2
بسم الله الرحمن الرحيم
سئل الشيخ الإمام العالم العلامة المتقن الحافظ الناقد شمس الدين أبو عبدالله محمد بن الشيخ الصالح أبي بكر عرف بابن القيم الجوزية رضي الله عنه ما تقول السادة العلماء أئمة الدين رضى الله عنهم أجمعين في رجل ابتلى ببلية وعلم أنها إن استمرت به أفسدت دنياه وآخرته وقد اجتهد في دفعها عن نفسه بكل طريق فما يزداد إلا توقدا وشدة فما الحيلة في دفعها وما الطريق إلى كشفها فرحم الله من أعان مبتلى والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه أفتونا مأجورين
فكتب الشيخ رضي الله عنه تحت السؤال الجواب الحمد لله أما بعد فقد ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي A أنه قال ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله قال قال رسول الله A لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برأ باذن الله وفي مسند الامام أحمد من حديث أسامة بن شريك عن النبي A قال إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله وفي لفظ إن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء أو دواء إلا داء واحدا قالوا يا رسول الله ما هو قال الهرم قال الترمذي هذا حديث صحيح وهذا يعم أدواء القلب والروح والبدن وأدويتها وقد جعل النبي A الجهل داء وجعل دواءه سؤال العلماء فروى أبو داوود في سننه من حديث جابر ابن عبد الله قال خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم فسأله أصحابه فقال هل تجدون لى رخصة في التيمم قالوا ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات فلما قدمنا على رسول الله A أخبر بذلك فقال قتلوه قتلهم الله إلا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه بخرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده فأخبر أن الجهل داء وأن شفاءه السؤال وقد أخبر سبحانه عن القرآن أنه شفاء فقال الله تعالى ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدي وشفاء وقال
وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين
ومن ههنا لبيان الجنس لا للتبعيض فإن القرآن كله
3
شفاء كما قال في الآية الأخرى فهو شفاء للقلوب من داء الجهل والشك والريب فلم ينزل الله سبحانه من السماء شفاء قط أعم ولا أنفع ولا أعظم ولا أشجع في إزالة الداء من القرآن وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد قال انطلق نفر من أصحاب النبي A في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم فلدغ سيد ذلك الحي فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء فقال بعضهم لو أنيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعله أن يكون عند بعضهم شيء فاتوهم فقالوا أيها الرهط إن سيدنا لدغ وسعينا له بكل شيء لا ينفعه فهل عند أحد منكم شيء فقال بعضهم نعم والله إني لأرقى ولكن والله استضفناكم فلم تضيفونا فما أنا براق حتى تجعلوا لنا جعلا فصالحوهم على قطيع من الغنم فانطلق يتفل عليه ويقرأ الحمد لله رب العالمين فكأنما نشط من عقال فانطلق يمشي وما به قلبة فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه فقال بعضهم إقتسموا فقال الذي رقالا نفعل حتى نأتي النبي A فنذكر له الذي كان فننظر بما يأمرنا فقدموا على رسول الله A فذكروا له ذلك فقال وما يدريك إنها رقية ثم قال قد أصبتم اقتسموا وأضربوا لى معكم سهما فقد أثر هذا الدواء في هذا الداء وأزاله حتى كأن لم يكن وهو أسهل دواء وأيسره ولو أحسن العبد التداوي بالفاتحة لرأي لها تأثيرا عجيبا في الشفاء ومكثت بمكة مدة تعتريني أدواء ولا أجد طبيبا ولا دواء فكنت أعالج نفسي بالفاتحة فأري لها تأثيرا عجيبا فكنت أصف ذلك لمن يشتكي ألما وكان كثير منهم يبرأ سريعا ولكن ههنا أمر ينبغي التفطن له وهو أن الأذكار والآيات والأدعية التي يستشفى بها ويرقابها هي في نفسها نافعة شافية ولكن تستدعى قبول المحل وقوة همة الفاعل وتأثيره فمتى تخلف الشفاء كان لضعف تأثير الفاعل أو لعدم قبول المنفعل أو لمانع قوي فيه يمنع أن ينجع فيه الدواء كما يكون ذلك في الأدوية والأدواء الحسية فإن عدم تأثيرها قد يكون لعدم قبول الطبيعة لذلك الدواء وقد يكون لمانع قوي يمنع من اقتضائه أثره فإن الطبيعة إذا أخذت الدواء لقبول تام كان انتفاع البدن به بحسب ذلك القبول وكذلك القلب إذا أخذ الرقاء والتعاويذ بقبول تام وكان للراقى نفس فعالة وهمة مؤثرة في إزالة الداء وكذلك الدعاء فإنه من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب ولكن قد يتخلف عنه أثره إما لضعفه في نفسه بأن يكون دعاء لا يحبه الله لما فيه من العدوان وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء فيكون بمنزلة القوس الرخو جدا فإن السهم يخرج منه خروجا ضعيفا وإما لحصول المانع من الاجابة من أكل الحرام والظلم ورين الذنوب على القلوب واستيلاء الغفلة والسهو واللهو وغلبتها عليها كما في صحيح الحاكم من حديث
4
أبى هريرة عن النبي A أدعو الله وأنتم موقنون بالاجابة واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه فهذا دواؤنا نافع مزيل للداء ولكن غفلة القلب عن الله تبطل قوته وكذلك أكل الحرام يبطل قوته ويضعفها كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله A أيها الناس إن الله طيب لايقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وقال يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات مارزقناكم ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده الى السماء يارب يارب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك وذكر عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لأبيه أصاب بني إسرائيل بلاء فخرجوا مخرجا فأوحى الله عز وجل الى نبيهم أن أخبرهم إنكم تخرجون الى الصعيد بابدان نجسة وترفعون الي أكفا قد سفكتم بها الدماء وملأتم بها بيوتكم من الحرام الآن حين اشتد غضبي عليكم ولن تزدادوا مني الابعدا وقال ابو ذر يكفى من الدعاء البرأ ما يكفى الطعام من الملح
فصل والدعاء من أنفع الأدوية وهو عدو البلأ يدافعه ويعالجه ويمنع
نزوله ويرفعه أو يخففه إذا نزل وهو سلاح المؤمن كما روى الحاكم في صحيحه من حديث على بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه قال قال رسول الله A الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين ونور السموات والأرض وله مع البلاء ثلاث مقامات أحدها أم يكون أقوي من البلاء فيدفعه الثاني أن يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء فيصاب به العبد ولكن قد يخففه وإن كان ضعيفا الثالث أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه وقد روي الحاكم في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله A لا يغنى حذر من قدر والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل وإن البلاء لينزل فيلقاه الدعاء فيعتلجان الى يوم القيامة وفيه أيضا من حديث ابن عمر عن النبي A قال الدعاء ينفع بما نزل ومما ينزل فعليكم عباد الله بالدعاء وفيه أيضا من حديث ثوبان لا يرد القدر الا الدعاء ولا يزيد في العمر الا البر وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه
فصل ومن أنفع الادوية الالحاح فى الدعاء وقد روى ابن ماجة في سننه
من حديث أبي هريرة
5
قال قال رسول الله A من لم يسئل الله يغضب عليه وفي صحيح الحاكم من حديث أنس عن النبي A لاتعجزوا فى الدعاء فانه لايهلك مع الدعاء أحد وذكر الاوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله A إن الله يحب الملحين فى الدعاء وفى كتاب الزهد للامام أحمد عن قتادة قال قال مورق ما وجدت للمؤمن مثلا الا رجل في البحر على خشبة فهو يدعو يا رب يا رب لعل الله عز وجل أن ينجيه فصل
ومن الآفات التى تمنع ترتب أثر الدعاء عليه أن يستعجل العبد ويستبطي الاجابة فيستحسر ويدع الدعاء وهو بمنزلة من بذر بذرا أو غرس غرسا فجعل يتعاهده ويسقيه فلما استبطأ كماله وإدراكه تركه وأهمله وفى البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله A قال يستجاب لاحدكم ما لم يعجل يقول دعوت فلم يستجب لي وفي صحيح مسلم عنه لايزال يستجاب للعبد ما لم يدع بأثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل قيل يا رسول الله ما الاستعجال قال يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجاب لى فيستحسر عند ذاك ويدع الدعاء وفي مسند أحمد من حديث أنس قال قال رسول الله A لايزال العبد بخير ما لم يستعجل قالوا يا رسول الله كيف يستعجل قال يقول قد دعوت لربي فلم يستجب لى فصل
واذا اجتمع مع الدعاء حضور القلب وجمعيته بكليته على المطلوب وصادف وقتا من أوقات الاجابة الستة وهي الثلث الاخير من الليل وعند الأذان وبين الأذان والاقامة وادبار الصلوات المكتوبات وعند صعود الامام يوم الجمعة على المنبر حتى تقضى الصلوة وآخر ساعة بعد العصر من ذلك اليوم وصادف خشوعا في القلب وانكسارا بين يدي الرب وذلاله وتضرعا ورقة واستقبل الداعي القبلة وكان على طهارة ورفع يديه إلى الله تعالى وبدأ بحمد الله والثناء عليه ثم ثنى بالصلوة على محمد عبده A ثم قدم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار ثم دخل على الله والح عليه في المسئلة وتملقه ودعاه رغبة ورهبة وتوسل اليه باسمائه وصفاته وتوحيده وقدم بين يدي دعائه صدقة فان هذا الدعاء لا يكاد يرد أبدا ولا سيما ان صادف الادعية التي أخبر النبي A أنها مظنة الاجابة أو أنها متضمنة للأسم الأعظم فمنها ما في السنن وفي صحيح بن حبان من
6
حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه رسول الله A سمع رجلا يقول اللهم إني أسالك باني أشهد أنك أنت الله لا إله الا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن كفوا أحد فقال لقد سأل الله بالأسم الذي إذا سئل به أعطي وإذا دعى به أجاب وفي لفظ لقد سألت الله باسمه الاعظم وفي السنن وصحيح أبي حاتم بن حبان أيضا من حديث أنس بن مالك أنه كان مع رسول الله A جالسا ورجل يصلى ثم دعا فقال اللهم إني أسالك بأن لك الحمد لا إله الا أنت المنان بديع السموات والارض يا ذا الجلال والاكرام يا حى يا قيوم فقال النبي A لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعى به أجاب وإذا سئل به أعطى وأخرج الحديثين أحمد فى مسنده وفى جامع الترمذي من حديث أسماء بنت يزيد أن النبي A قال إسم الله الاعظم في هاتين الآيتين
وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم
وفاتحة آل عمران
آلم الله لا إله إلا هو الحي القيوم
قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وفى مسند أحمد وصحيح الحاكم من حديث أبي هريرة وأنس بن مالك وربيعة بن عامر عن A أنه قال أنطوا بياذ الجلال والاكرام يعنى تعلقوا والزموها وداوموا عليها وفي جامع الترمذي من حديث أبي هريرة أن النبي A كان إذا أهمه الأمر رفع رأسه الى السماء وإذا اجتهد في الدعاء قال يا حى يا قيوم وفيه أيضا من حديث أنس بن مالك قال كان النبي A إذا كربه أمر قال يا حى يا قيوم برحمتك أستغيث وفى صحيح الحاكم من حديث أبي أمامة عن النبي A قال اسم الله الأعظم في ثلاث سور من القرآن البقرة وآل عمران وطه قال القاسم فالتمستها فاذا هي آية
الحي القيوم
وفي جامع الترمذي وصحيح الحاكم من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي A قال دعوة ذي النون اذ دعا وهو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين إنه لم يدع بها مسلم في شى قط الا استجاب الله له قال الترمذي حديث صحيح وفى صحيح الحاكم أيضا من حديث سعد عن النبي A ألا أخبركم بشىء إذا نزل برجل منكم أمرمهم فدعا به يفرج الله عنه دعاء ذي النون وفي صحيحه أيضا عنه أنه سمع النبي A وهو يقول هل أدلكم على اسم الله الاعظم دعاء يونس فقال رجل يا رسول الله هل كان ليونس خاصة فقال ألا تسمع قوله فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك نجيني ! المؤمنين فأيما مسلم دعا بها في مرضه اربعين مرة فمات في مرضه ذلك أعطى أجر شهيد وان برأ برأ مغفور له وفي الصحيحين من حديث بن عباس أن رسول الله A كان يقول عند الكرب لا إله الا الله العظيم الحليم لا إله الا الله رب العرش العظيم
7
لا إله الا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم وفى مسند الامام أحمد من حديث على بن أبي طالب طالب رضي الله عنه قال علمني رسول الله A اذا نزل بي كرب أن أقول لا إله الا الله الحليم الكريم سبحان الله وتبارك الله رب العرش العظيم والحمد لله رب العالمين وفي مسنده ايضا من حديث عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله A ما أصاب أحد قط هم ولا حزن فقال اللهم إني عبدك بن عبدك بن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو علمته أحدا من خلقك أو أنزلته في كتابك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي الا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرحا فقيل يا رسول الله ألا نتعلمها قال بل ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها وقال ابن مسعود كا كرب نبي من الانبياء الا استغاث بالتسبيح وذكرا ابن أبي الدنيا في كتاب المجانين في الدعاء عن الحسن قال كان رجل من أصحاب النبي A من الانصار يكني أبا مغلق وكان تاجرا يتجر بمال له ولغيره يضرب به في الآفاق وكان ناسكا ورعا فخرج مرة فلقيه لص مقنع في السلاح فقال له ضع ما معك فاني قاتلك قال فما تريد الادمي فشأنك والمال قال أما المال فلى ولست أريد إلا دمك قال أما إذا أبيت فذرني اصلى أربع ركعات قال صلى ما بد الك فتوضأ ثم صلى أربع ركعات فكان من دعائه فى آخر سجدة أن قال يا ودود ياذ العرش المجيد يا فعال لما تريد أسألك بعزك الذي لا يرام وبملكك الذي لايضام وبنورك الذي ملأ أركان عرشك ان تكفيني شر هذا اللص يا مغيت اغثني يا مغيث اغثني يا مغيث اغثني ثلاث مرات فاذا هو بفارس أقبل بيده حربة قد وضعها بين أذني فرسه فلما بصر به اللص أقبل نحوه فطعنه فقتله ثم أقبل اليه فقال قم فقال من أنت بابي أنت وأمي فقد أغاثني الله بك اليوم فقال أنا ملك من أهل السماء الرابعة دعوت فسمعت لأبواب السماء قعقعة ثم دعوت بدعائك الثاني فسمعت لاهل السماء ضجة ثم دعوت بدعائك الثالث فقيل لي دعاء مكروب فسألت الله ان يوليني قتله قال الحسن فمن توضي وصلى أربع ركعات ودعا بهذا الدعاء استجيب له مكروبا كان أو غير مكروب
فصل وكثيرا ما نجد أدعية دعا بها قوم فاستجيب لهم فيكون قد اقترن
بالدعاء ضرورة صاحبه وإقباله على الله أو حمنة تقدمت منه جعل الله سبحانه إجابة دعوته شكرا لحسنته أو صادف الدعاء وقت إجابة ونحو ذلك فاجيبت دعوته فيظن الظان ان السر في لفظ ذلك الدعاء فيأخذه
8
مجردا عن تلك الامور التي قارنته من ذلك الداعي وهذا كما اذا استعمل رجل دواء نافعا في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي فانتفع به فظن غيره ان استعمال هذا الدواء مجردا كاف في حصول المطلوب كان غالطا وهذا موضع يغلط فيه كثير من الناس ومن هذا قد يتفق دعاؤه باضطرار عند قبر فيجاب فيظن الجاهل ان السر للقبر ولم يعلم ان السر للاضطرار وصدق اللجاء الى الله فاذا حصل ذلك في بيت من بيوت الله كان افضل وأحب الى الله فصل
والادعية والتعوذات بمنزلة السلاح والسلاح بضاربه لا بحده فقط فمتى كان السلاح سلاحا تاما لا آفة به والساعد ساعد قوي والمانع مفقود حصلت به النكاية في العدو ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة تخلف التأثير فإن كان الدعاء في نفسه غير صالح أو الداعى لم يجمع بين قلبه ولسانه في الدعاء أو كان ثم مانع من الاجابة لم يحصل الأثر
فصل وههنا سؤال مشهور وهو ان المدعو به إن كان قد قدر لم
يكن بد من وقوعه دعا به العبد أو لم يدع وان لم يكن قد قدر لم يقع سواء سأله العبد أو لم يسأله فظنت طائفة صحة هذا السؤال فتركت الدعاء وقالت لا فائدة فيه وهؤلاء مع فرط جهلهم وضلالهم متناقضون فأن اطرد مذهبهم لوجب تعطيل جميع الأسباب فيقال لأحدهم ان كان الشبع والري قد قدرا لك فلا لا بد من وقوعها أكلت أو لم تأكل وإن لم يقدرا لم يقعا أكلت أو لم تأكل وإن كان الولد قدر لك فلابد منه وطأت الزوجة والامة أو لم تطأها وإن لم يقدر لم يكن فلا حاجة الى التزويج والتسري وهلم جرا فهل يقال هذا عاقل أو آدمي بل الحيوان البهيم مفطور على مباشرة الاسباب التي بها قوامه وحياته فالحيوانات أعقل وأفهم من هؤلاءالذين هم كالانعام بل هم أضل سبيلا وتكايس بعضهم وقال الاشتغال بالدعاء من باب التعبد المحض يثيب الله عليه الداعي من غير أن يكون له تأثير في المطلوب بوجه ما ولا فرق عند هذا الكيس بين الدعاء والامساك عنه بالقلب واللسان في التأثير في حصول المطلوب وارتباط الدعاء عندهم به كارتباط السكوت ولا فرق وقالت طائفة أخري أكيس من هؤلاء بل الدعاء علامة مجردة نصبها الله سبحانه أمارة على قضاء الحاجة فمتى وفق العبد للدعاء كان ذلك علامة له وأمارة على أن حاجته قد قضيت وهذا كما إذا رأيت غيما أسود باردا في زمن الشتاء فان ذلك دليل وعلامة على أنه يمطر قالوا وهكذا حكم الطاعات مع الثواب والكفر والمعاصي مع العقاب هي أمارات محضة لوقوع الثواب والعقاب لانها أسباب له
9
وهكذا عندهم الكسر مع الانكسار والحرق مع الاحراق والازهاق ومع القتل ليس شيء من ذلك سببا ألبتة ولا إرتباط بينه وبين ما يترتب عليه الا بمجرد الاقتران لا التأثير السببي وخالفوا بذلك الحس والعقل والشرع والفطرة وسائر طوائف العقلاء بل أضحكوا عليهم العقلاء والصواب ان ههنا قسما ثالثا غير ما ذكره السائل وهو أن هذا المقدور قدر بأسباب ومن أسبابه الدعاء فلم يقدر مجردا عن سببه ولكن قدر بسببه فمتى أتي العبد بالسبب وقع المقدور ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور وهذا كما قدر الشبع والري بالاكل والشرب وقدر الولد بالوطيء وقدر حصول الزرع بالبذر وقدر خروج نفس الحيوان بذبحه وكذلك قدر دخول الجنة بالاعمال ودخول النار بالاعمال وهذا القسم هو الحق وهذا الذي حرمه السائل ولم يوفق له وحينئذ فالدعاء من أقوى الاسباب فاذا قدر وقوع المدعو به بالدعاء لم يصح أن يقال لا فائدة في الدعاء كما لا يقال لا فائدة في الاكل والشرب وجميع الحركات والاعمال وليس شيء من الأسباب أنفع من الدعاء ولا أبلغ في حصول المطلوب ولما كان الصحابة رضى الله عنهم أعلم الامة بالله ورسوله وأفقههم في دينه كانوا أقوم بهذا السبب وشروطه وآدابه من غيرهم وكان عمر رضى الله عنه يستنصر به على عدوه وكان أعظم جنده وكان يقول للصحابه لستم تنصرون بكثرة وانما تنصرون من السماء وكان يقول اني لا أحمل هم الاجابة ولكن هم الدعاء فاذا ألهمت الدعاء معه فان الاجابة معه وأخذ هذا الشاعر فنظمه فقال
لو لم ترد نيل ما أرجوه وأطلبه
من جود كفيك ما علمتنى الطلبا
فمن ألهم الدعاء فقد أريد به الاجابة فان اله سبحانه يقول إدعوني أستجب لكم وقال وإذا سألك عبادي عنى فأني قريب أجيب دعوة الداع أذا دعان وفى سنن ابن ماجه من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله A من لم يسأل الله يغضب عليه وهذا يدل على أن رضاه في سؤاله وطاعته وإذا رضى الرب تبارك وتعالى فكل خير فى رضاه كما أن كل بلاء ومصيبة في غضبه وقد ذكر الامام أحمد في كتاب الزهد أثرا أنا الله لا إله إلا أنا إذا رضيت باركت وليس لبركتي منتهى وإذا غضبت لعنت ولعنتى تبلغ السابع من الولد وقد دل العقل والنقل والفطرة وتجارب الامم على اختلاف أجناسها ومللها ونحلها على أن التقرب الى رب العالمين وطلب مرضاته والبر والاحسان الى خلقه من أعظم الأسباب الجالبة لكل خير واضدادها من أكبر الاسباب الجالبة لكل شر فما استجلبت نعم الله واستدفعت نقمة الله بمثل طاعته والتقرب اليه والاحسان الى خلقه وقد رتب الله سبحانه حصول الخيرات في الدنيا والآخرة وحصول السرور في الدنيا والآخرة في كتابه على الاعمال ترتيب الجزاء
10
على الشرط والمعلول على العلة والمسبب على السبب وهذا في القرآن يزيد على ألف موضع فتارة يرتب الحكم الخبري الكوني والأمر الشرعى على الوصف المناسب له كقوله تعالى فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين وقوله
فلما آسفونا انتقمنا منهم
وقوله
والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا
وقوله
ان المسلمين والمسلمات
الى قوله
والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما
وهذا كثير جدا وتارة ترتبه عليه بصيغة الشرط والجزاء كقوله تعالى
ان تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيآتكم ويغفر لكم
وقوله
وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا
وقوله
فان تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فاخوانكم في الدين
ونظائره وتارة يأتي بلام التعليل كقوله ليتدبروا آياته وليتذكر أولوا الالباب وقوله
لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا
وتارة يأتي باداة كى التي للتعليل كقوله كيلا يكون دولة بين الاغنياء منكم وتارة يأتي بباء السببية كقوله تعالى
ذلك بما قدمت أيديكم
وقوله بما كنتم تعملون وبما كنتم تكسبون وقوله ذلك بأنهم كفروا بآياتنا وتارة يأتى بالمفعول لاجله ظاهرا أو محذوفا كقوله
فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى
وكقوله تعالى أن تقولوا إنا كنا عن هذا غافلين وقوله
أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا
أى كراهة أن تقولوا وتارة يأتي بفاء السببية كقوله
فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها
وقوله
فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية
وقوله
فكذبوهما فكانوا من المهلكين
ونظائره وتارة يأتي باداة لما الدالة على الجزاء كقوله
فلما آسفونا انتقمنا منهم
ونظائره وتارة يأتي بأن وما علمت فيه كقوله
انهم كانوا يسارعون في الخيرات
وقوله فى ضد هؤلاء
إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين
وتارة يأتي بأداة لولا الدالة على ارتباط ما قبلها بما بعدها كقوله فلولاانه كان من المسيحين للبث وفي بطنه الى يوم يبعثون وتارة يأتي بلو الدالة على الشرط كقوله
ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم
وبالجملة فالقرآن من أوله الى آخره صريح في ترتب الجزاء بالخير والشر والاحكام الكونية والامرية على الاسباب بل ترتب احكام الدنيا والآخرة ومصالحهما ومفاسدهما على الاسباب والاعمال ومن تفقه في هذه المسئلة وتأملها حق التأمل انتفع بها غاية النفع ولم يتكل على القدر جهلا منه وعجزا وتفريطا وإضاعة فيكون توكله عجزا وعجزه توكلا بل الفقيه كل الفقيه الذي يرد القدر بالقدر ويدفع القدر بالقدر ويعارض القدر بالقدر بل لا يمكن الانسان ان يعيش الا بذلك فان الجوع والعطش والبرد وأنواع المخاوف والمحاذير هي من القدر والخلق كلهم ساعون في دفع هذا القدر بالقدر وهكذا من وفقه الله وألهمه
11
رشده يدفع قدر العقوبة الاخروية بقدر التوبة والايمان والاعمال الصالحة فهذا وزن المخوف في الدنيا وما يضاده فرب الدارين واحد وحكمته واحدة لا يناقض بعضها بعضا ولا يبطل بعضها بعضا فهذه المسألة من اشرف المسائل لمن عرف قدرها ورعاها حق رعايتها والله المستعان لكن يبقى عليه أمران بهما تتم سعادته وفلاحه أحدهما أن يعرف تفاصيل أسباب الشر والخير ويكون له بصيرة في ذلك بما شهده في العالم وما جربه في نفسه وغيره وما سمعه من أخبار الامم قديما وحديثا ومن أنفع ما في ذلك تدبر القرآن فإنه كفيل بذلك على أكمل الوجوه وفيه أسباب الخير والشر جميعا مفصلة مبينة ثم السنة فإنها شقيقة القرآن وهي الوحي الثاني ومن صرف إليهما عنايته اكتفى بهما من غيرهما وهما يريانك الخير والشر وأسبابهما حتى كانك تعاين ذلك عيانا وبعد ذلك فإذا تأملت أخبار الامم وأيام الله في أهل طاعته وأهل معصيته طابق ذلك ما علمته من القرآن والسنة ورأيته بتفاصيل ما أخبر الله به ووعد به وعلمت من آياته في الآفاق ما يدلك على أن القرآن حق وأن الرسول حق وأن الله ينجز وعده لا محالة فالتاريخ تفصيل لجزئيات ما عرفنا الله ورسوله من الأسباب الكلية للخير والشر
فصل الأمر الثاني أن يحذر مغالطة نفسه على هذه الأسباب وهذا من أهم
الأمور فان العبد يعرف أن المعصية والغفلة من الأسباب المضرة له في دنياه وآخرته ولا جد ولكن تغالطه نفسه بالاتكال على عفو الله ومغفرته تارة وبالتشويف بالتوبة والاستغفار باللسان تارة وبفعل المندوبات تارة وبالعلم تارة وبالاحتجاج بالقدر تارة وبالاحتجاج بالاشباه والنظراء تارة وبالاقتداء بالأكابر تارة وكثير من الناس يظن أنه لو فعل ما فعل ثم قال أستغفر الله زال أثر الذنب وراح هذا بهذا وقال لى رجل من المنتسبين الى الفقه أنا أفعل ما أفعل ثم أقول سبحان الله وبحمده مائة مرة وقد غفر ذلك أجمعه كما صح عن النبي A أنه قال من قال في يوم سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر وقال لي آخر من أهل مكة نحن أحدنا إذا فعل ما فعل ثم اغتسل وطاف بالبيت أسبوعا قد محي عنه ذلك وقال لي آخر قد صح عن النبي A أنه قال أذنب عبد ذنبا فقال أي رب أصبت ذنبا فاغفر لي فغفر الله ذنبه ثم مكث ما شاء الله ثم أذنب ذنبا آخر فقال أي رب أصبت ذنبا فاغفر لي فقال الله عز وجل علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي فليصنع ما شاء وقال أنا لا أشك أن لي ربا يغفر الذنب ويأخذ به وهذا الضرب من الناس قد تعلق بنصوص من الرجاء واتكل عليها
12
وتعلق بها بكلتا يديه واذا عوتب على الخطايا والانهماك فيها سرد لك ما يحفظه من سعة رحمة الله ومغرته ونصوص الرجاء وللجهال من هذا الضرب من الناس في هذا الباب غرائب وعجائب كقول بعضهم وكثر مااستطعت من الخطايا اذا كان القدوم على كريم وقول بعضهم التنزه من الذنوب جهل بسعة عفو الله وقال الآخر ترك الذنوب جراءة على مغفرة الله واستصغارا لها وقال محمد بن حزم رأيت بعض هؤلاء من يقول في دعائه اللهم اني أعوذ بك من العصمة ومن هؤلاء المغرورين من يتعلق بمسألة الجبروان العبد لافعل له البتة ولا إختيار وإنما هو مجبور على فعل المعاصي ومن هؤلاء من يغتر بمسألة الا رجاء وأن الايمان هو مجرد التصديق والاعمال ليست من الايمان وأن ايمان أفسق الناس كايمان جبريل وميكائيل ومن هؤلاء من يغتر بمحبة الفقراء والمشايخ والصالحين وكثرة التردد إلي قبورهم والتضرع إليهم والاستشفاع بهم والتوسل الى الله بهم وسؤاله بحقهم عليه وحرمتهم عنده ومنهم من يغتر بآبائه وأسلافه وأن لهم عند الله مكانة وصلاحا فلا يدعون أن يخلصوه كما يشاهد في حضرة الملوك فإن الملوك تهب لخواصهم ذنوب أبنائهم وأقاربهم وإذا وقع أحد منهم في أمر مفظع خلصه أبوه وجده بجاهه ومنزلته ومنهم من يغتر بان الله عز وجل غنى عن عذابه وعذابه لايزيد في ملكه شيئا ورحمته له لاينقص من ملكه شيئا فيقول أنا مضطر إلى رحمته وهو أغني الاغنياء ولو أن فقيرا مسكينا مضطرا الى شربة ماء عند من في داره شط يجري لما منعه منها فالله أكرم وأوسع فالمغفرة لاتنقصه شيئا والعقوبة لاتزيد في ملكه شيئا ومنهم من يغتر بفهم فاسد فهمه هو وأضرابه من نصوص القرآن والسنة فاتكلوا عليه كاتكال بعضهم على قوله تعالى ولسوف يعطيك ربك فترضى قال وهو لايرضى أن يكون في النار أحد من أمته وهذا من أقبح الجهل وأبين الكذب عليه فانه يرضى بما يرضى به ربه عز وجل والله تعالى يرضيه تعذيب الظلمة والفسقة والخونة والمصرين على الكبائر فحاشا رسوله أن يرضى بما لايرضى به ربه تبارك وتعالى وكاتكال بعضهم على قوله تعالى ان الله يغفر الذنوب جميعا وهذا أيضا من أقبح الجهل فان الشرك داخل في هذه الآية فانه رأس الذنوب وأساسها ولا خلاف أن هذه الآية في حق التائبين فانه يغفر ذنب كل تائب أي ذنب كان ولو كانت الآية في حق غير التائبين لبطلت نصوص الوعيد كلها وأحاديث إخراج قوم من الموحدين من النار بالشفاعة وهذا إنما أوتي صاحبه من قلة علمه وفهمه فانه سبحانه ههنا عمم وأطلق فعلم أنه أراد التائبين وفي سورة النساء خصص وقيد فقال إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فاخبر الله سبحانه أنه لايغفر الشرك وأخبر أنه يغفر ما دونه ولو كان هذا في حق التائب لم يفرق بين الشرك وغيره وكاغترار بعض الجهال بقوله
13
تعالى يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم فيقول كرمه وقد يقول بعضهم انه لقن المغتر حجته وهذا جهل قبيح وانما غره بربه الغرور وهو الشيطان ونفسه الأمارة بالسؤ وجهله وهواه وأني سبحانه بلفظ الكريم وهو السيد العظيم المطاع الذي لاينبغي الاغترار به ولا إهمال حقه فوضع هذا المغتر الغرور فى غير موضعه واغتر بمن لاينبغي الاغترار به وكاغترار بعضهم بقوله تعالى في النار لايصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى وقوله أعدت للكافرين ولم يدر هذا المغتر ان قوله فأنذرتكم نارا تلظى هي النار مخصوصة من جملة دركات جهنم ولو كانت جميع جهنم فهو سبحانه لم يقل لايدخلها بل قال لايصلاها الا الاشقى ولا يلزم من عدم صليها عدم دخولها فان الصلى أخص من الدخول ونفي الاخص لا يستلزم نفى الأعم ثم هذا المغتر لو تأمل الآية التي بعدها لعلم أنه غير داخل فيها فلا يكون مضمونا له ان يجنبها وأما قوله في النار أعدت للكافرين فقد قال في الجنة أعدت للمتقين ولا ينافى إعداد النار للكافرين أن تدخلها الفساق والظلمة ولا ينافى إعداد الجنة للمتقين أن يدخلها من فى قلبه أدني مثقال ذرة من ايمان ولم يعمل خيرا قط وكأغترار بعضهم على صوم يوم عاشوراء أو يوم عرفة حتي يقول بعضهم يوم عاشوراء يكفر ذنوب العام كلها ويبقى صوم عرفة زيادة في الاجر ولم يدر هذا المغتران صوم رمضان والصلوات الخمس أعظم وأجل من صيام يوم عرفة ويوم عاشوراء وهي إنما تكفر ما بينهما اذا اجتنبت الكبائر فرمضان والجمعة الى الجمعة لايقويا على تكفير الصغائر الا مع انضمام ترك الكبائر اليها فيقوي مجموع الامرين على تكفير الصغائر فكيف يكفر صوم تطوع كل كبيرة عملها العبد وهو مصر عليها غير تائب منها هذا محال على أنه لايمتنع أن يكون صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء يكفر لجميع ذنوب العام على عمومه ويكون من نصوص الوعد التي لها شروط وموانع ويكون إصراره على الكبائر مانعا من التكفير فاذا لم يصر على الكبائر تساعد الصوم وعدم الاصرار وتعاونا على عموم التكفير كما كان رمضان والصلوات الخمس مع اجتناب الكبائر متساعدين متعاونين على تكفير الصغائر مع أنه سبحانه قد قال
إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم
فعلم أن جعل الشىء سببا للتكفير لا يمنع أن يتساعد هو وسبب آخر على التكفير ويكون التكفير مع اجتماع السببين أقوى وأتم منه مع انفراد أحدهما وكلما قويت أسباب التكفير كان أقوي وأتم وأشمل وكاتكال بعضهم على قوله A حاكيا عن ربه أنا عند حسن ظن عبدي بي فليظن بي ماشاء يعني ما كان في ظنه فانا فاعله به ولا ريب أن حسن الظن إنما يكون مع الاحسان فان المحسن حسن الظن بربه أن يجازيه على إحسانه ولا يخلف وعده ويقبل توبته وابما المسىء المصر على الكبائر والظلم والمخالفات فان وحشة المعاصي والظلم والحرام تمنعه
14
من حسن الظن بربه وهذا موجود فى الشاهد فان العبد الآبق المسي الخارج عن طاعة سيده لا يحسن الظن به ولا يجامع وحشة الاساءة إحسان الظن ابدا فان المسيء مستوحش بقدر إساءته وأحسن الناس ظنا بربه أطوعهم له كما قال الحسن البصري ان المؤمن أحسن الظن بربه فاحسن العمل وان الفاجر أساء الظن بربه فاساء العمل فكيف يكون يحسن الظن بربه من هو شارد عنه حال مرتحل في ساخطه ! وما يغضبه متعرض للعنته قد هان حقه وأمره عليه فاضاعه وهان نهيه عليه فارتكبه وأصر عليه وكيف يحسن الظن به من بارزه بالمحاربة وعادى اولياءه ووالى اعداءه وجحد صفات كما له وأساء الظن بما وصف به نفسه ووصفته به رسله وظن بجهله ان ظاهر ذلك ضلال وكفر وكيف يحسن الظن ببه من يظن أنه لا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى ولا يرضى ولا يغضب وقد قال الله في حق من شك في تعلق سمعه ببعض الجزئيات وهو السر من القول وذلكم ظنكم الذى ظننتم بربكم أراداكم فاصبحتم من الخاسرين فهؤلاء لما ظنوا أن الله سبحانه لا يعلم كثيرا مما يعملون كان هذا اساءة لظنهم بربهم فارداهم ذلك الظن وهذا شأن كل من جحد صفات كما له ونعوت جلاله ووصفه بما لا يليق به فاذا ظن هذا أنه يدخله الجنة كان هذا غرورا وخداعا من نفسه وتسويلا من الشيطان الاحسان ظن بربه فتأمل هذا الموضوع وتأمل شدة الحاجة اليه وكيف يجتمع في قلب العبد تيقنه بانه ملاقى الله وأن الله يسمع ويري مكانه ويعلم سره وعلانيته ولا يخفى عليه خافية من أمره وأنه موقوف بين يديه ومسئول عن كل ما عمل وهو مقيم على مساخطه مضيع لاوامره معطل لحقوقه وهو مع هذا يحسن الظن به وهل هذا الامن خدع النفوس وغرور الاماني وقد قال أبو أمامة بن سهل بن حليف دخلت أنا وعروة بن الزبير على عائشة رضي الله عنها فقالت لو رأيتما رسول الله A في مرض له وكانت عندي ستة دنانير أو سبعة فأمرني رسول الله A أن أفرقها قالت فشغلني وجع رسول الله A حتي عافاه الله ثم سألني عنها فقال ما فعلت أكنت فرقت الستة الدنانير فقلت لا والله لقد شغلني وجعك قالت فدعا بها فوضعها في كفه فقال ما ظن نبى الله لو لقي الله وهذه عنده وفي لفظ ما ظن محمد بربه لو لقى الله وهذه عنده فيا لله ما ظن أصحاب الكبائر والظلمة بالله اذا لقوه ومظالم العباد عندهم فان كان ينفعهم قولهم حسنا ظنوننا بك لم يعذب ظالم ولا فاسق فليصنع العبد ما شاء وليرتكب كل ما نهاه الله عنه وليحسن ظنه بالله فان النار لا تمسه فسبحان الله ما يبلغ الغرور بالعبد وقد قال ابراهيم لقومه إفكا آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب العالمين أي ما ظنكم أن يفعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره ومن تأمل هذا الموضع حق التأمل علم أن حسن الظن
15
بالله هو حسن العمل نفسه فان العبد إنما يحمله على حسن العمل ظنه بربه أن يجازيه على أعماله ويثيبه عليها ويتقلها منه فالذي حمله على العمل حسن الظن فكلما حسن ظنه حسن عمله والا فحسن الظن مع ابتاع الهوى عجز كما في الترمذي والمسند من حديث شداد ابن أوس عن النبي A الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز معن أتبع نفسه هواها وتمنى على الله وبالجملة فحسن الظن إنما يكون مع انعقاد أسباب النجاة وإما مع انعقاد أسباب الهلاك فلا يتأتي احسان الظن فان قيل بل يتأتي ذلك ويكون مستند حسن الظن سعة مغفرة الله ورحمته وعفوه وجوده وان رحمته سبقت غضبه وانه لا تنفعه العقوبة ولا يضره العفو قيل الامر هكذا والله فوق ذلك وأجل وأكرم وأجود وأرحم ولكن إنما يضع ذلك في محله اللائق به فانه سبحانه موصوف بالحكمة والعزة والانتقام وشدة البطش وعقوبة من يستحق العقوبة فلو كان معول حسن الظن على مجرد صفاته وأسمائه لاشترك في ذلك البر والفاجر والمؤمن والكافر ووليه وعدوه فما ينفع المجرم أسماؤه وصفاته وقد باء بسخطه وغضبه وتعرض للعنته واوقع في محارمه وانتهك حرماته بل حسن الظن ينفع من تاب وندم وأقلع وبدل السيئة بالحسنة واستقبل بقية عمره بالخير والطاعة ثم أحسن الظن فهذا حسن ظن والاول غرور والله المستعان ولا تستبطل هذا الفصل فان الحاجة اليه شديدة لكل أحد ففرق بين حسن الظن بالله وبين الغرة به قال الله تعالى
ان الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله
فجعل هؤلاء أهل الرجا لا الظالمين والفاسقين وقال تعالى
ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم
فاخبر سبحانه أنه بعد هذه الأشياء غفور رحيم لمن فعلها فالعالم يضع الرجاء مواضعه والجاهل المغتر يضعه في غير مواضعه
فصل وكثير من الجهال اعتمدوا على رحمة الله وعفوه وكرمه وضيعوا أمره
ونهيه ونسوا أنه شديد العقاب وأنه لا يرد بأسه عن القوم المجرمين ومن اعتمد على العفو مع الاصرار على الذنب فهو كالمعاند وقال معروف رجاؤك لرحمة من لا تطيعه من الخذلان والحمق وقال بعض العلماء من قطع عضوا منك في الدنيا بسرقة ثلاثة دراهم لا تأمن أن تكون عقوبته في الآخرة على نحو هذا وقيل للحسن نراك طويل البكاء فقال أخاف أن يطرحني في النار ولا يبالي وسأل رجل الحسن فقال يا أبا سعيد كيف نصنع بمجالسة أقوام يخوفونا حتى تكاد قلوبنا تنقطع فقال والله لأن تصحب أقواما يخوفونك حتى تدرك أمنا خير لك من أن تصحب أقواما يؤمنونك حتى
16
تلحقك المخاوف وقد ثبت في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد قال سمعت رسول الله A يقول يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق اقتاب بطنه فيدور في النار كما يدور الحمار برحاه فيطوف به أهل النار فيقولون يا فلان ما أصابك ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر فيقول كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه وذكر الامام أحمد من حديث أبي رافع قال مر رسول الله A بالبقيع فقال أف لك أف لك فظننت أنه يريدني قال لا ولكن هذا قبر فلان بعثته ساعيا الى آل فلان فغل نمرة فدرع الآن مثلها من نار وفي مسنده أيضا من حديث أنس بن مالك قال قال رسول الله A مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقلت من هؤلاء قالوا خطباء من أمتك من أهل الدنيا كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم أفلا يعقلون وفيه أيضا من حديثه قال قال رسول الله A لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقلت من هؤلاء يا جبريل فقال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم وفيه أيضا عنه قال كان رسول الله A يكثر أن يقول يا مقلب القلوب والابصار ثبت قلبي على دينك فقلنا يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا قال نعم ان القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء وفيه أيضا عنه أن رسول الله A قال لجبريل مالي لم أر ميكائيل ضاحكا قط قال ما ضحك منذ خلقت النار وفي صحيح مسلم عنه قال قال رسول الله A يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيصبغ في النار صبغة ثم يقال له يابن آدم هل رأيت خيرا قط هل مربك نعيم قط فيقول لا والله يارب ويؤتي باشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبح في الجنة صبغة فيقال له يابن آدم هل رأيت بؤسا قط هل مر بك شدة قط فيقول لا والله يارب ما مربي بؤس قط ولا رأيت شدة قط وفي المسند من حديث البراء بن عاذب قال خرجنا مع رسول الله A في جنازة رجل من الانصار فانتهينا الى القبر ولما يلحد فجلس رسول الله A وجلسنا حوله كأن على رؤسنا الطير وفي يده عود ينكت به في الارض فرفع رأسه فقال استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلثا ثم قال ان العبد المؤمن اذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل اليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كان وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان أهل الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر ثم يجىء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول أخرجي ايتها النفس المطمئنة أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من السقاء فيأخذها فاذا أخذها
17
لم يدعوها في يده طرفة عين حتي يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط ويخرج منها كأطيب نفخة مسك وجدت على وجه الارض فيصعدون بها فلايمرون بها على ملأ من الملائكة ألا قالوا ماهذه الروح الطيبة فيقولون فلان بن فلان باحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا بها إلى السماء فيستفتحون له فيفتح له فيشيعه من كل سماء مقربوها الى السماء التي تليها حتي ينتهي به الي السماء السابعة فيقول الله عز وجل أكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه الى الارض فاني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخري قال فتعاد روحه فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول ربي الله عز وجل فيقولان له مادينك فيقول ديني الاسلام فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هو محمد رسول الله فيقولان له وما علمك فيقول قرأت كتاب الله عز وجل فآمنت به وصدقت فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فافرشوا له من الجنة والبسوه من الجنة وأفتحوا له بابا الى الجنة قال فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره قال ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول أبشر يسرك بالذي هذا يومك الذي كنت توعد فيقول له من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير فيقول أنا عملك الصالح فيقول رب أقم الساعة سقط ثم رب أقم الساعة حتي أرجع الي أهلي ومالي قال وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل اليه ملائكة من السماء سود الوجوه معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر ثم يجىء ملك الموت حتي يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الخبيثة أخرجي إلى سخط من الله وغضب قال فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبتل فيأخذها فاذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الارض فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة الا قالوا ما هذه الروح الخبيثة فيقولون فلان بن فلان باقبح أسمائه التى كان يسمى بها في الدنيا فيستفتح فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله A لاتفتح لهم أبواب السماء ولايدخلون الجنة حتي يلج الجمل في سم الخياط فيقول الله عز وجل أكتبوا كتابه في سجين في الارض السفلى فتطرح روحه طرحا ثم قرأ ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان له ما دينك فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هاه هاه لا أدري فينادي منا دمن السماء أن كذب عبدي فافرشوا له من النار والبسوه من النار وافتحوا له بابا إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه
18
قبره حتي تختلف فيه اضلاعه ويأتيه رجل قبيح الرجل قبيح الثياب منتن الريح فيقول أبشر بالذي يسوءك هذا يومك الذى كنت توعد فيقول ومن أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر فيقول أنا عملك الخبيث فيقول رب لا نقم الساعة وفي لفظ لاحمد ايضا ثم يقبض له أعمي أصم أبكم في يده مرزبة لو ضرب بها جبلا كان ترابا فيضربه ضربة فيصير ترابا ثم يعيده الله عز وجل كما كان فيضربه ضربة أخري فيصيح صيحة يسمعها كل شيء الا الثقلين قال البراء ثم يفتح له باب الى النار ويمهد له من فرش النار وفي المسند أيضا عنه قال بينما نحن مع رسول الله A إذا أبصرا بجماعة فقال على ما اجتمع هؤلاءقيل على قبر يحفرونه ففزع رسول الله A فبدر بين يدي أصحابه مسرعا حتي انتهي الي القبر فجثي على ركبتيه فاستقبلته من بين يديه لأنظر مايصنع فبكى حتي بل الثري من دموعه ثم أقبل علينا فقال أي إخواني لمثل هذا اليوم فاعدوا وفي المسند من حديث بريدة قال خرج الينا رسول الله A يوما فنادى ثلاث مرات يا أيها الناس أتدرون ما مثلى ومثلكم فقالوا الله ورسوله أعلم فقال إنما مثلى ومثلكم مثل قوم خافوا عدوا يأتيهم فبعثوا رجلا يتراءى لهم فابصر العدو فاقبل لينذرهم وخشى أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه فاهوي بثوبه أيها الناس أتيتم أيها الناس أتيتم ثلاث مرات وفي صحيح مسلم من حديث جابر قال قال رسول الله A كل ماأسكر حرام وإن على الله عزوجل عقدا لمن شرب المسكر ان يسقيه من طينة الخبال قيل وما طينة الخبال قال عرق أهل النار أو عصارة أهل النار وفي المسند أيضا من حديث أبي ذر قال قال رسول الله Aإني أري مالاترون وأسمع مالا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع الا وعليه ملك يسبح الله ساجدا لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم الى الصعدات تجاورن الى الله تعالى قال أبو ذر والله لوددت أني شجرة تعضد وفي المسند أيضا من حديث حذيفة قال كنا مع رسول الله A في جنازة فلما انتهينا الي القبر قعد على ساقيه فجعل يردد بصره فيه ثم قال يضغط المؤمن فيه ضغطة تزول منها حمائله ويملأ على الكافر نارا والحمائل عروق الأنثيين وفي المسند أيضا من حديث جابر قال خرجنا مع رسول الله A الى سعد بن معاذ حين توفى فلما صلى عليه رسول الله A ووضع في قبره وسوى عليه سبح رسول الله A فسبحنا طويلا ثم كبر فكبرنا فقيل يا رسول الله لما سبحت ثم كبرت فقال لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره حتى فرج الله عنه وفي صحيح البخاري من حديث أبي سعيد قال قال رسول الله A إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على
19
أعناقهم فان كانت صالحة قالت قدموني وان كانت غير صالحة قالت ياويلها أين تذهبون بها يسمع صوتها كل شىء الا الانسان ولو سمعها الانسان لصعق وفي مسند أحمد من حديث أبي أمامة قال قال رسول الله A تدنوا الشمس يوم القيامة على قدر ميل ويزاد في حرها كذا وكذا تغلي منها الرؤس كما تغلي القدور يعرقون فيها على قدر خطاياهم منهم من يبلغ الى كعبة ومنهم من يبلغ الى ساقيه ومنهم من يبلغ الى وسطه ومنهم من يلجمه العرق وفيه عن ابن عباس عن النبي A قال كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحتى جبهته يسمع متى يؤمر فينفخ فقال أصحابه كيف نقول قال قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا وفي المسند أيضا عن ابن عمر يرفعه من تعظم في نفسه أو اختال في مشيته لقى الله وهو عليه غضبان وفي الصححين عنه قال قال رسول الله A ان المصورين يعذبون يوم القيامة ويقال لهم احيوا ما خلقتم وفيه أيضا عنه عن النبي A إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده من الغداة والعشى إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتي يبعثك الله عز وجل يوم القيامة وفيهما أيضا عنه عن النبي A إذا صار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار جيء بالموت حتي يوقف بين الجنة والنار ثم يذبح ثم ينادى مناد يا أهل الجنة خلود ولا موت ويا أهل النار خلود ولا موت فيزداد أهل الجنة فرحا الي فرحهم ويزداد أهل النار حزنا الي حزنهم وفي المسند عنه قال من اشتري ثوبا بعشرة دراهم فيها درهم حرام لم يقبل الله له صلوة مادام عليه ثم أدخل أصبعيه في أذنيه ثم قال صمتا إن لم أكن سمعت النبي A يقول وفيه عن عبد الله بن عمرو عن النبي A قال من ترك الصلاة سكرا مرة واحدة فكأنما كانت له الدنيا وما عليها فسلبها ومن ترك الصلوة سكرا أربع مرات كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال قيل وما طينة الخبال يارسول الله قال عصارة أهل جهنم وفيه أيضا عنه مرفوعا من شرب الخمر شربة لم تقبل له صلوة أربعين صباحا فان تاب تاب الله عليه فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة قال فان عاد كان حقا على الله أن يسقيه من روغة الخبال يوم القيامة وفي المسند أيضا من حديث أبي موسى قال قال رسول الله A من مات مدمنا للخمر سقاه الله من نهر الغوطة قيل وما نهر الغوطة قال نهر يجري من فروج المؤمنات يؤذي أهل النار ريح فروجهن وفيه أيضا عنه قال قال رسول الله A تعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات فاما عرضتان فجدال ومعاذير وأما الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في الايدي فأخذ بيمينه وآخذ بشماله وفي المسند أيضا من
20
حديث بن مسعود أن رسول الله A قال إياكم ومحقرات الذنوب فانهن يجتمعن علي الرجل حتي يهلكنه وضرب لهن رسول الله A مثلا كمثل قوم نزلوا أرض فلاة فحضر صنيع القوم فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود والرجل يجيء بالعود حتى جمعوا سوادا وأججوا نارا وانضجوا ماقذفوا فيها وفي الصحيح من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله A يضرب الجسر على جهنم فأكون أول من يجوز ودعوى الرسول يومئذ اللهم سلم سلم وحافتيه كلاليب مثل شوك السعدان ان يختطف الناس باعمالهم فمنهم الموثق بعمله ومنهم المخدوش ثم ينجوا حتى اذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد ان يخرج من النار من أراد أن يرحم ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله أمر الملائكة أن يخرجوه فيعرفونه بعلامة أثر السجود وحرم الله على النار ان تأكل من ابن آدم أثر السجود فيخرجونهم وقد امتحشوا فيصب عليهم من ماء يقال له ماء الحيوة فينبتون نبات الحبة في حميل المسيل وفي صحيح مسلم عنه قال سمعت رسول الله A يقول ان اول الناس يقضي فيه يوم القيامة ثلاثة رجل استشهد فاني به فعرفه نعمة فعرفها فقال ما عملت فيها قال قاتلت فيك حتي قتلت قال كذبت ولكن قاتلت ليقال هو جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتي ألقى في النار ورجلي تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها فقال ما علملت فيها قال تعلمت فيك العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن فقال كذبت ولكنك تعلمت ليقال هو عالم فقد قيل وقرأت القرآن ليقال هو قاريء فقد قيل ثم أمر به فسخب على وجهه حتي ألقي في النار ورجل وسع الله عليه رزقه وأعطاه من أصناف المال كله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها فقال ما عملت فيها فقال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها الا أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار وفي لفظ فهؤلاء أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة وسمعت شيخ الاسلام يقول كما أن خير الناس الانبياء فشر الناس من تشبه بهم من الكذابين وأدعي أنه منهم وليس منهم فخير الناس بعدهم العلماء والشهداء والصديقون والمخلصون فشر الناس من تشبه بهم يوهم أنه منهم وليس منهم وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي A من كانت عنده لأخيه مظلمة في مال أو عرض فليأته فليستحلها منه قبل أن يؤخذ وليس عنده دينار ولا درهم فان كانت له حسنات أخذ من حسناته فاعطيها هذا والا أخذ من سيئات هذا فطرحت عليه ثم طرح في النار وفي الصحيح من حديث أبي هريرة عنه A من أخذ شبرا من الارض بغير حقه خسف به يوم القيامة الى سبع أرضين وفي الصحيحين عنه قال قال
21
رسول الله A ناركم هذه التي توقد بنوا آدم جزء واحد من سبعين جزأ من نار جهنم قالوا والله ان كانت الكافية قال فانها قد فضلت عليها بتسعة وستين جزأ كلهن مثل حرها وفي المسند عن معاذ قال أوصاني رسول الله A فقال لاتشرك بالله شيئا وان قتلت أو حرقت ولاتعقن والديك وان أمراك ان تخرج من مالك وأهلك ولاتتركن صلوة مكتوبة متعمدا فان من ترك صلوة مكتوبة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله ولاتشرب خمرا فانه رأس كل فاحشة وإياك والمعصية فان المعصية تحل سخط الله والاحاديث في هذا الباب أضعاف أضعاف ماذكرنا فلا ينبغي لمن نصح نفسه أن يتعامى عنها ويرسل نفسه في المعاصي ويتعلق بحسن الرجاء وحسن الظن قال أبو الوفاء بن عقيل أحذر ولا تغتر فانه قطع اليد في ثلاثة دراهم وجلد الحد في مثل رأس الابرة من الخمر وقد دخلت المرأة النار في هرة واشتعل الشملة نارا على من غلها وقد قتل شهيدا وقال الامام أحمد ثنا معاوية ثنا الاعمش عن سليمان بن مسيرة عن طارق بن شهاب يرفعه قال دخل رجل الجنة في ذباب ودخل رجل النار في ذباب قالوا وكيف ذلك يا رسول الله قال مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتي يقرب له شيئا فقال لأحدهما قرب فقال ليس عندي شيء قالوا قرب ولو ذبابا فقرب ذبابا فخلو سبيله فدخل النار وقالوا للآخر قرب فقال ما كنت أقرب شيئا دون الله عز وجل فضربوا عنقه فدخل الجنة وهذه الكلمة الواحدة يتكلم بها العبد يهوى بها فى النار أبعد مابين المشرق والمغرب وربما اتكل بعض المغترين على ما يرى من نعم الله عليه في الدنيا وأنه يغتربه ويظن أن ذلك من محبة الله له وأنه يعطيه في الآخرة أفضل من ذلك فهذا من الغرور قال الامام أحمد ثنا يحي بن غيلان ثنا رشد بن سعد عن حرملة بن عمران النحبيبي ! عن عقبة بن مسلم عن عقبة بن عامر عن النبي A قال إذا رأيت الله عز وجل يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فانما هو استدراج ثم تلى قوله عزوجل فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتي إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فاذا هم مبلسون وقال بعض السلف إذا رأيت الله عز وجل يتابع عليك نعمة وأنت مقيم علي معاصيه فاحذره فانما هو استدراج منه يستدرجك به وقد قال تعالى ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكؤن وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين وقد رد سبحانه على من يظن هذا الظن بقوله فاما الانسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقد عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلا أي ليس كل من أنعمته ووسعت
22
عليه رزقه أكون قد أكرمته وليس كل من ابتليته وضيقت عليه رزقه أكون قد اهنته بل أبتلى هذا بالنعم وأكرم هذا بالابتلاء وفي جامع الترمذي عنه A إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الايمان إلا من يحب وقال بعض السلف رب مستدرج بنعم الله عليه وهو لا يعلم ورب مفتون بثناء الناس عليه وهو لا يعلم ورب مغرور بستر الله عليه وهو لا يعلم فصل
وأعظم الخلق غزورا من اغتر بالدنيا وعاجلها فأثرها على الآخرة ورضي بها من الآخرة حتى يقول بعض هؤلاء الدنيا نقد والآخر نسيئة والنقد أنفع من النسيئة ويقول بعضهم درة منقودة ولادرة موعودة ويقول آخر منهم لذات الدنيا متيقنة ولذات الآخرة مشكوك فيها ولا أدع اليقين للشك وهذا من أعظم تلبيس الشيطان وتسويله والبهائم العجم أعقل من هؤلاء فان البهيمة إذا خافت مضرة شيء لم تقدم عليه ولو ضربت وهؤلاء يقدم أحدهم على ما فيه عطبه وهو ينظر اليه وهو بين مصدق ومكذب فهذا الضرب إن آمن أحدهم بالله ورسوله ولقائه والجزاء فهو من أعظم الناس حسرة لأنه أقدم على علم وإن لم يؤمن بالله ورسوله فا بعد له وقول هذا القائل النقد خير من النسيئة فجوابه انه اذا تساوي النقد والنسيئة فالنقد خير وان تفاوتا وكانت النسيئة أكبر وأفضل فهي خير فكيف والدنيا كلها من أولها الى آخرها كنفس واحد من أنفاس الآخرة كما في مسند أحمد والترمذي من حديث المستورد بن شداد قال قال رسول الله A ما الدنيا في الآخرة الا كما يدخل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع فايثار هذا النقد على هذه النسيئة من أعظم الغبن وأقبح الجهل واذا كان هذا نسبة الدنيا بمجموعها الى الآخرة فما مقدار عمر الانسان بالنسبة الى الآخرة فأيما أولى بالعاقل إيثار العاجل في هذه المدة اليسيرة وحرمان الخير الدائم في الآخرة أم ترك شيء حقير صغير منقطع عن قرب ليأخذ مالا قيمة له ولا حظر له ولانهاية لعدده ولاغاية لأمده وأما قول الآخر لا أترك متيقنا لمشكوك فيه فيقال له إما أن تكون على شك من وعد الله ووعيده وصدق رسله أو تكون على اليقين من ذلك فان كنت على اليقين فما تركت الا ذرة عاجلة منقطعة فانية عن قرب لأنه متيقن لأشك فيه ولا انقطاع له وان كنت على شك فتأمل آيات الرب تعالى الدالة على وجوده وقدرته ومشيئته ووحدانيته وصدق رسله فيما أخبروا به عنه وتجرد وقمم لله ناظرا أو مناظرا حتي يتبين لك أن ما جاءت به الرسل عن الله فهو الحق الذي لاشك فيه وان خالق هذا العالم هو رب
23
السموات والأرض يتعالى ويتقدس ويتنزه عن خلاف ما اخبرت به رسله عنه ومن نسبه الى غير ذلك فقد شتمه وكذبه وأنكر ربوبيته وملكه اذا من المحال الممتنع عند كل ذي فطرة سليسة أن يكون الملك الحق عاجزا أو جاهلا لا يعلم شيئا ولا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم ولا يأمر ولا ينهي ولا يثيب ولا يعاقب ولا يعز من يشاء ولا يذل من يشاء ولا يرسل رسله إلى أطراف مملكته ونواحيها ولا يعتني باحوال رعيته بل يتركهم سدي ويخليهم هملا ولهذا يقدح في ملك آحاد ملوك البشر ولايليق به فكيف يجوز نسبه الملك الحق المبين اليه واذا تأمل الانسان حاله من مبدأ كونه نطفة الى حين كماله واستوائه تبين له ان من عني به هذه العناية ونقله الى هذه الأحوال وصرفه في هذه الأطوار لا يليق به أن يهمله ويتركه سدى لا يأمر ولا ينهاه ولا يعرفه بحقوقه عليه ولا يثيبه ولا يعاقبه ولو تأمل العبد حق التأمل لكان كل ما يبصره وما لا يبصره دليلا له على التوحيد والنبوة والمعاد وأن القرآن كلامه وقد ذكرنا وجه الاستدلال بذلك في كتاب إيمان القرآن عند قوله فلا أقسم بما تبصرون ومالا تبصرون إنه لقول رسول كريم وذكرنا طرفا من ذلك عند قوله وفي أنفسكم أفلا تبصرون وأن الانسان دليل نفسه على وجود خالقه وتوحيده وصدق رسله وإثبات صفات كماله فقد بان بان المضيع مغرور على التقديرين تقدير تصديقه ويقينه وتقدير تكذيبه وشكه فان قلت كيف يجتمع التصديق الجازم الذى لا شك فيه بالمعاد والجنة والنار ويتخلف العمل وهل في الطباع البشرية ان يعلم العبد انه مطلوب غدا الى بين يدي بعض الملوك ليعاقبه أشد عقوبة أو يكرمه أتم كرامة ويبيت ساهيا غافلا لا يتذكر موقفه بين يدي الملك ولا يستعد له ولا يأخذ له أهبة قيل هذا لعمر الله سؤال صحيح وارد على أكثر هذا الخلق واجتماع هذين الامرين من أعجب الاشياء وهذا التخلف له عدة أسباب أحدها ضعف العلم ونقصان اليقين ومن ظن أن العلم لا يتفاوت فقوله من أفسد الاقوال وأبطلها وقد سأل ابراهيم الخليل ربه أن يريه أحياء الموتي عيانا بعد علمه بقدرة الرب على ذلك ليزداد طمأنينة ويصير المعلوم غيبا شهادة وقد روى أحمد في مسنده عن النبي A انه قال ليس الخبر كالمعاين فاذا اجتمع الى ضعف العلم عدم استحضاره أو غيبته عن القلب كثيرا من أوقاته أو أكثرها لاشتغاله بما يضاده وانضم الى ذلك تقاضي الطبع وغلبات الهوي واستيلاء الشهوة وتسويل النفس وغرور الشيطان واستبطاء الوعد وطول الامل ورقدة الغفلة وحب العاجلة ورخص التأويل والف العوائد فهناك لا يمسك الايمان في القلب الا الذي يمسك السموات والارض أن تزولا وبهذا السبب يتفاوت الناس في الايمان والاعمال حتى ينتهي الى أدني مثقال ذرة في القلب وجماع هذه الاسباب يرجع الى ضعف
24
البصيرة والصبر ولهذا مدح الله سبحانه أهل الصبر واليقين وجعلهم أئمة في الدين فقال تعالى وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون
فصل وقد تبين الفرق بين حسن الظن والغرور وان حسن الظن ان حمل
على العمل وحث عليه وساعده وساق اليه فهو صحيح وان دعا الى البطالة والانهماك في المعاصي فهو غرور وحسن الظن هو الرجاء فمن كان رجاؤه جاذبا له على الطاعة زاجرا له عن المعصية فهو رجاء صحيح ومن كانت بطالته رجاء ورجاؤه بطالة وتفريطا فهو المغرور ولو أن رجلا كانت له أرض يؤمل أن يعود عليه من مغلها ما ينفعه فاهملها ولم يبذرها ولم يحرثها وأحسن ظنه بأنه يأتى من مغلها ما يأتي من غير حرث وبذر وسقي وتعاهد الارض لعده الناس من أسفه السفهاء وكذلك لو حسن ظنه وقوى رجاءه بانه يجيئه ولد من غير جماع أو يصير أعلم أهل زمانه من غير طلب العلم وحرص تام عليه وأمثال ذلك فكذلك من حسن ظنه وقوى رجاؤه في الفوز بالدرجات العلي والنعيم المقيم من غير طاعة ولا تقرب الى الله تعالى بأمتثال أوامره واجتناب نواهيه وبالله التوفيق وقد قال الله تعالى أن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله فتأمل كيف جعل رجاءهم باتيانهم بهذه الطاعات وقال المغترون ان المفرطين المضيعين لحقوق الله المعطلين لاوامره الباغين على عباده المتجزئين على محارمه أولئك يرجون رحمة الله وسر المسئلة ان الرجاء وحسن الظن إنما يكون مع الاتيان بالاسباب التي اقتضتها حكمة الله في شرعه وقدره وثوابه وكرامته فيأتي العبد بها ثم يحسن ظنه بربه ويرجوه أن لايكله إليها وأن يجعلها موصلة الى ما ينفعه ويصرف ما يعرضها ويبطل أثرها
فصل ومما ينبغي أن يعلم أن من رجا شيئا رجاؤه ثلاثة أمور أحدها
محبته ما يرجوه الثاني خوفه من فواته الثالث سعيه في تحصيله بحسب الامكان وأما رجاء لايقارنه شيء من ذلك فهو من باب الاماني والرجاء شيء والاماني شيء آخر فكل راج خائف والسائر على الطريق اذا خاف أسرع السير مخافة الفوات وفي جامع الترمذي من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله A من خاف أدلج ومن آدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالبة ألا إن سلعة الله الجنة وهو سبحانه كما جعل الرجاء لاهل الاعمال الصالحة فكذلك جعل الخوف لاهل الاعمال الصالحة فعلم ان الرجاء والخوف النافع هو ما اقترن به العمل
25
قال الله تعالى ان الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون والذين هم بربهم لا يشركون والذين يوتون ما أتوا وقلوبهم وجلة إنهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون وقد روى الترمذي في جامعه عن عائشة رضى الله عنها قالت سألت رسول الله A عن هذه الآية فقلت أهم الذين يشربون الخمر ويزنون ويسرفون فقال لا يا إبنة الصديق ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ويخافون أن لا يتقبل منهم أولئك يسارعون في الخيرات وقد روى من حديث أبى هريرة أيضا والله سبحانه وصف أهل السعادة بالاحسان مع الخوف ووصف الاشقياء بالاساءة مع الامن ومن تأمل أحوال الصحابة رضى الله عنهم وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف ونحن جمعنا بين التقصير بل التفريط والامن فهذا الصديق يقول وددت اني شعرة في جنب عبد مؤمن ذكره أحمد عنه وذكر عنه أيضا انه كان يمسك بلسانه ويقول هذا الذي أوردني الموارد وكان يبكى كثيرا ويقول أبكوا فان لم تبكوا فتباكوا وكان اذا قام الى الصلاة كأنه عود من خشية الله عز وجل واتي بطائر يقلبه ثم قال ما صيد من صيد ولا قطعت من شجرة الا بما ضيعت من التسبيح ولما احتضر قال لعائشة يا بنية اني أصبت من مال المسلمين هذه العبادة وهذه الحلاب وهذا العبد فاسرعى به إلى بن الخطاب وقال والله لوددت أني كنت هذه الشجرة تؤكل وتعضد وقال قتادة بلغني ان أبا بكر قال ليتني خضرة تأكلني الدواب وهذا عمر بن الخطاب قرأ سورة الطور إلى أن بلغ قوله إن عذاب ربك لواقع فبكى وإشتد بكاؤه حتي مرض وعادوه وقال لابنه وهو في الموت ويحك ضع خدي على الأرض عاد ! أن يرحمني ثم قال ويل أمي إن لم يغفر الله لي ثلاثا ثم قضى وكان يمر بالآية في ورده بالليل فتختفه فيبقى في البيت أياما ويعاد ويحسبونه مريضا وكان فى وجهه رضى الله عنه خطان أسودان من البكاء وقال له ابن عباس مصر الله بك الامصار وفتح بك الفتوح وفعل وفعل فقال وددت اني أنجو لا أجر ولا وزر وهذا عثمان بن عفان كان اذا وقف على القبر يبكى حتى تبل لحيته وقال لو اننى بين الجنة والنار لا أدري الى أيتهما يؤمر بي لاخترت أن أكون رمادا قبل أن أعلم الى أيتهما أصير وهذا على بن أبي طالب رضي الله عنه وبكاؤه وخوفه وكان يشتد خوفه من أثنتين طول الامل واتباع الهوي قال فاما طول الامل فينسي الآخرة وأما إتباع الهوي فيصد عن الحق ألا وإن الدنيا قد ولت مدبرة والآخرة مقبلة ولكل واحدة منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولاتكونوا من أبناء الدنيا فان اليوم عمل ولاحساب وغدا حساب ولا عمل وهذا أبو الدرداء
26
كان يقول إن أشد ما أخاف على نفسى يوم القيامة أن يقال يا أبا الدرداء قد علمت فكيف عملت فيما علمت وكان يقول لو تعلمون ما أنتم لاقون بعد الموت لما أكلتم طعاما على شهوة ولا شربتم شرابا على شهوة ولادخلتم بيتا تستظلون فيه ولخرجتم الى الصعدات تضربون صدوركم وتبكون على أنفسكم ولوددت أني شجرة تعضد ثم تؤكل وهذا عبد الله بن عباس كان أسفل عينيه مثل الشراك البالي من الدموع وكان أبو ذر يقول ياليتني كنت شجرة تعضد وودت أني لم أخلق وعرضت عليه النفقة فقال عندنا عنز نحلبها وحمر ننقل عليها ومحرر يخدمنا وفضل عباءة وإني أخاف الحساب فيها وقرأ تميم الداري ليلة سورة الجاثية فلما أتي على هذه الآية أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات جعل يرددها ويبكى حتي أصبح وقال أبو عبيدة بن الجراح وددت أني كبش فذبحني أهلى وأكلوا لحمي وحسوا مرقى وهذا باب يطول تتبعه قال البخاري في صحيحه باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر وقال ابراهيم التيمي ما عرضت قولي على عملي الاخشيت أن أكون مكذبا وقال بن أبي مليكة ادركت ثلثين من اصحاب النبي A كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول انه على ايمان جبريل وميكائيل ويذكر عن الحسن ماخافه الا مؤمن ولا أمنه الا منافق وكان عمر بن الخطاب يقول لحذيفة أنشدك الله هل سمانى لك رسول الله A يعني في المنافقين فيقول لا ولا أزكى بعدك احدا فسمعت شيخنا يقول مراده اني لا أبرىء غيرك من النفاق بل المراد انى لا أفتح على هذا الباب فكل من سألني هل سمانى لك رسول الله A فأزكيه قلت وقريب من هذا قول النبي A للذي سأله ان يدعو له أن يكون من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب سبقك بها عكاشة ولم يرد أن عكاشة أن وحده أحق بذلك ممن عداه من الصحابة ولكن لو دعا لقام آخر وآخر وانفتح الباب وربما قام من لم يستحق أن يكون منهم فكان الامساك أولى والله أعلم
فصل فلنرجع الى ما كنا فيه مما ذكرنا من ذكر دواء الداء الذي إن
استمر أفسد دنيا العبد وآخرته فما ينبغي أن يعلم أن الذنوب والمعاصى تضر ولا شك أن ضررها فى القلوب كضرر السموم في الابدان على إختلاف درجاتها في الضرر وهل فى الدنيا والآخرة شرور وداء الأسببه الذنوب والمعاصى فما الذي أخرج الأبوين من الجنة دار اللذة والنعيم والبهجة والسرور الى دار الآلام والاحزان والمصائب وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء
27
وطرده ولعنه ومسخ ظاهره وباطنه فجعلت صورته أقبح صورة وأشنعها وباطنه أقبح من صورته وأشنع وبدل بالقرب بعدا وبالرحمة لعنة وبالجمال قبحا وبالجنة نارا تلظى وبالايمان كفرا وبموالات الولى الحميد أعظم عداوة ومشاقة وبزجل التسبيح والتقديس والتهليل زجل الكفر والشرك والكذب والزور والفحش وبلباس الايمان لباس الكفر والفسوق والعصيان فهان على الله غاية الهوان وسقط من عينه غاية السقوط وحل عليه غضب الرب تعالى فاهواه ومقته أكبر المقت فأرداه فصار قوادا لكل فاسق ومجرم رضي لنفسه بالقيادة بعد تلك العبادة والسيادة فعياذا بك اللهم من مخالفة أمرك وإرتكاب نهيك وماالذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رأس الجبال وما الذي سلط الريح العقيم على قوم عاد حتى القتهم موتي على وجه الارض كأنهم أعجاز نخل خاوية ودمرت مامر عليه من ديارهم وحروثهم وزروعهم ودوابهم حتى صاروا عبرة للامم الى يوم القيامة وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتي قطعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم وماالذي رفع قرى اللوطية حتي سمعت الملائكة نبيح كلابهم ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها فاهلكم جميعا ثم أتبعهم حجارة من سجيل السماء أمطرها عليهم فجمع عليهم من العقوبة ما لم يجمعه علي أمة غيرهم ولاخوانهم أمثالها وما هي من الظالمين ببعيد وما الذي أرسل علي قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل فلما صار فوق رؤسهم أمطر عليهم نارا تلظى وما الذى أغرق فرعون وقومه في البحر ثم نقلت أرواحهم إلى جهنم فالاجساد للغرق والارواح للحرق وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بانواع العقوبات ودمرها تدميرا وما الذي أهلك قوم صاحب يس بالصيحة حتي خمدوا عن آخرهم وما الذي بعث على بنى إسرائيل قوما أولى بأس شديد فجاسوا خلال الديار وقتلوا الرجال وسبوا الذراري والنساء وأحرقوا الديار ونهبوا الأموال ثم بعثهم عليهم مرة ثانية فاهلكوا ما قدروا عليه وتبروا ما علو تتبيرا وما لذي سلط عليهم بانواع العذاب والعقوبات مرة بالقتل والسبي وخراب البلاد ومرة بجور الملوك ومرة بمسخهم قردة وخنازير وآخر ذلك أقسم الرب تبارك وتعالى ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب قال الامام أحمد ثنا الوليد بن مسلم ثنا صفوان بن عمر وحدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال لما فتحت قبرس فرق بين أهلها فبكى بعضهم الى بعض فرأيت أبا الدرداء جالسا وحده يبكى فقلت يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الاسلام وأهله فقال ويحك يا جبير ما أهون الخلق على الله عز وجل إذا أضاعوا أمره بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك تركوا أمر الله فصاروا الي ما ترى وقال على بن الجعذنا شعبة عن عمرو ابن مرة قال سمعت
28
ابا البختري يقول اخبرني من سمع النبي A يقول لن يهلك الناس حتي يعذروا من أنفسهم وفي مسند أحمد من حديث أم سلمة قالت سمعت رسول A يقول اذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده فقلت يا رسول الله أما فيهم يومئذ أناس صالحون قال بلى قلت كيف يصنع باؤلئك قال يصيبهم ما أصاب الناس ثم يصيرون الى مغفرة من الله ورضوان وفي مراسيل الحسن عن النبي A لاتزال هذه الامه تحت يد الله وفى كنفه ما لم يمال قراؤها امراءها وما لم يزك صلحاؤها فجارها وما لم يهن خيارها شرارها فاذا هم فعلوا ذلك رفع الله يده عنهم ثم سلط عليهم جبابرتهم فيسومونهم سوء العذاب ثم ضربهم الله بالفاقة والفقر وفي المسند من حديث ثوبان قال قال رسول الله A إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه وفيه أيضا عنه قال قال رسول الله A يوشك أن تداعي عليكم الامم من كل أفق كما تداعي الأكلة على قصعتها قلنا يا رسول الله أمن قلة بنا يومئذ قال أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل تنزع المهابة من قلوب عدوكم وتجعل في قلوبكم الوهن قالوا وما الوهن قال حب الحياة وكراهة الموت وفى المسند من حديث أنس قال قال رسول A لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوهم وصدورهم فقلت من هؤلاء يا جبريل فقال هؤلاءالذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم وفى جامع الترمذي من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله A يخرج في آخر الزمان قوم يختلون الدنيا بالدين ويلبسون للناس مسوك الضأن من اللين ألسنتهم أحلى من السكر وقلوبهم قلوب الذئاب يقول الله عز وجل أبي تغترون وعلي تجترون في حلفت لابعثن على اؤلئك فتنة تدع الحليم منهم حيرانا وذكر أبن أبي الدنيا من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال قال على يأتي على الناس زمان لا يبقى من الاسلام إلا إسمه ولا من القرآن إلا رسمه مساجدهم يومئذ عامرة وهي خراب من الهدى علماؤهم أشر من تحت أديم السماء منهم خرجت الفتنة وفيهم تعود وذكر من حديث سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه اذا ظهر الربا والزنا في قربة أذن الله عز وجل بهلاكها وفى مراسيل الحسن اذا أظهر الناس العلم وضيعوا العمل وتحابوا بالالسن وتباغضوا بالقلوب وتقاطعوا بالارحارم لعنهم الله عز وجل عند ذلك فاصمهم وأعمى أبصارهم وفي سنن ابن ماجة من حديث عبدالله بن عمر بن الخطاب قال كنت عاشر عشرة رهط من المهاجرين عند رسول الله A فا قبل علينا رسول الله A بوجهه فقال يا معشر المهاجرين خمس خصال وأعوذ بالله أن تدركوهن ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها إلا ابتلوا بالطواعين والاوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين
29
مضوا ولانقص قوم المكيال والميزان إلا ابتلوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان وما منع قوم زكاة اموالهم إلا منعوا القطر من السماء فلولا البهائم لم يمطروا ولا خفر قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم من غير فاخذوا بعض ما في ايديهم وما لم تعمل ائمتهم بما انزل الله فى كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم وفي المسند والسنن من حديث عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد عن أبى عيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال قال رسول A ان من كان قبلكم كان إذا عمل العامل فيهم بالخطيئة جاءه الناهي تعذيرا فقال يا هذا اتق الله فاذا كان من الغد جالسه وواكله وشاربه كانه لم يره على خطيئة بالامس فلما رأي الله عز وجل ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض ثم لعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون والذى نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق اطرا او ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم وذكر ابن أبي الدنيا عن إبراهيم بن عمرو الصنعاني قال أوحي الله الى يوشع بن نون اني مهلك من قومك أربعين الفا من خيارهم وستين الفا من شرارهم قال يارب هؤلاء الاشرار فما بال الاخيار قال إنهم لم يغضبوا لغضبي وكانوا يواكلونهم ويشاربونهم وذكر أبو عمر بن عبد البر عن أبي عمران قال بعث الله عز وجل ملكين الى قرية ان دمراها بمن فيها فوجدا فيها رجلا قائما يصلى فى مسجد فقالا يا رب ان فيها عبدك فلانا يصلي فقال الله عز وجل دمراها ودمراه معهم فانه ما يتمعر وجهه في قط وذكر الحميدي عن سفيان بن عيينة قال حدثني سفيان بن سعيد عن مسعر ان ملكا أمر أن يخسف قرية فقال يا رب ان فها فلانا العابد فاوحي الله اليه ان به فابدأ فانه لم يتمعر وجهه في ساعة قط وذكر ابن أبي الدنيا عن وهب بن منبه قال لما أصاب داود الخطيئة قال يا رب اغفر لي قال قد غفرت لك والزمت عارها بني اسرائيل قال يارب كيف وأنت الحكم العدل لاتظلم احدا أنا أعمل الخطيئة وتلزم علوها غيرى فاوحي الله اليه انك لما عملت الخطيئة لم يعجلوا عليك بالانكار وذكر ابن أبي الدنيا عن أنس بن مالك أنه دخل على عائشة هو ورجل آخر فقال لها الرجل يا ام المؤمنين حدثينا عن الزلزلة فقالت إذا استباحوا الزنا وشربوا الخمر وضربوا بالمعازف غار الله عز وجل في سمائه فقال للارض تزلزلى بهم فان تابوا ونزعوا وإلا أهدمها عليهم قال يا أم المؤمنين أعذابا لهم قالت بل موعظة ورحمة للمؤمنين ونكالا وعذابا وسخطا على الكافرين فقال أنس ما سمعت حديثا بعد رسول A أنا أشد فرحا مني بهذا الحديث وذكر ابن أبي الدنيا حديثا مرسلا ان الارض تزلزت على عهد رسول الله A
30
فوضع يده عليها ثم قال اسكني فانه لم يأن لك بعد ثم التفت الى أصحابه فقال إن ربكم ليستعتبكم فاعتبره ثم تزلزلت بالناس على عهد عمر بن الخطاب فقال يا أيها الناس ما كانت هذه الزلزلة الا عن شيء أحدثتموه والذى نفسي بيده لان عادت لا أساكنكم فيها ابدا وفي مناقب عمر لابن أبي الدنيا إن الارض تزلزلت على عهد عمر فضرب يده عليها وقال مالك مالك أما انها لو كانت القيامة حدثت أخبارها سمعت رسول الله A يقول اذا كان يوم القيامة فليس فيها ذراع ولا شبر الا وهو ينطق وذكر الامام احمد عن صفية قالت زلزلت المدينة على عهد فقال ياليها الناس ما هذا اسرع ما أحدثتم لان عادت لا تجدوني فيها وقال كعب انما زلزلت الارض اذا عمل فيها بالمعاصي فترعدا فرقا من الرب عز وجل أن يطلع عليها وكتب عمر بن عبد العزيز الى الامصار أما بعد فان هذا الرجف شيء يعاتب الله عزوجل به العباد وقد كتبت إلى سائر الامصار يخرجوا في يوم كذا وكذا في شهر كذا وكذا فمن كان عنده شيء فليتصدق به فان الله عز وجل قال قد افلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى وقولوا كما قال آدم ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لتكونن من الخاسرين وقولوا كما قال نوح وإلا تغفر لى وترحمني أكن من الخاسرين وقولوا كما قال يونس لا إله إلا انت سبحانك إني كنت من الظالمين وقال الامام أحمد حدثنا اسود بن عامر ثنا ابو بكر عن الاعمش عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر سمعت رسول الله A يقولاذا ظن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة واتبعوا اذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء فلا يرفعه عنهم حتي يراجعوا دينهم ورواه أبو داود بإسناد حسن وذكر ابن أبى الدنيا من حديث ابن عمر قال لقد رأيتنا وما أحد أحق بديناره ودرهمه من اخيه المسلم ولقد سمعت رسول الله A يقول اذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة وتركوا الجهاد في سبيل الله وأخذوا اذناب البقرة أنزل الله عليهم من السماء بلاء فلا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم وقال الحسن أن العينة والله ما هي الا عقوبة من الله عز وجل على الناس ونظر بعض أنبياء بني إسرائيل الى ما يصنع بهم بختنصر فقال بما كسبت أيدينا سلطت علينا من لا يعرفك ولا يرحمنا وقال بخت نصر لدانيال ما الذي سلطني على قومك قال عظم خطيئتك وظلم قومي أنفسهم وذكر ابن أبي الدنيا من حديث عمار بن ياسر وحذيفة عن النبي A إن الله عز وجل إذا أياد بالعباد نقمة أمات الاطفال
31
وأعقم أرحام النساء فتنزل النقمة وليس فيهم مرحوم وذكر عن مالك بن دينار قال قرأت في الحكمة يقول الله عز وجل أنا الله مالك الملوك قلوب الملوك بيدى فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة فلا يشغلوا انفسكم بسب الملوك ولكن توبوا إلي أعطنهم عليكم وفي مراسيل الحسن إذا أراد الله بقوم خيرا جعل أمرهم الى حلمائهم وفيئهم عند سمحائهم واذا أراد بقوم شرا جعل أمرهم الى سفائهم وفيئهم عند بخلائهم وذكر الامام أحمد وغيره عن قتادة قال يونس يا رب أنت في السماء ونحن في الارض فما علامة غضبك من رضاك قال إذا استعملت عليكم خياركم فهو من علامة رضائي عليكم وإذا استعملت عليكم شراركم فهو من علامة سخطي عليكم وذكر ابن أبي الدنيا عن الفضيل بن عياض قال أوحى الله الى بعض الانبياء إذا عصاني من يعرفنى سلطت عليه من لا يعرفني وذكر أيضا من حديث ابن عمر يرفعه والذى نفسي بيده لا تقوم الساعة حتي يبعث الله أمراء كذبه ووزراء فجرة وأعوانا خونة وعرفاء ظلمة وقراء فسقة سيماهم سيما الرهبان وقلوبهم أنتن من الجيف أهواؤهم مختلفة فيتيح الله لهم فتنة غبراء مظلمة فيتهاوكون فيها والذى نفس محمد بيده لينقضن الاسلام عروة عروة حتي لا يقال الله الله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم أشراركم فيسومونكم سوء العذاب ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليبعثن الله عليكم من لا يرحم صغيركم ولا يوقر كبيركم وفي معجم الطبراني وغيره من حديث سعيد بن جبير عن بن عباس قال قال رسول الله A ما طفف قوم كيلا ولا بخسوا ميزانا الا منعهم الله عز وجل القطر وما ظهر في قوم الزنا إلا ظهر فيهم الموت وما ظهر في قوم الربا إلا سلط الله عليهم الجنون ولا ظهر في قوم القتل يقتل بعضهم بعضا إلا سلط الله عليهم عدوهم ولا ظهر في قوم عمل قوم لوط إلا ظهر فيهم الخسف وما ترك قوم الامر بالمعروف والنهي عن المنكر الالم ترفع أعمالهم ولم يسمع دعاؤهم ورواه ابن أبي الدنيا من حديث ابراهيم بن الاشعث عن عبد الرحمن بن زيد عن أبيه عن سعيد به وفى المسند وغيره من حديث عروة عن عائشة قالت دخل علي رسول الله A وقد حفزه النفس فعرفت في وجهه أن قد حفزه شىء فما تكلم حتى توضأ وخرج فلصقت بالحجرة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا أيها الناس اتقوا ربكم إن الله عز وجل يقول لكم مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوني فلا أجيبكم وتستنصروني فلا أنصركم وتسألوني فلا أعطيكم وقال العمرى الزاهد أن من غفلتك عن نفسك وإعراضك عن الله أن تري ما يسخط الله فتتجاوزه ولا تأمر فيه
32
ولا تنهى عنه خوفا ممن لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا وقال من ترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر مخافة من المخلوقين نزعت منه الطاعة ولو أمر ولده أو بعض مواليه لاستخف بحفه وذكر الامام أحمد في مسنده من حديث قيس بن أبي حازم قال قال أبو بكر الصديق يايها الناس أنكم تتلون هذه الآية وأنكم تضعونها على غير مواضعها يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم وإني سمعت رسول الله A يقول ان الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه وفي لفظ إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده وذكر الاوزاعى عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا أخفيت الخطيئة فلا تضر إلا صاحبها وإذا ظهرت فلم تضر غير العامة وذكر الامام احمد عن عمر بن الخطاب يوشك القري أن تخرب وهي عامرة قيل وكيف تخرب وهي عامرة قال إذا علا فجارها على أبرارها وساد القبيلة منافقها وذكر الاوزاعي عن حسان بن أبي عطية أن النبي A قال ستظهر شرار أمتى على خيارها حتي يستخفى المؤمن فيهم كما يستخفى المنافق فينا اليوم وذكر ابن أبي الدنيا من حديث ابن عباس يرفعه قال ياتي زمان يذوب فيه قلب المؤمن كما يذوب الملح فى الماء قيل بما ذاك يا رسول الله قال بما يري من المنكر لا يستطيع تغييره وذكر الامام أحمد من حديث جرير أن النبي A قال ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصى هم أعز وأكثر ممن يعمله فلم يغيروه الا عمهم الله بعقاب وفي صحيح البخاري عن أسامة بن زيد قال سمعت رسول الله A يقول يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى فى النار فتندلق اقتابه في النار فيدور كما يدور الحمار برحاه فيجتمع عليه أهل النار فيقولون اي فلان ما شأنك ألست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر قال كنت آمركم بالمعروف ولا آنيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه وذكر الامام أحمد عن مالك بن دينار قال كان حبر من أحبار بني اسرائيل يغشي منزله الرجال والنساء فيعظهم ويذكرهم بأيام الله فرأى بعض بنيه يوما يغمز النساء فقال مهلا يا بني فسقط من سريره فانقطع نخاعه وأسقطت امرأته وقتل بنوه فاوحي الله الى نبيهم أن أخبر فلانا الحبران لا أخرج من صلبك صديقا أبدا ما كان غضبك لى إلا أن قلت مهلا يا بني مهلا يا بني وذكر الامام أحمد من حديث عبد الله بن مسعود أن رسول الله A قال إياكم ومحقرات الذنوب فانهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه وان رسول الله ضرب لهن مثل كمثل القوم نزلوا أرض فلاة فحضر صنيع القوم فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود والرجل يجى بالعود حتي جمعوا سوادا وأججوا نارا وانضجوا ما قذفوا فيها وفي صحيح البخاري عن
33
عن أنس بن مالك قال إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر وإنا كنا لنعدها على زمن رسول الله A من الموبقات وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله A قال عذبت إمرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت النار لاهي أطعمتها ولا سقتها ولا تركتها تأكل من خشاش الارض وفي الحلية لأبي نعيم عن حذيفة انه قيل له في يوم واحد تركت بنوا إسرائيل دينهم قال لا ولكنهم كانوا إذا أمروا بشيء تركوه وإذا نهوا عن شيء فعلوه حتي انسخلوا من دينهم كما ينسلخ الرجل من قميصه ومن ههنا قال بعض السلف المعاصي بريد الكفر كما ان القبلة بريد الجماع والغناء بريد الزنا والنظر بريد العشق والمرض بريد الموت وفي الحلية أيضا عن ابن عباس أنه قال يا صاحب الذنب لا تأمن فتنة الذنب وسوء عاقبة الذنب ولما تتبع الذنب أعظم من الذنب إذا علمت فله حبا بك ممن على اليمين وعلى الشمال وأنت على الذنب أعظم من الذنب وضحكك وأنت لم تدر ما لله صانع بك أعظم من الذنب وفرحك بالذنب إذا ظفرت به أعظم من الذنب وحزنك على الذنب إذا فاتك أعظم من الذنب وخوفك من الريح إذا حركت ستر بابك وأنت على الذنب ولا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك أعظم من الذنب ويحك هل تدري ما كان ذنب ايوب عليه السلام فابتلاه بالبلاء في جسده وذهاب ماله استغاث به مسكين على ظالم يدرءه عنه فلم يغثه ولم ينه الظالم عن ظلمه فابتلاه الله وقال الامام أحمد حدثنا الوليد قال سمعت الاوزاعي يقول سمعت هلال بن سعد يقول لا تنظر الى صغر الخطيئة ولكن أنظر إلى من عصيت وقال الفضيل بن عياض بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم عند الله وبقدر ما يعظم عندك يصغر عند الله وقيل أوحي الله تعالى الى موسي يا موسى إن أول من مات من خلقي إبليس وذلك لانه أول من عصاني وإنما أعد من عصاني من الاموات وفي المسند وجامع الترمذي من حديث أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله A إن المؤمن إذا أذنب ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء فإذا تاب ونزع واستغفر صقل قلبه وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه فذلك الران الذي ذكره الله عز وجل كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون قال الترمذي هذا حديث صحيح وقال حذيفة إذا أذنب ذنبا العبد نكت في قلبه نكتة سوداء حتى يصير قلبه كالشاة الرمداء وقال الامام أحمد ثنا يعقوب ثنا أبي عن صالح عن ابن شهاب حدثني عبد الله بن عبيد الله بن عتبة عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله A قال أما بعد يا معشر قريش فانكم أهل لهذا الامر ما لم تعصوا الله فاذا عصيتموه بعث عليكم من يلحاكم كما يلحي هذا القضيب لقضيب في يده ثم لحى قضيبه فاذا هو أبيض يصلد وذكر الامام أحمد
34
عن وهب قال أن الرب عز وجل قال في بعض ما يقول لبني إسرائيل انى إذا أطعت رضيت وإذا رضيت باركت وليس لبركتى نهاية وإذا عصيت غضبت وإذا غضبت لعنت ولعنتى تبلغ السابع من الولد وذكر أيضا عن وكيع ثنا زكريا عن عامر قال كتبت عائشة الى معاوية أما بعد فان العبد إذا عمل بمعصية الله عاد حامده من الناس ذاما ذكر أبو نعيم عن سالم بن أبي الجعد عن أبي الدرداء قال ليحذر إمرأ أن تلعنه قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر ثم قال أتدري مم هذا قلت لا قال إن العبد يخلو بمعاصي الله فيلقى الله بغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر وذكر عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لابيه عن محمد بن سيرين انه لما ركبه الدين اغتم لذلك فقال إني لا أعرف هذا الغم بذنب أصبته منذ أربعين سنة وهاهنا نكتة دقيقة يغلط فيها الناس في أمر الذنب وهي إنهم لا يرون تأثيره في الحال وقد يتأخر تأثيره فينسي ويظن العبد إنه لا يغير بعد ذلك وإن الامر كما قال القائل
اذا لم يغبر حائط في وقوعه
فليس له بعد الوقوع غبار
وسبحان الله ماذا أهلكت هذه النكتة من الخلق وكم أزالت من نعمة وكم جلبت من نقمة وما أكثر المغترين بها من العلماء والفضلاء فضلا عن الجهال ولم يعلم المغتر أن الذنب ينقض ولو بعد حين كما ينقض السهم وكما ينقض الجرح المندمل على الغش والدغل وقد ذكر الامام أحمد عن أبي الدرداء أعبدوا الله كانكم ترونه وعدوا أنفسكم في الموتى واعلموا أن قليل يكفيكم خير من كثير يلهيكم واعلموا أن البر لا يبلى وان الاثم لا ينسى ونظر بعض العباد الى صبي فتأمل محاسنه فأتى في منامه وقيل له لتجدن غبها بعد أربعين سنة هذا مع أن للذنب نقدا معجل لا يتأخر عنه قال سليمان التميمي أن الرجل ليصيب الذنب في السر فيصبح وعليه مذلته وقال يحيي بن معاذ الرازي عجبت من ذي عقل يقول في دعائه اللهم لا تشمت بي الاعداء ثم هو يشمت بنفسه كل عدو له قيل وكيف ذلك قال يعصي الله فيشمت به في القيامة قال ذي النون من خان الله في السر هتك ستره في العلانية فصل
وللمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه الا الله فمنها حرمان العلم فان العلم نور يقذفه الله في القلب والمعصية تطفيء ذلك النور ولما جلس الامام الشافعي بين يدي مالك وقرأ عليه أعجبه ما رأى من وفور فطنته وتوقد ذكائه وكمال فهمه فقال إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورا فلا تطفئه بظلمة المعصية وقال الشافعي
35
شكوت الى وكيع سوء حفظي
فارشدني الى ترك المعاصي
وقال اعلم بان العلم فضل
وفضل الله لايؤتاه عاصي
ومنها حرمان الرزق وفي المسند ان العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه وقد تقدم وكما أن تقوى الله مجلبة للرزق فترك التقوى مجلبة للفقر فما استجلب رزق الله بمثل ترك المعاصي ومنها وجشية يجدها العاصي في قلبه بينه وبين الله لايوازنها ولايقارنها لذة اصلا ولو اجتمعت له لذات الدنيا بأسرها لم تف بتلك الوحشة وهذا أمر لايحس به الامن في قلبه حياة وما لجرح بميت ايلام فلو لم ترك الذنوب الاحذرا من وقوع تلك الوحشة لكان العاقل حريا بتركها وشكى رجل الى بعض العارفين وحشة يجدها في نفسه فقال له اذا كنت قد أوحشتك الذنوب فدعها إذا شئت واستأنس وليس على القلب أمر من وحشة الذنب على الذنب فالله المستعان ومنها الوحشة التي تحصل له بينه وبين الناس ولاسيما أهل الخير منهم فانه يجد وحشة بينه وبينهم وكلما قويت تلك الوحشة بعد منهم ومن مجالستهم وحرم بركة الانتفاع بهم وقرب من حزب الشيطان بقدر ما بعد من حزب الرحمن وتقوى هذه الوحشة حتى تستحكم فتقع بينه وبين إمرأته وولده وأقاربه وبينه وبين نفسه فتراه مستوحشا من نفسه وقال بعض السلف إني لأعصي الله فارى ذلك في خلق دابتي وإمرأتي ومنها تعسير اموره عليه فلا يتوجه لامر الا يجده مغلقا دونه أو متعسرا عليه وهذا كما إن من اتقى الله جعل له من أمره يسرا فمن عطل التقوى جعل الله له من أمره عسرا ويالله العجب كيف يجد العبد أبواب الخير والمصالح مسدودة عنه متعسرة عليه وهو لايعلم من أين أتى ومنها ظلمته يجدها في قلبه حقيقة يحس بها كما يحس بظلمة الليل البهيم إذا أدلهم فتصير ظلمة المعصية لقلبه كالظلمة الحسية لبصره فان الطاعة نور والمعصية ظلمة وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرته حتى يقع في البدع والضلالات والامور المهلكة وهو لايشعر كاعمى أخرج في ظلمة الليل يمشي وحده وتقوى هذه الظلمة حتى تظهر في العين ثم تقوى حتى تعلو الوجه وتصير سوادا في الوجه حتى يراه كل أحد قال عبد الله بن عباس ان للحسنة ضياء في الوجه ونورا في القلب وسعة في الرزق وقوة في البدن ومحبة في قلوب الخلق وإن للسيئة سوادا في الوجه وظلمة في القبر والقلب ووهنا في البدن ونقصا في الرزق وبغضة في قلوب الخلق ومنها ان المعاصي توهن القلب والبدن أما وهنها للقلب فامر ظاهر بل لايزال توهنه حتى تزيل حياته بالكلية وأما وهنها للبدن فان المؤمن قوته من قلبه وكلما قوى قلبه قوى بدنه وأما الفاجر فانه وإن كان قوى البدن فهو أضعف شيء عند الحاجة فتخونه قوته عند أحوج ما يكون إلى نفسه فتأمل قوة
36
أبدان فارس والروم كيف خانهم عند أحوج ما كانوا اليها وقهرهم أهل الايمان بقوة أبدانهم وقلوبهم ومنها حرمان الطاعة فلو لم يكن للذنب عقوبة إلا إنه يصد عن طاعة تكون بدله ويقطع طريق طاعة أخرى فينقطع عليه طريق ثالثة ثم رابعة وهلم جرا فينقطع عليه بالذنب طاعات كثيرة كل واحدة منها خير له من الدنيا وما عليها وهذا كرجل أكل أكلة أوجبت له مرضة طويلة منعته من عدة أكلات أطيب منها والله المستعان ومنها أن المعاصي تقصر العمر وتمحق بركته ولابد فان البر كما يزيد في العمر فالفجور ينقص وقد اختلف الناس في هذا الموضع فقالت طائفة نقصان عمر العاصي هو ذهاب بركة عمره ومحقها عليه وهذا حق وهو بعض تأثير المعاصي وقالت طائفة بل تنقصه حقيقة كما تنقص الرزق فجعل الله سبحانه للبركة في الرزق أسبابا كثيرة تكثره وتزيده وللبركة في العمر أسبابا تكثره وتزيده قالوا ولا تمنع زيادة العمر بأسباب كما ينقص بأسباب فالارزاق والاجال والسعادة والشقاوة والصحة والمرض والغني والفقر وإن كانت بقضاء الله عز وجل فهو يقضي ما يشاء بأسباب جعلها موجبة لمسبباتها مقتضية لها وقالت طائفة أخرى تأثير المعاصي في محق العمر إنما هو بأن تفوته حقيقة الحياة وهي حياة القلب ولهذا جعل الله سبحانه الكافر ميتا غير حي كما قال تعالى أموات غير أحياء فالحيوة في الحقيقة حيوة القلب وعمر الانسان مدة حياته فليس عمره الا أوقات حياته بالله فتلك ساعات عمره فالبر والتقوي والطاعة تزيد في هذه الاوقات التي هي حقيقة عمره ولا عمر له سواها وبالجملة فالعبد إذا أعرض عن الله واشتغل بالمعاصي ضاعت عليه أيام حياته الحقيقية التي يجد غب إضاعتها يوم يقول ياليتني قدمت لحياتي فلا يخلوا إما أن يكون له مع ذلك تطلع الى مصالحه الدنيوية والأخروية أو لا فان لم يكن له تطلع الى ذلك فقد ضاع عليه عمره كله وذهبت حياته باطلا وإن كان له تطلع الى ذلك طالت عليه الطريق بسبب العوائق وتعسرت عليه أسباب الخير بحسب اشتغاله بأضدادها وذلك نقصان حقيقي من عمره وسر المسألة أن عمر الانسان مدة حياته ولا حيوة له إلا باقباله على ربه والتنعم بحبه وذكره وإيثار مرضاته فصل
ومنها ان المعاصي تزرع أمثالها وتولد بعضها بعضا حتى يعز على العبد مفارقتها والخروج منها كما قال بعض السلف أن من عقوبة السيئة السيئة بعدها وأن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها فالعبد إذا عمل حسنة قالت أخرى الى جنبها أعملني أيضا فاذا عملها قالت الثانية كذلك وهلم جرا فيتضاعف الربح وتزايدت الحسنات وكذلك كانت السيئات أيضا حتي تصير الطاعات والمعاصي هيئات راسخة وصفات لازمة وملكات ثابتة فلو عطل المحسن الطاعة
37
لضاقت عليه نفسه وضاقت عليه الارض بما رحبت وأحسن من نفسه بأنه كالحوت إذا فارق الماء حتي يعاودها فتسكن نفسه وتقر عينه ولو عطل المجرم المعصية وأقبل على الطاعة لضاقت عليه نفسه وضاق صدره وأعيت عليه مذاهبه حتي يعاودها حتي أن كثيرا من الفساق ليواقع المعصية من غير لذة يجدها ولا داعية اليها إلا لما يجد من الالم بمفارقتها كما صرح بذلك شيخ القوم الحسن بن هانيء حيث يقول
وكأس شربت على لذة
وأخرى تداويت منها بها وقال الآخر
وكانت دوائى وهي دائي بعينه
كما يتداوى شارب الخمر بالخمر
ولايزال العبد يعاني الطاعة ويألفها ويحبها ويؤثرها حتى يرسل الله سبحانه برحمته عليه الملائكة تأزه اليها أزا وتحرضه عليها وتزعجه عن فراشه ومجلسه اليها ولايزال يألف المعاصي ويحبها ويؤثرها حتي يرسل الله اليه الشياطين فتأزه اليها أزا فالأول قوي جند الطاعة بالمدد فكانوا أكثر من أعوانه وهذا قوي جند المعصية بالمدد فكانوا أعوانا عليه فصل
ومنها وهو من أخوفها على العبد أنها لضعف القلب عن إرادته فتقوى إرادة المعصية وتضعف إرادة التوبة شيئا فشيئا الى أن تنسلخ من قلبه إرادة التوبة بالكلية فلو مات نصفه لما تاب الى الله فيأتي بالاستغفار وتوبة الكذابين باللسان لشيء كثير وقلبه معقود بالمعصية مصر عليها عازم على مواقعتها متي أمكنه وهذا من أعظم الامراض وأقربها إلى الهلاك فصل
ومنها أنه ينسلخ من القلب إستقباحها فتصير له عادة فلا يستقبح من نفسه رؤية الناس له ولا كلامهم فيه وهو عند أرباب الفسوق هو غاية التفكه وتمام اللذة حتي يفتخر أحدهم بالمعصية ويحدث بها من لم يعلم أنه عملها فيقول ياقلان عملت كذا وكذا وهذا الضرب من الناس لايعافون وتسد عليهم طريق التوبة وتغلق عنهم أبوابها في الغالب كما قال النبي A كل أمتي معافا إلا المجاهرين وإن من الاجهار أن يستر الله على العبد ثم يصبح يفضح نفسه ويقول يا فلان عملت يوم كذا وكذا وكذا فتهتك نفسه وقد بات يستره ربه ومنها أن كل معصية من المعاصي فهي ميراث عن أمة من الامم التي أهلكها الله عز وجل فاللوطية ميراث عن قوم لوط وأخذ الحق بالزائد ودفعه بالناقص ميراث عن قوم شعيب والعلو في الارض والفساد ميراث عن فرعون وقوم فرعون والتكبر والتجبر ميراث
38
عن قوم هود فالعاصي لابس ثياب بعض هذه الامم وهم أعداء الله وقد روى عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لابيه عن مالك بن دينار قال أوحي الله الى نبي من أنبياء بني إسرائيل أن قل لقومك لا تدخلوا مداخل أعدائي ولا تلبسوا ملابس أعدائي ولا تركبوا مراكب أعدائي ولا تطعموا مطاعم أعدائي فتكونوا أعدائي كماهم أعدائي وفي مسند أحمد من حديث عبد الله بن عمر عن النبي A قال بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتي يعبد الله وحده لاشريك له وجعل رزقى تحت ظل رمحى وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم فصل
ومنها أن المعصية سبب لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه قال الحسن البصري هانوا عليه فصعوه ولو عزوا عليه لعصمهم وإذا هان العبد على الله لم يكرمه أحد كما قال الله تعالى ومن يهن الله فماله من مكرم وإن عظمهم الناس في الظاهر لحاجتهم اليهم أو خوفا من شرهم فهم في قلوبهم أحقر شيء وأهونه ومنها أن العبد لايزال يرتكب الذنوب حتي يهون عليه ويصغر في قلبه وذلك علامة الهلاك فان الذنب كلما صغر في عين العبد عظم عند الله وقد ذكر البخاري في صحيحه عن ابن مسعود قال إن المؤمن يري ذنوبه كانها في أصل جبل يخاف أن يقع عليه وأن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فطار فصل
ومنها أن غيره من الناس والدواب يعود عليه شؤم ذنبه فيحترق هو وغيره بشؤم الذنوب والظلم قال أبو هريرة إن الحباري لتموت في وكرها من ظلم الظالم وقال مجاهد إن الهائم تلعن عصاة بنى آدم إذا أشتدت السنة وأمسك المطر وتقول هذا بشؤم معصية ابن ادم وقال عكرمة دواب الارض وهوامها حتي الخنافس والعقارب يقولون منعنا القطر بذنوب بني آدم فلا يكفيه عقاب ذنبه حتي يبوء بلعنه من لا ذنب له فصل
ومنها ان المعصية تورث الذل ولا بد فان العز كل العزفى طاعة الله تعالى قال تعالى من كان يريد العزة فلله العزة جميعا أي فليطلبها بطاعة الله فإنه لا يجدها الا في طاعته وكان من دعاء بعض السلف اللهم أعزاني بطاعتك ولا تذلني بمعصيتك قال الحسن البصري انهم وان طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين إن ذل المعصية لا تفارق قلوبهم أبى الله
39
الان أيذل من عصاه وقال عبد الله بن المبارك
رأيت الذنوب تميت القلو
ب وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب
ب وخير لنفسك عصيانها
وهل أفسد الدين الا الملو
ك واحبار سؤ ورهبانها
فصل ومنها إن المعاصي تفسد العقل فان للعقل نورا والمعصية نطفيء نور
العقل ولابدوادا طفىء نوره ضعف ونقص وقال بعض السلف ما عصي الله أحد حتي يغيب عقله وهذا طاهر فانه لو حضر عقله لحجزه عن المعصية وهو في قبضة الرب تعالى أو نجهر به هو مطلع عليه وفي داره على بساطه وملائكته شهود عليه ناظرون اليه وواعظ القرآن نهاه ولفظ الايمان ينهاه وواعظ الموت ينهاه وواعظ النار ينهاه والذي يفوته بامعصية من خير الدنيا والآخرة أضعاف أضعاف ما يحصل له من السرور واللذة بها فهل يقدم على الاستهانة بذلك كله والاستخفاف به ذو عقل سليم فصل
ومنها أن الذنوب إذا تكاثرت طبع على قلب صاحبها فكان من الغافلين كما قال بعض السلف في قوله تعالى كلا بل ران ! على قلوبهم ما كانوا يكسبون قال هو الذنب بعد الذنب وقال الحسن هو الذنب على الذنب حتى يعمي القلب وقال غيره لما كثرت ذنوبهم ومعاصيهم أحاطت بقلوبهم وأصل هذا أن القلب يصدي من المعصية فاذا زادت غلب الصدي حتي يصيررانا ثم يغلب حتي يصير طبعا وقفلا وختما فيصير القلب في غشاوة وغلاف فاذا حصل له ذلك بعد الهدى والبصيرة انتكس فصار أعلاه أسفله فحينئذ يتولاه عدوه ويسوقه حيث أراد فصل
ومنها أن الذنوب تدخل العبد تحت لعنة رسول A فانه لعن على معاصى والتي غيرها اكبر منها فهي اولى بدخول فاعلها تحت اللعنة فلعن الواشمة والمستوشمة والواصلة والموصولة والنامصة والمتنمصة والواشرة والمستوشرة ولعن آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهده ولعن المحلل والمحلل له ولعن السارق ولعن شارب الخمر وساقيها وعاصرها ومعتصرها وبائعها ومشتريها وآكل ثمنها وحاملها والمحمولة اليه ولعن من غير منار الارض
40
وهي إعلامها وحددوها ولعن من والديه ولعن من إتخذ شيئا فيه الروح غرضا يرميه بسهم ولعن المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء ولعن من ذبح بغير الله ولعن من أحدث حدثا أو آوي محدثا ولعن المصورين ولعن من عمل عمل قوم لوط ولعن من سب أباه وأمه ولعن من كمه أعمي عن الطريق ولعن من أتى بهيمة ولعن من رسم دابة في وجهها ولعن من ضار بمسلم أو مكر به ولعن زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج ولعن من أفسد امرأة على زوجها أو مملوكا على سيده ولعن من أتى امرأة في دبرها وأخبر أن من باتت مهاجرة لفراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح ولعن من انتسب الى غير أبيه وأخبر أن من أشار الى أخيه بحديدة فان الملائكة تلعنه ولعن من سب الصحابة وقد لعن الله من أفسد فى الارض وقطع رحمه وأذاه وأذى رسوله ولعن من كتم ما أنزل الله سبحانه من البينات والهدى ولعن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات بالفاحشة ولعن من جعل سبيل الكافر اهدي من سبيل المسلم ولعن رسول الله A الرجل يلبس لبس المرأة والمرأة تلبس لبسة الرجل ولعن الراشي والمرتشي والرائش وهو الواسطة في الرشوة ولعن على أشياء أخرغير هذه فلو لم يكن فى فعل ذلك الا رضاء فاعله بان يكون ممن يعلنه الله ورسوله وملائكته لكان في ذلك ما يدعو الى تركه فصل
ومنها حرمان دعوة رسول الله A ودعوة الملائكة فان الله سبحانه أمر نبيه أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات وقال تعالى الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم وقهم السيآت فهذا دعاء الملائكة للمؤمنين التابعين المتبعين لكتابه وسنة رسوله الذين لا سبيل لهم غيرهما فلا يطمع غير هؤلاء باجابة هذه الدعوة اذا لم يتصف بصفات المدعو له بها فصل
ومن عقوبات المعاصي ما رواه البخاري في صحيحه من حديث سمرة بن جندب قال كان النبي A مما يكثر أن يقول لاصحابه هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا فيقص عليه ما شاء الله أن يقص وأنه قال لناذات غداة أنه أتاني الليلة آتيان وأنهما أنبعثا لى
41
وأنهما قالا لى إنطلق وإنى إنطلقت معهما وإنا أتينا على رجل مضطجع وإذا آخر قائم عليه بصخرة وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلع رأسه فيتدهده الحجر ها هنا فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع اليه حتي يصح رأسه كما كان ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل فى المرة الاولى قال قلت لهما سبحان الله ما هذان قالا لي إنطلق فانطلقا فاتينا على رجل مستلق لقفاه وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد وإذا هو يأتي أحد شقى وجهه فيشرشر شدقه الى قفاه ومنخره الى قفاه وعينه الى قفاه ثم يتحول الى الجانب الاخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الاول فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل في المرة الاولى قال قلت سبحان الله ما هذان فقالا لي إنطلق إنطلق فانطلقنا فاتينا على مثل التنور وإذا فيه لغط وأصوات قال فاطلعنا فيه فاذا فيه رجال ونساء عراة وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم فاذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا فقال قلت من هؤلاء قال فقالا لي إنطلق إنطلق قال فانطلقنا فاتينا على نهر أحمر مثل الدم فاذا في النهر رجل سابح يسبح وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة فيغفر له فاه فيلقمه حجرا فينطلق فيسبح ثم يرجع اليه كما رجع إليه فيغفر له فاه فالقمه حجرا قال قلت لهما ما هذان قالا لي إنطلق إنطلق فانطلقنا فاتينا على رجل كريه المرأى كاكره ما أنت رأىء رجلا مرا وإذا هو عنده تاريخها ويسعى حولها قال قلت لهما ما هذا قال قالا لي إنطلق إنطلق فانطلقنا على روضة مغيمة فيها من كل نور الربيع وإذا بين ظهراني الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولا في السماء وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط قال قلت ما هذا وما هؤلاء قال قالا لي إنطلق إنطلق فانطلقنا فاتينا الى دوحة عظيمة لم أرى دوحة قط أعظم منها ولا أحسن قال قالا لي أرق فيها فارتقينا فيها الى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة قال فاتينا باب المدينة فاستفتحنا ففتح لنا فدخلناها فتلقانا رجال شطر من خلقهم كاحسن ما أنت رايء وشطر منهم كاقبح ما أنت رايء قال قالا لهم إذهبوا فقعوا في ذلك النهر قال وإذا نهر معترض يجري كان ماءه المحض في البياض فذهبوا فوقعوا فيه ثم رجعوا الينا وقد ذهب ذلك السوء عنهم قال قالا لي هذه جنة عدن وهذاك منزلك قال فسمي بصرى صعدا فاذا قصر مثل الربابة البيضاء قال قالا لى هذاك منزلك قال قلت لهما بارك الله فيكما فذراني فادخله قالا أما الآن فلا وأنت داخلة قال قلت لهما فإني رأيت منذ الليلة عجبا فما هذا الذي رأيت قال قالا لي أما انا سنخبرك أما الرجل الاول الذي أتيت عليه يثلع رأسه بالحجر فانه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلوة المكتوبة وأما الرجل الذي
42
أتيت عليه يشرشر شدقه الى قفاه ومنخره الى قفاه وعينه الى قفاه فانه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق وأما الرجال والنساء العراة الذين هم في مثل بناء التنور فانهم الزناة والزواني وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجارة فانه آكل الربا وأما الرجل الكريه المنظر الذي عند النار يحثها ويسعى حولها فانه مالك خازن جهنم وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فانه ابراهيم وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة وفي رواية البرقاني ولد على الفطرة فقال بعض المسلمين يا رسول الله وأولاد المشركين فقال رسول الله A وأولاد المشركين وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فانهم قوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا تجاوز الله عنهم فصل
ومن آثار الذنوب والمعاصي إنها تحدث في الارض أنواعا من الفساد في المياه والهوى والزرع والثمار والمساكن قال تعالى ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدى الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون قال مجاهد اذا ولي الظالم سعى بالظلم والفساد فيحبس بذلك القطر فيهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد ثم قرأ ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ثم قال أما والله ما هو بحركم هذا ولكن كل قرية على ماء جار فهو بحر وقال عكرمة ظهر الفساد في البر والبحر أما إني لا أقول لكم بحركم هذا ولكن كل قرية على ماء وقال قتادة أما البر فاهل العمود وأما البحر فاهل القرى والريف قلت وقد سمي الله تعالى الماء العذب بحرا فقال هو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج وليس في العالم بحر حلو واقفا وإنما هي الانهار الجارية والبحر المالح هو الساكن فتسمى القرى التي على المياه الجارية باسم تلك المياه وقال ابن زيد ظهر الفساد في البر والبحر قال الذنوب قلت أراد أن الذنب سبب الفساد الذي ظهر وإن أراد أن الفساد الذي ظهر هو الذنوب نفسها فيكون قوله ليذيقهم بعض الذي عملوا لام العاقبة والتعليل وعلى الاول فالمراد بالفساد والنقص والشر والالآم التي يحدثها الله فى الارض بمعاصي العباد فكل ما أحدثوا ذنبا أحدث لهم عقوبة كما قال بعض السلف كل ما أحدثتم ذنبا أحدث الله لكم من سلطانه عقوبة والظاهر والله أعلم إن الفساد المراد به الذنوب وموجباتها ويدل عليه قوله تعالى ليذيقهم بعض الذي عملوا فهذا حالنا وإنما إذاقنا الشيء اليسير من أعمالنا فلو أذاقنا كل أعمالنا
43
لما ترك على ظهرها من دابة ومن تأثير معاصي الله في الارض ما يحل بها من الخسف والزلازل ويمحق بركتها وقد مر رسول الله A على ديار ثمود فمنعهم من دخول ديارهم الا وهم باكون ومن شرب مياههم ومن الاستسقاء من أبيارهم حتى أمر أن لا يعلف العجين الذي عجن بمياههم لنواضح الابل لتأثير شؤم المعصية في الماء وكذلك شؤم تأثير الذنوب فى نقص الثمار وما ترى به من الآفات وقد ذكر الامام أحمد فى مسنده فى ضمن حديث قال وجدت في خزائن بعض بني أمية حنطة الحبة بقدر نواة التمرة وهي في صرة مكتوب عليها كان هذا ينبت في زمن من العدل وكثير من هذه الأفات أحدثها الله سبحانه وتعالى بما أحدث العباد من الذنوب وأخبرني جماعة من شيوخ الصحراء انهم كانوا يعهدون الثمار أكبر مما هي الآن وكثير من هذه الآفات التي تصيبها لم يكونوا يعرفونها وإنما حدثت من قرب وأما تأثير الذنوب في الصور والخلق فقد روي الترمذي في جامعه عن النبي A انه قال خلق الله آدم وطوله في السماء ستون ذراعا ولم يزل الخلق ينقص حتى الآن فاذا أراد الله أن يطهر الارض من الظلمة والخونة والفجرة ويخرج عبدا من عباده من أهل بيت نبيه A فيملأ الارض قسطا كما ملئت جورا ويقتل المسيح اليهود والنصارى ويقيم الدين الذي بعث الله به رسوله وتخرج الارض بركاتها وتعود كما كانت حتى ان العصابة من الناس ليأكلون الرمانة ويستظلون بقحفها ويكون العنقود من العنب وقر بعير ولبن اللقحة الواحدة يكفي الفئام من الناس وهذا لان الارض لما طهرت من المعاصي ظهرت فيها آثار البركة من الله تعالى التي محقتها الذنوب والكفر ولاريب ان العقوبات التي أنزلها الله في الارض بقية آثارها سارية في الارض تطلب ما يشاء كلها من الذنوب التي هي آثار تلك الجرائم التي عذبت بها الامم فهذه الآثار في الارض من آثار العقوبات كما ان هذه المعاصي من آثار الجرائم فتناسب كلمة الله وحكمة الكوني أولا وآخرا وكان العظيم من العقوبة للعظيم من الجناية والأخف للأخف وهذا يحكم سبحانه بين خلقه في دار البرزخ ودار الجزاء وتأمل مقارنة الشيطان ومحله وداره فانه لما قارن العبد واستولى عليه نزعت البركة من عمره وعمله وقوله ورزقه ولما أثرت طاعته في الارض ما أثرت نزعت البركة من كل محل ظهرت فيه طاعته وكذلك مسكنه لما كان الجحيم لم يكن هناك شيء من الروح والرحمة والبركة فصل
ومن عقوباتها انها تطفي من القلب نار الغيرة التي هى لحياته وصلاحه كالحرارة الغريزية
44
لحياة جميع البدن فان الغيرة حرارته وناره التي تخرج ما فيه من الخبث والصفات المذمومة كمال يخرج الكير خبث الذهب والفضة والحديث وأشرف الناس وأعلاهم قدر وهمة أشدهم غيرة علي نفسه وخاصته وعموم الناس ولهذا كان النبي A أغير الخلق علي الامة والله سبحانه أشد غيرة منه كما ثبت في الصحيح عنه A انه قال أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير مني وفي الصحيح أيضا عنه انه قال A في خطبة الكسوف يا أمة محمد ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو ترني أمته وفي الصحيح أيضا عنه أنه قال لا أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب اليه العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين ولا أحد أحب اليه المدح من الله من أجل ذلك أثنى على نفسه فجمع في هذا الحديث بين الغيرة التي أصلها كراهة القبائح وبنضها وبين محبة العذر الذي يوجب كمال العدل والرحمة والاحسان والله سبحانه مع شدة غيرته يحب إن يعتذر اليه عبده ويقبل عذر من اعتذر اليه وانه لايؤاخذ عبده بارتكاب ما يغار من ارتكابه حتى يعذر اليهم ولأجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه إعذارا وإنذارا وهذا غاية المجد والاحسان ونهاية الكمال فان كثيرا ممن تشتد غيرته من المخلوقين تحمله شدة الغيرة على سرعة الايقاع والعقوبة من غير إعذار منه ومن غير قبول العذر ممن إعتذر اليه بل قد يكون له فى نفس الامر عذر ولاتدعه شدة الغيرة ان يقبل عذره وكثير ممن تقبل المعاذير يحمله على قبولها قلة الغيرة حتى يتوسع في طريق المعاذير ويرى عذرا ما ليس بعذر حتى يعذر كثير منهم بالعذر وكل منهما غير ممدوح على الاطلاق وقد صح عن النبي A انه قال أن من الغيرة ما يحبها الله ومنها ما يبغضها الله فالتي يبغضها الله الغيرة من غير ريبة وذكر الحديث وانما الممدوح اقتران الغيرة بالعذر فيغار في محل الغيرة ويعذر في موضع العذر ومن كان هكذا فهر الممدوح حقا ولما جمع سبحانه صفات الكمال كلها كان أحق بالمدح من كل أحد ولايبلغ أحد إن يمدحه كما ينبغي له بل هو كما مدح نفسه وأثنى على نفسه فالغيور قد وافق ربه سبحانه في صفة من صفاته ومن وافق الله في صفه من صفاته قادته تلك الصفة اليه بزمامه وأدخلته على ربه وأدنته منه وقربته من رحمته وصيرته محبوبا له فانه سبحانه رحيم يحب الرحماء كريم يحب الكرماء عليم يحب العلماء قوى يحب المؤمن القوي وهو أحب اليه من المؤمن الضعيف حتى يحب أهل الحياء جميل يحب أهل الجمال وتر يحب أهل الوتر ولو لم يكن في الذنوب والمعاصي الا انها توجب لصاحبها ضد هذه الصفات وتمنعه من الاتصاف بها لكفي بها عقوبة فان الخطر تنقلب وسوسة
45
والوسوسة تصير إرادة والارادة تقوي فتصير عزيمة ثم نصير فعلا ثم تصير صفة لازمة وهيئة ثابتة راسخة وحينئذ يتعذر الخروج منهما كما يتعذر عليه الخروج من صفاته القائمة به والمقصود انه كلما اشتدت ملابسته للذنوب أخرجت من قلبه الغيرة على نفسه وأهله وعموم الناس وقد تضعف في القلب جدا لا يستقبح بعد ذلك القبيح لا من نفسه ولا من غيره واذا وصل الى هذا الحد فقد دخل في باب الهلاك وكثير من هؤلاء لا يقتصر على عدم الاستقباح بل يحسن الفواحش والظلم لغيره ويزينه له ويدعوه اليه ويحثه عليه ويسعي له فى تحصيله ولهذا كان الديوث أخبث خلق الله والجنة عليه حرام وكذلك محلل الظلم والبغي لغيره ومزينه لغيره فانظر ما الذي حملت عليه قلة الغيرة وهذا يدلك على أن أصل الدين الغيرة ومن لا غيرة له لا دين له فالغيرة تحمي القلب فتحمي له الجوارح فتدفع السوء والفواحش وعدم الغيرة تميت القلب فتموت الجوارح فلا يبقى عندها دفع البتة ومثل الغيرة في القلب مثل القوة التي تدفع المرض وتقاومه فاذا ذهبت القوة وجد الداء المحل قابلا ولم يجد دافعا فتمكن فكان الهلاك ومثلها مثل صياصي الجاموس التي تدفع بها عن نفسه وعن ولده فاذا تكسرت طمع فيها عدوه فصل
ومن عقوباتها ذهاب الحياء الذي هو مادة الحياة للقلب وهو أصل كل خير وذهاب كل خير بأجمعه وفى الصحيح عنه A انه قال الحياء خير كله وقال ان مما أدرك الناس من كلام النبوة الاولى اذا لم تستح فاصنع ماشئت وفيه تفسيران أحداهما انه على التهديد والوعيد والمعنى من لم يستح فانه يصنع ما شاء من القبائح اذا لحامل على تركها الحياء فاذا لم يكن هناك حياء نزعه من القبائح فانه يواقعها وهذا تفسير أبي عبيدة والثاني ان الفعل اذا لم تستح فيه من الله فافعله وانما الذى ينبغي تركه ما يستحي فيه من الله وهذا تفسير الامام أحمد في رواية ابن هاني فعلى الاول يكون تهديدا كقوله إعملوا ما شئتم وعلى الثاني يكون إذنا وإباحة فان قيل فهل من سبيل الى حمله على المعنيين قلت لاولا على قول من يحمل المشترك على جميع لما بين الاباحة والتهديد من المنافات ولكن اعتبار أحد المعنيين يوجب إعتبار الآخر والمقصود ان الذنوب تضعف الحياء من العبد حتى ربما انسلخ منه بالكلية حتى ربما انه لايتأثر بعلم الناس بسوء حاله ولا باطلاعهم عليه بل كثير منهم يخبر عن حاله وقبح ما يفعله والحامل على ذلك انسلاخه من الحياء وإذا وصل العبد الى هذه الحالة لم يبق في صلاحه مطمع واذا رأى ابليس طلعة وجهه
46
حياء وقال فديت من لايفلح والحياء مشتق من الحياة والغيث يسمى حيا بالقصر لان به حياة الارض والنبات والدواب وكذلك سميت بالحياة حياة الدنيا والآخرة فمن لا حياء فيه ميت في الدنيا شقى في الآخرة وبين الذنوب وبين قلة الحياء وعدم الغيرة تلازم من الطرفين وكل منهما يستدعي الآخر ويطلبه حثيثا ومن استحي من الله عند معصيته استحى الله من عقوبته يوم يلقاه ومن لم يستح من الله تعالى من معصيته لم يستح الله من عقوبته
فصل ومن عقوباتها أنها تضعف في القلب تعظيم الرب جل جلاله وتضعيف
وقاره في قلب العبد ولابد شاء أم أبى ولو تمكن وقار الله وعظمته في قلب العبد لما تجرء على معاصيه وربما اغتر المغتر وقال إنما يحملنى على المعاصى حسن الرجاء وطمعي فى عفوه لا ضعف عظمته في قلبي وهذا من مغالطة النفس فإن عظمة الله تعالى وجلاله في قلب العبد وتعظيم حرمانه يحول بينه وبين الذنوب والمتجرؤن على معاصيه ما قدروه حق قدره وكيف يقدره حق قدره أو يعظمه أو يكبره أو يرجو وقاره ويجله من يهون عليه أمره ونهيه هذا من أمحل المحال وأبين الباطل وكفى بالعاصى عقوبة أن يضمحل من قلبه تعظيم الله جل جلاله وتعظيم حرماته ويهون عليه حقه ومن بعض عقوبة هذا أن يرفع الله عز وجل مهابته من قلوب الخلق ويهون عليهم ويستخفون به كما هان عليه أمره واستخف به فعلى قدر محبة العبد لله يحبه الناس وعلى قدر خوفه من الله يخافه الناس وعلى قدر تعظيمه الله وحرماته يعظم الناس حرماته وكيف ينهك عبد حرمات الله ويطمع أن لا ينهك الناس حرماته أم كيف يهون عليه حق الله ولايهونه الله على الناس أم كيف يستخف بمعاصي الله ولا يستخف به الخلق وقد أشار سبحانه إلى هذا فى كتابه عند ذكر عقوبات الذنوب وأنه أركس أربابها بما كسبوا وغطي على قلوبهم وطبع عليها بذنوبهم وأنه نسيهم كما نسوه وأهانهم كما أهانوا دينه وضيعهم كما ضيعوا أمره ولهذا قال تعالى في آية سجود المخلوقات له ومن يهن الله فماله من مكرم فانهم لما هان عليهم السجود له واستخفوا به ولم يفعلوه أهانهم فلم يكن لهم من مكرم بعد إن أهانهم ومن ذا يكرم من أهانه الله أو يهن من أكرم فصل
ومن عقوباتها انها تستدعى نسيان الله لعبده وتركه وتخليته بينه وبين نفسه وشيطانه وهنالك الهلاك الذي لا يرجي معه نجاة قال الله يا أيها الذين آمنوا أتقوا الله ولتنظر نفس
47
ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ولاتكونوا كالذين نسوا الله فانساهم أنفسهم اولئك هم الفاسقون فامر بتقواه ونهي أن يتشبه عباده المؤمنون بمن نسيه بترك تقواه واخبر أنه عاقب من ترك التقوي بان أنساه نفسه أي أنساه مصالحها وما ينجيها من عذابه وما يوجب له الحياة الابدية وكمال لذتها وسرورها ونعيمها فانساه الله ذلك كله جزاء لما نسيه من عظمته وخوفه والقيام بأمره فترى العاصى مهملا لمصالح نفسه مضيعا لها قد أغفل الله قلبه عن ذكره واتبع هواه وكان أمره فرطا قد انفرطت عليه مصالح دنياه وآخرته وقد فرط في سعادته الابدية واستبدل بها أدني ما يكون من لذة إنما هي سحابة صيف أو خيال طيف
أحلام نوم أو كظل زائل
إن اللبيب بمثلها لا يخدع وأعظم العقوبات نسيان العبد لنفسه وإهمال لها وإضاعته حظها ونصيبها من الله وبيعها ذلك بالضن والهوان وأبخس الثمن فضيع من لا غني له عنه ولا عوض له منه واستبدل به من عنه كل الغني أو منه كل العوض
من كل شيء إذا ضيعته عوض
وليس في الله أن ضيعت من عوض فالله سبحانه يعوض عن كل شيء ما سواه ولا يعوض منه شيء ويغني عن كل شيء ولايغني عنه شيء ويمنع من كل شىء ولا يمنع منه شىء ويجبير من كل شيء ولا يجير منه شى كيف يستغني العبد عن طاعة من هذا شأنه طرفة عين وكيف ينسى ذكره ويضيع أمره حتي ينسبه نفسه فيخسرها ويظلمها أعظم الظلم فما ظلم العبد ربه ولكن ظلم نفسه وما ظلمه ربه ولكن هو الذي ظلم نفسه فصل
ومن عقوباتها أنها تخرج العبد من دائرة الاحسان وتمنعه من ثواب المحسنين فان الاحسان إذا باشر القلب منعه عن المعاصي فان من عبد الله كانه يراه لم يكن كذلك الالاستيلاء ذكره ومحبته وخوفه ورجائه علي قلبه بحيث يصير كانه يشاهده وذلك سيحول بينه وبين إرادة المعاصى فضلا عن مواقتها فاذا خرج من دائرة الاحسان فاته صحبه رفقته الخاصة وعيشهم الهنيء ونعيمهم التام فان أراد الله به خيرا أقره فى دائرة عموم المؤمنين فان عصاه بالمعاصى التى تخرجه من دائرة الايمان كما قال النبي A لايزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربه وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع اليه الناس فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن إياكم إياكم والتوبة معروضة بعد
48
فصل ومن فاته رفقةالمؤمنين وخرج عن دائرة الايمان فاته حسن دفاع الله عن المؤمنين فان الله يدافع عن الذين آمنوا وفاته كل خير رتبه الله في كتابه على الايمان وهو نحو مائة خصلة كل خصلة منها خير من الدنيا وما فيها فمنها الاجر العظيم وسوف يؤتي الله المؤمنين أجرا عظيما ومنها الدفع عنهم شرور الدنيا والآخرة إن الله يدافع عن الذين آمنوا ومنها استغفار حملة العرش لهم الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين امنوا ومنها موالات الله لهم ولايذل من والاه الله قال الله تعالى
الله ولى الذين آمنوا
ومنها أمره ملائكته بتثبيتهم
إذ يوحي ربك الى الملائكة إني معكم فثبتوا الذين آمنوا
ومنها إن لهم الدرجات عند ربهم والمغفرة والرزق الكريم ومنها العزة ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ومنها معية الله لأهل الايمان وإن الله لمع المؤمنين ومنها الرفعه في الدنيا والآخرة يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ومنها أعطاهم كفلين من رحمته وأعطاهم نورا يمشون به ومغفرة ذنوبهم ومنها الود الذي يجعله سبحانه لهم وهو انه يحبهم يحبهم الى ملائكته وأنبيائه وعباده الصالحين ومنها أمانهم من الخوف يوم يشتد الخوف فمن آمن وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ومنها انهم المنعم عليهم الذين أمرنا ان نسأله ان يهدينا الى صراطهم في كل يوم وليلة سبع عشرة مرة ومنها ان القرآن انما هو هدى لهم وشفاء قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد والمقصود ان الايمان سبب جالب لكل خير وكل خير فى الدنيا والآخرة فسببه الايمان فكيف يهون على العبد ان يرتكب شيئا يخرجه من دائرة الايمان ويحول بينه وبينه ولكن لا يخرج من دائرة عموم المسلمين فان استمر علي الذنوب وأصر عليها خيف عليه ان يرين علي قلبه فيخرجه عن الاسلام بالكلية ومن هنا أشتد خوف السلف كما قال بعضهم أنتم تخافون الذنوب وأنا أخاف الكفر
فصل ومن عقوبتها أنها تضعف سير القلب الى الله والدار الآخرة أو تعوقه
وتوقفه وتعطفه عن السير فلا تدعه يخطوا الى الله خطوة هذا إن لم ترده عن وجهته الى ورائه فالذنب يحجب الواصل ويقطع السائر وينكس الطالب والقلب انما يسير الى الله بقوته فاذا مرض بالذنوب ضعفت تلك القوة التي تسيره فان زالت بالكلية إنقطع عن الله إنقطاعا يبعد تداركه
49
والله المستعان فالذنب أما يميت القلب أو يمرضه مرضا مخوفا أو يضعف قوته ولا بد حتى ينتهي ضعفه الى الاشياء الثمانية التي إستعاذ منها النبي A وهي الهم والحزن والكسل والعجز والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجل وكل اثنين منها قرينان فالهم والحزن قرينان فان المكروه والوارد على القلب إن كان من أمر مستقبل يتوقعه احدث الهم وإن كان من أمر ماض قد وقع احدث الحزن والعجز والكسل قرينان فان تخلف العبد عن أسباب الخير والفلاح ان كان لعدم قدرته فهو العجز وإن كان لعدم إرادته فهو الكسل والجبن والبخل قرينان فان عدم النفع منه إن كان ببدنه فهو الجبن وان كان بماله فهو البخل وضلع الدين وقهر الرجال قرينان فان إستيلاء الغير عليه إن كان بحق فهو من ضلع الدين وإن كان بباطل فهو من قهر الرجال والمقصود إن الذنوب من أقوى الاسباب الجالبة لهذه الثمانية كما إنها من أقوى الاسباب الجالبة لجهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الاعداء ومن أقوى الاسباب الجالبة لزوال نعم الله تعالي وتقدس وتحول عافيته وفجاءة نقمته وجميع سخطه
فصل ومن عقوبات الذنوب إنها تزيل النعم وتحل النقم فما زالت عن العبد
نعمة الا لسبب ذنب ولا حلت به نقمة إلا بذنب كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع بلاء إلا بتوبة وقد قال تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير وقال تعالى ذلك بان الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها علي قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم فأخبر الله تعالى إنه لايغير نعمته التي أنعم بها على أحد حتى يكون هو الذي يغير ما بنفسه فيغير طاعة الله بمعصيته وشكره بكفره وأسباب رضاه باسباب سخطه فاذا غير غير عليه جزاء وفاقا وما ربك بظلام للعبيد فأن غير المعصية بالطاعة غير الله عليه العقوبة بالعافية والذل بالعز قال تعالى إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له ومالهم من دونه من وال وفي بعض الآثار الألهية عن الرب تبارك وتعالى إنه قال وعزتي وجلالي لا يكون عبد من عبيدي على ما أحب ثم ينتقل عنه إلى ما أكره إلا إنتقلت له مما يجب عبيدي الى ما يكره ولا يكون عبد من عبيدي على ما أكره فينتقل عنه الى ما أحب الا إنتقلت له مما يكره الى ما يحب وقد أحسن القائل
إذا كنت في نعمة فارعها
فان الذنوب تزيل النعم
وخطها بطاعة رب العباد
فرب العباد سريع النقم
50
وإياك والظلم مهما إستطعت
فظلم العباد شديد الوحم
وسافر بقلبك بين الورى
لتبصرى آثار من قد ظلم
فتلك مساكنهم بعدهم
شهود عليهم ولاتتهم
وما كان شىء عليهم اضر
من الظلم وهو الذي قد تصم
فكم تركوا من جنان ومن
قصور وأخرى عليهم اطم
صلوا بالجحيم وفات النعم
وكان الذي نالهم كالحلم فصل
ومن عقوباتها ما يلقيه الله سبحانه من الرعب والخوف في قلب العاصي فلا تراه الا خائفا مرعوبا فان الطاعة حصن الله الاعظم الذي من دخله كان من الآمنين من عقوبات الدنيا والآخرة ومن خرج عنه أحاطت به المخاوف من كل جانب فمن أطاع الله إنقلبت المخاوف في حقه أمانا ومن عصاه إنقلبت مأمنه مخاوف فلا تجد العاصي إلا وقلبه كانه بين جناحي طائران حركت الريح الباب قال جاء الطلب وان سمع وقع قدم خاف أن يكون نذيرا بالعطب يحسب كل صيحة عليه وكل مكروه قاصد اليه فمن خاف الله آمنه من كل شيء ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء
بدا قضاء الله بين الخلق مذ خلقوا
إن المخاوف والاجرام في قرن ومن عقوباتها انها توقع الوحشة العظيمة في القلب فيجد المذنب نفسه مستوحشا قد وقعت الوحشة بينه وبين ربه وبينه وبين الخلق وبينه وبين نفسه وكلما كثرت الذنوب اشتدت الوحشة وأمر العيش عيش المستوحشين الخائفين وأطيب العيش عيش المستأنسين فلو نظر العاقل ووازن بين لذة المعصية وما تولد فيه من الخوف والوحشة لعلم سوء حاله وعظيم غبنه اذ باع أنس الطاعة وأمنها وحلاوتها بوحشة المعصية وما توجبه من الخوف
اذا كنت قد أوحشتك الذنوب
فدعها اذا شئت واستأنس وسر المسألة ان الطاعة توجب القرب من الرب سبحانه وكلما اشتد القرب قوى الانس والمعصية توجب البعد من الرب وكلما زاد البعد قويت الوحشة ولهذا يجد العبد وحشة بينه وبين عدوه للبعد الذي بينهما وإن كان ملابسا له قريبا منه ويجد أنسا قويا بينه وبين من يجب وإن كان بعيدا عنه والوحشة سببها الحجاب وكلما غلظ الحجاب زادت الوحشة فالغفلة توجب الوحشة واشد واشد منها وحشة المعصية واشد منها وحشة الشرك الكفر ولا تجد أحدا يلابس شيئا من ذلك إلا ويعلوه من الوحشة بحسب مالابسه منه فتعلوا الوحشة وجهه وقلبه فيستوحش ويستوحش منه
51
فصل
ومن عقوباتها انها تصرف القلب عن صحته واستقامته الى مرضه وانحرافه فلا يزال مريضا معلولا لا ينتفع بالاغذية التي بها حياته وصلاحه تأثير الذنوب في القلوب كتأثير الامراض في الابدان بل الذنوب أمراض القلوب ودائها ولادواء لها الا تركها وقد أجمع السائرون الى الله أن القلوب لا تعطي مناها حتى تصل الى مولاها ولا تصل الى مولاها حتى تكون صحيحة سليمة ولا تكون صحيحة سليمة حتى ينقلب داؤها فتصير نفس دوائها ولا يصح لها ذلك الا بمخالفة هواها وهواها مرضها وشفاؤها مخالفته فان استحكم المرض قتل أو كاد وكما أن من نهى نفسه عن الهوى كانت الجنة مأواه كذلك يكون قلبه في هذه الدار في جنة عاجلة لايشبه نعيم أهلها نعيم البتة بل التفاوت الذي بين النعيمين كالتفاوت الذى بين نعيم الدنيا والآخرة وهذا أمر لايصدق به الا من باشر قلبه هذا وهذا ولا تحسب ان قوله تعالى إن الابرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم مقصور على نعيم الآخرة وجحيمها فقط بل في دورهم الثلاثة كذلك أعني دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار فهؤلاء في نعيم وهؤلاء في جحيم وهل النعيم إلا نعيم القلب وهل العذاب إلا عذاب القلب وأي عذاب أشد من الخوف والهم والحزن وضيق الصدر وإعراضه عن الله والدار الآخرة وتعلقه بغير الله وانقطاعه عن الله بكل واد منه شعبة وكل شيء تعلق به وأحبه من دون الله فانه يسومه سوء العذاب فكل من أحب شيئا غير الله عذب به ثلاث مرات في هذه الدار فهو يعذب به قبل حصوله حتى يحصل فاذا حصل عذب به حال حصوله بالخوف من سلبه وفواته والمتغيص والتنكيد عليه وأنواع المعارضات فاذا سلبه اشتد عذابه عليه فهذه ثلاثة أنواع من العذاب في هذه الدار وأما في البرزخ فعذاب يقارنه ألم الفراق الذي لايرجي عوده وألم فوات ما فاته من النعيم العظيم باشتغاله بضده وألم الحجاب عن الله وألم الحسرة التي تقطع الاكباد فالهم والغم والحسرة والحزن تعمل في نفوسهم نظير ما تعمل الهوام والديدان في أبدانهم بل عملها في النفوس دائم مستمر حتى بردها الله الى أجسادها فحينئذ ينتقل العذاب الى نوع هو أدهى وأمر فأين هذا من نعيم من يرفص قلبه طربا وفرحا وأنسا بربه واشتياقا اليه وارتياحا بحبه وطمأنينة بذكره حتى يقول بعضهم في حال نزعه واطرباء ويقول الآخر ان كان أهل الجنة في مثل هذا الحال انهم لفي عيش طيب ويقول الآخر مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا لذيذ العيش فيها وما ذاقوا أطيب ما فيها ويقول الآخر لو علم الملوك أبناءالملوك ما نحن فيه لخالدونا
52
عليه بالسيوف ويقول الآخران في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة فيامن باع حظه الغالي بأبخس الثمن وغبن كل الغبن في هذا العقد وهو يرى انه قد غبن اذا لم يكن لك خبرة بقيمة السلعة فاسئل المقومين فياعجبا من بضاعة معك الله مشتريها وثمنها جنة المأوي والسفير الذي جرى على يده عقد التبايع وضمن الثمن عن المشتري هو الرسول A وقد بعتها بغاية الهوان
اذا كان هذا فعل عبد نفسه
فمن ذاله من بعده ذلك يكرم ومن يهن الله فماله من مكرم إن الله يفعل ما يشاء فصل
ومن عقوباتها انها تعمي بصر القلب وتطمس نوره وتسد طرق العلم وتحجب مواد الهداية وقد قال مالك للشافعي رحمهما الله تعالى لما اجتمع به ورأى تلك المخايل إني أرى الله تعالى قد ألقى على قلبك نورا فلا تطفئه بظلمه المعصية ولايزال هذا النور يضعف ويضمحل وظلام المعصية يقوى حتى يصير القلب في مثل الليل البهيم فكم من مهلك يسقط فيه وهو لا يبصر كأعمى خرج بالليل في طريق ذات مهالك ومعاطب فياعزة السلامة وياسرة العطب ثم تقوى تلك الظلمات وتفيض من القلب الى الجوارح فيغشى الوجه منها سواد بحسب قوتها وتزايدها فاذا كانت عند الموت ظهرت في البرزخ فامتلأ القبر ظلمة كما قال النبي A ان هذه القبور ممتلئة على أهلها ظلمة وإن الله ينورها بصلاتي عليهم فاذا كان يوم المعاد وحشر العباد وعلت الظلمة الوجوه علوا ظاهرا يراه كل أحد حتى يصير الوجه أسود مثل الجمعه فيالها من عقوبة لا توازن لذات الدنيا بأجمعها من أولها الى آخرها فكيف يقسط العبد المنغص المنكد المتعب في زمن انما هو ساعة من حلم والله المستعان فصل
ومن عقوباتها انها تصغر النفس وتقمعها وتدسيها وتحقرها حتى تصير أصغر كل شيء وأحقره كما ان الطاعة تنمها وتزكيها وتكبرها قال تعالى قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها والمعنى قد أفلح من كبرها وأعلاها بطاعة الله وأظهرها وقد خسر من أخفاها وحقرها وصغرها بمعصية الله وأصل التدسية الاخفاء منه قوله تعالى يدسه في التراب فالعاصي يدس نفسه في المعصية ويخفي مكانها ويتوارى من الخلق من سوء ما يأتي به قد انقمع عند نفسه وانقمع عند الله وانقمع عند الخلق فالطاعة والبر تكبر النفس وتعزها وتعليها حتى تصير أشرف شيء وأكبره وأزكاء وأعلاه ومع ذلك فهي أذل شيء وأحقره وأصغره لله تعالى
53
وبهذا الذل حصل لها هذا العز والشرف والنمو فما صغر النفس مثل معصية الله وما كبرها وشرفها ورفعها مثل طاعة الله فصل
ومن عقوباتها أن العاصي دائما في أسر شيطانه وسجن شهواته وقيود هواه فهو أسير مسجون مقيد ولا أسير أسوء حال من أسير من أسير أسره أعدى عدوله ولا سجن أضيق من سجن الهوى ولا قيد أصعب من قيد الشهوة فكيف يسير الى الله والدار الآخرة قلب ماسور مسجون مقيد وكيف يخطو خطوة واحدة وإذا تقيد القلب طرقته الآفات من كل جانب بحسب قيوده ومثل القلب الطائر كلما علا بعد عن الآفات وكلما نزل استوحشه الآفات وفي الحديث الشيطان ذئب الانسان وكما أن الشاة التي لا حافظ لها وهي بين الذئاب سريعة العطب فكذا العبد إذا لم يكن عليه حافظ من الله فذئبه مفترسه ولا بد وإنما يكون عليه حافظ من الله بالتقوى فهي وقاية وجنة حصينة بينه وبين ذئبه كما هي وقاية بينه وبين عقوبات الدنيا والآخرة وكلما كانت الشاة أقرب من الراعى كانت أسلم من الذئب وكلما بعدت عن الراعي كانت أقرب الى الهلاك فاحمي ما تكون الشاة إذا قربت من الراعى وإنما يأخذ الذئب القاصي من الغنم وهي أبعدهن من الراعي وأصل هذا كله إن القلب كلما كان أبعد من الله كانت الآفات اليه أسرع وكلما كان أقرب من الله بعدت عنه الآفات والبعد من الله مراتب بعضها أشد من بعض فالغفلة تبعد العبد عن الله وبعد المعصية أعظم من بعد الغفلة وبعد البدعة أعظم من بعد المعصية وبعد النفاق والشرك أعظم من ذلك كله
فصل ومن عقوباتها سقوط الجاه والمنزلة والكرامة عند الله وعند خلقه فان
أكرم الخلق عند الله أتقاهم وأقربهم منه منزلة أطوعهم له وعلى قدر طاعة العبد تكون له منزلة عنده فاذا عصاه وخالف امره سقط من عينه فاسقطه من قلوب عباده وإذا لم يبق له جاه عند الخلق وهان عليهم عاملوه علي حسب ذلك فعاش بينهم أسوء عيش خال الذكر ساقط القدر زرى الحال لاحرمة له فلا فرح له ولاسرور فان خمول الذكر وسقوط القدر والجاه معه كل غم وهم وحزن ولاسرور معه ولافرح وأين هذا الالم من لذة المعصية لولا سكر الشهوة ومن أعظم نعم الله علي العبد أن يرفع له بين العالمين ذكره ويعلى قدره ولهذا خص أنبياءه ورسله من ذلك بما ليس لغيرهم كما قال تعالى وأذكر عبادنا ابراهيم وأسحاق ويعقوب أولى الايدي والابصار أنا أخلصنا هم بخالصة ذكر الدار أي خصصناهم
54
بخصيصة وهو الذكر الجميل الذي يذكرون به في هذه الدار وهو لسان الصدق الذي سأله ابراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام حيث قال واجعل لي لسان صدق في الآخرين وقال سبحانه وتعالى عنه وعن نبيه ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا وقال لنبيه A ورفعنا لك ذكرك فاتباع الرسل لهم نصيب من ذلك بحسب ميراثهم من طاعتهم ومتابعتهم وكل من خالفهم فانه من ذلك بحسب مخالفتهم ومعصيتهم
فصل ومن عقوباتها انها تسلب صاحبها أسماء المدح والشرف وتكسوه أسماء
الذم والصغار فتسلبه اسم المؤمن والبر والمحسن والمنقي والمطيع والمنيب والولى والورع والمصلح والعابد والخائف والاواب والطيب والرضى ونحوها وتكسوه اسم الفاجر والعاصى والمخالف والمسىء والمفسد والخبيث والمسخوط والزاني والسارق والقاتل والكاذب والخائن واللوطي والغادر وقاطع الرحم وأمثالها فهذه أسماء الفسوق وبئس الاسم الفسوق بعد الايمان التي توجب غضب الديان ودخول النيران وعيش الخزى والهوان وتلك أسماء توجب رضاء الرحمان ودخول الجنان وتوجب شرف المسمي بها على سائر أنواع الانسان فلو لم يكن في عقوبة المعصية الا إستحقاق تلك الاسماء وموجباتها لكان في العقل ناه عنها ولو لم يكن في ثواب الطاعة الا الفوز بتلك الاسماء وموجباتها لكان في العقل أمر بها ولكن لا مانع لما أعطي الله ولا معطى لما منع ولا مقرب لمن باعد ولا مبعد لمن قرب ومن يهن الله فماله من مكرم وإن الله يفعل ما يشاء فصل
ومن عقوباتها إنها تؤثر بالخاصة في نقصان العقل فلا تجد عاقلين أحدهما مطيع لله والآخر عاص الا وعقل المطيع منهما أو فر وأكمل وفكره أصح ورأيه أمد والصواب قرينه ولهذا تجد خطاب القرآن إنما هو مع أولي الألباب والعقول كقوله فاتقون يا أولي الألباب وقوله فاتقوا الله ياأولي الألباب وقوله وما يذكر الا أولوا الالباب ونظائر ذلك كثيرة وكيف يكون عاقلا وافر العقل من يعصي من هو في قبضته وفي داره وهو يعلم إنه يراه ويشاهده فيعصيه وهو بعينه غير متوار عنه ويستعين بنعمه علي مساخطه ويستدعي كل وقت غضبه عليه ولعنته له وإبعاده من قربه وطرده عن بابه وإعراضه عنه وخذلانه له والتخليه بينه وبين نفسه وعدوه وسقوطه من عينه وحرمانه وروح رضاه وحيه وقرة العين بقربه والفوز بجواره والنظر الى وجهه في زمرة أوليائه الى أضعاف أضعاف ذلك
55
من كرامة أهل الطاعة وأضعاف أضعاف ذلك من عقوبة أهل المعصية فاي عقل لمن آثر لذة ساعة أو يوم أو دهر ثم تنقضي كانها حلم لم يكن على هذا النعيم المقيم والفوز العظيم بل هو سعادة الدنيا والآخرة ولولا العقل الذي تقوم عليه به الحجة لكان بمنزلة المجانين بل قد يكون المجانين أحسن حالا منه وأسلم عاقبة فهذا من هذا الوجه وأما ما تأثيرها في نقصان العقل العيشي فلولا الاشتراك في هذا النقصان لظهر لمطيعنا نقصان عقل عاصينا ولكن الجائحة عامة والجنون فنون وياعجبا لو صحت العقول لعلمت أن الطريق الذى يحصل به اللذة والفرحة والسرور وطيب العيش إنما هو في رضاء من النعم كله في رضاه والالم والعذاب كله في سخطه وغضبه ففي رضاه قرة العيون وسرور النفوس وحياة القلوب ولذة الأرواح وطيب الحياة ولذة العيش وأطيب النعيم مما لو وزن منه مثقال ذرة بنعيم الدنيا لم تف به بل إذا حصل للقلب من ذلك أيسر نصيب لم يرض بالدنيا وما فيها عوضا منه ومع هذا فهو يتنعم بنصيبه من الدنيا أعظم من تنعم المترفين فيها ولايشوب تنعمه بذلك الحظ اليسير ما يشوب تنعم المترفين من الهموم والغموم والاحزان والمعارضات بل قد حصل له على النعيمين وهو ينتظر نعيمين آخرين أعظم منهما وما يحصل له فى خلال ذلك من الآلام فالامر كما قال سبحانه إن تكونوا تألمون فانهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون فلا إله إلا الله ما أنقص عقل من باع الدر بالبعر والمسك بالرجيع ومرافقة الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين بمرافقة الذين غضب الله عليهم ولعنهم وأعدلهم جهنم وساءت مصيرا فصل
ومن أعظم عقوباتها أنها توجب القطيعة بين العبد وبين ربه تبارك وتعالى وإذا وقعت القطيعة انقطعت عنه أسباب الخير واتصلت به أسباب الشرفاي فلاح وأي رجاء وأي عيش لمن انقطعت عنه أسباب الخير وقطع ما بينه وبين وليه ومولاه الذي لا غني له عنه طرفة عين ولا بدل له منه ولا عوض له عنه واتصلت به أسباب الشر ووصل ما بينه وبين أعداء عدوله فتولاه عدوه وتخلي عنه وليه فلا تعلم نفس ما فى هذا الانقطاع والاتصال من أنواع الآلام وأنواع العذاب قال بعض السلف رأيت العبد ملقى بين الله سبحانه وبين الشيطان فان أعرض الله عنه تولاه الشيطان وإن تولاه الله لم يقدر عليه الشيطان وقد قال تعالى وإذ قلنا للملائكة اسجدوا الآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا يقول سبحانه لعباده أنا أكرمت آباكم ورفعت قدره وفضلته على غيره فامرت ملائكتي كلهم أن يسجدوا له تكريما وتشريفا
56
فاطاعوني وابي عدوي وعدوه فعصى أمري وخرج عن طاعتي فكيف يحسن بكم بعد هذا أن تتخذونه وذريته أولياء من دوني فتطيعونه في معصيتى وتوالونه في خلاف مرضاتى وهم أعدا عدولكم فواليتم عدوي وقد أمرتكم بمعاداته ومن والى أعداء الملك كان هو وأعداؤه عنده سواء فان المحبة والطاعة لاتتم إلا بمعادات أعداء المطاع وموالات أوليائه وأما ان توالى أعداء الملك ثم تدعي انك موال له فهذا محال هذا لو لم يكن عدو الملك عدوا لكم فكيف إذا كان عدوكم على الحقيقة والعدواة التي بينكم وبينه أعظم من العداوة التى بين الشاة وبين الذئب فكيف يليق بالعاقل أن يوالى عدوه وعدو وليه ومولاه الذي لا مولى له سواه ونبه سبحانه على قبح هذه الموالات بقوله وهم لكم عدو وكما نبه على قبحها بقوله تعالى ففسق عن أمر ربه فتبين أن عداوته لربه وعداوته لنا كل منهما سبب يدعو الى معاداته فما هذه الموالات وما هذا الاستبدال بئس للظالمين بدلا ويشبه أن يكون تحت هذا الخطاب نوع من العقاب نظيفا عجيبا وهو اني عاديت إبليس إذ لم يسجد لابيكم آدم مع ملائكتى فكانت معاداته لاجلكم ثم كان عاقبة هذه المعادات أن عقدتم بينكم وبينه عقدا المصالحة فصل
ومن عقوباتها انها تمحق بركة العمر وبركة الرزق وبركة العلم وبركة العمل وبركة الطاعة وبالجملة أنها تمحق بركة الدين والدنيا فلاتجد أقل بركة في عمره ودينه ودنياه ممن عصي الله وما محت البركة من الارض إلا بمعاصى الخلق قال الله تعالي ولو أن اهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض وقال تعالى وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه وأن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه وفي الحديث أن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله واجملوا في الطلب فإنه لا ينال ما عند الله الا بطاعته وإن الله جعل الروح والفرح في الرضاء واليقين وجعل الهم والحزن في الشك والسخط وقد تقدم الاثر الذي ذكره أحمد في كتاب الزهد أنا الله إذا رضيت باركت وليس لبركتي منتهى وإذا غضبت لعنت ولعنتي تدرك السابع من الولد وليست سعة الرزق والعمل بكثرته ولا طول العمر بكثرة الشهور والاعوام ولكن سعة الرزق والعمر بالبركة فيه وقد تقدم أن عمر العبد هو مدة حياته ولاحياة لمن أعرض عن الله واشتغل بغيره بل فحياة البهائم خير من حياته فإن حياة الانسان بحياة قلبه وروحه ولاحياة لقلبه إلا بمعرفة فاطره ومحبته وعبادته وحده أو الانابة اليه والطمانينة بذكره والانس بقربه ومن فقد هذه الحياة فقد الخير كله ولو تعوض عنها بما تعوض به الدنيا بل ليست
57
الدنيا بأجمعها عوضا عن هذه الحياة فمن كل شيء يفوت العبد عوض وإذا فاته الله لم يعوض عنه شيء البتة وكيف يعوض الفقير بالذات عن الغنى بالذات والعاجز بالذات عن القادر بالذات والميت عن الحي الذي لا يموت والمخلوق عن الخالق ومن لا وجود له فلا شيء له من ذاته البتة عمن غناء وحياته وكماله ووجوده ورحمته من لوازم ذاته وكيف يعوض من لا يملك مثقال ذرة عمن له ملك السموات والارض وإنما كانت معصية الله سببا لمحق بركة الرزق والاجل لان الشيطان موكل بها وبأصحابها فسلطانه عليهم وحوالته على هذا الديون وأهله وأصحابه وكل شيء يتصل به الشيطان ويقارنه فبركته ممحوقة ولهذا شرع ذكر إسم الله تعالى عند الأكل والشرب واللبس والركوب والجماع لما في مقارنة إسم الله من البركة وذكر إسمه يطرد الشيطان فتحصل البركة ولا معارض لها وكل شيء لا يكون لله فبركته منزوعة فان الرب هو الذي يبارك وحده والبركة كلها منه وكلما نسب اليه مبارك فكلامه مبارك ورسوله مبارك وعبده المؤمن النافع لخلقه مبارك وبيته الحرام مبارك وكنانته من أرضه وهى الشام أرض البركة وصفها بالبركة في ست آيات من كتابه فلا مبارك الا هو وحده ولا مبارك الا ما نسب اليه أعنى إلى محبته وألوهيته ورضاه وإلا فالكون كله منسوب إلى ربوبيته وخلقه وكلما باعده من نفسه من الاعيان والاقوال والاعمال فلا بركة فيه ولا خير فيه وكلما كان منه قريبا من ذلك ففيه من البركة علي قدر قربه منه وضد البركة اللعنة فأرض لعنها الله أو شخص لعنه الله أو عمل لعنه الله أبعد شيء من الخير والبركة وكلما اتصل بذلك وارتبط به وكان منه بسبيل فلا بركة فيه البتة وقد لعن عدوه إبليس وجعله أبعد خلقه منه فكل ما كان من جهته فله من لعنة الله بقدر قربه منه وإتصاله فمن ههنا كان للمعاصي أعظم تأثير في محق بركة العمر والرزق والعلم والعمل فكل وقت عصيت الله فيه أو مال عصى الله به أو بدن أو جاه أو علم أو عمل فهو على صاحبه ليس له فليس له من عمره وماله وقوته وجاهه وعلمه وعمله الا ما أطاع الله به ولهذا من الناس من يعيش في هذه الدار مائة سنة أو نحوها ويكون عمره لايبلغ عشرين سنة أو نحوها كما أن منهم من يملك القناطير المقنطرة من الذهب والفضة ويكون ماله في الحقيقة لا يبلغ ألف درهم أو نحوها وهكذا الجاه والعلم وفي الترمذي عنه A الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله عز وجل وما والاه أو عالم أو متعلم وفي آثر آخر ملعونة ما فيها الا ما كان لله هذا هو الذي فيه البركة خاصة والله المستعان
58
فصل
ومن عقوباتها أنها تجعل صاحبها من السفلة بعد ان كان مهيئا لان يكون من العلية فان الله خلق خلقه قسمين علية وسفلة وجعل عليين مستقر العلية وأسفل سافلين مستقر السفلة وجعل أهل طاعته الاعليين في الدنيا والاخرة وأهل معصيته الاسفلين في الدنيا والآخرة كما جعل أهل طاعته أكرم خلقه عليه وأهل معصيته أهون خلفه عليه وجعل العزة لهؤلاء والذلة والصغار لهؤلاء كما في مسند أحمد من حديث عبد الله بن عمر عن النبي A أنه قال جعلت الذلة والصغار على من خالف أمرى وكلما عمل العبد معصية نزل الى أسفل درجة ولا يزال في نزول حتي يكون من الاسفلين وكلما عمل طاعة ارتفع بها درجة ولا يزال في ارتفاع حتى يكون من الاعليين وقد يجمتع للعبد في أيام حياته الصعود من وجه والنزول من وجه وأيهما كان أغلب عليه كان من أهله فليس من صعد مائة درجة ونزل درجة واحدة كمن كان بالعكس ولكن يعرض ههنا للنفوس غلط عظيم وهو أن العبد قد ينزل نزولا بعيدا أبعد مما بين المشرق والمغرب ومما بين السماء والارض ولا يفيء بصعوده ألف درجة بهذا النزول الواحد كما فى الصحيح عن النبي A أنه قال إن العبد ليتكلم بالكلمة الواحدة ولا يلقى لها بالا يهوى بها فى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب فأي صعود يوازن هذه النزلة والنزول أمر لازم للانسان ولكن من الناس من يكون نزوله الى غفلة فهذا متى استيقظ من عفلته عاد الى درجته أو الى أرفع منها بحسب يقظته ومنهم من يكون نزوله الى مباح لاينوى به الاستعانة على الطاعة فهذا اذا رجع الى الطاعة قد يعود الي درجته وقد لا يصل اليها وقد يرتفع عنها فانه قد يعود أعلي همة مما كان وقد يكون اضعف همة وقد تعود همته كما كانت ومنهم من يكون نزوله الي معصية إما صغيرة أو كبيرة فهذا يحتاج فى عوده الي درجته الي توبة نصوح وانابه صادقة واختلف الناس هل يعود بعد التوبة الى درجته التي كان فيها بناء على أن التوبة تمحو أثر الذنب وتجعل وجوده كعدمه فكانه لم يكن أولا يعود بناء على أن التوبة تأثيرها فى إسقاط العقوبة وأما الدرجة التي فاتته فانه لايصل اليها قالوا وتقرير ذلك انه كان مستعدا باشتغاله بالطاعة في الزمن الذى عصى فيه لصعود آخر وارتفاعه بجملة أعماله السابقة بمنزلة كسب الرجل كل يوم بجملة ماله الذي يملكه وكلما تضاعف المال تضاعف الربح فقد راح عليه في زمن المعصية ارتفاع وربح بجملة أعماله فاذا استأنف العمل استأنف صعودا من نزول وكان قبل ذلك صاعدا من أسفل الى اعلى وبينهما بون عظيم قالوا ومثل ذلك
59
رجلان مرتقيان في سليمن لا نهاية لهما وهما سواء فنزل أحدهما الى أسفل ولو درجة واحدة ثم استأنف الصعود فإن الذي لم ينزل يعلو عليه ولا بد وحكم شيخ ابن تيمية بين الطائفتين حكما مقبولا فقال التحقيق ان من التائبين من يعود الى أرفع من درجته ومنهم من يعود الى من مثل درجته ومنهم من لا يصل الى درجته ومنهم من يعود الى درجته قلت وهذا بحسب قدر التوبة وكما لها وما أحدثت المعصية للعبد من الذل والخضوع والانابة والحذر والخوف من الله والبكاء من خشية الله وقد تقوى على هذه الامور حتى يعود التائب الى زرفع من درجته ويصير بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة فهذا قد تكون الخطيئة في حقه رحمة فانها نفت عنه داء العجب وخلصته من ثقته بنفسه وأعماله ووضعت خد ضراعته وذله وإنكساره على عتبة باب سيده ومولاه وعرفته قدره واشهدته فقره وضرورته الى حفظ سيده له ومولاه وعرفته قدره واشتهدته فقره وضرورته الى حفظ سيده له ومولاه والى عفوه عنه ومغفرته له وأخرجت من قلبه صولة الطاعة وكسرت أنفه من أن يشمخ بها أو يتكبر بها أو يرى نفسه بها خيرا من غيره وأوقفته بين يدي ربه موقف الخطائين المذنبين ناكس الرأس بين يدي ربه مستحيا خائفا منه وجلا محتقرا لطاعته مستعظما لمعصيته عرف نفسه بالنقص والذم وربه متفرد بالكمال والحمد والوفي كما قيل
استأثر الله بالوفى وبالحم
د وولي الملامة الرجلا فصل
فاي نعمة وصلت من الله اليه استكثرها على نفسه ورأى نفسه دونها ولم يرها أهلا لها وأي نقمة أو بلية وصلت اليه رأي نفسه أهلا لما هو أكبر منها ورأى مولاه قد أحسن اليه إذ لم يعاقبه على قدر جرمه ولاشطره ولا أدني جزء منه فان ما يستحقه من العقوبة لاتحمله الجبال الراسيات فضلا عن هذا العبد الضعيف العاجز فان الذنب وان صغر فان مقابله العظيم الذى لاشيء أعظم منه الكبير الذي لاشيء أكبر منه الجليل الذى لا أجل منه ولا أجمل المنعم بجميع أنواع النعم دقيقها وجليلها من أقبح الامور وافظعها واشنعها فان مقابلة العظماء والاجلاء وسادات الناس بمثل ذلك يستقبحه كل أحد مؤمن وكافر وأرذل الناس واسقطهم مرؤة من قابلهم بالرذائل فكيف بعظيم السموات والارض وملك السموات والارض وإله أهل السموات والأرض ولولا أن رحمته سبقت غضبه ومغفرته سبقب عقوبته والا لتزلزلت الارض بمن قابله بمالا تليق مقابلته به ولولا حلمه ومغفرته لزالت السموات والارض من معاصي العباد قال تعالى ان الله يمسك السموات والارض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا فتأمل ختم ! هذه الآية
60
بأسمين من أسمائه وهما الحليم والغفور كيف تجد تحت ذلك انه لولا حلمه عن الجناة ومغفرته للعصاة لما استقرت السموات والارض وقد أخبر سبحانه عن كفر بعض عباده أنه تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هذا وقد أخرج الله سبحانه الأبوين من الجنة بذنب واحد ارتكباه وخالفا فيه نهيه ولعن إبليس وطرده وأخرجه من ملكوت السموات بذنب واحد ارتكبه وخالف فيه أمره ونحن معاشرا الحمقاء كما قيل
نصل الذنوب الى الذنوب ونرتجى
درج الجنان لذي النعيم الخالد
ولقد علمنا أخرج الابوين من
ملكوتها الأعلى بذنب واحد
والمقصود أن العبد قد يكون بعد التوبة خيرا مما كان قبل الخطيئة وأرفع درجة وقد تضعف الخطيئة همته وتوهن عزمه وتمرض قلبه فلا يقوى ذو التوبة على إعادته الى الصحة الاولى فلا يعود الى درجته وقد يزول المرض بحيث تعود الصحة كما كانت ويعود الى مثل عمله فيعود الى درجته هذا كله إذا كان نزوله الى معصيته فان كان نزوله الى أمر يقدح في أصل إيمانه مثل الشكوك والريب والنفاق فذاك نزول لا يرجى لصاحبه صعود الا بتجديد إسلامه من رأسه فصل
ومن عقوباتها أنها تجتريء على العبد ما لم يكن يجتريء عليه من أصناف المخلوقات فتجتري عليه الشياطين بالاذي والأغواء والوسوسة والتخويف والتعزيز وإنسانه ما مصلحته في ذكره ومضربه في نسيانه فتجترىء عليه الشياطين حتي تؤزه الى معصية الله أزا وتجترىء عليه شياطين الانس بما تقدر عليه من الأذى في غيبته وحضوره وتجترىء أهله وخدمه وأولاده وجيرانه حتي الحيوان البهيم قال بعض السلف اني لاعصي الله فاعرف ذلك في خلق امري ودابتي وكذلك تجترى عليه نفسه فتأسد عليه وتصعب عليه فلو أرادها لخير لم تطاوعه ولم تنقد له وتسوقه الى ما فيه هلاكه شاء أم أبي وذلك لان الطاعة حصن الرب تبارك وتعالى الذى من دخله كان من الآمنين فاذا فارق الحصن اجترىء عليه قطاع الطريق وغيرهم وعلى حسب اجترائه على معاصى الله يكون اجتراء هذه الآفات والنفوس عليه وليس شيء يرد عنه فان ذكر الله وطاعته والصدقة وإرشاد الجاهل والامر بالمعروف والنهى عن المنكر وقاية ترد عن العبد بمنزلة القوة التي ترد المرض وتقاومه فاذا سقطت القوة غلب وارد المرض وكان الهلاك ولا بد للعبد من شيء يرد عنه فان موجب السيئات والحسنات يتدافع ويكون الحكم للغالب كما تقدم وكلما قوى جانب الحسنات كان الرد أقوي كما تقدم
61
فان الله يدافع عن الذين آمنوا والايمان قول وعمل فيحسب قوة الايمان تكون قوة الدفع والله المستعان فصل
ومن عقوباتها أنها تخون العبد أحوج ما يكون الى نفسه فأن كل أحد محتاج الى معرفة ما ينفعه وما يضره في معاشه ومعاده وأعلم الناس أعرفهم بذلك على التفصيل وأقواهم وأكيسهم من قوى على نفسه وإرادته فاستعملها فيما ينفعه وكفها عما يضره وفي ذلك تفاوت معارف الناس وهممهم ومنازلهم فاعرفهم من كان عارفا باسباب السعادة والشقاوة وأرشدهم من آثر هذه على هذه كما ان أسفههم من عكس الامر والمعاصي تخون العبد أحوج ما كان الى نفسه في تحصيل هذا العلم وإيثار الحظ الاشرف العالي الدائم على الحظ الخسيس الادني المنقطع فتحجبه الذنوب عن كمال هذا العلم ومن الاشتغال بما هو أولى به وأنفع له في الدارين فاذا وقع مكروه واحتاج الى التخلص منه خانه قلبه ونفسه وجوارحه وكان بمنزلة رجل معه سيف قد غشيه الحرب ولزم قرابه بحيث لا ينجذب مع صاحبه اذا جذبه فعرض له عدو يريد قتله فوضع يده على قائم سيفه واجتهد ليخرجه فلم يخرج معه فدهمه العدو وظفر به كذلك القلب يصدىء بالذنوب ويصير مثخنا بالمرض فاذا احتاج الى محاربة العدو لم يجد معه منه شيئا والعبد انما يحارب ويصاول ويقدم بقلبه والجوارح تبع للقلب فاذا لم يكن عند ملكها قوة يدفع به فما الظن بها عند عدم ملكها وكذلك النفس فانها تخبث بالشهوات والمعاصي وتضعف أعني النفس المطمئنة وإن كانت الامارة تقوى وتتأسد وكلما قويت هذه ضعفت هذه فبقى الحكم والتصرف للامارة وربما ماتت نفسه المطمئنة موتا لايرجي معه حياة فهذا ميت في الدنيا ميت في البرزخ غير حي في الآخرة حياة ينتفع بها بل حياته حياة يدرك بها الالم فقط والمقصود أن العبد إذا وقع في شدة أو كربة أوبلية خانه قلبه ولسانه وجوارحه عما هو أنفع شيء له فلا ينجذب قلبه للتوكل على الله تعالى والانابة اليه والجمعية عليه والتضرع والتذلل والانكسار بين يديه ولا يطاوعه لسانه لذكره وان ذكره بلسانه لم يجمع بين قلبه ولسانه فلا ينحبس القلب على اللسان بحيث يؤثر فيه الذكر ولا ينحبس اللسان والقلب علي المذكور بل إن ذكر أو دعا ذكر بقلب غافل لاه ساه ولو أراد من جوارحه أن تعينه بطاعة تدفع عنه لم تنقد له ولم تطاوعه وهذا كله أثر الذنوب والمعاصي كمن له جند يدفع عنه الاعداء فاهمل جنده وضيعهم وأضعفهم وقطع أخبارهم ثم أراد منهم عند هجوم العدو عليه أن يستفرغوا وسعهم في الدفع عنه بغير قوة هذا وثم أمر أخوف من
62
ذلك وأدهي وأمر وهو أن يخونه قلبه ولسانه عند الاحتضار والانتقال الى الله تعالى فربما تعذر عليه النطق بالشهادة كما شاهد الناس كثيرا من المحتضرين أصابهم ذلك حتى قيل لبعضهم قل لا إله إلا الله فقال آه آه لا أستطيع أن أقولها وقيل لآخر قل لا إله إلا الله فقال شاه رخ غلبنك ثم قضى وقيل لآخر قل لا إله إلا الله فقال
يارب قائلة يوما وقد تعبت
أين الطريق الى حمام منجاب
ثم قضى وقيل لآخر قل لا إله إلا الله فجعل يهذي بالغناء ويقول تاتا ننتنتا فقال وما ينفعني ما تقول ولم أدع معصية الا ركبتها ثم قضى ولم يقلها وقيل لآخر ذلك فقال وما يغني عني وما أعلم اني صليت لله تعالى صلاة ثم قضى ولم يقلها وقيل لآخر ذلك فقال هو كافر بما تقول وقضي وقيل لآخر ذلك فقال كلما أردت أن أقولها فلساني يمسك عنها وأخبرني من حضر بعض الشحاذين عند موته فجعل يقول لله فليس لله فليس حق قضي وأخبرني بعض التجار عن قرابة له انه احتضر وهو عنده فجعلوا يلقنونه لا إله إلا الله وهو يقول هذه القطعة رخيصة هذا مشتري جيد هذه كذا حتى قضي وسبحان الله كم شاهد الناس من هذا عبرا والذي يخفي عليهم من أحوال المحتضرين أعظم وأعظم وإذا كان العبد في حال حضور ذهنه وقوته وكمال إدراكه قد تمكن منه الشيطان واستعمله بما يريده من المعاصي وقد أغفل قلبه عن ذكر الله تعالى وعطل لسانه من ذكره وجوارحه عن طاعته فكيف الظن به عند سقوطه قواه واشتغال قلبه ونفسه بما هو فيه من ألم النزع وجمع الشيطان له كل قوته وهمته وحشد عليه بجميع ما يقدر عليه لينال منه فرضته فان ذلك آخر العمل فاقوي ما يكون عليه شيطانه ذلك الوقت وأضعف ما يكون هو في تلك الحالة فمن تري يسلم علي ذلك فهناك يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء فكيف يوفق لحسن الخاتمة من أغفل الله سبحانه قلبه عن ذكره واتبع هواه وكان أمره فرطا فبعيد من قلب بعيد من الله تعالى غافل عنه متعبد لهواه مصير لشهواته ولسانه يابس من ذكره وجوارحه معطلة من طاعته مشتغلة بمعصية الله أن يوفق لحسن الخاتمة ولقد قطع خوف الخاتمة ظهور المتقين وكأن المسيئين الظالمين قد أخذوا توقيعا بالايمان أم لكم أيمان علينا بالغة الي يوم القيامة ان لكم لما تحكمون سلهم أيهم بذلك زعيم
يا آمنا من قبيح الفعل يصنعه
هل أتاك تواقيع أم أنت تملكه
جمعت شيئين أمثا واتباع هوى
هذا وإحداهما في المرء تهلكه
والمحسنون على درب المخاوف قد
ساروا وذلك درب لست تسلكه
63
فرطت في الزرع وقت البذر من سفه
فكيف عند حصاد الناس تدركه
هذا وأعجب شىء منك زهدك في
دار البقاء بعيش سوف تتركه
من السفيه اذا بالله أنت أم السمغبون
في البيع غبنا سوف تدركه فصل
ومن عقوباتها أنها تعمي القلب فان تعمه أضعفت بصيرته ولا بد وقد تقدم بيان أنها تضعفه ولابد فاذا عمي القلب وضعف فانه من معرفة الهدى وقوته على تنفيذه في نفسه وفي غيره بحيث تضعف بصيرته وقوته فان كمال الانسان مداره في أصلين معرفة الحق من الباطل وإيثاره عليه وما تفاوتت منازل الخلق عند الله تعالى في الدنيا والآخرة الا بقدر تفاوت منازلهم في هذين الأمرين وهما اللذان أثني الله بهما سبحانه على أنبيائه عليهم الصلاة والسلام في قوله تعالى واذكر عبادنا ابراهيم واسحق ويعقوب أولى الأيدي والأبصار فالأيدي القوة في تنفيذ الحق والأبصار البصائر في الدين فوصفهم بكمال إدراك الحق وكمال تنفيذه وانقسم الناس في هذا المقام أربعة أقسام فهؤلاء أشرف الأقسام من الخلق وأكرمهم على الله تعالى القسم الثاني عكس هؤلاء من لا بصيرة له في الدين ولا قوة على تنفيذ الحق وهم أكثر هذا الخلق الذين رؤيتهم قذي للعيون وحمي الأرواح وسقم القلوب يضيقون الديار ويغلون الأسعار ويستفارد من صحبتهم الا العار والشنار القسم الثالث من له بصيرة في الهدى ومعرفة به لكنه ضعيف لا قوة له على تنفيذه ولا الدعوة اليه وهذا حال المؤمن الضعيف والمؤمن القوي خير واحب الى الله منه القسم الرابع من له قوة وهمة وعزيمة لكنه ضعيف البصيرة في الدين لا يكاد يميز بين أولياء الرحمن من أولياء الرحمن الشيطان بل يحسب كل سوداء تمرة وكل بيضاء شحمة يحسب الورم شحما والدواء النافع سما وليس في هؤلاء من يصلح للامامة فى الدين ولا هو موضعا لها سوي القسم الأول قال الله تعالى وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون فاخبر سبحانه ان بالصبر واليقين نالوا الامامة فى الدين وهؤلاء هم الذين استثناهم الله سبحانه من جملة الخاسرين وأقسم بالعصر الذي هو زمن سعى الخاسرين والرائحين على ان عداهم فهو من الخاسرين فقال تعالى
والعصر إن الانسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر
فلم يكتف منهم بمعرفة الحق والصبر عليه حتي يوصى بعضهم بعضا ويرشده اليه ويحثه عليه فاذا كان من عدا هؤلاء فهو من الخاسرين فمعلوم ان المعاصي والذنوب تعمي بصيرة القلب فلا يدرك الحق كما ينبغي وتضعف قوته وعزيمته فلا يصبر عليه بل قد تتوارد على القلب حتي ينعكس
64
إدراكه كما ينعكس سيره فيدرك الباطل حقا والحق باطلا والمعروف منكرا والمنكر معروفا فينتكس في سيره ويرجع عن سفره الى الله والدار الآخرة الى سفره الى مستقر النفوس المبطلة التي رضيت بالحياة الدنيا واطمأنت بها وغفلت عن الله وآياته وتركت الاستعداد للقائه ولو لم يكن في عقوبة الذنوب الا هذه وحدها لكانت كافية داعية الى تركها والبعد منها والله المستعان وهذا كما ان الطاعة تنور القلب وتجلوه وتصقله وتقويه وتثبته حتى يصير كالمرآة المجلوة في جلائها وصفائها فيتمليء نورا فاذا دني الشيطان منه أصابه من نور ما يصيب مسترق السمع من الشهب الثواقب فالشيطان يفرق من هذا القلب أشد من فرق الذئب من الاسد حتى ان صاحبه ليصرع الشيطان فيخر صريعا فيجتمع عليه الشياطين فيقول بعضهم لبعض ما شأنه فيقال أصابه أنسي وبه نظرة من الأنس
فيا نظرة من قلب حر منور
يكاد لها الشيطان بالنور يحرق أفيستوي هذا القلب وقلب مظلم أرجاؤه مختلفة أهواؤه قد أتخذه الشيطان وطنه وأعده مسكنه اذا تصبح بطلعته حياه وقال فديت من لا يفلح في دنياه ولا في اخراه
انا قرينك في الدنيا وفي الحشر بعدها
فانت قرين لى بكل مكان
فان كنت في دار الشقاء فانني
وأنت جميعا في شقا وهوان قال الله تعالى ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وأنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون حتى إذا جاءنا قال ياليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ولن ينفعكم اليوم إذا ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون فاخبر سبحانه ان من عشي عن ذكره وهو كتابه الذي أنزل علي رسول A وبارك فيه فاعرض عنه وعمى عنه وغشت بصيرته عن فمه وتدبره ومعرفة مراد الله منه قيض الله له شيطانا عقوبة له في إعراضه عن كتابه فهو قرينه الذي لا يفارقه لا في الاقامة ولا في المسير ومولاه وعشيره الذي هو بئس المولى وبئس العشير
رضيعي لبان ثدي أن تقلما
بأسحم واج عوض لا يتفرق ثم أخبر سبحانه ان الشيطان ليصد قرينه ووليه عن سبيله الموصل اليه والى جنته ويحسب هذا الضال المضل الصدود أنه على طريق هدي حتي اذا جاء القرينان يوم القيامة يقول أحدهما للآخر ياليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين كنت لى في الدنيا أضللتني عن الهدى يعد إذ جاءني وصددتنى عن الحق واغوايتني حتى هلكت وبئس القرين أنت لى اليوم ولما كان المصاب إذا شاركه غيره في مصيبة حصل بالتأسي نوع تخفيف وتسلية أخبر الله سبحانه أن هذا غير موجود وغير حاصل في حق المشتركين في العذاب وأن
65
القرين لا يجد راحة ولا أدنى فرح بعذاب قرينه معه وإن كانت المصائب في الدنيا إذا عمت صارت مسلاة كما قالت الخنساء فى أخيها صخر
ولولا كثرة الباكين حولى
على إخوانهم لقتلت نفسى
وما يبكون مثل أخى ولكن
أغري النفس عنه بانأسي
الا يا صخر لا أنساك حتى
أفارق عيشتي وورود رمسي
فمنع الله سبحانه هذا القدر من الراحة على أهل النار فقال ولن ينفعكم اليوم اذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون فصل
ومن عقوباتها إنها مدد من الانسان يمد به عدوه عليه وحبش يقويه به على حربه وذلك أن الله سبحانه ابتلى هذا الانسان بعدو لا يفارقه طرفة عين صاحبه ينام ولا ينام عنه ويغفل ولا يغفل عنه يراه هو وقبيله من حيث لا يراه يبذل جهده في معاداته بكل حال لا يدع أمر يكيده به يقدر على إيصاله اليه الا أوصله ويستعين عليه ببني جنسه من شياطين الانس وغيرهم من شياطين الجن وقد نصب له الحبائل وبغي له الغوائل ومد حوله الاشراك ونصب له الفخاخ والشباك وقال لا عوانه دونكم عدوكم وعدو أبيكم لا يفوتكم ولا يكون حظه الجنة وحظكم النار ونصيبه الرحمة ونصيبكم اللعنة وقد علمتم إن ما جرى علي وعليكم من الخزي واللعن والابعاد من رحمة الله بسببه ومن أجله فابذلوا جهدكم أن يكونوا شركاءنا في هذه البلية اذا قد فاتنا شركة صالحيهم في الجنة ولما علم سبحانه أن آدم وبنيه قد بلوا بهذا العدو وسلطوا عليهم أمدهم بعساكر وجند يلقون بها وأمد عدوهم أيضا بجند وعساكر يلقاهم به وأقام سوق الجهاد في هذه الدار في مدة العمر التي هي بالاضافة الى الآخرة كنفس واحد من أنفاسها واشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وأخبر ان ذلك وعد مؤكد عليه في أشرف كتبه وهي التوارة والانجيل والقرآن ثم أخبر انه لا أوفى بعهده منه سبحانه ثم أمرهم أن يستبشروا بهذه الصفة التي من أراد أن يعرف قدرها فلينظر الى المشتري من هو والى الثمن المبذول في هذه السلعة والى من جرى على يديه هذا العقد فاي فوز أعظم من هذا وأي تجارة أربح منه ثم أكد سبحانه معهم هذا الامر بقوله ياأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب اليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات
66

تجري من تحتها الانهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين
ولم يسلط سبحانه هذا العدو على عبده المؤمن الذي هو أحب المخلوقات اليه إلا لان الجهاد أحب شيء اليه وأهله أرفع الخلق عنده درجات وأقربهم اليه وسيلة فعقد سبحانه لواء هذا الحرب لخلاصة مخلوقاته وهو القلب الذي محل معرفته ومحبته وعبوديته والاخلاص له والتوكل عليه والانابة اليه فولاه أمر هذا الحرب وأيده بجند من الملائكة لا يفارقونه له معقبات من بين يده ومن خلفه يحفظونه من أمر الله يعقب بعضهم بعضا كلما جاء جند وذهب جاء بدله آخر يثبتونه ويأمرونه بالخير ويحضونه عليه ويعدونه بكرامة الله ويصبرونه ويقولون إنما هو صبر ساعة وقد استرحت راحة الأبد ثم أيده سبحانه بجند آخر من وحيه وكلامه فارسل إليه رسوله A وأنزل اليه كتابه فازداد قوة إلى قوته ومددا الى مدده وعدة الى عدته وأمده مع ذلك بالعقل وزيرا له ومدبرا وبالمعرفة مشيرة عليه ناصحة له وبالايمان مثبتا له ومؤيدا وناصرا وباليقين كاشفا له عن حقيقة الامر حتى كأنه يعاين ما وعد الله تعالى أولياءه وحزبه على جهاد أعدائه فالعقل يدبر جيشه والمعرفة تصنع له أمور الحرب وأسبابها ومواضعها اللائفة بها والايمان يثبته ويقويه ويصبره واليقين يقدم به ويحمل به الحملات الصادقة ثم مد سبحانه القائم بهذا الحرب بالقوى الظاهرة والباطنة فجعل العين طليعة والأذن صاحب خبرة واللسان ترجمانه واليدين والرجلين أعوانه وأقام ملائكته وحملة عرشه يستغفرون له ويسئلون له أن يقيه السيئات ويدخله الجنات وتولى سبحانه الدفع والدفاع عنه بنفسه وقال هؤلاء حزب الله وحزب الله هم المفلحون وهؤلاء جنده وإن جندنا لهم الغالبون وعلم عباده كيفية هذا الحرب والجهاد فجمعها لهم في أربع كلمات فقال يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ولا يتم هذا امر الجهاد الا بهذه الامور الاربعة فلا يتم الصبر الا بمصابره العدو وهو مقاومته ومنازلته فاذا صابر عدوه احتاج الى أمر آخر وهي المرابطة وهي لزوم ثغر القلب وحراسته لئلا يدخل منه العدو ولزوم ثغر العين والاذن واللسان والبطن واليد والرجل فهذه الثغور يدخل منه العدو فيجوس خلال الديار ويفسد ما قدر عليه فالمرابطة لزوم هذه الثغور ولا يخلى مكانها فيصادف العدو والثغر خاليا فيدخل منها فهؤلاء أصحاب رسول الله A خير الخلق بعد النبيين والمرسلين A أجمعين وأعظم حماية وحراسة من الشيطان الرجيم وقد خلوا المكان الذي أمروا بلزومه يوم أحد فدخل منه العدو فكان ما كان وإجماع هذه الثلاثة وعمودها الذي تقوم به هو تقوى الله فلا ينفع الصبر ولا المصابرة ولا المرابطة الا بالتقوى ولا تقوم التقوى الا علي ساق الصبر
67
فانظر الآن فيك الى التقاء الجيشين واصطدام العسكرين وكيف تداله مرة ويدال عليك أخري أقبل ملك الكفرة بجنوده وعساكره فوجد القلب في حصنه جالسا على كرسي مملكته أمره نافذ في أعوانه وجنده قد حصنوا به يقاتلون عنه ويدافعون عن حوزته فلم يمكنهم الهجوم عليه الا بمخامرة بعض أمرائه وجنده عليه فسأل عن أخص الجند به وأقربهم منه منزلة فقيل له هي النفس فقال لاعوانه أدخلوا عليها من مرادها وانظروا موقع محبتها وما هو محبوبها فعدوها به ومنوها اياه وانقشوا صورة المحبوب فيها في يقظتها ومنامها فاذا اطمأنت اليه وسكنت عنده فاطرحوا عليها كلاليب الشهوة وخطاطيفها ثم جروها بها اليكم فاذا خامرة على القلب وصارة معكم عليه ملكتم ثغر العين والاذن واللسان والفم واليد والرجل فرابطوا على هذا الثغور كل المرابطة فمتي دخلتم منها الى القلب فهو قتيل أو أسير أو جريح مثخن بالجراحات ولا تخلوا هذه الثغور ولا تمكنوا سرية تدخل منها الى القلب فتخرجكم منها وان غلبتم فاجتهدوا في إضعاف السرية ووهنها حتي لاتصل الى القلب فان وصلت اليه وصلت ضعيفة لا تغني عنه شيئا فاذا استوليتم على هذه الثغور فامنعوا اثغر العين أن يكون نظره إعتبارا بل أجعلوا نظره تفرحا واستحسانا وتلهيا فان استرق نظرة عبرة فافسدوهم عليه بنظر الغفلة والاستحسان والشهوة فانه أقرب اليه وأعلق بنفسه وأخف عليه ودونكم ثغر العين فان منه تنالون بغيتكم فاني ما أفسدت بني آدم بشيء مثل النظر فاني أبذر به في القلب بذر الشهوة ثم أسقيه بماء الامنية ثم لا أزال أعده وامنية حتى أقوى عزيمته وأقوده بزمام الشهوة إلى انخلاع من العصمة فلا تهملوا أمر هذا الثغر وأفسدوه بحسب استطاعتكم وهو نوا عليه أمره وقولوا له مقدار نظرة تدعوك الى تسبيح الخالق والرازق البديع والتأمل والتجمل صفته وحسن هذه الصورة التي إنما خلقت ليستدل بها الناظر عليه وما خلق الله لك العينين سدي وما خلق الله هذه الصورة ليحجبها عن النظر وإن ظفر تم به قليل العلم فاسد العقل فقولوا له هذه الصورة مظهر من مظاهر الحق ومجلى من مجاليه فادعوه الى القول بالاتحاد فإن لم يقبل فالقول بالحلول العام والخاص ولا تقنعوا منه بدون ذلك فانه يصير به من إخوان النصارى فمروه حينئذ بالعفة والصيانة والعبادة والزهد في الدنيا واصطادوا عليه الجهال فهذا من أقرب خلفائي وأكبر جندي بل أنا من جنده وأعوانه
فصل ثم أمنعوا ثغر الاذن أن يدخل عليه مايفسد عليكم الأمر فاجتهدوا أن
لا تدخلوا منه الا الباطل فانه خفيف على النفس تستحليه وتستملحه وتخيروا له أعذاب الالفاظ
68
وأسحرها للالباب أمزجوه بما تهوي النفس مزجا وألقوا الكلمة فان رأيتم منه إصغاء اليها فزيدوه باخوانها فكلما صادفهم صادقتم منه استحسان شيء فالهجوا له بذكره وإياكم أن يدخل من هذا الثغر شىء من كلام الله أو كلام رسوله A أو كلام النصحاء فان غلبتم على ذلك ودخل شىء من ذلك فحولوا بينه وبين فهمه وتدبره والتفكر فيه والعظة به و إما بادخال ضده عليه وإما بتهويل ذلك وتعظيمه وإن هذا أمر قد حيل بين النفوس وبينه فلا سبيل لها اليه وهو حمل ثقيل عليها لا تستقل به ونحو ذلك وإما بار خاصه على النفوس وأن الاشتغال ينبغي أن يكون بما هو أعلى عند الناس وأعز عليهم وأغرب عندهم وزبونه أكثر وأما الحق فهو مهجور والقائل به معرض نفسه للعدوان ولا ينبغي والربح بين الناس أولى بالايثار ونحو ذلك فيدخلون الباطل عليه في كل قالب يقبله ويخف عليه ويخرجون له الحق في كل قالب يكرهه ويثقل عليه وإذا شئت أن تعرف ذلك فانظر الى إخوانهم من شياطين الانس كيف يخرجون الامر بالمعروف والنهي عن المنكر في قالب كثرة الفضول وتتبع عثرات الناس والتعرض من البلاء ما لا يطيق وإلفاء الفتن بين الناس ونحو ذلك ويخرجون إتباع السنة ووصف الرب تعالى بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله A في قالب التشبيه والتجسيم والتكليف ويسمون علوا الله على خلق خلقه واستوائه على عرشه ومباينته لمخلوقاته تحيزا ويسمون نزوله الى سماء الدنيا وقوله من يسألني فاعطيه تحركا وانتقالا ويسمون ما وصف به نفسه من اليد والوجه أمضاء وجوارح ويسمون ما يقوم به من أفعاله حوادث وما يقوم من صفاته أعراضا ثم يتوصلون الى نفي ما وصف به نفسه بهذه الامور ويوهمون الاغمار وضعفاء البصائر أن إثبات الصفات التي نطق بها كتاب الله وسنة رسوله A تستلزم هذه الامور ويخرجون هذا التعطيل في قالب التنزيه والتعظيم وأكثر الناس ضعفاء العقول يقبلون الشيء بلفظ ويردونه بعينه بلفظ آخر قال الله تعالى وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الانس والجن يوحي بعضهم الى بعض زخرف القول غرور فسماه زخرفا وهو القول الباطل لان صاحبه يزخرفه ويزينه ما استطاع ويلقيه الى سمع المغرور فيغتر به والمقصود أن الشيطان قد لزم ثغر الاذن أن يدخل فيها ما يضر العبد ويمنع أن يدخل اليها ما ينفعه وإن دخله بغير اختياره أفسد عليه
69
فصل
ثم يقول قوموا على ثغر اللسان فانه الثغر الاعظم وهو قبالة الملك فاجروا عليه من الكلام ما يضره ولا ينفعه وامنعوه أن يجري عليه شيء مما ينفعه من ذكر الله واستغفاره وتلاوة كتابه ونصيحته عباده او التكلم بالعلم النافع ويكون لكم في هذا الثغر أثر ان عظيمان لا تبالون بايهما ظفرتم أحدهما التكلم بالباطل فانما المتكلم بالباطل أخ من إخوانكم ومن أكبر جندكم وأعوانكم الثاني السكوت عن الحق فان الساكت عن الحق أخ لكم أخرس كما أن الاول أخ لكم ناطق وربما كان الاخ الثاني أنفع إخوانكم لكم أما سمعتم قول الناصح المتكلم بالباطل شيطان ناطق والساكت عن الحق شيطان أخرس فالرباط الرباط على هذا الثغر أن يتكلم بحق أو يمسك عن باطل وزينوا له التكلم بالباطل بكل طريق وخوفوه من التكلم بالحق بكل طريق واعلموا يا بني ان ثغر اللسان هو الذي أهلك منه بنو آدم وأكبهم منه على مناخرهم في النار فكم لي من قتبل وأسير وجريح أخذته من هذا الثغر وأوصيكم بوصية فاحفظوا لينطق أحدكم على لسان أخيه من الانس بالكلمة ويكون الآخر على لسان السامع فيبنطق باستحسانها وتعظيمها والتعجب منها ويطلب من أخيه إعادتها وكونوا أعوانا على الانس بكل طريق وأدخلوا عليهم من كل باب واقعدوا لهم كل مرصد أما سمعتم قسمي الذي أقسمت به لربهم حيث قلت فيما أغويتني لاقعدن لهم صراصك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولاتجد أكثرهم شاكرين أما تروني قد قعدت لابن آدم بطرقه كلها فلا يفوتني من طريق الا قعدت له من طريق غيره حتى أصبت منه حاجتي أو بعضها و قد حذرهم ذلك رسول الله A وقال لهم إن الشيطان قد قعد لابن آدم بطرقه كلها قعد له بطريق الاسلام فقال له أتسلم وتذر دينك ودين آبائك فخالفه وأسلم فقعد له بطريق الهجرة فقال أتهاجر وتذر أرضك وسماءك فخالفه وهاجر ثم قعد له بطريق الجهاد فقال أتجاهد فتقتل ويقسم المال وتنكح الزوجة فخالفه وجاهد فكهذا فاقعدوا لهم بكل طريق الخير فاذا أراد أحدهم ان يتصدق فاقعدوا له على طريق الصدقة فقولوا له في نفسه أتخرج المال وتبقى مثل هذا السائل وتصير بمنزلته أنت وهو سواء أو ما سمعتم ما القيته على لسان رجل سأله آخر أن يتصدق عليه قال أموالنا اذا أعطيناكم وها صرنا مثلكم واقعدوا له بطريق الحج فقولوا له طريقه مخوفة مشقة يتعرض سالكها لتلف النفس والمال وهكذا فاقعدوا له على سائر طرق الخير بالتنفير منها وذكر صعوبتها وآفاتها ثم أقعدوا على المعاصي فحسنوها في عين بني آدم وزينوها في قلوبهم
70
واجعلوا أكبر أعوانكم على ذلك النساء فمن أبوابهن فادخلوا عليهم فنعم العون هن لكم ثم الزموا ثغر اليدين والرجلين فامنعوها ان تبطش بما يضركم أو تمشى فيه وأعلموا إن أكبر أعوانكم على لزوم هذه الثغور مصالحة النفس الامارة فاعينوها واستعينوا بها وأمدوها واستمدوا منها وكونوا معها على حرب النفس المطمئنة فاجتهدوا في كسرها وابطال قواها ولا سبيل الى ذلك الا بقطع موادها عنها فاذا إنقطعت موادها وقويت مواد النفس الامارة وطاعت لكم اعوانكم فاستنزلوا القلب من حصنه وأعزلوه عن مملكته وولوا مكانه النفس فانها لا تأمر الا بما تهوونه وتحبونه ولا تحببكم بما تكرهونه البتة مع إنها لا تخالفكم في شيء تشيرون به عليها بل إذا أشرتم عليها بشيء بادرت الى فعله فان أحسستم من القلب منازعة الى مملكته وأردتم الامن من ذلك فاعقدوا بينه وبين النفس عقد النكاح فزينوها وجملوها وأروها إياه في أحسن صورة عروس توجد وقولوا له ذق حلاوة طعم هذا الوصال والتمتع بهذه العروس كما ذقت طعم الحرب وباشرت مرارة الطعن والضرب ثم وازن بين لذة هذه المسألة ! ومرارة تلك المحاربة فدع الحرب تضع أوزارها فليست بيوم وينقضي وإنما هو حرب متصل بالموت وقواك يضعف عن الحرب دائم واستعينوا يا بني بجندين عظيمين لن تغلبوا معهما أحدهما جند الغفلة فاغفلوا قلوب بني آدم عن الله تعالى والدار الآخرة بكل طريق فليس لكم شيء أبلغ من تحصيل غرضكم من ذلك فان القلب إذا غفل عن الله تعالى تمكنتم منه ومن أعوانه الثاني جند الشهوة فزينوها في قلوبهم وحسنوها في أعينهم وصولوا عليهم بهذين العسكرين فليس لكم في بني آدم أبلغ منهما واستعينوا على الغفلة بالشهوات وعلى الشهوات بالغفلة وأقرنوا بين الغافلين ثم استعينوا بهما على الذاكر ولايغلب واحد خمسة فان مع الغافلين شيطانين صاروا أربعة وشيطان الذاكر معهم واذا رأيتم جماعة مجتمعين علي ما يضركم من ذكر الله ومذاكرة أمر ونهيه ودينه ولم تقدورا على تفريقهم فاستعينوا عليهم ببني جنسهم من الانس البطالين فقربوهم منهم وشوشوا عليهم بهم وبالجملة فاعدوا للامور أقرانها وادخلوا على كل واحد من بني آدم من باب إرادته وشهوته فساعدوه وعليها وكونوا له أعوانا على تحصيلها وإذا كان الله قد أمرهم بالصبر أن يصبروا لكم ويصابرونكم ويرابطوا عليكم الثغور فاصبروا أنتم وصابروا ورابطوا عليهم بالثغور وانتهزوا فرصكم فيهم عند الشهوة والغضب فلا تصطادوا بني آدم في أعظم من هذين الموطنين واعلموا أن منهم من يكون سلطان الشهوة عليه أغلب وسلطان غضبه ضعيف مقهور فخذوا عليه طريق الشهوة ودعوا طريق الغضب ومنهم من يكون سلطان الغضب عليه أغلب فلا تخلوا طريق الشهوة عليه ولا تعطلوا ثغرها فان من لم يملك نفسه
71
عند الغضب فانه بالحري لا يملكها عند الشهوة فزوجوا بين غضبة وشهوته وأمزجوا أحدهم بالآخر وادعوه إلى الشهوة من باب الغضب والى الغضب من طريق الشهوة واعلموا أنه ليس لكم في بني آدم سلاح أبلغ من هذين السلاحين وإنما أخرجت ابويهم من الجنة بالشهوة وإنما ألقيت العداوة بين أولادهم بالغضب فبه قطعت أرحامهم وسفكت دماؤهم وبه قتل أحدا اني آدم أخاه واعلموا إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم والشهوة نار تثور من قلبه وإنما تطفي النار بالماء والصلاة والذكر والتكبير وإياكم أن تمكنوا ابن آدم عند غضبه وشهوته من قربان الوضوء والصلاة فان ذلك يطفي عنهم نار الغضب والشهوة وقد أمرهم نبيهم بذلك وقال إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم أما رأيتم من إحمرار عينيه وانتفاخ أوداجه فمن أحس بذلك فليتوضأ وقال لهم إنما تطفي النار بالماء وقد أوصاهم الله أن يستعينوا عليكم بالصبر والصلاة فحولوا بينهم وبين ذلك وانسوهم إياه واستعينوا عليهم بالشهوة والغضب وأبلغ أسلحتكم فيهم وأنكاها الغفلة واتباع الهوى وأعظم أسلحتهم فيكم وأمنهم حصونهم ذكر الله ومخالفة الهوى فاذا رأيتم الرجل مخالفا لهواه فاهربوا من ظلمه ولا تدنوا منه والمقصود ان الذنوب والمعاصي سلاح ومدد يمد بها العبد أعداه ويعينهم بها علي نفسه فيقاتلونه بسلاحه والجاهل يكون معهم على نفسه وهذا غاية الجهل قال ما يبلغ الاعداء من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه ومن العجائب أن العبد يسعي بنفسه في هوان نفسه وهو يزعم أنه لها مكرم ويجتهد في حرمانها من حظوظها وإشرافها وهو يزعم أنه يسعى في حظها ويبذل جهده في تحقيرها وتصغيرها وتدنيسها وهو يزعم أنه لها مكبر ومضيع لنفسه وهو يزعم أنه يسعي في صلاحها ويعليها ويرفعها ويكبرها وكان بعض السلف يقول في خطبته ألارب مهين لنفسه وهو يزعم أنه لها مكرم ومذل لنفسه وهو يزعم أنه لها معز ومصغر لنفسه وهو يزعم أنه لها مكبر ومضيع لنفسه وهو يزعم أنه مراع لحقها وكفي بالمرأ جهلا أن يكون مع عدوه على نفسه يبلغ منها بفعله مالا يبلغه عدوه والله المستعان
فصل ومن عقوباتها أنها تنسى العبد نفسه فاذا نسي نفسه أهملها وأفسدها
وأهلكها فان قيل كيف ينسي العبد نفسه وإذا نسى نفسه فاى شيء يذكره وما يعني نسيانه نفسه قيل نعم ينسى نفسه أعظم نسيان قال تعالى ولاتكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون فلما نسوا ربهم سبحانه نسيهم وأنساهم أنفسهم كما قال تعالى نسوا الله فنسيهم فعاقب
72
سبحانه من نسيه عقوبتين أحدهما أنه سبحانه نسيه والثانية أنه أنساه نفسه ونسيانه سبحانه للعبد إهماله وتركه وتخليه عنه وإضاعته ونسيانه فالهلاك أدنى اليه من اليد للفم وأما إنساؤه نفسه فهو إنساؤه لحظوظها العالية وأسباب سعادتها وفلاحها وإصلاحها وما يكملها بنسيه ذلك كله جميعه فلا يخطر بباله ولا يجعله على ذكره ولا يصرف اليه همته فيرغب فيه فانه لا يمر بباله حتي يقصده ويؤثره وأيضا فينسيه عيوب نفسه ونقصها وآفاتها فلا يخطر بباله إزالتها واصلاحها وأيضا فينسيه أمراض نفسه وقلبه وآلامها فلا يخطر بقلبه مداواتها ولا السعى في إزالة عللها وأمراضها التي تؤول بها الى الفساد والهلاك فهو مريض مثخن بالمرض ومرضه مترام به إلى التلف ولا يشعر بمرضه ولا يخطر بباله مداواته وهذا من أعظم العقوبة للعامة والخاصة فاي عقوبة أعظم من عقوبة من أهمل نفسه وضيعها ونسي مصالحها وداءها ودواءها وأسباب سعادتهما وصلاحها وفلاحها وحياتها الابدية في النعيم المقيم ومن تأمل هذا الموضع تبين له أن أكثر هذا الخلق قد نسوا أنفسهم حقيقة وضيعوها وأضاعوا حظها من الله وباعوها رخيصة بثمن بخس بيع الغبن وإنما يظهر لهم هذا عند الموت ويظهر كل الظهور يوم التغابن يوم يظهر للعبد أنه غبن في العقد الذي عقده لنفسه في هذه الدار والتجارة التى أتجر فيها لمعاده فان كل أحد يتجر في هذه الدنيا لآخرته فالخاسرون الذين يعتقدون أنهم أهل الربح والكسب إشتروا الحياة الدنيا وحظهم فيها فأذهبوا طيباتهم ولذاتهم بالآخرة وحظهم فيها في حياتهم الدنيا وحظهم فيها ولذاتهم بالآخرة واستمتعوا بها ورضوا بها واظمأنوا اليها وكان سعيهم لتحصيلها فباعوا وأشتروا وأتجروا وباعوا آجلا بعاجل ونسيئة بنقد وغائبا بناجز وقالوا هذا هو الزهرة ويقول أحدهم خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به فكيف أبيع حاضرا نقداشا هذا في هذه الدار بغائب نسيئه في دار أخري غير هذه وينضم الى ذلك ضعف الايمان وقوة داعي الشهوة ومحبة العاجلة والتشبه ببني الجنس فاكثر الخلق في هذه التجارة الخاسرة التي قال الله في أهلها أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون وقال فيهم فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين فاذا كان يوم التغابن ظهر لهم الغبن في هذه التجارة فتنقطع عليهم النفوس حسرات وأما الرابحون فانهم باعوا فانيا بباق وخسيسا بنفيس وحقيرا بعظيم وقالوا ما مقدار هذه الدنيا من أولها الى آخرها حتي نبيع حظنا من الله تعالي والدار الآخرة بها فكيف بما ينال العبد منها في هذا الزمن القصير الذي هو في الحقيقة كغفوة حلم لانسبة له إلى الدار القرار البتة قال تعالى ويوم نحشرهم كأن لم يلبسوا إلا ساعة من النهار بتعارفون بينهم وقال تعالى يسألونك عن الساعة
73
أيان مرساها فيم أنت من ذكراها الى ربك منتاها إنما أنت منذر من يخشاها كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا غشية أو ضحاها وقال تعالى كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار وقال تعالى كم ليتم في الارض عدد سنين قالوا لبثنا يوم أو بعض يوم فاسأل العادين قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون وقال تعالى ويوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا يتخافتون بينهم أن لبثتم إلا عشرا نحن أعلم بما يقولون إذا يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم الا يوما فهذه حقيقة هذه الدنيا عند موافاة يوم القيامة فلما علموا قلة لبثهم فيها وإن لهم دار غير هذه الدار دار الحيوان ودار البقاء رأوا من أعظم الغبن بيع دار البقاء بدار الفناء فاتجروا تجارة الاكياس ولم يغتروا بتجارة السفهاء من الناس فظهر لهم لتغابن ربح تجارتهم ومقدار ماشتروه وكل أحد في هذه الدنيا بائع مشتر متجر وكل الناس يغد فبايع نفسه فمعتقها أو موبقها إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والانجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا بيعكم الذى بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم فهذا أول نقد من ثمن هذا التجارة فتاجروا أيها المفلسون ويامن لا يقدر علي هذا الثمن ههنا ثمن آخر فان كنت من أهل هذه التجارة فأعط هذا الثمن التائبون العابدون والحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون والمقصود أن الذنوب تنسى العبد حظه من هذه التجارة الرابحة وتشغله بالتجارة الخاسرة وكفى بذلك عقوبة والله المستعان
فصل ومن عقوباتها انها تزيل النعم الحاضرة وتقطع النعم الواصلة فتزيل
الحاصل وتمنع الواصل فان نعم الله ما حفظ موجودها بمثل طاعته ولا استجلب مفقودها بمثل طاعته فأن ماعند الله لا ينال الا بطاعته وقد جعل الله سبحانه لكل شيء سببا وآفة تبطله فجعل أسباب نعمه الجالبة لها طاعته وآفاتها المانعة منها معصيته فاذا أراد حفظ نعمته على عبده ألهمه رعايتها بطاعته فيها وإذا أراد زوالها عنه خذله حتى عصاه بها ومن العجب علم العبد بذلك مشاهدة في نفسه وغيره وسماعا لما غاب عنه من أخبار من أزيلت نعم الله عنهم بمعاصيه وهو مقيم على معصية الله كأنه مستثني من هذه الجملة أو مخصوص من هذا العموم وكأن هذا
74
أمر جار على الناس لا عليه وواصل الى الخلق لا اليه فأى جهل أبلغ من هذا وأي ظلم للنفس فوق هذا فالحكم لله العلى الكبير فصل
ومن عقوباتها أنها تباعد عن العبد وليه وأنصح الخلق له وأنفعهم له ومن سعادته في قربه منه وهو الملك الموكل به وتدنى منه عدوه وأغش الخلق له وأعظمهم ضررا له وهو الشيطان فان العبد إذا عصى الله تباعد منه الملك بقدر تلك المعصية حتي أنه يتباعد منه بالكذبة الواحدة مسافة بعيدة وفي بعض الآثار إذا كذب العبد تباعد منه الملك ميلا من نتن ريحه فاذا كان هذا تباعد الملك منه من كذبة واحدة فماذا يكون قدر تباعده منه مما هو أكبر من ذلك وأفحش منه وقال بعض السلف إذا ركب الذكر عجت الارض إلى الله وهربت الملائكة الى ربها وشكت إليه عظم ما رأت وقال بعض السلف إذا أصبح ابن آدم ابتدره الملك والشيطان فان ذكر الله وكبره وحمده وهلله طرد الملك الشيطان وتولاه وإن افتتح بغير ذلك ذهب الملك عنه وتولاه الشيطان ولا يزال الملك يقرب من العبد حتي يصير الحكم والطاعة والغلبة له فتتولاه الملائكة فى حياته وعند موته وعند مبعثه قال الله تعالى إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة وإذا تولاه الملك تولاه أنصح الخلق له وأنفعهم وأبرهم له فثبته وعلمه وقوي جنانه وأيده قال تعالى إذا يوحي ربك الى الملائكة إني معكم فثبتوا الذين آمنوا ويقول الملك عند الموت لا تخف ولا تحزن وأبشر بالذى يسرك ويثبته بالقول الثابت أحوج ما يكون اليه في الحياة الدنيا وعند الموت وفي القبر عند المسألة فليس أحد أنفع للعبد من صحبة الملك له وهو وليه في يقظته ومنامه وحياته وعند موته وفي قبره ومؤنسه في وحشته وصاحبه في خلوته ومحدثه في سره ويحارب عنه عدوه ويدافع عنه ويعينه عليه ويعده بالخير ويبشره به ويحثه على التصديق بالحق كما جاء في الاثر الذى يروى مرفرعا وموقوفا للملك بقلب ابن آدم لمة وللشيطان لمة فلمة الملك أيعاد بالخير وتصديق بالوعد ولمة الشيطان أيعاد بالشر وتكذيب بالحق وإذا اشتد قرب الملك من العبد تكلم على لسانه وألقى على لسانه القول السديد وإذا أبعد منه وقرب الشيطان من العبد تكلم على لسانه قول الزور والفحش حتي يرى الرجل يتكلم على لسان الملك والرجل يتكلم على لسان الشيطان وفي الحديث ان السكينة تنطق على لسان عمر رضى الله عنه وكان أحدهم يسمع الكلمة الصالحة من الرجل الصالح فيقول
75
ما ألقاها على لسانك الا الملك ويسمع ضدها فيقول ما ألقاها على لسانك الا الشيطان فالملك يلقى في القلب الحق ويلقيه على اللسان والشيطان يلقي الباطل في القلب ويجريه على اللسان فمن عقوبة المعاصى أنها تبعد من العبد وليه الذي سعادته في قربه ومجاورته وموالاته وتدني منه عدوه الذي شقاءه وهلاكه وفساده في قربه وموالاته حتى أن الملك لينافح عن العبد ويرد عنه اذا سفه عليه السفيه وسبه كما اختصم بين يدي النبي A رجلان فجعل أحدهما يسب الآخر وهو ساكت فتكلم فتكلم بكلمة يرد بها على صاحبه فقام النبي A فقال يارسول الله لما رددت عليه بعض قوله قمت فقال كان الملك ينافح عنك فلما رددت عليه جاء الشيطان فلم أكن لأجلس وإذا دعى العبد المسلم في ظهر الغيب لاخيه أمن الملك على دعائه فاذا أذنب العبد الموحد المتبع سبيله رسوله A استغفر له جنلة العرش ومن حوله وإذا نام العبد المؤمن بات في شعاره ملك فملك المؤمن يرد عليه ويحارب ويدافع عنه ويعلمه ويثبته ويشجعه فلا يليق به أن ينسى جواره ويبالغ فى أذاه وطرده عنه وإبعاده فانه ضيفه وجاره وإذا كان إكرام الضيف من الادميين والاحسان إلى الجار من لزوم الايمان وموجباته فما الظن باكرام أكرم الاضياف وخير الجيران وأبرهم وإذا أذى العبد الملك بأنواع المعاصى والظلم والفواحش دعا عليه ربه وقال لاجزاك الله خيرا كما يدعوا له إذا أكرمه بالطاعة والاحسان قال بعض الصحابة رضي الله عنهم إن معكم من لايفاركم فاستحيوا منهم وأكرموهم والأم ممن لايستحيي من الكريم العظيم القادر ولا يكرمه ولا يوقره وقد نبه سبحانه على هذا المعني بقوله وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون أى استحيوا من هؤلاء الحافظين الكرام وأكرموهم وأجلوهم أن يروا منكم ما تستيحون أن يريكم عليه من هو مثلكم والملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنوا آدم واذا كان ابن آدم يتأذى ممن يفجر ويعصي بين يديه وان كان قد يعمل مثله عمله فما الظن باذى الملائكة الكرام الكاتبين والله المستعان فصل
ومن عقوباتها أنها تستجلب مراد هلاك العبد فى دنياه وآخرته فان الذنوب هي أمراض القلوب متى استحكمت قتلت ولا بد وكما أن البدن لا يكون صحيحا الا بغذاء يحفظ قوته واستفراغ يستفرغ المواد الفاسدة والاخلاط الردية التي متي غلبت عليه أفسدته جميعه وحمية يمتنع بها من تناول ما يؤذيه ويخشى ضرره فكذلك القلب لا تتم حياته الا بغذاء من
76
الايمان والاعمال الصالحة تحفظ قوته واستفراغ بالتوبة التصوح يستفرغ المواد الفاسدة والاخلاط الردية منه وحمية توجب له حفظ صحته ويجتنب ما يضادها وهي عبارة عن ترك استعمال ما يضاد الصحة والتقوى اسم يتناول هذه الامور الثلاثة فما فات منها فات من التقوى بقدره واذا تبين هذا فالذنوب مضادة لهذه الامور الثلاثة فانها يستجلب المواد المؤذية وتستوجب التخليط المضاد للجميع وتمنع الاستفراغ بالتوبة النصوح فانظر الى بدن عليل قد تراكمت عليه الاخلاط ومواد المرض وهو لا يستفرغها ولا يحتمى لها كيف تكون صحته وبقاؤه ولقد أحسن القائل
جسمك بالحمية أحصنته
مخافة من ألم طاري
وكان أولى بك أن تحتمي
من المعاصي خشية الباري فمن حفظ القوة بامتثال الأوامر واستعمل الحمية باجتناب النواهي واستفرغ التخليط بالتوبة النصوح لم يدع للخير مطلبا ولا من الشر مهربا وبالله المستعان فصل
فإن لم ترعك هذه العقوبات ولم تجد لها تأثيرا في قلبك فاحضره العقوبات الشرعية التي شرعها الله ورسوله على الجرائم كما قطع السارق فى ثلاثة دراهم وقطع اليد والرجل على قطع الطريق على معصوم المال والنفس وشق الجلد بالسوط على كلمة قذف بها المحصن أو قطرة خمر يدخلها جوفه وقتل بالحجارة أشنع قتلة في إيلاج الحشفة في فرج حرام وخفف هذه العقوبة عمن لم تتم عليه نعمة الاحصان بما أنه جلدة وينفي سنة عن وطنه وبلده الى بلد الغربة وفرق بين رأس العبد وبدنه اذا وقع علي ذات محرم أو ترك الصلاة المفروضة أو تكلم بكلمة كفر وأمر بنقل ! من وطىء ذكرا مثله وقتل المفعول به وأمر بقتل من أتي بهيمة وقتل البهيمة معه وغرم على تحريق بيوت المتخلفين عن الصلاة في الجماعة وغير ذلك من العقوبات التي رتبها الله على الجرائم وجعلها بحكمته علي حسب الدواعى الى تلك الجرائم وحسب الوازع عنها فما كان الوازع عنها طبعيا وما ليس في الطباع داعيا اليه إكتفاء بالتحريم مع التعزيز ولن يرتب عليه حدا كأكل الرجيع وشرب الدم وأكل الميتة وما كان في الطباع داعيا إليه ترتب عليه من العقوبة بقدر مفسدته وبقدر داع الطبع اليه ولهذا لما كان داع الطباع الى الزناء من أقوى الدواعي كانت من عقوبته العظمى من أشنع القتلات وأعظمها وعقوبته السهلة على أنواع الجلد مع زيادة التعذيب ولما كان اللواطة فيها الامران كان حده القتل بكل حال ولما كان داعي السرقة قويا ومفسدتها كذلك قطع فيها اليد وتأمل حكمته
77
في إفساد العضو الذى باشربه الجناية كما أفسد على قاطع الطريق يده ورجله اللتين هما آلة قعطه ولم يفسد على القاذف لسانه الذي جنابة إذ مفسدة قطعه تزيد على مفسدة الجناية ولايبلغها فاكتفى من ذلك بإيلام جميع بدنه بالجلد فان قيل فهلا أفسد على الزاني فرجه الذي باشربه المعصية قيل بوجوه أحدها أن مفسدة ذلك تريد علي مفسدة الجناية إذ فيه قطع النسل وتعرضه للهلاك الثاني أن الفرج عضو مستور لا يحصل بقطعه مقصود الحد من الردع والزجر لأمثاله من الجناية بخلاف قطع اليد الثالث انه إذا قطع يده أبقى له يد أخرى تعوض عنها بخلاف الفرج الرابع ان لذة الزنا عمت جميع البدن فكان الاحسن أن تعم العقوبة جميع البدن وذلك أولى من نحصيصها ببضعة منه فعقوبات الشارع جاءت على أتم الوجوه وأوفقها للعقل وأقومها بالمصلحة والمقصود ان الذنوب إنما ترتب عليها العقوبات الشرعية والقدرية أو يجمعها الله العبد وقد يرفها عمن تاب وأحسن فصل
وعقوبات الذنوب نوعان شرعية وقدرية فاذا أقيمت الشرعية رفعت العقوبات القدرية أو خففتها ولا يكاد الرب تعالى يجمع على عبده بين العقوبتين الا اذا لم يف أحدهما يرفع موجب الذنب ولم يكن في زوال دائه واذا عطلت العقوبات الشرعية استحالت قدرية ! وربما كانت أشد من الشرعية وربما كانت دونها ولكنها تعم والشرعية تخص فان الرب تبارك وتعالى لا يعاقب شرعا الا من باشر الجناية أو تسبب اليها وأما العقوبة القدرية فانها تقع عامة وخاصة فان المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها وإذا أعلنت ضرت الخاصة والعامة وإذا رأي الناس المنكر فاشتركوا في ترك إنكاره أوشك أن يعمهم الله تعالى بعقابه وقد تقدم أن العقوبة الشرعية شرعها الله سبحانه علي قدر مفسدة الذنب وتقاضي الطبع لها وجعلها سبحانه ثلاثة أنواع القتل والقطع والجلد وجعل القتل بازاء الكفر وما يليه ويقربه وهو الزناء واللواطة فان هذا يفسد الأديان وهذا يفسد الإنسان قال الإمام أحمد رحمه الله لا أعلم بعد القتل ذنبا أعظم من الزناء واحتج بحديث عبد الله بن مسعود أنه قال يا رسول الله أي الذنب أعظم قال
أن تجعل لله ندا وهو خلقك قال قلت ثم أي قال أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك قال قلت ثم أي قال أن تزني بحلية جارك فأنزل تصديقها في كتابه والذين لا يدعون مع الله آلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله الا بالحق ولا يزنون الآية والنبي A ذكر كل نوع أغلاه ليطابق جوابه سؤال السأل فانه سئل عن أعظم الذنب فأجابه بما تضمن ذكر أعظم أنواعها وما هو أعظم كل نوع
78
فأعظم أنواع الشرك أن يجعل العبد لله ندا وأعظم أنواع القتل أن يقتل ولده خشية أن يشاركه في طعامه وشرابه وأعظم أنواع الزناء أن يزني بحليلة جارة فأن مفسدة الزناء تتضاعف بتضاعف ما انتهكه من الحق فالزناء بالمرأة التي لها زوج أعظم إثما وعقوبة من التي لا زوج لها إذ فيه انتهاك حرمة الزوج وإفساد فراشه وتعليق نسب عليه لم يكن منه وغير ذلك من أنواع أذاه فهو أعظم اثما وجرما من الزناء بغير ذات البعل فان كان زوجها جارا له انضاف الى ذلك سوء الجوار وإذا أجاره بأعلى أنواع الاذى وذلك من أعظم البوائق وقد ثبت عن النبي A أنه قال لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ولا بائقه أعظم من الزناء بامرأته فالزناء بمائة امرأة لا زوج لها أيسر عند الله من الزناء بامرأة الجار فان كان الجار أخا له أو قريبا من أقاربه إنضم الى ذلك قطيعة الرحم فيتضاعف الاثم فان كان الجار غائبا في طاعة الله كالصلاة وطلب العلم والجهاد وتضاعف الاثم حتى ان الزاني بامرأة الغازي في سبيل الله يوقف له يوم القيامة ويقال خذ من حسناته ما شئت قال النبي A فما ظنكم أي ما ظنكم أنه يترك له من حسنات قد حكم في أن يأخذ منها ما شاء على شدة الحاجة إلى حسنة واحدة حيث لا يترك الأب لابنه ولا الصديق لصديقه حقا يجب عليه فان اتفق أن تكون المرأة رحما منه انضاف الى ذلك قطيعة رحمها فان اتفق أن يكون الزاني محصنا كان الاثم أعظم فان كان شيخا كان أعظم إثما وهو أحد الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم فان اقترن بذلك أن يكون فى شهر حرام أو بلد حرام أو وقت معظم عند الله كأوقات الصلاة وأوقات الاجابة تضاعف الإثم وعلى هذا فاعتبر مفاسد الذنوب وتضاعف درجاتها فى الإثم والعقوبة والله المستعان فصل
وجعل سبحانه القطع بإذاء افساد الاموال الذي لا يمكن الاحتراز منه فإن السارق لا يمكن الاحتراز منه لأنه يأخذ الأموال في الأختفاء وينقب الدور ويتسور من غير الأبواب فهو كالسنور والحية التي تدخل عليك من حيث لا تعلم فلم ترفع مفسدة سرقته إلى القتل ولا تندفع بالجلد فأحسن ما دفعت به مفسدته أبانة العضو الذي تسلط به علي الجناية وجعل الجلد بأذاء إفساد العقول وتمزيق الأعراض بالقذف فدارت عقوباته سبحانه الشرعية على هذه الأنواع الثلاثة كما دارت الكفارات علي ثلاثة أنواع العتق وهو أعلاها والأطعام والصيام ثم جعل سبحانه الذنوب ثلاثة أقسام قسما فيه الحد فهذا لم يشرع فيه كفارة
79
اكتفاء بالحد وقنبما لم يترتب عليه حد فشرع فيه الكفارة كالوطء في نهار رمضان والوطء في الإحرام الظهار وقتل الخطأ والحنث فى اليمين وغير ذلك وقسما لم يترتب عليه حد ولا كفارة وهو نوعان أحدهما ما كان الوازع عنه طبيعيا كأكل العذرة وشرب البول والدم والثاني ما كانت مفسدته أدنى من مفسدة ما رتب عليه الحد كالنظرة والقبلة واللمس والمحادثة وسرقة فلس ونحو ذلك وشرع الكفارات في ثلاثة أنواع أحدها ما كان مباح الاصل ثم عرض تحريمه فباشره فى الحالة التي عرض فيها التحريم كالوطء في الإحرام واليام وطرده الوطء فى الحيض والنفاس بخلاف الوطء فى الدبر ولهذا كان إلحاق بعض الفقهاء له بالوطء فى الحيض لا يصح فإنه لايباح فى وقت دون وقت فهو بمنزلة التلوط وشرب المسكر النوع الثاني ما عقد لله من نذر أو ما الله من يمين أو حرمه الله ثم أراد حله فشرع الله سبحانه حله بالكفارة وسماها تحلة وليست هذه الكفارة ماحية لهتك حرمة الإسم بالحنث كما ظنه بعض الفقهاء فان لحنث قد يكون واجبا وقد يكون مستحبا وقد يكون مباحا وإنما الكفارة حل لما عقده النوع الثالث ما 2تكون فيه جابرة لما فات ككفارة قتل الخطأ وإن لم يكن هناك إثم وكفارة قتل الصيد الخطأ وإن لم يكن هناك إثم فإن ذلك من باب الجوابر والنوع الأول من باب الزواجر والنوع الوسط من باب التحلة لما منعه العقد ولا يجتمع الحد والتعزيز فى معصية بل إن كان فيها حد اكتفى به وألا اكتفى بالتعزيز ولا يجتمع الحد والكفارة فى معصية بل كل معصية فيها حد فلا كفارة فيها وما فيه كفارة فلا حد فيه وهل يجتمع التعزيز والكفارة فى المعصية التي لا حد فيها وجهان وهذا كالوطء فى الإحرام والصيام ووطء الحائض إذا أوجبنا فيه الكفارة فقيل يجب فيه التعزيز لما انتهك من الحرمة بركوب الجناية وقيل لا تعزيز في ذلك أكتفاء بالكفارة لأنها جابرة وماحية فصل
وأما العقوبات القدرية فهي نوعان نوع على القلوب والنفوس ونوع على الأبدان والأموال والتي على القلوب نوعان أحدهما آلام وجودية يضرب بها القلب والثاني قطع المواد التي بها حياته وصلاحه عنه وإذا قطعت عنه حصل له اضدادها وعقوبة القلوب أشد العقوبتين وهى أصل عقوبة الأبدان وهذه العقوبة تقوى وتتزايد حتى تسري من القلب إلى البدن كما يسري ألم البدن إلى القلب فإذا فارقت النفس البدن صار الحكم متعلقا بها فظهرت عقوبة القلب حينئذ وصارت علانية ظاهرة وهي المسماة بعذاب القبر
80
ونسبته إلى البزوخ كنسبة عذاب الأبدان إلى هذه الدار فصل
والتي على الأبدان أيضا نوعان فى الدنيا ونوع في الآخرة وشدتها ودوامها بحسب مفاسد مارتب عليه في الشدة والخفة فليس فى الدنيا والآخرة شر أصلا إلا الذنوب وعقوباتها فالشر أسم لذلك كله وأصله من شر النفس وسيئات الأعمال وهما الأصلان اللذان كان النبي A يستعيذ منها فى خطبته بقوله ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا وسيئات الأعمال من شرور النفس فعاد الشر كله إلى شر النفس فإن سيئات الأعمال من فروعه وثمراته وقد اختلف فى معنى قوله ومن سيئات أعمالنا هل معناه السىء من أعمالنا فيكون من باب إضافة النوع إلى جنسه أو يكون بمعنى من وقيل معناه من عقوباتها التي تسوء فيكون التقدير ومن عقوبات أعمالنا التي تسوءنا ويرجح هذا القول أن الاستعاذة تكون قد تضمنت جميع الشر فإن شرور الأنفس تستلزم الأعمال السيئة وهي تستلزم العقوبات السيئة فنبه بشرور الأنفس على ما تقضيه من قبح الأعمال واكتفى بذكرها منه أو هي أصله ثم ذكر غاية الشر ومنتهاه وهو السيئات التى تسوء العبد من عمله من العقوبات والآلام فتضمنت هذه الأستعاذة أصل الشر وفروعه وغايته ومقتضاه ومن دعاء الملائكة للمؤمنين قولهم وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقدر رحمته فهذا يتضمن طلب وقايتهم من سيئات الأعمال وعقوباتها التى تسوء صاحبها فإنه سبحانه متى وقاهم عمل السيء وقاهم جزاء السيء وإن كان قوله ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته أظهر فى عقوبات الأعمال المطلوب وقايتهم يومئذ فإن قيل فقد سألوه سبحانه أن يقيهم عذاب الجحيم وهذا هو وقاية العقوبات السيئة فدل على أن المراد السيئة التى سألوا وقايتها الأعمال السيئة ويكون الذى سأله الملائكة نظير ما ستعاذ منه النبي A ولا يرد على هذا قوله يومئذ فإن المطلوب وقل شرور سيئات الأعمال ذلك اليوم وهى سيئات فى نفسها قيل وقاية السيئات نوعان أحدهما وقاية فعلها بالتوفيق فلا تصدر منه والثاني وقاية جزائها بالمغفرة فلا يعاقب عليها فتضمنت الآية سؤال الأمرين والظرف تقييد للجملة الشرطية لا بالجملة الطلبية وتأمل ما تضمنه هذا الخبر عن الملائكة من مدحهم بالإيمان والعمل الصالح والإحسان إلى المؤمنين بالإستغفار لهم وقدموا بين يدي استغفارهم وتوسلهم إلى الله سبحانه بسعة علمه وسعة رحمته فسعة علمه يتضمن علمه بذنوبهم وأسبابها وضعفهم عن العصمة واستيلاء عدوهم وأنفسهم وهواهم وطباعهم ومازين لهم من الدنيا وزينتها وعلمه بهم إذا نشأهم من الأرض
81
وإذا هم أجنة فى بطون أمهاتهم وعلمه السابق بأنهم لا بد أن يعصوه وأنه يحب العفو والمغفرة وغير ذلك من سعة علمه الذي لا يحيط به أحد سواه وسعة رحمته تتضمن أنه لا يهلك عليه أحد من المؤمنين به من أهل توحيده ومحبته فإنه واسه الرحمة لا يخرج عن دائرة رحمته إلا الأشقياء ولا أشقى ممن لم تسعه رحمته التي وسعت كل شيء ثم سألوه أن يغفر للتائبين الذين اتبعوا سبيله وهو صراطه الموصل إليه الذى هو معرفته ومحبته وطاعته فيما أمر وترك ما يكره واتبعوا السبيل الذي يحبها ثم سألوه أن يقيهم عذاب الجحيم وأن يدخلهم والمؤمنين من أصولهم وفروعهم وأزواجهم جنات عدن التي وعدهم بها وهو سبحانه وإن A كان لا يخلف الميعاد فإنه وعدهم بها بأسباب من جملتها دعاء الملائكة لهم بأن يدخلهم إياها يدخلونها برحمته التي منها أن وفقهم لأعمالها وأقام ملائكته يدعون لهم بدخلولها ثم أخبر سبحانه عن ملائكته أنهم قالوا عقيب هذه الدعوة إنك أنت العزيز الحكيم أي مصدر ذلك وسببه وغايته صادر عن كمال قدرتك وكمال علمك فإن العزة كمال القدرة والحكمة كمال العلم وبهاتين الصفتين يقضي سبحانه وتعالى ما يشاء ويأمر وينهى ويثيب ويعاقب فهاتان الصفتان مصدر الخلق والأمر والمقصود أن عقوبات السيئات تتنوع إلى عقوبات شرعية وعقوبات قدرية وهي إما في القلب وإما في البدن وإما فيهما وعقوبات في دار البرزخ بعد الموت وعقوبات يوم عود الأجسام في الدار الآخرة فالذنب لا يخلو من عقوبة البتة ولكن لجهل العبد لا يشعر بما هو فيه من العقوبة لأنه بمنزلة السكران والمخدر والنائم الذي لا يشعو بالآلم فإذا استيقظ وصحي أحسن بالمؤلم فترتب العقوبات على الذنوب كترتب الإحراق علي النار والكسر على الانكسار والإغتراف على الماء وفساد البدن على السموم والأمراض للأسباب الجالبة لها وقد تقارن المضرة للذنب وقد تتأخر عنه إما يسير وإما مدة كما يتأخر المرض عن سببه أن يقارنه وكثيرا ما يقع الغلط للعبد في هذا المقام ويذنب الذنب فلا يري أثره عقيبه ولا يدري أنه يعمل وعمله على التدريج شيئا فشيئا كما تعمل السموم والأشياءالضارة حذو القذة بالقذة فإن تدارك العبد نفسه بالأدوية والاستفراغ والحمية وإلا فهو صائر إلى الهلاك هذا إذا كان ذنبا واحدا لم يتداركه بما يزيل أثره فكيف بالذنب على الذنب كل يوم وكل ساعة والله المستعان فصل
فاستحضر بعض العقوبات التى رتبها الله سبحانه وتعالى على الذنوب وجوز وصولها إليك واجعل ذلك داعيا للنفس إلى هجرانها وأنا أسوق إليك منها طرفا يكفي العاقل مع التصديق ببعضه فمنها الختم على القلوب والإسماع والغشاوة على الإبصار والإقفال على القلوب
82
وجعل الأكنة عليها والرين عليها والطبع عليها وتقليب الأفئدة والإبصار والحيلولة بين المرأ وقلبه واغفال القلب عن ذكر الرب وإنساء العبد نفسه وترك إرادة الله تطهير القلب وجعل الصدر ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء وصرف القلوب عن الحق وزيادتها مرضا على مرضها وإركاسها وإنكاسها بحيث تقى ! سوسة كما ذكر الإمام أحمد عن حذيفة ابن اليمان رضي الله عنه أنه قال القلوب أربعة فقلب أجرد فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن وقلب أغلف فذلك قلب الكافر وقلب منكوس فذلك قلب المنافق وقلب تمده مادتان مادة إيمان ومادة نفاق وهو لما غلب عليه منهما ومنها التثبط عن الطاعة والابتعاد عنها ومنها جعل القلب أصم لا يسمع الحق أبكم لا ينطق به أعمى لا يراه فيصير النسبة بين القلب وبين الحق الذى لا ينفعه غيره كالنسبة بين أذن الأصم والأصوات وعين الأعمى والألوان ولسان الأخرس والكلام وبهذا يعلم أن الصم والبكم والعمى للقلب بالذات والحقيقة والجوارح بالفرض والتبعية فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور وليس المراد نفى العمى الحسي عن البصر كيف وقد قال تعالى ليس على الأعمى حرج
وقال
عبس وتولى أن جاءه الاعمى وإنما المراد أن العمى التام على الحقيقة عمي القلب حتى أن عمي البصر بالنسبة إليه كالأعمى حتى يصح نفيه بالنسبة الى كماله وقوته كما قال النبي A ليس الشديد بالصرعة ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب وقوله A ليس المسكين بالطواف الذى ترده اللقمة واللقمتان ولكن المسكين الذى لا يسئل الناس ولا يفطن له فيتصدق عليه ونظائره كثيرة والمقصود أن من عقوبات المعاصي جعل القلب أعمى أصم أبكم ومنها الخسف بالقلب كما يخسف بالمكان وما فيه فيخسف به إلى أسفل سافلين وصاحبه لا يشعر وعلامة الخسف به أنه لا يزال جوالا حول السفليات والقاذورات والراذائل كما أن القلب الذى رفعه الله وقربه إليه لا يزال جوالا حول البر والخير ومعالي الأمور والأعمال والأقوال والأخلاق قال بعض السلف إن هذه القلوب جوالة فم4نها ما يجول حول العرش ومنها ما يجول حول الحشر ومنها مسخ القلب فيمسخ كما تمسخ الصورة فيصير القلب على قلب الحيوان الذي شابهه في أخلاقه وأعماله وطبيعته فمن القلوب ما يمسخ على قلب خنزير لشدة شبه صاحبه به ومنها ما يمسخ على خلق كلب أو حمار أو حية أو عقرب وغير ذلك وهذا تأويل سفيان بن عيينة فى قوله تعالى وما من دابة فى الأرض ولا طائر يطير بجناحيه الا أمم أمثالكم قال منهم من يكون على أخلاق السباع العادية ومنهم من يكون على أخلاق الكلاب وأخلاق الخنازير وأخلاق الحمير ومنهم من يتطوس في ثيابه لحما بتطوس الطاووس فى ريشه ومنهم من يكون بليد كالحمار ومنهم من يؤثر على نفسه كالديك ومنهم من يألف ويؤلف كالحمام ومنهم الحقود
83
كالجمل ومنهم الذى هو خير كله كالغنم ومنهم أشباه الذئاب ومنهم أشباه الثعالب التى يروغ كروغانها وقد شبه الله تعالى أهل الجهل والغى بالحمر تارة وبالكلب تارة وبالانعام تارة وتقوي هذه المشابهة باطنا حتي تظهر في الصورة الظاهرة ظهورا خفيا يراه المتفرسون ويظهر فى الأعمال ظهورا يراه كل أحد ولا يزال يقوي حتي تعلو الصورة فنقلب له الصورة بإذن الله وهو المسخ التام فيقلب الله سبحانه وتعالى الصورة الظاهرة على صورة ذلك الحيوان كما فعل باليهود وأشباههم ويفعل بقوم من هذه الأمة ويمسخم قردة وخنازير فسبحان الله كم من قلب منكوس وصاحبه لا يشعر وقلب ممسوخ وقلب مخسوف به وكم من مفتون بثناء الناس عليه ومغرور بستر الله عليه ومستدرج بنعم الله عليه وكل هذه عقوبات وإهانة ويظن الجاهل أنها كرامة ومنها مكر الله بالماكر ومخادعته للمخادع واستهزاؤه بالمستهزىء وإزاغته لقلب الزائغ عن الحق ومنها نكس القلب حتى يرى الباطل حقا والحق باطلا والمعروف منكرا والمنكر معروفا ويفسد ويرى أنه يصلح ويصد عن سبيل الله وهو يرى أنه يدعى إليها ويشتري الضلالة بالهدى وهو يرى أنه على الهدى ويتبع هواه وهو يزعم أنه مطيع لمولاه وكل هذا من عقوبات الذنوب الجارية علي القلوب ومنها حجاب القلب عن الرب فى الدنيا والحجاب الأكبر يوم القيامة كما قال تعالى كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون فمنعتهم الذنوب أن يقطعوا المسافة بينهم وبين قلوبهم فيصلوا اليها فيروا ما يصلحها ويزكيها وما يفسدها ويشقيها وإن يقطعوا المسافة بين قلوبهم وبين ربهم فتصل القلوب إليه فتفوز بقربه وكرامته وتقربه عينا وتطيب به نفسا بل كانت الذنوب حجابا بينهم وبين قلوبهم وحجابا بينهم وبين ربهم وخالقهم ومنها المعيشة الضنك في الدنيا وفي البرزخ والعذاب فى الآخرة قال تعالي
ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى
وفسرت المعيشة الضنك بعذاب القبر ولا ريب أنه من المعيشة الضنك والآية تتناول ما هو أعم منه وإن كانت نكرة فى سياق الإثبات فإن عمومها من حيث المعنى فإنه سبحانه رتب المعيشة الضنك على الإعراض عن ذكره فالمعرض عنه له من ضنك المعيشة بحسب إعراضه وإن تنعم فى الدنيا بأصناف النعم ففي قلبه من الوحشة والذل والحسرات التي يقطع القلوب والأماني الباطلة والعذاب الحاضر ما فيه وإنما تواريه عند سكرات الشهوات والعشق وحب الدنيا والرياسة إن لم ينضم إلى ذلك سكر الخمر فسكرها هذه الأمور أعظم من سكر الخمر فإنه يفيق صاحبه ويصحوا وسكر الهوى وحب الدنيا لا يصحوا صاحبه إلا إذا سكر في عسكر الأموات فالمعيشة الضنك لازمة لمن أعرض عن ذكر الله الذي أنزله على رسوله A فى دنياه وفي البرزخ ويوم معاده ولا تقر العين ولا
84
يهدى القلب ولا تطمئن النفس إلا بألهها ومعبودها الذى هو حق وكل معبود سواه باطل فمن قرت عينه بالله قرت به كل عين ومن لم تقر عينه بالله تقطعت نفسه علي الدنيا حسرات والله تعالى إنما جعل الحياة الطيبة لمن آمن بالله وعمل صالحا كما قال تعالى من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون فضمن لأهل الإيمان والعمل الصالح الجزاء فى الدنيا بالحياة الطيبة والحسني يوم القيامة فلهم أطيب الحياتين وهم أحياء فى الدارين ونظير هذا قوله تعالى وللذين أحسنوا فى هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين ونظيرها قوله تعالى وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله ففاز المتقون المحسنون بنعيم الدنيا والآخرة وحصلوا علي الحياة الطيبة فى الدارين فإن طيب النفس وسرور القلب وفرحه ولذته وابتهاجه وطمأنينته وانشراحه ونوره وسعته وعافيته من ترك الشهوات المحرمة والشبهات الباطلة هو النعيم علي الحقيقة ولا نسبة لنعيم البدن إليه فقد قال بعض من ذاق هذه اللذة لو علم الملوك وأبناء ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف وقال آخر إنه يمر بالقلب أوقات أقول فيها إن أهل الجنة فى مثل هذا إنهم لفى عيش طيب وقال الآخر إن فى الدنيا جنة هى في الدنيا كالجنة في الآخرة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة وقد أشار النبي A الى هذه الجنة بقوله إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا وما رياض الجنة قال حلق الذكر وقال ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ولاتظن أن قوله تعالى
ان الابرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم
يختص بيوم المعاد فقط بل هؤلاء فى نعيم فى دورهم الثلاثة وهؤلاء فى جحيم فى دورهم الثلاثة وأي لذة ونعيم فى الدنيا أطيب من بر القلب وسلامة الصدر ومعرفة الرب تعالى ومحبته والعمل على موافقته وهل عيش في الحقيقة الا عيش القلب السليم وقد أثنى الله تعالى على خليله عليه السلام بسلامة القلب فقال وإن من شيعته لإبراهيم إذا جاء ربه بقلب سليم وقال حاكيا عنه أنه قال
يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم
والقلب السليم هو الذى سلم من الشرك والغل والحقد والحسد والشح والكبر وحب الدنيا والرياسة فسلم من كل آفة تبعده من الله وسلم من كل شبهة تعارض خبره ومن كل شهوة تعارض أمره وسلم من كل إرادة تزاحم مراده وسلم من كل قاطع يقطعه عن الله فهذا القلب السليم فى جنة معجلة فى الدنيا وفى جنة فى البرزخ وفى جنة يوم المعاد ولا يتم له سلامته مطلقا حتى يسلم من خمسة أشياء من شرك يناقض التوحيد وبدعة تخالف السنة وشهوة تخالف الأمر وغفلة تناقض الذكر وهو يناقض التجريد والاخلاص يعم وهذه الخمسة حجب عن الله وتحت كل واحد منها
85
أنواع كثيرة تتضمن أفراد الأشخاص لا تحصر ولذلك اشتدت حاجة العبد بل ضرورته إلى أن يسأل الله أن يهديه الصراط المستقيم فليس العبد أحوج الى شيء منه الى هذه الدعوة وليس شيء أنفع منها فان الصراط المستقيم يتضمن علوما وإرادة وأعمالا وتروكا ظاهرة وباطنة تجري عليه كل وقت فتفاصيل الصراط المستقيم قد يعلمها العبد وقد لا يعلمها وقد يكون ما لا يعلمه أكثر مما يعلمه وما يعلمه قد يقدر عليه وقد لا يقدر عليه وهو من الصراط المستقيم وإن عجز عنه وما يقدر عليه قد تريده نفسه وقد لا تريده كسلا وتهاونا أو لقيام مانع وغير ذلك وما تريده قد يفعله وقد لا يفعله وما يفعله قد يقوم بشروط الاخلاص وقد لا يقوم وما يقوم فيه بشروط الإخلاص قد يقوم فيه بكمال المتابعة وقد لا يقوم وما يقوم فيه بالمتابعة قد يثبت عليه وقد صرف قلبه عنه وهذا كله واقع سار في الخلق فمستقل ومستكثر وليس فى طباع العبد الهداية إلى ذلك كله بل متي وكل إلى طباعه حيل بينه وبين ذلك وهذا هو الأركاس الذي أركس الله به المنافقين بذنوبهم فاعادهم إلى طباعهم وما خلقت عليه نفوسهم من الجهل والظلم والرب تبارك وتعالى على صراط مستقيم في قضائه وقدره وأمر ونهيه فيهدي من يشاء الى صراط مستقيم بفضله ورحمته وجعل الهداية حيث تصلح ويصرف من يشاء عن صراط مستقيم بعدله وحكمته لعدم صلاحية المحل وذلك موجب صراط المستقيم الذي هو عليه فهو على صراط مستقيم ونصب لعباده من أمره مستقيما دعاهم جميعا إليه حجة منه وعدلا وهدى من يشاء منهم إلى سلوكه نعمة منه وفضلا ولم يخرج بهذا العدل وهذا الفضل عن صراطه المستقيم الذي هو عليه فإذا كان يوم القيامة نصب لخلقه صراطا مستقيما يوصلهم إلى جنته ثم صرف عنه من صرف عنه فى الدنيا وأقام من أقام فى الدنيا وجعل نو المؤمنين به وبرسوله وما جاء به الذي كان فى قلوبهم فى الدنيا نورا ظاهرا لهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم فى ظلمة الحشر وحفظ عليهم نورهم حتى يقطعوه كما حفظ عليهم الإيمان حتى لقوه وأطفى نور المنافقين أحوج ما كانوا إليه كما أطفأه من قلوبهم فى الدنيا وأقام أعمال العصاة بجنبتي الصراط كلاليب وحسكا تخطفهم كما تخطفهم فى الدنيا عن الاستقامة عليه وجعل علي قدر سيرهم وسرعتهم إليه فى الدنيا ونصب للمؤمنين حوضا يشربون منه بازاء شربهم من شرعه فى الدنيا وحرم من الشرب منه هناك من حرم الشرب من شرعه ودينه ههنا فنظروا إلى الآخرة كأنها رأى عين وتأمل حكمة الله سبحانه فى الدارين تعلم حينئذ علما يقينا لاشك فيه أن الدنيا مزرعة الآخرة وعنوانها وانموذجها وأن منازل الناس فيها من السعادة والشقاوة علي حسب منازلهم فى هذه الدار فى الإيمان والعمل الصالح وضدها وبالله التوفيق فمن
86
أعظم عقوبات الذنوب الخروج عن الصراط فى الدنيا والآخرة فصل
ولما كانت الذنوب متفاوتة فى درجاتها ومفاسدها تفاوت عقوباتها فى الدنيا والآخرة بحسب تفاوتها ونحن نذكر فيها بعون الله فصلا وجيزا جامعا فتقول أصلها نوعان ترك مأمور وفعل محضور وهما الذنبان اللذان ابتلى الله سبحانه أبوي الجن والأنس بهما وكلاهما ينقسم باعتبار محله إلي ظاهر على الجوارح وباطنا فى القلوب وباعتبار متعلقة إلى حق الله وحق خلقه وإن كان كل حق لخلقه فهو متضمن لحقه لكن سمى حقا للخلق لأنه يجب بمطالبتهم ويسقط باسقاطهم ثم هذه الذنوب تنقسم إلى أربعة أقسام ملكية وشيطانية وسبعية وبهيمية لا تخرج عن ذلك فإن الذنوب الملكية أن من يتعاطا ما لا يصلح له من صفات الربوبية كالعظمة والكبرياء والجبروت والقهر والعلو والظلم واستعباد الخلق ونحو ذلك ويدخل فى هذا الشرك بالرب تعالى وهو نوعان شرك به فى أسمائه وصفاته وجعل آلهة أخرى معه وشرك به فى معاملته وهذا الثاني قد لا يوجب دخول النار وإن أحبط العمل الذي أشرك فيه مع الله غيره وهذا القسم أعظم أنواع الذنوب ويدخل فيه القول على الله بلا علم فى خلقه وأمره فمن كان من أهل هذه الذنوب فقد نازع الله سبحانه ربوبيته وملكيه وجعل له ندا وهذا أعظم الذنوب عند الله ولا ينفع معه عمل فصل
وأما الشيطانية فالتشبه بالشيطان فى الحسد والبغي والغش والغل والخذاع والمكر والامر بمعاصي الله وتحسينها والنهى عن طاعة الله وتهجينها والابتداع فى دينه والدعوة إلى البدع والضلال وهذا النوع يلى النوع الأول فى المفسدة وإن كانت مفسدته دونه فصل
وأما السبعية فذنوب العدوان والغضب وسفك الدماء والتوثب على الضعفاء والعاجزين ويتولد منها أنواع أذي النوع الإنساني والجرأة على الظلم والعدوان وأما الذنوب البهيمية فمثل الشرة والحرص علي قضاء شهوة البطن والفرج ومنها يتولد الزنا والسرقة وأكل أموال اليتامى والبخل والشح والجبن والهلع والجزع وغير ذلك وهذا القسم أكثر ذنوب الخلق لعجزهم عن الذنوب السبعية والملكية ومنه يدخلون إلى سائر الأقسام فهو يجرهم إليها بزمام فيدخلون منه إلى الذنوب السبعية ثم إلي الشيطانية ثم منازعة الربوبية والشرك فى الوحدانية ومن تأمل هذا حق التأمل تبين له ان الذنوب دهليز الشرك والكفر ومنازعة الله ربوبية
87
فصل
وقد دل القرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين بعدهم والأئمة على أن من الذنوب كبائر وصغائر قال الله تعالى
إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم
وقال تعالى والذين يجتنبون كبائر الاسم والفواحش إلا اللمم وفى الصحيح عنه A أنه قال الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلي رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر وهذه الأعمال المكفرة لها ثلاث درجات أحدها أن تقصر عن تكفير الصغائر لضعفها وضعف الاخلاص فيها والقيام بحقوقها بمنزلة الدواء للضعيف الذى ينقص عن مقاومة الداء كمية وكيفية الثانية أن تقاوم الصغائر ولا ترتقي إلى تكفير شىء من الكبائر الثالثة أن تقوى على تكفير الصغائر وتبقى فيها قوة تكفر بها بعض الكبائر فتأمل هذا فإنه يزيل عنك إشكالات كثيرة وفى الصحيح عنه A أنه قال الا أنبئكم بأكبر الكبائر قلنا بلى يا رسول فقال الإشراك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور وروي فى الصحيح عنه A اجتنبوا السبع الموبقات قيل وما هن يا رسول الله قال الإشراك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله الا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولى يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات وفى الصحيح عنه A أنه سئل أي الذنب أكبر عند الله قال أن تجعل لله ندا وهو خلفك قيل ثم أى قال أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك قيل ثم أي قال أن تزني بحليلة جارك فأنزل الله تعالى تصديقها والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق ولا يزنون الآية واختلف الناس فى الكبائر هل لها عدد يحصرها على قولين ثم الذين قالوا بحصرها اختلفوا فى عددها فقال عبد الله بن مسعود هي أربعة وقال عبدالله بن عمر هى سبعة وقال عبد الله بن عمرو ابن العاص هي تسعة وقال غيره هي إحدى عشر وقال آخر هي سبعون وقال أبو طالب المكى جمعتها من أقوال الصحابة فوجدتها أربعة فى القلب وهى الشرك بالله والإصرار على المعصية والقنوط من رحمة الله والامن من مكر الله وأربعة فى اللسان وهى شهادة الزور وقذف المحصنات واليمين الغموس والسحر وثلاثة فى البطن شرب الخمر وأكل مال اليتيم وأكل الربا واثنتان فى الفرج وهما الزنا واللواطة واثنان فى اليدين وهما القتل والسرقة وواحدة فى الرجلين وهى الفرار من الزحف وواحدة تتعلق بجميع الجسد وهى عقوق الوالدين والذين لم يحصروها بعدد منهم من قال كلما نهى الله فى القرآن فهو كبيرة وما نهى عنه الرسول A فهو صغيرة وقالت طائفة ما اقترن بالنهى عنه وعيد من لعن
88
أو غضب أو عقوبة فهو كبيرة ومالم يقرن به من ذلك شىء فهو صغيرة وقيل كلما رتب عليه حد فى الدنيا أو وعيد فى الآخرة فهو كبيرة وما لم يرتب عليه لا هذا ولا هذا فهو صغيرة وقيل كلما اتفقت الشرائع على تحريمه فهو من الكبائر وما كان تحريمه فى شريعة دون شريعة فهو صغيرة وقيل كلما لعن الله أو رسوله فاعله فهو كبيرة وقيل كلما ذكر من أول سورة النساء إلى قوله
أن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم
والذين لم يقسموها إلى كبائر وصغائر قالوا الذنوب كلها بالنسبة الى الجراءة علي الله سبحانه معصيته ومخالفة أمره كبائر فانظر الى من عصى أمره وانتهك محارمه توجب أن تكون الذنوب كلها كبائر وهى مستوية فى هذه المفسدة قالوا ويوضح هذا إن الله سبحانه لا نضره الذنوب ولا يتأثر بها فلا يكون بعضها بالنسبة اليه أكبر من بعض فلم يبق إلا مجرد معصيته ومخالفته ولا فرق فى ذلك بين ذنب وذنب قالوا ويدل عليه أن مفسدة الذنب تابعة للجراءة والثواثب على حق الرب تبارك وتعالى ولهذا لو شرب رجل خمرا أو وطأ فرجا حراما وهو لا يعتقد تحريمه لكان قد جمع بين الجهل وبين مفسدة ارتكاب الحرام ولو فعل ذلك من يعتقد تحريمه لكان أتي باحد المفسدتين وهو الذى يستحق العقوبة دون الأول فدل علي أن مفسدة الذنب تابعة للجراءة والتوثب قالوا ويدل على هذا أن المعصية تتضمن الاستهانة بأمر المطاع ونهيه وإنتهاك حرمته وهذا لا فرق فيه بين ذنب وذنب قالوا فلا ينظر العبد إلى كبر الذنب وصغره فى نفسه ولكن ينظر إلى قدر من عصاه وعظمته وإنتهاك حرمته بالمعصية وهذا لا يقترن فيه الحال بين معصية ومعصية فإن ملكا عظيما مطاعا لو أمر أحد مملوكيه أن يذهب فى مهم له إلى بلد بعيد وأمر آخر أن يذهب فى شغل له إلى جانب الدار فعصياه وخالفا أمره لكانا فى مقته والسقوط من عينه سواء قالوا ولهذا كانت معصية من ترك الحج من مكة وترك الجمعة وهو جار المسجد أقبح عند الله من معصية من تركه من المكان البعيد والواجب علي هذا أكثر من الواجب علي هذا ولو كان مع رجل مائتا درهم فمنع زكاتها ومع آخر مائتا ألف درهم فمنع زكاتها لا يستويا فى منع ما وجب على كل واحد منهما ولايبعد استواؤهما فى العقوبة إذا كان كلا منهما مصر على منع زكاة ماله قليلا كان المال أو كثيرا فصل
وكشف الغطاء عن هذه المسألة أن يقال إن الله عز وجل أرسل رسله وأنزل كتبه وخلق السموات والأرض ليعرف ويعبد ويوجد ويكون الدين كله له والطاعة
89
كلها له والدعوة له كما قال تعالي وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون وقال تعالى وماخلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وقال تعالى الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما وقال تعالى جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدى والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما فى السموات والأرض وأن الله بكل شيء عليم فأخبر سبحانه أن القصد بالخلق والأمر ان يعرف باسمائه وصفاته ويعبد وحده لايشرك به وأن يقوم الناس بالقسط وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض كما قال تعالى
لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط
فأخبر سبحانه أنه أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط وهو العدل ومن أعظم القسط التوحيد بل هو رأس العدل وقوامه وأن الشرك ظلم كما قال تعالى
إن الشرك لظلم عظيم
فالشرك أظلم الظلم والتوحيد أعدل العدل فما كان أشد منافاة لهذا المقصود فهو أكبر الكبائر وتفاوتها فى درجاتها بحسب منافاتها له وما كان أشد موافقة لهذا المقصود فهو أوجب الواجبات وأفرض الطاعات فتأمل هذا الأصل حق التأمل واعتبر به تفاصيله تعرف به أحكم الحاكمين وأعلم العالمين فيما فرضه علي عباده وحرمه عليهم وتفاوت مراتب الطاعات والمعاصي فلما كان الشرك بالله منافيا بالذات لهذا المقصود كان أكبر الكبائر على الإطلاق وحرم الله الجنة على كل مشرك وأباح دمه وماله وأهله لأهل التوحيد وأن يتخذوهم عبيدا لهم لما تركوا القيام بعبوديته وأبى الله سبحانه أن يقبل من مشرك عملا أو يقبل فيه شفاعة أو يستجيب له فى الآخرة دعوة أو يقبل له عشرة فإن المشرك أجهل الجاهلين بالله حيث جعل له من خلقه ندا وذلك غاية الجهل به كما أنه غاية الظلم منه وإن كان المشرك لم يظلم ربه وإنما ظلم نفسه ووقعت مسألة وهى أن المشرك إنما قصده تعظيم جناب الرب تبارك وتعالى أو انه لعظمته لا ينبغي الدخول عليه إلا بالوسائط والشفعاء كحال الملوك فالمشرك لم يقصد الاستهانة بجناب الربوبية وإنما قصد تعظيمه وقال إنما أعبد هذه الوسائط لتقربني إليه وتدخلني عليه فهو المقصود وهذه وسائل وشفعاء فلم كان هذا القدر موجب لسخطه وغضبه تبارك وتعالى ومخلدا فى النار وموجبا سفك دماء أصحابه واستباحة حريمهم وأموالهم وترتب على هذا سؤال آخر وهو أنه هل يجوز أن يشرع الله سبحانه لعباده التقرب إليه بالشفعاء والوسائط فيكون تحريم هذا إنما استفيد من الشرع أم ذلك قبيح في الفطر والعقول يمتنع أن تأتي به شريعة بل جاءت بتقرير ما في الفطر والعقول من قبحه الذي هو أقبح من كل قبيح وما السبب في كونه لايغفره من دون
90
سائر الذنوب كما قال تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء فتأمل هذا السؤال واجمع قلبك وذهنك علي جوابه ولا تستهونه فإن به يحصل الفرق بين المشركين والموحدين والعالمين بالله والجاهلين وأهل الجنة وأهل النار فتقول وبالله التوفيق والتأييد ومنه نستمد المعونة والتسديد فإنه من يهدى الله فهو المهتد ومن يضلل فلا هادى له ولا مانع لما أعطى ولا معطى لما منع الشرك شركان شرك بتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله وشرك فى عبادته ومعاملته وإن كان صاحبه يعتقد أنه سبحانه لاشريك له فى ذاته ولا فى صفاته ولا فى أفعاله والشرك الأول نوعان أحدهما شرك التعطيل وهو أقبح أنواع الشرك كشرك فرعون إذ قال وما رب العالمين وقال تعالى مخبرا عنه أنه قال وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلى أطلع الى اله موسى وإني لأظنه كاذبا فالشرك والتعطيل متلازمان فكل مشرك معطل وكل معطل مشرك لكن لا يستلزم أصل التعطيل بل قد يكون المشرك مقرا بالخالق سبحانه وصفاته ولكن عطل حق التوحيد وأصل الشرك وقاعدته التي ترجع إليها هو التعطيل وهو ثلاثة أقسام تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه وتعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله وتعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد ومن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون ما ثم خالق ومخلوق ويقولون ههنا شيئا بل الحق المنزه وهو عين الخلق المشبه ومنه شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته وأنه لم يكن معدوما أصلا بل لم يزل ولا يزال والحوادث باسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضيت إيجادها ليسمونها العقول والنفوس ومن هذا شرك من عظيم أسماء الرب تعالى وأوصافه وأفعاله من غلاة الجهمية والقرامطة فلم يثبتوا اسما ولا صفة بل جعلوا المخلوق أكمل منه إذا كمال الذات بأسمائها وصفاتها فصل
النوع الثاني شرك من جعل معه إلها آخر ولم يعطل أسماءه وربوبيته وصفاته كشرك النصارى الذي جعلوه ثلاثة فجعلوا المسيح إلها وأمه إلها ومن هذا شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلي النور وحوادث الشر إلى الظلمة ومن هذا شرك القدرية القائلين بان الحيوان هو الذى يخلق أفعال نفسه وأنها تحدث بدون مشيئة الله وقدرته وإرادته ولهذا كانوا من أشباه المجوس ومن هذا شرك الذي حاج إبراهيم فى ربه إذا قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحي وأميت فهذا جعل نفسه ندا لله يحيي ويميت بزعمه كما يحيي
91
الله ويميت فالزمه ابراهيم عليه السلام ورحمة الله وبركاته ان طرد قولك أن تقدر علي الاتيان بالشمس من غير الجهة التي يأتي الله بها منها وليس هذا انتقالا كما زعم بعض أهل الجدل بل الزاما على طرد الدليل أن كان حقا ومن هذا شرك كثير ممن يشرك بالكواكب العلويات ويجعلها أربابا مدبرة لامر هذا العالم كما هو مذهب مشركى الصائبة وغيرهم ومن هذا شرك عباد الشمس وعباد النار وغيرهم ومن هؤلاء من يزعم أن معبوده هو الآله على الحقيقة ومنهم من يزعم أنه أكبر الآلهة ومنهم من يزعم أنه إله من جملة الآلهة وأنه إذا خصه بعبادته والتبتل إليه والانقطاع إليه أقبل عليه واعتني به ومنهم من يزعم أن معبودهم الادني يقربه المعبود الذي هو فوقه والفوقاني يقر به إلى من هو فوقه حتي تقربه تلك الآلهة إلى الله سبحانه فتارة تكثر الوسائط وتارة ثقل فصل
وأما الشرك فى العبادة فهو أسهل من هذا الشرك وأخف أمرا فانه يصدر ممن يعتقد أنه لاإله إلا الله وأنه لا يضر ولا ينفع ولا يعطى ولا يمنع إلا الله وأنه لا إله غيره ولا رب سواه ولكن لا يخلص لله في معاملته وعبوديته بل يعمل لحظ نفسه تارة وطلب الدنيا تارة ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق تارة من عمله وسعيه نصيب ولنفسه وحظه وهوعه نصيب وللشيطان نصيب وللخلق نصيب هذا حال أكثر الناس وهو الشرك الذي قال فيه النبي A فيما رواه ابن حبان فى صحيحه الشرك فى هذه الأمة أخفى من دبيب النمل قالوا وكيف ننجوا منه يا رسول الله قال اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم فالرياء كله شرك قال تعالى قل إنما أنا بشر مثلكم يوحي إلى إنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فاليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا أي كما أنه إله واحد لا إله سواه فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده فكما تفرد بالالهية يحب أن يفرد بالعبودية فالعمل الصالح هو الخالى من الرياء المقيد بالسنة وكان من دعاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه اللهم اجعل عملى كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لا حد فيه شيئا وهذا الشرك فى العبادة يبطل ثواب العمل وقد يعاقب عليه إذا كان العمل واجبا فإنه ينزله منزلة من لم يعلمه فيعاقب على ترك الامر فان الله سبحانه إنما أمر بعبادته خالصة قال تعالى وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء فمن لم يخلص لله فى عبادته لم يفعل ما أمر به بل الذي أتي به شيء غير المأمور به فلا يصح ولا يقبل منه ويقول الله تعالى أنا أغني الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا أشراك معى فيه غيري فهو للذى أشرك به
92
وأنا منه برئ وهذا الشرك ينقسم إلي مغفور وغير مغفور وأكبر وأصغر والنوع الأول ينقسم إلى كبير وأكبر وليس شيء منه مغفور فمنه الشرك بالله في المحبة والتعظيم بأن يحب مخلوقا كما يحب الله فهذا من الشرك الذي لا يغفره الله وهو الشرك الذى قال سبحانه فيه ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا الآية وقال أصحاب هذا الشرك لآلهتهم وقد جمعتهم الجحيم تالله إن كما لفى ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين ومعلوم أنهم ما سووهم به سبحانه فى الخلق والرزق والاماتة والاحياء والملك والقدرة وإنما سووهم به فى الحب والتأله والخضوع لهم والتذلل وهذا غاية الجهل والظلم فكيف يسوي من خلق من التراب برب الارباب وكيف يسوي العبيد بما لك الرقاب وكيف يسوي الفقير بالذات الضعيف بالذات العاجز بالذات المحتاج بالذات الذي ليس له من ذاته الا العدم بالغنى بالذات القادر بالذات الذي غناه وقدرته وملكه وجوده وإحسانه وعلمه ورحمته وكماله المطلق التام من لوازم ذاته فأي ظلم أقبح من هذا وأى حكم أشد جورا منه حيث عدل من لاعدل له يخلقه كما قال تعالى الحمد لله الذى خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون فعدل المشرك من خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور بمن لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض فيا لك من عدل تضمن أكبر الظلم وأقبحه فصل
ويتبع هذا الشرك به سبحانه فى الاقوال والأفعال والإرادات والنيات فالشرك فى الأفعال كالسجود لغيره والطواف بغير بيته وحلق الرأس عبودية وخضوعا لغيره وتقبيل الاحجار غير الحجر الأسود الذى هو يمين الله فى الأرض أو تقبيل القبور واستلامها والسجود لها وقد لعن النبي A من اتخذ قبور الانبياء والصالحين مساجد يصلى لله فيها فكيف بمن أتخذ القبور أوثانا يعبدها من دون الله وفى الصحيحين عنه أنه قال لعن الله اليهود والنصارى أتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وفى الصحيح عنه أن شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد وفي الصحيح أيضا عنه أن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فأنى أنهاكم عن ذلك وفى مسند الإمام أحمد رضى الله عنه وصحيح ابن حبان عنه A لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج وقال اشتد غضب الله علي قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وقال إن من كان قبلكم إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على
93
قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصورة أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة فهذا حال من سجد لله فى مسجد على قبر فكيف حال من سجد للقبر بنفسه وقد قال النبي A اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد وقد حمى النبي A جانب التوحيد أعظم حماية حتى نهى عن صلاة التطوع لله سبحانه عند طلوع الشمس وعند غروبها لئلا يكون ذريعة الى التشبه بعباد الشمس الذين يسجدون لها فى هاتين الحالتين وسد الذريعة بأن منع الصلاة بعد العصر والصبح لاتصال هذين الوقتين بالوقتين اللذين يسجد المشركون فيهما للشمس وأما السجود لغير الله فقال لاينبغي لأحد أن يسجد لأحد إلا لله ولا ينبغي فى كلام الله ورسوله A للذي هو في غاية الامتناع شرعا كقوله تعالى وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا وقوله وما علمنا الشعر وما ينبغي له وقوله وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي له وقوله عن الملائكة وما كان ينبغي لنا أن تتخذ من دونك من أولياء فصل
ومن الشرك به سبحانه الشرك به فى اللفظ كالحلف بغيره كما رواه أحمد وأبو داود عنه A أنه قال من حلف بغير الله فقد أشرك وصححه الحاكم وابن حبان ومن ذلك قول القائل للمخلوق ما شاء الله وشئت كما ثبت عن النبي A أنه قال له رجل ما شاء الله وشئت قال أجعلتني لله ندا قل ما شاء الله وحده وهذا مع أن الله قد أثبت للعبد مشيئة كقوله لمن شاء منكم أن يستقيم فكيف من يقول أنا متوكل على الله وعليك وأنا فى حسب الله وحسبك ومالى إلا الله وأنت وهذا من الله ومنك وهذا من بركات الله وبركاتك والله لى فى السماء وأنت لي فى الأرض ويقول والله وحياة فلان أو يقول نذرا لله ولفلان وأنا تائب لله ولفلان أو أرجوا الله وفلانا ونحو ذلك فوازن بين هذه الالفاظ وبين قول القائل ما شاء الله وشئت ثم انظر أيهما أفحش يتبين لك أن قائلها أولى لجواب النبي A لقائل تلك الكلمة وأنه إذا كان قد جعله ندا لله بها فهذا قد جعل من لا يداني رسول الله A في شيء من الأشياء بل لعله أن يكون من أعدائه ندا لرب العالمين فالسجود والعبادة والتوكل والانابة والتقوى والخشية والتحسب والتوبة والنذر والحلف والتسبيح والتكبير والتهليل والتحميد والاستغفار وحلق الرأس خضوعا وتعبدا والطواف بالبيت والدعاء كل ذلك محض حق الله لا يصلح ولا ينبغي لسواه من ملك مقرب ولا نبي مرسل وفى مسند أحمد الامام أن رجلا أتى به إلى النبي A قد
94
أذنب ذنبا فلما وقف بين يديه قال اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد فقال قد عرف الحق لأهله فصل
وأما الشرك فى الارادات والنيات فذلك البحر الذى لا ساحل له وقل من ينجو منه فمن أراد بعمله غير وجه الله ونوى شيئا غير التقرب إليه وطلب الجزاء منه فقد أشرك فى نيته وإرادته والإخلاص أن يخلص لله فى أفعاله وأقواله وإرادته ونيته وهذه هى الحنيفية ملة ابراهيم التي أمر الله بها عباده كلهم ولا يقبل من أحد غيرها وهى حقيقة الإسلام كما قال تعالى ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين وهى ملة ابراهيم عليه السلام التي من رغب عنها فهو من أسفه السفهاء فصل
وإذا عرفت هذه المقدمة انفتح لك باب الجواب عن السؤال المذكور فنقول ومن الله وحده نستمد الصواب حقيقة الشرك هو التشبه بالخالق والتشبيه للمخلوق به هذا هو التشبيه فى الحقيقة لا اثبات صفات الكمال التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسول الله A فعكس من نكس الله قلبه وأعمى عين بصيرته وأركسه بلبسه الأمر وجعل التوحيد تشبيها والتشبيه تعظيما وطاعة فالمشرك مشبه للمخلوق بالخالق في خصائص الالهية فإن من خصائص الألهية التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع وذلك يوجب تعليق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل به وحده فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق وجعل من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا أفضل من غيره تشبيها بمن له الأمر كله فازمة الأمور كلها بيديه ومرجعها اليه فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن لا مانع لما أعطى ولا معطى لما منع بل إذ فتح لعبده باب رحمته لم يمسكها أحد وإن أمسكها عنه لم يرسلها إليه أحد فمن أقبح التشبيه تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات ومن خصائص الالهية الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده والتعظيم والاجلال والخشية والدعاء والرجاء والانابة والتوكل والاستعانة وغاية الذل مع غاية الحب كل ذلك يجب عقلا وشرعا وفطرة أن يكون له وحده ويمنع عقلا وشرعا وفطرة أن يكون لغيره فمن جعل شيئا من ذلك لغيره فقد شبه ذلك الغير بمن لاشبيه له ولاند له وذلك أقبح التشبيه وأبطله ولشدة قبحه وتضمنه غاية الظلم أخبر سبحانه عباده أنه لايغفره مع أنه كتب
95
على نفسه الرحمة ومن خصائص الألهية العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما غاية الحب مع غاية الذل هذا تمام العبودية وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الاصلين فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبهه به في خالص حقه وهذا من المحال أن تأتي به شريعة من الشرائع وقبحه مستقر في كل فطرة وعقل ولكن غيرت الشياطين فطر أكثر الخلق وعقولهم وأفسدتها عليهم واحتالتهم عنها ومضى على الفطرة الأولى من سبقت له من الله الحسنى فارسل اليهم رسله وأنزل عليهم كتبه بما يوافق فطرهم وعقولهم فازدادوا بذلك نورا على نور يهدي الله لنوره من يشاء اذا عرف هذا فمن خصائص الالهية السجود فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به ومنها التوكل فمن توكل على غيره فقد شبهه به ومنها التوبة فمن تاب لغيره فقد شبهه به ومنها الحلف باسمه تعظيما وإجلالا فمن حلف بغيره فقد شبهه به هذا فى جانب التشبيه وأما فى جانب التشبه به فمن تعاظم وتكبر ودعا الناس الى اطرائه فى المدح والتعظيم والخضوع والرجاء وتعليق القلب به خوفا ورجاء والتجاء واستعانة فقد بالله ونازعه فى ربوبيته وإلهيته وهو حقيقه بأن يهنيه غاية الهوان ويذله غاية الذل ويجعله تحت أقدام خلقه وفى الصحيح عنه A قال يقول الله عز وجل العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني واحدا منهما عذبته وإذا كان المصور الذي يصنع الصورة بيده من أشد الناس عذابا يوم القيامة لتشبه بالله فى مجرد الصنعة فما الظن بالتشبه بالله فى الربوبية والالهية كما قال النبي A أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون يقال لهم أحيوا ما خلقتم وفى الصحيحين عنه A أنه قال قال الله عز وجل ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلق فليخلقوا ذرة فليخلقوا شعيرة فنبه بالذرة والشعيرة على ما هو أعظم منهما وأكبر والمقصود أن هذا حال من تشبه به في صنعة صورة فكيف حال من تشبه به فى خواص ربوبيته وإلهيته وكذلك من تشبه به فى الاسم الذي لا ينبغي إلا لله وحده كملك الاملاك وحاكم الحكام ونحوه وقد ثبت في الصحيح عنه A أنه قال أن أخنع الاسماء عند الله رجل يسمى بشاهان شاه ملك الملوك ولا ملك الا الله وفي لفظ أغيظ رجل علي الله رجل يسمى بملك الاملاك فهذا مقت الله وغضبه على من تشبه به فى الاسم الذى لا ينبغي الاله فهو سبحانه ملك الملوك وحده وهو حاكم الحكام وحده فهو الذى يحكم علي الحكام كلهم ويقضي عليهم كلهم لا غيره
96
فصل
إذا تبين هذا فههنا أصل عظيم يكشف سر المسألة وهو أن أعظم الذنوب عند الله إساءة الظن به فان المسيء به الظن قد ظن به خلاف كماله المقدس فظن به ما يناقض أسماؤه وصفاته ولهذا توعد الله سبحانه الظانين به ظن السوء بما لم يتوعد به غيرهم كما قال تعالى عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا وقال تعالى لمن أنكر صفة من صفاته وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فاصبحتم من من الخاسرين وقال تعالى عن خليله ابراهيم إنه قال لقومه ماذا تعبدون أإفكا آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب العالمين أي فما ظنكم أي يجازيكم به إذا لقيتموة وقد عبدتم غيره وماذا ظننتم به حين عبدتم معه غيره وماظننتم باسمائه وصفاته وربوبيته من النقص حتى أحوجكم ذلك إلى عبودية غيره فلو ظننتم به ما هو أهله من أنه بكل شيء عليم وهو على كل شيء قدير وأنه غني عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه وأنه قائم بالقسط على خلقه وأنه المتفرد بتدبير خلقه لا يشرك فيه غيره والعالم بتفاصيل الأمور فلا يخفي عليه خافية من خلقه والكافي لهم وحده فلا يحتاج إلى معين والرحمن بذاته فلا يحتاج في رحمته إلى من يستعطفه وهذا بخلاف الملوك وغيرهم من الرؤساء فأنهم يحتاج الى من يعرفهم أحوال الرعية وحوائجهم إلى من يعينهم علي قضاء حوائجهم والى من يسترحمهم وإلى من يستعطفهم بالشفاعة فاحتاجوا إلى الوسائط ضرورة لحاجتهم وضعفهم وعجزهم وقصور علمهم فأما القادر على كل شيء الغني عن كل شىء الرحمن الرحيم الذى وسعت رحمته كل شىء فادخال الوسائط بينه وبين خلقه نقص بحق ربوبيته وإلهيته وتوحيده وظن به ظن سوء وهذا يستحيل ان يشرعه لعباده ويمتنع فى العقول والفطر وقبحه مستقر في السليمة فوق كل قبيح يوضع هذا أن العابد معظم لمعبوده متأله خاضع ذليل له ورب تعالى وحده هو الذى يستحق كمال التعظيم والجلال والتأله والتذلل والخضوع وهذا خالص حقه فمن أقبح الظلم أن يعطى حقه لغيره أو يشرك بينه وبينه فيه ولا سيما الذى جعل شريكه فى حقه هو عبده ومملوكه كما قال تعالى ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم الآية أي إذا كان أحدكم يأنف أن يكون مملوكه شريك له فى رزقه فكيف تجعلون لى من عبيدي شركاء فيما أنا به متفرد وهو الآلهية التى لاتنبغي لغيري ولا تصح لسوائي فمن زعم ذلك فما قدرني حق قدري ولا عظمني حق عظمتي ولا أفردني بما أنا متفرد به وحدي دون خلقى فما قدر الله بحق قدره من عبد معه غيره كما قال تعالى يا أيها الناس ضرب مثلا فاستمعوا له
97
إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له إلى قوله لقوي عزيز فما قدر الله حق قدره من عبد معه غيره من لايقدر علي خلق أضعف حيوان وأصغر وإن يسلبهم الذباب شيئا مما عليه لم يقدروا على الاستعاذة منه قال تعالى وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة الآية فما قدر من هذا شأنه وعظمته حق قدره من أشرك معه فى عبادته من ليس له شىء من ذلك البتة بل هو أعجز شىء وأضعفه فما قدر القوي العزيز حق قدره من أشرك معه الضعيف الذليل وكذلك ما قدره حق قدره من قال أنه لم يرسل إلى خلقه رسولا ولا أنزل كتابا بل نسبه إلى مال يليق به ولا يحسن منه من إهمال خلقه وتضييعهم وتركهم سدي وخلقهم باطلا عبثا وكذا ما قدره حق قدره من نفي حقائق أسمائه الحسنى وصفاته العلى فنفى سمعه وبصره وإرادته واختياره وعلوه فوق خلقه وكلامه وتكليمه لمن شاء من خلقه بما يريد ونفى عموم قدرته وتعلقها بأفعال عباده من طاعتهم ومعاصيهم فأخرجها عن قدرته ومشيئته وجعلهم يخلقون لأنفسهم ما يشاؤن بدون مشيئه الرب فيكون فى ملكه مالا يشاء ويشاء مالا يكون فتعالى عن قوله اشباه المجوس علوا كبيرا وكذلك ما قدره حق قدره من قال أ ! يعاقب عبده على مالا يفعله عبده ولا له عليه قدرة ولا تأثير له فيه البتة بل هو نفس فعل الرب جل جلاله فيعاقب عبده على فعله فهو سبحانه الذي جبر العبد عليه وجبره على الفعل أعظم من أكراه المخلوق للمخلوق وإذا كان من المستقر في الفطر والعقول إن السيد لو أكره عبده على فعل أو الجأه اليه ثم عاقبه لكان قبيحا فأعدل العادلين وأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين كيف يجبر العبد على فعل لا يكون للعبد فيه صنع ولا تأثير ولا هو واقع بارادته ولا فعله البتة ثم يعاقب عليه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وقول هؤلاء شر من أشباه قول المجوس والطائفتان ما قدر الله حق قدره وكذلك ما قدره حق قدره من لم يصنه عن نتن ولا حش ولا مكان يرغب عن ذكره بل جعله فى كل مكان وصانه عن عرشه أن يكون مستويا عليه إليه تصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه وتعرج الملائكة والروح وتنزل من عنده وتدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم تعرج إليه فصانه عن استوائه على سرير الملك ثم جعله فى كل مكان يأنف الأنسان بل غيره من الحيوان أن يكون فيه وما قد الله حق قدره من نفى حقيقة محبته ورحمته ورأفته ورضاه وغضبه ومقته ولا من نفي حقيقة حكمته التي هي الغابات المحمودة المقصودة بفعله ولا من نفى حقيقة فعله ولم يجعل له فعلا اختياريا يقوم به بل أفعاله مفعولات متفصلة عنه فنفي حقيقة مجيئه وإتيانه واستوائه على عرشه وتكليمه موسى من جانب الطور ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده بنفسه الى غير ذلك من أفعاله وأوصاف كماله التي نفوها وزعموا أنهم ينفيها قد قدروه حق قدره
98
وكذلك لم يقدره حق قدره من جعل له صاحبة وولدا وجعله سبحانه يحل فى جميع مخلوقاته أو جعله عين هذا الوجود وكذلك لم يقدره حق قدره من قال إنه رفع أعداء رسول الله A وأهل بيته وأعلى ذكرهم وجعل الله فيهم الملك والخلافة والعزو وضع أولياء رسول الله A وأهل بيته وأهانهم وأذلهم وضرب عليهم الذل أين ما ثقفوا وهذا يتضمن غاية القدح فى جناب الرب تعالي عن قول الرافضة علوا كبيرا وهذا القول مشتق من قول اليهود والنصارى فى رب العالمين إنه أرسل ملكا ظالما فادعا النبوة لنفسه وكذب على الله وأخذ زمانا طويلا يكذب على الله كل وقت ويقول قال كذا وأمر بكذا ونهى عن كذا وينسخ شرائع أنبيائه ورسله ويستبيح دماء أتباعهم وأموالهم وحريمهم ويقول الله أباح لى ذلك والرب تعالى يظهره ويؤيده ويعليه ويقربه ويجيب دعواته ويمكنه ممن يخالفه ويقيم الادلة على صدقه ولا يعاديه أحد الاظفر به فيصدقه بقوله وفعله وتقريره وتحدث أدلة تصديقه شيئا بعد شىء إلى يوم القيامة ومعلوم أن هذا يتضمن أعظم القدح والطعن فى الرب سبحانه وتعالى وعلمه وحكمته وحمته وربوبيته تعالى الله عن قول الجاحدين علوا كبيرا فوازن بين قول هؤلاء وقول إخوانهم من الرافضة تجد القولين كما قال الشاعر
رضيعى لبان ثدى أم تقاسما
باسحم داج عوض لا يتفرق وكذلك لم يقدره حق قدره من قال أنه يجوز أن يعذب أولياءه ومن لم يعصه طرفة عين ويدخلهم دار النعيم وأن كل الأمرين بالنسبة إليه وإنما الخبر المحض جاء عنه بخلاف ذلك فمعناه للخبر لا للمخالفة حكمته وعدله وقد أنكر سبحانه فى كتابه على من جوز عليه ذلك غاية الانكار وجعل الحكم به من أسوء الاحكام وكذلك لم يقدره حق قدره من زعم أنه لا يحيى الموتى ولا يبعث من فى القبور ولا يجمع الخلق ليوم يجازى المحسن فيه باحسانه والمسيء فيه باساءته ويأخذ للمظلوم حقه من ظالمه ويكرم للمتحملين المشاق فى هذه الدار من أجله وفى مرضاته بأفضل كرامته ويبين لخنقه الذى يختلفون فيه ويعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين وكذلك لم يقدره حق قدره من هان عليه أمره فعصاه ونهيه فارتكبه وحقه فضيعه وذكره فأهمله وغفل قلبه عنه وكان هواه آثر عنده من طلب رضاه وطاعة المخلوق أهم عنده من طاعة الله فلله الفضلة من قلبه وعلمه وقوله وعمله وماله وسواه المقدم فى ذلك لأنه المهم عنده يستخف بنظر الله إليه واطلاعه عليه وهو فى قبضته وناصيته بيده ويعظم نظر المخلوق إليه وإطلاعه عليه بكل قلبه وجوارحه ويستخفى من الناس ولا يستخفى من الله ويخشى الناس ولا يخشى الله ويعامل الخلق بافضل ما عنده وما يقدر عليه وإن عامل
99
الله عامله باهون ما عنده وأحقره وان قام فى خدمة من يحبه من البشر قام بالجد والإجتهاد وبذل النصيحة وقد افرغ له قلبه وجوارحه وقدمه على كثير من مصالحه حتى إذا قام فى حق ربه إن ساعد القدر قام قياما لايرضاه مخلوق من مخلوق مثله وبذل له من ماله ما يستحي أن يواجه به مخلوق مثله فهل قدر الله حق قدره من هذا وصفه وهل قدره حق قدره من شارك بينه وبين عدوه فى محض حقه من الإجلال والتعظيم والطاعة والذل والخضوع والخوف والرجاء فلو جعل له من أقرب الخلق إليه شريكا فى ذلك لكان ذلك جراءة وتوثبا على محض حقه واستهانة به وتشريكا بينه وبين غيره فيما لا ينبغي ولا يصلح الاله سبحانه فكيف وإنما أشرك معه أبغض الخلق إليه وأهونهم عليه وأمقتهم عنده وهو عدوه علي الحقيقة فإنه ماعبد من دون الله إلا الشيطان كما قال تعالى ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولما عبد المشركون الملائكة بزعمهم وقعت عبادتهم للشيطان وهم يظنون أنهم يعبدون الملائكة كما قال تعالى ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون فالشيطان يدعو المشركين إلى عبادته ويوهمهم أنه ملك كذلك عباد الشمس والقمر والكواكب يزعمون إنهم يعبدون روحانيات هذه الكواكب وهي التى تخاطبهم وتقضي لهم الحوائج ولهذا إذا طلعت الشمس قارنها الشيطان فيسجد لها الكفار فيقع سجودهم له وكذلك عند غروبها وكذلك من عبد المسيح وأمه لم يعبدهما وإنما عبد الشيطان فإنه يزعم أنه يعبد من أمره بعبادته وعبادة أمه ورضيها لهم وأمرهم بها وهذا هو الشيطان الرجيم لعنة الله عليه لا عبد الله ورسوله A فيدل هذا كله على قوله تعالي ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم فما عبد أحد من بني آدم غير الله كائنا من كان الا وقعت عبادته للشيطان فيستمع العابد بالمعبود فى حصول إغراضه ويستمتع المعبود بالعابد فى تعظيمه له وإشراكه مع الله الذي هو غاية رضاه الشيطان ولهذا قال تعالى ويوم نحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس أي من إغوائهم وإضلالهم وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبعنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله ان ربك حكيم عليم فهذه إشارة لطيفة إلى السر الذى لاجله كان الشرك أكبر الكبائر عند الله وأنه لا يغفره بغير التوبة منه وإنه يوجب الخلود فى النار وأنه ليس تحريمه وقبحه بمجرد النهى عنه بل يستحيل على الله سبحانه أن يشرع لعباده إلها غيره كما يستحيل عليه ما يناقض أوصاف كمال ونعوت
100
جلاله وكيف يظن بالمنفرد بالربوبية والالهية والعظمة والاجلال أن يأذن فى مشاركته فى ذلك أو يرضي به تعالى الله ذلك علوا كبيرا فصل
فلما كان الشرك أكبر شيء منافاة للأمر الذى خلق الله له الخلق أمر لاجله بالأمر الذي كان من أكبر الكبائر عند الله وكذلك الكبر وتوابعه كما تقدم فإن الله سبحانه خلق الخلق وأنزل الكتاب لتكون الطاعة له وحده والشرك والكبر ينافيان ذلك ولذلك حرم الله الجنة على أهل الشرك والكبر ولايدخلها من كان فى قلبه مثقال ذرة من كبر فصل
ويلى ذلك فى كبر المفسدة القول على الله بلا علم فى أسمائه وصفاته وأفعاله ووصفه بضد ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله A فهذا أشد شيء منافاة ومناقضة لكمال من له الخلق والأمر وقدح فى نفس الربوبية وخصائص الرب فإن صدر ذلك عن علم فهو عناد أقبح من الشرك وأعظم إثما عند الله فإن المشرك المقر بصفات الرب خير من المعطل الجاحد لصفات كماله كما أن أقر بالملك للملك ولم يجحد ملكه ولا الصفات التى استحق بها الملك لكن جعل معه شريكا فى بعض الأمور تقربا إليه خير ممن جحد صفات الملك وما يكون به الملك ملكا هذا أمر مستقر فى سائر الفطر والعقول فأين القدح فى صفات الكمال والجحد لها من عبادة واسطة بين المعبود الحق وبين العابد يتقرب إليه بعبادة تلك الواسطة إعظاما له وإجلالا فداء التعطيل هذا الداء العضال الذى لا دواء له ولهذا حكى الله عن إمام المعطلة فرعون أنه أنكر على موسى ما أخبر به من أن ربه فوق السموات يا هامان ابن لي صرحا لعلى أبلغ الأسباب أسباب السموات فاطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا واحتج الشيخ وأبو الحسن الاشعري فى كتبه على المعطلة بهذه الآية وقد ذكرنا لفظه في غير هذا الكتاب وهو كتاب اجتماع الجيوش الإسلامية على حرب المعطلة والجهمية في إثبات العلوم والقول على الله بلا علم والشرك متلازمان ولما كانت هذه البدع المضلة جهلا بصفات الله وتكذيبا بما أخبر به عن عن نفسه وأخبر به عنه رسوله A عنادا وجهلا كانت من أكبر الكبائر إن قصرت عن الكفر وكانت أحب إلى إبليس من كبار الذنوب كما قال بعض السلف البدعة أحب إلي إبليس من المعصية لان المعصية يتاب منها والبدعة لايتاب منها وقال إبليس لعنه الله أهلكت بني آدم بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار فلما رأيت ذلك
101
ثبتت فيهم الأهواء فهم يذنبون ولا يتوبون لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ومعلوم أن المذنب إنما ضرره على نفسه وأما المبتدع فضرره على النوع وفتنة المبتدع فى أصل الدين وفتنة المذنب فى الشهوة والمبتدع قد قعد للناس على صراط الله المستقيم يصدهم عنه والمذنب ليس كذلك والمبتدع قادح فى أوصاف الرب وكماله والمذنب ليس كذلك والمبتدع مناقض لما جاء به الرسول A والعاصي ليس كذلك والمبتدع يقطع على الناس طريق الآخرة والعاصي بطيء السير بسبب ذنوبه فصل
ثم لما كان الظلم والعدوان منافيان للعدل الذي قامت به السموات والأرض وأرسل الله سبحانه رسله A وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط كان أي الظلم من أكبر الكبائر عند الله وكانت درجته فى العظمة بحسب مفسدته فى نفسه وكأن قتل الإنسان ولده الطفل الصغير الذي لا ذنب له وقد جبل الله سبحانه القلوب على محبته ورحمته وعطفها عليه وخص الوالدين من ذلك بمزية ظاهرة وقتله خشية أن يشاركه فى مطعمه ومشربه وماله من أقبح الظلم وأشده وكذلك قتله أبويه الذين كانا سبب وجوده وكذلك قتله ذات رحمه وتتفاوت درجات القتل بحسب قبحه وإستحقاق من قتله السعي فى إبقائه ونصيحته ولهذا كان أشد الناس عذابا يوم القيامة من قتل نبيا أو قتله نبي ويليه من قتل إماما عادلا أو عالما يأمر الناس بالقسط ويدعوهم إلى الله سبحانه وينصحهم فى دينهم وقد جعل الله سبحانه جزاء قتل النفس المؤمنة عمدا الخلود فى النار وغضب الجبار ولعنته وإعداد العذاب العظيم له هذا موجب قتل المؤمن عمدا ما لم يمنع منه مانع ولا خلاف أن الإسلام الواقع بعد القتل طوعا واختيارا مانع من نفوذ زلك الجزاء وهل تمنع توبة المسلم منه بعد وقوعه فيه قولان للسلف والخلف وهما روايتان عن أحمد والذين قالوا لا تمنع التوبة من نفوذه رأوا أنه حق لآدمي لم يستوفه فى دار الدنيا وخرج منه بظلامته فلا بد أن يستوفى له فى دار العدل قالو فما استوفاه الوارث فإنما استوفى محضن حقه الذى خيره الله بين استيفائه والعفو عنه وما ينفع المقتول من استيفاء وارثه وأي استدراك لظلامته حصل باستيفاء وارثه وهذا أصح القولين فى المسألة أن حق المقتول لا يسقط باستيفاء الوارث وهى وجهان لاصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما ورأت طائفة أنه يسقط بالتوبة واستيفاء الوارث فإن التوبة تهدم ما قبلها والذنب الذي قد جناه قد أقيم عليه حده قالوا وإذا كانت التوبة تمحو أثر الكفر والسحر وهما أعظم اثما من القتل فكيف تقصر عن محو أثر القتل وقد قبل الله توبة الكفار الذين قتلوا أولياءهم وجعلهم
102
من خيار عباده ودعا الذين أحرقوا أولياءهم وفتنوهم عن دينهم ودعاهم إلى التوبة وقال تعالي يا عبادي الذين أسرفوا علي أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا وهذا فى حق التائب وهى تتناول الكفر فما دونه قالوا وكيف يتوب العبد من الذنب ويعاقب عليه بعد التوبة هذا معلوم انتفاؤه فى شرع لله وجزائه قالوا وتوبة هذا المذنب تسليم نفسه ولا يمكن تسليمها إلى المقتول فأقام الشارع وليه مقامه وجعل تسليم النفس إليه كتسليمها إلى المقتول بمنزلة تسليم المال الذي عليه لوارثه فانه يقوم مقام تسليمه للموروث والتحقيق فى المسألة أن القتل يتعلق به ثلاثة حقوق حق لله وحق للمظلوم المقتول وحق للولى فإذا سلم القاتل نفسه طوعا واختيارا إلى الولى ندما علي ما فعل وخوفا من الله وتوبة نصوحا يسقط حق الله بالتوبة وحق الولى بالإستيفاء أو الصلح أو العفو وبقى حق المقتول يعوضه الله عنه يوم القيامة عن عبده التائب المحسن ويصلح بينه وبينه فلا يبطل حق هذا ولا تبطل توبة هذا وأما مسألة المال فقد اختلف فيها فقالت طائفة إذا أدي ما عليه من المال إلى الوارث فقد بريء من عهدته فى الاخرة كما بريء منها فى الدنيا وقالت طائفة بل المطالبة لمن ظلمه بأخذه باقية عليه يوم القيامة وهو لم يستدرك ظلامته بأخذ وارثه له فأنه منعه من انتفاعه به فى طول حياته ومات ولم ينتفع به فهذا ظلم لم يستدركه وأنما ينتفع به غيره بادراكه وبنوا هذا علي أنه لو انتقل من واحد إلي واحد وتعدد الورثة كانت المطالبة للجميع لأنه حق كان يجب عليه دفعه إلي كل واحد منهم عند كونه هو الوارث وهذا قول طائفة من أصحاب مالك وأحمد وفصل شيخنا رحمه الله بين الطائفتين فقال إن تمكن الموروث من أخذ ماله والمطالبة به فلم يأخذه حتى مات صارت المطالبة به للوارث فى الآخرة كما هي له كذلك فى الدنيا وإن لم يتمكن من طلبه وأخذه بل حال بينه وبينه ظلما وعدوانا فالطلب له فى الآخرة وهذا التفصيل من أحسن ما يقال فإن المال إذا استهلكه الظالم على الموروث وتعذر أخذه منه صار بمنزلة عبده الذي قتله قاتل وداره التى أحرقها غيره وطعامه وشرابه الذى أكله وشربه غيره ومثل هذا إنما تلف على الموروث لا على الوارث فحق المطالبة لمن تلف على ملكه فينبغي أن يقال فإذا كان المال عقارا أو أرضا أو أعيانا قائمة باقية بعد الموت فهي ملك للوارث يجب على الغاصب دفعها إليه كل وقت وإذا لم تدفع إليه أعيان ماله استحق المطالبة بها عند الله تعالى كما يستحق المطالبة بها فى الدنيا وهذا سؤال قوى لا مخلص منه إلا بان يقال المطالبة لهما جمعيا كما لو غصب ما لا مشتركا بين جماعة استحق كل منهم المطالبة بحقه منه وكما لو استولى على وقف مرتب على بطون فابطل حق البطون كلهم منه كانت المطالبة يوم القيامة لجميعهم
103
ولم يكن بعضهم أولى بها من بعض والله أعلم فصل
ولما كانت مفسدة القتل هذه المفسدة قال الله تعالي من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جمعيا وقد أشكل فهم هذا على كثير من الناس وقالوا معلوم أن إثم قاتل مائة أعظم إثما عند الله من إثم قاتل نفس واحدة وإنما أتوا من ظنهم أن التشبيه فى مقدار الإثم والعقوبة والقول لم يدل على هذا ولا يلزم من تشبيه الشىء بالشىء أخذه بجميع أحكامه وقد قال تعالى كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها وقال تعالى كانهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار وذلك لا يوجب أن لبثهم فى الدنيا إنما كان هذا المقدار وقد قال النبي A من صلى العشاء فى جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الفجر فى جماعة فكأنما قام الليل كله أى مع العشاء كما جاء فى لفظ آخر وأصرح من هذا قوله من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر وقوله A من قرأ قل هو الله أحد فكأنما قرأ ثلث القرآن ومعلوم أن ثواب فاعل هذه الأشياء لم يبلغ ثواب المشبه به فيكون قدرها سواء ولو كان قدر الثواب سواء لم يكن لمصلى الفجر والعشاء فى جماعة فى قيام الليل منفعه غير التعب والنصب وما أوتي أحد بعد الإيمان أفضل من الفهم عن الله وعن رسوله A وذلك فضل الله يوتيه من يشاء فان قيل ففي أي شيء وقع التشبيه بين قاتل نفس واحدة وبين قاتل الناس جميعا قيل في وجوه متعددة أحدها أن كل واحد منهما عاص لله ورسوله A مخالف لامره متعرض لعقوبته وكل منهما قدباء بغضب من الله ولعنته واستحقاق الخلود في نار جهنم وأعدلهم عذابا عظيما وإن تفاوتت درجات العذاب فليس إثم من قتل نبيا أو إماما عادلا يأمر الناس بالقسط كمن قتل من لا مزية له من آحاد الناس الثاني أنهما سواء فى استحقاق ازهاق النفس الثالث أنهما سواء فى الجراءة على سفك الدم الحرام فإن من قتل نفسا بغير إستحقاق بل لمجرد الفساد فى الأرض ولأخذ ماله فأنه يجترى على قتل كل من ظفر به وأمكنه قتله فهو معاد للنوع الإنساني ومنها أنه يسمي قاتلا أو فاسقا أو ظالما أو عاصيا بقتله واحد كما يسمي كذلك بقتله الناس جميعا ومنها أن الله سبحانه جعل المؤمنين فى تواددهم وتراحمهم وتعاطفهم وتواصلهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوا تداعي له
104
سائر الجسد بالحمى والسهر فإذا أتلف القاتل عضوا من ذلك الجسد فكأنما أتلف سائر الجسد وآلم جميع أعضائه فمن آذي مؤمنا واحدا فقد آذى جميع المؤمنين وفى أذي جميع المؤمنين أذى جميع الناس كلهم فإن الله إنما يدافع عن الناس بالمؤمنين الذين بينهم فإيذاء الخفير إيذاء المخفر وقد قال النبي A لاتقتل النفس ظلما بغير حق ألا كان على ابن آدم الأول كفل منها لأنه أول من سن القتل ولم يجىء هذا الوعيد فى أول زان ولا أول سارق ولا أول شارب مسكر وإن كان أول المشركين قد يكون أولى بذلك من أول قاتل لأنه أول من سن الشرك ولهذا رأي النبي A عمرو بن لحى الخزاعي يعذب أعظم العذاب فى النار لأنه أول من غير دين إبراهيم عليه السلام وقد قال تعالى ولاتكونوا أول كافر به أي فيفتدي بكم من بعدكم فيكون إثم كفره عليكم وكذلك حكم من سن سنة سيئة فاتبع عليها وفى جامع الترمذي عن إبن عباس رضي الله عنهما عن النبي A قال يجىء المقتول بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده واوداجه تشخب دما يقول يا رب سل هذا فيما قتلى فذكروا لابن عباس التوجه فتلى هذه الآية ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ثم قال ما نسخت هذه الآية ولا بدلت وأني له التوبة قال الترمذي هذا حديث حسن وفى صحيح البخاري عن سمرة بن جندب قال أول ما ينتن من الإنسان بطنه فمن استطاع منكم أن لا يأكل الا طيبا فليفعل ومن استطاع أن لا يحول بينه وبين الجنة ملأ كف من دم أهرقه فليفعل وفى جامع الترمذي عن نافع قال نظر عبد الله بن عمر يوما إلى الكعبة فقال ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمن عند الله أعظم حرمة منك قال الترمذي هذا حديث حسن وفى صحيح البخاري أيضا عن ابن عمر قال قال رسول الله A لا يزال المؤمن فى فسخة من دينه ما لم يصب دما حراما وذكر البخاري أيضا عن ابن عمر قال من ورطات الأمور التى لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حلة وفى الصحيحين عن أبي هريرة يرفعه سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر وفيهما أيضا عنه A لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض وفى صحيح البخارى عنه A من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها يوجد مسيرة أربعين عاما هذه عقوبة قاتل عدو الله إذا كان معاهدا فى عهده وأمانه فكيف بعقوبة قاتل عبده المؤمن وإذا كانت إمرأة قد دخلت النار فى هرة حبستها حتى ماتت جوعا وعطشا فرآها النبي A فى النار والهرة تخدشها فى وجهها وصدرها فكيف عقوبة من حبس مؤمنا حتى مات بغير جرم وفى بعض السنن عنه A لزوال الدنيا أهون علي الله من قتل مؤمن بغير حق
105
فصل
ولما كانت مفسدة الزنا من أعظم المفاسد وهى منافية لمصلحة نظام العالم فى حفظ الأنساب وحمايه الفروج وصيانة الحرمات وتوقى ما يوقع أعظم العداوة والبغضاء بين الناس من إفساد كل منهم إمرأة صاحبه وبنته وأخته وأمه وفى ذلك خراب العالم كانت تلى مفسدة القتل فى الكبر ولهذا قرنها الله سبحانه بها فى كتابه ورسوله A فى سننه كما تقدم قال الإمام أحمد ولا أعلم بعد قتل النفس شيئا أعظم من الزناء وقد أكد سبحانه حرمته بقوله والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون الآية فقرن الزناء بالشرك وقتل النفس وجعل جزاء ذلك الخلود فى النار فى العذاب المضاعف المهين ما لم يرفع العبد وجب ذلك بالتوبة والإيمان والعمل الصالح وقد قال تعالى ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا فأخبر عن فحشه فى نفسه وهو القبيح الذي قد تناها قبحه حتى استقر فحشه فى العقول حتى عند كثير من الحيوانات كما ذكر البخاري فى صحيحه عن عمرو بن ميمون الاودي قال رأيت فى الجاهلية قردا زنا بقردة فأجتمع القرود عليهما فرجموها حتى ماتا ثم أخبر عن غايته بأنه ساء سبيلا فأنه سبيل هلكة وبوارو افتقار فى الدنيا وسبيل عذاب فى الآخرة وخزي ونكال ولما كان نكاح أزواج الآباء من أقبحه خصه بمزيد ذم فقال أنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا وعلق سبحانه فلاح العبد علي حفظ فرجه منه فلا سبيل له الى الفلاح بدونه فقال قد أفلح المؤمنون الذين هم فى صلاتهم خاشعون إلى قوله فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون وهذا يتضمن ثلاثة أمور من لم يحفظ فرجه يكن من المفلحين وأنه من الملومين ومن العادين ففاته الفلاح واستحق إسم العدوان ووقع فى اللوم فمقاساة ألم الشهوة ومعاناتها أيشر من بعض ذلك ونظير هذا أنه ذم الإنسان وأنه خلق هلوعا لا يصبر على شر ولا خير بل إذا مسه الخير منع وبخل وإذا مسه الشر جزع إلا من استثناه بعد ذلك من الناجين من خلقه فذكر منهم الذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فاولئك هم العادون وأمر الله تعالى نبيه أن يأمر المؤمنين بغض أبصارهم وحفظ فروجهم وأن يعلمهم أنه مشاهد لاعمالهم مطلع عليها يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ولما كان مبدأ ذلك من قبل البصر جعل الأمر بغضه مقدما على حفظ الفرج فإن الحوادث مبدأها من النظر كما أن معظم النار مبدأها من مستصفر الشرر ثم تكون نظرة ثم تكون خطرة ثم خطوة ثم خطيئة ولهذا قيل من حفظ هذه الاربعة أحرز دينه اللحظات والخطرات واللفظات والخطوات فينبغى للعبد أن يكون
106
بواب نفسه على هذه الأبواب الأربعة ويلازم الرباط على ثغورها فمنها يدخل عليه العدو فيجوس خلال الديار ويتبر ما علوا تتبيرا فصل
وأكثر ما تدخل المعاصي على العبد من هذه الأبواب الأربعة فنذكر فى كل واحد منها فصلا يليق به فأما اللحظات فهي رائد الشهوة ورسولها وحفظها أصل حفظ الفرج فمن أطلق نظره أورده موارد الهلاك وقد قال النبي A ياعلى لاتتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الثانية وفى المسند عنه A النظرة سهم مسموم من سهام إبليس فمن غض بصره عن محاسن إمرأة أو أمرد لله أورث فى قلبه حلاوة العابدة إلى يوم القيامة هذا معنى الحديث وقال غضوا أبصاركم واحفظوا فروجكم وقال إياكم والجلوس على الطريق قالوا يا رسول الله مجالسنا مالنا بد منها قال فإن كنتم لا بد فاعلين فأعطوا الطريق حقه قالوا وما حقه قال غض البصر وكف الأذى ورد السلام والنظر أصل عامة الحوادث التى تصيب الانسان ان فإن النظرة تولد خطرة ثم تولد الخطرة فكرة ثم تولد الفكرة شهوة ثم تولد الشهوة إرادة ثم تقوى فتصبر عزيمة جازمة فيقع الفعل ولا بد ما لم يمنع منه مانع وفى هذا قيل الصبر على غض البصر أيسر من الصبر علي ألم ما بعده ولهذا قال الشاعر
كل الحوادث مبداها من النظر
ومعظم النار من مستصغر الشرر
كم نظرة بلغت فى قلب صاحبها
كمبلغ السهم بين القوس والوتر
والعبد ما دام ذا طرف يقلبه
فى أعين العين موقوف علي الخطر
يسر مقلته ماضر مهجته
لا مرحبا بسرور عاد بالضرر ومن آفاته أنه يورث الحسرات والزفرات والحرقات فيرى العبد ما ليس قادرا عليه ولا صابرا عنه وهذا من أعظم العذاب أن ترى ما لا صبر لك عنه ولا عن بعضه ولا قدرة لك عليه قال الشاعر
وكنت متى أرسلت طرفك رائدا
لقلبك يوما أتعبتك المناظر
رأيت الذي لاكله أنت قادر
عليه ولا عن بعضه أنت صابر
وهذا البيت يحتاج إلي شرح ومراده أنك تري ما لا تصبر عن شيء منه لا تقدر عليه فان قوله لا كمله أنت قادر عليه نفى لقدرته على الكل الذى لا ينتفي إلا بنفي القدرة عن كل واحد واحد وكم من مرسل لحظاته فمن أقلعت إلا وهو يتشحط بينهن قتيلا كما قيل
يا ناظرا ما أقلعت لحظاته
حتى تشحط بينهن قتيلا
107
ولى من أبيات
مل السلامة فاغتدت لحظاته
وقفا علي طلل يظن جميلا
ما زال يتبع أثره لحظاته
حتي تشحط بينهن قتيلا ومن العجب أن لحظة الناظر سهم لا يصل الى المنظور إليه حتي يتبوء مكانا من قلب الناظر ولى من قصيدة
ياراميا بسهام اللحظ مجتهدا
أنت القتيل بما ترمي فلا تصب
وباعت الطرف يرتاد الشفاء له
أحبس رسولك لا يأتيك بالعطب وأعجب من ذلك أن النظرة تجرح القلب جرحا فيتبعها جرح علي جرح ثم لا يمنعه ألم الجراحة من استدعا تكرارها ولى أيضا فى هذا المعنى
مازلت تتبع نظرة في نظرة فى نظرة
في أثر كل مليحة ومليح
وتظن ذاك دواء جرحك وهو في ال
تحقيق تجريح علي تجريح
فذبحت طرفك باللحاظ وبالبكا
فالقلب منك ذبيح أي ذبيح وقد قيل إن جنس اللحظات أيسر من دوام الحسرات فصل
وأما الخطوات فشأنها أصعب فأنها مبدأ الخير والشر ومنها تتولد الإرادات والهمم والعزائم فمن راعي خطراته ملك زمام نفسه وقهر هواه ومن غلبته خطراته فهواه ونفسه له أغلب ومن استهان بالخطرات قادته قهرا إلى الهلكات ولا تزال الخطرات تتردد على القلب حتى تصير مني باطلة كسراب بقيعة يحسبه الظمأن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب وأحسن الناس همة وأوضعهم نفسا من رضى من الحقائق بالأماني الكاذبة واستجلبها لنفسه وتحلى بها وهى لعمر الله رؤس من أموال المفلسين ومتاجر الباطلين وهى قوة النفس الفارغة التى قد قنعت من الوصل بزورة الخيال ومن الحقائق بكواذب الآمال كما قال الشاعر
أماني من سعد رواء علي الظما
سقننا بها سعدا علي ظماء بردا
مني إن تكن حقا تكن أحسن المني
وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا وهي أضر شىء على الإنسان وتتولد من العجز والكسل وتولد التفريط والاضاعة والحسرة والندامة والمتمني لما فاته مباشرة الحقيقة يحسبه تحت صورتها فى قلبه وعانقها وضمها إليه فقنع بوصال صورة وهمية خالية صورها فكره وذلك لا يجدي عليه شيئا وإنما مثله مثل
108
الجائع والظمآن يصور فى وهمه صورة الطعام والشراب وهو يأكل ويشرب والسكون به إلى ذلك واستجلابه يدل علي خساسة النفس ووضاعتها وإنما شرف النفس وزكاتها وطهارتها وعلوها بأن تنفى عنها كل خطرة لا حقيقة لها ولا ترضى أن يخطرها بباله ويأنف لنفسه منها ثم الخطرت بعد أقسام تدور على أربعة أصول خطرات يستجلب بها العبد منافع دنياه وخطرات يستدفع بها مضار دنياه وخطرات يسجلب بها مصالح آخرته وخطرات يستدفع بها مضار آخرته فليحصر العبد خطراته وأفكاره وهمومه فى هذه الاقسام الأربعة فإذا انحصرت له فيها فما أمكن اجتماعه منها لم يتركه لغيره وإذا تزاحمت عليه الخطرات كتزاحم متعلقاتها قدم الأهم فالاهم الذي يحشى فوته وأخر الذي ليس باهم ولا يخاف فوته بقى قسمان آخران أحدهما مهم لا يفوت والثاني غير مهم ولكنه يفوت ففي كل منهما يدعو إلى تقديمه فهنا يقع التردد والحيرة فيه فإن قدم الأهم خشى فوات ما دونه وإن قدم ما دونه فإنه الاشتغال به عن المهم وذلك بأن يعرض له أمران لا يمكن الجمع بينهما ولا يحصل أحدهما إلا بتفويت الآخر فهو موضع إستعمال العقل والفقه والمعرفة ومن ههنا ارتفع من ارتفع وأنجح من أنجح وخاب من خاب فأكثر من ترى ممن يعظم عقله ومعرفته يؤثر غير المهم الذي لا يفوت علي المهم الذي يفوت ولا تجد أحدا يسلم من ذلك ولكن مستقل ومستكثر والتحيكم فى هذا الباب للقاعدة الكبرى التى يكون عليها مدار الشرع والقدر وإليها يرجح الخلق والأمر وهى إيثار أكبر المصلحتين وأعلاهما وإن فاتت المصلحة التي هى دونها والدخول فى أدنى المفسدتين لدفع ما هو أكبر منهما فتفوت مصلحة لتحصل ما هو وأكبر منهما ويرتكب مفسدة لدفع ما هو أعظم منها فخطرات العاقل وفكسره لا يتجاوز ذلك وبذلك جاءت الشرائع ومصالح الدنيا والآخرة لا تقوم إلا على ذلك وأعلى الفكر وأجلها وأنفعها ما كان لله والدار الآخرة فما كان لله فهو أنواع الأول الفكرة فى آياته المنزلة وتعقلها وفهمها وفهم مراده منها ولذلك أنزلها الله تعالى إلا لمجرد تلاوتها بل التلاوة وسيلة قال بعض السلف أنزل القرآن ليعمل به فأتخذوا تلاوته عملا الثاني الفكرة فى آياته المشهودة والأعتبار بها والأستدلال بها على أسمائه وصفاته وحكمته واحسانه وبره وجوده وقد حث الله سبحانه عباده علي التفكر فى آياته وتدبرها وتعقلها وذم الغافل عن ذلك الثالث الفكرة فى الآية وإحسانه وإنعامه على خلقه بأصناف النعم وسعة مغفرته ورحمته وحلمه وهذه الأنواع الثلاثة تستخرج من القلب معرفة الله ومحبته وخوفه ورجاءه ودوام الفكرة فى ذلك مع الذكر يصبغ القلب فى المعرفة والمحبة صبغة تامة الرابع الفكرة فى عيوب النفس وآفاتها وفى عيوب العمل وهذه الفكرة عظيمة النفع وهذا باب
109
كل خير وتأثيرها فى كسر النفس الامارة بالسوء وحتى كسرت عاشت النفس المطمئنة وانتعشت وصار الحكم لها فحى القلب ودارت كلمته فى مملكته وبث أمراءه وجنوده فى مصالحه الخامس الفكرة فى واجب الوقت ووظيفته وجمع الهم كله عليه فالعارف ابن وقته فإن أضاعه ضاعت عليه مصالحه كلها فجميع المصالح إنما تنشأ من الوقت فمتى أضاع الوقت لم يستدركه أبدا قال الشافعي رضى الله عنه صحبت الصوفية فلم أستفد منهم سوى حرفين أحدهما قولهم الوقت سيف فإن لم تقطعه قطعك وذكر الكلمة الآخرى ونفسك إن أشغلتها بالحق وإلا اشتغلتك بالباطل فوقت الإنسان هو عمره فى الحقيقة وهو مادة حيا الأبدية فى النعيم المقيم ومادة المعيشة الضنك فى العذاب الأليم وهو يمر أسرع من مر السحاب فما كان من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره وغير ذلك ليس محسوبا من حياته وإن عاش فيه عيش البهائم فإذا قطع وقته فى الغفلة والشهوة والأماني الباطلة وكان خير ما قطعه بالنوم والبطالة فموت هذا خيرا له من حياته وإذا كان العبد وهو فى الصلاة ليس له من صلاته إلا ما عقل منها فليس له من عمره إلا ما كان فيه بالله وله وما عدا هذه الأقسام من الخطرات والفكر فأما وساوس شيطانية وإما أماني باطلة وخدع كاذبة بمنزلة خواطر المصابين فى عقولهم من السكارى والمحشوشين والموسوسين ولسان حال هؤلاء يقول عند انكشاف الحقائق
إن كان منزلتي فى الحب عندكم
ما قد لقيت فقد ضيعت أيامى
أمنية ظفرت نفسى بها زمنا
واليوم أحسبها أضغاث أحلام وأعلم أن ورود الخاطر لا يضر وإنما يضر استدعاؤه ومحادثته فالخاطر كالمار على الطريق فإن لم تستدعه وتتركه مرو انصرف عنك وإن استدعيته سحرك بحديثه وخدعه وغروره وهو أخف شىء على النفس الفارغة بالباطلة وأثقل شىء على القلب والنفس الشريفة السماوية المطمئنة وقد ركب الله سبحانه فى الإنسان نفسين نفسا أمارة ونفسا مطمئنة وهما متعاديتان فكلما خف علي هذه ثقل علي هذه وكلما التذت به هذه تألمت به الاخري فليس علي النفس الامارة أشق من العمل لله وايثار رضاه على هواها وليس لها أنفع منه وكذا ليس علي النفس المطمئنة أشق من العمل لغير الله وأجابة داعي الهوي وليس عليها شيء أضر منه والملك مع هذه عن يمين القلب والشيطان مع تلك عن ميسرة القلب والحروب مستمرة لا تضع أوزارها إلا أن تستوفى أجلها من الدنيا والباطل كله يتخير مع الشيطان والإمارة والحق كله يتحيز مع الملك والمطمئنة والحرب دول وسجل والنصر مع الصبر ومن صبر وصابر ورابط واتقى الله فله العافية في الدنيا والآخرة وقد حكم الله تعالى حكما لا يبدل أبدا أن
110
العاقبة للتقوي والعاقبة للمتقين فالقلب لوح فارغ والخواطر نقوش تنقش فيه فكيف يليق بالعاقل أن يكون نقوش لوحه ما بين كذب وغرور وخدع وأماني باطلة وسراب لا حقيقة له فأي حكمة وعلم وهدي ينتقش مع هذه النقوش وإذا أراد أن ينتقش ذلك فى لوح قلبه كان بمنزلة كتابة العلم النافع فى محل مشغول بكتابة مالا منفعة فيه فإن لم يفرغ القلب من الخواطر الردية لم يستقر فيه الخواطر النافعة فإنها لا تستقر إلا فى محل فارغ كما قيل
أتانى هواها قبل أن أعرف الهوي
فصادف قلبا خايلا فتمكنا ولهذا كثير من أرباب السلوك بنوا سلوكهم على حفظ الخواطر وأن لا يمكنوا خاطر يدخل قلوبهم حتى تصبر القلوب فارغة قابلة للكشف وظهور حقائق العلويات فيها وهؤلاء حفظوا شيئا وغابت عنهم أشياء فإنهم أخلوا القلوب من أن يطرقها خاطر فبقيت فارغة لا شىء فيها فصادفها الشيطان خالية فبذر فيها الباطل فى قوالب وهمهم أنها أعلى الأشياء وأشرفها وعوضهم بها عن الخواطر التى هى مادة العلم والهدي وإذا خلى القلب عن هذه الخواطر جاء الشيطان فوجد المحل خاليا فشغله بما يناسب حال صاحبه حيث لم يستطع أن يشغله بالخواطر السفلية فكيف بالعلوية فشغله بارادة التجريد والفراغ من الإرادة التى لإصلاح للعبد ولا فلاح إلا بأن تكون هى المستولية علي قلبه وهى إرادة مراد الله الديني الامري الذى يحبه ويرضاه وشغل القلب واهتمامه بمعرفته علي التفصيل به والقيام به وتنفيذه فى الخلق والتطرق إلى ذلك والتوصل إليه بالدخول فى الخلق لتنفيذه فيرطلهم الشيطان عن ذلك بأن دعاهم إلى تركه وتعطليه من باب الزهد فى خواطر الدنيا وأسبابها وأوهمهم أن كمالهم فى ذلك التجريد والفراغ وهيهات هيهات إنما الكمال فى اجلاء القلب والسر من الخواطر والإرادات والفكر فى تحصيل مراضى الرب تعالي من العبد ومن الناس والفكر فى طرق ذلك التوصل إليه فأكمل الناس أكثرهم خواطر وفكر وإرادات لذلك كما إن أنقص الناس أكثرهم خواطر وفكرا وإرادات لحظوظه وهواه وأين كانت والله المستعان وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كانت تتزاحم عليه الخواطر فى مرضات الرب تعالى فربما استعملها فى صلاته فكان يجهز جيشه وهو فى صلاته فيكون قد جمع بين الصلاة والجهاد وهذا من باب تداخل العبادات فى العبادة الواحدة وهو من باب عزيز شريف لا يدخل منه إلا صادق حاذق الطلب متضلع من العلم عالي الهمة بحيث يدخل فى عبادة يظفر فيها بعبادات شتي وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء فصل
وأما اللفظات فحفظها بأن لا يخرج لفظه ضائعة بل لا يتكلم إلا فيما يرجو فيه الربح والزيادة
111
فى دينه فإذا أراد أن يتكلم بالكلمة نظر هل فيها ربح أو فائدة أم لا فان لم يكن فيها ربح أمسك عنها وإن كان فيها ربح نظر هل تفوته بها كلمة هي زربح منها فلا يضيعها بهذه وإذا أردت أن تستدل على ما في القلوب فأستدل عليه بحركة اللسان فأنه يطلعك على ما في القلب مصاحبه أم أبى قال يحيى بن معاذ القلب كالقدور تغلى بما فيها وألسنتها مغارفها فانظر الرجل حين يتكلم فرن لسانه يغترف لك به مما فى قلبه حلو وحامض وعذب وأجاج وغير ذلك ويبين لك طعم قلبه أغتراف لسانه أي كما تطعم بلسانك فتذوق مافي قلبه من لسانه كما تذوق ما في القدر بلسانك وفى حديث أنس المرفوع لا يسقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولايستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه وسئل النبي A عن أكثر ما يدخل النار وفقال الفم والفرج وقال الترمذي حديث حسن صحيح وقد سأل معاذ النبي A عن العمل يدخله الجنة ويباعده من النار فأخبره A برأسه وعموده وذروة سنامه ثم قال آلا أخبركم بملاك ذلك كله قال بلى يا رسول الله فأخذ بلسان نفسه ثم قال كف عليك هذا فقال وإنا لمواخذون بما نتكلم به فقال ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس فى النار على وجوهم أو على مناخرهم الاحصائد ألسنتهم قال الترمذي حديث حسن صحيح ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والإحتراز من أكل الحرام والظلم والزنا والسرقة وشرب الخمر ومن النظر المحرم وغيرذلك ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه حتى يري الرجل يشار إليه بالدين والزهد والعبادة وهو يتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها بال يزال بالكلمة الواحدة بين المشرق والمغرب وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم ولسانه ثغري فى أعراضه الأحياء والأموات ولا يبالى مايقول وإذا أردت أن تعرف ذلك فأنظر إلى ما رواه مسلم فى صحيحه من حديث حندت بن عبد الله قال قال رسول الله A قال رجل والله لا يغفر الله لفلان فقال الله عزوجل من ذا الذي يتالى على إني لا أغفر لفلان قد غفرت له وأحبطت عملك فهذا العابد الذي قد عبد الله ما شاء أن يعبده أحبطت هذه الكلمة الواحدة عمله كله وفى حديث أبي هريرة نحو ذلك ثم قال أبو هريرة تكلم بكلمة أو بقت دنياه وآخرته وفى الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي A أن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقى لها بالا يرفعه الله بها درجات وأن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها بالا يهوي بها فى نار جهنم وعند مسلم أن العبد ليتكلم بالكلمة مايتبين مافيها يهوي بها فى النار أبعد مما بين المغرب والمشرق وعند الترمذي عن النبى A من حديث بلال بن الحارث المزنى أن أحدكم
112
ليتكلم بالكلمة من رضوان الله مايظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله مايظن أن تبلغ مابلغت فيكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه فكان علقمة يقول كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث وفى جامع الترمذي أيضا من حديث أنس قال توفى رجل من الصحابة فقال رجل أبشر بالجنة فقال رسول الله A أو لاتدري لعله تكلم فيما لايعنيه أو بخل بمالا ينقصه قال حديث حسن وفى لفظ أن غلاما ما استشهد يوم أحد فوجد على بطنه صخرة مربوطة من الجوع فمسحت أمه التراب عن وجهه وقالت هنيئا لك يا بني الجنة فقال رسول الله A وما يردرك لعله كان يتكلم فيما لا الايعنيه ويمنع مالا يضروه في الصحيحين من حديث أبى هريرة يرفعه من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت وفي لفظ لمسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فرذا شهد أمر فليتكلم بخير أو ليسكت وذكر الترمذي بإسناد صحيح عنه A من حسن إسلام المرأ تركه ما لا يعنيه وعن سفيان بن عبد الله الثقفي قال قلت يا رسول الله قل لى فى الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك قال قل آمنت بالله ثم استقم قال قلت يا رسول الله ما أخوف ما تخاف علي فأخذ بلسان نفسه ثم قال هذا والحديث صحيح وعن أم حبيبة زوج النبي A عن النبي A قال كل كلام ابن آدم عليه لاله إلا أمر بمعروف أو نهى عن منكر أو ذكر الله عز وجل قال الترمذي حديث حسن وفى حديث آخر إذا أصبح العبد فإن الاعضاء كلها تكفر اللسان تقول اتق الله فإنما نحن بك فإذا استقمت استقمنا وإن أعوججت أوعوججنا وقد كان بعض السلف يحاسب أحدهم نفسه فى قوله يوم حار ويوم بارد ولقد روى بعض الاكابر من أهل العلم فى النوم بعد موته فسئل عن حاله فقال أنا موقوف على كلمة قلتها قلت ما احوج النالس إلى غيث فقيل لى وما يدريك أنا أعلم بمصلحة عبادي وقال بعض الصحابة لخادمه يوما هات لى السفرة نعبث بها ثم قال استغفر الله ما أتكلم بكلمة إلا وأنا أخطمها وأزمها إلا هذه الكلمة خرجت مني بغير خطام ولا زمام أو كما قال والسير حركات الجوارح حركة اللسان وهى أضرها على العبد وأختلف السلف والخلف هل يكتب جميع ما يلفظ به أو الخير والشر فقط على قولين أظهرهما الأول وقال بعض السلف كل كلام بن آدم عليه لاله إلا ما كان من ذكر الله وما والاه وكان الصديق رضى الله عنه يمسك بلسانه ويقول هذا أوردني الموارد والكلام أسيرك فإذا خرج من فيك صرت أسيره والله عند لسان كل قائل وما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد وفى اللسان آفتان عظيمتان إن خلص العبد من احدهما لم يخلص من الآخرة آفة الكلام وآفة السكوت وقد
113
يكون كل منهما أعظم إثما من الاخري في وقتها فالساكت عن الحق شيطان أخرس عاص لله مراء مداهن إذا لم يخف علي نفسه والمتكلم بالباطل شيطان ناطق عاص لله وأكثر الخلق منحرف فى كلامه وسكوته فهم بين هذين النوعين وأهل الوسط وهم أهل الصراط المستقيم كفوا ألسنتهم عن الباطل واطلقوها فيما يعود عليهم نفعه فى الآخرة فلا يرى أحدهم أنه يتكلم بكلمة تذهب عليه ضائعة بلا منفعة فضلا أن تضره فى آخرته وإن العبد ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها عليه كلها ويأتي بسيئات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ذكر الله عز وجل وما اتصل به
فصل وأما الخطوات فحفظها بأن لا ينقل قدمه إلا فيما يرجوا ثوابه عند
الله تعالى فإن لم يكن فى خطاه مزيد ثواب فالقعود عنها خير له ويمكنه أن يستخرج من كل مباح يخطو إليه قربة يتقرب بها وينويها لله فيقع خطاه قربة وتنقلب عادته عبادة ومباحاته طاعات ولما كانت العثرة عثرتين عثرة الرجل وعثرة اللسان جاءت إحدهما قرينة الآخرى فى قوله تعالى وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما فوصفهم بالاستقامة فى لفظاتهم وخطواتهم كما جمع بين اللحظات والخطرات فى قوله تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور
فصل وهذا كله ذكرناه مقدمة بين يدي تحريم الفواحش ووجوب حفظ الفرج وقد
قال A أكثر ما يدخل الناس النار الفم والفرج وفى الصحيحين عنه A لا يحل دم امرء مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة وهذا الحديث فى اقتران الزنا بالكفر وقتل النفس نظير الآية التى فى الفرقان ونظير حديث ابن مسعود دبدا رسول الله A بالأكثر وقوعا ثم بالذى يليه فالزنا أكثر وقوعا من قتل النفس وقتل النفس أكثر وقوعا من الردة نعوذ بالله منها وأيضا فإنه انتقال من الأكبر إلى ما هو أكبر منه مفسدة ومفسدة الزنا مناقضة لصلاح العالم فإن المرأة إذا زنت أدخلت العار على أهلها وزوجها وأقاربها ونكست رؤسهم بين الناس وإن حملت من الزنا فإن قتلت ولدها جمعت بين الزنا والقتل وإن حملته الزوج أدخلت على أهلها وأهله أجنبيا ليس منهم فورثهم وليس منهم ورآهم وخلابهم وانتسب إليهم وليس منهم إلى غير ذلك من مفاسد زناها وأما زنا الرجل فإنه يوجد اختلاط الأنساب أيضا وإفساد
114
المرأة المصونة وتعريضها للتلف والفساد ففي هذه الكبيرة خراب الدنيا والدين وإن عمرت القبور فى البرزخ والنار فى الآخرة فكم فى الزنا من استحلال محرمات وفوات حقوق ووقوع مظالم ومن خاصيته أنه ! ! الفقر ويقصد ! ويكسر صاحبه سواد الوجه وثوب المقت بين الناس ومن خاصيته أيضا أنه يشتت القلب ويمرضه إن لم يمته ويجلب الهم والحزن والخوف ويباعد صاحبه من الملك ويقربه من الشيطان فليس بعد مفسدة القتل أعظم من مفسدته ولهذا شرع فيه القتل على أشنع الوجوه وأفحشها وأصعبها ولو بلغ العبد أن إمرأته أو حرمته قتلت كان أسهل عليه من أن يبلغه أنها زنت وقال سعيد بن عبادة رضي الله عنه لو رأيت رجلا مع إمرأتي لضربته بالسيف غير مصفح فبلغ ذلك رسول الله A فقال تعجبون من غيرة سعد والله لأنا أغير منه والله أغير مني ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن متفق عليه وفى الصحيحين أيضا عنه A إن الله يغار وإن المؤمن يغار غيرة الله أن يأتي العبد ما حرم عليه وفى الصحيحين عنهA لا أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين ولا أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك أثني على نفسه وفى الصحيحين فى خطبته A فى صلاة الكسوف أنه قال يا أمة محمد والله إنه لا أحد أغير من الله أن يزنى عبده أو تزني أمته يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ثم رفع يديه فقال اللهم هل بلغت وفى ذكر هذه الكبيرة بخصوصها عقيب صلاة الكسوف سر بديع لمن تأمله وظهور الزنا من أمارات خراب العالم وهو من أشراط الساعة كما فى الصحيحين عن أنس بن مالك أنه قال لاحدثكم حديثا لايحدثكموه أحد بعدي سمعته من النبي A يقول من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنا ويقل الرجال وتكثر النساء حتى يكون لخمسين إمرأة القيم الواحد وقد جرت سنة الله سبحانه فى خلقه أنه عند ظهور الزنا يغضب الله سبحانه وتعالى ويشتد غضبه فلابد أن يؤثر غضبه فى الأرض عقوبة قال عبد الله بن مسعود ما ظهر الربا والزنا فى قرية الا أذن الله باهلاكها ورأي بعض أحبار بنى إسرائيل إبنا له يغامز إمراءة فقال مهلا يابني فصرع الأب عن سريره فأنقطع نخاعه وأسقطت إمرأته وقيل له هكذا غضبك لى لا يكون فى جنسك خير ابدا وخص سبحانه حد الزنا من بين سائر الحدود بثلاث خصائص أحدها القتل فيه بأشنع القتلات وحيث خففه فجمع فيه بين العقوبة على البدن بالجلد وعلى القلب بتغريبه عن وطنه سنة الثاني أنه نهى عباده أن تأخذهم بالزناة رأفة فى دينه بحيث تمتعهم من إقامة
115
الحد عليهم فإنه سبحانه من رأفته بهم ورحمته بهم شرع هذه العقوبة فهو أرحم بكم منكم بهم ولم تمنعه رحمته من أمره بهذه العقوبة فلا يمنعكم أنتم ما يقوم بقلوبكم من الرأفة من إقامة أمره وهذا وإن كان عاما فى سائر الحدود ولكن ذكر فى حد الزنا خاصة لشدة الحاجة إلى ذكره فإن الناس لا يجدون فى قلوبهم من الغلطة والقسوة على الزاني ما يجدونه على السارق والقاذف وشارب الخمر فقلوبهم ترحم الزاني أكثر مما ترحم ! من ارباب الجرائم والوقائع والواقع مما بعد ذلك فنهوا أن تأخذهم هذه الرأفة وتحملهم على تعطيل حد الله عز وجل وسبب هذه الرحمة أن هذا ذنب يقع من الأشراف والأوساط والأراذل وفي النفوس أقوى الدواعي إليه والمشارك فيه كثير وأكثر أسبابه العشق والقلوب مجبولة على رحمة العاشق وكثير من الناس يعد مساعدته طاعة وقرية وإن كانت الصورة المعشوقة محرمة عليها ولا يستنكر هذا الأمر فهو مستقر عند من شاء الله من أشباه الأنعام ولقد حكى لنا من ذلك شىء كثيرا كثرة عن ناقصي العقول والأديان كالخدم والنساء وأيضا فإن هذا ذنب غالب ما يقع مع التراضي من الجانين فلا يقع فيه من العدوان والظلم والإغتصاب ما تنفر النفوس منه وفيها شهوة غالبة له فتصور ذلك لنفسها فتقوم بها رحمة تمنع إقامة الحد وهذا كله من ضعف الإيمان وكمال الإيمان أن تقوم به قوة يقيم أمر الله ورحمة يرحم بها المحدود فيكون موافقا لربه سبحانه فى أمره ورحمته الثالث أنه سبحانه أمر أن يكون حدهما بمشهد من المؤمنين فلا يكون فى خلوة حيث لا يراهما أحد وذلك أبلغ فى مصلحة الحد وحكمة الزجر وحد الزاني المحصن مشتق من عقوبة الله تعالى لقوم لوط بالقذف بالحجارة وذلك لاشتراك الزنا واللواط فى الفحش وفى كل منهما فساد يناقض حكمة الله فى خلقه وأمره فإن فى اللواط المفاسد ما يفوت الحصر والتعداد ولأن يقتل المفعول به خير له من أن يؤتي فإنه يفسد فسادا لا يرجى له بعده صلاح أبدا ويذهب خيره كله وتمص الأرض ماء الحياء من وجهه فلا يستحي بعد ذلك لا من الله ولا من خلقه وتعمل فى قلبه وروحه نطفة الفاعل ما يعمل السم فى البدن وقد أختلف الناس هل يدخل الجنة مفعول به على قولين سمعت شيخ الإسلام رحمه الله يحكيهما والذين قالوا لا يدخل الجنة احتجوا بأمور منها أن النبي A قال لا يدخل الجنة ولد زنا فإذا كان هذا حال ولد الزنا مع أنه لا ذنب له فى ذلك ولكنه مظنة كل شر وخبث وهو جدير أن لا يجيء منه خيرا أبدا لأنه مخلوق من نطفة خبيثة وإذا كان الجسد الذي تربى على الحرام النار أولى به فكيف بالجسد المخلوق من النطفة الحرام قالوا والمفعول به شر من ولد الزنا وأخزى وأخبث وأوسخ وهو جدير أن لا يوفق ليخر وأن يحال بينه وبينه وكلما عمل خيرا قيض الله ما يفسده
116
عقوبة له وقل أن ترى من كان كذلك فى صغره إلا وهو فى كبره شر مما كان ولا يوفق لعمل صالح ولا لعلم نافع ولا توبة نصوحا والتحقيق فى هذه المسألة أن يقال إن تاب المبتلى بهذا البلاء وأتاب ورزق توبة نصوحا وعملا صالحا وكان فى كبره خيرا منه فى صغره وبدل سيئآته بحسنات وغسل عار ذلك عنه بأنواع الطاعات والقربات وغض بصره وحفظ فرجه عن المحرمات وصدق الله فى معاملته فهذا مغفور له وهو من أهل الجنة فإن الله يغفر الذنوب جميعا وإذا كانت التوبة تمحو كل ذنب حتى الشرك بالله وقتل أنبيائه وأوليائه والسحرا والكفر وغير ذلك فلا تقصر عن محو هذا الذنب وقد استقرت حكمة الله به عدلا وفضلا أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له وقد ضمن الله سبحانه لمن تاب من الشرك وقتل النفس والزنا أنه يبدل سيئاته حسنات وهذا حكم عام لكل تائب من ذنب وقد قال تعالى قل يا عبادى الذين اسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم فلا يخرج من هذا العموم ذنب واحد ولكن هذا فى حق التائبين خاصة وأما مفعول به كان فى كبره شرا مما كان في صغره لم يوفق لتوبة نصوحا ولا لعمل صالح ولا استدرك ما فات ولا أحيى ما مات ولا بدل السيئات بالحسنات فهذا بعيد أن يوفق عند الممات لخاتمة يدخل الجنة عقوبة له على عمله فإن الله سبحانه وتعالى يعاقب على السيئة بسيئة أخرى وتتضاعف عقوبة السيئآت بعضها ببعض كما يثيب على الحسنة بحسنة أخرى فتضاعف الحسنات وإذا نظرت إلي حال كثير من المحتضرين وجدتهم يحال بينهم وبين حسن الخاتمة عقوبة لهم على أعمال السيئة قال الحافظ أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الاشبيلي رحمه الله وأعلم أن لسوء الخاتمة أعاذنا الله منها أسباب ولها طرق وأبواب أعظمها الإنكباب على الدنيا وطلبها والحرص عليها والإعراض عن الأخرى والإقدام والجرأة علي معاصي الله عز وجل وربما غلب على الإنسان ضرب من الخطيئة ونوع من المعصية وجانب من الإعراض ونصيب من الجرأة والإقدام فملك قلبه وسبي عقله وأطفأ نوره وأرسل عليه حجبه فلم تنفع فيه تذكرة ولا نجعت فيه موعظة فربما جاءه الموت على ذلك فسمع النداء من مكان بعيد فلم يتبين له المراد ولا علم ما أراد وإن كرر عليه الداعي وأعاد قال ويروي أن بعض رجال الناصر نزل به الموت فجعل ابنه يقول له قل لا إله إلا الله فقال الناصر مولاي فأعاد عليه القول فقال مثل ذلك أصابته غشية فلما أفاق قال الناصر مولاي وكان هذا دأبة كلما له قيل لا إله إلا الله قال الناصر مولاي ثم قال لإبنه يا فلان الناصر إنما يعرفك بسيفك والقتل القتل ثم مات على ذلك قال عبد الحق رحمه الله وقيل لآخر ممن أعرفه قل لا إله إلا الله فجعل يقول الدار الفلانية أصلحوا فيها كذا والبستان
117
الفلاني افعلوا فيه كذا وقال وفيما أذن أبو طاهر السلعي أن أحدث به عنه أن رجلا نزل به الموت فقيل له قل لا إله إلا الله فجعل يقول بالفارسية ده يازده تفسيره عشر بإحدى عشر وقيل لآخر قل لا إله إلا الله فجعل يقول أين الطريق إلى حمام منجاب قال وهذا الكلام له قصة وذلك أن رجلا كان واقفا بازاء داره وكان بابها يشبه باب هذا الحمام فمرت به جارية لها منظر فقالت أين الطريق إلى حمام منجاب فقال هذا حمام منجاب فدخلت الدار ودخل وراءها فلما رأت نفسها فى داره وعلمت أنه قد خدعها أظهرت له البشر والفرح بإحتماعها معه وقالت خدعة منها له وتحيلا لتتخلص مما أوقعها فيه وخوفا من فعل الفاحشة يصلح أن يكون معنا ما يطيب به عيشنا وتقربه عيوننا فقال لها الساعة آتيك بكل ما تريدين وتشتهين وخرج وتركها فى الدار ولم يغلقها فأخذ ما يصلح ورجع فوجدها قد خرجت وذهبت ولم تخنه فى شيء فهام الرجل وأكثر الذكر لها وجعل يمشي فى الطرق والأزقة ويقول
يارب قائلة يوما وقد تعبت
أين الطريق إلي حمام منجاب فبينا يقول ذلك وإذا بجاريته أجابته من طاق قرنان
هل لا جعلت سريعا إذ ظفرت بها
حرزا على الدار أو قفلا على الباب
فازداد هيمانه واشتد هيجانه ولم يزل كذلك حتى كان هذا البيت آخر كلامه من الدنيا قال ويرى أن رجلا عشق شخصا فاشتد كلفه به وتمكن حبه من قلبه حتى وقع ألما به ولزم الفراش بسببه وتمنع ذلك الشخص عليه واشتد نفاره عنه فلم تزل الوسائط يمشون بينهما حتى وعده أن يعوده فأخبر بذلك البائس ففرح واشتد سروره وانجلى غمه وجعل ينتظر للمعياد الذي ضربه له فبينا هو كذلك إذ جاءه الساعي بينهما فقال أنه وصل معى إلى بعض الطريق ورجع فرغبت إليه وكلمته فقال أنه ذكرني وبرح بي ولا أدخل مداخل الريب ولا أعرض نفسي لمواقع ألهتم فعاودته فأبى وانصرف فلما سمع البائس ذلك أسقط فى يده وعاد إلى أشد مما كان به وبدت عليه علائم الموت فجعل يقول فى تلك الحال
أسلم ياراحة العليل
ويا شفاء المدنف النحيل
رضاك أشهى إلي فؤادى
من رحمة الخالق الجليل
فقلت له يافلان اتق الله قال قد كان فقمت عنه فما جاوزت باب داره حتى سمعت صيحة الموت فعياذا بالله من سوء العاقبة وشؤم الخاتمة ولقد بكى سفيان الثوري ليلة إلى الصباح فلما أصبح قيل له أكل هذا خوفا من الذنوب فأخذ تنبة من الأرض وقال الذنوب أهون من هذه وإنما أبكى خوفا من الخاتمة وهذا من أعظم الفقه أن يخاف الرجل أن تخدعه
118
ذنوبه عند الموت فتحول بينه وبين الخاتمة الحسنى وقد ذكر الإمام أحمد عن أبى الدرداء أنه لما اختصر جعل يغمى عليه ثم يفيق ويقرأ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم فى طغيانهم يعمهون فمن هذا خاف السلف من الذنوب أن تكون حجابا بينهم وبين الخاتمة الحسني قال وأعلم أن سوء الخاتمة أعاذنا الله تعالى منها لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه ما سمع بهذا ولا علم به ولله الحمد وإنما تكون لمن فساد فى العقيدة أو اصرار على الكبيرة وإقدام على العظائم فربما غلب ذلك عليه حتي نزل به الموت قبل التوبة فيأخذه قبل إصلاح الطوية ويصطلم قبل الإنابة فيظفر به الشيطان عند تلك الصدمة ويختطفه عند تلك الدهشة والعياذ بالله قال ويروي أنه كان بمصر رجل يلزم المسجد للأذان والصلات فيه وعليه بهاء الطاعة ونور العبادة فرقى يوما المنارة على عادته للأذان وكان تحت المنارة دارا لنصراني فاطلع فيها فرأي إبنة صاحب الدار فافتتن بها فترك الأذان ونزل إليها ودخل الدار عليها فقالت له ما شأنك وما تريد قال اريدك قالت لماذا قال قد سلبت لبي وأخذت بمجامع قلبي قالت لا أجيبك إلى رية أبدا قال أتزوجك قالت أنت مسلم وأنا نصرانية وأبي لا يزوجني منك قال اتنصر قالت إن فعلت أفعل فتنصر الرجل ليتزوجها وأقام معهم فى الدار فلما كان فى آثناء ذلك اليوم رقى إلى سطح كان فى الدار فسقط منه فمات فلم يظفر بها وفاته دينه فصل
ولما كانت مفسدة اللواط من أعظم المفاسد كانت عقوبتة فى الدنيا والآخرة من اعظم العقوبات وقد أختلف الناس هل هو أغلظ عقوبة من الزنا أو الزنا أغلظ عقوبة منه أو عقوبتهما سواء على ثلاثة أقوال فذهب أبو بكر الصديق وعلى بن أبي طالب وخالد بن الوليد وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس وخالد بن زيد وعبد الله بن معمر والزهرى وربيعة بن أبي عبد الرحمن ومالك وإسحق بن راهويه والإمام أحمد فى أصح الروايتين عنه والشافعي فى أحد قوليه إلى أن عقوبته أغلظ من عقوبة الزنا وعقوبته القتل على كل حال محصنا كان أو غير محصن وذهب عطاء بن أبي رباح والحسن البصري وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعى وقتادة والأوزاعى والشافعي فى ظاهر مذهبه والإمام أحمد فى الرواية الثانية عنه وأبو يوسف ومحمد إلى عقوبته وعقوبة الزانى سواء وذهب الحاكم والإمام أبو حنيفة إلى أن عقوبته دون عقوبة الزانى وهى التعزير قالوا لأنه معصية من المعاصى لم يقدر الله ولا رسوله A فيه حدا مقدرا فكان
119
فيه التعزير كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير قالوا ولأنه وطؤ في محل لا تشتهيه الطبائع بل ركبها الله تعالى على النفرة منه حتى الحيوان البهيم فلم يكن فيه حد كوطىء الحمار وغيره قالو ولأنه لا يسمى زانيا لغة ولا شرعا ولا عرفا فلا يدخل في النصوص من الدلالة على حد الزانيين قالوا ولانا رأينا قواعد الشريعة أن المعصية إذا كان الوازع عنها طبعيا اكتفى بذلك الوازع عن الحد واذا كان في الطبائع تقاضيها جعل فيها الحد بحسب اقتضاء الطبائع لها ولهذا جعل الحد في الزنا والسرقة وشرب المسكر دون أكل الميتة والدم ولحم الخنزير قالوا وطرد هذا لاحد في وطيء البهيمة ولا الميتة وقد جبل الله تعالى الطبائع على النفرة من وطيء الرجل الرجل أشد نفرة كم جبلها على النفرة من استدعاء الرجل من يطؤه بخلاف الزنا فان الداعى فيه من الجانبين قالوا ولأن أحد النوعين اذا استمتع بشكله لم يجب عليه الحد كما لو تساحقت المرأتان واستمتعت كل واحدة منهما بالاخرى قال أصحاب القول الأول وهم جمهور الأمة وحكاه غير واحد إجماعا للصحابة ليس في المعاصى مفسدة أعظم من مفسدة اللواط وهى تلى مفسدة الكفر وربما كانت أعظم من مفسدة القتل كما سنبينه ان شاء الله تعالى قالوا ولم يبتلي الله تعالى بهذه الكبيرة قبل قوم لوط أحدا من العالمين وعاقبهم عقوبة لم يعاقب بها أمة غيرهم وجمع عليهم أنواعا من العقوبات من الاهلاك وقلب ديارهم عليهم والخسف بهم ورجمهم بالحجارة من السماء وطمس أعينهم وعذبهم وجعل عذابهم مستمرا فنكل بهم نكالا لم ينكله بامة سواهم وذلك لعظم مفسدة هذه الجريمة التى تكاد الأرض تميد من جوانبها إذا عملت عليها وتهرب الملائكة الى أقطار السموات والأرض اذا شهدوها خشية نزول العذاب على أهلها فيصيبهم معهم وتعج الأرض الى ربها تبارك وتعالى وتكاد الجبال تزول عن أماكنها وقتل المفعول به خير له من وطئه فانه اذا وطأه الرجل قتله قتلا لا ترجي الحياة معه بخلاف قتله فانه مظلوم شهيد وربما ينتفع به في آخرته قالوا والدليل على هذ أن الله سبحانه جعل حد القاتل الى خيره الولي إن شاء قتل وإن شاء عفى وحتم قتل اللوطي حدا كما أجمع عليه أصحاب رسول الله A ودلت عليه سنة رسول الله Aالصحيحة الصريحة التي لا معارض لها بل عليها عمل أصحابه وخلفائه الراشدين رضي الله عنهم أجمعين وقد ثبت عن خالد بن الوليد أنه وجد في بعض نواحي العرب رجلا ينكح كما تنكح المرأة فكتب الى أبي بكر الصديق رضي الله عنه فاستشار أبو بكر الصديق الصحابة رضي الله عنهم فكان على بن أبي طالب أشدهم قولا فيه فقال ما فعل هذ الا أمة من الأمم واحدة وقد علمتم ما فعل الله بها أرى أن يحرق بالنار فكتب أبو بكر الى خالد فحرقه وقال عبد الله بن عباس ان ينظر أعلا ما في القرية
120
فيرمى اللوطى منها منكسا ثم يتبع بالحجارة وأخذ ابن عباس هذا الحد من عقوبة الله للوطية قوم لوط وابن عباس هو الذى روى عن النبي A من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به رواه أهل السنن وصححه ابن حبان وغيره واحتج الامام أحمد بهذا الحديث واسناده على شرط البخارى قالوا وثبت عنه A أنه قال لعن الله من عمل عمل قوم لوط لعن الله من عمل عمل قوم لوط لعن الله من عمل عمل قوم لوط ولم تجىء عنه لعنة الزانى ثلاث مرات في حديث واحد وقد لعن جماعة من أهل الكبائر فلم يتجاوز بهم في اللعن مرة واحدة وكرر لعن اللوطية فاكده ثلاث مرات وأطبق أصحاب رسول الله A على قتله لم يختلف منهم فيه رجلان وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله فظن بعض الناس ذلك اختلاف منهم فى قتله فحكاها مسألة نزاع بين الصحابه وهي بينهم مسألة النزاع قالوا ومن تأمل قوله سبحانه ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا وقوله فى اللواط أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين تبين له تفاوت ما بينهما فانه سبحانه نكر الفاحشة في الزنا أي هو فاحشة من الفواحش وعرفها في اللواط وذلك يفيد أنه جامع لمعاني اسم الفاحشة كما تقول زيد الرجل ونعم الرجل زيد أي تأتون الخصلة التى استقر فحشها عند كل أحد فهي لظهور فحشها وكماله غنية عن ذكرها بحيث لا ينصرف الاسم الى غيرها وهذا نظير قول فرعون لموسى وفعلت فعلتك التي فعلت أى الفعلة الشنعاء الظاهرة المعلومة لكل أحد ثم أكد سبحانه شأن فحشها بانها لم يعملها احد من العالمين قبلهم فقال ما سبقكم بها من احد من العالمين ثم زاد فى التأكيد بان صرح بما تشمئز منه القلوب وتنبوا عنها الاسماع وتنفر منه أشد النفور وهو إتيان الرجل رجلا مثله ينكحه كما ينكح الأنثي فقال أئنكم لتأتون الرجال ثم نبه على استغنائهم عن ذلك وان الحامل لهم عليه ليس الا مجرد الشهوة لا الحاجة التي لاجلها مال الذكر الى الانثي من قضاء الوطر ولذة الاستمتاع وحصول المودة والرحمة التي تنسي المرأه لها أبويها وتذكر بعلها وحصول النسل الذى هو حفظ هذا النوع الذي هو أشرف المخلوقات وتحصين المرأة وقضاء للوطر وحصول علاقة المصاهرة التي هي أخت النسب وقيام الرجال على النساء وخروج أحب الخلق الى الله من جماعهن كالانبياء والاولياء والمؤمنين ومكاثرة النبي A الانبياء بامته الى غير ذلك من مصالح النكاح والمفسدة التى في اللواط لقاوم ذلك كله وربي عليه بما لا يمكن حصره وفساده ولا يعلم تفصيله الا الله عز وجل ثم أكد سبحانه قبح ذلك بان اللوطية عكسوا فطرة الله التي فطر عليه الرجال وقلبوا الطبيعة التي ركبها الله في الذكور وهي شهوة النساء دون الذكور فقلبوا الامر وعكسوا الفطرة والطبيعة فاتوا الرجال شهوة من
121
دون النساء ولهذا قلب الله سبحانه عليهم ديارهم فجعل عاليها سافلها وكذلك قلبوهم ونكسوا في العذاب على رؤسهم ثم أكد سبحانه قبح ذلك بان حكم عليهم بالاسراف وهو مجاوزة الحد فقال بل أنتم قوم مسرفون فتأمل هل جاء ذلك أو قريبا منه في الزنا وأكد سبحانه ذلك عليهم بقوله ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث ثم أكد سبحانه عليهم الذم بوصفين في غاية القبح فقال إنهم كانوا قوم سوء فاسقين وسماهم مفسدين في قول نبيهم فقال رب انصرني على القوم المفسدين وسماهم ظالمين في قول الملائكة لابراهيم عليه السلام إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين فتأمل من عوقب بمثل هذه العقوبات ومن ذمه الله بمثل هذه الذمات ولما جادل فيهم خليله إبراهيم الملائكة وقد أخبروه باهلاكهم فقيل له يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود وتأمل خبث اللوطية وفرط تمردهم على الله حيث جاؤا نبيهم لوطا لما سمعوا بانه قد طرقه أضياف هم من أحسن البشر صورا فأقبل اللوطية اليهم يهرعون فلما رآهم قال لهم يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم ففدا أضيافه ببناته يزوجهم بهم خوفا على نفسه وعلى أضيافه من العار الشديد فقال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد فردوا عليه ولكن رد جبار عنيد لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد فنفث نبي الله نفثه مصدور وخرجت من قلب مكروب عميد فقال لو أن لي بكم قوة أو آوي الى ركن شديد فكشف له رسل الله عن حقيقة الحال وأعلموه إنه ممن ليس يوصل اليهم ولا اليه بسببهم فلا تخف منهم ولا تعبأ بهم وهون عليك فقالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا اليك ومبشروه بما جاؤا به من الوعد له ولقومه من الوعيد المصيب فقالوا فاسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب فاستبطأ نبي الله عليه السلام موعو هلاكهم وقال أريد أعجل من هذا فقالت الملائكة أليس الصبح بقريب فوالله ما كان بين إهلاك أعداء الله ونجاة نبيه وأوليائه الا ما بين السحر وطلوع الفجر وإذا بديارهم قد اقتلعت من أصولها ورفعت نحو السماء حتى سمعت الملائكة نباح الكلاب ونهيق الحمير فبرز المرسوم الذي لا يرد من عند الرب الجليل على يدي عبده ورسوله جبرائيل بان يقلبها عليهم كما أخبر به فى محكم التنزيل فقال عز من قائل فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل فجعلهم آية للعالمين وموعظة للمتقين ونكالا وسلفا لمن شاركهم فى أعمالهم من المجرمين وجعل ديارهم بطريق السالكين إن في ذلك لايات للمتوسمين وإنها لبسبيل مقيم إن في ذلك لآية للمؤمنين
122
أخذهم على غرة وهم نائمون وجاءهم بماسه وهم فى سكرتهم يعمهون فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون تقلبت علي تلك اللذات آلاما فأصبحوا بها يعذبون
مآرب كانت في الحياة لأهلها
عذبا فصارت فى الممات عذابا
ذهبت اللذا وأعقبت الحسرات وانقضت الشهوات وأورثه الشقوات تمتعوا قليلا وعذبوا طويلا رتعوا مرتعا وخيما فأعقبهم عذابا أليما أسكرتهم خمرة تلك الشهوات فاستقاموا منها إلا فى ديار المعذبين وأرقدتهم تلك الغفلة فما استيقظوا منها إلا وهم فى منازل الهالكين فندموا والله أشد الندامة حين لا ينفع الندم وبكوا على ما أسلفوه بدل الدموع بالدم فلو رأيت الاعلى والاسفل من هذه الطائفة والنار تخرج من منافذ وجوههم وأبدانهم وهم بين اطباق الجحيم وهم يشربون بدل لذيذ الشراب كؤوس الحميم ويقال لهم وهم على وجوههم يسحبون ذوقوا ما كنتم تكسبون إصلوها فاصبروا او لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون ولقد قرب الله سبحانه مسافة العذاب بين هذه الامة وبين إخوانهم فى العمل فقال مخوفا لهم بأعظم الوعيد وما هي من الظالمين ببعيد
فيا ناكح الذكرى ان تهنيكم البشرى
فيوم معاد الناس إن لكم أجرا
كلوا واشربوا وازنو ولوطوا واكثروا
فان لكم زفا الى ناره الكبرى
فاخوانكم قد مهدوا الدار قبلكم
وقالوا الينا عجلوا لكم البشرى
وها نحن أسلاف لكم فى انتظاركم
سيجمعنا الجبار في ناره الكبرى
ولا تحسبوا أن الذين نكحتموا
يغيبون عنكم بل ترونهم جمرى
ويلعن كلا منهم لخليله
ويشقى به المحزون في الكرة الاخرى
يعذب كل منهم بشريكه
كما اشتركا في لذة توجب الوزرى فصل في الاجوبة عما إحتج به من جعل عقوبة هذه الفاحشة دون عقوبة الزنا اما قولهم إنها معصية لم يجعل الله فيه احدا معينا فجوابه من وجوه أحدها إن المبلغ عن الله جعل حد صاحبها القتل حتما وما شرعه رسوله A فانما بشرعه عن الله فان أردتم ان حدها غير معلوم بالشرع فهو باطل وإن أردتم إنه غير ثابت بنص الكتاب لم يلزم من ذلك إنتفاء حكمه لثبوته بالسنة الثاني إن هذا ينتقض عليكم بالرجم فانه إنما ثبت بالسنة فان قلتم بل ثبت بقرآن نسخ لفظه وبقى حكمه قلنا فننتقض عليكم بحد شارب
123
الخمر الثالث أن نفى دليل معين لا يلزم نفى مطلق الدليل ولا نفى المدلول فكيف وقد قدمنا أن الدليل الذي نفيتموه غير مشتق وأما قولكم أنه وطء لا تشتهيه الطباع بل ركب الله الطباع على النفرة منه فهو كوطء الميتة والبهيمة فجوابه من وجوه أحدها أنه قياس فاسد الاعتبار مردود بسنة رسول الله A وإجماع الصحابة كما تقدم بيانه الثاني أن قياس وطء الامرد الجميل الذي تربي فتنته على كل فتنة على وطء أتان أو إمرأة ميتة من أفسد القياس وهل تعدل ذلك أحد قط باتان أو بقرة أو ميتة أو يسيء ذلك عقل عاشق أو أسر قلبه أو استولى على فكره ونفسه فليس في القياس أفسد من هذ الثالث أن هذا منتقض بوطء الام والبنت والاخت فان النفرة الطبيعية عنه كاملة مع أن الحد فيه من أغلظ الحدود في أحد القولين وهو القتل بكل حال محصنا كان أو غير محصن وهذه إحدي الروايتين عن الامام أحمد وهو قول إسحاق بن رهويه وجماعة من أهل الحديث وقد روى ابو داود من حديث البراء بن عازب قال لقيت عمى ومعه الراية فقلت له الى أين تريد قال بعثني رسول الله A الى رجل نكح امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه وآخذ ماله قال الترمذي هذ حديث حسن قال الجوزجاني عم البراء اسمه الحارث بن عمرو في سنن أبي داود وابن ماجه من حديث ابن عباس قال قال رسول الله A من وقع على ذات محرم فاقتلوه ورفع الى الحجاج رجلا اغتصب أخته على نفسها فقال أحبسوه واسألوا من ها هنا من أصحاب رسول الله A فسألوا عبد الله بن مطرف فقال سمعت رسول الله A يقول من تخطي حرم المؤمنين فخطوا وسطه بالسيف وفيه دليل على القتل بالتوسيط وهذا دليل مستقل في المسألة وهو أن من لا يباح وطؤه بحال فحد واطئه القتل دليله من وقع على أمه وابنته وكذلك يقال في وطء ذوات المحارم من وطء من لا يباح وطؤه بحال كان حده القتل كاللوطي والتحقيق ان يستدل على المسألتين بالنص والقياس يشهد لصحة كل منهما وقد إتفق المسلمون على أن من زنا بذات محرم فعليه الحد وإنما اختلفوا في صفة الحد هل هو القتل بكل حال أو حده حد الزاني على قولين فذهب الشافعي ومالك وأحمد في إحدى روايتيه إن حده حد الزاني وذهب أحمد وإسحق وجماعة من أهل الحديث الى أن حده القتل بكل حال وكذلك إتفقوا كلهم على أنه لو أصابها باسم النكاح عالما بالتحريم أنه يحد إلا أبا حنيفة وحده فانه رأي ذلك شبهة مسقطة للحد والمنازعون يقولون اذا أصابها باسم النكاح فقد زاد الجريمة غلظا وشدة فانه إرتكب محذورين عظيمين محذور العقد ومحذور الوطء فكيف تخفف عنه العقوبة بضم محذور العقد الى محذور الزنا وأما وطء الميتة ففيه قولان للفقهاء وهما في مذهب أحمد وغيره
124
أحدهما انه يجب به الحد وهو قول الاوزاعي فان فعله أعظم جرما وأكثر ذنبا لانه انضم الى هتك فاحشة حرمة الميتة فصل
وأما وطء البهيمة فللفقهاء فيه ثلثة أقوال أحدها أنه يؤدب ولا حد عليه وهذا قول مالك وأبي حنيفة والشافعي في أحد قوليه وهو قول إسحق والقول الثاني أن حكمه حكم الزاني يجلد إن كان بكرا ويرجم إن كان محصنا وهذا قول الحسن والقول الثالث أن حكمه حكم اللوطي نص عليه أحمد ويخرج على الروايتين في حده هل هو القتل حتما أو هو كالزاني والذين قالوا حده القتل احتجوا بما رواه أبو داود من حديث ابن عباس عن النبي A من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه قالوا ولانه وطء لا يباح بحال فكان فيه القتل حدا للوطء ومن لم يرد عليه الحد قالوا لم يصح فيه الحديث ولو صح لقلنا به ولم يحل لنا مخالفته قال اسمعيل بن سعيد الشالنجي سألت أحمد عن الذي يأتي البهيمة فوقف عندها ولم يثبت حديث عمرو بن أبي عمرو في ذلك أو قال الطحاوي الحديث ضعيف وأيضا فرواية ابن عباس وقد أفتى بانه لا حد عليه قال أبو داود وهذا يضعف الحديث ولا ريب ان الزاجر الطبعي عن اتيان البهيمة أقوى من الزاجر الطبعي عن التلوط وليس الامران في طباع الناس سواء فالحاق أحدهما بالآخر من أفسد القياس فصل
وأما قياسكم وطء الرجل لمثله على سحاق المرأتين فمن أفسد القياس إذلا ايلاج هناك وإنما نظير مباشرة الرجل الرجل من غير إيلاج على أنه قد جاء في بعض الاحاديث المرفوعة إذا أتت المرأة المرأة فهم زانيتان ولكن لا يجب الحد بذلك لعدم الايلاج وإن اطلق عليهما اسم الزنا العام كزنا العين واليد والرجل والفم وإذا ثبت هذا فاجمع المسلمون على أن حكم التلوط مع المملوك كحكمه مع غيره ومن ظن أن تلوط الانسان مع مملوكه جائز واحتج على ذلك بقوله تعالى إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين وقاس ذلك على أمته المملوكة فهو كافر يستتاب كما يستتاب المرتد فان تاب والا قتل وضرب عنقه وتلوط الانسان بمملوكه كتلوطه بمملوك غيره في الاثم والحكم فصل
فان قيل مع هذ كله فهل من دواء لهذا الداء العضال ورقية لهذا السحر القتال وما
125
الاحتيال لدفع هذا الخيال وهل من طريق قاصد الى التوفيق وهل يمكن السكران بخمرة الهوى أن يفيق وهل يملك العاشق قلبه والعشق قد وصل الى سويدائه وهل للطبيب بعد ذلك حيلة في برئه من سويداه لان لامه لائم التذ بملامه لذكره لمحبوبه وان عذله عذل أغراه عذله وسار به في طريق مطلوبه ينادي عليه شاهد حاله بلسان مقاله
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي
متأخر عنه ولا متقدم
وأهنتني فأهنت نفسي جاهدا
ما من يهون عليك ممن يكرم
أشهبت أعدائي فصرت أحبهم
إذ كان حظي منك حظي منهم
أجد الملامة في هواك لذيذة
حبا لذكرك فليلمني اللوم ولعل هذا هو المقصود بالسؤال الاول الذي وقع عليه الاستفتاء عليه والداء الذي طلب له الدواء قيل نعم الجواب من أصله وما أنزل الله سبحانه من داء الا وأنزل له دواء علمه من علمه وجهله والكلام في دواء هذا الداء من طريقين أحدهما جسم مادته قبل حصولها والثاني قلعها بعد نزولها وكلاهما يسير على من يسره الله عليه ومتعذر على من لم يعنه الله فان أزمة الامور بيديه وأما الطريق المانع من حصول هذا الداء فامران أحدهما غض البصر كما تقدم فان النظرة سهم مسموم من سهام إبليس ومن أطلق لحظاته دامت حسراته وفي غض البصر عدة منافع أحدها أنه إمتثال لأمر الله الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده وليس للعبد في دنياه وآخرته أنفع من إمتثال أوامر ربه تبارك وتعالى وما سعد من سعد في الدنيا والآخرة إلا بامتثال أوامره وما شقي من شقى في الدنيا والآخرة الا بتضييع أوامره الثاني أنه يمنع من وصول أثر السم المسموم الذى لعل فيه هلاكه الى قلبه الثالث أنه يورث القلب أنسا بالله وجمعية على الله فان إطلاق البصر يفرق القلب ويشتته ويبعده من الله وليس على العبد شيء أضر من إطلاق البصر فانه يوقع الوحشة بين العبد وبين ربه الرابع أنه يقوي القلب ويفرحه كما أن إطلاق البصر يضعفه ويحزنه الخامس أنه يكسب القلب نورا كما أن إطلاقه يكسبه ظلمة ولهذا ذكر سبحانه آية النور عقيب الامر بغض البصر فقال قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ثم قال أثر ذلك الله نور السموات والارض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح أي مثل نوره في قلب عبده المؤمن الذي امتثل أوامره واجتنب نواهيه وإذا استنار القلب أقبلت وفود الخيرات اليه من كل جانب كما أنه إذا أظلم أقبلت سحائب البلاء والشر عليه من كل مكان فما شئت من بدعة وضلالة واتباع هوى وإجتناب هدى وإعراض عن أسباب السعادة وإشتغال بأسباب الشقاوة فان ذلك انما يكشفه له النور الذي في القلب فاذ
126
فقد ذلك النور بقى صاحبه كالاعمى الذي يجوس في حنادس الظلام السادس أنه يورث الفراسة الصادقة التي يميز بها بين المحق والمبطل والصادق والكاذب وكان شاه بن شجل الكرماني يقول من عمر ظاهره باتباع السنة وباطنه بدوام المراقبة وغض بصره عن المحارم وكف نفسه عن الشهوات واعتاد أكل الحلال لم تخط له فراسة وكان شجاع هذا لا تخطي له فراسة والله سبحانه يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله ومن ترك شيئا عوضه الله خيرا منه فاذا غض بصره عن محارم الله عوضه الله بان يطلق نور بصيرته عوضة عن حبسه بصره لله ويفتح له باب العلم والايمان والمعرفة والفراسة الصادقة المصيبة التي انما تنال ببصيرة القلب وضد هذا ما وصف الله به اللوطية من العمه الذي هو ضد البصيرة فقال تعالى لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون فوصفهم بالسكرة التي هي فساد العقل وعمه الذي هو فساد البصر فالتعلق بالصور يوجب فساد العقل وعمه البصيرة يسكر القلب كما قال القائل
سكران سكر هوى وسكر مدامة
ومتى إفاقة من به سكران
وقال الآخر
قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم
العشق أعظم مما بالمجانين
العشق لا يستفيق الدهر صاحبه
وإنما يصرع المجنون في الحين السابع إنه يورث القلب ثباتا وشجاعة وقوة ويجمع الله له بين سلطان البصيرة والحجة وسلطان القدرة والقوة كما في الأثر الذي يخالف هواه يفر الشيطان من ظله ومثل هذا تجده في المتبع هواه من ذل النفس ووضاعتها ومهانتها وخستها وحقارتها وما جعل الله سبحانه فيمن عصاه كما قال الحسن إنهم وان طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين فان المعصية لا تفارق رقابهم أبي الله إلا أن يذل من عصاه وقد جعل الله سبحانه العزقرين طاعته والذل قرين معصيته فقال تعالى ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين وقال تعالى ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الاعلون إن كنتم مؤمنين والايمان قول وعمل ظاهر وباطن وقال تعالى من كان يريد العزة فلله العزة جميعا اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه أي من كان يريد العزة فيطلبها بطاعة الله وذكره من الكلم الطيب والعمل الصالح وفي دعاء القنوت انه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت ومن أطاع الله فقد والاه فيما أطاعه فيه وله من العز بحسب طاعته ومن عصاه فقد عاداه فيما عصاه فيه وله من الذل بحسب معصيته الثامن أنه يسد على الشيطان مدخله من القلب فانه يدخل مع النظرة وينفذ معها الى القلب أسرع من نفوذ الهوى في المكان الخالي فيمثل له صورة المنظور اليه ويزينها ويجعلها صنما يعكف عليه القلب ثم يعده ويمنيه ويوقد على القلب نار الشهوة ويلقى عليه حطب المعاصي التي لم
127
يكن يتوصل اليها بدون تلك الصورة فيصير القلب في اللهب فمن ذلك اللهب تلك الانفاس التي يجد فيها وهج النار وتلك الزفرات والحرقات فان القلب قد أحاطت به النيران بكل جانب فهو في وسطها كالشاة في وسط التنور لهذا كانت عقوبة أصحاب الشهوات بالصور المحرمة أن جعل لهم في البرزخ تنور من نار وأودعت أرواحهم فيه الى حشر أجسادهم كما أراها الله لنبيه A في المنام في الحديث المتفق على صحته التاسع انه يفرغ القلب للفكرة في مصالحه والاشتغال بها وإطلاق البصر يشتت عليه ذلك ويحول عليه بينه وبينها فتنفرط عليه أموره ويقع في اتباع هواه وفي الغفلة عن ذكر ربه قال تعالى لا تطع من أغفلتا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا واطلاق النظر يوجب هذه الامور الثلثة بحبسه العاشر أن بين العين والقلب منفذا أو طريقا يوجب اشتغال أحدهما عن الآخر وإن يصلح بصلاحه ويفسد بفساده فاذا فسد القلب فسد النظر واذا فسد النظر فسد القلب وكذلك في جانب الصلاح فاذا خربت العين وفسدت خرب القلب وفسد وصار كالمزبلة التي هي محل النجاسات والقاذورات والاوساخ فلا يصلح لسكني معرفة الله ومحبته والانابة اليه والانس به والسرور بقربه فيه وإنما يسكن فيه اضداد ذلك فهذه اشارة الى بعض فوائد غض البصر تطلعك على ما ورائها فصل الثاني اشتغال القلب بما يصده عن ذلك ويحول بينه وبين الوقوع فيه وهو إما خوف مقلق او حب مزعج فمتى خلا القلب من خوف ما فواته أضر عليه من حصول هذا المحبوب أو خوف ما حصوله أضر عليه من فوات هذا المحبوب أو محبته ما هو أنفع له وخير له من هذا المحبوب لم يجد بدا وفواته أضر عليه من فوات هذا المحبوب لم يجد بدا من عشق الصور وشرح هذا ان النفس لا تترك محبوبا الا لمحبوب أعلى منه أو خشية مكروه حصوله أضر عليه من فوات هذا المحبوب وهذ يحتاج صاحبه الى أمرين ان فقدا أو حدا منهما لم ينتفع بنفسه أحدهما بصيرة صحيحة يفرق بها بين درجات المحبوب والمكروه فيؤثرا على المحبوبين على أدناهما ويحتمل أدنى المكروهين لتخلص من أعلاهما وهذا خاصة العقل ولا يعد عاقلا من كان بضد ذلك بل قد تكون البهائم أحسن حالا منه الثاني قوة عزم وصبر يتمكن بهما من هذا الفعل والترك فكثير ما يعرف الرجل قدر التفاوت ولكن يأتي له ضعف نفسه وهمته وعزيمته على إيثار الانفع من خسته وحرصه ووضاعة نفسه وخسة همته ومثل هذا لا ينتفع بنفسه ولا ينتفع به غيره وقد منع الله سبحانه إمامة الدين الا من أهل
128
الصبر واليقين فقال تعالى وبقوله يهتدي المهتدون وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون وهذا هو الذي ينتفع بعلمه وينتفع به غيره من الناس وضد ذلك لا ينتفع بعلمه ولا ينتفع به غيره ومن الناس من ينتفع بعلمه في نفسه ولا ينتفع به غيره فالاول يمشي في نوره ويمشي الناس في نوره والثاني قد طفى نوره فهو يمشي في الظلمات ومن تبعه والثالث يمشي في نوره وحده فصل اذا عرفت هذه المقدمة فلا يمكن ان يجتمع في القلب حب المحبوب الاعلى وعشق الصور أبدا بل هما ضدان لا يجتمعان بل لا بد إن يخرج أحدهما صاحبه فمن كانت قوة حبه كلها للمحبوب الاعلى الذي محبة ما سواه باطلة وعذاب على صاحبها صرفه ذلك عن محبة ما سواه وان أحبه لن يحبه الا لاجله أو لكونه وسيلة له الى محبته أو قاطعا له عما يضاد محبته وينقصها والمحبة الصادقة تقتضي توحيد المحبوب وان لا يشرك بينه وبين غيره في محبته واذا كان المحبوب من الخلق يأنف ويغار ان يشرك في محبته غيره ويمقته لذلك ويبعده ولا يحظيه بقربه ويعده كاذبا فى دعوي محبته مع انه ليس أهلا لصرف قوة المحبة اليه فكيف بالحبيب الاعلى الذي لا تنبغي المحبة الا له وحده وكل محبة لغيره فهي عذاب على صاحبها ووبالا ولهذا لا يغفر سبحانه أن يشرك به فى هذه المحبة ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فمحبة الصور تفوت محبة ما هو أنفع للعبد منها بل يفوت محبة ما ليس له صلاح ولا نعيم ولا حيوة نافعة الا بمحبته وحده فليختر إحدى المحبتين فانهما لا يجتمعان في القلب ولا يرتفعان منه بل من أعرض عن محبة الله وذكره والشوق الى لقائه إبتلاه بمحبة غيره فيعذب به في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة إما بمحبة الاوثان أو محبته الصلبان أو بمحبة النيران أو بمحبة المردان أو بمحبة النسوان أو بمحبة الاثمان أو بمحبة العشراء والخلان أو بمحبة ما هو دون ذلك مما هو في غاية الحقارة والهوان فالانسان عبد محبوبه كائنا ما كان كما قيل
أنت القتيل بكل من أحببته
فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي
فمن لم يكن إله مالكه ومولاه كان إله هواه قال تعالى أفرأيت من اتخذ إله هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون فصل
وخاصية التعبد الحب مع الخضوع والذل للمحبوب فمن أحب شيئا وخضع له فقد
129
تعبد قلبه له بل التعبد آخر مراتب الحب ويقال له التتيم أيضا فان أول مراتبه العلاقة وسميت علاقة لتعلق الحب بالمحبوب قال الشاعر
وعلقت ليلى وهي ذات تمائم
ولم يبد للاتراب من ثديها ضخم
وقال الآخر
أعلاقة أم الوليد بعد ما
أفنان رأسك كالبغام الابيض ثم بعدها الصبابة وسميت بذلك لانصباب القلب الى المحبوب قال الشاعر
يشكى المحبون الصبابة ليتني
تحملت ما يلقون من بينهم وحدي
فكانت لقلبي لذة الحب كلها
فلم يلقها قبلى محب ولا بعدي
ثم الغرام وهو لزوم الحب للقلب لزوما لا ينفك عنه ومنه سمى الغريم غر بما لملازمته صاحبه ومنه قوله تعالى إن عذابها كان غراما وقد أولع المتأخرون باستعمال هذا اللفظ في الحب وقل أن تجده في أشعار العرب ثم العشق وهو سفر إفراط المحبة ولهذا لا يوصف به الرب تبارك وتعالى ولا يطلق في حقه ثم الشوق وهو سفر القلب الى المحبوب أحث السفر وقد جاء إطلاقها في حق الرب تعالى كما في مسند الامام أحمد من حديث عمار بن ياسر إنه صلا صلاة فاوجز فيه فقيل له في ذلك فقال أما إني دعوت فيها بدعوات كان النبي A يدعو بهن اللهم إني أسئلك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني اذا كانت الحياة خيرا لى وتوفنى إذا كانت الوفاة خيرا لى اللهم إني أسئلك خشيتك في الغيب والشهادة وأسئلك كلمة الحق في الرضاء والغضب وأسئلك القصد في الفقر والغنى وأسئلك نعيما لا ينفذ وأسئلك قرة عين لا تنقطع وأسئلك الرضاء بعد القضاء وأسئلك برد العيش بعد الموت وأسئل لذة النظر الى وجهك الكريم وأسئلك الشوق الى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الايمان واجعلنا هداة مهتدين وفي أثر آخر طال شوق الابرار الى وجهك وأنا الى لقائهم أشد شوقا وهذا هو المعنى الذي عبر عنه A بقوله من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه وقال بعض أهل البصائر في قوله تعالى من كان يرجو لقاء الله فان أجل الله لآت لما علم سبحانه شدة شوق أوليائه الى لقائه وان قلوبهم لا تهدي دون لقائه ضرب لهم أجلا موعدا للقائه تسكن نفوسهم به وأطيب العيش واللذة على الاطلاق عيش المشتاقين المستأنسين فحياتهم هي الحياة الطيبة في الحقيقة ولا حياة للعبد أطيب ولا أنعم ولا أهنأ منها فهى الحياة الطيبة المذكورة في قوله تعالى من عمل صالحا من ذكر أو أنثي وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة وليس المراد منها الحياة المشتركة بين المؤمنين والكفار والابرار والفجار من طيب المأكل والمشرب والملبس والمنكح
130
بل ربما زاد أعداء الله على أوليائه فى ذلك أضعافا مضاعفة وقد ضمن الله سبحانه لكل من عمل صالحا أن يحييه حياة طيبة فهو صادق الوعد الذي لا يخلف وعده وأي حياة أطيب من حياة اجتمعت همومه كلها وصارت هى واحدة فى مرضات الله ولم يستشعب قلبه بل أقبل على الله واجتمعت إرادته وإنكاره التي كانت منقسمة بكل واد منها شعبة على الله فصار ذكر محبوبه الاعلى وحبه والشوق الى لقائه والانس بقربه وهو المتولى عليه وعليه تدور همومه وإرادته وتصوره بل خطرات قلبه فان سكت سكت بالله وإن نطق نطق بالله وإن سمع فبه يسمع وإن أبصر فبه يبصر وبه يبطش وبه يمشى وبه يتحرك وبه يسكن وبه يحيى وبه يموت وبه يبعث كما فى صحيح البخارى عنه A فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال ما تقرب الى عبدى بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتي أحبه فاذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشى بها فيى يسمع بي يبصرو بي يبطش وبي يمشى ولئن سئلني لاعطينه ولئن استعاذ بي لاعيذنه وما ترددت فى شيء أنا فاعله ترددي عن قبضى روح عبدي المؤمن من يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه فتضمن هذا الحديث الشريف الالهى الذي حرام على غليظ الطبع كثيف القلب فهم معناه والمراد به حصر أسباب محبته فى أمرين أداء فرائضه والتقرب اليه بالنوافل وأخبر سبحانه أن أداء فرائضه أحب مما تقرب اليه المتقربون ثم بعدها النوافل وأن المحب لا يزال يكثر من النوافل حتي يصير محبوبا لله فاذا صار محبوبا لله أوجبت محبة الله له محبة منه أخرى فوق المحبة الاولى فشغلت هذه المحبة قلبه عن الفكرة والاهتمام بغير محبوبه وملكت عليه روحه ولم يبق فيه سعة لغير محبوبه البتة فصار ذكر محبوبه وحبه مثله الأعلى مالكا لزمام قلبه مستوليا على روحه إستيلاء المحبوب على محبه الصادق في محبته التي قد اجتمعت قوى حبه كلها له ولا ريب ان هذا المحب ان سمع سمع لمحبوبه وان أبصر أبصر به وان بطش بطش به وان مشي مشي به فهو في قلبه ومعه ومؤنسه وصاحبه فالباء ههنا باء المصاحبة وهى مصاحبة لا نظير لها ولا تدرك بمجرد الاخبار عنها والعلم بها فالمسألة خالية لا علمية محضة واذا كان المخلوق يجد هذا في محبة المخلوق التي لم يخلق لها ولم يفطر عليها كما قال بعض المحبين
خيالك في عيني وذكرك في فمي
ومثواك في قلبي فأين تغيب
وقال الآخر
وتطلبهم عيني وهم في سوادها
ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعى
ومن عجب أني أحن اليهم
فأسئل عنهم من لقيت وهم معي
131
وهذا ألطف من قول الآخر
إن قلت غبت فقلبي لا يصدقني
إذ أنت فيه مكان السر لم تغب
أو قلت ما غبت قال الطرف ذا كذب
فقد تحيرت بين الصدق والكذب فليس شيء أدني من المحب لمحبوبه وربما تمكنت المحبة حتى يصير فى المحبة أدنى اليه من نفسه بحيث ينسي نفسه ولا ينساه كما قيل
أريد لأنسي ذكره فكأنما
تمثل لي ليلى بكل سبيل
وقال الآخر
يراد من القلب نسيانكم
وتأبي الطباع على الناقل وخص في الحديث السمع والبصر واليد والرجل بالذكر فان هذه الآلات آلات الادراك وآلات الفعل والسمع والبصر يوردان على القلب الارادة والكراهة ويجلبان اليه الحب والبغض فتستعمل اليد والرجل فاذا كان سمع العبد بالله وبصره به كان محفوظا في آلات إدراكه فكان محفوظا في حبه وبغضه فحفظ في بطشه ومشيه وتأمل كيف اكتفي بذكر السمع والبصر واليد والرجل عن اللسان فانه اذا كان ادرك السمع الذى يحصل باختياره تارة وبغير أختياره تارة وكذلك البصر قد يقع بغير الاختيار فجأة وكذلك حركة اليد والرجل التي لا بد للعبد منها فكيف بحركة اللسان التي لا يقع الا بقصد واختيار وقد يستغنى العبد عنها الا حيث أمر بها وأيضا فانفعال اللسان عن القلب أتم من انفعال سائر الجوارح فانه ترجمانه ورسوله وتأمل كيف حقق تعالى كون العبد به عند سمعه وبصره الذى يبصر به وبطشه ومشيه بقوله كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها تحقيقا لكونه مع عبده وكون عبده فى إدراكاته بسمعه وبصره وحركته بيديه ورجله وتأمل كيف قال بي يسمع وبي يبصر وبي يبطش ولم يقل فلي يسمع ولى يبصر ولى يبطش وربما يظن الظان ان اللام أولى بهذا الموضع إذ هي أدل على الغاية ووقوع هذه الامور لله وذلك أخص من وقوعها به وهذا من الوهم والغلط إذ ليست الباء ههنا بمجرد الاستعانة فان حركات الابرار والفجار وإدراكاتهم انما هي بمعونة الله لهم وان الباء ههنا للمصاحبة إنما يسمع ويبصر ويبطش ويمشى وأنا صاحبه ومعه كقوله في الحديث الآخر أنا مع عبدى ما ذكرني وتحركت بى شفتاه وهذه المعية هي المعية الخاصة المذكورة في قوله تعالى إن الله معنا وقول رسول النبى A ما ظنك باثنين الله ثالثهما وقوله تعالى وإن الله لمع المحسنين وقوله إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون وقوله واصبروا إن الله مع الصابرين وقوله كلا إن معي ربي سيهدين وقوله تعالى لموسى
132
وهارون إنني معكما أسمع وأرى فهذه الباء مفيدة بمعني هذا المعية دون اللام ولا يتأتى للعبد الاخلاص والصبر والتوكل ونزوله في منازل العبودية الا بهذه الباء وهذه المعية فمتى كان العبد بالله هانت عليه المشاق وانقلبت المخاوف في حقه أمانا فبالله يهون كل صعب ويسهل كل عسير ويقرب كل بعيد وبالله تزول الاحزان والهموم والغموم فلا هم مع الله ولا غم مع الله ولا حزن مع الله وحيث يفوت العبد معني هذه الباء فيصير قلبه حينئذ كالحوت إذا فارق الماء يثب وينقلب حتي يعود اليه ولما حصلت هذه الموافقة مع العبد لربه تعالى فى محابه حصلت موافقة الرب لعبده فى حوائجه ومطالبه فقال ولئن سئلني لاعطينه ولئن استعاذ بى لأعيذنه أى كما وافقني في مرادي بامتثال أوامري والتقرب الى بمحابي فانا أوافقه في رغبته ورهبته فيما يسئلني أن أفعل به ويستعيذني أن يناله مكروه وحقق هذه الموافقة من الجانبين حتى اقتضى تردد الرب سبحانه في اماته عبده ولأته يكره الموت والرب تعالى يكره ما يكره عبده ويكره مساءته فمن هذه الجهة تقتضى انه لا يميته ولكن مصلحته في إماتته فانه ما لماته الا ليحييه وما أمرضه الا ليصحه وما أفقره الا ليغنيه وما منعه الا ليعطيه ولم يخرج من الجنة فى صلب أبيه الا ليعيده اليها على أحسن الاحوال ولم يقل لابيه أخرج منها الا ليعيده اليها فهذا هو الحبيب على الحقيقة لا سواه بل لو كان في كل منبت شعر لعبد محبة تامة لله لكان بعض ما يستحقه على عبده
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى
ما الحب الا للحبيب لاول
كم منزل فى الارض يألفه الفتى
وحنينه أبدا لاول منزل فصل
ثم التتيمم وهو آخر مراتب الحب وهو تعبد المحب لمحبوبه يقال تيمه الحب إذا عبده ومنه تيم الله أي عبد الله وحقيقة التعبد الذل والخضوع للمحبوب ومنه قولهم طريق معبد أي مذلل قد ذللته الاقدام فالعبد هو الذي ذلله الحب والخضوع لمحبوبه ولهذا كانت أشرف أحوال العبد ومقاماته في العبودية فلا منزل له أشرف منها وقد ذكر الله سبحانه أكرم الخلق عليه وأحبهم اليه وهو رسوله محمد A بالعبودية في أشرف مقاماته وهي مقام الدعوة اليه ومقام التحدي بالنبوة ومقام الاسرى فقال سبحانه وانه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا وقال
وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله
وقال
سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى
وفي حديث الشفاعة إذهبوا الى محمد A عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر
133
فقال مقام الشفاعة بكمال عبوديته وكمال مغفرة الله له والله سبحانه خلق الخلق لعباديته وحده لا شريك له التي هي أكمل أنواع المحبة مع أكمل أنواع الخضوع والذل وهذا هو حقيقة الاسلام وملة ابراهيم التي من رغب عنها فقد سفه نفسه قال تعالى
ومن يرغب عن ملة ابراهيم الا من سفه
الآية ولهذا كان أعظم الذنوب عند الله الشرك والله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء واصل الشرك بالله الا شراك مع الله في المحبة كما قال تعالى
ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله
وأخبر سبحانه إن من الناس من يشرك به من دونه فيتخذ الانداد من دونه يحبهم كحب الله وأخبر ان الذين آمنوا أشد حبا لله من أصحاب الانداد لاندادهم وقيل بل المعني انهم أشد حبا لله من أصحاب الانداد فانهم وان أحبوا الله لكن لما أشركوا بينه وبين اندادهم في المحبة ضعفت محبتهم لله والموحدون لله لما خلصت محبتهم له كانت أشد من محبة أولئك والعدل برب العالمين والتسوية بينه وبين الانداد هو في هذه المحبة ولما كان مراد الله من خلقه هو خلوص هذه المحبة له أنكر على من اتخذ من دونه وليا او شفيعا غاية الانكار وجمع ذلك تارة وأقر واحدهما عن الآخر تارة بالانكار فقال تعالى إن ربكم الله الذى خلق السموات والارض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الامر ما من شفيع الا من بعد اذنه وقال تعالى الله الذي خلق السموات والارض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش مالكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون وقال تعالى وأنذر به الذين الذين يخافون أن يحشروا الى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون وقال فى الافرإد
أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا
وقال تعالى من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ماتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذب عظيم فاذا والى العبد ربه وحده وأقام له وليا من شفعاء وعقد الموالاة بينه وبين عباده المؤمنين فصاروا أولياءه في الله بخلاف من اتخذ مخلوقا أولياء من دون الله فهذا لون وذاك لون والشفاعة الشركية الباطلة لون والشفاعة الحق الثابتة التي انما تنال بالتوحيد لون وهذا موضع فرقان بين أهل التوحيد وأهل الشرك بالله والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم والمقصود ان حقيقة العبودية وموجباته لا تخلص مع الاشراك بالله في المحبة بخلاف المحبة لله فانها من لوازم العبودية وموجباتها فان محبة رسول الله A بل تقديمه في الحب على الانفس وعلى الاباء والانباء لايتم الايمان الا بها اذ محبته من محبة الله وكذلك كل حب في الله ولله كما في الصحيحين عمه A أنه قال ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الايمان وفي لفظ في الصحيح لا يجد عبد طعم الايمان
134
الا من كان في قلبه ثلاث خصال أن يكون الله ورسوله أحب اليه مما سواهما وان يحب المرأ لا يحبه الا الله وان يكره أن يرجع الى الكفر بعد اذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار وفي الحديث الذي في السنن من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الايمان وفي حديث آخر ما تحاب رجلان في الله الا كان أفضلهما أشدهما حبا لصاحبه فان هذه المحبه من لوازم محبة الله وموجباتها وكل ما كانت أقوى كان أصلها كذلك فصل
وههنا أربعة أنواع من الحب يجب التفريق بينهما وإنما ضل من ضل بعدم التمييز بينهما أحدهما محبة الله ولا تكفي وحدها في النجاة من الله من عذابه والفوز بثوابه فان المشركين وعباد الصليب واليهود وغيرهم يحبون الله الثاني محبة ما يحب الله وهذه هي التي تدخله في الاسلام وتخرجه من الكفر وأحب الناس الى الله أقومهم بهذه المحبة وأشدهم فيها الثالث الحب لله وفيه وهي من لوازم محبة ما يحب الله ولا يستقيم محبة ما يحب الله الا بالحب فيه وله الرابع المحبة مع الله وهى المحبة الشركية وكل من أحب شيئا مع الله لا لله ولا من أجله ولا فيه فقد اتخذه ندا من دون الله وهذه محبة المشركين وبقى قسم خامس ليس مما نحن فيه وهى المحبة الطبيعية وهي ميل الانسان الى ما يلائم طبعه كمحبة العطشان للماء والجائع للطعام ومحبة النوم والزوجة والولد فتلك لا تذم مالا إن ألهت عن ذكر الله وشغلته عن محبته كما قال تعالى
يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله
وقال تعالى
رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله
فصل
ثم الخلة وهي تتضمن كمال المحبة ونهايتها بحيث لا يبقى في القلب لمحبه سعة لغير محبوبه وهي منصب لا يقبل المشاركة بوجه وهذا المنصب خاصة للخليلين صلوات الله وسلامه عليهما إبراهيم ومحمد كما قال A إن الله إتحذني خليلا كما اتحذ ابراهيم خليلا وفي الصحيح عنهA لو كنت متخذا من أهل الارض خليلا لااتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله وفي حديث آخر اني أبرىء الى كل خليل من خلته ولما سأل ابراهيم عليه السلام الولد فاعطيه فتعلق حبه بقلبه فاخذ منه شعبه غار الحبيب على خليله أن يكون في قلبه موضع لغيره فامر بذبحه وكان الامر في المنام ليكون تنفيذ المأمور به أعظم ابتلاء وامتحانا ولم يكن المقصود ذبح الولد ولكن المقصود ذبحه من قلبه ليخلص القلب للرب فلما بادر الخليل عليه الصلات والسلام الى الامتثال وقدم
135
محبة الله على محبة ولده حصل المقصود فرفع الذبح وفدى بذبح عظيم فان الرب تعالى ما أمر بشيء ثم أبطله رأسا بل لا بد أن يبقى بعضه أو بدله كما أبقى شريعة الفداء وكما أبقى استحباب الصدقة عند المناجاة وكما أبقى الخمس صلوات بعد رفع الخمسين وأبقى ثوابها وقال لا يبدل القول لدى خمس في الفعل وخمسون في الاجر فصل
وأما ما يظنه بعض الظانين ان المحبة أكمل من الخلة وان إبراهيم خليل الله ومحمد A حبيب الله فمن جهله فان المحبة عامة والخلة خاصة والخلة نهاية المحبة وقد أخبر النبي A ان اتخذ إبراهيم خليلا ونفى أن يكون له خليل غير وبه مع اخباره لحبه لعائشة ولابيها ولعمر بن الخطاب وغيرهم وأيضا فان الله سبحانه يحب التوابنين ويحب الصابرين ويحب المحسنين ويحب المتقين ويحب المقسطين وخلته خاصة بالخليلين عليهما الصلاة والسلام والشاب التائب حبيب الله وإنما هذا عن قلة العلم والفهم عن الله ورسوله A فصل
وقد تقدم أن العبد لا يترك ما يحب ويهواه إلا لما يحبه ويهواه ولكن يترك أضعفهما محبة لاقواهما محبة كما انه يفعل ما يكره لحصول ما محبته أقوي عنده من كراهة ما يفعله والخلاص من مكروه كراهته عنده أقوي من كراهة ما يفعله وتقدم ان خاصية العقل إيثار على المحبوبين على أدناهما وأيسر المكروهين على أقواهما وتقدم ان هذا الكمال قوة الحب والبغض ولم يتم له هذا إلا بامرين قوة الادراك وشجاعة القلب فان التخلف عن ذلك والعمل بخلافه يكون اما بضعف الادراك بحيث إن لم يدرك مراتب المحبوب والمكروه على ما كان عليه إما لضعف في النفس وعجز في القلب لا يطاوعه الايثار الا صلح له مع علمه بانه الاصلح فاذا صح إدراكه وقويت نفسه وتشجع القلب على إيثار المحبوب الاعلى والمكروه الادني فقد وافق لاسباب السعادة فمن الناس من يكون سلطان شهوته أقوي من سلطان عقله وإيمانه فيقهر الغلب الضعيف ومنهم من يكون سلطان إيمانه وعقله أقوى من سلطان شهوته ورذا كان كثير من المرضى يحميه الطبيب عما يضره فتأبا عليه نفسه وشهوته إلا تناوله ويقدم شهوته على عقله وتسميه الاطباء عديم المرؤة فهكذا اكثر مرضى القلب يؤثرون ما يزيد مرضهم لقوة شهوتهم له فاصل الشر من ضعف الادراك وضعف النفس ودنائتها وأصل الخير من كمال الادراك وقوة النفس وشرفها وشجاعتها فالحب والارادة أصل كل فعل
136
ومبدأه والبغض والكراهة أصل كل ترك ومبدأه وهاتان القوتان في القلب أصل سعادته وشقاوته ووجود العقل الاختيارى لا يكون إلا بوجود سببه من الحب والارادة وأما عدم الفعل فتارة يكون لعدم مقتضاه وسببه وتارة يكون بوجود البغض والكراهة المانع منه وهذا متعلق الامر والنهى وهو يسمي الكف وهو متعلق الثواب والعقاب وبهذا يزول الاشتباه في مسألة الترك هل هو أمر وجودي أو عدمي والتحقيق انه قسمان فالترك المضاف الى عدم السبب المقتضي عدمي والمضاف الى السبب المانع من الفعل وجودى فصل
وكل واحد من الفعل والترك الاختياريين فانما يؤثر الحي لما فيه من الحصول والمنفعة التي يلتذ بحصولها أو زوال الالم الذي يحصل له الشفاء بزواله ولهذا يقال شفاء صدره وشفاء قلبه قال
هي الشفاء لداء لو ظفرت بها
وليس منها الداء مبذول وهذا مطلوب يؤثره العاقل حتي الحيوان البهيم ولكن يغلط فيه أكثر الناس غلطا قبيحا فيقصد حصول اللذة بما يعقب عليه أعظم الالم فيؤلم نفسه من حيث يظن أنه يحصل لذتها ويشفى قلبه بما يعقب عليه غاية المرض وهذا شأن من قصر نظره على العاجل ولم يلاحظ العواقب وخاصة العقل النظر في العواقب فاعقل الناس من أثر لذة نفسه وراحته في الآجلة الدائمة على العاجلة المنقضية الزائلة وأسفه الخلق من باع نعيم الابد وطيب الحياة الدائمة واللذة العظمى التي لا تنغيص فيها ولا نقص بوجه ما بلذة منقضية مشوبة بالآلام والمخاوف وهي سريعة الزوال وشيكة الانقضاء قال بعض العلماء فكرت في سعي العقلاء فرأيت سعيهم كلهم في مطلوب واحد وإن اختلفت طرقهم في تحصيله رأيتهم جميعهم إنما يسعون في دفع الهم والغم عن نفوسهم فهذا في الاكل والشرب وهذا في التجارة والكسب وهذا بالنكاح وهذا بسماع الغناء والاصوات المطربة وهذا باللهو واللعب فقلت هذا المطلوب مطلوب العقلاء ولكن الطرق كلها غير موصلة اليه بل لعل أكثرها إنما يوصل الى ضده ولم أر في جميع هذه الطرق طريقا موصلا اليه بل لعل أكثرها إنما يؤثر الى الاقبال على الله وحده ومعالمته وحده وإيثار مرضاته على كل شيء فان سالك هذا الطريق فاته حظه من الدنيا فقد ظفر بالحظ العالى الذى لا فوت معه وإن حصل للعبد حصل له كل شيء وإن فاته فاته كل شيء وان ظفر بحظه من الدنيا ناله على أهني الوجوه فليس للعبد أنفع من هذا الطريق ولا أوصل منه الى لذته وبهجته وسعادته وبالله التوفيق
137
فصل
والمحبوب قسمان محبوب لنفسه ومحبوب لغيره ولا بد أن ينتهي الى المحبوب لنفسه دفعا للتسلسل المحال وكل ما سوى المحبوب الحق فهو محبوب لغيره وليس شيء يحب لنفسه الا الله وحده وكل ما سواه مما يحب فانما محبته تبع لمحبة الرب تبارك وتعالى كمحبة ملائكته وانبيائه وأوليائه فانها تبع لمحبته سبحانه وهي من لوازم محبته فان محبة المحبوب توجب محبة ما يحبه وهذا موضع يجب الاعتناء به فانه محل فرقان بين المحبة النافعة لغيره والتي لا تنفع بل قد تضر واعلم إنه لا يحبه لذاته الا من كماله من لوازم ذاته وإلهيته وربوبيته وغناه من لوازم ذاته وما سواه فانما يبغض ويكره لمنافاته محابه ومضادته لها وبغضه وكراهته بحسب قوة هذه المنافاة وضعفها فما كان أشد منافاة لمحابه كان أشد كراهة من الاعيان والاوصاف والافعال والارادات وغيرها فهذا ميزان عادل يوزن به موافقة الرب ومخالفته وموالاته ومعاداته فاذا رأينا شخصا يحب ما يكرهه الرب تعالى ويكره ما يحبه علمنا ان فيه من معاداته بحسب ذلك واذا رأينا الشخص يحب ما يحبه الرب ويكره ما يكرهه وكلما كان الشيء أحب الى الرب كان أحب اليه وأثره عنده وكلما كان أبغض اليه كان أبغض اليه وأبعد منه علمنا ان فيه من موالات الرب بحسب ذلك فتمسك بهذا الاصل غاية التمسك فى نفسك وفي غيرك فالولاية عبارة عن موافقة الولى الحميد في محابه ومساخطه ليست بكثرة صوم ولا صلاة ولا رياضة والمحبوب لغيره قسمان أيضا أحدهما ما يلتذ المحب بادراكه وحصوله والثاني ما يتألم به ولكن يحتمله لافضائه الى المحبوب كشرب الدواء الكريه قال تعالى
كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون
فاخبر سبحانه أن القتال مكروه لهم مع إنهم خير لهم لافضائه إلى أعظم محبوب وأنفعه والنفوس تحب الراحة والفراغة والرفاهية وذلك شر لها لافضائه إلى فوات هذا المحبوب فالعاقل لا ينظر الى لذة المحبوب العاجل فيؤثرها وألم المكروه العاجل فيرغب عنه فان ذلك قد يكون شرا له بل قد يجلب عليه غاية الألم وتفوته أعظم اللذة بل عقلاء الدنيا يتحملون المشاق المكروهة لما يعقبهم من اللذة بعدها وإن كانت منقطعة فالامور أربعة مكروه يوصل الى مكروه ومكروه يوصل الى محبوب ومحبوب يوصل الى محبوب ومحبوب يوصل الى مكروه فالمحبوب الموصل الى المحبوب قد اجتمع فيه داعى الفعل من وجهين والمكروه الموصل الى مكروه قد اجتمع فيه داعي الترك من وجهين بقى قسمان الاخران يتجاوز بهما الداعيان وهما معترك الابتلاء والامتحان فالنفس توثر أقربهما جوارا منهما وهو العاجل والعقل
138
والعقل والايمان يؤثرا نفعهما وإبقائها والقلب بين الداعيين وهو الى هذا مرة والى هذا مرة وههنا محل الابتلاء شرعا وقدرا فداعي العقل والايمان ينادي كل وقت حي على الفلاح عند الصباح يحمد القوم السري وفي الممات يحمد العبد التقى فان اشتد ظلام ليل المحبة وتحكم سلطان الشهوة والارادة يقول
يا نفس اصبرى فما هى الا ساعة
ثم تنقضي ويذهب هذا كله ويزول فصل
وإذا كان الحب أصل كل عمل من حق وباطل فأصل الاعمال الدينية حب الله ورسوله كما إن أصل الاقوال الدينية تصديق الله ورسوله وكل إرادة تمنع كمال حب الله ورسوله وتزاحم هذه المحبة وشبهه منع كمال التصديق في معارضة لاصل الايمان أو مضعفة له فان قويت حتي عارضت أصلى الحب والتصديق كانت كفرا وشركا أكبر وإن لم تعارضه قدحت في كماله وأثرت فيه ضعفا وفتورا في العزيمة والطلب وهى تحجب الواصل وتقطع الطالب وتنكي الراغب فلا تصلح المولات إلا بالمعادات كما قال تعالى عن إمام الحنفاء المحبين انه قال لقومه
أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الاقدمون فانهم عدو لي إلا رب العالمين
فلم تصلح لخليل الله هذه الموالات والخلة إلا بتحقيق هذه المعادات فان ولاية الله لا تصح إلا بالبراءة من كل معبود سواه قال تعالى
قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدأ بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتي تؤمنوا بالله وحده
وقال تعالى
وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني برآء مما تعبدون إلا الذى فطرني فانه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون
أي جعل هذه الموالات لله والبراءة من كل معبود سواه كلمته باقية في عقبه يتوارثها الانبياء وأتباعهم بعضهم عن بعض وهي كلمة لا إله إلا الله وهي التي ورثها إمام الحنفاء لاتباعه الي يوم القيامة وهى الكلمة التي قامت بها الارض والسموات وفطر الله عليها جميع المخلوقات وعليها أسست الملة ونصبت القبلة وجردت سيوف الجهاد وهى محض حق الله على جميع العباد وهى الكلمة العاصمة للدم والمال والذرية في هذه الدار والمنجية من عذاب القبر وعذاب النار وهى النشور الذي لا تدخل الجنة إلا به والحبل الذي لا يصل الى الله من لم يتعلق بسببه وهى كلمة الاسلام ومفتاح دار السلام وبها تنقسم الناس الى شقى وسعيد ومقبول وطريد وبها انفصلت دار الكفر من دار الاسلام وتميزت دار النعيم من دار الشقاء والهوان وهى العمود الحامل للفرض والسنة ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة وروح هذه الكلمة وسرها
139
إفراد الرب حبل ثناؤه وتقدست أسماؤه وتبارك اسمه وتعالى جده ولا إله غيره بالمحبة والاجلال والتعظيم والخوف والرجاء وتوابع ذلك من التوكل والانابه والرغبة والرهبة فلا يحب سواه بل كان ما كان يحب غيره فانما هو تبعا لمحبته وكونه وسيلة الى زيادة محبته ولا يخاف سواه ولا يرجي سواه ولا يتوكل إلا عليه ولا يرغب إلا اليه ولا يرهب إلا منه ولا يحلف إلا باسمه ولا ينذر إلا له ولا يتاب إلا اليه ولا يطاع إلا أمره ولا يحتسب إلا به ولا يستعان في الشدائد إلا به ولا يلتجي إلا اليه ولا يسجد إلا له ولا يذبح إلا له وباسمه يجتمع ذلك في حرف واحد وهو أن لا يعبد بجميع أنواع العبادة إلا هو فهذا هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله ولهذا حرم الله على النار من شهد أن لا إله إلا الله حقيقة الشهادة ومحال أن يدخل النار من تحقق بحقيقة هذه الشهادة وقام بها كما قال تعالى
والذين هم بشهاداتهم قائمون
فيكون قائما بشهادته في باطنه وظاهره وفي قلبه وقالبه فان من الناس من تكون شهادته ميتة ومنهم من تكون نائمة اذا نبهت انتبهت ومنهم من تكون مضطجعة ومنهم من تكون الى القيام أقرب وهى في القلب بمنزلة الروح في البدن فروح ميتة وروح مريضة الى الموت أقرب وروح الى الحياة أقرب وروح صحيحة قائمة بمصالح البدن وفي الحديث الصحيح عنه A إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند الموت الا وجدت روحه لها روحا فحياة هذه الروح بهذه الكلمة فيها فكما ان حياة البدن بوجود الروح فيه وكما ان من مات على هذه الكلمة فهو في الجنة يتقلب فيها فمن عاش على تحقيقها والقيام بها فروحه تتقلب في جنة المأوى وعيشها أطيب عيش قال تعالى
وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فان الجنة هي المأوى
فالجنة مأواه يوم اللقاء وجنة المعرفة والمحبة والانس بالله والشوق الى لقائه والفرح به والرضى عنه وبه مأوى روحه في هذه الدار فمن كانت هذه الجنة مأواه ههنا كانت جنة الخلد مأواه يوم المعاد ومن حرم هذه الجنة فهو لتلك الجنة أشد حرمانا والابرار في نعين وان اشتد بهم العيش وضاقت بهم الدنيا والفجار في جحيم وإن إتسعت عليهم الدنيا قال تعالى من عمل صالحا من ذكر أو أنثي وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة وطيب الحياة جنة الدنيا قال تعالى فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا فاي نعيم أطيب من شرح الصدر وأي عذاب أضيق من ضيق الصدر وقال تعالى ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحيوة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم فالمؤمن المخلص لله من أطيب الناس عيشا وأنعمهم بالا وأشرحهم صدرا وأسرهم قلبا وهذه جنة عاجلة قبل الجنة الآجلة قال النبي A إذا مررتم
140
برياض الجنة فارتعوا قالوا وما رياض الجنة وقال حلق الذكر ومن هذا قوله A ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومن هذا قوله وقد سئلوه عن وصاله في الصوم وقال اني لست كهيئتكم انى أظل عند ربي يطعمني ويسقيني فاخبر A إن ما يحصل له من الغذاء عند ربه يقوم مقام الطعام والشراب والحسي وإن ما يحصل له من ذلك أمر مختصا به لا يشركه فيه غيره فاذا أمسك عن الطعام والشراب فله عوض عنه يقوم مقامه وينوب منابه ويغنى عنه كما قيل
لها أحاديث من ذكراك تشغلها
عن الشراب وتلهيها عن الزاد
لها بوجهك نور يستضيء به
ومن حديثك في أعقابها حادي
إذا اشتكت من كلال السير أوعدها
روح اللقاء فتحي عند ميعادى
وكل ما كان وجود الشيء أنفع للعبد وهو اليه أحوج كان تألمه بفقده أشد وكل ما كان عدمه أنفع كان تألمه بوجوده أشد ولا شيء على الاطلاق أنفع للعبد من إقباله على الله واشتغاله بذكره وتنعمه بحبه وإيثاره لمرضاته بل لا حياة له ولا نعيم ولا سرور ولا بهجة الا بذلك فعدمه ءألم شيء له وأشد عذابا عليه وإنما تغيب الروح عن شهود هذا الألم والعذاب لاشتغالها بغيره واستغراقها في ذلك الغير فتغيب به عن شهود ما هي فيه من ألم العقوبة بفراق أحب شيء اليها وأنفعه لها وهذا بمنزلة السكران المستغرق في سكره الذي احترقت داره وأمواله وأهله وأولاده وهو لاستغراقه في السكر لا يشعر بألم ذلك الفوات وحسرته حتى إذا صحى وكشف عنه غطاء السكر وانتبه من رقدة الخمر فهو أعلم بحاله حينئذ وهكذا الحال سواء عند كشف الغطاء ومعاينة طلائع الآخرة والاشراف على مفارقة الدنيا والانتقال منها الى الله بل الالم والحسرة والعذاب هناك أشد باضعاف أضعاف ذلك فان المصاب في الدنيا يرجو جبر مصيبته في الدنيا بالعوض ويعلم إنه قد أصيب بشيء زائل لابقاء له فكيف بمن مصيبته بما لا عوض عنه ولا بدل منه ولا نسبة بينه وبين الدنيا جميعا فلو قضي الله سبحانه بالموت من هذه الحسرة والألم لكان العبد جديرا به وان الموت لا يعود أكبر أمنيته وأكبر حسراته هذا لو كان الألم على مجرد الفوات كيف وهناك عن العذاب على الروح والبدن أمور أخرى وجودية مالا يقدره قدره فتبارك من حمل هذا الخلق الضعيف هذين الالمين العظيمين اللذين لا تحملهما الجبال الرواسي فاعرض على نفسك الآن أعظم محبوب لك في الدنيا بحيث لا تطيب لك الحياة الا معه فاصبحت وقد أخذ منك وحيل بينك وبينه أحوج ما كنت اليه كيف يكون حالك هذا ومنه كل عوض فكيف بمن لا عوض عنه كما قيل
141
من كل شيء اذا ضيعته عوض
وما من الله أن ضيعته عوض وفي الأثر الالهى بن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب وتكفلت برزقك فلا تتعب ابن آدم أطلبني تجدني فان وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب اليك من كل شيء فصل
ولما كانت المحبة جنسا تحته أنواع متفاوتة في القدر والوصف كان أغلب ما يذكر فيها في حق الله تعالى ما يختص به ويليق به من أنواعها ولا يصلح الا له وحده مثل العبادة والانابة ونحوهما فان العبادة لا تصلح الا له وحده وكذا الانابة وقد ذكر المحبة باسمها المطلق كقوله تعالى فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه وقوله تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله وأعظم أنواع المحبة المذمومة المحبة مع الله التي سوى فيها المحب بين محبة الله ومحبته للند الذي إتخذه من دون الله وأعظم أنواعها المحمودة محبة الله وحده وهذه المحبة هي أصل السعادة ورأسها التي لا ينجو أحد من العذاب إلا بها والمحبة المذمومة الشركية هي أصل الشقاوة ورأسها التي لا يبقي في العذاب الا أهلها فأهل المحبة الذين أحبوا الله وعبدوه وحده لا شريك له لا يدخلون النار من دخلها منهم بذنوبه فانه لا يبقى فيها منهم أحد مدار القرآن على الامر بتلك المحبة ولوازمها والنهى عن المحبة الاخرى ولوازمها وضرب الامثال والمقاييس للنوعين وذكر قصص النوعين وتفصيل أعمال النوعين وأوليائهم ومعبود كل منهما واخباره عن فعله ولنوعين وعن حال النوعين في الدور الثلاثة دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار والقران باقي شأن النوعين وأصل دعوة جميع الرسل من أولهم الى آخرهم انما هو عبادة الله وحده لا شريك له المتضمنة لكمال حبه وكمال الخضوع والذل له والاجلال والتعظيم ولوازم ذلك من الطاعة والتقوى وقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس عن النبي A أنه قال والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب اليه من ولده ووالده والناس أجمعين وفي صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال يا رسول الله والله لانت أحب الي من كل شيء إلا من نفسي فقال لا يا عمر حتى أكون أحب اليك من نفسك فقال والذي بعثك بالحق لانت أحب الي من نفسي فقال الآن يا عمر فاذا كان هذا شأن محبة عبده ورسوله A ووجوب تقديمها على محبة النفس ووالده وولده والناس أجمعين فما الظن بمحبة مرسله سبحانه وتعالى ووجوب تقديمها على محبة ما سواه
142
ومحبة الرب تعالى تختص عن محبة غيره في قدرها وصفتها وإفراده سبحانه بها فان الواجب له من ذلك كله أن يكون الى العبد أحب اليه من ولده ووالده بل من سمعه وبصره ونفسه التي بين جنبيه فيكون إلهه الحق ومعبوده أحب اليه من ذلك كله والشيء قد يحب من وجه دون وجه وقد يحب بغيره وليس شيء يحب لذاته من كل وجه إلا الله وحده ولا تصلح الالوهية إلا له ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا والتأله هو المحبة والطاعة والخضوع فصل
وكل حركة في العالم العلوي والسفلى فأصلها المحبة فهي علتها الفاعلية والغائبة وذلك لان الحركات ثلاثة أنواع حركة إختيارية إرادية وحركة طبيعية وحركة قسرية فالحركة الطبيعية أصلها السكون وإنما يتحرك الجسم اذا خرج عن مستقره ومركزه الطبيعي فهو يتحرك للعود اليه وخروجه عن مركزه ومستقرة وإنما يتحرك بتحرك القاسر المحرك له فله حركة قسرية تتحرك بتحريك محركه وقاسره وحركة طبيعية بذاتها تطلب بها العود الى مركزه وكلا حركتيه تابع للمحرك القاسر فهو أصل الحركتين والحركة الاختيارية الارادية هي أصل الحركتين الآخرتين وهي تابعة للارادة والمحبة فصارت الحركات الثلاث تابعة للمحبة والارادة والدليل على انحصار الحركات في هذه الثلاث أن المتحرك إن كان له شعور بالحركة فهي الارادية وان لم يكن له شعور بها فاما أن يكون على وفق طبيعته الاولى فالاولى هي الطبيعية والثانية هي القسرية إذا فهمت هذا فما في السموات والارض وما بينهما من حركات الافلاك والشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب والمطر والنبات وحركات الأجنة في بطون أمهاتها فانما هى بواسطة الملائكة المدبرات أمرا والمقسمات أمرا كما دل على نصوص القرآن والسنة في غير موضع والايمان بذلك من تمام الايمان بالملائكة فان الله وكل بالرحم ملائكة وبالقطر ملائكة وبالنبات ملائكة وبالرياج ملائكة وبالافلاك والشمس والقمر والنجوم ووكل بكل عبد أربعة من الملائكة كتبين على يمينه وعلى شماله وحافظين من بين يديه ومن خلفه ووكل ملائكة بقبض روحه وتجهيزها الى مستقرها من الجنة والنار وملائكة بمسألته وإمتحانه في قبره وعذابه هناك أو نعيمه وملائكة تسوقه الى المحشر إذا قام من قبره وملائكة بتعذيبه في النار أو نعيمه في الجنة ووكل بالجبال ملائكة وبالسحاب ملائكة تسوقه الى حيث أمرت به وملائكة بالقطر تنزله بامر الله بقدر معلوم كما شاء الله ووكل ملائكة بغرس الجنة وعمل آلاتها وفرشها وثيابها والقيام عليها وملائكة بالنار كذلك فاعظم جند الله الملائكة ولفظ الملك يشعر بأنه رسول منفذ لامر
143
فليس لهم من الامر شيء بل الامر كله لله وهم يدبرون الامر ويقسمونه باذن الله وأمره قال تعالي إخبارا عنهم وما نتنزل الا بامر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا وقال تعالى وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا الا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى وأقسم سبحانه بطوائف من الملائكة المنفذين لامره في الخليقة كما قال تعالى والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالعاليات ذكرا
وقال
والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا وقال تعالى والنازعات غرقا والناشطات نشطا والسابحات سبحا فالسابقات سبقا فالمدبرات أمرا وقد ذكرنا معني ذلك وسر الاقسام في كتاب أقسام القرآن اذا عرف ذلك فجميع تلك المحبات والحركات والارادات والافعال هي عباداتهم لرب الارض والسموات وجميع الحركات الطبيعية والقسرية تابعة لها فلولا الحب ما دارت الافلاك ولا تحركت الكواكب النيرات ولا هبت الرياح المسخرات ولا مرت السحاب الحاملات ولا تحركت الأجنة في بطون الامهات ولا أنصدع عن الحب أنواع النبات ولا اضطربت أمواج البحار الزاجرات ولا تحركت المدبرات والمقسمات ولا سبحت بحمد فاطرها الارض والسموات وما فيها من أنواع المخلوقات فسبحان من تسبحه السموات والارض ومن فيهن وان من شيء الا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا فصل
إذا عرف ذلك فكل حي له إرادة ومحبة وعمل يحسنه وكل متحرك فأصل حركته المحبة والارادة والاصلاح للموجودات الا بان تكون حركاتها ومحبتها لفاطرها وباريها وحده كما لا وجود لها الا بأبداعه وحده ولهذا قال تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان رب العرش عما يصفون ولم يقل سبحانه لما وجدتا ولكانتا معدومتين ولا قال لعدمتا اذ هو سبحانه قادر على أن يبقيهما على وجه الفساد لكن لا يمكن أن تكون على وجه الصلاح والاستقامة الا بان يكون الله وحده وهو معبود لهما ومعبود ما حوتاه وسكن فيهما فلو كان للعالم إلهان لفسد نظامه غاية الفساد فان كل إله يطلب مغالبة الآخر والعلو عليه وتفرده دونه بالالهية اذ الشرك نقص في كمال الالهية والاله لا يرضى لنفسه أن يكون إلها ناقصا فان قهر أحدهما الآخر كان هو الاله وحده والمقهور ليس باله وان لم يقهر أحدهما الآخر لزم عجز كل منهما ونقصه ولم يكن تام الالهية فيجب أن يكون فوقهما إله قاهر لهما حاكم عليهما وإلا ذهب كل منهما بما خلق وطلب كل منهما العلو على الاخر
144
وفي ذلك فساد أمر السموات والارض ومن فيهما كما هو المعهود من فساد البلد اذا كان فيها ملكان متكافئان وفسد الزوجة اذا كان لها بعلان والشول اذا كان فيه فحلان واصل فساد العالم انما هو من فساد اختلاف الملوك والخلفاء ولهذ لم تطمع أعداء الاسلام فيهم في زمن من الازمنة الا في زمن تعدد الملوك من المسلمين واختلافهم وانفراد كل واحد منهم ببلاد وطلب بعضهم العلو على بعض فصلاح السموات والارض واستقامتهما وإنتظام أمر المخلوقات على أتم نظام ومن أظهر الادلة على انه لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير وان كل معبود من لدن عرشه الى قرار أرضه باطل إلا وجهه الأعلى قال الله تعالى ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله اذا لذهب كل إله بما خلق ولعلى بعضهم على بعض سبحانه الله عما يصفون عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون وقال تعالى أم اتخذوا آلهة من الارض هم ينشرون لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون وقال تعالى قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا الى ذي العرش سبيلا قيل المعني لابتغوا السبيل اليه بالمغالبة والقهر كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض ويدل عليه قوله في الاية الاخري ولعلى بعضهم على بعض قال شيخنا والصحيح ان المعنى لابتغوا اليه سبيلا بالتقرب اليه وطاعته فكيف تعبدونهم من دونه وهم لو كانوا آلهة كما يقولون لكانوا عبيدا له قال ويدل على هذا وجوه منها قوله تعالى أولئك الذين يدعون يبتغون الى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه أي هؤلاء الذين يعبدونهم من دوني هم عبادي كما أنتم عبادي ويرجون رحمتي ويخافون عذابي فلماذا تعبدونهم من دوني الثاني انه سبحانه لم يقل لابتغوا عليه سبيلا قال لابتغوا اليه سبيلا وهذا اللفظ إنما يستعمل في القرب كقوله تعالى اتقوا الله وابتغوا الوسيلة وأما في المغالبة فانما يستعمل بعلى كقوله فان أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا الثالث إنهم لم يقولوا إن آلهتهم تغالبه وتطلب العلو عليه وهو سبحانه قال قل لو كان معه الهة كما يقولون وهم انما كانوا يقولون ان آلهتهم تبتغي التقرب اليه وتقربهم زلفى اليه قال تعالى لو كان الامر كما تقولون لكانت تلك الآلهة عبيدا له فلماذا تعبدون عبيده من دونه فصل
والمحبة لها آثار وتوابع ولوازم وأحكام سواء كانت محمودة أو مذمومة نافعة أو ضارة من الوجه والذوق والحلاوة والشوق والانس والاتصال بالمحبوب والقرب منه والانفصال عنه والبعد منه والصد والهجران والفرح والسرور والبكا والحزن وغير ذلك من أحكامها
145
ولوازمها والمحبة المحمودة هي المحبة النافعة التي تجلب لصاحبها ما ينفعه في دنياه وآخرته وهذه المحبة هي عنوان السعادة وضدها هي التي تجلب لصاحبها ما يضره في دنياه وآخرته وهي عنوان الشقاوة ومعلوم ان الحى العاقل لا يختار محبة ما يضره ويشقيه وإنما يصدر ذلك عن جهله وظلمه فان النفس قد تهوي ما يضرها ولا ينفعها وذلك ظلم من الانسان لنفسه اما ان تكون النفس جاهلة بحال محبوبها بان تهوي الشيء وتحبه غير عالمة بما في محبته من المضرة وهذا حال من اتبع هواه بغير علم واما عالمة بما في محبته من الضرر لكن يؤثر هواها على علمها وقد تتركب محبتها من أمرين من إعتقاد فاسد وهوي مذموم وهذا حال من اتبع الظن وما تهوي الانفس فلا تقع المحبة الفاسدة الا من جهل أو اعتقاد فاسد وهو غالب أو ما تركب من ذلك فاعان بعضه بعضا فتنفق شبهة يشتبه بها الحق بالباطل يزين له أمر المحبوب وشهوة تدعوه الى وصوله فيتساعد جيش الشبهة والشهوة على جيش العقل والايمان والغلبة لاقواهما اذا عرف هذا فتوابع كل نوع من أنواع المحبة له حكم متبوعه فالمحبة النافعة المحمودة التي هي عنوان سعادة العبد وتوابعها كله نافعة له حكمها حكم متبوعها فان بكي نفعه وإن حزن نفعه وإن فرح نفعه وإن انبسط نفعه وإن انقبض نفعه فهو يتقلب في منازل المحبة وأحكامها في مزيد وربح وقوة والمحبة والمضرة المذمومة توابعها وآثارها كلها ضارة لصاحبها مبعدة له من ربه كيف ما تقلب في آثارها ونزل في منازلها فهو في خسارة وبعد وهذا شأن كل فعل تولد عن طاعة ومعصية فكل ما تولد من الطاعه فهو زيادة لصاحبه وقرب وكل ما تولد من المعصية فهو خسران لصاحبه وبعد قال تعالى ذلك بانهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا الا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا الا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون فأخبر الله سبحانه في الاية الاولى أن المتولد عن طاعتهم وأفعالهم يكتب لهم به عمل صالح وأخبر في الثانية أن أعمالهم الصالحة التي باشروها تكتب لهم أنفسها والفرق بينهما ان الاول ليس من فعلهم وإنما تولد عنه فكتب لهم به عمل صالح والثاني نفس أفعالهم فكتب لهم فليتأمل قتيل المحبة هذا الفصل حق التأمل ليعلم ما له وما عليه
سيعلم يوم العرض أي بضاعة
أضاع وعند الوزن ما كان حصلا فصل
وكما ان المحبة والارادة أصل كل فعل كما تقدم فهى أصل كل دين سواء كان حقا أم
146
باطلا فان الدين من الاعمال الباطنة والظاهرة والمحبة والارادة أصل ذلك كله والدين هو الطاعة والعبادة والخلق فهو الطاعة اللازمة الدائمة التي صارت خلقا وعادة ولهذا فسر الخلق بالذين في قوله تعالى وإنك لعلى خلق عظيم قال الامام أحمد عن ابن عيينة قال ابن عباس لعلي دين عظيم وسئلت عائشة عن خلق النبي A فقالت كان خلقه القرآن والدين فيه معنى الاذلال والقهر فيه معنى الذل والخضوع والطاعة فلذلك يكون من الاعلى الى الاسفل كما يقال دنته فدان أي قهرته فذل قال الشاعر
هو أدنى الزمان أذكر هذا الدين
فاصبحوا بغرة وصيان ويكون من الادنى الى الاعلى كما يقال دنت الله ودنت لله وفلان لا يدين الله دينا ولا يدين الله بدين فدان الله أي أطاع الله وأحبه وخافه ودان لله أي خشع له وخضع وذل وانقاد والدين الباطل لا بد فيه من الخضوع والحب كالعبادة سواء بخلاف الدين الظاهر فانه لا يستلزم الحب وإن كان فيه انقياد وذل في الظاهر وسمي الله تعالى يوم القيامة يوم الدين لانه اليوم الذي يدين فيه الناس فيه باعمالهم إن خير فخيرا وإن شرا فشر وذلك يتضمن جزاؤهم وحسابهم فلذلك فسروا بيوم الجزاء ويوم الحساب وقال تعالى فلولا إن كنتم غير مدينين يرجعونها إن كنتم صادقين أي هلا تردون الروح الى مكانها إن كنتم غير مدبوبين ولا مقهورين ولا مجزيين وهذه الآية تحتاج الى تفسير فانها سيقت للاحتجاج عليهم في إنكارهم البعث والحساب ولا بد أن يكون الدليل مستلزم لمدلوله بحيث ينتقل الذهن منه الى المدلول لما بينهما من التلازم فيكون الملزوم دليل على لازمه ولا يجب العكس ووجه الاستدلال أنهم إذا أنكروا البعث والجزاء فقد كفروا بربهم وأنكروا قدرته وربوبيته وحكمته فاما أن يقروا بان لهم ربا قاهرا متصرفا فيهم يميتهم إذا شاء ويحييهم إذا شاء ويأمرهم وينهاهم ويثيب محسنهم ويعاقب مسيئهم وأما أن لا يقروا برب هذا شأنه فان أقروا آمنوا بالبعث والنشور والدين الامري والجزائي وإن أنكروه وكفروا به فقد زعموا إنهم غير مربوبين ولا محكوم عليه ولا لهم رب يتصرف فيهم كما أراد فهلا يقدرون على دفع الموت عنهم اذا جاءهم وعلى رد الروح الى مستقرها إذا بلغت الحلقوم وهذا خطاب للحاضرين وهم عند المحتضر وهم يعاينون موته أي فهلا يردون الروح الى مكانها إن كان لهم قدرة وتصرف ولستم بمربوبين ولا مقهورين لقاهر قادر يمضي عليكم أحكامه وينفذ فيكم أوامره وهذه غاية التعجيز لهم إذا تبين عجزهم عن رد نفس واحدة الى مكانها ولو اجتمع على ذلك الثقلان فيالها من آية دالة على وحدانيته وربوبيته سبحانه وتصرفه في عباده ونفوذ أحكامه فيهم وجريانها عليهم والدين دينان دين شرعي أمري ودين حسابي جزائي وكلاهما لله وحده فالدين كله أمرا
147
أو جزاء والمحبة أصل كل واحد من الدينين فان ما شرعه وأمر به يحبه وبرضاه وما نهى عنه فانه يكرهه ويبغضه لمنافاته لما يحبه ويرضاه فهو يحب ضده فعاد دينه الامري كله الى محبته ورضاه ودين العبد لله به إنما يقبل إذا كان عن محبة ورضي كما قال النبي A ذاق طعم الايمان من رضي بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد رسولا وهذا الدين قائم بالمحبة وبسببها شرع ولاجلها شرع عليها أسس وكذلك دينه الجزائي فانه يتضمن مجازات المحسن باحسانه والمسىء باساءته وكل من الامرين محبوب للرب فانهما عدله وفضله وكلاهما من صفات كماله وهو سبحانه يحب صفاته وأسمائه ويحب من يحبها وكل واحد من الدينين فهو صراطه المستقيم الذي هو عليه فهو سبحانه على صراط مستقيم في أمره ونهيه وثوابه وعقابه كما قال تعالى إخبارا عن نبيه هود عليه السلام إنه قال لقومه إني أشهد الله وأشهدوا إني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ولما علم نبي الله أن ربه على صراط مستقيم في خلقه وأمره وثوابه وعقابه وقضائه وقدره ومنعه وعطائه وعافيته وبلائه وتوفيقه وخذلانه لا يخرج في ذلك عن موجب كماله المقدس الذي تقتضيه أسماؤه وصفاته من العدل والحكمة والرحمة والاحسان والفضل ووضع الثواب في مواضعه والعقوبه في موضعها اللائق بها ووضع التوفيق والخذلان والعطاء والمنع والهداية والاضلال كل ذلك في أماكنه ومحاله اللائقة به بحيث يستحق على ذلك كمال الحمد والثناء أوجب له ذلك العلم والعرفان إذ نادى على رؤس الملأ من قومه بجنان ثابت وقلب غير خائف بل متجرد لله
إني أشهد الله واشهدوا إني بريء مما تشركون من دونه
الآية ثم أخبر عن عموم قدرته وقهره بكل ما سواه وذل كل شيء لعظمته فقال
ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها
فكيف أخاف من ناحيته بيد غيره وهو في قبضته وتحت قهره وسلطانه دونه وهل هذا الامر إلا من أجهل الجهل وأقبح الظلم ثم أخبر أنه سبحانه على صراط مستقيم فكل ما يقضيه ويقدره فلا يخاف العبد جوره ولا ظلمه فلا أخاف ما دونه فإن ناصيته بيده ولا أخاف جوره وظلمه فانه على صراط مستقيم وهو سبحانه ماض في عبده حكمه عدل فيه قضاؤه له الملك وله الحمد لا يخرج في تصرفه في عباده عن العدل والفضل إن أعطي وأكرم وهدي ووفق فبفضله ورحمته وإن منع وأهان وأضل وخذل وشقي فبعدله وحكمته وهو على صراط مستقيم في هذا وهذا وفي الحديث الصحيح ما أصاب عبد قط هم ولا حزن فقال اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسئلك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم
148
ربيع قلبي ونور صدري وجلاء همي وحزني وذهاب همي وغمي إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله فرجا مكانه وهذ يتناول حكم الرب الكوني والامري والقضاء الذي يكون باختيار العبد وبغير اختياره وكلا الحكمين ماض في عبده وكلا القضائين عدل فيه فهذا الحديث مشتق من هذه الآية بينهما أقرب نسب وبالله التوفيق فصل
ونختم الجواب بفصل متعلق بعشق الصور وما فيه من المفاسد العاجلة والآجلة وإن كانت أضعاف ما يذكره ذاكر فإنه يفسد القلب بالذات وإذا فسد فسدت الإرادات والأقوال والأعمال وفسد ثغر التوحيد كما تقدم وسنقرره أيضا إن شاء الله تعالى والله سبحانه وتعالى إنما حكى هذا المرض عن طائفتين من الناس وهم اللوطية والنساء فأخبر عن عشق امرأة العزيز ليوسف وما راودته وكادته به وأخبر عن الحال التي صار إليها يوسف بصبره وعفته وتقواه مع إن الذي ابتلي به أمر لا يصبر عليه إلا من صبره الله عليه فإن موافقة الفعل بحسب قوة الداعي وزوال المانع وكان الداعي ها هنا في غاية القوة وذلك لوجوه أحدها ما ركب الله سبحانه في طبع الرجل من ميله الى المرأة كما يميل العطشان الى الماء والجائع الى الطعام حتى إن كثيرا من الناس يصبر عن الطعام والشراب ولا يصبر عن النساء وهذا لا يذم اذا صادف حلال بل يحمد كما في كتاب الزهد للإمام أحمد من حديث يوسف بن عطية الصغار عن ثابت البناني عن أنس عن النبي A حبب الي من دنياكم الطيب والنساء أصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن الثاني أن يوسف عليه السلام كان شبا وشهوة الشباب وحدته أقوى الثالث أنه كان عزبا لا زوجة له ولا سرية تكسر شدة الشهوة الرابع أنه كان في بلاد غربة يتأتى للغريب فيها من قضاء الوطر ما لا يتأتى لغيره في وطنه وأهله ومعارفه الخامس أن المرأة كانت ذات منصب وجمال بحيث أن كل واحد من هذين الامرين يدعو الى موافقتها السادس أنها غير آبية ولا ممتنعة فإن كثيرا من الناس يزيل رغبته في لمرأة إباؤها وامتناعها لما يجد في نفسه من ذل الخضوع والسؤال لها وكثير من الناس يزيده الأباء والإمتناع زيادة حب كما قال الشاعر
وزادني كلفا في الحب إن منعت
أحب شيء الى الإنسان ما منعا
فطباع الناس مختلفة في ذلك فمنهم من يتضاعف حبه عند بذل المرأة ورغبتها وتضمحل عند إبائها وإمتناعها وأخبرني بعض القضاة أن إرادته وشهوته تضمحل عند إمتناع زوجته أو سريته وإبائها بحيث لا يعاودها ومنهم من يتضاعف حبه وإرادته بالمنع ويشتد شوقه بكل
149
ما منع وتحصل له من اللذة بالظفر نظير ما يحصل من لذة بالظفر بالضد بعد إمتناعه ونفاره واللذة بإدراك المسألة بعد إستصعابها وشدة الحرص على إدراكها السابع أنها طلبت وأرادت وبذلت الجهد فكفته مؤنة الطلب وذل الرغبة اليها بل كانت هي الراغبة الذليلة وهو العزيز المرغوب إليه الثامن إنه في دارها وتحت سلطانها وقهرها بحيث يخشى إن لم يطاوعها من اذا هاله فاجتمع داعي الرغبة والرهبة التاسع إنه لا يخشى أن تنمي عليه هي ولا أحد من جهتها فإنها هي الطالبة والرغبة وقد غلقت الأبواب وغيبت الرقباء العاشر أنه كان مملوكا لها في الدار بحيث يدخل ويخرج ويحضر معها ولا ينكر عليه وكان الأمن سابقا على الطلب وهو من أقوى الدواعي كما قيل لامرأة شريفة من أشراف العرب ما حملك على الزنا قالت قرب الوساد وملول السواد تعني قرب وساد الرجل من وسادتي وطول السواد بيننا الحادي عشر أنها استعانت عليه بأئمة المكر والإحتيال فأرته إياهن وشكت حالها إليهن لتستعين بهن عليه فاستعان هو بالله عليهن فقال وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين الثاني عشر أنها تواعدته بالسجن والصغار وهذا أنواع إكراه إذ هو تهديد ممن يغلب على الظن وقوع ما هدد به فيجتمع داعي الشهوة وداعي السلامة من ضيق السجن والصغار الثالث عشر أن الزوج لم يظهر منه الغيرة والنخوة ما يفرق به بينهما ويبعد كلا منهما عن صاحبه بل كان غاية ما خاطبهما به أن قال ليوسف أعرض عن هذا وللمرأة إستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين وشدة الغيرة للرجل من أقوى الموانع وهنا لم يظهر منه غيرة ومع هذه لدواعي كلها فآثر مرضات الله وخوفه وحمله حبه لله على أن اختار السجن على الزنا فقال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وعلم أنه لا يطيق صرف ذلك عن نفسه وان ربه تعالى لم يعصمه ويصرف عنه كيدهن صبا إليهن بطبعه وكان من الجاهلين وهذا من كمال معرفته بربه وبنفسه وفي هذه القصة من العبر والفوائد والحكم ما يزيد على ألف فائدة لعلنا إن وفقنا الله أن نفردها في مصنف مستقل
فصل والطائفة الثانية الذين حكى الله عنهم العشق هم اللوطية كما قال
تعالى وجاء أهل المدينة يستبشرون قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون واتقوا الله ولا تخزون قالوا ألم ننهك عن العالمين قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون فهذه عشقة فحكاه سبحانه عن طائفتين عشق كل منهما ما حرم عليه من الصور ولم يبال بما في عشقه من الضرر وهذا داء أعي الأطباء دواؤه وعز عليهم شفاؤه وهو والله الداء العضال والسم القتال
150
الذي ما علق بقلب إلا وعز على الورى إستنقاذه من إسارة ولا اشتعلت نار في مهجة إلا وصعب على الخلق تخليصها من ناره وهو أقسام وهو تارة يكون كفر لمن إتخذ معشوقه ندا يحبه كما يحب الله فكيف إذا كانت محبته أعظم من محبة الله في قلبه فهذا عشق لا يغفر لصاحبه فإنه من أعظم الشرك والله لا يغفر أن يشرك به وإنما يغفر بالتوبة الماحية ما دون ذلك وعلامة هذا العشق الشركي الكفرى أن يقدم العاشق رضاء معشوقه على رضاء ربه وإذا تعارض عنده حق معشوقه وحقه وحق ربه وطاعته قدم حق معشوقه على حق ربه وآثر رضاه على رضاه وبذل لمعشوقه أنفس ما يقدر عليه وبذل لربه إن بذل أردى ما عنده واستفرغ وسعه في مرضات معشوقه وطاعته والتقرب إليه وجعل لربه إن أطاعه الفضلة التي تفضل عن معشوقه من ساعاته فتأمل حال أكثر عشاق الصور هل تحدها مطابقة لذلك ثم ضع حالهم في كفة وتوحيدهم في كفة وإيمانهم في كفة ثم زن وزنا يرضي الله ورسوله ويطابق العدل وربم صرح العاشق منهم بأن وصل معشوقه أحب إليه من توحيد ربه كما قال العاشق الخبيث
يترشفن من فمي رشفات
هن أحلى فيه من التوحيد
وكما صرح الخبيث الآخر بأن وصل معشوقه أشهى إليه من رحمة ربه فعياذا بك اللهم من هذا الخذلان ومن هذا الحال قال الشاعر
وصلك أشهى إلى فؤادي
من رحمة الخالق الجليل
ولا ريب أن هذا العشق من أعظم الشرك وكثير من العشاق يصرح بأنه لم يبق في قلبه موضع لغير معشوقه البتة بل قد ملك معشوقه عليه قلبه كله فصار عبدا مخلصا من كل وجه لمعشوقه فقد رضي هذا من عبودية الخالق جل جلاله بعبودية المخلوق مثله فإن العبودية أي كمال الحب والخضوع وهذا قد استغرق قوة حبه وخضوعه وذله لمعشوقه فقد أعطاه حقيقة العبودية ولا نسبة بين مفسدة هذا الأمر العظيم ومفسدة الفاحشة فإن تلك ذنب كبير لفاعله حكمه حكم أمثاله ومفسدة هذا العشق مفسدة الشرك وكان بعض الشيوخ من العارفين يقول لئن أبتلى بالفاحشة مع تلك الصورة أحب إلى من أن أبتلى فيها بعشق يتعبد لها قلبي ويشغله عن الله فصل
ودواء هذا الداء القتال أن يعرف إنما إبتلى به من الداء المضاد للتوحيد أولا ثم يأتي من العبادات الظاهرة والباطنة بم يشغل قلبه عن دوام الفكر فيه ويكثر اللجاء والتضرع
151
الى الله سبحانه في صرف ذلك عنه وأن يرجع بقلبه إليه وليس له دواء أنفع من الإخلاص لله وهو الدواء الذي ذكره الله في كتابه حيث قال كذلك
لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين
وأخبر سبحانه أنه صرف عنه السوء من العشق والفحشاء من الفعل بإخلاصه فإن القلب إذا خلص وأخلص عمله لله لم يتمكن منه عشق الصور فإنه إنما تمكن من قلب فارغ كما قال
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى
فصادف قلبا خاليا فتمكنا وليعلم العاقل أن العقل والشرع قد يوجبان تحصيل المصالح وتكميلها وإعدام المفاسد وتقليلها فإذا عرض للعاقل أمر يرى فيه المصلحة والمفسدة وجب عليه أمران أمر علمي وأمر عملي فالعلمي طلب معرفة الراجح من طرفي المصلحة والمفسدة فإذا تبين له الرجحان وجب عليه إتيان الأصلح له ومن المعلوم أنه ليس في عشق الصور مصلحة دينية ولا دنيوية بل مفسدته الدينية والدنيوية أضعاف أضعاف ما يقدر فيه من المصلحة وذلك من وجوه أحدها الإشتغال بذكر المخلوق وحبه عن حب الرب تعالى وذكره فلا يجتمع في القلب هذا وهذا إلا ويقهر أحدهما صاحبه ويكون السلطان والغلبة له الثاني عذاب قلبه بمعشوقه فإن من أحب شيئا غير الله عذب به ولا بد كما قيل
فما في الأرض أشقى من محب
وإن وجد الهوى حلو المذاق
تراه باكيا في كل حين
مخافة فرقة أو لإشتياق
فيبكي إن ناؤا شوقا إليهم
ويبكي إن دنو خوف الفراق
فتسخن عينه عند الفراق
وتسخن عينه عند التلاق والعشق وإن استلذ به صاحبه فهو من أعظم عذاب القلب الثالث أن العاشق قلبه أسير في قبضة معشوقه يسومه الهوان ولكن لسكرة العشق لا يشعر بمصابه فقلبه كالعصفورة في كف الطفل يسومها حياض الردى والطفل يلهو ويلعب فيعيش العاشق عيش الأسير الموثق ويعيش الخلي عيش المسيب المطلق والعاشق كما قيل
طليق برأي العين وهو أسير
عليل على قطب الهلاك يدور
وميت يرى في صورة الحي غاديا
وليس له حتى النشور نشور
أخو غمرات ضاع فيهن قلبه
فليس له حتى الممات حضور الرابع أنه يشتغل به عن مصالح دينه ودنياه فليس شيء أضيع لمصالح الدين والدنيا من عشق الصور أما مصالح الدين فإنها منوطة بلم شعث القلب وإقباله على الله وعشق الصور أعظم شيئا تشعيثا وتشتيتا له وأما مصالح الدنيا فهي تابعة في الحقيقة لمصالح الدين فمن انفرطت
152
عليه مصالح دينه وضاعت عليه فمصالح دنياه أضيع وأضيع الخامس أن آفات الدنيا والآخرة أسرع إلى عشاق الصور من النار في يابس الحطب وسبب ذلك إن القلب كلما قرب من العشق قوى اتصاله به بعد من الله فأبعد القلوب من الله قلوب عشاق الصور وإذا بعد القلب من الله طرقته الآفات من كل ناحية فإن الشيطان يتولاه من تولاه عدوه واستولى عليه لم يأله وبالا ولم يدع أذى يمكنه إيصاله إليه إلا أوصله فما الظن من قلب تمكن منه عدوه وأحرص الخلق على عيبه وفساده وبعده من وليه ومن لا سعادة له ولا فلاح ولا سرور إلا بقربه ولا ولايته السادس أنه إذا تمكن من القلب واستحكم وقوى سلطانه أفسد الذهن وأحدث الوساوس وربما التحق صاحبه بالمجانين الذين فسدت عقولهم فلا ينتفعون به وأخبار العشاق في ذلك موجودة في مواضعها بل بعضها يشاهد بالعيان وأشرف ما في الإنسان عقله وبه يتميز عن سائر الحيوانات فإذا عدم عقله التحق بالبهائم بل ربما كان حال الحيوان أصلح من حاله وهل أذهب عقل مجنون ليلى وأضرابه إلا العشق وربما زاد جنونه على جنون غيره كما قيل
قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم
العشق أعظم مما بالمجانين
العشق لا يستفيق الدهر صاحبه
وإنما يصرع المجنون بالحين السابع أنه ربما أفسد الحواس أو نقصها إما فسادا معنويا أو صوريا أما الفساد المعنوي فهو تابع لفساد القلب فإن القلب إذا فسد فسدت العين والأذن واللسان فيرى القبيح حسنا منه ومن معشوقه كما في المسند مرفوعا حبك الشيء يعمي ويصم فهو يعمي عين القلب عن رؤية مساوي المحبوب وعيوبه فلا ترى العين ذلك ويصم أذنه عن الإصغاء الى العذل فيه فلا تسمع الأذن ذلك والرغبات تستر العيوب فإن الراغب في شيء لا يرى عيوبه حتى إذ زالت رغبته فيه أبصر عيوبه فشدت الرغبة غشاوة على العين تمنع من رؤية الشيء على ما هو عليه كما قيل
هويتك إذ عينى عليها غشاوة
فلما انجلت قطعت نفسي ألومها والداخل في الشيء لا يرى عيوبه والخارج منه الذي لم يدخل فيه لا يرى عيوبه ولا يرى عيوبه إلا من دخل فيه ثم خرج منه ولهذا كان الصحابة الذين دخلوا في الاسلام بعد الكفر خير من الذين ولدوا في الاسلام قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه إنما ينتقض عرى الاسلام عروة عروة إذا ولد في الاسلام من لا يعرف الجاهلية وأما فساده للحواس ظاهرا فإنه يمرض البدن وينهكه وربما أدى الى تلفه كما هو المعروف في أخبار من قتله العشق وقد رفع الى ابن عباس وهو بعرفة شاب قد انتحل حتى عاد جلدا على عظم فقال ما شأن
153
كما تقدم هو الإفراط في المحبة بحيث يستولي المعشوق على القلب من العاشق حتى لا يخلو من تخيله وذكره والفكر فيه بحيث لا يغيب عن خاطره وذهنه فعند ذلك تشتغل النفس بالخواطر النفسانية فتتعطل تلك القوى فيحدث بتعطيلها من الآفات على البدن والروح ما يضر دواؤه ويتعذر أفعاله وصفاته ومقاصده ويختل جميع ذلك فتعجز البشر عن صلاحه كما قيل
الحب أول ما يكون لجاجة
يأتى بها وتسوقه الأقدار
حتى إذا خاض الفتى لجج الهوي
جاءت أمور لا تطاق كبار والعشق مباديه سهلة حلوة وأوسطه هم وشغل قلب وسقم وآخره عطب وقتل إن لم يتداركه عناية من الله كما قيل
وعش خاليا فالحب أوله عنا
وأوسطه سقم وآخره قتل وقال آخر
تولع بالعشق حتى عشق
فلما استقل به لم يطق
رأى لجة ظنها موجة
فلما تمكن منها غرق والذنب له فهو الجاني على نفسه وقد قعد تحت المثل السائر يداك أو كياوفوك نفخ فصل
والعاشق له ثلاث مقامات مقام ابتداء ومقام توسط ومقام انتهاء فأما مقام ابتدائه فالواجب عليه مدافعته بكل ما يقدر عليه إذا كان الوصول الى معشوقه متعذرا قدرا وشرعا فإن عجز عن ذلك وأبى قلبه إلا السفر الى محبوبه وهذا مقام التوسط والإنتهاء فعليه كتمانه ذلك وأن لا يفشيه الى الخلق ولا يشمت بمحبوبه ولا يهتكه بين الناس فيجمع بين الظلم والشرك فإن الظلم في هذا الباب من أعظم أنواع الظلم وربما كان أعظم ضررا على المعشوق وأهله من ظلمه في ماله فإنه يعرض المعشوق بهتكه في عشقه الى وقوع الناس فيه وانقسامهم الى مصدق ومكذب وأكثر الناس يصدق في هذا الباب بأدنى شبهة وإذا قيل فلان فعل بفلان أو بفلانه كذبه واحد وصدقه تسعمائة وتسعة وتسعين وخبر العاشق للهتك عن المتهتك عند الناس في هذا الباب يفيد القطع اليقين بل إذا أخبرهم المفعول به عن نفسه كذبا وافتراء على غيره جزموا بصدقة جزما لا يحتمل النفيض بل لو جمعهما مكانا واحدا إتفاقا جزموا أن ذلك عن وعد وإتفاق بينهما وجزمهم في هذا الباب على الظنون والتخييل والشبهة والأوهام والأخبار الكاذبة كجزمهم بالحسيات المشاهدة وبذلك وقع أهل لإفك
154
في الطيبة المطيبة حبيبة رسول الله A المبرأة من فوق سبع سموات بشبهة مجيء صفوان بن المعطل بها وحده خلف العسكر حتى هلك من هلك ولولا أن تولى الله سبحانه براءتها والذب عنها وتكذيب قاذفها لكان أمرا آخر والمقصودان في إظهار المبتلى عشق من لا يحل له الإتصال به من ظلمه وأذاه ما هو عدوان عليه وعلى أهله وتعريض لتصديق كثير من الناس ظنونهم فيه فإن استعان عليه ممن يستميله إليه إما برغبة أو رهبة تعدى الظلم وانتشر وصار ذلك الواسطة بين الراشي والمرتشي وصار ذلك الواسطة ظالم وإذا كان النبي A قد لعن الرائش وهو الواسطة ديوثا ظالما بين الراشي أو المرتشي لإيصال الرشوة فما الظن بالديوث الواسطة بين العاشق والمعشوق في الوصلة المحرمة فيتساعد العاشق على ظلم المعشوق وغيره ممن يتوقف حصول غرضهما على ظلمه في نفس ومال أو عرض فإن كثيرا ما يتوقف حصول المطلوب غرضه على قتل نفس يكون حياتها مانعة من غرضه وكم قتيل طل دمه بهذا السبب من زوج وسيد قريب وكم خبثت امرأة على بعلها وجارية وعبد على سيدهما وقد لعن رسول الله A من فعل ذلك وتبرأ منه وهو من أكبر الكبائر وإذا كان النبي A قد نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه وأن يستام على سومه فكيف بمن يسعى بالتفريق بينه وبين امرأته وأمته حتى يتصل بهما وعشاق الصور ومساعدوهم من الديثة لا يرون ذلك ذنبا فإن في طلب العاشق وصل معشوقه ومشاركة الزوج والسيد ففي ذلك من إثم ظلم الغير ما لعله لا يقصر عن إثم الفاحشة إن لم يربو عليها ولا يسقط حق الغير بالتوبة من الفاحشة فإن التوبة وإن أسقطت حق الله فحق العبد باق له المطالبة به يوم القيامة فإن من ظلم الوالد بإفساد ولده وفلذة كبده ومن هو أعز عليه من نفسه وظلم الزوج بإفساد حبيبته والجناية على فراشه أعظم من ظلمه بأخذ ماله كله ولهذا يؤذيه ذلك أعظم مما يؤذيه بأخذ ماله ولا يعدل ذلك عنده إلا سفك دمه فيا له من ظلم أعظم إثما من فعل الفاحشة فإن كل ذلك حقا لغاز في سبيل الله وقف له الجاني الفاعل يوم القيامة وقيل له خذ من حسناته ما شئت كما أخبر بذلك النبي A ثم قال A فما ظنكم أي فما تظنون تبقى له من حسناته فإن إنضاف الي ذلك أن يكون المظلوم جارا أو ذا رحم محرم تعدد الظلم وصار ظلما مؤكدا لقطيعة الرحم وأذي الجار ولا يدخل الجنة قاطع رحم ولا من لا يأمن جاره بوائقه فإن استعان العاشق على وصال معشوقه بشياطين الجن إما بسحر أو استخدام أو نحو ذلك ضم الى الشرك والظلم كفر السحر فإن لم يفعله هو ورضي به كان راضيا بالكفر غير كاره لحصول مقصوده وهذا ليس ببعيد من الكفر والمقصود أن التعاون في هذا الباب تعاون على الإثم والعدوان وأما ما يقترن بحصول غرض العاشق
155
من الظلم المنتشر المتعدي ضرره فأمر لا يخفى فإنه إذا حصل له مقصوده من المعشوق فللمعشوق أمور أخر يريد من العاشق إعانته عليها فلا يجد من إعانته بدا فيبقى كل منهما يعين الآخر على الظلم والعدوان فالمعشوق يعين العاشق على ظلم من اتصل به من أهله وأقاربه وسيده وزوجه والعاشق يعين المعشوق على ظلم من يكون غرض المعشوق متوقفا على ظلمه فكل منهما يعين الآخر على أغراضه التي يكون فيها ظلم الناس فيحصل العدوان والظلم للناس بسبب اشتراكهما في القبح لتعاونهما بذلك على الظلم وكما جرت به العادة بين العشاق والمعشوقين من إعانة العاشق لمعشوقه على ما فيه ظلم وعدوان وبغي حتى ربما يسعى له في منصب لا يليق به ولا يصلح لمثله في تحصيل مال من غير حله وفي استطالته على غيره فإذا اختصم معشوقه وغيره أو تشاكيا لم يكن إلا في جانب المعشوق ظالما كان أو مظلوما هذا الى ما ينضم الى ذلك من ظلم العاشق للناس بالتحيل على أخذ أموالهم والتوصل بهما الى معشوقه بسرقة أو غصب أو خيانة أو يمين كاذبة أو قطع طريق ونحو ذلك وربما أدى ذلك الى قتل النفس التي حرم الله ليأخذ ماله ليتوصل به الى معشوقه فكل هذه الآفات وأضعافها وأضعاف أضعافها تنشأ من عشق الصور وربما حمله على الكفر الصريح وقد ننصر جماعة ممن نشأ في الإسلام بسبب العشق كما جرى لبعض المؤذنين حين أبصر وهو على سطح مسجد امرأة جميلة ففتن بها فنزل ودخل عليها وسألها نفسها فقالت هي نصرانية فإن دخلت في ديني تزوجت بك ففعل فرقي في ذلك اليوم على درجة عندهم فسقط منها فمات ذكر هذا عبد الحق في كتاب العاقبة له وإذا أراد النصارى أن ينصروا الأسير أروه امرأة جميلة وأمروها أن تطمعه في نفسها حثى إذا تمكن حبها من قلبه بذلت له نفسها إن دخل في دينها فهنالك يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء وفي العشق من ظلم كل واحد من العاشق والمعشوق لصاحبه لمعاونته له على الفاحشة وظلمه لنفسه فكل منهما ظالم لنفسه وصاحبه وظلمهما متعد الى الغير كما تقدم وأعظم من ذلك ظلمهما بالشرك فقد تضمن العشق أنواع الظلم كلها والمعشوق إذا ! لم يتق الله فإنه يعرض العاشق للتلف وذلك ظلم منه بأن يطمعه في نفسه ويتزين له ويستميله بكل طريق حتى يستخرج منه ماله ونفعه ولا يمكنه من نفسه لئلا يزول غرضه بقضاء وطره منه فهو يسومه سوء العذاب والعاشق ربما قتل معشوقه ليشفي نفسه منه ولا سيما إذا جاد بالوصال لغيره وكم للعشق من قتيل من الجانبين وكم قد زال من نعمة وأفقر من غني وأسقط من مرتبة وشتت من شمل وكم أفسد من أهل للرجل وولد فإن المرأة إذا رأت بعلها عاشقا لغيرها اتخذت هي معشوقا لنفسها
156
فيصير الرجل مترددا بين خراب بيته بالطلاق وبين القيادة فمن الناس من يؤثر هذا ومنهم من يؤثر هذا فعلى العاقل أن يحكم على نفسه سد عشق الصور لئلا يؤذيه ويؤديه ذلك الى الهلاك والى هذه المفاسد وأكثرها أو بعضها فمن فعل ذلك فهو المفرط بنفسه والمغرر بها فإذا هلكت فهو الذي أهلكها فلولا تكراره النظر الى وجه معشوقه وطمعه في وصاله لم يتمكن عشقه من قلبه فإن أول أسباب العشق الإستحسان سواء تولد عن نظر أو سماع فإن لم يقارنه طمع في الوصال وقارنه الأياس من ذلك لم يحدث له العشق فإن إقترن به الطمع فصرفه عن فكره ولم يشغل قلبه به لم يحدث له ذلك فإن أطاع مع ذلك الفكر في محاسن المعشوق وقارنه خوف ما هو أكبر عنده من لذة وصاله إما خوف ديني كخوف النار وغضب الجبار واجتناب الأوزار وغلب هذا الخوف على ذلك الطمع والفكر لم يحدث له العشق فإن فاته هذا الخوف وقارنه خوف دنيوي كخوف إتلاف نفسه وماله وذهاب جاهه وسقوط مرتبته عند الناس وسقوطه من عين من يعز عليه وغلب هذا الخوف لداعي العشق دفعه وكذلك إذا خاف من فوات محبوب هو أحب إليه وأنفع له من ذلك المعشوق وقدم محبته على محبة المعشوق إندفع عنه العشق فانتفاه ذلك كله أو غلبت محبة المعشوق لذلك إنجذب إليه القلب بالكلية ومالت إليه النفس كل الميل فإن قيل قد ذكرتم آفات العشق ومضاره ومفاسده فهلا ذكرتم منافعه وفوائده التي من جملتها رقة الطبع وترويح النفس وخفتها وزوال تلفها ورياضتها وحملها على مكارم الأخلاق من الشجاعة والكرم والمروءة ورقة الحاشية ولطف الجانب وقد قيل ليحيى بن معاذ الرازي إن إبنك قد عشق فلانة فقال الحمد لله الذي صيره الى الطبع الآدمي وقال بعضهم العشق داء أفئدة الكرام وقال غيره العشق لا يصلح إلا لذي مروءة طاهرة وخليقة ظاهرة أو لذي لسان فاضل وإحسان كامل أو لذي أدب بارع وحسب ناصع وقال آخر العشق حنان الجبان ويصفي ذهن الغبي ويسخي كف البخيل ويذل عزة الملوك ويسكن نوافر الأخلاق وهو أنيس من لا أنيس له وجليس من لا جليس له وقال آخر العشق يزيل الأثقال ويلطف الروح ويصفي كدر القلب ويوجب الإرتياح لأفعال الكرام كما قيل
سيهلك في الدنيا شفيق عليكم
إذا غاله من حادث الحب غائله
كريم يميت السر حتى كأنه
إذا استفهموه عن حديثك جاهله
يود بأن يمسي سقيما لعلها
إذا سمعت عنه بشكوى تراسله
ويهتز للمعروف في طلب العلى
لتحمد يوما عند ليلى شمائله
فالعشق يحمل على مكارم الأخلاق وقال بعض الحكماء العشق يروض النفس ويهذب
157
الأخلاق إظهاره طبعي وإضماره تكلفي وقال الآخر من لم تبتهج نفسه بالصوت الشجي والوجه البهي فهو فاسد المزاج يحتاج الى علاج وأنشد في ذلك المعنى
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى
فما لك في طيب الحياة نصيب وقال الآخر
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى
فقم واعتلف تبنا فأنت حمار
وقال الآخر
اذا أنت لم تعشق ولم تدرى ما الهوى
فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا وقال بعد العشاق أولي العفة والصيانة إذ عفوا تشرفوا وإذا عشقوا تظرفوا وقيل لبعض العشاق ما كنت تصنع بمن تهوى لو ظفرت به فقال كنت أمتع طرفي بوجهه وأروح قلبي بذكره وحديثه واستر منه مالا أحب كشفه ولا أصير بقبح الفعل الى ما ينقض عهده ثم أنشد
أخلو به فأعف عنه تكرما
خوف الديانة لست من عشاقه
كالماء في يد صائم يلتذ به
ظمأ فيصبر عن لذيذ مذاقه
وقال أبو اسحق بن ابراهيم أرواح العشاق عطرة لطيفة وأبدانهم رقيقة خفيفة نزهتهم الموانسة وكلامهم يحيي موات القلوب ويزيد في العقول ولولا العشق والهوى لبطل نعيم الدنيا وقال آخر العشق للأرواح بمنزلة الغذاء للأبدان أن تركته ضرك وإن أكثرت منه قتلك وفي ذلك قيل
خليلي إن الحب فيه لذاذة
وفيه شقاء دائم وكروب
على ذاك ما عيش يطيب بغيره
ولا عيش إلا بالحبيب يطيب
ولا خير في الدنيا بغير صبابة
ولا في نعيم ليس فيه حبيب وذكر الخرائطي عن أبي غسان قال مر أبو بكر الصديق رضي الله عنه بجارية وهي تقول
وهويته من قبل قطع تمائمي
متمايلا مثل القضيب الناعم
فسألها أحرة أنت أم مملوكة قالت بل مملوكة فقال تهوين فتلكأت فأقسم عليها فقالت
وأنا التي لعب الهوى بفؤادها
قتلت بحب محمد بن القاسم
فاشتراها من مولاها وبعث بها الى محمد بن القاسم بن جعفر بن أبي طالب فقال هؤلاء والله فتن الرجال وكم والله قد مات بهن كريم وعطب بهن سليم وجاءت جارية عثمان بن عفان رضي الله عنه تستدعي على رجل من الأنصار قال لها عثمان ما قصتك قالت كلفت يا أمير المؤمنين بإبن أخيه فما انفك أداعبه فقال له عثمان إما أن تهبها الى إبن أخيك أو أعطيك ثمنها من مالي فقال أشهدك يا أمير المؤمنين إنها له ونحن لا ننكر فساد العشق الذي يتعلق به
158
فعل الفاحشة بالمعشوق وإنما الكلام في العشق العفيف من الرجل الظريف الذي يأبى له إيمانه ودينه وعفته ومروءته أن يفسد مابينه وبين الله وما بينه وبين معشوقة بالحرام وهذا عشق السلف الكرام والأئمة الأعلام فهذا عبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة عشق حتى اشتهر أمره ولم ينكر عليه وعد ظالما من لامه ومن شعره
كتمت الهوى حتى أضر بك الكتم
ولامك أقوام ولومهم ظلم
فنم عليك الكاشحون وقبلهم
عليك الهوى قد نم ما ينفع الكتم
فأصبحت كالنمري إذ مات حسرة
على أثر هندا وكمن شفه سقم
تجنبت إتيان الحبيب تأثما
إلا أن هجران الحبيب هو الإثم
فذق هجرها قد كنت تزعم أنه
رشاد ألاياء ربما كذب الزعم
وهذا عمر بن عبد العزيز وعشقه لجارية فاطمة بنت عبد الملك بن مروان وإمرأته مشهورة وكانت جارية بارعة الجمال وكان معجبا بها وكان يطلبها من إمرأته ويحرص على أن تههاله فتأبى ولم تزل الجارية في نفس عمر فلما استخلف أمرت فاطمة بالجارية فاصلحت وكانت مثلا في حسنها وجمالها ثم دخلت على عمر وقالت يا أمير المؤمنين إنك كنت معجبا بجاريتي فلانة فسألتنيها أن أهبها لك فأبيت عليك والآن فقد طابت نفسي لك بها فلما قالت له ذلك استبان الفرح في وجهه وقال عجلي بها علي فلما دخلت بها عليه ازداد به عجبا وقال لها ألقي ثيابك ففعلت ثم قال لها على رسلك أخبريني لمن كنت ومن أين صرت لفاطمة فقالت أغرم الحجاج عاملا له بالكوفة مالا وكنت في رفيقة ذلك قالت فأخذني وبعث بي الى عبد الملك فوهبني لفاطمة قال وما فعل ذلك العامل قالت هلك قال وهل ترك ولدا قالت نعم قال فما حالهم قالت سيئة قال شدي عليك ثيابك واذهبي الى مكانك ثم كتب الى عامله على العراق أن إبعث الي فلان بن فلان على البريد فلما قدم قال له ارفع الي جميع ما أغرمه الحجاج لأبيك فلم يرفع إليه شيئا إلا دفعه إليه ثم أمر بالجارية فدفعت إليه ثم قال له إياك وإياها فلعل أباك قد وقع بها فقال الغلام هي لك يا أمير المؤمنين قال لا حاجة لي بها قال فابتعها مني قال لست إذا ممن نهى نفسه عن الهوى فلما عزم الفتى على الإنصراف قالت أين وجدك بي يا أمير المؤمنين قال على حاله ولقد زادني ولم تزل الجارية في نفس عمر حتى مات رحمه الله وهذا أبو بكر بن محمد بن داود الظاهري العالم المشهور في فنون العلم من الفقه والحديث والتفسير والأدب وله قول في الفقه وهو من أكابر العلماء وعشقه مشهور قال نفطويه دخلت عليه في مرضه الذي مات فيه فقلت كيف نجدك قال حب من تعلم أورثني ما ترى فقلت وما يمنعك من الإستمتاع به مع القدرة عليه فقال الإستمتاع على وجهين أحدهما
159
النظر المباح والآخر اللذة المحظورة فأما النظر المباح فهو الذي أورثني ما ترى وأما اللذة المحظورة يمنعني منها ما حدثني أبي حدثنا سويد بن سعيد حدثنا علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما يرفعه من عشق وكتم وعف وصبر غفر الله له وأدخله الجنة ثم أنشد
انظر الى السحر يجري من لواحظه
وانظر الى دعج في طرفه الساج
وانظر الى شعرات فوق عارضه
كأنهن نمال دب في عاج
ثم أنشد
ما لهم أنكروا سوادا بحديه
ولا ينكرون ورد الغصون
إن يك عيب خده بدو لشعر
فعيب العيون شعر الجفون فقلت له نفيت القياس في الفقه وأثبته في الشعر فقال غلبة الوجد وملكة الوجه النفس دعت إليه ثم مات من ليلته وبسبب معشوقه صنف كتاب الزهرة ومن كلامه فيه من ييأس بمن يهواه ولم يمت من وقته سلاه وذلك أن أول روعات الناس تأتي القلب وهو غير مستعد لها فأما الثانية تأتي القلب وقد وطأت لها الروعة والتقى هو وأبو العباس بن شريح في مجلس أبي الحسن علي بن عيسى الوزير فتناظرا في مسألة من الإيلاء قال له ابن شريح أنت بأن تقول من دامت لحظاته كثرت حسراته أحذق منك بالكلام على الفقه فقال الآن كان ذلك فإني أقول
أنزه في روض المحاسن مقلتي
وأمنع نفسي أن تنال محرما
وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه
يصب على الصخر الأصم تهدما
وينطق طرفي عن مترجم خاطري
فلولا إختلاس وده لتكلما
رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم
فلست أرى ودا صحيحا مسلما
فقال له أبو العباس بن شريح بم تفخر علي ولو شئت لقلت
مطاعمه كالشهد في نغماته
قد بت أمنعه لذيذ سناته
بصبابه وبحسنه وحديثه
وأنزه اللحظات عن وجناته
حتى إذا ما الصبح راح عموده
ولي بخاتم ربه وبراته فقال أبو بكر يحفظ عليه الوزير ما أقر به حتى يقيم شاهدين على أنه ولي بخاتم ربه وبراءته فقال ابن شريح يلزمني في هذا ما يلزمك في قولك
أنزه في روض المحاسن مقلتي
وأمنع نفسي أن تنال محرما فضحك الوزير فقال لقد جمعتما لطفا وظرفا ذكر ذلك أبو بكر الخطيب في تاريخه وجاءته يوما فتيا مضمونها
160
يا إبن داود يا فقيه العراق
إفتنا في فواتر الأحداق
هل عليها بما أتت من جناح
أم حلال لها دم العشاق فكتب تحت البيتين بخطه
عندي جواب سائل العشاق
فاسمعه من قرح الحشا مشتاق
لما سئلت عن الهوى هيجتني
وأرقت دمعا لم يكن مهراق
إن كان معشوقا يعذب عاشقا
كان المعذب أنعم العشاق قال صاحب كتاب منازل الأحباب شهاب الدين محمود بن سليمان بن مهدي صاحب كتاب الإنشاء وقلت في جواب البيتين على قافيتهما مجيبا للسائل
قل لمن جاء سائلا عن لحاظ
هن يلعبن في دم العشاق
ما على السيف في العدا من جناح
أن ثني الخد عن دم مهراق
وسيوف اللحاظ أولى بأن
تصفح عما جنت على العشاق
إنما كل من قتل شهيد
ولهذا يفني فنا وهو باق ونظير ذلك فتوى وردت على الشيخ أبي الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني شيخ الحنابلة في وقته رحمه الله
قل للإمام أبي الخطاب مسألة
جاءت إليك وما أخال سواك لها
ماذا على رجل رام الصلاة فمذ
لاحت مخاطرة ذات الجمال لها فأجابه تحت سؤاله
قل للأديب الذي وافى بمسألة
سرت فؤادي لما أن أصخت لها
إن الذي فتنته عن عبادة ربه
فريدة ذات حسن فانثنى ولها
إن تاب ثم قضا عنه عبادة ربه
فرحمة لله تغشى من عصى ولها وقال عبد الله بن معمر القيسي حججت سنة ثم دخلت مسجد المدينة لزيارة قبر النبي A فبينما أنا جالس ذات ليلة بين القبر والمنبر إذا سمعت أنينا فأصغيت إليه فإذا هو يقول
أشجاك نوح حمائم السدر
فأهجن منك بلابل الصدر
أم عز نومك ذكر غانية
أهدت إليك وساوس الفكر
يا ليلة طالت على دنف
يشكو السهاد وقلة الصبر
أسلمت من تهوى لحر جوى
متوقد كتوقد الجمر
فالبدر يشهد إنني كلف
مغرم بحب شبيهة البدر
161
ما كنت أحسبني أهيم بحبها
حتى بليت وكنت لا أدري ثم انقطع الصوت فلم أدر من أين جاء وإذا به قد عاد البكاء والأنين ثم أنشد يقول
أشجاك من ريا خيال زائر
والليل مسود الذوائب عاكر
واعتاد مهجتك الهوى برشيشة
وأهتاج مقلتك الخيال الزائر
ناديت ريا والظلام كأنه
يم تلاطم فيه موج زاخر
والبدر يسري في السماء كأنه
ملك ترجل والنجوم عساكر
وترى به الجوزاء ترقص في الدجى
رقص الحبيب علاه سكر طاهر
يا ليل طلت على محب ماله
إلا الصباح مساعد وموازر
فأجابني مت حتف أنفك واعلمن
إن الهوى لهو الهوان الحاضر قال وكنت ذهبت عند ابتدائه بالأبيات فلم يتنبه إلا وأنا عنده فرأيت شابا مقتبلا شبابه قد خرق الدمع في خده خرقين فسلمت عليه فقال إجلس من أنت فقلت عبد الله بن معمر القيسي قال ألك حاجة قلت نعم كنت جالسا في الروضة فما راعني إلا صوتك فبنفسي أفديك فما الذي تجده فقال أنا عتبة بن الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري غدوت يوما الى مسجد الأحزاب فصليت فيه ثم اعتزلت غير بعيد فإذا بنسوة قد أقبلن يتهادين مثل القطا وإذا في وسطهن جارية بديعة الجمال كاملة الملاحة فوقفت علي وقالت يا عتبة ما تقول في وصل من يطلب وصلك ثم تركتني وذهبت فلم أسمع لها خبرا ولم أقف لها على أثر فأنا حيران أنتقل من مكان الى مكان ثم انصرع وأكب مغشيا عليه ثم أفاق كأنما أصبغت وجنتاه بورس ثم أنشد يقول
أراكم بقلبي من بلاد بعيدة
فياهل تروني بالفؤاد على بعدي
فؤادي وطرفي ناسفان عليكم
وعندكم روحي وذكركم عندي
ولست ألذ العيش حتى أراكم
ولو كنت في الفردوس جنة الخلد فقلت يا إبن أخي تب الى ربك واستغفره من ذنبك فبين يديك هول المطلع فقال ما أنا بسائل حتى يذوب العارضان فلم أزل معه حتى طلع الصباح فقلت قم بنا الى مسجد الأحزاب فلعل الله أن يكشف كربتك فقال أرجوا ذلك إن شاء الله ببركة طاعتك فذهبنا حتى أتينا مسجد الأحزاب فسمعته يقول
يا للرجال ليوم الأربعاء أما
ينفك يحدث لي بعد النهار طربا
ما إن يزال غزال منه يقلقني
يأتي الى مسجد الأحزاب منتقبا
يخبر الناس إن الأجر همته
وما أنا طالبا للأجر محتسبا
162
لو كان يبغي ثوابا ما أتى صلفا
مضمخا بفتيت المسك مختضبا ثم جلسنا حتى صلينا الظهر فإذا بالنسوة قد أقبلن وليست الجارية فيهن فوقفن عليه وقلن له يا عتبة ما ظنك بطالبة وصلك وكاشفة بالك قال وما بالها قلن أخذها أبوها وارتحل بها الى أرض السماوة فسئلتهن عن الجارية فقلن هي ريا بنت الغطريف السلمي فرفع عتبة اليهن رأسه وقال
خليلي ريا قد أجد بكورها
وسارت إلى أرض السماوة وغيرها
خليلي إني قد غشيت من البكا
فهل عند غيري مقلة أستعيرها فقلت له إني قد وردت بمال جزيل أريد به أهل الستر ووالله لأبذلنه أمامك حتى تبلغ رضاك وفوق الرضاء فقم بنا الى مسجد الأنصار فقمنا وسرنا حتى أشرفنا على ملأ منهم فسلمت فأحسنوا الرد فقلت أيها الملأ ما تقولون في عتبة وأبيه قالوا من سادات العرب قلت فإنه قد رمى بداهية من الهوى وما أريد منكم إلا المساعدة الى السماوة فقالوا سمعا وطاعة فركبنا وركب القوم معنا حتى أشرفنا على منازل بني سليم فأعلم الغطريف بنا فخرج مبادرا فاستقلبنا وقال حييتم بالإكرام فقلنا وأنت فحياك الله إنا لك أضياف فقال نزلتم أكرم منزل فنادي يا معشر العبيد أنزلوا القوم ففرشت الإنطاع والنمارق وذبحت الذبائح فقلنا لسنا بذائقي طعامك حتى تقضي حاجتنا فقال وما حاجتكم قلنا نخطب عقليتك الكريمة لعتبة بن الحباب بن المنذر فقال إن التي تخطبونها أمرها الى نفسها وأنا أدخل أخبرها ثم دخل مغضبا على إبنته فقال يا أبت مالي أرى الغضب في وجهك فقال قد ورد الأنصار يخطبونك مني فقال سادات كرام إستغفر لهم الرسول A فلمن الخطبة منهم قال لعتبة قالت والله لقد سمعت عن عتبة هذا إنه يفي بما وعد ويدرك إذا قصد فقال أقسمت لأزوجنك إياه أبدا ولقد نمى الي بعض حديثك معه فقالت ما كان ذلك ولكن إذا أقسمت فإن الأنصار لا يردون ردا قبيحا فأحسن لهم الرد فقال بأى شيء قالت اغلظ عليهم المهر فإنهم قوم يرجعون ولا يحيبون فقال ما أحسن ما قلت فخرج مبادرا عليهم فقال إن فتات الحي قد أجابت ولكني أريد لها مهر مثلها فمن القائم به فقال عبد الله بن معمر أنا فقل ما شئت فقال ألف مثقال من الذهب ومائة ثوب من الأبراد وخمسة أكرسة من عنبر فقال عبد الله لك ذلك كله فهل أحببت قال نعم قال عبد الله فأنفذت نفرا من الأنصار الى المدينة فأتوا بجميع ما طلب ثم صنعت الوليمة فاقمنا على ذلك أياما ثم قال خذوا فتاتكم وانصرفوا مصاحبين ثم حملها في هودج وجهز بثلاثين راحلة من المتاع والتحف فودعناه وسرنا حتى إذا بقي بيننا وبين المدينة مرحلة واحدة خرجت علينا خيل تريد الغارة
163
أحسبها من سليم فحمل عليها عتبة فقتل منهم رجالا وجندل منهم آخرين ثم رجع وبه طعنة تفور دما فسقط الى الأرض وأتانا نجدة فطردت الخيل عنا وقد قضى عتبة نحبه فقلنا واعتبتاه فسمعتنا الجارية فألقت نفسها عن البعير وجعلت تصيح بحرقة وأنشدت
تصبرت لا إني ثبرت وإنما
أعلل نفسي أنها بك لاحقة
فلو أنصفت روحي لكانت الى الردى
أمامك من دون البرية سابقة
فما أحد بعدي وبعدك منصف
خليلا ولا نفس لنفس موافقة
ثم شهقت وقضت نحبها فاحتفرنا لهما قبرا واحدا ودفناهما فيه ثم رجعت الى المدينة فأقمت سبع سنين ثم ذهبت الى الحجاز ووردت المدينة فقلت والله لآتين قبر عتبة أزوره فأتيت القبر فإذا عليه شجرة عليها عصائب حمر وصفر فقلت لأرباب المنزل ما يقال لهذه الشجرة قالوا شجرة العروسين ولو لم يكن في العشق من الرخصة المخالفة للتشديد إلا الحديث الوارد بالحسن من الأسانيد وهو حديث سويد بن سعيد بن علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن العباس يرفعه من عشق وعف وكتم فمات فهو شهيد ورواه سويد أيضا عن ابن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعا ورواه الخطيب عن الأزهري في الأم عن المعافا بن زكريا عن قطبة عن ابن الفضل عن أحمد بن مسروق عنه ورواه الزبير بن بكار عن عبد العزيز الماجشون عن عبد العزيز ابن أبي حاتم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس وهذا سيد الأولين والآخرين ورسول رب العالمين A نظر الى زينب بنت جحش رضي الله عنها فقال سبحان مقلب القلوب وكانت تحت زيد بن حارثة مولاه فلما هم بطلاقها قال هل اتق الله وامسك عليك زوجك فلما طلقها زوجها الله سبحانه من رسوله A من فوق سبع سموات فكان هو وليها وولي تزويجها من رسول الله A وعقد عقد نكاحها فوق عرشه وأنزل على رسوله A وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفى في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه وهذا داود نبي الله عليه السلام لما كان تحته تسعة وتسعين امرأة ثم أحب تلك المرأة وتزوجها وأكمل بها المأة قال الزهري أول حب كان في الإسلام حب النبي A لعائشة رضي الله عنها وكان مسروق يسميها حبيبة رسول رب العالمين A وقال أبو القيس مولي عبد الله ابن عمرو وأرسلني عبد الله بن عمرو الى أم سلمة أسألها أكان رسول الله A يقبل أهله وهو صائم فقالت لا فقال إن عائشة رضي الله عنها قالت كان النبي A يقبلها وهو صائم فقالت أم سلمة رضي الله
164
عنها إن النبي A إذا رأي عائشة لم يتمالك نفسه عنها وذكر سعيد بن إبراهيم عن عامر بن سعيد عن أبيه قال كان إبراهيم خليل الله يزوره جبرائيل في كل يوم من الشام على البراق من شغفه به وقلة صبره عنه وذكر الخرائطي أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما اشترى جارية رومية فكان يحبها حبا شديدا فوقعت ذات يوم عن بغلة له فجعل يمسح التراب عن وجهها ويفديها ويقبلها وكانت تكثر من أن تقول له يا بطرون أنت قالون تعني يا مولاي أنت جيد ثم إنها هربت منه فوجد عليها وجدا شديدا فقال
قد كنت أحسبني قالون فانصرفت
فاليوم أعلم إني غير قالون قال أبو محمد بن حزم وقد أحب من الخلفاء الراشدين والأئمة المهتدين كثير وقال رجل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه يا أمير المؤمنين رأيت امرأة فعشقتها فقال ذلك ما لا يملك فالجواب وبالله التوفيق أن الكلام في هذا الباب لا بد فيه من التمييز بين الواقع والجائز والنافع والضار ولا يستعجل عليه بالذم والإنكار ولا بالمدح والقبول من حيث الجملة وإنما يتبين حكمه وينكشف أمره بذكر متعلقه وإلا فالعشق من حيث هو لا يحمد ولا يذم ونحن نذكر النافع من الحب والضار والجائز والحرام أعلم أن أنفع المحبة على الإطلاق وأوجبها وأعلاها وأجلها محبة من جبلة القولب على محبته وفطرت الخليقة على تألهه وبها قامت الأرض والسموات وعليها فطر المخلوقات وهي سر شهادة أن لا إله إلا الله فإن الآله هو الذي تألهه القلوب بالمحبة والإجلال والتعظيم والذل والخضوع وتعبده والعبادة لا تصح الاله وحده والعبادة هى كمال الحب مع كمال الخضوع والذل والشرك في هذه العبودية من أظلم الظلم الذي لا يغفره الله والله سبحانه يحب لذاته من سائر الوجوه وما سواه فإنما يحب تبعا لمحبته وقد دل على وجوب محبته سبحانه جميع كتبه المنزلة ودعوة جميع رسله A أجمعين وفطرته التي فطر عليها عباده وما ركب فيها من العقول وما أسبغ عليهم من النعم فإن القلوب مفطورة مجبولة على محبة من أنعم عليها وأحسن إليها فكيف بمن كل الإحسان منه وما بخلقه جميعهم من نعمه وحده لا شريك له كما قال تعالى وما بكم من نعمة فمن الله الآية وما تعرف به الى عباده من أسمائه الحسنى وصفاته العليا وما دلت عليه آثار مصنوعاته من كماله ونهاية جلاله وعظمته والمحبة له داعيين الجلال والجمال والرب تعالى له الكمال المطلق من ذلك فإنه جميل يحب الجمال بل الجمال كله له والإجمال كله منه فلا يستحق أن يحب لذاته من كل وجه سواه قال الله تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله وقال تعالى
يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه
الآية والولاية أصلها الحب فلا موالات إلا بحب
165
كما أن العداوة أصلها البغض والله ولي الذين آمنوا وهم أولياؤه فهم يوالونه بمحبتهم له وهو يواليهم بمحبته لهم فالله يوالي عبده المؤمن بحسب محبته له ولهذا أنكر سبحانه على من اتخذ من دونه أولياء بخلاف من والى أولياءه فإنه لم يتخذهم من دونه بل موالاته لهم من تمام موالاته وقد أنكر على من سوى بينه وبين غيره في المحبة وأخبر أن من فعل ذلك فقد اتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله وأخبر عمن سوي بينه وبين الأنداد في المحبة أنهم يقولون في النار لمعبوديهم تالله إن كن لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين وبهذا التوحيد في المحبة أرسل الله سبحانه جميع رسله A وأنزل جميع كتبه وأطبقت عليه دعوة جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام من أولهم الى آخرهم ولأجله خلقت السموات والأرض والجنة والنار فجعل الجنة لأهله والنار للمشركين به وفيه وقد أقسم النبي A أنه لا يؤمن عبد حتى يكون هو أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين فكيف بمحبة الرب جل جلاله وقال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه لا حتى أكون أحب إليك من نفسك أي لا تؤمن حتى تصل محبتك لي إلى هذه الغاية فإذا كان النبي A أولى بنا من أنفسنا بالمحبة ولوازمها أفليس الرب جل جلاله وتقدست أسماؤه وتبارك اسمه وتعالى جده ولا إله غيره أولى بمحبته وعبادته من أنفسهم وكل ما منه الى عبده المؤمن يدعوه الى محبة ما يحب العبد ويكرهه فعطاؤه ومنعه ومعافاته وابتلائه وقبضه وبسطه وعدله وفضله وأمانته وإحياؤه ولطفه وبره ورحمته وإحسانه وستره وعفوه وحلمه وصبره على عبده وإجابته لدعائه وكشف كربه وإغاثة لهفته وتفريج كربته من غير حاجة منه إليه بل مع غناه التام عنه من جميع الوجوه كل ذلك داع للقلوب الى تألهه ومحبته بل تمكينه عبده من معصيته وإعانته عليه وستره حتى يقضي وطره منها وكلائته وحراسته له وهو يقضي وطره من معصيته وهو يعينه ويستعين عليها بنعمه من أقوى الدواعي الى محبته فلو أن مخلوقا فعل بمخلوق أدنى شيء من ذلك لم يملك قلبه عن محبته فكيف لا يحب العبد بكل قلبه وجوارحه من يحسن إليه على الدوام بعدد الأنفاس مع رساءته فخيره إليك نازل وشرك إليه صاعد يتحبب إليه بنعمه وهو غني عنه والعبد يتبغض اليه بالمعاصي وهو فقير إليه فلا إحسانه وبره وإنعامه عليه يصده عن معصيته ولا معصية العبد ولومه يقطع إحسان ربه عنه فألأم اللؤم تخلف القلوب عن محبة من هذا شأنه وتعلقها بمحبة سواه وأيضا فكل من تحبه من الخلق أو يحبك إنما يريدك لنفسه وغرضه منك والرب سبحانه وتعالى يريد لك كما في الأثر الآلهي عبدي كل يريدك لنفسه وأنا أريدك لك فكيف لا يستحيي العبد أن يكون ربه له بهذه المنزلة
166
وهو معرض عنه مشغول بحب غيره وقد استغرق قلبه محبة ما سواه وأيضا فكل من تعامله من الخلق ان لم يربح عليك لم يعاملك ولا بدله من نوع من أنواع الربح والرب تعالى إنما يعاملك لتربح أنت عليه أعظم الربح وأعلاه فالدرهم بعشرة أمثاله إلى سبعمائة ضعف الى أضعاف كثيرة والسيئة بواحدة وهي أسرع شيء محوا وأيضا فهو سبحانه خلقك لنفسه وكل شيء خلق لك في الدنيا والآخرة فمن أولى منه باستفراغ الوسع في محبته وبذل الجهد في مرضاته وأيضا فمطلبك بل مطالب الخلق كلهم جميعا لديه وهو أجود الاجودين وأكرم الأكرمين ويعطي عبده قبل أن يسأله فوق ما يؤمله يشكر على القليل من العمل وينميه ويغفر الكثير من الزلل ويمحوه ويسأله من في السموات والارض كل يوم هو في شأن لا يشغله سمع عن سمع ولا يغلطه كثرة المسائل ولا يتبرم بالحاح الملحين بل يجب الملحين في الدعاء ويجب أن يسئل ويغضب اذا لم يسئل فيستحي من عبده حيث لا يستحي العبد منه ويستره حيث لا يستر نفسه وبرحمة حيث لا يرحم نفسه دعاه بنعمته وإحسابه وناداه الى كرامته ورضوانه فأبي فأرسل A في طلبه وبعث معهم اليه عهده ثم نزل سبحانه بنفسه وقال من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له أدعوك للوصل فتأبي أبعث رسلي في الطلب أنزل اليك بنفسي ألقاك في النوم وكيف لا تحب القلوب من لا يأتي بالحسنات إلا هو ولا يذهب بالسيئات الا هو ولا يجيب الدعوات ويقيل العثرات ويغفر الخطيئات ويستر العورات ويكشف الكربات ويغيث اللهفات وينيل الطلبات سواه فهو أحق من ذكر وأحق من شكر وأحق من حمد وأحق من عبد وأنصر من ابتغى وأرأف من ملك وأجود من سئل وأوسع من أعطي وأرحم من استرحم وأكرم من قصد وأعز من التجيء اليه وأكفي من توكل عليه أرحم بعبده من الوالدة بولدها وأشد فرحا بتوبة عباده التائبين من الفاقد لراحلته التي عليها طعامها وشرابه في الارض المهلكة اذا يأس من الحياة فوجدها وهو الملك فلا شريك له والفرد فلا ندله كل شيء هالك الا وجهه لن يطاع الا بإذنه ولن يعصي إلا بعلمه يطاع فيشكر وبتوفيقه ونعمته أطيع ويعصي فيغفر ويعف وحقه أضيع فهو أقرب شهيد وأدنى حفيظ وأوفى وفي بالعهد وأعدل قائم بالقسط حال دون النفوس وأخذ بالنواصي وكتب الآثار ونسخ الاجال فالقولب له مفضية والسر عنده علانية والعلانية والغيوب لديه مكشوف وكل أحد اليه ملهوف وعنت الوجوه لنور وجهه وعجزة القلوب عن إدراك كنهه ودلت الفطرة ةالادلة كلها على إمتناع مثله وشبهه أشرقت لنور وجهه الظلمات إستنارت له الارض والسموات وصلحت عليه جميع المخلوقات لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يحفظ القسط ويرفعه يرفع اليه عمل الليل قبل عمل النهار
167
وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه بالنور لو كشفه لا حرقت سبحات وجهه ما انتهى اليه بصره من خلقه ما
اعتاض باذل حبه لسواه من
عوض ولو ملك الوجود بأسره فصل
وههنا أمر عظيم يجب على اللبيب الاعتناء به وهو أن كمال اللذة والسرور والفرح ونعيم القلب وإبتهاج الروح تابع لامرين أحدهما كمال المحبوب في نفسه وجماله وإنه أولى بايثار المحبة من كل ما سواه والامر الثاني كمال محبته واستفراغ الوسع في حبه وإيثار قربه والوصول اليه على كل شيء وكل عاقل يعلم أن اللذة بحصول المحبوب بحسب قوته ومحبته فكل ما كانت المحبة أقوى كانت لذة المحب أكمل فلذة من اشتد ظمؤه بادراك الماء الزلال ومن اشتد جوعه باكل الطعام الشهى ونظائر ذلك على حسب شوقه وشدة إرداته ومحبته فاذا عرفت هذا فاللذة والسرور والفرح أمر مطلوب في نفسها فهي تذم اذا أعقبت ألم أعظم منها أو منعت لذة خيرا منها وأجل فكيف إذا أعقبت أعظم الحسرات وفوتت أعظم اللذات والمسرات وتحمد إذا أعانت على لذة عظيمة دائمة مستقرة لا تنغيص فيها ولا نكد بوجه ما وهي لذة الاخرة ونعيمها وطيب العيش فيها قال تعالى بل تؤثرون الحيوة الدنيا الآية والله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليبتليهم وينيل من أطاعه هذه اللذة الدائمة في دار الخلد وأما الدنيا فمنقطعة ولذاتها لا تصفو أبدا ولا تدوم بخلاف الآخرة فان لذاتها دائمة ونعيمها خالص من كل كدر وألم وفيها ما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين مع الخلود أبدا فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين بل فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وهذا المعني الذي قصده الناصح لقومه بقوله يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد يا قوم انما هذه الحياة الدنيا متاع وان الآخرة هي دار القرار فاخبرهم ان الدنيا متاع ليستمتع بها الى غيرها وان الآخرة هي المستقر واذا عرفت أن لذات الدنيا متاع وسبيل الى لذات الاخرة ولذلك خلقت الدنيا لذاتها فكل لذة أعانت على لذة الآخرة وأوصلت اليها لم يذم تناولها بل يحمد لحسب ايصالها الى لذة الآخرة اذا عرف فاعظم نعيم الآخرة ولذاتها النظر الى وجه الله جل جلاله وسماع كلامه والقرب منه كما ثبت في الصحيح في حديث الرؤية فوالله ما أعطاهم شيئا أحب اليهم من النظر اليه وفي حديث اخر إنه اذا تجلى لهم ورأوه نسوا ما هم فيه من النعيم وفي النسائي ومسند الامام أحمد من حديث عمار بن ياسر رضي الله
168
عنه عن النبي A في دعائه واسئلك اللهم لذة النظر الى وجهك الكريم والشوق الى لقائك وفي كتاب السنة العبد الله بن الامام أحمد مرفوعا كأن الناس يوم القيمة لم يسمعوا القران من الرحمن فاذا سمعوه من الرحمن فكأنهم لم يسمعوا قبل ذلك فاذا عرف هذا فاعظم الاسباب التي تحصل هذه اللذة هو أعظم لذات الدنيا على الاطلاق وهي لذة معرفته سبحانه ولذة محبته فان ذلك هو لذة الدنيا ونعيمها العالي ونسبة لذاتها الفانية اليه كتلفة في بحر فان الروح والقلب والبدن انما خلق لذلك فاطيب ما في الدنيا معرفته سبحانه ومحبته وألذ ما في الجنة رؤيته ومشاهدته فمحبته ومعرفته قرة العيون ولذة الأرواح وبهجة القلوب ونعيم الدنيا وسرورها من اللذة القاطعة عن ذلك تتقلب آلاما وعذابا ويبقى صاحبها في المعيشة الضنك فليس الحياة الطيبة الا بالله وكان بعض المحبين تمر به أوقات فيقول إن كان أهل الجنة في نعيم مثل هذا إنهم لفي عيش طيب وكان غيره يقول لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجلدونا عليه بالسيوف وإذا كان صاحب المحبة الباطلة التي هي عذاب على قلب المحب يقول في حاله
وما الناس إلا العاشقون ذوو الهوي
فلا خير فمن لا يحب ويعشق
ويقول آخر
أف للدنيا متى ما لم يكن
صاحب الدنيا محب أو حبيب ويقول الآخر
ولا خير في الدنيا ولا في نعيمها
وأنت وحيد مفرد غير عاشق
ويقول الآخر
أسكن الى سكن تلذ بحبه
ونهب الزمان وأنت منفرد
ويقول الآخر
تشكي المحبون الصبابة ليتني
تحملت ما يتقون من بينهم وحدي
فكانت لقلبي لذة الحب كلها
فلم يلقها قبلي محب ولا بعدي
فيكف بالمحبة التي هي حياة القلوب وغذاء الارواح وليس للقلب لذة ولا نعيم ولا فلاح ولا حياة الا بها وإذا فقدها القلب كان المه أعظم من ألم العين إذا فقدت نورها والأذن إذا فقدت سمعها والانف إذا فقد سمه واللسان إذا فقد نطقه بل فساد القلب إذا خلى من محبة فاطره وبارئه وإلهه الحق أعظم من فساد البدن إذا خلي منه الروح وهذا الأمر لا يصدق به الأمن فيه حياة وما لجرح ميت ايلام والمقصود إن أعظم لذات الدنيا هي السبب الموصل الى أعظم لذة في الآخرة ولذات الدنيا أنواع فاعظمها وأكملها ما أوصل الى
169
لذة الآخرة ويثاب الانسان على هذه اللذة أتم ثواب ولهذا كان المؤمن يثاب على ما يقصد به وجه الله من أكله وشربه ولبسه ونكاحه وشفاء غيظ لقهر عدو الله وعدوه فكيف بلذة ايمانه ومعرفته بالله ومحبته له وشوقه الى لقائه وطمعه في رؤية وجهه الكريم في جنات النعيم النوع الثاني لذة تمنع لذة الآخرة وتعقب آلاما أعظم منها كلذة الذين اتخذوا من دون الله أوثانا مودة بينهم في الحياة الدنيا يحبونهم كحب الله ويستمع بعضهم ببعض كما يقولون في الآخرة اذا لقوا ربهم ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا آجلنا الذي أجلت لنا الآية الى قوله يكسبون ولذة أصحاب الفواحش والظلم والبغي في الأرض والعلو بغير الحق وهذه اللذات في الحقيقة انما هي استدراج من الله لهم ليذيقهم بها أعظم الآلام ويحرمهم بها أكمل اللذات بمنزلة من قدم لغيره طعام لذيد مسموم يستدرجه به الى هلاكه قال تعالى سنستدرجهم من حيث لا يعملون الآية إلى قوله
إن كيدي متين
قال بعض السلف في تفسيرها كل ما أحدثوا ذنبا أحدثنا لهم نعمة حتى اذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون الآية إلى قوله
والحمد لله رب العالمين
وقال تعالى لاصحاب هذه اللذة أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بلابل لا يشعرون وقال في حقهم
فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا
الآية وهذه اللذة تنقلب آلاما من أعظم الآلام كما قيل
يا رب كائنة في الحياة لاهلها
عذبا فصارت في المعاد عذابا
النوع الثالث لذة لا تعقب لذة في دار القرار ولا ألما يمنع وصول لذة دار القرار وإن منعت كمالها وهذه اللذة المباحة التي لا يستعان بها على لذة الآخرة فهذه زمانها يسير وليس لتمتع النفس بها قدر ولا بد أن يشتغل عما هو خير وأنفع منها وهذا القسم هو الذي عناه النبي A بقوله كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل الأرمية بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته فانهن من الحق فما أعان على اللذة المطلوبة لذاتها فهو حق وما لم يعن عليها فهو باطل فصل
فهذا الحب لا ينكر ولا يذم بل هو أحد أنواع الحب وكذلك حب رسول الله A وإنما نعني بالمحبة الخاصة وهي التي تشغل قلب المحب وفكره وذكره لمحبوبه والا فكل مسلم في قلبه محبة الله ورسوله A ولا يدخل الاسلام إلا بها والناس متفاوتون في درجات هذه المحبة تفاوت لا يحصيه إلا الله فبين محبة الخليلين A ومحبة غيرهما ما بينهما فهذه المحبة هي التي تلطف وتخفف اثقال التكاليف وتسخي
170
البخيل وتشجع الجبان وتصفي الذهن وتروض النفس وتطيب الحياة على الحقيقة لا محبة الصور المحرمة وإذا بليت السرائر يوم اللقاء كانت سريرة صاحبها من خير سرائر العباد كما قيل
سيبقى لكم في مضمر القلب والحشا
سريرة حب يوم تبلى السرائر
وهذه المحبة هي التي تنور الوجه وتشرح الصدر وتحيي القلب وكذلك محبة كلام الله فانه من علامة حب الله وإذا أردت أن تعلم ما عندك وعند غيرك من محبة الله فانظر محبة القرآن من قلبك وإلتذاذك سماعه أعظم من إلتذاذ أصحاب الملاهي والغناء المطرب بسماعهم فإنه من المعلوم أن من أحب حبيبا كان كلامه وحديثه احب شيئا اليه كما قيل
ان كنت تزعم حبي فلم هجرت كتابي
أما تأملت ما فيه من لذيذ خطابي
وقال عثمان ابن عفان رضي الله عنه لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله وكيف يشبع المحب من كلام من هو غاية مطلوبه وقال النبي A يوما لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه إقرأ علي فقال أقرأ عليك وعليك أنزل فقال إني أحب أن أسمعه من غيري فاستفتح فقرأ سورة النساء حتى إذا بلغ قوله فكيف اذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا قال حسبك الآن فرفع رأسه فاذا عينا رسول الله A تذرفان من البكاء وكان الصحابة اذا اجتمعوا وفيهم أبو موسى يقولون يا أبا موسى إقرأ علينا فيقرأوهم يستمعون فلمحبي القرآن من الوجد والذوق واللذة والحلاوة والسرور أضعاف مالمحبي السماع الشيطاني فاذا رأيت الرجل ذوقه وشدة وجده وطربه وشوقه سماعه الابيات دون سماع الآيات في سماع الالحان دون سماع القرآن وهو كما قيل
نقرأ عليك الختمة وأنت جامد كالحجر
وبيت من الشعر ينشد فتميل كالنشوان
فهذا من أقوي الادلة على فراغ قلبه من محبة الله وكلامه وتعلقه بمحبة سماع الشيطان والمغرور يعتقد انه على شيء ففي محبة الله وكلامه ورسوله A أضعاف أضعاف ما ذكر السائل من فوائد العشق ومنافعه بل لا حب على الحقيقة أنفع منه وكل حب سوى ذلك باطل ان لم يعن عليه ويسوق المحب اليه
فصل وأما محبة النسوان فلا لوم على المحب فيها بل هي من كماله
وقد من الله سبحانه بها على عباده فقال ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة الآية فجعل المرأة سكنا للرجل يسكن اليه قلبه وجعل بينهما خالص الحب وهو المودة المقترنة بالرحمة وقد قال تعالى عقيب ذكره ما أحل لنا من النساء وما حرم منهن
171
يريد الله ليبين لكن ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله حكيم الى قوله خلق الانسان ضعيفا وذكر سفيان الثوري في تفسيره عن ابن طاوس عن أبيه كان اذا نظر الى النساء لم يصبر عنهن وفي الصحيح من حديث جابر عن النبي A أنه رأى إمرأة فأتى زينب فقضى حاجته منها وقال ان المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة الشيطان فاذا رأى أحدكم امرأة فاعجبته فليأت أهله فان ذلك يرد ما في نفسه ففي هذا الحديث عدة فوائد منها الارشاد الى التسلي عن المطلوب بجنسه كما يقوم الطعام مكان الطعام والثوب مقام الثوب ومنها الامر بمداوات الاعجاب بالمرأة المورث لشهوتها بانفع الأدوية وهو قضاء وطره من أهله وذلك ينقض شهوته بها وهذا كما أرشد المتحابين الى النكاح كما في سنن ابن ماجه مرفوعا لم ير للمتحابين مثل النكاح ونكاحه لمعشوقه هو دواء العشق الذي جعله الله داءه شرعا وقدرا وبه تدواي نبي الله داود A ولم يرتكب نبي الله محرما وانما تزوج المرأة وضمها الى نسائه لمحبته لها وكانت توبته بحسب منزلته عند الله وعلو مرتبته ولا يليق بنا المزيد على هذا وأما قصة زينب بنت جحش فزيد كان قد عزم على طلاقها ولم توافقه وكان يستشير رسول الله A في فراقها وهو يأمره بامساكها فعلم رسول الله A انه سيفارقها ولا بد فاخفى في نفسه ان يتزوجها اذا فارقها زيد وخشى مقالة الناس ان رسول الله A تزوج زوجة ابنه فانه كان قد تبني زيد قبل النبوة والرب تعالى يريد أن يشرع شرعا عاما فيه مصالح عباده فلما طلقها زيد وانقضت عدتها منه أرسله اليها يخطبها لنفسه فجاء زيد واستدبر الباب بظهره وعظمت في صدره لما ذكره رسول الله A فناداها من وراء البا يا زينب ان رسول الله A يخطبك فقالت ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر ربي وقامت الى محرابها فصلت فتولى الله عز جل نكاحها من رسوله A بنفسه وعقد النكاح له من فوق عرشه وجاء الوحي بذلك فلما قضى زيد منها وطر ازوجنا كها فقام رسول الله A لوقته فدخل عليها فكانت تفخر على نساء النبي A بذلك وتقول أنتن زوجتكن أهليكن وزوجني الله عز وجل من فوق سبع سموات فهذه قصة رسول الله A مع زينب ولا ريب أن النبي A حبب اليه النساء كما في الصحيح من حديث أنس ورواه النسائي في سننه والطبراني في الاوسط عنه A قال حبب الي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة هذا لفظ الحديث لا ما يرويه بعضهم حبب الي من دنياكم ثلاث زاد الامام أحمد في كتاب الزهد في هذا الحديث اصبر عن الطعام والشراب ولا اصبر
172
عنهن وقد حسده اعداء الله اليهود على ذلك وقالوا ما همه إلا النكاح فرد الله سبحانه عن A ونافح عنه فقال ام يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله الاية وهذا خليل الله أمام الحنفاء كان عنده سارة أجمل نساء العالمين وأحب هاجر وتسرى بها وهذا داود عليه السلام كان عنده تسعة وتسعون امراة فاحب تلك المراة وتزوجها فكمل المائة وهذا سليمان ابنه عليه السلام كان يطوف في الليلة على تسعين امراة وقد سئل رسول الله A عن أحب الناس اليه فقال عائشة رضى الله عنها وقال عن خديجة إني رزقت حبها فمحبة النساء من كمال الانسان قال ابن عباس خير هذه الامة أكثرهم نساء وقد ذكر الامام احمد ان عبد الله بن عمر وقع في سهمه يوم حلولا جارية كان عنقها ابريق فضة قال عبدالله فما صبرت عنها ان قبلتها والناس ينظرون الي وبهذا احتج الامام احمد على حواز الاستمتاع بالمسبية قبل الاستبراء بغير الوطء بخلاف الامة المشتركة والفرق بينهما انه لا يتوهم انفساخ الملك في المسبية بخلاف المشتركة فقد ينفسخ فيها الملك فيكون مستمتعا بأمة غيره وقد شفع النبي A لعاشق ان يواصله معشوقه بان يتزوج به فأبت وذلك في قصة مغيث وبريرة فانه راه يمشي خلفها بعد فراقها ودموعه تجري على خديه فقال لها رسول الله A لو راجعتيه فقالت اتأمرني قال لا انما اشفع فقالت لا حاجة لي به فقال لعمه يا عباس الا تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغضها له ولم ينكر عليه حبها وان كانت قد بانت منه فان هذا مالا يملكه وكان النبي A يساوي بين نسائه بالقسم ويقول اللهم هذا قسمي فيما املك فلا تلمني فيما لا املك يعني في الحب وقد قال تعالى
ولن تستطيعوا ان تعدلوا بين النساء ولو حرصتم
يعني في الحب والجماع فلا تميلوا كل الميل ولم يزل الخلفاء الراشدين الرحماء من الناس يشفعون للعشاق الى معشوقهم الجائز وصلهن كما تقدم من فعل ابي بكر وعثمان وكذلك علي أتي بغلام من العرب وجد في دار قوم بالليل فقال له ما قصتك قال لست بسارق ولكني أصدقك
تعلقت في دار الرباحي خريده
يذل لها من حسن منظرها البدر
لها في بنات الروم حسن ومنظر
اذا افتخرت بالحسن عانقها الفخر
فلما طرقت الدار من حب مهجتي
اتيت وفيها من يوقدها الجمر
تبادرا اهل الدار بي ثم صيحوا
هو اللص محوم له القتل والاسر فلما سمع علي بن ابي طالب رضى الله عنه قوله رق له وقال للمهلب بن رباح اسمح له بها فقال يا امير المؤمنين سله من هو فقال النهاس بن عيبنة فقال خذها فهي لك واشتري معاوية
173
جارية فاعجب بها اعجابا شديدا فسمعها يوما تنشد أبياتا منها
وفارقته كالفصن يهتز في الثرى
طريرا وسيما بعد ماطر شاربه فسئلها فأخبرته انها تحب سيدها فردها اليه وفي قلبه منها وذكر الزمخشري في ربيعه ان زبيدة قرات في طريق مكة على حائط
اما في عباد الله او في امائه
كريم يجلى الهم عن ذاهل العقل
له مقله اما الماء في قريحة
واما الحشا فالنار منه على رجل فنذرت ان تحتال لقائلها ان عرفته حتى تجمع بينه وبين من يحبه فبينما هي في المزدلفة اذ سمعت من ينشد البيتين فطلبته فزعم انه قالهما في ابنة عم له نذر اهلها ان لا يزوجوها منه فوجهت الى الحي وما زالت تبذل لهم المال حتى زوجوها منه واذا المرأة اعشق منه لها فكانت تعده من اعظم حسناتها فتقول ما انا بشيء اسر مني من جمعي بين ذلك الفتي والفتاة وقال الخرائطي وكان لسليمان بن عبد الملك غلام وجارية يتحابان فكتب الغلام لها يوما
ولقد رأيتك في المنام كأنما
اسقيتني من ماء فيك البارد
وكان كفك في يدي وكأننا
بتنا جميعا في فراش واحد
فطفقت نومي كله متراقدا
لأراك في نومي ولست براقد
فاجابته الجارية
خيرا رأيت وكلما ابصرته
ستناله مني برغم الحاسد
اني لأرجو ان تكون معانقي
وتبيت مني فوق ثدي ناهد
واراك بين خلاخلي ودمالجي
واراك فوق ترائبي ومحاشدي
فبلغ ذلك سليمان فأنكحها الغلام واحسن حالهما على فرط غيرته وقال جامع ابن مرجيه سألت سعيد بن المسيب مفتي المدينة هل من حب درهما من وزر فقال سعيد انما تلام على ما تستطيع من الأمر فقال سعيد والله ما سألني احد عن هذا ولو سألني ما كنت اجيب الا به فعشق النساء ثلاث اقسام عشق هو قربة وطاعة وهو عشق الرجل امرأته وجاريته وهذا العشق نافع فانه ادعي الى المقاصد التي شرع الله لها النكاح واكف للبصر والقلب عن التطلع الى غير أهله ولهذا يحمد هذا العاشق عند الله وعند الناس وعشق هو مقت عند الله وبعد من رحمته وهو اضر شيء على العبد في دينه ودنياه وهو عشق المردان فما ابتلى به الا من سقط من عين الله وطرد عن بابه وأبعد قلبه عنه وهو من اعظم الحجب القاطعة عن الله كما قال بعض السلف إذا سقط العبد من عين الله ابتلاه
174
بمحبة المردان وهذه المحبة هي التي جلبت على قوم لوط ما جلبت وما اوتوا لا من هذا العشق قال الله تعالى لعمرك انهم لفي سكرتهم يعمهون ودواء هذا الداء الردى الاستعانة بمقلب القلوب وصدق اللجأ اليه والاشتغال بذكره والتعوض بحبه وقربه والتفكر بالالم الذي يعقبه هذا العشق واللذة التي تفوته به فترتب عليه فوات اعظم محبوب وحصول اعظم مكروه فاذا قدمت نفسه على هذا وآثرته فليكبر على نفسه تكبير الجنازة وليعلم ان البلاء قد احاط به والقسم الثالث من العشق العشق المباح الذي لا يملك كعشق من صورت له امراة جميلة او رآها فجأة من غير تصد فاورثته ذلك عشق لها ولم يحدث له ذلك العشق معصية فهذا لا يملك ولا يعاقب عليه والانفع له مدافعته والاشتغال بما هو انفع له منه والواجب على هذا ان يكتم ويعف ويصبر على بلواه فيثيبه الله على ذلك ويعوضه على صبرة لله وعفته وترك طاعته هواه وايثار مرضاة الله وما عنده فصل
والعشاق ثلاثة أقسام منهم من يعشق الجمال المطلق ومنهم من يعشق الجمال المقيد سواء طمع بوصاله او لم يطمع ومنهم من لا يعشق الا من طمع لوصاله وبين هذه الانواع الثلاثة تفاوت في القوة والضعف فعاشق الجمال المطلق بهيم قلبه في كل واد وله في كل صورة جميله مراد
فيوما بحزوى ويوم بالعقيق
وبالعذيب يوما ويوما بالخليصاء
وتارة ينتحي بنجد ولودية ! شعب العقيق وطورا قصر اينما
فهذا عشقه أوسع ولكنه غير ثابت كثير التنقل
يهيم بهذا ثم يعشق غيره
ويسلاهم من وقته حين يصبح
وعاشق الجمال المقيد اثبت على معشوقه وأدوم محبة له ومحبته اقوى من محبة الاول لاجتماعهما في واحد ويقسم الاولى ولكن يضعفها عدم الطمع في الوصال وعاشق الجمال الذي يطمع في وصاله اعقل العشاق واعرفهم وحبه اقوى لان الطمع يمده ويقويه فصل
وأما حديث من عشق وعف فهذا ممن يرويه سويد بن سعيد وقد انكره حفاظ الاسلام عليه قال ابن عدي في كامله هذا الحديث احد ما انكر على سويد وكذلك ذكره البيهقي وابن طاهر في الزخيرة والتذكرة وابو الفرج بن الجوزي وعده من الموضوعات وانكره
175
ابو عبد الله الحاكم على تساهله وقال أنا اتعجب منه قلت والصواب في الحديث انه من كلام ابن عباس رضي الله عنهما موقوفا عليه فغلط سويد في رفعه قال ابو محمد بن خلف بن المرزبان حدثنا ابو بكر بن الارزق عن سويد فعاتبته على ذلك فاسقط ذكر النبي A وكان بعد ذلك يسأل عنه ولا يرفعه ولا بشبه هذا كلام النبوة واما ما رواه الخطيب له عن الزهري حدثنا المعافا بن زكريا حدثنا قطبة بن الفضل حدثنا احمد بن محمد بن مسروق حدثنا سويد حدثنا ابن مسهر عن هشام بن عروة عن ابيه عن عائشة مرفوعا فمن ابين الخطأ ولا يحمل هذا عن هشام عن أبيه عن عائشة مثل هذا عنه من شم أدني رائحة من العلم من الحديث ونحن نشهد بالله ان عائشة ما تكلمت بهذا عن رسول الله A قط ولا حدث به عنها عروة ولا حدث به عنه هشام قط واما حديث ابن الماجشون عن عبدالله بن ابي حازم عن ابن ابي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعا فكذب على بن الماجشون فانه لم يحدث بهذا ولم يحدث به عنه الزبير بن بكار وانما هذا من تركيب بعض الوضاعين ويا سبحان الله كيف يحتمل هذا الاسناد مثل هذا المتن فقبح الله الواضعين وقد ذكره ابو الفرج بن الجوزي من حديث محمد بن جعفر بن سهل حدثنا يعقوب بن عيسى عن ولد عبد الرحمن بن عوف عن ابن ابي نجيح عن مجاهد مرفوعا وهذا غلط قبيح فان محمد بن جعفر هذا هو الخرائطي ووفاته سنة سبع وعشرين وثلاث مائة فمحال ان يدرك شيخه يعقوب ابن ابي نجيح لا سيما وقد رواه في كتاب الاعتلال عن يعقوب هذا عن الزبير عن عبد الملك عن عبد العزيز عن ابن ابي نجيح والخرائطي هذا مشهور بالضعف في الرواية ذكره ابو الفرج في كتاب الضعفاء وكلام حفاظ الاسلام في انكار هذا الحديث هو الميزان واليهم يرجع في هذا الشأن وما صححه بل ولا حسنه احد يعول في علم الحديث عليه ويرجع في الصحيح اليه ولا من عادته التساهل والتسامح فانه لم يصف نفسه له ويكفي ان ابن طاهر الذي يتساهل في احاديث التصوف ويروي منها الغث والسمين والمنجنقة والموقوذة قد انكره وحكم ببطلانه نعم ابن عباس غير مستنكر ذلك عنه وقد ذكر ابو محمد بن حزم عنه انه سئل عن الميت عشقا فقال قتيل الهوي لا عقل ولا قود ورفع اليه بعرفات شاب قد صار كالفرخ فقال ما شأنه فقال العشق فجعل عامة يومه يستعيذ من العشق فهذا تفسير من قال من عشق وعف وكتم ومات فهو شهيد ومما يوضح ذلك ان النبي A عد الشهداء في الصحيح فذكر المقتول في الجهاد والمبطون والحريق والنفساء يقتلها اولدها والغريق وصاحب الهدم فلم يذكر منهم العاشق يقتله العشق وحسب قتيل العشق ان يصح له هذا الاثر عن ابن عباس رضى الله عنهما على انه لا يدخل الجنة حتى يصبر لله ويعف لله ويكتم لله وهذ لا يكون
176
الا مع قدرته على معشوقه وايثار محبة الله وخوفه ورضاه وهذا احق من دخل تحت قوله تعالى واما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فان الجنة هي المأوى وتحت قوله تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم ان يجعلنا ممن آثر وابتغى حبه ورضاه على هواه بذلك قربه ورضاه آمين يا رب العالمين A واله وصحبه اجمعين آمين