153

المنهج المسلوك في سياسة الملوك
بسم الله الرحمن الرحيم وبه أثق وعليه أتوكل
مقدمة الكتاب وتراجم أبوابه

الحمدلله الذي عجزت العقول عن معرفة ذاته وقصرت الأفكار عن الإحاطة بكنه صفاته وتحيرت الأبصار في بدائع مصنوعاته وشهدت له بالوحدانية عجائب أرضه وسماواته أحمده على منه العظام وأياديه الحسان حمد معترف بسوابغ الإنعام وأشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له الهاً لم يزل منعوتاً بالجلال موصوفاً


154

بالكمال منزهاً عن الحركة والسكون والإنتقال مقدساً عن الجسم والشبح والخيال وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله أرسله ببرهان لامع المنار وقرآن ساطع الأنوار قاطع بإعجازه حجج الكفار والطغاة المعاندين أولي الإنكار

وصلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الأبرار صلاة دائمة بالعشي والإبكار

قال عبد الرحمن بن نصر بن عبد الله لما كان المولى الملك الناصر


155

156
صلاح الدنيا والدين سلطان الإسلام والمسلمين أبو المظفر
157
يوسف بن أيوب بن شادي محيي
158
دولة أمير المؤمنين أدام الله دولته وحرس على الإسلام مهجته ممن أتاه الله ملكه العظيم وهداه صراطه المستقيم وأورثه مشارق الأرض ومغاربها وأوطأه من الملوك رقابها ومناكبها وكان ممن يرى الأدب وفضله ويؤثر العلم واهله جمعت لخزانة علومه هذا الكتاب وهو يحتوي على ظرائف من الحكمة وجواهر من الأدب وأصول
159
في السياسة وتدبير الرعية ومعرفة أركان المملكة وقواعد التدبير وقسمة الفيء والغنيمة على الأجناد وما يلزم اهل الجيش من حقوق الجهاد ونبهت فيه على الشيم الكريمة والأخلاق الذميمة وأشرت فيه إلى فضل المشورة والحث عليها وكيفية مصابرة الأعداء وسياسة الجيش وأودعته من الأمثال ما يسبق إلى الذهن شواهد صحتها ومعالم أدلتها مع نوادر من الأخبار وشواهد من الأشعار وفصلته أبواباً تتضمن حكايات لائقة ومواعظ شافية وحكماً بالغة وسلكت في ذلك كله طريق الإختصار ومذهب الإيجاز لئلا تمجه الخواطر وترفضه الأسماع وسميته المنهج المسلوك في سياسة الملوك.
160
0

وكنت في أيداعه خزانة علومه كمهدي التمر إلى هجر أو الكافور إلى قيصور ولكني قصدت بذلك إيصال الحكمة أهلها وأن أضعها محلها وبالله اعتصم وعليه أتوكل وهو عشرون باباً وبالله التوفيق وهو حسبي ونعم الوكيل.

الباب الأول في بيان افتقار الرعية إلى ملك عادل

الباب الثاني في بيان فضل الأدب وافتقار الملك إليه


161

الباب الثالث في معرفة قواعد الأدب

الباب الرابع في معرفة أركان المملكة

الباب الخامس في معرفة أوصاف الكريمة والحث عليها

الباب السادس في معرفة الأوصاف الذميمة والنهي عنها

الباب السابع في كيفية رتبة الملك مع اوليائه في حال جلوسه وركوبه

الباب الثامن في بيان فضل المشورة والحث عليها

الباب التاسع في بيان أوصاف أهل المشورة وحكايات لائقة

الباب العاشر في معرفة أصول السياسة والتدبير

الباب الحادي عشر في الجلوس لكشف المظالم

الباب الثاني عشر في ذكر أدب صحبة الملوك

الباب الثالث عشر في معرفة ما تكاد به الملوك في غالب الأحوال

الباب الرابع عشر فيما ينبغي للملك من سياسة الجيش وتدبير الجنود

الباب الخامس عشر فيما يلزم أهل الجيش من حقوق الجهاد

الباب السادس عشر في مصابرة المشركين

الباب السابع عشر في معرفة قتال قطاع الطريق واهل الردة والبغي


162

الباب الثامن عشر في معرفة قسمة الغنيمة والفيء

الباب التاسع عشر فيما ينبغي للملك فعله عند قفوله بالجيش

الباب العشرون في الحث على استماع المواعظ وقبولها من النساك

الباب الخاتمة


163
الباب الأول في بيان إفتقار الرعية إلى ملك عادل

قال عبد الرحمن لما كانت الرعية ضروباً مختلفة وشعوباً مختلفة متباينة الأغراض والمقاصد مفترقة الأوصاف والطبائع افتقرت ضرورة إلى ملك عادل يقوم


164

165
أودها ويقيم عمدها ويمنع ضررها ويأخذ حقها ويذب عنها ما أشقها ومتى خلت من سياسة تدبير الملك كانت كسفينة في البحر اكتنفتها الرياح المتواترة والأمواج المتظاهرة قد أسلمها الملاحون واستسلم أهلها إلى المنون.

واعلم أن الرعية تستظمىء إلى عدل الملك وتدبيره استظماء أهل الجدب إلى الغيث الوابل وينتعشون بطلعته عليهم كانتعاش النبت بما يناله من ذلك القطر بل الرعية بالملك أعظم انتفاعاً منها.


166
بالغيث لأن للغيث وقتاً معلوما وسياسة الملك دائمة لا حد لها ولا وقت

والرعية في تباين أوصافها كنبت الأرض فمنه الطيب المثمر ومنه الخبيث القاتل فمن كان منه طيباً فإنه لا تزكي أصوله في أرضه ولا تنمى فروعه إذا جاوره الخبيث فيها لان الخبيث يسبق إلى ما دونه في القرار فيشربها ويكثف فروعه في الفضاء فلا يصل إليه حظه من النسيم فإذا أصلحت الأرض فأسدها وأخرج ما فيها من النبت الخبيث انتعش نبتها الطيب وقوى أصله ونما فرعه وطاب ثمره وكذلك الرعية لما جاور الخبيث طيبها افتقرت ضرورة إلى ملك يصلح فاسدها ويقمع صائلها ويكسر شوكة أهل التعدي عليها لتنتعش أحوالها وتزكي أموالها ويكثر خيرها وتصلح


167
أمورها وقد قيل الرعية بلا وال كالأنعام بلا راع فانظر سائمة الانعام في مراعيها إذا خلت من راعيها ما أشد اختلال حالها واختلاف افعالها بل الرعية أشد اختلالاً وأكثر اختلافاً فلا بد من زعيم يمنعهم من المظالم ويفضل بينهم في التنازع والتخاصم ولولاه لكانوا فوضى مهملين وهمجاً مضاعين

قال الأفوه الأودي


168

( لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم

ولا سراة إذا جهالهم سادوا )

( والبيت لا يبتنى إلا باعمدة

ولا عماد إذا لم ترس أوتاد )

( فإن تجمع أوتاد واعمدة

وساكن بلغوا الأمر الذي رادوا )
169
في فضل الأدب وافتقار الملك إليه

قال عبد الرحمن لما افتقرت الرعية في أمورها إلى تدبير الملك وكان الأدب مجموع خلال حميدة وخصال جميلة افتقر إليه الملك ضرورة لتصدر عنه تصاريف التدبير في الرعية على قانون العدل الذي به دوام المملكة فقد قيل من حسنت سياسته دامت رياسته

واعلم أن الأدب أحد الأوصاف الأربعة التي يشترط قيامها بالملك في تدبير المملكة على ما سنوضحه فإذا عرى الملك 170

عنه اختلت سياسة وتدبيره وقد قيل الأدب صورة العقل فمن لا أدب له لا عقل له ومن لا عقل له لا سياسة له ومن لا سياسة لا ملك له

وقال بعضهم قرأت في التورة إن أحسن الحلية الحسب ولا حسب لمن لا مروءة له ومن لا مروءة لمن لا عقل له ولا عقل لمن لا أدب له .

وقال بعض الحكماء الأدب عصمة الملوك لأنه يمنعهم من الظلم ويردهم إلى الحلم ويصدهم عن الأذية ويعطفهم على الرعية فمن حقهم أن يعرفوا فضله ويعظموا أهله.


170
0

عنه اختلت سياسته وتدبيره وقد قيل الأدب صورة العقل فمن لا أدب له لا عقل له ومن لا عقل له لا سياسة له ومن لا سياسة لا ملك له

وقال بعضهم قرأت في التوراة إن أحسن الحلية الحسب ولا حسب لمن لا مروءة له ولا مروءة لمن لا عقل له ولا عقل لمن لا أدب له .

وقال بعض الحكماء الأدب عصمة الملوك لأنه يمنعهم من الظلم ويردهم إلى الحلم ويصدهم عن الأذية ويعطفهم على الرعية فمن حقهم أن يعرفوا فضله ويعظموا أهله.


171

وقال بعض العلماء ليس للمرء أن يتبجح بحالة جليلة نالها بغير عقل أو منزلة رفيعة نالها بغير أدب فإن الجهل ينزله منها ويزيله عنها ويحطه إلى رتبته ويرده إلى قيمته بعد أن تظهر عيوبه وتكثر ذنوبه ويصير مادحه هاجياً ووليه معادياً.

وكان يقال عقل الأديب أبداً في إرشاد ورأيه أبداً في سداد فقوله سديد وفعله حميد.

وقال رجل من قيس لسيد من قريش يا أخا قريش أطلب الأدب


172
فإنه زيادة في العقل وكمال في المنصب ودليل على المروءة وصاحب في الغربة وصلة في المجالس وما أحسن قول الذي يقول

( أدب المرء كلحم ودم

ما حواه أحد إلا صلح

( لو وزنا رجلا ذا أدب

بألوف من ذوي الجهل رجح

وكان يقال الأدب مال واستعماله كمال وأوصى ملك ولده فقال يا بني خصلتان يسود بهما المرء وإن كان غير ذي مال العلم والأدب يا بني جالس الكبراء وناطق العلماء فإن مؤاخاتهم كريمة ومجالستهم غنيمة وصحبتهم سليمة

وأوصى رجل ولده فقال يا بني عليك بالأدب فإنك إن كنت غنيا


173
كنت شريف قومك وإن كنت مكتفيا كنت سري قومك وإن كنت محتاجا لم يستغن عنك ويحتاجك رؤساء البلاد وأشرافهم

وقيل من قعد به نسبه نهض به أدبه وقال بزر جمهر ما أورثت الآباء أبناءها أفضل من الأدب لأنها إذا أورثتها الأدب اكتسبت به الأموال ونالت به أعلى المراتب وإذا أورثتها الأموال أضاعتها وبقيت عدما من الأدب وكان يقال الأدب خير ميراث وحسن

^174^الخلق خير قرين والتوفيق خير قائد والاجتهاد أربح تجارة ولا مال أعود من العقل ولا عقل أوثق من المشورة ولا فقر أشد من الجهل وقيل الأدب ثوب جديد لا يبلى والعلم كنز عظيم لا يفنى وقيل من أدب ابنه أرغم عدوه وقيل ثلاثة ليس معهن غربة حسن الأدب ومجانبة الريب وكف الأذية وقال نصر بن سيار كل شيء

175
يبدو صغيرا ثم يكبر إلا المصيبة فإنها تبدو كبيرة ثم تصغر وكل شيء يرخص إذا كثر إلا الأدب فإنه إذا كثر غلا واعلم أن فضل الأدب أشهر من أن يسطر وفي النفس الأبية باعث عليه إذا كانت تأبى ضده وتكره مخالفته وله قواعد تبتنى عليه أركانه سنذكرها إن شاء الله تعالى
176
الباب الثالث في معرفة قواعد الأدب

لما كان الأدب وصفا مشروطا للملك في تدبير المملكة افتقر في ذلك إلى معرفة قواعده التي لا يتحقق بدونها ولا يبتنى إلا عليها وهما قاعدتان لا يسع الملك تركهما إذ هما أصلان في السياسة والتدبير

القاعدة الأولى العلم

إعلم أن العلم بأحكام الدين وضبط أصول الشريعة واجب على كل مسلم وعلى الملوك أشد وجوبا لافتقارهم إلى إقامة الحدود


177
الشرعية بما يستحق كل جان منهم على الوجه الشرعي وأخذ الحقوق من وجوهها وصرفها في أربابها وجهاتها ليتحقق منهم العدل الذي قامت به السموات والأرض ومتى كان الملك جاهلا كان تدبيره هدما لقواعد
178
المملكة قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه من عمل بغير علم كان ما يهدم أكثر مما يبني

قال عبد الرحمن ولا محالة أن الملك إذا كان خاليا من العلم ركب هواه وتخبط ما يليه إذ لا تحجبه فكرة سليمة ولا تمنعه حجة صحيحة ويكون كالفيل الهائج في البلد القفر لا يمر بشيء إلا تخبطه وإذا كان الملك عالما كان له من علمه وازع يقمع هواه ويميل به إلى سنن الحق كالفيل الهائج إذا خرج من البلد القفر إلى الأنيس ذللته السلسلة وقهره الكلوب حتى يحمل عليه الأثقال


179

وقال بعض الحكماء الملك إذا لم يوطده علم كان مذلة اجلة والعلم إذا لم يؤيده عقل كان مضلة عاجلة

وكان يقال إذا أراد الله بالناس خيرا جعل العلم في ملوكهم والملك في علمائهم وقال بعض الحكماء العلم عصمة الملوك لأنه يمنعهم من الظلم ويردهم إلى الحلم ويصدهم عن الأذية ويعطفهم على الرعية

وقال ابن عباس رضي الله عنهما إن سليمان بن داود عليهما السلام خيره الله تعالى بين العلم والملك فاختار العلم فأعطاه الله


180
0 تعالى العلم والملك جميعا

وأوصى ملك من ملوك اليمن ولي عهده فقال اتق من فوقك يتقيك من تحتك وكما تحب أن يفعل بك فافعل برعيتك وانظر كل حسن فافعله واستكثر من مثله وكل قبيح فارفضه وبالنصحاء يستبين لك ذلك وخيرهم أهل الدين وأهل النظر في العواقب واستكثر من العلم فإنه أساس التدبير وما ليس له أساس فمهدوم وإنما رأيت الملوك تولي من ثلاثة أمور فاحسم عنك واحدا وأحكم اثنين وهي اتباع الهوى وتولية من يستحق وكشف أمور الرعية فإنك إن ملكت هواك


181
لم تستأثر ولم تعمل إلا بالحق وإن وليت المستحق كان عونا لك على ما تحب ولم تضع على يديه الأمور وإذا تناهت إليك أمور رعيتك عاش الوضيع وحذر الرفيع وأمسك الظالم وأمن المظلوم والسلام

وحكي أن عبد الله بن صالح بن


182
علي دخل بغداد على بعض شبان بني العباس فحادثه فوجده على خلاف ما عهد عليه أسلافه فساءه ذلك فلما خرج من عنده قال إن الجهل يحط أولى المراتب ويصغر ذوي المناصب ثم أنشد متمثلا

( تعلم فليس المرء يولد عالما

وليس أخو علم كمن هو جاهل )

( وإن كبير القوم لا علم عنده

صغير إذا التفت عليه المحافل )

وقال بعض العلماء الجهل مطية من ركبها زل ومن صحبها ضل


183
وأنشدني بعض أهل العلم

( احفظ العلم ما استطعت

فإنك إن كنت خاملا رفعك )

( واترك الجهل ما استطعت

فإنك إن كنت عاليا وضعك )

وقال بعض العلماء من غرس العلم اجتنى النباهة ومن غرس الزهد اجتنى العزة ومن غرس الإحسان اجتنى المحبة ومن غرس الفكرة اجتنى الحكمة ومن غرس الوقار اجتنى المهابة ومن غرس المداراة اجتنى السلامة ومن غرس الكبر اجتنى المقت ومن غرس الحرص اجتنى الذلة ومن غرس الطمع اجتنى الخزي ومن غرس الحسد اجتنى الكمد


184

القاعدة الثانية من قواعد الأدب نهي النفس عن الهوى

وذلك لازم للملك في التدبير لأن صواب الرأي وخطأه إنما يكون بحسب قوة التخيل الفكري وضعفه فمن قوى تخيل فكره كان في سلطان الهوى غالبا ومن ضعف تخيل فكره كان في سلطان الهوى مغلوبا وإنما يضعف التخيل الفكري إذا استولت على النفس الشهوات


185
فيحتجب العقل عن صواب الرأي فإذا قهر الملك نفسه عن هواها ومنعها شهواتها الصائرة بها ونهاها ظهر له صواب التدبير في مرآة العقل ومتى لم يملك الملك ضبط نفسه عن هواها وهي واحدة لم يملك ضبط حواسه وهي خمس وإذا لم يملك ضبط حواسه مع قلتها وذلتها صعب عليه ضبط خاصته من أعوانه وعامته مع كثرة جمعهم وخشونة جانبهم ومن لم يضبط خاصته من أعوانه وهم نصب عينيه لم يضبط عامته من رعيته في أقاصي بلاده وأطراف مملكته فليس من عدو بعد قهر النفس أحق بالقهر من الحواس الخمس لأنهن أعوان النفس ودليلها إلى الشهوات الموبقة وقد رأينا قوة الحاسة الواحدة منهن على انفرادها إذا أتت على نفس من النفوس القوية الحذرة ألهتها عن مصلحتها حتى توردها حياض الموت فكيف بها إذا اجتمعت خمسا
186
على نفس واحدة فمن ذلك أن الظبي مع شدة نفوره إذا سمع صوت أواني الصفر مع تواتر النقرات واصطخابها الهاه سماع ذلك عما يراد به فيلبث في كنانته حتى يأتيه الصياد فيقتنصه

والفيل مع عظم جسمه وشدة قوته يلهيه لين اللمس ويذهله عن نفسه حتى تنصب له المصائد فيصاد ويذل ويركب عنقه

والفراش الذي يسكن


187
من حر الشمس إذا رأى ضوء النار أعجبه نورها وحسن منظرها فيلهيه ذلك حتى يلقى نفسه فيها فتحرقه

وذباب الورد المتتبع لطيب الأوائح يطلب ما يقطر من أصل أذن الفيل عند هيجانه فإنه يكون في طيب رائحة المسك ولا يهوله تحريك أذن الفيل بل يلهيه شم ذلك القاطر عن الإحتراس حتى يلج في أصل أذنه فيقع عليه ضربة الأذن فتقتله

والسمك في البحر يسليه ذوق الطعم ويلهيه ويذهله عن


188
الشص الذي فيه اللحم فيبتلعه فيكون فيه حتفه فمن ملك هذه الحواس الخمس فقد ملك نفسه ومن ملك نفسه حسنت سياسته ومن حسنت سياسته دامت رياسته

ومن أعطى نفسه هواها باتباع ملاذ شهواته اشتغل عن تدبير مهماته فتختل أمور دولته وتنحل عرى مملكته

وقد سئل رجل من بني أمية عن سبب زوال


189
دولتهم فقال مثله ما قال بزرجمهر شغلتنا لذاتنا عن مهماتنا وقل عطاؤنا لجندنا فقل ناصرنا وجرنا على أهل خراجنا فدعوا علينا وطلبوا الراحة منا وأشد من ذلك أنا استعملنا صغار العمال على كبار الأعمال فآل ملكنا إلى ما آل

وقال بعض الحكماء العقل كالزوج والنفس كالزوجة والجسم كالبيت لهما فإذا كان سلطان العقل غالبا قاهرا للنفس اشتغلت النفس بمصالح الجسم إما لمنفعة تجلبها أو لمضرة تجتنبها كما تشتغل الزوجة التي قهرها زوجها بمصالح بيتها العائدة عليها وعلى زوجها وإن كان سلطان النفس على العقل غالبا كان سعي النفس فاسدا ونزعاتها مذمومة كفعل الزوجة التي قهرت زوجها

وكان يقال لا يزال الملك الحازم يخاف ظهور عدوه عليه حتى يجاوز عدوه قضايا العقل إلى قضايا الهوى فحينئذ يبشر بالغلب ويثق بحسن المنقلب


190
0

وكان يقال الهوى كالنار إذا استحكم إيقادها عسر إخمادها وكالسيل إذا اتصل مده تعذر صده

قال المأمون الهوى ينتج من الأخلاق قبائحها ويظهر من الأفعال فضائحها أنشدني بعض أهل العلم

( إذا ما رأيت المرء يقتاده الهوى

فقد ثكلته عند ذاك ثواكله )

( وقد أشمت الأعداء جهلا بنفسه

وقد وجدت فيه مقالا عواذله )

( وما يردع النفس الحرون عن الهوى

من الناس إلا حازم الرأي كامله )
191

وقال أردشير ما استعان ملك على عدل في رعيته بمثل مجانبة الهوى وقال أيضا الزلل مع اتباع الهوى

وأوصى رجل ولده فقال يا بني أعص هواك والنساء واصنع ما شئت

وكان يقال إذا غلب عليك عقلك فهو لك وإذا غلب عليك هواك فهو لعدوك

وقال بعض الحكماء أكثر مخالفة الهوى فإن النفس أمارة


192
بالسوء تكره ما لها وتحب ما عليها ولن يحور عن القصد من ائتمن عقله واتهم هواه واستغش العقل وأنشدني بعضهم

( إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى

إلى بعض ما فيه عليك مقال )

وقال سابق البربري

( اعص الهوى حين لا ترضى معاذره

وقد تبينت ما تأتي وما تذر )
193

وأوصى ملك من ملوك حمير أخاه فقال لا يكون الإفراط من شأنك في نكال ولا نوال فإنه في النوال يجحفك وفي النكال يؤثمك ويحنق عليك وإذا أنكرت نفسك فامسك وغالب هواك فإنه أضر ما اتبعت واعمل بالحق فإنه لا يضيق معه شيء ولا يتعب فيه عاقل ولا يعقبك فيه تبعة وليكن خوف بطانتك لك أشد من أنسهم بك

وأوصى ملك من العرب ولي عهده فقال كن بالحق عمولا وعما جهلت سئولا وأول شيء تؤدب به نفسك قمعها عن شهواتها وردعها عن هواها فلا شيء أضر بالمملكة من اتباع الهوى وافحص عن الأمور تظهر


194
لك حقائقها واستبطن أهل التقوى وذوي الأحساب تزين نفسك وتحكم أمرك وإياك وقبول التزكية فيما لا تشك أنك مكذوب فيه فإنها خدعة يتبعها صرعة ولا تحصن سرك إلا عند من يكتمه ولا تثق برجل تتهمه ولا تعود لسانك الخنا ولا تكلف نفسك ما لا تقوى عليه وإذا هممت بخير فعجله وإذا هممت بخلافه فتأن فيه وإياك وكثرة التألي فمن تألى على الله أكذبه وأرحم ترحم

وقال بعض الشعراء

( قد يدرك الحازم ذو الرأي المنى

بطاعة الحزم وعصيان الهوى )
195
الباب الرابع في معرفة أركان المملكة وقاعدتها

إعلم أن أركان المملكة تبنى على قاعدة كلية لا قوام لها بدونها ولا تثبت إلا عليها وهي منها بمنزلة الرأس من الجسد فكما لا بقاء للجسد بعد قطع الرأس كذلك لا بقاء للمملكة بدون هذه القاعدة وهذه القاعدة يقلها أركان خمسة بها قوام القاعدة فإذا انتقض منها ركن أوهن القاعدة وأفضى إلى اضطرابها فتختل المملكة


196
فكما أن النفس يقوم بها أركان خمسة وهي الغذاء والشحم والدم والمخ والعظم فإذا انتقض منها ركن أوهن النفس وأفضى إلى ذهاب القوة وكذلك دين الإسلام أركانه خمسة فإذا انتقض منها ركن في شخص بطل عنه البواقي وخرج عنه الإسلام

وهذه القاعدة أركانها الخمسة يقلها أساس باطن لا تثبت إلا عليه فإذا انشعث هذا الأساس اختلت الأركان واضطربت القاعدة وأفضى الأمر إلى هدم الجميع وسنوضح ذلك إن شاء الله تعالى

أما القاعدة التي تبتنى عليها المملكة فهي الملك المنتصب لتدبير الرعية وسياسة المملكة ويقيمه أوصاف أربعة لا ينفك عنه واحدة


197
197

198
198

199
199

200
00 منهن وهي أدبه وعقله وعدله وإقدامه فإذا عرى عن شيء من ذلك ذهبت قوته وضعف عن حمل المملكة كالطبائع الأربع المركبة في جسد الإنسان لا قوام له إلا بها فإذا خلا عن واحد منهن انحل تركيب الجسد وزهقت منه النفس فإذا استقام الملك بهذه الأوصاف الأربعة قامت به مملكته

وأما الركن الأول من أركان المملكة فهو الوزارة


201
01 وهي على ضربين وزارة تفويض ووزارة تنفيذ
202
02

فأما وزارة التفويض فهو أن يستووزر الملك من يفوض إليه تدبير الأمور برأيه


203
03
204
04
205
05
206
06 لأن ما وكل إلى الملك من تدبير الرعية لا يقدر على مباشرة جميعه إلا بالاستنابة

وأما وزارة التنفيذ فالنظر فيها مقصور على رأي الملك وتدبيره وهذا الوزير واسطة بين الملك وبين الرعية يؤدي عنه ما أمر به


207
07 وينفذ ما ذكر ويمضي ما حكم ويخبر عنه بتقليد الولاة وتجهيز الجيوش ويعرض عليه ما ورد من أمر مهم وما تجدد من حدث ملم ولا مندوحة للملك عن نظر الوزير واستعمال رأيه فيما يجهله من أمور التدبير
208
08 والوقائع الحادثة وقد روت عائشة رضي الله عنها أن النبي A ‌ قال من استعمل على عمل وأراد الله به خيرا جعل له وزير صدق إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه

وقد يثب المصروع من الملوك برأي وزيره حتى


209
09 يعلو من صرعته بقوة رأيه ولطف حيلته وإن كان ضعيفا والصارع قويا كالماء الذي هو أقوى من النار فإنه يحتال فيه المحتال حتى تنفذ منه النار وهو في القدر ولا يضر النار بل ينقلب الضرر على الماء الذي هو أقوى حتى تنفذ من القدر بلطف الحيلة

واعلم أنه لا بد أن يعتبر في الوزير عشرة أوصاف

أحدها العلم لأن تدبير الجاهل يقع مخالفا للشرع فيكون وبالا

الثاني السن لأن الشيخ حنكته التجارب وعركته النوائب وشاهد من


210
0 اختلاف الدول ونزول الحوادث ما أوضح لعقله صواب الرأي في التدبير

الثالث الأمانة حتى لا يخون فيما ائتمن عليه ولا يغش فيما استنصح فيه

الرابع صدق اللهجة حتى يوثق بخبره فيما يؤديه ويعمل بقوله فيما ينهيه

الخامس قلة الطمع حتى لا يرتشي ولا ينخدع

السادس أن يسلم فيما بينه وبين الناس من عداوة أو شحنا لأن العداوة تصد عن التناصف وتمنع من التعاطف


211

السابع أن يكون ذكورا لما يؤديه إلى الملك أو ينقله عنه لأنه شاهد له وعليه

الثامن الذكاء والفطنة لئلا تدلس عليه الأمور فتشتبه ولا تموه عليه الأحوال فتلتبس لأن الأمور لا يصح مع اشتباهها عزم ولا يتم مع التباسها حزم

التاسع أن لا يكون من أهل الأهواء فيخرجه الهوى من الحق الباطل ويتدلس عليه المحق من المبطل لأن الهوى خادع الألباب وصارف عن الصواب

العاشر أن يكون من أهل الكفاية فيما وكل إليه من أمر


212
الحرب والخراج خبيرا بهما عارفا بتفصيلهما لأنه يكون مباشرا لهما تارة ومستنيبا فيهما تارة أخرى وعلى هذا الوصف مدار الوزارة وبه ينتظم أمور السياسة ومتى لم تجتمع في الوزير هذه الأوصاف العشرة كان تدبيره ناقصا بقدر ما نقض منها

وحكي أن المأمون كتب في اختيار وزير إني التمست لنفسي


213
وتدبير أموري رجلا جامعا لخصال الخير ذا عفة في خلائقه قد هذبته الآداب وأحكمته التجارب إن ائتمن على الأسرار قام بها وإن قلد مهمات الأمور نهض فيها يسكته الحلم وينطقه العلم وتكفيه اللحظة وتغنيه اللمحة له صولة الأمراء وأناة الحكماء وتواضع العلماء وفهم الفقهاء إن أحسن إليه شكر وإن ابتلي بالإساءة صبر لا يبيع نصيب يومه بحرمان غده يسترق قلوب الرجال بخلابة لسانه وحسن بيانه

قال عبدالرحمن وهذه الأوصاف إن كملت في الوزير وقل ما تكمل فالصلاح بنظره عام وبتدبيره تام وإن اختلت فالصلاح بحسب نقصها مختل والتدبير على قدرها معتل

وقد كان الفضل بن سهل وزير المأمون يبعث أصحابه إلى


214
البلاد عيونا ليسمعوا ما تقول الناس فيه من خير أو شر فيطالعونه بذلك فما سمع من خير ازداد منه وما سمع من عيب فيه أزاله

وإن وفدا قدموا على المأمون من بلاد الروم فأكرمهم فلما رجعوا إلى بلادهم قال عقلاؤهم ما رأينا مثل المأمون جلالة وعظمة وعقلا ولا رأينا مثل وزيره في حسن سمته وكمال أوصافه لولا أنه حديث السن ومن شأن الملوك أن يستوزروا المشايخ الذين اجتمعت لهم الحيلة والرياسة والعلم والتجربة فأخبره أصحابه بذلك قال فاحتجب ثلاثة أيام في داره يعالج لحيته حتى ظهر للناس وهي بيضاء ولا يجوز أن يكون الوزير امرأة لقوله A ‌ ما أفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة


215
215

216

217

218

219
الركن الثاني من أركان المملكة

الرعية

إعلم أن الرعية ركن شديد من أركان المملكة وهي قسمان خاصة وعامة والخاصة قسمان متضع في خدمة الملك ومطبوع على الإنكماش والقيام بحقوق الخدمة فليعرف الملك المتضع منهم والمطبوع فإن العون من الخاصة المتضع في خدمته يكون في أول ذلك نشيطا مواظبا للخدمة ثم يدركه خور الطبيعة وقصور الهمة فيفتر


220
0 عما تعاطاه أولا ويذهب تصنعه والمطبوع على الإنكماش في الخدمة يكون نشيطا في كل وقت مثل نشاطه في أول خدمته وأما العامة فهم ثلاث طبقات أخيار وأشرار ومتوسطون بين ذلك ولكل طبقة منهم سياسة سنذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى والمطلوب من الرعية طاعة الملك وذل الجانب وعمارة البلاد وأداء الحقوق وإنما يحصل
221
منهم ذلك بنشر العدل عليهم على ما سنذكره في بابه إن شاء الله تعالى
222
الركن الثالث من أركان المملكة
القوة

فقوة الملك تنقسم إلى ثلاثة أنواع

أحدها قوة رتبته في الناس وهيبته عليهم وما يقع في نفوسهم من عزه وسطوته واستعلائه وقدرته

الثاني قوة احتماله بنفسه لما يرد عليه من الأمور واستقلاله بذلك

الثالث قوة التدبير لأمور المملكة والنفاذ فيها بحسن نظر العواقب بالأمور

أما القوة الأولى فتحصل بحسن السياسة على ما سنذكره في موضعه

والقوة الثانية تحصل بأدب النفس كما ذكرناه في الباب الذي قبله

القوة الثالثة تنقسم إلى أربعة أقسام أحدها تدبير وإبرام


223
الأمور بلا احتيال قبل التدبير بل بالنظر والقياس من المدبر لها

الثاني تدبير وإبرام الأمور بعد الإحتيال فيها ووضع الأصول لها الثالث تدبير معرفة الوقوف على الأمر الذي لا يوجد فيه للتدبير حيلة حتى يصير إلى ما صار إليه ثم يطلب الحيلة فيه بعد ذلك

الرابع تدبير ما لا حيلة فيه واعلم أن أفضل هذه القوات قوة التدبير فأما الأمر الذي لا حيلة فيه ولا رفق فالحيلة فيه الصبر واللين لأن متعاطي الشدة فيه ينقلب الضرر عليه إذا لم يرفق

ألا ترى أن ذا القوة بقوته لو حاول سباحة في الماء على لينه لم يقطعه بقوته حتى يبهره


224

فإذا رفق به سهل عليه عبوره وأمكنه قطعه وكذلك من حاول أن يعقد بكفه على الهواء لم يجد إلى ذلك سبيلا ولو أن الفيل بقوته تعاطى ثلم الجبل بنابه انكسر نابه ولم يقدح في صفاته شيئا

والرجل على ضعف بنيته يتخذ برفقه من الجبل الصلد مسكنا وقد يذيب الحديد الشديد برفقه في حيلته

واعلم أن الملك القوي قد ينبو حد قوته إذا لم يقم رفق التدبير كما ينبو حد السيف عن ضربته وإن كان من الحديد الشديد حتى يسقى من الماء الذي هو لين سيال فيحشد مضاربه حتى إذا حمل


225

على الحديد الذي هو من جنسه قطعه وكل ذلك إنما يحصل بالرفق دون الخرق وسنوضح كيفية التدبير في مواضعه إن شاء الله تعالى


226
الركن الرابع من أركان المملكة
المال

إعلم أن بيت المال ركن عظيم للمملكة


227

228
يتعلق به المصالح الكلية من أرزاق المقاتلة والولاة وأعوانهم
229
وتجهيز الجيوش وأرزاق الفقراء والمساكين وأهل العلم وسد الثغور وبناء المعاقل والحصون وغير ذلك مما يقوم به مصالح الرعية وبقدر زيادته ونقصانه يكون حال المملكة

وناموس الملك عند نظرائه وخاصته وأعوانه لأنه ذخيرة يرجع إليها الملك والأعوان والرعية عند نزول الحوادث فإذا اشتهر بكثرة أنواع الأموال واختلاف أجناس الجواهر اشتد أزر الرعية وقويت نفوس الجند وعظم قدر الملك عند نظرائه وإذا اشتهر بالنفاد والقلة صغر قدر الملك واختلت أمور المملكة وطمع فيه أعداؤه فيجب


230
0 حفظه والاحتياط عليه بتولية الثقات وأهل الأمانة ويتوقى الإسراف في بذله وصرفه إلى غير أهله ولا يمنعه أهل الحقوق فيحصل بذلك الزلل ويتطرق إليه الخلل

سيما الجند وأعوان المملكة فإن


231
تقتير الأرزاق عليهم يفضي بالملك إلى المهالك وقد كان يقال المال ناموس الملك به تظهر هيبته وتقوى أبهته

حكي أن سابور ملك الفرس اتخذ أعمدة وقواعد من الذهب وجعلها على باب خزانة ماله يجلس عليها الخزنة وغيرهم فعظم بذلك عند نظرائه وأهل مملكته فلما أفضت المملكة إلى ولد ولده جعل يغدق


232
الأموال ويسرف في العطايا فلما نفدت تلك الأموال أخذ تلك الأعمدة وسكبها فوجدها مجوفة وقد ملئت رملا فذهب حينئذ ناموسه وتظاهرت أعداؤه وقلت هيبته عند أهل مملكته حين علموا سر هذه الأعمدة

وحكي أن بعض ملوك مصر أخذ حبابا من الخزف وملأها ذهبا ثم سكبه فيها ثم كسر الخزف وأزاله فبقيت كهيئة الحباب ثم جعلها على باب قصره يجلس عليها الناس وسماها الحسرات وإنما قصد بذلك أيضا لإقامة ناموس مملكته وتقوية لنفوس جنده فلهذه المعاني يجب حفظه والاحتياط عليه


233
الركن الخامس من أركان المملكة
الحصون

اعلم أن الحصون التي يتحصن بها الملوك ويمتنع بها جانبهم تنقسم إلى خمسة أنواع كل نوع منها يحصل به التحصن وامتناع الجانب وهي الماء والجبال والمفاوز والقلاع والرجال

وأحصن هذه الحصون الرجال ثم القلاع وتحصين القلاع وتحصين القلاع

بالرجال وتحصين الرجال بالأموال وأفضل الأموال الأطعمة وجمع الأطعمة وتحصيلها إنما يتحقق بالعدل

قيل كان مكتوبا على منطقة بعض ملوك الفرس لا ملك إلا


234

بالرجال وتحصين الرجال بالأموال وأفضل الأموال الأطعمة وجمع الأطعمة وتحصيلها إنما يتحقق بالعدل

قيل كان مكتوبا على منطقة بعض ملوك الفرس لا ملك إلا


235
برجال ولا رجال إلا بمال ولا مال إلا برعية ولا رعية إلا بعدل

وقالت أم جبفويه ملك طبرستان لنصر بن سيار الملك الحازم من اتخذ لنفسه سبعة أشياء حصن يلجأ إليه إذا تظاهر عليه نظراؤه ووزير صالح يثق برأيه ويفضي بسره إليه وذخيرة خفيفة المحمل يرجع إليها عند النوائب وفرس يثق بجريه إذا دهمته الأعداء


236
وسيف إذا نازل الأقران لم يخف أن يخونه وامرأة حسناء إذا دخل عليها ذهب همه وطباخ إذا لم يشته الطعام صنع له ما يشتهيه

وكتب ملك إلى حكيم فقال دلني على ما تبقى به المملكة واختصر في ذلك فكتب إليه بأربعة أشياء حصن شاهق ووزير حاذق ومال وافر وعدل عامر

وبلغ بعض الملوك حسن سياسة ملك فكتب إليه قد بلغت من السياسة مالم يبلغه ملك قبلك فأفدني ذلك فكتب إليه إني تحصنت بالرجال وحصنت الرجال بالأموال ولم أهزل في أمر ولا نهي ولا وعد


237
ولا وعيد وأودعت القلوب هيبة لم يشبها مقت وودا لم يشبه كذب وعممت بالقوت ومنعت الفضول

وسأل ملك من ملوك الفرس حكيما من حكمائهم فقال ما عز الملك قال الطاعة قال فما سبب الطاعة قال التودد إلى الخاصة والعدل على العامة قال فما حصن الملك قال وزراؤه وأعوانه فإنهم إذا صلحوا صلح الملك وإذا فسدوا فسد الملك قال فما سبب صلاحهم قال البذل والإنعام والإحسان الشامل قال فأي الأمور أحمد للملك قال الرفق بالرعية وأخذ الأموال منهم من غير مشقة وأداؤه إليهم عند أوانه وسد الثغور وأمن السبل وإنصاف المظلوم من الظالم وزجر القوي عن الضعيف قال فأي خصلة تكون في الملك أنفع قال الصدق في جميع الأحوال وأما الأساس للمملكة وأركانها فهو الدين


238

اعلم أن الدين أساس المملكة لا قوام لها إلا به ولا تثبت أركانها إلا عليه وهو إقامة منار الإسلام وإظهار شعائر الحق واتباع أحكام الشرع والعمل بالفرائض والسنن ومندوبات الشريعة وإقامة الحدود وامتثال أمر الشارع والانتهاء عن نواهيه وإيصال الحقوق الواجبة إلى أربابها والعمل بما يرضي الله تعالى سرا وعلانية فإنه لا دوام للملك بغير هذه الأشياء قال رسول الله A‌ من أصلح سريرته


239
أصلح الله علانيته ومن أصلح فيما بينه وبين الله أصلح الله فيما بينه وبين الناس

وحكي أن أردشير قال لولده يا بني إن الملك والدين أخوان لا غنى لأحدهما عن الآخر ولا قوام له إلا به

الدين أس والملك حارس فما لم يكن له أس فمهدوم وما لم يكن له حارس فضائع يابني اجعل مرتبتك مع أهل المراتب وعطيتك لأهل الجهاد وبشرك لأهل الدين وسرك لمن يعنيه ما عناك ولتكن من أهل العقل


240
0

وقال الأحنف بن قيس من هدم دينه كان لمجده أهدم ومن ظلم نفسه كان لغيره أظلم وقال بعض الحكماء الدولة بلا دين كالبناء على الثلج


241
الباب الخامس في معرفة الأوصاف الكريمة وفضلها وحث الملك عليها

ينبغي للملك المنتصب لتدبير الرعية أن يتصف بالأوصاف الكريمة ويتلبس بها ويجعلها له خلقا مطبوعا ولا يهمل منها وصفا واحدا إذ بها قوام دولته ودوام مملكته وهي خمسة عشر وصفا

العدل والعقل والشجاعة والسخاء والرفق والوفاء والصدق والرأفة والصبر والعفو والشكر والأناة والحلم والعفاف والوقار وسنشرح فضل هذه الأوصاف وما يتعلق بها من المصالح الكلية في تدبير المملكة


242
الوصف الأول العدل

إعلم أن العدل أشرف أوصاف الملك وأقوم لدولته لأنه يبعث على الطاعة ويدعوا إلى الألفة وبه تصلح الأعمال وتنمو الأموال


243
وتنتعش الرعية وتكمل المزية وقد ندب الله عز وجل الخلق إليه وحثهم عليه

قال الله تعالى إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون

قال الحسن إن الله تعالى جمع الخير كله والشر كله في إن الآية وقال إن استقامة الملك بالثلاثة المأمور بها في الآية واضطرابه بالثلاثة المنهي عنها فيها


244

وقد قال رسول الله A‌ ثلاث منجيات وثلاث مهلكات فأما المنجيات فالعدل في الغضب والرضاء


245
وخشية الله تعالى في السر والعلانية والقصد في الغنى والفقر وأما المهلكات فشح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه

وحكي أن الإسكندر قال لحكماء الهند وقد رأى قلة الشرائع في بلادهم لم صارت سنن بلادكم قليلة قالوا لإعطائنا الحق من أنفسنا ولعدل ملوكنا فينا فقال لهم أيما أفضل العدل أم الشجاعة قالوا إذا استعمل العدل استغني عن الشجاعة وقال أردشير إذا رغب الملك عن العدل رغبت الرعية عن الطاعة

( وعوتب كسرى أنوشروان

على ترك عقاب المذنبين )
246

فقال هم المرضى فإذا لم نداوهم بالعدل فمن لهم?

وقال أفلاطون بالعدل ثبات الأشياء وبالجوز زوالها وقيل لأردشير من الذي لايخاف أحدا ? قال من عدل في حكمه وكف عن ظلمه نصره الحق وأطاعه الخلق وصفت له النعمة وأقبلت عليه الدنيا فهنىء بالعيش واستغنى عن الجيش وملك القلوب وأمن الحروب

وقال بعض العلماء إن أيدي الرعية تبع لألسنتها فمتى قدرت أن


247
تقول قدرت أن تصول ولن يملك الملك ألسنتها حتى يملك جسومها ولن يملك جسومها حتى يملك قلوبها فتحبه ولن تحبه حتى يعدل عليها عدلا يتساوى فيه الخاصة والعامة
248

وقال كسرى أنو شروان لبزرجمهر ابن لي قبة واكتب عليها كلمات انتفع بها في بقاء الدولة فبناها وكتب في طرازها العالم بستان سياجه الدولة والدولة ولاية تحرسها الشريعة والشريعة سنة يستنها الملك والملك راع يعضده الجيش والجيش أعوان يكفلهم المال والمال رزق تجمعه الرعية والرعية عبيد يستعبدهم العدل والعدل مألوف به قوام العالم

وقال الوليد بن هشام إن الرعية لتفسد بفساد الملك وتصلح بصلاحه


249

وقال سفيان الثوري للمنصور إني لأعرف رجلا إن صلح صلحت الأمة قال ومن هوقال أنت

واعلم أن العدل لايتحقق من الملك إلا بلزوم عشر خصال أحدها إقامة منار الدين وحفظ


250
0 شعائره والحث على العمل به من غير إهمال له ولا تفريط بحقوقه

الثاني حراسة البيضة والذب عن الرعية من عدو في الدين أو باغ في النفس والمال

الثالث عمارة البلدان باعتماد المصالح وتهذيب السبل


251
والمسالك الرابع النظر في تعدي الولاة وأهل العز من الأعوان على الرعية لأن تعديهم منسوب إليه قال الشاعر

( ومن يربط الكلب العقور ببابه

فعقر جميع الناس من رابط الكلب )

( كذلك من ولى ابنه وهو ظالم

فظلم جميع الناس من قبل الأب )

الخامس النظر في أحوال الجند وغيرهم من أهل الرزق لئلا تبخسهم العمال أرزاقهم أو يؤخرون العطاء فيجحف الانتظار بهم


252

السادس الجلوس لكشف المظالم والنظر بين المتشاجرين من الرعية والفصل بينهم بالنصفة على وجه الشرع

السابع تقدير ما يخرج من بيت المال على طبقات أربابه من غير إسراف ولا إقتار

الثامن إقامة الحدود على أهل الجرائم بالشرع المطهر على قدر الجريمة


253

التاسع اختيار خلفائه في الأمور وولاته وقضاته وعماله بأن يكونوا من أهل الكفاية والأمانة والحذق والدراية فيما هم بصدده

العاشر تنفيذ ما وقف من أحكام القضاة وأهل الحسبة وما عجزوا عن تنفيذه لقوة يد المحكوم عليه وتعززه فينفذ الملك ما حكموه عليه بالشرع


254

فإذا فعل الملك هذه العشر خصال كان مؤديا لحق الله تعالى في الرعية بالعدل الذي أمر الله تعالى به وكان مستوجبا لطاعتهم ومستحقا لمناصحتهم وإن ترك شيئا من ذلك كان عن العدل ناكبا وفي الجور راغبا


255

وأنشدني بعضهم

( إختم وطينك رطب إن قدرت فكم

قد أمكن الختم أقواما فما ختموا )

( ولوا فما عدلوا أيام دولتهم

حتى إذا عزلوا ذلوا فما رحموا )
256
الوصف الثاني العقل

إعلم أن العقل وصف شريف وخلق عظيم لايبطل حقا ولايحق باطلا وهو عبارة عما يستفاد من التجارب بمجاري الأحوال وقيل هو العلم بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات ومن نتائجه


257
الفكرة السليمة والنظر الثاقب في حقائق الأمور ومصالح التدبير وسئل بعض الحكماء عن العقل فقال الإصابة بالنظر ومعرفة ما لم يكن بما كان وقال ابن المعتز العقل غريزة تربتها النوائب

وقال بعض الحكماء خير مواهب الملك العقل وشر مصائبه الجهل وكان يقال الجاهل يعتمد على أمله والعاقل يعتمد على عمله


258
وقيل نظر العاقل بقلبه وخاطره ونظر الجاهل بعينه وناظره وقال ابن المعتز بأيدي العقول تمسك أعنة النفوس عن اتباع الهوى وقال بعض الحكماء العاقل من نفسه في تعب والناس منه في راحة والأحمق من نفسه في راحة والناس منه في تعب

أنشدني بعض أهل العام


259

( وأفضل قسم الله للمرء عقله

وليس من الأشياء شيء يقادبه )

( إذا أكمل الرحمن للمرء عقله

فقد كملت أخلاقه ومناقبه )

وقال بعض الحكماء العلم قائد والعقل سائق والنفس حرون فإذا كان قائد بلا سائق أحجمت النفس وإذا كان سائق بلا قائد عدلت يمينا وشمالا فإذا اجتمع القائد والسائق سارت طوعاً أو كرهاً

وقال بعضهم شعراً

( تأمل بعينيك هذا الأنام

وكن مثل من صانه عقله )

( فحلية كل فتى فضله

وقيمة كل امرىء نبله )

( ولا تتكل في طلاب العلا

على نسب ثابت أصله)

( فهل من فتى زانه قوله

بشيء يخالفه فعله )
260
0

وقال بعضهم يعرف العاقل بحسن سمته وطول صمته وصحة تصرفه

وقال بعض الحكماء ليس للمرء أن يتبجج بحالة جليلة نالها بغير عقل أو منزلة رفيعة حلها بغير فضل فالجهل ينزله منها ويزيله عنها ويحطه إلى رتبته ويرده إلى قيمته بعد أن تظهر عيوبه وتكثر ذنوبه ويصير مادحه هاجيا ووليه معاديا

وكان يقال الناس ثلاثة عاقل واحمق وفاجر فأما العاقل فإن الدين شريعته والحلم طبيعته والرأي الحسن سجيته إن كلم أجاب وإن نطق أصاب وإن سمع العلم وعى وإن حدث الفقه روى


261

وأما الأحمق فإن تكلم عجل وإن حدث وهل وإن استنزل عن رأيه نزل

وأما الفاجر فإن أمنته خانك وإن حدثته شانك وإن استكتم أمرا لم يكتم وإن علم علما لم يعلم

وكان يقال لا عطية أعظم من عقل ولا داء أدوى من جهل

وقال المبارك الطبري ليس العاقل


262

الذي يحتال للأمر الذي غشيه حتى لا يقع فيه بل العاقل الذي يتحذر الشدائد قبل الوقوع فيها حتى لا يقع

وقال فيروز حصين إذا أراد الله تعالى أن يزيل عن عبد نعمة كان أول ما يغير منه عقله

أنشدني بعضهم

( يعد رفيع القوم من كان عاقلا

وإن لم يكن في قومه بحسيب )

( إذا حل أرضا عاش فيها بعقله

وما عاقل في بلدة بغريب )
263
الوصف الثالث الشجاعة

إعلم أن الشجاعة من أحمد الأوصاف التي تلزم الملك أن يتصف بها ضرورة وإن لم تكن له طبعاً فيتطبع بها ليحسم بهيبته مواد


264
الأطماع المتعلقة بقلوب نظرائه ويحصل منه حماية البيضة ورعاية المملكة والذب عن الرعية

وحقيقة الشجاعة ثبات الجأش وذهاب الرعب وزوال هيبة الخصم أو استصغاره عند لقائه ولا بد أن يتقدم هذا رأي ثاقب ونظر صائب وحيلة في التدبير وخداع في الممارسة فقد قال ص ‌ الحرب خدعة


265

266

قال أبو الطيب المتنبي

( الرأي قبل شجاعة الشجعان

هو أول وهي المحل الثاني )

( فإذا هما اجتمعا في النفس مرة

بلغت من العلياء كل مكان )

( ولربما قتل الفتى أقرانه

بالرأي قبل تطاعن الفرسان )

واعلم أن ثمرة الشجاعة من الجند الكر والفر وثمرتها من الملوك الثبات


267
حتى يكون قطبا يدورون عليه ومعقلا يلجأون إليه هذا إذا كان بحضرته من يذب عنه من أعوانه الذين يثق بهم فإذا لم يكن بحضرته من يذب عنه حسن منه حينئذ أن يذب عن نفسه إما بالإقدام وإما بالانهزام حيلة

ولقد حكي أن فيلا اغتلم فدخل قصر كسرى أنوشروان والفيل


268
إذا اغتلم أنكر سايسه ولا يمر بشيء إلا حطمه وإن ذلك الفيل قصد الإيوان الذي فيه كسرى وعنده جماعة من كفاته أو ثقاته فلما نظروا إلى الفيل مقبلا إليهم فروا من حول كسرى وثبت كسرى على سريره ولم يتغير عن سريره ولا عن هيئته وثبت عنده واحد من الرجال بيده طبر فقام ذلك الرجل أما سرير كسرى وقصده الفيل فثبت له فلما غشيه ضربه بالطبر على خرطومه فقده فولى الفيل راجعا وكسرى في هذا كله لم يتحلحل عن سريره ولا تغير لونه ولا فارقته أبهته وهذه غاية الشجاعة المطلوبة من الملوك

وكذلك حكى أن موسى الهادي كان يوما في بستان على حمار له


269
وليس معه سلاح وبحضرته جماعة من أهل بيته وبطانته فدخل عليه حاجبه وأخبره عن رجل من الخوارج كان ذا بأس شديد ونكاية في الناس وأنه قد ظفر به بعض القواد وهو معه على الباب فأمر الهادي بإدخاله عليه فأدخل بين رجلين قد قبضا على يديه فلما نظر الخارجي إلى الهادي جذب يديه من الرجلين واخترط سيف أحدهما وقصد الهادي ففر عنه كل من كان بحضرته من اهله وبطانته وبقي الهادي وحده على حمار بمكانه ذلك حتى قرب الخارجي منه ورفع يده بالسيف ليعلوه به فقال ياغلام اضرب عنقه فالتفت الخارجي ينظر من خلفه فوثب الهادي من سرج حماره فإذا هو على الخارجي فقبض عليه وانتزع السيف من يده فذبحه ثم عاد إلى ظهر حماره من فوره وتراجع إليه خاصته يتسللون وقد ملئوا منه رعبا وحياء فما خاطبهم بشيء من ذلك ولم يكن بعد ذلك يفارقه السلاح
270
0 ولم يركب إلا جوادا من الخيل وهذا أعجب ما يكون من الشجاعة وثبات الجأش في الملوك
271
الوصف الرابع السخاء

إعلم ان السخاء عماد البر الذي هو سبب الألفة لما يوصل إلى القلوب من الراحة والألطاف ولذلك ندب الشرع إليه وحث الخلق عليه لما فيه عموم المصلحة في الدنيا والآخرة لأن في السخاء


272
رضا الله سبحانه وتعالى ورضا الناس جميعا قال رسول الله ص ‌ السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة بعيد من النار والبخيل بعيد من الله بعيد من الناس بعيد من الجنة قريب من النار
273

وقال رسول الله ص ‌ تجافوا عن ذنب الكريم فإن الله يأخذ بيده كلما عتر

وقالت السيدة عائشة رضي الله عنها الجنة دار الأسخياء والنار دار البخلاء


274

وقيل اوحى الله إلى موسى عليه السلام ألا تقتل السامري فإنه كريم

وحدث أبو قاسم قال حضرت الحكم بن المطلب لما


275
مات بمدينة منبج فلما أخذ في النزع وأشخص ببصره قال أبو معيوف الحمصي اللهم أرفق به فقد كان جوادا شجاعا صواما قواما قال فأفاق من غشيته ثم نظر إلينا وقال من المتكلم فقال أبو معيوف أنا قال إن ملك الموت يسلم ويقول لك إن الله تعالى أمرني أن أرفق بقبض روح كل كريم ثم اضطجع فكأنه كان فتيلة طفئت رحمه الله

وكان يقال سؤدد بلا جود كملك بلا جنود

وقيل من جاد ساد ومن أضعف ازداد وكان يقال جود الرجل يحببه إلى أضداده وبخله يبغضه إلى أولاده


276

واعلم أن السخاء على نوعين النوع الأول هو أن يبتدئ به الإنسان من غير سؤال وهذا أطبع السخاء وأشرف العطاء لأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه سئل عن السخاء فقال ما كان منه ابتداء فأما ما كان منه عن مسألة فحياء وتكريم

وقال بعض الحكماء أجل النوال ما كان قبل السؤال وقال بعض الشعراء


277

( وفتى خلا من ماله

ومن المروءة غير خال )

( أعطاك قبل سؤاله

وكفاك مكروه السؤال )

وهذا النوع من السخاء قد يكون لأسباب ثلاثة

أحدها أن يكون قد يرى حلة يقدر على سدها أو فاقة يتمكن من إزالتها فلا يدعه الكرم وسماحة النفس والطبيعة أن يهمل ذلك بل يكون متكفلا بنجازها رغبة في الأجر

الثاني أن يرى في ماله فضله عن حاجته فيرى انتهاز الفرصة


278
بها فيضعها عند من يكون له ذخرا

الثالث أن يفعل ذلك سجية قد فطر عليها فلا يميز بين مستحق ومحروم ولا يفرق بين محمود ومذموم وهذا هو السخي طبعا غير أن هذا لا يصلح بالملك لأنه خارج إلى السرف والتبذير

وبيت المال قد يقل عن الحقوق ويقصر عن الواجبات فإذا أعطى غير مستحق فقد يمنع مستحقا وحال الملوك لا تقتضي ذلك

النوع الثاني من السخاء ما كان عن طلب وسؤال وعلامة السخي عند ذلك أن يلقى السائل بالترحيب وطلاقة الوجه وأن يكتفي بالتلويح ولا يلجىء السائل إلى التصريح كما قال الشاعر


279

( تلقى الكريم فتستدل ببشره

وترى العبوس على اللئيم دليلا )

( واعلم بأنك عن قريب صائر

خبرا فكن خبرا تنال جزيلا )

وينبغي له عند السؤال أن يعجل بالوعد قولا ثم يعقبه بالإنجاز فعلا ليكون السائل مسرورا بعاجل الوعد ثم بآجل الإنجاز كما حكى أن الفضل بن سهل سأله رجل فقال له إني أعدك اليوم وأحبوك غدالتذوق حلاوة الأمل ولكن لا تطيل الوعد على السائل فلا تفي حلاوة الإعطاء بمرارة الانتظار

وقال بعضهم

( إن العطية لا تكون هنية

حتى تكون قصيرة الأعمار
280
0

وقد قال بعضهم

( إن العطية ربما أزرى بها

عند الذي تقتضي له تطويلها )

( فإذا ضمنت لصاحب لك حاجة

فاعلم بأن تمامها تعجيلها )

وقد مضت سنة الخلفاء الراشدين وملوك المسلمين بصلة المسترفدين على وجه الشرح من غير إسراف ولا إقتار وذلك مشهور فاعرضنا عن شرحه


281
الوصف الخامس الرفق

إعلم أن الرفق من أفضل أوصاف الملك وأحمد خلائقه في التدبير لأنه يبلغ به جباية الأموال من الرعية ما لا يبلغ بالخرق


282
فإن الرعية قد تعامل بالرفق فتزول أحقادها ويذل مقادها وقد تعامل بالخرق فتكاشف بما أضمرت وتقدم على ما نهيت ثم إن غلبت كان غلبها دمارا وإن غلبت لم يحصل بغلبها افتخار وقد قال رسول الله ص ‌ لو أن الرفق رجلا لكان حسنا ولو كان الخرق رجلا لكان قبيحا

وقد يبلغ الملك برفقة ولينه في التدبير ما لا يبلغه بخرقه ألا ترى أن الريح العاصف بقوتها وهول صوتها كيف يتداخل الشجر ولا يقلع المستخلف منه والماء بلينه وسلاسته يبلغ في أصل الشجر فيقلع المستخلف من أصوله


283

والعلقة تنال من الدم بغير أذى ولا سماع صوت ما لا تنال البعوضة بهول صوتها واليم لسعتها وبالرفق ولين التدبير ينقلب العدو صديقا كالسم القاتل إذا رفق به المقدر له وأحسن في تقديره ولطف في تدبيره صار دواء وانقلب شفاء

قال الله سبحانه وتعالى ( إدفع بالتي هي أحسن )


284
وبالخرق ينقلب الصديق عدوا كالطعام الذي هو غذاء الإنسان وقوام جسده إذا أساء المقدر له في تقديره وأفرط في تناوله صار داء وانقلب أذى

وحكى أن كسرى أنوشروان سأل حكيما منى حكمائهم فقال ما عز الملك قال الطاعة قال فما سبب الطاعة قال التودد إلى الخاصة والعدل على العامة قال فما صلاح الملك قال الرفق بالرعية وأخذ الحق منهم في غير مشقة وأداؤه إليهم عند أوانه وحكى شجاع للأحمر قال


285
دخلت على المتوكل وبين يديه نصر بن علي الجهضمي وهو يحث المتوكل على الرفق بالرعية ويرغبه فيه والمتوكل ساكت فلما فرغ من كلامه التفت إليه المتوكل وقال حدثني مؤدبي الفضل قال حدثني أبي عن جدي ورفعه إلى عمر بن الخطاب
286
رضي الله عنه قال قال رسول اللهA إن أفضل عباد الله تعالى عند الله يوم القيامة إمام عادل وإن شر عباد الله عند الله يوم القيامة إمام جائر ثم التفت إلى يحيى بن أكثم فقال وأنت حدثتني حديثا ورفعته إلى رسول اللهA أنه قال من يحرم الرفق يحرم الخير ثم سكت
287
ساعة وأنشد

( الرفق يمن والأناة سعادة

فاستأن في رفق تلاق نجاحا )

( لا خير في حزم بغير روية

والشك وهن إن أردت سراحا )

وقال بعضهم دخلت على المتوكل فسمعته يمدح الرفق فقلت يا أمير المؤمنين أنشدني الأصمعي


288

( لم أر مثل الرفق في لينه

أخرج للعذراء من خدرها )

( من يستعن بالرفق في أمره

يستخرج الحية من جحرها )

قال فدعا بداوة وكتبها مني

( فلا تقطع أخا لك عند ذنب

فإن الذنب يغفره الكريم )

( ولا تعجل على أحد بظلم

فإن الظلم مرتعه وخيم )

( ولا تخرق عليه وكن رفيقا

فقد بالرفق يلتئم الكليم )

( فإن الرفق فيما قيل يمن

وإن الخرق فيما قيل شؤم )

واعلم أنه لا ينبغي للملك أن يستعمل الرفق واللين في جميع المواطن بل يجعل الرعية ثلاث طبقات ويسوسهم بثلاث سياسات طبقة


289
هم الخواص من الأبرار فيسوسهم بالرفق واللين وطبقة هم خواص الأشرار فيسوسهم بالعنف والشدة وطبقة هم العامة فيسوسهم باللين تارة وبالشدة تارة أخرى

قال مسلم بن قتيبة ملاك السلطان الشدة على المريب واللين على المحسن وسأل ملك من ملوك الفرس بزرجمهر فقال ما أحمد سير الملوك فقال أن يعاملوا أحرار الناس بمحض المودة ويعاملوا العامة بالرغبة والرهبة ويعاملوا السفلة بالمخافة صراحا أنشدني بعضهم

( إذا كنتم للناس في الأرض قادة

فسوسوا كرام الناس بالحلم والعدل )

( وسوسوا لئام الناس بالذل وحده

صريحا فإن الذل أصلح للنذل )
290
0
الوصف السادس الوفاء

لما كان الوفاء من الأوصاف العلية والشيم السنية أمر الله تعالى الخلق به ومدحهم على فعله فقال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا )


291
بالعقود) وقال تعالى ( يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا )

والوفاء خليق بالملك لما فيه من إيصال الراحة واستعطاف القلوب بإنجاز الوعد أو دوام العهد قال بعض الحكماء لملك في


292
زمانه أوصيك بأربع خصال ترضي بهن ربك وتصلح بهن رعيتك لا تعدن وعدا ليس في يديك وفاءه ولا تتواعدن من لا تنفذ فيه الفعل فإن بالأولى تذهب عظمتك وبالثاني يجتزىء عليك ولا يغرنك ارتقاء السهل إذا كان المنحدر وعرا ولالا تستغشن ناصحا فتستتر عنك أمور الرعية

وكان يقال من أحسن الوفاء استوجب الصفاء وكان يقال الوفاء من أخلاق الكرام والخلف من أخلاق اللئام وقال أبو الحسن المدائني كان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لا يكاد


293
يوجب حاجة تخوفا من الخلف فإذا أوجب وقال نعم لم يقر له قرار حتى يفي به وأنشد رجل من بني تميم في المعنى شعرا

(إذا قلت في شيء نعم فأتمه

فإن نعم دين على الحر واجب)

(وإلا فقل لا تسترح وترح بها

لئلا يقول الناس إنّك كاذب)

وأنشد بعضهم

( لزمت نعم حتى كأنك لم تكن

عرفت من الأشياء شيئا سوى نعم )

( وأنكرت لا حتى كأنك لم تكن

سمعت بلا في سالف الدهر والأمم )
294

وكان يقال وعد الكريم نقد وتعجيل ووعد اللئيم مطل وتسويف وكان يقال العاقل لا يعد بما لا يستطيع إنجازه ولا يسأل ما يخاف منعه أنشدني بعض أهل العلم

( لا تقولن إذا لم ترد

أن تتم في شيء نعم )

( وإذا قلت نعم فاصبر لها

بنجاح الوعد إن الخلف ذم )

( حسن قول نعم من بعدلا

وقبيح قول لا بعد نعم )

( إن لا بعد نعم فاحشة

فبلا فأبدا إذا خفت الندم )
295
الوصف السابع الصدق

إعلم أن الصدق من أسنى السمات وأشرف الصفات وأسلم مناهج الصفات يدعو إليه الشرع الموجب والعقل المؤكد لأن الشرع ورد باتباع الصدق ولو كانت الهلكة فيه


296

وحظر الكذب ولو جر نفعا أو دفع


297
ضررا علما من الشارع بما ينقلب إليه عاقبتهما

والعقل يدعو إلى فعل ما كان مستحسنا ويمنع من إتيان ما كان مستقبحا والكذب مستقبح عقلا لا سيما إذا كان لا يجلب نفعا ولا يدفع ضررا

وقد قال رسول الله A تحروا الصدق وإن


298
رأيتم الهلكة فيه فإن النجاة فيه وتجنبوا الكذب وإن رأيتم أن النجاة فية فإن فية الهلكة

وقال بعض الحكماء دع الكذب حين ترى أنه ينفعك فإنه يضرك وات الصدق حين ترى أنه يضرك فإنه ينفعك

وكانت العرب تقول لسان صدق مع العشرة خير من سوء الذكر مع الميسرة أنشدني بعضهم

( عود لسانك صدق القول تحظ به

إن اللسان لما عودت معتاد )

( موكل بتقاضي ما سننت له

فارتد لنفسك وانظر كيف تزداد )

قال المهلب ما يكون السيف الصارم بيد الملك الشجاع بأعز له من الصدق


299

وكان يقال ينبغي للملك أن يكون صدوقا ليثق الأعوان بوعده وأن يكون شكورا فيستوجب الزيادة

وقال الأحنف بن قيس كل الناس حقيق بالصدق وأحقهم به الملوك لأن الذي يدعو إلى الكذب مهانة النفس والملك لا يكون مهينا

وقال بعض أهل الأدب فكن صادقا في كل شيء تقوله ولا تكن كذابا فتدعى منافقا

وقال بعض الحكماء أول سعادة الملك صدقه وأول هلاكه جوره


300
00
الوصف الثامن الرأفة

إعلم أن الرأفة حلية كريمة تقتضيها حال الملوك لأنها تبعثهم على حراسة الأمة وكمال الشفقة على الرعية والتحنن على ضعفائهم واصطناع المعروف إليهم وكف الأذية عنهم وقد قال رسول الله ص ‌ اطلبوا المعروف عند الرحماء من امتي وعيشوا في أكنافهم


301
01

وقال ص ‌ إن الله رحيم ولا يرحم من عباده إلا الرحماء إرحموا من في الارض يرحمكم من في السماء وروى مالك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دعا رجلا يستعمله على بعض


302
02 مدائن الشام فجاء ولد صغير لعمر رضي الله عنه فأخذه عمر إلى صدره ثم قبله فقال ذلك الرجل يا أمير المؤمنين أتقبله قال نعم فقال والله إن لي أولادا ما قبلت واحدا منهم قط فقال له عمر أنت لا ترحم أولادك ولا تتحنن عليهم فأنت للناس أقل رحمة وتحننا ثم صرفه ولم يستعمله ثم قال لا يصلح وال لا رحمة عنده لرعيته

وروى مالك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بطريق مكة فأبصر راعيا يرعى غنمه في مكان جدب فناداه وقال انظر مكانا خصبا


303
03 فالحق به ثم قال على إثر ذلك كل راع مسؤول عن رعيته وروى أسلم مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال طاف عمر ليلة في المدينة وأنا معه فإذا هو بامرأة في جوف دارها وحولها صبية يبكون وهي توقد تحت قدر لها فأتاها من الباب وقال يا أمة الله مم بكاء هؤلاء الصبيان فقالت من الجوع قال فما في هذا القدر قالت إني جعلت فيه ماء أوهمهم أن فيها طعاما وأعللهم حتى يناموا
304
04 قال فجلس عمر رضي الله عنه وبكى بكاء شديدا ثم قام وجاء إلى بيت الصدقة فأخذ غرارة وجعل فيها دقيقا وشحما وسمنا وتمرا وثيابا ودراهم حتى ملأ الغرارة ثم قال يا أسلم إحمل على ظهري قال فقلت له يا أمير المؤمنين أنا أحمله عنك فقال لا أم لك يا أسلم احمل عليّ فأنا المطالب عنهم يوم القيامة قال فحمل الغرارة على صلبه حتى أتى بها منزل المرأة فأخذ القدر وجعل فيها شيئا من دقيق وشحم وتمر وجعل يحركه وينفخ تحت القدر قال أسلم وكانت له لحية عظيمة فلقد رأيت الدخان يخرج من خلالها حتى طبخ لهم ثم جعل يغرف لهم بيده ويطعمهم حتى شبعوا قال ثم خرج وربض بحذائهم على الباب كأنه سبع فخفت منه أن أكلمه فلم يزل كذلك حتى لعب الصبيان وضحكوا ثم قام وقال يا أسلم هل تدري لم ربضت بحذائهم قلت لا يا أمير المؤمنين فقال كنت رأيتهم يبكون فكرهت أن أذهب حتى أراهم يضحكون فلما ضحكوا طابت نفسي

وحكى أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لما ولى الخلافة


305
05 أحضر عنده محمد بن كعب القرضي وقال له دلني عن النجاة في سياسة الرعية فقال له إن أردت النجاة من عذاب الله فليكن كبير المسلمين لك أبا وأوسطهم عندك أخا وأصغرهم ولدا فوقر أباك وارحم أخاك وتحنن على ولدك

وقال نصر بن سيار الكناني كان عظماء الترك يقولون ينبغي للملك


306
06 العظيم أن يكون فيه عشر خصال أربع من خصال الطير وست من خصال الوحش وهي سماحة الديك وتحنن الدجاجة وحراسة الكركي وحذر الغراب وحملة الخنزير وقلب الأسد وغارة الذئب وروغان الثعلب وصبر الكلب وشقاء الضب
307
07

وقد نظم هذا بعض الشعراء فقال

( أبى الطير لا يتركن آثار خيلنا

لأكل لحوم من أعاد سواغب )

( وما ذاك من حب لنا غير عادة

لهن علينا في البقاء الكتائب )

( أرى الملك المقدام من تم أمره

بعشر خصال هن خير المناقب )

( سماحة ديك ثم رأف دجاجة

وحراسة كركي وحذرة ناعب )

( وحملة خنزير وقلب غضنفر

وغارة ذئب ثم روغ الثعالب )

( وصبر بصير حين يقرع بالعصا

وشقوة ضب في بلاد سباسب )

( فمن كان هذا وصفه فهو كامل

عظيم وإلا فهو أخيب خائب )

وقال بعض العلماء خير الملوك من أشرب قلوب رعيته محبته كما أشعرها هيبته ولن ينال ذلك منها حتى يكون عاملا بخمس خصال إكرام شريفها ورحمة ضعيفها وإغاثة لهيفها وكف عدوان


308
08 عاديها وتأمين السبل لرائحها وغاديها ومتى أعدم الرعية شيئا من ذلك فقد أحقدها بقدر ما أفقدها
309
09
الوصف التاسع الصبر

إعلم أن صبر الملوك يتنوع أنواعا كثيرة أليقها بكتابي هذا صبر الملوك وهو عبارة عن ثلاث قوى القوة الأولى قوة الحلم وثمرتها العفو القوة الثانية قوة الكلأة وثمرتها عمارة المملكة الثالثة قوة الشجاعة وثمرتها في الملوك الثبات لأن إقدامهم في المعارك تهور وطيش


310
0 والصبر سيد الأوصاف الجليلة وأميرها ولهذا قال رسول الله A العلم خليل المؤمن والحلم وزيره والعقل دليله والعمل قائده والرفق والده والبر أخوه والصبر أمير جنوده

وليس المراد تفضيل الصبر على العلم والعقل وإنما المراد أن الثبات على هذه الخصائص إنما يكون بالصبر لأن معنى الصبر الثبات والحبس والإمساك فمن اتصف بشيء من هذه الخصال


311
ولم يصبر كان عند مزايلته كمن لم يتصف به فالصبر ضابط للأوصاف الشريفة كما يضبط الأمير جنوده

وقيل كان مكتوبا في الصحيفة الصفراء المعلقة في أعظم هياكل الفرس كما أن الحديد يعشق المغناطيس فكذلك الظفر يعشق الصبر فاصبر تظفر أنشدني بعض أهل العلم

( إني وجدت وخير القول أحمده

للصبر عاقبة محمودة الأثر )

( وقل من جد في أمر يطالبه

واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر )
312

وقال بعض حكماء العرب ما ميز الرجل بين صبر وجزع إلا وجدهما متفاوتين الصبر حسن العلانية محمود العاقبة والجزع غير معوض شيئا ولو كان في صورة لكان الصبر أولاهما بالغلبة بحسن الخلقة وكرم الطبيعة

وقال بعض الحكماء الحوادث النازلة نوعان أحدهما لا حيلة فيه فدفعه بالصبر الدائم والإعراض عنه الثاني يمكن فيه الحيلة فدفعه بالصبر عنه إلى حين نفوذ الحيلة فيه

وقال بعض الفضلاء

( من يمتطي الصبر يضع رجله

في ساحة الراحة واليسر )

( الصبر يمن وبه للفتى

صيانة النفس عن الغدر )

وقال آخر

( إصبر إذا تدهيك نائبة

ما خاب منقطع إلى الصبر )

( فالصبر أولى ما اعتصمت به

ولنعم حشو جوانب الصدر )
313

وقال الحسن البصري رضي الله عنه جربنا وجرب المجربون فلم نر شيئا أنفع من الصبر به تداوى الأمور وهو لا يداوى بغيره

وروي عن سليمان بن داود عليهما السلام أنه قال إنا وجدنا خير عيشنا الصبر

وكان عيسى بن مريم عليه السلام يقول يا معشر الحواريين إنكم لا تدركون ما تأملون إلا بالصبر على ما تكرهون

وقال نهشل بن حري


314

( ويوم كأن المصطلين بحرة

وإن لم تكن نار قيام على الجمرِ )

( صبرنا له حتى يبوخ وإنما

تفرج ايا الكريهة بالصبرِ ) وقال آخر

( إني رايت مغبة الصبرِ

تفضي بصاحبها إلى اليسرِ)

( لابد من عسر وميسرة

بهما تدور دوائر الدهر)

( فكما يلذ اليسر صاحبه

فكذاك فليصبر على العسر وقال آخر

( الصبر أولى بوقار الفتى

من قلق يهتك ستر الوقار

( من لزم الصبر على حالةٍ

كان على أيامه بالخيار) وقال آخر
315

(لا تيأسن وإن طالت مطالبة

إذا استغنت بصبر أن ترى فرجا)

( أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته

ومدمن القرع للأبواب أن يلجا)
316
الوصف العاشر العفو

اعلم أن وصف العفو خليق بالملك لما فيه من المزية وكمال مصلحة الرعية لأن الملك متى عاقب على الزلة وقابل على الهفوة وأخذ بالجرم الصغير ولم يتجاوز عن الكبير قبحت سي رته وفسدت سريرته قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه أفضل القصد عند


317
الحدة وأفضل العفو عند القدرة وما أقبح مجازاة القادر على سوء صنيع المقدور عليه وكان معاوية رضي الله عنه يقول إن أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة وإن أنقص الناس عقلاً من ظلم من هو دونه وقيل إن عظيماً من عظماء قريش في سالف الدهر كان يطلب
318
رجلاً فلما ظفر به قال له لولا أن القدرة تذهب الحفيظة لا نتقمت منك ثم أطلقه فحسنت سيرة الرجل بعد ذلك

وغضب سليمان بن عبد الملك على خالد بن عبد الله القسري فلما دخل عليه قال يا أمير المؤمنين إن القدرة تذهب الحفيظة وإنك تجل عن العقوبة فإن تعف فأهل ذلك أنت وإن تعاقب فاهل ذلك أنا فعفا عنه والله أعلم


319
وحكي أن المأمون لما طفر بعم إبراهيم بن المهدي أحضر عنده جماعة من خواصه ثم قال علي به فأدخل إليه وهو يحجل في قيوده فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين قال لا سلم الله عليك ولا رعاك فقال إبراهيم على رسلك يا أمير المؤمنين
320
0 ثم أنشد يقول
321

(أنا المذنب الخطأ والعفو واسع

ولو لم يكن ذنب لما عرف العفو)

( سكرت فأبدت مني الكأس بعض ما

كرهت وما إن يستوي السكر والصحو)

( فإن تعف عني تلف خطوي واسعاً

وإلا تداكرني فقد قصر الخطو)

ثم قال يا أمير المؤمنين انت ولي ثأري وإن القدرة تذهب الحفيظة وإني قد أصبحت فوق كل ذي ذنب كما أصبح كل ذي عفو دونك فإن تعاقب فبحقك وإن تعف فبفضلك قال فاطرق المأمون ثم رفع رأسه وقال إن هذين اشارا علي بقتلك يعني العباس والمعتصم فقال إنهما أشارا بما يشير به مثلهما على مثلك إذ كان مني الذي كان فقال المأمون يا ثمامة إن من الكلام كلاما كالدر في لبات


322
الغواني وإن هذا الكلام منه يا غلام حل القيود عن عمي

وكان المأمون يقول ليس علي في العفو مؤنة وإني وددت أن اهل الجرائم علموا حلمي ورأى في العفو فيذهب عنهم الخوف

وكان يقال أقبح المجازاة المكافاة بالإساءة

وقيل إن عبد الملك بن مروان اشتد غضبه على رجل فلما صار


323
في يده قال له يا فاجر لأمثلن بك أشر مثله فقال له رجاء بن حيوة

إن الله تعالى قد صنع ما أحببت يا أمير المؤمنين فاصنع ما يحبه الله من العفو عنه قال فعفا عنه وأطلقه

وكان المأمون يقول لو علم الناس رغبتي في العفو ما تقربوا إلي إلا بالذنوب وأنشدني بعضهم في المعنى

( إقبل معاذير من يأتيك معتذراً

واغفر له ذنبه إن بر أو فجرا)

( فقد أطاعك من يرضيك ظاهره

وقد أجلك من يعصيك مستترا)
324

ويحكي أنه جرى بين شهرام المروزي وبين أبي مسلم الخراساني كلام شديد ومنازعة فمازال أبو مسلم يقاوله إلى أن قال له شهرام يالقيط فلما قال ذلك سكت أبو مسلم ثم إن شهرام ندم فأقبل على أبي مسلم معتذراً وخاضعاً ومتنصلاً فلما رأى أبو مسلم ذلك منه قال لسان سبق ووهم أخطأ وإنما الغضب من الشيطان والعذر يسعك وقد عفونا عنك فقال شهرام أيها الأمير إن عفو مثلك لا يكون غروراً قال أجل فقال إن عظم ذنبي لا يدع قلبي يسكن فقال أبو مسلم يا عجبا


325
كنت تسىء وأنا أحسن فإذا إحسنت أسىء أنشدني بعضهم

( تعفو الملوك عن العظيم

من الأمور لفضلها)

(ولقد تعاقب في اليسير

وليس ذاك لجهلها) ( إلا ليعرف فضلها
ويخاف شدة نكلها)

ويحكي أن المنصور بعث إلى جعفر بن محمد فلما أتاه قال إني أريد أن أستشيرك في أمر قد رأيت أطباق أهل المدينة على حربي وقد نهيتهم مرة بعد أخرى فما رأيتهم ينتهون وقد رأيت أن أبعث إليهم من يقطع نخلها ويغور عيونها فما ترى أنت فسكت جعفر فقال له ما لك لا تتكلم قال أتكلم آمناً قال نعم قال يا أمير المؤمنين إن


326
سليمان عليه السلام أعطى فشكر وإن أيوب عليه السلام أبتلى فصبر

وإن يوسف عليه السلام قدر فغفر وإن محمد A أوذي فاحتمل وقد جعلك الله من نسل الذين يغفرون ويعفون ويصفحون فانطفأ غيظه وأمسك عنهم

أنشدني بعضهم

( أشكو إليك هموماً ليس يكشفها

إلا رضاك فقوم بالرضا أودي)

( إن تعف عني فأهل العفو أنت

وإن عاقبتني فبما تجني علي يدي)

وقال آخر

( ولقد ناديت عفوك من قريب

كما سالمت شخصك من بعيد

(فإن عاقبتني فبسوء فِعلي

وما ظلمت عقوبة مستفيد)

( وإن تمنن فإحسان جديد

مننت به على شكر جديد)
327
الوصف الحادي عشر
‌ الشكر ‌

إعلم أن الشكر ينقسم إلى ثلاثة أقسام عقد بالجنان وثناء باللسان


328
ومكافاة بالأفعال الحسان

أما العقد بالجنان فهو ان يضمر إعظام المنعم واجلاله والخشية له والإقبال عليه والعجز عن القيام بحقيقه شكره واستكثار النعمة منه وإن قلت واستقلالها في غيره وإن جلت

وأما الثناء باللسان فهو إظهار الحمد للمنعم والثناء عليه والتحدث بما خوله من تواتر النعم وبلوغ المقاصد وحصول الأغراض وغير ذلك مما خصه به المنعم دون كثير من الناس

واما المكافأة بالأفعال فهي الإقبال على طاعته والوقوف عند حدوده ومنهياته وان يواسي الضعفاء من نعمته ويعمهم بعدله ويخصهم ببذله سيما لمن ناصح في دولته وأخلص في خدمته وصدق في ولائه من أعوانه وخاصته أو لمن أظهر نكاية في عداته أو لمن


329
سارع في مرضاته وغير ذلك مما يجلب به المسرة او يدفع عنه به المضرة فإنه إذا فعل ذلك من نية وقول وعمل سمي شاكراً على الحقيقة وكان لمزيد النعمة مستحقاً ولتتابع الإحسان مستوجباً لقوله عز وجل (لئن شكرتم لأزيدنكم)

وقد قال بعض الحكماء لا يكون الملك شاكراً للنعمة حتى يجتمع فيه أربعة أشياء المواساة فيها والاستعانة بها على طاعة مولاها والإشادة بذكرها وتيقن العجز عن القيام بحقيقة شكرها


330
0

وكان يقال لا زوال للنعمة مع الشكر ولا بقاء لها مع الكفر

وقيل الشكر قيد النعمة

وقيل الشكر مثمر النعم وعصمة من النقم

وقال بعض الحكماء من لم يشكر على الإنعام فاعدده من الأنعامِ

وقال بعض ملوك الهند خير الملوك الشكور على حسن الأعمال والصبور على تحمل الأثقال


331

وكان يقال من كفر النعمة استوجب حرمان المزيد

وقال علي بن طالب رضي الله عنه

(من جاور النعمة بالشكر لم

يخش على النعمة ما اغتالها )

( لو شكروا النعمة زادتهم

مقالة الله التي قالها)

( لئن شكرتم لأزيدنكم

لكنما كفرهم غالها)

( والكفر بالنعمة يدعو إلى

زوالها والشكر ابقى لها)

وقال بعض البلغاء الشكر وإن قل ثمن كل نوال وإن جل وأنشد


332

( لو كنت أعرف فوق الشكر منزلة

أعلى من الشكر عند الله في الثمن )

( إذا منحتكما مني مهذبة

حذوا على حذو ما واليت من حسن )

وقال آخر

( فلو كان يستغني عن الشكر ماجد

لرفعة حال أو علو مكان )

( لما أمر الرحمن بالشكر خلقه

فقال اشكروني أيها الثقلان )
333
الوصف الثاني عشر الأناة

إعلم أن الأناة من أحمد أوصاف الملك وأكمل أخلاقه وعلامة توفيقه لأنه يتعلق بها صواب الرأي في التدبير واتضاح الأمور في السياسة ولا يقترن بها زلل ولا يعقبها ندامة ولا فشل فقد قال رسول الله A التوءدة من الرحمن والعجلة من الشيطان


334
وقال بعض الحكماء على الملك أن يعمل بخصال ثلاث تأخير العقوبة في سلطان الغضب وتعجيل مكافأة المحسن والعمل بالأناة فيما يحدث من الأمور فإن له في تأخير العقوبة إمكان العفو وفي تعجيل المكافأة بالإحسان المسارعة إلى الطاعة من الرعية وفي الأناة اتضاح الرأي وانفساح الصواب

وسأل ملك من الملوك حكيما فقال أي خلائق الملك أحمد العواقب قال الأناة قال فأيها أجلب لمودة الرعية قال الكرم قال فأي الملوك أخرق


335

قال أنهكهم عقوبة للرعية قال فأي الخلال أجمع للمكارم والمناقب قال العدل قال أوصني وصية أنتفع بها في ملكي قال قد فعلت

ويحكى أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه سأل كبيرا من كبراء فارس فقال أي ملوككم كان أحمد عندكم سيرة قال إن أردشير له فضيلة السبق في المملكة غير أن أحمدهم سيرة أنوشروان قال فأي خلاله كان أغلب عليه قال الحلم والأناة

وقال علي رضي الله عنه إن الأناة والحلم توأمان ينتجهما علو الهمة والله سبحانه وتعالى أعلم


336
الوصف الثالث عشر الحلم

إعلم أن الحلم ضبط النفس عند هيجان الغضب وهو خليق بالملوك لما فيه من الراحة واجتلاب الحمد وحسن العاقبة ورضا الخالق قال رسول الله A إن الله يحب الحليم


337
ويبغض الفاحش وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه من حلم ساد ومن تفهم ازداد

وقال بعض الحكماء كل ملك لا يجتمع فيه ثلاث قوى فملكه مسلوب القوة الأولى قوة الحلم وثمرتها العفو القوة الثانية قوة حفظ الرعية وثمرتها عمارة المملكة القوة الثالثة قوة الشجاعة وثمرتها في الملوك الثبات وفي الجند الإقدام وكان يقال


338
أوكد أسباب الحلم رحمة الجهال

وقال بعض الحكماء الحلم حجاب الآفات

وقال معاوية إني لا رفع نفسي أن يكون لي ذنب أوسع من حلم

وكان يقال ليس الحليم من إذا ظلم حلم حتى إذا قدر انتقم ولكن الحليم من إذا ظلم حلم حتى إذا قدر عفى ومما حفظ من وصيه أنوشروان لولده يا بني إن من أخلاق الملوك الأنفة وعزة النفس وإنك ستبلى بمدارات أقوام وإن سفه السفيه ربما بلغك فإن


339
حذف
0
كافيته بالسفيه فكأنك قد رضيت بما أتى فاجتنب أن تحتذي على مثاله وإن كان سفه السفيه عندك مذموما فحقق ذمك إياه بترك معارضة مثله

ويحكى أنه قيل للإسكندر إن فلانا وفلانا يثلبانك فلو عاقبتهما لا نزجرا فقال هما بعد العقوبة أعذر في ثلبي

وقال الأحنف بن قيس ما جهل علي أحد إلا أخذت في أمره بإحدى ثلاث خصال إن كان أعلى مني عرفت له قدره وإن كان دوني


340
0 رفعت قدري عنه وإن كان نظيري تفضلت عليه فأخذ محمود الوراق هذا الكلام ونظمه شعراً

( سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب

وإن عظمت منه علي الجرائم )

( وما الناس إلا واحد من ثلاثة

شريف ومشروف ومثل مقاوم )

( فأما الذي فوقي فاعرف قدره

وأتبع فيه الحق والحق لازم )

( واما الذي دوني فإن قال صنت عن

إجابته عرضي وإن لام لائم )

(وأمّا الذي مثلي فإن زل او هفا

تفضلت إن الحلم بالفضل حاكم)
341

وأنشدني بعض أهل العلم

( رجحنا وقد خفت حلوم كثيرة

وعدنا على أهل السفاهة بالفضل )

( وجهل رددناه بفضل حلومنا

ولو اننا شئنا رددناه بالجهل )

وقال عبيدة بن غاضرة العنبري

( إنا وإن كنا أسنة قومنا

وكان لنا فيهم مقام مقدم )

( لنصفح عن أشياء منهم تسؤنا

ونصدف عن ذي الجهل منهم ونحلم )

(

( ونمنح منهم معشراً يحسدوننا

هنيء عطاءٍ ليس فيه تندم )

( وتكلؤهم بالغيب منا حفيظة

وأكبادنا وجداً عليهم تضرم )

( ولا نسأم النعماء منا عليهم

وإن كثرت حتى يملو ويسأموا )

( وليس بمحمودٍ لدى الناس من جزي

بسيىء ما يأتي المسبيء الملوم )
342
( سأحمل عن قومي جميع كلومهم
وأدفع عنهم كل غرمٍ وأغرم)

واعلم أن كمال العقل وشرف النفس وعلو الهمة يبعث على الحلم عند هيجان الغضب لأسباب خمسةٍ

أحدها الترفع عن السفية والاستهانة به وإطراح جانبه

الثاني أن يكون السفيه ممن له خدمة سالفة وحرمة لازمة فيراعي منه ذلك فيحلم عنه لأجله

الثالث الرحمة له والرافة به لضعفه عن القدرة عليه

الرابع أن يتألفه بالحلم ويتفضل عليه به


343

الخامس الإستحياء من الله تعالى ومن الحاضرين ان يجيب السفيه بسفه مثله

وينبغي للملك ان يعرض على نفسه هذه الأسباب عند هيجان الغضب ليجلب إليه الحلم واحداً منها

واعلم أن الحلم ليس بمحمودٍ في كل المواطن لأنه قد يطرأ على الملك من الأمور مايكون الحلم معها مفسدة والتراخي عنها مضرة لأن الرعية على قسمين قسم لا يخشى فسادهم ولا يضره ما صدر عنهم فإطراح الملك لهم والترفع عن مجازاتهم أليق والاستهانة بهم أصون وقسم لا يمكن للملك إهمال أمرهم وإطراح جانبهم إما لخوف شرهم أو للزوم أمرهم فردعهم بالأفعال الزاجرة أولى للملك من الحلم عنهم حتى لا يزدادون بالحلم شراً وتمرداً


344

وقد سأل يزيد بن معاوية أباه فقال يا امير المؤمنين هل ذممت عاقبة حلم قط أو حمدت عاقبة إقدام قط فقال ما حلمت من لئيم قط وإن كان ولياً إلا أعقبني ندماً ولا أقدمت على عقوبة كريم قط وإن كان عدواً إلا وأعقبني أسفاً

وقال بعض الحكماءِ إنَّ الحلم يفسد من اللئيم بقدر إصلاحه من الكريم

وقال بعضُ أهل العلمِ ليس الحلمُ بمحمودٍ في كل المواطن كما أن الجهل ليس بمذموم في جميع الأحوال وأنشد

(لئن كان حلمُ المرءِ عون عدو

عليه فإن الجهل أعنى وأروح)

(وفي الحلم ضعفٌ والعقوبة قوةٌ

إذا كنت تخشى كيد من عنه تصفح)
345

وقال لهم بن المهدي

( إذا كنت بين الحلم والجهل ماثلاً

وخيرت أني شئت فالحلم افضل )

( ولكن إذا أنصفت من ليس منصفاً

ولم يرض منك الحلم فالجهل أمثل )

وينبغي للملك ان يتلطف في تدبير من هذه صفته على وجه يحصل به الردع والزجر من غير مبالغة في النكاية على ما تقتضيه المصلحة في تدبير السياسة


346
العفاف
الوصف الرابع عشر

غعلم ان العفاف هو ضبط النفس عن الرذائل وكف الجوارح عن الأذى والمحارم وذلك غاية السؤددِ وكمال المروءة وختام مكارم الأخلاق

قالت السيدة عائشة رضي الله عنها كان الجاهلية لا يسودون رجلاً حتى يجتمع فيه ست خصال ثم زادت في الإسلام خصلة سبعاً السماحة والنجدة والصبر والحلم


347
والبيان والتواضع وتمامهن في الإسلام العفاف

وكان يقال من عف في جماله وعدل في سلطانه حشر في زمرة الأبرار

وقد قدمنا في صدر الكتاب ان من لا يقدر على ضبط نفسه من الرذائل لم يقدر على ضبط خاصته وهم نصب عينيه ومن لم يقدر على ضبط خاصته من أعوانه لم يقدر على ضبط رعيته وهم في أقاصي بلاده

فإذا عف نفسه وجوارحه فقد انتظم امر مملكته في دنياه وينقلب إلى الملك الدائم في عقباه فأما أعفاف الجوارح فهو أن يعف بصره عن النظر إلى المحارم

348

وأن يترك التطلع إلى ما حجب عنه ونهي

لأن رسول الله A قال النظرة سهم مسموم من سهام إبليس فمن تركه من خوف الله آتاه الله تعالى إيماناً يجد حلاوته في قلبه وقال أبوه الدرداء رضي الله عنه من غض بصره عن نظر الحرام زوجه الله تعالى من الحور العين حيث أحب ومن أطلع فوق بيت من بيوت الناس حشر يوم القيامة أعمى


348

وأن يترك التطلع إلى ما حجب عنه ونهي

لأن رسول الله A قال النظرة سهم مسموم من سهام إبليس فمن تركه من خوف الله آتاه الله تعالى إيماناً يجد حلاوته في قلبه وقال أبوه الدرداء رضي الله عنه من غض بصره عن نظر الحرام زوجه الله تعالى من الحور العين حيث أحب ومن أطلع فوق بيت من بيوت الناس حشر يوم القيامة أعمى


349

ثم يعف سمعه عن سماع الكلام القبيح والغيبة والنميمة وسماع المحرم من الملاهي وينزه مجلسه عن جميع ذلك


350
0

فقد قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما نهينا عن الغيبة


351

والاستماع إليها والنميمة والاستماع لها وقال ص ‌ من استمع إلى قينة صب في أذنيه الأنك يوم القيامة

ثم يعف لسانه عن قول الكذب والغيبة والنميمة والسخف من


352
الكلام فقد قال رسول الله A من ضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه ضمنت له على الله الجنة

وقد قال رسول الله A لمعاذ بن جبل رضي الله عنه وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم

ثم يعف يده فلا يتناول بها ما لايحل له من أموال الرعية


353

ولا يبسطها إلى محظور في عقوبة ولا نكاية محرمة في حدٍ ولا تعزير فقد قال رسول الله


354

A حرمة مال المسلم كحرمة دمه


355

وقال A بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد ثم قال يعف رجليه فلا يسعى بهما إلى مكروهٍ فقد قال مسروق ما خطا العبد خطوة إلا كتب له بها حسنة أوسيئة

ثم يعف فرجه عن مقارفة الزنا وذلك اصل العفاف وتمام المروءة وحصانة الدين قال رسول الله ص ‌ من ضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه ضمنت له على الله الجنة فإذا


356
فعل جميع ذلك كان عفيفاً وكان للسيادة مستحقاً ولمزيد النعمة مستوجباً
357
الوصف الخامس عشر الوقار

إعلم أن وقار الملك وسكينته من أعظم سياسات المملكة لما يتعلق به من إظهار الهيبة وتعظيم الحرمة وقيام الأبهة وإرهاب العدو واهل الدعارة

وسنوضح ذلك في الباب السابع إن شاء الله تعالى وهذه أصول مكارم الخلاق ومحاسنها التي تقوم بها السياسة وتدوم بها الرياسة وسنزيدها إيضاحاً بذكر قبائح أضدادها في الباب السادس إن شاء الله تعالى


358
الباب السادس في معرفة الأوصاف الذميمة والنهي عنها

لما ذكرنا من مكارم الأخلاق أوصافاً جميلةً وأخلاقاً حميدةً يزداد المتصف بها إجلالاً وتعظيماً أحببنا أن نوضح ما ذكرناه من محاسن بشرح قبائح أضدادها المذمومة الخارجةبالنفس عن حد الاعتدال الى ما يعقبها من الاضطراب في تأتي الحال ليجتنبها الملك ونختم هذا الباب بذكر أغراض ردية ربما عرضت الملك فأخرجته عن قانون الاعتدال وهي خمسة عشر وصفاً وثلاثة أعراض

أما الأوصاف فهي الجور والجهل والبخل والسرف والخلف والكذل والغيبة والغضب والعجب والكبر والحسد والعجلة والمزاح والضحك والغدر

وأما الأعراض فهي الهم والغم والسكر


359
الوصف الأول الجور
إعلم أن الجور هو العدول عن الحق واستمراره يخل بنظام الطاعة
360
0 من الرعية ويبعثهم على ترك المناصحة وعدم النصرة ويحملهم على نصب الغوائل وتربص الدوائر وليس شيء أسرع في خراب الأرض ولا أفسد لضمائر الخلق منه لأنه ليس يقف على حدٍ ولا ينتهي إلى
361
غاية وقد قال رسول الله A إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة من أشركه الله في سلطانه فجار في حكمة

وقال ص ‌ لن تهلك الرعية وإن كانت ظالمه او مسيئة إذا كانت الولاة هادية مهدية وتهلك الرعية وإن كانت هادية مهدية إذا كانت الولاة ظالمة مسيئة

وقال عليه الصلاة السلام قال الله تعالى لانتقمن من


362
الظالم في عاجله وآجله ولأنتقمن ممن رأى مظلوماً فقدر على ان ينصره فلم يفعل

وقال عليه الصلاة والسلام بئس الزاد الى المعاد العدوان على العباد

وقال بعض الحكماء الملك يبقى على الكفر ولا يبقى على الجور

وقال حكيم آخر الجور مسلبة للنعم والبغي مجلبة النقم


363

وقال افلاطون بالعدل ثبات الأشياء وبالجور زوالها وقال أيضاً إياكم والجور فإنه أداة العطب وعلة خراب البلاد ويحكي ان الرشيد


364
حبس ابا العتاهية وأقسم أن لا يخرجه من حبسه فبقي في السجن مدة طويلة فلما ضاق به الأمر كتب على حائط الحبس هذه الأبيات

( أما والله إن الظلم شؤم

وما زال المسيء هو الظلوم

( تنام ولم تنم عنك المنايا

تنبه للمنية يا نؤم

( إلى ديان يوم الدين نمضي

وعند الله تجتمع الخصوم)

قال فأخبر الرشيد بذلك فبكى وأحضَر أبا العتاهيةِ واستحله

ألف دينار وأطلقه وكفر عن يمينه

وأنشدني بعضهم لأبي الفتح البستي


365

( عليك بالعدل إن وليت مملكة

واحذر من الجور فيها غاية الحذر ) 3 ( فالملك يبقى على الكفر البهيم ولا
يبقى مع الجور في بدور ولا حضر )

وقال بعض الحكماء ليس للجائر جار ولا تعمر له دار

وقال حكيم آخر اقرب الأشياء صرعة الظلوم وأنفذ السهام دعوة المظلوم

وقال بعضهم في المعنى شعراً


366

( لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً

فالظلم مرتعة يدعو إلى الوخم )

( تنام عينك والمظلوم منتبه

يدعو عليك وعين الله لم تنم )

ويحكي ان يزدجرد الأثيم لما كثر عسفه لرعيته واشتد جوره عليهم باغتصاب الأموال وامتهانهم بالعذاب وطال ذلك عليهم اجتمع جماعة من المظلومين في بعض الهياكل ثم دعوا الله سبحانه وتعالى أن يريحهم منه فمكث بعد ذلك خمسة أيام أو سبعة فجاءه حاجبه فأخبره أن فرساً مستوحشاً جمع محاسن صفات الخيل قد جاء


367
يشتد عدواً حتى وقف بباب الملك وقد تهيبه الناس فلم يجترىء احد عليه وقد نفرت منه الخيل فلا تقرب منه فلما سمع ذلك يزدجرد خرج من قصره فنظر الى الفرس قائماً فرأى منظراً عجيباً فدنا منه فخضع له الفرس فخامره الإعجاب بنفسه فمسك بناصيته فمسح وجهه ثم أمر بإسراجه وإلجامه ثم استدار به ومسح كفله فرمحه رمحة خر منها ميتاً وقيل بل ركبه وحركه فجمع به وسبق الأبصار عدواً حتى أتى البحر فاقتحمه به فكان ذلك آخر ما علم من خبره

وقد يعلم قبح الجور وعقلاً وشرعاً فيجب اجتنابه والورع عنه لما فيه من اختلال الرعية واضطراب الدولة وخراب البلاد وعذاب الآخرة


368
الوصف الثاني
الجهــــل

إعلم أن الجهل من الأوصاف الذميمة والأخلاق الردية لا سيما بالملوك فإن صاحبه لا يعرى عن الفضيحة بالأفعال القبيحة ورأيه أبداً في ضلال وتدبيره فيُ وبال يقترن به الزلل ويحيط به الفشل قال بعض الحكماء الجهل مطية من ركبها زل ومنُ صحبها ضل

وقال آخر خير المواهب العقل وشر المصائب الجهل

وقيل الجاهل يعتمد على أمله والعاقل يعتمد على عمله

وقيل نظر الجاهل بعينه وناظره ونظر العاقل بقلبه وخاطرهُ

واعلم أن للجاهل أوصافاً تظهر عليه وخصالاً ترشد إليه فمن ُذلك ما روي عن رسول الله A أنه قال للجاهل خصال


369

يعرف بها يظلم من خالطه ويعتدي على من دونه ويتطاول على من فوقه ويتكلم بغير تدبير إن عرضت عليه فتنة أردته وإذا رأى فضيله أعرض عنها

وقال زياد يعرف الجاهل بثلاث علامات كثرة الإلتفات وسرعة الإجابة وتحريك رأسه إذا مشى

وقال بعض العلماء ست خصال يعرف بها الجاهل


370
0 الغضب في كل شيء والكلام في غير نفع والعطية في غير موضعها وإفشاء السر والثقة بكل أحد وأن لا يعرف صديقه من عدوه

وحكى صالح بن حسان قال كان عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه صديقا للوليد بن يزيد بن عبد الملك


371

وكان عبد الله يأتيه فخلوا يوما يلعبان الشطرنج فأتاه الحاجب فقال


372

373

374

إن بالباب رجلا سيدا من أخوالك من ثقيف قدم غازيا وقد أحب التسليم عليك قال دعه ساعة حتى نفرغ من دستنا قال عبد الله وما عليك من ذلك إن حضر ائذن له قال لما علمت أن اللعب متجه عليك أردت أن تفسده قال عبدالله فادعُ منديلاً وضعه عليها حتى يدخلَ الرجلُ فيسلِّمَ عليك ونعود إلى تمام الدست ففعل ذلك

ثم قال إئذن له فدخل رجل مشمر له هيئة حسنة وعليه عمامة فاخرة وبين عينيه أثر السجود وقد رجل لحيته بالحناء فقال أصلح الله الأمير قد قدمت غازيا فكرهت أن أجاوزك حتى أقضي حقك قال حياك الله وبارك فيك ثم سكت ساعة فلما أنس به أقبل عليه الوليد وقال يا خالي هل جمعت القرآن قال لا قد كانت شغلتنا عنه شواغل قال


375

فهل حفظت من سنة رسول الله ومغازيه وأحاديثه شيئا قال قد كانت أموالنا تشغلنا عن ذلك قال فأحاديث العرب وأيامها وأشعارها قال لا لأني كنت في شغل عن ذلك قال فأحاديث العجم وآدابها قال إن ذلك لشيء ما طلبته قال فهل عرفت من أقوال الحكماء وسير الملوك ما تسوس به قومك قال لا إن ذلك لشيء لم أكن أبحث عنه قال فاستدار الوليد ورفع المنديل وقال شاهك فقال عبد الله سبحان الله قال الوليد لا يستحي منه والله ما معنا في البيت إنسان فلما خرج ذلك الرجل قال الوليد أما علمت أن الجهال كالأنعام لا يستحي منهمُ


376
الوصف الثالث البخل

إعلم أن البخل من أذم الخلائق وأنكر الطرائق نهى عنه الشرع وقضى بقبحه العقل وحقيقته منع الحقوق الواجبة وتقتير النفقات المستحقة وفي العرف والعادة هو خزن المال ومنع المسترفدين من فضوله

واعلم أن البخيل لا يزال مسلوب الهيبه مفقود الرهبة ثقيلا على


377
النفوس بغيضا إلى القلوب ترمقه الأبصار بالإحتقار وبقلة الوقار وذلك أن البخل يدعوه إلى شدة الكدح وخزن المال ويمنعه من إيصال الحقوق إلى أهلها وهو يغطي الفضائل ويظهر الرذائل أنشدني بعض أهل العلم

( ويظهر عيب المرء في الناس بخله

ويستره عنهم جميعا سخاؤه )
378

( تغط بأثواب السخاء فإنني

أرى كل عيب والسخاء غطاؤه )

وقد ينتج عن البخل أربعة أخلاق مذمومة كل خلق منها في نهاية القبح وهي الحرص والشره وسوء الظن بالله ومنع الحقوق

أما الحرص فهو شدة الكدح والإسراف في الكدح والإسراف في الطلب والمبالغة في جمع المال وهذا ربما أفضى بصاحبه إلى اقتحام الحرام وأخذ الشبهات فكان مذموما

وأما الشره فهو استقلال الكفاية والاستكثار من المال لغير حاجة وذلك مذموم لنزوعه إلى اللؤم


379

وأما كونه يسيء الظن بالله تعالى فإن البخيل يعتقد أن المال يذهبه الإنفاق وليس خلف من الله تعالى ولا عوض يرجع إليه فيحصل على عدم الثقة بالله تعالى وذلك غاية المذمة والقبح

وأما منع الحقوق فإن نفس البخيل لا تسمح بفراق المال إذ هو محبوبها ونهاية مطلوبها فلا تنقاد إلى إيصال الحق ولا تذعن بإنصاف الخلق وإذا كان البخيل بهذه الأوصاف فليس عنده خير موجود ولا صلاح مأمول

وقد قال رسول الله A السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار والبخيل بعيد من الله بعيد من الناس بعيد من الجنة قريب من النار

وقال عليه السلام طعام الجواد دواء وطعام البخيل


380
0 داء وقال عليه السلام بشر مال البخيل بحادث أو وارث أنشدني بعض أهل العلم

( يفني البخيل بجمع المال مدته

وللحوادث والوراث ما يدع )

( كدودة القز ما تبنيه يهلكها

وغيرها بالذي تبنيه ينتفع )
381

قال بعض الحكماء البخل جلباب المسكنة

وقال حكيم آخر لا يدخل البخل مسكنا إلا أعقبه الحسرة ولا يدخل الطمع مدخلا إلا أعقبته المذلة ولا يدخل الشره مدخلا إلا أعقبه الحيرة

وقيل البخيل ليس له خليل

وقيل المال كالماء فمن استكثر منه ولم يجعل له مسربا يتسرب فيه ما زاد على القدر الكافي غرقه أنشدني بعضهم

( أراك تؤمل حسن الثناء

ولم يرزق الله ذاك البخيل )

( وكيف يسود أخو بطنة

يمن كثيرا ويعطي قليلا )
382
الوصف الرابع السرف

إعلم أن السرف في إنفاق المال وصف خارج عن حد السخاء المحمود مجانس البخل في الذم والقبح لأن الله سبحانه وتعالى ساوى بين حالتهيما في النهي فقال (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا)


383

فنهى عن بسطها سرفا كما نهى عن قبضها بخلا فدل ذلك على استوائهما ذما واتفاقهما لوما ولأن المسرف في عطائه المبذر في سخائه لا يفرق بين محمود ومذموم ولا يميز بين مستحق ومحروم

وهذه الحال تدل على خور الطبع وطيش الرأي وقصور التدبير وذلك لا يليق بالملوك ولأن بيت المال يقل عن الحقوق ويقصر عن الواجبات فإذا أسرف في بذله فقد وضع الشيء


384
بزيادته على قدر المستحق وقال بعض الحكماء الخطأ في إعطاء ما لا ينبغي ومنع ما ينبغي

وقال سفيان الثوري رحمة الله الحلال لا يحتمل السرف

وقال بعض العلماء ثلاثة ترتفع عنهم الرحمة وتنزل بهم الشماتة في ثلاثة أحوال أحدهم المبذر لماله حين تنزل به الفاقة

الثاني الشرة النهم حين تصيبه المصيبه


385

الثالث الظالم المعتدي حين تنزل به العقوبة أنشدني بعضهم

( وكان المال بأتينا فكنا

نبذره وليس لنا عقول )

( فلما أن تولى المال عنا

عقلنا حين ليس لنا فضول )
386
الوصف الخامس خلف الميعاد

إعلم أن خلف الميعاد به اللئام وتأباه الكرام لقبح صوري وشناعة سمعته وهو من أركان النفاق ومساوىء الأخلاق

قال رسول الله ص ‌ علامة المنافق ثلاث


387

إذا حدث كذب وإذا وعد اخلف وإذا ائتمن خان

وقال طلحة الطلحات ما بات رجل مني على وعد إلا وبكر إلى الظفر بحاجته وبكرت إلى قضائها تخوفا من عارض الخلف وإن الخلف من النفاق وليس من أخلاق الكرام قال أبو الحسن المدائني كان عمر بن عبد العزيز لا يكاد يوجب حاجة توقيا للخلف


388

وقال دواد بن عبد الله في وصية أنجز إذا وعدت واتق الخلف فإنه يزيل الهيبة ويذهب ببهاء الوجه

قال بعض الحكماء من أخلف وعده فقد صعر خده وجفاه القريب وتحاماه الغريب انشدني بعضهم

( لا تكسبن عداوة ومذمة بعد الصفاء

فببذل وعد مخلف أصل العداوة والجفاء )

وكان يقال الخلف نتيجة اللؤم وأقبح كل خلق مذموم


389

واعلم أن الخلف من فروع الكذب وسنذكره إن شاء الله تعالى


390
0
الوصف السادس الكذب

اعلم أن الكذب وصف ذميم وخلق لئيم لا ينفك صاحبه عن الفضيحة لمناقضته كلامه بالسهو ولا يكاد متعاطيه تسمو له رتبة ولا تعلو له منزلة لاحتقار الناس له واستصغارهم إياه ونفورهم عنه وقلة ركونهم إليه لأنه إن عاقد لم يوثق بعقده وإن نزل أوعد لم يركن إلى وعده وإن ذكر شيئا تسارعت إليه التهمة وإن نزل به مكروه تراجعت عنه الرحمة كل ذلك لما قد علمته النفوس


391
من مهانته وقلة أمانته وإن كان صادقا وفي المعنى بيت مفرد

( ومن آفة الكذاب نسيان كذبه

وتلقاه ذا حفظ إذا كان صادقا )

وقد سلب الله تعالى وصف الكذب عن المؤمنين فقال تعالى ( إنما يفتري الكذب الذين لايؤمنون)

وقال رسول الله ص الكذب مجانب الإيمان


392

وكان يقال لايقوم على الكذب دين ولا دنيا وكتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله إياك أن تستعين بكذوب في أمر تحتاج فيه إلى الحيلة فإنك إن تطع الكذوب تهلك

وقال عبد الملك بن مروان اللحن هجنة الشريف


393

والعجب آفة الرأي والكذب فساد كل شيء

وحكي أن قيصر كتب إلى كسرى أن عرفني بما ضبطت به ملكك فكتب إليه بثمان خصال لم أكذب في جد ولاهزل قط ولم أخلف في وعد ولا وعيد قط ووليت للعنا وركنت لا للهوى وعاقبت للأدب لا للغضب وأشربت قلوب الرعية المحبة من غير جرأة وأودعت قلوبها هيبة من غير ضغينة وغمرت بالكفاف ومنعت الفضول

وقيل لعدي بن حاتم أي الأشياء أثقل عليك قال


394
تجربة الصديق ورد السائل قيل فأي الأشياء أوضع للرجال قال كثرة الكلام والثقة بكل أحد واللسان الكذوب

وقيل الصدق عز والكذب ذل وكان يقال الكذب من ذهاب المروءة ومهانة النفس وقلة الحياء أنشدني بعضهم في ذلك

( لايكذب المرء إلا من مهانته

أو عادة السوء أو من قلة الأدب)
395

( فجيفة الكلب عندي خير رائحة

من كذبة المرء في جد وفي لعب )

وقال آخر

( وما شيء إذا فكرت فيه

با ذهب للمروءة والجمال)

( من الكذب الذي لاخير فيه

وأبعد بالبهاء من الرجال)

واعلم أن دواعي الكذب ثلاثة أشياء أحدها أن يجتلب به نفعا أو يدفع به ضررا فيرى أن الكذب أسلم له أو أغنم فيرخص لنفسه فيه لأجل ذلك

الثاني أن يؤثر أن يكون حديثه مستعذبا وكلامه مستظرفا ولا يجد من الصدق ما يزين به حديثه فيستمد من الكذب

الثالث هو أن يقصد بالكذب وصمة عدوه فيصمه بالقبائح وينسب إليه الفضائح وهذه الدواعي تأباها النفوس الأبية والهمم


396
العلية سيما نفوس الملوك لشرفها عن الرذائل وترفعها عن النقائص إلا أنه ربما مست الحاجة إلى استعمال قليل الكذب في كيد الأعداء وتألف البعداء فإن مثله مثل السموم القاتلة تقتل على انفرادها وتدخل في بعض الأدوية المركبة فتصير دواء شافيا
397
الوصف السابع الغيبة

إعلم أن الغيبة مع تحريمها شرعا وعقلا هي عين العجز ونفس اللؤم ودليل النقص تأباها العقول الكاملة والنفوس الفاضلة لما فيها من انحطاط الرتبة وانخفاض المنزلة قال علي بن الحسين الغيبة إدام كلاب الناس


398

وقال عدي بن حاتم الغيبة مرعى اللئام

قال وسمع قتيبة بن مسلم رجلا يغتاب رجلا فقال أما والله لقد تلفظت بمضغة ظالما لفظتها الكرام

وقال بعض الحكماء من أكثر من عيوب الناس سهل عليه الإكثار لأنه إنما يطلبها بقدر ما فيه منها ولقد أحسن القائل حيث يقول


399

( إذا أنت عبت الناس عابوا وأكثروا

عليك وأبدوا منك ما كنت تستر )

( إذا ما ذكرت الناس فاترك عيوبهم

فلا عيب إلا دون عيبك يذكر )

( فإن عبت قوما بالذي فيك مثله

فذلك عند الله والناس أكبر )

( وإن عبت قوما بالذي فيك مثله

فكيف يعيب العور من هو أعور )

وقال الوليد بن عتبة بن أبي سفيان كنت أسير مع أبي في موكب فلصق إلي رجل وجعل يغتاب رجلا غائبا فسمعه أبي فالتفت إلي وقال ويحك أما علمت أن الملوك ينزهون أسماعهم عن الخنا كما ينزهون ألسنتهم عن الكلام به فإن المستمع شريك القائل وقد نظر إلى أخبث ما في وعائه فأفرغه في وعائك

ويحكى أن بهرام ملك العجم ولى قائدا من قواده


400
00 تخوم أرضه مما يلي أرض الترك فبلغه عنه أنه يكثر من غيبة خاقان فقال هذا دليل عجزه وضعفه عن مقاومته ثم عزله وولى غيره وقال أبو الأسود في ذلك

( وذي حسد يغتابني حيث لا يرى

مكاني ويثني صالحا حيث أسمع )

( تورعت أن أغتابه من ورائه

بما ليس فيه وهو لا يتورع )
401
01
الوصف الثامن الغضب

إعلم أن الغضب وصف طبعي ركبه الله في الحيوان ليكون له به الانتقام من المؤذي له وسببه هجوم ما تكرهه النفس ممن هو دونها والحادث عن الغضب السطوة والإنتقام

فإذا أفرط وجاوز حده سلب العقل وحجب عن صواب الرأي فيصير


402
02 صاحبه مقطوع الحجة قليل الحيلة وربما عاد ضرر الغضب على الغضبان دون المغضوب عليه

وقد يظهر ذلك في نفسه وجسده والعاقل في حال شدة غضبه ليس بينه وبين المجنون فرق ولهذه الأوصاف صار قبيحا مذموما

وقال رسول الله A الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل


403
03

قال عليه الصلاة والسلام ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد من ملك نفسه عند الغضب

وقال عليه الصلاة والسلام من كظم غيظا وهو قادر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا


404
04

وقال بعض الحكماء الغضب أوله جنون وآخره ندم

وقال آخر الغصب على من لا تملك عجز وعلى من تملك لؤم

وكان يقال ما كثر من كثره البغي إياك وعزة الغضب فإنها تفضي بك إلى ذل العذر

وكان يقال ليس للملك أن يغضب ما كثر من كثره البغي ولا قوي من قواه الظلم ولا ملك من ملكه الغضب


405
05

وكان يقال ليس للملك أن يغضب لأن القدرة من وراء حاجته وليس له أن يكذب لأنه لا يقدر أحد على استكراهه على غير ما يريد وليس له أن يكون حقودا لأن خطره عظيم عن المجازاة

واعلم أن الذين كان منهم الفعل القبيح لشدة الإنتقام في وقت غيظهم إنما كان ذلك منهم لفقد عقولهم في ذلك الوقت فينبغي لمن ثار به عند هجوم ما يغضب أن يكف صورته بحزمه ويطفىء ناره بحلمه ليسلم من الندم في العواقب والذي يسكن الغضب عند هيجانه خمسة أسباب

أحدهما أن يذكر الله تعالى عند غضبه فإن ذلك يدعوه إلى الخوف منه والخوف يبعثه على الطاعة أو بالعفو فيزول عنه الغضب فقد ذكر


406
06 أنه مكتوب في التوراة يا بن آدم أذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب

وقيل إن ملكا من ملوك الفرس كتب كتابا وناوله لوزيره وقال له إذا رأيتني قد غضبت فاتركه بين يدي وكان فيه مكتوب ما لك والغضب إنما أنت شر إرحم من في الأرض يرحمك من في السماء


407
07
408
08
408
08
409
09
410
0
411

قال فكان إذا غضب ذلك الملك ناوله الوزير الكتاب فيسكن غضبه

وقيل إن ملكا من ملوك الروم أخذ جمجمة ملك كان قبله فوضعها في طشت وناولها بعض حجابه وقال له إذا رأيتني قد غضبت على إنسان فضعها بين يدي قال فكان إذا غضب وضعها الحاجب بين يديه فيسكن غضبه

السبب الثاني أن يتذكر عند الغضب ثواب العفو وحسن جزاء الصفح فيقهر نفسه على ردع الغضب رغبة في الثواب وما وعد الله به العافين عن الناس فقد قال رسول الله A ينادي مناد يوم القيامة من له أجر على الله تعالى فليقم فيقوم العافون عن الناس


412
ثم تلى فمن عفا وأصلح فأجره على الله

الثالث أن يتذكر إنعطاف القلوب عليه وميل النفوس إليه عند العفو وكظم الغيظ فيمنعه التألف وجميل الثناء من إنفاذ الغضب

الرابع أن ينتقل من الحالة التي هو عليها إلى حالة أخرى فإنه إذا فعل ذلك زال عنه الغضب وقد كان شعار المأمون إذا غضب

الخامس أن يتذكر ما يؤول إليه الغضب من الندم ومذمة الانتقام لا سيما إنفاذه فيمن لا يستطيع الدفع عن نفسه

فهذه الأسباب الخمسة إذا تدبرها الملك وتذكرها في أوقات الرضا كان أحرى أن يتذكرها في أوقات الغضب فتصده عن إنفاذ الفعل والإفراط في النكال والانتقام


413
الوصف التاسع العجب

اعلم أن العجب وصف رديء يسلب الفضائل ويجلب الرذائل ويظهر الحمل ويوجب المقت ويخفي المحاسن ويشهر المساوىء ويفضي إلى المهالك قال الله تعالى (ويوم حنين إذ


414
أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه الإعجاب ضد الصواب وآفة الألباب

وقال بعض الحكماء إعجاب المرء بنفسه أحد حساد عقله

وقال آخر العجب حمق وتيه ينتجه الكبر

وكان يقال ما أعجب بنفسه عاقل لأن العجب فضل حمق


415
لم يدر صاحبه أين يذهب به فيصرفه إلى الكبر

وحكي أن رجلا نظر إلى المهلب بن أبي صفرة وعليه حلة فاخرة يسحبها ويمشي بالخيلاء فقال له يا أبا عبد الله ما هذه المشية التي يبغضها الله ورسوله فقال له المهلب أو ما تعرفني قال بلى أعرفك أو لك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة وحياتك فيما بين ذلك بول وعذرة قال فخجل المهلب وأطرق منه حياء وقد نظم هذا الكلام محمود الوراق فقال

( عجبت من معجب بصورته

وكان بالأمس نطفة مذرة )
416

( وفي غد بعد حسن هيئته

يصير في اللحد جيفة قذرة )

( وهو على تيهه وتخوته

ما بين جنبيه يحمل العذرة )

وقال بعض البلغاء عجب الملك بتدبيره مفض به إلى تدميره

أنشدني بعضهم

( إذا المرء لم يرض ما أمكنه

ولم يأت من أمره أزينه )

( وأعجب بالعجب فاقتاده

وتاه به التيه فاستحسنه )
417

( فدعه فقد ساء تدبيره

سيضحك يوما ويبكي سنه )

واعلم أن من لم يحسم عنه أسباب العجب المفضية إليه وقع فيه فيهلك في غالب الأحوال ومن أقوى أسبابه مدح المتملقين الذين يجعلون التملق دأبهم والنفاق مسكنهم فيمنع نفسه من تصديق المدح ليسا فإن للنفس ميلا إلى سماع المدح

ومتى كثر المدح وجاوز الحد صار كذبا وملقا وقد نهى رسول الله A فقال إياكم وكثرة المدح فإنه الذبح


418

وقال بعض الحكماء من رضي أن يمدح بما ليس فيه فقد أعان الساخر منه

وقال بعض العلماء قبح باللبيب أن يعجب بنفسه عند مدح المادح أو يغضب عند سماع قدح القادح قبل أن يتفقد أعماله ويعلم ما عليه وما له ولا يترك النساء أفضل منه فإن إحداهن إذا وصف وجهها بما تحب أو تكره امتحنت ذلك بالاطلاع في المرآة

وكذلك ينبغي للعاقل أن يمتحن أحواله بأن يكل نفسه إلى غيره من أهل الثقة والأمانة والأدب والديانة في اختبار محاسنه ومساويه وعيوب نفسه التي فيه ويستنصحهم في ذلك فإن الإنسان قد يخفى عليه عيب نفسه لاستيلاء الهوى على عقله فإذا أزاح عن نفسه ذلك فقد نال غاية الشرف بانعطاف القلوب عليه وميلها إليه


419
الوصف العاشر الكبر

اعلم أن الكبر خارج بالنفس عن حد الاعتدال وحقيقته استعظام النفس واحتقار الغير وسببه علو اليد والتمييز بالمنصب والنسب أو الفضل ومتى جاوز حده وتعدى طوره


420
0

إلى البغي والعتو سلب الدين وأفسد الإيمان وخفض المنزلة وحط الرتبة لأنه يطمس من المحاسن ما انتشر ويسلب من الفضائل ما اشتهر ويوغر الصدور ويوجب النفور وقد قال رسول الله A لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر

وقال رسول الله A لعمه


421
العباس رضي الله عنه أنهاك عن الشرك بالله وعن الكبر فإن الله تعالى يحتجب عنهما

وحكي أن سليمان بن داود عليهما السلام جلس يوما على بساطة بجنوده من الإنس والجن والطير والوحش ثم أمر الريح فرفعت البساط نحوا السماء حتى سمعوا زجل اللائكة بالتسبيح وسمعوا صوت قائل يقول لو كان في قلب صاحبكم مثقال ذرة من كبر لخسفنا به اكثر ما رفعناه

وقال بعض العلماء إن للدولة أمراضاً يخاف أن تموت بها أخطرها أربعة أشياء أحدها ما يعرض للملك من الكبر الثاني ما يعرض له من


422
الغضب فإن دولته في هاتين الحالتين تضطرب لخروجه عن حدود السياسة الثالث ما يعرض له من الحرص فإنه إذا حرص ظلم وعسف الرعية الرابع هيجان الرعية فإذا عرض له شيء من ذلك فليبادر الحسم

وحكى المدائني قال رأيت رجلا بعرفات وهو على بغلة بمركب من ذهب والغلمان والخدم بين يديه والناس حوله وهو لا يعبأ بأحد منهم فنظرت إليه متعجباً وقلت له يا هذا ليس هذا موضع التكبر إنما هو موضع التعظيم والخشوع فانزل عن بغلتك واصرف الخدم من بين يديك في هذا الوقت وأقبل على الله تعالى بخضوع وخشوع فإنه يقبل عليك برحمتة ورضوان قال فلم يلتفت إلى وتركته وانصرفت فلما كان العام المقبل عبرت الجسر ببغداد فوجدت ذلك الرجل أعمى يتصدق من


423
الناس فقلت له أنت الذي كنت في العام الماضي على بغلة بعرفات قال نعم قال فما بالك قال لما تكبرت في موضع يتواضع الناس فيه وضعني الله في موضع يتكبر عن مثله الناس

أنشدني بعض ال الأدب

( يا مظهر الكبر إعجاباً بصورته

مهلاً فإنك بعد الكبر مسلوب )

( لو فكر الناس فيما في بطونهم

ما استشعر الكبر شبان ولا شيب )

( يا ابن التراب ومأكول التراب غداً

أقصر فإنك مأكول ومشروب )

واعلم أن من قطع أسباب الكبر عنه وحسم مواده واعتاض به


424
تواضعاً وتعظيماً لله سبحانه وخشوعاً وتعظياً وتعالى فقد أكد أسباب ومواد النعم وأزاح عنه المقت واستعطف إليه القلوب
425
الوصف الحادي عشر الحســـد
إعلم أن الحسد داء عظيم من أدواء النفس لا يشفى سقيمه ولا يرقى سليمه مع ما فيه من إفساد الدين وإضرار البدن لأن الحاسد يدوم همه ويكثر غمة ويذوب جسمه ويذهل عقله عن صواب الرأي ويشتغل قلبه عن صحيح الفكر وهو أقبح من البخل لأن الحاسد يحب أن لا ينال أحد شيئاً من مالا يملكه فكان أعظم
426
0

قبحاً وأشد ذماً وليس شيء أعظم ضرراً من الحسد قال رسول الله ص ‌ إن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب

قال بعض الحكماء يكفيك من الحسود أنه يغتنم وقت سرورك وإذا رزق الله المحسود نعمة كانت على الحاسد نقمة

وكان يقال الحسد نار في الجسد


427

وكتب بعض الحكماء إلى صديق له وقد حسدك من لاينام دون الانتقام وطلبك من لا يقصر دون الظفر بك فليكن حذرك بعد الثقة بالله تعالى على حسب ذلك

وقيل كان مكتوباً على فص خاتم بعض الملوك الحسود لا يسود أبداً والذي خبث لا يخرج إلا نكداً

وقال علي بن ابي طالب كرم الله وجهه لن يصل الحسد الى المحسود حتى يقتل الحاسد نفسه بغم دائم وعقل هائم وهم لازم وما رايت ظالماً يتشبه بالمظلوم إلا الحاسد أنشدني بعض أهل العلم


428

( كم من حسود اطال الله حسرته

فاغتاظ هماً على الأيام من حسده )

( وحاسد الخير طول الدهر في تعب

يزيده الحسد المذموم في كمده )

وقال بعض الشعراء

( إن الحسود الظلوم في كمدٍ

يخاله من يراه مظلوماً )

( ذا نفسٍ دائم على نفسٍ

يظهر منه ما كان مكتوماً)

وقال آخر

0 إصبر على كيد الحسود

فإن صبرك قاتله )

( فالنار تأكل بعضها

إن لم تجد ما تأكله )

واعلم أن أسباب الحسد ثلاثة


429

أحدها بعض المحسود قبل ظهور النعمة عليه فإذا ظهرت عليه نعمة أو اشتهرت عنه فضيلة أثارت البغضاء القديمة له حسداً على ذلك

الثاني أن يظهر على المحسود نعمة شاملة أو فضيلة كاملة يعجز الحاسد عن تحصيلها أو تقصر همته عن إدراكها ويكره تقدمه عليه بذلك واختصاصه به دونه فيصير حسداً

الثالث أن يكون بالحاسد شح بالفضائل المكتسبة وبخل بالنعم الموهوبة وليس يقدر على منعها منه ودفعها عنه إذا هي ليست في يديه ولا مفوضة إليه فيحسده على ما منحه الله تعالى من عطائه العميم وفضله الجسيم وهذا السبب داء ليس له دواء فإن كان الحاسد ذا قسوة


430
0 واقتدارٍ حدث عن حسدهِ الانتقام من المحسود وإن كان ذا عجز وضعفٍ حدث عنه هم دائم وسقم لازم فينبغي أن يحسم عنه أسباب الحسد ويأنف من تعاطيه ويستنكف من هجنة مساوية ليدفع ضرره ويتوقى شره ولا يغالب قضاء الله تعالى فيرجع مغلوباً ولا يعارضه في أمره فيصير مسلوباً وسنذكر من تأثير الحسد وضرر عواقبه حكاية نختم بها هذا الفصل ذكر أهل التواريخ أن بهرام بن يزدجرد ملك الفرس كان صديقاً لخاقان ملك الترك وكان بينهما مهادلة وتلطف وإن بهرام اشتهر أمره بالقوة والشجاعة والكرم وحسن السيرة والعدل في الرعية فحسده خاقان على ذلك حسداً شديداً وكان له وزيران فذكر ذلك لأفضلهما وسأله التدبير في هلاك بهرام فقال له الوزير إن كتم الملك ذلك سعيت له فيه فقال سأكتمه فلبث مدة ثم سأل الوزير عما صنع فيه فاستصبره فلما تكرر ذلك منهما قال له الوزير أيها الملك لا حيلة لي فيما كلفتنيه استصبرتك رجاء أن يزول ذلك من قلبك فإني رأيت الحامل لك عليه
431
إنما هو فرط الحسد وتدبير الحاسد راجع عليه بالمضرة وأخاف أن ينصب الملك مكيدة فيقع فيها قال فغضب خاقان عليه ثم أطلع وزيره الآخر على ذلك وكان فيه شر وخبث وحسد وحيلة فتكفل لخاقان بنيل مراده ثم ندب له فاتكا من فتاك الترك لم يكن في الترك أشد باساً في الحيلة منه ولا أجرأ منه في ذلك وضمن له إن قتل بهرام ونجا أعطاه رياسة الجند وجعل ذلك خالداً في ولده وإن هلك دون مرامه شرف ولده تشريفاً يخلد ذكره فيه أبداً وإن الفاتك استصحب أخاه معه وتوجها إلى دار ملك بهرام فلما وردا قصر بهرام قال الفاتك لأخيه بعني من بعض خدمة قصر بهرام فلم يزل يتلطف الفاتك حتى باعه من حافظ القصر الموكل بحراسته ليلاً فجعل ذلك الفاتك يتحبب إلى مولاه بحسن الطاعة ونصح الخدمة حتى نفق عنده واختص به وإن سيده
432
تخلف عن حراسته لمرض ناله فاستناب الفاتك فعمد ذلك الفاتك إلى خزائن سلاح بهرام وكانت بإزاء قصره فألقى فيها ناراً وثبط أصحابه عن المبادرة إلى إطفائها حتى اشتد عملها فارتفعت الضجة فخرج بهرام من قصره على فرس له ولا سلاح معه فانتهز الفاتك فيه الفرصة ودنا من بهرام وفي يده خنجر وقد أخفاه في كمه فنظر إليه بهرام في ضوء من النار فرأى دلائل الريبة ظاهرة عليه فتفرس فيه الشر فجمع رجليه ووثب عن ظهر فرسه فإذا هو على الفاتك وقبض على يديه فوجد الخنجر فأخده منه بيمينه وجمع يديه معاً في شماله وانطلق به يقوده حتى أدخله القصر فخلا عنه وسأله عن أمره فصدقه الحديث فقال له بهرام أما أنت فلك ذمتنا على حفظ نفسك والإحسان إليك إذا كنت إنما أتيت الذي أتيت طاعة لخاقان ومناصحة له وبذلت نفسك في مرضاته ومثلك من يصطنع ونحن نحفظ عليك نفسك التي ضيعها صاحبك غير أنا نريد أن نحبسك مدة ثم نطلقك ونحسن إليك لغرض نريد أن نفعله فدلنا على أخيك فدله عليه فأرسل إليه من قبض عليه وحسبهما في قصره
433
مكرمين وأخذ عليهما أن يكتما أمرهما وكان قد رفع إلى بهرام أن رجلاً من عتبة زراعاً في بعض الرساتيق له ابنه لم يسمع بامرأة خلقت على مثل صورتها طولها ستة أذرع وشعرها يتسحب على مواطىء قدميها وكأن جلدها في لونه وصفائه كأنه قشور الدر وهي متناسبة الخلق بديعة التركيب دقيقة التخطيط لا يستطيع من رأى عضواً من أعضائها ان ينقل بصره عنه إلا بعد مجاهدة النفس وإذا قابلت عيناها عيني ذي لب اضطرب قلبه فلا يسكن حتى يضمها إلى صدره ويرشف من ريقها وكان لها مع ذلك الجمال الباهر أدب وعقل وحزم فشرهت نفس بهرام إليها ثم تنزه استنكافاً أن يكون
434
تحته ابنة زراع فقمع نفسه عنها أنفة ونخوة ثم نهى أن يذكرها له أحد وأمر العامل على البلد الذي هي فيه أن يتفقد أمرها ومنع أباها من إنكاحها حتى إذا حدث عليه من خاقان وما ذكرناه أحضر رجلاً من أصحابه ذا دهاء ومكر وحيلة فندبه للمكيدة من خاقان وأمره بما سنذكره في أثناء الحكاية وأعطاه من الذهب والفضة ونفائس الجواهر وذخائر ما ظن أنه يحتاج إليه في عمل المكيدة وأمره أن يسير متنكراً في زي تاجر لى والد تلك الجارية التي ذكرناها فيشتريها منه ليستعين بها على ما ندبه إليه وأرسل إلى العامل على بلد أبيها يأمره بأن يضيق على ابيها ويطالبه بما يعجز عنه من المال ففعل ذلك فجاء التاجر واشترى منه ابنته بوزنها ذهباً وهذا شيء كان يفعله
435
أهل الخراج من الفرس إذا ضيق السلطان عليهم باعوا أولادهم
436

قال ثم إن التاجر قصد بها بلاد الترك حتى حل بمدينة خاقان فقصده إلى الوزير الساعي إليه في المكيدة لبهرام فأهدى إليه هدايا نفيسة وتنفق عنده بالتحف إلى أن أنس به الوزير وخف على قلبه فلبث عنده عاماً ثم إنه قال له إنني أحببتك أيها الوزير حباً شديداً ولي عام أنازع نفسي في إتحافك بتحفة لم يظفر أحد بمثلها وكانت نفسي تضن بها ثم قد سمحت بإيثارك فقال وما هذه التحفة قال جارية طولها ستة أذرع وشعرها يتسحب على مواطىء قدميها كأنما كسا جلدها قشور الدر قال فلما سمع الوزير الصفة استفزه الهوى إليها وجعل يتقاضاه بإحضارها فلما أحضرها ووقع بصره عليها لم يملك نفسه أن وثب عليها فعانقها وضمها وقبلها ثم التفت إلى سيدها وقال له سل ما سئت واحتكم فقال حكمي القرب منك والحضور عندك قال هذا لك وخذ من المال ما شئت قال لا حاجة لي فيه ثم خرج من عنده


437
مبادرا إلى باب قصر الملك خاقان فقال لبعض ثقاته إن عندي نصيحة نخاف فوتها فأدخله على خاقان في الحال فسأله عن نصيحته فقال إني قصدت الملك بتحفة لا تصلح إلا له فسألت الوزير فلان أن يوصلها إلى الملك فاستأثر بها واعتدى وبذل مالا كثيرا على كتمان ذلك فلم أفعل قال ما هذه التحفة قال هي جارية صفتها كذا وكذا فأرسل خاقان من فوره رجالا من ذوي النسك في دينه وأمرهم بالهجوم عليه وحفظ الحال التي يرونه عليها والإتيان به وبالجارية محجوبة عن الأبصار ففعلوا ذلك وقالوا إنهم أبصروها بين يديه جالسة متجردة فسألها خاقان عما نال منها فقالت عانقني وقبلني وجردني ونظر إلى سائر بدني وهم أن يفتضني فهجم هؤلاء القوم عليه فأمر خاقان أن تقطع يداه وتقلع عيناه ويقطع لسانه وشفتاه ففعلوا ذلك بالوزير ثم إن خاقان خلا بالجارية وسألها أبكر هي أم ثيب
438
فقالت بل بكر فلم يملك نفسه أن افترعها فلما نزع منها أزالت عن رأسها قناعا فمسحت به ذكره فأحس به من ساعته تنملا ثم بعد ذلك ظهر فيه نفخ ثم ابتدأ به الوجع الشديد فعلم أنه سم فتناول موسا فقطع به ذكره وأمر بالجارية فنحيت عنه وحفظت وطلبوا مولاها فلم يظفروا به وإن خاقان عالج نفسه حتى برئ ثم أحضر الجارية فسألها عن نفسها وأهلها وبلدها فأخبرته وأنها لم تكن تعلم من أمر مولاها أكثر من أنه رجل تاجر اشتراها من أبيها بوزنها ذهبا وسألها عن القناع فقالت كسانيه سيدي وعرفني أنه يهديني للملك

وإن من شأن الملوك إذا وقع واحد منهم على جارية ونزع منها أن تسمح ذكره بما على رأسها كائنا ما كان فإن لم تفعل ذلك سقطت من عين الملك وتعرضت لسخطه فعلم خاقان أنها مخدوعة فلم يتعرض لها بشر ولما عاد صاحب بهرام إليه وأخبره بما تم له من المكيدة


439
أمر بهرام بإحضار الفاتك وأخيه وأحسن إليهما وكتب معها كتابا إلى خاقان يقول فيه إن الحسد والبغي أورداك وأوردا وزيرك وزير السوء موارد الندم وقد كنا أنزلناك بمنزلة الاخ قبل أن نعرف خبث نيتك فينا وحسدك لنا فلما علمنا ذلك أردنا بك ما أردته بنا فقضى الله لنا عليك بنجاح السعي لعلمه بصلاح نيتنا وخبث نيتك والآن فاتق الله على نفسك فلسنا نعرض لك بسوء إذا لزمت حسن النظر لنفسك بمسالمتنا قال فلما انتهى الكتاب إلى خاقان عرف من أين أتى ثم إنه داخلته الحمية والأنفة فتجهز لقتال بهرام في أمم من الترك لا تحصى وسار إلى أرض فارس فانتخب له بهرام أجنادا من أساورة الفرس ولقيه فهزمه بهرام وقتل رجاله ونهب أمواله واستولى على بلاده وكان سبب إثارة هذه الفتنة الحسد والبغي
440
0
الوصف الثاني عشر العجلة

اعلم أن العجلة ردية الساقبة مذومة الأثر يتنجها طيش وتهور أولها ملامة واخرها لا يفارقها الزلل ولا يتعداها الفشل وقد قال رسول الله ص ‌ العجلة من الشيطان

وكان يقال لا يوجد العجول محمودا ولا الغضوب مسرورا ولا الشره غنيا

وقيل اجتمع أربعة ملوك من الروم عند حكيم من حكمائهم


441

فقالوا أوصنا يها الحكيم وصية ننتفع بها فيما صار إلينا من أمر الملك فقال من استطاع منكم أن يمنع نفسه من أربعة أشياء فهو حقيق أن لا ينزل به مكروه وهي العجلة واللجاجة والعجب والتواني فثمرة العجلة الندامة وثمرة اللجاجة الحيرة وثمرة العجب البغضة وثمرة التواني الذلة

وكان يقال التثبت في النوائب معقل اهل التجارب والعجلة في الأمور داعية إلى كل محذور

وأوصى ملك من ملوك اليمن من يخلفه من بعده فقال أوصيك بتقوى الله تعالى فإنك إن تتقيه يهدك ويكفك ويرض عنك ومتى رضى الرب عن عبده أرضاه وأمرك أن لا تعجل فيما تخاف فيه الفوت فإن العجلة ندامة وإذا شككت في أمر فشاور وإذا اتهمت


442
فاستبدل وإذا استكفيت فاختبر وإذا قلت فاصدق وإذا وعدت فانجز وإذا أوعدت في حق فانفذ واعلم انك إذا ضبطت حاشيتك ضبطت قاصيتك والسلام

واعلم أن العجلة مذمومة إلا في أفعال البر وصنائع المعروف فإنها حسنة محمودة

قال بعض الحكماء على الملك أن يعمل بخصال ثلاث تأخير العقوبة في سلطان الغضب وتعجيل مكافأة المحسن والأناة فيما يحدث فإن له في تأخير العقوبة إمكان العفو وفي تعجيل المكافأة بالأحسان المسارعة في الطاعة من الرعية وفي الأناة اتضاح الرأي وانفساح الصواب

وذكر بعض الملوك في وصية له لولي عهده إذا هممت بخير فعجله وإذا هممت بخلافه فتأن فيه وارحم ترحم

وكان يقال


443

العجلة مكروهه قبيحة إلا في ثلاثة أشياء في اصطناع المعروف إذا أمكن وفي تزويج البكر إذا خطبت وفي دفن الميت إذا مات


444
الوصف الثالث عشر المزاح

إعلم أن المزاح شاغل عن الأمور المهمة مذهل عن النوائب الملمة يذهب الهيبة والوقار وليس لمن وسم به مقدار يزيح عن الحقوق ويفضي إلى العقوق ويوغر صدور الأصحاب ويجانب محاسن الآداب ويذهب البهاء ويجرئ السفهاء أوله حلاوة وآخره عداوة وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه اتقوا المزاح فإنه حمقة تورث الضغينة

وقال أكثم بن صيفي


445
يذهب بالبهاء والمهابة فاحذروه

وأوصى مسلم بن قتيبة أولاده فقال لا تمازحوا فيستخف بكم نظراؤكم ويجترئ عليكم أكفاوكم وهو مسلبة للهيبة مقطعة للصحبة أوله فرح وآخره ترح

وقيل إذا مازح السلطان هان عند رعيته وإذا سفه ذهبت حرمته

وقيل في منثور الحكمة من قل عقله كثر هزله


446

وقيل المزاح معضل الداء عزيز الدواء

وقيل خير المزاح لا ينال وشره لا يقال

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه من كثر من شيء عرف به ومن مزح استخف به ومن كثر ضحكه ذهبت هيبته ومن عرض نفسه إلى التهمة فلا يلومن من أساء به الظن

وقال سعيد بن العاص لابنه يا بني لا تمازح الشريف فيحقد عليك ولا الدنيء فيجترىء عليك

وكان يقال لكل شيء بذر وبذر العداوة المزاح أنشدني بعضهم


447

( اترك مزاح الرجال إن مزحوا

ولم أر قوما تمازحوا سلموا )

( يفنى مزاح الفتى مرؤته

ورب قول يسيل منه دم )

وقال آخر

( فإياك إياك المزاح فإنه

يجري عليك الطفل والدنس النذلا )

( ويفسد ماء الوجه بعد حيائه

ويعقبه من بعد عزته ذلا )

وقال آخر

( ولقد حبوتك يا بني وصيتي

فاسمع مقال أب عليك شفيق )

( أما المزاحة والمراء فدعهما

خلقان لا أرضاهما لصديق )
448

( إني بلوتهما فلم أحمدهما

لمجاور جار ولا لرفيق )

( والجهل قد يضع الفتى في قومه

وعروقه في الناس أي عروق )

( متى رآه مجانبا ذا بغضة

في الحي غير مجنب وموق )

واعلم أن النفوس متى سلك بها الجد والتزمت به سئمت منه وضجرت واستثقلت حمل الحق وربما أفضى بها ذلك إلى ضيق العطن وسوء الخلق فينبغي أن يريحها بقليل المزاح ويسير الرعاية وليكن كما قال أبو الفتح البستي

( أفد طبعك المكدود بالجد راحة

ترحه وعلله بشيء من المزح )

( ولكن إذا أعطيته المزح فليكن

بمقدار ما تعطي الطعام من الملح )
449

وقال رسول اللهa إني لأمزح ولا أقول إلا حقا

وقال سعيد بن العاص لابنه يا بني اقتصد في مزاحك فإن الإفراط فيه يذهب البهاء ويجريء عليك السفهاء والاقتصاد منه بالكلية يبغضك إلى أصحابك ومؤنسيك فامزح معهم وليكن بمقدار ما يحصل لهم به الأنس منك من غير إفراط وليحذر مع هذه الشريطة أن يمازح عدوه فيصير ذلك طريقا له إلى إعلان المساوىء فقد قال بعض الحكماء إذا مازحت عدوك ظهرت عيوبك


450
0
الوصف الرابع عشر الضحك

إعلم أن كثرة الضحك يضاهي المزح في المذمة والقبح ولا تقتضيه حال الملوك وأرباب المناصب لما فيه من زوال الهيبة وذهاب الوقار وقلة الأدب وقد قال رسول اللهa لأبي ذر الغفاري رضي الله عنه إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب ويذهب ببهاء الوجه


451

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه من كثر ضحكه قلت هيبته ومن أكثر من شيء عرف به ولكن لا بد أن يرى الإنسان أو يسمع ما يغلب عليه الضحك منه أو تمسه الحاجة إليه لا يناس الجليس فينبغي إذا طرأ شيء من ذلك أن يجعله تبسما من غير قهقهة واسترسال وليراع فيه الشريطة التي قدمناها في المزح


452
الوصف الخامس عشر الغدر

اعلم أن الغدر بعد عقد العهد حرام وعاقبته هلاك ودمار ولا نقض


453
حتى ينتهي أمده وتنفضي مدده
454

قال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود )

وقال تعالى ( فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم )


455

وروى عن سليمان بن عامر قال كان بين معاوية وبين الروم عهد فسار معاوية في أرضهم كأنه يريد أن يغير عليهم فقال عمرو بن عبسة سمعت رسول الله ص ‌ يقول من كان بينه وبين


456

قوم عهد فلا يحل عقده ولا يشدها حتى يمضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء قال فانصرف معاوية ذلك العام

وقال بعض الحكماء الغدر يسرع إلى الهلك ويفضي إلى زوال الملك

وكان يقال يمين الغضب مهزول ووالي الغدر معزول وجيش العدوان مفلول وعرنين الطغيان مشلول

وكان يقال لكل عاثر راحم إلا الغادر فإن القلوب مجمعة على الشماتة بمصرعه

وقال حكيم لبعض ملوك زمانه أوصيك بخمس خصال ترضي بهن ربك وتصلح بهن رعيتك لا يغرنك ارتقاء السهل إذا كان المنحدر وعرا ولا تعدن وعدا ليس في يدك وفاؤه واعلم أن الأمور بغتات فكن على حذر واعلم أن للأمور جزاء ومكافأة فاتق العواقب وإياك والغدر فإنه أقرب الأشياء صرعة

وأوصي أبو مسلم الخرساني قوما بعثهم إلى منازلة قوم عدو


457
لهم فقال أشعروا قلوبكم الجرأة فإنها سبب الظفر وأكثروا من ذكر الضغائن فإنها تبعث على الإقدام والزموا الطاعة فإنها حصن المحارب واحذروا من الغدر فإن الغادر مصروع

ويحكى أن موبذان قال لفيروز ملك العجم لما عزم على نقض العهد الذي كان بينه وبين اخشنوار ملك الهياطلة وخرج إلى بلاده أيها الملك إن الرب تعالى يمهل الملوك على الجور مالم يشرعوا في هدم أركان الدين فإذا شرعوا في ذلك لم يمهلهم وإن عقد الميثاق من أركان الدين فلا تنقضه قال فلم يلتفت إليه فيروز وخرج طالبا اخشنوار فهزم


458
جيشه وقتله واستولى على بلاده

وقد أوضحنا في هذا الباب من الأوصاف الذميمة والأخلاق اللئيمة ما احتمله كتابنا هذا وسنختمه بذكر عوارض ردية ربما عرضت للملوك أو بعضها فأضرت بهم وأخرجتهم عن حدود الاعتدال

وهي ثلاثة اعراض العرض الأول والثاني الهم والغم

وإن هذين العرضين إذا طرأ واشتد إفراطهما فإنهما يجلبان من الألم والأذى على النفس والجسم أمرا لا يمكن تلافيه ويؤديان إلى التقصير في المطالب والقصور في التدبير مع ما يظهر في الجسم من النحول وفي العقل من الذهول وهذان العرضان لا مندوحة لأحد عنهما ولا بد من طرؤهما في مقابلة الحوادث الملمة والنوائب المهمة فالهم هو ما تتوقع النفس حدوثه وطروءه في الزمن المستقبل من الأمور المهمة


459

والغم هو الكمد للنفس وحزنها على فوات ما ذهب في الزمن الماضي فينبغي للملك أن يريح نفسه وجسده عند طروء أحدهما وينال شيئا من اللذة والسرور بالأشياء المباحة في الشرع بقدر ما يبلغ به مصلحته ويحفظ به صحته

وينبغي أن يكون مقدار إصابته من ذلك ما يحصل به الاعتدال من غير إفراط فيه فإن الإكثار من اللهو يحصل به من الضرر فوق ما يحصل به من الهم لأنه يلهيه عن مصالح المملكة فكان الاعتدال في ذلك أقسط

وقد كان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي رحمه الله إذا


460
0

طرأ عليه أحد هذين العرضين نزل إلى الميدان وشرع يلعب بالكرة والصولجان نهاره أجمع فإذا جن عليه الليل بسط رقعة الشطرنج وجعل يلعب حتى يغلب عليه النوم

العرض الثالث السكر من الشراب إعلم أن السكر حرام في جميع الأديان


461

461
وإنما اختلفوا في عين المسكر
462

وقد أجمع أهل العقل على قبح السكر مع تحريم الشرائع له

وهو من الأعراض الردية المفضية بصاحبها إلى البلايا والأسقام

وقد ذكر أهل الطب أن الإفراط من السكر ربما أحدث في وقته


463
على صاحبه علة السكتة والاختناق وامتلاء بطن القلب الجالب للموت فجأة وربما حدث منه انفجار الشريانات الدموية والصفراوية وتحدث منه الرعشة والفالج وهذا كله مع ما يجلب على صاحبه من فقد العقل وهتك الستر وإفشاء السر والاشتغال عن درك المطالب ولا يكاد صاحبه يسمو له حال ولا يستقيم له أمر في تدبير ولا يزال منحط الرتبة عند نظرائه مسلوب الوقار في أعين الناس قال الشاعر

( متى تبلغ الخيرات أو تستطيعها

ولو كانت الخيرات منك على شبر )

( إذا بت سكرانا وأصبحت مثخنا

حمارا وعاودت الشراب من العصر )

وأكثر ما تنصب الغوائل والمكائد للملوك في حال سكرهم هذا كله مع ما يؤول السكر بصاحبه في الآخرة من العذاب المهين والنكال الدائم


464
الباب السابع في كيفية رتبة الملك مع أوليائه في حال جلوسه وركوبه

إعلم أن ملوك الأمم على اختلاف أجناسهم كانت لهم سنن وآداب تميزوا بها وأقاموا أبهتهم بالمواظبة عليها يضيق كتابنا هذا عن شرحها ولا فائدة في ذكرها لأن الشرع ورد بالنهي عن التشبه بها بل نقتصر في ذلك على مثال ما رتبه خلفاء بني العباس إذ هم قدوة ملوك الناس لينسج الملوك على منوالهم ويحذو حذو أمثالهم وسنذكر من ذلك قدر الحاجة على سبيل الاختصار فنقول


465
ينبغي للملك أن يجعل جلوس طبقات أصحابه وأعوانه وأوليائه على ثلاث مراتب

المرتبة الأولى يجلس فيها الجند والغلمان الذين ليست لهم مزية على غيرهم

المرتبة الثانية يجلس فيها القواد المتوسطون الذين قد ولوا الأعمال من قبل الأمراء ومن يجري مجراهم من الطواشية وغيرهم

المرتبة الثالثة يجلس فيها القواد والأمراء والأكابر الذين يتولون الأعمال ويخطب لهم على المنابر وكبراء الحجاب والعلماء وهذه المرتبة تسمى دهليز الخاصة وهو القريب من الستر فإذا


466
جلس الناس لا يختلط قوم بغيرهم ولا يعلوا أحد منهم في الجلسة على من هو فوقه وليتطرقهم الحجاب طول جلوسهم فإذا وجدوا أحدا جلس في غير مرتبته أقاموه إليها ويجلس صاحب الحجاب ملاصقا للوزير والباب الذي يوصل منه إلى الملك لأنه أول من يصل إليه ويكون الستر مسبلا على الباب يمسكه البوابون الفحول ولا يطلقونه لأحد لأجل الاطلاع منه إلى صحن الدار التي يجلس فيها الملك فإذا خرج الملك مع خدمه وجلس على سريره المفروش وقف على رأسه الخادم صاحب المذبة ويكون متميزا له طلل وصورة حسنة مقبولة ثم يخرج الخادم الحرمي صاحب الرسالة فيستدعي صاحب
467
الحجاب فيدخل وحده ولا يشال الستر لكن بعضه حتى يقف في صحن الدار بين يدي الملك ثم يستدعي الوزير فيتقدم الحاجب يمشي معه حتى يقرب من السرير فيتقدم وحده ويرجع عنه الحاجب إفرادا له عما يعامل به سائر الناس من التقدير فيخدم الملك ثم يقف على يمنة السرير على نحو خمسة أذرع منه ثم يدخل أمير الجيش بعده فيمشي معه الحاجب كما فعل بالوزير فيخدم الملك ثم يقف على يسرة السرير ثم يدعى بالحجاب فيدخلون وبالخدم الرؤساء الأستاذين فيدخلون ثم يدعى بالأمراءِ القواد فيوصلهم الحجابُ ويقفون على مراتبهم يمنة ويسرة على حسب محلهم وموقعهم من الاختصاص ولا يتقدم أحد على غيره ثم يدعى بالعلماء والفقهاء والقضاة فيجلسون دون الوزير على يمنة السرير ثم يستدعي رؤساء الأطباء فيقفون بارزين فإذا احتيج إلى مسائلتهم عن شيء تقدموا إلى الملك عند خروج الناس ثم يدعي بالغلمان والجند ومن حضر الدار ويقفون بارزين صفا
468
مفردا خلف الناس ثم يخرج الناس عن طبقاتهم بعد وقوفهم ساعة وبعد أن يلحظهم الملك ويشاهد حضورهم ويعرف من تخلف من وجوههم وليحذر كل من وقف بين يدي الملك أن يتسار إثنان أو يتحدثا مع أحد ثم يتخلف الوزير ساعة طويلة وقد تنحى صاحب المذبة الكبيرة من موضعه إلى أن يفرغ ما يحتاج إلى ذكره ويأخذ الوزير المذبة الصغيرة فيذب بها ويكون صاحب الحجاب واقفا بالبعد من السرير بحيث يستدعي إذا احتيج إليه ثم يخرج بعد ذلك الوزير ومعه الحاجب فيجلسان في الدهليز

وينظران في أعمال الملك المهمة وحوائج داره ويرجع الناس إلى مراتبهم وأعمالهم وإذا قدم الحاجب أحدا من الاولياء لتقبيل


469
اليد والخدمة مشى مما يلي سيده وقدمه بعضده الأيسر وتكون يد الحاجب اليسرى على سيف المقدم فإذا قبل يد الملك أخره الحاجب وتسلمه منه الحجاب الأقرب منه فالأقرب إلى أن يقيموه في مرتبته

وإذا أراد الملك أن يركب في موكبه فسبيل جميع الناس أن يمشوا


470
0 بين يديه وأسلحتهم مشهورة إلى أن يصلوا إلى مواضع الركوب

فيركبون وقد تقدمهم قطعة من الحجاب قدام الموكب يطوفون ويمنعون أحدا من سلوك الطرقات وتكون الجنائب الخاصة قدام الموكب ليحضر منها ما أراد وكذلك أصحاب الجوارح وكلاب الصيد والفهود يتقدمون الموكب ثم يسير خلفاء الحجاب ونوابهم يتصفحون الموكب ويترددون فيه فيمنعون أحدا من العامة المرور في خلاله ثم يسير صاحب الحجاب قدام الملك وبينه وبين الملك مقدار ما إذا ناداه أو استدعاه سمعه ويتبعه الملك ويكون الوزير وراءه فإذا استدعى سار زائدا على موكب الملك ليخاطبه ولا يكلف الملك أن يلتفت إليه بعنقه فإذا استتم كلامه رجعوا إلى ورائه ويكون خلف الوزير وجوه الخدم والرؤساء وسائر طبقات الأولياء ثم يتبع ذلك بغال الشراب والماء


471
المزمل وتكون بارزة بحيث ترى ولا يزحمها الموكب ويكون معها بغال الكسوة وفيها خلع معدة ويكون معها بغل عليه صندوقان يعد فيهما ما خف من الأطعمة مثل أوساط ولفات وأقراص وغير ذلك ويكون خلف الخدم خادم الجوائز والصدقات ومعه عليمة فيها صرار من خمسة دراهم إلى مائة إلى ألف درهم فإذا أمر الملك بمبلغ عرفه وأرسله إلى صاحبه ويكون في الموكب العلماء والفقهاء والقضاة والمؤذنون لتحصل بهم الرحمة ويسيرون في وسط الموكب لئلا تلحقهم الزحمة وإذا وصل الملك
472
إلى باب من أبواب قصيره أو منتزهاته التي يسلكها نزل الحاجب والخدم ومن في الموكب من أمير الجيش وصاحب الشرطة ووجوه الحجاب ومشوا بين يديه إلى أن يخرج من ذلك الباب ثم يركبون فإذا عاد إلى قصره ترجل الناس أجمع ومشوا إلى أن يصلوا الموضع الذي يقف فيه الحجاب وتكون البوقات التركية والطبول تضرب عند ركوبه ونزوله ولا ينبغي للملك أن يكثر من الركوب والظهور من قصره فإن هيبة الأسد في قلوب أهل البلدان الذين لم يتكرر منهم الرؤية له أعظم من هيبته في قلوب رعاة االظأن الذين يرونه كل وقت ولا يطيل اللبث والاحتباس في قصره فإن السباع الضارية إذا لم تشاهد الراعي بلغت مرادها من الظأن
473

474

475
الباب الثامن في بيان فضل المشورة والحث عليها

اعلم أن المشورة عين الهداية وسبيل الرشاد إلى الأمر وإيضاح المبهم من الرأي ومفتاح المغلق من الصواب وقد حث الشارع عليها وندب الخلق إليها وقد قال الله تعالى لنبيه محمد ص ‌ فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر


476

477

قال الحسن البصري رضي الله عنه أمره بالمشاورة ليستقر له


478

الرأُي الصحيح فيعمل به

وقال الضحاك أمره بالمشاورة لما علم ما فيها من الفضل وما يعود بها من النفع

ولأن إرسال الخواطر الثاقبة وإجالة الأفكار الصادقة لا يكاد يخرج عنها ممكن ولا يخفى جائز والمستبد برأيه بعيد من الصواب قريب من الزلل وقد قال رسول الله ص ‌


479
رأس العقل بعد الإيمان بالله تعالى التودد إلى الناس وما استغنى مستبد برأيه وما هلك أحد عن مشورة وإذا أراد الله بعبد هلكة كان أول ما يهلكه رأيه

وقال رسول الله ص ‌ لقحوا عقولكم بالمذاكرة واستعينوا على أموركم بالمشاورة

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه الاستشارة عين الهداية وقد خاطر من استغنى برأيه

وقال بعض البلغاء الخطأ مع الاسترشاد أحمد من الصواب مع الاستبداد وقال بعض الحكماء نصف رأيك مع أخيك فشاوره ليكمل لك الرأي


480
0

وكان يقال إذا أشكلت عليك الأمور فارجع إلى رأي العقلاء ولا تأنف من الاسترشاد ولا تستنكف من الاستمداد فإن تسأل وتسلم خير لك من أن تستبد وتندم وقال حكماء اليونان أضعف الحيل خير من أقوى الشدة وأقل التؤدة خير من أكثر العجلة والزلة رسول القضاء المبرم وإذا استبد الملك برأيه عميت عليه المراشد

وقال حكيم من الفرس النظر في الأمور من العزم والعزم في الرأي سلامة من التفريط وداعية إلى الظفر والتدبير والفكر يبحثان عن الفطنة ويكشفان عن الحزم ومشاورة الحكماء ثبات


481
في اليقين وقوة في البصيرة ففكر قبل أن تعزم واعزم قبل أن تصرم وتدبر قبل أن تهجم وشاور قبل أن تقدم

وكان يقال ما استنبط الصواب بمثل المشاورة ولا حصنت النعم بمثل المواساة ولا اكتسبت البغضة بمثل الكبر

وقال عبد الملك بن مروان لأن أخطىء وقد استشرت أحب إلي من أن أصيب وقد استبددت برأي وأمضيته من غير مشورة لأن على رأيه يزرى به أمران تصديقه رأيه الواجب عليه تكذيبه وتركه من المشورة ما يزداد به بصيرة أنشدني بعضهم 482

( إذا الأمر أشكل إنقاذه

ولم تر منه سبيلا فسيحا )

( فشاور بأمرك في سترة

أخاك أخاك اللبيب النصيحا )

( فربما فرج الناصحون

وأبدوا من الرأي رايا صحيحا )

( ولا يلبث المستشير الرجال

إذا هو شاور أن يستريحا )

وقال محمود الوراق في المعنى

( إن البيب إذا تفرق أمره

فتق الأمور مناظرا ومشاورا )

( وأخو الجهالة يستبد برأيه

فتراه يعتسف الأمور مخاطرا )

وقال آخر

( شاور صديقك في الخفى المشكل

واقبل نصيحة صاحب متفضل )

( فالله قد أوصى بذالك نبيه

في قوله شاورهم وتوكل )
482

( إذا الأمر أشكل إنفاذه

ولم تر منه سبيلا فسيحا )

( فشاور بأمرك في سترة

أخاك أخاك اللبيب النصيحا )

( فربما فرج الناصحون

وأبدوا من الرأي رأيا صحيحا )

( ولا يلبث المستشير الرجال

إذا هو شاور أن يستريحا )

قال محمود الوراق في المعنى

( إن اللبيب إذا تفرق أمره

فتق الأمور مناظرا ومشاورا )

( وأخو الجهالة يستبد برأيه

فتراه يعتسف الأمور مخاطرا )

وقال آخر

( شاور صديقك في الخفى المشكل

واقبل نصيحة صاحب متفضل )

( فالله قد أوصى بذالك نبيه

في قوله شاورهم وتوكل )
483
الباب التاسع في بيان أوصاف أهل الشورى وحكايات لائقة

اختلف الناس في أهل الشورى هل الأولى أن يجمعهم الملك على الرأي أو ينفرد بكل واحد منهم في المشورة فذهبت العرب والفرس وملوك الهند إلى أن الأولى اجتماعهم في ارتياء الرأي وإجالة الفكر ليذكر كل واحد ما قدحه خاطره وينتجه فكره حتى إذا كان هناك قدح في الرأي ذكروه وإن توجه عليه نقض نقضوه فإنه لا يبقى في الرأي مع اجتماع القرائح عليه خلل إلا ظهر واشتهر


484

وذهبت الروم وملوك القبط إلى أن الأولى انفراد كل واحد منهم بالمشورة ليجيل فكره ويشحذ خاطره طمعا في الحظوة بصواب الرأي فإن القرائح إذا انفردت استكدها الفكر واستفرغها الجهد وإذا اجتمعت فإن أول من بدا بالرأي متبوع

وينبغي أن يجتمع في أهل الشورى سبعة شروط عليها مدار المشورة وبها ينتظم شمل الصواب


485

أحدها الفطنة والذكاء لئلا تشتبه عليهم الأمور فتلتبس فلا يصح مع اشتباهها عزم ولا يتم مع التباسها حزم

والثاني الأمانة لئلا يخونوا فيما ائتمنوا عليه ولا يغشوا فيما استنصحوا فيه

الثالث صدق اللهجة ليثق الملك بخبرهم فيما ينهونه إليه


486
ويعمل برأيهم فيما أشاروا به عليه

الرابع أن يسلموا فيما بينهم من التحاسد والتنافس فإن ذلك يمنعهم من الكشف عن صواب الرأي

الخامس أن يسلموا فيما بينهم وبين الناس من العداوة والشحناء فإن العداوة تصد عن التناصف وتحجب عن صواب الرأي

السادس أن لا يكونوا من أهل الأهواء فيخرجهم الهوى من الحق إلى الباطل فإن الهوى خادع الألباب وصارف عن الصواب

السابع أن يكونوا من كبار الدولة ومشايخ الأعوان لأن


487
المشايخ قد حنكتهم التجارب وعركتهم النوائب وقد شاهدوا من اختلاف الدول ما أوضح لعقولهم صواب الرأي وقد كانت العرب تقول المشايخ أشجار الوقار ومنابع الأخبار لا يطيش لهم فهم وإلا يسقط لهم وهم وقد كان يقال عليك بآراء المشايخ فإنهم إن فقدوا ذكاء الطبع فقد مرت على عيونهم وجوه العبر
488

وتصدت لأسماعهم آثار الغير

وحكى أن المأمون قال لأولاده يا بني ارجعوا فيما اشتبه عليكم إلى آراء أهل الحزم من أعوانكم المجربين والمشايخ المشفقين فإنهم يرونكم ما لا ترون ويكشفون لكم أغطية ما لا تعلمون


489
فقد صحبوا لكم الدهور ومارسوا لكم الأمور وعرفوا حوادث الأزمنة وأعراضها وإقبالها وإدبارها فروضوا أنفسكم لهم وتجرعوا مراراتهم فقد قيل من جرعك مرا لتبرأ أشفق عليك من جرعك حلوا لتسقم وينبغي أن لا يدخل في مشورته بخيلا ولا جبانا ولا حريصا ولا معجبا ولا كذابا لأن البخيل يقصر بعقلك والجبان يخوفك مالا تخاف والحريص يعدك مالا يرجى وقد كان يقال الجبن والبخل والحرص طبيعة واحدة يجمعها سوء الظن وقال عبد الملك بن
490
0 مروان لبعض عماله لا تستعن في أمر دهمك برأي كذاب ولا معجب فإن الكذاب يقرب لك البعيد ويبعد عنك القريب وأما المعجب فليس له رأي صحيح ولا روية تسلم

وينبغي للملك ذا أتى كل واحد بما عنده من الرأي أن يتصفح أقوالهم ويكشف عن أصولها وأسبابها ويبحث عن نتائجها وعواقبها مع مشاركتهم جميعا في الارتياء والاجتهاد ويتوقف في ذلك وليحذر مبادرة العمل بالرأي قبل إمعان النظر فيه فقد قيل أضعف الرأي ما سنح للبديهة ابتداء

وقيل أصوب الرأي ما تكررت الفكرة بعده وأحكمت الروية عقدة وكان يقال كل رأي لم تتمحص به الفكرة ليلة كاملة


491
فهو مولود لغير تمام

قال عبد الله بن وهب دعوا الرأي ثلاثا فإن عيوبه تكشف لكم عن محضه وقال ابن هبيرة وهو يؤدب ولده لا تكونن أول مشير وإياك والرأي الفطير ولا نشر على مستبد برأيه وتجنب ارتجال الكلام أنشدني بعض أهل العلم

( وإذا الخطوب عليك يوما أشكلت

فاعمد لرأي أخ حكيم مرشد )
492

( فإذا استشرت فكن لنفسك رائدا

متثبتا تجد الرشاد وتهتدي )

قال فإذا تقرر الرأي الصحيح بعد الفكرة والروية شرع في إمضائه والعمل به وينتهز فيه الفرصة وليحذر مخالفة النصحاء والاستهانة بنصائحهم فقد قيل من عصى ناصحا فقد استفاد عدوه وكان يقال يستدل على إدبار أمر الملك بخمسة أشياء أحدهما أن يستكفي الأحداث الذين لا خبرة لهم بموارد الأمور ومصادرها الثاني أن يقصد أهل مودته بالأذى الثالث أن ينقص خراجه عن قدر مؤنة ملكه الرابع أن يكون تقريبه وإبعاده للهوى لا للرأي الخامس استهانته بنصائح العقلاء وآراء ذي الحفلة

قال كسرى أنو شروان حزم ذي الرأي ومن لا رأي له أن يستشير عالما ويطيعه قال الشاعر


493

( إذا ما أمور أعوزت في اعتيادها

فلا تعص ذا لب وقل مثل قوله )

وقال آخر

( إذا الأمور عليك التوت

فشاور لبيبا ولا تعصه )

( وإن كنت في حاجة مرسة

فأرسل حكيما ولا توصه )

وقال أبو الفتح البستي


494

( لا تستشر غير ندب حازم يقظ

قد استوى فيه أسرار وإعلان )

( فللتدابير فرسان إذا ركضوا

فيها أبروا كما للحرب فرسان )

( وللأمور مواقيت مقدرة

وكل أمر له حد وميزان )

( فلا تكن عجلا في الأمر تطلبه

فليس يحمد قبل النضج بحران )

وسنختم هذا الباب بثلاث حكايات موضحة لما شرحناه

الحكاية الأولى قيل إن كسرى أنوشروان وصفت له أرض من التخوم الهندية تقارب أقصى بلاده بحسن المنظر وطيب الهواء والماء وكثرة العمائر وحصانة المعاقل ووصف له أهل تلك الأرض بعظم الجسوم وبلاده الفهوم وشجاعة النفوس وقوة الأبدان والصبر على ملازمة الطاعة لملكهم ولين الانقياد فشرهت نفس كسرى إلى


495
تملك تلك الأرض فسأل عن ملكها فأخبر أنه عظيم الأراكنة وأنه شاب منقاد لشهوته مقبل على لذته غير أن رعيته قد أشربت قلوبها وده وانصرفت آمالها إلى ما عنده قال فجمع كسرى وزراءه وأعلمهم أن نفسه تائقة إلى تملك تلك الأرض وعرفهم صفات الأركن وإقبال رعيته على طاعته ومحبته فاجتمع رأيهم على أن ينتدب لاستفساد رعية ذلك الأركن رجالاً يحسنون نصب الدعوات وقلب الدول قال فاحضر رجالاً من دهاة الفرس ونساكهم وأمدهم بالأموال ونصب لهم مثالاً يحذون عليه فنفذوا لما أمرهم به وتفرقوا في تلك المملكة وأعمل كل منهم قوته فيما انتدب فأحكموا أمرهم عي عامين وبثوا الدعوة في مدينة الأركن وغيرها من قراه ورساتيقه ومعاقله وثغوره واستمالوا قلوب الرعية ثم كتبوا بذلك
496
إلى كسرى فأحضر المرزبان الذي يلي تلك الأرض وأمره بالتجهيز إليها ثم أخذ ذلك المرزبات في الإعداد والحشد وكان عسكره خمسين ألف فارس سوى أتباعها فكتب إلى الأركن عيونه يخبرونه بخروج المرزبان إليه ثم ظهر النفاق ببلاده وهمس الناس فيه فانتبه الأركن من غفلته وبحث عن الأمر فوقف على حقيقته وكان امر مملكته يقوم على خمسة رجال أربعة منهم وزراؤه وجلساؤه وسماره والخامس رئيس الزمارمة الذين يأخذون عنه الدين وكان حكيماً عالماً قال فجمعهم الأركن وأطلعهم على ما انتهى إليه من فساد الرعية وتجهيز جيوش أنو شروان إلى جهتهم وأمرهم في النظر في ذلك وإمعان الفكر فيه

فجلسوا لإدارة الرأي فقال أحد الوزراء الأربعة الرأي أن


497
يستصلح الملك رعيته فيملأ أيديها رغبات وقلوبها آمالاً فإن العدو إذا علم كان ذلك جرياً عن الإقدام وإن أقدم لقيناه كلنا بكلمة مجتمعة وقلوب سليمة فقال له رئيس الزمارمة هذا لو كان فساد الرعية أوجبه جور وعسف سيره فيزال حكم الفساد بإزاحة علته وأما فساد هؤلاء فإنما أورده عليهم الجهل بمواقع الصواب والنظر لترادف النعم وقد قيل أربعة إذا أفسدهم البطر لم تزدهم التكرمة إلا فساداً الولد والزوجة والخادم والرعية فغن هذه الربعة إذا هاجمت لم تزدهم المداراة والرفق إلا هيجاناً وطغياناً وإنما تعان بحسم موادها قال الملك صدق الحكيم

قال الوزير الثاني الرأي أن تضرب بمن صلح من الرعية من فسد منها حتى ترجع راغمة منقادة ثم نلقي عدونا بمن لا نخاف


498
دغله فقال رئيس الزمارمة هذا أنفع لعدوك من جيشه وأدعى إلى طاعته من دعاته لأنا نعلم أن رعيتنا لا تخلو من عاقل محروم لم يمنعه من سل سيفه إلا الخوف وإذا فعل الملك ما أشرت به فقد أباحه سل سيفه وإذا سله لم يسله لنا بل إنما يسله علينا ويتبعه الجمهور لما قد طبعوا عليه من حسد الملوك والتعصب للضعفاء وقد قيل أربعة من استقبلها بالعنف والردع في أربعة أحوال هلك بها وهي الملك في حال غضبه والسيل في حال هجومه والفيل في حال غلمته والرعية في حال هيجها

وقالت الحكماء أشبه شيء يردع العامة عند هيجها معاناة الجدري في حال إنبعاثه إلى سطح الجسد بالأطلية الرادعة فقال الملك صدق الحكيم


499
وقال الوزير الثالث الراي ان يطلب الملك تعيين من فسدت طاعته بالأمناء الثقات من الجواسيس فإذا تعينوا عوملوا بما تقتضيه أحوالهم من قلة أو كثرة فقال رئيس الزمارمة إن البحث الان عن هذا خطر لأنه لابد أن يفطن له وإذا فطن له خاف المريب فحذر ثم لايخلو أمره بعد ذلك من حالين أما أن يتحرك إلى جهة عدونا فيعتمده بالنصائح والدلالة على العورات ثم يقاتل معه بصيرة ليست للعدو لأنه يطلب العودة إلى وطنه وأهله وماله وأما أن لا ينفصل ولا يرهبنا بل يكاشفنا في العداوة ويتكثر علينا بإشكاله من الرعية فينصرونه علينا وإن لم يكونوا على مثل رأيه إلا أن في الرعية من أعقده الحرمان ومن أحقده التأديب وجمهور الرعية يتعصبون على الأجناد لأنهم لن يعدموا منهم أذى واستطالة فإن سومحوا أفسدوا المملكة وإن قصد المسيء بالعقوبة خاف البريء أن تتعدى العقوبة إليه فانحاز إلى المسيء لعله المشاكلة له ولو كان عدواً له كما أن الكلبين إذا تهارشا
500
00 فرأيا ذئباً فإنهما يتركان تهارشهما ويجتمعان على الذئب وإن كان مثلهما في الخلقة لكنهما يعاديانه فيصطلحان عند التعاون عليه وكذلك العامي لاينظر الى الملك من حيث تحققه في الخلق الإنساني بل ينظر إليه من حيث تفرده وأنفته وعلو همته وجرأته وشجاعته وكثرة ماله فينافره ويألف بالعامي الذي هو يشاكله في جهله وطبعه وغير ذلك من أخلاقه ولا تخلو الرعية من ناسك أحمق يظن أنه يغضب للدين فيحمله حمقه وجهله على الخروج من واجب الطاعة فيكون أمره في الرعية أنفذ من أمر الملك في الجند وقد قيل ثلاثة إن كاشفتهم في امتحان ما عندك في ثلاثة أحوال خسرتهم أحدهم المؤدب لك إذا امتحنت ماعنده من العلم في حال تأدبك
501
01

الثاني صديقك إذا امتحنت ما عنده من البذل في حال فاقتك الثالث زوجتك إذا امتحنت ما عندها من محبتك في حال كهولتك وامتحان الرعية في هذه الحال أشبه شيء بما ذكرناه وقد قال الحكماء إن للدولة أمراضاً يخاف أن تموت بها أخطرها أربعة أشياء مايعرض للملك من الكبر وما يعرض من له من الغضب فإن دولته في هاتين الحالتين تضطرب لخروجه عن حد الاعتدال في السياسة والثالث ما يعرض له من الحرص فإنه إذا حرص عسف وظلم والرابع هيج الرعية فقال الملك صدق الحكيم

قال الوزير الرابع وكان أوسعهم علما وأفضلهم رأيا إني وأصحابي كأصابع الراحة في حاجة بعضها إلى بعضها وقوم بعضها ببعض وكل منا يستمد من نور عقل الملك ينظره إلينا استمداد النجوم الدراري من نور الشمس وإني أرى غير رأي أصحابي لا مترفعا عليهم


502
02 ولا عائبا لآرائهم لأن القبول والرد إلى الملك لا إلى غيره فإن أذن الملك ذكرته فقال الملك قل أيها الوزير الناصح فلك ولأصحابك عندنا الثقة بكم والكرامة لأنكم من المناصحة لنا والأداء إلينا كالحواس الخمس للقلب فسجدوا له ثم رفعوا رؤوسهم فقال الوزير إن الرعية قليلة النظر في العواقب غير متحفظة من المعاطب وقد دب فيها اسم الفساد ومكاشفتها الآن خطر والظفر بها وهن في الملك والعدو قوي الطمع شديد الحرص مستشعر بالظفر ولا يرضيه إلا الغلب فإن رأى الملك أن يصرف همته أولا إلى الاستظهار باتخاذ معقل حرير يأمن فيه على أهله وخواصه وذخائره ومن خلصت نيته من رعيته فإني أعرف في مملكته عقلا شاهقا يطل على أهل الأرض إطلال زحل على الكواكب وهو مع ذلك لذيذ الهواء فرات الماء وقد كان بعض أسلاف الملك أثر فيه آثارا محكمة فإن رأى الملك أن يتم به سعى سلفه ثم يودعه ذخائره ويجعله للإقامة استظهارا ثم يلق عدوه إن أقدم على بلاده فإن ظهرت
503
03 خيانة أنصاره انجاز بأوليائه إلى ذلك المعقل وألزم نفسه الصبر وانتظار الفرج قال فسر الملك برأي الوزير ووقع إجماعهم على ترجيحه ثم ركب في خاصته وحماته حتى أتى ذلك المعقل فحشد إليه الأعوان وألزمهم الإسراع في إكمال بنائه وبادر من فوره فنقل إليه خاص بيوت أمواله ونفائس ذخائره وخزائن سلاحه وشحنه بالأقوات والأطعمة وهو مع ذلك يسد الثغور وأن المرزبان اقتحم أطراف بلاده بالجيوش المتوافرة ونازل الثغور وظهرت دعاة كسرى في تلك الناحية فيمن استمالوه من أهلها فظهر المرزبان على من نازله ثم جعل يطوي بلاد الأركن لا يمتنع عليه مرام حتى وافته جنود الأركن فدافعته بعض المدافعه فانهزم من فسدت نيته في الأركن وانهزم المناصحون بإنهزامهم واستولى المرزبان على تلك الأرض وإنحاز الأركن وأتباعه المناصحون إلى ذلك المعقل فسار خلفه المرزبان حتى أشرف على معقله فرآه منظرا رائعا ومعقلا مانعا فلم يمكنه النزول بساحته فرجع من فوره إلى البلاد فولي فيها الولاة والعمال واستقامت المملكة للمرزبان
504
04 ثم إن اغتام الفرس جعلوا يعاملون أهل الهند بالقسوة والفظاظة ويعبثون بهم ويسخرون منهم فبدت الشحناء في النفوس ورأى أهل الهند خراج بلادهم يحمل ويصرف إلى غيرهم وقد دخلوا تحت حكم الأعاجم فداخلتهم الغيرة والحمية فعرفوا فضل ما كانوا فيه ومشقة ما صاروا إليه فبسطوا ألسنتهم بالتسخط وتوقف المرزبان عن ردعهم لئلا يوحشهم فكان أمرهم إلى زيادة وأما الأركن فإن وزرائه أشاروا عليه بالصبر وكف الأذى وبسط العدل والإحسان وبذل المال والصفح عن المجرم وتألف المستوحش فكانت سمعته تزداد حسنا والنفوس إليه ميلا والألسنة له شكرا والمرزبان بعكس ذلك واتفق أن غلاما من عمال المرزبان على بعض الثغور أساء السيرة فقام إليه ناسك من نساك الهند يعظه فغضب عليه وأمر بقتله فثار أهل البلد على العامل فقتلوه فبلغ الخبر إلى المرزبان فجاءه بجنوده فانحاز أهل تلك الناحية إلى حصن الأركن ثم ثارت الهنود في البلاد وسار المرزبان راجعا إلى بلاده لما قامت الرعية وخرج من تلك المملكة وعاد الأركن إلى دار ملكه فجرى على سنن العدل قامعا للشهوات باذلا للراحات مستعملا ما أفادته التجارب من الأداب حتى بلغ أجله
505
05

الحكاية الثانية

قيل لما عزم الأمين على انتزاع العهد بالخلافة عن أخيه المأمون وكان المأمون أميرا بخراسان كتب إليه الأمين يستدعيه


506
06 ويذكر حاجته إليه وأنه يريده لأمر مهم تضيق عنه الكتب وإن جواسيس المأمون وعيونه ببغداد كتبوا إليه يعرفونه أن أخاه الأمين يريد تحويل الخلافة عنه إلى ولده موسى الناطق فاطلع المأمون خاصته على الخبر واستشارهم في أمره فأشاروا عليه أن يثبت مكانه وينتظر الفرج ويكتب إلى أخيه يعتذر إليه ويتعلل بأعلال ففعل ذلك فعلم الأمين أنه قد فطن
507
07 لما يراد به وأيس من نجح مكيدته

فحينئذ دعا الناس إلى خلع المأمون من عهد الخلافة ثم التفت إلى علي بن عيسى بن ماهان وشاوره في أمر خراسان وكان علي بن عيسى قد ولى خراسان قبل ذلك واصطنع إلى أهلها جلائل الصنائع وغمرهم بالإحسان والعدل


508
08 فضمن له ما يريده منها فجهزه الأمين بأحسن جهاز وولاه خراسان وجهز معه جمهور جنوده فخرج علي بن عيسى بالجيوش طالبا خراسان فبلغ ذلك إلى المأمون فاضطرب أمره وعلم أنه يعجز عن مقاومة علي بن عيسى لميل أهل خراسان إليه ومحبتهم له فركب إلى متنزه له ليشاور وزراءه في تدبير أمره فعارضه في الطريق شيخ مجوسي قد احدودب من هرمه وكبره فناداه بالفارسية مستعينا به من مظلمة نالته فلما نظر المأمون إلى هرمه وكبر سنه رق له وأمر أن يحمل على دابة إلى الموضع الذي هو قاصده ويدخل عليه بغير استئذان ولما استقر المأمون ووزراءه
509
09 في ذلك الموضع أدخل عليه ذلك الشيخ المجوسي فأمره بالجلوس في حاشية المجلس ثم أقبل على خاصته وأخبرهم بما انتهى إليه من أمر علي بن عيسى وأمرهم بإدارة الفكر في الرأي في ذلك وهو يظن أن ذلك الشيخ لا يحسن العربية إلى أن قال أحد الوزراء الرأي اصطناع أجناد من الأغنام الذين لا يعرفون علي بن عيسى فنلقاه بهم قبل دخوله أرض خراسان

فقال الوزير الثاني الرأي أن تبادر بالإرسال إلى أخيك معتذرا ومنقادا لما يريده منك اليوم ومنتظرا نصر الله تعالى في غد فإنك مكره على الخروج


510
0 من عهد الخلافة إكراها لم يخف على أحد من الناس فهو حق لك متى أمكنك طلبه وكنت فيه على حجة ظاهرة

قال الوزير الثالث الرأي أن تجمع من تثق بموالاته من ذي النجدة والشجاعة فتزيح عللهم وتقصد بهم بعض هذه الممالك الكافرة المجاورة لنا فتصدقهم القتال فلعل الله تعالى أن يظفرنا بهم فنصير إلى مملكته منيعة قوية ويفزع إلينا من كان على مثال أمرنا ونجاهد حتى يقضي الله أمره

قال الوزير الرابع الرأي أن تنحاز إلى ملك


511
الترك مستجيرا به ومستيعنا على اخيك الغادر فهذا أمر لم تزل الملوك تفعله إذا دهمها مالا قبل لها به فلما سمع المأمون كلامهم جميعا قال لهم قوموا عني حتى أنظر فيما ذكره كل واحد منكم ثم إنه التفت إلى الشيخ فناداه ورفق به وسأله عن حاجته فقال له بالعربية جئت لحاجة فعرض لي ما هو أوكد منها فقال له المامون تكلم بما في نفسك قال أيها الأمير لا تصدنك حقارة قدري فإن الدرة النفسية لا يزري بها حقارة الغواص
512

فقال المأمون ما بنا عنك أيها الشيخ رغبة فتكلم بما عندك قال إني سمعت ما أشار به القوم عليك وكل منهم متجهد في الإصابة وإني لست أرضي شيئا مما قالوه وإني وجدت في الحكم التي أخذها آبائي عن آبائهم أنه ينبغي للعاقل إذا دهمه ما لا قبل له به أن يلتزم نفسه التسليم لأحكام الحكيم واهب العقل وقاسم الحظوظ ولا يترك بذلك الدفاع بحسب طاقته فإنه إن لم يحصل على الظفر حصل على العذر فقال له المأمون إن هذا الرجل الذي هو قاصدنا أملك منا بالبلاد ولا يمكننا مقاومته قال الشيخ ينبغي أن تمحو هذا من نفسك ولا تصغي إلى من ينطق به فإنه ما كثر من كثرة البغي ولا قوي من قواه الظلم وإن أخاك ظالم باغ عليك فهو هالك لا محالة وأنت منصور عليه ظافر به


513

وسأحدثك حديثا إن حذوت مثاله نلت مناله فقال المأمون هات يا شيخ قال إن اخشنوار ملك الهياطلة لما أسر فيروز بن يزدجرد ملك الفرس وأراد إطلاقه أخذ عليه عهدا أن لا يغزو بلاده ولا يقصده بمكروه ولا يتعرض إليه بسوء ووضع في أقصى تخوم أرض الهياطلة صخرة وواثق فيروز أن لا يتجاوز أحد منهما تلك الصخرة بجيش ولا مكروه لصاحبه ثم أطلقه بعدما استوثق منه الخشنوار بالعهود فلما وصل فيروز إلى دار ملكه داخلته الحمية والأنفة وعزم على غزو الخشنوار وعلى أخذ بلاده واستيفاء ثأره فجمع وزراءه وشاورهم في ذلك فحذروه النكث وخوفوه عاقبة البغي والغدر فما ردعه ذلك عما عزم عليه فاذكروه أيمانه التي حلفها لا خشنوار والصخرة التي بين المملكتين فقال لهم إني عاهدته بأن لا أتجاوزها بجيوشي وإذا أنا بلغتها حملتها على


514
فيل بين يدي جيوشي فلا يتجاوزها أحد منهم وإذا فعلت ذلك فلا أكون ناكثا ولا غادرا فلما سمعوا ذلك منه علموا أن الهوى قد وقف به على حد الرضا بهذا القول والتأويل فامسكوا عنه ثم إن فيروز جمع مرازبته وهم أربعة مع كل مرزبان منهم خمسون ألف فارس وامرهم بالتجهز لحرب الهياطلة فلما فعلوا ذلك سار بهم فيروز وظن أن جيوشه لا غالب لها لكثرتها وشدة شوكتها فعارضه موبذان موبذ في طريقة فقال أيها الملك لا تفعل فإن رب العزة وخالق العالم يمهل الملوك على الجور ولا يمهلهم إذا أخذوا في هدم أركان الدين وإن العهود من أركان الدين فلا تعرض له بسوء فتهلك فلم يلتفت إلى كلامه وسار راكبا هواه في معصيته ومخالف نصحائه حتى انتهى إلى الصخرة التي جعلها حاجزا بين أرضه وأرض اخشنوار فحملها على فيل وسيرها بين يدي عسكره وإن الخشنوار لما بلغه مسير فيروز إليه حمل نفسه على التثبت وفوض أمره إلى الرب الأعلى وسأله أن يغضب لعهوده
515
ومواثيقه التي لم يرع حقها فيروز ولا خاف تبعه نكثها وأخذ في ذلك بالحزم في سد ثغوره وجمع جنده ثم خرج إلى فيروز بعدما توسط أرضه وعاث في بلاده ففاجأه الخشنوار وصدقه الحملة فانكشف فيروز منهزما وأسلم ما كان بيده فقتل اخشنوار رجاله وغنم أمواله وأمعن في طلب فيروز فظفر به وقتله وأسر أهل بيته وحماة أصحابه واستولى على بلاده كل ذلك بسبب الغدر ونقص الميثاق وكذلك سبب أخيك لغدره بك ونقض ميثاق أبيك وأنت ظافر به لا محالة فلما سمع المأمون كلام الشيخ تهلل وجهه وطابت نفسه وقال قد سمعت مقالتك فصادفت منا قبولا وشكرا عليها وسرورا ثم حياة وأكرمه وعمل برأيه فأنجح الله عمله وبلغه من الخلافة أمله

الحكاية الثالثة قيل إن عبد الملك بن مروان لما ندب


516
الناس لقتال عبد الله بن الزبير وخرج بالجيش متوجها إلى مكة شرفها الله تعالى وعظمها وكان قد استصحب معه عمرو بن سعيد بن العاص
517

وكان عمرو قد اطوى على دغل نية وفساد طوية وطماعية في نيل الخلافة فلما كان ببعض الطرق تمارض عمرو بن سعيد واستأذن عبد الملك بن مروان في العود إلى دمشق فأذن له فلما دخل دمشق صعد المنبر فخطب الناس خطبة نال فيها من عبد الملك ودعا الناس إلى خلعه من الخلافة فأجابوه إلى ذلك وبايعوه


518

واستولى على دمشق وحصن سورها وحمى ثغورها وبذل الرغائب

ثم اتصل الخبر إلى النعمان بن بشير أميرحمص فنزع يده من الطاعة أيضا وكذلك صنع زفر بن الحارث أمير


519
قنسرين وكذلك نائل بن قيس أمير فلسطين ثم تشوف أهل الثغور للخلاف فبلغ ذلك عبد الملك بن مروان فخرج على وزرائه وأهل خاصته فا طلعهم على ما بلغه وقال هذه دمشق دار ملكنا قد استولى عليها عمرو بن سعيد وهذا عبد الله بن الزبير قد استولى على الحجاز والعراق واليمن وهذا النعمان بن بشير أميرحمص وزفر أمير قنسرين ونائل بن قيس أمير فلسطين قد نزعوا أيديهم من الطاعة وبايع الناس لابن سعيد وقد تشوف أهل الثغور للخلاف فما عندكم من الرأي
520
0

قال فلما سمعوا مقالته ذهلت عقولهم ونكسوا رؤوسهم فقال لهم مالكم لا تنطقون فهذا وقت الحاجة إليكم هل ترون الرجوع إلى دمشق أصوب أم التوجه إلى ماخرجنا إليه أحزم أم اللحاق بفلسطين أجود أم النزول على حمص واستنزال النعمان منها آكد أم الانحياز في هذا الوقت إلى مصر أغنم كيف ترون الرأي فقال له أفضلهم لا أرى عندنا في هذا والله لقد وددت أن أكون حرباء


521
على عود من أشجار تهامة حتى تنقضي هذه الفتنة قال فلما سمع عبد الملك كلامه علم أنه لا غنى له عندهم فقام عنهم وأمرهم بلزوم مواضعهم وركب من فوره منفردا وهو يقول

( تكاثرت الظباء على خراش

فما يدري خراش من يصيد )

وأمر جماعة من أصحابه أن يركبوا متباعدين منه بحيث يرون إشارته إذا أشار إليهم وسار ثم تبعه القوم فلم يزل سائرا منفردا حتى أتى إلى شيخ كبير السن ضعيف الجسم يجتني العفص من الأشجار


522

فسلم عليه عبد الملك ثم قال له أيها الشيخ ألك علم بمنزل هذا العسكر فقال بلغني أنهم نزلوا بأرض كذا وكذا قال فهل بلغك شيء مما يقول الناس في أمر الخليفة قال فما سؤالك عن ذلك قال لأني أريد اللحاق به والدخول عليه وقد سمعت أن عمرو بن سعيد قد خالفه إلى دمشق واستولى عليها فقال الشيخ إني أراك أديبا وأحسبك حسيبا فهل تحب أن أنصح لك قال نعم أيها الشيخ قال ينبغي لك أن تصرف نفسك عن هذا الأمر الذي ترغب إليه فإن الأمير الذي أنت قاصده قد انحلت عرى ملكه وقد نابذه أتباعه واضطربت أموره

وإن السلطان في حال اضطراب أموره كالبحر في حال هيجه لاينبغي أن يقرب أحد منه فقال له عبد الملك إن الحنكة لم تبلغ بي في مغالبة نفسي في كل ما نزعت إليه وإني أجدها تنزع إلى صحبة


523
هذا الأمير نزاعا شديدا ولا بد لي من ذلك فهل لك أن تخبرني بما تراه من الرأي في تدبيره لهذه الخطوب التي دهمته حتى أعرض ذلك الرأي عليه وأتنفق به عنده فلعله أن يكون سببا لقربي منه فقال الشيخ إن حكمة الله تعالى وعزته لتقضيان بحجب العقول والأراء عن النفوذ في بعض النوازل وإني لأظن أن هذه النازلة التي نزلت بالخليفة من النوازل التي لا ينفذ فيها الرأي وإني أكره مع ذلك أن أرد مسألتك بالخيبة فها أنا أقول لك فيما سألتني عنه قولا أقضي به حقك وإن كان الخطب عظيما قال عبد الملك إني لأرجوا أن يرشدك الله ويرشدني بك فقال الشيخ إن عبد الملك خرج لمحاربة عبد الله بن الزبير فظهر من مشيئة الله تعالى ما صده عن ذلك وإني مشير عليك أن تتفقد حال عبد الملك فإن رأيته قد قصد عبد الله بن الزبير فاعلم أنه مخذول لامحالة لأنه لج في طلب ما منع منه وإن رأيته رجع من حيث
524
جاء فارجوا له السلامة والنصر لأنه مستقيل فقال له عبد الملك أيها الشيخ أوضح لي ما ذكرت لينطبع في فهمي صورته قال الشيخ إن عبد الملك إذا قصد عبد الله بن الزبير كان في صورة ظالم له لأن ابن الزبير لم يعطه قط طاعة ولا وثب له على مملكة فأما إذا قصد عمرو بن سعيد بدمشق فإنه يكون في صورة مظلوم لأن عمرا رجل من رعيته طلب الخلافة لنفسه واغتصب دار ملك لم تكن له ولا لأبيه بل كانت لعبد الملك ولأبيه ثم إن عمروا بن سعيد ظالم له من وجه آخر وذلك أنه ابن عم عبد الملك وعز عبد الملك عز له وقد كان محسنا إليه فلما خرج عبد الملك لتشييد عز نصب عمروا بن سعيد منه أوفر حظ غدر به ونكث عهده فخذله ثم سعى في اجتثاثه من
525
أصله وأشمت به عدوهما فرجوع عبد الملك إلى دمشق استقالة وهو أشبه بالتفويض والتسليم لأمر الله تعالى ولا شك أنه يظفر بمن خانه وبغى عليه ونقض عهده فإن الباغي مصروع وإذا ظفر به استقال النعمان وزفر ومن عداها من أهل الثغور ورجعوا إلى الطاعة عند معاينة الظفر بعمرو بن سعيد

قال فسر عبد الملك بمقاله الشيخ وعزم على اتباع رأيه وقال له جزاك الله خيراً يا شيخ فقد أحسنت فيما أشرت فاخبرني باسمك وأين منزلك فقال الشيخ وما تريد من ذلك قال لأقضي حقك


526
فارفع إلي حوائجك فإني أنا عبد الملك فقال الشيخ وأنا أيضاً عبد الملك فهلم بنا نرفع حوائجنا جميعاً إلى من أنا وأنت له عبدان ثم تركه الشيخ وانصرف قال فذهب عبد الملك وعمل برأي الشيخ فأنجح وبالله التوفيق
527
الباب العاشر في معرفة أصول السياسة والتدبير

إعلم أن الملك العظيم يحسن به أن يكون في تصاريف تدبيره وسياسة أموره متشبهاً بطباع ثمانية وهي الغيث والشمس والقمر والريح والنار والماء والأرض والموت

أما الغيث فإنه ينزل متواتراً في أربعة أشهر من السنة فيساوي بين كل أكمة مشرفة وموضع منخفض فتخزن تلك البقاع ما تغذي منه نباتها في الثمانية الأشهر الباقية من السنة وكذلك ينبغي


528

للملك أن يعطي جنده وعماله في أربعة أشهر للثمانية أشهر الباقي حسب ما يراه من المصلحة فيجعل رفيعهم ووضيعهم في الحق الذي يستوجبه في القسمة بينهم على قدر مراتبهم كما يسوي الغيث بين بقاع الأرض


529

530
0

وأما الشمس فإنها تستقض بحرها وحدة وقعها في الثمانية أشهر الباقية من السنة نداوة الغيث الذي تواتر في أربعة أشهر كذلك ينبغي أن يستقضي قبض ما حل من خراجه في الثمانية أشهر


531
الباقية من السنة واستيفاء جميع حقوقه من رعيته من ثمن غلاتهم وما شيتهم وغير ذلك من الحقوق الواجبة له عليهم كما تستقض الشمس نداوة الغيث من الأرض

وأما القمر فإنه إذا طلع لتمامه انتشر نوره على الخلق وأنس الناس لضوئة وإشراقه واستوى في ذلك القريب والبعيد وكذلك ينبغي للملك أن يكون في بهجته ورتبته وإشراقه في مجلسه وإيناس الرعية به وعدله مثل القمر في طلوعه وإشراقه فلا يخص شريفاً دون وضيع بعدله وإيناسه ولا يحتجب عنهم فتظلم أحوالهم ويزول أنسهم


532
ويقل انتعاشهم كما إذا احتجب القمر في الليالي السود

وأما الريح فإنها بلطفها محيطة بالعالم السفلي وكذلك ينبغي للملك أن يكون بلطفه وحذق جواسيسه وعيونه محيطاً بمعرفة أحوال رعيته وقواده وولاه ثغوره وأعماله وحاشيته وجنده عارفاً بأخبار أعدائه


533

ونظرائه عالماً بما يعملون وما يأتمرون بالعيون الثقاب والجواسيس المنتقاة


534
ِ
535

536

وأما النار فيكون مثلها في الحدة على أهل الدعارة والفساد


537
وأصحاب الشر لايبقى أحداً منهم ولا يذر ولا يترك لهم عيناً ولا أثراً

وأما الماء فإنه مع لينه وسلاسته يقلع الأشجار العظيمة ويقهر من قاومه بالسباحة وكذلك ينبغي للملك أن يكون ليناً لمن لاينه شديداً على من خالفه ينصب لأعدائه الغوائل مع لينه ورفقه حتى يقلعهم


538
كما يفعل الماء

وأما الأرض فإنها توصف بكتمان السر واحتمال الأذى والصبر على المكاره وكذلك ينبغي للملك أن يكون مثلها في جميع ذلك

وأما الموت فإنه يأتي بغتة ويعافص أهل اللذات على ما هم عليه ولا يقبل ممن نزل به رشوة وكذلك ينبغي للملك أن يبغت


539
عدوة من حيث لا يشعر به ويعافص أهل العداوة والدعارة في غفلاتهم كما يفعل الموت

واعلم أن المملكة مثلها مثل البستان فينبغي أن يسوسها الملك في غالب الأحوال كما يسوس صاحب البستان بستانه فمن ذلك أنه ينتخب أهل الشكيمة من جنده وذوي الشوكة من أعوانه فيجعلهم في


540
0 أقاصي بلاده وأطرف مملكته ليحفظ بهم الرعية كما يفعل صاحب البستان فإنه يخرج الشجر ذوات الشوك وما فضل من العيدان فيحيط بها على الشجرة المثمرة والزرائع الطيبة لقيها من أهل الفساد والدواب المؤدية ثم يطهر رعيته من أهل الفساد والدعارة ويخرجهم من بينهم أو يصلحهم بإقامة الحدود وإظهار السياسة فإنه إذا فعل ذلك صلحت أحوال الرعية وانتعشوا وكثر خيرهم كما يفعل صاحب البستان فإنه ينقي بستانه من الحشيش الذي لا فائدة فيه ويخرج ما فيها من الشوك والنبات الخبيث فينتعش زرعها وينموا شجرها ويطيب ثمرها ومتى حل خراج الملك أو تعين له حق على رعيته من أموال الثمار والغلات فلا يؤخر قبضه عن وقت محله فيكون معرضاً للهلاك بآفات الزمان كما يفعل صاحب البستان فإنه لا يؤخر اجتناء ما نضج من ثمره وما طلع من ورده لأنه إن لم يبادر ألى التقاطه سقط على الأرض
541
وأحاطت به الآفات وينبغي أن يتعاهد أبناء جنده وأعوانهم الذين ماتوا في خدمته وطاعته ويرضخ لهم من بيت ماله رزقاً يقوم بكفايتهم فإنهم أرجى للملك عند بلوغهم وأشد نصحاً في خدمته من غيرهم كما يتعاهد صاحب البستان خوالف شجرة الهالكة بالسقي والتربية
542
لما يرجوه من خيرها واستطابة ثمرها ومتى تباغض قائدان من قواده وكانا متجاورين في موضع فينبغي أن يفرق بينهما لأن خيرهما لا يُرجى ما داما متجاورين وربما نتج منهما أو من أحدهما ما لا يمكن تلافيه كما يفرق صاحب البستان بين الشجرتين إذا تداخلت أغصانهما لعلمه أن خيرهما لا يرجى ما دامتا كذلك واعلم أن الرعية وإن كانت ثماراً مجتناة وذخائر مقتناة وسيوفاً منتقاة وأحراساً مرتضاة فإن لها نفاراً كنفار الوحوش وطغياناً كطغيان السيول ومتى قدرت على أن تقول قدرت على أن تصول
543

وهم ثلاثة أصناف ينبغي للملك أن يسوسهم بثلاث سياسات

صنف من أهل العقل والديانة والفضل يعلمون فضل الملك وطول عنائه ويرثون له من ثقل أعبائه فسياسة هؤلاء تحصل بالبشر عند لقائهم واستماع أحاديثهم وحسن الإصغاء إليهم

وصنف فيهم خير وشر فسياسة هؤلاء تحصل بالترغيب والترهيب


544

وصنف هم السفلة الرعاع أتباع كل داع فسياسة هؤلاء بإخافة غير مقنطعة وعقوبة غير مفرطة ولا يتحقق ذلك منه إلا أن يكون أغلب أوصافه عليه الرحمة للرعية لأن الملك إنما يتميز عن السوقة بفضيلتين فضيلة ذاته وفضيلة آلاته

أما فضيلة ذاته فخمس خصال رحمة تشد رعيته ويقظة تحوطهم وصولة تذب عنهم وفطنة يكيد بها الأعداء وحزامه ينتهز بها الفرص إذا أمكنته وأما فضيلة آلاته فستة وهي وفور أمواله وكثرة


545
أجناده وحصانه معاقله واتخاذ المباني الوثيقة وإعداد الملابس السنية وتحصيل الذخائر النفيسة ولا ينبغي للملك أن يعتمد على فطنته وقوة حيلته وكثرة ماله وجنده وحصانه معاقلة فيترك الاستعداد للنوازل ولكل ما يجوز وقوعه من الحوادث فيكون مثله كمثل خطيب اعتمد على فصاحة لسانه وقوة بديهته فترك تزوير القول وترتيبه ثم صعد فيوشك أن يستولي عليه العي عند الحاجة

بل ينبغي أن يتقدم في الحيلة للأمر قبل نزوله فإن الأمور إذا


546
نزلت ضاقت عنها الحيل فهو في المثل كالسكر الذي يسكر على الأرض التي يخاف غرقها فإنه إن عمل قبل وصول الماء إليها فإنه يثبت ويمنع الضرر عنها وإن وصل الماء إليها فلا حيلة فيه بالسكر أنشدني بعض أهل العلم

( أقدر بغيرك أمر نفسك واعتبر

وانظر وأنت من الأمور بمنظر )

( وإذا هممت بورد أمر فالتمس

من قبل مورده طريق المصدر )

وإذا عرف الملك وجه الكيد الذي يكيد به عدوه فينبغي أن


547
يحترس من مثلها لأنه إذا لم يحترس من مثلها كان بمنزلة الرامي
548
الخاسر في الحرب الذي لا تصير معه فهو إن أصاب برمية فهو مستهدف رمية غيره وكذلك الملك إذا احتال على عدوه بضروب الحيل ثم لم يتحفظ من كل مايظن أن يبلغه من عدوه كان عمله معونة عليه غير نافع له في العاقبة وقد كان يقال احترس من تدبيرك على عدوك كا حتراسك من تدبيره عليك

فرب هالك بما دبر وساقط في البئر الذي حفر وجريح بالسلاح الذي شهر وينبغي للملك أن يأخذ في سائر أموره بالحزم وصدق العزم ولا يترك الاحتراس


549
والحذر فقد روي عن النبي A أنه قال الحزم سوء الظن ولا يكون ظنه حقيقة بل للحذر والاحتياط

وقيل لبعض الحكماء ما الحزم قال أن تحذر من كل ما يمكن وقوعه قيل فما العجز قال أن تأمن مما يمكن وقوعه

وقال بعض الشعراء

( لاتترك الحزم في شيء تحاذره

فإن سلمت فما في الحزم من بأس )

( العجزذل وترك الحزم منقصه

واحزم الحزم سوء الظن بالناس )

وإذا حاول الملك أمراً عرض له فليشمر في طلبه عند إمكان


550
0 الفرصة ولا يتراخ عنه لصغره فإن وثبه الأسد على الأرنب هي التي يثب بها على الفيل ومتى استهان الملك بالأمر الصغير عاد كبيراً فإن القروح التي تظهر في الجسد إذا استهان بها الإنسان لصغرها صارت إلى أعظم العلاج وأكبر المداواة أنشدني بعضهم
551

( لا تحقرن عدوا رما

ك وإن كان في ساعديه قصر )

( فإن السيوف تحز الرقا

ب وتعجز عما تنال الابر ) 4

وإذا وقع الملك في أمر من عدوه يخاف فيه على نفسه وسلطانه فينبغي أن يعطي بلسانه كل ما يرضي عدوه مظهرا للرقة والانقباض وهو مع ذلك يكون متيقظا محترسا مستعدا للوثبة عليه إذا أمكنته الفرصة كالصقر الذي يظهر الذلة والانقباض عند صيده ثم ينقض انقضاضة إذا أمكنته الفرصة ينال فيها حاجته وقد كان يقال الحزم التزام مداجات العدو ما دامت له ريح هابة ودولة مقبلة كما أن العجز إضاعة الفرصة فيه إذا ركدت وأدبرت دولته وأنشدني بعضهم


552
في هذا المعنى

( وإذا عجزت عن العدو فداره

وامزح له إن المزاح وفاق )

( فالنار بالماء الذي هو ضدها

تعطي النضاج وطبعها الإحراق )

فإن دهمه أمر لا طاقة له به في أمر من أمور مملكته وأشرف منه على أن يذهب كله ورأى أن يتلطف بالحيلة في أن يرجع إليه بعضه فليفعل ذلك ويكون رابحا ولا يذهب به الأسف والأنفة والتمادي حتى يذهب كله فيكون مغبونا فإن العاقل إذا أشرف له ابنان على الهلكة وطمع في نجاة أحدهما بموت الآخر فإن نفسه تسمح موته لنجاة أخيه ولا يداخله الإشفاق عليهما والجزع فيهلكا جميعا

وإذا عادى الملك رجلا فلا يعادي كل جنسه فإنه ربما انتفع


553
ببعضهم انتفاعه بأهل مودته فإن السيف الذي يقتل بحده ويقطع بمضاوته هو من جنس الدرع الذي يتحصن به عن مضاوة حد السيف

ولا ينبغي للملك أن يشتد جزعه على ما فاته وذهب عنه فإن فعل ذلك تعجلت له المساءة بما لا يقدر على ارتجاعه ويستسلف الحسرة على ما لا يقدر على استدراكه ثم يشغله ذلك عن تدبير مستأنف أمره وإصلاح باقي شأنه وربما أفضى به الحال إلى الهلاك فإن شدة الجزع مهلك فقد حكي أن ملكا من ملوك الفرس جلس على سريره في يوم نيروز وجعل الناس يهدون له أصناف الهدايا فدخل عليه


554
الموبذ ومعه ظرف مغطى فأهداه إليه فلما كشف عنه رأى فيه فحمتين فقال الملك ما هذا فقال أيها الملك إن إحداهما بازي والآخر دراجة وإني رأيت البازي أرسل على الدراجة فلم يزل يتبعها وهي تطير بين يديه إلى أن أتيا أجمة قد وقعت فيها نار فحمل الجزع الدراجة على اقتحامها وحمل البازي الحرص على إتباعها فاحترقا جميعا فرأيت أن خير الهدايا هذه الموعظة فأهديتها لك فاجتنب أيها الملك الإفراط في الجزع والحرص فإنهما
555
سائقان إلى الهلكة فقال الملك ما أهديت لي هدية أنفع من هذه الهدية

ومتى صنع الملك بخطأ الرأي شيئا فأصاب فيه فلا يعاودنه ثانيا طمعا فيما ناله أولا فإن من وطىء حية فنجا منها جدير أن لا يتعرض لها بالوطء مرة أخرى

واعلم أن كبار أعوان الملك مشايخ دولته الذين صحبوا أسلافه من الملوك لأنهم وإن برأهم الزمان بحده فقد بقي كرم جوهرهم ومحض مودتهم فهم يزدادون في النصح اجتهادا وفي البؤس صبرا وجلادا ومثلهم كمثل دعائم الساج للبيت فإنها كلما مر عليها الزمان ازدادت قوة وصلابة حتى أن الأرضة لو حاولت نقب عودها لم ينفذ عملها فيها فيكون البيت بها أقوم وأثبت

وينبغي للملك أن لا يصحب في أعوانه كذابا ولا مطبوعا على شر لأن الكذاب إذا حدث كذب وإذا حدثه الملك لم يصدقه لما يظن في


556
نفسه والمطبوع على الشر غير تارك لطباعه لأنها أملك به فيكون الملك معه على خطر ولا يطمع الملك في استصلاحهما ونقلهما عن طباعهما فإنهما بمنزلة القرد الذي يطعم الدسم والحلاوة ليسمن جسمه ويحسن وجهه فهو وإن سمن جسمه لا يزداد وجهه إلا قبحا

ومتى كان الملك يضبط أموره ويصول على عدوه بقوم ليس منهم على ثقة من رأى ولا حفاظ فهو منهم على أعظم خطر حتى يحملهم إن استطاع على الرأي والأدب الذي بمثله تكون الثقة أو يستبدل بهم ولا يغرنه منهم قوته بهم على غيرهم فإنما هو كراكب الأسد الذي يهابه من ينظر إليه وهو لمركبه أهيب

ومتى أسرف الملك في توسعة الأرزاق على جنده أبطرهم ومتى ضيق عليهم أحقدهم فيكون في هاتين الحالتين معرضا للهلاك


557

فإن الأسباب التي تجر الهلك إلى الملك ثلاثة أسباب أحدها من جهة الملك وهو أن تغلب شهواته على عقله فلا تسنح له لذة إلا افتضها ولا راحة إلا افترضها الثاني الوزراء وهو تحاسدهم المقتضي لتعارض الآراء فلا يسبق أحدهم إلى حق إلا فندوه وعارضوه الثالث من جهة الجند وخواص الأعوان وهو النكول عن الجلاد وترك المناصحة في الجهاد وهم صنفان

الصنف الأول وسع الملك عليهم الأرزاق فأبطرهم الترف والتنعم وافتراص اللذات فضنوا بنفوسهم وخافوا عليها عند لقاء الأعداء فمنعهم ذلك من الإقدام

الصنف الثاني قتر الملك عليهم الأرزاق فانطووا منه على حقد ونفاق فنصبوا له الغوائل وأسلموه عند النوازل

وينبغي للملك أن يتعرف أسباب الفتن ونتائجها المفضية إلى


558
اختلاف الكلمة والخروج عن الطاعة ليحسم موادها ويقطع أسبابها

فقد قيل إن ملكا من ملوك العجم كتب إلى حكيم من حكمائهم يقول إن الحكماء قد أكثروا من وصف أسباب الفتن فاكتب إلي بما ينشئها وبما يميتها فكتب إليه يقول ينشئها ضغائن وينتجها أطماع لم يقمعها هيبة وجرأة عامة يولدها استخفاف بالخاصة وآكدها انبساط الألسن بضمائر القلوب وغفلة أمير ملتذ ويقظة قوى


559
محروم ويميتها عز السالب وذل المسلوب ودرك البغية وموت الأمل وتمكن الرعب فكتب إليه إن الذي وصفت كما وصف فأي الأمور أدفع لما ذكرت فكتب إليه الحكيم أخذ العدة لكل ما يخاف وقوعه وإيثار الجد على الهزل والعمل بالعدل في الرضا والغضب

وكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف أن صف لي الفتنة حتى كأني أنظر إليها فكتب إليه الحجاج إن الفتنة تلقح بالنجوى وتنتج بالشكوى ويقوم بها الخطباء وحصارها بالسيف

وحكي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه


560
0 قال يوما لجلسائه وهو محصور وددت لو أن رجلا صدوقا أخبرني عن نفسي وعن هؤلاء القوم يعني الذين يحاصرونه فقام رجل من الأنصار فقال أنا أخبرك يا أمير المؤمنين إنك تطأطأت لهم فركبوك وتغافلت عنهم فصلبوك وما جرأهم على ظلمك إلا إفراط حلمك قال صدقت إجلس ثم قال له هل تعلم ما سبب ثيران الفتنة قال نعم
561
سألت عن ذلك شيخا باعقة في العلم فقال لي إن الفتنة يثيرها أمران

أحدهما أثرة تضغن الخاصة

الثاني حلم يجرىء العامة

قال فهل سألته عما يخمدها قال نعم إن الذي يخمدها في ابتدائها استقالة العثرة وتعميم الخاصة بالاثرة دون غيرهم فأما إذا استحكمت الفتنة فلا يخمدها غير الصبر فقال عثمان رضي الله عنه هو ذاك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين


562
الباب الحادي عشر في الجلوس لكشف المظالم

اعلم أن جلوس الملك لكشف قصص المظلومين والفصل بين المتنازعين من أعظم قوانين العدل الذي لا يعم الصلاح إلا


563
بمراعاته ولا يتم التناصف إلا به وقد كانت ملوك الفرس يرون ذلك من قواعد الملك
564

وأول من أفرد للظلامات يوما معلوما يتصفح فيه قصص المتظلمين من غير مباشرة للنظر عبد الملك بن مروان وكان إذا وقف منها على مشكل رده إلى قاضية أبي إدريس الأودي فينفذ فيه الحكم

وكان أبو إدريس المباشر وعبد الملك هو الآمر ثم زاد ظلم الولاة وجور النواب بعد ذلك فافتقرت الحاله إلى المباشرة فجلس عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فكشف المظالم وهو أول من باشر ذلك بنفسه وجعل يراعي السنن العادلة ورد مظالم بني أمية على أهلها


565
حتى قيل له وقد شدد عليهم إنا نخاف عليك العواقب من ردها فقال كل يوم أخافه وأتقيه غير يوم القيامة لا وقيته

ثم جلس لكشف المظالم من خلفاء بني العباس المهدي حتى عادت الأملاك إلى مستحقيها ثم جلس لها من بعده الهادي ثم


566
الرشيد ثم المأمون وأخر من جلس لها المهتدي

ثم احتجب الخلفاء لتظاهر الترك وغيرهم عليهم ودفعوا أمر المظالم إلى وزرائهم ولما أفضى ملك الشام إلى الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي رحمه الله ابنتى له دارا في قلعة دمشق وسماها دار العدل فكان يجلس فيها يتصفح قصص المظلومين ويفصل بين المتنازعين ولديه الفقهاء وأئمة الدين فيرجع إليهم عما أشكل عليه من أمور الشرع ويبت القضايا ويفصل كلما انتهى إليه في ذلك اليوم


567
وجعل هذا سنة في جميع مدائن الشام

حدثني الفقيه أبو طاهر إبراهيم بن الحسن بن الحصني الحموي قال كنت عند الملك العادل محمود بن زنكي في دار العدل بدمشق وقد أخرج أملاك أهل الشام فجعل ينظر فيها فلما انتهى إلى ذكر خراج معرة النعمان قال إني قد عزمت على انتزاع


568
أملاك أهل المعرة من أيديهم فقد رفع إلي أهل الخير من الثقات أن جميع أهل المعرة يتقارضون الشهادة فيشهد أحدهم لصاحبه في دعوى ملك حتى يشهد ذلك معه في دعوى أخرى وأن الملك الذي في أيديهم إنما حصل لهم بهذه الطريقة قال فقلت له أيها الملك إن الله تعالى أوجب عليك العدل في رعيتك فانظر واكشف وتوقف في الأمور إذا رفعت إليك فإن أهل المعرة خلق كثير يستحيل تواطؤهم على شهادة الزور وانتزاع الأملاك من أربابها بمجرد هذا القول لا يجوز قال فأطرق ساعة ثم رفع رأسه وقال إني أمسكها عليهم ثم أكشف عنها بعد ذلك والتفت إلى كاتبه وقال اكتب كتابا إلى الوالي في المعرة وليمسك جميع الملك الذي في أيدي أهلها حتى يستدعي البينة
569
في ذلك فكتبه ووضعه بين يديه ليضع علامته عليه وإذا صبي على شاطىء بردى يغني ويقول

( اعدلوا ما دام أمركم

نافذا في النفع والضرر )

( واحفظوا أيام دولتكم

إنكم منها على خطر )

( إنما الدنيا وزينتها طيب

ما يبقى من الأثر )
570
0

فلما سمعه الملك العادل تغير لونه عيناه بالدموع ثم نظر إلي وقال (فمن جاءه موعظة من ربه 6فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله) ثم استدار نحو القبلة وقال اللهم إني استغفرك وأتوب إليك مما عزمت عليه الآن ثم تناول الكتاب فمزقه وجعل يستغفر الله تعالى جميع ذلك اليوم

وينبغي للملك إذا جلس لكشف المظالم أن يستكمل مجلسه بحضور خمسة أصناف من الناس لا غنى له عن حضورهم ولا ينتظم أمور نظره إلا بهم الصنف الأول الفقهاء والعلماء أصحاب الفتوى ليرجع إليهم فيما أشكل ويسألهم عما أشتبه عليه وأعضل


571

الصنف الثاني القضاة والحكام لاستعلام ما يثبت من الحقوق ومعرفة ما يجري في مجالسهم بين الخصوم وتنفيذ القضايا والأحكام

الصنف الثالث العدول ومشايخ البلدة ليشهدهم على ما أوجبه من الحقوق وأمضاه من الحكم

الصنف الرابع الكتاب ليثبتوا ما يجري بين الخصوم وما يوجبه الشرع المطهر لهم أو عليهم من الحقوق

الصنف الخامس الكبار من حملة دولته وأعوانه وخاصته لتظهر بهم الرهبة وتحصل بهم الهيبة فيخاف المعتدي فينزجر ويشتد أزر المظلوم فينتصر


572
فإذا استكمل مجلس نظره بمن ذكرناه شرع حينئذ في تصفح القصص وتنفيذ الأمور والنظر في أمور الرعية والولاة والعمال على ما قدمناه
573

574
في وصف العدل في الباب الخامس والله الموفق للصواب
575
الباب الثاني عشر في آداب صحبة الملوك

إذا أخلصك الأمير لخاصته وجعلك من أهل مجالسته فالزم الصمت واستعمل الوقار ولا تحدثه باديا ولا تعد حديثك عليه ثانيا ولا تصل حديثا بحديث ولا تعارض أحدا في حديث واخفض من


576
صوتك واختصر في لفظك ولا تعب أحدا عنده وإن كثرت عيوبه وعظمت ذنوبه

وإذا جالست الملك فغض عينيك وضم شفتيك ولا تقولن في غيبته ما لا تقوله في حضرته ولا تأمن أن يكون له عليك عيون ترفع إليه أخبارك وتورد عليه أسرارك

وأنشدني بعضهم في المعنى يقول شعرا


577

( إذا صحبت الملوك فالبس

من التواقي أجل ملبس )

( وادخل إذا ما دخلت أعمى

واخرج إذا ما خرجت أخرس )

وإذا كان لك إلى الملك حاجة فلا ترفعها إليه ما لم يكن وجهه بسيطا وقلبه نشيطا وليكن على مقدار حقك لا على مقدار عزمك وإذا طلبتها منه فقصر المقال وتوق الملال ولا يحملك فرط ميله إليك على التبسط عليه في السؤال فتنحط رتبتك وتذهب حرمتك وإذا تحدث الملك فاقبل عليه بوجهك واصغ إليه بسمعك واشغل بحديثه خاطرك وبمنظره ناظرك واسمعه استماع مستظرف له مستبشر به واحذر أن تعاقب الملك على تقصير أو تلومه في تدبير فإن ذلك يفضي إلى مقتك وبعدك منه بعد قربك ولا تكاشفه بالنصيحة في الخلوة ولا تنبسط عليه فإن النصح في الملأ تقريع والتبسط عليه تضييع


578

أنشدني بعض أهل العلم

( تعمدني بنصح في انفراد

وجنبني النصيحة في الجماعة )

( فإن خالفتني لتريد نقصي

فلا تغضب إذا لم تعط طاعة )

( فإن النصح بين الناس ضرب

من التوبيخ لا أرضى استماعه )

وإذا قربك بأنسه وأدناك من مجلسه فالزم الاحترام وقابله بالإعظام ولا يخرجك ما تراه من أنسه إلى الصياح ومكروه المزاح وإياك وإزالة الحشمة وإضاعة الحرمة والهزل في الكلام والشره في أكل الطعام فإن هذه الأحوال تدعو الملك إلى الملال ولا تسارر في مجلسه إنسانا ولا تحدق إلى أحد من الغلمان وإذا دخلت على الملك فحيه بأحسن تحية وتواضع له بالكلية ولا تكثر من الدعاء له بحضرته ولا تسأله عن حالته ولا عن مبيته في ليلته ولا تكثر مدحه وتظهر نصحه في


579
حضرته فجميع ذلك من مساوىء الأخلاق والتملق والنفاق وإذا جلست على موائد الملوك فلا تكن في الطعام شرها ولا في الأكل نهما وكل مما يليك وأطل المضغ في فيك واجعل نظرك إلى الطعام الذي بين يديك ولا تنظر إلى من حواليك ولا تأكل بكل الأصابع وقم عن المائدة وأنت جائع ولا تحذف ببصرك إلى الطعام ولا إلى ما حضر من طرائف الألوان بل يكون نظرك إلى الملك عند كلامه والإطراق عند مضغه لطعامه ولا تنقل من الصحفة إلى الرغيف شيئا من اللحم ولا تتعرض لمشمشة العظم ولا تحول لقمتك من جانب فيك إلى الجانب الآخر ولا يسمع لمضغك وبلعك صوت ظاهر لأن المقصود من طعام الملك الشرف بمواكلته والتجمل بلطف كرامته ومن قام عن الطعام لغسل يده فسبيله أن يبعد عن حضرته إلى الموضع الذي خص بمرتبته ولا يبصق
580
0 في الطشت بصاقا يعلو صوته ولا يستعمل بيديه التفرقع ولا بفيه التنخع ولا يدلك بالمنديل يديه بل يمسح به فمه وشفتيه ولا يظهر في يديه شيئا من الخلال على حال من الأحوال وسبيل من ساير الملك أن لا يساويه في محجته ولا يدني رأس دابته من دابته ولا يأخذ عليه مهب الريح في مسايرته ولا يركب فرسا شغبا ولا حرونا فيقف عنه ولا كثير الصهيل ولا ما فيه عيب يضحك منه
581

وينبغي أن يكون عارفا بالمنازل والمناهل داريا بكل ما يقع عليه عين الملك ويسأل عنه من المياه والأنهار والنبات والأشجار ومضى ساعات الليل والنهار عارفا بالكواكب وانتقالاتها ومنازل القمر وهيآتها وأن لا يظهر التعب والكلال وإن يخفي العطا والسعال وليكن متفقد النكتة ظريفا في محادثته صبورا على السهر غير متشاغل بالفكر حافظا للأسرار وما يطلع عليه من الأخبار ومعتمدا على الصيانة مؤديا للأمانة فإذا لاعب الملك بالشطرنج فلا يظهر في لعبه التحاذق عليه فأما في حال الفروسية ولعب الصولجان


582
فقد أطلق الملوك التحاذق عليهم في الميدان والله سبحانه وتعالى اعلم بالصواب
583
الباب الثالث عشر في معرفة ما تكاد به الملوك في غالب الأحوال

اعلم أن مكائد الأعداء وغوائل الحساد وطرق المضار وأسباب الدواهي كثيرة ولا يحيط بطرقها علم البشر ولا يحصرها معقول ذوي الفكر فيجب على الملك الاحتراز والتحفظ من كل ما يتصور عمله من المكائد ويمكن فعله من نصب الغوائل ويعتبر بمن سلفه من أرباب الممالك وما نصب لهم من المكائد والمهالك فيحسم عنه موادها ويقطع أسبابها ويحذر من مثلها وقد ذكرنا في الباب السادس في وصف الحسد من حكاية بهرام وخاقان وما نصب كل واحد منهما لصاحبه من المكائد ما فيه اعتبار لذوي البصائر والأفكار وأكثر ما رأينا الملوك ذهبت في غالب الأحوال من أمور نحن ذاكروها إن شاء الله فمن ذلك السموم القاتلة التي يتلطف بها الأعداء في الحيلة بوصولها إلى الملوك على يد النسوان والغلمان


584
وهي تصنع غالبا في عشرة أشياء في السرج والسرير والكرسي
585
والحلي والآنية والطعام والشراب والفاكهة والثياب والفراش الذي ينام عليه

فينبغي للملك أن يكون متيقظا لذلك محترسا منه وسنذكر من العلامات الواضحة على مصير السم في هذه الأشياء ما فيه كفاية للفطن بحيث إذا رآها علم أن ذلك الشيء مسموم

فينبغي للملك أن يتفقد ثيابه في كل يوم وفراشه أيضا وغاشيته الذي على سرج الحصان وكرسيه الذي يجلس عليه فإن علامة ذلك إن كان مسموما أن يظهر في صفاء ألوانها لمع كالوسخ يضرب إلى سواد من غير وسخ ويكون هدبها وحواشيها في نظر العين كأنها بالية وأما عود السرج والسرير والكرسي إذا كان


586
ملطوخا بالسم فإنه يكمد لونه ويعلوه كالغبرة

وأما الحلى والآنية وما يستخرج من معادن الأرض كالذهب والفضة والنحاس والرصاص والحديد والجواهر فإن ذلك كله إذا كان مسموما يعلوه كالوسخ وأما أواني الخزف والفخار فإنها إذا كانت مسمومة تحدث دسومة وزهومة وربما أفرط صفاء لونها حتى يظهر فيها بريق ليس من ذاتها وربما ذهب بريقها الذي هو من ذاتها وأما الطعام المسموم فيستدل عليه من وجهين أحدهما بالنار فإن الطعام المسموم إذا وضعت منه شيئا في النار لم يصعد دخانه مستطيلا إلى الهواء بل يدور على ذلك الطعام يسمع له صوت شرار وأيضا يكون طرف


587
ما ينبعث من النار كأنه عنق الطاووس وأيضا ربما ظهر منه إذا احترق رائحة منتنة

الوجه الثاني أن يعرض الطعام على الطير والدواب التي هي معدة في دار الملك لمعرفة الطعام المسموم وأما الطير فمنها الغراب فإنه إذا أكل من الطعام المسموم انكسر صوته ومنها الصرد والقفعا فإنهما إذا شما رائحة الطعام المسموم صوتا بأعلا صوتيهما ومنها طائر من جنس


588
الأوز الصيني يقال له الهيس فإنه إذا رأى الطعام المسموم أو شم رائحته هرب منه وجعل يعثر في مشيته ومنها الكركي فإنه إذا شم رائحة الطعام المسموم وأكله فإنه يدور حتى يظن أنه مغشي عليه ومنها الفواخت والعقعق فإنهما يموتان بأكل الطعام المسموم وكذلك إذا شما رائحته
589
أيضا ومنها الطاووس فإنه إذا رأى الطعام المسموم تشوف إليه وطفق يأكله ويهواه ومنها طائر من طيور الماء أحمر العينين يقال له حسون فإنه إذا نظر إلى الطعام المسموم أو شم رائحته ذهب حمرة عينيه ومنها طائر من طيور الماء أيضا يقال له حوصل فإنه إذا رأى الطعام المسموم خر إلى الأرض مغشيا عليه

والذباب إذا سقط على الطعام المسموم مات من ساعته وأما


590
0 الدواب المعدة لذلك فمنها السنور فإنه إذا أكل من الطعام المسموم أو شم رائحته نفر من موضعه ولم يستقر فيه ومنها القرد فإنه إذا قدم إليه الطعام المسموم أيضا لم يتمالك حتى يهرب منه ويصعد في الأشجار والحيطان فهذا كله يستدل به على الطعام المسموم فينبغي للخادم المقدم للطعام أن يمتحن بالنار ويعرضه على الطير والدواب التي ذكرناها قبل إحضاره بين يدي الملك وإذا كان الطباخ بصيرا حاذقا عرف السم إذا طرح في القدر بالأمارات الدالة عليه فإن قدر الأرز إذا وضع فيها السم أبطأ نضجها وإذا أنزل عن النار انعقد فيها سريعا
591

وصلب حبها ويفور من القدر بخار كلون عنق الطاووس وقدور المرق إذا وضع فيها السم فإن تلبث إلا قليلا حتى ينشف المرقة منها ويبقى اللحم يابسا لا مرقة عليه ومهما بقي منه تغير لونه وكدر

وأما دليل معرفة الشراب المسموم فإن كل شراب حلو إذا طرح فيه السم يظهر فيه خط مستطيل كلون النحاس ويظهر في المخيض خطوط من الخضرة والصفرة والسمرة ويظهر في ماء العسل خط كلون شعاع الشمس ويظهر في الماء والنبيذ خط أسود

وأما معرفة الفواكة المسمومة فإن الذي لم يدرك منها يظهر للعين كأنها مدركة والتي قد أدركت منها تظهر كأنها لم تدرك لتغيرها وانقباضها وكل رطب منها تراه كأنه منهري وكل يابس تراه منقبضاً متسيسا


592
وجميع الفاكهة يذهب صفاء لونها ويعلوها غبرة وكدرة

واللين منها يصلب والصلب منها يلين

واعلم أن من وضع السم في بعض هذه الأشياء أو صنع مكيدة من مكائد الأعداء من النسوان والغلمان والخدام وغيرهم لا بد أن يظهر عليه من الريبة أمارات لا يخفى بها عن الفطن اللبيب فينبغي للملك أن يتصفح وجوه خدمه وغلمانه وجواريه ونسائه في كل وقت فإن المريب لا يملك نفسه أن يصفر لونه أو يخضر أو يبتلع ريقه أو يخفق فؤاده أو يعض على شفته السفلى أو يدير عليها لسانه أو يكثر تلفته وترعد فرائصه أو يعثر في مشيته أو يكثر تثاؤبه ويعرق جبينه أو يفتل هدب ثيابه ويبعث بها أو ينكش الأرض بأبهام رجله أو ينقطع عما يريد أن يتكلم به أو يكثر القيام من الذي بعلمه مثله ولم يتمه بغير عذر فجميع هذه أمارات تدل على الريبة فليراعها الملك من متولي


593
طعامه وشرابه ومتولي خزانة ثيابه وفراشه وسورج دوابه وغيرهم من خدم داره وأما الاحوال التي يترصدها أهل المكائد في الغالب فمنها المواضع الضيقة والطرقات المجهولة فلا ينبغي أن يسلكها حتى يكون أمامه دليل خبير بذلك الموضع ويتقدمه في حال سلوكه جماعة من أعوانه ومنها ازدحام الموكب عليه في المواضع الضيقة أو في الأعياد والمحافل فلا يأمن أن يلج بين خواصه من يريد به شرا ومنها الإمعاء في طلب الصيد والانفراد فيه عن الخاصة وثقات الأعوان فلا يأمن أن يدس عليه أهل العداوة من يوقع به الفعل أو يكمن له الاعداء على الخيول السريعة في المواضع الوعرة أو يعرض له أحد السباع الضارية عند انفراده

ومنها الورود إلى الأنهار فإن اغتيال المرء صاحبه في الماء الجاري من أيسر الحيل وأسهلها على المغتال لأن الماء معين له على هربه لا سيما إذا كان رجال الملك من وراء ظهره فينبغي أن لا يردها حتى يتقدمه من أعوانه من يختبر شطوطها ومشارعها ومنها حالة شدة المطر وحال شدة الحر وحال ظلام الليل لأن في هذه الأحوال تقل الحفظة ويشتغل كل واحد منهم بمصلحة نفسه ومنها حال سروره ولهوه وطربه في


594
مجلسه وسكره من شرابه فإن الحفظة أيضا يسكرون أو ينامون فيتمكن منه المغتال ومنها الثقة إلى النسوان والركون إليهن فإن مكر النساء وحيلهن أكثر من أن تسطر مع ضعفهن ونقصان عقولهن فلا يأمن مكرهن وغيرتهن وجرأتهن فقد يقدمن من الأهوال على ما يكنع منه الرجال فليراعي الملك جميع ما ذكرناه وما يخطر بباله من أشباه ذلك أو أمثاله مع تسليمه لأمر الله سبحانه وقضائه وقدره
595
الباب الرابع عشر فيما ينبغي للملك من سياسة الجيش وتدبير الجنود

إذا فصل الملك بجنوده متوجها إلى أعدائه فينبغي له ان يضع في تدبيرهم وسياسة أمورهم سبعة عشر حقا ليتم بذلك مصلحتهم


596
وينتظم به الفهم

أحدها استعراضهم قبل السير بهم فيتفقد خيلهم التي يجاهدون عليها فلا يدخل عليهم كبيرا ولا كسيرا ولا صغيرا ولا حطيما كسيرا لأن ذلك كله وهنا في المجاهدين وإنما يستعد للأعداء القوة وما يظهر به الهيبه والرهبة قال الله تعالى ( واعدوا لهم )


597

( ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم)

وقال رسول الله ص ‌ أرتبطوا الخيل فإن ظهورها لكم عز


598
وبطونها لكم كنز ويتفقد جميع أسلحتهم وسائر آلاتهم وأمتعتهم ويامرهم باتخاذ قويها واستبدال ضعيفها

الثاني أن يرفق بهم في السير الذي يقدر عليه ضعيفهم ويحفظ به قوة قويهم ولا يجد السير فيهلك الضعيف ويستفرغ قوة القوي قال رسول الله ص ‌ إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى


599

الثالث أن يراعي من معه من المقاتلة وهم صنفان مسترزقه ومتطوعة أما المسترزقة فهم أصحاب الديوان فيفرض لهم من العطاء من بيت المال من الفيء بحسب الغني والكفاية وأما المتطوعة فهم الخارجون عن الديوان الذين خرجوا في النفير فيعطوا من بيت المال من


600
00 الصدقات دون الفيء من سهم رسول الله ص ‌ المذكور في آية الصدقات

الرابع أن يعرف عليهم العرفاء وينقلب عليهم النقباء فيكون عارفا بجميع أحوالهم من عرفائهم ونقبائهم وقد فعل ذلك رسول الله ص ‌


601
01

الخامس أن يجعل لكل قائد من قواده شعارا يتميز به أصحابه ليصيروا به عن غيرهم متميزين وبالاجتماع فيه متظافرين


602
02

السادس أن يتصفح الجيش عند مسيره فيخرج منهم من كان به تخذيل للمجاهدين وإرجاف بالمسلمين وكان عينا للمشركين فقد فعل ذلك رسول الله ص ‌ ورد عبد الله بن أبي بن سلول المنافق في بعض غزواته لتخذيله المسلمين


603
03

السابع أن يتعرض عند اللقاء لمن خالفه في العقيدة والمذهب أو لمن عليه أمارات البغضاء أو لمن أساء أدبه على الملك أو قصر في خدمته لأن


604
04 التعرض لهؤلاء في مثل هذا الوقت يفضي إلى افتراق الكلمة وحصول الفشل قال الله تعالى ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) يعني دولتكم وقيل معناه قوتكم
605
05

الثامن حراسة الجيش من غرة يظفر بها العدو فينبغي أن ينتقي المكامن ويحفظها عليهم ويحوط سوادهم بحرس يأمنون به على أنفسهم واموالهم وليسكنوا في وقت الدعة ويأمنوا من وراءهم في وقت المحاربة


606
06

التاسع أن يتخير لهم مواضع نزولهم لمحاربة عدوهم فيقصد أوطأ الأرض مكانا وأكثرها مرعى وماء واحرسها أطرافا واكنافا ويكون المواضع قريبا من جبل أو شجر فإن ذلك كله أعون لهم على المنازلة واقوى لهم على المرابطة


607
07

العاشر إعداد ما يحتاج إليه الجيش من زاد وعلوفة ليغدق ذلك عليهم في أوقات الحاجة حتى تسكن نفوسهم إلى مادة بغيتهم على طلب ليكونوا على الحرب أوفر وعلى منازلة العدو أقدر

الحادي عشر أن يتعرف أخبار عدوه بالجواسيس الثقات التي تكون له عندهم مكانة ليكون خبيرا بأحوالهم ويسلم من مكرهم ويلتمس الغرة في الهجوم عليهم


608
08

الثاني عشر ترتيب الجيش في مصاف الحرب والتعويل في كل جهة على من يراه كفرءا لها ويتفقد الصفوف بنفسه من حصول خلل يقع فيها ويراعي كل جهة يميل العدو إليها بمدد من يكون عونا لها 609

الثالث عشر أن يحرض المجاهدين على القتال ويقوي نفوسهم ويشعرهم الظفر ويذكر لهم أسباب النصرة ويصفر العدو في أعينهم


609
09

الثالث عشر أن يحرض المجاهدين على القتال ويقوي نفوسهم ويشعرهم الظفر ويذكر لهم أسباب النصرة ويصغر العدو في أعينهم


610
0 ويعدهم الإقطاع والزيادة في الرزق إذا ظهرت منهم النكاية في العدو

الرابع عشر أن يذكرهم ثواب الله تعالى وما أعد لهم في الآخرة من


611
النعيم المقيم ويذكرهم فضل الشهادة ويعدهم بإبقاء رزقهم على بعدهم

الخامس عشر أن يشاور ذوي الرأي وأهل الخبرة بالقتال والمشايخ من أعوانه وأهل دولته ويرجع فيما أعضل ويسلم الامر إليهم فيما أشكل عليه ليأمن الخطأ ويسلم من الزلل


612
السادس عشر ان يلزم جيشه بما أوحبه الله تعالى من حقوق وبما أمره الله تعالى من مراعاة حدوده لأنه من جاهد عن الدين كان احق الناس بالتزام أحكامه والفصل بين حلاله وحرامه وقد قال رسول الله ص ‌ انهوا جيوشكم عن الفساد فإنه ما فسد جيش قط إلا قذف الله تعالى في قلوبهم الرعب وانهوا جيوشكم عن الغلول فإنه ما غل جيش قط إلا سلط الله عليهم الرجلة وانهوا جيوشكم عن الزنا فإنه ما زنى جيش قط إلا سلط اله عليهم الموتان
613

السابع عشر أن لا يترك أحدا من جيشه يتشاغل بتجارة أو زراعة لأن ذلك يصرف الاهتمام عن مصابرة العدو وعن الصدق في الجهاد وقد روي أن نبيا من بني إسرائيل غزا عدوا لهم فقال لا يغزون معي رجل بنى بناء لم يكمله ولا رجل تزوج امرأة لم يدخل بها


614
ولا رجل زرع زرعا لم يحصده فإذا سار الملك بالجيش ودخل أرض العدو فينبغي أن يكون طلائع عسكره ومقدمة جيشه كالنهر الجاري فإن النهر في أول جريه يتخلل بما يمر به من الأرض المستوية فإذا بلغ نشزا من الأرض وقف عنده حتى يقوى بالمدد من ورائه ثم يعلوا ذلك النشز وكذلك ينبغي أن يكون طلائع الجيش التي تتقدم عليه لا يقتحم عند ما يرى من القوة من العدو أمامها إلا بأن تستمد
615
من ورائها فإذا أتاها المدد قويت على من تمر به وعلته كعلو النهر إذا استمد من ورائه ولا ينبغي أن يورد مقاتلة الناحية المجهولة حتى يقدم إليها من يختبرها من طلائعه فقد كان يقال لا تطأ أسفل أرض عدوك إلا على ترقي احتراس وتوقي افتراس فإنك لا تأمن أن يكون قد نصب لك فيها الاشتراك ودفن الغوائل والشباك
616
فيما ينبغي لأهل الجيش ويلزمهم من حقوق الجهاد

إذا توجه الملك بالجيش إلى لقاء المشتركين لزم أهل الجيش من الحقوق أمران أحدهما ما يلزمهم من حق الله تعالى والثاني ما يلزمهم من حق الملك

فأما ما يلزمهم من حق الله تعالى فأربعة أشياء أحدهما مصابرة العدو عند التقاء الصفين ولا ينهزمون من مثليهم فما دون لآن الله تعالى كان قد فرض على كل مسلم أن يقاتل عشرة من المشركين فقال تعالى ( يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا ) ثم إن الله تعالى بعد ذلك خفف


617

618

619
عنهم لما شق عليهم الأمر فأوجب على كل مسلم أن يقاتل
620
0 رجلين من المشركين فقال عز وجل ( الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله )

ثم إن الله تعالى حرم على كل مسلم أن ينهزم من مثليه إلا لأحد أمرين إما متحرفا لقتال فيأوي للاستراحة أو لمكيدة ويعود إلى قتالهم وإما أن يتحيز إلى فئة أخرى ليتجمع معها علىقتالهم لقوله تعالى ( ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله )

الثاني أن يقصد بقتاله نصره دين الله تعالى وأبطال كلمة من خالفه من الأديان فيكون بهذا الاعتقاد حائزا لثواب الله تعالى ومطيعا له


621

في أمره ولا يقصد بقتاله فائدة تحصل من الغنيمة فيصير من المكتسبين لا من المجاهدين


622

الثالث أن يؤدي الأمانة فيما حازه من الغنائم ولا يغل منها شيئا بل يحمل جميعه إلى المغنم ليقسم بين الغانمين الذين حضروا الوقعة لأن لكل واحد فيها حقا


623

الرابع أن لا يحابي في نصره دين الله ذا قرابة أو مودة فإن حق الله تعالى أوجب ونصرة دينه ألزم قال الله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق )


624

وأما ما يلزم الجيش من حق الملك فأربعة أشياء أحدها التزام طاعته والدخول في ولا يته والقبول لنهيه وامره ما لم يأمرهم بالمعصية فإن طاعه الملك واجبة في غير المعصية لقوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا


625
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) قال ابن عباس رضي الله
626
عنه أولوا الأمر هم الأمراء قال رسول الله ص ‌ (اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد حبشي) فأما إذا أمر بمعصية
627
فلا يجوز طاعته لقوله ص ‌ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق

الثاني أن يفوضوا أمرهم إلى رأيه ويكلوه إلى تدبيره حتى لا تختلف


628

آراؤهم فتختلف كلمتهم ويفترق جمعهم فإن ظهر لهم صواب في شيء خفى على الملك فينبغي أن يبينوه له سرا ليرجع به إلى الصواب

والثالث المسارعة إلى امتثال أمره ونهيه في غير المعصية

الرابع أن لا ينازعه في شيء من قسمة الغنائم إذا قسمها فيهم بل


629

يرضوا به في القسمة فإنه يساوي بينهم فيها كما سوى الله تعالى فيها بين القوي والضعيف وماثل بين الدني والشريف وسنذكر صفة القسمة في بابها إن شاء الله تعالى


630
0 الباب السادس عشر في مصابرة المشركين

إذا تقاتل فريق المؤمنين وفريق المشركين وجب على الملك مصابرتهم ما صبروا وإن طالت بهم المدة ولا يولى عنهم وبه قوة فقد قال الله عز وجل ( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) قال الحسن معناه اصبروا على طاعة


631
الله وصابروا أعداء الله ورابطوا في سبيل الله
632

633

وينبغي للملك أن يرتب جيشه ويجعل لكل طبقة من أعدائه أشباههم من جيشه فإنهم كالماء في الأذن إذا دخلها فلا حيلة أرفق في إخراجه من الماء الذي هو من جنسه وإذا حمل على أعدائه فليكن كالنهر إذا جرى لا انثناء له ولا رجعة حتى يبلغ غايته ومنتهاه من مغيضة وكذلك ينبغي أن يشتد الملك في حملته حتى يوغل في عدوه ويبلغ غايته منه

وإذا دعي أحد من المشركين إلى البراز جاز للمسلم أن يخرج إليه


634
لأن أبي بن خلف دعا رسول الله ص ‌ في يوم أحد إلى البراز فبرز إليه فقتله
635

وفي يوم بدر برز من المشركين ثلاثة نفر وهم عتبة بن ربيعة وابنه الوليد وأخوه شيبة بن ربيعة ودعوا إلى البراز فبرز إليهم من الأنصار


636
عوذ ومعاذ أبناء عفراء وعبد الله بن رواحة فقالوا إنا لا نعرفكم فليبرز إلينا أكفاؤنا من قريش فبرز إليهم ثلاثة من بني هاشم وهم علي بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث بن
637
المطلب فأما علي رضي الله عنه فبرز إلى الوليد فقتله وبرز حمزة إلى عتبة فقتله وبرز عبيدة إلى شيبة فاختلفا في ضربتين أثبت كل واحد منهما صاحبه فمات شيبة لوقته وحمل عبيدة حيا فمات بعد ذلك

وروي أن عمرو بن ود العامري دعا إلى البراز يوم الخندق في أول يوم فلم يجبه أحد ثم دعا إلى البراز في اليوم الثاني فلم يجبه أحد ثم دعا


638

في اليوم الثالث فلم يجبه أحد فقال يا محمد ألستم تؤمنون أن قتلاكم في الجنة عند ربهم يرزقون وقتلانا في النار يعذبون فما يبالي أحدكم أن يقدم على كرامة من ربه ويقدم عدوه إلى النار ثم أنشد

( ولقد دنوت إلى الندا

ء لجمعهم هل من مبارز )

( ووقفت إذ جبن المشجع

موقف القرن المناجز )

( إني كذلك لم أزل

متسرعا نحو الهزاهز )

( إن الشجاعة في الفتى

والجود من خير الغرائز )

قال فقام إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فاستأذن رسول الله A في مبارزته فأذن له وقال أخرج إليه في حفظ الله وعياذته فخرج علي رضي الله عنه وهو يقول

( إبشر أتاك مجيب صو

تك في الهزاهز غير عاجز )

( ذو نيه وبصيرة

يرجو الغداة نجاة فائز )

( إني لأرجو أن أق

يم عليك نائحة الجنائز )

( من طعنة نجلاء يب

هر ذكرها عند الهزاهز )
639

قال فتجاولا ساعة ثم حمل كل واحد منهما على صاحبه وثارت بينهما عجاجة أخفتهما عن الأبصار ثم انجلت عنهما وإذا علي رضي الله عنه يمسح سيفه بثوب عمرو وهو قتيل

وإذا أراد المسلم أن يدعو إلى البراز مبتدئا جاز له ذلك لأن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم فعلوه وقد روى أبو هريرة أن رسول الله A سئل عن المبارزة بين الصفين فقال لا بأس وينبغي


640
0

أن لا يبارز إلا من اشتهرت قوته وعلمت شجاعته لأن الضعيف إذا بارز لم يؤمن أن يقتل فتضعف قلوب المسلمين

ويجوز لآحاد الجيش أن يحمل منفردا على جيش المشركين وقد كان يفعل ذلك جماعة من الصحابة رضي الله عنهم

وروي أن الخنساء بنت عمرو بن الشريد السلمية حضرت حرب القادسية ومعها بنوها الأربعة فقالت لهم يا بني أسلمتم طائعين


641
وهاجرتم مختارين ووالله الذي لا إله إلا هو إنكم لبنوا رجل واحد كما أنتم بنوا امرأة واحدة ما خنت أباكم ولا فضحت خالكم ولا هجنت حسبكم ولا غيرت نسبكم وقد تعلمون ما أعد الله تعالى من الثواب للمسلمين في حرب الكافرين واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية لقول الله تعالى ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) فإذا رأيتم الحرب غدا قد شمرت عن
642
ساعداها واضطرمت لظى على ساقها فتيمموا وطيسها وجالدوا رئيسها تظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلد والمقامة قال فخرج بنوها من عندها قابلين لنصحها فلما كان الصبح باكروا مراكزهم فحين تقابل الصفان حمل أحدهم على جيش المشركين وهو ينشد ويقول

( يا إخوتا إن العجوز الناصحة

قد نصحتنا إذ دعتنا البارحة )
643

( مقالة ذات بيان واضحة

فبادروا الحرب الضروس الكالحة )

( فأنتم بين حياة صالحة

وميتة تورث غنما رابحة )

فلم يزل يضربهم بسيفه ويطعنهم برمحه حتى استشهد رحمه الله تعالى ثم حمل الثاني وهو يقول

( قد أمرتنا بالسداد والرشد

نصيحة منها وبرا بالولد )

( فباكروا الحرب حماة في العدد

إما بفوز بارد على الكبد )

( أو ميتة تورثكم غنم الأبد

في جنة الفردوس والعيش الرغد )
644

فلم يزل يضربهم بسيفه ويطعنهم برمحه حتى استشهد رحمه الله ثم حمل الثالث منهم وهو يقول

( نصحا وبرا صادقا ولطفا

فبادروا الحرب العوان زحفا )

( حتى تكفوا آل كسرى كفا

وتكشفوهم عن حماكم كشفا )

( إنا نرى التقصير عنهم ضعفا

والقتل فيهم نجدة وعرفا )

فلم يزل يقاتل فيهم حتى استشهد رحمه الله

ثم حمل الرابع منهم وهو يقول

( لسنا لخنساء ولا للأكرم

أعني عمرا ذا السماح الأقدم )

( إن لم أرد في الحرب جيش الأعجم

إما لفوز عاجل أو مغنم )

( أو لوفاة في السبيل الأكرم

)

فلم يزل يطعن فيهم برمحه حتى استشهد رحمه الله تعالى فلما بلغ خنساء الخبر قالت الحمد لله الذي شرفني بقتلهم وأرجو من ربي أن


645
يجمعني وإياهم في مستقر رحمته فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال أعطوا الخنساء أرزاق أولادها الأربعة وأجروا عليها ذلك حتى تقبض قال فلم تزل تأخذ عن كل واحد منهم مائتي درهم في كل شهر حتى قبضت رضي الله عنها وينبغي أن يكون سواد العسكر وجمهور الموكب كامتداد النهر إذا طمي وزجر لا يمر بشيء إلا علاه وغرقه
646
الباب السابع عشر في معرفة قتال أهل الردة وأهل البغي وقطاع الطريق

نقتصر في هذا الباب على ذكر ما يجوز للملك فعله ونوضح قواعد المذهب في ذلك من غير ذكر خلاف ولا تطويل ليقع الفعل في ممارستهم موافقا للشرع وهو ثلاثة فصول


647
الفصل الأول في معرفة قتال أهل الردة

إذا حكم بإسلام قوم ثم ارتدوا عن دين


648

الإسلام إلى أي دين خالفه لم يجز إقرارهم عليه لأن الإقرار بالحق يوجب التزام أحكامه ثم لم يخل حال أهل الردة من أمرين

أحدهما أن يكونوا في دار الإسلام أفرادا لم يتحيزوا بدار يمتنعون


649
بها ويتميزون عن المسلمين فيها

الثاني أن يتجاوزوا إلى دار ينفردون بها عن المسلمين حتى يصيروا فيها ممتنعين

فإن كانوا في دار الإسلام منفردين فلا حاجة إلى قتالهم لدخولهم تحت القدرة بل يجب أن يأخذهم بالتوبة مما دخلوا فيه من الباطل فإن تابوا قبلت توبتهم وأجري عليهم حكم الإسلام وممن أقام منهم على


650
0 ردته بعد ذلك وجب قتله رجلا كان أو امرأة لقوله صلى الله
651
عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه
652

واختلف العلماء في كيفية قتل المرتد والوقت الذي يقتل فيه فمنهم من قال يقتل في الحال لأن حق الله تعالى إذا وجب لا يجوز تأخيره ومنهم من قال يؤجل ثلاثة أيام لأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنظر المستورد العجلي بالردة ثلاثة أيام ثم قتله بعد ذلك


653

654

ويقتل ضربا بالسيف ومنهم من قال يقتل ضربا بالخشب وإذا قتل لم يغسل ولم يكفن ولم يصل عليه ولم يدفن في مقابر


655
المسلمين ويكون ماله فيئا في بيت مال المسلمين

وأما إذا انحاز أهل الردة إلى دار ينفردون بها عن المسلمين حتى صاروا فيها ممتنعين وجب قتالهم على ردتهم ويجري على قتالهم حكم قتال أهل الحرب في جواز قتلهم غرة وبياتا ومقبلين ومدبرين ومن أسر منهم جاز قتله ولا يجوز استرقاقه وإذا


656
غنمت أموالهم لم تقسم بين الغانمين بل يكون مال من قتل منهم فيئا لبيت المال ومال من لم يقتل موقوفا على إسلامه فإن عاد إلى الإسلام رد عليه ماله
657
الفصل الثاني في معرفة قتال أهل البغي

وإذا خرجت طائفة من المسلمين وخالفوا رأي الجماعة وانفردوا


658
عنهم وخرجوا عن قبضة الإمام الأعظم وتحيزوا بدار وامتنعوا بمنعة وجب قتالهم بعد أن ينذرهم ويسألهم ما تنقمون لأن عليا رضي الله عنه
659
بعث عبد الله بن عباس إلى الخوارج فسألهم ما تنقمون منه ثم
660
0
661
تأخذهم وانذرهم فإن رجعوا إلى الطاعة فكف عنهم فإن أبوا قاتلهم لقوله تعالى ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله)
662

وقد قاتل أبو بكر الصديق رضي الله عنه مانعي الزكاة


663
وقاتل علي رضي الله عنه الخوارد بالنهروان وقاتل معاوية بصفين
223

واعلم أن قتالهم يخالف قتال المشركين من تسعة اوجه

أحدهما لا يهجم عليهم غرة ولا بياتا ويجوز ذلك في قتال المشركين

الثاني أن يقصد بقتلهم ردهم وردعهم ورجوعهم إلى الحق ولا يعمد إلى قتلهم

الثالث يقاتلهم مقبلين ويكف عنهم مدبرين


224
حذف
225
حذف
665

الرابع أن لا يجهز على جريحهم

الخامس أن لا يقتل أسراهم


666

السادس أن لا يغنم أموالهم ولا يسبي ذراريهم

السابع أن لا يستعين في قتالهم بمشرك معاهد ولا ذمي

الثامن أن لا يهادنهم إلى مدة ولا يوادعهم على مال فإن هادنهم إلى مدة لم تلزم فإن ضعف عن قتالهم انتظر بهم القوة عليهم وإن وادعهم على مال بطلت الموادعة ثم ينظر في المال فإن كان من صدقاتهم أو خراجهم لم يرده عليهم وإن كان من خالص أموالهم رده عليهم ولا يجوز أن يتملكه عليهم

التاسع أن لا ينصب عليهم العرادات والمنجنيقات


667
ولا يحرق عليهم المساكن ولا يقطع أشجارهم لأن دار الإسلام تمنع ما فيها كل ذلك بخلاف قتال المشركين

فإن أحاطوا بأهل العدل وخافوا منهم الاصطدام جاز أن يدفعوا عنهم ما استطاعوا من اعتماد قتلهم ونصب المنجنيقات عليهم وحريقهم وغير ذلك لأن المسلم إذا أريدت نفسه جاز له الدفع عنها بقتل من أرادها إذا كان لا يندفع إلا بالقتل ولا يجوز أن ينتفع بدوابهم ولا أسلحتهم ولا يستعان به في قتالهم وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى يجوز ذلك كله


668
الفصل الثالث في معرفة قتال قطاع الطرق

وإن اجتمعت طائفة من أهل الفساد على شهر السلاح وقطع الطريق وأخذ الأموال وقتل النفوس ومنع السبل فهم المحاربون الذين قال


669
الله تعالى في حقهم ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون)
670
0 في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض)

قال الشافعي رحمه الله ورضي عنه من قتل منهم وأخذ المال قتل وصلب بعد قتله ومن قتل ولم يأخذ المال قتل ولم يصلب ومن أخذ


671
المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف ومن لم يقتل ولم يأخذ المال ولكنه رهب وأخاف السبيل عزر بالحبس وهو النفي من الأرض وقال مالك رضي الله عنه من كان منهم ذا رأي وتدبير قتل ومن كان ذا بطش وقوة قطع يده ورجله من خلاف ومن لم يكن منهم ذا رأي ولا بطش عزر وحبس
672

673

واعلم أن قتال قطاع الطريق كقتال أهل البغي في عامة أحوالهم ويخالفه من خمسة أوجه

أحدها أنه يجوز قتالهم مقبلين ومدبرين

الثاني يجوز أن يعمد إلى قتل من قتل منهم في حال الحرب بخلاف قتال أهل البغي

الثالث أنهم يؤاخذون بما استهلكوه من دم أو مال في حال


674
الحرب وغيرها بخلاف أهل البغي

الرابع أنه يجوز حبس من أسر منهم ليعلم براءة حاله من غير خلاف بخلاف أهل البغي

الخامس أن ماجبوه من الخراج والصدقات يكون كالمأخوذ على وجه الغصب والنهب لا يسقط عن أهل الخراج والصدقات ويكون غرمه مستحقا عليهم لمن أخذوه منهم بخلاف أهل البغي


675
الباب الثامن عشر في معرفة قسم الغنيمة والأنفال

إذا أخذ المسلمون من الكفار مالا


676
بإيجاف الخيل والركاب فهو غنيمة يجب على الملك أن يقسمه بين الغانمين فيجعله خمسة أخماس خمس منها لأهل الخمس الذين قال الله عز وجل في حقهم ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل وأربعة
677

678

أخماس للغانمين


679

وينبغي أن يقسم ذلك جميعه في دار الحرب لأن رسول الله صلى


680
0

الله عليه وسلم قسم غنائم بني المصطلق على مياههم وقسم غنائم


681
حنين بأوطاس وهوواد من حنين ولا يدخل سلب المقتول في القسمة بل يكون للقاتل دون غيره لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل السلب للقاتل
682

683

فإن كان الجيش كلهم فرسانا سوي بينهم في القسمة وكذلك إن كانوا رجالة وإن كان بعضهم فرسانا وبعضهم رجالة جعل للراجل سهما واحدا وللفارس ثلاثة أسهم بينهما سهما للرجل وسهمين للفرس ويجعل من قاتل ومن لم يقاتل في القسمة


684
سواء وكذلك من حضر بفرسين أو أكثر لم يزد سهمه على من حضر بفرس واحد وإذا بعث الملك سرية من
685
الجيش إلى جهة الكفار فغنمت السرية شاركهم في ذلك أهل الجيش وكذلك إن غنم أهل الجيش شاركهم أهل السرية لأن رسول الله ص ‌ لما هزم هوزان بحنين أسرى سرية قبل أوطاس فغنمت فقسم غنائمهم بين الجميع ومن فعل من أهل الجيش
686
فعلا يفضي إلى الظفر بالعدو كالتجسس والدلالة على الطريق أو قلعة أو التقدم بالدخول إلى دار الحرب جاز للملك أن ينفله من الغنيمة بزيادة على سهمه لأن رسول الله ص ‌ كان يفعل ذلك وبالله التوفيق
687
الباب التاسع عشر فيما ينبغي للملك أن يفعله عند قفوله بالجيش

ينبغي للملك إذا قفل بالجيش من غزاة أو سفر أن يفعل كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في قفوله من غزواته وأسفاره كان يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ويقول لاإله إلا الله وحده لاشريك له له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو حى لايموت بيدة الخير وهو على كل شيء قدير آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا


688
حامدون صدق الله وعده ونصر عبدة وأعز جندة وهزم الاحزاب وحدة كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإلية ترجعون

وينبغي إذا اشرف على مدينته أن يحرك دابته ويقول اللهم اجعل لنا بها قرارا ورزقا حسنا ثم يرسل إلى نوابه وأهل مدينته فيخبرهم بقدومه ليخرجون إلى لقائه لأن الرعية ينتعشون بطلعة الملك عليهم ورجوعه إليهم كانتعاش النبت بوابل القطر

وإذا دخل البلد فليقصد المسجد وليصل فيه ركعتين كذلك كان يفعل رسول الله ص ‌

وإذا دخل منزله واستقر على سريره فليقل توبا توبا لربنا أوبا لا يغادر خطيئة ولا حوبا ثم يرفع حجابه ويفتح بابه ويأذن لوجوه بلدته وبياض رعيته بالدخول إليه لتهنئته بما أفاء الله عليه وحققه لديه من شمول النعمة وحسن المنقلب ثم يكثر من الصدقة والصلات ويوسع في العطايا والهبات ويرد الغصوب والظلامات ويكشف عن أحوال من حبسه من أهل الجنايات ويستكثر من صنائع المعروف وأفعال البر فإنه


689
إذا فعل ذلك كان شاكرا لله تعالى وكان لمزيد النعمة مستحقا ولتتابع الإحسان من الله مستوجبا
690
0 الباب العشرون في الحث على استماع المواعظ وقبولها من النساك

اعلم أن استيلاء الدنيا على الملوك وإقبالها عليهم ربما شغلهم عن أمر الآخرة وأغفلهم عن مهمات الدين فيجنحون إلى اللذات ويهملون أمر الديانات لأن النفوس مطبوعة على الميل إلى الترف وإيثار التنعم وكراهة التكليف فلا ينبغي أن تخلو مجالسهم من علماء الدين وأصالح المتنسكين لينهوهم عند طريان الغفلة ويذكروهم عند ضراوة الشهوة ويوضحون لهم نهج الآخرة ومعالم الشريعة وقد كان ذلك شعار الملوك الغابرين والخلفاء الراشدين في مجالسهم الحكماء واستماع مواعظ العلماء وكانوا في ذلك ثلاث طبقات

فمنهم طبقة لما سمعوا الموعظة والتذكير نبذوا ملك الدنيا


692
الذي يفنى ليعتاضوا عنه ملك الآخرة الذي يبقى وأخرجوا ذلك من قلوبهم وايديهم واهتموا بأمر الآخرة والعمل لها لينالوا الفوز الاكبر والنعيم الدائم.

ومنهم طبقة عند سماع الموعظة أخرجوا ملك الدنيا من قلوبهم ولم يخرجوه من أيديهم واهتموا بأمر الآخرة مع بقائهم في الملك وهذه الطبقة مجاهدتهم عظيمة ومثلهم في ذلك مثل من ألزم نفسه الظمأ وبحضرته نهر بارد ينظر إليه ويقدر على تناول شربة وهذا كان مقام الخلفاء الراشدين وأمرائهم وعمالهم ومن سلك سبيلهم

ومنهم طبقة أصمهم حب الدنيا ونيل لذاتها عن استماع المواعظ واعمى أبصارهم عن كل مذكر وواعظ فآثروا اللذات على المهمات وقطعتهم الشهوات عن أمور الديانات وسأذكر من أخبار هذه الطبقات الثلاث ما يكون فيه رياض لذوي الأفكار ورياضات لأولي الأبصار والله اعلم بالصواب


962
حكايات الطبقة الأولى خمس روضات
الروضة الأولى

ما حكاه أصحاب الحديث ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل عمير بن سعد الأنصاري رضي الله عنه على حمص وأعمالها


963
فلبث بها سنة كاملة فجلس يوما وعنده رجل من أصحاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان قد أتاه يستدعي منه ما اجتمع عنده من المال فحضر عنده رجل معاهد فجعل يتكلم ويرفع صوته فقال له عمير اسكت أخزاك الله

فقال له الرجل الذي عنده من اصحاب عمر يا عمير أما سمعت رسول الله ص ‌ يقول أنا ولي خصم المعاهد واليتيم ومن خاصمه خصمته يا عمير اتق من فوقك يتقك من تحتك وكما تحب أن يصنع الله بك فاصنع برعيتك قال فبكى عمير بكاء شديدا ثم انثنى إلى منزله فعمد إلى جراب زاده واداته وقصعته فعلقهن على عصاة


694
وحملهن على عاتقه وخرج من حمص ماشيا حتى قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه فسلم عليه فرد عليه السلام متثاقلا ثم قال له عمير ما هذا الذي أرى بك من سوء الحال أمرضت بعدي أم بلادك بلاد سوء أم هذه خديعة منك فقال له عمير يا امير المؤمنين ألم ينهك الله عز وجل عن التجسس ثم ما الذي ترى بي من سوء الحال ألست تراني صحيح البدن قد جئتك أحمل الدنيا فقال له عمر وما الذي جئت به من الدنيا قال جرابي فيه زادي وإداتي فيها مائي لشرابي ووضوئي وقصعتي لعجيني وعكازي أذب بها عن نفسي قال عمر صدقت رحمك الله فما فعل المسلمون قال عمير تركتهم يوحدون الله تعالى ويصلون ولا تسألني عما وراء ذلك قال فما فعل أهل لذمة قال أخذنا منهم الجزية عن يد وهم صاغرون قال فما اجتلبت من المال قال ما أنت وذاك إني لما قدمت حمص اجتهدت رأي وجمعت من بها من المسلمين فاخترت منهم رجالا فاستعملتهم ثم نظرت فيما اجتمع من المال فقسمته في أهله ولو كان عندنا فضل لأتاك فقال يا عمير واين راحلتك قال لم يكن لي راحلة فقال أما كان في رعيتك من يتبرع لك بدابة تركبها بئس المسلمون وبئس المعاهدون ثم قال لابنه عبد الله جئني بصحيفة لأجدد لعمير عهدا ليرجع إلى عمله فقال عمير لا والله لا أعمل على شيء أبدا قال عمر ولم ذاك
695
قال لأني ما نجوت فإني قلت يوما لمعاهد أخزاك الله وقد قال رسول الله A أنا ولي خصم المعاهد واليتيم ومن خاصمه خصمته فنهض عمر وأخذ بيد عمير ثم أتى قبر رسول الله A فقال السلام عليك يا رسول الله ثم قال السلام عليك يا أبا بكر ثم بكا عمر وقال ماذا لقيت بعدكما اللهم ألحقني بصاحبي لم أغير ولم أبدل وبكا معه عمير طويلا ثم قال يا عمير الحق بأهلك وكان أهله على مسيرة ثلاثة فراسخ من المدينة قال ثم قدم بعد ذلك رجل على عمر بمال من عند بعض عماله فدعى رجلا من أصحابه اسمه حبيب فدفع إليه صرة فيها مائة دينار وقال انطلق إلى منزل عمير فأقم عنده ثلاثا وتفقد حاله ثم أعطه هذه الصرة فأتاه حبيب فوجده بفناء بيته يتفلى في الشمس فسلم عليه فقال له عمير من أين أقبلت قال من المدينة قال كيف تركت عمر قال صالحا قال لعله جار في الحكم قال لا قال فلعله وضع
696
السوط في أهل القبلة قال لا ولكنه ضرب ابنا له الحد فمات فقال اللهم اغفر لعمر فإنه يحبك ويحب رسولك ويحب إقامة الحد فنزل عنده حبيب ثلاثة أيام يقريه كل يوم قرصا مأدوما بزيت فلما انقضت الثلاث قال له عمير ارتحل عنا رحمك الله فقد أجعتنا وإنك لم تصادف عندنا فضلا ولكن آثرناك فقال له حبيب خذ هذه الصرة فإن عمر بعثها إليك فلما صارت في يده قال صحبت رسول الله ص ‌ فلم نبتل بشيء من الدنيا وصحبت أبا بكر كذلك ثم صحبت عمر فشر أيامي يوم صحبت عمر وجعل ينتحب ويبكي فقالت له امرأته لا تبك رحمك الله ضعها حيث شئت قال صدقت فاطرحي إلي بعض خلقانك ففعلت فجعل يصر الدنانير ثلاثة وأربعة وفوق ذلك حتى قسمها في فقراء جيرانه وعاد حبيب إلى عمر فأخبره فارتاع لذلك ولبث أياما واستدعى عميرا فقال له ما صنعت بالدنانير قال أقرضتها ربي ليوم فقري قال هل عليك دين
697
قال لا فأمر عمر رضي الله عنه له بوقر بعير تمراً وبثوبين فقال أما الثوبان فاقبلهما وأما التمر فلا حاجة بي إليه لأني قد تركت عند أهلي صاعاً من الشعير وهو مبلغهم إلى وقت ثم انصرف عمير إلى أهله فقال ما لبث أن توفي فجزع عليه عمر رضي الله عنه وقال لأصحابه تمنوا فتمنوا فقال لكني أتمنى رجالاً مثل عمير استعين بهم على أمور المسلمين
698
الروضة الثانية

ما حكاه الأصمعي قال ركب النعمان بن أمرئ القيس بن عمرو الأكبر حتى أشرف على الخورنق وهو الذي بناه فلما نظر


699
إلى ما حوله وكان في فصل الربيع وقد أخذت الأرض زينتها فرح طرفة ملياً فيما حوله وكان معجباً بالشقائق التي يقال لها شقائق النعمان ومن أجل إعجابه بها وتتبعه لها في الرياض نسبت إليه قال وكان هناك روضة شقائق فلما تأملها ورأى حسن تنضد الشقيق في منابته وقنو حمرته وخضرة سوقه وميسه وهبوب النسيم عليه وتناثر القطر في أرجائه ارتاح قلبه إليه فأمر أن يبسط له بإزاء تلك الروضة بساط وشى من الحرير المخمل فكان البساط كأنه روضة مختلفة بأصناف النوار وضربت عليه قبة من الديباج الأحمر منضدة من الحشايا بما يضاهيها ويجانسها في
700
00 لونها ولبس من ثياب الحرير افضل ما عنده ثم جلس في تلك القبة مواجهاً لتلك الروضة وعنده أكابر قواده وخواص مملكته ووجوه رعيته وفيهم عدي بن زيد قال فأعجب الملك بما هو فيه فقال لجلسائه هل رأيتم مثل ما أنا فيه أو علمتم أن أحداً أوتي مثل ما أوتيت قالوا لا أيها الملك ما رأينا مثلك وعدي بن زيد ساكت لا يتكلم فنظر إليه الملك مستدعياً لكلامه فقال عدي أيها الملك إن أذنت لي تكلمت فقال تكلم قال أرأيت ماجمعت أشيء هو لك لم يزل أم شيء كان لمن كان قبلك زال عنه وصار إليك قال بلى كان لمن كان قبلي ثم صار إلي قال أفيزول عنك إلي غيرك أم يبقى إليك قال بلى يزول
701
01 عني ويصير إلي غيري قال فأراك أيها الملك سررت بشيء تذهب عنك لذته ويبقى عليك تبعته تكون فيه قليلا وترتهن فيه طويلا قال فبكى النعمان وقال له يا عدي فأين المهرب قال أحد أمرين الأول أن تقيم في ملكك وتعمل بطاعة ربك على ما سرك وساءك والثاني أن تضع تاجك وتخلع أطمارك وتلبس أمساحك ثم تلحق ببعض الجبال وحدك تعبد ربك حتى يأتيك أجلك قال إذا فعلت ذلك فمالي عنده قال حياة لاتموت وشباب لايهرم وصحة لاتسقم وملك جديد لايبلى قال وكل ما أرى إلى فناء وزوال قال نعم قال فأي خير فيما يفنى ويزول ثم إنه ركب من موضعه وسار طالبا قصره وإلى جانبه عدي بن زيد فأتوا على مقبرة فقال عدي أتدري ما تقول هذه المقبرة أيها الملك قال لا قال إنها تقول

( أيها الركب المحثون

على الأرض المجدون )

( كما أنتم كذا كنا

كما نحن تصيرون )

قال ثم ساروا فمروا بشجرات متناوحات عند عين جارية فقال عدي أيها الملك أتدري ما تقول هذه الشرجات قال لا قال إنها تقول


702
02

( من رآنا فليحدث نفسه

أنه موف على قرن زوال )

( وصروف الدهر لايبقى لها

ولما تأتي به صم الجبال )

( رب ركب قد أناخوا حولنا

يشربون الخمر بالماء الزلال )

( عمروا دهرا بعيش حسن

أفن ربي دهرهم غير عجال )

( ثم أضحوا عصف الدهر بهم

وكذاك الدهر حالا بعد حال )

فلما انتهى الملك إلى قصره التفت إلى عدي وقال قد علمت أن المقبرة والشجرات لا يتكلمن وإنما قصدت بذلك عظتي وقد حصلت الموعظة فإذا كان السحر أحضر عندي فإن عندي خيرا حتى أطلعك عليه فلما كان وقت السحر حضر عنده عدي فوجده قد لبس مسوح الشعر وأخذ أهبة السياحة فودع عديا ثم ارتقى إلى جبل فلم يزل هناك يعبد ربه حتى لحق به رحمه الله تعالى


703
03
الروضة الثالثة

ما روى نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم قال كان فيمن سلف ملك دان له الناس فلما أعجب بملكه قال لوزرائه وقهارمته ابنوا لي دارا لايكون فيها عيب ففعلوا ذلك قال اتخذوا لي فيها طعاما لايكون فيه عيب ففعلوا ذلك وأمر أن يدعى الناس إلى طعامه في تلك الدار ثم أقعد بالباب رجلين وأمرهما أن يسألا كل من خرج من الدار هل رأى فيها عيبا أو في الطعام قال فمر بهما رجلان عليهما ثياب الشعر فسألاهما فقالا نعم رأينا في الدار عيبين قبيحين قال وما هما قالا رأينا دارا تخرب


704
04 وصاحبها يموت فمضيا وأخبر الملك بما قالا فأحضرهما وسألهما فذكرا له ذلك فأطرق الملك ساعة ثم قال لهما فهل تعرفان دارا لا تخرب ولا يموت صاحبها قال نعم قال وأين هي فقالا هي دار الله تعالى ربنا وربك وهي الجنة التي يدوم نعيمها ولا يزول ملكها قال فصفاها لي فوصفاها له قال وبأي شيء تنال هذه الدار فقالا بعبادة الله تعالى والانقطاع إليه قال وكيف تكون العبادة فشرحا له الدين فوقع في قلبه أنه الحق فقال لهما أقيما عندي هذه الليلة حتى أنظر فيما ذكرتماه لي فإن أقمت في ملكي جعلتكما وزيرين لا أعصيكما وإن خرجت منه تبعتكما على أمركما ثم قام فدخل على ابنه له وكانت عاقلة فهمة فقص ما ذكراه له

وأخبرهما أنه تارك لملكه وخارج معهما فقالت يا أبتي تنجي نفسك وتتركني أهلك قال يا بنية أنت عورة فكيف أصنع بك فقالت إني أكف شخصي فلا يعلم أحد أذكر أنا أم أنثى قال فاخلعي ثيابك واحترمي ففعلت ذلك وخرجت مع أبيها إلى الرجلين فقال لهما سيروا بنا ما دام علينا ظلام الليل وهذا ولدي معي فساروا حتى قطعوا المدينة وخرجوا منها ثم ساروا حتى جاوزوا مملكة ذلك الملك ثم ساروا حتى بلغوا إلى دير فقالا له هذا موضعنا الذي نعبد ربنا فيه فدخلوا إليه جميعا فأقام عندهما مدة طويلة يتعلم منهما الدين وأحكام الشريعة ثم تجهز للخروج عنهما فقالا له ما شأنك هل آذاك أحد منا قال لا ولكني أراكما تكرماني لما كنت فيه من الملك فأريد أن آتي موضعا لا أعرف فيه


705
05 فأكون في غمار الناس فتركاه ومضى حتى أتى ديرا كبيرا كثير الأهل فيه مساكن كثيرة فقال هل من منزل فقيل له ادخل فدخل واختار مسكنا فكان هو وابنته يعبدان الله تعالى فيه وكان لأهل ذلك الدير مزرعة وعلى كل رجل من سكان الدير حراستها سنة كاملة فبلغت النوبة إلى الشيخ وكان مريضا فقيل له في ذلك فقال إن عذري واضح فقالت له ابنته يا ابت انا أخرج عنك فخرجت إلى المزرعة وهي مستترة فما كان يراها الناس إلا قائمة تصلي أو في أمر هي به مغتبطة قال وكان بقربهم دير صغير ينسب إلى رجل بعينه وكانت له أبنة جميلة فجاءت تلك الابنة فاتصلت بها وهي تظن أنها غلام فجعلت تعرض عليها نفسها وجعلت تلك تعتصم بها من شرها فلما رأت الجارية أنها لا تفعل قالت والله لاهلكنك ولاهلكن أباك ثم أنها ذهبت إلى راعي فأمكنت نفسها منه فحملت فلما عظم بطنها قال لها أبوها ما هذا قالت إني كنت عند ولد الشيخ مطمئنة إليه لما رأيت من كثرة عبادته واجتهاده وكان هذا منه فجاء أبوها واهل ديره فأخبروا أهل ذلك الدير الكبير بذلك وقالوا لا ينبغي أن يكون هذا الشيخ وولده عندكم وهموا بإخراجه إلا أنه لشدة مرضه لم يقدروا على ذلك ثم توفى الشيخ مكانه فلم يأخذوا في جهازه فقال علماؤهم إنه لا ذنب له فاغسلوه وكفنوه وادفنوه واطردوا ابنه فلا يدخل ديركم ففعلوا ذلك فقال دعوني ابني لي بيتا في الصحراء أحرس نفسي فيه من السباع فبنت لها بيتا فكانت فيه تعبد الله تعالى وتزور قبر أبيها حتى كانت ليلة من الليالي مر بها رجل من
706
06 أهل الدير فإذا باب بيتها مفتوح فناداه يا فتى فأجابته بصوت ضعيف فقال أحسبك مريضا قال نعم قال فهل لك حاجة قال نعم إذا انا مت فلا تكشفوني ولا تنزعوني أثوابي واغسلوني فيها وادفنوني إلى قبر ابي فقد حفرت إلى جانبه قبرا ثم أصبحوا فإذا قائل يقول مات الفتى ولد الشيخ فقال علماؤهم لا نغير سنتنا أبعثوا إليه من يغسله مجردا من ثيابه ثم كفنوه وادفنوه إلى جانب قبر أبيه كما اوصى قال فلما جاء الرجال فكشفوا عنها ليغسلوها فوجدوها امرأة فغطوها وتنادوا في الدّير إن الذي طردتموه إنما هو امرأة فابعثوا إليها النساء فغسلوها فلما جهزوها حشدوا إلى الصلاة عليها جميع من في تلك الأرض ثم دفنوها إلى جانب قبر أبيها قال عبد الله بن عمر فلقد كان اهل تلك الناحية إذا قحطوا جاؤوا إلى قبريهما فاستقوا الله تعالى فيسقون والله سبحانه وتعالى أعلم
707
07
الروضة الرابعة

ما حكي أن ملكا من اليونان قام من منامه في بعض الغدوات فأتته القيمة على ملابسه بثيابه فلبسها ثم ناولته المرآة فنظر فيها وجهه فرأى في لحيته شعرة بيضاء فقال لها هات المقراض فأتته به فقصها فتناولتها الجارية وكانت حكيمة لبيبة عاقلة فوضعتها في كفها وأصغت إليها بأذنها والملك ينظر إليها فقال ما هذا الذي تصنعين قالت استمع ما تقول هذه الشعرة التي عظم مصابها بمفارقة الكرامة لما سخطها الملك فأقصاها فقال الملك وما الذي سمعت من قولها فقالت زعم


708
08 قلبي أنه سمعها تقول كلاما لا يجترىء عليه لساني خوفا من سطوة الملك فقال لها الملك قولي ما شئت آمنة إن لزمت قانون الحكمة فقالت إنها تقول أيها المسلط إلى أمد قصير إني كنت قد علمت منك البطش بي والاعتداء علي إذا ظهرت على ظاهر بشرتك فلم أظهر في وقتي هذا حتى عهدت إلى أخواتي من بعدي في الأخذ بثأري منك أما باستيصالك وأما بتنغيص لذتك وتنقيص قوتك حتى تعد الموت راحة لك قال فقال لها الملك اكتبي كلامك فكتبته له في لوح فجعل يتدبره ساعة ثم نهض مبادرا فأتى هيكلا من هياكلهم فنزع عنه تاجه وثياب الملوك وتزيا بزي النساك وبلغ ذلك أهل مملكته فبادروا إليه وطالبوه بأن يعود إلى ملكه وتدبيره فامتنع عليهم وسألهم إقالته وتمليك غيره فامتنعوا عليه وهموا بأخذه قهرا فاصطلح أهل الهيكل معهم على أن يتركوه في الهيكل يعبد ربه ويستنيب غيره فيما يستناب في مثله من الأمور ويلي هو غير ذلك من الأمور العظام بنفسه مع إقامته في الهيكل فلبث على هذا الأمر حتى قبضه الله الله تعالى إليه
709
09
الروضة الخامسة

ما حكاه أبو عبد الله محمد بن أبي محمد بن ظفر الحجازي رحمه الله تعالى أن ملكا من ملوك الآن كان كافرا عاتيا متكبرا حديث


710
0 السن مستحكم الغرة وكان إذا ركب لم يرفع أحد صوته إلا بالثناء عليه وكان له وزير مؤمن بالله تعالى قد أدرك بعض حواري المسيح وهو يكتم إيمانه ويتحين وقتا يمكن فيه دعوة الملك إلى الله تعالى فركب الملك يوما فسمع شيخا رافعا صوته لبعض شأنه فقال لبعض الأعوان خذوه فلما أخذوا ذلك الشيخ قال إن ربي الله فقال الوزير خلوا عنه فخلى عنه الأعوان فاشتد غضب الملك على الوزير ولم يمكنه الإنكار عليه في ذلك المقام فسكت ليوهم الناس أن الوزير فعل ذلك بأمره فلما عاد الملك إلى قصره أحضر الوزير وقال له

ما دعاك إلى مناقضة أمري بمشهد من عبيدي فقال له الوزير إن لم يعجل الملك علي أريته وجه نصحي له وشفقتي عليه فيما أتيته فقال الملك أرني ذلك فإني لا أعجل عليك فقال الوزير أسأل الملك أن يختبي في مجلسه هذا خلف حجاب ويكون بحيث يرى ويسمع ما يكون مني فقعد الملك لذلك ثم إن الوزير أحضر قوسا جيدة صنعها للملك بعض خدمه وكتب الصانع اسمه عليها فأعطى القوس غلاما له وقال له إني سأحضر صانع هذه القوس فإذا حضر وحادثته فاقرأ أنت اسم صاحبها جهلا حتى تعلم أنه قد سمعك ثم أكسرها وهو ينظر إليك فحضر القواس وفعل الغلام ما أمره به الوزير فلما كسر القوس لم يتمالك صانعها أن


711
ضرب الغلام فشجه فقال الوزير أتضرب غلامي بحضرتي قال نعم لأنه كسر القوس التي هي صنعتي وعملي وهي في نهاية الجودة والحسن فلأي شيء كسرها وهو يعلم أنها صنعتي قال الوزير فلعله ما علم أنها صنعتك قال بلى إن القوس قد أخبرته أنها صنعتي قال الوزير أرأيت قوسا تخبر قال نعم إن اسمي كان مكتوبا عليها وقد قرأه وأنا أسمع ثم إن الوزير صرف الصانع والغلام ثم قال للملك قد أوضحت لك نصحي وإشفاقي عليك وذلك أنك لما أردت البطش بالشيخ أخبرك أن الله ربه فخفت عليك من ربه أن يغضب له كما غضب هذا القواس لقوسه فقال له الملك وهل للشيخ رب غيري قال الوزير ألم يره الملك شيخا والملك شاب فهل كان قبل أن يولد الملك لا رب له فقال الملك إن أبي كان ربه قال الوزير فما بال الرب هلك والمربوب بقي فسكت الملك ساعة ثم قال الآن علمت أن للملك والمملوك ربا لا يزول فهل تعرفه قال الوزير نعم أعرفه قال صفه لي ودلني عليه فشرع الوزير يشرح له صفات الخالق وأوضح له الدلالة على ذلك فانشرح صدر الملك للإيمان فآمن بالله تعالى فلما رسخ في قلبه
712
التوحيد قال له أما لربنا خدمة نتقرب إليه بها قال إنه غني عن كل شئ قال فما أمرنا بشيء إذا فعلنا حظينا عنده قال بلى إن له وظائف أمرنا بها ورضي لنا فعلها ووعدنا عليها رضوانه والقرب منه فسأله عنها فذكر له الصلاة والصيام وغيرهما من شرائع المسيح عليه السلام

فعرفها الملك وراض نفسه بها حتى صارت له طبعاً ثم قال يوماً للوزير مالك لا تدعو الناس إلى الله تعالى كما دعوتني فقال لأن الأمة ذات قلوب قسية وفهوم قصية ونفوس عصية ولست آمنهم على نفسي فقال الملك أنا أفعله إن لم تفعله أنت فقال الوزير ليعلم الملك أنهم إن لم تردهم هيبته عني لم تردهم عنه وسأقيه بنفسي آيساً من النجاة فليحذرهم الملك على نفسه إن اجترؤا بالقتل ثم إن الوزير أحضر وجوه أهل تلك المملكة وولاة أحكام رعاياه وأفاضلها فلما اجتمعوا في منزله قام فيهم خطيباً ثم بالدعوة إلى التوحيد فتواثبوا عليه فقتلوه ثم أتوا إلى الملك فأخبروه بما كان من وزيره فأظهره لهم الرضى بقتله فانقلبوا عنه راضين ثم إن الملك ضاق صدره على وزيره فلما كان الليل لبس مسح الشعر والتحق بالرهبان ونبذ ما كان فيه من الملك ولم يزل يعبد الله حتى قضى نحبه


713

وهذه حكايات الطبقة الثانية من الملوك وهي خمس روضات أيضاً

الروضة الأولى
ما حكاه مالك بن أنس رضي الله عنه أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لما ولي الخلافة دخل عليه محمد بن كعب عنده هشام بن مصاد وقد وعظه فأبكاه فقال له محمد ما الذي أبكاك يا أمير المؤمنين قال أبكاني هشام حين ذكرني وقوفي بين يدي ربي فقال له محمد يا امير المؤمنين إنما الدنيا سوق من الأسواق فمنها خرج الناس بما نفعهم ومنها خرجوا بما ضرهم فلا تكن من قوم قد غرهم منها مثل الذي أصبحنا
714
فيه حتى أتاهم الموت فاستوعبهم فخرجوا منها ملومين لم يأخذوا لما أحبوه من الآخرة عدة ولا لما كرهوا جنة فاقتسم ما جمعوا من لا يحمدهم وصاروا إلى من لا يعذرهم فانظر يا أمير المؤمنين إلى تلك الأعمال التي تغيظهم بها فاخلفهم فيها وإلى الأعمال التي تتخوف عليهم منها فكف عنها وانظر إلى الذي تحب أن يكون معك إذا قدمت على ربك فاصنع منه وابدل حيث يوجد البدل ولا تذهبن إلى سلعة قد بارت على من كان قبلك ترجو أن تجوز عنك فاتق الله يا أمير المؤمنين وافتح الباب وسهل الحجاب وانصر المظلوم واردع الظالم يا أمير المؤمنين ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان من إذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل وإذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق وإذا قدر لم يتناول ما ليس له قال فاشتد بكاء عمر بن عبد العزيز وعلا نحيبه قال
715

اللهم أعني على ما ابتليتني به من أمر عبادك وبلادك وارزقني فيهم العمل بطاعتك واختم لي بخير منك وعافية منه


716
الروضة الثانية

ما حكي أن سليمان بن عبد الملك لما قدم المدينة أقام بها ثلاثا فقال ما ها هنا رجل ممن أدرك الصحابة يحدثنا فقيل له إن ها هنا رجلا عابدا من التابعين اسمه أبو حازم أدرك جماعة من أصحاب رسول الله A ونقل عنهم الأحاديث فبعث إليه فلما جاءه واستقر به المجلس قال له سليمان يا أبا حازم ما لنا نكره الموت


717
قال لأنكم أخربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم فأنتم تكرهون النقلة من العمران إلى الخراب قال صدقت يا أبا حازم فكيف القدوم على الله تعالى قال أما المحسن فكغائب يقدم على أهله وأما المسيء فكالعبد الآبق يقدم على مولاه قال فبكى سليمان وقال ليت شعري ما لنا عند الله يا أبا حازم فقال إعرض نفسك على كتاب الله تعالى فإنك تعلم مالك وما عليك قال وأين أصيب ذلك من كتاب الله قال عند قوله تعالى (إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم) قال يا أبا حازم فأين رحمة الله تعالى قال (قريب من المحسنين) قال فبكى سليمان وأطرق ساعة ثم رفع رأسه إليه وقال يا أبا حازم من أعقل الناس قال من تعلم الحكمة وعلمها الناس قال فمن أحمق الناس قال من دخل في هوى رجل ظالم
718
فباع آخرته بدنيا غيره قال فما تقول فيما نحن فيه فقال أعفني من هذا السؤال قال سليمان إنما هي نصيحة بلغتها فقال إن ناسا أخذوا هذا الأمر من غير مشورة من المسلمين ولا إجماع من رأيهم فسفكوا الدماء على طلب الدنيا ثم ارتحلوا عنها فليت شعري ما قالوا وما قيل لهم فقال رجل من جلسائه بئس ما قلت يا شيخ قال أبو حازم كذبت والله يا جليس السوء إن الله تعالى أخذ الميثاق على العلماء (ليبينه للناس ولا يكتمونه) فقال سليمان يا أبا حازم كيف لنا على الصلاح قال تدع التكلف وتتمسك بالنصفة قال فكيف طريق المأخذ لذلك قال تأخذ المال من حله وتضعفه في أهله قال ومن يقدر على ذلك
719

قال من قلده الله تعالى من الأرض ما قلدك

قال أصحلبنا يا أبا حازم تصيب منا ونصيب منك قال أعوذ بالله من ذلك قال ولم ذاك قال أخاف أن أركن إليكم شيئا قليلا فيذقني ضعف الحياة وضعف الممات قال يا أبا حازم فدلني على ما أصنع قال اتق الله أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك قال ادع لنا يا أبا حازم قال اللهم إن كان سليمان وليك فيسره لخير الدنيا والآخره وإن كان عدوك فخذ بناصيته إلى فعل الخير واصلحه في الدنيا والآخره فقال سليمان يا غلام أعط أبا حازم مائة دينار ليقضي بها دينه قال لاحاجة بي إليها فإني أخاف أن تكون عوضا عن كلامي فيكون أكل الميتة أحب إلي من أخذها ثم نهض فخرج من عنده فلما كان من الغد بعث إليه


720
0 فأحضره عنده فلما دخل عليه قال يا أبا حازم عظنا عظة ننتفع بها قال إن هذا الأمر لم يصر إليك إلا بموت من كان قبلك وهو خارج من يدك بمثل ما صار إليك فبكى سليمان وكان يسقط على جنبه فلما أفاق قال أبو حازم إنما أنت سوق فما نفق عندك حمل إليك من خير أو شر فاختر لنفسك أيهما شئت قال سليمان إرفع إلي حوائجك يا أبا حازم قال هيهات فإني قد رفعتها إلى من لا تحتجب دونه الحوائج فما أعطاني منها قنعت وما منعني منها رضيت وذلك أني نظرت في هذا الأمر فإذا هو على قسمين أحدهما لي والآخر لغيري أما ما كان لي فلو أني احتلت فيه بكل
721
حيلة ما وصلت إليه قبل أوانه الذي قدر لي فيه وأما الذي لغيري فذلك الذي لاتطمع نفسي فيه وكما منع غيري من رزقي كذلك منعت أنا من رزق غيري ثم تركه وانصرف قال فما برح سليمان بعد ذلك متواضعا حتى مات
722
الروضة الثالثة

ما حكاه أبو القاسم عبد العزيز بن حسن بإسناده أن أمير المؤمنين المنصور بعث إلى الأوزاعي وهو بالساحل فأحضره عنده فلما استقر


723
به المجلس فالله المنصور ما الذي أبطأ بك عنا يا أوزاعي قال وما الذي تريد مني يا أمير المؤمنين قال أريد الأخذ عنك والاقتباس منك قال يا أمير المؤمنين لا تجهل شيئا مما أقوله لك قال وكيف لا أجهله وأنا أسألك عنه قال يا أمير المؤمنين تسمعه ولا تعمل به قال فصاح به الربيع وأهوى إليه بيده إلى السيف فانتهره المنصور وقال هذا مجلس مثوبة لا مجلس عقوبة فقال الأوزاعي رحمه الله يا أمير المؤمنين حدثنا مكحول عن عطية قال قال رسول الله صلى الله عليه
724
وسلم أيما عبد جاءته موعظة من الله في دينه فإنها نعمة من الله تعالى سيقت إليه فإن قبلها بشكر وإلا كانت حجة من الله عليه ليزداد بها إثما ويزداد الله بها عليه سخطا وقد بلغني يا أمير المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أيما وال بات غاشا لرعيته حرم الله عليه الجنة

يا أمير المؤمنين من كره الحق فقد كره الله تعالى لأن الله هو الحق المبين


725

يا أمير المؤمنين إن الذي لين لك قلوب الأمة حتى ولاك أمورهم لقرابتك من نبيه ص ‌ لحقيق أن يقوم لهم فيهم بالحق وأن يكون بالقسط فيهم قائما ولعوراتهم ساترا فلا تغلق عليك دونهم الأبواب ولا تقيم عليك دونهم الحجاب وابتهج بالنعمة عندهم وابتئس لما أصابهم من مكروه يا أمير المؤمنين لقد كنت في شغل شاغل من خاصة نفسك عن عامة الناس الذين أصبحت تملك أحمرهم وأسودهم مسلمهم وكافرهم وكل له عليك نصيب من العدل فكيف بك إذا بعثك الله يوم القيامه وليس منهم أحد إلا وهو يشكو بلية أدخلتها عليه أوظلامة سقتها إليه يا أمير المؤمنين حدثني مكحول قال كانت بيد رسول الله A جريدة يستاك بها ويروع بها المنافقين فأتاه جبريل عليه السلام فقال يا محمد ما هذه الجريدة التي كسرت بها قلوب أمتك وملأت قلوبهم بها رعبا فكيف بمن شقق أستارهم وسفك دماءهم وخرب ديارهم وأخذ أموالهم وأجلاهم عن بلادهم وأذاقهم الخوف يا أمير


726
المؤمنين حدثني مكحول عن زياد بن جارية عن حبيب بن مسلمة أن رسول الله A دعا إلى القصاص من نفسه من خدشه أعرابيا لم يتعمده فأتاه جبريل عليه السلام فقال يا محمد إن الله تعالى لم يبعثك جبارا ولا متكبرا فدعى رسول الله A الأعرابي فقال اقتص مني فقال الأعرابي إني قد أحللتك يا رسول الله بأبي أنت وأمي وما كنت لأفعل ذلك أبدا فدعى رسول الله A له بالخير

يا أمير المؤمنين رض نفسك بنفسك وخذ لها الأمان من ربك وارغب في جنة السموات والأرض التي يقول فيها رسول الله ص ‌


727

لقاب قوس أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها

يا امير المؤمنين إن الملك لو بقي لمن كان قبلك لم يصل إليك وكذا لا يبقى لك كما لم يبق لغيرك يا أمير المؤمنين أتدري ما جاء في تأويل قول الله تعالى ( مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) قال رسول الله ص ‌ الصغيرة التبسم والكبيرة الضحك

فكيف بما عملته الأيدي وحصدته الألسن يا امير المؤمنين بلغني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لو ماتت سخلة على الشاطئ الفرات ضيعة لخشيت أن أسأل عنها فكيف بمن حرم عدلك وهو على بساطك يا أمير المؤمنين أتدري ما جاء في تأويل هذه الآية عن جدك عبد الله بن عباس رضي الله عنهما (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس


728
بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) قال يا داود إذا جعلناك خليفة وقعد الخصمان بين يديك وكان لك في احدهما هوى فلا تميز أن يكون الحق له فيفلج على صاحبه فأمحوك من نبوتي يا داود إنما جعلت رسلي إلى عبادي رعاة كرعاة الإبل لعلمهم بالرعية ورفقهم بالسياسة الذين يجبرون الكسير ويرعون الهزيل على الكلأ والماء

يا أمير المؤمنين إنك قد بليت بأمر لو عرض على السموات والأرض والجبال لأبين أن يحملنه وأشفقن منه وقد حدثني يزيد بن جابر عن عبد الرحمن بن عمرة الأنصاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه


729
استعمل رجلاً من الأنصار على الصدقة فرآه بعد أيام مقيماً فقال له ما منعك من الخروج إلى عملك أما علمت أن لك فيه مثل أجر المجاهدين في سبيل الله قال لا قال فكيف ذاك قال لأنه بلغني أن رسول الله ص ‌ قال

ما من والٍ يلي شيئاً من أمور المسلمين إلا اتى به يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه فيوقف على جسر من النار فينتفض به الجسر انتفاضة يزيل بها كل عضو منه عن موضعه ثم يعاد فيحاسب فإن كان محسناً نجا بإحسانه وإن كان مسيئاً انخرق به ذلك الجسر فهوى فيه في النار سبعين خريفاً فقال له عمر ممن سمعت هذا قال من أبي ذر


730
0 وسلمان فأرسل إليهما عمر رضي الله عنه فقالا نعم سمعنا من رسول الله ص ‌ فبكى عمر رضي الله عنه فقال واعمراه من يتولاها بما فيها فقال أبو ذر من جدع الله أنفه والصق خده بالأرض قال فبكى المنصور وأخذ المنديل فوضعه على وجهه وجعل ينتحب في بكائه حتى أبكى الحاضرين فأمسك الأوزاعي ساعة ثم قال يا أمير المؤمنين إن جدك العباس سأل رسول الله ص ‌ إمارة على مكة والطائف واليمن فقال رسول الله ص ‌ يا عم النبي نفس تحييها خير لك من إمارة لا تحصيها وهذه نصيحة منه لعمه وشفقة منه عليه يا أمير الؤمنين بلغني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال
731
الأمراء أربعة أمير ظلف نفسه وعماله فذلك كمالمجاهد في سبيل الله تعالى يد الله باسطة عليه بالرحمة وأمير فيه ضعف ظلف نفسه وارتع عماله بضعفة فهو على شفا هلاك إلا أن يرحمه الله تعالى وأمير ظلف عماله وأرتع نفسه فذلك هو الحطمة الذي قال رسول الله ص ‌ شر الرعاة الحطمة الهالك وحدة وأمير أرتع نفسه وعماله فهلكوا جميعاً

وقد بلغني يا أمير المؤمنين أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال


732
اللهم إن كنت تعلم اني أبالي إذا قعد الخصمان بين يدي على من كان الحق معه من قريب أو بعيد فلا تهملني طرفة عين

يا امير المؤمنين إن أشد الشدة القيام لله تعالى بحقه وإن أكرم الكرم عند الله التقوى وإنه من طلب العز بطاعة الله رفعه الله وأعزه ومن طلبه بمعصية الله وضعه الله تعالى وأذله وهذه نصيحتي إليك والسلام عليك ورحمة الله فلما سكن عن المنصور البكاء رفع رأسه إليه وقال يا أوزاعي أنت المقبول القول غير متهم في النصيحة وقد سمعناها منك فصادفت


733
قبولاً إن شاء الله تعالى والله الموفق للخير والمعين عليه يا ربيع إدفع إلى الأوزاعي ما يستعين به على زمانه قال يا أمير المؤمنين إني في غني عن ذلك ما كنت أبيع نصيحتي بشيء من عرض الدنيا ثم إنه ودع المنصور وانصرف
734
734
الروضة الرابعة
ما حكاه ابن عبد ربه قال قدم أمير المؤمنين المنصور مكة حاجاً فنزل في دار الندوة وكان يخرج في آخر الليل إلى الطواف فيطوف ويصلي ولا يعلم به احد من الناس فإذا طلع الفجر رجع إلى دار الندوة وجاء المؤذنون فسلموا عليه ثم تقام الصلاة فيصلي بالناس قال فخرج ذات ليلة حين أسحر فبينما هو يطوف إذ سمع رجلاً عند الملتزم وهو يقول اللهم أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحول
735
بين الحق واهله من الظلم والطمع قال فأسرع المنصور في مشيه حتى ملأ مسامعه من قوله فرجع فجلس ناحية من المسجد وأرسل إليه فدعاه فلما حضر قال له المنصور ما هذا الذي سمعتك تقول من ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحول بين الحق واهله من الطمع

فقال الرجل إن أمنتني على نفسي أنبأتك بالأمور من أصلها قال له المنصور أنت آمن على نفسك فقال الرجل يا أمير المؤمنين إن الله تعالى استرعاك أمور المسلمين وأموالهم فأهملت أمورهم واهتممت بجمع أموالهم وجعلت بينك وبينهم حجاجاً من الجص والآجر وأبواباً من الحديد وحجبة معهم السلاح ثم سجنت نفسك فيها وبعثت عمالك في جمع الأموال وجبايتها واتخذت وزراء ظلمة وأعواناً غشمة إن


736
نسيت لم يذكروك وإن أحسنت لم يعينوك ثم قويتهم على ظلم الناس إلا فلان وفلان نفر سميتهم ولم تأمر بإدخال المظلوم ولا الملهوف ولا الجائع ولا العاري ولا الضعيف الفقير ولا أحد إلا وله في هذا المال حق فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك وآثرتهم على رعيتك قد صنعت هذا كله قالوا هذا قد خان الله فما بالنا لا نخونه وقد سخره الله لنا فائتمروا على أن لا يوصلوا من أخبار رعيتك إلا ما أرادوا ومتى أخرجت عاملاً فخالفهم في أمر أقصوه وأبعدوه وبلغوك عنه المكروه حتى يسقط من عينك فلما اشتهر ذلك عنهم أعظمهم الناس وهابوهم فكان أول من صانعهم بالهدايا والأموال عمالك ليتفقوا على ظلم الرعية ثم فعل ذلك أهل القدرة والثروة من رعيتك لينالوا ظلم من هودونهم من الرعية فامتلأت بلاد الله بالطمع بغياً وفساداً وصار هؤلاء القوم شركاؤك في سلطانك وأنت غافل فإن جاء متظلم حيل بينه وبين الدخول إليك وإن أراد قصة إليك عند ظهورك لم يأخذها أحد وإن أخذها لم يوصلها إليك وإذا استغاث بك مظلوم بأعلا صوته ضربوه ضرباً شديداً فما بقاء الإسلام بعد ذلك ولقد كان بنوا أمية لا ينتهي
737
إليهم المظلوم إلا رفعت ظلامته وكان الرجل يأتي من أقصى البلاد حتى يبلغ باب سلطانهم فيتنادى بأعلا صوته يا أهل الأسلام فيبتدرون إليه ويقولون مالك مالك فيدفعون ظلامته إلى سلطانهم فينصف بينه وبين ظالمه

ولقد كنت يا امير المؤمنين أسافر إلى بلاد الصين وبها ملك قد ذهب سمعه فجعل يبكي فقال له وزراؤه لابكت عيناك أيها الملك مم بكاؤك فقال لست أبكي على ذهاب سمعي وأنما أبكي لأن المظلوم يقف بالباب يصرخ فلا أسمعه ثم قال لئن كان ذهب سمعي فما ذهب بصري نادوا في الناس لا يلبس ثوباٌ أحمر إلا مظلوم وكان يركب في كل يوم فيله ويخرج لعله يرى مظلوماً هذا يا أمير المؤمنين مشرك بالله تعالى قد غلبت عليه الرأفه على المشركين وأنت مؤمن بالله تعالى وابن عم نبيه لاتغلبنك رأفتك بالمسلمين على شح نفسك فما تقول إذا نزع الله منك ملك الدنيا ودعاك إلى الحساب هل ينفعك الندم إذا زلت بك القدم قال فبكى المنصور وأعلن بالنحيب ثم قال يا ليتني لم أخلق ثم قال كيف احتيالي ولم أر من الناس إلا خائناً فقال الرجل يا أمير المؤمنين عليك بالأئمة المرشدين قال ومن هم قال العلماء قال فقد فروا عني وهربوا مني قال إنما فروا عنك وهربوا مخافة أن تحملهم على ماظهر منك من قبل عمالك


738
ولكن افتح الباب وسهل الحجاب وانصر المظلوم وخذ االمال من حله واقسمه في أهله وأنا ضامن لك أن من هرب منك يأتيك فيعاونك على صلاح أمرك

فقال المنصور اللهم وفقني أن أعمل بما قال هذا الرجل ثم جاء المؤذنون فسلموا عليه وأقيمت الصلاة فخرج يصلي بالناس وقال للحرس عليك بحفظ هذا الرجل حتى أفرغ من الصلاة فلما فرغت الصلاة التفت الحرس يطلب الرجل في موضعه فلم يره فأخبر المنصور بذلك فاشتد غضبه على الحرس وقال لئن لم يأتني به لأضربن عنقك فخرج الحرس يطوف عليه وإذا به في بعض الشعاب قائم يصلي الضحى فقال له أجب أمير المؤمنين قال ليس إلى ذلك من سبيل قال لأنه قد زعم ليضربن عنقي إن لم آته بك قال إنه لن يقدر على ذلك ثم أخرج من جبته رقعة مكتوبة وقال اجعل هذا في جيبك فإن فيها دعاء الفرج


739
فإنه إذا رآك ذهب غيظه وخشع قلبه وأوصل إليك ما يسرك فقال له الحرس يرحمك الله فما دعاء الفرج قال من دعا به صباحا ومساءً ذهبت ذنوبه ودام سروره وبسط الله في رزقه وأعانه على عدوه وكان امناً من ظلم الجبارين ولايموت إلا شهيداً قال الحرس ثم كأنه حصاة ملح ذابت فلم أر له أثراً فرجع الحرس إلى المنصور فلما دخل عليه نظر إليه وتبسم وقال ويلك أتحسن السحر قال لا والله ياأمير المؤمنين ولكني وجدته وكان من حديثه كذا وكذا فقال المنصور ادفع إلي الرقعة فدفعها إليه فنظر فينها وجعل يبكي ثم أمر بنسخها وأمر للحرس بعشرة الاف درهم وقال أتعرفون من كان الرجل قال الحاضرون لا يا أمير المؤمنين قال ذاك هو الخضر عليه السلام ثم دفع الرقعة إلى من قرأها على الحاضرين فكان فيها اللهم
740
0
741
كما لطفت بقدرتك دون اللطفاء وعلوت بعظمتك على العظماء وعلمت ما تحت أرجل ارضك كعلمك بما فوق عرشك وكانت الوساوس كالعلانية عندك وعلانية القول كالسر في علمك وانقاد كل شيء لعظمتك وخضع كل ذي سلطان لسلطانك وصار أمر الدنيا والآخر كله بيدك اجعل لي من كل هم أمسيت فيه فرجاً ومخرجاً اللهم إن عفوك عن ذنوبي وتجاوزك عن خطيئتي وسترك عن قبيح عملي أطمعني أن أسألك مالاً استوجبه مما قصرت فيه أدعوك امناً وأسألك مستأنساً وأنت المحسن إلي وأنا المسيء إلى نفسي فيما بيني وبينك تتودد إلي وأتبغض إليك ولكن الثقة بك حملتني على الجرأة عليك فعد بفضلك وأحسانك علي وأنت التواب الرحيم قال فلما رجع المنصور إلى بغداد استبدل عماله وحجابه ثم إنه فتح الباب وسهل الحجاب ولم يزل عاملاً بقوله حتى مات
742
الروضة الخامسة

ما حكاه الفضل بن الربيع قال لما حج الرشيد حججت معه فبينما أنا نائم ذات لية إذا سمعت قرع االباب فخرجت فوجدته الرشيد فقلت يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلى أتيتك فقال ويحك إنه قد حاك في صدري شيء فانظر لي رجلاً أسأله فقلت إن ههنا سفيان بن عيينة فقال امض بنا إليه فأتياه فقرعت عليه الباب فقال من هذا فقلت


743
أجب أمير المؤمنين فخرج مسرعاً فقال يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك فقال خذ لما جئناك به يرحمك الله فحادثه ساعة ثم قال له أعليك دين قال نعم يا أمير المؤمنين قال يا أبا العباس اقض دينه ثم انصرفنا فقال ما أغنى عنى صاحبك شيئاً فانظر لي رجلاً أسأله فقلت ههنا عبد الرازق بن همام قال امض بنا إليه فأتيناه فقرعت عليه الباب فقال من هذا قلت أجب أمير المؤمنين فخرج مسرعاً فقال يا أمير الم

منين لو أرسلت إلي أتيتك فقال خذ لما جئناك له يرحمك الله فحادثه ساعة ثم قال له أعليك دين قال نعم يا أمير المؤمنين قال يا أبا العباس اقض دينه ثم انصرفنا من عنده فقال ما أغنى عني صاحبك شيئا فانظر لي رجلا أسأله قلت هذا الفضيل بن عياض فقال امض بنا إليه فأتيناه


744
فسمعناه يقرأ آية من كتاب الله تعالى وهو يرددها فقرعت عليه الباب فأوجز في صلاته وقال من هذا قلت أجب أمير المؤمنين فقال ما لي ولأمير المؤمنين قلت سبحان الله أما عليك طاعته فنزل وفتح الباب ثم ارتقى إلى الغرفة فأطفأ السراج ثم التجأ إلى زاوية وأخفى حسه فجعلنا نجول عليه بأدينا فسبقت كف الرشيد إليه فقال آه من كف ما ألينها إن نجت غداً من عذاب الله تعالى فقلت في نفسي ليكلمنه الليلة بكلام من قلب تقي فقال الرشيد خذ لما جئناك له يرحمك الله فقال يا أمير المؤمنين إن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لما ولى الخلافة دعا سالم بن عبد الله بن عمر ومحمد بن كعب القرظي ورجاء بن حيوة وقال لهم إني قد ابتليت بهذا البلاء فأشيروا على ما أصنع فعد الخلافة بلاء وانت وأصحابك تعدونها نعمة

فقال له سالم بن عبد الله إن أردت النجاة من عذاب الله عز وجل فصم عن الدنيا وليكن إفطارك منها الموت وقال له محمد بن كعب إن أردت


745

النجاة غدا من عذاب الله تعالى فليكن كبير المسلمين لك أبا ووسطهم عندك أخا وصغيرهم عندك ولدا فوقر أباك وارحم أخاك وتحنن على ولدك وقال رجاء بن حيوة إن أردت النجاة غدا من عذاب الله تعالى فأحب للمسلمين ما تحبه لنفسك وأكره لهم ما تكره لنفسك ثم مت متى شئت فهل عندك يا أمير المؤمنين مثل هؤلأء القوم او من يأمرك بمثل هذا الأمر وإني لأقول لك هذا وأخاف عليك أشد الخوف يوم تزل الأقدام قال فبكى هارون بكاء شديداً حتى غشى عليه فقلت له يرحمك الله أرفق بأمير المؤمنين فقال يا ابن الربيع تقتله أنت وأصحابك وأرفق أنا به فلما أفاق قال زدني قال يا امير المؤمنين بلغني أن عاملاً لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه شكى إليه فكتب إليه عمر يا أخي أذكر سهر أهل النار في النار وخلود الأبدان فإن ذلك يطردك إلى ربك نائماً ويقظاناً وإياك أن تزل بك قدمك عن هذه السبيل فيكون آخر العهد بك منقطع الرجاء منك فلما قرأ كتابه طوى البلاد حتى قدم عليه فقال له ما أقدمك علي فقال خلعت قلبي بكتابك فوالله ما وليت لك ولاية قط حتى


746
ألقى الله تعالى قال فبكى هارون بكاء شديداً ثم قال له زدني رحمك الله فقال يا أمير المؤمنين إن العباس عم النبي ص ‌ جاء إليه وقال يا رسول الله أمرني إمارة فقال له رسول الله ص ‌ يا عباس يا عم النبي نفس تحييها خير لك من إمارة لا تحصيها إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة فإن استطعت أن لا تكون أميراً فافعل

قال فبكى هارون ثم قال له زدني يرحمك الله قال ياحسن الوجه أنت الذي يسألك الله تعالى عن هذا الخلق يوم القيامة فإن استعطعت أن تقي هذا الوجه من النار فافعل وإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غش لرعيتك فقد قال رسول الله ص ‌ من أصبح غاشاً لرعيته لم يرح رائحة الجنة قال فاشتد بكاء هارون فأمسك عنه الفضيل فلما أفاق قال هل عليك دين قال الفضيل نعم دين لربي لم يحاسبني عليه فالويل لي إن حاسبني والويل لي إن لم يلهمني حجتي فقال الرشيد إنما أردت دين العباد قال لا فإن ربي لم يأمرني بذلك بل أمرني


747
أن أصدق وعده وأطيع أمره قال الله تعالى ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين)

فقال له هارون هذه ألف دينار خذها وأنفقها على عيالك وتقو بها على عبادة ربك فهي من وجه الحل فقال سبحان الله أنا أدلك على النجاة وأنت تدعوني إلى النار

ثم صمت فلم يكلمنا فخرجنا من عنده فلما صرنا على الباب سمعنا امرأة من نسائه تقول يا هذا قد ترى ما نحن فيه من الضائقة وسوء الحال فلو قبلت منه هذا المال لتقوتنا به زمننا فقال لها إنما مثلي ومثلكم كقوم لهم بعير يأكلون من كسبه فلما كبر وعجز عن الكسب نحروه وأكلوا لحمه قال فلما سمع الرشيد ذلك قال يا ضل ادخل بنا إليه فلعله يقبل منا هذا المال فدخلنا عليه ثانياً فما أحس بنا خرج فجلس على السطح على التراب فجلس الرشيد إلى جانبه وجعل يكلمه فلم يجبه فخرجت جارية سوداء فقالت يا هذا قد آذيت الشيخ منذ الليلة فانصرف عنه يرحمك الله قال فلما خرجنا من عنده قال لي الرشيد إذا دللتني على رجل فدلني على مثل هذا الرجل هذا اليوم سيد المسلمين

وأما الطبقة الثالثة من الملوك فهم الأكثرون قلوبهم قسية وأنفسهم


748
عصية يؤثرون اللذات على أمور الديانات وفي المشاهدة منهم بالأبصار كفاية عن الأخبار وقد انتهينا بكتابنا هذا إلى ما حاولناه وأوردنا فيه ما أردناه وأتينا بما ضمناه بعد ما أوضحناه وذلك وسع الطاقة وجهد المقل وعلى الله أتوكل وبه أستعين وهو حسبي ونعم الوكيل والحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً وصلواته على سيدنا محمد خاتم النبيين وعل آله وصحبه وسلامه