1
الفوائد في اختصار المقاصد
تأليف العز بن عبد السلام

31
بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر بخير
أخبرني الشيخ الإمام الفاضل عثمان بن بلبان المعالمي في شهر رمضان سنة عشرة قال أخبرني الشيخ الإمام العلامة قاضي القضاة مفتي المسلمين أبو عبد الله محمد بن محمد بن بهرام الشافعي أثابه الله الجنة بقراءتي عليه يوم الأحد السادس والعشرين من شهر ربيع الأول سنة خمس وسبع مئة بحلب المحروسة قلت له أخبرك الشيخ العلامة شيخ الإسلام مفتي الفرق أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم الشافعي بقراءتك عليه قال نعم قلت له قلت ( الحمد لله ذي الجود والإحسان والفضل والإمتنان وصلى الله على نبيه المبعوث بالأمر والعدل والإحسان وبالنهي عن الفساد والطغيان فلم يترك صلى الله عليه وسلم شيئا يقرب من الجنان ويبعد من النيران إلا أمر به ولم يدع شيئا يقرب من النيران ويباعد من الجنان إلا نهى عنه )
32
$ فصل في بيان المصالح والمفاسد $ # أما بعد فإن الله تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب لإقامة مصالح الدنيا والآخرة ودفع مفاسدهما # والمصلحة لذة أو سببها أو فرحة أو سببها # والمفسدة ألم أو سببه أو غم أو سببه # ولم يفرق الشرع بين دقها وجلها وقليلهما وكثيرهما كحبة خردل وشق تمرة وزنة برة ومثقال ذرة ! < فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره > ! الزلزلة 99 8 - 7

33
$ فصل في بيان الإحسان المأمور به $ # كتب الله سبحانه الإحسان على كل شيء وأخبر أنه يأمر به على الدوام والاستمرار بقوله ! < إن الله يأمر بالعدل والإحسان > ! النحل 16 90 ورغب فيه بقوله ! < إن الله يحب المحسنين > ! البقرة 2 195 وإن أمرا يكون سببا لحب الله سبحانه لجدير بأن يحرص عليه ويتنافس فيه ويبادر إليه ولا يتقيد ذلك الإحسان بالإنسان بل يجري في حق الملائكة عليهم السلام فإنهم يتأذون مما يتأذى منه الناس بل يجري في حق الحيوان المحترم بل في غير المحترم لقوله صلى الله عليه وسلم إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته وقد جعل لمن قتل الوزغ في الضربة الأولي مئة حسنة وفي الثانية سبعين لأن قتله بضربة واحدة أهون عليه من قتله بضربتين

34
# والإحسان منحصر في جلب المصالح ودرء المفاسد وهو غاية الورع أعلاها إحسان العبادات وهو أن تعبد الله عز وجل كأنك تراه فإن لم تكن تراه فقدر أنه يراك وأفضلهما أن تعبد الله عز وجل مقدرا أنك تراه فإنك إذا قدرت في عبادتك ترى المعبود فإنك تعظمه غاية التعظيم وتجله أعظم الإجلال واعتبر ذلك لها صورة الأكابر والملوك فإن من نظر إلى ملك بنظر إليه فإنه يعظمه أبلغ التعظيم ويهابه أتم المهابة ويتقرب إليه بغاية ما يقدر عليه وهذا محكوم بالعادات فإن عزفت عن تقدير رؤيتك إياه فقد ترى أنه يراك وينظر إليك فإنك تستحي منه وتأتي بعبادته على أتم الوجوه # النوع الثاني الإحسان إلى الخلائق وذلك إما بجلب المنافع أو بدفع المضار أو بهما ولا فرق بين قليله وكثيره وجليله وحقيره فإن ! < فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره > ! الزلزلة 99 7 ! < وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين > ! الأنبياء 21 47 وفي الحديث كل معروف صدقة ولو أن تلقى أخاك وأنت منبسط إليه وجهك وفي الحديث لا تحقرن جارة لجارتها ولا فرسن شاة وفي الحديث

35
تصدقوا ولو بشق تمرة فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة وعلى الجملة فالإحسان مكتوب على كل شيء وكل معروف صدقة كالكلمة الطيبة وطلاقة الوجه وتبسمه وانبساطه وهداية الطريق
36
# النوع الثالث إحسان المرء إلى نفسه بجلب ما أمر الله بجلبه من المصالح الواجبة والمندوبة ودرء ما أمر الله بدرئه عنها من المفاسد المحرمة والمكروهة ولا فرق بين قليله وكثيره وجليله وحقيره ! < فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره > ! الزلزلة 99 8 - 7 و ! < من يعمل سوءا يجز به > ! النساء 4 123 ! < وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها > ! الأنبياء 21 47 $ فصل في بيان الإساءة المنهي عنها $ # الإساءة منحصرة في جلب المفاسد ودرء المصالح وهي متعلقة بالعبادات وبنفس المكلف وغيره من الأناس والحيوانات والمحترمات وعلى الجملة فلا يرجع بشيء من جلب المصالح ودرء المفاسد وأسبابهما إلى الديان لاستغنائه به عن الأكوان وإنما يعود نفعهما وضرهما على الانسان ومن أحسن فلنفسه سعى ومن أساء فعلى نفسه جنى

37
وإحسان المرء إلى نفسه أو إلى غيره إما بجلب مصلحة دنيوية أو أخروية أو بهما وإما بدرء مفسدة دنيوية أو أخروية أو بهما
وإساءته إلى نفسه وإلى غيره إما بجلب مفسدة دنيوية أو أخروية أو بهما أو بدرء مصلحة دنيوية أو أخروية أو بهما ولكل من أحسن إلى نفسه كان أجره مقصورا عليه وكل من أحسن إلى غيره كان محسنا إلى نفسه وإلى غيره وكل من أساء إلى نفسه كان وزره مقصورا عليه وكل من أساء إلى غيره فقد بدأ بالإساءة إلى نفسه وإذا اتحد نوع الإساءة والإحسان كان عامهما أفضل من خاصهما وليس من يصلح بين جماعة كمن أصلح بين اثنين وليس من أفسد بين جماعة كمن أفسد بين اثنين وليسن من تصدق على جماعة أو علم جماعة أو ستر جماعة أو أنقذ جماعة من الهلاك كمن اقتصر على واحد أو اثنين
فائدة في الحث على تحصيل المصالح ودرء المفاسد
وقد حث الرب سبحانه على تحصيل مصالح الآخرة بمدحها ومدح فاعليها وبما رتب عليها من ثواب الدنيا والآخرة وكرامتهما وزجر سبحانه عن ارتكاب المفاسد بذمها وذم فاعليها وبما رتبه عليها من عقاب الدنيا والآخرة وإهانتهما
38
ويعبر عن المصالح والمفاسد بالمحبوب والمكروه والحسنات والسيئات والعرف والنكر والخير والشر والنفع والضر والحسن والقبح
والأدب أن لا يعبر عن مشاق العبادات ومكارهها بشيء من ألفاظ المفاسد وأن لا يعبر عن لذات المعاصي وأفراحها بشيء من ألفاظ المصالح وإن كانت الجنة قد حفت بالمكاره و حفت النار بالشهوات
وجلب المصالح ودرء المفاسد أقسام
أحدها ضروري
والثاني حاجي
والثالث تكميلي
فالضروري الأخروي في الطاعات هو فعل الواجبات وترك المحرمات والحاجي هو السنن المؤكدات والشعائر الظاهرات والتكميلي ما عدا الشعائر من المندوبات والضروريات الدنيوية كالمآكل والمشارب والملابس والمناكح
39
والتكميلي منها كأكل الطيبات وشرب اللذيذات وسكنى المساكن العاليات والغرف الرفيعات والقاعات الواسعات
والحاجي منها ما توسط بين الضرورات والتكميلات
فصل في تفاوت رتب المصالح والمفاسد
ثم تنقسم المصالح إلى الحسن والأحسن والفاضل والأفضل كما تنقسم المفاسد إلى القبيح والأقبح والرذيل والأرذل ولكل واحد منها رتب عاليات ودانيات ومتوسطات متساويات وغير متساويات
ولا نسبة لمصالح الدنيا إلى مصالح الآخرة لأنها خير منها وأبقى ولا نسبة لمفاسد الدنيا إلى مفاسد الآخرة لأنها شر منها وأبقى
ومصالح الإيجاب أفضل من مصالح الندب ومصالح الندب أفضل من مصالح الإباحة كما أن مفاسد التحريم أرذل من مفاسد الكراهة
40
فصل في بيان مصالح الدارين ومفاسدهما
مصالح الآخرة ثواب الجنان ورضا الديان والنظر إليه والأنس بجواره والتلذذ بقربه وخطابه وتسليمه وتكليمه
ومفاسدها عذاب النيران وسخط الديان والحجب عن الرحمن وتوبيخه ولعنه وطرده وإبعاده وخسؤه وإهانته
ولا تقع أسباب مصالح الآخرة ومفاسدها إلا في الدنيا إلا الشفاعة
ولا قطع بحصول مصالح الآخرة ومفاسدهما إلا عند الموت فإن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يبقى بينه وبينها إلا باع أو ذراع فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى لا يبقي بينه وبينها إلا باع أو ذراع فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة
41
وأما مصالح الدنيا ومفاسدها فتنقسم إلى مقطوع ومظنون وموهوم أمثلة ذلك الجوع والشبع والري والعطش والعري والاكتساء والسلامة والعطب والعافية والأسقام والأوجاع والعز والذل والأفراح والأحزان والخوف والأمن والفقر والغنى ولذات المآكل والمشارب والمناكح والملابس والمساكن والمراكب والربح والخسران وسائر المصائب والنوائب
ولا يعرف مصالح الآخرة ومفاسدها إلا بالشرع ويعرف مصالح الدنيا ومفاسدها بالتجارب والعادات
فصل فيما يبنى عليه المصالح والمفاسد
من المصالح والمفاسد ما يبنى على العرفان
ومنها ما يبنى على الاعتقاد في حق العوام
42
وأكثرها يبنى على الظن والحسبان لإعواز اليقين والعرفان
وأقلها مبني على الشكوك والأوهاوم كما في إلحاق النسب في بعض الأحيان
ومعظم الورع مبني على الأوهام
فمن المصالح ما لا يتعلق به مفسدة ولا يجده إلا واجبا أو مندوبا أو مباحا
ومن المفاسد ما لا يتعلق به مصلحة ولا يجده إلا مكروها أو حراما
43
وكل كسب خلا عن المصلحة والمفسدة ولم يكن في نفسه مصلحة ولا مفسدة فحكمه حكم الأفعال قبل ورود الشرع
وللمصالح تعلق بالقلوب والحواس والأعضاء والأبدان والأموال والأماكن والأزمان والذمم والأعيان أو بالذمم والأعيان
فصل في الوسائل
للمصالح والمفاسد أسباب ووسائل وللوسائل أحكام المقاصد من الندب والإيجاب والتحريم والكراهة والإباحة
ورب وسيلة أفضل من مقصودها كالمعارف والأحوال وبعض الطاعات فإنها أفضل من ثوابها
والإعانة على المباح أفضل من المباح لأن الإعانة عليه موجبة لثواب الآخرة وهو خير وأبقى من منافع المباح
44
ويتفاوت الثواب والعقاب والزواجر العاجلة والآجلة بتفاوت المصالح والمفاسد في الغالب
واعلم أن فضل الوسائل مترتب على فضل المقاصد والأمر بالمعروف وسيلة إلى تحصيل ذلك المعروف والنهي عن المنكر وسيلة إلى دفع مفسدة ذلك المنكر فالأمر بالإيمان أفضل من كل أمر والنهي عن الكفر أفضل من كل نهي والنهي عن الكبائر أفضل من النهي عن الصغائر والنهي عن كل كبيرة أفضل من النهي عما دونها وكذلك الأمر بما تركه كبيرة أفضل من الأمر بما تركه صغيرة ثم تترتب فضائل الأمر والنهي على رتب المصالح والمفاسد وتترتب رتب الشهادات على رتب المشهود به من جلب المصالح ودرء المفاسد وكذلك الفتاوى وكذلك يترتب رتب المعونات والمساعدات على البر والتقوى على رتب مصالحهما كما يترتب المعاونة على الإثم والعدوان على ترتيبهما في المفاسد
وبالجملة فالولايات كلها والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحمل الشهادات وأداؤها وسماعها والحكم بها كل ذلك وسيلة إلى جلب مصلحته المبنية عليه أو درء المفسدة الناشئة عنه وكذلك التصرفات الشرعية وسائل إلى تحصيل مفاسدهما سواء كانت معاوضة أو غير معاوضة وكذلك إلى جميع الطاعات والعبادات وإلى المعاصي والمخالفات وإثم وسائل المفاسد دون إثم
45
المفاسد كما أن أجر وسائل المصالح دون أجر المصالح وقد يتوصل بالقول الواحد والعمل الواحد إلى ألف مصلحة وألف مفسدة
فصل في اجتماع المصالح
إذا اجتمعت مصالح أخروية فإن أمكن تحصيلها حصلناها وإن تعذر تحصيلها قإن تساوت تخيرنا بينها وقد يقرع فيما نقدم منها وإن تفاوتت قدمنا الأصلح فالأصلح ولا نبالي بفوات الصالح ولا يخرج بتقويته عن كونه صالحا
وإن اجتمعت مصالح المباح اقتصرنا في حق أنفسنا على الكفاف ولا ننافس في تحصيل الأصلح
وتقدم الأصلح فالأصلح في حق كل من لنا عليه ولاية عامة أو خاصة
46
إن أمكن فلا نفرط في حق المولى عليه في شق تمرة ولا في زنة برة ولا مثقال ذرة ويكون أجر السعي في ذلك
فصل في اجتماع المفاسد
إذا اجتمعت المفاسد فإن أمكن درؤها درأناها وإن تعذر درؤها فإن تساوت رتبها تخيرنا وقد يقرع وإن تفاوتت درأنا الأفسد فالأفسد ولا يخرج الفاسد بارتكابه عن كونه مفسدة كما في قطع اليد المتآكلة وقلع السن الوجعة وقتل الصائل على درهم وقطع السارق في ربع دينار
47
فصل في اجتماع المصالح والمفاسد
إذا اجتمعت مصالح ومفاسد فإن أمكن دفع المفاسد وتحصيل المصالح فعلنا ذلك وإن تعذر الجمع فإن رجحت المصالح حصلناها ولا نبالي بارتكاب المفاسد وإن رجحت المفاسد دفعناها ولا نبالي بقوات المصالح
وقد تنشأ المصلحة عن المفسدة والمفسدة عن المصلحة
وقد تنشأ المفسدة عن المفسدة والمصلحة عن المصلحة
وقد تقترن المصلحة بالمفسدة ولا تنشأ إحداهما عن الأخرى
وإذا ظهرت المصلحة أو المفسدة بني على كل واحدة منهما حكمها وإن جهلنا استدل عليهما بما يرشد إليهما
وإذا توهمنا المصلحة المجردة عن المفسدة الخالصة أو الراجحة احتطنا لتحصيلها
48
وإن توهمنا المفسدة المجردة عن المصلحة الخالصة أو الراجحة احتطنا لدفعها
ولا فرق بين مصالح الدنيا والآخرة في ذاك
وأسباب مصالح الآخرة العرفان والطاعة والإيمان
وأسباب مفاسدها الكفر والفسوق والعصيان
49
والاحتياط للأسباب والوسائل كالاحتياط للمسببات والمقاصد
ومصالح الدنيا لذات المباحات ونفعها
ولا ننافس لأنفسنا إلا في مصالح الآخرة
وننافس في مصالح الدارين لكل من لنا عليه ولاية
فصل في انقسام المصالح إلى دنيوي وأخروي ومركب منهما
الإحسان إلى الناس إما بجلب مصلحة أو درء مفسدة أو بهما وكذلك إحسانك إلى نفسك
والإساءة إلى الناس إما بجلب مفسدة أو دفع مصلحة
50
أبو بهما وكذلك إساءتك إلى نفسك
ولا فرق في ذلك بين الرعاة والرعايا
وكذلك نهى عن الولايات من لا يقوم بإتمامها من جلب المصالح ودفع المفاسد وإنما نهي عن الولايات في حق الضعفة مع ما فيها من الإحسان بجلب المصالح ودرء المفاسد لما تشتمل عليه من مفاسد الإعجاب والكبر والتحامل على الأعداء والبغضاء والنظر للأولياء والأصدقاء والأقرباء
فصل في تبيان حقيقة المصالح والمفاسد
كل مصلحة أوجبها الله عز وجل فتركها مفسدة محرمة
وكل مفسدة حرمها الله تعالى فتركها مصلحة واجبة
وفي كل مفسدة كرهها الله فتركها مفسدة غير محرمة
وكل مصلحة ندب الله سبحانه إليها فتركها قد يكون مفسدة مكروهة وقد لا يكون مكروهة
51
وكل مصلحة خالصة عن المفاسد فهي واجبة أو مندوبة أو ما دونه
وكل مفسدة خالصة من المصالح فهي محرمة أو مكروهة
وكل مصلحتين متساويتين يمكن الجمع بينهما جمع بينهما
وكل مصلحتين متساويتين يتعذر الجمع بينهما فإنه يتخير بينهما
وكل مفسدتين متساويتين يمكن درؤهما فإنه يتخير بينهما
وكل مصلحتين إحداهما راجحة على الأخرى لا يمكن الجمع بينهما تعين أرجحهما
وكل مفسدتين أحدهما أقبح من الأخرى لا يمكن درؤهما تعين دفع أقبحهما
وكل مصلحة رجحت على مفسدة التزمت المصلحة مع ارتكاب المفسدة
وكل مفسدة رجحت على مصلحة دفعت المفسدة بتفويت المصلحة
وكل ما غم وآلم فهي مفسدة
وكل ما كان وسيلة إلى غم أو إلى ألم دنيوي أو أخروى فهو مفسدة لكونه سببا للمفسدة سواء كان في عينه مصلحة أو مفسدة
وكل الدواء فرح فهو مصلحة
وكل ما كان وسيلة إلى فرح أو لذة عاجلة أو آجلة فهو مصلحة
وكل ما كان وسيلة إلى فرح أو لذة عاجلة أو آجلة فهو مصلحة وإن اقترنت به مفسدة
52
وكل ما أوجبه الله من حقوقه أو حقوق عباده فتركه مفسدة محرمة إلا أن يقترن بتركه مصلحة تقتضي جواز تركه أو إيجابه أو الندب إلى تركه
وكل ما حرمه الله سبحانه مما يتعلق به أو بعباده ففعله مفسدة إلا أن تقترن به مصلحة تقتضي جواز فعله أو إيجابه أو الندب إليه
وإذا اجتمعت مصالح بعضها أفضل من بعض قدم الأفضل فالأفضل وقد يخير بالقرع بينهما كالتخيير بين الظهر والجمعة في حق المعذورين وكالتخيير بين الانفراد والجماعات في حق المعدودين وكالتخيير بين خصال الكفارات بين الفاضل والأفضل والصالح والأصلح في حق المعذور وغيره
فالحمد لله الذي دعانا إلى ما فيه صلاحنا في أولانا وأخرانا ونهانا عما فيه فسادنا في دنيانا وأخرانا وأمرنا بكل حسن واجب أو مندوب ونهانا عن كل قبيح محرم أو مكروه وأمرنا أن ندعوه بمثل ذلك عطفا علينا وإحسانا إلينا والسعيد من أطاعه واتقاه والشقي من خالفه وعصاه سبقت الأقدار بذلك وجفت به الأقلام
ومن رحمته سبحانه أن طلب منا القيام بجلب مصالح الدنيا والآخرة ومصالحهما الأفراح واللذات
ومن رحمته سبحانه أن طلب منا القيام بدرء مفاسد الدنيا والآخرة ومن مفاسدها الغموم والآلام ولكنه أمرنا بالتنافس في المصالح الأخروية ونهى عن التنافس في المصالح الدنيوية التي تتعلق بأنفسنا وندبنا إلى
53
الاقتصاد والاقتصار على الكفاف منها وأذن لنا في كل مصلحة مباحة رفقا بنا وإحسانا إلينا
فائدة في بيان أن الشريعة جاءت لجلب المصالح ودرء المفاسد
من مارس الشريعة وفهم مقاصد الكتاب والسنة علم أن جميع ما أمر به لجلب مصلحة أو مصالح أو لدرء مفسدة أو مفاسد أو للأمرين وأن جميع ما نهي عنه إنما نهي عنه لدفع مفسدة أو مفاسد أو جلب مصلحة أو مصالح أو للأمرين
والشريعة طافحة بذلك وقد خفا بعض المصالح وبعض المفاسد على كثير من الناس فليبحثوا عن ذلك بطرقه الموصلة إليه
وكذلك قد يخفى ترجيح بعض المصالح على بعض وترجيح بعض المفاسد على بعض
وقد يخفى مساواة بعض المصالح لبعض ومساواة بعض المفاسد لبعض
وكذلك يخفى التفاوت بين المفاسد والمصالح فيجب البحث عن ذلك بطرقه الموصلة إليه والدالة عليه ومن أصاب ذلك فقد فاز بقصده وبما ظفر به ومن أخطأ أثيب على قصده وعفي عن خطئه رحمة من الله سبحانه ورفقا بعباده
54
فصل في الناجز والمتوقع من المصالح والمفاسد
المصالح والمفاسد ضربان أحدهما ناجز والثاني متوقع
فقتل المؤذيات عند صيالها مفسدة للصائل فآخره مصلحة للمصول عليه ناجزة ولو لم يصل لكان قتلها مفسدة ناجزة لها درءا لمفسدة متوقعة منها والتداوي من الأمراض دفع لمفسدة ناجزة أو تحصيل لمصلحة ناجزة وشرب الأدوية المرة تحصيل لمصلحة ناجزة أو درء لمفسدة ناجزة وقتال الكفار والبغاة والممتنعين من أداء الحقوق درء لمفسدة ناجزة والأمر بالمعروف تارة يكون لمصلحة كالأمر بالواجبات على الفور وتارة يكون لمصلحة متوقعة أكثر من الناجزة والإمامة العظمى وسيلة إلى جلب المصالح الناجزة والمتوقعة وإلى دفع المفاسد الناجزة والمتوقعة وكذلك القضاء والشهادة وإعانة الأئمة والحكام على ما يتولونه من ذلك ومصالح الأئمة منها أخروية ومصالح المتولي عليهم تنقسم إلى دنيوية وأخروية وكذلك الولايات في الأمور الخاصة كقلع عين الناظر إلى الحرم في البيوت دفعا لمفسدة النظر إلى الحرم بمفسدة قلع العين
والعقوبات الشرعية كلها مفسدة ناجزة في حق العاقب لأنها عامة له موطئة مصلحة لزجره وزجر أمثاله في الاستقبال والغالب تفاوت العقوبات بتفاوت المفاسد
55
والنفقات مصلحة للمنفق عليه عاجلة وللمنفق آجلة والإعتاق مصلحة ناجزة للمعتق آجلة للعتق ويتوقع منه مصلحة الولايات بالإرث وملك جارية الابن بإحبال الأب مفسدة في حق الابن مصلحة للأب لا أعرف شاهدا لها بالاعتبار
وأبواب المعروف ضروب الإحسان كلها دقها وجلها مصالح دنيوية أو أخروية في حق المبذول له أخروية في حق باذلها يختلف آخرها باختلاف فضلها وشرفها فأدناها مثقال ذرة من الخير
والمنهيات كلها دقها وجلها من مثقال ذرة فما فوقها مفاسد في حق مرتكبيها إما عاجلة أو آجلة ووزرها متفاوت بتفاوت قبحها وأدناها مثقال ذرة
والإساءة إلى الناس دقها وجلها مفاسد في حق المساء إليه في العاجل مكفرة لذنوبه في الآجل موجبة للأخذ من ثواب حسنات المسيء وهاتان مصلحتان عظيمتان فإن رضي المصاب بذلك أو جبر عليه حصل على أجر الصابرين والراضين ولذلك فرح الأكابر بالبلاء كما يفرحون بالرخاء
والنذر مصلحة للناذر في الآجل يتفاوت أجرها بتفاوت شرفها فإن كان المنذور مختصا بالناذر كالأذكار والحج والعمرة والطواف والاعتكاف كان مصلحة آجلة فإن تعدى نفعه إلى غيره فقد يكون في دين المبذول له وقد
56
يكون في دنياه وقد يكون فيهما وإن كان في أخراه كان مصلحتهما أخرويتين ويتفاوت أجر ذلك بتفاوت ما يجلبه من مصلحة أو يدرؤه من مفسدة
والكفارات إحسان جائز لما فات من المصالح بارتكاب مهماتها فكفارات الحج بالأسباب الجائزة إذ الواجبة جائزة لما فات من تكميل الحج ومصلحتها آجلة للمكفرات إن كانت بالقيام وإن كانت بالمال فهي آجلة لباذلها عاجلة لمن تبذل له وكفارة اليمين الواجب منها أو المباح أو المندوب جائزة لإخلاف الحلف وهي مفسدة مقتضية للتحريم لكن الشرع أباحها لمسيس الحاجة إلى الإخلاف بمجبر ذلك الإخلاف بالكفارة وإن كان في الكفارة أجر فالجبر أغلب ولذلك يجب مع انتفاء المأثم كما تجب الزكوات وأبدال العبادات
والحجر مفسدة في حق البالغ العاقل لكنه جائز في حق العبد والمريض والمفلس تقديما لمصلحة السيد والورثة وغرماء المفلس على مصلحة المحجور عليه وهو في حق السفيه لمصلحته
وحجر الصبي والمجنون مصلحة لا يقترن بها مفسدة وسقوط القضاء عن الأصول وفروع الفروع مصلحة لهم مفسدة في حق الفروع
وقتل المسلم بالكافر والحر بالعبد مفاسد يأنف منها العاقل بخلاف قتل الرجل بالنساء والصلح مع الكفار فيه مصلحة حفظ حقوق المسلمين وحقن دمائهم وفيه مفسدة الكفر فيجوز في أربعة أشهر ولا يجوز في أكثر من
57
سنة لكثرة المفسدة وفيما بينهما خلاف لتردده بينهما ويجوز عند ضرورة المسلمين وخوفهم عشر سنين لفرط مصلحة وعظم المفسدة في تركه وعقوبات الشرع كلها مفاسد للمعاقب لأجل إيلامها لكن رجحت مصالح الزجر في حقه وحق غيره فأحلت وهي مصالح لها من جهة أنها روادع وكفارات وكذا قتال الكفار والبغاة والممتنعين من أداء الحقوق بالقتال درءا لمفسدة
والحوالة مصلحة للمحيل ببراءة ذمته فإن كان المحال عليه أحسن قضاء كان ذلك مصلحة للمحتال وإن كان سيء القضاء فإن ذلك مفسدة جائزة التحمل
والوقف مصلحة أخروية فإن شرط النظر لنفسه أثبت على الوقف وعلى النظر وإن وصى به إلى أقوم به وأفضل وقفه يتفاوت أجر مصارفه وقد تكون مصالح مصارفه دنيوية وأخروية والوقف المتصل أفضل من المنقطع عند من صحح المنقطع
وفي الوصايا مصلحتان أحدهما للموصي في الآجل وهي مختلفة باختلاف رتب الموصى به البائنة للموصى له وهي ضربان أحدهما ما لم يوقف على شرط فمصلحته إلا أن يصرفه الموصى له في شيء من القربات فتكون مصلحته آجلة الضرب الثاني ما تعلق استحقاقه على قربة كالوصية للحجاج والغزاة والفقهاء والقراء فيكون مصلحة الموصى له عاجلة وآجلة
58
والدعاء مصلحة يترتب عليها مصلحة الإجابة وهو متوقع والإجابة بجلب مصالح أو بدرء مفاسد أو بهما
وإفشاء السلام مصلحة يترتب عليها مصالح المحبة
وإطابة الكلام مصلحة يترتب عليها مصالح تأليف القلوب
وعيادة المرضى مصلحة يترتب عليها جبر المريض وإثابة العائد والعمل والتكفير
والحمل والدفن مصالح يترتب عليها إكرام الميت وجبر قلوب أهله وإثابة فاعل ذلك
والصلاة على الميت مصلحة آجلة للمصلي والمصلى عليه أما للمصلي فبالثواب وأما للمصلي عليه فبجلب مصالح الآخرة ودرء مفاسدها لقوله عليه الصلاة والسلام اللهم عافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله ففي قوله عافه وأكرم نزله ووسع مدخله جلب لمصالح الآخرة والتعزية مصلحتها للمعزي أجر الآخرة لأن من عزى مصابا فله مثل أجره ولأهل الميت بالتسلية بحسن الصبر أو الرضا بالقضاء
59
والصبر على البلاء وما يرجى من إجابة الدعاء وإطعام أهل الميت وبذل الأموال كلها والمنافع بأسرها إذا أريد بها وجه الله تعالى فيها مصلحتان إحداهما للباذل أخروية فإن كان يرتاح إلى العطاء فطوبى له وإن كان ممن يشح بنفسه فجاهد نفسه حتى بذلها فله أجران إحداهما على جهاد نفسه والثاني على بذلها المصلحة الماسة للمبذولة وهي مصلحة عاجلة ولذلك كانت اليد العليا خيرا من اليد السفلى لأن مصلحتها أخروية دائمة ومصلحة اليد السفلى دنيوية منقطعة
وفي الصلح فائدة أخروية للمسامح ودنيوية للمسامح وللمتوسط بينهما أجر المسبب إلى المصلحتين
ومن توكل تبرعا كانت مصلحته أخروية ومصلحة الموكل دنيوية وإن توكل بجعل كانت المصلحتان دنيويتين إلا أن سامح ببعضها ومن توكل في طاعة كالحج والعمرة فإن تبرع كانت المصلحة أخروية ومصلحة الوكيل دنيوية وإن شرط عوض المثل وسامح في العوض كانت مصلحته دنيوية وأخروية
والعارية مصلحة أخروية للمعير إذا قصد بذلك وجه الله سبحانه دنيوية للمستعير وقد تكون أخروية من الطرفين كاستعارة سلاح الجهاد وجننه وجمله واستعارة المصاحف وكتب العلم والحديث
60
وكذلك القرض مصلحة أخروية للمقرض إذا قصد به وجه الله عز وجل دنيوية للمقرض إن صرفه في مصالح دنياه وإن صرفه في مصالح أخراه صارت مصلحة القرض أخروية من الطرفين
والإباحات والضيافات مصالحها لباذلها أخروية إذا قصد بها وجه الله ولقابليها دنيوية
وأما إطعام المضطرين ودفع الصوال عن الضعفاء وإنقاذ الغرقى وتخليص كل مشرف على الهلاك كلها أخروية لمن قصد بها وجه الله عز وجل ودنيوية للمنقذ من ذلك الضرب وأجور هذه الوسائل أفضل من مقاصدها دنيوية فائتة وأجور وسائلها أخروية باقية
وأما الشفاعات فمصالحها للشافعين أخروية إذا قصدوا بذلك وجه الله عز وجل
وأما المشفوع لهم فإن كانت الشفاعة في أمر دنيوي فهي دنيوية وسيلتها خير منها وإن كانت أخروية كمن يشفع تعليم علم أو إعانة على عبادة من العبادات كالجهاد والحج فهي للمشفوع له أخروية وأجر المشفوع إليه أفضل من أجر الشافع لأن الشافع مسبب والمشفوع إليه مباشر والمقاصد أفضل من الوسائل
61
فصل في بيان الحقوق
والحقوق أربعة
حق الله تعالى على العباد
وحق لكل عبد على نفسه
وحق لبعض العباد على بعض
وحق للبهائم على العباد
62
وهي منقسمة إلى
فرض عين
وفرض كفاية
وسنة عين
وسنة كفاية
وليس في حق العبد على نفسه فرض كفاية ولا سنة كفاية
فمن الحقوق ما يكون أخرويا محضا كالعرفان والإيمان والنسكين والطواف والاعتكاف
ومنها ما يكون دنيويا محضا كلذات المآكل والمشارب والملابس والمناكح
ومنها ما يكون أخرويا لباذليه دنيويا لقابليه كالإحسان بدفع المباح أو بالإعانة عليه
فصل في كذب الظن في المصالح والمفاسد
كذب الظنون نادر وصدقها غالب ولذلك يبنى جلب مصالح
63
الدارين ودفع مفاسدهما على ظنون غالبة متفاوتة في القوة والضعف والتوسط بينهما على قدر حرمة المصلحة والمفسدة ومسيس الحاجة
فمن بنى على ظنه في المصالح والمفاسد ثم ظهر صدق ظنه واستمر ظنه بذلك فقد أدى ما عليه
وعلى الجملة فالزكوات والكفارات والعمرى والرقبى والأوقاف والوصايا والهبات والعواري وجميع ما ينفع الناس من أصناف التبرعات والمندوبات والواجبات يختلف شرف ذلك باختلاف شرف المبذول وفضله
ومن أتى مصلحة يظنها أو يعتقدها مفسدة كبيرة ثم بان كذب ظنه فقد فسق وانعزل عن الشهادات والروايات والولايات ولا يحد عليها لأنه لم يتحقق المفسدة وكذلك لا يعاقب عليها في الآخرة عقاب من حقق المفسدة
ومن أتى مفسدة يعتقدها أو يظنها مصلحة واجبة أو مندوبة أو مباحة فلا إثم عليه لظنه وترتب على تلك المفسدة أحكامها اللائقة بها من تغريم وغيره
64
فصل فيما يترك من مصالح الندب والإيجاب لما يتعلق به من عذر أو مفسدة
فمن ذلك الصلاة نهى عنها في الأوقات الخمسة والأماكن السبعة ويجب تركها بالإكراه بالقتل
65
ومنها الأذان وقراءة القرآن وإغاثة اللهفان وكسوة العريان وسقي الظمآن وإطعام الجوعان وإكرام الضيفان وإرفاق الجيران وإرشاد الحيران يترك جميعها بالأعذار ويجب تركها بالإكراه بالقتل
وكذلك تأخير الصلاة عن الأوقات وتأخير الصيام يجوزان بالأعذار كالأمراض والأسفار ويجب تركهما بالإكراه بالقتل
وكذلك الجهاد يترك بالأعذار ويجب تركه بالإكراه بالقتل وإذا علم الغازي أنه يقتل من غير نكاية في الكفار وجب الانهزام
ومن ذلك تأخير الزكاة إذا وجبت والشهادة إذا طلبت والفتيا إذا أفتيت والحكم إذا سئل يجوز تأخيرها بالأعذار ويجب تركها بالإكراه بالقتل
66
وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتركان بالأعذار ولا يحرمان عند الإكراه بالقتل إذا كان المأمور به والمنهي عنه تافها
وكذلك يحرم الصدق الضار كما يجب الكذب النافع في بعض الأطوار
فصل فيما يرتكب من المفاسد إذا تعلقت به مصلحة إباحة أو ندب أو إيجاب
إذا اقترن بالمفاسد المحرمة مصلحة ندب إو إباحة أو إيجاب زال تحريمها إلى الندب أو الإباحة أو الإيجاب ولا تخرج بذلك عن كونها مفاسد
كما أن ما يترك من المصالح وجوبا أو ندبا أو جوازا لأرجح منه أو لما يتعلق به من مفسدة أو مفاسد لا يخرج عن كونه مصلحة
فمن ذلك الكفر القولي والفعلي يباحان بالإكراه مع طمأنينة القلب بالإيمان
67
وكذلك القتل يجب بالكفر البغي والصيال على النفوس والأبضاع ويجوز الصيال على الأموال
وكذلك الجرح والقطع يجوزان بالقصاص ويجبان بالسرقة والمحاربة وفي واجب القتال
وكذلك هتك الأستار وإفشاء الأسرار يجب بالجرح في الشهادات والروايات والولايات وكشف العورات وإظهار السوءات للاستمتاع والتطبب ويجب كشف السوءات لأجل الختان
وكذلك تخريب الديار وتحريق الأشجار وشق الأنهار جائز في حق الكفار
وكذلك التولي يوم الزحف جائز بالأعذار
وكذلك قتل النساء والصبيان إذا قاتلوا أو تترس بهم الكفار
وكذلك الإرقاق والإحراق والإغراق في حق الكفار
68
وكذلك الإقتار والإملاق لوفاء ديون الغرماء
وكذلك التولي يوم الزحف جائز بالأعذار
وكذلك الحبس جائز في الديون والتعزيرات ويجب إذا طلب الغرماء من الحكام
وكذلك يجب حبس الجناة إذا غاب المستحق أو كان مجنونا أو صغيرا
وكذلك يجب النفي في زنا البكر ويجوز التعزير
وكذلك يجب الرجم بزنا المحصن ويجوز بالقصاص
وكذلك يجب التحريق والتغريق في القتال الواجب ويجوز في القتال الجائز كالصيال
وكذلك يجوز الكذب للإصلاح ويجب حفظا للدماء والأمانات والأبضاع
69
وكذلك شهادة الزور والحكم بغير حق يجبان بالإكراه بالقتل إذا لم يكن المشهود به من الدماء والأبضاع
وكذلك القذف يجوز للزوج إذا رأى امرأته تزني ويجب إذا علم أن الولد الملحق به ليس منه
وكذلك السرقة تجوز بالضرورة وفي الظفر بجنس الحق وبغير جنسه
وكذلك أكل مال اليتيم يجوز للضرورة بل يجب بها وبالإكراه بالقتل
وكذلك السحر يجب بالإكراه إذا لم يوجب هلاكا في نفس ولا طرف
وكذلك النهب والغصب يجبان بالضرورة والإكراه
وكذلك إفساد الأموال يجوز للحاجات والضرورات ويجب بالإكراه
وكذلك العقوق يجوز بإكراه خفيف ويجب بالإكراه بالقتل
والشريعة طافحة بهذا وأمثاله
70
فصل فيما لا يتعلق به الطلب والتكليف من المصالح والمفاسد وإنما يتعلق التكليف والطلب بآثار بعضه
أما المصالح فكحسن الصور وكمال العقول ووفور الحواس وشدة القوى والرقة والشفقة والرحمة والغيرة والحلم والأناة والكرم والشجاعة فلا يتعلق الأمر باكتسابها إذ لا قدرة على اكتسابها ويتعلق الأمر بآثار أكثرها فمن أطاعها فقد أصاب ومن عصاها فقد خاب
وأما المفاسد فكقبح الصور وسخافة العقول أو فقدها واختلال الحواس والقوى أو فقدهما والغلظة والطيش والعجلة والجبن والبخل وفقد الغيرة وضعفها فهذه مفاسد لا يتعلق التكليف بدفعها
71
لعدم القدرة على دفعها وإنما يتعلق التحريم بما يدعو إليه من المفاسد فمن أطاعها فقد خاب ومن عصاها فقد أصاب
فصل في تفاوت الثواب والعقاب بتفاوت المصالح والمفاسد
الثواب والعقاب يتفاوت في الغالب بتفاوت المصالح والمفاسد دون الأفعال المشتملة عليها فمن أحيا ألف نفس مؤمنة بفعل واحد أو قول واحد أو أمر بألف معروف بقول واحد أو شق نهرا فأغرق به ألف كافر أجر بألف أجر مضاعف على كل واحد من هذه المصالح
ولو أهلك ألف نفس مؤمنة بفعل واحد أو أمر بألف منكر بقول واحد أو حرق أموالا أو رجالا بفعل واحد وزر ألف وزر على كل قول من هذه الأقوال وفعل من هذه الأفعال
72
ومن زنا بأمه في جوف الكعبة في رمضان وهو صائم معتكف محرم أثم ستة آثام ولزمه العتق والبدنة ويحد للزنا ويعزر لقطع رحمه ولانتهاك حرمه الكعبة
فصل في تفاوت الأجر مع تساوي المصلحة
قد تتساوى المصالح من كل وجه ويكون الأجر على مفروضها أفضل من الأجر على مندوبها فمن زكى بشاة أو درهم أو بقرة أو بعير أو نقد أو قوت معشر ثم تصدق بنظيره فإن الزكاة أفضل وإن كانت مصالحها
73
الدنيوية متساوية من كل وجه بل لو كان المتصدق به أكمل من كل وجه لكان درهم الزكاة وماشيتها وأعشارها أفضل مع نقص مصالحها
فائدة في مصالح العباد
مصالح العباد قسمان
أحدهما أخروي محض كالعرفان والإيمان والأحوال والأذكار والنسكين والطواف والاعتكاف
الثاني دنيوي لقابليه أخروي لباذليه كالزكوات والصدقات والهدايا والضحايا والوصايا والهبات والأوقاف وكذلك جميع أنواع الإحسان إلى الناس والحيوان بالإرفاق العاجلة دون الإحسان في الأديان فإن مصلحته أخرويتان
74
فصل فيما يعرف به ترجيح المصالح والمفاسد
إذا اتحد نوع المصلحة والمفسدة كان التفاوت بالقلة والكثرة كالصدقة بدرهم ودرهمين وثوب وثوبين وشاة وشاتين وكغصب درهم ودرهمين وصاع وصاعين
وإن كان أحد النوعين أشرف قدم عند تساوي المقدارين بالشرف كالدرهم بالنسبة إلى زنته من الذهب أو الجوهر وكثوب حرير وثوب كتان وثوب صوف وثوب قطن فإن تفاوت المقدار فقد يكون النوع الأدنى مقدما على النوع الأعلى بالكثرة فيقدم قنطار الفضة على دينار من ذهب أو جوهر ويقدم ألف ثوب من قطن على ثوب حرير فحرمة الدماء آكد من حرمة الأبضاع وحرمة الأبضاع آكد من حرمة الأموال وحرمة الأقارب آكد من حرمة الأجانب وحرمة الآباء والأمهات آكد من حرمة جميع القرابات وحرمة الأحرار آكد من حرمة الأرقاء وحرمة الأبرار آكد من حرمة الفجار وحرمة الأنبياء آكد من حرمة الأولياء
75
وحرمة الرسل آكد من حرمة الأنبياء وحرمة العلماء آكد من حرمة الجهال وحرمة الرعاة آكد من حرمة الرعايا
فصل في انقسام المصالح إلى الفاضل والأفضل
فضائل الأعمال مبنية على فضائل مصالحها والأمر بأعلاها كالأمر بأدناها في حده وحقيقته وإنما تختلف رتب الفضائل باختلاف رتب مصالحها في الفضل والشرف
وتترتب فضائل الأجور على فضائل الأعمال المرتبة على مصالحها في أنفسها أو فيما رتب عليها
وإذا شككت في فضل عمل أو في مرتبة عمل فاعرض مصلحته على رتب مصالح الفضائل فأيها ساوته ألحق به
76
فصل في انقسام المفاسد إلى الرذل والأرذل
النهي عن أكبر الكبائر مساو للنهي عن أصغر الصغائر في حده وحقيقته
وإنما تختلف رتب الرذائل باختلاف رتب المفاسد
والذنوب ثلاثة أقسام
أحدها ما علم كونه كبيرة
والثاني ما علم كونه صغيرة
والثالث ما تردد بينهما
فاعرض مفسدته على مفاسد الكبائر والصغائر فأيها ساوته ألحقت به
77
وقد تجتمع أنواع من الصغائر ومن الإصرار على نوع من الصغائر ما تساوي مفسدته لمفسدة بعض الكبائر فيلحق به
فرع في تفاوت الحدود والتعزيرات بتفاوت مفاسد الجنايات
يتفاوت الحدود والتعزيرات في إيلامها بتفاوت مفاسد الجنايات الموجبة لها كالقتل والقطع والرجم والجلد والنفي والحبس والضرب والسب
فائدة
وجوب إقامة الحدود على الأئمة من فعل سببه الفعل إلى الأمر به وإجابة الأئمة إلى إقامة الحدود فرض كفاية لما في ذلك من تحصيل مصالحها وقول الفقهاء وجب على الجاني والزاني والقاذف الحد والقصاص يجوز بلا خلاف ولأن مباشرة الحد لا تجب على ذي الجريمة بل الذي يجب عليه التمكين من
78
القصاص وهل يجب عليه أجرة الجلاد والمقتص إذا لم يكن هو الولي فيه خلاف
وأما اليهود فلا يجب عليهم الشهادة بحدود الله بل إن رأوا المصلحة في الشهادة للزجر شهدوا وإن رأوا المصلحة في الستر ستروا
فصل فيما يقدم من الإحسان القاصر والمتعدي
يقدم حفظ الأرواح على حفظ الأعضاء وحفظ الأعضاء على حفظ الأبضاع وحفظ الأبضاع على حفظ الأموال وحفظ المال الخطير على حفظ المال الحقير وحفظ الفرائض مقدم على حفظ النوافل وحفظ أفضل الفرائض على حفظ مفضولها
ويقدم بر الأبرار على بر الفجار وبر الأقارب على بر الأجانب وبر الجيران على بر الأباعد وبر الآباء والأمهات والبنين والبنات على غيرهم من سائر القرابات وبر الضعفاء على بر الأقوياء وبر العلماء على بر الجهال
79
ويقدم حق الشفيع على حق المشتري دون حق البائع فلا يؤخذ بالشفعة إذا كان للبائع الخيار ولا تسليط عليه
وقدم حق الله عز وجل وحق العتق على حق الشريك في السراية لأنه جمع بين بعض الحق وبدل نفسه
وقدم حق المغبون في الرد بالعيب والتصرية والتدليس وإخلاف الشرط لأن كل واحد منهم مغبون فدفع الشرع نفسه بإثبات الخيار
وقدم حق الفقراء في الزكوات على حقوق الأنبياء لما دفعوه من الحاجات والضرورات وسد الخلات والمزكون أسعد بذلك من الفقراء لأن مصالحهم خير وأبقى من مصالح الفقراء
وقدم وفاء الديون على إرث الوارثين لأن الموروث أحق بماله من ورثته ومن الناس أجمعين ولأن بقاء الدين في ذمته موجب لأخذ بدله من حسناته فكان توفير حسناته عليه أولى من نفع ورثته بما اكتسبه وبعد في تحصيل أكثره
وكذلك يقدم حقوق السادة على حقوق الأرقاء وحقوق الأرقاء على السادة والنساء على الأزواج والأزواج على النساء فيما يليق بكل واحد منهم
ويقدم حقوق أولياء النكاح في العقد والكفاءة على النساء كما يقدم حقوقهن على حقوق الأولياء إذا دعوتهم إلى نزوع الأكفاء
80
ويقدم حقهن في الفسخ بالعيوب على حقوق الأولياء كما يقدم فسخهن بالإيلاء على حقوق بعولتهن في أبضاعهن دفعا لضررة الإيلاء
ويقدم أقرب العصبات إلى الميت بالإرث إن استوت الجهات
فصل فيمن يقدم في الولايات
يقدم في كل الأعراف بأركانها وشرائطها وسننها وآدابها وسائر مصالحها ومفاسدها مع القدرة على جلب مصالحها ودرء مفاسدها فإن استوى اثنان في مقاصد الولايات أقرع بينهما وقد يقدم بغير قرعة
ويقدم في إمامة الصلاة العالم بأركانها وشرائطها وسننها وآدابها وسائر مصالحها ومبطلاتها فيقدم الفقيه القارىء على غيره ويقدم الأفقه على الأقرأ
ويقدم الأورع على الورع لأن ورعه يحثه على تكميل الصلاة
وتقدم النساء على الرجال في الحضانة لأنهن أعرف بالتربية وأشفق على الأطفال
81
وتقدم الأم على سائر الأقارب لفرط حنوها وشفقتها على طفلها
وتقدم الأم الجاهلة بأحكام الحضانة على العمة العالمة بأحكامها لأن طبعها يحثها على معرفة مصالح الطفل وعلى القيام بها وحث الطبع أقوى من حث الشرع
وتقدم العصبات في باب النكاح على الأجانب لفرط حرصهم على تحصيل الأكفاء ودفع العار عنهم وعن نسائهم
ويقدم الآباء والأجداد على الحكام في النظر في أموال الأطفال لأن فرط الشفقة يحثهم على المبالغة على جلب المصالح ودرء المفاسد
ويقدم في ولاية الحروب الأشجع الأعرف بمكايد الحروب وخدع القتال
ويقدم في ولاية الأيتام الأعرف بالأحكام المتعلقة بالأيتام وبمصالح التصرف لهم ودرء المفاسد عنهم وعن أموالهم مع الشفقة والرأفة والرحمة
ويقدم في الولاية العظمى الأعرف بمصالح العامة والخاصة القادر على القيام بجلب مصالحها ودرء مفاسدها
82
ويقدم في كل تصرف من التصرفات الأعرف بجلب مصالحه ودرء مفاسده الأقوم بهما كالقسمة والخرص والتقويم
ولا يشترط في نظر الإنسان لمصالح نفسه العدالة لأن طبعه يحثه على جلب مصالح نفسه ودرء المفاسد عنها
ويشترط العدالة في نظره لغيره لتكون عدالته وازعة عن التقصير في جلب مصالح المولى عليه ودفع المفاسد عنه
ويسقط شرط العدالة في الولاية العامة لتعذرها فينفذ من تصرفهم ما ينفذ مثله في الإمام العادل ويرد من تصرفهم ما يرد من تصرف الإمام العادل وإنما جاء ذلك دفعا للمفاسد عن الرعايا وجلبا لمصالحهم
وقد يسقط شرط العدالة لكون الطبع قائما مقامها في جلب المصالح ودرء المفاسد كعدالة المولى في النكاح والحضانة لأن طبع
83
المولى والحاضن يحثان على تحصيل مصالح النكاح والحضانة ودفع المفاسد عن المولى عليهم وشفقة القرابة تحث على القيام بمصالح الأطفال ودفع المفاسد عنهم
وبمثل هذا قيل في إقرار المؤمن والكافر لأن طبعهما يزجرهما عن الكذب الضار بهما
وإن فسق الأب والجد ففي انعزالهما عن النظر في المال مقال لأن طبعهما يحثهما على إيثار أنفسهما على طفلهما فلا يقوى الوازع عن التقصير في حق الأطفال فكم من أب أكل مال ابنته ونافس في إنكاحها
ويقدم في كل حكم خاص الأعرف به الأقوم بمصالحه ولا يضره الجهل بأحكام غيره فيقدم في الجرح والتعديل والقسمة والتقويم الأعرف بمصالحها وأحكامها وكذلك الحكم في البياعات والمناكحات
84
ويقدم في الحكم الأعرف بأحكام الشرع الأقدر على القيام بمصلحته الأعرف بالحجج التي يبنى عليها القضاء كالأقارير والبينات
فائدة في اختيار الأصلح للولاية
لما رأى أبو بكر رضي الله عنه عمر رضي الله عنه أصلح للولاية من غيره أوصى له بها وصدقت فراسته
ولما رأى عمر رضي الله عنه فضل الستة رضي الله عنهم على من سواهم ولم يظهر له الأصلح منهم حصرها فيهم
ولما رأى عبد الرحمن بن عوف عثمان رضي الله عنه أصلح أخرج نفسه منها إذ لا يجوز التقدم على الأصلح فلما فوضوا أمر التولية إليه فوض الخلافة إلى عثمان رضي الله عنهم أجمعين ولم يتمكن عثمان رضي الله عنه من الوصية
ولما تمكن علي رضي الله عنه من التولية ولى الحسن رضي الله عنه
ولما رأى الحسين نفسه أصلح أجاب أهل الكوفة إلى البيعة ولا حجة لمعاوية رضي الله عنه عنه في تولية يزيد ولكن الله يفعل ما يريد
85
ولما رأى سليمان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يصلح للخلافة فوضها إليه ووفق لتوليته
وأما الرسول صلى الله عليه وسلم فالظاهر أنه علم بترتيب الخلفاء فلم يفوض إلى أحد لأنه علم أن الله سبحانه وتعالى لا يخذله في أصحابه وأنه تولى عليهم أصلحهم فأصلحهم
فائدة في تقديم غير العدل في الولاية
إذا لم نجد عدلا يقوم بالولايات العامة والخاصة قدم الفاجر على الأفجر والخائن على الأخون لأن حفظ البعض أولى من تضييع الكل وفي مثله في الشهادات نظر
فائدة في صرف مال المصالح
إذا جار الملوك في مال المصالح وظفر به أحد يعرف المصارف
86
مقدمها ومؤخرها أخذه وصرفه في أولى مصارفه فأولاها كما يفعله الإمام العادل وهو مأجور بذلك والظاهر وجوبه
فائدة في صرف الأموال إلى من لا يستحقها
إذا أخذت الأموال بغير حقها وصرفت إلى من لا يستحقها أو أخذت بحقها وصرفت إلى من لا يستحقها وجب ضمانها على صارفها وآخذها سواء علما أم جهلا فإن مات أحد هؤلاء قبل أداء ما عليه لم ينفذ عتقه ولا تبرعه في مرض موته ولا ما وصى به من التبرعات ولا ينفذ تصرف ورثته في تركته حتى يقضى ما لزمه من ذلك ويصرف إلى مستحقه فإن أخذه الإمام العادل ليصرفه إلى مستحقه برئ بقبض الإمام
87
وكذلك الحكم في ضمان المكوس والخمور والبغايا وكل جهة محرمة فإن ضمنوا ذلك مختارين له فضمانه مقصور عليهم وعلى كل من وضع يده عليه وأما المعينون على ذلك فإن قبضوا منه شيئا طولبوا به في الدنيا والآخرة وإن لم يقبضوا منه شيئا كان عليهم وزر المعاون على الإثم والعدوان
وعلى الجملة فإثم تضمين المحرمات كالبغايا والمكوس على ضامنيه ومضمنيه وعلى من أعان على ذلك كما ذكرناه ومن علم ذلك فلم ينكره مع القدرة على إنكاره فهو آثم إلا أن يعلم أن إنكاره لا يصغى إليه ولا يلتفت عليه
وكذلك الحكم في جميع ما يحدثه الظلمة من المظالم
واعلم أن إثم الزنا على الزناة والزواني وما يأخذه البغايا مضمون مالم يتصدق به عليهن
وأخذ الزكوات لتصرف إلى غير مستحقيها إثم ذلك وضمانه على كل من وضع يده عليه وإلا كان المستحقون للزكوات خصماءه يوم القيامة ولا تبرأ ذمم المزكين بالدفع إليهم إلا أن يصرف إلى مستحقيه
وصرف مال المصالح إلى غير مستحقيه الخصوم فيه يوم القيامة أكثر من الخصوم في الزكوات فإن كان المال مستوعبا لجميع المصالح فالخصوم قد تقوم
88
القيمة مستحقوه على قدر استحقاق كل واحد منهم وإن لم يستوعب المصالح كانت الخصومة فيه من مستحق التقويم به
ومن أخذ من الغنائم ما لم يعينه المقاسم غير الاستلاب إذا أخذها العاملون أثم وضمن الأخماس لمستحقيها وأربعة الأخماس للغزاة الأصبر ما يستحقه منها بالقسم فيخاصمه في ذلك الفقراء والمساكين وأبناء السبيل وذوو قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل المصالح العامة ويخاصمه في أربعة الأخماس من يستحق ذلك من الغازين على قدر أنسابهم
ومن مات وعليه دين تعدى بسببه أو بظلمه فإنه يؤخذ من ثواب حسناته بمقدار ما ظلمه به فإن فنيت حسناته طرح عليه من عقاب سيئات المظلوم ثم ألقي في النار
ومن مات وعليه دين ولم يتعد بسببه ولا بمظلمة فإنه يؤخذ من ثواب حسناته في الآخرة كما يؤخذ أمواله في الدنيا حتى يصير فقيرا لا مال له ولا يؤخذ ثواب إيمانه كما لا يؤخذ في الدنيا ثياب بدنه فإن فنيت حسناته لم يطرح عليه من سيئات خصمه شيء لأنه لم يعص
ومن شهد بما لا يعلم فإن كان كاذبا أثم ثلاثة آثام إثم المعصية وإثم إعانة الظالم وإثم خذلان المظلوم بتفويت حقه وإن كان صادقا أثم إثم المعصية لا غير لأنه سبب إلى براء ذمة الظالم وإيصال المظلوم إلى حقه
89
ومن شهد بحق يعلمه فإن كان صادقا أجر على قصده وطاعته وعلى إيصال الحق إلى مستحقيه وعلى تخليص المظلوم من الظالم وإن كان كاذبا بسبب سقوط الحق الذي تحمل الشهادة به وهو لا يشعر بسقوطه أثيب على قصده ولا يثاب على شهادته لأنها مضرة بالخصمين وفي تعديه ورجوعه على الظالم بما أخذه من المظلوم نظر إذ الخطأ والعمد في الأسباب والمباشرات سيان في باب الضمان
فائدة
ما يدفع إلى الناس من أموال بيت المال لآخذه أحوال
أحدها أن يكون ممن يستحق ذلك القدر كالغازي فيجوز
وإن كان ممن لا يستحقه فإن أخذه لنفسه لم يجز له وإن أخذه ليرده على مستحقيه فإن كان من العلماء الموثوق بفتياهم وأديانهم لم يجز له أخذه لأن ذلك يسقط الثقة بقوله وفتياه فيكون مأخذه ممتنعا للانتفاع بتعليمه والاعتماد على فتياه ومفسدة ذلك رد على مصلحة دفع ذلك إلى مستحقه لأن إحياء الشرع فرض متعين ولا سيما في هذا الزمان فإن لم يكن من أولئك فإن كان عالما بمصارفه جاز له أخذه بنية صرفه في مصارفه وإن كان جاهلا بالمصارف فأخذه بنية من يسأل عنها العلماء الموثوق بفتياهم فإذا أخبروه بمصارفه فصرفه فيها أجر على ذلك وكان له أجر إعانة أخيه المسلم على إيصال
90
حقه إليه والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه وقال تعالى ! < وتعاونوا على البر والتقوى > ! المائدة 5 2 وقال تعالى ! < إن الله يأمر بالعدل والإحسان > ! النحل 16 90 فأما ما يؤخذ من الناس بغير حق فعلى ولي الأمر إثم كل من ظلمه # وأما مباشرة أخذ الظلم فإن كان مختارا لزمه الضمان والآثام وإن كان مكرها فله حالان # أحدهما أن يوجد الإكراه المعتبر بالتهديد باللسان وفي وجوب الضمان على المكره وجهان فإنه أتلف مالا معصوما لإنقاذ نفسه فصار كالمضطر إذا أتلف طعاما لحفظ نفسه # الحال الثاني أن يكره بلسان الحال وهو يعلم من عادة السلطان إذا خولف أن يسطو بمن خالفه سطوة يكون مثلها إكراها ففي إلحاق ذلك بالإكراه باللسان مذهبان لأن الخوف الحاصل في الإكراه بلسان الحال كحصول خوف بالإكراه بلسان المقال والإقدام جائز بالإكراه لأنها حال اضطرار ولا يباح بالإكراه قتل ولواط ولا زنا ويجب على المكره إذا عجز عن الدفع الصبر إلى الممات وكذلك كقتل # ويباح كفر اللسان بالإكراه مع طمأنينة القلب بالإيمان ولا يجب التلفظ

91
بالكفر وله أن يصر إلى الممات لما في ذلك من إعزاز الدين وإجلال رب العالمين الذي أكمل أنواع خلاف كل الميتات
ويجوز التغرير بالنفوس والأعضاء في كل قتال واجب لتحصيل مصالحه وكذلك التغرير بالنفوس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند أئمة الجور لما فيه من إعزاز الدين ونصر رب العالمين وقد جعله صلى الله عليه وسلم أفضل الجهاد فقال صلى الله عليه وسلم أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر لأن تغريره لنفسه وبذله لها آلم من تغرير المجاهدين فإن المجاهد يرجو أن يقتل قربة بخلاف الآمر والناهي للسلطان الجائر فإن علم من جوز بآلة القتال أنه يقتل من غير تحصيل شيء من المصالح التي شرع لها القتال حرم المقام ووجب الانهزام لأنه غرر بنفسه وأعضائه من غير حصول مصلحة والمفسدة المجردة عن المصلحة محرمة ولا سيما مفسدة فوات النفوس والأعضاء
92
فائدة فيمن مات وعليه دين
من مات وعليه دين تعدى بسببه أو بمطله فإنه يؤخذ من ثواب حسناته مقدار ما ظلم فإن فنيت حسناته طرح عليه من عقاب سيئات المظلوم ثم ألقي في النار
ومن مات وعليه دين لم يتعد بسببه ولا بمطله فإنه يؤخذ من ثواب حسناته في الآخرة كما يؤخذ أمواله في الدنيا حتى يصير فقيرا لا مال له ولا يؤخذ ثواب إيمانه كما لا يؤخذ في الدنيا ثياب بدنه فإن فنيت حسناته لم يطرح عليه من سيئات خصمه شيء لأنه لم يعص به
قاعدة في المال المعصوم
لا توضع الأيدي على مال معصوم إلا لضرورة أو حاجة عامة كوضع الحاكم يده على أموال الأطفال والمجانين والغائبين وجميع الأمانات
93
الشرعية وكوضع الملتقط يده على اللقطة والظافر بجنس حقه وبغير جنسه من مال غريمه والمضطر على ما يدفع به ضرورة ولا يتصرف في مال معصوم إلا بإذن ربه ويستثنى أموال الأطفال والمجانين وما يخشى ضياعه وتلفه من الأمانات الشرعية وغير الشرعية
وكذلك تصرف الملتقط بالتملك وبيع ما يسرع فساده
وكذلك تصرف الظافر بجنس حقه وبغير جنسه
وكذلك إذا وجد مالا يشتري به الطعام والشراب أو ما لا يدفع به ضرورته من اللباس
قاعدة في عدم تولي أحد طرفي التصرف
لا يتولى أحد طرفي التصرف ويستثنى منه تصرف الآباء والأجداد في أموال الأولاد والأحفاد
94
وكذلك تملك الملتقطين وبيع الظافرين بغير جنس حقوقهم فإنهم يتولون البيع وقبض الثمن وأقباضه من أنفسهم
وكذلك قبضهم لجنس حقوقهم قاموا فيه مقام قابض ومقبوض
فائدة في عدم ثبوت الملك للموتى
لا يثبت الملك للموتى إذ لا حاجة بهم إليه ويثبت للأجنة في بطون الأمهات ولو كان نطفة أو مضغة أو علقة لأنهم صائرون إلى الاحتياج إليه
ومن خلف تركة زال ملكه عنها بموته إلا أن يكون عليه دين أو وصية ففي بقاء ملكه وزواله ورفعه اختلاف لأجل احتياجه إليه
95
فائدة في الشرائط
من الشرائط ما يعم التصرفات لافتقارها إليه ووقوف مصالحها عليه
ومنها ما يختص ببعض التصرفات لوقوف كمال مصلحته عليه ومنها ما يشترط في تصرف ويكون مبطلا في تصرف آخر فاستقصاء الأوصاف مبطل للسلم لأنه مانع من تحصيل مقصوده مصحح في باب الحكومات في حق المحكوم له والمحكوم به والمحكوم عليه لتحصيله لمقصود الأحكام
ويجوز القراض على عوض معدوم مجهول
ويجوز المزارعة والمساقاة على عوضين
أحدهما معدوم معلوم وهو عمل العامل
والآخر مجهول معدوم وهو نصيبه من الثمر والزرع
وعمل الجعالة مجهول من جهة العامل معدوم والجعل معلوم إذ
96
لا حاجة إلى جهالته ولا يصح تمليكه المنافع إلا مقدرة بعمل أو زمان أو مكان إلا في الوصايا
ويجوز في العواري بغير تقدير لأنها إباحة كإباحة ثمار البستان وأكل الضيفان
وتقدير المنافع بالزمان
والعمل شرط في الإجارة مبطل في باب النكاح لأن الأجل في النكاح ممتد إلى موت أحد الزوجين ولو قدر بأجل معلوم لبطل
وتصرف المرء فيما سيملكه وإذنه في التصرف فيه باطلان إلا في باب القراض فإن الإذن في بيع ما يشترى برأس المال نافذ إذ لا يتم مصلحة هذا الباب إلا بذلك
وما خص الشرع بابا من الأبواب بحكم خاص إما لمصلحة خاصة
97
تتعلق بذلك الحكم أو لدرء مفسدة خاصة يتعلق به
وقد وقف معظم العلماء على تلك المصالح والمفاسد واختص بعضهم بكثير منها وخفي أقلها عن الكل ويعبر عنه بالتعبد
98
فصل فيما يقبل الشروط من التصرفات وما لا يقبل
النكاح لا يقبل الشرط ولا التعليق على الشرط
والوصية والولاية تقبلان الشرط والتعليق على الشرط
والوقف يقبل الشرط وفي تعليقه على الشرط خلاف
والبيع والإجارة يقبلان الشرط ولا يقبلان التعليق على الشرط
والطلاق والعتاق يقبلان التعليق على الشرط ولا يقبلان الشرط
والوكالة تقبل الشرط وفي قبول التعليق على الشرط خلاف وتعليق التصرف بعد التوكيل جائز على الأصح
فصل في بيان الإساءة والإحسان
لا يرجع شيء من جلب المصالح ودرء المفاسد وأشباههما إلى الديان تعالى لاستغنائه عن الأكوان وإنما يعود نفعهما وضرهما على الإنسان فمن أحسن فلنفسه سعى ومن أساء فعلى نفسه جنى
99
وإحسان المرء إلى نفسه أو إلى غيره إما بجلب مصلحة دنيوية أو أخروية أو بهما أو بدرء مفسدة دنيوية أو أخروية أو بهما
وإساءته إلى نفسه أو إلى غيره إما بجلب مفسدة دنيوية أو أخروية أو بهما أو بدرء مصلحة دنيوية أو أخروية أو بهما فكل من أحسن إلى نفسه كان أجره مقصورا عليه وكل من أحسن إلى غيره كان محسنا إلى نفسه وإلى غيره وكل من أساء إلى نفسه كان وزره مقصورا عليه وكل من أساء إلى غيره فقد بدأ بالإساءة إلى نفسه
وإذا اتحد نوع الإساءة والإحسان كان عامهما أعظم من خاصهما فليس من أصلح بين جماعة كمن أصلح بين اثنين وليس من أفسد بين جماعة كمن أفسد بين اثنين وليس من تصدق على جماعة أو علم جماعة أو ستر جماعة أو أنقذ جماعة من الهلاك كمن اقتصر على واحد اثنين
فصل فيما ينضبط من المصالح والمفاسد وما لا ينضبط منها
المصالح والمفاسد ضربان
100
أحدهما محدد مضبوط كالقتل والقطع والإنقاذ منهما
والثاني غير مضبوط كالمشاق والإغرار والمخاوف والأفراح واللذات والغموم والآلام كآلام الحدود والتعزيرات
وأكثر المصالح والمفاسد لا وقوف على مقاديرها وتحديدها وإنما تعرف تقريبا لعزة الوقوف على تحديدها فالمشاق المبيحة للتيمم كالخوف من شدة الظمأ ومن بطء البرء ولا ضابط لهما
وكذلك سبب الانتقال من قيام الصلاة إلى قعودها ومن قعودها إلى اضطجاعها وكذلك ما يشوش من اختلال خشوع الصلاة من الأعذار لا ضابط للقدر المشوش منه
وكذلك الأعذار المبيحة لمحظورات الإحرام
وكذلك الغصب المانع من الإقدام على الأحكام
101
وكذلك المرض المبيح للإفطار في الصيام إن ضبط بالمشقة فالمشقة في نفسها غير مضبوطة وإن ضبط بما يساوي مشقة الأسفار فذلك غير محدود
وكذلك مشقة الأعذار المبيحة لكشف العورات وإظهار السوءات
ومن ضبط ذلك بأقل ما ينطلق عليه الاسم كأهل الظاهر فقد خلص من هذا الإشكال
فصل فيما يفتقر إلى النيات
لا تجب النية فيما يمتاز من العبادات والمعاملات وإنما تجب النية في العبادات فيما دار بين العبادات والعادات أو بين رتب العبادات وكذلك لا تجب في المعاملات فيما دار بين العبادات والعادات أو بين رتب العبادات وكذلك لا تجب في المعاملات فيما تميز بصورته عن غيره وإنما تجب في الملتبسات المترددات كالديون وإيقاع التصرفات عن الإذنين
102
وفي أخذ جنس الحق وغير جنسه وفي التصرف المقابل للوقوع عن الإذن والمأذون له فإنه واقع عن المأذون له لأنه الغالب من أفعاله وفي وفي الصيد ولا يقع عن الإذن إلا بنية ولا نية في متعين كالعرفان والإيمان والأذان وقراءة القرآن ودفع الأعيان إلى مستحقيها وإقامة العقوبات على الجناة
قاعدة في الأحكام الظاهرة والباطنة
الأحكام ضربان
أحدهما باطن وهو كل حكم جلب المصلحة في نفس الأمر ودرء المفسدة المقصود درؤها في نفس الأمر فهذا هو المقصود الأصلي
الضرب الثاني حكم في الظاهر وهو كل حكم ظهرت أسبابه بالظهور وله حالان
103
أحدهما أن يصدق الظن فيكون ذلك الحكم هو حكم الله عز وجل ظاهرا وباطنا
الحال الثانية أن يكذب الظن في جلب المصالح ودرء المفاسد فهذا الحكم خطأ عند الله عز وجل والصواب عند الله عكسه فإذا أخبر المخبر أو أقر المقر أو شهد الشاهد أو حكم الحاكم أو قوم المقوم أو ألحف الحائف أو قسم القاسم فإن أصابوا الحكم الباطن فقد حصل مقصود الشرع وحصلت المقاصد الدنيوية والأخروية واندفعت المفاسد الدنيوية والأخروية وإن لم يصيبوا في ذلك عفي عن مظانهم وأثيبوا على قصدهم
وكذلك إذا تقرب المتقرب بمال يظنه حلالا وهو عند الله سبحانه حرام أو قضى به دينه أو كفر باعتقاد فيه بظنها مسلمة فإذا هي كافرة فإنها لا تبرأ ذمته من الدين والكفارة ولا تحصل القربة به ولكن يثاب على قصد التقرب فإن من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة
قاعدة
القدرة على التسبب إلى ما وجب كالقدرة على تحصيل الماء بالطلب والشراء وغيره كالقدرة على استعماله مع حضوره
وكذلك القدرة على تعرف ما يجب تعرفه بالاجتهاد كطهارة الماء الطاهر المشتبه بالماء النجس وتعرف القبلة عند التباسها
104
والقدرة على تحصيل الكسوة بستر العورة وغيرها كالقدرة على التستر بها مع حصولها والقدرة على تحصيل الكفارة بالشراء وغيره كالقدرة عليها نفسها
والقدرة على تحصيل الذهب والفضة ببيع العرض العرض
والقدرة على تحصيل النفقات والديون بالشراء وغيره كالقدرة على أداء الدين نفسه
والقدرة على أداء الدين نفسه والقدرة على وفاء الدين بالاكتساب يختلف فيه بين العلماء
وكذلك القدرة على الكسب على العيال
وكذلك من لزمه دين ولا يملك مثله فإنه يباع ملكه فيه
وكذلك شراء كل ما يجب أن يشترى ليؤدى في واجب
وكذلك شراء الكراع والسلاح والجنن للجهاد وأهب الحج والعمرة
وكذلك السفر والتأهب لتعلم العلم المتيقن وفروض الكفايات
وكذلك الاجتهاد في طلب الحكم المتعين والفتيا المتعينة ومن تعين عليه القيام بفرض من فروض الكفايات وهو خامل لا يعرف بأهليته لذلك لزمه
105
أن يسعى في تعريف نفسه لأنه سبب إلى واجب متعين وكذلك أهلية الفتيا
وأما وجوب الاكتساب لقضاء الدين فإن كان فيه مشقة ظاهرة فلا إشكال فيه وإن لم يكن فيه مشقة كإلقاء شبكة ونصب فخ واحد جوهره من سمكة ففيه إشكال من حيث إنه سبب إلى واجب ولم يوجبه إلا في نفقة العيال فكيف لا يلزمه مع حقه مؤنته وما فيه من مصلحته إيراد منه ومصلحة إيصال الحق إلى مستحقه
واختلف أصحابنا في وجوب التكسب لنفقة الزوجات والأقارب من جهة تأكدها وإذا تبرع المدين بماله المساوي لحقوق الغارمين فينبغي أن لا ينفذ تبرعه إلا برضاهم لما عليهم فيه من الضرر وقد جعل مالك رضي الله عنه تبرعه موقوفا على إجازة الغرماء فإن أجازوا نفذ لأنهم رضوا بتأخر حقوقهم وإن ردوه بطل لما في تقيده من تضررهم بتأخر حقوقهم إلى وقت يساره وهو غير مضبوط وقد يموت قبل اكتساب مقدار ديونهم فيعظم الضرر وما ذكره مالك جمع بين حق البائع والمشتري والغرماء وانتفى الضرار بثبت الشفعة ونفذ تصرف المشتري موقوفا على إسقاط الشفعة
106
فصل في أمثله ما خولفت فيه قواعد العبادات والمعاملات والولايات رحمة للعباد ونظرا لجلب مصالحهم ودرء مفاسدهم
فمن ذلك العفو عن ملاقاة النجاسات للماء القليل مما لا يدركه الطرف وما ليس له نفس سائلة وفي تردد الماء على محل التطهير في الأحداث والأخباث
ومنها صلاة العاري المحدث الجنب النجس إلى غير القبلة تحصيلا لمصالح الصلوات
ومنها قصر الصلوات بالأسفار وجمعها بالأمطار والأسفار
ومنها الأذان للصبح قبل الوقت لحيازة فضل أول الوقت
ومنها تقديم النية على الصيام والزكاة
ومنها إسقاط وجوب النيات عما عدا أول العبادات لتعذر الإتيان بها في العبادات
107
ومنها بناء الأحكام على الظنون لإعواز اليقين
ومنها اعتقاد ما يجب عرفانه في حق العوام لتعذر العرفان
وكذلك بناء بعض الشهادات على الظنون لتعذر العلوم
ومنها منع الحكم بالعلم لما فيه من الاتهام
ومنها سقوط اعتبار المتماثل في أعضاء القصاص ومنافعها لأنه لو اعتبر لأغلق باب القصاص
ومنها ضمان الماء بقيمته في محل عزته كيلا يضيع ماليته
ومنها وجوب الشفعة دفعا لسوء المشاركة أو لمؤنة القسمة
ومنها تحمل الإغرار في المعاملات لعسر الانفكاك عنها والا نفصال منها
108
ومنها إفساد الأموال التي لا تحصل منافعها إلا بإفسادها كالأشربة والأغذية والأدوية والملابس والفراش والأحطاب
ومنها ضمان ما لم يجب ضمانه عند خوف الغرق إذا اغتلمت البحار فالتمس من صاحب المتاع إلقاء متاعه في البحر بشرط الضمان
ومنها ترك الثمرة المزهية المبيعة على أشجار البائع إلى أوان الجداد مع امتصاصها لماء الأشجار وكذلك سقيها بماء البائع
ومنها بيع الرطب بالرطب وتقديرهما بالخرص في العرايا
ومنها جعل تخلية الثمار على الأشجار قبضا
ومنها تقدم المعلول على علته كتقدم انفساخ البيع على هلاك المبيع وصرف دية القتيل خطأ إلى ورثته لتقدم ملكه على موته
ومنها جواز الأكل من العنب والنخل بعد خرصهما
109
ومنها إجبار الأبكار البلغ على الأنكحة تحصيلا لمصالح النكاح
ومنها ضمان المثل بقيمته عند تعذر مثله
ومنها ضمان الحيلولة مع بقاء المغضوب
ومنها تملك الملتقط اللقطة بغير إذن المالك
وكذلك جواز أكل الملتقط ما يسرع فساده بغير إذن المالك وكذلك بيعه
ومنها أخذ المضطر ما يدفع به ضرورته من الأموال المغصوبة بغير إذن الملاك وكذلك بيعه
ومنها تحمل الضرر في المعاملات المجهولات والمعدومات لمسيس الحاجات كما في القراض والمزارعة والمساقاة
ومنها إيهام العامل والجهل به وبعمله كما في الجعالات
ومنها تأخير الصيام بالأمراض والأسفار
ومنها ارتكاب محظورات الإحرام بالأمراض والإكراه وسائر الأعذار
ومنها إيجاب الكذب النافع وتحريم الصدق الضار
110
ومنها وجوب السب بالكبائر والإصرار على الصغائر في جرح الشهود والرواة والولاة
ومنها الخدع في القتال والحجر بالمرض والسفه والفلس والرق نظرا للمحجور عليه وللورثة والغرماء والسادات
ومنها تجويز الكفر القولي والفعلي بالإكراه مع طمأنينة القلب بالإيمان ولا يتصور الإكراه على كفر الجنان ولا على شيء من اكتسابه إلا الإرادة
ومنها جواز الغصب والنهب والسرقة بسبب الإكراه والاضطرار
ومنها جواز قذف الرجل امرأته إذا رآها تزني ووجوبه إذا ألحق به ولد يعلم أنه ليس منه
ومنها جواز شرب الخمور وأكل النجاسات بالإكراه والاضطرار
ومنها بذل القضاء للخائن إذا تعين ولم يوجد سواه
111
ومنها جواز تصرف الولاة الفسقة والبغاة في أموال بيت المال إذا وافق تصرفهم الشرع
ومنها تصحيح تولية البغاة الحكام وتنفيذ أحكام قضاتهم نظرا لأهل الإسلام
ومنها جواز إيداع الوادئع لمن لم يأذن فيه المودع عند الخوف وحضور الموت والعزم على الأسفار
ومنها استعمال الذهب والفضة والحرير عند الضرورات ومسيس الحاجات
ومنها جواز الكذب للإصلاح بين الناس
ومنها العقوبات الشرعية العامات المؤلمات لما فيها من الزجر عن أسباب مفاسدها المستقيمات
ومنها الإعانة على أخذ الحرام في فك الأسارى وافتداء الأبضاع والأرواح من الظلمة والكفار
112
ومنها الفظاظة والإغلاظ للمنافقين والكفار وكذلك الإخجال بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإفحام المبطلين بالجدل الحسن
وكذلك ذبح الحيوان المأكول لحاجة التغذي وذبح مالا حرمة لدمه من مسلم وكافر في حال الإكراه والاضطرار
وكذلك تعريض الأولاد للإرقاق بنكاح الإماء عند خوف العنت وفقد مهور الحرائر
وأمثال ذلك كثيرة
فصل في بيان ما يتدارك من المنسيات وما لا يتدارك
لا يؤثر النسيان في إسقاط العبادات لإمكان تدارك مصالحها بالقضاء وتسقط الجمعة وصلاة الكسوف بالنسيان لتعذر قضائهما
113
ومن لابس عبادة ونسيها فارتكب شيئا من منهياتها ناسيا لها لم يضره ذلك إذ لا يمكن رفع ما تحقق
فصل في الإكراه
لا يتصور الإكراه على كفر القلب واكتسابه ولا يحل بالإكراه زنا ولا قتل ولا لواط
قاعدة في الشبه الدارئة للحدود
والشبه الدارئة للحدود ثلاث
شبهة في الفاعل كظنه أن الموطوءة حلال له
وشبهة في المفعول به كالجارية المشتركة
114
وشبهة في الفعل كالنكاح المختلف في صحته والنكاح الفاسد لفوات شرط من شروطه مع ظن العاقد توفير الشروط
ولا يشترط في العقوبة على درء المفاسد أن يكون مرتكبها عاصيا كشرب الحنفي النبيذ وكزنا المجانين والصبيان ولواطهم وصيالهم إذا لم يمكن دفعهم إلا بالعقاب أو القتل وكذلك قتال البغاة
فائدة في أنواع الأحكام
الأحكام أنواع إيجاب وندب وإباحة وتحريم وكراهة ونصب وكراهة ونصب أسباب وشرائط وموانع وأركان وأوقات موسعة وغير موسعة وكذلك التعيين والتخيير والقضاء والأداء
فصل فيما يتساوى فيه المكلفون وما يختلفون فيه
يتساوى المكلفون في أسباب العرفان أو الاعتقاد في مسائل أصول الدين ويتفاوتون في غيرهما لتفاوتهم في الصفات المقتضية لتفاوت التكاليف كالعجز
115
والقدرة والذكورة والأنوثة والحضور والغيبة والرق والحرية والقوة والضعف والبعد والقرب والغنى والفقر والضرورة والرفاهية فإن الله تعالى شرع لكل من هؤلاء أحكاما تناسب أوصافه وتليق بأحواله
فائدة في الطاعة
لا طاعة إلا لله وحده وكل من يجب طاعته من رسول أو نبي أو عالم أو خليفة أو والد أو سيد أو مستأجر فإنما وجبت طاعته بإيجاب الله فمن أطاع هؤلاء فقد أطاع الله لأمره بطاعتهم
ولا يجوز طاعة أحد في معصية الله لما فيها من مفاسد الدارين أو إحداهما
فائدة في تخيير الشرع بين المصالح المتفاضلات والمتساويات
قد يقع تخيير الشرع بين المصالح المتفاضلات والمتساويات وفعل الأفضل
116
أولى وأحسن لأن التخيير بينه وبين المفضول رفق ويسر دنيوي
وقد تكون الرخصة أفضل من العزيمة كقصر الصلوات
وقد تكون العزيمة أفضل من الرخصة كتفريق الصلوات على الأوقات في الأسفار إلا بعرفة ومزدلفة فإن تقديم العصر إلى الظهر بعرفة أفضل وتأخير المغرب إلى العشاء بمزدلفة أفضل لأن التخيير بينهما عفو
ويقدم في كل فرض على نظيره من النفل
ويقدم فاضل كل فرض على مفضوله كما يقدم فاضل كل فعل على مفضوله
فائدة في بطلان العبادات
من بطلت عبادته خرج من أحكامها كلها إلا النسكين فإن من أفسدهما لزمه المضي في فاسدهما ويتعلق به أحكامهما
117
فائدة في الأجر على المصائب
لا أجر ولا وزر إلا على فعل مكتسب فالمصائب لا أجر عليها لأنها غير مكتسبة بل الأجر على الصبر عليها أو الرضا بها فإن كانت المصائب مكتسبة فإن كانت مأمورا بها كمصائب الجهاد من تصديه للقتال أو الجرح في نفسه وماله وأهله فهو مأجور على مصيبته لأنه أمر بالتسبب إليها وكذلك ما يصيبه إذا أمر بمعروف أو نهى عن منكر
وإن كانت المصيبة منهيا عنها كقتل الإنسان نفسه أو ولده صارت مصيبتين إحداهما في دينه والأخرى في دنياه
فصل فيما أباحه الشرع
أما بعد فإن الله سبحانه خلق عباده محتاجين مضطرين إلى المآكل
118
والمشارب والملابس والمساكن والمناكح والمراكب والحرف والصنائع خلق ذلك لهم دفعا لضروراتهم وحاجاتهم وحفظا لمدة حياتهم
وتمنن عليهم سبحانه في مواضع من كتابه بالتتمات والتكملات كالعسل واللؤلؤ والمرجان
وإذا تمنن سبحانه بالتتمات والتكملات فما الظن بالضرورات والحاجات وندبهم إلى الاقتصاد من ذلك على الأقوات وقدر الكفاف لئلا يشغلهم التوسع فيه عن عمل الآخرة
ولما علم سبحانه أن جميعهم لا يملكون ذلك خلق الذهب والفضة سبيلين إلى تحصيل هذه المنافع والأعيان لتنتفع بها العباد فيما يدعو إليه ضروراتهم أو حاجاتهم إما بإتلاف بعضها كالمآكل والمشارب وإما بالانتفاع ببعضها مع بقاء أعيانها كالملابس والمساكن والمناكح والمراكب
ولما علم سبحانه أن منهم من لا يملك المقاصد المذكورة ولا الوسائل علمهم من الحرف والصناعات ما يتوسلون به إلى تحصيل المقاصد والوسائل
وشرع سبحانه المعاوضات ليصل كل منهم إلى ما لا يملكه من ذلك إما بأخذ النقدين وإما بالمعاوضة على هذه الأعيان والغرض من الأعيان كلها منافعها ولذلك جوز الإجارات على منافع الإنسان ومنافع الأعيان ليرتفق الصناع من ملاك الأعيان بما يأخذونه من الأجور والأثمان ويرتفق الآخرون بما يحصل من منافع الزكوات والحمل والسكنى وليرتفق بالبناء
119
والطحن والعجن والحرث والنسج ويرتفق الصناع بما يأخذونه من الأجور والباعة بما يأخذونه من الأثمان
ولما علم سبحانه أن في عباده من لا يقدر على شيء من الأعيان والأثمان والمنافع والصنائع فرض لهم الكفارات والزكوات ففرض العشر أو نصف العشر في كل مدخر مقتات لاحتياج الفقراء إلى ما يحتاج إليه الأغنياء من الادخار والاقتيات
وفرضها في الأنعام لينتفعوا بها بلحومها وشحومها وجلودها وألبانها ونتاجها ومنافع ظهورها وأصوافها وأوبارها وأشعارها مما يدفعون به الحاجات ويسدون الخلات
وأوجب في النقدين ربع العشر ليتوسلوا بها إلى ما يحتاجون إليه من المساكن والملابس وغير ذلك
ثم أباح لهم سبحانه المعاوضات رحمة لهم ليتوسلوا بها إلى تحصيل مصالحهم الدنيوية والأخروية إما بالنقود وإما بالعروض
وشرع سبحانه في كل تصرف ما تدعو الحاجة والضرورة إليه مما تحصل مقاصده من تلك الحاجات أو الضرورات فشرع في الإجارة ما تحصل مقاصدها وفي البياعات والولايات والمضاربات والمزارعات والمساقات مما تحصل مقاصدها
وشرع التبرعات نظرا للأغنياء بما يحصلون عليه من الثواب وللفقراء بما يحصلون عليه من دفع الحاجات والضرورات
120
وكذلك لما علم سبحانه مسيس الحاجات إلى المناكحات شرع الأنكحة لتحصيل مقاصدها من المودة والرحمة وكثرة النسل والتعاضد والتناصر
وشرع في الأنكحة بما لم يشرعه في غيرها من المعاملات إذ لا تتم مصالحها إلا بذلك كما جعل بعض المعاملات لازما بعضها جائزا وأحد طرفيه لازما من الآخر لعلمه بما يختص بكل طرف من تحصيل مصلحته أو تكميلها
ولما علم سبحانه أن من عباده الجائر المسرف والمقسط المنصف والقوي الضعيف أمر بنصب الخلفاء والقضاة والولاة ليدفعوا الهوى عن الضعيف والجائر المسرف عن العادل المنصف وليحفظوا الحقوق على العابثين والعاجزين وينصرفوا على الأيتام والمجانين فيحصل الولاة والقضاة والأئمة على أجور الآخرة ومصالحها وتحصيل المحكوم له على المصالح العاجلة وتخليص المحكوم من عهدة الخطأ والظلم فإن ذلك نصرة للظالمين والمظلومين
ولما علم سبحانه أن الولاة لا يقفون على الصادق من الخصمين ولا يميزون الظالم من المظلوم شرع الشهادات وتحملها وأداءها حتى يظهر للقضاة والخلفاء والحكام والولاة الظالم من المظلوم والعادل المنصف من الجائر المسرف
وشرع الأيمان الوازعة عن الكذب لإظهار صدق من تعرض عليه
ولما علم أن الولاة والقضاة لا يقدرون على القيام بما ولوه أوجب على أهل الكفاية مساعدتهم على جلب مصالح ولاياتهم ودرء مفاسدها
121
ولما علم سبحانه أن الآراء تختلف في معرفة الصالح والأصلح والفاسد والأفسد في معرفة خير الخيرين وشر الشرين حصر الإمامة العظمى في واحد كي يتعطل جلب المصالح ودرء المفاسد بسبب اختلاف الولاة في الصالح والأصلح والفاسد والأفسد
وشرط في الأئمة أن تكون أفضل الأمة لأن ذلك أقرب إلى طواعيتهم على المساعدة في جلب المصالح ودرء المفاسد وأمر بطواعية الأفاضل بشرط أن يكون الأئمة من قريش لأن الناس يبادرون إلى طواعية الأفاضل في الأنساب والأحساب والدين والعلم ويتقاعدون عن طواعية الأراذل بل يتقاعدون عن طواعية أمثالهم فما الظن بمن هو دونهم ولما علم سبحانه أن من عباده من لا يقدر على القيام بجلب مصالح نفسه إليها ودرء مفاسدها عنها شرع الولاية الخاصة على المجانين والأطفال واللقطاء للأقوم بجلب مصالح المولى عليه ودرء المفاسد عنه مع الشفقة فجعل النظر في أمور الأطفال وأموالهم إلى الآباء والأجداد لأنهم أقوم بذلك من النساء
كما قدم النساء على الرجال في الحضانات لأنهن أعرف بذلك وأقوم به
وكذلك قدم في كل ولاية عامة أقوم الناس بتحصيل مصالحها ودرء مفاسدها حتى في إمامة الصلوات
ولما علم سبحانه أن في عباده من لا يزجره الوعيد ولا يردعه التهديد بالعذاب الشديد شرع العقوبات العاجلة كالحدود والتعزيرات والقصاص زجرا عن ارتكاب أسباب هذه العقوبات ولمثل هذا سب العاصين وذم
122
المخالفين ومدح الطائعين ترغيبا في الطاعات وتنفيرا عن المعاصي والمخالفات
ولما علم أن في عباده من يصول على النفوس والأبضاع والأموال بالضرب والزجر والتهديد وبقطع الأغنياء وقتل النفوس شرع ردعهم حفظا للنفوس والأبضاع ومنافع الأموال
ولما علم أن في عباده من يمتنع من أداء الحقوق بالقتال ومن يبغي على الأئمة مع الشوكة شرع قتال هؤلاء إلى أن يرجعوا إلى الحق ويؤدوا ما يلزمهم من الحقوق التي امتنعوا منها وطاعة الأئمة التي خرجوا عنها
ولما علم الاحتياج إلى الجهاد شرع جهاد الدفع وجهاد الطلب وجهاد الدفع أفضل من جهاد الطلب
فائدة في فضل العمل القاصر
رب عمل قاصر أفضل من عمل متعد كالعرفان والإيمان
123
وكذلك الحج والعمرة والصلاة والصيام والأذكار وقراءة القرآن
ورب عمل خفيف أفضل من عمل شاق لشرف الخفيف ودنو الشاق
ولا ثواب على مشاق الطاعات وإنما الثواب على عمل مشاقها لأن الطاعات كلها تعظيم ولا تعظيم في نفس المشاق
فصل في تقديم المفضول على الفاضل
ويقدم المفضول على الفاضل عند اتساع وقت الفاضل وإمكان الجمع فيقدم سنن الصلوات وأذانها وإقامتها على الفريضة فإن ضاق الوقت بحيث لا يتسع إلا للفرض ترك الأذان والإقامة والسنن الراتبة ليوقع الفرض في وقته
وقد يقدم المفضول على الفاضل في بعض الأطوار كتقديم الدعاء بين السجدتين على القراءة وسائر الأذكار وكتقديم الدعاء والتشهد في السجود
124
والقعود على القرآن وسائر الأذكار فإن الله عز وجل شرع في كل حال ما يناسبها من الطاعات
فائدة في حقوق الله وحقوق العباد
حقوق الله وحقوق عباده إذا اجتمعت قدم أصلحها فأصلحها وخير بين متساويها
وقد تختلف في التساوي والتفاضل ولا تخرج المصالح عن كونها مصالح بتقديم أصلحها على صالحها ولا المفاسد عن كونها تتحمل فاسدها درءا لأفسدها
فصل في القبض
يختلف القبض باختلاف المقبوض والغصب باختلاف المغصوب كالعقار والمنقول
125
فائدة في المعاوضة
قد تجوز المعاوضة مع تساوي مصلحة العوض والمعوض منه من كل وجه كبيع درهم بمثله وصاع من المثلي بمثله ولا يملك ذلك الولي في حق المولى عليه
فائدة في فضل الإسرار والإعلان بالطاعات
من العبادات ما لم يشرع إلا مجهورة كالخطب والأذان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ومنها ما لم يشرع إلا سرا كقراءة الصلاة السرية وأذكارها
ومنها ما شرع سره وإعلانه وسره أفضل من إعلانه إلا لمن
126
يقتدى به مع إخلاصه ليكون إعلانها أفضل كما في إعلانه من مصالح الاقتداء به
والإخلاص أن يريد الله وحده بعلمه
والرياء أن يظهر الطاعة ليجله الناس أو ينفعوه أو يجتنبوا ضره وأذيته
والرياء ضربان
أحدهما أن لا يعمل العمل إلا لأجل الناس
والثاني أن يعمل العمل لله وللناس تحصيلا لأغراض الرياء وليس نفع الناس في أديانهم برياء كتبليغ الرسالة والفتوى وتعليم العلم وانتظار المسبوق في الركوع إذا لم ينتظره إلا لله
والتسميع أن يذكر ما عمله خالصا لله ليحصل أغراض الرياء وإن
127
سمع صادقا ليقتدى به مع أهليته لذلك فله أجران وإن سمع كاذبا فعليه وزران
قاعدة في الجمع بين إحدى المصلحتين وبدل المصلحة الأخرى
وله أمثلة
منها وجود المحرم لماء لا يكفيه للوضوء ولغسل طيب محرم فيلزمه غسل الطيب والتيمم عن الوضوء بدلا عن مصلحة الوضوء
ومنها ظفر المضطر بطعام غيره فيلزمه أكله وغرم قيمته تحصيلا لبقاء حياته ولمصلحة بذل الطعام
ومنها سراية العتق تحصيلا لمصلحة العتق وبدل نصيب الشريك
128
ومنها تنفيذ إعتاق المرهون تحصيلا لمصلحة العتق ولبدل حق المرتهن بالقيمة
ومنها إعتاق الواقف إذا أبقينا ملكه وإعتاق الموقوف عليه إذا نقلنا الملك إليه فإنه ينفذ تحصيلا لمصلحة العتق وبدل ما يشتري بنسبة السراية إن كان الموقوف شائعا أو قيمة الجميع ويجعل البدل وقفا على مصارف الوقف الأصلي
ولهذا نظائر كثيرة
ولو عكس الأمر في ذلك لفات أعلى المصلحتين وحصل بعض مصلحة المبدل وهذا غير مألوف من تصرف الشرع ولا من تصرف العقلاء
فإن قيل الوقف لا يقبل الانتقال ولا تكون السراية إلا مع النقل
قلت لا يقبل الانتقال إلى نظير مصلحته أو دونها وأما ما هو أعلى من مصلحته مع بقاء مصلحته في البدل فلا
129
وقد اهتم الشرع بالعتق بحيث كمل مبعضه وسرى شائعه ولم ينقل مثل ذلك في الوقف
فإن قيل هلا نفذ إعتاق المفلس المحجور عليه بالفلس لأن في تنفيذه حصول مصالح العتق
قلت إنما لم ينفذ لأن مقصود الحجر المنع من العتق وغيره مع ما في تنفيذ العتق من تأخير حقوق الغرماء إلى غير أمد معلوم
قاعدة فيما نهي عنه من الأقوال والأعمال
ما نهي عنه من الأقوال والأعمال أضراب
أحدها ما نهي عنه لفوات شرط من شرائطه أو ركن من أركانه فيدل النهي عنه على فساده
الضرب الثاني ما نهي عنه مع توفر شرائطه وأركانه فلا يكون النهي عنه مقتضيا لفساده مع توفر شرائطه وأركانه وإنما يتوجه النهي عنه إلى ما يقترن به من المفاسد
130
# الضرب الثالث ما يختلف فيه النهي عنه لما يقترن به من المفاسد أو لفوات شرط من شرائطه أو ركن من أركانه فهذا باطل حملا للنهي على حقيقته فإن ما نهي عنه لما يقترن به مجاز إذا كان المطلوب تركه إنما هو المقترن المجاور دون المقترن به المجاور فمن اضطر إلى شرب الماء حرم عليه الوضوء به ولم ينه عنه لكونه طهارة بل نهى عنه لأنه إذا توضأ به فقد سعى في إهلاك نفسه وقد نهينا عن إهلاك أنفسنا فقيل لنا ! < ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما > ! النساء 4 29 # وأما كراهة الصلوات في الأوقات المعلومات فليس منهيا عنه لعينها وكذلك التسبيح في القعود ليس منهيا عنه بعينه # وكذلك الصيام في يوم الشك نهى عنه كراهة أو تحريما # وكذلك الأذكار في الصلوات وقراءة القرآن في الحشوش وعلى قضاء الحاجات ليس منهيا لكونه ذكرا أو قراءة وإنما نهى عنه لما يقترن به من سوء الأدب وقلة الاحترام # وكذلك النهي عن كثير من المعاملات والأنكحة والنفقات # وعلى الجملة فالأذكار كلها مصالح فلا ينهى عنها إلا بما يقترن بها من المفاسد أو لما يؤدي إليه من السآمة والملل # والصلاة لا ينهى عنها إلا لما يقترن بها من الأماكن والأزمان أو لما يؤدى إليه من ترك إنقاذ الغرقى وصون الدماء والأبضاع

131
وكذلك الصيام لا ينهى عنه إلا لمشقة قادحة تلحق الصائم أو لإنقاذ هالك ودفع محرم مفسدته أعظم من مفسدة تأخير الصيام
وكذلك الولايات لا ينهى عنها لكونها وسيلة إلى إنصاف المظلومين من الظالمين وإنما ينهى عنها لما يقترن بها من الكبر والترأس والإعجاب والميل إلى الأقارب والأصدقاء على الأجانب والأعداء أو لتقصير في حق الضعفاء
وكذلك ما نهى عنه من المصالح المستلزمة للمفاسد لم ينه عنه لكونها مصالح بل لاستلزام تلك المفاسد
وكذلك ما يؤمر به من المفاسد المستلزمة للمصالح لم يؤمر به لكونها مفاسد بل لما تستلزمه من تلك المصالح
ولا يوجد في هذه الشريعة مصلحة محضة منهيا عنها ولا مفسدة محضة مأمورا بها وذلك كله من لطف الله عز وجل بعباده وبره ورحمته ولا فرق في ذلك بين دقه وجله وكبيره وقليله وجليله وخطيره إلا أن خفيف المصالح مستحب وخطيرها واجب وخفيف المفاسد مكروه وكثيرها محرم
وكلما عظمت المصلحة تأكد الأمر بها بالوعد والمدح والثناء إلى أن تنتهي المصلحة إلى أعظم المصالح وعلى ذلك تبنى فضائل الأعمال
132
وكذلك كلما عظمت المفسدة تأكد النهي عنها بالوعيد والذم والتهديد إلى أن تنتهي المفسدة إلى أكبر الكبائر
فائدة في بيان المصالح المأمور بها
المصالح المأمور بها ثلاثة أضرب
أحدها ما لا يكون إلا واحدا ولم يشرع منه ندب كالسعي بين الصفاة والمروة والوقوف بعرفة ورمي الجمار إذ لايتطوع بواحد منهن
الثاني ما يجب تارة لعظم مصلحته ويندب إليه تارة لانحطاط مصلحته عن مصلحته الواجبة وذلك كالصوم والصلاة
والضرب الثالث لا يكون إلا تطوعا إلا أن يندب وهو الاعتكاف
وأما الحج والعمرة والصلاة والصدقة والأذكار وقراءة القرآن فإنها انقسمت إلى فرض ونفل تحصيلا للمصلحتين الفرض والندب
فإن قيل هلا وجبت هذه المندوبات تحصيلا لمصالح الواجب في الآخرة
قلنا لو أوجبها الله سبحانه لفرطوا فيها وتعرضوا لسخطه وعقابه فندب إليها لمصالحها ولم يوجبها دفعا لمفاسد تركها و والتعرض للعقاب المتعلق بإيجابها وجعل للعباد طريقا إلى إيجابها بالنذور والالتزام تقديما لمصالح
أخراهم على مصالح دنياهم
133
ومعظم الشريعة الأمر بما ظهرت لنا مصلحته ورجحان مصلحته والنهي عن ما ظهرت لنا مفسدته أو رجحان مفسدته
وأما ما أمرنا به ولم يظهر جلبه لمصلحة ولا درؤه لمفسدة فهو المعبر عنه بالتعبد
وكذلك ما نهانا عنه ولم تظهر مفسدته ولا درؤه لمفسدة ولا يفوت مصلحة فهذا تعبد أيضا فيجوز أن يشتمل على مصلحة خفية أو مفسدة باطنة ويجوز أن لا يشتمل على ذلك ويكون مصلحته الثواب على مسألة المأمور به واجتناب المنهي عنه وهو قليل بالنسبة إلى ما ظهر مصالحه ومفاسده
وكل ما فيه إجلال لله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو مأمور به ندبا أو إيجابا
وكل ما فيه إحسان من العبد إلى نفسه فهو مأمور به ندبا أو إيجابا
وكل ما فيه إضرار من العبد بنفسه فهو منهي عنه كراهة أو تحريما وكل ما فيه إحسان من العبد إلى غيره من إنسان أو حيوان فهو مأمور به ندبا أو إيجابا
وكل ما فيه إساءة منحطة عن إساءة المحرم فهو منهي عنه كراهة
والإحسان راجع إلى جلب المصالح الخالصة أو الراجحة ودرء المفاسد الخالصة أو الراجحة
وكذلك الإساءة راجعة إلى درء المصالح الخالصة أو الراجحة وجلب
134
المفاسد الخالصة أو الراجحة وقد اندرجت المصالح كلها دقها وجلها قليلها وكثيرها جليلها وخطيرها في قوله عز وجل ! < فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره > ! الزلزلة 99 7 وكذلك قوله تعالى ! < إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي > ! النحل 16 90 وإنما يطول العناء في ترجيح بعض الخيور على بعض الشرور وترجيح بعض الشرور على بعض الخيور وفي ترجيح بعض الخيور على بعض وترجيح بعض الشرور على بعض فإن الوقف على ذلك عسير ولأجله عظم الخلاف وطال النزاع بين العلماء ولا سيما فيما رجح من الخيور أو الشرور بمثقال ذرة ألا ترى أن ولي اليتيم ووكيل بيت المال إذا عرضا بيتا للبيع فزيد فيه أقل ما تقول لم يكن لهما تفويت ذلك على المولى عليه ولو باعاه لما صح البيع لأن تفويت أقل ما يتمول داخل في قوله تعالى ! < ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره > ! الزلزلة 99 8 $ فصل في التقديرات $ # التقدير ضربان # أحدهما إعطاء الموجود حكم المعدوم # والثاني إعطاء المعدوم حكم الموجود

135
فأما إعطاء المعدوم حكم الموجود فكإجراء أحكام الكفر والإيمان على المجانين والأطفال وحكم الإخلاص والرياء والنبوة والرسالة والصداقة والعداوة والحسد والغبطة وصوم التطوع قبل النية والذمم والديون وتقدير الذهب والفضة في العروض والملك والحرية والملك في المنافع والأعيان
وأما إعطاء الموجود حكم المعدوم فكتقدير الماء المحتاج إليه في التيمم والرقبة المحتاج إليها في الكفارة مفقودين ومن وجد فيه سبب متلف فوقع التلف بعد موته فإنا نقدره موجودا قبل موته أو عند سببه
فصل فيما تحمل عليه الألفاظ
تحمل الألفاظ على الوضع اللغوي والعرفي والشرعي فمن نوى شيئا يخالف ظاهر لفظه فإن لم يحتمله لفظه فلا عبرة بنيته وإن احتمله لفظه
136
دين ولم يقبل في الحكم إلا في اليمين على نية المستحلف وإن نوى الوضع ففيه خلاف
فصل فيما بني من الأحكام على خلاف ظواهر الأدلة
وذلك كدعوى البر التقي على الفاجر الغوي وتحليف البر التقي للفاجر الغوي ولحاق الولد بعد انقضاء العدة بالحيض بدون أربع سنين وكذلك إلحاقه لستة أشهر مع الندرة
137
وكذلك لو زنت ثم تزوجت وولدت لتسعة أشهر من حين الزنا ولستة أشهر من حين النكاح فإنه يلحق النكاح
ولو حاضت أمته بعد الوطء ثم أتت بولد لتسعة أشهر من الوطء فإنه لا يلحق عند الشافعي
ولو قال علي مال عظيم أو خطير حمل على أقل ما يتمول
ولو قال أنت أزنى الناس أو أزنى من زيد لم يحد لواحد منهما
ولو حلف بالقرآن يحمل على كلام النفس مع شدة ظهوره في الألفاظ
وكذلك قبول قول الزوجة في نفي النفقة مع المعاشرة وتشريك الزوجين فيما يختص بكل واحد منهما عند التنازع
وكذلك إذا قال لامرأته إن رأيت الهلال فأنت طالق فرآه غيرها طلقت عند الشافعي حملا للرؤية على العرفان وخالفه أبو حنيفة في ذلك
138
فصل في تنزيل الدلالة العادية منزلة الدلالة اللفظية
وذلك كحمل الأجور والأثمان على أجرة المثل وثمن المثل ونقود البلدان وحمل الإذن في الأنكحة على الكفء ومهر المثل
وإن علق الطلاق على إعطاء ألف يقيد الإعطاء بالمجلس للعرف وكذلك إبقاء الثمرة المزهية إذا بيعت إلى أوان جدادها والتمكين من سقيها بماء بائعها
وكذلك الحمل على حرز المثل وحمل الصناعات على صناعات المثل كالطبخ والخبز والعجين والخياطة والبناء والسير المعتاد في الأسفار وخروج أوقات الصلوات عن الدخول في الإجارات ونذر الاعتكاف عن أوقات قضاء الحاجات وتوزيع أعواض المثلي على قيم المعوضات
139
وكذلك دلالات اتصال الجدر ووضعها على مالكها ومستحقها ودلالة الأيدي على الاستحقاق
وكذلك الاستصناع وتقديم الطعام إلى الضيفان ودخول الحمامات والخانات ودور الحكام والولاة في أوقات العادات
وكذلك دخول الدور بإذن الصبيان
وكذلك الشرب والتطهر من الجداول على ما جرت به العادات
وكذلك حمل الألفاظ العربية على ما يصح من عرف العبادات والمعاملات كالصلاة والزكاة والبياعات والإجارات والطلاق والعتاق
وكذلك استعمال لفظ الأخبار في الإنشاءات في العتق والطلاق والصلاة والزكاة وغيرها من العبادات والمعاملات
وكذلك حمل ألفاظ الأوقاف والمدارس على ما غلب من العادات وإدراج الأشجار وثياب الرقيق في البيع المطلق والرجوع في الركاز إلى العلامات وحمل الإذن في الحدود والتعزيرات على الضرب المقتصد
140
وإقامة إشارة الأخرس مقام الألفاظ
فصل في فضائل الوسائل
فضل الوسائل مرتب على فضل المقاصد فالأمر بالمعروف وسيلة إلى تحصيل مصلحة ذلك المعروف والنهي عن المنكر وسيلة إلى دفع مفسدة ذلك المنكر
والأمر بالإيمان أفضل من كل أمر والنهي عن الكفر أفضل من كل نهي
والنهي عن الكبائر أفضل من النهي عن الصغائر والنهي عن كل كبيرة أفضل من النهي عما دونها
وكذلك الأمر بما تركه كبيرة أفضل من الأمر بما تركه صغيرة
ثم تترتب رتب فضائل الأمر والنهي على رتب المصالح والمفاسد
وتترتب رتب الشهادات على رتب المشهود به من جلب المصالح ودرء المفاسد
141
وكذلك يترتب تصرف الحكام والولاة على ترتب ما يجلبه تصرفهم من جلب المصالح ودرء المفاسد
وكذلك الفتاوى
وكذلك تترتب رتب المعونات والمساعدات على البر والتقوى على رتب مصالحها كما تترتب مراتب المعاونة على الإثم والعدوان على ترتبهما في المفاسد
فائدة في أسباب الشرع
لما علم الرب عز وجل احتياج الناس إلى المنافع والأعيان والمآكل والمشارب والملابس والمراكب والمساكن أباح البياعات والإجارات وسائر المعاملات على المنافع والأعيان النافعات
ولما علم أن فيهم المحتاجين العجزة عن دفع الحاجات شرع الزكوات والصدقات
ولما علم أن فيهم من لا يزجره الوعيد والتهديد شرع الحدود والتعزيرات دفعا لمفاسد أسبابها
142
ولما علم أن أكثرهم لا ينصفون وأن فيهم العجزة عن الانتصاف لأنفسهم نصب الحكام وولاة أمور الإسلام لإنصاف المظلومين من الظالمين وحفظ الحقوق عن الصبيان والمجانين والعاجزين والغائبين
وكذلك نصب الحجج الشرعية كالأقارير والبينات وتحليف من رجح جانبه بظاهر يد أو أصل أو حلف بعد نكول
ولما علم الاحتياج إلى الأنكحة شرعها تحصيلا لمصالحها
ولما علم الاحتياج إلى الجهاد شرع جهاد الدفع وجهاد الطلب وجهاد الدفع أفضل من جهاد الطلب
ولما علم أن الولاة والقضاة لا يقدرون على القيام بما ولوه أوجب على أهل الكفاية مساعدتهم على مصالح ولايتهم ودرء مفاسدها
ولما علم أن الآراء تختلف في معرفة الصالح والأصلح والفاسد والأفسد وفي معرفة خير الخيرين وشر الشرين حصر الإمامة العظمى في واحد كيلا يتعطل جلب المصالح ودرء المفاسد بسبب اختلاف الولاة في الصالح والأصلح والفاسد والأفسد
143
وشرط في الأئمة أن يكونوا أفضل الأمة لأن ذلك أقرب إلى طواعيتهم على المساعدة في جلب المصالح ودرء المفاسد
ولقرب طواعية الأفاضل شرط أن يكون الأئمة من قريش لأن الناس يبادرون إلى طواعية الأفاضل ويتقاعدون عن طواعية الأراذل بل يتقاعدون عن طواعية أمثالهم فما الظن بمن هو دونهم
ولذلك قدم في كل ولاية أعرف الخلق بمصالحها ومفاسدها وأعرفهم بأحكامها وإن كان قاصرا في معرفة أحكام غيرها وجاهلا بها إذ لا يضره ذلك في ولايته
ومن رحمته بعباده أن نفذ تصرف أئمة الجور والبغاة فيما وافق الشرع جلبا لمصالح الرعايا ودفعا للمفاسد عنهم
فصل في تعرف المصالح والمفاسد
ما أمر الله بشيء إلا وفيه مصلحة عاجلة أو آجلة أو كلاهما
وما نهى عن شيء إلا وفيه مفسدة عاجلة أو آجلة أو كلاهما
وما أباح شيئا إلا وفيه مصلحة عاجلة
ولكل من هذه المصالح رتب متساوية ومتفاوتة في الفساد والصلاح والرجحان وأكثرها ظاهر جلي وأقلها باطن خفي يستدل عليها بأدلتها
144
التي نصبها الله عز وجل لها ومنها ما لا يظهر فيه مصلحة ولا مفسدة سوى مصلحة جلب الثواب ودفع العقاب ويعبر عنه بالتعبد
فائدة في حكم الشرع في الجدل والمناظرة
لا يجوز الجدل والمناظرة إلا لإظهار الحق ونصرته ليعرف ويعمل به فمن جادل لذلك فقد أطاع وأصاب ومن جادل لغرض آخر فقد عصى وخاب
ولا خير فيمن يتحيل لنصرة مذهبه مع ضعفه وبعد أدلته من الصواب بأن يتأول السنة أو الإجماع أو الكتاب على غير الحق والصواب وذلك بالتأويلات الفاسدة والأجوبة النادرة
145
فصل في صلاح القلوب والأجساد وفسادهما
قال صلى الله عليه وسلم ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب
ومعناه إذا صلح القلب بالمعارف والأحوال صلح الجسد كله بالطاعة والإذعان وإذا فسد بأضداد العرفان والأحوال فسد الجسد كله بالمخالفة والعصيان
والأفراح واللذات تختلف باختلاف المفروح به والمتلذذ به فلذات الجنان أفضل اللذات وأفراحها أفضل الأفراح كما أن غموم النار شر الغموم وآلامها شر الآلام وكذلك لذات العرفان أفضل من لذات الاعتقاد
فصل في أعمال القلوب كالمعارف والأحوال والنيات والقصود
جعل الله عز وجل لكل معرفة حالا ينشأ عنها
146
فمن عرف نعمة الله تعالى كان حاله الخوف
ومن عرف سعة رحمة الله كان حاله الرجاء
ومن عرف توحيد الرب وبالنفع والضر والرفع والخفض لم يتوكل في جلب النفع ودفع الضر والإعطاء والحرمان إلا عليه ولم يفوض أمره إلا إليه
ومن عرف عظمته وجلاله كانت حاله الإجلال والمهابة
ومن عرف اطلاعه على أحواله استحيى منه أن يخالفه
ومن عرف سماعه لأقواله استحيى أن يقول ما لا يرضيه
ومن عرف إحسانه إليه وإفضاله عليه كانت حاله المحبة
ومن عرف جماله وجلاله كانت حاله المحبة وكانت محبته أفضل من محبة من عرف إحسانه وإفضاله
وأكثر ما يحضر المعارف بالاستحضار والأفكار أو بالسماع من الأبرار والأخيار
147
فمن استحضر صفة من تلك الصفات أثمرت له حالا يناسبها ويوافقها وينشأ عن تلك الحال من الأقوال والأعمال ما يطابقها ويوافقها
فمن لاحظ شدة النقمة حصل له الخوف وما ينبني عليه من الحزن والبكاء والانقباض وتخويف العباد
ومن لاحظ سعة الرحمة حصل له من الانبساط ويرجيه اليأس ما يناسب ما حصل له من الرجاء
ومن لاحظ صفة الجمال حصل له من الحب وما ينبني عليه من الشوق وخوف الفراق وإنس التلاق والسرور والفرح
ومن لاحظ سماعه لأقواله ورؤيته لأعماله كانت حاله الحياء المانع من مخالفته في الأقوال والأعمال وسائر الأحوال
وقد يصيح بعضهم لغلبة الحال إليه وإلجائها إياه إلى الصياح ومن صاح لغير ذلك فمتصنع ليس من القوم في شيء
وكذلك من أظهر شيئا من الأحوال رياء وتسميعا فإنه ملحق بالفجار لا بالأبرار
148
فائدة في المفاضلة بين الأولياء
المهابة والإجلال أفضل من الخوف والرجاء فإذا أردت أن تعرف فضائل الأولياء فانظر إلى ما يظهر عليهم من آثار المعارف والأحوال فأيهم غلب
149
عليه أفضلها كالتعظيم والإجلال فهو أفضل الرجال وأيهم غلب عليه أدناها كالخوف والرجاء فهو أدنى الرجال
فصل في بيان الفضائل
فضل الله تعالى بعض الأماكن على بعض وبعض الأزمان على بعض وليس فضلهما براجع إلى أوصاف قائمة فيهما وإنما فضلهما بما يتفضل به الرب سبحانه فيهما من إحسانه وكثرة ثوابه على الطاعات ومغفرته الزلات
وأما تفضيل بعض الجمادات فبأوصاف حقيقته كتفضيل اللؤلؤ والمرجان على غيرهما وتفضيل الأجرام النيرات على غيرها
150
وأما تفضيل بعض الحيوان على بعض فبالعقل والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام والأوصاف الكريمة الجبلية كالرحمة والشفقة والكرم والحياء والجود والسخاء والحلم والأناة
وأفضل المعارف معرفة ما يجب للرب سبحانه من أوصاف الكمال ونعوت الجلال وسلب كل عيب ونقصان وجواز مآله أن يفعله وأن لا يفعله كإنزال الكتب وإرسال الرسل والبعث والحساب والثواب والعقاب
ولكل معرفة من هذه المعارف حال ينشأ عنها ويستفاد منها
ولكل حال من تلك الأحوال آثار جميلة وأحوال فضيلة
واعلم أن الفضل يقع بالمعارف والأحوال والطاعات وبكثرة إحسان الخالق إلى المخلوق وإن لم يكن من المعارف والأحوال والطاعات
وقد أحسن الله تعالى إلى النبيين والمرسلين وأفاضل المؤمنين بالمعارف والأحوال والطاعات والإذعان ونعيم الجنان ورضا الرحمن والنظر إلى
151
الديان سبحانه مع سماع تسليمه وكلامه وتبشيره بتأبد الرضوان ولم يثبت للملائكة مثل ذلك
ولا شك أن أجساد الملائكة أفضل من أجساد البشر
وأما أرواحهم فإن كانت أعرف بالله تعالى وأكمل أحوالا من أحوال البشر فهم أفضل من البشر وإن استوى الأرواح في ذلك فقد فضلوا على البشر بالأجساد فإن أجسادهم من نور وأجساد البشر من لحم ودم
وفضل البشر الملائكة بما ذكرناه من نعيم الجنان وقرب الديان ورضاه وتسليمه وتقريبه والنظر إلى وجهه الكريم
وإن فضلهم البشر في المعارف والأحوال والطاعات كانوا بذلك أفضل منهم وبما ذكرناه مما وعدوا به في الجنان
ولا شك أن للبشر طاعات لم يثبت مثلها للملائكة كالجهاد والصبر ومجاهدة الهوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على البلايا والمحن والرزايا وتحمل مشاق العبادات لأجل الله تعالى وقد ثبت أنهم يرون ربهم ويسلم عليهم ويبشرهم بإحلال رضوانه عليهم أبدا ولم
152
يثبت مثل هذا للملائكة وإن كان الملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون فرب عمل قليل يسير أفضل من تسبيح كثير وكم من نائم أفضل من قائم وقد قال الله تعالى ! < إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية > ! البينة 98 7 أي خير الخليقة والملائكة من خير الخليقة لا يقال الملائكة من الذين آمنوا وعملوا الصالحات لأن هذا اللفظ مخصوص في عرف الشرع بمن آمن من البشر فلا يندرج فيه الملائكة الأبرار لعرف الاستعمال # فإن قيل لعل الملائكة يرون ربهم كما يراه الأبرار قلت يمنع منه عموم قوله تعالى ! < لا تدركه الأبصار > ! الأنعام 6 103 وقد استثني منه المؤمنون فبقي على عمومه في الملائكة الأبرار

153
فصل في مراتب القرب
اعلم أن درجات الجنة مختلفة باختلاف الأعمال
فليس من عبد الله مقدرا أنه يرى الله كمن عبد الله مقدرا أن الله تعالى يراه
وليس من عبد الله على خلاف ذلك كمن عبد الله كأن الله يراه
وللمؤمنين درجات في الإيمان عليات ودنيات ومتوسطات
وللمجاهدين مئة درجة في الجنة مترتب أعلاها على أعلى رتب الجهاد وأدناها على أدناها
154
وكذلك رتب المصلين والصائمين والولاة المقسطين والشهود الصادقين والصابرين على الطاعات والبليات وعن المعاصي والمخالفات وعلى بر الآباء والأمهات والبنين والبنات وعلى هذه الدرجات يترتب سبقهم إلى الجنان
فإذا تساوى اثنان في الإيمان والعرفان فإن استويا في مقادير الإيمان الحقيقي أو الحكمي فدرجتهما واحدة فيما استويا فيه وإن تفاوتا في الكثرة والقلة كانت درجة ذي الكثرة من درجة ذي القلة
ولو استوى اثنان في عدد الصلاة فإن استويا في كمالها بسننها وآدابها وخضوعها وخشوعها وفهم أذكارها وقراءتها فهما في درجة واحدة وإن تفاوتا في ذلك كان أكملهما أعلى درجة من أنقصهما
وإن استوى اثنان في جهاد الدفع فإن استويا في الإخلاص وإرادة إعلاء كلمة الله تعالى وفي المدفوع عنه فدرجتهما واحدة وإن تفاوتا في النية وكثرة من قتل أو في شرف المدفوع عنه كالدفع عن الأنبياء
155
والأولياء كان أشرفهما في الدرجة العليا والآخر في الدرجة الدنيا وكذلك جميع ما يتقرب به إلى الله عز وجل
ومعنى تفاوت الدرجات أن يكون لكل واحد من العاملين نصيبه من الجنة درجات مرتبات على رتب أعماله عاليات ودانيات ومتوسطات يتردد بينها على ما تشتهى نفسه وتلتذ عينه وقد صح أن الله عز وجل أعد للمجاهدين في سبيله مئة درجة بين كل درجتين مئة عام
ولو آمن إنسان قبل موته بلحظة لم يكن أجره كأجر إيمان من آمن قبل موته بيوم ولا أجر من آمن قبل موته بيوم كأجر من آمن قبل موته بشهر ولا أجر من آمن قبل موته بشهر كأجر من آمن قبل موته بعام فليس من طال عمره في الطاعات والإيمان كمن قصر عمره ولهذا قال صلى الله عليه وسلم خيركم من طال عمره وحسن عمله
156
وقال صلى الله عليه وسلم لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به فإنه لا يزيد أحدكم عمره إلا خيرا إما محسن فيزداد وإما مسيء فيستعتب
ولمثل هذا شح الأولياء على الأوقات أن يصرفوها في غير الطاعات
وكذلك يترتب عذاب جهنم على ترتب هذه المفاسد وكثرتها وقلتها فالعذاب على الزنا دون العذاب على القتل والعذاب على أكبر الكبائر دون العذاب على الكفر وليس من كفر قبل موته بلحظة كمن أقام على الكفر يوما أو شهرا أو مئة عام والله أعلم ^