بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين كتاب الوديعـــة وهي فعيلة بمعنى مفعولة من ودع يدع إذا استقر وسكن أو من يدع إذا ترك أو من الدعة وهي الحفظة والراحة يقال ودع الرجل فهو وديع لأنها في دعة عند المودع لا تتغير ولا تتبدل ولا تستعمل والوديعة في العرف العام هو المال المستودع عند الغير ليحفظه وأودعته كذا إذا دفعت إليه الوديعة وأودعته كذا إذا دفعها إليك فقبلتها وهو من الأضداد في الشرع هي الاستنابة في حفظ العين من المالك أو ممن يقوم مقامه أصالة بمعنى كون المقصد الأصلي فيها ذلك فخرجت العين المستأجرة بيد المستأجر والعارية بيد المستعير والعين الموكل على بيعها أو نقلها أو غير ذلك والمال المضارب عليه ونحو ذلك وفي عرف المتشرعة أنه عقد قولي أو فعلي أو مركب منهما ثمرته الاستنابة في الحفظ أصالة وليست من باب الإذن المجردة التي لا تفتقر إلى أيجاب وقبول بل هي من العقود الجائزة بالإجماع وقد تلزم إذا وقعت شرطاً في عقد لازم ويكفي في إيجابها القول بأي لفظ كان والفعل الدال على ذلك وكذا يكفي في قبولها ذلك ولا يتفاوت في الفعل بين كونه معاطاة أو غيرها إلا أن الفرق أن الدفع والقبض لو حصل بين المودع والمستودع التزم بالحفظ إلى أن يرد المال إلى أهله ولو لم يحصل لم يلزم عليه الحفظ سيما لو كان المال باقياً في بيت مالكه سواء كانت الوديعة بلفظ أو بفعل دال عليها ولو كانت الوديعة في موضع غير موضع المالك وغير موضع الودعي ففي تحقق الاستيداع بمجرد القول ولزوم الحفظ إشكال ومشروعية الوديعة ثابتة (كتاباً وسنة وإجماعاً محصلاً ومنقولاً) وهي واجبة كفاية للمضطر للإستيداع على كافة المؤمنين لأنها من المصالح العامة وضروريات النظام وإن انحصر الاستيداع فيه كان واجباً عيناً وقد يناقش في وجوبه الكفائي والعيني ومستصحبه عند عدم الاضطرار لما فيها من قضاء حاجة المؤمن وإدخال السرور عليه والمعاونة على البر ومحرمة على الودعي إذا كان الودعي عاجزاً من الحفظ غاراً للمستودع أو كان عليه في قبول الوديعة ضرراً على نفسه أو على ماله أو أهله وقد تكون مكروهة إذا كانت مشتملة على شبه محرمة أو كانت لكافر لا يتعلق بحفظ ماله جهة رجحان وقد تكون مباحة إذا خلت عن رجحان في الفعل ورجحان في الترك بحيث لم تشتمل على نية التقرب أو لم يمكن اشتمالها عليها وهنا أمور: أحدها:الوديعة عقد الإذن فلو قال شخص لآخر (أذنت لك في قبض مالي وحفظه كان بحكم الوديعة لا وديعة شرعية وعقدها قولي وفعلي ومركب منهما والفعلي دفع وقبض أو غيرهما) وكل الصور جائزة على الظاهر ولا يفتقر في القولي عربية أو صراحة أو فعلية أو ماضوية أو ترتيب وفي اشتراط عدم الفصل الطويل بين الإيجاب والقبول إشكال كما أن العقد القولي المجرد عن القبض أو الفعلي المجرد عنه من إشارة أو كتابة لا يخلو الحكم من إجراء حكم الوديعة عليها لو كان المال في غير يد المالك أو مطروحاً من إشكال ولو طرح شخص مالاً عند آخر بقربه أو ببيته أو عليه فإن لم يفهمه بكونه وديعة لم تكن وديعة قطعاً ومجرد الطرح لا يقضي بذلك ولكن إن لم يقبل المطروح عنده المال يجب حفظه وإن قبله قولاً أو فعلاً وقد قبضه جرى عليه حكم الوديعة من وجوب الحفظ والضمان لعموم على اليد ما أخذت وإن لم يسم وديعة وإن قبله ولم يقبضه كما إذا كان مطروحاً بقربه ولم ينقله أو يمسكه فلا يسمى وديعة ولا يجري عليه أحكامها والظاهر أن المال الموضوع في البيت أو تحت اليد إذا قبله صاحب البيت أو الموضوع تحت يده بمنزلة القبض الجديد فيجري عليه أحكام الضمان وأحكام القبض فإذا قبله لفظاً أو فعلاً والحال ذلك ألزم بحفظه وضمنه بدون ذلك وإن فهمه بكونه وديعة فإن قبضها أو كانت بحكم المقبوض كانت وديعة وجرى عليه أحكامها وإن قبلها من دون قبض فإن كانت بيد المالك لم تجرِ عليها أحكام الوديعة وإن لم تكن في يده ففي جريان حكم الوديعة إشكال ولو طرح المالك الوديعة عنده ولم يقبل فغاب المالك فهل يلتزم بالحفظ لأنه من باب المعاونة على البر وإعانة المحتاج أو لا يلتزم للأصل ولتعريض المالك ماله للتلف وجهان أوجههما الأخير ولو غاب المستودع بعد قبض الوديعة وقبولها والمالك حاضر لم يكن رداً ما لم ينضم إلى الذهاب قرائن تدل على إرادة الرد وحينئذٍِ فيضمن الودعي لو تلفت الوديعة بعد ذهابه ولو أكره المودع على الإيداع لم تكن وديعة وكانت أمانة شرعية يجب إيصالها إلى أهلها فوراً لعموم وجوب رد الأمانة الظاهر في الفورية ولا يقبل قوله في الرد بخلاف الوديعة فإنه لا يجب ردها إلا مع مطالبة المالك أو من هو بحكمه وكأنه موضع وفاق ولو أكره على قبض الوديعة ولم تكن وديعة ولا تجري عليها أحكامها أيضاً ولو زال الإكراه فإن لم يضع يده عليها فلا كلام وإن وضع يده اختياراً فإن كان بنية الاستيداع جرى عليها أحكام الوديعة لعموم على اليد وهل تكون وديعة شرعية لحصول القبض الاختياري بعد استيداع المالك ولا يضر الفصل بينهما أو تكون أمانة شرعية وجهان ولا يبعد الأول وحينئذ يجري عليها حكم الأمانات الشرعية ووجوب الرد فوراً من دون مطالبة المالك وإن كان وضعه لا بنية الاستيداع بل بنية الغصب أو بلا نية كان ضامناً ابتداءً وكانت أمانة شرعية يجب إيصالها إلى أهلها فوراً ولا يقبل قوله في الرد. ثانيها: إذا قبض المستودع الوديعة وجب عليه الحفظ لوجوب الرد والتأدية (كتاباً أو سنةً) ولا يتم إلا بوجوب الحفظ وفيه نظر بل وجوب الحفظ دل عليه الإجماع وظاهر أخبار الضمان مع عدم الحفظ كما سيأتي إن شاء الله تعالى ووجوب الحفظ مشروط ببقاء الوديعة وإلا فله فسخها ورد الوديعة فيبرأ من وجوب الحفظ لا يضمن المستودع الوديعة ما لم يفرط فيها أو يتعدَّ للإجماع والأخبار ففي المعتبر صاحب الوديعة والمضاربة مؤتمنان وفي الآخر كل ما كان من وديعة ولم تكن مضمونة فلا يلزم، وفي الثالث: فيمن استودع رجلاً ألف درهم فضاعت فاختلفا في أنها وديعة أو قرض فقال المال لازم له إلا أن يقيم ببينة أنها كانت وديعة، وفي الرابع: في الرجل يستودع المال فيهلك أو يسرق أعلى صاحبه ضمان فقال ليس عليه غرم بعد أن يكون أميناً، وفي الخامس فيمن استأجر أجيراً فقعده على متاعه فسرق فقال هو مؤتمن إلى غير ذلك. ثالثها: لو دفع الودعي الوديعة لغير المودع ملجئاً وإكراهاً أو تقيةً على نفس أو مال يضر بحاله سواء كان أكثر أو أقل وسواء دفعها بيده أو أخذها الظالم بنفسه لم يضمن الودعي لعموم لا (ضرر ولا ضرار) ولو أمكنه الدفع بما لا يضر بحاله من غيبة أو ادّخار للوديعة أو إنكار لزم ولا يلزمه تحمل الضرر الذي لا يليق بحاله من جرح أو شتم أو سب أو إهانة ولو أمكنه الدفع بدفع بعض الوديعة دون بعض لزم لوجوب حفظ الكل عليه ولا يترك الميسور بالمعسور ولو أهمل والحال ذلك ضمن المقدار الزائد الذي يمكن حفظه لأن الباقي مأخوذ على التقديرين مع احتمال ضمان الجميع لتفريطه في حفظه في الجملة والمفرط ضامن وإن تلفت بغير تفريطه ولو أمكنه الدفع بمال آخر للمودع عنده أقل من الوديعة ففي لزومه بحث ولو أمكنه الدفع بمال منه بنية الرجوع على المودع ففي لزومه وجواز الرجوع لأنه محسن و[ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ] وجه قوي ولو أخبر الظالم بالوديعة ابتداءً ضمن وكذا لو أخبر السارق بمكانها أو بها إذا ترتب على ذلك علمه بمكانها وكذا لو سأله الظالم عنها فأقر بها أو بمكانها خوفاً من الكذب لأن الكذب جائز وتركه تفريط وقد ورد أن الله تعالى يبغض الصدق في الإفساد كما يحب الكذب في الإصلاح ثم إن المودع يرجع على الظالم بالوديعة لو قبضها بيده أو دخلت في خزائنه في وجه قوي ونسب العلامة (() جواز رجوع المودع على المستودع لو دفعها بيده إلى الظالم قهراً أو يرجع هو على الظالم لعموم على اليد وفيه نظر لأن دفعها بالإذن الشرعية والأصل فيها عدم ثبوت الضمان وإن لم تنافه وكلاهما ظاهر الأصحاب ولو أراد الظالم الوديعة فتوقف دفعه على اليمين الكاذبة بأنها ليست عنده لزم عليه الحلف الكاذب لتخليص الوديعة ويضمن مع تركه أو مع الإقرار بها لإرتفاع قبح الكذب واليمين الكاذبة حينئذ كما يظهر من الأخبار وكلام الأصحاب ففي الخبر (ما صنعتم من شئ أو حلفتم عليه من يمين في تقيته فأنتم منه في سعة) وفي آخر (احلف بالله كاذباً ونج أخاك من القتل) وفي آخر (فيمن يمر به العشار فيطلب منه أن يحلف له بالله ويخلي سبيله فقال فاحلف لهم إنه أحلى من التمر والزبد) وفي رابع مثله وفي خامس (التقية في كل ضرورة وصاحبها أعلم بها حين تنزل به) وفي سادس (فيمن تصدقت عليه أُمُّهُ بدار فادعى شراءها ودفع الثمن ليأخذها فسأل الإمام (() بعد موت الأم فقال احلف وخذ ما جعلت لك) نعم مهما أمكن الحالف أن يوري بيمينه وجب تخلصاً من الكذب بحسب النية وإن تساويا بحسب الظاهر ولأنه أقل القبيحين وفي الخبر عن الرجل يحلف وضميره على غير ما حلف عليه قال اليمين على الضمير وفي آخر مثله وإن لم تمكنه التورية لزمه قصد اللفظ فقط دون نية عقد اليمين. رابعها:الوديعة تبطل بالفسخ من المودع والمستودع سواء كانت إذناً أو عقداً جائزاً لأن العقد الجائز للمتعاقدين فسخه متى شاءا وهل يجري يعد الفسخ عليها حكم الوديعة المالكية أو الأمانة الشرعية وجهان أقواهما الأول ولو وقع عقد الوديعة فاسداً لفساد صيغته فالأظهر إجراء حكم الوديعة المالكية عليه تبعاً لبقاء الإذن المطلقة في القبض ولو كان الفساد لاشتراط شرط فاسد كاشتراط الضمان فلا يبعد أنها تعود أمانة شرعية ولو طرأ على المودع أو المستودع موت أو جنون أو سفه انفسخ عقد الوديعة وبقيت أمانة شرعية يجب ردها فوراً وإن لم يطالب بها المالك ولا يقبل قوله في الرد كما يقبل قول المستودع في الوديعة المالكية للأصل ولأنه لم يقبض من يد المالك لمصلحته ولم يستأمنه المالك فيها فحكمها كحكم مال اللقطة ومجهول المالك ومال المضاربة والعارية والإجارة في عدم قبول قول المؤتمن في الرد وحكم ما لو أطارت الريح ثوباً في بيته ولم يعلم صاحبه أو اشترى صندوقاً فوجد فيه متاعاً لصاحب الصندوق أو أخذ من يد الصبي أو المجنون مالاً ببيع أو إجارة أو عارية أو وديعة أو نزع المغصوب من غاصبه حسنة لصاحبه أو وحد بيد من ولي عليه مالاً من سرقة أو لعب بالجوز والقمار إلا أن من هذه ما يكون مضموناً على القابض ومنه ما لا يكون كذلك ثم الميت إذا كان المودع لزم على المستودع السؤال عن الوارث ودفع الوديعة إليه أو إلى وكيله أو وليه وإن كان غائباً أو لم يتمكن من الوصول إليه دفع الوديعة إلى الحاكم الشرعي أو إلى عدول المسلمين إن لم يحد من نفسه الأمانة فأن سُئل لم يقرّ على وارث دفعها إلى الحاكم الشرعي ليتطلب الوارث فأن لم يجد كان هو الوارث لمن لا وارث له وإن وجد وارثاً واحداً ولم يعلم غيره جاز دفع المال إليه لأصالة عدم وارث آخر وجاز أن يمنع عنه قدر ما يحتمله أنه لغيره لأصالة عدم استحقاقه جميع الإرث والظاهر أنه لا ضمان عليه لو منع لإحتمال وارث آخر ولا ضمان عليه لو دفع لأصالة عدمه ولثبوت كون الموجود وارثاً والأصل عدم مانع آخر له عن الإرث ويحتمل ضمانه مع الدفع لواحد لأن الإذن الإلهية لا تنافي الضمان وإن كان الأصل فيها عدمه. خامسها: قد تقدم الحكم بوجوب الحفظ على الودعي فالمرجع فيه إلى العرف والعادة حيث لم يكن له حد شرعي فيجب حفظ الدراهم والدنانير في خزانة أو صندوق مقفولين ومثلهما ما يكون بحكمهما عرفاً وعادةً من الثياب والأواني والجواهر ويجب حفظ الطعام في البيت وكذا كثير من الفرش والأواني ويجب حفظ الدابة في المكان المعتاد لها والشاة في مراحها وكذا البقر والإبل ويجب حفظ الجارية في بيته فلو خالف من الأعلى إلى الأدنى ضمن ولو عكس لم يضمن إلا إذا كان محل خطر كما إذا وضع الشاة في مكان مقفول فاحتصرت فماتت مع احتمال الضمان مطلقاً لأن مخالفة العادة تعدي ولا فرق في لزوم حفظ كل في محله المعتاد للحفظ فيه بين كون الودعي مالكاً له وحاصلاً عنده وبين ما لم يكن فيجب عليه تحصيله وبين ما كان المودع عالماً بكونه عنده أو لم يكن إلا إذا فهم من حال المودع أنه أَذِنَ في وضعه في غير الحرز المعتاد ولا يجوز وضع الوديعة في المكان المشترك بينه وبين غيره ولو كان أميناً ما لم يأذن له المودع فلو وضع الوديعة في صندوق مشترك أو بيت كذلك بحيث يدخل فيه غيره ضمن وهذا ظاهر جملة من الأصحاب ولكنه لا يخلو من ضعف بل الحق أن الاشتراك إن كان بين الودعي وبين أجنبي مجهول الحال عنده ضمن ولو كان بين عياله وأولاده أو إخوانه أو جواريه الذي يأمن منهم عادة ويضع أمواله بأيديهم غالباً فإنه لا ضمان لجريان العادات بحفظ الودائع على ذلك النحو والاحتياط غير خفي. سادسها: لو أودع عنده دابة وقبلها المستودع وجب على الودعي الإنفاق عليها كما يجب عليه حفظها وحراستها من العوارض ومن المؤذي من الحيوان صغيراً كان أو كبراً ولا يجب عليه المباشرة بنفسه بل مما تقضي به العادة منه أو من وكيله أو من عبيده أو أزواجه بشرط الائتمان وكونه مما لا يباشر بنفسه عادة ولا يثبت له أجرة المثل لظهور التبرع في عمل الودعي إلا مع الشرط أو جريان العادة بالأجرة هذا إن كانت النفقة من مال المالك فإن لم يدفع المالك النفقة وأمره بالإنفاق وجب عليه أيضاً بذل المال للنفقة ورجع بها إلى المالك لظهور الأمر بالرجوع عليه ولو أطلق المودع فلم يأمرهُ بالإنفاق ولا ببذل المال ولم ينهه عنهما لزمه أيضاً الإنفاق وبذل المال ولكن إن كان المالك موجوداً توصل إلى إذنه أو إذن وكيله ويرجع عليه بعد ذلك وإلا رجع إلى الحاكم فإن أنفق منه أو من بيت المال فلا كلام وإلا أذن للمستودع بالإنفاق بنية الرجوع فإذا انفق رجع وللحاكم أن يأذن للمستودع بالاستدانة والرجوع على المالك وله أن يأذن له ببيع بعض الوديعة أو قبولها بالإنفاق عليها وحفظ باقيها ولو أنفق المستودع من دون رجوع إلى الحاكم جاز ولا ضمان عليه بل لا يبعد أن له أن ينفق بنية الرجوع ويرجع مع الإشهاد من غير حاجة إلى الرجوع إلى الحاكم لأنه محسن و [ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ] بل قد يقال إن الإيداع مع الإطلاق بمنزلة الإذن الضمنية في الإنفاق ولو لم يوجد الحاكم انفق بنية الرجوع ورجع على المودع والأحوط الرجوع إلى عدول المسلمين ويصدق قول المستودع في نيته الرجوع عملاً بالظاهر ولأنه أبصر بنيته والأحوط انضمام اليمين إليه ولو اختلفا في قدر النفقة أو طول زمانها فالقول قول المودع عملاً بالأصل وفي حكم النفقة الدواء المحتاج إليه في الحفظ والظرف المحتاج إليه في حكم الحيوان غيره كسقي الشجر والزرع ولو نهى المالك عن الإنفاق بعد قبول الوديعة وجب على المستودع الإنفاق إن لم يكن حيواناً ولا ضمان عليه بعدم الإنفاق على أي تقدير لإذن المالك له في إتلاف ماله كما يأمره بقتل حيوانه ولكن لو أنفق مع الوجوب فإن كان بإذن الحاكم ونية بنية الرجوع رجع وإن لم يكن بإذن الحاكم ففي رجوعه مع نية الرجوع إشكال بل قد يقال إن إنفاقه بعد نهي المالك من دون رجوع إلى الحاكم تعدي مقتضى للضمان فاللازم حينئذ الرجوع إلى الحاكم لينفق هو أو يبيع بعضاً من الوديعة لحفظ باقيها أو يأمر المستودع بالاستدانة أو بالإنفاق بنية الرجوع نعم لو لم يوجد الحاكم لزمه الإنفاق وكان نهيُ المالك لا عبرة به وجاز له الرجوع بعد نيته. سابعها:لو عين المودع للوديعة حرزاً على جهة تعيين الجنسية أو النوعية أو الشخصية لزم المستودع ذلك ولا يجوز له وضعه في غيره أو نقله منه بعد وضعه فيه سواء في ذلك الأدنى والمساوي في الحفظ بل والأعلى إذا لم يفهم أن القصد في التعيين هو نفس الحفظ فيكون الأعلى داخلاً بمفهوم الأولوية ومثله المساوي في دخوله بمفهوم المساواة وأما إذا لم يظهر من المودع أن المقصود هو نفس الحفظ سواء ظهر خلافه أو شك في قصده فالحكم فيه بعدم جواز التغيير والنقل مطلقاً هو الأظهر نعم قد يقال إن ظاهر الإيداع يقضي بأن المقصود هو نفس الحفظ لا غيره وحينئذ فيتجه الجواز مطلقاً والتفصيل بين الأعلى فيجوز وبين المساوي فلا يجوز للفرق بين مفهوم المساواة والأولوية قوي ولو قلنا بأن الظاهر من الإيداع هو إرادة نفس الحفظ لصدق التعدي عرفاً مع مخالفة المالك فيما نص عليه. ثامنها: تضمن الوديعة بالتعدي والتفريط للإجماع بقسميه على الظاهر وللصحيح (في رجل وضع عند رجل وديعة فوضعها في منزل جاره فضاعت هل يجب عليه إذا خالف أمره وأخرجها عن ملكه فوقع (() هو ضامن لها) ومرجع التعدي والتفريط إلى العرف ومرجع التعدي إلى فعل ما لا يجوز فعله في الأمانة مع عدم إذن المالك به ومرجع التفريط إلى ترك ما لا يجوز تركه مع عدم إذن المالك به فمن الأول لبس الثوب وركوب الدابة وإنكار الوديعة مع مطالبة المالك أو مطلقاً على قول أو نقلها إلى مكان آخر أو السفر بها أو فتح قفلها أو فتح الكيس المختوم أو تناول شئ منه أو النسخ على الكتاب مع فتحه والتصرف فيه وأما النسخ عليه مفتوحاً أو النقش على الوديعة من بعد فالظاهر أنه ليس من التعدي ومن التعدي خلط الوديعة مع غيرها سواء كان مما يتميز أم لا وليس منه جعل الودائع في مكان واحد وبالجملة فالضابط ما يعد به خائناً ومن الثاني ترك نفقة الدابة وترك التحفظ عليها وترك جعلها في الجرز وترك نشر الثوب وطيه ولبسه في مقام لزوم لبسه وترك نقلها أو السفر بها مع لزومهما إلى غير ذلك وقد حكى الإجماع على الضمان في كثير مما ذكرنا ويلحق غيره به للمساواة نعم قد يظهر من المنقول عن الصدوق في الرهن الذي هو بحكم الوديعة عدم الضمان بترك نشر الثوب ولو احتاج إليه كما يظهر من جملة من الأخبار ذلك كالصحيح (في رجل رهن عنده ثياباً تركها مطوية لم يتعهدها ولم ينشرها حتى هلكت قال هذا نحو واحد يكون حقه عليه) ونحوه غيره وكذا في المنقول عن المحقق (() وفي الجميع قصور عن الدلالة على نفي الضمان وغايته أنه دال على بقاء الدين ولا ملازمة بينه وبين عدم الضمان إلا على القول بوقوع التهاتر القهري بين الدينين وهو محل كلام. تاسعها:لا تصح الوديعة من المجنون والصبي وفي صحتها من السفيه بحيث لو أودع الصبي أو المجنون مالاً ضمنه القابض ولا يبرأ برده عليهما بل لا بد من رده فوراً على الولي أو الوصي أو الحاكم الشرعي ولو خيف من التلف على ما في يد الطفل أو المجنون فقبضهما القابض حسبة لم يضمن إلا مع التعدي أو التفريط أو تأخير الرد إلى وليهما فوراً بحسب الإمكان ولو أودع الكامل طفلاً أو مجنوناً غير مميزين لم يضمنا سواء كان جاهلاً بهما أو عالماً وسواء تلفا بتعدٍ أو تفريط أو بغيرهما وسواء تلف المال لنفسه أو أتلفاه كل ذلك للأصل ولأن الأصل في الضمان مترتبه على وجوب الحفظ ولا وجوب عليهما فلا ضمان ولو أودع مميزاً احتمل ضمانه مطلقاً لعموم على اليد وهو من خطاب الوضع فلا يختص بالمكلفين خاصة واحتمل عدمه مطلقاً لانصراف الخطاب إلى المكلفين لأن الغالب تبعِّية خطاب الوضع للخطاب الشرعي واحتمل التفصيل بين ما إذا تعدى أو فرط فإنه يضمن وبين ما لم يتعدَ أو يفرط فلا والأوجه التفصيل بين مباشرة الإتلاف فيضمن وبين عدمه فلا تمسكا بعموم ما دل على ضمان من أتلف مال غيره . عاشرها:يجب رد الوديعة على المالك أو وكيله إن كان حاضراً وإن كان غائباً انتظره ولا يجوز له أن يدفعها إلى غيره ولو إلى الحاكم إلا لضرورة كالخوف عليها أو التقية أو إرادة السفر المضطر إليه فيجوز دفعها إلى الحاكم وإلا فإلى عدول المسلمين ويحتمل جواز دفعها إلى الحاكم إذا لم يكن المالك حاضراً مطلقاً سواء اضطر إلى الدفع أم لم يضطر إليه لعموم ولاية الحاكم على مال الغائب ولكنه ضعيف لمخالفته لظاهر فتوى الأصحاب وهل يجب على الحاكم القبول عند الرد إليه لأنه معد للمصالح العامة وولي على من لا ولي له أو لا يجب وجهان والأحوط الأول ويجري الحكم في كل أمانة وفي الدين عند غيبة الغريم وإرادة صاحبه الوفاء وفي المغصوب عند إرادة إرجاعه. حـادي عشرها: يجب رد الوديعة إلى المالك عند المطالبة بمعنى رفع يده عنها والتخلية بينه وبينها للإحماع والآية والأخبار ومنها فيمن استودع آخر وهو خارجي شيطان ولم أدع شيئاً فقال قل له يرده عليه فإنه ائتمنه بأمانة الله تعالى وفي آخر دال على لزوم رد الوديعة ولو إلى قاتل ولد الأنبياء وفي ثالث ولو كان سيف قاتل علي (() ويفهم منها أنه لا يتفاوت في وجوب الرد بين كون المال لمسلم أو كافر حربي أو غيره ولا ينافي ذلك كون مال الحربي فيئاً للمسلم للزوم تخصيص ذلك بالوديعة أو الحكم بكونه للمسلم ومع ذلك فيجب رده على الكافر وأوجب بعضهم رد وديعة الحربي إلى سلطان المسلمين وهو ضعيف وظاهر الأصحاب لزوم الرد فوراً وناقشهم بعض المتأخرين لعدم عموم دلالة الأمر على الفور وهو ضعيف وذلك لأن المقتضى الفور ليس مجرد الأمر بل هو حرمة وضع اليد على مال الغير في جميع الأزمان خرج زمن الفور وبقي الباقي ويراد بالفور الفور العرفي فلا يجب على المستودع الركض والسرعة في المشي على غير النحو المعتاد ولا يجب عليه قطع الفريضة أو ترك ما يضر بحاله تركه عادة أو شرعاً فلا يجب عليه قطع النافلة ولا قطع الحمام ولا قطع الأكل والشرب ولا المسير في المطر والاحتياط غير خفي وهل تفسد العبادة الموسعة عند فعلها بوقت المطالبة يبني على أن الآمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضده الخاص أم لا وقد يقال على القول بالإقتضاء يعدم فساد العبادة للسيرة الدالة على عدم الفساد وللزوم العسر والحرج لو قلنا بالفساد وهل الاشهاد على المودع في رد الوديعة عذر عن الفورية مطلقاً أو ليس بعذر مطلقاً أو التفصيل بين ما يكون أخذها بالإشهاد فيكون التأخير إليه عذراً أو بين ما لم يكن فلا يكون عذراً والأوجه أنه في الوديعة ليس بعذر لتصديق قول الودعي في الرد دون غيره إلا أن يقال إن الإشهاد لدفع ضرر اليمين ولو صادقاً ومثل الإشهاد علم الناس بها. ثانـي عشرها: لو نهى المالك صريحاً عن جعل الوديعة في مكان معين لزم اتباعه وضمن المستودع بمخالفته سواء كان مساوياً أو أحرز وفرق بين النهي الصريح والنهي الضمني التابع للأمر بوضعها في مكان معين حيث أحتملنا أن نقلها إلى المساوي أو إلى الأحرز لا يوجب ضماناً بل ربما ادعى الإجماع على أن نقلها إلى الأحرز جائز وغير موجب للضمان وإن كان لا يخلو عن مناقشة هذا كله إن لم يخف على الوديعة من التلف جزماً ناشئاً عن علم أو ظن متاخم أو مطلقاً بل لا يبعد حتى مع الشك لصدق الخوف معه عرفاً فإن خاف جاز النقل بل وجب على ما يظهر من جملة من الأصحاب ولو مع النهي الصريح ولا ضمان حيث فهم من نهيه أن المقصود منه الحفظ أو لم يفهم شئ من ذلك فإن نهاه عن النقل مع التصريح بأنه ولو مع الخوف فهل يجوز النقل لبطلان نهيه لأنه بمنزلة السفه ومؤدٍ إلى إضاعة المال المنهي عنها فيلغو ويجب لوجوب حفظ المال المحترم كما يظهر من جملة من الأصحاب أو لا يجوز لأنه تصرف بمال الغير مع نهيه عنه والأقوى الأول وهو ظاهر الفقهاء وعليه فلا ضمان لو نقل أما لو لم ينقل فتلف فالظاهر أنه لا ضمان كذلك لسقوط احترام المال بإسقاط صاحبه له ولو احتاج النقل إلى أجرة لزم دفعها على المستودع حين وجوبه عليه وهل يرجع بها على المودع مع نية الرجوع مطلقاً أو يرجع على عدم النهي عن النقل لا معه وجوه أقواها الأخير للأصل وأما كونه محسناً وما على المحسنين من سبيل فموهون بنهي المالك نعم في غير صورة النهي يكون محسناً وتحمل الأجرة عليه ضرر منفي وله الرجوع حينئذ وهل يجب مع النقل كونه إلى الأحرز أو إلى المساوي أو يجوز ولو إلى الأدنى وجهان من لزوم الاقتصار في التصرف بمال الغير على المقطوع به ولأنه بمنزلة الوكيل في اتباع الأصلح ومن الأصل واستواء الأمكنة في الحرز كما إذا قبل الوديعة ابتداءً فإنه لا يجب عليه تحري الاحرز وهذا الأخير أقوى. ثالث عشرها: لو تصرف المستودع في الوديعة ببيع أو شراء كان التصرف فضولياً موقوفاً على الإجازة فإن لم يجز المالك وقع التصرف باطلاً وإن أجاز صح ولو كان هناك ربح كان الربح للمالك وعلى أي تقدير فالمستودع ضامن وفي الخبر المعتبر بوجود ابن محبوب في سنده المنقول الإجماع على تصحيح ما يصح عنه (فيمن استودع رجلاً مالاً ثم جاءه بعد ذلك بالمال قال فهذا مالك فخذه وهذه أربعة آلاف ربحها في مالك فهي لك مع مالك واجعلني في حل وأخذت منه المال وأبيت أن آخذ الربح منه وأتيت حتى أستطلع رأيك فما ترى قال فقال خذ نصف الربح وأعطه النصف إن هذا رجل تائب والله يحب التوابين) وظاهره صحة عقود الودعي قهراً وانتقال الربح للمودع كذلك والأمر بإعطائه النصف عوضاً عن عمله للاستحباب لمكان توبته كما هو ظاهره وهو مخالف للقواعد القاضية بعدم نفوذ عقد الفضولي إلا مع الإجازة وحينئذ فحمله على وقوع الإجازة من المالك كما هو الغالب أوجه ويمكن الأخذ بظاهره تعبداً في صورة عدم إمكان استرداد عين الوديعة كما هو الظاهر من مورد الخبر لمكان الضرر على المودع بعدم استرداد عين ماله وبحبس المال منه تلك المدة كما يشير إليه ما جاء في التجارة بمال اليتيم بغير وجه شرعي من أن الربح لليتيم فإن كون الربح له غير موقوف على إجازة الولي وتنزيله على الإجازة الإلهية كما نزله الوالد (() ليس على نهج القوانين العادية بل من الأمور الخفية وربما عاد إلى ما ذكرناه أما مع إمكان استرداد العين فالأخذ به بعيد جداً اقتصاراً في مخالفة القواعد على القدر الممكن وقد يظهر من إطلاق الخبر أيضاً عدم الفرق في استحقاق المالك الربح بين أن يأذن للودعي في التجارة بشرط الضمان وبين أن لا يأذن وهو في الثاني كما تقدم وخالف ابن الجنيد في الأول فجعل الربح للودعي ونفى عنه البأس في المختلف لانقلاب الوديعة قرضاً عنده وربما شهدت به الأخبار الواردة في المضاربة ولكنه بعيد أيضاً لمخالفته القواعد من جهة أخرى وهو تبعية الربح لرأس المال وما ورد في المضاربة لو قلنا به فللدليل ثم إنا لو أخذنا بظاهر الخبر المتقدم فالظاهر عدم التفاوت بين كون الشراء بنفس العين وبين كونه بالذمة سواء اشترى بذمة المالك أو بالذمة مطلقاً إذا دفع عنهما من نفس العين بل لو اشترى بذمته فدفع عنها من الوديعه كما هو الغالب في معاملة الخائن كان مشمولاً لإطلاق الخبر المتقدم ولكنه مشكل جداً لاقتضاء القاعدة كون الربح للودعي وكون الدفع فضولاً عما في الذمة فلا يؤثر فساداً . رابع عشرها: لو ظهرت على المستودع إمارات الموت لزمه رد الوديعة إلى المالك أو الحاكم عند تعذره وتعذر الرد إلى وكيله أو إيداعها عند ثقة أو الإشهاد عليها على نحو الشهادة المقبولة والإيصاء بردها لثقة مأمون وإلا كان مفرطاً ضامناً حتى لو تبين كذب إمارة الموت كان ذلك من التفريط الموجب للضمان ولو لم تظهر له إمارات الموت فمات فجأةً فلا شئ عليه ويكفي في الإشهاد شهادة العدل الواحد لجواز ثبوت الحق بشهادته مع اليمين ويمين الاستظهار وقد يقال بوجوب الترتيب بين تلك الأفراد المتقدمة الرد ثم الإشهاد ثم الإيصاء ولا شك أنه أحوط إلا أن الإيداع عند الثقة قد يساوي الإبصاء والإشهاد وقد يتقدم الإشهاد عليه ولو لم يوصِ ولو لم يشهد فأنكر الورثة الوديعة كان القول قولهم وللمودع عليهم اليمين على نفي العلم بها لا على البت كما هي القاعدة في الحلف على نفي فعل الغير ولو أقر الوارث بالوديعة وأنكر كونها في جملة التركة الموجودة كان القول قوله مع يمينه على نفي العلم وكذا لو ادعي المودع على الوارث تفريط المستودع بها ولو بترك الرد أو الإشهاد أو الوصية كان القول قول الوارث مع يمينه لأصالة براءة ذمة المورث من الضمان. خامس عشرها:لو كانت الوديعة غصباً فإن كان المودع مقهوراً ولا ضمان عليه والضمان على الدافع إلا أن يزول عنه القهر ولم يردها إلى مالكها فيضمن حينئذٍ وإن لم يكن مقهوراً فإن كان جاهلاً فتلفت عنده جاز رجوع المالك عليه وعلى الدافع فإن رجع عليه رجع هو على الدافع لغروره وإقدامه على عدم الضمان والمغرور يرجع على من غره فإن رجع على الدافع فلا رجوع له وإن علم بالغصب في الأثناء وجب عليه إرجاع الوديعة إلى صاحبها إن تمكن وعلم به فإن لم يتمكن سقط عنه الضمان وإن لم يعلم بصاحبها كان حكمها حكم اللقطة يعرف بها حولاً ومن بعد ذلك يتصدق بها عن صاحبها ونسب ذلك للمشهور ودل عليه الخبر بفتوى المشهور نقلاً بل تحصيلاً عن رجل من المسلمين أودعه رجل من اللصوص دراهما أو متاعاً واللص مسلم هل يرده عليه قال لا يرده فإن أمكنه أن يرده على صاحبه فعل وإلا كان في يده بمنزلة اللقطة بعينها يعّرفها حولاً فإن أصاب صاحبها ردها عليه وإلا تصدق بها فإن جاء بعد ذلك خيره بين الأجر والغرم فإن أختار الأجر فله وإن اختار الغرم غرم له وكان الأجر له وظاهر جعلها بمنزلة اللقطة إنها إذا كانت أقل من درهم لا يجب التعريف بها سيما وإن موردها الدراهم والمتاع والغالب أنهما أكثر من درهم والاحتياط بخلاف ذلك لإطلاق الفتوى بوجوب التعريف وكذا ظاهر ذلك أنه يجوز بعد التعريف بها سنة أن ينوي بهما التملك مع الغرم وأن يبقيها أمانة وأن يدفعها إلى الحاكم كما هو الشأن في اللقطة على ما هو التحقيق إلا أن ذيل الرواية مما يؤذن بلزوم التصدق عليه فيكون كالمخصص لعموم المنزلة والإحتياط أيضاً قاض بذلك ونسب للمفيد (() أن الوديعة إذا لم يعرف أربابها أخرج منها الخمس لفقراء السادة والباقي لفقراء المؤمنين ونسب لأبي الصلاح لزوم حملها إلى الإمام فإن تعذر ذلك لزم حفظها والوصية بها ونسب لابن إدريس ذلك أيضاً وجعله جملة من المحققين أنه الأحوط ونسب للشهيد (() التخيير بين الصدقة بها والتعريف وبين إبقائها أمانة وظاهرهم قبل التعريف وبعده وهو قريب إلى الأخبار الواردة في مجهول المالك والأخذ بالاحتياط في هذه الموارد أجمل ولو مزج الغاصب الوديعة بماله وأودع الجميع فإن أمكن الودعي تمييز كل منهما رد كلاً منهما على صاحبه وإن لم يمكنه رد الجميع على الغاصب لأن منعه منه يقضي بمنعه عن ماله ويحتمل لزوم رد الجميع على المغصوب منه وعليه رد غير المغصوب والأوجه لزوم الرجوع إلى الحاكم لتمييز المغصوب من غيره فإن ولم يمكن الرجوع تولىّ ذلك عدول المسلمين فإن لم يمكن تولىّ ذلك المستودع ولو أراد الغاصب الوديعة من المستودع ليردها إلى المالك لم يجز دفعها إليه ولو لم يعرف المستودع المالك بحث عنه ولا يجوز أن يردها إلى الغاصب وإن عرفه . سادس عشرها:لو أراد المستودع السفر بعيداً أو قريباً شرعياً أو عرفياً جاز له كما هو ظاهر الفقهاء ولا يلزمه الامتناع للأصل ولما ورد عن النبي (() أنه لما أراد الهجرة سلم الودائع لأم أيمن وأمر علياً (() بردها والظاهر بل المقطوع به أن أهل الودائع لم يأذنوا له بالسفر ولا بالإيداع ومثل السفر أيضاً التردد في محال البلد وحدودها فلا يجب على الودعي المقام عند الوديعة ونطارتها ما لم يخش عليها عادة في ذهابه عنها الذهاب للأصل ولقضاء السيرة بذلك وبالجملة فالواجب معاملة الوديعة معاملة صاحب المال الحريص عليه ولا يجوز للمستودع اصطحابها معه في السفر من غير عذر لأن السفر بها تعد وتغرير سواء كان الطريق مأموناً أو مخوفاً بل يجب عليه ردها إلى المالك أو وكيله فإن لم يمكن فإلى الحاكم لأنه الولي العام في مثل هذا المقام فإن لم يمكن أودعها عند من يوثق به مع الإشهاد مهما أمكن الإحتياط عليها وفي الخبر المتقدم ما يدل على جواز الإيداع فإن لم يمكن ذلك دفنها في بلده وأوصى بذلك من يأمنه ويثق به ولا يجوز دفنها سراً لتأديته إلى تلفها واضمحلالها عند موته وشبهه وإن خاف عليها من الإبقاء في البلد من حرق أو نهب أو غرق وأمن عليها في السفر لزمه اصطحابها معه في السفر لوجوب حفظها عليه ولا يتم إلا به وكذا لو كان خطر السفر أقل من خطر الحضر ولو تساوى في الخطران رجح خطر الحضر لأن السفر في نفسه مظنة الخطر زيادة على الحضر ولو لم يمكنه السفر بها أو كان عليها خطر في السفر ولم يمكنه في الحضر تسليمها إلى المالك أو من بحكمه ولا إلى الحاكم ولا إيداعها من المأمون حرم عليه السفر ووجب عليه البقاء لحفظها لوجوب ما لا يتم الواجب إلا به والأحوط ثبوت الضمان عليه لو سافر بها من غير ضرورة إلى السفر ولم يكن في إبقائها خطر عليها ولكن لم يجد من يبقيها عنده ولو استودع الوديعة مسافراً كان حالها حاله إلى أن يرجع من سفره وفي حكمه في سفر آخر وجهان أحوطهما عدم السفر بها هذا كله مع الإطلاق وأما مع الإذن فحكمها تبعية الإذن فلو أذن له بإصطحابها في السفر جاز وكما ولا يجوز السفر بالوديعة اختياراً كذلك لا يجوز التردد بها في الطرق والأسواق إذا كانت مما يوضع في مكان خاص أما لو كان مما بنى على النقل والإنتقال أو ما توضع في الجيب ونحوه جاز . سابع عشرها: لو أودع الوديعة عند غيره من دون إذن المالك ضمن من غير خلاف سواء في ذلك البعيد والقريب والزوجة وغيرها إلا إذا أراد السفر ولم يمكن إيصالها إلى المالك أو وكيله أو إلى الحاكم أودعته للإيداع ضرورة كالخوف عليها من نهب أو حرق أو كان الرجل ممن تجري عادته بعدم تولي مفتاح الصندوق أو الغرفة أو عدم اختصاصه بمكان خاص عن عياله بحيث لا يدخل عليه أحد منهم وكان المودع عالماً بذلك أو يكون المستودع قد أعلمه بذلك جاز حينئذ الإيداع عند الغير والمشاركة معه فيها وتسليط غيره عليها على ذلك النحو المذكور ولو لم يمكن حفظ الوديعة إلا بلبس الثوب أو النوم على الفراش أو الركوب على الدابة لزم ذلك ويتولاه المستودع ولا أجرة عليه للمودع لو فعل ذلك ولو لم يفعل ضمن . ثامن عشرها:لو قبض المستودع الوديعة ابتداءً بقصد الخيانة أو قصد الخيانة في الأثناء واحتمل القول بلزوم الضمان مطلقاً لعموم على اليد مع الشك في الخروج عنه للشك في صدق الوديعة الشرعية ابتداءً أو استدامة مع قصد الخيانة عليها واحتمل العدم لصدق الوديعة عرفاً عليها ومنع تسميته خائناً بمجرد النية ومنع لزوم الضمان للخيانة مطلقاً إذا لم يصدق عليها اسم التعدي والتفريط. تاسع عشرها: التفريط سبب في الضمان ولو لم تتلف الوديعة به فعلى ذلك لو ترك سقي الدابة وعلفها على النحو المعتاد ضمن الدابة سواء ماتت بترك السقي أو غيره وسواء ماتت في زمان يموت مثلها عادة بترك السقي فيه أو في أقل منه ويظهر من بعضهم اشتراط الضمان بأن تموت بنفس الترك في زمان يموت مثلها فيه بتركه حتى أنها لو ماتت قبل المدة التي يموت مثلها فيها بالترك لم يضمن ولو لم تمت مع مضي تلك المدة ضمن النقصان وهو محل نظر وتأمل. العشرون:لو أمره المالك بدفع الوديعة إلى الوكيل وجب وهل له التأخير إلى الإشهاد يبني على ان الودعي يصدق قوله في الرد إلى الوكيل كما يصدق قوله في الرد إليه وان المأمور بالدفع إلى شخص يصدق قوله بالدفع إليه لأنه وكيل على الرد والوكيل أمين والأمين مصدق على ما أؤتمن عليه أو لا يصدق أحدهما فعلى الأخير يجوز له ذلك مخالفة التضمين والظاهر الأول لأن يد الوكيل يد الموكل نعم لو حلف الوكيل على عدم وصولها إليه صدق ولم يغرم للمالك بمجرد يمين الودعي على الإيصال إليه وإنما فائدة يمين الودعي رفع الضمان عنه ويحتمل أن للودعي التأخير للإشهاد وإن صدق قوله بالدفع إلى الوكيل وذلك لرفع مؤنة اليمين عنه ولو صادقاً لو أذن المودع للمستودع بالإيداع فهل له أن يودع بلا إشهاد وهل يصدق قوله بالإيداع الظاهر ذلك في المقامين: أما الأول:فلأن أمر الودائع مبني على الإخفاء بخلاف الدين وشبهه ولأن قول الودعي مقبول في الرد فلا حاجة للإشهاد عليه. وأما الثاني:فلأنه وكيل في التصرف بهذا النوع الخاص والوكيل يقبل قوله فيما وكل فيه أما لو أمره بدفع الوديعة لوكيله ففي لزوم الإشهاد وجهان من أن عدم الإشهاد تفريط لاحتمال إنكار الوكيل ما دفع إليه فيحلف على عدمه ويحلف الودعي على إيصاله إلى المالك فلم يبق للمالك حق على أحد منهما فيعود عليه الضرر ومن أن أمر الودائع مبني على الإخفاء أخذاً ودفعاً فلا يلزمه الإشهاد ما لم ينص عليه ولا يبعد الأخير استناداً للسيرة. الحادي والعشرون: لو جحد الودعي الوديعة من غير عذر كتقية أو نسيان أو خوف عليها من ظالم أو سارق وكان ذلك بعد طلب المالك لها ضمنها لو أقر بها بعد ذلك أو قامت عليه البينة لأن الجحود خيانة فتكون يده عليها حالة يد خيانة لا يد أمانة متلقاة عن المالك والعمدة في ذلك فتوى الأصحاب وأصالة الضمان مع الشك في شمول إطلاق أدلة عدم ضمان الأمانة لمثل ذلك ولو ادعى أن الجحود لعذر فأنكر المالك كان القول قول المالك لأصالة عدم العذر وكذا الحكم في كل تعد أو تفريط صدر من الودعي فادعى أنه لعذر ولو لم يكن المالك طالباً لها بل كان سائلاً عنها ففي الضمان وجهان من أن إنكاره خيانة فلا تكون يده عن رضا المالك فليست يد أمانة ونفي الملزوم بإنكاره نفي للازمة وهو كونها متلقاة عن يد المالك وإذنه ومن أن الجواب بالنفي لازم أعم فلعله عازم على التأدية وكان الإنكار لمجرد الكذب والتحكم فلا تكون يده بغير رضا المالك وجهان ولا يبعد الأخير. الثاني والعشرون: لو مزج الوديعة بماله أو بمال المالك أو بمال ثالث مزجاً لا يتميزأو يعسر تمييزه ضمن ولو أخذ من دراهم المالك درهماً ثم اعاده بعينه ضمنه دون غيره وإن امتزج بغيره وإن أعاد غيره فإن إمتزج في الباقي ضمنه وغيره وإن لم يمتزج ضمنه بنفسه هذا إذا كانت درهماً منثورة فلو كانت في صندوق أو في كيس أو صرة ففتحها وأخذ منها درهماً ضمن الجميع نفس المأخوذ لصدق التعدي على الجميع في ضمان الظرف مع المظروف وجهان ولا يبعد الضمان هذا إن كان الظرف قد شده أو قفله المودع أو صدر الشدة أو القفل بأمره وإلا فلا ضمان ولو فتح الكيس غير مريد أخذ شيء منه ضمن أيضاً لتعديه عليه عرفاً وكذا لو فتحه فدار في كيساً آخر أمكن تمييزه أم لا ولو شقه أو بقره من أسفل ضمن الظرف والأظهر ضمان المظروف أيضاً ولو أودع عنده شيئاً واحداً عرفاً فتصرف ببعضه ضمن الجميع ولو كانت أشياء لم يضمن سوى ما تصرف فيه وإن كانت الوديعة مرة واحدة فالمثليات المجتمعة شيء واحد والقيميات أشياء متعددة وفي الدراهم إشكال. الثالث والعشرون: لو أجري على الوديعة عقود معاوضة من بيع وإجارة أو صلح أو هبة أو غيرها من وقف وسكنى أو صدقة وعتق ففي الضمان وعدمه وجهان من أن مجرد اللفظ الخالي عن دفع ليس من التعدي عرفاً ولأنه مع قصد النقل والانتقال متعد عرفاً لزيادته على مجرد نية الخيانة بانضمام النواقل إليها ولو أذن المالك للودعي بحمل الأخف فحملها الأثقل ضمن الدابة وضمن الأجرة إن تغاير الجنس كما إذا أذن له بقطن فحملها حديداً ولو كان لزيادة الوزن ضمن تفاوت أجرة الزيادة دون المأذون فيه مع احتمال ضمان جميع أجرة الحمل وضمن جميع قيمة الدابة لو تلفت به لا نسيئة قيمتها إلى المأذون فيه وقدر الزيادة. الرابع والعشرون: لا يجوز التصرف بالوديعة من غير إذن صاحبها ولو بالفحوى لقبح التصرف بمال الغير عقلاً ونقلاً كتاباً وسنة وإجماعاً وفي بعض الأخبار كخبر قرب الأسناد وجامع البيزنطي ما يؤذن يجواز التصرف مع نية الرد وهما محمولان على حصول الإذن بالفحوى كما يفعله اليوم كثير من الناس. الخامس والعشرون: لو تصرف المستودع بالوديعة حتى ضمن تعلق به الضمان ولا يبرأ بمجرد إرجاعها إلى الحرز أو ترك التصرف بها بعد ذلك أو تدارك التفريط الذي صدر منه بل يبرأ إما بإرجاعها إلى المالك وإيداعها عنده جديداً أو أذن المالك له بقبضها للوديعة بعد الإذن أو إسقاط الضمان عنه لأنه حقه فله إسقاطه وقد يستشكل في البراءة من الضمان بالإسقاط لأنه إسقاط ما لم يجب وفيه أن كونه مضموناً ثابت بالفعل وكذا فيما لو قال أودعتكها أو أنت نائب عني في حفظها أو استأمنتك عليها ولم يأذن له في قبضها جديداً لاستصحاب الضمان وعدم منافاته للاستيداع في الاستدامة كما لو أودعه مغصوباً وهي بيده فإنه ضامن ولا يزول ضمانه بمجرد صدور عقد الوديعة من المالك والإشكال في محله والتحقيق والتفريط لا يخرجان الأمانة المالكية عن كونها مالكية ولا يخرجان الوديعة عن حكم الودعي سوى حكم الضمان من حيث أن الوديعة من دونهما غير مضمونه ومعهما مضمونه فعَلى ذلك لو تعلق الضمان بالودعي من حيثية التعدي والتفريط فلا يزول إلا بإسقاطه بناءاً على جواز إسقاط مثل هذا الحق أو بالإيداع جديداً أو لا يزول بمجرد قول (أودعتك هذا أو استنبتك في الحفظ أو شبههما) لأنه لم يفد فائدة أحرى سوى تأكيد الاستيداع المتقدم وهو مجامع للضمان فلا يرتفع بما دل عليه. السادس والعشرون: في جملة مما يتعلق بالدعوى وفيه أمور: أحدها:لو اختلفا في أصل الوديعة كان القبول قول منكرها للأصل ولو اتفقا على صدورها واختلفا في التلف وعدمه كان القول قول الودعي في حصول التلف لأنه أمين في الحفظ وقول الأمين مسموع فيما أؤتمن عليه وللإجماع المنقول على ذلك وللزوم الضرر والضرار على الودعي بطلب البينة منه والظاهر عدم الفرق بين دعوى التلف مطلقاً وبين دعواه مستنداً إلى سبب خاص ولا فرق في السبب بين كونه ظاهراً أو خفياً خلافاً لمن يظهر منه الفرق بين السبب الظاهر والخفي حيث أنه لم يقبله من دون بينة في الأول وقبله مطلقاً في الثاني والأقوى أن قبول قوله مفتقر إلى اليمين إقتصاراً في سماع قول المدعي على المورد اليقين وقيل بسماع قوله من دون يمين استناداً إلى قوله (() في المودع (إذا كان غير ثقة هل يقبل قوله قال نعم ولا يمين عليه) و إلى قوله (() (لم يخنك الأمين ولكنك ائتمنت الخائن) وإلى قوله (() (ليس لك أن تتهم من ائتمنته ولا تأمن الخائن) وإلى قوله (() (ليس لك أن تأمن من خانك ولا تتهم من ائتمنت) إلى غير ذلك مما دل على النهي عن اتهام الأمين وهو يلازم تصديقه من دون اختلاف وفيه ضعف لعدم معارضة الإجماع المنقول المنجبر بفتوى الفحول وقد يقال بالفرق بين كونه متهماً وغير مأمون فلا يقبل قوله إلا مع اليمين وبين كونه ثقة مأموناً فيلزم تصديق قوله من دون يمين وربما قيل في الاخبار دلالة عليه . ثانيها: لو ادعى الودعي الرد فإن كان على المالك صدق قوله بيمينه على الأظهر الأشهر لأنه قابض لمصلحة المالك فلا يكلف البينة وكذا لو كان الرد على الوكيل لأن يد الوكيل يد الموكل وكذا لو كان على غيرهما وكان مأموراً بالدفع إليه لأنه حينئذ وكيل في الدفع فيصدق قوله فيه ولا يصدق قوله في الرد على الوارث للأصل ولأنه لم يدفع المال إلى الودعي وإن انتقل إليه بعد ذلك ولو ادعى الودعي الرد إلى من أذن له المالك بالرد إليه فأنكر المالك الإذن كان القول قوله بيمينه فإذا حلف المالك نظر فإن أقر المدفوع إليه بالقبض والعين باقية ردت إلى المالك فإن تعذر ارتجاعها لغيبة أونحوها تخير المالك بين الرجوع إليه والصبر وبين الرجوع على الودعي لمكان الحيلولة فإن رجع على الودعي فأخذ منه البدل رجع الودعي على المدفوع إليه وأخذ منه عين الوديعة عوضاً عما دفعه أو ردها على المالك وأخذ البدل الذي دفعه إليه إن كان موجوداً وإن كانت العين تالفة فإن رجع على الودعي لم يرجع على المدفوع إليه لاعترافه بظلم المالك له وكذا لو رجع على المدفوع إليه لاعتراف الودعي بظلمه فلا يرجع إليه وإن أنكر القبض فالقول قوله بيمينه فإذا حلف اختص الغرم بالمستودع وإذا أقر المالك بالإذن فأن دفعها مع الإشهاد لزم تصديقه لأنه وكيل حينئذ في الدفع وقد أخبر به وإن دفعها بدونه احتمل عدم لزوم الضمان عليه لأن الإذن بدفع الوديعة لا يقضي بلزوم الإشهاد كما يقضي به بقضاء الدين وأحتمل لزومه لأن الدفع بدون الإشهاد تفريط كقضاء الدين من دونه واعتراف المالك بوصول الوديعة إلى المأذون لا ينافي الضمان من جهة عدم الإشهاد. ثالثها:لو اختلف المالك مع من في يده المال فقال المالك وديعة وقال الآخر رهن فالقول قول المالك ولو قال المالك هي وديعة وقال الآخر هي قرض كي يجوز له دفع مثلها أو قيمتها دون عينها كان القول قول المالك ولو اختلفا بعد تلفها من غير تفريط فقال المالك هي قرض كان القول قول المالك مع يمينه لعموم دليل ضمان ما أخذت اليد وخصوص الموثق عن رجل استودع رجلاً ألف درهم فضاعت فقال الرجل كانت عندي وديعة وقال الآخر إنما كانت عليك قرضاً قال المال لازم له إلا أن يقيم البينة إنها كانت وديعة ونحوه غيره ولابن إدريس هنا تفصيل ضعيف. رابعها:لو اختلفا في قدر قيمة الوديعة بعد تلفها إذا كانت مضمونة فالقول قول الودعي للأصل لا لكونه أميناً كي يقال بارتفاع أمانته بالخيانة في التعدي والتفريط وقيل إن القول قول المودع ونقل أن فيه رواية وهو ضعيف والرواية لم تثبت. خامسها: لو اختلفا في أصل الوديعة أو في قدرها أو في اشتراط أمر زائد فيها أو في التعدي أو التفريط فيها أو في مخالفة أمر المالك فيها كان القول قول الودعي في ذلك كله . سادسها:إذا مات المودع سلمت الوديعة إلى المعلوم أنه وارث أو من أقامت عليه البينة وفي جواز تأخيرها لاحتمال وجود وارث آخر وجهان تقدم الكلام عليهما ويقوي جواز التأخير فيما لو ادعى شخص أنه وارث بقدر إثبات دعواه عرفاً ويجب دفعها فوراً وإن لم يطالب الوارث سواء علم أو لم يعلم لأنها تعود أمانة شرعية ولو كان الوارث متعدداً سلّمها إلى الجميع أو وكيلهم أو وصيهم ولو سلمها لواحد ضمن حصة الباقين ولو كان الحاضر أحدهم وأراد حصته لم يجز للودعي القسمة بل لابد من الرجوع إلى الحاكم في القسمة ودفع حقه إليه ولو امتنع الودعي من الرجوع إلى الحاكم ضمن حصة المطالب ولا يلزم الودعي مؤنة الرد بل عليه الإعلام فوراً والتخلية والدفع. سابعها: لو مات الودعي فإن علمت الوديعة فلا كلام وإن لم تعلم بعينها فإن علمت أنها في جملة أعيان التركة الموجودة كان المودع شريكاً للوارث في القدر المعلوم أو ما قامت عليه البينة وإن لم يعلم وجودها في أعيان التركة فإن علم تفريط الودعي فيها بترك الوصية أو شبهها كانت ديناً في ذمته وحكمها كحكم سائر ديون الميت وإن لم يعلم التفريط بها فالأظهر عدم لزوم إحراجها من التركة لأصالة عدم كونها في جملة أعيان التركة كي يحكم بشركة المودع للوارث وأصالة عدم التعدي والتفريط عليها وبها كي يحكم بضمان الودعي فتعامل معاملة الدين وأصالة بقائها في الوجود الخارجي أو تحت يد المودع أو في بيته لا يقضي بكونها في جملة أمواله إلا إذا علم كونها في جملة أمواله قبل الموت أو قبله ويعده ونسب للمشهور أن الميت إذا اعترف بالوديعة وجهلت عينها فإنها تخرج من أصل تركته ولو كانت له غرماء وضاقت التركة حاصرهم المودع لأن اعترافه بالوديعة زمن حيويته أوجب ثبوت يده عليها والتزامه بها إلى أن يردها إلى مالكها فإذا لم تعلم كان ضامناً لعموم على اليد ولأنه بترك تعينها ضامن لها لتفريطه بها ولأصالة بقائها في يده إلى الموت وبعده تكون في جملة التركة فإذا تعذر الوصول إلى عينها وجب البدل فتكون بمنزلة الدين فيحاجوا صاحبها الغرماء وفي هذا الكلام ضعف يظهر مما تقدمه وقد تقدم نظير ذلك غير مرة. ثامنها: لو أنكر الوديعة ثم أقر بها ابتداءً أو قامت عليه البينة فصدقها ثم ادعى بعد الإقرار والتصديق تلفها مطلقاً أو تلفها بعد الإنكار ضمن وإن ادعى تلفها قبل الإنكار فقيل لا تسمع دعواه ولا تقبل بينته لتكذيبه إياها ولا يتوجه بها عليه يمين ولا على المدعي وقيل تسمع دعواه ويقبل يمينه لاحتمال استناد الإنكار لسهو أو نسيان أو غفلة أو نحو ذلك وقيل أنه لا تسمع دعواه ولا تقبل بينته ولا يتوجه عليه يمين ولكن يتوجه بها يمين على المودع لو طلب إحلافه على نفي العلم وقيل إنه أظهر لإنكاره تأويلاً ممكناً كأن يقول أردت ليس عندي وديعة يلزمني ردها أو ضمنها ونحو ذلك سمعت دعواه وبينته وإلا فلا تسمع وقيل إن كان الإنكار لأصل الإيداع لم تقبل دعواه ولا بينته وإن كان الإنكار لشغل ذمته أو لعدم وجود الوديعة الآن عنده أو لعدم لزوم شيء عليه أو نحو ذلك سمعت دعواه وقبلت بينته بل قيل إن هذا ليس من محل الخلاف في المسألة والأظهر القبول والسماع إن أظهر تأويلاً ممكناً لعدم ثبوت التعدي عليه الموجب للضمان ولأن تكذيب بيّنة إنما يثبت بالمحقق لا بالموهوم. تاسعها: إذا كانت عنده وديعة فادعاها اثنان فإما أن يقر الودعي بكونها لأحدهما خاصة أو يقر بكونها لهما أو يكذبهما أو لا يدري لمن هي منهما مع علمه بأنها لأحدهما أو لا يدري بأنها لهما أو لغيرهما فإن أقر بها لأحدهما وجب عليه تسليمها إليه ولزمه الحلف للآخر فإن حلف سقطت دعوى الآخر عنه وللآخر تحليف المقر له على عدم كونها له فإن حلف استقر ملكه عليها وإن نكل أو رد اليمين فحلف الآخر عادت إليه وإن نكل الودعي عن اليمين لمن لم يقر له وقضينا بالنكول أوردت اليمين على من لم يقر له فحلف على إنها له غَرم الودعي المثل والقيمة لحيلولته بينها وبينه بإقراره لصاحبه ولا يتفاوت الحال بين كون اليمين المردودة بمنزلة إقرار المنكر أو بمنزلة بينة المدعي لأنها لو كانت بمنزلة البينة فهي بمنزلتها في حق المتداعيين لا مطلقاً فلا تنتزع الوديعة من المقر له حينئذ على كل حال فإن أقر بها لهما فقد كذب دعوى كل منهما الجميع وصدقه في البعض وحينئذ فتقسم بينهما ويبقى النزاع بينهما بالنصف فإن حلفا معاً أو نكلا قسم بينهما أيضاً وإن حلف أحدهما خاصة قضى له بها ولا خصومة للناكل مع الودعي ولكل منهما الدعوى مع الودعي في النصف الآخر فإن حلف سلم من الغرم وإن رد اليمين أو نكل غرم للحالف النصف كما تقدم في الكل وإن كذبهما معا كان لهما إحلافه فإن نكل عن اليمين ردت إليهما وصارا في الدعوى سواء لخروج يد كل منهما فإن حلفا أو نكلا قسمت بينهما نصفين وإن اختص أحدهما باليمين اختص هو بالوديعة وإن قال لا أدري لأيكما فإن وافقاه على عدم التعيين فلا خصومة وإلا كان لهما عليه اليمين على نفي العلم بأنه لأحدهما خاصة وهل عليه يمين واحدة لأنها دعوى واحدة فيكتفي فيها بيمين واحدة أو عليه يمينان لكل واحد منهما يمين لعموم البينة على المدعي واليمين على من أنكر وجهان والأقوى الأخير فإذا حلف سقطت الدعوى عنه وإن نكل وحلفا على علمه اغرم القيمة وجعلت مع العين في أيديهما لمكان الحيلولة وتراضيا على ما أخذاه واصطلحا عليه ومتى وقعت المنازعة بينهما بعد يمينه قيل إنه يقرع بينهما فمن خرجت له القرعة حلف وسلمت إليه الوديعة وقيل أن الأمر يقف إلى أن يصطلحا أو تقوم بينة أنها لأحدهما وقيل تقسم بينهما نصفين بعد تحالفهما وهو الأظهر للزوم الضرر في الإيقاف وعلى كل حال فالأظهر انتزاع الوديعة من يده لانحصار الحق فيهما ومطالبتهما بها مع احتمال الرجوع للحاكم واحتمال إبقائها في يده ضعيف وإن قال لا أدري لكما أم لغيركما كان لهما عليه اليمين على نفي العلم بأنها لهما أو نفي العلم لكل واحد منهما فإذا حلف بقيت في يده لأنها وديعة عنده إلى أن تقوم البينة وليس لأحدهما تحليف الآخر لأنه لم يثبت لواحد منهما فيها يد استحقاق ولو نكل عن اليمين ففي تسليمها إليهما مع حلفهما على الاستحقاق وغرامته لهما القيمة لو حلفا على علمه لانحصار الحق فيهما ظاهراً ولا منازع لهما الآن أو إبقاؤها في يده لعدم حصر ذي اليد الحق فيهما إشكال ولا يبعد الأول. ?? ?? ?? ?? 14 أمور في الوديعة 1 أنوار الفقاهة (كتاب الوديعة)