال صاحب البديع فهو إذن ما انتظم من الحروف المسموعة المتواضع عليها الصادرة عن مختار واحد فما انتظم أي تألف والتأليف وإن كان حقيقة في الأجسام لكنه يطلق على المتألف من الحروف تشبيها بها كالجنس والباقي كالفصل فخرج بمن الحروف والمراد حرفان فصاعدا المتألف من حرف واحد وحركته وبالمسموعة المكتوبة والمعقولة وبالمتواضع عليها المهمل وبالصادرة عن مختار المسموعة من الجمادات وبواحد الصادرة عن أكثر من مختار واحد كما لو صدر بعض حروف الكلمة من واحد والبعض من آخر فإنه لا يسمى كلاما قال واختلف في إطلاق لفظ الكلام على كلمات مجتمعة غير منتظمة المعاني كزيد بل في فقيل يسمى كلاما لأن كلا من كلماته وضع لمعنى ويسمى كلاما عندهم فالمجموع أولى وقيل لا يسمى كلاما ذكره سراج الدين الهندي في شرحه قلت والأول هو المتجه وفي الصحاح الكلام اسم جنس يقع على القليل والكثير فهذه النقول تفيد إطلاق الكلام على الكلمة الواحدة عند الفريقين والظاهر أن الجملة لا يقال عليها عندهم وإنما يقال على الكلمتين فصاعدا فإذن الكلام أعم منها مطلقا وهي أخص منه مطلقا لكن يلزم من هذا الذي قاله الأصوليون أن لا يطلق الكلام عندهم على لفظ الأمر الذي على حرف واحد مثل ق و ع إذا لم يكن علما وفيه بعد اللهم إلا أن يقال يطلق عليه الكلام لكن لا مع قصر النظر عليه بل مع ملاحظة كلمة أخرى مقدرة فيه وهو الضمير المستتر فيه ولا بدع في ذلك فكثيرا ما يعطى للمقدر حكم الملفوظ ثم لا يضر في أعميته إطلاق الجملة على مثل هذا أيضا ثم يلزم من قول الفريقين أن الكلام باصطلاح اللغويين أعم منه باصطلاح الأصوليين ولا ضير في
116
116
ذلك وقول البديع وأهل اللغة المركب من كلمتين بالإسناد مراده بهم النحويون كما صرح به شارحوه
نعم إن سلم قول ابن عصفور الكلام في أصل اللغة اسم لما يتكلم به من الجمل سواء كانت مفيدة أو غير مفيدة عكر هذا بالنسبة إلى ما تقدم عن أهل اللغة لأن ظاهره أن الكلام والجملة متساويان لكن لعل ما تقدم أثبت والله سبحانه أعلم
( وأخص )
منها مطلقا وهي أعم منه مطلقا
( عند آخرين )
منهم ابن مالك ومشى عليه الاستراباذي وذكر المحقق التفتازاني أنه الاصطلاح المشهور فقالوا الكلام ما تضمن الإسناد الأصلي وكان مقصودا لذاته والجملة ما تضمن الإسناد الأصلي سواء كان مقصودا لذاته أو لا فالمصدر والصفات المسندة إلى فاعلها ليست كلاما ولا جملة لأن إسنادها ليس أصليا والجملة الواقعة خبرا أو وصفا أو حالا أو شرطا أو صلة أو نحو ذلك جملة وليست بكلام لأن إسنادها ليس مقصودا لذاته وقال ابن هشام والصواب أنها أعم منه إذ شرطه الإفادة بخلافها ولهذا تسمعهم يقولون جملة الشرط جملة الصلة وكل ذلك ليس مفيدا فليس كلاما اه وهذا كما ترى يفيد أن المقتضي لخصوص الكلام اشتراط الإفادة فيه دون الجملة لا اشتراط كون الإسناد مقصود لذاته فيه دونها وهذا موافق لظاهر قول سيبويه على ما يفيده قول ابن مالك وقد صرح سيبويه في مواضع كثيرة من كتابه بما يدل على أن الكلام ما يطلق حقيقة إلا على الجمل المفيدة اه
فيتلخص أن المراد باشتراط الإفادة في الكلام اشتراطها فيما يطلق عليه حالة إطلاقه عليه وان الإفادة لا تشترط في الجملة أصلا ثم على هذا لو قال القائلون بالترادف بينهما إن كليهما لا يقال حقيقة اصطلاحية إلا على ما اشتمل على الإسناد المفيد وقولهم جملة الشرط والصلة ونحوهما لا يلزم منه عدم اشتراط الإفادة فيها لم لا يجوز أن يكون هذا من تسمية الشيء باعتبار ما كان عليه أو باعتبار الصورة ونظيره تسميتم المضارع الداخل عليه لم المقتضية قلبه ماضيا مضارعا بأحد هذين الاعتبارين وحينئذ لا يلزم أن يكون القول بأن الجملة أعم من الكلام اصطلاحا هو الصواب لاحتاجوا إلى الجواب فليتأمل
وقد آن الشروع في بيان انقسامات اللفظ المفرد وإن لم يكن بعض أقسامه خاصا به كما عسى أن ننبه عليه في مواضعه فنقول
( وللمفرد باعتبار ذاته ودلالته ومقايسته لمفرد آخر ومدلوله واستعماله وإطلاقه وتقييده انقسامات )
خمسة بعدة هذه الاعتبارات التي أولها اعتبار الذات وآخرها اعتبار الاستعمال
( في فصول )
خمسة بعدتها أيضا وأما الإطلاق والتقييد فهما من جملة أوصاف بعض أقسام انقسامه بالاعتبار الرابع كما سترى فالوجه إسقاطهما هنا
( الفصل الأول )
في انقسام اللفظ المفرد باعتبار ذاته من حيث إنه مشتق من غيره أولا وجميع ما تضمنه هذا الفصل مما اختص به غير الحنفية وأما هم فاكتفوا بالإشارة إلى ما يهمهم منه فيما يكونون بصدده ثم حيث كان المشتق لا يعلم من حيث هو مشتق إلا بعد
117
117
معرفة الاشتقاق فلا علينا أن نصدر هذا الفصل ببيانه ثم نأتي على ما فيه فنقول الاشتقاق اصطلاحا يقال على أمور
أحدها
على ما حرره العبد الضعيف غفر الله تعالى له وفاقا للبصريين موافقة غير مصدر له في الحروف الأصول مرتبة وفي المعنى مع زيادة فيه على المصدر كضرب وضارب فالمصدر مشتق منه والآخر مشتق فإذا اعتبر من حيث إنه صادر من الواضع احتيج إلى العلم به لا إلى عمله فعرف بحسب العلم فيقال هو أن يوجد بين مصدر وغيره موافقة في الحروف الأصول مرتبة وفي المعنى مع زيادة فيه على المصدر فيعرف ارتداد غير المصدر إلى المصدر وأخذه منه وإذا اعتبر من حيث الاحتياج إلى عمله عرف باعتبار العمل فيقال هو أخذ لفظ من مصدر بحروفه الأصول مرتبة ومعناه مع زيادة فيه عليه
ثانيها
موافقة لفظين في الحروف الأصول غير مرتبة مع موافقة أو مناسبة في المعنى كجذب والجبذ
ثالثها
مناسبة لفظين في الحروف الأصول والمعنى كالثلب والثلم والنعيق والنهيق وتسمى هذه صغيرا وكبيرا واكبر وقد تسمى أصغر وصغيرا وأكبر وقد تسمى أصغر وأوسط وأكبر ولا مشاحة والأول أشهر ثم لما كان المراد بالاشتقاق عند الإطلاق هو الأول وهو حظ الأصولي كما سينبه المصنف عليه قسم اللفظ المفرد باعتباره فقال
( هو مشتق ما وافق مصدرا بحروفه الأصول ومعناه مع زيادة )
فما وافق مصدرا شامل للمطلوب وغيره وبحروفه الأصول ومعناه أي معنى المصدر وهو الحدث الخاص مخرج لما وافق مصدرا بحروفه الأصول لا بمعناه كضرب بمعنى بين بالنسبة إلى الضرب بمعنى السير في الأرض أو بمعناه لا بحروفه كنصر بمعنى أعان بالنسبة إلى الإعانة والمراد موافقته في جميعها مع ترتيبها بأن يشتمل المشتق على مثل جميعها كذلك كما في الأصل لفظا أو تقديرا فلا يشكل عليه نحو خف من الخوف فإن الواو مقدرة وإنما سقطت بعد انقلابها ألفا لعارض التقاء الساكنين وكأنه لم يذكر الترتيب للعلم به بقرينة ومعناه وقيد الحروف بالأصول وهي ما تقابل بالفاء والعين واللام لئلا يخرج عنه نحو الاستباق من السبق فإنه لا وجود للزوائد في السبق فضلا عن الموافقة فيها ونحو دخل من الدخول ومع زيادة يعني في المعنى سواء كان في اللفظ زيادة أم لا كفرح من فرح كما ذكره المصنف هنا حاشية ونبه على وجه الزيادة بقوله
( هي فائدة لاشتقاق )
فهي علة غائية له في المعنى ثم فرع عليه
( فالمقتل )
حال كونه
( مصدرا )
ميميا
( مع مقتل أصلان مزيد )
وهو المقتل
( وغير مزيد )
وهو القتل هذا إذا لم يعتبر في المقتل زيادة تقوية في معناه الثابت للقتل
( وإن اعتبر به )
أي بالمقتل
( زيادة تقوية )
في معناه الثابت للقتل
( فمشتق منه )
أي فالمقتل مشتق من القتل حينئذ لموافقته إياه في حروفه الأصول بترتيبها ومعناه مع زيادة المقتل في المعنى على القتل بالتقوية فيه وفي اللفظ أيضا وهي الميم ويتعين حينئذ أن
118
118
يكون الاشتقاق الواقع من هذه المادة من القتل ثم بقي هنا التنبيه على أمور
أحدها
لم يقل ما وافق أصلا كما قال ابن الحاجب فيصلح أن يكون تعريفا له على راي الكوفيين أن الفعل أصل فيه ورأي البصريين أن المصدر اصل فيه بل قال مصدرا فيكون تعريفا له على رأي البصريين خاصة لأنه الصحيح كما عليه المحققون وقد بين وجهه في موضعه
ثانيها
المراد بالمصدر أعم من المستعمل والمقدر فتدخل الأفعال التي لم يستعمل لها مصادر كنعم وبئس وتبارك والصفات التي لا مصادر لها ولا أفعال كربعة وحزور وقفاخر كما ذكره ابن مالك فتقدر المصادر لها تقديرا والتعقب بأن الظاهر في هذه الألفاظ الأخيرة أنها ليست بمشتقة من مصادر أهملت فيحتاج إلى تقديرها وإنما أجريت مجرى المشتق لو تم لا ينفي الوجود مطلقا
ثالثها
ثم أسماء الفاعل والمفعول مشتقة من الأفعال المشتقة من المصادر على ما ذكره أبو علي في التكملة وعبد القاهر في شرحها والسيرافي لكونها جارية على سننها والجمهور على أنها من المصادر نفسها كما هذا التعريف ماش عليه وما وقع من إطلاق اشتقاقها من الفعل فالمراد به المصدر لأن سيبويه يسمي المصدر فعلا وحدثا كما ذكره الاستراباذي أو على التجوز كما ذكره ابن هشام وغيره تنبيها على الحروف المعتبرة في الاشتقاق فإن بعض المصادر كالقبول يشتمل على حرف لا يعتبر فيه كما ذكره المحقق الشريف وعكس هذا بعضهم فقال لنا أن نشتقها من الفعل لأصالته القريبة ومن المصدر لأصالته البعيدة فإن الإضافة إلى البعيد مع وجود القريب مجاز وإلى القريب حقيقة كما في إضافة الحكم إلى العلة القريبة والبعيدة
رابعها
لا يشترط في الاشتقاق من المصدر أن يكون باعتبار المعنى الحقيقي له بل يجوز أن يكون باعتبار المعنى المجازي له فيشتق من النطق مرادا به الدلالة الناطق ومنه قولهم الحال ناطقة بكذا
خامسها
كما أنه لابد للمشتق من زيادة على المشتق منه في معناه لابد من تغيير لفظه حركة ولو اعتبارا بإبدال أو سكون أو زيادة أو حرفا بحذف أو إبدال أو زيادة أو حركة وحرفا معا وقد بلغه الإمام في المحصول تسعة أقسام وكملها البيضاوي خمسة عشر ولا باس أن نذكرها مع أمثلتها الصحيحة لها إسعافا مقدمين أمامها أن ليس المراد بالحركة واحدة بالشخص بل جنسها واحدة كانت أو أكثر وكذا الحرف والمركب منهما وأن حركة الإعراب وهمزة الوصل لا اعتداد بهما لأن الحركة الإعرابية طارئة على الصيغة بعد تمامها متبدلة عليها بحسب العامل وهمزة الوصل تسقط في الدرج فما زيد فيه حركة لا غير نحو علم من العلم
119
119
وحرف لا غير نحو كاذب من الكذب بكسر الذال وما زيدا معا فيه نحو ضارب من الضرب وما نقص فيه حركة لا غير نحو سفر بسكون الفاء من السفر بفتحها وحرف لا غير نحو صهل بكسر الهاء اسم فاعل من الصهيل وما نقصا معا فيه نحو صب من الصبابة وما زيد ونقص منه حركة نحو حذر بكسر الذال اسم فاعل من الحذر وما زيد ونقص منه حرف نحو صاهل من الصهيل وما زيد فيه حرف ونقص منه حركة نحو أكرم من الكرم وما زيد فيه حركة ونقص منه حرف نحو رجع من الرجعي وما زيد فيه حركة وحرف ونقص منه حركة نحو منصور من النصر وما زيد فيه حركة وحرف ونقص منه حرف نحو مكلم اسم فاعل أو مفعول من التكليم وما نقص منه حركة وحرف وزيد فيه حركة نحو مكلم اسم فاعل أو مفعول من التكليم وما نقص منه حركة وحرف وزيد فيه حركة نحو عد أمر من الوعد وما نقص فيه حركة وحرف وزيد فيه حرف نحو كال بتشديد اللام اسم فاعل من الكلال وما زيد فيه حركة وحرف ونقصا منه نحو مقام من الإقامة ثم لا خفاء في أن من هذه الأقسام ما تحته أقسام فإن الحركة تحتها ثلاثة أنواع فلو اعتبر نقصها وزيادتها منفردين ومجتمعين متنوعات حسب تنوعها لكثرت الأقسام جدا إلا أنهم لم يلحظوا هذا الاعتبار في التقسيم لما يلزمه من الانتشار مع قلة الجدوى
( وجامد خلافه )
أي معناه خلاف معنى المشتق فهو ما ليس بموافق لمصدر بحروفه الأصول ومعناه مع زيادة فيه كرجل وأسد ( والاشتقاق الكبير ليس من حاجة الأصولي )
لأن حاجته إلى الاشتقاق إنما هي من حيث إنه يعرف به أن مبدأ اشتقاق اللفظ المشتق المرتب عليه حكم من الأحكام علة لذلك الحكم وهذه الحاجة مندفعة بمعرفة الاشتقاق المسمى بالأصغر أو الصغير فلا حاجة إلى ذكر الكبير والأكبر أيضا في هذا العلم
( والمشتق )
قسمان
( صفة ما دل على ذات مبهمة متصفة بمعين )
أي ما فهم منه ذات غير معينة وصفة معينة كضارب فإنه يفهم منه شيء ما له الضرب أعم من أن يكون إنسانا بل جسما أو غيره حتى لو أمكن تقدير ما هو أعم من الشيئية لم يقدر موصوفه شيء
( فخرج )
بقيد الإبهام في الذات
( اسم الزمان والمكان )
كالمقتل لزمان القتل ومكانه من أن يكون صفة
( لأن المقتل مكان أو زمان فيه القتل )
لا شيء ما فيه القتل فلا إبهام في الذات ومن ثمة لا يصح مكان أو زمان مقتل كما يصح مكان أو زمان مقتول فيه
( قيل تتحقق الفائدة في نحو الضارب جسم فلم يكن جزءا وإلا لم يفد كالإنسان حيوان )
قال المصنف رحمه الله هذا دليل ذكر على لزوم إبهام الذات في المشتق الصفة وهو أن قولنا الضارب جسم مفيد فلو كان الجسم معتبرا جزءا من الضارب لم يفد لاستفادة ذلك من مجرد ضارب كما لم يفد قولنا الإنسان حيوان لاعتبار الحيوان جزءا من مفهوم الإنسان وقد اعترضه المصنف بقوله
( ولقائل منع الفرق والاستدلال بتبادر الجوهر منه )
أي لقائل أن يمنع الفرق بينهما ويستدل بتبادر الجوهر من ضارب فيفهم منه باستقلاله كما يفهم الحيوان من إنسان استقلالا ثم إن لم يفد الإنسان حيوان كذلك الضارب جسم وحينئذ لم يتم الدليل على أن المعتبر في مفهوم الصفة إبهام
120
120
الذات ثم عدل المصنف إلى دليل اقترحه بقوله
( والأوجه صحة الحمل على كل من العين والمعنى )
أي والدليل الأوجه لإبهام الذات في مفهوم الوصف أن الوصف يصح حمله حقيقة على الجسم كزيد مليح وعلى المعنى كالعلم حسن والجهل قبيح فلو أفادت الصورة مادة خاصة بالجوهرية لم يصح حمله على المعنى أو مادة خاصة بالعرضية لم يصح حمله على العين ومعلوم أن ليس لكل وصف جزئي وضع بل الوضع كلي واحد لكل وصف فظهر أن الصفة إنما تعتمد ذاتا أي موصوفا غير معين إنما يتعين في التركيب
( وغير صفة خلافه )
أي معنى الصفة وهو ما لا يدل على ذات مبهمة متصفة بمعين وقد عرفت أن منه أسماء الزمان والمكان
( تتميم )
ثم المشتق قد يطرد كأسماء الفاعلين والصفة المشبهة وأفعل التفضيل وأسماء الزمان والمكان والآلة وقد لا يطرد كالقارورة والدبران والعيوق والسماك والمناط فيهما أن وجود معنى المشتق منه في محل التسمية بالمشتق إن اعتبر من حيث إنه داخل في التسمية وجزء من المسمى حتى كان المراد ذاتا ما باعتبار نسبة لمعنى الأصل إليها فهذا المشتق يطرد في كل ذات كذلك أي لمعنى الأصل معها تلك النسبة اللهم إلا لمانع كما في الفاضل فإنه لا يطلق على الله تعالى لعدم الإذن فيه مع أنه سبحانه ذو الفضل العظيم وإن اعتبر من حيث إنه مصحح للتسمية بالمشتق مرجح لها من بين سائر الأسماء من غير دخول المعنى في التسمية وكونه جزءا من المسمى حتى كان المراد ذاتا مخصوصة فيها المعنى لا من حيث هو في تلك الذات بل باعتبار خصوصها فهذا المشتق لا يطرد في جميع الذوات التي يوجد فيها ذلك لأن مسماه تلك الذات المخصوصة التي لا توجد في غيره وإلى هذا أشار السكاكي حيث قال وإياك والتسوية بين تسمية إنسان له حمرة بأحمر وبين وصفه بأحمر فتزل فإن اعتبار المعنى في التسمية لترجيح الاسم على غيره حال تخصيصه بالمسمى واعتباره في الوصف لصحة إطلاقه عليه فأين أحدهما من الآخر ثم لهذا نفع في باب القياس فكن منه على بصيرة
( مسألة ولا يشتق لذات )
وصف من مصدر
( والمعنى )
الذي للمصدر
( قائم بغيره )
أي غير الموصوف به
( وقول المعتزلة معنى كونه متكلما خلقه
) الكلام اللفظي
( في الجسم )
كاللوح المحفوظ والشجرة التي سمع منها موسى
( وألزموا )
على هذا
( جواز )
إطلاق
( المتحرك والأبيض )
مثلا على الله تعالى لخلقه هذه الأعراض في محالها لكنهم كغيرهم على امتناع إطلاق ذلك عليه تعالى قطعا
( ودفع عنهم )
هذا الإلزام
( بالفرق )
بين مسألة الكلام وما ألزموا به
( بأنه ثبت المتكلم له )
أي إطلاقه عليه صفة له تعالى قطعا
( وامتنع قيامه )
أي الكلام
( به )
لأن الكلام عندهم إنما هو الأصوات والحروف لا المعنى النفسي وهي حادثة فلا تكون قائمة به وإلا لزم أن يكون ذاته محلا للحوادث والله سبحانه متعال عن ذلك علوا كبيرا
( فلزم أن معناه )
أي المتكلم
( في حقه خالقه )
أي الكلام في جسم ولا كذلك المتحرك والأبيض
121
121
ونحوهما فإنه لم يثبت له شيء منها وهذا الدفع مذكور للمحقق التفتازاني في حواشيه على شرح القاضي عضد الدين لمختصر ابن الحاجب
( وليس )
هذا الدفع
( بشيء )
يعتد به فيما نحن بصدده
( لأنه لا تفصيل في الحكم اللغوي )
أي لم يثبت فيه من حيث هو تفصيل
( بين من يمتنع القيام به )
أي قيام معنى الوصف به عقلا وشرعا
( فيجوز )
أن يطلق الوصف عليه
( وهو )
أي ومعناه قائم
( بغيره )
أي غير الموصوف به
( وغيره )
أي وبين من لا يمتنع قيام الوصف به
( فلا )
يجوز إطلاق الوصف عليه والمعنى قائم بغيره
( بل لو امتنع )
قيام معنى الوصف بشيء
( لم يصغ له )
أي امتنع صوغ الوصف له لغة
( أصلا )
لأنه يمتنع أن يجري على الشيء وصف والمعنى قائم بغيره كما يمتنع أن يوصف بأمر من سائر الأمور الممتنع اتصافه بها
( فحيث صيغ )
له تعالى وصف من هذا المصدر موضوع لمن يقوم به معنى هذا المصدر وهو المتكلم
( لزم قيامه )
أي قيام معنى الكلام
( به تعالى )
لا أنه تعالى يوصف بها والمعنى قائم بغيره وتجاب المعتزلة بأنه لا ملجئ إلى هذا التمحل الممتنع فإن الكلام يطلق حقيقة ويراد به المعنى القائم بالنفس فيتعين أن يكون المراد في حقه سبحانه على أنه صفة أزلية قديمة قائمة بذاته تعالى منافية للسكوت والآفة ثم لعل المصنف إنما لم يقل خلافا للمعتزلة كما قال غير واحد استبعادا أن ينازع هؤلاء العقلاء في هذا الأصل اللغوي بحذافيره وإشارة إلى تجويز أخذ خلافهم فيه من خلافهم في خصوص هذه المسألة الكلامية وي كلام القرافي في شرح تنقيح المحصول ما يعضد كليهما ومن ثمة قال
( فلو ادعوه )
أي المعتزلة إطلاق المتكلم عليه تعالى والمعنى غير قائم به
( مجازا )
باعتبار أنه خالقه فيكون من تسمية المتعلق باسم المتعلق لامتناع صحة إطلاقه عليه حقيقة كما تقدم
( ارتفع الخلاف في الأصل المذكور )
لموافقتهم حينئذ العامة على أنه لا يشتق لذات وصف بطريق الحقيقة والمعنى قائم بغيره
( وهو )
أي هذا الادعاء
( أقرب )
من إثبات خلافهم لبعده من العقلاء العارفين بالأوضاع اللغوية
( غير أنهم )
أي الأصوليين
( نقلوا استدلالهم )
أي المعتزلة على ما نسب إليهم من تجويز أن يشتق لشيء وصف والمعنى بغيره
( بإطلاق ضارب حقيقة )
على مسمى
( وهو )
أي الضرب قائم
( بغيره )
أي غير ذلك المسمى فإن هذا صريح منهم في مخالفتهم الأصل المذكور
( وأجيب
هذا الاستدلال
( بأنه )
أي الضرب
( التأثير وهو )
أي التأثير قائم
( به )
أي بالضارب لا التأثير القائم بالمضروب وهو أثر الضرب وأورد لو كان التأثير غير الأثر لكان أثرا أيضا لصدوره عن الفاعل فيفتقر لى تأثير آخر فيعود الكلام إليه ويتسلسل ودفع بان التأثير وإن كان غير الأثر فهو أمر اعتباري لكونه نسبة فلا يستدعي تأثيرا آخر فلا يتسلسل وعلى تقدير التسلسل فهو في الاعتبارات العقلية وهو فيها ليس بمحال لأنه ينقطع بانقطاع الاعتبار
فإن قيل التأثير ليس بأمر اعتباري لتحققه فرضه فارض أو لا إذا لو لم يتحقق لما وجد الأثر وليس غير التأثير لما مر وحينئذ يلزم المطلوب أجيب بأن التأثير في غير التأثير
122
122
مغاير للأثر الذي هو تأثير فيه وأما التأثير في التأثير فهو نفسه في الحقيقة فلا يحتاج إلى تأثير مغاير له في الحقيقة فلا يلزم التسلسل ونقل الأصوليون إستدلال المعتزلة أيضا بما أشار إليه بقوله
( وبأنه )
أي الشأن
( ثبت الخالق له )
أي لله تعالى
( باعتبار الخلق وهو )
أي الخلق
( المخلوق )
كما في قوله تعالى ! < هذا خلق الله > ! والمخلوق ليس قائما بذاته
( لا )
أن الخلق هو
( التأثير وإلا قدم العالم إن قدم )
أي وإلا لو كان الخلق هو التأثير قدم العالم إن كان التأثير قديما أما لأن المؤثر وهو الله سبحانه قديم والتأثير فرض قديما فالأثر وهو العالم كذلك لاستحالة تخلف الأثر عن المؤثر الحقيقي فيلزم من وجودهما في الأزل وجود العالم وإما لأن التأثير نسبة والنسبة موقوفة على المنتسبين وهما الخالق والمخلوق فلو كانت قديمة مع أنها متوقفة على المخلوق لكان المخلوق قديما بطريق ولى
( وإلا تسلسل )
أي وإلا لزم التسلسل إن لم يكن التأثير قديما لأنه حينئذ حادث محتاج إلى خلق آخر أي تأثير آخر لأن كل حادث لابد له من تأثير مؤثر فيعود الكلام إلى ذلك التأثير ويتسلسل وكلاهما محال فيثبت المطلوب وتعقبه المصنف أولا بقوله
( وهو )
أي هذا الاستدلال
( مثبت لجزء الدعوى )
لا لها كلها لأن كمالها كما قال المصنف رحمه الله صحة صوغ الوصف لذات وليس المعنى قائما بها بل هو قائم بغيرها وإذا كان الخلق بمعنى المخلوق وبعضه جواهر صدق جزء الدعوى وهو أن المعنى ليس قائما بالذات ولا يصدق الجزء الآخر من الدعوى وهو أنه قائم بغيرها لأن من المخلوق جواهر تقوم بنفسها لا بغيرها فلم يشتق الوصف لذات والمعنى قائم بغيرها بل والمعنى قائم بنفسه ويتضمن ليس قائما بها وهو جزء الدعوى فاثبت الدليل عدم قيامه بالذات ولم يثبت قيامه بغيرها فلم يتم المطلوب وثانيا بقوله
( أجيب بأن معنى خلقه كونه سبحانه تعلقت قدرته بالإيجاد وهو )
أي تعلق قدرته بالإيجاد للمخلوقات
( إضافة اعتبار يقوم به )
أي بالخالق قال المصنف فما اشتق له الخالق إلا باعتبار قيام الخلق به وقوله
( لا صفة متقررة ليلزم كونه محلا للحوادث أو قدم العالم )
دفع لما يرد على ذلك التقدير وهو أنه لو كان معنى خلقه تعلق قدرته وتعلقها حادث وهو قائم به لزم كونه محلا للحوادث أو قدم العالم فقال إنما يلزم لو كان تعلقها يوجب وصفا حقيقيا يقوم به تعالى لكنه إنما يوجب إضافة من الإضافات وهي أمور اعتبارية
( وأورد إن قامت به النسبة الاعتبار فهو محل للحوادث )
لأنها حادثة
( وإن لم تقم به ثبت مطلوبهم وهو الاشتقاق لذات وليس المعنى به )
أي قائما بالمشتق
( مع أن الوجه أن لا يقوم به لأن الاعتباري ليس له وجود حقيقي فلا يقوم به حقيقة )
والجواب ما أشار إليه قوله
( لكن كلامهم )
أي الأصوليين
أنه يكفي في الاشتقاق هذا القدر من الانتساب )
الذي هو تعلق القدرة بالإيجاد كما صرح به القاضي عضد الدين وغيره
( فليكن )
هذا القدر من الانتساب
( هو المراد بقيام المعنى في صدر المسألة ثم هذا الجواب )
الناطق بأن معنى خلقه كونه تعالى تعلقت قدرته بإيجاده
( ينبو عن كلام الحنفية )
أي يبعد عنه
123
123
كلام متأخريهم من عهد أبي منصور الماتريدي
( في صفات الأفعال )
لله تعالى قال المصنف وهي ما أفادت تكوينا كالخالق والرازق والمحيي والمميت فإنهم مصرحون بأنها صفات قديمة مغايرة للقدرة والإرادة
( غير أنا بينا في الرسالة المسماة بالمسايرة )
في العقائد المنجية في الآخرة
( أن قول أبي حنيفة لا يفيد ما ذهبوا إليه وأنه )
أي ما ذهبوا إليه في هذا المقام
( قول مستحدث )
وليس في كلام أبي حنيفة والمتقدمين تصريح بذلك سوى ما أخذوه من قوله كان تعالى خالقا قبل أن يخلق ورازقا قبل أن يرزق وذكروا له أوجها من الاستدلال والأشاعرة يقولون ليست صفة التكوين على فصولها سوى صفة القدرة باعتبار تعلقها بمتعلق خاص فالخلق القدرة باعتبار تعلقها بالمخلوق والترزيق تعلقها بإيصال الرزق وما ذكروه من معناها لا ينفي هذا ويوجب كونها صفات أخرى لا ترجع إلى القدرة المتعلقة والإرادة المتعلقة ولا يلزم من دليل لهم ذلك وأما نسبتهم ذلك إلى المتقدمين ففيه نظر بل في كلام أبي حنيفة ما يفيد أن ذلك على ما فهمه الأشاعرة من هذه الصفات على ما نقله الطحاوي فإنه قال وكما كان بصفاته أزليا لا يزال عليها أبديا ليس منذ خلق الخلق استفاد اسم الخالق ولا بأحداث البرية استفاد اسم الباري له معنى الربوبية ولا مربوب ومعنى الخالق ولا مخلوق وكما أنه محيي الموتى استحق هذا الاسم قبل إحيائهم كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم ذلك بأنه على كل شيء قدير اه
فقوله ذلك بأنه على كل شيء قدير تعليل وبيان لاستحقاق اسم الخالق قبل المخلوق فأفاد أن معنى الخالق قبل الخلق واستحقاق اسمه بسبب قيام قدرته عليه فاسم الخالق ولا مخلوق في الأزل لمن له قدرة الخلق في الأزل وهذا ما تقوله الأشاعرة فلا جرم أن قال هنا
( وقوله )
أي أبي حنيفة أن الله تعالى
( خالق قبل ن يخلق الخ )
أي ورازق قبل أن يزرق
( بالضرورة يراد به )
أي بالخالق قه
( قدرة الخلق )
التي هي صفة حقيقية
( وإلا قدم العالم )
أي وإلا لو أريد به الخلق بالفعل لا أنه له قدرة الخلق لزم قدم العالم ووجه الملازمة ظاهر واللازم باطل فالملزوم مثله فتعين ما ذكرنا
( بالفعل تعلقها )
أي ويراد بصفة الخلق بالفعل الصفة الاعتبارية وهي تعلق القدرة على وجه الإيجاد بالمقدور
( وهو
أي والتعلق المذكور
( عروض الإضافة )
وهي النسبة الإيجادية
( للقدرة )
بالنسبة إلى مقدور مخصوص
( ويلزم )
من كون التعلق عبارة عما ذكرنا
( حدوثه )
أي التعلق كما هو ظاهر ولا محذور في ذلك بعد إحاطة العلم بكونه من قبيل الإضافات والاعتبارات العقلية ككون الباري تعالى وتقدس قبل كل شيء ومعه وبعده ومذكورا بألسنتنا ومعبودا لنا ومحييا ومميتا ونحو ذلك فيتم ما هو المطلوب من تمام الجواب السالف
( ولو صرح به )
أي ولو فرض تصريح أبي حنيفة بأن المراد بصفة الخلق بالفعل لا القدرة على الخلق
( فقد نفاه الدليل )
وهو لزوم قدم العالم والإمام رحمه الله تعالى بريء من ذلك
124
124
( مسألة الوصف حال الاتصاف )
أي إطلاقه على من وصف به في حالة قيام معنى الوصف به
( حقيقة
اتفاقا كضارب لمباشر الضرب
( وقبله )
أي وإطلاقه على من سيوصف به قبل قيام معناه به
مجاز )
اتفاقا كالضارب لمن لم يضرب وسيضرب
( وبعد انقضائه )
أي وإطلاقه على من اتصف به ثم زال معناه عنه فيه ثلاثة أقوال مجاز مطلقا حقيقة مطلقا
( ثالثها إن كان بقاؤه )
أي معنى الوصف بعد تمام وجوده
( ممكنا )
بأن كان حصوله دفعيا كالقيام والقعود
( فمجاز وإلا حقيقة )
أي وإن لم يكن بقاؤه ممكنا بأن كان حصوله تدريجيا كالمصادر السيالة التي لا ثبات لأجزائها كالتكلم والتحرك فإطلاقه عليه حقيقة
( كذا شرح به )
أي بمعنى هذا التقرير
( وضعها )
أي هذه المسألة فيما معناه
( هل يشترط لكونه حقيقة بقاء المعنى ثالثها إن كان ممكنا اشترط )
والواضع ابن الحاجب والشارح القاضي عضد الدين قال المصنف
( وهو )
أي هذا الشرح
( قاصر )
عن مطابقة الوضع المذكور بل مناقض لبعض ما تضمنه
( إذ يفيد إطلاق الاشتراط )
أي اشتراط بقاء المعنى في الإطلاق الحقيقي كما في المشروح
( المجازية حال قيام جزء فيما يمكن )
أي مجازية إطلاق الوصف على من بقي به جزء من المعنى فيما يمكن بقاؤه إذ بقاء جزئه ليس بقاءه
( والشرح )
يفيد
( الحقيقية )
أي حقيقية إطلاق الوصف على من بقي به جزء من المعنى فيما يمكن بقاؤه لاعتباره الانقضاء ومعلوم أنه لا يتحقق الانقضاء مع بقاء جزء من المنقضي وعلى هذا مشى المصنف هذا ويجب أن يستثنى من كلام ابن الحاجب الماضي والأمر والنهي لدخولها في كلامه لأنها من جملة المشتقات مع أن إطلاق الماضي باعتبار ما مضى والأمر والنهي باعتبار المستقبل حقائق بلا نزاع ويستثنى المضارع إذ قيل إنه مشترك أو حقيقة في الاستقبال ولم ينبه على هذا أحد من مشهوري شارحي كلامه
( المجاز )
أي قال القائلون بأن إطلاق الوصف على من زال عنه معناه بعد قيامه به مجاز وهو مختار كثير من المتأخرين منهم البيضاوي
( يصح في الحال نفيه )
أي الوصف المنقضي
( مطلقا )
عن التقييد بماض أو حال أو استقبال عمن وجد منه ثم انقضى وهو دليله أي وصحة النفي مطلقا من علامات المجاز كما أن عدم صحته من علامات الحقيقة
( وكونه )
أي النفي المطلق في الحال
( لا ينافي الثبوت المنقضي في نفس الأمر لا ينفي مقتضاه )
أي مقتضى نفسه
( من نفي كونه )
أي الإطلاق
( حقيقة )
وهذا جواب عن مقدر دفع به الاستدلال المذكور وهو أن النفي المطلق إنما يفيد لمطلوب إذا كان منافيا للثبوت المنقضي لكنه لا ينافيه وملخص الجواب أن النفي المطلق وإن لم يناف المنقضي لا ينفي مقتضى نفسه من ثبوت المجازية
( نعم لو كان المراد )
من النفي المطلق في زيد ليس ضاربا إذا كان قد ضرب بالأمس وانقضى
( نفي ثبوت الضرب في الحال )
بأن أريد ليس ضاربا في الحال
( وهو )
أي نفي ثبوت الضرب في الحال
( نفي المقيد )
أي الضرب المقيد بالحال كما رأيت لم يتمش لأهل المجاز الاستدلال به على أهل الحقيقة لأن هذه الصحة عند أهل
125
125
الحقيقة في حيز المنع وكيف لا وليس محل النزاع إلا هذا فحذف جواب لو للعلم به من السياق والسباق
( لكن )
ليس المراد هذا من النفي المطلق بل
( المراد صدق زيد ليس ضاربا من غير قصد التقييد )
بشيء من الأزمنة لكن هذا أيضا مما لحقه المنع كما أشار إليه بقوله
( وأجيب بمنع صدق )
النفي
( المطلق على إطلاقه )
فلا يجدي الاسترواح إليه
( قالوا )
ثانيا
( لو كان )
الإطلاق
( حقيقة باعتبار ما قبله لكان )
حقيقة أيضا
( باعتبار ما بعده وإلا فتحكم )
أي وإلا فإن كان حقيقة باعتبار ما قبله مجازا باعتبار ما بعده فهو تحكم لعدم المقتضي لهذه التفرقة
( بيان الملازمة أن صحته )
أي كون الإطلاق حقيقة بسبب الاتصاف به
( في الحال إن تقيد )
القول بها
( به )
أي باعتبار ثبوت الاتصاف في الحال
( فمجاز فيهما )
لانتفاء الثبوت فيهما
( وإلا فحقيقة فيهما )
أي وإن لم يتقيد القول بها باعتبار ثبوته في الحال فإطلاقه باعتبار ما بعده حقيقة كإطلاقه باعتبار ما قبله
( وغيره )
أي اعتبار كل من هذين الاعتبارين
( تحكم )
لما ذكرنا لكن ليس الإطلاق حقيقة باعتبار ما بعده اتفاقا فكذا ينبغي أن لا يكون حقيقة باعتبار ما قبله
( الجواب )
نختار الشق الثاني وهو أن القول بصحته غير مقيد باعتبار ثبوته في الحال ثم نمنع لزوم اللازم المذكور لأنه
( لا يلزم من عدم التقييد به )
أي باعتبار الثبوت في الحال
( عدم التقيد )
بغيره في نفس الأمر
( لجواز تقيده بالثبوت )
أي بثبوت معنى ذلك الوصف
( قائما أو منقضيا )
فيكن حقيقة باعتبار ما قبله لوجود ثبوت ذلك المعنى له منقضيا كما يكون حقيقة لوجوده قائما ولا يكون حقيقة باعتبار ما بعده لعدم ثبوته له قائما أو منقضيا
الحقيقة )
أي قال القائلون بأن إطلاق الوصف على من زال عنه بعد قيامه به حقيقة وهو مختار ابن سينا والجبائيين
( أجمع اللغة على )
صحة إطلاق
( ضارب أمس )
على من قام به الضرب بالأمس وانقضى
( والأصل )
في الإطلاق
( الحقيقة عورض )
هذا الدليل
( بإجماعهم )
أي أهل اللغة
( على صحته )
أي إطلاق ضارب
( غدا ولا حقيقة )
بل هو مجاز بالإجماع
( وحاصله )
أي هذا الجواب الواقع بطريق المعارضة أنه
( خص الأصل )
في الإطلاق الحقيقة في ضارب أمس بمعنى أنه لا يجري هذا الأصل فيه
( لدليل الإجماع )
على أنه لا يجزي في ضارب غدا للإجماع
( على مجازيه الثاني )
يعني ضارب غدا فيستدل به على مجازية الأول أعني ضارب أمس وحينئذ فالوجه حذف
( وليس مثله في الآخر )
لأن معناه كما قال المصنف أي ليس في الآخر وهو الإطلاق بعد الانقضاء دليل تخصيص الأصل المذكور وهو أن قولنا الأصل الحقيقة فيعمل بعمومه فيه فيثبت أنه بعده حقيقة اه وإنما اتفق هذا لأنه قد كان في النسخ مكان وحاصله الخ ما نصه وقد يقال قد يخص الأصل لدليل والإجماع على مجازية الثاني دليله اه وهو على هذا التقدير حسن لابد منه فلما وقع التغيير إلى هذا وقع الذهول عن حذفه ثم هو مما يصلح دفعا لهذه المعارضة ولا سيما وقد تقدم أنه لا يلزم من كون الإطلاق باعتبار ما قبله حقيقة كونه باعتبار ما بعده حقيقة فاليتأمل
( قالوا )
ثانيا
( لو لم يصح )
كون إطلاق الوصف بعد
126
126
انقضاء معناه
( حقيقة لم يصح المؤمن لغافل ونائم )
حقيقة لأنهما غير مباشرين للإيمان حينئذ سواء فسر بالتصديق أو بغيره
( والإجماع أنه )
أي على أن المؤمن
( لا يخرج بهما )
أي بالغفلة والنوم
( عنه )
أي عن كونه مؤمنا
( أجيب أنه )
أي إطلاق المؤمن على كل منهما
( مجاز )
بدليل عدم اطراده
( لامتناع كافر لمؤمن لكفر تقدم )
أي لامتناع إطلاق كافر على مؤمن تقدم كفره
( وإلا كان أكابر الصحابة كفارا حقيقة )
كما أنهم مؤمنون حقيقة
( وكذا النائم لليقظان )
يكون حقيقة كما أن اليقظان كذلك والحاصل أن ذلك مجاز وإلا لزم الاتصاف بالمتقابلين حقيقة وهو باطل
( قيل )
أي قال المحقق التفتازاني ما معناه
( والحق أنه )
أي الوصف من المؤمن وما جرى مجراه
( ليس من محل النزاع وهو )
أي محله
( اسم الفاعل بمعنى الحدوث لا )
بمعنى الثبوت ولا ما جرى مجراه كما
( في مثل المؤمن )
والكافر والنائم واليقظان والحلو والحامض
( والحر والعبد مما لم يعتبر فيه طريان )
والأولى مما يعتبر في بعضه الاتصاف به مع عدم طريان المنافي وفي بعضه الاتصاف به بالفعل البتة كما هو عبارة هذا القائل وتعقبه المصنف رحمه الله بقوله
( وقد يقال ولو سلم ) أي هذا الوصف من مؤمن ونحوه من محل النزاع
فالجواب )
من قبل أهل المجاز لأهل الحقيقة
الحق أنه إذا أجمع على أنه )
أي المؤمن
( إذا لم يخرج بهما )
أي بالنوم والغفلة
( عن الإيمان )
إذ لوحظ مجرد الوصف
( أو عن كونه مؤمنا )
إذا لوحظت الذات الموصوفة بالإيمان
( باعترافكم )
متعلق بيخرج
( بل حكم أهل اللغة والشرع بأنه )
أي الشأن
( ما دام المعنى )
كالإيمان بمعنى التصديق
( مودعا حافظة المدرك )
الذي هو المؤمن في هذا المثال
( كان )
ذلك المعنى
( قائما به )
أي بالمدرك
( ما لم يطرأ حكم يناقضه )
أي ذلك المعنى
( بلا شرط دوام المشاهدة )
والملاحظة لذلك المعنى
( فالإطلاق )
للمؤمن
( حينئذ )
أي حين نومه وغفلته إطلاق له
( حال قيام المعنى وهو )
أي وإطلاقه عليه حال قيام المعنى به إطلاق
( حقيقي اتفاقا فلم يفد )
الإطلاق عليه حينئذ
( في محل النزاع )
وهو الإطلاق عليه بعد انقضاء المعنى
( شيئا )
من مطلوبكم
( وبه )
أبي وبهذا
( يبطل الجواب )
المتقدم
( بأنه )
أي إطلاق المؤمن على المؤمن الغافل والنائم
( مجاز )
وإن ذكره ابن الحاجب وتابعه الشارحون وأردفه المحقق الشريف بأن الإجماع إنما هو على إطلاق المؤمن عليهما في الجملة وأما بطريق الحقيقة فلا وإجراء أحكام المؤمنين على النائم مثلا لا يستلزم كون إطلاقه عليه حقيقة ووجه بطلانه ظاهر
( وإثباته )
أي كون الإطلاق المذكور مجازا
( بامتناع كافر لمؤمن صحابي أو غيره الخ )
أي تقدم كفره كما تقدم أيضا
( باطل )
فإن هذا الامتناع يقتضي أن لا يصح الإطلاق لا حقيقة ولا مجازا وليس كذلك
( بل صحته )
أي إطلاق كافر على من آمن بعد كفره
( لغة اتفاق إنما الخلاف في أنه )
أي الإطلاق لغة
( حقيقة )
أو مجاز
( والمانع )
من الإطلاق عليه استعمالا حقيقة ومجازا أمر
( شرعي )
كما ذكره صاحب التحصيل وغيره وهو
127
127
حرمة نبز المؤمن ولا سيما الصحابي بهذا الذم الذي طهره الله منه وليس الكلام باعتبار الشرع بل باعتبار اللغة
( وإذا لهم )
أي وإذا لم يكن خلاف لغة في صحة إطلاق كافر على من آمن بعد كفر فلأهل الحقيقة
( ادعاء كونه )
أي إطلاق كافر على من آمن بعد كفر
حقيقة )
أي إطلاقا حقيقيا لغويا
( مع صحة إطلاق الضد )
وهو مؤمن في هذا المثال عليه
( كذلك )
أي إطلاقا حقيقيا لغويا أيضا
( ولا يمتنع )
هذا
( إلا لو قام معناهما )
أي الضدين
( في وقت الصحتين )
أي صحة إطلاق كافر حقيقة وصحة إطلاق مؤمن حقيقة على الشخص الواحد به
( وليس المدعى )
في هذا
( سوى كون اللفظ بعد انقضاء المعنى حقيقة وأين هو )
أي إطلاق لفظ الضد
( من قيامه )
أي معنى الضد
( في الحال ليجتمع المتنافيان أو يلزم قيام أحدهما بعينه )
قال المصنف رحمه الله وحينئذ يبطل إلزام القاضي عضد الدين كونه كافرا حقيقة مؤمنا حقيقة في وقت واحد حقيقة لأنه إنما يبطل ذلك لو كان إطلاق الكافر والمؤمن في وقت واحد حقيقة لأنه يستلزم ثبوت نفس الإيمان والكفر في وقت واحد وليس كذلك لأن إحدى الحقيقتين لا يقارنها وجود المعنى بل يثبت حال انتفائه لأن الفرض كون اللفظ حقيقة بعد انقضاء المعنى فلم يلزم من كونه كافرا حقيقة مؤمنا حقيقة سوى صحة الإطلاقين الحقيقيين وليس ذلك بممتنع إلا لو استلزم اجتماع معناهما وهو منتف قلت وعلى ذا لا يستبعد جريان هذا في النائم واليقظان والحلو والحامض إلى غير ذلك وينتفي ما نظر في تعليل منع إطلاق الكافر على مسلم تقدم كفره بما ذكرناه آنفا بأن القاعدة أن امتناع الشيء متى دار إسناده بين عدم المقتضي ووجود المانع كان إسناده إلى عدم المقتضي أولى لأنه لو أسند إلى وجود المانع لكان المقتضي وجد وتخلف أثره والأصل عدمه فيكون على هذه دعوى امتناع الكافر لعدم المقتضي وهو وجود معنى الوصف حالة الإطلاق أولى من دعوى امتناعه لوجود المانع المذكور لأن أهل الحقيقة بصدد منع عدم المقتضي لأن الفرض كون اللفظ حقيقة بعد انقضاء المعنى عندهم نعم لقائل أن يقول تمام أن يكون لأهل الحقيقة الادعاء المذكور إذا لم يكن إجماع على المنع لكن ظاهر كلام الآمدي وجوده حيث قال لا يجوز تسمية القائم قاعدا والقاعد قائما للقعود والقيام السابق بإجماع المسلمين وأهل اللسان وعليه قول المحقق التفتازاني
فإن قيل إنما يمتنع ذلك لو اتحد الزمان وهو غير لازم قلنا الكلام في اللغة وبطلان ذلك معلوم لغة لكن شيخنا المصنف رحمه الله إنما ذكره على سبيل الفرض وأنه لا مانع عقلي لهم من ذلك لو ادعوه فلا ضير عليه
( قالوا )
ثالثا
( لو اشترط لكونه )
أي الوصف
( حقيقة بقاء المعنى لم يكن لأكثر المشتقات حقيقة كضارب ومخ 0 ر )
والوجه حذف ضارب فإن المقصود أن بقاء المعنى لو كان شرطا للحقيقة لم يكن للمشتقات من المصادر السيالة حقيقة فإنهما كما تقدم يمتنع وجود معانيها دفعة في زمان ولا تجتمع أجزاء معانيها في آن لأنها تدريجية التحقق لا يحصل الجزء الثاني منها حتى ينقضي الأول وهلم جرا فانتفى أن تكون حقيقة في
128
128
الحال لتوقفها على كونها قارة فيه وهو محال والفرض أنها ليست حقيقة فيما مضى لعدم حصول معانيها ولا فيما يستقبل لانقضائها فلا يكون لها حينئذ حقيقة أصلا وهذا بخلاف الضرب فإنه دفعي الحصول كما سينبه المصنف عليه ولعله إنما وقع ذكره نظرا لذكر المحقق التفتازاني إياه مع المشي والحركة والتكلم تمثيلا للمصادر التي يمتنع وجود معانيها في آن
( بل لنحو قائم وقاعد )
أي بل إنما يمكن أن يكون الوصف حقيقة للمشتقات من المصادر الآنية وهي التي تجتمع أجزاء معانيها في آن واحد وتبقى كعالم وقائم وناصر أو توجد دفعة كضارب بأن تطلق على من قامت به حال قيامها به واللازم باطل فالملزوم مثله
( والجواب أنه )
أي بقاء المعنى
( يشترط )
في صحة الإطلاق حقيقة
( إن أمكن )
بقاؤه
( وإلا فوجود جزء )
أي وإن لم يمكن بقاء المعنى فإنما يشترط في صحة الإطلاق حقيقة وجود جزء من المعنى مع إطلاق اللفظ فلا يلزم أن لا يكون للمشتقات المذكورة حقيقة أصلا لإمكان تحقق هذا القدر فيها ثم لما كان هذا الجواب من قبل مطلق الاشتراط أورد كيف يصح هذا منه وأجيب بأن معنى الجواب عن الدليل إبطاله وبيان عدم إفادته مطلوب المستدل فلا يضره عدم موافقته مذهب المجيب وهذا ما يقال المانع لا مذهب له وقيل هذا تخصيص للدعوى بصورة الإمكان ورجوع إلى المذهب الثالث وعليه مشى القاضي عضد الدين ثم المصنف فقال
والحق أن هذا )
التفصيل
( يجب أن يكون مراد مطلق الاشتراط )
أي اشتراط بقاء المعنى في كون الإطلاق حقيقيا عن تقييده بكونه مما يمكن بقاؤه أو لا يمكن وإنه بعد الانقضاء مجاز
( ضرورة ) وإلا لزم اللازم الباطل المتقدم وهو أن لا يكون نحو مخبر يستعمل حقيقة أصلا
( لا )
أن يكون الاشتراط المطلق عن التقييد المذكور مع كونه بعد الانقضاء مجازا
( مذهبا ثالثا )
لكونه حقيقة بعد الانقضاء ولهذا التفصيل فليس هنا في التحقيق سوى مذهبين يجتمعان على الحقيقة حال الاتصاف ويفترقان فيما بعد الانقضاء بالحقيقة والمجاز ثم أوضحه بقوله
( فهو )
أي مطلق الاشتراط ( وإن قال يشترط بقاء المعنى )
لكونه حقيقة ولم يقيده بشيء لا يريد به بقاء كله بل
( يريد وجود شيء منه )
أي من المعنى
( فلفظ مخبر وضارب إذا أطلق في حال الاتصاف ببعض الإخبار )
بكسر الهمزة وبمباشرة الضرب في الجملة
( يكون حقيقة لأن مثل ذلك )
أي حال الاتصاف بوجود جزء منه
( يقال فيه )
أي في ذلك الحال إنه أي ذلك الحال حال اتصافه بالإخبار والضرب عرفا وإذا كان ذلك الحال كذلك أي يقال فيه إنه متصف بذلك الوصف وجب أن يحمل كلامه أي المطلق
( عليه )
أي على هذا المراد خصوصا
( ومن المستبعد أن يقول أحد لفظ ضارب في حال الضرب مجاز )
لعدم قيام جميعه به حينئذ
( وإنه )
أي الضارب
( لم يستعمل قط حقيقة )
كما هو لازم ظاهر إطلاق الاشتراط كما بيناه
( وكثير مثل هذا في كلام المولعين )
بفتح اللام أي المغرين
( بإثبات الخلاف ونقل الأقوال لمن تتبع )
ذلك فليس هذا بأول مصروف عن ظاهره
129
129
قال العبد الضعيف غفر الله تعالى له ولكن لا يخفى أن هذا ليس بمطابق للمذهب المفصل فإن المفصل مصرح باشتراط وجود بقاء كل المعنى إذا كان مما يمكن بقاؤه وجزء منه إذا كان مما لا يمكن بقاؤه في الإطلاق الحقيقي وهذا يفيد أن الشرط وجود جزء منه سواء كان ممكن البقاء أو لا كما عليه جمهور شارحي مختصر ابن الحاجب على ما ذكره المحقق التفتازاني ولا يقال لعل المراد أن مذهب المطلق هو مذهب المفصل بعد إلغاء تفصيله بناء على أن في حال وجود بعضه يقال فيه إنه متصف به عرفا سواء كان ممكن البقاء أو لا كما تقدم عن الشارحين المذكورين لأنا نقول لا تفصيل حينئذ على أنه يمكن أن يقال لا يلزم من اعتبار المسامحة المشار إليها في المصادر الزمانية اعتبارها في الآنية أيضا لما يلزم من تعذر الحقيقة في الأولى على تقدير عدم المسامحة فيها دون الثانية وأيضا مذهب المفصل يفيد أن إطلاق ما لا يمكن بقاؤه بعد انقضائه حقيقي ومذهب مطلق الاشتراط يفيد أنه مجازي نعم إطلاق المصنف أن الشرط وجود شيء منه من غير تقييد بآخره ولا غيره ليتناول الجزء الأول والآخر وما بينهما بعد حمله على ما لا يمكن بقاؤه كما مشى عليه المحقق التفتازاني أولى من تقييده بآخر جزء منه في ذلك كما قاله الآمدي وتابعه عليه جماعة حتى قال الإسنوي فمن قال قام زيد مثلا إنما يصدق عليه متكلم حقيقة عند مقارنة الدال فقط لا قبلها ولا بعدها فإن هذه مضايقة ومشاحة لا توسعة ومسامحة
( ثم الحق أن ضاربا ليس منه )
أي مما يدخل في الوجود جزء معناه كما قيل
( لأن الموجود تمام المعنى وإن انقضى كثير من الأمثال )
أي بل الداخل في الوجود تمام معناه لأن تمام معناه هو كونه متصفا بالتأثير في الغير بالإيلام وتمام هذا المعنى متحقق في الضربة الواحدة فالباقي بعدها ولو ضربة واحدة بعد مائة ضربة تمام معناه أيضا وما انقضى قبل الأخيرة وبعد الأولى تكرار لتمام المعنى
( لا يقال فالوجه حينئذ )
أي حين لم يسلم ما تقدم من الأدلة للمجاز
( الحقيقة تقديما للتواطؤ على المجاز )
لأنه دار اللفظ بعد الانقضاء بين كونه مجازا أو متواطئا أي موضوعا للذات باعتبار ما قام بها أو وقع عليها في الوجود أعم من قيامه حال الإطلاق أو انقضائه والتواطؤ مقدم على المجاز كما أن المجاز مقدم على الاشتراك اللفظي
( لا )
أن الوجه
( التوقف )
عن الجزم بأحدهما بعينه
( كظاهر بعض المتأخرين )
وهو الآمدي ثم ابن الحاجب بناء على تعارض أدلتهما وزعم انتفاء المرجح لأنا نقول ليس كذلك
( لعدم لازمه )
أي التواطؤ
( وهو )
أي لازمه
( سبق الأحد الدائر )
في الثبوت القائم والمنقضي إلى الفهم
( لسبقه
أي المعنى إلى الفهم
( باعتبار الحال من نحو زيد قائم )
وإذا كان السابق إلى الفهم في نحو إطلاق زيد قائم وضارب قيام قيامه وضربه في الحال لزم أن يكون وضعه للمحال فيترجح المجاز حينئذ والله سبحانه وتعالى أعلم
الفصل الثاني
في انقسام اللفظ المفرد باعتبار دلالته
( في الدلالة )
للمفرد
( وظهورها وخفائها تقسيمات )
ثلاثة والتقسيم إظهار الواحد الكلي في كثير من المواد فيلزم منه امتناع
130
130
تقسيم الشيء إلى نفسه وغيره وكون المقسم أعم من كل قسم مطلقا
( التقسيم الأول )
في اللفظ المفرد باعتبار دلالته من حيث هي
( اللفظ المفرد )
الموضوع لمعنى
( إما دال )
عليه
( بالمطابقة )
أي بسبب وضع اللفظ له بتمامه
( أو التضمن )
أي بسبب وضع اللفظ له ولغيره معا
( أو الالتزام )
أي بسبب وضع اللفظ لملزومه
( والعادة )
العملية للمنطقيين
( التقسيم فيها )
أي في الدلالة
( ويستتبعه )
أي ويكون اللفظ تبعا للدلالة في هذا التقسيم لتعديه منها إليه وإنما أوردناه نحن في اللفظ المفرد في هذا الفصل لكونه بالذات له بهذا الاعتبار كما أن سائر إخوته من الفصول الآتية له بالذات باعتبارات أخر أيضا ثم يقع التقسيم له أولا وبالذات فيها والأمر في ذلك قريب
( والدلالة كون الشيء متى فهم فهم غيره فإن كان التلازم )
بينهما
( بعلة الوضع )
أي بسبب وضع الشيء للغير أي جعله بإزائه بحيث إذا فهم الشيء فهم الغير
( فوضعية )
أي فدلالة الشيء على الغير وضعية
( أو بالعقل )
أي أو كان التلازم بينهما بإيجاب العقل الصرف ذلك
( فعقلية )
أي فدلالة الشيء على الغير عقلية قال المصنف
( ومنها )
أي العقلية
( الطبيعية )
وهي ما اقتضى التلفظ بملزومها الذي هو اللفظ طبع اللافظ عند عروض المعنى له كدلالة أح بفتح الهمزة وضمها وبالحاء المهملة على أذى الصدر
( إذ دلالة أح على الأذى دلالة الأثر على مبدئه )
أي مؤثره
( كالصوت والكتابة والدخان )
أي كدلالة الصوت المسموع من وراء جدار على وجود مصوته ثمة والكتابة على كاتبها والدخان على النار فإن هذه الدلالات عقلية لأنها دلالة الأثر على مؤثره فكذا هذه لأن أح أثر عروض وجع صدر اللافظ فإذن لا تصلح أن تكون قسيمة للعقلية كما فعلوه عن آخرهم
( والوضعية )
قسمان
( غير لفظية كالعقود )
جمع عقد وهو ما يعقد بالأصابع على كيفيات خاصة أي كدلالتها على كميات معينة من العدد
( والنصب )
جمع نصبة وهي العلامة المنصوبة لمعرفة الطريق أي كدلالتها على ذلك فإن كلا من هاتين دلالة وضعية غير لفظية
( ولفظية )
وهي المخصوصة بالنظر في العلوم لانضباطها وشمولها لما يقصد إليه من المعاني وهي
( كون اللفظ بحيث إذا أرسل فهم المعنى للعلم بوضعه )
أي كون اللفظ كلما أطلق فهم منه معناه للعلم بتعيينه بنفسه بإزاء معناه المفهوم منه أعم من أن يكون هو جميع ما وضع اللفظ له أو جزأه أو لازمه وما قيل إنما قال من قال بالنسبة إلى من هو عام بالوضع ولم يقل بوضعه له لئلا يخرج عن التعريف دلالة التضمن والالتزام فيه نظر ولا يقال العلم بالوضع الذي هو نسبة بين اللفظ والمعنى يتوقف على فهم المعنى كما يتوقف على فهم اللفظ وقد ذكر في التعريف أن فهم المعنى لأجل العلم بالوضع فلو صح هذا لزم توقف كل من فهم المعنى والعلم بالوضع على الآخر في الوجود لأنا نقول فهم المعنى في حال إطلاق اللفظ موقوف على العلم السابق بالوضع ومن المعلوم أن ذلك العلم السابق لا يتوقف على فهم المعنى في الحال بل على فهمه في الزمان السابق وأيضا فهم المعنى من اللفظ موقوف على العلم بالوضع وليس العلم بالوضع موقوفا على فهمه من
131
131
اللفظ بل على فهمه مطلقا فظهر تغاير الفهمين في الجواب الأول بحسب الزمان وفي الجواب الثاني بحسب الإطلاق والتقييد فلا دور
ثم هذا احتراز عن الدلالة العقلية طبيعية كانت أو غير طبيعية إذ لا وضع فيها ولاستواء العالم والجاهل في ذلك الفهم إن كان هناك وضع
( وأرد سماعه )
أي اللفظ الدال بالوضع
( حال كون المعنى مشاهدا )
قال المصنف فإن الدلالة الوضعية ثابتة مع انتفاء الحد إذ أطلق اللفظ ولم يفهم المعنى فبطل عكس التعريف اه لأن فهم المفهوم محال إذ الفرض أن المعنى مرتسم عنده بواسطة المشاهدة
( وأجيب بقيام الحيثية )
أي بمنع انتفاء الحد حال كون المعنى مشاهدا لبقاء قيام الحيثية باللفظ حينئذ أيضا
( وهي )
أي والحيثية هي
( للدلالة )
قلت وفيه نظر لاتجاه تسلط المنع على كونها حقيقة الدلالة بل من الظاهر أنها شرط تحققها فلا جرم أن قال
( والحق الانقطاع بالسماع ثم التجدد عنه )
أي والجواب الحق منع انتفاء الحد في هذه الحالة قوله لأنه أطلق اللفظ ولم يفهم المعنى قلنا ممنوع قوله لأن فهم المفهوم محال قلنا مسلم ولكن إنما يلزم هذا لو لم ينقطع فهم المعنى ويذهب انتقاشه من النفس عند سماع اللفظ الدال عليه وضعا لكنه ينقطع حالتئذ للذهول عنه بالالتفات إلى المسموع ثم يتجدد فهمه ثانيا عن سماع اللفظ فيكون إدراكا ثانيا بعد الإدراك الأول
ثم غير خاف على المتأمل أن هذا مما يحقق صحة دعوى قيام الحيثية في هذه الحالة فالجواب في الحقيقة إنما هو بدعوى قيامها وهذا بيان لذلك فليتأمل
( وللدلالات )
الوضعية اللفظية
( إضافات )
ثلاث إضافة
( إلى تمام ما وضع له اللفظ وجزئه )
أي وإضافة إلى جزء ما وضع له اللفظ
( ولازمه )
أي وإضافة إلى لازم ما وضع له اللفظ
( إن كانا )
أي إن وجد الجزء واللازم وفي هذا إشارة إلى أن المطابقة لا تستلزم التضمن والالتزام دائما والأمر على ما أشار لأنه قد يكون مسمى اللفظ بسيطا كالوحدة والنقطة فيدل عليه مطابقة ولا تضمن لانتفاء الجزء وبهذا يعرف أيضا أن الالتزام لا يستلزم التضمن فإن المعنى البسيط إذا كان له لازم ذهني كان ثمة التزام بلا تضمن ويجوز أن لا يكون للمسمى لازم بين يلزم فهمه فهمه وللعلم الضروري بأنا نعقل كثيرا من الأشياء مع الذهول عن جميع الأغيار فانتفى زعم الإمام الرازي بأن المطابقة تستلزمه كما سيذكره المصنف وبهذا يعرف أيضا أن التضمن لا يستلزم الالتزام لجواز أن لا يكون للمسمى المركب لازم كذلك وللعلم بأنا نعقل كثيرا من المعاني المركبة مع الغفلة عن الأمور الخارجية عنه نعم التضمن والالتزام مستلزمان للمطابقة لأنهما لا يوجدان إلا معها بالاتفاق
( ولها )
اي وللدلالة الوضعية اللفظية
( مع كل
من هذه الإضافات
( اسم فمع الأول )
أي فلها مضافة إلى تمام ما وضع له اللفظ من حيث هو تمامه اسم هو
( دلالة المطابقة )
لموافقة المعنى اللفظ
( ومع الثاني )
أي ولها مضافة إلى جزء ما وضع له اللفظ من حيث هو جزؤه اسم هو
( دلالة التضمن )
لتضمن المعنى الموضوع له إياه
( وكذا الالتزام )
أي وكذا لها
132
132
مضافة إلى اللازم الخارج عن المعنى الموضوع له اللفظ من حيث هو لازمه اسم هو دلالة الالتزام لاستلزامه له
( ويستلزم اجتماعها )
أي المطابقة والتضمن والالتزام
( انتقالين واحد )
من اللفظ
( إلى المعنى المطابقي والتضمني )
معا
( لأن فهمه )
أي الجزء الذي هو الدلالة التضمنية
( في ضمنه )
أي في ضمن فهم الكل لأن اللفظ الموضوع للمعنى المركب من حيث هو يلاحظ ملاحظة واحدة إجمالية فليس ثمة إلا فهم واحد لهما فالدلالة على الكل لا تغاير الدلالة على كل من الأجزاء مغايرة بالذات بل بينهما تغاير بالإضافة والاعتبار فإن ذلك الفهم الواحد إن أضيف إلى الكل واعتبر بالقياس إليه سمي فهم الكل ودلالة المطابقة وإن أضيف إلى أحد الأجزاء واعتبر بالنسبة إليه سمي فهم ذلك الجزء ودلالة التضمن واستوضح ذلك بما إذا وقع بصرك على زيد من رأسه إلى قدمه واحدة فإنك تراه وترى أجزاءه برؤية واحدة فإن نسبت هذه الرؤية إلى زيد تسمى رؤيته وإن أضيفت إلى جزء من أجزائه تسمى رؤية ذلك الجزء
( لا كظن شارح المطالع ) قطب الدين الفاضل المشهور أنه ينتقل الذهن من اللفظ إلى جزء ما وضع هو له ثم منه إلى تمام ما وضع هو له وإن المطابقة تابعة للتضمن في الفهم لسبق الجزء في الوجودين لظهور منع الأول وسبق الجزء في الوجودين مطلقة لا دائمة إذ لا مانع من التفات النفس إلى المجموع من حيث هو مجموع بل هو واجب في تذكر المعنى عند اللفظ الذي هو المعنى فهمه منه والالتفات إليه عنده لأن ذلك بعلة سماع اللفظ والعلم بوضعه له وذلك علة الانتقال للمجموع فيثبت كذلك ثم مقتضاه فهم الجزء مرتين بالاستقلال وفي ضمن الكل لكن الوجدان ينفي الأول بخلاف ابتداء تعقل المركب من مفيده تفصيلا حيث يلزم فيه سبق الجزء كذا أفاده المصنف رحمه الله تعالى
( يليه )
أي هذا الانتقال انتقال
( آخر )
من المطابقي أو التضمني إن كان هو الملزوم
( إلى الالتزامي )
فبينه وبين اللفظ واسطة بخلافهما ثم هذا الانتقال من أحدهما إليه يلزم
( لزوما )
ذهنيا لا انفكاك له
( لأنه )
أي اللزوم بين أحدهما وبينه مشروط أن يكون
( بالمعنى الأخص )
وهو كون اللازم يحصل في الذهن كلما حصل المسمى فيه
( فانتفى لزوم الالتزامي مطلقا للزوم تعقل أنه ليس غيره لأن ذلك بالأعم )
أي فنفرع على هذا انتفاء كون المطابقة تستلزم الالتزام دائما كما يفيده قول الإمام الرازي المطابقة يلزمها الالتزام لأن لكل ماهية لازما بينا واقله أنها ليست غيرها والدال على الملزوم دال على اللازم البيت بالالتزام
وإيضاح الانتفاء أن هذا بناء على اعتبار اللزوم في اللازم البين في دلالة الالتزام بالمعنى الأعم للزوم وهو ما يحكم به من اللزوم بين شيئين كلما تعقلا سواء كان حصول اللازم في الذهن على الفور من حصول الملزوم فيه أو بعد التأمل في القرائن وسواء كان اللزوم بينهما مما يثبته العقل أو عرف عام أو خاص أو ما جرى مجرى ذلك وسواء كان الحكم باللزوم بينهما يقينا أو ظنا وهو ممنوع فإن اعتبار اللزوم في اللازم البين في دلالة الالتزام إنما هو
133
133
بالمعنى الأخص الذي ذكرناه وهو منتف كما بيناه وقد ظهر أن الشرط هو اللزوم الذهني وأما الخارجي وهو كون اللازم بحيث يلزم من تحقق المسمى في الخارج تحققه أيضا فيه فليس بشرط لأن العدم كالعمى يدل على الملكة كالبصر دلالة التزامية لأنه عدم البصر عما من شأنه أن يكون بصيرا مع عدم اللزوم بينهما في الخارج لما بينهما من المعاندة فيه
( هذا )
كله
( على )
اصطلاح
( المنطقيين فلا دلالة للمجازات على المجازية )
أي فلا دلالة من الدلالات الثلاث للألفاظ المستعملة في معانيها المجازية عليها من حيث هي كذلك
( بل ينتقل )
من الألفاظ المجازية
( إليها )
أي إلى معانيها المجازية
( بالقرينة )
اي بسبب استعانة القرينة الصارفة عن المعاني الحقيقية إليها
( فهي )
اي المعاني المجازية
( مرادات )
من الألفاظ المجازية
( لا مدلولات لها )
أي للألفاظ المجازية
( فلا تورد )
المجازات
( عليهم )
أي على المنطقيين كما أوردها القاضي عضد الدين لانتفاء الغرض من إيرادها حينئذ
( إذ يلتزمونه )
أي عدم دلالة المجازات على معانيها المجازية كما هو مقتضى تعريفهم الدلالة
( ولا ضرر )
عليهم في ذلك
( إذ لم يستلزم )
نفي دلالة المجاز على معناه المجازي
( نفي فهم المراد )
الذي هو المعنى المجازي ليمتنع ما ذهبوا إليه لحصول فهمه بالقرينة المفيدة له ثم إذا كان الأمر على هذا
( فليس للمجاز في الجزء واللازم دلالة مطابقة فيهما كما قيل )
قاله المحقق التفتازاني ولفظه إذا استعمل اللفظ في الجزء أو اللازم مع قرينة مانعة من إرادة المسمى لم يكن تضمنا أو التزاما بل مطابقة لكونها دلالة على تمام المعنى أي ما عنى باللفظ وقصد
( بل )
إنما في المجاز في الجزء أو اللازم
( استعمال )
للفظ في جزء ما وضع له أو لازمه
( يوجب الانتقال معه )
أي الاستعمال من المطابقي الذي هو الحقيقي
( إلى كل )
من المعنيين المجازيين المذكورين
( فقط القرينة )
المفيدة لذلك
( ودلالة تضمنية والتزامية فيهما )
أي في الجزء واللازم
( تبعا للمطابقية التي لم ترد )
فيهما قال المصنف رحمه الله تعالى وهذا تصريح بأن كل مجاز له دلالة مطابقة لافتقاره إلى الوضع الأول وإن لم يفتقر إلى حقيقة والدلالة تتبع الوضع لا الإرادة على ما هو الحق اه ومن ثمة تنزل المحقق التفتازاني إليه عقب ما نقلناه عنه آنفا
( وهذا لأن بعد الوضع لا تسقط الدلالة عن الوضعي فكذا لا تسقط عن لازمه فتتحقق )
الدلالة المطابقية
( لتحقق علتها وهو )
أي تحقق علتها
( العلم بالوضع )
لذلك المعنى
( والمراد غير متعلقها )
أي والحال أن المراد باللفظ المجازي حينئذ غير متعلق تلك الدلالة الذي هو المعنى الحقيقي له
وحاصل هذه الجملة كما أفاده المصنف رحمه الله فيما كتبه على البديع أن جميع المعاني المجازية إلا التضمني والالتزامي مرادات باللفظ بالقرينة لا مدلولات له حتى لو استعمل اللفظ الموضوع لمعنى مركب ذي لازم ذهني في مجازي غيرهما مع قرينة صارفة عن مدلولاته كان لهذا اللفظ ثلاث دلالات على غير المقصود وكان المقصود غير مدلول له بل مراد به وأما إذا تجوز به في التضمني أو الالتزامي من حيث هو مستعمل مجازا فيه لا دلالة
134
134
له على واحد منهما ومن حيث هو موضوع لما هما جزؤه ولازمه وإن لم يكن مراداهما مدلولان تضمني والتزامي فتقرر أنه إذا تجوز به فيهما لم يدل عليهما من حيث هو مجاز فيهما بل من حيث هما جزء ولازم لموضوعه أما أنه يدل عليهما مطابقة فلا وحينئذ يكون له دلالات بعضها مراد وبعضها لا اه وقد ظهر من هذا أن الوجه عدم تقييد قول القاضي عضد الدين ويرد عليهم أنواع المجازات بالتي ليس فيها المعاني المجازية لوازم ذهنية للمسميات ليخرج استعمال الكل في الجزء والملزوم في اللازم الذهني كما قيده المحشون فليتأمل
( وأما الأصوليون فما للوضع دخل في الانتقال )
أي وأما الدلالة الوضعية عندهم فما للوضع دخل في الانتقال فيها من الشيء إلى غيره ولو في الجملة
( فتتحقق )
الدلالة الوضعية عندهم
( في المجاز )
أيضا قال المصنف لأن للوضع للمعنى الحقيقي دخلا في فهم المعنى المجازي إذ لولاه لم يتصور
( والالتزامية بالمعنى الأعم )
اي وتتحقق الدلالة الوضعية في الالتزامية أيضا واللزوم فيها بالمعنى الأعم السالف بيانه كما هو الشرط عندهم فضلا عن كونه بالمعنى الأخص لأن للوضع دخلا فيها وأما تحققها في التضمنية فبطريق أولى ولا خلاف في تحققها في المطابقية ومن ثمة لم يذكرهما قال المصنف رحمه الله وإنما لم نقل بحجية المفاهيم المخالفة بناء على أن لا موجب للانتقال لعدم وضع اللفظ للمخالف وعدم لزومه للموضوع
( تنبيه )
ثم هذه الدلالات تتأتى في اللفظ المركب أيضا لأن الأظهر كما عليه أكثر المحققين أن دلالة المركبات على معانيها التركيبية وضعية بحسب النوع فكن منه على ذكر
( ثم اختلف الاصطلاح )
للأصوليين في أصناف الدلالة الوضعية وأسمائها
( وفي ثبوت بعضها أيضا فالحنفية الدلالة )
الوضعية قسمان
( لفظية وغير لفظية وهي )
أي غير اللفظية
( الضرورية ويسمونها )
أي الضرورية
( بيان الضرورة )
أي الحاصل بسببها فهو من إضافة الحكم إلى سببه كأجرة الخياطة وهذا أحد أقسام البيان الخمسة الآتي ذكرها إن شاء الله تعالى
( وهو )
أي بيان الضرورة
( أربعة أقسام كلها دلالة سكوت ملحق باللفظية )
في الاعتبار وحصره فيها استقرائي قالوا وسمي هذا القسم بهذا الاسم لأن الموضوع للبيان في الأصل هو النطق وهذا يقع بما هو ضده وهو السكوت لأجل الضرورة الآتي تفصيلها
القسم
( الأول ما يلزم منطوقا )
أي لازم مسكوت عنه لملزوم مذكور وله مثل منها قوله تعالى
! < فإن لم يكن له ولد > !
( وورثه أبواه فلأمه الثلث )
فإن هذا ناص على انحصار إرثه فيهما واختصاص الأم بالثلث منه وهو ملزوم منطوق به وله لازم مسكوت عنه وهو ولأبيه الثلثان طوى ذكره إيجازا للعلم به وإلا لم ينحصر إرثه فيهما وبقي نصيب الأب مجهولا وسياق النص يأباه فلا جرم أن ( دل سكوته ) أي النص عن ذكره مع ما تقدم ذكره على
( أن للأب الباقي )
لا أن مجرد السكوت أو تخصيص الأم بالثلث بيان لنصيبه بدليل
135
135
أنه لو تبين نصيب الأم من غير إثبات الشركة بصدر الكلام لم يعرف نصيب الأب بالسكوت بوجه
( ودفعته مضاربة على أن لك نصف الربح )
أي ومنها قول رب أحد النقدين لغيره دفعت هذا النقد إليك مضاربة على أن لك نصف ربحه فيقبل الغير ذلك فإنه يفيد اشتراكهما في الربح لأن المضاربة عقد شركة في الربح الحاصل بعمل المضارب وبيان مقدار نصيب المضارب وهو ملزوم منطوق به وله لازم مسكوت عنه وهو ولي نصفه طوى ذكره اختصارا للعلم به لعدم مستحق آخر مع كونه نما ملكه فلا جرم أن كان هذا العقد صحيحا قياسا واستحسانا وقضى فيه بأنه
( يفيد )
السكوت فيه عن ذكر نصيب المالك مع ما تقدم ذكره
( أن الباقي للمالك وكذا في قلبه استحسانا )
أي ومنها قوله لغيره دفعته إليك مضاربة على أن لي نصف الربح فيقبل الغير ذلك فالقياس فساد هذا العقد لعدم بيان نصيب المحتاج إلى بيان نصيبه وهو المضارب لأنه إنما يستحق بالشرط فلا يتعين كون الباقي له وصار كما لو قال دفعته إليك مضاربة ولم يزد عليه والاستحسان وهو الصحيح صحة هذا العقد ويكون الربح بينهما نصفين فإن هذا القول يفيد اشتراكهما في الربح كما ذكرنا وبيان نصيب المالك وهو ملزوم ومنطوق به وله لازم مسكوت عنه وهو ولك نصفه طوى ذكره اختصارا للعلم به لأن الأصل في المال المشترك بين اثنين أنه إذا بين نصيب أحدهما أن يكون ذلك بيانا لكون الباقي للآخر إذا لم يصرح بخلافه كما في الآية الشريفة فلا جرم أن دل السكوت عن بيان نصيب المضارب مع ما تقدم على أن الباقي نصيبه وقد ظهر أن هذا ليس كقوله دفعته إليك مضاربة من غير زيادة شيء عليه
القسم
( الثاني دلالة حال الساكت )
الذي وظيفته البيان مطلقا أو في تلك الحادثة بسبب سكوته عند الحاجة إلى البيان
( كسكوته صلى الله عليه وسلم عند أمر يشاهده )
من قول أو فعل ليس معتقد كافر ولا سبق تحريمه كالمعاملات التي كان الناس يتعاملونها والمآكل والمشارب التي كانوا يتعاطونها ولم يقع منه نهي عنها ولا نكير على فاعليها فإنه دليل على جواز ذلك في الشرع لضرورة حاله فإنه لا يجوز عليه أن يقر الناس على منكر لأنه داع للخلق إلى الحق وصفه الله بالقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال ! < يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر > !
( وسيأتي في السنة )
بيانه مستقصى إن شاء الله تعالى
( وسكوت الصحابة عن تقوم منافع ولد المغرور )
وهو ولد الرجل من امرأة معتمدا على ملك يمين أو عقد نكاح ثم تستحق المرأة أمة للغير فإن سكوتهم عن تقوم منافع بدن الولد بوجوب قيمتها للمستحق على المغرور مع حكمهم برد الجارية على مولاها وبوجوب العقر على المغرور للمولى وبكون ولده منها حرا بالقيمة
( يفيد عدم تقوم المنافع )
وإنها بالإتلاف في غير عقد ولا شبهته لا تضمن بدلالة حالهم فإن المستحق جاء طالبا لحكم الحادثة غير عالم بجميع ما له وهم عالمون به على وجه الكمال واجب عليهم بيانه فكان السكوت دليل النفي إذ لا يظن بهم السكوت عن واجب
136
136
لجاهل به والمفيد لسكوتهم عنه عدة آثار مختلفة الألفاظ أخرج بعضها محمد بن الحسن في الأصل عن عمر وعلي وبعضها ابن أبي شيبة عن عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم طوينا ذكرها مخافة التطويل ولم ينقل عن أحد منهم مخالفة في ذلك بل قال الشيخ أبو بكر الرازي لا خلاف بين الصدر الأول وفقهاء الأمصار أن ولد المغرور حر الأصل ولا خلاف بين السلف أنه مضمون على الأب إلا أن السلف اختلفوا في كيفية ضمانه والذي ذهب إليه أصحابنا أن عليه القيمة بالغة ما بلغت ومن هنا حكي في الهداية وغيرها إجماع الصحابة على ذلك
( ومنه )
أي هذا القسم
( سكوت البكر )
عند استئذان الولي أو رسوله إليها في تزويجها من معين مع ذكر المهر أو لا على اختلاف المشايخ أو عند بلوغها ذلك عن الولي على ما فيه من تفصيل في المبلغ يعرف في مباحث السنة إن شاء الله تعالى فإن سكوتها في إحدى هاتين الحالين يفيد الإجازة بدلالة حالها وهي الحياء فإنه يمنعها من التصريح بالإجازة لما فيه من إظهار الرغبة في الرجال والوقاحة كما أشارت إليه عائشة رضي الله عنها ففي الصحيحين عنها قلت يا رسول الله تستأمر النساء قال نعم قلت إن البكر تستحي فتسكت قال
سكوتها إذنها
ولا تمتنع عادة من التصريح بالرد لا سيما وغاب حالهن إظهار النفرة عند فجأة السماع ومن ثمة استحسن المشايخ تجديد العقد عند الزفاف فيما إذا زوجت قبل الاستئذان وإن نقل عنها عدم الرد هذا ولا يخفى أن المراد بالبكر من إذنها معتبر في ذلك شرعا فتخرج الصغيرة والمرقوقة والمجنونة كما أن من المعلوم إن الثيب المعتبر إذنها في صحة العقد لا يكون سكوتها إجازة بل لابد من نطقها به كما نطق به الحديث الصحيح
( وفي ادعاء أكبر ولد من ثلاثة بطون أمته نفي لغيره )
وحق العبارة وسكوته عن دعوة ولدين من ثلاثة في ثلاثة بطون أمته بعد دعوة الأكبر فإنه نفي لهما أي ومن هذا القسم أيضا سكوت المولى عن دعوة ولدين أنهما منه فيما إذا أتت أمته بثلاثة أولاد في بطون ثلاثة بأن كان بين كل اثنين منهم ستة أشهر فصاعدا بعد دعوته أكبرهم فإن سكوته عن دعوتهما نفي لنسبهما بدلالة حال المولى وهي أن الإقرار بنسب ولد هو منه فرض كما أن نفي نسب من ليس منه عن نفسه فرض أيضا فكان سكوته عن بيانه بعد ما وجب عليه لو كان منه دليل النفي لأنه موضوع الحاجة إلى البيان فيجعل ذلك منه كالتصريح بالنفي
( ولا يلزم ثبوته )
أي نسب غير الأكبر منه أيضا بناء على أنهما ولدا أم ولده بدعوة الأكبر لأنه ظهر بدعوته أنها كانت أم ولده من ذلك الوقت ونسب ولد أم الولد لا يتوقف على دعوة لكونها فراشا ومن هنا قال زفر يثبت نسبهما أيضا
( لمقارنة النفي الاعتراف بالأمومة )
أي لأنا نقول إنما يثبت نسب غير الأكبر إذا لم يقارن نفيه ثبوت أمومتها لكنه مقارنه بسكوته عن الاعتراف به في موضع الحاجة إلى البيان ودعوته الأكبر لم تكن قيل ولادتهما بل بعدها فلا تكون أم ولد وقت ولادتهما والحاصل أن الفراش إنما يثبت لها من وقت الدعوة فكان انفصالهما قبل ظهور الفراش فيها فيكونان ولدي الأمة فيحتاج ثبوت نسبهما
137
137
إلى الدعوة ثم لا فرق في هذا الحكم بين دعوة الأكبر بلفظ الأكبر ابني أو بلفظ هذا ابني فانتفى توهم أن نفي ما سواه بالمفهوم المخالف ثم إيراد أن الحنفية لا يقولون به ثم أقول لعل الوضع إنما كان في دعوة الأكبر والسكوت عن غيره لأنه يعلم منه فيما لو ادعى الأصغر وسكت عن غيره انه يكون نفيا للأولين بطريق أولى عند الكل وفيما لو ادعى الأوسط وسكت عن غيره أنه يكون نفيا للأكبر بطريق أولى عند الكل وللأصغر بطريق المساواة عند علمائنا الثلاثة وأنه لا يكون نفيا له على قياس قول زفر ثم إنما وقع التقييد بثلاثة بطون لأنها لو ولدتهم في بطن واحد بأن كان بين كل اثنين منهم دون ستة أشهر فاعترافه بأحدهم اعتراف بالثاني ضرورة كما هو معروف في موضعه
القسم
( الثالث اعتباره )
أي ما اعتبر من سكوت الساكت دلالة كالنطق
( لدفع التغرير )
أي لضرورة دفع وقوع الناس في الغرور
( كدلالة سكوته )
أي المولى
( عند رؤية عبده يبيع )
له أو لغيره بإذنه أو بغير إذنه بيعا صحيحا أو فاسدا أو يشتري ما لم تتعلق به الحاجة كالخبز واللحم
( عن النهي )
عن ذلك
( على الإذن )
في التجارة لأنه لو لم يكن سكوته إذنا فيها أفضى إلى ضرر الناس لاستدلالهم به على إذنه فلا يمتنعون من معاملته فإذا لحقه دين وقال المولى محجور عليه يتأخر إلى وقت عتقه وهو غير معلوم وقد لا يقع ودفع الضرر والغرور واجب لقوله صلى الله عليه وسلم
لا ضرر ولا ضرار
حديث حسن أخرجه ابن ماجه وغيره وقوله صلى الله عليه وسلم
من غشنا فليس منا
حديث صحيح أخرجه مسلم وغيره ومن ثمة لم يصح الحجر الخاص بعد الإذن العام نعم لا يكون السكوت إجازة لبيع ذلك إذا لم يكن مالكه إذن فيه سواء كان للمولى أو لغيره ثم هذا مذهب علمائنا الثلاثة وقال زفر والشافعي لا يكون إذنا لاحتمال أنه لفرط الغيظ وقلة المبالاة بناء على أنه محجور شرعا والمحتمل لا يكون حجة قلنا ترجح جانب الرضا بدلالة العادة الفاشية برد تصرفه وإظهار نهيه إذا لم يرض
( وسكوت الشفيع )
أي وكدلالة سكوت الشفيع عن طلب الشفعة بعد علمه بالبيع على إسقاطها لضرورة دفع الغرور عن المشتري فإنه يحتاج إلى التصرف في الدار المبيعة فلو لم يجعل سكوت الشفيع إسقاطا لها لنقضه لو وقع ظنا منه أن لا غرض للشفيع فيها فلا جرم أن جعل سكوته كالتنصيص على إسقاطها هذا ما قالوه ومعلوم أن الطلب في الشفعة ثلاثة طلب مواثبة أن يطلبها كما علم بالبيع سواء كان عنده أحد أو لا وطلب تقرير أن ينهض بعد ذلك ويشهد على البائع إن كان المبيع في يده أو على المشتري و عند العقار على ما فيه من تفصيل وطلب خصومة وتملك أن يرفع بعد ذلك المشتري إلى القاضي ويطلب قضاءه له بها واتفقوا على أن الثالث لا يبطل بمجرد السكوت بل إنما في رواية عن أبي يوسف أنها تبطل بترك الخصومة في مجلس من مجالس القاضي حتى لو كان له في كل ثلاثة أيام مجلس فلم يخاصم حتى مضى تبطل والرواية الظاهرة عنه لا تبطل بالتأخير أبدا كما هو قول أبي حنيفة وفي الهداية الفتوى عليه
138
138
وعند محمد وزفر تبطل بالتأخير شهرا من غير عذر وعند غير واحد من المشايخ الفتوى عليه فخرج هذا الطلب عن كون مجرد السكوت مبطلا له واتفقوا أيضا على أن مدة الثاني مقدرة بتمكنه منه وعلى أن الأول على الفور واختلفوا في تفسيره فأكثر المشايخ أن يطلبها على فور علمه بالبيع من غير توقف كما هو رواية عن محمد وآخرون أن يطلبها في مجلس علمه كما في خيار المخيرة وهو رواية عن محمد أيضا واختيار الكرخي وجمع من المتأخرين فعلى قول هؤلاء يكون المراد السكوت عن الطلب الثاني مع التمكن منه وعلى قول الأكثرين يصلح أن يكون كل من الطلب الثاني والأول مرادا بكون السكوت مبطله هذا وفي التلويح والأظهر أن هذا القسم مندرج في القسم الثاني أعني ثبوت البيان بدلالة حال المتكلم اه ولا يعرى عن تأمل بالنسبة إلى سكوت الشفيع عن الطلب إذا كان المراد به طلب التقرير ثم هنا تنبيهان متعلقان بسكوت البكر والشفيع نصوا على مضمونهما أحدهما المراد بسكوتهما السكوت الاختياري حتى لو أخذ فمهما لا يكون إجازة إذا ردت وطلب في فور زوال ذلك
ثانيهما لا فرق في كون سكوتهما إجازة في حقها وإسقاطا للشفعة في حقه بين أن يكونا عالمين بكونه إجازة وإسقاطا أو لا ويظهر جريان كل منهما في سكوت المولى عند رؤية عبده يبيع أو يشتري على ما بينا قياسا عليهما والله سبحانه أعلم
القسم
( الرابع الثابت ضرورة الطول فيما تعورف )
أي دلالة السكوت على تعيين معدود تعورف حذفه ضرورة طول الكلام بذكره مع وجود معطوف على عدده يفيده عرفا وهو قسمان ما كان مبينا بنفسه كالدرهم والدينار وما كان مقدارا شرعيا كالمكيل والموزون فمن ثمة قال
( كمائة ودرهم أو ودينار أو وقفيز )
من بر مثلا فالسكوت عن مميز المائة في هذه يدل عرفا على أنه في الأول من الدراهم وفي الثاني من الدنانير وفي الثالث من القفزان
( بخلاف )
له علي مائة
( وعبد )
ومائة
( وثوب )
فإن المعطوف في هذين ليس بأحد القسمين ولا المميز مما تعورف حذفه فلا يدل السكوت فيهما عرفا على أن المائة من العبيد ولا من الثياب فيلزمه عبد وثوب وتفسير المائة إليه والشافعي وإن لم يخالف في أن البيان قد يكون بالسكوت لضرورة طول الكلام كما في عطف الجملة الناقصة على الكاملة نحو زينب طالق وعمرة حتى قال يطلقان كقولنا خالف في بناء هذه المسائل عليه فقال في جميعها يلزمه ما بعد المائة كما هو ظاهر وتفسير المائة إليه لأنها مبهمة ولم يذكر ما يصلح مبينا لها فإن العطف لا يصلح بيانا لها لأن مبناه على التغاير ومبنى التفسير على الاتحاد على أنه لو كان بيانا في مائة ودرهم لكان بيانا في مائة وعبد وهو منتف بالاتفاق فكذا هنا بخلاف مائة وثلاثة أثواب أو وثلاثة دراهم لأنه عطف أحد المبهمين على الآخر ثم فسره بالدراهم فينصرف إليهما لحاجة كل إليه قلنا حذف تمييز المعطوف عليه متعارف في العدد إذا عطف عليه مفسر له ضرورة طول الكلام لكثرة الاستعمال التي هي من أسباب التخفيف كما في بعته بمائة
139
139
ودرهم وهلم جرا يراد بالجميع الدراهم فكذا فيما نحن فيه بجامع العرف فيهما كذلك ولا كذلك العبد والثوب وما أشبههما مما هو غير معين ولا مقدار شرعي لانتفاء العرف فيه كذلك لانتفاء كثرة الاستعمال المقتضية للتخفيف إنه لا يثبت دينا في الذمة مطلقا كثبوت ما ذكرنا بل إنما يثبت دينا في الذمة في عقد خاص وهو السلم او ما في معناه وهو البيع بالثياب الموصوفة مؤجلا قلت وبهذا يضعف ما روى ابن سماعة عن أبي يوسف في نوادره أنه إذا قال لفلان علي الف وعبد فعليه عبد وألف مما يشاء ولو قال وشاة أو وبعير أو وفرس أو وثوب فعليه الألف من الغنم والإبل والخيل والثياب ولا يشبه هذا العبيد لأن الغنم والإبل والخيل والثياب أقسمها إذا كانت بين رجلين ولا أقسم الرقيق
( تنبيه )
فإن قلت ظهر أن الدلالة في هذه الأقسام لم تحصل من مجرد السكوت بل منه مع ما انضم إليه من قول أو مشاهدة فعل فما وجه نسبتها إلى السكوت حتى كانت غير لفظية قلت يمكن أن يقال لتنزيل ما أفادها من مجموع القول أو الفعل مع السكوت عليه بمنزلة علة ذات أجزاء ومن شأن ما كان علته ذات أجزاء أن ينسب إلى آخرها وجودا والسكوت مع غيره هنا كذلك إلا أن تمشية هذا غير ظاهرة في هذا المثال وإخوته من هذا القسم ثم ظاهر أن جميع أقسام هذه الدلالة من قبيل الدلالة الالتزامية بالمعنى الأعم وسيأتي عدها من قبيل الدلالة اللفظية في غير هذه المواضع وحينئذ فيظهر كونها في الأول والرابع من هذه الأقسام لفظية أيضا وإلا فكونها فيهما غير لفظية وفي المواضع الآتية لفظية محض اصطلاح فليتأمل
( واللفظية عبارة وإشارة ودلالة واقتضاء )
ولهم في توجيه الحصر فيها وجوه والذي ظهر لي على ما هو المناسب لكلام المصنف فيها أن الدلالة اللفظية إما أو تكون ثابتة بنفس اللفظ أن لا والأولى إما أن تكون مقصودة منه وهي العبارة أو لا وهي الإشارة والثانية إما أن تكون على مسكوت عنه يفهم بمجرد فهم اللغة وهي الدلالة أو يتوقف صحة اللفظ أو صدقه عليه وهي الاقتضاء أو لا وهي التمسك الفاسد وهذه الأوصاف للدلالة حقيقة ويتعدى بواسطتها إلى اللفظ فلا جرم أن قال
( وباعتباره )
أ ي هذا التقسيم في الدلالة
( ينقسم اللفظ إلى دال بالعبارة إلى أخره )
اي ودال بالإشارة ودال بالادلالة ودال بالاقتضاء
( فعبارة النص أي اللفظ )
المفهوم المعنى سواء كان بالمعنى المقابل للظاهر أو بغيره مفسرا أو محكما وسواء كان حقيقة أو مجازا عاما أو خاصا وإنما فسره به لئلا يتوهم أن المراد به ما يقابل الظاهر لأنه يطلق على كل إطلاقا شائعا ثم العبارة لغة تفسير الرؤيا وسمي هذا النوع من الدلالة بها لأنه يفسر ما في الضمير الذي هو مستور كما أن عبارة الرؤيا تفسر عاقبتها المستورة فطهر أن إضافتها إلى النص ليست من قبيل عين الشيء وكله وإنها ليست من أوصاف اللفظ بل إضافتها إليه بمعنى اللام وإنها من أوصاف الدلالة كما صرح به
( دلالته )
أي اللفظ
( على المعنى )
حال كونه
( مقصودا اصليا )
من ذكره
( ولو لازما )
أي ولو كان ذلك المعنى مدلولا التزاميا للفظ ( وهو )
أي كون
140
140
المعنى مقصودا أصليا من ذكر لفظه هو
( المعتبر عندهم )
أي الحنفية
( في النص )
المقابل للظاهر
( أو )
دلالته على المعنى حال كونه مقصودا
( غير أصلي )
من ذكره
( وهو )
أي كون المعنى مقصودا غير أصلي هو
( المعتبر )
عندهم
( في الظاهر )
المقابل للنص
( كما سيذكر )
كل منهما في التقسيم الثاني إن شاء الله تعالى
( ففهم إباحة النكاح والقصر على العدد )
أي الأربع بشرط اجتماعهن في حق الحر
( من آية فانكحوا )
أي من مجموع قوله تعالى ! < فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع > ! وإلا قال من فانكحوا
( من العبارة )
لأن لفظها دال على طلب نكاح من لم يقم الدليل على حرمتها على الناكح والمراد بها لإباحة كما عرف وعلى الاقتصار على الأربع للحر على الوجه المذكور كما عرف في موضعه أيضا
( وإن كانت )
الآية
( ظاهرا في الأول )
أي في إباحة نكاح من ذكرنا ونصا في الثاني وهو قصر إباحته على الأربع مجتمعات للحر لأن الحكم الأول ليس المقصود الأصلي منها بل الحكم الثاني وذكر الأول للثاني وستقف على توجيهه في التقسيم الثاني
( وكذا حرمة الربا وحل البيع والتفرقة من آية وأحل الله البيع )
أي وكذا فهم إباحة البيع وحرمة الربا والتفرقة بين البيع والربا بحل البيع وحرمة الربا من قوله تعالى ! < وأحل الله البيع وحرم الربا > ! من عبارة النص لأن لفظ هذه الآية دال على كل من هذه الثلاثة وإن كانت في كل من إباحة البيع وحرمة الربا ظاهرا لأنه ليس المقصود الأصلي منها وفي التفرقة المذكورة نصا لأنه المقصود الأصلي منها وذكر الأولان لها
( والتفرقة )
بين البيع والربا بالحل والحرمة
( لازم متأخر )
عنهما بخلاف حل البيع وحرمة الربا فإن كلا منهما مدلول مطابقي للفظ المفيد له
( ولذا )
أي ولكون المعنى العباري يكون مدلولا إلتزاميا للفظ
( لم يقيد )
المعنى
( بالوضعي )
فيخرج بل قلنا ولو لازما ليكون نصا في دخوله ( ويقال )
في تعريفها كما قال فخر الإسلام واتباعه
( ما سيق له الكلام )
قال جمع منهم صاحب الكشف ووافقهم المصنف
( والمراد )
أن يساق له مطلقا أي
( سوقا أصليا أو غير أصلي وهو )
أي غير الأصلي
( مجرد قصد التكلم به )
أي باللفظ
( لإفادة معناه )
تتميما لأمر لم يسق الكلام له والأصلي ما سيق الكلام له مع القصد المذكور
( ولذا
أي ولكون المراد السوق المطلق
( عممنا الدلالة للعبارة في الآتيين )
آية فانكحوا وآية وأحل الله البيع موافقة لصدر الإسلام وغيره وفي هذا تعريض بصدر الشريعة حيث جعل الدلالة على التفرقة عبارة لأنها المقصودة بالسوق وعلى الحل والحرمة إشارة لأنهما ليسا مقصودين به بناء منه على أن المراد بالسوق في تعريف العبارة كون المعنى هو المقصود له فتكون العبارة والنص واحدا عنده والعبارة أعم مطلقا من النص عند غيره
( ودلالته )
أي اللفظ
( على ما لم يقصد به )
أي باللفظ
( أصلا إشارة )
وهي لغة الدلالة على المحسوس المشاهد باليد أو غيرها وسميت هذه الدلالة بها لأن السامع لإقباله على ما سيق له الكلام كأنه غفل عما في ضمنه فهو يشير إليه قالوا ونظير العبارة والإشارة من المحسوس أن ينظر إنسان إلى مقبل عليه فيدركه
141
141
ويدرك غيره بلحظه يمنة ويسرة فإدراكه المقبل كالعبارة وغيره كالإشارة
( وقد يتأمل )
أي ويحتاج في الوقوف على المعنى الإشاري إلى تأمل فقد للتحقيق فإنهم مطبقون على أنها لا تفهم من الكلام أول ما يقرع السمع حتى قيل الإشارة من العبارة كالكناية من الصريح والظاهر والإشارة وإن استويا من حيث إن الكلام لم يسق لهما قد افترقا من حيث إن الظاهر يعرفه السامع أول الوهلة من غير تأمل فيه والإشارة لا تعرف إلا بنوع تأمل واستدلال من غير أن يزاد على الكلام أو ينقص منه ثم إن كان ذلك لغموض يزول بأدنى تأمل فهي إشارة ظاهرة وإن كان محتاجا إلى زيادة تأمل فهي إشارة غامضة فلا جرم أن قال صاحب الكشف وغيره فكما أن إدراك ما ليس بمقصود بالنظر مع إدراك المقصود به من كمال قوة الإبصار كذا فهم ما ليس بمقصود بالكلام في ضمن المقصود به من كمال قوة الذكاء وصفاء القريحة ولهذا يختص بفهم الإشارة الخواص وتعد من محاسن الكلام البليغ وستتحقق أنها لا تكون إلا التزامية فإذن هي دلالة التزامية لمعنى اللفظ لم تقصد بسوقه ويحتاج الوقوف عليها إلى تأمل
( كالاختصاص بالوالد نسبا من آية وعلى المولود له دون الأم )
أي كاختصاص الأب يكون الانتساب إليه دون الأم من قوله تعالى ! < وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف > ! لأن اللام للاختصاص فيجب كون الوالد أخص بالولد ممن سواه وذلك بالانتساب ثم هو ليس المقصود من سوق الآية وإنما المقصود من سوقها إيجاب نفقة الوالدات وكسوتهن على الوالد فلا جرم أن كانت هذه الآية مما اجتمع فيها العبارة والإشارة
( فثبتت أحكام من انفراده بنفقته والإمامة والكفاءة وعدمهما )
أي فظهر أثر هذا الاختصاص في انفراد الوالد بوجوب نفقة الولد عليه كالعبد لما كان مختصا بالمولى لا يشاركه أحد في نفقته وفي تعدية أحكام شرعية للأب مع ثمراتها إليه إذا كان على ما عليه الأب من الصفات المشروطة لتلك الأحكام حتى لو كان الأب أهلا للإمامة الكبرى وكفئا للقرشية لاستجماعه شرائطهما التي منها كونه قرشيا تعدى إلى الابن كونه كذلك إذا توفرت فيه بقية شرائطهما ولو كان الأب غير أهل وكفء لهما لكونه جاهلا غير قرشي كان الابن كذلك إذا كان الابن جاهلا وهذا مطرد
( ما لم يخرجه الدليل )
أي إلا ما أخرجه الدليل من الأحكام التي هي مقتضى اختصاصه بالنسب عنها كالحرية والرق فإن الابن يتبع الأم فيهما وإن تصف الأب بضد ما الأم عليه منهما لما عرف في موضعه إلى غير ذلك مما يعرف بالاستقراء
( وزوال ملك المهاجر عن المخلف من لفظ الفقراء )
أي وكزوال ملك المهاجر من دار الحرب إلى دار الإسلام عما خلفه ثمة من الأموال باستيلاء الكفار عليها وإحرازهم إياها من التعبير عنه بالفقير في قوله تعالى ! < للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم > ! مع وجودها بمكة وانتفاء كل مزيل لملكها ما عدا استيلاء الكفار عليها لأن الفقير حقيقة شرعية من له أدنى شيء أو من لا شيء له لا من بعدت يده عن المال كما أن الغني حقيقة شرعية من هو مالك للمال لا من قربت يده منه
142
142
ألا يرى أن المكاتب ليس بغني وإن كان في يده أموال حتى لا يجب عليه الزكاة وابن السبيل المالك للمال في وطنه غني وإن بعدت يده عنه حتى وجبت عليه الزكاة وهذا ليس المعنى المقصود بنظمها بل المقصود به بيان استحقاق الفقراء المهاجرين من مكة إلى المدينة سهما من الغنيمة لأن قوله ! < للفقراء المهاجرين > ! بدل من ! < ولذي القربى > ! وما عطف عليه كما في الكشاف وغيره أو عطف بيان منه كما هو ظاهر كلام فخر الإسلام وصاحب الميزان ومشى عليه بعض المتأخرين أو معطوف عليه حذف عاطفه وهو الواو كما حكاه في التيسير وهذا وإن كان بابه الشعر فقد خرجت عليه آيات منها ! < وجوه يومئذ ناعمة > ! كما ذكر ابن هشام فهذه الآية مما اجتمع فيها العبارة والإشارة على هذا أيضا هذا على ما ذكره كثير منهم فخر الإسلام
( والوجه أنه )
أي زوال ملك المهاجر عن المخلف في دار الحرب باستيلاء الكفار عليه ثمة من لفظ الفقراء في الآية
( اقتضاء )
أي مقتضى على صيغة اسم المفعول للفقراء كما هو مقتضى التلويح لأنه لازم لهذا الوصف متقدم مسكوت عنه اقتضاه صحة إطلاقه عليهم
( لأن صحة إطلاق الفقير )
على الإنسان
( بعد ثبوت ملك الأموال )
التي يتحقق بملكها الغنى له في وقت
( متوقفة على الزوال )
أي زوال ملكه لها بعد ذلك فيكون زواله بعد ثبوته سابقا على صحة إطلاق الفقير عليه ضرورة أنه لا يتحقق الفقر بدونه حينئذ وقد ظهر من هذا أيضا انتفاء جعله إشارة من قبيل جزء الموضوع له بناء على أن عدم ملك ما خلفوه في دار الحرب جزء من معنى الفقر كما ذهب إليه صدر الشريعة فإنه غير خاف أن المعنى المدعى ثبوته إشارة إنما هو زوال ملكهم عما خلفوه وليس هذا جزءا من عدم ملكهم لشيء أصلا أو لأدنى شيء بل هو لازم متقدم لعدم ملكهم لما خلفوه وما دفع به هذا من أن زوال ملكهم عما خلفوا ليس إلا كونهم بحيث لا يملكونها ولا شك أن كونهم بحيث لا يملكونها جزء من كونهم لا يملكون شيئا أصلا وأنا لا نسلم أنه لازم متقدم لأنه ينبغي أن يكون بمنزلة العلة وليس زوال ملكهم عما خلفوا علة لكونهم فقراء لجواز أن يكون لهم غيرها بل كونهم فقراء علة لزوال ملكهم عما كان لهم في دار الحرب لا يخفى ما فيه من المصادرة والتعسف الظاهر
( ودلالة لفظ الثمن في الحديث على انعقاد بيع الكلب )
أي وكدلالته في قوله صلى الله عليه وسلم
إن مهر البغي وثمن الكلب وكسب الحجام وحلوان الكاهن من السحت
رواه ابن حبان في صحيحه هذا على ما هو ظاهر التلويح وتوجيهه أن هذا يفيد المنع من تناوله وهو يقتضي تصوره وتصوره بانعقاد بيعه وليس هو المعنى المقصود من سياقه وإنما المقصود منه المنع من تناول العوض المالي عنه بطريق المبادلة الذي هو المعنى العباري له
وعند العبد الضعيف غفر الله تعالى له في هذا نظر فإن لقائل أن يقول إن انعقاد البيع إن ثبت بهذا إنما يثبت مقتضى لا إشارة لأن تحقق الثمن عنه يستلزم تقدم تحقق بيعه الذي صار به مبيعا وما يقابله من العوض عنه ثمنا فهو لازم للثمن متقدم مسكوت عنه استدعى
143
143
اعتباره صحة إطلاقه ثم عليه أن يقال إن قيل يدل على انعقاد بيعه صحيحا فإنما يتم أن لو كان مستعملا في معناه الحقيقي شرعا وهو المال المتقوم شرعا المعتاض به عما هو كذلك بإذن الشارع وهو محل النزاع ثم أنى يتم مع قوله سحت وفي رواية لمسلم خبيث وإشراكه مع مهر البغي وحلوان الكاهن في هذا الوصف وإن قيل يدل على انعقاده فاسدا حتى كان مفيدا للملك بالقبض مطلوب التفاسخ رفعا للمعصية كما في غيره من البيوع الفاسدة كما هو مقتضى تجريد انظر إلى ما هو الأصل في باب النهي كما سيعرف ثمة إن شاء الله تعالى فهو خلاف المصرح به لأهل المذهب وكون أدلة خارجية في نفس الأمر تفيد كون بيعه جائزا من غير فساد لا يوجب كون لفظ الثمن في هذا الحديث وأشباهه مشيرا أو مقتضيا ذلك وليس الكلام إلا بالنظر إليه من حيث هو فليتأمل
( وآية أحل لكم ليلة الصيام على الإصباح جنبا )
أي وكدلالة قوله تعالى ! < أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم > ! الآية على جواز أن يصبح المباشر في ليل رمضان جنبا صائما لإباحة هذا النص المباشرة له في آخر جزء من الليل كما في غيره وهو يستلزم طلوع الفجر عليه جنبا لعدم تمكنه من الاغتسال قبله حينئذ ثم هو مكلف بالصوم من طلوعه فيجتمع له وصفا الجنابة والصوم ويستلزم هذا أيضا عدم منافاتهما وهذا ليس المعنى المقصود من سياق الآية وإنما المقصود منه إباحة المباشرة والأكل والشرب في جميع أجزاء الليل الذي هو المعنى العباري ثم الصريح الصحيح من السنة مؤكد لهذه الإشارة القرآنية كما هو مذكور في موضعه
( وظهر )
من هذه الأمثلة للإشارة السالمة من التعقب
( أنها )
أي الإشارة الدلالة
( الالتزامية )
للمعنى المراد من اللفظ التي لم تقصد بسوقه ويحتاج الوقوف عليها إل تأمل ومن ثمة قال قال
( وإن خفي )
اللزوم حتى احتاج إلى تأمل وجرى فيه خلاف لأن الفقهاء لا يشرطون في الالتزامية اللازم البين فضلا عنه بالمعنى الأخص بل الثبوت في نفس الأمر احتاج إلى تأمل وفكر أولا وإن المعنى الإشاري لازم متأخر لمعنى اللفظ غير مسوق له يحتاج الوقوف عليه إلى تأمل فحينئذ لا إشارة إلا مع عبارة كما ذكره المصنف
( فإن لم يرد )
باللفظ
( سواه )
أي اللازم
( فكان )
اللفظ في ذلك المراد
( مجازا )
حينئذ لاستعماله في غير ما وضع له
( لزم )
أن تكون دلالة اللفظ على ذلك المعنى اللازم
( عبارة لأنه المقصود بالسوق )
لا إشارة لأن المعنى الإشاري لا يكون مقصودا بالسوق أصلا
( وكذا في الجزء )
أي وكذا استعمال اللفظ في جزء معناه الموضوع له إذا لم يرد به سواه حتى كان مجازا فيه لا تكون دلالته عليه إلا عبارة لكونه المقصود بالسوق والمعنى الإشاري لا يكون مقصودا به أصلا قال المصنف وكذا كل معنى مجازي ولو كان مدلول الإشارة إذا استعمل اللفظ فيه صار عبارة فيه لصيرورته مقصودا باللفظ اه فتنفرد العبارة عن الإشارة
( وإن دل )
اللفظ
( على حكم منطوق )
أي على كونه
( لمسكوت لفهم مناطه )
أي ذلك الحكم
( بمجرد فهم اللغة فدلالة )
أي
144
144
فتلك الدلالة تسمى الدلالة ودلالة النص ودلالة معنى النص لفهمها منه وهذا معنى قولهم الدلالة ما ثبت بمعنى النص لغة لا استنباطا فخرج بمعنى النص العبارة والإشارة لثبوتهما بالنظم والمحذوف لأنه كالمذكور وبلغة المقتضي لثبوته بمعناه شرعا أو عقلا وبلا استنباطا القياس إلا أن عندي لا حاجة إليه أما على القول بتغاير الدلالة والقياس كما هو قول جمهور مشايخنا منهم فخر الإسلام وشمس الأئمة والقاضي أبو زيد فلخروجه بلغة اللهم إلا على سبيل التصريح بما علم التزاما ومن ثمة لم يذكره صاحب المنار في كشف الأسرار مع ذكره له في المنار وأما على القول بأنها نوع من القياس كما هو قول آخرين وهو نص الشافعي في رسالته واختيار إمام الحرمين وفخر الدين الرازي وسموها قياسا جليا فظاهر ثم الأول هو الأوجه للقطع بتوارث ثبوت دلالة النص قبل شرعية القياس حتى قيل يجب حمل نص الشافعي على أن مراده أن صورته صورة قياس شرعي ويؤخذ منه حكم شرعي كما في سائر الأقيسة وإن كان المقيس معلوما لغة بخلافه في بقية الأقيسة وقيل النزاع لفظي وعندي فيه نظر بالنسبة إلى ما عليه مشايخنا من أنه لا يصح إثبات الحدود والكفارات بالقياس ويصح بدلالة النص ثم لا فرق في تحققها بين أن
( كان )
المسكوت (
أولى )
بحكم المنطوق منه باعتبار مناطه
( أو لا )
أي أو لم يكن المسكوت أولى بحكم المنطوق منه باعتبار مناطه بل كانا متساويين فيه خلافا لمن اشترط الأولوية فيها كما سيأتي التعرض له مع رده
( كدلالة لا تقل لهما أف على تحريم الضرب )
فإن المعنى العباري له تحريم خطاب لوليد للوالدين بهذه الكلمة الموضوعة للتبرم والتضجر ثم ينتقل منه إلى المقصود بالنهي الذي لأجله تثبت الحرمة وهو الأذى وتثبت بدلالته حرمة ضربهما أو شتمهما بطريق أولى من حرمة التأفيف لهما نظرا إلى علة تحريمه المفهومة لكل واحد ممن يعرف اللغة وهو الإيذاء فإن الإيذاء فيهما فوق الإيذاء بالتأفيف وقد ظهر أن المراد بالمعنى في قولهم ما ثبت بمعنى النص المعنى الذي ينتقل إليه من المعنى الوضعي من هو عارف باللغة من غير احتياج إلى اجتهاد وأن تحريم التلفظ بأف إنما هو بواسطة الأذى لا لعين أف حتى لو كان قوم يستعملونه لنوع إكرام أو ترحم لا للكراهة والتضجر لم يثبت تحريم قوله ولا ما يترتب على ذلك
وسيأتي مثال ما يكون المسكوت عنه مساويا للمنطوق به في حكمه لمساواته له في مناطه
( وأما )
أن دلالة اللفظ
( على مجرد لازم المعنى كدلالة الضرب على الإيلام )
من قبيل دلالة معنى النص كما ذكره فخر الإسلام ومن وافقه فإن الضرب اسم لفعل بصورة معقولة وهو قرع جسم بآخر ومعنى مقصود وهو الأذى
( فغير مشهور )
على أن المقصود من الضرب قد لا يكون الإيلام كضرب اليد على اليد تصفيقا وإنما يكون المقصود منه الإيلام إذا استعمل بآلة التأديب في محل صالح له لقصد التأديب أو التعذيب نعم هذا هو المتبادر من إطلاقه عرفا وعليه تتخرج مسألة الجامع الصغير حلف لا يضرب امرأته فمد شعرها أو خنقها
145
145
أو عضها حنث
( وعلى مسكوت يتوقف صدقه عليه كرفع الخطأ أو صحته على ما سنذكر اقتضاء )
أي وإن دل اللفظ على شيء مسكوت عنه يتوقف صدق الكلام على ذلك المسكوت كالحديث المتداول للفقهاء
رفع عن أمتي الخطأ والنسيان
فإن صدقه يتوقف على مقدر هو حكم أي رفع عنهم حكم الخطأ والنسيان في الآخرة لأن نفس الخطأ والنسيان لم يرفعا عنهم لوقوعهما منهم بخلاف حكمهما الأخروي ولا يضر عدم العثور بروايته بهذا اللفظ فإنه روي بمعناه أخرج أبو القاسم التميمي في فوائده عن الحسين بن أحمد عن محمد بن مصفي أنبأنا الوليد بن مسلم أنبأنا الأوزاعي عن عطاء عن أبن عباس مرفوعا
رفع الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه
قال شيخنا الحافظ ورجاله ثقات لكن فيه تسوية الوليد فقد رواه بشر بن بكر عن الأوزاعي فأدخل بين عطاء وابن عباس عبيد بن عمير اه قلت ولا ضير وإن قال الذهبي في الميزان عبيد بن عمير عن ابن عباس لا يعرف تفرد عنه ابن أبي ذئب اه وعلم عليه لأبي داود فقد قال في ترجمة الوليد بعد أن علم عليه للستة قلت إذا قال الوليد عن ابن جريج أو عن الأوزاعي فليس بمعتمد لأنه يدلس عن كذابين فإذا قال حدثنا فهو حجة اه فإنه هنا قال حدثنا ثم على هذا لم يتم دعوى تفرد ابن أبي ذئب عن عبيد بن عمير أيضا فتنبه له أو يتوقف صحة الكلام شرعا عليه كما في قول قائل لغيره أعتق عبدك عني بألف كما سيأتي تقريره في مسألة للمقتضي وأحكامه فتلك الدلالة اقتضاء وسميت به لطلب الكلام لها صدقا أو تصحيحا والاقتضاء الطلب
( والشافعية قسموها )
أي الدلالة الوضعية
( إلى منطوق دلالة اللفظ في محل النطق على حكم لمذكور )
سواء ذكر الحكم كفي الغنم السائمة زكاة فإن هذا يدل بمنطوقه على حكم مذكور وهو وجوب الزكاة لمذكور وهو الغنم أو لا كما أشار إليه بقوله
( وإن )
كان الحكم
( غير مذكور كفي السائمة مع قرينة الحكم )
الدالة عليه كأن يقول سائل أفي الغنم المعلوفة الزكاة أم في السائمة فيقول المجيب في السائمة فإن سؤاله قرينة على أن الحكم الذي لم يذكر في الجواب هو الحكم المسؤول عنه في السؤال وهو وجوب الزكاة
( ومفهوم دلالته )
أي اللفظ
( لا فيه )
أي لا في محل النطق
( على حكم مذكور )
أي على اثبوته
( لمسكوت أو نفيه عنه )
أي أو على نفي 1 حكم مذكور عن مسكوت ثم المنطوق وإن كان مفهوما من اللفظ غير أنه لما كان مفهوما من دلالة اللفظ نطقا خص باسم المنطوق وبقي ما عداه معرفا باللفظ المشترك تمييزا بينهما ثم كونهما من أقسام الدلالة هو الذي مشى عليه القاضي عضد الدين
( وقد يظهر أنهما قسمان للمدلول )
أي يظهر من كلام القوم أن المنطوق والمفهوم وصفا المدلول لا دلالة اللفظ قال المصنف وقد هنا للتكثير اه فإنها تستعمل لذلك كما قاله سيبويه في جماعة وإنما الشأن في أنه حقيقي لها أو مجازي لا تحمل عليه إلا بقرينة وهي على هذا التقدير هنا عباراتهم المفيدة كونهما من أقسام المدلول كقول الآمدي المنطوق ما فهم من اللفظ نطقا في محل النطق والمفهوم ما فهم من
146
146
اللفظ في غير محل النطق
( فالدلالة حينئذ )
أي حين كانا من أقسام المدلول
( دلالة المنطوق ودلالة المفهوم لأنفسهما )
أي المنطوق والمفهوم
( والمنطوق )
قسمان
( صريح دلالته )
أي اللفظ على المعنى دلالة ناشئة
( عن الوضع )
أي وضع اللفظ له
( ولو تضمنا )
أي ولو كانت بطريق التضمن
( وغيره )
أي وغير صريح دلالة اللفظ
( على ما يلزم )
ما وضع له
( وينقسم )
غير الصريح
( إلى مقصود )
للمتكلم
( من اللفظ فينحصر )
في قسمين بالاستقراء
( في الاقتضاء كما ذكرنا آنفا )
أي الساعة
( والإيماء قرانه )
أي اللفظ
( بما لو لم يكن هو )
أي اللفظ بمعنى مضمونه
( علة له )
أي للمقرون به وهو الحكم المعبر عنه بما
( كان )
ذلك القران
( بعيدا )
من المتكلم وخصوصا الشارع وحاصله اقتران الوصف بحكم لو لم يكن لوصف علة للحكم لكان قرانه به بعيدا فيحمل على التعليل دفعا للاستبعاد
( ويسمى تنبيها كقران )
قول النبي صلى الله عليه وسلم
( أعتق بواقعت )
والمعروف وقعت في قول سائله هلكت وقعت على أهلي في رمضان كما هو هكذا في صحيح البخاري فإن الوقاع لو لم يكن علة لوجوب الإعتاق لكان ترتيب ذكره عليه بعيدا ووجه تسمية هذا القسم بكل من هذين ظاهر ثم فيه تفصيل وأبحاث تأتي إن شاء الله تعالى في القياس
( وغير مقصود )
للمتكلم من اللفظ وهو ما يحصل بالتبعية لما يدل عليه اللفظ
( وهو الإشارة ويقال دلالة الإشارة وكذا ما قبله )
وهو الإيماء يقال له دلالة الإيماء
( كدلالة مجموع
قوله تعالى ! < وحمله وفصاله ثلاثون شهرا > ! وقوله تعالى ! < وفصاله في عامين > !
( أن أقل )
مدة
( الحمل ستة أشهر وآية ليلة الصيام )
أي وكدلالة مجموع قوله تعالى ! < أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم > ! الآية
( على جواز الإصباح جنبا وليس شيء منهما )
أي من كون أقل مدة الحمل ستة أشهر وجواز الإصباح جنبا
( مقصودا باللفظ بل لزم )
كل منهما
( منه )
أي من مجموع الآيتين في كل من المثالين أما في المثال الأول فلأن الآية الأولى لبيان المدة التي هي مظنة تعب الوالدة بالولد وهي مدتا أكثر الحمل وأكثر الرضاع تنبيها له على حقها عليه فإن الفصال وإن كان الفطام فقد عبر به هنا عن الرضاع التام المنتهي به كما يعبر بالأمد عن المدة والآية الثانية لبيان أن فطامه في انقضاء عامين ثم لزم من مجموعهما كون أقل مدة الحمل ستة أشهر لأنه إذ ثبت كون مدة الرضاع حولين من ثلاثون شهرا بقي ستة أشهر فتكون هي مدة الحمل ضرورة
قال العبد الضعيف غفر الله تعالى له ولكن هذا إنما يتم إذا كان ثلاثون شهرا توقيتا لهما معا على سبيل التبعيض بينهما وعليه ما قيل في الآية دليل على أن أكثر مدة الرضاع سنتان كما هو قول أبي يوسف ومحمد والأئمة الثلاثة لأن ثلاثون شهرا مدة لهما معا والإجماع على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر فيبقى ما عداها مدة الرضاع وأما إذا قيل إنها توقيت لكل على حدة كما في لفلان علي ألف درهم وقفيز بر إلى سنة وصدقه المقر له فإن السنة تكون أجلا لكل إلا أنه وجد المنقص في مدة الحمل لا غير وهو قول عائشة رضي
147
147
الله عنها ما تزيد المرأة في الحمل على سنتين قدر ما يتحول ظل عمود المغزل رواه الدارقطني والبيهقي ومن هنا قال أصحابنا أكثر مدة الحمل سنتان فتبقى مدة الفصال على ظاهرها كما ذكر هذا دليلا للإمام على أن أكثر مدة الرضاع سنتان ونصف سنة فلا يلزم من مجموعهما أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وأما في المثال الثاني فتقدم بيانه
( وكدلالة )
ما يعزى إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال
( تمكث )
إحداهن
( شطر عمرها لا تصلي )
جوابا القائل وما نقصان دينهن لما قال في وصف النساء ناقصات عقل ودين
( على أن أكثر الحيض خمسة عشر )
يوما بلياليها كما هو مذهب الشافعي وكذا أقل الطهر بناء على أن المراد بالشطر النصف لأن المقصود بالإفادة من هذا الكلام كما هو ظاهر من سياقه بيان نقصان دينهن وأما أن كلا من أن أكثر الحيض وأقل الطهر خمسة عشر يوما فإنما هو لازم له من حيث إنه قصد منه المبالغة في نقصان دينهن والمبالغة تقتضي ذكر أكثر ما يتعلق به الغرض فحينئذ لو كان زمان ترك الصلاة وهو زمان الحيض أكثر من ذلك أو زمان الصلاة وهو وزمان الطهر أقل من ذلك لذكره قضاء لحق المبالغة ثم هذا إنما يتم
( لو تم )
كون المراد بالشطر هنا النصف
( لكن القطع بعدم إرادة حقيقة النصف به )
أي بالشطر هنا
( لأن أيام الأياس والحبل والصغر من العمر ومعتادة خمسة عشر لا تكاد توجد ولا يثبت حكم العموم بوجوده في فرد نادر واستعمال الشطر في طائفة من الشيء )
أي بعض منه
( شائع فول وجهك شطر المسجد الحرام ومكثت شطرا من الدهر فوجب كونه )
أي بعض العمر هو
( المراد به )
أي بشطر عمرها هنا توسعا في الكلام واستكثارا للقليل وفي تقرير وجه دلالته ما يوافقه ثم هذا بعد ثبوته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنه لم يثبت عنه بوجه من الوجوه قاله ابن منده وقال ابن الجوزي لا يعرف وأقره عليه صاحب التنقيح ثم النووي مع زيادة باطل بخلاف دليل أصحابنا على أن أكثر مدة الحيض عشرة أيام كما عرف في موضعه
تنبيه ثم ظهر من هذه الجملة أن الشافعية جعلوا ما سماه مشايخنا عبارة وإشارة واقتضاء من قبيل المنطوق إلا أن الآمدي لم يجعل المنطوق غير الصريح من المنطوق ولا من المفهوم بل قسيما لهما والبيضاوي جعله من قبيل المفهوم ولعل قول المحقق التفتازاني والفرق بين المفهوم وغير الصريح من المنطوق محل تأمل جنوح إليه والمفهوم ينقسم إلى مفهوم موافقة وهو فحوى الخطاب أي معناه يمد ويقصر ولحنه وهو معناه أيضا ويسمى تنبيه الخطاب أيضا وهو ما ذكرنا من الدلالة أي دلالة النص إلا أن منهم أي الشافعية من شرط أولوية المسكوت بالحكم من المنطوق في كونه ثابتا بمفهوم الموافقة قلت وهو ظاهر كلام الشافعي في الرسالة على ما في برهان إمام الحرمين ثم مشى عليه ابن الحاجب وشارحو كلامه وعزاه الصفي الهندي للأكثرين قال المصنف ولا وجه له أي لهذا الشرط إذ بعد فرض فهم ثبوته أي الحكم للمسكوت كذلك أي كفهم ثبوته للمنطوق بمجرد فهم
148
148
اللغة
( لا وجه لإهدار هذه الدلالة )
نعم إن كان هذا شرطا منهم لمجرد تسميتها اصطلاحا بمفهوم الموافقة كما اصطلح بعضهم على تسمية الدلالة على ما هو أولى بالحكم من المنطوق بفحوى الخطاب وعلى ما هو مساو له فيه بلحن الخطاب كما حكاه صاحب القواطع وأما الاحتجاج به فكالأولى اتفاقا كما ذكره غير واحد فلا مشاحة في الاصطلاح
( وعبارتهم )
أي بعض الشارطين لما سيظهر وهو ابن الحاجب في المنتهى
( تنبيه بالأدنى على الأعلى )
مثل قوله تعالى ! < فلا تقل لهما أف > ! كما تقدم
( وقلبه )
أي وبالأعلى على الأدنى
( مثل )
قوله تعالى ! < ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك > ! كعبد الله بن سلام استودعه قرشي ألفا ومائتي أوقية ذهبا فأداه إليه فإنه يدل على أنه إذا أؤتمن على دينار مثلا يؤده إلى المؤتمن بطريق أولى لأن مؤدي الكثير مؤدي القليل بطرق أولى
( وقد يكتفى بالأول )
وهو تنبيه بالأدنى كما فعله ابن الحاجب في مختصره
( على أن يراد )
بالأدنى
( الأدنى مناسبة للحكم )
المترتب عليه وبالأعلى الأكثر مناسبة له فالحكم في منع التأفيف الإكرام والتأفيف أقل مناسبة به من الضرب وفي أداء القنطار الأمانة وفي عدم أداء الدينار عدم الأمانة
( فالقنطار أقل مناسبة بالتأدية من الدينار والدينار أقل مناسبة بعدمها منه )
أي بعدم التأدية من الدينار فشمل تنبيه بالأدنى جميع الصور وهذا وهذا تدقيق لحظه القاضي عضد الدين وهو أولى من قول الشارح العلامة إنما لم يذكر التنبيه بالأعلى اعتمادا على فهم المتعلم
( ولاعتبار الحنفية المساوي )
أي ولكون الشرط عندهم إنما هو مساواة المسكوت عنه للمنطوق به في المعنى المناسب للحكم الثابت للمنطوق
( أثبتوا الكفارة )
كما على المظاهر على الصائم
( بعمد الأكل )
أو الشرب في نهار رمضان من غير مبيح شرعي ولا شبهة ملحقة به
( كالجماع )
أي كما أوجبها النص بالجماع العمد كذلك لوجود المساواة بينهما في المعنى المناسب لهذا الحكم وهو الكفارة
( لتبادر أنها )
أي الكفارة
( فيه )
أي في الجماع العمد من غير مبيح شرعي مسقط لها
( لتفويت الركن اعتداء )
أي لعقلية أن المعنى المناط به في النص إيجاب الكفارة التي معنى الزجر فيها أكثر هو الجناية على الصوم عمدا عدوانا بالإخلال بركنه الذي هو الإمساك عن المفطرات الثلاث التي هي الأكل والشرب والجماع فإن هذا كما يوجد بالجماع يوجد بهما على حد سواء كما هو متبادر إلى فهم كل من عرف معنى الصوم شرعا وسمع النص المذكور لا الوقاع من حيث هو فإنه وقع على محل مملوك له كما أفصح به السائل في النص ومن ثمة أثبتنا بقاء الصوم المنصوص عليه في الأكل والشرب ناسيا في الجماع ناسيا وهذا مما وافقنا عليه الشافعي وهو قاض بتساوي الكف عن الجميع في الركنية شدة وأشدية لا بأشدية ركنية الكف عن الجماع على ركنيته عن الأكل والشرب فيلزمه الموافقة على الأول وإن المساواة هي الشرط وهذا التوجيه مما فتح الله تعالى به وهو أولى مما سلكه غير واحد من المشايخ في تقرير هذا المطلوب كما يظهر لمن يقف عليه مع التأمل والإنصاف
149
149
( ولما انقسم )
مفهوم الموافقة
( إلى قطعي )
وهو ما يكون فيه التعليل بالمعنى وكونه أشد مناسبة للحكم في المسكوت قطعيين
( كما سبق )
في قوله تعالى ! < فلا تقل لهما أف > ! لفهم كل عارف باللغة قطعا أن حرمة التأفيف معللة بإكرام الوالدين ودفع الأذى عنهما وإن حرمة الضرب أنسب في ذلك من حرمة التأفيف
( وظني )
هو ما يكون فيه التعليل بالمعنى وكونه أشد مناسبة للحكم في المسكوت ظنيين أو أحدهما ظنيا
( كقول الشافعي إذا وجبت الكفارة )
التي هي تحرير رقبة مؤمنة لمن قدر عليه وصيام شهرين متتابعين لمن لم يقدر عليه
( في )
القتل
( الخطأ )
للمسلم بأن رمى شخصا يظنه صيدا أو رمى غرضا فأصابه فقضى عليه بالنص على ذلك
( وغير الغموس )
أي ووجبت الكفارة التي هي إطعام عشرة مساكين من أوسط ما يطعم الشخص أهله أو كسوتهم أو تحرير رقبة في حق المستطيع وصيام ثلاثة أيام إذا لم يستطع واحدة من هذه الخصال على الحانث باليمين المنعقدة وهي الحلف على أمر في المستقبل ليفعله أو يتركه بالنص على ذلك
( ففيهما )
أي فوجوب الكفارة الكائنة في الخطأ في القتل العمد العدوان للمسلم والكفارة الكائنة في اليمين المنعقدة في اليمين الغموس وهي الحلف على أمر حال أو ماض يتعمد فيها الكذب
( أولى )
من وجوب الأولى في الخطأ والثانية في المنعقدة
( لفهم المتعلق )
أي تعلق وجوب الكفارة في المحلين المنصوص عليها فيهما
( بالزجر )
عن ارتكاب كل منهما واحتياج القتل العمد العدوان واليمين الغموس إلى الزاجر أشد من احتياج الخطأ والمنعقدة إليه وهذا أمر ظني ومن ثمة لم يوافقه أصحابنا عليه بل ذهبوا إلى أن المناط لها فيهما ما أشار إليه بقوله
( لا بتدارك ما فرط بالثواب )
أي تلافي ما فرط من التثبت في الرمي والتحفظ عن هتك حرمة اسم بالله بعدم اليمين أو بعدم ارتكاب ما يلزم الحنث بسببه بجبره بما في فعله ثواب لأن الكفارة لا تخلو عنه وإنما الكلام في أن معنى العبادة فيها أغلب أم العقوبة حتى لا يكون وجوبها في القتل العمد العدوان والغموس مساويا لوجوبها في القتل الخطأ والمنعقدة فضلا عن أن يكون أولى لجواز أن لا يقبلا التدارك والتلافي بهذا القدر لعظمهما ولعل هذا أولى فلا جرم
( جاز الاختلاف فيها )
أي في دلالة النص التي هي مفهوم الموافقة
( والخطأ )
فيها أيضا إذا كانت ظنية
( كما ذكرنا )
الآن في مناط وجوب الكفارة في هاتين المسألتين إذ لا بدع في الإختلاف في المظنونات وخطأ بعضها ولا سيما المتعارضة منها
( ولذا )
أي ولجواز الاختلاف في المظنون منها
( فرع أبو يوسف ومحمد وجوب الحد باللواطة على دلالة نص وجوبه بالزنى بناء على تعلقه )
أي وجوب الحد بالزنى
( بسفح الماء )
أي إراقة المني
( في محل محرم مشتهى )
أي لا ملك له فيه أصلا تشتهيه النفس وتميل إليه للين والحرارة وهذا موجود في اللواطة مع أنها أبلغ في تضييع الماء لانتفاء توهم الحبل فيها بخلاف الزنى
( والحرمة قوية )
أي والحال أيضا أن حرمتها أقوى من حرمته لأن حرمتها مؤبدة لا تنكشف بحال بخلاف حرمة الزنى فإنها قد تنكشف في بعض المحال بالعقد
150
150
أو بملك اليمين فيلحق وجوب الحد بها بوجوبه بالزنى دلالة وبه قالت الأئمة الثلاثة
( والإمام )
أبو حنيفة يمنع وجوب حده فيما لانتفاء جوبه فيها دلالة فإنه
( يقول السفح )
في الزنى
( أشد ضررا )
من السفح فيها
( إذ هو )
أي السفح فيه
( إهلاك نفس معنى )
ومن ثمة قرن بينه وبين القتل في قوله تعالى ! < ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون > ! لأن إلقاء البذر في محل صالح مفض إلى النبات ظاهرا والولد من جنس النبات فينبت وإذا نبت وليس له مرب ولا قيم لكون النساء عاجزات عن الاكتساب والإنفاق غالبا يهلك ويضيع فيفضي الزنى إلى الإتلاف بالآخرة
( وهو )
أي وهذا القبول منه بناء
( على اعتباره )
أي إهلاك نفس معنى
( المناط )
في وجوب الحد في الزنى
( لا مجرده )
أي لا أن مجرد سفح الماء المناط فيه لحل سفح الماء في غير المحل المذكور بالعزل كما أفادته السنة الصحيحة فلا يؤثر هذا في هذا الحكم والأول غير موجود في اللواطة فلم يساو تضييع الماء فيها تضييعه في الزنى في المناسبة لهذا الحكم فضلا عن كونه أبلغ منه
( والشهوة أكمل )
في الزنى منها أيضا
( لأنها )
أي الشهوة فيه
( من الجانبين )
الفاعل والمفعول بها لميلان طبعهما إليه بخلاف اللواطة فإن الشهوة فيها من جانب الفاعل فقط إذ المفعول به يمتنع عنها بطبعه على ما هو أصل الجبلة السليمة فيكون الزنى أغلب وجودا وأسرع حصولا فيكون إلى الزاجر أحوج فلا يتعدى حكمه إليها دلالة
( وهذا )
القول
( أوجه )
من قولهما كما هو ظاهر مما ذكرنا
( والترجيح )
الذي ذكراه
( بزيادة قوة الحرمة )
في اللواطة على الحرمة في الزنى
( ساقط )
بالنسبة إلى إيجاب الحد ألا يرى أن حرمة الدم والبول فوق الخمر في الحرمة من حيث إن حرمتهما لا تزول أبدا وحرمة الخمر تزول بالتخليل مع أنه لا يجب الحد بشربهما كما يجب بشرب الخمر
( وكذا قولهما بإيجاب القتل بالمثقل )
أي قول أبي يوسف ومحمد بإيجاب القتل بالقتل بالمثقل الذي لا تحتمله البنية كالحجر العظيمة والخشبة الجسيمة عمدا عدوانا بدلالة وجوبه بالقتل بما يفرق الأجزاء من سيف أو غيره أوجه من قول أبي حنيفة بعدم إيجابه بالمثقل
( لظهور تعلقه )
أي القتل بما يفرق الأجزاء
( بالقتل العمد العدوان )
لا بمجرد إتلاف البنية بما يفرق أجزاءها لأن الآلة لا مدخل لها في الموجبية ومن ثمة قلنا تجب الكفارة بتعمد الصائم في رمضان الأكل أو الشرب لما يصلح غذاء أو داوء بدلالة نص الوقاع ولم نقف عند كون آلة الإفساد والهتك في موجبيتها في النص الوقاع
( ويتحقق )
القتل العمد العدوان
( بما لا تحتمله البنية )
من المثقل كما يتحقق بما يفرق أجزاءها بل ربما كان أبلغ بالمثقل لأنه يزهق الروح بنفسه والجارح بواسطة السراية
( فادعاء قصوره )
أي القتل بالمثقل
( في العمدية )
كما ذكره المشايخ في وجه قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى
( مرجوح )
كما هو غير خاف على اللبيب المنصف فالقول قولهما وبه قالت الأئمة الثلاثة
هذا ولقائل أن يقول القول بأن من الدلالة قسما ظنيا تنازعته آراء الأئمة المجتهدين
151
151
واختلف فيه أفهام العلماء المبرزين مع أن الدلالة ما يفهم من اللفظ بمجرد فهم اللغة من غير احتياج إلى رأي واجتهاد مشكل لظهور عدم صدق هذا عليه فإن هذا يوجب توارد الأفهام عليه من غير خفاء ولا اختلاف كما في القسم القطعي فالظاهر حينئذ إما حصرها فيه أو ذكر شيء في بيانها يصحح صدقها على هذا أيضا والله سبحانه أعلم
( وإلى مفهوم مخالفة وهو دلالته )
أي اللفظ
( على )
ثبوت
( نقيض حكم المنطوق للمسكوت ويسمى دليل الخطاب وهو أقسام مفهوم الصفة عند تعليق بموصوف بمخصص )
فهو دلالة اللفظ الموصوف بما ينقص شيوع معناه على نقيض حكمه له عند انتفاء ذلك الوصف فبمخصص على بناء اسم الفاعل متعلق بموصوف وهو صفة لمحذوف أي بوصف مخصص
( لا كشف )
أي لا بوصف كاشف عن معنى الموصوف كقوله تعالى ! < وجمع فأوعى إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا > ! ومن ثمة قال ثعلب لمحمد بن عبد الله بن طاهر لما سأله ما الهلع قد فسره الله تعالى ولا يكون تفسير أبين من تفسيره وهو الذي إذا ناله شر أظهر شدة الجزع وإذا ناله خير خل به ومنع الناس
( ومدح وذم )
أي ولا بوصف مادح ولا ذام ولا مترحم على الموصوف أيضا نحو جاء زيد العالم أو الجاهل أو الفقير إذا كان زيد متعينا قبل ذكرها ولا بوصف مؤكد وهو ما موصوفه متضمن لمعناه كأمس الدابر لا يعود فإن هذه ليست لنفي الحكم عما عدا موصوفاتها ممن ليس له أحدها بل لقصد إفادة اتصافها بهذه المعاني من المدح والذم والترحم والتأكيد
( ومخرج الغالب كاللاتي في حجوركم )
أي ولا بوصف خرج مخرج الغالب كوصف الربائب باللآتي في حجوركم في قوله تعالى ! < وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن > ! وهن جمع ربيبة بنت زوجة الرجل من آخر سميت به لأنه يربها غالبا كما يرب ولده ثم اتسع فيه حتى سميت به وإن لم يربها وإنما لحقته الهاء مع أنه فعيل بمعنى مفعول لأنه صار اسما فإن كونهن في حجور أزواج الأمهات هو الغالب من حالهن فوصفهن به لكونه الغالب
( فلا يدل على نفي الحكم عند عدمه )
أي فلا يدل هذا الكلام المفيد لتحريمهن عليهم على عدم تحريمهن عليهم عند عدم كونهن في حجورهم
ولعل فائدة ذكره كما قال البيضاوي تقوية العلة وتكميلها والمعنى أن الربائب إذا دخلتم بأمهاتهن وهن في احتضانكم أو بصدده قوي الشبه بينها وبين أولادكم فصارت أحقاء بأن تجروها مجراهم ثم هذا على ما عليه الجمهور وإلا فقد روي عن علي رضي الله عنه جعله شرطا حتى أن البعيدة عن الزوج لا تحرم عليه كما نقله ابن عطية وغيره وأسنده إليه ابن أبي حاتم ثم قال الإمام ابن عبد السلام القاعدة تقتضي العكس وهو أنه إذا خرج مخرج الغالب يكون له مفهوم لا إذا لم يكن غالبا لأن الغالب على الحقيقة تدل العادة على ثبوته لها فالمتكلم يكتفي بدلالتها على ثبوته لها عن ذكره فإنما ذكره ليدل على نفي الحكم عما عداه
152
152
لانحصار غرضه فيه فإذا لم يكن عادة فغرض المتكلم بتلك الصفة إفهام السامع ثبوتها للحقيقة وأجاب بأن القول بالمفهوم لخلو القيد عن الفائدة لولاه وهو إذا كان الغالب يفهم من النطق باللفظ أو لا لغلبته فذكره بعده يكون تأكيدا لثبوت الحكم للمتصف به وهذه فائدة أمكن اعتبار القيد فيها فلا حاجة إلى المفهوم بخلاف غير الغالب وأجاب القرافي بأن الغالب ملازم للحقيقة في الذهن فذكره معها عند الحكم عليها لحضوره في ذهنه لا لتخصيص الحكم به بخلاف غيره فاندفع قول إمام الحرمين الذي أراه أن ذلك لا يسقط التعليق بالمفهوم لكن ظهوره أضعف من ظهور غيره
( وجواب سؤال عن الموصوف )
أي ولا بوصف في جواب سؤال عن موصوف به كما لو قيل للنبي صلى الله عليه وسلم هل في الغنم السائمة زكاة فقال
في الغنم السائمة زكاة
فإن تقييده إيجاب الزكاة فيها بالسائمة هنا لبيان الجواب في محل السؤال فلا يدل على عدم الوجوب في غيرها
( وبيان الحكم لمن هو له )
أي ولا بوصف خرج مخرج بيان الحكم لمن يكون الغرض بيان الحكم له كما لو كان لزيد غنم سائمة لا غير فقال النبي صلى الله عليه وسلم
في الغنم السائمة زكاة
فإن تقييد إيجاب الزكاة فيها بالسائمة بيان لحكمها بهذا الوصف دون غيره لمن هي له
( لتقدير جهل المخاطب بحكمه )
أي لتقدير المتكلم جهل المخاطب بحكم الموصوف به حال كونه موصوفا به فضلا عما إذا كان عالما بجهل المخاطب به
( أو ظن المتكلم )
أي أو لتقدير ظن المتكلم علم المخاطب بحال المسكوت عنه كظنه أن المخاطب عالم بأنه لا زكاة في المعلوفة في المثال المذكور
( أو جهله )
أي أو لتقدير جهل المتكلم بحال المسكوت كالمعلوفة فيما مثلنا إذا كان قائله غير الشارع إذ لا اختصاص للمفهوم بكلام الشارع حتى يمتنع هذا فيه
( وخوف يمنع ذكر حاله )
أي ولا بوصف يكون السبب في ذكر المتكلم له خوفا بمنع ذكره حال المسكوت في ذلك الحكم وهو موافقته للمنطوق فيه كقول قريب الإسلام لعبده بحضور المسلمين تصدق بهذا على الفقراء المسلمين ومراده وغيرهم وتركه خوفا من أن يتهم بالنفاق
( أو غير ذلك )
أي مما ذكر ما يكون فائدة ذكره غير نفي الحكم عن المسكوت عنه في ذلك الكلام لأن حجية المفهوم مشروطة بانتفاء ظهور ما عدا نفي الحكم عن المسكوت من الفوائد فإذا ظهرت فائدة غيره لم يوجد شرطها ثم مثل لما يتحقق فيه المفهوم لفرض تحقق شرطه بقوله
( كفي السائمة الزكاة يفيد )
الوصف بالسوم
( نفيه )
أي الحكم الذي هو الزكاة
( عن العلوفة )
بفتح العين المهملة أي المعلوفة ثم كون هذا مثالا لمفهوم الصفة محكي عن جمهور الشافعية وذكر تاج الدين السبكي أن الأظهر أنه لا مفهوم له لاختلال الكلام بدونه كاللقب والأول أوجه لدلالته على السوم الزائد على الذات مع أن الموصوف ملاحظ الإرادة تقديرا وللمقدر حكم المذكور ثم الظاهر أنه إن وجدت قرينة على كونه أمرا خاصا كالغنم تعين وجاء فيه من الخلاف ما فيه إذا كان مذكورا وهو أن محققي الشافعية منهم الإمام الرازي على أنه يفيد نفي الزكاة عن المعلوفة من ذلك النوع الخاص لأن
153
153
المنطوق لا يدل على إثبات الحكم في نوع آخر فالمفهوم أولى أن لا يدل على نفيه عنه لأنه كالتبع له وآخرين على أنه يفيد نفيها عن المعلوفة من جميع الأجناس لأن الحكم متى علق بصفة نزلت منزلة العلة والحكم يتبع علته في طرفي الوجود والعدم وإن لم توجد قرينة على كونه أمرا خاصا كان الظاهر القصد إلى ما يعم الأجناس كالأنعام لصلاحية القصد وفقد المانع منه ووجود مانع من غيره إذ ليس كون جنس معين مرادا دون الآخر بأولى من العكس وحينئذ يفيد نفي الحكم عن المعلوفة من سائرها
( والشرط )
أي ومفهوم الشرط وهو دلالة اللفظ المفيد لحكم معلق
( على شرط )
لمذكور على نقيضه في المسكوت عند عدم الشرط كقوله تعالى ! < وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن > !
( فلا نفقة لمبانة غيرها )
أي غير الحامل من المبانات كما هو مفهوم الشرط لهذه الآية لأنه نقيض الحكم الذي هو وجوب النفقة المعلق على شرط وهو كون المبانة ذات حمل لمذكور هو ذات الحمل في المسكوت وهو المبانة عند عدم الشرط المذكور وإنما لم يقل لمطلقة غيرها للإجماع على أن للمطلقة الرجعية النفقة في العدة حاملا كانت أو لا
( والغاية )
أي ومفهوم الغاية وهو دلالة اللفظ المفيد لحكم
( عند مده )
أي الحكم
( إليها )
أي الغاية على نقيض الحكم بعدها كقوله تعالى ! < فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره > !
( فتحل )
للأول
( إذا نكحت )
غيره كما هو مفهوم الغاية لهذه الآية لأنها بعد خروجها من عدة الثاني بعد الغاية والحل نقيض الحكم الممدود إليها هذا ما عليه جمهورهم وذهب القاضي أبو بكر إلى أن دلالتها على نفي الحكم عما بعدها منطوق لاتفاقهم على أنها ليست كلاما مستقلا فقوله تعالى ! < حتى تنكح زوجا غيره > ! لابد فيه من إضمار لضرورة تتميم الكلام فهو إما ضد ما قبله أو غيره والثاني باطل لأنه ليس في الكلام ما يدل عليه فتعين الأول فيقدر حتى تنكح فتحل قال والإضمار بمنزلة الملفوظ لأنه إنما يضمر لسبقه إلى فهم العارف باللسان
وأجيب بمنع وضع اللغة لذلك ويمكن حمله على ما سنذكره عن صاحب البديع إن شاء الله تعالى
( والعدد )
أي ومفهوم العدد وهو دلالة اللفظ المفيد لحكم
( عند تقييده )
أي الحكم
( به )
أي بالعدد على نقيض الحكم فيما عدا العدد كقوله تعالى ! < فاجلدوهم ثمانين جلدة > ! فإنه يدل على نفي وجوب الزائد على الثمانين لأنه نقيض وجوب الجلد المقيد بالعدد فيما عداه ثم يظهر بالتأمل أن المشروط والمحدود والمعدود موصوفة في المعنى بمضمون الشرط والحد والعدد
( فرجع الكل )
الماضي ذكره مما عدا الصفة
( إلى الصفة معنى )
لأنه ليس المراد بالصفة النعت بل المتعرض لقيد في الذات نعتا كان أو غيره بل قال إمام الحرمين في البرهان حصر الشافعي رحمه الله مفهوم المخالفة في وجوه من التخصيص التخصيص بالصفة والعدد والحد أي الغاية والتخصيص بالزمان والمكان ثم قال لكن لو عبر معبر عن جميعها بالصفة لكان منقدحا فإن المحدود والمعدود موصوفان بعددهما وحدهما
154
154
والمخصوص بالكون في مكان وزمان موصوف بالاستقرار فيهما قلت إلا أنه وإن رجع الجميع إليها لم يعط سائر أحكامها فقد قالوا قال بمفهوم الصفة الشافعي وأحمد والأشعري وأبو عبيد من اللغويين وكثير من الفقهاء والمتكلمين وقال بمفهوم الشرط كل من قال بمفهوم الصفة وبعض من لم يقل به كابن سريج وأبي الحسين البصري وقال بمفهوم الغاية كل من قال بمفهوم الشرط وبعض من لم يقل به كالقاضي عبد الجبار وقالوا أقوى الأقسام مفهوم الغاية ثم مفهوم الشرط ثم مفهوم الصفة وعبارة جمع الجوامع فالصفة المناسبة فمطلق الصفة غير العدد فالعدد وقالوا وثمرة الخلاف تظهر في الترجيح عند التعارض فيقدم الأقوى والأقوى
( والاتفاق )
بين القائلين به على
( أنه ظني )
إلا أن بين أقسامه تفاوتا في الظن كما ذكرنا
( ومفهوم اللقب تعليق بجامد )
أي دلالة تعليق حكم باسم جامد على نفي الحكم عن غيره
( كفي الغنم زكاة )
فإنه يدل بهذا الطريق على نفي الزكاة عن غير الغنم
( والفرق )
من أهل المذاهب على نفيه أي القول به سوى شذوذ على ما سنذكر والحنفية ينفونه أي اعتبار مفهوم المخالفة
( بأقسامه في كلام الشارع فقط )
فقد نقل الشيخ جلال الدين الخبازي في حاشية الهداية عن شمس الأئمة الكردري أن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه في خطابات الشارع فأما في متفاهم الناس وعرفهم وفي المعاملات والعقليات يدل اه وتداوله المتأخرون ويتراءى أن عليه ما في خزانة الأكمل والخانية لو قال مالك علي أكثر من مائة درهم كان إقرارا بالمائة ولا يشكل عليه عدم لزوم شيء في مالك علي أكثر من مائة ولا أقل كما لا يخفى على المتأمل وينبغي أن يراد بالحنفية معظمهم فقد ذكر في الميزان أن بقول الشافعي قال بعض أصحابنا كالكرخي وغيره وهذا وإن كان معارضا بما في أصول الفقه للشيخ أبي بكر الرازي ومذهب أصحابنا أن المخصوص بالذكر حكمه مقصور عليه ولا دلالة فيه على أن حكم ما عداه بخلافه سواء كان ذا وصفين فحص أحدهما بالذكر أو ذا أوصاف كثيرة فحص بعضها به ثم علق به الحكم وكذا كان يقول شيخنا أبو الحسن ويعزي ذلك إلى أصحابنا ثم يقدم بالنسبة إلى الكرخي على ما في الميزان عنه لأنه أعرف بمذهب شيخه من غيره ممن تأخر عنه مقدم عليه بالنسبة إلى غير الكرخي وفي البدائع مشيرا إلى ما أخرج الستة عن ابن عمر قال رجل يا رسول الله ما تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام قال
لا تلبسوا القمص ولا السراويلات ولا العمائم
الحديث
فإن قيل في هذا الحديث ضرب إشكال لأن فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عما يلبس المحرم فأجاب عن شيء آخر لم يسأل عنه وهذا حيد عن الجواب أو يوجب أن يكون إثبات الحكم في مذكور دليلا على أن الحكم في غيره بخلافه وهذا خلاف المذهب ثم ذكر أجوبة منها أنه لما خص المخيط علم أن الحكم في غيره بخلافه والتنصيص على حكم في مذكور إنما لا يدل على تخصيص الحكم به إذا لم يكن فيه حيد عن الجواب فأما إذا كان فإنه يدل عليه
155
155
صيانة لمنصب النبي صلى الله عليه وسلم عن الجواب عن غير السؤال على أن التنصيص إنما لا يدل على التخصيص عندنا في غير الأمر والنهي فأما في الأمر والنهي فيدل عليه اه فأفاد ما ترى من التقييد ثم ظاهر قول المصنف في كلام الشارع فقط يفيد بمفهوم المخالفة أنهم لا ينفونه في اللغة كما لا ينفونه في العرف وهو خلاف ظاهر كلامهم في النضال في هذا المجال ثم لما كانوا موافقين على غالب أحكام الأمثلة السابقة وكان ذلك موهما كونهم قائلين بمفهوم المخالفة فيها حتى وقع لصاحب المطلب فعزا إلى أبي حنيفة القول بمفهوم الصفة لإسقاطه الزكاة في المعلوفة أشار إلى المستند في هذه الأحكام مع استطراد بيان أنهم لم يقولوا في المثال لمفهوم الشرط بحكم مفهوم المخالفة فيه فقال
( ويضيفون حكم الأولين )
أي مفهوم الصفة ومفهوم الشرط
( إلى الأصل )
أي ما هو الحكم لهما قبل ذلك ولا يخالفونه
( إلا لدليل )
يقتضي مخالفته
( والأخيرين )
أي مفهوم الغاية ومفهوم العدد
( إلى الأصل الذي قرره السمع )
فيقولون لا تجب الزكاة في المعلوفة لأنها لم تكن فيها ولا في المعلوفة ثم الشارع أوجبها في السائمة كما نطق به كتاب أبي بكر رضي الله عنه المسند في صحيح البخاري فقال وفي الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة وسكت عن المعلوفة فبقي حكمها على ما كان لفقد ما يوجب خلافه وأما ما قيل من أن النفي عن المعلوفة بقوله صلى الله عليه وسلم
ليس في الحوامل والعوامل والبقرة المثيرة صدقة
ففي كونه نصا في المطلوب بعد ثبوته نظر
( ويمنعون نفي النفقة )
للمبانة التي ليست بحامل فيقولون تجب النفقة والسكنى للمبانة حاملا كانت أو حائلا وإن كان الأصل عدم وجوبهما عليه قبل النكاح للدليل المقتضي لذلك من الكتاب والسنة كما هو مقرر في موضعه ويقولون بحل المطلقة ثلاثا لمطلقها بنكاح غيره النكاح الصحيح الشرعي إذا خرجت من عدته استصحابا للأصل الكائن قبل هذا كله فيها الذي أقره السمع بعمومات متناولة لهذا كقوله تعالى ! < وأحل لكم ما وراء ذلكم > ! وبعدم حل ضرب القاذف بسبب القذف ما يزيد على الثمانين استصحابا للأصل الكائن قبل ارتكاب هذا السبب الذي أقره السمع بالعمومات المفيدة للمنع من الضرر والأذى المتناولة له وقد ظهر من هذا فائدة وصف الأصل من هذين بهذا الوصف هذا وذكر صاحب البديع وغيره أن مفهوم الغاية عندنا من قبيل الإشارة لأن غاية الشيء انتهاء له وهو إنما يكون بمقابلة فلفظ الغاية أفاد انتهاء الحكم المقيد به ولزم منه عدم الحكم فيما بعدها بهذا الطريق وهو غير مقصود من سوق الكلام وعلى هذا فلا يعد مفهوم الغاية من مفهوم المخالفة
( وألحق بعض مشايخهم )
أي الحنفية
( بالمفهوم )
المخالف في النفي
( دلالة الاستثناء )
فقالوا ليس فيه دلالة على ثبوت ضد حكم الصدر لما بعد إلا
( والحصر )
أي ودلالة الحصر على نفي الحكم عن غير ما ذكر في مثل ما في الصحيحين من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم
( إنما الأعمال بالنيات والعالم زيد ) غير مراد بتعريف العالم عهد ومن المصرحين بالأول صدر الشريعة وبالثاني
156
156
صاحب البديع وأما غير الحنفية فعدوهما من قبيل مفهوم المخالفة والمختار عند المصنف ما أفاده بقوله
( وهو )
أي كل منهما
( عندنا عبارة ومنطوق إلا في حصر اللام والتقديم )
كالعالم زيد وصديقي بكر فإن دلالته على النفي عن الغير ليس بهذا الطريق
( فما بالأداتين )
أي فأما إفادة النفي عن الغير بطريق المنطوق من الحصر بإنما وبما أو لا أو لم وإلا
( ظاهر )
غايته قد يكون حقيقة وقد يكون ادعاء
( وسيعرف )
هذا وكذا ما قبله في مواضعه
( وقد نفوا )
أي الحنفية
( اليمين عن المدعي بحديث البينة على المدعي ) واليمين على المدعى عليه
المخرج في الصحيحين
( بواسطة العموم )
في قوله واليمين على المدعى عليه فإنه يفيد حصر اليمين في جنس المدعى عليه
( فلم يبق يمين عليه )
أي على المدعي ضرورة الحصر المذكور وهذا يفيد أنهم قائلون بأن الحصر يدل على النفي عن الغير
قال المصنف وحاصل هذا تضعيف نسبة نفي دلالة الحصر على النفي إلى الحنفية لأن كلامهم مشحون باعتباره
( وقيل العدد اتفاق )
أي اعتبار مفهومه متفق عليه بين القائلين بمفهوم المخالفة كما هو ظاهر وبين أصحابنا
( لقول الهداية )
في دفع قول لشافعي لا يجب الجزاء على المحرم بقتل ما لا يؤكل لحمه من الصيد كالسباع لأنها جبلت على الأذى فدخلت في الفواسق المستثناة ولنا أن السبع صيد لتوحشه وكونه مقصودا بالأخذ لجلده أو ليصاد به أو لدفع أذاه والقياس على الفواسق ممتنع
( لما فيه من إبطال العدد )
المذكور في حديث الصحيحين
خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح العقرب والفأرة والكلب العقور والغراب والحدأة
فإن جواز قتل غيرها إلحاقا بها ينفي فائدة تخصيص اسمه دون غيره من الأعداد المحيطة بالملحق وغيره أو ذكره باسم عام مثل يقتل كل عاد منتهب
( والحق أن نفي الزائد )
أي نفي حل قتل ما سوى هذه الخمس مما هو من جملة الصيد البري ابتداء عندنا إذا قلنا به إنما هو
( بالأصل )
الذي أفاده السمع من عدم حل ذلك بالتلبس بالإحرام حيث قال تعالى ! < وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما > ! لا بالمفهوم المخالف للعدد المذكور فلا يرد حل قتل الذئب لأنه ليس من الصيد في ظاهر الرواية ولا حل قتل الحية وسائر الهوام والحشرات لأنها مبقاة على الحل الأصلي لعدم النهي عن قتلها للمحرم وازداد حل قتل بعضها تأكيدا بالنص عليه بخصوص وهو الذئب والحية وليس الشان إلا في الزيادة على ما استثني حل قتله مما عرض له التحريم بالإحرام
( وقوله )
أي صاحب الهداية المذكور
( يكفي إلزاما )
للشافعي لا أنه يعتقده يعني أنك تقول بحجية هذا المفهوم فإلحاقك غير الخمسة بها يكون إبطالا له وإنما قلنا
( على ما ظن )
لأن الشافعي ينفصل عنه فإنه قائل بتقديم القياس على المفهوم
( لكنهم )
أي الحنفية
( قد زادوا على الخمس )
فأجازوا للمحرم قتل الذئب فأبطلوا العدد فإن قيل ذلك لدليل أوجب نفي النفي عن المسكوت قلنا وكذا يقول الشافعي في السبع كذا ذكره المصنف قلت إلا أن جواز قتل الذئب ابتداء قول الكرخي ومن وافقه كصاحب
157
157
الهداية ورضي الدين صاحب المحيط وإلا ففي شرح الآثار للطحاوي فإن قال قائل فلم لا تبيحون قتل الذئب قيل له لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال خمس من الدواب يقتلن في الحرم والإحرام فذكر الخمس ما هن فذكره الخمس يدل على أن غير الخمس حكمه غير حكمهن وإلا لم يكن لذكر الخمس معنى اه ثم إنما يتم التعقب بجواز قتله ابتداء على القول به إذا كان صيدا كما هو رواية عن أبي يوسف لا إذا لم يكن صيدا كما هو ظاهر الرواية وقدمناه وكلاهما في الخانية وفي البدائع الأسد والذئب والنمر والفهد يحل قتلها ولا شيء فيها وإن لم تصل لأن علة إباحة قتل تلك الأشياء هي الابتداء بالأذى والعدو على الناس غالبا وهذا المعنى موجود في هذه بل أشد فكان ورود النص في تلك ورودا في هذه إلا أن هذا مخالف لعامة الكتب فإن المسطور فيها أنه يقتل سائر السباع إذا صالت عليه ولا جزاء عليه حينئذ خلافا لزفر لا إذا لم تصل حتى لو قتلها حينئذ كان عليه الجزاء اللهم إلا الأسد على ما هو رواية عن أبي يوسف على ما في الخانية ثم الحاصل أن لقائل أن يقول لا يلزم من قول الهداية المذكور القول بمفهوم المخالفة أما على أنه لا يحل قتل ما سوى الخمس من الصيد البري فلجواز أن يكون ذلك بالأصل وقول الهداية على سبيل الإلزام للشافعي بناء على رأيه وأما على أنه يحل قتل الذئب أو والسبع ابتداء بلا جزاء ولا يحل قتل ما سواهما من الصيود البرية سباعا كانت أو غيرها فلمشاركتهم الشافعي في اللازم الذي هو إبطال العدد فما هو جوابهم عنه فهو جوابه وأما على أنه يحل قتل ما سواهن من السباع المذكورة ابتداء بلا جزاء كما في البدائع فأظهر لعدم تأتي الدفع المذكور حينئذ لاتحاد المذهبين هذا وقد قال الشيخ أبو بكر الرازي وقد كنت أسمع كثيرا من شيوخنا يقولون في المخصوص بعدد يدل على أن ما عداه فحكمه بخلافه كقوله صلى الله عليه وسلم
خمس يقتلهن المحرم في الحل والحرم
إنه دليل أنه لا يقتل ما عداهن وكقوله صلى الله عليه وسلم
أحلت لي ميتتان ودمان
يدل على أن غيرهما من الميتة والدم غير مباح وأحسب محمد بن شجاع قد احتج بمثل هذا ولست أعرف جواب المتقدمين في ذلك اه
قلت وغير خاف أن ما ذكره الطحاوي في شرح الآثار ظاهر في هذا أيضا وهو من المتقدمين ثم ليس ببعيد أن يكون صاحب الهداية وافق هؤلاء المشايخ على هذا وأما إلحاق كل منه قتل الذئب بالخمس ومن صاحب البدائع قتل السباع بها بطريق الدلالة فلظن أنه لا يبطل العدد لكون الثابت دلالة ثابتا بالنص ويعزب أن هذا لا ينفي أنه أبطل خصوص الخمس ويجيء فيه ما تقدم من أنه لو أراده لذكر عددا يحيط به معها أو اسما عاما يتناول الكل ثم قد ظهر عدم اتفاق مشايخنا على اعتبار مفهوم العدد وقد أنكره أيضا جماعة ممن قال بمفهوم المخالفة في الجملة كالقاضي أبي بكر وإمام الحرمين والبيضاوي فلا تتم حكاية الاتفاق من أصحابنا ومن الشافعية على اعتباره والله سبحانه أعلم
( قالوا )
أي القائلون بمفهوم الصفة
( صح عن أبي عبيد )
بلفظ المصغر بلا هاء في آخره القاسم بن سلام الكوفي كما ذكر
158
158
الأكثر أو عن أبي عبيدة بلفظ المصغر بهاء في آخره معمر بن المثنى كما في برهان إمام الحرمين
( فهمه )
أي مفهوم الصفة
( من لي الواجد ومطل الغني )
أي من الحديث الحسن الذي أخرجه أحمد وإسحاق والطبراني
لي الواجد يحل عرضه وعقوبته
ولبه بفتح اللام مطله وهو مدافعته والتعلل في أداء الحق الذي عليه وحل عرضه أن يقول مطلني وعقوبته الحبس ذكره البخاري عن سفيان الثوري وذكر أحمد وإسحاق عنه حل عرضه أن يشكوه فقال يدل على أن لي من ليس بواجد لا يحل عرضه وعقوبته ومن الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري وغيره
مطل الغني ظلم
فقال يدل على أن مطل غير الغني ليس بظلم
( وكذا عن الشافعي )
فهم مفهوم الصفة من المقيد بها
( نقله عنه خلق )
كثيرون من أصحابه
( وهما )
أي الشافعي وأبو عبيد
( عالمان باللغة )
والظاهر إن فهمهما ذلك لغة لأن أهلها لا يفهمون من مجرد اللفظ إلا ما يدل عليه لغة لا اجتهادا وإن كان احتمالا جائزا لأن اللغة إنما تثبت بقول أئمتها معناه كذا وهذا التجويز قائم فيه غير قادح في إفادته ظن ذلك ثم في هذا إشارة إلى قول الأكثر دليل المفهوم اللغة لا العرف العام كما قال الإمام الرازي ولا الشرع كما قال بعضهم
( وعورض )
قولهما
( بقول الأخفش ومحمد بن الحسن )
المفيد أن المقيد بالصفة لا يدل التقييد بها على نفي حكمه عما عداه وهما إمامان في العربية أما محمد فناهيك به وقد روى الخطيب البغدادي بإسناده عنه قال ترك أبي ثلاثين ألف درهم فأنفقت خمسة عشر ألفا على النحو والشعر وخمسة عشر ألفا على الحديث والفقه ثم إنه لجدير بما قيل
( وإن صخرا لتأتم الهداة به
كأنه علم في رأسه نار )
وأما الأخفش فإنه وإن لم يذكروا أي الأخافش الثلاثة المشهورين هو أبو الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد شيخ سيبويه أو أبو الحسن سعيد بن مسعدة صاحب سيبويه أو أبو الحسن علي بن سليمان صاحب ثعلب والمبرد فلا ضير لأن كلا إمام في هذا الشأن فلا ينهض الاحتجاج بقول ذينك الإمامين مع معارضة قول ذين الإمامين له في ذلك
( ولو ادعى السليقة في الشافعي فالشيباني مع تقدم زمانه أو العلم وصحة النقل للاتباع فكذا )
أي فإن زعم زاعم ترجح القول بمفهوم الصفة على القول بنفيه لأن الإمام الشافعي القائل به ذو طبع سليم وفهم مستقيم أو أنه غزير العلم وإنه صح عنه ذلك لكثرة أتباعه فهو معارض بأن هذا كله أيضا في الإمام محمد بن الحسن القائل بنفيه مع علاوة في جهة محمد لها مدخل في ترجيح جانبه على معارضه في مثل هذا وهو تقدم زمانه على زمان الشافعي في الجملة وعلى أبي عبيد أيضا فإن محمدا ولد سنة اثنتين وثلاثين ومائة وتوفي سنة تسع وثمانين ومائة والشافعي ولد سنة خمسين ومائة وتوفي سنة أربع ومائتين على الصحيح وتوفي أبو عبيد سنة أربع وعشرين ومائتين عن سبع وستين سنة أو ثلاث وسبعين إذ في متقدم الزمان من إدراك صحة الألسنة ما ليس في متأخره ومن ثمة استغنى الصدر الأول عن تدوين علم العربية ووجدت الحاجة إليه
159
159
فيما يلي زمانهم أو في آخره ثم ما زالت تشتد حتى صار من المهما 1 ت وما استفاض من السبب في تدوين أبي الأسود الدؤلي للنحو كما هو معروف في موضعه شاهد صدق لذلك ثم كلاهما ممن تلمذ له وأخذ عنه وخصوصا الشافعي حتى ذكر أصحابه وغيرهم عنه أنه قال حملت عن محمد بن الحسن وقري بختي كتبا وأسند الخطيب البغدادي عنه قال ما رأيت سمينا أخف روحا من محمد بن الحسن وما رأيت افصح منه كنت إذا رأيته يقرأ كأن القرآن نزل بلغته وقال أبو إسحاق في الطبقات وروى الربيع قال كتب الشافعي إلى محمد وقد طلب منه كتبا ينسخها فأخرها عنه
( قولوا لمن لم ترعين
من رآه مثله )
( ومن كأن من رآه
قد رأى من قبله )
( العلم ينهى أهله
أن يمنعوه أهله )
( لعله يبذله
لأهله لعله )
وعن أبي عبيد ما رأيت أعلم بكتاب الله من محمد بن الحسن إلى غير ذلك فلا اقل من أن لا يترجح أحد القولين على الآخر بواسطة قائله
( فإن قيل المثبت أولى )
بالقبول من النافي عند التعارض لأن النافي إنما ينفي لعدم الوجدان وهو لا يدل على عدم الوجود إلا ظنا والمثبت يثبت للوجدان وهو يدل على الوجود قطعا فيترجح القول به على القول بنفيه
( قلنا ذلك )
أي كون المثبت أولى بالقبول من النافي عند التعارض إنما هو
( في نقل الحكم عن الشارع ونفيه أما هنا )
أي في نقل الحكم اللغوي عن أهل اللغة
( فلا أولوية )
للمثبت على النافي
( وسيظهر )
وجهه قريبا وننبه عليه
( قالوا )
أي المثبتون للمفهوم مطلقا
( لو لم يدل )
تخصيص المقيد بوصف أو شرط أو غاية أو غيرها على نفي الحكم عن المسكوت
( خلا التخصيص )
بذلك
( عن فائدة )
لأن الفرض عدم فائدة غيره واللازم منتف لفرض بلاغة الكلام المشتمل عليه وخصوصا إن كان كلام الله أو رسوله فالملزوم مثله
( أجيب بمنع انحصار الفائدة فيه )
أي فائدة التخصيص بالذكر في نفي الحكم عن المسكوت إذ كل من تقوية الدلالة على المذكور لئلا يتوهم خروجه بتخصيص ومن نيل ثواب الاجتهاد بالقياس فائدة ثابتة في كل صورة لكن في هذا كلام سيتعرض له المصنف ونذكر ما يظهر فيه
( وبأنه )
أي وأجيب أيضا بأن القول بالمفهوم
( إثبات اللغة أي وضع التخصيص )
بالوصف أو غيره
( لنفي الحكم عن المسكوت بأنه )
أي التخصيص بالوصف أو غيره
( حينئذ )
أي حين جعل موضوعا لنفي الحكم عن المسكوت
( مفيد وهو )
أي إثبات اللغة
( باطل )
لأنه لا يثبت الوضع بما فيه من الفائدة وإنما يثبت بالنقل أو باستنباط العقل منه وهذا ليس كذلك فوضع بالرفع تفسير إثبات اللغة والباء في بأنه للسببية متعلق به
( وتحقيق الاستدلال )
المذكور
( يدفعه )
أي هذا الجواب
( وهو )
أي
160
160
تحقيقه
( أن الاستقراء )
أي التتبع لكلام أهل اللغة
( دل عنهم أن ما من التخصيص )
بوصف أو غيره
( ظن أن لا فائدة فيه سوى كذا )
مما يصلح أن يكون فائدة له في كلام العقلاء
( تعين )
ذلك مرادا منه
( وحاصله )
أي هذا التحقيق
( أن وضع التخصيص )
بالوصف أو غيره
( لفائدة )
معتبرة للعقلاء
( فإن ظنت )
الفائدة أمرا
( غير النفي عن المسكوت فهي )
أي فالفائدة المظنونة هي الموضوع لها التخصيص
( وإلا )
أي وإن لم يظن في التخصيص فائدة غير النفي عن المسكوت
( حمل )
التخصيص
( عليه )
أي على نفي الحكم عن المسكوت
( ولا يخفى أن مفيده )
أي مفيد أنه إذا لم يظهر للسامع فالفائدة لالفائدة المرادة نفي الحكم عن المسكوت
( نقل اللفظ )
أي اللفظ المنقول عن الواضع أو عن أهل اللغة أن التخصيص بالوصف أو غيره وضع لذلك
( ولا معنى له لاختلاف الفهم )
لأن الحاصل أنه وضع التخصيص بالوصف أو غيره دالا على النفي عن المسكوت إذا لم يظهر خلافه وعدم الظهور يختلف بالنسبة إلى الأفهام فلا تظهر فائدة أخرى لشخص وتظهر لآخر
( فكان )
التخصيص حينئذ
( وضعا للإفادة مؤديا للجهل )
بالموضوع له وهو باطل فكذا الملزوم
( والاستقراء إنما يفيد وجود الاستعمال )
أي استعمال المخصص بالوصف أو غيره في معناه وحكمه منفيا حكمه عن غيره من المسكوتات
( ثم غاية ما يعلم عنده )
أي عند وجود الاستعمال
( انتفاء الحكم عن المسكوت والكلام بعدذلك )
أي ولا كلام في وجود الانتفاء عن المسكوت في الجملة
وإنما النزاع بعد وجوده في تلك المواد
( في أنه )
أي انتفاء الحكم عن المسكوت
( مدلول اللفظ أو الأصل أو علم الواقع ) أي العلم به من خارج ولا شك أنه
( لا يفيد ذلك )
أي كونه مدلول اللفظ
( الاستقراء ولهذا )
أي ولأجل أنه لا يفيد كونه مدلول اللفظ الاستقراء
( نفاه من ذكرنا من أهل اللغة مع أن الاستعمالات والمرادات لم تخف عنهم )
فإن ما كان مفيده الاستقراء لا يختص بمعرفته بعض دون بعض من أئمة ذلك بل يشتركون في معرفته
( وهذا )
أي وإنما لم يفده مدلول اللفظ الاستقراء
( لأن أكثر ما انتفى فيه الحكم عن المسكوت يوافق الأصل )
المقرر له قبل ظهور تعلق ذلك الحكم بذلك المخصص
( والاستقراء يفيده )
أي استقراء المثل يفيد موافقة الأصل منها ما استدلوا به من مطل الغني ظلم ولي الواجد يحل عرضه وعقوبته فإن عدم الظلم وحل العرض والعقوبة هو الأصل وهو الثابت عند عدوم الغنى
( فلا يتمكن من إثباته )
أي إثبات انتفاء الحكم عن المسكوت
( باللفظ )
لأنه إذا قال دل اللفظ على الانتفاء يقال له لم يكن لدلالة الأصل عليه إذ كان الأصل العدم
( وفيه )
أي وفي إثباته باللفظ
( النزاع وإذ قد ظهر أن الدليل )
للانتفاء عن المسكوت
( الفهم )
له
( وفي مفيده )
أي الفهم
( احتمال لما ذكرنا )
من احتمال كونه اللفظ أو النظر إلى الأصل أو علم الواقع
( اتحد حال الإثبات والنفي )
فيجب أن لا يثبت ذلك ولا ينفي إلا بنقل اللعة بطريقها فيه
( فإن أجيب عن المنع )
أي عن الجواب القائل بمنع انحصار الفائدة في النفي عن الغير كما قررناه بتسليم المنع ثم القول بأنه
161
161
( وضع التخصيص للفائدة وضع المشترك المعنوي )
بين أفراده وهو أن يكون موضوعا لإفادة ما يخرج به عن كونه لغوا
( وكل فائدة فرد مه )
أي منه هذا المعنى الكلي
( تتعين )
أن تكون هي المرادة
( بالقرينة )
المعينة لها
( في المورد وهي )
أي القرينة المعينة للفائدة التي هي النفي عن المسكوت
( عند عدم قرينة غير النفي عن المسكوت لزوم عدم الفائدة إن لم يكن )
النفي عن المسكوت هو الفائدة حينئذ من ذلك
( فيجب )
النفي عن المسكوت حينئذ
( مدلولا لفظيا )
لأن المتواطئ يدل على كل فرد باللفظ عند قيام الدليل على أن ذلك الفرد هو المراد
( قلنا لا دلالة للأعم على الأخص )
بخصوصه بشيء من الدلالات الثلاث
( فليس )
النفي عن المسكوت مدلولا
( لفظيا بل )
الدلالة
( للقرينة )
المعينة له قلت لكن على هذا أن يقال إن تم هذا فإنما يتم على المنطقيين لا على الأصوليين فإن المعنى المجازي مدلول اللفظ ولا ينزل إرادة فرد معين لمعنى كلي بقرينة معينة له باللفظ المؤدي له عن إرادة مجازي للفظ بقرينة صارفة عن معناه الحقيقي إليه في كونه مدلولا لفظيا فالأولى الاقتصار على نفي انتفاء القرينة على غير النفي عن المسكوت
( والثابت عدم العلم بقرينة الغير )
أي غير نفي الحكم عن المسكوت
( لا عدمها )
أي قرينة غير نفي الحكم عن المسكوت وعدم العلم بالقرينة لا يوجب عدم القرينة إذ من الجائز وجودها وإنما لم يقع العلم بها لفقد شرط أو وجود مانع
( فيكون )
المتواطئ
( مجملا في المسكوت وغيره )
لخفاء المراد به فيتوقف كونه لنفي الحكم عن المسكوت على المعين له
( لا موجبا فيه )
أي في المسكوت
( شيئا كرجل بلا قرينة في زيد )
فإن رجلا مجمل في زيد وغيره مما صح إطلاقه عليه يتوقف كونه المراد به عند إطلاقه على قرينة تعينه ولا يوجبه بخصوصه مجرد إطلاقه لكونه فردا من أفراد معناه
( فإن قيل )
لا نسلم كون الثابت عدم العلم بقرينة غير النفي عن المسكوت لا عدم القرينة
( بل )
عدم الاطلاع على قرينة ما سواه
( ظاهر في عدمها )
أي قرينة غير النفي عن المسكوت
( بعد فحص العالم )
عن القرينة كما هو الفرض
( قلنا )
ظهور عدمها
( ممنوع وإلا )
أي ولو لم يكن الظهور ممنوعا
( لم يتوقف في حكم وقد ثبت عن الأئمة )
أي لكن ثبت التوقف عن المجتهدين في أحكام كثيرة فالظاهر عدم ظهورها قلت لكن على هذا أن يقال لا نسلم لزوم عدم التوقف في حكم أصلا لظهور قرينة ما سوى النفي عن المسكوت وإنما هو لازم للظهور مع انتفاء المعارض المساوي والراجح وليس هذا بالمدعى وإنما المدعى مجرد الظهور
( فإن قيل )
التوقف
( نادر )
فيلزم ثبوت الظهور
( قلنا فمواضع الخلاف كثيرة تفيد عدم الوجود بالفحص للعالم )
أي تفحص المخطئ في ذلك الخلاف مع أنه عالم مجتهد وإلا لم يخالف فانتفى الظهور قلت إلا أنه يطرق هذا أيضا أن الخلاف من المخطئ الفاحص ليس بلازم أن يكون عن عدم الوجود بعد الفحص لجواز أن يكون ظفر بالقرينة وإنما عدل عن
162
162
مقتضى ذلك لعارض هو عنده أرجح منه وإن كان في الواقع ليس كما عنده وهذا كثير بثير بالنسبة إلى منطوقات الدلائل فضلا عن مفاهيمها المحتملة
( ولو سلم )
أن فحص العالم مع عدم الوجدان ظاهر في انتفاء قرينة غير النفي عن المسكوت حتى يلزم النفي عن المسكوت
( في غير الشارع اقتصر )
أي وجب أن يقتصر الحكم عن المسكوت عند عدم الظهور على كلام غير الشارع
( فقلنا به )
أي بالاقتصار
( في غيره )
أي غير الشارع
( من المتكلمين للزوم الانتفاء )
أي انتفاء الفائدة
( لولاه )
أي انتفاء الحكم عن المسكوت
( أما الشارع فللقطع بقصدها )
أي الفائدة
( منه )
أي من الشارع في تخصيصه
( يجب تقديرها )
أي الفائدة فإذا لم يظهر كونها غير النفي عن المسكوت لا يلزم كونها إياه لجواز كونها غيره مما لم يظهر والعلم واقع بسعة اعتبارات الشرع بما يقصر عن دركه العقل
( فلا يلزم الانتفاء ) أي انتفاء الفائدة
لولا الانتفاء )
أي انتفاء الحكم عن المسكوت
( فإثباته )
أي نفي الحكم عن المسكوت هو الفائدة المرادة حينئذ
( إقدام على تشريع حكم بلا ملجئ )
أي موجب له لأن الموجب كان لزوم انتفاء الفائدة من تخصيصه لولا انتفاء الحكم عن المسكوت وهذا الموجب منتف هنا لأنا نحكم بإرادة فائدة غير أنا لا نعلمها إذ لم يدل على تعيينها دليل كذا أفاده المصنف رحمه الله تعالى
( فإن قيل )
نفي الحكم من المسكوت
( ظني )
فيكفي في ثبوته ظن أن لا فائدة في التخصيص سواه
( قلنا )
كونه ظنيا مسلم لكن ظنه
( ظن )
الفرد
( المعين )
من أفراد المتواطئ من بين سائرها ذلك
( عند انتفاء معينه ممنوع )
إذ لا موجب له حينئذ وهذا الظني في كلام الشارع كذلك لأن المعين له كما قال
( وعلمت أنه )
أي المعين لنفي الحكم عن المسكوت
( لزوم انتفاء الفائدة )
على تقدير انتفائه
( وانتفاءه )
أي وعلمت انتفاء لزوم انتفاء الفائدة في كلام الشارع على تقدير أن لا يكون هو فائدة التخصيص لسعة اعتبارات الشارع بما يقصر العقل عن دركها فلا يجدي مجرد ظن أن لا فائدة في التخصيص سواه ثبوته
( واندفع بما ذكرنا )
من أن مفيد كون الفائدة المرادة من التخصيص نفي الحكم عن المسكوت هو اللفظ المنقول عن الواضع أو أهل اللغة إلى آخر ما تقدم مشروحا ومن أنه يجب القطع بقصد الفائدة في التخصيص من كلام الشارع وإذا لم يظهر يجب تقديرها الاتساع دائرة اعتباراته فلا يلزم انتفاؤها نفي كلامه لولا أن يكون في الحكم عن المسكوت
( قولهم )
أي المثبتين للمفهوم أيضا
( تثبت دلالة الإيماء دفعا للاستبعاد )
كما تقدم تقريره
( فالمفهوم )
أي فلتثبت دلالة اللفظ على مفهوم المخالفة
( لدفع عدم الفائدة )
على تقدير أن لا يكون هو الفائدة في التخصيص
( أولى )
لأن الحذر من لزوم غير المفيد أجدر من لزوم البعيد وفي قوله
( ولو جعل )
هذا
( إثباتا لإثبات الوضع بالفائدة )
إشارة إلى عدم افتراق حال هذا في الاندفاع بين أن يكون دليلا مستقلا على المطلوب كما مشى عليه القاضي عضد الدين وبين أن يكون جوابا ثانيا للجواب القائل لا نسلم أنه إثبات الوضع بالفائدة بل بالاستقراء عن اعتراض النافين بأن في القول بمفهوم
163
163
المخالفة إثبات الوضع بالفائدة كما ذهب إليه غيره من شارحي مختصر ابن الحاجب حتى يكون تقريره كما قال المحقق التفتازاني لا نسلم بطلان إثبات الوضع بالفائدة والسند أنه إذا جاز ذلك تفاديا عن لزوم المستبعد فأولى أن يجوز تفاديا عن لزوم الممتنع مع ما في ذلك من الإيماء إلى أن للقوم في ذلك طريقين
ووجه الاندفاع ظاهر وهو أنه لا يلزم من إثبات كون الوصف المقترن بحكم الصالح لعليته دالا عليها دفعا لاستبعاد اقترانه به إذا لم يكن كذلك دلالة اللفظ على ما لم يقم على تعيينه له معين مع إفضاء القول به إلى نسبة الواضع الحكيم إلى إيقاع السامعين في الجهل وأيضا نمنع انتفاء الفائدة في كلام الشارع على تقدير انتفاء المفهوم كما ذكرنا فلا يلزم من القول بدلالة الإيماء في كلام الشارع القول بمفهوم المخالفة فيه أيضا بطريق المساواة فضلا عن الأولوية
( وأما الاعتراض )
من النافين
( عليه )
أي على قول المثبتين لو لم يدل التخصيص بالوصف على نفي الحكم عن المسكوت عند عدم ظهور غيره لخلا عن الفائدة
( بأن تقوية دلالته )
أي الموصوف
( على الثبوت في الموصوف )
أي على ثبوت حكمه في أفراده المتصفة بتلك الصفة حتى لا يتوهم تخصيصها منه بالاجتهاد
( فائدة )
ثابتة في كل فرد من أفراد مفهوم الصفة أيضا فلا يتعين أن يكون فائدة ذكرها النفي عن المسكوت وإنما قلنا يفيد التقوية المذكورة لأنه لو أتى بالعام دونها أمكن تخصيصه بالاجتهاد ففي الغنم زكاة يجوز أن يكون المراد المعلوفة تخصيصا فإذا ذكر السائمة زال هذا الوهم
( وكذا ثواب القياس )
أي ثواب الاجتهاد في إلحاق المسكوت بالذكور بمعنى جامع بينهما فائدة ثابتة في كل فرد من أفراد مفهوم الصفة أيضا فلا يتعين أن يكون فائدة ذكرها النفي عن المسكوت فإذن لا يتحقق مفهوم الصفة لعدم تحقق شرطه
( فدفع الأول )
وهو أن تقوية الدلالة على ثبوت الحكم في كل فرد من أفراد الموصوف بتلك الصفة فائدة ثابتة في كل فرد من أفراد مفهومها
( بأنه )
أي جواز التخصيص في الموصوف
( فرفع
( فرع عموم الموصوف في نحو في الغنم السائمة زكاة ولا قائل به )
أي بعموم الموصوف في مثل الغنم الموصوفة بالسائمة حتى تكون الغنم متناولة للسائمة والمعلوفة وإن كان الغنم بدون التقييد بأحدهما عاما متناولا لهما فيجب رده
( ولو ثبت )
العموم
( في مادة )
كالصورة المذكورة مثلا
( فصار المعنى في الغنم سيما السائمة )
زكاة
( خرج عن النزاع )
لأن النزاع فيما لا شيء يقتضي التخصيص فيه سوى مخالفة المسكوت للمذكور ودفع التخصيص فائدة سواها
( والثاني )
أي ودفع أن ثواب الاجتهاد في إلحاق المسكوت بالمذكور بجامع بينهما فائدة ثابتة في كل صورة
( بأنا شرطنا في دلالته )
أي التخصيص على نفي الحكم عن المسكوت
( عدم المساواة في المناط والرجحان وسيدفع هذا )
أي عدم مساواة المسكوت للمنطوق في المعنى المقتضي لحكمه وعدم كونه أولى من المنطوق به فإذا وجد أحدهما خرج عن محل النزاع لانتفاء شرطه حينئذ وهو أن لا يظهر أولوية في المسكوت ولا
164
164
مساواة
( ونقضه )
أي دليل مثبتيه لو لم يدل على نفي الحكم عما عداه لم يكن مفيدا
( بمفهوم اللقب )
أي بأنه يجيء فيه أيضا مثله بأن يقال لو لم يدل على نفي الحكم عما عداه لم يكن مفيدا فيلزم أن يعتبر وليس بمعتبر إلا عند شذوذ
( مد 1 فوع بأنه )
أي ذكر اللقب
( ليصح الأصل )
فإنه يختل بإسقاطه وعدم الاختلال أعظم فائدة فلم يصدق أنه لو لم يثبت المفهوم لم يكن ذكره مفيدا وهو المقتضي لإثبات المفهوم فتنتفي دلالته على المفهوم وتعقب الفاضل الكرماني إياه بأنه لو حذف في السائمة من في السائمة زكاة لاختل الكلام فلم يبق الفرق قائما اه غير متجه لأن المراد أنه لا يختل الكلام في مفهوم الصفة بحذفها إذا كان الموصوف مذكورا وهو في هذا غير مذكور ثم هذا على ما قدمناه من أنه قول الجمهور وأنه الأوجه وإلا فقد علمت ثمة أنه مفهوم لقب عند السبكي
( ومن أدلتهم )
أي القائلين بالمفهوم
( المزيفة )
أي المضعفة لمفهوم الصفة
( لو لم يكن )
ذكر الصفة
( للحصر )
أي يدل على ثبوت الحكم للمذكور ونفيه عن المسكوت
( لزم اشتراك المسكوت والمذكور في الحكم )
لأنه لا واسطة بين اختصاصه بالمذكور وبين اشتراكهما فيه
( وهو )
أي لكن اللازم الذي هو الاشتراك
( منتف للقطع بأنه )
أي الحكم
( ليس له )
أي للمسكوت وإنما هو للمذكور
( بل )
كونه للمسكوت أيضا
( محتمل )
فتعين الحصر
( ودفع )
هذا الدليل
( بمنع الملازمة )
أي لا نسلم أن ذكر الوصف لو لم يدل على نفي الحكم عن المسكوت تعين الاشتراك
( بل اللازم عدم الدلالة على اختصاص ولا اشتراك بل )
الدلالة
( على مجرد تعلق الحكم بالمذكور )
وهذا واسطة بين الحصر والاشتراك فدعوى عدمها ممنوع
( وللإمام )
أي إمام الحرمين استدلال
( قريب منه )
أي من هذا الدليل وهو ذكر الوصف
( لو لم يفد الحصر )
أي ثبوت الحكم في المذكور ونفيه عن المسكوت
( لم يفد اختصاص الحكم )
بالمذكور إذ لا معنى للحصر فيه إلا اختصاصه به دون غيره فإذا لم يحصل لم يحصل
( لكنه )
أي الوصف
( يفيده )
أي الاختصاص
( في المذكور )
به فيفيد الحصر وهو المطلوب
( وجوابه منع انتفاء اللازم )
أي لا نسلم انتفاء عدم إفادته اختصاص الحكم بالمذكور
( بل إنما يفيد )
هذا الكلام
( الحكم على المذكور لا اختصاصه )
أي الحكم
( به )
أي بالمذكور
( مع ما في تركيبه )
أي هذا الدليل من المصادرة على المطلوب
( إذ هو )
في المعنى
( لو لم يفد الحصر لم يفد الحصر )
غايته أن لفظ الاختصاص أوضح دلالة من الحصر فاندفع قول الأبهري في تالي هذه الشرطية تفصيل ليس في مقدمها فلا يعد من استلزام الشيء لنفسه وفي نقيض تاليها تفصيل ليس في نقيض مقدمها فلا يعد من المصادرة على المطلوب بل هو من الاستدلال من التفصيل على الجملة اه ثم إنما قال وللإمام قريب منه مع أن حاصلهما واحد للاختلاف بينهما في المقدمات
( وما روي لأزيدن على السبعين )
أي ومن أدلة مثبتيه على مفهوم العدد ما في الصحيحين أنه لما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي على عبد الله بن أبي بن اسلول قام عمر فأخذ بثوبه فقال يا
165
165
رسول الله تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
إنما خيرني الله فقال ! < استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة > !
وسأزيده على السبعين
وأخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد في تفسيره عن قتادة والطبري عن عروة مرسلا بلفظ الكتاب فإنه صلى الله عليه وسلم فهم أن حكم ما زاد على السبعين خلاف حكمها
( وأجيب بأنه )
أي ذكر السبعين في الآية
( ليس محل النزاع للعلم بأن ذكرها للمبالغة )
في الكثرة على عادة ذكرهم إياها في معرض التكثير
( واتحاد الحكم )
أي وللعلم باتحاد الحكم وهو عدم المغفرة
( في الزائد )
عليها وفيها
( فكيف يفهم )
رسول الله صلى الله عليه وسلم
( الاختلاف )
بينها وبين الزائد عليها في الحكم
( فلأزيدن تأليف وعلم أن الاختلاف )
أي اختلاف السبعين والزائد عليها في الحكم
( جائز )
في جنس هذا المقام
( إن ثبت يجب كونه من خصوص المادة وهو قبول دعائه )
صلى الله عليه وسلم لا من دلالة اللفظ فعلم مبتدأ ويجب خبره
والحاصل كما قال المصنف إنه أجاب بجوابين على تقديرين
الأول على تقدير أن السبعين كناية عن السبعين فما زاد وحينئذ يكون حكم الزائد مثل حكم السبعين وذكر أن ذلك معلوم للنبي صلى الله عليه وسلم وغيره فلم يكن فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم انتفاء الحكم عن المسكوت فقوله لأزيدن تأليف لقلوب أقاربهم من المؤمنين بإظهار الحدب عليهم وبلوغ الغاية في طلب المغفرة لهم وإن لم يفد ولا يقال فهو حينئذ شغل بما لا يفيد لأن نفس الاستغفار تضرع ودعاء وهو في نفسه مطلوب مع أنه يفيد ما ذكرنا من التأليف لأنه عبادة
والثاني على تقدير أن يراد بالسبعين خصوصها فيعلم أن الاختلاف بين السبعين وما زاد عليها جائز فعلم أنه جائز حتى زاد عليها جاز كونه مستندا إلى الأصل من قبول دعائه لا اللفظ اه هذا وقد ذهل جماعة من الأساطين عن رواية هذا الحديث في الصحيحين وغيرهما فأنكروا صحته بالتصميم فلا يتبعون فيه وفوق كل ذي علم عليم
( وقول يعلى بن أمية لعمر ما بالنا نقصر وقد أمنا في الشرط فقال عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صدقة تصدق الله بها عليكم )
أي ومن أدلة مثبتيه المزيفة على مفهوم الشرط هذا المروي فإن عمر ويعلى رضي الله عنهما فهما تقييد قصر الصلاة بحال الخوف وعدم قصرها عند عدم الخوف وأقر النبي صلى الله عليه وسلم عمر على ذلك ولولا إفادته ذلك لغة لما كانا ثم هذا مخرج لفظ أكثره في صحيح مسلم والسنن ومسندي أحمد وأبي يعلى والباقي فيها معنى وفي آخره فاقبلوا صدقته
( والجواب )
لا نسلم أنه لازم فهمهما عدم القصر من التقييد بالخوف إذ من الجائز
( جواز بنائهما )
العجب من القصر
( على الأصل )
في الصلاة قبل السفر الواقع فيه الخوف
( وهو الإتمام وإنما خولف )
الأصل فيها
( في الخوف )
بالآية ولهذا ذكراها عند التعجب أي القصر حال الخوف إنما يثبت بالآية فما بال حال الأمن لم يبق ما هو الأصل فيها من الإتمام قلت إلا أن هذا لا يتأتى على قول أصحابنا الأصل فيها القصر والإتمام في حق المقيم بعارض الإقامة
166
166
حتى لو صلى المسافر الرباعية إماما أو منفردا أربعا إن أتى بالقعدة الأولى أساءن وإن لم يأت بها فسدت صلاته ويشهد لهم ما في الصحيحين عن عائشة قالت فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر لفظ البخاري ويشكل بظاهر الآية وهو الحامل لبعضهم على القول بأن المراد بالقصر فيها قصر الأحوال لا الذات يعني إباحة الصلاة بالإيماء مع تخفيف القراءة والتسبيحات لا أعداد الركعات والحديث ينبو عنه سياقا ونصا
والذي سنح للعبد الضعيف غفر الله تعالى له في الجمع بين ظاهر الكتاب والسنة أن يقال والله سبحانه أعلم لما تقررت الزيادة في الإقامة كان مظنة أن يكون في السفر كذلك لأن الأصل عدم اختلاف الإقامة والسفر في الأحكام فأبانت الآية اختلافهما في هذا الحكم وسمت تقرير الحالة الأولى قصرا نظرا إلى ما استقر الحال عليه إقامة وخرج التقييد بالشرط مخرج الغالب لأنه الغالب من حالهم وقت نزولها وإنما تعجبا لظنهما ثبوت الزيادة في حق المسافر الغير الخائف بالنظر إلى ما هو الأصل من عدم اختلاف المقيم والمسافر في الأحكام ومن كون الشرط غير خارج مخرج الغالب وكان ترك الزيادة في السفر مطلقا كما وقعت في الإقامة مطلقا صدقة من الله وصدقة الله لا ترد فانزاح الإشكال
( وإن في القول به تكثير الفائدة )
أي ومن أدلة مثبتيه المزيفة عليه مطلقا هذا لاشتماله على النفي عن المسكوت بخلاف عدم القول به لاقتصاره على الحكم للمذكور وما كثرت فائدته راجح على ما ليس كذلك لملاءمته لغرض العقلاء
ونقض )
هذا الدليل نقضا إجماليا
( بلزوم الدور )
والمعترض به الآمدي وحاصله لو صح ما ذكرتم لزم أن تتوقف دلالة اللفظ على المفهوم على تكثير الفائدة وهو يتوقف على دلالة اللفظ على المفهوم أما الأولى فلأن دلالته على النفي تتوقف على وضعه له وهو يتوقف على تكثير الفائدة لأنه جعل وضعه له معللا بتكثيرها فيكون علة لوضعه له والمعلول متوقف على علته وأما الثانية فلأن تكثير الفائدة إنما هو بواسطة دلالة اللفظ على الثبوت للمنطوق والنفي عما عداه فمتى لم يدل إلا على الثبوت للمنطوق لا غير لم يكن فيه تكثيرها وهذا دور ظاهر
( وليس )
هذا النقض
( بشيء
قادح في صحة الدليل المذكور
( لظهور أن الموقوف عليه الدلالة )
أي دلالة اللفظ على النفي عن المسكوت
( وتعلقها )
أي تعقل الواضع كثرة الفائدة
( واقعة )
في وضع اللفظ للنفي عن المسكوت مع الثبوت للمذكور ثم وضعه لذلك لا حصول كثرة الفائدة المسبب عن الوضع المذكور
( وتحققها )
أي وحصول كثرة الفائدة في الخارج
( هو الموقوف عليها )
أي على الدلالة التي هي فرع الوضع المذكور فلا دور لاختلاف جهتي التوقف
( بل الجواب ) عن النقض المذكور
( ما تقدم )
من أنه يلزمه إثبات اللغة بالفائدة وهو باطل فالملزوم مثله
( وإنه لو لم يكن المسكوت مخالفا لزم حصول الطهارة قبل السبع في طهور إناء أحدكم )
أي ومن أدلة مثبتيه المزيفة على مفهوم العدد منه أيضا أنه لو لم
167
167
يكن المسكوت مخالفا للمذكور في حكمه للزم حصول طهارة الإناء الذي ولغ الكلب فيه قبل أن يغسل سبعا فيما في صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا
طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب
( والتحريم )
أي وحصول تحريم نكاح الشخص من لم يقم به موجب من موجبات التحريم عليه إذا اشتركا في الرضاع في مدته
( قبل الخمس في خمس رضعات يحرمن )
أي قبل خمس رضعات فيما في صحيح مسلم وغيره عن عائشة موقوفا عليها كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات يحرمن فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهي فيما نقرا من القرآن لأنه لا واسطة بين النفي والإثبات والفرض أنه لا يدل على النفي فيكون الثابت الإثبات وهو ما ذكرنا
( ويلزم تحصيل الحاصل )
حينئذ في كليهما لحصول كل من الطهارة والتحريم قبل السبع والخمس وتحصيل الحاصل محال فإثبات السبع الطهارة والخمس التحريم كذلك وهو يناقض النص المفيد لكل من إثبات السبع الطهارة والخمس التحريم
( وأجواب منع الملازمة )
أي لا نسلم أنه لو لم يدل اللفظ على النفي عن المسكوت لزم حصول الطهارة والتحريم قبل السبع والخمس فيهما
( بل اللازم )
فيهما على هذا التقدير
( عدم الدلالة على نفي الطهارة والتحريم )
قبل وجود السبع والخمس
( وإنما يلزم ما ذكر )
من التحريم قبل الخمس
( لو لم يكن الأصل )
فيمن قام به هذا الأثر
( عدم التحريم )
لكن الفرض أن الأصل فيه عدم التحريم
( فيبقى )
هذا الأصل فيه مستمرا
( إلى وجود ما علق به )
وهو خمس رضعات
( ضده )
وهو التحريم
( وكذا صارت النجاسة متقررة بالدليل فيبقى كذلك )
أي إنما يلزم طهارة الإناء قبل السبع لو لم يكن الأصل المتقرر له بعد الولوغ فيه النجاسة بدليلها وهو العلم به وإن كان الأصل فيه قبل الولوغ الطهارة لكن الأصل المتقرر له إنما هو ذلك فتبقى النجاسة مستمرة إلى وجود ما علق به وهو الغسل سبعا ضدها وهو الطهارة هذا كله بالنسبة إلى الشافعية
( وأما الحنفية فالتحريم )
بالرضاع لا يتوقف عندهم على خمس بل يثبت
( بقليله والطهارة قبله )
أي طهارة الإناء الذي ولغ الكلب فيه لا تتوقف على السبع بل تثبت قبل السبع
( بالثلاث )
على ما ذكره الحاكم في إشاراته وهو أيضا مقتضى نقل بعضهم عن أبي حنيفة وجوبها واستحباب الأربعة بعدها وبغلبة ظن زوالها على ما ذكره الوبري فإنه قال لا توقيت في غسلها بل العبرة فيه الأكبر الرأي ولو مرة ونقله النووي عن أبي حنيفة وبعضهم عنه وعن أصحابه
( وهما )
أي توقف التحريم بالرضاع على خمس وطهارة الإناء الذي ولغ فيه الكلب على سبع عندهم
( منسوخان اجتهادان )
منهم
( بالترجيح )
قال المصنف أي بسبب ترجيح ما عندهم من المعارض فإن كل موضع تعارض فيه دليلان فرجح المجتهد أحدهما يلزم بالضرورة القول بمنسوخية الآخر وإلا كان تركا لدليل صحيح عن الشارع فتأمل اه
قال العبد الضعيف غفر الله تعالى له والمعارض الراجح عندهم في طهارة الإناء
168
168
بالثلاث ما روى ابن عدي عن عطاء عن أبي هريرة مرفوعا
إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه وليغسله ثلاث مرات
مع ما أخرج الدارقطني بسند صحيح عن عطاء موقوفا على أبي هريرة أنه كان إذا ولغ الكلب في الإناء أهراقه ثم غسله ثلاث مرات ولا يضر رفع الأول قول ابن عدي لم يرفعه غير الكرابيسي والكرابيسي لم أجد له حديثا منكرا غير هذا فقد قال أيضا لم أر به بأسا في الحديث وقال شيخنا الحافظ صدوق فاضل ثم كما مال شيخنا المصنف الحكم بالضعف والصحة إنما هو في الظاهر أما في نفس الأمر فيجوز صحة ما حكم بضعفه ظاهرا وثبوت كون مذهب أبي هريرة ذلك قرينة تفيد أن هذا مما أجاده الراوي المضعف وحينئذ فيعارض حديث السبع ويقدم عليه لأن مع حديث السبع دلالة التقدم بما كان من التشديد في أمر الكلاب أول الأمر حتى أمر بقتلها والتشديد في سؤرها يناسب كونه إذ ذاك وقد ثبت نسخ ذلك فإذا عارض قرينه معارض كان التقدمة له وهذا معنى قول صاحب الهداية والأمر الوارد بالسبع محمول على الابتداء وبغلبة الظن من غير اشتراط عدد هذا مع زيادة ثم الظاهر أن ليس الغسل منها تعبديا بل لأجلها فيكون المناط ظن زوالها كما في الطهارة من غيرها من سائر النجاسات الغير المرئيات ووقوع غسل أبي هريرة ثلاثا جاريا مجرى الغالب لا أنه ضربة لازب كما قالوا مثله في حديث المستيقظ والله سبحانه أعلم والمعارض الراجح وعندهم في تحريم قليل إرضاع إطلاق الكتاب كقوله تعالى ! < وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم > ! والسنة كحديث الصحيحين
يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب
ويقدم إطلاق الكتاب لقطعيته ويحرم من الرضاع لسلامته من القوادح سندا ومتنا بخلاف حديث الخمس فقد قال الطحاوي منكر والقاضي عياض لا حجة فيه لأن عائشة أحالت ذلك على أنه قرآن وقد ثبت أنه ليس بقرآن ولا تحل القراءة به ولا إثباته في المصحف إذ القرآن لا يثبت بخبر الواحد فسقط التعلق به
( أو نقلا )
أي أو هما منسوخان نقلا والمفيد للنسخ نقلا بالنسبة إلى تعلق طهارة الإناء بغسله سبعا من ولوغ الكلب عمل أبي هريرة على خلافه لأنه كما قال شيخنا المصنف رحمه الله تعالى ظنية خبر الواحد إنما هو بالنسبة إلى غير راويه فأما بالنسبة إلى راويه الذي سمعه من في النبي صلى الله عليه وسلم فقطعي حتى ينسخ به الكتاب إذا كان قطعي الدلالة في معناه فلزم أن لا يتركه إلا لقطعه بالناسخ إذ القطعي لا يترك إلا لقطعي فبطل تجويزهم تركه بناء على ثبوت ناسخ في اجتهاده المحتمل للخطأ وإذا علمت ذلك كان تركه بمنزلة روايته للناسخ بلا شبهة فيكون الآخر منسوخا بالضرورة غير أن على التقدير لزوم الثلاث لا يكون الاقتصار على وقوع الثلاث منه جاريا مجرى الغالب بل لأنه ضربة لازب بخلافه على غير تقدير لزومها فليتأمل والمفيد للنسخ نقلا بالنسبة إلى تعلق التحريم بخمس رضعات ما روى المشايخ عن ابن عباس لما قيل له إن الناس يقولون إن الرضعة لا تحرم قال كان ذلك ثم نسخ وعن ابن مسعود قال آل أمر الرضاع إلى أن قليله وكثيره يحرم وعن ابن عمر أن
169
169
القليل يحرم ثم تكون هذه الآثار صالحة لنسخ حديث عائشة عندهم وإن لم تكافئه في صحة السند ظاهرا لانقطاعه باطنا لما يلزمه من نسخ القرآن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من ثبوت قول الرافضة ذهب كثير من القرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يثبته الصحابة وكلاهما باطل معدود بطلانه من ضروريات الدين فتقوي هذه الآثار على نسخه ويقع القطع بمضمونها والله سبحانه أعلم ثم إذ كان المذهب عند أصحابنا ما قدمناه
( فاللازم حق )
أي فجوابهم عن هذين الدليلين أن حصول الطهارة قبل السبع بالثلاث أو بغلبة ظن زوالها والتحريم قبل وجود خمس رضعات حق
( فيسقطان )
أي الدليلان المذكوران
تنبيه
ولو حول الاستدلال المذكور في السبع إلى الثلاث بعد القول بلزومها عند مشايخنا ليتم على قولهم فالجواب عنه مثل ما أجيب به عن الشافعية في السبع وتقريره ظاهر مما بيناه ثم غير خاف أن هذين الدليلين بعد ما فيهما إنما يتمشيان على قول القائل بأن دليل المفهوم الشرع وقد عرفت أنه خلاف قول الأكثر ثم قد كان الأحسن ذكرهما ولاء قوله وما روي لأزيدن على السبعين لاشتراكها في أنها أدلة على مفهوم العدد
( واعلم أن المعول عليه )
من الحجة
( في نفي المفهوم )
أي في عدم القول به عند الحنفية
( عدم ما يوجبه )
أي القول به
( إذ علم أن الأوجه )
المذكورة لإثباته
( لم تفده )
أي إثباته
( وأيضا الاتفاق على أن المصير إليه )
أي إلى القول به إنما هو
( عند عدم فائدة أخرى )
سواه لتخصيص ذلك بالذكر
( وهي لازمة )
أي لكن الفائدة التي ليست إياه لازمة له أبدا في كل صورة
( إذ ثواب الاجتهاد للإلحاق ) أي لإلحاق المسكوت بالمذكور في حكمه بجامع بينهما إن أمكن
( فائدة لازمة )
له كما ذكرنا فحينئذ لا تحقق له أصلا كما سلف
( والدفع )
لهذا
( بأن شرطه )
أي القول بالمفهوم
( عدم المساواة )
والرجحان في المناط ولم يذكره هنا اكتفاء بما تقدم مع ظهوره فعندها أي المساواة أو الرجحان ذلك المحل
( غير )
محل
( النزاع )
كما تقدم بيانه
( ليس بشيء )
يقوي على دفعه
( لأن فائدة الثواب )
أي الفائدة التي هي الثواب
( تلزم الاجتهاد )
السائغ مطلقا كما عرف
( أوصل )
الاجتهاد المجتهد
( إلى ظن المساواة )
أي مساواة المسكوت في المعنى المقتضي للحكم في المذكور فيثبت ذلك الحكم في المسكوت أيضا
( أو )
أوصله
( إلى عدمها )
أي المساواة المذكورة
( أو لا )
أي أو لم يوصله إلى أحدهما
( ثم ينتفي الحكم )
للمذكور عن المسكوت على كل من الأخيرين
( بالأصل )
وإنما غايته أن المصيب أكثر أجرا
ثم لما كان هنا مظنة أن يقال كيف يتصور الاجتهاد في كل صورة من صور التخصيص وعدم مساواة المسكوت للمذكور في المعنى المقتضي لحكمه وقد يكون معلوما في بعض الصور فيمتنع الاجتهاد إذ لا قياس مع انتفائها قدره مجيبا عنه بقوله
( وعدم المساواة ليس لازما بينا لكل تخصيص ليمتنع الاجتهاد لاستكشاف حال المسكوت )
لظهور عدمها لسامعه ببادئ
170
170
الرأي فيكون حال المسكوت مكشوفا بدون الاجتهاد حينئذ لكن على هذا أن يقال إن في تسليم كون عدم المساواة ليس لازما بينا لكل فرد فرد من أفراد التخصيص على سبيل الاستغراق تأملا ثم هذا ما تقدم الوعد به بقوله وسيدفع
( ولهم )
أي وللحنفية كأنهم ذكروا بذكر نفي المفهوم إذ هو يستلزم النافي
( غيره )
أي هذا المعول عليه
( أدلة منظور فيها )
غالبها في الحقيقة اعتراضات
( منها انتفاؤه )
أي المفهوم
( في الخبر نحو في الشام غنم سائمة )
فإنه لا يدل على عدم المعلوفة فيها كما هو معلوم من اللغة والعرف قطعا
( مع عموم أوجه الإثبات )
له في الخبر كما في الإنشاء فإنها متواطئة على أن الملجئ القول به لزوم عدم الفائدة للتخصيص لولاه وهذا قائم في الخبر كما في الإنشاء فحيث انتفى في الخبر انتفى في الإنشاء فانتفى أصلا
( وأجيب )
بوجهين
( بالتزامه )
أي المفهوم في الخبر أيضا
( إلا لدليل )
خارجي يدل على عدم إرادته فيه
( ومنه )
أي ومن الخبر الذي دل الدليل الخارجي على عدم إرادة المفهوم فيه
( المثال )
المذكور فإن العلم محيط بوجود المعلوفة في الشام
( وبالفرق )
بين الإنشاء والخبر
( بأن كون المسكوت في الخبر غير مخبر عنه )
كما هو الحال على تقدير عدم القول بالمفهوم فيه
( لا يستلزم عدم ثبوت الحكم في نفس الأمر )
للمسكوت إذ لا يلزم من عدم الإخبار عن الشيء عدمه في الخارج لجواز أن يحصل فيه ما لم يخبر عنه قط
( بخلاف الأمر ونحوه )
من الإنشاء
( فإنه لا خارج له )
أي لا متعلق له وهو النسبة الخارجية
( يجري فيه ذلك الاحتمال )
وهو أن يكون المسكوت غير محكوم عليه مع جواز كونه حاصلا في الخارج
( فإذا انتفى تعرضه )
أي الأمر ونحوه
( للمسكوت ينتفي الحكم عنه )
أي عن المسكوت
( في نفس الأمر ودفع الأول )
وهو التزام المفهوم في الخبر
( بأنه مكابرة والثاني )
وهو الفرق المذكور بين الخبر والإنشاء
( بإفادته السكوت عن المسكوت وهو )
أي السكوت عن المسكوت
( قول النافين )
فإن حاصل هذا الوجه أن الحكم منتف عن المسكوت لعدم ما يوجبه فيه فعدم ثبوته فيه بناء على عدم وجوبه وهذا تصريح بأن النفي غير مضاف إلى اللفظ كما هو مذهب النافين ذكره المصنف والدافع القاضي عضد الدين
( ومنها )
أي الأدلة المنظور فيها
( لو ثبت المفهوم )
أي اعتباره
( ثبت التعارض )
في حكم المسكوت كثيرا
( لثبوت المخالفة كثيرا )
لمقتضى المفهوم بثبوت مثل حكم المنطوق في المسكوت كقوله تعالى ! < لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة > ! فإن مقتضى المفهوم حله إذا لم يكن أضعافا مضاعفة وغيره من السمعيات كالإجماع وسنده يثبت حرمته كذلك
( وهو )
أي التعارض
( خلاف الأصل لا يصار إليه إلا بدليل )
فلا يجوز ما يؤدي إليه إلا بدليل وما أوجب كثرة التعارض في حكم المسكوت إلا اعتبار المفهوم فيجب أن لا يعتبر
فإن قيل إذا قام الدليل على اعتباره وجب أن لا يبالي بلزوم كثرة التعارض في حكم المسكوت ولجوب العمل بالدليل إذا أدى إلى خلاف الأصل قلنا
( فإن أقيم )
الدليل على
171
171
اعتباره
( فبعد صحته )
أي الدليل
( كان دليلنا )
على بعده
( معارضا )
له فلا يثبت وجوب اعتبار ما يؤدي إليه من كثرة المعارضة في حكم المسكوت إذ لا يجوز العمل به مع وجود معارضه وتعقبه المصنف بأن ذلك إذا لم يرجح عليه فقال
( والحق أن أ كل دليل يخرج عن الأصل بعد صحته )
أي الدليل ويعارض ما يوافق الأصل
( يقدم )
المخرج على الموافق
( وإلا لزم مثله في حجية خبر الواحد وغيره )
لأن وضع الأدلة لذلك لأنها لإثبات التكاليف إثباتا ونفيا والتكليف مطلقا خلاف الأصل
( ويدفع )
من قبل الحنفية
( بأن ذلك )
أي ترجيح مثبت خلاف الأصل إنما هو
( عند تساويهما )
أي الدليلين
( في استلزام المطلوب وأدلتكم )
على اعتباره
( بينا أن شيئا منها لا يستلزم اعتباره )
أي المفهوم
( ومثله )
أي المذكور في مفهوم الصفة من مقبول الأدلة كعدم فائدة التقييد لولاه ومزيفها كتكثير الفائدة على القول به من جانب المثبت ومن الأجوبة عنها من جانب النافي يكون
( في الشرط )
أي في مفهومه
( من الجانبين )
المثبت والنافي مع اختصاصه بحديث يعلى
( وشرطه ) أي مفهوم الشرط
( ما تقدم من عدم خروجه )
أي المقيد وهو الشرط هنا
( مخرج الغالب )
كقوله تعالى ! < ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا > ! كما هو أحد الوجوه ونحوه أي هذا الشرط مما لا يتعين معه مفهوم الشرط كالخوف
( ويخصه )
أي مفهوم الشرط من الأدلة المثبتة له على قول مثبتيه
( قولهم إنه )
أي الشرط
( سبب )
للجزاء والجزاء مسبب عنه وانتفاء السبب يوجب انتفاء المسبب متحدا كان السبب أو متعددا
( فعلى اتحاده ظاهر )
لامتناع المسبب بدون سببه
( وعلى جواز التعدد )
أي تعدد السبب كما في المسببات النوعية
( الأصل عدم غيره )
أي غير السبب المذكور
( فإذا انتفى )
السبب المذكور انتفى مطلقا أي مطلق السبب لأن غير المذكور وإن كان جائزا فالأصل عدمه حتى يثبت ووجوده وهذا معنى
( ملاحظة للنفي الأصلي ما لم يقم دليل الوجود )
أي وجود سبب آخر للجزاء والفرض عدمه
( مع أن الكلام فيما إذا استقصى البحث عن آخر فلم يوجد )
آخر
( فإن احتمال وجوده )
أي آخر حينئذ
( يضعف فيترجح العدم )
أي عدم آخر
( والمفهوم ظني لا يؤثر فيه الاحتمال 9
المرجوح فينتفي المسبب ظاهرا حينئذ وإن لم ينتف قطعا كما في الاتحاد وهو كاف في المطلوب وتعقب المصنف هذا بقوله
( ولا يخفى أن هذا رجوع عن أنه )
أي مفهوم الشرط
( مدلول اللفظ إلى إضافته إلى انتفاء السبب وهو )
أي والقول بانتفاء الحكم عند عدم الشرط لانتفاء سببه هو
( قول الحنفية إنه )
أي انتفاء الحكم عند عدم الشرط
( يبقى على عدمه الأصلي في التحقيق والأقرب لهم )
أي لمثبتيه في الاستدلال
( إضافته )
أي مفهوم الشرط
( إلى شرطية اللفظ المفادة للأداة )
بناء
( على أن الشرط ما ينتفي الجزاء بانتفائه فيكون )
انتفاء الجزاء لانتفاء الشرط
( مدلولا )
لفظيا حينئذ
( للأداة والجواب منع كون الشرط سوى ما جعل سببا للجزاء )
أي منع كونه غير ما دخل عليه أداة دالة على سببية الأول ومسببية الثاني ذهنا أو خارجا سواء كان علة للجزاء كأن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود أو معلولا كأن كان
172
172
النهار موجود فالشمس طالعة أو غيرهما كان دخلت فأنت طالق
( والانتفاء )
أي انتفاء الجزاء
( للانتفاء )
أي لانتفاء الشرط
( ليس من مفهومه )
أي الشرط
( بل )
انتفاء الجزاء
( لازم لتحققه )
أي انتفاء الشرط قد يتخلف عنه كما في قوله تعالى ! < وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء > ! ! < وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا > ! فلا جرم أن قال
( ويجيء الأول )
وهو أن انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط لعدم دليل ثبوته
( ويتحد )
قول مثبتيه
( بقول الحنفية )
إن عدم المشروط عند عدم الشرط هو العدم الأصلي كما فيما قبل التعليق هذا وفي شرح البزدوي مشيرا إلى أن التعليق بالشرط يوجب عدم الحكم عند عدم الشرط عند الشافعي ولا يوجبه عندنا بل عدم الحكم مبقي على العدم الأصلي حينئذ اعلم أن هذا ليس على الإطلاق عنده حتى لو قال إن لم تدخلي الدار فأنت غير طالق فدخلت لم تطلق عنده ويجوز أن يجاب عنه بأنه قائل به غير أنه لم يحكم بالطلاق في مثل هذه الصورة لأنه من باب المفهوم وبمثله لا تزول حقوق العباد لاحتياجهم إليها بخلاف حقوق الله فإنه مالك لنواصي العباد مطاع على الإطلاق تجب طاعته بأقصى ما يمكن فجاز إثبات حقوقه بمثله ولذا لو قال لزيد لا تعتق عبدي الأسود لا يكون أمرا بإعتاق عبيده البيض والشقر ونحوهما ومع أن التقييد بالوصف عنده يدل على انتفاء الحكم عند انتفائه وينبغي أن يتفرع على مذهبه أنه لو قال لزيد أعتق عبيدي البيض ثم قال أعتق عبيدي السود قبل إعتاقه أن ينعزل عن وكالته الأولى وإن قيل بعدم العزل فله وجه أيضا لأن الصريح أقوى من المفهوم وفيه نظر من وجه آخر على المذهبين لأن الحكم متى علق بأمر مساو له كان علة أو لم يكن كزنى المحصن مع الرجم أو كالرجم مع إحصان الزاني أو بالإبدال كجواز التيمم مع فقد الماء فإن المعلقات فيها دائرة مع المعلق به وجودا وعدما بالاتفاق فلا بد من تحرير موضع الخلاف فإذن الواجب أن يقول الحكم متى علق بأمر ابتداء بصلة الشرط ولم يكن ذلك الأمر مساويا له ولا شرطا عقليا كالعلم للإرادة ولا يكون المعلق من العبادات البدنية فإنه لا يدل على انتفاء الحكم عند انتفائه ولا ينعقد المعلق حال كونه معلقا علة مجوزة للحكم عندنا وعند الشافعي يدل نفيه على نفيه وينعقد علة مجوزة
( وفائدة الخلاف أن النفي )
أي نفي الحكم عن غير المشروط
( حكم شرعي عنده )
أي الشافعي لأنه من مدلول الدليل اللفظي المذكور
( وعدم أصلي عندهم )
أي الحنفية لعدم تعرض الدليل المذكور إليه لا بالنفي ولا بالإثبات
( فلا يخص وأحل لكم ما وراء ذلكم بمفهوم ومن لم يستطع الآية وإن لم يشترط الاتصال كقوله ولا ينسخ على قولنا المتأخر ناسخ خلافا له )
أي فيتفرع على هذه الفائدة أنه لا يكون عندنا عموم قوله تعالى ! < وأحل لكم ما وراء ذلكم > ! مخصوصا بمفهوم قوله تعالى ! < ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم > ! وإن تنزلنا إلى أن اتصال المخصص بالمخصص ليس بشرط
173
173
في التخصيص كما هو قول الشافعي ولا منسوخا به على قولنا في المخصص المتراخي إنه ناسخ لما تقدمه في القدر المعارض له في مقتضاه لأن عدم جواز نكاح الأمة مع القدرة على طول الحرة عدم أصلي وحل نكاح من عدا المحرمات من النساء المتناول للأمة حالة القدرة على طول الحرة حكم ثبوتي شرعي ومعلوم أن العدم الأصلي لا يصلح مخصصا ولا ناسخا فيجوز عندنا نكاح الأمة مع القدرة على نكاح الحرة عملا بالعموم المذكور وإنه يكون عند الشافعي رحمه الله تعالى عموم الآية الأولى مخصوصا بمفهوم الآية الثانية لأنه حكم شرعي بطريق المفهوم كما أن الأول حكم شرعي بطريق المنطوق فلا يجوز عنده نكاح الأمة مع القدرة على طول الحرة وإن كانت كتابية بناء على أن ذكر المؤمنات للتشريف لا للشرط كما في قوله تعالى ! < يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات > ! الآية فإن المسلمة والكتابية في عدم وجوب العدة في الطلاق قبل الدخول سواء
( وما قيل من بناء الخلاف )
في أن مفهوم الشرط وهو الانتفاء عند الانتفاء هل هو من مدلول اللفظ أم لا أنه كما زعمه صاحب البديع عزوا إلى فخر الإسلام بناء
( على أن الشرط مانع من انعقاد السبب )
موجبا للحكم قبل وجود الشرط عندنا لا مانع من الحكم فقط
( فعدم الحكم )
عند عدم الشرط ثابت
( بالأصل عندنا )
وهو عدم سببه لا بعدم الشرط لأن عدم الحكم لما كان متحققا قبل التعليق وكان الشرط مانعا من انعقاد سببه استمر العدم الأصلي على حاله لعدم ما يزيله إلى زمان وجود سببه عند وجود شرطه فإن المعلق بالشرط كالمنجز عند وجوده فيكون عدم الحكم مضافا إلى عدم سببه لا إلى عدم الشرط
( ومن الحكم عنده )
أي ومانع من الحكم عند الشافعي
( انتفاء شرطه )
أي الحكم لا مانع من انعقاد السبب لأن المعلق بالشرط مثل أنت طالب سبب شرعي للطلاق ولهذا يقع به لولا التعليق وإذا كان سببا شرعيا له وجب ترتبه عليه في الحال كما هو الأصل في السبب فإذا لم يترتب عليه في الحال بواسطة التعليق ظهر أن تأثير تعليقه في تأخير حكمه إلى زمان وجود الشرط لا في منع انعقاده بعد وجوده حسا كالتأجيل فإنه مؤخر للمطالبة بالثمن إلى حين الأجل لا مانع سببه عن الانعقاد وهو وجوب الدين ولهذا لو أداه قبل الأجل صح وكشرط الخيار في البيع فإن تأثيره في تأخير حكم البيع وهو الملك إلى زمان وجود الشرط لا في منع انعقاد البيع سببا له بالاتفاق وكالإضافة في الطلاق المضاف نحو هي طالق يوم يقدم فلان فإنها مانعة من الحكم دون انعقاد السبب أيضا فيكون عدم الحكم فيما نحن فيه مضافا إلى عدم الشرط لا إلى العدم الأصلي الذي هو عدم السبب وهو نظير التعليق الحسي فإن تعليق القنديل بحبل من السقف يوجب وجوده في الهواء ويمنع وصوله إلى الأرض ولا يؤثر في ثقله الذي هو سبب السقوط بالإعدام وإنما يؤثر في حكمه وهو السقوط فكذا التعليق إذا دخل على علة شرعية لا يمنع من انعقادها وإنما يمنع من حكمها لا غير حتى إذا وجد الشرط ترتب عليها حكمها كالقنديل إذا انقطع الحبل انجذب إلى الأسفل وعمل
174
174
الثقل عمله وهذا لأن السبب قد وجد حسا فلا يعقل إعدامه بخلاف الحكم فإن ثبوته عرف الشرع فجاز أن يتعلق بالمانع الحكمي وهو الشرط وسيجيء وجه قول أصحابنا والجواب عن هذا مفصلا
( وانبنى عليه )
أي على هذا المبنى المختلف فيه الخلاف الآتي في الفروع الآتية فانبنى على أصلنا
( صحة تعليق الطلاق والعتاق بالملك )
أي بملك النكاح في الطلاق وبملك الرقبة في العتاق
( عندنا )
حتى لو قال لأجنبية إن تزوجتك فأنت طالق ولأمة الغير إن ملكتك فأنت حرة فتزوج الأجنبية وملك الأمة طلقت وعتقت
( وعدمه عنده )
أي وانبنى على اصل الشافعي عدم اعتبار هذا التعليق فيهما عند الشافعي حتى لا تطلق بمجرد تزوجه بها ولا تعتق بمجرد ملكه إياها وإيضاح الوجه فيه أما بالنسبة إليه فلأن الفرض عنده انعقاد السبب في الحال حالة التعليق مع تأخير الحكم فيشترط قيام الملك حينئذ لأن السبب لا يتحقق بدون محله والملك غير قائم حالتئذ فلا انعقاد للسبب حينئذ فكان هذا لغوا كقوله لأجنبية إن دخلت الدار فأنت طالق ولأمة الغير إن دخلت الدار فأنت حرة ثم وجد الشرط في الملك
وأما بالنسبة إلينا فلأن الفرض عندنا عدم انعقاد السبب بالتعليق فلم يشترط الملك الذي هو المحل بل كان قبل الشرط يمينا ومحل الالتزام باليمين الذمة وهي موجودة ثم الملك إنما يشترط لإيجاب الطلاق والعتاق حال وجود الشرط لا قبله والملك حال وجود الشرط هنا متيقن فإذا صح التعليق فيما هو حاصل حالة التعليق غير ثابت يقينا حال وجود الشرط بل ظاهر بالاستصحاب ففيما هو ثابت يقينا حالة وجود الشرط أولى وهذا معنى قوله
( بل الصحة )
أي صحة تعليقهما بالملك
( أولى منها )
أي من صحة تعليقهما
( حالة قيامه )
أي الملك بأمر على خطر الوجود
( للتيقن بوجود المحل عند الشرط )
في هذا دون غيره
( وكذا )
انبنى على هذا المبنى المختلف فيه الاختلاف في حكم هذا الفرع وهو
( تعجيل المنذور المعلق )
بشرط قبل الشرط كإن شفى الله مريضي فلله علي أن أتصدق بدرهم فقلنا
( يمتنع عندنا )
التعجيل به
( خلافا له )
أي للشافعي حتى لو تصدق بدرهم عن نذره قبل شفائه ثم شفي وجب عليه التصدق به حينئذ عندنا لأنه على أصلنا يكون أداء قبل وجود السبب وهو غير جائز ولا يجب عليه التصدق به عند الشافعي لأنه على أصله يكون أداء بعد وجود السبب وهو جائز
تنبيه
ثم هكذا وقع ذكر هذا الخلاف في حكم هذا الفرع للبزدوي وغيره وقيده غير ما شارح من جهته بالنذر المالي كمثالنا للاتفاق على أنه في البدني كالصلاة والصوم لا يجوز التعجيل فيه قبل وجود الشرط كما وقع له هذا التفصيل في الكفارة قبل الحنث ويذكر وجهة ثمة إن شاء الله تعالى وهو شاهد بصحته هنا فعلى هذا ينبغي أن يقال خلافا له في المالي ثم غير خاف أن ما قيل مبتدأ خبره
( غلط لأن ما يدعيه الشافعي سببا ينتفي الحكم بانتفائه في الخلافية )
التي هي هل يدل انتفاء الشرط على انتفاء الحكم دلالة لفظية أم لا فقلنا لا وقال نعم إنما هو
( معنى لفظ الشرط )
وهو ما ينتفي الجزاء بانتفائه كما تقدم في بيان ما هو
175
175
الأقرب لهم
( لا الجزاء والخلاف المشار إليه )
في أن الشرط مانع من انعقاد السبب كقولنا أو من الحكم فقط كقوله
( هو أن اللفظ الذي يثبت سببيته شرعا لحكم إذا جعل جزاء الشرط )
أي لما دخل عليه أداة دالة على سببية الأول ومسببية الثاني
( هل يسلبه )
أي الجعل المذكور اللفظ المذكور
( سببيته لذلك الحكم قبل وجود الشرط )
فقلنا نعم وقال لا فأين أحدهما من الآخر وهذا
( كأنت طالق وحرة جعل )
كل منهما شرعا
( سببا لزوال الملك )
أي ملك النكاح والرقبة ولولا السياق والسباق لفسرناه بملك النكاح فقط جاعلين أنت طالق سبب زواله بطريق الصراحة وأنت حرة سبب زواله بطريق الكناية
( فإذا دخل الشرط )
عليهما كإن دخلت
( منع )
دخوله عليهما
( الحكم )
وهو زوال الملك لا غير من الوجود إلى وجود الشرط
( عنده )
أي الشافعي لا انعقاد السبب من السببية حالتئذ
( وعندنا منع سببيته )
أي كونه سببا حينئذ إلى حين وجود الشرط قصدا وحكمه إلى وقتئذ أيضا تبعا
( فتفرعت الخلافيات )
المذكورة على هذين الأصلين كما بينا وجه تفريعها عليهما
قال المصنف وظهر أن محل كلام الشافعي أعم من كون المعلق مما اعتبر سببا لحكم شرعا كإن دخلت الدار فأنت طالق أولا بل هو نفس الحكم الخبري ك ! < إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا > ! ! < فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة > ! أو غيره كإذا جاء فأكرمه يفيد نفي إكرامه إن لم يجيء فكيف يبني ما هو أوسع دائرة على ما هو بعض صوره ألا يرى أنه لا يتصور أن يبتني على ما ذكر ما إذا كان المعلق نفس الحكم اه وظهر أيضا أن محل كلام أصحابنا من أن عدم الشرط لا يوجب عدم المشروط لفظا بل هو باق على عدمه الأصلي ما لم يقم عليه دليل أعم من كون المعلق مما اعتبر سببا لحكم شرعا كإن دخلت فأنت حرة أم لا وكأنه لم يفصح عن هذا كما أفصح في محل كلام الشافعي اكتفاء به لأنه مقابله والمدلول لا يجوز أن يكون أعم من الدليل وأيضا هذا أمر لغوي فلا يتوقف اعتباره من حيث هو كذلك على تصرف لفظي من حيث يوجب أمرا شرعيا هو كذا أم لا على أنه ليس في كلام فخر الإسلام ما يفيد كون أحدهما مبنى الآخر فليراجع ثم لما كان يظهر أن الخلاف في أن التعليق بالشرط يوجب العدم عند عدمه كما هو قول الشافعي أو يبقى الحكم على العدم الأصلي قبله كما هو قول أصحابنا مبنى كما ذكره صدر الشريعة على أن الشافعي اعتبر المشروط بدون الشرط والمشروط يوجب الحكم على جميع التقادير والتعليق قيده بتقدير معين أو عدمه على غيره فيكون له تأثير في العدم وأصحابنا اعتبروا المشروط مع الشرط فهما كلام واحد يوجب الحكم على تقدير وساكت عن غيره ولزم من هذا أن المعلق بالشرط انعقد سببا عنده كما لو لم يكن معلقا وإنما التعليق أخر حكمه إلى زمان وجود الشرط وأنه لم ينعقد سببا عندنا إلا عند وجود الشرط أشار المصنف إليه بقوله
( وإنما يتفرعان )
أي هذان القولان
( معا على الخلاف في اعتبار الجزاء من التركيب الشرطي مفيدا حكمه )
أي حال كون
176
176
الجزاء مفيدا حكم نفسه
( على عموم التقادير )
الممكنة له من زمان ومكان وغيرهما
( خصصه )
أي عموم التقادير
( الشرط بإخراج ما سوى ما تضمنه )
حكم الجزاء من عموم التقادير الثابت له قبل ذلك
( عن ثبوت الحكم )
الكائن له حال كونه
( معه )
أي معالشرط وملخصه أن الشرط قصر عموم التقادير التي لحكم الجزاء على بعضها وهو ما قيد منها بالشرط فصار التركيب الشرطي دالا على حكم الجزاء المقيد بما اشتمل عليه من الشرط وعلى عدم حكمه بالنسبة إلى ما سواه
( فيكون النفي )
أي نفي حكم الجزاء عند عدم الشرط
( مضافا إليه )
أي الشرط
( لأنه )
أي الشرط
( دليل التخصيص )
فيكون كل من الثبوت والانتفاء حكما شرعيا ثابتا باللفظ منطوقا ومفهوما ويكون الشرط مانعا من حكم الجزاء إلى حين الشرط لا من انعقاده سببا وهذا ظاهر ما ذهب إليه السكاكي كما ذكره المحقق الشريف لا أهل العربية كما ذكره المحقق التفتازاني من أن الحكم هو الجزاء وحده والشرط قيد له بمنزلة الظرف والحال حتى أن الجزاء إن كان خبرا فالشرطية خبرية وإن كان إنشاء فإنشائية أو غير مفيد حكما في هذه الحالة فضلا عن الحكم على عموم التقادير بل إنما مجموع الشرط والجزاء كلام واحد دال على ربط شيء بشيء وثبوته على تقدير ثبوته من غير دلالة على الانتفاء عند الانتفاء وكل من الشرط والجزاء جزء منه كما صرح بمعنى هذا وبمن ذهب إليه بقوله
( وأهل النظر يمنعون إفادته شيئا )
أي إفادة جزاء الشرط فائدة تامة
( حال وقوعه )
جزاء للشرط بدونه
( بل هو )
أي الجزاء
( حينئذ )
أي حين وقوعه جزاء للشرط في كونه غير مفيد فائدة تامة بدونه
( كزاي زيد )
من زيد حال كونه
( جزء الكلام المفيد )
وإن كان الزاي من زيد ليس له معنى أصلا بخلاف الجزاء
( فضلا عن إيجابه على عموم التقادير )
أي عن أن يكون موجبا لحكمه على عموم التقادير حتى يكون تخصيصا وقصرا له على بعضها
( والمجموع )
أي بل مجموع الشرط والجزاء عندهم
( يفيد حكما مقيدا بالشرط فإنما دلالته )
أي المجموع
( على الوجود )
أي وجود الحكم
( عند وجوده )
أي الشرط ليس إلا
( فإذا لم يوجد )
الشرط
( بقي ما قيد وجوده )
من الحكم
( بوجوده )
أي الشرط مستمرا
( على عدمه الأصلي )
الكائن له قبل ذلك لعدم دليل ثبوته لا أنه حكم شرعي مستفاد من النظم فمال الشافعي إلى الأول وأصحابنا إلى الثاني وهو الصحيح لأنه كما قال المحقق الشريف لو كان معنى إن ضربني زيد ضربته أضربه في وقت ضربه إياي لم يكن صادقا إلا إذا تحقق الضرب مع ذلك القيد فإذا فرض انتفاء القيد أعني وقت ضربه إياك لم يكن الضرب المقيد به واقعا فيكون الخبر الدال على وقوعه كاذبا سواء وجد منك ضرب في غير ذلك الوقت أو لم يوجد وذلك باطل قطعا لأنه إذا لم يضربك ولم تضربه وكنت بحيث إن ضربك ضربته عد كلامك هذا صادقا عرفا ولغة وإذا وقع الجزاء إنشاء كإن جاءك زيد فأكرمه كان مؤولا أي إن جاءك فأنت مأمور بإكرامه أو يستحق هو أن تؤمر بإكرامه على قياس تأويله إذا وقع خبرا للمبتدأ يظهر ذلك كله لمن تأمل ! < أو ألقى السمع وهو شهيد > !
177
) ثم تقدم منع كون الانتفاء للانتفاء ووجه كونه مؤخرا للحكم فقط ووعد رده وسيحصل الوفاء به قريبا إن شاء الله تعالى
ثم لما نظم كثير كفخر الإسلام وصدر الشريعة جواز تعجيل كفارة اليمين بالمال من عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم قبل الحنث عند الشافعي مع إبطاله تعليق الطلاق والعتاق بالملك وتجويزه تعجيل النذر المعلق تفريعا على ما تقرر من أن السبب عنده ينعقد قبل وجود الشرط وأثر الشرط في تأخير حكمه إلى زمان وجوده لا غير ولم يكن ذلك بالظاهر لم يذكره المصنف ثمة وذكره هنا مقرونا باعتذار لهم فيه ثم بالتعقب له فقال
( وأما تفريع تعجيل الكفارة المالية )
أي جواز تعجيلها لليمين
( قبل الحنث )
عند الشافعي على ما تقدم من أصله كما فعلوه
( فقيل )
لأنه مبناه
( باعتبار المعنى )
لأنه في معنى من حلف فليكفر إن حنث
( ولا يخفى ما فيه )
فإن سائر التكاليف المنوطة بأسبابها يتأتى فيها مثل هذا ولا قائل بأنها من هذا القبيل فالوجه عدم ذكره من أفراده ثم إنما قيدها بالمالية لموافقة جديدة على أن البدنية وهي الصوم قبل الحنث لا يجوز وفرق له بينهما بأن تأثير الشرط في تأخير وجوب الأداء والحق المالي لله تعالى ينفصل وجوب أدائه عن نفس وجوبه لتغاير المال والفعل فجاز اتصاف المال بنفس الوجوب ولا يثبت وجوب الأداء الذي هو الفعل إلا بعد الحنث كما في الحق المالي للعبد بخلاف الحق البدني لله فإنه لا ينفعل وجوب أدائه عن نفس وجوبه بل نفس وجوبه ووجوب أدائه فلو تأخر وجوب أدائه هنا انتفى الوجوب فلا يجوز الأداء لأنه أداء قبل الوجوب حينئذ ومن ثمة جاز تعجيل الزكاة قبل الحول ولم يجز تعجيل الصلاة قبل الوقت
( والأوجه خلاف قوله )
أي الشافعي في هذه المسألة وهو قولنا
( لعقلية سببية الحنث )
لكفارة اليمين
( لا اليمين )
أي دون عقلية سببية اليمين لها لأن الكفارة في التحقيق لستر ما وقع من الإخلال بتوفير ما يجب الاسم الله تعالى وتلا فيه وهذا إنما يكون عن الحنث لا عن اليمين من حيث هي وأيضا أقل ما في السبب أن يكون مفضيا إلى المسبب واليمين ليست كذلك لأنها مانعة من عدم المحلوف عليه فكيف تكون مفضية إليه
( وإن أضيفت )
الكفارة
( إليه )
أي الحلف
( في النص )
أي قوله ! < ذلك كفارة أيمانكم > ! فإنها من إضافة الحكم إلى شرطه توسعا
( كإضافة صدقة الفطر )
أي الإضافة التي في صدقة الفطر
( عندنا )
فإن عندنا الفطر شرطها وسببها راس يمونه ويلي عليه كما يأتي في موضعه على أنه لو سلم أن اليمين سببها فالحنث شرط وجوبها للقطع بأنها لا تجب قبله وإلا وجبت بمجرد اليمين والمشروط لا يوجد قبل شرطه فلا تقع واجبة قبله فلا يسقط الوجوب قبل ثبوته ولا عند ثبوته بفعل قبله لم يكن واجبا وما وقع من الشرع بخلافه كالزكاة يقتصر على مورده ولا يلحق به غيره والفرق بين المالي والبدني ساقط لأن الحق الواجب لله تعالى على العباد هو العبادة وهو فعل يباشره المرء بخلاف هوى النفس بابتغاء مرضاة الله تعالى بإذنه والمال آلة
178
178
يتأدى به الواجب كمنافع البدن فيكون المالي كالبدني في أن المقصود بالوجوب الأداء وأن تعليق وجوب الأداء بالشرط يمنع تمام السببية فيهما جميعا على أن وجوب الأداء بعد تمام السبب قد ينفصل عن نفس الوجوب في البدني أيضا فإن المسافر إذا صام في رمضان جاز اتفاقا وإن تأخر وجوب الأداء إلى ما بعد الإقامة بالإجماع ثم نقول
( ووجهه )
أي ما ذهبنا إليه من أن الشرط مانع من انعقاد سببية ما علق عليه لحكمه
( أولا أن السبب )
للحكم هو
( المفضي إلى الحكم )
والطريق المؤدي إليه
( والتعليق )
أي وتعليق الجزاء المفروض سببيته في نفسه لحكم بشرط
( مانع من الإفضاء )
أي إفضائه إلى حكمه قبل وجود الشرط
( لمنعه )
أي التعليق
( من المحل )
أي وصول المعلق إلى محله وهو وقوع حكمه في الحال
( والأسباب الشرعية لا تصير قبل الوصول إلى المحل أسبابا )
لعدم الإفضاء كما لا تكون قبل تمامها أسبابا كمجرد إيجاب البيع فيما يملكه فإنه لا يكون سببا لملك الغير ذلك المبيع
( فضعف قوله )
أي الشافعي
( السبب )
لوقوع الطلاق في إن دخلت فأنت طالق
( أنت طالق والشرط )
الذي هو إن دخلت
( لم يعدمه )
أي كونه سببا
( فإنما أخر )
الشرط
( الحكم )
أي حكم السبب لأنه قد ظهر أن سبب الحكم ما يكون مفضيا إليه والشرط هنا قد حال بينهما فلم يكن سببا
( وأورد )
علينا إذا كان مثلا إن دخلت مانعا من وصول أنت طالق إلى محله ما لم يوجد الدخول
( فيجب أن يلغو )
أنت طالق فيه فلا يقع وإن دخلت
( كالأجنبية )
أي كما لو قاله منجزا لأجنبية بجامع عدم الوصول إلى المحل فيهما
( وأجيب لو لم يرج )
الوصول إلى المحل بأن علق بشرط لا يرجى الوقوف عليه
( لغا كطالق إن شاء الله )
فإن مشيئته تعالى فيما لا يعلم وقوعه لا علم للعباد بتعلقها به فنحن قائلون بالموجب في هذا
( وغيره )
وهو ما كان مرجو الوصول إلى محله
( بعرضية السببية )
لحكمه في المستقبل بوجود شرطه
( فلا يلغي تصحيحا )
له بسبب هذه الصلاحية كشطر البيع فإنه لما كان بعرضية أن يصير سببا بوجود الشطر الآخر في المجلس لم يلغ ما دام ذلك مرجوا له
( وثانيا )
أي ووجه قولنا ثانيا أن السبب إذا علق بالشرط
( توقف على الشرط )
ضرورة
( فصار )
السبب المعلق به
( كجزء سبب )
لما مر وجزء السبب لا يكون سببا ومن هنا زعم بعض الشافعية أن التعليق صير المجموع من الشرط وما كان سببا مستقلا قبله سببا عندنا ورده الشيخ سراج الدين الهندي لأن الشرط ما عنده وجود الشيء ولا يكون مؤثرا والسبب ما به الشيء ويكون مؤثرا فلا يصير الشرط جزاء للسبب لتنافي موجبهما وهذا
( بخلاف )
ما ألحق الشافعي التعليق به من
( البيع المؤجل )
فيه الثمن
( وبشرط الخيار والمضاف كطالق غدا )
فإن كلا منهما
( سبب في الحال )
أما في البيع المؤجل فيه الثمن
( لأن الأجل دخوله على الثمن )
ليفيد تأخير المطالبة به قبل الأجل
( لا )
على
( البيع )
فلا معنى لمنعه من الانعقاد ولا لحكمه الذي هو ثبوت الملك في المبيع وثبوت الدين في الذمة عن الثبوت إذ لا وجه لتأثير الشيء فيما لم يدخل عليه وأما البيع بشرط الخيار على الاختلاف
179
179
في كمية مدته فمسلم أن الشرط فيه داخل على الحكم فقط لكن لأمر اقتضى ذلك لم يوجد هنا كما أشار إليه قوله
( والخيار )
أي شرعيته نصا في البيع ثابت
( بخلاف القياس لدفع الغبن )
أي النقص المتوهم فيه باستيفاء النظر والتروي في اختيار ما هو الأصلح في زمانه كما هو المعنى المعقول من شرعيته إجماعا وإن اختلف في أقصى مدته وإنما كان على خلاف القياس
( لأن إثبات ملك المال )
الذي هو البيع
( لا يحتمل الخطر )
أي التعليق بما بن أن يكون وأن لا يكون
( لصيرورته قمارا )
وهو حرام ثم حيث شرع وكان المعنى المعقول من شرعيته التمكن من دفع الغبن الواقع فيهن
( فاكتفى باعتباره )
أي الشرط
( في الحكم )
أي حكم البيع وهو لزومه ابتداء ولم يعتبر في السبب الذي هو البيع أيضا فينعقد البيع بشرط الخيار سببا ويتراخى الحكم إلى سقوطه لحصول المقصود من التمكن من الرد بدون رضا صاحبه بهذا القدر لأن الضرورة متى أمكن دفعها بأيسر الأمرين لا يصار إلى أعلاهما والشافعي موافقنا على هذا فإنه قال والأصل في بيع الخيار أنه فاسد ولكن لما شرط رسول الله صلى الله عليه وسلم في المصراة خيار ثلاث في البيع وروي أنه جعل لحبان بن منقذ خيار ثلاث فيما ابتاع انتهينا إلى ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اه
هذا تحقيق أحد الجوابين عن هذا
( والحق أنه )
أي انعقاد البيع بالخيار سببا في الحال مع تأخر الحكم إلى سقوطه
( مقتضى اللفظ لأن الشرط بعلى لتعليق ما بعده )
أي ما يذكر بعد لفظ على بما قبله
فقط فآتيك على أن تأتيني المعلق إتيان المخاطب )
على إتيان المتكلم بخلاف الشرط بإن وأخواتها كما ترى في آتيك إن أتيتني فإن المعلق إتيان المتكلم على إتيان المخاطب وإذا كان كذلك
( فبعتك على أني )
أو أنك أو أننا
( بالخيار أي في الفسخ فهو )
أي الفسخ
( المعلق والبيع منجز فتعلق الحكم )
الذي هو اللزوم وثبوت الملك
( دفعا للضرر )
عمن له الخيار
( لو تصرف )
من ليس له الخيار دون السبب الذي هو البيع لخلوه عن الموجب لتعلقه فلا حاجة إلى التوجيه المذكور وهذا هو الجواب الثاني ثم ما تقدم من أن البيع لا يحتمل التعليق لما ذكرنا
( بخلاف الطلاق والعتاق )
فإن كلا
( إسقاط محض يحتمله )
أي الشرط لعدم أدائه إلى القمار فيعمل فيه بالأصل وهو أن يكون داخلا على السبب فلا يتأخر حكمه عنه ويكون تعليقا من كل وجه كما هو الكامل إذ الأصل الكمال والنقصان لعارض ولا عارض هنا
( وإن كان العتاق إثباتا لكنه ليس إثباتا لملك المال )
بل إثبات قوة شرعية هي قدرة على تصرفات شرعية من الولايات كالشهادة والقضاء وانكاح نفسه وابنته الممنوع منها بالرق فلا يكون دخول الشرط عليه مؤديا إلى القمار
( فبطل إيراد أنه إثبات أيضا )
كما في التلويح ليترتب عليه عدم صحة دخول الشرط عليه فلا يلحق البيع بالخيار بهما في أن الشرط داخل عليهما ثم هنا أمران يحسن التنبه لهما
الأول
منعهم صحة تعليق ما هو إثبات ملك المال لشبهه بالقمار بما فيه من الخطر
180
180
فعلل الشبه به في البيع بالخيار بدخوله على الحكم فقط تعقبه المصنف في فتح القدير بلقائل أن يقول القمار ما حرم لمعنى الخطر بل باعتبار تعليق الملك بما لم يضعه الشارع سببا للملك فإن الشارع لم يضع ظهور العدد الفلاني في ورقة مثلا للملك والخطر طرد في ذلك لا اثر له نعم يتجه أن يقال اعتبرناه في الحكم تعليلا لخلاف الأصل اه
وأقول ولقائل أن يقول سلمنا أن القمار حرم لكون الشارع لم يضعه سببا للملك لكن الظاهر أنه ليس بأمر تعبدي محض بل لاشتماله على أمر معقول يصلح مناطا للتحريم فإذ لم يظهر أنه الخطر فلعله ما فيه من إذهاب المال لا في مقابلة غرض صحيح عند العقلاء وتملكه على صاحبه كذلك ثم كون الخطر فيه أمرا طرديا لا يمنع ثبوته علة لفساد ما دخل عليه في باب إثبات ملك المال بالنظر إلى النهي عن أمور أخرى اشتمل عليها وخيل فيها عليته للتحريم كالنهي عن بيع الملامسة والمنابذة والحصاة وقد صرح المصنف بذلك في الكلام على النهي عنها فقال ومعنى النهي كل من الجهالة وتعليق التمليك بالخطر فإنه في معنى إذا وقع حجري على ثوب فقد بعته منك أو بعتنيه بكذا اه غير أنه ظهر أن منع التعليق في إثبات ملك المال كالبيع لما فيه من احتمال الخطر المفضي إلى الفساد شرعا لا إلى القمار كما قالوه والظاهر أن بحث المصنف إنما هو في مجرد دعوى كون احتماله الخطر مفضيا إلى القمار ليس غير والله تعالى أعلم
الثاني
أن المفسر بإثبات القوة الشرعية إنما هو الإعتاق وهو المذكور في التلويح وأما العتق والعتاق فإنهما مفسران بخلوص حكمي عما كان ثابتا فيه بالرق ويلزمه ثبوت قوة شرعية لقدرته بسبب هذا على ما لم يقدر عليه فعن هذا يقال إنه القوة الشرعية إلا أن بعض المشايخ تسامحوا بإطلاق العتاق موضع الإعتاق وأجروا عليه ما هو بالحقيقة للإعتاق ملزوما ولازما من أنه إسقاط وإثبات لظهور المراد في هذا المقام فوافقهم المصنف على ذلك وأما الإضافة فمسلم كونها غير مانعة كون المضاف سببا في الحال لكن لا يصح إلحاق التعليق بها في ذلك لأن الغرض منه امتناع المتكلم أو غيره من مباشرة الشرط وعدم نزول الجزاء لأنه كما قال
( والتعليق يمين وهي )
أي اليمين تعقد
( للبر إعدام موجب المعلق )
لا وجوده
( فلا يفضي إلى الحكم )
أي فلا يصل المعلق بالتعليق إلى الحكم قبل وجود المعلق عليه لاستحالة أن يكون مانع الشيء طريقا إليه كما تراه ظاهرا في إن دخلت الدار فأنت طالق
( أما الإضافة فلثبوت حكم السبب في وقته )
أي لتعيين زمان وقوعه
( لا لمنعه )
أي الحكم من الوقوع فالغرض من أنت حر يوم الجمعة تعيين يوم الجمعة لوقوع الحرية فيه لا منعها من الوقوع
( فيتحقق )
في الإضافة
( السبب بلا مانع إذ الزمان )
المضاف إليه
( من لوازم الوجود )
للحكم أو السبب غير مؤثر في نفي أحدهما ولا وجوده فلا يستقيم إلحاق التعليق بها في ذلك
( ويرد )
على إطلاق ما علل به منع التعليق من سببية المعلق سلمنا أن التعليق يمين لكن
( كون اليمين
181
181
توجب الإعدام )
لموجب المعلق إنما هو
( في المنع )
أي إذا كانت للمنع من المعلق عليه كإن دخلت فأنت طالق
( أما الحمل )
أي أما إذا كانت للحمل على التلبس بالمعلق عليه
( فلا )
توجب الإعدام لموجب المعلق
( كإن بشرتني بقدوم ولدي فأنت حر )
وكيف لا وظاهر أن غرض المتكلم في هذا حث عبده على المبادرة إلى إدخال المسرة عليه بإخباره بوصول محبوبه إليه لا منعه من ذلك فلا يتم إطلاق كون التعليق مانعا من إفضاء المعلق إلى الحكم والإطلاق هو المطلوب
( فالأولى )
في التفرقة بين كون الإضافة غير مانعة من سببية المضاف قبل وجود المضاف إليه وكون التعليق مانعا من سببية المعلق قبل وجود المعلق عليه
( الفرق بالخطر وعدمه )
أي بأن في وجود المعلق عليه خطرا أي ترددا بخلاف المضاف
قلت ولعل توجيهه أن الأصل في التعليق أن لا يكون إلا في المتردد بين الوقوع وعدمه فأورث ذلك شكا في تحقق المعلق فلم ينعقد سببا لأن الشيء لا يثبت بالشك ولا سيما مع سابقة العدم وفي الإضافة أن لا يكون إلا إلى ما هو محقق الوقوع والفرض أن المضاف وجد وفرغ منه صورة ومعنى وأنه إنما لم يعقبه حكمه لا غير لعروض هذا العارض فلا يكون مؤثرا فيه الإعدام فلا يستقيم إلحاق أحدهما بالآخر في لازم ما هو مقتضى الأصل فيه إلا بمقتضى وهو منتف بالأصل ويوافقه ما في شرح للبزدوي فإن قلت فما الفرق بينهما قلت الحكم لا بد له أن يترتب على علته إما في الحال أو متراخيا في الإضافة وهذا لم يوجد في الشرط لأنه على خطر الوجود فإن قلت في الإضافة إنما يثبت الحكم عند وجود الوقت المستقبل إذا بقي المحل فأما إذا لم يبق فلا يمكن ترتب الحكم على علته يقينا قلت الأصل في كل ثابت بقاؤه فإذن الحكم مترتب على علته في الإضافة ظاهرا فإن قلت ففيما إذا علق بأسباب الملك كالنكاح والملك ينبغي أن تنعقد العلة في الحال لأن الحكم مترتب على علته قطعا كما في الإضافة بل أولى قلت إلا أن ثم مانعا آخر وهو عدم الملك في الحال والعلة لا تنعقد إلا في محلها لكن يطرق هذا الفرق أيضا انه كما قال
( ثم يقتضي )
هذا الفرق
( كون )
أنت حر
( يوم يقدم فلان كإن قدم في يوم )
عينه كيوم الجمعة فأنت حر في حكمه وهو أن لا يكون أنت حر فيه سببا للحرية في الحال لأن القدوم فيهما على خطر الوجود
( ويستلزم التساوي )
بينهما في الحكم المذكور
( عدم جواز التعجيل )
بالصدقة
( فيما لو قال علي صدقة يوم يقدم فلان )
لأنه حينئذ تعجيل قبل سبب الوجوب لوجود الخطر في المضاف والتعجيل قبل سبب الوجوب غير مسقط للواجب بعد وجوبه وإن كان هذا النذر مذكورا بصورة إضافة كما رأيت لكن ظاهر إطلاق قولهم المضاف سبب في الحال ويجوز تعجيل حكمه قبل وجود الزمان المضاف إليه والمعلق ليس بسبب في الحال ولا يجوز تعجيل حكمه قبل وجود ما علق عليه يقتضي أن يفارق أنت حر يوم يقدم فلان قوله إن قدم فلان فأنت حر في الحكم وهو أن يكون أنت حر في الأول سببا
182
182
للحرية في الحال وفي الثاني ليس بسبب في الحال وأن يجوز التعجيل في لله علي صدقة يوم يقدم فلان ولا يجوز التعجيل في إن قدم فلان فلله علي صدقة
وهذا الفرع الأخير في شرح الطحاوي
( وكون إذا جاء غد فأنت حر كإذا مت فأنت حر )
أي ويقتضي هذا الفرق أيضا تساوي هاتين المسألتين في حكم الثانية الذي هو عدم جواز بيعه وإن كان تدبيرا مطلقا لأنه من خصوص المادة وذلك لوجود المقتضي وهو أنت حر وارتفاع المانع المفروض المشار إليه بقوله
( لعدم الخطر )
في كل لأن كلا من الغد والموت أمر كائن البتة
( فيمتنع بيعه قبل الغد )
في الأولى
( كما يمتنع قبل الموت )
في الثانية
( لانعقاده )
أي أنت حر في كل
( سببا )
لحرية المخاطب
( في الحال على ما عرف )
من صلاحيته سببا ناجزا للتحرير عند انتفاء المانع لكونه طريقا مفضيا إليه مع فرض انتفاء المانع
( لكنهم )
أي الحنفية
( يجيزون بيعه )
في الأولى
( قبل الغد والأجوبة )
المذكورة في شروح الهداية وغيرها
( عنه )
أي عن جواز بيعه في الأولى قبل الغد ومنع بيعه في الثانية مطلقا
( ليست بشيء )
يفيد فرقا مؤثرا بينهما لهذه التفرقة بل حيث خصصت الدعوى بجعل المعلق على ما لا خطر فيه مثل المضاف في ثبوت سببه في الحال ينبغي أن يتساويا في عدم جواز بيعه مطلقا لعدم الخطر فيهما فلا جرم أن ذكرها في فتح القدير متعقبا لها فمنها منع كون الغد كائنا لا محالة لجواز قيام القيامة قبل الغد وتعقبه بأن هذا إنما يستقيم إذا كان التعليق بمجيء الغد بعد وجود شرائط الساعة من خروج الدجال ونزول عيسى صلى الله عليه وسلم وغيرهما أما قبل ذلك فليس بصحيح بل مجيء الغد محقق كالموت ومنها أن الكلام في الأغلب فيلحق الفرد النادر به وتعقبه بأن هذا اعتراف بالإيراد على أن كون التعليق بمثل مجيء الغد ورأس الشهر غير صحيح أيضا ومنها أن التعليق الذي هو التدبير وصية والوصية خلافة في الحال كالوارثة وتعقبه بأنه يرد عليه أنه يجوز الرجوع عن الوصية والتدبير المطلق لا يجوز الرجوع عنه فلم يتم هذا الفرق بين الإضافة والتعليق أيضا
قلت ولقائل أن يقول للفارق بهذا الفرق أن يلتزم كون أنت حر يوم يقدم فلان كإن قدم في يوم كذا فأنت حر في كون أنت حر ليس سببا للحرية في الحال وحقية استلزامه عدم جواز التعجيل بالصدقة في مثل الصورة المذكورة ويوافقه ما في شرح للبزدوي فإن قلت فلو قال لها أنت طالق إن مت أو إن مت ينبغي أن يكون من باب الإضافة قلت نعم هو من باب الإضافة كما لو قال لها أنت طالق لإن جاء يوم الجمعة وهذا لن العبرة للمعاني لا للألفاظ وعكسه لو قال لها أنت طالق حين قدوم زيد أو حين دخولك الدار اه أقول ويشهد له قولهم الحوالة بشرط مطالبة المحيل كفالة والكفالة بشرط عدم مطالبة الأصيل حوالة وما في نكاح مجموع النوازل وتعليق النكاح بشرط معلوم للحال يجوز ويكون تحقيقا بأن قال للآخر زوجني ابنتك فقال قد زوجتها قبل هذا من فلان فلم يصدقه الخاطب فقال أبو البنت إن
183
183
لم أكن زوجتها من فلان فقد زوجتها منك وقبل الآخر فظهر أنه لم يكن زوجها ينعقد هذا النكاح لأن التعليق بشرط كائن التحقيق ألا ترى انه لو قال لامرأته أنت طالق إن كان السماء فوقنا أو الأرض تحتنا فإنها تطلق في الحال لأن هذا تعليق بشرط كائن فيكون تنجيزا وما في فوائد صاحب المحيط قال لغريمه إن كان لي عليك دين فقد أبرأتك وللطالب عليه كذا دينار صح الإبراء لأنه تعليق بشرط كائن فيكون تنجيزا إلى غير ذلك مما عمل فيه بجانب المعنى دون الصورة فلا بدع في أن يحمل قولهم الإضافة لا تمنع سببية المضاف على ما إذا كانت الإضافة إلى ما لا خطر فيه كما هو الأصل فيها والتعليق مانع من سببية المعلق في الحال على ما إذا كان المعلق فيه خطر كما هو الأصل فيه والله سبحانه أعلم
هذا وإنما لم أقل المراد بقول المصنف لانعقاده سببا في الحال على ما عرف يعني في باب التدبير من أنه لا بد لثبوت الملك وزواله من الأهلية لهما والموت سالب لهذه الأهلية فامتنع أن يجعل قوله المذكور حال حياته سببا بعد موته فلزمت سببيته في الحال وإلا انتفت أصلا لكنها لم تنتف شرعا فثبت ما قلنا لأن هذا ونحوه يفيد أن سببية القول المذكور للحرية في الحال في باب التدبير إنما تثبت ضرورة زوال الأهلية إذا وجد المعلق عليه وحينئذ يقال عليه لا يصح إلحاق إذا جاء غد فأنت حر بإذا مت فأنت حر في ثبوت السببية في الحال لأن ثبوتها في مسالة التدبير للضرورة المذكورة وما ثبت للضرورة يتقدر بقدرها وهي منتفية في إذا جاء غد فأنت حر لانتفاء المانع المذكور إذ ليس موت القائل بمظنون قبل الغد فضلا عن كونه محققا ويكون الجواب بهذا لمن استشكل هذا الفرع على مسألة التدبير دافعا للإشكال ولا يحتاج إلى الجواب بشيء من الأجوبة الماضية ثم أنى يكون الفرق بين الإضافة والتعليق بالخطر وعدمه مستلزما لمساواة إذا جاء غد فأنت حر لإذا مت فأنت حر في عدم جواز البيع قبل الغد كما قبل الموت مع الإعراض عن جعل المناط في مسألة التدبير عدم الخطر بل ضرورة تصحيح قول المدبر شرعا وهي منتفية في المقيسة فليتأمل
( وقيل المراد بالسبب في نحو قولنا المعلق ليس سببا في الحال العلة وفي المضاف )
أي وبالسبب في قولنا المضاف سبب في الحال
( السبب المفضي وهو )
أي السبب المفضي
( السبب الحقيقي )
كما يذكر في موضعه
( وحينئذ )
أي حين إذ يكون المراد بالسبب فيهما ذلك
( لا خلاف )
في المعنى بين نفي السببية عن المعلق وإثباتها للمضاف ليكون بينهما تقابل الإثبات والسلب لأن المنفي عن المعلق ليس المثبت للمضاف بل غيره حتى يصح نفي السببية عنه بالمعنى الذي نفيتها به عن المعلق كما يصرح به
( وارتفعت الاشكالات )
السالفة فيقال عدم جواز التعجيل في إن قدم فلان فعلي صدقة لعدم وجود علة الوجوب وجواز التعجيل في لله علي صدقة يوم يقدم فلان لوجود السبب الحقيقي كما في تعجيل زكاة النصاب قبل الحول وجواز بيع العبد قبل الغد في إذا جاء غد فأنت حر لعدم وجود علة عتقه ثم كان مقتضى هذا جواز بيع المدبر
184
184
المطلق قبل الموت كما قاله الشافعي إلا أنه لما منعت السنة من بيعه لزم لضرورة ذلك انعقاد السببية له في الحال كما بيناه فلا يقاس عليه غيره
( وصدق المضاف ليس سببا أيضا في الحال بذلك المعنى )
وهو العلة الحقيقية الانتفاء ترتب الحكم عليه في الحال
( إلا أن اختلاف الأحكام )
لهما
( حيث قالوا المضاف سبب في الحال )
لحكمه
( فجاز تعجيله )
أي حكمه إذا كان عبادة سواء كانت بدنية أو مالية أو مركبة منهما كما هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف لأنه تعجيل بعد وجود سبب الوجوب خلافا لمحمد فيما عدا المالية ولزفر في الكل
( والمعلق ليس سببا في الحال )
لحكمه
( فلا يجوز تعجيله )
أي حكمه مطلقا بالاتفاق
( بنفيه )
أي نفي الخلاف بين نفي السببية عن المعلق وإثباتها للمضاف لأن اختلاف الأحكام التي هي اللوازم يوجب اختلاف دلائلها التي هي الملزومات
هذا غاية ما ظهر لي في توجيه هذا الكلام ولي فيه نظر أما أولا فالمعروف المتداول بين مشايخنا أن المراد من قولهم المعلق ليس بسبب في الحال أنه ليس من قبيل ما يطلق عليه اسم السبب حقيقة لانتفاء معناه وهو الإفضاء إلى الحكم من غير أن يضاف إليه وجوب ولا وجود ولا يعقل فيه معنى العلل ولا من قبيل ما يطلق عليه اسم السبب مجازا باعتبار أنه في معنى العلة لانتفاء ذلك كما يعلم في موضعه نعم يطلق عليه أنه علة مجازا لكونه علة اسما وله شبه بالعلة الحقيقية وسبب مجازا باعتبار ما يؤول إليه أيضا وأن المراد من قول الشافعي أنه سبب انه من قبيل الأسباب التي فيها معنى العلل وأن الإيجاب المضاف عندهم علة اسما ومعنى لا حكما وهو يشبه السبب فمن أين لهذا القائل أن المراد بقولهم المذكور ما ذكره وإن كانت العلة الحقيقية منتفية عن المعلق قبل الشرط إذ لا موجب للاقتصار على أنها منتفية مع عدم الخلاف في ذلك مع أن العلة التي هي علة معنى وحكما منتفية عنه أيضا عندنا مع أنا لسنا في هذا المقام إلا بصدد بيان ما فيه الخلاف لا الوفاق وكأن هذا القائل لاحظ تقرير كشف الأسرار وما حذا حذوه لقولنا المعلق بالشرط لا ينعقد سببا في الحال بخلاف الإضافة بما يوهم هذا كما يعرف ثمة ولم يستحضر ما قرروه من تقسيم السبب والعلة إلى الأقسام المعروفة لهم في ذلك بمثلها كما سيأتي استيفاؤه إذا أفضت النوبة إليه وأما ثانيا فعلى تقدير ما قاله هذا القائل لا يرتفع الخلاف بين قولهم المعلق ليس بسبب في الحال والمضاف سبب في الحال لأنه وإن صدق أيضا أن المضاف ليس سببا بالمعنى المذكور للسبب المنفي في المعلق ليس سببا لا يصدق أن المعلق سبب بالمعنى المذكور للسبب المثبت في المضاف سبب لوجود الواسطة بينهما كما عرفت ثم ليس غرض القائل بأن التعليق بالشرط لا يمنع السببية من إلحاق المعلق بالمضاف في ذلك إلا إلزام القائل بأن التعليق به يمنع السببية في الحال لا إلزامه بإثبات السببية في المعلق كما المخالف قائل بذلك في المضاف بالمعنى الذي هو المراد بالسببية في المضاف وعلى هذا التقدير الذي ظنه صاحب هذا القول لا يتأتى هذا
185
185
ثم من هنا اختلفت أحكامهما فالأقرب أن الفارق بينهما المانع من إلحاق أحدهما بالآخر إنما هو الخطر وعدمه وقد ظهر أنه لا ضير في التزام ما يلزم ذلك فليتأمل
ثم قد وضح انتفاء النظيرية بين تعليق القنديل والتعليق الحقيقي الذي هو محل النزاع فإنه بان أنه لا يتحقق في الموجود والممتنع بل في معدوم يتصور وجوده والتعليق الحسي إنما يكون لأمر موجود فالتعليق فيه لا يكون لابتداء وجوده عند المعلق عليه بل نقلا له من مكان إلى مكان ومع انتفاء المماثلة لا تصح المقايسة بل نظيره من الحسيات الرمي فإنه ليس بقتل ولكن بعرض أن يصير قتلا إذا اتصل بالمحل فإذا حال بينه وبين الوصول إلى المحل ترس منع الرمي من انعقاده علة للقتل لا أنه منع القتل مع وجود سببه والله سبحانه أعلم
( مسألة من المفاهيم )
المخالفة كما تقدم
( مفهوم اللقب نفاه الكل إلا بعض الحنابلة وشذوذا )
كابن خويز منداذ من المالية وكالدقاق والصيرفي وأبي حامد المرواروذي من الشافعية
( وهو )
أي مفهوم اللقب
( إضافة نقيض حكم )
مسمى
( معبر عنه )
أي المسمى وجاز حذفه أولا وعود الضمير إليه ثانيا لقرينة
( باسمه )
حال كونه
( علما أو جنسا إلى ما سواه )
أي المسمى ولا فرق بين أن يكون الحكم خبرا أو طلبا
( وقد يقال العلم والمراد الأعم )
أي يقتصر على ذكر العلم ويراد به ما يعم نوعية علم الشخص وعلم الجنس واسم الجنس وهو ما ليس بصفة مجازا مشهورا عند أهل هذه العبارة وهم الحنفية حيث قالوا التنصيص على الشيء باسمه العلم لا يدل على نفي الحكم عما عداه كما تجوز غيرهم في إطلاق اللقب مريدا به الاسم الأعم منه وهو ما يشمله والكنية والاسم القسيم لهما واسم الجنس وإذا ظهر المراد فلا مشاحة ثم المشهور عن القائلين به عدم الفرق بين أسماء الأشخاص والأجناس وحكى ابن برهان انه حجة في أسماء الأنواع كالغنم لا الأشخاص كزيد
( والمعول
في نفيه
( عدم الموجب )
للقول به كما مضى في نفي مفهوم المخالفة مطلقا
( وللزوم ظهور الكفر )
فضلا عن الكذب
( من نحو محمد رسول الله )
فإنه يلزم منه نفي رسالة غيره قيل ووقع الإلزام به للدقاق في مجلس النظر ببغداد فتوقف
( وفلان موجود )
فإنه يلزم منه نفي وجود واجب الوجود تعالى
( وهو )
أي لزوم الكفر من هذين وإضرابهما
( منتف )
بالإجماع قطعا فالقول بما يفضي إليه باطل قطعا وأورد إنما يلزم إذا تحقق شرائط مفهوم المخالفة وهو هنا ممنوع لجواز كون التخصيص بالذكر قصد الإخبار برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ووجود فلان ولا طريق إلى ذلك إلا بالتصريح بالاسم وأجيب بأنه حينئذ لا يتحقق مفهوم اللقب أصلا لأن هذه الفائدة حاصلة في جميع الصور وإنما قال ظهور لأن دلالة المفهوم بحسب الظهور لا القطع
( واستدل )
على نفيه
( بلزوم انتفاء القياس )
على تقدير القول به كما اعتمده البيضاوي وغيره لكن القياس حق فالمفضي إلى إبطاله باطل فالقول بمفهوم اللقب باطل بيان اللزوم أن النص الدال بمنطوقه على حكم الأصل إن تناول الفرع ثبت الحكم فيه بالنص وإلا دل على
186
186
انتفاء الحكم فيه قضاء لحق المفهوم إذ الفرض حقيته وأيا ما كان فلا قياس
( والجواب )
لا نسلم أن النص إذا لم يتناول الفرع وقيل بانتفاء الحكم فيه ينتفي القياس لأن القياس يستدعي مساواة الفرع للأصل في المعنى الذي ثبت الحكم به في الأصل فلا جرم
( إذا ظهر المساواة )
بينهما فيه فقد ظهرت في الحكم أيضا فيتعارضان لاقتضاء كل غير ما يقتضيه الآخر ثم
( قدم )
القياس عليه اتفاقا
( لزيادة قوته )
فلم يلزم إبطال القياس ولا نفي المفهوم
( قالوا )
أي القائلون بمفهوم اللقب
( لو قال لمخاصمه ليست أمي زانية أفاد )
قوله هذا
( نسبته )
أي الزنى
( إلى أمه )
أي المخاصم ولذا قال مالك وأحمد يجب الحد على القائل إذا كانت عفيفة ولولا أن تعليق الحكم بالاسم يدل على نفيه عما عداه لما تبادر إلى الفهم نسبة الزنى إليهاولما وجب الحد عندهما إذ لا موجب للتبادر والحد غيره
( أجيب بأنه )
أي التبادر المذكور
( بقرينة الحال )
وهي الخصام الذي هو مظنة الأذى والتقبيح فيما يورد فيه غالبا وليس هذا من المفهوم الذي يكون اللفظ ظاهرا فيه لغة بشيء وإنما لم يحد عند الحنفية والشافعية لأن مفيد نسبة الزنى إليها ليس بقطعي فكان في ثبوتها شبهة يندرئ الحد بمثلها ثم لما مضى عد دلالة إنما على الحصر من مفهوم المخالفة وكان الظاهر خلافه ترجم بيانه بمسألة جعل موضوعها أحد جزأي معنى الحصر وهو النفي عن غير المذكور لأن الجزء الآخر الذي هو الإثبات للمذكور لا خلاف في أن دلالتها عليه منطوقا فقال
( مسألة النفي في الحصر بإنما لغير الآخر )
أي نفي الحكم الثابت للمحصور فيه وهو ما يذكر آخرا عن غيره بإنما
( قيل بالمفهوم )
قاله أبو إسحاق الشيرازي في جماعة
( وقيل بالمنطوق )
قاله القاضي أبو بكر والغزالي قال المصنف
( وهو الأرجح ونسب للحنفية عدمه )
أي النفي عن غير المحصور فيه وإنها تفيد الإثبات لا غير
( فإنما زيد قائم كأنه قائم )
في عدم دلالته على نفي غير القيام عن زيد إذ من الظاهر أن في إنما زيد قائم من التأكيد ما يزيد على أن زيدا قائم ثم هذا مختار الآمدي وأبي حيان ونسبه إلى النحويين البصريين وناسبه إلى الحنفية صاحب البديع وتعقبه المصنف بقوله
( وتكرر منهم )
أي الحنفية
( نسبته )
أي الحصر إلى إنما معنى لها كما في كشف الأسرار والكافي وجاع الأسرار وغيرها
( وأيضا لم يجب أحد من الحنفية بمنع إفادتها )
أي إنما الحصر
( في الاستدلال بإنما الأعمال ) بالنيات الثابت في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( على شرط النية في الوضوء )
بما ملخصه الوضوء عمل ولا عمل إلا بالنية فلا وضوء إلا بالنية أما الصغرى فظاهرة وأما الكبرى فللحديث المذكور
( بل بتقدير الكمال أو الصحة )
أي بل إنما أجابوا بما حاصله أن حقيقة عموم الأعمال غير مرادة للقطع بوجود بعضها بلا نية كعمل الساهي فالمراد حكمها وهو إما أخروي وهو الثواب والعقاب ويعبر عنه بالكمال أو دنيوي وهو الاعتبار الشرعي ويعبر عنه بالصحة والأخروي مراد اتفاقا فلا يجوز إرادة الدنيوي معه أيضا إما لأن ثبوته بالاقتضاء والمقتضي لا
187
187
عموم له وهذا طريق القاضي أبي زيد ومن وافقة وإما لأن اللفظ صار مجازا عن نوعين مختلفين لوجود الصحة ولا ثواب والفساد ولا عقاب فيكون مشتركا بينهما بالوضع النوعي والمشترك لا عموم له وهذا طريق شمس الأئمة السرخسي وفخر الإسلام وأخيه ومن تابعهم فلا يصح التشبث بالحديث على اشتراط النية في الوضوء ثم لما كان يطرق هذا الجواب منع كون الثواب مرادا اتفاقا وإن اتفق على عدم الثواب بدون النية لأن موافقة الحكم للدليل لا تقتضي إرادته وثبوته به ليلزم عموم المقتضي أو المشترك وأيضا لا نسلم أن الحكم مشترك بين النوعين اشتراكا لفظيا بل هو موضوع لأثر الشيء ولازمه فيعم الجواز والفساد والثواب والإثم كما يعم الحيوان الفرس والإنسان فإرادة النوعين لا تكون من عموم المشترك وكان التزام أن المراد بالأعمال صحتها كما قاله المخالف هو الوجه ولا يلزم منه ضرر في مطلوب الحنفية تممه المصنف على هذا الطريق فقال
( وهو )
أي تقدير الصحة
( الحق )
لأنه المجاز الأقرب إلى الحقيقة من الكمال إليها ولم يقم ما يقدمه عليه فيتعين وإنما قلنا لا يضرهم لأن الإجماع على أن الأعمال في الحديث مخصوصة بما ليس بعبادة فاللازم من الاستدلال به لا يصح الوضوء عبادة إلا بالنية حتى كان الشافعي يقول الوضوء عبادة وكل عبادة لا تصح إلا بالنية فالوضوء لا يصح إلا بالنية وحينئذ فللحنفية أن يقولوا إن كان المراد كل وضوء عبادة فلا نسلمها أو بعض الوضوء عبادة فنسلمها ونقول
( ولا يصح الوضوء عبادة إلا بالنية لكن منعوا توقف صحة الصلاة على وضوء هو عبادة كباقي الشروط )
فيسلكون في الجواب القول بالموجب
وللعبد الضعيف في هذا المقام بحث ذكرته في حلبة المجلي فعدم منعهم كون إنما تفيد الحصر في الحديث دليل ظاهر على قولهم بإفادتها ذلك قلت لكن لقائل أن يقول إنما يتم هذا أن لو كان مطلوب المخالف يتوقف على ثبوت ذلك لها وليس كذلك لانتهاض تعريف الأعمال به فإن أداة التعريف فيها للعموم لعدم العهد وعليه مشى ابن الحاجب في الجواب عن الاحتجاج بهذا الحديث على إفادة إنما للحصر حيث قال في المنتهى وأما إنما الأعمال بالنيات وإنما الولاء لمن أعتق فالحصر بغير إنما لما فيه من العموم ومن ثمة استدل صاحب الهداية على افتراض النية في الصلاة بالحديث المذكور بدون إنما كما هو رواية ثابتة رواها الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى وغيره وحينئذ فقد كان الأولى ترك هذه العلاوة نعم في كشف الأسرار وجامع الأسرار التصريح بكونها في الحديث مفيدة لذلك
( لنا )
على إنما للحصر وإنها للنفي عن غير الآخر منطوقا أنه
( يفهم منه )
أي إنما
( المجموع )
من الإثبات والنفي كما هو ظاهر متبادر من موارد لا تحصى كقوله تعالى ! < إنما إلهكم الله > !
( فكان )
إنما لفظا موضوعا
( له )
أي للمجموع كما صرح به علماء المعاني لأن الأصل في الفهم تبعه للوضع ثم كما أنه للإثبات منطوقا فللنفي كذلك لأن المجموع معنى واحد
188
188
مطابقي لها فلا تكون دلالته على النفي مفهوما لأن اللفظ يدل على كل من جزأي معناه تضمنا من جهة واحدة
فإن قيل كيف يفيد النفي منطوقا وأداته المعهود إفادتها إياه كذلك غير موجودة فالجواب أن ذلك غير ممتنع
( وكون النافي المعهود )
لإفادة النفي منطوقا كما ولا
( منتفيا لا يستلزم نفيه )
أي كونها دالة على نفي الحكم عن غير الآخر منطوقا
( لأن موجب الانتقال )
أي انتقال الفهم من النافي إلى معناه الذي هو النفي منطوقا هو
( الوضع )
أي وضع اللفظ له المعلوم ذلك للفاهم بقرينة التبادر
( لا بشرط لفظ خاص )
حتى إذا لم يوجد لا يوجد ذلك المعنى وإذا كان كذلك فكما جاز أن يفيده أداة مخصوصة لوضعها له خاصة جاز أن يفيده غيرها لوضعه له ولغيره معا وكما كان الفهم على ذاك الوجه دليل الوضع له فكذا يكون الفهم هنا على هذا الوجه دليل الوضع لهما كذلك ولا يقال هذا لا يكفي للمطلوب لأن غاية ما يفيد أنه يفهم من إنما النفي عن الغير ولا يلزم منه أن يكون لوضع اللفظ له بالذات ليكون مستفادا منه منطوقا بل يجوز أن يكون لوضعه له في الجملة فيكون مستفادا منه مفهوما ومع الاحتمال يسقط الاستدلال لأنا نقول ما قدمناه ظاهر في أنه منطوق
( وكون فهمه )
أي النفي منه
( لا يستلزمه )
أي كونه بالمنطوق
( لجوازه )
أي فهمه
( بالمفهوم لا ينفي الظهور )
ونحن إنما نقول هو ظاهر في ذلك ثم كيف يصح أن يكون بالمفهوم
( ولو ثبت )
كون كذلك
( كان بمفهوم اللقب )
لصدقه عليه حينئذ
( وهو )
أي مفهوم اللقب
( منفي )
اتفاقا أو إلزاما فلا يصح للقائلين بأنه بطريق المفهوم القول بثبوته حينئذ أصلا فإن قلت مثل جواز إنما زيد قائم لا قاعد بخلاف ما زيد إلا قائم لا قاعد ومثل أن صريح النفي والاستثناء يستعمل عند إصرار المخاطب على الإنكار بخلاف إنما من الأمارات الدالة على أنه مفهوم لا منطوق كما ذكره المحقق التفتازاني قلت الذي صرح به الشيخ عبد القاهر وقال المتأخرون إنه الأقرب نفي حسن مجامعة لا العاطفة للنفي والاستثناء لا نفي الصحة وتصريح المفتاح بعدم الصحة متعقب كما قال الإمام الطيبي بأنه إن كان دعوى مستندة إلى الوضع فلابد من ذكرها وبيانها وإن كان بطريق المعنى فلم لا يجوز إجراؤه على التأكيد على أن جاز الله أكثر من هذا التركيب في الكشاف منه قوله في قوله تعالى ! < زين للناس حب الشهوات > ! أي المزين لهم حبه ما هو إلا شهوات لا غير اه على أنه يجوز أن يكون هذا منه بالنظر إلى ما يقتضيه علم البلاغة لا العربية إذ لا يقوم دليل على امتناع ذلك من حيث العربية لا صورة ولا معنى ومن ثمة ساغ في عبارة المصنفين من الأعيان وليس الكلام إلا فيما هو مفادها في الاستعمال ومن ثمة ساغ في عبارة المصنفين من الأعيان وليس الكلام إلا فيما هو مفادها في الاستعمال العربي بحسب الوضع لغة ومما يزيده وضوحا أن السكاكي شرط في صحة مجامعة النفي بلا العاطفة لإنما أن لا يكون الوصف بعد إنما مما له في نفسه اختصاص بالموصوف المذكور وعللوه بعدم الفائدة في ذلك عند الاختصاص فهذا يفيد أن ليس علة المنع كون النفي
189
189
منطوقا ولا علة الجواز كونه مفهوما على ما في هذا التعليل من بحث وقد ظهر من هذا أيضا اندفاع التشبث بالأمارة الثانية على أنه بالمفهوم لا بالمنطوق على أنا لسنا نقول النفي المستفاد من إنما منطقوا كالمستفاد من ما في سائر الوجوه وإن قالوا السبب في إفادتها القصر تضمنها معنى ما وإلا لأنه كما قال الشيخ عبد القاهر لم يعنوا به أن المعنى في إنما هو المعنى في ما وإلا بعينه وأن سبيلهما سبيل اللفظين يوضعان لمعنى واحد وفرق بين أن يكون في الشيء معنى الشيء وبين أن يكون الشيء الشيء على الإطلاق قلت ومما يشهد بهذا اختلاف ما ولا بمعنى ليس ولنفي الجنس وليس في كثير من الأحكام كما عرف في العربية مع أنه لا قائل بأن النفي في شيء منها مفهوم لا منطوق وبهذا يظهر منع كون النفي في إنما غير صريح والإيجاب فيها صريحا وأنه لا حاجة إلى دعوى ذلك بل الوجه أن كلا منطوق صريح
تنبيه
والأصح أن أنما بالفتح كإنما بالكسر
( وأما الحصر باللام للعموم )
أي التي لاستغراق الجنس الداخلة على أحد جزأي الكلام سواء كان صفة كالعالم أو اسم جنس كالرجل مقدما في الذكر أو مؤخرا في الجزء الآخر بشرط أن يكون أخص منه بحسب المفهوم علما كان كزيد أو غير علم كالجار والمجرور كما أشار إلى جملة هذا بقوله
( والآخر أخص كالعالم والرجل تقدم أو تأخر فلا ينبغي أن يختلف فيه )
لفهم ذلك منه ظاهرا حتى أن من خالف فيه فقد ارتكب ما لا يحسن ارتكابه
( ولو نفى المفهوم )
المخالف فإنه لا يتوقف ثبوته على ثبوته كما سيظهر
( بخلاف )
ما اشتمل على مسند ومسند إليه أحدهما علم والآخر صفة معرفة بالإضافة نحو
( صديقي زيد )
فإنه إنما يفيد الحصر إذا كان على هذا الوضع لا
( إذا أخر )
الاسم الصفة عن العلم كأن يؤخر صديقي عن زيد فإنه لا يفيد الحصر حينئذ
( لانتفاء عمومه )
أي عموم الاسم الصفة المضاف من حيث هو كصديقي فإنه ليس من ألفاظ العموم قال المصنف رحمه الله تعالى وإذا لم يحسن الاختلاف في حصر ما فيه اللام كما ذكرنا لزم أن لا يحسن الاختلاف في إفادة النفي لأن الحصر مركب من إثبات ونفي
( ويندرج )
كون كل من المعرف وصديقي في التركيب الخاص دالا على النفي عن الغير الذي هو جزء معنى الحصر
( في بيان الضرورة عند الحنفية إذ ثبوت الجنس برمته لواحد الضرورة ينتفي عن غيره )
فهو من القسم الأول منه لأنه يلزم جعل جميع ما صدق عليه العالم هو زيد وما صدق عليه زيد هو جميع ما صدق عليه العالم في زيد العالم والعالم زيد نفي وجود ما صدق للعالم غير زيد وما صدق لزيد غير العالم ضرورة فرض صدق كون جميع ما صدق عليه زيد هو العالم وجميع ما صدق عليه العالم هو زيد نعم إفادة الحصر فيهما كغيرهما قد يكون حقيقة إما مطلقا كالله الخالق والخالق الله وخالقي الله وإما بالنظر إلى عرف خاص مثل واليمين على المدعى عليه وقد يكون مبالغة وادعاء كما هو كثير بثير في المحاورات الخطابية إما بجعل ما
190
190
مدا المقصور عليه من ذلك الجنس بلغ من النقصان مبلغا انحط به عنه وعن أن يسمى به فهو فيما عدا المقصور عليه كالعدم وإما بجعل المقصور عليه قد ارتقى في الكمال إلى حد صار معه كأنه الجنس كله ونحن لم ندع إفادة اللام المذكورة للحصر إفادتها له حقيقة مطلقا في كل مورد بل على هذا الوجه التفصيلي ولم يصرح به للعلم به وقد ظهر من هذا أنه يصح أيضا القول بالحصر بناء على أن اللام للحقيقة كما نص عليه غير واحد وعدم صحة نفي كون اللام في مثل العالم زيد لاستغراق الجنس لعدم صحة كل عالم زيدا وإن قول المانع لإفادته الحصر إنما يفيد المبالغة بمعنى أن زيا هو الكامل والمنتهي في العلم كما نص سيبويه على أن اللام في الرجل للمبالغة ومعناه الكامل في الرجولية يفيد كون الخلاف بيننا وبينه في مثله لفظيا وإن قول المانع أيضا لو أفاد العالم زيد الحصر لأفاد عكسه أيضا صحيح ملتزم ومنع صحة اللازم ممنوع ودعوى منع المساواة بينهما غير مسلمة بل إنما التفاوت بينهما من حيث إن المعرف إن جعل مبتدأ فهو مقصور على الخبر وإن جعل خبرا فهو مقصور على المبتدأ كما عرف في علم المعاني وأشرنا إليه آنفا ثم ممن ذهب إلى أن مثل هذا كيفما دار يفيد الانحصار السكاكي والطيبي
( وتكرر من الحنفية مثله )
أي هذا القول
( في نفي اليمين عن المدعي بقوله عليه السلام واليمين على من أنكر )
ففي الهداية جعل جنس الأيمان على المنكرين وليس وراء الجنس شيء وفي الاختيار جعل جنس اليمين على المدعى عليه لأنه ذكره بالألف واللام وذلك ينفي ردها على المدعي
( وغيره )
أي وفي غير نفي اليمين عن المدعي ويمكن أن يكون منه ما يقود إليه كلامهم في وجه الاستدلال لكون أدنى مدة السفر الشرعي ثلاثة أيام ولياليها بقوله صلى الله عليه وسلم
يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليها
على ما عرف في موضعه فبطل عد كون الحصر في مثل العالم زيد من مفهوم المخالفة ونفي قول مشايخنا به كما ذكره صاحب البديع
هذا وقال المصنف رحمه الله تعالى وحاصل ما أراده أنه خالف التفصيل المذكور في طريق ابن الحاجب وغيره بين تقدم المعرف فيفيد الحصر وتأخيره فلا يفيده كزيد العالم وحكم بأنهما سواء في إفادة الحصر بناء على نسبة الحصر للضرورة بسبب العموم كما في اليمين على المنكر فإذا كان كل يمين على المنكر لزم أن لا يبقى يمين على غيره وهذا الموجب لا يختلف بتقديم معروضه وتأخيره ثم هذا الموجب وهو العموم منتف في صديقي لأنه ليس إلا ذات متصفة بصداقتي فلا عموم فيه نفسه فلزم أن لا حصر إذا تأخر ففارق ذا اللام حيث جعله في التأخير يفيده وسكت عن تقدمه ومفهوم شرطه يفيد أنه يفيد الحصر حينئذ وإذ بين أن لا عموم فيه كان حصره بطريق آخر البتة وهي عنده التقديم فإنه يفيده كما في ! < وإياك نستعين > ! لأن صديقي موضعه التأخير لأنه خبر عن زيد فإذا قدم كان الحصر فائدة التقديم اه قلت وهو حسن إلا أن جعل صديقي زيد مفيدا للحصر بما ذكره
191
191
إنما يتم على قول الإمام فخر الدين الرازي في مثله إن الاسم متعين للابتداء تقدم أو تأخر لدلالته على الذات والصفة متعينة للخبر تقدمت أو تأخرت لدلالتها على أمر نسبي لأن معنى المبتدأ المنسوب إليه ومعنى الخبر المنسوب والذات هي المنسوب إليها والصفة هي المنسوب فسواء قيل زيد صديقي أو صديقي زيد يكون زيد مبتدأ وصديقي خبرا لكن الجمهور على أن المبتدأ في مثل هذا المقدم كائنا ما كان حيث لا قرينة معرفة لكون الخبر المقدم وأجابوا بأنا لا نجعل اسم الصفة مبتدأ إلا حال كونه مرادا به الذات الذي له تلك الصفة غاية الأمر أن الذات وصفت بانتساب أمر نسبي إليه وهذا لا يوجب تعينه ليكون مسندا فيلزم أن يكون خبرا ولا نجعل اسم الذات كزيد خبرا إلا حال كونه مرادا به مفهوم مسمى يزيد فيكون الوصف مسندا إلى الذات دون العكس ومن ثمة علق الظرف به في قوله تعالى ! < وهو الله في السماوات > ! أي المعبود فيها أو المعروف بالألهية والله تعالى أعلم وقوله
( والتشكيك بتجويز كونه )
أي المحصور باللام
( لواحد ولآخر غير مقبول )
رد لما في شرح الشيخ سراج الدين الهندي للبديع من أن الوجه في أن العالم زيد يفيد الحصر دون زيد العالم بعد القول بأن اللام في العالم للحقيقة حيث قال لأنه يكون معنى قولنا العالم زيد هذه الحقيقة من حيث هي زيد فينحصر فيه بالضرورة ولم يوجد في غيره لأن زيدا ذات معينة ولا يمكن حمله على الحقيقة إلا بكونه عينها فكانت مخصوصة به إذ لو وجد في غيره لما كان عينها بخلاف عكسه وهو زيد العالم لأن معناه العالم ثابت له وثبوته لا يقتضي أن يكون عينه لجواز كونه صفة لغيره اه ووجه عدم القبول ظاهر مما تقدم
( وقد حكي )
في إفادة مثل العالم زيد الحصر أي جزأه الذي هو النفي عن الغير لأنه لا شبهة في ثبوت الإيجاب نطقا كما قلنا مثله في إنما ثلاثة أقوال حكاها ابن الحاجب وغيره أحدها
( نفيه )
أي الحصر وعزاه صاحب البديع إلى المذهب
( وإثباته مفهوما )
أي وثانيهما أنه يفيده مفهوما
( ومنطوقا )
أي وثالثها أنه يفيده منطقوا
( واستبعد )
هذا
( لعدم النطق بالنافي )
ذكره المحقق التفتازاني
( وعلمت في إنما أن لا أثر له )
أي لعدم النطق بالنافي في كون النفي ثابتا باللفظ منطوقا فلا يتم الاستبعاد نظرا إلى هذا الوجه بل وجهه أي هذا الاستبعاد عدم لفظ يتبادر منه النفي لأن اللام للعموم فقط أو للحقيقة فقط وأيا ما كان فليس النفي جزأه فإنما يثبت النفي عن الغير فيه لازما لإثباته أي العموم لواحد لا غير أو الحقيقة له وهذا
( بخلاف إنما )
فإنه يتبادر من لفظها النفي فكان جزء معناها كما تقدم ثم لما كان ما تقدم من أن الحصر باللام للعموم لا ينبغي أن يختلف فيه مظنة أن يقال أنى يكون ذلك وقد قال المحقق التفتازاني في هذه المسألة وأما المنطقيون فيأخذون بالأقل المتيقن فيجعلونه في قوة الجزئية أي بعض المنطلق زيد على ما هو قانون الاستدلال قدره المصنف مجيبا عنه بقوله
( وما نسب إلى المنطقيين من جعلهم إياه )
أي ذا اللام التي للعموم
( جزئيا ينفيه ما حقق من أن السور ما دل على كمية الموضوع )
إن كليا
192
192
فكلي وإن جزئيا فجزئي وما ذكروه من الأسوار لم يقصدوا به الانحصار وإذا كان كذلك
( فذوا اللام )
التي للعموم
( مسور بسور الكلية )
لكونه دالا على العموم الاستغراقي وكل ما يدل عليه فهو سور الكلية كما أفاده أبو علي في الإشارات
( التقسيم الثاني )
في اللفظ المفرد
( باعتبار ظهور دلالته إلى ظاهر ونص ومفسر ومحكم فمتأخروا الحنفية ما )
أي اللفظ الذي
( ظهر معناه الوضعي )
للسامع
( بمجرده )
أي اللفظ أي بنفس سماعه بلا قرينة إذا كان من أهل اللسان حال كونه
( محتملا )
لغير معناه الظاهر احتمالا مرجوحا
( إن لم يسق )
الكلام
( له أي ليس )
سوق معناه المذكور
( المقصود من استعماله فهو )
أي اللفظ المفرد
( بهذا الاعتبار )
وهو كون معناه الوضعي ظاهرا للسامع بنفس سماع اللفظ مع احتماله لغيره احتمالا مرجوحا غير مسوق له هو
( الظاهر )
اصطلاحا من الظهور وهو الوضوح فالمعرف الاصطلاحي وما في التعريف اللغوي فلا يلزم تعريف الشيء بنفسه وتقييد الظهور بنفس اللفظ احتراز عما ظهر المراد به لا بنفس اللفظ كالمجمل إذا لحقه البيان
( وباعتبار ظهور ما سيق له )
أي واللفظ المفرد باعتبار وضوح معناه المسوق له بواسطة السوق له زيادة على ظهوره بمجرد سماعه
( مع احتمال التخصيص )
إن كان عاما
( والتأويل )
إن كان خاصا
( النص )
اصطلاحا وإنما كان السوق مفيدا لزيادة الوضوح لأن اهتمام المتكلم ببيان ما قصده بالسوق أتم واحترازه عن الغلط والسهو فيه أكمل ومن هنا ناسب أن يسمى هذا نصا إما من نصصت الشيء رفعته لأن في ظهوره ارتفاعا على ظهور الظاهر أو من نصصت الدابة إذا استخرجت منها بالتكليف سيرا فوق سيرها المعتاد لأن في ظهوره زيادة حصلت بقصد المتكلم لا بنفس الصيغة كالزيادة الحاصلة من سير الدابة بتكليفها إياها لا بنفسها من حيث هي
( ويقال )
النص
( أيضا لكل سمعي )
كائن ما كان قولا شائعا والمميز بين المرادين من إطلاقه القرينة والفرق بينهما أنه بالمعنى الأول أخص مطلقا منه بالمعنى الثاني
( ومع عدمه احتماله غيرا النسخ )
أي واللفظ المفرد باعتبار ظهور معناه فوق ظهور النص من حيث إنه مع ذلك لا يحتمل غير النسخ
( المفسر )
اصطلاحا وسمي به لأنه لما جاوز الظاهر والنص في ظهورهما المذكور وكان التفسير مبالغة الفسر وهو الكشف سمي به حملا له على كماله الذي هو الانكشاف بلا شبهة
( ويقال )
المفسر
( أيضا لما بين )
المراد منه
( بقطعي )
كالخبر المتواتر
( مما فيه خفاء من الأقسام الآتية )
للمفرد باعتبار خفاء دلالته ما عدا المتشابه منها وهو الخفي والمشكل والمجمل لما ستعلم من أن المتشابه لا يلحقه البيان في هذه الدار على ما هو المختار
واعلم أن ظاهر هذا أن المفسر يطلق على معنيين مختلفين في الحكم كالنص وان الفرق بين المفسر بالمعنى الأول وبينه بالمعنى الثاني العموم والخصوص من وجه فهو بالمعنى الأول أعم منه بالمعنى الثاني من حيث إنه بالمعنى الأول يتناول ما بحيث لا يحتمل شيئا غير
193
193
النسخ مما لم يسبق له خفاء كما يتناول ما بيانه بقطعي مما سبق له خفاء من الأقسام المذكورة إذا كان لا يحتمل شيئا غير النسخ وأخص منه باعتبار أنه لا يتناول ما يحتمل التخصيص والتأويل سواء احتمل مع ذلك النسخ أو لا وسواء كان ذلك مما بين بقطعي مما سبق له خفاء أم لا وهو بالمعنى الثاني أعم منه بالمعنى الأول من حيث إنه بالمعنى الثاني يتناول ما بيانه بقطعي مما سبق له خفاء من الأقسام المذكورة إذا كان يحتمل التخصيص والتأويل والنسخ كما أنه يتناول ما بيانه بقطعي مما سبق له خفاء من الأقسام المذكورة إذا كان لا يحتمل شيئا غير النسخ وأخص منه باعتبار أنه لا يتناول إلا ما بين بقطعي مما فيه خفاء من الأقسام المشار إليها فتأمله لكن الظاهر أن المفسر عندهم اللفظ باعتبار ظهور معناه فوق ظهور النص بحيث لا يحتمل شيئا غير النسخ كما ذكرنا آنفا وأنه لا إطلاق له على ما يخالف هذا اصطلاحا وأن إطلاقه على ما بين بقطعي مما فيه خفاء من الأقسام المذكورة بشرط أن لا يحتمل شيئا غير النسخ وحينئذ فهو من إطلاق الكلي على فرد من أفراده كما يفيده قول فخر الإسلام وأما المفسر فما ازداد وضوحا على النص سواء كان بمعنى في النص أو بغيره بأن كان مجملا فلحقه بيان قاطع فانسد به باب التأويل أو عاما فلحقه ما انسد به باب التخصيص مأخوذ مما ذكرنا اه ومن ثمة قال فاضل من شارحيه يعني المجمل الذي لحقه البيان المذكور إنما يصير مفسرا إذا لم يكن المعنى الذي عرف ببيان المجمل قابلا للتخصيص والتأويل اه ويعني وأن يكون محتملا للنسخ كما صرح به نفس فخر الإسلام بعد هذا ويذكره المصنف أيضا عنه وكذا كون ما بين بقطعي مما فيه خفاء على وجه لا يبقى معه احتمال التأويل والتخصيص نوعا من المفسر ظاهر من كلام صاحب التقويم وشمس الأئمة السرخسي وهؤلاء إن لم يكونوا من المتأخرين فلم يظهر المتأخرين ما يخالفهم في هذا نعم في ميزان الأصول وأما حده عند المتكلمين وأهل الأصول ما ظهر به مراد المتكلم للسامع من غير شبهة لانقطاع احتمال غيره بوجود الدليل القطعي على المراد وكذا يسمى مبينا ومفصلا لهذا ثم قال وقد يسمى الخطاب والكلام مفسرا ومبينا بأن كان مكشوف المراد من الأصل بأن لم يحتمل إلا وجها وحدا كما يقع على المشترك والمشكل والمجمل الذي صار مراد المتكلم معلوما للسامع بواسطة انقطاع الاحتمال والإشكال اه
وهذا وإن كان ظاهره أن المفسر له معنيان لكن لا كما ذكره المصنف بل حاصله أن المعنى له عند التفصيل نوعان ما كان مكشوف المراد من الأصل بأن لم يحتمل إلا وجها واحدا وما كان المراد منه غير مكشوف أولا ثم صار مكشوفا بما لحقه من البيان القطعي المزيل لاحتمال غير ذلك المعنى ولم يتعرض لاشتراط احتمال النسخ إما بناء على ما عليه المتقدمون من عدم اشتراطه كما سيأتي وليس الكلام الآن في اصطلاحهم وإما للعلم به لأنه
الفصل المميز له من المحكم إن كان على ما عليه المتأخرون من اشتراطه والله سبحانه أعلم

194
194
( وإن )
بين المراد مما فيه خفاء من الأقسام المذكورة
( بظني )
كخبر الواحد والقياس
( فمؤول )
اصطلاحا سمي به إما لما فيه من صرفه عن ظاهر حاله أو من رجوعه من بعض احتمالاته إلى بعض منها بخصوصه والتأويل لغة يدور على ذلك ثم ليس المراد أن المؤول محصور فيما ذكر لأن الظاهر والنص إذا حمل على بعض محتملاته صار مؤولا بلا خلاف ذكره في التحقيق والمراد إذا حمل على محتمل له غير ظاهر منه بدليل ظني يوجب ذلك وسيأتي في هذا مزيد كلام في التقسيم الثالث من الفصل الرابع
( ومع عدمه في زمانه صلى الله عليه وسلم )
أي واللفظ المفرد باعتبار ظهور معناه فوق ظهور معنى المفسر من حيث إنه مع ذلك لا يحتمل النسخ في زمان حياة النبي صلى الله عليه وسلم
( المحكم )
وهو
( حقيقة عرفية )
خاصة للأصوليين
( في المحكم لنفسه )
عند الإطلاق كالآيات الدالة على وحدانية الله تعالى وصفاته
( والكل )
أي وكل من هذه الأقسام الأربعة
( بعده )
أي بعد وفاته صلى الله عليه وسلم
( محكم لغيره )
لعدم احتماله النسخ بانقطاع الوحي
( يلزمه )
أي إطلاق المحكم عليه لا المحكم لعينه منها
( التقييد )
لغيره
( عرفا )
خاصا أصوليا تمييزا بين الصنفين بعد اشتراكهما في أصل المعنى وهو اللغوي وهو الإتقان على وجه يؤمن فيه التبديل والانتقاض وإنما لزمه دون الأول لأن هذا المعنى في الأول أبلغ وأقوى فجعل المطلق للأكمل والتقييد لما ليس كذلك ثم يجب التنبه هنا لأمرين
أحدهما
قد عرف أن زيادة الوضوح في النص على الظاهر بكونه مسوقا لبيان المراد وأما زيادة الوضوح في المفسر والمحكم فيكون بوجوه مختلفة كأن كان الكلام في نفسه مما لا يحتمل التأويل ولا النسخ أو لحقه قول أو فعل قاطع لاحتمال التأويل أو اقترن به ما يمنع التخصيص أو يفيد الدوام والتأبيد ذكره في التلويح
ثانيهما
إن قلت ينبغي أن تكون الزيادة المعتبرة في المحكم بالنسبة إلى المفسر زيادة القوة كما هو صنيع فخر الإسلام ومن تبعه لا زيادة الوضوح كما ذكره صدر الشريعة وغيره أما أولا فلأنه المناسب للأحكام وعدم احتمال النسخ وأما ثانيا فلأن المفسر إذا بلغ من الوضوح بحيث لا يحتمل الغير أصلا فلا معنى لزيادة الوضوح عليه نعم يزداد قوة بواسطة تأكيد وتأييد يندفع عنه احتمال النسخ والانتقاض ومن ثمة تعقب صدر الشريعة بهذا كما في التلويح قلت ليس بين فخر الإسلام وصدر الشريعة مخالفة في المقصود أما أولا فلأنه لو كان كذلك للزم أن تكون أقسام هذا التقسيم ثلاثة للاتفاق على أنه إنما هو باعتبار ظهور الدلالة مع تفاوت الأقسام من حيث الأظهرية وإذا كان المحكم ليس فيه زيادة الوضوح على المفسر لا يكون قسيما له من حيث الأوضحية واللازم منتف اتفاقا فالملزوم مثله بل قال بعضهم المحكم ما ظهر لكل أحد من أهل الإسلام حتى لم يختلفوا فيه وأما ثانيا فلأنه كما أن زيادة القوة مناسبة للمعنى اللغوي فكذا زيادة الوضوح هنا باعتبار لازمها وهو زيادة القوة ومن هنا عبر فخر الإسلام ومن تبعه عن زيادة الوضوح بزيادة القوة ولعله إنما اختار
195
195
ذلك لما في من الإشعار بأن زيادة الوضوح إنما هي مطلوبة للازمها هذا لا لنفسها ثم المنع متسلط على القول بأن الشيء إذا بلغ من الوضوح بحيث لا يحتمل الغير لا معنى لزيادة الوضوح عليه فإنه لا ريب في اختلاف مراتب دلالات الألفاظ على إفادة المعنى الواحد فيا الأوضحية بعد اتفاقها في الوضوح وإن بلغت الحد المذكور ويؤكده ما هو معلوم من أن في ترادف المؤكدات لبيان المراد من زيادة الجلاء له ما ليس له عند عدمها ثم يشهد له ما قدمناه آنفا عن التلويح فإنه فيه صريح ثم إذا كانت هذه الأقسام عبارة عما ذكرنا
( فهي متباينة )
لأن في كل قيد إيضاد ما في الآخر فلا تجتمع في لفظ من جهة واحد
( ولا يمتنع الاجتماع )
أي اجتماع الظاهر والنص
( في لفظ بالنسبة إلى ما سيق له وعدمه )
أي في لفظ له معنيان سيق لأحدهما ولم يسق للآخر فيكون بالنسبة إلى الأول نصا وإلى الثاني ظاهرا
( كما تفيده المثل )
لهما منها قوله تعالى ! < وأحل الله البيع وحرم الربا > ! فإنه
ظاهر في الإباحة )
للبيع
( والتحريم )
للربا
( إذ لم يسق لذلك )
أي لهما من حيث هما وقد فهما من نفس اللفظ فهو بالنسبة إلى كل منهما من حيث هما ظاهر كما أنه
( نص )
في التفرقة بينهما بحل البيع وتحريم الربا
( باعتبار خارج هو رد تسويتهم )
أي الكفار بين الربا والبيع في الحل فإنه مسوق لذلك لأنهم كانوا يدعونها بل وجعلوا الربا أصلا في مساواة البيع له في الحل مبالغة منهم في اعتقاد حله فقالوا إنما البيع مثل الربا ومنها قوله تعالى ! < فانكحوا ما طاب > !
الآية ظاهر في الحل )
أي حل النكاح بلا قيد بعدد لفهمه من نفس اللفظ مع كون الكلام غير مسوق له كما تعلم
( نص )
في العدد الذي هو الأربع
( باعتبار خارج هو قصره )
أي الحال
( على العدد إذ السوق له )
أي للعدد فإنه تعالى بدأ بذكر أول العدد ثم زاد عليه ما يليه ثم ما يليه ثم أعقبه ببيان ما ليس بعدد وعلقه بخوف الجور والميل حيث قال ! < فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة > ! على أن الظاهر أن حل النكاح كان معلوما قبل نزول هذه الآية كما تفيده التفاسير
( فيجتمعان )
أي الظاهر والنص في اللفظ الواحد
( دلالة )
أي من حيث الدلالة على معنيين له مطابقة والتزاما أو تضمنا والتزاما إذا أمكنا فيه
( ثم القرينة تعين المراد بالسوق وهو )
أي المراد به هو المعنى
( الالتزامي )
لذلك اللفظ
( فيراد الآخر )
وهو المطابقي أو التضمني له مدلولا
( حقيقيا )
له
( لا أصليا )
أي لا معنى له مرادا بالسوق ثم فسر الآخر بقوله
( أعني الظاهري )
وإنما كان ظاهريا لأن اللفظ ظاهر فيه غير مسوق له والظاهر يعتبر فيه ذلك
( ويصير المعنى النصي مدلولا التزاميا لمجموع الظاهرين )
فإن التفرقة بين البيع والربا في الحل مدلول التزامي لمجموع ! < وأحل الله البيع وحرم الربا > ! وكل منهما ظاهر في معناه وقس على هذا
قال المصنف رحمه الله تعالى ولقصد إفادة أنه يجتمع في لفظ كونه ظاهرا ونصا باعتبارين قال في التقسيم فهو بهذا الاعتبار الظاهر وباعتبار ظهور ما سيق له النص فإنه يفيد إذا أمكن في لفظ الاعتباران كان نصا وظاهرا بهما
( ومثال انفراد النص )
عن الظاهر قوله
196
196
تعالى ! < يا أيها الناس اتقوا ربكم > ! لظهور مفهومه بنفس اللفظ مع كونه مسوقا له واحتماله التخصيص
( وكل لفظ سيق لمفهومه )
مع ظهوره منه بنفسه واحتماله التخصيص أو التأويل
( أما الظاهر فلا ينفرد )
عن النص
( إذ لابد من أن يساق اللفظ لغرض )
فإن كان معناه الوضعي فهو نفس النص وإن كان غيره فهو لازم للمعنى الظاهري فلم ينفرد الظاهر
( ومثلوا )
أي المتأخرون
( المفسر كالمتقدمين )
بقوله تعالى ! < فسجد الملائكة > !
( الآية ويلزمهم )
أي المتأخرين
( أن لا يصح )
هذا مثالا له
( لعدم احتمال النسخ )
لأنه خبر والخبر لا يحتمله على ما هو الصحيح كما سيأتي
( وثبوته )
أي احتمال النسخ
( معتبر )
في المفسر
( للتباين )
أي لأجل تباين الأقسام عندهم فهو على اصطلاحهم محكم وحينئذ
( فإنما يتصور المفسر في مفيد حكم )
شرعي للقطع بأنه لا معنى لنسخ معنى اللفظ المفرد فلا يتم الجواب عن اللازم المذكور بأن المفسر ! < الملائكة كلهم أجمعون > ! من غير نظر إلى فسجد ولا أن الأقسام الأربعة متحققة في هذه الآية فإن الملائكة جمع ظاهر في العموم وبقوله ! < كلهم > ! ازداد وضوحا فصار نصا وبقوله ! < أجمعون > ! انقطع احتمال التخصيص فصار مفسرا وقوله ! < فسجد > ! إخبار لا يحتمل النسخ فيكون محكما قلت وعلى هذا فليس المفسر من أقسام المفرد بل من أقسام المركب وحينئذ فلا ينبغي أن يكون مما يخرجه هذا التقسيم ثم المثال الذي لا مناقشة فيه على رأي المتأخرين قوله تعالى ! < وقاتلوا المشركين كافة > ! لأن كافة سد باب التخصيص وهو محتمل للنسخ لأنه مفيد حكما شرعيا وليس بخبر وهذا
( بخلاف المحكم والله بكل شيء عليم )
فإنه لا يشترط فيه أن يكون في مفيد المحكم
( لأنه )
أي المعتبر في الحكم
( نفيه )
أي احتمال النسخ أيضا فوق نفي احتمال التخصيص والتأويل ونفي احتمال النسخ يصدق بكون المعنى لا يحتمل تبديلا أصلا كما يصدق بكونه يحتمله في نفسه لكن قام دليل انتفائه
( والأولى )
في التمثيل
( نحو الجهاد ماض )
منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل مختصر من حديث أخرجه أبو داود لكونه مفيدا حكما شرعيا عمليا غير محتمل للنسخ لاشتماله على لفظ دال على الدوام بخلاف قوله تعال ! < والله بكل شيء عليم > ! فإنه وإن كان غير محتمل للنسخ لأن معناه في نفسه لا يحتمل التبدل فهو ليس بمفيد الحكم شرعي عملي والكلام إنما هو فيما يفيد ذلك
( والمتقدمون )
من الحنفية
( المعتبر في الظاهر ظهور )
المعنى
( الوضعي بمجرده )
أي سماع من هو من أهل اللسان اللفظ الموضوع له سواء
( سبق )
اللفظ
( له )
أي لمعناه الوضعي
( أو لا )
أي أو لم يسق له
( و )
المعتبر
( في النص ذلك )
أي كون معنى اللفظ مسوقا له
( مع ظهور ما سيق له )
وهو المعنى المذكور موضع المظهر موضوع المضمر لزيادة تمكينه في ذهن السامع سواء
( احتمل التخصيص )
إن كان عاما
( والتأويل )
إن كان خاصا
( أو لا )
يحتمل كلا منهما
( و )
المعتبر
( في
197
197
المفسر )
بعد اشتراط ظهور معناه
( عدم الاحتمال )
للتخصيص والتأويل
( احتمل النسخ أولا )
يحتمل
( و )
المعتبر
( في المحكم عدمه )
أي احتمال شيء من ذلك
( فهي )
أي هذه الأقسام متمايزة بحسب المفهوم واعتبار الحيثية
( متداخلة )
بحسب الوجود فيجوز صدق كل منها على كل من الباقية لا متباينة
( وقول فخر الإسلام في المفسر إلا أنه يحتمل النسخ سند للمتأخرين في التباين )
بين الأقسام لأنه موجب للتباين بينه وبين المحكم وإذا كان بينهما تباين فكذا ينبغي أن يكون بين الباقية
( إذ لا فصل بين الأقسام )
التباين وعدمه فإنه لم يقل أحد بأن بعضها متباين وبعضها متداخل في الاصطلاح
( وبه )
أي وبقول فخر الإسلام هذا
( يبعد نفي التباين عن كل المتقدمين )
على ما هو ظاهر التلويح لأن الظاهر أن فخر الإسلام منهم وقد أفاد قوله هذا التباين
( ولعدم التباين )
بينها عند المتقدمين
( مثلوا الظاهر )
بقوله تعالى ! < يا أيها الناس اتقوا > ! ! < الزانية والزاني فاجلدوا > ! الآية ! < والسارق والسارقة فاقطعوا > ! الآية
( وبالأمر والنهي مع ظهور ما سيق له )
أي مع ظهور معاني هذه العبارات وظهور كونها مسوقة لمعان تقصد بها فلو قالوا بالتباين بين الظاهر والنص بالسوق وعدمه لم يمثلوا للظاهر بهذه الأمثلة لوجود السوق فيها
( واقتصر بعضهم )
أي صاحب البديع
( في )
تمثيل
( النص )
على إباحة العدد
( على مثنى إلى رباع )
من قوله تعالى ! < فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع > ! وعلى التفرقة بين البيع والربا بحل بالبيع وتحريم الربا على
( وحرم الربوا )
من قوله تعالى ! < وأحل الله البيع وحرم الربا > !
( والحق أن كلا من انكحوا واسم العدد )
في الآية
( لا يستقل نصا )
على إباحة العدد المذكور
( إلا بملاحظة الآخر )
منهما كما هو ظاهر
( فالمجموع )
منهما هو
( النص )
على إباحة العدد المذكور قلت وكذا كل من وأحل الله البيع ومن حرم الربا لا يستقل نصا على التفرقة المذكورة إلا بملاحظة الآخر فإنما النص عليها المجموع منهما
( والشافعية الظاهر ما )
أي لفظ
( له دلالة ظنية )
أي راجحة على معنى ناشئة
( عن وضع )
له كالأسد للحيوان المفترس حيث لا قرينة صارفة عنه
( أو عرف )
عام بأن يكون دالا على ما نقل إليه واشتهر استعماله فيه في العرف العام
( كالغائط )
للخارج المستقذر من المسلك المعتاد
( وإن كان )
ذلك المعنى المنقول إليه
( مجازا )
للفظ
( باعتبار اللغة )
كهذا المعنى للغائط فإنه مجاز لغوي له لأن مجازيته اللغوية لا تنافي في ظاهريته العرفية العامة أو عرف خاص كالصلاة للأركان المخصوصة في الشرع فيخرج على اصطلاحهم النص لأن دلالته قطعية والمجمل والمشترك لأن دلالتهما مساوية والمؤول لأن دلالته مرجوحة
( ويستلزم )
الظاهر
( احتمالا مرجوحا )
لغير معناه بالضرورة ومن ثمة قال في المحصول الظاهر هو الذي يحتمل غيره احتمالا مرجوحا
( فالنص قسم منه )
أي من الظاهر بهذا المعنى
( عند الحنفية )
والأولى فالنص عند الحنفية قسم منه لأن عند الحنفية قيد للنص
( وهو )
أي هذا القسم من الظاهر
( ما كان سوقه لمفهومه )
المطابقي فهو نص عند الحنفية
198
198
لظهوره فيه وسوقه له ظاهر عند الشافعية لغرض دلالته عليه دلالة راجحة عن وضع أو عرف وينفرد ظاهرهم عن نص الحنفية في لفظ له معنى مطابقي لم يسق له والتزامي سيق له يمكن اجتماعهما وقد ظهر في كل منهما فإنه بالنسبة إلى كل منهما ظاهر الشافعية وبالنسبة إلى ما سيق له نص الحنفية لا بالنسبة إلى ما لم يسق له فصدق على هذا اللفظ بالنسبة إلى هذا المعنى ظاهر عند الشافعية ولم يصدق عليه نص عند الحنفية وهذا إذا أريد بالمعنى المدلول عليه في تعريف الظاهر ما هو أعم من المطابقي كما هو الظاهر وإلا فإن أريد به المعنى المطابقي فالوجه ما كانت النسخة عليه أولا وهو ما لفظه وهو قسم من النص عند الحنفية أي الظاهر بهذا المعنى قسم من النص عندهم لأنه كما أفاده حاشية عليه أن النص على ما تقدم ما ظهر معناه وعرف ما هو المقصود بسوقه ولا يشكل أنه قد يقصد بسوق اللفظ إفادة معناه بأن يكون ذلك هو الغرض وقد يقصد به غيره كما مر من القصد إلى رد التسوية فلزم انقسام النص قسمين اه
( وإن اختلفوا )
أي الحنفية والشافعية
( في قطعية دلالته )
أي هذا القسم من ظاهرا لشافعية الذي هو نص الحنفية أو هذا القسم من نص الحنفية الذي هو ظاهر الشافعية على ما كانت عليه النسخة أولا
( وظنيتها )
أي دلالته المذكورة فقال أكثر الحنفية قطعية وقال الشافعية ظنية فإنه لا خلاف في الحقيقة لاختلاف مرادهم بالقطعية والظنية ومن ثمة قال
( والوجه أنه )
والأحسن الاقتصار على لأنه أي اختلافهم
( لفظي فالقطعية للدلالة والظنية باعتبار الإرادة فلا اختلاف )
فمراد الحنفية القطع بثبوت دلالته على المعنى ولا يختلف في ذلك إذ بعد العلم بوضعه للمعنى يلزم من سماعه الانتقال إليه وهو معنى الدلالة ومراد الشافعية ظن إرادة المعنى باللفظ فإن الفهم عن العلم بالوضع وإن ثبت قطعا لكن كون المعنى مرادا غير مقطوع به لجواز كون المراد غير المعنى الوضعي المنتقل إليه عند سماع اللفظ ولا يختلف فيه فلا خلاف كما لا خلاف في وجوب العمل بالوضعي ما لم ينفه دليل كذا أفاده المصنف رحمه الله تعالى قلت ولا يعرى عن تأمل فإن ظاهر كلام الحنفية القطع بالإرادة أيضا تبعا للقطع بالدلالة حيث لا موجب للمخالفة وان هذا التجويز لكونه لا عن دليل ليس بمانع للقطع والله تعالى أعلم
( واستمروا )
أي الشافعية
( على إيراد المؤول قرينا له )
أي للظاهر وسيعرف تعريف المؤول
( فيقال الظاهر والمؤول كالخاص والعام لإفادة المقابلة فيلزم في الظاهر عدم الصرف )
عن معناه كما يلزم في المؤول الصرف عنه تحقيقا للمقابلة بينهما
وإلا )
أي وإن لم يلزم ذلك
0 اجتمعا )
أي الظاهر والمؤول في اللفظ الواحد لكن باعتبارين لإمكانه حينئذ فالمنقول لعلاقة ولم يشتهر كالأسد دلالته على الأول ظاهرة وعلى الثاني مؤولة وإن اشتهر وهو المسمى بالمنقول كالصلاة فهو على العكس
( إذ )
اللفظ
( المصروف )
عن معناه الراجح إلى معنى مرجوح
( لا تسقط دلالته على الراجح )
أي على المعنى الراجح كقوله تعالى ! < فإنما يبخل عن نفسه > !
( فيكون )
المصروف
( باعتباره )
أي كونه دالا على الراجح
( ظاهرا وباعتبار الحكم بإرادة المرجوح مؤولا ) قلت
199
199
والظاهر أنه لا يلزم في الظاهر عدم الصرف أصلا وإلا لم يوجد إلا في الحقائق لا غير بل قد وقد ولا ضير في الاجتماع باعتبارين كما ذكرنا لأن تقابلهما اعتباري لا حقيقي
( وتقدم المؤول عند الحنفية )
حيث قال وإن بظني فمؤول
( ولا ينكر إطلاقه )
أي المؤول
( على المصروف )
عن ظاهره بمقتض
( أيضا أحد )
فلا يختص به حنفي ولا شافعي
( والنص عند الشافعية ما دل على معنى
( بلا احتمال )
لغيره فيوافق ما في المنخول هو هو اللفظ الذي لا يتطرق إليه احتمال لكن الظاهر أن المراد لا يحتمل التأويل كما في المستصفى لأن الظاهر أن احتماله النسخ لا يخرجه عن النصية ولا ينافي هذا ما في شرح القاضي عضد الدين ما دل دلالة قطعية فلا جرم أن قال
( كالمفسر عند الحنفية لا النص )
عندهم
( فإنه )
أي النص عندهم
( يحتمل المجاز )
باتفاقهم
( وعلمت )
قريبا
( انه )
أي احتماله المجاز
( لا ينافي القول بقطعيته )
أي النص بخلاف المفسر عندهم فإنه لا يحتمل المجاز بتخصيص ولا بتأويل فالنص عند الشافعية هو المفسر عند الحنفية
( وقد يفسرون )
أي الشافعية
( الظاهر بما له دلالة واضحة فالنص )
عندهم حينئذ
( قسم منه )
أي من الظاهر بهذا المعنى
( عندهم )
لأن الدلالة الواضحة أعم من الظنية والقطعية والمبين أخص منه لأن الدلالة الواضحة لا تقتضي سابقة احتياج إلى البيان ذكره المحقق التفتازاني فانتفى قول الكرماني فلا يبقى حينئذ فرق بين المبين والظاهر
( والمحكم )
عندهم
( أعم )
من الظاهر والنص
( يصدق على كل منهما ولا ينافي التأويل أيضا فهو )
أي المحكم
( عندهم ما استقام نظمه للإفادة ولو بتأويل )
وعبارة السبكي المتضح المعنى
( والحنفية أوعب وضعا للحالات )
قال المصنف ولذا كثرت الأقسام عندهم فكانت أقسام ما ظهر معناه أربعة متباينة عند المتأخرين وعلى قول الشافعية ليس إلا قسمان في الخارج لأن المحكم أعم من الظاهر والنص فلا يتحقق في الخارج محكم غير نص ولا ظاهر بل إنما يتحقق المحكم أحدهما والمراد من الحالات حالة احتمال غير الوضعي وحالة سوقه لشيء من مفهومه أو غيره وحالة عدم سوقه لمفهومه وحالة عدم احتمال النسخ واحتماله فوضعوا للفظ الدال مع كل حالة أو حالتين اسما
( موضوع الاشتقاق )
لأسمائها
( يرجح قولهم )
أي الحنفية
( في المحكم )
أنه ما لا يحتمل تخصيصا ولا تأويلا ولا نسخا لمناسبة المعنى اللغوي له كما تقدم بخلافه على قول الشافعية بقي أن المصنف لم يذكر لهم مفسرا وفي المحصول المفسر له معنيان أحدهما ما احتاج إلى التفسير وقد ورد بالمعنى الذي ذكره المصنف كما أن الثاني منه لا يخالفه بالمعنى الذي ذكره السبكي وأما الأول بالنسبة إليه ففي تعيين ما بينهما من النسبة تأمل وعلى كل حال فالقول ما قاله من أن الحنفية أكثر استيعابا لوضع الأسماء للفظ باعتبار حالاته المتفاوتة في الوضوح والله سبحانه أعلم
ثم هذا
( تنبيه )
على تفصيل وتمثيل للتأويل وسمه به لسبق الشعور به في الجملة إ جمالا
( وقسموا )
أي الشافعية
( التأويل إلى قريب وبعيد ومتعذر غير مقبول قالوا وهو )
أي المتعذر
( ما
200
200
لا يحتمله اللفظ ولا يخفى أنه )
أي المتعذر
( ليس من أقسامه )
أي التأويل
( وهو )
أي التأويل مطلقا فيعم الصحيح والفاسد
( حمل الظاهر على المحتمل المرجوح )
إذ من المعلوم أن ما لا يحتمله اللفظ أصلا لا يندرج تحت ما يحتمله مرجوحا وقالوا حمل الظاهر لأن النص لا يتطرق إليه التأويل وتعيين أحد مدلولي المشترك لا يسمى تأويلا وعلى المحتمل لأن حمل الظاهر على ما لا يحتمله لا يكون تأويلا أصلا والمرجوح لأن حمله على محتمله الراجح ظاهر
( إلا أن يعرف )
التأويل
( بصرف اللفظ عن ظاهره فقط )
فيكون من أقسامه لصدقه عليه
( ثم ذكروا )
أي الشافعية
( من البعيدة تأويلات للحنفية في قوله صلى الله عليه وسلم لغيلان بن سلمة الثقفي وقد أسلم على عشر أمسك أربعا وفارق سائرهن )
رواه ابن ماجه والترمذي وصححه ابن حبان والحاكم
( أي ابتدئ نكاح أربع )
أي انكح أربعا منهن بعقد جديد وفارق باقيهن إن كنت تزوجتهن في عقد واحد لوقوعه فاسدا
( أو أمسك الأربع الأول )
وفارق الأواخر منهن إن كنت عقدت عليهن متفرقات لوقوعه فيما عدا الأربع فاسدا ووجه بعده أنه كما قال
( فإنه يبعد أن يخاطب بمثله متجدد في الإسلام بلا بيان )
لهذا المرام الخفي عن كثير من الأفهام إذ الظاهر من الإمساك الاستدامة دون الاستئناف ومن الفراق انقطاع النكاح لا عدم التجديد مع أنه لم ينقل تجديد قط لا منه ولا من غيره مع كثرة إسلام الكفار المتزوجين ولو كان لنقل
( وقوله )
صلى الله عليه وسلم
( لفيروز الديلمي وأسلم على أختين أمسك أيتهما شئت )
مثله أيضا أي ابتدئ نكاح من شئت منهما إن كنت تزوجتهما في عقد واحد لوقوعه فاسدا بخلاف ما لو تزوجهما في عقدين يبطل نكاح الثانية فقط ثم هذا اللفظ وإن لم يحفظ فقد حفظ معناه وهو اختر أيتهما شئت كما هو رواية الترمذي له فلا يبعد أن يقول من يقول معنى أمسك هذا إنه أيضا معنى اختر ثم هذا
( أبعد )
من الأول لأن فيه مع وجهي البعد الماضيين وجها ثالثا وهو التصريح بأيتهما شئت فدل على أن الترتيب غير معتبر
( وقولهم )
أي الحنفية
( في ! < فإطعام ستين مسكينا > ! )
كما هو نص القرآن في كفارة الظهار
( إطعام طعام ستين )
مسكينا لأن المقصود من التكفير دفع حاجة المسكين
( وحاجة واحد في ستين يوما حاجة ستين )
مسكينا فإذا أطعم مسكينا واحدا ستين يوما عنها أجزأه وإنما بعد لأن فيه اعتبار ما لم يذكر من المضاف وإلغاء ما ذكر من عدد المساكين
مع إمكان قصده )
أي عدد المساكين
( لفضل الجماعة وبركتهم وتضافر قلوبهم )
أي تظاهرها وتعاضدها
( على الدعاء له )
أي للمكفر
( وعموم الانتفاع )
أي وشمول المنفعة للجماعة
( دون الخصوص )
لواحد
( وقولهم )
أي الحنفية
( في نحو في أربعين شاة شاة )
كما هو هكذا في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن من رواية أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده على ما في مراسيل أبي داود وهو حديث حسن
( أي ماليتها )
أي الشاة لما تقدم من أن المقصود دفع الحاجة والحاجة إلى ماليتها كالحاجة إليها وإنما بعد
( إذ يلزم أن لا تجب الشاة )
نفسها لأن الفرض أن الواجب ماليتها حينئذ فلا تجب
201
201
هي فلا تكون مجزئية وهي مجزئه اتفاقا وأيضا يرجع المعنى وهو دفع الحاجة المستنبط من الحكم وهو إيجاب الشاة على الحكم وهو وجوب الشاة بالإبطال
( وكل معنى استنبط من حكم فأبطله )
أي ذلك المعنى ذلك الحكم
( باطل )
لأنه يوجب إبطال أصله المستلزم لبلاطنه فيلزم من صحته اجتماع صحته وبطلانه وأنه محال فتنتفي صحته فيكون باطلا
تنبيه
ثم إنما قال في نحو في أربعين شاة شاة لجريان منه في نحو في خمس من الإبل شاة وهلم جرا مما هم قائلون بأن المراد منه مالية ذلك المسمى لا عينه من الإبل والبقر أيضا
( ومنها )
أي التأويلات البعيدة لهم
( حمل )
قوله صلى الله عليه وسلم
( أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل الخ
أي ثلاث مرات رواه أصحاب السنن وحسنه الترمذي وقال الحاكم على شرط الشيخين
( على الصغيرة والأمة والمكاتبة )
ومن جرى مجراهن
( أو )
أن فنكاحها
( باطل أي يؤول إلى البطلان غالبا لاعتراض الولي )
بما يوجبه من عدم كفاءة أو نقص فاحش عن مهر المثل
( لأنها )
أي المرأة
( مالكة لبضعها )
ورضاها هو المعتبر
( فكان )
تصرفها فيه
( كبيع سلعة لها )
واعلم أن ظاهر هذا كما مشى عليه المحقق التفتازاني أنهم قائلون إما بحمل عموم أيما امرأة على خصوص منه وهو الأمة قنة كانت أو مدبرة أو أم ولد أو مكاتبة والحرة الصغيرة والمعتوهة والمجنونة مع إبقاء باطل على حقيقته وإما بإبقاء عموم أيما امرأة على ما هو عليه مع حمل باطل على ما يؤول إليه لئلا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز وتعقب بأن نكاح الأمة بأصنافها والصغيرة العاقلة ليس باطلا عند الحنفية بل موقوف فالوجه أن يكون باطل على هذا التقدير محمولا أيضا على ما يؤول إليه وهو تام فيما عدا المجنونة والمعتوهة لا فيهما لأن عقدهما باطل حقيقة فيلزم منه الجمع بين الحقيقة والمجاز المهروب منه كما يلزم أيضا في إبقاء أيما امرأة على العموم وإبقاء باطل على حقيقته وسيأتي في هذا وجه ثالث أوجه منهما إن شاء الله تعالى
ثم إنما بعد لأنه أبطل ظهور قصد النبي صلى الله عليه وسلم التعميم في كل امرأة
( مع إمكان قصده )
صلى الله عليه وسلم العموم
( لمنع استقلالها بما لا يليق بمحاسن العادات استقلالها به )
فإن نكاحها منه كما يشهد به العرف
( ومنها )
أي التأويلات البعيدة
( حملهم )
أي الحنفية ما عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال
لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل على القضاء والنذر المطلق
أي الذي لم يقيد بوقت معين ثم هذا الحديث بهذا اللفظ أورده شيخنا الحافظ بسنده في بحث الاستثناء من تخريج أحاديث مختصر ابن الحاجب وقال حديث حسن أخرجه النسائي وأبو داود واختلف في رفعه ووقفه ورجح الجمهور ومنهم الترمذي والنسائي الموقوف اه مختصرا ثم لما ذكره ابن الحاجب في مباحث المؤول بهذا اللفظ لم يخرجه شيخنا كذلك بل ساقه بألفاظ غيره ثم قال وأخرج له الدارقطني شاهدا من حديث عائشة لكنه معلول انقلب الإسناد على راويه فإنه أخرجه من رواية المفضل بن فضالة عن يحيى بن أيوب فقال عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة
202
202
وساقه بلفظ
من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام
وهذا أقرب إلى لفظ المصنف قال الدراقطني كلهم ثقات قلت لكن الراوي عن المفضل عبد الله بن عباد ضعفه ابن حبان جدا اه فهذا ظاهر في أنه لم يروه باللفظ المذكور النسائي وأبو داود وهذا هو الموافق لما في نفس الأمر فإن العبد الضعيف راجع سنن أبي داود والنسائي فلم يره فيهما بهذا اللفظ نعم أخرجه النسائي بألفاظ منها لفظ الدراقطني الذي قال شيخنا إنه أقرب إلى لفظ المصنف ثم حيث يكون من رجاله يحيى بن أيوب فقد قال النسائي فيه ليس بالقوي وقال أبو حاتم الرازي لا يحتج به وقال أحمد سيئ الحفظ وذكره أبو الفرج في الضعفاء والمتروكين والله تعالى أعلم وإنما بعد هذا لما فيه من تخصيص العموم بما وجوبه بعارض نادر
( وحملهم )
أي ومن التأويلات البعيدة حملهم
( ولذي القربى )
من قوله تعالى ! < واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى > !
( على الفقراء منهم )
أي من ذي القربى من بني هاشم وبني المطلب
( لأن المقصود )
من الدفع إليهم
( سد خلة المحتاج )
بفتح المعجمة أي حاجته ولا خلة مع الغنى وإنما بعد لتعطيل لفظ العموم
( مع ظهور أن القرابة )
التي لرسول الله صلى الله عليه وسلم
( قد تجعل سببا للاستحقاق مع الغنى تشريفا للنبي صلى الله عليه وسلم وعد بعضهم )
كإمام الحرمين
( حمل )
الحنفية والمالكية قوله تعالى ! < إنما الصدقات > !
الآية على بيان المصرف
لها حتى يجوز الصرف إلى صنف واحد وواحد منه فقط لا الاستحقاق حتى يجب الصرف إلى جميع الأصناف من التأويلات البعيدة أيضا لكون اللام ظاهرا في الملكية ثم أخذ المصنف في الجواب عنها من غير مراعاة ترتيبها فقال
( وأنت تعلم أن بعد التأويل لا يقدح في الحكم بل يفتقر إلى )
الدليل
( المرجح )
للتأويل على ذلك الظاهر ليصير به راجحا عليه وإذا تمهد هذا
( فأما الأخير )
وهو بعد حمل إنما الصدقات على بيان المصرف لها
( فدفع بأن السياق وهو رد لمزهم )
أي طعنهم وعيبهم
( المعطين ورضاهم عنهم إذا أعطوهم وسخطهم إذا منعوا يدل أن المقصود )
من قوله ! < إنما الصدقات > ! الآية
بيان المصارف لدفع وهم أنهم
أي المعطين
( يختارون في العطاء والمنع )
وتقريره هكذا موافق لابن الحاجب وغيره والأولى أن يقال وهو رد لمزهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضاهم عنه إذا أعطاهم وسخطهم إذا لم يعطهم لأن النص ومنهم من يلمزك من الصدقات الخ ثم من الدافعين بهذا الغزالي
( ورد )
هذا الدفع
( بأنه )
أي السياق
( لا ينافي الظاهر )
أي ظاهر اللام
( أيضا من الملك فلا يصرف )
السياق
( عنه )
أي عن هذا الظاهر فليكي لهما جميعا كما ذكره الآمدي قال المصنف
( ولا يخفى أن ظاهره )
أي ! < إنما الصدقات > ! الآية
( من العموم )
أي عموم الصدقات وعموم الفقراء والباقي بمعنى أن كل صدقة يستحقها جميع الفقراء ومن شاركهم
( منتف اتفاقا )
لتعذره ومن ثمة لم يقل به أحد
( ولتعذره )
أي العموم المذكور
( حملوه )
أي الشافعية العموم فيهم
( على ثلاثة من كل صنف )
م الثمانية إذا كان المفرق للزكاة غير المالك ووكيله ووجدوا
( وهو )
أي حملهم هذا
( بناء
203
203
على أن معنى الجمع )
في الفقراء ومن شاركهم
( مراد مع اللام والاستغراق وهو )
أي الاستغراق
( منتف )
فتبقى الجمعية وأقلها ثلاثة ورد بأنه حينئذ محمول على الجنس كما في لا أتزوج النساء وإلا لغا التعريف لحمل لا أتزوج نساء على ثلاثة
( وكونه )
أي اللام
( للتمليك لغير معين أبعد ينبو عنه الشرع والعقل )
إذ لا تمليك إلا لمعين مع عدم تأتيه في في الرقاب وفي سبيل الله لعدم اللام وعدم استقامة الملك في الظرف
( فالمستحق الله تعالى وأمر بصرف ما يستحقه إلى من كان من الأصناف فإن كانوا )
أي الأصناف
( بهذا )
القدر وهو أمر الله تعالى بصرف ما يستحقه إليهم
( مستحقين فبلا ملك ودون استحقاق الزوجة النفقة )
على زوجها لتعينها دونهم
( ولا تملك )
النفقة
( إلا بالقبض )
فكذا الزكاة لا تملك بدونه فلا يثبت الاستحقاق لأحد إلا بالصرف إليه
( ولنا آثار صحاح عن عدة من الصحابة والتابعين صريحة فيما قلنا ) كعمر رضي الله تعالى عنه رواه عنه ابن أبي شيبة والطبري وابن عباس رواه عنه البيهقي والطبري وحذيفة وسعيد بن جبير وعطاء والنخعي وأبي العالية وميمون بن مهران رواه عنهم ابن أبي شيبة والطبري
( ولم يرو عن أحد منهم )
أي من الصحابة والتابعين
( خلافه )
أي ما قلنا
( ولا ريب في فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف قولهم )
وكيف لا وقد ذكر أبو عبيد في كتاب الأموال أن النبي صلى الله عليه وسلم
قسم الذهيبة التي بعث بها معاذ من اليمن في المؤلفة فقط الأقرع وعيينة وعلقمة بن علاثة وزيد الخيل ثم أتاه مال آخر فجعله في صنف الغارمين فقط حيث قال لقبيصة بن المخارق حين أتاه وقد تحمل حمالة بفتح المهملة وتخفيف الميم أي كفالة أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها وفي حديث سلمة بن صخر البياضي أنه أمر له بصدقة قومه وأما شرط الفقر )
في ذي القربى
( فقالوا )
أي الحنفية
لقوله صلى الله عليه وسلم يا بني هاشم إن الله كره لكم ) أوساخ الناس ( إلى )
قوله
( وعوضكم عنها بخمس الخمس والمعوض عنه )
الذي هو الزكاة إنما هو
( للفقير )
لأنه الذي له حق فيه لا للغني إلا بعارض عمل عليها فكذا العوض والحديث بهذا اللفظ لم يحفظ نعم في صحيح مسلم
إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد
وفي معجم الطبراني
إنه لا يحل لكم أهل البيت من الصدقات شيء إنما هي غسالة الأيدي وإن لكم في خمس الخمس لما يغنيكم
وروى ابن أبي شيبة والطبري عن مجاهد قال كان آل محمد لا تحل لهم الصدقة فجعل لهم خمس الخمس وفي كون هذه مفيدة كونه عوضا عنها لمن كان مصرفا لها لا غير نظر فلا جرم أن قال شيخنا المصنف في فتح القدير ولفظ العوض إنما وقع في عبارة بعض التابعين ثم كون العوض إنما يثبت في حق من يثبت في حقه المعوض ممنوع وقال هنا قالوا وذهب الشافعي وأحمد إلى استواء غنيهم وفقيرهم فيه لكن للذكر مثل حظ الأنثيين
( وأما الأولان )
وهما مسألتا إسلام الرجل على أكثر من أربع وإسلامه على أختين
( فالأوجه خلاف قول الحنفية )
الماضي كما هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف
( وهو )
أي خلاف قولهم
( قول محمد بن الحسن )
ومالك
204
204
والشافعي وأحمد وهو أنه في الأولى يختار أي أربع شاء منهن ويفارق ما عداهن وفي الثانية يختار أيتهما شاء ويفارق الأخرى من غير فرق في المسألتين بين أن يكون تزوجهن في عقد أو عقود إلا أن في المبسوط وفرق محمد في السير الكبير بين أهل الحرب وأهل الذمة قال لو كانت هذه العقود فيما بين أهل الذمة كان الجواب كما قاله أبو حنيفة وأبو يوسف ووجه كون قول محمد أوجه عرف مما تقدم ولا يدفعه ما في المحيط وقول النبي صلى الله عليه وسلم لغيلان الثقفي اختر أربعا وفارق سائرهن يحتمل اختر أربعا منهن بالعقد الأول ويحتمل بعقد جديد فإنه لم يقل اختر أربعا منهن بالنكاح الأول والحديث حكاية حال لا عموم له فلا يصح الاحتجاج به
نعم إن تم ما في المبسوط والأحاديث التي رويت قال مكحول كانت قبل نزول الفرائض معناه قبل نزول حرمة الجمع فوقعت الأنكحة صحيحة مطلقا ثم أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم باختيار الأربع لتجديد العقد عليهن ولما كانت الأنكحه صحيحة في الأصل جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك مستثنى من تحريم الجمع ألا ترى أنه قال في بعض الروايات وطلق سائرهن فهذا دليل على أنه لم يحكم بالفرقة بينه وبين ما زاد على الأربع اه لم يحتاجا إلى التأويل المذكور واتجه قولهما على قوله لكن الشأن في ذلك وكيف وغيلان أسلم يوم الطائف في شوال سنة ثمان إلى غير ذلك مما يمنع تمام هذا الدفع
( وأما )
حمل
( لا صيام )
الحديث على ما ذكر
( فلمعارض )
له
( صح في النفل )
وهو ما في صحيح مسلم وغيره عن عائشة قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم
يا عائشة هل عندكم شيء
فقلت يا رسول الله ما عندنا شيء قال
فإني صائم
ثم قدم هذا لرجحانه في الثبوت عليه مع أنه مثبت وذاك ناف
( وفي رمضان بعد الشهادة بالرؤية )
أي وصح في أداء صيام رمضان وهو ما في الصحيحين عن سلمة بن الأكوع قال أمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من أسلم أن أذن في الناس إن من كان أكل فليصم بقية يومه ومن لم يكن أكل فليصم فإن اليوم يوم عاشوراء كما أشار إليه بقوله
( قال )
النبي صلى الله عليه وسلم
( من لم يكن أكل فليصم وهو )
أي الصوم المأمور به
( بعد تعين الشرعي )
فيه
( مقرون بدلالة عليه )
أي على الصوم الشرعي أنه المراد هنا أيضا
( أنه )
أي النبي صلى الله عليه وسلم
( قال من أكل فلا يأكل بقية يومه ومن لم يكن أكل فليصم )
والمحفوظ ما تقدم وأيا ما كان فلا ضير
( فلو اتحد حكم الأكل وغيره )
أي الأكل
( فيه )
أي يوم عاشوراء وهو عدم صحة صيامه شرعا
( لقال لا يأكل أحد )
لأن فيه مع الاختصار نفي ظن مخالفة القسمين في الحكم
( ثم هو )
أي صوم يوم عاشوراء وقتئذ
( واجب معين )
لهذا الحديث وغيره فكذا رمضان والنذر المعين لأن كلا منهما كذلك
( فلم يبق )
تحت لا صيام
( إلا )
الصيام
( غير المعين فعملوا به )
أي بلا صيام
( فيه )
أي الصيام غير المعين
( من القضاء والنذر المطلق )
والكفارات وقضاء ما أفسده من التطوع
( وهو )
أي هذا الصنيع
( أولى من إهدار بعض الأدلة بالكلية )
كهذين الدليلين لأن الإعمال بحسب
205
205
الإمكان أولى من الإهمال
( وأما النكاح )
أي كون قول الحنفية فيه مخالفا لظاهر الحديث المذكور
( فلضعف الحديث بما صح من إنكار الزهري
الراوي للحديث عنه سليمان بن موسى
( روايته )
أي الحديث عنه فقد أسند الطحاوي عن ابن جريج أنه سأله عنه فلم يعرفه
( وقول ابن جريج في رواية ابن عدي )
فلقيت الزهري فسألته عن هذا الحديث
( فلم يعرفه فقلت له إن سليمان بن موسى حدثنا به عنك فقال أخشى أن يكون وهم علي وأثنى على سليمان )
خيرا
( فصمم )
الزهري على الإنكار
( ومثله )
أي هذا اللفظ
( في عرف المتكلمين )
من أهل العلم
( إنكار )
منه لروايته
( لاشك )
فيها حتى لا يقدح في الحديث قلت فينتفي ما ذكر الترمذي أن ابن معين طعن في هذا المحكي عن ابن جريج وقال لم يذكر هذا عن ابن جريج إلا ابن علية وسماع ابن علية من ابن جريج فيه شيء لأنه صحح كتبه على كتب ابن أبي رواذ اه فإن ابن علية إمام حجة حافظ فقيه كبير القدر وقال أبو داود ما أحد من المحدثين إلا وقد أخطأ إلا ابن علية وبشر بن المفضل إلى غير ذلك من الثناء عليه فكيف يجوز عليه أن يقول لقيت الزهري فسألته عن هذا الحديث كذبا بل ما في الميزان قال ابن معين كان ابن علية ثقة ورعا تقيا يبعد هذا عن ابن معين وابن جريج أحد الأعلام الثقات مجمع على ثقته كما لا يقدح في هذا أيضا ما عن أحمد أنه ذكر هذه الحكاية فقال ابن جريج له كتب مدونة ليس هذا فيها فإن عدم ذكره فيها لا يمنع صحتها عنه في نفس الأمر مع ثقة الراوي عنه فليتأمل
نعم لا يبعد أن يقال الأشبه أن أخشى أن يكون وهم علي ليس جزما بتكذيبه كما أن مجرد نفي معرفته ليس صريحا فيه فلا يجري فيه ما يجري في الجزم الصريح بل ما يجري في النسيان على أنه تابع سليمان عن الزهري فيه الحجاج بن أرطأة عنه عند ابن ماجه وابن لهيعة عن جعفر بن ربيعة عنه عند أبي داود وهما وإن ضعفا فمتابعتهما لا تعرى عن تأييد لكون ذاك الإنكار نسيانا والله سبحانه أعلم
( أو لمعارضة ما هو أصح
منه
( رواية مسلم )
وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم
( الأيم أحق بنفسها من وليها وهي )
أي الأيم لغة
( من لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا وليس للولي حق في نفسها سوى التزويج فجعلها )
النبي صلى الله عليه وسلم
( أحق به )
أي بالتزويج
( منه )
أي من الولي
( فهو )
أي الحديث المذكور دائر
( بين أن يحمل )
باطل فيه
( على أول البطلان أو يترك )
العمل به
( للمعارض الراجح )
عليه ولولا أنه يلزم م الأول الجمع بين الحقيقة والمجاز كما تقدم لقدم على الثاني لكن حيث لزم منه ذلك وهو ممتنع تعين الثاني
( وأما الحمل )
لأيما امرأة
( على الأمة وما ذكر )
معها كما تقدم
( فإنما هو )
أي الحمل المذكور
( في لا نكاح إلا بولي )
كما رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه
( أي من له ولاية
أي نفاذ قول
( فيخرج نكاح العبد والأمة وما ذكر )
معهم من المجنونة والمعتوهة والصغيرة إذا لم يكن بإذن من يتوقف صحة النكاح على إذنه عن الصحة إذ لا ولاية لهم ويدخل نكاح الحرة العاقلة البالغة لأن لها
206
206
ولاية
( وإذ دل )
الحديث السابق
( الصحيح على صحة مباشرتها )
أي الحرة المذكورة للنكاح
( لزم كونه )
أي لا نكاح إلا بولي
( لإخراج الأمة والعبد والمراهقة والمعتوهة )
والمجنونة أيضا بطريق أولى وغاية ما يلزمه تخصيص العام
( وتخصيص العام ليس من الاحتمالات البعيدة )
وكيف وما من عام إلا وقد خص ولا سيما
( وقد ألجأ إليه )
أي التخصيص
( الدليل )
فيتعين
قال المصنف ويخص حديث أيما امرأة بمن نكحت غير الكفء والمراد بالباطل حقيقته على قول من لم يصحح ما باشرته من غير كفء أو حكمه على قول من يصححه ويثبت للولي حق الخصومة في فسخه كل ذلك شائع في إطلاقات النصوص ويجب ارتكابه لدفع المعارضة بينها فيثبت مع المنقول الوجه المعنوي وهو أنها تصرفت في خالص حقها وهو نفسها وهي من أهله كالمال فيجب تصحيحه مع كونه خلاف الأولى
( وأما الزكاة )
أي وأما قول الحنفية المتقدم في الزكاة
( فمع المعنى النص )
لهم فيه
( أما الأول )
أي المعنى
( فللعلم بأن الأمر بالدفع إلى الفقير إيصال لرزقهم )
أي الفقراء
( الموعود منه سبحانه )
بقوله تعالى ! < وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها > ! إلى غير ذلك
( وهو )
أي رزقهم
( متعدد من طعام وشراب وكسوة )
وغيرها إذ الرزق ما يسوقه الله إلى الحيوان فينتفع به
( فقد وعدهم )
الله
( أصنافا )
من الرزق
( وأمر من عنده من ماله )
عز وجل
( صنف واحد أن يؤدي مواعيده )
تعالى إلى أهلها
( فكان )
أمره بذلك
( إذنا بإعطاء القيم )
ضرورة
كما في مثله من الشاهد وحينئذ )
أي وحينئذ كان الأمر كذا
( لم تبطل الشاة بل )
يبطل
( تعينها )
بمعنى أنه لا يسوغ غيرها مما هو في مقدار ماليتها
( وحقيقته )
أي بطلان تعينها
( بطلان عدم إجزاء غيرها وصارت محلا )
للدفع
( هي وغيرها فالتعليل وسع المحل )
للحكم المذكور لا أنه أبطل المنصوص عليه
وليس لتعليل )
حيث كان
( إلا لتوسعته )
أي المحل
( وأما النص فما علق البخاري )
في صحيحه جزما
( وتعليقاته )
كذلك
( صحيحة )
ووصله يحيى بن آدم في كتاب الخراج
( من قول معاذ ائتوني بخميس )
بالسين المهملة كما هو الصواب لا الصاد قال الخليل ثوب طوله خمسة أذرع وقال الداودي كساء قيسه ذا ثم عن الشيباني سمي بملك من ملوك اليمن أول من أمر بعمله
( أو لبيس )
ما يلبس من الثياب أو الملبوس الخلق
) ( مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة )
وما في كتاب أبي بكر الصديق لأنس الذي رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري
من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة فإنها تؤخذ منه الحقة ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهما
الحديث فانتقل في القيمة في موضعين فعلمنا أن ليس المقصود خصوص عين السن المعين وإلا لسقط إن تعذر أو أوجب عليه أن يشتريه فيدفعه
( فظهر أن ذكر الشاة والجذعة )
وغيرهما
( كان لتقدير المالية ولأنه أخف على أرباب المواشي )
من غيرها
( لا لتعينها وقولهم )
أي الحنفية
( في الكفارة مثله في الأولين والله أعلم )
وهما مسألتا
207
207
إسلام الرجل على أكثر من أربع وعلى أختين وهو أنه خلاف الأوجه وإنما الأوجه قول الأئمة الثلاثة إذا أطعم مسكينا واحدا ستين يوما لا يجزئه لما تقدم
قال المصنف وغاية ما يعطيه كلامهم أن بتكرر الحاجة يتكرر المسكين حكما فكان تعددا حكما وتمامه موقوف على أن ستين مسكينا مراد به الأعم من الستين حقيقة أو حكما ولا يخفى أنه مجاز فلا مصير إليه إلا بموجبه اه ولا موجب له فيما يظهر والله تعالى أعلم
( التقسيم الثالث )
للمفرد
( مقابل )
التقسيم
( الثاني )
له لأنه
( باعتبار الخفاء )
في الدلالة كما أن الثاني باعتبار الظهور فيها
( فما كان منه )
أي من خفاء اللفظ في المعنى الذي خفي اللفظ فيه
( بعارض غير الصيغة فالخفي )
أي فاللفظ الذي هو متصف بالخفاء في معنى خفي هو فيه بالنسبة إلى المعنى الذي خفي فيه بسبب عارض له غير صيغته هو الخفي اصطلاحا وقيد بغير الصيغة لأن الخفاء إذا كان بنفس اللفظ فاللفظ أحد الأقسام الآتية وأورد ينبغي أن يكون الخفي ما خفي المراد منه بنفس اللفظ لأنه في مقابلة الظاهر وهو ما ظهر المراد منه بنفس اللفظ وأجيب بأن الخفاء بنفس اللفظ فوق الخفاء بعارض فلو كان الخفي ما يكون خفاؤه بنفس اللفظ لم يكن في أول مراتب الخفاء فلم يكن مقابلا للظاهر
( وهو )
أي الخفي
( أقلها )
أي أقسام هذا التقسيم
( خفاء كالظاهر في الظهور )
أي كما أن الظاهر في التقسيم الثاني أقل أقسامه ظهورا
( وحقيقته )
أي الخفي اصطلاحا
( لفظ )
وضع
( لمفهوم عرض فيما )
أي في محل
( هو )
أي ذلك المحل
( ببادئ الرأي من أفراده )
أي المفهوم
( ما )
أي عارض
( يخفى به )
أي بالعارض
( كونه )
اي ذلك المحل
( منها )
أي من أفراده ويوجب استمرار ذلك الخفاء العارض فيه
( إلى قليل تأمل )
فيزول الخفاء حينئذ ( ويجتمعان )
الخفي والظاهر
( في لفظ )
واحد
( بالنسبة )
إلى مفهومه وبعض المحال
( كالسارق ظاهر في مفهومه الشرعي )
وهو العاقل البالغ الآخذ عشرة دراهم أو مقدارها خفية عمن هو متصد للحفظ مما لا يتسارع إليه الفساد من المال المتمول من حرز بلا شبهة
( خفي في النباش )
أي آخذ كفن الميت من القبر خفية بنبشه بعد دفنه
( والطرار )
وهو الأخذ للمال المخصوص من اليقظان في غفلة منه بطر أو غيره وإنما خفي فيهما
( للاختصاص )
أي اختصاص كل منهما
( باسم
غير السارق يعرف به فيتوقف في كونه من أفراد السارق
( إلى ظهور أنه )
أي إلى أن يتأمل قليلا في وجه الاختصاص فيظهر أن الاختصاص
( في الطرار لزيادة )
في المعنى وهو حدق في فعله وفضل في جنايته لأنه يسارق الأعين المستيقظة المرصدة للحفظ لغفلة والسارق يسارق النائمة أو الغائبة
( ففيه )
أي فيكون في الطرار
( حده )
أي السارق
( دلالة )
أي من قبيل الدلالة لثبوته فيه بطريق أولى لأنه سارق كامل يأخذ مع حضور المالك ويقظته فله مزية على السارق ممن انقطع حفظه بعارض نومه أو غيبته عنه
( لا قياسا )
عليه حتى يورد عليه أن الحدود لا تثبت بالقياس لأن الثبوت به لا
208
208
يعرى عن شبهة والحدود تدرأ بها غير أن إطلاق قطعه إنما يتأتى على قول أبي يوسف والأئمة الثلاثة وإلا فظاهر المذهب فيه تفصيل يعرف في الفقه
( والنباش لنقص فلا )
أي وأن الاختصاص في النباش لنقص في المعنى وهو قصور مالية المأخوذ لأن المال ما تجري فيه الرغبة والضنة والكفن ينفر عنه كل من علم أنه كفن به ميت إلا نادرا من الناس مع عدم مملوكيته لأحد أو تحقق شبهة فيها ونقصان الحرز وعد الحافظ له وإنما يسارق من لعله يهجم عليه من المارة غير حافظ ولا قاصد فلا يحد حد السرقة عند أبي حنيفة ومحمد خلافا لأبي يوسف والأئمة الثلاثة لأنه لو كان لكان بالقياس والقياس الصحيح لا يفي بهذا فما الظن بغيره فإنه قد ظهر أنه يكون تعدية للحكم الذي في الأصل إلى الفرع بالمعنى الذي هو في الفرع دونه في الأصل وأما السمعي في ذلك فأكثره ضعيف فإن صلح منه شيء للحجية فمحمول على وقوعه سياسة لمعتاده لا حدا وبه نقول ثم على الصحيح لا فرق عندهما بين ما إذا كان القبر في الصحراء أو في بيت مقفل لما ذكرنا
( وما )
كان من خفاء اللفظ في المعنى الذي خفي اللفظ فيه
( لتعدد المعاني الاستعمالية )
للفظ
( مع العلم بالاشتراك )
أي بكون اللفظ مشتركا بينها
( ولا معين )
لأحدها
( أو تجويزها )
أي أو مع تجويز المعاني الاستعمالية للفظ
( مجازية )
له
( أو بعضها )
أي أو تجويز بعض المعاني الاستعمالية له ويستمر ذلك
( إلى تأمل )
بعد الطلب فذلك اللفظ
( مشكل )
اصطلاحا من أشكل عليه الأمر إذا دخل في أشكاله وأمثاله
فإن قيل فعلى هذا يصدق المشكل على المشترك اللفظي قلنا نعم
( ولا يبالي بصدقه )
أي المشكل
( على المشترك )
فيكون أعم منه لعدم التنافي إذ يجوز أن يسمى الشيء باسمين مختلفين من جهتين
( كأنى )
أي مثال المشكل لفظ أنى
( في أنى شئتم )
بعد قوله تعالى ! < فأتوا حرثكم > ! فإنه مشترك بين معنيين
( لاستعماله كأين )
كما في قوله تعالى ! < أنى لك هذا > !
( وكيف )
كما في قوله تعالى ! < أنى يحيي هذه الله بعد موتها > ! فاشتبه المعنى المراد في الآية على السامع واستمر ذلك
( إلى أن تؤمل )
بعد الطلب لهما والوقوف عليهما في موقعها هذا
( فظهر الثاني )
وهو كيف دون أين
( بقرينة الحرث وتحريم الأذى )
أي ودلالة تحريم القربان في الأذى العارض وهو الحيض فإنه في الأذى اللازم أولى فيقتضي التخيير في الأوصاف أي سواء كانت قائمة أو نائمة أو مقبلة أو مدبر بعد أن يكون المأتي واحدا وقد ظهر من هذا الفرق بين الطلب والتأمل وهو أن الطلب النظر أولا في معاني اللفظ وضبطها والتأمل استخراج المراد منها وأن المصنف إنما لم يذكر الطلب كما ذكروه لاستلزام التأمل تقدم الطلب عليه ثم غير خاف أن هذا أشد خفاء من الخفي وسيظهر أنه أقل خفاء من المجمل والمتشابه فلا جرم أن كان مقابله النص
( وما )
كان من خفاء اللفظ في المعنى الذي خفي اللفظ فيه
( لتعدد )
في معناه
( لا يعرف )
المراد منه
( إلا ببيان ) من المطلق
( كمشترك )
لفظي
( تعذر ترجيحه )
في أحد معنييه أو معانيه
كوصية لمواليه )
فإن المولى مشترك بين المعتق والمعتق
209
209
( حتى بطلت )
الوصية لمواليه
( فيمن له الجهتان )
من أعتقوه ومن أعتقهم إذا مات قبل البيان في ظاهر الرواية لبقاء الموصى له مجهولا بناء على تعذر العمل بعموم اللفظ وعدم ترجيح البعض على البعض وإلا فهنا روايات منها أن عن محمد إلا أن يصطلحا على أن يكون الموصى به بينهما فإنه يجوز كذلك ومنها أن عن أبي حنيفة وأبي يوسف جوازها وتكون للفريقين
( أو إبهام متكلم )
والوجه الظاهر أو ما أبهم المتكلم مراد منه
( لوضعه )
أي ذلك اللفظ
( لغير ما عرف
مرادا منه عند إطلاقه بالنسبة إلى أصل وضعه
( كالأسماء الشرعية من الصلاة والزكاة والربا )
الموضوعة للمعاني المعروفة عند أهلها قبل علمهم بالوضع لها واللفظ الغريب قبل تفسيره كالهلوع
( مجمل )
من أجمل الحساب رده إلى الجملة أو الأمر أبهمه
ثم لما كان هذا أشد خفاء من المشكل الإمكان الوقوف على معناه بالاجتهاد كما بغيره بخلاف المجمل فإنه لا يوقف عليه بالاجتهاد كان مقابله المفسر
( وما )
كان من خفاء اللفظ في المعنى الذي خفي اللفظ فيه بحيث
( لم يرج معرفته في الدنيا متشابه )
اصطلاحا من التشابه بمعنى الالتباس
( كالصفات )
التي ورد بها الكتاب والسنة الصحيحة لله تعالى
( في نحو اليد )
والوجه الظاهر من نحو اليد
( والعين )
كما في قوله تعالى ! < يد الله فوق أيديهم > ! ولتصنع على عيني
( والأفعال كالنزول )
الوارد في الصحيحين وغيرهما
ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى الثلث الآخر
إلى غير ذلك مما دل السمعي القاطع على ثبوته لله تعالى مع القطع بامتناع معناه الظاهر عليه سبحانه بناء على ما عليه السلف من تفويض علمه إلى الله تعالى والسكوت عن التأويل مع الجزم بالتقديس والتنزيه واعتقاد عدم إرادة الظواهر المقتضية للحدوث والتشبيه كما هو المذهب الأسلم
( وكالحروف في أوائل السور )
كالم وص وحم وإطلاق الحروف عليها مع أنها أسماء مجاز كأنه لقصد رعاية الموافقة بين الاسم والمسمى لأن مدلولاتها حروف ائتساء بالسلف الصالح من الصحابة وغيرهم في ذلك على ما نقل عنهم أو أريد بها الكلمات من إطلاق الخاص على العام ثم هذا بناء على أنها سر من أسرار الله تعالى استأثر الله تعالى بعلمه كما هو قول الأكثر منهم أصحابنا والشعبي والزهري ومالك ووكيع والأوزاعي قال القاضي البيضاوي وقد روي عن الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة ما يقرب منه ولعلهم أرادوا أنها أسرار بين الله ورسوله ورموز لم يقصد الله بها إفهام غيره إذ يبعد الخطاب بما لا يفيد اه وتعقب بأن استئثار الله تعالى بعلمها يدفع كونها أسرار بين الله ورسوله ثم عدم علم الخلق بمعناها لا يوجب أن لا تفيد شيئا وأن لا يكون لذكرها معنى أصلان إذ يجوز أن يكون فائدته طلب الإيمان بها وأن يكون التحدي والتنبيه على الإعجاز ثم لما كان هذا أشدها خفاء كان مقابله المحكم
ثم قيل نظير الخفي من الحسيات من اختفى من طالبه من غير تغيير زيه ولا اختلاطه بين أشكاله فيعثر عليه بمجرد الطلب ولا يحتاج فيه إلى التأمل ونظير المشكل من اغترب عن
210
210
وطنه ودخل بين أشكاله فيطلب موضعه ثم يتأمل في أشكاله ليقف عليه ونظير المجمل من اغترب عن وطنه وانقطع خبره فإنه لا ينال بالطلب والتأمل بدون الخبر عن موضعه ونظير المتشابه المفقود الذي لا طريق لدركه أصلا
( وظهر )
من هذا التقرير
( أن الأسماء الثلاثة )
المشكل والمجمل والمتشابه لما سميت به دائرة
( مع الاستعمال لا )
مجرد
( الوضع كالمشترك )
أي كما أن اسم المشترك يدور مع مجرد وضعه لمعنيين فصاعدا على البدل
( والخفي )
أي واسم الخفي
( مع عروض التسمية والشافعية ما خفي مطلقا )
أي سواء كان بنفس الصيغة أو بعارض عليها
( مجمل والإجمال من مفرد للاشتراك )
كالعين لتردده بين معانيه
( أو الإعلال )
كمختار لتردده بين الفاعل والمفعول بإعلاله بقلب يائه المكسورة أو المفتوحة ألفا
( أو جملة المركب )
نحو قوله تعالى ! < أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح > ! لتردد جملة المركب التي هي الموصول مع صلته بين الزوج كما حمله أصحابنا والشافعي وأحمد عليه ومن حجتهم ما روى الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
ولي العقدة الزوج
وبين الولي كما حمله عليه مالك
( ومرجع الضمير )
منه إذا تقدمه أمران يصلح لكل منهما على السواء قيل كحديث الصحيحين وغيرهما
لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبة في جداره
لتردد ضمير جداره بين عوده إلى أحدكم كما ذهب إليه أحمد إذ كان لا يضره ولا يجد الواضع بدا منه مثل أن يكون الموضع له أربعة حيطان له منها واحد والباقي لغيره حتى يلزمه الحاكم إن امتنع وبين عوده إلى الجار نفسه فلا يلزمه إن امتنع كما ذهب إليه الأئمة الثلاثة قلت والحق أن ظاهر السياق بعين جوعه إلى أحد ثم هو محتاج إلى مخصص بما قيده به وهم محتاجون إلى الجواب عنه مطلقا والكلام في ذلك غير هذا الموضع به أليق فالأولى التمثيل بقول من قال وقد سئل عن أبي بكر وعلي رضي الله عنهما أيهما أفضل من بنته في بيته
( وتقييد الوصف وإطلاقه في نحو )
زيد
طبيب ماهر )
لتردد ماهر بين رجوعه إلى طبيب فيتقيد الوصف بالمهارة بكونها في الطب خاصة وبين رجوعه إلى زيد فيكون موصوفا بالمهارة مطلقا لا أن تكون صفة لصفة أخرى كما ذكر الأصفهاني
( والظاهر أن الكل )
أي إجمال كل ما تقدم من المثل
( في مفرد بشرط التركيب )
قلت لكن من الظاهر أن الإجمال في اللفظ لاشتراكه أو لإعلاله في مفرد من غير شرط التركبيب فالوجه استثناء ما كان هكذا من اشتراطه
( وعندهم )
أي الشافعية
( المتشابه لكن مقتضى ) كلام
( المحققين تساويهما )
أي المجمل والمتشابه
( لتعريفهم المجمل بما لم تتضح دلالته )
قيل من قول أو فعل لأن الإجمال يكون فيهما والدلالة أعم من اللفظية وغيرها ودلالة الفعل عقلية ومن ثمة قال ما ولم يقل لفظ وخرج بلم تتضح دلالته المهمل لأنه لا دلالة له والمبين لاتضاحها
( وبما لم يفهم منه معنى أنه المراد )
وهذا لم أقف عليه بهذا اللفظ ولعله بالعناية ما في أصول ابن الحاجب وقيل اللفظ الذي لا يفهم منه عند الإطلاق شيء
211
211
وحينئذ فللقائل أن يقول إن أراد بالمعترض عليه في قوله
( وعليه اعتراضات ليست بشيء )
ما في الكتاب فلا اعتراض عليه وإن أراد ما في أصول ابن الحاجب فصحيح أن عليه اعتراضات مثل أنه غير مطرد لأن كلا من المهمل ولفظ المستحيل كذلك وليس بمجمل وغير منعكس لأنه يجوز أن يفهم من المجمل أحد محامله لا بعينه كما في المشترك وهو شيء فلا يصدق الحد عليه والمجمل قد يكون فعلا كقيام النبي صلى الله عليه وسلم من الركعة الثانية من غير تشهد فإنه محتمل للجواز والسهو وهو غير داخل في الحد إذ ليس لفظا وحينئذ فلا نسلم أنها ليست بشيء بل هي واردة ظاهرا وإنما يمكن أن يدفع بالعناية كما قال المحقق التفتازاني وغيره مثل أن يقال المراد باللفظ الموضوع وبالشيء ما يصح إطلاق لفظ الشيء عليه لغة وإن لم يكن ثابتا في الخارج وبفهم الشيء فهمه على أنه مراد لا مجرد الخطور بالبال والمقصود تعريف المجمل الذي هو من أقسام المتن وهو لا محالة لفظ قلت وعلى هذا لا حاجة إلى دعوى أن المعرف الأول إنما قال ما ولم يقل لفظ ليتناول الفعل المجمل لأن الإجمال يكون فيه أيضا بل حيث كان التعريف للمجمل الذي هو من أقسام المتن ينبغي الاحتراز من الفعل المجمل فليتنبه له
( والمتشابه )
أي ولتعريفهم إياه
( بغير المتضح المعنى )
فهذا تساو ظاهر بل اتحاد
( وجعل البيضاوي إياه )
أي المتشابه
( مشتركا بين المجمل والمؤول )
حيث قال والمشترك بين النص والظاهر المحكم وبين المجمل والمؤول المتشابه
وفسر الشارحون القدر المشترك بين الأولين بالرجحان ويمتاز النص بأنه راجح مانع من النقيض دون الظاهر وبين الأخيرين بعدم الرجحان ويمتاز المؤول بأنه مرجوح دون المجمل فيكون المتشابه ما ليس براجح لا ما لم يتضح معناه كما هو صريح كلام غيره
( مشكل لأن المؤول ظهرت دلالته على المرجوح بالموجب )
له فصار متضح المعنى حينئذ راجحا
( لا يقال يريده )
أي كون المؤول غير متضح المعنى أو غير راجح
( في نفسه مع قطع النظر عن الموجب )
لإرادة المعنى المرجوح له وإنما لا يقال
( لأنه )
أي المؤول
( حينئذ )
أي حين كون المراد بكونه غير متضح المعنى أو غير راجح أنه غير متضحه أو غير راجحه في نفسه
( ظاهر )
بالنسبة إلى الموجب لصدق حده عليه حينئذ
( لا يصدق عليه متشابه
لعدم صدق حده عليه والفرض أنه جنس له صادق عليه
( وأيضا يجئ مثله )
أي هذا
( في المجمل )
فيقال المراد بكونه غير متضح المعنى أو غير راجحه أنه غير متضحه أو راجحه في نفسه فيلزم أن يكون المجمل الذي لحقه بيان مجملا لأنه في نفسه غير واضح المعنى ولا راجحه
( لكن ما لحقه بيان خرج عن الإجمال بالاتفاق وسمي مبينا عندهم )
أي الشافعية
( والحنفية )
قالوا
( إن كان )
البيان
( شافيا بقطعي فمفسر )
أي فالمجمل حينئذ مفسر كبيان الصلاة والزكاة
( أو )
كان البيان شافيا
( بظني فمؤول )
أي فالمجمل حينئذ مؤول كبيان مقدار المسح بحديث المغيرة في صحيح مسلم
( أو )
كان البيان
( غير شاف خرج )
المجمل
( عن الإجمال إلى الإشكال )
لأن
212
212
خفاء الإشكال دون الإجمال كبيان الربا بالحديث الوارد في الأشياء الستة في الصحيحين
( فجاز طلبه )
أي بيانه حينئذ
( من غير المتكلم )
لأن بيان المشكل مما يكتفى فيه بالاجتهاد بخلاف الإجمال
( فلذا )
أي للاتفاق المذكور
( رد ما ظن من أن المشترك المقترن ببيان )
للمراد منه ( منه
( مجمل بالنظر إلى نفسه مبين بالنظر إلى المقارن )
والظان الأصفهاني والراد المحقق التفتازاني ولفظه وليس بشيء إذ لم يعرف اصطلاح على ذلك بل كلام القوم صريح في خلافه على أن الحق أنه يصدق على المشترك المبين من حيث إنه مبين أنه لا يمكن أن يعرف منه مراده بل إنما عرف بالبيان
( والحاصل أن لزوم الاسمين )
المبين والمجمل
( باعتبار ما ثبت في نفس الأمر للفظ من البيان أو الاستمرار على عدمه )
أي البيان فلا يجتمعان للتنافي بينهما حينئذ وإذا عرف هذا
( فالمجمل أعم عند الشافعية )
منه عند الحنفية
( ويلزمه )
أي كونه أعم عند الشافعية
( أن بعض أقسامه )
أي المجمل
( يدرك )
بيانه
( عن غير المتكلم وبعضه )
اي المجمل
( لا )
يدرك بيانه
( إلا منه )
أي المتكلم
( إذ لا ينكر جواز وجود إبهام كذلك )
أي لا يدرك معرفته إلا ببيان من المتكلم
أي لا يجرك معرفته إلا ببيان من المتكلم
( وكذا المتشابه
بعض أقسامه يدرك عن غير المتكلم وبعضها لا ايضا لتساويهما
( إلا أنهم )
أي الشافعية
( والأكثر على إمكان دركه )
أي المتشابه المتفق على أنه متشابه في الدنيا
( خلافا للحنفية )
حيث قالوا لا يمكن دركه فيها أصلا والذي ذكره صاحب الكشف والتحقيق وغيره أن هذا مذهب عامة الصحابة والتابعين وعامة متقدمي أهل السنة من أصحابنا وأصحاب الشافعي والقاضي أبي زيد وفخر الإسلام وشمس الأئمة وجماعة من المتأخرين إلا أن فخر الإسلام وشمس الأئمة استثنيا النبي صلى الله عليه وسلم فذكرا أن المتشابه وضح له دون غيره وذهب أكثر المتأخرين إلى أن الراسخ يعلم تأويل المتشابه
( وحقيقة الخلاف )
بين الطائفتين
( في وجود قسم )
من أقسام اللفظ باعتبار خفاء دلالته
( كذلك )
أي على هذا الوجه من انقطاع رجاء معرفته في الدنيا
( ولا يخفى أنه بحث عن
وجود
( قسم شرعي )
أي من الخطابات الشرعية وهو الخطاب بما لا يعرف معناه إلا في الآخرة هل هو واقع منه تعالى أو لا
( لا لغوي استتبع )
أي استطرد في هذا التقسيم
( فجاز عندهم )
أي الشافعية
( اتباعه طلبا للتأويل وامتنع عندنا فلا يحل ولا نزاع في عدم امتناع الخطاب بما لا يفهم ابتلاء للراسخين بإيجاب اعتقاد الحقية )
أي حقية ما أراد الله تعالى منه على الإبهام
( وترك الطلب )
للوقوف عليه معينا
( تسليما عجزا )
أي استسلاما لله واعترافا بالقصور عن درك ذلك ليعلموا أن الحكم لله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ولأن الابتلاء في الوقف من حيث التسليم لله تعالى والتفويض إليه واعتقاد حقية ما أراد الله تعالى بدون الوقوف على مراده عبودية والإمعان في الطلب ائتمار بالأمر وهو عبادة والعبودية أقوى لأنها الرضا بما يفعل الرب سبحانه والعبادة فعل ما يرضي الرب والعبادة تسقط في العقبى والعبودية لا فظهر أن لا نزاع في عدم امتناع هذا عقلا
( بل )
إنما النزاع
( في وقوعه )
أي الخطاب بما لا يفهم ابتلاء
213
213
للراسخين كما ذكرنا
( فالحنفية نعم )
هو واقع
( لقوله تعالى ! < وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا > !
( عطف جملة )
اسمية المبتدأ منها الراسخون
( خبره يقولون لأنه تعالى ذكر أن من الكتاب متشابها يبتغي تأويله قسم وصفهم بالزيغ فلو اقتصر )
على هذا
( حكم بمقابلهم قسم بلا زيغ لا يبتغون )
تأويله
( على وزان ! < فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه > ! اقتضى مقابله )
وهو وأما الذين كفروا فلهم كذا وكذا
( فتركه )
إيجاز الدلالة قسيمه عليه كما هو أسلوب من الأساليب البلاغية
( فكيف وقد صرح به أعني الراسخون وصحت جملة التسليم )
وهي يقولون آمنا به كل من عند ربنا
( خبرا عنه )
أي عن الراسخون
( فيجب اعتباره كذلك )
وممن نص على أن الظاهر هذا أبو حيان وعلى هذا فقوله وما يعلم تأويله إلا الله جملة معترضة بين القسمين
( فإن قيل قسم الزيغ المتبعون )
ما تشابه منه
( ابتغاء الفتنة والتأويل فالقسم المحكوم بمقابلته بنفي الأمرين )
ابتغاء الفتنة والتأويل جميعا لا بنفي أحدهما فلا يلزم منه ذم من ابتعه ابتغاء التأويل فقط
( قلنا قسم الزيغ بابتغاء كل )
من الوصفين على الاستقلال
( لا المجموع إذ الأصل استقلال الأوصاف )
على أن الإجماع على ذم من اتبعه ابتغاء الفتنة فقط بأن يجريه على الظاهر بلا تأويل فكذا من اتبعه ابتغاء التأويل فقط
( ولأن جملة يقولون حينئذ )
أي حين يكون والراسخون عطفا على الله قسيما لقوله فأما الذين في قلوبهم زيغ
( حال )
من الراسخون
( ومعنى متعلقها )
أي هذه الجملة حينئذ
( ينبو عن موجب عطف المفرد لأن مثله في عادة الاستعمال يقال للعجز والتسليم )
وهذا التقدير ينافيه
( وغاية الأمر أن مقتضى الظاهر أن يقال وأما الراسخون )
فيقولون ليوافق قسيمه فحذفت أما منه لدلالة ذكرها ثمة عليها هنا لأنها لا تكاد توجد مفصلة إلا وتثنى أو تثلث ثم حذفت الفاء لأنها من أحكامها وحينئذ يقال
( فإذا ظهر المعنى وجب كونه على مقتضى الحال المخالف لمقتضى الظاهر )
كما هو شأن البلاغة
( مع أن الحال قيد للعامل وليس علمهم )
أي الراسخين بتأويله
( مقيدا بحال قولهم آمنا به كل من عند ربنا )
على تقدير كونهم يعلمون تأويله فهذا أيضا مما ينافي كون يقولون جملة حالية من الراسخين ثم إيضاح ما ذكرنا أن الآية من باب الجمع والتفريق والتقسيم فالجمع قوله تعالى ! < هو الذي أنزل عليك الكتاب > ! والتقسيم قوله ! < منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات > ! والتفريق قوله ! < فأما الذين في قلوبهم زيغ > ! فلابد من جعل قوله ! < والراسخون > ! قسيما له كأنه قيل فأما الزائغون فيتبعون المتشابه وأما الراسخون فيتبعون المحكم ويردون المتشابه إلى المحكم إن قدروا وإلا فيقولون كل من المحكم والمتشابه من عند الله ثم جيء بقوله ! < وما يذكر إلا أولوا الألباب > ! تذييلا وتعريضا بالزائغين ومدحا للراسخين يعني من لم يذكر ولم يتعظ ويتبع هواه فليس من أولي الألباب ومن ثمة قال الراسخون
! < ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب > !
214
214
وما ذكر المحقق التفتازاني من الجواب عن هذا في حاشية الكشاف بما يعرف ثمة لا يدفع ظهور هذا كما لا يخفى على من أحاط علما بما تقدم من التوجيه مع الإنصاف
( وأيد حملنا قراءة ابن مسعود وإن تأويله إلا عند الله )
وقراءة ابن عباس رضي الله عنهما ويقول الراسخون في العلم آمنا به كما أخرجها سعيد بن منصور عنه بإسناد صحيح وعزيت إلى أبي أيضا
( فلو لم تكن )
قراءة ابن مسعود
( حجة )
مستقلة
( صلحت مؤيدا )
لما قدمناه
( على وزان ضعيف الحديث )
الذي ضعفه ليس بسبب فسق راويه
( يصلح شاهدا )
للحكم الثابت على وفقه بإجماع ظني أو قياس
( وإن لم يكن مثبتا )
لذلك الحكم لو انفرد
( فكيف والوجه منتهض على الحجية كما سيأتي إن شاء الله تعالى )
أي حجية القراءة الشاذة إذا صحت عمن نسبت إليه من الصحابة خصوصا مثل ابن مسعود إذ لا تنزل عن كونها خبرا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه إنما يقرؤها رواية عنه صلى الله عليه وسلم وهذا معنى ما أشار إليه بقوله كما سياتي يعني في مباحث الكتاب وما في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ! < هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب > ! قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم وما أخرج الطبري وابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن عائشة أنها قالت في قوله تعالى
( والرسخون في العلم ) انتهى علمهم إلى أن آمنوا بمتشابهه ولم يعلموا تأويله
هذا وقد أورد على استثناء فخر الإسلام وشمس الأئمة وضوح المتشابه للنبي صلى الله عليه وسلم دون غيره بأنه يتراءى مخالفا لظاهر الكتاب لأن الوقف إن وجب على إلا الله كما هو مختارهما موافقة للسلف فهو يقتضي أن لا يعلمه الرسول كغيره من العباد وإن كان الوقف على والراسخون في العلم كما هو مختار الخلف يلزم أن لا يكون الرسول مخصوصا بعلمه وأجيب بأن معنى الآية على تقدير الوقف على إلا الله وما يعلم أحد تأويله بدون تعليم الله كما في قوله تعالى ! < قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون > ! أي لا يعلم بدون تعليم الله إلا الله فيكون إلا حينئذ بمعنى غير وإذا كان كذلك جاز أن يكون الرسول مخصوصا بالتعليم بدون إذن بالبيان لغيره فيبقى غير معلوم في حق غيره واعترض بأن الآية تقتضي حصر العلم على الله وإذا صار الرسول صلى الله عليه وسلم عالما بالمتشابهات النازلة قبل نزول هذه الآية بالتعليم لا يستقيم الحصر وكان يقال وما يعلم تأويله إلا الله ورسوله وأجيب عنه بأنه يجوز أن يكون التعليم حاصلا بعد نزول هذه الآية فلا يكون الرسول عالما بالمتشابه قبل نزولها فيستقيم الحصر بقوله ! < وما يعلم تأويله إلا الله > ! وبأن الآية دلت على حصر العلم على الله عز وجل وعلى
215
215
من علمه الله بالتأويل الذي ذكر ألا ترى أن تلك الآية توجب حصر علم الغيب على الله تعالى ثم لا يمتنع أن يعلمه غير الله بتعليمه كما قال تعالى ! < عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول > ! فكذا هنا كذا في الكشف ولا يرى عن بحث لمن تحقق ثم بقي من الراسخ في العلم فأخرج ابن أبي حاتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الراسخين في العلم فقال من برت يمينه وصدق لسانه واستقام قلبه ومن عف بطنه ورجه فذلك من الراسخين في العلم
( وجرت عادة الشافعية باتباع المجمل بخلاف في جزئيات أنها منه في مسائل الأولى التحريم المضاف إلى الأعيان )
كحرمت عليكم أمهاتكم حرمت عليكم الميتة والتحليل المضاف إليها نحو وأحلت لكم بهيمة الأنعام
( عن الكرخي والبصري )
ابى عبد الله
( إجماله والحق )
كما قال الجمهور
( ظهوره )
أي أنه ظاهر
( في معين لنا الاستقراء في مثله )
من إضافة الحكم الشرعي إلى الذوات تفيد عرفا أن المراد المعنى المقصود منها حتى أن المراد من إضافة التحريم إليها
( إرادة منع الفعل المقصود منها )
أي من الأعيان
( حتى كان )
المنع المذكور
( متبادرا )
أي سابقا إلى الفهم عرفا
( من حرمت الحرير والخمر والأمهات )
وهو اللبس في الحرير والرب في الخمر والاستمتاع بالوطء ودواعيه في الأمهات والتبادر دليل الظهور
( فلا إجمال قالوا لابد من تقدير فعل )
يتعلق بها لأن التحريم والتحليل تكليف وهو بما هو مقدور العبد ومقدوره الفعل لا العين فإن قدر جميع الأفعال المتعلقة بها فمحال لأن من جملتها الامتناع عنها مع أن التقدير للضرورة وهي مندفعة بالبعض فيقدر هو لا الجميع لأن ما يقدر للضرورة يقدر بقدرها
( ولا معين )
للبعض فيلزم الإجمال
( قلنا تعين )
البعض وهو المقصود من العين
( بما ذكرنا )
من سبقه إلى الفهم عرفا وعادة
ثم هنا بحث آخر وهو أن هذا الاستعمال حقيقي أو مجازي فإن كان ذاك الفعل حراما لغيره وهو ما لا يكون منشأ حرمته عين ذلك المحل كحرمة أكل مال الغير فإنها ليست لنفس المال بل لكونه ملك الغير فالأكل محرم والمحل قابل له حلالا بأن يأكله مالكه أو يؤكله غيره فهو استعمال مجازي إما من إطلاق اسم المحل على الحال أو من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه وإن كان ذاك الفعل حراما لعينه وهو ما يكون منشأ حرمته عين ذلك المحل كحرمة أكل الميتة وشرب الخمر فالأكثر أنه مجاز أيضا كالأول وقال شيخنا المصنف رحمه الله تعالى وينبغي كونه على قولهم مجازا عقليا إذ لم يتجوز في لفظ حرمت ولا في لفظ الخمر اه ولا يخفى أنه يجيء مثله في القسم الأول وذهب فخر الإسلام ومن وافقه إلى أنه حقيقة فالمحل اصل والفعل تبع بمعنى أن المحل أخرج أولا من قبول الفعل ومنع ثم صار الفعل مخرجا وممنوعا من الاعتبار تبعا فحسن نسبة الحرمة وإضافتها إلى المحل دلالة على أنه غير صالح للفعل شرعا حتى كأنه الحرام نفسه ويطرقه ما تقدم آنفا من أن
216
216
التحريم ليس إلا للفعل لأنه من أقسام الحكم والحكم خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين فتعليقه بالعين تجوز وإنه يلزم مثلا أن تكون حرمة الخمر أقوى من حرمة مال الغير لكن الأمر بالعكس لأن الخمر والميتة والدم ونحوها يجب تناولها عند الضرورة وإن أضيف الحرمة إلى عينها ومال الغير لا يجب تناوله عند الضرورة بل الصبر أولى وإن مات
نعم كما قال صاحب البديع هذا التقرير إظهار فائدة العدول عن الحقيقة التي هي النسبة إلى الفعل إلى المجاز الذي هو النسبة إلى العين وهي قصد المبالغة في الانتهاء فأشار المضيف إلى ما ذهب إليه البزدوي مع توجيه من عنده مصحح له إن تم وإلى ما أشار إليه صاحب البديع فقال
( وادعاء فخر الإسلام وغيره من الحنفية )
كصدر الشريعة
( الحقيقة )
فيما كان حراما لعينه
( لقصد إخراج المحل عن المحلية تصحيحه بادعاء تعارف تركيب منع العين لإخراجها عن محلية الفعل المتبادر لا مطلقا )
فإن حرمت عليكم أمهاتكم لا يفيد إخراجها عن محلية كل فعل للابن من تقبيل رأسها إكراما ونظره إليها رحمة ونحو ذلك
( وفيه )
أي وفي هذا الادعاء
( زيادة بيان سبب العدول عن التعليق بالفعل إلى التعليق بالعين )
كما ذكرناه عن صاحب البديع قال المصنف فإن سلم العرف أو اللغة ذلك وإلا لزمه الإشكال اه قلت وقد نص الفاضل الكرماني على تسليم كونه مجازا في اللغة حقيقة في العرف لكن من غير تفصيل بين الحرام لعينه ولغيره في ذلك والله سبحانه أعلم
( الثانية لا إجمال في وامسحوا برؤوسكم خلافا لبعض الحنفية لأنه )
أي الشأن
( إن لم يكن في مثله )
أي هذا التركيب
( عرف يصحح إرادة البعض كمالك أفاد )
هذا التركيب
( مسح مسماه )
أي الرأس
( وهو )
أي مسمى الرأس
( الكل أو كان )
فيه عرف يصحح إرادة البعض منه
( أفاد )
هذا التركيب
( بعضا مطلقا ويحصل )
البعض المطلق
( في ضمن الاستيعاب )
أي استيعاب الرأس بالمسح
( وغيره )
أي الاستيعاب وهو مسح بعض منه أي بعض كان لصدق البعض المطلق عليه
( فلا إجمال )
لظهوره في بعض مطلق
( ثم ادعى مالك عدمه )
أي العرف المصحح إرادة البعض
( فلزم الاستيعاب )
لاتضاح دلالته بالمقتضى السالم عن المعارض ولا يخفى أن كليهما ممنوع ثم لو لم يكن رادا له إلا ما في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته لكفى
( والشافعية ثبوته )
أي العرف المصحح إرادة البعض
( في نحو مسحت يدي بالمنديل )
بكسر الميم فإن معناه ببعضه فلزم التبعيض
( أجيب )
عن هذا
( بأنه )
أي التبعيض في مثله هو
( العرف فيما هو آلة لذلك
أي فيما كان مدخول الباء آلة الفعل كاليد في هذا ومدخولها في الآية المحل قال المصنف
( والأوجه أنه )
أي لتبعيض في هذا
( ليس للعرف )
المذكور
( بل للعلم بأنه )
أي المسح فيه
( للحاجة وهي )
أي الحاجة
( مندفعة ببعضه )
أي المنديل عادة
( فتعلم إرادته )
أي البعض عرفا بهذا السبب
ولقائل أن يقول الظاهر أن العرف إنما كان مفيدا للتبعيض في مثله لهذا العلم فلا يتم
217
217
نفي كونه للعرف نعم إسناده إليه أولى لكونه بمنزلة العلة القريبة مع البعيدة
( قالوا )
أي الشافعية
( الباء للتبعيض )
وقد دخلت على الرأس فتفيد كون المفروض مسح بعضه كما هو المشهور من مذهبه وعليه معظمهم
( أجيب بإنكاره )
أي التبعيض
( كابن جني )
بسكون الياء معرب كنى بين الكاف والجيم
( واعلم أن طائفة من المتأخرين )
النحويين كالفارسي والقتبي وابن مالك
( ادعوه في نحو شربن بماء البحر ثم ترفعت )
( متى لجج خضر لهن نئيج
)
أي شرب السحب من ماء البحر ثم ترفعت من لجج خضر والحال أن لهن تصويتا إلى غير ذلك
( وابن جني يقول في سر الصناعة لا يعرفه أصحابنا )
ورد بأنه شهادة على النفي وأجيب بأنها على ثلاثة أقسام معلومة نحو العرب لم تنصب الفاعل وظنية عن استقراء صحيح نحو ليس في كلام العرب اسم متمكن آخره واو لازمة قبلها ضمة وشائعة غير منحصرة نحو لم يطلق زيد امرأته من غير دليل فهذا هو المردود وكلام ابن جني من الثاني لأنه شديد الاطلاع على لسان العرب وسيحكي المصنف إنكاره أيضا عن محققي العربية وأن الباء في هذا زائدة وإن زيادتها استعمال كثير متحقق وقال ابن مالك والأجود تضمين شرب معنى روين
( والحاصل أنه )
أي كونها للتبعيض
( ضعيف للخلاف القوي )
في كونها له
( ولأن الإلصاق معناها )
والأحسن ولأن معناها الإلصاق
( المجمع عليه لها ممكن )
كما هو ظاهر ومن ثمة قال الزمخشري المعنى ألصقوا المسح بالرأس
( فيلزم )
كونه المراد بها هنا
( ويثبت التبعيض اتفاقيا لعدم استيعاب الملصق )
الذي هو آلة المسح عادة وهي اليد الملصق به وهو الرأس كما يأتي مزيدا إيضاحه
( لا )
أن التبعيض يثبت لها
( مدلولا وجه الإجمال أن الباء إذا دخلت في الآلة تعدى الفعل إلى المحل فيستوعبه )
اي الفعل المحل
( كمسحت يدي بالمنديل )
فاليد كلها ممسوحة
وفي قلبه )
أي إذا دخلت في المحل
( يتعدى )
الفعل
( إلى الآلة فيستوعبها )
أي الفعل الآلة
( وخصوص المحل هنا )
وهو الرأس
( لا يساويها )
أي الآلة التي هي اليد
( فلزم تبعيضه )
أي المحل ضرورة نقصانها عنه في المقدار
( ثم مطلقه )
أي التبعيض
( ليس بمراد وإلا اجتزئ )
أي اكتفي
( بالحاصل في غسل الوجه عند من لا يشرط الترتيب والكل )
يعني من شرط الترتيب ومن لم يشرطه
( على نفيه )
أي الاجتزاء بذلك
( فلزم كونه )
أي البعض
( مقدارا ولا معين )
لكميته
( فكان )
البعض
( مجملا في الكمية الخاصة وقد يقال عدم الاجتزاء لحصوله )
أي ذلك البعض
( تبعا لتحقيق غسل الوجه لا يوجب نفي الإطلاق اللازم )
للإلصاق فلا إجمال
( والحق أن التبعيض اللازم )
للإلصاق
( ما بقدر الآلة ) للمسح التي هي اليد
( لأنه )
أي التبعيض
( جاء ضرورة استيعابها )
أي الآلة
( وهي )
أي الآلة
( غالبا كالربع فلزم )
الربع كما هو ظاهر المذهب لا الإجمال ولا الإطلاق مطلقا
( وكونه )
أي الربع
( الناصية )
وهي المقدم من الرأس
( افضل لفعله صلى الله عليه وسلم )
كما سيذكره المصنف في مسألة الباء
218
218
( الثالثة لا إجمال في نحو رفع عن أمتي الخطأ )
الحديث وتقدم تخريجه بمعناه خلافا للبصريين أبي عبد الله وأبي الحسين
( لأن العرف في مثله )
أي هذا التركيب
( قبل الشرع رفع العقوبة والإجماع على إرادته )
أي رفعها
( شرعا )
فإن قيل فيجب أن يسقط عنه ضمان ما أتلف من مال الغير لدخوله في عموم العقاب وقد رفع قلنا لا
( وليس الضمان عقوبة )
إذ يفهم من العقاب ما يقصد به الإيذاء والزجر والضمان لا يفهم منه ذلك
( بل )
يجب
( جبر الحال المغبون )
المتلف عليه
( قالوا )
أي المجملون المفهومون مما تقدم قبل الشروع في هذه المسائل وقد كان الأولى ذكرهم في هذه أولا ولو على سبيل الإبهام كما في غيرها
( الإضمار )
لمتعلق الرفع
( متعين )
كما تقدم وهو متعدد ولا موجب لجميعه
( ولا معين )
بعض بخصوصه فلزم الإجمال
( أجيب عينه )
أي البعض بخصوصه وهو رفع العقوبة
( العرف المذكور الرابعة لا إجمال فيما ينفى من الأفعال الشرعية محذوفة الخبر كلا صلاة إلا بفاتحة الكتاب )
فما زاد أخرجه جماعة منهم الحاكم وقال حديث صحيح ( إلا بطهور )
والله تعالى أعلم بهذا اللفظ والذي في كتاب الصحابة لابن السكن
ألا لا صلاة إلى بوضوء ( خلافا للقاضي )
أبي بكر الباقلاني
( لنا إن ثبت )
أن الصحة جزء مفهوم الاسم الشرعي وسيأتي ما فيه
( ولا عرف )
للشارع
( يصرف عنه )
أي عن كون المراد المفهوم الشرعي
( لزم تقدير الوجود ) لأن عدم الوجود الشرعي هو عدم الصحة الشرعية كما في
لا صلاة إلا بطهور ( وإلا )
أي وإن لم يثبت كون الصحة جزء مفهوم الاسم الشرعي
( فإن تعورف صرفه )
أي النفي شرعا في مثل ذلك
( إلى الكمال لزم )
تقديره كما في
لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد
أخرجه الدارقطني والحاكم في مستدركه وسكت عنه وقال ابن حزم هو صحيح من قول علي
( وإلا )
أي وإن لم يتعارف صرفه شرعا في مثل ذلك إلى الكمال
( لزم تقدير الصحة لأنه )
أي تقديرها ( أقرب إلى نفي الذات )
التي هي الحقيقة المتعذرة من تقدير الكمال لأن ما لا يصح كالعدم في عدم الجدوى بخلاف كما لم يكمل في
لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب
ولا يضر هذا الحنفية لأنه خبر واحد فقضوا حقه بقولهم بوجوبها
( وهذا )
أي لزوم تقدير الصحة على هذا التقدير
( ترجيح لإرادة بعض المجازات المحتملة )
على بعض بالمقتضي له المتفق عليه
( لا إثبات اللغة بالترجيح )
السالف في بحث المفهوم عدم جوازه
( قالوا )
أي المجملون
( العرف )
شرعا فيه
( مشترك بين الصحة والكمال )
بشهادة ما تقدم من الأمثلة
( فلزم الإجمال قلنا ممنوع )
ذلك ولا شهادة لما تقدم عليه
( بل )
الأمر فيه على ما ذكرنا واختلاف التقدير
( لاقتضاء الدليل في خصوصيات الموارد الخامسة لا إجمال في القطع واليد فلا إجمال في فاقطعوا أيديهما وشرذمة نعم )
أي في القطع واليد إجمال
( فنعم )
أي فالآية الشريفة مجملة فيهما
( لنا أنهما )
أي القطع واليد
( لغة لجملتها )
أي اليد من رؤوس الأصابع
( إلى المنكب )
وهو مجتمع راس الكتف والعضد
( والإبانة )
أي لفصل المتصل
( قالوا )
أي المجملون
( يقال )
اليد
( للكل )
أي لما
219
219
من رؤوس الأصابع إلى المنكب ويقال أيضا لما منها إلى المرفق
( وإلى الكوع )
أي ويقال لما منها إلى طرف الزند الذي يلي الإبهام
( والقطع للإبانة والجرح )
أي شق العضو من غير إبانة له بالكلية
( والأصل الحقيقة )
ولا مرجح فكانا مجملين
( والجواب )
المنع
( بل )
كان من اليد والقطع
( مجاز في )
المعنى
( الثاني
لهما وهو ما من رؤوس الأصابع إلى الكوع في اليد وكذا فيما منها إلى المرفق والجرح في القطع
( للظهور
)
أي لظهور لفظ اليد ولفظ القطع
( في الأولين )
وهو ما من رؤوس الأصابع إلى المنكب في اليد والإبانة في القطع
( فلا إجمال واستدل )
بمزيف على المختار من عدم الإجمال في اليد والقطع وهو أن كلا منهما
( يحتمل الاشتراك )
اللفظي فيما تقدم له من المعاني
( والتواطؤ )
أي وأن يكون متواطئا فيها لوضع لفظه للقدر المشترك بينها
( والمجاز )
أي وأن يكون حقيقة لأحدها مجازا للباقي
( والإجمال على أحدها )
أي هذه الاحتمالات وهو الاشتراك اللفظي
( وعدمه )
أي الإجمال
( على اثنين )
منها وهما التواطؤ لحمله على القدر المشترك والمجاز لحمله على الحقيقة
( وهو )
أي عدم الإجمال
( أولى )
لأن وقوع واحد لا بعينه من اثنين أقرب من وقوع واحد بعينه فيغلب على الظن الأقرب لأنه الأغلب فيظن عدم الإجمال وهو المطلوب
( ودفع )
هذا الاستدلال
( بأنه إثبات اللغة بتعيين ما وضع له اليد بالترجيح بعدم الإجمال على أن نفي الإجمال في الآية على تقدير التواطؤ ممنوع إذ الحمل على القدر المشترك لا يتصور إذ لا يتصور إضافة القطع إليه )
أي إلى القدر المشترك
( إلا على إرادة الإطلاق وهو )
أي الإطلاق
( منتف إجماعا )
لأنه ليس المراد الأمر بقطع ما شاء الإمام من بعضها أو كلها كما هو اللازم من إرادة الإطلاق
( فكان )
محل القطع
( محلا معينا منها )
أي من اليد ( ولا معين والحق لا تواطؤ وإلا ناقض كونه للكل )
فإنه إذا كان متواطئا كان كليا يصدق على كثيرين فتكون تلك الأجزاء من الأصابع إلى المنكب ما صدقات لفظ اليد فيصدق على كل جزء بخصوصه اسم اليد حقيقة كالأصبع وهذا ينافي كونه للكل المعين الذي أوله رؤوس الأصابع وآخره بخصوصه اسم اليد حقيقة كالأصبع وهذا ينافي كونه للكل المعين الذي أوله رؤوس الأصابع وآخره المنكب فإن ما بين ذلك يكون أجزاء المسمى وعلى التواطؤ جزئياته والأول هو المختار وقد أضيف إليه القطع
( لكن نعلم إرادة القطع في خصوص منه )
أي من ذلك الكل لا إرادة القطع من المنكب ولا الإطلاق للحاكم بأن يقطع من أي محل شاء
( ولا معين )
لذلك الخصوص
( فإجماله فيه )
أي فكان القطع مجملا في حق المحل كذا أفاده المصنف رحمه الله تعالى
( وأما إالزام أن لا مجمل حينئذ )
أي حين يتم هذا التوجيه للإجمال في اليد والقطع فإنه ما من مجمل إلا يجري فيه هذا بعينه
( فدفع )
هذا الإلزام
( بأن ذلك )
أي جريان هذا التوجيه في كل مجمل
( إذا لم يتعين )
الإجمال بدليله
( لكن تعينه )
أي الإجمال
( ثابت بالعلم بالاشتراك والحقائق الشرعية )
وهي كلها مجملة لصدق المجمل عليها
220
220
( السادسة لا إجمال فيما له مسميان لغوي وشرعي بل )
ذلك اللفظ إذا صدر عن الشرع
( ظاهر في الشرعي )
في الإثبات والنهي وهذا أحد الأقوال في هذه المسألة وهو المختار وثانيها للقاضي أبي بكر أنه مجمل فيهما
( وثالثها للغزالي في النهي مجمل )
وفي الإثبات للشرعي
( ورابعها )
لقوم منهم الآمدي هو
( فيه )
أي في النهي
( للغوي )
وفي الإثبات للشرعي
( لنا عرفه
أي الشرع
( يقتضي بظهوره )
أي اللفظ
( فيه )
أي المعنى الشرعي لاستعماله فيه
( الإجمال )
فيهما
( يصلح لكل )
منها ولم يظهر لأحدهما أجيب بظهوره في الشرعي بما ذكرنا
( الغزالي الشرعي ما وافق أمره )
أي الشرع
( وهو )
أي ما وافق أمره
( الصحيح )
فالشرعي هو الصحيح وهذا يتأتى في الإثبات
( ويمتنع في النهي )
لأن النهي يدل على الفساد
( أجيب ليس الشرعي الصحيح بل )
إنما هو
( الهيئة )
أي ما يسميه الشرع بذلك الاسم من الهيئات المخصوصة صحت أو لم تصح وإلا لزم أن يكون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت حبيش
فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة
كما في صحيح البخاري مجملا في المعنى الشرعي والدعاء واللازم منتف لأنه ظاهر في معناه الشرعي قطعا لأن الحائض غير منهية عن الصلاة بمعنى الدعاء قلت على أن امتناع الشرعي في النهي يقتضي أن يكون ظاهرا في اللغوي كما سنذكره في توجيه الرابع لا مجملا
( والرابع مثله )
أي وتوجيه القول الرابع كتوجيه الثالث
( غير )
أنه يقال
( إنه )
أي اللفظ
( في النهي لغوي إذ لا ثالث )
للغوي والشرعي
( وقد تعذر الشرعي )
للزوم صحته وإنه باطل كبيع الحر فتعين اللغوي فلا إجمال
( وجوابه ما تقدم )
من أن الشرعي ليس الصحيح وبأنه يلزم في الحديث المذكور أن يكون المنهي عنه اللغوي وهو الدعاء وبطلانه ظاهر هذا على ما ذكره غير الحنفية
( فأما الحنفية فاعتبروا وصف الصحة في الاسم الشرعي على ما يعرف )
في النهي
( فالصحة في المعاملة ترتب الآثار مع عدم وجوب الفسخ والفساد عندهم )
ترتب الآثار
( معه )
أي مع وجوب الفسخ
( وإن كان )
الصحيح
( عبادة فالترتب )
قال المصنف رحمه الله تعالى المراد من هذا أن الحنفية اعتبروا في الاسم الشرعي الصحة على قول المخالفين لهم وهي ترتب الآثار واستتباع الغاية وهذا القدر عند الحنفية ليس تمام معنى الصحة مطلقا بل في العبادات أما المعاملات فالصحة عندهم ذلك مع قيد كونه غير مطلوب التفاسخ فأما ترتب الآثار فقط فيهما فهو الفساد عندهم لفرقهم في المعاملات بين الصحيح والفاسد والباطل وهو ما لا ترتب فيه أصلا فصار الحاصل أنهم اعتبروا في الاسم ترتب الأثر المطلوب الذي هو الصحة تارة وتارة بعض الصحة
( فيراد )
بالاسم الشرعي
( في النفي الصورة مع النية في العبادة ويكون مجازا شرعيا في جزء المفهوم )
حتى يكون اسم الصلاة في لا صلاة للأفعال المعلومة مع النية لا غير
( السابعة إذا حمل الشارع لفظا شرعيا على آخر وأمكن في وجه التشبيه مجملان شرعي ولغوي لزم الشرعي كالطواف )
بالبيت
( صلاة )
إلا أن الله قد أحل لكم فيه الكلام فمن
221
221
تكلم فلا يتكلم إلا بخير كما هو حديث رواه جماعة منهم الحاكم وقال صحيح الإسناد
( يصح ثوابا أو لاشتراط الطهارة )
فيه
وهو )
أي وكل من الثواب واشتراطها هو المعنى
( الشرعي أو لوقوع الدعاء فيه )
أي في الطواف
( وهو )
أي وقوع الدعاء فيه هو المعنى
( اللغوي والاثنان جماعة )
كما هو حديث رواه جماعة بأسانيد ضعيفة منهم ابن ماجه بلفظ اثنان فما فوقهما جماعة فإنه يحتمل
( في ثوابها )
أي الجماعة
( وسنة تقدم الإمام )
عليهم
( والميراث )
حتى يحجب الاثنان من الأخوة الأم من الثلث إلى السدس كالثلاثة فصاعدا وهذا هو الشرعي
( أو يصدق عليهما )
أي على الاثنين أنهما جماعة
( لغة )
وذهب طائفة منهم الغزالي إلى أنه مجمل
( لنا عرفه )
أي الشارع
( تعريف الأحكام )
الشرعية لأنه بعث لبيانها
( وأيضا لم يبعث لتعريف اللغة )
فيحمل على الشرعي لأنه الموافق لما هو المقصود من البعثة
( قالوا )
أي المجملون وكان الأحسن سبق ذكرهم كما تقدم ( يصح )
اللفظ
( لهما ولا معرف )
لأحدهما بعينه
( قلنا )
ممنوع بل
( ما ذكرنا )
من أن عرف الشارع تعريف الأحكام لا اللغة
( معرف )
أن المراد المعنى الشرعي
( الثامنة إذا تساوى إطلاق لفظ لمعنى ولمعنيين فهو )
أي ذلك اللفظ
( مجمل )
لتردده بين المعنى والمعنيين على السواء وقيل يترجح المعنيان لأنه أكثر فائدة
( كالدابة للحمار وله )
أي للحمار
( مع الفرس وما رجح به )
القول بظهوره في المعنيين
( من كثرة المعنى )
أي من أن المعنيين أكثر فائدة فالظاهر أراد بهما
( إثبات الوضع بزيادة الفائدة )
وقد عرف بطلانه كذا قالوه وتعقبه المصنف بقوله
( وهو )
أي وكون هذا إثبات الوضع بزيادة الفائدة
( غلط بل )
هو
( إرادة أحد المفهومين )
للفظ
( بها )
أي بزيادة الفائدة وهو ليس بباطل
( نعم هو )
أي هذا الترجيح
( معارض بأن الحقائق لمعنى أغلب )
منها لمعنيين فجعه من الأكثر أظهر
( وقولهم )
أي المجملين اللفظ
( يحتمل الثلاثة )
أي الاشتراك اللفظي والتواطؤ والمجاز بالنسبة إلى المعنى والمعنيين
( كما في والسارق )
أي كما تحتملها اليد والقطع بالنسبة إلى معانيهما في الآية الشريفة ووقوع واحد من اثنين أقرب من وقوع واحد بعينه فيغلب على الظن الأقرب فيظن عدم الإجمال وهو المطلوب
( اندفع )
هنا أيضا بما اندفع به ثمة من أنه إثبات اللغة بالترجيح بعدم الإجمال وهو باطل هذا واعلم أن اللفظ المذكور إنما يكون مجملا بالنسبة إلى المعنى وإلى المعنيين إذا لم يكن ذلك المعنى أحدهما فأما إذا كان أحدهما كما في المثال المذكور فالظاهر أنه لا يكون مجملا بالنسبة إليه لوجوده في الاستعمال فيعمل به كما نبه عليه السبكي والظاهر أنه مرادهم أيضا وإنما يكون مجملا بالنسبة إلى الآخر والله سبحانه أعلم
( الفصل الثالث )
في المفرد باعتبار مقايسته إلى مفرد آخر
( هو بالمقايسة إلى آخر إما مرادف )
للآخر وقوله
( متحد مفهومهما )
صفة كاشفة له لأن الترادف توارد كلمتين فصاعدا في
222
222
الدلالة على الانفراد بأصل الوضع على معنى واحد من جهة واحدة فخرج بقيد الانفراد التابع والمتبوع وبأصل الوضع الدالة على معنى واحد مجازا والدال بعضها مجازا وبعضها حقيقة وبوحدة المعنى ما يدل على معان متعددة كالتأكيد والمؤكد وبوحدة الجهة الحد والمحدود فمن هنا قيل المترادف لفظ مفرد دال بالوضع على مدلول لفظ آخر مفرد دال بالوضع باعتبار واحد مأخوذ من الترادف الذي هو ركوب واحد خلف آخر كأن المعنى مركوب واللفظان راكبان عليه
( كالبر والقمح )
للحب المعروف
( أو مباين )
للآخر وقوله
( مختلفه )
أي المفهوم صفة كاشفة له لأن التباين الاختلاف في المعنى إذ المباينة المفارقة ومتى اختلف المعنى لم يكن المركوب واحدا فتحقق المفارقة بين اللفظين للتفرقة بين المركوبين
( تواصلت )
معانيهما بأن أمكن اجتماعها بأن يكون أحدهما اسما للذات والآخر صفة لها
( كالسيف والصارم )
فإن السيف اسم للذات المعروفة سواء كانت كالة أم لا والصارم مدلوله شديد القطع وقد يجتمعان في سيف قاطع أو أحدهما صفة والآخر صفة الصفة كالناطق والفصيح فإن الناطق صفة الإنسان مع أنه قد يكون فصيحا وقد لا يكون فالفصيح صفة الناطق وتجتمع الثلاثة في زيد متكلم فصيح إلى غير ذلك
( أو لا )
أي أو تفاصلت لعدم إمكان اجتماعها كالسواد والبياض
( مسألة المترادف واقع خلافا لقوم قولهم )
أي القائلين بأنه غير واقع لو وقع لزم تعريف المعرف لأن اللفظ الثاني يعرف ما عرفه الأول وهو محال إذ لا فائدة فيه يجاب بأن قولهم
( لا فائدة في تعريف المعرف لو صح لزم امتناع تعدد العلامات )
لأن كلا المترادفين علامة على المعنى يحصل المعرفة بهما بدلا لا معا واللازم ممنوع فكذا الملزوم
( ثم فائدته )
أي الترادف
( التوصل إلى الروي )
وهو الحرف الذي تبنى عليه القصيدة ويلزم في كل بيت إعادته في آخره فإن أحد المترادفين قد يصلح للروي كالإنسان دون الآخر كالبشر كما في قول الحماسي
( كأن ربك يخلق لخشيته
سواهم من جميع الناس إنسانا )
( وأنواع البديع )
كالتجنيس
( إذ قد يتأتى بلفظ دون أخر )
كما في رحبة رحبة إذ لو قيل واسعة عدم التجانس إلى غير ذلك
( وأيضا فالجلوس والقعود والأسد والسبع مالا يتأتى فيه كونه من الاسم والصفة )
كما يتأتى في السيف والصارم
( أو الصفات )
كما في المنشئ والكاتب
( أو الصفة وصفتها كالمتكلم والفصيح يحققه )
أي الترادف
( فلا يقبل )
وقوعه
( التشكيك )
بأن يقال ما يظن انه منه فهو من باب من هذه الأبواب لكن وقع الالتباس بشدة الاتصال بين هذه المعاني فظن أنها موضوعة لمعنى واحد
( مسألة يجوز إيقاع كل منهما )
أي المترادفين
( بدل الآخر إلا لمانع شرعي على الأصح )
كما هو مختار ابن الحاجب
( إذ لا حجر في التركيب لغة بعد صحة تركيب معنى المترادفين )

223
223
كما هو المفروض وقيل يجوز من لغة لا من لغتين واختاره البيضاوي وقيل لا يجوز مطلقا وفي المحصول أنه الحق
( قالوا لو صح )
وقوع كل بدل الآخر
( لصح خداي أكبر )
في تكبيرة الإحرام كالله أكبر لأنه مرادفه
( قلنا الحنفية يلتزمونه ) أي أنه صحيح
( والآخرون )
المانعون له من المجوزين إنما هو
( للمانع الشرعي )
وهو التعبد باللفظ المتوارث وقد ذكرنا أن شرط الجواز انتفاء المانع الشرعي
( وأما كون اختلاط اللغتين مانعا من التركيب بعد الفهم )
كما هو ظاهر كلام ابن الحاجب
( فبلا دليل سوى عدم فعلهم )
أي العرب وليس ذلك بمانع فهو استثناء منقطع
( وقد يبطل )
هذا
( بالمعرب )
وهو لفظ استعملته العرب في معنى وضع له في غير لغتهم فإنه كثيرا ما يركب مع غيره من الكلمات العربية فيلزم منه اختلاط اللغتين لأنه كما قال
( ولم يخرج عن العجمية )
بالتعريب لينتفي الاختلاط فإن قيل بل أخرجوه عنها بشهادة تغييرهم لفظه فالجواب المنع
( والتغيير )
للفظه مادة وهيئة
( لعدم إحسانهم النطق به أو التلاعب لا قصدا لجعله عربيا ولو سلم )
أن التعريب قصد لجعل المعرب من لغتهم فلا يبطل به كون اختلاط اللغتين مانعا من التركيب
لا يستلزم )
عدم فعلهم ( الحكم بامتناعه )
أي اختلاط اللغتين ليلزم منه امتناع إيقاع كل من المترادفين بدل الآخر
( إلا مع عدم علم المخاطب )
بمعنى ذلك اللفظ المرادف من لغة أخرى
( مع قصد الإفادة )
له بذلك المركب المختلط ونحن لا نرى جوازه حينئذ لعدم تحققها بل هو حينئذ كضم مهمل إلى مستعمل لا المنع مطلقا ثم لا يخفى أن هذا لا يمنع جوازه في لغة واحدة ولا جواز وقوعه إفرادان وقد نص ابن الحاجب وغيره على أنه لا خلاف في هذا ثم كما قيل والحق أن المجوز إن أراد أنه يصح في القرآن فباطل قطعا وإن أراد في الحديث فهو على الخلاف الآتي وإن أراد في الأذكار والأدعية فهو إما على الخلاف أو المنع رعاية لخصوصية الألفاظ فيها وإن أراد في غيرها فهو صواب سواء كان من لغة واحدة أو أكثر
( مسألة وليس منه )
أي المترادف
( الحد والمحدود أما التام فلاستدعائه تعدد الدال على أبعاضه )
أي المحدود لأن الحد التام مركب يدل على أجزاء المحدود بأوضاع متعددة فدلالته عليها تفصيلية والمحدود يدل عليها بوضع واحد فدلالته إجمالية فهما وإن دالا على معنى واحد لا يدلان عليه من جهة واحدة
( وأما الناقص فإنما مفهومه الجزء المساوي )
للمحدود وهو الفصل لإتمام ماهية المحدود
( فلا ترادف )
لعدم اتحادهما
اللهم إلا أن لا يلتزم الاصطلاح على اشتراط الإفراد )
في الترادف فيكون الحد التام والمحدود مترادفين
( فهي )
أي فهذه المسألة
( لفظية )
حينئذ لرجوع الخلاف فيها إلى اشتراط الإفراد وعدمه في المترادفين فلو وقع الاتفاق على اشتراطه لوقع الاتفاق على أنهما ليسا مترادفين ولو وقع الاتفاق على عدم اشتراطه لوقع الاتفاق على أنهما مترادفان قلت ولقائل أن يقول لا نسلم رجوع الخلاف لفظيا في مثل الحد والمحدود على تقدير الاتفاق على عدم اشتراطه لأن الظاهر أن
224
224
اتحاد الجهة متفق عليه وهو منتف في الحد والمحدود نعم يتم في مثل الإنسان قاعد والبشر جالس وأما الحد اللفظي فلا خلاف في كونه مع المحدود مترادفين
( ولا التابع مع المتبوع )
في مثل
( حسن بسن )
شيطان ليطان عطشان نطشان جائع نائع من المترادف
( قيل لأنه )
أي التابع
( إذا أفرد لا يدل على شيء )
كما ذكره غير واحد فأنى يكون مرادفا لما دل على معنى معين أفرد أو لم يفرد وهو المتبوع
( فإن كانت دلالته )
أي التابع
( مشروطة )
بذكره مع متبوعه
( فهو حرف )
لأن هذا شأن الحروف ولا ترادف بين الاسم والحرف ثم نقول
( وليس )
بحرف إجماعا فهذا التعليل غير صحيح
( وقيل )
كما هو و مقتضى كلام البديع لأن التابع
( لفظ بوزن الأول لازدواجه لا معنى له )
وعليه ما على الأول
( والأوجه أنه )
أي التابع لفظ يذكر
( لتقوية متبوع خاص )
في دلالته على معناه بزنته وهو المسموع تابعا له
( وإلا )
لو لم يذكر هذا في تعريفه
( لزم نحو زيد بسن )
أي جواز مثل هذا مما لم يذكر فيه متبوعه الخاص والظاهر المنع والأولى نحو جمل بسن
( وأما التأكيد )
بكل وأجمع وتصاريفه
( كأجمعين فلتقوية )
مدلول
( عام سابق )
عليه ومن ثمة لا يصح التأكيد بهما إلا لذي أجزاء يصح افتراقها حسا أو حكما
( فوضعه )
أي هذا التأكيد
( أعم من )
وضع
( التابع )
لعدم اشتراط متبوع واحد معين له بخلاف التابع
( فلا ترادف )
بين المؤكد والمؤكد لعدم اتحاد معناهما
( وما قيل المرادف لا يزد مرادفه قوة )
كما ذكره في البديع بلفظ المرادف لا يزيد مرادفه إيضاحا والمؤكد خلافه
( ممنوع إذ لا يكون )
المرادف مع مرادفه
( أقل من التأكيد اللفظي )
وهو مما يفيد مؤكده قوة حتى يندفع به توهم التجوز والسهو ثم الذي يتلخص في الفرق بين التابع والمرادف والمؤكد أن التابع يشترط فيه زنة الأول دونهما وذكر متبوع واحد معين قبله دونهما نعم يشترط ذكر المؤكد قبل المؤكد ولا ترتيب لازم في المترادفين ويستعمل كل من المترادفين منفردا بخلاف المؤكد فإن منه ما لا يستعمل كذلك كأجمع ثم هذا فيما عدا أكتع وأبتع وأبصع بمهملة ومعجمة فأما هي فاتباع لأجمع عند كثير منهم ابن الحاجب حتى نص على أن ذكرها بدونه ضعيف والله تعالى أعلم
( تنبيه تكون المقايسة )
بين الاسمين
( بالذات للمعنى فيكتسبه )
أي المعنى
( الاسم لدلالته )
أي الاسم
( عليه )
أي المعنى
( فالمفهوم بالنسبة إلى )
مفهوم
( آخر إما مساو )
له
( يصدق كل على ما صدق عليه الآخر ) كالإنسان والناطق فيصدق كل ما صدق عليه إنسان على كل ما صدق عليه ناطق وبالعكس الكلي
( أو مباين )
له
( مباينة كلية لا يتصادقان )
أصلا كالحجر والإنسان
( أو )
مباين له مباينة
( جزئية يتصادقان )
في مادة
( ويتفارقان )
في مادتين
( كالإنسان والأبيض والعام والمجاز ولا واجب ولا مندوب )
فيصدق الإنسان والأبيض على الإنسان الأبيض والإنسان لا الأبيض على الزنجي والأبيض لا الإنسان على الثلج والعام والمجاز على العام المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة بينهما والعام لا المجاز على العام المستعمل
225
225
فيما وضع له والمجاز لا العام على المجاز الخاص ولا واجب لا مندوب على المكروه ولا واجب لا لا مندوب على المندوب ولا مندوب لا لا واجب على الواجب
( وإما أعم منه )
أي من الآخر
( مطلقا يصدق عليه )
أي على الآخر
( وعلى غيره )
صدقا كليا
( كالعبادة
تصدق
( على الصلاة والصوم )
وغيرهما من أنواعها على سبيل الاستغراق لها
( والحيوان )
يصدق
( على الإنسان والفرس )
وسائر أنواعه على سبيل الشمول لها
( ونقيضا المتساويين متساويان )
فيصدق كل ما صدق عليه لا إنسان على ما صدق عليه لا ناطق وبالعكس الكلي
( و )
نقيضا
( المتباينين مطلقا )
أي مباينة كلية أو جزئية
( متباينان مباينة جزئية كلا إنسان ولا أبيض ولا إنسان ولا فرس إلا أنها )
أي المباينة الجزئية
( في الأول )
أي لا إنسان ولا أبيض وما جرى مجراهما مما بين عينيهما مباينة جزئية
( تخص العموم من وجه بخلاف الثاني )
أي لا إنسان ولا فرس وما جرى مجراهما مما بين عينيهما مباينة كلية
( فقد يكون )
تباين نقيضهما تباينا
( كليا كلا موجود ولا معدوم على )
تقدير
( نفي الحال )
وهو صفة لموجود غير موجودة في نفسها ولا معدومة كالأجناس والفصول كما هو مذهب الجمهور فإنه على قولهم لا واسطة بين الموجود والمعدوم فلا يصدق على معلوم أنه لا موجود ولا معدوم وقد يكون تباين نقيضهما تباينا جزئيا كلا إنسان ولا فرس
( وما بينهما عموم مطلق يتعاكس نقيضاهما فنقيض الأعم )
كلا عبادة
( أخص من نقيض الأخص
كلا صلاة
( ونقيض الأخص أعم من نقيض الأعم )
وهو ظاهر فليتأمل
( الفصل الرابع )
في المفرد باعتبار مدلوله
( وفيه تقاسيم )
التقسيم
( الأول ويتعدى إليه )
أي المفرد
( من معناه إما كلي لا يمنع تصور معناه فقط )
أي مجرد ذلك مع قطع النظر عما سواه
( من الشركة فيه )
أي شركة غيره في معناه فدخل ما بهذه الحيثية مما امتنع وجود معناه أصلا كالجمع بين الضدين وما أمكن ولم يوجد في نفس الأمر كبحر زئبق وما وجد فرد منه قطعا وامتنع غيره كالإله أي المعبود بحق وما وجد فرد منه قطعا وأمكن غيره إلا أنه لم يوجد في نفس الأمر أصلا كالشمس أي الكوكب النهاري المضيء كما دخل ما أمكن عقلا ووجدت أفراده قطعا كالإنسان ثم هو قسان أحدهما حقيقي وهو ما صلح أن يندرج تحته شيء آخر بحسب فرض العقل سواء أمكن الاندراج في نفس الأمر أو لا وسمي بالحقيقي لأنه مقابل للجزئي الحقيقي الآتي مقابلة العدم والملكة ثانيهما إضافي وهو ما اندرج تحته شيء آخر في نفس الأمر وخص بالإضافي لأن الإضافة فيه أظهر منها في الأول وهو أخص منه ومقابل للجزئي الإضافي الآتي تقابل التضايف
( أو جزءا حقيقي يمنع )
تصور معناه شركة غيره في معناه وهو العلم وسمي الأول كليا لكونه في الغالب جزاء من الجزئي الذي هو كل منسوبا إليه والثاني جزئيا لكونه فردا من الكلي الذي هو جزؤه منسوبا إليه وحقيقيا لأن جزئيته بالنظر إلى حقيقته المانعة من الشركة
( بخلاف )
الجزئي
( الإضافي كل أخص تحت
226
226
أعم )
كالإنسان بالنسبة إلى الحيوان فإنه لا يمتنع تصور معناه شركة غيره فيه وسمي هذا جزئيا أيضا لما ذكرنا وإضافيا لأن جزئيته بالإضافة إلى شيء آخر ثم ينبغي أن يكون كل أخص تحت أعم حكما من أحكام الإضافي يستنبط منه تعريف له لا تعريفه على ما عرف في موضعه ثم الجزئي الإضافي أعم من الحقيقي وبينه وبين الكليين العموم من وجه لصدق الجزئي الإضافي على الجزئي الحقيقي بدونهما وصدقهما بدونه في المفهومات الشاملة وتصادق الكلي على الكليات المتوسطة وبين الجزئي الحقيقي وبينهما المباينة والله تعالى أعلم
( والكلي إن تساوى أفراد مفهومه فيه )
أي في مفهومه
( فمتواطئ )
من التواطؤ وهو التوافق لتوافق أفراد معناه فيه
( كالإنسان أو تفاوتت )
أفراد مفهومه فيه
( بشدة وضعف كالأبيض )
فإن اللون المفرق للبصر الذي هو معناه في الثلج اشد منه في العاج
( والمستحب )
فإن ما تعلق به دليل ندب يخصه الذي هو معناه في صوم يوم عرفة لغير من بعرفات من الحاج أقوى منه في صوم ست من شوال وأبلغ ثوابا
( فمشكك )
بصيغة اسم الفاعل وإنما سمي به
( للتردد في وضعه )
أي لكونه موجبا للناظر التردد في أن وضع لفظه ( للخصوصيات )
أي لأصل المعنى مع الشدة في البعض والضعف في البعض
( فمشترك )
لفظي بينها ضرورة أن البياض المأخوذ مع خصوصية الشدة مثلا معنى والمأخوذ مع خصوصية الضعف معنى آخر والفرض أن تلك الخصوصيات داخلة في مسمى لفظ البياض
( أو )
وضعه
( للمشترك )
أي للقدر المشترك بينها مع قطع النظر عن التفاوت الذي يبنها
( فمتواطئ ولهذا )
بعينه
( قيل بنفيه )
أي التشكيك
( لأن الواقع أحدهما )
وهو أن التفاوت مأخوذ في الماهية وعلى تقديره فلا اشتراك معنى لاختلاف الماهية حينئذ أو غير مأخوذ فيها فلا تفاوت فيكون متواطئا
( والجواب أن الاصطلاح على تسمية متفاوت )
بالشدة والضعف في أفراده باعتبار حصوله فيها وصدقه عليها
( به )
أي بالمشكك
( والتفاوت واقع فيكف ينفى )
المشكك حينئذ
( فإن قيل )
ينفى المشكك
( بنفي مسماه فإن ما به )
التفاوت
( كخصوصية الثلج )
وهي شدة تفريقه للبصر
( إن أخذت في مفهومه )
أي المشكك
( فلا شركة )
لغيره معه فيه
( فلا تفاوت ولزم الاشتراك )
اللفظي كما بينا
( وإلا )
أي وإن كان ما به التفاوت غير مأخوذ في مفهومه
( فلا تفاوت )
لأفراده في مفهومه
( ولزم التواطؤ قلنا ما به )
التفاوت
( معتبر فيما صدق عليه المفهوم من أفراد تلك الخصوصية لا في نفسه )
أي المفهوم الذي وضع له الاسم كما أوضحناه آنفا
( وحاصل هذا أن كل خصوصية مع المفهوم نوع )
كما أسلفناه
( ويستلزم أن مسمى المشكك كالسواد والبياض لا يكون إلا جنسا وما به التفاوت فصول تحصله )
أي الجنس
( أنواعا فمن الماهيات الجنسية ما فصول أنواعها مقادير من الشدة والضعف وذلك )
أي ما فصول أنواعه المقادير المذكورة واقع
( في ماهيات الأعراض ولذا يقولون المقول بالتشكيك )
على أشياء عارض لها
( خارج )
عنها لا ماهية لها ولا جزء ماهية لامتناع اختلافهما
( ومنها خلافه )
أي ومن الماهيات الجنسية العرضية ما ليس فصولها
227
227
مقادير منها كفصل نفس ماهية المشكك الذي يميزه عن غيره من مشكك آخر هو جنس يندرج معه تحت جنس أعم كفصل نفس السواد الذي يميزه عن البياض وعكسه وهو قولنا قابض للبصر في السواد ومرق للبصر في البياض ليس شيء منهما بمقدار خاص من السواد والبياض وهو فصل الماهية الغرضة نفسها مندرج كل منهما تحت جنس أعم منهما هو اللون كذا أفاده المصنف رحمه الله تعالى
( ثم وضعنا اسم المشكك للأول )
أي لما فصول أنواعه مقادير من الشدة والضعف من الماهيات باعتبار أن فصول أنواعه مقادير لا باعتبار أن الماهية نفسها لها فصل في نفسها غير ذلك ذكره المصنف أيضا
( التقسيم الثاني مدلوله )
أي المفرد
( إما لفظ كالجملة والخبر )
فإن مدلول كل منهما مركب خاص كزيد قائم وقد عرفت فيما تقدم أن الجملة أعم من الخبر
( والاسم والفعل والحرف )
فإن مدلولها ألفاظ خاصة من نحو زيد وعلم وقد
( على نوع تساهل إذ الألفاظ ما صدقات مدلوله )
أي المفرد
( الكلي ) لا نفس مدلوله قال المصنف
( إلا أن يراد كل جملة متحققة خارجا )
فيكون مدلولها اللفظ الخاص بلا تساهل حينئذ ضرورة أنها موضوعة لأمر معين في الخارج لا للمركب الكلي الصادق على مثل زيد قائم وغيره
( أو غيه )
عطف على لفظ أي أو غير لفظ وحينئذ
( فأما لا يدل )
اللفظ
( عليه )
أي على مدلوله
( إلا بضميمة إليه )
أي إلى اللفظ
( لوضعه )
أي اللفظ
( لمعنى جزئي من حيث هو ملحوظ بين شيئين خاصين فهو الحرف كمن وإلى )
في نحو سرت من مكة إلى المدينة فلزم كون ذكرهما شرط دلالته
( بخلاف )
الأسماء
( اللازمة للإضافة )
إلى غيرها كذو وقبل وبعد فإنها موضوعة لمعنى كلي من صاحب وسبق وتأخر فالتزم ذكر ما أضيفت إليه لبيانه لا لتوقف معناها في حد ذاته عليه والحاصل أن المعاني التي وضعت الألفاظ لها قسمان غير إضافي والألفاظ الموضوعة له اسم أو فعل وإضافي تارة يعتبر في نفسه من غير أن يلاحظ تعلقه بالغير وتقف تعقله على تعقل الغير واللفظ الموضوع له بهذا الاعتبار إما اسم أو فعل وتارة يعتبر من حيث إنه إضافة متعلقة بالغير متوقف تعقلها على تعقل الغير واللفظ الموضوع له بهذا الاعتبار حرف ولما كان المعنى الإضافي بالاعتبار الثاني لا يتصور إلا مع غيره فاللفظ الدال عليه بهذا الاعتبار لا يدل عليه إلا بعد ذكر الغير مثلا مفهوم الإبتداء مفهوم إضافي فإذا اعتبرت الابتداء في نفسه من غير ملاحظة تعلقه بالغير يكون اللفظ الدال عليه اسما إن كان غير مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة مثل ابتداء ومبتدأ وإن كان مقترنا بأحد الأزمنة الثلاثة مثل ابتدأ ويبتدئ وابتدئ فهو فعل وإذا اعتبرته من حيث إنه ابتداء متعلق بالمحل المخروج عنه فاللفظ الدال عليه بهذا الاعتبار حرف مثل من نحو خرجت من البصرة
( أو يستقل )
اللفظ
بالدلالة )
على معناه من غير ضميمة إليه لعدم ذلك أي وضعه لمعنى جزئي من حيث هو ملحوظ بين شيئين خاصين وحينئذ
( فأما لا يكون معناه حدثا مقيدا بأحد الأزمنة الثلاثة )
الماضي والحال
228
228
والاستقبال
( بهيئة )
خاصة للفظ لعدم وضعه له بل لوضعه لمعنى غير مقترن بأحدهما
( فهو الاسم كالابتداء والانتهاء فالكاف وعن وعلى حينئذ )
أي حين كان الأمر على هذا
( مشترك لفظي له وضع للمعنى الكلي )
وهو المثل
( يستعمل فيه اسما كبكابن الماء )
في قول امرئ القيس
( ورحنا بكابن الماء يجنب وسطنا
تصوب فيه العين طورا وترتقي )
فالكاف فيه اسم بمعنى مثل بشهادة دخول الجار عليها أي بفرس مثل ابن الماء وهو الكركي شبه به فرسه في خفته وطول عنقه وإنما الشأن في أنها لا تكون اسما إلا في الشعر كا هو معزو إلى سيبويه والمحققين أو تكون فيه وفي سعة الكلام كما هو معزو إلى كثير منهم الأخفش والفارسي واختاره ابن مالك ولعله الأظهر
( و )
وضع
( لخصوص منه )
أي من المعنى الكلي
( كذلك )
أي من حيث هو ملحوظ بين شيئين خاصين وهو التشبيه
( فيستعمل فيه حرفا كجاء الذي كعمرو )
أي الذي استقر كعمرو وحرفيتها في مثل هذا متعينة عند الجمهور لئلا يلزم الصلة بالمفرد على تقديرها اسما راجحة عند الأخفش والجزولي وابن مالك مجوزين أن تكون مع مدخولها مضافا ومضافا إليه على إضمار مبتدأ كما في قراءة بعضهم تماما على الذي أحسن وهو كما قال ابن هشام تخريج للفصيح على الشاذ
( وقس الأخيرين )
أي عن وعلى
( عليه )
أي على هذا فقل وعن له وضع للمعنى الكلي وهو الجانب فيستعمل فيه اسما كما في قوله
( فلقد أراني للرماح دريئة
من عن يميني مرة وأمامي )
ووضع للمعنى الجزئي من حيث هو ملحوظ بين شيئين خاصين وهو المجاوزة فيستعمل فيه حرفا كما في مثل سافرت عن البلد وعلى له وضع للمعنى الكلي وهو الفوق فيستعمل فيه اسما كما في قول كعب
( غدت من عليه بعد ما تم طمؤها
)
ووضع للمعنى الجزئي من حيث هو ملحوظ بين شيئين خاصين وهو الاستعلاء فيستعمل فيه حرفا كما في قوله تعالى ! < وعليها وعلى الفلك تحملون > ! خلافا لجماعة من نحاة العرب في زعمهم أنها لا تكون حرفا وأنه مذهب سيبويه وهو زعم بعيد ثم الأشبه أن على حيث كان مشتركا لفظيا بين الاسم والحرف مع أن الاسم من العلو ويكتب بالألف واصله واو بخلاف الحرف يزيد على الكاف وعن بوضع آخر لمعنى كلي مقيد بالزمان الماضي وهو العلو فيه فيستعمل فيه فعلا ماضيا كما في قوله تعالى ! < إن فرعون علا في الأرض > ! فيكون مشتركا لفظيا بين الحرف والاسم والفعل ولا يكون كونه من العلو ويكتب بالألف وإنها في الأصل واو مانعا من ذلك كما ذهب إليه غير واحد منهم
229
229
ابن الحاجب
( أو يكون )
معناه حدثا مقيدا بأحد الأزمنة الثلاثة بهيئة خاصة له
( فالفعل )
بأقسامه من الماضي والمضارع وأمر المخاطب ثم فائدة التقييد بالهيئة الخاصة في بيان الاسم والفعل دفع ورود نحو ضارب غدا على عكس بيان الاسم وطرد بيان الفعل فإنه لولاه لم يصدق عليه أنه غير دال على حدث مقيد بأحد الأزمنة مع أنه اسم وصدق عليه أنه دال على حدث مقيد بأحد الأزمنة الثلاثة مع أنه ليس بفعل إلى غير ذلك
( التقسيم الثالث قسم فخر الإسلام )
ومن وافقه
( اللفظ بحسب اللغة والصيغة )
قيل وهما هنا مترادفتان والمقصود تقسيم النظم باعتبار معناه نفسه لا باعتبار المتكلم والسامع والأقرب كما قال المحقق التفتازاني قول صدر الشريعة
( أي باعتبار وضعه إلى خاص وعام ومشترك ومؤول )
لأن الصيغة الهيئة العارضة للفظ باعتبار الحركات والسكنات وتقديم بعض الحروف على بعض واللغة هي اللفظ الموضوع والمراد بها هنا مادة اللفظ وجوهر حروفه بقرينة انضمام الصيغة إليها والواضع كما عين حروف ضرب بإزاء المعنى المخصوص عين هيئته بإزاء معنى المضي فاللفظ لا يدل على معناه إلا بوضع المادة والهيئة فعبر بذكرهما عن وضع اللفظ ووجه التقسيم إلى هذه الأقسام بأن اللفظ المعنوي لا يخلو من أن يكون معناه واحدا أو أكثر فإن كان واحدا فلا يخلو من أن يكون منتظما أو منفردا والثاني الخاص والأول العام وإن كان أكثر فإما أن يكون معنياه متساويين بالنسبة إلى السامع أو لا فإن تساويا فهو المشترك وإلا فهو المؤول
( واعترض )
أي واعترضه صدر الشريعة
( بأن المؤول ولو )
كان المراد به ما ترجح
( من المشترك )
بعض وجوهه بغالب الرأي لا مطلق المؤول
( ليس باعتبار الوضع بل عن رفع إجمال بظني في الاستعمال )
كما تقدم
( فهي )
أي أقسام هذا التقسيم
( ثلاثة لأن اللفظ إن كان مسماه متحدا ولو بالنوع )
كرجل وفرس
( أو متعددا مدلولا على خصوص كميته (
أي كمية عدده
( به )
أي بلفظه
( فالخاص فدخل المطلق والعدد والأمر والنهي )
في الخاص فالأمر والنهي والمطلق لانطباق كون مسماه متحدا ولو بالنوع عليها وسيأتي الكلام عليها مفصلة والعدد لانطباق كون مسماه متعددا مدلولا على خصوص كميته به عليه
( وإن تعدد )
المعنى
( بلا ملاحظة حصر فأما بوضع واحد فمن حيث هو كذلك )
أي فاللفظ من حيث إنه لم يلاحظ الواضع في الوضع حصر معناه في كمية بل وضع اللفظ لمجموع المتعدد كائنا ما كان عدده وضعا واحدا هو
( العام )
فهو لفظ وضع وضعا واحدا لمعنى متعدد لم يلاحظ حصره في كمية
( أو )
بوضع
( متعدد فمن حيث هو كذلك )
أي فاللفظ من حيث إنه دال على معنى متعدد بوضع متعدد من غير ملاحظة حصر لكميته هو
( المشترك )
فهو لفظ وضعا وضعا متعددا لمعان متعددة ولم يلاحظ حصرها في كمية فصدق قول المصنف فيقع بلا ملاحظة حصر بيانا للواقع لا للاحتراس اه يعني بالنسبة إلى هذا وإلا فمعلوم أنه بالنسبة إلى العام احتراز عن المثنى والعدد فإن كلا منهما كالزيدين والمائة مثلا لا ريب في أنه وضع
230
230
وضعا واحدا لمعنى متعدد لكنه لوحظ حصره في الكمية المدلول عليها بلفظه وهما من قبيل الخاص
( فيدخل في العام الجمع المنكر )
كرجال لأنه يصدق عليه لفظ وضع وضعا واحدا لمعنى متعدد ولم يلاحظ حصره في كمية فلا يكون واسطة بين العام والخاص هذا على عدم اشتراط الاستغراق في العام كما هو قول أكثر مشايخنا البخاريين
( وعلى اشتراط الاستغراق )
فيه كما هو قول مشايخنا العراقيين والشافعية وغيرهم
( فمتحد الوضع إن استغرق فالعام وإلا فالجمع )
اي فيقال وإن تعدد بلا ملاحظة حصر فأما بوضع واحد فمن حيث هو كذلك إن استغرق ما يصلح له فالعام وإلا فالجمع المنكر فهو حينئذ واسطة بين الخاص والعام
( وأخذ الحيثية )
كما ذكرنا في التقسيم
( يبين عدم العناد بجزء المفهوم بين المشترك والعام )
قال المصنف يعني ليس موجب العناد بين المشترك والعام ذاتيا داخلا وهو الفصل كما هو بين الإنسان والفرس لتكون الأقسام الثلاثة أقسام تقسيم حقيقي واحد فتتباين بالذات كما هو حقيقة التقسيم وهو إظهار الواحد الكلي في صور متباينة فإنه سيظهر تصادق المشترك مع العام ومع الخاص فهو تقسيم بحسب الاعتبار ولذا أخذت الحيثية
( ولذا )
أي ولعدم العناد بجزء المفهوم بينهما
( لا يحتاج إليها )
أي إلى الحثية
( في تعريفهما ابتداء )
ولو كان بينهما عناد ذاتي لذكرت فيه
( فالحق تقسيمان )
التقسيم
( الأول باعتبار اتحاد الوضع وتعدده يخرج المنفرد )
وهو المضوع لمعنى واحد سمي به لانفراد لفظه بمعناه
( ولم يخرجه )
أي المنفرد
( الحنفية على كثرة أقسامهم )
وأخرجه الشافعية
( و )
يخرج
( المشترك وفيه )
أي في المشترك
( مسألة المشترك )
في جوازه ووقوعه أقوال
أحدها
غير جائز ثانيها جائز غير واقع ثالثها جائز واقع في اللغة لا غير رابعها جائز واقع في اللغة والقرآن لا غير
( خامسها واقع في اللغة والقرآن والحديث )
وهو المختار
( لنا )
على الجواز
( لا امتناع لوضع لفظ مرتين فصاعدا لمفهومين فصاعدا على أن يستعمل لكل على البدل )
إذ لا يلزم من فرض وقوعه محال وهذا هو المشترك
( وقولهم )
أي المانعين
( يستلزم )
جواز المشترك
( العبث لانتفاء فائدة الوضع )
وهم فهم المعنى الموضوع له على التعيين لتساوي نسبة المعنيين إلى اللفظ ونسبته إليهما وخفاء القرائن
( مندفع بأن الإجمال مما يقصد )
فإن الوضع تابع للغرض الذي يقصده الواضع وهو قد يقصد التعريف الإجمالي لغرض الإبهام على السامع كوضعه صيغة ما لم يسم فاعله لستر الفاعل عن السامع إلى غير ذلك ما يقصد التفصيلي
( ولنا على الوقوع ثبوت استعمال القرء )
بفتح القاف وتضم
( لغة لكل من الحيض والطهر )
على البدل
( لا يتبادر أحدهما مرادا بلا قرينة )
معينة له دون الآخر
( وهو )
أي واستعماله كذلك
( دليل الوضع كذلك )
أي وضع لفظه مرتين لهما على البدل
( وهو )
أي اللفظ الموضوع مرتين لمفهومين على البدل
( المراد بالمشترك وما قيل )
في دفع هذا كما في البديع
( جاز كونه )
أي القرء
( لمشترك )
أي لمعنى واحد هو قدر مشترك بين الحيض
231
231
والطهر
( أو )
جاز كونه
( حقيقة
في أحدهما
( ومجازا )
في الآخر
( وخفي التعيين )
للحقيقة من المجاز
( وكذا كل ما ظن )
من الألفاظ
( أنه منه )
أي من المشترك اللفظي يقال فيه هذا
( ثم يترجح الأول )
وهو كونه لمعنى واحد مشترك بينهما على الاشتراك اللفظي لأن التواطؤ أولى منه وعلى كونه حقيقة في أحدهما مجازا في الآخرلأن الحقيقة أولى من المجاز
( مدفوع بعدمه )
أي القدر المشترك
( بينهما )
أي بين الحيض والطهر وما قيل هو الجمع لأنه من قرأت الماء في الحوض إذا جمعته فيه والدم يجتمع في زمن الطهر في الجسد وفي زمن الحيض في الرحم لا يخفى ما فيه
( وكونه )
أي القرء موضوعا
( لنحو الشيئية والوجود )
فيكون هو القدر المشترك بينهما
( بعيد )
جدا
( ويوجب أن نحو الإنسان والفرس والقعود وما لا يحصى )
من المسميات الوجودية
( من أفراد القرء )
لاشتراكها فيه وهو باطل قطعا
( واشتهار المجاز بحيث يساوي الحقيقة )
في التبادر
( ويخفى التعيين )
للمراد منهما
( نادر لا نسبة له بمقابله )
وهو أن لا يشتهر المجاز بحيث يساوي الحقيقة في التبادر ويخفى التعيين
( فأظهر الاحتمالات كونه )
اي القرء
( موضوعا لكل )
من الحيض والطهر على البدل فلا يعرج عنه إلى غيره
( وهو )
أي كون القرء موضوعا لكل منهما على البدل
( دليل وقوعه )
أي المشترك اللفظي
( في القرآن )
لوقوع القرء في قوله تعالى ! < والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء > !
( والحديث )
أيضا لوقوعه فيما روى الدارقطني والطحاوي عن فاطمة بنت حبيش قال يا رسول الله إني امرأة استحاض فلا أطهر قال
( دعي الصلاة أيام أقرائك وبه )
أي بالوقوع
( كان قول النافي )
للوقوع
( إن وقع )
المشترك
( مبينا )
أي مقرونا ببيان المراد منه
( طال )
الكلام
( بلا فائدة )
لإمكان بيانه بمنفرد لا يحتاج إلى البيان فلا يطول
( أو )
وقع
( غير مبين لم يفد )
لعدم حصول المقصود من وضعه وحاصله لزوم ما لا حاجة إليه أو ما لا فائدة فيه وكلاهما نقص يمتنع اشتمال الكلام البليغ عليه ولا سيما قرآنا وسنة
( تشكيكا بعد التحقق )
فلا يسمع
( مع أنه )
أي قول النافي هذا
( باطل )
أما الأول فلاشتمال الإبهام ثم التفسير على زيادة بلاغة كما تقرر في فنها
وأما الثاني
( فإن إفادته )
أي المشترك حينئذ فائدة إجمالية
( كالمطلق وفي الشرعيات )
له فائدتان أخريان
( العزم عليه )
أي على الامتثال للمراد منه
( إذا بين )
المراد منه
( والاجتهاد في استعلامه )
أي المراد منه
( فينال ثوابه )
أي ثواب كل منهما فانتفى نفي فائدته
( واستدل )
للمختار بدليل مزيف وهو
( لو لم يقع )
المشترك اللفظي
( كان الموجود )
أي لفظه
( في القديم والحادث )
مشتركا
( معنويا لأنه )
أي الموجود
( فيهما )
أي في القديم والحادث
( حقيقة اتفاقا وهو )
أي وكونه معنويا فيهما
( منتف لأنه )
أي الموجود اسم
( لذات له وجود وهو )
أي الوجود
( في القديم يباين الممكن )
والأولى يباينه أي الوجود في الممكن لكونه في القديم واجبا وفي الممكن حادثا فلا اتحاد
( فلا اشتراك )
معنويا له فيهما
( وليس بشيء )
مثبت للمطلوب
( لأن الاختلاف بالخصوصيات وبوصف الوجوب والإمكان لا يمنع الاندراج تحت مفهوم عام )

232
232
كالوجود
( تختلف أفراده )
فيه شدة وضعفا كما تقدم
( فيكون )
الوجود مشتركا
( معنويا )
على سبيل التشكيك لأنه في الواجب أقوى منه في الممكن
( واستدل أيضا )
للمختار بدليل مزيف وهو أنه
( لو لم يوضع )
المشترك
( خلت اكثر المسميات )
عن الأسماء
( لعدم تناهيها )
أي المسميات لكونها ما بين موجود مجرد ومادي ومعدوم ممكن وممتنع أو لأن من جملتها الأعداد وهي غير متناهية إذ ما من عدد إلا وفوقه عدد
( دون الألفاظ )
فإنها متناهية
( لتركبها )
أي الألفاظ
( من الحروف المتناهية )
لأن حروف لغة العرب بل أي لغة فرضت متناهية قطعا ثم بعضها يضم في الوضع إلى واحد من باقيها وإلى اثنين إلى سبعة ولا ترتقي عن السباعي وتقاليب الحروف المضمومة بعضها مهمل وإذا كان كذلك كان مرات الضم متناهية فإذا وضع كل لفظ من الألفاظ لمعنى واحد كان الموضوع له متناهيا لمساواته المتناهي الذي هو الألفاظ وخلت المعاني الباقية عن ألفاظ تدل عليها
( لكنها )
أي المسميات
( لم تخل )
عن الأسماء فلزم اشتراك المعاني الكثيرة في اللفظ والواحد وهو المطلوب
( وهو )
أي هذا الدليل
( أضعف )
مما قبله
( لمنع عدم تناهي المعاني المختلفة )
وهي التي حقيقتها مختلفة ولا يمتنع اجتماعها في محل واحد كالحركة والبياض
( والمتضادة )
وهي الأمور الوجودية التي يمتنع اجتماعها في محل واحد في زمان واحد كالبياض والسواد فإن كلتيهما متناهية
( وتحققه )
أي عدم التناهي
( في المتماثلة )
وهي المتفقة الحقائق كأفراد الأنواع الحقيقية
( ولا يلزم لتعريفها
أي المتماثلة
( الوضع لها )
أي للمتماثلة ولا يحتاج إليه بحسب خصوصياتها الغير المتناهية
( بل القطع )
حاصل
( بنفيه )
أي الوضع لها بحسب الخصوصيات الغير المتناهية وإنما يحتاج إليه باعتبار الحقيقة الواحدة التي اتفقت هي فيها
والحاصل أنه إن أريد بالمعاني المعاني الكلية من المتخالفة والمتضادة فغير تناهيها ممنوع لأن حصول ما لا نهاية له في الوجود محال وأما الأعداد فالداخل منها في الوجود متناه على أن أمولها وهي الآحاد والعشرات والمئون والألوف متناهية والوضع للمفردات لا للمركبات ثم إن الاشتراك إنما يكون بين المتخالفة والمتضادة وسادس الأقوال فيه وهو منعه بين الضدين كما عن جماعة ممنوع بما في الواقع من أسماء الأضداد وسابعها وهو منعه بين النقيضين كما ذهب إليه الإمام الرازي لأن الواقع لا يخلو عن أحدهما فلا يستفيد السامع بإطلاقه شيئا فيصير عبثا منع بأنه قد يغفل عنهما فيستحضرهما بسماعه ثم يبحث عن المراد منهما وإن أريد بالمعاني المعاني الجزئية التي يصح بها التماثل فغير تناهيها مسلم وبطلان التالي ممنوع فإن تفهيمها يحصل بالتعبير عنها باسم جنسها مطلقا أو مع القرينة ولا اشتراك فيها
( وإن سلم )
الوضع للمتماثلة
( فالوضع للمحتاج إليه )
منها لا غير
( وهو )
أي والمحتاج إليه
( متناه ولو سلم )
أنه لها كلها
( فخلوها ) أي المسميات عن الأسماء
( على التقديرين )
أي وجود المشترك وعدمه
( مشترك الإلزام )
للمجوزين والمانعين
( إذ لا نسبة للمتناهي )
وهو الألفاظ
233
233
( بغير المتناهي )
وهو المعاني أي لا يعرف قدره في القلة منه فما هو جواب المجوزين فهو جواب المانعين
( ولو سلم )
الخلو على تقدير عدم وجود المشترك خاصة
( فبطلان الخلو ممنوع ولا تنتفي الإفادة فيما لم يوضع له )
لفظ فإن كثيرا من المعاني لم يوضع لها ألفاظ دالة عليها كأنواع الروائح والطعوم فتفاد بألفاظ مجازية وبالإضافة وبالوصف فيقال رائحة كذا وطعم كذا ورائحة طيبة وطعم طيب إلى غير ذلك
( وأما تجويز عدم تناهي المركب من المتناهي )
أي منع تناهي الألفاظ المركبة من الحروف المتناهية ليندفع به لزوم خلو المسميات عن الأسماء على تقدير عدم المشترك
( إذا لم يكن )
التركيب
( بالتكرار والإضافات كتركيب الأعداد فباطل بأي اعتبار فرض )
هذا التجويز
( ولو )
فرض
( مع الإهمال )
في بعض تقاليب تركيب بعض الألفاظ
( إذ الإخراج )
للصوت على وجه يحصل الحروف التي هي مادة الألفاظ يكون
( بضغط )
أي بزحمة وشدة للصوت
( في محال )
من الصدر والحلق وغيرهما
( متناهية على أنحاء )
أي أنواع من الكيفيات له
( متناهية )
فكيف لا تكون الألفاظ المركبة منها متناهية وهي هي
( وإنما اشتبه )
المتناهي
( للكثرة الزائدة )
فيه من التركيب بغير المتناهي
( التقسيم الثاني باعتبار الموضوع له )
اتحادا وتعددا
( يخرج الخاص والعام )
كما يظهر
( وتتداخل )
أقسام التقسيمين
( فالمشترك عام وخاص والمنفرد كذلك )
اي عام وخاص باعتبارين
( ولا وجه لإخراج الجمع )
المنكر
( عنهما )
أي عن العام والخاص
( على التقديرين )
أي اشتراط الاستغراق وعدمه كما فعله صدر الشريعة على تقدير اشتراط الاستغراق في العام بل هو على عدم اشتراط الاستغراق في العام مندرج في العام كما قال هو وعلى تقدير اشتراطه فيه مندرج في الخاص
( لأن رجالا في الجمع مطلق كرجل في الوحدان )
لأن رجالا معناه طائفة منهم فيصدق على كل جماعة جماعة على البدل كما يصدق رجل على كل رجل رجل على البدل فكان رجال مطلقا كما أن رجلا مطلق والمطلق مندرج في الخاص اتفاقا
( والاختلاف بالعدد )
كما في رجال
( وعدمه )
أي العدد كما في رجل
( لا أثر له )
في إيجاب الاختلاف بالإطلاق وعدمه
( فالمفرد عام وهو ما دل على استغراق أفراد مفهوم )
فيغني ذكر الاستغراق لمقابلته البدلية عرفا عن أن يقول ضربة
( ويدخل المشترك )
في العام
( لو عم أفراد مفهوم أو )
عم
( في )
أفراد
( المفاهيم على )
قول
( من يعممه )
اي المشترك فيها قال المصنف رحمه الله فإنه إذا عم في المفهومين عم في أفرادهما ضرورة إذ المراد بلا شك حينئذ جميع أفراد المفاهيم فيصدق حينئذ أنه عم في أفراد مفهوم فمفهوم من استغراق أفراد مفهوم مطلق يصدق على ما إذا لم يكن إلا مفهوم واحد أو مفهوم معه مفهوم آخر
( والحاصل أن العموم باعتبار )
استغراق
( أفراد مفهوم )
فإن لم يرد به في محل الاستعمال سوى مفهوم واحد كان عاما باعتباره إن دخله موجب العموم كاللام مثلا وإن أريد به المفهومان أو المفاهيم ودخله الموجب عم بالنسبة إلى أفراد المفاهيم كلها واعتبر ذلك في قولك العين شيء يحب كذا أفاده المصنف
234
234
رحمه الله تعالى هذا على من شرط الاستغراق في العام
( ومن لم يشرط الاستغراق )
فيه
( كفخر الإسلام )
فتعريفه عنده
( ما ينتظم جمعا من المسميات )
وهذا مختصر تعريف جماعة منهم فخر الإسلام وشمس الأئمة السرخسي مرادا بما عندهما لفظ لأن العموم عن عوارض الألفاظ لا غير عندهما ومن ثمة ذكراه بدل ما وعند غيرهما ممن ذهب إلى أن العموم من عوارض المعاني أيضا كما هو قول الجصاص وموافقيه شيء ثم خرج بما ينتظم جمعا أي يشمل أفراد الخاص وهو ظاهر والمشترك لأنه لا يشمل معانيه بل يحتمل كلا منهما على السواء واشتراط الاستغراق وبقوله من المسميات أسماء الأعداد فإنه ليس لها مسميات بل لكل اسم عدد مسمى خاص لو نقص منه واحد أو زيد عليه تبدل الاسم ولم يتغير المسمى بخلاف العام فإن له مسميات كثيرة لا يتبدل فيه الاسم ولا يتغير المسمى بالنقص والزيادة وكون العموم في المعاني إذا كان المعرف من مانعيه فيها ولم يصدره بلفظ ولا بما مريدا له خاصة بها أما إذا صدره بلفظ أو بما مريدا له خاصة بها فيكون فائدته الأول وأما إذا كان المعرف من مجوزيه فيها فلا ينبغي له تصديره بلفظ ولا بما مريدا له خاصة بها بل بما مريدا بها ما هو أعم منه وحينئذ يكون فائدته الأول وعليه أن يقول أو المعاني أو والمعاني ومن ثمة قال الجصاص هكذا فإنه مصرح بأن العموم توصف به المعاني حقيقة كالألفاظ فانتفى ما توارد عليه فخر الإسلام وصدر الإسلام وشمس الأئمة السرخسي من تغليطه في ذكر المعاني وخصوصا بأو وتأويلهم له بما هو آب له كما يعرف في كلامه وكلامهم والله الموفق ثم الانتظام عندهم نوعان بعموم اللفظ كصيغ الجموع وبعموم المعنى كالقوم فإنه لفظ خاص وضع لمعنى عام وهو الجماعة المتفقة الحقيقة من الرجال وهذا فائدة إردافهم التعريف المذكور بقولهم لفظا أو معنى وأورد عليه أن نحو أعلم زيد بكرا عمرا خير الناس يصدق عليه أنه انتظم جمعا من المسميات مع أنه ليس عاما وأجيب بأن المراد به لفظ واحد
( وكذا ما يتناول أفرادا متفقة الحدود شمولا )
وهذا تعريف صاحب المنار فخرج بأفراد الخاص وبمتفقة الحدود المشترك فإنه يتناول أفرادا لكنها مختلفة الحدود وبشمولا اسم الجنس كرجل فإنه يتناول أفرادا متفقة الحدود لكن على سبيل البدل
( وأما تعريفه )
أي العام
( على الاستغراق بما دل على مسميات باعتبار أمر اشتركت فيه مطلقا ضربة )
كما هو تعريف ابن الحاجب فما دل كالجنس وأورد ما بدل لفظ ليتناول عموم المعاني أيضا لأنه يعرض لها حقيقة على ما هو المختار عنده فعلى مسميات لإخراج نحو زيد فباعتبار أمر اشتركت فيه متعلق بدل لإخراج نحو عشرة فإنها دالة على آحادها باعتبار أمر اشتركت فيه بمعنى صدقه عليها لأن آحادها أجزاؤها لا جزئياتها فلا يصدق على واحد واحد أنه عشرة
( فمطلقا )
قيد لما اشتركت فيه أي بلا قيد يفيد ذلك
( لإخراج )
الأفراد
( المشتركة )
في المفهوم
( المعهودة )
كالرجال في نحو جاءني رجال فأكرمت الرجال
( لأنها )
أي الأفراد المشتركة المعهودة
( مدلولة )

235
235
للفظ الجمع لكنها
( مقيدة بالعهد )
فهذا الجمع يدل على المسميات لكن لا مطلقا بل مع تقيدها بمرتبة من مراتب عهدهم بخلافه إذا لم يكن معهودا فإنه يدل على المسميات مطلقا حتى ينشأ منه استغراقه لجميع المراتب حيث لا مانع دفعا للترجيح بلا مرجح وضربة أي دفعة واحدة لإخراج نحو رجل فإنه يدل على مسمياته لكن لا دفعة بل دفعات على البدل
( ويرد )
على هذا التعريف
( خروج علماء البلد )
بقيد مطلقا فيبطل عكسه
( وأجيب بأن المشترك فيه )
أي في علماء البلد
( عالم البلد مطلقا )
أي العالم المضاف إلى البلد وهو في هذا المعنى مطلق
( بخلاف الرجال المعهودين )
فإن المشترك فيه
( هو الرجل المعهود )
فلم يرد بهم أفراده على إطلاقه بل مع خصوصية العهد
( والحق أن لا فرق )
بين الرجال المعهودين وبين علماء البلد في عدم الإطلاق
( لأن عالم البلد معهود )
بواسطة إضافته إلى البلد المعهود
( وكون المراد عهدا اعتبرت خصوصيته )
وهو العهد الكائن باللام فيه نفسه وهو منتف في عالم البلد
( لا يدل عليه اللفظ فيرد )
علماء البلد عليه ولا يندفع عنه بما تقدم
( ويرد )
أيضا عليه
( الجمع المنكر )
في الإثبات فإنه عنده ليس بعام مع أنه يصدق عليه التعريف بناء على أن المراد بمسميات أجزاء مسميات الدال على التنكير حتى تكون المسميات في الجمع الوحدان كا هو الظاهر فيبطل طرده
( فإن أجيب بإرادة مسميات الدال )
أي جميع جزئيات مسماه الذي هو اسم كل منها حتى تكون المسميات في الجمع الجموع فيخرج الجمع المنكر
( فبعد حمله )
أي ما دل على مسميات
( على أفراد مسماه ليصح ولا يشعر به )
أي بهذا المراد
( اللفظ )
لأن ظاهره ما تقدم
( فباعتبار الخ )
أي أمر اشتركت فيه
( مستدرك لخروج العدد )
حينئذ بقوله ما دل على مسميات
( لأنها )
أي أحاد العدد التي يدل عليها العدد
( ليس أفراد مسماه )
أي مسمى العدد بل أجزاء مسماه وإنما أفراد العشرة مثلا العشرات على البدل لصدق العشرة مطلقا على كل منها كذلك بخلاف الآحاد لا يصدق على كل منها عشرة فهي مدلولات تضمنية لعشرة لا أفراد لها وأجيب بأن المراد بها أعم من جزئيات الدال ومن أجزائه وعموم جمع النكرة بالنسبة إلى أجزائه يخرج بقوله باعتبار أمر اشتركت فيه لأن الأمر المشترك فيه هو المعنى الكلي الذي يندرج تحته المسميات التي هي جزئيات له ويصدق حمله على كل واحد منها وعمومه بالنسبة إلى جزئياته يخرج بقوله ضربة لأنه بإطلاق واحد لا يتناول جميع مراتب الجمع
( ثم أفراد العام المفرد الوحدان والجمع المحلي الجموع فإن التزم كون عمومه )
أي الجمع المحلي
( باعتبارها )
أي الجموع
( فقط فباطل للإطباق على فهمها )
أي الأفراد
( منه )
أي من الجمع المحلي
( وإلا )
فإن كان عمومه باعتبارها فقط
( فتعليق الحكم حينئذ به )
أي بالجمع المحلي
( لا يوجبه )
أي تعليق الحكم
( في كل فرد )
لأن كل الأفراد حينئذ كل وترتب الحكم على الكل لا يوجبه على كل جزء منه كما في الجيش يفتح المدينة والحبل يحمل الجرة لا يفتحها واحد منهم ولا يحملها شعرة منه لكنه يوجبه لغة وشرعا لما ذكر ويذكر
( والحق أن لام الجنس
236
236
تسلب الجمعية إلى الجنسية مع بقاء الأحكام اللفظية لفهم الثبوت )
للحكم المعلق بالجمع المحلي
( في الواحد في )
خلفه
( لا أشتري العبيد )
فيحنث بشراء عبد واحد
( ويحب المحسنين )
أي وفي قوله تعالى ! < الله يحب المحسنين > ! و ! < يحب التوابين ويحب المتطهرين > ! فإن الله تعالى يحب كل محسن وتواب ومتطهر إلى غير ذلك ولامتناع وصفه بالمفرد فلا يقال أشتري العبيد الأسود مثلا محافظة على التشاكل اللفظي ويكون عموم هذا الجمع باعتبار الآحاد باعتبار معنى مجازي تشترك فيه مسمياته التي هي الجموع وهو ما يسمى بجنسها المفرد ولا بدع في ذلك فإن الأمر الكلي الذي تشترك فيه المسميات كما يكون حقيقيا للعام يكون مجازيا له أيضا كما في عموم اللفظ بين المعنى الحقيقي والمجازي فإنه يكون باعتبار معنى مجازي له يشترك فيه الحقيقي والمجازي إلى غير ذلك فليتأمل
( ثم يورد )
على العام
( مطلقا )
أي من غير تقييد بكونه جمعا
( أن دلالته )
أي العام الاستغراقي
( على الواحد تضمنية إذ ليس )
الواحد مدلولا
( مطابقيا ولا خارجا لازما ولا يمكن جعله )
أي الواحد
( من ما صدقاته )
أي العام
( لأنه )
أي العام
( ليس بدليا فالتعليق به )
أي بالعام
( تعليق بالكل )
أي بجميع ما يصلح له
( ولا يلزم )
من التعليق بالكل التعليق
( في الجزء )
كما تقدم
( والجواب )
سلمنا أن دلالة العام الاستغراقي على الواحد تضمنا وكان مقتضى النظر أنه لا يلزم من تعليق الحكم بالعام المذكور تعليقه بالواحد من حيث إنه جزؤه لما ذكر لكن أوجب الدليل أن يلزم ذلك هنا وهو
( العلم باللزوم لغة )
وشرعا
( في خصوص هذا الجزء لأنه )
أي هذا الجزء
( جزئي من وجه فإنه جزئي المفهوم الذي باعتبار الاشتراك فيه يثبت العموم )
لسائر ما يصلح أن يصدق عليه ولا ضير في ذلك
( وقد يقال العام مركب فلا يؤخذ الجنس )
له
( المفرد )
وقد أخذته حيث جعلته المقسم له وللخاص
( ويجاب بأنه )
أي العام ليس المركب بل المفرد
( بشرط التركيب فالعام )
في الرجل
( رجل بشرط اللام )
كما هو قول السكاكي
( أو بعلتها )
كما هو قول كثير فعلى الأول فالحرف الذي هو اللام يفيد معناه أي العموم فيه أي في المفرد الذي هو رجل لأن الحرف إنما يفيد معناه في غيره
( أو المقام ) أي وعلى الثاني فالمقام يفيد العموم الاستغراقي في المفرد بشرط دخول اللام عليه وأيا ما كان
( فيصير )
المفرد هو
( المستغرق )
بعد استفادته الاستغراق من الحرف أو المقام بشرط دخول اللام عليه لا أن الحرف جزء منه
( وفي الموصول )
أي وكون المستغرق في الموصولات هو المفرد
( أظهر )
من كونه في المحلي هو المفرد للعلم بأن الصلة هي المفيدة للموصول وصف العموم وأنها ليست بجزء منه
( فيندفع الاعتراض به )
أي بالموصول
( على الغزالي في قوله )
في تعريف العام
( اللفظ الواحد )
الدال من جهة واحدة على شيئين فصاعدا حيث أورد عليه أن الموصولات بصلاتها ليست لفظا واحدا وعليه مناقشات ومدافعات أخرى تعرف في شرح أصول ابن الحاجب
( وخاص )
عطف على عام وهو
( ما ليس بعام )
على اختلاف الاصطلاح فيه من حيث اشتراط الاستغراق فيه وعدمه
237
237
ثم نقول
( أما العام فيتعلق به مباحث البحث الأول هل يوصف به )
أي بالعموم
( المعاني )
المستقلة كالمقتضي والمفهوم
( حقيقة كاللفظ )
أي ما يوصف به اللفظ حقيقة باعتبار معناه بأن يكون مما يصح الشركة في معناه إذ لو كانت الشركة في مجرد اللفظ كان مشتركا لا عاما
( أو )
يوصف به المعاني
( مجازا أو )
لا يوصف به المعاني
( لا )
حقيقة
( ولا )
مجازا أقوال
والمختار الأول ولا يلزم الاشتراك اللفظي )
فيه على هذا كما عسى أن يتوهمه صاحب القول الثاني لترجحه على الأول بأنه دار بين أن يكون مشتركا لفظيا فيهما على تقدير الحقيقة وبين أن يكون حقيقة في اللفظ مجازا في المعنى والمجاز خير من الاشتراك
( إذ العموم شمول أمر لمتعدد فهو )
أي شمول الخ مشترك
( معنوي خير منهما )
أي من كونه مشتركا لفظيا فيهما ومن كونه مجازا في المعاني
( وكل من المعنى واللفظ محل )
لشمول الخ
( ومنشؤه )
أي هذا الخلاف
( الخلاف في معناه )
أي العموم
( وهو شمول الأمر فمن اعتبر وحدته )
أي الأمر
( شخصية منع الإطلاق الحقيقي )
على المعنى
( إذ لا يتصف به )
أي بالعموم حينئذ
( إلا )
المعنى
( الذهني ولا يتحقق )
الوجود الذهني
( عندهم )
أي الأصوليين لما سنذكر
كان )
أي العموم في المعنى
( مجازا كفخر الإسلام ولم يظهر طريقه )
أي المجاز
( للآخر )
القائل لا يتصف به المعنى لا حقيقة ولا مجازا
( فمنعه )
أي وصفها به
( مطلقا ومن فهم من اللغة أنه )
أي الأمر الواحد
( أعم منه )
أي من الشخصي
( ومن النوعي وهو )
أي كونه أعم منهما
( ألحق لقولهم مطر عام )
في الأعيان
( وخصب عام )
في الأعراض
( في النوعي )
فإن الأفراد وإن كثرت تعد واحدا باتحاد نوعها وهذا لأن الموجود من المطر مثلا في مكان ليس إلا فردا من المطر يباين الموجود في مكان آخر بالشخص ويماثله بالنوع والكل يطلق عليه مطر حقيقة لاشتراك لفظ مطر بين الكلي والأفراد وهذا لأن المراد من مطر في قولنا المطر عام ليس بالمطر الكلي بل الداخل في الوجود منه أخبر عنه بالعموم فالمراد بالضرورة بمطر عام أفراد مفهوم مطر وجدت في أماكن متعددة كل فرد في مكان كذا أفاده المصنف رحمه الله تعالى
( وصوت عام في الشخصي معنى كونه مسموعا )
للسامعين فإنه أمر واحد متعلق للاستماعات
( أجازه )
أي وصف المعاني به
( حقيقة )
نعم قيل في هذا تسامح لأن الهواء الحامل للصوت إذا صادم الهواء المجاور له حدث فيه مثل ذلك الصوت فالمسموع الذي تعلق به استماع زيد مثل المسموع الذي تعلق به استماع عمرو لا عينه
( وكونه
أي الشمول الذي هو معنى العموم
( مقتصرا على الذهني وهو )
أي الذهني
منتف فينتفي الإطلاق )
مطلقا عليه
( ممنوع بل المراد )
بالشمول
( التعلق الأعم من المطابقة كما في المعنى الذهني والحلول كما في المطر والخصب وكونه مسموعا كالصوت على أن نفي الذهني لفظي كما يفيده استدلالهم )
أي النافين للوجود الذهني وهم جمهور المتكلمين وهو أنه لو تحقق لاقتضى تصور الشيء حصوله في الذهن فيلزم كون الذهن حارا إذا تصور الحرارة ضرورة حصولها في الذهن
238
238
حينئذ ولا معنى للحار إلا ما قامت به الحرارة وكذا الحال في البرودة والاعوجاج والاستقامة واجتماع الضدين إذا تصورهما معا وحكم عليهما بالتضاد إلى غير ذلك فإن هذا منهم يفيد القول بنفي عين المتصور بما له من الآثار والأحكام في نفس الأمر في الذهن وهذا مما لا يختلف فيه وإنما الحاصل في الذهن مجرد صورة للمتصور موجودة فيه بوجود ظلي مطابقة لعين المتصور الخارجية حيث كان له وجود خارجي في نفس الأمر وهذا مما لا يختلف فيه أيضا وإلا امتنعت التعقلات
( وقد استبعد هذا الخلاف لأن شمول بعض المعاني لمتعدد أكثر وأظهر من أن يقع فيه نزاع إنما هو )
أي الخلاف
( في أنه هل يصح تخصيص المعنى العام كاللفظ وهو )
أي هذا الاستبعاد
( استبعاد يتعذر فيه القول الثاني إذ لا معنى لجواز التخصيص مجازا نعم صرح مانعو تخصيص العلة بأنه المعنى لا يخص وصرح بعضهم بأنه )
أي نفي تخصيصه
( لأنه )
أي المعنى
( لا يعم وهو )
أي التصريح بأن المعنى لا يعم
( ينافي ما ذكر )
المستبعد
( ويتعذر إرادة أنه )
أي المعنى
( يعم ولا يخص من قوله لا يعم )
وهو ظاهر فلا يتأتى الجمع بين قوله وقول المستبعد بهذه الإرادة ليرتكب والله سبحانه أعلم
( البحث الثاني هل الصيغ من أسماء الشرط والاستفهام والموصولات )
المفرد
( المحلي )
باللام الجنسية
( و )
النكرة
( المنفية والجمع )
المحلي
( باللام )
الجنسية
( والإضافة موضوعة للعموم على الخصوص أو )
للخصوص على الخصوص
( مجاز فيه )
أي في العموم
( أو مشتركة )
بين العموم والخصوص
( وتوقف الأشعري مرة كالقاضي )
أبي بكر وغيره
( و )
قال
( مرة بالاشتراك )
اللفظي كجماعة
( وقيل )
العموم
( في الطلب )
من الأمر والنهي
( مع الوقف في الأخبار وتفصيل الوقف إلى معنى لا ندري )
أوضعت للعموم أو الخصوص أم لا
( وإلى نعلم الوضع ولا ندري أحقيقة أو مجاز )
أي لكن لا ندري أنها وضعت للعموم فتكون حقيقة فيه أو لا فتكون مجازا فيه وعلى تقدير كونها حقيقة فيه لا ندري أنها وضعت له فقط فتكون منفردة أم له وللخصوص أيضا فتكون مشتركة كما ذكره ابن الحاجب وقرره الشارحون أشار المحقق التفتازاني إلى فساده وحققه المصنف فقال
( لا يصح إذ لا شك في الاستعمال )
لهذه الصيغ كما يذكره
( وبه )
أي وبالاستعمال لها
( ويعلم وضعه )
أي كل منها في الجملة
( فلم يبق إلا التردد في أنه )
أي الوضع للعموم وهو الوضع
( النوعي )
فتكون مجازا فيه
( أو الحقيقي )
فتكون حقيقة فيه
( فيرجع )
الأول
( إلى الثاني )
لأنه آل الأمر إلى أن التوقف بمعنى لا ندري أحقيقة في العموم أو مجاز وهذا هو الثاني وقد أوضح المصنف رحمه الله تعالى هذا الرد بما فيه مزيد تحقيق له فقال لأن الثاني إذ كان حاصله العلم بالوضع مع التردد في أنها أي الصيغ حقيقة أو مجاز كان المراد بالوضع المعلوم الأعم من وضع الحقيقة والمجاز فبالضرورة يكون مقابله الأول والمعبر عنه بلا ندري وهو هذا الوضع بعينه ولا شك أن عدم العلم بمطلق الوضع المنقسم إلى وضع الحقيقة ووضع المجاز لا يكون إلا بعدم العلم باستعمال الصيغ لذلك
239
239
المعنى إذ لو علم الاستعمال قطع بأنه إما حقيقة أو مجاز فيقطع بثبوت الوضع الأعم من وضع الحقيقة ووضع المجاز لها وكون إنسان فضلا عن عالم لم يسمع قط هذه الصيغ استعملت لغة ولا شرعا في العموم معلوم الانتفاء فلزم أن لا تردد إلا في كونها حقيقة فيه أو مجازا فهو محل الوقف وهو المعنى الثاني
( ولا تردد في فهمه )
أي العموم
( من )
اسم الجمع المعرف باللام الجنسية في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم
( أمرت أن أقاتل الناس ) حتى يقولوا لا إله إلا الله
كما في الصحيحين ومن الجمع المكسر المعرف باللام الجنسية في قوله صلى الله عليه وسلم
الأئمة من قريش
كما هو حديث حسن أخرجه البزار وقوله صلى الله عليه وسلم
( نحن معاشر الأنبياء ) لا نورث
غير أن المحفوظ إنا كما أخرجه النسائي لا نحن إلا أن مفادهما واحد ومن المفرد المحلى باللام الجنسية في قوله تعالى ! < والسارق والسارقة > ! ومن قوله تعالى ! < لننجينه وأهله > !
( في اسم الجمع المضاف وفهمه )
أي العموم
( العلماء قاطبة )
من اسم الشرط كما
( في من دخل )
داري فهو حر واسم الاستفهام كما في
( وما صنعت ومن جاء )
حيث هما
( سؤال عن كل جاء ومصنوع )
ومن النكرة المنفية كما في
( ولا تشتم أحدا إنما هو )
أي التردد
( في أنه )
أي العموم
( بالوضع )
كقول العموم
( أو بالقرينة كقول الخصوص )
والقرينة
( كالترتيب )
للحكم
( على )
الوصف
( المناسب )
اي المشعر بعليته له
( في نحو والسارق )
! < والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما > !
( وأكرم العلماء )
فإن الحكم الذي هو القطع والإكرام مرتب على وصف مشعر بعليته له من السرقة والعلم
( ومثل العلم بأنه )
أي الحكم
( تمهيد قاعدة )
أي خرج مخرج البيان لحكم كلي ينطبق على جزئياته وإن كان جزئيا باعتبار متعلقه الذي اتفق وقوعه متعلقا به
( كرجم ماعز )
أي كرجم النبي صلى الله عليه وسلم ماعزا لما أقر بالزنى وكان محصنا كما في الصحيحين
( إذ علم أنه شارع وحكمي على الواحد )
أي وإذ علم أنه قال حكمي على الواحد حكمي على الجماعة كما هو مشتهر في كلام الفقهاء والأصلويين قال شيخنا الحافظ رحمه الله تعالى ولم نره في كتب الحديث قال ابن كثير لم أر له سندا قط وسالت شيخنا الحافظ المزي وشيخنا الحافظ الذهبي فلم يعرفاه اه وقد جاء ما يؤدي معناه فأخرج مالك والنسائي والترمذي وصححه وابن حبان في صحيحه عن أميمة بنت رقيقة أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة نبايعه على الإسلام فقلت يا رسول الله هلم نبايعك فقال
إني لا أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة
وفي رواية الحاكم والطبري
إنما قولي لامرأة كقولي لمائة امرأة
وهو في مسند أحمد وطبقات ابن سعد باللفظين فكما أن رجم ماعز مفيد للعموم لغيره ممن حاله كحاله لكل من هاتين القرينتين وإن كان ظاهره الخصوص فكذا غيره من مفيد حكم شرعي
( أو ضرورة من نفي النكرة ) أي أو ككون العموم ثبت ضرورة كما في نفي النكرة فإنها حيث كانت موضوعة لفرد مبهم كان انتفاؤه بانتفاء جميع الأفراد فكان انتفاء جميع الأفراد ضرورة انتفائه كما سيأتي التعرض له مرة
240
240
بعد أخرى
( وألزموا )
أي القائلون بوضعها للخصوص وأستفيد منها العموم بالقرائن
( أن لا يحكم بوضعي للفظ )
على هذا التقدير إذ يتأتى فيه تجويز كونه فهم منه بالقرائن لا بالوضع فينسد باب الاستدلال بأن اللفظ موضوع لكذا وهو مفتوح
( إذ لم ينقل قط عن الواضع )
التنصيص على الوضع حتى يمتنع أن يطرقه هذا التجويز
( بل أخذ )
أي حكم بوضع اللفظ للمعنى
( من التبادر )
أي تبادر المعنى
( عند الإطلاق )
للفظ وهو مما لا يمنع التجويز المذكور ثم الحاصل أنه تجويز لا يمنع الظهور فلا يقدح فيه
( وأيضا شاع )
وذاع من غير نكير
( احتجاجهم )
أي العلماء سلفا وخلفا
( به )
أي بالعموم من الصيغ المدعى كونها له وضعا
( كعمر على أبي بكر في مانعي الزكاة ب أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله )
ففي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة قال لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر بعده وكفر من كفر من العرب قال عمر رضي الله عنه لأبي بكر رضي الله عنه كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله
فقال أبو بكر والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه قال عمر فوالله ما هو إلا أن رأيت الله شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق فقد فهم عمر العموم واحتج به وقرره أبو بكر وعدل إلى الاحتجاج في المعنى بقوله إلا بحقها
( وأبي بكر )
أي وكاحتجاج أبي بكر على الأنصار بقول النبي صلى الله عليه وسلم
الأئمة من قريش
ووافقه على ذلك جميع الصحابة كما وقع في المختصر الكبير لابن الحاجب وتبعه الشارحون وتعقبهم شيخنا الحافظ بأنه ليس هذا اللفظ موجودا في كتب الحديث عن أبي بكر وإنما في الصحيحين وغيرهما في قصة السقيفة قول أبي بكر إن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش نعم أخرج أحمد بسند رجاله ثقات لكن فيه انقطاع أن أبا بكر قال لسعد يعني ابن عبادة لقد علمت يا سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقريش أنتم ولاة هذا الأمر فلعل هذا مستند من عزا ذلك لأبي بكر فذكره بالمعنى اه
فالأولى أن يقال وكاحتجاج أهل الإجماع على أن من شرط الإمام أن يكون قرشيا به
( ونحن معاشر الأنبياء لا نورث )
أي وكاحتجاج أبي بكر على من ظن أن النبي صلى الله عليه وسلم يورث بهذا وقد عرفت أنا المحفوظ إنما لا نحن وإنه لا ضير لأن مفادهما واحد إلى غير ذلك من الاحتجاجات بالعموم من الصيغ المدعى كونها للعموم وضعا ولولا أنها للعموم وضعا لما كان فيهما حجة في الصور الجزئية ولأنكر ذلك فلا جرم أن قال
( على وجه يجزم بأنه
أي العموم
( باللفظ )
لا بالقرائن فانتفى أن يقال الإجماع السكوتي لا ينتهض هنا لأنه حينئذ في الأصول وهو إنما ينتهض في الفروع
( واستدل )
للمختار بمزيف وهو
( أنه )
اي العموم
( معنى كثرت الحاجة إلى التعبير عنه فكغيره )
أي فوجب الوضع له كما وضع لغيره من المعاني
241
241
المحتاج إلى التعبير عنها
( وأجيب بمنع الملازمة )
وهو أن الاحتياج إلى التعبير لا يقتضي أن يكون له لفظ منفرد على طريق الحقيقة لجواز أن يستغنى عنه بالمجاز والمشترك فلا يكون ظاهرا في العموم
( الخصوص لا عموم إلا المركب ولا وضع له )
أي للمركب
( بل )
الوضع
( لمفرداته والقطع أنها )
أي المفردات
( لغيره )
أي العموم
( فلا وضع له )
أي للعموم ( فصدق أنها
أي الصيغ
( للخصوص بيانه )
أي لا عموم إلا لمركب
( أن معنى الشرط وأخويه )
أي النفي والاستفهام
( لا يتحقق إلا بألفاظ لكل منها )
أي من الألفاظ
( وضع على حدته وإنما يثبت )
بالمجموم
( بالجموع )
منها
( مثلا معنى من عاقل )
والأولى عالم لوقوعه على الباري تعالى
( فيضم إليه )
اللفظ
( الآخر بخصوص من النسبة فيحصل )
من المجموع
( معنى الشرط والاستفهام وبهما العموم وصرح في العربية بأن تضمن من معنى الشرط والاستفهام طارئ على معناها الأصلي والجواب أن اللازم )
من لا عموم إلا لمركب
( التوقف على التركيب )
أي توقف ثبوت العموم على تركيب المفرد مع غيره
( فلا يستلزم أن المجموع )
المركب هو
( الدال )
على العموم بل جاز كون المفرد بشرط التركيب هو العام وقبل حصول الشرط له معنى وضعي إفراده غير معنى العموم
( وتقدم الفرق )
بين أن يكون الدال المركب أو جزأه بشرط التركيب في ذيل الكلام في تعريف العام
( وليس ببعيد قول الواضع في النكرة )
من حيث هي جعلتها
( لفرد )
مبهم
( يحتمل كل فرد )
معين على البدل
( فإذا عرفت )
لغير عهد
( فللكل ضربة وهو )
أي وضعها هكذا هو
( الظاهر لأنا نفهمه
أي العموم
( في أكرم الجاهل وأهن العالم ولا مناسبة )
بين الإكرام والجهل وبين الإهانة والعلم فلم يكن العموم بالقرينة لأنها في مثله المناسبة وهي منتفية
( فكان )
العموم معنى
( وضعيا )
للفظ
( وغايته )
أي الأمر
( أن وضعه )
أي اللفظ للعموم
( وضع القواعد اللغوية كقواعد النسب والتصغير وأفراد موضوعها )
أي القواعد
( حقائق )
فهو من أحد نوعي الوضع النوعي كما سيأتي في بحث المجاز
( ولذا )
أي لكون اللفظ موضوعا للعموم وضعا نوعيا
( وقع التردد في كونه )
أي اللفظ العام
( مشتركا لفظيا )
بين الخاص والعام لاستعماله في الخصوص أيضا حتى قال به بعضهم
( والوجه أن عموم غير المحلى ) باللام الجنسية
( و )
غير
( المضاف عقلي )
لا وضعي
( لجزم العقل به )
أي بالعموم
( عند ضم الشرط والصلة إلى مسمى من وهو عاقل و )
مسمى
( الذي وهو ذات فيثبت ما علق به )
أي بالمسمى
( لكل متصف )
بالمسمى
( لوجود ما صدق عليه ما علق عليه
أي لوجود المفهوم الذي نيط به الحكم فالضمير في عليه الأول راجع إلى ما وما علق عليه فاعل صدق
( وكذا النكرة المنفية )
عمومها عقلي
( لأن نفي ذات ما )
الذي هو معناها
( لا يتحقق مع وجود ذات )
كما بيناه آنفا
( وهذا )
العقلي
( وإن لم يناف الوضع )
له أيضا لإمكان تواردهما عليه لكن يصير الوضع له ضائعا لاستفادته بدونه وحكمته أي الواضع
( تبعده )
أي وقوعه
( كما لو وضع لفظا للدلالة على حياة لافظه )
فإنه وإن كان ممكنا بعيد جدا
( واعلم أن العربية النكرة
242
242
المنفية بلا )
حال كونها
( مركبة )
كلا رجل بالفتح
( نص في العموم وغيرها )
أي المركبة كلا رجل بالرفع
( ظاهر )
في العموم
( فجاز )
فيغيرها
( بل رجلان وامتنع في الأول )
أي في كونها مركبة بل رجلان
( وبعلته )
أي بعلة امتناع بل رجلان في لا رجل وهي النصوصية للتركيب لتضمن معنى من الزائدة
( يلزم امتناعه )
أي بل رجلان
( في لا رجال
للتركيب والنصوصية لكنه ليس بممتنع
( فإن قالوا المنفي )
في لا رجال
( الحقيقة بقيد تعدد )
خارجي لإفرادها بخلاف لا رجل فإن المنفي فيه الحقيقة مطلقا
( قلنا إذا صح )
في المركبة حال كونها جمعا تسلط النفي على الحقيقة بقيد التعدد الخارجي من ثلاثة فصاعدا فجاز بل رجلان لانتفاء هذا التعدد
( فلم لا يصح )
تسلطه عليها مفردة
( بقيد الوحدة
فيجوز بل رجلان أيضا لانتفاء هذا القيد
( كجوازه )
أي بل رجلان
( في الظاهر )
أي لا رجل بالرفع وإلا فتحكم فإن قيل المانع هنا اللغة قلنا ممنوع كما قال
( وحكم العرب به ممنوع )
بل هو كلام المولدين إذ لم ينقل عن العرب امتناع بل رجلان في لا رجل وجوازه في لا رجال
( والقاطع بنفيه )
أي الحكم به
( منها )
أي من العرب لأنه مؤنث
( ما عن ابن عباس ما من عام إلا وقد خص وقد خص )
هذا أيضا
( بنحو والله بكل شيء عليم )
فإن هذا لم يخص بشيء أصلا لتعلق علمه بعامة ما يطلق عليه شيء إلى غير ذلك
( ولا ضرر )
أي وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم
لا ضرر ولا ضرار
كما رواه كثير منهم مالك والحاكم وقال صحيح الإسناد على شرط مسلم
( وأوجب كثيرا من الضرر )
بحق من حد وقصاص وتعزير وغيرها لمرتكب أسبابها
( وتنتفي منافاته لإطلاق الأصول العام يجوز تخصيصه )
أي وبهذا البحث الذي أبداه المصنف رحمه الله تعالى تنتفي المنافاة بين كلامهم وبين إطلاق الأصوليين جواز تخصيص العام ما لم يمنعه العقل في خصوص المادة أو السمع القطعي نحو بكل شيء عليم
قال المصنف ووجه المنافاة أن التخصيص بيان أن بعض الأفراد لم يرد بالحكم المتعلق بالعام وبتقدير كون النفي للحقيقة والجنس مطلقا على كل تقدير لا يصح تخصيص هذا العام كما لا يصح بل رجلان لأنه شمله حكم النفي للنصوصية ودخل مرادا فامتنع أن يكون غير مراد وحاصل بحثنا أن لا رجل بالتركيب غاية أمره أن دلالته على الاستغراق أقوى من دلالة لا رجل بالرفع وفي كل منهما يجوز أن يعتبر في نفي الجنس قيد الوحدة فيقال بل رجلان وكون المركبة نصا لا يحتمل تخصيصا كالمفسر عند الحنفية ممنوع وقول صاحب الكشاف في لا ريب فيه قراءة النصب توجب الاستغراق وقراءة الرفع تجوزه غير حسن فإن ظاهره أن العموم في الرفع غير مدلول اللفظ بل تجوز إرادته وعدمها على السواء وليس كذلك بل النكرة في سياق النفي مطلقا تفيد العموم أطبق أئمة الأصول والفقه عليه وليس أخذهم ذلك إلا من اللغة وهم المتقدمون في أخذ المعاني من قوالب الألفاظ ثم إن وجدنا المتكلم لم يعقب الصيغة بإخراج شيء حكمنا بإرادة ظاهره من العموم ووجب العمل
243
243
بالعموم وإن ذكر مخرجا هو بل رجلان علمنا أنه قصد النفي بقيد الوحدة أو مخرجا آخر متصلا أو منفصلا علمنا أنه أراد بالعام بعضه نحو
لا ضرر ولا ضرار
وأوجب القتل والضرب في مواضع وهو ضرر فعلمنا أنه أريد به في غير تلك المواطن وهو معنى تخصيص العام وهو بيان أنه أريد بالعام بعضه وحينئذ فقراءة كل من النصب والرفع توجب الاستغراق غير أن إيجاب النصب أقوى على ما يقال
( فإن قيل فهل بل رجلان تخصيص )
للأرجل المركب
( مع أن حاصله )
أي لا رجل المركب على تقدير تجويز بل رجلان معه
( نفي المقيد بالوحدة فليس عمومه إلا في المقيد بها )
أي إلا في رجل بقيد الوحدة فلم يدخل رجلان لأنه بقيد التعدد فلا يتصور إخرجاه فلا يقع تخصيصا عند القائلين التخصيص بالمتصل
( قلنا لتخصيص بحسب الدلالة ظاهر إلا )
بحسب
( المراد )
وإلا لم يكن تخصيص أصلا لأن كل مخصص لم يدخل في الإرادة بالعام وإذا عرف هذا
( فلا شك على )
اصطلاح
( الشافعية )
على أن التخصيص قصر العام على بعض مسماه في أنه تخصيص لصدقه عليه
( وأما الحنفية فهو كالمتصل )
أي قبل رجلان كالتخصيص المتصل باصطلاح الشافعية بناء على أن المراد به ما لا يستقل بنفسه من الخمسة الآتية لأن هذا لما فيه من الإضراب كذلك وإلا لو ترك هذا القيد لكان هذا منه لا كهو
( والتخصيص بمستقل )
أي لكن التخصيص اللفظي عند الحنفية إنما يكون بكلام تام مستقل بنفسه فلا يكون هذا تخصيصا عندهم لعدم استقلاله نعم مقتضى كلام المصنف في بحث التخصيص أن هذا عند أكثرهم وأن بعضهم لم يشترطه وصرح في البديع بأن اشتراطه قول بعضهم وإن أكثرهم على انقسامه إلى مستقل وغير مستقل فإذن إنما لا يكون هذا تخصيصا على قول بعضهم ولعل كونه تخصيصا أوجه
( قالوا )
أي القائلون بأنها موضوعة للخصوص حقيقة
( الخصوص متيقن )
إرادته استقلالا على تقدير الوضع له أو مع غيره على تقدير الوضع للعموم والعموم محتمل لجواز أن يكون الوضع له وأن يكون للخصوص
( فيجب )
الخصوص
( وينفى المحتمل )
أي العموم لأن المتيقن أولى من المشكوك
( وأجيب بأنه إثبات اللغة بالترجيح )
وهو مردود لأنها إنما تثبت بالنقل كما تقدم
وبأن العموم أرجح )
من الخصوص
( للاحتياط )
لأن في الحمل على الخصوص مع احتمال كون العموم مرادا إضاعة غيره مما يدخل في العموم بخلاف الحمل على العموم لدخول الخصوص فيه والأحوط أولى قال المصنف
( وفي هذا )
الجواب
( إثباتها
أي اللغة
( بالترجيح )
أيضا لأن حاصله أن في اعتباره عاما إذا وقع في الخطاب الشرعي احتياطا وفي عدمه عدم الاحتياط فيجب أن يحكم بأنه موضوع في اللغة لمعنى العموم وهذا هو الحكم بوضع اللغة لترجيح إرادة معنى للفظ في الاستعمال على غيره وهو كترجيح إرادته لتحقق الاحتياط على إرادة غيره مما الاحتياط في الحكم فهو إثبات اللغة بالترجيح بالاحتياط
( مع أن الاحتياط لا يستمر )
في الحمل على العموم في كل صورة بل في الإيجاب والتحريم لأن في الحمل على
244
244
الخصوص فيهما مخالفة لأمر والنهي في بعض ما أمر به ونهى عنه كأكرم العلماء ولا تكرم الجهال إذ لو حملهما على الخصوص فترك إكرام بعض العلماء وأكرم بعض الجهال أثم أما في الإباحة فلا يكون الحمل على العموم أحوط بل ربما كان الخصوص أحوط كما في اشرب الشراب وكل الطعام فإنه إذا عمل بالعموم فيهما أثم بتناول محرم منهما فلا يتم كلا الجوابين
( بل الجواب لا احتمال )
للوضع للخصوص حقيقة ( بعد ما ذكرنا )
بديا من الأدلة المفيدة للوضع للعموم حقيقة
( وأما استدلالهم )
أي القائلين بالوضع للخصوص أيضا بما ينسب إلى ابن عباس
( ما من عام إلا وقد خص )
حتى هذا أيضا كما تقدم
( ففرع دعوانا )
أن الوضع للعموم حقيقة ويحمل على الخصوص مجازا إذ هو مفيد أن العموم أصل والخصوص عارض وهذا هو الذي نقوله
( الاشتراك ثبت الإطلاق لهما )
أي للعموم والخصوص
( والأصل الحقيقة والجواب لو لم يثبت ما ذكرنا (
من الأدلة المفيدة للوضع للعموم حقيقة وللخصوص مجازا
( المفصل الإجماع على عموم التكليف وهو )
أي عمومه
( بالطلب 9
من الأمر والنهي فلو لم يكن الطلب عاما لم يكن التكليف عاما
( قلنا وكذا الإخبار فيما ليس فيه صيغة خصوص مثل نحن نقص عليك )
فإن هذا إخبار بما فيه صيغة خصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو كاف الخطاب المفرد المجرور وذلك نحو ! < الله خالق كل شيء > ! ! < وهو بكل شيء عليم > ! إلى غير ذلك من الوعد والوعيد فتكون عامة أيضا
( لتعلقه )
أي التكليف بها
( بحال الكل )
فإنما مكلفون عموما بمعرفتها أيضا للانقياد إلى الطاعات والانزجار عن المخالفات فلا معنى للفرق بينهما وقد تساويا في التكليف
( ولا معنى للتوقف )
أيضا في الإخبار دون الطلب ولا فيها مطلقا
( بعد استدلالنا )
للمختار بما تقدم إذ لا موجب له بل يتعين القول بما ذهبنا إليه واستدللنا عليه
( البحث الثالث ليس الجمع المنكر عاما خلافا لطائفة من الحنفية )
ومن وافقهم وسيعين منهم فخر الإسلام غير أن صاحب الكشف ذكر أن عامة الأصوليين على أن جمع القلة النكرة ليس بعام لظهوره في العشرة فما دونها وإنما اختلفوا في جمع الكثرة النكرة وكأن فخر الإسلام بقوله أما العام بصيغته ومعناه فهو صيغة كل جمع رد قول العامة واختار أن الكل عام سواء كان جمع قلة أو كثرة إلا أنه ثبت في اللغة جمع القلة يكون للعموم يكون العموم في موضوعة وهو الثلاثة فصاعدا إلى العشرة وفي غيره يكون العموم من الثلاثة إلى أن يشمل الكل إذ ليس من شرط العموم عنده الاستغراق
( لنا القطع بأن رجالا لا يتبادر منه عند طلاقه استغراقهم )
أي جماعات الرجال
( كرجل )
من حيث أنه لا يتبادر منه أيضا عند إطلاقه استغراقه لسائر الوحدان
( فليس )
الجمع المنكر
( عاما )
كما أن رجلا كذلك
( فما قيل )
في إثبات عمومه كما في البديع ما معناه
( المرتبة المستغرقة )
لكل جمع
( من مراتبه )
أي الجمع المنكر
( فيحمل )
الجمع المنكر
( عليها )
أي على المستغرقة
( للاحتياط )
لأنه حمل على
245
245
جميع حقائقه حينئذ
( بعد أنه معارض بأن غيرها )
أي غير المستغرقة وهي الأقل
( أولى للتيقن )
به والشك في غيره والأخذ بالمتيقن وطرح المشكوك أولى ويتأيد هذا في التكاليف بأن الأصل براءة الذمة
( وبكون الاحتياط لا يستمر )
في المستغرقة
( بل يكون )
الاحتياط
( في عدمه )
أي الاستغراق كما في الإباحة
( ليس في محل النزاع لأنه )
أي النزاع إنما هو
( في أنه )
أي العموم الاستغراقي
( مفهومه )
أي الجمع المنكر
( وأين الحمل على بعض ما صدقاته )
الذي هو المرتبة المستغرقة
( للاحتياط منه )
أي من محل النزاع وهو أن العموم الاستغراقي مفهومه وضعا
( وأما إلزام نحو رجل )
لمثبت عمومه بأن يقال هو موضوع للجمع المطلق المشترك بين الجموع أي جمع كان على سبيل البدل كرجل للواحد أي واحد كان فلم يكن ظاهر العموم كما أن رجلا ليس بظاهر في زيد وعمرو
( فمدفوع بأنه )
أي نحو رجل
( ليس من أفراده )
المرتبة
( المستغرقة )
لسائر الأفراد ليحمل عليها
( بخلاف رجال فإنه للجمع المشترك بين المستغرق وغيره )
أي غير المستغرق فيحمل على المستغرق
( قيل مبني الخلاف )
في أنه عام أو لا والقائل المحقق التفتازاني
( الخلاف في اشتراط الاستغراق في العموم فمن لا )
يقول باشتراطه
( كفخر الإسلام وغيره جعله )
أي الجمع المنكر
( عاما )
ومن يقول باشتراطه لم يجعله عاما
( وإذن )
أي وحين يكون مبنى ذاك الخلاف هذا الخلاف
( لا وجه لمحاولة استغراقه )
أي الجمع المنكر
( بالحمل على مرتبة الاستغراق )
كما فعل صاحب البديع
( بل لفظي )
إضراب عن هذا الحمل أي ليس ذاك الخلاف خلافا متحققا مبنيا على خلاف آخر أصلا بل ليس هنا خلاف أصلا
( فمراد المثبت )
للجمع المنكر عموما كفخر الإسلام
( مفهوم عموم )
أي لفظ عموم
( وهو )
أي مفهوم لفظ عموم
( شمول )
أمر لأمر
( متعدد أعم من الاستغراق )
ونافي عمومه لا ينازعه في هذا
( ومراد النافي عموم الصيغ التي أثبتنا كونها )
أي الصيغ
( حقيقة فيه )
أي في العموم
( وهو الاستغراقي حتى قبل الأحكام من التخصيص والاستثناء (
المتصل
( ولا نزاع في )
نفي
( هذا )
عن الجمع المنكر
( لأحد )
من مثبت عمومه
( ولا في عدمه )
أي عدم قبول الأحكام المذكورة
( في رجال لا يقال اقتل رجالا إلا زيدا )
على لأنه استثناء متصل منهم
( لنه )
أي الاستثناء المتصل
( إخراج ما لولاه )
أي الاستثناء
( لدخل )
في المستثنى منه وليس هذا كذلك لأنه على تقدير عدم استثنائه لا يلزم أن يكون داخلا في رجال
( ولو قيل )
اقتل رجالا
( ولا تقتل زيدا كان )
ولا تقتل زيدا
( ابتداء لا تخصيصا )
لرجال لانتفاء عمومه الاستغراقي بحيث يلزم شمولهم له قال المصنف رحمه الله تعالى فالحاصل ثبوت الاتفاق على أن عموم الصيغ استغراقي وعلى أن عموم المنكر بمعنى شمول أمر المتعدد فأين الخلاف
( وإذ بينا أنه )
أي الجمع المنكر
( للمشترك )
بين مراتب الجمع
( وهو )
أي المشترك بينها
( الجمع مطلقا ففي أقل )
أي الجمع مطلقا
( خلاف قيل )
أقله حقيقة
( ثلاثة مجاز لما دونها )
من اثنين وواحد
( وهو )
أي هذا القول هو
( المختار وقيل حقيقة في اثنين أيضا وقيل )
حقيقة في ثلاثة
( مجاز فيهما )
أي
246
246
في الاثنين
( وقيل )
حقيقة في ثلاثة ولا يصح أن يطلق على اثنين
( لا )
حقيقة
( ولا )
مجازا
واعلم أن حكاية هذه الأقوال على هذا الوجه ذكرها ابن الحاجب وفيها تأمل فإن كون أقل الجمع ثلاثة معزو إلى أكثر الصحابة والفقهاء منهم أبو حنيفة ومالك في رواية والشافعي وأئمة اللغة وكون أقله اثنين معزو إلى عمر وزيد بن ثابت ومالك في رواية وداود والقاضي والأستاذ والغزالي والخليل وسيبويه والظاهر أن الأولين لا يمنعون إطلاقه على اثنين مجازا وأنهم والآخرين لا يمنعون إطلاقه على الواحد مجازا أيضا من إطلاق الكل وإرادة الجزء بشرطه ويلزم الآخرين كونه حقيقة في ثلاثة فصاعدا أيضا فلا ينبغي أن يعد إطلاقه على الواحد مجازا قولا آخر مقاسما لهما وأما إنه لا يطلق على الاثنين حقيقة ولا مجازا ويلزمه بطريق أولى أنه لا يطلق على الواحد كذلك فبعيد جدا قال السبكي ولا نعرفه عن أحد ثم أفاض المصنف في بيان وجه المختار على وجه يتضمن وجه كل من باقي الأقوال فقال
( لقول ابن عباس ليس الأخوان أخوة )
فقد أخرج ابن خزيمة والبيهقي والحاكم وقال صحيح الإسناد عن ابن عباس أنه دخل على عثمان فقال إن الأخوين لا يردان الأم عن الثلث فإن الله سبحانه يقول ! < فإن كان له إخوة فلأمه السدس > ! والأخوان ليسا بأخوة بلسان قومك فقال عثمان لا أستطيع أرد أمرا توارث عليه الناس وكان قبلي ومضى في الأمصار فهذا يصلح في الجملة متمسكا لنفي صحة الإطلاق عليهما مطلقا بأن يقال لو كان الإطلاق جائزا ما صح سلب ابن عباس فإذا قيل
( أي حقيقة لقول زيد الأخوان أخوة )
فقد أخرج الحاكم وقال صحيح الإسناد عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه أنه كان يحجب الأم عن الثلث بالأخوين فقال له يا أبا سعيد فإن الله عز وجل يقول ! < فإن كان له إخوة فلأمه السدس > ! وأنت تحجبها بالأخوين فقال إن العرب تسمي الأخوين أخوة
( أي مجازا جمعا )
بين كلام ابن عباس وزيد كان دليلا لمطلقيه عليهما مجازا ثم كما قال المصنف
( وتسليم عثمان لابن عباس تمسكه ثم عدوله )
أي عثمان
( إلى الإجماع دليل على الأمرين )
أي نفي كونه حقيقة وكونه مجازا فيهما لا أنه حقيقة في ثلاثة أما الأول فظاهر وأما الثاني فلأنه لما عدل إلى الاحتجاج بما يفيد الإجماع حملوا أخوة في القرآن على أخوين فكان مجازا فيه بالضرورة لثبوت نفي الحقيقة مع وجود الاستعمال بقي كونه مجازا في الواحد أشار إليه بقوله
( ولا شك في صحة الإنكار على متبرجة )
أي مظهرة زينتها
( لرجل )
أجنبي
( أتتبرجين للرجال )
فإن الأنفة والحمية من ذلك يستوي فيها الجمع والواحد لكنه كما قال ( ولا يخفى أنه )
أي لفظ الرجال هنا
من العام في الخصوص لا المختلف من نحو رجال المنكر على أنه )
أي هذا
( لا يستلزمه
أي كون الجمع
( مجازا فيه )
أي في الواحد
( لجواز أن المعنى أهو )
أي التبرج
( عادتك لهم )
أي للرجال
( حتى تبرجت لهذا وهو )
أي هذا المعنى
( مما يراد في مثله نحو )
قول القائل لمن هو مظنة الظلم
( أتظلم المسلمين )
عند مشاهدة ظلمه واحدا منهم
( والحق
247
247
جوازه )
أي إطلاق الجمع مرادا به الواحد
( حيث يثبت المصحح )
لجوازه
( كرأيت رجالا في رجل يقوم مقام الكثير )
منهم قيل ومنه قوله تعالى ! < وإني مرسلة إليهم بهدية > ! فإن المراد واحد وهو سليمان عليه السلام وقوله ! < بم يرجع المرسلون > ! فإن الرسول واحد بدليل ارجع إليهم
( وحيث لا )
يثبت المصحح
( فلا )
يجوز
( وتبادر ما فوق الاثنين )
عند الإطلاق
( يفيد الحقيقة فيه )
أي فيما فوقهما لأن التبادر دليل الحقيقة
( واستدلال النافين )
لصحة إطلاقه على الاثنين مطلقا
( بعدم جواز الرجال العاقلان والرجلان العاقلون مجازا )
ولو صح لجاز نعت أحدهما بما ينعت به الآخر
( دفع بمراعاتهم )
أي العرب
( مراعاة الصورة )
أي صورة اللفظ بأن يكون كلاهما مثنى أو جمعا فلا ينعت المثنى بصورة الجمع وإن كان بمعناه ولا العكس محافظة على التشاكل بين الصفة والموصوف لأنهما كشيء واحد
( ونقض )
هذا الدفع
( بجواز )
جاء
( زيد وعمرو الفاضلان وفي ثلاثة )
أي وبجواز جاء زيد وعمرو وبكر
( الفاضلون )
إذ الموصوف في الكل مفردات وما ثم مثنى ولا مجموع
( ودفعه )
أي هذا البعض كما ذكره المحقق التفتازاني
( بأن الجمع بحرف الجمع )
أي بواو العطف في الأسماء المختلفة
( كالجمع بلفظ الجمع )
في الأسماء المتفقة صورة وفي الاسمين المختلفين كتثنية الاسمين المتفقين صورة فيكون تعاطف المفردات بمنزلة الجمع وفي صورته وتعاطف المفردين بمنزلة التثنية وفي صورتها
( ليس بشيء )
دافع له
( إذ لا يخرجه )
أي كلا من المثالين المنقوض بهما ( إلى مطابقة الصورة )
اللفظية تثنية وجمعا فكان ينبغي أن لا يجوز إن كانت شرطا
( والوجه اعتبار المطابقة الأعم من الحقيقية والحكمية بما قدمنا )
من كلام ابن عباس فإنه يفيد نفي المطابقة بين المثنى والجمع معنى كما هي منفية بينهما لفظا وحينئذ جاز المثالان الأخيران لوجود المطابقة الحكمية بين الموصوف والصفة فيهما وإن كانت المطابقة الحقيقية منتفية بينهما فيهما ولم يجز المثالان الأولان لانتفاء المطابقة بين الصفة والموصوف فيهما حقيقة وهو ظاهر وحكما لأن الرجال ليس في حكم رجل ورجل لا غير ولا عاقلين في حكم عاقل وعاقل لا غير
( ولا خلاف في نحو )
قوله تعالى ! < فقد صغت قلوبكما > ! أي في التعبير بصيغة الجمع عما ينفرد من الشيئين إذا أضيف إليهما أو إلى ضميرهما في اللغة الفصيحة كالقلب والرأس واللسان
( ونا )
أي ولا في الضمير الذي يعبر به المتكلم عن نفسه وغيره متصلا أو منفصلا
( وجمع )
أي ولا في لفظ ج م ع
( أنه )
أي هذا كله
( ليس منه )
أي من محل الخلاف بل جواز إطلاقه على الاثنين وفاق فالأول قالوا حذرا من استثقال جمع التثنيتين والثاني للاتفاق على كونه موضوعا لتعبير المرء عن نفسه وغيره واحدا كان أو جمعا والثالث لأنه ضم شيء إلى شيء وهو يتحقق في الاثنين كما فيما فوقهما
( ولا )
خلاف أيضا في أن
( الواو في ضربوا منه )
أي من محل الخلاف والأولى ولا في أن ضمائر الغيبة والخطاب للجماعة منه كما في البديع فيشمل نحو قاموا وقمن وقمتم وقمتن هذا وفي التلويح
248
248
واعلم أنهم لم يفرقوا في هذا المقام بين جمع القلة وجمع الكثرة فدل بظاهره على أن التفرقة بينهما إنما هي في جانب الزيادة بمعنى أن جمع القلة مختص بالعشرة فما دونها وجمع الكثرة غير مختص لا أنه مختص بما فوق العشرة وهذا أوفق بالاستعمال وإن صرح بخلافه كثير من الثقات اه وهو ظاهر كلام المصنف أيضا كما رأيت ولا بأس بذلك ويجمع جموع القلة قول الشاعر
( بأفعل ثم أفعال وأفعلة
وفعلة يعرف الأدنى من العدد )
( وسالم الجمع أيضا داخل معها
فهذه الخمس فاحفظها ولا تزد )
( تنبيه لم تزد الشافعية في صيغ العموم على إثباتها وفصلها الحنفية إلى عام بصيفته ومعناه )
بأن يكون اللفظ مجموعا والمعنى مستوعبا
( وهو الجمع المحلى للاستغراق )
يعني عند شارطيه في العموم وإلا فهو عند من لم يشرطه فيه منهم الجمع المنكر كما صرحوا به حتى قال صاحب الكشف اللام في قول فخر الإسلام مثل الرجال والنساء والمسلمين والمسلمات لتحيس الكلام ومراده الجموع المنكرة
( و )
إلى عام
( بمعناه )
فقط بأن يكون اللفظ مفردا مستوعبا لكل ما يتناوله
( وهو المفرد المحلى كالرجل والنكرة في النفي والنساء والقوم والرهط ومن وما وأي مضافة وكل وجميع )
وقد قسم هذا ثلاثة أقسام
الأول
ما يتناول مجموع الأفراد فيتعلق الحكم بمجموعها لا بكل فرد على الانفراد وحيث يثبت للواحد فلأنه داخل في المجموع كالرهط اسم لما دون العشرة من الرجال والقوم لجماعة الرجال فاللفظ فيهما مفرد بدليل أنه يثنى ويجمع ويوحد الضمير العائد إليه وهو متناول لجميع آحاده لا لكل واحد من حيث إنه واحد حتى لو قال الرهط أو القوم الذي يدخل الحصن فله كذا فدخله جماعة كان النفل لمجموعهم ولو دخله واحد لم يستحق شيئا
تنبيه
والمصنف في ذكره النساء من هذا القبيل موافق لصدر الشريعة وعده فخر الإسلام في آخرين من الأول وكأن هذا الاختلاف بناء على أنه اسم جمع أو جمع فمن قال اسم جمع عده من الثاني ومن قال جمع عده من الأول والكثير على أنه جمع وفي ذكره القوم من هذا القبيل موافق لجميعهم ثم في التلويح والتحقيق أن القوم في الأصل مصدر قام فوصف به ثم غلب على الرجال لقيامهم بأمور النساء ذكره في الفائق وينبغي أن يكون هذا تأويل ما يقال إن قوما جمع قائم كصوم جمع صائم وإلا ففعل ليس من أبنية الجمع قلت لكن لا خفاء في أنه ينبو عنه ما في الكشاف وغيره وهو في الأصل جمع قائم كصوم وزور في جمع صائم وزائر أو تسمية بالمصدر عن بعض العرب إذا أكلت طعاما أحببت نوما وأبغضت قوما أي قياما والله أعلم
249
249
الثاني
ما يتناول كل واحد على سبيل الشمول فيتعلق الحكم بكل واحد مجتمعا مع غيره أو منفردا عنه مثل من دخل هذا الحصن فله درهم فلو دخله واحد استحق درهما ولو دخل جماعة معا أو متعاقبين استحق كل واحد درهما
الثالث
ما يتناول كل واحد على سبيل البدل فيتعلق الحكم بكل شرط الانفراد وعدم التعلق بواحد آخر مثل من دخل هذا الحصن أولا فله درهم فمن دخله أولا من منفردا استحق الدرهم ولو دخلوه معا لم يستحقوا شيئا ومتعاقبين استحق الواحد السابق لا غير
( فانقسم العموم ) (
بواسطة هذا التفصيل في صيغه
( إلى صيغي ومعنوي )
ولا يتصور أن يكون العام عاما بصيغته فقط إذ لا بد من استيعاب المعنى وإذا تقرر هذا فلا علينا أن نشبع الكلام مفصلا فيما يحتاج إليه منه فنقول
( أما الجمع المحلى فاستغراقه كالمفرد لكل فرد لما تقدم )
في ذيل الكلام في تعريف العام وعليه أكثر أئمة الأصول والعربية وصرح به أئمة التفسير في كل ما وقع في التنزيل من هذا القبيل
( وما قيل )
كما في المفتاح وتلخيصه وغيرهما
( استغراق المفرد أشمل )
من استغراق الجمع لأنه يتناول كل واحد واحد واستغراق الجمع يتناول كل جماعة جماعة ولا ينافي خروج الواحد والاثنين
( ففي النفي )
لأنه ليس له ما يسلبه معنى الجمعية إلى الجنسية المجردة فإنما يتسلط النفي على الجمع ولا يستلزم انتفاء الواحد بخلاف المفرد في النفي
( أو المراد أنه بلا واسطة الجمع )
يعني إذا لم يقيد بالنفي فأشمليته بسبب إن تعلق الحكم بالواحد في المفرد ابتداء وفي الجمع بواسطة تعلقه بالجمع فتعلق بآحاده بحكم اللغة على ما قدمناه
( وإلا )
أي وإن لم يكن المراد بكون استغراقه أشمل أحد هذين
( فممنوع )
كونه كذلك ثم تعقبهما بقوله
( وما تقدم )
في ذيل الكلام على تعريف العام
( ينفي كونه )
أي تعلق الحكم بالمفرد في الجمع
( بواسطة الجمع وأشمليته )
أي وما تقدم من أن لا رجال كلا رجل من حيث جواز التخصيص فيصح أن يقال لا رجل بل رجلان كما يصح لا رجال بل رجلان ينفي كون استغراق المفرد
( في النفي )
أشمل من استغراق الجمع أيضا لأن هذا إنما كان مخيلا بناء على صحة التخصيص في لا رجال لا في لا رجل وقد ظهر أنهما فيه متساويا الأقدام
( ولإجماع الصحابة على الأئمة من قريش واللغة على صحة الاستثناء كما تقدم )
من استثناء المفرد من الجمع وبه عرف أن صحة الاستثناء المجعولة دليلا على استغراق الجمع المحلي كالمفرد يراد بها استثناء المفرد
( وعنه )
أي كون استغراق الجمع المحلي لكل فرد كالمفرد
( قالوا )
أي أهل السنة والجماعة قوله تعالى ! < لا تدركه الأبصار > ! ( سلب العموم )
أي نفي الشمول ورفع الإيجاب الكلي وهو تدركه الأبصار لأنه نقيض لا تدركه الأبصار
( لا عموم السلب )
أي شمول النفي لكل بصر ليكون سلبا كليا وهو لا يدركه بصر من الأبصار ثم فسر شمول النفي إيضاحا فقال
( أي لا يدركه كل بصر )
كما هو معنى الاستغراق
( وهو )
أي سلب لعموم سلب
( جزئي )
لأن نقيض الموجبة الكلية السالبة الجزئية
( فجاز لبعضها )
أي الأبصار
250
250
إدراكه لكن نظر فيه بأن الآية وما قبلها في معرض المدح بدلالة قوله ! < وهو اللطيف الخبير > ! فيكون نفي إدراك البصر مدحا فيكون إدراكه نقصا وعدم إدراك البعض لا يزيل النقص فيكون عموم السلب وصدق السالبة الجزئية لا ينافي صدق السالبة الكلية وإن كانت أخص من السالبة الجزئية إذ قد يصدق الأخص مع الأعم
( نعم إذا اعتبر الجمع للجنس )
في النفي والجنس في النفي يعم
( كان )
المعنى
( عموم السلب )
كقوله تعالى ! < فإن الله لا يحب الكافرين > ! فإن التعريف فيه للجنس فيفيد سلب الحكم عن كل فرد فهو تعالى لا يحب كل كافر
( ولو اعتبر مثله )
أي كون الجمع للجنس
( في الآية )
على وجه لا يضر في إثبات الرؤية
( ادعى أن الإدراك أخص من الرؤية
المطلقة بأن يقال الإدراك الرؤية المكيفة بكيفية الإحاطة فلا يلزم من نفيها عنه تعالى لامتناع الإحاطة به نفي الرؤية المطلقة عنه إذ لا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم ونظر فيه بأن الرؤية إدراك عين المرئي بحاسة البصر فلو كان الإدراك إحاطة كان الرؤية كذلك فلا يفيد وبالجملة في الآية نزاع بين أهل السنة والاعتزال ثم إن لم يكن فيها دليل على صحة الرؤية فليس فيها دليل على امتناعها كما يعرف في موضعه ثم أخذ في بين ما يحمل عليه اللام المعرفة من المعاني المنسوبة إليها من عهد وجنس واستغراق في الجمع المحلي فقال
( والتعيين )
أي وتعيين كونها في الجمع المحلي للاستغراق أو للجنس
( بمعين وإن لم يكن )
معين لأحدهما
( ولا عهد خارجي وأمكن أحدهما )
أي الاستغراق أو الجنس دون الآخر
( تعين ) الممكن منهما غير أن في شرح خالعني على ما في يدي من الدراهم ولا شيء بيدها من فتح القدير أنه لا يكون للجنس إلا عند إمكان الاستغراق لا عند عدمه ولذا تكون للجنس في لا اشتري العبيد لإمكان الاستغراق في النفي دون لأشترين العبيد لعدم الإمكان فيحنث بشراء عبد واحد بالأول ولا يبر بشراء عبد في الثاني بل بشراء ثلاثة اه فعلى هذا لا يتأتى أن تكون للجنس ولا تكون للاستغراق فيحمل على أن المراد وأمكن الاستغراق خاصة لأن الظاهر جواز انفراده لكن هذا إن تم وفي تمامه نظر ظاهر فقد صرح المصنف فيما تقدم من الجواب عما قيل من تأويلات بعيدة للحنفية بتعذر الاستغراق في إنما الصدقات وسيصرح بأن التعريف فيها للجنس وعلى هذا فيبر بشراء عبد واحد في مسألة لأشترين العبيد ثم يكون شرح ما في الكتاب على ما ذكرنا أولا
( وإن أمكن كل منهما )
أي من الجنس والاستغراق
( قيل )
وقائله جماعة منهم فخر الإسلام والقاضي أبو زيد تعين
( الجنس للتيقن وقيل )
وقائله عامة مشايخنا وغيرهم تعين ( الاستغراق للأكثرية )
أي لأنه أكثر استعمالا
( خصوصا في استعمال الشارع )
وأعم فائدة وأحوط في أكثر الأحكام وهو الإيجاب والتحريم والندب والكراهة وإن كان البعض أحوط في الإباحة
( وقرر )
والمقرر المحقق التفتازاني
( ان الجمع المحلي للمعهود والاستغراق حقيقة وللجنس مجاز وأنه )
أي الجنس
( خلف )
عنهما
( لا يصار إليه إلا لتعذرهما )
كما هو شأن المجاز مع الحقيقة والخلف
251
251
مع الأصل
( ولذا )
أي ولأنه لا يصار إليه إلا لتعذرهما
( لو حلف لا يكلمه الأيام أو الشهور يقع على العشرة )
من الأيام والشهور
( عنده )
أي أبي حنيفة
( وعلى الأسبوع )
في الأيام
( والسنة )
في الشهور
( عندهما )
أي أبي يوسف ومحمد
( لإمكان العهد )
في الأيام والشهور
( غير أنهم اختلفوا في المعهود )
فقال أبو حنيفة عشرة أيام وعشرة شهور وقالا الأسبوع في الأيام والسنة في الشهور والتوجيه في الكتب الفقهية إلا انه حيث حط كلام شيخنا المصنف رحمه الله تعالى في فتح القدير على ترجيح قولهما فلا بأس بذكره لإفادته مع الإشارة إلى التوجيه من الطرفين في ضمنه قال نعم لقائل أن يرجح قولهما في الأيام والشهور بأن عهدهما أعهد وذلك لأن عهدية العشرة إنما هو للجمع مطلقا من غير نظر إلى مادة خاصة يعني الجمع مطلقا عهد للعشرة فإذا عرض في خصوص مادة من الجمع كالأيام عهدية عدد غيره كان اعتبار هذا المعهود أولى وقد عهد في الأيام السبعة وفي الشهور الإثنا عشر فيكون صرف خصوص هذين الجمعين إليهما أولى بخلاف غيرهما من الجموع كالسنين والأزمنة فإنه لم يعهد في مادتيهما عدد آخر فينصرف إلى ما استقر للجمع مطلقا من إرادة العشرة فما دونها فإن قيل هذه مغالطة فإن السبعة المعهودة نفس الأزمنة الخاصة المسماة بيوم السبت ويوم الأحد إلى آخره والكلام في لفظ أيام إذا أطلق على عهد منه تلك الأزمنة الخاصة للسبعة لاشك في عدم ثبوته في الاستعمال إذ لم يثبت كثرة إطلاق أيام وشهور ويراد يوم السبب والأحد إلى الجمعة والمحرم وصفر إلى أخرها على الخصوص بل الأزمنة الخاصة المسميات متكررة وغير متكررة وغير بالغة السبعة بحسب المرادات للمتكلمين
فالجواب منع توقف انصراف اللام إلى العهد على تقدم العهد عن لفظ النكرة بل أعم من ذلك بل لا فرق بين تقدم العهد بالمعنى عن اللفظ أو لا عنه فإنه إذا صار المعنى معهودا بأي طريق فرض ثم أطلق اللفظ الصالح له معرفا باللام انصرف إليه وقد قسم المحققون العهد إلى ذكري وعلمي ومثل للثاني بقوله تعالى ! < إذ هما في الغار > ! فإن ذات الغار هي المعهود لا من لفظ سبق ذكره بل من وجود فيه وعلى هذا فيجب جعل ما سماه طائفة من المتأخرين بالعهد الخارجي أعم مما تقدم ذكره أو عهد بغيره كما ذكرنا ونظير هذا قولنا العام يخص بدلالة العادة فإن العادة ليست إلا عملا عهد مستمرا ثم يطلق اللفظ الذي يعمها وغيرها فيقيد بها لعهديتها عملا لا لفظا ولا قوة إلا بالله
( وخالعني على ما في يدي من الدراهم )
فخالعها على ذلك
( ولا شيء )
بيدها
( لزمها ثلاثة )
من الدراهم لإمكان العهد في الدراهم فإن على ما في يدي أفاد كون المسمى مظروف يدها وهو عام يصدق على الدراهم وغيرها فصار بالدراهم عهد في الجملة من حيث هو من ما صدقات لفظ ما وهو مبهم ولفظة من وقعت بيانا ومدخولها وهو الدراهم هو المبين لخصوص المظروف فصار كلفظ الذكر في قوله تعالى ! < وليس الذكر كالأنثى > ! للعهد لتقدم ذكره في قوله ! < ما في بطني محررا > ! وإن كان يخالفه في
252
252
كون مدخول اللام هنا وقع بيانا للمعهود بخلافه في وليس الذكر لأن المراد بلفظ ما فيه متعين لأن المنذور للبيعة إنما هو الذكر ثم هو جمع وأقله ثلاثة فيلزم أفاده المصنف رحمه الله تعالى
( ولا شك أن تعريف الجنس الذي استدل على ثبوته )
والمستدل المحقق التفتازاني
( بإطباق العرب على يلبس البرود ويركب الخيل ويخدمه العبيد )
للقطع بأن ليس القصد إلى خصوص منها ولا استغراق لها
( هو المراد بالمعهود الذهني إذ هو )
أي المعهود الذهني
( الإشارة إلى الحقيقة باعتبارها )
أي الحقيقة
( بعض الأفراد )
حال كون بعض الأفراد
( غير معينة للعهدية الذهنية لجنسها )
أي لعهد جنس حقيقة الأفراد في الذهن
( ويصدق )
الجنس
( على الرجال مرادا به عدد )
أي بعض الأفراد فإذا المراد بكونها للجنس والعهد الذهني واحد
( والتعبير بالحصة )
من الحقيقة عن العهد الذهني كما وقع في عبارتهم
( غير جيد )
لما فيه من إيهام تجزيها وهي غير متجزية وإنما لها مظاهر متعددة توجد في كل منها على وجه الكمال فاندفع إثبات التغاير بين تعريفي الحقيقة والعهد الذهني بأن الإشارة إلى الحقيقة من حيث الحضور تعريف الحقيقة وإلى الحصة منها تعريف العهد والمراد بالحصة الفرد منها واحدا كان أو أكثر لا مجرد ما يكون أخص منها ولو باعتبار وصف اعتباري حتى يقال الحقيقة مع قيد الحضور حصة من الحقيقة فيكون معهودا فلا يحصل الامتياز وإنما قلنا يندفع التغاير بينهما لأن الحاصل أن معنى تعريف العهد القصد والإشارة إلى الحاضر في الذهن من حيث إنه حاضر حضورا حقيقيا بأن يكون مذكورا باسمه أو بغيره كانطلق رجل فالرجل أو المنطلق كذا أو في حكم المذكور بلا تجوز واعتبار خطابي كأغلق الباب لمن دخل البيت وادخل السوق لمن دخل البلد لسوق معين عهدته أو تقديريا بأن ينزل منزلة الحاضر المعهود بوجه من الوجوه الخطابيات ككون ذلك الشيء محتاجا إليه كجوهري الثمن والمأكولات المعتادة الغالبة أو محبوبا أو بديعا أو فظيعا فيهتم بشأنه فيجعل كالحاضر وإلى هذا القسم يرجع تعريف الحقيقة وأما أن ذلك الحاضر هو الحقيقة أو حصة منها فأمر خارج عن حقيقة تعريف العهد بل هو اختلاف راجع إلى معروض التعريف وهو الحاضر لا إلى معنى التعريف وهو الإشارة إلى الحضور فلو اعتبر خصوصية الحاضر وسمي الإشارة إلى حضور الحقيقة تعريف الحقيقة وإلى حضور الحصة تعريف العهد كان ذلك امتيازا بمجرد اصطلاح والكلام في تحقيق ماهية تعريف الحقيقة وامتيازها في نفسها عن تعريف العهد فليتأمل
( وعنه )
أي كونها للجنس
( لتعينه وجب من إنما الصدقات للفقراء جواز الصرف لواحد وتنصف الموصى به لزيد وللفقراء )
فنصف له ونصف لهم
( وأجمع على الحنث بفرد في الحلف لا يتزوج النساء ولا يشتري العبيد )
لأن اسم الجنس حقيقة في الواحد بمنزلة الثلاثة في الجمع حتى أنه حين لم يكن من جنس الرجال غير أدم عليه السلام كانت حقيقة الجنس متحققة فلم يتغير بكثرة أفراده والواحد هو المتيقن فيعمل به عند الإطلاق وعدم الاستغراق
( إلا بنية العموم فلا يحنث أبدا قضاء )
وديانة لأنه نوى حقيقة كلامه لأن عدم تزوج جميع النساء وعدم شراء
253
253
جميع العبيد متصور
( وقيل )
لا يحنث
( ديانة )
ويحنث قضاء
( لأنه )
أي العموم وإذن كان حقيقة فهو
( كالمجاز لا ينال إلا بالنية )
فصار كأنه نوى المجاز ومن ثمة لو نوى التخصيص لا يدين في القضاء بل فيما بينه وبين الله تعالى لأنه خلاف الظاهر فيما له لا فيما عليه ثم الظاهر أن المراد بالإجماع المذكور إجماع مشايخنا فقد ذكر الرافعي في هذين الفرعين أنه يحنث بتزوج ثلاث نسوة وشراء ثلاثة أعبد
( ومنه )
أي كونها للجنس الذي هو العهد الذهني كما عليه المحققون
( لا من الماهية )
قال صدر الشريعة
( شربت الماء وأكلت الخبز والعسل )
وهو المقدار المعلوم المقدر في الذهن شربه وأكله من هذه الأعيان
( كادخل السوق )
لجزئي محضر في الذهن باعتبار حضوره فيه مما يطلق عليه السوق كما يطلق الكلي الطبيعي على كل من جزئياته لا باعتبار عهد به في الخارج ونقل في التلويح عن المحققين أنه في هذا للعهد الخارجي لكونه إشارة إلى معين ولا منافاة في المعنى ثم لما كان هذا البحث المتقدم في أحكام اللام ممتزجا مما في التوضيح والتلويح
وعند المصنف اعتقاد ضعف بعضه وأنه يحتاج إلى تنقيح وتحقيق استأنف الكلام في ذلك لإفادة هذا الغرض وبيان ما عنده فيه فقال
( وهذا استئناف اللام للتعريف الإشارة إلى المراد باللفظ )
حال كون المراد
( مسمى )
حقيقيا له
( أو لا )
بأن يكون معنى مجازيا له ثم أعقبه بمثاله فقال
( فالمعرف في )
مثل رأيت رجلا يجر ثيابه ( فأكرمت الأسد الرجل )
لأن المراد بالأسد
( وإنما تدخل )
اللام التعريفية الاسم
( النكرة )
لأن تعريف المعرفة محال ضرورة استحالة تحصيل الحاصل
( ومسماها )
أي النكرة حال كونها
بلا شرط )
كوقوعها في سياق النفي ونحوه
( فرد )
مما تطلق عليه
( بلا زيادة )
لاشتراط كونه غير معين في نفس الأمر
( فعدم التعيين )
لمسماها
( ليس جزءا لمعناها ولا شرطا )
لاستعمالها في مثل المثال المذكور
( فاستعملت )
النكرة
( في المعين عند المتكلم لا السامع حقيقة )
أي استعمالا حقيقيا
( لصدق المفرد )
عليه كما على الشائع
( فإن نسبت إليه )
أي إلى مسماها
( بعده )
أي بعد استعمالها في غير معين كجاء رجل ثم قالت فأكرمت الرجل
( عرفت )
اللام
( معهودا يقال ذكريا )
لتقدم ذكره
( وخارجيا )
أيضا ( أي ما عهد من )
اللفظ
( السابق )
قال المصنف وهما اصطلاحان أشهرهما عند العجم ومن تبعهم الثاني وعند آخرين من أبناء العرب الأول
( ولو )
عرفت اسما
( غير مذكور خص بالخارجي إذ هما في الغار )
وتقدم فيما نقلناه من فتح القدير أنه مثل به للعلمي وممن مثل به له ابن هشام المصري ولا مشاحة في ذلك
( وإذا دخلت )
اللام الاسم
( المستعمل في غيره )
أي غير المعين عند المتكلم دون السامع
( عرفت معهودا ذهنيا ويقال تعريف الجنس أيضا لصدق الشائع على كل فرد )
مثل شربت الماء وأكلت الخبز وادخل السوق لأن من المعلوم أن الشرب والأكل والدخول لا يتعلق إلا بفرد من المشروب والمأكول والمدخول فيه كما تقدم
( وإذا أريد بها )
أي النكرة
( كلب الأفراد عرفت الاستغراق أو )
أريد بها
( الحقيقة بلا
254
254
اعتبار فرد فهي لتعريف الحقيقة والماهية )
والطبيعة
( كالرجل خير من المرأة غير انه يخال أن الاسم )
المدخول عليه
( حينئذ )
أي حين يكون المراد به أحد هذين
( مجاز فيهما لأنه )
أي الاسم
( ليس )
بموضوع
( للاستغراق ولا للماهية ولا اللام
موضوعة لكل منهما
( ولكن تبادر الاستغراق عند عدم العهد يوجب وضعه )
أي الاسم
( له )
أي للاستغراق
( بشرط اللام كما قدمنا )
في ذيل الكلام على تعريف العام
( وأنه )
أي عدم العهد
( القرينة )
على ذلك
( ولو أراده )
أي هذا
( قائل أن الاستغراق من المقام )
كالسكاكي
( صح )
لأن الاسم النكرة بشرط اللام أريد به حينئذ العموم والمقام كشف عن إرادته فصح الاستغراق من المقام بمعنى أنه المفيد لثبوته بالاسم
( بخلاف الماهية من حيث هي لم تبادر )
إلا في القضايا الطبيعية وهي غير مستعملة في العلوم فلا يكون تبادرها فيها دليل الوضع لها كما سيأتي
( فتعريفها )
أي الماهية
( تعليق معنى حقيقي للام بمجازي للاسم )
وهو الحقيقة من حيث هي
( فاللام في الكل )
من العهد والاستغراق والحقيقة
( حقيقة لتحقق معناها الإشارة )
والتعيين للمراد من اللفظ
( في كل )
من هذه الأقسام بحسبه
( واختلافه )
أي وتنوع معناها هذا التنوع المذكور
( ليس إلا لخصوص المتعلق )
أي مدخولها من كونه فردا غير مستغرق أو مستغرقا أو الحقيقة من حيث هي
( فظهر أن خصوصيات التعريفات )
المذكورة
( تابع لخصوصيات المرادات باللام والمعين القرينة )
وأنه غير قائل بأن أسماء الأجناس النكرات موضوعة للحقائق الكلية بل إذا أريد برجل ونحوه الحقيقة يكون مجازا وسيحقق ذلك في المطلق والمقيد
( فما قيل )
والقائل المحقق التفتازاني
( الراجح مطلقا الخارجي )
لأنه حقيقة التعيين وكمال التمييز
( ثم الاستغراق لندرة إرادة الحقيقة من حيث هي والمعهود الذهني يتوقف على قرينة )
للبعضية والاستغراق هو المفهوم من الإطلاق حيث لا عهد في الخارج خصوصا في الجمع فإن الجمعية قرينة القصد إلى الأفراد دون الحقيقة من حيث هي هي
( غير محرر فإن المرجح عند إمكان كل من اثنين في الإرادة الأكثرية استعمالا أو فائدة ولا خفاء في أن نحو جاءني عالم فأكرم العالم زيادة الفائدة )
فيه إنما هي
( في الاستغراق حيث يكرم الجائي ضمن العموم )
الكائن للعالم الشامل للجائي وغيره
( بخلاف تقديم الخارجي فإنه يكون أمرا بإكرام الجائي فقط )
فيتقدم الاستغراق عليه
( ولذا )
أي ولمزيد الفائدة في الاستغراق على العهد الذهني
( قدم )
الاستغراق
( على الذهني إذا أمكنا وظهر مما ذكرنا أن ليس تعريف الاستغراق والعهد الذهني من فروع الحقيقة كما قيل ولا أن اللام ليست إلا لتعريف الحقيقة كما نسب إلى المحققين غير أن حاصلها أربعة أقسام فذكروها تسهيلا )
وهذه الجملة مذكورة في التلويح
( بل المعرف ليس إلا المراد بالاسم وليست الماهية مرادة دائما وكونها جزء المراد لا يوجب أنها المراد الذي هو متعلق الأحكام في التركيب على أنها لم ترد جزءا )
من المسمى حيث أريدت من حيث هي به حتى كان التعريف للحقيقة
( بل )
إنما أريدت به حينئذ
( على أنها كل )
أي تمام ما وضع اللفظ له
( فإنها إنما أريدت )
في حالة
255
255
جزئيتها للمسمى حال كونها
( مقيدة بما يمنع الاشتراك )
فيها بين مدخولها وغيره
( وهي مع القيد نفس الفرد وهو )
أي الفرد
( المراد بالتعريف والاسم والمجموع )
من الماهية والقيد
( غير أحدهما )
فكان الفرد غير الماهية من حيث هي
( هذا وحين صار الجمع مع اللام كالمفرد كان تقسيمه )
أي الجمع
( مثله )
أي المفرد
( إلا أن كونه )
أي الجمع
( مجازا عن الجنس يبعد بل )
هو
( حقيقة لكل )
من الاستغراق والجنس
( للفهم )
أي فهم الجنس منه
( كما ذكرنا في نحو الأئمة من قريش ويخدمه العبيد وما لا يحصى )
إلا أنه لو قيل عليه فعلى هذا يكون مشتركا لفظيا بينهما والمجاز خير منه ولم لا يجوز أن يكون هذا الفهم من عروض كثرة استعماله مرادا به هذا المعنى كما يعرض لكثير من المجازات المتعارفة حتى قدمها الجمهور على الحقائق المستعملة كما سيأتي لا لكونه حقيقة فيه لاحتاج إلى الجواب والله سبحانه أعلم بالصواب
( وأما النكرة فعمومها في النفي ضروري )
كما تقدم توجيهه
( وكذا )
عمومها ضروري
( في الشرط المثبت )
حال كونه
( يمينا لأن الحلف على نفيه
أي الشرط فإذا قلت إن كلمت رجلا فهي طالق فهو على نفي كلام كل رجل لأنه في سياق النفي
( لا المنفي )
عطف على المثبت أي فإنها لا عموم لها فيه
( كإن لم أكلم رجلا )
فهي طالق
( لأنه )
أي الحلف في شرط المنفي
( على الإثبات )
أي إثبات الشرط حتى كأنه قال في هذا المثال
( لأكلمن رجلا )
فلا تعم لوقوعها في الإثبات من غير قرينة العموم والحاصل أن الشرط إذا كان يمينا فإن كان مثبتا فاليمين للمنع والنكرة فيه خاص يفيد الإيجاب الجزئي فيكون في جانب النقيض للعموم والسلب الكلي وإن كان منفيا فاليمين للحمل والنكرة فيه عام يفيد السلب الكلي فيكون في جانب النقيض للخصوص والإيجاب الجزئي
( ولا يبعد في غير اليمين قصد الوحدة )
من النكرة إذا وقعت فيه كما
( في مثل إن جاءك رجل فأطعمه فلا تعم )
فيه إذ جاز كون رجل فيه بقيد الفردية والانفراد فلا يطعم رجلين ولا رجلا بعد رجل
( وفي غيرهما )
أي النفي الصريح والشرط المثبت الذي هو بمعناه لأنك عرفت أن عموم النكرة في موضع الشرط المثبت ليس إلا عموم النكرة في موضع النفي
( إن وضعت بصيغة عامة أي لا تخص فردا عمت كلعبد مؤمن خير وقول معروف خير )
فإن الإيمان ليس مما يختص به رجل واحد ولا المعروف مما يختص به قول واحد بخلاف المتصفة بما يخص فردا فإنها لا تعم فيه نحو لا تجالس إلا رجلا يدخل داره وحده قبل كل أحد فإن هذا الوصف لا يصدق إلا على فرد واحد ثم إنما تعم
( ما لم يتعذر )
العموم فإن تعذر لم تعم
( كلقيت رجلا عالما )
لتعذر لقائه كل عالم عادة
( ووالله لا أجالس إلا رجلا عالما له مجالسة كل عالم جمعا وتفريقا )
فلا يحنث بمجالسة عالمين كمالا يحنث بمجالسة عالم واحد
( ووالله لا أجالس إلا رجلا غير مقيد )
بصفة عامة
( يحنث برجلين قيل )
معناه والقائل شمس الأئمة
( الفرق )
بين هاتين المسألتين
( أن الاستثناء بما يصدق على الشخص )
الواحد أي باسم شخص نكرة غير موصوفة
( لا يتناول إلا واحدا )
ضرورة وحدته
256
256
فيحنث بمجالسة رجلين
( فإذا وصف )
الاسم النكرة المستثنى
( بعام ظهر القصد إلى وحدة النوع )
فيخص ذلك النوع بصيرورته مستثنى ومن هنا قال بعض الأفاضل ينبغي أن يقال صفة عامة لا يزاحمها صفة منافية للعموم لأنه لو قال والله لا أكلم إلا رجلا كوفيا واحدا يمتنع العموم وأورد الوحدة صفة عامة أيضا فينبغي فيما لو قال لا أكلم إلا إنسانا واحدا أن يحنث بالتكلم مع كل واحد واحد وأجيب المستثنى واحد فلو لم يحنث أصلا لما كان واحدا
هذا وقال المصنف رحمه الله تعالى
( وزيادة بقرينة كونه )
أي الوصف
( مما يصح تعليل الحكم به )
كما في التلويح
( نقص )
قال بل الصواب أن لا يزاد لأن هذا الحكم ثابت كما هو فيما لو قال لا أجالس إلا رجلا جاهلا له أن يجالس كل جاهل مع أنه وصف لا يصح التعليل به لأنه غير مناسب عند العقل اه ثم قد قيل على أصل الفرق إنه تحكم لخفاء الملازمة بين كونها غير موصوفة وكونها للوحدة وبين كونها موصوفة وكون الاستثناء بصفة النوع لجواز أن يراد بالأول لا أجالس إلا جنس الرجل وبالثاني لا أجالس إلا رجلا واحدا موصوفا بصفة العلم ثم كما قال
( وحاصله )
أي استعمالها في غير النفي
( أنها في الإثبات تعم بقرينة لا تنحصر في الوصف بل تكثر وقد يظهر عمومها من المقام وغيره كعلمت نفس وتمرة خير من جرادة )
كما هو اثر رواه ابن أبي شيبة عن عمر وابن عباس رضي الله عنهما
( وأكرم كل رجل ورجلا لا امرأة وهي )
أي النكرة
( في غير هذه )
المواضع
( مطلقة )
أي دالة على فرد غير معين على سبيل البدل كإن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة فتحرير رقبة كما هو المعنى الوضعي لها لا عامة لانتفاء موجب العموم
( ومن فروعها )
أي النكرة
( إعادتها )
معرفة ونكرة
( وكذا المعرفة )
من فروعها إعادتها معرفة ونكرة أي إعادة اللفظ الأول إما مع كيفيته مع التنكير والتعريف أو بدونها
( ويلزم كون تعريفها )
أي المعرفة حينئذ
( باللام أو الإضافة في إعادتها نكرة )
وفي إعادة النكرة معرفة أيضا وكأنه لم يذكره اكتفاء لأنه لا يتصور فيهما إلا بأحد هذين الطريقين من التعريف في المعرفة نعم لو لم يشترط أن يكون بإعادة اللفظ الأول لتصور بإعادة النكرة معرفة بطريق الإضمار حيث كان الضمير الراجع إلى النكرة مطلقا أو السابق اختصاصها بحكم معرفة كجاءني رجل وهو حاضر فتنبه له ثم الأقسام الممكنة أربعة عادة المعرفة معرفة والنكرة نكرة والمعرفة نكرة والنكرة معرفة
( وضابط الأقسام إن نكر الثاني فغير الأول )
أي فاحكم بأنه غير الأول لأن الأول إما نكرة والنكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأول وإما معرفة والمعرفة إذا أعيدت نكرة كان الثاني غير الأول وإلا لكان المناسب تعريفه بناء على كونه معهودا سابقا في الذكر في الأول وحملا له على المعهود الذي هو الأصل في اللام والإضافة في الثاني
( أو عرف فعينه )
أي وإن عرف الثاني فاحكم بأنه عين الأول لأن الأول إما نكرة والنكرة إذا أعيدت معرفة كان الثاني عين الأول والمعرفة إذا أعيدت معرفة كان
257
257
الثاني عين الأول هذا على ما مشى عليه غير واحد وذكر في الكشف الكبير إذا أعيدت النكرة نكرة فالثاني مغاير للأول وإلا فعينه لأن المعرفة تستغرق الجنس والنكرة تتناول البعض فيكون داخلا في الكل قدم أو أخر ومثل لإعادة المعرفة نكرة بقول الحماسي
( صفحنا عن بني ذهل
وقلنا القوم إخوان )
( عسى الأيام أن يرجعن
قوما كالذي كانوا )
مع القطع بأن الثاني عين الأول وفي التلويح وفيه نظر أما أولا فلأن التعريف لا يلزم أن يكون للاستغراق بل العهد هو الأصل وعند تقدم المعهود لا يلزم أن تكون النكرة عينه وأما ثانيا فلأن معنى كون الثاني عين الأول أن يكون المراد به هو المراد بالأول والجزء بالنسبة إلى الكل ليس كذلك وأما ثالثا فلأن إعادة المعرفة نكرة مع مغايره الثاني للأول كثير في الكلام قال الله تعالى ! < ثم آتينا موسى الكتاب > ! إلى قوله ! < وهذا كتاب أنزلناه > ! وقال ! < وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو > ! وقال ! < ورفع بعضكم فوق بعض درجات > ! إلى غير ذلك اه وهذا وإن كان للمناقشة في بعضه مجال بالنظر إلى ما تقدم ليس ما في الكشف أرجح من الأول بل في جامع الأسرار الأول أوضح بالنظر إلى الدليل اه ثم مع ذلك لما لم يطرد هذا الأصل بالنسبة إلى سائر الموارد قال في التلويح المراد أن هذا هو الأصل عند الإطلاق وخلو المقام عن القرائن وقال المصنف
( وهو أكثري )
لأنه كما يعاد النكرة نكرة غير الأولى والمعرفة معرفة عين الأولى كما في قوله تعالى ! < فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا > ! على أحد القولين في الآية ويرجحه ظاهرا ما أخرج عبد الرزاق ثم من طريقه الحاكم في مستدركه وسكت عنه ثم البيهقي عن الحاكم عن الحسن مرسلا في قوله تعالى ! < إن مع العسر يسرا > ! قال خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوما مسرورا فرحا وهو يضحك وهو يقول
لن يغلب عسر يسرين إن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا
ويؤيده رواية ابن مردويه له مسندا عن جابر بن عبد الله قال لما نزلت إن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبشروا لن يغلب عسر يسرين
فقد تعاد النكرة نكرة عين الأولى كقوله تعالى ! < وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله > ! وتعاد المعرفة معرفة غير الأولى كقوله تعالى ! < وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس > ! الآية وكما تعاد النكرة معرفة عين الأولى كقوله تعالى ! < كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول > ! فقد تعاد معرفة غير الأولى كقوله تعالى ! < زدناهم عذابا فوق العذاب > ! وكما تعاد المعرفة نكرة غير الأولى ما في قوله تعالى ( ولقد ءاتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرئيل الكتب الهدى ) فإن المراد بالأول التوراة والصحف التي أوتيها والمعجزات وبالثاني الإرشاد الذي هو خلاف الإضلال فقد تعاد نكرة عين الأولى كبيت الحماسة فلا جرم أن قيل الأصل مستقيم وإنما الأصل قد يترك
258
258
لتعذر العمل به وقد تحقق في هذه المواضع ونظائرها كما يدرك بالتأمل فيها وفيما يرشد إلى ذلك مما يطول بيانه هذا ثم لعل الأشبه ما قال بعض المحققين تحرير هذه المسألة أن يقال إن كان الاسم عاما في الموضعين فالثاني هو الأول لأن من ضرورة العموم أن لا يكون الثاني غير الأول ضرورة استيفاء عموم الأول للأفراد سواء كانا معرفتين عامتين أم نكرتين عامتين كوقوعهما في حيز النفي وإن كان الثاني عاما والأول خاصا فالأول داخل فيه ضرورة استغراق العام لذلك الفرد وكذا العكس وإن كانا خاصين فإن كانا نكرتين فالظاهر أن الثاني غير الأول لأنه لو كان إياه لكان إعادة النكرة وضعا للظاهر موضع المضمر وهو خلاف الأصل ويحتمل خلافه ولأجل الاحتمالين ورد في حديث الاستسقاء ثم جاء رجل من ذلك الباب فأعاد ذكر الرجل منكرا كما بدأ به منكرا مع تردده في أنه الأول أو غيره كما ورد به مصرحا في الرواية الأخرى حيث قال ثم جاء رجل لا أدري اهو الأول أو لا وإن كانا معرفتين بأداة عهدية فهو بحسب القرينة الصارفة إلى المعهود والله سبحانه أعلم
( فينبني عليه )
أي على هذا الأصل
( إقراره بمال مقيد بالصك )
وهو كتاب الإقرار بالمال وغيره معرب
( ومطلق )
عنه مسألة
( معروفة عند الحنفية )
من حيث النقل
( غير إقراره بمقيد )
بالصك في مجلس
( ثم )
إقراره
( في آخر به منكرا وقلبه )
أي وغير إقراره بمال في مجلس منكرا ثم به في مجلس آخر مقيد بالصك فإن حكم هاتين الصورتين غير معروف نقلا عن أبي حنيفة وصاحبيه وإنما
( خرج وجوب مالين عند أبي حنيفة )
في الأولى
( ومال اتفاقا )
في الثانية ولا يبعد من كلام صدر الشريعة أنه المخرج لحكم المسألة الأولى كما مشى عليه في التلويح والحكم في كلتيهما مذكور في كلام غيره أيضا ممن عساه يكون سابقا عليه
ثم إن المصنف قد لخص شرح هذه الجملة فقال فالمنقول أنه إذ أقر بألف في هذا الصك ثم أقر بها كذلك في مجلس آخر عند شهود آخرين كان اللازم ألفا واحدة تخريجا على إعادة المعرفة معرفة ولو أقر بألف مطلق عن الصك غير مقيد بسبب ثم في مجلس آخر أقر بألف عند آخرين أو عندهما على الروايتين كذلك قال أبو حنيفة يلزمه ألفان بناء على إعادة النكرة نكرة كما لو كتب صكين كلا بألف وأشهد على كل شاهدين وعندهما يلزمه ألف واحدة للعرف على تكرار الإقرار للتأكيد ولو اتحد المجلس في هذه لزمه ألف واحدة اتفاقا في تخريج الكرخي لجمع المجلس المتفرقات ولو أقر بألف مقيد بالصك عند شاهدين ثم في آخر عند آخرين بألف منكر خرج لزوم ألفين على قول أبي حنيفة بناء على إعادة المعرفة نكرة وفي عكسها ينبغي وجوب ألف اتفاقا لأن النكرة أعيدت معرفة ثم التقييد بالشاهدين في الصور لأنه لو أقر بألف عند شاهد وألف عند آخر أو بألف عند شاهدين وألف عند القاضي لزم ألف واحدة اتفاقا انتهى لأن بالشاهد الواحد لا يصير المال مستحكما ففائدة إعادته استحكامه بإتمام الحجة وفائدة الإعادة عند القاضي إسقاط مؤنة الإثبات بالبينة عن
259
259
المدعي وإنما قال في تلك الصورة غير مقيد بسبب إذ لو بين سببا مختلفا يلزمه ألفان إجماعا ولو بين سببا متحدا يلزمه ألف بكل حال إجماعا وقيد الاتفاق بتخريج الكرخي لأنه على الاختلاف في تخريج الرازي ولو اقر بألف في مجلس وأشهد شاهدين ثم بألفين في مجلس واشهد شاهدين أو بألفين ثم بألف يلزمه المالان عند أبي حنيفة ويدخل الأقل في الأكثر فيكون عليه الأكثر عندهما
( وأما من فعلى الخصوص كسائر الموصولات )
فأفاد أن الموصولات ليست عامة بالوضع بل بالوصف المعنوي الذي هو مضمون الصلة لأن الموصول مع الصلة في حكم اسم موصوف وهذا المختار عند المصنف أحد الأقوال وسنذكر باقيها قريبا
( والنكرة )
أي وكالنكرة في كونها موضوعة على الخصوص
( وأخص منها )
أي النكرة
( لأنها )
أي من
( لعاقل ذكر أو أنثى عند الأكثر )
ولو قيل لعالم أعم من أن يكون ذكرا أو أنثى لكان أولى لأنها تطلق على الله تعالى كقوله تعالى ! < ومن عنده علم الكتاب > ! في قول وقد تطلق على غيره العالم مفردا ومع غيه كما هو معروف في موضعه وقيل تختص بالمذكر
( ونصب الخلاف في الشرطية )
خاصة كما فعل ابن الحاجب
( غير جيد )
لأنه يوهم الاتفاق في غيرها وليس كذلك بل هي موصولة واستفهامية وموصوفة كذلك أيضا ومن ثمة اعتذر عنه بأنه إنما خصها تمثيلا
( والاستدلال )
للأكثر ثابت
( بالإجماع على عتقهن )
أي إمائه
( في من دخل )
داري فهو حر إذ لولا ظهور تناوله لهن لما أجمع عليه
( والنكرة بحسب المادة قد تكون لغيره )
قال المصنف رحمه الله تعالى لما قال إن من أخص لاختصاصها بالعاقل عرف أن النكرة تكون للعاقل وغيره فربما يفهم أن وضعها مطلقا لما يشملهما فحقق المراد بأن النكرة تكون لغير العاقل بحسب المادة التي توضع كما تكون كذلك للعاقل فلفظ عاقل نكرة يخص ذا العقل للمادة ومجنون مثله في ضده وفرس لنوع غير عاقل ورجل لمن بحيث يعقل فلم يوضع النكرة لما هو أعم بل منها ومنها فالأعم جزء من مطلق النكرة التي لم توضع لأن الوضع يتعلق بالأفراد
( وتساويها )
أي النكرة
( الذي )
وبقية الموصولات في أنها على الخصوص والشيوع
( وضعا وإنما لزمها )
أي من الموصولة وكذا بقية الموصولات
( التعريف في الاستعمال وعمومها )
أي من
( بالصفة ) المعنوية التي هي مضمون الصلة
( ويلزم )
عمومها
( في الشرط والاستفهام وقد تخص )
حال كونها
( موصولة وموصوفة )
فالموصولة كقوله تعالى ! < ومنهم من يستمع إليك > ! فإن المراد بمن هنا أفراد مخصوصون ذكرهم المفسرون والموصوفة كقوله تعالى ! < ومن الناس من يقول > ! كما هو احتمال حكى قولا فيها هنا فإن الآية نزلت في أناس بأعيانهم ولقائل أن يقول هذا وإن كان مذكورا في غير موضع لا تحرير فيه فإن من كما نخص موصولة وموصوفة لعدم عموم مضمون صلتها وصفتها تخص شرطية واستفهامية بما يوجب تخصيصها وكما يلزم عمومها شرطية واستفهامية بواسطة الشرط والاستفهام قد يلزم عمومها موصولة وموصوفة لعموم مضمون
260
260
صلتها وصفتها ثم لا يلزم من كونها مرادا بها الخصوص في حالة من هذه الأحوال أن تكون موضوعة له لجواز أن تكون للعموم واستعمالها في الخصوص من العام المخصوص هذا وظاهر كلام فخر الإسلام أنها موضوعة للعموم وإنما الخصوص فيها احتمال يثبت بالقرينة ومشى عليه غير واحد بل وعن الجامع الكبير أن حرف من بالفتح محكم في التعميم وظاهر كلام صاحب المنار أنها لكل منهما على السواء فإذا تقرر هذا
( ففي من شاء من عبيدي عتقه )
فهو حر فشاؤوا عتقهم ( يعتقون وكذا شئت من عبيدي عتقه فأعتقة عندهما أي أبي يوسف ومحمد إذا شاء عتقهم
( يعتقهم لأن من للبيان )
ومن للعموم فيتناول الجميع
( وعنده )
أي أبي حنيفة إذا شاء عتقهم يعتق الكل
( إلا الأخير إن رتب )
عتقهم ( وإلا فمختار المولى )
أي وإن لم يرتبه بل أعتقهم دفعة عتقوا إلا واحدا للمولى الخيار في تعيينه
( لأنها )
من
( تبعيض فيهما )
أي في المسألتين
( وأمكنا )
أي عموم من وتبعيض من
( في الأولى لتعين عتق كل بمشيئته فإذا )
شاء كل عتق نفسه
( عتق كل مع قطع النظر عن غيره فهو )
أي كل منهم
( بعض )
من العموم
( وفي الثانية )
تعلق عتقهم
( بمشيئة واحد فلو أعتقهم لا تبعيض )
بالكلية مع إمكان العمل به وبالعموم بعتقهم إلا واحدا فإن في إخراج الواحد من وقوع العتق عليهم عملا بالتبعيض وفي نفوذ العتق فيمن سواه عملا بالعموم فإن البعض يطلق على الأقل والأكثر والعموم لا يبطل رأسا بخروج واحد مما شمله فتعين هذا لأن العمل بكليهما أولى من العمل بأحدهما وإهدار الآخر ثم في التلويح ما معناه
( وهذا يتم في الدفعي )
أي هذا ظاهر على تقدير تعلق المشيئة بالكل دفعة لأن من شاء المخاطب عتقه ليس بعض العبيد بل كلهم لا في الترتيب لأنه يصدق على كل واحد أنه شاء المخاطب عتقه حال كونه بعضا من العبيد ويمكن الجواب بأن تعلق المشيئة بكل على الانفراد أمر باطن لا إطلاع عليه والظاهر من إعتاق الكل تعلق المشيئة بالكل فلابد من إخراج البعض ليتحقق التبعيض
قال العبد الضعيف غفر الله تعالى له وأحسن منه أن يقال ثم حيث لزم العمل بالعموم فيما عدا واحدا وهو قد أعتقهم واحدا بعد واحد فقد وجد في حق كل غير الأخير المقتضي وهو ظاهر وانتفى المانع وهو عدم العمل بالتبعيض لقيام احتمال عدم عتق الأخير فنفذ فيهم العتق ووجد في حق الأخير المتقضي أيضا لكن لم ينتف المانع في حقه لأن بعتقه يبطل التبعيض الممكن الجمع بينه وبين العموم كما قررناه آنفا فلم يعمل المقتضي فيه عمله فلم ينفذ فيه العتق بخلاف ما إذا أعتقهم جملة فإنه وإن وجد في حقهم جميعا المقتضي لكن لم يوجد في حقهم جميعا انتفاء المانع بل إنما وجد فيما عدا واحدا لا بعينه فكان بيانه إلى المفوض لأنه الذي أخرجه من أن يكون محلا لأثر هذا التفويض بما اشتمل عليه من التبعيض وصار ما دام بيانه ممكنا منه كالمجمل لا يدرك إلا ببيان من المجمل والله سبحانه أعلم
( وتوجيه قوله )
أي أبي حنيفة كما وجهه صدر الشريعة ذاكرا أنه مما تفرد به
( بأن البعض متيقن )
على
261
261
تقديري تبعيضها وبيانها فيلزم تبعيضها لثبوته على كلا التقديرين دفع في التلويح بما معناه هذا
لا يقتضيها تبعيضية لأنها )
أي التبعيضية
( للبعض المجرد )
وهو البعض الذي يكون تمام المراد لا في ضمن الكل نحو أكلت من الرغيف فإن بعض الرغيف هو تمام المراد
( وليس )
هذا البعض
( هو المتيقن )
من البيانية
( بل )
البعض المحقق منها
( ضده )
أي ضد هذا البعض وهو الكائن في ضمن الكل الذي هو إتمام المراد وهو الضروري فلا يثبت التبعيض للمتكلم فيه بهذا وأجيب عن ادفع بأن المراد بقوله البعض متيقن أن تعلق الحكم بما صدق عليه البعض متيقن على تقديري التبعيض والبيان كما يشهد به قوله فإرادة البعض متيقنة وإرادة الكل محتملة والحاصل أنه أخذ القدر المشترك بين التبعيض والبيان وحكم به لأنه متيقن ومؤداه كمؤدي العمل بخصوصية البعض والله سبحانه أعلم ثم أشار إلى توجيه آخر لقوله ذكروه لإسنادهما إلى خاص فيبقى معنى الخصوص معتبرا فيها مع صفة العموم فيتناول بعضا عاما
( وعمومها )
أي المشيئة إنما هو
( بالعام )
أي بواسطة إسنادها إلى العام الذي هو من
( كمن شاء من عبيدي )
وقد وصفت بها من فأسقط الوصف بها الخصوص فوجب العمل بالعموم
( دفع بأن حقيقة وصفها )
أي من
( فيه )
أي في من شئت من عبيدي عتقه
( بكونها )
أي من
( متعلق مشيئته )
أي المخاطب
( وهو )
أي متعلق مشيئته
( عام )
فتعم المشيئة بعمومه
فإن قلت ليس من متعلق مشيئته وإنما متعلقها عتقه الذي هو المفعول قلت لما كان عتقه مصدرا مضافا إليها وهو إنما كان مفعولا باعتبار إضافته إليها قيل بنوع م المسامحة إنها متعلق مشيئته ولا بدع في ذلك
( وأنا ما فلغير العاقل )
وحده نحوه ! < فاقرؤوا ما تيسر من القرآن > !
( وللمختلط )
ممن يعقل ومن لا يعقل كقوله تعالى ! < سبح لله ما في السماوات والأرض > ! وقد يستعمل من يعمل إذا قصد به التعظيم كما قال السهيلي نحو ! < أيحسب أن لن يقدر عليه أحد > ! ! < ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي > !
( فلو ولدت غلاما وجارية في إن كان ما في بطنك غلاما )
فأنت طالق
( لا يقع )
الطلاق لأن الشرط أن يكون جميع ما في بطنها غلاما بناء على عموم ما حتى كأنه قال ذلك أو إن كان حملك غلاما إذ الحمل اسم للمجموع وأورد لم لا يجوز أن يكون ما بمعنى شيء فيكون تقدير الكلام إن كان شيء هو في بطنك غلاما فأنت طالق وهذا لا يقتضي أن يكون جميع ما في بطنها غلاما قلت يمكن الجواب بأنها موصولة أكثر منها موصوفة فحملت على الأكثر على أنهما لو كانت سواء فالأصل عدم وقوع الطلاق فلا يقع بالشك
( وفي طلقي نفسك من الثلاث ما شئت لها الثلاث عندهما )
أي أبي يوسف ومحمد
( وعنده )
أي أبي حنيفة وبه قال الشافعي وأحمد
( ثنتان وهي )
أي هذه المسألة
( كالتي قبلها )
في من حيث أن كلا منهما فيها من بيانية عندهما تبعيضية عنده
( وقوله )
أي أبي حنيفة
( أحسن لأن تقديره )
أي الكلام
( على
262
262
البيان )
طلقي نفسك
( ما شئت مما هو الثلاث )
والوجه كما في فتح القدير طلقي نفسك ما شئت الذي هو الثلاث اه يعني إذا كانت ما معرفة وعددا شئت هو الثلاث إذا كانت ما نكرة موصوفة لأن ضابط البيانية صحة وضع الذي مكانها ووصلها بضمير مرفوع منفصل مع مدخولها إذا كان المبين معرفة وصحة وضع الضمير المنفصل المرفوع موضعها لتكون مع مدخولها صفة لما قبلها إذا كان المبين نكرة حتى أنه يقال في قوله تعالى ! < فاجتنبوا الرجس من الأوثان > ! الرجس الذي هو الأوثن وفي قوله تعالى ! < يحلون فيها من أساور من ذهب > ! أساور هي ذهب وحيث كان المراد من هذا الكلام هذا فهو مفوض للثلاث إليها
( وطلقي ما شئت واف به )
فلم يكن حاجة إلى من الثلاث على أن المعنى ليس عليه فيما يظهر والبيان لا يتقدم على المبين
( فقال فالتبعيض )
أي فكون التبعيض مرادا منه
( مع زيادة من الثلاث
عليه
( أظهر )
لا سيما مع وجود ضابط التبعيضية فيها وهو صحة وضع بعض موضعها
( وأما كل فلاستغراق أفراد ما دخلته كأن ليس معه )
أي مدخولها
( غيره )
أي مدخولها
( في المنكر )
المفرد نحو ! < كل نفس ذائقة الموت > ! والمثنى نحو كل رجلين جماعة وشهادة كل امرأتين بشهادة رجل والمجموع نحو
( وكل أناس سوف يدخل بينهم
دويهية تصفر منها الأنامل )
( وكل مصيبات تصيب فإنها
سوى فرقة الأحباب هينة الخطب )
وفي المعرف المجموع نحو ! < وكلهم آتيه يوم القيامة فردا > !
( وأجزائه )
أي ولاستغراق أجزاء ما دخلته
( في المعرف )
المفرد نحو كل زيد أو الرجل حسن أي كل أجزائه
( فكذب كل الرمان مأكول )
لأن قشره غير مأكول
( دون كل رمان )
مأكول لأن كل فرد منه مأكول
( ووجب لكل من الداخلين )
الحصن
( في كل من دخل )
هذا الحصن
( أولا )
فله كذا ما سماه
( بخلاف من دخل أولا )
فله كذا فدخل اثنان فصاعدا جميعا
( لا شيء لأحد لأن عمومها )
أي من
( ليس كجميع )
من حيث إنه على سبيل الاجتماع قصدا ليكون لهم نفل واحد
( ولا ككل )
من حيث إنه على سبيل الانفراد ليكون لكل نفل
( بل ضرورة إبهامه كالنكرة في النفي فلا شركة تصحح التجوز )
به عن جميع أو كل وأورد أنه وإن لم يكن في من دلالة على العموم على أحد هذين الوجهين فليس فيه ما يمنع إرادة أحدهما منه بالقرينة ولا شبهة أن هذا الكلام إنما سيق في مقام التحريض على القتال فيستلزم معنى كل من دخل فلم لا يجوز أن يستعار له لما بينهما من اللزوم بحسب المقام الموجب للمشاركة المصححة للاستعارة بينهما وأجيب بعد تسليم المشاركة المصححة للاستعارة بينهما أن الأول نص في معناه فلا يعدل عنه إلا لصارف قوي ولا صارف هنا لإمكان العمل بالحقيقة
( وقيل )
في الفرق بين المسالتين والقائل صدر الشريعة وذكر أنه تفرد به
( الأول فرد سابق على كل من سواه بلا تعدد وإضافة كل توجبه )
أي التعدد فيه
( فجعل )
الأول
( مجازا عن جزئه وهو )
أي جزؤه
( السابق
263
263
فقط )
أي بلا قيد الفردية على الغير مطلقا سواء كان جميع ما عداه أو بعضه كالمتخلف ليجري فيه التعدد فيصح إضافة كل الإفرادي إليه ويكون من فيه نكرة موصوفة
( ففي التعاقب يستحق الأول فقط لأن من بعده مسبوق وكمال السابق بعدمه )
أي بعدم كونه مسبوقا بالغير
( خصوصا في مقام التحريض فلا يعترض بأن مقتضاه استحقاق كل من المتعاقبين إلا الآخر بعموم المجاز )
وهو السابق بالنسبة إلى غيره وليس كذلك لتصريحهم بأن النفل للأول خاصة وإنما لم يعترض به لأن قيد عدم المسبوقية بالغير مراد فلا يصدق إلا على الأول خاصة بخلاف من دخل الحصن أولا فإنه لم يوجد ما يوجب حمل الأول على المعنى المجازي فيه فتعين الحقيقي يستحق الأول لا غير إذا تعاقبوا ولا يستحقا الجمع إن دخلوا جميعا لانعدام الأولية الحقيقية في حق كل منهم لوجود المزاحم له في ذلك
( وأما جميع فللعموم على الاجتماع فللكل نفل )
واحد بينهم بالسوية إذا دخلوا جميعا وهو بفتحتين ما ينفله الغازي أي يعطاه زائدا على سهمه
في جميع من دخل أولا فله كذا بحقيقته )
أي لفظ جميع وهي العموم الإحاطي على سبيل الاجتماع
( وللأول فقط في التعاقب بدلالته )
أي هذا القول فإن هذا التنفيل للتشجيع والحث على المسارعة إلى الدخول أولا فإذا استحقه السابق بصفة الاجتماع فلأن يستحقه بصفة الانفراد أولى لأن الجرأة والجلادة فيه أقوى
( لا بمجازه في كل )
أي لا عملا بالمعنى المجازي لجميع وهو معنى كل على سبيل الاستعارة بناء على أن كلا منهما يوجب العموم الإحاطي
( وإلا )
لو استحق الأول بمجازه
( لزم الجمع بين الحقيقي والمجازي في الإرادة لتعذر عموم المجاز هنا )
قال المصنف فإن المعنى الحقيقي لجميع وهو الإحاطة بقيد الاجتماع بحيث يكون المتعدد كالواحد حتى يجب للكل نفل ليس من معنى كل بل لو دخلت الجماعة معا في كل كان لكل منهم النفل فلزم أنه لو تجوز به في معنى كل لم يثبت للجماعة نفل وللواحد مثله بعموم المجاز بل بحقيقته ومجازه معا وهو ممنوع ( وأما أي فلبعض ما أضيف إليه
حال كون المضاف إليه
( كلا معرفة ولو باللام وإلا )
أي وإن لم يكن المضاف إليه كلا معرفة
( فلجزئيه )
أي المضاف إليه لأنه حينئذ يكون كليا نكرة أو معرفة لفظا كالتي للمعهود الذهني في نحو اشتر اللحم وادخل السوق ذكره المصنف
( وبحسب مدخولها يتعين وصفها المعنوي فامتنع أي الرجل عندك لعدم الصحة )
لأنه إنما تجوز الإضافة إلى مثله إذا كان بينهما جمع مقدر كما صرحوا به ولا معنى لأي أجزاء الرجل عندك
( وجاز )
أي الرجل
( أحسن )
لصحة أي أجزائه أحسن قالوا وإنما جاز أي التمر أكلت وأي رجل عندك لأن فيه معنى الجمع أي أي آحاد التمر أكلت وأي الرجال عندك
( وهي في الشرط والاستفهام ككل في النكرة فتجب المطابقة )
أي مطابقة الضمير الراجع إليها إفرادا وتثنية وجمعا تذكيرا وتأنيثا
( لما أضيفت إليه كأي رجلين تكرم أكرمهما وأي رجال تكرم أكرمهم )
وأي رجل تكرم أكرمه وأي امرأة تكرم أكرمها وأي امرأتين تكرم أكرمهما وأي نساء تكرم
264
264
أكرمهن وأي رجل قام وأي رجلين قاما وأي رجال قاموا وأي امرأة قامت وأي امرأتين قامتا وأي نساء قمن
وبعض في المعرفة فيتحد )
الضمير الراجع إليها مثنى كان المضاف إليه أو مجموعا مذكرا أو مؤنثا
( كأي الرجلين )
أي المرأتين أو الرجال أو النساء
( تضرب أضربه وتعم )
أي
( بالوصف )
العام كما نص عليه محمد في الجامع الكبير
( فيعتق الكل إذا ضربوا في أي عبيدي ضربك )
فهو حر ضربوه معا أو مرتبا لعمومها بعموم وصفها الذي هو الضاربية لإسناد الضرب إلى الضمير الراجع إليها
( ومنعوه )
أي عتق الكل
( في )
أي عبيدي
( ضربته إلا الأول )
في ضربهم على الترتيب لعدم المزاحم له
( أو ما يعنيه المولى في المعية )
لأن نزول العتق من جهته فالتعيين إليه وإن كان الاختيار في الضرب إلى الضارب
( لأن الوصف )
الذي هو الضاربية
( لغيرها )
أي لغير أي وهو المخاطب لإسناد الضرب إليه وهو خاص فلا تعم لعدم اتصافها بصفة عامة
( ومنع )
كونها غير موصوفة بصفة عامة هنا أيضا والمانع صدر الشريعة
( أبنها )
أي أيا
( موصوفة بالمضروبية وكون المفعولية فضلة تثبت ضرورة التحقق )
أي تحقق تعدي الفعل
( لا ينافيه )
أي العموم ليقال ما ثبت ضرورة يتقدر بقدرها فلا يظهر أثره في التعميم وكيف والضرب صفة إضافية لها تعلق بالفاعل وهو بهذا الاعتبار وصف له وبالمفعول وهو بهذا الاعتبار وصف له ولا امتناع في قيام الإضافيات بالمضافين
( والفرق )
بينهما كما قال صدر الشريعة
( بكون الثاني )
وهو أي عبيدي ضربته
( لاختيار أحدهم عرفا )
أي لتخيير الفاعل المخاطب في تعيينه
( ككل أي خبز تريد )
قال المصنف
( والوجه أي خبزي ليطابق المثال )
وهو أي عبيدي
( ليس له )
أي للمخاطب
( أكل الكل بل تعيين واحد يختاره بخلاف الأول )
وهو أي عبيدي ضربك فإنه لا يمكن فيه تخيير الفاعل لأنه إنما يعقل في متعدد ولا تعدد في المفعول
( لا يدفع بنحو أي عبيدي وطئته دابتك )
أو عضه كلبك كما وقع في التلويح
( لأن محل العرف ما يصح فيه التخيير )
للفاعل وهذا مما لا يصح فيه لعدم تصوره ( وأما ادعاء وضعها ابتداء للعموم الاستغراقي بادعاء الفرق بين أعتق عبدا من عبيدي ضربك وأي عبد )
ضربك كما في التلويح يعني فإنه ليس للمأمور إلا عتاق واحد متصف بالضاربية له في الأول وله أن يعتق كل عبد من عبيده ضربه في الثاني
( فممنوع )
قال المصنف أي لا نسلم أن بينهما فرقا بل العموم فيهما للوصف فالفرق بينهما ممنوع اه وعلى تقدير التسليم فقد قيل لقائل أن يقول لا نسلم أن هذا الفرق لأجل أن كلمة أي عام بحسب الوضع لم لا يجوز أن تكون كلمة أي من جهة توغلها في الإبهام بحيث لا يتعين معناها وإن أضيفت إلى المعرفة كما صرح به صارت قريبة من العموم حتى صار عمومها عند اتصافها بصفة عامة مطردا بخلاف سائر النكرات ولذا اختلفوا في عموم سائر النكرات بصفة عامة على أن الشيخ علاء الدين الشيرازي صرح بأن النكرة الموصوفة بصفة عامة لا تعم في جميع المواضع لأن قوله جاءني رجل عالم نكرة موصوفة بصفة عامة وهي غير عامة
265
265
بالإجماع وكذا قوله ! < فتحرير رقبة مؤمنة > ! وإنما تعم إذ انضم دليل آخر بحسب المقام من كون الصفة علة لذلك الحكم نحو
أيما إهاب دبغ
وكون المقام للإباحة نحو كل أي خبز تريد أو للتحريض نحو أي رجل دخل هذا الحصن فله كذا وقوله أي عبيدي ضربك فهو حر من التحريض فيعم وأما قوله أي عبيدي ضربته فمقام المنع لأن معناه لا تطيق أن تضرب عبدا من عبيدي فإن وقع ضربك على عبد من عبيدي فالضرر علي لازم بعتق ذلك العبد وعلى هذا إذا أخرج نكرة موصوفة بالاستثناء من منفي تكون النكرة المخرجة عامة لأن الاستثناء من الخطر للإباحة فتعم لكونها في موضع الإباحة نحو لا أكلم إلا رجلا كوفيا فإن له أن يكلم جميع رحال الكوفة وعلى هذا تخرج مسالة الإيلاء المذكورة في الجامع وهي والله لا أقربكما إلا يوما أقربكما فيه لم يكن موليا بهذا الكلام أبدا لأنه وصف اليوم السمتثنى بصفة عامة فأوجب العموم في موضع الإباحة فيمكن أن يقربهما أبدا في كل يوم يأتي بلا شيء يلزمه والله سبحانه أعلم
( ورد أخذ خصوصها )
أي أي
( وضعا من إفراد الضمير في أي الرجال أتاك وصحة الجواب )
أي ومن صحته
( بالواحد )
مثل زيد أو عمرو
( بالنقض بمن وما )
وغير خاف كونه متعلقا برد
( يعني لأنهما استغراقيان وضعا مع أفراد ضميرهما وجوابهما )
كما أشار إليه في التلويح أيضا
( ممنوع بل وضعهما أيضا على الخصوص كالنكرة وعمومهما بالصفة كما مر وعدم عتق أحد في أيكم حمل هذه وهي حمل واحد فحملوها لعدم الشرط )
لعتقه كما بينه بقوله
( حمل واحد )
لها بكمالها
( ولذا )
أي ولأن الشرط حمل الواحد لها بكمالها عتق الكل في التعاقب لوجوده في حمل كل وكذا إذا لم يكن حمل واحد بأن كان لا يطيق حملها واحد فحملها واحد أو جماعة عتقوا أما الأول فبطريق الدلالة من الثاني وأما الثاني فلان المقصود صيرورتها محمولة إلى موضع حاجته وهو يحصل بمطلق فعل الحمل منهم وقد وجد بخلاف ما إذا كان يطيق حملها واحد فلأن المقصود معرفة جلادتهم وهو إنما يحصل بحمل واحد منهم تمامها لا بمطلق الحمل لكن لقائل أن يقول فعلى هذا يلزم أنه لو انخرقت العادة لهم بأن حملها كل واحد على التعاقب أن لا يعتق إلا الأول لحصول المقصود بحمله فينتهي حكم التعليق به حتى يصير حمل غيره من بعده كحمل أجنبي عبثا أو لغرض من الأغراض لكن ظاهر الكشف الكبير عتق الكل والله سبحانه أعلم
( مسألة ليس العام مجملا خلافا لعامة الأشاعرة )
على ما في التلويح
( ونقل بعضهم )
وهو صدر الشريعة
( دليله )
أي الإجمال
( أعداد الجموع مختلفة )
فإن جمع القلة يصح أن يراد به كل عدد م الثلاثة إلى العشرة وجمع الكثرة يصح أن يراد به كل عدد من العشرة إلى ما لا نهاية له
( فوجب التوقف )
في المراد به
( إلى معين يفيد )
هذا النقل
( أن الخلاف في الجمع المنكر لا العام مطلقا )
لعدم جريان هذا فيما سوى الجمع المنكر
( ومعممه )
أي الجمع المنكر
( من الحنفية يصرح بنفيه )
أي الإجمال
( وجوابهم )
أي معمميه منهم عن هذا الدليل
( وجب الحمل
266
266
على )
المرتبة
( المستغرقة )
لكل جمع من مراتبه
( على ما تقدم عنهم )
في مسألة خاصة بهم
( فلا إجمال وبالحمل على المتيقن )
وهو أقل الجمع للتيقن به كما هو جواب غيرهم
( فلا إجمال )
أيضا
( وقد ينقل )
دليل الإجمال
( العام مشترك بين الواحد والكثير للإطلاق )
على كل منهما
( والأصل
في الإطلاق
( الحقيقة )
فاشتبه المراد به
( فوجب التوقف إلى دليل العموم )
فيعمل به حينئذ أو الخصوص فيعمل به حينئذ
( فيفيد )
هذا
( أنه )
أي القول بالإجمال
( قول القائل باشتراك الصيغة )
بين العموم والخصوص
( وهو )
أي القول باشتراكها بينهما
( أحد قولي الأشعري ونسبته )
أي الإجمال
( إلى الأشعرية غير واقع بل إلى الأشعري )
أيضا
( لتوقفه في الصيغ )
المستعملة في العموم أنها موضوعة له خاصة
( للاشتراك له )
أي للأشعري أي لقوله بأنها مشتركة بينهما
( أو لا له )
أي للاشتراك بل لكونه لا يدري كونها موضوعة للعموم أو الخصوص
( في )
قول
( آخر )
للأشعري
( وإذا فمعلوم تفرع التوقف على مذهب الاشتراك )
بينهما كائنا من كان القائل به
( والوقف )
في كونها للخصوص أو العموم
( إلى المعين )
للمراد من خصوص أو عموم
( وقد أفرد المبنى )
لهذا الخلاف وهو أن الصيغ المستعملة للعموم هل هي خاصة به أو بالخصوص أو مشتركة بينهما
( بالبحث )
كما قدمناه مع إبطال الاشتراك والوقف
( فيستغنى به )
أي بإفراد المبنى بالبحث
( عن هذه )
المسألة لتفرعها عليه
( وتفارق )
هذه المسألة
( مسألة منع العمل به )
أي بالعام
( قبل البحث عن المخصص بأن البحث )
المتوقف عليه على هذا القول أعني قول الإجمال للاشتراك
( يظهر المراد من المفاهيم )
الوضعية لغرض الاشتراك
( وهناك أي والبحث في مسألة توقف العمل به على العمل عن المخصص يظهر
( إرادة المفهوم المتحد )
في الوضع وهو العموم أي أنه ثابت
( لا المجاز )
أي لا إرادة أنه مخصص أو بالعكس
( ولو جعلت هذه )
المسألة
( إياها )
أي مسألة وجوب البحث عن المخصص للعام قبل العمل به
( أشكل بنقل الإجماع فيها )
أي في مسألة وجوب البحث عن مخصص العام قبل العمل به كما سيأتي
( بخلاف هذه )
فإنها لم ينقل فيها الإجماع على ذلك بل نقلوا فيها الخلاف كما علمت
( فإن قيل )
الإجماع المذكور مستبعد لأن العام الوارد إلى المجتهد
( إن اشتهر المجاز أعني الخصوص )
فيه يعني كونه مجازا في البعض لكونه مخصوصا
( فلا إجماع على التوقف )
بل يعمل بالخصوص
( وإلا فكذلك )
أي وإن لم يشتهر ذلك فيه فلا إجماع على التوقف أيضا لأنه حينئذ يجب العمل بالحقيقة وهي العموم
( فالجواب قد يقع التردد فيه )
أي الخصوص باشتباه القرائن
( والمزاحمة )
أي مزاحمة ما يوجب الاحتمال
( فيلزم حكم المجمل )
وهو التوقف إلى أن يظهر المراد منه بطريقه
( وهو )
أي التردد في الخصوص
( ثابت في خصوص هذه الحقيقة بسبب ما من عام إلا وقد خص )
حتى هذا
( وجوابه )
أي الإجمال على تقدير كون دليله الاشتراك في كونها للعموم والخصوص أو الوقف في ذلك
( بطل الاشتراك والوقف كما تقدم )
في البحث الثاني والله سبحانه الموفق
267
267
( مسألة نقل الإجماع على منع العمل بالعام قبل البحث عن المخصص )
ومن ناقليه الغزالي والآمدي وابن الحاجب
( وهو )
أي نقل الإجماع المذكور
( إما لعدم اعتبار قول الصيرفي )
يتمسك به ابتداء ما لم يظهر مخصص
( لقول إمام الحرمين إنه )
أي قول الصيرفي
( ليس من مباحث العقلاء بل صدر عن غباوة وعناد وإما لتأويله )
أي قول الصيرفي كما ذكر العلامة الشيرازي
( بوجوب اعتقاد العموم قبل ظهور المخصص فإن ظهر )
المخصص
( تغير )
اعتقاد العموم
( وإلا )
أي وإن لم يظهر
( استمر )
اعتقاد العموم قال المصنف
( وقد يقال الفرق )
بين الاعتقاد والعمل بأنه يجب اعتقاده قبل البحث عن مخصصه ولا يجوز العمل قبله
( تحكم )
لأن الاعتقاد إنما هو للعمل فإيجاب اعتقاده يوجب إيجاب العمل به فلا يفيد هذا التأويل رجوعه إلى الإجماع
( وكلام البيضاوي )
وهو يستدل بالعام ما لم يظهر المخصص وابن سريج أوجب طلبه أولا
( لا يحتمل ذلك التأويل فلا ينصرف عنه )
أي عن قول الصيرفي بهذا
( قول الإمام ومثله )
أي العام في منع العمل به قبل البحث عن المخصص
( كل دليل يمكن معارضته )
أي عدم العمل به فلا يجوز العمل بدليل ما قبل البحث عن وجود معارض
( وهذا لأنه )
أي الدليل
( لا يتم دليلا )
موجبا للعمل
( إلا بشرط عدمه )
أي المعارض
( فيلزم الاطلاع على الشرط )
وهو عدم المعارض
( في الحكم بالمشروط )
وهو العمل به وهنا أمور لا يتم المطلوب إلا بمعرفتها فلا علينا أن نذكرها
الأمر الأول قال الشيخ تاج الدين السبكي دعوى الإجماع على أنه لابد من البحث ممنوعة فالمسألة مشهورة بالخلاف بين أئمتنا حكاه الأستاذ أبو إسحاق الاسفرايني والشيخ أبو إسحاق الشيرازي ومن يطول تعداده وعليه جرى الإمام الرازي وأتباعه اه وقدح الفاضل الأبهري فيه أيضا مع مخالفة الصيرفي بأنه إن كان في عصره فكيف ينعقد مع مخالفته وهو من أهل الإجماع ولو كان قبله لعرفه فلم يخالفه لأنه أقعد بمعرفته وإن كان بعده لم يخالفه من بعد ابن الحاجب الحاكي له لكن خالفه كثير من العلماء المحققين كمصنفي الحاصل والتحصيل والمنهاج فإنهم اختاروا جواز العمل به والتمسك به ما لم يظهر مخصص وأسندوا إيجاب طلبه إلى ابن سريج اه وأضاف الشيخ أبو حامد إليه الاصطخري وابن خيران والقفال الكبير ثم قال وزعم ابن سريج ورفقته أن ما ذهبوا إليه مذهب الشافعي لأنه قال وعلى أهل العلم في الكتاب والسنة أن يطلبوا دليلا يفرقون به بين الحتم وغيره في الأمر والنهي فأخبر أنه يجب أن يطلب دليلا يستدل به على موجب اللفظ
الأمر الثاني قال السبكي أيضا والذي عليه الصيرفي أنه يجب اعتقاد العموم في الحال والعمل بمقتضاه كما نقله من ذكرنا واقتصر القاضي أبو الطيب وإمام الحرمين وابن السمعاني في النقل عنه على وجوب اعتقاد العموم في الحال اه فانتفى تأويل العلامة بما عليه ثم إن الفاضل الكرماني قال بعد حكاية قول الصيرفي قلت وهو موافق لما في
268
268
رسالة الشافعي والكلام إذا كان عاما ظاهرا كان على عمومه وظهوره حتى يأتي دلالة على خلاف ذلك انتهى وقد قال السبكي ثم قال الشيخ أبو حامد وذكر الصيرفي أن ما ذهب إليه مذهب الشافعي فذكر هذا بعينه وكأن الكرماني لم يطلع عليه فتوارداه
الأمر الثالث قال الكرماني مثار الخلاف التردد في أن التخصيص مانع أو عدمه شرط فالصيرفي يقول إنه مانع فيتمسك به ما لم ينهض المانع لأن الأصل عدمه وابن سريج يقول عدمه شرط فلابد من تحققه انتهى والشأن في الترجيح
الأمر الرابع قال السبكي أيضا وأما قول ابن الحاجب وكذا كل دليل مع معارضه فهي طريقة بعض الأصوليين وعليها جرى الشيخ أبو حامد حيث قال وهكذا الخلاف بين أصحابنا في لفظ الأمر والنهي إذا وردا مطلقين والأصح عندنا ومنهم من نقل فيه الإجماع أنه لا يجب عند سماع الحقيقة طلب المجاز وإن وجب عند سماع العام البحث عن الخاص لأن تطرق التخصيص إلى العمومات أكثر وأيده بتوجيه عن أبيه ثم نقل عنه أنه قال ومن شبه العام بالحقيقة فقد أتى بساقط من القول
الأمر الخامس حكى الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني الاتفاق على التسمك بالعام في حياة النبي صلى الله عليه وسلم قبل البحث عن المخصص لتأكد انتفاء احتمال المخصص ثمة لأن التمسك بالعام إذ ذاك بحسب الواقع فيما ورد لأجله من الوقائع وهو قطعي الدخول عند الأكثر ثم قال لمصنف بناء على وجوب البحث قبل العمل
( والخلاف في قدر البحث والأكثر )
أنه يبحث
( إلى أن يغلب ظن عدمه )
أي المخصص
( وعن القاضي أبي بكر إلى القطع به )
أي بعدمه
( لنا لو شرط )
القطع به
( بطل )
العمل بأثر العمومات المعمول بها اتفاقا إذ القطع لا سبيل إليه والغاية عدم الوجدان عند البحث والنظر وهو لا يدل على عدم الوجود
( قالوا )
أي القاضي ومن تبعه
( إذا كثر بحث المجتهد )
عن المخصص
( ولم يجد قضت العادة بعدم الوجود أجيب بالمنع فقد يجد )
المجتهد المخصص
( بعد الكثرة )
أي كثرة بحثه عنه وحكمه بالعموم
( ثم يزيد )
في البحث استظهارا في أمره فيظهر وجوب العمل به
( فيرجع )
عن الحكم بالعموم ثم هذه المسألة لم أقف فيما وصل الناظر القاصر إليه من كتب الحنفية على صريح لهم فيها نعم أصولهم توافق ما ذهب إليه الصيرفي ولا سيما ما ذهب إليه معظمهم القائلون بأن موجبه قطعي كموجب الخاص والله سبحانه أعلم
( مسألة صيغة جمع المذكر )
السالم وإنما لم يقيد به كغيره مع كونه المراد لأنه اختص في العرف به من إطلاقه وإن كان صادقا لغة على نحو قوم قيام ذكره المصنف والأولى أن يقال الصيغة التي يصح إطلاقها على الذكور خاصة الموضوعة بحسب المادة لهم وللإناث كما سننبهك عليه
( ونحو الواو في فعلوا )
ويفعلون وافعلوا
( هل يشمل النساء وضعا نفاه
269
269
الأكثر إلا في تغليب )
وغير خاف أنه استثناء منقطع
( خلافا للحنابلة )
والاتفاق على أن صيغة جمع المذكر الموضوعة بحسب المادة للذكور خاصة كالرجال لا تتناول النساء وجمع المؤنث لا يتناول المذكر كالإناث والمسلمات وإن الصيغة الموضوعة لما هو أعم من الذكور كالناس تتناولهما
( للأكثر إن المسلمين والمسلمات )
إذ لو كان مدلول المسلمات داخلا في مدلول المسلمين لما حسن هذا لأنه تكرار بلا فائدة فإن قيل بل له فائدة وهي التنصيص والتأكيد كعطف الصلاة الوسطى على الصلوات قلنا يعارضها فائدة الابتداء الذي هو الأصل أعني التأسيس ثم تقدم على فائدة التكرار كما قال
( وفائدة الابتداء أولى من النصوصية بعد التناول ظاهرا )
إذ الإفادة خير من الإعادة ولا يقال الإفادة بطريق النصوصية دون الظهور تأسيس لا تأكيد لأنا نقول ليس هذا إلا تقوية لمدلول الأول تدفع توهم التجوز وعدم الشمول وهو معنى التأكيد
( وسببه )
أي وللأكثر أيضا سبب نزول هذه الآية
( وهو قول أم سلمة يا رسول الله إن النساء قلن ما نرى الله ذكر إلا الرجال فأنزلت في مسند أحمد من طريق أم سلمة ومن طريق أم عمارة وحسنه الترمذي )
إلا أن ظاهر هذا أن هذا اللفظ في مسند أحمد من هاتين الطريقين وأن الترمذي حسنه وليس كذلك فإن الذي في مسند أحمد عن أم سلمة قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال قالت فلم يرعني منه ذات يوم إلا ونداؤه على المنبر أيها الناس قالت وأنا أسرح رأسي فلففت شعري ثم دنوت من الباب فجعلت سمعي عند الجريد فسمعته يقول إن الله عز وجل يقول ! < إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات > ! هذه الآية بل قال شيخنا الحافظ جاء من طرق عن أم سلمة لم أر في شيء منها أوله هكذا انتهى ولا ذكر له من طريق أم عمارة في مسند أحمد نعم هو في جامع الترمذي من طريقها بلفظ أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما أرى كل شيء إلا للرجال وما أرى النساء يذكرن بشيء فنزلت هذه الآية ! < إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات > ! الآية هذا حديث حسن غريب وإنما يعرف هذا الحديث من هذا الوجه وقال شيخنا الحافظ رجاله رجال الصحيح لكن اختلف في وصله وإرساله رواه شعبة عن حصين مرسلا وهو أحفظ من سليمان بن كثير يعني الراوي له عن حصين عن عكرمة مرفوعا وذكر مقاتل بن حيان في تفسيره أن أسماء بنت عميس سألت أيضا عن ذلك نحو سؤال أم عمارة وعلى كل حال فلا ضير فإن الحاصل أنهن نفين ذكرهن مطلقا ( فقرر )
النبي صلى الله عليه وسلم
( النفي )
ولو كن داخلات لم يصدق نفيهن ولم يقررهن عليه بل منعهن منه
( وهن أيضا من أهل اللسان )
نعم أخرج الطبري بإسناد صحيح عن قتادة قال دخل نساء من المؤمنات على نساء النبي صلى الله عليه وسلم فقلن قد ذكركن الله في القرآن ولم نذكر بشيء أما فينا ما يذكر فأنزل الله تعالى ! < إن المسلمين والمسلمات > ! الآية ورواه ابن سعد عنه نحوه فإن لم يكن ما تقدم راجحا عليه وإلا فهو معكر للمطلوب والله تعالى أعلم
270
270
( قالوا )
أي الحنابلة
( صح )
إطلاقه
( للمذكر والمؤمنث )
كاهبطوا منها جميعا خطابا لآدم وحواء وإبليس
( كما للمذكر فقط والأصل )
في الإطلاق
( الحقيقة أجيب يلزم الاشتراك )
اللفظي على هذا التقدير
( والمجاز خير )
منه قال الكرماني وللخصم أن يمنع أنه للرجال وحدهم حقيقة بناء على مذهبه من أنه ظاهر في الكل
( واعلم أن من المحققين )
وهو ابن الحاجب
( من يورد دليلهم )
أي الحنابلة
( هكذا المعروف )
من أهل اللسان
( تغليب الذكور )
على الإناث عند اجتماعهما باتفاق وهذا إنما يتصور بدخول النساء فيه
( ويجيب بكونه إذا مجازا وأنه خير إلى آخره وهو )
أي إيراد دليلهم هكذا
( بعيد )
منهم
( إذ اعترافهم بالتغليب اعتراف بالمجاز )
لأنه نوع منه
( وعلى كل تقدير )
من إيراد دليلهم على ما ذكرنا ومن إيراده على ما قاله هذا المحقق
( فالانفصال )
عن دليلهم
( يكون المجاز خيرا إنما هو في اللفظي ويمكن ادعاؤهم المعنوي أي هو )
أي جمع المذكر
( للأحد الدائر في عقلاء المذكرين منفردين أو مع الإناث فلا يتم )
الانفصال المذكور لأن المعنوي خير من المجاز
ويدل عليه )
أي على أن الصيغة للمشترك المعنوي
( شمول الأحكام المعلقة بالصيغة )
لهن أيضا كوجوب الصلاة والزكاة والصيام الثابت بقوله تعالى ! < وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة > ! وقوله ! < يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام > !
( فإن قيل )
شمولها لهن
( بخارج )
كالحديث الحسن الذي أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم
إنما النساء شقائق الرجال
والإجماع
( منع )
كون شمولها لهن بخارج إذ لا معين لذلك
( فإن استدل بعدم دخولهن في الجهاد والجمعة وغيرهما )
كحل الاستمتاع بملك اليمين في نحو قوله تعالى ! < وجاهدوا في الله حق جهاده > ! ! < فاسعوا إلى ذكر الله > ! ! < والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم > !
( لعدمه )
أي دخولهن في أحكام أخر حتى أنه يحتاج ثبوت وجوب الصلاة والزكاة والصيام ونحوها في حقهن إلى دليل غير الصيغ المذكورة
( فقد يقال بل ذلك
أي عدم دخولهن فيما لم يدخلن فيه من أحكام الصيغ المذكورة
( بخارج )
عنها
( وهو )
أي عدم دخولهن فيما لم يدخلن فيه من ذلك بخارج
( أولى من دخولهن )
فيما دخلن فيه من ذلك
( به )
أي بخارج
( لأنه )
أي عدم دخولهن المذكور
( أقل )
من دخولهن المذكور
( وإسناد الأقل إلى الخارج أولى )
من إسناد الأكثر إليه لما فيه من تقليل خلاف الظاهر
( خصوصا بعد ترجيح المعنوي )
على اللفظي والمجاز ثم الخارج المخرج لهن من الجهاد والجمعة وحل الاستمتاع بملك اليمين الإجماع وقول النبي صلى الله عليه وسلم
الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض
رواه أبو داود وقال النووي على شرط الشيخين وما في صحيح البخاري عن عائشة استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاد فقال
جهادكن الحج
وما روى ابن ماجه بإسناد على شرط الصحيح عنها قلت يا رسول الله هل على النساء جهاد قال
نعم جهاد لا قتال فيه الحج
271
271
والعمرة
إلى غير ذلك
( ولا حاجة بعد ذلك )
أي كونه جمع الواحد المعنوي
( إلى الاستدلال )
لدخولهن حقيقة
( بالإيصاء لنساء ورجال )
بشيء
( ثم قوله أوصيت لهم )
بكذا حيث يدخل النساء في لهم ثم يدفع بأن تقدم الجمعين الخاصين قرينة إرادة الكل مجازا كما ذكر ابن الحاجب للاستغناء عنه بما ذكرنا من المعنوي مع أنه أقوى
( وحينئذ )
أي وحين ترجح قول الحنابلة
( فقولها )
أي أم سلمة نقلا عنهن بناء على اللفظ الذي ذكره المصنف ما معناه
( ما نرى الله ذكرهن )
فإن المفهوم من قولهن ما ذكر إلا الرجال
( أي )
ما ذكرهن
( باستقلال )
وقولها نفسها على ما ذكرنا ما لنا لا نذكر أي مستقلات وقول أم عمارة وما أرى النساء يذكرن بشيء أي مستقلات جمعا بين الأدلة
( ولا يخفى عدم تحقق الخلاف في نحو زيدون )
لأنه موضوع بحسب المادة للذكور خاصة وهذا ما تقدم الوعد بالتنبيه عليه
( إلا بفرض امرأة مسماة بزيد )
فإنه حينئذ يتحقق لعدم اختصاصه بحسب المادة بالذكور
( وأما أسماء الأجناس كمسلمون فقد يستدل به )
للأكثر
( للاتفاق على أنه جمع المذكر والجمع لتضعيف الواحد وهو مسلم ومسلم غير مسلمة ولهم أي الحنابلة دفعه أي هذا الاستدلال بأن الجمع للتضعيف )
للواحد
( لكن الكلام في كونه )
أي الواحد المضعف
( الواحد المذكر ليس غير )
أو والمؤنث أيضا
( وتسميته )
أي هذا الجمع
( بجمع المذكر اصطلاح )
لأهل العربية لا للعرب فلا تقوم به الحجة
( فإن قيل )
لو كان مسلمون جمعا لمسلمة أيضا لزم أن لا يصح فيه الواحد فلم يكن جمع تصحيح ثم يقال استبعادا
( فأين تذهب التاء في مسلمة التي هي من آحاده قيل مذهبها في صواحب أو طلحون على رأي أئمة الكوفة )
وابن كيسان إلا أنه فتح اللام في طلحون قياسا على أرضون وإن منعه البصريون وقالوا إنما يجمع على طلحات كما هو المسموع والحرف أن الخلو من تاء التأنيث المغايرة لما في عدة وثبة علمين شرط لهذا الجمع فقال البصريون نعم وقال الكوفيون لا ثم قد عرفت من هذا أن القول بأنها ذهبت مذهبها في طلحون أولى لأن كلا منهما جمع تصحيح بخلاف صواحب
( والوجه أن الاستدلال بتسمية جمع المذكر من كل أئمة اللغة استدلال بإجماعهم )
على ذلك فتقوم به الحجة
( وإلا لقالوا جمع المختلط )
لأنه في الحقيقة كذلك
( والأصل عدم التغليب في التسمية بل )
كان
( يجب )
أن يقولوا جمع المختلط
( دفعا لموهم فحيث قالوه )
أي جمع المذكر
( كان )
هذا الجمع
( ظاهرا في الخصوص )
بالذكور
( ويدفع )
هذا بأنه
( لما لزمه )
أي لفظ جمع المذكر
( الذكور حيث كان )
جمع الذكور
( للأعم منهم )
أي من الذكور
( منفردين أو مختلطين كان نسبته )
أي جمع المذكر
( إليهم )
أي الذكور
( أولى من المختلط إذ لا يلزمه )
أي الاختلاط هذا الجمع
( وحينئذ )
أي وحين كان الأمر على هذا
( ترجح الحنابلة وهو قول الحنفية )
أيضا وفي البديع وأكثر أصحابنا والحنابلة يدخلن تبعا
( وعليه )
أي القول بتناول جمع المذكر الإناث
( فرع أمنوني على بني تدخل بناته )
ثم كر المصنف على قول الحنابلة مرجحا لقول الأكثر
272
272
فقال
( والأظهر خصوصه )
أي جمع المذكر بالذكور
( لتبادر خصوصهم عند الإطلاق )
من غير قرينة والتبادر عنده بدونها من أمارات الحقيقة
( ودخول البنات )
في الأمان على البنين
( للاحتياط في الأمان حيث كان مما تصح إرادته )
أي الأمان عليهن من الأمان عليهم تبعا حقنا للدم أو بعموم المجاز في البنين بالأولاد
( مسألة هل المشترك عام استغراقي في مفاهيمه فالحكم عليه )
أي المشترك
( يتعلق بكل منها )
أي مفاهيمه
( لا المجموع )
منها من حيث هو مجموع بحيث لا يفيد أن كلا من معانيه مناط الحكم والفرق بينهما ما هو الفرق بين الكل الإفرادي والكل المجموعي فمن ذلك أن الإفرادي جزء من المجموعي ومن ثمة يصح كل واحد يشبعه رغيف بالمعنى الإفرادي دون المجموعي ولا يصح كل واحد يحمل هذا الحجر العظيم بالمعنى الإفرادي دون المجموعي فإنه لا نزاع في عدم جوازه حقيقة ولا في جوازه مجازا إن وجدت علاقة مصححه ولا في صحة إرادة كل من معانيه على سبيل البدل بأن يطلق تارة ويراد معنى من معانيه ويطلق تارة ويراد معنى غير ذاك ولا في كونه حقيقة ولا في صحة أن يراد به أحد معانيه من غير تعيين وهو ما لا يتجاوزها وإنما الشأن في كونه حقيقة أو مجازا فقال صاحب المفتاح حقيقة وقال آخرون مجاز
( فعن الشافعي نعم )
أي يجوز حقيقة نقله إمام الحرمين والغزالي والآمدي
( والحنفية لا )
يجوز حقيقة
( ولا مجازا )
ووافقهم البصريان أبو الحسين وأبو عبد الله وأبو هاشم وغيرهم
فقيل )
عدم الجواز
( لغة كالغزالي )
وأبي الحسين وفخر الدين الرازي لا عقلا
( وقيل )
عدم الجواز
( عقلا )
وهو مختار صدر الشريعة
( الآمدي يصح مجازا )
وهذا مخالف لما في شرح المنهاج للإسنوي وتوقف الآمدي فلم يختر شيئا اه نعم ذهب إلى هذا إمام الحرمين واختاره ابن الحاجب
( وقيل )
يصح
( في النفي فقط حقيقة وعليه )
أي هذا القول
( فرع في وصايا الهداية )
فقال في مسألة من أوصى لمواليه وله موال أعتقهم وموال اعتقوه فالوصية باطلة لأن أحدهما مولى النعمة والآخر منعم عليه فصار مشتركا فلا ينتظمهما لفظ واحد في موضع الإثبات بخلاف ما إذا حلف لا يكلم موالي فلان حيث يتناول الأعلى والأسفل لأنه مقام النفي فلا تنافي فيه
( وفي المبسوط حلف لا أكلم مولاك وله أعلون وأسفلون أيهم كلم حنث لأن المشترك في النفي يعم وهو المختار
عند المصنف
( والقاضي والمعتزلة )
على ما في مختصر ابن الحاجب وفي البديع وبعض المعتزلة
( يصح حقيقة )
وعليه ظاهر ما في الاختيار في مسألة الوصية المذكورة وعن أبي حنيفة وأبي يوسف أنها جائزة وتكون للفريقين لأن الاسم ينتظمهما وما في شرح مختصر ابن الحاجب اللسبكي وقف على مواليه وله موال من أعلى وموال من أسفل الصحيح أنه يقسم بينهم
( فإن )
كانت صحة الإطلاق حقيقة
( للعموم )
أي لعمومه في مفاهيمه وهو ظاهر ذكر البديع إياهم مع الشافعي
( فكقول الشافعي )
بل هو هو فيكون العام على قولهم
273
273
قسمين متفق الحقيقة وهو عموم غير المشترك ومختلف الحقيقة وهو عموم المشترك
( أو للاشتراك في كلها )
أي مفاهيمه
( وكل منها )
أي مفاهيمه أي لوضعه لمجموعها ولكل منها أيضا وعلى هذا مشى الشيخ تاج الدين السبكي
( أو ليس )
المشترك
( كذلك )
أي مشتركا في الكل وكل من المفاهيم بل موضوع لكل منها لا غير لا للمجموع من حيث هو مجموع لعدم النزاع في عدم جوازه حقيقة كما تقدم وحينئذ فلا يتم قوله
( فمباين له )
أي لقول الشافعي لأن هذا عين الأول فإنما يتم فيما قبله لأنه على هذا مجمل عند القاضي ومن وافقه ظاهر في الجميع عند الشافعي
( فليس مذهب الشافعي أخص منه )
أي من قول القاضي ( كما قيل )
قاله المحقق التفتازاني
( ولأنه )
أي المشترك
( حقيقة )
في كل من معانيه
( يتوقف السامع في المراد بها )
أي بحقيقته بالنسبة إلى معانيه
( إلى القرينة )
المعينة له لإجماله في معانيه
( ومذهبه )
أي الشافعي
( لا يتوقف )
السامع في المراد بها إلى القرينة لظهوره في معانيه
( والمذهب هو المجموع )
من كونه حقيقة يتوقف السامع في المراد بها إلى القرينة إن كان هو مذهب القاضي أو من كونه حقيقة لا يتوقف السامع في المراد بها إلى القرينة إن كان هو مذهب الشافعي
( لا مجرد كونه حقيقة ووجود مشترك بينهما )
أي بين قولي الشافعي والقاضي
( هو صحة إطلاقه عليهما لا يوجب الأخصية )
لأحدهما بالنسبة إلى الآخر
( ككل متباينين تحت جنس )
كالإنسان والفرس المندرجين تحت الحيوان
( وعن الشافعي يعمم احتياطا )
نقله فخر الدين الرازي
( وهو أوجه النقلين عنه )
أي الشافعي
( للاتفاق على أنه )
أي عموم المشترك
( حقيقة في أحدهما )
أي أحد معنييه فصاعدا
( فظهوره )
أي عمومه
( في الكل )
أي كل من معانيه على سبيل الاستغراق الإفرادي لها
( فرع كونه )
أي عمومه
( حقيقة فيه )
أي في الكل
( أيضا وهو )
أي كون عمومه حقيقة في الكل
( بوضعه )
أي اللفظ
( له )
أي للكل
( أيضا فلزم )
كون الكل مدلولا للمشترك مفهوما آخر له أيضا فإذا هو مجمل إلا أنه كما قال فتعميمه أي المشترك
( استعمال في أحد مفاهيمه )
وهو الكل
( لأن فيه )
أي استعماله في هذا
( الاحتياط )
لما فيه من الخروج عن العهدة بيقين لأن في عدم الحمل على واحد منها أصلا تعطيله وفي الحمل على واحد منها ترجيحا بلا مرجح جعله أي الشافعي الاحتياط كالقرينة لكون الكل هو المراد فقال به قال السبكي ونقل عن القاضي أيضا وتظهر فائدة التردد في كونه مجملا أو عاما فيما إذا وقف على مواليه وليس له موال إلا من أعلى أو من أسفل قال الرافعي فالوقف عليه قال والده هذا إن جعلناه مجملا فإن انحصار الأمر في إحدى الجهتين يكون قرينة وأما إن قلنا إنه عام أو كالعام فإذا حدث له بعد ذلك موال من الجهة الأخرى يدخلون في الوقف كما لو وقف على أولاده وله أولاد ثم حدث آخر يشاركهم اه
( والجمع كالواحد عند الأكثر )
أي وجمع المشترك باعتبار معانيه كالعيون للباصرة والجارية وغيرهما من معاني العين كالمفرد المشترك في جواز إطلاقه على معانيه دفعة وعدمه عند
274
274
الأكثرين فمن أجاز في المفرد ذلك أجاز جمعه باعتبارها كذلك ومن منع في المفرد ذلك منع جمعه باعتبارها كذلك ومن فصل ثمة فصل هنا لأن جمع الاسم جمع ما اقتضاه فإن كان الاسم متناولا لمعانيه كان الجمع كذلك وإن كان لا يفيد سوى أحد معانيه فكذا جمعه
( وأجازه )
أي جمعه باعتبار معانيه
( آخرون مع منعه )
أي إطلاقه على معانيه دفعة
( في المفرد لأنه )
أي الجمع
( في قوة المتعدد بالعطف )
فكأنه استعمل كل مفرد في معنى وقد يجاب بالمنع أولا وبأنه بعد تسليم أنه تعديد الأفراد لكن لا مطلقا بل عديد أفراد نوع واحد بشهادة الاستقراء ثانيا ومن هذا يخرج الجواب عن جوازه قياسا على العلم ومنهم من أجاب عن هذا بلزوم اللبس على تقديره دون العلم والتثنية ملحقة بالجمع ثم للنحويين فيهما مذهبان الجواز وعليه ابن الأنباري وصححه ابن مالك وعليه قول الشاعر
( عينان إحداهما عارت وثانية
غارت فدمعي على العينين مسكوب )
فالمراد بهما الجارحة وهي التي عارت بالمهملة وعين الماء وهي التي غارت بالمعجمة وما في سنن أبي داود وصحيح ابن حبان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
الأيدي ثلاثة فيد الله العليا ويد المعطي التي تليها ويد السائل السفلى
والمنع قال أبو حيان وهو المشهور
( وشرط تعميمه )
أي المشترك في مفاهيمه
( مطلقا )
أي سواء كان مفردا أو مثنى أو مجموعا
( وإمكان الجمع )
بينهما فلا تعمم صيغة افعل على أنها حقيقة في كل من الإيجاب والتهديد فيهما لأن الإيجاب يقتضي الفعل والتهديد يقتضي الترك
( والاتفاق على منعه )
أي التعميم
( في المجموع )
من حيث هو مجموع وأشار إلى ما أسلفنا من الفرق بينه وبين محل النزاع بقوله
( فلا يتعلق الحكم إلا به )
أي بالمجموع على تقدير جريانه فيه
( على خلاف العام )
فإن الحكم يتعلق فيه بكل من أفراده
( و )
الاتفاق أيضا
( على منع كونه )
أي المشترك
( فيهما )
أي في مفهوميه
( حقيقة )
في أحدهما
( ومجازا )
في الآخر
( لنا يسبق إلى الفهم إرادة أحدهما )
أي معنيي المشترك على تقدير كونه مشتركا في معنيين على البدل
( حتى تبادر طلب المعين )
لأحدهما
وهو
أي معنييه طلب المعين
( موجب الحكم بأن شرط استعماله )
أي المشترك
( لغة كونه في أحدهما )
أي معنييه
( فانتفى ظهوره )
أي المشترك
( في الكل )
أي معنييه معا
( ومنع سبق ذلك )
أي إرادة أحدهما لا بخصوصه كما يشير إليه كلام المحقق التفتازاني
( مكابر تضمحل بالعرض )
على أهل عرف الاستعمال فيسألون أي شيء يفهمون إذا أطلق لفظ عين هل يفهمون إرادة الباصرة والجارية وكذا وكذا أو يفهمون أن المتكلم أراد أحدها ويتوقفون في تعيينه إلى أن يدل عليه دليل
( وإلزام كونه )
أي المشترك
( مشتركا معنويا )
لا لفظيا على تقدير سبق أحدهما لا بعينه كما يشير إليه كلام المحقق التفتازاني أيضا
( ممنوع فإنه )
أي المشترك اللفظي
( ما )
أي اللفظ الذي
( تعددت أوضاعه للمفاهيم )
وهذا كذلك بخلاف المعنوي
( وشرط كون استعماله )
أي المشترك
( في الإثبات في بعضها )
أي بحيث يستعمل في الإثبات في بعض المفاهيم
( كالمعنوي للأفراد فلزم فيهما )
أي
275
275
المعنوي واللفظي
( تبادر الأحد والتوقف إلى المعين فاشتركا )
أي المعنوي واللفظي
( في لازم )
هو التبادر والتوقف المذكوران
( مع تباين الحقيقتين )
أي حقيقتيهما فلا يستدل بهذا اللازم على أحدهما بعينه لأن الأعم لا يدل على الأخص بخصوصه
( وأيضا اتفاق المانعين لوجوده )
أي المشترك
( على تعليله )
أي المنع لوجوده
( بأنه )
أي المشترك
( مخل بالفهم والمجيبين على أن الإجمال مما يقصد اتفاق الكل على نفي ظهوره )
أي المشترك
( في الكل )
أي في معنييه فصاعدا
( وأيضا لو عم )
المشترك في معنييه فصاعدا
( كان مجازا )
في أحدهما
( لأنه حينئذ )
أي حين يكون المراد أحدهما
( عام مخصوص لا يقال ذلك )
أي إنما يكون مجازا في أحدهما إذا عم فيهما
( لو لم يكن موضوعا له )
أي لأحدهما أيضا
( لأنه حينئذ )
أي حين يكون موضوعا لأحدهما
( مشترك بين الكل والبعض )
لوضعه للكل ولكل واحد
( فيلزم التوقف في المراد منهما ) أي من الكل والبعض
( إلى القرينة )
المعينة لما هو المراد منهما
( فلا يكون )
المشترك
( ظاهرا في الكل )
كما عن الشافعي
( فلو عم )
المشترك
( فلغيره )
أي فلغير كونه موضوعا للعموم
( كما نقل عن الشافعي أنه أي عمومه احتياط للعلم أي ليقع العلم بفعل المراد أي مراد المتكلم بالمشترك قلنا لا يتوصل إليه )
أي إلى أنه عام في الكل للاحتياط
( إلا بالعلم بشرع ما علم أنه لم يشرع )
إذ المشروع أنه لواحد لا للكل
( وهو )
أي شرع ما علم أنه لم يشرع
( حرام والتوقف إلى ظهور المراد الإجمالي واجب فبطل كونه عاما في معنييه فصاعدا حقيقة وأما بطلانه أي عمومه في معانيه
( مجازا فلنعدم العلاقة )
بينه وبين أحد معانيه الذي هو المعنى الحقيقي له والمجاز لا يتصور الجميع باعتبار إطلاق اسم البعض على الكل أجيب بأنه لا يجوز
( والجزء في الكل مشروط بالتركب الحقيقي وكونه إذا انتفى الجزء انتفى الاسم عن الكل عرفا كالرقبة على الكل )
أي كإطلاق الرقبة على الإنسان
( بخلاف الظفر )
أي إطلاقه أو الأصبع على الإنسان فإنه لا ينتفي الإنسان عرفا بانتفاء الظفر أو الأصبع ونحو الأرض لمجموع السموات والأرض أي وبخلاف إطلاقها عليه فإنه لا قائل بصحته لعدم التركب الحقيقي
( على أنه )
أي تعميم المشترك في معانيه
( ليس منه )
أي من إطلاق البعض على الكل
( لأنه )
أي المشترك
( لم يوضع لمجموعها )
أي المفاهيم
( ليكون كل مفهوم جزء ما وضع )
المشترك
( له خصوصا على قول المجاز )
أي أنه يعم في مفاهيمه مجازا لانتفاء الوضع الحقيقي في المجاز
( وأما صحته )
أي عمومه حقيقة
( في النفي )
كما هو المختار
( فإن المنفي ما يسمى بالفظ )
فيتناول سائر مسمياته لكن الفاضل الأبهري ذكر أنه لا كلام في صحة هذا ومجازيته كما يؤول العلم بما يسمى به وهو الأشبه فيما يظهر
( المصححون حقيقية وضع لكل )
من المفاهيم
( فإذا قصد الكل )
أي جميعها به
( كان )
مستعملا له
( فيما وضع له قلنا اسم الحقيقة )
إنما يثبت للفظ
( بالاستعمال لا بالوضع فإذا شرط في الاستعمال عدم الجمع )
بين مفاهيمه في الإرادة منه دفعة لغة
( امتنع )
استعماله في الجميع
( لغة فلو استعمل )

276
276
في الجميع
( كان خطأ فضلا عن كونه حقيقة )
فيه وحينئذ
( فيمتنع وجوده )
أي استعماله في الجميع
( في لسان الشرع واللغة ودليل الاشتراط )
المذكور
( ما قدمنا )
من تبادر الأحد من معانيه لكن على هذا بالنسبة إلى المفرد ما سيأتي مع جوابه وإلى التثنية والجمع ما قدمنا من الشعر والحديث
( قالوا )
أي المجوزون في دفع الامتناع
( وقع )
استعماله كذلك في القرآن العظيم قال تعالى ! < إن الله وملائكته يصلون > ! ! < ألم تر أن الله يسجد له > !
( الآية وهي )
أي الصلاة
( من الله الرحمة ومن غيره الدعاء فهو )
أي لفظ يصلون
( مشترك )
وقد استعمل بكل من معنييه في هذه الآية
( والسجود في العقلاء بوضع الجبهة )
على الأرض
( ومن غيرهم )
هو
( الخضوع )
فهو إذا مشترك استعمل بكل من معنييه في هذه الآية أيضا
( قلنا إذا لزم كونه )
أي اللفظ
( حقيقة في معنيين وأمكن جعله )
أي اللفظ
( لمشترك بينهما )
أي المعنيين
( لزم )
كونه كذلك لا مشتركا لفظيا لأن التواطؤ خير من الاشتراك اللفظي وهنا كذلك
( فالسجود )
أي معناه
( المشترك )
بين سجود العقلاء وغيرهم هو
( الخضوع الشامل )
للاختياري والقهري
( قولا وفعلا )
وهو انقياد المخلوق لأمر الله وتصرفه فيه
( فهو )
أي الخضوع
( متواطئ فيسجد له يخضع له من في السموات والأرض وهو )
أي الخضوع
( لجنسيته يختلف صورة ففي العقلاء بالوضع وفي غيرهم بغيره )
أي وضع الجبهة على الأرض مما يفيد معنى الخضوع
( فاندفع الاعتراض بأنه إذا أريد القهري شمل الكل فلا وجه لتخصيص كثير من الناس أو الاختياري لم يتأت في غيرهم )
أي غير العقلاء
( وكذا الصلاة موضوعة للاعتناء )
بالمصلى عليه
( بإظهار الشرف )
ورفع القدر له
( ويتحقق )
الاعتناء المذكور
( منه تعالى بالرحمة ومن غيره بدعائه له تقديما للاشتراك المعنوي على اللفظي أو يجعل )
ذلك المعنى المشترك للذي ذكرنا أنه المعنى الكلي الشامل للمعاني المختلفة
( مجازا فيه )
أي في كل من السجود والصلاة على التوزيع فالسجود للخضوع مجاز والصلاة لإظهار الاعتناء مجاز
( فيعم )
المعنى المجازي المعنى الحقيقي فيهما وهو وضع الجبهة في السجود والدعاء في الصلاة
( وأما أهل التفسير فعلى إضمار خبر للأول )
في آية الصلاة أي إن الله يصلي وملائكته يصلون فحذف يصلي لدلالة يصلون عليه كما في قول القائل
( نحن بما عندنا وأنت بما
عندك راض والرأي مختلف )
وعلى هذا فقد كرر اللفظ مرادا به في كل مرة معنى لأن المقدر في حكم الملفوظ وهذا جائز اتفاقا
( وعليه )
أي منع تعميم المشترك
( تفرع بطلان الوصية لمواليه وهم له من الطرفين )
كما قدمنا لأنه لما لم يعمهما اللفظ وليس أحدهما بأولى من الآخر بقي الموصى له مجهولا فبطلت وقياس ما أسلفناه عن السبكي في مسألتهم في الوقف أنها لو كانت في الوصية أن يكون بينهم كذلك أيضا والله تعالى أعلم
( مسألة المقتضى )
بفتح الضاد
( ما استدعاه صدق الكلام كرفع الخطأ والنسيان أو )
ما استدعاه
( حكم )
للكلام
( لزمه )
أي الحكم الكلام
( شرعا )
فهذان مقتضيان بكسر الضاد وأما
277
277
المقتضى فيهما فيذكره قريبا
( فإن توقفا )
أي الصدق والحكم المذكوران
( على خاص بعينه أو عام لزم )
ذلك الخاص أو العام
( ومنع عمومه )
أي المقتضى بالفتح
( هنا )
أي فيما إذا توقف على عام
( لعدم كونه لفظا )
كما ذكره جمع من متأخريهم صدر الشريعة
( ليس بشيء لأن المقدر كالملفوظ )
في إفادة المعنى
( وقد تعين )
المقدر بصفة العموم بالدليل المعين له فيكون عاما
( وأيضا هو )
أي المقدر
( ضروري لفرض التوقف )
أي توقف الكلام صدقا أو صحة شرعية
( عليه )
أي المقدر
( وإلا )
فلو كان غير متوقف عليه صدقا أو صحة شرعية
( فغير المفروض ولو كان )
توقف الصدق أو الحكم شرعا
( على أحد أفراده )
أي العام
( لا يقدر ما يعمها )
أي أفراده
( بل إن اختلفت أحكامها ولا معين (
لأحدها
( فمجمل )
أي المقدر فيكون حكمه حكم المجمل
( أو لا )
تختلف أحكامها
( فالدائر )
بينها أي فواحد منها ونسب إلى الشافعية أنه يقدر ما يعمها
( لنا )
في أنه لا يقدر ما يعمها أنه
( إضمار الكل بلا مقتض )
فلا يجوز لأن ما يقدر للضرورة يقدر بقدرها قالوا أي المعممون إضمار ما يعمها كرفع حكم الخطأ والنسيان عموما في أفراده ليشمل كل حكم لهما حيث لم ترتفع ذاتهما
( أقرب )
مجاز
( إلى الحقيقة )
كرفع ذات الخطأ والنسيان من سائر المجازات إليها لأن في رفع أحكامها رفعها والمجاز الأقرب إلى الحقيقة أولى من غيره
( قلنا إذا لم ينفه )
أي المجاز الأقرب كنفي عموم أحكام الخطأ والنسيان
( الدليل )
ولكن هنا نفاه وهو إضمار الكل بلا مقتض
( وكون الموجب للإضمار في البعض )
مبتدأ خبره
( ينفي الكل لما قلنا )
من كونه بلا مقتض أيضا
( ففي الحديث أريد حكمهما )
أي الخطأ والنسيان
( ومطلقه )
أي حكمهما
( يعم حكمي الدارين )
الدنيا والآخرة
( ولا تلازم )
بين الحكمين
( إذ ينتفي الإثم )
وهو حكم الآخرة
( ويلزم الضمان )
وهو حكم الدنيا كما في إتلاف مال محترم مملوك للغير خطأ
( فلولا الإجماع على أن الأخروي مراد توقف )
عن العمل به لإجماله لإجماله فيهما
( وإذ أجمع )
على أن الأخروي مراد
( انتفى الآخر )
وهو الدنيوي
( فسدت الصلاة بنسيان الكلام وخطئه )
مطلقا عند أصحابنا ولغيرهم تفاصيل تعرف في فروعهم
( والصوم بالثاني )
أي بالمفسد خطأ كسبق الماء إلى بطنه في المضمضة
( لا الأول )
أي بفعل المفسد من أكل وشرب نسيانا
( بالنص )
وهو ما في الصحيحين وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال
من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه
إلى غير ذلك
( ولو صح قياسه )
أي الخطأ
( عليه )
أي النسيان في عدم إفساد الصوم بجامع عدم القصد إلى الجنابة كما هو القول الأصح للشافعي إذا لم يبالغ في المضمضة والاستنشاق وقول أحمد إذا لم يسرف فيهما خلافا لأصحابنا ومالك بل وأكثر الفقهاء على ما قال الماوردي
( فدليل آخر )
ولا من حديث رفع الخطأ وإنما قال لو صح للنظر في صحته فقد يدفع بأنه قياس مع الفارق المؤثر لأنه قل ما يحصل الفساد بالأكل والشرب مع التذكر وعدم قصد الجناية كما في حالة الخطأ بخلاف حصوله بهما مع عدم التذكر وقيام مطالبة الطبع بالمفطرات فلا يلزم
278
278
من كونه عذر فيما يكثر وجوده مثله فيما لم يكثر إلى غير ذلك
( وأما الصلاة )
أي قياسها
( على الصوم )
في عدم الفساد بفعل المفسد نسيانا
( فبعيد لأن عذره )
أي المكلف
( ولا مذكر )
له كما في الصوم
( لا يستلزمه )
أي عذره
( معه )
أي المذكر كما في الصلاة لانتفاء التقصير منه في الأول دون الثاني
( ولذا )
أي ولأنه لا يلزم من ثبوت العذر عند عدم المذكر ثبوته مع المذكر
( وجوب الجزاء بقتل المحرم الصيد ناسيا )
لوجود المذكر له وهو التلبس بهيئة الإحرام
( وفي الثاني )
أي أعتق عبدك عني بألف
( لزم التركيب شرعا حكم )
وهو
( صحة العتق )
عن الأمر
( وسقوط الكفارة )
عنه إن نوى عتقه عنها فيقتضى سبق وجود الملك للآمر في العبد لأن إعتاقه عنه لا يصح بدون الملك بالنص والملك يقتضي سببا وهو هنا البيع بقرينة قوله عني بألف فيكون البيع لازما متقدما لمعنى الكلام كما أشار إليه بقوله
( ويقتضي )
هذا الحكم
( سبق تقدير اشتريت عبدك بألف في المتقدم )
أي في قول الآمر أعتق عبدك عني بألف على هذا
( وبعته في المتأخر )
أي وتقدير سبق بعته في قول المأمور أعتقته عنك على هذا وهذا أولى من تقديرهم مع الأول بعنيه بل القياس أن لا يكفي في المطلوب كما أشار إليه بقوله
( أما بعنيه فتوكيل للبائع فقط لا يجزئ )
في انعقاد البيع وإن استلزم قول المأمور أعتقته سبق بعته لأنه شطر العقد فلا يتم به وحده كما صرحوا به إذا كانا صريحين إلا أنا تركنا القياس لما أشار إليه بقوله
( لولا أنه ضمني )
إذ كم من شيء يثبت ضمنا ولا يثبت قصدا فلا ضير في ثبوته بلا قبول وإن كان ركنا لأنه مما يقبل السقوط كما في بيع التعاطي وإذا صح بيعا مجرد قطع ثوب جوابا لقول مالكه بعتكه بكذا فاقطعه فلا يبعد صحة هذا بدون ذكر القبول على أنه لم يشترط في هذا البيع ما هو شرط في البيع القصدي من كون المبيع مقدور التسليم حتى صح هذا في الآبق فيعتق عن الآمر ولم يثبت له بعض لوازمه من خيار الرؤية والعيب وإنما يثبت بشروط المقتضي وهو الإعتاق فيعتبر في الآمر أهليته للإعتاق حتى لو كان ممن لا يملك الإعتاق لا يثبت البيع به ولا يقال يشكل كون المقتضي لا عموم له بوقوع الثلاث بطلقي نفسك إذا طلقت نفسها ثلاثا وقد نواها الزوج لأنه بناء على أن المعنى طلقي نفسك طلاقا وهو جنس فيجوز أن يعمم بأن يراد به الثلاث مع أنه ثابت مقتضي لأنا نقول
( وليس من المقتضي )
بالفتح ما اقتضاه
( طلقي )
نفسك من المصدر
( لأن الجنس )
الذي هو طلاق
( مذكور لغة إذ هو )
أي طلقي
( أوجدي طلاقا )
لأنه لطلب الطلاق في المستقبل فلا يتوقف إلا على تصور وجوده لا فرق بينهما إلا من حيث الإيجاز والتطويل وهذا أحسن من قولهم إن معناه افعلي فعل الطلاق فيكون ثابتا لغة لا اقتضاء
( فصحت نية العموم )
فيه كما لو كان مصرحا به لأنه بمنزلته وحمله على الأقل كسائر أسماء الأجناس
( ونقض )
هذا
( بطالق )
فإن اسم الفاعل يتضمن المصدر كالفعل فينبغي أن تصح نية الثلاث فيه لكن الحنفية لم يصححوه حتى لو نوى الثلاث لم يقع إلا واحدة
279
279
( وأجيب بأنه )
أي المصدر
( المذكور )
لغة لا اقتضاء في أنت طالق
( طلاق هو وصفها )
أي المطلقة لأنها هي الموصوفة بطالق في أنت طالق
( وتعدده )
أي وصفها به
( بتعدد فعله )
يعني المطلق أي
( تطليقه )
لأن وصفها به أثر تطليقه
( وثبوته )
أي تطليقه
( مقتضى حكم شرعي هو الوقوع تصديقا له )
أي ثبت ضرورة أن اتصاف المرأة بالطلاق يتوقف شرعا على تطليق الزوج إياها سابقا ليكون صادقا في وصفه إياها به فيكون ثابتا اقتضاء
( فلا يقبل العموم ويدفع )
هذا كما أشار إليه في التلويح
( بأنه )
أي أنت طالق
( إنشاء شرعا يقع به )
الطلاق ولا مقدر أصلا لأنه بأي التقدير المذكور فرع الخبرية المحضة التي يثبت التقدير باعتبارها
( ولا تصح فيه )
أي في أنت طالق
( الجهتان )
الإنشائية والخبرية معا كما قيل إخبار من وجه إنشاء من وجه
( لتنافي لازمي الخبر والإنشاء )
أي احتمال الصدق والكذب الذي هو لازم الخبر وعدم احتمالهما الذي هو لازم الإنشاء
( والثابت له )
أي لأنت طالق إنما هو
( لازم الإنشاء )
وهو عدم احتمال الصدق والكذب فهو إنشاء من كل وجه
( وقد يلتزم )
كونه إنشاء ويجاب عدم صحة نية الثلاث فيه بأنه لما كان في الأصل إخبارا ثم نقل إلى الإنشاء الشرعي يجب أن يبقى ما عرف أنه نقل إليه ومن المعلوم أنه إنما نقل إلى وقوع واحدة فلا يجوز أن يقع به أكثر منها إلا بسمع وهو منتف وهذا معنى قوله
( غير أن المتحقق تعيينه برمته )
أي أنت طالق بجملته
( إنشاء لوقوع واحدة فتعديها )
أي الواحدة إلى ما فوقها يكون
( بلا لفظ )
مفيد لذلك وهو لا يقع بهذا
( بخلاف طلقي )
فإنه لم ينقل إلى شيء بل استعمل في معناه اللغوي
( لأنه طلب لإيقاع الطلاق فتصح )
نية الثلاث فيها كما تقدم ولما كان هنا مظنة أن يقال يشكل ما تقدم من عدم وقوع الثلاث بنيتها بطالق بوقوع الثلاث بنيتها بطالق طلاقا فإن طلاقا منتصب على أنه مصدر طالق أشار إلى جوابه أولا بقوله
( وفي الثلاث )
أي وفي وقوعها بنيتها
( بطالق طلاقا رواية )
عن أبي حنيفة
( بالمنع )
أي بمنع وقوعها وإنما يقع به واحدة وإن نوى الثلاث في إشكال وثانيا بقوله
( وعلى التسليم )
لوقوعها به كما هو الرواية المشهورة
( هو )
أي وقوعها به
( على إرادة التطليق بطلاقا مصدر المحذوف )
فإنه قد يراد به التطليق كالسلام والبلاغ بمعنى التسليم والتبليغ فصح أن يراد به الثلاث حينئذ معمولا لفعل محذوف تقديره طالق لأني طلقتك طلاقا ثلاثا لكن قال المصنف
( وإنما يتم )
القول بوقوعها بطلاقا
( بإلغاء طالق معه )
أي مع طلاقا في حق الإيقاع
( كما مع العدد )
في أنت طالق ثلاثا فإن الواقع هو العدد
( وإلا )
لو لم يلغ في حقه بل
( وقع به )
أي بطالق
( واحدة لزم ثنتان بالمصدر وهو )
أي وقوع ثنتين بالمصدر
( منتف عندهم )
أي الحنفية في الحرة لما عرف من أن معنى التوحد مراعى فيه وهو بالفردية الحقيقية والجنسية والمثنى بمعزل عنهما وهذا يقوي رواية المنع أيضا ويجب كون طالق الطلاق مثله على هذه الرواية وإن لم يذكر إلا في المنكر قاله المصنف رحمه الله تعالى
( وفي أنت الطلاق )
يصح نية الثلاث
( بتأويل وقع عليك )
التطليق فيصح فيه نية الثلاث
( وما
280
280
قيل فما يمنع مثله في طالق )
بأن يراد أنت ذات وقع عليك التطليق فتصح فيه نية الثلاث أيضا كما أشار إليه في التلويح
( يجاب بعدم إمكان التصرف فيه )
أي أنت طالق
( إذ نقل للإنشائية )
أي إليها شرعا كما تقدم
( فكان عين اللفظ )
أي أنت طالق
( لعين المعنى المعلوم نقله إليه وهو )
أي المعنى المنقول إليه هو الطلقة
( الواحدة )
عند عدم ذكر العدد
( والثنتان والثلاث مع العدد )
بخلاف طلاق فإنه ليس كذلك
( وليس من المقتضى المفعول )
به المطوي ذكره لفعل متعد واقع بعد نفي أو شرط كما
( في نحو لا آكل وإن أكلت )
فعبدي حر
( إذ لا يحكم بكذب مجرد أكلت )
ولا آكل
( فلم يتوقف صدقه )
أي أكلت وكذا لا آكل
( عليه )
أي المفعول به
( ولا )
يحكم
( بعدم صحة شرعية )
لأكلت ولا للاآكل بدون المفعول به
( فنخصه )
أي هذا المفعول به
( باسم المحذوف وهو )
أي هذا المحذوف
( وإن قبل العموم لا يقبل عمومه التخصيص إذ ليس )
هذا المحذوف أمرا
( لفظيا ولا في حكمه )
أي اللفظي لتناسيه وعدم الالتفات إليه إذ ليس الغرض إلا الإخبار بمجرد الفعل على ما عرف من أن الفعل المتعدي قد ينزل منزلة اللازم لهذا الغرض وقد نصوا على أن من العمومات ما لا يقبل التخصيص فليكن هذا منها لهذا المعنى
( فلو نوى مأكولا دون آخر لم تصح )
نيته قضاء اتفاقا ولا
( ديانة خلافا للشافعية )
ورواية عن أبي يوسف اختارها الخصاف
( والاتفاق عليه )
أي على عدم التخصيص
( في باقي المتعلقات من الزمان والمكان )
حتى لو نوى لا يأكل في زمان أو مكان دون آخر لم تصح نيته اتفاقا على ما ذكره غير واحد قال الفاضل الكرماني للاتفاق على أن عمومهما عقلي إذ هما محذوفان لا مقدران لا يتجزآن وفاقا
( والتزام الخلاف )
في العموم
( فيها )
أي في بقية المتعلقات المذكورة أيضا بجامع المفعولية كما في أصول ابن الحاجب
( غير صحيح )
بل قال الفاضل الأبهري التزام ابن الحاجب عموم المفعول فيه في نحو لا آكل خلاف ما اتفق عليه العلماء إذ لم يذهب أحد من العلماء إلى أن حذف المفعول فيه قد يكون للتعميم واتفقوا على خلافه بل حذفه إنما يكون للعلم به أو لعدم إرادته اه
لكن قرر الشيخ تاج الدين السبكي التزام ابن الحاجب بما نصه فإنه لو قال والله لا آكل ونوى زمنا معينا أو مكانا صحت يمينه هذا مذهبنا ودعوى الإمام الرازي الإجماع على خلافه ممنوعة ونحوه في شرح المنهاج للإسنوي وزاد وقد نص الشافعي على أنه لو قال إن كلمت زيدا فأنت طالق ثم قال أردت التكليم شهرا أنه يصح فعلى هذا يحتاج إلى الفرق
( والفرق )
بين المفعول به وظرفي الزمان والمكان على ما ذكروا
( بأن المفعول في حكمه )
أي المذكور
( إذ لا يعقل )
معنى الفعل المتعدي
( إلا بعقليته )
أي المفعول به فجاز أن يراد به البعض بخلاف الظرفين فإنهما ليسا في حكم المذكور لأن الفعل قد يعقل مع الذهول عنهما وإن كان لا ينفك عنهما في الواقع فلم يكونا داخلين تحت الإرادة فلم يقبلا التخصيص لأن قبولهما يتوقف على دخولهما تحت الإرادة
( ممنوع ونقطع بتعقل معنى المتعدي من غير إخطار )
أي
281
281
المفعول به بالبال
( فإنما هو )
أي المفعول به
( لازم لوجوده )
أي الفعل المتعدي
( لا مدلول اللفظ )
ليتجزأ بالإرادة فلم يكن كالمذكور
( بقي أن يقال لا آكل )
معناه
( لا أوجد أكلا )
وأكلا عام لأنه نكرة في سياق النفي
( فيقبله )
أي التخصيص إذ لا مانع منه كما لو كان مصرحا به غايته أنه لا يقبل منه قضاء لأنه خلاف الظاهر فيحتاج إلى الجواب وقد تضمنه قوله
( والنظر يقتضي أنه إن لاحظ الأكل الجزئي المتعلق بالمأكول الخاص )
الذي لم يرده
( إخراجا )
له من الأكل العام لا المأكول نفسه
( صح )
لأنه جزئي من جزئياته
( أو )
لاحظ
( المأكول )
الخاص إخراجا من المأكول المطلق من حيث هو
( فلا )
يصح لأنه من المتعلقات التي يعقل الفعل بدونها
( غير أنا نعلم بالعادة في مثله )
أي هذا الكلام
( عدم ملاحظة الحركة الخاصة )
التي هي بعض أفراد الفعل المطلق الذي هو الأكل
( وإخراجها )
أي الحركة الخاصة من الأكل المطلق
( بل )
المراد إخراج
( المأكول )
الخاص من المأكول المطلق
( وعلى مثله )
أي ما هو معلوم عادة
( يبنى الفقه فوجب البناء عليه )
أي على أنه لاحظ المأكول الخاص إخراجا له من المأكول المطلق وهو غير عام فلا يقبل التخصيص كما تقدم
( بخلاف الحلف لا يخرج )
حال كونه
( مخرجا للسفر مثلا )
من الخروج بالنية
( حيث يصح )
إخراجه منه تخصيصا
( لأن الخروج متنوع إلى سفر وغيره قريب وبعيد )
بدليل اختلاف أحكامهما
( والعادة ملاحظته )
أي النوع منه
( فنية بعضه )
أي خروج نوع منه
( نية نوع )
فصحت
( كأنت بائن ينوي الثلاث )
حيث يصح نيتها لأنها أحد نوعي البينونة والله سبحانه أعلم
مسألة
المذكور في عبارة كثير الفعل المثبت ليس بعام أو لا يعم في أقسامه وجهاته فعمم المصنف عدم العموم ونبه على أن المراد بالفعل ليس ما يقابل القول بل الفعل المصطلح وهو اللفظ الخاص بالمعروف فقال
( إذا نقل فعله صلى الله عليه وسلم بصيغة لا عموم لها كصلى في الكعبة )
وهو بهذا اللفظ عن بلال في صحيح البخاري
( لا يعم )
فعله
( باعتبار )
من الاعتبارات
( لأنه )
أي نقل فعله بالصيغة المذكورة
( إخبار عن دخول جزئي في الوجود فلا يدل على الفرض والنفل لشخصيته )
أي الفعل المذكور بسبب دخوله في الوجود
( وأما نحو صلى العشاء بعد غيبوبة الشفق )
كما في مختصر ابن الحاجب والله تعالى أعلم بقائله والذي في الحديث الحسن الذي رواه أبو داود والترمذي وابن خزيمة وغيرهم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في إمامة جبريل ما لفظه
ثم صلى بي العشاء حين غاب الشفق
وفي حديث أبي موسى الأشعري الذي رواه مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه سائل فسأله عن مواقيت الصلاة فلم يرد عليه شيئا فأمر بلالا فأقام الصلاة حين انشق الفجر فساقه ما لفظه
ثم أقام العشاء حين غاب الشفق
( فإنما يعم الحمرة والبياض عند من يعمم المشترك ولا يستلزم )
تعميمه
( تكرر الصلاة بعد كل )
من الحمرة والبياض
( كما في تعميم المشترك حيث يتعلق بكل على الانفراد لخصوص المادة )
هنا
( وهو كون البياض دائما بعد الحمرة فصح أن يراد صلى بعدهما صلاة
282
282
واحدة فلا تعم في الصلاة بطريق التكرار فلا يلزم جواز صلاتها بعد الحمرة فقط وما يتوهم من نحو )
ما عن أنس أن ورسول الله صلى الله عليه وسلم
( كان يصلي العصر والشمس بيضاء )
مرتفعة حية أخرجه أبو داود
( وكان يجمع بين الصلاتين في السفر )
أخرجه البزار عن ابن مسعود
( من التكرار )
لصلاته العصر والشمس بيضاء ولجمعه بين الصلاتين سفرا وهذا آية العموم ثم هو بيان لما يتوهم
( فمن إسناد المضارع )
لا من الفعل من حيث هو وقيل من كان ومشى عليه ابن الحاجب
( وقيل من المجموع منه )
أي إسناد الفعل المضارع
( ومن قران كان لكن نحو بنو فلان يكرمون الضيف ويأكلون الحنطة يفيد أنه عادتهم )
فيظهر أن التكرار من مجرد إسناد المضارع فلا جرم أن قال المحقق التفتازاني والتحقيق أن المفيد للاستمرار هو لفظ المضارع وكان للدلالة على مضي ذلك المعنى
( ولا يخفى أن الإفادة )
أي إفادة إسناد المضارع التكرار
( استعمالية لا وضعية )
وأكثرية أيضا لا كلية فلا يقدح عدم ذلك فيما في سنن أبي داود في شأن خرص نخل خيبر عن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص النخل الحديث لكون خيبر كانت سنة سبع على قول الجمهور وعبد الله قتل في سنة ثمان ثم لقائل أن يقول كما أن مجرد إسناد المضارع قد يفيد التكرار استعمالا عرفيا كذلك مجرد كان إذا دخلت على ما لا يفيده من شرط وجزاء كما في الصحيحين عن حذيفة كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص فاه وعن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله إلى غير ذلك ولا سيما على رأي من يقول إنها تدل على الدوام وحينئذ فلا بأس أن يقال إن كان وإسناد المضارع إذا اجتمعا كانا متعاضدين على إفادة التكرار غالبا وإن تصحيح فخر الدين الرازي عدم دلالة كان على التكرار عرفا كما لا يدل عليه وضعا منتف والله سبحانه أعلم
( ومنه )
أي ومما لا يعم باعتبار ما
( أن لا يعم الأمة ولو بقرينة كنقل الفعل خاصا بعد إجمال في عام بحيث يفهم أنه )
أي ذلك الفعل
( بيان )
لإجمال ذلك العام
( فإن العموم للمجمل لا لنقل الفعل )
الخاص وقد أفاد المصنف شرح هذا فقال لما وقع للقاضي عضد الدين أن مثل القرينة بقوله كوقوعه بعد إجمال أو إطلاق أو عموم فيفهم نمه أنه بيان له فيتبعه في العموم وعدمه وكان هذا يفيد أنه يصير عاما تبعا نفاه المصنف وقصر العموم على المجمل لأن النقل لما كان بصيغة ليست عامة لا يصير عاما غاية الأمر أن عدم العمل بذلك المجمل زال بالفعل المبين
مثلا إذا قال الراوي قطع يد السارق من الكوع بعد اقطعوا أيديهما فهذه حكاية فعل بعد عموم فيه إجمال في محل القطع على قول كما تقدم أو هو بيان المراد من الدليل على القول بعدم الإجمال وإن اليد اسم لما من المنكب إلى الأصابع وحاصله بيان مجاز أو قال صلى فقام وركع وسجد بعد قوله ! < وأقيموا الصلاة > ! وهو إجمال في عام ففي هذا ونحوه لا يفيد تكرر الفعل أصلا ولكنه يفيد أنه أوقع الصلاة بهذه الأفعال فيزول ذلك
283
283
الإجمال الكائن فيما تعلق بالعام فيمكن العمل بعمومه حينئذ أما أن الفعل صار عاما فلا ولا نقله
( وكذا نحو )
قول الراوي صلى فقام ركع وسجد مع ما في صحيح البخاري عنه صلى الله عليه وسلم
صلوا كما رأيتموني أصلي
فإن العموم لقوله صلوا الخ لا لصلى فقام الخ
( وتوجيه المخالف )
القائل بعمومه للأمة
( بعموم نحو سها فسجد )
أي قول عمران بن الحصين أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم فسها في صلاته فسجد سجدتي السهو أخرجه أبو داود والترمذي وقال حسن غريب
( وفعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتسلنا )
كما هو لفظ عائشة بعد قولها إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل وهو حديث صحيح أخرجه أحمد والترمذي وغيرهما حتى كان كل من هذين عاما للأمة
( مدفوع بأنه )
أي العموم لهم
( من خارج )
عن مفهوم اللفظ المحكي كقوله صلى الله عليه وسلم
لكل سهو سجدتان بعد السلام
رواه أحمد وأبو داود وقوله صلى الله عليه وسلم
إذا التقى الختانان وجب الغسل
رواه مسلم وغيره قال الآمدي ولعموم السجود جواب خاص وهو إنما عم لعموم العلة وهو السهو من حيث إنه رتب السجود على السهو بفاء التعقيب وهو دليل العلية
( وأما حكاية قول له )
أي للنبي صلى الله عليه وسلم
( لا يدري عمومه بلفظ عام )
وهو متعلق بحكاية
( كقضى بالشفعة للجار )
كما أسنده شيخنا الحافظ إلى جابر بهذا اللفظ وقال حديث حسن الإسناد ولكنه شاذ المتن
( ونهى عن بيع الغرر )
كما أخرجه مسلم وغيره عن أبي هريرة
( وهي )
أي هذه المسألة
( مسألة أخرى )
ذكرها المصنف هنا لمناسبة بين القول والفعل
( فيجب الحمل )
للفظ المحكي عنه
( على العموم )
فتكون الشفعة لكل جار والنهي عن كل بيع فيه غرر كبيع الآبق والمعدوم
( خلافا للكثير )
وإنما قلنا ذلك
( لأنه )
أي الصحابي
( عدل عارف باللغة والمعنى )
عموما وخصوصا
( فالظاهر المطابقة )
بين نقله وما في نفس الأمر من ذلك
( وقولهم )
أي الكثير
( يحتمل غررا وجارا خاصين كجار شريك فاجتهد في العموم فحكاه أو أخطأ فيما سمعه احتمال لا يقدح )
لأنه خلاف الظاهر من علمه وعدالته والظاهر لا يترك للاحتمال لأنه من ضرورته فيؤدي إلى ترك كل ظاهر
( وجعلهما )
أي قضى بالشفعة ونهى عن بيع الغرر
( من حكاية فعل ظاهر في العموم )
كما تنزل إليه صدر الشريعة
( منتف لأن القضاء والنهي قول يكون معه عموم وخصوص )
ولا يخفى أن المراد بقضى حكاية قوله الذي هو القضاء ونهى حكاية قوله الذي هو النهي
( مسألة قيل )
والقائل ابن الحاجب
( نفي المساواة في لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة يدل على العموم )
لجميع وجوه المساواة
( خلافا للحنفية وليس )
كذلك
( بل لا يختلف في دلالته (
أي نفي الاستواء
( عليه )
أي على عمومه
( وكذا نفي كل فعل )
عام في وجوهه
( كلا آكل )
فإنه عام في وجوه الأكل
( ولا )
يختلف أيضا
( في عدم صحة إرادته )
أي العموم في نفي المساواة
( لقولهم )
أي الحاكين لعدم دلالته على العموم عن الحنفية
( في جواب قول الحنفية لا يصدق )
عموم نفي المساواة في لا يستوي
( إذ لابد )
بين كل أمرين
( من مساواة )
من وجه
284
284
وأقله المساواة في سلب ما عداهما عنهما فلزم عدم عموم نفي المساواة هذا مقول قول الحنفية
( المراد )
من عموم نفي المساواة
( مساواة يصح نفيها وما سواه )
أي المساواة التي يصح نفيها بمعنى التساوي
( مخصوص بالعقل )
وهذا مقول قول المجيبين فهذا يدل على اتفاق الكل على دلالة العموم وإن هذا العموم المدلول غير مراد على صرافته وإذ كان الأمر على هذا
( فالاستدلال )
على عموم نفي المساواة
( بأنه )
أي نفي المساواة
( نفي على نكرة يعني المصدر )
الذي تضمنه الفعل المنفي فيعم كسائر النكرات في سياق النفي كما ذكر ابن الحاجب استدلال
( في غير محل النزاع )
لما سمعت من أنه لا نزاع في العموم لفظا ولا في عدم إرادة صرافته
( إنما هو )
أي النزاع
( في أن المراد من عمومه )
أي نفي المساواة
( بعد تخصيص العقل ما لابد منه )
أي تخصيصه
( هل يخص أمر الآخرة فلا يعارض )
المراد منه
( آيات القصاص العامة )
كقوله تعالى ! < وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس > ! الآية
( فيقتل المسلم بالذمي أو يعم الدارين )
ا الدنيا والآخرة
( فيعارض )
المراد منه آيات القصاص حتى يخصها وحينئذ
( فلا يقتل )
المسلم بالذمي قال المصنف وحاصله أنه هل ثم قرينة تصرف نفي المساواة إلى خصوص أمر الآخرة أو لا فتعم الدارين
( قال به )
أي بالعموم
( الشافعية والحنفية بالأول )
أي بخصوص أمر الآخرة
( لقرينة تعقيبه بذكر الفوز أصحاب الجنة هم الفائزون ثم في الآثار ما يؤيده )
أي قول الحنفية منها
( حديث )
عبد الرحمن
( ابن البيلماني )
بالباء الموحدة واللام المفتوحتين بينهما ياء تحتانية من مشاهير التابعين روى عن ابن عمر لينه أبو حاتم وذكره ابن حبان في الثقات وقال الدراقطني ضعيف لا تقوم به حجة قال
( قتل صلى الله عليه وسلم مسلما بمعاهد الحديث )
يعني قوله وقال
أنا أحق من وفى بذمته
رواه أبو حنيفة وأبو داود في مراسيله وعبد الرزاق وأخرجه الدارقطني عن ابن البيلماني عن ابن عمر مرفوعا وأعله واستيفاء الكلام فيه له موضع غير هذا
( ونحو )
ما روى المشايخ عن علي رضي الله عنه
( إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا الخ )
أي وأموالهم كأموالنا ولم يجده بهذا اللفظ المخرجون وإنما روى الشافعي والدارقطني بسند فيه أبو الجنوب وهو مضعف عن علي رضي الله عنه من كانت له ذمتنا فدمه كدمنا وديته كديتنا
( فظهر )
من هذا التحرير
( أن الخلاف في تطبيق كل من المذهبين على دليل تفصيلي )
فهي مسألة فقهية لا أصلية
( مسألة خطاب الله تعالى للرسول بخصوصه يا أيها الرسول لئن أشركت قد نصب فيه خلاف )
ومن ناصبيه ابن الحاجب
( فالحنفية )
وظاهر كلام الشافعي في البويطي على ما ذكر الإسنوي وأحمد
( يتناول الأمة والشافعية لا )
يتناولهم
( مستدلين )
أي الشافعية
( بالقطع من اللغة بأن ما للواحد لا يتناول غيره وبأنه لو عمهم كان إخراجهم تخصيصا ولا قائل به وليس )
هذا الاستدلال
( في محل النزاع فإن مراد الحنفية )
بعمومه إياهم
( أن أمر مثله )
أي النبي صلى الله عليه وسلم
( ممن له منصب الاقتداء والمتبوعية يفهم منه )
أي من أمره
( أهل اللغة شمول أتباعه عرفا )
لا مدلولا
285
285
وضعيا لذلك اللفظ
( كما إذا قيل لأمير اركب للمناجزة )
وهي بالجيم والزاي المحاربة وبالحاء والراء المهملة المقاتلة
( غير أن النبي صلى الله عليه وسلم له منصب الاقتداء به في كل شيء إلا بدليل )
يفيد اختصاص ذلك به
( لأنه بعث ليؤتسى به فكل حكم خوطب هو به عم عرفا وإن كان فعله )
أي ذلك الحكم
( لا يتوقف على أعوان كالمناجزة وإذا )
أي وإذا كان عمومه عرفا
( يلتزمون )
أي الحنفية
( أن إخراجهم )
أي الأمة من خطابه بخصوصه
( تخصيص فإنه )
أي التخصيص
( كما يرد على العام لغة يرد على العام عرفا واستدلالهم )
أي الحنفية لعموم ذكر المتبوع بخصوصه الأتباع بنحو ! < يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن > ! فأفرده بالخطاب وأمر بصيغة الجمع والعموم فدل أن مثله عام خطابا له وللأمة
( وبأنه لو لم يعمهم لكان خالصة لك )
بعد قوله ! < يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك > ! إلى قوله ! < وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها > !
( غير مفيد )
لأن عدم العموم وكونه خاصا به ثابت بتخصيصه بالخطاب والتالي منتف ! < زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم > ! فأخبر أنه إنما أباح تزويجه إياها ليكون شاملا للأمة ولو كان خطابه خاصا به ولا يتعدى حكمه إلى الأمة لما حصل الغرض
( لبيان التناول العرفي )
لهم
( لا اللغوي )
فاستدلالهم مبتدأ وهذا خبره وحينئذ
( فأجوبتهم )
أي الشافعية عن هذه الاستدلالات
( التي حاصلها أن الفهم )
أي فهم الأمة من هذه النصوص
( بغير الوضع اللغوي طائحة
أي ساقطة لأن الحنفية معترفون بأنه لا يعم غيره لغة فكون العموم بخارج لا يضرهم ثم كر على وجه الاستدلال بقوله ! < يا أيها النبي إنا أحللنا لك > ! الآية فقال
( غير أن نفي الفائدة مطلقا )
على ذلك التقدير
( مما يمنع لجواز كونها )
أي الفائدة
( منع الإلحاق )
أي إلحاق الأمة به في ذلك قياسا كما كان يلحق به لو لم يرد خالصة ثم أفاد بأن هذا المنع غير ضائر فقال
( ولا يحتاج إليه )
أي إلى نفي الفائدة مطلقا
( في الوجه )
أي وجه الاستدلال بالآية المذكورة لهم
( ويكفي )
في الاستدلال لهم بها
( أن خالصة لك ظاهر في فهم العموم )
لهم من قوله ! < يا أيها النبي إنا أحللنا لك > !
( لولاه )
أي لفظ خالصة ثم لما كان استدلالهم بمثل ! < يا أيها النبي إذا طلقتم النساء > ! قد دفع أيضا بأن ذكر النبي للتشريف والخطاب بما بعده للجميع ولا يمتنع أن يقال يا فلان افعل أنت وأتباعك كذا إنما النزاع فيما يقال افعل ولا يتعرض للأتباع أشار المصنف إلى دفعه أيضا فقال
( وكون إفراده بالذكر للتشريف لا ينافي المطلوب )
وهو عمومهم عرفا
( فمن التشريف أن خصه )
أي النبي صلى الله عليه وسلم به أي بالخطاب والمراد أتباعه معه على أن إبطال الدليل المعين لا يبطل المدعى
( وعرف )
من هذا التقرير
( أن وضعها )
أي هذه المسألة
( الخطاب لواحد من الأمة هل يعم ليس بجيد )
لأن الحنفية لا يقولون خطاب واحد من آحاد الأمة ممن ليس منصب الاقتداء يعم سائرهم عرفا بل هذا موضوع التي تلي هذه
286
286
( مسألة خطاب الواحد لا يعم غيره لغة ونقل عن الحنابلة عمومه ومرادهم خطاب الشارع لواحد بحكم يعلم عنده )
أي خطابه
( تعلقه )
أي ذلك الحكم
( بالكل إلا بدليل )
يقتضي التخصيص قالوا
( كقوله حكمي على الواحد حكمي على الجماعة )
وقد ذكرنا في البحث الثاني من مباحث العام أنه لم يعرفه غير واحد من الحفاظ المتأخرين وما يسد مسده
( وفهم الصحابة ذلك )
أي أن حكمه صلى الله عليه وسلم على الواحد حكمه على الجماعة
( حتى حكموا على غير ما عز بما حكم به )
النبي صلى الله عليه وسلم من الرجم
( عليه )
أي على ما عز حتى قال عمر رضي الله عنه خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله ألا وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف رواه البخاري وقال أيضا رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده رواه مسلم وأبو داود ورجم علي رضي الله عنه أيضا كما في صحيح البخاري وغيره وحكوا على ذلك إجماع الصحابة ومن بعدهم ممن يعتد بإجماعه
( ولعموم الرسالة بقوله )
صلى الله عليه وسلم
بعثت إلى الأسود والأحمر
رواه أحمد وابن حبان وأبو داود لكن بتقديم الأحمر على الأسود أي إلى العرب والعجم وقيل إلى الإنس والجن وبقوله تعالى ! < وما أرسلناك إلا كافة للناس > ! وإذا كان هذا مراد الحنابلة
( فكلام الخلافيين فيها )
أي في هذه المسألة
( كالتي قبلها )
من حيث عدم التوارد على محل واحد وللشيخ تاج الدين السبكي هنا كلام يزيد هذا المقام وضوحا لا باس بذكره قال اعلم أنه لا ينبغي في أن يعتقد أن التعميم من جهة وضع الصيغة لغة ولا أن الشارع لم يحكم بالتعميم حيث لم يظهر التخصيص بل الحق أن التعميم منتف لغة ثابت شرعا من حيث إن الحكم على الواحد حكم على الجماعة ولا أعتقد أن أحدا يخالف في هذا وينبغي أن يرد الخلاف إلى أن العادة هل تقضي بالاشتراك بحيث يتبادر فهم أهل العرف إليها أو لا فأصحابنا يقولون لا قضاء للعادة في ذلك كما لا قضاء للغة وإنما الخلق في الشرع شرع وهم يقولون العادة تقضي بذلك وقد ذكر ابن السمعاني أن المخالفين استدلوا بأن عادة أهل اللسان يخاطبون الواحد ويريدون الجماعة وهو يرشد إلى ما ذكرناه أو يرد إلى أنه هل صار عرف الشرع أن الواحد إذا خوطب فالمراد الجماعة فكأنه حقيقة شرعية أولا فهم يقولون بالأول لأنه لما استقر من الشرع استواء الناس في شرعه كان خطاب الواحد خطابا مع الكل وكأنه إذا قال يا زيد قائل يا أيها الناس ويكون الدال على معنى الناس لفظين أحدهما الناس بوضع اللغة والثاني زيد إذا تقدم من اللافظ به أنه إذا نطق به أراد به الناس كلهم وإذا كان الشارع هو الذي تقدم منه هذا القول كما في مسألتنا صار حقيقة شرعية فمعنى الناس يدل عليه لفظه لغة وشرعا ولفظ يا زيد شرعا ونحن نقول يا زيد باق على دلالته الأصلية سواء سبق قبل ذكره من قائله أن حكم غيره حكمه أم لا وهو الحق لأن القائل لم يضع يا زيد للناس وإنما جعله سواء في الحكم ولا يلزم من ذلك صيرورتهم من مدلول اللفظ والله سبحانه أعلم
287
287
( مسألة الخطاب الذي يعم العبيد لغة )
كيا أيها الذين آمنوا
( هل يتناولهم شرعا فيعمهم حكمه الأكثر نعم وقيل لا والرازي الحنفي )
يتناولهم شرعا فيعمهم حكمه
( في حقوق الله تعالى فقط )
ثم قال الكرماني لا كلام في أن مثل الناس إذا لم يتضمن حكما يحتاج في قيامه به إلى صرف زمان يتناولهم بل فيما إذا تضمن ما يمنعه من الاشتغال بقيام مهمات السادات
( وحاصله )
أي هذا الخلاف
( أن الخلاف في إرادته باللفظ العام وعدمها )
أي إرادتهم به
( واستدلال النافي )
لتناولهم
( بما ثبت شرعا من كون منافعه مملوكة لسيده فلو تناولهم نافض )
أحدهما الآخر لأنه حينئذ يكون مكلفا بصرفها إلى سيده وإلى غيره
( دليل عدم الإرادة )
أي إرادتهم شرعا به وهذا خبر استدلال النافي
( وأما قولهم )
أي النافين
( خرج )
العبد
( من نحو الجهاد والجمعة والحج )
والتبرعات وبعض الأقارير مع صلاحية الخطاب بمفيدها لتناولهم
( فلو كان داخلا أي مرادا كان تخصيصا والأصل عدمه )
أي التخصيص
( فتجوز بالتخصيص عن النسخ )
إذ من المعلوم أن ليس معنى قولهم خرج من الجهاد إلا لم يرد بخطابه فلو كان داخلا فيه وعلمت أن المراد لو كان مرادا منه كغيره من الأحرار كان خروجه من هذا الخطاب نسخا لأنه خروج بعد الإرادة فقولهم كان تخصيصا أخف الأحوال فيه أن يكون تجوزا أو تساهلا وحينئذ كما قال المصنف
( والجواب بأن خروجه بدليل يلزم أن معناه لم يرد لدليل فضلا عن إرادته ثم نسخه )
أي الحكم
( عنه )
أي عن العبد
( وحاصله أن اللازم التخصيص الاصطلاحي بدليله لا النسخ )
يعني أن اللازم في نفس الأمر من القول بعدم دخولهم في الإرادة ليس إلا التخصيص الاصطلاحي وهو بيان أن الخارج من العام لم يكن مرادا منه واللازم من الدليل الذي ذكروه حيث قالوا خرج فلو أريد كان تخصيصا غيره لأنه إذا أريد ثم اخرج يكون نسخا لا تخصيصا فقول من قال تخصيصا خطأ على ما هو تركيب الدليل وعلى كل تقدير يجاب بأنه إذا قام دليل الإخراج فلا محيص عن العمل به وقد قام فكان خروجهم تخصيصا لهم عن العام بدليله وبه ثبت أنهم لم يرادوا بالعام ابتداء فضلا عن أنهم أريدوا ثم نسخ عنهم كما يقتضيه ذلك الدليل أو أنهم خصوا والتخصيص خلاف الأصل بل خصوا ووجب العمل به وإن كان خلاف الأصل كذا أفاده المصنف رحمه الله تعالى
( وقد يقرر )
الوجه في هذه المسألة هكذا
( دل )
الدليل
( على عدم إرادته )
أي العبد
( في بعضها )
أي الأحكام
( وعليها في بعضها )
أي وعلى إرادته في بعض الأحكام
( فالمثبت يعتبر بالتناول لأن الأصل مطابقته )
أي التناول
( الإرادة والنافي عرض الاشتراك في الاستعمال فتوقف دخولهم إلى الدليل أو قام )
الدليل
( على عدمها )
أي الإرادة
( وهو )
أي الدليل القائم على عدمها
( مالكية السيد لها )
أي منافعه
( والرازي يمنعه )
أي عدم إرادتهم
( في حقوقه )
تعالى
( والدليل )
على إرادتهم فيها
( الأكثرية )
فإنه ما تعلق بالعبد من أحكام الخطاب التي في حق الله أكثر مما لم يتعلق به فيها فنسبة دخوله إلى الأكثر كما هو ظاهر اللغة وخروجه إلى الأقل كما هو خلاف ظاهرها أولى
288
288
من العكس لما فيه من تقليل المخالفة الظاهرة
( فوجب التفصيل )
بين حق الله وغيره
( وانتظم منع عموم مملوكية منافعه )
للسيد في سائر الأوقات بل قد استثنى وقت تضايق العبادات حتى لو أمره السيد في آخر وقت الصلاة حين تضايق عليه ولو أطاعه لفاتته وجبت عليه الصلاة وعدم صرف منفعته في ذلك الوقت إلى السيد ولا يجوز للسيد استخدامه فيه
( فاندفع الأول )
أي التناقض على تقدير كون منافعه لمالكه وتناول الخطاب له لاختلاف الوقتين فترجح قول الشيخ أبي بكر الرازي والله تعالى أعلم
( مسألة خطاب الله سبحانه العام كيا عبادي يا أيها الناس شمله صلى الله عليه وسلم إرادته كما تناوله لغة عند الأكثر )
مطلقا أعني سواء كان مصدرا بالقول صريحا أو غير صريح كبلغ أو لا وهو متعلق بشمله إرادته
( وقيل لا )
يشمله إرادته
( لأن كونه ) صلى الله عليه وسلم
( مبلغه )
أي الخطاب للأمة
( مانع )
من ذلك وإلا كان مبلغا ومبلغا بخطاب واحد
( ولذا )
المانع من شمول إرادته بالخطاب المذكور
( خرج )
صلى الله عليه وسلم
( من أحكام عامة )
أي لم يدخل فيها
( كسنية الضحى )
فإنها مندوبة للأمة على القول الأشبه وقد ذهب غير واحد من أعيان المتأخرين منهم النووي في الروضة إلى أنها واجبة عليه والأوجه عدمه فإن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل صحيح وهو مفقود بل وجاء مما هو أقوى منه ما يعارضه كما هو معروف في موضعه وقد نقل في شرح المهذب عن العلماء أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يداوم على صلاة الضحى مخافة أن تفرض على الأمة فيعجزوا عنها وكان يفعلها في بعض الأوقات
( وحل أخذ الصدقة )
فإنها لا تحل له تنزيها له وتشريفا ففي صحيح مسلم
إن هذه الصدقات أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد
ولا يقدح في الاختصاص تحريمها على آله أيضا لأنه بسببه فالخاصة عائدة إليه بخلاف غيره إذا لم يكن به مانع من حل الأخذ
( والزيادة على أربع )
أي وحل تزوجه بما فوق أربع زوجات بالإجماع وإنما الكلام في الزيادة على التسع فإنه مات عن تسع كما رواه الحافظ ضياء الدين عن أنس في الأحاديث المختارة والأصح الجواز كما قطع به الماوردي وكيف لا وقد قالت عائشة ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل له النساء قال الترمذي حسن صحيح وفي رواية ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وقال صحيح على شرط الشيخين حتى أحل له من النساء ما شاء وزاد ابن أبي حاتم إلا ذات محرم إلى غير ذلك من الخصوصيات
( والجواب المبلغ جبريل عليه السلام للأحكام العامة إلى واحد من العباد مشمولا بها ليسمعهم إياها )
وهو النبي صلى الله عليه وسلم فهو حاك تبليغ جبريل الخطاب الذي هو داخل فيه
( فلا موجب لخروجه وهو مشمول به لغة فما تحقق خروجه منه لزم كونه لدليل خاص فيه فتفصيل الحليمي )
والصيرفي
( بين أن يكون )
الخطاب العام
( متعلق قول كقل يا عبادي فيمنع )
شموله إياه
( وإلا )
أي وإن لم يكن متعلق قول
( فلا )
يمنع
( منتف )
لما ذكرنا وأجاب في البديع بأن جميع الخطابات الواردة مقدرة بنحو قل قال الفاضل الكرماني بعد ذكره بحثا لأنه مأمور
289
289
بتبليغ ما أنزل إليه والمقدر كالملفوظ قال المحقق التفتازاني ورد بالمنع ولو سلم فليس المقدر كالملفوظ من كل وجه والله تعالى أعلم
( مسألة الخطاب الشفاهي كيا أيها الذين آمنوا ليس خطابا لمن بعدهم )
أي للمعدومين الذين سيوجدون بعد الموجودين في زمان الخطاب
( وإنما يثبت حكمه )
أي الخطاب الشفاهي
( لهم )
أي لمن بعدهم
( بخارج )
من نص أو إجماع أو قياس
( دل على أن كل خطاب علق بالموجودين حكما فإنه يلزم من بعدهم وقالت الحنابلة وأبو اليسر من الحنفية هو )
أي الخطاب الشفاهي
( خطاب لهم )
أي لمن بعدهم أيضا
( لنا القطع بعدم التناول )
أي تناول الخطاب الشفاهي لهم
( لغة )
قال القاضي عضد الدين وإنكاره مكابرة قال المحقق التفتازاني وهو حق
( قالوا لم تزل علماء الأمصار في الأعصار يستدلون به )
أي الخطاب الشفاهي
( على الموجدين )
في أعصارهم مع كونم معدومين في زمان الخطاب وهو إجماع على العموم لهم
( أجيب لا يتعين كونه )
أي استدلالهم به عليهم
( لتناولهم )
أي لتناول الخطاب الشافعي إياهم
( لجواز كونه )
أي استدلالهم به عليهم
( لعلمهم )
أي العلماء
( بثبوت حكم ما تعلق بمن قبلهم )
أي بالموجودين وقت الخطاب
( عليهم )
أي على من بعدهم بنص أو إجماع أو قياس فيذكر لبيان عموم الحكم لهم أيضا وإن كان الخطاب لأولئك لا يتناولهم جمعا بين الدليل الدال على المشاركة في الحكم والدليل الدال على عدم الدخول في الخطاب
( وأما استدلالهم )
أي الحنابلة
( لو لم يتعلق )
الخطاب الشافهي
( بهم )
أي بمن بعد الموجودين وقتئذ
( لم يكن )
النبي صلى الله عليه وسلم
( مرسلا إليهم )
واللازم منتف أما الملازمة فإنه لا معنى لإرساله إلا أن يقال له بلغ أحكامي ولا تبليغ إلا بهذه العمومات وأما انتفاء اللازم فبالإجماع
( فظاهر الضعف )
للمنع الظاهر لكونه لا تبليغ إلا بهذه العمومات التي هي خطاب المشافهة للقطع بأنه لا يتعين في التبليغ المشافهة وأنه يحصل بحصوله للبعض شفاها وللبعض بنصب الدلائل والإمارات على أن حكمهم حكم الذين شافههم
( واعلم أنه إذا نصر الخطاب في الأزل للمعدوم )
هو مسألة تكليف المعدوم الآتية صدر الفصل الرابع المحكوم عليه وسيأتي نصره فيها كما هو قول الأشاعرة والأزل ما لا أول له
( ومعلوم أن النظم القرآني يحاذي دلالة )
أي من حيث الدلالة المعنى
( القائم به تعالى قوى قولهم )
أي الحنابلة بل قال العلامة ذكر في الكتب المشهورة إن الحق أن العموم معلوم بالضرورة من دين محمد صلى الله عليه وسلم قال المحقق التفتازاني وهو قريب
( ويجاب بأن التعلق في الأزل يدخله معنى التعليق على ما عرف )
من أن معناه أن المعدوم الذي علم الله أنه يوجد بشرائط التكليف يوجه عليه حكم في الأزل بما يفهمه ويفعله فيما لا يزال
( والكلام في النظم الخالي عنه )
أي عن معنى التعليق وهو توجيه الكلام اللفظي إلى الغير للتفهيم وهذا لابد فيه من وجود المخاطب فيقوي قول الأكثرين ويبعد كون الحق عموم التناول لفظا بالضرورة الدينية وقربه والله تعالى أعلم
290
290
( مسألة المخاطب )
بكسر الطاء
( داخل في عموم متعلق خطابه عند الأكثر مثل )
قوله تعالى ! < وهو بكل شيء عليم > !
( وأكرم من أكرمك ولا تهنه )
فالله سبحانه عالم بذاته والآمر الناهي إذا أكرم غيره كان الغير مأمورا بإكرامه منهيا عن إهانته لوجود المقتضى وانتفاء المانع
( وقيل كونه )
أي المتكلم
( المخاطب يخرجه )
من ذلك
( والجواب منع الملازمة وأما الله خالق كل شيء فمخصوص بالعقل )
وهو جواب عن سؤال مقدر قرر وجها للمانعين لدخوله وهو أنه لو كان داخلا لزم أن يكون تعالى خالقا لنفسه لقوله تعالى ! < الله خالق كل شيء > ! واللازم باطل فالملزوم مثله وكل من وجه الملازمة وبطلان اللازم ظاهر وتقرير الجواب أنه إنما يلزم ذلك لو لم يكن كل شيء مخصوصا بما سواه تعالى لكنه مخصوص به عقلا لأنه دال على امتناع خلق القديم ولا منافاة بين دخوله في العموم بمقتضى اللفظ وخروجه عنه بمقتضى العقل قلت على أن الشيخ أبا المعين النسفي شنع على القائل بهذا وعلله بأن خروج ما يوجب ظاهر اللفظ بقضية اللغة دخوله فيه هو التخصيص دون خروج ما لا يقتضي ظاهر اللفظ دخوله فيه والله تعالى وإن كان شيئا لكن عند ذكر الأشياء لا يفهم دخوله فيه ثم وجه ذلك بما حاصله أن الشيء مشترك لفظي بين القديم والحادث وهو لا عموم له وعند تعين البعض مرادا يخرج ما وراءه من حكم الخطاب ولا يعد تخصيصا وقد تعين البعض الذي هو الحادث وقال القاضي البيضاوي الشيء يختص بالموجود لأنه في الأصل مصدر شاء أطلق بمعنى شاء تارة وحينئذ يتناول الباري تعالى كما قال ! < قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد > ! وبمعنى مشيء أخرى أي مشيء وجوده وما شاء الله وجوده فهو موجود في الجملة وعليه قوله ! < إن الله على كل شيء قدير > ! ! < الله خالق كل شيء > ! فهما على عمومهما بلا مثنوية والمعتزلة لما قالوا الشيء ما يصح أن يوجد وهو يعم الواجب والممكن أو ما يصح أن يعلم ويخبر عنه فيعم الممتنع أيضا لزمهم التخصيص بالممكن في الموضعين بدليل العقل انتهى وحينئذ فالتشبث بهذه الآية للمانعين إنما يتجه على هذا القول لا غير وحينئذ يجابون بالجواب المذكور فليتنبه له
( مسألة العام في معرض المدح والذم ك ! < إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم > !
( يعم )
استعمالا كما هو عام وضعا
( خلافا للشافعي حتى منع بعضهم )
أي الشافعية
( الاستدلال ب ! < والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله > !
الآية
( على وجوبها )
أي الزكاة
( في الحلي )
لأن القصد من الآية إلحاق الذم بمن يكنز الذهب والفضة لا بيان التعميم وإثبات الحكم في جميع المتناولات اللغوية
( لنا عام بصيغته )
من غير معارض فوجب العمل به
( قالوا عهد فيهما )
أي في المدح والذم
( ذكر العام مع عدم إرادته )
أي العموم
( مبالغة )
في الحث على الطاعة والزجر عن المعصية
( وأجيب بأنها )
أي المبالغة
( لا تنافيه )
أي العموم
( إذ كانت )
المبالغة
( للحث بخلاف نحو قتلت الناس كلهم )
مما
291
291
لم يقصد فيه المبالغة في الحث بل قصدت مطلقا فإن العموم قد ينافيه هذا وقال السبكي ليست المسألة مقصورة على ما سيق للمدح أو الذم بل هي عامة في كل ما سيق لغرض والله تعالى أعلم
( مسألة مثل ! < خذ من أموالهم صدقة > ! لا يوجبه )
أي الأخذ
( من كل نوع )
من أنواع المال
( عند الكرخي وغيره )
كالآمدي وابن الحاجب
( خلافا للأكثر له )
أي الكرخي
( يصدق بأخذ صدقة )
واحدة
( منها )
أي من جملة أموالهم
( أنه أخذ صدقة من أموالهم )
لأن المأمور بأخذه صدقة ما إذ هي نكرة مثبتة من جملة الأموال ومهما أخذ من مال واحد ذلك صدق أنه أخذ من الأموال لكون المال جزأها وإذا صدق ذلك فقد امتثل
( وهم )
أي الأكثر
( يمنعونه )
أي صدق أنه أخذ من أموالهم صدقة بأخذ صدقة واحدة منها
( لأنه )
أي لفظ أموال
( جع مضاف فالمعنى من كل مال )
صدقة
( فيعم )
المأخوذ
( بعمومه )
أي المأخوذ منه
( أجيب عموم كل تفصيلي )
أي الاستغراق كل واحد واحد مفصلا
( بخلاف الجمع )
فإن عمومه استغراقي من غير قيد التفصيل
( للفرق الضروري بين للرجال عندي درهم ولكل رجل )
عندي درهم حتى يلزم في الأول درهم واحد للجميع وفي الثاني دراهم بعدة الرجال
( وهذا )
الجواب
( يشير إلى أن استغراق الجمع المحلى ليس كالمفرد )
وإلا لم يفرق بينهما بهذا الفرق الجواب
( وهو )
أي وكون استغراقه ليس كالمفرد
( خلاف المنصور بل هو )
أي الجمع المحلى في العموم
( كالمفرد )
كما اختاره المصنف
( وإن صح إرادة المجموع به )
أي بالجمع المحلي
( لا كل فرد بالقرينة )
المعينة لها كهذه الدار لا تسع الرجال للعلم باتساعها لكل واحد واحد لا للمجموع كما يصح أن يراد به الحقيقة بالقرينة المعينة لها كفلان يركب الخيل ويا هند لا تكلمي الرجال فقوله بالقرينة متعلق بصح
( وقد ينصر )
كون استغراق الجمع المحلى ليس كالمفرد
( بالفرق بين للمساكين عندي درهم وللمسكين )
عندي درهم عند قصد الاستغراق به بتبادر إرادة المجموع في الجمع وكل واحد واحد في المفرد
( قبل ملاحظة استحالة انقسامه )
أي الدرهم
( على الكل )
الموجبة لانتفاء إرادة استغراق كل جمع جمع في الجمع ومن هنا قال الفاضل الأبهري في تقرير الفرق في الصورة الأولى إنه ليس لأجل أن استغراق كل واحد زائد يدل على العموم بل لأجل أن الرجل ليس مما يشتمل على الأنواع المختلفة الحقائق فلم يقصد لجمعه الأنواع واللام الداخلة فيه لجنس الجمع لا لاستغراق المجموع لما عرفت أن اللام موضوعة للإشارة إلى الحقيقة والاستغراق إنما ينشأ من المقام ولم يوجد هنا قرينة تدل على الاستغراق والأصل براءة الذمة فحملت اللام على الحقيقة ولما لم تتحقق الحقيقة إلا في ضمن جزئي من جزئياتها حمل الرجال هنا على أقل مراتب الجمع كما قيل في قوله تعالى ! < إنما الصدقات للفقراء والمساكين > ! على مرتبة تستغرق جميع مراتب الجمع كما قال أبو علي في الجمع المنكر في سياق الإثبات اه وقد عرفت ما في
292
292
بعض هذا فيما تقدم
( وبتبادر صدق ما تقدم )
أي أخذ صدقة من أموالهم على أخذ صدقة واحدة منها
( فالحق أن عمومها )
أي الجموع
( مجموعي وإن قلنا إن أفراد الجمع العام الوحدان )
كما سلف في أوائل الكلام في العام
( فإنه )
أي ذاك
( لا ينافيه )
أي هذا
( ولزوم الحكم الشرعي أو مطلقا )
أي شرعيا كان أو غيره
( لكل )
من الآحاد فيه
( ضرورة عدم تجزي المطلوب وغيره )
من الموانع
( بحب المحسنين )
للعلم بحسب كل محسن
( والحاصل أنه )
أي عموم الجمع في الآحاد على وجه الانفراد
( مقتضى أمر آخر غير اللغة )
من حيث الوضع فلا ينافي ما سلف في الكلام في تعريف العام من أنه إنما لزم من تعليق الحكم بالجمع العام تعلقه بكل فرد مع أن التعليق بالكل لا يلزم في الجزء للعلم باللزوم لغة في خصوص هذا الجزء لأنه جزئي من وجه
( وصورة هذه )
المسألة
( عند الحنفية الجمع المضاف لجمع كمن أموالهم لا يوجب الجمع في كل فرد خلافا لزفر )
فإن عنده إيجابه في كل فرد
( وجه قوله إن المضاف إلى الجمع مضاف إلى كل فرد وهو )
أي المضاف هنا
( جمع فيلزم في حق كل فيؤخذ من كل مال لكل )
من الأفراد
( ومفزعهم )
أي ملجأ الحنفية
( في دفعه )
أي وجهه
( الاستعمال المستمر نحو جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وكركبوا دوابهم يفيد نسبة آحاده )
أي المضاف
( إلى آحاده )
أي المضاف إليه
( ففي الآية يؤخذ من مال كل لا من كل مال كل ويدفع )
هذا الدفع
( أنه )
أي كون مقابلة الجمع بالجمع يفيد انقسام الآحاد على الآحاد فيما ذكر
( لخصوص المادة )
ألا ترى أن قوله تعالى ! < وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم > ! إخبار بحمل كل واحد ما يخصه من الوزر لا وزرا واحدا وأنه يصح قتل المسلمون الكافرين وإن لم يقتل كل مسلم كافرا إلى غير ذلك
( لكنه )
أي هذا الدفع للدفع
( إبطال دليل معين لا يدفع المطلوب وقد بقي ما قلنا )
من كون الحق أن عموم الجمع مجموعي ومعلوم أن عليه يوجد الامتثال بأخذ صدقة من مال كل
( وعليه )
أي أن مقابلة الجمع بالجمع تفيد انقسام الآحاد على الآحاد
( فرع )
ما في الجامع الكبير
( إذا دخلتما هاتين الدارين أو ولدتما ولدين فطالقتان فدخلت كل دار أوولدت كل ولد أطلقت )
في نظائر لهاتين المسألتين تعرف ثمة
( مسألة إذا علل )
الشارع
( حكما )
في محل بعلة
( عم )
الحكم
( في محالها )
أي العلة شرعا
( بالقياس )
وهو الصحيح عن الشافعي
( وقيل )
عنه عم لغة
( بالصيغة القاضي أبو بكر لا يعم )
أصلا وإليه مال الغزالي
( لنا )
تعليل الشارع حكما بعلة
( ظاهر في استقلال الوصف )
بالعلية فوجب اتباعها لوجوب الحكم بالظاهر
( فتجويز كون المحل جزءا )
من العلة التي علق الشارع عليها الحكم في ذلك المحل
( فلا يتعدى )
لعدم الإمكان حينئذ
( كقول القاضي احتمال )
لا يقدح في الظهور فلا يترك به الظاهر وقد يقال هو لا ينكر الظهور غير أنه لا يكتفي به هنا كما في غيره من العمليات خلافا للجمهور فإنما ينهض في دفعه الحطة بالعمل بالظاهر والجواب لا ضير فإن الحجة بالعمل به قائمة كما عرف
( ثم لا صيغة عموم )
كقول
293
293
المعممين بالصيغة
( فانفرد التعميم بالعلة قالوا )
أي المعممون بالصيغة
( حرمت الخمر لأنها مسكرة كحرمت المسكر )
فإن المفهوم منهما واحد والثاني يعم كل مسكر من جهة اللفظ فكذا الأول
( قلنا )
إنما الأول مثل الثاني
( في عموم الحكم )
ولا يستلزم عموم الحكم في الأول
( كونه بالصيغة )
كما في الثاني
( لانتفائها )
أي الصيغة في الأول ووجودها في الثاني
( مسالة الاتفاق على عموم مفهوم الموافقة دلالة النص وكذا إشارة النص عند الحنفية لأنهما دلالة اللفظ واختلف في عموم مفهوم المخالفة عند قائليه نفاه الغزالي خلافا للأكثر فقيل )
الخلاف
( لفظي )
ذكره ابن الحاجب وغيره
( لثبوت نقيض الحكم )
للمنطوق
( في كل ما سوى محل النطق اتفاقا ومراد الغزالي أنه )
أي العموم
( لم يثبت )
في الأفراد التي تناولها المفهوم
( بالمنطوق )
بل المفهوم بواسطة المنطوق
( ولا يختلف فيه )
أي في أن ثبوت نقيض الحكم في الأفراد التي تناولها المفهوم ليس بالمنطوق وحاصله أنه نزاع لفظي يرجع إلى تفسير العام فمن فسره بما يستغرق في محل النطق لم يكن للمفهوم عموم ومن فسره بما يستغرق في الجملة سواء كان في محل النطق أو لا كان له عموم
( لكن قول الغزالي )
في المستصفى
( من يقول بالمفهوم قد يظن للمفهوم عموما ويتمسك به )
أي بعمومه
( وفيه )
أي وفي أن له عموما
( نظر لأن العموم لفظ )
تتشابه دلالته بالإضافة إلى المسميات والنحوي ليس يتمسك بلفظ بل بسكوت وقد عبر المصنف عن هذا مختصرا بقوله
( والتمسك بالمفهوم تمسك بسكوت )
فإذا قال في سائمة الغنم زكاة فنفي الزكاة عن المعلوفة ليس بلفظ حتى يعم اللفظ أو يخص وقوله ! < فلا تقل لهما أف > ! دل على تحريم الضرب لا بلفظ المنطوق به حتى يتمسك بعمومه وقد ذكرنا أن العموم للألفاظ لا للمعاني اه
( ظاهر في تحققه )
أي الخلاف
( وبنائه على أنه )
أي العموم
( من عوارض الألفاظ خاصة )
فلا تعم وهو قوله كما أفصح به
( أو لا )
من عوارضها خاصة فتعم كما قال غيره
( وحقق تحقق العموم )
في المفهوم
( وإن النزاع في أنه )
أي العموم
( ملحوظ للمتكلم )
بمنزلة المعبر عنه بصيغة العموم
( فيقبل حكمه )
أي العموم
( من التخصيص )
وتجزي الإرادة
( أو لا )
أي أو غير ملحوظ له
( بل هو لازم عقلي ثبت تبعا لملزومه )
وهو المنطوق
( فلا يقبله )
أي التخصيص والتجزئة في الإرادة لأن اللازم عقلا لا مدخل للإرادة فيه
( وهو )
أي كونه لازما عقليا
( مراد الغزالي فيحمل قوله ويتمسك به الخ أي في إثبات حكمه ذلك )
فيكون الضمير المجرور في به عائدا على نفس المفهوم لا على عمومه وغير خاف أن هذا مستغن عن قوله إلى آخره وإنما حقق وإنما حقق هذا المحقق له القاضي عضد الدين
( لاستبعاد أن لا يثبت نقيض حكم المنطوق لكل ما صدق عليه المفهوم )
قال المصنف
( وعلمت أن لفظ الغزالي ظاهر في خلافه )
أي هذا المحقق
( وجاز أن يقول )
الغزالي
( بثبوت النقيض )
أي نقيض حكم المنطوق لما صدق عليه المفهوم
( على العموم وينسبه إلى الأصل لا للمفهوم كطريق الحنفية فيه )
أي في المفهوم
( على ما تقدم )
في
294
294
بحث المفهوم فلم يوجب الإثبات لكل ما صدق عليه المفهوم تأويل لفظه بما ذكر فيبقى على ظاهره قلت على أن حمل قوله ويتمسك على ما ذكره ينبو عنه كل النبو قوله وفيه نظر الخ فلينظر
( مسألة قالت الحنفية يقتل المسلم بالذمي فرعا فقهيا مع )
علمهم بالحديث الحسن الذي في التاريخ الأوسط للبخاري وسنن أبي داود رواية أبي بكر بن داسة وغيرهما من
( قوله صلى الله عليه وسلم لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده فاختلف في مبناه )
أي هذا الفرع
( فالآمدي )
والغزالي
( عموم المعطوف عليه يستلزم عموم المعطوف عند الحنفية خلافا لهم )
أي للشافعية
( ولابد من تقدير بكافر مع ذو عهد وإلا )
أي وإن لم يقدر بكافر بعد في عهده
( لم يقتل )
ذو عهد
( بمسلم )
فإنه حينئذ يكون نفيا لقتله مطلقا وهو باطل اتفاقا وإذ كان عموم المعطوف عليه يستلزم عموم المعطوف عند الحنفية
( فإما )
يكون
( لغة على ما قال الحنفية المعطوف جملة ناقصة فيقدر خبر الأول فيها تجوزا به )
أي بالخبر
( عن المتعلقات )
فإن بكافر ليس بخبر لمبتدأ بل هو جار ومجرور ومتعلق بالفعل
( فنحو ضربت زيدا يوم الجمعة وعمرا يلزم تقييد عمرو به )
أي ضربه بيوم الجمعة
( ظاهرا )
فلا يضر التزامه إذا أورد
( ووجهه )
أي هذا الاستلزام لغة
( أن العطف لتشريك الثاني في المتعلق )
بفتح اللام الكائن للعامل مع العامل
( وهو )
أي وتشريكه فيه
( عدم قتله )
أي ذي عهد
( بكافر وإن شركه النحاة في العامل ولم يأخذوا القيد )
الكائن في المعطوف عليه
( فيه )
أي في المعطوف أيضا
( لكن هذا )
أي التشريك في المتعلق أيضا
( حق وهو لازمهم )
أي النحاة
( فإن العامل مقيد بالفرض فشركته )
أي الثاني للأول
( فيه )
أي في العامل
( توجب تقيده )
أي الثاني بذلك القيد
( مثله )
أي الأول
( وإما )
يكون
( بمنفصل شرعي وهو لزوم عدم قتل الذمي بمسلم لولاه )
أي شركته معه في المتعلق
( ثم هو )
أي الكافر
( مخصوص بالحربي لقتله )
أي ذي العهد
( بالذمي فانتفى اللازم )
وهة و عموم الثاني
( فينتفي الملزوم وهو عموم الأول )
فلا يحمل على عدم قتل المسلم بكافر مطلقا
( وقيل )
قاله الإمام الرازي والبيضاوي بل الجمهور على ما قال الأصفهاني
( تخصيص المعطوف يوجبه في المعطوف عليه عندهم )
أي الحنفية
( وهذا )
القول
( لازم للأول )
الذي قاله الآمدي
( لأن تخصيصه )
أي المعطوف
( نفي عمومه وهو )
أي نفي عمومه
( انتفاء اللازم في الأول )
لأن اللازم في الأول هو عموم المعطوف
( ونفي اللازم ملزوم لنفي الملزوم )
وهو عموم المعطوف عليه في الأول فينتفي عموم المعطوف عليه لانتفاء عموم المعطوف ويلزم منه أن تخصيص المعطوف يخصص المعطوف عليه وهو المطلوب وفي هذا تعريض بالتعقب لقول المحقق التفتازاني فزعم بعضهم أن هذه تلك وليس كذلك بل هذه مسألة برأسها
( وقد يقال )
في تقرير هذا تخصيص الثاني
( يستلزم تخصيص الأول بما خص به )
ا لثاني
( ولا شك أنه )
أي تخصيص الثاني بالحربي
( مراد )
لئلا يلزم منه أن لا يقتل ذمي بذمي وحيث يخصص الثاني بالحربي
295
295
فالأول كذلك
( فيصير الحديث دليلا للحنفية على قتل المسلم بالذمي )
لأنه صار المعنى لا يقتل مسلم بحربي ولا ذمي بحربي ويلزمه أنه يقتل مسلم بغير حربي فيدخل في غير الحربي الذمي لكن كما قال المصنف
( وهذا إنما يتم لو قالوا بمفهوم المخالفة )
وهم لا يقولون به في مثله
( وقيل قلبه )
أي يستلزم تخصيص الأول تخصيص الثاني
( غير أنه )
أي هذا القول
( لا يصح مبنى الفرع )
المذكور لعدم دليل الخصوص في الأول
( نعم لا تلازم )
بين المعطوف والمعطوف عليه من جهة العموم والخصوص
( فقد يعمان )
أي المعطوف والمعطوف عليه
( وقد يعم أحدهما لا الآخر وكون العطف للتشريك يصدق إذا شركت بعض أفراد المعطوف في المقيد المتعلق بكل الأول )
قال المصنف يعني لا يلزم من كون العطف للتشريك في العامل المقيد استواء المتعاطفين في العموم الصرف أو التخصيص بل يصدق التشريك إذا كان المعطوف عاما مخصوصا تعلق به ما تعلق بالعام المعطوف عليه الذي لم يخصص هذا معنى قوله بكل الأول والمراد ببعض أفراده التي شركت هي الباقية تحت العام المعطوف بعد التخصيص وإنما يصح العطف مع ذلك لأنه يصدق أن المراد بالمعطوف شارك المراد بالمعطوف عليه فيما تعلق به وإنما اختلف المراد بالمتعاطفين نفسهما
( فظهر )
بناء على الأصل المذكور لهم
( أن الحديث لا يعارض آيات القصاص العامة وإن خص منها الحربي لتخصيص كافر الأول بالحربي والمحققون )
من الحنفية
( على أن المراد بالكافر الحربي المستأمن )
لا الحربي مطلقا
( ليفيد )
قوله
لا يقتل مسلم بكافر
( إذ غيره )
أي الحربي المستأمن وهو الحربي الذي ليس بمستأمن
( مما عرف بالضروة من الدين كالصلاة )
أن المسلم لا يقتل به
( فلا يقتل الذمي بالمستأمن )
كما لا يقتل المسلم به بناء على أن تخصيص كافر الأول به موجب لتخصيص كافر الثاني به أيضا قال المصنف والظاهر من الحنفية أن تخصيص الأول بدليل يوجبه في الثاني بعينه لما ذكرنا أنه ناقص فيقدر ما في الأول فيه فلا يمنع من قتل الذمي بالذمي وتخصيص الثاني بدليله يدل على مثله في الأول دلالة قريبة فلا يوجبه لغة ولا يمنع من قتل المسلم بالذمي
( والذي في هذه )
المسالة
( من مباحث العموم كون العطف على عام لعامله متعلق عام يوجب تقدير لفظه )
أي لفظ المتعلق العام
( في المعطوف ثم يخص أحدهما بخصوص الآخر وإلا )
أي وإن لم يخص أحدهما بخصوص الآخر
( اختلف العامل وفيه )
أي لزوم اختلافه على هذا التقدير
( ما سمعت )
من عدم لزم اتحاد كميتي المتعاطفين في الأفراد المتناولة وإن اختلافها لا يوجب اختلاف العامل لأنا فرضنا تقدير قيد العامل في كل منهما ولا ينافيه اختلاف كميتهما إذ يصدق أنه شرك المراد بأحدهما المراد بالآخر في العامل المقيد قاله المصنف أيضا ثم في هذا المقام مزيد كلام لم نطول به إيثارا للاقتصار على ما في الكتاب من المرام
( مسألة الجواب غير المستقل )
عن سؤال بأن لا يكون مفيدا بدونه كنعم ولا
( يساوي
296
296
السؤال في العموم اتفاقا وفي الخصوص قيل كذلك )
أي يساويه في الخصوص أيضا اتفاقا حتى لو قيل هل يجوز الوضوء بماء البحر فقال نعم كان عاما ولو قيل هل يجوز لي الوضوء بماء البحر فقال نعم كان خاصا
( وقيل يعم )
الجواب فيه
( عند الشافعي )
حتى كان الجواب فيه دالا على جواز التوضي بماء البحر لكل أحد
( لترك الاستفصال )
أي لأن تركه في حكاية الحال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال كما هو محكي عن الشافعي وهذا صريح كلام الآمدي وشارحي أصول ابن الحاجب على ما ذكره المحقق التفتازاني لكن الظاهر كما نبه عليه الفاضل الأبهري أن من ذهب إلى أن الشافعي ذهب إليه إنما أخذه من المحكي المذكور عنه لتناوله الجواب غير المستقل لكنه وهم فإنه لم يرده إلا فيما هو مستقل ومن ثمة لم يورد إمام الحرمين في أمثلته إلا ما هو مستقل بل وقال إمام الحرمين في هذه المسألة العموم فرع استقلال الكلام بنفسه بحيث يفرض الابتداء به من غير تقدم سؤال فإذ ذاك يستمسك بعض باللفظ وآخرون بالسبب فأما إذا كان لا يثبت الاستقلال دون تقدم سؤال والسؤال خاص به فالجواب تتمة له وكالجزء منه ولا سبيل إلى ادعاء العموم به وبهذا ظهر وجه قول المصنف
( والظاهر الأول )
أي أن الجواب غير المستقل يتبع السؤال في الخصوص
( ولا معنى للزوم العموم )
في الجواب
( لتركه )
أي الاستفصال
( إلا في الأحوال والأوقات والمراد عموم المكلفين )
أي لكن النزاع إنما هو في أن المراد عموم للمكلفين أو خضوضه ببعضهم والقطع أنه أي العموم للمكلفين
( إن ثبت في نحو )
نعم جوابا لقوله
( أيحل لي كذا فبقياس )
لهم عليه لوجود علته فيهم كما فيه
( أو بنحو حكمي على الواحد )
حكمي على الجماعة من النصوص المفيدة لثبوت الحكم في حقهم أيضا
( لا من نعم )
فقط وهذا لا ينافي خصوصه كسائر أنواع الخصوص
( وأما )
ا لجواب
( المستقل العام على سبب خاص فللعموم )
عند الأكثر والمراد بالمستقل ما يكون وافيا بالمقصود مع قطع النظر عن السبب ولا فرق بين أن يكون السبب سؤالا نحو ما روى أحمد وقال صحيح والترمذي وحسنه قيل يا رسول الله أن أتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر تلقى فيها الحيض والنتن ولحم الكلاب فقال
إن الماء طهور لا ينجسه شيء
أو حادثة كما لو شاهد من رمى إهاب شاة ميتة فقال
أيما إهاب دبغ فقد طهر
( خلافا للشافعي )
على ما نقله الآمدي وابن الحاجب وغيرهما اعتمادا على قول إمام الحرمين في البرهان أنه الذي صح عندي من مذهب الشافعي لكنه مردود كما قال الإسنوي بنصه في الأم على أن السبب لا يصنع شيئا إنما يصنعه الألفاظ ومشى عليه أكثر أصحابه وبين فخر الدين الرازي في مناقبه وهم ناقل الأول عنه بما يعرف ثمة نعم قال به من أصحابه المزني وأبو ثور والقفال والدقاق وروي عن مالك وذهب بعض العلماء كابي الفرج ابن الجوزي إليه إن كان سؤال سائل وإلى العموم إن كان وقوع حادثة
( لنا أن التمسك باللفظ وهو عام )
ولا مانع من إجرائه على عمومه
297
297
فإن قيل بل ثم مانع وهو خصوص السبب قلنا ممنوع كما أشار إليه قوله
( وخصوص السبب لا يقتضي إخراج غيره )
أي ذي السبب الضرورة لأنه لا ينافي عمومه فكيف يخرج غيره
( وتمسك أصحابه فمن بعدهم في جميع الأعصار بها )
أي بالأجوبة العامة الواردة على سبب خاص
( كآية السرقة وهي في رداء صفوان أو المجن )
كما قال ابن الحاجب وغيره وتعقبه شيخنا الحافظ رحمه الله بأنه لم ير في شيء من التفاسير أن ذلك سبب نزول الآية وإنما ذكر الواحدي وجماعة عن ابن الكلبي أن الآية نزلت في ابن أبيرق سارق الدرع الذي ذكرت قصته في الآيات التي من سورة النساء وفيها يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله بل سياق قصة القطع في رداء صفوان على ما أخرجه الدارقطني في الموطآت يفيد تأخر وقوعها عن نزول الآية لأن النبي صلى الله عليه وسلم قطع المخزومية التي سرقت وذلك بعد فتح مكة كما ثبت في مسلم وصفوان بن أمية إنما أسلم بعد ذلك
( وآية الظهار في سلمة بن صخر البياضي )
كما قاله ابن الحاجب وغيره أيضا وتعقبوه بأنها إنما نزلت في أوس بن الصامت وزوجته خولة كما رواه أبو داود وغيره وأخرج الطبراني من حديث ابن عباس قال كان أول ظهار في الإسلام بين أوس بن الصامت وامرأته قال شيخنا الحافظ وليس يبعد ما قاله ابن الحاجب وذلك ظاهر من سياق حديث سلمة بن صخر ثم أسند إليه قال كنت أمرأ أصيب من النساء ما لا يصيب غيري فدخل شهر رمضان فخفت أن يقع مني شيء في ليلتي فيتتابع بي حتى اصبح فظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ الشهر فبينما هي تخدمني إذ تكشف لي منها شيء فما لبثت أن نزوت عليها فلما أصبحت خرجت إلى قومي فقصصت عليهم خبري وقلت لهم امشوا معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا لا والله ما نمشي معك إنما نخاف أن ينزل فيك القرآن أو يتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيك بمقالة يلزمنا عارها فانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته خبري فقال
أنت بذاك يا سلمة
قلت أنا بذاك يا رسول الله قال
أنت بذاك يا سلمة
قلت أنا بذاك يا رسول الله قال
أنت بذاك يا سلمة
قلت أنا بذاك ريا رسول الله فاحكم في بما أراك الله فها أنا ذا صابر نفسي قال
أعتق رقبة
الحديث أخرجه أحمد وغيره وحسنه الترمذي ثم قال فجائز أن تكون قصة سلمة وقعت عقب قصة أوس بن الصامت فنزلت الآية فيهما وذلك ظاهر من قول قوم سلمة نخشى أن ينزل فيك قرآن فإن فيه وفي سؤال سلمة إشارة أن آية الظهار لم تكن نزلت انتهى قلت ولقائل أن يقول يبعده تظافر الروايات المعتبرة على أن زوجة أوس لما ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما برحت أو فلم ترم مكانها حتى نزلت الآية ثم الآية نفسها فإنها مشيرة إلى أن سبب نزولها مجادلة زوجة المظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكواها إلى الله ولم ينقل هذا كله إلا في زوجة أوس ثم ليس في قول قوم سلمة نخشى ان ينزل فيك قرآن ولا في سؤال سلمة إشارة راجحة إلى أن آية الظهار لم تكن نزلت ولا بظاهر أيضا أن المخشي وقوعه من النزول كان بيان حكم الظهار ولا من
298
298
البعيد أن يكون المخشي نزوله فيه هو التوبيخ له ونحوه ومن ثمة أردفوه بقولهم أو يتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيك بمقالة يلزمنا عارها ولا أن تكون الآية قد نزلت وخفي عليهم وعليه حكمها بالنسبة إليه ويدل عليه مبادرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيان الحكم من غير ذكر انتظار الوحي ولا التوقف فيه والله سبحانه أعلم
( وآية اللعان في هلال بن أمية أو عويمر )
كما كلاهما في الصحيحين وغيرهما وسياقه بالنسبة إلى عويمر أنه قال لعاصم أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل سل لي عن ذلك يا عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن عاصما سأله فكره المسائل وعابها حتى كبر على عاصم ما سمع منه وأن عويمرا قال لا أنتهي حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فجاءه في وسط الناس فسأله فقال
قد أنزل فيك وفي صاحبتك فاذهب فأت بها
قال سهل فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال شيخنا الحافظ رحمه الله تعالى والجمع بين الحديثين أن عاصما لما سأل لعويمر تخلل بين ذلك وبين مسألة عويمر بنفسه قصة هلال فنزلت الآية فلما جاء عويمر قيل له قد أنزل فيك وفي صاحبتك باعتبار شمول الآية كل من وقع له ذلك اه قلت وهذا يفيد إن سبب نزولها كل منهما ثم قول أنس كان أول من لاعن في الإسلام هلال بن أمية الحديث يفيد أن العمل بمقتضى الآية كان في هلال قبل عويمر والله تعالى أعلم
( قالوا لو كان )
الجواب عاما للسبب وغيره
( لجاز تخصيص السبب بالاجتهاد )
من عموم الجواب كغيره من أفراده لتساويها في العموم واللازم باطل فالملزوم مثله
( وأجيب )
بمنع الملازمة
( بأنه )
أي تخصيص السبب بالاجتهاد
( خص من جواز التخصيص للقطع بدخوله )
أي الفرد السببي في إرادة المتكلم قطعا
( وإلا )
أي وإن لم يكن داخلا فيها
( لم يكن )
الجواب
( جوابا )
له وهو باطل ولا بعد أن يدل دليل على إرادة خاص فيصير كالنص فيه والظاهر في غيره فيمكن إخراج غيره دونه
( وأجيب أيضا بمنع بطلان اللازم )
وهو جواز تخصيص السبب بالاجتهاد
( فإن أبا حنيفة أخرج ولد الأمة )
الموطوءة
( من عموم الولد للفراش )
فلم يثبت نسبه منه إلا بدعواه
( مع وروده )
أي الولد للفراش
( في وليدة زمعة )
وكانت أمة موطوءة له ولا بأس بسوقه إيضاحا للمرام ففي الصحيحين وغيرهما عن عائشة قالت كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أن ابن وليدة زمعة مني فاقبضه إليك فلما كان عام الفتح أخذه سعد فقال ابن أخي عهد إلي فيه فقام عبد بن زمعة فقال أخي ابن أبي ولد على فراشه فتساوقا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال كل منهما ما قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو لك يا عبد بن زمعة
الولد للفراش وللعاهر الحجر
ثم قال لسودة بنت زمعة احتجبي منه لما رأى من شبهه بعتبة فما رآها حتى لحق بالله تعالى
( وليس )
هذا الجواب
( بشيء )
دافع لدليل المخصصين
( فإن السبب الخاص ولد زمعة ولم يخرجه )
من الولد للفراش
( فالمخرج نوع السبب )
وهو ولد الأمة الموطوءة
( مخصوصا منه )
أي نوع السبب
299
299
السبب )
الخاص وهو ولد زمعة
( والتحقيق أنه )
أي أبا حنيفة
( لم يخرج نوعه أيضا لأنها ما لم تصر أم ولد عنده )
أي أبي حنيفة
( ليست بفراش فالفراش المنكوحة )
وهي الفراش القوي يثبت فيه النسب بمجرد الولادة ولا ينتفي إلا باللعان
( وأم الولد )
وهي فراش ضعيف إن كانت حائلا فيجوز تزويجها وفراش متوسط إن كانت حاملا فيمتنع تزويجها ويثبت نسب ولدها بلا دعوة وينتفي بمجرد نفيه في الحالين وهذا أوجه من قولهم الفرش ثلاثة قوى وهي المنكوحة ومتوسط وهي أم الولد وضعيف وهي الأمة الموطوءة التي لم يثبت لها أمومية الولد
( وإطلاق الفراش على وليدة زمعة في قوله صلى الله عليه وسلم الولد للفراش بعد قول عبد بن زمعة ولد على فراش أبي لا يستلزم كون الأمة مطلقا فراشا لجواز كونها )
أي وليدة زمعة
( كانت أم ولد وقد قيل به )
أي بكونها أم ولد له
( ودل عليه بلفظ وليدة فعيلة بمعنى فاعلة على أنه منع أنه صلى الله عليه وسلم اثبت نسبته لقوله هو لك )
أي ميراث من أبيك ومن ثمة لم يقل هو أخوك وما في رواية هو أخوك يا عبد فمعارضة بهذه وهذه أرجح لأنها المشهورة المعروفة
( وقوله احتجبي منه يا سودة )
إذ لو كان أخاها شرعا لم يجب احتجابها منه ويؤيده رواية أحمد وأما أنت فاحتجبي منه فإنه ليس لك بأخ
( قالوا لو عم )
الجواب في السبب وغيره
( كان نقل الصحابة السبب بلا فائدة )
إذ لا فائدة له سوى التخصيص
( وهو )
أي ونقلهم السبب بلا فائدة
( بعيد )
لأن مثلهم لا يعتني بنقل ما لا فائدة فيه
( أجيب بأن معرفته )
أي السبب
( ليمنع تخصيصه )
بالاجتهاد
أجل فائدة ونفس معرفة الأسباب ليحترز عن الأغاليط )
فائدة أيضا
( قالوا لو قال لا أتغدى جواب تغد عندي لم يعم )
قوله لا أتغدى كل تغد ونزل على التغدي عنده
( إذ لم يعد كاذبا بتغديه عند غيره أجيب بأن تخصيصه )
لعموم كل تغد
( بعرف فيه )
وهو عرف المحاورة الدال على أنه لا يتغدى عنده
( لا بالسبب )
وخلف الحكم عن الدليل لمانع لا يقدح فيه فانتفى قول زفر بعمومه حتى لو كان حالفا على ذلك حنث ولو زاد على الجواب اليوم ثم تغدى عند غيره لم يحنث عند الشافعي أيضا إذا حلف عليه وقال أصحابنا يحنث لظهور إرادة الابتداء دون الجواب حملا للزيادة على الإفادة دون الإلغاء نعم إن نوى الجواب صدق ديانة لاحتماله
( قالوا لو عم )
الجواب السبب المسؤول عنه وغيره
( لم يكن )
الجواب
( مطابقا )
للسؤال لأن للسؤال خاص والجواب عام وإنه يجب نفي مثله عن الشارع
( قلنا )
الملازمة ممنوعة بل
( طابق )
الجواب السؤال بكشفه عن معناه وتبيين حكمه
( وزاد )
عليهما لم يسأل عنه ولا ضير في ذلك وكيف لا وقد قال تعالى ! < وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى > ! وصحح البخاري والترمذي وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ماء البحر فقال
هو الطهور ماؤه الحل ميتته
( قالوا لو عم )
الجواب المسؤول عنه وغيره
( كان )
العموم
( تحكما بأحد مجازات محتملة )
ثلاثة
( نصوصية على السبب فقط )
أي كون عموم الجواب نصا في الفرد السببي الخاص الذي لأجله
300
300
ورد العام دون غيره
( أو )
نصوصية على السبب
( مع الكل )
أي سائر الأفراد التي هو ظاهر فيها والفرق بينه وبين العام الذي هو حقيقة أنه ظاهر في الجميع وما نحن فيه نص في بعض وظاهر في الباقي
( أو )
نصوصية على السبب مع
( البعض )
أي بعض الأفراد التي هو ظاهر فيها
( قلنا لا مجاز أصلا لأنه )
أي المجاز إنما يتحقق
( بالاستعمال في المعنى )
الذي لم يوضع اللفظ له
( لا بكيفية الدلالة )
من الظهور والنصوص
( وقد استعمل )
اللفظ العام الذي هو الجواب
( في الكل )
أي فرده السببي وباقي أفراده
( فهو حقيقة )
في العموم
( وأيضا نمنع نصوصيته )
أي اللفظ العام بالنسبة إلى الفرد السببي
( بل تناوله للسبب كغيره )
من الأفراد
( وإنما يثبت بخارج )
عن اللفظ وهو لزوم انتفاء الجواب
( القطع بعدم خروجه )
أي الفرد السببي
( من الحكم )
لكن على هذا قال المصنف
( ولا يخفى أن الخارج حينئذ )
أي حين كونه سببا للقطع بعدم خروجه
( محقق للنصوصية لأنها )
أي النصوصية
( أبدا لا تكون من ذات اللفظ إلا إن كان )
اللفظ
( علما إن لم يتجوز بها )
أي بالأعلام فإن تجوز بها فهي كغيرها إنما تكون نصوصيتها بخارج فإن قلت هذا فرض ما هو غير ممكن فيها لأن فخر الدين الرازي الآمدي صرحا بأن الأعلام ليست بحقيقة ولا مجاز والتجوز بها فرع كونها حقيقة قلت ممنوع فإن الأصح أن المجاز لا يستلزم الحقيقة كما يأتي في موضعه على أن الأشبه أنها بعد الاستعمال لا تخرج عنها كما سيذكر في محله ثم ما نحن فيه ليس من الأعلام فلا يتم هذا الجواب وفيما قبله كفاية
( البحث الرابع الاتفاق على إطلاق قطعي الدلالة على الخاص وعلى احتماله )
أي الخاص
( المجاز )
بمعنى أنه يجوز أن أيراد به معنى مجازي له
( ويلزمه )
أي الاتفاق على احتمال الخاص المجاز
( الاتفاق على عدم القطع بنفي القرينة الصارفة عن )
المعنى
( الحقيقي )
للخاص إلى المعنى المجازي له لأن القطع بنفيها يمنع احتماله إياه إلا أن في هذين الأمرين ملزوما ولازما بحثا يوجب منعه كما يذكره المصنف آخرا
( وإن هذا القطع )
المنسوب إلى دلالة الخاص
( لا ينافي الاحتمال مطلقا )
وإنما ينافي الاحتمال الناشئ عن دليل
( واختلف في إطلاقه ) أي قطعي الدلالة
( على العام فالأكثر )
من الفقهاء والمتكلمين
( على نفيه )
أي نفي إطلاقه عليه
( وأكثر الحنفية )
أي جمهور مشايخ العراق وعامة المتأخرين
( نعم )
أي يطلق عليه بل ذكر عبد القاهر البغدادي من المحدثين أنه مذهب أبي حنيفة وأصحابه وقواه فخر الإسلام
( وأبو منصور )
الماتريدي
( وجماعة )
وهم مشايخ سمرقند لا يطلق عليه
( كالأكثر لكثرة إرادة بعضه )
أي العام من إطلاقه
( سواء سمي )
كون بعضه مرادا
( تخصيصا اصطلاحيا أو لا كثرة تجاوز الحد وتعجز عن العد حتى اشتهر ما من عام إلا وقد خص وهذا )
العام أيضا
( مما خص بنحو والله بكل شيء عليم له ما في السموات وما في الأرض )
لعدم تخصيص ما في هاتين الآيتين من العموم
( في قلة مما لا يحصى ومثله )
أي وجود هذه الكثرة
( يورث الاحتمال
301
301
في )
العام
( المعين )
جريا على ما هو الكثير الغالب
( فيصير )
كون المراد جميع مدلوله
( ظنيا فبطل )
بهذا دفع صدر الشريعة الاستدلال على ظنية العام بكثرة بل بأكثرية تخصيصه وهو
( منع كثرة تخصيصه لأنه )
أي تخصيصه عندنا إنما يكون
( بمستقل مقارن وهو )
أي المستقل المقارن
( قليل )
فلا يتم القول بأن الأكثر في العام التخصيص وإنما بطل
( لأنهم )
أي الظنيين
( يمنعون اقتصاره )
أي التخصيص على أنه إنما يكون بمستقل مقارن بل هو أعم من ذلك
( ولو سلم )
أن التخصيص إنما يكون بذلك
( فالمؤثر في ظنيته )
أي في الموجب لظنية العام إنما هو
( كثرة إرادة البعض فقط لا مع اعتبار تسميته تخصيصا في الاصطلاح )
ولا شك في ثبوته ونحن نسميه تخصيصا وعلى رأينا أطلقناه عليه فإن وافقتم على الإطلاق فبها وإن أبيتم إطلاقه عليه اصطلاحا منكم فلا يضر في المقصود
( قالوا )
أي القطعيون
( وضع )
العام
( لمسمى فالقطع بلزومه )
أي المسمى له
( عند الإطلاق )
كالخاص ثم قالوا إيرادا وجوابا
( فإن قيل إن أريد )
بالقطع بلزومه
( لزوم تناوله )
أي اللفظ له
( فمسلم ولا يفيد )
لأن التناول ثابت للكل بعد التخصيص بالعقل لأنه يتبع الوضع فلا يدل لزوم تناول اللفظ والقطع به على كونه قطعي الدلالة لثبوته قطعا حال ظنية العام وهو ما بعد التخصيص والقطع بأنه حينئذ متناول لجميع ما وضع له ذكره المصنف
( أو إرادته )
أي لزومها
( فممنوع إذ تجويز إرادة البعض قائم فيمنع القطع قيل المراد )
بالقطع بلزومه القطع بإرادة ما تناوله اللفظ وهو
( ما )
أي قطع
( كقطعية القطع قيل المراد )
بالقطع بلزومه القطع بإرادة ما تناوله اللفظ وهو
( ما )
أي قطع
( كقطعية الخاص )
وهو القطع الذي لا احتمال فيه عن دليل
( لا ما ينفي احتماله )
أي العام أصلا
( لتحققه )
أي الاحتمال لا عن دليل
( في الخاص مع قطعيته اتفاقا )
فانتفى كون التجويز المذكور منافيا للقطع فيه
( فحقيقة الخلاف )
في قطعية العام
( أنه )
أي العام
( كالخاص )
في القطعية
( أو أحط فلا يفيد الاستدلال )
على قطعية العام
( بأنه لو جاز إرادة بعضه بلا قرينة كان تلبيسا وتكليفا بغير المقدور )
لأنه ليس في الوسع الوقوف على الإرادة الباطنة ولا تكليف إلا بما في الوسع وإنما لا يفيد الاستدلال بهذا على ذلك
( للزوم مثله في الخاص )
وهو أن لا يجوز أن يراد به بعضه وهو ممنوع لأنه يحتمل المجاز إذ هذا القطع لا ينفي الاحتمال كما بينا
( مع أن الملازمة ممنوعة أما الأول )
أي أما منعها على تقدير اللازم الأول الذي هو لزوم التلبيس في إطلاق العام
( فلأن المدعى خفاؤها )
أي القرينة
( لا نفيها )
أي إنما يجوز أنه أراد به بعضه ونصب قرينة غير أنها خفيت علينا ولا تلبيس بعد نصب القرينة وستسمع ما على هذا من التعقب
( وأما الثاني )
أي وأما منعها على تقدير اللازم الثاني وهو التكليف بغير المقدور
( فإنما يلزم )
التكليف بغير المقدور
( لو كلف )
بالعمل
( بالمراد )
بالعام
( لكنه )
أي التكليف به منتف فإنه إنما كلف بالعمل
( بما ظهر من اللفظ )
مرادا كان أو غير مراد في نفس الأمر
( والاستدلال )
على ظنية العام
( بكثرة الاحتمال في العام إذ فيه )
أي في العام
( ما في الخاص )
من احتمال المجاز
( مع احتمال إرادة البعض مدفوع )
كما ذكر صدر الشريعة
( بأن كون حقيقة لها معنيان
302
302
مجازيان وأخرى واحد لا يحطه )
أي ما له مجازان
( عنه )
أي ما له مجاز واحد
( لأن الثابت في كل منهما )
أي مما له مجازان وما له مجاز
( حال إطلاقه احتمال مجاز واحد فتساويا )
في الدلالة على المعنى الحقيقي حيث لا قرينة للمجاز أصلا
( قلنا )
نحن معشر الظنيين
( حين آل )
الاختلاف بيننا وبينكم معشر القطعيين في المراد بقطعية دلالة العام على معناه
( إلى أنه كالخاص )
فيها كما هو مرادكم
( أو دونه )
كما هو مرادنا
( فإنما يرجح )
الخاص على العام عندنا
( بقوة احتمال العام إرادة البعض لتلك الكثرة )
أي كثرة إرادة بعضه من إطلاقه
( وندرة ما في الخاص )
من احتمال إرادة المجاز
( لندرة )
أن يراد بنحو جاء زيد رسول زيد أو
( كتاب زيد بزيد فصار التحقيق أن إطلاق القطعية على الخاص لعدم اعتبار ذلك الاحتمال )
فيه كما في المثال المذكور
( بخلاف العام )
فإن إرادة البعض من إطلاقه كثير بل أكثري فلا يتحدان مرتبة
( قولهم )
أي القطعيين
( لا عبرة به )
أي باحتمال التخصيص في العام
( أيضا إذ لم ينشأ عن دليل )
فصار العام كالخاص
( قلنا )
ممنوع
( بل نشأ عنه )
أي عن دليل
( وهو )
أي الدليل
( غلبة وقوعه )
أي التخصيص في العام فتوجب غلبة وقوعه الظنية في المعين وإن أريد بالدليل في لم ينشأ عن دليل
( دليل إرادة البعض في )
العام
( المعين )
أي لم يثبت دليل إرادة البعض في العام المعين
( خرج )
هذا العام
( عن محل النزاع وهو )
أي محله
( ظنية إرادة الكل )
أي كون الكل مرادا ظني أو قطعي كالخاص بالمعنى المذكور وهذه معترضة بين ما خرج عنه وبين ما خرج إليه وهو
( إلى القطع بإرادة البعض )
فيصير في تحقق إرادة البعض منه أو الكل فقال قائل تحقق في العام المعين إرادة بعضه وقال آخر بل كله
( والجواب )
عن ظنيته من القطعيين منع تجويز إرادة البعض بلا مخصص مقارن مستقل لاستلزامه أي هذا التجويز ما سيذكر في اشتراط مقارنة المخصص من الإيقاع في الكذب أو طلب الجهل المركب ومثله أي ويجيء مثله في الخاص إذا لم يقرن بما يفيد غير ظاهره وقولهم أي الظنيين
( يحتمل )
العام
( المجاز أي من حيث هو أما الواقع في الاستعمال فلا يحتمل غيره إلا بقرينة تظهر فتوجب )
القرينة
( غيره )
أي غير ظاهره
( وحينئذ )
أي وحين كان الحال في احتمال العام المجاز هذا التفصيل
( فكون الاتفاق على عدم القطع بنفي القرينة )
الصارفة عن الحقيقي إلى المجازي في الخاص كما تقدم
( ممنوع بل إذا لم تظهر )
القرينة
قطع بنفيها )
وقد عرف من هذا منع كونها نصبت وخفيت وأن المصنف مع أكثر الحنفية
( وثمرته )
أي الخلاف في أن العام أحط رتبة من الخاص في ثبوت الدلالة أو مثله فيه تظهر
( في المعارضة ووجوب نسخ المتأخر منهما )
أي العام والخاص
( المتقدم )
فالقائلون بأن الخاص أقوى قدموه على العام عند التعارض ولم يجوزوا نسخه بالعام لرجحان الخاص عليه والقائلون بتساويهما لم يقدموا أحدهما على الآخر إذا تعارضا إلا بمرجح وجوزوا نسخ أحدهما بالآخر
( ولذا )
أي تساويهما
( نسخ طهارة بول المأكول )
المستفادة مما عن أنس أن رهطا من عكل أو قال عرينة قدموا فاجتووا المدينة
303
303
فأمر لهم النبي صلى الله عليه وسلم بلقاح وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها متفق عليه لأن النجس واجب الاجتناب محرم التداوي به ففي سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم
ولا تداووا بحرام
( وهو )
أي النص المفيد طهارته وهو قوله فأمرهم أن يشربوا من أبوالها أي اللقاح
( خاص استنزهوا البول )
أي بما عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه
رواه الحاكم وقال على شرطهما ولا أعرف له علة وهو عام لأن من للتعدية لا للتبعيض والبول محلى باللام للجنس فيعم كل بول وقد أمر بطلب النزاهة منه والطاهر لا يؤمر بالاستنزاه منه هذا إن كان الأمر باستنزاه البول متأخرا عن حديث العرنيين كما قيل
( أو رجح )
حديث الاستنزاه على حديث العرنيين إن لم يعلم تأخره عنه كما هو الظاهر
( بعد المعارضة للاحتياط )
في العمل بالمحرم
( وأما وجوب اعتقاد العموم فبعد البحث عن المخصص )
إلى القطع أو غلبة الظن بعدمه حتى يجب العمل به
( اتفاق لبعد وجوب العمل بما لم يعتقد مطابقا له )
أي لاعتقاده
( وأما قبله )
أي البحث عن المخصص
( فما تقدم من حمل كلام الصيرفي )
عليه في مسألة نقل الإجماع على منع العمل بالعام قبل البحث عن المخصص
( يفيد أنه )
أي وجوب اعتقاد عمومه
( كذلك )
أي اتفاق أيضا وكيف لا وقد صرح هو به كما ذكره إمام الحرمين وغيره عنه كما تقدم ثمة
( والنظر يقتضي إذ توقف وجوب العمل على البحث توقف اعتقاده )
أي وجوب اعتقاد عمومه على البحث عن المخصص لما سلف ثمة من أن الفرق بين الاعتقاد والعمل بأنه يجب اعتقاد العموم قبل البحث عن المخصص ولا يجوز العمل به قبله تحكم مع بيان وجهه فليراجع وقد ظهر ما ذكرناه هناك أيضا من أن ظاهر كلام مشايخنا يوافق ما عن الصيرفي ولا سيما كلام القطعيين منهم فليتأمل
( وقول محمد )
في الزيادات
( فيمن أوصى بخاتم لإنسان ثم )
أوصى مفصولا
( بفصه لآخر الفص بينهما )
والحلقة للأول خاصة
( من باب الخاص )
لأن التعبير عنه إما بخاتمي أو هذا الخاتم أو الخاتم الفلاني وكل منها من الخاص
( لا العام )
وكيف يكون عاما وتعريف العام غير صادق عليه وإنما الفص منه كجزء من الإنسان مثلا فكما لا يصير الإنسان باعتبار أجزائه عاما فكذا الخاتم
( غير أنه )
أي الخاتم
( نظير )
للعام من حيث إن اسمه يشمل الفص كشمول العام ما يتناوله فأطلق عليه العام توسعا
( وخالفه )
أي محمدا
( أبو يوسف فجعله )
أي الفص
( للثاني )
كما في الهداية والإيضاح والمنظومة وغالب شروح الزيادات وظاهر التقويم وأصول فخر الإسلام أن قول محمد قول الكل قال صاحب الكشف فيحمل على أن لأبي يوسف فيه روايتين اه قلت وهو كذلك فقد ذكر الكرخي أن أبا يوسف لم يثبت خلافه في ظاهر الرواية وإنما علم من رواية الإملاء واتفقوا على أنه لا خلاف في أن الحلقة للأول والفص للثاني إذا كان موصولا وجه ما عن أبي يوسف أن الوصية لا تلزمه شيئا في الحياة والكلام الثاني بيان للمراد من الأول فيكون الموصول والمفصول فيه سواء كما في الوصية بالرقبة لإنسان
304
304
والخدمة أو الغلة لآخر ووجه الظاهر أن اسم الخاتم يتناولهما معا لأنه مركب منهما ومن ثمة صح استثناؤه منه فكان الكلام الثاني تخصيصا وهو إنما يصح موصولا أما إذا كان مفصولا كان معارضا للأول وهما في إيجاب الحكم سواء فثبتت المساواة بينهما فيه وليس الثاني رجوعا عن الأول لأن اللفظ لا ينبئ عنه فصار كما لو أوصى بشيء معين لإنسان ثم أوصى به أيضا لآخر حيث يكون بينهما بخلاف ما لو قال الشيء الفلاني الذي أوصيت به لفلان هو لفلان فإنه يكون رجوعا حتى يكون للثاني خاصة بخلاف ما قاس عليه فإن الرقبة لم تتناول الخدمة أو الغلة على سبيل الجزئية لها بل لكونها وصفا تابعا وهو ليس من التناول اللفظي بشيء ومن ثمة لم يصح استثناؤهما منها فإذا أوجب الخدمة أو الغلة للغير اختص بها لعدم المزاحم المساوي له في استحقاقها والله سبحانه أعلم
( البحث الخامس يرد على العام التخصيص فأكثر الحنفية )
وهم الكرخي وعامة المتأخرين وبعض الشافعية أيضا على ما في الكشف وغيره
( بيان أنه )
أي العام
( أريد بعضه بمستقل مقارن )
فاحترز بمستقل وهو ما كان مستبدا بنفسه غير متعلق بصدر الكلام عن غير المستقل وهو ما لم يكن كذلك كالاستثناء والصفة وبمقارن
( أي موصول )
بالعام أي مذكور عقبه
( في )
المخصص
( الأول )
وإنما فسره به دفعا لتوهم أن المراد بالمقارنة المعية فإنها بهذا المعنى غير مرادة هنا مع أنها إنما تتصور في فعل خاص للنبي صلى الله عليه وسلم مع قول عام عما لا يكون كذلك فإنه نسخ لا تخصيص ومن ثمة قال
( فإن تراخي )
البيان المذكور عنه
( فناسخ لا )
في المخصص
( الثاني )
وهلم جرا قال المصنف
( والوجه أن الثاني )
وهلم جرا إذ تراخى
( ناسخ أيضا إلا القياس إذا لا يتصور تراخيه )
أي مقتضاه لعموم علة المنصوص عليه للمقيس الموجبة لمشاركته إياه في الحكم وإنما كان الوجه هذا لجريان الموجب لاشتراط المقارنة في الأول فيما بعده فعلى ما ذكروا يجوز الإلحاق بالمخصص الثاني المتأخر وتعدية الإخراج وعلى ما ذكر المصنف بحثا لا يجوز لأنه ناسخ والناسخ لا يعلل
( وصرح المحققون بأن تفرع عدم جواز ذكر بعض )
من المخصصات
( دون بعض على منع تأخير المخصص ضروري )
من العلم بعلة منع تأخير المخصص وهذا يؤيد كون الثاني إذا تراخى يكون ناسخا ثم عطف على تراخي
( أو جهل )
تراخيه كما جهل أيضا مقارنته
( فحكم التعارض )
يجري بينه وبين القدر المعارض له من العام
( كترجيح المانع )
منهما أيا ما كان على المبيح
( وإلا )
أي وإن لم يتأت الترجيح فالحكم
( الوقف )
كما في البديع أو التساقط كما في أصول ابن الحاجب وهما متقاربان
( ووجب نسخ الخاص بالعام المتأخر عنه )
كقلبه وبه قال القاضي وإمام الحرمين وفي البديع جعل هذا قول العراقيين من الحنفية ثم قال والشافعي والقاضي أبو زيد وجمع من مشايخنا الخاص مبين مطلقا يعني سواء كان الخاص متقدما أو متأخرا أو مجهولا أو وردا معا كما صرح به شارحوه وذكر في المحصول وغيره أن كون الخاص الوارد بعد العام مخصصا
305
305
محله إذا ورد قبل حضور وقت العمل بالعام لأن تأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز أما إذا ورد بعد حضور وقت العمل بالعام فإنه يكون ناسخا لأن البيان لا يتأخر عن وقت الحاجة قال الإسنوي وحينئذ فلا نأخذ به مطلقا وإنما نأخذ به من حيث لا يؤدي إلى نسخ المتواتر بالآحاد وأما العامان من وجه الخاصان من وجه فسيأتي الكلام فيهما في التعارض هذا ومن أصحابنا وغيرهم من زاد لفظي بعد مستقل احترازا عن غير اللفظي كالعقل
( والشافعية )
أي أكثرهم
( وبعض الحنفية قصر العام على بعض مسماه وقيل )
على بعض
( مسمياته )
كما في أصول ابن الحاجب والبديع بناء
( على إرادة أجزاء مسماه )
كما حكاه المحقق التفتازاني عن جمهور الشارحين تنزيلا لأجزائه منزلة مسميات له إذ لا مسميات للفظ الواحد بل مسماه واحد من حيث هو مجموع وهو كل واحد
( وهو )
أي وكون المراد هذا
( يحقق ما أسلفناه )
في الكلام على تعريف العام
( أن دلالته )
أي العام
( على الإفراد تضمنية أو )
إرادة
( الآحاد المشتركة في المشترك )
بينهما وهو المعنى الكلي الذي يندرج تحته المسميات التي هي جزئيات له ويصدق حمله على كل منها كما مشى عليه الفاضل الأبهري
( وإضافة المسميات إليه )
أي العام
( حينئذ )
أي حين يكون المراد هذا
( بعموم نسبته فإنها )
أي الآحاد
( مسميات في نفس الأمر لا به )
أي بالعام وعلى هذا لو قال بعض أفراده لكان أوضح كما قال السبكي وهذا أولى ثم لا خفاء في صدقه على العام المراد به ابتداء الخصوص والعام المراد به ذلك بعد إرادة العموم والفرق بينهما أن المخصوص عمومه مراد تناولا لا حكما والمراد به الخصوص عمومه ليس بمراد لا حكما ولا تناولا
( ويكون )
التخصيص
( بمستقل كالعقل والسمعي المنفصل ومتصل والعام فيه )
أي في تعريف التخصيص
( بمستقل كالعقل والسمعي المنفصل ومتصل العام فيه )
أي في تعريف التخصيص
( حقيقة لأنه )
أي التخصيص
( حكم على المستغرق )
بإرادة بعضه لا مجاز كما في قولهم خصص العام وهذا عام مخصص وفي هذا تعريض بنفي ما ذكر المحقق التفتازاني من أن المراد به عام على تقدير عدم المخصص في غير الاستثناء
( فمخرج البعض مطلقا )
أي سواء كان متصلا أو لا
( مخصص )
أي الدال على إخراج البعض من عقل أو حس أو لفظ أو عادة يقال له مخصص مجازا مشهورا تسمية للدليل باسم المدلول لأنه في الحقيقة إرادة المتكلم وقد يراد به أيضا معتقد ذلك من مجتهد أو مقلد
( ويقال )
التخصيص
( لقصر اللفظ مطلقا )
أي عاما كان أو غيره
( على بعض مسماه )
وهذا أعم من الأول لصدقه على استعمال الكل في الجزء
( ولا يخفى ما في قصر إذ لا ينفي النسخ )
بل يصدق عليه في بعض الصور كنسخ بعض ما يتناوله العام لكن أجاب الأبهري بمنع وروده لأن العام إذا ورد عليه النسخ في البعض لم يكن مقصورا على بعض مسمياته حين أطلق بل أريد به أولا ثم رفع البعض أو انتهى حكمه على اختلاف تعريف النسخ بخلاف التخصيص فإنه لم يرد بالعام حين أطلق إلا البعض إما بحسب الحكم كما في الاستثناء وإما بحسب الذات كما في غيره
( ومنعه )
أي التخصيص
( شذوذ بالعقل لأنه )
أي التخصيص بالعقل
( لو
306
306
صح صحت إرادته )
أي ما قضى العقل بإخراجه من العام واللازم منتف أما الملازمة فلأن الخارج بالعقل من مسمياته وإطلاق اللفظ لغة على مسمياته صحيح لغة وأما انتفاء اللازم فلأنه لا يصح لعاقل أن يريد ما يخالف صريح العقل فإذا قلنا الله خالق كل شيء فهم منه لغة أن المراد به غير نفسه أما لو أراد مريد به نفسه كان المريد مخطئا لغة كما هو مخطئ عقلا فيكون خروجه باللغة موافقا للعقل لا بالعقل
( ولكان )
العقل
( متأخرا )
عن العام لأنه بيان والبيان متأخر عن المبين
( والعقل متقدم ولصح نسخه )
أي كون العقل ناسخا لأنه بيان أيضا واللازم منتف أيضا
( أجيب بمنع الملازمة )
في الكل
( بل اللازم )
في الأول
( دلالته )
أي العام على ما قضى العقل بإخراجه
( وهي ثابتة بعد الإخراج وتأخر بيانه )
أي واللازم في الثاني تأخير بيان العقل عن العام
( لا ذاته )
أي العقل
( ولعجز العقل عن درك المدة المقدرة للحكم )
في الثالث لأن النسخ بيان مدة الحكم الشرعي ونظر العقل محجوب عنه بخلاف المخصص فإن خروج البعض عن الخطاب قد يدركه العقل فافترقا
( وأجيب عن الأول )
أي لو صح لصحت إرادته كما في مختصر ابن الحاجب وغيره
( أيضا بأن التخصيص للمفرد وهو كل شيء )
في قولنا الله خالق كل شيء بعد التركيب
( ويصح إرادة الجميع )
أي جميع المسميات التي يطلق عليها شيء
( به )
أي بكل شيء
( إلا أنه إذا وقع في التركيب ونسب إليه ما يمتنع )
نسبته وهي المخلوقية
( إلى الكل )
أي إلى كل فرد من أفراده
( منعها )
أي العقل إرادة الكل لأنه يحيل أن يكون الله تعالى خالق نفسه
( وهو )
أي منع العقل إرادته هو
( معنى تخصيص العقل ودفع أيضا )
هذا الجواب ودافعه القاضي عضد الدين
( بأن التحقيق صحتها )
أي إرادة الكل
( في التركيب أيضا لغة غير أنه يكذب )
التركيب حينئذ لعدم مطابقته الواقع
( وهو )
أي وكذبه
( غيرها )
أي صحتها فالمانع إنما هو لزوم الكذب لا غير ودفع المصنف هذا الدفع بقوله
( ولا يخفى أن المراد )
من تخصيص العقل
( حكم العقل بإرادة البعض لامتناعه )
أي حكمه
( في الكل )
أي بإرادة الكل
( في نفس الأمر ممن يمتنع عليه الكذب )
فلم تصح إرادة الكل في التركيب لغة أيضا لامتناع إرادة اللغة ما يمنع العقل إرادته ثم المثال المذكور بناء على ما عليه كثير من أن المراد بشيء في مثله ما يطلق عليه لفظ شيء لغة وإلا فقد أفدناك في مسألة المخاطب داخل في عموم متعلق خطابه أنه على قول أبي المعين النسفي وما ذكره البيضاوي عن غير المعتزلة أنه ليس من العام المخصوص بالعقل فالجواب هو الأول
( قالوا )
أي المانعون من التخصيص بالعقل
( تعارضا )
العام والعقل
( فتساقطا )
هربا من التحكم بترجيح أحدهما بلا مرجح
( أو يقدم العام لأن أدلة الأحكام النقل لا العقل قلنا في إبطاله )
أي العقل
( إبطاله )
أي النقل
( لأن دلالته )
أي النقل
( فرع حكمه )
أي العقل
( بها )
أي بدلالته
( فإذا حكم )
العقل
( بأنها )
أي دلالته
( على وجه كذا )
كالخصوص هنا
( لزم )
حكمه وهو المطلوب
( وأيضا يجب تأويل المحتمل )
إذا عارضه ما هو أقوى منه
( وهو )
أي المحتمل هنا
( النقل )
لأنه ظاهر
307
307
يحتمل غير ظاهره وهو الخصوص بخلاف العقل فإنه قاطع في فيتعين تأويل النقل بالتخصيص المذكور الذي هو مقتضى العقل هذا والخلاف لفظي كما ذكر السبكي فإن أحدا لا ينازع في أن ما يسمى مخصصا بالعقل خارج وإنما النزاع في أن اللفظ هل يشمله فمن قال يشمله سماه تخصيصا ومن قال لا كما هو ظاهر كلام الشافعي لا يسميه مخصصا وحملت دعوى أبي حامد الإجماع على أن العقل مخصص على أن ما يسمى مخصصا خارج لا على أنه يسمى مخصصا فإن الخلاف فيه مشهور
( وآخرون )
أي ومنع التخصيص قوم آخرون
( مطلقا )
أي سواء كان بالعقل أو غيره
( لأنه )
أي التخصيص
( كذب )
لأنه ينفي فيصدق نفيه فلا يصدق هو وإلا صدق النفي والإثبات معا
( قلنا يصدق )
نفي التخصيص
( مجازا )
نظرا إلى ظاهر اللفظ ويصدق ثبوته حقيقة نظرا إلى المعنى فلا تتحد جهة النفي والإثبات
( قيل )
القائل المحقق التفتازاني
( يزاد أو بداء )
بالدال المهملة والمد وهو ظهور المصلحة بعد خفائها ليشمل الإنشاء كما في المنهاج وغيره وهو ظاهر في أن الخلاف فيه أيضا
( وإلا )
أي وإن لم يزد
( خص )
الامتناع
( الخبر )
لأنه الذي يتأتى فيه الكذب
( وليس )
الامتناع بخاص فيه كما ذكرنا
( لكن صرح بأن الخلاف ليس إلا في الخبر )
والمصرح الآمدي
( واعترض أبو إسحاق )
والظاهر أنه الشيرازي الشافعي المشهور
( من أوهم كلامه أنه )
أي الخلاف
( في الأمر أيضا )
قلت فاندفع ما ذكره الفاضل الأبهري من أنه إنما لم يتعرض القاضي عضد الدين لنفيه في الإنشاء لعدم القائل بالفصل إذ المثبت يجوز وقوعه في الإنشاء والخبر كليهما والنافي يمنعه في كليهما فإذا انتفى وقوعه في الإخبار لزم انتفاؤه في الإنشاء أيضا ولأن الإنشاء في حكم الإخبار لأنك إذا قلت أكرم كل رجل فكأنك قلت كل رجل أنت مأمور بإكرامه فإذا خصصت وقلت إلا الفاسق فكأنك قلت ليس كل رجل أنت مأمور بإكرامه فيلزم الكذب في أحد الحكمين مع أن في هذا من التعسف مالا يخفى ثم ملخص الجواب أنه إنما يلزم الكذب أو البداء إذا أراد العموم من أول الأمر أبدا أما إذا لم يرده ونصب الدليل عليه فلا وهذا هو الذي نقول به على أنه قد وقع أما في الخبر فكما قال
( والقاطع فيها )
أي في هذه المسالة
( الله خالق كل شيء وهو على كل شيء قدير )
بناء على أن المراد بشيء ما يطلق عليه لفظ شيء لغة كما ذكرنا آنفا فيشمل الواجب والممكن والممتنع ثم يكون مخصوصا في الآيتين بالممكن لامتناع وقوع الخلق والقدرة على ذاته وسائر الممتنعات كالجمع بين الضدين وقد أسلفنا في مسألة المخاطب داخل في عموم متعلق خطابه ما قاله البيضاوي عن غير المعتزلة من أن الشيء فيهما بمعنى المشيء وإنه فيهما على عمومه وما قاله أبو المعين النسفي والظاهر أنه لا بأس به وخصوصا عند من لا يرى عموم المشترك مطلقا أو في
308
308
الإثبات ولا خفاء أنه على كل من هذين لا حجة في الآيتين على هذا المطلوب أصلا فضلا أن يكونا دليلين قطعيين فيه فليتنبه له وأما في الإنشاء فقوله تعالى ! < فاقتلوا المشركين > ! مع القطع بعدم إرادة أهل الذمة ثم الظاهر أنه يأتي في هذا الخلاف أنه لفظي كما فيما قبله فليتأمل
( والنافي )
منع
( التراخي أن إطلاقه )
أي العام
( بلا مخرج إفادة إرادة الكل فمع عدمها )
أي إرادة الكل في نفس الأمر
( يلزم إخبار الشارع )
في الخبر
( وإفادته )
في الإنشاء
( ما ليس بثابت )
في نفس الأمر
( وذلك كذب )
في الخبر
( وطلب للجهل المركب من المكلفين )
في الإنشاء وكلاهما منتف فالتراخي منتف
( وهذا )
الدليل بعينه
( يجري في المخصص الثاني )
وهلم جرا
( كالأول )
فلا جرم أن قلنا والوجه نفي التراخي أيضا في الثاني وهلم جرا
( ومقتضى هذا )
الدليل أيضا
( وجوب وصل أحد الأمرين )
بالعام
( من )
البيان
( الإجمالي كقول أبي الحسين أو التفصيلي ثم يتأخر )
البيان التفصيلي
( في )
المخصص
( الأول )
أي الإجمالي إذا وقع
( إلى )
وقت
( الحاجة )
إليه للحاجة إلى الامتثال
( بعده )
أي البيان الإجمالي
( لأنه )
أي البيان التفصيلي
( حينئذ )
أي حين كان العام موصولا بالإجمالي
( بيان المجمل )
وهو جائز التأخير إلى وقت الحاجة إلى الفعل كما هو المختار
( ولا يبعد إرادتهموه )
أي إرادة الحنفية وجوب وصل أحد الأمرين من البيان الإجمالي أو التفصيلي باشتراطهم مقارنة المخصص الأول للعام ويكون المراد بوصل الإجمالي به
( كهذا العام مرادا بعضه )
أو مخصوص
( وبه )
أي وبكون مرادهم هذا بذاك
( تنتفي اللوازم الباطلة )
من الكذب وطلب الجهل المركب على تقدير تراخي المخصص مطلقا ولا سيما الأول لما يقارنه من القرينة المصرحة إجمالا أو تفصيلا بأن العموم غير مراد لكن لقائل أن يقول الشأن في هذا بعد إرادتهم إياه في الإجمالي حيث لا تفصيلي مقارن فإنه لم ينقل ولو كان شرطا النقل عادة ومن ادعاه فعليه البيان ويمكن الجواب بأن هذا إنما يتم أن لو وجد عام مخرج منه خروجا متراخيا ما نسميه تخصيصا مع عدم اقترانه ببيان إجمالي ومن ادعاه فعليه البيان
وإلزام الآمدي
وغيره الحنفية بناء على امتناع تأخير المخصص للعام
امتناع تأخير النسخ بجامع الجهل بالمراد )
بالعام قبل العلم بالمخصص وبمدة المنسوخ قبل العلم بالناسخ ولا يمتنع تأخير النسخ فكذا التخصيص
( ليس لازما لأن )
الجهل
( البسيط غير مذموم )
في الجملة
( ولذا طلب عندنا في المتشابه
فقلنا يجب اعتقاد حقيقته وترك طلب تأويله كما قررناه في موضعه
( بخلاف )
الجهل
( المركب )
فإنه مذموم لم يطلب والأول هو اللازم في النسخ والثاني هو اللازم في تراخي المخصص عن العام فلم يوجد الجامع بينهما
( وللتمكن من العمل المطابق )
لما في نفس الأمر في المنسوخ
( إلى سماع الناسخ )
بخلاف العام المتراخي عنه مخصصه إلى سماع مخصصه فلا يصح قياس أحدهما على الآخر في التراخي ومنعه
( وقولهم )
أي المجوزين للتراخي فيه كالشافعية لا يلزم من إطلاق العام وإرادة بعضه منه بلا قرينة إفادة الشارع ما ليس بثابت
( بل )
إطلاقه
309
309
( لتفهيم إرادة العموم على احتمال الخصوص إن أريد المجموع )
من تفهيم إرادة العموم وتجويز التخصيص
( معنى الصيغة )
العامة
( فباطل )
لأن الصيغة لم توضع للمجموع قطعا
( أو هو )
أي معنى الصيغة
( الأول )
أي تفهيم إرادة العموم
( والاحتمال )
أي احتمال الخصوص ثابت
( بخارج )
عن مفهوم اللفظ وهو كثرة تخصيص العمومات
( لزم أن تعينه )
أي هذا الاحتمال
( قرينة لازمة وإن لم يلزم )
الخارج
( تعقله )
أي العام لا يفيد لأن الكلام في المعنى الوضعي للفظ ولزومها أي القرينة المعينة لهذا الاحتمال للفظ ممنوع إلا إن كانت ما تقدم من غلبة التخصيص في بحث القطعية وعلمت أنا أي كثرة التخصيص
( إنما تفيد )
عدم القطع
( في العام في الجملة لا في خصوص )
العام
( المستعمل )
فيستمر لزوم المنع لدعوى القرينة اللازمة له
( قالوا )
أي المجوزون للتراخي
( وقع فإن وأولات الأحمال )
أجلهن أن يضعن حملهن
( خص به )
أي بمنطوقه عموم قوله تعالى ! < والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا > ! فإنه شامل للحامل والحائل مع التراخي بينهما
( قلنا الأولى متأخرة لقول ابن مسعود من شاء بأهلته أن سورة النساء القصرى بعد التي في سورة البقرة )
ذكره محمد في الأصل ويوضحه رواية أبي داود والنسائي وابن ماجه من شاء لاعنته لأنزلت سورة النساء القصرى بعد أربعة أشهر وعشرا وهو في البخاري بلفظ أتجعلون عليها التغليظ ولا تجعلون لها الرخصة أنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن وزاد عبد الرزاق في مصنفه وكان بلغه أن عليا يقول هي آخر الأجلين فقال ذلك
( فيكون )
إخراج الحوامل بآية سورة الطلاق من آية سورة البقرة
( نخسا )
لا تخصيصا
( وكذا والمحصنات من الذين )
أوتوا الكتاب
( بعد ولا تنكحوا المشركات )
كما ذكره جماعة من المفسرين ويدل له ما عن جبير بن نفير قال حججت فدخلت على عائشة فقالت لي يا جبير تقرأ المائدة قلت نعم فقالت أما إنها آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال فأحلوه وما وجدتم من حرام فحرموه رواه الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه إلى غير ذلك فيكون إخراج الكتابيات من المشركات نسخا
( وكذا جعل السلب للقاتل مطلقا )
أي سواء نفله الإمام أم لا إذا كان القاتل من أل السهم كما هو قول الشافعي وأحمد وزاد أحمد أو الرضخ وهو قول للشافعي أيضا
( أو برأي الإمام )
كما هو قول أصحابنا ومالك لما في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال
من قتل قتيلا فله سلبه
إلى غير ذلك وسلب المقتول ثيابه وسلاحه ومركبه بما عليه من الآلة وما معه من مال
( بعد )
قوله تعالى ! < واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه > ! الآية فيكون اختصاص المقاتل بالسلب نسخا
( وكل متراخ )
مخرج من عموم سابق بعضه يكون ناسخا لذلك البعض لا مخصصا
( قالوا )
أيضا قال تعالى لنوح عليه السلام ف ! < فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك > !
( وتراخي إخراج ابنه )
كنعان بقوله ! < يا نوح إنه ليس من أهلك > !
( قلنا
310
310
هو )
أي تراخى إخراج ابنه
( بيان المجمل )
والمجمل يجوز تراخي بيانه
( لأنه )
أي الأهل
( شاع في النسب وغيره كالزوجة والأتباع الموافقين )
كما في قوله تعالى ! < فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا > !
( وبين تعالى بقوله ! < ليس من أهلك > ! إرادته أحد المفهومين وهو المتبعون أو هو )
أي البيان المتأخر
( لاستثناء مجهول منه )
أي من العام الذي هو أهلك وهو
( إلا من سبق عليه )
القول منهم فهو بيان مجمل أيضا وعلى اصطلاح أكثر الشافعية وبعض الحنفية من بيان بعض المراد بالتخصيص الإجمالي للعموم ثم اعلم أنه قد يراد بالأهل الأهل إيمانا وقد يراد به الأهل قرابة فإن أريد هنا الأهل إيمانا لم يتناول الابن لأنه كافر ويكون قوله ! < إلا من سبق عليه القول > ! استثناء منقطعا
( وقوله ! < إن ابني من أهلي > ! لظن إيمانه عند مشاهدة الآية )
أي طغيان الماء وغزارة فيضه من السماء والأرض أو ظن إيمانه مطلقا لأنه لم يعلم بكفره لأنه كان من المنافقين على ما قيل وربما يشهد له قوله تعالى ! < إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم > ! كما هو احتمال في الآية
( أو ظن إرادة النسب )
بالأهل وهذا تكميل لتقرير الجواب على الوجه الأول وإن أريد هنا الأهل قرابة تناول الأهل الابن الكافر لكن استثنى بقوله ! < إلا من سبق عليه القول > ! وعلى هذا فالاستثناء متصل وقوله ! < إن ابني من أهلي > ! لظن أنه ليس من الأهل الذين سبق عليهم القول وقوله ! < إنه ليس من أهلك > ! أي الذين لم يسبق عليهم القول والمراد بسبق القول ما سبق من قضائه بإهلاك الكفار وهذا تكميل لتقرير الجواب على الوجه الثاني
( وأما ! < إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم > !
( فعمومه في معبود المخاطبين به )
وهم قريش وهو الأصنام كما ذكره السهيلي
( فلم يتناول عيسى والملائكة )
حتى يقال إنهم أخرجوا متراخيا بقوله تعالى ! < إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون > ! الآيات فيكون فيه حجة لجواز تراخي المخصص
( واعتراض ابن الزبعرى )
بكسر الزاي وفتح الموحدة وسكون المهملة وعن أبي عبيدة فتح الزاي وأصله البعير الكثير الشعر في الرأس والأذنين وقال الفراء السيئ الخلق قال شيخنا الحافظ واسمه عبد الله كان من أعيان قريش في الجاهلية وفحول الشعراء وكان يهاجي المسلمين ثم أسلم عام الفتح وحسن إسلامه وله أشعار يعتذر فيها مما سبق منه مذكورة في السيرة لابن إسحاق
( جدل متعنت على حكاية الأصوليين )
وهي مختصر مما أسند شيخنا الحافظ إلى ابن عباس قال جاء عبد الله بن الزبعرى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد تزعم أن الله أنزل عليك إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون قال نعم قال فقد عبدت الشمس والقمر والملائكة وعيسى وعزير فكل هؤلاء في النار مع آلهتنا فنزلت إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ونزلت ولما ضرب ابن مريم مثلا إلى قوله خصمون ثم قال هذا حديث حسن وكونه جدل متعنت ظاهر
311
311
من هذا ومما تقدم وأما قول الآمدي ومن تبعه كالقاضي عضد الدين أنه صلى الله عليه وسلم قال له ما أجهلك بلغة قومك ما لما لا يعقل فقال السبكي فشيء لا يعرف وقال شيخنا الحافظ لا أصل له من طريق ثابتة ولا واهية
( وأما على بعض الروايات أنه سأله صلى الله عليه وسلم أهذا لكل ما عبد فقال نعم فلا
يكون جدل متعنت وبهذه الرواية نقض الحافظ الزيلعي قول السهيلي السابق لكن كما قال المصنف
( وفي صحته )
أي هذا المروي
( بعد )
من جهة الدراية وإن أخرجه ابن مردويه والواحدي بلفظ فقال يا محمد أهذا لآلهتنا أو لكل من عبد من دون الله فقال ألست تزعم أن الملائكة عباد صالحون وأن عيسى عبد صالح وأن عزيرا عبد صالح قال نعم قال فهذه النصارى تعبد عيسى وهذه اليهود تعبد عزيرا وقد عبدت الملائكة قال فضج أهل مكة فأنزل الله ! < إن الذين سبقت لهم منا الحسنى > ! الآية وقال شيخنا الحافظ حديث حسن انتهى فإن الذي يظهر أن هذه الزيادة منكرة فإن كلا من العقل والشرع قاض بأن الله لا يعذب أحد بجريمة صادرة من غيره لم يدع إليها ولا رضي بها فكيف يصرح النبي صلى الله عليه وسلم بما ينافيه ومثل هذا مما يعد من الانقطاع الباطن الموجب للرد فالوجه هو الجواب الأول
( قالوا فيه )
أي في نسخ الخاص المتقدم بالعام المتأخر
( إبطال القاطع بالمحتمل )
وهو ممتنع فيتعين تخصيص العام به
( قلنا )
هذا
( مبني على ظنية دلالة العام وهو
أي وكونه ظني الدلالة
( ممنوع )
بل هو قطعي الدلالة أيضا كما تقدم فلا يكون فيه إلا إبطال القاطع بالقاطع ولا خلاف في جوازه
( ولو سلم )
أن العام ظني الدلالة فلا مخصص في الشرع بخاص ) من كل وجه
( بالاستقراء بل بعام خصوصه بالنسبة )
إلى ما هو مخصص به
( كلا تقتلوا النساء )
أي كما لو قال الشارع هذا مع قوله تعالى ! < فاقتلوا المشركين > ! أو ما في صحيح البخاري وغيره عنه صلى الله عليه وسلم
من بدل دينه فاقتلوه
فإن ذاك عام في نفسه خاص بالنسبة إلى الآية والحديث وإنما قلت كما لو قال الشارع هذا لأنه بعينه لا يحضرني عنه بل معناه ففي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن قتل النساء إلى غير ذلك وفي آثار محمد بن الحسن عن ابن عباس النساء إذا هن ارتددن لا يقتلن ولكن يحبسن ويدعين إلى الإسلام ويجبرن عليه
( وما استدلوا به من وأولات الأحمال والمحصنات )
فإن كلا منهما عام في نفسه خاص بالنسبة إلى ما هو مخصص به على قولهم
( فاللازم إبطال ظني بظني )
ولا خلاف في جوازه هذا
واعلم أن في البديع ومنهم من شرط الاستقلال مع الاتصال في أول مخصص والفرق أن غير المستقل إذا كان معلوما فالعام فيما وراه موجب للعلم لعدم قبول التعليل ولأن الاستثناء تكلم بالباقي وهو معلوم العموم بخلاف المستقل المتصل فإنه يوجب تغير العام من القطع إلى الاحتمال لشبهه بالاستثناء حكما وبالناسخ صيغة فقال المصنف بناء على ظن إفادة هذا أن الموجب لظنية العام إذا كان مخصصا عند القائل بقطعيته قبل التخصيص إنما هو كون المخصص مستقلا
( وأما اشتراط الاستقلال )
في المخصص
( فلتغير دلالته )
أي لأجل تغير دلالة
312
312
العام من القطع
( إلى الظن لا يحتاجه القائل بظنيته من الحنفية )
كأبي منصور ومن معه لكون دلالته ظنية بدون التخصيص عنده فإنما يحتاجه القائل بقطعيته قبل التخصيص ليكون تغيره منها إلى الظنية بواسطته وهذا يفيد أن اقتران العام بغير مستقل كالاستثناء وبدل البعض لا يخرجه من القطعية إلى الظنية ولقائل أن يقول في كل نظر بل الذي يظهر أنه إذا اقترن بمخرج مجمل أبطل حجيته فضلا عن قطعيته كلاما مستقلا كان أو مستقلا أو غير مستقل ما لم يلحقه بيان وبمبين يقبل التعليل أخرجه من القطعية إلى الظنية مستقلا كان أو غير مستقل وبمبين لا يقبل التعليل لم يخرجه من القطعية إلى الظنية مستقلا كان أو غير مستقل وملخصه أن المخرج له من القطعية إلى الظنية ما اقترن به من مخرج لبعض منه معين قابل للتعليل وأما المتراخي فإن كان غير مستقل فغير معتبر وإن كان مستقلا لم يقبل التعليل لكونه نسخا ويلزمه أن لا يخرجه من القطعية إن كان قطعيا ولم يكن فيه أعني المخرج إجمال ويشهد له قوله
( ولا خلاف في عدم تغيره )
أي العام
( بالعقل )
من القطع
( إلى الظن كخروج الصبي والمجنون من خطاب الشرع إلا أن يخرج )
العقل
( مجهولا )
بأن يكون الحكم مما يمتنع على الكل دون البعض مثل الرجال في الدار فإنه يبطل حجيته في الباقي ما لم يلحقه بيان فضلا عن أن يخرجه من القطع إلى الظن وما سيأتي في مسألة العام المخصوص
( تفصيل المتصل إلى خمسة الأول الشرط ما يتوقف عليه الوجود )
أي وجود الشيء بأن يوجد عند وجوده
( ولا دخل له في التأثير والإفضاء فخرج جزء السبب )
لأنه وإن كان قد يتوقف عليه وجود الشيء الذي هو السبب لكن له دخل في الإفضاء إليه
( والعلة )
لأنه وإن توقف عليه وجود الشيء الذي هو المعلول لكنها مؤثرة فيه
( وقول الغزالي ما لا يوجد المشروط دونه ولا يلزم أن يوجد )
المشروط
( عنده )
أي الشرط أورد عليه أنه دوري لتوقف تعقل المشروط على الشرط لأنه مشتق منه و
( دفع دوره بإرادة ما صدق عليه المشروط أي الشيء )
وهو غير محتاج في تعقله إلى الشرط وإنما الموقوف على تعقل الشرط هو تعقل مفهوم المشروط بوصفه العنواني
( ويرد )
على طرده
( جزء السبب المتحد )
لأن المسبب لا يوجد بدونه ولا يلزم أن يوجد المسبب عنده مع أن جزء السبب المتحد ليس بشرط وأجيب بأن المراد بما لا يوجد المشروط دونه لا يوجد المشروط لعدم وجوده وجزء السبب المتحد ليس عدم المسبب لعدمه بل لعدمه وعدم تعدد السبب
( وقيل ما يتوقف عليه تأثير المؤثر كالضوء يتوقف عليه تأثير المؤثر في الصلاة )
وهذا بناء على قول المحقق التفتازاني إذا قلنا الوضوء شرط في الصلاة لم نرد أنه يتوقف عليه تأثير الصلاة في الشيء بل تأثير المؤثر في الصلاة لكن الأشبه قول المحقق الأبهري وأما كون الوضوء شرطا للصلاة فيحتمل أن يقال إنه شرط لتأثير الصلاة في الحكم وهو الصحة وإنه شرط لتأثير المصلي أو شرط لتحققها
( ويرد )
على عكسه
( الحياة للعلم القديم )
فإنها شرط لتحققه لا لتأثيره في الحكم المعلول به وهو العالمية لأن
313
313
إيجاب العلة الحقيقية لحكمها لا يكون مشروطا بشرط اتفاقا هذا ملخص ما ذكره الأبهري وعلى هذا لا حاجة إلى تقييده بالقديم ويظهر انه أولى مما ذكره التفتازاني على ما يعرف في حاشيته ويندفع به أيضا قول المحقق الكرماني أي شرط لذات القديم في وجود العلم وإنما جعلنا المشروط الذات لا العلم ليظهر للفظ القديم فائدة وإلا فلا تأثير أصلا للعلم إذ ليس هو صفة مؤثرة وللمعرف أن يقول المعني بقولنا الشرط ما يتوقف عليه التأثير شرط المؤثر لا الشرط مطلقا انتهى على ما في هذه العناية ما فيها من العناية هذا وقد جزم بهذا التعريف صاحب المحصول بزيادة لا ذاته والبيضاوي بزيادة لا وجوده أي ولا يتوقف عليه وجود المؤثر احترازا عن علته وجزئها وشرطها وجزء نفس المؤثر لأن التأثير يتوقف على هذه الأشياء كما أن وجوده يتوقف عليها أيضا بخلاف الشرط فإن وجود المؤثر لا يتوقف عليه بل إنما يتوقف عليه تأثيره كالإحصان فإن تأثير الزنى في الرجم متوقف عليه وأما نفس الزنى فلا لأن البكر قد يزني ويمكن أن يقال لا حاجة إلى الزيادة لأن توقف التأثير على وجود المؤثر توقف قريب وتوقفه على علته وجزئها وشرطها توقف بعيد ومن المعلوم أن المتبادر عند الإطلاق هو الأول
( وهو
أي الشرط
( عقلي كالحياة للعلم )
فإن العقل هو الذي يحكم بأن العلم لا يوجد بدون الحياة
( وشرعي كالطهارة )
للصلاة فإن الشرع هو الحاكم بذلك
( فأما اللغوي )
وهو مدخول أداة الشرط كدخول الدار من إن دخلت الدار فأنت كذا لأن أهل اللغة وضعوا هذا التركيب ليدل على أن ما دخلت إن عليه هو الشرط والآخر المعلق به هو الجزاء
( فإنما هو العلامة )
لكونه دليلا على ظهور الحكم عند وجوده فحسب نعم صار استعماله في السببية غالبا كما في هذا المثال وقد أشار إليه بقوله
( وتسمية نحو إن جاء فأكرمه وإن دخلت فطالق به )
أي بالشرط
( مع أنه سبب جعلي )
للثاني
( لصيرورته علامة على الثاني )
أي الجزاء
( وإنما يستعمل )
هذا شرطا
( فيما لا يتوقف المسبب بعده على غيره )
أي وقد يستعمل في شرط شبيه بالسبب من حيث إنه يستتبع الوجود وهو الشرط الذي لم يبق للمسبب أمر يتوقف عليه سواه حتى إذا وجد فقد وجدت الأسباب والشروط كلها فيوجد المشروط فيفهم من إن دخلت الدار فأنت طالق أنه لم يبق من أسباب الطلاق إلا الدخول ولذا قيل الشروط اللغوية أسباب إذ يلزم من وجودها الوجود ومن عدمها العدم
( وقد يتحد )
الشرط أي يكون أمرا واحدا
( وقد يتعدد معنى )
لا لفظا أو ولفظا
( جمعا )
بأن يتوقف المشروط على حصولهما جميعا
( وبدلا )
بأن يحصل بحصول أيهما كان سواء كان بأو أو لا فهذه ثلاثة اقسام
( وكذا الجزاء )
يتحد ويتعدد معنى جمعا حتى يلزم حصول كليهما وبدلا حتى يلزم حصول أحدهما مبهما فهذه ثلاثة أقسام وإذا اعتبر التركيب
( فهي تسعة بلا توقف على أداة بل معنى )
حاصلة من ضرب إحدى كل من ثلاثتي الشرط والجزاء في الأخرى والأمثلة ظاهرة
( ولذا )
أي ولانقسام كل منهما إلى هذه الأقسام
( اختلف ولو دخلت إحداهما في قوله إن
314
314
دخلتما )
الدار
( فطالقان )
على ثلاثة أقوال
( أتطلق )
الداخلة
( للاتحاد عرفا )
أي لأن الشرط دخول إحداهما والجزاء طلاقها لأنه يراد عرفا من مثله أن طلاق كل مشروط بدخولها فكأنه قال لكل إن دخلت فأنت طالق فيكون من اتحاد الشرط والمشروط وهذا أحد الأقوال
( أو لا )
تطلق واحدة منهما
( حتى تدخلا لأن الشرط دخولهما )
جميعا فالشرط متعدد جمعا فتطلقان حينئذ جميعا وهذا ثاني الأقوال
( أو تطلقان )
جميعا وإن لم تدخل الأخرى
( لأنه )
أي دخولهما الذي هو
( الشرط )
متعدد
( بدلا )
وهذا ثالث الأقوال
( ونحو )
أنت
( طالق إن دخلت )
إن دخلت
( شرط للمتقدم )
أي أنت طالق
( معنى للقطع بتقيده )
أي المتقدم
( به )
أي بإن دخلت
( وعند النحاة )
إن دخلت شرط
( لمحذوف مدلول على لفظه )
بالمتقدم
( فلم يجزم )
المتقدم
( به )
أي بالشرط
( على تقيده )
أي مع تقيد المتقدم بالشرط
( وإن أطلق )
المتقدم
( لفظا )
أولا فإن التقييد ثانيا لا ينافيه هذا محصل ما ذكره ابن الحاجب ومن وافقه والذي في شرح الكافية للاستراباذي إذا تقدم على أداة الشرط ما هو جواب من حيث المعنى فليس عند البصريين بجواب له لفظا لأن للشرط صدر الكلام بل هو دال عليه وكالعوض منه وقال الكوفيون بل هو جواب في اللفظ أيضا لم ينجزم ولم يصدر بالفاء لتقدمه فهو عندهم جواب واقع موقعه ثم قال جواب من حيث المعنى اتفاقا لتوقف مضمونه على حصول الشرط ولهذا لم يحكم بالإقرار في لك علي ألف درهم إن دخلت الدار وعند البصرية لا يقدر مع هذا المقدم جواب آخر للشرط وإن لم يكن جوابا للشرط لأنه عندهم يغني عنه فهو مثل استحارك الذي هو كالعوض من المقدر إذا ذكرت أحدهما لم تذكر الآخر ولا يجوز عندهم أن يقال هذا المقدم هو الجواب الذي كان مرتبته التأخر عن الشرط فقدم على أداته لأنه لو كان هو الجواب لوجب جزمه وللزم الفاء في نحو أنت مكرم إن أكرمتني ولجاز ضربت غلامه إن ضربت زيدا على أن ضمير غلامه لزيد فمرتبة الجزاء عند البصريين بعد الشرط وعند الكوفية قبل الأداة اه وعلى هذا فكان الوجه أن يقول المصنف بعد تقيده به ما نصه وإن أطلق لفظا ثم عند الكوفيين ولفظا ولم يجزم للتقدم وقال البصريون بل هو لفظا لمحذوف مدلول عليه بالأول لا يجامعه ذكرا ويحذف ما سوى هذا نعم ظاهر كلام بعض المتأخرين أن جمهور البصريين على أن ما تقدم ليس بجواب له لا معنى ولا لفظا وهو كما قال ابن الحاجب وغيره مكابرة وعناد إذ من المعلوم قطعا أن أكرمك إن دخلت إنما يدل على إكرام مقيد بالدخول ولذا لو لم يدخل ولم يكرم لم يعد كاذبا ولو لم يكن مقيدا به لكان كاذبا بترك الإكرام وإن لم يدخل
( فإذا تعقب )
الشرط
( جملا )
متعاطفة كلا آكل ولا أشرب ولا ألبس إن فعلت كذا
( قيدها )
جميعا
( عند الحنفية بخلاف الاستثناء )
فأنه يختص بالأخيرة إلا بدليل فيما قبلها
( عندهم )
لأن الشرط لصدارته مقدر تقديمه بخلاف الاستثناء كما سيأتي ونظر فيه بأنه يقدر تقديمه على ما يرجع إليه فلو كان للأخيرة قدم عليها لا على الجميع وعند غير الحنفية فيه
315
315
بقية المذاهب الآتية في الاستثناء كما هو ظاهر كلام ابن الحاجب وهل يجب فيه الاتصال اتفاقا فقيل نعم وعليه مشى السبكي في شرح المنهاج وقيل فيه الخلاف الآتي في الاستثناء وهو ظاهر كلام ابن الحاجب وعليه مشى السبكي في جمع الجوامع ( الثاني الغاية )
ولفظها إلى وحتى نحو
( أكرم بني تميم إلى أن يدخلوا )
أو حتى يدخلوا كذا أطلقوا ولا ريب كما نبه عليه السبكي أن ليس مرادهم غاية لو لم يؤت بها لم يدل اللفظ عليها كسلام هي حتى مطلع الفجر لأن زمن طلوعه ليس من الليل حتى يشمله سلام هي ولا غاية يكون اللفظ شاملا لها وهي جارية مجرى التأكيد لشموله نحو قطعت أصابعه كلها من الخنصر إلى الإبهام فإن كلا من هاتين ليس مما نحن فيه بل لتحقيق العموم فيما قبلها لا لتخصيصه وإنما مرادهم غاية تقدمها عموم يشملها لو لم يأت كالمثال الذي ذكره المصنف فإنها لو لم يأت لكان المطلوب إكرامهم دخلوا أو لم يدخلوا ثم يأتي في هذا القول المصنف
( ولا يخفى عدم صدق تعريف التخصيص على إخراج الشرط والغاية لأنه )
أي الإكرام في المثال المذكور
( لكل تميم على تقدير )
وهو أن لا يدخلوا كلهم
( لا قصر على بعضهم دائما )
دخلوا أو لم يدخلوا
( وحقيقته )
أي إخراج الشرط والغاية
( تخصيص عموم التقادير عن أن يثبت معها )
أي التقادير كلها
( الحكم )
فأكرم بني تميم أطلب إكرامهم من غير تقييد بتقدير دون آخر وهذا معنى إفادته عموم التقادير فإذا قال إن دخلوا أو إلى أن يدخلوا خصص التقادير وقصرها على تقدير الدخول في الشرط وعلى عدم الدخول في الغاية فلا يثبت الحكم الذي هو الإكرام لهم على تقدير وجود الغاية ولا على تقدير عدم الشرط
( وقد يتفق تخصيص الآخر )
أي بني تميم بأن يدخل بعضهم فإنه يقصر عمومه على الداخلين في الشرط وعلى غير الداخلين في الغاية
( وقد لا )
يتفق تخصيص العام الآخر الذي هو بنو تميم بأن يدخل الكل في الشرط فإنه يكرم الكل فلا يتخصص بالبعض وأما في الغاية فإنما يقال أكرم تميما إلى أن يجبنوا أو يدخلوا حالة عدم الجبن وعدم الدخول فلا يتخصص ببعضهم حالة التكلم فيكرم الكل ثم كل من جبن أو دخل خص ولو لم يجبن أحد ولم يدخل أحد استمر عموم الآخر فاللازم دائما إنما هو تخصيص التقادير ذكره المصنف
( وقد يتضادان )
أي الشرط والغاية
( تخصيصا )
يعني إذا اتحدت كيفيتا التركيب الشرطي والغائي في النفي والإثبات تضاد تخصيصهما كما رأيت فيما تقدم فإن فيما إذا قال أكرمهم إن دخلوا المخرج عن الإكرام غير الداخلين وفي إلى أن يدخلوا المخرج منه الداخلون أما إذا اختلفت كيفيتاهما في النفي والإثبات بان قال إلى أن لا يدخلوا وإن دخلوا لم يتضاد لأن فيهما معا يخرجهم عن الإكرام عدم الدخول ولهذا قال وقد يتضادان
( وتجري أقسام الشرط )
والمشروط التسعة الماضية
( في الغاية )
والمغيا أيضا بأن يقال كل من الغاية والمغيا قد يكون متحدا ومتعددا على الجمع وعلى البدل وتركب فتاتي الأقسام التسعة ولابد فيها من الاتصال بما هي غاية له
316
316
قال ابن الحاجب وهي كالاستثناء في العود على المتعدد أي من حيث العود إلى الجميع أو إلى الأخيرة والمذاهب المذاهب والمختار المختار كذا ذكره القاضي عضد الدين وغيره
( الثالث الصفة أكرم الرجال العلماء )
فقصر العلماء الرجال على بعض أفراده وهو العلماء باعتبار الحكم الوارد عليه إذ لولاه لعم العلماء وغيرهم ويجب فيها الاتصال بالموصوف
( وفي تعقبه )
أي الوصف
( متعددا كتميم وقريش الطوال )
فعلوا كذا خلاف في تقييده الأخير أو المجموع
( كالاستثناء والأوجه الاقتصار )
على الأخير كما في الاستثناء ثم قال المصنف
( ولا يخفي أن الإخراج بالصفة والشرط والغاية والبدل يسمى تخصيصا )
كما تقوله الشافعية ومن وافقهم
( أو لا )
يسمى تخصيصا
( لا يتصور من الحنفية لنفي المفهوم ) المخالف عندهم
( وليس )
الإخراج بأحدها
( تخصيصا إلا به )
أي باعتباره كما تقدم فليتنبه له
( الرابع بدل البعض )
من الكل نحو أكرم بني تميم
( العلماء منهم )
ذكره ابن الحاجب قال السبكي ولم يذكره الأكثرون وصوبه والده لأن المبدل منه في نية الطرح فلا تحقق فيه لمحل يخرج منه خلا تخصيص به قلت وسبقه إلى النظر فيه بمعنى هذا الأصبهاني وفيه نظر لأن الذي عليه المحققون كالزمخشري أن المبدل منه في غير بدل الغلط ليس في حكم المهدر المطرح بل هو للتمهيد والتوطئة وليفاد بمجموعهما فضل تأكيد وتبيين لا يكون في الأفراد فلا يتم ما ذكره
( الخامس الاستثناء المتصل والمراد )
به هنا كما ذكره المحقق التفتازاني
( أدوات الإخراج لا الإخراج الخاص وإن كان )
الإخراج الخاص
( يراد به )
أي بالاستثناء
( كالمستثنى )
أي كما يراد بالاستثناء أيضا المخرج أو المذكور بعد إلا
( إذ الكلام في تفصيل ما هو
أي الذي الإخراج الخاص يتحقق
( به لا )
في نفس
( التخصيص الخاص وهو )
أي المعنى المراد هنا بالاستثناء
( إلا غير الصفة وأخواتها )
وإنما قيد بغير الصفة لدخولها صفة في المخصص الوصفي كقوله تعالى ! < لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا > ! والمشهور من أخواتها غير وسوى وعدا وخلا وحاشا وليس ولا يكون ولا سيما وبيد وبله ولما على ما في بعضها من خلاف يعرف في فن العربية
( وإنها )
أي إلا غير الصفة وأخواتها
( تستعمل في إخراج ما بعدها )
حال كونه
( كائنا بعض ما قبلها عن حكمه )
أي ما قبلها
( وهذا الإخراج يسمى استثناء متصلا و )
يستعمل
( في إخراجه )
أي م بعدها حال كونه
( كائنا خلافه )
أي ما قبلها
( عن حكمه )
أي ما قبلها
( ويسمى )
هذا الإخراج استثناء
( منقطعا )
إلا أنهم قالوا إلا وغير وسوى وقيل وبيد تستعمل في المتصل والمنقطع وباقي الأدوات لا تكون في المنقطع
( وشرطه )
أي المنقطع
( كونه )
أي المستثنى
( مما يقارنه )
أي المستثنى منه
( كثيرا )
لملابسته إياه وكونه من توابعه حتى يستحضر بذكره أو بذكر ما ينسب إليه
( كجاؤوا )
أي القوم مثلا
( إلا حمارا )
لأنه ليس منهم بل من توابعهم بحيث يستحضر بذكرهم في الجملة
( ومنه )
أي المنقطع قول الشاعر
( وبلدة ليس بها أنيس
( إلا اليعافير وإلا العيس
)
317
317
لأنه حصر الأنيس )
فيهما فاستحضرهما بذكره بناء على أن المراد به ما يؤانس ويلازم المكان فهو أعم من الإنسان أو لأنهما قد خلفتا أهل البلدة فيها فكانتا بمنزلة أهلها ومن ثمة فصله عما قبله واليعافير جمع يعفور قيل الحمار الوحشي وقيل تيس من تيوس الظباء والعيس جمع عيساء إبل بيض في بياضها ظلمة خفية وقيل يخالطه شيء من الشقرة وقيل الجراد قيل والظاهر أنه مراد الشاعر لأن خلو البلدة من الأنيس وكونها مأوى اليعافير التي هي من الوحشيات يقتضي ذلك
( بخلاف إلا الأكل )
أي لا يقال جاؤوا إلا الأكل
( أو )
كون المستثنى
( يشمله حكمه )
أي المستثنى منه
( كصوتت الخيل إلا الحمير )
أو البعير لأن التصويت يشمل الحيوانات كلها
( بخلاف صهلت )
الخيل إلا الحمير أو البعير فإن الصهيل لا يشملها فلا يجوز
( أو )
كون المستثنى
( ذكر )
قبله
( حكم يضاده )
أي المستثنى
( كما نفع إلا ما ضر )
وما زاد إلا ما نقص قال الأصفهاني قال سيبويه ما الأولى نافية والثانية مصدرية وفاعل زاد ونفع مضمر ومفعولهما محذوف والتقدير ما زاد فلان شيئا إلا نقصانا وما نفع فلان إلا مضرة فالمستثنى وهو النقصان والمضرة حكم مخالف للمستثنى منه وهو الزيادة والنفع فيكون الاستثناء منقطا لأن المستثنى من غير جنس المستثنى منه وقال المحقق التفتازاني في المثال الثاني والمعنى لكن النقصان فعل أو لكن النقصان أمره وشأنه على ما قدره السيرافي وليس المعنى ما زاد شيئا وغير النقصان ليكون متصلا مفرغا وأما المصنف فقال
( أما ما زاد إلا ما نقص فيحتمل الاتصال لأنه )
أي النقصان
( زيادة حال بعد التمام )
وهذا مأخوذ من قول ابن السراج وإنما حسن هذا الكلام لأنه لما قال ما زاد دل على قوله هو على حاله إلا ما نقص اه ثم فيه إشارة إلى أن ما نفع إلا ما ضر لا يحتمل الاتصال بنحو هذا التقدير وفيه نظر فإن الظاهر أنهما سيان ومن ثمة قال ابن السراج فيه أيضا وكذلك دل قوله ما نفع على هو على حاله إلا ما ضر وقال ابن مالك إذا قلت ما زاد فكأنك قلت ما عرض له عارض ثم استثتيت من العارض النقص وإذا قلت ما نفع فكأنك قلت ما أفاد شيئا إلا ضرا ثم هذا الذي ذكره المصنف من شرط المنقطع مأخوذ من قول ابن مالك المستثنى المنقطع المستعمل لا يكون إلا مما يستحضر بوجه ما عند ذكر المستثنى منه أو ذكر ما نسب إليه نحو قوله تعالى ! < فإنهم عدو لي إلا رب العالمين > ! لأن عباد الأصنام كانوا معترفين به لقولهم إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين ون ذكر العبادة مذكر بالإله الحق فبهذا الاعتبار لا يكون المنقطع غير بعض إلا أن المستثنى منه لا يتناوله وضعا فله حظ من البعضية مجازا ولذلك قيل له مستثنى فإن لم يتناوله بوجه من الوجوه لم يصح استعماله لعدم الفائدة ومثل لكل ببعض المثل المتقدمة والملخص أن شرطه تقدير دخوله في المستثنى منه بوجه وهذا مذهب بعض النحويين كابن السراج وآخرون على أن ذلك ليس بشرط وقسموه إلى ما يتصور فيه الاتصال مجازا فيتعين فيه النصب عند جمهور العرب ويجوز فيه الرفع
318
318
على البدل عند تميم وإلى ما لا يتصور فيه الاتصال أصلا فيتعين فيه النصب عند جميع العرب
( والمراد من الإخراج إفادة عدم الدخول في الحكم اشتهر )
لفظ الإخراج
( فيه )
أي في هذا المعنى
( اصطلاحا )
فلا ضير في ذكره في التعريف مرادا به هذا المعنى
( إذ حقيقته )
أي الإخراج إنما يكون
( بعد الدخول وهو )
أي الإخراج حقيقة
( من الإرادة بحكم الصدر منتف )
للزوم النسخ في الإنشاء والتناقض في الخبر وكلاهما منتف
( ومن التناول )
أي تناول اللفظ له
( لا يمكن )
أيضا فإن تناوله باق بعد الاستثناء لأنه بعلة وضعه لتمام المعنى وهي قائمة مطلقا على أنه كما قال المحقق التفتازاني الخروج هنا مجاز البتة لأن الدخول هو الحركة من الخارج إلى الداخل والخروج بالعكس ثم إذ كان المراد بالاستثناء هنا الأدوات
( فقيل )
الاستثناء بهذا المعنى
( مشترك فيهما )
في الإخراجين المسمى أحدهما متصلا والآخر منقطعا
( لفظي )
لإطلاقه على 7 كل منهما مع اختلافهما وانتفاء مشترك بينهما معنى وعدم ترجيح أحدهما
( وقيل متواطئ )
أي موضوع للقدر المشترك بينهما وهو مطلق المخالفة والتواطؤ خير من الاشتراك اللفظي والمجاز
( والمختار )
أنه في المتصل حقيقة و
( في المنقطع مجاز )
ونقله الآمدي عن الأكثرين وسيأتي وجهه
( قالوا )
ومنهم ابن الحاجب
( فعلى التواطؤ أمكن حده )
أي المنقطع
( مع المتصل بحد واحد باعتبار المشترك بينهما مجرد المخالفة الأعم من الإخراج وعدمه )
وغير خاف أن مجرد بالجر عطف بيان أو بدل من المشترك ثم أورد الكرماني لفظ الأعم أفعل تفضيل معرف باللام فيجب تأنيثه لجريانه على المخالفة ويمتنع فيه من وأجاب بأن الأعم صفة لمجرد وأن من لبيان المخالفة لا صلة للأعم وفيه تأمل
( فيقال ما دل على مخالفة بإلا غير الصفة الخ )
أي وأخواتها فما دل على مخالفة شامل لأنواع التخصيص بإلا غير الصفة وأخواتها يخرج سائر أنواعه وقد عرفت وجه التقييد بغير الصفة والمراد بأخواتها
( وعلى أنه مشترك )
لفظي بينهما
( أو مجاز في المنقطع )
حقيقة في المتصل
( لا يمكن )
حد المنقطع مع المتصل بحد واحد
( لأن مفهوميه )
أي الاستثناء بهذا المعنى
( حينئذ )
أي حين يكون مشتركا لفظيا فيهما أو حقيقة في المتصل مجازا في المنقطع
( حقيقتان )
أي ماهيتان
( مختلفتان فيحد كل بخصوصه فيزاد )
على الحد السابق
( في المنقطع من غير إخراج لإخراج المتصل )
لأنه يدل على مخالفة مع إخراج لكن هذا يوهم أن الحد السابق صالح للمتصل وحده من غير زيادة مع إخراج وليس كذلك فكان الأولى أن يقولوا وفي المتصل مع إخراج ثم قال المصنف
( ولا شك ان هذا )
أي امتناع الجمع بين شيئين في تعريف واحد
( إنما هو في تعريف ماهيتين مختلفتين كما لو كان التعريف للاستثناء بمعنى الإخراجين المسميين بالمتصل والمنقطع )
للاختلاف المانع من الاجتماع
( و )
لا شك
( بأن )
أي في أن
( وضع لفظ مرتين لشيئين )
حتى كان مشتركا لفظيا بينهما
( أو )
وضع لفظ
( مرة لمشترك بينهما )
أي بين شيئين حتى كان متواطئا
( أو )
وضع لفظ مرة
( لأحدهما ويتجوز به في الآخر لا يتعذر تعريفه على
319
319
تقدير والكلام في الاستثناء )
هنا
( إنما هو بمعنى الأداة )
وقد قيل فيه كل من هذه الأقوال فلا يتعذر تعريفه على كل تقدير منها
( فيقال ما دل على عدم إرادة ما بعده كائنا بعض ما قبله أو )
كائنا
( خلافه )
أي ما قبله
( بحكمه )
أي ما قبله دلالة كائنة
( عن وضعين )
وضع مرة لأن يدل على عدم إرادة ما بعده كائنا بعض ما قبله ووضع مرة لأن يدل على عدم إرادة ما بعده من حكم ما قبله هذا
( على الاشتراك ويترك لفظ الوضع )
أي عن وضعين
( على التواطؤ و )
يقال على أنه حقيقة في المتصل مجاز في المنقطع ما دل على عدم إرادة ما بعده حال كونه
( كائنا بعضه )
أي ما قبله
( بحكمه )
أي ما قبله وهو متعلق بإرادة
( بوضعه )
أي بسبب وضع ما دل على هذا المعنى
( له )
أي لهذا المعنى
( فقط )
فينطبق هذا على المتصل
( وخلافه بالقرينة )
أي ما دل على عدم إرادة ما بعده كائنا خلاف ما قبله من جهة حكمه بواسطة القرينة المفيدة لإرادة هذه الدلالة منه فينطبق على المجاز وقد ظهر من هذا أنه لو قال وخلافه بحكمه بالقرينة لكان أولى
( ثم لا يخفى صدق تعريفنا عليها )
أي على الأداة التي الاستثناء هنا بمعناها
( على التقادير )
الثلاثة
( بلا حاجة إلى خلافه )
من التعاريف له بهذا المعنى
( وقوله )
أي المعرف الأول
( بإلا الخ يفيد أن إلا وأخواتها مع ما دل غيران )
لأن من المعلوم أن الدال بواسطة شيء هو غير ذلك الشيء
( وليس )
هما غيرين لأن الدال إنما هو إلا أو إحدى أخواتها
( وقوله في المنقطع من غير إخراج إن )
أراد
( مطلقا لم يصدق )
التعريف
( على شيء من أفراد المحدود لأنها )
أي إفراده
( مخرجة من الحكم )
الذي للمستثنى منه
( والإخراج في الاستثناء بقسميه )
المتصل والمنقطع
( ليس إلا منه )
أي من الحكم
( وحمله )
أي الإخراج
( على أنه من الجنس فقط وأنه الاصطلاح باطل للقطع بأن زيدا لم يخرج من القوم ولا يصطلح على باطل وإن أريد التجوز بالجنس عن حكمه أو أضمر )
الحكم
( صار المعنى من غير إخراج من حكم الجنس وعاد الأول وهو أن الواقع إخراج ما بعد إلا مطلقا )
أي متصلا كان أو لا
( من حكم ما قبلها )
سواء كان جنسا له أو لا
( وعدمه )
أي الإخراج
( من نفس الجنس )
أما في المتصل فلأن التناول باق وأما في المنقطع فلعدم الدخول الذي الإخراج فرعه
( ووجه المختار )
من أن الاستثناء بمعنى الأداة حقيقة في المتصل مجاز في المنقطع
( بأن علماء الأمصار ردوه )
أي الاستثناء بهذا المعنى
( إلى المتصل وإن )
كان الاتصال
( خلاف الظاهر فحملوا له ألف إلا كرا )
من البر
( على قيمته )
أي الكر منه لشمول القيمة له ولو كان في المنقطع ظاهرا لم يرتكبوا مخالفة ظاهر حذرا عنها وقد قيل على هذا إنه لا يمنع الاشتراك لأن المشترك قد يكون أحد معنييه أظهر لكثرة الاستعمال فيحمل عند الإطلاق عليه وكأن لهذا قال المصنف ووجه المختار ثم لم يكتف به بل أردفه بما هو أقوى منه فقال
( ولأنه يتبادر من نحو جاء القوم إلا قبل ذكر زيد أو حمار أنه يريد أن يخرج بعض القوم عن حكمهم فيشرأب )
أي فيتطلع
( إلى أنه أيهم ولو كان حقيقة في إخراج الأعم منه )
أي من المتصل
320
320
والمنقطع
( من حكمه )
أي الأعم
( لم يتبادر معين لا يقال جاز )
تبادر المتصل
( لعروض شهرة أوجبت الانتقال إليه )
أي المتصل لأنا نقول ليس كذلك
( لأنه )
أي عروض الشهرة في أحد المعنيين الحقيقيين
( نادر لا يعتبر به قبل فعليته )
أي تحققه بالفعل والفرض جوازه لا تحققه
( وإلا )
لو اعتبر جواز عروض الشهرة موجبا للتبادر
( بطل الحمل على الحقيقة عند إمكانهما )
أي الحقيقة والمجاز بأن يقال جاز أن يكون المتبادر المجازي لعروض شهرته فلا يتعين أن يكون أن يكون الحقيقي
( وغير ذلك )
قال المصنف كأن ينفي الاشتراك فإذا أثبت بتبادر المفاهيم على السواء والتوقف في المراد قيل جاز كون تبادرها بعروض شهرة في المجاز حتى ساوى الحقيقي اه واللازم باطل فالملزوم مثله
( وقال الغزالي )
والقاضي في التعريف
( في المتصل قول ذو صيغ مخصوصة دال على أن المذكور به لم يرد بالقول الأول أفاد جنسه )
وهو قول
( إنه )
أي التعريف
( لغير )
المعنى
( المصدري )
الذي هو الإخراج بل هو للأداة
( ومخصوصة أي معهودة وهي إلا وأخواتها )
كما ذكره العلامة والأصفهاني
( والأنسب أن يقال على طرده الشرط )
أي أداته في نحو أكرم الناس إن علموا
( لا التخصيص به )
أي بالشرط
( والموصول )
حال كونه
( وصفا )
مخصصا نحو أكرم الناس الذين علموا
( والمستقل )
نحو لا تكرم زيدا بعد أكرم القوم لا التخصيص بهما كما قال ابن الحاجب لظهور أن التعريف للاستثناء بمعنى الأدوات لا للتخصيص بها الذي هو الإخراج
( ودفع الأولان )
أي الشرط والموصول وصفا والدافع ابن الحاجب
( بأنهما لا يخرجان المذكور )
وهو العلماء في مثاليهما
( بل )
يخرجان
( غيره )
أي المذكور هو من عدا العلماء
( وتقدم التحقيق فيه )
قال المصنف الذي تقدم أن الشرط لا يخرج ما بعده بل مخرج بعض التقادير والعام الآخر فإن قولك أكرم بني تميم إن علموا يخرج غير العلماء والوصف مثله إذا عرف هذا ظهر أنهما لا يصدق عليهما التعريف
( والمستقل لم يوضع لإفادة المخالفة وإنما تفهم )
المخالفة
( بملاحظهما )
أي المستقل والمخصص به ويلزم منهما لزوما عقليا إن كان القائل ممن لا يناقض نفسه لا وضعيا ألا ترى أنك تقول لم يجئ القوم ولم يجئ زيد ولا دلالة له على مخالفة أصلا ذكره القاضي عضد الدين
( وعلى عكسه شخص جاؤوا إلا زيدا وسائرها )
أي وشخص كل من باقي أدوات الاستثناء لأنه يصدق على كل شخص أنه استثناء ولا يصدق عليه الحد لأنه ليس ذا صيغ
( ورد )
هذا وراده القاضي عضد الدين
( بظهور أن المراد جنس الاستثناء المتصل )
ذو صيغ وكل استثناء ذو صيغة من الصيغ أي وكل شخص منه ذو صيغة واحدة كما هو ظاهر من قوة اللفظ قال والمناقشة في مثله مع مثله لا تحسن كل الحسن قال المصنف
( ولا يخفى ما فيه )
كما يظهر بعد على أن هذا يشير إلى أن المناقشة فيه تحسن في الجملة
( و )
لا يخفى
( عم وروده )
أي هذا الإيراد على التعريف المذكور
( على كونه تعريفا للأدوات بقيد العموم وعلى كونه )
تعريفا
( لما يصدق عليه أداة الاستثناء ليكون المثال )
المذكور في الإيراد باعتبار اشتماله
321
321
على إلا
( من أفراد المعرف بخلاف الأول )
أي إذا كان تعريفا لأدواته بقيد العموم فإن إلا في المثال المذكور ليس من أفراد المعرف بل المعرف
( صادق عليه )
أي على إلا فيه
( إذ الجنس )
في تعريفه
( قول كلي لا يتحقق خارجا إلا ضمن أداة وهو
أي الجنس
( نفسه ذو الصيغ ويصدق على الكلي الكائن في ضمن إلا )
الذي هو جزئ
( في المثال )
المذكور
( ذلك )
أي الكلي المطلق الذي هو الجنس وهو فاعل يصدق ثم الحق أنه إذا كان المراد بصيغ صيغا معينة هي أدوات الاستثناء كما تقدم لا يرد عليه شيء من هذه الإيرادات الأربعة كما قال العلامة والأصفهاني فقد كان الأنسب التعرض لنفي ورودها معللا بهذا نعم يرد أن هذا تعريف الشيء بما هو أخفى منه وهو غير جائز
( وقيل لفظ متصل بجملة لا تستقل دال على أن مدلوله غير مراد بما اتصل به ليس بشرط ولا صفة ولا غاية )
وهذا بعينه مختار الآمدي إلا أنه قال مكان وليس بشرط الخ بحرف إلا أو إحدى أخواتها وقال احترز بلفظ عن غير اللفظ من الدلالات المخصصة الحسية أو العقلية وبمتصل عن الدلائل المنفصلة وبلا يستقل عن مثل قام القوم ولم يقم زيد وبدال عن الصيغ المهملة وبعلى أن مدلوله غير مراد عن الأسماء المؤكدة والنعتية مثل جاء القوم العلماء كلهم وبحرف إلا أو إحدى أخواتها عن مثل قام القوم دون زيد كذا ذكره المحقق التفتازاني
قلت وفيه نظر فإن التعريف للاستثناء على ما في الكتاب له بمعنى الأداة كما يذكره المصنف فاحتاج إلى إخراج الشرط والصفة والغاية لصدق الحد بدونه على الغاية وهو ظاهر وعلى الوصف في نحو ! < لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا > ! لأنه يدل على عدم إرادة الله وعلى الشرط في نحو أكرم الناس إن لم يكونوا جهالا فإنه يدل على عدم إرادة الجهال وتعريف الاستثناء على ما ذكره الآمدي أنما هو له بمعنى المستثنى فكيف يكون عين ما في الكتاب فليتأمل
( وعلى طرده )
يرد
( قاموا لا زيد )
لصدق الحد عليه وليس باستثناء ومعلوم أن هذا لا يرد على تعريف الآمدي
( ودفع بما ذكرنا )
من أنه لم يوضع لإفادة عدم الإرادة وإنما لزمت من ملاحظته مع ما قبله لزوما عقليا لا وضعيا بدليل جاء عمرو لا زيد لامتناع إرادة زيد من عمرو لعدم إمكان دخوله فيه
( وعلى عكسه )
يرد
( المفرغ للفاعل )
نحو ما جاء إلا زيد فإنه استثناء ولا يصدق عليه الحد لعدم اتصاله بجملة لأنه هو الفاعل والفعل وحده مفرد ومن المعلوم ورود هذا على تعريف الآمدي أيضا
( ودفع بأن ما قبله )
أي إلا زيد
( في تقديرها )
أي الجملة والمراد بالجملة الجملة وما يقدر بها
( وهذا على ما يقدر فاعلا عاما )
ويجعل ما بعد إلا بدلا منه فيقول التقدير ما جاء أحد إلا زيد
( ولعل المعرف يراه )
فإنه الظاهر وهو الذي عليه المعنى أما من لم يقدر فاعلا عاما بل يقول زيد هو الفاعل فالدفع على قوله مدفوع كما أن قوله أيضا مدفوع
( ثم يفسد )
عكسه أيضا
( بأن كل مستثنى متصل مراد بالأول )
ثم يخرج عنه ثم يسند إلى الباقي فصدق الحد لا المحدود
( ويدفع بمنعه )
أي أن المستثنى مراد
322
322
بالأول وفي هذا المنع نظر فلا جرم أن قال
( ولو سلم )
أن المستثنى مراد بحسب دلالة لفظ المستثنى منه عليه
( فغير مراد بالحكم )
أي بحكمه أقول والتحقيق أن لا ورود لهذا أصلا على هذا التعريف ليحتاج إلى الجواب لأن هذا التعريف للاستثناء بمعنى الأداة ولا يتصور فيها ذلك فليتدبر
( وهذا )
التعريف
( أيضا لما له )
التعريف
( الأول )
أي تعريف الغزالي وهو الاستثناء بمعنى الأداة كما هو ظاهر من كل لا للمعنى المصدري الذي هو الإخراج لمنافاة جنس هذا وهو اللفظ لذلك كمنافاة جنس الأول له
( فلا يكون الأولى )
من كل منهما أن يقال في تعريفه كما قال ابن الحاجب
( إخراج بإلا أو إحدى أخواتها وهو )
أي هذا التعريف
( على غير مهيعه )
أي طريق كل من التعريفين السابقين لأن هذا بالضرورة إنما هو له بالمعنى المصدري اللهم
( إلا على معنى الأولى تعريف المصدري الذي هو التخصيص الخاص )
وهو ما يكون بإلا أو إحدى أخواتها
( وترك ما به )
التخصيص أي المخصص
( وليس )
هذا
( كذلك )
أي أولى هنا
( فإن الكلام في ذلك )
أي المخصص المتصل المسمى بالاستثناء لا في نفس التخصيص إذ الكلام في بيان المخصصات المنفصلة
( واعلم أنه قد يعرف ما يطلق عليه لفظ الاستثناء من ماهيتي المتصل والمنقطع غير أنه ليس حقيقة فيهما مشتركا أو متواطئا إلا اصطلاحا )
نحويا
( ونظر الأصولي في معنى الاستثناء )
إنما هو
( من جهة اللغة ويمكن تعريفهما لا من حيث هما مدلولا لفظ أصلا أو مدلولا لفظ لغوي هو الأدوات فالاستثناء أي ما تفيده إلا وأخواتها المعروفة إخراج بها أي منع من الدخول اشتهر )
الإخراج
( فيه
أي المنع
( عن الحكم أو الصدر معه )
أي الحكم وحاصله منع دخول ما بعد إلا أو إحدى أخواتها بها في حكم ما قبلها أو وصدره أيضا فقد شمل المتصل والمنقطع تعريف واحد
( مسألة الاتفاق إن ا بعد إلا مخرج من حكم الصدر أي لم يرد )
ما بعدها
( به )
أي بحكم الصدر
( فالمقر به ليس إلا سبعة في علي عشرة إلا ثلاثة واختلف في تقدير دلالته )
أي تركيب الاستثناء على سبعة
( فالأكثر أريد سبعة )
بعشرة
( وإلا قرينته )
أي هذا المراد الذي هو الجزء باسم الكل
( والاتفاق أن التخصيص كذلك )
أي يكون المخصص قرينة على المراد بالمخصص كما في اقتل المشركين والمراد الحربيون بدليل يخرج الذمي
( وقيل أريد عشرة )
بعشرة
( ثم أخرج )
منها ثلاثة بإلا ثلاثة فدل إلا على الإخراج وثلاثة على العدد المسمى بها حتى بقي سبعة
( ثم حكم على الباقي )
وهو سبعة قال المصنف
( والمراد أريد )
بعشرة
( عشرة وحكم على سبعة فإرادة العشرة )
بعشرة
( باق بعد الحكم )
على سبعة
( وإلا )
لو لم يكن المراد هذا
( رجع إلى إرادة سبعة به
أي بلفظ عشرة
( مع الحكم عليها )
أي سبعة
( فلم يزد على الأول إلا بتكليف لا فائدة له واختاره )
أي هذا القول
( بعض المتأخرين )
وهو ابن الحاجب وقال
( للقطع باستثناء نصفها في اشتريت الجارية إلا نصفها فكان )
جميع الجارية
( مرادا )
من الجارية
( وإلا )
لو لم يكن المراد بلفظ الجارية جميعها بل نصفها
( كان )
الاستثناء لنصفها
( من نصفها فهو مستغرق )

323
323
وهو باطل
( أو )
كان
( المخرج الربع لأن الباقي من النصف بعد إخراج النصف منه )
أي من النصف
( الربع ويتسلسل أي ينتهي إلى إخراج الجزء غير المتجزئ منه )
أي من المستثنى منه أي ثم يلزم أن يكون المراد بالربع المستثنى منه الثمن لأنه الباقي بعد إخراج النصف من الربع وهلم جرا قال المصنف في جواب هذين
( وعلمت أن الإخراج مجاز عن عدم الإرادة )
أي إرادة المستثنى بالمستثنى منه
( عندهم وإلا نصفها بيان إرادة النصف بلفظها )
أي الجارية فلا يكون إلا نصفها مستغرقا
( ولا يتسلسل لعدم حقيقة الإخراج )
وقال ابن الحاجب أيضا
( وأيضا الضمير )
في نصفها
( للجارية )
قطعا إذ المراد نصف جميعها قطعا
( ويدفع )
هذا
( بأن المرجع )
لضمير نصفها
( اللفظ )
أي لفظ الجارية
( لأنه )
أي الضمير
( لربط لفظ بلفظ باعتبار معناهما لا )
أن المرجع
( المسمى )
الحقيقي للفظ
( فيرجع )
ضمير نصفها
( إلى لفظ الجارية مرادا به بعضها )
الذي هو النصف قال ابن الحاجب
( وأيضا إجماع العربية أنه )
أي الاستثناء المتصل
( إخراج بعض من كل )
ولو أريد الباقي من الجارية لم يكن ثمة كل ولا بعض ولا إخراج قال المصنف في جوابه
( وعرفت أنه )
أي الإخراج
( منع دخوله )
أي المستثنى
( في الكل )
أي المستثنى منه
( فالإجماع على هذا المعنى )
وهو موجود على قول الأكثر قال ابن الحاجب
( وأيضا تبطل النصوص )
إذ ما من لفظ منها موضوع لمعنى له أجزاء أو جزئيات إلا استثناء بعضه ممكن فيكون المراد الباقي فلا يكون نصا في الكل ونحن نعلم أن نحو عشرة نص في مدلوله
( قلنا النص والظاهر سواء باعتبار ذاتهما فلا نصوصية بمعنى رفع الاحتمال مطلقا إلا بخارج وليس العدد بمجرده منه فالملازمة ممنوعة )
قال المصنف يعني أن كون اللفظ نصا في معنى بحيث لا يحتمل خلافه وهو المفسر عند الحنفية لا يتحقق قط من ذاته لأنه باعتبار مجرد ذاته لا فرق بينه وبين الظاهر إذ المتحقق في كل منهما أنه لفظ علمنا وضعه لمعنى وفي الظاهر احتمال أن يتجوز فلولا اقتران أحد اللفظين بخارج ينفي أنه يراد به غيره كان مثله إذ لا أثر لذات اللفظ في منع التجوز به ولا للمعنى الوضعي فلم يثبت النص وهو المفسر للفظ الملائكة لولا كلهم أجمعون ولا لطائر لولا قوله تعالى ! < يطير بجناحيه > ! وحينئذ لا نسلم أن مجرد لفظ العدد مثل عشرة من النص بمعنى انتفاء الاحتمال ومجرده وهو المذكور في الاستثناء فإذا أريد به سبعة لا يبطل به نص بمعنى ما لا يحتمل أن يتجوز به في غيره نعم قد يقوى الاحتمال في بعض الألفاظ التي علمنا لها وضعا دون بعض وذلك باتفاق كثرة التجوز بذلك البعض وندرته في البعض الآخر كالعام كثر التجوز به في البعض بخلاف أسماء الأعداد ونحو زيد وعمرو ندر أن يراد بزيد كتابه أو صاحبه العزيز عليه وبعشرة سبعة فقد يقال لا احتمال فيهاوإنما المراد أن الاحتمال لندرته لا يلاحظ فلا يكون المراد به غيره ما لم يتحقق فعليته فلم يكن حينئذ بد من اعتباره ولا شك أن بالاستثناء يتحقق فعلية ذلك القليل فيثبت أنه أريد به ذلك المعنى الذي لم يعقل ملاحظته
324
324
انتهى وقد أجاد فيما أفاد
( وأما إسقاط ما بعدها )
أي وأما الدليل الخامس لابن الحاجب أيضا وهو أنا نعلم أنا نسقط ما بعد إلا مما قبلها
( فيبقى الباقي )
من المستثنى منه فيسند إليه الحكم
( وهو )
أي إسقاط ما بعدها مما قبلها
( فرع إرادة الكل )
مما قبلها وهذا المعنى معقول واللفظ دال عليه فوجب تقديره
( فقول الأكثر يقتضي أن الإسقاط )
أي أن معنى إسقاط ما بعدها مما قبلها
( ذكر ما لم يرد )
بالحكم وهو الثلاثة بعدها
( ونسبته )
أي ما لم يرد به
( للمسمى )
الموضوع له العشرة
( ليعرف الباقي )
منه وهو السبعة بالنسبة إلى الحكم
( أو بالنسبة إلى مدلوله )
فلا يكون الكل مرادا
( وإذا لم يبطل الأول )
أي قول الأكثر
( وهو أقل تكلفا )
من الثاني
( تعين ولأن الثاني خارج عن قانون الاستعمال وهو )
أي قانون الاستعمال
( إيقاع اللفظ في التركيب ليحكم على وضعيه )
أي المعنى الموضوع له اللفظ
( أو مراده )
أي أو على المعنى المراد به مجازا
( أو بهما )
أي أو ليحكم بالمعنى الموضوع له اللفظ أو بالمراد منه
( ولا موجب )
للخروج عن قانون الاستعمال
( فوجب نفيه )
أي هذا القول الثاني لخروجه عن قانون الاستعمال
( وعن القاضي أبي بكر عشرة إلا ثلاثة لمدلول سبعة كسبعة )
واختاره إمام الحرمين
( ورد بأنه خارج عن اللغة إذ لا تركيب من )
ألفاظ
( ثلاثة في غير المحكي والأول غير مضاف ولا معرب ولا حرف )
ويفهم من هذا أنه يوجد مركب من ثلاثة ألفاظ إذا كان محكيا وهو كذلك كبرق نحره وشاب قرناها وإذا كان غير محكي إذا كان الأول منه مضافا أو معربا أو حرفا والأول والثالث موجودان كابي عبد الله ولا رجل ظريف والثاني لا يحضرني أحد ذكره ولا مثاله وعشرة إلا ثلاثة ليس أحدها
( و )
رد أيضا
( بلزوم عود الضمير )
في نحو إلا نصفها
( على جزء الاسم )
الذي هو الجارية في اشتريت الجارية إلا نصفها
( وهو )
أي جزء الاسم
( كزاي زيد لعدم دلالته )
أي جزء الاسم في الاسم على معنى فيمتنع عود الضمير عليه
( والحق أنه )
أي قول القاضي
( أحد المذهبين )
السابقين
( للقطع بأن مفرداته )
أي علي عشرة إلا ثلاثة باقية
( في معانيها )
الإفرادية
( وقوله بإزاء سبعة )
إنما هو
( باعتبار الحاصل ولذا شبه )
فقال كسبعة على ما نقل عنه
( فانتفى ما بناه بعضهم )
وهو صدر الشريعة
( عليه )
أي قول القاضي
( من أن تخصيصه )
أي الاستثناء فيما إذا كان المستثنى منه عددا
( كمفهوم اللقب )
أي كتخصيصه
( المقتضي أن لا إخراج أصلا وجهه )
أي الحق وهو رد قول القاضي إلى أحد المذهبين
( أن الحكم ليس إلا على سبعة فإما باعتبارها )
أي السبعة
( مدلولا مجازيا للتركيب )
والمعنى الحقيقي له العشرة الموصوفة بإخراج العشرة وهذا هو ظاهر مذهب الجمهور
( أو ما يصدق عليه معناه المتبادر )
أي أو باعتبار السبعة أمرا يصدق عليه معنى مجموع المركب المتبادر إلى الفهم كما يطلق الطائر الولود على الخفاش من حيث إنه من أفراده
( فيكون التركيب حقيقة فيها )
أي في السبعة بمعنى أنه عبر عنها به كما يعبر عن النوع بالأجزاء العقلية من الجنس والفصل أو الخارجية فيعبر عن الإنسان بالحيوان الناطق والبدن والنفس وعن الشيء بلازمه
325
325
المركب فيعبر عن السبعة بأنها أربعة وثلاثة لا بمعنى أن المجموع وضع لها وضعا واحدا
قلت وهذا صريح كلامه في التقريب حيث قال إذا خص باستثناء متصل فإنه قد يكون مع الاستثناء حقيقة فيما بقي والدليل على ذلك أن اتصال الاستثناء به يغيره ويؤثر في معنى لفظه لأن كثيرا من الكلام إذا اتصل بعضه ببعض كان له بالاتصال تأثير ليس له بالانفراد ثم قال وإذا كان كذلك وجب أن يكون هذا حكم اللفظ مع الاستثناء في أنه يصير باقترانه اسما لقدر ما بقي ولو عدم لكان عاما انتهى وهو مصرح أيضا بالموافقة للحنفية في أن الاستثناء بيان تغيير ثم الأمر
( هذا وبعض الحنفية )
بل الجم الغفير منهم وخصوصا المتأخرون
( قالوا إخراج الاستثناء عند الشافعي بطريق المعارضة )
وهو أن يثبت للمستثنى حكما مخالفا لصدر الكلام كما في العام إذا خص منه بعضه فإنه يمتنع حكم العام فيما خص منه لوجود المعارض فيه صورة وهو دليل الخصوص
( وعندنا بيان محض )
لكون الحكم المذكور لصدر الكلام واردا على بعض أفراده وهو ما عدا المستثنى فتقدير لفلان علي عشرة إلا ثلاثة عنده إلا ثلاثة فإنها ليست علي وعندنا لفلان علي سبعة
( ثم أبطلوه )
أي الحنفية كونه إخراجا بطريق المعارضة
( بأنه لو كان )
إخراجه بها
( وهو )
أي والحال أن هذا الكلام
( لا يوجب
الحكم الذي هو الإقرار
( إلا في سبعة ثبت ما ليس من محتملات اللفظ فإن العشرة لا يقع عليها )
أي السبعة فقط
( حقيقة )
وهو ظاهر
( ولا مجازا )
لأنه نسبة معنوية بينها وبين العشرة سوى العددية وهي عامة لا تصلح للتجوز ولا صورية إلا من حيث الكل والجزء وشرط التجوز به كون الجزء مختصا بالكل ليصح إطلاق الكل على الجزء اللازم المختص وليس ما دون العشرة سبعة كان أو غيره كذلك إذ كما يصلح جزاء لها يصلح جزءا للعشرين وما فوقه مثلا
( بخلاف العام )
المخصوص إذا منع دليل الخصوص فيه الحكم في بعض أفراده بطريق المعارضة صورة
( لا يستلزمه )
أي ثبوت ما ليس من محتملات اللفظ لبقاء الاسم دالا على الباقي بلا خلل ولا يخفى أن هذا مخالف لما تقدم في تقدير قول الأكثر ودفع كون المراد بالمستثنى منه الباقي بعد الاستنثاء مبطلا للنصوصية الأشبه ما تقدم كما يشير إليه قوله
( ولو سلم )
جواز التجوز بالعشرة عن السبعة قيل لأن أكثر الشيء يطلق عليه اسم كله ولأجل دفع هذا الاحتمال يقال عشرة كاملة وغير خاف أن هذا يخص ما إذا كان المستثنى أقل من الباقي من المستثنى منه والمدعى أعم من ذلك كما الصحيح فالأشبه كما ذكر بعض المحققين أن العلاقة المجوزة للتجوز باسم العدد عن جزئه مطلقا كون الجزء لازما للكل سواء كان أقل من الباقي أو مساويا له أو أكثر منه وعلى هذا فدعوى الاختصاص فيه ممنوعة
( فالمجاز مرجوح )
لأنه خلاف الأصل
( فلا يحمل عليه )
مع إمكان الحمل على الحقيقة إذ يصح أن يراد الكل ويكون تعلق الحكم بعد إخراج البعض
( كذا نقله )
أي هذا الإبطال بالمعنى
( متأخر )
وهو صدر الشريعة
( من الحنفية وإنه )
عطف على الضمير في نقله أي ونقل أيضا ما معناه إن الشأن
( على
326
326
القائل )
له علي
( عشرة )
إلا ثلاثة سبعة والتكلم في حق الحكم يكون
( في سبعة )
أي يكون الحكم عليها فقط لا على الثلاثة لا بالنفي ولا بالإثبات هذا لفظه وعبر المصنف عن معنى هذا كما عما قبله بقوله
( فتكون الثلاثة مسكوتة وكأن هذا منه )
أي من المتأخر
( إلزام )
للشافعي
( وإلا فالشافعي لا يجعلها مسكوتة )
بل يجعل لها من الحكم ضد ما للصدر
( وغيره )
أي هذا المتأخر
( منهم )
أي الحنفية كصاحب التحقيق وصاحب المنار وشارحيه والبديع
( ونقله )
أي الإبطال
( بالآية هكذا لو كان )
عمل الاستثناء
( على المعارضة ثبت في قوله تعالى )
! < فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما > !
حكم الألف بجملتها ثم عارضه )
أي الاستثناء حكم الألف
( في الخمسين فيلزم كذب الخبر في أحدهما )
والله سبحانه متعال عن ذلك علوا كبيرا
( وهذا )
التوجيه
( هو لا الأليق بمعنى المعارضة )
وهو المنافاة
( وإلا فالحكم على سبعة )
في علي عشرة إلا ثلاثة
( وتسعمائة وخمسين )
في ! < فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما > !
( بالإثبات لا يعارضه نفيه )
أي الحكم بالإثبات
( عن ثلاثة )
في علي عشرة إلا ثلاثة
( وخمسين )
في ! < فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما > ! لعدم توارد الإثبات والنفي على محل واحد
( وبنوه )
أي الحنفية كونه بطريق المعارضة
( على أن الاستثناء من النفي إثبات وقلبه )
أي ومن الإثبات نفي
( منقولا عن أهل اللغة وعلى أن التوحيد )
وهو الإقرار بوجود الباري تعالى ووحدته
( في كلمته )
أي التوحيد وهي لا إله إلا الله
( بالنفي )
للألوهية عما سوى الله
( والإثبات )
أي وإثباتها لله وحده
( وإلا كانت )
كلمة التوحيد
( مجرد نفي الألوهية عن غيره )
أي الله تعالى فلا تكفي في الإقرار بالتوحيد لأنه لا يتم إلا بنفي الألوهية عما سوى الله وإثباتها لله
( فالتزمته )
أي أنها لا تفيد إلا النفي عن غير الله تعالى
( الطائفة القائلون منهم )
أي الحنفية
( ما بعد إلا مسكوت وأن التوحيد من النفي القولي والإثبات العلمي لأنهم )
أي الكفار في الجملة
( لم ينكروا ألوهيته تعالى )
كما يدل عليه قوله تعالى ! < ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله > ! إلى غير ذلك
( بل أشركوا فبالنفي عن غيره ينتفي )
الشرك
( ويحصل التوحيد فلا تكون )
كلمة التوحيد
( من الدهري إياه )
أي توحيدا لإنكاره وجود الباري تعالى وهذا أوجه مما قيل بل يكون لأن الدهري وإن لم يقل بوجوده تعالى فهو قائل بصانع وهو إما الدهر أو الأفلاك أو الأنجم أو الفصول الأربع أو غير ذلك على حسب ضلالته فإذا نفى الجميع لزم الإقرار بوجوده تعالى
( والجمهور ومنهم طائفة من الحنفية )
كفخر الإسلام وموافقيه ذهبوا إلى الحكم
( فيما بعد إلا بالنقيض وهو الأوجه لنقل الاستثناء من النفي الخ )
أي إثبات وقلبه عن أهل اللغة
( ولا يستلزم )
هذا
( كون الإخراج بطريق المعارضة لعدم اتحاد محل النفي والإثبات كما ذكرنا آنفا )
من أن الحكم على سبعة وعلى تسعمائة وخمسين بالإثبات لا يعارضه نفيه عن ثلاثة وعن خمسين
( ونقل أنه )
أي الاستثناء
( تكلم بالباقي بعد الثنيا )
بالضم والقصر الاسم من الاستثناء عن أهل اللغة أيضا
( لا ينافيه )
أي كونه من الإثبات نفيا وقلبه
327
327
( فجاز اجتماعهما )
أي النقلين
( فيصدق أنه تكلم بالباقي بعد الثنيا باعتبار الحاصل من مجموع التركيب ونفي وإثبات باعتبار الأجزاء ونحو لا صلاة إلا بطهور )
وتقدم في المسألة الرابعة في ذيل المجمل أنه روى معناه مرفوعا
( يفيد ثبوتها )
أي صحة الصلاة
( مع الطهور في الجملة )
وهي الصلاة الجامعة لبقية شروطها وجميع أركانها الخالية عن المفسد لها لا كل صلاة وإن كان قوله لا صلاة سلبا كليا بمعنى لا شيء من الصلاة بجائزة وهو عند وجود الموضوع في قوة الإيجاب الكلي المعدول المحمول فيتعلق الاستثناء بكل فرد من أفراد الصلاة والفرض أن الاستثناء من النفي إثبات فيلزم تعلق إثبات ما نفي عن الصدر بكل فرد من أفراد الصدر فيكون المعنى كل فرد من أفراد الصلاة جائزة حال اقترانها بطهور للإجماع على بطلان بعض الصلاة المقترنة بطهور كالصلاة إلى غير جهة القبلة وبدون النية ونحو ذلك
( وغايته )
أي هذا تكلم بعام مخصوص بدليله ولا بدع في ذلك على أن الأشبه أن موضوع هذا القول إنما جاء عمومه من ضرورة كونه نكرة واقعة في سياق النفي وهذا المقتضى منتف في الإثبات وإن كان الموضوع بعينه موجودا فيه فيكون المعنى لا صلاة جائزة في حال الاقتران بالطهور فإن فيها ينتفي هذا الحكم ويثبت نقيضه وهو جواز شيء من الصلوات إذ نقيض السلب الكلي الإيجاب الجزئي وهو صادق فلا يصلح دليلا لنفي كون الاستثناء من النفي إثباتا كما هو منقول عن الحنفية
( غير أن قول الطائفة الثانية )
فيما بعد إلا حكم بالنقيض الحكم
( الثاني )
ثابت عندهم
( إشارة وهو )
أي الحكم الإشاري
( منطوق غير مقصود بالسوق على ما مر )
في التقسيم الأول
( وقول الهداية في ما أنت إلا حر يعتق لأن الاستثناء من النفي إثبات على وجه التأكيد كما في كلمة الشهادة ظاهر في العبارة )
وقال في شرح الهداية هذا هو الحق المفهوم من تركيب الاستثناء لغة ثم قال وأما كونه إثباتا مؤكدا فلوروده بعد النفي بخلاف الإثبات المجرد
( والأوجه أنه منطوق إشارة تارة وعبارة أخرى بأن يقصد لما ذكرنا )
من قصده بالسوق
( ولأن النفي عما بعد إلا يفهم من اللفظ وأما )
الاستدلال له بما ملخصه
( الاتفاق على أن إلا لمخالفة ما بعدها لما قبلها وضعا فلا يفيد )
إثباته
( لصدق المخالفة بعدم الحكم عليه )
أي ما بعد إلا
( فلا يستلزم الحكم )
على ما بعد إلا
( بنقيضه )
أي حكم ما قبل إلا
( إلا فهمه )
أي الحكم بنقيضه من اللفظ
( كما سمعت ثم يقصدان )
أي الإثبات والنفي
( ككلمة التوحيد والمفرغ )
كما جاء إلا زيد وما زيد إلا قائم للقطع بفهم أن هذه مسوقة لإثبات الألوهية لله وحده ومجيء زيد وقيامه بأبلغ وجه وآكده
( فعبارة )
أي فالحكم على ما بعد إلا فيها عبارة
( أو )
يقصد
( غير الثاني )
وهو الحكم على ما قبلها لا غير
( كعلي عشرة إلا ثلاثة لفهم أن الغرض السبعة )
أي الإقرار بها ولا غرض يظهر أن يقول إلا ثلاثة ليست على
( فإشارة )
أي فالحكم على ما بعد إلا حينئذ إشارة
( ولما بعد أن يقول بحقيقة المعارضة )
في الاستثناء الواقع في الكتاب والسنة
( مسلم لأنها )
أي المعارضة حينئذ تكون
( بثبوت الحكمين )
المتناقضين
328
328
( وهو )
أي وثبوتهما
( التناقض صرح المحققون بنفي الخلاف المذكور وباتفاق أهل الديانة أنه بيان محض كسائر التخصيصات وإنما هو صورتها نظرا إلى ظاهر إسناد الصدر ولا يختلف فيه كالتخصيص بغيره )
ومن المصرحين بذلك صاحب الميزان ولفظه ولا نص عن الشافعي في ذلك لكن استدلوا بمسائل تدل على ذلك ثم قال ولكن الصحيح أن لا يكون في هذا خلاف بين أهل الديانة لأنه خلاف إجماع أهل اللغة وخلاف إجماع المسلمين ثم أتى على وجه ذلك
( تنبيه جواز )
بيع
( ما لا يدخل تحت الكيل )
من المكيلات
( قلة )
بأن يكون ما دون نصف صاع على ما قالوا
( بجنسه متفاضلا عند الحنفية لا الشافعية مع قوله صلى الله عليه وسلم لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء )
أخرجه بمعناه الشافعي في مسنده
( قيل )
وقائله فخر الإسلام وموافقوه كصاحب البديع
( للمعارضة عنده )
أي الشافعي
( فمعنى الاستثناء لكم بيع طعام )
بطعام
( مساو فما سواه )
أي المساوي منه قليلا كان أو كثيرا
( منع )
أي ممنوع
( بالصدر )
أي لا تبيعوا الطعام بالطعام لأن الاستثناء أخرج الكيل خاصة ضرورة ثبوت المعارضة فيه إذ المراد بالتساوي التساوي في الكيل إتفاقا فبقي غير المكيل داخلا في الحرمة فيحرم بيع حفنة من البر بحفنتين منه مثلا
( والحنفية لا حكم في الثاني )
أي المستثنى
( وهو استثناء حال المساواة من الثلاثة المجازفة وأخويها )
المفاضلة والمساواة بناء على أنه تكلم بالباقي فيعمها الصدر حتى كأنه قال لا تبيعوا الطعام بالطعام في جميع الأحوال من المفاضلة والمجازفة والمساواة إلا في حال المساواة
( والكل )
أي المجازفة وأخواها
( يستند إلى الكيل )
لأن المساواة لا تتحقق إلا في المكيل ولا مستوى فيه إلا الكيل كما تقدم وحرمت المفاضلة لوجود الفضل في أحدهما والمجازفة لاحتمال المفاضلة فلم يثبت اختلاف الأحوال إلا في الكثير وهو الذي يدخل تحت الكيل فتعين كون المراد المقدر به فلا تثبت الحرمة في القليل وهو ما لا يدخل تحت الكيل فلا يحرم بيع حفنة من البر بحفنتين منه
( ولا يلزم )
بناء هذا الاختلاف في هذا الفرع على المعارضة وعدمها
( بل لا يشكل على أحد أنه )
أي الاستثناء في هذا الحديث
( مفرغ للحال )
أي حال الطعام المقابل بشيء منه كما تقدم لأن استثناء الحال من العين لا يستقيم لعدم المجانسة والمجانسة هي الأصل فيه فحمل صدر الكلام على عموم الأحوال لتحصل المجانسة
( فلزم الاتصال فالمبنى )
لهذا الاختلاف
( تقدير نوع المفرغ له )
ا لقريب
( أو )
تقدير نوع له
( أعلى أي تقدير معنى لا إعراب )
فقدرنا القريب بدليل
( ما فيها إلا زيد أي إنسان لا حيوان والمساواة بالكيل )
فتعين أن يكون المعنى
( فلا تبيعوا طعاما يكال إلا مساويا فالحل فيما دونه )
أي ما يكال
( بالأصل )
فإن الأصل في البيع الحل
( وقدروا )
أعلى منه فقالوا
( طعاما في حال فشمل القلة أما ذلك )
المبنى الأول
( فمبنى كون الحل في التساوي )
عند الحنفية والشافعية
( بالأصل أو بالمنطوق )
فعند الحنفية بالأصل وعند الشافعية بالمنطوق
( ثم هو )
أي
329
329
كون ذاك هو المبنى لهذا بناء
( على )
قول
( الطائفة الأولى )
من الحنفية ليس فيما بعد إلا حكم أما على قول الطائفة الأخرى فيه حكم بالنقيض فالحل فيه بالمنطوق أيضا عبارة لأن الاستثناء مفرغ فليتنبه له
( مسألة يشترط فيه )
أي الاستثناء
( الاتصال )
بالمستثنى منه لفظا عند جماهير العلماء
( إلا لتنفس أو سعال أو أخذ فم ونحوه )
كعطاس وجشاء
( وعن ابن عباس جواز الفصل بشهر وسنة ومطلقا )
أما الشهر فنقله الأمدي وابن الحاجب وغيرهما وقال شيخنا الحافظ لم أجد رواية الشهر وإنما وجدت رواية فيها أربعين يوما فلعل من قال شهرا ألغى الكسر انتهى ولا يخفى ما فيه مع بعده ثم أخرج عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم حلف على شيء فمضى أربعون ليلة فأنزل الله تعالى ! < ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا > ! فاستثنى النبي صلى الله عليه وسلم بعد أربعين ليلة ثم قال هذا حديث غريب أخرجه أبو الشيخ في تفسيره هكذا انتهى ولا يخفى أنه ليس في هذا عن ابن عباس أنه كان يرى ذلك نعم أخرجه إسحاق بن إبراهيم في تفسيره عن سعيد بن جبير بلفظ قال يستثني ولو بعد شهر وهذا يخالف ما ذكر الخطابي عنه أنه يستثني بعد أربعة أشهر ونقل هذا صاحب الكشف عن أبي العالية وأما السنة فنقلها جماعة منهم المازري وأخرجها الحاكم في مستدركه والطبراني في الأوسط عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس قال إذا حلف الرجل على يمين فله أن يستثني ولو إلى سنة وإنما نزلت هذه الآية في هذا ! < واذكر ربك إذا نسيت > ! قال إذا ذكر استثنى وكان الأعمش يأخذ بهذا لفظ الحاكم ثم قال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وتعقبه شيخنا الحافظ بأنه لم يقع عنده ما عند الطبراني قيل للأعمش سمعته من مجاهد قال لا حدثني به ليث عن مجاهد انتهى فإن به تبين أن الإسناد معلول وأن بين الأعمش ومجاهد واسطة وهو ليث بن أبي سليم ضعيف ولم يحتج به واحد من الشيخين وإما مطلقا وهو الذي يقتضيه كلام الأكثرين في النقل عنه وصرح به بعضهم وقال صاحب الكشف وبه قال مجاهد فالله تعالى أعلم به وقال السبكي وهي روايات شاذة لم تثبت عنه
( وحمل )
ما عن ابن عباس من جواز الفصل
( على ما إذا كان )
الاستثناء
( منويا حال التكلم )
فيكون متصلا قصدا متأخرا لفظا
( ويدين )
الناوي له فيما بينه وبين الله تعالى في صحة دعوى نية الاستثناء قال الغزالي نقل عن ابن عباس جواز تأخير الاستثناء ولعله لا يصح النقل عنه إذ لا يليق ذلك بمنصبه وإن صح فلعله أراد به إذا نوى الاستثناء أولا ثم أظهر نيته بعده فيدين فيما بينه وبين الله تعالى فيما نواه ومذهبه أن ما يدين فيه العبد يقبل ظاهرا فهذا له وجه أما تجويز التأخير لو أصر عليه دون هذا التأويل فيرده عليه اتفاق أهل اللغة على خلافه لأنه جزء من الكلام يحصل به الإتمام فإذا انفصل لم يكن إتماما كالشرط وخبر المبتدأ قال المصنف
( وهو )
أي جواز فصل الاستثناء
330
330
إذا كان منويا حال التكلم بالمستثنى منه
( قول أحمد )
هذا ظاهر سوق الكلام ولم أره بل يخالفه قوله في شرح الهداية واشتراط الاتصال قول جماهير العلماء منهم الأربعة انتهى والذي في فروع ابن مفلح ومن قال في يمين مكفرة إن شاء الله متصلا وعنه وجزم به في عيون المسائل مع فصل يسير ولم يتكلم وعنه في المجلس وهو في الإرشاد عن بعض أصحابنا وهو في المبهج ولو تكلم قدم الاستثناء على الجزاء أو أخره فعل أو ترك لم يلزمه كفارة قال أحمد قول ابن عباس إذا استثنى بعد سنة فله ثنياه ليس هو في الإيمان إنما تأويله قول الله ! < ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا > ! فهذا استثناء من الكذب لأن الكذب ليس فيه كفارة وهو أشد من اليمين لأن اليمين تكفر والكذب لا يكفر قال ابن الجوزي فائدة الاستثناء خروجه من الكذب قال موسى ! < ستجدني إن شاء الله صابرا > ! ولم يصبر فسلم منه بالاستثناء وكلامهم يقتضي أن رده إلى يمينه لم ينفعه لوقوعها وتبين مشيئة الله تعالى انتهى
( وعن طاوس والحسن تقييده )
أي جواز الفصل
( بالمجلس )
ذكره الخطابي وغيره وزاد في الكشف وغيره عطاء وبه قال أحمد بن حنبل وقد عرفت أنه رواية عنه وفي شرح المصنف للهداية وهو قول الأوزاعي
( لنا لو تأخر )
أي لو جاز تأخير الاستثناء
( لم يعين تعالى لبر أيوب عليه السلام أخذ الضغث )
وهي الحزمة الصغيرة من الحشيش ونحوه وضرب زوجته به في حلفه إن برئ ضربها مائة ضربة لما ذهبت لحاجة فأبطأت على ما روي لكن الله تعالى عين ذلك للتحلل من يمينه حتى حكي أن أبا إسحاق المروزي أراد مرة الخروج من بغداد فاجتاز في بعض سككها برجل على رأس باقلاء وهو يقول لآخر معه لو صح مذهب ابن عباس لما قال الله تعالى لأيوب عليه السلام ! < وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث > ! بل كان يقول استثن ولا حاجة إلى هذا التحيل في البر فقال أبو إسحاق بلدة فيها رجل يحمل البقل وهو يرد على ابن عباس لا يستحق أن يخرج منها
( ولم يقل صلى الله عليه وسلم ) من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ( فليكفر ) عن يمينه وليفعل الذي هو خير
كما في صحيح مسلم
( مقتصرا )
على الأمر بالتكفير
إذ لم يتعين )
التكفير
( مخلصا )
من عهدة اليمين بل كان يقول فليستثن أو ليكفر خصوصا
( مع اختياره الأيسر لهم دائما )
كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة مع أن الاستثناء أولى من التكفير لعدم الحنث الذي هو عرضة الإثم وحيث قاله
( بلا تفصيل بين مدة ومنوي وغيرهما )
دل على عدم اعتباره متأخرا
( وأيضا لم يجزم بطلاق وعتاق وكذب وصدق ولا عقد )
لإمكان الاستثناء ودعوى إلحاقه بكل من هذه الأمور بعد حين واللازم باطل قطعا فالملزوم مثله
( ودفع أبو حنيفة عتب المنصور )
أبي جعفر الدوانيقي ثاني الخلفاء العباسية في مخالفة جده ابن عباس في جواز الانفصال
( بلزوم عدم لزوم عقد البيعة )
فقال هذا يرجع عليك أفترضى لمن يبايعك بالأيمان أن يخرج من عندك فيستثني فاستحسنه ذكره في
331
331
الكشاف وغيره وقيل إن الذي أغراه به محمد بن إسحاق صاحب المغازي وإنه لما أجابه الإمام بذلك قال نعم ما قلت وغضب على ابن إسحاق وأخرجه من عنده
( قالوا ألحق صلى الله عليه وسلم إن شاء الله بقوله لأغزون قريشا بعد سنة قلنا بتقدير استئناف لأغزون )
أي هو ملحق بمستأنف مقدر هو لأغزون جمعا بين هذا وبين أدلتنا
( وحمله )
أي الفصل
( على السكوت العارض مع نقل هذه المدة ممتنع )
وهو ظاهر قلت لكن الحامل له على هذا المحمل كابن الحاجب إنما حمله عليه بناء على الاحتجاج به بلفظ قال صلى الله عليه وسلم
والله لأغزون قريشا
ثم سكت ثم قال
إن شاء الله
كما هو حديث غريب اختلف في وصله وإرساله أخرجه أبو داود على أنه أيضا إنما يتم الاستدلال به إذا لم يغزهم كما وقع في رواية لأبي داود ثم لم يغزهم وكان ثابتا قال شيخنا الحافظ لكن الحديث لم يثبت لأن سماكا كان يقبل التلقين وعابوا عليه أحاديث كان يصلها وهي مرسلة وصوب جماعة من الحفاظ منهم أبو حاتم الرازي رواية الإرسال وأما ذكر السنة كما في الكشف وغيره فالله تعالى أعلم به على أنه لو ثبت الحديث مع الزيادة لا يدل على أنه لم يحنث ولم يكفر والشأن في ذلك
( قالوا سأله اليهود عن مدة أهل الكهف فقال غدا أجيبكم فتأخر الوحي بضعة عشرة يوما ثم أنزل ولا تقولن الآية فقالها )
أي إن شاء الله ولا كلام يعود عليه إلا قوله غدا أجيبكم ولولا صحة الانفصال لما ارتكب هذا
( قلنا )
هذه القصة في المغازي الكبرى لابن إسحاق بسياق في بعضه ما ينكر وفي سنده مبهم وقال شيخنا الحافظ ولم أر فقال إن شاء الله في هذا السياق ولا في غيره انتهى ثم نقول لا نسلم لزوم عوده إلى غدا أجيبكم وكيف وقد انقضى اليوم الموعود بالإجابة فيه وبعده أيام بل يجوز أن يكون ملحقا بمستأنف مقدر نحو أجيبكم إن شاء الله
( كالأول جمعا )
بينه وبين أدلتنا
( ويجوز فيه )
أي في هذا
( أمتثل )
إن شاء الله أي أعلق كل ما أقول إني فاعله غدا بمشيئة الله تعالى كما يقال افعل كذا فيقول المخاطب إن شاء الله أي أفعل ذلك إلا أن يشاء الله
( وكون ابن عباس عربيا )
فصيحا وقد قال به فيتبع
( معارض بعلي وغيره من الصحابة )
المقطوع بعربيتهم وفصاحتهم ولم يقولوا به وإلا لنقل عنهم كما عنه ثم يترجح جانبهم بما تقدم
( أو مراده )
أي ابن عباس بجواز الانفصال في الاستثناء الاستثناء
( المأمور به )
وهو التعليق بمشيئة الله المستفاد من قوله تعالى ! < ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا > ! بأن يقول أولا أفعل ثم يقول بعد حين أفعل إن شاء الله فإنه يكون متمثلا وإنما كان مأمورا به لأنه في معنى لا تقولن ذلك إلا متلبسا بمشيئة الله تعالى قائلا إن شاء الله فيكون إن شاء الله مأمورا به عند قول إني فاعل أو المأمور به في قوله
( واذكر ربك إذا نسيت ) إذا فسر باذكر مشيئة ربك بأن قل إن شاء الله إذا فرط منك نسيان لذلك والمعنى إذا نسيت كلمة الاستثناء وتنبهت عليها فتداركها بالذكر ويؤيد هذا ظاهر ما سلف عن ابن عباس في مستدرك
332
332
الحاكم وأوسط الطبراني ومن ثمة قال الطبري ومعناه أنه إذا نسي أن يقول في كلامه أو حلفه إن شاء الله وذكر ولو بعد سنة فالسنة أن يقول ذلك ليكون آتيا بسنة الاستثناء حتى ولو بعد الحنث لا أنه يكون رافعا لحنث اليمين ومسقطا للكفارة
( وقيل لم يقله ابن عباس )
ويؤيده ما أخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه في التفسير عنه عن ابن عباس في قوله تعالى ! < واذكر ربك إذا نسيت > ! قال إذا نسيت الاستثناء فاستثن إذا ذكرت قال هي خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لأحدنا الاستثناء إلا في صلة من يمينه نعم في سنده عبد العزيز بن الحصين ضعفه الجمهور ووثقه الحاكم وأما كون الوليد بن مسلم مدلسا وهو فيه وقد عنعن فلا ضير على أصول مشايخنا لكونه ثقة أخرج له الأئمة ويتأكد رجحان هذا على ذاك لما في ذاك من الاضطراب وما يلزمه من اللازم الباطل الذي يجل عنه مكانة ابن عباس في سعة العلم وسلامة الفهم وأما قول المصنف
( وحكاية المنصور تبعدهما )
أي كون مراد ابن عباس الاستثناء المأمور به وكونه لم يقله لأنه على تقدير أحدهما ما كان المنصور معاتبا للإمام على اشتراط الاتصال ولا الإمام مجيبا له بما أجابه فإنما يتم لو ثبتت الحكاية بما يثبت به نسبة هذا القول إلى ابن عباس وهو منتف ثم من الجائز أن المنصور لم يعلم مراد ابن عباس بظاهر ما نسب إليه من ذلك ولم يصل إليه هذا الذي في أوسط الطبراني آخرا وإن الإمام بادر بدفعه تنزلا لظهور أنه أدفع لاعتراضه وأقطع لشغبه وصولته أو لعدم وصول هذا إليه أيضا والله سبحانه أعلم
( واعلم أن التزام الجواب عن فصله صلى الله عليه وسلم ) إن شاء الله عما ألحقه به
( بناء على أن المعنى )
أي معنى إن شاء الله
( إلا أن يشاء الله خلافه فهو )
حينئذ استثناء
( من الأحوال )
حتى كأنه قال أفعل كذا في كل حال له إلا في حال مشيئة الله لعدم فعله
( أو )
بناء على أنه
( لا فرق )
بين إن شاء الله وإلا أن يشاء الله من حيث وجوب الاتصال
( وإلا )
أي وإن لم يكن بناء على أحد هذين التوجيهين
( فليس )
إن شاء الله
( من مفهوم محل النزاع )
أي من إفراده وهو الفصل في الاستثناء وظني أن أحدا لم يذهب إلى سواهما ويشهد للأول ما أخرج النسائي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
من حلف على يمين فقال إن شاء الله فقد استثنى
( مسألة )
الاستثناء
( المستغرق باطل )
لأنه لا يبقى بعده شيء يصير متكلما به وتركيب الاستثناء لم يوضع إلا للتكلم بالباقي بعد الثنيا لا لنفي الكل وحكى ابن الحاجب وغيره فيه الاتفاق هو محمول على ما إذا كان بلفظ الصدر أو مساويه لقوله
( وفصله )
أي المستغرق
( الحنفية إلى ما بلفظ الصدر أو مساويه )
في المفهوم كعبيدي أحرار إلا عبيدي أو إلا مماليكي
( فيمتنع وما بغيرهما )
ولو مساويا في الوجود وأخص في المفهوم
( كعبيدي أحرار إلا هؤلاء أو إلا سالما وغانما وراشدا وهم الكل وكذا نسائي )
طوالق
( إلا فلانة وفلانة وفلانة )
وفلانة أو إلا هؤلاء وليس له نساء غيرهن
( فلا )
يمتنع فلا يعتق واحد منهم ولا تطلق واحدة منهن
333
333
قالوا لأن الاستثناء تصرف لفظي فينبني على صحة اللفظ لا على صحة الحكم ألا يرى أنه لو قال أنت طالق ألفا إلا تسعمائة وتسعة وتسعين طلقة كيف يصح الاستثناء فلا يقع سوى واحدة وإن كان الألف لا صحة لها من حيث الحكم لأن الطلاق لا مزيد له على الثلاث
( والأكثر على جواز الأكثر والنصف ومنعهما )
أي الأكثر والنصف
( الحنابلة والقاضي )
أولا ونقله ابن السمعاني عن الأشعري وخص القاضي آخرا وابن درستويه المنع بالأكثر
( وقيل إن كان )
المستثنى منه
( عددا صريحا )
يمتنع فيه استثناء الأكثر والصنف كعشرة إلا ستة أو إلا خمسة وإن كان غير صريح لا يمتنعان فيه كأكرم بني تميم إلا الجهال وهم ألف والعالم فيه النصف فما دونه إلى الواحد وقال ابن عصفور يمتنع الاستثناء في العدد مطلقا
( لنا في غير العدد إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك وهم )
أي متبعوه
( أكثر )
ممن لم يتبعه
( لقوله تعالى ! < وما أكثر الناس > ! الآية )
فإن قلت إما أن يراد بعبادي ما يعم الملك والإنس والجن وحينئذ فمتبعوه أقل أو المؤمنون فالاستثناء منقطع قلت المراد بعبادي هنا بقرينة سوق الآية الإنس خاصة من غير اشتراط كونهم مؤمنين ومتبعوه منهم أكثر ممن لم يتبعه منهم للآية الثانية فإن قلت اللام في الناس فيها للعهد وهم الموجودون من حين بعثه صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة فلا يلزم من كون المتبعين أكثر من هذه الطائفة إن يكونوا أكثر من عامة بني آدم من لدن آدم عليه السلام المرادين بقوله ! < إن عبادي ليس لك عليهم سلطان > ! إلى قيام الساعة قلت لا نسلم أن اللام في الناس للعهد إذ لا دليل عليه وكيف وملاحظة ما في نفس الأمر شاهدة بإرادة الكل كما هو ظاهر الإطلاق فتعين لوجود المقتضي مع مؤكده وانتفاء المانع
( وكلكم جائع إلا من أطعمته )
كما هو بعض من حديث قدسي طويل رويناه في صحيح مسلم وغيره فإن من أطعمه الله تعالى أكثر ممن لم يطعمه
( ومن العدد إجماع )
فقهاء
( الأمصار على لزوم درهم في عشرة دراهم إلا تسعة قالوا عشرة إلا تسعة ونصف وثلث وثمن درهم مستقبح عادة أجيب استقباحه لا يخرجه عن الصحة كعشرة إلا دانقا ودانقا إلى عشرين )
دانقا وهو سدس الدرهم فإنه مستقبح وليس استقباحه لأجل أن المستثنى أكثر لأنه ثلث الكل بل لأجل التطويل مع إمكان الاختصار
( والحاصل صرف القبح إلى كيفية استعمال اللفظ لا إلى معناه )
واحتج ابن عصفور بأن أسماء العدد نصوص فلو جاز الاستثناء منها لخرجت عن نصوصيتها وإنما جاز من الألف في قوله تعالى ! < فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما > ! لأنه يدخله اللبس لأنه قد يؤتى به على جهة التكثير فيقال اقعد ألف سنة أي زمنا طويلا فتبين بالاستثناء أنه لم يستعمل للتكثير وكذا كل ما جاء من الاستثناء من الأعداد التي يجوز أن تستعمل للتكثير وقواه قول أبي حيان لا يكاد يوجد استثناء من عدد في شيء من كلام العرب إلا في الآية الكريمة وقد طالعت كثيرا من دواوين العرب جاهليها وإسلاميها فلم أقف فيه على استثناء من عدد اه
334
334
والجواب ما تقدم من جواز التجوز باسم العدد في جزئه بالقرينة الدالة عليه وإن مجرد لفظ العدد ليس من النص بمعنى انتفاء الاحتمال وإنه لا يبطل بالاستثناء منه نص بمعنى أنه لا يحتمل أن يتجوز في غيره على أن اللبس على تقدير التحقق إنما يكون إذا كان الاسم محتملا لغير مدلوله احتمالا متساويا وإذا كان كذلك يخرج النص عن النصية والعجب تجويزه أن يراد بالألف التكثير ومنع تجويزه أن يراد به بعض مدلوله النصي مع أن كلا منهما غير مدلوله النصي فإن كان كونه نصا في مدلوله مانعا من إطلاقه على غيره فليكن مانعا في الصورتين فإن قيل إنما جاز استعماله في التكثير لا في بعضه لأن العرب استعملته في التكثير لا في بعضه قلنا ممنوع عدم استعمال العرب له في بعضه وكيف لا والقرآن ناطق بذلك فإن الألف فيه مستعمل في بعضه لا أنه مراد به التكثير اتفاقا ثم قلة الوقوع لا يمنع الجواز مع وجود المقتضي والله سبحانه أعلم
( مسألة الحنفية شرط إخراجه )
أي المستثنى من المستثنى منه
( كونه )
أي المستثنى بعضا
( من الموجب )
أي المستثنى منه
( قصدا لا ضمنا )
أي لا تبعا لأن الاستثناء تصرف لفظي فيقتصر عمله على ما تناوله اللفظ
( فلذا )
الشرط
( أبطل أبو يوسف استثناء الإقرار من الخصومة في التوكيل بها )
بالخصومة
( لأن ثبوته )
أبي الإقرار للوكيل
( بتضمن الوكالة إقامته )
أي الموكل الوكيل
( مقام نفسه )
لا بواسطة أن الإقرار يدخل في الخصومة قصدا حتى يصح إخراجه منها ولهذا قال لا يختص إقراره بمجلس القضاء كما لا يختص إقرار الموكل به
( إذ الخصومة لا تنتظمه )
أي الإقرار لأنه مسالمة وموافقة والخصومة منازعة وإنكار فلا يصح استثناؤه
( وإنما أجازه )
أي استثناء الإقرار منها
( محمد )
لوجهين
الوجه الأول
( لاعتبارها )
أي الخصومة
( مجازا في الجواب )
مطلقا لأن حقيقة التوكيل بالخصومة مهجورة شرعا لقوله تعالى ! < ولا تنازعوا > !
فيصار إلى المجاز صونا لكلام العاقل عن الإلغاء ومطلق الجواب يصلح جوابا لأن الخصومة سبب للجواب وإطلاق السبب وإرادة المسبب طريق من طرق المجاز
( فكان )
الإقرار
( من أفراده )
أي مطلق الجواب قالوا والاستثناء على هذا يكون بيان تغيير فيصح مفصولا لا مفصول وعلى هذا ما في التحفة والبدائع وكل بالخصومة مطلقا ثم استثنى الإقرار في كلام منفصل عند محمد لا يصح وأما ما فيهما أيضا وعند أبي يوسف يصح فظاهره مشكل لأنه إذا لم يصح عنده موصولا فكيف يصح مفصولا ثم جوازه موصولا اختيار الخصاف كما ذكره فخر الإسلام وظاهر الرواية على ما في الذخيرة والتتمة وفيهما وفي غيرهما أيضا وعن محمد يصح من الطالب لأنه مخير لا من المطلوب لأنه مجبور عليه وفي المنبع والصحيح أنه لا فرق في صحة الاستثناء بين الطالب والمطلوب لأن استثناء الإقرار في عقد التوكيل إنما جاز لحاجة الموكل إليه لأن الوكيل بالخصومة يملك الإقرار عند علمائنا الثلاثة فلو أطلق التوكيل من
335
335
غير استثناء لتضرر به الموكل وهذا المعنى لا يوجب الفصل بن التوكيل من الطالب وبينه من المطلوب لأن كلا منهما محتاج إلى التوكيل بالخصومة
الوجه الثاني
أن استثناء الإقرار عمل بحقيقة اللغة فيكون استثناؤه تقريرا لموجب التوكيل بالخصومة فهو بالحقيقة بيان تقرير لا استثناء وعلى هذا يصح موصولا ومفصولا
( وعلى هذا )
الاعتبار المذكور لمحمد
( صح استثناء الإنكار عنده )
أي محمد أيضا من التوكيل بالخصومة لشمول معناها المجازي له وهل يشترط اتصاله لم أره والظاهر نعم لأنه مغير على الوجه الثاني لا يصح كما صرح به فخر الإسلام وغيره لما سنذكر
( وبطل )
استثناؤه
( عند أبي يوسف لأنه )
أبي استثناءه
( مستغرق )
إما لأنه حقيقة معنى الخصومة وهذا ما وعدنا به ومن هنا قيل لا يصح عند الكل وإما لأن الإقرار يثبت عنده تبعا للإنكار فإذا استثنى الإنكار لزم استثناء الإقرار أيضا بخلافه عند محمد على الوجه الأول ومن هنا يعرف أن كون استثناء الإنكار على الخلاف في الأصح كما ذكره فخر الإسلام وغيره إنما هو على الوجه الأول وإنه يقتضي أن الأصح هو الوجه الأول ثم أقول وعلى هذا لقائل أن يقول يشكل بهذا ما في مبسوط خواهر زاده والذخيرة قال وكلتك بالخصومة غير جائز الإقرار والإنكار لا رواية في هذا عن أصحابنا المتقدمين انتهى فإن الرواية ببطلان استثناء الإنكار فقط رواية ببطلانه مع الإقرار دلالة اللهم إلا أن يراد فيه بعينه خصوصا ثم فيهما واختلف المتأخرون فيه فبعضهم لا يصح التوكيل أصلا لأن التوكيل بالخصومة توكيل بجوابها وجوابها إقرار وإنكار فإذا استثنى كليهما لم يفوض إليه شيئا وبعضهم ومنهم القاضي صاعد يصح التوكيل ويصير الوكيل وكيلا بالسكوت متى حضر مجلس الحكم حتى يسمع البينة عليه وإنما صح التوكيل بهذا القدر لأنه يحصل به ما هو مقصود الطالب وهو خصم تسمع بينته عليه لأن السكوت من الخصم كاف لسماع البينة عليه كالإنكار وللمطلوب نوع فائدة أيضا كما فيما لو ادعى الطالب البيع والمطلوب ينكره فإن الطالب إذا أقام بينة على البيع إذا سكت وكيل المطلوب ثم قبل أن يقضي القاضي على المطلوب بالبيع أقر المطلوب بالبيع وأراد أن يرد المبيع على البائع بالعيب أمكنه ذلك بخلاف ما لو أنكر الوكيل نصا فإنه لا يمكنه لأنه حينئذ يصير مناقضا في دعواه البيع فإن إنكار الوكيل كإنكاره فعلى هذا فالقائلون بصحة الوكالة في هذه الصورة قائلون بصحتها في صورة انفراد استثناء الإنكار من التوكيل بالخصومة بطريق أولى والله سبحانه أعلم
( مسالة إذا تعقب )
الاستثناء
( جملا )
متعاطفة
( بالواو ونحوها )
وهي الفاء وثم وحتى كما مشى عليه القرافي فإنه قسم حروف العطف ثلاثة أقسام أحدها هذه قال وهي التي يتأتى فيها خلاف العلماء لأنها تجمع بين الشيئين معا في الحكم ويمكن الاستثناء فيهما أو أحدهما فتندرج الجمل المعطوفة بها في صورة النزاع قطعا ثانيها بل ولا ولكن وهي لأحد الشيئين
336
336
بعينه نحو قام القوم لا النساء وبل النساء وما قام القوم لكن النساء فالقائم أحد الفريقين دون الآخر بعينه فيمكن أن يقال لا يمكن عود الاستثناء عليهما لأنهما لم يندرجا في الحكم والعود عليهما يقتضي تقدم الحكم عليهما ويمكن أن يقال إنهما معا محكوم عليهما إحداهما بالنفي والأخرى بالثبوت فالمنفي ما بعد لا وما قبل لكن وبل ثالثها أو وإما وأم وهي لأحد الشيئين لا بعينه نحو قام القوم أو النساء أو أم النساء وإما قام القوم وإما النساء فالمحكوم عليه في هذه واحد قطعا ولم يتعرض للآخر بالنفي ولا بالثبوت فلا يتأتى الاحتمال الذي في القسم الثاني بل يتعين أن لا تندرج هذه الجملة المعطوفة بهذه الثلاثة في صورة النزاع فعلى هذا عبارة من قيد بالواو كإمام الحرمين ومشى عليه الآمدي وابن الحاجب وصاحب البديع غير جامعة وعبارة من أطلق كونه عقب الجمل من غير ذكر للعطف أصلا كفخر الدين الرازي أو كونه عقب جمل عطف بعضها على بعض بأي حرف من حروف العطف كان كالقاضي وصوبه السبكي غير مانعة نعم يشهد للعطف بأو آية المحاربة كما مثل بها الجمهور فإذا عرف هذا
( فالشافعية )
بل مالك والشافعي وأصحابهما على ما في تنقيح المحصول وأحمد كما ذكر الطوفي
( يتعلق بالكل ظاهرا وقول أبي الحسين )
وعبد الجبار على ما في البديع وقال في المحصول إنه حق
( إن ظهر الإضراب عن الأول فللأخير وإلا )
أي وإن لم يظهر الإضراب عن الأول
( فللكل )
وأشار إلى عدم ظهوره بوجهين أحدهما قوله
( ككون الثاني ضمير الأول )
أي الاسم في الكلام الثاني ضميرا راجعا إلى الاسم في الكلام الأول
( ولو اختلفا )
أي الكلامان
( فيما يذكر )
أي في النوع والحكم والاسم وثانيهما قوله
( أو اشتركا )
أي الكلامان
( في الغرض ومنه )
أي هذا القيل
( قوله تعالى ! < ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون > !
لأنهما اختلفا نوعا وحكما واشتركا في الغرض وهو الإهانة والانتقام فقول أبي الحسين مبتدأ خبره
( لا يزيد عليه )
أي قول الشافعية
( إلا بتفصيل القرينة )
الدالة على الإضراب عن الأول
( إلى اختلافهما )
أي الكلامين
( نوعا بالإنشائية والخبر والأمر والنهي ويقتضي )
قول أبي الحسين
( في أكرم بني تميم وبنو تميم مكرمون إلا زيدا أن إكرامه )
أي زيد
( مطلوب غير واقع )
بناء على أنه تحقق فيهما الاختلاف نوعا لا غير أو حكما بناء على أن الاختلاف نوعا يستلزم الاختلاف حكما كما تردد فيه التفتازاني
( أو )
اختلافهما
( اسما بوجود )
الاسم
( الصالح لتعلقه )
أي الاستثناء
( في الثانية )
حال كونه
( غير )
الاسم
( الأول )
في الجملة الأولى
( أو )
اختلافهما
( حكما )
بأن يكون المحكوم به في إحداهما غير المحكوم به في الأخرى
وملخص هذا أن المشعر بالإضراب اختلافهما نوعا أو اسما أو حكما بشرط أن لا يكون اسم الجملة الثانية ضمير اسم الجملة الأولى وعدم اشتراكهما في الغرض وأن ليس بين هذه الإختلافات منع الجمع فقد تجتمع جميعها وقد يجتمع اثنان منها وأن المشعر بعدم
337
337
الإضراب انتفاء الاختلاف رأسا أو أحد الشرطين والأمثلة غير خافية على المتأمل وإنما كان قول أبي الحسين لا يزيد على قول الشافعية
( إذ حاصله )
أي قول أبي الحسين
( تعلقه )
أي الاستثناء
( بالكل إلا بقاصر )
على الأخيرة
( غير أنه )
أي أبا الحسين
( جعل ذلك )
الاختلاف بينهما
( قاصرا )
للاستثناء على الأخيرة
( فإن لم يوافق عليه فالخلاف في شيء آخر )
فحاصل مراد المصنف كما قال أن مذهب أبي الحسين حاصله أنه إذا لم يوجد دليل يمنع صرفه إلى الكل كان للأخير وهذا مذهب الشافعية بعينه غير أنه زاد حصر الأدلة أي القرائن الدالة على منع صرفه إلى الكل وعددها فإن سلموا له ذلك فذاك وإلا فخلاف في شيء آخر وهو أن هل كذا وكذا دليل على منع تعلقه بالكل أو لا يلزم دليلا عليه
( والحنفية والغزالي والباقلاني والمرتضى )
وفخر الدين الرازي في المعالم يتعلق
( بالأخيرة إلا بدليل فيما قبلها قيل ) وقائله بمعناه القاضي عضد الدين
( فالحنفية لظهور الاقتصار )
على الأخيره لما سيأتي
( والآخرون لعدم ظهور الشمول
للكل
( إما للاشتراك بين إخراجه مما يليه فقط والكل )
أي وبين إخراجه من الكل فإنه ثبت عوده إلى ما يليه فقط كما في قوله تعالى ! < فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده > ! وعوده إلى الكل كما في قوله تعالى ! < والذين لا يدعون مع الله إلها آخر > ! إلى قوله ! < إلا من تاب > ! والأصل في الإطلاق الحقيقة فكان مشتركا كما هو قول المرتضى إلا أن إثبات عوده إلى ما يليه فقط بالآية المذكورة ذكره الإسنوي وهو متعقب كما ذكره السبكي وغيره بأنه فيها عائد إلى الأولى كما ذكره المفسرون فيحتاج إلى شاهد غيرها فقيل قوله تعالى ! < ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا > ! فإنه عائد إلى الأخيرة دون الكفارة قطعا قلت وفيه نظر فإن الكلام في اختصاصه بالأخيرة مع إمكان عوده إليها أو إلى ما قبلها وهذا ليس كذلك واستشهد القرافي بقوله تعالى ! < فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك > ! قال قرئ بالنصب استثناء من الثانية لأنها منفية وتكون قد خرجت معهم ثم رجعت قاله المفسرون أه ولا بأس به فإنه ممكن عوده إلى الأولى ولا ضير في كون أكثر القراء على النصب على الاستثناء منها مع أنه مرجوح بالنسبة إلى البدل أو كما قال ابن الحاجب وغيره لا يبعد أن يكون أقل القراء على الوجه الأقوى وأكثرهم على الوجه الذي دونه بل التزم بعض الناس أنه يجوز أن يجمع القراء على قراءة غير الأقوى وإنما لم يذكر الرفع لأن الرفع على البدل ثم هي الأولى لأن به لا يجوز أن يكون استثناء من الأولى كلام موجب فليتنبه له والله تعالى أعلم
( أو لعدم العلم بأنه )
أي الاستثناء
( كذلك )
أي لغة راجع إلى الكل حقيقة
( أو ما يليه )
أي راجع إلى ما يليه لا غير حقيقة كما هو قول القاضي أبي بكر الباقلاني والغزالي واختاره في لمحصول
فلزم ما يليه
على قول الكل
( وما قيل )
وقائله ابن الحاجب
( المختار أنه مع )
ظهور
( قرينة الانقطاع )
للأخيرة
338
338
عما قبلها يكون
( للأخيرة و )
مع ظهور قرينة
( الاتصال )
أي اتصالها بما قبلها يكون
( للكل وإلا )
أي وإن لم تظهر إحداهما
( فالوقف مذهب الوقف للاتفاق على إخراجه )
أي الاستثناء
( من الأخيرة والعمل بالقرينة )
( واعلم أن المدعى في كتب الحنفية أنه من الأخيرة وما زيد من ظهور العدم )
أي عدم الإخراج مما قبل الأخيرة المشار إليه آنفا بظهور الاقتصار في تعليل قولهم لم يصرحوا به بل
( أخذ من استدلالهم )
أي الحنفية
( بأن شرطه )
أي الاستثناء
( الاتصال وهو )
أي الاتصال
( منتف في غير الأخيرة )
لتخلل الأخيرة بينه وبين ما يليها وتخللهما بينه وبين ما قبلهما وهلم جرا
( ومقتضاه )
أي هذا الاستدلال
( عدم الصحة مطلقا )
فيما عدا الأخيرة
( وهو )
أي عدم الصحة فيما عداها
( باطل إذ لا يمتنع )
الاستثناء
( في الكل بالدليل )
إذ لا يختلف في أنه إذا دل دليل على تعلقه بالكل تعلق به وبه يعلم أنه مما يصح لغة تعلقه بالكل
( وأما دفعه )
أي هذا الاستدلال
( بأن الجميع كالجملة فقول الشافعية العطف يصير المتعدد )
أي الجمل المعطوف بعضها على بعض
( إلى آخره )
أي كالفرد ولاشك أنه لا يعود فيه إلى جزئه فكذا في الجمل لا يعود إلى بعضها
( وسيبطل و )
من استدلالهم
( بقولهم عمله )
أي الاستثناء
( ضروري لعدم استقلاله )
بنفسه لأنه لابد له من مستثنى منه والضرورة مندفعة بالعود إلى واحدة
( والأخيرة منتفية اتفاقا وما بالضرورة )
يقدر
( بقدرها )
فتتعين الأخيرة
( ومنع )
هذا
( بأنه )
أي عمله
( وضعي )
لا ضروري
( قلنا لو سلم )
أنه وضعي
( فلما يليه فقط أو الكل فممنوع )
للاتفاق على أنه لما يليه والأصل الحقيقة وعدم الاشتراك
( فاللازم لزومه من الأخيرة والتوقف فيما قبلها إلى الدليل )
الدال على عوده إليه
( وأيضا بدفع الدليل المعين لا يندفع المطلوب )
لجواز ثبوته بغيره
( فليكن المطلوب ما ذكرنا )
من أنه يثبت في الأخيرة إلا بدليل فيما قبلها من غير ادعاء ظهور في عدم تعلقه بما قبلها إذ الغرض لم يتعلق إلا بعدم رجوعه إلى الكل إلا بدليل في خصوص موارده قاله المصنف
( ومن أدلتهم )
أي الحنفية
( حكم الأولى متيقن ورفعه )
أي حكمها
( عن البعض )
أي بعضها
( بالاستثناء مشكوك للشك في تعلقه )
أي الاستثناء
( به )
أي بالبعض إما
( لوجه الاشتراك )
أي القول به وهو
( استعمل )
الاستثناء
( فيهما )
أي في الأخيرة والكل
( والأصل الحقيقة )
وقد حصل بهذا ذكر دليل القائل بالوقف فيما سوى الأخيرة للاشتراك ضمنا
( وهو )
أي هذا الوجه
( إنما يفيد لزوم التوقف فيها )
أي فيما قبل الأخيرة
( لا ظهور العدم )
فيما قبل الأخيرة
( أو دافعه )
أي الوجه دافع الاشتراك القائل
( المجاز خير )
من الاشتراك فليكن فيما قبل الأخير مجازا
( فيفيده )
أي ظهور العدم فيما قبل الأخيرة إلى الدليل على تعلقه فيما قبلها أيضا
( وإبطاله )
أي هذا الدليل من قبل الشافعية
( بقولهم لا يقين مع تجويزه للكل يدفع بما تقدم في اشتراط اتصال المخصص )
من أن هذا التجويز ممنوع لأن إطلاق ما قبل الأخيرة من غير تعقب بالاستثناء أفاده إرادة الكل فمع عدمها يلزم إخبار الشارع أو إفادته لثبوت ما ليس
339
339
بثابت وهو باطل
( أو بإرادة الظهور به )
أي اليقين
( وما قيل )
في معارضته
( الأخيرة أيضا كذلك )
أي حكمها متيقن ورفعه عن البعض بالاستثناء مشكوك
( لجواز رجوعه )
أي الاستثناء
( إلى الأول بالدليل قلنا الرفع ظاهر في الأخيرة ولذا )
أي ولظهوره فيها
( لزم فيها اتفاقا فلو تم )
هذا الدليل الذي قيل
( توقف في الكل وهو )
أي التوقف فيه
( باطل وحاصله )
أي قول الشافعية
( ترجيح المجاز ففيما يليه )
أي فالاستثناء فيما يليه
( حقيقة وفي الكل مجاز وأما في غيرهما )
أي ما يليه والكل
فيمتنع للفصل )
بينه وبين المستثنى منه
( حقيقة وحكما وفي المجاز يتوقف على القرينة )
فتترجح الحقيقة ثم لو وقع الاستثناء من الكل مجاز أما علاقته فالجواب
( والعلاقة تشبيهه )
أي غير الكلام الأخير
( به )
أي بالأخير
( لجمع العطف بخلاف الاتصال الصوري لأنه يتحقق بلا عطف ومع الإضراب )
فلا يصلح علاقة
( وما قيل في وجهه )
أي التوقف في غير الأخيرة
( الأشكال )
بفتح الهمزة جمع شكل بفتح المعجمة
( توجب الإشكال )
بكسر الهمزة الاشتباه كما قال معناه ابن الحاجب
( فمعناه )
أن الاستثناء
( يخرج من الأولى )
تارة
( ولا يخرج )
منها أخرى
( فتوقف فيه )
أي في إخراجه من غير الأخيرة
( وإلا )
أي وإن لم يكن معناه هذا
( اقتضى أن يتوقف في الأخيرة أيضا ) وهو باطل
( الشافعية )
قالوا أولا
( العطف يصير المتعدد كالمفرد )
وتقدم باقي توجيهه
( أجيب )
بأن تصيير المتعدد كالمفرد إنما هو
( في )
عطف
( المفردات )
بعضها على بعض لأن العطف في الأسماء المختلفة كالجمع في الأسماء المتفقة لا في عطف الجمل الذي كلا منافيه وهذا هو الإبطال الموعود
( وما يقال هي )
أي الجمل
( مثلها )
أي المفردات
( إذ الاستثناء فيها )
أي الجمل
( من المتعلقات أو المسند إليه أجيب بأنه )
أي كونها مثلها
( إذا اتحدت جهة النسبة فيها )
أي الجمل ( وهو )
أي اتحاد جهة النسبة فيها
( الدليل )
على تعلقه بالكل
( ككونها )
أي الجمل
( صلة )
للموصول نحو اضرب الذين قتلوا وسرقوا وزنوا إلا من تاب ونحوه مما يوجب الاتصال والارتباط لا مطلقا
( للقطع بأن نحو ضرب بنو تميم وبكر شجعان ليس في حكمه )
أي المفرد
( قالوا )
ثانيا
( لو قال )
والله
( لا أكلت ولا شربت إن شاء الله تعالى تعلق )
إن شاء الله
( بهما )
أي بالجملتين اتفاقا
( أجيب بأنه )
أي إن شاء الله
( شرط )
لا استثناء
( فإن ألحق )
الشرط
( به )
أي بالاستثناء
( فقياس في اللغة )
وتقدم أنه غير صحيح
( ولو سلم )
صحته
( فالفرق أن الشرط مقدر تقديمه )
على الجزاء بخلاف الاستثناء فإنه غير مقدر تقديمه على المستثنى منه وتقدم ما فيه
( ولو سلم عدم لزومه )
أي تقدم الشرط
( فلقرينة الاتصال وهو )
أي دليله
( الحلف على الكل )
عاد إن شاء الله إلى الكل وليس النزاع فيما كان هكذا وإنما النزاع فيما لا قرينة توجب رجوعه إلى الكل قيل وأيضا لما كانت الأشياء كلها موقوفة على مشيئة الله تعالى كان الظاهر والغالب من حال المتكلم عود المشيئة إلى الكل فيصير ذكرها قرينة معنوية تقتضي العود إلى الكل وهذه القرينة مفقودة في غيره من صور الاستثناء
( قالوا )
ثالثا
( قد يتعلق الغرض به )
أي بالاستثناء
( كذلك )
أي عائدا إلى الكل
340
340
( وتكراره )
أي الاستثناء لكل منها
( يستهجن )
ولولا أنه يعود إلى الجميع فكان مغنيا عن التكرار لما استهجن لتعينه طريقا إليه
( فلزم ظهوره )
أي الاستثناء
( فيها )
أي في الجمل كلها
( قلنا الملازمة )
بين تكراره واستهجانه
( ممنوعة لمنع الاستهجان إلا مع اتحاد الحكم المخرج منه )
لكونه حينئذ تكرارا خاليا عن الفائدة والحكم المخرج منه هنا متعدد لا متحد
( ولو سلم )
أن التكرار يستهجن
( لم يتعين )
التكرار
( طريقا )
لإفادة المراد
( فلينصب قرينة الكل أو يصرح به )
أي بالاستثناء من الكل
( بعده )
أي الكل كأن يقول بعد الكل إلا كذا في الجميع
( قالوا )
رابعا هو
( صالح )
للجميع
( فالقصر على الأخيرة تحكم قلنا إرادتها )
أي الأخيرة
( اتفاق والتردد فيما قبلها والصلاحية لا توجب ظهوره )
أي الاستثناء
( فيه )
أي الكل
( كالجمع المنكر في الاستغراق )
فإنه صالح للجميع وليس بظاهر فيه
( قالوا )
خامسا
( لو قال علي خمسة وخمسة إلا ستة فبالكل )
أي يتعلق بالجميع اتفاقا ومن ثمة لم يكن مستغرقا فكذا في غيره من الصور دفعا للاشتراك والمجاز
( قلنا بعد كونه )
أي كل من هذه المستثنى منها
( مفردا )
وكلامنا فيما إذا كانت جملا
( أوجبه )
أي كون الاستثناء منها
( تعينه للصحة )
إذ لو رجع إلى الأخيرة لم يستقم لأنه حينئذ يكون مستغرقا مع زيادة وهو باطل فهو مما قامت فيه قرينة على عوده إلى الكل ولا نزاع فيه وأيضا مدعاكم العود إلى كل لا إلى الجميع فلا جرم أن قال القاضي عضد الدين والحق أن النزاع فيما يصلح للجميع وللأخيرة وهذا ليس منه إذ لا يصلح لكل واحدة ولا للأخيرة هذا وقد ظهر أن رجوع الاستثناء المتعقب لمفردات متعاطفات إلى جميعها محل اتفاق
( تنبيه بني على الخلاف )
في عوده على الأخيرة فقط إلا لدليل أو على الجميع إلا لدليل
( وجوب رد شهادة المحدود في قذف عند الحنفية )
إذا تاب من ذلك بأن أكذب نفسه في قذفه عند من قذفه به واصلح عمله على ما هو الأشبه
( لقصر إلا الذين تابوا على ما يليه )
وهو
( وأولئك هم الفاسقون )
فينتفي عنه الفسق لا غير ويبقى ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا على حكمه
( خلافا للشافعي )
ومالك وأحمد
( ردا له )
أي الاستثناء
( إليه )
أي ما يليه
( مع لا تقبلوا )
فينتفي عنه الفسق وتقبل شهادته
( ولولا منع الدليل من تعلقه )
أي الاستثناء
( بالأول )
أي فاجلدوهم
( تعلق به )
أيضا عندهم لأن عوده إلى الكل عندهم ليس بقطعي بل ظاهر يعدل عنه عند قيام الدليل على ذلك وقد وجد هنا ذلك فإن الجلد فيه حق الآدمي راجح على حق الله تعالى عندهم حتى يسقط بعفوه ويورث عنه فلا يسقط بالتوبة فيندفع أن يقال فينتفي أن يتعلق به أيضا عندهم مع أن المستثنى هو الذين تابوا واصلحوا ومن جملة الإصلاح الاستحلال وطلب عفو المقذوف وعند وقوع ذلك يسقط الجلد فيصح صرف الاستثناء إلى الكل
( ثم قيل الاستثناء منقطع )
قاله القاضي أبو زيد وفخر الإسلام وشمس الأئمة السرخسي
( لأن الفاسقين لم يتناول التائبين )
ليخرجوا منهم فالمعنى لكن الذين تابوا فإن الله يغفر لهم
341
341
ويرحمهم وهذا على ما ذهب إليه فخر الإسلام ومن وافقه أو لأن المستثنى منه الذين يرمون لكن لم يقصد إخراج التائبين من حكم الرامين بل قصد إثبات حكم آخر للتائبين وهو أن التائب لا يبقى فاسقا بعد التوبة وهذا على ما ذهب إليه القاضي أبو زيد واختاره صدر الشريعة
( والأوجه متصل من أولئك )
هم الفاسقون
( أعني الذين يرمون )
لتناولهم إياهم ثم إخراجهم من حكمهم كما هو ظاهر الآية أي أولئك الذين يرمون محكوم عليهم بالفسق إلا التائبين منهم فإنهم غير محكوم عليهم به حال اتصافهم بالتوبة للإجماع القاطع على أن لا فسق مع التوبة وكيف لا والتائب من الذنب كمن لا ذنب له كما رواه الطبراني برواة الصحيح عن ابن مسعود مرفوعا والفسق هو المعصية والخروج من الطاعة فلا يضر كون المراد بالفاسق الفاسق على الدوام والثبات وانتفى كون المراد بالفاسق الفاسق في الجملة لكن التائب لم يخرج من حكم القاذفين الذي هو الفسق كما قاله القاضي أبو زيد فليتأمل
( مسألة إذا خص العام كان مجازا في الباقي عند الجمهور )
من الأشاعرة ومشاهير المعتزلة
( وبعض الحنفية )
كصاحب البديع وصدر الشريعة
( إلا أنه لا تخصيص لأكثرهم )
أي الحنفية
( إلا بمستقبل على ما سبق )
فهو بعد إخراج بعضه بغير مستقل حقيقة على قولهم كما صرح به صدر الشريعة واختار هذا القول بدون هذا التقييد ابن الحاجب والبيضاوي
( وبعضهم )
أي الحنفية
( كالسرخسي والحنابلة )
وأكثر الشافعية بل جماهير الفقهاء على ما ذكر إمام الحرمين
( حقيقة )
في الباقي
( وبعضهم )
أي الحنفية
( وإمام الحرمين حقيقة في الباقي مجاز في الاقتصار والشافعية )
نقلوا
( عن الرازي من الحنفية وهو )
الشيخ الإمام أبو بكر أحمد
( الجصاص إن كان الباقي كثرة يعسر ضبطها فحقيقة وإلا )
إن كان الباقي ليس كذلك
( فمجاز )
والمذكور في كلام ابن الحاجب الرازي حقيقة إن كان الباقي غير منحصر وفسره القاضي عضد الدين بمعنى ما ذكره المصنف لكن زاد السبكي على آحاد الناس كذا فسره إمام الحرمين وقال الغزالي كل عدد لو اجتمعوا في صعيد لعسر على الناظر عددهم بمجرد النظر كالألف فهو غير محصور وإن سهل كالعشرة والعشرين فمحصور وبين الطرفين أوساط تلحق بأحدهما بالظن وما وقع فيه الشك استفتي فيه القلب
( والحنفية )
نقلوا
( عنه )
أي الجصاص
( إن كان جمعا فقط )
أي من غير تقييد بالقيد السابق فحقيقة وإلا كان مجازا
( أبو الحسين إن خص بما لا يستقل )
من شرط أو صفة أو استثناء أو غاية
( فحقيقة )
وإن خص بمستقل من سمع أو عقل فمجاز وبه قال الإمام فخر الدين الرازي قال السبكي وهو الذي رايته منصورا في كلام القاضي ونقله عنه أيضا المازري وذكر أنه آخر قوليه وأن أولهما كونه مجازا مطلقا وقال المتأخرون منهم ابن الحاجب
( القاضي إن خص بشرط أو استثناء )
فحقيقة وإلا فمجاز
( عبد الجبار )
إن خص
( بشرط أو صفة )
فحقيقة وإلا فمجاز ونظر فيه العلامة وتبعه التفتازاني بأنه قال في عمدة الأدلة الصحيح أنه يصير مجازا بأي شيء خص لأنه استعمال اللفظ في غير ما وضع له لقرينة اتصلت أو انفصلت
342
342
استقلت أم لا وأجاب الأبهري بأن المذكور في العمدة هو قوله أولا وكأنه رجع عنه ثم ذكر عن المعتمد لأبي الحسين ما يفيد موافقة ما في الكتاب
( وقيل إن خص بلفظي )
متصل أو منفصل فحقيقة وإلا فمجاز فهذه ثمانية مذاهب
( لنا )
على المختار هو الأول
( الفرض أنه )
أي العام
( حقيقة في الاستغراق عل الخصوص فلو كان للباقي فقط حقيقة )
أيضا
( كان مشتركا )
لفظيا
( وهو )
أي وكونه مشتركا لفظيا بين الكل والبعض
( غير المفروض ودفع )
هذا ودافعه القاضي عضد الدين
( بأنه )
أي العام
( في صورة التخصيص للاستغراق لأن أكرم بني تميم الطوال في تقدير من بني تميم أي بعضهم )
لأن من للتبعيض
( فلزم إرادة كلهم )
من قوله بني تميم ضرورة
( وإلا )
لو لم يكن المراد هذا
( كان المعنى )
أكرم
( بعض بعضهم )
لأن من شأن من التبعيضية صحة وضع بعض مكانها والفرض أن المراد ببني تميم البعض أيضا فيؤول المعنى إلى هذا وهو ليس بصحيح
( ثم عرض الحكم )
الذي هو إكرام الموصوف منهم بالطول
( فخرج الأخر )
وهو من لم يوصف منهم به من طلب الإكرام
( وهذا )
التوجيه
( لازم في المستثنى على ما قيل )
أي كما تقدم من اختيار ابن الحاجب أن المراد بالمستثنى منه معناه حقيقة ثم يخرج - منه المستثنى ثم يحكم على الباقي
( ويمكن اعتباره )
أي هذا وهو أن المراد من العام جميع ما يتناوله اللفظ ثم يخرج غير المراد منه ثم يحكم على الباقي
( في الكل )
أي في سائر العمومات المخصصة بأي تخصيص كان قال المصنف
( غير أن وضع المفرد واستعماله ليس إلا للتركيب )
لما تقدم قبيل الفصل الأول من أن المقصود من وضع المفردات ليس إلا المعاني التركيبية
( ويبعد أن يركبه )
أي المتكلم المفرد مع غيره
( مريدا المجموع )
مما يتناوله
( ليحكم على البعض لأنه )
أي القصد للمجموع
( حينئذ )
أي حين يكون الحكم على بعضه
( بلا فائدة لصحة أن يريد منه )
أي من اللفظ العام
( لغة المحكوم عليه فقط ولو كان )
العام
( عددا )
فانتفى الدفع
( وقول السرخسي صيغة العموم للكل ومع ذلك حقيقة فيما وراء المخصوص لأنها )
أي صيغته
( إنما تتناوله )
أي ما وراء المخصوص
( ومن حيث إنه كل لا بعض كالاستثناء يصير الكلام عبارة عما وراء المستثنى بطريق أنه )
أي ما وراء المستثنى
( كل لا بعض إن أراد )
أن تناوله لما وراء المخصوص
( بوضع آخر خاص لزم الاشتراك )
اللفظي والمفروض خلافه
( أو وضع المجاز فنقيض مطلوبه )
لأن مطلوبه أنه حقيقة فيه
( فإن قيل لم لم تحمله )
أي هذا من السرخسي
( على أنه لا يشترط الاستغراق )
في العام فيكون العام المخصوص من أفراده ما لم ينته إلى ما دون الثلاث فيكون حقيقة
( قلنا الكلام في العام إذا خص )
هل يكون فيما وراء المخصوص حقيقة
( وأما يقبله )
أي التخصيص
( الصيغ المتقدمة كالجمع المحلى ونحوه )
من الموصولات وأسماء الشرط والاستفهام ونحوها
( مما اتفق على استغراقه والخلاف في اشتراطه )
أي الاستغراق إنما هو
( في مسمى لفظ عام ومن لم يشترطه )
أي الاستغراق في مسمى لفظ عام
( وإن جعل من صيغه )
أي العام
( الجمع المنكر لا يصحح اعتباره )
أي عدم شرطه
( هنا إذ لا يقبل الإخراج منه ولذا لا يستثنى منه )
كما تقدم في
343
343
بحثه ولقائل أن يقول لا خفاء في أنه يتعدى من ثبوت الخلاف في اشتراط الاستغراق في مسمى لفظ عام ثبوته في صيغة أيضا ضرورة اتصافها به
والجواب المحقق في دفع قول السرخسي على هذا التقدير أن ما لا يصح فيه التخصيص من صيغة لا كلام فيه وما يصح التخصيص فيه منها تناوله إذا قصر على الثلاث فصاعدا معنى العموم فيه باق على قول من لم يشرط الاستغراق لكن لا يلزم منه كون تلك الصيغة حقيقة في الباقي لأنه ليس تمام معناها الوضعي فلا يجدي عدم اشتراطه في مسمى العام ولا فيما تناولته صيغته كون الصيغة حقيقة في الباقي فليتأمل
( وما قيل )
وقائله عضد الدين
إرادته )
أي الباقي
( ليس بالوضع الثاني والاستعمال )
الثاني له فيه
( بل )
الباقي مراد
( بالأول )
منهما وإنما طرأ عدم إرادة بعض معنى اللفظ
( ممنوع بل الحقيقة إرادته )
أي الباقي
( بالأول من حيث هو )
أي الباقي
( داخل في تمام الوضعي المراد )
باللفظ
( لا )
إرادته
( بمجرد كونه تمام المراد بالحكم )
أما إذا أريد هذا
( فهو )
أي كونه موضوعا له إنما هو
( بالثاني )
وليست إرادة الباقي إلا بالاعتبار الأول
( الحنابلة تناوله )
أي العام للباقي بعد التخصيص
( كما كان )
قبله
( وكونه )
أي التناول للباقي بعد التخصيص
( ومع قرينة الاقتصار )
عليه
( لا يغيره )
أي تناوله له
( فهو حقيقة قلنا الحقيقة بالاستعمال في المعنى )
الموضوع له
( لا التناول لأنه )
أي التناول
( لتبعيته للوضع ثابت للمخرج بعد التخصيص ولكل وضعي حال التجوز بلفظه الرازي إذا بقي )
من العام مقدار
( غير منحصر )
في عدد
( فهو )
أي ذلك الباقي
( معنى العموم )
لأنه كون اللفظ دالا على أمر غير منحصر في عدد فيكون فيه حقيقة
( نقله الشافعية عنه والحنفية بنقل مذهبه أجدر )
من الشافعية به فإنه لكونه منهم هم به أعرف
( وهو )
أي مذهبه
( بناء على عدم اشتراط الاستغراق )
في العموم
( وغلط )
الرازي
( بأن مقتضاه )
أي دليله
( كون الخلاف في لفظ العموم لا في الصيغة )
والأمر بالعكس فهو من اشتباه العارض بالمعروض كما وقع مثله لكثير من الأصوليين في كثير من المواضع
ثم أجيب عن الأول بمنع كون معنى العموم ذلك بل معناه تناوله لجميع ما يصلح له وقد كان متناولا لجميع ما يصلح له فصار لبعضه فكان مجازا
( أبو الحسين لو كان الإخراج بما لا يستقل يوجب تجوزا )
في اللفظ
( لزم كون المسلم للمعهود مجازا )
واللازم باطل فالملزوم مثله بيان الملازمة أن مسلما مقيد بما هو كالجزء له وهو اللام وقد صار به لمعنى غير ما وضع له أولا فإنه قبل دخول اللام كان لمن قام به الإسلام بدون عهد وقد صار له مع العهد قال المصنف
( والجواب )
عنه كما في أصول ابن الحاجب وغيره
( بأن المجموع )
من مسلم واللام هو
( الدال )
على مجموع المعنى لا أن مسلما للجنس واللام للقيد
( مندفع بأنه بعد العلم بأنهما )
أي اللام ومسلما
( كلمتان بوضعين ركبتا )
وجعل مجموعهما دالا على المعنى
( مجرد اعتبار يمكن مثله في العام المقيد بما يستقل وإلا )
إن اعتبر كون الدال في مثل
344
344
المسلم المجموع من اللام ومدخولها ولم يعتبر كون الدال في العام والمقيد به مما لا يستقل المجموع منهما
( فتحكم محض )
لكونه فرقا بين المتساويين بلا فرق مؤثر هذا وفي حاشية الأبهري وفيما نقل عنه المصنف من أن العام المخصص بغير المستقل حقيقة نظر لأن العام المخصص وحده ليس حقيقة عنده ولا مجازا كما يدل عليه صريح كلامه على أن تلخيص دليله على الوجه المذكور في المتن والشرح ينفي كونه مجازا وينافي كونه حقيقة ولأنه يدل على أن العام المخصص بغير المستقل ليس له دلالة وحده كما أن مسلما في مسلمون ليس دالا فلا يكون حقيقة بل المجموع هو الحقيقة
( القاضي وعبد الجبار مثله )
أي أبي الحسين
( فيما لم يخرجاه )
مما لا يستقل وهو الصفة والغاية عند القاضي والاستثناء عند عبد الجبار دليلا وهو لزوم كون نحو المسلم للمعهود مجازا لو كان الإخراج بغير هذه المخرجات يوجب تجوزا في اللفظ وجوابا وهو منع لزومه ثم قالوا إنما استثنى القاضي الصفة لأنها عنده كأنه مخصص مستقل وعبد الجبار الاستثناء لأنه ليس بتخصيص عنده ولم يوجهوا للغاية وجها وقد عرفت ما في الجواب وأيضا ذكر عبد الجبار في عمدة الأدلة الاستثناء من المخصصات على أنه إذا لم يكن الاستثناء منها عنده كان المستثنى منه باقيا على عمومه فيكون حقيقة وقد قال إنه ليس بحقيقة
( المخصص باللفظ مثله )
أي أبي الحسين أيضا دليلا وهو لزوم كون نحو المسلم للمعهود مجازا لو كانت الدلائل اللفظية توجب تجوزا في اللفظ وجوابا وهو منع لزومه
( وهو )
أي دليل هذا
( أضعف )
من دليله لشمول اللفظي المتصل والمنفصل وقد كان عدم الاستقلال للمتصل هو المانع من إيجاب التجوز لفظا أوله دخل في منع إيجابه كما في نحو المسلم كما ظن وهو منتف في المنفصل فلا يصح قياسه عليه قطعا
( الإمام الجمع كتعداد الآحاد )
قال أهل العربية معنى الرجال فلان وفلان وفلان إلى أن يستوعب وإنما وضع الرجال اختصارا وإذا كان كذلك
( وفيه )
أي تعدادها
( إذا بطل إرادة البعض لم يصر الباقي مجازا )
فكذا الجمع وإنما عدل المصنف عن العام كما هو مذكور في نقل ابن الحاجب وغيره إلى الجمع كما يشير به تقرير القاضي عضد الدين لأنه الذي يظهر فيه هذا التوجيه وإن كان قاصرا على بعض الدعوى إذ ليس كل عام جمعا
( أجيب أن الحاصل )
من العام
( واحد )
وهو استغراق ما يصلح له لوضعه
( للاستغراق )
أي لاستغراقه
ففي بعضه )
أي فاستعمال العام مرادا به بعضه
( فقط مجاز )
بخلاف الآحاد المتعددة فإنه لم يرد بلفظ ومنها بعض ما وضع له وإذا بطلت بعض الحقائق لم يلزم بطلان حقيقة أخرى على أنه قد منع كون الجمع كتكرار الآحاد وقول أهل العربية ذلك ليس لأنه مثله في جميع أحكامه بل لبيان الحكمة في وضعه
( وما قيل يمكن اللفظ )
الواحد أن يكون حقيقة ومجازا
( بحيثيتين )
فليكن العام المخصوص كذلك فيكون مجازا من حيث إن الباقي ليس موضوعه الأصلي وحقيقة من حيث إنه باق على أصل وضعه فلم ينقل نقلا كليا كما هو شبهة اختيار السبكي
345
345
إياه
( فتانك )
الحيثيتان إنما هما
( باعتبار وضعي الحقيقي والمجازي )
قال المصنف يعني أن الحيثيتين الكائنتين للفظ إنما هما كونه بحيث إذا استعمل في هذا كان حقيقة له لوضعه له عينا وهو الوضع الحقيقي وإن استعمل في ذاك كان مجازا لوضعه بالنوع له وسيأتي تحقيق وضع المجاز في الكتاب لا أنه استعمال واحد يكون اللفظ فيه حقيقة ومجازا كما ادعاه الإمام
( ولا يلزم اجتماعهما )
أي الحقيقة والمجاز معا في استعمال واحد
( على أنه نقل اتفاق نفيه )
أي الاتفاق على منع أن يكون اللفظ الواحد حقيقة ومجازا في استعمال واحد وإنما اختلفوا في صحة أن يراد به المعنى الحقيقي والمعنى المجازي معا في استعمال واحد ثم يكون حقيقة أو مجازا في ذلك الاستعمال على الخلاف
( هذا )
ما ذكر
( ولم يستدل )
الإمام
( على شقه الآخر وهو أنه مجاز في الاقتصار لظنه ظهوره وهو غلط لأنه لا يكون )
اللفظ العام
( مجازا باعتبار الاقتصار إلا لو استعمل في معنى الاقتصار وانتفاؤه )
أي استعماله في معنى الاقتصار
( ظاهر بل الاقتصار يلزم استعماله في الباقي بلا زيادة فهو )
أي الاقتصار
( لازم لوجوده )
أي استعماله في الباقي
( لا مراد إفادته )
أي الاقتصار
( به )
أي باللفظ العام المخصوص
( ولو أراد بالاقتصار استعماله )
أي العام
( في الباقي بلا زيادة فهو شقه الأول وعلمت مجازيته )
أي العام
( فيه )
أي في الباقي والله سبحانه وتعالى أعلم
( مسالة الجمهور العام المخصوص بمجمل )
أي مبهم غير معين من الإجمال بالمعنى اللغوي
( ليس حجة كلا تقتلوا بعضهم )
مثلا مع اقتلوا المشركين أو هذا العام مخصوص أو لم يرد به كل ما تناوله لا أنه بالإجماع كما ذكر الآمدي وغيره لما سيأتي
( وبمبين حجة فخر الإسلام حجة فيهما ظنية الدلالة بعد أن كان قطعيها )
أي الدلالة لما مضى ويأتي من أن العام عنده قطعي الدلالة كالخاص
( وقيل يسقط المجمل والعام )
يبقى
( كما كان )
قبل لحوقه به كما عليه أبو المعين من الحنفية وابن برهان من الشافعية
( وفي المبين أبو عبد الله البصري إن كان العام منبئا عنه )
أي الباقي بعد التخصيص
( بسرعة كالمشركين في أهل الذمة )
فإن لفظ المشركين بعد التخصيص بالذمي منبئ عن الباقي الذي هو الحربي بلا توقف على تأمل فهو حجة بعد التخصيص
( وإلا )
أي وإن لم ينبئ عن الباقي بعد التخصيص
( فليس بحجة كالسارق لا ينبئ عن سارق نصاب ومن حرز لعدم الانتقال )
أي انتقال الذهن
( إليهما )
أي النصاب والحرز من إطلاق السارق قبل بيان الشارع فإذا بطل العمل به أعني لم يحكم بقطع اليد في صور انتفاء النصاب والحرز أو أحدهما إذ لا يثبت القطع شرعا عند ذلك لم يعمل بمقتضاه أيضا في صورة وجودا لأمرين لأن اللفظ لا ينبئ عن أن القطع إنما يكون إذا كان المسروق نصابا محرزا
( عبد الجبار إن لم يكن )
العام
( مجملا )
قبل التخصيص
( فهو حجة )
نحو اقتلوا المشركين فالعمل به قبل التخصيص بالذمي ممكن بتعميم القتل لكل مشرك
( بخلاف )
المجمل قبل التخصيص مثل أقيموا
( الصلاة فإنه بعد تخصيص الحائض منه
346
346
يفتقر )
إلى البيان كما كان مفتقرا إليه قبله لإجمال الصلاة فلا يكون حجة
( البلخي من مجيزي التخصيص بمتصل )
أي غير مستقل كالشرط والصفة
( حجة إن خص به )
أي بالمتصل ليس حجة إن خص بمنفصل كالدليل العقلي
( وقيل بحجة في أقل الجمع )
وهو اثنان أو ثلاثة على الخلاف لا فيما زاد عليه
( أبو ثور ليس حجة مطلقا )
أي سواء خص بمتصل أو بمنفصل أنبأ عن الباقي أو لا احتاج إلى البيان أو لا هذا ما نقله الآمدي وابن الحاجب وغيرهما عنه
( وقيل عنه )
أي عن أبي ثور ليس حجة
( إلا في أخص الخصوص )
أي الواحد
( إذا علم )
أي كان المخصوص معلوما
( كالكرخي والجرجاني وعيسى بن أبان أي يصير )
العام المخصوص
( مجملا فيما سواه )
أي أخص الخصوص
( إلى البيان )
ففي كشف البزدوي وغيره أن هؤلاء ذهبوا إلى أنه لا يبقى حجة بعد التخصيص بل يجب التوقف إلى البيان سواء كان المخصوص معلوما أن هؤلاء ذهبوا إلى أنه لا يبقى حجة بعد التخصيص بل يجب التوقف إلى البيان سواء كان المخصوص معلوما أو مجهولا إلا إنه يجب به أخص الخصوص إذا كان معلوما غير أنه بالنسبة إلى عيسى مقيد برواية وفي البديع الكرخي وابن أبان وأبو ثور لا يبقى حجة مطلقا إلا في الاستثناء المعلوم انتهى وقد عرفت أن أكثر الحنفية ومنهم الكرخي على أن الاستثناء ليس تخصيصا فلا يخالف هذا ما في الكشف بالنسبة إلى من عدا أبا ثور ولا قول صاحب المنار وصدر الشريعة وغيرهما أن مذهب الكرخي إذا لحقه خصوص معلوم أو مجهول لا يبقى حجة بل يجب التوقف فيه إلى البيان انتهى ولعل هؤلاء إنما لم يستثنوا أخص الخصوص كالأولين للعلم به وإلا كان نسخا كما سيذكر المصنف مع عدم التمكن من العمل به بقيد التعيين قبل البيان أيضا لأن كل فرض من الباقي يحتمل على حد سواء أن يكون هو الباقي وأن يكون مخرجا ولكن على هذا لا حاجة إلى تقييد الأولين هذا بما إذا كان المخصوص معلوما فإنه كذلك إذا كان مجهولا لعين هذا التوجيه فليتأمل ثم قد ظهر من هذه الجملة أن قول البلخي هو بعينه قول الكرخي ومن ثمة قال شارحو منهاج البيضاوي في قوله وفصل الكرخي انتهى فقال إن خص بمتصل كان حجة وإلا فلا وظهر أن استثناء البديع الاستثناء غير محتاج في الحقيقة إليه
( لنا )
على الأول
( استدلال الصحابة به )
أي بالعام المخصوص بمبين وتكرر وشاع ولم ينكر فكان إجماعا
( ولو قال اكرم بني تميم ولا تكرم فلانا وفلانا فترك )
إكرام سائرهم
( قطع بعصيانه )
فدل على ظهوره فيه وهو المطلوب
( ولأن تناول الباقي بعده )
أي التخصيص
( باق وحجيته )
أي العام
( فيه )
أي الباقي
( كان باعتباره )
أي التناول
( وبهذا )
الدليل الأخير
( استدل المطلق )
لحجيته كفخر الإسلام لا فخر الإسلام فإنه سيأتي وجهه
( ويدفع )
قول المطلق
( باستدلالهم )
أي الصحابة فإنه إنما كان بعام مخصوص بمبين
( والعصيان )
بترك فعل ما تعلق بالعام المخصوص طلب فعله إنما هو أيضا
( في المبين والحجة فيه )
أي الثاني
( قبله )
أي التخصيص أيضا إنما كان
( لعدم الإجمال )
فلا يكون حجة
347
347
في المخصوص بمجمل لتحقق الإجمال حينئذ
( وبقاؤه )
أي التناول إنما هو أيضا
( في المبين لا المجمل فخر الإسلام والعام عنده كالخاص )
في قطعية الدلالة كما تقدم قال والحالة هذه
( للمخصص شبه الاستثناء )
بحكمه
( لبيانه عدم إرادة المخرج )
مما تناوله العام بحكمه
( و )
شبه
( الناسخ )
بصيغته
( لاستقلاله )
بنفسه في الإفادة
( فيبطل )
المخصص
( إذا كان مجهولا )
أي متناولا لما هو مجهول عند السامع
( للثاني )
أي لشبه الناسخ
( ويبقى العام على قطعيته لبطلان الناسخ المجهول )
لأنه لا يصلح ناسخا للمعلوم ولا تتعدى جهالة المخصص إليه لكون المخصص مستقلا بخلاف الاستثناء فإنه بمنزلة وصف قائم بصدر الكلام لا يفيد بدونه حتى أن مجموع الاستثناء وصدر الكلام بمنزلة كلام واحد فجهالته توجب جهالة المستثنى منه فيصير مجهولا مجملا متوقفا على البيان
( ويبطل الأول )
أي كون العام قطعيا
( للأول )
أي لشبهه بالاستثناء لتعدي جهالته إليه كما في الاستثناء المجهول
( وفي )
المخصص
( المعلوم شبه الناسخ )
من حيث كونه مستقلا
( يبطله )
أي العموم
( لصحة تعليله )
أي المخصص من هذه الحيثية كما هو الأصل في النصوص المستقلة وإن كان الناسخ لا يعلل
( وجهل قدر المتعدي إليه )
بالقياس
( فيجهل المخرج )
بهذا السبب
( وشبه الاستثناء )
من حيث إثبات الحكم فيما وراء المخصوص وعدم دخول المخصوص تحت حكم العام
( يبقى قطعيته )
قال المصنف رحمه الله تعالى
( وهو )
أي هذا الدليل
( ضعيف لأن إعمال الشبهين عند الإمكان وهو )
أي إمكان إعمالهما
( منتف في المجهول بل المعتبر الأول )
أي الشبه بالاستثناء
( لا به )
أي الشبه به
( معنوي )
لأن الاستثناء يخرج من العام كالمستقل غير أنه لم يسم تخصيصا اصطلاحا
( وشبه الناسخ طرد )
لا أثر له
لأنه )
أي الشبه به
( في مجرد اللفظ )
أي كون كل منهما لا يحتاج في صحة التكلم به إلى غيره
0 وعلى هذا )
وهو أن المعتبر شبهه بالاستثناء
( تبطل حجيته )
في المجهول
( كالجمهور وصيرورته ظنيا في المعلوم لما تحقق من عدم إرادة معناه )
أي العام بسبب التخصيص بالمعلوم
( مع احتمال قياس آخر مخرج )
منه بعضه أيضا
( وهذا لتضمنه )
أي المخصص القياس المذكور
( حكما )
لا حقيقة فقد تضمن ما يوجب الاحتمال للإخراج في كل فرد معين أو لتضمن المخصص على صيغة اسم المفعول حكما شرعيا والأصل في النصوص التعليل
( لا لشبه الناسخ باستقلال صيغته )
لما ذكرنا من أنه طردي لا أثر له
( وكون السمعي حجة )
في إثبات حكم
( فرع معلومية محل حكمه والقطع بنفيها )
أي معلومية محل حكمه
( في نحو لا تقتلوا بعضهم فإن دفع )
هذا
( بثبوتها )
أي الحجية مع انتفاء معلومية حكم المخصص
( في نحو وحرم الربا )
من قوله تعالى ! < وأحل الله البيع > !
( للعلم بحل البيع قلنا إن علموه )
أي الربا
( نوعا معروفا من البيع فلا إجمال وإلا )
أي وإن لم يعرفوه نوعا منه
( فكحرم بعض البيع )
أي فهو مجمل يتوقف العمل بل إلى البيان مع اعتقاد حقية المراد به
( وإخراج سارق أقل من )
مقدار قيمة
( المجن )
المشار إليه في حديث
348
348
أيمن قال لم تقطع اليد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلا في ثمن المجن وثمنه يومئذ دينار رواه الحاكم في المستدرك وسكت عليه أي في مقدار ثمنه
لا نسلم أنه من التخصيص بالمجهول بناء على ظن أن مقدار قيمته كان مجهولا بل هو معلوم كما أفاده هذا الحديث وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال كان ثمن المجن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة دراهم أخرجه أحمد وإسحاق والنسائي والدارقطني ومن ثمة قال أصحابنا لا تقطع في أقل من عشرة دراهم وإنها كانت قيمة الدينار وحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع سارقا في مجن قيمته ثلاثة دراهم متفق عليه ومن ثمة قال مالك والشافعي وأحمد في أظهر رواياته تقطع إذا سرق ثلاثة دراهم أو ربع دينار غير أن الشافعي يقول كانت قيمة الدينار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اثني عشر درهما بدليل ما في مسند أحمد عن عائشة عنه صلى الله عليه وسلم
اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك
وإلى هذا أشار بقوله
( مدعي كل معلومية كمية ثلاثة أو عشرة فليس )
تخصيص عموم الآية به
( منه )
أي من التخصيص بالمجمل فلا يسقط الاحتجاج بآية السرقة على قطع السارق شرعا
( أو )
سلمنا أنه منه لكنهم
( توقفوا أولا )
في العمل بآية السرقة
( حتى بان )
مقدار قيمة المجن
( على الاختلاف )
فيه فعملوا بها
( وقوله )
أي فخر الإسلام في التخصيص بالمعلوم يبطل العموم لصحة تعليله
( ولا يدري قدر المتعدى إليه إن أراد )
أنه لا يدري ذلك
( بالفعل )
أي فعل القياس
( ليس بضائر )
والأول فليس بضائر
( إلا لو لزم في حجيته )
أي العام المخصوص
( في الباقي تعين عدده لكن اللازم تعين النوع والتعليل يفيده )
أي تعين النوع
( لأنها )
أي علة الإخراج حينئذ
( وصف ظاهر منضبط فما تحققت فيه )
من المندرج تحت العام
( ثبت خروجه وما لا )
تتحقق فيه
( فتحت العام )
باق
( أو )
أراد أنه لا يدري
( قبله )
أي التعليل بالفعل
أي بمجرد علم المخصص )
أي العلم به
( يجب التوقف )
في الباقي
( للحكم بأنه )
أي المخرج
( معلل ظاهرا ولا يدري الخ فقول الكرخي وغيره من الواقفية لأن معناه يتوقف لذلك )
أي لكونه لا يدري قدر المتعدى إليه
( إلى أن يستنبط )
من المخرج بواسطة علة إخراجه ما يلحق به في الإخراج لتحقق علته فيه أيضا
( فيعلم المخرج بالقياس حينئذ لما ذكرنا في المجهول )
وهذا فيما يظهر تعليل لقوله لأن معناه يتوقف الخ لكن لم يتقدم في المجهول ما يفيد هذا وإنما تقدم فيه لفخر الإسلام ما يفيد كونه حجة ظنية من غير توقف وللمصنف ما يفيد خروجه عن الحجية كما هو قول الجمهور ثم لم يظهر لي ما يتجه أن يعطف عليه
( وزيادة العمل بالعام قبل البحث عن المخصص أعني القياس الذي حكم به )
أي الذي تضمنه المخصص
( للحكم بمعلولية التخصيص )
نعم يظهر أنه يريد يتوقف فيه فلا يعمل به إلى البيان لجهالة قدر المتعدى إليه المستلزمة لجهالة الباقي ولعدم جواز العمل بالعام قبل البحث عن المخصص ولكن في إفادة هذه العبارة لهذا ما ترى
( وهو )
أي هذا القول مرادا به هذا المعنى
349
349
( حسن )
لكن لا خفاء في أنه ليس بمراد فخر الإسلام وإلا لم يكن عنده حجة والفرض خلافه وإنما حاصل مراد فخر الإسلام كما أشار إليه المحقق التفتازاني أن المخصص المجهول باعتبار الصيغة لا يبطل العام وباعتبار الحكم يبطله والمعلوم بالعكس فيقع الشك في بطلانه والشك لا يرفع أصل اليقين بل وصف كونه يقينا فيكون حجة فيه شبهة ثم يطرقه ما أفاده المصنف من أن شبهه بالناسخ طرد لا أثر له وإن شبهه بالاستثناء هو المعتبر فيتوجه حينئذ إبطاله في المجهول وظنيته في المعلوم وإن احتمال جهالة قدر المتعدى إليه في المعلوم لا يخرجه عن الظنية لعدم الظهور وقد عرف فيما سلف ما في وجوب البحث عن المخصص قبل العمل بالعام من المقال وأن مقتضى كلام مشايخنا عدمه
( وقول الإسقاط )
للعام المخصوص
( مطلقا )
أي في أخص الخصوص وغيره
( إن صح )
أن أحدا ذهب إليه
( وهو )
أي والقول به
( بعيد )
وإن نقله الآمدي وغيره
( ساقط لقطعيته )
أي العام
( في أخص الخصوص )
معلوما كان المخصص أو مجهولا لأن تناول العام لأخص الخصوص بعد التخصيص قطعي لا يتطرق إليه احتمال خروجه وهو المسقط
( وإلا )
لو جاز خروجه أيضا
( كان نسخا )
لا تخصيصا فيخرج البحث من الكلام في تخصيص العام الذي هو فرض المسألة على بعضه إن كان غير مستقل سمي تخصيصا أو لم يسم فأما أن يكون المخرج به معلوما فالعام على ما كان عليه قبل القصر من قطع أو ظن على الاختلاف فيه لعدم مورث الشبهة من جهالة المخرج واحتمال التعليل لأن غير المستقل لا يحتمله وإما أن يكون المخرج به مجهولا فهو غير حجة إلى أن يتبين المراد وإن كان مستقلا وكان عقلا فأما أن يكون المخصوص معلوما كما في الخطابات التي خص منها الصبي والمجنون فالعام قطعي في الباقي لعدم مورث الشبهة وإنما أن يكون مجهولا فهو لا يصلح حجة إلى بيان المراد منه لأن جهالة المخرج أورثت جهالة في الباقي لا أن المخصوص بالعقل ينبغي أن يكون عقليا كما أطلق صدر الشريعة ولا أنه يكون ظنيا مطلقا كما هو ظاهر إطلاق كثير وإن كان كلاما فقد عرفت ما فيه وإن كان غير العقل والكلام ففي التلويح فالظاهر أنه لا يبقى قطعيا لاختلاف العادات وخفاء الزيادة والنقصان وعدم اطلاع الحس على تفاصيل الأشياء اللهم إلا أن يعلم القدر المخصوص قطعا والله تعالى أعلم
( مسألة القائلون بالمفهوم )
المخالف
( خصوا به العام كفي الغنم الزكاة مع في الغنم السائمة )
الزكاة فحصوا عموم الأول بالمفهوم المخالف للثاني وهو ليس في غير السائمة الزكاة فلا يجب في المعلوفة جمعا بينهما
( لجمع الظنية إياهما )
أي العام والمفهوم المخالف لأن كلا منهما ظني الدلالة عند القائلين به
( ومساواتهما )
أي المخصوص والمخصوص به
( ظنا ليس شرطا )
للتخصيص حتى يقال على اشتراطه إنما يصار إلى التخصيص دفعا للمعارضة
350
350
ولا معارضة بين المنطوق والمفهوم المخالف فإن المنطوق أقوى منه فيسقط اعتبار المفهوم معه
( للاتفاق عليه )
أي التخصيص
( بخبر الواحد للكتاب بعد تخصيصه )
أي الكتاب بالقطعي مع أن الكتاب أقوى
( للجمع )
بين الأدلة المتعارضة لأن إعمال كل من الدليلين ولو في الجملة أولى من إهمال أحدهما بالكلية لأنه خلاف الأصل وإنما قال بعد تخصيصه لتتم دعوى الاتفاق لأن عند أصحابنا لا يجوز تخصيص الكتاب بخبر الواحد ابتداء كما سيأتي
( والتحقيق أن مع ظنية الدلالة فيهما )
أي العام والمفهوم المخالف
( يقوى ظن الخصوص )
في العام
( لغلبته في العام )
فلا يكون العام أقوى منه ثم كونه عند القائلين به يخص العموم قال الآمدي لا نعرف فيه خلافا بينهم وحكى أبو الخطاب الحنبلي منعه عن قوم منهم وجزم به فخر الدين الرازي في المنتخب وقال صاحب الحاصل إنه الأشبه والظاهر إن ما عليه جمهورهم أوجه
( مسألة العادة )
وهي الأمر المتكرر من غير علاقة عقلية والمراد
( العرف العملي )
لقوم
( مخصص )
للعام الواقع في مخاطبتهم وتخاطبهم
( عند الحنفية خلافا للشافعية كحرمت الطعام وعادتهم )
أي المخاطبين
أكل البر انصرف )
الطعام
( إليه )
أي البر
( وهو )
أي قول الحنفية
( الوجه أما )
تخصيص العام
( بالعرف القولي )
وهو أن يتعارف قوم إطلاق لفظ لمعنى بحيث لا يتبادر عند سماعه إلا ذاك المعنى
( فاتفاق كالدابة على الحمار والدرهم على النقد الغالب لنا الاتفاق على فهم )
لحم
( الضأن بخصوصه في اشتر لحما وقصر الأمر )
بشراء اللحم
( عليه إذا كانت العادة أكله فوجب )
كون العرف العملي مخصصا
( كالقولي لاتحاد الموجب )
وهو تباره بخصوصه من إطلاق اللفظ فيهما
( وإلغاء الفارق )
بينهما
( بالإطلاق )
في العملي
( والعموم )
في القولي لظهور أنه لا اثر له هنا
( وكون دلالة المطلق )
كلحم في اشتر لحما
( على المقيد )
كلحم الضأن
( دلالة الجزء على الكل و )
دلالة
( العام على الفرد قلبه )
أي دلالة الكل على الجزء وقد قيل هذه اقوى فلا يلزم من صرف الأولى بمثل هذه القرينة صرف الثانية
( كذلك )
أي فرق لا اثر له هنا لظهور أنه فارق ملغى
( تنبيه مثل جمع من الحنفية )
منهم فخر الإسلام وصاحب المنار
( لذلك )
أي للتخصيص بالعادة
( بالنذر بالصلاة والحج ينصرف إلى الشرعي )
منهما
( فقد يخال )
أي يظن كل منهما
( غير مطابق )
له وإنما هما مثالان للتخصيص بالعرف القولي
( والحق صدقهما )
أي التخصيص بالعرف العملي والتخصيص بالعرف القولي
( عليهما )
أي هذين المثالين لأن الأصل والمعتاد في فعل المسلم لهما أن يكون على الوجه الشرعي وفي إطلاق كل من لفظهما شرعا وخصوصا في النذر المعنى الشرعي له ولا يقال وضع الحنفية يشير إلى أن المراد العرف القولي لأنا نقول لا نسلم ذلك
( إذ وضعهم )
لهذه المسألة
( تترك الحقيقة )
بخمسة أشياء ولا شك أن هذا أعم من أن تكون الحقيقة
( عاما أو غيره بدلالة العادة )
هذا
351
351
أحد الخمسة
( وبدلالة اللفظ في نفسه )
هذا ثاني الخمسة وفسروه كما قال
( أي إنباء المادة عن كمال فيخص )
اللفظ
( بما فيه )
ذلك الكمال
( كحلفه لا يأكل لحما ولا نية معممة )
لكل ما يطلق عليه لفظ لحم
( لا يدخل السمك )
أي لحمه في حلفه إلا في رواية شاذة عن أبي يوسف لأنه سمي لحما في القرآن قال تعالى ! < لتأكلوا منه لحما طريا > ! أي من البحر سمكا وإنما لم يدخل فيه على الصحيح حيث لا نية تدخله
( لإنبائه )
أي لفظ اللحم
( عن الشدة بالدم )
لأن مادته تدل على الشدة والقوة وسمي اللحم لحما لقوة فيه باعتبار تولده من الدم الذي هو أقوى الأخلاط في الحيوان وليس للسمك دم بدلالة عيشه في الماء وحله بلا ذكاه لأن الدموي لا يعيش فيه ولا يحل بدونها فلكمال الاسم ونقصان في المسمى خرج من مطلق اللفظ لأن الناقص فيه في مقابلة الكامل فيه بمنزلة المجاز من الحقيقة فلا يحنث بأكله ومن ثمة قال في الفتاوى الظهيرية حلف لا يأكل لحما فهو على الحيوان الذي يعيش في البر محرما كان أو غير محرم ولا يحنث بكل ما يعيش في الماء قلت إلا أنه ينبغي أن يقول الحيوان الدموي الذي يعيش في البر ليخرج الجراد ونحوه مما لا دم فيه مما يعيش في البر ثم لا فرق بين أن يكون اللحم مطبوخا أو مشويا وفي حنثه بالنيء خلاف قال المصنف الأظهر لا يحنث وعند الفقيه أبي الليث يحنث انتهى قلت إلا أنه ينبغي أن يقيد بالذي ليس بقديد فقد نص محمد في الأصل على أنه يحنث بأكله قديدا
( وقد يدخل )
هذا
( في العرفي )
ففي التحقيق وعامة العلماء تمسكوا في هذه المسألة بالعرف فقالوا إنه لا يستعمل استعمال اللحم في الباجات وبائعه لا يسمى لحاما والعرف في اليمين معتبر فيخصص اليمين به كما يخصص الرأس في قوله لا يأكل رأسا برأس الغنم أو الغنم والبقر فلم ينصرف إلى رأس البعير والعصفور بالاتفاق وإن كان رأسا حقيقة وقوى المصنف هذا في شرح الهداية وهو حسن إلا أنه يشكل عليه ما سيأتي في مسألة قبيل مسائل الحروف من الحنث بأكل لحم الآدمي والخنزير مع أنه ليس بمتعارف وسنذكر ما قيل فيه ثمة إن شاء الله تعالى ثم إنما قال ولا نية معممة لأنه لو نواه حنث
( نعم لو انفرد )
إنباء اللفظ بالإخراج من العام أو المطلق أخرج ولو عارضه أي الإنباء عرف قدم العرف على الإنباء لرجحان اعتباره عليه
( وقوله كل مملوك لي حر لا يعتق مكاتبه )
ويعتق مدبره وأم ولده لأن الملك في المكاتب ناقص لأنه مملوك رقبة لا يدا حتى ملك هو أكسابه لا المولى ولا يحل للمولى وطء المكاتبة ولا يفسد نكاح المكاتب بنت مولاه بموت مولاه فلم يتناوله المملوك عند الإطلاق نعم إن نواه عتق والملك في المدبر وأم الولد كامل لذا يحل للمولى وطؤها ووطء المدبرة لأن الوطء لا يحل إلا بكمال أحد الملكين فتناولهما المملوك عند الإطلاق وإنما صح عتق المكاتب في الكفارة دونهما لأن الرق فيه كامل بدليل قبول الفسخ وفيهما ناقص بدليل عدم قبول الفسخ وتحرير الرقبة يستدعي كمال الرق
( أو )
إنباء المادة ( عن نقص )
في المسمى
( فلا
352
352
يتناول )
اللفظ مسمى
( ذا كمال كحلفه لا يأكل فاكهة لا يحنث بالعنب لأن التركيب دال على التبعية والقصور في المقصود الأصلي )
وهو التغذي لأن الفاكهة اسم من التفكه وهو التنعم وهو إنما يكون بأمر زائد على المحتاج إليه أصالة بما يكون به القوام لأن ما يكون به القوام لا يسمى تنعما وكل الناس سواء في تناوله وإن اختلف كيفية وكمية والعنب فيه أمر زائد على ذلك لأنه يتعلق به القوام حتى يكتفى به في بعض المواضع ومثله الرطب والرمان وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقالا يحنث لأن معنى التفكه فيها موجود بل هي أعز الفواكه والتنعم بها يفوق التنعم بغيرها من الفواكه ثم المشايخ قالوا هذا اختلاف زمان ففي زمانه لم تعد من الفاكهة فأفتى على حسب ذلك وفي زمانهما عدت منها فأفتيا به ولا يقال هذا يخالف الأول لأنا نقول لا لجواز كون العرف وافق اللغة في زمنه ثم خالفها في زمنهما ثم هذا إذا لم يكن له نية فإن نواها حنث هذا وكما قال بعض الأفاضل واعلم أنك إذا دققت النظر وجدت القسمين من واد واحد لأنه بقدر ما زاد في العنب من معنى التغذي نقص منه من معنى التفكه وإذا كان ناقصا في الفاكهية لم يتناوله اسم الفاكهة عند الإطلاق كالمكاتب بالنسبة إلى المملوك فالتحقيق الاقتصار على الأول لاندراج الثاني فيه كما أشار إليه فاضل آخر ثم لقائل أن يقول إذا كان اللفظ عند الإطلاق لا يتناول هذه الأشياء لا يثبت التخصيص فيه لأن التخصيص يستدعي سابقة التناول فليتأمل
( وبمعنى من المتكلم )
هذا ثالث الخمسة أي وبدلالة صفة منصفات المتكلم راجعة إليه
( كإن خرجت فطالق عقيب تهيئها لخرجة لجت فيها )
أي حرضت عليها
( لا يحنث به )
أي بخروجها
( بعد ساعة وتسمى يمين الفور )
وهو مأخوذ من فوران القدر سميت به باعتبار صدورها من فوران الغضب أو لأن الفور استعير للسرعة ثم سمي به الحالة التي لا لبث فيها يقال خرج من فوره أي من ساعته وأول من استخرجها أبو حنيفة وكانوا قبل ذلك يقولون اليمين مؤبدة كلا أفعل كذا ومؤقتة كلا أفعل اليوم كذا وهي مؤبدة لفظا مؤقتة معنى تتقيد بالحال لكونها جوابا لكلام يتعلق بالحال فالدليل على ترك الحقيقة في هذه الصورة دلالة معنى قائم بالمتكلم وحالة راجعة إليه فإن التعليق في هذه الحالة دال على أنه قصد منعها من الخروج الذي تهيأت له حتى كأنه قال إن خرجت الساعة فيتقيد به فيها قال المصنف
( وحقيقته )
أي المخصص في هذا القسم
( دلالة حالهما )
أي المتكلم والمخاطب ككونها ملحة على الخروج في تلك الحالة وكونه ملحا على منعها حينئذ
( وبدلالة محل الكلام )
بأن يكون المحل غير قابل للحقيقة فإن تعذر قبوله حكمها موجب لإرادة المجاز ضرورة أن العاقل لا يستعمل الكلام في المفهوم الحقيقي في محل لا يقبله وإن كلامه مصون عن الكذب لا يستعمل الكلام في المفهوم الحقيقي في محل لا يقبله وإن كلامه مصون عن الكذب واللغو بحسب الإمكان وهذا رابع الخمسة
( كإنما الأعمال بالنيات ورفع الخطا )
أي وحديث
رفع الله عن أمتي الخطأ
وتقدم تخريجه في تقسيم الدلالة اللفظية فإنه لو حمل هذان
353
353
الحديثان على الحقيقة لما وجد عمل بلا نية ولا خطأ ولا نسيان والواقع خلافه قطعا فتعين إرادة المجاز كما تقدم تقريره في مسألة النفي في الحصر بإنما لغير الآخر قيل بالمفهوم ومسألة المقتضي
( وقد يدرج هذا في )
المخصص
( العقلي )
لأن نفس كل من هذين المثالين يدل عقلا على عدم إرادة حقيقته لحصول العمل كثيرا بلا نية ووقوع الخطأ والنسيان جما غفيرا من الأمة لكن تعقب هذا بالنسبة إلى الأعمال بالنيات بأنه يمكن أن يقال لا نسلم أن نفس هذا الكلام يدل عقلا على عدم إرادة حقيقته وإنما لزم ذلك من تقدير متعلق الجار والمجرور عاما مثل الحصول وأما إذا قدر متعلقه خاصا بقرينة المقام مثل الاعتبار وغيره مما يناسب المقام فلا ولذا قال النووي والطيبي بل التقدير ما الأعمال محسوبة بشيء من الأشياء كالشروع فيها والتلبس بها إلا بالنيات وما خلا عنها لا يعتد بها وقال بعض الفضلاء والأحسن أن يقال إنه من قبيل المرء بأصغريه أي بحسبهما والمعنى الأعمال إنما تعتبر بحسب النيات وتتفاوت على حسب تفاوتها فإن كانت خالصة لله فتلك الأعمال في المرتبة العليا وإن كانت للدنيا ففي منزلة دنيا وإن كانت لسمعة ورياء أو مدح وثناء فأدنى وأدنى فاتضح ما بعده واندفع المجاز به مع بقاء اللفظ على عمومه إلا ما خصه العقل في نحو النية هذا كلامه وكل مخيل وقد قيل ونقل عن السلف والخلف وتحقيق فصل الخطاب فيه ببيان ما هو المراد بالنية ومن المظنات الحسنة له كتاب جامع العلوم والحكم للإمام الحافظ ابن رجب غير ان بالجملة قد حط آخر كلام المتعقب على أن العقل خص هذا العموم بما خص والله تعالى أعلم
( وبالسياق )
أي وبدلالة سوق الكلام على أن المراد غير المعنى الحقيقي للفظ بأن يكون فيه قرينة لفظية سابقة عليه أو متأخرة عنه فالسياق بمعنى السوق وإن كان إنما يطلق غالبا على المتأخرة بالباء الموحدة على المتقدمة وهذا خامس الخمسة
( كطلق امرأتي إن كنت رجلا )
وإن قدرت
( فإنه لا يفيد التوكيل به )
أي بتطليقها الذي هو حقيقة طلق امرأتي لهذه القرينة فإنها تدل على أنه لم يقصد هذه الحقيقة وإنما أراد إظهار عجزه عن ذلك قلت وعند التأمل يظهر أنه إنما كان هذا قرينة على عدم إرادة الحقيقة بالعرف كما يشير إليه قول صدر الشريعة وفي قوله طلق امرأتي إن كنت رجلا الحقيقة ممتنعة عرفا انتهى فيندرج هذا في العرفي
( ويأتي التخصيص بفعل الصحابي )
في ذيل المسألة التالية من هذه ثم في مباحث السنة مشبعا
( مسألة إفراد فرد من العام بحكمه )
أي العام
( لا يخصصه )
أي العام
( وهو )
أي وإفراد فرد منه بحكمه
( قلب المتعارف في التخصيص وهو )
أي المتعارف فيه
( قصره )
أي الحكم
( على غير متعلق دليله )
أي التخصيص ومتعلق دليله هو الفرد المخصوص
( بل هذا )
أي إفراد فرد منه بحكمه
( _ قصره )
أي الحكم
( عليه )
أي متعلق دليله الذي هو الفرد المخصوص
( مثاله )
ما أخرج أحمد وإسحاق والترمذي وصححه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال
أيما إهاب دبغ فقد
354
354
طهر
( مع قوله في شاة ميمونة دباغها طهورها )
فلا يخص الطهورية جلد شاة ميمونة إذا دبغت من بين سائر الأهب إلا أن هذا اللفظ لم أقف عليه في شاة ميمونة بل في الميتة مطلقا كما أخرجه أحمد وأقرب لفظ وقفت عليه في شاة ميمونة إلى هذا اللفظ ما أخرج الطحاوي والبزار والبيهقي عن ابن عباس قال ماتت شاة لميمونة فقال النبي صلى الله عليه وسلم
هلا استمتعتم بإهابها فإن دباغ الأديم طهورها
فلا جرم أن قال المصنف
( ومنه )
أي إفراد فرد من العام بحكمه
( أو شبه )
ما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم
( وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا مع )
ما في رواية لمسلم وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا
( وتربتها )
لنا طهورا إذا لم نجد الماء والأولى مع وترابها لنا طهورا كما رواه الدارقطني في سننه وأبو عوانة في صحيحه لجواز أن يكون المراد بالتربة ما فيها من تراب أو غيره مما يقاربه ولعله إنما قال أو شبهه لجواز أن يقال التراب جزء من الأرض لا جزء لها كجلد شاة ميمونة بالنسبة إلى أيما إهاب وإنما بينهما شبه من حيث إن كلا بعض من المسمى وقد ذكر له حكم المسمى ثم كما أن إفراد بعض ذاك بحكمه لا يخصصه فكذا إفراد بعض هذا بحكمه لا يخصصه وقيل يخصصه
( لنا لا تعارض )
بين البعض والكل في حكم حكم به على كل منهما
( فوجب اعتبارهما فلا يخص الطهورية التراب من أجزاء الأرض قالوا المفهوم مخصص )
للعام كما تقدم ومفهوم فرد من العام بحكمه نفي الحكم عن سائر أفراده إذ لا فائدة لذكره إلا ذلك فيكون مفهوم دباغ جلد شاة ميمونة طهورها دالا على نفي طهورية ما سواه من سائر الحيوانات إذا دبغ
( قلنا )
كون المفهوم معتبرا
( ممنوع عند الحنفية ولو سلم )
اعتباره
( فهذا )
أي مفهوم فرد من العام بحكمه
( مفهوم لقب مردود )
عند الجمهور كما تقدم وفائدة ذكر ذلك الفرد نفي احتمال تخصيصه من العام لكن هذا إذا لم يكن له مفهوم مخالفة إلا اللقب أما إذا كان له مفهوم مخالفة غير مفهوم اللقب يقتضي نفي الحكم عن غيره من أفراد العام كمفهوم الصفة مثلا يكون مخصصا عند القائلين به أو أكثرهم كما تقدم ولعله إنما لم يذكره اعتمادا على ما سبق بيانه نعم يتم هذا على القائل بمفهوم اللقب ولعل القائل بتخصيصه هو القائل به
( مسألة رجوع الضمير )
الواقع بعد العام
( إلى البعض )
من أفراده
( ليس تخصيصا )
للعام
( مثل والمطلقات مع وبعولتهن )
أحق بردهن فإن المطلقات عام في البائنات والرجعيات وضمير بعولتهن إنما يصح عوده إلى الرجعيات فقط لأن الرد إنما يمكن فيهن
( فلا يخص التربص الرجعيات )
بل يتعلق بهن وبالبائنات وهذا عزاه السبكي إلى أكثر الشافعية واختاره الآمدي وابن الحاجب والبيضاوي
( وأبو الحسين وإمام الحرمين )
على ما ذكر ابن الحاجب قالا
( تخصيص )
له قال السبكي وعليه أكثر الحنفية وعزاه الآمدي إلى بعض الشافعية وبعض المعتزلة كعبد الجبار والقرافي إلى الشافعي قال المصنف
( وهو الأوجه وقيل بالوقف )
وهذا عزاه الآمدي وغيره إلى إمام الحرمين وغيره واختاره صاحب المحصول
355
355
( لنا ) على المختار وهو أنه تخصيص له
( حقيقته )
أي الضمير
( رابط لعنى متأخر بمتقدم أعم من مذكور أو مقدر بدليل )
يدل على تقديره وقوله
( على أنه )
أي الرابط
( هو )
أي المتقدم متعلق برابط
( فلا يتصور الاختلاف )
بينهما
( وما قيل )
في وجه أنه لا يخص
( التجوز فيه )
أي الضمير بخروجه عن حقيقته التي هي العموم
( غير ملزوم للتجوز في الأول )
يعني العام أي لا يلزم من كون الضمير مجازا في البعض كون العام مجازا في البعض
( فبعيد إذ رجوعه )
أي الضمير
( إلى لفظ الأول باعتباره معناه فلا يتصور كونه )
أي الضمير
( مجازا )
في البعض ومرجعه الذي هو العام باق على حقيقته التي هي العموم من غير تخصيص ضرورة اتحادهما
( فإذا خص )
الضمير
( الرجعيات )
من المطلقات
( مع كونه )
أي الضمير
( عبارة عن المطلقات فهن )
أي الرجعيات
( المراد به )
أي العام وهو المطلقات لما ذكرنا أن الضمير هو نفس مرجعه باعتبار المعنى
( وهو )
أي وكون المراد بالمطلقات الرجعيات لا غير هو
( التخصيص )
للمطلقات
( وبه )
أي وبهذا التوجيه
( ظهر أن قولهم )
أي القائلين بعدم التخصيص
( في جواب قول الواقف )
لزم تخصيص الظاهر أو الضمير دفعا للمخالفة وتخصيص أحدهما دون الآخر تحكم إذ
( لا ترجح لاعتبار الخصوص في أحدهما بعينه )
فوجب التوقف ومقول قولهم
( إن دلالة الضمير أضعف )
من دلالة الظاهر لتوقف الضمير عليه بخلاف العكس
( فالتغيير فيه )
أي الضمير
( أسهل )
من التغيير في الظاهر فترجح اعتبار الخصوص في الضمير وانتفى التحكم
( لا يفيد )
لما ظهر من وحدتهما باعتبار المراد من لفظهما
( وامتنع الخلاف )
وفي نسخة الاختلاف بين الضمير ومرجعه في الآية فبطل ترجيحه أي قول القائل بعدم التخصيص بأنه أي تخصيص الضمير
( لا يستلزم تخصيص الأول بخلاف قلبه )
أي تخصيص الظاهر فإنه يستلزم تخصص الضمير وإنما بطل لأنه إذا ظهر أنهما واحد معنى استلزم كون أحدهما إذا أريد به بعض معناه الوضعي أن يكون هو عين المراد بالآخر
( واللازم في الآية إما عوده )
أي الضمير
( على مقدر هو المتضمن )
على صيغة اسم المفعول وهو الرجعيات مدلولا تضمنيا للمتضمن على صيغة اسم الفاعل وهو المطلقات كما في قوله تعالى ! < اعدلوا هو أقرب للتقوى > !
( وأما عليه )
أي المتضمن على صيغة اسم الفاعل وهو المطلقات مرادا بهن الرجعيات
( مجازا )
من إطلاق الكل وإرادة البعض
( ووجب تربص غير الرجعيات بدليل آخر )
كالإجماع
( مسألة وليست لغوية مبدئية )
بل مستطردة قال
( الأئمة الأربعة )
والأشعري وأبو هاشم وأبو الحسين على ما ذكر ابن الحاجب وغيره
( يجوز التخصيص بالقياس )
أعم من أن يكون قطعيا أو ظنيا كما هو الظاهر من إطلاقهم لا الظني فقط بناء على أن التخصيص بالقطعي لا خلاف فيه كما أشار إليه ابن الأنباري شارح البرهان وغيره نعم ذكر السبكي أن المراد قياس نص خاص كما صرح به الغزالي في حصر الجواز فيه تأمل ثم الظاهر من حكاية الأقوال
356
356
المختلفة في جوازه بالقياس أن المراد به أعم من ذلك
( إلا أن الحنفية )
قيدوا الجواز به
( بشرط تخصيص بغيره )
أي غير القياس من سمعي أو عقلي
( وتقييده )
أي التخصيص بغيره
( بالقبلية )
أي بأن يكون قبل التخصيص بالقياس كما وقع في عبارة كثير
( لا يتصور )
إذ لا يتصور تراخي مقتضي القياس على المنصوص المخرج منه عن خروجه منه الاشتراكهما حينئذ في العلة المقتضية للخروج بل ولا تراخي المخصص مطلقا عند المصنف
( وتقدمت إشارة إليه )
في البحث الخامس من مباحث العام وبينا وجهه
( فالمراد بالقبلة )
للغير
( ظهور الغير سابقا )
على ظهور مما سواه وقال
( ابن سريج إن كان )
القياس
( جليا )
جاز تخصيصه وإن كان خفيا لا يجوز وفي الجلي مذاهب الراجح منها في المنتخب ونص عليه القاضي في التقريب أنه قياس المعنى والخفي قياس الشبه والذي مشى عليه ابن الحاجب وسيحكيه المصنف في موضعه أنه الذي قطع فيه بنفي تأثير الفارق بين الأصل والفرع والخفي ما ظن فيه نفي تأثيره بينهما
( وقيل إن كان أصله )
أي القياس يعني المقيس عليه
( مخرجا من ذلك العموم بنص )
خص وإلا فلا
( والجبائي يقدم العام مطلقا )
أي جليا كان القياس أو خفيا مخرجا أصله من ذلك العموم أو لا ونقله القاضي في التقريب عن الأشعري واختاره الإمام الرازي في المعالم
( وتوقف إمام الحرمين والقاضي وقيل إن كان أصله مخصصا )
أي مخرجا من العموم
( أو )
ثبتت
( العلة بنص أو إجماع )
خص
( وإلا )
أي وإن لم يكن أحد هذه الثلاثة
( اعتبرت قرائن الترجيح )
فإن ظهر ترجيح خاص بالقياس عمل به وإلا عمل بالعام
( واختاره بعضهم )
وهو ابن الحاجب قلت وقول السبكي وهو آيل إلى اتباع أرجح الظنين وإن تساويا فالوقف هذا هو راي الغزالي واعترف الإمام الرازي في أثناء المسألة بأنه حق واستحسنه القرافي وقال الشيخ الأصفهاني إنه حق واضح اه ليس كذلك فإنه لا وقف أصلا في هذا المختار لابن الحاجب وأما أنه حتى فستقف على ما فيه
( لنا )
على الأول
( الاشتراك ) أي العام والقياس متشاركان
( في الظنية أما الثلاثة )
أي أما عند مالك والشافعي وأحمد
( فمطلقا )
أي سواء خص العام أو لا وقد عرفت أنه قول طائفة من الحنفية
( وأما الطائفة من الحنفية )
القائلون بأن العام قطعي
( فبالتخصيص )
صار ظنيا عندهم أيضا بواسطة تحقق عدم إرادة معناه واحتمال إخراج بعض آخر منه
( والتفاوت في الظنية غير مانع )
من تخصيص الأقوى فيها بما دونه فيها لأن مساواة المخصص والمخصص فيها ليست شرطا
( كما تقدم )
في التخصيص بالمفهوم
( ووجهه )
أي التخصيص بالقياس
( إعمالهما )
أي العام والقياس
( ما أمكن أو ترجح المخصص )
على صيغة اسم الفاعل وإن كان المخصص على صيغة اسم المفعول أقوى منه في الظن
( هو الواقع كما تقدم )
في التخصيص بالمفهوم للاتفاق عليه بخبر الواحد للكتاب بعد تخصيصه بقطعي
( فبطل توجيه الأخير
أي مختار ابن الحاجب
( بكون العلة كذلك
أي ثابتة بنص أوإجماع
( توجب كون القياس كالنص والإجماع ) 3 وإنما بطل
( لأن )
العلة
( المستنبطة دليل ووجوب الإعمال عام )

357
357
لكل دليل فوجب إعمال المستنبطة كالمنصوصة
( وما قيل )
في وجه عدم إعمالها إذا عارضت عاما
( المستنبطة إما راجحة أو مساوية أو مرجوحة )
بالنسبة إلى العام
( فالتخصيص على تقدير )
أي رجحانها
( وعدمه )
أي التخصيص
( على تقديرين )
أي مساواتها ومرجوحيتها
( فيترجح )
عدم التخصيص بها لأن وقوع احتمال من اثنين أقرب من وقوع واحد معين
( يوجب بطلان المخصص مطلقا )
إذ يقال كل مخصص إما راجح على العام المخرج منه أو مساو أو مرجوح فالتخصيص على تقدير وعدمه على تقديرين فيترجح عدم التخصيص لما ذكرنا فيبطل التخصيص من أصله واللازم باطل فالملزوم مثله
( بل الرجحان )
للمخصص على صيغة اسم الفاعل
( دائمي بإعمالهما )
أي بسبب إعماله وإعمال المخصص على صيغة اسم المفعول حيث أمكن ولا يخفى أن هذا إذا قدر من الحنفية كان على طريق الإلزام للمخالفين إذ يقال لهم مثل هذا في فالتخصيص بالقياس ابتداء
( ولما تقدم )
من أن ترجح المخصص وإن كان دون المخصص في الظن هو الواقع وعلى هذا فقوله
( ولتخصيص الكتاب بخبر الواحد )
عطف تفسيري له وقد كان الأحسن ولما تقدم من تخصيص الكتاب بخبر الواحد أو الاقتصار على أحدهما وقد كان كذلك فإنه لم يكن فيه ولما تقدم فزيد ولو زيد عوضه على أن ذاك يقلب عليه ليشرح بأن التخصيص كما يكون على تقدير الرجحان يكون على تقدير المساواة فلتخصيص على تقديرين هما ذان وعدمه على تقدير وهو المرجوحية فيترجح التخصيص لعين تلك العلة لكان أولى
( الجبائي يلزم تقديم الأضعف )
أي القياس على الأقوى وهو العام
( على ما يأتي
تقريره في مسألة تعارض القياس والخبر
( في الخبر ويأتي جوابه )
وما يفتح الله في بيانه ثمة إن شاء الله تعالى
( وبأن ذلك )
أي لزوم ما ذكر من تقديم الأضعف على الأقوى إنما هو
( عند إبطال أحدهما )
الذي هو العام
( وهذا )
أي وتخصيص العام بالقياس
( إعمالهما )
أي العام والقياس لا إبطال أحدهما فانتفى اللازم الباطل
( وبأنه )
أي الجبائي
( يخصص الكتاب بالسنة وبالمفهوم )
المخالف والسنة به أيضا مع وقصورهما في القوة عن الكتاب وقصور المفهوم عنها أيضا فما هو جوابه عن هذا فهو جوابنا عن ذاك
( قالوا )
للجبائي أيضا
( أخر معاذ القياس )
عن السنة
( وأقره )
النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك فقد أخرج أحمد وأبو داود والترمذي عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن قال
كيف تقضي إذا عرض لك أمر
قال أقضي بما في كتاب الله قال
فإن لم يكن في كتاب الله
قال فبسنة رسول الله قال
فإن لم يكن في سنة رسول الله
قال أجتهد رأيي ولا آلو قال فضرب في صدري وقال
الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله
وكل من تقديم معاذ وتقرير النبي صلى الله عليه وسلم يدل على وجوب تقديم الخبر على القياس خالفه أو وافقه
( أجيب أخر السنة أيضا عن الكتاب وتخصيصه )
أي الكتاب
( بها )
أي بالسنة
( اتفاق )
فما هو الجواب عن هذا هو الجواب عن تأخير القياس عن السنة مع جواز تخصيصها به
( وأيضا ليس فيه )
أي حديث معاذ
( ما يمنع
358
358
الجمع )
بين القياس والعام
( عند التعارض والتخصيص منه )
أي الجمع بينهما وإنما غاية ما فيه أنه لا تبطل السنة بالقياس ونحن قائلون به على أن حديث معاذ قال الترمذي فيه غريب وليس إسناده عندي بمتصل وقال البخاري لا يصح انتهى لكن شهرته وتلقي العلماء له بالقبول لا يقعده إن شاء الله تعالى عن درجة الحجية ومن ثمة أطلق جماعة من الفقهاء كالباقلاني وأبي الطيب الطبري وإمام الحرمين عليه الصحة قال شيخنا الحافظ وله شاهد صحيح الإسناد لكنه موقوف ثم أسند من طريق الدارمي ثم البيهقي عن عبد الله بن مسعود قال لقد أتى علينا زمان وما نسأل ولسنا هناك ثم بلغنا الله ما ترون فإذا سئل أحدكم عن شيء فلينظر في كتاب الله فإن لم يجده في كتاب الله فلينظر ما اجتمع عليه المسلمون فإن لم يكن فليجتهد رأيه ولا يقل أحدكم إني أخشى فإن الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهة فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك وفي الباب عن عمر بن الخطاب نحو حديث عبد الله بن مسعود دو