2
2
قال الشيخ الإمام والحبر الهمام صدر المدرسين زين الملة والدين أبو يحيى زكريا الأنصاري الشافعي تغمده الله برحمته بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
كتاب البيوع
جمع بيع وهو اسم جنس وجمعه لاختلاف أنواعه لأنه يقع على بيع عين ودين ومنفعة ويطلق على أمرين أحدهما قسيم الشراء وهو الذي يشتق منه لمن صدر عنه لفظ البائع وحده نقل ملك بثمن على وجه مخصوص والشراء قبول ذلك على لفظ كل منهما يقع على الآخر تقول العرب بعت بمعنى اشتريت وبالعكس قال الله تعالى وشروه بثمن بخس وقال ولبئس ما شروا به أنفسهم ويقال لكل من المتبايعين بائع وبيع ومشتر وشار الثاني العقد المركب من الإيجاب والقبول وهذا مرادهم بالترجمة وهو لغة مقابلة شيء بشيء وشرعا مقابلة مال بمال على وجه مخصوص والأصل فيه قبل الإجماع آيات لقوله تعالى وأحل الله البيع وقوله لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم وأخبار كخبر سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الكسب أطيب فقال عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور لا غش فيه ولا خيانة رواه الحاكم وصححه وخبر إنما البيع عن تراض رواه ابن حبان وصححه قال في المجموع تبعا للغزالي وأركانه ثلاثة صيغة وعاقد ومعقود عليه واختار الرافعي أنها شروط له وقد ذكرت دليله والجواب عنه في شرح البهجة
3
3
باب ما يصح به البيع
عبر عما ذكرته ما يحتمل الأركان والشروط مبتدئا بالصيغة لأنها أهم للخلاف فيها ثم بالعاقد ثم بالمعقود عليه لتقدم الفاعل على المفعول طبعا فقال ويعتبر في صحته ثلاثة أمور الأول الصيغة لأن البيع منوط بالرضا لما مر والرضا أمر خفي لأنه ميل النفس فاعتبر لفظ يدل عليه ويحصل بالإيجاب من البائع ك بعتك بكذا أو ملكتك بكذا وهذا مبيع منك بكذا أو أنا بائعه لك بكذا ونحوها كما بحثه الإسنوي وغيره قياسا على الطلاق والقبول من المشتري ك اشتريت وتملكت وقبلت وكذا إن بدأ المشتري بكلامه و كذا إن اختلف اللفظ من الجانبين فقال اشتريت منك هذا بكذا فقال البائع ملكتك أو قال له البائع ملكتك فقال اشتريت لحصول المقصود بذلك فإن بدأ ب قبلت لم يصح إذ لا ينتظم الابتداء به وهذا ما أفهمه كلام الأصل وبه صرح الإمام والأوجه الصحة كما جزم به الشيخان في نظيره في النكاح وأشار بكاف الخطاب في صيغ الإيجاب إلى اعتبار الخطاب فيها وإسنادها لجملة المخاطب فلا يكفي قول البائع بعت ولو بعد قول المشتري له بعت هذا بكذا ولا قوله بعت يدك أو نصفك ولا بعت موكلك بل يقول بعتك أو ملكتك وإنما اكتفى في النكاح بأنكحت موكلك بل يتعين لأن ا الوكيل ثم سفير محض وقد لا يعتبر الخطاب كما سيأتي بيانه في مسألة المتوسط ويشترطان أي الإيجاب والقبول في عقد تولى الأب وإن علا طرفيه كالبيع لماله من طفله وعكسه فلا يكفي أحدهما إذ معنى التحصيل غير معنى الإزالة وكالطفل المجنون وكذا السفيه بناء على الأصح أنه لا يجوز تصرفه في المال بإذن وليه وهذا إن بلغ سفيها وإلا فوليه الحاكم فلا يتولى الطرفين لأن شفقته ليست كشفقة الأب وترجيح الاشتراط فيما قاله من زيادته وبه صرح النووي في مجموعه فرع ولا ينعقد البيع بالمعاطاة إذ الفعل لا يدل بوضعه واختار النووي وجماعة منهم المتولي والبغوي الانعقاد له في كل أي بكل ما يعده الناس بيعا لأنه لم يثبت اشتراط لفظ فيرجع للعرف كسائر الألفاظ المطلقة وبعضهم كابن سريج والروياني خصص جواز بيع المعاطاة بالمحقرات وهي ما جرت العادة فيها بالمعاطاة كرطل خبز فعلى الأول وهو عدم صحة البيع بالمعاطاة المقبوض بها كالمقبوض بالبيع الفاسد فيطالب كل صاحبه بما دفع إليه إن بقي وببدله إن تلف وقال الغزالي في الإحياء يتملكه يعني للبائع أن يتملك الثمن الذي قبضه إن ساوى قيمة ما دفعه لأنه مستحق ظفر بمثل حقه والمالك راض هذا كله في الدنيا أما في الآخرة فلا مطالبة لطيب النفس بها واختلاف العلماء فيها نقله في المجموع عن ابن أبي عصرون وأقره قال وخلاف المعاطاة في البيع يجري في الإجارة والرهن والهبة ونحوها قال في الذخائر وصورة المعاطاة أن يتفقا على ثمن ومثمن ويعطيا من غير إيجاب ولا قبول وقد يوجد لفظ من أحدهما فرع لو قال شخص بصيغة الأمر لآخر بعني أو اشتر مني هذا بكذا فقال الآخر بعتك أو اشتريت أو قد فعلت أو نحوها صح لدلالة الأمر على الرضا والأول يسمى استيجابا وإيجابا والثاني استقبالا وقبولا والتصريح بالترجيح في الثانية من زيادته لا إن جاء بصيغة الاستفهام ولو مقدرا فقال تبيعني أو بعتني هذا بكذا فقال بعتك فلا يصح فإن جوابه إيجاب يفتقر إلى القبول باشتريت أو نحوه فلا يصح بدونه أو قال
4
4
تشتري مني أو اشتريت مني هذا بكذا فقال اشتريت لم يكف حتى يقول بعده بعتك أو نحوه فإن جوابه قبول يفتقر إلى الإيجاب فلا يكفي بدونه فرع بالكناية مع النية تصح العقود ولو لم تقبل التعليق أو لم يستقل بها الشخص كالبيع والإجارة لحصول المقصود بها كالصريح إلا فيما يجب فيه الإشهاد كالنكاح وبيع شرط على وكيله أي الوكيل به الإشهاد فيه فلا ينعقد بالكناية لأن الشهود لا يطلعون على النية نعم لو توفرت القرائن عليه في الثانية قال الغزالي فالظاهر انعقاده وأقره عليه الأصل لكن قال في المطلب أنه مخالف لكلام الأئمة انتهى وعلى الأول قد يفرق بينه وبين النكاح بأن النكاح يحتاط له أكثر وصورة الشرط أن يقول بع على أن تشهد فإن قال بع وأشهد لم يكن الإشهاد شرطا صرح بذلك المرعشي واقتضاه كلام غيره فقوله خذه أو تسلمه بكذا أو جعلته لك بكذا أو باعك ه الله بكذا كأقالك الله منه أو رده الله عليك في الإقالة أو بارك الله لك فيه أو سلطتك عليه بكذا أو نحوها كناية في البيع فينعقد بها مع النية ولو أخر عن هذا قوله كأقالك الله في الإقالة كان أوضح والتقدير فيه أقالك الله لأني أقلتك لا أبحتك إياه بكذا فليس كناية فيه قال في المجموع لأنه صريح في الإباحة فلا يكون كناية في غيرها وفيه نظر بل ينبغي أن ينعقد به البيع وإلا أشكل بانعقاده بلفظ الهبة المصرح فيه بأنه مع ذكر العوض صريح في البيع وبما تقرر علم أن للبيع صرائح وكنايات كغيره من العقود والحلول وصريح كل باب ما وضع له فلا يفهم منه غيره وكنايته ما احتمله وغيره تنبيه هل الكناية الصيغة وحدها أو مع ذكر العوض فيه التفات إلى أن ما أخذ صراحة لفظ الخلع في الطلاق ذكر العوض أو كثرة الاستعمال والأصح في الروضة الأول وفي غيرها الثاني فتكون صورة الكناية على الأول والصيغة وحدها فيصح العقد بها مع ذكر العوض بل قيل أو مع نيته والذي في الأصل وغيره تصويرها بالصيغة مع ذكر العوض والأول أوجه فرع الكتابة بالبيع ونحوه على لوح أو ورق أو أرض أو نحوها لا على المائع والهواء إلى الغائب كناية في ذلك فينعقد بها مع النية لحصول التراضي بخلاف الكتابة على المائع ونحوه لأنها لا تثبت وتعبيره بالمائع أعم من تعبير أصله بالماء فيشترط القبول من المكتوبات إليه حال الاطلاع ليقترن بالإيجاب بقدر الإمكان فإذا قبل فله الخيار ما دام في مجلس قبوله ويثبت الخيار للكاتب ممتدا إلى أن ينقطع خيار صاحبه حتى لو علم أنه رجع عن الإيجاب قبل مفارقة المكتوب إليه مجلسه صح رجوعه ولم ينعقد البيع وإن كتب بذلك لحاضر ففي الصحة تردد أي وجهان رجح منهما السبكي والزركشي الصحة ولو باع من غائب كأن قال بعت داري لفلان وهو غائب فقبل حين بلغه الخبر ممن أرسله إليه البائع أو من غيره صح كما لو كاتبه بل أولى لأن اللفظ أقوى من الكتب فرع يشترط في صحة العقد أن يقع القبول بعد
5
5
الإيجاب على الفور فلا يصح على التراخي لكن لا يضر الفصل اليسير لعدم إشعاره بالإعراض عن القبول ولا يصح العقد إن تخلل بينهما كلام أجنبي عن العقد ولو يسير وإن لم يتفرقا عن المجلس لأن فيه إعراضا عن القبول بخلاف اليسير في الخلع ويفرق بأن فيه من جانب الزوج شائبة تعليق ومن جانب الزوجة شائبة جعالة وكل منهما موسع فيه محتمل للجهالة بخلاف البيع وصورته أن يقع ممن يريد أن يتم العقد أما من فرغ من كلامه وتكلم بيسير أجنبي فإنه لا يضر ذكره الرافعي في الخلع والمراد بالكلام ما يشمل الكلم والكلمة وخرج بالأجنبي غيره فلا يضر قال بعضهم كقوله بارك الله في الصفقة أو غال أو رخيص وقال بعضهم كقوله بعتك هذا بكذا أقبلت مني البيع وفسر في الأنوار الأجنبي بأن لا يكون من مقتضى العقد ولا من مصالحه ولا من مستحباته قال فلو قال المشتري بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله قبلت صح ولو مات المشتري بعد الإيجاب بحضرة وارثه لم يقبل وارثه ولا يقبل وكيله بل ولا موكله كما جزم به المصنف في شرح الإرشاد وهو مقتضى كلام الأصحاب وخالف بعضهم فقال بالصحة في الموكل ويشترط في صحة العقد الموافقة في المعنى إيجابا وقبولا فإن أوجب بألف قراضة فقبل بصحاح أو بالعكس كما فهم بالأولى وصرح به الأصل أو قال قبلت نصفه بخمسمائة وسكت لم يصح للمخالفة ولو قال ونصفه الآخر بخمسمائة صح عند المتولي إذ لا مخالفة بذكر مقتضى الإطلاق واستشكله الرافعي بأنه أوجب له عقدا فقبل عقدين لتعدد الصفقة بتفصيل الثمن قال في المجموع والأمر كما قال الرافعي لكن الظاهر الصحة ومال في المهمات إلى عدم الصحة قال والرافعي إنما ساق مقالة المتولي مساق الأوجه الضعيفة ولو قبل بألف وخمسمائة لم يصح للمخالفة ويشترط أيضا أن يصر البادي على ما أتى به من الإيجاب أو القبول فلو أوجب بمؤجل أو بشرط الخيار ثم أسقط الأجل أو الخيار ثم قبل الآخر ولم يصح البيع لضعف الإيجاب وحده وأن يتكلم كل منهما بحيث يسمعه من بقربه وإن لم يسمعه صاحبه وإلا لم يصح كما لو حلف لا يكلمه بكلمة قاله البغوي في فتاويه فرع لو قال بعتك هذا بكذا إن شئت فقال اشتريت أو قال اشتريت منك هذا بكذا إن شئت فقال بعتك انعقد البيع ولا يضر التعليق المذكور لأنه تصريح العقد فأشبه ما لو قال إن كان هذا ملكي فقد بعتكه بكذا ولو قال في الجواب شئت لم يصح لأن لفظ المشيئة ليس من ألفاظ التمليك ونقل الزركشي عن نص الشافعي أنه يصح ثم قال فتتعين الفتوى به انتهى وقد يحمل النص على أن ذلك كناية جمعا بين الكلامين ولو قال اشتريته منك بكذا فقال بعتك إن شئت قال الإمام لا يصح لاقتضاء التعليق وجود شيء بعده ولم يوجد فلو قال بعده اشتريت أو قبلت لا يصح أيضا إذ يبعد حمل المشيئة على استدعاء القبول وقد سبق فيتعين إرادتها نفسها فيكون تعليقا محضا وهو مبطل أو قال المتوسط للبائع بعت هذا بكذا فقال نعم أو بعت وقال للآخر اشتريت فقال نعم أو اشتريت انعقد البيع لوجود
6
6
الصيغة والتراضي والأخرس يشير أو يكتب بالعقد والحل للمعالجة وهذا أعم من قول الأصل يصح بيع الأخرس وشراؤه بالإشارة والكتابة وسيأتي في الطلاق أيضا ذكر الإشارة وأنه إن فهمها الفطن وغيره فصريحة أو الفطن فقط فكناية فرع وإن قال أعتق عبدك عني بألف مثلا ففعل حصل البيع ضمنا بما ذكر من الالتماس والجواب ولو قال بعتك بكذا فقال قبلت صح بخلاف النكاح يشترط فيه أن يقول قبلت نكاحها أو تزويجها كما سيأتي في بابه احتياطا للإبضاع وبذلك صرح الأصل هنا الأمر الثاني مما اعتبر في صحة البيع أهلية العاقد موجبا أو قابلا وشرطه إطلاق التصرف والاختيار فلا يصح بيع صبي وإن قصد اختباره به ولا بيع مجنون ومحجور عليه بسفه ولو بغبطة لما سيأتي في الحجر وتعبيره بإطلاق التصرف أولى من تعبير أصله بالتكليف ويشترط أن يبقى العاقدان على أهلية العقد إلى تمامه فلو جن أحدهما أو أغمي عليه قبل القبول بطل الإيجاب ولا يصح بيع مكره لآية ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ولخبر إنما البيع عن تراض إلا بيع مكره بحق كالممتنع من أداء الحق عند الحاكم فيكرهه على البيع ونحوه كالشراء لما أسلم إليه فيه فيصح لأنه إكراه بحق وإلا بيعه مال المكره له فيصح قاله القاضي كنظيره في الطلاق لأنه أبلغ في الإذن وتعبيره بما ذكر أعم من تعبير الروضة بالبيع وشراء ما أسلم إليه فيه ويصح بيع المصادر من جهة ظالم بأن باع ماله لدفع الأذى الذي ناله لأنه لا كراء فيه ومقصود من صادره تحصيل المال من أي وجه كان و يصح عقد السكران المتعدي بسكره وإن كان غير مكلف لأنه من قبيل ربط الأحكام بالأسباب الذي هو خطاب الوضع كما مر بيانه في الجمعة فرع وإن أتلف الصبي أو تلف عنده ما ابتاع أو ما اقترض من رشيد وأقبضه له لم يضمن في الظاهر لأن المقبض هو المضيع لماله أما في الباطن فيغرم بعد البلوغ نص عليه في الأم في باب الإقرار أو من صبي مثله ولم يأذن الوليان ضمن كل منهما ما قبض من الآخر وإن كان ذلك بإذن الوليين فالضمان عليهما فقط لوجود التسليط منهما وعلى البائع للصبي رد الثمن الذي قبضه منه إلى وليه وعلى وليه استرداده فلو سلمه الأنسب رده إلى الصبي ولو بإذن الولي وهو ملك للصبي لم يبرأ منه أو للولي وقد أذن برئ قال منه الزركشي ومحل قولنا لا يبرأ بالدفع للصبي بإذن وليه ما إذا لم يكن في مصلحة تتعلق ببدنه من مأكل ومشرب وملبس ونحوها فإن كان برئ وإن قال شخص لمن له عنده وديعة أو له عليه دين سلم إلى الصبي وديعتي أو قدر ديني الذي عليك أو ألقهما في البحر فامتثل برئ من الوديعة لأنه امتثل أمره في حقه المتعين لا من الدين لأن ما في الذمة لا يتعين إلا بقبض صحيح ولم يوجد في معنى الوديعة كل ما
7
7
هو متعين كمعار ومغصوب والسفيه في جميع ما ذكر كالصبي كما يعلم من باب الحجر ولو كان لصبي دينار فأعطاه لنقاد ينقده أو متاع فأعطاه لمقوم يقومه كما صرح به الأصل ضمن إن لم يرده إلى وليه أو كان ذلك لغيره أي لغير الصبي أي لكامل فإلى أي فيضمن إن لم يرده إلى مالكه وكالولي والمالك وكيلهما أي ويقال الرد إليه رد إليهما فرع لو أوصل صبي هدية إلى غيره وقال هذه من زيد مثلا أو أخبر في الإذن الأولى بالإذن بالدخول إلى دار أو غيرها عمل بخبره مع ما يفيد العلم أو الظن من قرينة أو أمن قوله لاعتماد السلف عليه في ذلك حينئذ وكالصبي في ذلك الفاسق كما نقله في المجموع عن الأصحاب فصل الكافر لا يتملك بنفسه ولا بوكيله رقيقا مسلما لنفسه ولا لمثله لما فيه من إذلال المسلم ولقوله تعالى ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا أما تملكه لمسلم فجائز كما سيأتي وقوله لنفسه من زيادته ولو تركه كان أولى للاغتناء عنه بما سيأتي مع عدم إيهام أنه يتملكه لمثله ولا يتملك مرتدا لبقاء علقة الإسلام وهذا ما صححه في المجموع وظاهر قول الأصل في صحة بيعه للكافر الخلاف في قتله بالذمي تصحيح الصحة لأن الأصح قتله به إلا إن كان إذا ملكه عتق عليه كأن اشترى فرعه أو أصله أو من أقر بعتقه أو قال لمالكه أعتق عبدك المسلم عني بعوض أو بغير عوض وأجابه كما صرح به الأصل فيصح تملكه لأنه يستعقب العتق فلا إذلال وفي عد الثانية من ذلك تجوز لأن القبول فيها فداء لا شراء على الصحيح ولو عبر كأصله بدل عتقه كان أعم لا إن اشترى مسلما بشرط إعتاقه فلا يصح لأنه لا يستعقب العتق وإن وكله مسلم في شراء مسلم فاشتراه له صح ووقع الملك له وإن لم يسمه في العقد بناء على أن الملك يقع أولا للموكل وهو الأصح ويفارق منع توكيل المسلم كافرا في قبول نكاح مسلمة باختصاص النكاح بالتعبد لحرمة الإبضاع وبأن الكافر لا يتصور نكاحه لمسلمة بخلاف ملكه لمسلم كما سيأتي ولا يتملك مصحفا وحديثا أي ولا كتب حديث و لا كتب فقه فيها آثار للسلف لما فيه من الإهانة لها قال السبكي والأحسن أن يقال كتب علم وإن خلت عن الآثار تعظيما للعلم الشرعي قال ابنه الشيخ تاج الدين وتعليله يفيد جواز تملكه كتب علوم غير شرعية وينبغي المنع من تملك ما يتعلق منها بالشرع ككتب النحو واللغة وفيما قاله نظر وتعبير المصنف بالتملك أعم من تعبير أصله بالشراء فرع للكافر استئجار المسلم حرا أو رقيقا ولو إجارة عين وله استئجار مصحف ونحوه إذ لا يثبت له على شيء منها تسلط تام وإنما يستوفي منفعته بعوض وقد آجر علي رضي الله تعالى عنه نفسه لكافر قال الزركشي وينبغي أن يكون محل ذلك في غير الأعمال الممتهنة أما الممتهنة كإزاحة قاذوراته فيمتنع قطعا وله ارتهانه أي الرقيق المسلم وارتهان مصحف لأنه مجرد استيثاق وترفع يده عنهما فيوضعان عند عدل قضيته أنه يتسلمهما أولا وقضية كلام الروضة أنه لا يمكن من ذلك بل يسلم أولا للعدل وقد ذكرهما ابن الرفعة احتمالين قال السبكي وينبغي أن يكون أصحهما الثاني قال الأذرعي ويحتمل أن يقال يسلم إليه الرقيق ثم ينزع حالا إذ لا محذور كما في إيداعه منه بخلاف المصحف لأنه محدث فلا يسلم إليه وما قاله متجه ويؤجر الكافر وجوبا الأجير المسلم لمسلم ليزيل ملكه عن المنفعة كما يزيل ملكه عن الرقبة فيما سيأتي وقيل لا يجب والتصريح بالترجيح من زيادته وبه صرح في المجموع وظاهر كلام المصنف أنه لا فرق بين إجارة الذمة وإجارة العين وقضية كلام أصله أنه في إجارة العين دون إجارة الذمة قال الزركشي وهو ظاهر لأن الأجير فيها يمكنه تحصيل العمل بغيره ويكره كراهة تنزيه إجارة عين المسلم وإعارته له صيانة عن الإذلال وكراهة إعارته له ذكرها الأصل في العارية وذكر هنا جواز إيداعه عنده وخرج بإجارة العين إجارة الذمة فلا
8
8
كراهة فيها لأن العمل فيها دين على الأجير ولا يمكنه تحصيله بغيره كما مر
فرع لو نسخ الكافر مصحفا
هذا من زيادته أو أسلم عبده أو أمته أمر بإزالة الملك عنه ببيع أو هبة أو عتق أو وقف أو غيرها دفعا للإهانة والإذلال وقطعا لسلطنة الكافر على المسلم ولا يحكم بزواله بخلاف ما لو أسلمت الزوجة تحت كافر إذ ملك النكاح لا يقبل النقل فتعين البطلان بخلاف ملك اليمين وهل يكفي وقفه على ذمي قال الزركشي يتجه أن يقال إن قلنا الملك لغير الله تعالى لم يكف ولم يصح أو له تعالى فيحتمل أنه كالإجارة ويحتمل المنع وهو المتجه لأنا هناك نأمره بالإجارة وهو هنا غير ممكن لأنه إن أجره مدة عمره لم يصح أو البعض لزم أن يبقى البعض الآخر على ملكه فلا يكفي رهنه وإجارته وتزويجه وتدبيره ونحوها لأنها لا تفيد الاستقلال وهل المراد أن ذلك لا يصح أو يصح لكنه لا يكفي في الحيلولة قال الزركشي فيه نظر والأقرب الأول وتكفي الكتابة له وإن لم يزل بها الملك لإفادتها الاستقلال فإن باعه وكان معيبا أو باعه بمعيب أو وهبه لولده أو أفلس المشتري بالثمن أو استقال أحدهما الآخر فله أي للموجب أو للمشتري أي لكل منهما الإقالة والاسترداد الشامل للرد وإن استلزم ذلك دخول مسلم في ملك كافر ابتداء لأن الفسخ يقطع العقد ويجعل الأمر كما كان ولهذا لا يثبت به الشفعة ولأن الملك بالفسخ في الرد يقع قهرا وله تعجيزه في الكتابة إن عجز عن النجوم كما له استرداد المبيع بإفلاس المشتري أو نحوه وإن مات الكافر عن رقيق مسلم ورثه ولده الكافر لأن الإرث قهري ويؤمر بما كان يؤمر به مورثه وعبارة الأصل صار لوارثه وهي أعم وكالرقيق المصحف ونحوه وعبارة المصنف تحمله فإن لم يجد مالكه من يشتريه بثمن المثل أنفق عليه ويستكسب هو له وما قررته من أن ضمير يجد راجع للمالك هو قضية كلامه لكن الأصل جعله راجعا للحاكم فإنه قال لو امتنع مالكه مما أمر به باعه الحاكم عليه بثمن المثل كما يبيع مال من امتنع من أداء الحق فإن لم يجد مشتريا بثمن المثل صبر وحال بينه وبينه ويستكسب له وتؤخذ نفقته منه وكلاهما صحيح لكن كلام الأصل أكثر فائدة قال ابن الرفعة وقياس ذلك في المستأجر إذا أمرناه بالإزالة فامتنع أن يؤجره الحاكم لكن قال الماوردي أنه يفسخ فإن قلت هل يتعين على الحاكم البيع أو يتخير بينه وبين كتابته كالمالك قلت ظاهر كلامهم تعين بيعه وهو ظاهر لمصلحة المالك بقبض الثمن حالا كمستولدته فإنه ينفق عليها وتستكسب له في يد امرأة ثقة أو نحوها حين تسلم إذ لا يمكن بيعها ولا يكلف إعتاقها للإجحاف ولا بيع مدبره إذا أسلم لإبطال حقه من العتق والمعلق عتقه قال ابن الصباغ والعمراني كالقن والماوردي كالمدبر قال الزركشي وينبغي إذا طلب بيع المستولدة من نفسها بثمن المثل أن يجبر على ذلك وفيما قاله نظر لما فيه من الإجحاف بالمالك بتأخر الثمن في الذمة نعم إن طلب غيره افتداءها منه بقدر قيمتها فالظاهر إجباره فرع ولو اشترى كافر رقيقا كافرا فأسلم الرقيق قبل القبض لم ينفسخ أي العقد ك إباقه قبل قبضه بخلاف العصير إذا تخمر قبل قبضه لزوال المالية قال الإمام وللمشتري الفسخ ويقبض ه له الحاكم ولا يقبضه هو لئلا يتسلط على المسلم ثم يباع الأولى والأنسب بعبارة أصله ثم يزال عنه ملكه وإنما قبضه له الحاكم لأنه ينفذ تصرفه فيه قبل قبضه بالبيع ونحوه إلا بالعتق والوقف وليسا بمتعينين عليه الأمر الثالث صلاحية المعقود عليه للبيع وله أي للمعقود عليه شروط خمسة الأول الطهارة له فلا يصح بيع نجس العين سواء أمكن تطهيره بالاستحالة كجلد الميتة أم لا كالسرجين بكسر السين وفتحها والكلب ولو معلما لخبر الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب وقال إن الله حرم
9
9
بيع الخمر والميتة والخنزير وقيس بها ما في معناها ولا بيع مائع متنجس ولو دهنا وماء وصبغا لأنه في معنى نجس العين ولأنه لو صح بيعه لما أمر بإراقة السمن فيما رواه ابن حبان كما مر أنه صلى الله عليه وسلم قال في الفأرة تقع في السمن إن كان جامدا فألقوها وما حولها وكلوه وإن كان ذائبا فأريقوه ولا أثر لإمكان تطهير الماء القليل بالمكاثرة لأنه كالخمر يمكن طهره بالتخلل ولا للانتفاع بالصبغ المتنجس في صبغ شيء به وإن طهر المصبوغ به بالغسل كما أشار إليه بقوله مع أنه يطهر المصبوغ به بالغسل ولو عبر كأصله بدل مائع متنجس لا يمكن تطهيره كان أولى ليشمل نحو الآجر المعجون بالزبل فلا يصح بيعه قال في المهمات ويلزم منه فساد بيع الدار المبنية به
وأجيب بأن البناء إنما يدخل في بيع الدار تبعا للطاهر منها كالحجر والخشب فاغتفر فيه ذلك من مصالحها كالحيوان يصح بيعه وبباطنه النجاسة وينزل كلامهم على بيع الآجر منفردا أما بيع متنجس يمكن طهره بالغسل كثوب تنجس بما لا يستر شيئا منه فيصح ويصح بيع القز وفيه الدود ولو ميتا لأن بقاءه فيه من مصلحته كالحيوان بباطنه النجاسة ويباع جزافا وزنا كما اقتضاه كلامهم وصرح به في الروضة وغيرها والدود فيه كنوى التمر وقال في الكفاية لا يجوز وزنا وحمل على بيعه في الذمة كما يمتنع السلم فيه وفرق بأن بيع المعين يعتمد المشاهدة والجهالة معها تقل بخلاف بيع ما في الذمة من سلم وغيره فإنه يعتمد الوصف والغرر ومعه يكثر و يصح بيع بزر القز وهو البيض الذي يخرج منه دود القز كما مر بيانه في باب النجاسة و بيع فأرة المسك بناء على طهارتهما وهو الأصح ولو تصدق بالدهن المتنجس للاستصباح به مثلا على إرادة نقل اليد لا التمليك جاز وكالتصدق الهبة والوصية ونحوهما كما صرح به الأصل وكالدهن الكلب والسرقين ونحوهما ويجوز اقتناء الكلب لمن يصيد به أو يحفظ به نحو الماشية كزرع ودرب وشجر ونفسه في حضر أو سفر لا قبل شرائها أي الماشية ونحوها يعني تملكها فلا يجوز اقتناؤه لغير مالكها ليحفظها به إذا ملكها ولا غير صياد ليصطاد به إذا أراد كما صرح به في الروضة والمجموع ولا يجوز اقتناء الخنزير مطلقا ويجوز اقتناء الفهد كالقرد والفيل وغيرهما ويجوز تربية الجرو الذي يتوقع تعليمه لذلك أي للصيد ولحفظ الماشية ونحوهما لا قبل تملكها والجرو بتثليث الجيم ولد الكلب والسبع ذكره الجوهري و يجوز اقتناء السرجين للزراعة عبارة الروضة ويجوز اقتناء السرجين وتربية الزرع به لكن يكره الشرط الثاني الانتفاع به شرعا ولو في المآل كالجحش الصغير فلا يصح بيع ما لا نفع به لأنه لا يعد مالا فأخذ المال في مقابلته ممتنع للنهي عن إضاعة المال وعدم نفعه إما لقلته كحبتي حنطة وزبيب ولا أثر لضم ذلك إلى مثله أو وضعه في الفخ ومع هذا يحرم غصبه ويجب الرد له فإن تلف فلا ضمان إذ لا مالية وما نقل عن الشافعي من أنه يجوز أخذ الخلال والخلالين من خشب الغير يحمل على علمه برضا مالكه وإما لخسته كالحشرات وهي صغار ودواب الأرض كالخنفساء والفأرة والنمل والحية والعقرب ولا عبرة بما يذكر من منافعها في الخواص لأنها لا تعد مالا وبما قررته علم أن قوله كالحشرات شامل للفأرة والنمل فذكرهما بعده من ذكر الخاص بعد العام لا العلق فيجوز بيعه للامتصاص أي لمنفعة امتصاص الدم وبيع غير الجوارح المعلمة من السباع والطير
10
10
مما لا نفع فيه كالأسد والذئب والحدأة والغراب غير المأكول باطل ولا نظر لمنفعة الجلد بعد الموت ولا لمنفعة الريش في النبل ولا لاقتناء الملوك لبعضها للهيبة والسياسة ويصح بيع ما ينتفع به من الجوارح وغيرها كالفهد للصيد والفيل للقتال والقرد للحراسة والنحل للعسل والعندليب والطاوس للأنس بصوته أي العندليب ولونه أي الطاوس ولا فائدة لعدوله عن تمثيل أصله بالزرزور إلى تمثيله بالعندليب وقد مثل بهما معا في المجموع وما قيل من أن ذلك يقتضي أنه لا يحل أكلهما وليس كذلك رد بأن المراد أن ما يزاد في ثمنه لأجل صوته أو لونه يصح بيعه سواء حل أكله كالمذكورين أم لا كالنهاس والصرد لصوتهما قال البلقيني والسبع الذي لم يصد ولكن يرجى أن يتعلم هل يصح بيعه قبل تعلمه فيه وجهان حكاهما الماوردي ولم يرجح شيئا والأرجح الجواز و يجوز بيع العبد الزمن لأنه يتقرب بعتقه لا الحمار الزمن ولا أثر لمنفعة جلده إذا مات فرع ويحرم بيع السم إن قتل كثيره وقليله فإن نفع قليله وقتل كثيره كالسقمونيا والأفيون جاز بيعه فرع آلات الملاهي كالمزمار والطنبور والصور لا يصح بيعها ولو كانت ذهبا أو فضة إذ لا نفع بها شرعا ولأنها على هيئتها لا يقصد منها غير المعصية وقد حرم النبي صلى الله عليه وسلم بيع الأصنام رواه الشيخان ولا يصح بيع النرد كالمزمار إلا أن صلح بيادق للشطرنج فيصح مع الكراهة ويصح بيع جارية الغناء وكبش النطاح وديك الهراش ولو زاد الثمن لذلك قصد أو لا لأن المقصود أصالة الحيوان ويكره بيع الشطرنج ويصح بيع آنية الذهب والفضة لأنهما المقصودان ولا يشكل بما مر من منع بيع آلات الملاهي والصور المتخذة منهما لأن آنيتهما يباح استعمالها للحاجة بخلاف تلك فرع ويصح بيع الماء والحجر والتراب ولو كان الماء عند النهر و الحجر عند الجبل و التراب عند الصحراء لظهور المنفعة فيها ولا يقدح في ذلك المكان تحصيل مثلها بلا تعب ولا مؤنة و يصح بيع لبن الآدميات لأنه طاهر منتفع به فأشبه لبن الشاة ومثله لبن الآدميين بناء على طهارته الشرط الثالث الولاية للعاقد على المعقود عليه بملك أو نيابة أو ولاية كولاية الأب والوصي والقاضي والظافر بغير جنس حقه والملتقط لما يخاف تلفه فبيع الفضولي وتصرفاته أي باقيها و تصرفات الغاصب أي كل منهما باطل لعدم ولايتهما على المعقود عليه ولخبر حكيم بن حزام ولا تبع ما ليس عندك رواه الترمذي وصححه ولخبر لا طلاق إلا فيما تملك ولا عتق إلا فيما تملك ولا بيع إلا فيما تملك رواه أبو داود بإسناد صحيح وكذا شراء الفضولي للغير بعين مال الغير أو في ذمته بأن قال اشتريته له بألف مثلا في ذمته مع أنه لا يختص بالشراء داخل فيما قبله لكنه ذكره ليقرنه بقسمه الآتي وقوله باطل إيضاح فإن لم يقل في ذمته وقع للمباشر سواء قال في الذمة أو لا كما صرح به كأصله في الوكالة وتعبيره بالولاية أولى من تعبير أصله بكون الملك لمن له العقد لاقتضائه إخراج بيع الفضولي وشرائه وعبارة الأصل تقتضي إدخالهما لأن القائل بصحتهما لا يقول بصحتهما للفضولي بل لمن قصده وإن كان الشراء للغير بعين مال الفضولي أو في ذمته وقع له سواء أذن له ذلك الغير وسماه هو في العقد
11
11
أم لا ما ذكره فيما إذا أذن له وسماه هو واشترى بمال نفسه من تصرفه والذي في الأصل هنا بناء على عدم إلغاء تسمية العاقد للآذن وقوع العقد للآذن وحكاية وجهين في أن ثمن قرض أو هبة والمرجح وقوع العقد للآذن وأن الثمن قرض للآذن لا هبة كما ذكره كأصله في الوكالة ولا تقوم النية هنا مقام التسمية ثم تعبيره بالفضولي لا يناسب ذكر الإذن فلو عبر كأصله بمال نفسه لسلم من ذلك والتصريح بقوله أو في ذمته من زيادته فرع وإذا باع أو أبرأ من مال أبيه مثلا شيئا أو زوج أمته ظانا بقاءه فبان ميتا أو باع عبد نفسه ظانا إباقه أو كتابته فبان أنه قد رجع من إباقه أو فسخ كتابته صح لتبين ولايته عليه فالعبرة بما في نفس الأمر لا بما في ظن العاقد والوقف فيه وقف تبين لا وقف صحة ويخالف إخراج زكاة المال بشرط موت مورثه لأن النية معتبرة فيها ولم يبنها على أصل وأما ما ذكره الأصل في الربا من أنه لا يصح نكاح من لم يعلم أنها معتدة أو أخته أم لا فقد صرح الروياني بخلافه على أنه يفرق بأن الشك ثم في حل المعقود عليه وهنا العاقد وبينهما فرق وإن اشتركا في الركنية ومسألة الإبراء من زيادة المصنف هنا وقد أعادها في الضمان تبعا لذكر الأصل لها ثم وكذا يصح لو باع هازلا لأنه أتى باللفظ عن قصد واختيار وعدم رضاه بوقوعه لظنه أنه لا يقع له أثر له خطأ ظنه وهذا إعادة في الطلاق في ضمن سائر التصرفات أو باع للتلجئة بأن يبيع ماله لصديقه خوف غصب أو إكراه وقد توافقا قبله على أنه يبيعه له ليرده إذا أمن وهذا كما يسمى بيع التلجئة يسمى بيع الأمانة وقوله إن مات أبى فقد زوجتك أمته باطل كما صححه في الروضة في النكاح لأنه تعليق فأشبه قوله إن قدم زيد زوجتك أمتي وذكر ابن الصباغ ما حاصله أن صورة المسألة وجميع نظائرها أن لا يعلما حال التعليق وجود المعلق عليه وإلا فيصح ذكره في المهمات وهو مناسب لما سيأتي في النكاح في قوله وقد بشر ببنت إن صدق المخبر فقد زوجتكها الشرط الرابع القدرة على التسليم للمعقود عليه حسا وشرعا ليوثق بحصول العوض وليخرج عن بيع الغرر المنهي عنه في خبر مسلم قال الماوردي والغرر ما تردد بين متضادين أغلبهما أخوفهما وقيل ما انطوت عنا عاقبته ولا يشترط اليأس من التسليم بل ظهور التعذر كاف فلا يصح بيع المغصوب من غير غاصبه و لا بيع الآبق للعجز عن تسليمهما حالا نعم إن كان البيع ضمنيا صح كما سيأتي في كفارة الظهار قال الزركشي أخذا من كلام الإمام ومثله بيع من يحكم بعتقه على المشتري بالشراء و لا كتابتهما لأنها تقتضي التمكن من التصرف وإن عرف موضعهما وعلم أنه يصلهما إذا أراد لكن بكلفة فإن ذلك لا يصح فيهما لكن ذكره لكتابة الآبق من تصرفه وليس بصحيح لأنه متمكن من التصرف بل المغصوب إن تمكن من التصرف صحت كتابته كبيعه ممن يقدر على نزعه ومثلهما في منع بيعهما وفيما يأتي الضال كما نبه عليه الأصل واستشكل في المهمات منع بيعهم بأن إعتاقهم جائز وقد صرحوا بأن العبد إذا لم يكن في شرائه منفعة إلا حصول الثواب بالعتق كالعبد الزمن صح بيعه وإعتاق المبيع قبل قبضه صحيح على الصحيح ويكون قبضا قال فلم يصح بيع هؤلاء إذا كانوا زمنى بل مطلقا لوجود منفعة من المنافع التي يصح لها الشراء
وأجيب بأن الزمن ليس فيه منفعة حيل بين المشتري وبينها بخلاف الثلاثة وقضيته أنه إذا لم يكن لهم منفعة سوى العتق يصح بيعهم وفيه نظر لعدم قدرة المشتري على تسليمهم ليملكهم لغيره بخلاف التزويج والعتق لمن ذكر فإنه يصح وإن انتفت القدرة على التسليم فإن اشتراهما قادر عليهما صح نظرا إلى وصوله إليهما إلا أن احتاجت قدرته على مؤنة قال في المطلب فينبغي البطلان وعلى هذا لو قدر البائع عليهما صح بيعهما أيضا كالمودع والمعار قال في المطلب إلا إذا كان فيه كلفة فينبغي أن يكون
12
12
كبيع السمك في البركة أي وشق تحصيله منها قال وهذا عندي لا مدفع له وله أي للمشتري القادر عليهما الخياران جهل الحال وقت البيع أو علم به وعرض مانع أي عجز عن البيع لا يلزمه كلفة التحصيل وقضيته صحة العقد في حالة الجهل مع الاحتياج في التحصيل إلى مؤنته ولا ينافيه ما تقدم عن المطلب لأن ذلك عند العلم بالحال وهذا عند الجهل به فأشبه ما إذا باع صبرة تحتها دكة فإن اختلفا في العجز صدق المشتري بيمينه فائدة قال الثعالبي لا يقال للعبد آبق إلا إذا كان ذهابه من غير خوف ولا كد في العمل وإلا فهو هارب قال الأذرعي لكن الفقهاء يطلقونه عليهما ولا يصح بيع طائر في الهواء وإن تعود العود إلى محله لما فيه من الغرر ولأنه لا يوثق به لعدم عقله وبهذا فارق صحة بيع العبد المرسل في حاجة إلا النحل الموثوقة أمه بأن تكون في الكوارة فيصح بيعه وفارق بقية الطيور بأنه لا يقصد بالجوارح وبأنه لا يأكل عادة إلا مما يرعاه فلو توقف صحة بيعه على حبسه لربما أضر به أو تعذر به بيعه بخلاف بقية الطيور فإنها تعلف وتقييده النحل بما ذكر من زيادته وصرح به ابن الرفعة وأمه يعسوبه وهو أميره ولا بد من رؤيته في الكوارة أو حال خروجه منها أو دخوله إليها وهذا معلوم مما يأتي في الشرط الخامس والكوارة بضم الكاف وفتحها مع تشديد الواو فيهما ومع تخفيفها في الأول الخلية وحكي أيضا كسر الكاف مع تخفيف الواو ولا يصح بيع سمك في ماء ولو في بركة إن شق تحصيله منها لعدم قدرة تسليمه لا إن سهل تحصيله ولم يمنع الماء رؤيته فيصح بيعه وبرج الطائر كالبركة للسمك فيأتي في بيعه فيه ما مر آنفا ويبطل جزء معين لا شائع من نحو سيف وثوب ينقص بقطعة قيمة أو قيمة الباقي نقصا يحتفل بمثله للعجز عن تسليمه شرعا إذ التسليم فيه إنما يمكن بالقطع وفيه نقص وتضييع مال وهو حرام وفرقوا بينه وبين ما قالوه من صحة بيع ذراع من أرض بأن التمييز فيها يحصل بنصب علامة بين الملكين بلا ضرر قال الرافعي ولك أن تقول قد تتضيق مرافق الأرض بالعلامة وتنقص القيمة فينبغي إلحاقها بالثوب وأجيب بأن النقص فيها يمكن تداركه بخلافه في الثوب قال في المجموع وطريق من أراد شراء ذراع معين من ثوب نفيس أن يواطئ صاحبه على شرائه ثم يقاطعه قبل الشراء ثم يشتريه فيصح بلا خلاف وظاهره أنه لا يحرم القطع ووجهه أنه طريق لحل البيع فاحتمل للحاجة ولا حاجة إلى تأخيره عن البيع فلو كان الجزء مما لا ينقص بقطعه ك كرباس جاز البيع لانتفاء المحذور أما بيع الجزء الشائع فجائز مطلقا لذلك ويصير الجزء مشتركا ويجوز بيع أحد زوجي خف وإن نقصت قيمتهما بتفريقهما إذ لا قطع هذا التعليل من زيادته ولا يصح بيع جذع معين في بناء لأن الهدم يوجب النقص ولا بيع بعض معين من جدار إن كان فوقه شيء أو كان الجدار قطعة واحدة من نحو طين كخشب لأنه لا يمكن تسليمه إلا بهدم ما فوقه في الأولى وهدم شيء منه في الثانية فإن كان الجدار من لبن أو آجر ولا شيء فوقه وجعلت النهاية نصف السمك أي سمك اللبن أو الآجر فكذلك لا يصح بيعه وذكر نصفهما مثال فغيره ومن الكسور كذلك وإلا أي وإن لم تجعل النهاية نصف سمكهما أو نحوه بأن جعلت نصفا من صفوفهما صح قال في الأصل وفيه إشكال لأن موضع الشق قطعة واحدة من طين أو غيره ولأن رفع بعض الجدار ينقص قيمة الباقي فليفسد البيع كبيع جذع في بناء وأجاب ابن الرفعة عن الأول بأن الغالب أن الطين الذي بين اللبنات لا قيمة له وعلى الثاني بأن نقص القيمة من جهة انفراده فقط وهو لا يؤثر بخلاف الجذع فإن إخراجه يؤثر ضعفا في الجدار ولا يصح بيع فص في خاتم لأن فصله يوجب النقص و لا يصح بيع جمد وثلج وزنا وهو أي كل منهما ينماع أي يسيل
13
13
قبل وزنه قال في المهمات وهذا ظاهر إن كان على الأرض فإن كان في إناء وقال بعتك هذا ولم يقل الجمد صح جزما وإن قال الجمد فيتجه تخريجه على الخلاف في تعارض الإشارة والعبارة ورد بأن الخلاف إنما يجيء عند اختلاف الإشارة والعبارة ك بعتك هذه الرمكة فإذا هي بغلة وهنا متفقان فإن كان جمدا حالة العقد عليه وإنما سال بعده نعم ينبغي أن يكون محل الخلاف ما إذا لم تكن له قيمة عند سيلانه وإلا لم ينفسخ العقد وإن زال الاسم كما لو اشترى بيضا فتفرخ قبل قبضه والجمد بسكون الميم وحكى ابن قرقول فتحها ثم صوب السكون قال وهو الماء الجامد من شدة البرد ولا يصح بيع مرهون بعد القبض بغير إذن مرتهنه للعجز عن تسليمه شرعا وكذا جان تعلق برقبته مال كسرقة درهم أي كأن سرق رقيق درهما وتلف وكأن قتل غيره خطأ أو شبه عمد أو عمدا وعفا على مال لا يصح بيعه بغير إذن المجني عليه لتعلق الحق به كالمرهون وأولى لأن الجناية تقدم على الرهن والتمثيل بسرقة الدرهم من زيادته فإن لزمه قصاص ولو في رقبته صح بيعه لأنه ترجى سلامته بالعفو وتوقع هلاكه كتوقع موت المريض وكذا يصح بيع من تعلق برقبته مال بعد اختيار السيد الفداء ولا يشكل بصحته الرجوع عن الاختيار لأن مانع الصحة زال بانتقال الحق لذمة السيد وإن لم يلزمها ما دام العبد في ملكه وإذا صح البيع بعد اختياره الفداء لزمه المال الذي يفديه به فيجبر على أدائه كما لو أعتقه أو قتله فإن أداه فذاك واضح وإن تعذر ولو بإفلاسه أو غيبته أو صبره على الحبس أو موته فسخ البيع في الجناية لأن حق المجني عليه سبق حق المشتري نعم إن أسقط الفسخ حقه كأن كان وارث البائع فلا فسخ إذ به يرجع العبد إلى ملكه فيسقط الأرش قاله الزركشي
أما إذا لم يتعلق المال برقبته بل بكسبه كأن زوجه سيده أو بذمته كأن اشترى شيئا فيها بغير إذن سيده أو أتلفه أو اقترض قرضا فاسدا وأتلفه وأقر بجناية خطأ أو شبه عمد ولم يصدقه السيد ولا بينة قال البلقيني أو لم يتعلق بشيء من ذلك أمر السيد عبده بإتلاف شيء وكان أعجميا يعتقد وجوب طاعة الآمر أو غير مميز فيصح بيعه لأن البيع إنما يرد على الرقبة ولا تعلق لرب الدين بها وينفذ عتق الجاني الذي تعلق برقبته مال من مالكه الموسر لانتقال الحق إلى ذمته مع وجود ما يؤدي منه لا من المعسر لما فيه من إبطال الحق بالكلية إذ لا متعلق له سوى الرقبة وكذا استيلاد الجانية التي تعلق برقبتها مال ينفذ من الموسر لا من المعسر أما إذا لم يتعلق المال بالرقبة فيصح العتق والاستيلاد مطلقا كالبيع حتى لو أوجبت جناية العبد قصاصا فأعتقه سيده وهو معسر ثم عفا على مال قال البلقيني لم يبطل العتق على الأقيس وإن بطل البيع في نظيره لقوة العتق ويلزم السيد الفداء وينتظر يساره ولا يتعلق الأرش الذي أوجبته جناية الجاني بالولد أي بولده إذ لا جناية منه وللسيد فداء الجاني حيث فداه بالأقل من الأرش والقيمة كما يأتي بيانه في الجنايات الشرط الخامس للمعقود عليه ثمنا أو مثمنا العلم أي علم العاقدين به لا من كل وجه بل بالعين في المعين والقدر والصفة فيما في الذمة للنهي عن
14
14
بيع الغرر كما مر فبيع عبد من عبيده أو عبده المختلط بعبيد غيره و قد جهلاه أو أحدهما أو العبيد إلا واحدا باطل كما في النكاح سواء تساوت القيم أم لا وسواء قال ولك الخيار في التعيين أم لا وبيع جزء كالربع مشاعا من أرض أو عبد أو صبرة أو ثمرة أو غيرها أو بيعه شيئا منها إلا ربعا مشاعا صحيح ولو بيع الجزء بمثله كبيع نصفه من دار بينهما نصفين وفي نسخة نصفان بنصف صاحبه أو بيع نصفه بثلثي نصف صاحبه فيصير المجموع بينهما في الثانية أثلاثا وفائدته أي تصحيح البيع في ذلك سقوط الرجوع به في هبة الولد و في الصداق إذا طلقت الزوجة قبل الدخول وفي منع الرد بالعيب أو الإفلاس وله فوائد أخر أشار إليها الأصل وذكرها الزركشي في خادمه وتعبير المصنف بثلثي نصف صاحبه أوضح من تعبير الروضة بالثلث من نصف صاحبه وإن قال بعتك الثمرة بثلاثة آلاف مثلا إلا ما يخص ألفان أراد بما يخصه نسبته من الثمن إذا وزعت الثمرة عليه صح وكان استثناء للثلث أو أراد به نسبته من القيمة أي ما يساوي ألفا عند التقويم فلا لأنه مجهول أو أطلق فينبغي كما قال الزركشي البطلان وأورد على حصر الشروط في الخمسة أنها موجودة في حريم الملك مع أنه لا يصح بيعه وحده وأجيب بأنه إن أمكن إحداث حريم للملك فالوجه الصحة وإلا فالمنع راجع إلى عدم قدرة تسليمه كبيع بعض معين من ثوب ينقص بالقطع فرع وإن باعه ذراعا مثلا من أرض أو ثوب أو نحوهما وذرعه معلوم لهما كثمانية مثلا ملك المشتري الثمن أي ثمنها ونزل على الإشاعة لإمكانها حتى لو تلف بعضها تلف بقدره من المبيع ولا حاجة مع الكاف لقوله مثلا وإن أراد معينا لم يصح البيع كبيع شاة من قطيع فلو اختلفا فيما أرادا فقال البائع أردت معينا فقال المشتري بل مشاعا أو عكسه صدق المعين لأنه أعلم بنيته وعلله الإمام بأن مطلق لفظ الذراع لا يفهم منه معنى الإشاعة إلا بتأويل لكن سيأتي في القراض أن قوله قارضتك على أن نصف الربح لك صحيح وعلى أن نصفه لي باطل فلو قال خذه قراضا بالنصف فالأشبه في المطلب صحته تنزيلا على شرط النصف للعامل وكلام سليم يشير فيه إلى وجهين ثم قال سليم وإذا قلنا بالصحة فقال المالك أردت أن النصف لي وادعى العامل العكس صدق لأن الظاهر معه وهذه تشبه مسألتنا وحكمها مخالف لحكمها نبه على ذلك في المهمات ويجاب عنه بما علل به الإمام أو ذرعه غير معلوم لهما أو لأحدهما لم يصح البيع لأن أجزاء الأرض والثوب ونحوهما تتفاوت غالبا منفعة وقيمة والإشاعة متعذرة فلو عين ابتداء من طرف بأن قال بعتك ذراعا مثلا من هنا في جميع العرض إلى حيث ينتهي الذراع في الطول أو عكسه صح بخلاف ما إذا عين ابتداء من الطرف لا يصح وسكت كأصله عن دخول الحد في البيع وقد جزم القاضي بأنه لو عين خطين وقال بعتك من هذا الخط إلى هذا الخط لم يدخل الخطان في البيع وقال المتولي لا تدخل الحدود في العقد إلا بالتنصيص عليها فرع وبيع صاع من صبرة ولو مجهولة الصيعان صحيح لعلم العاقدين بقدر
15
15
المبيع مع تساوي الأجزاء فلا غرر بخلاف ما لو فرق الصيعان وباع صاعا منها قال القاضي لأنها ربما تفاوتت في الكيل فيختلف الغرض وقال غيره لأن التفريق يحصل به التباين فيصير كل صاع أصلا بنفسه وعند الاجتماع تصير الصبرة جملة واحدة وقد تماثلت أجزاؤها فيبعد الاختلاف فيما يؤاخذ منها وهذا أولى لاقتضاء الأول أنه لو فرقها وزنا جاز البيع وليس بظاهر فإن علمت صيعانها نزل على الإشاعة والشركة لإمكانهما كما مر وقوله والشركة من زيادته ولا حاجة إليه وإن جهلت صح لما مر بخلاف ما لو باعها إلا صاعا للجهل بالمبيع وللنهي عن بيع الثنيا رواه مسلم زاد الترمذي إلا أن تعلم وصححه وله أن يعطيه صاعا من أسفلها ووسطها وإن لم يكونا مرئيين إذ المبيع صاع منها أي صاع كان لتعذر الإشاعة ورؤية ظاهرها كرؤية كلها كما سيأتي فلو لم يبق منها غيره تعين للبيع بل سيأتي في آخر إحياء الموات أنه لو انصب عليها صبرة أخرى ثم تلف الكل إلا صاعا تعين للبيع وهذا الفرع مستثنى من اشتراط العلم بالعين في المعين ولا حاجة لقوله صح للعلم به من أول الفرع فلو حذفه وعبر فيما بعده بالفاء كان أولى وأخصر فرع وإن باعه دارا وفي نسخة دارة أي قطعة أرض محفوفة بملكه من كل جانب صح وله أي للمشتري الممر حيث شاء أي من كل جانب ولو لم يقل بعتكها بحقوقها لتوقف النفع عليه فهو كبيعها بحقوقها فإن شرط له الممر من جانب ولم يعينه بطل العقد أي لم يصح لتفاوت الأغراض باختلاف الجوانب فجعل إبهامه كإبهام البيع بخلاف ما إذا عينه أو أثبته له من كل الجوانب وكذا لو نفاه أي الممر لا يصح العقد لتعذر الانتفاع بالمبيع حالا سواء أمكن المشتري تحصيل ممر أم لا وشرط البغوي عدم إمكانه ذلك وإن اشترى ما أي شيئا من الأرض يلي ملكه أو الشارع لم يكن له المرور في ملك البائع بل يمر في ملك نفسه أو الشارع تنزيلا على العادة إلا إن قال بحقوقها فيمر في ملك البائع وهذا في الثانية من زيادته وإن استثنى بائع الدار لنفسه بيتا منها فله الممر منها إليه إن لم يتصل البيت بشارع إن ملك له وإلا فلا يستحقه ذكره القاضي فلو نفاه أي الممر ولم يكن له تحصيل ممر لم يصح البيع كما لو باع ذراعا من ثوب ينقص بالقطع وإن أمكن تحصيله صح البيع فصل وما كان من الثمن والمثمن في الذمة وهي لغة العهد والأمان واصطلاحا الذات والنفس إطلاقا لاسم الحال على المحل وقال ابن عبد السلام هي معنى مقدر في المحل يصلح للإلزام والالتزام قال وعليه الميت له ذمة باقية لأنه ملزم بالدين وملتزم له انتهى وهذا ينافي قولهم ذمة الميت خربت وقد يجاب بأنها خربت في المستقبل خاصة اشترط معرفة قدره للعاقدين فبيع ملء هذا البيت حنطة والشراء بوزن هذا الحجر ذهبا ولم يعلما المقدار فيهما أو بألف ذهبا وفضة باطل للجهل بقدر العوض فإن عين الحنطة كأن قال بعتك ملء هذا البيت من هذه الحنطة صح كما صرح به في السلم تبعا للأصل ثم وللمجموع هنا وصوره بالكوز فقالوا لو قال بعتك ملء هذا الكوز من هذه الحنطة صح على الأصح لإمكان الأخذ قبل تلفه فلا غرر واستشكله البازري وغيره للجهل بقدر العوض ولا بد من معرفتهما الجنس والصفة أيضا كما علم مما مر فلو باع بألف أو بنقد مطلقا وثم نقود ولا غالب فيها لم يصح كما سيأتي إيضاحه
وكذا لو باع بما أي بمثل ما باع به فلان ثوبه مثلا وجهله أحدهما أو بمائة دينار إلا عشرة دراهم لا يصح لما مر إلا أن عرفا في الثانية قيمة الدينار دراهم وقصد الاستثناء منها أي من القيمة فيصح
16
16
ويجب تعيين نوع الدراهم والدنانير المبيع بها لفظا إن اختلفت النقود لاختلاف الغرض باختلافها فلا يكفي التعيين بالنية بخلاف نظيره في الخلع لأنه يغتفر فيه ما لا يغتفر هنا وبخلاف ما لو قال من له بنات زوجتك بنتي ونويا واحدة وقد يفرق بأن ذكر العوضين هنا واجب فوجب الاحتياط باللفظ بخلافه ثم فاكتفى بالنية فيما لا يجب ذكره فإن اتفقت النقود بأن لم تتفاوت قيمة وغلبة صح البيع من غير تعيين ويسلم أيها شاء وإن غلب واحد منها انصرف إليه العقد المطلق لأنه المتبادر وإن كان فلوسا وسماها وما اقتضاه كلامه كأصله من أنها من النقود وجه والصحيح أنها من العروض وسيذكرها
وكذا ينصرف إلى الغالب إن كان مكسرا أو لم تتفاوت قيمة أو كان النصف مثلا صحاحا والنصف الآخر مكسرة وإن كان يعهد التعامل بهذه مرة وبتلك أخرى ولا تفاوت بينهما صح البيع وسلم أيهما شاء ولو كان النقد مغشوشا جازت المعاملة به ولو جهل قدر الفضة نظرا للعرف فإن قلت أي بان بعد البيع قلة فضة المغشوش جدا فله الرد إن اجتمع منها مالية لو ميزت وإلا فيبطل البيع كما لو ظهرت من غير الجنس وقوله من زيادته بالعيب إيضاح ولو غلب التعامل بعرض وباع به كصاع حنطة انصرف العقد إلى الغالب أيضا كالنقد وقيمة المتلف كثمن المبيع فيما ذكر فتنزل على ما ينزل عليه الثمن فلو كان ثم نقدان ولا غالب وحصل تنازع عين القاضي واحدا للتقويم ولو قال بعتك بألف صحاح ومكسرة لم يصح البيع لجهل النقدين كما لو قال بعتك بألف ذهبا وفضة فرع وإن باع شخصا شيئا بدينار صحيح فأعطاه صحيحين بوزنه أي الدينار أو عكسه أي باعه بدينارين صحيحين فأعطاه دينارا صحيحا بوزنهما لزمه قبوله لأن الغرض لا يختلف بذلك وصورة العكس من زيادته ولا حاجة لقوله فيها فأعطاه دينارا بوزنهما لا إن أعطاه في الأولى صحيحا أكثر من دينار كأن يكون وزنه دينارا أو نصفا فلا يلزمه قبوله لضرر الشركة إلا بالتراضي فيجوز فلو أراد أحدهما كسره وامتنع الآخر لم يجبر عليه لضرر القسمة وإن باع بنصف مثقال أخذ شقا وزنه نصف مثقال فإن سلم إليه صحيحا أكثر من نصف مثقال وتراضيا بالشركة فيه جاز إلا أن شرط كون النصف مدورا فلا يلزمه أخذ شق والعقد صحيح لكن إن نذر وجوده بطل العقد لعدم القدرة على تسليمه واستشكل بما سيأتي من أنه لو باع بنقد يعز وجوده صح ثم إن لم يوجد استبدل عنه وأجيب بأن ذاك يمكن الاطلاع على قيمته حالة الاستبدال بخلاف نصف دينار مدور فإنه إذا لم يرج رواج النقود لا يدري ما قيمته والجهل بالقيمة يصلح لأن يكون علة لعدم الاستبدال وإن باع شخصا شيئا بنصف من دينار صحيح ثم باعه شيئا آخر بنصف كذلك وشرط في البيع الثاني تسليم صحيح عنهما بطل البيع الثاني للشرط وكذا الأول إن كان قبل لزومه لذلك أيضا لأن الواقع في زمن الخيار كالواقع في العقد بخلاف ما لو كان بعد لزومه وإن لم يشرط ذلك وسلم صحيحا عن النصفين فقد زاد خيرا أو قطعتين وزن كل واحدة نصف دينار جاز قال البلقيني محل قولهم فقد زاد خيرا إذا اتحد المستحق فلو باع الأول لنفسه والثاني لغيره بوكالة أو نحوها فلا يكون قد زاد خيرا لضرر الشركة ولو قال بعتك بنصفي دينار لزمه تسليم دينار صحيح أو بنصف دينار وثلث دينار وسدس دينار فلا نقل ذلك في المجموع عن الصيمري والعمراني وأقره وظاهر أنه لو لم يكرر المضاف إليه في الثانية فقال نصف وثلث وسدس دينار لزمه دينار صحيح فرع وإن باع بنقد معدوم أصلا ولو مؤجلا أو معدوم في البلد حالا أو مؤجلا إلى أجل لا يمكن فيه نقله إلى البلد بالوجه الآتي لم يصح لعدم القدرة على تسليمه أو إلى أجل يمكن فيه النقل عادة بسهولة للمعاملة صح ثم إن أحضره بعد الحلول فذاك فلو لم يحضره استبدل عنه لجواز الاستبدال عنه فلا ينفسخ العقد وكذا يستبدل لو باع بموجود عزيز فلم يجده وليس له فيما إذا عقد بنقد إلا النقد الواجب بالعقد لكونه عين فيه أو أطلق وحملناه على نقد البلد وإن أبطله
17
17
السلطان كما لو أسلم في حنطة فرخصت ليس له غيرها
فرع لو قال بعتك هذه الصبرة أو القطيع أو الأرض
أو الثوب كما صرح به الأصل كل صاع أو شاة أو ذراع بدرهم مثلا صح ولا يضر الجهل بجملة الثمن للعلم به تفصيلا وفارق عدم الصحة فيما لو باع ثوبا بما رقم عليه من الدراهم المجهولة القدر بأن الغرر منتف في الحال لأن ما يقابل كل صاع معلوم القدر حينئذ بخلافه في تلك ولا يصح بيع عشر شياه من هذه المائة وإن علم عدد الجملة بخلاف مثله من الصبرة والأرض والثوب لاختلاف قيمة الشياه فلا يدري كم قيمة العشرة من الجملة ولأنه لا يمكن فيها إلا الإشاعة بخلاف نظيره من الأشياء المذكورة وبخلاف ما لو باعه ذراعا من ثوب أو أرض وذرعه معلوم لهما ولو قال بعتك من هذه الصبرة كل صاع بدرهم مثلا أو كل صاع من هذه الصبرة بدرهم مثلا لم يصح لأنه لم يبع الجملة بل بعضها المحتمل للقليل والكثير فلا يعلم قدر المبيع تحقيقا ولا تخمينا أو قال بعتكها بعشرة دراهم مثلا كل صاع بدرهم أو قال مثله في الأرض والثوب صح إن وافق عدد الصيعان أو الأذرع الثمن بأن خرج عشر لتوافق جملة الثمن وتفصيله لا أن زاد أو نقص فلا يصح لتعذر الجمع بين الجملة والتفصيل
ولا يشكل بما يأتي في الربا من صحة بيع صبرة حنطة بصبرة شعير مكايلة وإن خرجتا متفاضلتين لأن الثمن هنا عينت كميته فإذا اختل عنها صار مبهما فأبطل بخلافه ثمة لم تعين كمية صيعانه والصبرة الناقصة قد ورد البيع على جميعها فصار كما لو باع صبرة صغيرة بقدرها من كبيرة فإنه يصح كما سيأتي ثم و قوله بعتك صاعا منها بدرهم وما زاد فبحسابه صحيح في صاع فقط لأنه المعلوم أو قال بعتكها وهي عشرة من الآصع كل صاع بدرهم وما زاد فبحسابه صح في العشرة فقط لذلك بخلاف ما لو قال فيهما على أن ما زاد بحسابه لا يصح لأنه شرط عقد في عقد ولا حاجة للفاء في قوله فبحسابه في الموضعين ووجد في نسخة حذفها في الثاني وقوله وبعتك صاعا إلى آخر من زيادته هنا وتعرض له الأصل في الإجارة وبيع الصبرة والشراء بها جزافا بتثليث الجيم مكروه لأنه قد يوقع في الندم وخرج بالصبرة بيع الثوب والأرض مجهولي الذرع فلا يكره كما اقتضاه كلام المتولي وقد يفرق بأن الصبرة لا يعرف قدرها تخمينا غالبا لتراكم بعضها على بعض بخلاف الآخرين وقوله والشراء بها أعم من قول أصله والبيع بصبرة الدراهم فرع بيع المشاهد من غير تقدير كصبرة الطعام والبيع به أي بالمشاهد من غير تقدير كصبرة الدراهم صحيح وإن لم يعرف قدرها اكتفاء بالمشاهدة فإن علم أحد العاقدين أن تحتها دكة بفتح الدال أو موضعا منخفضا أو اختلاف أجزاء الظرف الذي فيه العوض من نحو عسل وسمن رقة وغلظا بطل العقد لمنعها تخمين القدر فيكثر الغرر نعم إن رأى ذلك قبل وضع العوض فيه صح البيع لحصول التخمين وإن جهل كل منهما ذلك بأن ظن أن المحل مستو فظهر خلافه خير من لحقه النقص بين الفسخ والإمضاء إلحاقا لما ظهر بالعيب والبيع صحيح فإن باع الصبرة إلا صاعا وصيعانها معلومة صح وإلا فلا لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثنيا رواه مسلم زاد الترمذي إلا أن تعلم وقال حسن صحيح ولأن المبيع ما وراء الصاع وهو مجهول بخلاف بيع صاع منها كما مر لأنه معلوم القدر والصفة وبخلاف بيع جميع الصبرة كما مر أيضا لأن العيان محيط بظاهر المبيع من جميع جوانبه فكان أقدر على تخمين مقداره بخلافه في مسألتنا لا يمكن فيه ذلك لأن المبيع خالطه أعيان أخر ولا يكفي مجرد التخمين بل لا بد من إحاطة العيان بجميع جوانب المبيع ولم يوجد هنا ولذلك لو عاين جميع جوانبه ولم يخمن كم هو صح البيع قطعا ذكر ذلك ابن الصلاح
18
18
فصل وأما الصفة فبيع ما لم يره المتعاقدان
أو أحدهما من الأعيان باطل وإن وصفه بأوصاف السلم للنهي عن بيع الغرر ولأن الرؤية تفيد ما لا تفيده العبارة وأما خبر من اشترى ما لم يره فهو بالخيار إذا رآه فضعيف كما قاله الدارقطني والبيهقي وكذا لا يصح لذلك إجارته ورهنه وإسلامه أي جعله رأس مال سلم وهبته والصلح عنه أو عليه وإصداقه والاختلاع به والعفو عن القود عليه كما صرح به الأصل مع وجوب مهر المثل في الأولين والدية في الثالث كبيع الأعمى وشرائه وإجارته ورهنه وهبته كما ذكرها الأصل فإنها لا تصح لذلك والأعمى يكاتب عبده تغليب للعتق قال الزركشي وقياسه صحة شرائه من يعتق عليه وبيعه العبد من نفسه ويجوز أن يؤجر نفسه ويشتريها قال في الأصل ويقبل كتابتها وإن لم يرها لأنه لا يجهلها بل البصير لا يرى بعض نفسه و أن يتزوج فإن زوج موليته أو خالع أو صالح عن دم بمال معين في الثلاثة بطل المسمى ووجب البدل من مهر المثل على الزوج في الأولى وعلى قابل الخلع في الثانية ومن الدية على المعفو عنه في الثالثة وذكر الثالثة من زيادته ويجوز له أن يسلم و أن يسلم إليه إن كان رأس المال في الذمة ولو خلق أعمى لأن السلم يعتمد الوصف لا الرؤية ولأنه يعرف صفته بالسماع ويتخيل ما يميزه واعتبر كونه في الذمة ليخرج عن بيع الغائب ويوكل غيره في إقباضه أو قبضه رأس المال في المجلس لأنهما لا يصحان منه لأنه لا يميز بين المستحق وغيره ولو ترك قوله رأس المال كان أخصر وأولى فإنه مذكور قبل فيرجع إليه الضمير أن بعده ويصح توكيله لغيره فيما لا يصح منه من العقود للضرورة ولو اشترى بصير شيئا ثم عمي قبل قبضه ففي الانفساخ وجهان كإسلام المبيع من الكافر قبل قبضه والأصح المنع قاله في المجموع فروع الأول يجوز للأعمى والبصير العقد على ما رأياه قبل العمى والعقد وهو مما لا يتغير غالبا من وقت الرؤية إلى العقد كأراض وأوان وحديد لا ما يتغير غالبا كأطعمة يسرع فسادها وبيعت بعد مدة تتغير فيها غالبا نظرا للغالب فيهما فإن احتمل الأمرين على السواء كالحيوان صح لأن الأصل بقاء المرئي بحاله قال الماوردي وإنما تكفي الرؤية السابقة إذا كان حال العقد ذاكرا للأوصاف فإن نسيها لطول المدة ونحوه فهو بيع غائب وهو وإن استغربه في المجموع ظاهر وبه جزم الروياني وابن الرفعة وقال النشائي في نكته أنه ظاهر النص فإن وجده متغيرا في الصورتين أي صورتي ما لا يتغير غالبا وما يحتمل الأمرين فله الخيار لأن الرؤية السابقة كالشرط في الصفات الكائنة عند الرؤية فإذا بان فوت شيء منها كان بمثابة الخلف في الشرط وإن اختلفا في التغير فقال البائع هو بحاله وقال المشتري بل تغير صدق المشتري بيمينه لأن البائع يدعي عليه عمله بهذه الصفة والأصل عدمه كدعوى علمه بالعيب الفرع الثاني تكفي رؤية
19
19
شيء مما يستدل ببعضه على بعض كصبرة الحبوب والأدقة والجوز واللوز وأعلى المائعات كالدهن والخل في آنيتهما لأنها لا تتفاوت غالبا ورأس وعاء الطعام أي والطعام في رأس وعائه وقوصرة التمر أي والتمر في قوصرته وإن التصقت حباته وهي بفتح القاف والصاد وسكون الواو وتشديد الراء ما يجعل فيه التمر قاله الجوهري قال في المهمات ومراده الوعاء الذي يملأ تمرا إلينا ويتحامل عليه لينكبس بعضه على بعض وهو المسمى بالعجوة في معظم بلاد مصر وبالكبيس في صعيدها وكذا القطن ولو في عدله وكذا رؤية الحنطة أن نحوها من كوة بفتح الكاف أفصح من ضمها أي طاقة أو باب من بيت فإنها تكفي إن عرف كل منهما عمقه وسعته وإلا فلا يكفي في صحة بيعها جزافا وهذا الشرط لا يختص بهذه فسائر الصور السابقة كذلك فلو ذكروه في الجميع كان أولى بل تركه أصلا أولى لأن المانع من صحة البيع في ذلك الجهل بالمقدار لا عدم الرؤية الذي الكلام فيه والتمر المتناثر كالجوز واللوز في أنه يكتفي برؤية بعضه الفرع الثالث أراه شخص أنموذج المتماثل أي المتساوي الأجزاء كالحبوب وباعه صاعا من مثله لم يصح لأنه لم يعين مالا ولم يراع شروط السلم ولا يقوم ذلك مقام وصف السلم لتعذر الرجوع إليه عند الإشكال والأنموذج بضم الهمزة والميم وفتح الذال المعجمة مقدار تسميه السماسرة عينا ولو باعه حنطة بهذا البيت مع الأنموذج صفقة واحدة لا دونه صح وإن لم يخلط بها قبل البيع وما زعمه الإسنوي من أنه إنما يصح بعد خلطه بها كما أفتى به البغوي ممنوع بل البغوي إنما أفتى بأنه لا يصح وإن خلط بها كما لو باع شيئا رأى بعضه دون بعض قال وليس كصبرة رأى بعضها لتميز المرئي هنا فكلامه مخالف لكلام الأصحاب من كل وجه أما إذا باعها دونه فلا يصح لأنه لم ير المبيع ولا شيئا منه الرابع لا يكفي في غير المتماثل كالبطيخ والسفرجل وسلة العنب بفتح السين والخوخ إلا رؤية الجميع لأنها تختلف اختلافا ظاهرا وتباع عددا فلا بد فيها من رؤية كل واحدة منها من جميع جوانبها وما ذكره كأصله في العنب ونحوه في السلة يشكل على التمر في القوصرة مع أن إبقاءه في سلته من مصالحه قال الزركشي تبعا للأذرعي والإجماع الفعلي على الاكتفاء برؤية ظاهره فهو الأشبه ثم إن ظهر عيب تخير قال وبذلك صرح الإمام وجرى عليه الغزالي في بسيطه والقفال في فتاويه وتكفي رؤية الصوان بكسر الصاد و ضمها أي صواني باقي المبيع وإن لم يدل عليه كرمان وبيض في قشره وجوز في قشره الأسفل فتكفي رؤية القشر المذكور لأن صلاح باطنه في إبقائه فيه وإن لم يدل هو عليه ومن ذلك الخشكنان ونحوه كما في المجموع بخلاف جوز القطن وجلد الكتاب ونحوهما وخرج بالأسفل وهو الذي يكسر حالة الأكل القشر الأعلى فلا يكفي رؤيته لأنه ليس من مصالح ما في داخله نعم إن لم ينعقد الأسفل كفت وصح البيع لأن الجميع مأكول لا بيع اللب منهما أي من الجوز واللوز أي لا يصح بيعه وحده في قشرهما لأن تسليمه لا يمكن إلا بكسر القشر فتنقص عين البيع ولا بيع ما رئي من وراء قارورة لانتفاء تمام المعرفة وصلاح إبقائه فيها بخلاف رؤية السمك والأرض تحت الماء الصافي إذ به صلاحهما قال في المهمات والتقييد بالصافي يشعر بأن الكدر يمنع الصحة لكن سيأتي في الإجارة أن شرط صحتها الرؤية وإن الماء الكدر لا يمنع الصحة وعلل بأنه من مصالح الأرض فالتسوية بين البابين في الرؤية والتعليل يقتضي التسوية بينهما في الإبطال بالماء الكدر أو في عدمه انتهى ويجاب بأن الإجارة أوسع لأنها تقبل التأقيت ولأن العقد فيها على المنفعة دون العين وجواب الأذرعي بأن الظاهر حمل ما هناك على ما إذا تقدمت الرؤية قبل أن يعلو الماء الأرض مخالف لكلامهم هناك الخامس يشترط في صحة البيع رؤية للمبيع تليق به
20
20
ففي الدار تشترط رؤية السقوف والسطوح والجدران داخلا وخارجا والمستحم والبالوعة إن كانا ونسخة الرافعي المعتمدة إنما ذكرت هذين في الحمام وكلاهما صحيح ولا يشترط رؤية مجرى ماء الرحى أي الماء الذي تدور به الرحى هذا من تصرفه والذي صححه في المجموع اشتراط ذلك لاختلاف الغرض به وكنظيره الآتي في مجرى البستان رؤية طريق الدار أيضا كما صححه في المجموع وأشعر به كلام الأصل وكلام المصنف قد يتضمنه لأنه لا يمكن رؤيتها بالوجه الذي ذكره من غير رؤية طريقها إلا بتكلف وفي البستان تشترط رؤية أشجاره وجدرانه ومجرى مائه لا رؤية أساسها أي الجدران ولا رؤية عروق الأشجار ونحوهما ومعلوم أنه تشترط رؤية الأرض في ذلك ونحوه ولو رأى آلات بناء الحمام وأرضها قبل بنائها فهل تغني عن رؤيتها فيه احتمالان للروياني وصحح منهما المنع وصوبه في المجموع قال أعني الروياني وعلى هذا لا تغني في التمر رؤيته رطبا كما لو رأى سخلة أو صبيا فكما لا يصح بيعهما بلا رؤية أخرى كما قاله القفال
وفي العبد والأمة تشترط رؤية ما سوى العورة منهما إلا ما يأتي وفي الدابة تشترط رؤية كلها حتى شعرها فيجب رفع السرج والإكاف والجل لا إجراؤها ليعرف سيرها فلا يشترط ولا تشترط رؤية اللسان والأسنان في الحيوان ولو رقيقا ولا ترجيح في هذه في الأصل فالترجيح من زيادة المصنف تبعا لنسخ الرافعي المعتمدة وبه صرح في المجموع مع أن تعبير المصنف بالحيوان أعم من تعبير أصله بالعبد والجارية وفي الثوب يشترط نشره ليرى الجميع ولو لم ينشر مثله إلا عند القطع وتشترط رؤية وجهي ما يختلف منه أي من الثوب بأن يكون صفيقا كديباج منقش وبسط بخلاف ما لا يختلف وجهاه ك كرباس فتكفي رؤية أحدهما وفي الكتب كالمصحف تشترط رؤية جميع أوراق المكتوب والبياض عبارة الأصل جميع الأوراق ثم قال وفي الورق البياض تشترط رؤية جميع الطاقات قاله الزركشي تبعا للأذرعي كذا ذكره القاضي فتابعوه والإجماع الفعلي على خلافه في بيع الكتب والورق والمختار الاكتفاء برؤيته بحسب العادة والاطلاع على معظمه ثم إن ظهر عيب تخير وفي الجبة المحشوة بقطن ونحوها تكفي رؤية وجهيها ويتسامح في فقاع الكوز فلا تشترط رؤية شيء منه لأن بقاءه فيه من مصلحته ولأنه تشق رؤيته ولأنه قدر يسير يتسامح به في العادة وليس فيه غرر يفوت به مقصود معتبر وقال العبادي يفتح رأس الكوز فينظر منه بقدر الإمكان فرع لا يصح بيع اللبن والصوف قبل الحلب بإسكان اللام والجز أو الذكاة وإن حلب من اللبن شيء ورئي قبل البيع للنهي عن ذلك رواه البيهقي ولاختلاطهما بالحادث ولعدم تيقن وجود قدر اللبن المبيع ولعدم رؤيته ولأن تسليم الصوف إنما يمكن باستئصاله وهو مؤلم للحيوان وإن شرط الجز فالعادة في مقدار المجزوز مختلفة وبيع المجهول باطل نعم إن قبض على قطعة وقال بعتك هذه صح قطعا كما في المجموع وأو في كلام المصنف بمعنى الواو وبها عبر في نسخة أما بيع ذلك بعد الحلب والجز أو قبل الجز وبعد الذكاة فصحيح قال في الأصل وتجوز الوصية باللبن في الضرع والصوف على الظهر قال في المجموع لأنها تقبل الغرر والجهالة ويجز الصوف على العادة وما حدث بعد الوصية للوارث ويصدق في قدره بيمينه ولا يصح بيع المذبوح أو جلده أو لحمه قبل السلخ أو السمط في الثلاثة لأنه مجهول قال الأذرعي وكذا مسلوخ لم ينق جوفه وبيع وزنا فإن بيع جزا فأصبح بخلاف السمك والجراد لقلة ما في جوفه أي فيصح مطلقا أما بيع ذلك بعد السلخ والسمط فصحيح لأن الجلد حينئذ مأكول فهو كالدجاجة المذبوحة وأو الأخيرة في كلامه بمعنى الواو وتعبيره بالمذبوح أعم من تعبير أصله بالشاه المذبوحة و لا بيع الأكارع والرءوس قبل الإبانة ويجوز بعدها نيئة ومشوية ولا اعتبار بما عليها من الجلد لأنه مأكول ومحله كما في فتاوى البغوي إذا كانت من الغنم فإن كانت من الإبل أو البقر فلا يجوز لأنه بمثابة البيع بعد الذبح وقبل السلخ لأن جلده لا يؤكل مسلوخا قال الزركشي ولعل هذا في عرف بلاده لكن جرت عادتنا بسمط رءوس البقر في الهرائس فهي كالغنم فرع لا يصح بيع مسك اختلط بغيره لجهل المقصود كلبن أو نحوه مخلوط بماء أو نحوه ومحله في مسألة
21
21
المسك إذا خالطه غيره لا على وجه التركيب فإن كان معجونا بغيره كالغالية والند صح البيع كما سيأتي بخلاف السلم والتعليل يقتضيه لأن المقصود مجموعهما لا المسك وحده ويقتضى أيضا أنه لو كان قدر المسك في الأولى واللبن في الثانية معلوما صح البيع ونقل الإسنوي هنا عن الأصل كلاما في باب زكاة النقدين لم أره فيه أو بيعه في فأرته معها أو دونها فلا يصح ولو فتح رأسها كاللحم في الجلد نعم لو رآه خارجها ثم اشتراه بعد رده إليها أو رآها فارغة ثم ملئت مسكا لم يره ثم رأى رأسها أي رأى أعلاه من رأسها جاز وإلا فلا لأنه بيع غائب وإن باعه السمن وظرفه أو المسك وفأرته كل رطل أو قيراط بدرهم صح وإن اختلفت قيمتهما كما لو باع فواكه مختلطة هذا إن عرفا وزن كل واحد منهما وكان للظرف قيمة وإلا فلا يصح ووجهوه فيما إذا لم يكن للظرف قيمة بأن البيع اشتمل على اشتراط بذل مال في مقابلة ما ليس بمال وقول البلقيني القول بعدم الصحة ممنوع لأن الظرف وإن لم تكن له قيمة إلا أنه مضموم في صفقة المتمول فصار كما لو باع تمرة وثوبا بعشرة دراهم مثلا وهو صحيح قطعا ممنوع وما قاس عليه فرد من أفراد ما زعمه ويجوز بيع حنطة مختلطة بشعير كيلا ووزنا بل وجزافا كما صرح به في المجموع إذ لا مانع ويجوز بيع المعجونات كالند والغالية وهي مركبة من مسك وعنبر وعود وكافور كذا في الأصل في السلم وفي التحرير ذكر الدهن مع الأولين فقط لا بيع تراب معدن قبل تمييزه من الذهب والفضة و لا تراب صاغة لأن المقصود مستور بما لا مصلحة له فيه عادة كبيع اللحم في الجلد وهذا من زيادته وذكره في المجموع ولا يشترط الذوق والشم في مثل الخل والمسك ولا لمس الثياب لأن معظم المقصود يتعلق بالرؤية فلا يشترط غيرها فرع وإن رأى ثوبين مستويين قيمة ووصفا وقدرا كنصفي كرباس فسرق أحدهما واشترى الآخر غائبا عنه ولا يعلم أيهما المسروق صح لحصول العلم لا إن اختلفت الأوصاف المذكورة أو شيء منها فلا يصح لجهل صفة المبيع ولم تفد الرؤية السابقة العلم بها عند العقد ويؤيده عدم الصحة في بيع عبده المختلط بعبيد غيره ولا يعرفه المشتري كما مر وإن اختلفا في الرؤية كأن ادعى البائع رؤية المشترى فأنكرها فالقول قول مدعيها بيمينه لأن الإقدام على العقد اعتراف بصحته وهو على القاعدة في دعوى الصحة والفساد من تصديق مدعيها وقيل القول قول نافيها لأن الأصل عدمها وأيد بما مر من أنه لو باع ذراعا من أرض معلومة الذرعان فادعى البائع أنه أراد ذراعا معينا وقال المشتري بل مشاعا صدق البائع ويجاب بأن الرؤية ظاهر لتعلقها بالبصر الظاهر لإمكان إقامة البينة عليها فلا يؤثر إنكارها بخلاف الإرادة ولا يجوز بيع شيء من شجر الحرم والنقيع بالنون ولو كان يسيرا قطع لدواء كطعام أبيح أكله لا يجوز بيعه ويفارق هذا فيما أبيح قطعه لدواء قول المتولي أن لبن الأضحية المعينة يتصدق به على الفقراء ويجوز لهم بيعه بأن ما هنا إنما أبيح لحاجة في جهة خاصة بخلاف ما قاله المتولي قال الزركشي وفي معنى أشجار الحرم أحجاره وترابه ولا يجوز بيع نصيبه من الماء الجاري من نهر أو نحوه للنهي عن بيع الماء رواه مسلم وهو محمول على ذلك وللجهل بقدره ولأن الجاري إن كان غير مملوك فذاك وإلا فلا يمكن تسليمه لاختلاط غير المبيع به فطريقة أن يشتري القناة أو سهما منها فإذا ملك القرار كان أحق بالماء ذكره القاضي والعمراني وغيرهما فإن اشترى القرار مع الماء فيه كلام يأتي آخر البيوع المنهى عنها
باب الربا بالقصر وألفه بدل من واو ويكتب بها وبالياء ويقال فيه الرماء بالميم والمد هو لغة الزيادة وشرعا عقد على عوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد أو مع تأخير في البدلين أو أحدهما وهو ثلاثة أنواع ربا الفضل وهو البيع مع زيادة أحد العوضين على الآخر وربا اليد وهو البيع مع تأخير قبضهما أو قبض أحدهما وربا النساء وهو البيع لأجل وزاد المتولي ربا القرض المشروط فيه جر نفع ويمكن عوده لربا الفضل قاله الزركشي وكل منها حرام والأصل في تحريمه قبل الإجماع قوله تعالى وحرم الربا وقوله وذروا ما بقي من الربا وخبر مسلم لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه
22
22
إنما يحرم الربا في الذهب والفضة ولو حليا وإناء وتبرا لا في الفلوس وإن راجت وإنما حرم فيهما لعلة الثمنية الغالبة التي يعبر عنها أيضا بجوهرية الأثمان غالبا وهي منتفية عن الفلوس وغيرها من سائر العروض وفي الطعوم لعلة الطعم بضم الطاء مصدر طعم بكسر العين أي أكل وإن لم يكل و لم يوزن كالسفرجل والرمان والبيض والجوز وإنما جعل علة الربا في الطعام الطعم كما صرح به من زيادته على الروضة لأنه علق في الخبر الآتي الحكم باسم الطعام الذي هو بمعنى المطعوم
والمعلق بالمشتق معلل بما منه الاشتقاق كالقطع والجلد المعلقين باسم السارق والزاني والمطعوم ما قصد لطعم الآدمي غالبا تقوتا أو تأدما أو تفكها أو تداويا بأن يكون أظهر مقاصده الطعم وإن لم يؤكل إلا نادرا فجميع ما يؤكل أي يقصد أكله من ذلك غالبا أو نادرا كالبلوط والطرثوث وحده أو مع غيره أو بالتداوي ربوي وإنما لم يذكروا الدواء فيما يتناوله الطعام في الإيمان لأنه لا يتناول في العرف المبنية هي عليه والأقسام المذكورة مأخوذة من الخبر الآتي فإنه نص فيه على البر والشعير والمقصود منهما التقوت فألحق بهما ما في معناهما كالأرز والذرة وعلى التمر والمقصود منه التفكه والتأدم فألحق به ما في معناه كالزبيب والتين وعلى الملح والمقصود منه الإصلاح فألحق به ما في معناه من الأدوية كالإهليلج بكسر الهمزة واللام الأولى وفتح الثانية ويقال بكسرها والسقمونيا بفتح السين والقاف وضم الميم وكسر النون وبالقصر والطين الأرمني قال الجوهري بفتح الهمزة والميم والنووي بكسرهما نسبة إلى أرمينية بكسر الهمزة وتخفيف الياء قرية بالروم
وجزم بما قاله النووي وابن النقيب وغيره لا سائر الطين كالطين الخراساني فليس ربويا لأنه إنما يؤكل سفها والزعفران والماء العذب والمصطكا بضم الميم والقصر والزنجبيل واللبان ودهن البنفسج والورد والبان ونحوها كصمغ ودهن خروع ربوية لصدق الضابط المذكور عليها لا حب الكمان بفتح الكاف وكسرها و لا دهنه ولا دهن سمك ولا ورد وخروع وماء ورد وعود وجلد لأنها لا تقصد للطعم ولا ربا فيما اختص به الجن كالعظم أو البهائم كالحشيش والتين أو غلب تناولها له كما أشرت إليه فيما مر ولا ربا في الحيوان مطلقا أي سواء جاز بلعه كصغار السمك أم لا لأنه لا يعد للأكل على هيئته وقد اشترى ابن عمر بعيرا ببعيرين بأمره صلى الله عليه وسلم فصل والربويات بعلة واحدة إن اتحد جنسهما كبيع الذهب بالذهب والحنطة بالحنطة حرم فيهما التفاضل والنساء بفتح النون والمد أي الأجل والتفريق قبل التقابض ولو وقع العقد في دار الحرب روى مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال الطعام بالطعام مثلا بمثل وأنه قال الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد أي مقابضة قال الرافعي ومن لازمه الحلول وإلا لجاز تأخير التسليم إلى زمنه وظاهر أن قوله ومن لازمه الحلول جرى على الغالب ولا بد من القبض الحقيقي فلا يكفي الحوالة وإن حصل القبض بها في المجلس ويكفي قبض الوكيل في القبض عن العاقدين أو أحدهما وهما في المجلس وكذا قبض الوارث بعد موت مورثه في المجلس بخلاف ما لو كان العاقد عبدا مأذونا له فقبض سيده أو وكيلا فقبض موكله لا يكفي فإن اختلف الجنس كالذهب والفضة والحنطة والشعير حل التفاضل فقط
23
23
وشرط الحلول والتقابض والمراد بالتقابض ما يعم القبض حتى لو كان العوض معينا كفى الاستقلال بالقبض وإن اختلفت العلة في الربويين كالذهب والحنطة أو كان أحدهما يعني العوضين أو كلاهما غير ربوي كذهب وثوب وعبد وثوب حل التفاضل والنساء والتفرق قبل التقابض وما اقتضاه آخر الخبر الثاني من أن ذلك لا يجوز إلا مقابضة غير مراد بالإجماع فرع حيث اشترط التقابض فتفرقا قبله بطل العقد إن كان تفرقهما عن تراض وإلا فلا يبطل لأن تفرقهما حينئذ كلا تفرق كما سيأتي بيانه في باب الخيار والشرط المذكور من زيادته أخذه مما ذكر ثمة والذي قاله السبكي وغيره هنا عن الصيمري أنه لا فرق بين المختار والمكره ثم استشكلوه بما ذكر ثمة ثم قالوا فإن صح الحكمان فلعله لضيق باب الربا أو لأن الأغلب على بابه التعبد أو لأن القبض شرط فلم يختلف بالنسبة إلى المكره وغيره وإذا بطل العقد فيأثمان بالتفرق إن كان عن تراض ويكون ربا كربا النسيئة فطريقهما التفاسخ قبل التفرق دفعا للإثم قاله في المجموع والتخاير وهو إلزام العقد قبل التقابض كالتفرق قبله في أنه يبطل العقد الربوي هذا إذا لم يتقابضا قبل التفرق وإلا فلا يبطل أخذا مما سأذكره في باب الخيار فإن قبض كل منهما البعض ففيه أي ما قبض قولا تفريق الصفقة وبطل العقد فيما لم يقبض تنبيه كلامهم كالصريح في أن العقد يصح قبل التقابض وأنه يبطله بالتفرق بغير تقابض وهو ظاهر ولا ينافيه عد كثير التقابض في المجلس شرطا لصحة العقد من حيث إن الشرط يتقدم على مشروطه لأن مرادهم بذلك أنه شرطه لدوام الصحة فرع الحيلة في بيع الربوي بجنسه متفاضلا كبيع ذهب بذهب متفاضلا أن يبيعه من صاحبه بدراهم أو عرض ويشتري منه بها أي بالدراهم أو بالعرض الذهب بعد التقابض فيجوز ولو اتخذه عادة وإن لم يتفرقا و لم يتخايرا لتضمن البيع الثاني إجازة الأول بخلافه مع الأجنبي لما فيه من إسقاط خيار العاقد الآخر وهذا كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم عامل خيبر أن يبيع الجميع وهو كل نوع من التمر لا يعرف له اسم بالدراهم ثم يشتري بها جنيبا وهو أجود التمر أو أن يقرض كل منهما صاحبه ويبرئه أو أن يتواهبا أو أن يهب الفاضل مالكه لصاحبه بعد شرائه منه ما عداه بما يساويه وهذا أي ما ذكر من الحيل جائز إذا لم يشرط في بيعه وإقراضه وهبته ما يفعله الآخر كما صرح به الأصل وإن كره قصده عبارة الروضة هذه الطرق وإن كانت جائزة عندنا فهي مكروهة إذا نويا ذلك انتهى ووجه بأن كل شرط أفسد التصريح به العقد إذا نواه كره كما لو تزوجها بشرط أن يطلقها لم ينعقد أو بقصد ذلك كره والتحقيق أن كلا من القصد والعقد الذي قصد به ذلك مكروه ثم هذه الطرق ليست حيلا في بيع الربوي بجنسه متفاضلا لأنه حرام بل حيل في تمليكه لتحصيل ذلك ففي عبارته السابقة تسمح فرع وإن اشترى من غيره نصفا شائعا من دينار قيمته عشرة دراهم بخمسة دراهم صح ويسلمه البائع إليه ليقبضه أي النصف ويكون النصف الثاني أمانة في يده بخلاف ما لو كان له عليه عشرة دراهم فأعطاه عشرة فوجدت زائدة الوزن فإنه يضمن الزائد للمعطي لأنه قبضه لنفسه فإن أقرضه البائع في صورة الشراء تلك الخمسة بعد أن قبضها منه فاشترى بها النصف الآخر من الدينار جاز كغيرها وإن اشترى الكل أي كل الدينار من غيره بعشرة وسلم الخمسة أي وسلمه منهما خمسة ثم استقرضها منه وردها إليه عن الثمن بطل العقد في الخمسة الباقية بناء على أن القرض لا يملك إلا بالتصرف وهذا ما صححه في الروضة تبعا لنسخ الرافعي السقيمة لكن الثابت في نسخه المعتمدة تصحيح الصحة
24
24
قال الزركشي وهو الصواب الذي اتفقت نسخ الشرح الصغير على ترجيحه ونص عليه الشافعي في الأم وكثير منهم الشيخ أبو حامد وأتباعه والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ والروياني والشاشي والعمراني والبغوي بناء على الأصح من أن القرض يملك بالقبض وقياسا على الصورة السابقة وعلى ما لو استقرض منه خمسة غير التي سلمها له فإن قلت تصرف البائع فيما قبضه من الثمن في زمن الخيار باطل قلت محله مع الأجنبي لا مع العاقد كما مر فإن قلت قرض الثمن في ذلك تصرف في زمن الخيار فيكون إجازة للعقد وهي كالتفرق فيبطل كما مر قلت محله إذا لم يتقابضا قبل التفرق وهنا بخلافه وتراعى المماثلة فيما يكال بالكيل وإن تفاوت في الوزن وفيما يوزن بالوزن وإن تفاوت في الكيل والمعتبر في كون الشيء مكيلا أو موزونا غالب عادة الحجاز في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لظهور أنه اطلع على ذلك وأقره وقد روى البيهقي خبر الذهب بالذهب وزنا بوزن والبر بالبر كيلا بكيل وروى أبو داود خبر المكيال مكيال أهل المدينة والميزان ميزان أهل مكة ولم يرد صلى الله عليه وسلم أنه لا مكيال ولا ميزان إلا بهما لجواز الكيل والوزن بغيرهما إجماعا وإنما أراد أن الاعتبار بما يكال ويوزن بهما فلو أحدث الناس خلاف ذلك فلا اعتبار بأحداثهم فيحرم بيع البر بالبر بل بيع كل ربوي مكيل بمثله وزنا وبيع كل ربوي موزون بمثله كيلا والملح مكيل إلا فيما ذكره بقوله فلو كان الملح قطعا كبارا فالمماثلة فيه وفي كل ما يتجافى في الكيل بالوزن نظرا لهيئته في الحال وما لم يكن في ذلك العهد أي عهده صلى الله عليه وسلم أو كان وأشكل حاله ولو بنسيان أو استعملا أي الكيل والوزن فيه بأن كان يكال مرة ويوزن أخرى سواء فالعبرة بعرف الحجاز قاله المتولي فإن لم يكن وكان ذلك أكبر جرما من التمر كالجوز فالوزن إذا لم يعهد الكيل بالحجاز فيما هو أكبر منه أو كان مثله كاللوز أو دونه فعادة بلد البيع الآن أي حالة البيع أما إذا استعملا فيه وغلب أحدهما فهو المعتبر قال المتولي وغيره وسواء المكيال المعتاد في عصره صلى الله عليه وسلم والمحدث بعده وإن لم يعتد الكيل به كقصعة ويكفي التساوي بكفتي الميزان وإن لم يعرف قدر ما في كل كفة وقد يتأتى الوزن بالماء أن يوضع الشيء بظرف ويلقى في الماء وينظر قدر غوصه لكنه ليس وزنا شرعيا ولا عرفيا فالظاهر أنه لا يكفي هنا وإن كفى في الزكاة وأداء المسلم فيه قاله في الأصل وقال البلقيني الأرجح عندنا خلافه فإنه أولى بالجواز من القصعة فرع وما لا يقدر بكيل ولا وزن كبطيخ وقثاء يجوز بيعه بغير جنسه كيف شاء وأما بجنسه فإن كان مما يجفف كالبطيخ الذي يفلق وكذا كل ما يجفف من الثمار وإن كان مقدرا كالمشمش بكسر الميمين وحكي فتحهما والخوخ والكمثرى الذي يفلق لم يبع بعضه ببعض حالة الرطوبة إذ لا كمال له ويباع به جافا أو كان مما لا يتجفف كالقثاء وكذا الرطب والعنب وغيرهما من المقدرات التي لا تجفف كرطب لا يتثمر وعنب لا يتزبب لا يجوز بيع بعضه ببعض رطبا نعم الزيتون لا جفاف له يجوز بيع بعضه ببعض في حال رطوبته وسيأتي آخر الباب أنه يجوز بيع البيض بمثله في قشره وزنا فإن أراد شريكان قسمة الربوي لم تجز قسمة المكيل وزنا والموزون كيلا والرطب والعنب لا يقسم كل منهما كيلا ولا وزنا ولا خرصا لأن القسمة بيع لكن سيأتي في بابها أن قسمة المتشابهات إفراز لا بيع فعليه تصح قسمتها وسيأتي بيانه ثم فرع لا يجوز بيع ربوي بجنسه جزافا و لا تخمينا أي حزرا للتساوي ولو خرجا سواء للنهي عن بيع الصبرة من التمر لا تعلم مكيلتها بالكيل المسمى من التمر رواه مسلم وللجهل بالمماثلة حالة البيع والجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة فلو علما تماثل الصبرتين جاز البيع قاله القاضي ولا حاجة حينئذ إلى كيل فإن باع صبرة بصبرة من بر أو نحوه مكايلة أو كيلا بكيل أو صبرة بصبرة من دراهم أو نحوها موازنة أو وزنا بوزن صح إن تساويا لحصول المماثلة وإلا فلا لأنه قابل الجملة بالجملة وهما متفاوتتان ويصح بيع صبرة بكيلها فيما يكال وبوزنها فيما يوزن من صبرة أكبر منها لحصول المماثلة فلو تفرقا في هذه والتي قبلها فيما إذا صح البيع بعد قبض الجملتين وقبل
25
25
الكيل أو الوزن جاز لحصول التقابض في المجلس وما فضل من الكبيرة بعد الكيل أو الوزن لصاحبها فالمعتبر في القبض هنا ما ينقل الضمان فقط لا ما يفيد التصرف أيضا لما سيأتي إن قبض ما بيع مقدرا إنما يكون بالتقدير وإن باع صبرة بر بصبرة شعير جزافا جاز لعدم اشتراط المماثلة في الجنسين فإن باعها بها مكايلة أو كيلا بكيل أو صاعا بصاع أو أكثر فإن خرجتا سواء صح و إن تفاضلتا وسمح رب المال الزائد بإعطائه أو رضي رب الناقص بقدره من الزائد أقر البيع وإلا بأن تشاحا فسخ البيع وتقدم ما في جوابه في الكلام على بيع الصبرة بعشرة دراهم كل صاع بدرهم فصل في قاعدة مد عجوة ولا يجوز أن يقع في جانبي الصفقة أي البيعة ربوي شرطه التماثل بأن اتحد جنسه ومعه جنس آخر ولو غير ربوي فيهما أي الجانبين أو في أحدهما أو معه نوع آخر فيهما أو في أحدهما أو معه ما يخالفه في الصفة فيهما أو في أحدهما فيه الجنس كمد عجوة ودرهم بمثلها أو بمدي عجوة أو بدرهمين و معينة النوع كمدي عجوة أو مدي صيحاني أو مد عجوة ومد صيحاني بمد عجوة و مد صيحاني و معية الصفة كمائتي دينار جيدة أو رديئة أو مائة دينار جيدة ومائة رديئة أو مائتي دينار صحاح أو مكسرة تنقص قيمتها عن الصحاح أو مائة دينار صحاح ومائة مكسرة تنقص بمائة دينار جيدة ومائة رديئة صحيحة ومائة مكسرة تنقص
فإذا اشتمل العقد على شيء من ذلك فهو باطل لخبر مسلم عن فضالة بن عبيد قال أتي النبي صلى الله عليه وسلم بقلادة فيها خرز وذهب تباع بتسعة دنانير فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده ثم قال الذهب بالذهب وزنا بوزن وفي رواية لا تباع حتى تفصل ولأن قضية اشتمال أحد طرفي العقد على مالين مختلفين توزيع ما في الآخر عليهما اعتبارا بالقيمة كما في بيع شقص مشفوع وسيف بألف وقيمة الشقص مائة والسيف خمسون فإن الشفيع يأخذ الشقص بثلثي الثمن والتوزيع هنا يؤدي إلى المفاضلة أو الجهل بالمماثلة ففي بيع مد ودرهم بمدين إن كانت قيمة المد الذي مع الدرهم أكثر أو أقل منه لزمت المفاضلة أو مثله لزم الجهل بالمماثلة فلو كانت قيمته درهمين فالمد ثلثا طرفه فيقابله ثلثا المدين أو نصف درهم فالمد ثلث طرفه فيقابله ثلث المدين فتلزم المفاضلة أو مثله فالمماثلة مجهولة لأنها تعتمد التقويم وهو تخمين قد يخطئ والكلام في بيع المعين فلا يشكل بما سيأتي في الصلح من أنه لو كان له على غيره ألف درهم وخمسون دينارا دينا فصالحه من ذلك على ألفي درهم جاز ثم الأكثرون أطلقوا البطلان فيما تقدم وقال المتولي لو باعه مدا ودرهما بمدين بطل في المد المضموم إلى الدرهم وفيما يقابله من المدين وفي الباقي قولا تفريق الصفقة
قال في الأصل وعلى هذا قياس ما لو باعهما بدرهمين أو باع صاع حنطة وصاع شعير بصاعي حنطة أو صاعي شعير ويمكن أن يكون كلام من أطلق محمولا على هذا انتهى ورده ابن الرفعة بأن تفريق الصفقة إنما يكون عند فوات شرط بعض المعقود عليه وهنا الفساد للهيئة الاجتماعية فأشبه العقد على خمس نسوة فإنه يبطل في الجميع وتبعه السبكي وقال الإسنوي بعد كلام الأصل ولك أن تقول قد سلم في القاعدة أن التقسيط لا يعتبر فإنه صحيح أنه لا يجوز بيع مد عجوة ودرهم بمد عجوة ودرهم إذا كان الدرهمان من ضرب واحد والمدان من شجرة واحدة فإذا تقرر أنه لا يعتبر التقسيط لزم امتناع هذه المسألة انتهى وعلى هذا جرى المصنف وهو المعتمد هذا وقد يقال الأوجه الأول ولا نسلم أن الفساد هنا للهيئة الاجتماعية والتقسيط إنما اعتبر فيما قاله المتولي للفساد لا للصحة نعم إن قال في الأولة من المسائل السابقة بعتك مدا ودرهما بمد ودرهم وجعلا المد مقابلا بالمد والدرهم بالدرهم أو المد بالدرهم أو الدرهم بالمد صح لاختلاف الصفقة والأولة لغة قليلة والكثير الأولى ذكره في المجموع وإن
26
26
باع مد حنطة ومد شعير بمدي تمر أو ملح جاز لعدم اشتراط المماثلة لاختلاف الجنس وشرط فيه التقابض قبل التفرق هذا مع شروطه علم مما مر أول الفصل وإذ قد ذكره فليذكر اشتراط الحلول ولو باع صاع بر جيد ورديء مختلطا بمثله جاز وكذا يجوز بيعه بجيد أو رديء إذ التوزيع شرطه التمييز ومحل ذلك إذا قلت حبات الآخر بحيث لو ميز لم يظهر في المكيال ولخلط أحد الجنسين بالآخر ضابط يأتي قريبا فرع وإن باع حنطة بحنطة فيهما أو في أحدهما زوان بضم الزاي حب أسود دقيق أو مدر أي طين صغير ناشف أو عقدتين أو شعير بحيث لو ميز أثر في النقص لم يصح لأنه يأخذ بعض المكيال بخلاف ما لا يؤثر فيه ولا يضر قليل تراب و لا دقاق تبن لدخولهما في تضاعيف الحنطة فلا يظهران في المكيال ويضر مثله في الوزن لأنه يؤثر فيه وإن باع حنطة بشعير وفيهما أو في أحدهما حبات من الآخر بحيث لا يقصد إخراجه أي إخراج ما ذكر من الحبات ليستعمل شعيرا أو حنطة لم يضر وإلا ضر وإنما لم يعتبر بتأثيره في الكيل كما مر نظيره لعدم اعتبار المماثلة لاختلاف الجنس ولا بتموله لأنه غير مقصود وإطلاقهم بطلان بيع الهروي وهو نقد فيه ذهب وفضة بمثله أو بأحد التبرين على الخلوص قد يحمل على ما إذا كثر كل منهما والأوجه بقاؤه على إطلاقه لأن أحدهما وإن قل يؤثر في الوزن بخلاف الكيل ويجوز بيع حنطة بشعير في سنبله لأنه مرئي ولا تعتبر فيه المماثلة وهذا من زيادته وبه صرح في المجموع فرع لو باع دارا وقد ظهر بها معدن ذهب بذهب لم يصح للربا لأن المعدن مع العلم به مقصود بالمقابلة وهذه ذكرها الأصل في باب الألفاظ المطلقة فلو ظهر بها المعدن بعد الشراء جاز لأن المعدن مع الجهل به تابع بالإضافة إلى مقصود الدار فالمقابلة بين الدار والذهب خاصة فإن قلت لا أثر للجهل بالمفسد في باب الربا قلت لا أثر له في غير التابع أما التابع فقد يتسامح بجهله والمعدن من توابع الأرض كالحمل يتبع أمه في البيع وغيره واستشكل جواز البيع بما سيأتي من عدم جواز بيع ذات لبن بذات لبن وفرق ابن الرفعة بأن الشرع جعل اللبن في الضرع كهو في الإناء بخلاف المعدن ويفرق أيضا بأن ذات اللبن المقصود منها اللبن والأرض ليس المقصود منها المعدن أو اشترى دارا بدار وفيهما بئر ماء جاز لأن الماء وإن اعتبر علم العاقدين به تابع بالإضافة إلى مقصود الدار لعدم توجه القصد إليه غالبا بخلاف المعدن المعلوم ولا ينافي كونه تابعا بالإضافة كونه مقصودا في نفسه حتى يشترط التعرض له في البيع ليدخل فيه فسيأتي في باب بيع الأصول والثمار أنه لا يصح بيع دار فيها بئر ماء ما لم ينص على بيعه لاختلاط الماء الموجود للبائع بما يحدث للمشتري والحاصل أنه من حيث إنه تابع بالإضافة اغتفر من جهة الربا ومن حيث إنه مقصود في نفسه اعتبر التعرض له في البيع ليدخل فيه وبهذا سقط ما قيل أن التابع إذا صرح به يمنع صحة البيع كالحمل ولو سلم عدم سقوطه به فمنقوض ببيع الخاتم وفصه وببيع الدار ومرافقها المتصلة بها من سلم ونحوه لا إن اشترى دارا موهت أي مموهة بذهب تمويها يتحصل منه شيء بذهب فلا يصح للربا فصل في بيان الحال الذي تعتبر فيه المماثلة تشترط المماثلة حال الكمال للربوي وذلك بجفاف الثمار وتنقية الحبوب تنقيتها شرط للمماثلة لا للكمال فالأولى التعبير بجفاف الثمار والحبوب وبقاء الهيئة فيهما وفي غيرهما بأن يكون الربوي متهيئا لأكثر الانتفاعات المطلوبة منه كاللبن أو كونه بهيئة يتأتى معه ادخاره كالتمر بنواه فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الرطب بالتمر فقال أينقص الرطب إذا يبس قالوا نعم قال فلا إذا رواه الترمذي وصححه فيه إشارة إلى أن المماثلة تعتبر بالجفاف وقيس بالرطب سائر المطعومات الربوية فلا يباع رطبها برطبها بفتح الراء فيهما مطلقا أي سواء كان لها حالة جفاف كتين ومشمش وخوخ ورمان حامض وبطيخ وكمثرى يفلقان أم لا كالأمثلة الآتية في كلامه للجهل بالمماثلة بجهل قدر النقص ولا يباع رطبها بيابسها لذلك إلا في صورة العرايا للرخصة فيها
27
27
وسيأتي بيانها وفي الحاوي للماوردي في بيع الطلع بالتمر ثلاثة أوجه أصحها جوازه في طلع الذكور دون الإناث قال الإمام قال صاحب التقريب وبيع الزيتون جائز فإنه حالة كمال وبما تقرر وعلم أنه لا يجوز بيع قصب السكر بمثله ولا بالسكر وبه صرح الأصل والذي ليس له حالة جفاف كعنب لا يتزبب ورطب لا يتتمر وما لا يتفلق من الثمار والرمان الحلو ونحوها فإنه لا يباع بعضها ببعض وهذا لا يحتاج إليه للعلم به مما قبله ولا إلى قوله مطلقا لقوله عقبه سواء إلى آخره على ما في أكثر النسخ ولا تباع حنطة مطلقا بحنطة مقلية لاختلاف تأثير النار فيها ولا بحنطة مبلولة وإن جفت لتفاوت جفافها ومقلية من قليت ويقال مقلوة من قلوت قاله الجوهري ويباع جديد منها لا رطوبة فيه تؤثر في الكيل أي لا يظهر أثرها فيه بعتيق بخلاف اللحم فإنه يشترط تناهي جفافه كما سيأتي لأنه موزون وبخلاف ما فيه رطوبة يظهر أثرها في الكيل كالفريك الذي لم يتم جفافه فهو كالمبلول ولا تباع حنطة بما يتخذ منها ولا بما فيه شيء مما يتخذ منها كالدقيق والخبز والفالوذج وفيه النشا والمصل وفيه الدقيق الأوجه في الموضعين قوله الأصل ففيه بالفاء إذ الفالوذج لا بد فيه من النشا والمصل لا بد فيه من الدقيق ويجوز جعل كل من الجملتين في كلام المصنف حالا لازمة ولا يباع بعض هذه الأشياء ببعض للجهل بالمماثلة لخروجها عن حال الكمال وليست النخالة ومسوس حنطة بكسر الواو ذهب لبها بربوية الأنسب بربويين فيباع بعضهما ببعض وبالحنطة متفاضلا فرع قد يكون للشيء حالتا كمال فأكثر فالسمسم بكسر السينين ودهنه وكسبه الخالص أي كل منهما كامل فللسمسم ثلاث حالات كونه حبا وكونه دهنا وكونه كسبا لا طحينته قبل استخراج دهنه كما قيد به الماوردي فلا يباع بمثله كما في الدقيق وأما دهنه وكسبه فيباع كل منهما بمثله وإن خالط الدهن ملح أو نحوه لأن كلا منهما كامل كالسمسم كما مر وخرج بهما الطحينة لما فيها من الخلط فهي كالطحين بل عينه على ما فهمه الزركشي ويضر ما أي سمسم ربي بالطيب من ورد وبنفسج ونيلوفر ونحوها دهنه بأن استخرج منه ثم طرحت فيه أوراق الطيب فلا يباع بمثله لأن اختلاطها به يمنع معرفة التماثل لا إن ربي بالطيب سمسمه أي سمسم الدهن بأن طرح في الطيب ثم استخرج منه الدهن فلا يضر فيباع بمثله والعنب يكمل زبيبا وخلا وعصيرا فيباع الزبيب بمثله ويباع العصير المستخرج من كل من العنب والرطب وقصب السكر والرمان وسائر الفواكه بمثله ويجوز بيع خل عصيري عنب ورطب بمثلهما أي خل كل منهما بمثله كيلا ولفظ عصيري من زيادته ولو تركه كان أولى لا خل عنب بخل زبيب ولا خل تمر بخل رطب لأن في أحد الطرفين ماء فيمنع العلم بالمماثلة ولا خل زبيب بخل تمر ولا خل تمر بخل تمر ولا خل زبيب بخل زبيب لما فيهما من الماء ويباع خل زبيب بخل رطب وخل تمر بخل عنب لأن الماء في أحد الطرفين والمماثلة بين الخلين غير معتبرة لأنهما جنسان فعلم بالأولى أنه يباع خل الرطب بخل العنب إذ لا ماء في واحد منهما وهما جنسان فرع ويباع اللبن باللبن كيلا حتى حامضه بحلوه ولو رائبا وخائرا ولا يبالي بكون ما يحويه المكيال من الخائر أكثر وزنا لأن العبرة بالكيل كالحنطة الصلبة بالرخوة لكن لا يباع الحليب إلا بعد سكوت رغوته ومحل ذلك ما لم يغل بنار وإلا فلا يجوز بيعه بجنسه بخلاف المسخن بها بلا غليان كما قاله الروياني ويباع السمن بالسمن وزنا وقيل كيلا وقال البغوي وزنا إن كان جامدا وكيلا إن كان مائعا قال في الأصل وهو توسط بين وجهين أطلقهما العراقيون المنصوص منهما الوزن ولم يصححا شيئا لكنه في الشرح الصغير استحسن التوسط ويؤيده أن
28
28
اللبن يكال مع أنه مائع و يباع المخيض بالمخيض إن لم يشبه أي كلا منهما أو أحدهما الماء أو نحوه وإلا فلا يباع بمثله ولا بخالص للجهل بالمماثلة لا الأقط والجبن والمصل فلا يباع شيء منها بمثله ولا باللبن ولا بسائر ما يتخذ من اللبن لأنها لا تخلو عن مخالطة شيء إذ الأقط يخالطه الملح والمصل يخالطه الدقيق كما مر والجبن تخالطه الإنفحة ولا يباع الزبد بالزبد ولا بالسمن ولا باللبن ولا بسائر ما يتخذ من اللبن لأن الزبد لا يخلو عن قليل مخيض وهو يمنع العلم بالمماثلة فرع ولا يباع مطبوخ ولا نيء لتأثره بالنار فيمنع العلم بالمماثلة وإطلاقه يشمل اللحم وغيره والمشوي في معنى المطبوخ وصرح به الأصل وللمعقود بالنار كالسكر والفانيد وهو عسل القصب المسمى بالمرسل واللبا بالهمز والقصر حكم المطبوخ فلا يباع شيء منه بمثله ولا بأصله ولا بسائر ما يتخذ من أصله وإنما يباع اللحم باللحم قديدا لأن معظم منافعه بعد التقديد كالرطب والعنب قال في الأصل ويشترط تناهي جفافه بخلاف التمر أي والحنطة ونحوها يباع حديث كل منها بعد جفافه بعتيقه لأنها مكيلة وباقي الرطوبة لا يؤثر في الكيل بخلافه في اللحم لأنه موزون لا رطبا ولا مملوحا الأولى مملحا بملح يظهر في الوزن ولو كان المملح قديدا ولا يضر العرض على النار للتصفية ولو عسلا إذ نارها لينة لا تعقد فهي كالشمس ومعياره أي المعروض على النار للتصفية الوزن ولا يباع شهد بشهد لمنع الشمع معرفة التماثل ولا بعسل للتفاضل ويباع الشمع بهما لأنه غير ربوي فرع ونزع العظم من اللحم شرط في بيعه بمثله ولا يبطل كماله بنزع عظمه لأنه لا يتعلق ببقائه صلاح ولا يجوز بيع تمر نزع نواه بمثله ولا بغير منزوعه كما صرح به الأصل لذهاب كماله لأنه يسرع إليه الفساد ولا يضر نزعه من نحو خوخ ومشمش جفف لأنه الغالب في تجفيفهما فصل في معرفة الجنسية المشروط فيها التماثل في بيع الشيء بجنسه فلحوم الأجناس كالبقر والإبل والغنم أجناس كأصولها فيجوز بيع لحم البقر بلحم الضأن متفاضلا وكذا ألبانها وبيوضها أجناس وبياض البيض وصفاره جنس كما قاله المتولي والروياني والإبل بختيها وعراجها جنس لتناول الإبل لهما والبقر والجواميس الأولى والبقر جواميسها وعرابها جنس و ليس منها أي من البقر البقر الوحشي لأن الوحشي والإنسي من سائر الحيوانات جنسان والضأن والمعز جنس لتناول اسم الغنم لهما والظبي والإبل بضم الهمزة وكسرها وفتح التحتية المشددة وهو الوعل بفتح الواو وكسر العين تيس الجبل ويقال شاته جنس والطيور أجناس والقمري والحمام وكل أي وسائر ما عب وهدر جنس وقيل أجناس والتصريح بالترجيح من زيادته والعصافير وإن اختلفت جنس والسموك المعروفة جنس وبقر الماء وغنمه وغيرهما من حيوان البحر أجناس كالبريات والجراد ليس بلحم والكبد والطحال والقلب والكرش والرئة والمخ أجناس ولو كانت من حيوان واحد لاختلاف أسمائها وصفاتها وليس الجلد ربويا فيباع الجلد بجلدين
ومحله كما يؤخذ من كلام الماوردي وغيره إذا لم يؤكل غالبا بأن خشن وغلظ وإلا فهو ربوي وعليه يحمل منعهم بيعه إذا لم يدبغ بالحيوان كما سيأتي وشحم الظهر و شحم البطن والسنام أجناس وكذا الرأس والأكارع جنسان وقول الأصل والرأس والأكارع من جنس اللحم قد يشعر بخلافه والبطيخ بكسر الباء أفصح من فتحها المعروف وهو الأصفر والهندي وهو الأخضر والقثاء والخيار أجناس لاختلافها صورة وطعما وطبعا قال في الأصل والتمر المعروف مع التمر الهندي جنسان والبقول ك هنديا ونعنع بضم النونين أجناس والأدهان والأدقة والخلول أجناس لكن دهن البان والورد والبنفسج ونحوها جنس واحد قاله الماوردي وغيره إذ أصلها واحد وهو الشيرج وزيت الزيتون وزيت الفجل جنسان كما صرح به الأصل ودهن السمسم وكسبه جنسان كالسمن ومخيضه وعصير أي وكعصير العنب وخله لإفراط التفاوت في الاسم والصفة والمقصود فيجوز التفاضل
29
29
بينهما قال السبكي وهذا ما رجحه الإمام وتبعه الشيخان وقضية كلام ابن الصباغ أنهما جنس واحد فإنه جوز بيع أحدهما بالآخر وشبهه ببيع التمر الطيب بغير الطيب فلا يجوز إلا متماثلا وهذا هو الأصح ولا يلزم من كونهما بحالة الكمال أن يكونا جنسين وقد صرح الروياني بعدم جواز بيع التمر بعصير الرطب وكذا بخله ومما أجزم به وإن لم أره منقولا امتناع بيع الزبيب بخل العنب وإن كانا بحالة الكمال
قال وما قاله الإمام بعيد ويكفي في رده ما اتفق عليه الأصحاب من امتناع بيع الرطب بالتمر وقد سوى هو بينهما والسكر والفانيد جنسان لاختلاف قصبهما لأن الفانيد يتخذ من قصب قليل الحلاوة كأعالي العيدان والسكر يطبخ من أسافلها وأوساطها لشدة حلاوتها وعسل القصب والقطارة جنس قاله القاضي أبو الطيب ثم السكر على اختلاف أنواعه من سكر أحمر ونبات وطبرزد وهو السكر الأبيض جنس لاتحاد أصلها وهو القصب واختلاف أسمائها لاختلاف نوعها لا جنسها إذ الكل سكر فرع لا يباع الحيوان ولو سمكا أو جرادا بلحم ولو من سمك أو جراد فيستوي فيه الجنس كغنم بلحم غنم وغيره كبقر بلحم غنم وسواء كان الحيوان مأكولا كما مثلنا أو غير مأكول كحمار وعبد لأنه صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع الشاة باللحم رواه الحاكم والبيهقي وصحح إسناده ونهى عن بيع اللحم بالحيوان رواه أبو داود مرسلا والترمذي مسندا ولا يباع الحيوان بشحم وكبد ونحوهما ك ألية وطحال وقلب ورئة لأن ذلك في معنى ما ورد ولا بجلد لم يدبغ وكان مما يؤكل غالبا كجلد سميط وديباج بخلاف ما إذا دبغ أو لم يؤكل غالبا ويجوز بيع اللبن بالحيوان قاله الماوردي وأما بيع السمك الحي بمثله فإن جوزنا ابتلاعه حيا لم يجز وإلا جاز قاله المتولي والراجح خلافه كما مر فرع لا يباع ربوي بما استخرج منه كما مرت الإشارة إليه فبيع اللبن بالسمن والسمسم بالشيرج وبالكسب باطل كبيع الحيوان باللحم فإن قيل السمسم مثلا جنس برأسه لا أنه دهن وكسب ولهذا جاز بيعه بمثله فهلا جاز بيعه بدهنه أيضا قلنا مجانسة العوضين في بيع السمسم بمثله ناجزة فلا حاجة إلى اعتبار تفريق الأجزاء والنظر إلى ما يحدث فعد جنسا واحدا برأسه بخلاف بيع السمسم بدهنه لا يمكن جعل الدهن سمسما ولا السمسم مخالفا للدهن مع اشتماله عليه فبينهما مجانسة وهي في الدهنية فيحتاج إلى اعتبارها فلا يعد جنسا واحدا فأحوج إلى التفريق نبه على ذلك الإمام ونقله عنه الرافعي وكذا لب الجوز أي بيعه بدهنه باطل ويباع الجوز بالجوز وزنا لأنه أكبر جرما من التمر واللوز باللوز كيلا لأنه كالتمر لما مر بقشرهما أي مع قشرهما لأن صلاحهما يتعلق به وسيأتي في السلم عن الإمام أن محل جوازه فيهما وزنا إذا لم يختلف قشرهما غالبا فقياسه أن يأتي ذلك هنا وقد قال به الأذرعي بل نقل عن النص المنع لاختلاف قشرهما قال وحكى الإمام الاتفاق عليه
وكذا يباع لبهما بلبهما أي لبي الجوز بلب الجوز ولب اللوز بلب اللوز وهذا ما رجحه البغوي وتبعه عليه الأصل قال الأذرعي وغيره وهو مشكل يمنع بيع منزوع النوى بمثله لبطلان كماله لأنه خرج عن حالة الادخار كما قاله الرافعي فالقياس فيهما المنع وبه أجاب القاضي والمتولي والروياني انتهى ويفرق بأن منزوع النوى أسرع فسادا من لب الجوز واللوز كما هو معلوم ويجوز بيع البيض مع قشره بالبيض كذلك وزنا إن اتحد الجنس كبيض دجاج بمثله وإلا جاز بيعه ولو جزافا و يجوز بيع لبن شاة بشاة حلب لبنها فإن بقي فيها لبن يقصد حلبه لكثرته أو باع ذات لبن مأكولة بذات لبن كذلك من جنسها لم يصح لأن اللبن في الضرع يأخذ قسطا من الثمن بدليل أنه يجب الثمن في مقابلته في المصراة أما الآدميات ذوات اللبن فقد نقل في البيان عن الشاشي الجواز فيها وفرق بأن لبن الشاة في الضرع له حكم العين ولهذا لا يجوز عقد الإجارة عليه بخلاف لبن الآدمية فإن له حكم المنفعة ولهذا يجوز عقد الإجارة عليه ولو باع لبن بقرة بشاة في ضرعها لبن صح لاختلاف الجنس كما مر أما بيع ذات لبن بغير ذات لبن فصحيح وبيع بيض بدجاجة كبيع لبن بشاة فإن كان في الدجاجة بيض والبيض المبيع بيض دجاجة لم يصح وإلا صح وبيع دجاجة فيها بيض بدجاجة كذلك باطل كبيع ذات لبن بمثلها وهو ما في التحرير للجرجاني عن البحر
قال البلقيني لكن الذي رأيته في البحر قبيل باب بيع اللحم باللحم صحته
30
30
بخلاف بيع لبون بلبون انتهى وعليه يفرق بسهولة أخذ اللبن فهو كالمنفصل بخلاف البيض لكن هذا الفرق يقتضي صحة بيع بيض دجاجة بدجاجة فيها بيض وقد تقدم خلافه
باب البيوع المنهى عنها
ومقتضى النهي الفساد وقد يحكم معه بصحة البيع لكونه ليس لخصوصية البيع بل لأمر آخر فالقسم الأول المفسد كالنهي عن بيع اللحم بالحيوان كما مر وحاصل كلامه أنه قسم النهي قسمين ويناسبه تمثيله بالنهي عن بيع ما ذكر وعليه فيقدر النهي في بقية الأمثلة وحاصل كلام الأصل أنه قسم المنهى عنه قسمين ولهذا مثله ببيع ما ذكر لا بالنهي عنه وكل صحيح وكبيع ما لم يقبض و بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان و بيع الكالئ بالكالئ وسيأتي بيانها و بيع مال الغير للنهي عنه رواه الترمذي وحسنه وبيع ما ليس عنده للنهي عنه رواه الترمذي وقال حسن صحيح وهو بيع الغائب أو ما سيملكه أي ما لا يملكه ليشتريه فيسلمه وبيع الكلب والخنزير لما مر في شرط طهارة المبيع وبيع عسب الفحل واستئجاره للضراب لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن عسب الفحل رواه البخاري وهو بفتح العين وسكون السين المهملتين ضرابه ويقال ماؤه ويقال أجرة ضرابه وعلى الأولين يقدر في الخبر مضاف ليصح النهي أي نهى عن بدل عسب الفحل من أجرة ضرابه أو ثمن مائه أي بدل ذلك وأخذه والمعنى فيه أن ماء الفحل ليس بمتقوم ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه وضرابه لتعلقه باختياره غير مقدور عليه للمالك فإن أهدى له أي لمالكه صاحب الأنثى شيئا جاز قال الرافعي وإعارة الفحل للضراب محبوبة وبيع حبل الحبلة بفتح المهملة والموحدة للنهي عنه رواه الشيخان وهو البيع بثمن إلى نتاج النتاج أي إلى أن تلد هذه الدابة ويلد ولدها فولد ولدها نتاج النتاج وهو بكسر النون من تسمية المفعول بالمصدر يقال نتجت الناقة بالبناء للمفعول نتاجا أي ولدت أو بيع ولد ما تلده الدابة المفهومة من كلامه وبطلان البيع على التفسير الأول لأنه إلى أجل مجهول وعلى الثاني لأنه بيع ما ليس بمملوك ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه وبيع الملاقيح وهو بيع ما في بطون الأمهات من الأجنة وبيع المضامين وهو بيع ما في الأصلاب للفحول من الماء للنهي عنهما رواه مالك والبزار والملاقيح جمع ملقوحة وهي الجنين والناقة الحامل لاقح والمضامين جمع مضمون بمعنى متضمن ومنه قولهم مضمون الكتاب كذا وكذا وبطلان البيع فيهما من حيث المعنى لما علم مما مر وبيع الملامسة للنهي عنه رواه الشيخان وهو أن يكتفى باللمس عن النظر ولا خيار بعده بأن يلمس ثوبا لم يره ثم يشتريه على أن لا خيار له إذا رآه أو يجعل اللمس بيعا بأن يقول إذا لمسته فقد بعتكه بكذا اكتفاء بلمسه عن الصيغة أو قاطعا للخيار بأن يبيعه شيئا على أنه متى لمسه لزم البيع وانقطع خيار المجلس وغيره وبيع المنابذة للنهي عنه رواه الشيخان وهو أن يجعل نبذ المبيع بيعا أو قاطعا للخيار بأن يقول أنبذ إليك ثوبي هذا بمائة فيأخذه الآخر أو يقول بعتكه بكذا على أني إذا نبذته إليك لزم البيع وانقطع الخيار والبطلان في هذا والذي قبله لعدم الرؤية أو الصيغة أو للشرط الفاسد وبيع الحصاة للنهي عنه رواه مسلم وهو بيع ما تصيبه الحصاة بأن يقول بعتك من هذه الأثواب ما تقع هذه الحصاة عليه أو بيع مدى أي غاية رمية من الأرض بأن يقول بعتك من هذه الأرض من هنا إلى ما انتهت إليه هذه الحصاة أو يجعل الرمي بيعا أو قاطعا للخيار بأن يقول إذا رميت هذا الثوب فقد بعتكه بكذا أو يقول بعتكه على إنك بالخيار إلى أن أرمي الحصاة والبطلان في ذلك للجهل بالمبيع أو بزمن الخيار أو لعدم الصيغة وبيعتين في بيعة للنهي عنهما رواه الترمذي وقال حسن صحيح وهو أن يبيعه العبد مثلا على أن يشتري منه أيضا الثوب مثلا أو على أن يبيعه الآخر الثوب أو أن يبيعه إياه أي العبد بألف نقدا أو بألفين نسيئة ليأخذ بأيهما شاء هو أو البائع والبطلان في ذلك للشرط الفاسد في الأولين وللجهل
31
31
بالعوض في الثالث فإن باعه بألف نقدا وبألفين نسيئة أو باع نصفه بألف ونصفه بألفين صح لا أن قال بعتكه بألف نصفه بستمائة فلا يصح لأن أول كلامه يقتضي توزيع الثمن على المثمن بالسوية وآخره يناقضه وبيع المحاقلة والمزابنة وسيأتي بيانهما في باب الأصول والثمار
وبيع المجر للنهي عنه رواه البيهقي وهو بفتح الميم وإسكان الجيم وبالراء بيع ما في الرحم من الأجنة فيرجع ذلك إلى بيع الملاقيح وقيل هو الربا وقيل هو المحاقلة والمزابنة وبيع السنين للنهي عنه رواه مسلم وهو بيع ثمرة النخل سنين أو تحديد البيع كبعتك هذا سنتين فإذا انقضتا فلا بيع بيننا والبطلان فيه لعدم البيع وللتأقيت وبيع العربون بفتح العين والراء وبضم العين وإسكان الراء لما روى أبو داود أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العربان أي بضم العين وإسكان الراء لغة ثالثة وهو أن يعطيه بعض الثمن فإن فسخ كان هبة عبارة الأصل وهو أن يشتري سلعة من غيره ويدفع إليه دراهم لتكون من الثمن إن رضي السلعة وإلا فهبة له قال ويفسر أيضا بأن يدفع دراهم لمن يصنع له شيئا على أنه إن رضيه فهي من الثمن وإلا فهبة له والبطلان فيه لاشتماله على شرط الهبة وبيع الثمار قبل أن تنجو من العاهة كما سيأتي في باب الأصول والثمار وبيع أهل الحرب السلاح لأنهم يستعينون به على قتالنا بخلاف أهل الذمة فإنهم في قبضتنا قال في المهمات والمتجه عدم صحة بيعه للداخل بأمان لأن الأصل إمساكه عنده إلى عوده ولأن الأمان عارض يزول إلا الحديد فيجوز بيعه لهم لأنه لا يتعين جعله سلاحا
فإن علم منهم أنهم يفعلونه سلاحا فينبغي أن يكون بيعه منهم كبيع العنب ممن يتخذه خمرا وسيأتي وبيع العنب قبل أن يسود والحب قبل أن يشتد كما سيأتي في باب الأصول والثمار ولو ذكر هنا كالأصل مقرونا بذكر بيع الثمار قبل أن تنجو من العاهة كان أنسب ويجوز بيع الهرة الأهلية والنهي عن ثمن الهرة كما في مسلم متأول أي محمول على الوحشية إذ ليس فيها منفعة استئناس ولا غيره أو الكراهة فيه للتنزيه قال في الروضة والمقصود أن الناس يتسامحون به والنهي أي وكالنهي عن بيع وسلف رواه أبو داود وغيره وهو البيع بشرط القرض و كالنهي عن بيع وشرط رواه عبد الحق في أحكامه وجعل في المنهاج كأصله البيع بشرط القرض من أمثلة البيع بشرط وهو الأوجه وعبارته وعن بيع وشرط كبيع أو قرض انتهى وذلك كأن يبيعه عبده بألف بشرط أن يقرضه مائة أو يبيعه دارا مثلا والمعنى في ذلك أنه جعل الألف ورفق العقد الثاني ثمنا واشتراط العقد الثاني فاسد فبطل بعض الثمن وليس له قيمة معلومة حتى يفرض التوزيع عليه وعلى الباقي فبطل البيع فصل الشرط إن اقتضاه العقد كالقبض والرد بعيب فوجوده فيه كعدمه فيصح معه العقد لأن اشتراطه تأكيد وتنبيه على ما أوجبه الشارع وكذا إن لم يكن فيه غرض وإن لم يقتضه العقد كشرط أن يلبسه أي المبيع الحرير أو يطعمه الهريسة لأن ذكره لا يورث تنازعا غالبا وبه جزم في المنهاج كأصله وقال في المجموع أنه المذهب ونقله الأصل عن الإمام والغزالي ثم قال لكن في التتمة أنه لو شرط إلزام ما ليس بلازم كما لو باع بشرط أن يصلي النوافل أو يصوم شهرا غير رمضان أو يصلي الفرائض في أول أوقاتها فسد العقد لأنه إلزام ما ليس بلازم قال وقضيته فساد العقد في مسألة الهريسة والحرير قال الإسنوي ومقتضاه أنه لم يجد تصريحا بالبطلان وإنما يؤخذ من مقتضى كلام التتمة وهو عجيب فقد نص عليه الشافعي في الأم فقال وإذا باعه العبد على أن لا يبيعه من فلان أو على أن يبيعه منه أو على أن لا يستخدمه أو على أن ينفق عليه كذا وكذا فالبيع فاسد فتلخص أن مذهب الشافعي في اشتراط ما لا غرض
32
32
فيه البطلان وإن الرافعي لم يطلع فيه إلا على كلام بعض المتأخرين المعدودين في المصنفين لا في أصحاب الوجوه
قال وقد اختار ابن الصلاح وابن الرفعة لا يأكل إلا الهريسة أنه يقرأ بتاء الخطاب فإنه حينئذ لا غرض فيه أصلا بخلاف ما إذا قرئ بالياء آخر الحروف فقد يتخيل الإفساد لأنه ينفع العبد كالإعتاق وما قالاه بعيد عن السياق لكنه صحيح نقلا كما بينته وأجاب عن ذلك الزركشي بأن ما في التتمة محله فيما لا يلزم السيد أصلا ومسألتنا محلها فيما يلزمه في الجملة إذ نفقة الرقيق مقدرة بالكفاية وقد شرط عليه أداؤها من أحد الأنواع التي تتأدى هي ببعضها فيصح ولا يلزم الوفاء به لأن الواجب أحدها فأشبه خصال الكفارة لا يتعين أحدها بالتعيين قال وأما قوله في الأم على أن ينفق عليه كذا وكذا ففيه إشارة إلى التقدير بقدر معلوم وإلى أنه يجمع له بين أدمين أو نوعين من الأطعمة وذلك لا يلزم السيد فإذا شرط فقد شرط ما لا يلزمه وهو مخالف لمقتضى العقد فأبطله قال وفي التمثيل بلبس الحرير نظر لأنه محرم شرعا إن كان العبد بالغا فينبغي أن لا يصح البيع كما لو باع سيفا وشرط أن يقطع به الطريق وإن كان فيه غرض لا يقتضيه العقد نظرت فإن كان من مصلحة العقد لم يبطله ولزم سواء نفع المشتري ككون المبيع كاتبا أو البائع كرهن بالثمن أو كليهما كالخيار كما سيأتي بيانها وإن لم يكن من مصلحة العقد كاستثناء سكنى الدار شهرا ونحوه ففاسد يفسد البيع للنهي عن بيع وشرط كما مر وظاهره امتناع كل شرط لكن فهم منه أن المعنى فيه تأديته إلى بقاء علقة بعد العقد قد يثور بسببها نزاع بين العاقدين وقد يفضي إلى فوات مقصود العقد فحيث انتفى هذا المعنى صح الشرط وقد ورد في بعض الشروط نصوص بصحتها وسيأتي ومنه ما ذكره بقوله إلا العتق كما سيأتي إذا تقرر ذلك فإذا شرط في البيع رهنا أو ضمانا فاسدا فسد البيع لفساد الشرط كالبيع بشرط الأجل إن باعه بمعين لأن الأجل رفق شرع لتحصيل الحق والمعين حاصل أو باعه بما في الذمة وجهلت مدته أي الأجل كقدوم زيد ومجيء المطر وإقباض المبيع للغرر أو علمت لكن استبعد بقاؤه أي البائع وبقاء وارثه إلى انتهائها كألف سنة للعلم بأنهما لا يبقيان إليها وبأن الأجل يسقط بموت المدين نقله الرافعي عن الروياني وخالف في الروضة فلم يجعل المنع في ذلك لاستبعاد ما ذكر بل لاستبعاد بقاء الدنيا إليها قال المصنف من زيادته تبعا للإسنوي وهو مشكل لأنا نعلم أن الأجل يسقط قبلها بموت المدين وينتقل الحق لصاحبه أي فلا يؤثر التأجيل بها ورد بأن ذلك عكس مراد الروياني والرافعي لأن مرادهما أن التأجيل بها فاسد لاستحالته لعلمنا بسقوط الأجل قبل تمامه مع ما فيه من الغرر وتأجيل بدل المتلف و الدين الحال والزيادة في الأجل قبل حلوله وعد لا يلزم إلا بالوصية بأن يوصي مالكه بتأجيله أو بزيادة الأجل فيه مدة ويخرج من الثلث فيلزم ورثته الإمهال تلك المدة لأن التبرعات بعد الموت تلزم وإلا بالنذر كقوله إن شفى الله مريضي فلله علي أن لا أطالب مديني
33
33
شهرا ذكره المتولي والروياني وعطف المصنف الحال على بدل المتلف من عطف العام على الخاص ولو أسقط المديون الأجل لم يسقط لأنه صفة تابعة والصفة لا تفرد بالإسقاط كإسقاط الصحة للدنانير والجودة للبر فإنهما لا يسقطان بإسقاطهما أو أسقط الدائن شرط الرهن والضمين سقط لأن كلا منهما مستقل فيفرد شرطه بالإسقاط والتصريح بهذا من زيادته ويصح شرط ضمين بالثمن على المشتري أو العهدة على البائع و شرط رهن بالثمن للحاجة إلى ذلك في معاملة من لا يرضى إلا به معينين أي الضمين والرهن بما سيأتي ويعتبر فيهما كون الثمن في الذمة كما في المنهاج وغيره ليخرج المعين كأن قال بعتك بهذه الدراهم على أن يضمنك بها فلان أو ترهن بها كذا فلا يصح لما مر في الأجل وكالثمن في ذلك المثمن بخلاف غيرهما كأن شرط ضمينا أو رهنا بدين آخر فلا يصح لأنه شرط مقصود لا يوجبه العقد وليس من مصالحه و يصح شرعا إشهاد لما مر ولقوله تعالى وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يجب تعيين الشهود لأن الغرض لا يتفاوت فيهم إذ الحق يثبت بأي شهود كانوا بخلاف ما مر في الضمين والرهن ولم يبالوا بكون بعض الشهود قد يكون أوجه وقوله أسرع قبولا ولو عينوا لم يتعينوا فيجوز إبدالهم بمثلهم أو فوقهم في الصفات ولا يجب تعيين حافظ الرهن أي من يجعل المرهون في يده لما مر في الشهود بل إن اتفقا على يد المرتهن أو عدل فذاك وإن تشاحا أعطى عدلا أي جعله الحاكم في يد عدل ويكفي وصف السلم في الرهن كما تكفي فيه المشاهدة لا في الضمين فتشترط مشاهدته أو معرفة اسمه ونسبه بذكرهما قال في الأصل ولو قيل الاكتفاء بالوصف كموسر ثقة أولى منه بمشاهدة من لا يعرف حاله لم يكن بعيدا وأجيب عنه بأن الأحرار لا يمكن التزامهم في الذمة لعدم القدرة عليهم بخلاف المرهون فإنه مال يثبت في الذمة وقد ينتقض بالضامن الرقيق والرهن هنا وفيما يأتي في بقية الفصل بمعنى المرهون ويشترط كون المرهون غير المبيع فلا يصح البيع بشرط رهن المبيع لاشتماله على شرط رهن ما لم يملكه بعد ولأن مقتضى العقد تمكن المشتري من التصرف وهو مناف له سواء أشرط أن يرهنه إياه بعد قبضه أم قبله فإن رهنه بعد قبضه بلا شرط صح كما يعلم مما سيأتي وكالرهن فيما ذكره الضمين فلو باع عينا لاثنين على أن يضمن كل منهما الآخر لم يصح كما جزم به القاضي والغزالي في بسيطه لما فيه من اشتراط ضمان المشتري غيره وهو باطل لخروجه عن مصلحة عقده بخلاف عكسه فإن لم يضمن من عين للضمان كأن مات قبله أو لم يشهد من شرط عليه الإشهاد كأن مات قبله أو لم يرهن ما شرط رهنه أو تلف الرهن أو أعتقه مالكه أو دبره أو بان معيبا قبل القبض فله أي للمشروط له ذلك الخيار في فسخ البيع لفوات ما شرط له وهو على الفور لأنه خيار نقص ولا يجبر من شرط عليه ذلك على القيام بما شرط لزوال الضرر بالفسخ ولا يقوم غير المعين مقامه أما إذا تلف أو تعيب بعد القبض فلا خيار له نعم إن استند إلى سبب سابق كردة وسرقة سابقتين فله الخيار فإن ادعى الراهن حدوث العيب بعد القبض وقال المرتهن قبله فالقول قوله بيمينه استدامة للبيع ومحله إذا أمكن حدوثه وقدمه فإن لم يمكن حدوثه كأصبع زائدة صدق المرتهن بلا يمين وإن لم يمكن قدمه صدق الراهن بلا يمين ولو علم المرتهن بالعيب بعد هلاك الرهن أو تعيبه مقبوضا أي بعد قبضه فلا خيار له لأن الفسخ إنما يثبت إذا أمكنه رد الرهن كما أخذه نعم إن كان الهلاك يوجب القيمة فأخذها المرتهن رهنا ثم علم بالعيب فله الخيار كما جزم به الماوردي ولا أرش له لأنه دخل في ضمانه بالقبض وهلاك بعض المرهون بعد قبضه كهلاك كله فلو ارتهن عبدين مثلا وقبض أحدهما وتلف في يده وتلف الآخر في يد الراهن قال الماوردي فلا خيار له لفوات رد ما تلف في يده ويصح بيع الرقيق بشرط كونه كاتبا أو خبازا وبشرط الخيار وسنذكره
34
34
في باب الخيار ويفسد البيع بشرط فاسد كما إذا باعه دارا بشرط أن يبيعه عبدا أو يقرضه ألفا مثلا فإن فعل بموافقة الآخر وأتيا بالعقدين فالأول باطل كما علم وكذا الثاني إن جهل بطلان الأول بأن جهلاه أو أحدهما لأنهما أتيا به على حكم الشرط الفاسد وإن علما البطلان صح وإن اشترى زرعا أو ثوبا مثلا بعشرة بشرط حصده وخياطته له بدرهم لم يصح الشراء لاشتماله على شرط عمل له فيما لم يملكه بعد سواء أشرط العمل على البائع أم على الأجنبي فتعبيره بما قاله أولى من تقييد الأصل بالبائع فإن قال اشتريته بعشرة واستأجرتك لحصده أو خياطته بدرهم وقبل بأن قال بعت وأجرت صح البيع وحده أي دون الإجارة لأنه استأجره قبل الملك لمحل العمل فإن اشتراه واستأجره بالعشرة فقولا تفريق الصفقة في البيع وتبطل الإجارة ولا تصحيح في الأصل فإنه قال فطريقان أحدهما على القولين في الجمع بين مختلفي الحكم والثاني تبطل الإجارة وفي البيع قولا تفريق الصفقة فالترجيح من زيادة المصنف وبه صرح في المجموع فلو جمعها مع التي قبلها بأن قال قبل قوله وقبل أو اشتراه واستأجره بالعشرة كان أحسن وأخصر وإن اشترى حطبا مثلا على دابة بشرط إيصاله منزله لم يصح وإن عرف منزله لأنه بيع بشرط وإن أطلق العقد صح وإن اعتيد إيصاله منزله ولم يجب إيصاله إليه بل يسلمه له في موضعه ولو أخر وإن اعتيد عما بعده بأن قال ولم يجب إيصاله وإن اعتيد كان أولى وفي نسخة لم يجب بحذف الواو فيكون جوابا لما قبله فرع بيع العبد بشرط إعتاقه مطلقا أو عن المشتري صحيح لتشوف الشارع إلى العتق ولخبر الصحيحين أن عائشة رضي الله عنها اشترت بريرة وشرط مواليها أن تعتقها ويكون ولاؤها لهم فلم ينكر صلى الله عليه وسلم إلا شرط الولاء لهم بقوله ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل الحديث لا أن شرطه أي إعتاقه عن غير المشتري من بائع أو أجنبي فلا يصح لأنه ليس في معنى ما ورد به الخبر وخرج بإعتاق المبيع شرط إعتاق غيره فلا يصح معه البيع لأنه ليس من مصالحه وشرط إعتاق بعضه والمتجه كما قال بعضهم الصحة بشرط تعيين المقدار المشروط ولو باع بعضه بشرط إعتاقه فقضية كلام البهجة كالحاوي الصحة ونقل الإسنوي وغيره عن المعين لليمني البطلان ولم أره فيه ولما حكاه الأذرعي عن حكاية بعضهم له قال إن صح فهو في غير المبعض وفي غير من له باقية وهو أي الاعتقاد المشروط حق لله تعالى كالملتزم بالنذر لأنه لزم باشتراطه ولو امتنع المشتري من الإعتاق أجبر أي أجبره الحاكم عليه لأن الحق فيه لله تعالى كما عرف فإن أصر على الامتناع صار كالمولى فيعتق عليه الحاكم
كما قاله القاضي والمتولي وقواه في المجموع وقيل يحسبه حتى يعتقه وطالبه البائع به وإن قلنا إن الحق فيه لله تعالى لأنه يثاب على شرطه وله غرض في تحصيله ولذلك قد يسامح في الثمن قال الأذرعي ولم لا يقال للآحاد المطالبة به حسبة لا سيما عند موت البائع أو جنونه ولو أخر المصنف قوله ولو امتنع أجبر عن مطالبة البائع كما في الأصل كان أولى وولاؤه أي عتق العبد
35
35
للمشتري إذا أعتقه لأنه المعتق ولو أعتقه عن كفارة لم يجزئه عنها وإن أذن له فيه البائع لاستحقاقه العتق بجهة الشرط فلا يصرف إلى غيرها كما لا يعتق المنذور عن الكفارة وللمشتري استخدامه وإكسابه وقيمته إن قتل قبل العتق ووطء الأمة المشروط إعتاقها لأن كلا منهما ملكه ولا يكلف صرف قيمته إلى شراء رقيق آخر ليعتقه ولو أخر الظرف عما بعده كان أولى ولو جنى قبل إعتاقه لزمه فداؤه كأم الولد بما تقرر علم أنه لا يلزمه الإعتاق فورا وإنما يلزمه إذا طلبه منه الحاكم أو البائع أو ظن فواته لو لم يأت به فلو مات المشتري قبل إعتاقه فالقياس أن وارثه يقوم مقامه ولا يجزئ أي يكفي استيلادها عن العتق لأنه ليس بإعتاق ولو باعه المشتري على بمعنى من من يعتقه بأن شرط عليه إعتاقه لم يصح لأن إعتاقه متعين عليه وفي إجارته احتمالان للدارمي صحح منهما النووي في مجموعه المنع
فلو مات العبد عند المشتري قبل عتقه لم يلزمه الثمن المسمى في العقد سواء قلنا العتق حق لله تعالى أو للبائع لأنه لم يلتزم غيره فلا يلزمه قدر التفاوت ولا يتخير البائع بين الإجازة بالثمن والفسخ برده والرجوع على المشتري بقيمة المبيع ولو اشتراه بشرط تدبيره أو تعليق عتقه ولو في ضمن كتابة أو وقفه أو إعتاقه بعد شهر مثلا أو بيعه بشرط عتقه كما صرح به في الروضة لم يصح إذ لم يحصل في واحد منها ما تشوق إليه الشارع من العتق الناجز وكذا لو اشترط البائع الولاء فيه لنفسه لمخالفته ما تقرر في الشرع من أن الولاء لمن أعتق سواء أشرط مع الولاء العتق أم لا بأن قال بعتكه بشرط أن يكون لي الولاء إن أعتقته وأما قوله صلى الله عليه وسلم في خبر بريرة لعائشة واشترطي لهم الولاء فأجاب عنه الأقل بأن راويه هشاما تفرد به فيحمل على وهم وقع له لأنه صلى الله عليه وسلم لا يأذن فيما لا يجوز والأكثر بأن الشرط لم يقع في العقد وبأنه خاص بقصة عائشة لمصلحة قطع عادتهم كما خص فسخ الحج إلى العمرة بالصحابة لمصلحة بيان جوازها في أشهره وبأن لهم بمعنى عليهم كما في وإن أسأتم فلها أو كان المشروط إعتاقه بعضا للمشتري يعتق عليه بالشراء كأبيه وابنه لتعذر الوفاء بالشرط لأنه يعتق عليه قبل إعتاقه قال في المجموع وفيه نظر ويحتمل الصحة ويكون شرطه توكيدا للمعنى وإن شرط عتق حامل فولدت ثم أعتقها ففي عتق الولد وجهان حكاهما ابن كج والأصح منهما في المجموع المنع لانقطاع التبعية بالولادة فرع لا يصح بيع الحمل لعدم العلم والقدرة فإن اشترى الحامل مطلقا تبعها الحمل في البيع والحمل يعرف بمعنى أنه يعطى حكم المعروف فيقابل بقسط من الثمن ولو باعها أي دابة بشرط أنها حامل أو لبون أو كاتبة أو نحوها صح لأنه من مصلحة العقد التي تتعلق بالثمن ولأنه لا يتعلق بإنشاء ما يتجدد بل هو التزام صفة ناجزة فلا يؤدي إلى المنازعة كما لا يؤدي إليها ما لا غرض فيه لا إن استثنى لبنها أو حملها فلا يصح لأنه لا يجوز إفراده بالعقد فلا يجوز استثناؤه كأعضاء الحيوان ويفارق صحة بيع الشجرة دون ثمرتها بتيقن وجود الثمرة والعلم بصفاتها بخلاف الحمل أو كان الحمل حرا أو رقيقا لغيره أي لغير مالك الأم ولو للمشتري فلا يصح لأن الحمل فيهما لا يدخل في البيع فكأنه استثنى واستشكل بصحة بيع الدار المؤجرة فإنه صحيح مع أن المنفعة لا تدخل فكأنه استثناها ويجاب بأن الحمل أشد اتصالا من المنفعة بدليل جواز إفرادها بالعقد بخلافه فصح استثناؤها شرعا دونه ولو
36
36
باعها وحملها أو باعها ولبن ضرعها لم يصح لجعله الحمل أو اللبن المجهول مبيعا مع المعلوم بخلاف بيعها بشرط كونها حاملا أو لبونا كما مر لأنه جعل ذلك وصفا تابعا وبيض الطير كالحمل كما صرح به الأصل ويصح بيع الجبة بحشوها والجدار بأسه لدخول الحشو في مسمى الجبة والأس في مسمى الجدار فلا يضر ذكرهما لأنه تأكيد بخلاف الحمل ودخوله تبعا لا يستلزم دخوله في مسمى اللفظ وتعبيره في مسألة الحمل بالواو وفي مسألة الحشو بالباء مثال إذ لا فرق في كل منهما وما ذكر معهما بين الواو والباء ومع كما ذكره في المجموع في أثناء الأمثلة وإن شرط وضع الحمل لشهر مثلا أو أنها تدر كل يوم صاعا مثلا لم يصح لأن ذلك غير مقدور عليه فيهما وغير منضبط في الثانية فصار كما لو شرط أن يكتب العبد كل يوم عشر ورقات مثلا فرع لو شرط البائع بموافقة المشتري حبس المبيع بثمن في الذمة حتى يستوفى الثمن الحال المؤجل وخاف فوت الثمن بعد التسليم صح لأن حبسه حينئذ من مقتضيات العقد بخلاف ما إذا كان مؤجلا أو حالا ولم يخف فوته بعد التسليم لأن البداءة حينئذ في التسليم بالبائع كما نبه على ذلك بقوله لا إن قلنا البداءة بالبائع وإن باعه صبرة كل صاع بدرهم على أن يزيده أو ينقصه صاعا لم يجز إلا إن كانت صيعانها معلومة كعشرة وأراد أن يأخذ عنها في الزيادة تسعة دراهم أو في النقص أحد عشر درهما فيجوز ففي الأولى قد باع كل صاع وتسعا بدرهم وفي الثانية باع كل صاع بدرهم وعشر فعلم أن محل عدم الجواز فيما إذا كانت الصيعان مجهولة لأنه لا يعلم حصة كل صاع وفيما إذا لم يرد ما ذكر كأن أراد في الأولى هبة صاع أو بيعه من محل آخر وفي الثانية رده كذلك لأنه شرط عقد في عقد فإن لم يبين فيما لو قال بعتكها كل صاع بدرهم على أن أزيدك صاعا أو أنقصك أنه أراد أحدهما بطل البيع مطلقا للإبهام وإذا باعه الأرض أو الصبرة مثلا على أنها مائة ذراع أو مائة صاع فخرج المبيع زائدا أو ناقصا صح تغليبا للإشارة وتنزيلا لخلف الشرط في المقدار منزلة خلفه في الصفات
و ثبت الخيار لمن عليه الضرر وهو البائع في الزيادة والمشتري في النقص فإن قال المشتري للبائع لا تفسخ وأنا أقنع بالقدر المشروط شائعا ولك الزيادة أو قال لا تفسخ وأنا أعطيك ثمن الزائد لم يسقط خيار البائع لما فيه من الضرر عليه أما في الأولى فلأن ثبوت حق المشتري شائعا يجر ضررا وأما في الثانية فلما فيه من إلزامه تمليك ماله لغيره بلا ضرورة ولا يسقط خيار المشتري بحط البائع من الثمن قدر النقص وإذا أجاز فبالمسمى يجيز لا غير أي لا بقسطه لأن المتناول بالإشارة ذلك الموجود لا غير وإذا أجاز البائع فالجميع للمشتري ولا يطالبه للزيادة بشيء ولو قال بع عبدك مثلا من زيد بألف وعلى خمسمائة عبارة الأصل على أن علي خمسمائة ففعل لم يصح البيع لأن وجوب الثمن خاص بالمشتري وما ذكر في الخلع من أنه لو قال بع عبدك بألف ولك علي خمسمائة ففعل صح ولم يستحق على القائل شيئا صورته أنه لم يجعل الخمسمائة شرطا في العقد فصل المقبوض بالشراء الفاسد لفقد شرط أو لشرط فاسد يضمنه المشتري ضمان الغصب لأنه مخاطب كل لحظة برده فيضمنه عند تلفه بالمثل في المثلي وبأقصى القيم في المتقوم من وقت القبض إلى وقت التلف وعليه أرش نقصه للتعيب وأجرة مثله للمنفعة وإن لم يستوفها وضمان زوائده كنتاج وتعلم حرفة وعليه رده لمالكه ومؤنة رده وليس له حبسه لاسترداد الثمن ولا يتقدم به على الغرماء كالرهن الفاسد واستشكل ذلك بتوجيه الشيخين في الضمان عدم مطالبة ضامن العهدة لو بان فساد البيع بالاستغناء عنه بإمكان حبس المبيع إلى استرداد الثمن وأجيب عنه بأن البائع التزم ثم حكم الضمان فلزمه حكم التوثق فكان للمشتري الحبس لذلك وبأن التوجيه إنما هو من القائل بجواز الحبس وسكت عليه الشيخان لأنهما تكلما عليه في محله وإن اتفق عليه لم يرجع على البائع
37
37
بما أنفق ولو جهل الفساد لأنه شرع في العقد على أن يضمن ذلك وإن وطئها أي الجارية المشتراة شراء فاسدا لم يحد وإن علم الفساد لشبهة اختلاف العلماء في حصول الملك بذلك إلا إن علم الفساد والثمن ميتة أو دم أو نحوهما مما لا يملك به أصلا فيحد لأن الشراء بذلك لا يفيد الملك عند أحد لا خمر ونحوه كخنزير لأن الشراء به يفيد الملك عند أبي حنيفة وأفاد تعبيره بعلم أن العبرة بعلم المشتري وحده وهو ظاهر فهو أولى من قول أصله إن كانا أي الواطئ والموطوءة عالمين وألحقت الميتة هنا بالدم وفي الخلع والكتابة بالخمر لأن النظر ثم إلى ورود العقد على مقصود والميتة مقصودة لإطعام الجوارح والنظر هنا إلى ما يقول الحنفي أن الشراء به يفيد الملك وعنده الميتة كالدم في عدم إفادة الملك بالشراء بها ذكره في المهمات وحيث لا حد يجب المهر ولا عبرة بالإذن الذي يتضمنه التمليك الفاسد فإن كانت أي الأمة بكرا فمهر بكر للتمتع بها وقياسا على النكاح الفاسد بجامع التوصل إلى الوطء بعقد فاسد وأرش البكارة لإتلافها بخلافه في النكاح الفاسد لأن فاسد كل عقد كصحيحه في الضمان وعدمه وأرش البكارة مضمون في صحيح البيع دون النكاح إذ لو أزال المشتري بكارتها بوطء أو غيره في البيع الصحيح ثم اطلع على عيب لم يكن له الرد بغير أرش البكارة ولو أزالها بأصبعه في النكاح الصحيح ثم طلقها لا شيء عليه
وما تقرر من إيجاب مهر بكر لا يخالف ما في الغصب من أنه لو اشترى بكرا مغصوبة ووطئها جاهلا لزمه مع أرش البكارة مهر ثيب لوجود العقد المختلف في حصول الملك به هنا كما في النكاح الفاسد بخلافه ثم فإن أحبلها ضمن ما يحدث منه أي من إحبالها حتى لو ماتت بالطلق ولو بعد عودها إلى مالكها لزمه قيمتها والولد حيث لا حد حر نسيب للشبهة ولا تصير به الأمة أم ولد وإن ملكها بعد لأنها لم تكن ملكه حالة العلوق وعليه قيمته لتفويته رقه على مالكه نعم إن كان البائع عالما بالفساد فهو غار فلا يغرم له المشتري القيمة لأنه لو غرمها له لرجع بها عليه لكونه غارا ذكره ابن الرفعة وغيره وتعتبر قيمته يوم الولادة لأنه أول إمكان تقويمه وإنما يلزمه قيمته إن خرج حيا لا إن خرج ميتا بغير جناية ولا يرجع بها إذا غرمها على البائع بخلاف ما لو اشترى أمة بصيغة صحيحة واستولدها فخرجت مستحقة فإنه يرجع بقيمة الولد على البائع لأنه غره وقوله من زيادته بصيغة صحيحة لا حاجة إليه بل ربما يكون مضرا وإن مات بجناية فالغرة على عاقلة الجاني للمشتري وعليه للمالك الأقل من قيمته مولودا أي يوم الولادة و من الغرة وللمالك مطالبة من شاء من الجاني والمشتري وسيأتي في الغصب ماله بهذا تعلق فرع بيعه ما اشتراه فاسدا كبيع الغاصب المغصوب فلا يصح ويلزمه رده لمالكه وللمالك مطالبة المشتري الأول بما نقص في يد الثاني كما يطالبه بما نقص في يده و له مطالبة الثاني أيضا بذلك لا بما نقص قبل قبضه لأنه لم يدخل في ضمانه والقرار فيما يطالب به كلا منهما على الثاني إن تلف في يده لحصول التلف فيها وكل نقص حدث في يده يطالب به الأول ويرجع به على الثاني وكذا حكم أجرة المثل فصل لو حذفا أي العاقدان المفسد للعقد ولو في مجلس الخيار لم ينقلب صحيحا إذ لا عبرة بالفاسد ولو زادا أو نقصا في الثمن أو المثمن ولو في السلم أو أحدثا أجلا أو خيارا ابتداء أو زيادة أو شرطا فاسدا أو صحيحا في مدة الخيار أي خيار المجلس أو خيار الشرط التحق كل منها بالعقد أي بالمقترن به وكذا حط بعض ما ذكر إذ مجلس العقد كنفس العقد ولهذا صلح لتعيين رأس مال السلم وعوض الصرف وقيس بخيار المجلس خيار الشرط بجامع عدم الاستقرار وقد يحتاج في تقرر العقد إلى هذه الأمور ولا يتقيد ذلك بالعاقدين بل الموكل ومن انتقل إليه الخيار كذلك وبه صرح ابن الصباغ في الوارث بالنسبة لزيادة الثمن وبه يقاس غيره أما بعد اللزوم فلا يلتحق بالعقد شيء من ذلك وإلا لوجبت الزيادة بعده على الشفيع كما تجب عليه قبله القسم الثاني من المناهي غير المفسد فيحرم الاحتكار للتضييق على الناس ولخبر مسلم لا يحتكر إلا خاطئ أي آثم وهو إمساك ما اشتراه في وقت الغلاء بالمد لا في
38
38
وقت الرخص ليبيعه بأكثر مما اشتراه به عند اشتداد الحاجة كما ذكره الأصل بخلاف إمساك ما اشتراه في وقت الرخص لا يحرم مطلقا ولا إمساك غلة ضيعته ولا ما اشتراه في وقت الغلاء لنفسه وعياله أو ليبيعه بمثل ما اشتراه به أو بأقل لكن في كراهة إمساك ما فضل عنه أي عما يكفيه وعياله سنة تردد أي وجهان الظاهر منهما المنع لكن الأولى بيعه كما صرح به الأصل ويختص تحريم الاحتكار بالأقوات ومنها التمر والزبيب والذرة والأرز فلا يعم جميع الأطعمة ويحرم التسعير بأن يأمر الوالي السوقة أن لا يبيعوا أمتعتهم إلا بسعر كذا ولو في وقت الغلاء للتضييق على الناس في أموالهم ولأن السعر غلا على عهده صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله سعر لنا فقال إن الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق وإني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة بدم ولا مال رواه الترمذي وصححه وقضية كلامه كالأصل إن ذلك لا يختص بالأطعمة وعلف الدواب وهو ظاهر فلو سعر الإمام عزر مخالفه الذي باع بأزيد مما سعر لما فيه من مجاهرة الإمام بالمخالفة وصح البيع إذ لم يعهد الحجر على الشخص في ملكه أن يبيع بثمن معين وقيل لا يصح لأنه صار محجورا عليه لنوع مصلحة كما يحجر على المبذر وظاهر كلام الأصل ما فهمه المختصر وغيره أن التعزير مفرع على تحريم التسعير قال الأذرعي وهو بعيد وقضية كلام القاضي أنه مفرع على جوازه قال الزركشي وبه جزم ابن الرفعة فإن قلنا بالأصح لم يعزر ويحتمل خلافه لما فيه من مخالفة الإمام انتهى فصل ويحرم بيع حاضر لباد لخبر الصحيحين لا يبع حاضر لباد زاد مسلم دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض والمعنى فيه التضييق على الناس ولا يبطل وإن كان محرما لرجوع النهي فيه إلى معنى يقترن به وهو أي بيع الحاضر للبادي أن يمنعه أي الحاضر البادي من بيعه أي بيع متاعه بأن يأمره بتركه عنده ليبيعه له تدريجا بثمن غال والمبيع مما تعم الحاجة أي حاجة أهل البلد إليه سواء أكان المتاع قوتا أم لا ظهر ببيعه سعة في البلد أم لم تظهر لقلته أو لعموم وجوده ورخص السعر أو لكبر البلد لا إن التمسه البدوي منه بأن قال له ابتداء أتركه عندك لتبيعه بالتدريج ولا إن انتفى عموم الحاجة إليه كأن لم يحتج إليه إلا نادرا أو عمت وقصد البدوي بيعه بالتدريج فسأله الحاضر أن يفوضه إليه أو قصد بيعه بسعر يومه فقال له أتركه عندي لأبيعه كذلك لا يحرم لأنه لم يضر بالناس ولا سبيل إلى منع المالك منه لما فيه من الإضرار به وإن استشاره البدوي فيما فيه حظه ففي وجوب إرشاده إلى الادخار والبيع بالتدريج وجهان أحدهما نعم بذلا للنصيحة والثاني لا توسيعا على الناس قال الأذرعي والأول أشبه وكلام الأصل يميل إليه ولو قدم البادي يريد الشراء فتعرض له حاضر يريد أن يشتري له رخيصا وهو المسمى بالسمسار فهل يحرم عليه كما في البيع تردد فيه في المطلب واختار البخاري المنع وقال الأذرعي ينبغي الجزم به والحاضر ساكن الحاضرة وهي المدن والقرى والريف وهو أرض فيها زرع وخصب والبادي ساكن البادية وهي خلاف الحاضرة والتعبير بالحاضر والبادي جرى على الغالب والمراد أي شخص كان و يحرم تلقي الركبان ليشتري منهم قطعا وكذا البيع منهم في أحد الوجهين قبل دخول البلد قال
39
39
صلى الله عليه وسلم لا تلقوا الركبان للبيع رواه الشيخان وفي رواية للبخاري لا تلقوا السلع حتى يهبط بها إلى الأسواق فمن تلقاها فصاحب السلعة بالخيار والمعنى فيه غبنهم سواء أخبر المشتري في الأولى أو البائع في الثانية كاذبا أم لم يخبر والوجه الثاني لا يحرم البيع منهم وصححه الأذرعي تبعا لابن أبي عصرون ثم قال وفيه وقفة للمعنى السابق ولخبر دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض وقال الزركشي ينبغي أن يكون الراجح التحريم نظرا للمعنى كما هو الراجح فيما إذا لم يقصد التلقي وخرج بقبل دخول البلد التلقي بعد دخوله فلا يحرم لمفهوم الخبر ولأنه إن وقع لهم غبن فالتقصير منهم لا من المتلقين ويصح كل من الشراء والبيع وإن ارتكب محرما لما مر في بيع حاضر لباد ولهم بعد الدخول للبلد الأولى بعد علمهم بالسعر الخيار فورا إن غبنوا للخبر إلا في الفور فقياسا على خيار العيب ولو التمسوا البيع منه ولو مع جهلهم بالسعر أو لم يغبنوا كأن اشتراه منهم بسعر البلد أو أكثر أو بدونه وهم عالمون به فلا خيار لهم لانتفاء المعنى السابق ويؤخذ من كلامهم أنه لا يأثم وهو ظاهر إذ لا تغرير وكذا لا خيار لهم إذا كان التلقي بعد دخول البلد ولو خارج السوق لإمكان معرفتهم الأسعار من غير المتلقين لكن ظاهر الخبر يقتضي خلافه وقد يقال يوافقه قول ابن المنذر وجماعة أنه يحرم التلقي خارج السوق ويمنع بأنه لا يلزم من التحريم ثبوت الخيار ولو لم يعرفوا الغبن حتى رخص السعر وعاد إلى ما باعوا به فهل يثبت الخيار وجهان في البحر وغيره منشؤهما اعتبار الابتداء أو الانتهاء وكلام الشاشي يقتضي عدم ثبوته والأوجه ثبوته وهو ظاهر الخبر وإليه ميل الإسنوي في شرح المنهاج وقد يقال الأوجه عدم ثبوته كما في زوال عيب المبيع ويجاب بأن المقتضي وأثره زالا ثم وهنا وإن زالا أثره لم يزل هو مع أنه لم يحصل إلا بمحرم ويعصي بالشراء ولو لم يقصد التلقي كأن خرج لصيد أو غيره فرآهم فاشترى منهم لشمول الخبر والمعنى لذلك وكذا يحرم السوم على سوم أخيه لخبر لا يسوم الرجل على سوم أخيه وهو خبر بمعنى النهي والمعنى فيه الإيذاء وذكر الأخ ليس للتقييد بل للرقة والعطف عليه فالكافر كالمسلم في ذلك وهو أن يزيد عليه في ثمن ما يريد شراءه بعد استقرار الثمن بالتراضي صريحا وقبل العقد أو يخرج للمشتري أرخص مما يريد شراءه أو يرغب مالكه في استرداده ليشتريه منه بأكثر ولو لم يصرح له المالك بالإجابة بأن عرض بها أو سكت أو كانت الزيادة قبل استقرار الثمن بأن كان المبيع إذ ذاك ينادى عليه لطلب الزيادة لم يحرم ذلك فإن أخرج آخر للمشتري الأرخص أو زاد في الثمن بعد العقد وقبل اللزوم بأن كان في زمن خيار المجلس أو خيار الشرط قال الإسنوي أو بعد اللزوم ووجد بالمبيع عيبا ولم يكن التأخير مضرا فهو في الأول بيع على بيعه أي على بيع أخيه و في الثاني شراء على شرائه والضابط في الأول أن يرغب المشتري في الفسخ في زمن الخيار ليبيعه خيرا منه بمثل ثمنه أو مثله بأقل وفي الثاني أن يرغب البائع في الفسخ في زمن الخيار ليشتريه منه بأكثر وكلاهما حرام ولو رآه أي المشتري في الأول والبائع في الثاني مغبونا لخبر الصحيحين لا يبع بعضكم على بيع بعض زاد النسائي حتى يبتاع أو يذر
ولخبر مسلم المؤمن أخو المؤمن فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر والمعنى فيهما الإيذاء وذكر المؤمن ليس للتقييد بل لأنه أسرع امتثالا وفي معنى البيع على البيع ما نص عليه الشافعي من نهي الرجل أن يبيع المشتري في مجلس العقد سلعة مثل التي اشتراها خشية أن يرد الأولى وظاهر أن خيار الشرط فيما قاله كخيار المجلس وألحق الماوردي بالشراء
40
40
على الشراء طلب السلعة من المشتري بزيادة ربح والبائع حاضر لأدائه إلى الفسخ أو الندم إلا أن أذن له البائع في الأول والمشتري في الثاني فلا تحريم لأن الحق لهما وقد أسقطاه ولمفهوم الخبرين السابقين هذا إن كان الآذن مالكا فإن كان وليا أو وصيا أو وكيلا أو نحوه فلا عبرة بإذنه إن كان فيه ضرر على المالك ذكره الأذرعي قال ابن النقيب وهل شرط التحريم تحقيق ما وعد به من البيع والشراء يظهر اشتراطه على تعليل حرمة البيع على البيع والشراء على الشراء بالتسبب إليهما دون تعليلهما بكون ذلك إفسادا للعقد الأول وفيما قاله نظر والظاهر عدم اشتراطه مطلقا لوجود الإيذاء بكل تقدير وقول المصنف ولو رآه إلى آخره في الثاني من زيادته والنجش حرام للنهي عنه في خبر الصحيحين والمعنى فيه الإيذاء وهو أن يزيد في الثمن بلا رغبة بل ليغر غيره وقيد الإمام وغيره ذلك بالزيادة على ما يساويه المبيع وقضيته أنه لو زاد عند نقص القيمة ولا رغبة له جاز وكلام الأصحاب يخالفه ولا خيار للمغرور وهو المشتري لتفريطه حيث لم يتأمل ولم يراجع أهل الخبرة وكذا لو واطأه أي الناجش البائع أو قال المالك أعطيت في المبيع كذا فبان خلافه فلا خيار للمشتري وفارق ثبوته بالتصرية كما سيأتي بأن التغرير ثم في نفس المبيع وهنا خارجه والتحريم في جميع المناهي شرطه العلم بها إلا في النجش لأنه خديعة وتحريمها معلوم من العمومات بخلاف غيره كالبيع على بيع غيره إنما يعرف من الخبر الوارد فيه فلا يعرفه من لا يعرف الخبر قال الرافعي ولك أن تقول هو إضرار وتحريم الإضرار معلوم من العمومات والوجه تخصيص التعصية بمن عرف التحريم بعموم أو خصوص وأقره عليه النووي وهو ظاهر بل نقل البيهقي عن الشافعي أن النجش كغيره من المناهي فصل ويحرم التفريق بين الجارية وولدها المملوكين لواحد على مالكهما لقوله صلى الله عليه وسلم من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة رواه الترمذي وحسنه والحاكم وصححه ولقوله ملعون من فرق بين والد وولده رواه أبو داود وإنما يحرم التفريق ببيع أو هبة أو قسمة أو نحوها بأن يبيع مثلا أحدهما أو بعضه وحده أو مع جملة الآخر أو بعضه ولم يتساو البعضان ولو رضيت أمه بالتفريق لحق الولد وألحق الغزالي في فتاويه التفريق بالسفر بالتفريق بالبيع ونحوه وطرده في التفريق بين الزوجة وولدها وإن كانت حرة بخلاف المطلقة لا يحرم لإمكان صحبتها له وكذا إذا كان المملوك أحدهما فقط كما أفهمه التقييد بالمملوكين أو أسلم الأب المملوك وتخلفت الأم والمالك كافر فيؤمر بإزالة الملك عن الوالد والولد قاله صاحب الاستقصاء قال الشيخ نجم الدين البالسي وينبغي لو مات الأب أن يباع الولد للضرورة وتصريح المصنف بقوله ولو رضيت من زيادته لا بفسخ كرد بعيب ورجوع بفلس للحاجة إليه وهذا وجه قال به الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وغيره والأصح المنصوص ما جزم به كثير من العراقيين أنه يحرم التفريق به نبه عليه الإسنوي
و لا عتق لأن من عتق ملك نفسه فله
41
41
ملازمة الآخر و لا وصية لعدم الضرر في الحال ولعل موت الموصي يكون بعد زمن التحريم قال الأذرعي والمتجه منع التفريق برجوع المقرض ومالك اللقطة دون الواهب لأن الحق في القرض واللقطة ثابت في الذمة فإذا تعذر الرجوع في العين رجع في غيرها بخلافه في الهبة فإنا لو منعنا الرجوع فيها لم يرجع الواهب بشيء وهذا أي تحريم التفريق بما ذكر فيما دون التمييز لصغر أو جنون فتعبيره بذلك أعم من قول الأصل ويمتد التحريم إلى بلوغه سن التمييز سبع سنين أو ثمان تقريبا لا فيما دون البلوغ فلا يحرم التفريق بعد التمييز لاستقلال الولد حينئذ وخبر لا يفرق بين الأم وولدها قيل إلى متى قال حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية ضعيف فإذا فرق بينهما ببيع أو نحوه هذا أعم من قول أصله وإذا فرق بينهما في البيع والهبة بطل العقد وإن سقته اللبأ للعجز عن التسليم شرعا بالمنع من التفريق نعم إن كان المبيع ممن يحكم بعتقه على المشتري فالظاهر كما قال الأذرعي وغيره عدم التحريم وصحة البيع بتحصيل مصلحة الحرية ولما مر من جواز التفريق بالإعتاق
ويكره التفريق بينهما بعد التمييز حتى بعد البلوغ لما فيه من التشويش ويصح العقد والأب وإن علا والجدة وإن علت من الأم بل أو من الأب كالأم إن عدمت بخلاف سائر المحارم فكما يحرم التفريق بين الولد وأمه يحرم التفريق عند عدمها بينه وبين أبيه وجدته ولا بينه وبين أحدهما إلا إذا عدم الآخر فإذا بيع مع الأم أو مع الأب أو الجدة أو معهما بعد موت الأم حل لانتفاء المحذور وله بيع ولد بهيمة استغنى عن اللبن لكن مع الكراهة ما دام رضيعا إلا لغرض صحيح كالذبح فإن لم يستغن عن اللبن حرم البيع وبطل إلا إن كان لغرض الذبح و له ذبحه مطلقا أي سواء استغنى عن اللبن أم لا وظاهر أن المراد ذبح المأكول إذ غيره لا يجوز ذبحه ولا بيعه لذبحه بحال فلو باع العنب ممن يتخذه خمرا بأن يعلم أو يظن منه ذلك أو الأمرد من معروف بالفجور به ونحو ذلك من كل تصرف يفضي إلى معصية كبيع الرطب ممن يتخذه نبيذا وبيع ديك الهراش وكبش النطاح ممن يعاني ذلك حرم لأنه تسبب إلى معصية ويصح لرجوع النهي لغيره فإن توهم منه ذلك أو باع السلاح من البغاة أو نحوهم كقطاع الطريق أو بايع من بيده حلال وحرام كره وإن كان الحلال أكثر نعم إن تحقق عصيان المشتري للسلاح به في الثانية وتحريم شيء بعينه في الثالثة حرم فيهما وصح في الثانية دون الثالثة ذكره في المجموع ولا يصح شراء لحم مجهول الذكاة الشرعية بقرية يسكنها مجوس لأن الأصل في الحيوان التحريم فلا يزال إلا بيقين أو ظاهر فإن كان غالب أهل البلد مسلمين صح شراؤه فإنه يجوز أكله عملا بالغالب والظاهر ذكره في المجموع فصل ويكره بيع العينة بكسر المهملة وإسكان التحتية وبالنون لما فيها من الاستظهار على ذي الحاجة وهو أن يبيعه عينا بثمن كثير مؤجل ويسلمها له ثم يشتريها منه بنقد يسير ليبقى الكثير في ذمته ونحوه بأن يبيعه عينا بثمن يسير نقدا ويسلمها ثم يشتريها منه بثمن كثير مؤجل سواء قبض الثمن الأول أم لا فيصح ذلك ولو صار عادة له غالبة ويجوز بيع دور مكة لاتفاق الصحابة فمن بعدهم عليه وسيأتي فيه في السير زيادة و يجوز بيع المصحف قيل وثمنه يقابل الدفتين لأن كلام الله لا يباع وقيل أنه بدل أجرة نسخه حكاهما الرافعي عن الصيمري لكن المنصوص
42
42
كراهة بيعه لأنه ابتذال وصححه في المجموع واقتضى كلامه فيه كراهة شرائه أيضا لأنه إعانة على مكروه ولا يكره كما في الروضة بيع الكتب المشتملة على ما يباح الانتفاع به ككتب الحديث ويكره غبن المسترسل بسينين مهملتين وبلام في آخر وهو من لا يعرف القيمة والشراء من مضطر قال الخطابي والمراد به المكره فيصح إن أكره بحق وإلا فلا أو من عليه ديون مستغرقة يباع ماله فيها بالوكس أي النقص فيستحب أن لا يباع منه و لكن يستحب أن يعان بهبة أو قرض أو استمهال رب الدين ولا يصح إفراد ماء بئر ونهر وعين بالبيع دون مكانه لما مر قبيل باب الربا فإن باعه مع مكانه بأن باع أرضا مع شربها من ماء في نهر أو نحوه صح ودخل الماء في البيع تبعا وهذا ما اقتضاه كلامه وصرح به في الروضة نقلا عن صاحب التخليص لكنه جزم فيها كأصلها في إحياء الموات بعدم الصحة في الماء وجعل في الأرض قولي تفريق الصفقة وخالفهما المصنف ثم فجزم بعدم الصحة في الجميع للجهالة وهو المتجه وإن كان الماء في إناء أو حوض أو نحوهما مجتمعا صح بيعه مفردا وتابعه لأنه معلوم قال في الروضة ومن المناهي النهي عن بيع المصراة وعن بيع ما فيه عيب إلا أن يبينه وكلاهما حرام إلا أنه ينعقد باب تفريق الصفقة وهو ثلاثة أقسام لأنه إما في الابتداء أو في الانتهاء أي الدوام أو في اختلاف الأحكام وستعرفها كلها من كلامه ويجوز بيع عينين فأكثر باختلاط أو بدونه صفقة واحدة ويوزع الثمن في المثلي و في العين المشتركة بين اثنين فأكثر على الإجزاء وفي غيرهما من المتقومات على الرءوس باعتبار القيمة فإذا بطل العقد في واحد منهما ابتداء بأن كان أحدهما حلالا أي قابلا للعقد والآخر حراما أي غير قابل له وله قيمة كمن باع عبده وعبد غيره صح في عبده بالقسط من المسمى إذا وزع على قيمتهما وبطل في عبد غيره إعطاء لكل منهما حكمه كالثوب والشقص ومن العقار في الشفعة ولأن الصفقة اشتملت على صحيح وفاسد فالعدل التصحيح في الصحيح وقصر الفساد على الفاسد كنظيره فيما لو شهد عدل وفاسق وكذا إن لم يكن له قيمة كالحر والخنزير فيصح البيع في الباقي بالقسط وبقدر الحر رقيقا والخنزير شاة كما سيأتي ومثل بهما إشارة إلى أنه لا فرق بين ما يتأتى تقدير تقويمه من غير تقدير تغير الخلقة كالحر وما لا يتأتى ذلك إلا بتقدير تغيرها كالخنزير
ومحل الصحة في ذلك إذا لم يكن الباقي مجهولا ليتأتى التقسيط فلو قال بعتك عبدي وعبدا آخر بطل فيهما كما سيأتي في كلامه ومحل التقسيط إذا كان الحرام مقصودا فإن لم يكن مقصودا كالدم فيظهران الصحة بكل الثمن كما يقتضيه كلامهم في النكاح والخلع وجواز تفريقها أي الصفقة في الرهن والهبة والنكاح أولى منه في البيع إذ لا عوض في الأولين حتى يتأثر بالجهل والثالث لا يتأثر بجهل العوض فإذا زوج أخته وأجنبية أو تزوج مسلمة ومجوسية لزم فيهما مهر المثل للأخت والمسلمة أي لكل منهما لأنه المرد الشرعي والمسمى ليس ركنا في العقد بخلافه في البيع وإن تزوج أختين أو خمس نسوة ليس فيهن أختان أو نحوهما بطل العقد في الجميع لتحريم الجمع بين الأختين وبين الخمس فالإبطال في واحد والتصحيح في غيرها ليس بأولى من العكس فيستثني ذلك مما ذكر ويستثني منه أيضا ما إذا أجر الراهن العين المرهونة مدة تزيد على محل الدين وما إذا استعار شيئا
43
43
ليرهنه بدين فزاد عليه وما إذا باع ماله ومال غيره المأذون له في بيعه وكانا متميزين وما إذا زاد في العرايا على القدر الجائز أو في خيار الشرط على ثلاثة أيام أو فاضل في الربوي حيث منعناه كمدبر بمدين منه فإن كلا منهما يبطل في جميع المعقود عليه
وكذا لو قدم الباطل كأن قال بعتك الحر والعبد لأن العطف على الباطل باطل كما قالوه فيما لو قال نساء العالمين طوالق وأنت يا زوجتي لا تطلق لعطفها على من لم تطلق نبه عليه الزركشي أما إذا كان في الخمس أختان أو نحوهما فيبطل فيهما ويصح في الباقي عملا بتفريق الصفقة ثم القول بالصحة فيما ذكر هو ما صححه الشيخان لكن الذي رجع إليه الشافعي آخر البطلان كما قاله الربيع تغليبا للحرمة وقال في موضع آخر البطلان أصح قولي الشافعي وقال ابن المنذر أنه مذهب الشافعي قال في الأصل وفي علته وجهان أحدهما الجمع بين حلال وحرام والثاني جهالة العوض الذي يقابل الحلال ا ه وصحح في المجموع الأول ونقل بعضهم تصحيحه عن الروضة ولعل نسخها مختلفة
فصل ومتى حصل مقتضي التفريق
للصفقة في الانتهاء من تلف أو رد بعيب أو نحوهما ولفظ مقتضي بكسر الضاد من زيادته فإن كان أي مقتضي التفريق بلا اختيار كتلف أحد العبدين وتخمر بعض العصير قبل القبض لهما أو لأحدهما وانهدام الدار المستأجرة في أثناء المدة والتفريق قبل قبض البعض في الصرف و في السلم فالجواز بمعنى الصحة في الباقي أولى منه في الباقي في تفريق الصفقة ابتداء لطريان الانفساخ هنا في التالف فلا يؤثر في الباقي كما لو نكح اثنين معا ثم ارتفع نكاح أحدهما بردة أو رضاع لا يرتفع نكاح الأخرى ولعدم علتي البطلان ثم فيتخير المشتري كما سيأتي فإن أجاز فبالقسط من المسمى وإن فسخ ارتفع العقد وعليه أجرة المثل للماضي في مسألة الإجارة فإن قبض المشتري أحد العبدين وتلفا أي المقبوض وغيره فهل له الخيار فيما تلف في يده وجهان أحدهما نعم ويرد قيمته والثاني وهو ما صححه في المجموع لا وعليه حصته من الثمن لأن العقد استقر فيه بقبضه وإن كان مقتضي التفريق باختيار كرد بعض المبيع بالعيب الموجود فيه لم يجز رده إن لم يستقل البعض بالنفع بأن كان نفعه متصلا بالآخر كأحد الخفين أو مصراعي الباب وكذا إن استقل به كأحد العبدين ولو تلف أحدهما ولو بعد القبض وذلك لأن الصفقة وقعت مجتمعة ولا حاجة إلى تفريقها فلو رضي البائع برده جاز لإسقاط حقه فيقوم العبدان سليمين ويقسط المسمى على قيمتها فإن كان السليم تالفا واختلفا في قيمته للاعتبار للتقسيط فادعى المشتري ما يقتضي زيادة المرجوع به على ما اعترف به البائع فالقول قول البائع بيمينه لأنه غارم ولأن الثمن ملكه فلا يسترد منه إلا ما اعترف به والمعتبر أقل قيمته من يوم البيع إلى يوم القبض كما يعرف مما يأتي في معرفة الأرش القديم فصل من حكم بتفريق الصفقة في الابتداء أو الانتهاء أثبت للمشتري لا للبائع الخيار بين الفسخ والإجازة لتبعيض الصفقة عليه ويثبت على الفور كما في المطلب وإنما يثبت له في الابتداء إن جهل كون بعض المبيع حراما أي وكان الحرام مقصودا آخذا مما مر فإن علم ذلك فلا خيار له كما لو اشترى معيبا يعلم عيبه وإنما لم يثبت الخيار للبائع مع أنه لم يجب له إلا الحصة لأنه مفرط حيث باع مالا يملكه وطمع في ثمنه ولا
44
44
يلزمه أي المشتري إلا القسط من الثمن لا جميعه ولو علم كون الآخر حراما لأنه أوقع الثمن في مقابلة الجميع فلا يلزمه في مقابلة بعضه إلا قسطه ويقدر الحر في التقسيط عبدا والميتة مذكاة والخمر خلا والخنزير شاة أي شاة عنز لا شاة ضأن لأنه يشبه العنز في الشكل فرع لو باع معلوما ومجهولا كقوله بعتك عبدي وعبدا آخر بطل البيع في الجميع لتعذر التقسيط فرع متى اشترى عبدين من مالكين أو وكيلهما أو باع عبديه لاثنين لكل واحد واحدا كما ذكره الأصل صفقة واحدة بثمن واحد فسد البيع لأن حصة كل منهما مجهولا وقيل يصح بناء على التعليل بالجمع بين حلال وحرام والترجيح من زيادته ومحل ما قاله أن يكون لكل منهما عبد بعينه فلو كان العبدان بينهما مشاعين صح البيع كما اقتضاه كلامهم وصرح به في الشامل لأن حصة كل منهما معلومة لأنها بحسب نصيبه منهما فلا يحتاج إلى تقويم ويستثنى من كلامه ما لو اختلط حمام برج بغيره فيجوز لمالكيهما بيعهما لثالث كما ذكره في الصيد وكذا لو انصبت حنطته على حنطة غيره أو مائعه على مائعه فرع في مسائل دورية تتعلق بتفريق الصفقة لو باع المريض مرض الموت عبدا يساوي ثلاثين بعشرة ومات ولا ملك له غيره ولم تجري الورثة الزائد على الثالث ففيه قولان أحدهما وهو المنصوص يصح في قدر ما يحتمله الثلث وما يوازي الثمن بجميع الثمن ويبطل في الباقي ويصح في ثلثي العبد بالعشرة ويبقى مع الورثة الثمن وثلث العبد وذلك مثلا المحاباة وهي عشرة ولا دور والثاني ورجحه آخرون واختاره أكثر الحساب وهو الأقوى في المعنى أنه إذا ارتد البيع في بعض المبيع وجب أن يرتد إلى المشتري ما يقابله من الثمن فتدور المسألة لأن ما ينفذ فيه البيع يخرج من التركة وما يقابله من الثمن يدخل فيها فتزيد به فيزيد المبيع فيزيد الداخل
ولما كان الثاني هو الراجح في الأصل اقتصر عليه المصنف فقال صح أي البيع في نصف العبد بنصف الثمن ليبقى للورثة عشرون وطريقه بالجبران أن تقول صح البيع في شيء من العبد بثلث شيء من الثمن لأن الثمن مثل ثلث العبد وبقي للورثة عبد إلا شيئا لكن بعض النقص انجبر بثلث الشيء العائد فالمحاباة ثلثا شيء والباقي لهم عبد إلا ثلثي شيء يعدل ضعف المحاباة وهو شيء وثلث شيء فاجبر وقابل فيكون عبد يعدل شيئين فالشيء نصف عبد فيصح في نصف العبد وهو خمسة عشر بنصف الثمن وهو خمسة لأن ذلك قضية التوزيع فالمحاباة عشرة ويبقى للورثة نصف العبد ونصف الثمن وذلك مثلا المحاباة وبالنسبة أن تعرف ثلث المال وقدر المحاباة فإن كان نصفها صح البيع في نصف المبيع بنصف الثمن وإن كان أكثر فبأكثر أو أقل فبأقل فثلث المال في هذه المسألة عشرة والمحاباة عشرون والعشرة نصف العشرين فيصح البيع في نصف العبد وقيمته خمسة عشر بنصف الثمن وهو خمسة فكأنه اشترى سدسه بخمسة ووصي له بثلثه يبقى مع الورثة نصف العبد وقيمته خمسة عشر ونصف الثمن وهو خمسة فالمبلغ عشرون وذلك مثلا المحاباة ولو باع صاعا يساوي عشرين بصاع يساوي عشرة ومات ولا ملك له غيره صح في ثلثي صاع المريض بثلثي صاع المشتري لأن ثلث المال ستة وثلثان والمحاباة عشرة والستة والثلثان ثلثا العشرة فصح البيع في ثلثي الصاع
وله أي للمشتري الخيار لتفريق الصفقة عليه لا للورثة أي ورثة الميت فلا خيار لهم لئلا يبطل المحاباة التي هي وصية فلو كان صاع المريض يساوي ثلاثين صح البيع في نصف الصاع بمثله كنظيره فيما مر في العبد فإن كانت أي المسألة بحالها وصاع المريض يساوي أربعين صح البيع في أربعة اتساع الصاع بأربعة اتساع الصاع فإن أتلف المريض الصاع الذي أخذه ثم مات صح البيع في ثلثه أي ثلث صاعه بثلث صاع صاحبه قلت قيمة الصاع المبيع أو كثرت لأن ما أتلفه قد نقص من ماله أما ما صح فيه البيع فهو ملكه وقد أتلفه وأما ما بطل فيه فعليه ضمانه فينقص قدر غرمه من ماله ومتى كثرت القيمة قل الغرم وكثرت المحاباة ومتى قلت انعكس ذلك فإن كانت قيمة صاع المريض عشرين و قيمة صاع المشتري عشرة أتلف المريض من العشرين عشرة بقي ماله عشرة كأنها كل ماله والمحاباة عشرة فثلث ماله ثلث المحاباة فيصح البيع في ثلث الصاع لما ذكره بقوله وثلث صاع المريض ستة وثلثان
45
45
وثلث صاع المشتري ثلاثة وثلث فالمحاباة ثلاثة وثلث يبقى ثلثا صاع بثلاثة عشر وثلث للورثة يغرمون منها للمشتري قيمة ثلثي صاعه وهو ستة وثلثان يبقى لهم مثلها وهو مثلا المحاباة
وهكذا إن كانت قيمة صاع المريض ثلاثين أو أربعين أو أكثر وإنما يصح البيع في ثلثه بثلثه بهذا الاعتبار وهو النسبة المذكورة ففيما لو كانت قيمته ثلاثين وقد أتلف عشرة يبقى ماله عشرين كأنه كل ماله والمحاباة عشرون فثلث ماله ثلث المحاباة فيصح البيع في ثلث صاع لأن ثلث صاع صاحبه ثلاثة وثلث فالمحاباة ستة وثلثان وقد بقي للورثة ثلثا صاع وهو عشرون يغرمون منها للمشتري قيمة ثلثي صاعه وهو ستة وثلثان يبقى لهم ثلاثة عشر وثلث وهي مثلا المحاباة فصل وإذا جمع في صفقة بين عقدين مختلفي الحكم كبيع وإجارة أو بيع و سلم أو بيع و نكاح صح كل منهما لصحته منفردا فلا يضر الجمع ولا أثر لاختلاف الحكم في ذلك كما لا أثر له في بيع مشفوع وغيره واختلاف الحكم فيما ذكر باشتراط التأقيت في الإجارة بطلان البيع والسلم به وعدم بطلان النكاح بإخلائه عن العوض بخلاف البيع ويستثنى من ذلك ما لو كان أحد العقدين جائزا كالبيع والجعالة إذ يمكن الجمع بينهما ذكره الرافعي في المسابقة وتقييدهم العقدين باختلاف حكمهما لبيان محل الخلاف فلو جمع بين متفقين كشركة وقراض كأن خلط ألفين له بألف لغيره وقال شاركتك على أحدهما وقارضتك على الآخر فقبل صح جزما لرجوعهما إلى إذن في التصرف وإنما يصح كل من العقدين بالتوزيع طريقه أن يقال يوزع المسمى في الأولى على قيمه المبيع وأجرة المؤجر وفي الثانية على قيمتي المبيع والمسلم وفي الثالثة على قيمة المبيع ومهر المثل وخلاف تفريق الصفقة فيها إنما هو في البيع والصداق وأما النكاح فيصح قطعا لأن النكاح لا يتأثر بجهالة المهر وهذا لا حاجة للمصنف به وصورة الإجارة والسلم آجرتك داري سنة وبعتك كذا سلما بكذا وصورتها مع البيع بعتك عبدي وأجرتك داري سنة بكذا و صورة جمع النكاح والبيع زوجتك جاريتي وبعتك عبدي بكذا أو زوجتك بنتي وبعتك عبدها بكذا وهي تحت حجره أو رشيدة و وكلته في بيع عبدها بخلاف ما لو قال زوجتك بنتي وبعتك عبدي بكذا لا يصح البيع والصداق كما لو كان لكل منهما عبد فباعاهما بثمن واحد كما مر ويصح النكاح بمهر المثل ثم شرط التوزيع في زوجتك بنتي وبعتك عبدها أن تكون حصة النكاح مهر المثل فأكثر فإن كانت أقل وجب مهر المثل كما ذكره في المجموع نعم إن أذنت الرشيدة في قدر المسمى فظاهر أنه يعتبر التوزيع مطلقا وإن جمع بيعا وكتابة فقال لعبده كاتبتك على نجمتين وبعتك ثوبي بألف لم يصح البيع لتقدم أحد شقيه على مصير العبد من أهل مبايعة السيد وصح في الكتابة بالقسط الحاصل بتوزيع المسمى على قيمتي العبد والمبيع فما خص العبد لزمه منجما فإذا أداه عتق وكلامه كأصله يوهم أو يقتضي أن هذا من الجمع بين مختلفي الحكم وهو ظاهر كلام التنبيه قال ابن الرفعة واختلاف الحكم فيهما أن الكتابة يستقل بفسخها المكاتب بخلاف البيع وهو خلاف ما صرح به الرافعي في الكتابة وجماعة هنا من أنه من الجمع بين حلال وحرام ولهذا بطل البيع على الأصح فصل وتتعدد الصفقة بتعدد البائع ك بعناك هذا بألف فيقبل منهما كأن يقول قبلت أو قبلت نصف
46
46
كل منكما بخمسمائة وكذا بتعدد المشتري كبعتكما هذا بألف فيقبلان منه كأن يقولا قبلنا أو يقول كل منهما اشتريت نصفه بخمسمائة سواء قالاه في الثانية معا أم مرتبا ولم يطل الفصل فيجوز في ذلك إفراد كل نصيب برده بالعيب وإذا بان نصيب أحد البائعين حرا مثلا فلا خلاف في صحة بيع نصيب الآخر ولو باع اثنان من اثنين كان العقد أربعة أو ثلاثة من ثلاثة كان العقد تسعة فلكل من الثلاثة أن يرد تسع المبيع على كل من البائعين الثلاثة كما سيأتي في باب خيار النقص و تتعدد بتفصيل الثمن فقوله بعتك هذا بمائة وهذا بخمسين صفقتان ولو قال المشتري قبلتهما أو قبلت بمائة وخمسين لأن لا لقبول يترتب على الإيجاب فإذا وقع مفصلا وقع القبول كذلك ولو قال بعتك عبدي بألف وجاريتي بخمسمائة فقبل أحدهما بعينه
قال القاضي فالظاهر الصحة وفائدة التعدد يعني ومن فوائد تعدد الصفقة أنه لو وزن فيما لو باع واحد ومن اثنين مثلا صفقة حصة أحدهما من الثمن لزم البائع أن يسلمه حصته من المبيع تسليم المشاع نعم لو باعهما عبده بألف فقبل أحدهما نصفه بخمسمائة أو باعاه عبد بألف فقبل نصيب أحدهما بخمسمائة لم يصح لأن الإيجاب وقع جملة وهو يقتضي الجواب كذلك صححه في الأصل وفي المجموع هنا قال الأذرعي تبعا للإسنوي والحامل على تصحيحه يعني في الصورة الأولى تصحيح البغوي ونقل الإمام له عن الأصحاب لكن المذهب في التتمة الصحة وهو القياس وبه جزم الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والبندنيجي والماوردي وابن الصباغ والجرجاني وقال الإمام أنه أظهر في القياس ورجحه الغزالي والروياني في الحلية وابن الرفعة في المطلب قال لأنه لو وقف صحة قبول أحدهما على قبول الآخر لم يصح العقد وبالصحة جزم في المجموع في باب ما نهي عنه من بيع الغرر قال لأن إيجابه لهما بمنزلة عقدين لكل واحد عقد فصح قبول أحدهما دون الآخر ثم حكى الصورة الثانية وجزم فيها بالصحة قال أعني الأذرعي والظاهر أن محل الخلاف فيما إذا كان البائع هو المالك لحظ نفسه بخلاف ما لو كان وليا أو وصيا أو قيما لأن التشقيص يضر بالمولى عليه وإنما قلت لحظ نفسه احترازا عما لو كان المبيع مرهونا أو جانيا أو كان المالك مفلسا فأجبره الحاكم على بيعه في هذه الأمور فيشبه أن لا يصح قبول أحدهما في نصفه قطعا إذا كان التشقيص يضر بالغرماء وهو الغالب كما لو وكل ببيع عبد ليس له أن يبيع نصفه فلو باع نصفه لم يصح فرع والاعتبار في تعدد الصفقة بالعاقد لا المعقود له لتعلق أحكام العقد به كرؤية المبيع وثبوت خيار المجلس نعم العبرة بعكسه في الشفعة والرهن كما يعلم من محلهما لأن مدار الشفعة على اتحاد الملك وعدمه والرهن على اتحاد الدين وعدمه فلو اشترى وكيل لرجلين شيئا فخرج معيبا لم يكن لأحدهما الرد أي إفراد نصيبه بالرد بالعيب كما لو اشترى شيئا ومات عن ابنين وخرج معيبا لم يكن لأحدهما الرد بالعيب ولو اشتريا له وكالة رد جوازا عقد أحدهما بالعيب ولو باع لهما وكالة لم يرد نصيب أحدهما بالعيب أو باعا له وكالة رد جوازا نصيب أحدهما بالعيب اعتبارا بالعاقد في الخمس وحيث لا رد فلكل ممن امتنع عليه الرد من أحد الموكلين أو الابنين أو المشتري الأرش على البائع ولو لم ييأس من رد صاحبه لظهور تعذر الرد باب خيار المجلس والشرط الخيار ضربان خيار نقص وسيأتي وخيار ترو وهو ما يتعلق بمجرد التشهي وله سببان المجلس والشرط كما عبر بهما الأصل لا خيار لهما وإن عبر بهما المصنف حيث قال خيار التروي يتعلق بسببين الأول منهما خيار المجلس بدأبه لثبوته بالشرع بلا شرط فيثبت في كل عقد معاوضة محضة وهي التي تفسد
47
47
بفساد عوضها واقعة على العين لا المنفعة ولو استعقب العقد المذكور عتقا كالبيع ولو لمن يعتق على المشتري كأبيه وابنه قال صلى الله عليه وسلم البيعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار أي التخاير فإنه ملزم كتفرقهما وقال البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما للآخر اختر رواهما الشيخان وقوله أو يقول قال في المجموع منصوب بأو بتقدير إلا أن أو إلى أن ولو كان معطوفا لجزمه فقال أو يقل وخرج بالمعاوضة غيرها كالهبة والإبراء وصلح الحطيطة والوقف والعتق والطلاق وبالمحضة غيرها كالصلح عن دم والنكاح والخلع فلا خيار في شيء منها لأنه ليس بيعا والخبر إنما ورد في البيع وسيأتي بعض ذلك واعلم أن الخيار في البيع رخصة شرع للتروي ودفع الضرر فهو عارض والأصل لزومه لا بمعنى أنه عرض بعد اللزوم بل بمعنى أن البيع من العقود التي يقتضي وضعها اللزوم ليتمكن العاقد من التصرف فيما أخذه آمنا من نقض صاحبه عليه أو بمعنى أن الغالب من حالاته اللزوم ذكره الرافعي والسلم أي وكالسلم والتولية والتشريك وصلح المعاوضة على غير منفعة ولو في عقد تولى الأب وإن علا طرفيه كبيع مال نفسه لولده أو عكسه لظاهر الخبر السابق في غير الأخيرتين وأما في الأخيرتين فلأن الأب أقيم مقام الشخصين في صحة العقد فكذا في الخيار ولفظ الخبر ورد على الغالب فإن فارق الأب مجلسه أو اختار لهما اللزوم لزم أو اختار لنفسه بقي الخيار للولد وكذا بالعكس كما في البسيط وخرج بصلح المعاوضة صلح الحطيطة لأنه هبة أو إبراء ولا يثبت الخيار في العقود الجائزة من الجانبين كالشركة والقراض والوكالة الوديعة والعارية والقرض والجعالة أو من أحدهما كالكتابة والرهن لأنها ليست بيعا ولأن الجائز في حقه بالخيار أبدا فلا معنى لثبوته له والآخر وطن نفسه على الغبن المقصود دفعه بالخيار لكن لو كان الرهن مشروطا في بيع وأقبضه قبل التفرق أمكن فسخه بأن ينفسخ البيع فينفسخ وهو تبعا ذكره الأصل ولا يثبت في الوقف والهبة كما مر ولإن كانت الهبة ذات ثواب لأنها لا تسمى بيعا كذا قاله الشيخان هنا لكن حاصل كلامهما في بابها أنها بيع وأنه يثبت فيها الخيار وحمل ما هنا على القول بأنها هبة وإن قيدت بثواب معلوم وهناك على القول بأن المقيدة بثواب معلوم بيع ويؤيده تعليلهم هنا بأنها لا تسمى بيعا قال الأذرعي والصواب ما هناك فقد جزم به الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والمحاملي والدارمي وابن الصباغ والجرجاني والعمراني وغيرهم ولا في الشفعة فلا خيار فيهما للمشتري إذ الشقص مأخوذ منه قهرا ولا للشفيع وإن كانت معاوضة محضة إذ يبعد تخصيص خيار المجلس بأحد الجانبين
وخالف الرافعي فصحح في بابها ثبوته للشفيع واستدركه عليه في الروضة فصحح المنع وحكاه عن الأكثرين وإذا قلنا به فهل معناه أن يتخير في المجلس بعد الأخذ بين رد الملك وإمساكه أو أنه يتخير فيه قبل الأخذ بين الأخذ و تركه وجهان أصحهما في المجموع الأول فالمراد بالمجلس مجلس التملك و لا في الحوالة لأنها جعلت معاوضة ليست على قواعد المعاوضات إذ لو كانت كذلك لبطلت لامتناع بيع الدين بالدين ولا في النكاح لأنه ليس بيعا ولأنه وارد على منفعة فكان كالإجارة وسيأتي و في الصداق وعوض الخلع لأنهما وإن قدر استقلالهما لا خيار فيهما تبعا للنكاح والخلع و لا في المساقاة والإجارة أيضا وإن كانتا من عقود المعاوضة المحضة لئلا يجتمع غرر وروده على معدوم وغرر الخيار ولأن المنفعة تفوت بمضي الزمن فألزمنا العقد لئلا يتلف جزء من المعقود عليه لا في مقابلة العوض وقضية العلة الأولى عدم ثبوت الخيار في السلم وليس كذلك كما مر
48
48
وقضية كل من العلتين عدم ثبوته في البيع الوارد على منفعة كحق الممر ظاهر كلامهم أو صريحه يخالفه قال القفال وطائفة ومحل الخلاف في إجارة العين أما إجارة الذمة فيثبت فيها الخيار قطعا كالسلم ذكره الأصل وقيل يثبت أيضا في الإجارة المقدرة بمدة وصححه النووي في تصحيح التنبيه والمشهور خلافه وإذا اشترى من يعتق عليه فالعتق موقوف سواء قلنا المالك موقوف أم لا حتى يتفرقا أو يختار اللزوم فيتبين أنه عتق من حين الشراء ويثبت الخيار في شراء الجمد ولو بشدة الحر بحيث ينماع بها لا في شراء العبد نفسه لأن مقصود العتق كالكتابة والترجيح فيها وفي التي قبلها بالنسبة للشراء في شدة الحر من زيادته وبه صرح في المجموع قال الزركشي في الثانية وهذا بالنسبة للعبد فقط لأنه من جهة السيد بيع ومن جهة العبد يشبه الفداء كما لو أقر بحريته ثم اشتراه يثبت الخيار للبائع دونه وفي الصورتين يتبعض خيار المجلس ابتداء ويثبت في قسمة الرد فقط أي دون قسمتي الإفراز والتعديل سواء جرتا بإجبار أم بتراض وسواء قلنا إنهما في حالة التراضي بيع أم لا لأنه لو امتنع منهما الشريك أجبر عليهما والإجبار ينافي الخيار قال الأذرعي وترجيح الشيخين ذلك على القول بأنهما بيع تبعا فيه ترجيح البغوي وغيره جزم به الماوردي والذي جزم به الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والمحاملي والدارمي وابن الصباغ والجرجاني والعمراني وغيرهم ثبوت الخيار ولو شرطا نفي خيار المجلس بطل البيع لأنه ينافي مقتضاه فأشبه ما لو شرط أن لا يسلم المبيع ولو قال لعبده إن بعتك فأنت حر فباعه عتق لأن عتق البائع في مدة الخيار نافذ بخلاف ما لو باعه بشرط نفي الخيار لا يعتق لعدم صحة البيع فصل وينقطع خيار المجلس إما بالتخاير من العاقدين نحو تخايرنا العقد أو اخترناه أو ألزمناه أو أمضيناه أو اخترنا إبطال الخيار أو إفساده فلو قال أحدهما لصاحبه اختر انقطع خيار القائل ولو لم يختر صاحبه لتضمنه الرضا باللزوم ولو اختار أحدهما لزومه سقط خياره وبقي خيار الآخر واحتمل تبعيض الخيار لوقوعه دواما والفسخ مقدم على الإجازة فلو فسخ أحدهما وأجاز الآخر قدم الفسخ وإن تأخر عن الإجازة لأن إثبات الخيار إنما قصد به التمكن من الفسخ دون الإجازة لأصالتها وتبايعها في العوضين ولو ربويين بعد القبض لهما بيعا ثانيا إجازة للأول لأنه رضي بلزومه ويصح الثاني ويثبت فيه الخيار ولو أجازا في الربوي وتفرقا قبل التقابض بطل العقد وقد سبق بيانه في الربا عبارة الأصل هنا ولو أجازا في عقد الصرف قبل التقابض فوجهان أحدهما تلغو الإجارة فيبقى الخيار والثاني يلزم العقد وعليهما التقابض فإن تفرقا قبله انفسخ العقد ولا يأثمان إن تفرقا عن تراض وإن انفرد أحدهما بالمفارقة أثم ورجح في المجموع الثاني
وإما بالتفرق بأبدانهما عن مجلس العقد للخبر السابق فلو أقاما فيه مدة أو تماشيا مراحل فهما على خيارهما وإن زادت المدة على ثلاثة أيام أو أعرضا عما يتعلق بالعقد ويحصل بأن يفارق أحدهما الآخر من المجلس ولو ناسيا أو جاهلا وإن استمر الآخر فيه لأن التفرق لا يتبعض بخلاف التخاير وكان ابن عمر راوي الخبر إذا ابتاع شيئا فارق صاحبه رواه البخاري وروى مسلم قام يمشي هنية ثم رجع وعليه يحمل ما رواه الترمذي أنه إذا ابتاع شيئا وهو قاعد قام ليجب له وقضية ذلك حل الفراق خشية أن يستقيله صاحبه وهو مشكل بما رواه الترمذي وحسنه أنه صلى الله عليه وسلم قال البيعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن تكون صفقة خيار ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله وقد يجاب بحمل الحل في الخبر على الإباحة المستوية الطرفين ويعتبر في التفرق العرف فإن
49
49
كانا في سفينة أو دار أو مسجد صغير كل منهما فبخروج أحدهما منه أو صعوده إلى السطح ينقطع الخيار وإن كانا في دار كبيرة فبالخروج من البيت إلى الصحن أو من الصحن إلى الصفة أو البيت وإن كانا في سوق أو صحراء أو بيت متفاحش السعة فبأن يولي أحدهما الآخر ظهره ويمشي قليلا ولو لم يبعد عن سماع خطابه ولا يحصل التفرق بإقامة ستر ولو ببناء جدار بينهما لأن المجلس باق نعم إن بنياه أو بني بأمرهما حصل التفرق جزم به الغزالي في بسيطه والقاضي مجلي وذكر نحوه الإمام وغيره قال الأذرعي وهو المتجه لدلالته على المفارقة وخالف والد الروياني فصحح عدم الحصول بذلك فرع لو تناديا بالبيع من بعد ثبت لهما الخيار وامتد ما لم يفارق أحدهما مكانه فإن فارقه ووصل إلى موضع لو كان الآخر معه بمجلس العقد عد تفرقا بطل خيارهما قال ابن الرفعة هذا إذا لم يقصد جهة الآخر وإلا فالذي يظهر القطع بدوام الخيار وحكم ما تبايعا بالمكاتبة تقدم في أوائل البيع فرع وإن مات العاقدان أو أحدهما في المجلس قام الوارث ولو عاما أو الموكل أو السيد أي سيد المكاتب أو المأذون له مقامه في ثبوت الخيار له كخيار الشرط والعيب سواء فيه عقد الربا وغيره فإن كان الوارث طفلا أو مجنونا أو محجورا عليه بسفه نصب الحاكم من يفعل له ما فيه مصلحته من فسخ وإجارة وعجز المكاتب كموته قاله في المجموع فإن كان الوارث مثلا أي وارث أحد العاقدين حاضرا في المجلس ثبت له مع العاقد الآخر الخيار وامتدا إلى أن يتفرقا أو يتخايرا وإن كان غائبا ووصله الخبر فإلى أي فيثبت له الخيار ويمتد إلى أن يفارق مجلس الخبر لأنه خليفة مورثه فليثبت له مثل ما يثبت له هذا ما قاله الأكثرون كما قاله الرافعي وصححه النووي وبنى طائفة منهم المتولي كيفية ثبوت الخيار له على وجهين في كيفية ثبوته للمعنى أحدهما أن له الخيار ما دام في مجلس العقد فعليه يكون خيار الوارث في المجلس الذي يشاهد فيه المبيع ليتأمله والثاني يتأخر خياره إلى أن يجتمع مع الوارث في مجلس فحينئذ يثبت الخيار للوارث فرع لو ورثه جماعة حضور في مجلس العقد لم ينقطع خيارهم بفراق بعضهم له بل يمتد حتى يفارقوه كلهم لأنهم كلهم كالمورث وهو لا ينقطع خياره إلا بمفارقة جميع بدنه أو غائبون عن المجلس ثبت لهم الخيار إذا اجتمعوا في مجلس واحد كذا نقله الأصل عن المتولي حيث قال وإن كانوا غائبين قال في التتمة أن قلنا في الوارث الواحد يثبت الخيار في مجلس مشاهدة المبيع فلهم الخيار إذا اجتمعوا في مجلس واحد لأن النيابة لهم كلهم ولا حاجة إلى تبعيض الخيار فجعلنا الأمر موقوفا على اجتماعهم وإن قلنا له الخيار اجتمع هو والعاقد فكذا لهم الخيار إذا اجتمعوا به انتهى بزيادتي للتعليل من كلام المتولي وهو إنما قال ذلك بناء على ما قدمه في كيفية ثبوت الخيار للغائب الواحد وقد عرفت أنه ضعيف والموافق للصحيح الذي عليه الأكثرون ثم أن يثبت لهم الخيار بوصول الخبر إليهم وأن ينقطع بمفارقة المتأخر فراقه منهم مجلسه ويثبت الخيار للعاقد الباقي ما دام في مجلس العقد سواء أكان لوارث الغائب واحد أم متعدد نعم إن فارق أحدهما مجلسه دون الآخر انقطع خيار الآخر أخذا مما لو كانا في مجلس واحد وينفسخ العقد بفسخ بعضهم في نصيبه أو في الجميع ولو أجاز الباقون كما لو فسخ المورث في البعض وأجاز في البعض ولا يبعض الفسخ للإضرار بالحي ولا يرد عليه ما لو مات مورثهم واطلعوا على عيب بالمبيع ففسخ بعضهم لا ينفسخ في الباقي لأن للضرر ثم جابرا وهو الأرش ولا جابر له هنا ولو أجاز الوارث أو فسخ قبل علمه بموت مورثه وقلنا من باع مال من مورثه ظانا حياته يصح قال الإمام فالوجه نفوذ فسخه دون إجازته لأنها رضا وإنما يتحقق الرضا مع العلم وفيه احتمال وبه أجاب في البسيط ولو اشترى الولي لطفله شيئا فبلغ رشيدا قبل التفرق لم ينتقل إليه الخيار وهل يبقى للولي وجهان حكاهما في البحر عن والده وأجراهما في خيار الشرط والأوجه بقاؤه له مع أن
50
50
في جزمه بعدم انتقاله للرشيد نظرا
فرع متى حمل
العاقد فأخرج من المجلس مكرها بغير حق لم ينقطع خياره لأنه لم يفعل شيئا وكذا إذا أكره على الخروج منه فخرج لم ينقطع خياره ولو لم يسد فمه لأن فعل المكره كلا فعل والسكوت عن الفسخ لا يقطع الخيار كما في المجلس وهذا بخلاف الناسي والجاهل كما مر لتقصيرهما وكلامه شامل للربوي وهو موافق لما قدمته في بابه لكن المنقول خلافه كما مر بيانه ثم فإن زايله أي فارقه الإكراه في مجلس فله الخيار فيه حتى يفارقه أو مارا فحتى يفارق مكانه الذي زايله في الإكراه وليس عليه أن يرجع إلى مجلس العقد ليجتمع مع صاحبه وإن قصر الزمن ولو لم يخرج معه صاحبه بطل خياره لا أن منع من الخروج معه فلا يبطل ولو هرب أحدهما ولم يتبعه الآخر بطل خياره كخيار الهارب ولو لم يتمكن منه أي من أن يتبعه لتمكنه من الفسخ بالقول ولأن الهارب فارق مختارا بخلاف المكروه فإنه ولو لم يتمكن منه أي من أن يتبعه لتمكنه من الفسخ بالقول ولأن الهارب فارق مختارا بخلاف المكره فإنه لا فعل له ولا يشكل ذلك بعدم حنثه فيما لو حلف لا يفارق غريمه ففارقه غريمه وأمكنه متابعته فلم يتبعه لأن الحكم هنا منوط بالتفرق وهو يحصل بوجود الفرقة من كل منهما وهناك منوط بالمفارقة من الحالف نعم لو قال والله لا نفترق كان حكمه كما هنا أما إذا تبعه فالخيار باق ما لم يتباعدا كما حكماه في المجموع عن المتولي وأقره وفي الكفاية عن القاضي ضبطه بفوق ما بين الصفين وفي البسيط إن لحقه قبل انتهائه إلى مسافة يحصل بمثلها المفارقة عادة فالخيار باق وإلا فلا أثر للحوقه فرع فإن جن العاقد أو أغمي عليه قام الولي ولو عاما مقامه في الخيار كخيار الشرط والعيب ويفعل الولي ما فيه الحظ من فسخ وإجازة فلو فارق المجنون أو المغمى عليه المجلس لم يؤثر كما صححه الماوردي وجزم به الغزالي وغيره وإن خرس بكسر الراء ولم تفهم إشارته ولا كتابة له نصب الحاكم نائبا عنه كما لو جن وإن تأتت الإجازة منه بالتفرق وليس هو محجورا عليه وإنما الحاكم ناب عنه فيما تعذر منه بالقول كما ينوب في البيع لوفاء الدين عن الممتنع منه أما إذا أفهمت إشارته أو كان له كتابة فهو على خياره وإن اختلفا في التفرق فالقول قول منكره بيمينه وإن طال الزمن لموافقته الأصل وكذا لو ادعى أحدهما الفسخ قبل التفرق وأنكر الآخر فالقول قول المنكر بيمينه لذلك وإن اتفقا على عدم التفرق وادعى أحدهما الفسخ وأنكر الآخر فدعوى الفسخ فسخ كما لو اتفق الزوجان على بقاء العدة واختلفا في الرجعة فإن دعوى الزوج لها رجعة كما سيأتي في بابها السبب الثاني خيار الشرط ويجوز شرط الخيار ثلاثة أيام فما دونها لخبر الصحيحين عن ابن عمر قال ذكر رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يخدع في البيوع فقال له من بايعت فقل له لا خلابة ورواه البيهقي بإسناد حسن بلفظ إذا بايعت فقل لا خلابة ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال وفي رواية للدارقطني عن عمر فجعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدة ثلاثة أيام وسمى الرجل في هذه الرواية حبان بن منقذ بفتح المهملة وبالموحدة وفي التي قبلها منقذا والده بالمعجمة و به جزم البخاري في تاريخه وصححه النووي في مهماته وبالأول جزم البيهقي والنووي في شرح مسلم وهما صحابيان أنصاريان وسيأتي الكلام على قوله لا خلابة والذي في الخبر اشتراط الخيار من المشتري وقيس به البائع ويصدق ذلك باشتراطهما معا وخرج بالثلاثة ما فوقها وشرط الخيار مطلقا كما سيأتي لأن ثبوت الخيار على خلاف القياس لأنه غرر فيقتصر على مورد النص وجاز أقل منها بالأولى معينا زمنه فلا يصح مطلقا ولا مجهولا
وسيأتي إن لم يفصله عن العقد فإن فصله عنه لم يصح لأن ثبوته بالشرط وقد وجد في العقد ولأن فصله يؤدي إلى جواز العقد بعد لزومه وهو ممنوع ولهذا لو أسقطا أول المدة المشروطة سقطت كلها كما سيأتي ولو شرطاه في اليوم الأول والثالث دون الثاني بطل العقد لا فيما يتلف في المدة كبقل شرط في بيعه الخيار ثلاثة أيام فلا يصح ولا في الربوي والسلم فلا يصح شرط الخيار فيهما لأن ما شرط فيه القبض في المجلس لا يحتمل الأجل فأولى أن لا يحتمل الخيار لأنه أعظم غررا منه لمنعه الملك أو لزومه ولما في السلم من غرر إيراد عقده على معدوم فلا يضم إليه غرر الخيار وذكر حكم الربوي والسلم من زيادته هنا وقد ذكره كأصله بعد أيضا والاقتصار عليه ثم أولى فإن أطلق شرط الخيار أو ذكر له مدة مجهولة كبعض يوم أو إلى أن يجيء زيد
51
51
بطل العقد للغرر ولو قالا إلى يوم أو ساعة صح ويحمل على يوم العقد فإن عقد نصف النهار فإلى مثله وتدخل الليلة للضرورة كذا في التتمة قال ابن الرفعة وفيه نظر لأن في نظيره من الإجارة لم يجعل اليوم محمولا على يوم العقد ولم يظهر فيه فرق بينهما انتهى وليس كما قال بل ما في الإجارة نظير ما هنا وبتقدير صحة ما قاله يظهر الفرق بأن الإجارة أصل والخيار تبع فاغتفر في مدته ما لم يغتفر في مدتها
ووقت طلوع الشمس معلوم فيصح تعيين المدة به وكذا طلوعها وقول الزبيري أنه لا يصح لأنه مجهول لاحتمال الغيم فلا تطلع بعيد إذ الغيم إنما يمنع الإشراق لا الطلوع ويجتهد في الغيم ويعمل بما غلب على الظن قال في الأصل واتفقوا على أنه يجوز أن يقول إلى الغروب وإلى وقت الغروب قال في المجموع نقلا عن الزبيري لأن الغروب لا يستعمل إلا في وقت سقوط قرص الشمس أي فلا فرق بين الغروب ووقته ويؤخذ منه الفرق على المرجوح بين الغروب والطلوع بأن الطلوع قد يستعمل في الإشراق بخلاف الغروب لا يستعمل إلا فيما مر والقائل بالصحة في الطلوع كالغروب يقول استعماله في وقت الطلوع أكثر فكان هو الأصح ولو تبايعا نهارا بشرط الخيار إلى الليل أو عكسه لم يدخل فيه الليل والنهار كما لو باع بألف إلى رمضان لا يدخل رمضان في الأجل فرع وإن خصص العاقد أحد العبدين مثلا لا بعينه بالخيار أو بزيادة فيه على الخيار في الآخر كأن شرط فيه خيار يوم وفي الآخر يومين لم يصح العقد فإذا عينه صح كبيعه فيهما وإذا شرطه أي الخيار فيهما لم يكن له رد أحدهما ولو تلف الآخر كما في رده بالعيب وإن اشتريا عبدا في صفقة بشرط الخيار فلأحدهما الفسخ في نصيبه كالرد بالعيب ولو باع شيئا على أنه إن لم ينقده أي يعطه الثمن لثلاث من الأيام فلا بيع بينهما أو إنه إن رد الثمن في الثلاثة فلا بيع بينهما لم يصح كما لو تبايعا بشرط أنه إن قدم زيد اليوم فلا بيع بينهما فرع قوله أي العاقد لا خلابة بكسر الخاء المعجمة عبارة في الشرع عن اشتراط خيار الثلاث ومعناها لغة لا غبن ولا خديعة فإن أطلقاها عالمين لا جاهلين ولا جاهلا أحدهما بمعناها صح أي ثبت الخيار وإن أسقط من شرط له الخيار ثلاثة أيام خيار اليوم الأول بطل الكل قال في المجموع وإن أسقط خيار الثالث لم يسقط ما قبله أو خيار الثاني بشرط أن يبقى الثالث سقط خيار اليومين جميعا لأنه كما لا يجوز أن يشرط خيارا متراخيا عن العقد لا يجوز أن يستبقي خيارا متراخيا وإنما أسقطنا اليومين تغليبا للإسقاط لأن الأصل لزوم العقد وإنما جوزنا خيار الشرط رخصة فإذا عرض له خلل حكم بلزوم العقد فرع ابتداء مدة الخيار الثابت بالشرط من العقد لا من التفرق لأن ثبوته بالشرط وقد وجد في العقد ولا بعد في ثبوته إلى التفرق بجهتي المجلس والشرط كما يثبت بجهتي الخلف والعيب ولأن التفرق مجهول فاعتباره يؤدي إلى جهالة ابتداء المدة كالأجل فإن ابتداءه من العقد لا من التفرق وإن شرط الخيار في المجلس فمن أي فابتداؤه من حين شرط فإن شرط في العقد أو بعده في المجلس ابتداءه من التفرق بطل العقد للجهالة وإن انقضت المدة المشروطة وهما في المجلس بقي خياره أي المجلس فقط وإن تفرقا والمدة باقية فبالعكس أي فيبقى خيار الشرط فقط ويجوز إسقاط الخيارين أو أحدهما فيسقط ما أسقطه فيهما ويبقى الآخر في الثانية فإن أطلقا الإسقاط كأن قالا ألزمنا العقد أو أسقطنا الخيار سقط وله أي لأحد العاقدين الفسخ في غيبة صاحبه كالإجارة والطلاق وبلا إذن حاكم لأنه فسخ متفق على ثبوته بخلاف الفسخ بالعنة قال الخوارزمي ويستحب أن يشهد حتى لا يؤدي إلى النزاع فصل يثبت خيار الشرط حيث يثبت خيار المجلس فهما متلازمان لا في الربوي والسلم فلا يثبت
52
52
فيهما خيار الشرط وإن ثبت فيهما خيار المجلس كما مر بيانه
فصل ويجوز
للعاقدين شرطه أي الخيار لهما ولأحدهما بالإجماع نعم إن استعقب الملك العتق كأن اشترى من يعتق عليه وشرط الخيار له وحده لم يجز لعتقه عليه فيلزم من ثبوت الخيار عدم ثبوته و يجوز التفاضل فيه كأن يشرطا لأحدهما خيار يوم وللآخر خيار يومين أو ثلاثة قال الروياني ولو شرطا خيار يوم فمات أحدهما في أثنائه فزاد وارثه مع الآخر خيار يوم آخر احتمل وجهين أشبههما الجواز وكذا يجوز للعاقد لنفسه شرطه للأجنبي أو العبد المبيع لأن الحاجة قد تدعو إلى ذلك لكونه أعرف بالمبيع سواء شرطاه لواحد أم أحدهما لواحد والآخر لآخر قال الزركشي والأقرب اشتراط بلوغه لا رشده وشمل كلامهم ما لو شرطاه لكافر والمبيع عبد مسلم أو لمحرم والمبيع صيد وبه صرح الروياني فقال بعد نقله عن والده عدم الجواز احتمالا في الأولى وجزما في الثانية الأصح عندي الجواز فيهما ولا يثبت الخيار معه أي مع شرطه للأجنبي أو العبد المبيع للشارط اقتصارا على الشرط وفي معنى العبد الأمة فلو مات الأجنبي ثبت الخيار له أي للشارط ولو اشترى شيئا على أن يؤمرا فلانا فيأتي بما يأمره به من فسخ وإجازة ولم يقيد بالثلاث فما دونها لم يصح كما لو باع بشرط الخيار مطلقا وإلا أي وإن قيد بذلك صح ويأتي بما يأمره به فلان من فسخ وإجازة فإن فسخ ولم يؤامره لم ينفسخ عملا بالشرط وإذا مضت المدة ولم يؤامره وآمره ولم يشر عليه بشيء لزم العقد قاله البغوي وغيره وقضية قولهم فلانا أنه لو لم يعين أحدا بل قال على أن أشاور كما يقع كثيرا لم يكف قال الأذرعي والظاهر أنه يكفي وهو شارط الخيار لنفسه ولو شرط الوكيل في البيع أو الشراء الخيار للموكل أو لنفسه ولو بلا إذن صح لأنه لا يضر موكله وإن اشترطه لمن يبايعه بأن شرطه وهو وكيل في البيع للمشتري أو وكيل في الشراء للبائع بطل العقد ولا يتجاوز الخيار من شرطه فلو شرط للوكيل لم يثبت للموكل وبالعكس ولو أذن له فيه موكله وأطلق فلم يقل لي ولا لك فاشترطه الوكيل وأطلق ثبت له دون الموكل لأن معظم أحكام العقد متعلقة به وحده
ولا يلزم العقد برضا الموكل لأن الخيار منوط برضا وكيله وهذا من زيادته وفي الروضة لو حضر مجلس العقد ومنع وكيله من الفسخ والإجازة لم يؤثر على الأرجح لأنه من لوازم السبب السابق وهو البيع وكخيار المجلس فيما قاله خيار الشرط لتلازمهما غالبا كما مر ولا يفعل الوكيل حيث ثبت له الخيار إلا ما فيه حظ الموكل لأنه مؤتمن بخلاف الأجنبي المشروط له الخيار لا يلزمه رعاية الحظ قال في الأصل كذا ذكروه ولقائل أن يجعل شرط الخيار له ائتمانا وهذا أظهر إذا جعلنا نائبا عن العاقد يعني بناء على أن شرط الخيار له توكيل أي فإن جعلنا تمليكا كما اقتضاه كلامهم تخير كالمالك إذا شرط له الخيار ومن ثم قال الغزالي في فتاويه كما نقله عنه الزركشي لو قال الأجنبي عزلت نفسي لم ينعزل تنبيه قال البلقيني لو عزل الموكل
53
53
وكيله في زمن خيار المجلس قبل التفرق ففي البحر أن البيع يبطل وكذا لو مات الموكل في المجلس يبطل البيع لبطلان الوكالة قبل تمام البيع واستشكله تلميذه العراقي بموت الوكيل فإن الوكالة تبطل ومع ذلك فالبيع مستمر قطعا وينتقل الخيار للموكل على الأصح ويجاب بأنه لا يلزم من بطلان البيع بموت من يقع له العقد وينتقل إليه الخيار في الجملة بطلانه بموت غيره هذا وفيما قاله في البحر حكما وتعليلا نظر
فصل الملك
في المبيع في زمن الخيار لمن انفرد بالخيار من بائع ومشتر لنفوذ تصرفه فيه وانفراده بخيار المجلس بأن يختار الآخر لزوم العقد ولا بأن كان الخيار لهما فموقوف أي الملك فإن تم البيع بان أن الملك للمشتري من حين العقد وإلا فللبائع لأن البيع سبب زواله إلا أن شرط الخيار يشعر بأنه لم يرض بعد بالزوال جزما فوجب انتظار الآخر قال الزركشي وقضية التعليل تخصيص ذلك بخيار الشرط وليس كذلك بل خيار المجلس كذلك أي كما صرح به الرافعي نفسه كغيره وظاهر أنهما لو شرطاه لأجنبي مطلقا أو عنهما كان الملك موقوفا أو عن أحدهما كان لذلك الأحد ولا يخفى ما في قوله الملك لمن انفرد بالخيار من الإبهام لأن من ينفرد به قد يكون أحد العاقدين وقد يكون غيرهما وإذا كان أحدهما فقد يعقد لنفسه وقد يعقد لغيره وليس المراد الكل كما لا يخفى والثمن أي المالك فيه للآخر إن انفرد صاحبه بالخيار أو موقوف إن كان الخيار لهما ولو اجتمع خيار المجلس وخيار الشرط لأحدهما فهل يغلب الأول فيكون الملك موقوفا أو الثاني فيكون لذلك الأحد الظاهر ما اقتضاه كلامهم الأول لأن خيار المجلس كما قال الشيخان أسرع وأولى ثبوتا من خيار الشرط لأنه أقصر غالبا وقول الزركشي الظاهر الثاني لثبوت خيار الشرط بالإجماع بعيد كما لا يخفى فلو حصلت زوائد منفصلة في زمن الخيار كلبن وبيض وثمر ومهر وكسب فهي لمن له الملك وهو من انفرد بالخيار وإلا فموقوفة كالبيع فيهما أما المتصلة فتابعة للأصل والحمل الموجود عند البيع كالأم في أنه مبيع لمقابلته بقسط من الثمن كما لو بيع معها بعد الانفصال لا كالزوائد الحاصلة في زمن الخيار فهو مع أمه كعينين بيعتا معا فإن فسخ البيع فهما للبائع وإلا فللمشتري بخلاف ما إذا حدث في زمن الخيار فإنه من الزوائد فرع ولمن له الملك في المبيع بأن كان الخيار له وحده عتقه أي اعتاقه في زمن الخيار لا للآخر فليس له إعتاقه فلو أعتقه لم ينفذ ولو آل الملك إليه لعدم ملكه له حين إعتاقه وإن كان الخيار لهما وأعتقه البائع نفذ إعتاقه لأنه بسبيل من الفسخ والإعتاق يتضمنه فينتقل الملك إليه قبيله أو أعتقه المشتري فموقوف أي العتق فإن تم البيع بان نفوذه وإلا فلا فرع ومتى وطئها أي الأمة المبيعة في زمن الخيار من انفرد بالخيار حل أي الوطء لنفوذ تصرفه فيها واستشكل حل وطء المشتري بأنه يتوقف على الاستبراء وهو غير معتد به في زمن الخيار على الأصح وأجاب عنه ابن الرفعة بأن المراد بحل الوطء حله المستند للملك لا للاستبراء أي ونحوه كحيض وإحرام على أنه قد لا يجب الاستبراء بأن يشتري زوجته فلا يحرم وطؤها في زمن الخيار من حيث الاستبراء وإلا بأن كان الخيار لهما فيحرم عليهما الوطء لعدم الملك ولا حد على الواطئ لشبهة الاختلاف فيمن له الملك منهما في زمن الخيار والتصريح بقوله ولا حد من زيادته هنا ثم لا مهر على البائع بوطئه وينفذ استيلاده حيث أولدها إن كان
54
54
الخيار فيهما له أو لهما لأن وطأه في الأولى وقع في ملكه وفي الثانية يتضمن الفسخ فينتقل الملك إليه قبيله بخلاف ما إذا كان الخيار للمشتري وسيأتي فإن وطئها المشتري بلا إذن من البائع والخيار للبائع دونه فوطؤه لها حرام لعدم الملك ولا حد عليه مطلقا لشبهة الاختلاف كما مر ويلزمه المهر للبائع مطلقا أي سواء تم البيع أم لا لأنه وطئ أمة غيره بشبهة ومعلوم أن قوله بلا إذن قيد في الأخيرة فقط وكذا يلزمه المهر لو كان الخيار لهما ولم يتم البيع بأن فسخ لا إن تم بناء على أن الملك موقوف فيهما والولد الحاصل منه حر نسيب في الأحوال كلها أي فيما إذا كان الخيار له أو للبائع أو لهما للشبهة وحيث يلزمه المهر لا يثبت استيلاده وإن ملك الأمة بعد الوطء لانتفاء ملكه لها حين العلوق وتلزمه قيمة الولد للبائع لأنه فوت عليه رقه فإن وطئها البائع والخيار للمشتري دونه فكما لو وطئ المشتري والخيار للبائع دونه في وجوب المهر و ثبوت الاستيلاد و وجوب القيمة وسقوط الحد يعني عدم وجوبه وذكره من زيادته هنا ولو قال والحد كان أولى وأخصر فرع لو تلف المبيع بآفة سماوية بعد القبض والخيار للبائع وحده انفسخ البيع لأنه ينفسخ بذلك عند بقاء يده فعند بقاء ملكه أولى ولأن نقل الملك بعد التلف لا يمكن وإن كان المبيع مودعا معه فإن البيع ينفسخ بتلفه لأن يده كيد المشتري ويرد أي البائع عليه الثمن وله في المسألتين على المشتري القيمة في المتقوم والمثل في المثلي كضمان المستعير والمستام ولو كان الخيار للمشتري وحده أو لهما فتلف المبيع بعد قبضه لم ينفسخ أي البيع لدخوله في ضمانه بالقبض ولم ينقطع الخيار كما لا يمتنع التحالف بتلف المبيع ويفارق امتناع الرد بالعيب بعد التلف لأن الضرر ثم يندفع بالأرش ولزم المشتري الثمن إن تم العقد وإن فسخ فالقيمة أو المثل على المشتري واسترد الثمن والقول عند التنازع في قدرها أي القيمة قوله بيمينه لأنه الغارم لها ولو أتلفه متلف ولو بعد قبضه والخيار للبائع وحده انفسخ البيع كما في صورة التلف وإن كان الخيار لهما أو للمشتري وحده وأتلفه أجنبي ولو قبل القبض لم ينفسخ أي البيع لقيام البدل اللازم له من قيمة أو مثل مقامه وقد ذكر لزوم القيمة له بقوله وتلزم القيمة للمشتري لفوات عين المبيع والخيار بحاله وإن أتلفه المشتري ولو قبل القبض والخيار له أو لهما استقر عليه الثمن لأنه بإتلافه المبيع قابض له كما لو أتلف المالك المغصوب في يد الغاصب أو أتلفه البائع ولو بعد القبض فكتلفه بآفة وتقدم بيان ما إذا تلف بعد القبض وسيأتي بيان ما إذا تلف قبله وإن تلف بعض المبيع وكان مما يفرد بالبيع كعبدين تلف أحدهما في زمن الخيار ولو بعد القبض والخيار للبائع وحده انفسخ فيه أي في التلف دون الباقي وإلا بأن كان الخيار للمشتري أو لهما فلا ينفسخ لدخول المبيع في ضمانه بالقبض فرع التسليم للمبيع أو الثمن في مدة الخيار لا يجب لاحتمال الفسخ ولا يبطله أي التسليم الخيار فلو سلمه أحدهما تبرعا لم يبطل خياره ولا يجبر الآخر على تسليم ما عنده وإذا لم يبطل خياره فله استرداده بخلاف ما لو سلمه بعد اللزوم فرع لو اشترى زوجته بشرط الخيار ثم طلقها فيه أي في زمنه والخيار للبائع وقع الطلاق عليها لأنها محل له لبقاء ملك البائع عليها وكذا يقع إن فسخ البيع وهو أي والخيار لهما لتبين بقاء ملكه عليها لا إن تم البيع لتبين أنها ليست محلا للطلاق لملك الزوج لها وإن كان الخيار للمشتري وتم البيع لم يقع أيضا لأنها ملكه وإلا أي وإن لم يتم البيع بأن فسخ فوجهان أحدهما وهو ما اقتضاه كلام الرافعي في بابه كذلك بناء على أن الفسخ يرفع العقد من حينه والثاني يقع بناء على أنه يرفعه من أصله ويحرم عليه وطؤها في زمن الخيار الثابت له وحده لجهالة جهة المبيح له لأنه لا يدري أيطأ بالملك أو بالزوجية وإذا اختلفت الجهة وجب التوقف احتياطا للبضع بخلاف ما إذا كان الخيار للبائع أو لهما فيجوز الوطء بالزوجية لبقائها وزاد
55
55
في المجموع على منع حل الوطء فيما مر قال الروياني فإن تم البيع فهل يلزمه استبراؤها وجهان بناء على جواز الوطء إن حرمناه لزم وإلا فلا وإن انفسخ البيع فإن قلنا الملك للبائع أو موقوف فالنكاح بحاله أو للمشتري فوجهان أحدهما ينفسخ لملكه لها والثاني قال وهو ظاهر المذهب لا لأن ملكه غير مستقر قال الروياني ولو اشترى مطلقته ثم راجعها في زمن الخيار فإن تم البيع فالرجعة باطلة وإن فسخ وقلنا الملك للبائع أو موقوف صحت أو للمشتري فوجهان انتهى
فصل يحصل الفسخ بفسخت
البيع واسترجعت المبيع ونحوه كأزلت البيع ورفعته وقول من له الخيار لا أبيع إن كان بائعا ولا أشتري إن كان مشتريا حتى تزيد لي أو تنقص لي في الثمن أو الأجل وامتناع أي مع امتناع الآخر من ذلك فسخ للبيع وكذا طلب البائع حلول الثمن المؤجل وطلب المشتري تأجيل الثمن الحال مع امتناع الآخر من ذلك وقوله منهما من زيادته فرع عتق البائع الرقيق المبيع إن كان الخيار له ووطؤه الأمة المبيعة في قبلها أي كل منها فسخ أي متضمن له وإن لم ينوه به لإشعاره بعدم البقاء على البيع وظهور الندم ويخالف الرجعة حيث لا تحصل بالوطء لأنها لتدارك النكاح وابتداؤه لا يحصل بالفعل فكذا تداركه والفسخ هنا لتدارك الملك وابتداؤه يحصل بالقول والفعل كالسبي والاحتطاب فكذا تداركه وكان الأولى أن يقول إن كان له خيار ليشمل ما إذا كان الخيار لهما وإن يقدم الشرط على العتق والوطء جميعا أو يؤخره عنهما لأنه معتبر فيهما وكلام الأصل موف بالغرض ولا يؤثر في كون الوطء فسخا كونه حراما فيما إذا كان الخيار لهما والظاهر كما قال الأذرعي أن وطأه إنما يكون فسخا إذا علم أو ظن وهو مختار أن الموطوءة هي المبيعة ولم يقصد بوطئه الزنا وشمل كلامهم في مسألة العتق المنجز والمعلق وفي المعلق وجهان في البحر في باب الربا وكلام المصنف يشمل عتق البعض
وظاهر أنه يكون فسخا في الجميع ومع كون العتق فسخا هو صحيح إلا إنكاره البيع فليس فسخا لأنه لا يقتضي إزالة ملك وليس بعقد لازم بل يحتمل معه التردد في الفسخ والإجازة و لا مباشرته فيما دون الفرج فليست فسخا كالاستخدام وصحح الأذرعي تبعا لابن الرفعة أنها فسخ لأنها لا تباع إلا بالملك ثم قال ويشبه أن يكون محله في المباحة له لولا البيع وكذا الوطء أما لو كانت محرمة عليه بتمجس أو غيره فلا يكون فسخا قطعا ومن هذا وطء الخنثى واضحا وعكسه فلو اختاره الموطوء في الثانية الأنوثة بعده تعلق الحكم بالوطء السابق ذكره في المجموع في باب الأحداث وقياسه أنه لو اختار الواطئ في الأولى الذكورة بعده تعلق الحكم بالوطء السابق و لا الاستخدام كالركوب فليس فسخا لأن مقصود الخيار التروي ولا تمكن معرفته إلا بالاستخدام فلو جعلناه فسخا لفات المقصود ولو تصرف فيه ببيع وإجازة ونحو ذلك كالتزويج والرهن والهبة ولو من فرعه مع القبض فيهما صح كل منها وكان فسخا كالعتق ومعلوم أن الصحة تتأخر عن الفسخ فيقدر الفسخ قبيل التصرف كما يقدر الملك قبيل العتق فيما لو قال لغيره أعتق عبدك عني بكذا فأجابه وإذنه للمشتري في العتق و في التصرف ببيع أو إجارة أو تزويج أو طحن أو غيرها
و في الوطء مع تصرف المشتري ووطئه إجازة من الطرفين لدلالة كل منهما على اختيار التملك وصحيح نافذ كالعتق وكذا تصرف المشتري مع البائع كما صرح به الأصل أما مجرد الإذن له في شيء من ذلك فليس إجازة منه كما صرح به الأصل قال في المجموع وفيه نظر لأن العبرة بالدلالة على الرضا وهو حاصل بمجرد الإذن انتهى ولا تخفى أنه لا حاجة في كلام المصنف لذكر العتق لشمول التصرف له ولا لذكر النفوذ للاغتناء عنه بالصحة ولهذا ترك الأول في طرف المشتري والثاني في طرف البائع ويثبت بالوطء أي وطء المشتري بإذن البائع الاستيلاد لا مهر ولا قيمة الولد لأنه قد تبين أن الوطء وقع في ملكه وإن علم البائع بذلك أي بوطء المشتري أو تصرفه وسكت لم يكن سكوته إجازة منه كما لو سكت على وطء أمته لا يسقط به المهر فرع وطء المشتري بغير إذن البائع إجازة منه وكذا عتقه وتصرفه بغير إذن البائع وإن لم ينفذ بأن كان الخيار لهما لما فيه من إبطال خيار البائع بخلاف
56
56
عكسه لأن الفسخ أقوى من الإجارة لتقدمه عليها كما مر وأما عتقه فنافذ إن كان الخيار له أو لهما وتم البيع وما تقرر في وطء البائع وعتقه وتصرفه غيرها يأتي نظيره هنا وليس العرض على البيع ولا الإذن فيه ولا الهبة والرهن بلا إقباض فيهما إجازة من المشتري ولا فسخا من البائع لما مر في إنكار البيع ولو باع أحد العاقدين المبيع في زمن الخيار الثابت له أو لهما بشرط الخيار لنفسه أو لهما فقريب من الهبة قبل القبض يعني الخالية عن القبض كما عبر به الأصل فلا يكون فسخا ولا إجازة بناء على أنه لا يزول ملك البائع بمجرد البيع وهو الأصح فالمراد بقولهم التصرف من البائع فسخ ومن المشتري إجازة التصرف الذي لم يشترط فيه ذلك فرع وإن اشترى عبدا بجارية والخيار لهما فأعتقهما معا في زمن الخيار عتقت الجارية فقط لما مر أن إعتاق البائع فيه نافذ متضمن للفسخ وأن الفسخ مقدم على الإجازة وإنما لم يعتق العبد لأن فيه إبطال حق صاحبه من الخيار ولو كان الخيار له أي لمشتري العبد وحده عتق العبد لأن اعتاقه له إجازة وللجارية فسخ والإجازة إبقاء للعقد والأصل بقاؤه ولحصول عتق العبد بلا وسط بخلاف عتقها لا بد فيه من تقدير تقدم الفسخ فقدمت الإجازة هنا لقوتها على أن اعتاقه الجارية لم يصادف ملكه فإنها ليست له بل للبائع بخلاف العبد أو كان الخيار لصاحبه أي لبائع العبد وحده فموقوف أي العتق فإن فسخ البيع نفذ العتق في الجارية لأنها ملك معتقها حالة اعتقاقها وإلا ففي العبد وإن لم يكن ملك معتقه حالة إعتاقه لأن العتق لقوته وتشوف الشارع إليه لم يلغ في مثل ذلك بل وقف نفوذه على تمام البيع هذا غاية ما يوجبه نفوذ عتق العبد القائل به المصنف هنا تبعا للشيخين لكن الأوجه عدم نفوذه ليوافق ما قدموه من أن المشتري إذا أعتق المبيع في زمن الخيار المشروط للبائع لم ينفذ وإن تم البيع لوقوعه في ملك غيره وقد قال الإسنوي ما قالاه هنا غير مستقيم لأنه كان الخيار للبائع فملك المبيع له فكيف ينفذ عتقه بإعتاق المشتري وإن أعتقهما البائع والخيار لهما أوله أو لصاحبه فعلى هذا القياس والعبد له في عتقه كالجارية للمشتري في عتقها ولا يخفى تقريره وقوله من زيادته والعبد له كالجارية لا حاجة إليه بل فيه قلافة ولما فرغ من خيار التروي أخذ في خيار النقص فقال باب خيار النقص وهو المتعلق بفوات مقصود مظنون نشأ الظن فيه من التزام شرطي أو قضاء عرفي أو تغرير فعلي كما قال يثبت الخيار بفوات ما يظن حصوله بشرط أو عرف أو تغرير فهي ثلاثة أمور الأول ما يظن حصوله بشرط وفيه غرض مقصود فإن شرط كونه أي المبيع الرقيق كاتبا أو خبازا أو مسلما ونحو ذلك من الأوصاف المقصودة فبان خلافه ثبت الخيار لفوات فضيلة ما شرط وكذا إن شرط كونه كافرا أو فحلا أو مجنونا أو خصيا فبان خلافه لاختلاف الأغراض بذلك إذ في الكافر مثلا فوات كثرة الراغبين إذ يشتريه المسلم والكافر بخلاف المسلم والخصي بفتح الخاء من قطع أنثييه أو سلتا وبقي ذكره لا إن شرط كونه أقلف فبان مختونا فلا يثبت به الخيار إذا لم يفت بذلك غرض مقصود إلا أن كان الأقلف مجوسيا بين مجوس يرغبون فيه بزيادة فيثبت بذلك الخيار أو شرط كونها أي الأمة بكرا أو جعدة الشعر بإسكان عين جعدة فبان خلافه لفوات فضيلة البكارة والتجعد الدال على قوة البدن وهو ما فيه التواء وانعقاص لا المفلفل كشعور السودان لا عكسهما بأن شرط كونها ثيبا أو سبطة الشعر بإسكان الباء وكسرها وفتحها أي مسترسلته فبان خلافه فلا يثبت به الخيار لأنه خير مما شرطه فهو كما لو شرط كونه فاسقا أو خائنا أو أميا وأحمق أو ناقص الخلقة فبان خلافه
57
57
وكلامه كالروضة يفهم اختصاص حكم التجعد بالأمة وعبارة الرافعي تشمل العبد قال الأذرعي والأشبه أن حكمه حكمهما أو شرط كونها يهودية أو نصرانية فبانت مجوسية ونحوه الأولى ونحوها كوثنية ثبت الخيار لفوات حل الوطء بخلاف ما لو شرط كونها يهودية فبانت نصرانية أو بالعكس ويثبت أيضا فيما لو شرط كون الكافر يهوديا أو نصرانيا فبان مجوسيا أو عكسه وبعكسه صرح الروياني فرع قال الشيخ أبو حامد قال أصحابنا لو اشترى ثوبا على أنه قطن فبان كتانا لم يصح الشراء لاختلاف الجنس ويكفي في الوصف المشروط ما يقع عليه الاسم ولا تشترط فيه النهاية ففي شرط الكتابة يكفي اسمها وإن لم تكن حسنة فلو شرط حسنها اعتبر حسنها عرفا قاله المتولي وخيار الخلف على الفور فلو تعذر الرد بهلاك أو غيره فله الأرش كما في العيب الأمر الثاني ما يظن حصوله بالعرف المطرد وهو السلامة من العيب الآتي ضابطه ويلزمه أي البائع وغيره عند العلم به بيانه أي العيب للمشتري وإن لم يثبت الخيار له لخبر من غشنا فليس منا رواه الشيخان ولخبر المسلم أخو المسلم لا يحل لمن باع من أخيه بيعا يعلم فيه عيبا إلا بينه رواه الحاكم وقال صحيح على شرطهما وذكره البخاري تعليقا بصيغة الجزم وكالعيب في ذلك كل ما يكون تدليسا كتلطيخ ثوب عبده بمداد وقضية كلامهم كما قال الأذرعي أنه لا يكفيه أن يقول معيبا أو به جميع العيوب أو أبيعه بشرط البراءة من العيوب أو يقول الفقيه عن كتابه المغلوط هو غير مقابل أو يحتاج إلى مقابلة بل لا بد من بيان العيب المعلوم بعينه فمن العيوب الخصاء بالمد ولو لبهيمة والجب للذكر أي قطعه للنقص المفوت للغرض من الفحل فإنه يصلح لما لا يصلح له الخصي والمجبوب وإن زادت قيمتها باعتبار آخر و منها مرة من كل من الزنا والسرقة والإباق من الرقيق ولو صغيرا لنقص قيمته بكل منها ولو تاب منها فإنها عيوب لأن تهمة الزنا لا تزول ولهذا لا يعود إحصان الحر الزاني بالتوبة وعد السرقة والإباق مع التوبة من العيوب من زيادته قاسهما على الزنا وهو مردود
فقد قال القاضي والبغوي اقتضضتك وغيرهم بخلاف ما لو شرب خمرا ثم تاب لا يرد به لأن التوبة تنفي سمة الشرب ولا تنفي سمة الزنا بدليل أن قاذف الزاني لا يحد وسيأتي في المرتد عن الكفاية ما يؤيده ولا يمنع المشتري من الرد بكل من الثلاثة وجوده عنده ثانيا لأن الثاني من آثار الأول وقال المتولي إن زادت قيمة المبيع نقصا بذلك فلا رد وإلا فله الرد و منها البخر الناشئ من تغير المعدة لا من قلح الأسنان فليس بعيب لأنه يزول بالتنظيف والتقييد بكونه من المعدة حكاه القاضي مجلي عن بعضهم ثم قال ولا حاجة إليه لأن البخر لا يكون إلا منها والصنان المستحكم المخالف للعادة دون ما يكون لعارض عرق أو حركة عنيفة أو اجتماع وسخ ولو ترك المستحكم كما تركه القاضي مجلي وغيره لكفى عنه ما بعده و منها اعتياد ابن سبع من السنين بوله بالفراش بخلاف من دونها أي تقريبا لقول القاضي أبي الطيب وغيره بأن لا يكون مثله يحترز منه والمرض ولو غير مخوف نعم إن كان قليلا كصداع يسير ففي الرد به نظر قاله السبكي ثم قال وقال ابن يونس وابن الرفعة إن
58
58
المرض وإن قل عيب وقال العجلي إن كان المرض يزول بالمعالجة السريعة فلا خيار كما لو غصب وأمكن البائع رده سريعا وهو حسن انتهى
وكونه أي الرقيق مجنونا ولو تقطع جنونه أو مخبلا بالموحدة وهو من في عقله خبل أي فساد أو أبله وهو من غلب عليه سلامة الصدر روى أكثر أهل الجنة البله أي في أمر الدنيا لقلة اهتمامهم بها وهم أكياس في أمر الآخرة أو أشل أو أقرع وهو من ذهب شعر رأسه بآفة أو أصم وهو من لم يسمع أو أعور وهو من ذهب بصر إحدى عينيه أو أخفش وهو صغير العين ضعيف البصر خلقة ويقال هو من يبصر بالليل دون النهار وفي الغيم دون الصحو وكلاهما عيب ذكره في الروضة هنا أو أجهر وهو لا يبصر في الشمس أو أعشى وهو من يبصر بالنهار دون الليل وفي الصحو دون الغيم والمرأة عشواء أو أخشم أو أبكم أي أخرس أو أرت لا يفهم كلامه غيره أو فاقد الذوق أو أنملة أو الظفر أو الشعر ولو عانه أو في رقبته لا في ذمته فقط دين أو بان كونه مبيعا في جناية عمد لم يتب منها فإن تاب منها فوجهان في الأصل وقياس ما قدمه المصنف في السرقة والإباق أنه عيب أيضا وقياس ما قدمته أنه ليس بعيب وهو الأوجه وكلام الزركشي يميل إليه وقول السبكي ومن تبعه ينبغي أن يكون عيبا كالزنا فيه نظر أو كونه مكثرا لجناية الخطأ بخلاف ما إذا قل
قال الزركشي وكلام الماوردي يقتضي أن القليل مرة والكثير فوقها أو له أصبع زائدة أو سن شاغية بشين وغين معجمين أي زائدة يخالف نبتها نبتة بقية الأسنان أو سن مقلوعة لا لكبر أو به قروح أو ثآليل كثيرة بالمثلثة والمد جمع ثألولة أو كونه أبهق من البهق وهو بياض يعتري الجلد يخالف لونه وليس من البرص فعلم منه حكم البرص والجذام كما علم من المرض ومن الضابط الآتي أو أبيض الشعر في غير سنه ولا تضر حمرته والظاهر أنه تضر خضرته قال الروياني أو كونه أعسر وفصل ابن الصلاح فقال إن كان أضبط وهو الذي يعمل بيديه معا فليس بعيب لأن ذلك زائدة في القوة وإلا فهو عيب وما قاله متعين ومنها كونه أي الرقيق نماما أو كذابا أو ساحرا أو قاذفا للمحصنات أو مقامرا أو تاركا للصلاة قال الزركشي وينبغي اعتبار ترك ما يقتل به منها أو شاربا لخمر أو نحوه مما يسكر وإن لم يسكر بشربه قال الزركشي وينبغي أن يكون محله في المسلم دون من يعتاد ذلك من الكفار فإنه غالب فيهم وفيما قاله نظر أو مزوجا أو خنثى مشكلا أو واضحا أو مخنثا بفتح النون وكسرها وهو أفصح والفتح أشهر وهو الذي تشبه حركاته حركات النساء خلقا أو تخلقا أو ممكنا من نفسه وإن كان صغيرا لأنه يعتاده ويألفه وهذا يغني عنه كونه زانيا أو مرتدا
قال في الكفاية فإن تاب قبل العلم فقيل عيب والمذهب المنع قال السبكي الأولى ما قاله الماوردي أنه عيب وتبعه الأذرعي قلت والأول أوجه وأوفق بالمنقول في نظائره لأن التوبة تجب ما قبلها وإنما خولف في الزنا لما مر فيه أو كونها أي الأمة رتقاء أو قرناء أو مستحاضة أو يتطاول طهرها فوق العادة الغالبة أو لا تحيض وهي في سنه أي الحيض غالبا بأن بلغت عشرين سنة قاله القاضي لأن ذلك إنما يكون لعلة أو مزوجة هذا يغني عنه قوله فيما مر مزوجا أو حاملا لأنه يخاف من هلاكها بالوضع لا في البهائم إذا لم تنقص بالحمل فليس عيبا فيها لأن الغالب فيها السلامة أو معتدة قال الزركشي قال الجيلي إلا أن تكون محرمة عليه بنسب أو رضاع أو مصاهرة قال وفيما قاله نظر أو محرمة
59
59
بإذن من البائع بخلاف المحرمة بلا إذن لأن له تحليلها كالبائع وكالمحرمة ولو قال أو محرما قبل قوله أو كونها لشملهما وكذا كفر رقيق لم يجاوره كفار كأن يكون ببلاد الإسلام فهو عيب لقلة الرغبة فيه فإن جاوره كفار فليس بعيب أو كافرة كفرها يحرم الوطء كوثنية أو مجوسية واصطكاك الكعبين وانقلاب القدمين إلى الوحشي بحاء مهملة وشين معجمة وياء مشددة هو ظهر الرجل واليد ويقال للجانب الأيمن أو الأيسر وكلاهما عيب وسواد الأسنان
وكذا خضرتها وزرقتها وحمرتها فيما يظهر وتراكم الوسخ الفاحش في أصولها عبارة الأصل والحفر في الأسنان وهو تراكم الوسخ الفاحش في أصولها قال الزركشي والذي في الصحاح الحفر بالتحريك فساد أصول الأسنان وهذا هو الظاهر لأن الوسخ يمكن إزالته انتهى وهو حسن إلا في ضبط الحفر ففيه في الصحاح التسكين أيضا واقتضى كلامه أنه الكثر والكلف بفتح الكاف واللام المغير للبشرة قال في الصحاح الكلف شيء يعلو الوجه كالسمسم والكلف لون بين السواد والحمرة وهي حمرة كدرة تعلو الوجه انتهى وكلاهما عيب وذهاب الأشفار من الأمة وكبر أحد ثدييها والخيلان الكثيرة بكسر الخاء جمع خال وهو الشامة وآثار الشجاج والقروح والكي الشائنة بتقديم الياء على النون من شانه يشينه وهذا القيد من زيادته فإن قطع من فخذه أو ساقه قطعة يسيرة ولم يورث شيئا ولم يفوت غرضا لم يضر وإلا ضر وكون الدابة جموحا أي تمتنع على راكبها أو عضوضا أو رموحا أو نفورا أو تشرب لبنها قال الأذرعي أو لبن غيرها أو تكون بحيث تسقط راكبها بأن يخاف منها سقوطه بخشونة المشي أو كونها درداء بوزن صحراء أي ساقطة الأسنان لا لكبر أو قليلة الأكل
و من العيوب اختصاص الدار بنزول الجند فيها بخلاف ما إذا كان ما حولها بمثابتها ومجاورة قصارين لها يؤذون ها بالدق أو يزعزعونها عبارة الأصل ويزعزعون الأبنية فتعبير المصنف بأو يفيد أن كلاهما عيب وهو حسن و منها أن تظهر الضيعة متصفة بثقل الخراج فوق العادة في أمثالها وإن كنا لا نرى أصل الخراج في تلك البلاد لقلة الرغبات فيها و منها أن تكون بقرب الأرض قرود تفسد الزرع ولا أثر لظنه سلامتها أي الأرض من خراج معتاد بأن ظن أن لا خراج عليها أو أن عليها خراجا دون خراج أمثالها ثم تبين عدم سلامتها من ذلك لأنه مقصر بعدم البحث أما إذا زاد على عادة أمثالها فله كما علم مما مر و منها نجاسة ما ينقص بالغسل قال الأذرعي أو كان لغسله مؤنة كما لو اشترى بسطا كثيرة فوجدها متنجسة لا تغسل إلا بإجارة لها وقع وتشميس الماء لقلة الرغبات فيه قال الزركشي وهو قوي إذا قلنا بعدم زوال الكراهة فيه إذا برد قال وعلى قياسه فالمستعمل إذا بلغ قلتين كذلك بل أولى للاختلاف في عود طهوريته ولأن النفس تعافه وكذا الماء إذا وقع فيه ما لا نفس له سائلة وغيره من المختلف فيه ووجود رمل في باطن أرض البناء أي المطلوبة له وأحجار مخلوقة في باطن أرض الزراعة والغراس أي المطلوبة لهما إذا كانت الحجارة بحيث تضربهما بأن تكون قريبة من وجه الأرض وقضية كلامه كأصله أنها إذا أضرت بأحدهما لا تكون عيبا والذي ذكره القاضي أبو الطيب والبندنيجي وغيرهما أنه عيب فيما إذا أضرت بالغراس دون الزراعة ويقاس به عكسه
أما المدفونة فإن أمكن قلعها عن قرب بحيث لا تمضي مدة يكون لمثلها أجرة فليس بعيب وإلا فعيب والحموضة في البطيخ إلا الرمان عيب لأنها لا تطلب في البطيخ أصلا
60
60
وتطلب في الرمان كما يطلب فيه الحلو قال الأذرعي والمراد أنها تخرج من نوع الحامض أما الخارجة من الحلو فعيب كالبطيخ وقول المصنف عيب إيضاح
فرع لا رد بكون الرقيق رطب الكلام أو غليظ الصوت أو
بكونه يعتق على الموكل للمشتري لأنه إنما يعتق عليه بعد دخوله في ملكه وعبارة الأصل يعتق على المشتري وعبارة المصنف أولى وأولى منهما معا أن يقال يعتق على من وقع له العقد فيشمل الموكل والمشتري لنفسه أو بكونه سيئ الأدب أو بكونه ولد زنا أو مغنيا أو زامرا أو عارفا بالضرب بالعود أو حجاما أو أكولا أو قليل الأكل بخلاف قلة أكل الدابة كما مر قال الأذرعي ولا يتضح بينهما فرق فكما تؤثر قلة أكلها في قوتها وعملها كذلك قلة أكله انتهى وقد يفرق لأن قلة الأكل محمودة في الآدمي شرعا وعرفا بخلافه في الدابة ولا بكونها ثيبا إلا في غير أوانها أي أوان ثيوبتها بأن كانت صغيرة يعهد في مثلها البكارة ولا بكونها عقيما أي لا تحمل ولا بكون العبد عنينا أي عاجزا عن الوطء لضعف يمنع الانتشار ولا بكونها محرما للمشتري بخلاف المعتدة لأن التحريم ثم عام فيقلل الرغبة بخلافه هنا ولا بكونها صائمة لأن الصوم لا يمنع من الخدمة بخلاف الإحرام فإن أعماله تمنع من ذلك وهذان الحكمان ذكرهما الأصل قال الروياني ولا رد بكون العبد فاسقا بالإجماع قال السبكي وهو مقيد بفسق لا بكون سببه عيبا وليس عدم الختان عيبا إلا في عبد كبير فيكون عيبا فيه خوفا عليه من الختان بخلافه في الأمة الكبيرة لأن ختانها سليم لا يخاف عليها منه وعبارة الأصل ولا بكون الأمة مجنونة ولا بكون العبد مختونا أو غير مختون إلا إذا كان كبيرا يخاف عليه من الختان انتهى وضبط البندنيجي والروياني الصغر هنا بسبع سنين فأقل وغيره بأن يكون مختونا في العادة قال الأذرعي وهذا أحسن وكلام كثير يفهم ضبطه بعدم البلوغ وهذا هو الظاهر ولو ظن المشتري البائع مالكا فبان وكيلا ونحوه كولي أو وصي لم يرد ولا نظر إلى خطر فساد النيابة ومن العيوب ظهور مكتوب بوقفية المبيع ولم يثبت وكذا شيوعها بين الناس وشق أذن الشاة إن منع الإجزاء في الأضحية ولا مطمع في استيفاء العيوب المثبتة للرد و لكن الضابط الجامع لها أن الرد يثبت بكل ما ينقص العين أو القيمة تنقيصا يفوت به غرض صحيح والغالب في أمثاله أي المبيع عدمه إذ الغالب في الأعيان السلامة فبذل المال يكون في مقابلة السليم فإذا بان العيب وجب التمكن من التدارك واحترز بقوله يفوت به غرض صحيح عن قطع أصبع زائدة وفلقة يسيرة من فخذه أو ساقه لا يورث شينا ولا يفوت غرضا فلا رد به كما مر بقوله والغالب إلى آخره عما لا يغلب فيه ذلك كلقع السن في الكبر والثيوبة في أوانها في الأمة وإن نقصت القيمة بذلك فلا رد بشيء منه كما مر وقوله ينقص بالتشديد بوزن يكلم بقرينة المصدر وهي لغة قليلة والفصيح ينقص بالتخفيف قال تعالى ثم لم ينقصوكم شيئا قاعدة العيب ستة أقسام في البيع والزكاة والغرة والصداق إذا لم يفارق قبل الدخول ما مر وفي الكفارة ما أضر بالعمل إضرارا بينا وفي الأضحية والهدي والعقيقة ما نقص اللحم وفي النكاح ما نفر عن الوطء كما هو مبين في محله وفي الصداق إذا فارق قبل الدخول ما فات به غرض صحيح سواء أكان الغالب في أمثاله عدمه أم لا وفي الإجارة ما يؤثر في المنفعة تأثيرا يظهر به تفاوت في الأجرة قال الدميري وينبغي أن يزاد عيب المرهون فالظاهر أنه ما نقص القيمة فقط فصل إنما يثبت الرد للمبيع بعيب وجد قبل البيع بالإجماع أو بعده وقبل القبض أو بعده واستند إلى سبب سابق كما سيأتي لأن المبيع حينئذ من ضمان البائع بخلاف ما إذا وجد بعده ولم يستند إلى ما ذكر قال ابن الرفعة ومحله بعد لزوم العقد أما قبله فالقياس بناؤه على ما لو تلف حينئذ
61
61
هل ينفسخ والأرجح على ما قاله الرافعي إن قلنا الملك للبائع انفسخ وإلا فلا فإن قلنا ينفسخ فحدوثه كوجوده قبل القبض فالمرتد يصح بيعه كالمريض المشرف على الهلاك كذا المتحتم قتله بالمحاربة بأن لم يتب أو تاب بعد الظفر به يصح بيعه كالمرتد ولا قيمة على متلفهما لاستحقاقهما القتل والثانية نقلها الشيخان عن القفال ولعله بناها على أن المغلب في قتل المحارب معنى الحد لكن الصحيح أن المغلب فيه معنى القصاص وأنه لو قتله غير الإمام بغير إذنه لزمه ديته وقضيته أنه يلزم قاتل العبد المحارب قيمته لمالكه نبه على ذلك الأذرعي مع أن الحكم لا ينحصر فيه المرتد بل يجري في غيرهما كتارك الصلاة والصائل والزاني المحصن بأن زنى ذمي ثم التحق بدار الحرب ثم استرق فيصح بيعهم ولا قيمة على متلفهم
وخرج بالإتلاف ما لو غصب إنسان المرتد مثلا فتلف عنده فإنه يضمنه لتعديه على مال غيره وإنما لم يضمن بالقتل لأن قتله في حكم إقامة الحد فمن ابتدر قتله من المسلمين كان مقيما حد الله تعالى وهذا يمثل بعبد مغصوب في يد الغاصب يقول له مولاه اقتله فلو قتله لم يضمنه ولو تلف في يده ضمنه جزم بذلك الإسنوي ونقله عن الإمام عن الشيخ أبي علي قال ابن العماد فلو قتله الغاصب فينبغي أنه إن قتله لا على وجه الحد ضمنه وإلا فلا انتهى والأوجه أنه ضمان مطلقا لما مر أنه مستحق القتل وإلا فليقتل بمثل ذلك في غير الغاصب نعم ينبغي في تعدي الغاصب بوضع يده أنه يجب عليه أجرة المثل إذا مضت مدة لمثلها أجرة وكما يصح بيع المرتد والمتحتم قتله بالمحاربة يصح بيع الجاني المتعلق برقبته قصاص كما مر فلو اشتراهما شخص أو اشترى الجاني فقتلوا أي الثلاثة بالردة والمحاربة والقصاص في يد المشتري فإن كان جاهلا بها انفسخ البيع قبيل القتل واسترد المشتري جميع الثمن ومؤنة التجهيز من الكفن وغيره على البائع لأن القتل لتقدم سببه كالمتقدم
وإن كان عالما بها عند العقد أو بعده ولم يفسخ فهو من ضمانه ولا يرجع بشيء من الثمن ومؤنة التجهيز عليه لدخوله في العقد على بصيرة وإمساكه مع العلم بحاله وإن وجب عليه أي الرقيق قطع بجناية أو سرقة صح بيعه فإن قطع في يد المشتري ولم يكن عالما بحاله حتى قطع فله الرد واسترداد جميع الثمن لأنه لتقدم سببه كالمتقدم وإلا بأن كان عالما بحاله فلا رد له ولا أرش فلو حدث به قبل القطع عيب امتنع الرد لأنه بقبض مشتريه صار من ضمانه وتقييده بقبل القطع من زيادته وهو مضر إذ لا فرق ورجع على البائع بما أي بنسبة ما بين قيمته سليما وأقطع إلى قيمته سليما من الثمن وله رد مزوجة اشتراها جاهلا بزواجها ولو افتضها الزوج بالفاء وبالقاف بعد القبض لما مر في التي قبلها فلو تعذر الرد رجع من الثمن بما بين قيمتها بكرا غير مزوجة ومزوجة مفتضة ولا رد ولا أرش إن علم بذلك وإن جهل مرض المبيع فمات في يده وجب له الأرش وهو ما بين قيمته صحيحا ومريضا بالمرض الذي كان في يد البائع دون الزائد في يد المشتري فقط أي دون الثمن بخلاف الردة لأن المرض يتزايد فهو أي المبيع من ضمان المشتري والردة خصلة واحدة وجدت في يد البائع فإن لم يمت لكن زاد المرض فعلم به المشتري امتنع الرد ورجع بالأرش أيضا الأمر الثالث ما يظن حصوله بالتغرير فالتصرية حرام وهي أن يترك حلب الناقة أو غيرها عمدا مدة قبل بيعها ليوهم المشتري كثرة اللبن والأصل في تحريمها والمعنى فيه التدليس والضرر خبر الصحيحين لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد ذلك أي النهي فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعا من تمر وتصروا بوزن تزكوا من صر الماء في الحوض جمعه ويثبت بها الخيار على الفور إذا علم بها ولو بعد مدة كخيار العيب وأما خبر مسلم من اشترى مصراة وفي رواية شاة مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام فحمل على الغالب من أن التصرية لا تظهر إلا بثلاثة أيام لا حالة نقص اللبن قبل تمامها على اختلاف العلف أو المأوى أو تبدل الأيدي أو غير ذلك هذا إذا قصدها وإلا أي وإن لم يقصدها كأن ترك حلب الدابة ناسيا أو لشغل أو تصرف بنفسها فوجهان في ثبوت الخيار أحدهما وبه قطع الغزالي والحاوي الصغير لا لعدم التدليس وأصحهما عند البغوي ما قطع به
62
62
القاضي نعم لحصول الضرر وقد يؤيد الأول بما في الإبانة من أنه لا خيار له فيما إذا تجعد شعره بنفسه ويجاب بأن التصرية تعلم غالبا من الحلب كل يوم فالبائع مقصر بخلاف التجعد فإن زاد اللبن بقدر التصرية أي بقدر ما أشعرت به واستمر فلا خيار لزوال المقتضي له فرع لو علم المشتري بالتصرية بعد الحلب ردها أي المصراة ولزمه صاع تمر وإن زادت قيمته على قيمتها بدل اللبن الموجود حالة العقد إن تلف اللبن أو لم يتراضيا على رده للخبر السابق ولو علم بها قبل الحلب رد ولا شيء عليه ويتعين التمر والصاع ولو قل اللبن للخبر فيهما وقطعا للنزاع في الثاني فلا يختلف قدر التمر بقلة اللبن وكثرته كما لا تختلف غرة الجنين باختلاف ذكورة وأنوثة ولا أرش الموضحة باختلافهما صغرا وكبرا وبما قاله علم أن المشتري لا يكلف رد اللبن لأن ما حدث بعد البيع ملكه وقد اختلط بالمبيع وتعذر تمييزه فإذا أمسكه كان كالتالف وأنه لا يرده على البائع قهرا وإن لم يحمض لذهاب طراوته والعبرة بغالب تمر البلد كالفطرة فإن تراضيا بغيره أي بغير صاع تمر من مثلي أو متقوم جاز لأن الحق لهما لا يعدوهما وفي نسخة ويجوز التراضي بغيره قال الزركشي والظاهر أنهما لو تراضيا على الرد بغير شيء جاز فإن أعوزه التمر أي عدمه والمراد تعذر عليه فقيمته بالمدينة تلزمه كذا نقله الشيخان عن الماوردي والماوردي لم يرجح شيئا بل حكى وجهين أحدهما هذا وثانيهما قيمته في أقرب بلاد التمر إليه قال السبكي والأذرعي وغيرهما وهو الأصح أخذا من كلام الشافعي على أن التقييد بالمدينة لا وجه له بل ينبغي اعتبار الحجاز وكلام الإمام يشير إليه قاله الزركشي ومسألة الإعواز ساقطة من كثير من نسخ الروض وكأنه لما عرفت ولو اشترى مصراة بصاع من تمر ردها وصاع تمر إن شاء واسترد صاعه قال القاضي وغيره لأن الربا لا يؤثر في الفسوخ قال الأذرعي واسترداد الصاع من البائع ظاهر إن كان باقيا بيده فلو تلف وكان من نوع ما لزم المشتري رده فيخرج من كلام الأئمة أنهما يقعان في التقاص إن جوزناه في المثليات كما هو الأصح المنصوص للرافعي وقول المصنف من زيادته إن شاء يفهم أنه لا يتعين ما ذكر بل إن شاء فعله وإن شاء رد المصراة وحدها واكتفى عن رد الصاع بالصاع الذي وقع ثمنا وهو ظاهر إن كان باقيا أو تالفا وتراضيا أو لم يتراضيا لكن كان من نوع ما لزمه رده وقلنا بالتقاص في غير النقد من المثليات فرع لو رد غير المصراة بعد الحلب بعيب فهل يرد بدل اللبن وجهان أحدهما وبه جزم البغوي وصححه ابن أبي هريرة والقاضي وابن الرفعة نعم كالمصراة فيرد صاع تمر وقال الماوردي بل قيمة اللبن لأن الصاع عوض لبن المصراة وهذا لبن غيرها فإن اختلفا في قدرها صدق المشتري لأنه غارم وثانيهما لا لأنه قليل غير معتنى بجمعه بخلافه في المصراة ونقله السبكي كغيره عن نص الشافعي ثم قال وتحقيقه أنه إن لم يكن لها لبن وقت الشراء أو كان يسيرا كالرشح ردها ولا شيء معها لأن اللبن حدث على ملكه وإلا ففيه أوجه أصحها قول البغوي أنه يرد معها الصاع كالمصراة بجامع أن اللبن يقابله قسط من الثمن فرع لا يختص هذا أي خيار التصرية بالنعم بل لو اشترى أتانا أو جارية مصراة ردها لأن لبنها مقصود للتربية و لكن لا بدل للبنها لأن لبن الأتان نجس ولبن الجارية لا يعتاض عنه غالبا وقضية كلامه كغيره إن رد الصاع جار في كل مأكول قال السبكي وهو الصحيح المشهور واستبعده الأذرعي في الأرنب والثعلب والضبع ونحوها وإن حبس ماء القناة أو ماء الرحى وأرسله عند البيع أو الإجارة تخييلا لكثرته أو حمر وجنة الجارية تخييلا لحسنها أو ورم وجهها ليظن المشتري سمنها أو سود شعرها أو جعده ليوهم أنه خلقة فله الخيار كالتصرية بجامع التلبيس وخرج ب جعده ما لو سبطه وبان جعدا فلا خيار لأن الجعودة أحسن ولا يختص ذلك بالجارية بل العبد كذلك وكذا الخنثى فيما يظهر
63
63
ولا بد أن يكون ذلك بحيث لا يظهر لغالب الناس أنه مصنوع حتى لا ينسب المشتري إلى تقصير ولو لطخ ثوبه أي الرقيق بالمداد أو ألبسه زي خباز مثلا ليوهم أنه كاتب أو خباز أو ورم ضرع الشاة ليوهم كثرة اللبن فلا خيار للمشتري لتقصيره حيث لم يبحث فرع متى رضي المشتري بالمصراة ثم وجد بها عيبا قديما ردها و رد بدل اللبن معها وهو صاع تمر كما لو ردها بالتصرية فرع الغبن لا يوجب أي يثبت الرد وإن فحش كمن اشترى زجاجة ظنها جوهرة لتقصيره حيث لم يبحث وإنما أثبت الرد في تلقي الركبان كما مر للخبر الوارد فيه وتعبيره بالفحش أولى من تعبير أصله بالتفاحش إذ لا تفاعل هنا فرع ومتى باع حيوانا أو غيره بشرط البراءة من العيوب فيه برئ من كل عيب باطن في الحيوان خاصة موجود فيه حالة العقد لم يعلم به البائع ولا يبرأ من عيب غيره أي غير العيب المذكور فلا يبرأ عن عيب في غير الحيوان ولا فيه لكن حدث بعد البيع وقبل القبض مطلقا ولا عن عيب ظاهر في الحيوان علمه البائع أو لا ولا عن عيب باطن في الحيوان علمه والأصل في ذلك ما رواه البيهقي وصححه أن ابن عمر باع عبدا له بثمانمائة درهم بالبراءة فقال له المشتري به داء لم تسمه لي فاختصما إلى عثمان فقضى على ابن عمر أن يحلف لقد باعه العبد وما به داء بعلمه فأبى أن يحلف وارتجع العبد فباعه بألف وخمسمائة وفي الشامل وغيره أن المشتري زيد بن ثابت كما أورده الرافعي وأن ابن عمر كان يقول تركت اليمين لله فعوضني الله عنها دل قضاء عثمان على البراءة في صورة الحيوان المذكورة وقد وافق اجتهاده فيه اجتهاد الشافعي رضي الله عنه
وقال الحيوان يتغذى في الصحة والسقم وتحول طباعه فقلما ينفك عن عيب خفي أو ظاهر أي فيحتاج البائع فيه إلى شرط البراءة ليثق بلزوم البيع فيما لا يعلمه من الخفي دون ما يعلمه مطلقا في حيوان أو غيره لتلبيسه فيه وما لا يعلمه من الظاهر فيهما لندرة خفائه عليه أو من الخفي في غير الحيوان كالجوز واللوز إذ الغالب عدم تغيره بخلاف الحيوان وإنما لم يبرأ مما حدث قبل القبض لانصراف الشرط إلى ما كان موجودا عند العقد ويصح البيع مع الشرط المذكور ولو بطل الشرط لأنه شرط يؤكد العقد ويوافق ظاهر الحال وهو السلامة من العيوب ولاشتهار القصة المذكورة بين الصحابة وعدم إنكارهم وهكذا يصح البيع ويبرأ البائع مما ذكر ولو بطل الشرط لو قال بعتك هذا على أن لا ترد ه بعيب لأنه في معنى ما ذكر وإن شرط البراءة مما يحدث من العيوب قبل القبض ولا مع الموجود منها بطل العقد صوابه الشرط لأنه إسقاط للشيء قبل ثبوته أو شرط البراءة من عيب معين فإن كان مما لا يشاهد كالزنا والسرقة والإباق أو يشاهد كالبرص وشاهده المشتري برئ لأن ذكرها إعلام بها وإلا أي وإن كان مما يشاهد ولم يشاهده المشتري فلا يبرأ كما لو شرط البراءة مطلقا لتفاوت الأغراض باختلاف قدره وموضعه قال السبكي وبعض الوراقين في زمننا يجعل بدل شرط البراءة إعلام البائع المشتري بأن بالمبيع جميع العيوب ورضي به وهذا جهل لأنه كذب ولا يفيد لأن الصحيح أن التسمية لا تكفي فيما تمكن معاينته حتى يريه إياه وأما ما لا تمكن معاينته فذكره مجملا بهذه العبارة كذكره ما تمكن معاينته بالتسمية من غير رؤية فلا يفيد ولا يجوز للحاكم إلزام المشتري بمقتضى هذا الإقرار للعلم بكذبه وبطلانه وإذا وقع ذلك يكون حكمه كشرط البراءة فصل وإن هلك المبيع في يد المشتري كأن مات العبد أو تلف الثوب أو أكل الطعام أو أعتقه أو وقفه أو زوجه أو استولدها فعلم بعد ذلك بعيب به ينقص قيمته رجع بالأرش لتعذر الرد بفوات المبيع حسا أو شرعا وهذا في غير الربوي المبيع بجنسه أما فيه فسيأتي وهو أي الأرش جزء من الثمن
64
64
لأن المبيع مضمون على البائع به فيكون جزؤه مضمونا عليه بجزء منه ولأنا لو اعتبرناه من القيمة كما في الغصب لربما ساوى الثمن فيجتمع للمشتري الثمن والمثمن فوجب أن يكون الجزء من الثمن نسبته إليه نسبة أي كنسبة ما ينقص العيب من القيمة لو كان المبيع سليما إليها ويعتبر فيها أقل قيمتي وقتي العقد والقبض لأنها إن كانت وقت العقد أقل فالزيادة حدثت في ملك المشتري أو وقت القبض أقل فالنقص من ضمان البائع فلا يدخل في التقويم فإن كانت بين الوقتين أقل فهي المعتبرة كما في المنهاج والدقائق
فكلامه كأصله محمول على ما إذا لم تكن القيمة بينهما أقل فيوافق ما سيأتي في الثمن لكن نظر فيه السبكي وغيره بأن النقص الحادث قبل القبض إذا زال قبل القبض لا يتخير به المشتري فكيف يضمنه البائع ويجاب بأنه لا يلزم من عدم التخيير الذي في ثبوته رفع العقد عدم الضمان الذي ليس في ثبوته ذلك مثاله قيمته دون العيب مائة و قيمته تسعون مع العيب فالتفاوت بينهما واقع بالعشر فيرجع بعشر الثمن فإذا ثبت الأرش للمشتري فإن كان الثمن في ذمته برئ من قدر الأرش لكن بعد المطالبة به فلا يكفي العلم به لأنه كما يجوز له الرضا بالمعيب بكل الثمن مع بقاء المبيع فكذا يجوز بعد فواته فالتردد فيهما على السواء وكما لا بد من المطالبة ثم بالفسخ لا بد من المطالبة هنا بالأرش ثم يحتمل أن تكون المطالبة به على الفور كالأخذ بالشفعة لكن ذكر الإمام في باب الكتابة أنه لا يتعين له الفور بخلاف الرد ذكر ذلك الزركشي ويستحق الأرش بعد المطالبة به من عين الثمن و يستحق الرجوع في عينه أي الثمن عند الفسخ للبيع إن كان باقيا في يده فيهما يعني يد البائع بقرينة ولو زال عن ملكه ثم عاد إليه أو عين بعد العقد في المجلس أو غيره عما في الذمة
وإذا اعتبرت قيم المبيع فإما أن تتحد قيمتاه سليما وقيمتاه معيبا أو يتحدا سليما ويختلفا معيبا وقيمته وقت العقد أقل أو أكثر أو يتحد معيبا ويختلفا سليما وقيمته وقت العقد أقل أو أكثر أو يختلفا سليما ومعيبا وقيمته وقت العقد سليما ومعيبا أقل أو أكثر أو سليما أقل ومعيبا أكثر أو بالعكس فذلك تسعة أقسام لا تخفى أمثلتها وقد ذكرتها في شرح البهجة وإذا نظرت إلى قيمته فيما بين الوقتين أيضا زادت الأقسام فإذا تلف الثمن وقد فسخ البيع رد مثله في المثلي وقيمته في المتقوم لكن في الثمن المعين ولو بعد العقد يرد قيمته أقل ما كانت من وقت العقد إلى وقت القبض لأنها إن كانت وقت العقد أقل فالزيادة حدثت في ملك البائع أو وقت القبض أقل فالنقص من ضمان المشتري فإن كانت بين الوقتين أقل فهي المعتبرة وقوله في المعين من زيادته ولا حاجة إليه بل قد يوهم خلاف المراد لأن التلف إنما يكون في معين ويجوز الاستبدال عنه أي عن الثمن كالقرض قال في الأصل وخروجه عن ملكه بالبيع ونحوه كالتلف فإن تعيب بنقص وصف كالشلل أو زاد زيادة متصلة كالسمن أخذه له وعليه أي أخذه بلا أرش له في النقص ولا عليه في الزيادة نعم إن كان النقص بجناية أجنبي استحق عليه الأرش وخرج بنقص الجزء فيستحق أرشه والعيب إن لم ينقص المبيع كالخصاء لا أرش له لعدم نقصان القيمة لا يقال ينبغي أن ينظر إليه قبل اندمال الجرح ويجب الأرش كنظيره في الجناية على الحر حيث لم توجب أرشا ولم تنقص شيئا بعد الاندمال لأنا نقول المرعي هنا المالية ولم يفت منها شيء فلا حاجة إلى ذلك بخلافه ثم فأنا لو لم ننظر إليه لأهدرت الجناية أصلا ولو اشترى معيبا جاهلا بعيبه يعتق عليه أو بشرط العتق فأعتقه رجع بأرشه لأن المقصود وإن كان العتق فبذل الثمن إنما كان في مقابلة ما ظنه من سلامة المبيع فإذا فات منه جزء صار ما قصد عتقه مقابلا ببعض الثمن فرجع في الباقي وقضية كلامه كغيره حصول العتق قبل العلم بالعيب واستشكل بما في الوكالة من أن الوكيل إذا اشترى من يعتق على موكله ثم علم عيبه فللوكيل رده لأنه لا يعتق
65
65
على الموكل قبل الرضا بالعيب ورد بأن المأذون فيه للوكيل شراء السليم فإذا اشترى معيبا لم يعتق قبل الرضا به بخلاف ما إذا باشر العقد بنفسه
فصل إذا خرج المعيب عن ملكه ولو بلا عوض فلا
رد في الحال لتعذره ولا أرش له في الحال لأنه ما أيس من الرد فإنه قد يعود إليه فيرده فإن تلف أو عتق قبل العود إليه رجع الأرش على بائعه لليأس من الرد عليه سواء أرجع عليه مشتريه أم لا وإن عاد إليه ولو بهبة رد على بائعه لزوال التعذر ولو عاد إليه بشراء رده على من شاء منهما أي من بائعه الأول أو الثاني وإذا رده على الثاني فله رده عليه وحينئذ يرد هو على الأول وليس للمشتري الثاني رده على البائع الأول لأنه لم يملك منه فإن استرده البائع الثاني وقبله وقد حدث به عيب عند المشتري منه خير البائع الأول بين استرجاعه منه و بين تسليم الأرش له ولو لم يقبله البائع الثاني وطولب أي وطالبه مشتريه بالأرش رجع به بائعه لأنه لو قبله ربما لا يقبله بائعه فيتضرر لكن إنما يرجع به بعد التسليم أي تسليمه الأرش لمشتريه كذا في أصل الروضة وعلله بأنه ربما يطالبه فيبقى مستدركا للظلامة وهذا كما قال الإسنوي وغيره إنما يستقيم على أن العلة فيما إذا خرج المعيب عن ملكه بلا عوض استدراك الظلامة أما على الصحيح من إنها اليأس من الرد كما مر فيرجع سلم الأرش أم لا ولا نظر إلى إمكان العود بزوال العيب الحادث خلافا للشيخ أبي علي هذا هو مقتضى كلام الرافعي فإنه صحح جواز الرجوع ثم نقل ما تقدم عن أصل الروضة عن الشيخ أبي علي نقل الأوجه الضعيفة بخلاف ما لو تلف عند المشتري الثاني أو أعتقه أو وقفه فإن له أي البائع الثاني المطالبة لبائعه بالأرش ولو أبرأه منه المشتري الثاني لليأس من الرد بما تقرر علم أنه لا مخالفة بين هذا وبين ما قبله فرع لو باع زيد عمرا شيئا ثم اشتراه منه وبان به عيب قديم كان بيد زيد فإن كان المبيع باقيا وكان زيد جاهلا بعيبه فله رده على عمرو وإن اشتراه منه بمثل ما باعه به فإن قلت لا فائدة في رده عليه في الأخيرة لأنه لو رده عليه قلنا ربما رضي به فلم يرده واستشكل ذلك بما سيأتي من أن البيع بمثل الثمن الأول من البائع قاله ويلزم منه امتناع الرد وأجيب بأن ما هناك محله قبل القبض وهنا بعده ولو سلم أنه هنا قبله أيضا فلا يمتنع الرد في ذلك وإن كان فسخا ويكون الرد فسخا للفسخ وهذا كما أن الشفيع يفسخ فسخ المشتري بالعيب ويأخذ بالشفعة ثم بعد أن رده زيد على عمرو لعمرو رده عليه إن كان جاهلا بخلاف ما إذا كان عالما أما إذا كانا عالمين فلا رد وإن كان زيد عالما فلا رد له بل ولا لعمر ولزوال ملكه ولا أرش له لأنه لم ييأس من رده لتوقع عوده ولزيد إن كانا جاهلين المطالبة بالأرش إن تلف المبيع عنده ثم لعمرو مطالبته به أيضا وبعد مطالبتهما يحصل التقاص فيما تساويا فيه والتصريح بمطالبة عمرو من زيادته وتعبيره بثم يقتضي الترتيب وليس مرادا بخلافه في التي قبلها فرع لو علم المشتري بالعيب وقد تعذر رده لتعلق حق لازم به أو لغيره كأن رهن المبيع عند غير البائع وأقبضه أو كاتبه كتابة صحيحة أو غصب أو أبق فلا رد ولا أرش في الحال لأنه لم ييأس من الرد نعم إن كان العيب في الآبق غير الإباق فله الأرش لأنه أيس من رده وكذا إن آجره ولم يرض به البائع مسلوب المنفعة مدة الإجارة فلا رد ولا أرش في الحال لما مر فإن رضي به مسلوبها رد عليه وقضية كلامهم أنه لا يطالب المشتري بأجرة مثل المدة وهو موافق لنظائره من الفسخ بالفلس ومن رجوع الأصل فيما وهبه من فرعه ومن رجوع الزوج في نصف الصداق وقد طلق قبل الدخول ويفارق ذلك ما يأتي في التحالف من أن للبائع على المشتري بعد الفسخ أجرة المثل بأن الفسخ
66
66
فيما ذكر لا يحصل إلا باختيار من ترد العين إليه بخلافه في مسألة التحالف قال في الأصل ولو عرف العيب بعد تزويج الرقيق أي من غير البائع ولم يرض البائع بالأخذ فللمشتري الأرش لأن التزويج يراد للدوام فاليأس حاصل إلا أن يقول الزوج قبل الدخول إن ردك المشتري بعيب فأنت طالق فله الرد كما يعلم مما سيأتي ولو رد المبيع بعيب وكان الثمن عبدا رجع فيه المشتري ولو دبره البائع لأن تعلق التدبير به ليس بلازم والتصريح بهذا من زيادته فصل وخيار النقص على الفور بأن يرد المشتري المبيع المعين حال اطلاعه على عيب به لأن الأصل في البيع اللزوم فيبطل بالتأخير بلا عذر كما سيأتي ولا يتوقف على حكم القاضي به و لا حضور الخصم وهو المردود عليه كما في خيار الشرط فليبادر مريده إليه على العادة كالشفيع فلا يكلف العدو في المشي والركض في الركوب ليرد ولو علمه وهو يصلي أو يأكل أو يقضي حاجته فله تأخيره حتى يفرغ ولو علمه وقد دخل وقت هذه الأمور فاشتغل بها فلا بأس حتى يفرغ منها وسيأتي بيانه في الشفعة وله الرد إليه أي إلى الخصم ولو بوكيل له إلى وكيل للخصم و له الرفع إلى القاضي ليفسخ ثم يستحضر الخصم ويرد عليه وهو آكد في الرد لأن الخصم ربما أحوجه في آخر الأمر إلى المرافعة إليه فيكون الإتيان إليه أولا فاصلا للأمر جزما قال الرافعي وهذا ما فهمته من كلام الأصحاب وحاصله تخييره بين الأمرين ومحله كما قاله الأذرعي كابن الرفعة إذا لم يلق أحدهما قبل الآخر
وعليه يحمل قول الإمام المذهب أن العدول إلى القاضي مع وجود الخصم تقصير هذا إذا كان الخصم حاضرا بالبلد فإن كان غائبا عنها ولا وكيل له حاضر وأثبت المشتري الشراء منه وتسليم الثمن إليه والعيب والفسخ به وحلف على ذلك استظهارا لكونه قضاء على غائب قضى له الثمن من ماله غير المبيع إن كان له مال غيره وإنما لم يقض من المبيع للاعتناء عنه مع طلب المحافظة على بقائه لاحتمال أن له حجة بيديها إذا حضر وعدل بضم العين وتشديد الدال أي ووضع المبيع عند عدل إن كان له مال غيره فهذا الشرط متعلق بقضى وعدل وفي نسخة تقديمه على عدل وإلا أي وإن لم يكن له مال غيره بيع المعيب في الثمن لتعينه للقضاء ولا ينافي ذلك ما سيأتي في باب المبيع قبل القبض من أن للمشتري بعد الفسخ حبس المبيع إلى استرجاع الثمن من البائع للفرق الظاهر بين البائع والقاضي وحذف ما في الأصل هنا عن القاضي من أنه يقيم البينة ادعاه في وجه مسخر ينصبه القاضي لأنه ليس بلازم كما صححه في باب القضاء على الغائب وقضية كلامهم الاكتفاء بالغيبة عن البلد وإن قلت المسافة لأن في تكليفه الخروج عنها مشقة وقال في المطلب المراد مسافة القصر وهل يلحق بها مسافة العدوى أو لا يشبه أن يكون فيها الخلاف في الاستعداد وقبول شهادة الفرع
حكاه عنه الزركشي ثم قال والظاهر أن الرفع إلى الحاكم ليفسخ عنده تكفي فيه الغيبة عن البلد وإن قلت أما القضاء به وفصل الأمر فلا بد فيه من شروط القضاء على الغائب فلا يقضي عليه مع قرب المسافة ولا يباع ما له إلا لتعزز أو توار وقد ألحق في الذخائر الحاضر بالبلد إذا خيف هربه بالغائب عنها ولو
67
67
أمكنه الإشهاد على الفسخ في طريقه إلى القاضي أو الخصم بالبلد أو حال عذره لزمه احتياطا ولأن الترك يؤذن بالإعراض وإذا أشهد لا يلزمه الإنهاء إلى أحدهما للفسخ لنفوذه وهذا ما اختاره جماعة منهم ابن النقيب فقال وإذا أشهد على الفسخ فينبغي نفوذه ولا يحتاج بعده إلى إتيان الحاكم ولا بائع إلا للمطالبة لكن قول المنهاج حتى ينهيه إلى البائع أو الحاكم يقتضي إن وجوب الإتيان بحاله والذي اختاره السبكي الأول وهو مقتضى ما في التتمة انتهى والحاصل أن الواجب الإنهاء إلى أحدهما فإن أمكنه الإشهاد لزمه فإذا أشهد سقط وجوب الإنهاء حتى لا يبطل الفسخ بتأخيره رد المبيع ولا باستخدامه ولا يكفي الإشهاد هنا على طلب الفسخ بخلافه في الشفعة قال السبكي لأنه يمكنه إنشاء الفسخ بحضرة الشهود وفي الشفعة لا يمكنه إلا بأمور مقصودة فليس المقدور في حقه إلا الإشهاد على الطلب
وإذا أشهد قال القاضي والغزالي يشهد اثنين وكلام المصنف الآتي يلوح به قال ابن الرفعة وهو احتياط لأن الواحد مع اليمين كاف قال السبكي وهو كما قال قال الزركشي لكن صرح الماوردي في الشفعة بأنه لا يكفي لأن من الحكام من لا يحكم به فلم يصر مستوثقا لنفسه بالإشهاد قال والأقرب خلاف ما قاله بل يكتفي به كما هو الأصح في أداء الضامن ولو أشهد مستورين فبانا فاسقين ينبغي أن يكتفي به على الأصح كما في نظيره من الضمان ولو عجز عن الشهود لم يلزمه التلفظ بالفسخ إذ يبعد إيجابه من غير سامع ولأنه ربما يتعذر عليه ثبوته فيتضرر بالمبيع وهذا ما صححه الشيخان تبعا للإمام والبغوي وعزاه المتولي للقفال وحده وقال إن عامة الأصحاب على لزوم ذلك لقدرته عليه وإذا لقي البائع فسلم عليه لم يضر وإن اشتغل بمحادثته ضر ولا يلزمه التملك أي التلفظ في الشفعة أيضا كما سيأتي في بابها وذكره هنا من زيادته وهو تكرار فرع في دعوى الجهل بالرد أو بالفور إنما تقبل باليمين دعوى جهل الرد بالعيب ممن أسلم قريبا وكان ممن يخفى عليه ذلك أو نشأ بعيدا عن العلماء لعذره وتقبل باليمين الدعوى في جهل كونه أي الرد فورا من عامي يخفى مثله عليه لذلك فرع تأخير الرد بالعيب بلا عذر تقصير وكذا الانتفاع بالمبيع مدة العذر أو السير للرد وإن خف الانتفاع كاستدعاء الشرب من العبد أو نحوه فإنه تقصير يسقط به الرد والأرش بقيد زاده بحثا بقوله إن سقاه لإشعاره بالرضا ولأن فيه تأخيرا وهو بمجرده يسقط الرد فكيف إذا اجتمعا لكن ظاهر كلامهم السقوط وإن لم يسقه لذلك وقال ابن العماد أنه المتجه فإن ناوله الكوز ليشرب بلا طلب فتناوله منه لم يضر لأن وضعه في يد كوضعه على الأرض لكن رده إليه ولو قبل الشرب انتفاع فتعبيره بذلك أولى من تقييد الأصل بالشرب فعلم أنه لو خدمه بلا طلب منه لم يضر قال الإسنوي وهو متجه ومحل الكلام في ذلك كما قال السبكي وغيره إذا لم نوجب التلفظ بالفسخ كترك إبعاد أي نزع سرج الدابة أو نحوه عنها إذا لم يحصل لها بنزعه ضرر فإنه انتفاع وإن كان ملكا للبائع أو ابتاعه معها كما شملهما كلامهم قال الأذرعي وينبغي أن يتعذر غير الفقيه في الجهل بهذا قطعا والتصريح بقول المصنف وإن كان للبائع من زيادته لا ترك اللجام والعذراء لخفتهما فلا
68
68
يعد تركهما ولا تعليقهما انتفاعا ولأن القود يعسر بدونهما والعذار ما على خد الدابة من اللحام أو المقود ولا يضر علفها وسقيها وحلبها في الطريق كما صرح بها الأصل ووجهه في حلبها أن اللبن نماء حدث في ملكه وصورته أن يحلبها سائرة فإن حلبها واقفة بطل حقه كما حكاه في البحر عن الأصحاب وجزم به السبكي قال الأذرعي وفيه وقفة وينبغي أن لا يضر إذا لم يتمكن منه حال سيرها أو حال علفها أو سقيها أو رعيها وكالركوب لها ولو للرد والسقي فإنه انتفاع كما لو لبس الثوب للرد لا ركوبها لجموحها بضم الجيم بأن يعسر سوقها وقودها والإنعال بكسر الهمزة أي وكإنعالها في الطريق فإنه يسقط الرد والأرش إلا أن عجزت عن المشي للعذر فإن علم به أي بعيب الدابة أو الثوب في الطريق راكبا لها نزل عنها لأن استدامة الركوب ركوب أو لابسا له لم يجب نزعه فيها أي في الطريق لأنه لا يعتاد نزعه فيها قال في المهمات ويتعين تصويره في ذوي الهيئات لأن غالب المحترفة لا يمتنعون من ذلك ويأتي نحوه في النزول عن الدابة انتهى فرع لو صالحه البائع بالأرش أي بجزء من الثمن أو غيره عن الرد لم يصح لأنه خيار فسخ فأشبه خيار التروي في كونه غير متقوم ولم يسقط الرد لأنه إنما أسقطه بعوض ولم يسلم إلا أن علم البطلان أي بطلان المصالحة فيسقط الرد لتقصيره وليس له أن يمسك المبيع ويطالب بالأرش ولا للبائع أن يمنعه من الرد ويدفع الأرش ولو اشترى عبدا فأبق قبل قبضه فأجاز المشتري البيع ثم أراد الفسخ قبل عوده فله ذلك كما سيأتي بيانه في الباب الآتي فصل وإن حدث بالمبيع مع المشتري أي عنده عيب آخر بآفة أو جناية وعلم به عيبا قديما لم يملك الرد قهرا لإضراره بالبائع ولا يكلف المشتري الرضا به فإن اتفقا على الفسخ والرجوع على المشتري بأرش العيب الحادث أو على الإجازة والرجوع على البائع بأرش القديم فذاك ظاهر فإن قلت تقدم أن أخذ أرش القديم بالتراضي ممتنع قلنا عند إمكان الرد يتخيل أن الأرش في مقابلة سلطنة الرد وهي لا تقابل بخلافه عند عدم إمكانه فإن المقابلة تكون عما فات من وصف السلامة في المبيع ولو لم يتفقا على ذلك بأن طلبه أي الفسخ مع الرجوع بالأرش أحدهما وطلب الآخر الإجازة والرجوع بأرش العيب القديم أجيب طالبها أي الإجازة سواء أكان البائع أم المشتري لتقريره العقد ولأن الرجوع بأرش القديم يستند إلى أصل العقد لأن قضيته أن لا يستقر الثمن بكماله إلا في مقابلة السليم وضم أرش الحادث إدخال شيء جديد لم يكن في العقد فكان الأول أولى واستشكل هذا بما مر آنفا من أنهما لو تراضيا بالرد ضم أرش الحادث جاز وإن لم يكن مستند إلى أصل العقد وأجيب بأنه لما كان الفسخ ثم بالتراضي احتمل فيه هذه الزيادة التابعة وحيث أوجبنا أرش الحادث لا ننسبه إلى الثمن بل يرد ما بين قيمة المبيع بالعيب القديم وقيمته معيبا وبالعيب الحادث بخلاف أرش القديم كما مر هذا إن بادر المشتري بإعلام البائع بالحادث مع القديم ليأخذ المبيع بلا أرش أو يتركه بإعطاء أرش فإن أخر إعلامه بذلك بلا عذر بطل الرد والأرش عن القديم لإشعار التأخير بالرضا به إلا أن يكون الحادث سريع الزوال غالبا كالحمى والرمد والصداع ووجع البطن فإن له التأخير للرد في أحد القولين ليرد سليما عن الحادث بلا أرش وجزم به في الأنوار والثاني لا لقدرته على طلب الأرش فرع لو زال العيب الحادث بعد أخذ أرش أي أخذ المشتري أرش العيب القديم أو بعد
69
69
قضاء الحاكم له به ولم يأخذه لم يفسخ أي ليس له الفسخ ورد الأرش لانفصال الأمر بذلك فإن زال قبل أخذه أو قضاء القاضي به للمشتري أو قبلهما معا فسخ ولو بعد التراضي على أخذ الأرش وإن زال العيب القديم قبل أخذ أرشه لم يأخذه وبعده وجب رده لزوال المقتضي لأخذه فرع ما ثبت به الرد على البائع يمنع الرد إذا حدث عند المشتري وما لا يثبت به الرد عليه فلا يمنع الرد إذا حدث عند المشتري إلا في الأقل فيمنع الرد وإن كان لا يثبته كالثيوبة في أوانها فإنه لا يرد بها مع أنه لو اشترى بكرا فوطئها امتنع الرد وكوجود العبد غير قارئ أو عارف لصنعته فإنه لا يرد به مع أنه اشتراه قارئا أو عارفا لصنعة فنسي القرآن أو الصنعة امتنع الرد وهذه في الأصل وقد أخذ المصنف في بيان صور يتضح بها ما ذكره من الشقين فقال فوطء المشتري الثيب لا يمنع الرد بالعيب القديم وإن حرمها بوطئه على البائع لكون المشتري ابنه أو أباه لأن القيمة لم تنقص بذلك ولا يخفى أن الوطء ليس المقصود بل المقصود التحريم فكان الأولى أن يقول فتحريم الأمة الثيب بوطئها على البائع لا يمنع الرد كما لا يثبته وكذا لا يمنعه إرضاع يحرم الصغيرة عليه أي البائع كأن ارتضعت من أمه أو ابنته في يد المشتري ثم علم بالعيب بخلاف التزويج أي تزويج المشتري الأمة قبل علمه بالعيب فإنه يمنع الرد لنقصه القيمة
فإن علق الزوج طلاقها بالرد فردها قبل الدخول جاز الرد لزوال المانع به ولم تخلفه عدة كذا نقله الأصل عن الروياني والروياني نقله عن والده ثم قال ويحتمل منع الرد لمقارنة العيب له قال السبكي وفي ذهني من كلام غيره ما يعضده وألحق الإسنوي بما نقله الأصل تزويجها من البائع لأنه بالرد ينفسخ النكاح قال ولم أره مسطورا قلت قد رأيته مسطورا في التتمة وذكر أنه يمتنع فيه الرد لمقارنة العيب له ونقله عنها السبكي ثم قال وقد يرتب ذلك على أن العلة مع المعلول فيرد أو قبله فوجهان أحدهما منع الرد لما مر قال الروياني ولأن الزوج قد يموت عقب الرد فيلزمها عدة الوفاة ولا يقع الطلاق على المذهب الصحيح أي لمصادفته البينونة فيؤدي الرد إلى إلحاق الضرر به والثاني يرد لزوال المانع بالرد ولأن الزوجية في مثل ذلك لا تعد عيبا والأقوى المنع لما قاله الروياني انتهى ومثلها مسألة المتولي إذ لا فرق بينهما وإقرار العبد على نفسه في يد المشتري بدين معاملة لا يمنع الرد بالعيب القديم وكذا إقراره بدين إتلاف لا يمنعه إلا أن صدقه المشتري فيه فيمنعه وعفو المجني عليه عند التصديق كزوال العيب الحادث فيمنع الرد بعد أخذ أرش القديم أو بعد حكم الحاكم به ويجوز قبلهما ولو بالتراضي على أخذ الأرش فرع لو حدث بالمبيع عيب مثل القديم كبياض قديم وحادث في عينه ثم زال أحدهما وأشكل الحال واختلف فيه العاقدان فقال البائع الزائل القديم فلا رد ولا أرش وقال المشتري بل الحادث فلي الرد حلف أي كل منهما على ما قاله وسقط الرد بحلف البائع ووجب للمشتري بحلفه الأرش وإنما وجب له مع أنه إنما يدعي الرد لتعذر الرد وإن الأولى فإن اختلفا في قدره وجب الأقل لأنه المتيقن ومن نكل منهما عن اليمين قضى عليه كما في نظائره فرع لو اشترى ربويا بجنسه كأن اشترى حلي ذهب أو فضة بوزنه ذهبا أو فضة فبان معيبا وقد حدث عنده عيب فسخ هو على ما اقتضاه كلامه كأصله وغيره أو هو أو البائع أو الحاكم كما في الفسخ في التحالف على ما اقتضاه كلام الإمام أو الحاكم على ما نقله السبكي وغيره عن الشيخ أبي حامد وصاحب العدة وغيرهما لكن استبعده السبكي بأن هذا رد عيب لا دخل للحاكم فيه ومال الزركشي إلى كلام الإمام والأوجه الأول لأنه رد بعيب ولا تحالف فيه حتى يفسخ البائع أو الحاكم ورده أي الحلي بأرش الحادث ولا ربا لأن الحلي في مقابلة الثمن وهما متماثلان والعيب الحادث مضمون عليه كعيب المأخوذ على جهة السوم ولو كان الأرش من جنسه أي الحلي فإنه يجوز رده بالأرش إذ لو امتنع الجنس
70
70
لامتنع غيره لأنه بيع ربوي بجنسه مع شيء آخر ولو كان الحادث ينقص الوزن غرم زنته ورد قاله الزركشي وظاهر أن محله إذا لم ينقص مع ذلك القيمة ولا يمسك الحلي ويأخذ الأرش عن العيب القديم إذ لو أخذه لنقص الثمن فيصير الباقي منه مقابلا بأكثر منه وذلك ربا ولو علم به أي بالعيب المشتري بعد تلف الحلي فسخ بخلاف نظيره في غير الربوي لأنه هنا لا يمكنه أخذ الأرش عن القديم ولا سبيل إلى إسقاط حقه ففسح واسترد الثمن من البائع وغرم له القيمة أي قيمة الحلي ولا يمسكها ويأخذ الأرش للربا كما مر في الحلي آنفا فلو أخر عنه قوله ولا يمسك ويأخذ الأرش لشملهما قال ابن يونس ومحل ما ذكر إذا كان العيب بغير غش وإلا فقد بان فساد البيع لاشتماله على ربا الفضل واعترض ابن الرفعة على تعبير الرافعي ومن وافقه بالقيمة بأن الحلي مثلي فلا وجه لذكرها قال الزركشي وقد يجاب بأن العيب قد يخرجه عن كونه مثليا على أن صاحب الشامل عبر بقوله يغرم المثل والقيمة إن لم يكن له مثل وهو الصواب انتهى وسيأتي في الغصب إيضاح ذلك فرع وإن بان العيب وقد أنعل الدابة والنزع للنعل يعيبها فنزع بطل حقه من الرد والأرش لقطعه الخيار بتعييبه بالاختبار وإن سلمها بنعلها أجبر البائع على قبول النعل إذ لا منة عليه فيه ولا ضرر وليس للمشتري طلب قيمتها فإنها حقيرة في معرض رد الدابة فلو سقطت استردها المشتري لأن تركها إعراض لا تمليك وإن لم يعبها نزعها لم يجبر أي البائع على قبولها بخلاف الصوف يجبر على قبوله كما قاله القاضي لأن زيادته تشبه زيادة السمن بخلاف النعل فينزعها والفرق بين نزعها هنا والإنعال في مدة طلب الخصم أو الحاكم إن ذاك اشتغال يشبه الحمل على الدابة وهذا تفريغ وقد ذكر القاضي إن اشتغاله بجز الصوف مانع من الرد بل يرد ثم يجز فرع وإن صبغ المشتري الثوب أو قصره فزادت قيمته ثم علم العيب فإن سمح للبائع بالصبغ مثلا صار ملكا للبائع لأنه صفة للثوب ولا تزايله بخلاف النعل فلا يملكها البائع كما مر ولو رد المشتري الثوب وطلب قيمة الصبغ أو رده ليبق شريكا للبائع بالصبغ ولم يرض البائع لم يجب إليه و لكن له الأرش عن العيب فالمجاب فيهما البائع واستشكل حكم الثانية بنظيرها من الفلس والغصب حيث جعلوا المفلس والغاصب شريكين للمردود عليه بالصبغ وأجيب بأن الفلس والغاصب مقهوران على الرد فلا وجه لتضييع حقهما بخلاف المشتري هنا فإنه المختار للرد فلا يستفيد باختياره الشركة ولو طلب المشتري أرش العيب وقال البائع رد الثوب لا غرم لك قيمة الصبغ أجيب البائع وسقط أرش المشتري عن العيب كعكسه السابق واستشكل ذلك بما مر من أن المشتري إذا طلب التقرير وأرش العيب القديم وطلب البائع الفسخ وأرش الحادث يجاب المشتري وأجيب بأن هذه ليست نظير مسألتنا وإنما نظيرهما أن لا يغرم المشتري شيئا بأن يطلب البائع الرد بدون أرش الحادث وهذه لا يجاب فيها المشتري بل البائع كما في مسألتنا هذا كله إذا لم يمكن فصل الصبغ بغير نقص في الثوب فإن أمكن فصله بغير ذلك فصله ورد الثوب كما اقتضاه تعليلهم وصرح به الخوارزمي وغيره والمعنى يرد ثم يفصله نظير ما مر في الصوف فرع وما مأكوله في جوفه كالرمان والبطيخ والجوز واللوز إذا كسره المشتري كسرا لا يعرف عيبه القديم بدونه فله رده ولا يمنع منه ما حدث لعذره في تعاطيه لاستكشاف العيب كما في المصراة ولا أرش عليه بسببه لذلك وكأن البائع بالبيع سلطه عليه وإلا أي وإن كسره كسرا يعرف العيب بدونه فهو عيب حادث يمنع الرد لانتفاء عذره وما خرج من المبيع فاسدا لا قيمة له كبيض غير النعام المذر والبطيخ الشديد التغير بأن فساد البيع فيه لوروده على غير متقوم فيختص البائع بالقشور كما يختص المشتري بجميع الثمن ويلزمه تنظيف المكان منها لاختصاصها به قال الزركشي وينبغي أن يكون محله إذا لم ينقلها المشتري وإلا فيلزم بنقلها قطعا وتعرف حموضة البطيخ بالغرز لشيء فيه فتقويره يمنع الرد وكذا التقوير الكبير إذا أمكن معرفتها بالصغير ولا يعرف تدويده إلا بالتقوير وقد يحتاج في معرفته الشق أي إليه ولا بد في معرفة عيب الجوز من كسر الجوز ومثله اللوز ونحوه وقد تكفي اللقلقة وفي
71
71
نسخة القلقلة وهي بمعناها في معرفة عيب البيض وتقدم أن الحموضة في الرمان ليست عيبا فلو شرط فيه الحلاوة فبان حامضا بالغرز رد أو بالشق فلا فرع إذا اشترى ثوبا مطويا وقد جعلوه من صور بيع الغائب وقضيته أنه لا يصح بيعه فيخالف ما قالوه هنا مما يأتي ولعله وفي نسخة فلعله أي ما قالوه هنا فيما إذا سبقت رؤيته أو طوى طاقين وهو مما لا يختلف وجهاه ككرناس لما مر أن رؤية أحد وجهيه كافية أو نشر مرتين مرة قبل البيع ومرة بعده بفعل المشتري للحاجة فنقص بالنشر المطلع على العيب في الصور الثلاث فله الرد بلا أرش للعيب الحادث لما مر في الفرع قبله ومؤنة الطي عليه إن لم يحسن طيه والصورة الثالثة في كلامه داخلة في الأولى ولفظة للحاجة من زيادته وهي مضرة فصل لا يفرد بعض المبيع في صفقة بالرد بالعيب قهرا وإن زال الباقي عن ملكه فلو باع بعضه ثم وجد العيب لم يرد قهرا لما فيه من تشقيص البائع عليه ولا أرش له للباقي ولا للزائل لعدم اليأس من الرد وقيل له الأرش الباقي لتعذر الرد ولا ينتظر عود الزائل ليرد الكل كما لا ينتظر زوال العيب الحادث وصححه في أصل الروضة تبعا لنقل الرافعي له عن تصحيح التهذيب وهو ضعيف لأنه إنما يأتي على التعليل باستدراك الظلامة لا بعدم اليأس وأما تعذر الرد فإنما هو في الحال فهو كما لو باع الجميع فلا أرش له قال السبكي وغيره وهذا ظاهر نص المختصر وهو الصحيح الذي صرح به كثيرون وهو مقتضى التعليل باليأس وما قالوه هو المعتمد المفتى به وإن تبعت الأصل في شرح البهجة فعدول المصنف عما فيه إلى ما قاله حسن متعين وشمل قوله كغيره باع بعضه ما لو باعه للبائع فلا رد له وهو ما جزم به المتولي وصححه البغوي وجزم به السبكي في شرح المهذب في موضع ثم نقله عنهما وعلله بأنه وقت الرد لم يرد كما تملك وبه أفتيت لكن قال القاضي له الرد على المذهب إذ ليس فيه تبعيض على البائع واقتصر الإسنوي على نقله عنه
وكذا السبكي في شرح المنهاج وفي شرح المهذب في موضع آخر ثم قال وينبغي بناء ذلك على أن المانع الضرر فيرد أو اتحاد الصفقة فيتخرج على تفريقها انتهى ويؤيد ما قاله القاضي ما نص عليه في الأم والبويطي من أن له الرد فيما لا ينقص بتبعيضه وهو أحد وجهين في الأصل حيث قال أما ما لا ينقص بالتبعيض كالحبوب فوجهان بناء على أن المانع ضرر التبعيض أو اتحاد الصفقة وإذا اشترى رجلان عبدا من رجل فلأحدهما رد نصيبه بالعيب لأنه رد جميع ما ملك وتبطل الشركة بينهما فيخلص للممسك ما أمسك وللراد ما استرد وإن ورثاه أي ابنا المشتري مثلا فليس لأحدهما رد نصيبه لاتحاد الصفقة ولهذا لو سلم أحدهما نصف الثمن لم يلزم البائع تسليم النصف إليه وإن اشترى رجلان عبدا من رجلين فكل منهما مشتر من كل من البائعين ربع العبد لأن ذلك أربعة عقود فلكل أن يرد جميع ما اشتراه من كل عليه وإن اشتراه ثلاثة من ثلاثة فكل منهم مشتر من كل من البائعين تسعه لأن ذلك تسعة عقود فلكل أن يرد جميع ما اشتراه من كل عليه وإن اشترى بعض عبد فرهنه ثم بان معيبا فاشترى الباقي ثم فدى المرهون أي فكه فله رده لزوال المانع فقط أي دون الباقي لأنه اشتراه عالما بعيبه وتصويرها بالرهن من زيادته وهو مثال والضابط ما يتعذر معه الرد حالا كبيع وهبة ثم يزول بعد شراء الباقي فصل وإن اختلفا في حدوثه وقدمه بأن قال كل للآخر حدث عندك ودعواهما فيه ممكنة
72
72
بأن احتمل قدمه وحدوثه كبرص فالقول قول البائع بيمينه لأن الأصل عدم العيب ودوام العقد ولا يثبت بيمينه حدوث العيب مطلقا لأنها صلحت للدفع عنه فلا تصلح لشغل ذمة المشتري فلو فسخ البيع بعد ذلك بتحالف مثلا لم يكن له أرش العيب وللمشتري أن يحلف الآن أنه ليس بحادث قاله القاضي والإمام والغزالي ولو ادعى المشتري وجود عيبين في يد البائع فاعترف بأحدهما وادعى حدوث الآخر في يد المشتري كان القول قول المشتري لأن الرد يثبت بإقرار البائع بأحدهما فلا يبطل بالشك قاله ابن القطان وغيره ونقله ابن الأستاذ في شرح الوسيط عن النص قال ابن الرفعة ولا بد من يمين المشتري فإن نكل لم ترد على البائع لأنها إنما ترد إذا كانت تثبت للمردود عليه حقا له هنا نعم لا يثبت للمشتري الرد ونظيره ما لو دفع إليه دابة ثم اختلفا فقال الراكب أعرتنيها وقال المالك بل آجرتكها ومضت مدة لمثلها أجرة وصدقنا المالك فنكل عن اليمين لا ترد انتهى
أما ما لا يحتمل حدوثه بعد البيع كأصبع زائدة وشين شجة مندملة وقد جرى البيع أمس فالقول قول المشتري بلا يمين وما لا يحتمل قدمه كشجة طرية وقد جرى البيع والقبض من سنة مثلا فالقول قول البائع بلا يمين فإن قال في جواب قول المشتري إن بالمبيع عيبا كان قبل القبض وأريد رده لا يلزمني الرد أي قبوله أو لا تستحق الرد علي بهذا العيب أو إني أقبضه وما به عيب وحلف كذلك أي كجوابه كفى لمطابقة الحلف الجواب فلو أراد أن يحلف في الأخيرة على أن المشتري لا يستحق الرد عليه لم يتمكن منه ولا يكلف في الأوليين أن يتعرض لعدم العيب يوم البيع ولا يوم القبض لجواز أنه أقبضه معيبا وهو عالم به أو أنه رضي به بعد البيع ولو نطق به صار مدعيا مطالبا بالبينة ولو تعرض في الجواب لنفي قدمه نفاه لزوما في اليمين ليطابق الجواب وكذا في سائر أجوبة الدعاوى بتا فيحلف لقد بعته وما به هذا العيب لا علما أي لا نفي علم فلا يكفيه بعته وما أعلم به هذا العيب وله الحلف على البت اعتمادا على ظاهر السلامة إن لم يظن خلافه وإن لم يختبر المبيع ولم يعلم خفايا أمره فرع لو اختلفا في وجود العيب أو في صفة هل هي عيب أو لا فالقول قول البائع بيمينه لأن الأصل عدم العيب ودوام العقد هذا إذا لم يعرف الحال من غيرهما وإلا فحكمه ما ذكره بقوله ولا يكفي أي في معرفة حاله إلا قول عدلين عارفين بذلك كما جزم القاضي والمتولي والقفال وقال في المطلب أنه القياس وقال البغوي يكفي واحد ولم يرجح الأصل شيئا بل حكى الأول عن التتمة والثاني عن التهذيب فبيان الراجح من زيادة المصنف ولو ادعى البائع علم المشتري بالعيب أو تقصيره في الرد فالقول قول المشتري ذكره الأصل وقيده الدارمي وغيره بما إذا كان مثل العيب يخفى على المشتري أي عند الرؤية فإن كان لا يخفى كقطع أنف أو يد فالقول قول البائع قال النووي في فتاويه لو رضي المشتري بعيب ثم قال إنما رضيت به لأني اعتقدته العيب الفلاني وقد بان خلافه فإن أمكن اشتباهه به وكان العيب الذي بان أعظم ضررا فله الرد وإلا فلا ولو اشترى
73
73
شيئا رأى فيه شيئا ثم ظهر أنه عيب فقال ظننت أنه ليس بعيب فإن كان ممن يخفى عليه مثله صدق
فرع
لو اشترى معيبا وقبضه سليما فلا رد لأن مدار الرد على التعيب عند القبض بل مهما زال العيب قبل الرد بطل الخيار لزوال مقتضيه فصل الفسخ يرفع العقد من حينه لا من أصله ولو قبل القبض لأنه لا يسقط الشفعة ولأن العقد لا ينعطف حكمه على ما قبله فكذا الفسخ فرع وطء الثيب أو الغوراء مع بقاء بكارتها من مشتر أو غيره قبل القبض أو بعده لا يمنع الرد كما لا يمنعه الاستخدام إلا أن كان الوطء زنا منها ولو كان الوطء فيه من البائع لأنه عيب حادث وافتضاض البكر بعد القبض تعييب فيمنع الرد و قبله جناية على المبيع فهو قبل القبض من البائع هدر فلا شيء عليه لأن جنايته كالآفة السماوية ومن المشتري قبض للبكارة فقط فيستقر عليه من الثمن بقدر ما نقص من قيمتها فإن قبضها لزمه الثمن بكماله وإن تلف قبل قبضها لزمه قدر النقص من الثمن ومن الأجنبي يوجب الأرش إن كان افتضاضه بغير وطء شبهة فإن كان بوطء شبهة لزمه مهر بكر مثلها بلا إفراد أرش ويكون للمشتري إن أجاز العقد وإلا فقدر الأرش منه أي المهر للبائع لعودها إليه ناقصة والباقي للمشتري فرع الزيادة المتصلة بالمبيع كالسمن والتعلم لقرآن أو غيره تتبع الأصل في الرد لعدم إمكان إفرادها والمنفصلة كالأجرة والمهر والكسب للمشتري لما مر أن الفسخ يرفع العقد من حينه لا من أصله ولأن رجلا ابتاع من آخر غلاما فأقام عنده ما شاء الله ثم وجد به عيبا فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرده عليه فقال يا رسول الله قد استعمل غلامي فقال الخراج بالضمان رواه الترمذي وحسنه والحاكم وصححه ومعناه أن فوائد المبيع للمشتري في مقابلة أنه لو تلف كان من ضمانه وأورد عليه المغصوب والمبيع قبل قبضه فإن كلا منهما لو تلف تحت يد ذي اليد ضمنه وليس له خراجه وأجيب عنهما بأن الضمان هنا معتبر بالملك لأنه الضمان المعهود في الخبر ووجوب الضمان على ذي اليد فيما ذكر ليس لكونه ملكه بل لوضع يده على ملك غيره بطريق مضمن وعن الثاني أيضا بقصر الخبر على سببه وهو فيما بعد القبض وكذا الولد المنفصل الحادث بعد العقد فإنه للمشتري فإن نقصت الأم بالولادة امتنع الرد كما علم مما مر ويجوز التفريق بينهما أي بين الأمة وولدها إن كان في سن يحرم فيه التفريق ولم تنقص أمه بالولادة بالرد للحاجة وتقدم في آخر المناهي إن هذا وجه وإن الأصح المنصوص المنع ولا تصحيح في الأصل هنا وعلى الأصح قالوا يتعين الأرش لأن الرد كما كالمأيوس منه وفيه نظر يعرف مما قدمته فيما إذا باع بعض المبيع ووجد به عيبا فرع لو اشترى أمة أو بهيمة حاملا فوضعت فإن نقصت بالولادة ثم بانت معيبة لم يكن له الرد قهرا كسائر العيوب الحادثة نعم إن جهل الحمل واستمر إلى الوضع فله الرد لما مر أن الحادث بسبب متقدم كالمتقدم نبه عليه الإسنوي وغيره وإلا أي وإن لم تنقص بالولادة ردها لوجود المقتضي بلا مانع مع الولد كثمرة لشجرة اشتراها وثمرتها غير مؤبرة ثم أبرها هو أو غيره أو تأبرت بنفسها فإنها ترد مع الشجرة بظهور عيب فيها لأن الحمل فيما ذكر يأخذ قسطا من الثمن بناء على أنه يعلم فإن وضعته قبل القبض
74
74
فللبائع حبسه لاستيفاء الثمن ولا يباع قبل القبض ويسقط من الثمن بحصته إن هلك قبل القبض كأمه في الثلاث بناء على ما قلنا أما إذا بانت معيبة ولم تضع بعد فيردها حاملا كما علم من كلامه وإذا حملت بعد الشراء قبل القبض وردت بالعيب حاملا فالولد للمشتري لحدوثه في ملكه بخلاف نظيره في الفلس فإن الولد للبائع ويفرق بأن سبب الفسخ ثم نشأ من المشتري وهو تركه توفية الثمن وهنا من البائع وهو ظهور العيب الذي كان موجودا عنده ثم رأيت من فرق بذلك وبما فيه نظر وإذا قلنا الحمل هنا للمشتري قال الماوردي وغيره فله حبس أمه حتى تضع وكذا إذا حملت به بعد القبض يكون للمشتري لما مر لكن حمل الأمة بعد القبض يمنع الرد كرها لما مر أن الحمل فيها عيب وكذا يمنع الرد غيرها أي حمل غيرها بعد القبض إن نقص به كسائر العيوب الحادثة وإن أطلعت النخلة في يده فردها بعيب فلمن يكون الطلع وجهان أحدهما للبائع تبعا للنخلة وثانيهما للمشتري وصححه الخوارزمي قال الزركشي وهو الأقرب لأنه كالولد المنفصل والأنسب أن يقول كالحمل والصوف الموجود عند العقد يرد مع الأصل وإن جز لأنه من المبيع وكذا الحادث منه بعده أي العقد يرد تبعا ما لم يجز فإن جز لم يرد كالولد المنفصل بل قياس الحمل أن ما لم يجز لا يرد أيضا وبه جزم القاضي في تعليقه وألحق به اللبن الحادث والأول وهو ما جزم به الأصل هو ما في فتاويه وجرى عليه الخوارزمي وهو وإن وجه بأنه كالسمن فالثاني أوجه وعليه اقتصر ابن الرفعة في النقل عنه وقال البلقيني أنه الأصوب قال الزركشي والقياس إلحاق البيض بالحمل قال السبكي تفقها ولو جز الصوف الذي كان عليها بعد أن طال ثم علم عيبا صار بالرد بينهما شركة وقد يقع نزاع في مقدار ما لكل منهما وهو عيب مانع من الرد بخلاف الحادث من أصول الكراث ونحوه التابعة للأرض في بيعها فإنه للمشتري لأنه ليس تبعا للأرض ألا ترى أن الظاهر منها في ابتداء البيع لا يدخل فيه فصل الإقالة وهي ما يقتضي رفع العقد المالي بوجه مخصوص جائزة وتسن لنادم أي لأجله لخبر ابن حبان في صحيحه من أقال مسلما وفي رواية للبيهقي نادما أقال الله عثرته وهي فسخ لا بيع وإلا لصحت مع غير البائع وبغير الثمن الأول وفرع على كونها فسخا مسائل فقال فيجوز تفريق المتقايلين أي تفرقهما من مجلس الإقالة في الصرف قبل التقابض ولا تتجدد بها شفعة وتصح في المبيع والمسلم فيه
75
75
ولو قبل القبض أو بعد التلف لهما وشمل كلامه الآبق فتصح الإقالة فيه لأنه لا يزيد على التالف بخلاف رده بعيب لأن الرد يرد على المردود ولا مردود ويصح الرجوع في الموهوب الآبق من يد المتهب على الأصح ويرد المشتري مثله أي التالف في المثلي وقيمته في المتقوم كنظائره وينفذ تصرف البائع في المبيع بعدها أي الإقالة قبل القبض إلا إذا لم يكن المشتري قبض الثمن فلا ينفذ التصرف نقله الأصل عن المتولي في الباب الآتي
وهو المناسب لما سيأتي من أن للمشتري حبس المبيع لاسترداد الثمن على ما يأتي فيه ولا تنفسخ الإقالة بتلفه عند المشتري ولو بإتلافه أو إتلاف أجنبي بل يضمنه لأنه مقبوض بحكم العوض كالمأخوذ قرضا وسوما وتعتبر قيمته إن كان متقوما بأقل قيمتي وقتي العقد والقبض لما مر في نظيره في اعتبار الأرش وقياسه أنه إن كانت القيمة بين الوقتين أقل فهي المعتبرة وفيما ذكره كأصله من اعتبار الأقل نظر والوجه اعتبار يوم التلف وإن استعمله المشتري بعد الإقالة وقبل القبض لزمته الأجرة وليس للبائع فيها رد بعيب حدث بيد المشتري قبلها وعليه للبائع أرش العيب ذكره الأصل وللمشتري الحبس للمبيع بعد الإقالة لاسترداد الثمن سواء أقلنا إنها فسخ أم بيع صرح به الأصل ونقله السبكي عن القاضي قال إن قلنا بيع فللبائع الحبس أو فسخ فكالرد بالعيب وله الحبس وهذا يخالف ما نقله النووي في مجموعه في الخيار عن الروياني وأقره من أنه ليس لواحد من العاقد بعد التفاسخ في مدة الخيار الحبس بل إذا طالب أحدهما الآخر لزم الآخر الدفع إليه ثم ما كان بيده بخلاف اختلافهما في البداءة في البيع فإن لكل حبس ما بيده حتى يدفع إليه الآخر لأن الفسخ هنا رفع حكم العقد وبقي التسليم بحكم اليد وهي توجب الرد وهناك التسليم بالعقد وهو يوجب التسليم من الجانبين انتهى فعلم منه أنه لا حبس في جميع الفسوخ فعليه لا يحتاج إلى تقييد نفوذ تصرف البائع فيما مر بكلام المتولي السابق وعليه جرى في المجموع فإنه لما ذكر نفوذ التصرف ساق فيه كلام المتولي مساق الأوجه الضعيفة ولفظها أي الإقالة قول العاقدين تقايلنا أو تفاسخنا أو قول أحدهما للآخر أقلتك ونحوه فيقبل الآخر ولا يشترط لصحتها ذكر الثمن وقيده السبكي بما إذا كان معلوما وأيد بالنص الآتي لكن كلام الإمام الآتي ينافيه وهو المعتمد وكلامهم فيما يأتي يقتضيه ولعل النص مبني على أنها بيع لا فسخ وإن نص قبله على أنها فسخ ولا تصح إلا به أي بذلك الثمن فإن زاد فيه أو نقص عنه أو شرط فيها أجلا أو أخذ صحاح عن مكسرة أو عكسه بطلت وبقي العقد بحاله وتصح من الوارث لأنه خليفة العاقد وما أفتى به ابن الصلاح من أن الورثة لو استأجروا من يحج مورثهم حجة الإسلام الواجبة ولم يكن أوصى بها ثم تقايلوا مع الأجير لم تصح الإقالة لوقوع العقد لمورثهم لا ينافي ذلك لأن الحق فيه عند الإقالة لمورثهم لا لهم بخلافه فيما تقرر قال السبكي نقلا عن القاضي لو أقال في مرض موته حسبت من الثلث لأنه في مرض الموت لو رد المبيع بعيب وقيمته أضعاف ثمنه حسبت من الثلث كابتداء البيع بالمحاباة
و تصح في بعض المبيع والمسلم فيه كما تصح في كله قال في الأصل في الأولى قال الإمام هذا إذا لم تلزم جهالة وإلا فلا يجوز على قولنا إنها بيع للجهل بحصة البعض وقضيته الجواز على قولنا إنها فسخ مع الجهل بالحصة قال الزركشي ويرد عليه نص الشافعي على أنه لا بد فيها من العلم بالمقايل بعد نصه على أنها فسخ قلت وتقدم ما فيه لكن إن أقاله في البعض ليعجل له الباقي أو عجل له بعض المسلم فيه ليقيله في الباقي فهي فاسدة كما لو تقايلا
76
76
بأزيد من الثمن ولو تقايلا أو تفاسخا بعيب أو تحالف ثم اختلفا في قدر الثمن فالقول قول البائع بيمينه لأنه غارم وكذا القول قوله بيمينه إذا احتاجا إلى معرفته أي الثمن لتقدير الأرش الذي يرجع به المشتري على البائع عن العيب القديم وإن اختلفا في وجود الإقالة فالقول قول منكرها بيمينه لأن الأصل عدمها والزيادة المنفصلة قبلها للمشتري والمتصلة للبائع تبعا إلا الحمل الحادث قبلها فقياس ما مر في الرد بالعيب أنه للمشتري وإن باعه مؤجلا وتقايلا بعد الحلول للأجل والقبض للثمن استرد المشتري الثمن بلا مهلة فلا يلزمه أن يصبر قدر الأجل وإن لم يقبض أي البائع الثمن سقط عن المشتري سواء أكان حالا أم مؤجلا وبرئا جميعا لزوال العلقة بينهما فصل في مسائل تتعلق بالباب الأولى الثمن المعين كالمبيع فيما مر فيفسخ البيع بعيبه كأن خرج معيبا بخشونة أو سواد أو وجده مخالفا لسكة النقد الذي تناوله العقد وإن خرج كله نحاسا بضم النون أو نحوه كالرصاص بفتح الراء وكسرها وقد شرط كونه فضة أو ذهبا بطل العقد لأنه بان أنه غير ما عقد عليه أو خرج بعضه نحاسا مثلا وقد شرط ما ذكر تفرقت الصفقة فيبطل فيما بان نحاسا ويصح في الباقي وتخير بين الإجازة والفسخ للتشقيص وقوله وإن خرج إلى هنا من زيادته أخذه من المسألة الآتية وغير المعين إذا خرج على خلاف ما تناوله العقد يستبدل به وإن خرج نحاسا أو نحوه ولا يفسخ به لبقاء حقه في الذمة الثانية لو وقع الصرف على العين على أنها فضة أو ذهب وخرج أحدهما أو كلاهما نحاسا أو نحوه بطل العقد لما مر في التي قبلها فالمغلب فيهما العبارة لا الإشارة ولا يشكل بصحة العقد تغليبا للإشارة فيما لو باع قطعة أرض على أنها مائة ذراع فخرجت دونها وفيما لو قال بعتك فرسي هذا وهو بغل
وفيما لو قال زوجتك هذا الغلام وأشار إلى ابنته لأن الأولى وجد فيها جنس العوض بخلاف مسألتنا والثانية لا تشبه مسألتنا لأن جملة وهو بغل من كلام البائع فلا يؤثر كما لو قال زوجتك بنتي هذه وسماها بغير اسمها وإنما تشبهها أن لو قال بعتك فرسي هذا فبان بغلا وحينئذ لا يصح البيع والثالثة لما كان التزويج فيها لا يقع إلا على الأنثى ألغى وصف الذكورة ونزل العقد على ما يقبله بخلاف البيع فإنه يقع عليهما فيبطل عند المخالفة أو خرج بعضه نحاسا أو نحوه صح العقد في الباقي دونه بالقسط إلا أن يتفق الجنس الربوي ويتميز عن الجنس الآخر فيبطل في الجميع لأنه من قاعدة مد عجوة ولصاحبه أي الباقي الخيار بين الإجازة والفسخ وإن خرج كله معيبا بخشونة أو نحوها أو بعضه كذلك تخير ولم يستبدل به لأن العقد ورد على عينه فلا يتجاوز الحق إلى غيره بخلاف ما إذا ورد على ما في الذمة كما سيأتي ثم الأحكام السابقة في الثمن المعين لا تختص بصيغة الشرط كما اقتضاه كلامه بل الشرط أن يرد العقد على معين موصوف بصفة ولو بغير صيغة الشرط كما اقتضاه كلام الشيخين كغيرها وإن وقع الصرف على ما في الذمة فخرج أحدهما أو كلاهما نحاسا أو نحوه قبل التفرق من المجلس وبعد التقابض استبدل به أو خرج كذلك بعده أي بعد التفرق بطل العقد لعدم التقابض في المجلس لأن المقبوض غير ما عقد عليه
أو خرج كله معيبا بخشونة أو نحوها أو بعضه كذلك استبدل به كالمسلم فيه إذا خرج معيبا لأن القبض الأول صحيح إذ لو رضي به جاز والبدل قائم مقامه ويجب أخذ البدل في مجلس الرد وإن فارق مجلس العقد قياسا على أصله في مجلس العقد ورأس مال السلم كالصرف أي كعوضه فيما مر فإن كان رأس المال معينا وبان به عيب بعد تلفه سقط من المسلم فيه بقدر نقص العيب من قيمة رأس المال أو كان في الذمة وعين وبان به عيب بعد تلفه غرم التالف عنده واستبدل به سواء تفرقا أم لا ويجب أخذ البدل في مجلس الرد ولو وجد أحد المتصارفين أو أحد متبايعي طعام بطعام بما أخذه عيبا بعد تلفه فإن ورد على معين والجنس مختلف فكبيع عرض بنقد وإن كان متفقا فكما مر في الحلي أو على ما في الذمة غرم التالف
77
77
عنده واستبدل به سواء تفرقا أم لا ذكره الأصل ولو اشترى شيئا بمكسرة في الذمة وأدى عنها صحاحا وفسخ بعيب أو غيره استرد الصحاح لأنها المدفوعة ومثله العكس وهذا من زيادته الثالثة لو باع عبدا بألف ثم أخذ ثوبا ورد عليه العبد بعيب رجع عليه المشتري بالألف لا بالثوب بناء على أن الفسخ يرفع العقد من حينه ولأن الثوب مملوك بعقد آخر وبهذا فارق ما قبله لأن الصحاح فيه كالمكسرة في وجوب قبولها لاتحادها معها جنسا ونوعا مع زيادة صفة لا تتميز ولو بان العيب بالثوب رده ورجع بالألف لا بالقيمة وكذا يرجع بالألف لو مات العبد المبيع قبل القبض بناء على أن الانفساخ يرفع العقد من حينه الرابعة لو باع عصيرا فبان به عيب وقد صار خمرا تعين الأرش للمشتري لتعذر رد البيع لأنه صار كالتالف وما قيل من أنه ينبغي أن لا أرش لعدم اليأس من الرد لاحتمال عود الخمر خلا ممنوع لأن ذلك محله في غير تعيب المبيع من بيع وهبة ونحوهما فإن تخلل بعد تخمره وقبل أخذ الأرش فللبائع استرداده ورد الثمن ولا أرش عليه ولا يضر الخروج في البين عن صفة المبيع وإن اشترى ذمي من ذمي خمرا بدراهم مثلا ثم أسلما أو أسلم البائع وحده ثم علم المشتري بها أي بالخمر عيبا فلا رد له بل للمشتري الأرش لتعذر الرد في ذلك وإن أسلم المشتري وحده فله الرد لأن المسلم لا يتملك الخمر بل نزيل يده عنها الخامسة مؤنة الرد للمبيع بعد الفسخ بالعيب أو غيره كالفسخ بالخيار على المشتري لأنه ضامن للمبيع كما ذكره بقوله ويده ضامنة وما كان مضمون العين فهو مضمون الرد لخبر على اليد ما أخذت حتى تؤديه رواه الترمذي وصححه وكالمشتري في ذلك كل من كانت يده يد ضمان السادسة لو أوصى ببيع عبد مثلا وأن يشتري بثمنه جارية ويعتقها عنه الوصي ففعل الوصي ذلك ورد عليه العبد بعيب فله بيعه ثانيا لرد الثمن أي ليرده إلى المشتري ولو فرض الرد للمبيع بالعيب على وكيل لم يبعه ثانيا إلا بإذن جديد لأنه امتثل المأمور وهذا ملك جديد فاحتاج فيه إلى إذن جديد ويخالف الإيصاء فإنه تولية وتفويض كلي وكذا لو وكل شخص في بيع بشرط الخيار للمشتري مثلا فامتثل ورده عليه المشتري لا يبيعه ثانيا إلا بإذن جديد بناء على أن ملك البائع زال وعاد فهو كالرد بالعيب فلو باعه الوصي ثانيا فيما ذكر بمثل الثمن الأول فذاك ظاهر وإن باعه بأقل منه فالغرم للنقص عليه لأنه إنما أمر بشراء الجارية بثمن العبد لا بالزيادة عليه بل لو مات العبد في يده بعد الرد والحالة هذه أي عليه إن غرم النقص لو باعه بأقل من ثمنه غرم جميع الثمن قال الزركشي لأنه كان من حقه أن لا يشتري الجارية إلا بالمبلغ الأقل فهو بترك البحث مقصر وظاهر أنه إذا غرمه يرجع به على التركة وإن باعه بأكثر فإن كان لزيادة قيمته أو لرغبة فيه سلم الثمن الأول أي قدره للمشتري والزيادة للورثة وإلا بان أن البيع الأول باطل للغبن ويبطل شراء الجارية وعتقها إن اشتراها بعين ثمن العبد وإن اشتراها في الذمة وقع العقد له وعتقت عنه ثم في الحالين إن كان عالما بالغبن انعزل عن الإيصاء لخيانته كسائر الولايات فلا يمكنه شراء جارية أخرى بخلاف الوكيل وعامل القراض ونحوهما لا ينعزلون بمثل ذلك لأن كلا منهم يجوز أن يكون فاسقا ولأنهم يتصرفون للأحياء والأحياء يحتاطون لأنفسهم بخلاف الوصي فيهما وإلا اشترى جارية أخرى بثمن العبد وأعتقها عن الموصي ليخرج عن العهدة فرع ذكره في الكفاية لو اشترى الولي لطفلة شيئا فوجده معيبا فإن اشتراه بعين ماله فباطل أو في الذمة صح للولي ولو اشتراه فتعيب قبل القبض فإن كان الحظ في الإبقاء أبقى وإلا رد فإن لم يرد بطل إن اشتراه بعين ماله وإلا انقلب إلى الولي كذا في التتمة وأطلق الإمام والغزالي أنه يمتنع الرد إن كانت قيمته أكثر من الثمن ولا يطالب بالأرش لأن الرد ممكن وإنما امتنع للمصلحة ولم يفصلا
78
78
بين العيب المقارن والحادث انتهى وعلى ما في التتمة اقتصر السبكي ولو اشترى سلعة بألف مثلا في الذمة فسلمه عنه أجنبي متبرعا ثم رد السلعة بعيب رد البائع الألف على المشتري كما صححه الروياني وجزم به الجرجاني لأنه يقدر دخوله في ملكه فإذا رد المبيع رد إليه ما قابله وقيل على الأجنبي لأنه الدافع والترجيح من زيادته وما رجحه هنا خالفه في باب الصداق حيث اقتضى كلامه أن يفصل فيه كالصداق بين أن يكون المتبرع أبا والمتبرع عنه صغيرا أي أو نحوه فيرد الثمن عنه وأن لا يكون كذلك فيرد إلى المتبرع والأوجه ما ذكره هناك ويمكن حمل ما هنا عليه وقد جعل كأصله في الضمان فيما لو ضمن شخص الثمن عن المشتري وأداه بغير إذنه فرد المبيع أو غيره أنه كالصداق ففيه التفصيل وخالف الولي غيره في ذلك بأنه يتملك لموليه من نفسه فدفعه عنه تمليك له بخلاف غيره فما دفعه وإن قدر دخوله في ملك من دفعه عنه المقصود منه الإسقاط لا التمليك والملك إنما قدر لضرورة الإيفاء وما أطلقه الحاوي الصغير كالشافعي في الإملاء وأكثر العراقيين من أن الرد في الصداق للزوج محمول على تفصيل غيرهم فإن بانت أي السلعة مستحقة رد الألف للأجنبي لأنا تبينا أن لا ثمن ولا بيع فصل وأسباب الفسخ للبيع سبعة خيار المجلس والشرط والخلف للشرط المقصود والعيب والإقالة كما مر بيانها والتحالف وهلاك المبيع قبل القبض كما سيأتي بيانهما وبقي من أسباب الفسخ أشياء وإن علمت من أبوابها وأمكن رجوع بعضها إلى السبعة فمنها إفلاس المشتري وتلقي الركبان وغيبة مال المشتري إلى مسافة القصر وبيع المريض محاباة لوارث أو لأجنبي بزائد على الثلث ولم يجزه الوارث وقد جمع في تنقيح اللباب أكثر الأسباب وبينتها في شرحه مع زيادة ولو وهب البائع الثمن المعين بعد قبضه للمشتري ثم وجد المشتري بالمبيع عيبا فهل له رده على البائع وجهان أحدهما لا لخلوه عن الفائدة والثاني نعم وفائدته الرجوع على البائع ببدل الثمن كنظيره في الصداق وبه جزم المصنف ثم وهي من زيادته هنا وقيد ببعد القبض لأن الهبة قبله لا تصح كما سيأتي وذكر ثم أن الإبراء عن الثمن لا يمنع الرد مع أن المشتري لا يرجع ببدله وبه جزم القاضي وفائدته التخلص عن عهدة البيع ويجريان في وجوب الأرش على البائع في المسألة المذكورة عند تعذر رد المبيع وقضية ما مر وجوبه وهذا أيضا من زيادته وفي الروضة هنا لو اشترى ثوبا وقبضه وسلم ثمنه ثم وجد بالثوب عيبا قديما فرده فوجد الثمن معيبا ناقص الصفة بأمر حدث عند البائع أخذه ناقصا ولا شيء له بسبب النقص باب حكم المبيع قبل قبضه وبعده وصفة القبض المبيع قبل القبض من ضمان البائع بمعنى انفساخ البيع بتلفه وثبوت الخيار بتعيبه وبإتلاف الأجنبي له كما يعلم ذلك من كلامه حيث قال فإن تلف بآفة سماوية انفسخ البيع وسقط الثمن عن المشتري لتعذر القبض المستحق كالتفريق قبله في الصرف سواء أعرضه البائع عليه فلم يقبله أم لا
79
79
قاله الشيخ أبو حامد وغيره قال السبكي وينبغي أن يكون مرادهم إذا كان مستمرا بيد البائع فإن أحضره ووضعه بين يدي المشتري فلم يقبله فالأصح عند الرافعي وغيره أنه يحصل القبض ويخرج من ضمان البائع قال وكذا يخرج من ضمانه فيما لو اشترى من مكاتبه أو مورثه شيئا ثم عجز المكاتب نفسه أو مات المورث قبل القبض وإذا أبرأه المشتري عن ضمان المبيع لو تلف لم يبرأ لأنه إبراء عما لم يجب وانفساخه بتلف المبيع يقدر به انتقال الملك فيه إلى البائع قبيل التلف لا من العقد كالفسخ بالعيب فتجهيزه على البائع لانتقال الملك فيه إليه وزوائده المنفصلة الحادثة عنده كثمرة ولبن وبيض وصوف وكسب وركاز يجده العبد أو الأمة وموهوب موصى به لهما للمشتري لأنها حدثت في ملكه وهي أمانة في يد البائع لأن يده لم تحتو عليه لتملكه كالمستام ولا للانتفاع به كالمستعير ولا للتعدي فيه كالغاصب وسبب الضمان عندهم أحد الثلاثة ومرادهم بذلك ضمان اليد فلا يرد ضمان العقد لا خيار بتلفها عند البائع لأنها ليست مبيعة وإتلاف المشتري للمبيع قبل قبضه ولو جاهلا به قبض له لأنه أتلف ملكه كما في المغصوب منه إلا أن يكون إتلافه لصياله كما سيأتي في الباب أو لردته والمشتري الإمام كما سيأتي قبل الديات بخلاف ما إذا كان غير الإمام لأن ذلك ليس إليه ولا يشكل بأن للسيد قتل رقيقه المرتد كالإمام إذ بتقدير الانفساخ بذلك يتبين أنه قتل رقيق غيره ولا بأن قتل المرتد لا ضمان فيه فكيف يكون قبضا مقررا للثمن لأنه لا تلازم بين ضماني القيمة والثمن إذ المرتد وقاطع الطريق لا يضمنان بالقيمة ويضمنان بالثمن وأم الولد والموقوف بالعكس ويقاس بالمرتد كما في المهمات تارك الصلاة وقاطع الطريق والزاني المحصن بأن زنى كافر حر ثم التحق بدار الحرب ثم استرق ولو قتله المشتري قصاصا قال ابن الرفعة يظهر أنه كالآفة ولكون الحق له خالف المرتد وفي معنى إتلاف المشتري ما لو اشترى أمة فوطئها أباه قبل قبضها وأحبلها لأن الشرع جعل وطء أبيه كوطئه حيث رتب عليه حكمه ثم محل ما ذكر في إتلافه إذا كان أهلا للقبض فلو كان صبيا أو مجنونا فالقياس أن إتلافه ليس بقبض وعليه البدل وعلى البائع رد الثمن المعين وقد يحصل التقاص إذا أتلف البائع الثمن أو تلف في يده وأما إتلاف الوكيل فكإتلاف الأجنبي نبه على ذلك الزركشي ولا ينفسخ البيع بإتلاف الأجنبي المبيع لقيام بدله مقامه بل يتخير المشتري بين الفسخ والرجوع عليه بالقيمة أو المثل وإذا اختار الفسخ رجع البائع على الأجنبي بالبدل وفرق القاضي وغيره بين هذا وبين الإجارة حيث لم يثبت فيها الخيار بغصب العين المكتراة حتى انقضت المدة بل ينفسخ العقد بأن المعقود عليه هنا المال وهو واجب على الجاني فتعدى العقد من العين إلى بدلها بخلاف المعقود عليه ثم فإنه المنفعة وهي غير واجبة على متلفها فلم يتعد العقد منها إلى بدلها و حيث أجاز ليس للبائع طلب القيمة للحبس لها في الثمن كالمشتري إذا أتلف المبيع لا يغرم القيمة ليحبسها البائع ولأن الحبس غير مقصود بالعقد حتى ينتقل إلى البدل بخلاف الرهن ثم محل الخيار في غير الربوي وفيما إذا كان الأجنبي أهلا للالتزام ولم يكن إتلافه بحق أما في الربوي أو في غيره لكن لو كان المتلف حربيا أو كان إتلافه بحق كقصاص فكالآفة فينفسخ البيع ومتى أتلفه البائع أو أعتق باقيه الذي
80
80
لم يبعه وهو موسر بالثمن انفسخ البيع كالآفة ولأنه لا يمكن تغريمه بدل المبيع لأنه مضمون عليه بالثمن أما لو أتلفه بآفة بعد القبض ولو في الخيار فلا انفساخ إلا إذا قلنا الملك له فالصحيح انفساخه بذلك فرع لو انقلب العصير المبيع خمرا قبل القبض بطل حكم البيع فمتى عاد خلا عاد حكمه وللمشتري الخيار لأن الخل دون العصير وهذا الفرع موجود هنا في بعض النسخ ولا حاجة إليه فإنه ذكره تبعا للأصل في باب الرهن وقال الأذرعي هنا مع نقله هذا عن مقتضى كلام الأصل وأصح القولين أن تخمر العصير كالتالف وإن عاد خلا فرع لا أجرة على البائع في استعمال المبيع قبل القبض بناء على أن إتلافه كالآفة ولهذا لو أزال بكارة الأمة لا يلزمه غرم ووافق على ذلك الغزالي ولا ينافيه ما أفتى به من أنه إذا تعدى بحبسه مدة لمثلها أجرة لزمته الأجرة لأن ذاك مع الامتناع من الإقباض بخلاف مجرد الانتفاع فمطلق التعدي لا يوجب أجرة المثل فما قيل إن وجوبها بالانتفاع أولى منه بالحبس فيه نظر فرع إتلاف الأعجمي وغير المميز بأمر أحدهما أي العاقدين أو بأمر الأجنبي كإتلافه فإن كان بأمر البائع انفسخ البيع أو بأمر المشتري كان قبضا أو بأمر الأجنبي خير المشتري فلو أمره الثلاثة قال الإسنوي فالقياس أنه يحصل القبض في الثلث والتخيير في الثلث والانفساخ في الثلث أما إتلاف المميز بأمر واحد منهم فكإتلاف الأجنبي بلا أمر وقوله وغير المميز أعم من قول الأصل والصبي الذي لا يميز وإذن المشتري للأجنبي أو للبائع في إتلافه لغو لعدم استقرار الملك بخلاف الغاصب فإنه يبرأ بذلك أي بإذن المالك في إتلافه لاستقرار الملك ثم ومسألة إذن المشتري للأجنبي نقلها الأصل عن القاضي وأقره لكن القاضي أجاب مرة أخرى بخلافه وبه جزم المتولي فقال وجناية الأجنبي بأمر المشتري كجنايته لأنه يجوز توكيله في القبض بخلاف جناية البائع بأمره لأنه لا يصلح أن يكون وكيلا له في القبض نقله السبكي وغيره ثم قالوا وهذا أحسن لكن لو كان الإتلاف محرما ففيه احتمال لعدم صحة التوكيل وإتلاف عبد البائع ولو بإذنه كالأجنبي أي كإتلافه
وكذا عبد المشتري بغير إذنه فإن أجاز البيع جعل قابضا كما لو أتلفه بنفسه فلا شيء له على عبده وإن فسخ اتبع البائع الجاني وإنما لم يلحق عبد البائع بعبد المشتري في التقييد بغير الإذن لشدة تشوق الشارع إلى بقاء العقود وإن أتلفته دابته أي المشتري كأن كان علفا فأكلته نهارا انفسخ البيع أو ليلا فله الخيار فإن فسخ طولب بما أتلفت أي طالبه البائع ببدل ما أتلفه وإن أجاز فقابض و إن أتلفته بهيمة البائع فهو كالآفة وفي نسخة كإتلافه وإنما لم يفرق فيها بين النهار والليل كبهيمة المشتري لأن إتلافها إن لم يكن بتفريط من البائع فآفة وإن كان بتفريط منه فقد مر أن إتلافه كالآفة بخلاف إتلاف بهيمة المشتري فنزل بالنهار منزلة إتلاف البائع لتفريطه بخلافه ليلا فإن قلت إتلافها ليلا إما بتقصير المشتري فيكون قبضا أو لا فيكون كالآفة فينفسخ به البيع فلا وجه لتخييره قلت هو بتقصيره ولما لم يكن إتلافها صالحا للقبض خير فإن أجاز فقابض أو فسخ طالبه البائع بالبدل كما تقرر فما قيل إن محل ذلك إذا لم يكن مالكها وإلا فإتلافها منسوب إليه ليلا كان أو نهارا مردود فإنه منسوب إليه مع تقصيره وإن لم يكن معها ولو كان معها غيره فإتلافها منسوب إليه وعدل المصنف عن تعبير القفال المذكور في الأصل بقوله ولو كان المبيع علفا فاعتلفه حمار المشتري إلى ما قاله تنبيها على أن ذلك مثال لا تقييد فرع لو صال المبيع في يد البائع على المشتري أو غيره
81
81
فقتله المشتري دفعا لصياله لم يضمن ثمنه لأن ذلك ليس قبضا وإن علم أنه المبيع كما أنه لو قتل عبده المغصوب دفعا لصياله لا يكون قبضا وإن علم عبده وتعبيره بالمبيع أعم من تعبير أصله بالعبد المبيع فرع وإتلاف البائع المبيع إتلافا مضمنا في يد مشتر قبضه منه عدوانا بأن استحق البائع حبسه كاسترداده أي يجعل مستردا له بالإتلاف كما أن المشتري قابض بالإتلاف وقيل لا بل عليه قيمته ولا خيار للمشتري لاستقرار العقد بالقبض وإن كان ظالما فيه ولا ترجيح في الأصل فالترجيح من زيادة المصنف لكن إذا جعل مستردا له هل ينفسخ البيع بناء على أن إتلاف البائع قبل القبض المعتبر كالآفة أو يخير المشتري بين الفسخ والإجازة بناء على أن إتلافه كإتلاف الأجنبي وجهان والظاهر منهما عند الإمام الثاني والذي يجيء على الصحيح من أن إتلافه كالآفة تصحيح الأول كما قاله السبكي فرع وقوع الدرة ونحوها في البحر إذا لم يمكن إخراجها منه وانفلات الصيد المتوحش والطير إذا لم يرج عوده قبل قبضها تلف فينفسخ به البيع لتعذر قبضها ولو غرقت الأرض بالماء أو سقطت عليها صخور أو ركبها رمل قبل قبضها فهو عيب لا تلف فيثبت به الخيار ولا يناقضه ما في الشفعة من أن تغريق الأرض تلف لا عيب حتى لو حصل في بعضها لم يأخذ الشفيع إلا بالحصة ولا ما في الإجازة من أنه كانهدام الدار فيكون تلفا لأن الأرض لم تتلف والحيلولة لا تقتضي الانفساخ كإباق العبد وإنما جعلت تالفة فيما ذكر أما في الشفعة فلأن الشفيع متملك والتالف منها لا يصح تملكه ولأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء كما في بيع الآبق ونحوه وأما في الإجارة فلعدم التمكن من الانتفاع لحيلولة الماء ولا يمكن ترقب زواله لأن المنافع تتلف ولا تضمن فرع وإن أبق العبد أو ضل أو غصب قبل القبض فللمشتري الخيار وإنما لم ينفسخ البيع لرجاء العود فإن أجاز البيع لم يبطل خياره فله الفسخ ما لم يرجع أي العبد كما لو انقطع المسلم فيه فأجاز ثم أراد الفسخ لأنه يتضرر كل ساعة فالخيار في ذلك على التراخي ولم يلزمه تسليم الثمن قبل عود العبد وإن أجاز فإن سلمه لم يسترده ما لم يفسخ لتمكنه من الفسخ ولو أتلفه أي المبيع قبل قبضه الأجنبي فأجاز المشتري البيع بطل خياره لأنه رضي بما في ذمة الأجنبي فأشبه الحوالة وهذا بحث للقاضي ذكره الأصل بعد نقله عن القفال أن له الفسخ مثل ما مر آنفا ويفرق بينه وبين الرضا في الحوالة بأن الرضا فيها وقع في ضمن عقد بخلافه هنا وإن جحده أي المبيع البائع قبل القبض ولا بينة للمشتري فله الخيار للتعذر أي لتعذر قبضه حالا كما في الآبق قال الأذرعي وفي فسخه بمجرد الجحد من غير حلف وقفة إذا غلب على ظنه أنه لا يحلف فرع لو باع البائع قبل القبض من آخر وسلمه وغلب عليه بأن عجز البائع عن انتزاعه منه وتسليمه للأول انفسخ البيع كإتلافه له فإن ادعى المشتري أولا علم الثاني بشرائه له قبله أو قدرة البائع على انتزاعه له من الثاني سمعت دعواه عليهما فيحلفان فإن نكلا حلف هو على ما ادعاه وأخذ المبيع من الثاني في الأولى وحبس البائع إلى أن يسلمه أو يقيم البينة بعجزه في الثانية فصل وإن تعيب المبيع قبل القبض بآفة كحمى وشلل ثبت للمشتري الخيار كما مر بلا أرش له لقدرته على الفسخ وكذا له الخيار بجناية البائع لأنها كالآفة كما مر
82
82
بخلاف جنايته كما قال فإن قطع المشتري يده مثلا فيجعل قابضا لبعض المبيع أي لما قطعه حتى يستقر عليه ضمانه لما مر أن إتلافه قبض وبهذا فارق ثبوت الخيار فيما لو عيب المستأجر العين المؤجرة وما لو جبت المرأة ذكر زوجها إذ لا يتخيل إن ذلك قبض فإن تلف العبد بعد الاندمال أو قبله بغير القطع وقبل القبض لم يضمن المشتري اليد بأرشها المقدر ولا بما ينقص من القيمة بل يضمنها بجزء من الثمن كما يضمن الجميع بكل الثمن فيقوم العبد صحيحا ثم مقطوعا ويعرف التفاوت فيستقر عليه من الثمن مثل تلك النسبة فلو قوم صحيحا بثلاثين ومقطوعا بخمسة عشر لزمه نصف الثمن ولو قوم مقطوعا بعشرين لزمه ثلث الثمن ولو عبر بدل ثم بالواو كما في الأصل كان أولى وإن قطعها أجنبي فللمشتري الخيار ويغرم الأجنبي للمشتري إن أجاز العقد وقبض المبيع أو للبائع إن فسخ المشتري العقد نصف قيمة العبد فيهما على القياس في باب الجنايات نعم إن غصبه من البائع ثم قطع يده لزمه أكثر الأمرين من النصف والنقص فلو نقص بقطعها ثلثا القيمة لزمه ثلثاها كما يعلم من باب الغصب وخرج بقوله وقبض ما لو أجاز ولم يقبض المبيع فلا غرم على الأجنبي لجواز موت العبد في يد البائع وانفساخ البيع نقله الشيخان عن الماوردي وأقراه وتوقف فيه الزركشي لتحقق ثبوت الحق للمشتري فلا يترك لأمر متوهم قال ثم مقتضاه إنه لا مطالبة لكل منهما الآن وقال القاضي والإمام للمشتري مطالبة الأجنبي ويلزم الماوردي أنه لو غصب المبيع قبل القبض لم يملك أحدهما المطالبة به انتهى وإن تلف سقف الدار ونحوه كبعض أبنيتها فكتلف أحد عبدي الصفقة وقد تقدم أنه ينفسخ البيع فيه ويصح في الباقي فكذا هنا لا كالتعيب بسقوط اليد ونحوها لأن السقف ونحوه يمكن إفراده بالعقد بخلاف اليد ونحوها فكانت كالتعيب بفوات وصف فلا يقابل سقوطها بعوض فصل لا يصح بيع المبيع قبل القبض ولا الاشتراك فيه و لا التولية منقولا كان أو عقارا وإن أذن البائع وقبض الثمن لخبر من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه قال ابن عباس ولا أحسب كل شيء إلا مثله رواه الشيخان ولقوله صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام لا تبيعن شيئا حتى تقبضه رواه البيهقي وقال إسناده حسن متصل ولضعف الملك قبل القبض بدليل انفساخ العقد بالتلف قبله وتعبير المصنف بلا يصح نص على الغرض من تعبير أصله بلا يجوز وكذا لا تصح الكتابة والهبة والصدقة كما صرح بها الأصل والرهن والإجارة والإقراض للمبيع قبل قبضه ولا جعله عوضا في نكاح أو خلع أو صلح أو سلم أو غيرها لضعف الملك كما مر ولو كان البيع أو غيره مما ذكر من البائع فإنه لا يصح لعموم الأخبار ولضعف الملك لكن محل منع الرهن منه إذا رهن ذلك بالثمن وكان له حق الحبس وإلا جاز على الأصح المنصوص قاله السبكي وغيره خلافا لما يفهمه كلام المصنف كأصله إلا أن اشتراه بمثل ما باعه إذ هو إقالة بلفظ البيع فيصح نقله الشيخان عن المتولي وأقراه
والمتولي وإن لم يجزم به لكنه نقله عن بعض أصحابنا ونقل عن آخرين أنه بيع صحيح فأخذ الشيخان بالأولى وقد ذكرهما القاضي وبناهما على أن العبرة في العقود باللفظ أو بالمعنى والأصحاب تارة يعتبرون اللفظ وهو الأكثر كما لو قال بعتك هذا بلا ثمن لا ينعقد بيعا ولا هبة على الصحيح وكما لو قال اشتريت منك ثوبا صفته كذا بكذا ينعقد بيعا لا سلما على الصحيح وتارة يعتبرون المعنى كما لو قال وهبتك هذا الثوب بكذا ينعقد بيعا على الصحيح فلم يطلقوا القول باعتبار اللفظ بل يختلف الجواب بقوة المدرك كالإبراء في أنه إسقاط أو تمليك وفي أن النذر يسلك به مسلك الواجب أو الجائز وفي أن الطلاق الرجعي يزيل الملك أو لا هذا وقد نقل في الأنوار كلام المتولي الذي ذكره المصنف ثم قال وقال صاحب التهذيب في تعليقه الأصح أنه بيع فلا يصح على ظاهر المذهب ثم كلامهم هنا يقتضي أن الإقالة تصح بمثل الثمن والمعروف
83
83
بعينه فيحمل كلامهم هنا على ما إذا كان في الذمة أو كان قد تلف وينفذ من المشتري قبل القبض العتق والاستيلاد والتزويج والوقف إن لم يحتج قبولا وإن كان للبائع حق الحبس لقوة العتق ولهذا يصح إعتاق الآبق ويفارق إعتاق المرهون من الراهن المعسر بأن الراهن حجر على نفسه والاستيلاد والوقف المذكور في معنى العتق بخلاف الوقف المحتاج إلى القبول بأن كان على معين فإنه كالبيع على مقتضى كلامه كأصله هنا لكن الذي اختاره النووي في الروضة في السرقة ونقله في شرح الوسيط عن النص
وهو المعتمد أن الوقف على معين لا يحتاج إلى قبول فينفذ قبل القبض وأما التزويج فلأنه لا يقتضي القدرة على التسليم لصحة تزويج الآبقة ويصح أيضا بيع العبد من نفسه كما بحثه الزركشي بناء على الأصح من أنه عقد عتاقة وتصح الوصية به وتدبيره وإباحته للفقراء فيما سيأتي ويصير المشتري بالإعتاق والاستيلاد والوقف قابضا للمبيع وإن كان للبائع حق الحبس لا بالتزويج ولا بوطء الزوج قال البغوي ويحصل القبض أيضا باستيلاد أبيه كما مر فإن لم يرفع البائع يده بعد الوقف والاستيلاد ضمنه بالقيمة لا بالثمن ويصير المشتري قابضا أيضا لصبرة اشتراها جزافا وأباحها للمساكين إن قبضوها وخرج ب جزافا ما لو اشتراها مقدرة بكيل أو غيره فلا يصح قبضها إلا كذلك وبقوله من زيادته إن قبضوها أما إذا لم يقبضوها فلا يكون قابضا وفارق صحة الإباحة عدم صحة التصدق بأنها ليست تمليكا بخلاف التصدق فرع لو باع عبدا بثوب فقبض الثوب وباعه ثم هلك العبد عنده قبل القبض انفسخ العقد في العبد لتلفه قبل قبضه دون الثوب لا ينفسخ فيه وإن لم يقبض الثوب مشتريه لتعلق حقه به وضمن البائع قيمته لمشتري العبد لتعذر رده فإن تلف الثوب أيضا في يده قبل قبضه غرم قيمته لبائعه وهو مشتري العبد ويرد ثمنه لمشتريه منه فصل يصح بيع ماله وهو تحت يد الغير بأمانة لتمام الملك فيه فإنه لو تلف تلف على ملك مالكه وذلك كوديعة بيد المودع ومال شركة بيد الشريك أو مال قراض بيد العامل قال القاضي بعد الفسخ والإمام قبل أن يربح وفيهما نظر وما تحت يد وكيل ببيع أو غيره ومرهون بيد المرتهن بعد انفكاك للرهن ومستأجر انقضت مدته وهو بيد مستأجره وما في يد القيم أي القائم بأمر الصبي ونحوه بعد بلوغ الصبي رشيدا أو رشد السفيه أو إفاقة المجنون وكسب العبد الحاصل باحتطاب وغيره ووصية قبلها العبد والمراد ما كسبه أو قبله بالوصية ولم يقبضه سيده والموصى به لمن قبله بعد الموت ولم يقبضه وارث بمعنى موروث يملك المالك بيعه ولم يقبضه الوارث بخلاف ما لا يملك المالك بيعه بأن اشتراه ولم يقبضه وما اشتراه من مورثه ومات مورثه قبل قبضه فله بيعه وإن كان مورثه مديونا ودين الغريم في صورة الدين متعلق بالثمن وإن كان له أي لمورثه وارث آخر لم ينفذ بيعه ذلك في قدر نصيب الآخر منه لو ورثه حتى يقبضه وكذا يصح بيع ما كان له تحت يد غيره مضمونا بالقيمة أو بالمثل لما مر ويسمى ضمان اليد كالمفسوخ بعيب أو غيره وهو باق بيد المشتري ومحله بعد رد الثمن للمشتري وإلا فلا يصح بيعه لأن للمشتري حبسه إلى استرداد الثمن ومغصوب فيصح بيعه لقادر على انتزاعه كما يصح بيعه من الغاصب ورأس مال سلم فسخ لانقطاع المسلم فيه أو غيره ومقبوض بعقد فاسد
84
84
لفوات شرط أو نحوه لا المضمون ضمان عقد فلا يصح بيعه كالبيع ونحوه قبل القبض وكذا عوض النكاح والخلع والقود ونحوها كما مر بيانه فرع لو أفرز له السلطان عطاء يستحقه ورضي به جاز بيعه قبل القبض للرفق بالجند ولأن يد السلطان في الحفظ يد المفرز له وكذا يصح بيع أحد الغانمين لقدر معلوم ملكه من الغنيمة شائعا وملك الغنيمة يحصل باختيار التملك كما سيأتي في السير و كذا بيع موهوب رجع فيه الولد يصح قبل القبض لا بيع شقص أخذ بشفعة ولم يقبض لأن الأخذ بها معاوضة وله بيع مقسوم قسمة إفراز قبل قبضه بخلاف قسمة البيع ليس له بيع ما صار له فيها من نصيب صاحبه قبل قبضه و له بيع ثمر على شجر موقوف عليه قبل أخذه وكذا سائر غلات وقف حصلت لجماعة وعرف كل قدر حصته كما نقله في المجموع عن المتولي وأقره لا بيع ثوب استأجر مالكه من يصبغه أو يقصره فلا يصح قبل العمل ولا بعده قبل أداء الأجرة لأنه أي الأجير يستحق الحبس لها أي للأجرة أي لعمل ما يستحقها به في الأولى ولاستيفائه في الثانية كذا جزم به الأصل ونقله في المجموع عن المتولي وغيره ثم قال قال المتولي ولو استأجره ليرعى غنمه أو ليحفظ متاعه المعين شهرا كان له التصرف في ذلك المال قبل انقضاء الشهر لأن حق الأجير لم يتعلق بعينه إذ للمستأجر أن يستعمله في مثل ذلك العمل انتهى وهذا الاختلاف مبني على أنه هل يجوز إبدال المستوفى به أو لا وسيأتي بيانه في باب الإجارة وقد يفرق بأن كلا من الصبغ والقصارة عين فناسب حبسه كسائر الأعيان بخلاف الرعي والحفظ وسواء فيما ذكر أسلم الثوب للأجير قبل البيع أو لا فتقييد الأصل ذلك بتسليمه مجرد تصوير ولهذا حذفه المصنف وقس عليه صوغ الذهب ورياضة الدابة ونسج الثوب ونحوها وإزالة امتناع الصيد قبض له حكما فبيعه إنما هو بعد قبضه لا قبله فليس مما نحن فيه كما زعمه بعضهم فرع له بيع زوائد المبيع كولد وثمرة قبل القبض لها بناء على أنها لا تعود إلى البائع لو عرض انفساخ فرع يبطل بيع الثمن المعين وسائر التصرفات فيه قبل القبض وينفسخ البيع بتلفه قبل قبضه ورده بالعيب كما في المبيع وما تقدم فيه يأتي هنا ثم الاعتياض عنه بأن أبدله بجنسه أو بغير جنسه قبل قبضه كالبيع من البائع قبل القبض فلا يصح إلا أن كان الاعتياض عنه بعين المبيع أو بمثله إن تلف أو كان في الذمة فصل يجوز الاستبدال عن كل دين ليس بثمن ولا مثمن كدين قرض وإتلاف وبدل خلع لاستقراره بخلاف دين المسلم كما سيأتي وإن كان الدين مؤجلا فإنه يجوز الاستبدال عنه فيجوز استبدال الحال عنه وكان صاحبه عجله بخلاف عكسه لعدم لحوق الأجل وكلامه يقتضي خلافه وليس مرادا وعبارة الأصل ولا يجوز استبدال المؤجل عن الحال ويجوز عكسه وكذا يجوز الاستبدال عن الثمن الذي في الذمة وإن لم يكن نقدا لخبر ابن عمر كنت أبيع الإبل بالدنانير وآخذ مكانها الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ مكانها الدنانير فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك فقال لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما شيء رواه الترمذي وغيره وصححه الحاكم على شرط مسلم وسواء أقبض الثمن أم لا فقوله في الخبر وليس بينكما شيء أي من عقد الاستبدال لا من العقد الأول بقرينة رواية أخرى تدل لذلك فيجوز الاستبدال عن القرض بمعنى المقرض ولو لم يتلف وإن كان قبل تلفه غير مستقر في الذمة من حيث إن للمقرض أن يرجع في عينه لا الاستبدال عن الثمن الذي في الذمة بغير جنسه أو نوعه وهو المسلم فيه ونحوه كالبيع في الذمة إذا عقد عليه بغير لفظ السلم فلا يجوز لأن المبيع مع تعينه لا يجوز بيعه قبل قبضه فمع كونه في الذمة أولى وفرق بينه وبين الثمن بأنه معرض بانقطاعه للانفساخ أو الفسخ وبأن عينه تقصد بخلاف الثمن
85
85
فيهما هذا كله فيما لا يشترط قبضه في المجلس أما غيره كربوي بيع بمثله ورأس مال سلم فلا يجوز الاستبدال عنه إذ لم يوجد قبض المعقود عليه في المجلس وقد صرح بذلك الماوردي والروياني وغيرهما وسيعلم من باب السلم
فرع الثمن هو النقد
إن قوبل بغيره للعرف فإن كانا نقدين أو عرضين فما التصق به الباء المسماة بباء الثمنية هو الثمن والمثمن ما يقابله فلو قال بعتك هذه الدراهم بعبد ووصفه فالعبد مبيع لا يجوز الاستبدال عنه والدراهم ثمن وعدل عن قول الأصل بهذا العبد إلى ما قاله ليشمل المثمن في الذمة أو بعتك هذا الثوب بعبد ووصفه فالعبد ثمن يجوز الاستبدال عنه لا عن الثوب لأنه مثمن بل ومعين وقضية كلامهم أنه لو باع عبده بدراهم سلما كانت ثمنا وصح الاستبدال عنها لأنها ثمن وقضية ما مر قبل الفرع أنه لا يصح الاستبدال عنها لأنها مسلم فيها وقد يجاب بالتزام عدم الصحة ويحمل قولهم يصح الاستبدال عن الثمن على الغالب فرع يشترط في صحة الاستبدال تعيين بدل الدين في المجلس سواء اتفقت علتهما في الربا أم لا ليخرج عن بيع الدين بالدين لا في العقد أي لا يشترط التعيين فيه كما لو تصارفا في الذمة فلو اتفقت علتهما في الربا كدراهم عن دنانير أو عكسه لم يكف التعيين في المجلس عن القبض للبدل فيه بل يشترط القبض فيه كما دل عليه الخبر المذكور حذرا من الربا بخلاف ما إذا لم تتفق علتهما في الربا كثوب عن دراهم لا يشترط قبضه في المجلس كما لو باع ثوبا بدراهم في الذمة لا يشترط قبض الثوب فيه والاستبدال بيع الدين ممن عليه كما تقرر وهو أي وبيعه من غيره كأن اشترى عبد زيد بمائة له على عمرو جائز لاستقراره كبيعه ممن عليه بشرط قبض البدل والدين في المجلس وهذا ما صححه في الروضة وحكاه جماعة عن النص واختاره السبكي وصحح الرافعي عدم جوازه لعدم القدرة على تسليمه وتبعه عليه في المنهاج وعلى الأول قال في المطلب يشترط أن يكون المديون مليا مقرا وأن يكون الدين حالا مستقرا و علم من كلام المصنف أنهما لو تفرقا قبل قبض أحدهما بطل البيع وبه صرح الأصل كالبغوي قال في المطلب ومقتضى كلام الأكثر يخالفه ووافقه السبكي واختاره وبه صرح ابن الصباغ في كتاب الهبة فقال لا يحتاج فيه إلى القبض لأن الشافعي جعله كالحوالة انتهى والأقرب حمله على غير الربوي وما قاله البغوي على الربوي قال في الأصل ولو كان له دين على إنسان ولآخر مثله على ذلك الإنسان فباع أحدهما ماله عليه بما لصاحبه لم يصح اتفق الجنس أو اختلف لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الكالئ بالكالئ انتهى رواه الحاكم على شرط مسلم وفسر ببيع الدين بالدين كما ورد التصريح به في رواية البيهقي وقد يقال على بعد عدم الصحة إذا لم يعين الثمن في المجلس وإلا فيصح ثم يشترط القبض إن اتفقا في علة الربا فصل في بيان القبض الرجوع في حقيقة القبض إلى العرف فيه لعدم ما يضبطه شرعا أو لغة كالأحياء والحرز في السرقة فما لم ينقل عادة كالأرض والثمرة المبيعة على الشجرة قبل أوان الجذاذ كما قيد به الأصل فقبضه التخلية بينه وبين المشتري بلفظ يدل عليها من البائع مع تسليم مفتاح الدار أو نحوها مما له مفتاح وتفريغها من متاع وإلا لم يحصل القبض لكون المشتري لم يتمكن من الانتفاع به وعدل عن تعبير الأصل بمتاع البائع إلى ما قاله ليشمل متاعه ومتاع غيره لكن
86
86
يستثنى منه متاع المشتري فالظاهر كما قال الأذرعي وغيره أنه لا يشترط التفريغ منه ولو قال المصنف بالتخلية كما في الأصل لكان أولى إلا أن يفسر القبض بالإقباض وعلم من كلامه أنه لا يشترط حضور أحد العاقدين المبيع ولا دخول المشتري ولا تصرفه فيه وهو كذلك لأنه قد يشق لا تفريغ زرع من أرض مبيعة فلا يشترط بل يكفي مجرد التخلية بخلاف الدار المشحونة بالأمتعة والفرق أن تفريغ الدار متأت في الحال فلا حاجة إلى التخلية قبله بخلاف الأرض المزروعة ويكفي التفريغ بلا إعجال فوق العادة اعتبارا بالعرف والتصريح بهذا من زيادته
وإن جمع البائع الأمتعة التي في الدار المبيعة بمخزن منها وخلى بين المشتري وبينها فما سواه أي المخزن مقبوض فإن نقل منه الأمتعة إلى مكان آخر صار قابضا للجملة والمخزن بفتح الزاي ما يخزن فيه الشيء ولو خلى بينه وبين مبيع غائب غير منقول أو منقول في يده أمانة أو مضمونا ومضى زمان يمكن فيه القبض بأن يمكن فيه الوصول إلى المبيع والتخلية في غير المنقول والنقل في المنقول كفى بناء على أنه لا يشترط الحضور وإنما اعتبر مضي الزمن لأن الحضور الذي كنا نوجبه ولا المشقة لا يتأتى إلا بهذا الزمن فلما أسقطناه لمعنى آخر ليس موجودا في الزمن بقي اعتبار الزمن وخرج بالغائب الحاضر بيد المشتري ولا أمتعة فيه لغيره فإنه يكون مقبوضا بنفس العقد ولا يفتقر فيه وفي الغائب إلى إذن البائع إن لم يكن له حق الحبس وإلا افتقر كما يعلم مما يأتي وفاقا للشيخين خلافا للمتولي هكذا افهم ولا تغتر بما يخالفه وخرج بقوله تبعا لمقتضى كلام أصله في الرهن غير منقول أو منقول في يده ما لو كان المبيع الغائب بيد غير المشتري فلا بد فيه من التخلية أو النقل وما ينقل من سفينة أو غيرها فبالنقل له روى الشيخان عن ابن عمر كنا نشتري الطعام جزافا فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى ننقله من مكانه
وقيس بالطعام غيره فيأمر العبد بالانتقال من موضعه ويقود الدابة أو يسوقها ولا يكفي ركوبها واقفة ولا استعمال العبد كذلك ولا وطء الجارية لكن في الرافعي في الغصب لو ركب المشتري الدابة أو جلس على الفراش حصل الضمان ثم إن كان ذلك بإذن البائع جاز له التصرف أيضا وإن لم ينقله وإلا فلا ويكفي في قبض الثوب ونحوه مما يتناول باليد التناول وتقدم أن إتلاف المشتري للمبيع قبض له وسيأتي أنه لا يحتاج في القسمة إلى قبض وإن جعلت بيعا إذ لا ضمان فيها حتى يسقط بالقبض ويؤخذ من التعبير بالنقل أن الدابة مثلا لو تحولت بنفسها ثم استولى عليها المشتري لا يحصل القبض وهو متجه قاله الإسنوي ومحله إذا استولى عليها بغير إذن البائع على ما مر عن الرافعي فإن حول المشتري المبيع من مكانه في مكان للبائع ملكا أو غيره كعارية بإذنه في التحويل للقبض فهو قبض وكأن المشتري استعار ما نقل إليه وإلا بأن لم يأذن أو أذن في مجرد التحويل وكان له حق الحبس فلا يكون قبضا مجوزا للتصرف فيه لأن يد البائع عليه وعلى ما فيه ولأن العرف لا يعده قبضا بل يضمنه أي يدخل في ضمانه لاستيلائه عليه أما إذا نقله إلى مكان لا يختص بالبائع كمسجد وشارع وملك للمشتري فهو قبض
87
87
وإن لم يأذن له البائع إلا أن يكون له حق الحبس فلا بد من إذنه أخذا مما يأتي ولو اشترى الأمتعة مع الدار صفقة فلا بد في صحة قبضها من نقلها كما لو أفردت وقيل لا تبعا لقبض الدار قال الشيخان وبه قطع الماوردي وزاد إنه لو اشترى صبرة ثم اشترى مكانها قامت التخلية فيه مقام قبضها
ا ه
وتابعه الروياني ونقله العمراني عن الصيمري لكن ضعفه الشاشي بأنه لا أثر لملك موضع المبيع لأنه لو اشترى شيئا في داره لا بد من نقله ويفرق بأن هذه لا قبض فيها أصلا وتلك فيها قبض العقار فاستتبع قبض المنقول لكنها تشكل بشراء المنقول مع الدار صفقة وقد يفرق بأن الحدوث أقوى من المعنى هذا ولكن ما قاله الماوردي إنما قاسه على ما قاله في مسألة الكتاب وكلام الشيخين قد يلوح بأنه غير معتمد فيكون الأصح خلاف ما قاله وهو ما فهمه المصنف فيما يظهر حيث تركه فرع لو امتنع المشتري من القبض أجبر أي أجبره الحاكم عليه وفائدته مع أن الوضع بين يديه كاف كما سيأتي خروج البائع عن عهدة استقرار ضمان اليد فإن أصر على الامتناع نوب أي أناب عنه الحاكم من يقبضه عنه كالغائب وإن وضع البائع المبيع أو المديون الدين بين يديه أي من له القبض بأمره كفى وكذا لو سكت أو نهاه كأن قال لا تقبضنيه أو قال لا أريده ولا مانع من أخذه له لوجوب التسليم والتسلم كما في الغصب بخلاف الإيداع فإنه لا يحصل بذلك ويدخل الموضوع بهذا الوضع أيضا في ضمانه حتى لو تلف تقرر عليه الثمن لا إن خرج مستحقا فلا يضمنه لأن هذا القدر لا يكفي لضمان الغصب بل لا بد فيه من الاستيلاء قال الإمام ولو كان بين العاقدين مسافة التخاطب فأتى به البائع إلى أقل من نصفها لم يكن قبضا أو إلى نصفها فوجهان أو إلى أكثر من نصفها كان قبضا قال ويقرب أن يقال ينبغي أن يضع المبيع من المشتري على مسافة تناله يده من غير حاجة إلى قيام وانتقال ولو وضعه البائع على يمينه أو يساره والمشتري تلقاء وجهه لم يكن قبضا
ا ه
فرع وإن جعل البائع المبيع في ظرف المشتري امتثالا لأمره لم يكن مقبضا له إذ لم يوجد من المشتري قبض ولا ضامنا للظرف لأنه استعمله في ملك المشتري بإذنه ويضمنه المسلم إليه في السلم لأنه استعمله في ملك نفسه وكذا لو استعاره المشتري من البائع ليجعل البائع المبيع فيه كأن قال له أعرني ظرفك واجعل المبيع فيه ففعل لم يصر المشتري قابضا ولا ضامنا للظرف لأنه لم يحصل في يده وفي بعض نسخ الروضة تبعا للرافعي أن المستعير هو البائع ولا يخفى أن هذه داخلة في مسألة جعله المبيع في ظرف المشتري بأمره ولا بد مع النقل لما بيع مقدار بكيل أو وزن أو عد أو ذرع من الكيل أو الوزن أو العد أو الذرع لخبر مسلم من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يكتاله دل على أنه لا يحصل القبض فيه إلا بالكيل وليس بمعتبر في بيع الجزاف إجماعا فتعين فيما قدر بكيل وقيس به البقية وذلك في نحو بعتك عشرة آصع أو أرطال من هذه العشرين صاعا أو رطلا كل صاع أو رطل بدرهم أو بعتك هذه الأغنام كل رأس بدرهم أو هذا الثوب كل ذراع بدرهم ولو حذف قوله العشرين كان أولى لإيهامه أن العلم بكمية ذلك شرط وأن تفريقه لا يمنع صحة البيع وليس ذلك صحيحا فإن قبضه جزافا أو وزن ما اشتراه كيلا أو عكس أو أخبره المالك بقدره وصدقه وقبض أي أخذه فهو ضامن له لاستيلائه عليه لا قابض له قبضا مجوزا للتصرف فيه لعدم القبض المستحق بالعقد ولو تلف في يده ففي انفساخ العقد وجهان ذكرهما كأصله في باب الأصول والثمار صحح المتولي منهما المنع لتمام القبض وحصول المال في يده حقيقة وإنما بقي معرفة مقداره ومقتضى كلام غيره وهو الأوجه تصحيح الانفساخ بخلاف
88
88
ما لو أتلفه لما مر أن إتلافه قبض وقد ذكره الأصل هنا أيضا قال في الكفاية ويشترط في القبض كون المقبوض مرئيا فإن لم يره قال الإمام خرجه بعضهم على التقابض جزافا ورأى هو أنه كالبيع وإن تنازعا فيمن يكيل نصب الحاكم كيالا أمينا يتولاه ويقاس بالكيل غيره وفي الأصل هنا زيادة حذفها المصنف لأنها مذكورة مع تفصيل فيها في باب اختلاف المتبايعين فرع مؤنة الكيل والوزن المفتقر إليهما القبض على من أوفى بائعا كان أو مشتريا كمؤنة إحضار المبيع والثمن الغائبين إلى محل العقد أي تلك المحلة وأما مؤنة نقلهما المفتقر إليه القبض فعلى المستوفي على ما دل عليه كلام الشافعي وصرح به المتولي كما نبه عليه ابن الرفعة وهذا ينفرد عن الكيل والوزن اللذين يحصل بهما القبض بما إذا لم يفتقر ذلك إلى كيل ولا وزن وكالكيل والوزن فيما ذكر العد و الذرع و مؤنة النقد على المستوفي لأن القصد منه إظهار عيب إن كان ليرد به وقيده العمراني في كتاب الإجارة بما إذا كان الثمن معينا فإن كان في الذمة فعلى الموفي واستحسنه الأذرعي والزركشي قال ويشهد له ما سيأتي في اختلاف المتبايعين أنه لو اشترى عبدا وجاء بعبد معيب ليرده فقال البائع ليس هذا المبيع صدق بيمينه وفي السلم يصدق المسلم والفرق أن ما في الذمة لا يتعين إلا بقبض صحيح بخلاف المعين قال ولو أخطأ النقاد فظهر بما نقده غش وتعذر الرجوع على المشتري فلا ضمان عليه كذا أطلقه صاحب الكافي وهو ظاهر فيما إذا كان متبرعا فإن كان بأجرة فيضمن ولا أجرة له كما لو استأجره للنسخ فغلط في حال الكتابة فإنه لا أجرة له ويغرم أرش الورق انتهى فرع لو قال بكر لغريمه لي على زيد طعام مثل طعامك فاكتله واقبضه لنفسك أو احضر معي لأكتاله وأقبضه أنا لك ففعل فسد القبض له لاتحاد القابض والمقبض وللنهي عن بيع الطعام حتى يجرى فيه الصاعان يعني صاع البائع وصاع المشتري رواه ابن ماجه بسند ضعيف وقال البيهقي روي موصولا من أوجه إذا ضم بعضها إلى بعض قوي مع ما ثبت عن ابن عمر وابن عباس وضمنه القابض لاستيلائه عليه لغرضه وبرئ زيد من حق بكر لإذنه في القبض منه في الأولى وقبضه بنفسه في الثانية ولو حذف الاكتيال واقتصر على القبض فيما مر وفيما يأتي كان أحسن وأخصر وإن قال له اقبضه لي ثم لنفسك أو أحضر معي لأقبضه لي ثم لك ففعل صح القبض الأول إذ لا مانع دون الثاني لاتحاد القابض والمقبض وضمنه القابض وبرئ زيد من حق بكر
فإن اكتاله لنفسه ثم قبضه الأولى أن يعبر كالأصل بالواو بدل الفاء وثم لأن ذلك ليس مفرعا على قول بكر لغريمه ولا القبض متراخيا عن الاكتيال أي ولو اكتاله بكر وقبضه لنفسه ثم كاله له أي لغريمه وأقبضه له صحا أي القبضان لعدم اتحاد القابض والمقبوض ولجريان الصاعين فإن زاد أو نقص حين كاله ثانيا بما يتفاوت بالكيل أي بقدر يقع بين الكيلين لم يؤثر فتكون الزيادة له والنقص عليه أو بما لا يتفاوت بين الكيلين فالكيل الأول غلط فيستدرك أي فيرد بكر الزيادة ويرجع بالنقص وكذا يصح القبضان لو قبضه في المكيال بأن لم يخرجه منه وسلمه إليه فيه أي إلى غريمه في المكيال لأن استدامته في المكيال كابتداء الكيل فإن قال لغريمه اشتر بهذه الدراهم لي مثل ما تستحقه علي واقبضه لي ثم لنفسك ففعل صح الشراء والقبض الأول فقط أي دون الثاني لاتحاد القابض والمقبض ولامتناع كونه وكيلا لغيره في حق نفسه أو قال و اقبضه لنفسك ففعل فسد القبض لأن حق الإنسان لا يتمكن غيره من قبضه لنفسه وضمنه الغريم لاستيلائه عليه وبرئ الدافع من حق الموكل لإذنه في القبض منه أو قال اشتر بها ذلك لنفسك فسدت الوكالة إذ كيف يشتري بمال الغير لنفسه والدراهم أمانة بيده لأنه لم يقبضها ليتملكها ولا يشكل ذلك بما في الوكالة من أنه لو قال لغيره اشتر لي من مالك كذا بكذا صح شراؤه للموكل لأن المدفوع ثم قرض بخلافه هنا لأن الغرض إيفاء ما على الموكل وإن اشترى بعينها بطل أو في الذمة وقع عنه وأدى الثمن من ماله ولو قال لغريمه اكتل حقك من صبرتي لم يصح لأن الكيل أحد ركني القبض وقد صار نائبا فيه من جهة البائع متأصلا لنفسه فرع
89
89
لا يجوز للمستحق أن يوكل في القبض من يده يد المقبض كعبده ولو مأذونا له في التجارة كما لا يجوز له أن يوكل فيه المقبض بخلاف ابنه وأبيه ومكاتبه فيجوز له توكيلهم في القبض وإن قال لغريمه وكل من يقبض لي منك أو قال لغيره وكل من يشتري لي منك ففعل صح ويكون وكيلا له في التوكيل في القبض أو الشراء منه وإن وكل البائع رجلا في الإقباض ثم وكله المشتري في القبض لم يصح توليته لهما معا لاتحاد القابض والمقبض وكان الأولى أن يعبر كأصله بالواو بدل ثم فرع للأب وإن علا إذا اشترى له من مال موليه أو عكسه أن يتولى طرفي القبض كالبيع أي كما يتولى طرفي البيع كما مر في بابه ويحتاج النقل أي إليه كما يحتاج إلى الكيل في المكيل وقد يتولى الشخص طرفي القبض والإقباض في مسائل أخر تأتي مفرقة في محالها وقد جمع الزركشي أكثرها هنا في الخادم فرع قبض الجزء الشائع بقبض الجميع لأنه المقدور عليه لكن إن كان له شريك لم يجز ذلك إلا بإذنه والزائد أمانة بيده بخلاف الزائد في عشرة دنانير عددا أخذها الدائن ممن لزمته فوازنت أحد عشر لأنه قبضه لنفسه ويجاب طالب القسمة إليها قبل القبض لأنا إن جعلناها إفرازا فظاهر أو بيعا فالرضا غير معتبر فيها إذ الشريك يجبر عليها وإذا لم يعتبر الرضا جاز أن يعتبر القبض كالشفعة ويؤخذ من هذا أنه لا يجاب لقسمة الرد لاعتبار الرضا فيها فصل للمشتري الاستقلال بالقبض إن سلم الثمن للبائع كما تستقل الزوجة بقبض الصداق إذا سلمت نفسها أو كان الثمن مؤجلا لرضا البائع بالتأخير وإلا أي وإن لم يسلمه الثمن وكان حالا فلا يستقل بقبضه وإن سلم بعضه فإن استقل به حينئذ لزمه الرد إذ للبائع حبسه إن خاف فوت الثمن حتى يقبضه كله أو يقبض عوضه إن صالح عنه على مال وللمشتري أيضا حبس الثمن المعين لقبض المبيع كله إن خاف فوته فإذا وفي نسخة فإن امتنع كل منهما من التسليم للآخر حتى يسلم له الآخر وكان العقد لازما والثمن معينا كالمبيع أجبرا على التسليم لاستواء الطرفين بأن يأمرهما الحاكم بتسليم ما عليهما إليه أو إلى عدل ليسلم هو أو العدل كلا منهما حقه كما لو كان لكل عند الآخر وديعة وتنازعا في البداءة ولا تضر البداءة بأيهما شاء
وإن كان الثمن في الذمة ولم يخف البائع فوته أجبر البائع على التسليم أولا لرضاه بتعلق حقه بالذمة ولأنه يتصرف في الثمن بالحوالة والاعتياض فأجبر على تسليم المبيع ليتصرف المشتري فيه وسيأتي في المفلس وغيره أنه إذا باع مال غيره بولاية أو وكالة لا يجبر البائع بل لا يجوز له ذلك حتى يقبض الثمن ثم إذا أجبر البائع أجبر المشتري على تسليم الثمن إن حضر في المجلس وإلا فإن غاب ماله عن المجلس وكان فيما دون
90
90
مسافة القصر حجر عليه فيه أي في المبيع وفي جميع أمواله وإن كانت وافية بديونه إلى أن يسلم الثمن لئلا يتصرف فيه بما يبطل حق البائع وهذا يسمى بالحجر الغريب قال السبكي والفرق بينه وبين حجر الفلس حيث اعتبر فيه نقص ماله مع المبيع عن الوفاء أن المفلس سلطه البائع على المبيع باختياره ورضي بذمته بخلافه هنا كذا قاله القاضي أبو الطيب وغيره وفيه أن مسألتنا مصورة بما إذا سلم بإجبار الحاكم حتى لو سلم متبرعا لم يجز الفسخ إذا وفى المبيع بالثمن ومقتضى كلام الإمام والرافعي الإطلاق انتهى هذا إن لم يكن محجورا عليه بفلس وإلا لم يحجر عليه أيضا هذا الحجر لعدم الحاجة إليه لكن البائع في هذه يرجع في عين ماله بشرط فلا يكون من هذا الباب وألزم المشتري مع الحجر عليه التسليم للثمن والتصريح بهذا من زيادته
وهذا حجر يخالف حجر الفلس من حيث إنه لا يرجع فيه إلى العين أي عين المبيع ولا يتوقف على ضيق المال عن الوفاء ولا على سؤال الغريم قال الإسنوي ومقتضى كلام الأكثرين أن الحجر لا ينفك بمجرد التسليم بل لا بد من فك القاضي كما في حجر الفلس ووافقه عليه جماعة لكن جزم البلقيني كالإمام بخلافه فإن كان المشتري معسرا بأن لا يكون له مال غير المبيع يمكنه الوفاء منه سواء كان المبيع أكثر من الثمن أم لا وحجر عليه فسخ البائع البيع وأخذ المبيع وكذا لو كان ماله على مسافة القصر وحجر عليه لتعذر تحصيل الثمن ولا يكلف الصبر إلى إحضاره لتضرره بتأخير حقه فإن صبر فالحجر باق بحاله واختلاف المكري والمستأجر في الابتداء بالتسليم كذلك أي كاختلاف البائع والمشتري في ذلك وما قيل من أن اختلاف المسلم والمسلم إليه كذلك مردود بأن الإجبار إنما يكون بعد اللزوم كما مر والسلم إنما يلزم بعد قبض رأس المال والتفرق من المجلس وليس له أي للبائع الحبس بمؤجل حل قبل التسليم لرضاه بتأخيره أولا وما قيل من أن الشافعي نص على أن له الحبس كما نقله القاضي أبو الطيب عن حكاية المزني رد بأنه إنما هو تخريج للمزني كما صرح به أبو الطيب نفسه
وحكاه عنه الروياني ثم قال وكم من تخريج للمزني رده الأئمة وجعلوا المذهب خلافه ولا شك أن الجمهور على خلافه ولا يطالب المشتري برهن ولا كفيل وإن كان غريبا ولا استرداده أي المبيع إن سلمه للمشتري متبرعا ولو عارية لسقوط حقه بالتسليم قال الزركشي والمراد من العارية نقل اليد كما قالوا في إعارة المرتهن الرهن للراهن وإلا فكيف تصح الإعارة من غير مالك وقال غيره صورتها أن يؤجر عينا ويبيعها لغيره ثم يكتريها من المكتري ويعيرها للمشتري قبل القبض إلا إن أودعه له فله استرداده إذ ليس له في الإيداع تسليط بخلاف الإعارة وتلفه في يد المشتري بعد الإيداع كتلفه في يد البائع قاله القاضي أبو الطيب في الشفعة وله الاسترداد أيضا فيما إذا خرج الثمن زيوفا ذكره ابن الرفعة وغيره وإن اشترى بوكالة اثنين شيئا ووفى نصف الثمن عن أحدهما فللبائع الحبس حتى يستوفي الكل بناء على أن الاعتبار بالعاقد أو باع لهما أي منهما ولكل منهما نصف فأعطى أحدهما البائع النصف من الثمن سلم إليه البائع حصته من المبيع لأنه سلمه جميع ما عليه وهو مبني على أن الصفقة تتعدد بتعدد المشتري وهذه غير التي في الأصل وكأنه أبدلها بهذه لأنه لا يرى بما نقله الأصل فيها مع أنه يمكن تقرير كلامهم بها وعبارة الرافعي فيها ولو باع بوكالة اثنين فإذا أخذ نصيب أحدهما من الثمن
91
91
فعليه تسليم النصف كذا ذكره في التهذيب وفيه كلامان أحدهما أن العبد المشترك بين اثنين إذا باعاه ففي انفراد أحدهما بأخذ نصيبه من الثمن وجهان فكان أخذ الوكيل لأحدهما مبنيا على ثبوت الانفراد لو باعا بأنفسهما والثاني إنا إذا قلنا أن الاعتبار في تعدد الصفقة واتحادها بالعاقد فينبغي أن يكون تسليم النصف على الخلاف فيما إذا أخذ البائع بعض الثمن هل عليه تسليم قسطه من المبيع وفيه وجهان ذكرناهما في تفريق الصفقة وذكر النووي نحوه قال السبكي وغيره ويخرج من ذلك أن الأصح أنه لا يلزمه تسليم النصف على خلاف ما قاله في التهذيب لأن الأصح أن الاعتبار بالعقد وأن البائع إذا أخذ بعض الثمن لا يلزمه تسليم قسطه انتهى ويجاب بأنه لا يلزم من البناء على مسألة الاتحاد في التصحيح فيمشى على ما في التهذيب وتكون المسألة مستثناة مما استشكل به الشيخان ويفرق بينها وبين مسألة شرائه بوكالة اثنين بأنه لا ضرر على المسلم فيها بخلافه في تلك
باب التولية
أصلها تقليد العمل ثم استعملت فيما يأتي والإشراك مصدر أشركه أي صيره شريكا من اشترى شيئا وقال لعالم بالثمن قال الزركشي أو لجاهل به ثم علم به قبل قبوله وليتك العقد فقبل ملكه أي المبيع دون زوائده المنفصلة كالمشترى بغير تولية بمثل الثمن الأول جنسا وقدرا و صفة أو بعضه إن حط عنه بضم الحاء البعض الآخر ولو قبل لزوم البيع أو بعد التولية وشمل كلامه حط البائع ووارثه ووكيله وعبارة الشيخين إن حط عنه البائع ولعله جرى على الغالب فإن حط عنه الكل قبل التولية ولو بعد اللزوم أو بعدها وقبل لزومها لم تصح التولية لأنها حينئذ بيع بلا ثمن وقول السبكي تبعا لابن الرفعة إن كان الحط بعد اللزوم أي للبيع بلفظ الإبراء فتتجه الصحة فيه نظرا لأن الحط في المعنى إبراء بل عبر عنه المتولي به ولم يقولوا فيه بذلك أو بعدها وبعد لزومها صحت وانحط الثمن عن المتولي لأنها وإن كانت بيعا جديدا فخاصيتها التنزيل على ما استقر عليه الثمن الأول فهي في حق الثمن كالبناء وفي حق نقل الملك كالابتداء حتى تتجدد فيه الشفعة كما سيأتي ويلزم التولية جميع أحكام البيع لكن العلم بالثمن يكفي عن ذكره لأن خاصيتها البناء على الثمن الأول وإذا لزمها أحكام البيع فتتجدد بها الشفعة إذا كان المبيع شقصا مشفوعا وعفا الشفيع وقضية كونها بيعا أن للمولى مطالبة المتولي بالثمن مطلقا لكن قال الإمام ينقدح أنه لا يطالبه حتى يطالبه بائعه إذا قلنا يلحقه الحط وتوقف في أنه هل للبائع مطالبة المتولي فرع يشترط في التولية كون الثمن مثليا ليأخذ المولى مثل ما بذل فإن اشترى وفي نسخة اشتراه بعرض لم يصح أن يوليه أي العقد إلا من انتقل العرض إليه ملكا فإن قال المشتري بالعرض قام علي بكذا وقد وليتك العقد بما قام علي وذكر القيمة مع العرض كما سيأتي في المرابحة جاز والترجيح من زيادته وعبارة الأصل ولو اشتراه بعرض وقال قام علي بكذا وقد وليتك العقد بما قام علي أو ولت المرأة في صداقها بلفظ القيام أو الرجل في عوض الخلع فوجهان فلو كذب المولى في إخباره بالثمن فكالكذب فيه في المرابحة وهذا من حيث الفتوى حاصل قول الأصل فقيل كالكذب في المرابحة وقيل يحط قولا واحدا فرع قال ابن الرفعة ظاهر كلامهم أنه لا فرق في التولية بين كون الثمن حالا وكونه مؤجلا وفيما إذا كان مؤجلا ووقعت بعد الحلول نظر فيجوز أن يقال يكون الأجل في حق الثاني من وقتها وأن يقال يكون من حين العقد الأول فيلزمه الثمن حالا والأول أشبه لأن الأجل من صفات الثمن وقد شرطوا المثلية في الصفة انتهى فصل والاشتراك هو أن يقول المشتري لمن مر في التولية أشركتك في المبيع وهو بيع
92
92
فتترتب عليه أحكامه فإن صرح بالمناصفة أو غيرها من الكسور كقوله أشركتك في نصفه أو ثلثه صح وكذا لو أطلق الإشراك يصح ويحمل عليها أي المناصفة كالإقرار وقضية كلامه كغيره أنه لا يشترط ذكر العقد لكن قال الإمام وغيره ولا بد في الإشراك من ذكر البيع بأن يقول أشركتك في بيع هذا أو في هذا العقد ولا يكفي أن يقول أشركتك في هذا ونقله صاحب الأنوار وأقره وعليه أشركتك في هذا كناية وقوله أشركتك بالنصف أو مناصفة يقتضي أنه باعه النصف بنصف الثمن أو أشركتك في النصف يقتضي أنه باعه الربع بربع الثمن نعم إن قال أشركتك في نصفه بنصف الثمن تعين النصف كما صرح به النووي في نكته لمقابلته بنصف الثمن إذ لا يمكن أن يكون شريكا بالربع بنصف الثمن لأن جملة المبيع مقابلة بالثمن فنصفه بنصفه باب بيع المرابحة وهي مفاعلة من الربح وهو الزائد على رأس المال من اشترى شيئا وقال لآخر بعد علمهما بالثمن وعلمهما به شرط جملة حالية موضحة لما قبلها بعتكه بما اشتريت أو برأس المال أو بما قام علي أي بمثله أو نحوها وربح ده يازده أو ربح درهم لكل عشرة أو في أو على كل عشرة صح بلا كراهة كما في الأصل بزيادة درهم في كل عشرة لخبر فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم ولأنه ثمن معلوم فكان كبعتك بمائة وعشرة وروي عن ابن مسعود أنه كان لا يرى بأسا بده يازده وده دوازده وما روي عن ابن عباس من أنه كان ينهى عن ذلك حمل على ما إذا لم يبين الثمن وده بالفارسية عشرة ويازده أحد عشر أي كل عشرة ربحها درهم وده دوازده كل عشرة ربحها درهمان وكما تصح المرابحة تصح المحاطة لذلك ويقال لها المواضعة والمخاسرة فلو قال لآخر بعد علمهما بالثمن بعتك بما اشتريت أو برأس المال أو نحوهما بحط ده يازده أو بحط درهم لكل عشرة أو في أو على كل عشرة انحط من كل أحد عشر درهما درهم كما أن الربح في مرابحة ذلك واحد من أحد عشر فلو اشتراه بمائة فالثمن تسعون وعشرة أجزاء من أحد عشر جزءا من درهم أو بمائة وعشرة فالثمن مائة فلو قال بحط درهم من كل عشرة فالمحطوط العاشر لأن من تقتضي إخراج واحد من العشرة بخلاف اللام وفي
وعلى والظاهر في نظيره من المرابحة الصحة بلا ربح ويحتمل عدمها إلا أن يريدا بمن التعليل فتكون كاللام ونحوها وله أن يضم إلى الثمن شيئا ثم يبيعه مرابحة كما ذكره بقوله وإن قال اشتريت بمائة وقد بعتك بمائتين وربح درهم في كل أو لكل عشرة كان أنسب وقد يؤخذ مما تقرر أنه لو قال اشتريته بعشرة مثلا وبعتكه بأحد عشر ولم يقل مرابحة لا يكون عقد مرابحة وبه صرح القاضي قال حتى لو كان كاذبا فلا خيار ولا حط وبذلك جزم في الأنوار لكن توقف فيه الأذرعي وكالمرابحة في ذلك المحاطة تنبيه قد علم من اشتراط العلم بالثمن أنه لو كان الثمن دراهم أو حنطة معينة غير معلومة الوزن أو الكيل لا يصح بيعه مرابحة وهو ما صرح به الأصل في الدراهم فقول المصنف بعد علمهما المراد به ما يشمل العلم بالوزن والكيل فصل لا يدخل بقوله بعت بما اشتريت أو برأس المال إلا الثمن وهو ما استقر عليه العقد لأنه المفهوم من ذلك فإن قال بعت بما قام علي دخل فيه مع الثمن أجرة الكيال والجمال والدلال والقصار وسائر مؤن الاسترباح كأجرة الحارس والرفاء والختان والمطين والصباغ وقيمة الصبغ حتى المكس
93
93
وأجرة بيت المتاع لأنها من مؤن التجارة لا ما استرجعه أي المبيع به إن غصب أو أبق ولا فداء الجناية كما صرح به الأصل ولا نفقة وكسوة وعلف وسائس أي مؤنته ولا سائر ما يقصد به استبقاء الملك دون الاسترباح فلا يدخل وتقع في مقابلة الفوائد المستوفاة من المبيع ويدخل علف التسمين وأجرة الطبيب وثمن الدواء لمرض يوم الشراء لا للمرض الحادث بعده لما مر ولا تدخل أجرة عمله بنفسه أو مملوكه وبيته وما تطوع به غيره لأن العين إنما تعد قائمة عليه بما بذله فإن أرادها لتدخل قال اشتريته مثلا بكذا وعملت فيه بكذا ويذكر الأجرة ثم يقول وقد بعتكه بذلك وربح كذا أو قال بعتكه بكذا وأجرة عملي أو بيتي أو عمل المتطوع عني وهي كذا وربح كذا فصل وليصدق أي البائع وجوبا في إخباره بقدر ما اشترى به أو ما قام به المبيع عليه لأن بيع المرابحة مبني على الأمانة لاعتماد المشتري نظر البائع واستقصاءه ورضاه لنفسه ما رضيه البائع مع زيادة أو حط فإن اشترى شيئا بثمن وباعه الأولى قول أصله وخرج عن ملكه ثم اشتراه بأقل من الثمن الأول أو أكثر منه أخبر بالأخير منهما ولو كان في لفظ قام علي لأن ذلك مقتضى اللفظ فلو بان الكثير من الثمن في بيع عن مواطأة بينه وبين صاحبه وهي مكروهة كما في الأصل تنزيها وقيل تحريما فله أي المشتري الخيار قال الزركشي القائل بثبوت الخيار لم يقل بالكراهة بالتحريم كما أشار إليه صاحب الاستقصاء وهو الذي يظهر لأن ما أثبت الخيار يجب إظهاره كالعيب قال وعليه ففي جزم النووي بالكراهة مع تقويته القول بثبوت الخيار نظر فرع الثمن ما استقر عليه العقد فيلحقه الزيادة والنقصان قبل لزومه أي العقد فإن حط منه بعضه بعد لزومه وباع بلفظ ما اشتريت لم يلزمه الحط ولو باع بلفظ ما قام علي أو رأس المال أخبر بالباقي فإن انحط الكل لم ينعقد بيعه مرابحة بلفظ قام علي أو رأس المال قال المتولي لأنه لم يقم عليه بشيء ولا له فيه رأس المال بل باشتريت والحط للكل أو للبعض بعد جريان المرابحة لم يلحق من اشترى بخلاف نظيره في التولية والإشراك قال القاضي لأن ابتناءهما على العقد الأول أقوى من ابتداء المرابحة عليه بدليل أنهما لا يقبلان الزيادة بخلاف المرابحة فرع ما ذكر من إلحاق الزيادة والنقصان في الثمن جار في إلحاق الأجل والخيار وزيادة المبيع ورأس مال السلم والمسلم فيه ونقصانها وكذا في الصداق ونحوه على القول بثبوت الخيار فيهما فرع ويخبر البائع وجوبا بالشراء بالعرض وقيمته حين الشراء معا إن اشترى به ولا يقتصر على ذكر القيمة لأنه يشدد في البيع بالعرض فوق ما يشدد فيه بالنقد ولا يختص هذا ببيعه بلفظ الشراء ورأس المال كما خصه المتولي بل يجري في بيعه بلفظ القيام كما قاله القاضي والبغوي ورجحه الأذرعي وغيره وعليه جرى المصنف كأصله وما ذكره كأصله بعد في عبد هو أجرة أو عوض خلع أو نكاح أو صولح به عن دم محمول على هذا كما سيأتي بيانه والمراد بالعرض هنا المتقوم فالمثلي يجوز البيع به مرابحة وإن لم يخبر بقيمته
94
94
كما جزم به السبكي تبعا للماوردي وقال المتولي لا فرق بينهما و يخبر بالشراء بالدين الذي كان له على البائع المماطل أو المعسر إن اشترى به لأن الغالب في شرائه من المماطل أو المعسر أن يزيد للخلاص منه لا إن اشترى به وهو أي البائع مليء غير مماطل فلا يجب عليه الإخبار بذلك لعدم اختلاف الغرض به هذا إن اشتراه بدينه الحال أما بدينه المؤجل فيجب الإخبار به كما لو اشتراه بدين مؤجل نبه عليه الأذرعي وغيره ويخبر بالأجل قال الأذرعي وبقدره لاختلاف الغرض بهما فرع وإن باع بلفظ قام علي أو رأس المال أحد عيني الصفقة مرابحة بالقسط من الثمن الموزع على القيمتين أي قيمتيهما يوم الشراء جاز بخلاف ما لو باع بلفظ الشراء لأنه كاذب فلا بد أن يبين الحال ولو اشترى عينا فباع بعضها مرابحة بقسط من الثمن جاز ذكره الأصل فلو قال اشتريت نصفها أو قام علي بمائة وبعتكه بها وكان اشتراها بمائتين لم يجز للكذب في الأول وللنقص بالتشقيص في الثاني فيلزمه الإخبار بالأصل فيقول اشتريتها أو قامت علي بمائتين وبعتك نصفها بمائة قال القاضي وغيره وعلى ذلك يحمل كلام الأصل نعم ينبغي أن يستثني منه ما لو اشترى مثليا كقفيز بر وباع بعضه فيصح بالقسط مطلقا وإن لم يبين الحال كما هو ظاهر كلام الأصل إذ لا ينقص ذلك بالتشقيص تنبيه قال الفزاري لا ينبغي أن يكتفي بتقويمه لنفسه بل يرجع إلى مقومين عدلين وقال ابن الرفعة يكتفي بذلك إن كان عارفا وإلا فهل يكفي عدل أو لا بد من عدلين فيه نظر والأشبه الأول قال السبكي وهو صحيح نعم لو جرى نزاع بينه وبين المشتري فيه فلا بد من عدلين فرع ويخبر أيضا بالعيب القديم والحادث عنده بآفة أو جناية لأن الغرض يختلف بذلك ولأن الحادث ينقص به المبيع عما كان حين البيع فإن أخذ أرش عيب لحدوث آخر وباع بلفظ قام علي حط الأرش أو بلفظ ما اشتريت ذكر صورة الحال أي ما جرى به العقد مع العيب وأخذه الأرش لأن الأرش المأخوذ جزء من الثمن وإن أخذ الأرش عن جناية فهو ما ذكره بقوله فلو قطعت يد العبد وقيمته مائة ونقص ثلاثين أو ستين مثلا فأخذ من الجاني نصف القيمة خمسين فالمحطوط من الثمن الأقل من أرش النقص ونصف القيمة إن باع بلفظ قام علي فإن كان نقص القيمة أكثر من الأرش المقدر حط ما أخذ من الثمن ثم أخبر بقيامه عليه بالباقي وبنقص القيمة أي وبأنه نقص من قيمته كذا ولو قال أخبر مع إخباره بقيامه عليه بالباقي وبنقص القيمة كان أولى لأن الإخبار بالأول علم مما قبله وإن باع بلفظ ما اشتريت ذكر صورة الحال أي الثمن والجناية فرع ويخبر بالشراء من ابنه الطفل ونحوه لأن الغالب في شرائه من موليه أن يزيد في الثمن نظرا له وتحرزا عن التهمة بخلاف شرائه من أبيه وابنه الرشيد لا يجب الإخبار به كالشراء من زوجته ومكاتبه وكذا يخبر بالشراء بالغبن لو غبن لأن الغرض يختلف بذلك لا بوطء الثيب وأخذ مهر لها واستعمال لا يؤثر في المبيع و أخذ زيادات منفصلة حادثة كلبن وولد وصوف وثمرة لأنها لم تأخذ قسطا من الثمن ويحط منه قسط ما أخذ من لبن وصوف وحمل وثمرة ونحوها إذا كان موجودا حال العقد لأنه أخذ قسطا من الثمن وهذا تصريح بما فهم من قوله حادثة فصل إذا بان كذبه بزيادة ولو غلطا كأن قال اشتريته بمائة وباعه مرابحة ثم بان أنه اشتراه بتسعين بإقراره أو ببينة سقطت الزيادة وربحها لأنه تمليك باعتبار الثمن الأول كما في الشفعة ولا خيار لهما أما البائع فلتدليسه وأما المشتري فلأنه إذا رضي بالأكثر فبالأقل أولى سواء أكان المبيع باقيا أم تالفا وبما ذكر علم أن البيع صحيح لأن التغرير لا يمنع صحة البيع كما لو روج عليه معيبا وتعبيره كالروضة بالسقوط أولى
95
95
من تعبير الرافعي وغيره بالحط لأنا نتبين أن العقد إنما وقع بما بقي لا أنه يحتاج إلى إنشاء حط بخلاف استرجاع أرش العيب القديم فإنه إنشاء حط من الثمن بدليل أن العقد إذا ورد على معيب فموجب العيب الرد عند القدرة عليه فكأن الأرش بدل عن الرد إذا تعذر قاله الإمام فإن لم يبين الأجل والعيب أو شيئا آخر مما يجب ذكره كما صرح به الأصل فللمشتري الخيار لتدليس البائع عليه بترك ما وجب عليه وعلم من كلامه أنه لا سقوط في غير الكذب بالزيادة وهو كذلك ويندفع ضرر المشتري بثبوت الخيار له وقال الإمام والغزالي بالسقوط حتى لو أخبر بالثمن حالا أو ترك الإخبار به فباع به حالا فبان مؤجلا قوم المبيع حالا ومؤجلا بذلك الأجل وسقط من الثمن بنسبة التفاوت في القيمة فلو قوم حالا بمائة ومؤجلا بمائة وعشرة فالتفاوت جزء من أحد عشر جزءا من القيمة فيسقط جزء من أحد عشر جزءا من الثمن فرع لو غلط البائع فنقص من الثمن كأن قال اشتريته بمائة وباعه مرابحة ثم قال غلطت إنما اشتريته بمائة وعشرة وصدقه المشتري فالبيع صحيح كعكسه وللبائع الخيار لعذره بالغلط لا إلحاق الزيادة وضرره يندفع بثبوت الخيار له وإن كذبه المشتري نظرت فإن ذكر لغلطه وجها محتملا كقوله زور عني وكيلي عبارة الأصل اشتراه وكيلي وأخبرت أن الثمن مائة فبان خلافه أو ورد علي منه كتاب فبان مزورا أو راجعت جريدتي فغلطت من ثمن إلى ثمن سمعت دعواه للتحليف أي لتحليف المشتري أنه لا يعرف ذلك لأنه قد يقر عند عرض اليمين عليه وكذا تسمع بينته بأنه اشتراه بأزيد مما غلط به كما سمعت دعواه للتحليف ولأن ما ذكره يحرك ظن صدقه وإلا أي وإن لم يذكر لغلطه وجها محتملا فلا تسمع دعواه ولا بينته لتكذيب قوله الأول لهما ولو ادعى علم المشتري بصدقه حلف يمين نفي العلم لما مر فإن نكل حلف هو على البت ويثبت للمشتري الخيار قال الشيخان كذا أطلقوه وقضية قولنا إن اليمين المردودة كالإقرار أن يعود فيه ما ذكرنا حالة التصديق أي فلا خيار للمشتري قال في الأنوار وهو الحق قال وما ذكراه من إطلاقهم غير مسلم فإن المتولي والإمام والغزالي أوردوا أنه كالتصديق ولم يتعرض الكثير لحكم الرد ولم أجد ثبوت الخيار إلا في الشامل تنبيه اقتصروا في حالة النقص على الغلط وقياس ما مر في الزيادة ذكر التعمد ولعلهم تركوه لأن جميع التفاريع لا تأتي فيه فرع الدراهم في قوله اشتريته بكذا وبعتكه به وربح درهم تكون من نقد البلد سواء كان الثمن منه أي من نقد البلد أو لا قال في الأصل مع ذلك قوله في المرابحة بعتك بكذا يقتضي كون الربح من جنس الثمن الأول لكن يجوز جعله من غير جنسه قال الزركشي مراده أنه يجوز بالتعيين أما عند الإطلاق فيحمل على الجنس من نقد البلد أي كما في الصورة التي اقتصر عليها المصنف فصل لو اتهب بشرط الثواب ذكره وباع به مرابحة أو اتهبه بلا عوض أو ملكه بإرث أو وصية أو نحوهما ذكر القيمة وباع بها مرابحة ولا يبيع بلفظ القيام ولا الشراء ولا رأس المال لأن ذلك كذب وله أن يقول في عبد هو أجرة أو عوض خلع أو نكاح أو صالح به عن دم قام علي بكذا أو يذكر أجرة المثل في الإجارة ومهره في الخلع والنكاح والدية في الصلح بأن يقول قام علي بمائة هي أجرة مثل دار مثلا أو مهر مثل امرأة أو صلح عن دية وبعتكه بها ولا يقول اشتريت ولا رأس المال كذا لأنه كذب باب بيع الأصول والثمار الترجمة به من زيادته قال النووي في تحريره الأصول الشجر والأرض والثمار جمع ثمر وهو جمع ثمرة ويأتي
96
96
مع ذلك غيره اللفظ المتناول غيره في عقد البيع ستة الأول الأرض ومثلها البقعة والساحة والعرصة فإن باعها أو رهنها بما فيها من أشجار وأبنية دخلت في العقد ولو بقوله بعتك أو رهنتك الأرض بما فيها أو عليها أو بها أو بحقوقها وإن استثناها كبعتك أو رهنتك الأرض دون ما فيها خرجت أي لم تدخل في العقد وإن أطلق كبعتك أو رهنتك الأرض دخلت في البيع لأنها للثبات والدوام في الأرض فأشبهت جزأها فتتبعها كما في الشفعة ويؤخذ منه تقييد الأشجار بالرطبة فتخرج اليابسة وقد صرح به ابن الرفعة والسبكي تفقها وهو قياس ما يأتي من أن الشجر لا يتناول غصنه اليابس ولا يشكل بتناول الدار ما أثبت فيها من وتد ونحوه كما سيأتي لأن ذلك أثبت فيها للانتفاع به مثبتا فصار كجزئها بخلاف الشجرة اليابسة نعم إن عرش عليها عريش لعنب ونحوه أو جعلت دعامة لجدار أو غيره صارت كالوتد فتدخل في البيع لا في الرهن لأن البيع قوي ينقل الملك فيستتبع بخلاف الرهن ومن ثم كان الوقف والهبة كالبيع كما اقتضاه كلام الرافعي وصرح به في الثاني الدارمي والجرجاني وغيرهما وفي معنى ذلك الصدقة والوصية ونحوهما والعارية كالرهن وكذا الإقرار كما اقتضاه كلام الرافعي في بابه ولا يدخل في بيع الأرض مسيل الماء وشربها بكسر الشين أي نصيبها من القناة والنهر المملوكين حتى يشرطه كأن يقول بحقوقها والمراد الخارج من ذلك عن الأرض أما الداخل فيها فلا ريب في دخوله نبه عليه السبكي وغيره وهذا بخلاف ما لو اكتراها لزرع أو غراس فإن ذلك يدخل مطلقا لأن المنفعة لا تحصل بدونه فصل لا يدخل في بيع الأرض من الزرع ما يؤخذ دفعه كزرع يوهم أن ما بعده ليس بزرع وليس كذلك فكان الأولى أن يقول كبر وشعير ونحوه من الفجل والجزر وقطن خراسان والثوم وغيرها وإن قال بحقوقها لأنه ليس للدوام فأشبه منقولات الدار وله أي للمشتري الخيار إن جهل أزدراعها بأن رآها قبله قال الأذرعي أو لم يشترها الزرع لتأخر انتفاعه نعم إن تركه له البائع أو قصر زمن التفريغ سقط خياره كما يعلم مما سيأتي في البذر أما العالم بذلك فلا خيار له لتقصيره نعم إن ظهر أمر يقتضي تأخير الحصاد عن وقته المعتاد فله الخيار كما قاله ابن الرفعة وبما تقرر علم أن بيع الأرض المزروعة صحيح كبيع دار مشحونة بأمتعة ويصح قبضها مزروعة فتدخل في ضمان المشتري بخلاف قبض الدار المذكورة لتعذر التفريغ هنا بخلافه ثم ويترك الزرع إلى أول إمكان الحصاد دون نهايته بلا أجرة
97
97
على البائع لمدة بقائه كما في بيع الدار المشحونة بالأمتعة ولأن البائع زرع ملك نفسه فلا يؤمر بالقلع قبل أوانه وعليه بعد القلع تسوية حفر الأرض الحاصلة به وقلع عروق مضرة بها كالذرة والقطن تشبيها بما إذا كان في الدار أمتعة لا يتسع لها باب الدار فإنه ينقض وعلى البائع ضمانه تنبيه عد الشيخان مما يؤخذ دفعة السلق بكسر السين واعترضهما جماعة بأنه مما يجز مرارا وأجاب الأذرعي بأنه نوعان نوع يؤخذ دفعة وهو ما أراده الشيخان ونوع مما يجز مرارا وهو المعروف بمصر وأكثر بلاد الشام فصل وما يتكرر ثمره بأن يؤخذ مرة بعد أخرى في سنتين فأكثر بل أو أقل كما قاله جماعة منهم الروياني ونقله عن نص الأم وقال الأذرعي أنه المذهب كالقطن الحجازي والنرجس والبنفسج أو يجز مرارا كالكراث والنعناع والقصب الفارسي والقت بالقاف والتاء المثناة وهو ما يقطع للدواب يسمى القرط والرطبة والقضب بإسكان المعجمة فالأصول منه كالشجر فتدخل في بيع الأرض والثمرة الظاهرة للبائع فلا تدخل فيه بخلاف الكامنة لكونها كجزء من الشجر فدخلت معها في بيع الأرض وكذا الجزة بكسر الجيم الموجودة عند بيع الأرض المشتملة على ما يجز مرارا للبائع بخلاف غير الموجودة ويشترط وجوبا على البائع قطعها وإن لم تبلغ أوان الجز لئلا تزيد فيشتبه المبيع بغيره وزاد هنا قوله بخلاف الثمرة أي التي لا يغلب اختلاطها فلا يشترط فيها ذلك أما غيرها فكالجزة كما يعلم مما يأتي آخر الباب وما ذكر من اشتراط القطع هو ما جزم به الشيخان كالبغوي وغيره واعتبار كثير وجوب القطع من غير اعتبار شرطه محمول على ذلك بقرينة كلامهم الآتي آخر الباب قال في التتمة إلا القصب أي الفارسي كما صرح به الشيخ أبو حامد والروياني والبغوي وغيرهم فلا يكلف قطعه حتى ينفع أي يكون قدرا ينتفع به وشجر الخلاف بتخفيف اللام كالقصب في ذلك قال السبكي وفي الاستثناء نظر والوجه التسوية إما أن يعتبر الانتفاع في الكل أو لا يعتبر في الكل وهو الأقرب بخلاف بيع الثمرة قبل بدو الصلاح لأنها مبيعة بخلاف ما هنا قال الأذرعي وفيه نظر لأن ما ظهر وإن لم يكن مبيعا يصير كما لو باع ذراعا من ثوب ينقص بقطعه فيبطل العقد ا ه ويفرق بأن القبض هنا متأت بالتخلية وهناك متعذر شرعا لأنه إنما يحصل بالنقل وهو متوقف على القطع المفضي إلى النقص نعم يجاب عن كلام السبكي بأن تكليف البائع قطع ما استثنى يؤدي إلى أنه لا ينتفع به من الوجه الذي يراد للانتفاع به بخلاف غيره ولا بعد في تأخير وجوب القطع حالا لمعنى بل قد عهد تخلفه بالكلية وذلك في بيع الثمرة من مالك الشجرة كما سيأتي بيانه فرع للبذر الكامن في الأرض حكم نابته فيما مر فيدخل في بيعها بذر النخل والقضب بمعجمة ساكنة أو بمهملة مفتوحة ونحوه مما يدوم كنوى الجوز واللوز وبزر الكراث والنعناع لا بذر ما يؤخذ دفعة كبر وشعير بل يثبت به الخيار للمشتري إن جهل البذر ويترك بعد الاختيار إلى الحصاد بلا أجرة مثل ما مر إلا أن تركه له
98
98
البائع أو قاله أنه أفرغ الأرض و قصر زمن التفريغ بحيث لا يقابل بأجرة فلا خيار له لانتفاء الضرر في الأولى وتداركه حالا في الثانية كما لو اشترى دارا ثم رأى في سقفها خللا يسيرا يمكن تداركه في الحال أو كانت منسدة البالوعة فقال البائع أنا أصلحه أي السقف وأنقيها أي البالوعة فلا خيار للمشتري ويلزمه القبول في مسألة الترك ولا نظر للمنة ويفارق ما لو قال الغرماء لا تفسخ ونقدمك بالثمن بأن المنة ثم من أجنبي عن العقد فلا تحتمل وبأنه ربما يظهر غريم آخر فيزاحم البائع فيما أخذه فيتضرر بخلافهما هنا فصل وتدخل الحجارة المخلوقة والمثبتة في الأرض في بيعها لأنها من أجزائها وقد تكون عيبا بالأرض فيثبت الخيار إن أضرت بالغرس والزرع إن اشتريت أي الأرض لذلك التصريح بثبوت الخيار هنا من زيادته وقد ذكره مع شرطه من جهل المشتري بعد مع أنه غير هنا عبارة الأصل بما يفوت الغرض وعبارة الأصل فإن كانت تضر بالزرع والغرس فهو عيب إن كانت الأرض تقصد لذلك ولا تدخل الحجارة المدفونة فيها في بيعها كالأقمشة والكنوز وللمشتري المطالبة بقلعها وفي نسخة بنقلها تفريغا لملكه بخلاف الزرع فإنه له أمدا ينتظر وهذا من زيادته هنا وهو معلوم مما يأتي ثم إن كان عالما بها فلا خيار له وإن ضر قلعها نعم إن جهل ضررها وكان لا يزول بالقلع أو تتعطل به مدة لمثلها أجرة فله الخيار صرح به المتولي قال ابن الرفعة وهو الذي لا يجوز غيره وكلام الأصحاب يشهد له نبه عليه الزركشي لكن يجبر البائع على تفريغ ملكه وللبائع التفريغ أيضا بغير رضا المشتري ولو سمح له بها لم يلزمه القبول
و على تسوية حفر الأرض الحاصلة بالقلع وهي كما في المطلب أن يعيد التراب المزال بالقلع من فوق الحجارة مكانه أي وإن لم تستو ولا أجرة للمشتري مدة القلع والتفريغ وإن طالت ولو كان ذلك بعد القبض لعلمه بالحال فجعل زمن قلعها مستثنى وظاهر أنه لا أرش له أيضا لذلك كما لو اشترى دارا فيها أقمشة يعلمها فلا أجرة له مدة نقلها وإن طالت وإن كان جاهلا والحجارة لا تضر المشتري تركا ولا نقلا بأن قصر زمن القلع والتسوية بحيث لا يكون له أجرة ولم تنقص الأرض بها فلا خيار للمشتري لانتفاء الضرر وكذا لو ضر تركها وقصر زمن القلع كما يؤخذ من كلامه على البذر وصرح به الأصل هنا وللبائع النقل وإن لم يأذن فيه المشتري وعليه التسوية وللمشتري إجباره عليه وقوله من زيادته و له عليه أجرة مثل مدة النقل إن كان بعد القبض سهو لأن الفرض أنه لم تمض مدة لمثلها أجرة وله الخيار إن كان القلع يضرها ذكر الضمير من زيادته والأولى حذفه أو تذكيره لأن الغرض أن له الخيار إن ضره القلع سواء أضر الأرض بأن نقص قيمتها أم لا بأن مضت مدة لمثلها أجرة فإن أجاز فله الأجرة والأرش إن كان النقل بعد القبض كما سيأتي ولا يسقط خياره بقول البائع أنا أغرم لك الأجرة والأرش للمنة
فلو ترك له الحجارة وتركها لا يضر المشتري سقط خياره وإن كان في ذلك منة وتفارق ما قبلها بأن المنة فيها حصلت بما هو متصل بالبيع يشبه جزأه بخلافها في تلك فإن ضر تركها فسيأتي وهذا الترك إعراض لقطع الخصومة لا تمليك للمشتري فله أي للبائع الرجوع فيه أي فيما تركه من الأحجار وعبارة الأصل فيها ويعود برجوعه فيها خيار المشتري فلو وهبها له بشروط الهبة حصل الملك فيها للمشتري ولا رجوع للبائع أو بغير شروطها فالظاهر أنه إعراض كالترك بناء على أنه إذا بطل الخصوص بقي العموم والتصريح بعدم الرجوع من زيادته وهو ساقط من بعض النسخ وإن كان الترك والقلع مضرين فللمشتري الخيار سواء جهل الأحجار أو الأولى أم ضررها في
99
99
الشق الثاني المقتضي لعلمه بالأحجار تسمح وإن كان الحكم صحيحا لأن الكلام فيما إذا كان جاهلا بها وشمل كلامه فيه ما لو جهل ضرر قلعها دون ضرر تركها وعكسه وعبارة الشيخين مخرجة للعكس فإنهما قيدا بضرر القلع واستدركه النشائي والإسنوي عليهما بأن مقتضى كلامهما عدم ثبوت الخيار فيه ومقتضى كلام غيرهما ثبوته لأنه قد يطمع في أن البائع يتركها له فحذف المصنف التقييد ليوافق كلام غيرهما والأوجه ما اقتضاه كلامهما إذ لا يصلح طمعه في تركها علة لثبوت الخيار ولا يقاس ثبوته على ثبوته فيما ضر تركها دون قلعها كما مر لأنه ثم جاهل بها وهنا عالم بها
ولو قال البائع لا تفسخ وأغرم لك أجرة مثل مدة النقل لم يسقط خياره كما لو قال البائع لا تفسخ بالعيب لأغرم لك الأرش وكذا لو ترك له الأحجار لأن بقاءها مضر كما شمله صدر كلامه وأفهمه قوله فيما مر وتركها لا يضر وصرح به الأصل هنا فإن أجاز المشتري حيث ثبت له الخيار لزم البائع التفريغ والتسوية سواء أفرغ قبل القبض أم بعده و لزمه أجرة مثل مدة النقل أي التفريغ وأرش عيب إن كان أي وجد بعد التسوية وكان ذلك بعد القبض لتفويته منفعة تلك المدة لا قبله لما مر أن جناية البائع حينئذ كالآفة ولا يخفى أن مدة تفريغ الأرض من الزرع كمدة تفريغها من الحجارة في وجوب الأجرة وإن لم يجب لمدة بقائه كما مر هذا كله إذا كانت الأرض بيضاء أو كان فيها غراس عند البيع وبيع معها فإن أحدث فيها المشتري غرسا وهو جاهل بالأحجار ثم علم بها فله المطالبة بالقلع تفريغا لملكه والتصريح بهذا من زيادته مع أنه لا يختص بحالة الجهل ويضمن البائع نقصا حدث به أي بالقلع في الغراس ولا خيار له أي للمشتري إن اختص النقص المذكور بالغراس لأن الضرر راجع إلى غير المبيع ولأن الغراس عيب في الأرض البيضاء وقد حدث عنده فإن نقصت الأرض أيضا بالأحجار فله القلع للغراس
والفسخ إن لم يحصل بالغرس وقلعه أي المغروس نقص في الأرض وإلا أي وإن حصل بذلك نقص فيها فهو عيب حدث عنده يمنع الرد ويوجب له الأرش وإن أحدث الغرس عالما بالأحجار فللبائع قلعها ولا يضمن أرش نقص الغراس ولو كان فوق الأحجار زرع لأحدهما ترك إلى أوان الحصاد لأن له أمدا ينتظر بخلاف الغراس بلا أجرة لمدة بقائه وإذا قلعها البائع بعد الحصاد فعليه تسوية الأرض كما صرح به في الروضة اللفظ الثاني البستان والباع بمعناه وهو أعجمي والكرم ومثلها الحديقة والجنينة فيدخل فيه أي في كل منها الأرض والأشجار والحائط المحيط به وكذا بناء فيه وعريش قضبانه أي عريش توضع عليه قضبان العنب وقيل لا يدخل العريش والتصريح بالترجيح فيه من زيادته وبه صرح الرافعي في الشرح الصغير وكذا الغزالي وابن الرفعة ولو قال هذه الدار البستان دخلت الأبنية والأشجار جميعا أو قال هذا الحائط البستان أو هذه المحوطة دخل الحائط المحيط وما فيه من شجر وبناء ذكر ذلك الأصل وحذفه المصنف للعلم به مما ذكر فرع اسم القرية والدسكرة وتقال لقصر حوله بيوت وللقرية وللأرض المستوية وللصومعة ولبيوت الأعاجم يكون فيها الشراب والملاهي يدخل فيه أي في اسمهما السور وما فيه من الأبنية والساحات بخلاف الخارجة عنه وكذا تدخل الأشجار المغروسة فيها لا المزارع والأشجار التي
100
100
حولها ولو قال بعتكها بحقوقها لأن العرف لا يقتضي دخولها ولهذا لا يحنث من حلف لا يدخل القرية بدخولها فإن لم يكن لها سور دخل ما اختلط ببنائها من المساكن والأبنية كما يعلم مما مر في صلاة المسافر وذكر السور والتقييد بحولها من زيادته اللفظ الثالث الدار ويدخل فيه الأرض والأبنية بأنواعها حتى الحمام المعدود من مرافقها وفي نسخة زيادة والحمام فهو من ذكر الخاص بعد العام وحملوا قول الشافعي لا يدخل الحمام على حمامات الحجاز المنقولة وكذا يدخل شجر مغروس فيه الأولى فيها وما أثبت فيها لتتمتها ليبقى فيها كالسقف والأبواب المنصوبة والغلاق المثبت عليها ونحوه من الحلق والسلاسل وكذا ما أثبت فيها وليس منها كالدنان أي الخوابي والإجانات والرفوف المثبتة والسلالم المسمرة أو المطينة والأوتاد المثبتة في الأرض أو الجدار والأسفل المثبت من الرحى بأعلاه أي معه وقدر الحمام وخشب القصار ومعجن الخباز لثباتها فيها فصارت معدودة من أجزائها لا المنقولات كالسرير والدلو والبكرة بإسكان الكاف أشهر من فتحها والدفائن والرفوف الموضوعة على الأوتاد والسلالم التي لم تسمر ولم تطين وتدخل ألواح الدكاكين ومفتاح المغلاق المثبت وكل منفصل يتوقف عليه نفع متصل كرأس التنور وصندوق البئر والطاحون وآلات السفينة فرع لا يدخل في بيع الدار ونحوها إذا كان بها بئر ماء ماء البئر الحاصل حالة البيع كالثمرة المؤبرة وماء الصهريج فلو لم يشرطه أي دخوله في العقد فسد العقد لاختلاطه بالحادث فلا يصح بيعه وحده ولا بد من شرط دخوله ليصح البيع ويدخل في بيع ذلك المعادن الباطنة كالذهب والفضة لا الظاهرة كالملح والنورة والكبريت وهي أي الظاهرة كالماء الحاصل في أنه لا يصح بيع ما ذكر ولا تدخل هي فيه إلا بشرط دخولها ويدخل في بيع الدار وإن لم يقل بحقوقها حريمها بشجره المغروس فيه إن كانت أي الدار في شارع لا ينفذ بالمعجمة وإلا فلا يدخلان وكالدار القرية ونحوها ولو عبر كأصله بالطريق كان أولى لأنه قد يكون نافذا وقد لا يكون والشارع لا يكون إلا نافذا اللفظ الرابع الحيوانات الشاملة للعبد ولغيره فتعبيره بها أعم من تعبير الأصل بالعبد فالعبد وفي نسخة والعبد لا يملك شيئا وإن ملكه سيده كما لا يملك بالإرث ولأنه مملوك فأشبه البهيمة وأما خبر من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع فأجيب عنه بأن الإضافة فيه للاختصاص لا للملك فإن باعه وما في يده من المال وإن ملكه له لزم في المال شروط المبيع من نفي الجهالة والربا وغيرهما لأنه مبيع كالعبد وعبارة الأصل اعتبر في المال شروط المبيع حتى لو كان مجهولا أو غائبا أو دينا والثمن دين أو ذهبا والثمن ذهب لم يصح ويدخل في بيع ناقة ودابة وفي نسخة ويدخل فيه برة الناقة وهي حلقة تجعل في أنفها ونعل الدابة إن لم يكونا ذهبا أو فضة وإلا فلا يدخلان للعرف فيهما ولحرمة استعمالهما حينئذ والتصريح بذكر الشرط في النعل من زيادته لا العذار والمقود والسرج واللجام فلا يدخل في بيع الدابة اقتصارا على مقتضى اللفظ ولا تدخل ثياب العبد في بيعه ولو كانت ساترة العورة لذلك والأمة كالعبد كما في شرح مسلم ومثلهما الخنثى اللفظ الخامس الشجر وتدخل فيه الأغصان الرطبة لأنها تعد من أجزائه بخلاف اليابسة إذا كان الشجر رطبا لأن العادة فيه القطع كالثمرة وشمل كلامهم أغصان شجر الخلاف وبه صرح الإمام في موضع وصرح به آخر بأنها لا تدخل لأنها تقصد للقطع كالثمرة وجمع بينهما بما قاله القاضي
101
101
إن الخلاف نوعان ما يقطع من أصله فتدخل أغصانه وما يترك ساقه وتؤخذ أغصانه فلا تدخل و تدخل فيه الأوراق ولو من فرصاد وسدر وحناء الترجيح في ورق الحناء من زيادته ولا ترجيح فيه في الروضة بل قال الزركشي الأقرب عدم الدخول وبه جزم الماوردي والروياني وصححه ابن الرفعة إذ لا ثمرة له غير الورق قال القمولي ومثله ورق النيلة و تدخل أيضا الكمام بكسر الكاف وهي أوعية الطلع وغيره ولو كان ثمرها مؤبرا لأنها تبقى ببقاء الأغصان ومثلها العرجون فيما يظهر خلافا لمن قال أنه لمن له الثمرة والعروق إن لم يشرط قطع الشجر ويجوز بيع الأشجار بشرط القطع ولا يدخل فيها حينئذ العروق بل تقطع عن وجه الأرض بخلاف شرط القلع لها أو الإطلاق فإنه يدخل فيها العروق وإن أطلق بأن لم يشرط قطعا ولا قلعا ولا إبقاء وجب إبقاء الشجر الرطب لا اليابس بل يلزم المشتري تفريغ الأرض منه للعادة في ذلك وإن شرط قطعا أو قلعا أو إبقاء اتبع الشرط وقوله من زيادته فقط تأكيد للرطب والمغرس بكسر الراء وهو محل غرس الشجر لا يتبع الشجر في بيعه و لا في استثنائه من الأرض المبيعة لأن اسم الشجر لا يتناوله لكن يجب على مالكه إبقاؤها فيه بحكم استتباع المنفعة لا على سبيل الملك فلو انقلعت أو قلعت لم يكن لمالكها أن يغرس فيه بدلها ولو بذل مالكه أرش القطع لمالكها وأراد قطعها فإنه يجب عليه إبقاؤها ولا يجوز له قطعها وعبارة الأصل القلع وهي أولى وإن شرط إبقاء اليابسة بطل البيع كما لو اشترى ثمرة مؤبرة وشرط عدم قطعها عند الجذاذ قال الأذرعي وغيره ومحله إذا لم يكن له في إبقائها غرض مقصود وإلا بأن كانت مجاورة لأرضه وقصد أن يضع عليها جذعا أو بناء أو نحوه كعريش فيظهر الصحة كالجدار فصل أما ثمر المبيع وهو المقصود منه ولو مشموما كالورد فيتبع فيه الشرط من كونه للبائع أو للمشتري أو الظاهر للبائع وغيره للمشتري أو بالعكس إلا أن غيره في العكس إذا لم ينعقد لا يصح شرطه للبائع و أما عند الإطلاق فقل أبر النخل يعني شق طلعه أو تشقق بنفسه ولو كان النخل المذكور فحاله بضم الفاء وتشديد الحاء أي ذكور النخل المبيع أو برزت ثمرة العنب والتين ونحوه أي نحو كل منهما أو تفتح كمام الورد أو تناثر نور أي زهر نحو رمان ومشمش انعقد أو ظهر ياسمين بكسر السين ونحوه فللبائع وإن كان قبل ذلك فللمشتري والأصل في ذلك خبر الصحيحين من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع مفهومه أنها إذا لم تؤبر تكون الثمرة للمشتري إلا أن يشرطها البائع وكونها في الأول صادق بأن تشرطه له أو يسكت عن ذلك وكونها في الثاني للمشتري صادق بذلك وألحق بالنخل سائر الثمار وبتأبير كلها تأبير بعضها بتبعية غير المؤبر للمؤبر لما في تتبع من العسر والتأبير ويقال له التلقيح تشقيق طلع الإناث وذر طلع الذكور
102
102
فيه ليجيء رطبها أجود مما لم يؤبر والعادة الاكتفاء بتأبير البعض والباقي يتشقق بنفسه
وينبث ريح الذكور إليه وقد لا يؤبر شيء ويتشقق الكل والحكم فيه كالمؤبر اعتبارا بظهور المقصود وطلع الذكور يتشقق بنفسه ولا يشقق غالبا ولا يعتبر تشقق القشر الأعلى من نحو الجوز بل هو للبائع مطلقا لاستتاره بما هو من صلاحه ولأنه لا يظهر بتشقق الأعلى عنه وإن أبرت نخلة ولو ذكرا أو في طلع واحد تبعها في الحكم جميع الثمرة الحادثة تأبيرا وإطلاعا إذ في إفراد كل بحكم عسر أو ضرر مشاركة ولأنه من ثمرة العام ولم يعكس لأن الباطن سائر إلى الظهور وكما يتبع باطن الصبرة ظاهرها في الرؤية هذا إن اتحد في المؤبر وغيره بستان وعقد وجنس فإن اختلف شيء منها بأن اشترى في عقد نخل بستانين ولو متلاصقين أو نخلا وعنبا أو في عقدين نخلا المؤبر من ذلك في أحدهما وغيره في الآخرة فلا تبعية لانقطاعها واختلاف زمن التأبير وانتفاء عسر الإفراد وضرر المشاركة باختلاف ذلك بخلاف اختلاف النوع لا يؤثر وعلم من كلامه أنه لو باع نخلة وبقي ثمرها له ثم خرج طلع آخر كان للبائع
وبه صرح الأصل قال لأنه من ثمرة العام وتشقق جوز عطب بضم أوله مع إسكان ثانيه وضمه أي قطن كما في نسخة يبقى أصله سنين أي سنتين فأكثر لا تشقق ورد كتأبير النخل فيتبع المستتر غيره إن اتحد فيهما ما ذكر بخلاف تشقق الورد لأن ما يظهر منه يجنى في الحال فلا يخاف اختلاطه نقله الأصل عن التهذيب والذي في التنبيه وأقره عليه النووي في تصحيحه أن الجميع للبائع كالجوز وغيره وقد تبعه المصنف في نسخة فقال بدل لا تشقق ورد وكذا تفتح ورد كما في التنبيه كالورد في ذلك الياسمين ونحوه وما لا يبقى من أصل العطب أكثر من سنة إن بيع قبل تكامل قطنه لم يجز إلا بشرط القطع كالزرع سواء أخرج الجوز أم لا ثم إن لم يقطع حتى خرج الجوز فهو للمشتري لحدوثه في ملكه كما صرح به الأصل وحذفه المصنف اكتفاء بعموم قوله وإن كان قبل ذلك فللمشتري أو بيع بعد تكامله نظرت فإن تشقق جوزه صح العقد لظهور المقصود قال في الأصل نقلا عن البغوي ودخل القطن في البيع بخلاف الثمرة المؤبرة لا تدخل لأن الشجرة مقصودة لثمار جميع الأعوام ولا مقصود هنا سوى الثمرة الموجودة وكأن المصنف حذفه لأن القاضي شيخ البغوي قد جزم بعدم دخول ذلك وبأنه للبائع كالثمرة المؤبرة وبه جزم المتولي قال الأذرعي بعد نقله ذلك
وقضية كلام ابن الرفعة تصحيحه وهو القياس وإلا أي وإن لم يتشقق جوزه بطل العقد لاستتار قطنه بما ليس من صلاحه بخلاف نحو الجوز كما مر قال الأذرعي هذا تتمة كلام البغوي وقال القاضي يصح ولا يدخل القطن وكل بنى على أصله فيما مر والمتولي موافق للقاضي وغيره أي غير ما ذكر وفي نسخة وغيرهما أي غير القطن وما قبله وفي أخرى وغيرها أي غير المذكورات كالقثاء ونحوه كالبطيخ لا يتبع بعضه بعضا لأنها بطون بخلاف ما مر في ثمرة النخل ونحوه فإنها تعد حملا واحدا وما ظهر من التين والعنب فهو للبائع وغيره للمشتري قاله البغوي وفيه نظر وما توقف فيه كالأصل صرح به الروياني وغيره وفرقوا بينه وبين النخل بأن ثمرة النخل ثمرة عام واحد وهي لا تحمل فيه إلا مرة والتين يحمل حملين مرة بعد أخرى فكانت الأولى للبائع والثانية للمشتري وبه ربما في نحو القثاء يفرق أيضا بين النخل وبين ما مر فيما يجز مرارا من أن الجزة الظاهرة للبائع دون ما عداها وكالتين فيما ذكر الجميز ونحوه فصل ولا يكلف البائع فيما إذا باع شجرة وبقيت له الثمرة قطع ثمرته عن المبيع من غير شرط لقطعها قبل وقت العادة عملا بها بخلاف ما بعده حتى لو كانت الثمرة من نوع يعتاد قطعه قبل النضج كلف القطع على العادة إلا إذا تعذر السقي لانقطاع الماء أو غيره وعظم الضرر للشجر ببقائها أي الثمرة أو أصابتها آفة ولم يبق في تركها فائدة فيكلف قطعها دفعا للضرر عن المشتري بخلاف ما إذا
103
103
قل الضرر ببقائها والترجيح في الثانية من زيادته ومال إليه ابن الرفعة ثم قال لكن ظاهر نص الأم يخالفه وليس له قطعها شيئا شيئا بعد وقت العادة ولا التأخير إلى نهاية النضج كما فهم بالأولى وصرح به الأصل أما إذا شرط على البائع قطعها فيلزمه إلا أن يسامح المشتري بتركها إلى بدو صلاحها فرع السقي لحاجة الثمار المذكورة على البائع لأنها ملكه ويجبر عليه أو على القطع إن تضرر والشجر ببقاء الثمار لامتصاصها رطوبته أو نقصها لحمله في المستقبل نقصا كثيرا ويمكن البائع من الدخول للبستان لسقي ثماره وتعهدها إن كان أمينا وإلا نصب الحاكم أمينا للسقي ومؤنته على البائع ويسقي بالماء المعد لسقي تلك الأشجار وإن كان للمشتري فيه حق كما نقله في المطلب عن ظاهر كلام الأصحاب ونقله القمولي عن الماوردي فلو قال أريد أن آخذ الماء الذي كنت أستحقه لسقي ثمرتي فأسقي به غيرها لم يمكن وكذا لو أخذ ثمرته قبل جذاذها لم يكن له أن يأخذ الماء الذي كان يستحقه إلى وقت الجذاذ لأنه إنما يستحق من الماء ما فيه صلاح تلك الثمرة دون غيرها ولكل منهما السقي إن نفعهما لأن منعه حينئذ سفه
وعبارة المهذب والوسيط إن لم يتضرر الآخر ويؤخذ منها عدم المنع عند انتفاء الضرر والنفع لأنه تعنت قاله السبكي وغيره وقد يتوقف فيه إذ لا غرض للبائع حينئذ فكيف يلزم المشتري تمكينه لا إن ضرهما معا فليس لأحدهما السقي إلا برضا الآخر لأنه يدخل عليه ضررا قال السبكي وقد يعترض بأنه وإن رضي الآخر ففي ذلك إفساد المال لكن المقصود أن المنع لحق الغير يرتفع بالرضا ويبقى ذلك كتصرفه في خاص ملكه انتهى ولا يخفى قوة الاعتراض ولا يكفي في رده ما ذكر من المقصود لا جرم ذكر الإسنوي الاعتراض ولم يجب عنه ولعل المصنف تبعه حيث حذف قول الأصل فليس لأحدهما السقي إلا برضا الآخر فصار المعنى فليس لأحدهما السقي مطلقا لكنه قد يخالف ما صرح به في شرح الإرشاد حيث قال ولكل منهما السقي لملكه إن لم يضر ملك الآخر وليس لأحدهما الامتناع ولو ضر أحدهما ونفع الآخر وتنازعا في السقي فسخ العقد أي فسخه الحاكم كما جزم به ابن الرفعة وصححه السبكي إن لم يسامح الآخر إذ ليس أحدهما أولى من الآخر فإن سامحه فلا فسخ لزوال النزاع قال الأذرعي ولا يأتي فيه الاعتراض بإفساد المال كما توهم بل هو إحسان ومسامحة نعم الكلام في مالكين مطلقي التصرف لا من يتصرف لغيره أي أو لنفسه لكن غير مطلق التصرف وشمل كلام المصنف ما لو ضر السقي أحدهما ومنع تركه حصول زيادة للآخر لاستلزام منع حصولها له انتفاعه بالسقي وقد ذكر الأصل فيه احتمالين للإمام اللفظ السادس الثمار وهو يتناول نواها وقمعها فبيع ما لا يغلب اختلاطه منها دون الشجر بعد بدو الصلاح وسيأتي بيانه جائز ولو من غير شرط القطع بأن يطلق أو يشرط إبقاءه أو قطعه سواء أكانت الأصول لأحدهما أم لغيره لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها رواه الشيخان فيجوز بعد بدوه وهو صادق بكل من الأحوال الثلاثة والمعنى الفارق بينهما أمن العاهة بعده غالبا وقبله تسرع إليه لضعفه فيفوت بتلفه الثمن وبه يشعر قوله صلى الله عليه وسلم أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يستحل أحدكم مال أخيه لا بيعه مع ما يحدث فغير جائز لوروده على معدوم ويستحق به أي بالبيع لما ذكر الإبقاء إلى وقت الجذاذ إن لم يشرط القطع للعرف فإن شرط القطع لزم الوفاء به إلا أن يسامح البائع بالترك إلى أوان الجذاذ فإن لم يتفق القطع حيث لا مسامحة حتى مضت مدة فإن كان البائع طالبه بالقطع فلم يقطع وجبت الأجرة وإلا فلا قاله الخوارزمي
والشجرة أمانة في يد المشتري لتعذر تسلم الثمرة بدونها بخلاف ما لو اشترى سمنا أو نحوه فقبضه في ظرف للبائع فإنه مضمون عليه لتمكنه من التسلم في غيره وأما بيعه قبل بدو الصلاح فلا يجوز لما مر إلا في منتفع به كحصرم وبلح ولوز
104
104
بشرط القطع بقيد زاده بقوله منجزا فيجوز بالإجماع المخصص للخبر السابق فدخل في المستثنى منه ما لا ينتفع به ك كمثرى وسفرجل وجوز وما ينتفع به وبيع بغير شرط القطع أو بيع بشرطه معلقا ووجه المنع في الأخيرة تضمن التعليق التبقية ولو بيع من مالك الشجرة كأن باعها بعد ظهور الثمرة لإنسان ثم باع الثمرة منه أو أوصى بالثمرة لإنسان فباعها لمالك الشجرة فإنه لا يجوز إلا بشرط القطع منجزا لعموم الخبر والمعنى لكن لا يلزم المالك الوفاء إذ لا معنى لتكليفه قطع ثمره عن شجره وقيل يجوز بيعها له بغير شرط القطع لأنهما يجتمعان في ملكه فيشبه ما لو اشتراهما معا وصححه في أصل الروضة في المساقاة والجمهور على الأول ولا يشترط القطع أي شرطه في بيع ثمرة نخلة مقطوعة لأنها لا تبقى عليها فيصير كشرط القطع ولأنها لا تنمو ولا يغني اعتياد القطع عن شرطه لعموم الخبر
وإن شرط قطع الثمر وترك عن تراض منهما فلا بأس ويكون بدو الصلاح ككبر العبد الصغير وخرج بقوله أولا ما لا يغلب اختلاطه وسيأتي حكمه ولو باع الثمر مع الشجر لم يجز بشرط وفي نسخة شرط القطع لما فيه من الحجر على المشتري في ملكه مع الاستغناء عنه بالتبعية فيجوز بغير شرط القطع لتبعيته لما تؤمن فيه العاهة فإن فصل الثمن كأن قال بعتك الشجرة بدينار والثمرة بعشرة وجب شرط القطع لانتفاء التبعية وهذا من زيادته وذكره الرافعي في باب المساقاة استشهادا وأسقطه من الروضة ولو استثنى البائع الثمرة غير المؤبرة لم يجب شرط القطع لأنه في الحقيقة استدامة لملكها فله الإبقاء إلى وقت الجذاذ ولو صرح بشرط الإبقاء جاز كما صرح به الأصل وما ذكر من عدم وجوب شرط القطع ومن جواز التصريح بشرط الإبقاء هو أحد نصين للشافعي كما أفاده البلقيني ولم يطلع بعضهم على هذا النص فزعم أن المنصوص خلافه فرع بدو الصلاح في شجرة ولو في حبة يستتبع الكل إذا اتحد البستان والعقد والجنس كما في التأبير وقد مر فيتبع ما لم يبد صلاحه ما بدا صلاحه إذا اتحد فيهما الثلاثة واكتفى ببدو صلاح بعضه لأن الله تعالى امتن علينا فجعل الثمار لا تطيب دفعة واحدة إطالة لزمن التفكه فلو اعتبرنا في البيع طيب الجميع لأدى إلى أن لا يباع شيء أو تباع الحبة بعد الحبة وفي كل منهما حرج فرع بدو الصلاح في الأشياء صيرورتها إلى الصفة التي تطلب فيها غالبا ففي الثمار ظهور أول الحلاوة ففي غير المتلون بأن يتموه ويلين وفي المتلون بانقلاب وفي نسخة باختلاف اللون كأن احمر أو اصفر أو اسود وفي نحو القثاء بأن يجنى مثله غالبا للأكل وفي الحبوب باشتدادها وفي ورق الفرصاد وهو التوت الأحمر والظاهر أن المراد به هنا الأبيض لأنه الذي يباع لتربية دود القز فلو عبر بالتوت لكان أقرب إلى المراد بتناهيه والأصل في ذلك خبر الصحيحين عن أنس رضي الله عنه نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى تزهي فقيل يا رسول الله وروي فقيل لأنس ما تزهي قال تحمر أو تصفر وكل صحيح فإن أنسا رفعه مرة وترك رفعه أخرى مستندا إلى ما سمعه فرع البطيخ والباذنجان ونحوه أي نحو كل منهما لا يصح بيعه أي كل منها قبل بدو الصلاح إلا بشرط القطع وإن بيع من مالك الأصول
105
105
لما مر فإن باعه بعد بدو الصلاح ولو لبعضه دون الشجر أي الأصول أو باع الشجر أي الأصول دونه وغلب الاختلاط أي اختلاط حادثه بالموجود لم يجز إلا بشرط القطع لأن بيعه بدون ذلك يفضي إلى تعذر إمضاء العقد إلا إن أمن الاختلاط فيجوز بيعه بغير شرط القطع كما يجوز بيع ما لا يغلب اختلاطه كذلك بأن ندر أو استوى فيه الأمران أو لم يعلم حاله ويشترط القطع أو القلع أي شرط أحدهما في بيعه أي الأصل قبل أن يثمر كالزرع الأخضر فلو باعه كذلك فاتفق بقاؤه حتى خرج الثمر فهو للمشتري كما صرح به الأصل وحذفه المصنف اكتفاء بما مر في فصل أما ثمر المبيع وفي إطلاقه الشجر على أصول البطيخ ونحوه تسمح وقال الإمام وتبعه الغزالي إن باع البطيخ ونحوه مع أصوله وجب شرط القطع لتعرضهما للعاهة بخلاف الشجر مع الثمر لا إن باعهما مع الأرض فلا يحتاج إلى شرط القطع فالأرض كالشجر وهو أي ما قاله الإمام من وجوب شرط القطع فيما إذا باع البطيخ ونحوه مع الأصول مخالف للمسألة قبلها وهي عدم وجوب شرط قطع الثمرة في بيع الأصول وحدها عند أمن الاختلاط قال في الأصل ومقتضاه عدم وجوب شرط القطع فيما قاله الإمام قال ابن الرفعة وغيره وعليه جرى سليم وغيره من العراقيين وهو المنقول والإمام لم يبد الأول إلا تفقها لا نقلا كما يقتضيه سياق لفظه فرع لا يصح بيع نصف الثمر على الشجر مشاعا قبل بدو الصلاح ولو بيع من مالك الشجر أو بشرط القطع إن قلنا القسمة بيع وهو ما جزم به في الربا تبعا لتصحيح أصله لأن شرط القطع لازم له ولا يمكن قطع النصف إلا بقطع الكل فيتضرر البائع بقطع غير المبيع فأشبه ما إذا باع نصفا معينا من سيف أما إذا قلنا القسمة إفراز فالبيع صحيح لإمكان قطع النصف بعد القسمة وخرج بقبل بدو الصلاح البيع بعده فيصح إن لم يشرط القطع فإن شرطه ففيه ما تقرر ويصح بيعه أي نصف الثمر مع الشجر كله أو بعضه ويكون الثمر تابعا وقضيته أنه لا فرق بين شرط قطعه وعدمه لا يقال قياس ما مر فيما لو باع جميع الثمر مع الشجر أنه لا يجوز شرط القطع لأنا نقول لا قسمة ثم لأن الثمر كله للمشتري بخلافه هنا والتصريح بالترجيح فيما ذكره بقوله ولو من مالك الشجر من زيادته وفهم البلقيني من كلام الأصل فيه ما يخالف ذلك فاحذره وليس لأحد الشريكين أن يشتري نصيب شريكه من الثمر قبل بدو صلاحه بنصيبه من الشجر إلا بشرط القطع كغير الشريك وتصير كل الثمرة له وكل الشجر للآخر فيتعين على المشتري قطع جميع الثمرة لأنه بذلك التزم قطع ما اشتراه وتفريغ الشجر لصاحبه فإن اشتراها أي الثمرة أي نصيب شريكه منها بغير نصيبه من الشجر لم يصح وإن شرط القطع لتكليف المشتري قطع ملكه عن ملكه المستقر له قبل البيع ومثله ما صرح به البغوي في زرع وأرض مشتركين باع أحدهما نصيبه من الزرع للآخر والتصريح بقبل بدو الصلاح وبغير نصيبه من زيادته قال في الأصل ولو كان الشجر لأحدهما والثمر بينهما فاشترى مالك الشجر نصيب صاحبه من الثمر بنصف الشجر بشرط القطع جاز أي لانتفاء العلة السابقة ولم يصرح به المصنف اكتفاء بفهمه من قوله وليس لأحد الشريكين إلى آخره فرع لا يصح بيع زرع لم يشتد حبه و بيع بقول وإن كانت تجز مرارا إلا بشرط القطع أو القلع كالثمر قبل بدو صلاحه أو مع الأرض كالثمر مع
106
106
الشجر فإن اشتد حب الزرع لم يشترط القطع ولا القلع كالثمر بعد بدو صلاحه قال الزركشي وقياس ما مر من الاكتفاء في التأبير بطلع واحد وفي بدو الصلاح بحبة واحدة الاكتفاء هنا باشتداد سنبلة واحدة وكل ذلك مشكل انتهى فرع يشترط لبيع الزرع بعد اشتداد حبه وبيع الثمر بعد بدو صلاحه ظهور المقصود ليكون مرئيا كتين وعنب وشعير فلا يصح بيع الحنطة والسمسم ونحوه أي كل منهما كالعدس في سنبله دونه الأولى في سنبلها ليناسب قوله ولا بيعها معها الأولى معه ليناسب دونه وذلك لاستتارها شبما ليس من صلاحها وأما خبر نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع السنبل حتى يبيض أي يشتد فيجوز بعد اشتداد فأجيب عنه بحمله على سنبل الشعير ونحوه جمعا بين الدليلين ولا يصح بيع الجزر والفجل ونحوه كالثوم والبصل في الأرض لاستتار مقصودها وعد الأصل معها السلق محمول على أحد نوعيه وهو ما يكون مقصوده مغيبا في الأرض أما ما يظهر مقصوده على وجهها وهو المعروف بأكثر بلاد مصر والشام فيجوز بيعه كالبقل ويجوز بيع ورقه الأولى ورقها أي الظاهر بشرط القطع كالبقول ويصح بيع العنب والتين ونحوهما في الشجر والشعير والسلت وكذا الذرة في السنبل لعدم استتارها والتصريح بالذرة من زيادته وكذا المستور بما لا يزال إلا عند الأكل كالرمان والعدس وكذا طلع النخل مع قشره والأرز في سنبله
لاستتارها بما هو من صلاحها ولا يخالف ما ذكر في العدس والأرز عدم صحة السلم فيهما كما سيأتي في بابه وإن أفتى النووي بصحته في الأرز لأن البيع يعتمد المشاهدة بخلاف السلم فإنه يعتمد الصفات وهي لا تفيد الغرض في ذلك لاختلاف القشر خفة ورزانة ولأن السلم عقد غرر فلا يضم إليه غررا آخر بلا حاجة بخلاف البيع ولذلك جوز بيع المعجونات دون السلم فيها وما يزال أحد كماميه أي قشريه ويبقى في الآخر للادخار كالجوز واللوز والباقلا أي الفول كما مر فلا يصح بيعه في قشره الأعلى لأعلى الشجر ولأعلى الأرض ولو رطبا لاستتاره بما ليس من صلاحه بخلافه في الأسفل نعم يصح بيع قصب السكر في قشره الأعلى كما في الاستقصاء ونقله في المطلب عن الماوردي ووجه بأن قشره الأسفل كباطنه لأنه قد يمص معه فصار كأنه في قشر واحد كالرمان وما قيل من أن الشافعي أمر الربيع ببغداد أن يشتري له الباقلاء الرطب رد بأن هذا نصه في القديم لكونه كان ببغداد ونص في الجديد على خلافه وبأن في صحة ذلك توقفا لأن الربيع إنما صحب الشافعي بمصر لا ببغداد لكن قال بالصحة كثيرون والكتان إذا بدا صلاحه قال ابن الرفعة يظهر جواز بيعه لأن ما يغزل منه ظاهر والساس في باطنه كالنوى في التمر لكن هذا لا يتميز في رأي العين بخلاف التمر والنوى وفي تعبير المصنف كأصله بالكمام تسمح فإنه كالأكمة والأكمام الأكاميم جمع كمامة وكم بكسر الكاف والمراد المفرد فلو قال أحد كمامتيه أو كميه كان أولى وقوله من زيادته للادخار لا حاجة إليه ومع الأرض من زيادته أي ولا يصح بيع ما ذكر أيضا مع الأرض لما مر
كما لا يصح بيع البذر أو الزرع الذي لا يفرد بالبيع ولا يدخل عند الإطلاق مع الأرض كالحنطة في سنبلها ولا يصح في الأرض أيضا للجهل بأحد المقصودين وتعذر التوزيع أما إذا كان يفرد بالبيع بأن رئي قبل البيع ولم يتغير وقدر على أخذه فيصح البيع فيهما وكذا إن كان يدخل عند الإطلاق ويكون ذكره تأكيدا قاله المتولي قال السبكي ولك أن تقول ينبغي أن يكون كبيع الجارية وحملها إلا أن يكون رآه قبل ذلك فيصح فإن أكل ماله قشران بقشره الأعلى قبل انعقاد الأسفل كاللوز صح بيعه حينئذ فإنه مأكول كله كالتفاح فصل لو باع الحنطة في سنبلها بكيل معلوم من الحنطة الخالصة لم يصح ويسمى بيع المحاقلة من الحقل جمع حقلة وهي الساحة الطيبة التي لا بناء فيها ولا شجر روى الشيخان عن جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة وفسر بما ذكر والمعنى فيه عدم العلم بالمماثلة وأن المقصود من المبيع مستور بما ليس من صلاحه فلو باع شعيرا في سنبله بحنطة خالصة وتقابضا في المجلس جاز لأن
107
107
المبيع مرئي والمماثلة ليست بشرط لاختلاف الجنس أو باع زرعا قبل ظهور الحب بحب جاز لأن الحشيش غير ربوي ويؤخذ منه أنه إذا كان ربويا كأن اعتيد أكله كالحلبة يمتنع بيعه بحبه وبه جزم الزركشي فصل يصح بيع العرايا في الرطب والعنب على الشجر خرصا ولو بخرص أحد العاقدين كما قاله السبكي بقدره من اليابس في الأرض كيلا هذا مستثنى من بيع المزابنة المنهي عنه في خبر الصحيحين وفسر ببيع الرطب على الشجر بالتمر وفيهما عن سهل بن أبي حثمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمر بالتمر ورخص في العرايا أن تباع بخرصها يأكلها أهلها رطبا وقيس العنب بالرطب بجامع أن كلا منهما زكوي يمكن خرصه ويدخر يابسه وكالرطب البسر بعد بدو صلاحه لأن الحاجة إليه كهي إلى الرطب ذكره الماوردي والروياني وبتقييدهما له ببدو صلاحه علم غلط من نقل ذلك بلا تقييد وألحق به الحصرم وقوله في الأرض تبعا لبعضهم من زيادته وليس بمعتبر وإن اعتبره في الإرشاد وشرحه فرتب عليه مقتضاه لا بيع ذلك بقدره من الرطب لانتفاء حاجة الرخصة إليه ولا بيعه على الأرض بقدره من اليابس لأن من جملة معاني بيع العرايا أكله طريا على التدريج وهو منتف في ذلك وأفهم قوله كيلا أنه يمتنع بيعه بقدره يابسا خرصا وهو كذلك لئلا يعظم الغرر في البيع وإنما يصح بيع العرايا فيما دون خمسة أوسق بتقدير الجفاف بمثله
روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة أوسق شك داود بن الحصين أحد رواته فأخذ الشافعي بالأقل لا إذا بلغها بتقدير جفافه في صفقة وفي نسخة بلغتها أي بلغت العرايا الخمسة فلا يصح البيع في الجميع ولا يخرج على تفريق الصفقة لأنه صار بالزيادة مزابنة فبطل في الجميع وإنما يصح فيما دونها بشرط التقابض قبل التفرق فيسلم المشتري التمر اليابس بالكيل ويخلي بينه وبين النخل كما علم ذلك من باب الربا وإن عقدا والتمر غائب فأحضر أو حضراه وقبض قبل التفرق جاز كما لو تبايعا برا ببر غائبين وتقابضا قبل التفرق وذكر الأصل مع ذلك ما لو غابا عن النخل وحضرا عنده فحذفه المصنف لأن القبض بالتخلية لا يفتقر إلى الحضور كما مر فإن جفف الرطب وبأن تفاوت لا يقع مثله في الكيل بطل البيع وإن لم يبن تفاوت كذلك بأن كان قدرا يقع مثله في الكيل أو تلف بأكل أو غيره لم يبطل ولا يصح بيع العرايا في سائر الثمار أي باقيها كجوز ولوز لأنها متفرق مستور بالأوراق فلا يمكن خرصها وله بيع الكثير أي خمسة أوسق فأكثر في صفقات كل صفقة دون خمسة وتتعدد الصفقة بتعدد المشتري
وكذا بتعدد البائع على الأصح كما تتعدد بتعدد العقد وإنما نظروا هنا إلى جانب المشتري أكثر حيث قطعوا فيه بالتعدد دون جانب البائع عكس ما قالوه في الرد بالعيب لأن الرطب هو المقصود والتمر تابع ولو باع رجلان لرجلين صفقة جاز فيما دون عشرين لا فيما فوقه وعبر الأصل بدون عشرة وهو كما قال الزركشي وغيره سبق قلم لأن الصفقة هنا في حكم أربعة عقود كما مر ولا يختص بيع العرايا بالفقراء بل يجري في الأغنياء لإطلاق الأخبار فيه وما رواه الشافعي عن زيد بن ثابت أن رجالا محتاجين من الأنصار شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطبا يأكلونه مع الناس وعندهم فضل قوتهم من التمر فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر أجيب عنه بأنه ضعيف وبتقدير صحته فهذا حكمة المشروعية ثم قد يعم الحكم كما في الرمل والاضطباع على أنه ليس فيه أكثر من أن قوما بصفة سألوا فرخص لهم واحتمل أن يكون سبب الرخصة فقرهم أو سؤالهم والرخصة عامة فلما أطلقت في أخبار أخر تبين أن سببها السؤال كما لو سأل غيرهم وأن ما بهم من الفقر غير معتبر إذ ليس في لفظ الشارع ما يدل لاعتباره والعرايا جمع عرية وهي لغة النخلة ووزنها فعيلة قال الجمهور بمعنى فاعلة لأنها عريت بإعراء مالكها أي إفراده لها من باقي النخيل فهي عارية وقال آخرون بمعنى مفعولة عن عراء يعروه إذا أتاه لأن مالكها يعروها أي يأتيها فهي معروة وأصلها عريوة قلبت الواو ياء وأدغمت فتسمية العقد بذلك على القولين مجاز عن أصل ما عقد عليه
108
108
فصل على من باع ثمر شجر
يعتاد سقيه بعد بدو الصلاح بغير شرط قطع السقي إلى أوان الجذاذ بقدر ما ينمو به ويسلم من الفساد لأن السقي من تتمة التسليم الواجب كالكيل في المكيل والوزن في الموزون وتعبير أصله بقدر ما ينمو به ويسلم من الفساد أضبط من تعبيره هو بإلى الجذاذ فإن شرط على المشتري بطل العقد لأنه خلاف قضيته أما إذا باعه قبل بدو الصلاح فلا سقي على البائع لانقطاع العلقة بينهما باشتراط القطع قاله الرافعي وقضيته كما قال الزركشي أنه لا سقي عليه أيضا فيما لو باعه من مالك الشجر وهو ظاهر وفي كلام الروضة ما يدل له ويتسلط المشتري على التصرف في الثمرة بتخلية البائع بينه وبينها لحصول القبض بها وتقدم في القبض عن الأصل ما يؤخذ منه أنه لو باع الثمرة بعد أوان الجذاذ لم يحصل قبضها إلا بالنقل فلا يتسلط المشتري عليها قبله ولو بعد التخلية وإذا الأولى قول الأصل فإن تلفت كلها بجائحة كحر وبرد وحريق قبل التخلية فهي من ضمان البائع فينفسخ البيع أو بعضها انفسخ فيه وخير المشتري في الباقي كما مر في تفريق الصفقة
وصرح به الأصل هنا أيضا أو تلفت بذلك بعدها فهي من ضمان المشتري وإن لم يشرط قطعه لقبضه بالتخلية والأمر في خبر مسلم بوضع الجوائح محمول على الندب أو على ما قبل التخلية جمعا بين الأدلة وإن وفي نسخة فإن تلفت من العطش انفسخ العقد لاستناد التلف إلى ترك السقي المستحق كما في قتل العبد بردة سابقة وإن تعيبت به أي بالعطش فللمشتري الخيار وإن قلنا الجائحة من ضمانه لاستناد التعيب إلى ترك السقي المستحق فالتعيب بتركه كالعيب قبل القبض نعم إن تعذر السقي بأن غارت العين وانقطع النهر فلا خيار له كما صرح به أبو علي الطبري قال الزركشي وهو القياس وقضية كلام الشافعي في الأم والجويني في السلسلة لأنه حينئذ لا يكلف تحصيل ماء آخر فإن وفي نسخة وإن آل التعيب إلى التلف وهو أي والمشتري عالم به ولم يفسخ فهل يغرم له البائع البدل لعدوانه أم لا لتقصير المشتري بترك الفسخ مع القدرة وجهان لا ترجيح فيهما والأوجه الثاني لأن سبب الضمان هنا إما اليد وقد زالت أو الجناية وترك السقي ليس بجناية مضمنة كما لو أخذ ماء غيره بمفازة فمات عطشا لم يضمنه فإن فرق بأن السقي ملتزم بحكم المعاوضة وتركه يؤدي إلى تلف الثمرة غالبا بدليل ضمانها فيما مر ضمان عقد قلنا عارضة تقصير المشتري ما ذكر فإن كان جاهلا انفسخ العقد وإن قبض جزافا ما اشتراه مكايلة فتلف في يده ففي انفساخ العقد وجهان أحدهما نعم لبقاء علقة الكيل بينهما فلم يحصل القبض المفيد للتصرف والثاني لا لوجود القبض المفسد لنقل الضمان وتقدم في الكلام على القبض أن المتولي صحح الثاني وأن مقتضى كلام غيره وهو الأوجه تصحيح الأول فرع لو باع الثمرة مع الشجر فتلفت الثمرة قبل التخلية انفسخ العقد فيها لا في الشجر تفريقا للصفقة فرع لو اشترى ثمرة يغلب فيها الاختلاط أي اختلاط حادثها بالوجود الناشئ ذلك من غلبة تلاحقها كتين وقثاء وخيف الاختلاط لم يصح العقد وإن بدا صلاحها لتعذر التسليم إلا بشرط القطع أي قطع الثمرة عند خوف الاختلاط فيصح حينئذ فإن لم يخف بأن أمكن التمييز بين اللاحق والسابق صح البيع فيما بدا صلاحه بغير شرط القطع فإن شرطه أي قطعها فلم تقطع أو كانت مما يندر اختلاطها أو مما يتساوى فيها الأمران أو لم يعلم حالها واختلطت في الأربع بالحادثة ولو بعد الأولى قبل التخلية ينفسخ العقد لبقاء عين المبيع وإمكان التسليم
109
109
بما يأتي بل يثبت له أي للمشتري الخيار إن وقع الاختلاط قبل التخلية لأنه أعظم من الإباق هذا إن لم يسمح له البائع بالحادثة فإن سمح له بها هبة أو إعراضا فلا خيار له لزوال المحذور قال في شرح الإرشاد ويملكها بالإعراض عن السنابل وإنما لم يملك النعل بالإعراض عنها لأن عودها إلى البائع متوقع ولا سبيل هنا إلى تميز حق البائع وقضية قول الأصل يثبت له الخيار
ثم إن سمح له البائع سقط خياره جواز مبادرة المشتري للفسخ إلا أن يبادر البائع ويسمح ويسقط خياره لكن قضية كلام التنبيه أنه ليس له المبادرة لذلك بعد مشاورة البائع وهو ما حكاه في المطلب عن نص الشافعي والأصحاب ورجحه السبكي وتعبير المصنف بما قاله يحتمل الأول ويحتمل الثاني بمعنى أنه يثبت له الخيار إن سأل البائع ليسمح له فلم يسمح قال في المهمات ومعنى ثبوت الخيار له أنه يرفع الأمر إلى الحاكم ويكون الحاكم هو الذي يفسخ كما صرح به جماعة منهم القاضي أبو الطيب والماوردي ونقله ابن الرفعة عنهما وهو متجه لأنه لقطع النزاع لا للعيب وكلام الرافعي يوهم خلافه ويؤخذ من كونه لقطع النزاع أنه ليس فوريا كالفسخ بعد التحالف انتهى ورد بأن ما نقله مفرع على أن الحاكم في باب التحالف هو الذي يفسخ أما على المذهب فلا يفسخ إلا المشتري كما قاله الرافعي وقضية هذا أن لا ينحصر الفسخ ههنا في المشتري كنظيره ثم ومال إليه الزركشي وتقدم له نظيره فيما لو اشترى حلي ذهب بوزنه ذهبا فبان معيبا والأوجه ما قاله الرافعي ولا نسلم أن ما ذكر ليس عيبا بل هو عيب لصدق تعريفه عليه ولا دخل للحاكم في الرد به بخلافه في باب التحالف الذي لا يكون إلا عنده وعلى هذا فالخيار على الفور أما إذا وقع الاختلاط بعد التخلية فلا خيار للمشتري
وهو وارد على المصنف دون أصله فإن تراضيا بعد الاختلاط ولو قبل التخلية لا كما قيده الأصل بما بعدها على قدر من الثمر فذاك وإلا فالقول قول صاحب اليد بيمينه في قدر حق الآخر وهل اليد بعد التخلية للبائع أو للمشتري أو كليهما فيه أوجه ثلاثة وقضية كلام الرافعي ترجيح الثاني لبنائه له مع الأول على أن الجوائح من ضمان البائع أو المشتري وعلى الثالث يقسم المتنازع فيه بينهما ولكل منهما تحليف صاحبه كما يعرف من باب الدعاوى ويجري هذا الحكم في بيع الحنطة ونحوها من المثليات ومتماثل الأجزاء حيث يختلط بحنطة البائع فلا انفساخ وللمشتري الخيار إن لم يسمح له البائع ووقع الاختلاط قبل القبض وإلا فلا خيار له ويأتي فيه ما مر لكن اليد بعده أي بعد القبض للمشتري لوجود القبض الحقيقي لغة وشرعا وقيل للبائع اعتبارا بكون يده كانت ثابتة قبل إلا وفي نسخة لا إن أودعها أي المشتري الحنطة البائع بعد القبض ثم اختلطت فاليد له أي للبائع فالقول قوله بيمينه ولو اختلط نحو الثياب من المتقومات بمثلها بعد العقد انفسخ لأن ذلك يورث الاشتباه وهو مانع من صحة العقد لو فرض ابتداء وفي نحو الحنطة غاية ما يلزم الإشاعة وهي غير مانعة ولو اشترى جرة من الرطبة بشرط القطع فطالت وتعذر التمييز فكاختلاط الثمر فيما ذكر فرع فإن وفي نسخة وإن اشترى الشجرة وعليها ثمرة للبائع يغلب تلاحقها لم يصح إلا بشرط قطع البائع ثمرته عند خوف الاختلاط فإن شرط فلم يقطع أو كانت مما يندر تلاحقها وجرى الاختلاط كما سبق في ثمار المشتري لم ينفسخ بل من سمح بحقه لصاحبه أجبر صاحبه على القبول وإن تشاحا فسخ العقد باب معاملات العبيد والإماء قال ابن حزم لفظ العبد يتناول الأمة قال الإمام وتصرفات الرقيق ثلاثة أقسام ما لا ينفذ وإن أذن فيه السيد كالولايات والشهادات وما ينفذ بغير إذنه كالعبادات والطلاق والخلع وما يتوقف على إذنه كالبيع والإجارة كما قال ليس للعبد الذي يصح تصرفه لنفسه لو كان حرا أن يتجر أو يتصرف ببيع أو إيجار أو نحوه لأنه محجور عليه لنقص كالسفيه ولأنه لا يمكن ثبوت الملك له لأنه ليس أهلا للملك ولا لمولاه بعوض
110
110
في ذمته لأنه لم يرض به ولا في ذمة العبد لما فيه من حصول أحد العوضين لغير من يلزمه الآخر إلا بإذن المولى فله ذلك لصحة عبارته وارتفاع المانع من تصرفه بالإذن لا بسكوته على ذلك كما في نكاحه قال الزركشي وغيره قد يستثنى من ذلك ما لو باع المأذون مع ماله فإنه لا يشترط تجديد إذن من المشتري على الأظهر في النهاية كما قاله ابن الرفعة قال الأذرعي والظاهر للولي أن يأذن لعبد محجوره في التجارة إذا كان ثقة مأمونا فإن أذن له في التجارة دخل فيه لوازمها كالمخاصمة في العهدة والنشر والطي للثياب وحمل المتاع إلى الحانوت والرد بالعيب ويؤجر مال التجارة كعبيدها وثيابها ودوابها لعادة التجار في ذلك ولأن المنفعة من فوائد الملك فيملك العقد عليها كالصوف واللبن لا نفسه لأن الإذن لا يتناول إجبارها كما لا يتناول بيعها ولا يتزوج لذلك وفي تناوله الافتراض تردد للقاضي ولا يوكل أجنبيا كالوكيل لا يوكل بخلاف المكاتب لأنه يتصرف لنفسه فإن وفي نسخة وإن أذن له أن يتجر في نوع أو زمن أو بلد لم يجاوزه كالوكيل فإن لم ينص له على شيء تصرف في كل الأنواع والأزمنة والبلدان فإن قال له اتجر في هذا الألف لم يشتر في ذمته بأكثر منه أو قال اجعله رأس مال تجارة أو رأس مالك واتجر اشترى في ذمته ما يعني بما شاء ولو بأكثر منه وعلى التقديرين له أن يشتري بعين الألف وفي الذمة ولو أذن المأذون لعبده الذي اشتراه للتجارة في تصرف معين كشراء ثوب جاز لأنه يصدر عن رأيه ولأنه لا غنى به عن ذلك وفي منعه منه تضييق عليه وهذا ما صححه الإمام وجزم به الغزالي ومقتضى كلام البغوي منعه لأن السيد لم يرض بتصرف غيره وقضية كلام الأصل ترجيح الأول فلهذا رجحه المصنف تبعا لصاحب الحاوي الصغير وغيره وإضافة عبد التجارة إلى المأذون لتصرفه فيه لا في التجارة فلا يجوز إلا بإذن السيد وينعزل الثاني بعزل السيد له وإن لم ينتزعه من يد الأول كما صرح به الأصل وهو واضح ولا يتبرع هو أعم من قول أصله ولا يتصدق ولا يتخذ دعوة بتثليث الدال كما قاله ابن مالك وفتحها أشهر وهي الطعام المدعو إليه ولا ينفق على نفسه من مال التجارة لأنه ملك السيد فلا يفعل شيئا من ذلك وإن جرت به العادة فعليه القياس أنه يراجع الحاكم في غيبة سيده في الأخيرة لكن قيدها ابن الرفعة بحالة اجتماع سيده معه أما في غيبته عنه فله الإنفاق على نفسه من ذلك قال لاطراد العادة به ولا يعامل سيده ولا مأذونا له آخر ببيع أو غيره من العقود لأن تصرفه لسيده ويد رقيق السيد كيد السيد بخلاف المكاتب لما مر فيه ولا يتجر في أكسابه
111
111
بنحو احتطاب واصطياد وقبول هبة ووصية لأنه لم يحصل بالتجارة ولا سلمه له السيد ليكون رأس مال وقيل يتجر فيها لأنها من الأكساب والترجيح من زيادته تبعا للحاوي الصغير وغيره ولا ينعزل بالإباق لأنه معصية فلا يوجب الحجر فله التصرف حتى بمحل الإباق إلا إذا خص الإذن بغيره ولو أذن لأمته في التجارة فاستولدها لم تنعزل لبقائها على ملكه واستحقاقه منافعها وإقراره بدين التجارة مقبول كما سيأتي في باب الإقرار حتى يقبل إقراره لبعضه من والد ولد كإقرار المريض لهما ولا يبيع بنسيئة و لا غبن أي بدون ثمن المثل ولا يسافر بمال التجارة إلا بإذن السيد كالوكيل في الثلاثة أما شراؤه بالنسيئة فجائز صرح به المتولي وغيره ويؤخذ من كلام الجرجاني أنه يجوز له أن يبيع بالعرض كعامل القراض حيث قال ويفارق المأذون العامل في ثلاثة أشياء أحدها أن الخسران على المأذون يكون في ذمته يتبع به إذا عتق وفي القراض على رب المال والثاني الرجوع بالعهد على المأذون وفي القراض على رب المال والثالث أن المأذون إذا اشترى من يعتق على سيده بغير إذنه صح الشراء على أحد القولين والعامل إذا اشتراه بغير إذن لم يصح قولا واحدا قال السبكي وقوله الخسران يتبع به إذا عتق فيه نظر لأن السيد والعبد لا يثبت لأحدهما على الآخر شيء ولا يعزل نفسه لأن التصرف حق عليه لسيده فلا يقدر على إبطاله بخلاف النكاح إذ الحق فيه له وبخلاف الوكيل إذ ليس عليه طاعة موكله والرقيق عليه طاعة سيده ومن له سيدان اشترط إذنهما كما في النكاح فيكون مأذونا لكل منهما ووكيلا له بإذن الآخر وهذا إذا لم تكن بينهما مهايأة فإن كانت فأذن له أحدهما في نوبته قال القاضي في فتاويه يحتمل أن يبني على أن الأكساب النادرة هل تدخل في المهايأة وفيه وجهان انتهى وأصحهما نعم فيكفي إذنه في أن يتجر قدر نوبته فرع إذا لم نعرف رق رجل فلنا معاملته إذ الأصل والغالب في الناس الحرية لا إن علمناه أي رقه ونعامله حفظا لمالنا حتى نعلم الإذن له بالبينة أو سماع السيد أي أو بسماعنا منه الإذن له وكذا بالإشاعة له بين الناس لا بقوله أي الرقيق وإن ظننا صدقه لأنه يثبت لنفسه ولاية وكما لو زعم الراهن إذن المرتهن في بيع المرهون وفرقوا بينه وبين الوكيل بأن الوكيل لا يحتاج إلى دعوى الوكالة بل تجوز معاملته بناء على ظاهر الحال لأنه صاحب يد بخلاف الرقيق وقضية ما ذكر أنه لا يكفي خبر عدل واحد قال السبكي وينبغي أن يكفي لحصول الظن به وإن لم يكف عند الحاكم إلحاقا له بالشفعة وكما أن سماعه من السيد والشيوع وقول الوكيل كذلك وقضية كلامه الاكتفاء بالنساء وبالمرأة وبالعبد ولكن قضية كلام المطلب خلافه ولم أره لغيره بل استبعده الأذرعي وقال ينبغي الاكتفاء بخبر العدل الواحد بل خبر من يثق به من عبد وامرأة بل يظهر أنه أولى من شيوع لا يعرف أصله وذكر نحوه الزركشي ثم قال وهل المراد بالبينة ما تقام بين يدي الحاكم أو إخبار عدلين له الظاهر الثاني
فإذا عامل رقيقا وجهل الإذن له أو من أنكر هو وكالته فبان مأذونا له في الأولى أو وكيلا في الثانية صح كمن باع مال أبيه ظانا حياته فبان ميتا ومثله ما لو عامل من عرف سفهه ثم تبين أنه كان قد انفك حجره ولا تصح معاملته أي المأذون له ولا معاملة الوكيل إن قال حجر علي أي حجر علي سيدي أو موكلي ولو كذبه السيد والموكل في ذلك بأن قال لم أحجر عليه لأن العقد باطل بزعم العاقد فلا يعامل بقول غيره وتكذيب السيد أو الموكل له لا يستلزم الإذن له كما لو قال ابتداء لا أمنعك من التصرف لا يستلزم ذلك لأن عدم المنع أعم من الإذن نعم لو قال كنت أذنت له وأنا باق
112
112
جازت معاملته وإن أنكر ذكر ذلك الزركشي في مسألة العبد ويؤخذ منه أن يحل منع معاملته فيما إذا كذبه السيد أن يكون المعامل له سمع الإذن من غير السيد وإلا جازت معاملته وهو ظاهر بل ينبغي أن يقال حيث ظن كذب العبد جازت معاملته ثم إن تبين خلافه بطلت وإلا فلا وذكر مسألة الوكيل من زيادة المصنف ولمن علمه مأذونا وعامله أن لا يسلم إليه العوض حتى يثبت أي يقيم بينة بالإذن خوفا من خطر إنكار السيد كما لو صدق مدعي الوكالة بقبض الحق له أن يمتنع من التسليم حتى يشهد بها قال الزركشي ينبغي تصويرها بما إذا علم الإذن بغير البينة فإن علمه بها فليس له الامتناع لزوال المحذور والأصل دوام الإذن فصل لو خرج ما باعه المأذون مستحقا وقد تلف العوض في يده بل أو في غيرها طولب ببدله وإن عتق لأنه المباشر للعقد ولتوجه المطالبة عليه قبل عتقه ويطالب به السيد أيضا وإن كان في يد العبد وفاء لأن العقد له ولا ينافيه ما سيأتي من أنه لا يتعلق بذمته إذ لا يلزم من المطالبة بشيء ثبوته في الذمة بدليل مطالبة القريب بنفقة قريبه والموسر بنفقة المضطر واللقيط إذا لم يكن له مال والمراد أنه يطالب ليؤدي مما في يد العبد لا من غيره ولو مما كسبه العبد بعد الحجر عليه وصار كالوارث في التركة يطالب بالوفاء بقدرها فقط ذكره البلقيني وغيره وفائدة مطالبة السيد بذلك إذا لم يكن في يد العبد مال احتمال أنه يؤديه لأن له به علقة في الجملة وإن لم تلزم ذمته فإن أداه برئت ذمة العبد وإلا فلا ويطالب كل منهما أيضا بثمن المبيع كما صرح به الأصل مع إلحاق الوكيل والموكل بهما ومسألة الإلحاق ذكرها المصنف في كتاب الوكالة ومحل ذلك في البيع الصحيح لأن الإذن لا يتناول الفاسد فالمأذون في الفاسد كغير المأذون فيتعلق الثمن بذمته لا بكسبه صرح به البغوي ومثله فيما ذكر الموكل ورب مال القراض فيطالبان بذلك كما يطالب به الوكيل والعامل ولو بعد عزلهما سواء أدفع رب المال إليهما الثمن أم لا ولو غرم العبد ذلك بعد العتق لم يرجع على السيد لأن ما غرمه مستحق بالتصرف السابق على عتقه وتقدم السبب كتقدم المسبب فالمغرم بعد العتق كالمغرم قبله وهذا كما لو أعتق السيد عبده الذي آجره في أثناء مدة الإجارة لا يرجع عليه بأجرة مثله للمدة التي بعد العتق فصل لو أعطاه سيده ألفا مثلا للتجارة فيه فاشترى شيئا في ذمته لا بعينه ثم تلف الألف قبل تسليمه للبائع لم ينفسخ عقده بل للبائع الخيار إن لم يوفه السيد وقيل ينفسخ لفوات محل الإذن وإنما لم يطالب السيد على الأول ببدل الألف كما هو وجه كسائر ديون المعاملات لانقطاع العلقة هنا بتلف ما دفعه من غير أن يخلفه شيء من كسب المأذون ويفارق نظيره في عامل القراض والوكيل حيث صحح النووي في تصحيحه وقوع العقد للأول ونقل المتولي وقوعه للثاني في وجه يظهر ترجيحه بأن العبد ليس أهلا للملك ويده كيد سيده بخلاف العامل والوكيل ولم يرجح الأصل في مسألتيهما شيئا بل ولم يحك ما صححه هنا من التخيير في مسألة القراض وجها وإن اشترى بعينه انفسخ العقد كما لو تلف المبيع قبل القبض وقول الروضة عن التهذيب ولو اشترى المأذون شيئا بعرض فتلف الشيء ثم خرج العرض مستحقا فالقيمة في كسبه أم على السيد وجهان حذفه المصنف ليفيد الترجيح فإنه كنظائره فيطالب كل منهما والحق متعلق بما في يد العبد فصل تتعلق ديون التجارة المأذون فيها للرقيق بما في يده من مال التجارة الحاصلة قبل الحجر عليه أصلا وربحا لأنها لزمت بمعاوضة بالإذن كالنفقة في النكاح وكذا بأكسابه الغالبة والنادرة قبل الحجر عليه كاحتطاب واصطياد وقبول هبة ووصية كما يتعلق بها المهر ومؤن النكاح ولا تتعلق برقبته للزومها برضا مستحقها كاقتراضه بغير إذن سيده وأرش جنايته أي ولا بأرس الجناية على المأذون لأنه بدل رقبته ولا مهرها
113
113
أي المأذونة إن كانت أمة لأنه بدل بضعها وهو لا يتعلق به الديون فكذا بدله ولا تتعلق أيضا بسائر أموال السيد كأولاد المأذونة ولا بذمة السيد وإن أعتقه أو باعه لأنه المباشر والتصريح بقوله وإن أعتقه من زيادته ولا بكسبه أي المأذون بعد الحجر عليه لأنه ليس مال التجارة ولا كسب المأذون قبل الحجر فإن تصرف السيد في المال الذي بيد المأذون ببيع أو غيره وعليه دين بغير إذن العبد المأذون أو الغرماء لم يصح تصرفه لأن الدين متعلق بذمة العبد للغرماء ولم يرض الجميع وغرمه يعني غرم بدل المال إن لم يزد على قدر الدين وإلا غرم بقدره أو تصرف فيه بإذنهم أي العبد والغرماء جميعا صح لارتفاع المانع وتعلقوا أي الغرماء بذمة العبد فيطالبونه بعد عتقه لتوجه مطالبته قبله ولأن معامله لما رضي بمعاملته معه فكأنه رضي بكون الدين في ذمته إلى عتقه إذا لم يكن كسب ولا مال تجارة كما يتعلق بذمته ما يفضل عليه من ديونها فيطالب به بعد عتقه وإن لم يكن في يده مال وقتله السيد فلا شيء لهم بقتله وإن فوت الذمة كما لو قتل حرا وعليه دين لا يلزمه أداؤه وللسيد بيع ما في يده أي المأذون حيث لا دين عليه ولم يقدم عليه حجرا وكالبيع سائر التصرفات فرع لا يشتري المأذون من يعتق على سيده بغير إذنه فلو خالف لم يصح لتضرر سيده بعتقه المتضمن فوات الثمن بلا مقابل فإن أذن له صح الشراء وهل يعتق عليه أو لا ينظر إن كان العبد مديونا قال في الأصل فيه قولان أحدهما لا يعتق والثاني يعتق ويغرم قيمته للغرماء وقال المصنف من زيادته تبعا لصاحب المهمات فيه التفصيل في إعتاق الراهن للمرهون بين الموسر والمعسر قال في المهمات وهو ما أشار إليه الرافعي في باب القراض ونقله في المطلب عن الأصحاب فهو الصحيح ولا يتجه غيره وإن لم يكن مديونا عتق ولو باعه أي باع السيد المأذون أو أعتقه صار محجورا عليه لأن إذنه له استخدام وقد خرج عن أهليته لا توكيل وفي معنى ذلك كل ما يزيل الملك كهبة ووقف وفي كتابته وجهان جزم في الأنوار بأنها حجر والأوجه أن إجارته كذلك وتحل ديونه المؤجلة عليه بموته كما تحل الديون التي على الحر بموته فتؤدى من الأموال التي كانت في يده فرع لو أذن له أن يتجر ولم يعطه مالا ولم يعين له نوعا يتجر فيه جاز فيشتري في ذمته ويبيع كالوكيل وقيل لا يجوز والتصريح بالترجيح من زيادته فصل لو قبل الرقيق ولو سفيها هبة أو وصية بلا إذن صح وإن نهاه سيده عن القبولة لأنه اكتساب لا يعقب عوضا كالاحتطاب نعم إن كان الموهوب أو الموصى به بعضا للسيد تجب عليه نفقته حال القبول لنحو زمانة أو صغر لم يصح القبول ونظيره قبول الولي لموليه ذلك ودخل ملك السيد قهرا كعوض الخلع بغير إذنه ويسلم المال له لا للرقيق ولو اشترى أو اقترض بلا إذن لم يصح لما علم من أول الباب وللمالك استرداده أي ما ذكر من المبيع أو المقرض سواء أكان بيد الرقيق أم بيد سيده لأنه لم يخرج عن ملكه وإن أتلفه الرقيق مطلقا أو تلف في يده تعلق الضمان بذمته فيطالب به بعد عتقه لأنه وجب برضا مستحقه ولم يأذن فيه السيد وضابط تعلق الحقوق بالرقيق أنها إن ثبتت بغير اختيار أربابها كإتلاف وتلف بغصب تعلقت برقبته أو باختيارهم كما في المعاملات فإن كان بغير إذن سيده تعلقت بذمته يتبع بها بعد عتقه أو بإذنه تعلقت بذمته وكسبه ومال تجارته كما مر قال ابن الرفعة وحيث قلنا تتعلق بكسبه لزمه أن يكتسب للفاضل قال الزركشي وفيه نظر لما سيأتي في المفلس وإن قبضه منه السيد وتلف ولو في غيره فله أي للمالك مطالبة السيد لوضع يده وكذا العبد إن عتق لذلك وإن أدى الرقيق الثمن من مال السيد فله استرداده لأنه لم يخرج عن ملكه ولا ضمان على سيده وإن رأى المبيع مثلا مع عبده فلم يأخذه من العبد لأنه وجب برضا مستحقه ولم يأذن هو فيه فرع للعبد تأجير المعروف إجارة أو إيجار نفسه بإذن السيد وكذا بيعها ورهنها إذ لا مانع ولو توكل لغيره فيما لزم ذمته عهدة كبيع وشراء بلا إذن من سيده لم يصح لتعلق العهدة بالوكيل بخلافه فيما يلزم ذلك كطلاق وقبول نكاح فإنه يصح والتصريح بقوله فيما يلزم ذمته عهدة من زيادته وهو ساقط من بعض النسخ
114
114
فصل إذا ملكه
أي القن السيد أو غيره المفهوم بالأولى مالا لم يملكه لما مر في الباب قبله والمدبر والمعلق عتقه وأم الولد كالقن فلا يملكون شيئا لذلك وإن ملك المبعض ببعضه الحر مالا فاشترى به جارية ملكها لأنه أهل للملك ولم يحل له وطؤها ولو بإذن سيده لأن بعضه مملوك والوطء يقع بجميع بدنه لا ببعضه الحر فقط وليس للمكاتب التسري ولو بالإذن لضعف ملكه وللخوف من هلاك الأمة بالطلق ولو عبر بدل التسري بالوطء كان أولى لأنه أخص منه لاعتبار الإنزال فيه بخلاف الوطء وتعبيره بما قاله أولى من بناء أصله ذلك مع الإذن على القولين في تبرعه لإشعاره برجحان الجواز لأنه الصحيح في التبرع بالإذن لكن الصحيح المنع كما ذكره في باب الكتابة وصوبه الإسنوي ونقله عن النص ثم ومسألتنا المبعض والمكاتب مذكورتان في باب نكاح الرقيق أيضا بل الثانية مذكورة أيضا في باب الكتابة باب اختلاف المتبايعين أو من يقوم مقامهما هو أن يختلفا أو يختلف وارثاهما أو أحدهما ووارث الآخر بعد صحة العقد في قدر الثمن كمائة وتسعين أو صفته كصحاح ومكسرة أو جنسه كذهب وفضة أو الخيار أو الأجل أو الرهن أو الضمين أو قدر كل من الأربعة أو غير ذلك مما يصح شرطه سواء أكان العوضان باقيين أم لا قبضا أو لم يقبضا وكذا إن اختلفا في قدر المبيع أو صفته أو جنسه بأن قال البائع بعتك العبد بألف مثلا فقال المشتري بل بعتني بها العبد والجارية فيتحالفان بأن يحلف كل منهما يمينا واحدة تجمع نفيا وإثباتا كما سيأتي أما حلف كل منهما فلخبر مسلم اليمين على المدعى عليه وكل منهما مدعى عليه كما أنه مدع واحتج له أيضا بخبر إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة فهو ما يقول رب السلعة أو يتتاركا رواه أبو داود والحاكم وصححه ومعنى التتارك أن يترك كل منهما ما يدعيه وذلك بالفسخ وأما أنه في يمين واحدة فلأن الدعوى واحدة ومنفى كل منهما في ضمن مثبتة فجاز التعرض في اليمين الواحدة للنفي والإثبات ولأنها أقرب لفصل الخصومة لا في زمن الخيار أي خيار الشرط أو المجلس فلا يتحالفان لإمكان الفسخ بالخيار كذا قاله القاضي وأجاب عنه الإمام بأن التحالف لم يوضع للفسخ بل عرضت اليمين رجاء أن ينكل الكاذب فيتقرر العقد بيمين الصادق ثم مال إلى موافقته لكن الجمهور كما أفهمه كلام الأصل وغيره وصرح به ابن يونس والنشائي والأذرعي وغيرهم على أنهما يتحالفان وقد قال الشافعي والأصحاب بالتحالف في الكتابة مع جوازها من جانب الرقيق وعلى هذا يثبت الخيار بجهتين فيتحالفان مطلقا إن لم يكن لأحدهما بينة فإن كانت له بينة قضى له بها كما في سائر الدعاوى وإن أقاما بينتين ولم تؤرخا بتاريخين تساقطتا وكأنه لا بينة فيتحالفان بخلاف ما إذا أرختا بتاريخين لا تحالف بل يقضى بمتقدمة التاريخ وخرج بقوله أولا بعد صحة العقد أي بعد اعترافهما بها ما إذا لم يعترفا بها فلا تحالف بل يصدق مدعي الصحة كما سيأتي التصريح به مع قيده وإن اختلفا في عين المبيع فقال البائع بعتك العبد وقال المشتري بل الجارية واتفقا على الثمن أو اختلفا في قدره والثمن في الذمة لم يتحالفا لأن الثمن ليس بمعين حتى يربط به العقد
115
115
بل يحلف كل منهما على نفي ما يدعي عليه ولا فسخ وترجيحه عدم التحالف في ذلك من زيادته تبع فيه الإسنوي فإنه رجحه مستندا إلى نص في البويطي يدل له التزاما ولعدم التحالف في الاختلاف في قدر رأس المال في السلم مطابقة ولكن الأصحاب على خلافه والذي في الأصل في مسألتنا حكاية وجهين بلا ترجيح أحدهما ما مر والآخر يتحالفان كما لو كان الثمن معينا واقتضى كلام الرافعي هنا ترجيحه صححه في الشرح الصغير هنا والنووي في أصل الروضة في نظيره من الصداق في قوله أصدقتك أباك فقالت بل أمي وتبعه عليه المصنف ثم لكن تلك تفارق ما هنا بأن العوضين فيها معينان وإن كانت أي المسألة بحالها وأقام كل منهما بينة بدعواه سلمت الجارية للمشتري عملا ببينته فلا تعارض بين البينتين لأن كلا منهما أثبتت عقدا لا يقتضي نفي غيره
قال السبكي وهذا ظاهر على القول بعدم التحالف أما على القول بالتحالف وهو الذي يقوى على مقتضى المذهب فيقوي التعارض وأطال في ذلك وأما العبد فقد أقر البائع ببيعه وقامت به البينة فإن كان بيد المشتري أقر عنده كما صرح به الأصل وله أن يتصرف فيه بما شاء قال الشيخ أبو حامد والماوردي إلا بالوطء لو كان أمة واستشكل السبكي ذلك بأنه كيف يصح تصرفه فيه وهو مقر بأنه ليس ملكه فينبغي أن يمتنع عليه جميع التصرفات إلا أن يرجع انتهى وقد يجاب بأنه جوز ذلك للضرورة قال الأذرعي وهذا في الظاهر أما في الباطن فالحكم محال على حقيقة الصدق والكذب وإن كان بيد البائع فهل يجبر مشتريه على قبوله لإقرار البائع له به أو يترك عند القاضي حتى يدعيه لأنه ينكر ملكه فيه وجهان وبالثاني جزم ابن أبي عصرون وقال أبو الحسن السلمي أنه الصحيح و إذا أخذه القاضي ينفق عليه من كسبه إن كان له كسب نعم إن رأى المصلحة في بيعه وحفظ ثمنه قاله الشيخ أبو حامد وإلا أي وإن لم يكن له كسب بيع أي باعه إن رآه بأن رأى الحظ في بيعه وحفظ ثمنه وقيل يبقى في يد البائع على قياس من أقر لغيره بشيء وهو ينكره وقوله حتى يدعيه من زيادته
أما إذا فرعنا على التحالف فقياس ما مر أن يقال محله إذا لم تؤرخ البينتان بتاريخين وإلا قضى بمتقدمة التاريخ وإن كان الثمن معينا تحالفا كما لو اختلفا في جنس الثمن أما لو اختلفا في المبيع والثمن معا كأن قال بعتك العبد بدرهم فقال المشتري بل الجارية بدينار فلا تحالف لأنهما لم يتواردا على شيء واحد بل يحلف كل منهما على نفي قول الآخر قاله الإمام هنا وفي الصداق بخلاف ما لو اختلفا في قدرهما كما مر تنبيه قال الإسنوي وفي كلام الرافعي
116
116
إشارة إلى أن شرط التحالف أن يكون ما يدعيه البائع أكثر وقد صرح به في الاختلاف في الصداق والولي ثم كالبائع هنا قلت قد فرضها ثم فيما إذا اختلف الزوج والولي فنظيره هنا أن يفرض في اختلاف ولي البائع والمشتري
فرع يجري التحالف في جميع عقود المعاوضات حتى القراض والجعالة والصلح عن الدم
طردا للمعنى ولا أثر لقدرة كل من العاقدين على الفسخ في الأولين بلا تحالف لما مر في كلام الإمام ولا لعدم رجوع كل منهما إلى عين حقه في الثالث كما سيتضح ثم في البيع ونحوه من سائر العقود يفسخ العقد بعد التحالف كما سيأتي لا حاجة لقوله في البيع ونحوه وبعد الفسخ يرجع العاقد في غير الصداق وما عطف عليه فيما يأتي إلى عين حقه كما سيأتي ويرجع في الصداق والخلع والصلح عن الدم والعتق بعوض ككتابة إلى مهر المثل في الأولين و إلى الدية في الصلح عن الدم وإلى القيمة في العتق بعوض فأثر الفسخ في هذه الأشياء لا يظهر فيما عقد عليه فلا يرجع البضع في الصداق للزوجة ولا في الخلع للزوج ولا الدم لوليه في الصلح عنه ولا العتيق للسيد في العتق بعوض وإنما يظهر في بدله كما عرف وفائدته أي التحالف أي طلبه في القراض ونحوه مما يجوز فسخه بلا تحالف تقرير العقد بالنكول من أحدهما بعد عرض اليمين عليه وحلف الآخر فرع لو قال بعتك بألف فقال بل وهبتني أو رهنتني فلا تحالف إذ لم يتفقا على عقد بل يحلف كل منهما للآخر على نفي قوله لأن الأصل عدمه ثم يرد مدعي البيع الألف لأنه مقر بها ويسترد العين بزوائدها فيلزم الآخر رد ذلك إذ لا ملك له ولا أجرة عليه لاتفاقهما على عدم وجوبها واستشكل رد الزوائد في الأولى مع اتفاقهما على حدوثها في ملك الراد بدعواه الهبة وإقرار البائع له بالبيع فهو كمن وافق على الإقرار له بشيء وخالف في الجهة وأجيب بمنع اتفاقهما على ذلك لأن دعوى الهبة لا تستلزم الملك لتوقفها على القبض بالإذن ولم يوجد والأولى أن يجاب بمنع ذلك لما ذكر بل لأن كلا منهما قد أثبت بيمينه نفي دعوى الآخر فتساقطتا ولو سلم عدم تساقطهما فمدعي الهبة لم يوافق المالك على ما أقر له به من البيع فلا يكون كالمسألة المشبه بها فالعبرة بالتوافق على نفس الإقرار لا على لازمه
وإن قال رهنتك كذا بألف قرضا لك علي فقال بل بعتني إياه بها صدق المالك بيمينه لأن الأصل عدم البيع ويرد الألف ويسترد العين بزوائدها ولا يمين على الآخر قال المتولي لأن الرهن جائز من جهته والخيرة له في قبوله والعمراني لأن الرهن زال بإنكاره لأنه يبطل بإنكار المرتهن وإليه أشار المصنف بقوله ولا رهن لأنه لا يدعيه قال السبكي وفي رد الألف إليه وهو ينكر استحقاقها نظر قلت هو مدع لاستحقاق العين المقابلة عنده بالألف فلما تعذر إبقاؤها رد عليه مقابلها الذي بذله كما هو شأن تراد العوضين عند الفسخ أو نحوه ثم ما تقرر من حكم المسألة هو ما نقله الرافعي عن البغوي وجزم به في الروضة وجرى عليه المتولي وغيره والذي جزم به صاحب المهذب والمحاملي ونقله السبكي عن الشافعي أن كلا منهما يحلف كما في التي قبلها لكن تعقب ذلك العمراني فقال والذي يقتضيه القياس عندي أنه لا يمين على الآخر وعلله بما قدمته قال ولو قال رهنتني كذا بألف أقبضتكها فقال بل بألف لم أقبضها صدق المالك بيمينه لأن الأصل عدم القبض فإذا حلف بطل الرهن لأنه إنما يكون بحق في الذمة وما قاله في هذه نقله السبكي عن الشافعي وصاحب الاستقصاء ثم قال وهو محمول على ما إذا أنكر الدين جملة فإن اعترف به وادعى أن الرهن كان قبل ثبوته فينبغي أن يتخرج على اختلافهما في الصحة والفساد فيصدق مدعي الصحة على الأصح فرع لو اختلفا من غير اتفاق على صحة عقد بأن ادعى أحدهما الفساد والآخر الصحة صدق مدعي الصحة بيمينه وإن كان الأصل عدمها لأن الظاهر معه إذ الظاهر من حال المكلف اجتنابه الفاسد وقدم على الأصل لاعتضاده بتشوف الشارع إلى انبرام العقود ولأن الأصل عدم المفسد في الجملة واستثني من ذلك ما إذا باع ذراعا من أرض وهما يعلمان
117
117
ذرعانها فادعى أنه أراد ذراعا معينا وادعى المشتري الإشاعة فالمصدق البائع لأنه أعرف بإرادته كما مر وما إذا اختلفا هل وقع الصلح على إنكار أو اعتراف فالمصدق مدعي وقوعه على الإنكار لأنه الغالب كما سيأتي في بابه وما إذا قال المرتهن أذنت في البيع بشرط رهن الثمن وقال الراهن بل مطلقا فالمصدق المرتهن كذا قاله الزركشي وليس مما نحن فيه لأن الاختلاف بعد تسليم الحكم المذكور لم يقع من العاقدين ولا من نائبهما وما إذا قال المشتري لمغصوب كنت أظن القدرة على تسلمه وأنا الآن لا أقدر فهو المصدق كما أفتى به القفال لاعتضاده بقيام الغصب وما إذا قال السيد كاتبتك وأنا مجنون أو محجور علي وعرف له ذلك فإنه المصدق كما سيأتي في بابه ومثله قول الروياني هنا لو اختلفا فيما يكون وجوده شرطا كبلوغ البائع كأنه باعه ثم قال لم أكن بالغا حين البيع وأنكر المشتري واحتمل ما قاله البائع صدق بيمينه لأن الأصل عدم البلوغ وصرح به في الأنوار وكلام الأصحاب في الطلاق والجنايات يوافقه ولو قال اشتريت ما لم أره فأنكر البائع ففي فتاوى الغزالي صدق البائع قال الرافعي ولا ينفك هذا عن خلاف قال النووي هذه مسألة اختلافهما في مفسد العقد وفيها الخلاف المعروف والأصح تصديق مدعي الصحة وعليه فرعها الغزالي وتقدمت في الكتاب آخر البيع وزعم في المهمات أنه مردود نقلا وبحثا فعليه تستثنى هذه وفي عكسها بأن قال المشتري رأيته وأنكر البائع يصدق البائع كما في فتاوى البغوي لأن الأصل عدم الرؤية وهو مفرع على ما صححه من أن المصدق مدعي الفساد والأصح خلافه فلو قال بعتك بألف فقال بل بزق خمر أو بحر أو ألف وزق خمر أو قال شرطنا شرطا فاسدا فأنكر كما صرح بذلك الأصل صدق مدعي الصحة لما مر وإن قال بعتك بألف فقال بل بخمسمائة وزق خمر حلف البائع على نفي المفسد بأن يقول لم يسم في العقد خمر ثم تحالفا لبقاء النزاع في قدر الثمن
118
118
فصل
لو رد المشتري المبيع المعين أو البائع الثمن المعين بعيب فأنكر المردود عليه كونه ماله صدق المنكر بيمينه لأن الأصل السلامة فإن كان الثمن أو المبيع فيما ذكر في الذمة صدق المدعي للعيب لأن الأصل بقاء شغل ذمة المنكر ويفارق ما قبله بأن المدعي هنا لم يعترف بقبض ما ورد عليه العقد والأصل بقاء شغل ذمة المنكر وهناك اعترف بقبضه ووقع الاختلاف في سبب الفسخ والأصل عدمه والمبيع في الذمة يتناول المسلم فيه وغيره فهو أعم من اقتصار الأصل على المسلم فيه فرع وفي نسخة فصل لو قبض المبيع مثلا مكيلا أو موزونا كما صرح به الأصل بأن اشترى طعاما كيلا وقبضه به أو وزنا وقبضه به أو أسلم فيه وقبضه ثم جاء وادعى نقصا فإن كان قدرا يقع مثله في الكيل أو الوزن صدق بيمينه لاحتماله مع عدم مخالفته الظاهر وإلا فلا يصدق لمخالفته الظاهر وعلله الرافعي بأنهما اتفقا على القبض والقابض يدعي الخطأ فيه فعليه البينة كما لو اقتسما ثم جاء أحدهما وادعى الخطأ فيه تلزمه البينة وإذا باعه أو رهنه عصيرا فوجده خمرا أو وجد فيه فأرة ميتة وقال هكذا قبضته فأنكر البائع صدق البائع بيمينه إن أمكن صدقه لأن الأصل عدم المفسد قال في الأصل ولو اختلفا في القبض صدق المشتري وإن وفي نسخة ولو اختلفا في اشتراط كونه أي المبيع كاتبا مثلا تحالفا كما لو اختلفا في الأجل أو اختلفا في انقضاء الأجل فالأصل بقاؤه فيصدق مدعيه بيمينه وفيه نظر لأنهما إن اتفقا على قدر الأجل فهذا اختلاف في ابتدائه وسيأتي مفصلا آخر الباب وإن اختلفا فيه تحالفا كما مر أوله وإن سكتا عن قدره فربما يبقى النزاع إلى ما لا نهاية له لجواز أنه كلما ادعى الانقضاء مدعيه أنكر الآخر وقد قرر المتولي وغيره المسألة على ما يوافق الأول لكن لا تكرار في كلامهم ولك أن تختار الأخير وتقول يزول المحذور فيه بأن يذكر مدعي الانقضاء قدر الأجل ليوافقه الآخر أو يخالفه ويرتب عليه انقطاع النزاع نعم إن قال نسيت قدره استمر النزاع إلى أن يذكر ما قلنا إلا أن يظهر للحاكم أنه متعنت فينبغي أن يقدره بما يؤجل به المعقود عليه غالبا ويحتمل خلافه
فصل في كيفية التحالف إذا تبادلا قال في الأصل قال الإمام عرضا بعرض فأبدله المصنف بقوله عينا بعين يعني معينا بمعين تساويا في البداءة باليمين أي فيتخير الحاكم بأن يجتهد في البداءة بأيهما قال في الأصل وينبغي تخريجه على أن الثمن ماذا وناقشه في المطلب بأن مأخذ البداءة قوة جانب على جانب كما ذكروه في تعليل الأقوال فيمن يبدأ به وذلك مفقود هنا وأيد بأن المدرك في التساوي تعيين الثمن كالمبيع ولهذا إذا تنازعا في البداءة بالتسليم حينئذ أجبرا في الأظهر وقد يمنع فقده لأن جانب البائع أقوى لأن المبيع هو المقصود وإن تساوى العوضان فيما ذكر وبما بحثه الأصل صرح القاضي مجلي وغيره لكن ما قاله الإمام أوجه وإلا بأن باع معينا بما في الذمة كما قيد به الأصل وإن صدقت عبارة المصنف بعكسه وببيع ما في الذمة بما في الذمة بدئ في الحلف بالبائع لأن جانبه أقوى لأن المبيع يعود إليه بعد الفسخ المترتب على التحالف ولأن ملكه على الثمن قد تم بالعقد وملك المشتري على المبيع لا يتم إلا بالقبض وقضية التعليلين
وتقييد الأصل بما ذكر أنه يبدأ بالمشتري في صورة العكس وأنهما يتساويان في التي بعدها نظير ما قاله الإمام فلا يبدأ بالبائع إلا فيما مر استحبابا لا وجوبا لحصول الغرض مع تقديم المشتري أيضا فيحلف البائع يمينا واحدة تجمع نفيا لقول غيره وإثباتا لقوله بأن يقول والله ما بعت بكذا وإنما بعت بكذا ثم يحلف المشتري بأن يقول والله ما اشتريت بكذا وإنما اشتريت بكذا عبر كأصله بإنما المفيدة للحصر ولا حاجة إليه بعد النفي فتعبير المنهاج كالشاشي وغيره بقوله ولقد أولى وتقديم النفي على الإثبات مستحب لا واجب كما يعلم مما يأتي لأنه الأصل ولأن الأصل يمين المدعى عليه ولأنه يلزم من إثبات قوله نفي قول صاحبه بخلاف العكس فلا فائدة للتعرض له بعد الإثبات غير التصريح به وقد يقال قضيته أنه إذا أتى بالإثبات فقط اكتفي به ويجاب بأنهم إنما يكتفون في ذلك بالصريح وقضية كلام الجمهور أنه لا يكتفى أيضا بقوله ما بعت
119
119
إلا بكذا وما اشتريت إلا بكذا لكن صرح الصيمري بالاكتفاء به لأنه أسرع إلى فصل القضاء ويلزمه الاكتفاء أيضا بإنما بعت بكذا وإنما اشتريت بكذا وقد نقل ابن الرفعة ما يوافق قوله عن نص الأم بعد موافقته الجمهور وذكر نحوه السبكي وزاد فقال ووقع في عبارة الشافعي الإتيان بصيغة الحصر في البائع والتصريح بالنفي والإثبات في المشتري وهو محمول على قصد المعبر وبيان أن كلا منهما جائز ا ه فينبغي الأخذ به
وعبارة المصنف تقتضي أنه لا يكتفي بيمينين وبه يشعر كلام الماوردي وكلام الأصل وكثير يشعر بالجواز كما أشرت إليه أول الباب وهو الأوجه والزوج في الصداق كالبائع فيبدأ به لقوة جانبه ببقاء التمتع له كما قوي جانب البائع بعود المبيع إليه ولأن أثر التحالف يظهر في الصداق لا في البضع وهو باذله فكان كبائعه فرع لو قدم الإثبات على النفي جاز لأنه المقصود ولحصول الغرض بكل من الأمرين فلو نكل أحدهما عن النفي والإثبات عن أحدهما قضي للحالف لتمام حجته ولو نكلا جميعا ولو عن النفي فقط وقف أمرهما وكأنهما تركا الخصومة وهذا ما اختاره في الروضة من وجهين ثانيهما أنه كتحالفهما ونقله عن بسيط الغزالي وعليه اقتصر صاحب الأنوار قال السبكي وهو ما جزم به الماوردي ورأيت في الأم في أبواب الكتابة ما يشهد له قال الأذرعي وقضية كلام الغاية أن المذهب الأول قال الزركشي وبه جزم الشيخان في اختلاف الزوجين في الصداق لكن الأقرب أنه كتحالفهما لنص الأم المشار إليه قال وعليه لو أراد أحدهما أن يرجع عن نكوله لم يمكن لأنه يؤدي إلى لزوم العقد بعد جوازه قال السبكي وينبغي أنه إذا حلف أحدهما لا تعرض اليمين على الآخر إلا بعد أن يعرض المبيع عليه بما حلف عليه صاحبه فإن رضي به لم يحلفه وإلا حلفه قال ويشبه أن يكون العرض المذكور مستحبا فصل لا ينفسخ العقد بالتحالف من المتداعيين لأن اليمين لا تزيد على البينة بل يعظهما الحاكم أي يدعوهما إلى الموافقة وإن الأولى قول الأصل فإن سمح أحدهما للآخر بما ادعاه أجبر الآخر عليه وإلا أي وإن لم يسمح أحدهما فسخ القاضي إن استمر نزاعهما وإن لم يسألاه الفسخ قطعا للنزاع بل وإن أعرضا عن الخصومة على ما صححه في شرح الإرشاد لكن نقل الإسنوي عن القاضي أنه ليس له الفسخ حينئذ أو هما أو أحدهما لأنه فسخ لاستدراك الظلامة فأشبه الفسخ بالعيب فإن فسخا انفسخ ظاهرا وباطنا كالإقالة وكذا إن فسخ القاضي أو الصادق منهما لتعذر وصولهما إلى حقهما كما في الفسخ بالإفلاس فلكل منهما التصرف فيما عاد إليه وترجيح الانفساخ باطنا من زيادته ورجحه السبكي وإن فسخ الكاذب لم ينفسخ باطنا لترتبه على أصل كاذب وطريق الصادق إنشاء الفسخ إن أراد الملك فيما عاد إليه وإن لم يرده فإن أنشأ الفسخ أيضا فذاك وإلا فقد ظفر بمال من ظلمه فيتملكه إن كان من جنس حقه وإلا فيبيعه ليستوفي حقه من ثمنه وإن تقارا على العقد بلا تجديد عقد جاز قاله المحاملي والروياني ثم الفسخ فيما ذكر ليس فوريا على الأشبه في المطلب لبقاء الضرر المحوج له ووقع في نسخه بدل ما شرحنا عليه ما يخالف بعضه فاجتنبه فرع إذا وقع الفسخ لا يرد المشتري الزوائد المنفصلة قبل الفسخ ولو قبل القبض أي لا يلزمه ردها لما مر أن الفسخ يرفع العقد من حينه لا من أصله بخلاف المتصلة لأنها تابعة للأصل وتقدم أن التحالف يجري عند بقاء العوض وتلفه واعترض بالرد بالعيب فإنه لا يجري بعد التلف وأجيب بأن الرد يعتمد المردود والفسخ يعتمد العقد وبأن الرد يخلفه الأرش فلا ضرورة إليه بخلاف الفسخ فلو كان باقيا بحاله لزم المشتري رده كما علم من كلامه أو تالفا أو زائلا عن ملكه أو تعلق به حق لازم كأن كان مكاتبا كتابة صحيحة غرم قيمته إن كان متقوما وإن زادت على ثمنه ومثله إن كان مثليا والعبرة بقيمته يوم التلف أي تلفه حقيقة أو حكما إذ مورد الفسخ العين لو بقيت والقيمة خلف عنها فلتعتبر عند فوات أصلها فلو تحالفا في عبدين وقد مات أحدهما
120
120
أو عتق رد المشتري الموجود وقيمة التالف وفارق اعتبارها بما ذكر اعتبارها لمعرفة الأرش بأقل قيمتي العقد والقبض كما مر بأن النظر إليها ثم لا لتغرم بل ليعرف منها الأرش وهنا المغروم القيمة فكان اعتبار حالة الإتلاف أليق ذكره الرافعي
والمعيب بنحو أباق وافتضاض لبكر مما يثبت الخيار يرده بالأرش أي معه وهو ما نقص من القيمة لأن الكل مضمون عليه بجميعها فبعضه ببعضها فلو تحالفا في عبد وقد سقطت يده رده مع التفاوت بين قيمته سليما ومعيبا ووطؤه الثيب ليس بعيب فلا أرش له وكذا أرش وطء غيره لها إذا لم يتضمن عيبا كأن وطئها بشبهة منها وكل أرش وجب في مضمون بالقيمة فهو ما نقص منها أو مضمون بالثمن فيما أي فهو معتبر بما نقص منه يرد على ما قاله في الضابط الأول ما لو قطع من الرقيق ما له أرش مقدر فإنه يضمنه بمقدره لا بما نقص من قيمته إلا أن يكون غاصبا فيضمنه بالأكثر كما سيأتي ولو عبر بقول أصله ما ضمن كله بالقيمة فبعضه ببعضها لسلم من ذلك لكن يستثنى من طرده ما لو تعيب المعجل في الزكاة فإنه لا أرش فيه كما مر وذكره الأصل هنا وما لو تعيب الصداق في يد الزوجة وطلقها فإنه لا أرش له إن اختار الرجوع إلى الشطر وما لو رأى عيبا بالمبيع فرده وقد تعيب الثمن بنقص وصف كشلل فإنه لا أرش له كما مر في الكلام على الأرش مع أن الثلاثة تضمن بتلفها ومن عكسه ما لو اشترى المغصوب من غاصبه فإنه لو تعيب في يده وغرم الأرش رجع به على الغاصب
ولو تلف وغرم قيمته لا يرجع بها عليه وما لو جنى السيد على مكاتبه كأن قطع يده فيلزمه نصف القيمة ولو قتله لم يغرم شيئا وأما ما قاله في الضابط الثاني فليس بصحيح لأن الأرش لا يعتبر بما نقص من الثمن وإلا لزم أن لا أرش إذا لم ينقص الثمن عن قيمة المبيع معيبا واللازم باطل وإنما يعتبر بنسبة ما نقص من القيمة لو كان سليما كما مر مع أن المناسب لكلامه في الضابط الأول حذف الباء من قوله في الثاني فبما وإن رهنه فإن شاء أخذ القيمة أو انتظر الفكاك قال الزركشي وهذا يخالف ما ذكر في الصداق من أنه لو طلقها قبل الوطء وكان الصداق مرهونا وقال انتظر الفكاك للرجوع فلها إجبار على قبول نصف القيمة لما عليها من خطر الضمان فالقياس هنا إجباره على أخذ القيمة وهو الذي أورده المتولي انتهى ويجاب بأن المطلقة قد حصل لها كسر بالطلاق فناسب جبرها بإجابته بخلاف المشتري وإذا أجره رجع فيه مؤجرا لا في قيمته بناء على جواز بيع المؤجر وللمشتري المسمى في الإجارة وعليه للبائع أجرة المثل للمدة الباقية من وقت الفسخ إلى انقضائها ولو كان المستأجر البائع فإنه يرجع فيه بناء على أن بيع الدار لمستأجرها لا تنفسخ به الإجارة وله على المشتري أجرة مثله وللمشتري المسمى والتلف قد يكون حقيقيا وقد يكون حكميا بأن أزال ملكه كأن وقف المبيع أو أعتقه أو باعه فتجب القيمة وهذا مع قوله فلو كان تالفا إلى قوله غرم قيمته مكرر مع أنه لا يفي بالغرض كما يعرف مما قدمته ثم و هذه التصرفات صحيحة لصدورها في محلها
والتعيب أيضا
121
121
قد يكون حقيقيا وقد يكون حكميا بأن الأولى كأن زوج الرقيق عبدا كان أو أمة فعليه ما بين قيمته مزوجا وخليا ويعود إلى البائع والنكاح صحيح كما صرح به الأصل وفيه أنهما ما لو اختلفا في القيمة أو الأرش فالقول قول المشتري أي لأنه غارم وإذا فسخ العقد على الرقيق وهو آبق غرم المشتري قيمته للحيلولة لتعذر حصوله فلو رجع الآبق رده واسترد القيمة لا المرهون والمكاتب كتابة صحيحة إذا لم يصبر البائع إلى زوال الرهن والكتابة فلا يغرم المشتري قيمتهما للحيلولة بل للفيصولة فورود الفسخ فيهما على القيمة لا على المبيع لأنهما يمنعان تملكه لكونه إبطالا لهما وهما لازمان من جهة الراهن والسيد فكانا كالبيع وتوقع زوالهما كتوقع عود المبيع بخلاف الإباق ولذلك منعا رجوع البائع بالإفلاس ولم يمنعه الإباق ويتحالف الوكيلان في العقد وفائدته الفسخ لا الإقرار إذ لا فائدة في إقرارهما لأنه لا يقبل في حق الموكلين
فصل لو اختلفا في ثمن عبد مثلا وحلف كل منهما بعد التحالف أو قبله بعتقه أنه الصادق فيما ادعاه بأن قال إن لم يكن الأمر كما قلت فهو عتيق لم يحكم بعتقه في الحال لأنه ملك المشتري وهو صادق بزعمه فإن عاد إلى البائع بفسخ أو غيره وهو مكذب أي باق على تكذيبه للمشتري والتصريح بهذا القيد من زيادته عتق أي حكم عليه بعتقه ظاهرا مطلقا لا باطنا إن كذب فيما ادعاه وإنما عتق عليه ظاهرا لاعترافه بعتقه على المشتري فهو كمن أقر بحريته ثم اشتراه وإن صدق فيه عتق على المشتري باطنا ووقف حالتي الكذب والصدق وولاؤه بينهما إذ لم يدعه واحد منهما وإن صدقه أي وإن صدق البائع المشتري كما وجد في نسخة هكذا نظرت فإن تقدمت يمينه بالعتق على يمين المشتري لم يعتق عليه لتكذيبه إياه بيمينه لتأخرها فهو مقر بحريته عليه ثم للترتيب الإخباري ولو عبر كأصله بالواو كان أولى إن صدقه المشتري عتق عليه وبطل الفسخ إن تفاسخا أي إن فسخ العقد ويثبت له الولاء من زيادته كما لو رد عبد بعيب واعترف المشتري بعده بعتقه بطل الفسخ وأخذ الأرش أي أرش العيب من البائع وهذا من زيادته وحكم بعتقه قال السبكي ومحل ذلك إذا صدقه البائع وإلا فليس له إبطال حقه بمجرد دعواه كما لو باعه ثم قال كنت أعتقته فإن كان المبيع فيما ذكر بعض العبد وعتق البعض على البائع بعوده إليه لم يقوم وفي نسخة لم يسر عليه الباقي لعدم مباشرته العتق لأنه إنما حصل بإقراره على غيره فصار كما لو ترك ابنين وعبدا فقال أحدهما أعتقه أبي وأنكر الآخر عتق نصيب المقر ولا يقوم عليه الباقي فصل وللمشتري وطء الجارية المبيعة حال النزاع وقبل التحالف على الأصح لبقاء ملكه و في جوازه فيما بعده وجهان مرتبان وأولى بالمنع لإشرافه على الزوال والأوجه جوازه كما اقتضاه تعليلهم السابق بل قضيته الجواز أيضا بعد الفسخ إذا لم يزل به ملك المشتري كما في مسألة الرهن المتقدمة قبل الفصل السابق والقول قول البائع بيمينه في قدر ثمن المبيع بعد قبضه له إن فسخ البيع بإقالة أو عيب لأنه غارم وتقدمت هذه في الإقالة مع زيادة و القول قوله بيمينه أيضا في قيمة التالف من أحد عبدي الصفقة إذا رضي برد الباقي وحده عليه بعيب لأنه ملك الثمن بالبيع فلا رجوع عليه إلا بما أقر به وفي كونه باع النخل مؤبرا بأن ادعى ذلك لتكون الثمرة له وادعى المشتري أنه اشتراه غير مؤبر لتكون له لأن الأصل بقاء ملكه وقضية التعليل أنه لو قال بعتكها مؤبرة فقال بل غير مطلعة وإنما اطلعت في ملكي لم يصدق البائع وهو ظاهر واستشكلت مسألة الكتاب بأن الظاهر فيها التحالف كما أجاب به ابن القطان والصيمري لاختلافهما في قدر المبيع لأن البائع يقول إنه الشجرة فقط والمشتري يقول أنه الشجرة والثمرة ويجاب بأن التحالف إنما يأتي لو صح ورود العقد عليهما وادعاه المشتري وليس كذلك فإن وروده عليهما فاسد وهو إنما ادعى وروده على الشجرة ودخول الثمرة تبعا فلا تحالف ويؤيده ما نقله الإمام عن الشيخ
122
122
أبي زيد أنهما لو اختلفا في ولد الأمة المبيعة فقال البائع وضعته قبل العقد فهو لي وقال المشتري بل بعده صدق البائع والقول قول المشتري والمسلم إليه بيمينهما في بقاء أجل اختلف في ابتدائه لأن الأجل حقهما فإذا ادعى غريمهما انقضاءه فقد ادعى استحقاق مطالبته وهما ينكرانه فكان القول قولهما ولأن كلا منهما لو اختلف مع غريمه في أصل العقد كان القول قوله فكذا في صفته وإن باع شيئا فظهر أنه كان لابنه أو موكله فوقع اختلاف بأن قال الابن أو الموكل باع أبي مالي في الصغر لنفسه متعديا أو باع وكيلي مالي متعديا وقال المشتري بل باعه لحاجتك أو بلا تعد فالقول قول المشتري بيمينه لأن كلا من الأب والوكيل أمين فلا يتهم إلا بحجة وفي كلامه لف ونشر لا يخفى لكن قوله بلا تعد يصلح جوابا للمسألتين كتاب السلم ويقال له السلف يقال أسلم وسلم وأسلف وسلف وسمي سلما لتسليم رأس المال في المجلس وسلفا لتقديمه والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين الآية فسرها ابن عباس بالسلم وخبر الصحيحين من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم وهو بيع شيء موصوف في الذمة ببدل يجب تعجيله بمجلس البيع وأورد عليه أن اعتبار التعجيل شرط لصحة السلم لا ركن فيه ويجاب بأن ذلك رسم لا يقدح فيه ما ذكر وقضية كون السلم بيعا أنه لا يصح إسلام الكافر في العبد المسلم وهو الأصح في المجموع لكن صحح الماوردي القطع بصحته وتبعه السبكي وهو بيع أي نوع منه لكنه إنما يصح بشروط ستة زائدة على شروط البيع غير الرؤية وقوله وهو بيع مكرر الأول تسليم رأس المال في المجلس إذ لو تأخر لكان ذلك في معنى بيع الكالئ بالكالئ إن كان رأس المال في الذمة ولأن السلم عقد غرر جوز للحاجة فلا يضم إليه غرر آخر ولو استوفى المسلم فيه في المجلس لأن تسليمه فيه تبرع والتبرع لا يغير مقتضى العقد ولا بد من شرط حلول رأس المال كما صرح به القاضي أبو الطيب ولا يغني عنه شرط تسليمه في المجلس ويصح السلم والصرف وبيع الطعام بالطعام والعوضان في ذمته أي العاقد بأن يكون أحدهما في ذمة أحد العاقدين والآخر في ذمة الآخر وهما موصوفان بصفة السلم ثم يعين ويسلم في المجلس ما يجب تسليمه فيه فلو تفارقا قبل القبض بطل وكذا لو تخايرا قبله كما مر نظيره في الربا وإذا تفرقا بعد قبض البعض صح فيه بقسطه كما لو اشترى عبدين فتلف أحدهما قبل القبض ولو قبضه منه المسلم إليه في المجلس ورده إليه عن دين له عليه صح كل من الرد والعقد كما ذكره الأصل في الربا وصححه في المهمات هنا لأن تصرف أحد العاقدين في مدة خيار الآخر إنما يمتنع إذا كان مع غير الآخر لأن صحته تقتضي إسقاط ما ثبت له من الخيار إما معه فيصح ويكون ذلك إجازة منهما كما ذكره الشيخان في بابي الربا والخيار
واعترض به في المهمات على ما نقلاه هنا عن الروياني وأقراه من عدم الصحة لأنه تصرف قبل انبرام ملكه وتبعه عليه المصنف حيث حذف ذلك وذكر بدله الصحة ومراده بقوله ذكره في الربا أنه ذكر ما يؤخذ منه ذلك لا أنه ذكره بعينه وأفهم كلامه بالأولى ما صرح به الأصل أنه لو قبض رأس المال ثم أودعه عند المسلم في المجلس جاز وإن أسلم إليه ما له في ذمته أو صالح عن رأس المال لم يصح لتعذر قبضه من نفسه في الأولى ولعدم قبض رأس المال في المجلس في الثانية
123
123
ويجوز جعل المنفعة رأس مال كغيرها وتسليمها بتسليم العين واكتفى به وإن كان المعتبر القبض الحقيقي كما سيأتي لأنه الممكن في قبض المنفعة إذ قبضها بقبض العين لأنها تابعة لها وهذا من زيادته على الروضة وبه علم أنه لو جعل رأس المال عقارا غائبا ومضى في المجلس زمن يمكن فيه المضي إليه والتخلية صح لأن القبض فيه بذلك وقضية كلامه أنه لو كانت المنفعة متعلقة ببدنه كتعليم سورة وخدمة شهر صح وبه صرح الروياني ولم يطلع عليه الإسنوي فبحثه لكنه استثنى منه ما لو سلم نفسه ثم أخرجها من التسليم لأن الحر لا يدخل تحت اليد وما استثناه مردود إذ لا يمكنه إخراج نفسه كما في الإجارة فرع لو أحال المسلم المسلم إليه برأس المال وتفرقا لم يصح السلم وإن وفاه أي رأس المال في المجلس سواء أذن فيه المحيل أم لا لأن بالحوالة يتحول الحق إلى ذمة المحال عليه فهو يؤديه عن جهة نفسه لا عن جهة المسلم نعم إن قبضه المسلم من المحال عليه أو من المسلم إليه بعد قبضه بإذنه وسلمه إليه في المجلس صح وإن أمره المسلم بالتسليم إلى المسلم إليه ففعل لم يكف لصحة السلم لأن الإنسان في إزالة ملكه لا يصير وكيلا لغيره لكن صار المسلم إليه وكيلا للمسلم في قبض ذلك ثم السلم يقتضي قبضا آخر ولا يصح قبضه من نفسه خلافا لما أفتى به القفال فيأخذه منه ثم يرده إليه وهذا بخلاف ما لو كان عند غيره مال كوديعة فأسلمه له في شيء لا يحتاج إلى ذلك بل هو كما لو باعه ممن في يده لأنه كان مملوكا قبل القبض بخلافه في مسألتنا ذكره المتولي وغيره قال السبكي وغيره وقضية التعليل بأن الإنسان في إزالة ملكه لا يصير وكيلا لغيره أنه لو ادعى الإقباض لم يقبل قوله وقد قالوا في المستأجر يؤذن له في العمارة بالأجرة فيدعيها أن القول قوله ا ه وقد يجاب بأن قبول قوله ثم ليس لكونه وكيلا في إزالة ملكه بل لكونه مأذونا له في العمارة فليقبل قوله هنا لكونه مأذونا له في الدفع فلا فرق بين المسألتين والإذن في الدفع هنا كالإذن في العمارة ثم وفيه إذ الوكيل في الدفع لا يقبل قوله فيه فالأولى أن يجاب بأن تلك استثنيت للحاجة فلا يقاس عليها وإن جرت الحوالة من المسلم إليه عليه أي على رأس المال وتفرقا قبل التسليم بطل العقد وإن جعلنا الحوالة قبضا لأن المعتبر هنا القبض الحقيقي ولهذا لا يكفي عند الإبراء نعم إن أمر المسلم إليه المسلم بالتسليم إليه أي إلى المحتال ففعل في المجلس صح القبض وكان المحتال وكيلا فيه عن المسلم فيصح العقد على خلاف ما مر في إحالة المسلم والفرق ما وجهوا به ذاك من أن المقبض فيه يقبض عن غير جهة السلم أي بخلافه هنا والحوالة في المسألتين بكل تقدير فاسدة لتوقف صحتها على صحة الاعتياض عن المحال به وعليه وهي منتفية في رأس مال السلم ولأن صحتها تستلزم صحة السلم بغير قبض حقيقي والتصريح بقوله في المجلس من زيادته فرع لو كان رأس المال عبدا فأعتقه المسلم إليه قبل القبض لم يكن قبضا لأنه إن لم يصح العتق على ما يأتي بيانه فظاهر وإن صح فالمعتبر القبض الحقيقي ولم يوجد ثم إن تفرقا بعد القبض بان صحة العقد لوجود الشرط وفي نفوذ العتق وجهان كالوجهين فيما لو أعتق الراهن المرهون وقلنا لا ينفذ فانفك الرهن قاله المتولي ومقتضاه تصحيح عدم النفوذ والصحيح النفوذ كما جزم به الشيخ عبد الغفار القزويني في عبابه وصححه شيخنا أبو عبد الله الحجازي في مختصر الروضة وهو ظاهر قياسا على عتق المشتري المبيع قبل قبضه وإن افترقا من وجه أو تفرقا قبله بطل العقد لانتفاء شرطه ولو جعل رأس المال من يعتق على المسلم إليه فقياس ما ذكر الصحة إن قبضه وإلا فلا فرع وإن فسخ السلم اقتضى تعين رد رأس المال إلى المسلم ولو لم يعين في العقد لأنه عين ماله وإن تلف فبدله وهو المثل في المثلي والقيمة في المتقوم وإن قال المسلم أقبضتك رأس المال بعد التفرق فقال بل قبله وأقاما بينتين قدمت بينة المسلم إليه لأنها مع موافقتها للظاهر ناقلة والأخرى مستصحبة سواء أكان رأس المال بيد المسلم إليه أم بيد المسلم بأن قال له المسلم إليه قبضته قبل التفرق ثم أودعتكه أو غصبته مني فعبارته أولى من تقييد الأصل بالشق الأول فإن لم تكن بينة صدق مدعي الصحة كما علم مما مر فرع لو أسلم دراهم أو دنانير في الذمة حمل على غالب نقد البلد فإن لم يكن غالب بأن استوت النقود بينه أي النقد المراد وإلا لم يصح كالثمن في المبيع أو أسلم عرضا في الذمة وجب وصفه
124
124
أي ذكر قدره وصفته وإذا أسلم المال المعين من نقد أو عرض ولو مثليا جزافا أو كان رأس المال جوهرة معينة أو في الذمة صح وإن لم يصح السلم في الجوهرة اكتفاء بالمعاينة فلا يشترط ذكر صفته ولا قدره سواء السلم الحال والمؤجل وسواء أعلم العاقدان القدر والقيمة قبل تفرقهما أم لا وما ذكر في المثلي من أنه لا يشترط فيه ذلك هو ما صححه الشيخان قال البلقيني وهو ما اختاره المزني لكن نص الشافعي في الأم على أن أحب القولين إليه الاشتراط والقول فيما إذا اتفق فسخ وتنازعا في قدره أي رأس المال قول المسلم إليه بيمينه لأنه غارم الشرط الثاني كون المسلم فيه دينا لأنه الذي وضع له لفظ السلم فإن قال أسلمت إليك ألفا في هذا العبد مثلا أو أسلمت إليك هذا العبد في هذا الثوب فليس بسلم لانتفاء شرطه ولا بيعا لاختلال لفظه لأن لفظ السلم يقتضي الدينية وهذا جرى على القاعدة من ترجيح اعتبارا للفظ وقد يرجحون اعتبار المعنى إذا قوي كترجيحهم في الهبة بثواب معلوم انعقادها بيعا والصورة الأولى في كلامه من زيادته وإذا قال بعتك بلا ثمن أو ولا ثمن لي عليك فقبل لم يكن هبة اعتبارا باللفظ ولا بيعا لاختلال الصيغة برفع آخرها أولها وهل يضمنه القابل بالقبض وجهان قال ابن الصباغ إن اعتبرنا اللفظ ضمن أو المعنى فلا أو قال بعتك وسكت عن الثمن فقبل لم يكن هبة نظرا للفظ ولا بيعا لعدم ذكر الثمن فهو بيع فاسد فإذا قبض القابل المبيع ضمنه فيرده إن كان باقيا وبدله إن كان تالفا والسلم بلفظ البيع الخالي عن لفظ السلم كأن قال اشتريت منك ثوبا صفته كذا بهذه الدراهم أو بعشرة دراهم في ذمتي فقال بعتك بيع نظرا للفظ وهذا ما صححه الشيخان وقيل سلم نظرا للمعنى ونص عليه الشافعي ونقله الشيخ أبو حامد عنه وعن العراقيين وصححه الجرجاني والروياني وابن الصباغ وقال الإسنوي بعد نقله ذلك فلتكن الفتوى عليه وقال الأذرعي إنه المذهب والمختار نظرا إلى المعنى واللفظ لا يعارضه إذ كل سلم بيع كما أن كل صرف بيع فإطلاق البيع على السلم إطلاق على ما يتناوله وكلام الرافعي في الإجارة ظاهر في ترجيحه لكن على الأول يجب تعيين رأس المال في المجلس إذا كان في الذمة ليخرج عن بيع الدين بالدين وهذا من زيادته لا القبض في المجلس فلا يجب ويثبت فيه خيار الشرط ويجوز الاعتياض عنه وعلى الثاني ينعكس ذلك فصل يصح السلم حالا كالمؤجل وأولى لبعده عن الغرر ولا مانع وقوله في الخبر السابق أول الباب إلى أجل معلوم أي إن كان مؤجلا كنظيره فيما قبله إذ المعنى في كيل معلوم إن كان مكيلا ووزن معلوم إن كان موزونا بدليل جواز السلم في المعدود والمذروع ومؤجلا لما مر أول الباب ولو أطلق عن الحلول والتأجيل فهو حال كالثمن في البيع المطلق فلو كان المسلم فيه معدوما عند العقد لم يصح كما يعلم مما سيأتي ولو ألحقا به أجلا في المجلس لحق أو ذكرا أجلا ثم أسقطاه في المجلس سقط أو حذفا فيه المفسد لم
125
125
ينحذف فلا ينقلب العقد صحيحا كما قدم ذلك في البيوع المنهي عنها وأعاده الأصل هنا ويشترط أن يكون الأجل معلوما لما مر أول الباب فلا يؤقت بالحصاد وقدوم الحاج ونحوهما مطلقا أي سواء أذكر معها وقتها أم لا إذ ليس لها وقت معين وما روي من أنه صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي شيئا إلى ميسرته فمحمول إن صح على زمن معلوم عندهم ولا بالشتاء والصيف والعطاس إلا أن يريد كل من العاقدين الوقت أي وقتها المعين فيصح ويجوز التأقيت بشهور الروم مثلا كتموز وحزيران وأعياد كفار كالنيروز والمهرجان يطلقان على الوقتين اللذين تنتهي الشمس فيهما إلى أوائل برجي الميزان والحمل وذلك لأنها معلومة كشهور العرب هذا إن عرفها المسلمون ولو عدلين منهم أو المتعاقدان بخلاف ما إذا اختص الكفار بمعرفتها إذ لا يعتمد قولهم قال ابن الصباغ إلا أن يبلغوا عددا يمتنع تواطؤهم على الكذب ولو وقتا بالنفر وربيع والعيد أي بواحد منها ولم يقيدا بالأول ولا بالثاني صح وحمل على الأول لتحقق الاسم به ولو قال كأصله شهر ربيع كان أولى لقول أهل اللغة لا يقال ربيع بل شهر ربيع قالوا ولا يضاف لفظ شهر إلى شيء من الشهور إلا إلى رمضان والربيعين وينون ربيع إذا وصف بالأول أو الثاني ولا يقال بالإضافة نبه عليه النووي وتقدم في كتاب الصوم ماله بذلك تعلق أو وقتا بالقر بفتح القاف وتشديد الراء وهو حادي عشر ذي الحجة صح سمي به لأن الحجاج يقرون فيه بمنى وينفرون بعده النفرين في الثاني عشر والثالث عشر والتأجيل في الحقيقة بأيامها لا بها نفسها لأنها قد تتقدم وقد تتأخر فرع والسنة المطلقة تحمل على الهلالية دون غيرها لأنها عرف الشرع قال تعالى يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج فلو عقدا في آخر يوم من الشهر وفي معناه ليلته فكل السنة هلالية فيكتفى بمضيها بعده فلا يكمل اليوم مما بعدها فإنها مضت عربية كوامل هذا إن نقص الشهر الأخير وإن كمل انكسر اليوم الأخير الذي عقدا فيه فيكمل منه المنكسر ثلاثين يوما لتعذر اعتبار الهلال فيه دون البقية أو عقدا في آخر أول وفي نسخة أو بعد لحظة من المحرم وأجل بسنة مثلا فهو منكسر وحده فيكمل من السنة الثانية ثلاثين يوما ولا يلغى المنكسر لئلا يتأخر ابتداء الأجل عن العقد أما إذا عقدا أول الشهر فيعتبر الجميع بالأهلة تامة كانت أو ناقصة وإن قال العاقد شمسية وهي ثلثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم إلا جزءا من ثلثمائة جزء من يوم أولها الحمل وربما جعل النيروز أو رومية وهي ثلثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم وقيل غير ذلك أو فارسية وهي ثلثمائة وخمسة وستون يوما كل شهر ثلاثون يوما ويزاد في الآخر خمسة يسمونها المسترقة أو قمرية ويقال لها الهلالية والعربية وهي كما قال صاحب المهذب وغيره ثلثمائة وأربعة وخمسون يوما وخمس يوم وسدسه وتوقف القاضي مجلي في زيادة الكسرين وصحح الجيلي أنها ثلثمائة وخمسة وخمسون يوما وقرر الفرغاني زيادة الكسرين بأنه يزيد في كل ثلاثين سنة أحد عشر يوما فإذا قسطت على السنين خص كل سنة خمس وسدس يوم قال وهذا إنما يحصل باجتماع الشمس والقمر أما برؤية الهلال فلا زيادة نقله عنه القاضي مجلي ثم قال وهو
126
126
مناقض لقول المهذب في الهلالية انتهى وقد يقال على بعد لا مناقضة لاحتمال أن الهلالية تزيد من حيث الاجتماع المذكور لا من حيث رؤية الهلال أو عددية وهي ثلثمائة وستون يوما وهي مذكورة في الأصل صح وتقيد بما قاله وأسماء شهور الفرس والروم مذكورة في الأنوار وغيره فرع وإن قال إلى الجمعة أو إلى رمضان مثلا حل الأجل بأول جزء منه لتحقق الاسم به وربما يقال بانتهاء ليلة الجمعة وبانتهاء شعبان وهما بمعنى ذكره الأصل فإن قال يحل في يوم الجمعة أو في رمضان مثلا أو إلى أول رمضان أو آخره لم يصح العقد لأنه جعل كلا من الأولين ظرفا فكأنه قال في وقت من أوقاته والثالث يقع على جميع النصف الأول والرابع على جميع النصف الآخر وهذا بخلاف الطلاق لجواز تعليقه بالمجاهيل ورد ابن الصباغ الفرق بأن قضيته أن يقع الطلاق في آخره لا في أوله فلما وقع في أوله اقتضى أن الإطلاق يقتضيه واستحسنه الرافعي وأجاب عنه إسماعيل الحضرمي بأن مرادهم أن الطلاق لما قبل التعليق بالمجهول كقدوم زيد قبله بالعام وتعلق بأوله والسلم لا يؤجل بمجهول فلا يؤجل بعام قال في المطلب ويفارق ذلك صحة التأجيل بالنفر ونحوه بأن اسم النفر وضع لكل من الأول والثاني بعينه ودلالته على كل منهما أقوى من دلالة لفظ الظرف على أزمنته فإنه لم يوضع لشيء منها بل دل على زمن منها مبهما وذلك أضعف مما وضع لعينه فانقطع إلحاقه به انتهى والباء فيما ذكر كفى فيما يظهر ثم ما ذكره المصنف في إلى أول رمضان أو آخره نقله الشيخان عن الأصحاب ثم قالا قال الإمام البغوي ينبغي أن يصح ويحمل على الجزء الأول من كل نصف كما في النفر قال في الشرح الصغير وهو الأقوى وقال السبكي إنه الصحيح الذي يدل له نصه في البويطي وصرح به الشيخ أبو حامد والماوردي وذكر مثله الإسنوي ونقله الأذرعي عمن ذكر وغيره وعن نص الأم قال وهو الأصح نقلا وأقوى دليلا وقال الزركشي إنه المذهب وما عزاه الشيخان للأصحاب تبعا فيه الإمام وإذا أسلم في جنسين أو أكثر دفعة واحدة إلى أجل أو عكس بأن أسلم في جنس إلى أجلين أو أكثر دفعة واحدة صح بناء على جواز تفريق الصفقة الشرط الثالث القدرة على التسليم للمسلم إليه وقت الوجوب للتسليم له وهذا كما قال الأصل لا يختص بالسلم بل يعم كل بيع وإنما صرح به هنا مع الاغتناء عنه بما مر في البيع ليرتب عليه الفروع الآتية قاله الإسنوي وقال غيره المقصود بيان محل القدرة وهو حالة وجوب التسليم وتارة تقترن بالعقد لكون السلم حالا وتارة تتأخر عنه لكونه مؤجلا بخلاف البيع أي للمعين فإن المعتبر اقتران القدرة فيه بالعقد مطلقا فإن أسلم فيما يعدم فيه أي وقت الحلول كالرطب في الشتاء أو فيما يعز وجوده إما لقلته كالصيد حيث يفقد واللآلئ الكبار وهي ما تطلب للتزين لم يصح لأن السلم عقد غرر فلا يحتمل إلا فيما يوثق به ويجوز السلم في اللآلئ الصغار وهي ما تطلب للتداوي وضبطها الجويني بسدس دينار تقريبا وإن قصدت للتزين إن عم وجودها كيلا ووزنا والمناسب ما في الأصل من ذكر اللآلئ بعد قوله أو لاستقصاء الأوصاف فيه كاليواقيت والزبرجد والمرجان لندرتها باستقصاء أوصافها من ذكر حجم وشكل ووزن وصفاء قال الماوردي ولا بأس بالسلم في البلور لأن صفته مضبوطة بخلاف العقيق فإن الحجر الواحد منه يختلف
أو ندرة اجتماعها بضم النون مع الوصف المناسب أو ندرة اجتماعه بالوصف أي المشروط
127
127
كجارية وولدها أو أختها وشاة وسخلتها وكذا حامل من أمة أو غيرها فهو أولى من تصوير أصله بالأمة وشاة لبون وعبد وولده أو أخيه واستشكل الرافعي ذلك بما لو شرط كون العبد كاتبا أو الجارية ماشطة حيث يصح مع أنه يندر اجتماع ذلك بالصفات المشروطة وأجاب عنه في المهمات بأن الكتابة والمشط يسهل تحصيلهما بالتعلم بخلاف الولدية والأخوة ونحوهما أو للبعد عن محل التسليم ككونه بمسافة لا يجلب مثله منها في العادة الغالبة للمعاملة بأن لم يجلب أو يجلب نادرا أو غالبا للمعاملة بل للهدية ونحوها لم يصح بخلاف ما إذا اعتيد جلبه غالبا للمعاملة فيصح وهذا التفصيل ذكره الإمام وقال نقلا عن الأئمة لا تعتبر مسافة القصر هنا ونازع الرافعي في الإعراض عنها بما يأتي في مسألة انقطاع المسلم فيه ويفرق بأنه لا مؤنة لنقله على المسلم إليه فحيث اعتيد نقله غالبا للمعاملة من محل إلى محل التسليم صح وإن تباعدا بخلافها فيما يأتي فإنها لازمة له فاعتبر لتخفيفها قرب المسافة واعتباري لمحل التسليم أولى من اعتبار كثير محل العقد وإن كنت تبعتهم في شرح البهجة
وكذا لو عسر تحصيله كالقدر الكثير من الباكورة وهي أول الفاكهة لا يصح السلم فيه لعزة وجوده بخلاف قدر منها لا يعسر تحميله فإذا انقطع الموجود أي ما يعم وجوده بجائحة بعد العقد قبل الحلول لم يضر فلو علم قبله انقطاعه فلا خيار له قبله إذ لم يجئ وقت وجوب التسليم أو انقطع بعده أو عنده ولو كان الحلول بموت المسلم إليه قبل حلول الأجل ثبت للمسلم الخيار بين الفسخ والصبر حتى يوجد المسلم فيه دفعا للضرر ولم ينفسخ أي العقد كما لو أفلس المشتري بالثمن أو أبق العبد المبيع قبل قبضه ولأن المسلم فيه يتعلق بالذمة وهي باقية والوفاء في المستقبل ممكن فلو وفي نسخة فإن أجاز العقد لم يسقط الفسخ وإن أسقطه صريحا كزوجتي المولى والمعسر إذا رضيتا وكالمشتري إذا أجاز العقد عند إباق العبد قبل قبضه ولأنه مستحق للتسليم في كل الأوقات والإسقاط إنما يؤثر في الحال دون ما يتجدد فعلم أن الخيار على التراخي ولو قال له المسلم إليه لا تصبر وخذ رأس مالك لم يلزمه كما صرح به الأصل ويجب تحصيله أي المسلم فيه بثمن المثل وإن غلا ولو كان تحصيله من غير البلد أي بلد التسليم إلى دون مسافة القصر لخفة المؤنة بخلاف ما إذا زادت المسافة على ذلك فانقطاعه المثبت للخيار على ما أفاده كلامه أن يفقد أو يوجد بمحل آخر لكنه يفسد بنقله أو لم يوجد إلا عند قوم لا يبيعونه أو يبيعونه بأكثر من ثمن مثله بخلاف ما إذا غلا سعره
وقول الأصل ولو كانوا يبيعونه بثمن غال وجب تحصيله يقتضي أنه يجب تحصيله وإن زاد على ثمن مثله وقد استشكل بنظيره من الغصب فإنه لا يجب تحصيله حينئذ فهنا أولى وقد جعل الشارع الموجود بأكثر من قيمته كالمعدوم كما في الرقبة وماء الطهارة وأجاب عنه الإسنوي بأن المراد بالغلو هنا ارتفاع الأسعار لا الزيادة على ثمن المثل قال الأذرعي وكلام المتولي يشير إليه وهو قضية كلام المصنف وأجاب الزركشي بمنع قياس السلم على الغصب لأن السلم عقد وضع لطلب الربح والزيادة فكلف المسلم إليه التحصيل لهذا الغرض الموضوع له العقد وإلا لانتفت فائدته بخلاف الغصب فإنه باب تعد والمماثلة مطلوبة فيه فلم يكلف فيه الزيادة لآية فمن اعتدى عليكم ولأن المسلم إليه التزم التحصيل بالعقد باختياره وقبض البدل فالزيادة إنما هي في مقابلة ما حصل له من النماء الحاصل مما قبضه بخلاف الغاصب الشرط الرابع بيان محل بفتح الحاء أي مكان تسليم المسلم فيه المؤجل وإنما يشترط بيانه فيما لحمله مؤنة أو كان العقد بمكان لا يصلح للتسليم لتفاوت الأغراض فيما يراد من الأمكنة في ذلك فإن لم يكن لحمله مؤنة وكان العقد بمكان يصلح للتسليم لم يشترط ذلك ويتعين مكان العقد
128
128
للتسليم للعرف ويكفي في تعيينه أن يقول تسلمه لي في بلدة كذا إلا أن تكون كبيرة كبغداد والبصرة ويكفي إحضاره في أولها ولا يكلف إحضاره إلى منزله ولو قال في أي البلاد شئت فسد وفي أي مكان شئت من بلد كذا فإن اتسع لم يجز وإلا جاز أو ببلد كذا وببلد كذا فهل يفسد أو يصح وينزل على تسليم النصف بكل بلد وجهان قال الشاشي أصحهما الأول قال في المطلب والفرق بين تسلمه في بلد كذا وتسلمه في شهر كذا حيث لا يصح كما مر اختلاف الغرض في الزمان دون المكان فلو عينه فخرب بكسر الراء وخرج عن صلاحية التسليم فأقرب مكان وفي نسخة موضع صالح له إليه يتعين على الأقيس في الروضة من ثلاثة أوجه قال الإسنوي لا بد أن يقال مع هذا إن كان الصالح أبعد من الخرب استحق أجرة الزائد لأن العقد لم يقتضه وإنما أوجبناه لغرض المستحق فجمعنا بين المصلحتين كما في نظائره من الإجارة
وإن كان أقرب فيتجه تخيير المسلم بين أن يتسلم في الخرب ولا كلام وأن يتسلم في الصالح من غير حط شيء من الأجرة قال الأذرعي وهذا كلام عجيب إذ كيف يجبر المسلم إليه على النقل إلى مكان بعيد بالأجرة ولم يلتزم ذلك وكيف يسلم في المعين والفرض أنه خرج عن الصلاحية إلا أن يؤول ذلك وفيما قاله نظر وقال الروياني لو صار المعين مخوفا لا يلزمه قبوله فيه وليس له تكليفه النقل إلى مكان آخر وله أن يتخير بين الفسخ والصبر وهو أحد الأوجه الثلاثة وهذا قد رجحه البلقيني ثم قال فلو قال المسلم إليه أنا أفسخ السلم لأؤدي إليه رأس ماله وتبرأ ذمتي مما علي فالأرجح إجابته لا سيما إن كان ثم رهن يريد فكه أو ضامن يريد خلاصه وهذا يخالف ما قدمته عن الأصل قبل قول المصنف ويجب تحصيله إلا أن يفرق بأن الغالب عدم إعادة ما خرب بخلاف ما انقطع من الأشياء التي يسلم فيها وفي السلم الحال يتعين موضع العقد للتسليم مطلقا عن التقييد بأنه يصلح للتسليم أو بأن لحمل المسلم فيه مؤنة للعرف فلا يشترط فيه التعيين كالبيع والتصريح بمطلقا من زيادته وقد فسرته بما اقتضاه كلام الأصل لكن قال ابن الرفعة في الحكم المذكور هذا إذا كان موضع العقد صالحا للتسليم وإلا فالظاهر أنه يشترط التعيين وهو ظاهر كلام الأئمة وفيما قاله وقفة
فإن عينا غيره جاز وتعين بخلاف المبيع المعين لأن السلم يقبل التأجيل فقبل شرطا يتضمن تأخير التسليم بخلاف البيع والمراد بموضع العقد تلك الناحية أي المحلة لا نفس الموضع أي موضع العقد والثمن في الذمة كالمسلم فيه و الثمن المعين كالمبيع المعين وفي التتمة كل عوض من نحو أجرة وصداق وعوض خلع ملتزم في الذمة غير مؤجل له حكم السلم الحال إن عين لتسليمه مكان جاز وتعين وإلا تعين موضع العقد لأن كل عوض ملتزم في الذمة يقبل التأجيل كالمسلم فيه أي فيقبل شرطا يتضمن تأخير التسليم كما مر الشرط الخامس التقدير بالكيل فيما يكال أو الوزن فيما يوزن أو الذرع فيما يذرع أو العد فيما يعد للخبر السابق مع قياس
129
129
ما ليس فيه على ما فيه ويجوز السلم في المكيل بالوزن وكذا عكسه أي في الموزون بالكيل إن أمكن كيله كصغار اللؤلؤ كما مر وهذا بخلاف ما مر في الربويات لأن المقصود هنا معرفة القدر وثم المماثلة بعادة عهده صلى الله عليه وسلم كما مر وحمل الإمام إطلاق الأصحاب جواز كيل الموزون على ما يعد الكيل في مثله ضابطا فيه بخلاف نحو فتات المسك والعنبر لأن للقدر اليسير منه مالية كثيرة والكيل لا يعد ضابطا فيه نقله عن الرافعي وسكت عليه ثم ذكر أنه يجوز السلم في اللآلئ الصغار إذا عم وجودها كيلا ووزنا قال في الروضة هذا مخالف لما تقدم عن الإمام فكأنه اختار هنا ما تقدم من إطلاق الأصحاب وكلام المصنف يوافقه وأجاب عنه البلقيني بأنه ليس مخالفا له لأن فتات المسك والعنبر ونحوهما إنما لم يعد الكيل فيها ضبطا لكثرة التفاوت بالثقل على المحل أو تركه وفي اللؤلؤ لا يحصل بذلك تفاوت كالقمح والفول فيصح فيه بالكيل فلا مخالفة فالمعتمد تقييد الإمام وبه جزم النووي في تصحيحه واستثنى الجرجاني وغيره النقدين أيضا فلا يسلم فيهما إلا وزنا لا بهما أي الكيل والوزن معا فلو أسلم في مائة صاع بر مثلا على أن وزنها كذا لم يصح لأن ذلك يعز وجوده ولا بالذرع والوزن في ثوب موصوف لذلك وذكر موصوف إيضاح إذ الكلام فيه والمعتبر في نحو البطيخ والرمان والبقول والبيض الوزن لأن ذلك يضبطه به فلا يصح بالكيل لأنه يتجافى في المكيال ولا بالعد لكثرة التفاوت فيه ويفارق البيع بأن العمدة فيه المعاينة والمراد بالبيض بيض الدجاج ونحوه فما فوقه بخلاف بيض الحمام ونحوه وإن ذكر معه أي الوزن العد فسد العقد لأنه يحتاج معه إلى ذكر الحجم وذلك يورث عزة الوجود قال الإسنوي وغيره لكن نص الشافعي في البويطي على الجواز وأجيب عنه بحمله على الوزن التقريبي وحمل غيره على التحديدي أو بحمله على عدد يسير لا يتعذر تحصيله عليه وحمل غيره على عدد كثير لتعذر ضبطه والمراد فيما ذكر الوزن لكل واحدة أما لو أسلم في عدد من البطيخ مثلا كمائة بالوزن في الجميع دون كل واحدة فيجوز اتفاقا قاله السبكي وغيره ويصح السلم في نحو الجوز مما لا يتجافى في المكيال ويعد الكيل فيه ضبطا كلوز وبندق وفستق بالكيل وكذا بالوزن وإنما يصح فيه بكل منهما إن لم تختلف قشوره غلظا ورقة غالبا وإلا فلا يصح لاختلاف الأغراض في ذلك وهذا استدركه الإمام على إطلاق الأصحاب الجواز وتبعه الغزالي والرافعي والنووي لكنه قال في شرح الوسيط بعد ذكره له والمشهور في المذهب ما أطلقه الأصحاب ونص عليه الشافعي قال في المهمات والصواب التمسك بما قاله في شرح الوسيط لأنه مستتبع لا مختصر ولو حذف المصنف لفظة كذا كان أولى لإيهامها خلافا فيما بعدها دون ما قبلها والأمر بالعكس ولإيهامها عود الشرط المذكور إلى الوزن فقط وليس كذلك كما صرح به الرافعي وظاهر أنه إنما يقبل الجوز واللوز في قشرهما الأسفل فقط بل قالوا لا يجوز السلم فيهما إلا في القشر الأسفل ويشترط في صحة السلم في اللبن بكسر الباء ذكر العد له والطول والعرض والثخانة لكل لبنة و ذكر أنه من طين معروف ويستحب ذكر وزن اللبنة لأنها تضرب باختياره فلا يعز وجودها والأمر في وزنها على التقريب فرع يبطل السلم ولو كان حالا بتعيين مكيال غير معتاد ككوز لا يعرف قدر ما يسع لأن فيه غررا لأنه قد يتلف قبل قبض ما في الذمة فيؤدي إلى التنازع وقيل لا يبطل الحال بذلك والتصريح بالترجيح فيه من زيادته بخلاف بيع ملئه من هذه الصبرة فإنه يصح لعدم الغرر وإن عين في البيع أو السلم مكيالا معتادا
130
130
بأن عرف قدر ما يسع جاز العقد ولغا تعيينه كسائر الشروط التي لا غرض فيها ويقوم مثل المعين مقامه فلو شرطا أن لا يبدل بطل العقد كما أفهمه كلام الرافعي في المسابقة وتعيين الميزان والذراع والصنجة في معنى تعيين المكيال فلو شرط الذرع بذراع يده ولم يكن معلوم القدر لم يصح العقد لأنه قد يموت قبل القبض ولو اختلفت المكاييل والموازين والذرعان فلا بد من تعيين نوع منها إلا أن يغلب نوع منها فيحمل الإطلاق عليه كما في أوصاف المسلم فيه ولو قال أسلمت إليك في ثوب أو في صاع شعير مثل هذا الثوب أو الشعير لم يصح لأنه قد يتلف المشار إليه كما في مسألة الكوز أو قال أسلمت إليك في ثوب مثل ثوب قد وصف قبل ذلك ولم ينسيا وصفه صح وفارقت ما قبلها بأن الإشارة إلى المعين لم تعتمد الصفة ولا يصح السلم في شيء من تمرة بستان و لا ثمرة ضيعة و لا ثمرة قرية صغيرة للغرر بتوقع عدم تلك البقعة بجائحة فتقطع ثمرتها ولأن التعيين ينافي الدينية بتضييق محال التحصيل ويجوز في ثمر ناحية أو قرية كبيرة ولو لم يفد تنويعا في الثمر لأنه لا ينقطع غالبا ولا تتضيق به المحال والمراد بالكبيرة ما يؤمن فيها انقطاع ثمرها وبالصغيرة خلافه كما اقتضاه كلام ابن كج فيما نقله عن الشافعي فالعبرة بكثرة الثمار وقلتها والثمرة مثال فغيرها مثلها الشرط السادس الوصف بأن يذكر المسلم فيه في العقد بما ينضبط به على وجه لا يعز وجوده فلا يصح السلم إلا فيما ينضبط وصفا مع ذكر ما يجب ذكره لأن البيع لا يحتمل جهالة المعقود عليه وهو عين فلان لا يحتملها وهو دين أولى فلا يصح في المختلطات المقصودة الأركان التي لا تنضبط قدرا وصفة كالهريسة والحلوى والمعجونات والغالية المركبة من مسك وعنبر وعود وكافور كذا في الأصل وفي تحرير النووي مركبة من دهن ومسك وعنبر والترياق المخلوط فإن كان نباتا أو حجرا جاز المسلم فيه وهو بتاء مثناة أو دال مهملة أو طاء كذلك مكسورات ومضمومات ففيه ست لغات ذكرها النووي في دقائقه ويقال دراق وطراق والقسي المركبة من خشب وعظم وعصب والنبل أي السهام العربية بعد الخرط والعمل عليه الشامل للخرط فهو من عطف العام على الخاص وذلك لأنه إن كان عليه عصب وريش ونصل أو شيء منها فللاختلاط ولاختلاف وسطه وطرفيه دقة وغلظا وتعذر ضبطه وإلا فللثاني والشق الأول هو المقصود بالتمثيل للمختلطات
أما النبل قبل الخرط والعمل عليه فيجوز السلم فيه لتيسر ضبطه والخفاف والنعال لاختلاف وجهيها وحشوها والعبارة لا تفي بذكر أقدارها وأوصافها أما الخفاف المتخذة من شيء واحد ومثلها النعال قال السبكي فإن كان من جلد ومنعنا السلم فيه وهو الأصح امتنع وإن جوزناه فيظهر جوازه إذا لم يختلف جلده وقطع قطعا مضبوطة وإن كان من غير جلد فكالثياب المخيطة التي جوز الصيمري السلم فيها فإن انضبطت أي المختلطات المقصودة كالعتابي المركب من قطن وحرير والخز المركب من إبريسم ووبر أو صوف و الثوب المعمول عليه بالإبرة من غير جنسه كإبريسم على قطن أو كتان جاز لسهولة ضبطها
131
131
وقيد الأخيرة بغير الجنس ليكون مثالا للمختلط بغيره للاحتراز عن المعمول عليه من الجنس إذ السلم فيه جائز بمفهوم الأولى ولو لم يقصد الخليط في نفسه كخل التمر والزبيب وهو الحاصل من اختلاط كل منهما بالماء الغير المقصود في نفسه والجبن ولو يابسا والأقط كل منهما فيه مع اللبن المقصود الملح والإنفحة من مصالحه ويزيد الأقط بيسير دقيق والسمك المملوح لم يضر لحقارة اختلاطها فكل منها كشيء واحد لا الأدهان المطيبة بطيب من نحو بنفسج وبان وورد بأن خالطها شيء من ذلك فلا يجوز السلم بها لأن الطيب مقصود وهو لا ينضبط
فإن تروح سمسمها بالطيب المذكور واعتصر لم يضر ولا مخيض فيه ماء فلا يصح السلم فيه لعدم انضباط الحموضة ولأن حموضته عيب وفارق ماء خل التمر والزبيب بأن ذاك لا غنى عنه فإن قوامه به بخلاف المخيض إذ لا مصلحة له فيه أما المخيض الذي لا ماء فيه فيصح السلم فيه كما سيأتي ولا مصل وهو الحاصل من اختلاط اللبن بالدقيق لما مر ولا كشك قاله الماوردي ولو اختلط الشيء بغيره خلقة كالشهد بفتح الشين وضمها وهو عسل مشمع صح لأن اختلاطه خلقي فأشبه النوى في التمر وقيل لا يصح قال الأذرعي وغيره وهو المذهب المنصوص في الأم وعليه الجمهور وعلله في الأم بأنه لا يعرف ما فيه من العسل والشمع لكثرته وقلته وثقله وخفته وعلى الأول فالحاصل أن المختلط الذي يصح السلم فيه ما كان منضبطا بأن كان اختلاطه خلقيا كالشهد أو صناعيا وقصد بعض أركانه سواء استهلك الباقي كالجبن والأقط أم لا كخل الزبيب والتمر أو قصدت أركانه كلها وانضبطت كالعتابي والخز بخلاف ما لا ينضبط كالمعاجين والهرائس والأمراق والغوالي والحنطة المختلطة بالشعير والسفينة فصل ويجوز السلم في الحيوان لأنه ثبت في الذمة قرضا في خبر مسلم أنه صلى الله عليه وسلم اقترض بكرا وقيس عليه السلم وعلى البكر غيره من سائر الحيوانات وخبر النهي عن السلف في الحيوان قال ابن السمعاني غير ثابت وإن خرجه الحاكم فليذكر في الرقيق النوع كتركي أو حبشي وكذا يذكر بصنفه إذا اختلف كخطابي أو رومي و يذكر اللون كأبيض وأسود مع صفته بأن يصف بياضه بسمرة أو شقرة وسواده بصفاء أو كدرة إن اختلف اللون فإن لم يختلف كزنجي لم يجب ذكرها و يذكر الذكورة والأنوثة أي أحداهما والسن كابن ست أو سبع من السنين أو محتلم لاختلاف الغرض بذلك وفي نسخة أو محتلما بالنصب عطفا على السن والأولى أنسب بقول الأصل الرابع السن فيقول محتلم أو ابن ست أو سبع قال الأذرعي والظاهر أن المراد به أول عام الاحتلام أو وقته وإلا فابن عشرين سنة محتلم تقريبا فإن حدده كان شرط كونه ابن سبع بلا زيادة ولا نقصان لم يجز لندرته
ويصدق البالغ في سنه واحتلامه الأنسب بكلام أصله وغيره ويصدق الرقيق في احتلامه والرقيق البالغ في سنه والسيد البالغ في سن صغير علمه وتعبيره بعلمه أولى من قول أصله إن ولد في الإسلام وظاهر أن محل تصديقها إذا كانا مسلمين عاقلين وإلا بأن لم يبلغ الرقيق ولا علم السيد سنه فالنخاسون بنون وخاء معجمة وهم بائعو الرقيق والدواب وأصله من النخس وهو الضرب باليد على الكفل يرجع إليهم فتعتبر ظنونهم ويستحب ذكر مفلج الأسنان أو غيره وجعد الشعر أو سبطه وصفة الحاجبين وليذكر القد أي كونه طويلا أو قصيرا أو ربعا المعروف ربعه بفتح الراء وسكون الباء وذلك كأن يقول ستة أشبار أو خمسة قال الشافعي يقول خماسي أو سداسي فقيل أراد به خمسة أشبار أو ستة وقيل أراد خمس سنين أو ستا وقال الجوهري يقال غلام رباعي وخماسي ولا يقال سباعي لأنه إذا بلغ سبعة أشبار صار رجلا لا سائر الأوصاف التي تؤدي إلى عزة الوجود فلا يشترط وصف كل عضو
132
132
على حياله بأوصافه المقصودة وإن تفاوت به الغرض والقيمة لأن ذلك يورث عزة
و لا الملاحة والدعج وهو شدة سواد العين مع سعتها ونحوهما من الأوصاف التي يعتني بها أهل الخبرة وترغب في الإرقاء كالكحل بفتحتين وهو أن يعلو جفون العين سواد كالكحل من غير اكتحال وتكلثم الوجه وهو استدارته وسمن الجارية فلا يشترط ذكرها لتسامح الناس بإهمالها غالبا ويعدون ذكرها استقصاء ومبالغة ويجب في الأمة ذكر الثيابة والبكارة أي أحدهما ولو شرط كونه أي الرقيق يهوديا أو كاتبا أو مزوجا كما ذكره الأصل ونحوها جاز بخلاف كونه شاعرا لأن الشعر طبع لا يمكن تعلمه فيعز وجوده بالأوصاف المذكورة وبخلاف خفة الروح وعذوبة الكلام وحسن الخلق للجهالة وكذا يجوز إن شرطه زانيا أو سارقا أو قاذفا أو نحوها لا كونها مغنية أو عوادة أو نحوهما وفرق بأنها صناعة محرمة وتلك أمور تحدث كالعمى والعور قال الرافعي وهذا فرق لا يقبله ذهنك وقال الزركشي بل الفرق صحيح إذ حاصله أن الغناء والضرب بالعود لا يحصل إلا بالتعلم وهو محظور وما أدى إلى المحظور محظور بخلاف الزنا والسرقة ونحوهما فإنها عيوب تحدث من غير تعلم فهو كالسلم في العبد المعيب لأنها أوصاف نقص ترجع إلى الذات والعيب مضبوط فصح قال لكن يفرق بوجه آخر وهو أن الغناء ونحوه لا بد فيه مع التعلم من الطبع القابل لذلك وهو غير مكتسب فلم يصح كما لو أسلم في عبد شاعر بخلاف الزنا ونحوه انتهى وعلى الفرق الثاني لا يعتبر كون الغناء محظورا أي بآلة الملاهي المحرمة بخلافه على الأول وصرح الماوردي بالجواز فيما إذا كان الغناء مباحا ووقع في الروضة القوادة بالقاف وصوابه كما قاله الإسنوي وغيره إنه بالعين ولهذا عدل إليه المصنف والمتجه إلحاق القوادة بالقاف بالزانية ونحوها فرع لو أسلم جارية صغيرة في كبيرة جاز كإسلام الإبل في كبيرها فإن كبرت بكسر الباء أجزأت عن المسلم فيه وإن وطئها كوطء الثيب وردها بالعيب وترجيح الأجزاء هنا من زيادته أخذه من قول الروضة آخر الباب لو اتفق كون رأس المال على صفة المسلم فيه فأحضره فوجهان أصحهما يجب قبوله ويذكر في الدواب التي يجوز السلم فيها من إبل وغنم وخيل وغيرها الجنس والنوع مع صنفه إن اختلف فيقول في بيان النوع بخاتي أو عراب أو من نتاج بني فلان إن لم يعز وجوده أو بلد بنى فلان كذلك وفي بيان الصنف المختلف أرحبية أو مهرية أو مجيدية لاختلاف الغرض بذلك أما إذا عز وجوده كأن نسب إلى طائفة يسيرة فلا يصح السلم فيه كنظيره فيما مر في ثمر بستان والبغل والحمار ينسبان إلى البلد أو غيره وهذا مع قصوره عن الغرض داخل فيما قبله لتعبيره فيه بالدواب والأصل إنما أفرده مع استيفاء الغرض لتعبيره أولا بالإبل والخيل فقال بعد ذكره ما يتعلق بهما وهكذا القول في البقر والغنم والبغال والحمير وما لا يتبين نوعه بالإضافة إلى قوم يبين بالإضافة إلى بلد وغيره
و يذكر في الدواب الذكورة والأنوثة أي إحداهما والسن كابن مخاض وابن لبون واللون كأحمر وأسود وقضية كلامه كغيره إنه لا يشترط ذكر القد ونقله الرافعي عن اتفاق الأصحاب لكن جزم المصنف في إرشاده باشتراطه وسبقه إليه الماوردي قال وليس للإخلال به وجه قلت بل له وجه يعرف مما وجه به عدم اشتراط الدعج ونحوه ويندب ذكر الشيات في غير الإبل أي ألوانه المخالفة لمعظم لونه كالأغر والمحجل واللطيم بفتح اللام وهو من الخيل ما سالت غرته في أحد شقي وجهه قاله الجوهري وقال غيره هو الذي أحد شقيه أبيض كأنه لطم بالبياض وقد يحمل قوله شقيه على شقي وجهه فلا مخالفة ومقتضى كلام المصنف
133
133
كأصله جواز السلم في الإباق والذي جزم به الماوردي أنه لا يجوز لأنه لا ينضبط بخلاف الأعفر وهو الذي بين البياض والسواد وتعبير المصنف بغير الإبل أعم من تعبير الأصل بالخيل فلو أسلم في الطيور والسمك ولحومها جاز وذكر السمك ولحمه مكرر مع ما يأتي بزيادة ويذكر في الطيور والسمك ولحومها الجنس والنوع والجثة صغرا وكبرا
وكذا السن إن عرف ويرجع فيه للبائع كما في الرقيق والظاهر أنه إذا ذكر السن لا يحتاج إلى ذكر الجثة كما في الغنم ولما قالوه من أن ذكرها إنما اعتبر لأن السن الذي يعرف به صغرها وكبرها لا يكاد يعرف والذكورة والأنوثة أي إحداهما إن أمكن تمييزها وتعلق به أي بذكرها غرض و يذكر موضع اللحم في كبير من الطير أو السمك كالغنم وهذا محله في الفصل الآتي و يذكر اللون في الطير كما في الوسيط وغيره وهذا من زيادته ويذكر في السمك أنه نهري أو بحري طري أو مالح ولا يلزمه قبول الرأس والرجل من الطير و لا الذنب الذي لا لحم عليه من السمكة إذا أسلم في لحومها كما لا يلزمه قبول الريش وما في الجوف مما لا يؤكل ومقتضى كلامه كأصله أنه يلزمه قبول رأس السمكة لكن نص في البويطي على عدم لزومه ويلزمه قبول جلد الطير والسمك وصغير الجداء بخلاف كبيرها ذكره في الكفاية ويجوز السلم في السمك والجراد حيا أو ميتا حيث عم ويذكر في الحي العدد وفي غيره الوزن ويصف كل جنس من الحيوان بما يليق به مما يراد هذا تأكيد وإيضاح
فائدة قال الأذرعي الظاهر أنه لا يجوز السلم في النحل وإن جوزنا بيعه لأنه لا يمكن حصره بعدد ولا كيل ولا وزن وأنه يجوز السلم في أوزة وفراخها وفي دجاجة وفراخها إذا سمى عددها ولا يتخيل فيه ما قيل في الدابة أو الجارية وولدها إذ لا أوصاف هنا تختلف وتؤدي إلى عزة الوجود فهو كما لو أسلم في عبيد صغار وأمة أجنبية منهم وأولى وما قاله في هذه مردود إذ يعز وجود الأم وأولادها بالصفات المذكورة التي منها اللون على أن هذه داخلة في قولهم حكم البهيمة وولدها حكم الجارية وولدها فصل يجوز السلم في اللحم جديده وقديده ولو مملحا وإن كانت عليه عين الملح لأنه من مصلحته وفي كلامه بالنسبة إلى لحم الطير والسمك مع بعض صفاته الآتية نوع تكرار مع ما مر و في الشحم والكبد ونحوه كالألية والكلية والطحال ويذكر جنس حيوانه ونوعه وصنفه إن اختلف وتعلق به غرض فيما يظهر وكلام الأذرعي يميل إليه وذكورته وخصاءه وكونه رضيعا أو جذعا أو ثنيا ومعلوفا والعبرة بأن يعلف علفا يؤثر في لحمه أو ضدها أي أنوثته وفحولته وكونه فطيما أو ابن مخاض أو ابن لبون أو نحوها وراعيا فلو كان ببلد لا يختلف فيه الراعي والمعلوف قال الماوردي لم يلزم ذكره وكون اللحم من الفخذ بإعجام الذال ونحوه كالكتف والجنب وكونه من سمين أو هزيل كما فهم بالأولى من اعتبار كونه من راع أو معلوف ونقله الأصل عن العراقيين ونص عليه الشافعي في البويطي لكن
134
134
صحح المصنف في شرح الإرشاد أنه لا يشترط قال الزركشي وقياس ما يأتي في اللبن من اعتبار ذكر نوع العلف اعتباره هنا أيضا كما صرح به بعضهم ويأخذه المسلم بعظم معتاد إن لم يشرط نزعه لأنه لا يتميز منه كالنوى في التمر فإن شرطه جاز ولم يجب قبوله والعجف عيب عن علة وعليه يحمل إطلاق الجوهري أنه هزال فلا يجوز شرطه ولا يصح السلم إن شرطه لأنه لا ينضبط ولا مدخل للخصاء والعلف وضدهما في لحم الصيد وليذكر ما يصاد به من أحبولة أو سهم أو جارحة وإنها كلب أو فهد فصيد الكلب أطيب لطيب نكهته ولا يجوز السلم في الرءوس والأكارع وإن كانت نيئة منقاة من الصوف ومضبوطة بالوزن لتعذر ضبطها لما فيها من الأبعاض المختلفة ويخالف السلم في الحيوان وإن اشتمل عليها لأن المقصود جملته من غير تجريد النظر إلى آحاد الأعضاء ويقال في الأكارع كوارع وأكرع جمع كراع قال النووي وهو من الدواب ما دون كعوبها والجوهري مستدق الساق والشائع إطلاقها عليهما معا فصل ولا يصح السلم في مطبوخ و لا ناضج بالنار ولو خبزا عند الأكثرين لاختلاف الغرض باختلاف تأثيرها فيه وتعذر الضبط وتعبيره بمطبوخ أعم من تعبير أصله بلحم مطبوخ فيمتنع السلم في كل مطبوخ و لو سكرا وفانيذا ولبأ ودبسا وهذا ما اقتضاه كلام الرافعي حيث شبهه بالخبز وجزم صاحب الأنوار واعتمده في المهمات وذكر في الروضة في ذلك وجهين وميله فيها إلى الجواز وصححه في تصحيح التنبيه في كل ما داخلته نار لطيفة ومثل بالمذكورات وعليه يفرق بين بابي الربا والسلم بضيق باب الربا لكن قال الأذرعي قل من وافقه على الفرق بين البابين في هذا الحكم وقوله كغيره إن ناره لطيفة خلاف المشاهد وهو كلام من لا عهد له بعمل السكر وكذا نظر فيه السبكي ثم قال لكنه موافق لقولهم في الربا إنه يجوز بيع بعض المذكورات ببعض وفيما استدرك به مع ما تقدم في الفرق تناف إذ قضية ذلك أنه لا فرق بين البابين فما استدرك به ليس بظاهر مع أنه خلاف المنقول وصرح الإمام بجواز بيع الماء المغلي بمثله وقياسه جواز المسلم فيه واللبابا بالهمز والقصر أول ما يجلب وغير المطبوخ منه يجوز السلم فيه قطعا وسيأتي ويصح السلم في الماورد لأن ناره لطيفة والترجيح فيه من زيادته وجزم به الماوردي وغيره وقال الروياني إنه الأصح عندي وعند عامة الأصحاب و يصح في العسل المصفى بالنار لأن تصفيته بها لا تؤثر لأن ناره لطيفة للتمييز لا للعقد بخلافها في الدبس والسكر على ما مر والتصريح بالترجيح فيه من زيادته على الروضة وجزم به في الأنوار والذي في الأصل إلحاقه بهما فيما مر أما المصفى بالشمس فيصح السلم فيه قطعا لعدم اختلافه و يصح السلم في الشمع والآجر لما مر نعم يمتنع في الآجر الملهوج وهو الذي لم يكمل نضجه واحمر بعضه واصفر بعضه نقله الماوردي عن أصحابنا قال السبكي وهو ظاهر لاختلافه ويصح أيضا في القند والخزف والفحم لما مر قال الأذرعي والظاهر جوازه في المسموط لأن النار لا تعمل فيه عملا له تأثير فصل ويذكر في التمر والرطب والحبوب كالحنطة والشعير جنسا التصريح به من زيادته
135
135
ونوعا كمعقلي أو برني ولونا وكبرا أو صغرا وبلدا كبغدادي والقياس ذكر الصنف إن اختلف وكذا كونها جديدة أو عتيقة إلا في الرطب ويذكر أن الجفاف على النخل أو بعد الجذاذ فإن الأول أبقى والثاني أصفى قاله الماوردي قال السبكي ويستحب أن يبين عتيق عام أو عامين فإن أطلق فالنص الجواز وينزل على مسمى العتيق وهو قول البغداديين وقال البصريون لا يصح ويذكر لون العسل وبلده عبارة الأصل ويذكر أنه جبلي أو بلدي ووقته كالصيفي والخريفي لا عتقه وحداثته كما صرح به الأصل لأنه لا يختلف به الغرض قال الماوردي ويذكر مرعاه وقوته ورقته فإن رق لا لعيب كحر أخذه المسلم أي لزمه قبوله بخلاف ما إذا رق لعيب أو كان رقيقا خلقه وهو بخلاف ما شرطه فصل يشترط في اللبن والزبد والسمن ذكر جنس حيوانه ونوعه وما كونه من مرعى أو علف معين بنوعه وقضية كلام أصله اعتبار السن ككونه لبن صغير أو كبير قال الأذرعي ولم أر من ذكره فكأن المصنف حذفه لذلك و يذكر لون السمن والزبد لا اللبن وأما اللبأ فيذكر فيه ما يذكر في اللبن وأنه قبل الولادة أو بعدها وأنه أول بطن أو ثانيه أو ثالثه ولبأ يومه أو أمسه كذا نقله السبكي عن الأصحاب ويذكر في السمن أنه جديد أو عتيق الترجيح فيه من زيادته ورجحه في الشرح الصغير والذي في الأصل هل يحتاج إلى ذكر العتيق والجديد وجهان قال الشيخ أبو حامد لا بل العتيق معيب لا يصح السلم فيه وقال القاضي أبو الطيب المتغير هو المعيب لا كل عتيق فيجب بيانه قال في المهمات وقد نقل في الشامل عن القاضي أبي الطيب أن شرط وجوب البيان أن تختلف القيمة وما قاله الشيخ أبو حامد حكما وتعليلا هو نص الشافعي كما نقله في الشامل عن الشيخ أبي حامد عنه فتلخص أنه مذهبنا ا ه ويمكن حمله على المتغير لأنه حينئذ معيب وحمل الأول على غيره على أن السبكي قال ونص الشافعي يدل لما قاله القاضي
قلت فيصير في المسألة قولان حيث اختلف النصان رجح الرافعي منهما أحدهما كما عرف ولا يصح في حامض اللبن لأن الحموضة عيب فيه إلا في مخيض لا ماء فيه فيصح السلم فيه ولا يضر وصفه بالحموضة لأنها مقصودة فيه واللبن المطلق يحمل على الحلو وإن انعقد أي جف فلو أسلم في لبن يومين أو ثلاثة فإنما يجوز إذا بقي حلوا في تلك المدة قاله الأصل وفي الأم لا يجوز إلا أن يقول حليبا أو لبن يومه قال والحليب ما حلب من ساعته ويذكر طراوة الزبد وضدها كأن يقول زبد يومه أو أمسه ويجوز السلم في اللبن كيلا ووزنا ويوزن اللبن برغوته بتثليث الراء لأنها لا تؤثر في الميزان ولا يكال بها ويذكر نوع الجبن وبلده ورطوبته ويبسه الذي لا تغير فيه أما ما فيه تغير فلا يصح السلم فيه لأنه معيب وعليه منع الشافعي السلم في الجبن القديم والسمن يوزن ويكال وجامده الذي يتجافى في المكيال يوزن كالزبد واللبأ المجفف أما غير المجفف فكاللبن وما نص عليه في الأم من أنه يصح السلم في الزبد كيلا ووزنا يحمل على زبد لا يتجافى في المكيال فصل ويذكر في الصوف والوبر والشعر كما صرح به الأصل أي في كل منها نوع أصله هذا من زيادته وصرح به الماوردي وذكورته وأنوثته أي إحداهما لأن صوف الإناث أنعم واغتنوا بذلك عن ذكر اللين والخشونة وبلده واللون والوقت كخريفي أو ربيعي والطول والقصر أي أحدهما والوزن ولم يذكروا عتقه أو حداثته إن اختلف به الغرض وقد ذكروه في القطن ولا فرق بينهما وقد صرح بذلك ابن كج ذكره الزركشي ولا يقبل إلا منقى من بعر ونحوه كشوك ويجوز شرط غسله إلا إن عيبه الغسل وفي القطن وحليجه بمعنى محلوجه وغزله أي في كل منها يذكر مع النوع كما قاله الروياني وغيره البلد واللون وكثرة لحمه وقلته ونعومته وخشونته ودقة الغزل وغلظه أي أحد كل متقابلين في الثلاثة الأخيرة وكونه عتيقا أو جديدا إن اختلف به الغرض وكغزل القطن
136
136
فيما ذكر غزل غيره كما صرح به الأصل بعد ومطلق القطن يحمل على ذي الحب فإذا أتاه به لزمه قبوله لأنه كالنوى في التمر وعبارة الأصل والمطلق يحمل على الجاف وعلى ما فيه الحب ويجوز السلم في حبه كما يجوز فيه وفي حليجه لا في القطن مع عبارة الأصل في جوزه ولو بعد التشقق لاستتار المقصود بما لا مصلحة فيه بخلاف الجوز واللوز وفي الإبريسم بفتح الهمزة وكسرها مع فتح الراء فيهما وبكسرهما معا وهو الحرير يذكر البلد والدقة والغلظ واللون دون خشونته أو نعومته لأنه لا يكون إلا ناعما قال الماوردي والعمراني ويذكر الطول أو القصر ولا يجوز في القز بدوده أي وفيه دوده حيا ولا ميتا لأنه يمنع معرفة وزن القز أما بعد خروج دوده فيجوز فصل ويذكر في الثياب جنس الغزل كقطن أو كتان ونوعه وبلد النسج إن اختلف به الغرض والطول والعرض والدقة والغلظ وهما بالنسبة للغزل قال في المنهاج كأصله والإرشاد وشرحه والصفاقة والرقة وهما بالنسبة للنسج قال السبكي وقد تستعمل الدقة موضع الرقة وبالعكس والنعومة والخشونة والمراد ذكر أحد كل متقابلين في الثلاثة ويجوز شرط القصارة كالخام ومطلقه يحمل على الخام دون المقصور لأن القصر صفة زائدة قال الشيخ أبو حامد فإن أحضر المقصور كان أولى وقضيته يجب قبوله قال السبكي وغيره إلا أن يختلف الغرض به فلا يجب قبوله ولا يجوز أن يذكر نسج رجل بعينه إلا أن يضاف إليه إضافة تعريف من غير إرادة نسجه بنفسه فيجوز قاله الماوردي ويجوز فيما صبغ غزله قبل النسيج كالبرود لا بعده لأن الصبغ بعده يسد الفرج فلا يظهر معه الصفاقة خلافه قبله و يجوز السلم في القمص والسراويل ونحوهما الجديدة أي في كل منها ولو مغسولا إن ضبطه طولا وعرضا وسعة وضيقا أي أحدهما ولا يجوز في ملبوس من ذلك مغسولا أو غيره لأنه لا ينضبط فأشبه الجباب والخفاف المطبقة والقلانس والثياب المنقوشة وبذلك علم أنه لا مخالفة بين ما أطلق هنا من جواز السلم في القميص والسراويلات وما أطلق في الخلع من عدم جوازه فيهما فصل وفي الغزل يجوز شرط صبغه أن يبينه أي الصبغ قال الماوردي ويبين لونه وكونه في الشتاء أو الصيف قال ولا يجوز السلم في الكتان على خشبه ويجوز بعد الدق فيذكر بلده ولونه وطوله أو قصره ونعومته أو خشونته ودقته أو غلظه وعتقه أو حداثته إن اختلف بذلك وفي الخشب الذي للحطب يذكر النوع والغلظ والدقة أي أحدهما وإنه من الشجرة أو من أغصانها والوزن ولا يجب التعرض لرطوبته وجفافه كما صرح به الأصل لأن رطوبته عيب ويقبله ولو معوجا ومطلقه يحمل على الجاف فإن كان الخشب للبناء والقسي والسهام كما صرح بها الأصل والغراس أي لواحد منها أو نحوها كنصب السكاكين والأدوية ذكر نوعه وعدده وطوله وغلظه ودقته لا وزنه فإن ذكره جاز بخلافه في الثياب لأنه يمكن أن ينحت منه ما يزيد على القدر المشروط مع أن ذكره مستحب وتسويته بين المذكورات في ذلك حسنة وإن كان الأصل حذف من الذي للبناء العدد ومن الذي للقسي والسهام العدد أيضا والطول ومن الذي للغراس الدقة ونص الشافعي في الذي للقسي والسهام على أنه يتعرض لكونه سهليا أو جبليا ويعين أرضه لا في المخروط كباب منحوت فلا يصح السلم فيه بقيد زاده بقوله إن لم ينضبط كأن اختلف أعلاه وأسفله فإن انضبط صح كما في الوسيط وغيره قال في المطلب ولا نزاع
137
137
فيه قال الماوردي فيذكر الجنس والنوع واللون والطول والعرض والثخن والصنعة
فرع وفي الحديد والنحاس والرصاص
أي في كل منها يذكر الجنس التصريح به من زيادته والنوع والخشونة أو النعومة واللون واللين أو اليبس وذكورة الحديد وأنوثته أي إحداهما قال الروياني وغيره والذكر الفولاذ والأنثى اللين الذي يتخذ منه الأواني ونحوها والوزن في الثلاثة وإن اختلفت معادنها ذكرها وما لا يوزن بالقبان لكبره يوزن بالماء أي بالعرض عليه بأن يوضع في سفينة في الماء ويعرف القدر الذي انتهى إليه غوصها ثم يخرج منها ويوضع فيها ما يوزن كطعام أو رمل حتى ينزل منها في الماء بقدر ما نزل منها أولا ثم يوزن ما وضع فيها ثانيا فيعرف قدر المسلم فيه وقد قدمت الإشارة إليه في باب الربا وإن وضع فيها ثانيا الصنج لم يحتج إلى وزن فرع قد يغني ذكر النوع فيما مر عن الجنس والبلد وتأخير هذا إلى هنا أولى من ذكر الأصل له في السلم في الثياب فصل فيه مسائل منثورة تتعلق بما مر السلم في المنافع كتعليم القرآن جائز لأنها تثبت في الذمة كالأعيان ويجوز إسلام غير النقدين أي الذهب والفضة ولو غير مضروبين فيهما كغيرهما لا إسلام أحدهما في الآخر ولو حالا وقبضا في المجلس لتضاد أحكام السلم والصرف لأن السلم يقتضي استحقاق قبض أحد العوضين في المجلس دون الآخر والصرف يقتضي استحقاق قبضهما ما فيه وتعبيره بالنقدين أعم في الجملة من تعبير أصله بالدراهم والدنانير مع أن الحكم لا يختص بهما بل المطعومات كذلك وإذا قلنا لا يصح سلما فهل ينعقد صرفا يبنى على أن العبرة بصيغ العقود أو بمعانيهما ثم محل ذلك إذا لم ينويا بالسلم عقد الصرف والأصح لأن ما كان صريحا في بابه ولم يجد نفاذا في موضوعه يكون كناية في غيره ويجوز السلم في أنواع العطر العامة الوجود كما علم مما مر كمسك وعنبر وكافور وعود ويذكر الوصف من لون ونحوه وهذا من زيادته والوزن والنوع فيقول عنبر أشهب أو غيره قطاع أو فتات و يجوز في الزاج أي الخالص لا المغشوش قاله الصيمري لأنه يمنع من العلم بمقدار المقصود كاللبن المشوب بالماء والطين والجص بكسر الجيم أفصح من فتحها أي الجبس والنورة أي الجير ولو بعد طبخهما ويذكر ما يميز ذلك من ذكر أرضه ولونه ووزنه وأحجار كل من الرحى والبناء والأواني ويذكر نوعها وطولها وعرضها وغلظها قال المتولي وغيره ولونها وكل ما يختلف به الغرض ولا يشترط فيها الوزن اكتفاء بما ذكر ولا يجوز السلم في الحباب بكسر المهملة وبالموحدتين جمع حب بضمها وهي الخابية والكيزان والطساس بكسر الطاء جمع طس بفتحها ويقال فيه طست بإبدال سينه الأخيرة تاء والقماقم والطناجير جمع طنجير بكسر الطاء وهو الدست والمنائر بالهمز وأصله مناور جمع منارة والبرام بكسر الباء حجارة تعمل منها القدور فلا يجوز السلم في شيء من المذكورات المعمولة لندرة اجتماع الوزن مع الصفات المشروطة فإن صب شيء من أصلها المذاب في قالب بفتح اللام أفصح من كسرها أو كان أي وجد سطل مربع جاز السلم فيه لأن ذلك لا يختلف قال السبكي وغيره ولا يختص ذلك بالمربع بل المدور كذلك كما اقتضاه كلام الشيخ أبي حامد وغيره بل كل ما لا يختلف من ذلك مضروبا أو منصوبا كما صرح به الماوردي ويجوز السلم في قطع الجلود وزنا
138
138
لانضباطها لأن جملتها مقصودة وما فيها من التفاوت يجعل عفوا لا في الجلود على هيئتها لتفاوتها في الطول والعرض والعبارة لا تفي بذلك وهذا وما قبله من زيادته على ما في أكثر النسخ وصرح به الرافعي ويبين في الكاغد وهو الورق العدد والنوع والطول والعرض قال القاضي واللون وقال الروياني نقلا عن الشافعي والجودة أو الرداءة والدقة أو الغلظ والصنعة قال ولا بد مع ذلك من ذكر الزمان كصيفي أو شتوي انتهى لكن سيأتي أنه لا يشترط في المسلم فيه ذكر الجودة أو الرداءة وذكر العرض من زيادة المصنف ويجوز في الدقيق ويذكر فيه ما مر في الحب إلا مقداره ويذكر أيضا أنه يطحن برحى الدواب أو الماء أو غيره وخشونة الطحن أو نعومته قال ابن الصلاح في فتاويه ويجوز في النخالة إذا انضبطت بالكيل ولم يكثر تفاوتها فيه بالانكباس وضده ويجوز في التبن قال الروياني وفي جوازه في السويق والنشاء وجهان المذهب الجواز كالدقيق لا في العلس والأرز إذا كانا في القشر الأعلى لاستتارهما بما لا مصلحة فيه ولا في العقار لأنه إن عين مكانه فالمعين لا يثبت في الذمة وإلا فمجهول فرع قال السبكي يجوز السلم في قصب السكر بالوزن ويشترط قطع أعلاه الذي لا حلاوة فيه هكذا قال الشافعي قال المزني وأنا أقول وقطع مجامع عروقه من أسفله واختلف الأصحاب في اشتراط ما ذكره المزني على وجهين فصل لا يشترط ذكر الجودة والرداءة أي إحداهما فيما يسلم فيه ويحمل مطلقه على الجيد للعرف فإن شرط أو أطلق حمل على أقل درجة له كالصفات فإنها تحمل على ذلك فلو أتى بما يقع عليه اسم الوصف المشروط كفى ووجب قبوله لأن الرتب لا نهاية لها وهو كمن باع عبدا بشرط أنه كاتب أو خباز مثلا ولو شرط ردئ النوع أو الأردأ جاز لانضباطهما فإن بينه وكان منضبطا كقطع اليد والعمى صح قاله السبكي وغيره ولا إن شرط الأجود لأن أقصاه غير معلوم فصل معرفة العاقدين الوصف والمكيال شرط فلو جهلاهما أو أحدهما لم يصح العقد وكذا يشترط معرفة غيرهما لهما فلو جهلهما الناس فلا بد لصحة العقد من معرفة عدلين ليرجع إليهما عند التنازع بخلاف ما قدمناه في الأجل من الاكتفاء بمعرفة العاقدين أو معرفة عدلين في التأجيل بنحو شهور الروم لأن الجهالة فيه راجعة إلى الأجل وهنا إلى العقود عليه فجاز أن يحتمل ثم ما لا يحتمل هنا قال الأذرعي وغيره وقضية الاكتفاء بعدلين ثم وبهما مع العاقدين هنا أنه لو عرف الوصف بدونهما ثم ومعهما هنا عدلان فقط كفى وليس كذلك فقد قال أبو علي السنجي قال الشافعي وأقل من يعرف ذلك عدلان من أهل الصنعة قال أصحابنا لم يرد عدلين معينين لا يعرفه غيرهما لأنه لو كان كذلك لم يجز لاحتمال أن يموتا أو أحدهما أو يغيبا في وقت المحل فتتعذر معرفته لكن المراد أن يوجد أبدا في الغالب ممن يعرف ذلك عدلان أو أكثر فحينئذ يجوز وكالمكيال فيما ذكر الميزان والذراع فصل وإن أدى المسلم إليه ما عليه من المسلم فيه وجب قبوله كسائر الحقوق ولو أجود صفة من المشروط لأن الامتناع منه عناد ولا شعار بذلة بأنه لم يجد سبيلا إلى براءة ذمته بغيره وذلك يهون أمر المنة ولأن الجودة لا يمكن فصلها فهي تابعة بخلاف ما لو أسلم إليه في خشبة عشرة أذرع فجاء بها أحد عشر ذراعا كما قاله الجرجاني قال الزركشي نعم إذا كان على المسلم ضرر في قبوله كأن أسلم إليه في عبد أو أمة
139
139
فجاء بفرعه أو أصله أو زوجته أو زوجها فلا يجب قبوله وإن جاء بأخيه أو عمه فوجهان وجه المنع إن من الحكام من يحكم بعتقه عليه ذكره الماوردي انتهى وفيه وقفة لا أردأ من المشروط فلا يجب قبوله وإن كان أجود من وجه آخر لأنه ليس حقه مع تضرره به بل يجوز قبوله إن اتحد النوع لأنه مسامحة بصفة كما يجوز دفع الأجور لذلك لا إن اختلف النوع لأنه اعتياض وهو ممتنع في المسلم فيه كما مر فلا يجوز قبول جنس أو نوع بدل آخر كبر بدل شعير ومعقلي بدل برني وبالعكس بخلاف الأجود أو الأردأ كما تقرر والرطب والتمر وما سقي بماء السماء وماء الأرض والعبد التركي والعبد الهندي التفاوت بين كل متقابلين منها تفاوت نوع لا تفاوت وصف فلا يجب عليه قبول الآخر ولا يجوز فرع لا يقبض كيلا ما أسلم فيه وزنا ولا عكسه فإن خالف لزمه الضمان لفساد القبض كما لو قبضه جزافا ولا ينفذ التصرف فيه كما مر في البيع وكذا لو اكتاله بغير الكيل الذي وقع عليه العقد كأن باع صاعا فاكتاله بالمد على ما رجحه ابن الرفعة من وجهين ذكرهما الماوردي ولا يزلزل المكيال ولا يضع الكف على جوانبه بل يملؤه ويصب على رأسه بقدر ما يحمل ويسلم الحنطة ونحوها نقية من الزؤان وغيره كالتبن والمدر والتراب والشعير والقصيل لأن التسليم مع شيء منها لا يقع موقعه و لكن قليل التراب ودقاق التبن وغيرهما مما ذكر يحتمل في المكيل لأنه لا يظهر فيه لا الوزن لظهوره فيه ومع احتماله في الكيل إن كان لإخراج التراب ونحوه مؤنة لم يلزمه قبوله كما حكاه في الروضة وأقره ويسلم التمر جافا ولو في أول جفافه لأنه قبل جفافه لا يسمى تمرا ولا يجزئ ما تناهى جفافه حتى لم تبق فيه نداوة لأن ذلك نقص ذكره ابن الرفعة والسبكي وغيرهما
و يسلم الرطب غير مشدخ بضم الميم وفتح الشين المعجمة وتشديد الدال المفتوحة وبالخاء المعجمة وهو البسر يعالج بالغم ونحوه حتى يتشدخ أي يترطب وهو المسمى بالمعمول في بلاد مصر فلا يلزمه قبوله ولا قبول بسر ولا مذنب بكسر النون وهو بسر بدا الترطيب فيه من قبل ذنبه فإن عجل المدين مؤجلا فامتنع الدائن وفي نسخة فامتنع المسلم من قبوله لغرض كحيوان يعلف أي يحتاج علفا أو عرض يحتاج مكانا لحفظه بمؤنة كثيرة أو ما يطلب أكله طريا عند محله كثمرة ولحم أو كان مما يتغير على طول الزمان كحنطة أو كان في زمن نهب وإن وقع العقد في زمنه لم يلزمه قبوله لتضرره وإلا أي وإن امتنع لا لغرض لزمه قبوله كالمكاتب يعجل النجوم ليعتق يجبر السيد على قبولها سواء أكان للمؤدي غرض غير البراءة كفك رهن أو إبراء ضامن أو خوف انقطاعه عند المحل أم لا لأن الأجل حق المدين وقد أسقطه قال الزركشي وقد ذكر في باب المناهي أن المدين إذا أسقط الأجل لا يسقط حتى لا يتمكن المستحق من مطالبته وكان الفرق أن الإسقاط وسيلة إلى الطلب المؤدي للبراءة والدفع محصل لها نفسها فكان أقوى مع أن الأجل لم يسقط في الموضعين وبما تقرر علم ما صرح به الأصل أنه إذا تقابل غرضاهما يراعى جانب المستحق فإنهم لم ينظروا إلى غرض المؤدي إلا عند عدم غرض المستحق ويجبر الدائن على قبول كل دين حال إن كان غرض المدين غير البراءة
وعليه أو على الإبراء عنه إن كان غرضه البراءة قال السبكي هذا إن أحضره من هو عليه فإن تبرع به غيره فإن كان عن حي لم يجب القبول للمنة وإلا فإن كان المتبرع الوارث وجب القبول لأنه يخلص التركة لنفسه أو غيره ففيه تردد جواب للقاضي وما قررت به كلام المصنف هو ما في الأصل وما سلكه هو تبع فيه صاحب الأنوار فإن أصر على الامتناع
140
140
فيما يجبر على قبوله قبض له الحاكم فعن أنس أنه كاتب عبدا له على مال فجاء العبد بالمال ولم يقبله أنس فأتى العبد عمر رضي الله عنه فأخذ المال منه ووضعه في بيت المال رواه البيهقي قال الزركشي ولو كان المسلم غائبا فقياس قبض الحاكم عنه عند امتناعه أن يقبض له في حال غيبته فإن وجده في غير مكان التسليم والدين حال طالبه به إن لم يكن لحمله مؤنة أو كان ورضي بدونها فيجبر المدين على الأداء لعدم الضرر وإلا فلا يطالبه به لأنه لم يلتزم تسليمه ثم ولا بالقيمة للحيلولة لامتناع الاعتياض عن المسلم فيه كما مر قال الزركشي لكن له الدعوى عليه وإلزامه بالسفر معه إلى مكان التسليم أو بالتوكيل ولا يحبس بل له الفسخ واسترداد رأس المال كما لو انقطع المسلم فيه ويخالف الغاصب والمتلف فيما إذا ظفر المالك بهما في غير محل الغصب والإتلاف فإنهما يطالبان بها لا بالمثل ولا يلزم الدائن في السلم وغيره قبول ماله أي لحمله مؤنة إذا أحضره المدين في غير مكان التسليم لتضرره لا قبول غيره بلا غرض فيلزمه لانتفاء الضرر بخلاف ما إذا كان له غرض كخوف هناك ولو قال ولا يلزمه قبوله إن كان له غرض كأن كان لحمله مؤنة وإلا فيلزمه كان أوضح باب القرض هو بفتح القاف أشهر من كسرها يطلق اسما بمعنى الإقراض وهو تمليك الشيء على أن يرد بدله وسمي بذلك لأن المقرض يقطع للمقترض قطعة من ماله ويسميه أهل الحجاز سلفا هو قربة لأن فيه إعانة على كشف كربة وفي صحيح ابن حبان عن ابن مسعود من أقرض مسلما درهما مرتين كان له كأجر صدقته مرة واستقرض النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح من جماعة نعم إن غلب على ظنه أن المقترض يصرفه في معصية أو مكروه لم يكن قربة كما سيأتي في الشهادات مع بيان أنه إنما يجوز الاقتراض لمن علم من نفسه الوفاء وإلا لم يجز إلا أن يعلم المقرض أنه عاجز عن الوفاء وأركانه عاقد ومعقود عليه وصيغة كالبيع ويشترط كما في الأصل كون المقرض أهلا للتبرع لأن القرض فيه شائبة التبرع ولو كان معاوضة محضة لجاز للولي غير القاضي قرض مال موليه لغير ضرورة ولا يشترط في قرض الربوي التقابض في المجلس ولجاز في غيره شرط الأجل واللوازم باطلة ويشترط له الإيجاب كالبيع كأقرضتك وأسلفتك وخذه برد مثله الأخضر بمثله وملكتكه ببدله أو خذه واصرفه في حوائجك وتقدم في البيع أن خذه بكذا ونحوه كناية فيه فيأتي مثله هنا قاله السبكي
141
141
وغيره وأفاد المصنف بقوله كأقرضتك أنه لا حصر للصيغ فيما قاله بخلاف قول أصله وهو أن يقول أقرضتك إلى آخره فإن لم يذكر البدل بأن اقتصر على ملكتكه فهو هبة في الظاهر والقول في ذكره أي البدل فيما لو اختلفا فيه قول الآخذ بيمينه لأن الأصل عدم ذكره والصيغة ظاهرة فيما ادعاه وبهذا فارق ما لو اختلفا في كون العقد بيعا أو هبة حيث يحلف كل على نفي دعوى الآخر وحكى في الروضة وجها أن القول قول الدافع قال وهو متجه أي لموافقته قوله في الأطعمة لو قال أطعمتك بعوض فقال المضطر بلا عوض صدق المطعم في الأصح لأنه أعرف بكيفية بذله وهذا الوجه صححه صاحب الأنوار وكذا يشترط القبول لما ذكر نعم القرض الحكمي كالإنفاق على اللقيط المحتاج وإطعام الجائع وكسوة العاري لا يفتقر إلى إيجاب وقبول وظاهر أن الالتماس من المقرض كاقترض مني يقوم مقام الإيجاب ومن المقترض كأقرضني يقوم مقام القبول كما في البيع
وإنما يجوز القرض فيما يجوز السلم فيه لصحة ثبوته في الذمة بخلاف ما لا يجوز السلم فيه لأن ما لا ينضبط أو يندر وجوده يتعذر أو يتعسر رد مثله وقضية كلامه صحة إقراض الدراهم والدنانير المغشوشة لصحة السلم فيها بناء على جواز المعاملة بها في الذمة ولأنها مثلية لكن ذكر الروياني في البحر أنه لا يجوز إقراضها وخالفه الأذرعي فاختار الجواز قال بخلاف بيع بعضها ببعض لأن الإقراض جوز على خلاف القياس للإرفاق ويجوز رد الزائد وأخذ الناقص بلا شرط فلا يضايق فيه كالربا ووافقه الزركشي على اختيار الجواز وقيده السبكي وغيره بما إذا عرف قدر غشها وإلا فلا يجوز إقراضها للجهل بها واستثنى من عدم جواز قرض ما لا يجوز السلم فيه جواز قرض الخبز وزنا لإجماع أهل الأمصار على فعله في الأعصار بلا إنكار وهذا ما قطع به المتولي والمستظهري وغيرهما واقتضى كلام النووي ترجيحه قال في المهمات والراجح جوازه فقد اختاره في الشرح الصغير قال الخوارزمي ويجوز إقراضه عددا وما نقله ابن الرفعة عن الأصحاب واقتضاه كلام الشيخين في الشفعة من جواز إقراض جزء من دار فبنى كما قال الزركشي على ضعيف وهو أن الواجب رد القيمة وبه صرح المتولي أو محمول كما قال السبكي على ما إذا لم يزد الجزء على النصف فإن له حينئذ مثلا فيجوز إقراضه كغيره وصرح الماوردي بأنه لا يجوز إقراض العقار كما لا يجوز السلم فيه
ويحرم إقراض الروبة لاختلافها بالحموضة وهي بضم الراء خميرة من اللبن الحامض تلقى على الحليب ليروب قال في الروضة وذكر في التتمة وجهين في إقراض الخمير الحامض أحدهما الجواز لاطراد العادة به قال السبكي والعبرة بالوزن كالخبز و يحرم إقراض جارية لمن تحل له ولو غير مشتهاة وإن جاز السلم فيها لأنه عقد جائز يثبت فيه الرد والاسترداد وربما يطؤها المقترض ثم يردها فيشبه إعارة الجواري للوطء وليس هذا كالأب يهب ولده جارية يحل له وطؤها مع جواز استرجاع الأب لها لأن العقد لازم ثم من قبل المتملك بخلافه هنا ولأن عقد القرض مدلوله إعطاء شيء والرجوع فيه أو في بدله فكان كالإعارة بخلاف الهبة أما من لا يحل له وطؤها لمحرمية أو تمجس أو نحوه فيجوز إقراضها له وقضية
142
142
كلامهم أن الأمة التي لا تحل له في الحال كأخت الزوجة وعمتها كذلك قال الإسنوي وفيه نظر والمتجه المنع وكلام بعضهم يشعر به ويفرق بأنه يقدر على حل أخت زوجته بأن يطلق زوجته بخلاف حل المجوسية ونحوها وقضية كلامهم أيضا امتناع إقراض الخنثى لامتناع السلم فيه وهو ظاهر وما قيل من جواز إقراضه لأن المانع وهو كونه جارية لم يتحقق قال الزركشي خطأ قال النووي في شرح مسلم ويجوز إقراض الأمة للخنثى قال السبكي وفيه نظر لأنه قد يصير واضحا فيطؤها ويردها وقال الأذرعي الأشبه المنع وقضية كلامهم أنه يمتنع على الملتقط تملك الجارية الملتقطة إن كانت تحل له وبه صرح الجرجاني ثم قال الأذرعي وقد يفرق بأن ظهور المالك ثم بعيد
و يحرم إقراض ماء القناة للجهل به قال في الروضة ولا يجوز إقراض المنافع لأنه لا يجوز السلم فيها ويؤخذ من تعليله أن محله في منافع العين المعينة أما التي في الذمة فيجوز إقراضها لجواز السلم فيها كما سيأتي في الإجارة
فرع يشترط لصحة الإقراض العلم بالقدر والصفة ليتأتى أداؤه فلو أقرضه كفا من الدراهم لم يصح ولو أقرضه على أن يستبان مقداره ويرد مثله صح ذكره في الأنوار وذكر الصفة من زيادة المصنف ويجوز اقتراض المكيل وزنا وعكسه إن لم يتجاف في المكيال كالسلم فصل ويبطل قرض بشرط جر منفعة أي يجرها إلى المقرض كشرط رد الصحيح عن المكسر أو رده ببلد آخر أو بعد شهر فيه خوف من نهب أو نحوه وهو أي المقترض مليء لقول فضالة بن عبيد رضي الله عنه كل قرض جر منفعة فهو ربا والمعنى فيه أن موضوع القرض الإرفاق فإذا شرط فيه لنفسه حقا خرج عن موضوعه فمنع صحته وما روي من أنه صلى الله عليه وسلم أمر عبد الله بن عمرو بن العاص أن يأخذ بعيرا ببعيرين إلى أجل فمحمول على البيع أو السلم إذ لا أجل في القرض كالصرف بجامع أنه يمتنع فيهما التفاضل وقد رواه أبو داود وغيره بلفظ أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أشتري بعيرا ببعيرين إلى أجل وكذا شرط رد زيادة في القدر أو الصفة ولو في غير الربوي فإن فعله أي الرد لشيء من ذلك بلا شرط في العقد استحب ولو في الربوي ولم يكره أخذه لخبر مسلم أنه صلى الله عليه وسلم استقرض بكرا ورد رباعيا وقال إن خياركم أحسنكم قضاء وروي ورد بازلا وروي وأمر برد بكر وهو الفتى من الإبل والرباعي منها بفتح الراء وتخفيف الياء ما دخل في السنة السابعة والبازل بالموحدة والزاي ما له ثمان سنين هذا إن اقترض لنفسه فإن اقترض لمحجوره أو لجهة وقف فليس له رد زائد وفي كراهة القرض بمعنى الإقراض ممن تعود رد الزيادة وجهان إن قصد ذلك أي إقراضه لأجلها وقياس كراهة نكاح من عزم على أنه يطلق إذا وطئ بغير شرط كراهة هذا وإن شرط أجلا لا يجر منفعة للمقرض بأن لم يكن له فيه غرض أو أن يرد الأردأ أو المكسر أو أن يقرضه قرضا آخر لغا الشرط وحده أي دون العقد لأن ما جره من المنفعة ليس للمقرض بل للمقترض والعقد عقد إرفاق فكأنه زاد في الإرفاق ووعده وعدا حسنا واستشكل ذلك بأن مثله يفسد الرهن كما سيأتي ويجاب بقوة داعي القرض لأنه مستحب بخلاف الرهن ويندب الوفاء باشتراط الأجل كما في تأجيل الدين الحال قاله ابن الرفعة وغير الأجل مما ذكر في
143
143
معناه
ويصح الإقراض بشرط رهن وكفيل وإشهاد وإقرار به عند حاكم لأن هذه الأمور توثيقات لا منافع زائدة فله إذا لم يوف المقترض بها الفسخ على قياس ما ذكر في اشتراطها في البيع وإن كان له الرجوع بغير شرط كما سيأتي على أن في التوثق بها مع إفادته أمن الجحد في بعض وسهولة الاستيفاء في آخر صون العرض فإن الحياء والمروءة يمنعانه من الرجوع بغير سبب بخلاف ما إذا وجد سبب فإن المقترض إذا امتنع من الوفاء بشيء من ذلك كان المقرض معذورا في الرجوع غير ملوم لا بشرط رهن وكفيل وإشهاد وإقرار بدين آخر فلا يصح العقد لأنه قرض جر منفعة وهذا تصريح بما أفهمه قوله به وبما تقرر علم انقسام الشرط إلى ثلاثة أقسام صحيح وفاسد مفسد وفاسد غير مفسد
وإذا قبض القرض أي ما اقترضه ملكه وإن لم يتصرف فيه كالموهوب وأولى لثبوته بعوض ولأنه يملك بقبضه كل التصرفات ولو لم يملكه لما ملك التصرف فيه وعتق عليه إن كان بعضه ولزمه نفقة الحيوان كما صرح به الأصل لكن إن رجع المقرض فيه أي فيما أقرضه وهو ملكه أي المقترض جاز وإن كان مؤجرا أو معلقا عتقه بصفة لأن له تغريم بدله عند الفوات فالمطالبة بعينه أولى نعم إن بطل به حق لازم كان وجده مرهونا أو مكاتبا أو متعلقا برقبته أرش جناية فلا رجوع ولو زال ملكه ثم عاد فوجهان وقياس أكثر نظائره الرجوع وبه جزم العمراني وهو ظاهر كلام المصنف بخلاف قول أصله ما دام باقيا وإذا جاز رجوعه فرجع فيه لزمه أي المقترض رده وللمقترض رد ما اقترضه وعلى المقرض قبوله إلا إذا نقص فله قبوله مع الأرش أو مثله سليما قاله الماوردي وفيما إذا وجده مؤجرا لا أرش له بل يأخذه مسلوب المنفعة لأن له فيها أمدا ينتظر فإن شاء رضي بذلك وإن شاء أخذ مثله ولو زاد رجع في زيادته المتصلة دون المنفصلة فصل وأداؤه أي الشيء المقرض صفة ومكانا وزمانا كأداء المسلم فيه فلا يجب قبول الرديء عن الجيد ولا قبول المثل في غير مكان الإقراض إن كان لحمله مؤنة ولم يتحملها المقترض أو كان المكان مخوفا ولا يلزم المقترض الدفع في غير مكان الإقراض إلا إذا لم يكن لحمله مؤنة أو له مؤنة وتحملها المقرض كما أفهمه قوله لكن له مطالبته في غير بلد الإقراض بقيمة ماله أي لحمله مؤنة لجواز الاعتياض عنه بخلاف نظيره في السلم فعلم أنه لا يطالبه بمثله إذا لم يتحمل مؤنة حمله لما فيه من الكلفة وأنه يطالبه بمثل ما لا مؤنة لحمله وهو كذلك فالمانع من طلب المثل عند الشيخين وكثير مؤنة الحمل وعند جماعة منهم ابن الصباغ كون قيمة بلد المطالبة أكثر من قيمة بلد الإقراض والأول أوجه وتصريح المصنف بما لحمله مؤنة من زيادته وبه صرح الرافعي وتعتبر قيمته ببلد القرض لأنه محل التملك يوم المطالبة لأنه وقت استحقاقها وينقطع بها أي بالقيمة حقه أي المقرض لأنها للفيصولة لا للحيلولة فلو اجتمعا ببلد الإقراض لم يكن للمقرض ردها وطلب المثل ولا للمقترض استردادها فرع له بل عليه كما يقتضيه كلام الأصل رد مثل ما اقترض حقيقة في المثلي ولو في نقد بطل التعامل به وصورة في المتقوم لأنه صلى الله عليه وسلم اقترض بكرا ورد رباعيا كما مر في خبر مسلم ولأنه لو وجبت قيمته لافتقر إلى العلم بها والذي يظهر كما
144
144
قال ابن النقيب اعتبار ما فيه من المعاني كحرفة العبد وعدو الدابة فإن لم يتأت اعتبر مع الصورة مراعاة القيمة والقول في الصفة أو القيمة عند الاختلاف فيها قول المستقرض بيمينه لأنه غارم
وإن قال أقرضتك ألفا وقبل المقترض وتفرقا ثم سلم إليه ألفا فإن كان قبل طول الفصل جاز لأن الظاهر أنه قصد الدفع عن القرض وإلا فلا يجوز وعلله في الروضة تبعا للمهذب فقال لأنه لا يمكن البناء مع طول الفصل أما لو قال أقرضتك هذه الألف مثلا وتفرقا ثم سلمها إليه فيجوز وإن طال الفصل ولا كراهة في قبول هدية المستقرض بغير شرط قال الماوردي والروياني والتنزه عنه أولى قبل رد البدل وأما ما رواه البخاري وغيره مما يدل على الحرمة فبعضه شرط فيه أجل وبعضه محمول على اشتراط الهدية في العقد وإن قال لغيره خذ من ما أي الذي لي مع زيد يعني الذي في جهته ألفا قرضا فأخذها منه وهو أي ما في جهة زيد دين عليه لم يصح قرضا لأن الإنسان في إزالة ملكه لا يصير وكيلا لغيره وإنما ذلك توكيل بقبض الدين فلا بد من قرض جديد أو عين كوديعة صح قرضا قال القفال في فتاويه ولو قال أقرضني خمسة وأدها عن زكاتي جاز وهذا منه بناء على ما جوزه من اتحاد القابض والمقبض قال الماوردي ولو قال لغيره اقترض لي مائة ولك علي عشرة فهو جعالة فلو أن المأمور أقرضه مائة من ماله لم يستحق العشرة ولو قال لغيره ادفع مائة قرضا علي إلى وكيلي فلان فدفع ثم مات الآمر فليس للدافع مطالبة الآخذ لأن الآخذ لم يأخذ لنفسه وإنما هو وكيل عن الآمر وقد انتهت وكالته بموت الآمر وليس للآخذ الرد عليه ولو رد ضمن للورثة وحق الدافع يتعلق بتركة الميت عموما لا بما دفع خصوصا الرهن هو لغة الثبوت ومنه الحالة الراهنة أي الثابتة وقال الإمام الاحتباس ومنه كل نفس بما كسبت رهينة وشرعا جعل عين مال وثيقة بدين يستوفي منها عند تعذر وفائه والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى فرهان مقبوضة قال القاضي معناه فارهنوا واقبضوا لأنه مصدر جعل جزاء للشرط بالفاء فجرى مجرى الأمر كقوله فتحرير رقبة فضرب الرقاب وخبر الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم رهن درعه عند يهودي يقال له أبو الشحم على ثلاثين صاعا من شعير لأهله ثم قيل إنه افتكه قبل موته لخبر نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضي وهو صلى الله عليه وسلم منزه عن ذلك والأصح خلافه لقول ابن عباس توفي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي والخبر الأول محمول على غير الأنبياء تنزيها لهم وقيل على من لم يخلف وفاء الوثائق بالحقوق ثلاثة شهادة ورهن وضمان فالشهادة لخوف الجحد والآخران لخوف الإفلاس
وفيه أربعة أبواب الأول في أركانه وهي أربعة الأول المرهون وله شرطان الأول كونه عينا فلا يصح رهن منفعة كسكنى دار سنة وإن كان المرهون به حالا لأنها تتلف كلها أو بعضها فلا يحصل بها توثق ولا رهن دين ولو ممن عليه لأنه غير مقدور على تسليمه والكلام في إنشاء الرهن كما يؤخذ من كلامه فلا ينافي كون المرهون دينا بلا إنشاء كما لو جنى عليه فإن بدله في ذمة الجاني محكوم عليه بأنه رهن لامتناع الإبراء منه كما سيأتي
ويصح رهن المشاع
145
145
كرهن الكل ولو عند غير شريكه وإن قبل القسمة سواء أكان الباقي للراهن أم لغيره ولو في بيت من دار مشتركة بينهما أي بين اثنين ولو لم يأذن الشريك كبيعه والتصريح بالتصحيح فيما إذا لم يأذن من زيادته فلو خرج ما رهنه من البيت عن ملكه بالقسمة للدار بأن وقع في نصيب شريكه غرم قيمته رهنا مكانه لأنه حصل له بدله وبهذا فارق تلف المرهون بآفة سماوية فرع قبض المشاع بقبض كله وتجري المهايأة بين المرتهن والشريك كالشريكين أي كجريانها بينهما ولا بأس بتبعيض اليد بحكم الشيوع كما لا بأس به لاستيفاء الراهن المنافع ولا يشترط إذن الشريك في القبض إلا فيما ينقل لأنه لا يحصل قبضه إلا بالنقل ولا يجوز نقله بغير إذن الشريك فإن امتنع وتنازعا وضعه الحاكم عند عدل يكون في يده لهما ويؤجره إن كان مما يؤجر وإن رضي المرتهن بكونه في يد الشريك جاز وناب عنه في القبض فصل يصح ويكره رهن مصحف و رقيق مسلم من كافر وسلاح من حربي وجارية حسناء غير صغيرة من أجنبي إذ لا مانع من صحته لكن فيه نوع تسليط للكافر على المذكورات فكره لذلك وذكر الكراهة في الأخيرتين وتصحيحها في الأوليين من زيادته وكالمصحف كتب الحديث وكتب الفقه التي فيها الأخبار وآثار السلف قاله القمولي وغيره وكالسلاح الخيل قاله الأذرعي وتوضع هذه الأشياء كلها عند عدل وتقدم أيضا في البيع صحة الرهن في الأوليين مع ما يتعلق بوضعهما عند عدل لا الجارية الأولى إلا الجارية أي المذكورة فلا توضع عنده كغيره بل إن كان المرتهن ثقة وله زوجة أو جارية أو محرم أو نسوة وفي نسخة أو عنده نسوة أي ثنتان فأكثر يؤمن معهن منه عليها تركت الجارية عنده وإلا فعند محرم لها أو امرأة ثقة ولو مرتهنا أو عدل بالصفة السابقة في المرتهن سواء المرتهن وغيره فإن شرط وضعها عند غير من ذكر فهو شرط فاسد لما فيه من الخلوة بالأجنبية قال القاضي والماوردي والرهن صحيح لأن المنع ليس للملك بل لحق الله تعالى قاله الزركشي والصغيرة غير المشتهاة كالعبد لا الكبيرة القبيحة المنظر والفرق ظاهر ولو حذف فيما مر حسنا لاغتنى عن ذكر هذه والخنثى فيما ذكر كالأنثى لكن لا يوضع عند امرأة قال الأذرعي وهذا يوهم أنه يوضع عند المرتهن أو غيره بالشرط السابق في الجارية وفي البيان إن كان صغيرا فواضح أو كبيرا وضع عند ذي رحم محرم له رجلا كان أو امرأة لا عند أجنبي ولا أجنبية
الشرط الثاني جواز بيعه عند المحل ليستوفي من ثمنه فاستيفاؤه مقصود الرهن أو من مقاصده فلا يصح رهن ما لا يصح بيعه نحو أم ولد ومكاتب ووقف كأرض السواد وهي أرض العراق سميت سوادا لسوادها بالشجر والزرع ولأن الصحابة لما قدموا لفتح الكوفة وأبصروا سواد النخل قالوا ما هذا السواد وسببه أن الخضرة ترى من البعد سوادا والسواد وإن كان في الأصل للشجر أو غيره لما ذكر إلا أنه صار يطلق على كل أرض العراق لا غيرها غالبا فصار مرادفا للعراق وهو الإقليم المعروف بإقليم فارس فإن رهن غرسا ونحوه كبناء مملوكا في سواد العراق فخراجه على الراهن لأنه مضروب على الأرض ومثله لو صالح الإمام كفارا على خراج يؤدونه من أراضيهم فهو كالجزية والأرض مملوكة لهم يصح رهنها والخراج على مالكها فإن أداه المرتهن بإذنه رجع به عليه وإن لم يشرط الرجوع وإلا فلا رجوع له بل هو متبرع فصل يصح رهن الجارية دون ولدها الذي لم يميز لأن الملك فيهما باق فلا تفريق وهو لكون قيمتها تنقص بتقويمها حاضنة كما سيأتي عيب يفسخ به البيع المشروط فيه الرهن إن جهل المرتهن
146
146
كونها ذات ولد فلو استحق بيعها بيعا معا حذرا من التفريق بينهما المنهي عنه فإن كان هناك غرماء للمفلس أو للميت وزع الثمن على قيمتهما لأجلهم أو ليتصرف أي الراهن إن لم يكن هناك غرماء في ثمن الولد لكونه غير مرهون ولو أخر الشرط عن قوله قيمتهما لسلم من إيهام أنه شرط في المعطوف أيضا فتقوم وحدها حاضنة له لأنها رهنت كذلك لا منفردة إيضاح لما قبله فيقال قيمتها مثلا مائة ثم تقوم مع الولد فيقال قيمتهما مثلا مائة وعشرون فالزيادة بسبب الولد وهي سدس المائة والعشرين فقسط الجارية خمسة أسداس الثمن وقسط الولد سدسه ويجوز أيضا رهن الولد وحده كما صرح به الأصل ويقوم محضونا ويأتي فيه ما مر خلا العيب لأن قيمته لا تنقص بذلك بل تزيد وإن حدث الولد بعد لزوم الرهن في أمه قومت غير حاضنة لأنها رهنت كذلك
وإن رهنه أرضا فنبت فيها نخل للراهن بأن دفن نواه فيها أو حمله إليها سيل أو غيره بعد لزوم الرهن لم يقلع قهرا فلعله يؤدي الدين من محل آخر لكن إن نقصت قيمتها به أي بالنخل وقت البيع ولم تف بالدين فللمرتهن القلع ليبيع الأرض بيضاء إلا أن يرضى الراهن ببيع النخل معها أو كان محجورا عليه بفلس فيباعان معا ولا قلع إذ لا فائدة له ويوزع الثمن عليهما فما قابل الأرض يختص به المرتهن وما قابل الشجر للراهن أو الغرماء فإن حصل فيها نقص بسببه فعلى الشجر لا الأرض لأن حق المرتهن في الأرض فارغة وإنما منع من القلع لرعاية الراهن أو الغرماء فلا يهمل جانبه بالكلية وتقوم هنا الأرض فارغة لأنها رهنت كذلك فإن ارتهنها ولزم الرهن وقد دفن فيها النوى أو حمله إليها سيل أو غيره وكان عالما أو علم بعد جهله ولم يفسخ أي البيع المشروط فيه الرهن قومت مشغولة لأنها رهنت كذلك فصل يصح رهن ما يسرع إليه الفساد إن أمكن تجفيفه كرطب وعنب يتجففان وتجفيفه على المالك أو لا يمكن تجفيفه لكن رهن بدين حال أو مؤجل لكن يحل قبل الفساد ولو احتمالا بأن لم يعلم أنه يحل قبل الفساد أو بعده لأن الأصل عدم فساده قبل الحلول وتفارق صورة الاحتمال رهن المعلق عتقه بصفة لا يعلم هل تتقدم أو تتأخر حيث لا يصح رهنه كما سيأتي بأن سبب الفساد ثم وهو التعليق موجود عند ابتداء الرهن بخلافه هنا وبأن علامة الفساد هنا تظهر دائما بخلافها ثم قال في الأصل ثم أي بعد صحة رهنه إن بيع في الدين أو قضى من موضع آخر فذاك وإلا بيع وجعل ثمنه رهنا مكانه وهذا يعلم مما يأتي آخر الفصل وإلا بأن لم يمكن تجفيفه ورهن بمؤجل يحل بعد فساده أو معه أو لم يعلم أنه يحل معه أو بعده لم يجز رهنه إلا إن شرط أن يبيعه عند خوف فساده وأن يكون ثمنه رهنا ويلزم الوفاء بالشرط حفظا للوثيقة ويصير الثمن رهنا من غير إنشاء عقد وعلم من كلامه أنه لا يصح رهنه فيما لو شرط منع بيعه وبه جزم الأصل لمناقضته مقصود الرهن ولا فيما لو لم يشرط شيئا وهو ما صححه في المنهاج كأصله
ونقله الأصل عن تصحيح العراقيين لأنه لا يمكنه الاستيفاء منه عند الحلول والبيع قبله ليس من مقتضيات الرهن وقيل يصح ويباع عند تعرضه للفساد لأن الظاهر أنه لا يقصد إفساد ماله وقال في الشرح الصغير إنه الأظهر عند الأكثرين قال الإسنوي وهو المفتى به لنقل الرافعي له عن الأكثرين قال وقضية كلامهم أنه لو لم يشرط
147
147
رهن ثمنه لم يصح وفيه نظر فلو أذن الراهن للمرتهن في بيعه ففرط بأن تركه أو لم يأذن له وترك الرفع إلى القاضي كما بحثه الرافعي وقواه النووي ضمن وعلى الأول قيل سيأتي أنه لا يصح بيع المرتهن إلا بحضرة المالك فينبغي حمل هذا عليه وأجيب بأن بيعه ثم إنما امتنع في غيبة المالك لكونه للاستيفاء وهو متهم بالاستعجال في ترويج السلعة بخلافه هنا فإن غرضه الزيادة في الثمن ليكون وثيقة له وإن رهن ما لا يسرع فساده فحدث قبل الأجل ما عرضه للفساد كحنطة ابتلت وتعذر تجفيفها لم ينفسخ الرهن ولو قبل القبض إذ يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء ألا ترى أن الآبق لا يجوز بيعه ولو أبق بعد البيع وقبل القبض لم ينفسخ فكذا هنا بل يباع وجوبا ويجعل ثمنه رهنا مكانه حفظا للوثيقة فصل رهن المرتد والمحارب والجاني جناية توجب القصاص لا المال ولو درهما أو أقل صحيح كبيعهم وترجيح الصحة في مسألة الجاني من زيادته وبه صرح في المحرر والمنهاج قال السبكي ولم يفرقوا فيه بين رهنه بالحال والمؤجل بل أطلقوا كما في المرتد ولم يسلكوا به مسلك ما يسرع فساده والمعلق عتقه ولا شك أنه أولى بالفساد مما يسرع فساده حيث يفسد لأن ثمن ذاك يجعل رهنا مكانه وهو أشبه بالمعلق عتقه لكونه حقا لغير المرتهن فكيف يقال بصحة رهنه والصحيح في المعلق عتقه بصفة محتملة المنع وإن قيل هنا يحتمل العفو فهناك أيضا يحتمل أن لا توجد الصفة انتهى ويجاب بأن الغالب على الناس العفو مع أنه مندوب إليه فلهذا أطلقوا الصحة وللمرتهن الخيار في فسخ بيع شرط فيه رهنه أي كل منهم إن ارتهنه جاهلا بعيبه ولو عفا عن الجاني بمال أو مجانا لأن جنايته عيب والمرتهن معذور وذكر ثبوت الخيار في مسألة المحاربة من زيادته ولو مات كل منهم فوجهان في كون ذلك عيبا في الحال أم لا إن قلنا عيب فله الخيار وإلا فوجهان أحدهما وهو القياس يعتبر الابتداء فيثبته والآخر ينظر إلى الحال فلا يثبته وإن كان عالما بعيبه فلا خيار له وإن قتل لأنه غير معذور وإن علم بالجناية قبل موت المجني عليه فرضي ثم سرت إلى النفس لم يثبت له خيار لرضاه بالعيب وإن عفا عنه مستحق القصاص على مال وبيع أو لم يعف عنه وقتل بطل الرهن لفوات العين وأفهم كلامه أنه إذا لم يبع لا يبطل الرهن وهو ظاهر وقيل يبطل والترجيح من زيادته لا إن فدى أو عفا عنه مجانا فلا يبطل الرهن وثبوت الخيار وعدم ثبوته في ذلك علم مما مر وإن ارتهن مريضا وهو جاهل بمرضه فمات سقط خياره لأن الموت بألم حادث بخلاف قتل المرتد فرع قال الروياني لو جنى عبد على سيده ثم رهنه وجوزناه كان رهنه إياه دليلا منه على عفوه عنه ذكره أصحابنا فرع رهن المدبر باطل ولو رهن بحال للغرر إذ قد يموت سيده فجأة قبل التمكن من بيعه ولما كان العتق فيه آكد منه في المعلق عتقه بدليل أنهم اختلفوا في جواز بيعه لم يلحقوه به مطلقا كما ذكره بقوله ومثله المعلق عتقه بصفة فرهنه باطل إلا إن تيقن حلوله أي الدين بأن رهن بحال أو بمؤجل يحل قبل وجودها أي الصفة بزمن يسع المبيع وإلا إن شرط بيعه قبل وجودها كما قاله ابن أبي عصرون فيصح رهنه ويباع فيه أي في الدين فدخل في المستثنى منه ما إذا تيقن الحلول بعد وجود الصفة أو احتمل الأمران أو علمت المقارنة أو لم تعلم بل كانت ممكنة فتعبيره بما قاله أولى من اقتصار أصله على الأوليين فإذا الأولى فإن لم يبع حتى وجدت أي الصفة عتق بناء على أن العبرة في العتق المعلق بحال التعليق لا بحال وجود الصفة وهو ما صححه البغوي وكذا القاضي في موضع من العتق وقيل لا يعتق إن كان الراهن معسرا بناء على عكس ذلك والتصريح بالترجيح من زيادته وللمرتهن
148
148
الخيار بالعتق في فسخ البيع المشروط فيه الرهن إن جهل التعليق كما في رهن الجاني والتصريح بهذا القياس من زيادته
فرع وإن رهن الثمر مع الشجر صح مطلقا إلا إن كان الثمر لا يجفف فله حكم ما يسرع إليه الفساد فيصح تارة ويفسد أخرى ويصح في الشجر مطلقا ووجهه عند فساده في الثمر البناء على تفريق الصفقة كما أشار إليه بقوله ولا يخفى تفريق الصفقة وإن رهن الثمرة مفردة فإن كانت لا تتجفف فهي كما يتسارع فساده فيصح رهنها بحال وبمؤجل يحل قبل الفساد ولو احتمالا نعم الظاهر أنه في الثانية لو كان الدين يحل قبل الجذاذ وأطلق الرهن لا يصح كنظيره الآتي فيما إذا كانت تتجفف وإن كان تتجفف جاز رهنها ولو قبل بدو الصلاح وبغير شرط القطع لأن حق المرتهن لا يبطل باجتياحها بخلاف البيع فإن حق المشتري يبطل ولأن الحلول المعلوم اشتراطه مما يأتي قرينة نازلة منزلة شرط القطع وقوله صح زتد إلا إذا رهنه الأولى رهنها بمؤجل يحل قبل الجذاذ وأطلق الرهن بأن لم يشرط القطع ولا عدمه فلا يصح لأن العادة في الثمار الإبقاء إلى الجذاذ فأشبه ما لو رهن شيئا على أن لا يبيعه عند المحل إلا بعد أيام
قال السبكي وفيه نظر لأن العادة لو اعتبرت بعد حلول الأجل لامتنع رهنها بالحال والفرق بين الحلول المقارن والطارئ لا يظهر انتهى ويجاب بأن المرتهن ثم متمكن من بيعها بشرط القطع حالا لحلول دينه بخلافه هنا ودخل في المستثنى منه ما لو رهنها بحال أو بمؤجل يحل وقت الجذاذ أو بعده أو قبله لكن بشرط القطع ووقع في نسخ زيادة على ما شرحت عليه يوجب إثباتها تكرارا ولعل المصنف أثبت الجميع ليضرب على بعضه فلم يتم له ذلك ويجبر الراهن على إصلاحها من سقي وجداد وتجفيف ونحوها فإن لم يكن له شيء باع الحاكم جزءا منها وأنفقه عليها كما سيأتي في الباب الثالث فلو أهملها بأن ترك إصلاحها برضى المرتهن جاز لأن الحق لهما بخلاف علف الحيوان قال الأذرعي والظاهر أن هذا في المتراهنين لأنفسهما المطلقي التصرف أما لو كانا وليين أو أحدهما أو مكاتبين أو مأذونين أو أحدهما فلا عبرة برضا الولي والعبد بما فيه الضرر بل يجبر الحاكم الراهن أو هما بحسب ما فيه النظر للمولى عليه وليس لأحدهما منع الآخر من قطعها وقت الجذاذ بل تباع في الدين إن حل وإلا أمسكها رهنا ولكل منهما المنع من قطعها قبله أي قبل وقت الجذاذ ما لم تدع إليه ضرورة لتضرره بقطعها وإن رهن ثمرة يخشى اختلاطها بالحادثة بعد الرهن اختلاطا لا يتميز بدين حال أو مؤجل يحل قبل الاختلاط
ولو بعد خروج الثمرة الثانية وكذا بعده بشرط قطعها قبله صح إذ لا مانع والغرر في الأخيرة يزول بشرط القطع بخلاف ما إذا شرط عدم قطعها وإن أطلق الرهن بأن لم يشرط القطع ولا عدمه فقولان أحدهما لا يصح لخوف الاختلاط والثاني يصح لإمكان الفصل عند الاختلاط قال الزركشي وغيره وهما القولان في رهن ما يتسارع فساده فيما إذا لم يعلم هل يحل الدين قبل الفساد أو لا فيصح رهنها على الأصح فإن اختلطت قبل القبض في صورتي شرط القطع والإطلاق حيث صح العقد انفسخ لعدم لزومه أو بعده لم ينفسخ للزومه بل إن اتفقا على كون الكل أو البعض كالنصف رهنا فذاك واضح وإلا بأن اختلفا في قدر المرهون هل هو النصف مثلا أو غيره فالقول قول الراهن في قدره بيمينه كما لو اختلط بره المرهون ببر آخر له ولا عبرة باليد هنا لأنها إنما تدل على الملك دون الرهن بدليل أنه لو قال من بيده المال رهنتنيه وأنكر المالك كان القول قوله فإن اختلط بره المرهون ببر المرتهن فالقول قول المرتهن في قدر المختلط قاله الدارمي
فرع رهن ما اشتد حبه من الزرع كبيعه فإن رئيت حباته صح وإلا فلا فإن رهنه مع الأرض أو منفردا وهو بقل فكرهن الثمرة مع الشجر أو منفردة قبل بدو الصلاح وقد مر فصل من استعار شيئا ليرهنه أو وكله مالكه ليرهنه عن نفسه جاز لأن الرهن توثق وهو يحصل بما لا يملك بدليل الإشهاد والكفالة بخلاف بيع ملك غيره لنفسه لا يصح لأن البيع معاوضة فلا يملك الثمن من لا يملك المثمن وشمل كلامه الدراهم والدنانير فتصح إعارتها لذلك قال الإسنوي وهو المتجه وإن منعنا إعارتها
149
149
لغير ذلك وكان عقد الإعارة مع الرهن ضمانا للدين من المعير في رقبة الرهن أي المرهون لا إعارة لأنه كما يملك أن يلزم ذمته دين غيره ينبغي أن يملك إلزام ذلك عين ماله لأن كلا منهما محل حقه وتصرفه فعلم أنه لا تعلق للدين بذمته حتى لو مات لم يحل الدين ولو تلف المرهون لم يلزمه الأداء فرع لو أذن في رهن عبده مثلا فله الرجوع عنه قبل قبض المرتهن له لعدم تمام الضمان وعدم لزوم الرهن ثم للمرتهن فسخ بيع شرط فيه الرهن إن جهل كونه معارا أو أن لمالكه الرجوع فيه بخلاف ما إذا علم ذلك أو رجع بعده فلا يصح الرجوع وإلا لم يكن لهذا الرهن معنى إذ لا وثوق به وليس للمالك إجباره أي الراهن على فكاكه أي الرهن والدين مؤجل كمن ضمن دينا مؤجلا لا يطالب الأصيل بتعجيله لتبرأ ذمته فإذا حل الدين أو كان حالا وأمهله المرتهن فله أي للمالك ذلك أي إجباره على فكاكه ويأمر المالك المرتهن بالمطالبة بدينه ليأخذه فينفك الرهن أو يرد الرهن أي المرهون إليه كما لو ضمن دينا مؤجلا ومات الأصيل فللضامن أن يقول للمضمون له طالب بحقك أو أبرئني فإن طالبه أي المرتهن الراهن وامتنع من فدائه أي المرهون أي فكاكه استؤذن المالك في بيعه فقد يريد فداءه ولأنه لو رهن على دين نفسه لوجب مراجعته فهنا أولى فإن لم يأذن ولم يوف الدين بيع عليه وإن كان الراهن موسرا كما لو ضمن في ذمته فإنه يطالب وإن كان الأصيل موسرا ويرجع المالك على الراهن بما بيع به المرهون كما أن الضامن يرجع بما أداه لا بقيمته ولأنه ثمن ملكه وقد صرفه إلى دين الراهن فيرجع به ولو زاد على القيمة أو نقص عنها قال في الأصل بقدر يتغابن الناس بمثله وحذفه المصنف لأن البيع على المالك إنما يكون بثمن المثل الصادق بذلك وهو كما ترى مفرع على قول الضمان فإن قلنا إنه عارية رجع بقيمته ذكره الأصل قال الزركشي ومن هنا يؤخذ أن ما يتغابن به إنما يحط في العقود دون الإتلافات وهو فرع حسن انتهى
فرع لو تلف المعار للرهن بعد رهنه في يد المرتهن أو بيع في جناية في يده فلا ضمان عليه لأنه أمين ولا على الراهن لأنه لم يسقط الحق عن ذمته ومتى تلف في يد الراهن ضمنه لأنه مستعير ولم يتم عليه حكم الضمان ولو أتلفه إنسان أقيم بدله مقامه كما هو ظاهر كلامهم قاله الزركشي ولو أعتقه المالك فكإعتاق المرهون فينفذ قبل قبض المرتهن له وكذا بعده إن كان المالك موسرا دون ما إذا كان معسرا وقيل لا ينفذ بعده والترجيح من زيادته
فرع يجب على المستعير للرهن أن يبين للمعير جنس الدين ككونه ذهبا أو فضة وقدره كعشرة أو مائة وصفته من التأجيل أصلا وقدرا وغيره كحلول وصحة وكسر وكذا يجب عليه أن يبين له من يرتهنه لاختلاف الأغراض بذلك ومتى خالف ما عينه له بطل الرهن للمخالفة إلا إن رهن بأقل مما عينه له كأن عين له ألف درهم فرهنه بمائة فلا يبطل لرضا المعير به في ضمن رضاه بالأكثر وشمل المستثنى منه ما لو رهنه بأزيد مما عينه فيبطل في الجميع لا في الزائد فقط للمخالفة كما لو باع الوكيل بغبن فاحش لا يصح في شيء ذكره الأصل قال السبكي وفيه نظر لأنا لو أبطلنا في مسألة الغبن في القدر الذي لا يساوي الثمن وحده ملزم أن يبطل بإزائه من الثمن ما يقابله فيبقى القدر الذي يساوي الثمن بأقل مما يساوي فيؤدي إلى إبطاله أيضا فلهذا لم يخرج على تفريق الصفقة بخلافه في مسألتنا فالأقرب
150
150
عندي فيها التخريج على تفريق الصفقة كما جرى عليه صاحب التقريب وذكر نحوه الزركشي ونظره بالهدنة فلو استعار ليرهن عند واحد فرهن عند اثنين أو عكسه لم يجز لاختلاف الأغراض بذلك إذ في الأولى قد يبيع أحد المرتهنين المرهون دون الآخر فيتشقص الملك على المعير وفي الثانية لا ينفك منه شيء بأداء بعض الدين بخلاف ما لو رهنه من اثنين فإنه ينفك بأداء نصيب أحدهما ما يخصه من المرهون ولو قال أعرني كذا لأرهنه بألف أو عند فلان فكتقييد المعير تنزيلا للإسعاف على الالتماس ولو قال له المالك ضمنت ما لفلان عليك في رقبة عبدي من غير قبول غريمه وهو المضمون له كفى وكان كالإعارة للرهن
فرع وإن قضى المعير الدين بماله انفك الرهن ورجع به على الراهن إن سلم أي قضى بالإذن أي بإذن الراهن وإلا فلا رجوع له كما لو أدى دين غيره في غير ذلك فإن قلت الرهن بالإذن كالضمان به فيرجع وإن قضى بغير الإذن أيضا قلت مسلم إن قضى من ثمن المرهون كما مر أما إذا قضى من غيره كما هنا فلا وحاصله قصر الرجوع فيهما على محل الضمان وهو هنا رقبة المرهون وثم ذمة الضامن فإن أنكر الراهن الإذن فشهد به المرتهن للمعير قبل لعدم التهمة ويصدق الراهن في عدم الإذن كما صرح به الأصل لأن الأصل عدمه ومن رهن عبده من غيره بإذنه صح ورجع عليه بما بيع به إن بيع أو رهنه بغير إذنه صح ولم يرجع عليه بشيء وإن بيع العبد كنظيره في الضمان فيهما والتصريح بالأولى من زيادته
الركن الثاني المرهون به وله شروط ثلاثة بل أربعة الأول كونه دينا فلا يصح الرهن بالأعيان مضمونة كانت أو أمانة كالمغصوب والمبيع والمودع والموقوف ومال القراض لأنه تعالى ذكر الرهن في المداينة فلا يثبت في غيرها ولأنها لا تستوفى من ثمن المرهون وذلك مخالف لغرض الرهن عند البيع وتعبيره بالأعيان أولى من تعبير أصله بالأعيان المضمونة الشرط الثاني كونه ثابتا فلا يصح بغيره كالرهن بثمن ما سيشتريه أو بما يقترضه لأنه وثيقة حق فلا تقدم عليه كالشهادة فلو ارتهن قبل ثبوت الحق وقبضه كان مأخوذا على جهة سوم الرهن فإذا استقرض أو اشترى منه لم يصر رهنا إلا بعقد جديد ويصح مزج الرهن بسبب ثبوت الدين كمزجه بالبيع أو القرض بشرط تأخر طرفي الرهن يعني تأخر أحدهما عن طرفي الآخر والآخر عن أحدهما فقط فيقول بعتك هذا بكذا أو أقرضتك كذا وارتهنت به عبدك فيقول الآخر ابتعت أو اقترضت ورهنت لأن شرط الرهن فيهما جائز فمزجه أولى لأن التوثق فيه آكد لأنه قد لا يفي بالشرط واغتفر تقدم أحد طرفيه على ثبوت الدين لحاجة التوثق قال القاضي في صورة البيع ويقدر وجوب الثمن وانعقاد الرهن عقبه كما لو قال أعتق عبدك عني على كذا فأعتقه عنه فإنه يقدر الملك له ثم يعتق عليه لاقتضاء العتق تقدم الملك وفرقوا بين جواز المزج هنا وعدم جوازه في الكتابة مع البيع كأن قال لعبده كاتبتك على ألف درهم وبعتك هذا الثوب بمائة درهم فقال قبلت الكتابة والبيع بأن الرهن من مصالح البيع والقرض ولهذا جاز شرطه فيهما مع امتناع شرط عقد في عقد وليس البيع من مصالح الكتابة وبأن العبد لا يصير أهلا لمعاملة سيده حتى تتم الكتابة وإنما اشترط تأخر طرفي الرهن عما ذكر بالمعنى المذكور ليتحقق سبب ثبوت الدين من كل من العاقدين فلو انتفى ذلك لم يصح العقد وعلى ما قررته هنا في قوله بشرط تأخر الطرفين يحمل كلامي في شرح البهجة إذ لا يتأتى تأخر كل من طرفي الرهن عن كل من طرفي الآخر
ولو قال بعتك أو زوجتك أو أجرتك بكذا على أن ترهنني كذا فقال الآخر اشتريت أو تزوجت أو تاجرت يعني استأجرت ورهنت صح وإن لم يقل الأول بعده ارتهنت أو قبلت لتضمن هذا الشرط الاستيجاب وقيل لا يصح حتى يقول الأول ذلك والتصريح بالترجيح من زيادته
الشرط الثالث كونه لازما فلا يصح بدين كتابة لأن الرهن للتوثق والمكاتب متمكن من إسقاط النجم متى شاء فلا معنى لتوثيقه ولا بدين جعالة قبل الشروع وكذا بعده قبل الفراغ من العمل لأن لعاقديها فسخها فيسقط به الجعل
151
151
وإن لزم الجاعل بفسخه وحده أجرة مثل العمل وفارق الرهن بالثمن في زمن الخيار بأن موجب الثمن البيع وقد تم بخلاف موجب الجعل وهو العمل وبأن الثمن وضعه على اللزوم كما سيأتي بخلاف الجعل بل لم يثبت شيء منه في بعض صوره أما بعد الفراغ فيصح للزوم الدين قال الإسنوي وغيره ولا يغني عن الثابت اللازم لأن الثبوت معناه الوجود في الحال واللزوم وعدمه صفة للدين في نفسه لا يتوقف صدقه على وجود الدين كما يقال دين القرض لازم ودين الكتابة غير لازم فلو اقتصر على الدين اللازم لو رد عليه ما سيقترضه ونحوه مما لم يثبت ويصح بالأجرة قبل الانتفاع في إجارة العين وبالصداق قبل الدخول وإن كانا غير مستقرين كالثمن قبل قبض المبيع وخرج بإجارة العين المصرح بها من زيادته الأجرة في إجارة الذمة لعدم لزومها
و يصح بالمنفعة في إجارة الذمة لا بها في إجارة العين لأنها في الأولى دين بخلافها في الثانية و يصح بالثمن قبل قبض المبيع و به في مدة الخيار وإن كان غير مستقر وبمال المسابقة لأن أصل هذه العقود اللزوم وظاهر أن الكلام في رهن الثمن في مدة الخيار حيث قلنا ملك المشتري المبيع ليملك البائع الثمن كما أشار إليه الإمام ولا شك أنه لا يباع المرهون في الثمن ما لم تمض مدة الخيار لا بالدية قبل الحلول لأنها لم تثبت ولهذا تسقط بطرق الموت والجنون وبتلف المال بخلافها بعد الحلول لثبوتها في الذمة ولا بالزكاة ولو بعد الحلول على ما اقتضاه كلامه أخذا من كلام الإسنوي لعدم ثبوتها قبله ولعدم الدين بعده لتعلقها بالعين شركة والذي في الأصل وغيره الجزم بالجواز بعده وهو المعتمد لأن الزكاة قد تجب في الذمة ابتداء كزكاة الفطر ودواما بأن يتلف المال بعد الحول وبتقدير بقائه فالتعلق به ليس على سبيل الشركة الحقيقية لأن له أن يعطي من غيرها بغير رضا الفقراء قطعا فصارت الذمة كأنها منظور إليها ويشترط في الدين أيضا أن يكون معلوما لهما فلو جهلاه أو أحدهما لم يصح كما في الضمان ذكره المتولي وغيره ونص الأم يشهد له وهذا قد يعلم من قوله
فرع ما جاز الرهن به جاز ضمانه وعكسه إلا أن ضمان رد الأعيان المضمونة و ضمان العهدة جائز لا الرهن بهما فلا يجوز لعدم الدين ولأن الرهن يوجب الحجر على الراهن في التصرف والضمان لا يوجبه على الضامن فيتضرر الراهن دون الضامن وفي معنى ما استثنى ضمان إحضار البدن وقد استثناه البلقيني واستثنى ابن خيران ما لو ضمن من درهم إلى عشرة فإنه يجوز بخلاف الرهن به نقله الزركشي عنه وأقره
فرع يجوز أن يزيد بالدين الواحد رهنا على رهن لأنه زيادة توثقة ثم هو كما لو رهنهما معا لا عكسه أي لا يجوز أن يزيد بالرهن الواحد دينا على دين مع بقاء رهنه الأول وإن وفى بهما أو كانا من جنس واحد كما لا يجوز رهنه عند غير المرتهن والفرق بين هذا وما قبله أن هذا شغل مشغول وذاك شغل فارغ لكن لو جنى العبد المرهون ففداه المرتهن
152
152
بالإذن من الراهن ليكون رهنا بالجميع أي مرهونا بالدين والفداء جاز لأنه من مصالح الرهن لتضمنه استبقاءه ولأن بالجناية صار الرهن جائزا فيكون كالبيع في زمن الخيار يزاد في الثمن والمثمن ومثله لو أنفق المرتهن على المرهون بإذن الحاكم لعجز الراهن عن النفقة أو غيبته ليكون مرهونا بالدين والنفقة كما سيأتي وكذا لو أنفق عليه بإذن المالك كما نقله الزركشي عن القاضي أبي الطيب والروياني ثم قال وفيه نظر إذا قدر المالك على الإنفاق إذ لا ضرورة بخلاف الجناية وسبقه إلى نحو ذلك السبكي والأوجه حمل ذلك على ما إذا عجز وإن اعترف الراهن أنه مرهون بعشرين ثم ادعى أنه رهنه أولا بعشرة ثم عشرة وتنازعا فالقول قول المرتهن بيمينه لأن اعتراف الراهن يقوي جانبه ولأنه مدعي الصحة فإن قال المرتهن في جوابه فسخنا الأول وارتهنت منك بالجميع أي بالعشرين صدق الراهن بيمينه لأن الأصل عدم الفسخ وهذا ما صححه البغوي وميل الصيدلاني إلى تصديق المرتهن لاعتضاده بقول الراهن رهن بعشرين والترجيح من زيادة المصنف وبه جزم صاحب الأنوار لكن الأقوى عند الروياني الثاني وهو ما رجحه السبكي والأذرعي وغيرهما قال الأذرعي ولعل البغوي بنى ما صححه على طريقته من تصحيح قول مدعي الفساد وعلل الروياني ما رجحه بأن دعوى الراهن أنا عقدنا ثانيا كالدليل على حصول الفسخ بينهما وعضده بقول الأصحاب في الصداق إن المرأة لو ادعت عليه أنه نكحها يوم الخميس بألف ويوم السبت بألف وطلبت ألفين وأقامت بينة بذلك لزمه الألفان ولا يقبل قوله أني ما طلقت بل جددت النكاح وبما لو قال اشتريت منك هذا يكون إقرارا بأنه كان له من قبل فلو شهدا أي شاهدان أنه رهن بألف ثم بألفين لم تسمع شهادتهما فلا يحكم الحاكم حتى يقولا وفسخا أي المتراهنان
وفي نسخة وفسخ الأول وهذا رتبه البغوي كما صرح به الشيخان على ما صححه فيما مر قال السبكي وغيره ونحن قد ضعفنا قوله فيما إذا سبق إقراره وفي هذه لم يسبق إقرار فلا وجه إلا تخريجها على دعوى الصحة والفساد فمن صدق مدعي الفساد وهو اختيار البغوي يناسبه التوقف في الحكم حتى يصرح الشاهدان بالفسخ ومن صدق مدعي الصحة وهو الأصح يناسبه أن يحكم هنا بأنه رهن بألفين انتهى وقد يقال في قولهم لم يسبق في هذه إقرار نظر
فرع وإن رهن شيئا بعشرة ثم بعشرة ليكون رهنا بهما وأشهد شاهدين أنه مرهون بعشرين فشهدا بالإقرار أي بإقراره جاز مطلقا أي سواء اتجر الحال أم لا وسواء فيما إذا عرفاه اعتقدا جوازه أم لا عملا بما تحملاه وإن علما الحال بالمشاهدة واعتقدا فساده وشهدا بالعقد لم يشهدا إلا بالعشرة أي بأنه مرهون بعشرة لا بعشرين وعبارة الأصل لم يشهدا إلا بما جرى باطنا فتصدق بأنه رهن بعشرة ثم بعشرة وإن اعتقدا صحته بينا الحال وليس لهما أن يشهدا بأنه مرهون بعشرين لأن الاجتهاد إلى الحاكم لا إليهما ذكره في الروضة ومفهوم كلام المصنف يخالفه وفي نسخة بدل ما ذكر فشهدا بما سمعا حكم بشهادتهما وإن علما الحال لم يشهدا إلا بالعشرة فإن اعتقدا جوازه بينا الحال وإن شهدا بالإقرار جاز مطلقا وهذه النسخة وإن وافقت الأصل لكنهما معا موهمان أنه يجوز للشاهد أن يشهد بالعقد إذا سمع إقرار العاقد به وليس كذلك ومتعرضان لجواز الحكم بما سمعه الشاهد أن حالة عدم علمهما بالحال وهو معلوم من بابه مع أنهما لم يتكلما عليه بالنسبة لحالة علمهما بالحال بل انتقلا إلى بيان جواز الشهادة بالرهن وعدم جوازها ولعله عدل عن هذه النسخة إلى تلك ليسلم من الإيهام وليكون الكلام في نوع واحد مستوفى وهو جواز الشهادة بالرهن وعدم جوازها به على أن في كلام الروضة خللا يعرف بمراجعة نسخ الرافعي المعتمدة ولو رهن الوارث التركة المستغرقة بل وغير المستغرقة للدين الذي على ميته من غريم الميت بدين آخر لم يصح كالعبد الجاني وتنزيلا للرهن الشرعي منزلة الرهن الجعلي
الركن الثالث الصيغة ويشترط الأولى فيشترط الإيجاب والقبول كالبيع والقول في المعاطاة والاستيجاب مع الإيجاب والاستقبال مع القبول فيه أي في الرهن كالبيع وقد مر بيانه وصورة المعاطاة هنا أن يقول أقرضني عشرة لأعطيك ثوبي هذا رهنا فيعطيه العشرة ويقبضه الثوب ذكره المتولي
والرهن قسمان رهن تبرع ويسمى رهنا مبتدأ ورهن
153
153
مشروط في عقد كبعتك داري أو أجرتكها بكذا على أن ترهنني بها عبدك فيقول اشتريت أو استأجرت ورهنت وقد مر
فرع
لو شرط في الرهن ما يقتضيه كبيعه أي الرهن بمعنى المرهون في الدين أو ما فيه مصلحة للعقد كالإشهاد به لم يضر لما مر في البيع وكذا ما لا غرض فيه كأكل الهريسة على ما مر فيه ثم وما سوى ذلك مما ينفع أحدهما ويضر الآخر كشرط المنافع للمرتهن أو شرط أن لا يباع يبطل به الرهن لإخلال الشرط بالغرض منه في الثاني ولما فيه من تغيير قضية العقد في الأول مع بيع شرط فيه الرهن المذكور لذلك ولأن المشروط استحقاقه يصير جزءا من الثمن وهو مجهول فإن قيد المنفعة المشروطة للمرتهن بسنة مثلا فهو بيع وإجارة في صفقة وهو جائز كما مر وما قيل من أن هذا على طريقة ضعيفة في صورة اشتريت منك هذا الزرع بشرط أن تحصده والمذهب ثم القطع بالبطلان يرد بأنه إذا قيد المنفعة ثم بمدة بطل العقد بخلافه هنا
فرع لو رهن الأصل من نحو شاة أو شجرة أو عبد وشرط كون الحادث منه ومن ولد وثمرة وكسب مرهونا بطل الرهن لأنه مجهول ومعدوم و بطل بيع شرط فيه ذلك لبطلان الشرط وتعبيره بهذا أعم من كلام أصله فإنه فرض ذلك في إكساب العبد ولو أقرضه شيئا بشرط رهن به وتكون منافعه أي الرهن بمعنى المرهون للمقرض بطل القرض لأنه جر منفعة له و بطل الرهن لبطلان ما شرط فيه والتصريح بهذا من زيادته أو بشرط رهن على أن تكون منافعه مرهونة أيضا بطل الرهن إذ لا يصح رهن المنافع كما مر لا القرض لأنه لا يجر بذلك نفعا للمقرض ويفارق بطلان البيع فيما مر أول الفرع بأن القرض مندوب إليه فيغتفر فيه ما لا يغتفر في غيره
فرع لو أقرضه ألفا وشرط أن يرهنه به وبألف قديم أو بالقديم فقط كما فهم بالأولى وصرح به الأصل فالقرض باطل لأنه جر منفعة له والرهن به أي بألف القرض لا يصح لعدم الدين فإن رهنه بالألفين كما شرط وقد تلف ألف القرض صح الرهن فيهما لصيرورة ألف القرض دينا وإلا أي وإن لم تتلف ألف القرض ففي الألف القديم يصح الرهن كما لو رهن به وحده دون ألف القرض لأنه لم يملكه وإنما هو مضمون في يده والأعيان لا يرهن بها كما مر ويكون المرهون جميعه رهنا به أي بالألف القديم لأن الرهن بمعنى المرهون وثيقة بكل جزء من الدين ولا فرق في صحة الرهن بالألف القديم بين أن يعلم الراهن فساد الشرط وأن يظن صحته وهو الأصح في الروضة بخلاف ما لو أدى دينا ظنه عليه ثم بان خلافه لا يصح الأداء لأن أداء الدين يستدعي سبق ثبوته وصحة الرهن لا يستدعي سبق الشرط قاله الرافعي وبخلاف ما مر من عدم صحة البيع المشروط به بيع آخر عند ظن صحة الشرط لأن البيع مقصود في نفسه والرهن مقصود للتوثق فهو كالتابع ويغتفر في التابع ما لا يغتفر في غيره
فصل كما لا يدخل الشجر والبناء في رهن الأرض كما مر في بيع الأصول والثمار لا يدخل المغرس والأس والثمر ولو غير مؤبر والصوف وإن لم يبلغ أوان الجز في رهن الشجر والجدار والغنم بطريق الأولى لضعف الثلاثة عن الاستتباع من حيث إن الشجر والجدار تابعان للمغرس والأس وإن الغنم لا يراد دوام صوفها عليها بخلاف الأرض بالنسبة للشجر والبناء اللذين فيها وكالصوف اللبن كما صرح به الأصل والمراد بالأس هنا الأرض التي تحت الجدار لا الأس الذي من نفس الجدار كما ذكره الزركشي وغصن الخلاف وورق الآس وهو المرسين والفرصاد وهو التوت الأحمر والمراد مطلق التوت الشامل لغير الأحمر المفهوم بالأولى ونحو ذلك مما يقصد غالبا كورق الحناء والسدر كالتمر فلا يدخل في رهن أصلها بخلاف ما لا يقصد غالبا كغصن غير الخلاف فصل لو رهنه الظرف بما فيه كأن قال رهنتك هذا الحق بما فيه وهو أي ما فيه معلوم يقصد بالرهن صح فيهما وإلا أي وإن لم يكن معلوما ففي الظرف يصح إن كان مقصودا بالرهن
154
154
بأن كان له قيمة تقصد به وتفرقت الصفقة أي فيصح في الظرف دون المظروف وإن لم يقصد أي الظرف بالرهن فالمرهون ما فيه فقط إن علم وكان يقصد بالرهن والتصريح بقوله من زيادته إن علم لا بد منه في الحكم لكنه لا يناسب المقسم الذي هو قوله وإلا وإن كان ما فيه أي في الظرف الذي لا يقصد بالرهن لا يصح رهنه بطل فيهما وفي كلام الروضة هنا خلل سلم منه كلام المصنف فإن رهنه أي الظرف وكان يقصد بالرهن دون ما فيه صح الرهن فيه وإن قلت قيمته لأنه جعله المقصود بالرهن دون ما فيه فإن أطلق رهن الظرف ولم يتعرض لما فيه ومثله أي الظرف مما يقصد بالرهن وحده فهو المرهون دون ما فيه وكذا لو لم يقصد بالرهن إن تمول وإلا أي وإن لم يتمول فهل يلغو أي الرهن لأنه لا قيمة له أم يقع على المظروف لأن ظرفه حينئذ كالعدم وجهان أوجههما الأول كما يشير إليه كلام الأصل ويأتي في بيع الخريطة مثلا بما فيها أو وحدها أو مطلقا ما تقرر في الرهن حرفا بحرف وهو ظاهر
الركن الرابع العاقدان وشرطهما نفوذ التصرف كما في البيع ونحوه لكن الرهن نوع تبرع فإن صدر من أهله في ماله فذاك وإلا فالشرط وقوعه على وجه المصلحة كما قال فإن رهن ولي ولو أبا لمحجور عليه بصبا أو جنون أو سفه فشرطه المصلحة كأن يشتري له ما يساوي مائتين بمائة نسيئة ويرهن بها من أمين يجوز إيداعه ما يساوي مائة إذ الغبطة ظاهرة بتقدير سلامة المرهون وإن تلف كان فيما اشتراه جابرا لا ما يساوي أكثر من مائة حتى لو لم يرض البائع إلا برهن ما يزيد عليها امتنع الشراء إذ قد يتلف المرهون فلا يوجد جابر وإن كان مما لا يتغير عادة كعقار فإنه لا يجوز أن يرهنه فيما ذكر بأكثر مما يساوي مائة لأن الرهن يمنع التصرف كيف كان وتعبيره بالتغير أولى من تعبير أصله بالتلف وخرج بقوله من أمين يجوز إيداعه غيره فلا يجوز الرهن منه إذ لا يؤمن أن يتلف المرهون أو يجحده وهذا القيد جار في بقية الصور فلو أخره عنها كأصله كان أولى أو كان يخاف وفي نسخة عطفا على كأن يشتري ومثل أن يخاف تلفه أي تلف ماله بنهب أو حريق أو نحوه
فله أن يشتري له عقارا ممن لا يمتد ذلك إليه ويرهن بثمنه إن اشترط مالك العقار الرهن بأن لم يبعه إلا بشرط الرهن وتعذر الإيفاء للثمن حالا لأن الإيداع حينئذ ممن لا يمتد ذلك إليه جائز فهذا أولى قال في الأصل ولو اقترض له والحالة هذه ورهن به لم يجز قاله الصيدلاني لأنه يخاف التلف على ما يقترضه خوفه على ما يرهنه ولك أن تقول إن لم يجد من يستودعه ووجد من يرتهنه والمرهون أكثر قيمة من القرض وجب أن يجوز رهنه انتهى قال البلقيني ما أطلقه الصيدلاني هو الصواب لأن ما يقترضه الولي والحالة هذه ربما امتد إليه النهب لأنه ممن يخاف والمرهون ربما يتلف على حكم الأمانة فيبقى الدين بحاله فيؤدي إلى الضرر بخلاف الوديعة إذا وقعت لمن لا يمتد إليه النهب فإنها إذا تلفت على حكم الأمانة لا يبقى دين وخرج بقولهم ولم يبعه إلا بشرط الرهن مما إذا باعه بدون ذلك فيمتنع الرهن لقدرته على الإيداع الخالي عن تعلق الدين بالمال ومثل أن يقترض لمؤنته أو مؤنة من تلزمه مؤنته كما فهم بالأولى من قوله أو مؤنة ماله كإصلاح ضياعه مرتقبا لغلة وحلول دين ونفاق متاع كاسد بفتح النون أي رواجه فله أن يرهن بما اقترضه لشيء من ذلك والواو بمعنى أو وإلا أي وإن لم يرتقب شيئا من ذلك باع ما يرهنه ولا يقترض
ولما فرغ من بيان الرهن له أخذ في بيان الارتهان له المعتبر فيه أيضا المصلحة فقال ولا يرتهن له إلا إن تعذر التقاضي لدينه ممن هو عليه أو باع ماله مؤجلا فيرتهن فيهما وجوبا وإنما يجوز بيع ماله مؤجلا لغبطة من أمين غني وبإشهاد و بأجل قصير في العرف فلا يتقيد بسنة وبشرط كونه أي المرهون وافيا بالثمن فإن فقد شرط مما ذكر بطل البيع وقضية كلامه بطلانه بترك الإشهاد وفيه وجهان في الروضة بلا ترجيح قال في الكفاية ظاهر المذهب المنع وبه قال الجمهور ونقله عنه الزركشي وأقره وإن باع ماله نسيئة أو أقرضه لنهب ارتهن جوازا إن كان قاضيا وإلا فوجوبا وقوله جوازا من زيادته فإن خاف تلف المرهون والحاكم يرى سقوط الدين بتلفه فالأولى تركه وأولى
155
155
من عبارته قول الأصل والأولى أن لا يرتهن إذا خيف تلف المرهون لأنه قد يتلف ويرفعه إلى حاكم يرى سقوط الدين بتلف الرهن
ولمتولي الطرفين في البيع ونحوه وهو الأب والجد أن يرهن للطفل ونحوه مالهما من نفسه و أن يرتهن لهما ماله من نفسه عبارة الأصل وحيث جاز الرهن والارتهان جاز للأب والجد أن يعاملا به أنفسهما ويتوليا الطرفين وليس لغيرهما ذلك فصل رهن المكاتب وارتهانه كرهن الولي وارتهانه فيما مر وكذا العبد المأذون له في التجارة إن أعطي مالا لها بأن أعطاه له سيده فإن اتجر بجاهه بأن قال له اتجر بجاهك ولم يعطه مالا فكالمطلق أي فكمطلق التصرف فله البيع والشراء في الذمة حالا ومؤجلا والرهن والارتهان مطلقا ما لم يربح فإن ربح بأن فضل في يده مال كان كما لو أعطاه مالا قال الزركشي نقلا عن نص البويطي وشرط ذلك أن يحد له حدا كأن يقول له اشتر من دينار إلى مائة في حكم القبض والطوارئ قبله لا يلزم الرهن إلا بقبض كقبض المبيع فيما مر لقوله تعالى فرهان مقبوضة فلو لزم بدون القبض لم يكن للتقييد به فائدة ولأنه عقد تبرع يحتاج إلى القبول فلا يلزم إلا بالقبض كالهبة ولا ترد الوصية لأنها إنما تحتاج إلى القبول فيما إذا كان الموصى له معينا فللراهن الرجوع عنه قبل القبض ثم من صح ارتهانه صح قبضه وله أن يستنيب فيه و لكن لا يستنيب الراهن في القبض لئلا يؤدي إلى اتحاد القابض والمقبض ومنه علم أنه لو كان الراهن وكيلا في الرهن فقط أو وليا فرشد موليه أو عزل هو جاز للمرتهن أن يستنيبه في القبض من المالك لانتفاء العلة ولا يستنيب رقيقه أي الراهن لأن يده كيده سواء المدبر والمأذون له وغيرهما ولا يشكل بما لو وكل رجل العبد في شراء نفسه من مولاه حيث يصح مع أنه لا يصح فيما لو وكل مولاه لأن شراء العبد نفسه من سيده صحيح في الجملة لتشوف الشارع إلى العتق فلم ينظروا فيه إلى تنزيل العبد منزلة مولاه إلا مكاتبه لاستقلاله باليد والتصرف كالأجنبي
ومثله المبعض إذا كان بينه وبين سيده مهايأة ووقع القبض في نوبته وإن وقع التوكيل في نوبة السيد ولم يشرط فيه القبض في نوبته فإن لم يقبض الرهن المشروط في بيع فللبائع الخيار لفوات ما شرطه كما مر في البيوع المنهي عنها ويشترط في اللزوم إقباض الراهن أو الإذن منه في القبض فإن رهن العين من غاصب لها أو مستعير أو مودع أو وكيل صح كالبيع واشترط الإذن له من الراهن في القبض لأن اليد كانت عن غير جهة الرهن ولم يقع تعرض للقبض عنه و اشترط فيه مضي مدة إمكانه كنظيره في البيع لكنه معتبر من وقت الإذن لا العقد صرح به الأصل ولو صدر الرهن من أب تولى الطرفين أي طرفي الرهن فإنه يشترط فيه مضي الإمكان وقيل لا يشترط والترجيح من زيادته على الروضة وقصده للقبض كالإذن
156
156
فيه واقتصاره على القبض أولى من ضم الأصل إلى الإقباض إذ لا يشترط في الإقباض إذن حتى يشترط قصده وكذا يجري ذلك في البيع لشيء ممن هو في يده لكن لا يشترط لجواز التصرف وانتقال الضمان الإذن في القبض لأنه مستحق هنا فكفى دوامه إلا فيما يستحق حبسه بأن يكون الثمن حالا ولم يوف فيشترط الإذن فيه قيل وصورة المسألة أن يكون المبيع غائبا وإلا فلا يعتبر الإذن بل العقد قبض نقله في المجموع في كتاب البيع عن المتولي
وأقره زاد ابن الرفعة وإن قلنا إن له حق الحبس فإن يده إن كانت يد أمانة فقد أدامها وإلا فالبيع جهة ضمان يسقط القيمة انتهى وهو مبني على رأي المتولي كما رأيت وهو مردود كما مر في الكلام على قبض المبيع وفي نسخ تقديم قوله وكذا إلى آخره على قوله ولو من أب
فرع لو ذهب من ارتهن ما بيده ليقبض الرهن بالفعل فوجده قد ذهب من يده وقد أذن له في القبض بعد العقد فله طلبه وأخذه حيث وجده وقوله كالروضة ليقبض الرهن ليس شرطا بل المراد أنه ذهب إليه فوجده قد ذهب كما عبر به الرافعي وقوله طلبه من زيادته وإلا أي وإن لم يأذن له فيما ذكر فلا يطلبه ولا يأخذه حتى يقبضه الراهن ويجدد له الإذن لا يخفى إن قبض الراهن ذلك ليس بشرط فضلا عن اشتراط ضم تجديد الإذن المزيد على الأصل إليه فإن قرئ قوله يقبضه بضم أوله وجعلت الواو في ويجدد بمعنى أو زال الإشكال
فرع لا يبرأ الغاصب من ضمان ما غصبه بالرهن منه لأنه وإن كان عقد أمانة الغرض منه التوثق وهو لا ينافي الضمان وكذا المستعير لا يبرأ بالرهن منه وإن منعه المعير الانتفاع لما قلنا ولا يحرم عليه انتفاعه بالمعار الذي ارتهنه لبقاء الإعارة إلا بالرجوع أي برجوع المعير فيه لزوالها وللغاصب إجبار الراهن على إيقاع يده عليه ليبرأ من الضمان ثم يستعيده منه بحكم الرهن وليس للراهن إجباره على رد المرهون إليه لذلك أي ليوقع يده عليه ثم يستعيده منه المرتهن بحكم الرهن إذ لا غرض له في براءة ذمة المرتهن ولو أودع المالك المغصوب من الغاصب برئ من الضمان لأن الإيداع ائتمان وهو ينافي الضمان فإنه لو تعدى في الوديعة لم يبق أمينا بخلاف الرهن لا إن أبرأه من ضمانه وهو أي المغصوب في يده فلا يبرأ لأن العين لا يبرأ عنها إذ الإبراء إسقاط ما في الذمة أو تمليكه وكذا إن أبرأه عن ضمان ما يثبت في الذمة بعد تلفه لأنه إبراء عما لم يثبت أو آجره إياه أو قارضه فيه أو وكله في التصرف فيه ببيع أو هبة أو غيرهما أو زوجه إياه فلا يبرأ لما علم مما مر في رهنه منه وظاهر أنه إن تصرف في مال القراض أو فيما وكل فيه برئ كما سيأتي في بابهما لأنه سلمه بإذن مالكه وزالت عنه يده وكالغاصب فيما ذكر كل من كانت يده يد ضمان كالمستعير والمستام ولو قال بدل في يده باق كان أعم فصل في الطوارئ المؤثرة في العقد قبل القبض ويحصل الرجوع عن الرهن قبل القبض بتصرف مزيل للملك كبيع وإعتاق وإصداق وهبة بإقباض لزوال محل الرهن وبرهن بإقباض وإحبال وكتابة للرقيق لتعلق حق الغير بالعين وقوله وإحبال أعم من قول أصله والوطء مع الإحبال وقضية تقييدهما الرهن بالإقباض وتقييد الأصل الهبة به أنهما بدونه ليسا رجوعا وهو موافق لتخريج الربيع والذي عليه الأصحاب ونقلوه عن النص إن ذلك رجوع ذكره السبكي وغيره وصوبه الأذرعي وكذا تدبير لأن
157
157
مقصوده العتق وهو مناف للرهن لا بتزويج إذ لا تعلق له بمورد الرهن بل رهن المزوج ابتداء جائز و لا وطء بغير إحبال وإن أنزل لأنه بمجرده ليس سببا لزوال ملكه ولا بإجارة ولو حل الدين المرهون به قبل انقضائها بناء على جواز رهن المؤجر وبيعه وقيده الفارقي بما إذا كانت قيمته مؤجرا لا تنقص عن قدر الدين وإلا كان رجوعا كما لو تصرف بما يخرج المرهون عن أن يستوفى منه الدين كان رجوعا فكذا إذا كان يمنع من استيفاء بعضه والظاهر ما أطلقه الأصحاب لأن الرهن قبل القبض ليس بلازم ولا بموت عاقد من راهن ومرتهن لأن مصير الرهن إلى اللزوم فلا يتأثر بموته كالبيع في زمن الخيار بل يقوم الوارث مقامه فيقوم وارث الراهن مقامه في الإقباض ووارث المرتهن مقامه في القبض ولا بجنون للعاقد ولا بإغمائه كما صرح به الأصل كالموت بل أولى و لا حجر سفه وفلس بل يعمل الولي أي ولي المجنون والسفيه بالمصلحة فيجيز له ماله فعله ابتداء فإن جن مثلا الراهن وخشي الولي فسخ بيع شرط فيه الرهن إن لم يسلمه وفيه أي في إمضائه غبطة أي حظ كما عبر به أصله سلم الرهن فإن لم يخش فسخه أو كان الحظ فيه أو كان رهن تبرع لم يسلمه إلا أن تكون ضرورة أو غبطة لأنهما يجوزان رهن مال المجنون ابتداء فاستدامته أولى كما علم من قوله فيجيز ماله فعله ابتداء وإن جن المرتهن قبض الولي الرهن فإن لم يسلمه الراهن وكان مشروطا في بيع فعلى الأصلح من فسخ وإجازة
فرع يبطل حكم الرهن للعصير ولو بعد القبض بانقلابه خمرا ما دام خمرا لخروجه عن المالية فإذا تخلل عاد رهنا ولو قبل القبض كما عاد ملكا وللمرتهن الخيار في البيع المشروط فيه الرهن بانقلاب العصير خمرا سواء تخلل أم لا لنقص الخل عن العصير في الأول وفوات المالية في الثاني هذا إن كان قبل القبض لا إن كان بعده لأنه تخمر في يده فلو قبضه خمرا وتخلل استأنف القبض لفساد القبض الأول بخروج العصير عن المالية لا العقد لوقوعه حال المالية ولو ماتت الشاة المرهونة في يد المرتهن أو الراهن المفهوم بالأولى فدبغ المالك جلدها لم يعد رهنا لأن ماليته حدثت بالمعالجة بخلاف الخل فإن قلت قد يحدث بها أيضا كنقله من شمس إلى ظل وعكسه قلت نادر فألحق بالغالب وقوله من زيادته المالك مضر إذ لا فرق بينه وبين غيره كما هو ظاهر كلام الأكثرين كما قاله السبكي بناء على الأصح من أنه لو دبغ جلد ميتة لغيره بغير إذنه لا يكون ملكا للدابغ نعم إن أعرض عنه المالك فدبغه غيره فهو له وخرج عن الرهن كما صرح به الأذرعي ولو أبق المرهون أو تعلق برقبته مال ولو قبل القبض لم يبطل الرهن لاغتفار ما يقع في الدوام وتخمر المبيع قبل القبض كتخمر المرهون بعده في بطلان حكم العقد وعوده إذا عاد خلا لا في عدم ثبوت الخيار أيضا وإن اقتضاه كلامه وكلام الأصل سالم من ذلك فصل في تخلل الخمر وتخليلها الخمر إن قصد بعصيرها الخل فهي محترمة لا تراق قال في الأصل لأن اتخاذ الخل جائز بالإجماع ولا ينقلب العصير إلى الحموضة إلا بتوسط الشدة فلو لم تحترم وأريقت في تلك الحالة لتعذر اتخاذ الخل وإن قصد به الخمر أريقت لعدم احترامها وللأمر بإراقة الخمور في خبر أبي داود بإسناد صحيح وهو محمول على غير المحترمة وتفسير المحترمة بما ذكر قاله الشيخان هنا وقالا في الغصب هي ما اتخذت لا بقصد الخمرية وهو أعم وأوجه كما قدمته في باب النجاسة على أن كلامهما وكلام المصنف هنا
158
158
متدافعان في صورة عدم القصد وحيث اعتبر القصد فالعبرة بالقصد الذي يعقبه التخمر كما يؤخذ من كلام القاضي حتى لو عصر بقصد الخمرية ثم قبل التخمر قصد اتخاذه خلا كانت محترمة لكن نظر فيه السبكي بأنه كيف يزول القصد المقترن بالفعل بالقصد المجرد فإن وقع في الخمر ولو محترمة خل أو عين أخرى غير خمر ولو حصاة ونحوها مما لا يؤثر في التخلل ثم انقلبت خلا لم تطهر لما مر مع زيادة في باب إزالة النجاسة وإن وقع على العصير عين فتخمر وانقلبت الخمرة خلا نجست أي العين الخل لتنجسها بالخمر وتعبيره بوقع أولى من تعبير أصله بطرح ويحرم الاستعجال لذلك أي للتخلل بعد الاشتداد لخبر مسلم عن أنس قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم أتتخذ الخمر خلا قال لا ولخبر أبي داود بإسناد صحيح إن أبا طلحة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عندي خمور لأيتام قال أرقها قال ألا أخللها قال لا فائدة إذا استحكمت الخمرة المحترمة وأيس أهل الصنعة من عودها خلا إلا بصنع آدمي قال ابن الرفعة الأشبه فيما نظنه أنه لا يجوز إمساكها وإن وقع على العصير خل كثير يمنعه التخمر لم يضر والأضر كما قدمه في باب إزالة النجاسة وقدمت ثم توجيهه وظاهر أن تعبيره هنا بالكثير وثم بالغالب المعبر به في أصله هنا جرى على الغالب وأن العبرة بما يمنع التخمر وعدمه سواء أكان غالبا أم مغلوبا أم مساويا وكلامه ثم ككلام أصله هنا متدافع في حالة التساوي إن لم يجر الكلام على الغالب الباب الثالث في أحكام وفي نسخة حكم المرهون بعد القبض وفيه ثلاثة أطراف الأول الراهن فبيعه ورهنه وتزويجه ونحوها للمرهون باطل لأنه ممنوع منها لما في البيع ونحوه من تفويت التوثق والرهن من زحم المرتهن في مقصوده والتزويج ونحوه من نقص المرهون وتقليل الرغبة فيه وكذا إجارة له يحل الدين المرهون به قبل انقضائها بأن يكون حالا أو مؤجلا يحل قبل انقضائها وإن جوزنا بيع المؤجر لأنها تنقص القيمة وإلا بأن حل بعد انقضائها أو معه صحت إن كان المستأجر عدلا لانتفاء المحذور حالة البيع وقضية كلامه كأصله صحتها أيضا إذا احتمل التقدم والتأخر والمقارنة أو اثنين منها بأن يؤجره على عمل معين كبناء حائط وفيه نظر نبه عليه الإسنوي قال الأذرعي وإطلاق الصحة فيما ذكر ظاهر إذا لم يؤثر ذلك نقصا في القيمة كبناء وغراس أو كانت مدة تفريغ المأجور لا تمتد إلى ما بعد الحلول بزمن طويل أما لو كان الأمر بخلاف ذلك فلا وما قاله معلوم من قولهم ليس للراهن الانتفاع بالمرهون بما ينقصه كما سيأتي فلو حل الدين بموت الراهن لم تبطل الإجارة لوقوعها في الابتداء على الصحة فيصير المرتهن إلى انقضائها كما يصير الغرماء إلى انقضاء العدة لتستوفي المعتدة حق السكنى جمعا بين الحقين ويضارب مع الغرماء بدينه في الحال وبعد انقضائها يقضي باقي دينه من الرهن بمعنى المرهون فإن فضل شيء فللغرماء وقيل تبطل الإجارة بالحلول رعاية لحق المرتهن لأنه أسبق ويضارب المستأجر بالأجرة المدفوعة والترجيح من زيادته وفي نسخة بدل قوله فيصير إلى آخره بل يباع المرهون للمرتهن وإن لم يف بالدين وضارب بباقيه مع الغرماء وهو لا يوافق ما في الأصل ولم أر له فيه سلفا وإن كان له وجه
ومن ارتهن شيئا فله استئجاره مطلقا كعكسه أي كما له ارتهان مستأجره فإن كان
159
159
الاستئجار قبل القبض للمرهون فسلمه عن الإجارة لم يقع عن الرهن لأن قبضه غير مستحق أو سلمه عن الرهن وأوجبنا البداءة في التسليم في الإجارة بالمؤجر أو لم نوجبها ووفى المكتري الأجرة أو كانت مؤجلة وقع عنهما وإلا فلا يقع عن الإجارة لأن القبض فيها مستحق في الشق الأول دون الثاني وإن سلمه عنهما وقع عنهما كما أفهمه كلامه بالأولى ولو أطلق قال الزركشي ينبغي تنزيله على الإجارة لأنه واجب
فرع إذا أعتق الراهن المالك الموسر مرهونا مقبوضا عتق في الحال تشبيها لسراية العتق إلى حق المرتهن بسرايته من نصيب أحد الشريكين إلى الآخر لقوة العتق بالسراية وغيرها مع بقاء حق الوثيقة لأنه يغرم القيمة وتصير رهنا كما قال وغرم قيمته أي وقت إعتاقه وتصير من حين غرمها رهنا أي مرهونة من غير حاجة إلى عقد وإن حل الدين كما عبر بذلك الإمام وهو مراد من عبر هنا وفي الفرع الآتي بأنها تجعل رهنا أو تصرف في قضاء دينه إن حل وما ذكره من التخيير فيما إذا حل الدين هو الأوجه الموافق لبحث الشيخين هنا ولإطلاقهما فيما يأتي في أرش البكارة لكن منقولهما هنا عن العراقيين أنه لا معنى للرهن في ذلك ويوافقه قول المصنف في نسخة وتصرف بالواو والمراد بالموسر الموسر بقيمة المرهون فإن أيسر ببعضها عتق القدر الذي أيسر بقيمته قال البلقيني وغيره وإذا نفذنا إعتاق الموسر كان إقدامه عليه جائزا كما اقتضاه نص الشافعي انتهى واقتضاه أيضا كلام الرافعي وغيره في باب النذر لكن نقل عن الإمام في بحث التنازع في جناية المرهون أنه يمتنع إقدامه عليه ولا ينفذ عتق معسر
ولو انفك الرهن بإبراء أو غيره لعجزه ولو استعار من يعتق عليه ليرهنه فرهنه ثم ورثه هل يعتق عليه لأنه عتق قهري من الشرع أو لا لتعلق الوثيقة به أو يقال إن كان موسرا عتق وإلا فلا فيه نظر ولو علقه أي الراهن العتق بفكاك الرهن بفتح الفاء أشهر من كسرها فانفك عتق إذ لم يوجد حال الرهن إلا التعليق وهو لا يضر أو علقه بصفة أخرى فوجدت وقد انفك الرهن بأن انفك مع وجودها أو قبله عتق أيضا لما مر أو وجدت وهو مرهون فكعتقه بمعنى إعتاقه فيعتق من الموسر دون المعسر ثم وقفه أي الراهن للمرهون باطل لما مر أول الباب وإن رهن نصف عبد ثم أعتق نصفه فإن أعتق نصفه المرهون عتق مع باقيه على الموسر دون المعسر أو أعتق نصفه غير المرهون أو أطلق عتق غير المرهون من الموسر والمعسر وسرى إلى المرهون على الموسر دون المعسر لأنه يسري إلى ملك غيره فملكه أولى وينفذ عتق المرهون من الموسر عن كفارته لا عن كفارة غيره بسؤاله لأنه بيع إن وقع بعوض وإلا فهبة وهو ممنوع منهما وأورد عليه ما لو مات الراهن فانتقلت العين إلى وارثه فأعتقها عن مورثه وكذا إذا لم يرهنه ولكن مات وعليه دين فإنه ينتقل إلى الوارث مرهونا ومع ذلك يجوز إعتاقه عن مورثه كما هو حاصل كلام الرافعي في باب الوصية وعلله بأن إعتاقه كإعتاقه ولا تردان لأن الوارث خليفة مورثه ففعله كفعله في ذلك ولأن الكلام في إعتاق الراهن نفسه وفي الرهن الجعلي لا غيرهما ثم ظاهر أن الإعتاق عن المرتهن جائز كالبيع منه
160
160
فصل
يحرم عليه أي الراهن وطء مرهونة ولو ثيبا لا تحبل لخوف الحبل فيمن تحبل وحسما للباب في غيرها نعم لو خاف الزنا لو لم يطأها فله وطؤها فيما يظهر لأنه كالمضطر قاله الأذرعي وخرج بالراهن الزوج بأن رهنت زوجته ولو بأن يكون استعارها هو للرهن لكن قيد الأذرعي الأخيرة بأن تكون حاملا منه قال فله وطؤها ما دامت حاملا وفيما قاله نظر وخرج بالوطء بقية التمتعات فلا تحرم عليه وبه حرم الشيخ أبو حامد وجماعة منهم الرافعي في الاستبراء وقال الروياني وغيره بحرمتها أيضا خوف الوطء وقد يجمع بينهما بحمل الثاني على ما إذا خاف الوطء والأول على ما إذا أمنه فإن وطئ الراهن لم يلزمه مع التعزير بشرطه سوى أرش البكارة في البكر لإتلافه جزء المرهون فلا يلزمه غيره من حد ومهر لأنه أصاب ملكه ولهذا لو وطئها غيره كان المهر له بخلاف المكاتبة لو وطئها سيدها أو غيره كان المهر لها لاستقلالها ثم الراهن فيما لزمه من الأرش يرهنه أو يقضيه أي يقضي منه دينه وفي نسخ أو يقبضه أي للمرتهن من دينه فيقرأ بضم أوله وإحباله كإعتاقه فينفذ من الموسر دون المعسر
ويلزمه قيمتها وتكون رهنا أو تصرف في قضاء دينه إن حل وولده منها حر نسيب ولا قيمة عليه كما ذكره الأصل ثم إن لم يستغرقها الدين فيباع على المعسر منها بقدر الدين وإن نقصها التشقيص رعاية لحق الإيلاد وينفك الرهن عن باقيها ويستقر الإيلاد فيها والنفقة على المشتري والمولد بحسب نصيبهما والكسب بينهما كذلك ذكر ذلك الأصل بخلاف غيرها من نحو رقيق رهن بخمسين وقيمته مائة وكان لا يشترى نصفه إلا بأربعين ويشترى الكل بمائة فلا يباع منه بقدر الدين بل يباع كله دفعا للضرر عن المالك وهذا من زيادته وبه جزم الرافعي لكن لا يباع شيء من المستولدة إلا بعد أن تضع ولده لأنها حامل بحر و بعد أن تسقيه اللبا وتوجد مرضعة خوفا من أن يسافر بها المشتري فيهلك الولد وقياس ما مر في إجارتها أن للمرتهن أن يضارب مع الغرماء في مدة الصبر فإن استغرقها الدين أو عدم مشتري البعض بيعت كلها بعدما ذكر للحاجة إليه في الأولى وللضرورة في الثانية وإذا بيع بعضها أو كلها عند وجود مرضعة فلا يبالي بالتفريق بينها وبين الولد لأنه حر وليس له أي للراهن أن يهبها للمرتهن بخلاف البيع لأن البيع إنما جوز للضرورة فإذا ملكها بعد البيع في الدين أو انفك الرهن عنها بغير بيع كما فهم بالأولى وصرح به الأصل نفذ استيلاده بخلاف نظيره في الإعتاق لأنه قول يقتضي العتق في الحال فإذا رد لغا والإيلاد فعل لا يمكن رده وإنما يمنع في الحال لحق الغير فإذا زال حق الغير ثبت حكمه
فرع ولو ماتت هذه الأمة التي أولدها الراهن بالولادة أو نقصت بها وهو معسر حال الإيلاد فأيسر طولب بقيمتها في الأولى وكانت رهنا مكانها أو بالأرش في الثانية وكان رهنا معها لأنه تسبب إلى إهلاكها أو نقصها بالإحبال بغير استحقاق وله أن يصرف ذلك في قضاء دينه كما صرح به الأصل وموت أمة الغير بالولادة من وطء بشبهة لا زنا ولو كان الزنا إكراها أي به يوجب قيمة الأمة لما مر لا موت حرة بالولادة ولو من شبهة فلا يوجب دية الحرة لأن الوطء سبب ضعيف
161
161
وإنما أوجبنا الضمان في الأمة لأن الوطء سبب الاستيلاء عليها والعلوق من آثاره فأدمنا به اليد والاستيلاء والحرة لا تدخل تحت اليد والاستيلاء أما الموت بالولادة بالزنا فلا يوجب شيئا لأنها في الزنا لا تضاف إلى وطئه لأن الشرع قطع نسب الولد عنه ولو ماتت زوجته بالولادة فلا ضمان لتولده من مستحق كما اقتضاه كلامه وصرح به أصله والواجب فيما إذا أوجبنا القيمة قيمة يوم وفي نسخة وقت الإحبال لأنه سبب التلف كما لو جرح عبدا قيمته مائة فبقي ضمنا حتى مات وقيمته عشرة لزمه مائة
فصل للراهن انتفاع لا ينقص الرهن أي المرهون كركوب وسكنى واستخدام لخبر البخاري الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا ولخبر الرهن مركوب ومحلوب رواه الدارقطني وصححه ولبس وإنزاء فحل لا ينقصانه أي المرهون وإنزاء على أنثى يحل الدين قبل ظهور حملها أو تلد قبل حلوله لا إن حل بعده أي بعد ظهور حملها ولم تلد قبل الحلول فليس له الإنزاء عليها لامتناع بيعها دونه أي الحمل وهو غير مرهون ولا يؤثر احتمال بيعها معه بغير توزيع لأن الراهن لم يلتزمه وحيث أنزى عليها فظهر بها حمل قبل البيع امتنع بيعها دونه قبل الوضع أو بعد البيع فالظاهر تبين بطلانه وحيث أخذ الراهن المرهون للانتفاع الجائز فتلف في يده فلا ضمان عليه كما صرح به الروياني في البحر وليس له السفر به وإن قصر سفره لما فيه من الخطر بلا ضرورة وظاهر أنه لو دعت ضرورة إلى السفر به كأن جلا أهل البلد لخوف أو قحط أو نحوه كان له السفر به ولا البناء والغراس في الأرض المرهونة ولو كان الدين مؤجلا ولم يلتزم قلعهما عند فراغ الأجل لنقص القيمة بذلك قال الأذرعي وغيره
ويشبه أن يستثنى البناء الخفيف على وجه الأرض باللبن ونحوه كمظلة الناطور لأنه يزال عن قرب كالزرع ولا تنقص به القيمة وله زراعة ما يدرك قبل حلول الدين أو معه فيما يظهر إن لم تنقص أي الزراعة قيمة الأرض إذ لا ضرر على المرتهن وإلا بأن نقصت قيمتها أو كان الزرع مما يدرك بعد الحلول فلا يجوز له ذلك لضرر المرتهن فإن حل الدين في الشق الأول قبل إدراكه أي الزرع لعارض ترك إلى الإدراك فإن بنى أو غرس حيث منعناه لم يقلع إلا عند دخول وقت البيع وهو بعد الحلول إن زادت قيمتها أي الأرض بالقلع على قيمتها بدونه في قضاء دين الغريم سواء أحصل بالزيادة وفاء الدين أم لا فعلم أنه إذا لم يحل الدين أو حل ولم تزد القيمة بالقلع أو زادت على ما يقضي الدين لا يقلع إذ لا فائدة فيه ولأنه في الأولى ربما يقضي الدين من محل آخر ومحل قلعه فيما قاله إذا لم يأذن الراهن في بيعه مع الأرض فإن أذن في بيعه معها بيعا ووزع الثمن كما في رهن الأم دون ولدها إلا أن تكون قيمة الأرض بيضاء أكثر من قيمتها مع ما فيها فيكلف القلع فإن حجر عليه أي الراهن بفلس فقد مر في فصل يصح رهن الجارية
162
162
أنه لا يقلع لتعلق حق الغرماء بما في الأرض وأنهما يباعان معا ويوزع الثمن عليهما والترجيح من زيادته وعلى ما رجحه نص الشافعي وبه جزم الشيخ أبو حامد والماوردي والقاضي وغيرهم وفي نسخة بدل قوله فقد مر فوجهان فعليها لا زيادة
فصل
اليد على المرهون بعد القبض للمرتهن لأنها الركن الأعظم في التوثق وللمالك أخذه منه عند حاجته لانتفاعه به بنفسه أو غيره مع بقائه إن كان له منفعة لا يمكن استيفاؤها وهو معه أي المرتهن كركوب وخدمة وسكنى بخلاف ما إذا كان يمكن ذلك وهو معه كحرفة للعبد يمكن أن يعملها في يد المرتهن فلا يأخذه الراهن لعملها جمعا بين الحقين وله أخذه للخدمة كما سيأتي التصريح به في كلامه وبخلاف ما إذا كان الانتفاع به بتفويته كنقد فلا يأخذه لذلك أصلا وله إن لم يثق به كما في الأصل تكليفه الإشهاد أنه أخذه لذلك أي للانتفاع به لئلا يجحد الرهن لا كل مرة للمشقة إن كان عدلا ظاهرا وإلا فيكلفه ذلك كل مرة وظاهر كلامه كالروضة أنه يجب الإشهاد على العدل لكن لا كل مرة وليس مرادا بل المفهوم من كلام الإمام والغزالي أنه لا يجب عليه أصلا وإليه أشار الرافعي في آخر كلامه نبه عليه الإسنوي وإذا أشهد قال الشيخان يشهد شاهدين قال في المطلب أو رجلا وامرأتين لأنه في المال وقاسه الاكتفاء بواحد مع اليمين كما اكتفى هو به في الفسخ بعيب المبيع كما مر ولا يعطى الراهن الجارية إلا إن أمن غشيانه لها لكونه محرما أو ثقة له أهل أو نحوه بأن تكون عنده زوجة أو أمة أو محرم أو نسوة يؤمن معهن منه عليها كنظيره فيما مر في وضعها عند المرتهن وإن أراد أن يؤجره بشرطه السابق وأمكن الانتفاع به في يد المرتهن لم تزل يده وإلا أزيلت فإن أراد استخدامه في شيء آخر يحوج إلى خروجه من يد المرتهن أجيب وما لا يدوم استيفاء منافعه عند الراهن يرده إلى المرتهن عند الاكتفاء بما انتفع به منه فيرد الخادم والمركوب اللذين ينتفع بهما في النهار ليلا أي في الوقت الذي جرت العادة بالراحة فيه كما قاله الإمام وابن الرفعة لزوال حاجته قال وإنما لم يرده وقت القيلولة في الصيف لما فيه من المشقة الظاهرة و يرد الحارس الذي ينتفع به في الليل نهارا لما مر وذكر الحارس مثال أما ما يدوم استيفاء منافعه فلا رد فيه فرع لا تزال يد البائع عن المحبوس بالثمن لاستيفاء منافعه لأن ملك المشتري غير مستقر بل يستكسب في يده للمشتري وتعبيره بالمحبوس أعم من تعبير أصله بالعبد المحبوس فرع فإن أذن له المرتهن فيما منع منه لأجله نفذ فيه تصرفه لأن المنع كان لحقه وقد زال بإذنه وإحباله هو داخل في تصرفه وبطل الرهن بذلك قال في الذخائر فلو أذن له في الوطء فوطئ ثم أراد العود إليه منع لأن الإذن يتضمن أول مرة إلا أن تحبل من تلك الوطأة فلا منع لأن الرهن قد بطل قال الأذرعي فإن صح ما ذكره فيقاس به ما في معناه مما يتعاقب قال
163
163
ثم رأيت كلام غيره يفهم خلاف قوله حيث قال ولو كان مما يتكرر مع بقاء الملك كالوطء إذا أذن فيه ووطئ ولم تحبل فله الرجوع أيضا ليمتنع من الوطء بعده فإن رجع المرتهن عن إذنه للراهن قبل التصرف ولو لم يعلم الراهن الرجوع حتى تصرف بغير إعتاقه وإيلاده وهو موسر لم ينفذ تصرفه لخلوه عن الإذن ورجوع المرتهن عن إذنه جائز كما صرح به الأصل لبقاء حقه كما أن للمالك الرجوع قبل تصرف الوكيل وللمرتهن الرجوع فيما وهب الراهن بإذنه في الهبة ولو مع القبض قبل قبض الهبة بمعنى الموهوب لأنها إنما تتم بالقبض ومثلها الرهن لا فيما باع أي لا يرجع فيه في مدة الخيار لأن البيع مبني على اللزوم والخيار دخيل فيه إنما يظهر أثره في حق من له الخيار ومتى تصرف كأن أحبل أو أعتق وادعى الإذن وأنكره المرتهن فالقول قول المرتهن بيمينه لأن الأصل عدم الإذن وبقاء الرهن فإن حلف فهو كما لو تصرف بغير إذنه فلو نكل حلف الراهن وكان كما لو تصرف بإذنه فإن نكل حلف العتيق والمستولدة لأنهما يثبتان الحق لأنفسهما بخلافه في نكول المفلس أو وارثه حيث لا يحلف الغرماء لأنهم يثبتون الحق للمفلس أولا و إذا اختلف في ذلك أحد العاقدين وورثه الآخر يحلف ورثة المرتهن على نفي العلم وورثة الراهن على البت ولا يثبت الإذن إلا بشاهدين فلا يثبت بغيرهما كشاهد وامرأتين أو شاهد ويمين كالوكالة والوصاية
فرع لو أتت أي الأمة المرهونة بولد فادعى الراهن استيلادها بالإذن من المرتهن صدق بلا يمين إن اعترف له المرتهن بالإذن في الوطء وبالوطء وبمدة إمكان الولادة أي بمضيها وبالولادة لأنه إذا أقر بأن الولد منه لم يقبل رجوعه فكيف يحلف عليه وإلا أي وإن لم يعترف له بمجموع الأربعة فالقول قول المرتهن بيمينه لأن الأصل عدمه وبقاء الرهن
فرع إذا أذن له في بيع الرهن أي المرهون فباعه والدين مؤجل فلا شيء له على الراهن من قيمته ليكون رهنا مكانه لبطلان الرهن أو حال قضى حقه منه أي من ثمنه وحمل إذنه المطلق على البيع في غرضه لمجيء وقته ولا يبطل الرهن فيكون الراهن محجورا عليه في الثمن إلى وفاء الدين فصورته كما قال الزركشي أن يأذن في بيعه ليأخذ حقه أو يطلق فإن قال بعه ولا آخذ حقي منه بطل الرهن وإذا أذن له في البيع أو العتق بمعنى الإعتاق بشرط كون أو جعل الثمن في البيع أو القيمة في العتق رهنا بطل البيع لفساد الإذن كما سيأتي سواء أكان الدين حالا أم مؤجلا نعم قال الإسنوي لا وجه للبطلان في الحال فيما إذا شرط كون الثمن رهنا لأنه تصريح بمقتضى الإذن بخلافه فيما إذا شرط رهنه أو جعله رهنا لأن رهن المرهون محال و بطل الإذن لفساد الشرط كما لو أذن بشرط أن يرهن به مالا آخر و بطل عتق المعسر دون عتق الموسر لما مر وكالإذن في الإعتاق بالشرط المذكور الإذن في الوطء بهذا الشرط إن أحبل والتصريح ببطلان عتق المعسر من زيادته في أكثر النسخ
وكذا يبطل البيع والإذن لو شرط أن يوفيه من الثمن والدين مؤجل لفساد الشرط لعدم لزوم تعجيل المؤجل بالشرط بخلافه في الحال واستشكل البطلان في ذلك بالصحة فيما لو وكل
164
164
وكيلا بالبيع على أن له عشر ثمنه مع فساد الشرط لجهالة الثمن وأجيب بأن الموكل لم يجعل لنفسه في مقابلة إذنه شيئا وإنما شرط جعلا مجهولا فاقتصر الفساد عليه حتى يجب أجر المثل للوكيل وهنا المرتهن شرط لنفسه في مقابلة إذنه رهن الثمن أو تعجيل الدين فبفساده يفسد مقابله لكن قالوا فيما لو صالح الراهن عن أرش الجناية بغير الجنس بإذن المرتهن صح وكان المأخوذ رهنا ولم يقولوا إنه إذا شرط في الصلح رهن المصالح عليه يبطل قال الرافعي والقياس التسوية فإن الصلح بيع قال في المطلب ولعل الفرق أن متعلق الوثيقة هناك البدل فلم يكن فرق بين الأرش والمصالح عليه بخلافه هنا فإن فيه نقل وثيقة من عين إلى عين وهو ممتنع وكيف لا والمراوزة يقولون إن الأرش لا يوصف بكونه مرهونا قبل القبض ومثله لا يقال في البيع انتهى وقد يقال يحمل ما هناك على ما هنا وأولى من ذلك كله أن يقال ما هناك تصريح بمقتضى الإذن ولو اختلفا في اشتراطه بأن قال المرتهن أذنت بشرط أن ترهن الثمن أو توفي منه الدين وهو مؤجل وقال الراهن بل أذنت مطلقا
صدق المرتهن بيمينه كما لو اختلفا في أصل الإذن وقوله بيمينه من زيادته فإن كان الاختلاف قبل البيع فليس له البيع أو بعد البيع وحلف المرتهن وصدقه المشتري أو أقر بالرهن وصدق الراهن كما صرح به الأصل فالبيع باطل والرهن باق بحاله وإن أنكر أصل الرهن حلف وعلى الراهن قيمته فإن أقام المرتهن بينة بالرهن فهو كإقرار المشتري بالرهن فيما ذكر
فرع لو قال المرتهن للراهن اضربه أي المرهون فضربه فمات لم يضمن لتولده من مأذون فيه كما لو أذن في الوطء فوطئ وأحبل بخلاف قوله له أدبه فإنه إذا ضربه فمات يضمنه لأن المأذون فيه هنا ليس مطلق الضرب بل ضرب تأديب ومثله ما إذا ضرب الزوج زوجته أو الإمام إنسانا تعزيرا كما سيأتي في ضمان المتلفات فصل التركة رهن أي مرهونة بالدين الذي على الميت وإن جهل فيستوي فيه الدين المستغرق وغيره لأنه أحوط للميت وأقرب لبراءة ذمته فتصرف الورثة كتصرف الراهن فلا ينفذ في شيء منها قبل وفاء الدين بغير إذن الغريم ولو قل الدين إلا أن يكون التصرف إعتاقا أو إيلادا وهو موسر نعم لو لم تف التركة بالدين فوفوا قدرها انفكت عن الرهنية بخلاف نظيره في الرهن ولو أدى بعضهم بقسط ما ورث انفك نصيبه بخلاف ما لو رهن مورثهم فأدى بعضهم بالقسط كما سيأتي ذلك قبيل الباب الرابع وما ذكره محله في دين الأجنبي أما دين الوارث فقال السبكي قد غلط جماعة في زماننا فظنوا أنه يسقط منه بقدر إرثه والصواب أنه يسقط منه ما يلزمه أداؤه منه لو كان لأجنبي وهو نسبة إرثه من الدين إن كان مساويا للتركة أو أقل ومما يلزم الورثة أداؤه إن كان أكثر ويستقر له نظيره من الميراث ويقدر أنه أخذ منه ثم أعيد إليه عن الدين وهذا سبب سقوطه وبراءة ذمة الميت منه ويرجع على بقية الورثة ببقية ما يجب أداؤه على قدر حصصهم وقد يفضي الأمر إلى التقاص إذا كان الدين لوارثين وأطال في بيانه رحمه الله فلو تصرفوا ولا دين ثم طرأ دين تقدم سببه على الموت كساقط في بئر حفرها الميت عدوانا وكرد مبيع بعيب أتلف البائع ثمنه لم يفسد تصرفهم لأنه كان جائزا لهم ظاهرا بل يطالبون بما طرأ فإن امتنعوا من أدائه الأولى فإن لم يسقط فسخ التصرف ليصل المستحق إلى حقه وظاهر أن
165
165
محل الفسخ في غير إعتاق الموسر وإيلاده أما فيهما فلا فسخ كالمرهون بل أولى لطريان التعلق على التصرف وتعبيره بطرق الدين أولى من تعبير أصله بظهوره
وللوارث أخذ التركة بقيمتها وقضاء الدين من ماله والدين أكثر من التركة وإن أراد الغرماء بيعها لتوقع زيادة راغب لأن الظاهر أنها لا تزيد على القيمة ولأن له غرضا صحيحا في ذلك ولا ضرر عليهم فيه بخلاف الأجنبي المتبرع إذ لا حق له في عين التركة إلا إن طلبت بزيادة فلا يأخذها الوارث بقيمتها وهذا من زيادته أما إذا كان الدين أقل منها أو مساويا لها فله أخذها مطلقا إذ لا حق للغرماء في الزيادة ويستثنى من جواز أخذها ما إذا أوصى المورث ببيعها في وفاء دينه أو بدفعها لمدينه عوضا عن دينه وما إذا اشتملت التركة على جنس الدين لأن لصاحبه أن يستقل بأخذه وما إذا تعلق الحق بعينها وما عدا الأخيرة يعلم من باب الوصية والأخيرة ذكرها في الكفاية في آخر القراض عن تصريح الروياني وزوائدها أي التركة ككسب ونتاج حدثا بعد الموت له أي للوارث لأنها حدثت في ملكه بناء على ما مر في الزكاة من أن الدين لا يمنع الإرث
الطرف الثاني المرتهن واليد على المرهون له كما سبق شرطا أي العاقدان وضعه عند عدل أو عدلين جاز لأن كلا منهما قد لا يثق بصاحبه وكما يتولى العدل الحفظ يتولى القبض أيضا كما اقتضاه كلام ابن الرفعة ولو عبر كالأصل بدل عدل أو عدلين بثالث أو اثنين كان أولى فإن الفاسق كالعدل في ذلك لكن محله فيمن يتصرف لنفسه التصرف التام أما غيره كولي ووكيل وقيم ومأذون له وعامل قراض ومكاتب حيث يجوز لهم ذلك فلا بد من عدالة من يوضع المرهون عنده ذكره الأذرعي ولو شرطا وضعه بعد اللزوم عند الراهن فكلام الغزالي كالصريح في المنع قال لأن يده لا تصلح للنيابة عن غيره إذ هو مستقل بالملك ومقتضى كلام صاحب المطلب أنه يصح فإنه حمل كلام الغزالي على ابتداء القبض وليس لأحدهما أي العدلين أن ينفرد بحفظه كنظيره في الوكالة والوصية فيجعلانه في حرز لهما فإن انفرد أحدهما بحفظه ضمن نصفه أو سلم أحدهما إلى الآخر ضمنا معا النصف إلا بإذن من العاقدين فيجوز الانفراد فرع للعدل رده إليهما أي إلى العاقدين أو إلى وكيلهما وليس له رده إلى أحدهما بلا إذن فإن غابا ولا وكيل لهما فالرد كالوديعة وسيأتي بيانه فيها فإن رده إلى أحدهما بلا إذن من الآخر فتلف ضمن أي ضمنه للآخر ببدله وإن زاد على الدين ورده إلى المرتهن ليكون رهنا مكانه والقرار على القابض لحصول التلف تحت يده فإن كان الدين حالا وهو من جنس القيمة جاء الكلام في التقاص إن كان الرد إلى المرتهن قال الرافعي فيما إذا رده للراهن وللعدل إذا غرمه المرتهن تكليف الراهن
166
166
قضاء الدين لفك المأخوذ منه أما إذا كان باقيا فيسترد
ولو غصبه المرتهن من العدل أو غصبت العين من مؤتمن غيره كمودع ومستأجر ومرتهن حصل براءة الغاصب فيهما بالرد إليهما أي إلى العدل في الرهن والمؤتمن في غيره من غير تجديد إذن فلا يتوقف حصولها على الرد على المالك لا برد اللقطة إلى الملتقط قبل تملكها إن غصبت منه اللقطة لأن المالك لم يأتمنه سواء أخذها للتملك أم للحفظ خلافا للزركشي في الثاني أو غصبت العين من ضامن مأذون له كالمستعير والمستام ثم ردت إليه فوجهان لتعارض الضمان والإذن وقد جزم في الأنوار بأنه يبرأ وكلام المطلب يقتضي ترجيحه حيث بنى ذلك على أن الوكيل هل ينعزل بالتعدي فيما وكل فيه وفيه وجهان أصحهما المنع
فرع لا ينقل المرهون إلى عدل آخر أو فاسق إلا إن اتفقا أي العاقدان على ذلك وإن حدث به أي بالعدل فسق ولو زيادة فيه ونحوه أي الفسق كضعفه عن الحفظ وموته وحدوث عداوة بينه وبين أحدهما وتنازعا فيمن يكون عنده نقله الحاكم عند من يراه قال ابن الرفعة هذا إذا كان الرهن مشروطا في بيع وإلا فيظهر أن لا يوضع عند عدل إلا برضا الراهن لأن له الامتناع من أصل الإقباض وظاهر كلامهم أن العدل لا ينعزل عن الحفظ بالفسق قال ابن الرفعة وهو صحيح إلا أن يكون الحاكم هو الذي وضعه عنده لأنه نائبه فينعزل بالفسق ولو وضعاه عند فاسق ثم أراد أحدهما نقله منه لم يجز وبه صرح القاضي لأنه رضي بيده مع الفسق لكن ذكر الشيخ أبو حامد وغيره من العراقيين ونقلوه عن ابن سريج أن له رفع الأمر إلى الحاكم فإن رآه أهلا أقره بيده وإلا نقله إلى غيره ولو اختلفا في تغير حال العدل قال الدارمي صدق النافي بلا يمين قال الأذرعي وينبغي أن يحلف على نفي علمه بذلك وإن فسق المرتهن وهو في يده فللراهن طلب نقله وكذا لو مات عبارة الأصل ولو كان في يد المرتهن فتغير حاله أو مات كان للراهن نقله وهي أولى
فرع القول قول العدل بيمينه في دعوى الهلاك والرد للمرهون كالمودع فإن أتلفه خطأ أو أتلفه غيره ولو عمدا أخذت منه القيمة وحفظها بالإذن الأول قالوا لأن المستحفظ في الشيء مستحفظ في بدله أو أتلفه عمدا أخذت منه القيمة ووضعت عند آخر لتعديه بإتلاف المرهون قال الأذرعي والظاهر أن أخذ القيمة في المتقوم أما المثلي فيطالب بمثله قال وكأن الصورة فيما إذا أتلفه عمدا عدوانا أما لو أتلفه مكرها أو دفعا لصيال فيكون كما لو أتلفه خطأ
فصل المرتهن مقدم بثمن المرهون في الرهن على الغرماء لأن ذلك فائدة الرهن وعند الحلول وامتناع الراهن من بيع المرهون يجبر بالطلب أي بطلب المرتهن بيعه الراهن على البيع أو الإيفاء للدين بنفسه أو وكيله دفعا لضرر المرتهن و يجبر المرتهن عند امتناعه من الإذن في بيعه على الإذن للراهن فيه أو الإبراء من الدين بأن يقول له الحاكم ائذن في بيعه وخذ حقك من ثمنه أو أبرئه دفعا لضرر
167
167
الراهن فإن أصر أحدهما على الامتناع أو أثبت المرتهن أي أقام حجة بالحال في غيبة الراهن باعه الحاكم ووفى الدين من ثمنه دفعا لضرر الآخر وظاهر أنه لا يتعين بيعه فقد يجد له ما يوفي الدين من غير ذلك وذكر مسألة إصرار المرتهن من زيادته ولو باعه الراهن عند العجز عن استئذان المرتهن والحاكم فحكى الماوردي فيه الخلاف في بيع المرتهن عند العجز عن الاستئذان وقضيته تصحيح الصحة فإن لم يجد أي المرتهن بينة أو لم يكن ثم حاكم فالغيبة كالجحود وقد ظفر بغير جنس حقه فله بيعه بنفسه قال الزركشي وفي الاقتصار على ذلك نظر لأنه إذا كان المأخذ الظفر فينبغي طرده في حالة القدرة على البينة بل لو كان من نوع حقه وصفته فينبغي له أن يتملك منه بقدر حقه وما ذكره في حالة القدرة على البينة ممنوع
فرع لو باعه المرتهن في غيبة الراهن بإذنه ودينه حال ولم يقدر له الثمن لم يصح لأنه يبيعه لغرض نفسه فيتهم في الاستعجال وترك الاحتياط أو بحضوره صح لعدم التهمة فإن الأولى وإن قال للمرتهن بعه لي أو لنفسك ثم استوف لي أو لنفسك أولى ثم لنفسك فكما سبق في باب المبيع قبل القبض فيصح ما للراهن ويبطل ما للمرتهن ولو قال بعه وأطلق صح البيع كما لو قال لأجنبي بعه إلا أنه يشترط هنا حضور الراهن البيع كما مر فإن قبض الثمن للراهن فيما ذكر ثم نوى إمساكه لنفسه لم يضمن بل هو أمانة في يده أو قبضه لنفسه صار مضمونا عليه لأنه قبض فاسد فله في الضمان حكم الصحيح وأذن الوارث والسيد للغرماء والمجني عليه في بيع التركة والعبد الجاني أي وأذن الوارث لغرماء الميت في بيع التركة والسيد للمجني عليه في بيع الجاني كإذن الراهن للمرتهن في بيع المرهون
فرع وإن شرط أن يبيع العدل المرهون عند المحل احتاج تجديد أي إلى تجديد إذن المرتهن لأنه ربما كان غرضه الإبراء أو المهلة لا تجديد إذن الراهن لأن الأصل بقاؤه هذا ما قاله العراقيون وقال الإمام لا يشترط إذن المرتهن قطعا لأن غرضه توفية الحق بخلاف الراهن أي على وجه ضعيف كما صرح هو به فقد يستبقي المرهون لنفسه فطريقته أنه لا يشترط تجديد إذنهما وبها جزم الماوردي وصاحب الأنوار وذكر السبكي أن الإمام فرض الكلام فيما إذا كانا إذنا له فلا يحتاج إلى إذن والعراقيون فرضوه فيما إذا أذن له الراهن فقط فيشترط إذن المرتهن لأنه لم يأذن قبل فهما مسألتان والرافعي قال بعد نقله الطريقين فتأمل بعد إحداهما عن الأخرى قال السبكي وأظن الحامل له على ذلك أنه رأى كلام العراقيين مصورا في الاشتراط والشرط إنما يكون منهما وهو متضمن للإذن والجواب إن أذن المرتهن في البيع لا يصح قبل القبض بخلاف الراهن فرع ينعزل العدل عن الوكالة في البيع بموت الراهن وعزله له لا إن عزله المرتهن أو مات فلا ينعزل لأنه وكيل الراهن فإنه المالك وإذن المرتهن شرط في جواز التصرف بل الأولى لكن يبطل إذنه بعزله وبموته فإن جدده له لم يشترط تجديد توكيل الراهن له لأنه لم ينعزل فإن جدد الراهن إذنا له بعد عزله له اشترط تجديد إذن المرتهن لانعزال العدل بعزل الراهن قال في الأصل ويلزم عليه أن يقال لا يعتد بإذن المرتهن قبل توكيل الراهن ولا بإذن المرأة للوكيل قبل توكيل الولي إياه والكل محتمل انتهى ويؤيد اللزوم في الأولى انعزال العدل من جهة المرتهن بعزل الراهن وأما ما اقتضاه اللزوم في الثانية من اشتراط إذن المرأة لوكيل وليها فغير صحيح بل يكفي مجرد إذنها لوليها في النكاح ولا يشترط إذنها لوليها في التوكيل وما ذكره في المهمات هنا عن المطلب مردود عند التأمل الصادق وقد قال ابن العماد إنه قليل الجدوى
فرع الثمن الذي باع به العدل المرهون في يد العدل من ضمان الراهن لأنه ملكه والعدل أمينه فما تلف في يده يكون من ضمان المالك فإن تلف في يده قبل تسليمه للمرتهن وخرج المبيع مستحقا
168
168
كان العدل طريقا في الضمان للمشتري لكن القرار على الراهن وقوله من زيادته قبل تسليمه للمرتهن لا حاجة إليه بل يوهم خلاف المراد وقضية كلامه كأصله أنه لا فرق بين تلفه بتفريط وغيره لكن الدارمي والإمام فرضا ذلك في تلفه بلا تفريط وقضيته أنه إذا تلف بتفريط يضمن العدل وحده قال السبكي وهو الأقرب لأن سبب تضمين الموكل أنه أقام الوكيل مقامه وجعل يده كيده فإذا فرط الوكيل فقد استقل بالعدوان فليستقل بالضمان قال الإسنوي والمرتهن إذا صححنا بيعه كالعدل فيما ذكر إلا إن نصبه الحاكم للبيع لموت الراهن أو غيبته أو نحوهما فلا يكون طريقا في الضمان حيث لا تقصير لأنه نائب الحاكم والحاكم لا يضمن وتعبيره بما قاله أعم من تقييد الروضة ذلك بموت الراهن وإن ادعى العدل تلف الثمن في يده صدق بيمينه لأنه أمين نعم إن ذكر سببا ظاهرا ففيه التفصيل الآتي في الوديعة وإن سلم الثمن للمرتهن بدعواه ولم يشهد عليه وأنكره المرتهن صدق بيمينه لأن الأصل عدم التسليم و إذا غرم الراهن للمرتهن رجع عليه أي على العدل ولو صدقه في التسليم أو كان قد أذن له فيه لتقصيره بترك الإشهاد سواء أكان أمره بالإشهاد أم لا وإذا رجع على العدل لا يرجع العدل على الراهن لأنه يقول ظلمني المرتهن فلا يرجع على غير من ظلمه فإن قال أشهدت وغابوا أي الشهود أو ماتوا وصدقه الراهن لم يرجع عليه لاعترافه له وإلا بأن كذبه فوجهان كنظائرهما في الضمان والأصح الرجوع لأن الأصل عدم الإشهاد ومسألة الغيبة من زيادته
فرع لو باع العدل مؤجلا أو بغير نقد البلد أو بغبن لا يعتاد لم يصح كسائر الوكلاء بخلاف بيعه بغبن يعتاد وضمن بالإقباض أي بإقباض المرهون للمشتري لتعديه فإن استرده لكونه باقيا فله بيعه بالإذن الأول وإن صار مضمونا عليه و إذا باعه يصير ثمنه في يده أمانة لأنه لم يتعد فيه وإن تلف المرهون وهو مع المشتري المذكور فقرار الضمان عليه لحصول التلف عنده والعدل طريق في الضمان فعلم أنه لا يبيع إلا بثمن المثل من نقد البلد حالا قال الإسنوي والمتجه إلحاق الراهن والمرتهن به ورده الزركشي بأن الحق لا يعدوهما فيجوز بغير ذلك بخلاف العدل قال وبتقدير تسليمه لا بد من تقييده بما إذا نقص عن الدين فإن لم ينقص عنه كما لو كان الرهن يساوي مائة والدين عشرة فباعه المالك أو المرتهن بإذنه بالعشرة جاز قطعا انتهى ويرد أول كلامه بأن الكلام في كل منهما منفرد فرع وإن أبى أحدهما أي المتراهنين البيع إلا بالدراهم والآخر إلا بالدنانير كأن قال أحدهما للعدل بعه بالدراهم وقال الآخر له بالدنانير لم يبع بواحد منهما لاختلافهما في الإذن قال الزركشي كذا أطلقه الشافعي ومحله إذا كان للمرتهن فيه غرض وإلا كأن كان حقه دراهم ونقد البلد دراهم فقال الراهن بع بالدراهم وقال المرتهن بع بالدنانير فلا يراعى خلافه ويباع بالدراهم قطع به الماوردي والقاضي أبو الطيب وغيرهما وإذا لم يبع بواحد منهما باع الحاكم بنقد البلد وأخذ به حقه
169
169
أي حق المرتهن إن لم يكن من نقد البلد أو باع بجنس الدين وإن لم يكن من نقد البلد إن رأى ذلك
فرع لو باع العدل ولو بأكثر من ثمن المثل فزاد راغب يوثق به زيادة لا يتغابن بمثلها بعد اللزوم للبيع استحب أن يستقيل المشتري ليبيعه بالزيادة للراغب أو للمشتري إن شاء أو زاد الراغب في مدة الخيار فليفسخ أي العدل البيع وليبعه له أو للمشتري إن شاء فلو لم يفسخ انفسخ لأن زمن الخيار كحالة العقد وليس له أن يبيع بثمن المثل وهناك من يزيد فإن بدا للراغب بأن رجع عن الزيادة فإن كان قبل التمكن من بيعه فالبيع الأول بحاله وإلا بطل واستؤنف من غير افتقار إلى إذن جديد إن كان الخيار لهما أو للبائع لعدم انتقال الملك ولو باعه على بمعنى من الراغب من غير فسخ كان فسخا للبيع الأول وصح البيع الثاني وهذا أولى وأحوط لأنه قد يفسخ فيرجع الراغب
فصل مؤنة الرهن أي مؤنة المرهون التي بها بقاؤه على مالكه كأجرة رد الرقيق الهارب وأجرة سقي الشجر ونفقة الرقيق وكسوته وغيرها حتى أجرة الحرز إن لم يتبرع به من هو في يده ويجبر عليها لحق المرتهن استبقاء للرهن ولخبر الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه رواه الدارقطني وحسنه والحاكم وصححه فإن غاب المالك أو أعسر عن المؤن ولو نادرة فكهرب الجمال عن جماله المستأجرة أو عجزه عن مؤنتها فيمون الحاكم المرهون من مال مالكه في الأولى فإن لم يكن له مال فمعسر كما في الثانية فيقترض عليه أو يبيع من المرهون بقدر المؤنة فقوله ويباع منه جزء لأجرة الحرز لا حاجة إليه بل مضر لأنه يقتضي أنه قاصر على أجرة الحرز وأنه يباع منه ما ذكر مطلقا وليس كذلك كما عرف وقد أشار الأصل إلى استشكاله بقوله كذا قاله الأصحاب وذكر الإسنوي أن المراد بالغائب مال الراهن لا الراهن ولا يخفى ما فيه من أنه حينئذ يكون مع ما بعده مكررا وأنه يؤدي إلى أنه إذا غاب ماله دونه يباع الجزء ويقترض بغير مراجعة الراهن وهو ممنوع ومتى أنفق المرتهن فيما ذكر على مرهون لا كسب له يكفيه بإذن الحاكم ليكون رهنا بالدين والنفقة جاز كفداء مرهون جنى على أن يكون رهنا بالدين والفداء فإن فقد الحاكم بأن تعذر استئذانه وأشهد بالإنفاق ليرجع كفى فيرجع بما أنفقه وإن لم يشهد فلا رجوع وبما تقرر علم أن عليه إعادة ما تهدم من دار مرهونة وفرق بينه وبين عدم وجوب ذلك في الدار المؤجرة بأن الإنفاق هنا لحفظ ما تلف وهو موجود وهناك لإبدال معدوم وحفظ الموجود أقرب إلى مقتضى العقد من إبدال معدوم لأنه في حفظ الموجود لم يجدد للمستحق حقا في غير ما استحقه لورود العقد عليه بخلافه في الإبدال
وللراهن لا عليه الفصد والحجامة والعلاج بالأدوية والمراهم مع غلبة السلامة أخذا مما يأتي لأنه يحفظ بذلك ملكه
170
170
و له الختان للرقيق إن لم يخف منه واندمل أي وكان يندمل قبل الحلول لأنه لا بد منه والغالب فيه السلامة بخلاف ما إذا خيف منه أو لم يندمل قبل الحلول وكان فيه نقص كما ذكره الأصل وسواء في جواز الختان الصغير والكبير كما أطلقه الجمهور وصرح به كثيرون منهم المتولي وسليم والشيخ نصر وأما عدهم عدم الختان عيبا في الكبير فأجيب عنه بحمله على كبير يخاف عليه من الختان وبأن التعييب بذلك مستحق كما لو رهن رقيقا سارقا فإنه يقطع في يد المرتهن وإن كان عيبا ولو غلبت السلامة في قطع السلعة و في المداواة على خطرهما جاز ذلك لأنه إصلاح بلا ضرر وإلا بأن غلب التلف أو استوى الأمران أو شك فلا يجوز ذلك لأنه جرح يخاف منه فكان كجرحه بلا سبب ويتخير بين القطع وعدمه في قطع اليد المتآكلة أو نحوها إن جرى الخطران خطر القطع وخطر الترك وغلبت السلامة في القطع على خطره وإن استوى الخطران أو زاد خطر القطع بخلاف ما إذا لم تغلب السلامة لا يجوز القطع وعليه يحمل إطلاق المهذب منع القطع ولو كان الخطر في الترك دون القطع أو لا خطر في واحد منهما فله القطع كما فهم بالأولى وبه صرح في الأصل في الأولى وكذا لو كان الخطر في القطع دون الترك وغلبت السلامة كما فهم من قطع السلعة والمداواة ولو قال عقب قطع السلعة أو عضو متآكل لا غنى عن قوله ويتخير إلى آخره ولشمل ما لو كان الخطر في القطع دون الترك وغلبت السلامة
فرع له أيضا نقل المزدحم من النخل إذا قال أهل الخبرة نقلها أنفع كما ذكره الأصل و له قطع البعض منها لإصلاح الأكثر والمقطوع منها رهن أي مرهون بحاله وكذا ما يجف منها بلا قطع كما فهم بالأولى وصرح به الأصل وما يحدث من سعف وإن لم يجف و من ليف وكرب بفتح الكاف والراء وهو أصول السعف غير مرهون كالثمرة وفيما كان ظاهرا منها حال العقد خلاف ففي التتمة مرهون وفي الشامل وتعليقه القاضي أبي الطيب لا وهو الأوجه كالصوف بظهر الغنم كما مر وصاحب التتمة مشى على طريقته في الصوف من أنه يدخل في رهن الغنم
فرع له أيضا رعي الماشية في الأمن نهارا ويردها ليلا إلى المرتهن أو العدل وله أن ينتجع أي يذهب بها إلى الكلأ ونحوه لعدم الكفاية لها في مكانها ويردها ليلا إلى عدل يتفقان عليه أو ينصبه الحاكم كما ذكره الأصل فإن أراد المرتهن الانتجاع بها فإن كان للضرورة بأن لم يكن بالقرب ما يكفيها لم يمنع وإلا منع وكذا لو أراد نقل المتاع من بيت غير محرز إلى محرز لم يمنع فإن انتجعا بها إلى أرض واحدة فذاك أو إلى بلدين يعني أرضين فلتكن أي الماشية مع الراهن ويتفقان على عدل تبيت عنده أو ينصبه الحاكم كما مر
فرع الرهن أمانة بيد المرتهن لخبر الرهن من راهنه أي من ضمانه لا يسقط بتلفه شيء من الدين كموت الكفيل بجامع التوثق فإن استعاره المرتهن أو تعدى فيه ضمن كما لو منع منه أي من رده بعد الاستيفاء يعني بعد سقوط الدين والمطالبة المفهومة من منع فعلم أنه بعد سقوطه باق على أمانته بيده ما لم يمنع من رده وبه صرح الأصل
فرع لو ارتهن بشرط أن يضمن المرهون فسد الرهن لفساد الشرط ولم يضمن ما ارتهنه إذ فاسد كل عقد كصحيحه في الضمان وعدمه لأنه إن اقتضى صحيحه الضمان ففاسده أولى أو عدمه ففاسده كذلك لأن واضع اليد أثبتها بإذن المالك ولم يلتزم بالعقد ضمانا فالمقبوض بفاسد بيع أو إعارة مضمون وبفاسد رهن أو هبة غير مضمون واستثنى من الأول ما لو قال قارضتك على أن الربح كله لي فهو قراض فاسد ولا يستحق العامل أجرة وما لو قال ساقيتك على أن الثمرة كلها لي فهو كالقراض فيكون فاسدا
171
171
ولا يستحق العامل أجرة وما لو صدر عقد الذمة من غير الإمام فهو فاسد ولا جزية فيه على الذمي وما لو عرض العين المكتراة على المكتري فامتنع من قبضها إلى أن انقضت المدة استقرت الأجرة ولو كانت الإجارة فاسدة لم تستقر وما لو ساقاه على ودي مغروس أو ليغرسه ويتعهده مدة والثمر بينهما وقدر مدة لا تتوقع فيها الثمرة فهو فاسد ولا يستحق العامل أجرة واستثنى من الثاني الشركة فإنه لا يضمن كل منهما عمل الآخر مع صحتها ويضمنه مع فسادها وما لو صدر الرهن أو الإجارة من متعد كغاصب فتلفت العين في يد المرتهن أو المستأجر فللمالك تضمينه وإن كان القرار على المتعدي مع أنه لا ضمان في صحيح الرهن والإجارة وإلى هذه المسائل أشار الأصحاب بالأصل في قولهم الأصل إن فاسد كل عقد إلى آخره هذا كله إذا صدر العقد من رشيد فلو صدر من غيره ما لا يقتضي صحيحه الضمان كان مضمونا
فرع
لو رهنه أرضا وأذن له في غرسها بعد شهر فهي قبل الشهر أمانة بحكم الرهن وبعده عارية مضمونة بحكم العارية وكذا لو شرط كونها مبيعة بعد شهر فهي أمانة قبل الشهر لما مر ومبيعة مضمونة بعده بحكم البيع فإن غرس فيها المرتهن في الصورتين قبل الشهر قلع مجانا أو بعده لم يقلع في الأولى ولا في هذه مجانا لوقوعه بإذن المالك وجهله المعلوم من قوله إلا إن علم فساد البيع وغرس فيقلع مجانا لتقصيره
فرع يصدق المرتهن بيمينه كالمستأجر وفي نسخة والمستأجر في دعوى التلف للمرهون في يده لأنه أمين كما مر نعم إن ذكر سببا ظاهرا ففيه التفصيل الآتي في الوديعة لا دعوى الرد لأنه قبضه لغرض نفسه كالمستعير والمرتهن من الغاصب يضمن لثبوت يده على ما لم يأتمنه مالكه عليه ويرجع عليه أي على الغاصب إن جهل الغصب لتغريره إياه أما إذا علم فهو غاصب أيضا قال في الأصل ومثله المستأجر من الغاصب والمودع والمضارب ووكيله في بيعه والمستعير منه والمستام يطالبان ويستقر عليهما الضمان لأنهما ضامنان وتركه المصنف لعلمه من باب الغصب
فرع لو أعطاه كيس دراهم ليستوفي حقه منه فهو أمانة بيده قبل أن يستوفي منه كالمرهون فإن استوفى منه ضمن الجميع أي الكيس وما استوفاه لأن الكيس في حكم العارية وما استوفاه أمسكه لنفسه والقبض المذكور فاسد لاتحاد القابض والمقبض كما لو قال خذ هذه الدراهم فاشتر بها جنس حقك وأقبضه لي ثم أقبضه لنفسك وإن قال خذه أي الكيس بما فيه بدراهمك فأخذه فكذلك أي يضمنه بحكم الشراء الفاسد ولا يملكه إلا إن علم أنه قدر ماله ولم يكن سلما ولا قيمة للكيس وقبل ذلك فيملكه فشمل المستثنى منه ما لو كان ما فيه مجهولا أو أكثر من دراهمه أو أقل منها أو مثلها وللكيس قيمة أو لا قيمة له ولم يقبل فلا يملكه لامتناع ذلك في الربوي بل وفي غيره في الأخيرة وكلام الأصل متدافع في مسألة الأقل أما غير الربوي إذا لم يكن سلما فيملكه إن قبل وإلا فلا بل يضمنه أخذا مما يأتي وبه صرح المتولي وإن قال خذ هذا العبد بحقك فقبل ولم يكن سلما أي مسلما فيه ملكه كسائر المعاوضات بخلاف ما إذا كان سلما لعدم صحة الاعتياض عنه وإن لم يقبل وأخذه ضمن بحكم الشراء الفاسد
فصل والمرتهن في تصرفه في المرهون كالأجنبي في أنه يمنع من التصرف فيه بغير إذن سواء التصرف القولي كالعتق والفعلي كالركوب إذ ليس له إلا حق التوثق وما يتبعه ووطؤه للمرهونة بغير إذن الراهن وبغير شبهة زنا كوطء المكتري فيوجب الحد ويوجب المهر ما لم تكن مطاوعة عالمة بالتحريم وولدها منه ملك للراهن وغير نسيب ولا يصدق في دعوى الجهل بتحريمه أي الوطء
172
172
إلا إن نشأ ببادية بعيدة عن العلماء أو أسلم قريبا فيصدق بيمينه لأنه قد يخفى عليه قال الأذرعي وينبغي أن يزاد عليهما أو كانت المرهونة لأبيه أو أمه وادعى أنه جهل تحريم وطئها عليه كما نص عليه الشافعي في الأم والأصحاب في الحدود ولا يصدق في غير ذلك نعم يصدق بيمينه إن أذن له المالك في الوطء في أنه جاهل بتحريمه وإن نشأ مسلما بين العلماء إذ قد يخفى التحريم مع الإذن فيسقط به الحد عنه ثم يثبت النسب والحرية للولد والمهر للشبهة إلا مهر مطاوعة في وطئها عالمة بتحريمه فلا يثبت لأنه لا مهر لبغي بخلاف المكرهة والجاهلة بالتحريم لأن وجوب المهر حيث لا يجب الحد حق الشرع فلا يؤثر فيه الإذن كالمفوضة تستحق المهر بالدخول مع تفويضها وتجب قيمة الولد الحاصل بوطئه للراهن لتفويته الرق قال الزركشي وينبغي أن يستثنى منه ما لو كان يعتق على الراهن كما سيأتي في نكاح الأمة وكالوطء بالجهل فيما ذكر الوطء بشبهة كأن ظنها زوجته الحرة أو أمته وإذا ملكها المرتهن بعد إيلاده لها لم تصر أم ولد له لأنها علقت به في غير ملكه ولو كان أبا للراهن صارت أم ولد له بالإيلاد كما هو معلوم في النكاح فإن ادعى بعد الوطء أنه كان اشتراها أو اتهبها من الراهن وقبضها بإذنه في الثانية فحلف الراهن بعد إنكاره فالولد رقيق له كأمه وبذلك علم أنه المصدق بيمينه لأن الأصل عدم ما ادعاه المرتهن فإن ملكها المرتهن صارت أم ولد له والولد حر لإقراره كما لو أقر بحرية عبد غيره ثم اشتراه وكذا لو حلف بعد نكول الراهن كما ذكره الأصل فصل أرش المرهون وقيمته إن ضمن كل منهما بالجناية رهن أي مرهون بدل المجني عليه إقامة له مقامه ويجعل بيد من كان الأصل بيده كما صرح به الأصل ولو كان في ذمة الجاني فإنه رهن وإن امتنع رهن الدين ابتداء إذ يحتمل دواما ما لا يحتمل ابتداء ويفارق نظيره في قيمة الموقوف وقيمة الأضحية المعينة حيث لا تصير الأولى موقوفة والثانية أضحية بأن القيمة يصح أن تكون مرهونة ولا يصح أن تكون موقوفة ولا أضحية ثم ما يشتري بقيمة الموقوف إنما يصير موقوفا بإنشاء وقف وما يشتري بقيمة الأضحية يصير أضحية بنفس الشراء إن اشترى بعين القيمة وبنية كونه أضحية إن اشترى بما في الذمة والفرق بينها وبين الوقف أن الوقف يحتاط له باشتراط بيان المصرف وغيره بخلاف الأضحية وبين شقي الأضحية أنه إذا اشترى بعين القيمة كانت قرينة دالة على رضاه فاكتفى بنيته الأولى بخلاف الشراء بما في الذمة ثم محل كون ما ذكر رهنا في الذمة إذا كان الجاني غير الراهن وإلا فلا يصير مرهونا إلا بالغرم كما يؤخذ مما مر فيما إذا لزمه قيمة ما أعتقه إذ لا فائدة في كونه مرهونا في ذمته بخلافه في ذمة غيره وما ذكر في الجناية محله إذا نقصت القيمة بها ولم يزد الأرش فلو لم تنقص بها كأن قطع ذكره وأنثياه أو نقصت بها وكان الأرش زائدا على ما نقص منها فاز المالك بالأرش كله في الأولى وبالزائد على ما ذكر في الثانية ذكره الماوردي
173
173
ويطالب به أي بما ذكر من الأرش أو القيمة الراهن لأنه المالك بخلاف المرتهن لكنه لا يقبضه وإنما يقبضه من كان الأصل بيده قاله الماوردي بناء على أنه مرهون في الذمة وتعبير المصنف بالمطالبة أعم من تعبير أصله بالمخاصمة وللمرتهن الحضور عند مطالبة الراهن لتعلق حقه بالبدل ثم إن أقر الجاني أو أقام الراهن بينة أو حلف بعد نكول المدعى عليه ثبتت الجناية فإن أعرض الراهن عن المطالبة أو نكل لم يكن المرتهن قائما مقامه فلا يطالب ولا يحلف كغرماء المفلس
وللراهن أن يقتص من الجاني على المرهون في العمد لعموم الأدلة ويبطل حق المرتهن فيما اقتص فيه لفواته بلا بدل و للراهن أن يعفو عن القصاص مطلقا عن التقييد بمال ولا يجب مال بالعفو وإن أطلقه بناء على أن مطلقه لا يوجب مالا وهو الأصح ولو أعرض عن القصاص والعفو بأن سكت عنهما لم يجبر على أحدهما لأنه يملك إسقاطه فتأخيره أولى وإن كانت أي الجناية خطأ أو عمدا يوجب مالا لعدم المكافأة مثلا أو عفا على مال صار المال فيها رهنا أي مرهونا كما مر ولم يكن للراهن العفو عنه ولا التصرف فيه إلا بإذن المرتهن لتعلق حقه به فلو صالح عنه على غير جنسه لم يصح إلا بإذن المرتهن فيصح ويكون المأخوذ مرهونا قال في الأصل كذا نقلوه واستشكله الرافعي بما قدمته مع جوابه في فرع أذن له في بيع الرهن وقد يستشكل بأن التصرف في المرهون بما يزيل الملك بإذن المرتهن يحصل به انفكاك الرهن ويجاب بأن اطراد ذلك إنما هو في الأعيان بخلاف ما في الذمم لأن ما فيها لا يتحقق إلا بقبضه أو قبض بدله وإن أبرأ المرتهن الجاني لم يبرأ لأنه ليس بمالك ولم تسقط الوثيقة لعدم صحة الإبراء كما لو وهب المرهون لغيره فصل الزوائد المتصلة كسمن وكبر شجرة مرهونة تبعا لأصلها لا المنفصلة كثمرة ولبن وبيض وصوف ومهر وكسب والحمل المقارن للعقد لا للقبض مرهون بناء على أن الحمل يعلم وهو الأصح فتباع بحملها في الدين وكذا إن انفصل قبل البيع وقوله لا للقبض يغني عنه ما قبله وكذا قوله لا الحمل الحادث بعد العقد فلا تباع الأم للمرتهن أي لحقه حتى تلده بقيد زاده تبعا للإسنوي بقوله إن تعلق به حق ثالث بوصية أو حجر فلس أو موت أو تعلق الدين برقبة أمه دونه كالجانية والمعارة للرهن أو نحوها وذلك لتعذر توزيع الثمن لأن الحمل لا تعرف قيمته فإن لم يتعلق به أو بها شيء من ذلك ألزم الراهن بالبيع أو توفية الدين ثم بعد البيع إن تساوى الثمن والدين فذاك وإن فضل من الثمن شيء أخذه المالك أو نقص طولب بالباقي ولو رهن نخلة ثم أطلعت استثنى طلعها عند بيعها ولا يمتنع بيعها مطلقا بخلاف الحامل كما علم من مجموع كلامه في هذا الباب وباب الأصول والثمار ونبه عليه الأصل هنا
فرع إذا ضرب إنسان الأمة المرهونة فألقت جنينا حملت به بعد الرهن فإن ألقته ميتا فالواجب عليه عشر قيمة الأم للراهن فلا يكون مرهونا لأنه بدل الولد وليس مرهونا لكن يؤخذ منه أرش نقص الأم هنا إن نقصت فلا يجب به شيء آخر لأنه داخل في بدل الجنين نعم إن كان الضارب هو الراهن ضمن النقص للمرتهن لأنه إن كان الولد له فلا يضمن بدله حتى يدخل أرش النقص فيه وإن كان لغيره بأن أوصى به لغير مالك الأم فبدله كله لغيره وإذا الأولى قول الأصل وإن ألقته حيا ومات بالضرب وجب على الضارب
174
174
للراهن قيمته حيا وأرش نقصها إن نقصت وهو مرهون وليس في جنين البهيمة الميت إلا أرش نقص الأم إن نقصت ويكون رهنا لأنه بدل جزئها وهو مرهون وبهذا فارق عشر قيمة الأمة أما الحي إذا مات بالضرب فيجب فيه مع ذلك قيمته للراهن
الطرف الثالث الفكاك للرهن بفتح الفاء أشهر من كسرها ويقع أي يحصل بفسخ المرتهن وإن لم يوافقه الراهن لأنه جائز من جهته بخلاف الراهن وبتلف المرهون بآفة سماوية لفواته بلا بدل فإن جنى المرهون على أجنبي قدم حق المجني عليه على حق المرتهن لأن حقه متعين في الرقبة وحق المرتهن متعلق بذمة الراهن وبالرقبة ولأن حق المجني عليه مقدم على حق المالك فأولى أن يتقدم على حق المتوثق فإن اقتص منه المستحق فيما إذا أوجبت الجناية قصاصا أو وجب بها ولو بالعفو عنها مال قدر قيمته بيع لحق المجني عليه في الثانية ويبطل الرهن فيها وفيما قبلها بالنسبة لما وقع فيه القصاص نعم إن وجبت قيمته بأن كان تحت يد غاصب أو نحوه لم يبطل الرهن بل تكون قيمته رهنا مكانه ولو قال وبيع بطل كان أوضح أو قدر بعضها بيع منه بقدره والباقي مرهون فإن تعذر بيع بعضه أو نقص بالتبعيض قيمته باع الكل وبقي الفاضل عن الأرش رهنا فإن عفا عن الأرش أو فداه السيد أو غيره بقي رهنا بحاله فلو بيع في الجناية وعاد ملك الراهن فيه لم يعد رهنا لانفكاكه بالبيع هذا كله إذا لم يأمره السيد بالجناية فإن أمره السيد بالجناية وهو مميز فلا أثر لإذنه في شيء إلا في الإثم فيأثم به أو غير مميز أو أعجمي يعتقد وجوب الطاعة للسيد في كل ما يأمره به فالجاني هو السيد فعليه القصاص أو الضمان ولا يتعلق برقبة العبد مال ولا قصاص كما فهم بالأولى لأنه بمنزلة الآلة في الفعل ولا يقبل قوله أي السيد أنا أمرته بالجناية في حق المجني عليه لأنه يتضمن قطع حقه عن الرقبة بل يباع العبد فيها وعلى السيد القيمة لتكون رهنا مكانه لإقراره بأمره بالجناية
فصل وإن جنى عمدا على طرف سيده أو عبده أي عبد سيده اقتص منه انتقاما وزجرا وهو أحوج إلى ذلك من الأجانب فإن اقتص منه بطل الرهن فيما اقتص فيه ولو عفا على مال أو كانت الجناية خطأ أو عمدا يوجب مالا لم يثبت لأن السيد لا يثبت له على عبده مال فيبقى الرهن كما كان وكذا يقتص منه ولا يثبت مال إن قتل سيده أو عبده غير المرهون كما صرح به الأصل لما مر وسيأتي حكم جنايته على المرهون والتصريح بالجناية على طرف عبد سيده من زيادته وإن جنى خطأ على طرف من يرثه السيد كأبيه أو طرف مكاتبه يثبت المال ولو ورثه السيد في الأولى قبل الاستيفاء أو انتقل إليه في الثانية كذلك من المكاتب بموته أو عجزه ولو قال ولو انتقل إلى السيد لشملهما فيبيعه أي العبد فيها أي الجناية وفي نسخة فيه أي مالها فعلم أنه لا يسقط كما لو كان المجني عليه حيا وقيل يسقط بمجرد انتقاله إلحاقا للاستدامة بالابتداء في امتناع ثبوت دين للسيد على عبده وصححه الرافعي في الشرح الصغير وما جرى عليه المصنف هو ما نص عليه في الأم وغيره في المورث وقيس به المكاتب
واقتضى كلام الأصل ترجيحه لنقله له عن العراقيين ونقله للثاني عن تصحيح الصيدلاني والإمام خاصة وأجاب الأول عن دليل الثاني بأنه يحتمل في الدوام ما لا يحتمل في الابتداء أما إذا جنى عليه عمدا فيقتص منه فإن عفا على
175
175
مال ثبت كما يؤخذ مما مر وصرح به الأصل هنا وإن قتله أي مورث سيده أو مكاتبه خطأ أو عمدا فعفا السيد على مال وجب المال بناء على أنه يثبت للمورث ثم يتلقاه عنه الوارث ويقاس بالمورث المكاتب والجناية على عبد من يرثه السيد إذا مات المورث كالجناية على من يرثه السيد وإن قتل أحد عبديه الآخر وهما مرهونان من اثنين فإن قتله عمدا فللسيد القصاص ويبطل الرهنان لفواتهما وإن عفا على مال أو كانت أي الجناية خطأ وجب المال متعلقا برقبة القاتل لحق مرتهن القتيل لأن السيد لو أتلف المرهون لغرم لحق المرتهن فتعلقه بعبده أولى وإنما وجب المال فيما ذكر وإن كان لا يثبت للسيد على عبده مال لأجل تعلق حق الغير ولم يصح العفو عنه أي عن المال لتعلق حق مرتهن القتيل به وله العفو مطلقا وبلا مال ولا يجب مال كما مر نظيره فإذا عفا كذلك صح وبطل رهن مرتهن القتيل وبقي القاتل رهنا صرح بذلك الأصل
فإن كان الواجب بالقتل أكثر من قيمة القاتل أو مثلها بيع وجعل ثمنه ما لم يزد على قيمة القتيل رهنا عند مرتهن القتيل فإن زاد جعل الزائد رهنا عند مرتهن القاتل وظاهر مما مر أن القيمة رهن من حين القتل فقوله كأصله وجعل ثمنه رهنا فيه تسمح سلم منه قول المنهاج فيباع وثمنه رهن وإنما لم يكن القاتل نفسه رهنا لأن حق المرتهن في ماليته لا في عينه ولأنه قد يرغب راغب بزيادة يتوثق بها مرتهن القاتل أو كان الواجب أقل من قيمة القاتل بيع منه بقدر الواجب وبقي الباقي رهنا وأن الأولى قول أصله فإن تعذر بيع البعض أو نقصه التشقيص بيع الكل وجعل الزائد على الواجب عند مرتهن القاتل هذا إن طلب مرتهن القتيل البيع والراهن نقل القاتل إليه فإن عكس أجيب الراهن لأنه لا حق للمرتهن في عينه ذكره الأصل وصرح بأنه لو اتفق الراهن والمرتهنان على أحد الطريقين فهو المسلوك قطعا فإن اتفق الراهن ومرتهن القتيل على النقل للقاتل أو لبعضه إلى المرتهن ليكون رهنا فليس لمرتهن القاتل منازعته فيه وطلب البيع نقله الأصل عن الإمام ثم قال ومقتضى التعليل السابق بتوقع راغب أن له ذلك وإن كانا مرهونين بدين واحد لواحد فلا كلام في أن الوثيقة نقصت ولا جابر كما لو مات أحدهما وقوله لواحد من زيادته وهو وإن لم تكن له فائدة فيما ذكر له فائدة فيما ذكره بقوله أو بدينين له أي لواحد ووجب المال متعلقا برقبة القاتل
واختلفا تأجيلا وحلولا أو كان أحدهما أطول أجلا من الآخر فله أي للمرتهن التوثق لدين القتيل بالقاتل لأنه إن كان الحال دين القتيل فقد يريد استيفاء من ثمنه في الحال أو دين القاتل فقد يريد التوثق به في المؤجل ويطالب بالحال وقيس به اختلافهما في قدر الأجل ولفظه له ساقطة من بعض النسخ لفهمها مما مر وإن اتفقا في الحلول والأجل وقدره واستوى الدينان الأولى واستويا أي في القدر فإن كانت قيمة القتيل أكثر من قيمة القاتل أو مساوية لها كما صرح به الأصل فلا نقل للوثيقة لعدم الفائدة وإن كانت قيمة القاتل أكثر نقل منه قدر قيمة القتيل إلى دين القتيل وبقي الباقي رهنا بحاله وإن اختلف قدر الدينين وتساوت قيمة العبدين أو كان القتيل أكثر قيمة وكان المرهون فيهما بالأكثر من الدينين هو القتيل نقل التوثق بالقاتل ليصير ثمنه مرهونا بالأكثر أو كان المرهون بالأقل هو القتيل فلا نقل لعدم الفائدة لأنه لو نقل صار الثمن مرهونا بالأقل وإن كانت قيمة القتيل أقل وهو مرهون بأكثر نقل من القاتل قدر قيمة القتيل إلى الدين الآخر أو بأقل قال في الأصل لا نقل لعدم الفائدة والحق أنه ينقل إن كان ثم فائدة كما إذا كانت قيمة القتيل مائة وهو مرهون بعشرة وقيمة القاتل مائتين وهو مرهون بعشرين فينقل منه قدر قيمة القتيل وهو مائة تصير مرهونة بعشرة ويبقى مائة مرهونة بالعشرين
وإن لم تكن فائدة كما إذا كان القاتل في هذه الصورة مرهونا بمائتين فلا نقل لأنه إذا نقل بيع منه بمائة وصارت مرهونة بعشرة وتبقى مائة مرهونة بمائتين فمحل عدم النقل فيما قاله الأصل في الأخيرة إذا لم ينقص دين القاتل عن قيمته وبما تقرر علم أن العبرة في النقل وعدمه بفرض المرتهن إذ لولا حقه لما تعلق الأرش برقبة القاتل وحيث قلنا بالنقل للقاتل أو بعضه فالمراد
176
176
به أنه يباع ويبقى ثمنه لا رقبته مرهونا لما مر ولا أثر لاختلاف جنس الدين كالدراهم والدنانير إذا كانا بحيث لو قوم أحدهما بالآخر ساواه كما صرح به في الروضة وصرح أيضا كالرافعي بأنه لا أثر لاختلافهما في الاستقرار وعدمه بأن كان أحدهما عوض ما يتوقع رده بعيب أو صداقا قبل الدخول وحيث قلنا لا ينقل القاتل فقال المرتهن بيعوه وضعوا ثمنه مكانه فإني لا آمن جنايته مرة أخرى فتؤخذ رقبته فيها ويبطل الرهن فهل يجاب وجهان قال الزركشي الظاهر ترجيح المنع كسائر ما يتوقع من المفسدات ثم نقل عن أبي خلف الطبري ما حاصله أنه المذهب
فصل و كما ينفك الرهن بفسخ المرتهن وبتلف المرهون بآفة كما مر ينفك ببراءة الذمة من الدين بأداء أو إبراء أو حوالة به أو عليه أو غيرها فإن اعتاض عن الدين عينا انفك الرهن لتحول الحق من الذمة إلى العين فإن تلفت أي العين قبل القبض لها عاد المرهون رهنا كما عاد الدين لبطلان الاعتياض قال ابن الرفعة وهو ظاهر إذا قلنا بارتفاع العقد من أصله لا من حينه وشاهده قول المتولي إن الغاصب لو باع بالوكالة ما غصبه صح وبرئ من الضمان فإن تلف المبيع قبل قبضه كان من ضمانه إن قلنا بارتفاع العقد من أصله وإن قلنا من حينه فلا لأن الضمان فرع الملك والملك تجدد انتهى ويفرق بأن الدين الذي هو سبب الرهن عاد فعاد مسببه والغصب الذي هو سبب الضمان لم يعد فلم يعد مسببه ولا ينفك شيء منه أي من الرهن ما بقي من الدين شيء للإجماع كما قاله ابن المنذر وكحق حبس المبيع وعتق المكاتب ولأنه وثيقة للكل ولجزئه كالشهادة فلا ينفك منه شيء ما بقي من الدين شيء إلا إن تعدد العقد كأن رهن نصف عبد في صفقة وباقيه في أخرى
أو تعدد مستحق الدين كأن رهن عبدا من اثنين بدينيهما عليه صفقة واحدة وإن اتحدت جهة دينيهما كبيع وإتلاف ثم برئ عن دين أحدهما وهذا يشكل بأن ما أخذه أحدهما من الدين لا يختص به بل هو مشترك بينهما فكيف تنفك حصته من الرهن بأخذه ويجاب بأن ما هنا محله إذا لم تتحد جهة دينيهما أو إذا كانت البراءة بالإبراء لا بالأخذ أو تعدد المديون كأن رهن اثنان من واحد بدينه عليهما ثم برئ أحدهما عما عليه فينفك الرهن عنه ولو اتحد الوكيل أي وكيلهما قال في الأصل قال الإمام لأن المدار على اتحاد الدين وتعدده ومتى تعدد المستحق أو المستحق عليه تعدد الدين بخلاف البيع فإن العبرة فيه بتعدد الوكيل واتحاده لأنه عقد ضمان فنظر فيه إلى المباشر له بخلاف الرهن فإذا استعار المديون وإن تعدد عبدا أو عبدين استوت قيمتهما من مالكين ليرهنه أو ليرهنهما من واحد أو أكثر ففعل ثم قضى النصف من الدين قاصدا فكاك نصفه أي العبد أو فكاك أحدهما أي العبدين أو أطلق ثم جعله عن ذلك انفك الرهن عنه نظرا إلى تعدد المالك بخلاف ما إذا قصد الشيوع أو أطلق ثم جعله عنهما أو لم يعرف حاله
وقيد الزركشي المسألة أخذا من كلام الشافعي بأن يأذن كل منهما في رهن نصيبه بنصف الدين فيرهن المستعير الجميع بجميع الدين فلو قالا أعرناك العبد لترهنه بدينك فلا ينفك نصيب أحدهما بما ذكر لأن كلا منهما رضي برهن الجميع بجميع الدين وما قاله موافق لقول المتولي وغيره لو رهن اثنان عبدهما بدين لرجل على آخر لا تنفك حصة أحدهما بدفع شيء من الدين لأن نصيب كل منهما رهن بجميع الدين لكن الفرق بين رهن المالك ورهن المستعير لائح وصحة رهن الجميع بجميع الدين على خلاف إذن المالك ممنوعة وقول المصنف كأصله واستوت قيمتهما مثال لا قيد في المسألة وللمرتهن الخيار في البيع المشروط فيه الرهن إن جهل أن ذلك لمالكين لأن مقتضى الرهن المطلق أن لا ينفك شيء منه إلا بعد البراءة من الجميع ولو رهنه عبدين في صفقة وسلم أحدهما له كان مرهونا بجميع المال كما لو سلمهما وتلف أحدهما فصل وفي نسخة فرع وإن فدى أحد الوارثين حصته مما رهن أي مما رهنه مورثه من زيد بقضاء نصيبه من الدين لم ينفك نصيبه من المرهون كما في المورث ولأن الرهن صدر ابتداء من واحد وقضيته
177
177
حبس كل المرهون إلى البراءة من كل الدين أو فدى حصته من التركة بقضاء نصيبه من الدين المتعلق بها انفك نصيبه منها كما نقله الأصل عن الإمام بناء على الأصح من أنه لو أقر بدين على مورثه وأنكره الباقون لا يلزم بأداء كل الدين من نصيبه بل يقتصر على وفاء حصته من الدين وأيضا فإن تعلق الدين بالتركة أما كتعلق الرهن فهو كما لو تعدد الراهن أو كتعلق الأرش بالجاني فهو كما لو جنى العبد المشترك فأدى أحد الشريكين نصيبه ينقطع التعلق عنه قال في الأصل وإنما يظهر انفكاك نصيبه إذا كان ابتداء التعلق مع ابتداء تعلق الملاك أما إذا كان الموت مسبوقا بالمرض فيكون التعلق سابقا على ملك الورثة فإن للدين أثرا بينا في الحجر على المريض فيشبه أن يكون كما لو رهنه المورث زاد النووي هذا خلاف مقتضى إطلاق الإمام والغزالي والظاهر أن المسألة على إطلاقها فإنه ليس للرهن وجود فيما إذا لم يرهن التركة ولكنه مات عن دين وللقونوي اعتراض على النووي ذكرته مع جوابه في شرح البهجة
فرع لو مات المرتهن عن ابنين فوفى الراهن لأحدهما نصف الدين قال ابن الرفعة يظهر أنه ينفك نصيبه وأطال في بيانه ونازعه السبكي وأطال في الرد ثم ذكر ما حاصله أنه لا ينفك نصيبه كما لو وفى مورثه بعض دينه وما قاله أوجه وأوفق بما مر فيما إذا مات الراهن عن ابنين فإن أراد الراهنان المالكان للمرهون أو من انفك نصيبه منهما قسمة مستوي الأجزاء كالمكيل والموزون جاز تعاطيها وتعينت الإجابة لطالبها على الشريك الآخر وإن لم ينقسم ما رهن بالأجزاء كالثياب والعبيد المختلفة نوعا وقيمة كما لو رهنا عبدين مشتركين وانفك الرهن عن نصف كل منهما فأراد من انفك نصيبه أن ينفرد بعبد وينحصر الرهن في عبد لم تلزم الإجابة وإن كان أرضا مختلفة الأجزاء كالدار وطلب من انفك نصيبه القسمة لزم الشريك الإجابة بناء على الإجبار في قسمة التعديل وللمرتهن الامتناع لضرر التشقيص بالقسمة حتى لو رهن واحد من اثنين وقضى نصيب أحدهما ثم أراد القسمة ليمتاز ما بقي فيه الرهن اشترط رضا الآخر فإن قاسم المرتهن وكان بإذن المالك أو بإذن الحاكم عند امتناع المالك جاز وإلا فلا الباب الرابع في الاختلاف بين المتعاقدين وإن اختلفا في الرهن أكان أي أوجد أم لا أم يعني أو هو هذا العبد أم الثوب أو الأرض بالأشجار أو دونها أو بألف أو ألفين ولا بينة صدق المالك بيمينه لأن الأصل عدم رهن ما ادعاه المرتهن فإن قال المالك لم تكن الأشجار موجودة عند العقد بل أحدثتها فإن لم يتصور حدوثها بعده فهو كاذب وطولب بجواب الدعوى فإن أصر على إنكار الوجود لها عند العقد جعل ناكلا وحلف المرتهن وإن لم يصر عليه واعترف بوجودها وأنكر رهنها قبلنا منه إنكاره لجواز صدقه في نفي الرهن وإن كان قد بان كذبه في الدعوى الأولى وهي نفي الوجود أما إذا تصور حدوثها بعد العقد فإن لم يمكن وجودها عنده صدق بلا يمين وإن أمكن وجودها وعدمه عنده فالقول قوله بيمينه لما مر فإن حلف فهي كالأشجار الحادثة بعد الرهن في القلع وسائر الأحكام وقد مر بيانها هذا إن كان رهن تبرع
178
178
فإن اختلفا في رهن مشروط في بيع بأن اختلفا في اشتراطه فيه أو اتفقا عليه واختلفا في شيء مما مر تحالفا كما سبق بيانه في اختلاف المتبايعين نعم إن اتفقا على اشتراطه فيه واختلفا في أصله فلا تحالف لأنهما لم يختلفا في كيفية البيع بل يصدق المالك وللمرتهن الفسخ إن لم يرهن فصل وإن ادعى على اثنين أنهما رهناه عبدهما بمائة مثلا وأقبضاه إياه فصدقه أحدهما فنصيبه رهن بخمسين والقول قول المكذب في نصيبه بيمينه و لو شهد المصدق على شريكه الآخر المكذب قبل في شهادته لخلوها عن جلب نفع ودفع ضرر فإن شهد معه آخر أو حلف المدعي ثبت رهن الجميع وكذا لو كذبه كل منهما في حقه بأن زعم أنه ما رهن نصيبه وأن شريكه رهن أو سكت عن شريكه وشهد على الآخر أيضا قبلت شهادته فربما نسيا وإن تعمدا فالكذبة الواحدة لا توجب الفسق ولهذا لو تخاصم اثنان في شيء ثم شهدا في حادثة قبلت شهادتهما وإن كان أحدهما كاذبا في التخاصم فيحلف مع شاهده أو يقيم معه شاهدا آخر فيثبت رهن الجميع ولا يخفى الحكم فيما إذا صدقاه أو كذباه مطلقا قال الإسنوي وما ذكر من أن الكذبة الواحدة غير مفسقة محله عند عدم انضمام غيرها إليها أما هنا فبتقدير تعمده يكون جاحدا لحق واجب عليه فيفسق بذلك ورد بأن شرط كون الجحد مفسقا أن تفوت المالية على الغير وهنا لم يفت إلا حق الوثيقة قال البلقيني ومحل ذلك إذا لم يصرح المدعي بظلمهما بالإنكار بلا تأويل وإلا فلا تقبل شهادتهما لأنه ظهر منه ما يقتضي تفسيقهما انتهى ولك أن تمنع أنه بذلك ظهر منه هذا إذ ليس كل ظلم خال عن تأويل مفسقا بدليل الغيبة
فرع وإن ادعيا على واحد أنه رهنهما عبده وأقبضهما إياه وصدق أحدهما فنصف العبد مرهون عند المصدق ويحلف للآخر و قبلت شهادة المصدق للمكذب برهن النصف لما مر هذا إن لم يكن شريكه فيه أي فيما ادعاه فإن كان شريكه فيه كأن قالا رهنته من مورثنا أو منا صفقة واحدة لم تقبل شهادته له للتهمة في دفع مزاحمة الشريك عن نفسه فيما سلم له ولا يخفى الحكم فيما إذا صدقهما أو كذبهما فصل وإن ادعى اثنان أن الشريكين فيما يصح رهنه كعبد رهناهما عبدا مشتركا بينهما بمائة مثلا وأقبضاهما إياه وصدق كل منهما واحدا من المدعيين فنصف العبد مرهون عند كل منهما ربعه بربع المائة إذ كل منهما يدعي على الاثنين نصفه ولم يصدقه إلا أحدهما و قبلت شهادة أحد الشريكين على صاحبه إذ لا مانع وكذا شهادة أحد المدعيين للآخر حيث لا شركة كما مر قبل الفصل ولو صدقا أحدهما ثبت ما ادعاه وكان له على كل منهما ربع المائة ونصف نصيب كل منهما مرهون به صرح به الأصل ولا يخفى الحكم فيما لو صدقاهما أو كذباهما فإن ادعى كل منهما أن زيدا رهنه عبده وأقبضه إياه فصدق أحدهما قضى له بالرهن ويحلف زيد للمكذب لأنه عند إرادة تحليفه قد يقر أو ينكل فيحلف المكذب فيغرم له القيمة لتكون رهنا عنده وإن كذبهما فالقول قوله ويحلف لكل منهما يمينا كما صرح به الأصل وما قاله المصنف من التحليف خلاف ما رجحه في أصل الروضة عدل عنه إلى ذلك لقول الإسنوي إن ما فيها هنا سهو أو غلط فإن الصحيح المذكور في الإقرار والدعاوى أنه يحلف وعلله بما مر
قال وسبب ذهوله أن الرافعي قال فيه قولان أصحهما لا يحلف قاله البغوي فأطلق النووي التصحيح من غير بحث وإمعان ولما نقل الرافعي كلام البغوي عقبه بما يرشد إلى أن الصحيح خلافه حيث بناه على أن من أقر لزيد بما أقر به لعمرو هل يغرم قال الأذرعي وما صححه البغوي هو الصحيح في البحر والكافي والمنصوص في المختصر والبويطي قالوا لأنه لو رجع عن إقراره لم يفد فلم يكن لوجوب اليمين عليه وجه لكن المختار دليلا التحليف انتهى والمعتمد ما رجحه في أصل الروضة ويفارق ما في الإقرار والدعاوى بأنه لو لم يحلف فيهما لبطل الحق أصلا بخلاف ما هنا لأن له مردا وهو الذمة ولم يفت إلا التوثق نبه عليه ابن العماد وإن صدقهما ولكن قال في جواب دعوى كل منهما السبق وإن الراهن عالم به أحدهما سبق الآخر وفي نسخة أسبق قبضا وعينه قضى له وإن كان العبد في يد الآخر لأن اليد لا دلالة لها على الرهن بدليل أنه لا تجوز
179
179
الشهادة بها عليه ويحلف للآخر لما مر وهذا على قياس ما مر له وأما على ما مر عن الروضة فلا يحلف له كما اقتضاه كلامها وقوله وعينه من زيادته
ولو قال ولم يدعيا سبقا أو ادعاه كل منهما نسيت السابق أو رهنت من أحدهما ونسيت فصدقاه أو كذباه فحلف لهما أنه لا يعلم السابق أو الآخذ تداعيا فإن حلفا أو نكلا بطل الرهن إلا إن قال عرفت السابق ونسيته فيتوقف إلى البيان كما لو زوج وليان ولم يعرف السابق وإن حلف أحدهما قضى له والتصريح بالبطلان فيما لو حلف على نفي العلم بتقدير تكذيبهما له من زيادته مع ما في عبارته من الإجحاف كما علم وإن رد اليمين عليهما فنكلا أو حلفا حكم ببطلانه أيضا وإن حلف أحدهما فقط قضى له وإن اعترف لهذا بسبق العقد ولهذا بسبق القبض قضى للثاني لأن الرهن إنما يلزم بالقبض كما مر وهذا يغني عنه قوله فيما مر ولكن قال أحدهما سبق قبضا وعينه قضى له
فرع لو أرسل رسولا بمتاع ليقترض له من رجل شيئا ويرهن به المتاع ففعل ثم اختلفا فقال المقرض اقترض لك رسولك مني مائة في الرهن فقالا أي المرسل والرسول جميعا بل خمسين بأن قال المرسل لم آذن إلا فيها وصدقه الرسول على ذلك حلفهما على نفي دعواه لأن المرسل مدعى عليه بالإذن والرسول بالأخذ فإن اعترف الرسول بالمائة وادعى تسليمها إلى المرسل فالقول في نفي الزيادة قول المرسل ويلزم الرسول الغرم أي غرم الزيادة للمقرض إلا إن صدقه المقرض في الدفع إليه أي إلى المرسل فلا يلزمه الغرم فلا يرجع عليه المقرض لأنه مظلوم بزعمه قال الرافعي وتبعه النووي كذا ذكروه وفيه إشكال لأن الرسول وكيل المرسل وبقبضه يحصل الملك للموكل حتى يغرم له إن تعدى فيه ويسلمه إليه إن كان باقيا وحينئذ فالرجوع إن كان لتعلق العهدة بالوكيل فليرجع مطلقا أو لأن للمقرض أخذ عين القرض فهذا استرداد لا تغريم مطلق أو لغير ذلك فلم يرجع إذا لم يصدقه ولم يوجد منه تعد قال الزركشي قوله كذا ذكروه يقتضي أنه المنقول وليس كذلك وإنما هو احتمال لابن الصباغ قطع به المتولي على عادته في جعله احتمالات ابن الصباغ المذهب والذي نقله ابن الصباغ وأطلقه العراقيون وجماعة من المراوزة موافق لبحث الرافعي من أنه يرجع على الرسول وإن صدقه في الدفع وهو ظاهر نص الأم انتهى ويمكن أن يقرر به كلام المصنف بأن يحمل اللزوم فيه على اللزوم المستقر
فرع لو ادعى المرتهن القبض بالإذن من الراهن فأنكر الراهن وقال بل غصبته فالقول قول الراهن بيمينه وإن كان المرهون بيد المرتهن لأن الأصل عدم اللزوم والإذن وكذا يقبل قوله بيمينه لو قال أعرتك أو آجرتك أو آجرته من فلان فأجره منك أو نحوها لذلك وظاهر أنه لو قال لم تقبضه عن الرهن كفى وإن لم يعين جهة ولو جرى القبض بعد الإذن وادعى الراهن الرجوع قبله صدق المرتهن بيمينه لأن الأصل عدم الرجوع أو أذن له في قبضه وادعى عدم القبض صدق من هو في يده منهما بيمينه لأن اليد وحدها في الراهن ومع الإذن في المرتهن قرينة دالة على صدق صاحبها
فرع لو أقر الراهن بإقباض لمرهون غير ممكن كأن قال رهنته اليوم داري بالشام وأقبضته إياها وهما بمكة لغا وإن شهد عليه بإقرار بقبض منه ممكن فقال أقررت باطلا حلف له المقر له أنه قبض منه ولو لم
180
180
يذكر لإقراره تأويلا ولو كان الإقرار في مجلس القاضي بعد الدعوى عليه لشمول الإمكان ذلك ولأن الوثائق في الغالب يشهد عليها قبل تحقيق ما فيها والتأويل كقوله أشهدت على رسم القبالة أو دفع إلي كتاب على لسان وكيلي فتبين تزويره أو أقبضته بالقول وظننت أنه يكفي قبضا والترجيح في صورة الإقرار بمجلس القاضي من زيادته وعبارة الأصل ولو لم يقم بينة بإقراره بل أقر في مجلس القضاء بعد توجه الدعوى عليه فوجهان قال القفال لا يحلفه وإن ذكر تأويلا لأنه لا يكاد يقر عند القاضي إلا عن تحقيق وقال غيره لا فرق لشمول الإمكان قال الأذرعي وقضية إطلاق النص والعراقيين والمنهاج الثاني انتهى ولا يختص ذلك بمسألة الرهن بل يجري في غيرها كما لو قامت بينة بإقراره لزيد بألف فقال إنما أقررت وأشهدت ليقرضني ولم يقرضني صرح بذلك الأصل
فرع لو دفع المرهون إلى المرتهن بغير قصد إقباضه عن الرهن هل يكفي عنه وجهان في التهذيب أحدهما نعم كدفع المبيع والثاني لا بل هو وديعة لأن تسليم المبيع واجب بخلاف المرهون فإن قال فيما لو شهدوا على إقراره بالقبض منه لم أقر به أو شهدوا على أنه أي المقر له قبض منه لجهة الرهن فليس له التحليف لأنه تكذيب للشهود وكذا لو أقر بإتلاف مال ثم قال أشهدت عازما عليه إذ لا يعتاد ذلك
فصل المقر بالجناية على المرهون إن صدقه الراهن دون المرتهن فاز بالأرش أو عكسه أي صدقه المرتهن دون الراهن صار الأرش رهنا فيأخذه ويكون بيد من كان الأصل بيده فلو استوفى من غيره أو أبرأ رده إلى المقر لا إلى القاضي ولا إلى الراهن كما لو أقر بشيء لآخر وهو ينكره ولأن الراهن ينكره ولم يبق للمرتهن فيه حق فإن استوفى منه لم يرجع به المقر على الراهن وقد يستشكل رده إلى المقر بعدم رد ما قبضته الزوجة من المهر إلى زوجها فيما إذا ادعى بعد طلاقها وطأها وأنكرته ويجاب بأن المهر وجب بالعقد باتفاقهما عليه وإن لم يستقر إلا بالوطء بخلاف بدل الجناية فإنه إنما يجب بها ولم يتفق عليها الخصمان أما لو صدقاه أو كذباه فلا يخفى حكمه وإن أقر المرتهن أن المرهون جنى ولو بعد لزوم الرهن وافقه المرهون أولا فالقول قول الراهن بيمينه لأن الملك له وضرر الجناية يعود إليه والقول في عكسه أي فيما لو أقر الراهن أن المرهون جنى بعد اللزوم قول المرتهن بيمينه لأن الأصل عدم الجناية وبقاء الرهن فإن بيع في الدين فلا شيء على المقر للمقر له في الحالين أما في الأول فلأن المرتهن إن كذب في إقراره فلا حق لغيره وإلا لم يصح بيع المرهون فيكون الثمن على ملك المشتري وأما في الثاني فلأن الراهن لا يغرم جناية المرهون ولم يتلف بالرهن شيئا للمقر له لكون الرهن سابقا على الجناية وليس كما لو أقر بجناية أم الولد حيث يغرم للمقر له وإن سبق الإيلاد الجناية لأن السيد يغرم جناية أم الولد ذكر ذلك الرافعي
وإذا رهن أو آجر عبدا ثم أقر الراهن أو المؤجر بجناية من العبد متقدمة على اللزوم أو قال كنت غصبته أو بعته ونحوه مما يمنع الرهن أو الإجارة كأعتقته وصدقه المدعي أي المقر له وكذبه المرتهن أو المستأجر بقرينة ما يأتي لم يقبل قوله في غير الإجارة مطلقا وفيها بالنسبة للمنفعة خاصة صيانة لحق الغير من أحدهما ولا حاجة في صورة العتق إلى تصديق العبد لأن الحق فيه لله تعالى بخلاف المقر له في باقي الصور ذكره ما عدا الفرق في الأصل ويقاس بالعتق الإيلاد وكذا الوقف ويحتمل خلافه أما إذا لم يصدقه المقر له بأن لم يعينه أو عينه ولم يصدقه فالرهن أو الإجارة بحاله أو صدقه هو والمرتهن أو المستأجر خرج عن الرهنية أو الإجارة وللمرتهن المقرض كان الرهن مشروطا في بيع صرح به الأصل وإذا لم يقبل قول الراهن أو المؤجر فيما ذكر فيحلف المرتهن أو المستأجر على نفي العلم بما ادعى به ويستمر الرهن أو الإجارة ثم يغرم الراهن أو المؤجر للمقر له الأقل من قيمته والأرش في مسألة الجناية وقيمته في غيرها ما عدا مسألتي العتق والإيلاد وإنما غرم
181
181
للحيلولة بينه وبين حقه كما لو قتله وأما غرم الأقل فلأنه اللازم في الفداء فإذا نكل المرتهن أو المستأجر عن اليمين حلف المجني عليه الأولى المقر له وذلك لأن الحق له لا الراهن ولا المؤجر وإن كان الملك لهما لأنهما لا يدعيان لأنفسهما شيئا ومسألة الإجارة بالنسبة لغير البيع وغير الإجارة والعتق المعلومين من قوله ونحوه من زيادته وبالنسبة للثلاثة ذكرها الأصل بعد وإذا حلف المقر له خرج العبد عن الرهنية أو الإجارة لأن اليمين المردودة كالبينة أو كالإقرار بأنه كان جانيا في الابتداء فلا يصح رهن شيء منه ولا إجارته وسقط خيار المرتهن في فسخ بيع شرط فيه الرهن لأن فواته حصل بنكوله ويفارق ما مر عن الأصل من عدم سقوطه فيما إذا صدق بأنه في تلك رجع إلى الحق ظاهرا فلا يعد مقصرا بخلافه هنا وكأنه اعترف بأنه ارتهنه جانيا فسقط حقه من الرهن التصريح بهذا من زيادته وهو إيضاح لما قبله فإن نكل المجني عليه الأولى المقر له سقطت دعواه وانتهت الخصومة فلا يغرم له الراهن ولا المؤجر شيئا لأن الحيلولة حصلت بنكوله والتصريح بمسألة الإجارة فيما ذكر من زيادة المصنف فرع لو أقر على عبده بما يوجب القصاص لم يقبل إقراره عليه بخلاف إقرار العبد فإنه مقبول وإن كذبه السيد وأضر ذلك به لانتفاء التهمة فإن عفا المستحق على مال سقط القصاص به ووجب المال وقدم به على حق المرتهن إلا أن يفدي فإن قال السيد جنى جناية توجب القصاص وعفا على مال فكما سبق من إقراره بجناية توجب المال فيجب متعلقا برقبة العبد لحق المجني عليه وإقراره بالعتق والاستيلاد كإنشائه أي كل منهما فيقبل من الموسر دون المعسر لأن من ملك إنشاء أمر قبل إقراره به ومسألة الاستيلاد زادها هنا مع أنها تأتي قريبا
فرع لو وطئ جارية له ورهنها جاز ولا يمنع احتمال الحمل من التصرف فيها فإن رهنها ثم أتت بولد يمكن كونه منه بأن أتت به لستة أشهر فأكثر من الوطء إلى أربع سنين لحقه وإن لم يدعه ولا ينافي كونه مرهونا فيما ذكره بقوله فإن ادعاه بأن قال هذا الولد مني وكنت وطئتها قبل لزوم الرهن وصدقه المرتهن على ذلك أو ثبت ببينة بطل الرهن لثبوت أمية الولد فإن شرط رهنها في بيع فله الفسخ للبيع وإلا أي وإن لم يصدقه المرتهن ولا بينة فكإقراره بأنها كانت مستولدة أو نحوه قبل اللزوم فلا يبطل الرهن لعدم قبول قوله كما مر قال في الأصل والولد حر وحذفه المصنف لقول المهمات إنما يستقيم إطلاقه إذا قلنا بعدم دخول الحمل المقارن في رهن الأمة أما إذا قلنا بالصحيح أنه يدخل وكان لدون ستة أشهر من العقد فهو مرهون كأمه أما إذا لم يمكن كون الولد منه بأن أتت به لدون ستة أشهر من الوطء أو لأكثر من أربع سنين فالرهن بحاله والولد مملوك له وإذا أقر باستيلادها بعد اللزوم نفذ إن كان موسرا لا معسرا
فرع لو باع عبدا أو كاتبه ثم أقر أنه كأن غصبه أو باعه أو نحوه مما يمنع البيع والكتابة كالإصداق لم يقبل إقراره لأنه إقرار في ملك الغير أو ما هو في معناه وهو مردود ظاهرا ويصدق المشتري والمكاتب بيمينه فإن نكل حلف المدعي أي المقر له لا البائع والسيد والترجيح من زيادته وعبارة الأصل فإن نكل فهل الرد على المدعي أم على المقر البائع قولان
فصل لو أذن المرتهن للراهن في البيع فباع وقال المرتهن رجعت عن الإذن فأنكر الراهن رجوعه فالقول قول الراهن بيمينه لأن الأصل عدم الرجوع وإن صدقه في رجوعه عن الإذن لكن قال رجعت عنه بعد البيع وقال المرتهن بل قبله صدق المرتهن بيمينه لأن الأصل عدم البيع والرجوع في الوقت المدعى إيقاع كل منهما فيه فيتعارضان ويبقى الرهن فصل لو كان عليه لرجل دينان بأحدهما رهن أو نحوه ككفيل فقصده بالقضاء وقع عنه والقول قوله بيمينه لأنه أعلم بقصده وكيفية أدائه سواء اختلفا في نيته أم لفظه فالعبرة في جهة الأداء بقصد
182
182
المؤدي حتى يبرأ بقصده الوفاء ويملكه الدائن وإن ظن الدائن إيداعه صرح بذلك الأصل وكما أن العبرة في ذلك بقصده فكذا الخيرة إليه فيه ابتداء إلا فيما لو كان على المكاتب دين معاملة فأراد الأداء عن دين الكتابة والسيد الأداء عن دين المعاملة فيجاب السيد كما سيأتي في باب الكتابة وتفارق غيرها مما ذكر بأن دين الكتابة فيها معرض للسقوط بخلاف غيرها وإنما اعتبر قصد المكاتب عند عدم التعرض للجهة لتقصير السيد بعدم التعيين ابتداء بل لو دفع ولم يقصد واحدا منهما عينه أي المدفوع لما شاء منهما كما في زكاة المالين الحاضر والغائب قال في الأصل وإن دفع عنهما فسقط عليهما أي بالسوية لا بالقسط أخذا مما رجحه صاحب البيان وغيره فيما إذا دفع ولم يقصد شيئا وقلنا لا يراجع بل يقع عنهما فلو مات قبل التعيين قام وارثه مقامه
كما أفتى به السبكي فيما إذا كان بأحدهما كفيل قال فإن تعذر ذلك جعل بينهما نصفين وإذا عين فهل ينفك الرهن من وقت اللفظ أو التعيين يشبه أن يكون كما في الطلاق المبهم ولو تبايع مشركان درهما بدرهمين وسلم من التزم الزيادة درهما ثم أسلما فإن قصد بتسليمه الزيادة لزم ه الأصل وكان المقبوض عنها في حكم المقبوض بالمعاملة الفاسدة فيما يظهر كما قاله الزركشي أو عكسه أي قصد الأصل برئ فلا شيء عليه أو قصدهما وزع عليهما وسقط باقي الزيادة ولو لم يقصد شيئا عينه لما شاء منهما ولو سلم المديون إلى وكيل غريمه وأطلق عينه لما شاء منهما ولو أمر هو هذا الوكيل بالتسليم أي بتسليمه ما قبضه منه إلى أحدهما وعينه صار وكيلا في الأداء له لا لمن وكله في القبض منه لانعزاله عن وكالته بالقبض فللمديون تعيينه للآخر ما لم يقبضه المعين الأول ويصير أيضا وكيلا له فقط فيما لو أمره بالتسليم إليهما وله تعيين أحدهما ما لم يسلم كما صرح بذلك الأصل وإن تلف المقبوض قبله أي قبل التسليم تلف مع وكيله في الأداء فيكون من ضمان المدين والدين باق عليه ثم إن لم يقصر الوكيل فلا ضمان عليه وإلا فعليه الضمان للمدين وإن أبرأ الدائن المدين من أحد دينيه عليه وبأحدهما رهن مثلا ثم اختلفا فقال المدين أبرأتني من دين الرهن فقال الدائن بل من الحالي عنه صدق المبرئ بيمينه لأنه أعلم بقصده فصل ولو قبض المرتهن العصير المرهون في ظرف أو العبد المرهون ملفوفا بثوب وقال قبضته أي العصير خمرا أو وفيه فأرة ميتة أو قبضت العبد ميتا فلي فسخ البيع المشروط فيه رهن ذلك وقال الراهن بل حصل تخمير العصير أو وقوع الفأرة فيه أو موت العبد عندك صدق الراهن بيمينه لأن الأصل عدم ذلك قبل القبض وكذا يصدق لو قال المرتهن رهنته وهو كذلك فالرهن باطل وقال الراهن بل حصل ذلك عندك فهو صحيح لما مر أن القول قول مدعي الصحة والتصريح بالترجيح في هذه مع ذكر مسألتي
183
183
دعوى المرتهن وجود الفأرة في العصير وموت العبد عند الرهن فيهما وعند القبض في الأولى من زيادته نعم ذكر الأصل الأولى بالنسبة للبيع معبرا فيها بالمائع وهو أعم من العصير والأمر فيه قريب ولا يلزم المرتهن إحضار الرهن أي المرهون قبل القضاء للدين ولا بعده بل عليه التمكين منه كالمودع وعلى الراهن مؤنة إحضاره ولو للمبيع في الدين إن احتاج إليه ولو رهن معيبا وحدث به مع المرتهن عيب آخر أو مات ثم علم بالعيب لم يلزم الراهن الأرش ليكون مرهونا ولم يكن له فسخ بيع شرط فيه رهنه كما لو جرى ذلك في يد المشتري وهذه ذكرها كأصله في باب البيوع المنهي عنها وإن رهن عبدين وسلم أحدهما أو مات أو تعيب في يد المرتهن وامتنع من تسليم الآخر لم يكن للمرتهن خيار في فسخ البيع المشروط فيه الرهن لتعذر رده على حاله وتوقف فيه الأذرعي كتاب التفليس هو لغة النداء على المفلس وشهره بصفة الإفلاس المأخوذ من الفلوس التي هي أخس الأموال وشرعا جعل الحاكم المديون مفلسا يمنعه من التصرف في ماله والأصل فيه ما رواه الدارقطني وصحح الحاكم إسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم حجر على معاذ وباع ماله في دين كان عليه وقسمه بين غرمائه فأصابهم خمسة أسباع حقوقهم فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم ليس لكم إلا ذلك ثم بعثه إلى اليمن وقال لعل الله يجبرك ويؤدي عنك دينك فلم يزل باليمن حتى توفي النبي صلى الله عليه وسلم المفلس لغة المعسر ويقال من صار ماله فلوسا و شرعا من حجر عليه لنقص ماله عن دين عليه لآدمي بخلاف دين الله تعالى وتقييده بالحجر وبدين الآدمي من زيادته تبع فيه الإسنوي ورد بأن الحجر حكم على المفلس فلا يؤخذ قيدا فيه ودين الله إنما لم يحجز به إذا لم يك فوريا كنذر مطلق وكفارة لم يعص بسببها ومن مات هكذا أي ناقصا ماله عن الدين فله حكم المحجور عليه بالفلس في الرجوع إلى الأعيان كما يأتي بيانه لخبر أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه ما لم يخلف وفاء رواه الدارقطني والبيهقي بإسناد صحيح بخلاف غيره ممن مات ولم ينقص ماله عن ذلك فلا رجوع له لتيسر أخذ مقابل العين كما في حال الحياة ولمفهوم الخبر السابق وبما تقرر علم أن الرجوع لا يثبت بمجرد الإفلاس بل لا بد معه من الحجر أو الموت ولا يحجر عليه أي على من نقص ماله عن ذلك إلا الحاكم لأنه يحتاج إلى نظر واجتهاد وأما أصل الحجر فلأن فيه مصلحة للغرماء فقد يخص بعضهم بالوفاء فيضر الباقين وقد يتصرف فيه فيضيع حق الجميع قال ابن الرفعة وهل يكفي في لفظ الحجر منع التصرف أو يعتبر أن يقول حجرت بالفلس إذ منع التصرف من أحكام الحجر فلا يقع به الحجر وجهان قال في الروضة ويجب على الحاكم الحجر إذا وجدت شروطه قال وقول كثير من أصحابنا فللقاضي الحجر ليس مرادهم أنه مخبر فيه أي بل إنه جائز بعد امتناعه قبل الإفلاس وهو صادق بالواجب قال السبكي وهو ظاهر إذا تعذر البيع حالا وإلا فينبغي عدم وجوبه لأنه ضرر بلا فائدة وهو ممنوع بل له فوائد منها المنع من التصرف بإذن المرتهن والمنع من التصرف فيما عساه يحدث باصطياد ونحوه ولا يحجر إلا بدين لازم حال زائد على ماله فلا حجر بالجائز كنجوم الكتابة وإن طلب السيد الحجر لتمكن المدين من إسقاطه ولا بالمؤجل
184
184
والمساوي لماله والناقص عنه كما سيأتي والمراد بماله ماله العيني المتمكن من الأداء منه أما المنافع وما لا يتمكن من الأداء منه كمغصوب وغائب فلا تعتبر فيهما زيادة الدين عليهما وأما الدين فيظهر اعتبارها فيه إن كان حالا على مليء مقر به نبه على ذلك الإسنوي وكالإقرار البينة قال ابن الرفعة ولو كان المال مرهونا فلم أر فيه نقلا
والفقه منع الحجر إذ لا فائدة فيه ورد بأن له فوائد بمثل ما مر فيقع الحجر فيه كغيره إن التمسه الغرماء لأنه لحقهم وهم أهل رشد أو لم يلتمسوه لكن كان الدين لغير رشيد من صبي ومجنون ومحجور عليه بسفه لمصلحتهم وكذا لو كان لمسجد أو جهة عامة كالفقراء وكذا لو التمسه المفلس أو بعض الغرماء إذا لم يف ماله
أي المفلس بدين الجميع وإن وفى بدينه لأن لكل منهما فيه غرضا ظاهرا قال الرافعي روي أن الحجر على معاذ كان بطلبه انتهى وفي النهاية أنه كان بسؤال الغرماء وما ذكره المصنف في الثانية من اعتبار دين الجميع هو ما نقله في الروضة وقواه والذي فيها كأصلها قبل ذلك ما في المنهاج كأصله اعتبار دينه فقط فقال فلو التمسه بعضهم ودينه قدر يحجر به حجر وإلا فلا
ثم لا يختص أثر الحجر بالملتمس بل يعمهم ولا يحجر لدين الغائبين لأنه لا يستوفي مالهم في الذمم
قال الفارقي ومحله إذا كان المديون ثقة مليا وإلا لزم الحاكم قبضه قطعا ذكره في المهمات قال وكلام الشافعي في الأم يدل على أن الدين إذا كان به رهن يقبضه الحاكم ولو كان المفلس محجورا عليه بالشرع كصبي فالمتجه ما اقتضاه كلامهم أنه يحجر في ماله على وليه وقضية كلامهم أنه لا حجر عليه إذا لم يكن له مال وتوقف فيه الرافعي فقال قد يقال يجوز منعا له من التصرف فيما عساه يحدث باصطياد ونحوه قال ابن الرفعة وهو مخالف للنص والقياس إذ ما يحدث له إنما يحجر عليه تبعا للموجود وما جاز تبعا لا يجوز قصدا والمؤجل لا يحجر به إذ لا مطالبة به في الحال وقد يجد ما يفي به عند توجه المطالبة وكذا لو حل بعضه وكان الحال قدرا لا يحجر به كما علم مما مر ولا يحل المؤجل بالحجر والجنون لأن الأجل حق مقصود للمديون فلا يفوت عليه ولأنهما إذا لم يمنعا ابتداء الأجل فدوامه أولى ووقع في أصل الروضة تصحيح أنه يحل بالجنون وهو مخالف لكلام الرافعي وقال الأذرعي إنه سهو فقد صحح في تنقيحه عدم الحلول به ولا يحل إلا بالموت أو بالردة المتصلة به ويباع مال المفلس أي يبيعه القاضي بنفسه أو نائبه ولو ما اشتراه بمؤجل لخبر معاذ السابق ويقسم ثمنه على أصحاب الحال بنسبة ديونهم ولم الأولى ولا يدخر منه شيء للمؤجل ولا يستدام له الحجر كما لا يحجر به فلو لم يقسم حتى حل المؤجل التحق بالحال ورجع المالك في العين إن لم تبع ومن ساوى دينه ماله أو نقص عنه كما فهم بالأولى ولو بالأعيان المشتراة لم يحجر عليه ولو لم يكن كسوبا بل كان ينفق من ماله للتمكن من الطلب والوفاء
فصل يستحب للحاكم أن يشهد على حجر المفلس وأن يشهر النداء عليه لتحذر معاملته ويمتنع عليه بالحجر كل تصرف مالي مفوت في الحياة بالإنشاء مبتدأ كما سيتضح فيصح نكاحه وطلاقه واستلحاقه النسب ونحوه كقود وعفو عنه ويصح احتطابه واتهابه والشراء والبيع في ذمته إذ لا ضرر في ذلك على الغرماء بل فيه نفعهم قال القاضي والغزالي وينفذ استيلاده أي كالمريض والسفيه فهو مستثنى من المالي وشمل
185
185
كلامهم الدين المؤجل حتى لا يصح الإبراء منه قال الإسنوي والظاهر خلافه قال البلقيني وتصح إجازته لما فعل مورثه مما يحتاج إليها بناء على أنها تنفيذ وهو الأصح ولا يصح بيعه وهبته ورهنه وكتابته ونحوها كشرائه بالعين ولو بإذن الغرماء لتعلق حقهم بالأعيان كالرهن ولأنه محجور عليه بحكم الحاكم فلا يصح تصرفه على مراغمة مقصود الحجر كالسفيه قال الأذرعي ويجب أن يستثنى من منع الشراء بالعين ما لو دفع له الحاكم كل يوم نفقة له ولعياله فاشترى بها فإنه يصح جزما فيما يظهر وأشار إليه بعضهم ويصح تدبيره ووصيته لعدم الضرر لتعلق التفويت بما بعد الموت ويصح إقراره بالدين من معاملة أو غيرها كما لو ثبت بالبينة وكإقرار المريض بدين يزحم غرماء الصحة ولعدم التهمة الظاهرة والفرق بين الإنشاء والإقرار أن مقصود الحجر منع التصرف فألغي إنشاؤه والإقرار إخبار والحجر لا يسلب العبارة عنه ويثبت عليه الدين بنكوله عن الحلف مع حلف المدعي كإقراره فإذا عزاه أي الدين المقر به أي أسنده إلى ما قبل الحجر ولو معاملة أو إلى إتلاف ولو بعد الحجر زوحم به الغرماء لا إن أسنده إلى معاملة بعد الحجر لتقصير من معاملة و لا إن أطلق الإقرار بالدين بأن لم يسنده إلى معاملة أو إتلاف أو أسنده إلى معاملة ولم يسنده إلى ما قبل الحجر ولا إلى ما بعده وتعذرت مراجعته فلا يزاحم به الغرماء بل ينزل الإقرار به على أقل المراتب وهو ما بعد الحجر لأنه المحقق فيبطل لاحتمال أنه عن معاملة بعد الحجر أما إذا لم تتعذر مراجعته فيراجع لأنه يقبل إقراره وفي نسخة وكذا إن أطلق إلى آخره أي فيزاحم به الغرماء وهي موافقة لتعبير الروضة فيما ذكر بما قبل الحجر وهو سبق قلم وصوابه ما بعد الحجر كما تقرر
وإذا أقر بعين كقوله غصبتها أو استعرتها أو استودعتها سلمت لصاحبها لصحة إقراره بها كما لو أقر بدين إتلاف أو بدين معاملة وأسنده إلى ما قبل الحجر فلو طلب الغرماء يمين المقر له حلف كما صرح به ابن الصباغ وغيره فيما لو لم يكن محجورا عليه كذا نقله الأذرعي وأقره ولو اتهب مالا أو اشتراه في الذمة وهو محجور عليه دخل في الحجر وقسم في الغرماء أي بينهم فيتعدى الحجر إلى أمواله الحادثة بعده لعموم مقصوده وهو الوفاء قال البلقيني ومحل تعديه إذا كان ملكه مستقرا أما لو وهب له أبوه أو ابنه أو أوصى له به فقبل وقبض الموهوب وهو محجور عليه بالفلس فإنه يعتق وليس للغرماء تعلق به وكذا نصه في الأم فيما لو أصدقت المحجورة إياها وظاهر كلامهم تعدي الحجر إلى الحادث ولو زاد ماله به على الديون فيحتمل حمله على ما إذا استمر على النقص اعتبارا بالابتداء ويحتمل بقاؤه على إطلاقه إذ يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء
وللبائع الخيار في فسخ البيع إن جهل الإفلاس لأنه عيب بخلاف ما إذا علم لتقصيره وإن جنى جناية توجب ولو بالعفو مالا وهو محجور عليه ضورب أي ضارب مستحق أرش الجناية بالأرش إذ لا تقصير منه فيبعد تكليفه الانتظار كدين حادث تقدم موجبه على الحجر كانهدام ما آجره المفلس وقبض أجرته وأتلفها سواء أحدث قبل القسمة أم بعدها وهذا من زيادته وقوله في الموضعين وهو محجور عليه زيادة إيضاح ومؤنة المال كأجرة الكيال والحمال وكذا البيت الذي فيه المال مقدمة على الغرماء لأنها لمصلحة الحجر هذا إن عدم متبرع بها ولم يتسع بيت المال وإلا فلا يصرف إليها من مال المفلس شيء وله الرد بالعيب إن كان فيه غبطة وليس كما لو باع بها لأن الفسخ ليس تصرفا مبتدأ فيمنع منه وإنما هو من أحكام البيع الذي لم يشمله الحجر وقضية كلامهم جواز رده حينئذ دون لزومه وبه صرح القاضي والدارمي إذ ليس فيه تفويت لحاصل وإنما هو امتناع من الاكتساب واستشكل بما نقله الرافعي عن النص من أن من اشترى في صحته شيئا ثم مرض واطلع فيه على عيب والغبطة في رده ولم يرد حسب ما نقصه العيب من الثلث فدل على أنه تفويت
186
186
وقضيته لزوم الرد هنا وفرق بأن حجر المرض أقوى بدليل أن إذن الورثة في تصرف المريض قبل موته لا يفيد شيئا وإذن الغرماء فيما يفعله المفلس يفيده الصحة ويفرق أيضا بأن الضرر اللاحق للغرماء بترك الرد قد يجبر بالكسب بعد بخلاف الضرر اللاحق للورثة بذلك وكلامه شامل لرد ما اشتراه قبل الحجر وما اشتراه في الذمة بعده وهو أولى من كلام أصله لقصوره على الأولى أما إذا كانت الغبطة في الإبقاء فلا رد له لما فيه من تفويت المال بلا غرض وقضية كلامه أنه لا يرد أيضا إذا لم يكن غبطة أصلا لا في الرد ولا في الإبقاء وقد صرح الإمام بخلافه وكلام الأصل فيها متدافع فإن حدث بالمبيع عيب آخر عند المفلس امتنع الرد القهري ووجب له الأرش لما مر في خيار النقص ولم يملك إسقاطه للتفويت وله الفسخ بالخيار والإجازة مطلقا عن التقييد بالغبطة لعدم استقرار ملكه ولأنه ليس تصرفا مبتدأ
فصل غرماء الميت لا يحلفون إن نكل الوارث عن اليمين المردودة أو يمين الاستظهار أو مع الشاهد إذ ليس لهم إثبات حق غيرهم لمصلحتهم بل إذا ثبت تعلق حقهم به وكذا غرماء المفلس لا يحلفون إن نكل عما ذكر لذلك وكلامه في هذه والتي قبلها أعم من كلام أصله وليس للغرماء ابتداء الدعوى إذ تركها الوارث أو المفلس ذكره الأصل
فصل ولصاحب الدين الحال ولو ذميا منع المديون الموسر بالطلب من السفر المخوف وغيره بأن يشغله عنه برفعه إلى الحاكم ومطالبته حتى يوفيه دينه لأن أداءه فرض عين بخلاف السفر نعم إن استناب من يؤديه من ماله الحاضر فليس له منعه والتصريح بذكر الموسر من زيادته لا صاحب المؤجل فليس له منعه من السفر ولو كان السفر مخوفا كجهاد أو الأجل قريبا إذ لا مطالبة به في الحال ولا يكلف من عليه المؤجل رهنا و لا كفيلا ولا إشهادا لأن صاحبه هو المضيع لحظ نفسه حيث رضي بالتأجيل من غير رهن وكفيل وإشهاد وله السفر صحبته ليطالبه عند حلوله بشرط أن لا يلازمه ملازمة الرقيب لأن فيه إضرارا به
فصل يحرم حبس من ثبت إعساره وملازمته ويجب إنظاره حتى يوسر لقوله تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة بخلاف من لم يثبت إعساره يجوز حبسه وملازمته إلى أن يثبت إعساره وعلى الموسر الأداء للدين الحال فورا بقدر الإمكان إن طولب به لخبر الصحيحين مطل الغني ظلم إذ لا يقال
187
187
مطله إلا إذا طالبه فدافعه فإن امتنع من أدائه أمره الحاكم به فإن امتنع وله مال ظاهر وهو من جنس الدين وفي منعه أو من غيره باع الحاكم عليه ماله إن كان في محل ولايته أو أكرهه بالتعزير أي مع التعزير بحبس أو غيره على البيع ووفى الدين والمراد بيع ما يفي بالدين من ماله لا بيع جميعه مطلقا أما إذا لم يطالب به فلا يجب ذلك وإن كان سبب الدين معصية ولا ينافيه الوجوب في هذه للخروج من المعصية لأن الكلام في الوجوب للحلول والتخيير فيما ذكر بين البيع والإكراه قال السبكي يظهر أن محله إذا طلب المدعي حقه بغير تعيين فلو عين طريقا فينبغي أن لا يجوز للحاكم فعل غيرها لأنه إنما يفعل بسؤاله وكلام القفال الكبير يشعر به
ولو التمس غريم الممتنع من الأداء الحجر عليه في ماله أجيب لئلا يتلف ماله ولما رواه مالك عن عمر رضي الله عنه ولم يخالفه أحد أنه قال ألا إن الأسيفع أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته بأن يقال سبق الحاج فادان معرضا أي عن الوفاء فأصبح وقد دين به أي غلب عليه فمن كان له عنده شيء فليحضر غدا فإنا بايعوا ماله وقاسموه بين غرمائه ثم إياكم والدين فإن أوله هم وآخره حرب وليس هذا الحجر حجر فلس بدليل أنه لا يشترط زيادة الدين على ماله فإن أخفاه بقيد صرح به من زيادته في نسخة بقوله وهو معلوم أي بإقرار أو بينة أو غيرهما وطلب غريمه حبسه حبس حجر عليه أولا حتى يظهره لأنه طريق لتوفية الحق قال المتولي وعليه عمل القضاة وفي البيهقي أنه صلى الله عليه وسلم حبس رجلا أعتق شقصا له من عبد في قيمة الباقي وفي البخاري تعليقا وأبي داود بإسناد صححه الحاكم أنه صلى الله عليه وسلم قال لي الواجد يحل عرضه وعقوبته أي مطل القادر ويحل ذمه وتعزيره وحبسه فإن لم ينزجر بالحبس ورأى الحاكم ضربه أو غيره فعل ذلك وإن زاد مجموعه على الحد ولا يعزره ثانيا حتى يبرأ من الأول وقد يقال في تعين الحبس أولا نظر بل القياس خلافه كسائر التعازير ويجاب بأن ذاك في تعزير لمحض التأديب لا في تعزير لتوفية حق امتنع من عليه من أدائه فيتعين ما عينه وهذا قريب مما مر عن السبكي وعليه يلزم أنه لو عين له غير الحبس تعين فإن ادعى تلف ماله وأنه معسر طولب بالبينة فإن أقام بينة بتلفه قبلت ولا يحلف لأن فيه تكذيبها وكذا تقبل إن أقامها ولو في الحال بإعساره ووقعت الشهادة به من خبير بباطنه بطول الجوار وكثرة المخالطة فإن الأموال تخفى وإنما سمعت البينة بذلك وإن تعلقت بالنفي للحاجة كشهادة أن لا وارث وغيره ويعتمد قوله أي الشاهد بإعساره أنه خبير بباطنه وإن عرفه الحاكم كفى
وإن ادعى المديون الإعسار فإن لزمه الدين في مقابلة مال كشراء وقرض فهو كدعوى هلاكه فيطالب ببينة لأن الأصل بقاء ما وقعت عليه المعاملة وإلا بأن لزمه الدين لا في مقابلة مال فيقبل قوله بيمينه سواء ألزمه باختياره كضمان وصداق أم بغير اختياره كأرش جناية وغرامة متلف لأن الأصل العدم ولو ظهر غريم آخر قال في البيان لا يحلفه ثانيا لثبوت إعساره باليمين الأولى ومحل التفصيل المذكور إذا لم يسبق منه إقرار فكالحجر فلو أقر بها ثم ادعى الإعسار ففي فتاوى القفال لا يقبل قوله إلا أن يقيم بينة بذهاب ماله
فرع يثبت الإعسار بشاهدين يشهدان أنه معسر لا يملك إلا قوت يومه وثياب بدنه قال البلقيني هذا غير صحيح لأنه قد يكون مالكا لغير ذلك وهو معسر كأن يكون له مال غائب بمسافة القصر فأكثر ولأن قوت يومه قد يستغنى عنه بالكسب وثياب بدنه قد تزيد على ما يليق به فيصير موسرا بذلك فالطريق
188
188
أن يشهدا أنه معسر عاجز العجز الشرعي عن وفاء شيء من هذا الدين أو ما في معنى ذلك انتهى وأفاد تعبيرهم بشاهدين أنه لا يكفي رجل وامرأتان ولا شاهد ويمين وأنه لا يشترط ثلاثة كسائر الحقوق وأما قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم لمن ذكر له أن جائحة أصابت ماله وسأله أن يعطيه من الصدقة حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجا من قومه فمحمول على الاحتياط ولا يقتصران في شهادتهما بالإعسار على أنه لا ملك له حتى لا تتمحض شهادتهما نفيا ويجب مع البينة تحليفه على إعساره باستدعاء الخصم أي طلبه لجواز اعتماد الشاهدين الظاهر فإن لم يستدع الخصم لم يحلف كيمين المدعى عليه وله تحليف الغرماء أنهم لا يعلمون إعساره إذا ادعاه عليهم فإن نكلوا عن اليمين حلف وثبت إعساره وإن حلفوا حبس وإن ادعى ثانيا وثالثا وهكذا أنه بان لهم إعساره حلفوا حتى يظهر للحاكم أن قصده الإيذاء وعكسه لو ثبت إعساره فادعوا بعد أيام أنه استفاد مالا وبينوا الجهة التي استفاد منها فلهم تحليفه إلا أن يظهر قصد الإيذاء وصرح الأصل بقبول قوله في هذه ما عدا المستثنى
فصل يأمر القاضي وجوبا من يبحث أي اثنين يبحثان بقدر الطاقة عن حال المحبوس الغريب الذي لا تمكنه إقامة البينة بإعساره ليتوصل بغلبة الظن بإعساره إلى الشهادة بإعساره كي لا يتخلد حبسه فإن وجد في يد المعسر مال فأقر به لرجل وصدقه أخذه منه ولا حق فيه للغرماء ولا يحلف المعسر أني ما واطأته أي المقر له على الإقرار لأنه لو رجع عن إقراره لم يقبل وإن كذبه المقر له أخذه الغرماء ولم الأولى ولا يلتفت إلى إقراره به لآخر لظهور كذبه في صرفه عنه وإن أقر به لغائب انتظر قدومه فإن صدقه أخذه وإلا أخذه الغرماء قال الأذرعي والظاهر أن الطفل ونحوه كالغائب انتهى وظاهر أنه إن صدقه الولي فلا انتظار وأن المفلس لو أقر بذلك لمجهول لم يقبل منه كما اقتضاه كلامهم وصرح به الروياني وغيره والوالد ذكر أو أنثى لا يحبس بدين الولد كذلك وإن سفل ولو صغيرا وزمنا لأنه عقوبة ولا يعاقب الوالد بالولد وقيل يحبس والتصريح بالترجيح من زيادته ولا فرق بين دين النفقة وغيرها وكذا لا يحبس المكاتب بالنجوم كما يأتي في أدب القضاء وكذا الذي استؤجر عينه وتعذر عمله في الحبس تقديما لحق المستأجر كالمرتهن ولأن العمل مقصود بالاستحقاق في نفسه بخلاف الحبس ليس مقصودا في نفسه بل يتوصل به إلى غيره ذكره في الروضة في باب الإجارة عن فتاوى الغزالي وأقره قال السبكي وعلى قياسه لو استعدى على من استؤجر عينه وكان حضوره للحاكم يعطل حق المستأجر ينبغي أن لا يحضر ولا يعترض باتفاق الأصحاب على إحضار المرأة البرزة وحبسها وإن كانت مزوجة لأن للإجارة أمدا ينتظر ويؤخذ مما قاله أن الموصى بمنفعته كالمستأجر إن أوصى بها مدة معينة وإلا فكالزوجة
فرع لا يأثم المحبوس المعسر بترك الجمعة والجماعة المفهومة بالأولى لأنه معذور وللقاضي منع المحبوس منها إن اقتضته المصلحة ومن الاستمتاع بالزوجة ومحادثة الأصدقاء والترجيح في مسألة الاستمتاع من زيادته وهو مقتضى كلام الأنوار ولا ترجيح فيها في الروضة هنا بل نقل فيها من زيادته
189
189
عن فتاوى صاحب الشامل المنع من ذلك وعن فتاوى الغزالي أن الرأي فيه للقاضي لكن المصنف جزم كأصله في باب أدب القضاء بأنه لا منع من ذلك وبحث الرافعي ثم القول بالثاني وقال الإسنوي ينبغي ترجيحه فعليه يحمل كلام المصنف في البابين على الحالين لا من دخولها لحاجة كحمل طعام و له منعه من شم الرياحين للترفه فإن كان لحاجة مرض أو نحوه جاز لا منعه من عمل صنعة في الحبس وإن كان مماطلا ونفقته واجبة على نفسه وعليه أجرة الحبس لأنها أجرة المكان
وإن حبست امرأة في دين لم يأذن فيه الزوج سقطت نفقتها مدة الحبس ولو ثبت الدين بالبينة كما لو وطئت بشبهة فاعتدت فإنها تسقط وإن كانت معذورة وأفهم كلامه كأصله أنه لو أذن لها في الاستدانة لم تسقط نفقتها قال الأذرعي ولم أر فيه نقلا وفيه نظر لأن الأظهر أنه لو أذن لها في الحج فلا نفقة لها إن لم يخرج معها انتهى والأوجه أنه لا نفقة لها ويفارق عدم سقوطها فيما لو صامت أياما معينة نذرت صومها بعد النكاح بإذن الزوج بأن صومها وجب عليها عينا مضيقا بإذنه مع النذر الذي يسلك به مسلك واجب الشرع بخلاف حبسها ويخرج المحبوس لسماع الدعوى عليه من آخر ثم يرد إلى الحبس فإن لزمه حق آخر حبس بهما ولم يطلق بقضاء أحدهما دون الآخر ويخرج المجنون من الحبس مطلقا والمريض إن لم يجد ممرضا فإن وجد ممرضا فوجهان أصحهما في الشافي للجرجاني أنه لا يخرج ومن ثبت إعساره أخرج بغير إذن الغريم لزوال المقتضى
فصل ويبادر الحاكم ندبا في مسألة المدين محجورا عليه أو ممتنعا من الأداء ببيع ماله وقسمته أي قسمة ثمنه بين الغرماء لئلا يطال حبسه إن حبس ومبادرة لبراءة ذمته وإيصال الحق لذويه وذكر حكم الممتنع من زيادته ولا يستعجل عبارة الأصل ولا يفرط في الاستعجال فيباع ببخس ويستحب البيع بحضور المفلس والراهن فيما إذا بيع المرهون والغرماء أو وكيلهم لأن ذلك أنفى للتهمة وأطيب للقلوب وليخبر المفلس بما في ماله من العيوب فلا يرد ومن الصفات المطلوبة فتكثر فيه الرغبات ولأن الغرماء قد يزيدون في السلعة وذكر وكيل الغرماء من زيادته والأولى أن يتولى البيع المالك أو وكيله بإذن الحاكم ليقع الإشهاد عليه ولا يحتاج إلى بينة بأنه ملكه بخلاف ما لو باع الحاكم لا بد أن يثبت أنه ملكه كما قاله ابن الرفعة تبعا للماوردي والقاضي وبيع الحاكم حكم بأنه له ويوافقه قول الرافعي في الفرائض قسم الحاكم يتضمن الحكم بموت المفقود وحكى السبكي في ذلك وجهين ورجح الاكتفاء باليد قال وهو قول العبادي وكذا نقله الزركشي ثم قال كالأذرعي وأفتى ابن الصلاح بما يوافقه والإجماع الفعلي عليه
190
190
ويباع أولا ما يسرع فساده ولو غير مرهون لئلا يضيع ثم المرهون والجاني ليتعجل حق مستحقيهما فإن بقي للمرتهن من دينه شيء ضارب به سائر الغرماء وإن فضل عنه شيء ضم إلى المال ويقدم أيضا بعدما يسرع فساده مال القراض ليؤخذ منه الربح المشروط ولا يتقيد الحكم بما ذكر بل سائر ما يتعلق بعين المال كذلك وهو ما يقدم على مؤن التجهيز ثم الحيوان لحاجته إلى النفقة ولكونه عرضة للهلاك قال الزركشي ويستثنى منه المدبر فقد نص في الأم على أنه لا يباع حتى يتعذر الأداء من غيره وهو صريح في أنه يؤخر عن الكل صيانة للتدبير عن الإبطال انتهى ثم المنقولات أي سائرها لخوف ضياعها ثم العقار وإنما أخر لأنه يؤمن عليه من التلف والسرقة وليشهر بيعه فيظهر الراغبون ويبدأ في كل نوع منها بالأهم فالأهم فيقدم في المنقولات الملبوس على النحاس ونحوه وفي العقار البناء على الأرض قال الأذرعي والظاهر أن الترتيب في غير ما يسرع فساده وغير الحيوان مستحب لا واجب وقد تقتضي المصلحة تقديم بيع العقار أو غيره إذا خيف عليه من ظالم أو نحوه فالأحسن تفويض الأمر إلى اجتهاد الحاكم ويحمل كلامهم على الغالب قال الماوردي
والمحاملي وغيرهما والمرهون يباع قبل الجاني قال في المطلب وفيه نظر لأن الرهن إذا فات لم يبطل حق المرتهن بخلاف الجاني فينبغي أن يقدم بيعه لذلك ويباع ندبا كل شيء في سوقه لأن طالبه فيه أكثر والتهمة فيه أبعد قال الإسنوي ومحله كما قال الماوردي إذا لم يكن في نقله مؤنة كبيرة فإن كانت ورأى الحاكم المصلحة في استدعاء أهل السوق إليه فعل قال الزركشي ومحله أيضا إذا ظن عدم الزيادة في غير سوقه فإن باعه في غيره بثمن المثل صح البيع مطلقا وإنما يبيع بثمن المثل فأكثر حالا بنقد البلد كالوكيل نعم إن رضي المفلس والغرماء بالبيع نسيئة أو بغير نقد البلد قال المتولي جاز وتوقف فيه السبكي لاحتمال ظهور غريم آخر يطلب دينه في الحال ولو رأى الحاكم المصلحة في البيع بمثل حقوقهم جاز ولو باع بثمن مثله ثم ظهر راغب بزيادة فقياس ما ذكروه في عدل الرهن وجوب القبول في المجلس وفسخ البيع وحكاه الروياني عن النص فإن كان نقد البلد غير جنس دينهم ولم يرضوا إلا بجنس دينهم اشتراه لهم لأنه واجبهم أو عاوضهم به إن رضوا إلا إن كان سلما فلا يعاوضهم وإن رضوا لامتناع الاعتياض عنه ولا يسلم الحاكم أو مأذونه ما بيع قبل قبض الثمن فإن فعل ضمن كالوكيل فعلم أنه لا يجوز البيع بمؤجل وإن حل قبل أوان القسمة لأن المبيع بمؤجل يجب تسليمه قبل قبض الثمن
فصل والأولى للحاكم أن يقسم ما نض يعني ما قبضه من أثمان أمواله على التدريج لتبرأ منه ذمته ويصل إليه المستحق بل إن طلب الغرماء القسمة وجبت كما يؤخذ من كلام السبكي الآتي فإن تعسرت قسمته لقلته وكثرة الديون فله التأخير لها لتجتمع ولو طالبوا بها وتبع في مسألة المطالبة بحث الشيخين فإنهما قالا فإن أبوا التأخير ففي النهاية إطلاق القول بأنه يجيبهم والظاهر خلافه قال السبكي بل الظاهر
191
191
ما في النهاية لأن الحق لهم فلا يجوز تأخيره عند الطلب إلا أن تظهر مصلحة في التأخير ولعل هذا مراد الرافعي بمخالفته إطلاق النهاية وقد نقل ابن الرفعة عن القاضي أبي الطيب وغيره مثل ما في النهاية وعن الماوردي خلافه ا ه والأوجه ما أفاده كلام السبكي من حمل هذا على ما إذا ظهرت مصلحة في التأخير وما في النهاية على خلافه فلو كان الغريم واحدا سلمه إليه أولا فأولا لأن إعطاءه للمستحق أولى من إقراضه أو إيداعه ويستثنى من القسمة عليهم المكاتب إذا حجر عليه وعليه نجوم وأرش جناية ودين معاملة فالأصح تقديم دين المعاملة ثم الأرش ثم النجوم وتقدم أنه لا حجر بالنجوم وهذا بخلاف المديون غير المحجور عليه فإنه يقسم كيف شاء قال السبكي وهو ظاهر بالنسبة إلى صحة التصرف لكن ينبغي إذا استووا وطالبوا حقهم على الفور أن تجب التسوية وإذا تأخرت قسمة ما قبضه الحاكم فيقرضه أمينا موسرا قال السبكي يرتضيه الغرماء والأذرعي وغير مماطل فإن فقد أودعه ثقة ترتضيه الغرماء والتقييد بالفقد من زيادته وعليه نص الشافعي والقصد أنه ينبغي للحاكم أن لا يضعه عند نفسه لما فيه من التهمة وبه صرح الماوردي وغيره قاله الزركشي وظاهر كلامهم أنه لا يعتبر في هذا الإقراض رهن قال في المطلب ولعل سببه أن الموسر لا حاجة به إليه وهو إنما قبله لمصلحة المفلس وفي تكليفه الرهن سد لها وبذلك خالف اعتباره في التصرف في مال الطفل ونحوه فإن اختلفوا فيمن يودع عنده أو عينوا غير ثقة كما أفهمه كلامه السابق وصرح به الأصل فمن رآه القاضي من العدول أولى فإن تلف معه أي المودع فمن ضمان المفلس ولو بعد مماته لا من ضمان الحاكم أو المودع
فرع لا يلزم الغرماء عند القسمة الإثبات أي إقامة بينة أو إخبار من حاكم بنفي غيرهم أي بأن لا غريم غيرهم لاشتهار الحجر فلو كان ثم غريم لظهر ويخالف نظيره في الميراث لأن الورثة أضبط من الغرماء وهذه شهادة على نفي يعسر مدركها فلا يلزم من اعتبارها في الأضبط اعتبارها في غيره قال في الروضة ولأن الغريم الموجود تيقنا استحقاقه لما يخصه وشككنا في مزاحمه وهو بتقدير وجوده لا يخرجه عن استحقاقه له في الذمة ولا تتحتم مزاحمة الغريم فإنه لو أبرأ أو أعرض أخذ الآخر الجميع والوارث يخالفه في جميع ذلك وعلم بما تقرر أن تعبير المصنف بالإثبات أولى من تعبير أصله بإقامة البينة فإن ظهر غريم بعد القسمة لم تنقض القسمة بل يشاركهم فيما قبضوه بالحصة لحصول المقصود بذلك مع وجود المسوغ لها ظاهرا وفارق نقضها فيما لو ظهر بعد قسمة التركة وارث بأن حق الوارث في عين المال بخلاف حق الغريم فإنه في قيمته فلو قسم مال المفلس وهو خمسة عشر على غريمين لأحدهما عشرون وللآخر عشرة فأخذ الأول عشرة والآخر خمسة ثم ظهر غريم له ثلاثون رجع على كل منهما بنصف ما أخذه
فإن أعسر أحدهم جعل ما أخذه كالمعدوم وشارك من ظهر الباقين فإن أيسر رجعوا عليه بالحصة فلو أتلف أحد الغريمين في المثال السابق ما أخذه وكان معسرا كان ما أخذه الآخر كأنه كل المال فلو كان المتلف آخذ الخمسة استرد الحاكم من آخذ العشرة ثلاثة أخماسها لمن ظهر ثم إذا أيسر المتلف أخذ منه الآخران نصف ما أخذه وقسماه بينهما بنسبة دينيهما وقس على ذلك ولو ظهر الثالث وظهر للمفلس مال قديم أو حادث بعد الحجر صرف منه إليه بقسط ما أخذه الأولان والفاضل يقسم على الثلاثة نعم إن كان دينه حادثا فلا مشاركة له في المال القديم صرح بذلك الأصل وتقدم أن الدين إذا تقدم سببه فكالقديم قال في الكفاية ولو غاب غريم وعرف قدر حقه قسم عليه وإن لم يعرف ولم تمكن مراجعته ولا حضوره رجع في قدره إلى المفلس فإن حضر وظهر له زيادة فهو كظهور غريم بعد القسمة وإن أمكنت مراجعته وجب الإرسال إليه قال ولو تلف بيد الحاكم ما أفرز للغائب بعد أخذ الحاضر حصته أو إفرازها فعن القاضي أن الغائب لا يزاحم من قبض فإن ظهر للمفلس ولو بعد فك الحجر عنه مال قديم أي موجود قبله وحدث له قبله أو بعده مال باحتطاب أو غيره وغرماء فالقديم المذكور للقدماء لتعلق حقهم به قبل الفك ولأنا تبينا بذلك بقاء الحجر كما قاله الماوردي خلافا للروياني نعم الحادث منه بعد الحجر لا يشارك فيه الغريم الحادث منهم بعد حدوثه أو معه
192
192
غيره
والحادث المذكور للجميع قال في المهمات والمراد بالجميع أرباب الديون المتقدمة على حدوث المال أما إذا لم يظهر له مال قديم وحدث له مال بعد التلف فلا تعلق لأحد به فيتصرف فيه المدين كيف شاء وقوله بعد فك الحجر من زيادته ولو أبدل بعد ب قبل وزاد ذلك بعد وحدث له كان أولى وأوضح
فرع لو خرج ما باعه المفلس قبل الحجر مستحقا والثمن المقبوص غير باق فكدين قديم ظهر من غير هذا الوجه وتقدم حكمه وهو أن يشارك المشتري الغرماء من غير نقض القسمة بخلافه بعد الحجر فإنه لا أثر له لأنه دين حادث لم يتقدم سببه وبخلاف ما إذا كان الثمن باقيا فإنه يرده والتصريح بقوله قديم من زيادته وإذا استحق ما باعه الحاكم أو أمينه قبل القسمة والثمن المقبوض غير باق قدم المشتري ببدله على الغرماء ولا يضارب به معهم لئلا يرغب الناس عن شراء مال المفلس فكان التقديم من مصالح الحجر كأجرة الكيال وليس الحاكم ولا أمينه طريقا في الضمان لأنه نائب الشرع ولا حاجة لقوله من زيادته قبل القسمة بل يوهم خلاف المراد
فصل وفي نسخة فرع وينفق الحاكم عليه أي على المفلس وعلى قريبه القديم والحادث وزوجته القديمة ومملوكه كأم ولده من ماله ما لم يتعلق به حق آخر كرهن وجناية يوما بيوم نفقة المعسرين ويكسوهم بالمعروف لإطلاق خبر ابدأ بنفسك ثم بمن تعول مع مناسبة الحال لذلك وفي نسخة وكسوتهم فتفيد ما أفاده كلام أصله من أنه يكسوهم كسوة المعسرين وخرج بالقديمة المزيدة على الأصل المتجددة في زمن الحجر فلا ينفق عليها وفارقت الولد المتجدد بأنه لا اختيار له فيه بخلافها قال الإسنوي فإن قيل لو أقر السفيه بولد ثبت نسبه وأنفق عليه من بيت المال فهل يكون المفلس كذلك قلنا لا فإن إقرار السفيه بالمال وبما يقتضيه لا يقبل بخلاف إقرار المفلس فإنه مقبول على الصحيح فغايته هناك أن يكون قد أقر بدين وإقراره به مقبول ويجب أداؤه فبالأولى وجوب الإنفاق لأنه وقع تبعا كثبوت النسب تبعا لثبوت الولادة بشهادة النسوة ا ه ويفارق إقراره بالنسب تجديده الزوجة بأن الإقرار بالنسب واجب بخلاف التزويج قال الزركشي ولينظر فيما لو اشترى أمة في ذمته بعد الحجر وأولدها وقلنا بنفوذ إيلاده هل تكون نفقتها كنفقة الزوجة الحادثة
ا ه
والأوجه ما اقتضاه كلامهم لا لقدرة الزوجة على الفسخ بخلاف أم الولد وما ذكر من أنه ينفق نفقة المعسرين هو المعتمد الموافق لنص الشافعي وما قاله الروياني من أنه ينفق نفقة الموسرين ورجحه الرافعي معللا بأنه لو أنفق نفقة المعسرين لما أنفق على القريب رد بأن اليسار المعتبر في نفقة الزوجة غير المعتبر في نفقة القريب وبأن نفقة الزوجة لا تسقط بمضي الزمان بخلاف القريب فلا يلزم من انتفاء الأول انتفاء الثاني واعلم أنهم ذكروا في ولي الصبي أنه لا ينفق على قريبه إلا بعد الطلب فليكن هنا مثله بل أولى لمزاحمة حق الغرماء وإنما ينفق عليهم ويكسوهم من ماله إن لم يكن له كسب لائق به وإلا فلا بل ينفق ويكسو من كسبه فإن فضل منه شيء رد إلى المال أو نقص كمل من المال فإن امتنع من الكسب فقضية كلام المنهاج والمطلب أنه ينفق عليه من ماله واختاره الإسنوي وقضية كلام المتولى خلافه واختاره السبكي والأول
193
193
أنسب بقاعدة الباب من أنه لا يؤمر بتحصيل ما ليس بحاصل ويستمر الإنفاق والكسوة من ماله حتى تقسم لأنه موسر ما لم يزل ملكه
ويباع مسكنه وخادمه ولو احتاجه أي كلا منهما ومركوبه ولو احتاجه لأن تحصيلها بالكراء سهل بخلاف ما يأتي فإن تعذر فعلى المسلمين ويفارق الكفارة المرتبة حيث يعدل من لزمته إلى الصوم وإن كان له ذلك ولا يلزمه صرفها إلى الإعتاق بأن الكفارة لها بدل ينتقل إليه والدين بخلافه وبأن حقوق الله تعالى مبنية على المساهلة بخلاف حقوق الآدميين وقوله ولو احتاجه موف بقول أصله وإن كان محتاجا إلى من يخدمه وبما فسرناه به يكون أعم منه ولو قال ولو احتاجهما كان أولى وأولى منه أن يقول ولو احتاجها ويؤخره عن قوله ومركوبه ويترك له إن كان المتروك في ماله أو يشتري له إن لم يكن فيه دست ثوب لائق به مما يعتاده من قميص وسراويل ومنديل ومكعب أي مداس قال في أصل الروضة ومنعل وهو كما قال جماعة وهم ويزاد جبة أو ما في معناها من فروة في الشتاء لأنه محتاج إلى ذلك ولا يؤخر غالبا وذكر المنديل في زيادته ويترك له عمامة وطيلسان وخف ودراعة بضم المهملة يلبسها فوق القميص أو نحوه مما يليق به إن لاقت أي المذكورات به لئلا يحصل الإرداء بمنصبه وتزاد المرأة مقنعة وغيرها مما يليق بها قال الإسنوي وسكوتهم عما يلبس على الرأس تحت العمامة يشعر بعدم اعتباره فيه نظر والذي يظهر إيجابه وذكر نحوه الأذرعي قال ويقال لما تحتها القلنسوة وكأنهم اكتفوا بذكر العمامة عن ذكره
ثم رأيت القاضي ذكر أنه تترك له القلنسوة وهو واضح ومثله تكة السراويل ا ه ويرد إلى اللائق به حال إفلاسه أن تعود قبله الأشرف في اللبس أي فوق ما يليق به لا أن تعود قبله التقتير فلا يرد إلى اللائق به بل إلى ما تعوده من التقتير ويترك لعياله من الثوب مثله أي مثل ما ترك له ويباع البسط والفرش ويتسامح في حصير ولبد حقيرين أي قليلي القيمة ويترك لهم أيضا قوت يوم القسمة وسكناه وإن كان باقيه بعدها لأنه موسر في أوله بخلاف ما بعده لعدم ضبطه ولأن حقوقهم لم تجب فيه أصلا وألحق البغوي ومن تبعه باليوم ليلته أي الليلة التي بعده و يترك ما يجهز به من مات منهم ذلك اليوم أو قبله مقدما به على الغرماء قال العبادي ويترك للعالم كتبه وتبعه ابن الأستاذ وقال تفقها يترك للجندي المرتزق خيله وسلاحه المحتاج إليهما بخلاف المتطوع بالجهاد فإن وفاء الدين أولى إلا أن يتعين عليه الجهاد ولا يجد غيرهما أما المصحف فيباع قال السبكي لأنه محفوظ فلا يحتاج إلى مراجعته ويسهل السؤال عن الغلط من الحفظة بخلاف كتب العلم
فصل لا يؤمر مفلس بكسب لوفاء الدين فلا يلزمه الكسب ولا إيجار نفسه لقوله تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة أمر بإنظاره ولم يأمر باكتسابه ولقوله صلى الله عليه وسلم في خبر معاذ السابق ليس لكم إلا ذلك وقاعدة الباب لا يؤمر بتحصيل ما ليس بحاصل إلا غاصب ونحوه ممن تعدى بسبب الدين فيؤمر بالكسب ولو بإيجار نفسه هذا من زيادته ونقله الإسنوي عن ابن الصلاح عن أبي عبد الله الفراوي
194
194
ثم قال وهو واضح لأن التوبة من ذلك واجبة وهي متوقفة في حقوق الآدميين على الرد قال الأذرعي وليس ذلك ببعيد وقد أوجبوا على الكسوب كسب نفقة الزوجة والقريب وجعلوه غنيا بذلك انتهى والتحقيق أن وجوب ذلك ليس لإيفاء الدين بل للخروج من المعصية وليس الكلام فيه ولا يمكن من تفويت حاصل لمنافاته غرض الحجر وفرع على لا يؤمر إلى آخره قوله فلا يلزمه ترك القصاص الواجب له بجناية عليه أو على غيره كرقيقه للأرش أي لأجله لأنه في معنى الكسب وليس له ولا لوارثه العفو عن المال الواجب له بجناية لما فيه من تفويت الحاصل ولا المسامحة بصفة مقصودة مشروطة في المسلم فيه أو نحوه عند التقاضي له وعليه أن يؤجر لهم أي لأجلهم مستولدته وموقوفا عليه لأن منفعة المال مآل كالعين بدليل أنها تضمن بالغصب بخلاف منفعة الحر فيصرف بدل منفعتهما للدين ويؤجران مرة بعد أخرى إلى البراءة قال في الأصل وقضية هذا إدامة الحجر إلى البراءة وهو كالمستبعد قال الأذرعي والظاهر أن الموصى بمنفعته له كالمستولدة والموقوف قال في الروضة وأفتى الغزالي بأنه يجبر على إجارة الوقف أي بأجرة معجلة ما لم يظهر تفاوت بسبب تعجيل الأجرة إلى حد لا يتغابن به الناس في غرض قضاء الدين والتخلص من المطالبة انتهى ومثله المستولدة
فصل لا يفك هذا الحجر إلا الحاكم لأنه لا يثبت إلا بإثباته فلا يرتفع إلا برفعه كحجر السفه لأنه يحتاج إلى نظر واجتهاد فلا ينفك بنفسه وإن قسمت أمواله ولا باتفاق الغرماء على رفعه كما ذكره بقوله ولو رضي الغرماء لاحتمال غريم آخر فاعتبر نظر الحاكم وما ذكر من أنه لا بد من فكه له نص عليه في الأم وله فيها نص آخر ظاهره أنه ينفك بنفسه فلو باع المفلس ماله من الغرماء بدينهم أو ببعضه أو بعين أو من غيرهم بإذنهم لم يصح البيع إلا بإذن الحاكم لاحتمال غريم آخر
فصل ومن وجد من الغرماء عند المفلس عين ماله قبل قبض الثمن أو عين ما أقرض له فله الفسخ للعقد واسترداد العين ولو بلا حاكم لخبر الصحيحين إذا أفلس الرجل ووجد البائع سلعته بعينها فهو أحق بها من الغرماء وقياسا على خيار المسلم بانقطاع المسلم فيه وعلى المكتري بانهدام الدار بجامع تعذر استيفاء الحق ولو قبض بعض الثمن فسخ فيما يقابل بعضه الآخر وقد يجب الفسخ بأن يقع ممن يلزمه التصرف بالغبطة كأن يكون مكاتبا أو وليا والغبطة في الفسخ وسيأتي ضابط ما يفسخ فيه وذكروا مسألة القرض هنا مع ذكرهم لها في بابه لدفع توهم أنه إنما يرجع في العين إذا لم يتعلق بها حق غيره من الغرماء وهو أي الفسخ على الفور كالرد بالعيب بجامع دفع الضرر فإن أخره جاهلا جوازه أي الفسخ فوجهان هذا لم يصرح به الأصل وإنما صرح بالوجهين في جهل بطلان الصلح فيما يأتي وأوجههما أخذا من كلامه أنه لا يبطل حقه كالرد بالعيب بل أولى لأن هذا مما يخفى غالبا بخلاف ذاك أما إذا كان عالما بجوازه فيبطل حقه لتقصيره فإن صولح عنه أي الفسخ بمال لم يصح الصلح وبطل حقه من الفسخ في حق العالم ببطلان الصلح لا في حق الجاهل به كما في الصلح عن الرد بالعيب وقد مر ولو حكم بمنع الفسخ حاكم لم ينقض حكمه لأن المسألة اجتهادية واستشكل بما مر من أنه لا يحتاج في الفسخ إلى حاكم لثبوته بالنص والقاعدة أن الحكم إذا عارض النص أو القياس الجلي ينقض وقد يجاب بأن الحكم بما ذكر لم يخالف النص المذكور إذ مفاد النص أن البائع أحق بمتاعه من غيره وليس
195
195
هو نصا في الفسخ لأنه يحتمل أنه أحق بعين متاعه وأنه أحق بثمنه وإن كان الأول أظهر والفسخ أن يقول فسخت البيع أو نقضته أو رفعته أو نحوها ولو قال رددت الثمن أو فسخت البيع فيه كفى في الفسخ وإن أعتقه أي ماله الذي وجده أو باعه مثلا لم يكن فسخا كما لا يكون فسخا في الهبة للولد وتلغو هذه التصرفات لمصادفتها ملك الغير
فرع لو قال الغرماء أو الوارث أي غرماء المفلس أو وارثه لمن وجد ماله عنده نحن نقدمك بالثمن ولا تفسخ لم تلزمه إجابته للمنة وخوف ظهور مزاحم فإن قلت ما الفرق بينه وبين ما لو ساوى الدين ماله وقلنا يحجر به حيث يمنع الواجد لماله من الفسخ على الأشبه في الشرح الصغير مع وجود خوف المزاحمة قلت في تلك إذا ظهر مزاحمه وزاحمه الظاهر أنه لا يفوت عليه بل يرجع فيما يقابل ما زوحم به وإنما منع من الرجوع ابتداء لأنه قد وجد في المال ما يوفي حقه وكذا لا تلزمه الإجابة إن تبرع به أحد الغرماء أو كلهم أو أجنبي للمنة ولما في ذلك من إسقاط حقه فكان كالزوجة إذا تمكنت من فسخ النكاح لإعسار الزوج بالنفقة فتبرع أجنبي عنه بها لا يلزمها القبول وقول الزركشي هذا في الحي أما لو تبرع متبرع بقضاء دين الميت فللقاضي فيه جوابان والذي استقر عليه أنه يلزم رب الدين القبول أو الإبراء لأنه في الموت آيس من القضاء بخلافه في الحياة لا يلاقي ما نحن فيه من أن رب المتاع أحق بمتاعه فإن أجاب المتبرعين بالثمن وقدموه به ثم ظهر غريم آخر لم يزاحمه فيما أخذه لأنه في وجه لا يدخل في ملك المفلس وفي وجه يدخل فيه لكن ضمنا وحقوق الغرماء إنما تتعلق بما دخل في ملكه أصالة أما لو أجاب غير المتبرعين فللذي ظهر أن يزاحمه ثم إن كانت العين باقية فيحتمل أن يرجع فيما يقابل ما زوحم به لأنه لم يرض بترك حقه إلا بشرط أن يسلم له كل الثمن ولم يسلم ويحتمل خلافه لأنه مقصر حيث أخر حق الرجوع مع احتمال ظهور غريم يزاحمه نبه على ذلك في المطلب والاحتمال الثاني أوجه وفي كلامه إشارة إليه لكن الموافق لكلام الماوردي الآتي الأول وقول المصنف من زيادته وقدموه لا حاجة إليه بل ربما يوهم خلاف المراد فلو قال له وارث المشتري أنا أعطيك الثمن من مالي ولا تفسخ لزم ه القبول لأن الوارث خليفة المورث فله تخليص المبيع ولأنه يبغي بذلك بقاء ملكه لأن حقه متعلق بعين التركة بخلاف الأجنبي
فرع تضمن كلام الماوردي أنه لو قدم الغرماء المرتهن بدينه سقط حقه من المرهون بخلاف البائع ويفرق بأن حق البائع آكد لأنه في العين وحق المرتهن في بدلها ولو امتنع المشتري من تسليم الثمن أو غاب أو مات وهو مليء في الثلاث وامتنع الوارث من التسليم في الأخيرة لم يرجع أي البائع في عين المبيع لعدم عيب الإفلاس الذي هو مناط جوار الرجوع ولإمكان الاستيفاء بالسلطان فإن فرض عجز فنادر لا عبرة به بخلاف ما إذا كان غير مليء فيرجع فيها ولا يرجع فيها إن انقطع جنس الثمن لأن له الاعتياض عنه واستشكله في المهمات بأن المعقود عليه إذا فات جاز الفسخ لفوات المقصود منه وقد جزم به الرافعي في فوات المبيع وذكر أيضا أن إتلاف الثمن المعين كإتلاف المبيع حتى يقتضي التخيير وإذا جاز الفسخ لفوات عينه مع إمكان الرجوع إلى جنسه ونوعه فالفوات الجنس أولى ويجاب بأن الملك هنا قوي إذ العوض في الذمة فبعد الفسخ وهناك الملك ضعيف لأن صورة المسألة أن المعقود عليه معين وأنه فات بإتلاف الأجنبي قبل القبض فساغ الفسخ بل فيها قول أن العقد ينفسخ كالتلف بآفة سماوية
فرع لو كان بثمن المبيع ضمين مليء لم يرجع أي البائع على المشتري بالمبيع ولو كان الضمان بلا إذن لإمكان الوصول إلى الثمن من الضامن فلم يحصل التعذر بالإفلاس ولأن الحق قد ثبت في ذمته وتوجهت عليه المطالبة فالوصول إليه منه كهو من المشتري بخلاف المتبرع به واقتصر في الروضة على ما لو ضمن بلا إذن وذكر فيه وجهين بلا ترجيح فالترجيح فيه وذكر حكم الضمان بالإذن من زيادة المصنف وكذا التقييد بمليء وقد قيد به وبمقر الأذرعي ثم قال فلو كان معسرا أو جاحدا ولا بينة فيرجع لتعذر الثمن بالإفلاس والترجيح المذكور هو
196
196
قضية كلام الأنوار لكن قال الزركشي الظاهر ترجح الرجوع كما في المتبرع ويشهد له قول الماوردي في باب الضمان لو أفلس الضامن والأصيل وأراد الحاكم بيع مالهما في دينهما فقال الضامن ابدأ بمال الأصيل وقال رب الدين أبيع مال أيكما شئت بديني فقال الشافعي إن كان الضمان بالإذن فالمجاب الضامن وإلا فرب الدين انتهى ويجاب بأن المدرك هنا تعذر أخذ الثمن ولم يتعذر وثم شغل ذمة كل من الضامن والأصيل مع عدم الإذن في الضمان وكذا لا يرجع لو كان به رهن يفي به ولو مستعارا لما مر فإن لم يف به فله الرجوع فيما يقابل ما بقي له وذكر مسألة الرهن غير المعار من زيادته وكذا الترجيح في مسألة المعار مع قوله يفي به وسبقه إليه الأذرعي
فصل له الفسخ في كل معاوضة محضة لما مر فخرج بالمعاوضة الهبة ونحوها وبالمحضة غيرها كالنكاح والخلع والصلح عن الدم فلا فسخ لأنها ليست في معنى المنصوص عليه لانتفاء العوض في الهبة ونحوها ولتعذر استيفائه في البقية نعم للزوجة بإعسار زوجها بالمهر أو النفقة فسخ النكاح كما سيأتي في بابه لكن لا يختص ذلك بالحجر فيفسخ المسلم عقد السلم إن وجد رأس ماله كما في البيع فلو فات بتلف أو نحوه لم يفسخ كما لو فات المبيع في البيع بل يضارب الغرماء بقيمة المسلم فيه ثم يشتري له منه بما يخصه لامتناع الاعتياض عنه نعم إن وجد في المال صرف إليه كما ذكره الأصل هذا إذا لم ينقطع المسلم فيه فلو انقطع المسلم فيه فله الفسخ لثبوته حينئذ في حق غير المفلس ففي حقه أولى وكالرد بالعيب و له بعد الفسخ المضاربة برأس المال كسائر الغرماء وكيفية المضاربة إذا لم ينقطع المسلم فيه ما ذكره بقوله
فلو قومنا المسلم فيه فكانت قيمته عشرين والديون ضعف المال فأفرزنا له أي للمسلم من المال عشرة ورخص السعر قبل الشراء اشترى له بها جميع حقه إن وفت به وإلا قبضه والفاضل إن كان للغرماء وإنما اشترى له الجميع اعتبارا بيوم القسمة لأن المفرز له صار كالمرهون بحقه وانقطع به حقه من حصص غيره حتى لو تلف قبل التسليم إليه لم يتعلق بشيء مما عند الغرماء وبقي حقه في ذمة المفلس ولو ارتفع السعر قبل الشراء فلم يوجد المسلم فيه إلا بأربعين مثلا لم يزد على ما أفرز له فلا يزاحمهم اعتبارا بما مر وإن حدث للمفلس مال بعد القسمة وزوال الحجر عنه ثم أعيد الحجر عليه وقد أعطي المسلم قبل زوال الحجر قدرا من المسلم فيه واحتيج إلى المضاربة ثانيا قومناه أي المسلم فيه ليعرف قدر ما يخص المسلم مما بقي له منه بقيمة وقت الحجر الثاني وأخذ حصته من المال بحسب تلك القيمة وإن كان المسلم فيه عبدا أو ثوبا أو غيره من سائر المتقومات اشترى له الحاكم أو مأذونه بحصته شقصا منه للضرورة وهذا داخل فيما مر وإنما أفرده بالذكر لدفع توهم أنه لا يشتري له بعض المتقوم للتشقيص وليرتب عليه قوله فإن لم يوجد شقص فله الفسخ فلو تلف بعض رأس المال وكان مما يفرد بالعقد كما يعلم مما سيأتي في الباب وبقي بعضه الآخر رجع في الباقي منه وضارب بباقي المسلم فيه
فصل وفي نسخة فرع إذا استأجر دابة أو أرضا وأفلس قبل تسليم الأجرة الحالة ومضي المدة فللمؤجر الفسخ تنزيلا للمنافع منزلة الأعيان في البيع فإن أجاز العقد أو فسخ في أثناء المدة ضارب الغرماء بكل الأجرة إن أجاز أو البعض إن فسخ ويؤجر الحاكم على المفلس العين المؤجرة إن كانت فارغة للغرماء أي لأجلهم أما لو كان الحال بعض الأجرة كما في الإجارة المستحق فيها أجرة كل شهر عند مضيه فلا فسخ فيها لأن شرطه كون العوض حالا والمعوض باقيا فلا يأتي الفسخ قبل مضي الشهر لعدم الحلول ولا بعده لفوات المنفعة فهو كتلف المبيع نبه عليه ابن الصلاح في فتاويه
197
197
نعم لو آجر شيئا بأجرة بعضها حال وبعضها مؤجل فالظاهر أنه يفسخ في الحال بالقسط وإن فسخ مؤجر الدابة في أثناء الطريق أو مؤجر الأرض وهي مزروعة فعليه في الأولى حمل المتاع من غير مأمن إلى المأمن لئلا يضيع بأجرة مثل يقدم بها على الغرماء لأنه لصيانة المال وإيصاله إلى الغرماء فأشبه أجرة الكيال
ويضعه وجوبا في المأمن عند الحاكم إن لم يجد المالك أو وكيله ليحفظ له فإن وضعه عند عدل بلا إذن الحاكم فوجهان كنظائره في الوديعة وغيرها فالأصح الضمان وعليه في الثانية تبقية الزرع إلى وقت الحصاد إن لم يستحصد وللمؤجر أقام فيه الظاهر مقام المضمر أي وله على المستأجر أجرة المثل على المدة الباقية يقدم بها على الغرماء لما مر هذا إن أراد المفلس والغرماء إبقاءه وإلا فإن أرادوا قطعه فذاك وإن أراد بعضهم القطع وبعضهم الإبقاء وللمقطوع قيمة أجيب مريد القطع إذ لا يلزمه تأخير حقه برضا غيره ولأن المفلس ليس عليه تنمية ماله لهم ولا عليهم الصبر إلى النماء وإلا أي وإن لم يكن للمقطوع قيمة فلا يجاب مريد القطع بل مريد الإبقاء إذ لا فائدة لمريد القطع فيه أما إذا استحصد الزرع فله المطالبة بالحصاد وتفريغ الأرض فإن كان المؤجر لم يأخذ الأجرة الماضية فيما إذا كان للمقطوع قيمة فهو غريم فله طلب القطع وحيث وجب بقاء الزرع قال في الأصل فالسقي وسائر المؤن إن تطوع بها الغرماء أو بعضهم أو اتفقوا عليها بقدر ديونهم فذاك وإن اتفق بعضهم ليرجع اعتبر إذن الحاكم أو اتفاق الغرماء والمفلس كما ذكره المصنف بقوله وليس لبعضهم أن ينفق على الزرع ليرجع إلا بإذن الحاكم أو باتفاق الغرماء والمفلس وحينئذ يقدم المنفق به أي بما أنفقه على بقية الغرماء لأنه لإصلاح الزرع
فلو أنفقوا عليه بقدر ديونهم ليرجعوا بإذن الحاكم ثم ظهر غريم قدموا عليه بما أنفقوا وقولي بإذن الحاكم قلته تفقها فلا يكفي إذن المفلس لقصور رأيه عن رأي الحاكم فلو أنفقوا عليه من مال المفلس بإذنه أو بإذن الحاكم جاز لحصول الفائدة له ولهم وإن أنفق أحدهم بإذن المفلس فقط ليرجع بما أنفقه جاز و لزم ذمته أي المفلس ولا يضارب به الغرماء لحدوثه بعد الحجر أو أنفق بإذن باقي الغرماء فقط ليرجع عليهم رجع عليهم في مالهم قال السبكي وللشافعي نص ظاهره يقتضي أن الغرماء متى طلبوا إبقاء الزرع وتطوعوا بالسقي أجيبوا لكنه مؤول بما إذا وافقهم المفلس وإلا فعليه ضرر في إدامة الحجر عليه انتهى وكأنه فهم أن النص فيما إذا كان للمقطوع قيمة إذ لو لم يكن له قيمة وطلبوا الإبقاء أجيبوا وإن لم يوافقهم المفلس كما علم مما مر فالنص إن لم يكن ظاهرا في هذه الحالة حمل عليها فلا يحتاج إلى التأويل المذكور
فصل يشترط قبض عوض إجارة الذمة في المجلس لأنها سلم في المنافع وبعد قبضه لا أثر للفلس لقبض المؤجر حقه فلو فرض الفلس في المجلس وتفرقا وقبض المؤجر قبل التفرق بعض العوض صح العقد فيما قبض بقسطه وبطل في الباقي تفريقا للصفقة وإن لم يقبض منه شيئا بطل في الجميع وهذا من زيادته وليس مما نحن فيه وعبارة الأصل فلو فرض الفلس في المجلس فإن أثبتنا خيار المجلس فيها استغنى عن هذا الخيار وإلا فهي كإجارة العين أي فللمؤجر الفسخ
فصل وإذا أفلس مؤجر العين فلا فسخ لمستأجرها ويقدم المستأجر بمنفعتها كما يقدم المرتهن بحقه وتباع العين للغرماء مؤجرة بطلبهم أو طلب المفلس بناء على جواز بيع المؤجر ولا يبالي بما ينقص من ثمنها بسبب الإجارة إذ ليس عليهم الصبر لتنمية المال فإن التزم في ذمته عملا كنقل متاع إلى بلد ثم أفلس والأجرة في يده فللمستأجر الرجوع فيها بفسخ الإجارة فإن تلفت لم يفسخ وضارب بأجرة المثل كنظيره في السلم ولا تسلم إليه حصته منها بالمضاربة لامتناع الاعتياض عن المسلم فيه بناء على أن إجارة الذمة سلم كما علم ذلك من قوله وحصل له بعض المنفعة الملتزمة إن كانت تتبعض بلا ضرر كحمل مائة رطل وإلا بأن كانت لا تتبعض أو تتبعض بضرر كقصارة ثوب ورياضة دابة وركوب إلى بلد ولو نقل إلى نصف الطريق لبقي ضائعا فسخ وضارب بالأجرة المبذولة والتصريح بقوله بلا ضرر
198
198
من زيادته فلو سلم له الملتزم عينا ليستوفي منها المنفعة الملتزمة فله فيها حكم المعينة في العقد فلا فسخ له ويقدم بمنفعتها قال السبكي ونص الشافعي في الأم يخالفه حيث قال لو تكاروا منه حمولة مضمونة يعني في الذمة ودفع إبلا بأعيانها كان له نزعها وإبدالها وإن أفلس وثم غرماء غيرهم ضربوا معهم وحاصوهم والذي صححه الرافعي له وجه لكن الذي نص عليه الشافعي أدق وأقرب إلى قواعد الشريعة
فصل لو باع عينا واستوفى ثمنها وامتنع من تسليمها أو هرب فهل للمشتري الفسخ كما لو أبق المبيع أو لا لأنه لا نقص في نفس المبيع وجهان أصحهما كما قال الإسنوي وغيره لا لعدم عيب الإفلاس كما لو هرب المشتري وإن انهدمت الدار المستأجرة بعد إفلاس المؤجر والحجر عليه وقبضه الأجرة ولو كان انهدامها بعد قسمة ماله انفسخت الإجارة وضارب المستأجر بالأجرة إن لم يمض بعض المدة وإلا أي وإن مضى بعضها فبما بقي ضارب وذكر الشق الأول من زيادته ولو باع جارية بعبد وتقابضا فأفلس مشتري الجارية وحجر عليه وهلكت في يده أو وهبها ولو لبائعها فرد بائعها العبد بعيب ضارب بقيمتها كسائر الغرماء ولم يقدم عليهم بها والتصريح بقوله أو وهبها من زيادته
فصل شرط الرجوع في العوض بقاؤه في ملك المفلس خاليا عن تعلق حق لازم وقت الرجوع للخبر السابق مع ما هو معلوم من تقديم الحق المتعلق بالعين فلو تلف أو أتلف أو بيع أو أعتق أو رهن أو وهب وقبض فيهما أو وقف أو جن أو كوتب أو أولد فلا رجوع فليس له فسخ هذه التصرفات بخلاف الشفيع لسبق حقه عليها نعم لو أقرضه المشتري لغيره وأقبضه إياه ثم حجر عليه أو باعه وحجر عليه في زمن الخيار فللبائع الرجوع فيه كالمشتري ذكره الماوردي قال البلقيني ويتخرج عليه ما لو وهب المشتري المتاع لولده وأقبضه له ثم أفلس فللبائع الرجوع فيه كالواهب له قال ويلزم على ما قاله الماوردي أنه لو باعه المشتري لآخر ثم أفلسا وحجر عليهما كان للبائع الأول الرجوع ولا بعد في التزامه انتهى وكذا لا رجوع لو كان العوض صيدا فأحرم البائع لأنه ليس أهلا لتملكه حينئذ قال الأذرعي ولو كان كافرا فأسلم بيد المشتري والبائع كافر رجع على الأصح وبه جزم المحاملي وغيره كما في الرد بالعيب لما في المنع منه من الضرر بخلاف الشراء وإن دبره أو زوج ه المشتري أو علق عتقه بصفة رجع فيه البائع لأن ذلك لا يمنع البيع وكذا يرجع فيه لو أجر ه المشتري إن رضي به البائع بلا منفعة بناء على جواز بيع المؤجر ولا يرجع على المشتري بأجرة المثل لما بقي من المدة كما يفهمه كلام ابن الرفعة بخلافه في التحالف بعد الإيجار يرجع عليه بها لما قدمته مع نظائر المسألة في باب خيار النقص فراجعه
فصل لو زال الملك أي ملك المشتري عن المبيع ثم عاد إليه ولو بعوض وحجره باق أو حجر عليه لم يرجع فيه البائع لتلقي الملك من غيره ولأنه قد تخللت حالة تمنع الرجوع فيستصحب حكمها كما في نظيره من الهبة وهذا ما صححه في الروضة والذي صححه الرافعي في الشرح الصغير الرجوع لظاهر الخبر السابق وكلامه في الكبير يقتضيه لأنه شبهه بنظيره من الرد بالعيب المصحح فيه الرجوع ويوافقه جواز الرجوع في الصداق بالطلاق وما فرقوا به بين الرجوع ثم وعدمه في الهبة من أنه لا بد في الصداق من الرجوع إلى شيء
199
199
فالرجوع إلى عين ماله أولى بخلاف الهبة وقد يفرق بأن الملك في الصداق يحصل في الأصل بغير رجوع وبأن الرجوع ثم لا يحصل به ضرر بخلافه هنا فإن فيه ضررا على بقية الغرماء وعلى القول بالرجوع لو عاد الملك بعوض ولم يوفوا الثمن إلى بائعه الثاني فهل الأول أولى لسبق حقه أو الثاني لقرب حقه أو يشتركان ويضارب كل بنصف الثمن أي إن تساوى الثمنان فيه أوجه في الأصل بلا ترجيح رجح منها ابن الرفعة الثاني وبه قطع الماوردي وابن كج وغيرهما
وإن انفك المرهون أو الجاني أو عجز المكاتب رجع البائع فيه كما لو اطلع المشتري على عيب بالمبيع بعد رهنه ثم انفك الرهن له الرد بخلاف ما قبل الانفكاك فلو قال البائع للمرتهن أنا أدفع إليك حقك وآخذ عين مالي فهل يجبر المرتهن أو لا وجهان قال الأذرعي ويجب طردهما في المجني عليه وقياس المذهب ترجيح المنع ولو كان المبيع شقصا مشفوعا ولم يعلم الشفيع بالبيع حتى أفلس مشتري الشقص وحجر عليه أخذه الشفيع لا البائع لسبق حقه وثمنه للغرماء كلهم يقسم بينهم بنسبة ديونهم وإن حصل في المبيع نقص بتلف ما لا يفرد بعقد ولا يتقسط عليه الثمن وكان حصوله بآفة سماوية وكذا بجناية المشتري أو غيره ممن لا يضمنها كحربي أخذه البائع معيبا أو ضارب الغرماء بالثمن كما لو تعيب المبيع بل قبضه يأخذه المشتري معيبا بكل الثمن أو بفسخ ويرجع بالثمن وسواء أكان النقص حسيا كسقوط بعض الأعضاء والعمى أو غيره كنسيان حرفة وتزويج وإباق وزنا ولا حاجة لقوله كأصله ولا يتقسط عليه الثمن أو حصل النقص بجناية البائع أو الأجنبي الذي يضمن جنايته فللمفلس الأرش وللبائع أخذه معيبا ويضارب بمثل نسبة ما نقص من القيمة من الثمن إليها وإن كان للجناية أرش مقدر لأن المفلس استحق بدلا لما فات وكان مستحقا للبائع لو بقي فلا يحسن تضييعه عليه ولأن كل مضمون على المشتري بالثمن فجزاؤه مضمون ببعضه
ومحله في جناية البائع إذا جنى بعد القبض فإن جنى قبله فهو من ضمانه فلا أرش له فلو اشترى عبدا قيمته مائتان أو خمسون بمائة فقطع البائع أو أجنبي إحدى يديه فنقص عن قيمته ثلثها فعلى القاطع نصف القيمة للمفلس وللبائع ثلث الثمن يضارب به وإنما ضارب بنسبة نقص القيمة دون التقدير الشرعي لأن التقدير مختص بالجنايات والأعواض يتقسط بعضها على بعض باعتبار القيمة ولو ضارب بالمقدر لزم رجوعه إلى العبد مع قيمته أو ثمنه فيما إذا قطع يديه وهو محال وقوله من القيمة متعلق بنقص وقوله من الثمن متعلق بمثل وإن تلف ما يفرد بعقد ويتقسط عليه الثمن كعينين اشتراهما فتلفت إحداهما في يد المشتري وأفلس فله أي للبائع الرجوع في العين الباقية بحصتها من الثمن والمضاربة مع الغرماء بالأخرى أي بحصتها من الثمن لأنه ثبت له الرجوع في الباقية مع الأخرى فلم يسقط بتلفها بل لو بقي جميع المبيع وأراد البائع الفسخ في بعضه مكن منه لأنه أنفع للغرماء من الفسخ في كله فكان كما لو رجع الأب في بعض ما وهب ذكره الأصل قال السبكي تبعا لابن الرفعة ولا يلتفت هنا إلى تفريق الصفقة لأن مال المفلس لا يبقى بل يباع كله فلا أثر لتفريقها فيه ولأن الضرر على الراجع فقط ولا حاجة لقوله كأصله ويتقسط عليه الثمن نظير ما مر وإذا كان قد قبض نصف ثمنهما وقيمتهما سواء رجع في نصفهما إن بقيا معا وإلا بأن بقيت إحداهما فقط ففي العين الباقية كلها يرجع بالباقي من الثمن لانحصاره فيها ويكون ما قبضه في مقابلة التالفة كما لو ارتهن عبدين بمائة وأخذ خمسين وتلف أحدهما فالباقي منهما مرهون بالباقي من المائة بجامع أن له التعلق بكل العين إن بقي كل الحق فكذا بالباقي إن بقي بعضه وأما خبر الدارقطني أيما رجل باع متاعا فأفلس ولم يقبض البائع من ثمنه شيئا فوجده بعينه فهو أحق به فإن كان قد قبض من ثمنه شيئا فهو أسوة الغرماء فأجيب عنه بأنه مرسل
فرع وإن أغلى زيتا أو عصيرا فنقصه بالإغلاء وأفلس فكتلف بعضه بغير الإغلاء كما لو انصب لا كتعيبه فلو ذهب نصفه أخذ الباقي بنصف الثمن وضارب بنصفه أو ذهب ثلثه أخذه بثلثي الثمن وضارب بثلثه ووقع في الغصب ما يخالف ما ذكر هنا في العصير وسيأتي بيانه ثم فإن أغلى أربعة أرطال من ذلك قيمتها ثلاثة دراهم
200
200
فرجعت ثلاثة أرطال ضارب مع رجوعه فيها بربع الثمن مطلقا عن تقييده بحال من الأحوال التي ذكرها بقوله ثم لو ساوت أي الأرطال الثلاثة أربعة دراهم وقلنا الصنعة عين وهو الأصح فالمفلس شريك بدرهم وهو الزائد على قيمة الأرطال الأربعة قبل الإغلاء كذا حكاه الأصل قال البارزي والصواب أنه شريك بالزائد على ما يخص ثلاثة أرطال من القيمة قبل الإغلاء وهو درهمان وربع وهو مقتضى ما أورده في النهاية أو ساوت ثلاثة من الدراهم وقلنا الصنعة عين فبثلاثة أرباع درهم هو شريك لأنها قسط الرطل الذاهب وهو ما زاد بالطبخ في الباقي وإن قلنا الصنعة أثر فاز البائع بما زاد بها أو ساوت درهمين فلا أثر له يعني للنقص بل يكفي ما ذكر من الرجوع فيها والمضاربة بربع الثمن ووقع في نسخ سويت بدل ساوت والصواب الأول وما قيل إن سويت لغة قليلة رده الأزهري بأن اللغة لم ترد به وانهدام الدار المبيعة عيب إن لم يتلف بعض الآلة فيأخذها البائع معيبة أو يضارب بثمنها فإن تلف بعض الآلة أو كلها باحتراق أو غيره فكتلف أحد العينين فله الرجوع في الباقي بحصته من الثمن والمضاربة بحصة الآخر منه
فصل ويرجع جوازا في العين بالزيادة المتصلة بها كالسمن وتعلم الصنعة وكبر الشجر والحمل من غير شيء يلزمه لها وكذا حكم الزيادة في جميع الأبواب إلا الصداق فإن الزوج إذا فارق قبل الدخول لا يرجع في النصف الزائد إلا برضا الزوجة كما سيأتي لا الزيادة المنفصلة الحادثة كاللبن والولد الحادثين المنفصلين والثمرة الحادثة المؤبرة فلا يرجع فيها مع الأصل فلو كان ولد الجارية المبيعة صغيرا غير مميز بيعا معا حذرا من التفريق الممنوع منه هذا إن لم يبذل البائع قيمته وإلا أخذه مع أمه لانتفاء محذور التفريق و إذا بيعا معا أخذ البائع حصة الأم والمفلس حصة الولد فلو ساوت مائة ومع الولد مائة وعشرين فقيمة الولد السدس فإذا بيعا كان سدس الثمن للمفلس والباقي للبائع والعبرة في انفصال الزيادة بالانفصال لها وقت الرجوع عبارة الأصل والاعتبار في الانفصال بحال الرجوع دون الحجر لأن ملك المفلس باق إلى أن يرجع البائع ولو باعه بذرا أو بيضا أو عصيرا أو زرعا أخضر فزرع البذر ونبت وتفرخ البيض وتخلل العصير ولو بعد تخمره واشتد الحب وأفلس رجع فيه البائع نباتا في الأولى وفراخا في الثانية وخلا في الثالثة ومشتد الحب في الرابعة لأنها حدثت من عين ماله أو هي عين ماله اكتسبت صفة أخرى فأشبهت الودي إذا صار نخلا وإذا اشتراها أي العين حاملا فولدت أو حائلا فحملت عنده رجع فيها البائع مع الولد في الأولى كما لو اشترى شيئين بناء على أن الحمل يعرف وهو الأظهر و مع الحمل في الثانية لأنه يتبع في البيع فكذا في الرجوع وتقدم الفرق بينه وبين عدم الرجوع في الرد بالعيب قال الأذرعي ولو وضعت أحد توأمين عند المشتري ثم رجع البائع قبل وضع الآخر هل يكون الحكم كما لو لم تضع شيئا أو يعطى كل منهما حكمه أو كيف الحال وهل يفترق الحال بين أن يموت المولود أو لا مع بقاء حمل المجتن أو لا فرق انتهى وقياس الباب مع ما هو معلوم من توقف الأحكام على تمام انفصال التوأمين ترجيح الأول من غير فرق بين الحالين
فرع التأبير وعدمه في الثمرة كالوضع وعدمه في الحمل فإذا كانت على النخل المبيع
201
201
عند البيع غير مؤبرة وعند الرجوع كذلك أو مؤبرة أو حدثت بعد البيع ولم تكن مؤبرة عند الرجوع رجع فيها مع النخل بخلاف ما إذا أبرت في الأخيرة وإن اختلفا هل رجع البائع قبل التأبير فتكون الثمرة له أو بعده فتكون للمفلس فالقول قول المفلس بيمينه لأن الأصل عدم الرجوع حينئذ وبقاء الثمرة له ويحلف على نفي العلم بسبق الرجوع على التأبير لا على نفي السبق فإن حلف عليه فقد زاد خيرا قاله القاضي فالمراد أنه لا يكلف ذلك كما سيأتي نظيره في محله فإن أقر البائع أن المفلس لم يعلم تاريخ الرجوع لم يحلف لأنه موافقه على نفي علمه فتبقى الثمرة له ومتى نكل عن اليمين حلف البائع لا الغرماء وإن نكل عن اليمين المردودة كما لو ادعى المفلس دينا على غيره وأقام شاهدا ولم يحلف معه لا يحلف الغرماء وأخذها أي البائع الثمرة سواء أجعلنا اليمين المردودة كالإقرار أم كالبينة
فإن نكل عن اليمين المردودة فكحلف المفلس في أنه يمتنع الرجوع فيها بغير بينة هذا إن كذب الغرماء البائع كما كذبه المفلس وإن صدق الغرماء البائع فلا حق لهم فيها لأنهم يزعمون أنها له فإذا حلف المفلس أخذها وليس له التصرف فيها للحجر واحتمال غريم آخر و لكن للمفلس إجبارهم على أخذها إن كانت من جنس حقهم أو على الإبراء لذمته عن قدرها كما لو جاء المكاتب بالنجم فزعم السيد أنه غصبه فيقال له خذه أو أبرئه عنه فإن أخذوها ولو إجبارا فللبائع أن يستردها منهم لإقرارهم فلو باعها الحاكم لهم أي لأجلهم بجنس حقهم وصرفه إليهم لم يأخذه بائع النخل منهم لأنهم لم يقروا له به بل عليهم رده إلى مشتريها أي الثمرة فإن رده مشتريها بل أو لم يرده فيما يظهر فمال ضائع فلو شهد بعض الغرماء أو كلهم للبائع فإن كان قبل تصديقه إياه قبلت شهادته أو بعده فلا لما مر أنهم يجبرون على أخذ الثمرة فهم بشهادتهم يدفعون ضرر أخذها وضياعها بأخذ البائع لها فلو لم يصدقه إلا بعضهم لم يجبر على الأخذ منها لأنه يتضرر به لكون البائع يأخذ منه ما أخذ والمفلس لا يتضرر بعدم الصرف إليه لإمكان الصرف إلى من كذب كما ذكره بقوله بل يخص بها المكذبين بخلاف ما إذا صدقه الجميع وإن بقي لهم أي للمكذبين شيء من حقوقهم ضاربوا المصدقين في باقي الأموال ببقية حقوقهم لا بجميعها مؤاخذة لهم بزعمهم قال في الأصل هذا كله إذا كذب المفلس البائع فلو صدقه فإن صدقه الغرماء أيضا قضى له وإن كذبوه وزعموا أنه أقر بمواطأة فعلى القولين في إقراره بعين أو دين إن قلنا لا يقبل فللبائع تحليف الغرماء أنهم لا يعرفون رجوعه قبل التأبير زاد في الروضة وليس للغرماء تحليف المفلس لأن المقر لا يمين عليه فيما أقر به
فصل ومتى رجع البائع في الأصل من الشجر أو الأرض وبقيت الثمرة أو الزرع للمفلس فلهم أي للمفلس والغرماء تركها الأولى تركه إلى وقت الجذاذ بلا أجرة إذ لا تعدي منهم وهذا كما لو باع أرضا مزروعة فإن له ترك الزرع إلى الحصاد بلا أجرة بخلاف ما لو اكترى أرضا وزرع فيها ثم حجر عليه وفسخ المكري الإجارة فإنه يترك الزرع إلى الحصاد بالأجرة والفرق بوجهين أشهرهما أن المكتري دخل في الإجارة لتضمن المنافع فألزم بدلها بخلاف المشتري وأفقههما أن مورد البيع الرقبة وهي تحصل بالفسخ وإن لم تكن أجرة ومورد الإجارة المنافع فإذا فاتت هي وبدلها خلا الفسخ عن الفائدة ذكر ذلك الرافعي والقول في طلب قطع ماله قيمة على ما سبق في فصل إذا استأجر دابة أو أرضا
فرع حيث ثبت الرجوع في الثمرة مع الشجرة فتلفت الثمرة بجائحة أو أكل أو غيرهما أخذ البائع الشجرة بحصتها من الثمن وضارب مع الغرماء بحصة الثمرة منه فتقوم الشجرة مثمرة فيقال قيمتها مائة مثلا وغير مثمرة فيقال قيمتها تسعون مثلا فيضارب بعشر الثمن بنسبة ما نقص من قيمتها مثمرة إليها والمعتبر في الثمرة أقل قيمتي يوم العقد و يوم القبض ولا عبرة بما بينهما لأن ما نقص قبل القبض من ضمان البائع فلا يحسب على المفلس وما زاد قبله يزيد في ملك المفلس فلا تعلق للبائع به عند التلف والمعتبر في الشجر أكثر القيمتين أي قيمتي يومي العقد والقبض لأن المبيع بينهما من ضمان البائع فنقصانه
202
202
وزيادته للمشتري فما يأخذه البائع يعتبر فيه الأكثر ليكون النقصان محسوبا عليه كما أن ما يبقى للمفلس ويضارب البائع بثمنه يعتبر فيه الأقل ليكون النقصان محسوبا عليه أيضا وقيل المعتبر في الشجر قيمة يوم العقد لأن الزيادة بعده زيادة متصلة فيفوز بها البائع ولا تحسب عليه والترجيح من زيادته
فلو كانت قيمة الشجر يوم العقد عشرين و قيمة الثمرة فيه عشرة فنقصا الأولى فنقصتا يوم القبض النصف ضارب بخمس الثمن وأخذ الشجر بأربعة أخماسه لما مر أن المعتبر فيه أكثر القيمتين وهي هنا عشرون وفي الثمرة أقلهما وهي هنا خمسة ومجموعهما خمسة وعشرون ونسبة الخمسة إليها خمس ونسبة العشرين إليها أربعة أخماس وإن لم ينقصا شيئا ضارب بالثلث من الثمن وأخذ الشجر بثلثيه إذ مجموع القيمتين ثلاثون ونسبة العشرة إليها ثلث ونسبة العشرين إليها ثلثان وهكذا سبيل التوزيع في كل صورة تلف فيها أحد المبيعين واختلفت القيمة وأراد الرجوع في الباقي قاله في الأصل وفيه قال الإمام وإذا اعتبرنا في الثمرة أقل القيمتين فتساوتا لكن وقع بينهما نقص فإن كان لانخفاض السوق فلا عبرة به أو لعيب طرأ وزال فكذلك على الظاهر كما يسقط بزواله الرد بالعيب وإن لم يزل لكن عادت قيمته إلى ما كانت لارتفاع السوق فالذي أراه اعتبار قيمته يوم العيب لأن النقص من ضمان البائع والارتفاع بعده في ملك المشتري فلا يجبره قال يعني الإمام وإذا اعتبرنا في الشجر أكثر القيم فكانت قيمته يوم العقد مائة ويوم القبض مائة وخمسين ويوم رجوع البائع مائتين أو مائة اعتبر يوم الرجوع ووجهه في الثانية أن ما طرأ من الزيادة وزال ليس ثابتا يوم العقد حتى يقول إنه وقت المقابلة ولا يوم رجوع البائع حتى يحسب عليه انتهى وللرافعي فيه كلام ذكرته مع ما فيه في شرح البهجة
فصل وفي نسخة فرع لو غرس المشتري في الأرض أو بنى فيها ثم رجع يعني أراد البائع الرجوع فيها فإن اتفق المفلس والغرماء على القلع للغراس أو البناء قلعوا لأن الحق لهم لا يعدوهم ورجع فيها البائع وإذا قلعوا لزم وفي نسخة لزمهم أرش نقص الأرض من مال المفلس إن نقصت بالقلع و لزم تسويتها أي تسوية حفرها من ماله وهل يقدم البائع على سائر الغرماء به أي بملزم في الصورتين لأنه لتخليص ماله وإصلاحه أو يضارب به كسائر الغرماء فيه وجهان الأكثرون على الأول وليس له أن يلزمهم أخذ قيمة البناء والغراس ليتملكهما مع الأرض كما صرح به الأصل وإن اختلفوا بأن طلب المفلس القلع والغرماء أخذ القيمة من البائع ليتملكه أو بالعكس أو وقع هذا الاختلاف بين الغرماء وطلب بعضهم البيع وبعضهم القيمة من البائع عمل بالمصلحة وعبارته لشمولها للصورة الأخيرة أولى من عبارة الأصل وإن امتنعوا من القلع لم يجبروا عليه لعدم التعدي ذكره الأصل
وليس للبائع أخذ الأرض وحدها وإبقاء البناء والغراس لهم للضرر بنقص قيمتهما بلا أرض بل يتخير بين ثلاثة أشياء المضاربة بالثمن وتملك الجميع بالقيمة والقلع بالأرش للنقص لأن مال المفلس مبيع كله والضرر يندفع بكل منها فأجيب البائع لما طلبه منها بخلاف ما لو زرع المشتري الأرض ورجع البائع لا يتمكن من ذلك لأن للزرع أمدا ينتظر فسهل احتماله بخلاف البناء والغراس وعبارة الأصل يضارب بالثمن أو يعود إلى بدل قيمتهما أو قلعهما مع غرامة أرش النقص قال الإسنوي وكتب النووي على حاشية الروضة قوله يعود إشارة إلى أنه لو امتنع من ذلك ثم عاد إليه مكن فإن رضوا بأخذه الأرض وباعوا ما فيها من بناء أو غراس وامتنع هو من بيع الأرض معهم بعد أخذه لها فتخيره بين الأخيرين من الثلاثة المذكورة باق فلا يجبر على بيعها معهم لأن إفراد البناء والغراس بالبيع ممكن بخلاف نظيره فيما لو صبغ المشتري الثوب ثم حجر عليه أما إذا وافق على بيعها معهم فظاهر وطريق التوزيع ما مر في الرهن ذكره الأصل قال الأذرعي وهذا يقتضي الجزم بصحة هذا البيع وفيه
203
203
إشكال يعرف مما مر في تفريق الصفقة فيما إذا باعا عبديهما بثمن واحد فإن الأظهر البطلان انتهى ويجاب بأن ما في الأرض تابع لها لأنها مقره ويغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل مع أن الحاجة داعية إلى بيع مال المفلس في الجملة و إذا امتنع من بيعها معهم فباعوا ما فيها ثبت للمشتري منهم الخياران جهل حال ما اشتراه
وإن اشترى الأرض من رجل والغراس من آخر وغرسه فيها فلكل من البائعين الرجوع فيما باعه فإن رجعا وأراد صاحب الغراس القلع مكن منه وكذا إن أراده صاحب الأرض وضمن أرش النقص فإن قلع صاحب الغراس فعليه تسوية حفر الأرض وأرش نقصها إن نقصت أو قلع صاحب الأرض ضمن أرش نقص الغراس إن نقص فإن أراد القلع مجانا فهل يجاب إليه لأن صاحب الغراس باعه منفردا فيأخذه كذلك أو لا يجاب لأنه غرس محترم كغرس المفلس فيه وجهان أصحهما كما قال الأذرعي وغيره الثاني وبه جزم الشاشي والدارمي والقياس أن يقال بمثله في صاحب الغراس وقد يجاب بأن ذاك مالك للغراس فله قلعه وإن قال اقلعه مجانا فإذا قلعه ضمن الأرش إن حصل نقص بخلاف صاحب الأرض فإنه ليس مالكا له فلا يمكن من القلع إذا قال أقلع مجانا قال الماوردي ولو امتنع صاحب الغراس من قلعه وبذل صاحب الأرض قيمته قائما لم يكن لصاحب الغراس إقراره بل يتخير بين قلعه وأخذ القيمة ولو امتنع صاحب الأرض من بذل القيمة وصاحب الغراس من القلع فإن رضي صاحب الأرض بإقراره كان مقرا له بأجرة مثله ما بقي في أرضه فصل له أي للبائع بعد الفسخ الرجوع في قدر المبيع من مثلي كزيت خلط بمثله وبأردأ منه أي بهما معا أو بأحدهما لبقائه في ملك المفلس بغير تعلق حق لازم به ويكون في صورة الأردأ مسامحا بعيبه كعيب العبد ونحوه لا إن خلط بشيء أجود منه فليس له الرجوع فيه لتعذر الرجوع في عينه مع تضرر المفلس فتتعين المضاربة بالثمن نعم إذا قل الأجود بحيث لا يظهر به زيادة في الحس ويقع مثله بين الكيلين قال الإمام فالوجه القطع بالرجوع ذكره الأصل ولا رجوع له في ما خلط بغير جنسه مثل زيت خلط بشيرج لعدم جواز القسمة لانتفاء التماثل فهو كالتالف وله الإجبار على قسمة ما رجع فيه مع ما خلط به كالمشترك المثلي لا على بيعه كما لا يجبر الشريك على البيع فصل وإن اشترى حنطة فطحنها أو ثوبا فقصره أو خاطه بخيوط منه أو بخيوط اشتراها معه ثم حجر عليه فللبائع الرجوع فيما باعه ولا شيء له معه إن نقصت القيمة أي قيمته بالطحن أو القصر أو الخياطة عن قيمته قبله كما في رجوعه فيما خلط بالأردأ أو ساوت ها لأن المبيع موجود بلا زيادة ولا شيء للمفلس وإن زادت عليها فالمفلس شريك بالزيادة إلحاقا لها بالعين لأنها زيادة بفعل محترم متقوم بخلاف الغاصب ويفارق سمن الدابة بالعلف وكبر الودي بالسقي بأن القصار مثلا إذا قصر صار الثوب مقصورا والعلف والسقي يوجدان كثيرا ولا يحصل السمن والكبر فكان الأثر فيه غير منسوب إلى فعله بل هو محض صنع الله تعالى ولهذا يمتنع الاستئجار لتسمين الدابة وتكبير الودي بخلافه للقصارة ونحوها وكذا يكون المفلس شريكا بالزيادة لو اشترى دقيقا فخبزه أو لحما فشواه أو شاة فذبحها أو أرضا فضرب من ترابها لبنا أو عرصة وآلات البناء فبنى بها دارا أو علم العبد القرآن والحرفة ككتابة وشعر مباح ورياضة دابة والضابط لذلك أن كل صنعة يجوز الاستئجار عليها ويظهر لها أثر تعد عينا لا أثرا فلا أثر لسياسة الدواب وحفظها في مشاركة المفلس لأنه وإن صح الاستئجار لهما لا يظهر لهما أثر فيها وإذا عدا لأثر المذكور عينا فإن كانت قيمة الثوب غير مقصور خمسة ومقصورا ستة رجع المفلس بسدس الثمن فإن ارتفع السوق بقيمة أحدهما أي الثوب والقصارة اختص الأخذ بالزيادة أو بهما أي بقيمتهما فبالنسبة تكون الزيادة بينهما وهذا يأتي في الفرع الآتي أيضا ولو قال فإن ارتفعت أو انخفضت قيمة أحدهما بالسوق اختص بالزيادة أو النقص أو قيمتهما فبالنسبة كان أولى وأوفق بكلام الأصل وللأجير على القصارة ونحوها حق الحبس للثوب المقصور ونحوه بوضعه عند عدل ليستوفي
204
204
الأجرة كما أن للبائع حبس المبيع ليستوفي الثمن بناء على أن القصارة ونحوها عين وقيده القفال في فتاويه بالإجارة الصحيحة والبارزي وغيره بما إذا زادت القيمة بالقصارة وإلا فلا حبس فيأخذه المالك كما لو عمل المفلس فإن كان محجورا عليه بالفلس ضارب الأجير بأجرته وإلا طالبه بها
فرع وإن صبغ
المفلس الثوب بصبغه أو لت السويق ولم تزد القيمة أي قيمته بالصنعة على قيمته بدونها بأن نقصت عنها أو ساوتها ورجع البائع فيه فلا شيء للمفلس كما لا شيء عليه للبائع وإن زادت قيمته على تلك ووفت بالقيمتين كأن كانت قيمته أربعة وقيمة الصبغ درهمين فصارت بعد الصبغ ستة أخذ كل من المتبايعين حقه فكل الثوب للبائع وكل الصبغ للمفلس كما لو غرس الأرض وهذا ما أورده ابن الصباغ في الشامل وهو معنى قولهم المفلس شريك بالصبغ وقيل معناه أنهما يشتركان فيهما بحسب قيمتهما لتعذر التمييز كخلط الزيت وعلى هذا التقرير فالترجيح من زيادته وإن لم تف قيمته بالقيمتين كأن صارت قيمته في مثالنا خمسة فالنقص على الصبغ لأنه هالك في الثوب والثوب قائم بحاله وإن زادت قيمته عليهما أي على القيمتين كأن صارت قيمته ثمانية فالزيادة والصبغ للمفلس بناء على أن الصنعة عين فيجعل الثمن بينهما نصفين وللبائع إمساك الثوب وبذل ما للمفلس من قيمة الصبغ والقصارة وإن كان قابلا للفصل كما يبذل قيمة البناء والغراس وهذا لا ينافي قولهم إنه شريك لأن أموال المفلس تباع إما للبائع أو لغيره
فإن اشترى الصبغ من بائع الثوب أو من آخر أو كان الثوب للمفلس فإن لم تزد قيمة الثوب مصبوغا على قيمته غير مصبوغ كأن كانت قيمته أربعة فصارت بعد الصبغ ثلاثة أو أربعة فالصبغ مفقود يضارب به أي بثمنه صاحبه وصاحب الثوب واجد له فيأخذه ولا شيء له وإن نقصت قيمته كما مر وإن زادت قيمته مصبوغا على تلك ولم تف بقيمتهما كأن صارت خمسة فالصبغ ناقص فإن شاء قنع به بائعه وإن شاء ضارب بثمنه وإن زادت قيمته عليهما أي على القيمتين كأن صارت ثمانية فالزيادة وهي في المثال درهمان للمفلس ويجوز له وللغرماء قلع الصبغ إن اتفقوا عليه ويغرمون نقص الثوب كالبناء والغراس وكذا يجوز لصاحب الصبغ الذي اشتراه المفلس من غير صاحب الثوب قلعه ويغرم نقص الثوب أيضا التصريح بهذا من زيادته
وكذا يجوز قلعه لمالك الثوب مع غرم نقص الصبغ قاله المتولي ومحل ذلك إذا أمكن قلعه بقول أهل الخبرة وإلا فيمنعون منه نقله الزركشي عن ابن كج في الأولى وفي معناه الأخيرتان واعلم أن القصار للثوب الذي استأجره على قصره مشتريه يضارب بأجرته تارة و بما نقص منها أخرى كما سيأتي وكالقصار الصباغ ونحوه مثاله ثوب قيمته عشرة وقيمة أي أجرة صبغه بفتح الصاد أو قصارته درهم فقوم خمسة عشر فلصاحب الثوب عشرة وللصبغ أو القصارة درهم وأربعة للمفلس هذا إن فسخ الصباغ أو القصار وإلا ضارب بدرهم فلو كانت القصارة مثلا أي أجرتها خمسة وساوى الثوب مقصورا أحد عشرة فإن فسخ الأجير الإجارة فللبائع عشرة وللأجير درهم ويضارب بأربعة وإلا أي وإن لم يفسخ ضارب بخمسة كما يضارب بها إذا لم تزد القيمة بالقصارة والدرهم للمفلس والعشرة للبائع لا يقال قضية كون القصارة عينا أن الزائد بها للقصار كزيادة المبيع المتصلة وأن الناقص عن الأجر يقنع به لأن من وجد عين ماله كالصبغ في نظير مسألتنا ناقصا قنع به أو ضارب لأنا نقول القصارة في الحقيقة ليست عينا تفرد بالبيع والأخذ والرد كسائر الأعيان بل صفة تابعة للثوب ولهذا لم نجعل الغاصب شريكا للمالك بها كما جعلناه شريكا له إذا صبغه
وإنما شبهت بالعين من حيث إن الزيادة الحاصلة بها متقومة مقابلة بعوض فلا تضيع على المفلس كالأعيان وأما في حق الأجير فليست مورد الإجارة حتى يرجع إليها بل موردها الصنعة ولا يتصور الرجوع إليها فجعل الحاصل بها لاختصاصه بها متعلق حقه كالمرهون في حق المرتهن فهي مملوكة للمفلس مرهونة بحق الأجير فلا يزيد حقه بزيادة قيمة المقصور ولا ينقص عنه بنقصها كما هو شأن المرهون فإن قلت قضية كونها مرهونة بحقه وأن له حق الحبس كما مر أنه لا يضارب
205
205
بالأجرة سواء أفسخ أم لا قلت إذا لم يفسخ فهو مقصر فسقط حقه إما من الحبس والرهنية أو من الرهنية فقط وبقي حق الحبس كما هو في حق حبس المبيع ولا يزيد حق القصار بزيادة راغب بخلاف صاحب الصبغ يزيد حقه بزيادته لأن الصبغ مستحق للصباغ بخلاف القصارة فإنها غير مستحقة للقصار وإنما هي مرهونة بحقه فلا يستوفي منها زيادة على ما رهن بها وهو الأجرة فلو رغب راغب في مثالنا المساوي فيه الثوب مصبوغا أو مقصورا خمسة عشر فاشتراه بثلاثين فلصاحب الثوب عشرون وللصبغ في صورته درهمان أو القصارة في صورتها درهم وثمانية للمفلس في الأولى أو تسعة في الثانية لما مر آنفا ولو قال الغرماء للقصار أو الصباغ نقدمك بالأجرة ودعنا نكن شركاء صاحب الثوب لم يجبر صوابه أجبر على القبول
وعبارة الروضة أجبر على الأصح كالبائع إذا قدمه الغرماء بالثمن واعترضه الإسنوي وغيره بما تقدم من ترجيح جواز الفسخ عند تقديمهم بالثمن وبأن الرافعي لم يذكر قوله كالبائع إلى آخره تعليلا للإجبار بل لمقابله ورجح الإجبار بناء على أن القصارة مملوكة للمفلس مرهونة بحق الأجير والمرتهن ليس له أن يمسك المرهون بعد أداء حقه فصواب العبارة أن يزيد في الروضة بعد قوله على الأصح والثاني لا كالبائع إلى آخره انتهى وعلى الصحيح من أن القصار يجبر دون البائع يفرق بأن حق القصار متعلق بالعين تعلق الرهن فإذا أدى حقه زال تعلقه بها فأجبر بخلاف حق البائع وما أجيب به عن اعتراض الإسنوي من أن ما هنا إنما هو فيما إذا قال الغرماء في المقيس والمقيس عليه نقدمك من مالنا ليس بشيء فصل وإن أخفى رجل مديون ماله أي بعضه كما عبر به الأصل ونقص الموجود عن دينه فحجر عليه ورجع البائع في عين ماله وتصرف القاضي في باقي ماله ببيعه وقسمة ثمنه بين غرمائه ثم بان أنه لا يجوز الحجر عليه لم ينقض تصرفه إذ للقاضي بيع مال الممتنع من أداء دينه وصرفه في دينه ورجوع البائع في العين المبيعة لامتناع المشتري من أداء الثمن مختلف فيه وقد حكم به القاضي معتقد نفوذه أي الحاكم أي جوازه بخلاف ما إذا لم يعتقد ذلك فينقض تصرفه وهذا التقييد من تفقه الشيخين فإنهما قالا فإذا حكم به القاضي نفذ كذا في التتمة وفيه توقف لأن القاضي ربما لا يعتقد جواز ذلك انتهى وسيأتي في الشهادات قبل الباب الثاني ما يؤيد التوقف فالمعتمد التقييد
كتاب الحجر هو لغة المنع وشرعا المنع من التصرفات المالية والأصل فيه قوله تعالى وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح الآية وقوله فإن كان الذي عليه الحق سفيها الآية والسفيه المبذر والضعيف الصبي والذي لا يستطيع أن يمل المغلوب على عقله والحجر نوعان نوع شرع لمصلحة الغير كالحجر على المفلس للغرماء والراهن للمرتهن في المرهون والمريض للورثة في ثلثي ماله والعبد لسيده والمكاتب لسيده ولله تعالى والمرتد للمسلمين ولها أبواب تقدم بعضها وبعضها يأتي ونوع شرع لمصلحة المحجور عليه وهو ثلاثة حجر الجنون والصبا والسفه وكل منها
206
206
أعم مما بعده وقد ذكرها بقوله والمحجور عليهم لمصلحتهم ثلاثة المجنون والصبي والسفيه وينقطع حجر الجنون الثابت بمجرد الجنون بالإفاقة منه بغير فك وألحق القاضي بالمجنون النائم والأخرس الذي لا يفهم قال الأذرعي وفيه نظر إذ لا يتخيل أحد أن النائم يتصرف عليه وليه وأما الأخرس المذكور فإنه لا يعقل وإن احتج إلى إقامة أحد مقامه فينبغي أن يكون هو الحاكم وفي نسخة قبل قوله وينقطع فصل
ومن له أدنى تمييز فكالصبي المميز في الحجر عليه في التصرفات المالية وينقطع الحجر عن الصبي بالبلوغ رشيدا بغير فك لآية وابتلوا اليتامى ومنهم من قال بالبلوغ قال في الأصل وليس هذا اختلافا محققا بل من قال بالأول أراد الإطلاق الكلي ومن قال بالثاني أراد حجر الصبا وهذا أولى لأن الصبا سبب مستقل بالحجر وكذا التبذير وأحكامهما متغايرة ومن بلغ مبذرا فحكم تصرفه حكم تصرف السفيه لا حكم تصرف الصبي انتهى والبلوغ يحصل إما باستكمال خمس عشرة سنة قمرية تحديدية لخبر ابن عمر عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني ولم يرني بلغت وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني ورآني بلغت رواه ابن حبان وأصله في الصحيحين وابتداؤها من انفصال جميع الولد أو بخروج المني لإمكانه أي لوقت إمكانه لقوله تعالى وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا ولخبر رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلم والحلم الاحتلام وهو لغة ما يراه النائم تقول منه حلم بالفتح واحتلم وتقول حلمت بكذا وحلمته أيضا قاله الجوهري والمراد به هنا خروج المني في نوم أو يقظة بجماع أو غيره
وأقله أي وقت إمكانه تسع سنين قمرية أي استكمالها بالاستقراء والظاهر أنها تقريب كما في الحيض ولو ادعى البلوغ به أو ادعت الصبية البلوغ بالحيض صدقا بلا يمين ولو في خصومة لأنه لا يعرف إلا من جهتهما ولأنهما إن صدقا فلا تحليف وإن كذبا فكيف يحلفان واعتقاد المكذب أنهما صغيران نعم إن كان من الغزاة وطلب سهم المقاتلة أو إثبات اسمه في الديوان حلف عند التهمة كما سيأتي في السير وإنبات شعر العانة الخشن الذي يحتاج في إزالته إلى حلق دليل للبلوغ في حق الكفار ومن جهل إسلامه لخبر عطية القرظي قال كنت من سبي بني قريظة فكانوا ينظرون من أنبت الشعر قتل ومن لم ينبت لم يقتل وكشفوا عانتي فوجدوها لم تنبت فجعلوني في السبي رواه ابن حبان والحاكم والترمذي وقال حسن صحيح وأفاد كلام المصنف أن ذلك ليس بلوغا حقيقة بل دليل له ولهذا لو لم يحتلم وشهد عدلان بأن عمره دون خمس عشرة سنة لم يحكم ببلوغه بالإنبات قاله الماوردي وقضيته أنه دليل للبلوغ بالسن وحكى ابن الرفعة فيه وجهين أحدهما هذا وثانيهما أنه دليل للبلوغ بالاحتلام قال الإسنوي ويتجه أنه دليل للبلوغ
207
207
بأحدهما
وإنما يكون دليلا في حق الخنثى إذا كان على فرجيه قاله الماوردي لا في حق المسلمين لسهولة مراجعة آبائهم وأقربائهم من المسلمين بخلاف الكفار ولأنهم متهمون في الإنبات فربما تعجله بدواء دفعا للحجر وتشوفا للولايات بخلاف الكفار فإنه يفضي بهم إلى القتل أو ضرب الجزية وهذا جرى على الأصل والغالب وإلا فالأنثى والخنثى والطفل الذي تعذرت مراجعة أقاربه المسلمين لموت أو غيره حكمهم كذلك ووقت إمكان إنبات العانة وقت إمكان الاحتلام لا إنبات شعر الإبط واللحية فليس دليلا للبلوغ لندورهما دون خمس عشرة سنة ولأن إنباتهما لو دل على البلوغ لما كشفوا العانة في وقعة بني قريظة لما فيه من كشف العورة مع الاستغناء عنه والترجيح فيهما مع التعليل بما قاله من زيادته وفي معناهما الشارب وثقل الصوت ونهود الثدي ونتو طرف الحلقوم وانفراق الأرنبة وغيرها ويجوز النظر إلى العانة للشهادة بها عند الحاجة إلى معرفة البلوغ بها للضرورة وتزيد المرأة على ما ذكر من السن وخروج المني ونبات العانة بالحيض لوقت إمكانه بالإجماع وبالولادة لأنها مسبوقة بالإنزال وعبر الأصل بالحبل وكل منهما ليس بلوغا وإنما البلوغ بالإنزال والولادة المسبوقة بالحبل دليل عليه ولهذا قال ويحكم بالبلوغ قبلها بستة أشهر وشيء فلو أتت المطلقة بولد يلحق الزوج حكمنا بالبلوغ لها قبل الطلاق
فرع لو أمنى الخنثى من ذكره وحاض من فرجه حكمنا ببلوغه لأنه ذكر أمنى أو أنثى حاضت لا إن وجد أحدهما أو كلاهما من أحدهما أي أحد الفرجين فلا يحكم ببلوغه لجواز أن يظهر من الآخر ما يعارضه قاله الجمهور وقال الإمام ينبغي الحكم ببلوغه بأحدهما كما يحكم بالاتضاح به ثم يغير إن ظهر خلافه قال في الأصل وهو الحق وقال المتولي إن وقع ذلك مرة لم يحكم ببلوغه وإن تكرر حكمنا به قال النووي وهو حسن غريب انتهى فإن قلت لا منافاة بين الحيض وخروج المني من الذكر لما مر أنه يجب الغسل بخروج المني من غير طريقه المعتاد قلت ذاك محله مع انسداد الأصلي وهو منتف هنا فرع الرشد إصلاح الدين والمال حتى من الكافر كما فسر به آية فإن آنستم منهم رشدا ويعتبر في رشد الكافر دينه ثم بين إصلاح الدين بقوله فلا يرتكب محرما يسقط العدالة من كبيرة أو إصرار على صغيرة وإصلاح المال بقوله ولا يضيع المال بإلقائه في بحر أو بصرفه في محرم أو باحتمال الغبن الفاحش في المعاملة ونحوها وهو ما لا يحتمل غالبا كما سيأتي في الوكالة بخلاف اليسير كبيع ما يساوي عشرة بتسعة وليس صرفه في الخير كالصدقة والعتق تبذيرا لأن فيه غرضا وهو الثواب ولا سرف في الخير كما لا خير في السرف ولا صرفه في الثياب والأطعمة النفيسة وإن لم تلق بحاله وشراء الجواري والاستمتاع بهن لأن المال يتخذ لينتفع ويلتذ به وقضيته أنه ليس بحرام نعم إن صرفه في ذلك بطريق الاقتراض له فحرام كما مر في قسم الصدقات
فرع لا بد من الاختبار لرشد الصبي في المال ليعرف رشده وعدم رشده فليختبر ولد التاجر في المماكسة في البيع والشراء بأن ينقص عما طلبه معامله أو بزيادة عليه وولد الزراع وفي نسخة الزارع في الإنفاق على القوام بها
208
208
وهم الذين استؤجروا على القيام بمصالح الزرع كالحرث والحصد والحفظ والمرأة في القطن والغزل أي فيما يتعلق بهما من حفظ أو غيره وصوت الأطعمة عن الهرة والفأرة ونحوهما وحفظ متاع البيت وولد الأمير ونحوه في الإنفاق مدة في خبز وماء ولحم ونحوها وكل ذلك على العادة في مثله مرات يعني مرتين فأكثر فلا يكفي مرة لأنه قد يصيب فيها اتفاقا وكل من المذكورين وغيرهم يختبر بما يليق به لو قدم هذا كأصله على قوله فليختبر كان أولى حتى وفي نسخة بحيث يغلب على الظن بالرشد وذلك أي الاختبار قبل البلوغ لآية وابتلوا اليتامى واليتيم إنما يقع على غير البالغ ولأنه لو كان بعده لأدى إلى أن يحجر على البالغ الرشيد إلى أن يختبر وهو باطل ويسلم إليه المال ليماكس لا ليعقد لأنه لا يصح عقده فإذا أراد العقد عقد الولي فإن تلف المال في يده لم يضمنه الولي لأنه مأمور بالتسليم إليه فصل وفي نسخة فرع لو بلغ الصبي مصلحا لماله لا دينه أو عكسه أو غير مصلح لواحد منهما كما فهما بالأولى لم ينفك حجره بل يستدام ويتصرف في ماله من كان يتصرف فيه قبل بلوغه للمعنى الذي حجر لأجله ولمفهوم آية فإن آنستم منهم رشدا والإيناس هو العلم والمراد بالحجر الجنس لا حجر الصبي لانقطاعه بالبلوغ على ما مر ويسمى من بلغ كذلك بالسفيه المهمل وهو محجور عليه شرعا وإن لم يحجر عليه حسا فلو أصلحهما من بلغ بأن بلغ مصلحا لهما أو غير مصلح ثم صار مصلحا لهما انفك حجره ودفع إليه ماله ولو امرأة بلا حاكم للآية ولأنه لم يثبت به كحجر الجنون نعم إن أنكر وليه دعواه أنه بلغ رشيدا لم ينفك الحجر عنه ولا يحلف الولي كالقاضي والوصي والقيم بجامع أن كلا أمين ادعى انعزاله ولأن الرشد يوقف عليه بالاختبار فلا يثبت بقوله وإن آخذناه بإقراره به في رفع ولايته قال الأذرعي ولأن الأصل يعضد قوله بل الظاهر أيضا لأن الغالب في قريبي العهد بالبلوغ عدم الرشد فالقول قوله في دوام الحجر إلا أن تقوم بينة بالرشد ولو عاد أي صار بعد رشده مبذرا حجر عليه القاضي فلا يحجر عليه غيره كالأب والجد ولا يعود بنفسه لأنه في محل الاجتهاد وإنما حجر عليه لآية ولا تؤتوا السفهاء أموالكم أي أموالهم لقوله وارزقوهم فيها واكسوهم ولخبر خذوا على أيدي سفهائكم رواه الطبراني بإسناد صحيح ونقل الروياني عن الشافعي أن القاضي إذا حجر
209
209
عليه استحب له أن يرد أمره إلى الأب أو الجد فإن لم يكن فسائر العصبات لأنهم أشفق وهو أي القاضي وليه دون الأب والجد لأنه الذي يعيد الحجر عليه ولأن ولاية غيره قد زالت فينظر من له النظر العام ولا يرتفع الحجر إلا به أي بالقاضي كما لا يثبت إلا به ولا حجر بعود الفسق بلا تبذير لأن الأولين لم يحجروا على الفسقة ويفارق استدامته بالفسق المقترن بالبلوغ بأن الأصل ثم بقاؤه وهنا ثبت الإطلاق والأصل بقاؤه ويفارق الحجر بعود التبذير بأن الفسق لا يتحقق به إتلاف المال ولا عدم إتلافه بخلاف التبذير ولا حجر بالغبن في تصرف دون تصرف لبعد اجتماع الحجر وعدمه في شخص واحد والترجيح من زيادته قال الزركشي وقضية كلام الإمام ترجيح جواز الحجر قال الأذرعي ويقرب أن يقال إن كان البعض الذي يغبن فيه أكثر حجر عليه مطلقا أو أقل فلا مطلقا وإن استويا فتردد ولا حجر بالشحة على النفس مع اليسار لينفق بالمعروف لأن الحق له وقيل يحجر عليه قال الماوردي والقائل به لم يرد حقيقة الحجر فإنه صرح بأنه لا يمنع من التصرف ولكن ينفق عليه بالمعروف من ماله إلا أن يخاف عليه إخفاء ماله لشدة شحه فيمنع من التصرف فيه لأن هذا أشد من التبذير فصل ولا يصح من السفيه المحجور عليه شرعا أو حسا عقد مالي كالبيع والشراء ولو بغبطة أو في الذمة والإعتاق والكتابة ولو بإذن الولي أو الموكل وتقدير وفي نسخة أو بتقدير العوض وفي أخرى ولو قدر العوض لأن تصحيحها يؤدي إلى إبطال معنى الحجر ولأنها إتلاف أو مظنة الإتلاف وللآية والخبر السابقين بخلاف الاحتطاب ونحوه والطلاق والخلع والظهار ونحوها كما سيأتي ويصح قبوله الهبة لأنه ليس بتفويت بل تحصيل لا قبوله الوصية لأنه تصرف مالي وهذا ما اقتضاه كلام الأصل لكن الذي جزم به الماوردي والروياني والجرجاني الصحة أيضا وقال الإمام إنه الذي عليه الأكثرون واختاره السبكي والإسنوي ولي بهما أسوة وعليه قال الماوردي لا يجوز تسليم الموهوب والموصى به إليه فإن سلمهما إليه ضمن الموصى به دون الموهوب لأنه ملك الموصى به بقبوله بخلاف الموهوب وبحث في المطلب جواز تسليم الموهوب إليه إذا كان ثم من ينتزعه منه عقب تسلمه من ولي أو حاكم
ويصح تدبيره ووصيته وقبضه دينه بإذن وليه كما سيأتي في الخلع وعقده الجزية بدينار وصلحه من قود لزمه على شيء ولو أكثر من الدية صيانة للروح وتوكيله في قبول النكاح دون إيجابه ونكاحه بإذن وليه لأن المال فيه تبع وسيأتي بيانها في محالها قال الإمام ولو امتنع الولي وعسرت مراجعته في المطاعم ونحوها وانتهى إلى الضرورة فالوجه عندي القطع بجواز تصرفه بحسبها ويضمن القابض من السفيه ما قبضه منه في معاملة أو غيرها وتلف عنده وإن كان جاهلا بحاله كما في القابض من الصبي لا هو أي السفيه فلا يضمن ما قبضه من غيره إن أقبضه له رشيد وتلف قبل المطالبة له برده ولو انفك عنه الحجر أو كان المقبض له جاهلا لأنه المضيع له وإنما لم يضمنه بعد انفكاك الحجر عنه لأنه حجر ضرب لمصلحته فأشبه الصبي لكنه يأثم لأنه مكلف بخلاف الصبي وقضية كلامه كأصله أنه لا يضمن ظاهرا ولا باطنا وبه صرح الإمام والغزالي لكن الذي نص عليه في الأم في باب الإقرار أنه يضمن بعد انفكاك الحجر عنه وهو الموافق لما مر في البيع في نظيره من الصبي وإلا أي وإن أقبضه له غير رشيد وتلف مطلقا أو رشيد وتلف بعد المطالبة برده والامتناع منه ضمن كنظيره في الصبي والتقييد ب قبل المطالبة من زيادته وصرح به الصيدلاني
قال الأذرعي والظاهر أن في معنى
210
210
الرشيد من سفه بعد رشده ولم يتصل به حجر القاضي فإن الأصح نفوذ تصرفاته كالرشيد إلى أن يحجر عليه القاضي وفي معناه أيضا من حجر عليه بسفه وأذن له وليه في الإقباض ويلغو إقراره بمال وإن أسنده إلى ما قبل الحجر وكذا بجناية توجيه كالصبي ولا يؤاخذ بذلك بعد انفكاك الحجر ومحله في الظاهر أما في الباطن فيلزمه أداؤه حينئذ إن كان صادقا فيه لا إقراره بما يوجب حدا أو قصاصا فلا يلغو وإن عفا عن القصاص على مال لعدم تعلقه بالمال ولانتفاء التهمة ولزوم المال في العفو يتعلق باختيار غيره لا بإقراره ويقبل إقراره في السرقة للقطع لا للمال كالعبد و يقبل إقراره في الوطء للنسب لا لثبوت الاستيلاد للموطوءة والنفقة عليه للولد بل ينفق عليه من بيت المال نعم إن ثبت أنها فراش له وولدت لمدة الإمكان ثبت الاستيلاد لكنه في الحقيقة لم يثبت بإقراره وإن ادعى عليه دين معاملة لزمه قبل الحجر فإن لزمه بالبينة يعني أقيمت به بينة ثبت وإلا فلا بناء على أن اليمين المردودة كالإقرار وإقراره بالدين لاغ كما مر
فصل يصح طلاقه ورجعته وخلعه ولو بدون مهر المثل وظهاره ونفيه النسب بلعان أو غيره ونحوها لأنها ما عدا الخلع لا تعلق لها بالمال الذي حجر لأجله وأما الخلع فكالطلاق بل أولى وهو خاص بالرجل للمعنى المذكور وبما تقرر علم أن إطلاقه نفي السبب أولى من تقييد الأصل له باللعان فإن كان مطلاقا سرى بجارية صوابه جارية قاله النووي مع أنه عبر في مواضع بالأول إن احتاج إلى الوطء فإن كرهها أبدلت وسيأتي في النكاح بيان المطلاق وحكمه في العبادات الواجبة والمندوبة البدنية لا في صرف الزكاة كالرشيد لاجتماع الشرائط فيه بخلاف صرف الزكاة لأنه ولاية وتصرف مالي نعم إن أذن له الولي وعين له المدفوع إليه صح صرفه كنظيره في الصبي المميز وكما يجوز للأجنبي توكيله فيه قال الأذرعي نعم ينبغي أن يكون ذلك بحضرة الولي أو من ينوب عنه لأنه قد يتلف المال إذا خلا به أو يدعي صرفه كاذبا وكالزكاة في ذلك الكفارة ونحوها
وإحرامه بالحج قد سبق بيانه فيه وينعقد نذره في الذمة بالمال لا بعين ماله هذا مقيد لما أطلقه كأصله في باب النذر من أنه لا يصح منه نذر القرب المالية ثم الظاهر كما قال السبكي وغيره إن المراد بصحة نذره فيما ذكر ثبوته في الذمة إلى ما بعد الحجر ويكفر في غير القتل كاليمين بالصوم كالمعسر لئلا يضيع ماله بخلاف القتل فإن الولي يعتق عنه فيه لأن سببه فعل وهو لا يقبل الرفع بخلاف غيره والتقييد بغير القتل من زيادته أخذه من كلام الجوري بحسب ما فهمه والأصل لم يذكر إلا كفارة اليمين وقضية التقييد المذكور أنه يكفر بالصوم في كفارة الجماع وقضية الفرق أنه يكفر فيها بالمال والفرق ذكره الجوري وغيره ونقله عنهم السبكي وأقره وجزم به الإسنوي ولم يتعرضوا لكفارة الجماع وإنما فرقوا به بين كفارتي اليمين والظهار وكفارة القتل قال السبكي وكل ما يلزمه في الحج من الكفارات المخيرة لا يكفر عنه إلا بالصوم وما كان مرتبا يكفر عنه بالمال لأن سببه فعل أي مع ترتب وإلا فما قبله سببه فعل أيضا وقضيته أنه يكفر عنه في كفارة الجماع بالمال وهو الأوجه وفي كفارة الظهار بالصوم وهو قضية كلام المصنف وبه صرح الإسنوي وجعله كاليمين لكن رده البلقيني بأن اليمين تتكرر عادة
211
211
فلا يلزم من جعله فيها كالمعسر جعله كذلك في الظهار لأنه محرم وأطال في الاحتجاج له وسأحكيه عنه في كتاب الكفارات فإذا لم يصم حتى انفك الحجر عنه لم يجزه أي الصوم إن كان موسرا اعتبارا بحالة الأداء فصل يلي أمر الصبي ومن به جنون ولو طرأ الأب ثم الجد أبو الأب وإن علا كولاية النكاح ثم وصيهما أي وصي من تأخر موته منهما ثم القاضي لخبر السلطان ولي من لا ولي له رواه الترمذي وحسنه الحاكم وصححه والمراد قاضي بلد المحجور عليه فإن كان ببلد وماله بآخر فولي ماله قاضي بلد المال لأن الولاية عليه ترتبط بماله كمال الغائبين لكن محله في تصرفه فيه بالحفظ والتعهد وبما يقتضيه الحال من الغبطة اللائقة إذا أشرف على التلف كما سيأتي بيانه قبيل كتاب القسمة قال الجرجاني وإذا لم يوجد أحد من الأولياء المذكورين فعلى المسلمين النظر في حال محجورهم وتولي حفظه له ويكفي في الأب والجد العدالة الظاهرة ولا يعتبر إسلامهما إلا أن يكون الولد مسلما فإن الكافر يلي مال ولده الكافر لكن إن ترافعوا إلينا لم نقرهم ونلي نحن أمرهم بخلاف ولاية النكاح لأن المقصود بولاية المال الأمانة وهي في المسلمين أقوى والمقصود بولاية النكاح الموالاة وهي في الكافر أقوى قاله الماوردي ولا ولاية للأم قياسا على النكاح وكذا لا ولاية لسائر العصبة كالأخ والعم نعم لهم الإنفاق من مال الطفل لتأديبه وتعليمه وإن لم يكن لهم عليه ولاية لأنه قليل فسومح به قاله في المجموع في إحرام الولي عن الصبي ومثله المجنون والسفيه ويتصرف لهما الولي بالمصلحة وجوبا لقوله تعالى ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن وقوله وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو وجد بما اشتراه عيبا وبه غبطة أمسكه لما فيه من الغبطة ويشتري الولي له أي لمحجوره جوازا بل ندبا كما قال القاضي أبو الطيب والبغوي وغيرهما العقار بل هو أولى من التجارة إذا حصل من ريعه الكفاية هذا إن لم يخف جورا من سلطان أو غيره أو خرابا للعقار أو لم يجد به ثقل خراج ويبني لهما عقارهما بالآجر أي الطوب المحرق والطين لا اللبن أي الطوب الذي لم يحرق بدل الآجر والجص أي الجبس بدل الطين لأن اللبن قليل البقاء وينكسر عند الاحتياج إلى النقض بخلاف الآجر والجص كثير المؤنة ولا تبقى منفعته عند النقض بل يلتصق بالطوب فيفسدها بخلاف الطين والسفيه كالصبي والمجنون في جميع ما تقرر واختار كثير من الأصحاب البناء أي جوازه على عادة البلد كيف كان ولا يبيع عقاره أي عقار محجوره إذ لا حظ له فيه إلا لثقل خراج أو خوف خراب والتصريح بخوف الخراب من زيادته وما قبله جعله الأصل من جملة الغبطة الآتية وله بيعه لحاجة نفقة وكسوة ونحوهما إن لم يجد قرضا ينتظر معه غلة من العقار ونحوه تفي بالقرض فإن وجد قرضا كذلك اقترض له وامتنع بيع العقار وشرطه المذكور أخص من قول أصله إذا لم يجد من يقرضه أو لم ير المصلحة في القرض أو لغبطة كزيادة الثمن الذي أريد بيعه به على ثمن مثله وهو يجد مثله ببعضه أو خيرا منه بكله وكالعقار فيما ذكر آنية القنية من صفر وغيره نقله ابن الرفعة عند البندنيجي قال وما عداهما لا يباع أيضا إلا لغبطة أو حاجة لكن يجوز لحاجة يسيرة وربح قليل لائق بخلافهما قال الروياني ولو ترك عمارة عقاره حتى خرب مع القدرة أثم وهل يضمن كما في ترك علف الدابة أو لا كما في ترك التلقيح وجهان جاريان فيما لو ترك إيجاره مع القدرة وأوجههما
212
212
عدم الضمان فيهما ويفارق ترك العلف بأن فيه إتلاف روح بخلاف ما هنا
قال القفال ويضمن ورق الفرصاد إذا تركه حتى فات وكأنه قاسه على سائر الأطعمة ولا يبيع له بعرض ونسيئة إلا لمصلحة يراها فيهما لما مر من قوله تعالى إلا بالتي هي أحسن فمن مصالح العرض أن يكون فيه ربح ومن مصالح النسيئة أن تكون بزيادة أو لخوف عليه من نهب أو إغارة ويشهد وجوبا على النسيئة وزيادتها ويرتهن كذلك بالثمن وقال ابن الرفعة يرتهن إن رآه مصلحة كما في إقراض ماله قال الزركشي وقد يفرق بينهما بأنه متمكن ثم من المطالبة متى شاء بخلافه هنا وقد يسرع من عليه الثمن في ضياع ماله ولا يتمكن من مطالبته فاحتيج إلى التوثق بالرهن أي مطلقا رهنا وافيا به للاحتياط وإلا أي وإن لم يفعل ذلك ضمن قال السبكي وبطل البيع على الأصح قال وقال الإمام الأصح أنه لا يبطل إذا كان المشتري مليا انتهى وكلام الأصل دال على ذلك ولا يجزئ الكفيل عن الارتهان ولا يلزم الأب والجد الارتهان من نفسهما له والدين عليهما كأن باعا ماله لنفسهما نسيئة لأنهما أمينان في حقه وتعبيره بما قاله أعم من قول الأصل وإذا باع مال ولده لنفسه نسيئة لا يحتاج إلى رهن من نفسه ويسجل القاضي ببيعهما مال ولدهما أي يحكم بصحته إذا رفعاه إليه
وإن لم يثبتا أن بيعهما وقع بالمصلحة لأنهما غير متهمين في حق ولدهما وفي وجوب إثباتهما أي إقامتهما البينة بالعدالة ليسجل لهما وجهان أحدهما لا اكتفاء بالعدالة الظاهرة كشهود النكاح والثاني نعم كما يجب إثبات عدالة الشهود ليحكم قال ابن العماد وينبغي أن يكون هو الأصح بخلاف ما مر لأن ذاك في جواز ترك الحاكم لهما على الولاية وهذا فيما إذا طلبا منه أن يسجل لهما بخلاف الوصي والأمين فإنه يجب إقامتهما البينة بالمصلحة وبعدالتهما والتصريح بالحكم في عدالتهما من زيادته ويقبل قوله بعد البلوغ عليهما أنهما باعا ماله ولو غير عقار بلا مصلحة فتلزمهما البينة لا على الأب والجد فلا تلزمهما البينة بل البينة عليه لأنهما لا يتهمان لوفور شفقتهما بخلاف غيرهما وقضيته قبول قول الأم وإن علت إذا كانت وصية وكذا من في معناها كآبائها وما ذكر في الوصي والأمين قال الزركشي محله في غير أموال التجارة أما فيها فالظاهر قبول قولهما لعسر الإشهاد عليهما ودعواه على المشتري من الولي كدعواه على الولي فيقبل قوله عليه إن اشترى من غير الأب والجد لا إن اشترى منهما وسكت عن دعواه على القاضي وسيأتي بيانه في باب الإيصاء
فرع لا يعامل الطفل وصي هذا أعم من قول أصله ليس للوصي بيع ماله لنفسه ولا مال نفسه له والقاضي وأمينه كالوصي والمجنون والسفيه كالطفل أما الأب والجد فلهما ذلك كما مر في البيع ويأتي في الأم إذا كانت وصية ومن في معناها ما تقدم
213
213
فيهما قبل الفرع ولا يقتص له ولي ولو أبا ولا يعفو عن القصاص إذ قد يختار محجوره بعد زوال حجره غير ما اختاره هو نعم له العفو على الأرش في حق المجنون الفقير كما سيأتي في الجنايات إذ لا غاية للجنون بخلاف الصبا ولا يعتق عنه رقيقه في غير الكفارة المرتبة ولو بعرض ولا يكاتب ه ولا يهب ماله بثواب ولا غيره لأنها تبرع ولأن الهبة والعتق لا يقصد بهما العوض نعم إن شرط ثوابا معلوما في الهبة بغبطة جازت بناء على ما مر في الخيار من أنها إذا قيدت بثواب معلوم كانت بيعا ولا يدبر رقيقه ولا يعلق عتقه بصفة كما يؤخذ من منعه من كتابته ولا يطلق زوجته ولا يخالعها لأن الطلاق لمن أخذ بالساق ولا بصرف ماله للمسابقة كما سيأتي في بابها
ولا يشترى له ما يسرع فساده للتجارة وإن كان مربحا وله أن يزرع له ولا يشتري له إلا من ثقة فقد يخرج المبيع مستحقا قال ابن الرفعة ولا يظهر جواز شراء الحيوان له للتجارة لغرر الهلاك ويأخذ له بالشفعة عند المصلحة في الأخذ لأنه مأمور بفعلها ويترك الأخذ عند عدمها فيه وإن عدمت في الترك أيضا كما اقتضاه كلامه كغيره قال في المطلب والنص يفهمه والآية تشهد له يعني قوله تعالى ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن فإن تركها مع وجود الغبطة في الأخذ لا مع عدمها وبلغ أي الطفل أخذها لأن ترك الولي حينئذ لم يدخل تحت ولايته فلا يفوت بتصرفه بخلاف ما إذا تركها لعدم الغبطة ولو في الأخذ والترك معا كما اقتضاه كلامه كغيره فعبارته في هذه والتي قبلها أحسن من عبارة أصله ولم يعبر أصله فيما ذكر بالغبطة بل بالمصلحة وهي أعم ولو أخذ الولي مع الغبطة ثم بلغ الصبي وأراد الرد لم يمكن كما صرح به الأصل والقول قوله بيمينه بعد زوال حجره في أن الولي ترك الأخذ مع الغبطة فيلزم الولي البينة إلا على أب أو جد قال إنها تركت لغير غبطة فلا يقبل قوله عليه كما مر في بيع العقار ولا أجرة للولي ولا نفقة في مال محجوره فإن كان فقيرا وشغل بسببه عن الاكتساب أخذ الأقل من الأجرة والنفقة بالمعروف قال تعالى ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف وكالأكل غيره من بقية المؤن وإنما خص بالذكر لأنه أعم وجوه الانتفاعات ومحل ذلك في غير الحاكم أما الحاكم فليس له ذلك لعدم اختصاص ولايته بالمحجور عليه بخلاف غيره حتى أمينه كما صرح به المحاملي وله أن يستقل بالأخذ من غير مراجعة الحاكم ولا يخفى أنه إذا نقص أجر الأب والجد والأم إذا كانت وصية عن نفقتهم وكانوا فقراء يتممونها من مال محجورهم لأنها إذا وجبت بلا عمل فمع العمل أولى ولا يضمنه أي ما أخذه لظاهر الآية ولأنه بدل عمله كالإمام إذا أخذ الرزق من بيت المال وعليه استمناء ماله قدر المؤن إن أمكن بلا مبالغة في ذلك وليس عليه أن يشتري له إلا بعد استغنائه عن الشراء لنفسه فإن لم يستغن عنه قدم نفسه وإن تضجر الأب وإن علا فله الرفع إلى القاضي لينصب قيما بأجرة من مال محجوره وله ذلك أي أن ينصب غيره بها بنفسه وستأتي زيادة على ذلك في النكاح مع أن الأصل إنما ذكر قوله وعليه استمناء ماله إلى آخره ثم فصل وللولي خلط ماله بمال الصبي كما سيأتي في الإيصاء أيضا ومؤاكلته للإرفاق ولقوله تعالى وإن تخالطوهم فإخوانكم هذا إن كان للصبي فيه حظ كما قاله العمراني وغيره وإلا امتنع لقوله تعالى ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ويستحب للمسافرين خلط أزوادهم وإن تفاوتوا في الأكل لأخبار صحيحة وردت فيه وينفق عليه الولي ويكسوه وجوبا بالمعروف ويخرج وجوبا الزكاة من ماله وأرش الجناية وإن لم يطلب ذلك منه ونفقة القريب إن طلبت منه لسقوطها بمضي الزمان نعم إن كان القريب طفلا أو مجنونا أو عاجزا عن الإرسال كزمن أخرجها بلا طلب لكن إن كان له
214
214
ولي خاص فينبغي اعتبار طلبه وكالصبي في ذلك وفيما يأتي في الفرع والفصل الآتيين المجنون والسفيه وتقدم في أول كتاب الزكاة أن محل وجوب إخراجها على الولي إذا كان ممن يرى وجوبها وفي وجوب إخراجها وإخراج أرش الجناية بلا طلب نظر وقد تقدم في كتاب التفليس أن الدين إنما يجب أداؤه بالطلب ويفرق بأن ذاك ثبت بالاختيار فتوقف وجوب أدائه على طلبه بخلاف ما هنا
فرع ويجوز
له السفر والتسفير بماله مع ثقة ولو بلا ضرورة من نحو حريق أو نهب لأن المصلحة قد تقتضي ذلك والولي مأمور بها بخلاف المودع إذا لم تكن ضرورة هذا إن سافر أو سفر بماله في طريق آمن وإلا فلا يجوز وقضية كلامه أن هذا شرط في حالتي الضرورة وعدمها وقضية كلام أصله هنا أنه شرط في حالة عدمها فقط قال الأذرعي وفيه نظر ويشبه أن يقال إن كان البلد أخوف جاز ذلك أو الطريق فلا وإن استويا فتردد والأوجه المنع لا في بحر وإن غلبت سلامته لأنه مظنة عدمها ولا يركب بالصبي البحر وإن غلبت سلامته كماله هذا من زيادته تبع فيه الإسنوي وهو قياس حسن موافق لقولهم إن وليه يمنع من قطع سلعته إن لم يزد خطر تركها وقد يفرق على بعد بأنه إنما حرم ذلك في ماله لمنافاته غرض ولايته عليه من حفظه وتنميته بخلافه هو فيجوز أن يركبه البحر إذا غلبت سلامته كما يجوز إركاب نفسه وقاس الإسنوي على ما ذكر أيضا تحريم ركوب الحامل حتى تضع الحمل وتسقيه اللبأ بل وتفطمه إن تعينت للإرضاع وإلا ففيه نظر قال وقياسه أيضا تحريم إركاب البهائم وكذا الزوجة والأرقاء البالغون عند عدم رضاهم إلا إن كان الإركاب لنقلهم من دار الشرك إلى دار الإسلام فيجوز قال الأذرعي والصواب عدم تحريم إركاب البهائم والأرقاء عند غلبة السلامة وكذا ركوب الحامل فصل لا يجوز لغير القاضي إقراض مال الصبي إلا لضرورة كسفر أو نهب أما القاضي فله ذلك مطلقا لكثرة أشغاله ونقله الرافعي في القضاء على الغائب أن للأب ذلك كالقاضي وإذا أقرضه القاضي أو غيره فيقرضه وفي نسخة ويقرضه مليا أمينا ويأخذ رهنا إن رأى في أخذه مصلحة وإلا تركه ولا يودعه أمينا إلا إن عدم ذلك أي التمكن من إقراضه فصل ويستحب للقاضي أن يشهد على حجر السفيه إذا حجر عليه وإن رأى النداء عليه ليجتنب في المعاملة فعل ويجبر الصبي والسفيه على الاكتساب إن كان لهما كسب ليرتفقا به في النفقة وغيرها وللسفيه إذا وجب له قصاص أن يقتص وأن يعفو بمال وبدونه بناء على أن الواجب بجناية العمد القصاص عينا فإن عفا على مال قبضه وليه لا هو لأنه ممنوع من التصرف المالي كما مر د
كتاب الصلح وما ذكر معه من التزاحم على الحقوق والتنازع فيها والصلح لغة قطع النزاع وشرعا عقد يحصل به ذلك وهو أنواع صلح بين المسلمين والكفار وبين الإمام والبغاة وبين الزوجين عند الشقاق وصلح في المعاملة وهو مقصود الباب والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى والصلح خير وخبر الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا رواه ابن حبان وصححه والكفار كالمسلمين وإنما خصهم بالذكر لانقيادهم إلى الأحكام غالبا ولفظه يتعدى للمتروك ب من وعن وللمأخوذ ب على والباء وفيه ثلاثة أبواب الأول في أحكامه
215
215
فلا يصح مع الإنكار أو السكوت من المدعى عليه ولو في صلح الحطيطة إذ لا يمكن تصحيح التمليك مع ذلك لاستلزامه أن يملك المدعي ما لا يملكه ويتملك المدعى عليه ما يملكه ولا يصح من غير سبق خصومة بينهما فلو قال من غير سبقها صالحني عن دارك على كذا لم يصح لأن لفظ الصلح يستدعي تقدم خصومة إلا إن نويا به البيع فيصح وإن لم تتقدم خصومة فعلم أنه كتابة
وهو أي الصلح نوعان الأول صلح معاوضة وهو بيع من المدعي للمدعى عليه إن كان العوض عينا فمن خوصم في دار وأقر بها للمدعي ثم صالح عنها بثوب ونحوه فقد اشتراها به فتلزم فيه أحكام البيع كلها من البطلان بالغرر والجهل وغيرهما ولا حاجة للجمع بينهما ولو قال كالغرر بل لو قال كالبطلان بالغرر كان أولى إذ من أحكام البيع أيضا ثبوت الشفعة والخيار والرد بالعيب ومنع التصرف قبل القبض وحكم الربا أي ويلزم فيه أيضا حكم بيع الربوي و بيع الزرع الأخضر نص عليهما مع دخولهما فيما قبلهما لئلا يتوهم عدم دخولهما فيه لخروجهما عن سائر البيوع فإن كان العوض منفعة وصالح عليها مدة معلومة فهو إجارة فيثبت فيه حكمها وإن صالح عن دين غير دين السلم صح ولو بدين كذلك لكن بشرط تعيينه أي الدين في المجلس ليخرج عن بيع الدين بالدين ولو لم يقبض في المجلس فإنه يصح إن اجتنب الربا بأن لم يكن العوضان ربويين وإلا اشترط القبض فيه أيضا
النوع الثاني صلح الحطيطة فمن صالح عن عين أو دين بالنصف أو بالثلث مثلا فهو في العين هبة للبعض الباقي فيشترط فيه القبول والقبض بالإذن فيه وفي الدين إبراء عن الباقي فتثبت فيه أحكامه ويصح هذا الإبراء بلفظ الصلح لأن خاصيته وهي سبق الخصومة قد وجدت وهذا معلوم من أول كلامه كما علم منه صحة الهبة بذلك فلو قال صالحتك عن الألف الذي عليك بخمسمائة صح واشترط القبول لأن لفظ الصلح يقتضيه بخلاف لفظ الإبراء ونحوه كالإسقاط لا يشترط فيه القبول ك أبرأتك من خمسمائة من الألف الذي عليك أو حططتها عنك أو أسقطتها عنك وصالحتك بالباقي ولا يشترط تعيين الباقي هذا أولى من قول أصله قبض الباقي في المجلس فلو كانت الخمسمائة المصالح بها معينة لم يصح لأن تعيينها يقتضي كونها عوضا فيصير بائعا لألف بخمسمائة بخلاف ما إذا لم تكن معينة وهذا تبع فيه كالإسنوي الإمام ومقتضى كلام الأصل الصحة وأن ما قاله الإمام ضعيف قال الرافعي عقبه وللأول أن يمنعه ويقول الصلح منه على بعضه إبراء للبعض واستيفاء للباقي وعلى الصحة جرى البغوي والخوارزمي والمتولي وغيرهم وأما الصلح على الإنكار فلا يصح في الحالين أي حالي تعيين الخمسمائة وعدم تعيينها وهذا من زيادته هنا وكذا قوله قبل فلا يصح مع الإنكار ولو في صلح الحطيطة ولا حاجة إليهما لأنه كأصله عقد فيما يأتي للصلح على الإنكار فصلا ولا يصح الصلح بألف حال أو صحيح عن ألف مؤجل أو مكسر لأنه وعد من المديون بإسقاط الأجل والتكسير وهما لا يسقطان ولا عكسه أي لا يصح بألف مؤجل أو مكسر عن ألف حال أو صحيح لأنه وعد من الدائن بإلحاق الأجل والتكسير وهما لا يلحقان لكن من عجل مؤجلا أو أدى صحيحا عن مكسر جاز للدائن قبوله فيسقط الأجل والتكسير لصدور الإيفاء والاستيفاء من أهلهما نعم إن ظن المؤدي صحة الصلح لم يسقط ذلك كما مر نظيره فيما لو شرط بيعا في بيع وأتى بالثاني على ظن الصحة نبه عليه ابن الرفعة وغيره
216
216
ومن صالح عن ألف حال بخمسمائة مؤجلة فليس بمعاوضة بل هو مسامحة بحط خمسمائة وبإلحاق أجل بالباقي والأول سائغ دون الثاني فيصح الإبراء من الخمسمائة لا التأجيل وفي عكسه بأن صالح عن ألف مؤجل بخمسمائة حالة يبطل لأنه ترك بعض المقدار ليحصل الحلول في الباقي والصفة بانفرادها لا تقابل بعوض ولأن صفة الحلول لا يصح إلحاقها بالمؤجل وإذا لم يحصل ما ترك من القدر لأجله لم يصح الترك
فرع لا يصح صلح الحطيطة ولا الصلح عن القصاص في نفس أو دونها ولا صلح الكفار عن الكف عن دمائهم وأموالهم على مال بلفظ البيع إذ لا دخل له فيها ولأن العين في الأولى ملك المدعي فإذا باعها ببعضها فقد باع ملكه بملكه أو باع الشيء ببعضه وهو محال بخلاف غيرها من بقية صور صلح المعاوضة يصح بلفظ البيع لأنه بيع وتعبيره بمال في صلح الكفار قاصر بخلاف تعبير أصله بشيء يأخذه منهم فإنه يتناول غيره كفك أسرى منا في أيديهم ولو صالح عن إبل الدية لم يصح لجهل صفتها كما لو أسلم في شيء لم يصفه
فرع وإن ترك الوارث حقه لأخيه مثلا كأن قال تركت حقي من التركة لك فقيل لم يصح وحقه بحاله لتعين التمليك والقبول في أعيانها والإبراء في ديونها وينبغي أن يكون ذلك كناية حتى تصح مع النية وإن صالح عن ألف درهم وخمسين دينارا معينة بألفي درهم لم يجز وإن كانت دينا له في ذمة غيره فصالح عنها بألفي درهم جاز لاستيفاء الألف والاعتياض عن الذهب بالألف الآخر أشار به إلى قول أصله والفرق أنه إذا كان المبلغ في الذمة فلا ضرورة إلى تقدير المعاوضة فيه فيجعل مستوفيا لأحد الألفين ومعتاضا عن الدنانير الألف الآخر وإذا كان معينا كان الصلح عنه اعتياضا فكأنه باع ألف درهم وخمسين دينارا بألفي درهم وهو من صور مد عجوة بخلاف مسألة الإمام السابقة لأن الصلح فيها صلح حطيطة فبعد فيها الاعتياض
فرع لو صالحه عن الدار المدعاة بسكناها سنة فعارية لها يرجع فيها متى شاء ولا أجرة له كما هو قضية العارية أو صالحه عنها على أي بشرط سكناها سنة بمنفعة عبده سنة فإجارة بمنفعة وقد علم بما تقرر أنه ذكر من أقسام الصلح خمسة البيع والإجارة والهبة والإبراء والعارية وبقي منها أشياء أخر منها السلم بأن يجعل المدعى به رأس مال سلم والجعالة كصالحتك من كذا على رد عبدي والخلع كصالحتك من كذا على أن تطلقني طلقة والمعاوضة عن دم العمد كصالحتك من كذا على ما تستحقه علي أو على ما أستحقه عليك من القصاص والفداء كقوله للحربي صالحتك من كذا على إطلاق هذا الأسير والفسخ كأن صالح من المسلم فيه على رأس المال وكأنه تركها كغيره لأخذها من الخمسة المذكورة
فصل الصلح على الإنكار باطل لما مر وقياسا على ما لو أنكر الخلع والكتابة ثم تصالحا على شيء ولو أقام المدعي بينة بعد الإنكار صح الصلح لثبوت الحق بها كثبوته بالإقرار قاله الماوردي ووافقه الغزالي بعد القضاء بالملك واستشكله قبله لأن له سبيلا إلى الطعن ولو ادعى عليه عينا فقال رددتها إليك ثم صالحه قال البغوي في فتاويه إن كانت في يده أمانة لم يصح الصلح لأن القول قوله فيكون صلحا على إنكار وإن كانت مضمونة فقوله في الرد غير مقبول وقد أقر بالضمان فيصح الصلح ويحتمل بطلانه فإنه لم يقر أن عليه شيئا وإذا صالح على الإنكار وكان المدعي محقا فيحل له فيما بينه وبين الله تعالى أن يأخذ ما بذله قاله الماوردي وهو صحيح في صلح الحطيطة وفيه فرض كلامه فأما إذا صالح على غير المدعي ففيه ما يأتي في مسألة الظفر قاله الإسنوي قال ولو أنكر فصولح ثم أقر الصلح باطلا قاله الماوردي ولقائل أن يقول إذا أقر بأنه كان ملكا للمصالح حين
217
217
الصلح فينبغي الصحة لاتفاقهما على أن العقد جرى بشروطه في علمهما أو في نفس الأمر انتهى وفيه نظر إذ شرط صحة الصلح الإقرار وهو منتف حال العقد ولو قال صالحني عن العين التي تدعيها أو الدين الذي تدعيه لم يكن مقرا لأنه يحتمل أن يريد قطع الخصومة فالصلح بعده صلح على إنكار وكذا لو قال صالحني عن دعواك الكاذبة أو عن دعواك بل الصلح عن الدعوى باطل مع الإقرار أيضا لأن الدعوى لا يعتاض عنها ولا يبرأ منها وإن قال بعني أو هبني كما صرح به الأصل أو زوجني هذه أو أبرئني منه أي مما تدعيه فإقرار لأنه صريح في التماس التملك أو قال أعرني أو أجرني فوجهان أحدهما أنه إقرار كقوله بعني والثاني لا لأن الإنسان قد يستعير ملكه ويستأجره من مستأجره ومن الموصى له بمنفعته وهذا أوجه نعم يظهر أنه إقرار بأنه مالك للمنفعة ويصح إبراء المنكر ولو بعد التحليف لأن المبرئ يستقل بالإبراء لعدم افتقاره إلى القبول فلا حاجة فيه إلى تصديق الغريم ولو تصالحا بعد التحليف لم يجز بمعنى لم يحل ولم يصح كما لو تصالحا قبله ولأن المدعي لا يستقل بالصلح ولو اختلفا هل اصطلحا عن إقرار أو إنكار صدق المنكر بيمينه لأن الأصل عدم الصحة
فصل وإن صالح عن المقر أجنبي عن بعض العين المدعاة أو عن كلها بعين للمدعى عليه أو بعشرة مثلا في ذمته بوكالة للأجنبي ولو بأخباره صح الصلح عن الموكل بما وكله به وصار المصالح عنه ملكا للمدعى عليه وإلا أي وإن صالح عنه بغير وكالة فلا يصح لعدم الإذن فيه فهو شراء فضولي وقد مر وترك من كلام أصله هنا صلح الحطيطة المعبر عنه فيه بقوله على نصف المدعي وذكر بدله الصلح عن بعض العين وتعبيره بعين للمدعى عليه أعم من تعبير أصله بعبده فإن كان الوكيل صالح عن المقر على عين والمال للوكيل أو على دين في ذمته فكشرائه لغيره بإذنه بمال نفسه وقد سبق بيانه في الشرط الثالث من شروط المبيع وبينت ثم أنه يصح العقد ويقع للآذن وأن المدفوع قرض لا هبة وإن صالح لنفسه بعين ماله أو بدين في ذمته صح له وإن لم يجر معه خصومة لأن الصلح ترتب على دعوى وجواب وإن كان المدعى دينا فقال الأجنبي وكلني المدعى عليه بمصالحتك على نصفه أو ثوبه هذا فصالحه صح كما لو كان المدعى عينا أو على ثوبي هذا لم يصح لأنه بيع شيء بدين غيره
قال الزركشي وهذا مخالف لما مر قبله في نظيره من صور العين أنه يصح العقد ويقع للآذن وقد صرح الإمام بأن الخلاق فيهما سواء انتهى والأوجه ما أشار إليه من إلحاق هذه بتلك فيصح ويسقط الدين كمن ضمن دينا وأداه على أن الرافعي لا تصحيح له في هذه وإنما التصحيح فيها من زيادة النووي ولو صالح لوكيل عنه أي عن الدين لنفسه بعين أو دين في ذمته لم يصح لأنه ابتياع دين في ذمة غيره وهذا يخالف ما قدمه في باب المبيع قبل قبضه من الصحة ويوافق ما صححه في المنهاج من عدمها كما قدمته ثم وعبارة الأصل سالمة من ذلك حيث قال ولو صالح لنفسه على عين أو دين في ذمته فهو ابتياع دين في ذمة الغير وقد سبق بيانه فإن صالحه أجنبي عن ألف بخمسمائة صح ولو بغير إذن لأن قضاء دين غيره بغير إذنه جائز وقضيته أنه لا فرق بين تعيين الخمسمائة وعدم تعيينها وهو مؤيد لمقتضى كلام أصله المخالف لكلام الإمام الذي جرى عليه المصنف فيما مر وإن صالحه عن المنكر ظاهرا وقال أقر عندي ولم يظهره خوفا من أخذك له ووكلني في مصالحتك له فصالحه صح لأن دعوى الإنسان الوكالة في المعاملات مقبولة ومحله كما قال الإمام والغزالي إذا لم يعد المدعى عليه
218
218
الإنكار بعد دعوى الوكالة فلو أعاده كان عزلا فلا يصح الصلح عنه
وخرج بقوله وقال أقر عندي ما لو اقتصر على وكلني في مصالحتك له فلا يصح بناء على الأصح في أن قوله صالحني عما تدعيه ليس إقرارا وبقوله ووكلني في مصالحتك له ما لو تركه فهو شراء فضولي فلا يصح كما مر فلو قال أنكر الخصم وهو مبطل في إنكاره فصالحني له بعبدي هذا لتنقطع الخصومة بينكما صح الصلح عن الدين لا عن العين إذ لا يتعذر قضاء دين الغير بغير إذنه بخلاف تمليكه العين أو فصالحني لنفسي والمدعى عين فكشراء المغصوب فيفرق بين قدرته على انتزاعه وعدمها لما مر في البيع فإن كان المدعى دينا فهو ابتياع دين في ذمة غيره ويؤخذ من قوله وهو مبطل ما صرح به أصله من أنه لو قال هو منكر ولا أعلم صدقك وصالحه لم يصح سواء أكان المصالح عليه له أم للمدعى عليه كما لو صالحه المدعي وهو منكر قال ولو ادعى رجل على ورثة ميت دارا من تركته فأقروا له جاز لهم مصالحته فإن دفعوا لبعضهم ثوبا مشتركا بينهم ليصالح عليه جاز وكان عاقدا لنفسه ووكيلا للباقين ولو قالوا لواحد صالحه عنا بثوبك فصالحه عنهم
فإن لم يسمهم في الصلح وقع الصلح عنه وإلا ففي إلغاء التسمية وجهان فإن لم تلغ وقع الصلح عنهم وهل الثوب هبة لهم أم قرض عليهم وجهان وإن ألغيت فهل يصح الصلح كله للعاقد أو يبطل في نصيب الشركاء ويخرج نصيبه على قولي تفريق الصفقة وجهان وإن صالحه بعضهم على ماله له دون إذن الباقين ليتملك الجميع جاز أو على أن تكون الدار له ولهم لغا ذكرهم وعاد الوجهان في أن الجميع يقع له أو يبطل في نصيبهم ويخرج نصيبه على قولي تفريق الصفقة
فصل وإن استوقف مال إلى التبين أو اصطلاح المتنازعين فيه كمال وقف لزوجتين طلقت إحداهما ومات الزوج قبل البيان وهي بائن أو مال وقف لشخصين عند وديع وقد أشكل على الوديع مستحقه منهما فاصطلحا أي الزوجتان أو الشخصان على أن يأخذه أحدهما ويعطي الآخر من غيره لم يجز لأنه بيع له وشرطه تحقق الملك في العوضين للمتعاقدين أو على أن يتفاضلا فيه جاز للضرورة ولأنه نزول عن بعض الحق وسيأتي ما له بهذا تعلق في نكاح المشرك
مسائل متعلقة بالباب لو صالحه بنفسه أو وكيله عن الدار مثلا على نحو عبد معين فرده بعيب أو استحق لغير المشتري أو هلك قبل القبض كما صرح به في الروضة انفسخ العقد في تعبيره بالانفساخ تسمح بالنسبة للثانية فإن تعذر الرد للعبد بتلف ونحوه كتعيب في يده رجع في جزء من الدار بقدر ما نقص من قيمة العبد كما لو باعها بعبد وإن كان العوض المصالح عليه في الذمة بأن صولح عليه وقبضه المدعي ورده بعيب أو استحق استبدل به أي أخذ بدله ولا فسخ ولا انفساخ وتعبيره بالعوض أعم من تعبير الروضة بالدراهم
وإن وقف أرضا مسجدا أو غيره وأقر بها لمدع لها غرم له القيمة أي قيمتها لإحالته بينه وبينها بوقفه فإن أنكر وصالح عنه أجنبي جاز الصلح لأنه بذل مال في قربة ولأن القيمة على الواقف لكونه وقف والصلح عما في ذمة غيره بغير إذنه جائز وتعبيره بوقف الأرض أنص في المراد وأعم من تعبير الروضة ببنائها مسجدا
وإن صالح متلف العين مالكها بأكثر من قيمتها من حبسها أو بمؤجل لم يصح الصلح لأن الواجب قيمة المتلف حالة فلم يصح الصلح على أكثر منه ولا على مؤجل كمن غصب دينارا فصالح على أكثر منه أو على مؤجل لما في ذلك من الربا بخلاف ما إذا صالح بأقل من قيمتها كما علم مما مر أو بأكثر من قيمتها بغير جنسها
وإن أقر له بمجمل فصالحه عنه وهما يعرفانه صح الصلح وإن لم يسمه أحد منهما كما لو قال بعتك الشيء الذي أعرفه أنا وأنت وإنكار حق الغير حرام فلو بذل للمنكر مالا ليقر بالمدعي ففعل لم يصح الصلح لبنائه على فاسد بل بذله أي المال لذلك وأخذه حرام وهل يكون بذلك مقرا وجهان أوجههما لا وبه جزم ابن كج وغيره لأنه إقرار بشرط فلو وكل المنكر في الصلح عنه أجنبيا جاز التوكيل وقيل لا يجوز والترجيح من زيادته كالوارث يجهل أمر التركة فله التوكيل في الصلح لإقالة الشبهة عنه
الباب الثاني في التزاحم على الحقوق
219
219
الطريق النافذ بالمعجمة ويعبر عنه بالشارع مباح لا يملك لأحد من الناس فلكل منهم فتح باب من ملكه إليه كيف شاء ولكل مسلم التصرف فيه بما لا يضر المارة فله إشراع أي إخراج جناح أي روشن وساباط فيه أي سقيفة بين حائطيه لا يشق ظلامه ولا يضر المار الماشي المنتصب تحته وعلى رأس الحمولة العالية سواء أكانت الطريق واسعة أم ضيقة لا تمر فيها القوافل والفوارس وسواء أذن الإمام فيه أم لا لإطباق الناس على فعله من غير إنكار وتقييده الظلام بالمشقة أخذه من قول الأصل وفي التتمة إن انقطع الضوء كله أثر وإن نقص فلا وتصريحه بالمسلم هنا من زيادته وكذا لا يضر مع ذلك بالمحمل مع كنيسة أي أعواد مرتفعة عليه معدة لأن يوضع عليها سترة تقي الراكب من الحر والبرد وتستره على البعير إن كانت أي الطريق جادة أي واسعة تمر فيها القوافل والفوارس لأن ذلك وإن كان نادرا فقد يتفق والأصل في جواز ذلك أنه صلى الله عليه وسلم نصب بيده ميزابا في دار عمه العباس رواه الإمام أحمد والبيهقي والحاكم
وقال إن الميزاب كان شارعا لمسجده صلى الله عليه وسلم أما التصرف فيه بما يضر بالمار فممتنع لخبر ابن ماجه وغيره وهو حسن لا ضرر ولا ضرار في الإسلام ولأن الحق فيه ليس له خاصة ولو أحوج الإشراع إلى وضع الرمح على الكتف أي كتف الراكب بحيث لا يتأتى نصبه لم يضر في جواز الإشراع لأن وضعه على كتفه ليس بعسير ولا يضر أيضا ضرر يحتمل عادة كعجن الطين إذا بقي مقدار المرور للناس وإلقاء الحجارة فيه للعمارة إذا تركت بقدر مدة نقلها وربط الدواب فيه بقدر حاجة النزول والركوب وقوله يضر بالمار بضم الياء من أضر به إضرارا بخلاف يضره من ضره ضررا فإنه بفتحها ولا يحدث فيه دكة بفتح الدال أي مسطبة و لا شجرة ولو اتسع الطريق وأذن الإمام وانتفى الضرر لمنعهما الطروق في ذلك المحل وقد تزدحم المارة فيصطكون بهما ولأنه إذا طالت المدة أشبه موضعهما الأملاك وانقطع أثر استحقاق الطروق فيه بخلاف الأجنحة ونحوها واستشكل التعليل الأول بجواز غرس الشجرة بالمسجد مع الكراهة كما مر في شروط الصلاة والثاني بجواز فتح الباب إلى درب منسد إذا سمره كما سيأتي وأجيب عن الأول بأن محل جواز غرس الشجرة بالمسجد إذا كان لعموم المسلمين بدليل أنهم لا يمنعون من الأكل من ثمارها وإن غرسها للمسجد ليصرف ريعها له فالمصلحة عامة أيضا بخلاف ما هنا وقضيته جواز مثل ذلك في الشارع حيث لا ضرر وعن الثاني بأن الحق في الدرب المنسد لخاص والخاص قائم على ملكه وحافظ له بخلاف الشارع فانقطاع الحق فيه عند طول المدة أقرب
وقضية كلامهم منع إحداث الدكة وإن كان بفناء داره وبه جزم ابن الرفعة وقال السبكي ينبغي جوازه حينئذ عند انتفاء الضرر لأنه في حريم ملكه ولإطباق الناس عليه من غير إنكار ولو انهدم جناحه فسبقه جاره إلى بناء جناح في محاذاته ولو بحيث لا تمكن معه إعادة الأول أو كان صاحبه على عزم إعادته صار أحق به كما لو قعد لاستراحة أو نحوها في طريق واسع ثم انتقل عنه يجوز لغيره الارتفاق به ويصير أحق به فإن قلت قياس اعتبار الإعراض في القعود فيه للمعاملة بقاء حقه هنا إليه كما بحثه الرافعي قلت المعاملة لا تدوم بل الانتقال عنها ثم العود إليها
220
220
ضروري فاعتبر الإعراض بخلاف ما هنا فاعتبر الانهدام نعم يستثنى من ذلك ما لو بنى دارا في موات وأخرج لها جناحا ثم بنى آخر دارا تحاذيه واستمر الشارع فإن حق الأول يستمر وإن انهدم جناحه فليس لجاره أن يخرج جناحه إلا بإذنه لسبق حقه بالأحياء وله إخراج جناح تحت جناح صاحبه إذ لا ضرر أو فوقه إن لم يضر بالمار عليه أي على جناح صاحبه أو مقابله إن لم يبطل انتفاعه أي انتفاع صاحبه ومن سبق إلى أكثر الهواء بأن أخذ أكثر هواء الطريق لم يكن للآخر منعه بأن يطالبه بتقصير جناحه ورده إلى نصف الطريق لأنه مباح سبق إليه وهذا تصريح بما علم مما مر
فرع الطريق ما جعل عند إحياء البلد أو قبله طريقا أو وقفه المالك ولو بغير إحياء كذلك وصرح في الروضة نقلا عن الإمام بأنه لا حاجة في ذلك إلى لفظ قال في المهمات ومحله فيما عدا ملكه أما فيه فلا بد من لفظ يصير به وقفا على قاعدة الأوقاف وقد نبه عليه مع وضوحه ابن الرفعة ا ه وجرى عليه المصنف فاعتبار اللفظ في الأخيرة من زيادته وأما ثنيات الطريق التي يعرفها الخواص ويسلكونها فتردد الجويني في أنها تصير طريقا بذلك أو لا حكاه عنه الأصل وحكاه عنه أيضا القمولي ثم قال وقال غيره لا تصير طريقا بذلك ويجوز إحياؤها وهذا هو الصحيح لأن أكثر الموات لا يخلو عن ذلك وكلام المصنف يقتضي هذا وإذا ثبت أن الطريق يحصل بما ذكر فحيث وجدنا طريقا اعتمدنا فيه الظاهر ولا نلتفت إلى مبتدأ جعله طريقا وليجعل أي الطريق سبعة أذرع إن اختلفوا عند الإحياء في تقديره لخبر الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الاختلاف في الطريق أن يجعل عرضه سبعة أذرع قال الزركشي تبعا للأذرعي وهذا التحديد تابع فيه النووي إفتاء ابن الصلاح ومذهب الشافعي اعتبار قدر الحاجة
والحديث محمول عليه فإن ذلك عرف المدينة صرح بذلك الماوردي والروياني أما إذا اتفقوا على شيء فالأمر ظاهر والظاهر أنه يقدر على الأول بالسبعة وإن وقع الاختلاف في أقل منها أو أكثر كأن أراد أحدهما ثلاثة والآخر أربعة أو أحدهما تسعة والآخر عشرة ويحتمل أن يعمل بما اتفقوا عليه معنى فإن كان أكثر من سبعة أو من قدر الحاجة على ما مر لم يغير أي لا يجوز لأحد أن يستولي على شيء منه وإن قل ويجوز إحياء ما حوله من الموات بحيث لا يضر بالمار قال في الروضة وإن كانت الطريق من أرض مملوكة يسبلها مالكها فتقديرها إلى خيرته والأفضل توسيعها وعنه احترز المصنف بقوله عند الإحياء ويمنع الذمي من إشراع الجناح في شارع المسلمين وإن جاز له استطراقه كما يمنع من إعلاء بنائه على بنائهم واستطراقه له ليس على استحقاق ملك بل إما بطريق التبع للمسلمين أو بما بذله من الجزية إذا قلنا إنها في مقابلة سكنى الدار قاله في المطالب وقضية ما تقرر أنه لا يمنع من الإشراع في محالهم وشوارعهم المختصة بهم في دار المسلمين كما في رفع البناء وهو ظاهر قال الجرجاني وغيره ولا يجوز الإشراع في هواء المسجد وألحق به الأذرعي ما قرب منه كمدرسة ورباط ويهدم وجوبا الجناح إن فعل أي إن فعله ذمي أو فعله غيره على وجه لا يجوز وهل يختص هدمه بالحاكم أو لا وجهان حكاهما في المطلب وقال الأشبه الأول لخوف الفتنة
فصل الطريق غير النافذ ملك من نفدت أبوابهم إليه لا من لاصقه جدرانهم من غير نفوذ أبوابهم إليه لأن أولئك هم المستحقون للانتفاع فهم الملاك دون غيرهم لا يقال لو كان ملكهم لما جاز لغيرهم دخوله
221
221
لأنا نقول جاز لأنه من الحلال المستفاد بقرينة الحال قال الزركشي وقضيته أنه لا يجوز الدخول إذا كان فيهم محجور عليه لامتناع الإباحة منه ومن وليه وقد توقف الشيخ عز الدين في مسائل قريبة من ذلك كالشرب من أنهارهم انتهى والظاهر الجواز وإن كان الورع خلافه ومن ذلك ما قاله الأصحاب من أنه يجوز المرور بملك غيره إذا لم يصر به طريقا للناس قاله العبادي في طبقاته وعليه يحمل إطلاق الأكثرين الجواز وظاهر أن محله فيما جرت العادة بالمسامحة بالمرور فيه وشركة كل منهم من رأس السكة إلى بابه لا إلى آخرها لأن ذلك محل تردده غالبا بخلاف باقيها وليس لغيرهم ولا لمن داره بأعلى السكة بكسر السين ويقال لها الدرب والزقاق إشراع جناح فيه وإن لم يضر إلا برضاهم جميعهم في الأولى وباقيهم في الثانية لأن تصرف الشخص في ملك غيره وفي المشترك إنما يجوز برضا مالكه وبرضا شريكه كما سيأتي وقوله بأعلى السكة شامل للعلو المطلق والعلو النسبي ليشمل جميع ما ليس بأقرب إلى آخرها مع أنه لو لم يشمل النسبي لفهم حكمه بالمساواة وظاهر كلامهم أنه لا يعتبر إذن المكتري لكن في الكفاية وغيرها عن أبي الفضل التميمي اعتباره أيضا إن تضرر به وبه أفتى البغوي ويقاس به الموصى له بالمنفعة
ويجوز للأقرب إلى آخر السكة إشراعه أي الجناح لأنه في خالص ملكه ولهم قسمة صحنه أي صحن الطريق غير النافذ كسائر المشتركات القابلة للقسمة فإن أراد الأسفلون لا الأعلون سد ما يليهم أو قسمته جاز لأنهم يتصرفون في ملكهم بخلاف الأعلين وذكر مسألة السد من زيادته ولو اتفقوا على سد رأس السكة لم يمنعوا منه لذلك و لم يفتحه بعضهم بغير رضا الباقين نعم إن سد بآلة نفسه خاصة فله فتحه بغير رضاهم ويؤخذ من كلامه ما صرح به أصله أنه لو امتنع بعضهم من سده لم يكن للباقين السد فإن وقف أحدهم داره مسجدا أو وجد ثم مسجد قديم كما فهم بالأولى وصرح به الأصل شاركهم المسلمون في المرور إليه فيمنعون من السد والقسمة كما صرح به الأصل ثم قال وعلى قياسه لا يجوز الإشراع عند الضرر وإن رضي أهل السكة لحق سائر المسلمين ومفهومه جواز الإشراع الذي لا يضر وإن لم يرض أهلها ومحله إذا لم يكن المسجد حادثا وإلا فإن رضي به أهلها فكذلك وإلا فلهم المنع من الإشراع إذ ليس لأحد الشركاء إبطال حق البقية من ذلك وكالمسجد فيما ذكر ما سبل أو وقف على جهة عامة كبئر ومدرسة ورباط نبه على ذلك الزركشي ولو فتح أحدهم فيه بابا آخر أو ميزابا آخر أسفل بابه أو ميزابه منع أي منعه من المفتوح بين بابه ورأس السكة سواء أسد الأول أم لا لأن الحق لغيره بخلاف من بابه بين المفتوح ورأس السكة أو مقابل المفتوح كما صرح بالأولى في الأصل وبالثانية في الروضة عن الإمام وتعقبه البلقيني فيها بأن المقابل للمفتوح مشارك في القدر المفتوح فيه فله المنع أو فتح ما ذكر أعلى ذلك اشترط لجوازه سد الأول وإنما جاز له هذا لأنه ترك بعض حقه فإن لم يسد الأول منع لتضرر بقية الشركاء بزيادة الزحمة بانضمامه إلى الأول قال الإسنوي ولو كان له دار بوسط السكة وأخرى بآخرها فالمتجه أنه يجوز لمن داره بينهما منعه من تقديم باب المتوسطة أي إلى آخر السكة لأنه وإن كان شريكا في الجميع لكن شركته بسببها إنما هو إليها خاصة وقد يبيع لغيره فيستفيد زيادة استطراق
فرع له في سكة قطعة أرض فبناها دورا وفتح لكل واحدة بابا جاز قاله البغوي في فتاويه وليس له فتح باب بين داريه إن كان بابهما جميعا أو باب أحدهما الأولى إحداهما إلى طريق غير نافذ أي ليس لمن له داران يفتحان إلى طريقين غير نافذين أو غير نافذ وشارع فتح باب بينهما لأنه يثبت له من كل طريق غير نافذ ممرا إلى الدار التي ليست به هذا ما نقله في الروضة عن العراقيين عن الجمهور وفيها عن الأصحاب أنه لو أراد رفع الحائط بينهما وجعلهما دارا واحدة وترك ما بينهما على حالهما جاز قطعا انتهى وهو مراد الرافعي بقوله أما إذا قصد
222
222
اتساع ملكه ونحوه فلا منع أي قطعا وصحح في المنهاج كالرافعي تبعا للبغوي عكس ما قاله المصنف لأنه تصرف مصادف للملك وليس لمن لا حق له في السكة إحداث جناح أو باب للاستطراق إلا برضا أهلها كما مر ومسألة إحداث الجناح لا حاجة إليها فإنه قدمها فلو سمره أي الباب الذي فتحه جاز والمراد أن فتحه ليسمره جائز
وكذا فتحه للاستضاءة كما صرح به الأصل لأن له رفع جميع الجدار فبعضه أولى وقيل لا يجوز لأن فتحه يشعر بثبوت حق الاستطراق فيستدل به عليه قال في الروضة وهو أفقه ومنع بما مر من تعليل الجواز وسمر بتخفيف الميم ويجوز تشديدها ولو أذنوا في إحداث جناح أو باب لمن يتوقف فتحه على إذنهم فلهم الرجوع عن الإذن متى شاءوا كالعارية نعم لا يجوز للشركاء الرجوع في مسألة الجناح بعد إخراجه كما صرح به الماوردي وابن الرفعة لأنه لا سبيل إلى قلعه مجانا لوضعه بحق ولا إلى قلعه مع غرم الأرش لأنه شريك وهو لا يكلف ذلك ولا إلى إبقائه بأجرة لأن الهواء لا أجرة له وهذا لا يرد على كلام الأصل لأنه اقتصر على مسألة فتح الباب وذلك لا يأتي فيه واقتصر أيضا على فتحه ممن لا حق له في السكة ونقل فيه عن الإمام أنه لا يلزمهم بالرجوع شيء بخلاف رجوعه في أرض أعارها لبناء أو غراس فإنه لا يقلع مجانا قال ولم أره لغيره والقياس أن لا فرق وفرق في المطلب بأنه هنا بنى في ملكه والمبنى باق بحاله لا يزال فلا غرم بخلاف البناء على الأرض فإن المعير يقلع فغرم الأرش والأولى أن يفرق بأن الرجوع هناك يترتب عليه القلع وهو خسارة فلم يجز الرجوع مجانا بخلافه هنا لا يترتب عليه خسارة لعدم اقتضائه لزوم سد الباب وخسارة فتحه إنما تترتب على الإذن لا على الرجوع مع أن فتحه لا يتوقف على الإذن وإنما المتوقف عليه الاستطراق
ويجوز مصالحتهم لمن يتوقف فتحه على إذنهم على بمعنى عن إحداث الباب بمال لأنه انتفاع بالأرض لا عن إحداث الجناح لأن الهواء لا يباع منفردا لأنه تابع ومنه علم أنه لا يجوز الصلح على إحداثه في الشارع وبه صرح الأصل في مبحثه ويكون المصالح شريكهم في السكة بقدر ما ملك بالمصالحة فهي بيع إلا إن قدر مدة فهي إجارة والمستثنى منه صادق بما إذا أطلقوا وبما إذا شرطوا التأبيد وقيد الأذرعي الجواز فيهما بما إذا لم يكن بالسكة مسجد أو نحوه كدار موقوفة على معين أو غيره وإلا فلا يجوز إذ البيع لا يتصور في الموقوف وحقوقه قال وأما الإجارة والحالة هذه فيتجه فيها تفصيل لا يخفى على الفقيه استخراجه ويجوز لمن داره في آخر السكة تقديم بابه فيما يختص به وجعل ما بينهما أي بين آخرها وبابه دهليزا بكسر الدال لأنه تصرف في ملكه وإن صالحه غيره بمال ليجري نهرا في أرضه فهو تمليك له أي للمصالح لمكان النهر بخلاف الصلح عن إجراء الماء على السقف و عن فتح باب إلى دار الجار فإنه يصح وليس تمليكا لشيء من السقف والدار لأن المقصود منهما في عقد الصلح عين الإجراء والاستطراق مع كونهما لا يقصد منهما ذلك في ذاتهما بخلاف الأرض وهذا لا ينافي فرق الأصل بين عدم الملك فيهما والملك في السكة بالصلح عن فتح باب فيها بأنها لا تراد إلا للاستطراق فإثباته فيها يكون نقلا للملك بخلافهما فإنه لا يقصد بهما الاستطراق وإجراء الماء
ولو قرئ غير بالمعجمة والراء لم يحتج للعناية المذكورة ومشتري حق إجراء النهر فيهما أي في السقف والدار كمشتري حق البناء عليهما في أن العقد ليس بيعا محضا ولا إجارة محضة بل فيه شائبة بيع وإجارة كما سيأتي بيانه والتصريح بهذا من زيادته هنا لكن في تعبيره بالنهر تجوز لأن إجراء مائه لا يأتي في السقف كما سيأتي ولو قال فيها بلا ميم أي في الأرض لسلم من ذلك
فرع للمالك إحداث الكوات والشبابيك ولو لغير الاستضاءة لأنه تصرف في ملكه
223
223
والكوات جمع كوة بفتح الكاف أفصح من ضمها وهي الطاقة و له حفر سرداب أحكمه بين داريه تحت الطريق النافذ لأنه لا يضر بالمارة لا تحت الطريق المسدود لأنه تصرف في ملك غيره أو في مشترك وهو ممنوع بغير إذن كما مر وبما تقرر علم أن الطريق يقال على النافذ وعلى غيره وبينه وبين الشارع عموم مطلق لأن الطريق عام في الصحاري والبنيان والنافذ وغيره والشارع خاص بالبنيان وبالنافذ
فصل له منع جاره من وضع جذع بالمعجمة أي خشبة ومن بناء على جداره لخبر لا ضرر ولا ضرار في الإسلام ولخبر الدارقطني والحاكم في صحيحه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه ولأنه انتفاع بملك الغير فأشبه البناء في أرضه والحمل على بهيمته وأما خبر الصحيحين لا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خشبة في جداره فأجيب عنه بأنه محمول على الندب وبأن الضمير في جداره لجاره لقربه أي لا يمنعه أن يضع خشبة في جدار نفسه وإن تضرر به من جهة منع الضوء والهواء ورؤية الأماكن المستظرفة ونحوها وخشبة روي بالإفراد منونا والأكثر بالجمع مضافا ولو أعاره له لذلك فله الرجوع قبل الوضع والبناء وبعدهما كسائر العواري فيقلع ذلك إن شاء بالأرش أي مع غرم أرش نقصه أو يبقى ذلك بالأجرة كما لو أعار أرضا للبناء وليس له التملك لذلك بقيمته بخلاف من أعار أرضا للبناء فإن له بعد رجوعه أن يتملكه بقيمته لأن الأرض أصل فلا تتبع البناء بل تستتبعه والجدار تابع فلا يستتبع فتعليل المصنف محله بعد قوله بخلاف من أعار أرضا للبناء ولا يخالف ما ذكر هنا ما يأتي في العارية من أنه لو أعار الشريك حصته من أرض للبناء ثم رجع لا يتمكن من القلع مع الأرش لما فيه من إلزام المستعير تفريغ ملكه عن ملكه لأن المطالبة بالقلع هنا توجهت إلى ما ملك غيره بجملته وإزالة الظرف عن ملك المستعير جاءت بطريق اللازم بخلاف الحصة من الأرض فنظير ما هناك إعارة الجدار المشترك ويجوز الصلح على بمعنى عن وضعه أي الجذع على الجدار بمال لأنه انتفاع بالجدار وهو إما بيع أو إجارة وسيأتي بيانهما بخلاف الصلح عن إشراع الجناح لأنه هواء محض أي لأنه صلح عن هواء محض وهذا علم مما مر وإن وجدناه أي الجذع موضوعا على الجدار ولم يعلم كيف وضع فالظاهر أنه وضع بحق فلا ينقض ويقضى له باستحقاقه دائما فلو سقط الجدار وأعيد فله إعادة الجذع ولمالك الجدار نقضه إن كان مستهدما وإلا فلا كما صرح به الأصل
فصل ليس للشريك بغير إذن شريكه تتريب الكتاب من الجدار المشترك بينهما و لا إحداث كوة ووتد فيه بكسر التاء أشهر من فتحها ونحو ذلك مما يضايق فيه عادة كما ليس له الانتفاع بسائر المشتركات بغير إذن إما بالإذن فله ذلك بشرط أن لا يكون بعوض في مسألة الكوة وإلا كان صلحا عن الضوء والهواء المجرد ذكره ابن الرفعة قال وإذا فتح بالإذن فليس له السد أيضا إلا به لأنه تصرف في ملك الغير وله الاستناد وإسناد المتاع إلى جدار شريكه وإلصاق جدار به إذا كان كل منهما لا يثقله ونحو
224
224
ذلك مما لا يضايق فيه عادة لأنه لا ضرر فيه ولو منع منه لأنه عناد محض وهكذا جدار الغير له ذلك فيه وإن منع منه لما ذكر وهو كالاستضاءة بسراج غيره والاستظلال بجداره ولهما أي الشريكين قسمته عرضا في كمال الطول وعكسه أي قسمته طولا في كمال العرض بالتراضي لا بالجبر فلو طلبها أحدهما وامتنع الآخر لم يجبر لاقتضاء الإجبار القرعة وهي ممتنعة هنا لأنها ربما أخرجت لكل منهما ما يضر الآخر في انتفاعه بملكه فقوله من زيادته فقط تأكيد لما قبله والارتفاع للجدار من الأرض سمك بفتح السين والنزول منه إليها عمق بضم المهملة لا طول وعرض له بل طوله امتداده من زاوية البيت إلى زاويته الأخرى مثلا وعرضه هو البعد النافذ من أحد وجهيه إلى الآخر و كيف يقسم الجدار هل يشق بالمنشار أو يعلم بعلامة كخط فيه وجهان الظاهر جواز كل منهما ولا نظر في الأول إلى أن شق الجدار إتلاف له وتضييع لأنهما يباشران القسمة لأنفسهما فهو كما لو هدماه واقتسما النقض ويجبر على قسمة عرضه أي الجدار قبل بنائه أو بعد هدمه إذا طلبها منه شريكه ولو كانت عرضا في كمال طول ليختص كل منهما فيما إذا اقتسما عرضا في كمال الطول بما يليه فلا يقتسمان فيه بالقرعة لئلا يخرج بها لكل منهما ما يلي الآخر بخلاف ما إذا اقتسما طولا في كمال العرض وقوله ليختص كل بما يليه من زيادته وفارق ما ذكر في عرصة الجدار ما مر فيه بأنها مستوية ويتيسر قسمتها غالبا بخلاف الجدار
فصل لو هدمه أي الجدار المشترك بين اثنين أحدهما بغير إذن الآخر لاستهدامه أو لغيره وفي نسخة لو هدمه أحد لزمه الأرش أي أرش النقص لا إعادة البناء لأن الجدار ليس مثليا وعليه نص الشافعي في البويطي وإن نص في غيره على لزوم الإعادة والترجيح من زيادته هنا ولا إجبار على إعادة الجدار المشترك بين الملكين وفي نسخة المالكين ولا على إعادة البيت المشترك إذا انهدم كل منهما ولو بهدم الشريكين له لاستهدامه أو لغيره كما لا يجبر على زرع الأرض المشتركة ولأن الممتنع يتضرر أيضا بتكليفه العمارة نعم يجبر في الأرض على إجارتها على الصحيح وبها يندفع الضرر وذكر البيت من زيادته قال في الأصل ويجري ذلك في النهر والقناة والبئر المشتركة واتخاذ سترة بين سطحيهما وإصلاح دولاب بينهما تشعث إذا امتنع أحدهما من التنقية أو العمارة ولا على سقي النبات من شجر وغيره وهذا من زيادته وبه صرح القاضي وغيره وصرح الجوري بأنه يجبر عليه اتفاقا ونقل في المطلب المقالتين قال الأذرعي والأوفق بكلامهم في أواخر النفقات كلام القاضي ولا على إعادة السفل استقلالا أو معاونة لصاحب العلو أي لينتفع به فلو كان علو الدار لواحد وسفلها لآخر وانهدمت فليس للأول إجبار الثاني على إعادة السفل ولا للثاني إجبار الأول على معاونته في إعادته والسفل والعلو بضم أولهما وكسره
بل انتقالية لا إبطالية للشريك في الجدار المشترك بين الملكين بناؤه بماله أي بآلته فليس للآخر منعه لأن له غرضا في وصوله إلى حقه بخلاف بنائه بآلة الآخر أو بالآلة المشتركة ثم ما أعاده بآلته ملكه يضع عليه ما شاء وينقضه إذا شاء إلا أن يكون للآخر عليه قبل ذلك بناء كما سيأتي في كلامه قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ فإن قيل أساس الجدار بينهما فكيف جوزتم له بناءه بآلته وأن ينفرد بالانتفاع به يغير إذن شريكه قلنا لأن له حقا في الحمل عليه
225
225
فكان له الإعادة قال في الأصل ولو قال الآخر لا تنقضه لا غرم لك نصف القيمة لم تلزمه إجابته كابتداء العمارة ولو أنفق على البئر والنهر فليس له منع الشريك من الانتفاع بالماء بسقي الزرع وغيره وله منعه من الانتفاع بالدولاب والبكرة المحدثين فإن كان لشريكه عليه أي الجدار المنهدم جذع خير الباني له بين تمكين الشريك من إعادته أي الجذع أو نقض الوجه ونقض بنائه الذي أعاده ليبنى معه الآخر ويعيد جذعه
ولصاحب العلو بناؤه أي السفل بماله فقط ويكون المعاد ملكه ويأتي فيه ما مر وقوله فقط تأكيد لما قبله ولصاحب السفل السكنى في المعاد لأن العرصة ملكه وليس له الانتفاع به بفتح كوة وغرز وتد ونحوهما وللأعلى هدمه لأنه ملكه وكذا للأسفل هدمه إن بناه أي الأعلى قبل امتناعه أي الأسفل من البناء ما لم يبن الأعلى علوه فإن بناه فللأسفل تملك السفل بالقيمة وليس له هدمه أما إذا بنى السفل بعد امتناع الأسفل فليس له تملكه ولا هدمه لتقصيره سواء أبنى عليه الأعلى علوه أم لا ربما قاله كغيره يؤخذ أن له البناء بآلته وإن لم يمتنع الأسفل منه ومثله الشريك في الجدار المشترك ونحوه وفي ذلك وقفة
فرع لو تعاون الشريكان ببدنهما أو بإخراج مال في العمارة للجدار المشترك بينهما نصفين بعد انهدامه بنقضه بكسر النون وضمها وشرطا التفاضل بينهما فيه لم يجز لأنه شرط عوض من غير عوض فلو أعاده أحدهما به أي بنقضه أو بآلة نفسه بإذن الآخر فيهما ليكون له الثلثان منه جاز وكان السدس الزائد في مقابلة عمله في نصيب الآخر في الأولى وثلث آلته وعمله في مقابلة سدس العرصة في الثانية هذا إن شرط له السدس من النقض في الأولى ومن العرصة في الثانية وللآخر فيها ثلث الآلة في الحال وعلمت الآلة و علم وصف الجدار بالوجه إلا آتى بيانه فإن شرط له ذلك بعد البناء أو لم تعلم الآلة أو وصف الجدار ولم يصح للجهل في الأخيرتين ولعدم صحة تأجيل الأعيان في الأولى
فصل لصاحب العلو وضع الأثقال المعتادة على السقف المملوك للآخر أو المشترك بينهما وللآخر التعليق المعتاد به كثوب ولو بوتد يتده فيه وكذا الاستكان به كما فهم بالأولى وصرح به الأصل لأنا لو لم نجوز ذلك لعظم الضرر وتعطلت المنافع بخلاف الجدار المشترك وغيره ليس لأحد الشريكين مثلا أن ينتفع به ما يضايق فيه عادة كما مر وفرق بينهما باتباع العرف وقد يفرق بأن الأعلى ثبت له الانتفاع قطعا فثبت للأسفل ذلك تسوية بينهما وفي الجدار لم يثبت لأحدهما ذلك فلم يثبت للآخر تسوية بينهما وفي جواز غرز الوتد لصاحب العلو فيما يليه وجهان أحدهما نعم كالأسفل وهو الظاهر والثاني لا لندور حاجته بخلاف التعليق
فرع تجوز إعارة لعلو من جدار ونحوه للبناء عليه وإجارته لذلك كسائر الأعيان التي تعار وتؤجر فإن باعه حق البناء أو العلو بأن قال له بعتك حق البناء أو العلو للبناء عليه بثمن معلوم استحقه أي حق البناء عليه بخلاف ما إذا باعه وشرط أن لا يبني عليه أو لم يتعرض للبناء عليه لكن للمشتري أن ينتفع به بما عدا البناء من مكث وغيره كما صرح به السبكي تبعا للماوردي وهو أي العقد المذكور متردد بين البيع لكونه مؤبدا والإجارة لوروده على المنفعة فلا تملك به عين وإن أوهم خلافه تعبير الشافعي وكثير من أصحابه ببيع السقف للبناء عليه
226
226
فلو عقد على ذلك بلفظ الإجارة صح وتأبد الحق إن لم يؤقت بوقت وإلا فلا يتأبد ويتعين لفظ الإجارة وجاز تأبيد هذه الحقوق للحاجة إليها على التأبيد كالنكاح والعقد في صورة الإجارة التي لا تأقيت فيها عقد إجارة اغتفر فيه التأبيد لما ذكر ومن هدم السفل مالكه أو غيره طولب بقيمة حق البناء على العلو للحيلولة بينه وبين حقه سواء أبنى الأعلى أم لا مع غرم الأرش له أي أرش نقص البناء إن كان قد بنى وإلا فلا أرش فإن أعيد السفل استعيدت القيمة لزوال الحيلولة وله البناء إن لم يكن بنى وإعادته إن كان قد بنى وكذا لو انهدم بنفسه وأعيد فلا ينفسخ هذا العقد بعارض هدم وانهدام لالتحاقه بالبيوع ذكره الأصل تنبيه لا يغرم الهادم أجرة لبناء لمدة الحيلولة قال الإمام لأن الحق على التأبيد وما يتقدر لا ينحط مما لا يتناهى قال الإسنوي وفي كلامه إشارة إلى الوجوب فيما إذا وقعت الإجارة على مدة والمتجه عدم الوجوب لأن وجوب الأجرة للحيلولة إنما محله عند قيام العين ولم يصرحوا بوجوب إعادة الجدار على مالكه وينبغي أن يقال إن هدمه مالكه عدوانا فعليه إعادته وإن هدمه أجنبي أو مالكه وقد استهدم لم تجب لكن يثبت للمشتري الفسخ إن كان ذلك قبل التخلية
فرع يشترط في صحة الإذن في البناء بيان مكان البناء ليتميز عن غيره وهذا أولى من قول أصله يجب بيان قدر الموضع المبني عليه طولا وعرضا إذ ليس فيه بيان مكان البناء وأما بيان قدره طولا وعرضا فمعلوم من قوله وكذا سمكه أي البناء وطوله وعرضه وصفته ككونه منضدا أو خالي الجوف وكونه من آجر وجص أو من لبن وطين ونحوها وكيفية السقف المحمول على البناء ككونه خشبا أو قصبا أو جريدا أو إزجا لأن الغرض يختلف بذلك سواء كان الإذن فيه بعوض أم لا وعلم من كلامه ما صرح به أصله أنه لا يشترط التعرض لوزن ما يبنيه عليه لأن التعريف في كل شيء يحسبه وتغني مشاهدة الآلة عن كل وصف هذا كله إذا أذن في البناء على غير الأرض من جدار أو نحوه فإن بنى يعني فإن أذن في البناء على الأرض كفى بيان مكان البناء لأن الأرض تحمل كل شيء فلا يختلف الغرض إلا بقدر مكان البناء قال الأذرعي وغيره وسكنوا عن حفر الأساس وينبغي اشتراط بيان قدره لاختلاف الغرض به فإن المالك قد يحفر سردابا أو غيره تحت البناء لينتفع بأرضه ويمنع من ذلك مزاحمة تعميق الأساس بل ينبغي أن لا يصح إيجار الأرض للبناء عليها ولا بيع حق البناء فيها إلا بعد حفر الأساس ليرى ما يؤجره أو يبيعه أو يبيع حقوقه اللهم إلا أن يكون وجه الأرض صخرة لا يحتاج أن يحفر للبناء أساس أو يكون البناء خفيفا لا يحتاج إلى أساس والبحث الأخير محله إذا آجره ليبني على الأساس لا فيما إذا آجره الأرض ليبني عليها ويبين له موضع الأساس وطوله وعرضه وعمقه أخذا من كلام الشامل الآتي على ما يأتي بيانه
فصل لو تنازعا في سفل عليه علو للمدعى عليه فأقر به للمدعي فاصطلحا على أن يبني المدعي على العلو ويكون السفل للمدعى عليه فهو بيع للسفل بحق البناء على العلو أو ادعى عليه بيتا فأقر له به وتصالحا على أن يبني المقر على سطحه أي البيت فهو عارية له فصل يجوز بيع حق إجراء ماء المطر لا غيره من سطح المشتري على السطح أي سطح البائع لينزل الطريق وإجارته وإعارته كما يجوز ذلك على الأرض هذا إن عرفت السطوح التي يجري الماء منها وإليها ومجرى الماء كما ذكره الأصل لاختلاف الغرض بها ولا بأس بالجهل بقدر ماء المطر لأنه لا يمكن معرفته وهذا عقد جوز للحاجة وخرج بماء المطر ما صرح به من زيادته بقوله لا غيره كماء نهر أو عين أريد سقي الأرض به لما سيأتي في ماء الغسالة فإن بنى على سطحه بعد العقد ما يمنع النفوذ لماء المطر نقبه المشتري والمستأجر وأجريا الماء فيه لملكهما المنفعة لا المستعير لأن بناء ذلك رجوع في العارية ولا يجب على مستحق إجراء الماء في ملك غيره مشاركته أي الغير في العمارة له إذا انهدم ولو بسبب الماء لأنها تتعلق بالآلات وهي لمالكها ولأن الانهدام بسبب الماء تولد من مستحق
227
227
وأما الأرض فلا حاجة في العارية لها إلى بيان لأنه يرجع فيها متى شاء والأرض تحمل ما تحمل وإن استأجرها لإجراء الماء فيها وجب بيان موضع الساقية وهي المجراة وطولها وعرضها وعمقها وقدر المدة إن كانت الإجارة مقدرة بها وإلا فلا يشترط بيان قدرها كنظيره فيما مر في بيع حق البناء فإن بقي الكلام على عمومه كما هو مقتضى كلامهم أشكل بذلك قال في الشامل ولو صالح على أن يجري الماء في ساقية في أرض غيره فهي إجارة قال في الأم ويجب تقدير المدة قال أصحابنا وإنما يصح إذا كانت الساقية محفورة وإلا فلا يصح لأن المستأجر لا يملك الحفر ولأن ذلك إجارة لساقية غير موجودة فاشتراطه كون الساقية محفورة إنما ذكر في العقد على إجراء الماء في ساقية لا في العقد على إجرائه في أرض كما صنع الأصل بل ولا يناسب ذكره فيه لأنه لا يجامع اشتراط بيان موضع الساقية وطولها وعرضها وعمقها فلهذا تركه المصنف وقول الشامل إن هذا إجارة يخالفه كلام الكفاية فإنه يقتضي أن المعروف أنه بيع قال سواء وجه العقد إلى الحق بأن قال صالحتك على إجراء الماء أم إلى العين بأن قال صالحتك على مسبل الماء والأوجه فيما إذا وجهه إلى الحق أنه عقد فيه شائبة بيع وإجارة وذكر الأصل أنه إن باعها فإن قال بعتك مسيل الماء وجب بيان طولها وعرضها لا عمقها أو بعتك حق مسيل الماء فكما مر في بيع حق البناء وكان المصنف تركه للعلم به مما مر
وليس للمستحق في المواضع كلها دخول الأرض من غير إذن مالكها إلا للتنقية للنهر وعليه أن يخرج من أرضه ما يخرجه من النهر تفريغا لملك غيره وليس لمن أذن له في إجراء ماء المطر على السطح طرح الثلج عليه ولا أن يترك الثلج حتى يذوب ويسيل إليه كما صرح به أصله ولا أن يجري فيه ماء الغسالات لأن ذلك غير مأذون فيه بل ولا يجوز الصلح عليهما أي على طرح الثلج عليه وإجراء ماء الغسالات عليه بمال لأن الحاجة لا تدعو إليه وفيهما جهالة وفي الأول ضرر ظاهر ومن أذن له في إلقاء الثلج لا يجري المطر ولا غيره فرع لو كان يجري ماء في ملك غيره فادعى المالك أنه كان عارية قبل قوله كما أفتى به البغوي
فرع المصالحة على بمعنى عن قضاء الحاجة من بول أو غائط وطرح القمامة بضم القاف أي الكناسة ولو زبلا في ملك الغير على مال إجارة بشروطها القياس أن يقال عقد فيه شائبة بيع وإجارة أو يقال بيع بشرطه أو إجارة بشرطها واغتفر الجهل بذلك للحاجة وتعبيره في الأولى بالملك أعم من تعبير أصله بالحش وكذا تكون المصالحة على بمعنى عن المبيت على سقف لغيره بمال إجارة بشروطها وفيه ما مر آنفا ولمشتري الدار التي استأجر أو اشترى بائعها حق إجراء الماء على سطح غيرها أو حق المبيت عليه ما لبائعها من إجراء الماء لا المبيت لأن الإجراء من مرافق الدار بخلاف المبيت فرع له تحويل أغصان شجرة لغيره مالت إلى هواء ملكه الخاص أو المشترك وقد امتنع المالك لها من تحويلها عن هوائه و له قطعها ولو بلا إذن قاض إن لم تتحول أي لم يمكن تحويلها وقول الأذرعي إن مستحق منفعة الملك بوصية أو وقف أو إجارة كمالك العين في ذلك مبني على أن مالك المنفعة يخاصم وعدول المصنف إلى تعبيره بهوائه عن تعبير أصله
228
228
بهواء ملكه قد يوافق ما قاله الأذرعي ولا يصح الصلح عنها أي عن الأغصان أي إبقائها بمال إن لم تستند إلى جدار لأنه اعتياض عن مجرد الهواء وكذا لو استندت إلى جدار وهي رطبة لزيادتها فلا يعرف قدرها وثقلها بخلاف اليابسة والمراد باستنادها إليه اعتمادها عليه بثقلها لا مجرد استنادها إليه نبه عليه الأذرعي وانتشار العروق في أرضه كانتشار الأغصان في هواء ملكه وكذا ميل الجدار إلى هواء الجار فيأتي فيهما ما تقرر في الأغصان قال في المطلب وليس له إذا تولى القطع والهدم بنفسه طلب أجرة على ذلك قال ولو دخل الغصن المائل إلى هواء ملكه في برنية ونبت فيها أترجة وكبرت قطع الغصن والأترجة لتسلم البرنية لاستحقاق قطعهما قبل ذلك قاله الماوردي والروياني ثم قالا وهذا بخلاف ما لو بلع حيوان غيره جوهرة له لا يذبح لأن له حرمة الباب الثالث في التنازع متى ادعى شخص على اثنين دارا في يدهما فصدقه أحدهما في أن نصيبه له وكذبه الآخر وصالحه المصدق بمال فللمكذب الشفعة فيها وإن ملكاها بسبب واحد كإرث وشراء معا لأنا حكمنا في الظاهر بصحة الصلح ولا يبعد انتقال ملك أحدهما فقط وإن ملكا بسبب إلا أن صدر منه أي المكذب ما يقتضي أن الشريك المصدق مالك لنصيبه في الحال فلا شفعة له لاعترافه ببطلان الصلح واستشكل ثبوت الشفعة فيما ذكر بما يأتي في الإيلاء في دار بيد اثنين ادعى أحدهما جميعها والآخر نصفها فصدقنا الثاني بيمينه لليد ثم باع الأول نصيبه الثالث فأراد الآخر أخذه بالشفعة وأنكر المشتري ملكه من أنه يحتاج إلى البينة ويمينه أفادت نفي ما يدعيه شريكه لا إثبات الملك له ويجاب بأن المشتري هنا لم ينكر ملك المكذب وهناك أنكره لك مدعي النصف فليس لمدعيه الأخذ إلا أن يقيم بينة بملكه ثم رأيت ابن الرفعة أجاب بذلك
وإن ادعيا عليه أي وإن ادعى اثنان على ثالث ملك دار في يده بالإرث أو الشراء مثلا معا فأقر لأحدهما بنصفها اشتركا أي المدعيان فيه لأن كلا من الموروث والمشتري مشترك فالخالص منه مشترك كما لو تلف بعضه وبقي بعضه لا إن كانا ادعيا مع ذلك القبض له بأن قالا ورثناه أو اشتريناه معا وقبضناه ثم غصبناه فلا مشاركة فيه لأنه إذا حصل في يدهما كان كل منهما قابضا لحقه وانقطع حقه عما في يد الآخر وكذا لو ادعياه وتعرضا لاختلاف السبب أو أطلقا نعم إن روجع المقر له في الأخيرة فادعى اتحاده فهو كما لو ادعاه مع صاحبه أولا قاله الإمام قال ولو اشترياه دفعتين فالوجه القطع بعدم المشاركة فإن الشراء يتميز عن الشراء تمييز الشراء عن الهبة والتمييز هو المعتبر ويقاس بما قاله الإرث فلفظة معا في كلام المصنف راجعة إلى الإرث والشراء والتصريح بها في الإرث من زيادته والعبرة في اتحاد الإرث باتحاد المورث وفي اتحاد الشراء باتحاد الصفقة قال في الأصل وإن قالا اتهبنا معا وقبضنا معا فوجهان أصحهما أنه كالإرث
والثاني لا مشاركة وحيث شركنا بين الاثنين فصالحه أي الثالث المصدق بإذن المكذب بفتح ثالثهما بمال صح وإلا أي وإن لم يكن بإذنه بطل في نصيب الشريك المكذب وتفرقت الصفقة وإن أقر الثالث لأحدهما بالكل وقد اعترف المقر له أنه بينهما كما قال
229
229
الكل بيننا شاركه فيه وإلا أي وإن لم يعترف المقر له بذلك بل اقتصر على دعوى النصف أخذ الجميع إن صدق المقر بعد الإقرار بالكل ولا يضر اقتصاره على دعوى النصف أولا فلعله إنما ادعاه لكون البينة لا تساعده على غيره أو يخاف الجحود الكلي وإنما اعتبر تصديق المقر له المقر هنا مع أنه سيأتي في الإقرار أنه لا يعتبر فيه إلا عدم تكذيبه له لأن دعواه مع الآخر تقتضي أنه لا يستحق إلا النصف فاعتبر تصديقه لرفع ذلك وإن لم يصدقه في النصف الآخر بل أقر به لصاحبه أخذه صاحبه لتعينه له بإسقاط الآخرين حقهما مع أن الحق لا يعدوهم وإن لم يقر له أي لصاحبه أيضا به وقف النصف في يد المدعى عليه كما سيأتي بيانه في الإقرار
وإن تداعيا جدارا بينهما أي بين ملكيهما وهو متصل بجدار أحدهما اتصالا لا يمكن إحداثه بعد بناء جداره بأن اتصل به اتصال تداخل لنصف لبنات لكل منهما في الآخر في جميع السمك المشترك بينهما أو كان له عليه أزج بفتح الهمزة والزاي وبالجيم أي عقد قد أميل من أصله قليلا قليلا أو بنى الجدار الذي بينهما على خشبة طرفها في ملكه أي ملك أحدهما فاليد له عليه وعلى الخشبة المذكورة لظهور أمارة الملك بذلك فيحلف ويحكم له بالملك إلا أن تقوم بينة بخلافه ولو كان الجدار مبنيا على تربيع أحد الملكين زائدا أو ناقصا بالنسبة إلى ملك الآخر فهو كالمتصل بجدار أحدهما اتصالا لا يمكن إحداثه ذكره صاحب التنبيه وأقره عليه النووي في تصحيحه وإلا أي وإن لم يتصل به كما ذكر بأن كان منفصلا عن جداريهما أو متصلا بهما اتصالا يمكن إحداثه أو لا يمكن أو متصلا بأحدهما اتصالا لا يمكن إحداثه بأن وجد الاتصال في بعضه أو أميل الأزج الذي عليه بعد ارتفاعه أو بنى الجدار على خشبة طرفاها في ملكيهما فلهما اليد عليه لعدم المرجح فقوله
ولو اتصل بجداريهما فهو في يدهما وكذا إن لم يتصل تصريح بما علم ولعلهما نسختان جمع بينهما فإن أقام أحدهما بينة قضي له به وإلا حلف كل منهما للآخر على النصف الذي يسلم له فإن حلفا أو نكلا جعل الجدار بينهما بظاهر اليد وإن حلف من ابتدئ بيمينه ونكل الآخر حلف الأول اليمين المردودة وقضي له بالكل وإن نكل الأول ورغب الثاني في اليمين فقد اجتمع عليه يمين النفي للنصف الذي ادعاه الأول ويمين الإثبات للنصف الذي ادعاه هو فيكفيه يمين واحدة يجمع فيها النفي والإثبات كما يعلم ذلك في الدعاوى والبينات ولا ترجيح بالنقش بظاهر الجدار كالصورة والكتابات المتخذة من جص أو آجر أو غيره والطاقات والمحاريب التي بباطنه والجذوع وتوجيه البناء أي جعل أحد جانبيه وجها كأن يبنى بلبنات مقطعة وتجعل الأطراف الصحاح إلى جانب وموضع الكسر إلى جانب ومعاقد القمط بكسر القاف وإسكان الميم وبضمهما لكنه بضمهما جمع قماط والمراد به معنى القمط وهو حبل رقيق يشد به الجريد ونحوه وإنما لم يرجح بهذه الأشياء لأن كون الجدار بين الملكين علامة قوية في الاشتراك فلا يغير بأسباب ضعيفة معظم القصد بها الزينة كالتحصيص والتزويق ولأن الجذوع تشبه الأمتعة فيما لو تنازع اثنان دارا بيدهما ولأحدهما فيها أمتعة فإذا حلفا بقيت الجذوع بحالها لاحتمال أنها وضعت بحق من إعارة أو إجارة أو بيع أو قضاء قاض يرى الإجبار على الوضع والذي ينزل عليه منها الإعارة لأنها أضعف الأسباب فلمالك الجدار قلع الجذوع بالأرش أو الإبقاء بالأجرة وإن تنازع صاحب العلو والسفل في سقف لا يمكن إحداثه بعد بناء العلو كالأزج الذي لا يمكن عقده على وسط الجدار بعد امتداده في العلو فاليد للأسفل عليه وإلا أي وإن أمكن إحداثه بأن يكون السقف عاليا فينقب وسط الجدار وتوضع رأس الجذوع في النقب فلهما اليد عليه لما مر في الجدار أو تنازعا في الدهليز أو العرصة فمن الباب إلى المرقى مشترك بينهما لأن لكل منهما يدا وتصرفا بالاستطراق ووضع الأمتعة وغيرها والباقي للأسفل لاختصاصه به يدا وتصرفا والسلم الكائن في المرقى أي موضع الرقي للأعلى ولو لم يسمر لعود منفعته إليه وما قاله فيما إذا لم يسمر هو ما نقله ابن
230
230
كج عن الأكثرين ونقل عن ابن خيران أنه للأسفل كسائر المنقولات قال في الأصل وهو الوجه فإن كان غير المسمر في بيت للأسفل فهو في يده أو في غرفة للأعلى ففي يده والبيت الذي تحت الدرجة أي درجة السلم بينهما فلو كان تحته موضع حب بضم الحاء أي خابية أو جرة فللأعلى ما قاله في البيت وما بعده غير صحيح ولا مطابق لأصله والذي قاله الأصل فيهما إنما هو في المرقى حيث قال وإن كان المرقى مثبتا كسلم مسمر فللأعلى لعود نفعه إليه وكذا إن كان مبنيا إذا لم يكن تحته شيء فإن كان تحته بيت فهو بينهما كسائر السقوف أو موضع حب أو جرة فللأعلى عملا بالظاهر مع ضعف منفعة الأسفل
كتاب الحوالة هي بفتح الحاء أفصح من كسرها من التحول والانتقال يقال حالت الأسعار إذا انتقلت عما كانت عليه وفي الشرع عقد يقتضي نقل دين من ذمة إلى ذمة وتطلق على انتقاله من ذمة إلى أخرى والأصل قبل الإجماع خبر الصحيحين مطل الغني ظلم وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع بإسكان التاء في الموضعين أي فليحتل كما رواه هكذا البيهقي ولها ستة أركان محيل ومحتال ومحال عليه ودين للمحتال على المحيل ودين للمحيل على المحال عليه وصيغة وكلها تؤخذ من كلامه الآتي وإن سمى بعضها شروطا يستحب قبولها على مليء للخبر السابق وصرفه عن الوجوب القياس على سائر المعاوضات وخبر لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه ويشبه كما قال الأذرعي أنه يعتبر في استحباب قبولها على مليء كونه وفيا وكون ماله طيبا ليخرج المماطل ومن في ماله شبهة وهي بيع دين بدين جوز للحاجة ولهذا لم يعتبر التقابض في المجلس وإن كان الدينان ربويين فهي بيع لأنها إبدال مال بمال فإن كلا من المحيل والمحتال يملك بها ما لم يملكه قبلها لا استيفاء لحق بأن يقدر أن المحتال استوفى ما كان له على المحيل وأقرضه المحال عليه وشروطها ثلاثة الأول رضا المحيل والمحتال لأن للمحيل إيفاء الحق من حيث شاء فلا يلزم بجهة وحق المحتال في ذمة المحيل فلا ينتقل إلا برضاه كما في بيع الأعيان ومعرفة رضاهما بالصيغة كما سيأتي وعبر كغيره هنا بالرضا تنبيها على أنه لا يجب على المحتال الرضا بالحوالة وتوطئة لقوله لا المحال عليه فلا يشترط رضاه لأنه محل الحق والتصرف كالعبد المبيع ولأن الحق للمحيل فله أن يستوفيه بغيره كما لو وكل غيره بالاستيفاء والرضا أي المراد به هو الإيجاب والقبول كما في البيع ونحوه ولا يتعين لفظ الحوالة بل هو أو ما يؤدي معناه ك نقلت حقك إلى فلان أو جعلت ما أستحقه على فلان لك أو ملكتك الدين الذي عليه بحقك وقوله أحلني كقوله بعني فتصح الحوالة به وظاهر الخبر كما في المطلب إن أتبعتك على فلان كأحلتك عليه قال المتولي وهل تنعقد بلفظ البيع إن راعينا اللفظ لم تنعقد أو المعنى انعقدت كالبيع بلفظ السلم ولو قال أحلتك على فلان بكذا ولم يقل بالدين الذي لك علي فهو كناية كما يؤخذ من كلامهم أواخر الباب وصرح البلقيني وغيره بتصحيحه
الشرط الثاني أن تكون الحوالة بدين مثلي أو متقوم لازم كالثمن في زمن الخيار يجوز الاعتياض عنه وهو ما عبر عنه أصله بكونه مستقرا أو بدين أصله اللزوم كالثمن في زمن الخيار فلا تصح بالعين لما مر أنها بيع دين
231
231
بدين ولا بالدين قبل ثبوته ولا بدين غير لازم ولا أصله اللزوم كدين الجعالة كما يأتي بيانه ولا بما لا يجوز الاعتياض عنه كدين السلم كما ذكره بقوله فلا تصح بدين السلم ولا عليه وتصح بثمن مبيع لم يقبض بأن يحيل به المشتري البائع على ثالث وعليه بأن يحيل البائع غيره على المشتري ولو في مدة الخيار فيهما لأنه يئول إلى اللزوم والخيار عارض فيه فيعطى حكم اللزوم ولا يضر عدم استقراره بمعنى أنا لا نأمن انفساخ العقد فيه بتلف مقابله لأنا لا نعني باستقراره هنا الأمن من ذلك بل جواز بيعه ويبطل الخيار في الحوالة بالثمن لتراضي عاقديها ولأن مقتضاها اللزوم فلو بقي الخيار فات مقتضاها وكذا في الحوالة عليه يبطل في حق البائع لرضاه بها ولمقتضاها السابق لا في حق مشتر لم يرض بها فإن رضي بها بطل في حقه أيضا وقيل لا يبطل الخيار فيما ذكر والترجيح من زيادته واستشكل صحة الحوالة في زمن الخيار إذا كان للبائع أو لهما لأن الثمن لم ينتقل عن ملك المشتري وأجيب بأن البائع إذا أحال فقد أجاز فوقعت الحوالة مقارنة للملك وذلك كاف فإن قلت هذا يشكل بامتناع بيع البائع الثمن المعين في زمن الخيار إذا كان له قلت لما توسعوا في بيع الدين بالدين توسعوا في بيعه فيما ذكر بخلاف ذلك فإن فسخ المشتري البيع في زمن خياره بطلت لارتفاع الثمن وهذا من زيادته وكأنه قاسه على ما فرعه الأصل على الوجه القائل بعدم بطلان الخيار فيما ذكر وهو مخالف لعموم ما سيأتي من أن الحوالة على الثمن لا تبطل بالفسخ إلا أن يستثنى من ذاك الفسخ بالخيار وهو بعيد
وتصح حوالة المكاتب سيده بمال الكتابة لوجود اللزوم من جهة السيد والمحال عليه فيتم الغرض منها ولصحة الاعتياض عنه كما نص عليه في الأم لكن جرى المصنف كأصله في باب الكتابة على عدم صحته فتشكل صحة الحوالة به بعدم صحتها بدين السلم وقد يفرق بأن الشارع متشوف للعتق وفرق البلقيني بأن السيد إذا احتال بمال الكتابة لا يتطرق إليه أن يصير الدين لغيره لأنه إن قبضه قبل التعجيز فواضح وإلا فهو مال المكاتب وصار بالتعجيز للسيد بخلاف دين السلم قد ينقطع المسلم فيه فيؤدي إلى أن لا يصل المحتال إلى حقه لا حوالة السيد غيره عليه أي على مال الكتابة فلا تصح لعدم لزومه على المحال عليه إذ له إسقاطه فلا يمكن إلزامه الدفع للمحتال ولو أحال السيد بدين معاملة على مكاتبه جاز لأن المكاتب يجبر على أدائه بخلاف مال الكتابة وكلام الرافعي يقتضي عدم جوازها حيث قال نقلا عن المتولي إن قلنا ببقاء دين المعاملة لو عجز نفسه صحت الحوالة عليه وإلا فلا ولو أحال المكاتب على سيده بدين معاملة جاز كما فهم بالأولى من كلام المصنف والحوالة بإبل الدية وعليها لا تصح للجهالة بصفاتها ولا تصح الحوالة للساعي ولا للمستحق بالزكاة ممن هي عليه ولا عكسه وإن تلف النصاب بعد التمكن لامتناع الاعتياض عنها ولا الحوالة في الجعالة بدينها أو عليه قبل التمام للعمل لعدم ثبوت دينها حينئذ بخلافه بعد التمام فرع لو أحال على من لا دين عليه لم تصح الحوالة ولو رضي بها لعدم الاعتياض إذ ليس عليه شيء يجعله عوضا عن حق المحتال فإن تطوع بأداء دين المحيل كان قاضيا دين غيره وهو جائز
الشرط الثالث اتفاق الدينين جنسا وقدرا وحلولا وتأجيلا وصحة وتكسرا وجودة ورداءة ولو في غير الربوي لأن الحوالة ليست على حقيقة المعاوضات وإنما هي معاوضة إرفاق جوزت للحاجة فاعتبر فيها الاتفاق كما في القرض ويشترط العلم باتفاقهما كما يعلم مما مر في مسألة الحوالة بإبل الدية وعليها فلو جهلاه أو أحدهما لم تصح الحوالة وإن اتفق الدينان في نفس الأمر لأنها معاوضة فلا بد من علمهما
232
232
بحال العوضين وأفهم كلامه أنه لا يعتبر اتفاقهما في الرهن ولا في الضمان وهو كذلك بل لو أحاله بدين أو على دين به رهن أو ضامن انفك الرهن وبرئ الضامن لأن الحوالة كالقبض بدليل سقوط حبس المبيع والزوجة فيما إذا أحال المشتري بالثمن والزوج بالصداق ويفارق المحتال الوارث في نظيره من ذلك بأن الوارث خليفة مورثه فيما ثبت له من الحقوق ولو شرط العاقد في الحوالة رهنا أو ضمينا من المحيل أو المحال عليه إلى أن يسقط حق المحتال بقبض أو غيره جاز هذا من زيادته وهو تفريع على أن الحوالة بيع عين بدين كما صرح به الروياني وغيره والأصح أنها بيع دين بدين كما مر وعليه فالأقرب كما قال الأذرعي عدم جواز ذلك وبه جزم في الأنوار
فصل المحيل يبرأ بالحوالة عن دين المحتال والمحال عليه يبرأ عن دين المحيل ويلزم الدين المحال به المحال عليه للمحتال لأن ذلك هو فائدة الحوالة وتعبيره باللزوم أولى من تعبير أصله بالتحول لأنه ينافي ظاهرا كونها بيعا فإن البيع يقتضي أن الذي انتقل إليه غير الذي كان له والتحول يقتضي أن الأول باق بعينه لكن تغير محله فإن أفلس المحال عليه أو مات مفلسا أو جحد الحوالة أو دين المحيل وحلف فلا رجوع للمحتال على المحيل كما لا رجوع له فيما لو اشترى شيئا وغبن فيه أو أخذ عوضا عن دينه وتلف عنده ولأنه أوجب في الخبر اتباع المحال عليه مطلقا أو لأنه لو كان له الرجوع لما كان لذكر الملاءة في الخبر فائدة لأنه إن لم يصل إلى حقه رجع به فعلم بذكرها أن الحق انتقل انتقالا لا رجوع به وأن فائدة ذكرها حراسة الحق لا يقال بل فائدته عدم صحة الحوالة على غير المليء لأنا نقول تلك صحيحة بالإجماع نعم قد يقال من فوائده عدم ندب قبولها حينئذ ويفارق عدم رجوعه هنا رجوعه فيما لو اشترى شيئا وأفلس بالثمن بأن العلقة ثم باقية في الثمن وهنا لا علقة قال في المطلب ولو قبل المحتال الحوالة بغير اعتراف بالدين كان قبوله متضمنا لاستجماع شرائط الصحة فيؤاخذ بذلك لو أنكر المحال عليه وهل له تحليف المحيل أنه لا يعلم براءته فيه وجهان انتهى وأوجههما نعم فإن شرط في الحوالة الرجوع بذلك أي بشيء منه لم تصح الحوالة لاقترانها بشرط يخالف مقتضاها وقيل تصح والترجيح من زيادته وسبقه إليه الأذرعي ولو بان المحال عليه معسرا فلا خيار للمحتال لما مر ولو شرط يساره إذ لو اختار عند الشرط لاختار عند الإطلاق لأن الإعسار نقص في الذمة كالعيب في المبيع وكذا لا خيار له إن بان المحال عليه عبدا لغيره أي المحيل كما لو بان معسرا بل يطالبه بعد العتق وإن بان عبدا له لم تصح الحوالة وإن كان له في ذمته دين قبل ملكه له لسقوطه عنه بملكه فرع لو صالحه أي المدعي أجنبي من دين على عين ثم جحده أي الأجنبي الصلح قبل قبضها وحلف رجع المدعي على صاحبه إن فسخ الصلح كنظيره في البيع ويفارق الحوالة بأن الحق فيها صار مقبوضا قال في المهمات وصورة المسألة أن يصالحه لقطع النزاع وإن كان المدعى عليه منكرا إذا اعترف الأجنبي فإن صالحه لنفسه فهو ابتياع دين من غير من عليه والأصح عند الرافعي وعند النووي في بعض كتبه أنه لا يصح كما مر بيانه في البيع أما إذا صالحه من دين على دين فباطل لأنه بيع دين بدين بغير حوالة فرع وإن فسخ العقد أي عقد المبيع بعيب أو إقالة أو تحالف أو غيرها وقد أحيل البائع بالثمن بطلت الحوالة لارتفاع الثمن بانفساخ العقد سواء أكان الفسخ بعد قبض المبيع ومال الحوالة أو قبله وعاد الثمن ملكا للمشتري ويرده البائع إليه إن كان قد قبضه وهو باق أو بدله إن تلف فلا يرده إلى المحال عليه فإن رده إليه لم تسقط عنه مطالبة المشتري لأن الحق له وقد قبضه البائع بإذنه فإذا لم يقع عن البائع يقع عنه ويتعين حقه فيما قبضه البائع كما صرح به الأصل حتى لا يجوز إبداله إن بقيت عينه وإبراء البائع المحال عليه
233
233
من الدين قبل الفسخ كقبضه له فيما ذكر فللمشتري مطالبته بمثل المحال به وإن لم يقبضه فليس له قبضه لأنه عاد إلى ملك المشتري فإن قبضه ضمن فلا يقع قبضه عن المشتري لعدم الحوالة والوكالة ولأنه إنما يقبض لنفسه ولم يبق له حق بخلاف ما إذا فسدت الشركة والوكالة فإن التصرف يصح لبقاء الإذن فيه لأنه كان في التصرف عن الإذن وإذنه باق بخلافه في مسألتنا فإنه إنما كان في قبض البائع عن نفسه لا عن الإذن وقد ارتفع بما ذكر والتصريح بالضمان من زيادته وإن أحال البائع بالثمن على المشتري لثالث بزيادة اللام أي ثالثا ثم فسخ العقد بشيء مما ذكر لم تبطل الحوالة وإن لم يقبض المحتال مالها لتعلق الحق بثالث بخلافه فيما مر فيبعد ارتفاعها بفسخ يختص بالعاقدين كما لا يفسخ لذلك تصرف البائع في الثمن إذا تصرف فيه ثم فسخ العقد لكن لا يرجع المشتري على البائع بالثمن إلا بعد التسليم أي تسليمه للمحتال بل له مطالبته بطلب القبض منه ليرجع عليه أي على البائع فلا يرجع به قبل التسليم وإن كانت الحوالة كالقبض لأن الغرم إنما يكون بعد القبض حقيقة لا حكما والتصريح بقوله بل له مطالبته إلى آخره من زيادته
فرع لو أحالها زوجها بصداقها ثم طلقها قبل الدخول أو انفسخ النكاح قبله بردتها أو بعيب أو بخلف شرط لم تبطل الحوالة بخلافها فيما مر فيما لو أحيل البائع بالثمن لأن الصداق أثبت من غيره ولهذا لو زاد زيادة متصلة لم يرجع فيه إلا برضاها بخلاف المبيع ونحوه ويرجع الزوج عليها بالنصف من الصداق إن طلق أو الكل إن انفسخ النكاح
فرع لو أحال البائع عليه أي المشتري بثمن عبد باعه منه فتصادق هو والمشتري على حريته إما ابتداء أو بزعم العبد أنه حر لم تبطل الحوالة لتعلقها بثالث فللمحتال أخذ المحال به من المشتري ويرجع المشتري بالمأخوذ منه على البائع بعد الأخذ منه لأنه قضى دينه بإذنه الذي تضمنته الحوالة وهذا من زيادته هنا وهو متروك في نسخ اكتفاء بما سيأتي إلا إن صدقهما المحتال أو شهدت بينة بحريته فتبطل الحوالة بمعنى أنه تبين بطلانهم لأنه بان ببطلان البيع أن لا ثمن حتى يحال به فيرد المحتال ما أخذه على المشتري ويبقى حقه كما كان والبينة للعبد بأن يقيمها هو أو تشهد حسبة ومحل إقامته لها إذا تصادق العاقدان بعد بيعه بأن باعه المشتري لآخر كما صورها القاضي أبو الطيب إذ لا يتصور إقامته لها قبل بيعه لأنه محكوم بحريته بتصادقهما وإن لم يصدق المحتال فلا تسمع دعواه ولا بينته نبه عليه ابن الرفعة وغيره ومثله شهادة الحسبة لأنها إنما تقام عند الحاجة ولا حاجة قبل البيع لا للعاقدين بأن يقيماها لعدم تصورها منهما لأنهما كذباها بالبيع
قال في المهمات والصحيح المنصوص في الأم خلافه إذا لم يكن الذي أقامها صرح بملك المبيع بل اقتصر على البيع وممن قال به الروياني خلاف ما قاله هنا وكلام الشيخين في الدعاوى صريح فيه انتهى وظاهر أن محل الخلاف إذا لم يذكر تأويلا فإن ذكره كأن قال أعتقته ونسبت أو اشتبه علي بغيره فينبغي سماعها قطعا كنظيره فيما لو قال لا شيء لي على زيد ثم ادعى عليه دينا وادعى أنه كان نسبه أو اطلع عليه بعد ثم رأيت الزركشي وغيره قد بحثوا ذلك ولهما تحليف المحتال إن كذبهما ولا بينة يمين نفى العلم بالحرية فبقول والله لا أعلم حريته لأن هذه قاعدة الحلف على النفي الذي لا يتعلق به وتعبيرهم قد يوهم توقف الحلف على اجتماعهما والموافق للقواعد أنه يحلف لمن استحلفه منهما أما البائع فلغرض بقاء ملكه في الثمن وأما المشتري فلغرض دفع المطالبة نعم إذا حلفه أحدهما فهل للثاني تحليفه أيضا أو لا ليكون خصومتهما واحدة فيه نظر نبه على ذلك الإسنوي والأوجه فيما نظر فيه أن للثاني تحليفه لأن له حقا فإن حلف بقيت الحوالة في حقه فلو سلم له المشتري
234
234
ما احتال به عليه رجع به على البائع لأنه قضى دينه بإذنه الذي تضمنته الحوالة
وقال البغوي لا يرجع لأنه يقول ظلمني المحتال بما أخذه والمظلوم لا يرجع إلا على ظالمه والتصريح بالترجيح من زيادة المصنف ورجحه الرافعي في الشرح الصغير وكذا ابن الرفعة في المطلب فإن نكل المحتال عن اليمين حلف المشتري على الحرية وبطلت الحوالة بالمعنى السابق بناء على أن اليمين المردودة كالإقرار وظاهره أن البائع لا يحلف وقد يوجه بأنه لا غرض له والأوجه أنه يحلف ويوجه بما وجه به ابن الرفعة صحة دعواه على المحتال من أن له إجبار من له عليه حق على قبضه على الصحيح فيحضره له ويدعي عليه استحقاق قبضه فيحكم ببطلان الحوالة بالحرية وكالحرية فيما ذكر جميع ما يمنع صحة البيع هذا كله إذا وقع التعرض لكون الحوالة بالثمن وإلا فلو قال البائع الحوالة على المشتري بدين آخر لي عليه غير الثمن فإن أنكر المشتري أصل الدين فالقول قوله بيمينه وإن صدقه وأنكر الحوالة به فلا عبرة بإنكاره بناء على عدم اعتبار رضا المحال عليه ولو قال المحتال الحوالة لم تكن بالثمن فالقول قوله بيمينه لأن الظاهر صحة الحوالة والعاقدان يدعيان فسادها قاله القاضيان أبو الطيب والروياني وغيرهما فصل لو قال لك من له عليك دين أحلتني به على زيد مثلا فقلت بل وكلتك لتقبضه لي فالقول قولك بيمينك لأن الأصل بقاء الحقين وكذا لو قلت أردت الوكالة بقولي أحلتك وقد قلت أحلتك بمائة مثلا لذلك ولأنك أعرف بإرادتك ومن هنا يؤخذ أن أحلتك فيما ذكر كناية وقد قدمته فعليه لو لم تكن له إرادة فلا حوالة ولا وكالة لا إن قلت أحلتك بالمائة التي لك علي فالقول قوله لأن هذا لا يحتمل إلا حقيقة الحوالة فلو حلفت في الصورتين الأوليين لم يسقط حقه عنك سواء أقبض أم لا فله مطالبتك بحقه لأنه إن كان وكيلا فظاهر أو محتالا فقد أحلت بينه وبين حقه بجحدك وحلفك ومنع القبض إن لم يكن قبض لأن الحوالة اندفعت وصار معزولا عن الوكالة بإنكاره ولك مطالبة زيد بحقك فإن كان قد قبض برئ المحال عليه لدفعه إلى وكيل أو محتال ولزم القابض رد المقبوض إليك إن كان باقيا فإن خشي امتناعك من التسليم له فله في الباطن أخذه وجحدك لأنه ظفر بجنس حقه من مالك وهو يخشى ضياعه ولو تلف المقبوض معه أي مع القابض بلا تفريط منه لم تطالبه أنت إذ لا ضمان عليه لزعمك الوكالة والوكيل أمين ولم يطالبك لزعمه الاستيفاء أو تلف معه بتفريط طالبته لأنه صار ضامنا وبطل حقه لزعمه استيفاءه وهذا من زيادته وإن قلت أحلتك على زيد فقال بل وكلتني لا قبض لك منه فالقول قوله بيمينه سواء جرى لفظ الحوالة أو لا لأن الأصل بقاء الحقين فإن حلف ولم يقبض طالبك بحقه ولا يسقط حقك عن زيد لأنه إن كان وكيلا فلم يقبض فيبقى حقك أو محتالا فقد ظلمك بأخذه منك إن كان قد أخذ وما على زيد حقه فلك أخذه عوضا عما ظلمك به وقيل يسقط حقك عنه لأنك اعترفت بتحول ما عليه إلى غيرك والترجيح من زيادته فإن كان قد قبضه من زيد فله أخذه
235
235
أي تملكه بحقه إن كان باقيا لأنه من جنس حقه وأنت تزعم أنه ملكه وإن تلف معه بلا تفريط لم يضمن لأنه وكيل أمين أو بتفريط ضمن وتقاصا أي ووقع بينهما التقاص لأن لك عليه مثل ما له عليك
مسائل متعلقة بالباب للمحتال أن يحيل غيره على المحال عليه وأن يحتال من المحال عليه على مدينه وكذا فروعه أي المحتال أو كل منه ومن المحال عليه فلو أحلت زيدا على عمرو فأحال زيد بكرا على عمرو فأحال بكر آخر على عمرو أو أحلت زيدا على عمرو فأحاله عمرو على بكر فأحاله بكر على آخر أو أحلت زيدا على عمرو ثم ثبت لعمرو عليك مثل ذلك الدين فأحال زيدا عليك جاز ولو أقرضتهما أي اثنين مائة مثلا على كل واحد منهما خمسون وتضامنا فأحلت بها لرجل بزيادة اللام أي رجلا عليهما على أن يأخذها من أيهما شاء جاز وقيل لا يجوز لأنه لم يكن له إلا مطالبة واحد فلا يستفيد بالحوالة زيادة صفة ووجه الأول أنه لا زيادة في القدر ولا في الصفة وترجيحه من زيادته وممن رجحه الشيخ أبو حامد والجرجاني والمحاملي والروياني وقوله كأصله على أن يأخذ من أيهما شاء ليس بقيد بل الإطلاق كاف كما صور به القاضي أبو الطيب وفي الأصل لو أحالك أحدهما بالمائة برئا جميعا أو أحلت على أحدهما بها برئ الآخر لأن الحوالة كالقبض أو أحلت عليهما على أن يأخذ المحتال من كل واحد خمسين جاز ويبرأ كل واحد عما ضمن انتهى قال في المهمات ولو أحال على أحدهما بخمسين فهل تنصرف إلى الأصلية أو توزع أو يرجع إلى إرادة المحيل فإن لم يرد شيئا صرفه بنيته فيه نظر وفائدته فكاك الرهن الذي بأحدهما انتهى والقياس الرجوع إلى إرادته ومن أقام بينة أن غريمه الدائن أحال عليه فلانا الغائب سمعت وسقطت مطالبته له فإن لم يقم بينة صدق غريمه بيمينه كما صرح به الأصل وهل يقضى بها أي بالبينة للغائب بأن ثبتت بها الحوالة في حقه حتى لا يحتاج إلى إقامة بينة إن قدم وجهان أحدهما وهو قول ابن سريج لا إذ لا يقضى بالبينة للغائب والثاني وهو احتمال لابن الصباغ نعم لأنه إذا قدم يدعي على المحال عليه لا المحيل وهو مقر له فلا حاجة إلى إقامة البينة
كتاب الضمان هو لغة الالتزام وشرعا يقال لالتزام حق ثابت في ذمة الغير أو إحضار من هو عليه أو عين مضمونة ويقال للعقد الذي يحصل به ذلك ويسمى الملتزم لذلك ضامنا وضمينا وحميلا وزعيما وكافلا وكفيلا وصبيرا وقبيلا قال الماوردي غير أن العرف جار بأن الضمين مستعمل في الأموال والحميل في الديات والزعيم في الأموال العظام والكفيل في النفوس والصبير في الجميع وكالضمين فيما قاله الضامن وكالكفيل الكافل وكالصبير القبيل قال ابن حبان في صحيحه والزعيم لغة أهل المدينة والحميل لغة أهل مصر والكفيل لغة أهل العراق والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى سلهم أيهم بذلك زعيم وقوله ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم وكان حمل البعير معروفا عندهم وشرع من قبلنا شرع لنا إذا ورد في شرعنا ما يقرره وقد ورد فيه ذلك كخبر الزعيم غارم رواه الترمذي وحسنه وابن حبان وصححه وخبر الحاكم بإسناد صحيح أنه صلى الله عليه وسلم تحمل عن رجل عشرة دنانير وخبر الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم أتي بجنازة فقال هل ترك شيئا قالوا لا قال هل عليه دين قالوا ثلاثة دنانير قال صلوا على صاحبكم قال أبو قتادة صل عليه يا رسول الله وعلي دينه فصلى عليه وذكرت في شرح البهجة ما له بهذا الخبر تعلق وفيه بابان الأول منهما في أركانه وهي خمسة الأول المضمون عنه
236
236
حرا كان أو عبدا موسرا أو معسرا ولا يشترط رضاه لجواز التبرع بأداء دين غيره بغير إذنه ومعرفته فيصح الضمان عن الميت وإن لم يخلف وفاء لخبر أبي قتادة السابق وكذا يصح عمن لم يعرفه الضامن ولو بعينه لما مر الركن الثاني المضمون له وهو مستحق الدين ومعرفته بأن يعرف الضامن عينه شرط لتفاوت الناس في استيفاء الدين تشديدا وتسهيلا وأفتى ابن الصلاح وغيره بأن معرفة وكيل المضمون له كمعرفته وابن عبد السلام وغيره بخلافه لا رضاه لأن الضمان محض الالتزام لم يوضع على قواعد المعاقدات ولو ضمن أو قضى شخص دين رجل أي دينا على رجل بإذنه لا بغيره أي بغير إذنه لزم الغريم وهو رب الدين قبول المال الذي يؤديه له الشخص المذكور لأن ما يؤديه في حكم ملك المضمون عنه بخلاف ما إذا كان ذلك بغير إذنه فللغريم أن يقبل وأن يمتنع وله في صورة الضمان أن يطالب الشخص المذكور وأن يتركه الركن الثالث الضامن وشرطه ليصح ضمانه صحة العبارة وأهلية التبرع منه والقيد الثاني يغني عن الأول فلا يصح ضمان غير المكلف إلا السكران كما سيأتي ولا ضمان المكره ولو رقيقا بإكراه سيد ولا ضمان المحجور عليه بسفه ولو بإذن الولي كما سيأتي وإذا شرط ذلك فيصح الضمان ممن اتصف به ولو بإشارة الأخرس المفهمة وكتابته عند القرينة المشعرة بالضمان وإن أحسن الإشارة بخلاف ما إذا لم تكن له إشارة مفهمة ولا كتابة تشعر بالمراد كسائر تصرفاته ثم إن اختص بفهم إشارته فطنون فهي كناية وإلا فصريحة كما يعلم من كتاب الطلاق وكذا كتابة ناطق نوى بها الضمان كسائر تصرفاته والتصريح بقوله نوى من زيادته وقضية كلامه كأصله أن كتابة الناطق كناية وكتابة الأخرس بالقرينة صريحة وهو ظاهر
فإن قال ضمنت وأنا صبي أو مجنون صدق بيمينه إن أمكن صباه في الأولى عند ضمانه أو سبق له جنون في الثانية وأمكن عنده بأن عرف منه ذلك أو أقام به بينة وإلا صدق المضمون له بيمينه وفارق ما إذا زوج أمته ثم ادعى ذلك حيث صدق الزوج كما دل عليه كلام الرافعي قبيل الصداق بأن الأنكحة يحتاط فيها غالبا والظاهر أنها تقع بشروطها ويصح ضمان سكران بمحرم كسائر تصرفاته لا بمباح كالمجنون ولا يصح الضمان من محجور عليه بسفه وإن أذن له لأنه تبرع وتبرعه لا يصح بإذن الولي ويصح ضمان المفلس في الذمة كشرائه فيها ويطالب بما ضمنه بعد فك الحجر والمريض إن ضمن شخصا بلا إذن منه فمن الثلث معتبر لأن الضمان تبرع كما مر أو بإذن منه ووجد الضامن مرجعا فمن رأس المال معتبر لا يرجع به أي لا يرجع وارثه بشيء منه والموافق لأصله أن يقال لأنه يرجع به أي لأن الضامن يرجع بما أدى ولعله سقط منه النون والهاء مع أنه لو ترك مسألة المريض كان أولى لأنه سيذكرها مع ما لها به تعلق
فرع لو ضمن العبد ولو مأذونا له في التجارة بلا إذن من سيده لم يصح ضمانه
237
237
لأنه إثبات مال في الذمة بعقد فأشبه النكاح وفارق صحة خلع الأمة بغير إذنه بأنه لا حاجة إلى الضمان والأمة قد تحتاج إلى الخلع لسوء العشرة أو بإذن منه صح حتى عن السيد لأن المنع إنما كان لحقه وقد زال بالإذن قال الإسنوي وهل تشترط معرفة السيد قدر الدين فيه نظر والمتجه اشتراطه بناء على تعلقه بمال السيد لا بذمة العبد لا له أي لسيده أي لا يصح ضمانه له لأنه يؤدي من كسبه وهو لسيده فهو كما لو ضمن المستحق لنفسه وقضية التعليل وكلامه الآتي في صحة ضمان المكاتب لسيده وهو الظاهر فإن عين السيد للأداء جهة ككسب العبد أو ما في يده للتجارة تعينت للأداء لرضا السيد بها وإلا تعلق غرم الضمان بحادث كسبه أي بكسبه الحادث بعد الإذن له إن لم يكن مأذونا له في التجارة وبه مع مال تجارة في يده وربحها إن كان مأذونا له فيها كما في المهر فإن قلت لم اعتبروا في الكسب هنا حدوثه بعد الإذن وثم حدوثه بعد النكاح قلت لأن الدين المضمون كان موجودا حال الضمان فعلق بما بعد الإذن بخلاف المهر وسائر مؤن النكاح وكلام الأصل يدل على أن تعيين جهة الأداء إنما يؤثر إذا اتصل بالإذن وهو ظاهر كذا قاله الإسنوي
فلو كان العبد المأذون له في التجارة مديونا فبالفاضل عن حقوق الغرماء يتعلق ذلك رعاية للجانبين وأم الولد والمدبر والمعلق عتقه بصفة والمبعض كالقن فيما ذكر ومحله المبعض إذا لم يجر بينه وبين سيده مهايأة أو جرت وضمن في نوبة سيده فإن جرت مهايأة صح الضمان في نوبة المبعض ولو بغير إذن سيده ويصح ضمان المكاتب بالإذن من سيده فقط أي لا بغير إذنه كما في سائر تبرعاته وأما العبد الموقوف فقال في المطلب ينبغي أن يجزم بعدم صحة ضمانه إذا قلنا بالمشهور إنه لا يصح عتقه لعدم فائدته قال والظاهر أن الموصى برقبته دون منفعته أو بالعكس كالقن لكن هل المعتبر إذن مالك الرقبة أو المنفعة يشبه أن يكون فيه خلاف يلتفت إلى أن ضمان القن يتعلق برقبته أو بذمته أو بكسبه قال الأذرعي وفيه نظر لأنه إذا أوصى بمنفعته أبدا فلا سبيل إلى التعلق بكسبه بإذن مالك الرقبة بمفرده فإما أن يعتبر إذنهما جميعا أو لا يصح انتهى والأوجه اعتبار إذن الموصى له بالمنفعة بناء على الشق الأخير من كلام المطلب و يصح ضمان المرأة بغير إذن الزوج كسائر تصرفاتها فرع لو أدى العبد الضامن ما ضمنه عن الأجنبي بالإذن منه ومن سيده بعد العتق فحق الرجوع له أو قبل عتقه فحق الرجوع لسيده أو أدى ما ضمنه عن السيد فلا رجوع له
وإن أداه بعد عتقه بناء على الأصح من أنه لو أجره ثم أعتقه في المدة لا يرجع بأجرة مثله لما بقي والتصريح بالترجيح فيما إذا أداه بعد عتقه من زيادته وفارقت هذه ما قبلها بأن منفعة العبد فيها وقعت للسيد فكأنه استوفاها حال رقه كمسألة الإجارة بخلافها في تلك فإنها وقعت للأجنبي فكان الرجوع عليه ويضمن جوازا السيد عن عبده دينا ثبت عليه بمعاملة كالأجنبي لا له أي لعبده أي لا يصح ضمان سيده له إلا إن كان مأذونا له في معاملة وثبت عليه بها دين فيصح كالأجنبي وقيل لا يصح والترجيح من زيادته وكلام الماوردي يشير إليه وفي نسخة إلا إن كان عليه دين تجارة فيصح وفي تعبيره فيها كأصله بالتجارة قصور فالتعبير بالمعاملة كما عبرت بها أولى والحاصل أن ضمانه له يصح إذا كان عليه دين معاملة بإذن سيده بخلاف ما إذا لم يكن عليه دين أو عليه دين بغير معاملة بإذن سيده لما فيه في الأولى من توفية ما على العبد بخلافه في الأخيرتين فكأنه ضمن لنفسه ولهذا صرح الماوردي بأن العبد إذا وفى دينه في الأولى برئ السيد من ضمانه لانتفاء فائدة بقائه الركن الرابع الحق المضمون ويشترط في صحة ضمانه كونه ثابتا لازما معلوما معينا يصح التبرع به
238
238
كما سيأتي بينهما فلا يصح ضمان دين لم يجب كدين قرض أو بيع سيقع وكذا نفقة ما بعد اليوم للزوجة وخادمها وإن جرى سبب وجوبها لأنه توثقة فلا يتقدم ثبوت الحق كالشهادة ويكفي ثبوته باعتراف الضامن وإن لم يثبت على المضمون عنه لما سيأتي في الإقرار أنه لو قال شخص لزيد على عمرو ألف وأنا ضامنه فأنكر عمرو فلزيد مطالبة الضامن ويصح الضمان بنفقة اليوم وما قبله لوجوبها فإنها تجب بطلوع الفجر سواء أكانت نفقة الموسرين أم المعسرين لا بنفقة القريب مطلقا أي سواء أكانت عن اليوم أم غيره لأن سبيلها سبيل البر والصلة ولهذا تسقط بمضي الزمان وبضيافة الغير والترجيح في ضمان نفقة القريب عن اليوم من زيادته وفي كلام أصله إشارة وصرح به الأذرعي وقال بل يجب القطع به لأنها مجهولة وفي نسخة لا نفقة القريب لمستقبل وليومه وجهان فعليها لا زيادة فصل يصح ضمان العهدة ويسمى ضمان الدرك وهو التبعة أي المطالبة والمؤاخذة وإن لم يكن بحق ثابت للحاجة إليه وهو ضمان الثمن للمشتري إن خرج المبيع مغصوبا أي مستحقا أو إن أخذ بشفعة سابقة على البيع ببيع آخر وشمل قوله مغصوبا ما تبين أنه أخذ بشفعة و يصح ضمان نقص الصنجة التي وزن بها الثمن والرداءة أي وضمان رداءته للبائع ولا يختص ضمان العهدة بالثمن بل يجري في المبيع فيضمنه للبائع إن خرج الثمن المعين مستحقا أو أخذ ويضمن للمشتري رداءته ونقص الصنجة التي يوزن هو بها ولو اختلف الضامن والبائع في نقصها أي الصنجة صدق الضامن بيمينه لأن الأصل براءة ذمته أو اختلف البائع والمشتري في نقصها صدق البائع بيمينه لأن ذمة المشتري كانت مشغولة بخلاف الضامن فيما ذكر فلو حلف البائع طالب بالنقص المشتري لا الضامن إلا إذا اعترف أو قامت بينة ولو ضمن عهدة فساد البيع بغير الاستحقاق أو عهدة العيب أو التلف قبل القبض للمبيع صح للحاجة إليه ولا يندرج ذلك تحت ضمان العهدة بأن يقول ضمنت لك عهدة أو درك الثمن أو المبيع من غير ذكر استحقاق أو غيره مما ذكر لأن المتبادر منه إنما هو الرجوع بسبب الاستحقاق وسمي ما ذكر ضمان العهدة لالتزام الضامن ما في العهدة وهي الصك المكتوب فيه الثمن والمثمن وضمان الدرك لالتزامه الغرم عند إدراك المستحق عين ماله فروع أحدها في كيفية ضمان العهدة وكيفيته بالنسبة للثمن أن يقول للمشتري ضمنت لك عهدة الثمن أو دركه بفتح الراء وسكونها أو خلاصك منه فإن قال ضمنت لك خلاص المبيع لم يصح لأنه لا يستقل بتخليصه إذا استحق وإن شرط في البيع كفيلا بخلاص المبيع بطل البيع لفساد الشرط بخلاف ما لو شرط كفيلا بالثمن كما مر وإن ضمن العهدة أي عهدة الثمن وخلاص المبيع معا صح ضمان العهدة لا ضمان خلاص المبيع تفريقا للصفقة ولو خص ضمان العهدة بنوع كخروج المبيع مستحقا فلا يطالب بجهة أخرى وإن عين جهة غير جهة الاستحقاق لم يطالب عند ظهور الاستحقاق لا حاجة لقوله وإن عين إلى آخره لدخوله فيما قبله الفرع الثاني يشترط أن يضمن من بعد تسليم الثمن الذي يراد ضمانه وإلا فلا يصح ضمانه لأنه إنما يضمن ما دخل في ضمان المضمون عنه ولزمه رده بتقدير ما ذكر و بعد العلم أي علمه به وإلا فلا يصح ضمانه كما لو لم يكن قدره في المرابحة معلوما الفرع الثالث يصح ضمان عهدة المسلم فيه للمسلم إليه بعد الأداء أي أدائه للمسلم إن استحق رأس المال المعين فلا يصح قبل الأداء لما مر لا عكسه أي لا يصح ضمان رأس المال للمسلم إن استحق
239
239
المسلم فيه لأن المسلم فيه في الذمة والاستحقاق لا يتصور فيه وإنما يتصور في المقبوض ولو بان في صورة ضمان عهدة الثمن للمشتري فساد العقد بشرط أو غيره غير الاستحقاق أو فسخ العقد بعيب أو وجب به أرش لحدوث ما يمنع الرد به كحدوث عيب عنده أو انفسخ البيع قبل القبض بتلف المبيع أو نحوه لم يطالب بالثمن أو الأرش ضامن العهدة بل البائع وحده لأن المتبادر من ضمانها إنما هو الرجوع على الضامن بسبب الاستحقاق كما مر وقيد الأخيرة بقبل القبض لأنه محل الخلاف وإلا فبعد القبض كذلك كالفسخ بخيار شرط أو مجلس أو تقايل وعلم من كلامه فيما مر أنه إذا خرج المبيع مستحقا يطالب الضامن كالبائع وبه صرح الأصل هنا والظاهر أن خروجه مرهونا أو نحوه داخل في خروجه مستحقا وإن خرج بعض المبيع مستحقا طولب الضامن بقسط المستحق من الثمن تفريقا للصفقة سواء أفسخ المشتري البيع أم أجازه الفرع الرابع لو ضمن في عقد واحد عهدة ثمن الأرض وأرش نقص ما يغرس ويبنى فيها إن قلع باستحقاقها فيما إذا اشتراها شخص وغرس فيها أو بنى ثم ظهرت مستحقة لم يصح ضمان الأرش لعدم وجوبه عند ضمانه وفي العهدة قولا تفريق الصفقة والأصح الصحة وقوله إن قلع باستحقاقها تصوير لوجوب الأرش ولو ضمن الأرش فقط فإن كان قبل ظهور الاستحقاق أو بعده وقبل القلع لم يصح وإن كان بعدهما صح إن علم قدره صرح بذلك الأصل وحذفه المصنف للعلم به مما مر ومما يأتي ولو شرط على البائع بهما أي بعهدة الأرض والأرش فيما ذكر كفيلا في البيع فكشرط رهن فاسد في البيع فيبطل وقوله بهما متعلق ب كفيلا ولو أخره عنه كأصله كان أولى فصل لا يصح ضمان الدين غير اللازم إذا لم يؤل إلى اللزوم كما يعلم مما يأتي كنجوم المكاتب فلا يصح ضمانها كما لا يصح الرهن بها بجامع أن كلا منهما للتوثق ويصح الضمان عنه بغيرها لأجنبي لا للسيد بناء على أن غيرها يسقط أيضا عن المكاتب بعجزه وهو الأصح ويصح الضمان بالثمن قبل قبض المبيع ولو في مدة الخيار لأنه بعدها لازم وقبلها آيل إلى اللزوم بنفسه عن قرب فاحتيج فيه إلى التوثق وأشار الإمام إلى أن تصحيح الضمان مفرع على أن الخيار لا يمنع نقل الملك في الثمن إلى البائع أما إذا منعه فهو ضمان ما لم يجب وما أشار إليه هو المتجه حتى لو كان الخيار لهما أو للبائع وحده لم يصح الضمان و يصح بالصداق قبل الدخول للزومه وإن لم يكن مستقرا ولا نظر فيه وفيما ضمن في زمن الخيار إلى احتمال سقوطهما كما لا نظر إلى احتمال سقوط اللازم والمستقر بالإبراء والرد بالعيب ونحوهما لا ضمان مال الجعالة فلا يصح ولو شرع في العمل كالرهن به وضمان المنفعة الثابتة في الذمة كالمال فيصح ضمانها فصل لا يصح ضمان المجهول ولا غير المعين كأحد الدينين ولا ما لا يتبرع به كقصاص وشفعة وحد قذف لأنه إثبات مال في الذمة بعقد كالبيع وبه مع ما مر أيضا يعلم أنه يشترط العلم بالجنس والقدر والصفة ولا يصح الإبراء عنه أي عن المجهول لأنه تمليك للمدين ما في ذمته لا إسقاط كالإعتاق فيشترط علمهما أي المبرئ والمبرأ بالدين كما في عاقدي الهبة وهذا تبع فيه مقتضى كلام أصله هنا لكنه تبع مقتضى كلام أصله أو أخر الصداق وتصحيح الشرح الصغير والروضة في الوكالة أنه لا يشترط علم المبرأ قال الزركشي وعليه نص الشافعي انتهى وهو الأوجه كما لا يشترط قبوله على الأصح لأن الإبراء وإن كان تمليكا المقصود منه الإسقاط نعم إن كان الإبراء في مقابلة طلاق اعتبر علم الزوج لأنه يئول إلى معاوضة فيخص كلامهم بما لا عوض فيه قاله الزركشي على أنه في الرجعة من الروضة قال المختار إن كون الإبراء تمليكا أو إسقاطا من المسائل التي لا يطلق فيها ترجيح بل يختلف الراجح بحسب المسائل لقوة الدليل وضعفه
240
240
وإذا أراد أن يبرئ من مجهول فطريقه أن يذكر عددا يعلم أنه لا يزيد الدين عليه فلو كان يعلم أنه لا يزيد على مائة مثلا فيقول أبرأتك من مائة ولو قال أبرأتك من الدعوى ولم يبرأ وله العود إليها ويكفي في الإبراء علم الموكل فلا يشترط علم الوكيل أيضا كما سيأتي في باب الوكالة وإن ملكه أي مدينه ما في ذمته برئ منه من غير نية أو قرينة ولو لم يقبل كالإبراء واحتج المتولي بذلك لكون الإبراء تمليكا لأنه لو لم يكن تمليكا لافتقر إلى نية أو قرينة كما إذا قال لعبده ملكتك رقبتك أو لزوجته ملكتك نفسك فإنه يحتاج إلى النية وإذا لم يعتبر القبول في الإبراء لا يرتد بالرد على الأصح في الروضة ولو أبرأ أحد خصميه مبهما لم يصح أو أبرأ وارث عن دين مورث له لم يعلم موته صح كما في البيع فيهما فرع لو استحل منه من غيبة اغتابها له و لم يبينها له فأحله منها فهل يبرأ منها لأنه إسقاط محض كمن قطع عضوا من عبد ثم عفا سيده عن القصاص وهو لا يعلم عين المقطوع فإنه يصح أولا لأن المقصود رضاه ولا يمكن الرضا بالمجهول ويفارق القصاص بأن العفو عنه مبني على التغليب والسراية بخلاف إسقاط المظالم وجهان جزم النووي في أذكاره بالثاني قال لأنه قد يسامح بشيء دون شيء وزعم الأذرعي أن الأصح خلافه أخذا مما ذكره في باب الشهادات من أن مقتضى كلام الحليمي وغيره الجزم به ويصح ضمان الأرش بجناية أو غيرها كالإبراء عنه ولو كان المضمون أو المبرأ عنه إبلا حتى إبل الدية لأنها معلومة السن والعدد ولأنه قد اغتفر جهل صفتها في إثباتها في ذمة الجاني فيغتفر في ضمانها والإبراء عنها تبعا له ويرجع في صفتها إلى غالب إبل البلد وتعبيره بما قاله أولى من تعبير أصله بأرش الجناية وبإبل الدية ويرجع ضامنها إن ضمنها بالإذن وغرمها بمثلها لا القيمة كما في القرض وقيل العكس والتصريح بالترجيح من زيادته
ولا يصح ضمان الدية عن العاقلة قبل الحلول لأنها غير ثابتة بعد ولو سلم ثبوتها فليست لازمة ولا آيلة إلى اللزوم عن قرب بخلاف الثمن في مدة الخيار ولو ضمن أو أبرأ من الدين من درهم إلى عشرة أو ما بين درهم وعشرة صح كل من الضمان والإبراء لانتفاء الغرر وتعين للضمان أو للإبراء ما يلزم المقر بقوله لزيد علي من درهم إلى عشرة أو ما بين درهم وعشرة فيتعين في الأولى تسعة وفي الثانية ثمانية كما يأتي إيضاحه في الإقرار لكنه ذكر تبعا لأصله في الطلاق أنه لو قال أنت طالق من واحدة إلى ثلاث وقع ثلاث وقياسه تعين العشرة في الأولى هنا وهو موافق لما عليه الرافعي هنا وعلى ما قاله المصنف تبعا للنووي يفرق بأن الطلاق محصور في عدد فالظاهر استيفاؤه بخلاف الدين الذي يضمن ويبرأ منه وإن قال جاهلا بقدر الدين ضمنت لك دراهمك التي عليه فهل يصح ضمانه في ثلاث منها لدخولها في اللفظ بكل حال وجهان قال في الأصل كما لو قال أجرتك كل شهر بدرهم هل يصح في الشهر الأول قال ومثله الإبراء قال الأذرعي وقضية التشبيه المذكور تصحيح المنع لكن كلامه في التفويض في الصداق يقتضي تصحيح الصحة فإنه أبطل الإبراء في غير المتيقن وجعل المتيقن على وجهين من تفريق الصفقة هذا وقد قال الأذرعي في القول بالصحة وقفة لأن من يقول أقل الجمع اثنان يقول المتيقن درهمان فعليه لا يلزمه إلا درهمان ولا سيما إذا كان الضامن ممن يرى ذلك وما قاله يأتي مثله في الإبراء فرع لو ضمن عنه زكاته صح كدين الآدمي ويعتبر الإذن عند الأداء كما لو أخرج عنه غيره زكاته بلا ضمان قال في المهمات وصورة المسألة في الضمان عن الحي أما الميت فيجوز أداء الزكوات والكفارات عنه على الأصح المنصوص وإن انتفى الإذن كما ذكره الرافعي في كتاب الوصية ولا فرق فيما ذكره هناك بين أن يسبقه ضمان أم لا قال ثم إن كانت الزكاة في الذمة فواضح وإن كانت في العين فيظهر صحتها أيضا كما أطلقوه
241
241
كالعين المغصوبة انتهى فيجب تقييد العين هنا بما إذا تمكن من أدائها ولم يؤدها وفي معنى الزكاة الكفارة
فصل
في كفالة البدن وتسمى أيضا كفالة الوجه تصح الكفالة ببدن من عليه مال يصح ضمانه ولو جهل قدره أو كان زكاة للحاجة إليها واستؤنس لها بقوله تعالى لن أرسله معكم حتى تؤتوني موثقا من الله لتأتنني به وخرج بمن عليه مال يصح ضمانه التكفل ببدن غيره كالتكفل ببدن مكاتب للنجوم وإنما لم يشترط العلم بقدر المال لأنه تكفل بالبدن لا بالمال وقوله كأصله من عليه مال يوهم أن الكفالة لا تصح ببدن من عنده مال لغيره وليس مرادا بل تصح وإن كان المال أمانة كوديعة كما شمله قوله فيما يأتي أو استحق إحضاره وشمل كلامه ما صرح به أصله من صحة الكفالة ببدن المحبوس والغائب وإن تعذر تحصيل الغرض منهما حالا أو ببدن من عليه عقوبة لآدمي كقصاص وحد قذف لأنها حق لازم كالمال ولأن الحضور مستحق عليه لا ببدن من عليه عقوبة لله تعالى لبناء حقه تعالى على الدرء وتعبيره بالعقوبة في حق الله تعالى أعم من تعبير أصله فيه بالحد لشموله التعزير قال الأذرعي ويشبه أن يكون محل المنع حيث لا يتحتم استيفاء العقوبة فإن تحتم
وقلنا لا تسقط بالتوبة فيشبه أن يحكم بالصحة والضابط لصحة الكفالة صحتها أي وقوعها بالإذن من المكفول مع معرفة الكفيل له إذ ليس لأحد إلزام غيره بالحضور إلى الحاكم بغير إذنه ومعرفته بخلاف الضمان لا يشترط فيه إذن المضمون عنه ولا معرفته لجواز التبرع بأداء دين من غيره بغير إذنه ومعرفته كما مر ويعتبر مع ما ذكر معرفة المكفول له نظير ما مر في المضمون له كما أفاده كلام الروياني وإنما تصح الكفالة بمن أي ببدن من لزمه إجابة إلى مجلس الحكم أو استحق إحضاره إليه عند الاستعداد للحق كدعوى زوجيتها أي كالكفالة ببدن امرأة يدعي رجل زوجيتها لأن الإجابة إلى ما ذكر لازمة لها ولأن الحضور مستحق عليها وعكسه أي وكالكفالة ببدن رجل تدعي امرأة زوجيته لذلك وهذه من زيادته وكذا الكفالة بها أي بالمرأة لمن ثبتت زوجيته وكذا عكسه فيما يظهر كأن يكون الزوج موليا و تصح ببدن آبق لمالكه وأجير لمستأجره لما ذكر وقيده الأصل بالعين فإن احترز به عن المشترك فليس بظاهر أو عن المبهم فلا حاجة إليه للعلم به مما يأتي و ببدن من ادعى عليه ولو أنكر لما ذكر ولأن معظم الكفالات إنما يقع قبل ثبوت الحق وهذا يشمل بعض من تقدم وكذا ببدن ميت وصبي ومجنون بإذن الولي في الأخيرين والورثة في الأول ولأنه قد يستحق إحضارهم ليشهد عليهم أي على صورتهم إذا تحمل الشهود كذلك ولم يعرفوا اسمهم ونسبهم
ومن المعلوم أن محل ذلك في الميت قبل دفنه فإن دفن لم تصح الكفالة وإن
242
242
لم يتغير كما دل عليه كلامهم الآتي فيما إذا تكفل ببدن الحي فمات نبه عليه الإسنوي وغيره ويطالبون أي الولي والورثة بالإحضار عند الحاجة واعتبار إذن الورثة ومطالبتهم بالإحضار من زيادته وقد بحثه في المطلب ودخل في الورثة بيت المال وبقي ما لو مات ذمي عن غير وارث وانتقل ماله فيئا لبيت المال وظاهر كلامهم عدم الاكتفاء بإذن الإمام وهو محتمل وأما السفيه فظاهر كلامهم اعتبار إذنه ومطالبته دون وليه وقال الأذرعي والظاهر إذن وليه لا إذنه فرع يشترط كون المكفول ببدنه معينا كما في ضمان الدين فلو كفل بفتح الفاء أفصح من كسرها بأحد الرجلين مبهما أي ببدنه لم تصح كما في ضمان المال فإن قلت كفل متعد بنفسه كقوله تعالى وكفلها زكريا فلم عداه المصنف بغيره قلت ذاك بمعنى عال وما هنا بمعنى ضمن والتزم واستعمال كثير من الفقهاء له متعديا بنفسه مؤول فإن صاحب الصحاح والقاموس وغيرهما من أئمة اللغة لم يستعملوه إلا متعديا بغيره فصل يصح ضمان رد كل عين مضمونة على من هي بيده كمغصوب أو مبيع لم يقبض ومستعار كما يصح بالبدن بل أولى لأن المقصود هنا المال ويبرأ الضامن بردها للمضمون له وكذا يبرأ بتلفها فلا يلزمه قيمتها كما لو مات المكفول ببدنه لا يلزم الكفيل الدين ولو ضمن القيمة أي قيمة العين إن تلفت لم يصح لما مر أنه لا يغرم قيمة العين بتلفها ولعدم ثبوت القيمة ومحل صحة ضمان العين إذا أذن فيه واضع اليد أو كان الضامن قادرا على انتزاعها منه نقله شارح التعجيز عن الأصحاب ولو تكفل بعبد تعلق برقبته مال جاز كما يجوز ببدن الحر وبسائر الأعيان السابقة وأما العين غير المضمونة على من هي بيده كالوديعة والوصية والمؤجر ولو بعد مضي المدة فلا يصح ضمانها لأنها غير مضمونة العين والرد وإنما يجب على الأمين التخلية فقط ولا يصح ضمان تسليم المرهون للمرتهن قبل قبضه لأنه ضمان ما ليس بلازم وضمان العهدة أي عهدة الثمن والثمن معين باق بيد البائع ضمان عين وتعبيري بعهدة الثمن أولى من تعبير الرافعي بعهدة المبيع وحاصل ما ذكر أن ضمان العهدة يكون ضمان عين فيما إذا كان الثمن معينا باقيا بيد البائع وضمان ذمة فيما عدا ذلك فإن قلت ما الفرق بين كونه معينا وغير معين فإن الضمان إنما يصح بعد قبض البائع له وإذا قبض غير المعين تعين ولا أثر لعدم تعينه في العقد قلت بل له أثر لأن العقد لا يبطل بخروجه مستحقا بخلافه في المعين فالمضمون هنا رد العين الواجبة في العقد عينا حتى لو تعذر ردها لم يلزم الضامن بدلها كما مر والمضمون ثم مالية العين التي ليست كذلك عند تعذر ردها حتى لو بقيت بيد البائع وخرج المقابل مستحقا لم يلزم الضامن بدلها كما صرح به في المطلب تفقها فإن ضمن قيمته بعد تلفه أي الثمن بيد البائع فكما لو كان في الذمة وضمن العهدة فيكون ضمان ذمة فصل وإن عين الكفيل في الكفالة لإحضار المكفول به أي لتسليمه للمكفول له مكانا تعين ومتى أطلق حمل على موضع العقد كما في السلم فيهما وكلامهم يفهم أنه لا يشترط بيان موضع التسليم وإن لم يصلح له موضع التكفل كاللجة أو كان له مؤنة وهو مخالف لنظيره في السلم المؤجل فيحتمل أن يلحق به
243
243
ويحتمل خلافه أخذا بمفهوم كلامهم ويفرق بأن السلم عقد معاوضة والتكفل محض التزام فإن أحضره في غيره أي في غير الموضع المعين في الأولى وموضع العقد في الثانية فامتنع المكفول له من تسلمه لغرض كفوت حاكم أو معين جاز امتناعه وإلا أي وإن امتنع لا لغرض تسلمه الحاكم عنه لأن التسلم حينئذ لازم له فإذا امتنع منه ناب عنه الحاكم فيه فإن لم يكن حاكم سلمه إليه وأشهد به شاهدين ويبرأ الكفيل بتسليمه للمكفول له محبوسا بحق لإمكان إحضاره ومطالبته بالحق لا محبوسا بغير حق لتعذر تسليمه ولا غير محبوس مع متغلب لعدم الانتفاع بتسليمه و يبرأ بتسليم المكفول نفسه للمكفول له عن جهته بأن يقول له سلمت نفسي إليك عن جهة الكفيل كما يبرأ الضامن بأداء الأصيل الدين لا بتسليمه نفسه عن غيرها أي عن غير جهة الكفيل لأنه لم يسلمه إليه هو ولا أحد عن جهته حتى لو ظفر به المكفول له ولو بمجلس الحكم وادعى عليه لم يبرأ الكفيل
وأولى مما عبر به قول أصله ولو لم يسلم نفسه عن جهة الكفيل لم يبرأ الكفيل لتناوله ما لو سلمه لا عن جهة أحد و يبرأ بتسليم أجنبي له إن سلمه عن جهة الكفيل وبإذنه ولا يلزم المكفول له قبوله إن سلمه بغير إذن الكفيل ولو عن جهته لكن لو قبل عن جهته برئ الكفيل ولو كفل به رجلان معا أو مرتبا كما صرح به الأصل فأحضره أحدهما أي سلمه لم يبرأ الآخر وإن قال سلمته عن صاحبي كما لو كان بالدين رهنان فانفك أحدهما لا ينفك الآخر ويفارق ما لو قضى أحد الضامنين الدين حيث يبرأ الآخر بأن قضاء الدين يبرئ الأصيل وإذا برئ برئ كل ضامن ولو كفل رجل لرجلين فسلم إلى أحدهما لم يبرأ من حق الآخر كما صرح به الأصل فإن تكافلا أي الكفيلان ثم أحضر أحدهما المكفول به برئ محضره من الكفالتين أي كفالته الأولى والثانية والآخر يبرأ من الأخرى أي الثانية لأن كفيله سلم فقط أي دون الأولى لأنه لم يسلم هو ولا أحد عن جهته وإن قال المكفول له للكفيل أبرأتك من حقي برئ كما يبرأ بالتسليم أو قال لا حق لي على الأصيل أو قبله فوجهان أحدهما يبرأ الأصيل والكفيل لإقراره المذكور والثاني يراجع فإن فسر بشيء منه نفي الدين أو نفي الوديعة أو الشركة أو نحوهما قبل قوله
فإن كذباه أو أحدهما في تفسيره بنفي الوديعة أو نحوها حلف عليه لأنه أعلم بمراده قال الأذرعي والأول أقرب قلت ويؤيده ما يأتي في الإقرار من أنه لو قال لا دعوى لي على زيد وقال أردت في عمامته وقميصه لا في داره وبستانه لم يقبل قوله ظاهرا ويطالب الكفيل بإحضار غائب علم هو والطريق آمن وأمكنه إحضاره عادة مكانه ولو بعد بأن كان بمسافة القصر فأكثر سواء أغاب بعد الكفالة أم كان غائبا عندها أو مات أي الغائب وكذا الحاضر المفهوم بالأولى ما لم يدفن ليراه الشهود فيشهدون على صورته كما لو تكفل ابتداء ببدن ميت ويمهل الكفيل مدة إحضاره أي الغائب ذهابا وإيابا قال الإسنوي وينبغي أن يعتبر مع ذلك مدة إقامة المسافرين
244
244
للاستراحة وتجهيز المكفول وما قاله ظاهر في مسافة القصر فأكثر بخلاف ما دونها قال في الأصل فإن مضت المدة ولم يحضر حبس قال الإسنوي أي إن لم يؤد الدين لأنه مقصر قال فلو أداه ثم قدم الغائب فالمتجه أن له استرداده وكان وجهه أنه إنما غرمه للفرقة وإذا حبس أديم حبسه إلى أن يتعذر إحضار الغائب بموت أو جهل بموضعه أو إقامته عند من يمنعه قاله في المطلب ولعل المصنف إنما حذف ذكر جواز الحبس اكتفاء بما يشير إليه كلامه في الفصل الآتي أو لأنه يرى خلافه تبعا لجمع
فقد جزم الروياني والعبادي وغيرهما بالمنع قبل حكايتهم الجواز كما قاله الزركشي وقال إن المنع أقرب قال والقائلون بالحبس قاسوه على المال والفرق بينهما واضح فإنه هنا في حكم المعسر المديون ومثله لا يحبس وفيه نظر لأنه قادر على إحضاره فلو مات المكفول به أو تستر لم يلزمه أي الكفيل المال لأنه لم يلتزمه كما لو ضمن المسلم فيه فانقطع لا يطالب برأس المال بل لو شرط إلزامه وفي نسخة التزامه إياه بطلت كفالته لأنه شرط ينافي مقتضاه وبطل التزام المال أيضا لأنه صير الضمان معلقا قال الإسنوي ولك أن تقول هلا بطل الشرط فقط كما لو أقرضه بشرط رد مكسر عن صحيح أو شرط الخيار للمضمون له أو ضمن المؤجل بشرط الحلول بجامع أنه زاد خيرا انتهى ويجاب بأن المشروط في تلك صفة تابعة وفي هذه أصل يفرد بعقد والتابع يغتفر فيه ما لا يغتفر في الأصل قال وصورة المسألة أن يقول كفلت بدينه بشرط الغرم أو على أني أغرم أو نحوه فلو قال كفلت بدنه فإن مات فعلى المال صحت الكفالة وبطل التزام المال قاله الماوردي قال الزركشي وهو محمول على ما إذا لم يرد به الشرط أي وإلا بطلت الكفالة أيضا وقد يمنع فإنه يرجع إلى الاختلاف في دعوى الصحة والفساد والأصح تصديق مدعي الصحة على ما مر
ولو مات المكفول له لم تبطل أي الكفالة وبقي الحق لورثته كما في ضمان المال فإن خلف ورثة وغرماء ووصيا بتفريق الثلث لماله لم يبرأ أي الكفيل إلا بالتسليم إلى الجميع وهل يكفي التسليم إلى الموصى له عن التسليم إلى الوصي حتى يكفي التسليم إليه مع الورثة والغرماء لأنه قد سلم المال إلى مستحقه وإنما الوصي نائب أولا لأن للوصي ولاية على أهل الوصايا فصار كولي الطفل والمجنون وجهان أوجههما الأول لأن للموصى له أن يستقل بأخذ ما أوصي له به كما يأتي في باب الإيصاء قال الأذرعي ومحله في الموصى له المحصور لا كالفقراء ونحوهم فصل يشترط رضا المكفول به لما مر في ضابط الكفالة لا رضا المكفول له كما لا يشترط رضا المضمون له فلو كفل به بلا إذن منه لم تلزمه إجابته أي الكفيل فليس للكفيل مطالبته وإن طالب المكفول له الكفيل كما في ضمان المال بغير إذن وقيل تلزمه إجابته فله مطالبته إن طالبه المكفول له كأن قال له أخرج عن حقي لأن ذلك يتضمن التوكيل فيه والترجيح من زيادته وما رجحه قال الزركشي إنه الأقرب لأنه لم يوجه أمره بطلبه قال وتوجيه اللزوم بتضمن المطالبة التوكيل بعيد إلا إن سأله المكفول له إحضاره كأن قال له أحضره إلى القاضي فإنه إذا أحضره باستدعاء القاضي له يجيب وجوبا لا بسبب الكفالة بل لأنه وكيل صاحب الحق في إحضار من هو عليه
وقد استدعاه القاضي وعلى هذا فلا بد من اعتبار مسافة العدوي وإنما اعتبرت استدعاء القاضي تبعا للقاضي وابن الرفعة لأن رب الحق لو طلب إحضار خصمه إلى القاضي لم يلزمه الحضور معه بل يلزمه أداء الحق إن قدر عليه وإلا فلا شيء عليه والتصريح باعتبار إحضاره إلى القاضي من زيادة المصنف ولا حبس عليه إن لم يحضره فيما إذا لم تلزمه الإجابة لأنه حبس على ما لا يقدر عليه كما ذكره الأصل فلو قدم المصنف هذا على المستثنى لوافق أصله ويحتمل أنه قصد تأخيره ليفيد أنه لا يحبس مطلقا لما مر أنه إنما وجبت الإجابة لأنه وكيل مع استدعاء القاضي وقد يشير كلامه إلى أن الكفيل بالإذن يحبس إن لم يحضره وقد مرت الإشارة إليه الركن الخامس للضمان الشامل للكفالة صيغة لالتزام لتدل على الرضا والمراد بها ما يشعر بالالتزام فيشمل اللفظ والكتابة وإشارة الأخرس كضمنت ما لك على فلان أو تكفلت ببدنه أو أنا بإحضار بدنه أو أنا بالمال أو بإحضاره كما عبر به أصله أو بإحضار الشخص كفيل أو زعيم أو ضامن أو حميل أو قبيل أو صبير أو ضمين أو
245
245
كافل وكلها صرائح وفي الأصل لفظة لك بعد ضمنت فحذفها المصنف لينبه على أن ذكرها ليس بشرط وقال الأذرعي إنه الظاهر وقوله خل عنه والمال الذي لك عليه علي صريح لأن على للالتزام والتصريح بهذا هنا من زيادته لا قوله خل عنه والمال عندي وإلي أي أو إلي أو معي فليس بصريح لاحتماله غير الالتزام وقد تستشكل الثلاث بأنه إن أراد خل عن مطالبته فشرط فاسد وإلا فضمان بشرط براءة الأصيل وهو فاسد أيضا كما سيأتي ويؤيده ما يأتي فيما لو قال أبرئ الكفيل وأنا كافل المكفول وقد يجاب بأن المراد خل عن مطالبته الآن أي قبل الضمان بخلاف ما لو أطلق أو أراد خل عنها أبدا لمنافاته مقتضى العقد بالكلية وقوله أؤدي المال وأحضر أي أو أحضر المال أو الشخص وعد لا يلزم الوفاء به لأن الصيغة لا تشعر بالالتزام نعم إن صحبه قرينة التزام فينبغي كما في المطلب صحته وقول كفيل أبرأه المستحق ثم وجده ملازما للخصم خله و أنا باق على الكفالة عبارة الأصل وأنا على ما كنت عليه من الكفالة كاف في أنه صار كفيلا لأنه إما مبتدئ بالكفالة بهذا اللفظ أو مخبر به عن كفالة واقعة بعد البراءة ويفارق ما لو فسخت الكتابة فقال السيد أقررتك على الكتابة حيث لم تعد الكتابة كما نص عليه الشافعي بأن الضمان محض غرر وغبن فكفى فيه ذلك من الملتزم بخلاف الكتابة ونحوها فصل ويبطل الضمان والكفالة الواقعان بشرط الخيار للضامن في الأولى والكفيل في الثانية لمنافاته مقصودهما ولا حاجة إليه لأن الملتزم فيهما على يقين من الغرر أما شرطه للمستحق فليس بمبطل لأن الخيرة في الإبراء والطلب إليه أبدا وشرطه للأجنبي كشرطه للضامن و يبطلان بالتوقيت كضمنت أو كفلت إلى رجب والتعليق بوقت أو غيره كقوله إذا جاء رجب أو إن لم يؤد ما لك غدا فقد ضمنت أو كفلت كالبيع فيهما ولو أقر بأنه ضمن أو كفل بشرط خيار مفسد وبتوقيت فكذبه المستحق صدق المستحق بيمينه بناء على جواز تبعيض الإقرار وقوله وبتوقيت من زيادته والواو فيه بمعنى أو وإن قال الضامن أو الكفيل لا حق على من ضمنت أو كفلت به صدق المستحق بيمينه لأن الضمان والكفالة لا يكونان إلا بعد ثبوت الحق أي غالبا والترجيح في أنه إنما يصدق بيمينه من زيادته وسبقه إليه الأذرعي فإن نكل المستحق حلف الضامن و الكفيل وبرئ كل منهما وحده أي دون المضمون عنه والمكفول به والتصريح بقوله وحده من زيادته وعلم من كلامه في هذه أن الحكم كذلك فيما لو قال الكفيل برئ المكفول وأنكر المكفول له وبه صرح أصله ويبطل ما ذكر بشرط زيادة على المال لا المتبرع أي الزيادة من الدين كأن ضمن رجلا بألف وشرط للمضمون له أن يعطيه كل شهر درهما ولا يحسبه من الدين ولا حاجة مع قوله زيادة على المال إلى ما بعده بل لا وجه له إذ ليس لنا زيادة على ذلك ليستثنى من الدين فلو قال بشرط إعطاء مال لا آخر من الدين لسلم من ذلك و تبطل الكفالة بقوله كفلت بزيد فإن أحضرته وإلا فبعمرو كفلت أما كفالة زيد فلأنه لم يلتزمها وكأنه قال كفلت ببدن هذا أو ذاك وأما كفالة عمرو فلتعليقها وبقوله للمكفول له أبرئ الكفيل وأنا كفيل المكفول لأنه تكفل بشرط إبراء الكفيل وهو فاسد وفي نسخة وأنا كافل بالمال وكل صحيح لكن الموافق للأصل الأولى فصل لو نجز الكفالة وأجل الإحضار بمعلوم نحو أنا كفيل بزيد أحضره بعد شهر أو ضمنت إحضاره بعد شهر جاز للحاجة إليه كما في الوكالة ولأنه التزام بعمل في الذمة فجاز مؤجلا كالعمل في الإجارة فإن أحضره قبله أي قبل الأجل فكما سبق في المكان الذي شرط التسليم فيه وقد مر وخرج بالمعلوم ما لو أجل بمجهول كالحصاد فلا تصح الكفالة ولو ضمن الحال مؤجلا بأجل معلوم أو عكس أي ضمن المؤجل حالا صح إذ الضمان تبرع فيحتمل فيه اختلاف الدينين في الصفة للحاجة ولزم الوفاء في
246
246
الأولى
بالتأجيل فلا يطالب الضامن إلا كما التزم ولا نقول التحق الأجل بالدين الحال وإنما ثبت عليه مؤجلا ابتداء ولا يبعد الحلول في حق الأصيل دون الكفيل كما لو مات الأصيل لا التعجيل في الثانية أي لا يلزم الضامن الوفاء به كما لو التزم الأصيل التعجيل ولأنه فرع الأصيل فينبغي أن يكون مثله قال في الأصل وعلى هذا هل يثبت الأجل في حقه مقصودا أم تبعا لقضاء حق المشابهة وجهان وتظهر فائدتهما فيما لو مات الأصيل والحالة هذه
ورجح المصنف فيما يأتي أنه يحل عليه بموت الأصيل فالراجح الثاني كما قاله صاحب التعجيز في شرحه وعلم من كلام المصنف ما صرح به أصله أنه لو ضمن الحال حالا أو أطلق لزمه حالا أو المؤجل مؤجلا بأجله أو أطلق لزمه لأجله أو ضمن المؤجل مؤجلا بأجل أقصر من الأجل الأول فكالمؤجل أي فكضمان المؤجل حالا بعد مضي الأقصر فلا يلزمه الوفاء به ويحل عليه الدين بموت الأصيل مطلقا في المنظر بها وبعد مضي الأقصر في المنظرة وعلم من كلامه كأصله أنه لو أجل بأجل أطول لزمه لأجله وأنه لو تكفل كفالة مؤجلة ببدن من تكفل بغيره كفالة حالة صح وهو ظاهر ولو تكفل بالبدن أو النفس أو الروح أو الجسم وكذا بعضو لا يبقى الشخص دونه كالرأس والقلب والكبد والدماغ أو جزء شائع كالربع والثمن صح لأنه لا يمكن تسليم ذلك إلا بتسليم كل البدن فكان كالتكفل بكله ويجوز أن يحتمل فيه ما لا يحتمل في البيع ونحوه للحاجة لا ما يبقى الشخص دونه كاليد والرجل والوجه والعين وما نقله في الروضة عن الحاوي من أن العين كالرأس ليس فيه ولا يساعده عليه المعنى نعم إن أريد بها النفس صح لكنه لا يلائم ما قرنها به من الأعضاء التي لا يبقى الشخص بدونها أو الترجيح في الجزء الشائع وفي التفصيل في العضو من زيادة المصنف وجزم به فيهما في الأنوار ورجحه في الثاني في التنبيه وأقره عليه النووي في تصحيحه وجزم به الصيمري وصححه الخوارزمي وحكاه في الروضة عن قطع الماوردي الباب الثاني في أحكامه وهي ثلاثة الأول مطالبة المستحق لهما أي للضامن والأصيل بأن يطالبهما جميعا أو يطالب أيهما شاء بالجميع أو يطالب أحدهما ببعضه والآخر بباقيه أما الضامن فلخبر الزعيم غارم وأما الأصيل فلأن الدين باق عليه وتعبيره بالمستحق أولى من تعبير أصله بالمضمون له لتناوله الوارث قال الماوردي ولو أفلس الضامن والمضمون عنه فقال الضامن للحاكم بع أولا مال المضمون عنه وقال المضمون له أريد أبيع مال أيكما شئت قال الشافعي إن كان الضمان بالإذن أجيب الضامن وإلا فالمضمون له فلو شرط في الضمان براءة الأصيل بطلت صيغته لمنافاة الشرط مقتضاها وإن ضمن به أي بالدين والأولى ضمنه أو كفل بالكفيل كفيل آخر وبالآخر آخر وهكذا طالبهم المستحق بما التزموا لأن ذلك مقتضى الالتزام فإن برئ الأصيل بإبراء أو أداء أو حوالة منه أو من المستحق أو غيرها برءوا كلهم لسقوط الحق
247
247
أو برئ غيره أي غير الأصيل من الملتزمين بإبراء برئ هو ومن بعده لأنه فرعه فيبرأ ببراءته لا من قبله لأن الأصيل لا يبرأ ببراءة فرعه لأنها سقوط توثقة فلا يسقط بها الحق كفك الرهن أما براءته بغير الإبراء فيبرأ بها من قبله أيضا ويحل المؤجل في غير ما مر في الضمان المؤجل حالا أو مؤجلا بأقصر على من مات منهما ولو عبدا مأذونا له لخراب ذمته فقط أي دون الآخر لارتفاقه بالأجل بخلاف الميت ويستثنى مع ما ذكرته ما أفتى به ابن الصلاح من أنه لو رهن ملكه بدين مؤجل لغيره لم يحل الدين بموته لأنه ضمان دين في عين لا في ذمته وهو قضية التعديل بخراب الذمة وللضامن بالإذن مطالبة المستحق بإبرائه أو طلب حقه من التركة أي تركة الأصيل لأنها قد تتلف فلا يجد مرجعا إذا غرم وليس لورثة ضامن سلموا الدين من تركته لمستحقه مطالبة للمضمون عنه قبل الحلول للدين الحكم الثاني في مطالبة الضامن الأصيل بالأداء وعدمها مع ما ذكر معهما للضامن بالإذن من الأصيل المطالبة له بخلاصه بأن يؤدي الحق لمستحقه ليبرأ هو ببراءته إن طولب به كما أنه يغرمه إذا غرم بخلاف ما إذا لم يطالب به ليس له ذلك لأنه لم يغرم شيئا ولا طولب بشيء بخلاف المعير للرهن له طلب فكه كما مر لأنه محبوس عنه بالحق وفيه ضرر ظاهر قال في المطلب ولو كان الأصيل محجورا عليه لصبا فللضامن بإذن وليه إن طولب طلب الولي بتخليصه ما لم يزل الحجر فإن زال توجه الطلب على المحجور عليه ويقاس بالصبي المجنون والمحجور عليه بسفه سواء أكان الضمان بإذنهما قبل الجنون والحجر أم بإذن وليهما بعد لا المطالبة بالمال ليدفعه أو بدله للمستحق ما لم يسلم ولو حبس إذ لم يفت عليه قبل تسليمه شيء والتصريح بأنه لا يطالب به حبس أو لم يحبس من زيادته وفهم منه بالأولى أنه ليس له حبس الأصيل وإن حبس قال في المطلب ولا ملازمته إذ لا يثبت له حق على الأصيل بمجرد الضمان وفي نسخة ولو حبس لم يحبسه وهي الموافقة للأصل لكن الأولى أكثر فائدة واستشكل عدم جواز حبسه له وإن حبس بأنه لا فائدة في المطالبة بخلاصه حينئذ لأنه لا يبالي بها
وأجيب بأن فائدتها لا تنحصر في ذلك بل من فوائدها إحضاره مجلس الحكم وتفسيقه إذا امتنع بدليل أن للولد مطالبة والده بدينه وليس له حبسه أما إذا سلم فله مطالبته وحبسه وملازمته ولو دفع إليه الأصيل المال بلا مطالبة وقلنا لا يملكه أي وهو الأصح فعليه رده ويضمنه إن هلك كالمقبوض بشراء فاسد فلو قال له اقض به ما ضمنت عني فهو وكيل والمال أمانة في يده صرح بذلك الأصل في النسخ المعتمدة ولو أبرأ الضامن الأصيل أو صالحه عما سيغرم فيهما أو رهنه الأصيل شيئا بما ضمنه أو كفل أي أقام به كفيلا لم يصح لما مر من أنه لا يثبت للضامن عليه حق بمجرد الضمان وعبر الأصل بدل كفل يضمن وكل صحيح ولو شرطه أي شرط الضامن في ابتداء الضمان أن يرهنه الأصيل شيئا بما يضمنه أو يقيم له به ضامنا فسد الضمان لفساد الشرط وشمول كلامه لشرط الرهن من زيادته وقوله أو صالحه عما سيغرم أعم من قول أصله صالحه عن العشرة التي سيغرمها على خمسة الحكم الثالث الرجوع ولا يرجع ضامن بغير إذن من الأصيل سواء أدى بإذنه لأن الغرم بالضمان ولم يأذن فيه أم بغير إذنه لتبرعه ولأنه لو كان له الرجوع لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على الميت بضمان أبي قتادة لبقاء الحق و لا متبرع بالأداء بأن أدى بلا إذن لتبرعه بخلاف من أوجر طعامه لمضطر لوجوبه عليه
248
248
إبقاء للمهجة فلو أديا أي الضامن بغير إذن والمتبرع بالأداء بالإذن رجع المتبرع للعرف في المعاملات وفارق نظيره في مسألة الغسال ونحوه بأن المسامحة في المنافع أكثر منها في الأعيان ومراده بهذا المتبرع المؤدي بلا ضمان وإلا فالمأذون له غير متبرع ففي إطلاق المتبرع عليه تجوز لا الضامن أي لا يرجع كما قدمه وكأنه أعاده ليستثني منه قوله إلا إن أدى بشرط الرجوع فيرجع كغير الضامن ولو أدى الولي دين محجور بنية الرجوع أو ضمنه عنه كذلك رجع قاله القفال وغيره والضامن بالإذن يرجع ولو أدى بلا إذن لأنه أذن في سبب الأداء نعم إن ثبت الضمان بالبينة وهو منكر كأن ادعى على زيد وغائب ألفا وأن كلا منهما ضمن ما على الآخر بإذنه فأنكر زيد فأقام المدعي بينة وغرمه لم يرجع زيد على الغائب بالنصف لكونه مكذبا للبينة فهو مظلوم بزعمه فلا يرجع على غير ظالمه كما سيأتي وحيث ثبت الرجوع فحكمه حكم القرض حتى يرجع في المتقوم بمثله صورة ومحل رجوع الضامن إذا أدى من ماله لا من سهم الغارمين كما قدمه في قسم الصدقات فرع من الأداء أن يحيل الضامن المستحق على غيره أو يحال عليه أو يصير الحق إرثا له أو يصالح عنه المستحق بعوض فيرجع به الضامن بالإذن عند كل منها دون الضامن بغير الإذن على ما مر إلا في صيرورته إرثا له فإنه يرجع به مطلقا لكونه صار له وهو باق في ذمة الأصيل فلو صالح الضامن المستحق عن الألف المضمونة بعبد رجع بأقل الأمرين
249
249
من الألف وقيمة العبد يوم الأداء وقس عليه فلو صالحه عن عشرة دراهم بثوب قيمته خمسة أو من خمسة دراهم بثوب قيمته عشرة فلا يرجع إلا بخمسة لأنها المغرومة في الأولى ولتبرعه بالزائد عليها في الثانية ولو باعه العبد بالدين الذي ضمنه رجع بالدين على الأصيل ويقدر أنه دخل بالبيع في ملكه ثم انتقل إلى ملك المستحق وفهم مما قاله بالأولى ما صرح به الأصل أنه لو باعه بألف وتقاصا رجع بالألف وما قاله في الأولى هو ما اختاره النووي من وجهين ذكرهما الرافعي قال الأذرعي وليس بظاهر ولهذا قال السبكي الوجه أنه يرجع بالأقل كما في مسألة الصلح وإلا فما الفرق وذكر نحوه الشيخ نور الدين الأردبيلي فيما شرحه على المنهاج والأمر كما قالا انتهى وقد يفرق بما يأتي في مسألة الصلح الآتية وفيه نظر ولو أدى مكسرة عن صحاح رجع بالمكسرة لأنها التي غرمها لا عكسه بأن أدى صحاحا عن مكسرة فلا يرجع بالصحاح لتبرعه بالزائد نعم إن تساوت قيمتهما فظاهر أنه يرجع بما شاء منهما مسائل تتعلق بالرجوع لو صالحه أي المستحق الضامن من الدين على البعض منه أو أدى البعض له وأبرأه المستحق من الباقي رجع بما أدى وبرئ فيهما وبرئ الأصيل عن الباقي في صورة الصلح فقط أي لا في صورة البراءة لأن براءة الضامن لا تستلزم براءة الأصيل وإنما برئ في تلك وإن كان صلح الحطيطة إبراء في الحقيقة لأن لفظ الصلح يشعر بقناعة المستحق بالقليل عن الكثير نقله الرافعي عن البغوي والمتولي ثم نظر فيه بأنه مسلم فيمن جرى الصلح معه لا مطلقا وفرق غيرهم بأن الصلح يقع عن أصل الدين وبراءة الضامن إنما تقع عن الوثيقة ولو ضمن ذمي لذمي عن مسلم دينا فصالح صاحبه على خمر لغا الصلح لما سيأتي أن أداء الضامن للمستحق يتضمن إقراض الأصيل ما أداه وتمليكه إياه وهو متعذر هنا فلا يبرأ المسلم كما لو دفع الخمر بنفسه ولو وهب المستحق للضامن ما أدى له رجع به كما لو وهبت الصداق للزوج ثم طلقها قبل الدخول يرجع عليها بنصفه ولو قال المستحق للضامن وهبتك الدين الذي ضمنته لي كان كالإبراء فلا رجوع ولو ضمن رجل عن الضامن وأدى الدين للمستحق فرجوعه إن ثبت له الرجوع عليه أي على الضامن الأول لا على الأصيل وصرح الأصل بأنه إذا لم يثبت له الرجوع على الأول لم يثبت بأدائه الرجوع للأول على الأصيل لأنه لم يغرم وبأنه إذا ثبت له الرجوع على الأول فرجع رجع الأول على الأصيل بشرطه وبأنه لو ضمن شخص الضامن بإذن الأصيل رجع عليه كما لو قال لغيره أد ديني فأداه وبأنه لو ضمن عن الأصيل بإذنه رجع من أدى منهما عليه لا على الآخر وصرح المصنف أيضا ببعض ذلك في بعض النسخ فقال في نسخة فرجوعه عليه كرجوع الضامن الأول على الأصيل فلو ضمن الفرع بإذن الأصيل رجع عليه وفي أخرى يدل هذا الأخير فلو ضمن الفرع عن الأصيل بإذنه رجع عليه أو ضمن عنهما أي عن الضامن والأصيل بإذنهما وأدى رجع على من شاء منهما بما شاء وإن ضمن اثنان عن رجل عشرة بأن ضمن كل منهما خمسة وتضامنا فسلم أحدهما العشرة طالب الأصيل بخمسة وصاحبه بخمسة وليس له الرجوع بالجميع على أحدهما إلا أن يكون الأصيل أذن له في الضمان الآخر فيرجع عليه به ولو وفي نسخة وإن أدى أحدهما خمسة رجع على من أداها عنه منهما أو من أحدهما فرع لو قالا ضمنا العشرة فهل يكون كل منهما ضامنا لكلها كما لو قال رهنا عبدنا هذا بالألف التي لك على فلان فإن حصة كل منهما رهن بجميع الألف أو لنصفها كقولهما اشترينا عبدك بالألف وجهان أصحهما عند المتولي الأول وصوبه السبكي وبه أفتيت لأن الضمان توثقة كالرهن قال المتولي ويخالف الشراء لأن الثمن عوض الملك فبقدر ما يحصل للمشتري من الملك يجب عليه من الثمن بخلاف الضمان لا معاوضة فيه وقال بالثاني الماوردي والبندنيجي والروياني قال الأذرعي والقلب إليه أميل
250
250
لأنه اليقين وشغل ذمة كل واحد بالزائد مشكوك فيه وإن ضمن الثمن مثلا للبائع بالإذن وأداه له ثم انفسخ العقد بتلف المبيع قبل القبض أو برده بعيب أو غيرهما رجع على الأصيل بما أداه و رجع الأصيل على البائع بما أخذه بأن يرجع فيه بعينه إن كان باقيا وببدله إن كان تالفا وليس له أي للبائع إمساكه أي ما أخذه ورد بدله كما لو رد المبيع بعيب وعين ثمنه عند البائع فأراد إمساكه ورد مثله وللتعليل الآتي وليس للضامن مطالبة البائع بما أخذه لأن الأداء منه يتضمن إقراض المضمون عنه ما أداه وتملكه إياه
وإن ضمن الثمن وفي نسخة ضمنه بلا إذن وأداه للبائع ثم انفسخ العقد لم يرجع على الأصيل وعلى البائع رده ولم يرد فيه الخلاف في الصداق المتبرع به إذا طلق الزوج قبل الدخول فيرد إلى الأصيل إن كان صغيرا أو نحوه والمتبرع أبا وإلا فإلى المتبرع وتقدم إيضاحه في أواخر باب خيار النقص أما إذا انفسخ العقد قبل أداء الضامن فيبرأ هو والأصيل وإن أقرضهما مثلا عشرة وتضامنا بأن ضمن كل منهما الآخر بالإذن منه فله مطالبتهما جميعا أو من شاء منهما بها فإن أداها أحدهما برئا وطالب صاحبه بخمسة لإذنه له في ضمانه وإن أدى كل منهما خمسة عن نفسه برئ ولا رجوع له على الآخر أو أداها عن صاحبه تقاصا وبرئا ولو أدى أحدهما خمسة ولم يقصد شيئا من نفسه وصاحبه صرفها عمن شاء منهما وإن قصد نفسه برئ مما عليه وصاحبه من ضمانه وبقي على صاحبه ما كان عليه والمؤدي ضامن له أو قصد صاحبه رجع بها عليه وبقي عليه ما كان عليه وصاحبه ضامن له أو قصدهما فلكل نصف حكمه صرح بذلك الأصل ولو قال المؤدي لها قصدت نفسي فقال له المستحق بل قصدت صاحبك فحلف له المؤدي لم تسقط عنه خمسة صاحبه وبرئ من خمسته وعبر الأصل بدل فحلف إلى آخره بقوله صدق المؤدي بيمينه فإن حلف برئ مما عليه لكن لرب الدين مطالبته بخمسة على الصحيح لأن عليه خمسة أخرى إما بالأصالة وإما بالضمان
وإن أبرأ المستحق أحدهما عن العشرة برئ أصلا وضمانا و بقي على صاحبه خمسة أي الخمسة المتأصلة عليه وبرئ من الأخرى وإن أبرأه عن الخمسة المتأصلة عليه برئ منها وصاحبه من ضمانها و طالب المستحق بالخمسة الباقية من شاء منهما أو أبرأه عن خمسة الضمان برئ منها وبقي عليه خمسة الأصل وعلى صاحبه الجميع أي الأصل والضمان وإن جعلها أي البراءة من الخمسة عن الجهتين أي الأصل والضمان طالبه أي المبرأ بخمسة فقط لبراءته من نصف الأصل ونصف الضمان و طالب صاحبه بسبعة ونصف فقط لبراءته من نصف الضمان فإن لم يقصد شيئا صرفها إلى من شاء منهما ولو قال المبرئ أبرأتك عن الضمان فقال بل عن الأصل صدق المبرئ صرح بذلك الأصل وتصديق المبرئ يقتضي أنه لا يشترط في صحة البراءة علم المبرأ بقدر الدين لتضمنه صحتها مع الإبهام والحكم في الأمرين واحد وإن ادعى ألفا من ثمن عبد مثلا على حاضر وغائب وأنهما تضامنا بالإذن أو أن الحاضر فقط ضمن بالإذن وأقام بذلك بينة أو أقر الحاضر وأقام المدعي بينة للإثبات على الغائب فسلم له الحاضر الألف رجع على الغائب بالنصف إن لم يحصل منه تكذيب للبينة وإلا كأن قال ما اشترينا شيئا فلا يرجع عليه لأنه مظلوم بزعمه فلا يطالب غير ظالمه فرع لو أدى الضامن ما ضمنه في غيبة الأصيل ولم يشهد به ولم يقر به الغريم لم يرجع ولو صدقه الأصيل لأنه لم ينتفع بأدائه إذ الطلب بحاله وهذا يغني عنه الشق الثاني من قوله فإن كان الأداء بحضوره أي الأصيل أو أقر الغريم رجع الضامن لأن الأصيل إذا كان حاضرا كان أولى بالاحتياط فالتقصير بترك الإشهاد منسوب إليه فأشبه ما لو أمره بتركه فتركه وإذا أقر الغريم بالأداء
251
251
سقطت المطالبة عن الأصيل فإنه أقوى من البينة وإلا بأن لم يكن الأداء بحضور الأصيل ولم يقر به الغريم فلا رجوع للضامن لأنه المقصر بترك الإشهاد مع كون الأصل هو ما يدعيه الأصل وكذا يرجع إن أشهد ولو أشهد واحدا ليحلف معه إذ الشاهد مع اليمين حجة كافية ولا يضر احتمال الرفع إلى حنفي كما لا يضر غيبته ولا موته لأنه أتى بما عليه أو أشهد مستورين فبانا فاسقين لإتيانه بحجة ولتعذر اطلاعه على الباطن فكان معذورا فلو قال أشهدت بالأداء شهودا وماتوا أو غابوا أو طرأ فسقهم فكذبه الأصيل في الإشهاد فالقول قول الأصيل بيمينه فلا رجوع عليه لأن الأصل عدم براءة ذمته وعدم الإشهاد بخلاف ما إذا صدقه الأصيل يرجع لأنه أتى بما عليه وإن كذبه الشهود فكما لو لم يشهد فلا يرجع بخلاف ما لو أقرت امرأة بنكاح بحضرة شاهدين فكذباها لا يقدح في إقرارها لأنها أقرت بحق عليها فلم يلغ بإنكارهما وهذا يريد أن يثبت له حقا وإن قالوا لا ندري وربما نسينا فتردد الإمام فيه ثم رجح عدم الرجوع وجعله أولى بذلك من دعواه موت الشاهد ولا يكفي إشهاد من يسافر قريبا إذ لا يفضي إلى المقصود ومتى لم يشهد بالأداء فإن حلف المستحق على عدمه وأخذ من الأصيل فذاك واضح أو من الضامن مرة ثانية رجع الضامن على الأصيل بأقلهما لأنه إن كان الأول فهو مدعاه لأنه يزعم أنه مظلوم بالثاني أو الثاني فهو المبرئ ولأن الأصل براءة ذمة الأصيل من الزائد وكالضامن فيما ذكر المؤدي بالإذن كما صرح به الأصل فصل ضمان المريض مرض الموت معتبر من رأس المال إلا إن كان الضمان عن شخص معسر عند موت الضامن أو حيث لا رجوع فإنه معتبر من الثلث كما مر ذلك ما عدا مسألة المعسر أوائل الباب ولا يعتبر موت المعسر وإن اقتضاه كلام الأصل فإن خرج بعضه أي بعض ما ضمنه من الثلث صحيح فيه فقط تفريقا للصفقة ويبطل الضمان باستغراق الدين الذي على الضامن وفي نسخة ويبطل بدين عليه يستغرق التركة قال في المهمات وهذا مردود بل القاعدة تقتضي صحته ويتوقف تنفيذه على وقت الموت فإن حصلت البراءة من الدين أو مال آخر أو أجازه من المستحق استمرت صحته وإلا حكم ببطلانه وما قاله يأتي فيما ذكر من البطلان فيما إذا لم يخرج من الثلث إلا البعض ولعل ما قاله هو مراد من عبر بالبطلان فإن ضمن المريض بالإذن تسعين ثم مات وخلف مثلها وخلف الأصيل بعد موته نصفها خمسة وأربعين فإن شاء الغريم أخذ تركة الأصيل وأخذ ثلث تركة الضامن وهي الأولى وهو أي ثلثها ثلاثون وفات عليه الباقي وهي خمسة عشر وعليه لا دور
وإن شاء أخذ من تركة الضامن ستين وضارب بها ورثته مع الغريم في تركة الأصيل فيأخذون ثلاثين ويأخذ هو خمسة عشر وعليه يلزم الدور لأن بعض ما يغرمه ورثة الضامن يرجع إليهم من تركة الأصيل بالمضاربة فتزيد تركة المريض فيزيد المغروم فيزيد الراجع وطريق استخراجه أن يقول المأخوذ
252
252
شيء والراجع مثل نصفه إذ تركة الأصيل نصف تركة الضامن فالباقي تسعون إلا نصف شيء يعدل مثل ما فات بالضمان وهو نصف شيء فمثلا شيء فالباقي يعدل شيئا فإذا جبرنا وقابلنا عدلت تسعون شيئا ونصفا فيكون الشيء ستين فيكون دينا لورثة الضامن على الأصيل وقد بقي للغريم ثلاثون فيتضاربون بمالهم في تركته بسهمين وسهم وتركته خمسة وأربعون يأخذ منها الورثة ثلاثين والغريم خمسة عشر ويتعطل عليه قدرها ويكون الحاصل للورثة ستين نصفها بقي عندهم ونصفها من تركة الأصيل وذلك مثلا ما فات عليهم ويقع الفائت في حالتي الدور وعدمه تبرعا إذا لم يجدوا مرجعا وإن خلف الأصيل ثلاثين فأخذها الغريم أعطى من تركة الضامن ثلاثين ولا دور وإن أخذ من تركة الضامن أخذ خمسة وأربعين ورجع ورثته في تركة الأصيل بخمسة عشر والباقي للغريم وعليه يلزم الدور وطريق استخراج ذلك أن يقال المأخوذ شيء والراجع مثل ثلثه إذ تركة الأصيل ثلث تركة الضامن فالباقي تسعون إلا ثلثي شيء يعدل مثلي ما فات بالضمان وهو ثلثا شيء فمثلاه شيء وثلث فالباقي يعدل شيئا وثلثا فإذا جبرنا وقابلنا عدلت تسعون شيئين فيكون الشيء خمسة وأربعين ويكون دينا لورثة الضامن على الأصيل
ويبقى مثله للغريم فيتضاربون بما لهم في تركته بسهم وسهم فيجعل بينهما مناصفة ويكون الحاصل للورثة خمسة عشر ومعهم خمسة وأربعون وذلك مثلا ما فات عليهم ويقع الفائت تبرعا لما مر فإن خلف الأصيل ستين وأخذها الغريم أخذ من تركة الضامن ثلاثين أو أخذ كل تركة الضامن وأخذ ورثته أي الضامن كل تركة الأصيل ويقع الباقي تبرعا ولا دور مطلقا لوفاء تركة الأصيل بثلثي الدين فمحل لزوم الدور إذا ضمن المريض بالإذن وأخذ الغريم أولا من تركته ولم تف تركة الأصيل بثلثي الدين تنبيه قد يقال ما ذكروه من أن له الأخذ من تركة الضامن أولا لما زاد على الثلث مخالف لما يأتي في الوصية من أن تسلط الموصى له يتوقف على تسلط الورثة على مثلي ما تسلط هو عليه فيما لو أوصى له بعين حاضرة تخرج من الثلث وباقي ماله غائب ويجاب بأن المرجع الموجود هنا حاضر فهو كما لو لم يغب باقي ماله في تلك الصورة فرع باع من اثنين شيئا وشرط أن يكون كل منهما ضامنا للآخر بطل البيع قال السبكي ورأيت ابن الرفعة في حسبته يمنع أهل سوق الرقيق من البيع مسلما ومعناه إلزام المشتري بما يلحق البائع من الدلالة وغيرها قال ولعله أخذه من هذه المسألة ولا يختص ذلك بالرقيق وهذا إذا كان مجهولا فإن كان معلوما فلا وكأنه جعله جزءا من الثمن بخلاف مسألة ضمان أحد المشتريين للآخر لا يمكن فيها ذلك قال الأذرعي لكنه هنا شرط عليه أمرا آخر وهو أن يدفع كذا إلى جهة كذا فينبغي أن يكون مبطلا مطلقا كتاب الشركة بكسر الشين وإسكان الراء وحكي فتح الشين وكسر الراء وإسكانها وشرك بلا هاء وهي لغة الاختلاط وشرعا ثبوت الحق في شيء لاثنين فأكثر على جهة الشيوع والأصل فيها قبل الإجماع خبر السائب بن يزيد أنه كان شريك النبي صلى الله عليه وسلم قبل المبعث وافتخر بشركته بعد المبعث وخبر يقول الله أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خانه خرجت من بينهما رواهما أبو داود والحاكم وصحح إسنادهما والمعنى أنا معهما بالحفظ والإعانة فأمدهما بالمعونة في أموالهما وإنزال البركة في تجارتهما فإذا وقعت بينهما الخيانة رفعت البركة والإعانة عنهما وهو معنى خرجت من بينهما وبما تقرر علم أن المشترك هو الحق المشاع بين متعدد وقد ذكره بقوله هي كل حق مشاع بين عدد مشترك ولا يخفى ما في عبارته فلو حذف لفظ هي لاستقامت ووافقت قول أصله كل ثابت بين شخصين فصاعدا على الشيوع يقال هو مشترك ثم بين الحق بقوله من عين مال ومنفعة له أو لغيره كمنفعة كلب صيد وغيره أي غير كل منهما كقود وحد قذف وشفعة وكلب صيد وقد تحدث الشركة قهرا كالإرث أو باختيار كالشراء وهو أي ما يحدث بالاختيار من حيث ابتغاء الربح مقصود الباب وقوله من زيادته هنا لا حاجة إليه ولا يصح من الشرك هو إما لغة في الشركة كما مر أو بكسر الشين وفتح الراء جمع شركة وفي نسخة من الشركة أي لا يصح من أنواعها الأربعة الآتية
253
253
إلا شركة العنان بكسر العين من عن الشيء ظهر إما لأنها أظهر الأنواع أو لأنه ظهر لكل من الشريكين مال الآخر أو من عنان الدابة قال السبكي وهو المشهور إما لاستواء الشريكين في ولاية التصرف والفسخ واستحقاق الربح بقدر المالين كاستواء طرفي العنان أو لمنع كل منهما الآخر التصرف كما يشاء كمنع العنان الدابة أو لمنع الشريك نفسه من التصرف في المشترك وهو مطلق التصرف في سائر أمواله كمنع الآخذ لعنان الدابة إحدى يديه من استعمالها كيف شاء ويده الأخرى مطلقة يستعملها كيف شاء وقيل من عن الشيء عرض لأن كلا منهما قد عرض له أن يشارك الآخر وقيل بفتح العين من عنان السماء أي سحابه لأنها علت كالسحاب بصحتها وشهرتها ولهذا اتفقوا على صحتها ونقل الإسنوي عن القاضي عياض أنه بالفتح أيضا من عن إذا ظهر وأركانها ثلاثة وزاد بعضهم رابعا وهو العمل الأول العاقدان وشرطهما أهلية التوكيل والتوكل لأن كلا منهما يتصرف في ماله بالملك وفي مال الآخر بالإذن فكل منهما موكل ووكيل قال في المطلب ومحله إذا أذن كل منهما للآخر في التصرف وإلا فيشترط في الآذن أهلية التوكيل وفي المأذون له أهلية التوكل حتى يصح أن يكون الأول أعمى دون الثاني وقضية كلامهم جواز الشركة للولي في مال محجوره وللمكاتب قال في المطلب وقد يقال بمنعها في الأولى لاستلزامها خلط مال محجوره قبل عقدها بلا مصلحة ناجزة بل تورث نقصا وينبغي في الثانية المنع إن كان المأذون له المكاتب لما فيه من التبرع بعمله قال الأذرعي وما ذكره ليس بالقوي قلت بل هو قوي في الثانية وقال الزركشي في الأولى الأقرب الجواز كالقراض بل أولى لأن فيه إخراج جزء من مال محجوره وهو الربح بخلاف الشركة وسيأتي في كلام الرافعي أنه لو مات أحد الشريكين وله طفل ورأى الولي المصلحة في الشركة استدامها وتكره مشاركة ذمي ومن لا يحترز من الربا ونحوه وإن كان المتصرف مشاركهما كما نقله ابن الرفعة عن البندنيجي لما في أموالهما من الشبهة وظاهر أنه لو شارك لمحجوره اعتبر كون الشريك عدلا يجوز إيداع مال المحجور عنده نبه عليه الأذرعي وغيره الركن الثاني الصيغة ولا بد من لفظ يدل على الإذن من كل منهما للآخر في التصرف بالبيع والشراء ليحصل له التسلط على التصرف وفي معنى اللفظ الكتابة وإشارة الأخرس فإن قالا اشتركنا لم يكن إذنا ولم يتصرف كل منهما إلا في نصيبه لاحتمال كون ذلك إخبارا عن حصول الشركة في المال ولا يلزم من حصولها جواز التصرف بدليل المال الموروث شركة نعم إن نويا بذلك الإذن في التصرف كان إذنا كما جزم به السبكي فإن شرط أن لا يتصرف أحدهما في نصيب نفسه لم يصح العقد لما فيه من الحجر على المالك في ملكه فإن قال أحدهما للآخر اتجر أو تصرف اتجر في الجميع فيما شاء ولو لم يقل له فيما شئت كالقراض ولا يتصرف الآخر الأولى القائل إلا في نصيبه ما لم يأذن له الآخر فيتصرف في الجميع أيضا ومتى عين له جنسا أو نوعا لم يتصرف في غيره كما صرح به الأصل وفرضه في الجنس ولا يعتبر فيما عينه أن يعم وجوده لأنه توكيل ذكره المحاملي وغيره الركن الثالث المال المعقود عليه وتجوز الشركة في الدراهم والدنانير بالإجماع ولو مغشوشة إن راجت على الأصح بخلافها في القراض كما سيأتي إيضاحه ثم وكذا في سائر المثليات كالبر والحديد لأنها إذا اختلطت بجنسها ارتفع معها التمييز فأشبهت النقدين ومنها التبران أي تبر الدراهم والدنانير فتصح الشركة فيهما فما أطلقه الأكثرون هنا من منع الشركة فيهما مبني على أنهما متقومان كما نبه عليه الأصل وسوى بينهما وبين الحلي والسبائك في ذلك لا في المتقومات غير المشاعة
254
254
بقرينة ما يأتي إذ لا يمكن الخلط فيها فلا يتحقق فيها معنى الشركة ويشترط خلط المالين بحيث لا يتميزان ليتحقق معنى الشركة لا كدراهم سود خلطت ببيض وحنطة حمراء خلطت ببيضاء لإمكان التمييز وإن كان فيه عسر فإن لم يخلطا كذلك وتلف نصيب أحدهما تلف عليه فقط وتعذرت الشركة في الباقي و يشترط أن يتقدم الخلط على العقد فإن وقع بعده ولو في مجلسه لم يصح إذ لا اشتراك حال العقد
والورثة شركاء في العروض وغيرها مما ورثوه وكذا لو تملكها جماعة بشراء أو غيره فهم فيها شركاء لأن ذلك أبلغ من الخلط إذ ما من جزء فيه إلا وهو مشترك بينهم بخلافه في الخلط فإذا انضم إلى ذلك الإذن في التصرف ثم العقد وقوله وغيرها من زيادته ومن أراد الشركة مع غيره في العروض المتقومة باع أحدهما نصف عرضه بنصف عرض صاحبه وتقابضا أو باع كل منهما بعض عرضه لصاحبه بثمن في الذمة وتقاصا كما صرح به في الروضة وأذن بعد ذلك كل منهما للآخر في التصرف سواء أتجانس العرضان أم اختلفا وإنما اعتبر التقابض ليستقر الملك وعليه فيعتبر أيضا في المسألة الثانية ولو عبر بدل النصف بالبعض كان أولى ولو خلط ماليهما حالة كون كل منهما مجهولا لكن معرفته ممكنة بمراجعة حساب أو وكيل أو غيرهما وأذن كل منهما للآخر صح العقد ولو تصرفا قبل المعرفة لأن الحق لا يعدوهما مع إمكان معرفته بعد بخلاف ما لا تمكن معرفته ولو اشتبه ثوباهما لم يكف للشركة كما صرح به الأصل فلو وفي نسخة وإن خلطا قفيزا مقوما بمائة بقفيز مقوم بخمسين فالشركة أثلاث بناء على قطع النظر في المثلي عن تساوي الأجزاء في القيمة وإلا فليس هذا القفيز مثلا لذلك القفيز وإن كان مثليا في نفسه وإن كان لهذا دنانير كعشرة وهذا دراهم كمائة فاشتريا بهما شيئا كعبد قوم غير نقد البلد منهما بنقد البلد وعرف التساوي والتفاضل
فإن استويا بنسبة قيمة المتقوم كأن كانت الدنانير من غير نقد البلد وقيمتها مائة درهم في المثال المذكور فالشركة مناصفة وإلا بأن كانت قيمتها مائتين فبالأثلاث قال في المهمات وينبغي أن يجيء في هذه المسألة القولان فيما لو كان لكل من اثنين عبد فباعاهما بثمن واحد لأن الثمن المعين كالمبيع وقد صححوا بطلانه لأن حصة كل من الثمن مجهولة عند العقد وإن كانت تعلم بالتقويم وهنا كل يجهل حصته من المبيع فيكون الأصح البطلان وهذا التخريج واضح وقد صرح به صاحب الشامل وأشار إلى أن البيع لا بد أن يكون بعين النقد وعزاه للأصحاب وإلى أنه لا بد من تقويم المبيع فإنه قال إذا أراد القيمة نظر إلى نقد البلد فقوما المبيع به وقوما مال الآخر به ويكون التقويم حين صرف الثمن انتهى والتخريج المذكور ذكره في الشامل بعد نقله عن الشافعي والأصحاب ما مر وكذا ذكره الشيخ أبو نصر وغيره
وهو الوجه فما قاله
255
255
الشافعي والأصحاب إنما يأتي على أحد القولين في المسألة المخرج عليها وما أجيب به من أن التخريج ليس بصحيح لعدم اتحاد العلة لأن كلا من الاثنين هنا مشتر نصف العبد بخلاف المشتري منهما ثم ليس مشتريا من كل منهما النصف من العبدين بل من كل منهما عبده والثمن مجهول فبطل البيع وهذه العلة منتفية هنا ومن أن المسألة تصور بأن الشراء وقع من وكيلهما لتتحد الصفقة ليس بشيء لأنه إذا صح الشراء مناصفة على ما قاله المجيب فلا تقويم وشراء وكيل الاثنين إنما يصح إذا علم ما لكل من موكليه من المبيع نعم قد يجاب بأنه يغتفر في جانب الثمن النقد ما لا يغتفر في غيره وفيه نظر وأما ما أشار إليه صاحب الشامل من أن البيع لا بد أن يكون بعين النقدين فليس بظاهر بل لا فرق بين كونه بالعين وكونه في الذمة وأما شركة الأبدان وهي أن يتفق محترفان على أن ما يكتسبان بأبدانهما بينهما متساويا أو متفاوتا مع اتفاق الصنعة أو اختلافها وشركة المفاوضة وهي أن يتفقا على أن يكون ما يكتسبان ويربحان بأبدانهما أو أموالهما وما يلتزمان من غرم ويحصل من غنم بينهما وشركة الوجوه وهي أن يتفق وجيهان عند الناس ليشتريا في الذمة بمؤجل على أن ما يشتريان بوجوههما بمؤجل يكون بينهما يبيعانه ويؤديان الأثمان ويكون الفاضل بينهما أو أن يتفق وجيه وخامل على أن يشتري الوجيه في الذمة ويبيع الخامل ويكون الربح بينهما أو على أن يعمل الوجيه والمال للخامل وهو في يده والربح بينهما قال في الأصل ويقرب منه ما ذكره الغزالي أن يدفع خامل مالا إلى وجيه ليبيعه بزيادة ويكون له بعض الربح وأشهر هذه التفاسير الثلاثة الأول انتهى وجواب أما قوله فكلها باطلة لخلوها عن المال المشترك الذي يرجع إليه عند القسمة ولكثرة الغرر فيها لا سيما شركة المفاوضة ولهذا قال الشافعي رضي الله عنه إن لم تكن شركة المفاوضة باطلة فلا باطل أعرفه في الدنيا إشارة إلى كثرة الغرر والجهالات فيها وسميت مفاوضة من قولهم تفاوضا في الحديث إذا شرعا فيه جميعا وقيل من قولهم قوم فوضى بفتح الفاء أي متساوون فكل من اكتسب شيئا بشراء أو غيره في الأنواع الثلاثة بتفاسير الثالث فهو له يختص بربحه وخسره ولا شركة فيه للآخر إلا إذا وكل ه وفي نسخة وكل أحدهما أن يشتري في الذمة لهما عينا وقصد المشتري ذلك أي الشراء لهما فإنهما يصيران شريكين في العين المأذون فيها وإلا إذا حصل شيء في النوعين الأولين من اكتساب المشتركين له مجتمعين فإنه يقسم على أجرة المثل لا بحسب الشرط كما صرح به الأصل في الأول واقتضاه كلامه في الثاني وربما تقرر علم أن الاستثناء في كلام المصنف أعم منه في كلام أصله كما يعرفه الواقف عليهما وهو حسن وإن كنت تبعت الأصل في شرح البهجة وقوله ذلك أولى من قول أصله موكله بل هو الوجه فإن أراد كل منهما بلفظ المفاوضة شركة العنان كأن قالا تفاوضنا أو اشتركنا شركة عنان جاز بناء على صحة العقود بالكنايات فرع لو أخذ جملا لرجل وراوية لآخر ليستقي الماء باتفاقهم والحاصل بينهم لم يصح عقد الشركة لأنها منافع أشياء متميزة والماء الحاصل بالاستقاء للمستقي إن كان ملكه أو مباحا وقصده لنفسه أو أطلق وعليه لكل من صاحبيه الأجرة أي أجرة مثل ماله ولو قصد الشركة بالاستقاء في المباح وفي نسخة في الاستقاء فالمباح بينهم لجواز النيابة في تملك المباحات وقسمته تكون على قدر أجر أمثالهم لحصوله بمنافع مختلفة بلا تراجع بينهم وقيل على رءوسهم بالسوية اتباعا للقصد
256
256
فيرجع المستقي على كل من صاحبيه بثلث أجرة منفعته إذ لم يصل إليه منه إلا الثلث ويرجع كل من صاحبيه بثلثي أجرة ما له على صاحبه وعلى المستقي والترجيح من زيادته وبه جزم في الأنوار وإن استأجر رجل الجمل من واحد والراوية من آخر والمستقي لاستقاء الماء والماء مباح فإن استأجر كلا منهم في عقد صح العقد وإن استأجرهم في عقد واحد فسدت أي الإجارة كشراء عبيد جمع بثمن واحد و عليه لكل منهم أجرة مثله والماء للمستأجر في الصورتين ولو قصد المستقي به نفسه ولا أثر للفساد في الثانية لأن منافعهم مضمونة عليه بأجرة المثل وتوقف فيه الإمام لأن منفعته غير مستحقة للمستأجر وإن ألزم ذمتهم الاستقاء بمال وفي نسخة بألف صح عقد الإجارة إذ ليست هنا أعيان مختلفة تفرض جهالة في أجورها وإنما على كل منهم ثلث العمل وزاد على الروضة قوله الاستقاء ليوافق ما في الرافعي وليرفع ما نبه عليه الإسنوي من إيهام صحة العقد فيما لو ألزم ذمة رجل جملا وآخر راوية وآخر الاستقاء مع أنه باطل لأن المعنى المبطل في إجارة العين موجود فيه وإن ألزم مالك بر فيما لو كان لرجل بيت رحى ولآخر حجرها ولآخر بغل يديره وآخر يطحن فيها ذمة الطحان وملاك بيت الرحى و حجر الرحى والبغل طحن بر في عقد في الذمة صح وكان المسمى من الأجرة بينهم أرباعا ويتراجعون بأجر المثل لأن المنفعة المملوكة لكل منهم قد استوفى ربعها حيث أخذ ربع المسمى وانصرف ثلاثة أرباعها إلى أصحابه فيأخذ منهم ثلاثة أرباع أجرة المثل فإن استوت أجرهم حصل التقاص وإلا رجع من زادت أجرته بالزائد وقوله في الذمة لا حاجة إليه وإذا استأجر الأعيان أي الطحان والآلات المذكورة
وكل واحد منهم في عقد واحد صح العقد بالمسمى فيه أو استأجرها معا فسد العقد كشراء عبيد جمع بثمن واحد كما مر والحكم فيه كما سبق في مسألة استئجار الجمل والراوية والمستقي من أن لكل عليه أجرة مثله وإن ألزم مالك البر ذمة الطحان الطحن لزمه وعليه إذا استعمل ما لأصحابه أجرة المثل إلا أن يستأجر منهم إجارة صحيحة فعليه المسمى صرح بذلك الأصل ولو اشترك مالك الأرض والبذور وآلة الحرث مع رابع يعمل على أن الغلة بينهم لم تصح شركة لعدم اختلاط مالين ولا إجارة لعدم تقدير المدة والأجرة ولا قراضا إذ ليس لواحد منهم رأس مال يرجع إليه عند الانفساخ ويكون الربح من فائدته لا من عينه ولا يصلح لغيرها فالزرع لمالك البذر ولهم عليه الأجرة إن حصل من الزرع شيء وإلا أي وإن لم يحصل منه شيء بأن أصابته آفة فلا أجرة لهم عليه لأنهم لم يحصلوا له شيئا حتى يستحقوا بدله واستشكل باتفاقهم في القراض الفاسد على أن
257
257
العامل حيث يستحق الأجرة لا فرق بين حصول ربح وعدم حصوله والمعنى الذي هنا موجود ثم وأجيب بأن ذلك وجد فيه صورة القراض وما هنا لم يوجد فيه ذلك ولا صورة شركة ولا إجارة بل أقرب الأشياء به الجعالة الفاسدة والعامل فيها إنما يستحق أجرة المثل إذا وجد فيها الغرض ولا يخفى ما في هذا الجواب
فصل الشريك كالوكيل في التصرف فلا يسافر
بالمال ولا يبضع بضم الياء وسكون الموحدة أي يدفعه لمن يعمل فيه متبرعا ولا يبيع نسيئة ولا بغير نقد البلد ولا يبيع ولا يشتري بغبن فاحش كما صرح بها الأصل بلا إذن في الجميع لما مر أن الشركة في الحقيقة توكيل وتوكل ومع الإذن يجوز له ذلك نعم لا يستفيد ركوب البحر بمجرد الإذن في السفر بل لا بد من التنصيص عليه كنظيره في القراض وإن اشترى بعين المال المشترك أو باعه بغبن فاحش فيهما صح في نصيبه فقط أي دون نصيب شريكه عملا بتفريق الصفقة وانفسخت الشركة في نصيبه وصار المشتري في الثانية والبائع في الأولى شريك شريكه سمي الثاني شريكه باعتبار ما كان وإن اشترى بالغبن المذكور في الذمة اختص الشراء به فيزن الثمن من ماله ولا يضمن نصيب شريكه بتصرفه فيه بالغبن ما لم يسلمه كنظيره في الوكالة ومثله التصرف فيه نسيئة وبغير نقد البلد بلا إذن بخلاف ما إذا سافر به أو أبضعه بلا إذن فإنه يضمن كما صرح به الأصل نعم إن عقد الشركة بمفازة فلا ضمان بالسفر به إلى مقصده لأن القرينة قاضية بأن له ذلك وظاهر كما قال الأذرعي أنه لو جلا أهل البلد لقحط أو عدو ولم تمكنه مراجعة الشريك أن له السفر بالمال بل يجب عليه وسيأتي بيانه في الوديعة فصل لكل من الشريكين فسخها أي الشركة متى شاء فإن فسخ أحدهما بطلت كالوكالة فيهما وانعزلا أي كل منهما عن التصرف في مال الآخر لارتفاع العقد وإن عزل أحدهما صاحبه كأن قال عزلتك عن التصرف أو لا تتصرف في نصيبي لم ينعزل العازل بل مخاطبه فقط إذ لم يوجد ما يقتضي عزله بخلاف مخاطبه فصل تنفسخ الشركة بموت أحدهما وجنونه وإغمائه كالوكالة ولا ينتقل الحكم في الثالثة عن المغمى عليه لأنه لا يولى عليه فإذا أفاق تخير بين القسمة واستئناف الشركة ولو بلفظ التقرير أو كان المال عرضا وعلى ولي الوارث غير الرشيد في الأولى والمجنون في الثانية استئنافها لهما ولو بلفظ التقرير عند الغبطة فيها بخلاف ما إذا انتفت الغبطة فيها فعليه القسمة وذكر حكم الولي في الثانية من زيادته أما إذا كان الوارث رشيدا فيتخير بين القسمة واستئناف الشركة إن لم يكن على الميت دين ولا وصية وإلا فليس له ولا لولي غير الرشيد استئنافها إلا بعد قضاء ما هناك من دين ووصية لغير معين كالفقراء لأن المال حينئذ كالمرهون والشركة في المرهون باطلة وهذا ذكره الأصل في الوارث الرشيد وذكره المصنف في ولي الوارث غير الرشيد وكل صحيح كما تقرر وللمعين استئنافها مع الوارث أو وليه وشريكه إن عرفت مشاركتهم أي الثلاثة فيها أي في وصيته أي محلها بأن كانت من المال المشترك وفي نسخة أو لمعين فهو كأحد الورثة أي فيفصل فيه بين كونه رشيدا وكونه غير رشيد وهذه موافقة لعبارة الأصل ولا يخفى ما في كلام المصنف في هذا المقام من الإجحاف وينفسخ أيضا بطرق الحجر بالسفه والفلس في كل تصرف لا ينفذ منهما كنظيره في الوكالة قال الإسنوي وينبغي أن ينفسخ أيضا بطرق الاسترقاق والرهن
258
258
فصل الربح
والخسران فيها على قدر المالين باعتبار القيمة لا الأجزاء كما مر بيانه شرط ذلك أم لا لا على قدر العمل وإن تفاوتا فيه لأنا لو جعلنا شيئا منهما في مقابلته لخالفنا وضع الشركة فشرط التفاضل فيهما مع التساوي في المالين أو بالعكس يبطلها والتصرف صحيح للإذن ويقسم الربح على قدر المالين ولو شرط زيادة في الربح للأكثر منهما عملا مبهما كان نحو على أن للأكثر منا عملا كذا أو معينا نحو على أن لك كذا إن كنت أكثر عملا مني بطل الشرط كما لو شرط التفاوت في الخسران فإنه يلغو ويوزع الخسران على قدر المالين ولا يصح جعله قراضا فإن العمل يقع ثم مختصا بمال المالك وهنا بماليهما ولأن العمل في الشركة لا يقابل بعوض وبذلك فارق صحة المساقاة لأحد الشريكين بزيادة في الثمرة ووجب لكل منهما أجرة عمله على صاحبه كما في القراض الفاسد وكذا يجب لكل منهما ذلك عند فساد الشركة بغير ما ذكر لبقاء الإذن في التصرف
فإن تساويا في أجرة العمل وقع التقاص في الجميع إن تساويا في المال أيضا وفي بعضه إن تفاوتا فيه كأن كان لأحدهما ألفان وللآخر ألف وأجرة عمل كل منهما مائة فثلثا عمل الأول في ماله وثلثه على الثاني وعمل الثاني بالعكس فيكون للأول عليه ثلث المائة له على الأول ثلثاه فيقع التقاص بثلثيها ويرجع على الأول بثلثها ولو استويا مالا لا عملا كأن كان لكل منهما ألف وساوى عمل أحدهما مائتين والآخر مائة وشرط زيادة لمن عمل منهما أكثر قاصص صاحبه بربع أجرة عمله ورجع عليه بما زاد وهو ربعها لأن نصف عمله مائة ونصف عمل صاحبه خمسون فيبقى له بعد التقاص خمسون وإن شرطت الزيادة لمن عمل أقل فلا رجوع للآخر بشيء لتبرعه بما زاد من عمله وكذا لو اختص أحدهما بأصل التصرف لا يرجع بنصف أجرة عمله كما يعلم من مفهوم كلامه المذكور وصرح به الأصل والوجه في قوله التقاصص وقاصص الإدغام فإن شرطت أي الزيادة لواحد منهما إن زاد عمل الآخر لم يستحق شيئا يرجع به على الأول وإن تفاوتا في المال لتبرعه بما زاد من عمله فلو كان لأحدهما ألفان وقيمة عمله مائتان وللآخر ألف وقيمة عمله مائة فلصاحب الأكثر ثلث المائتين على الآخر وللآخر ثلث المائة عليه وقدرهما متفق فيتقلصان
وإن كان قيمة عمل صاحب الأقل مائتين والآخر مائة فلصاحب الأقل ثلث المائتين على الآخر وللآخر ثلث المائة عليه فيبقى له بعد التقاص مائة وهذه مستثناة من قوله وإن تفاوتا في المال وقوله فإن شرطت إلخ من زيادته وهو مقطوع عن قوله ولو استويا مالا ليصلح جعل قوله وإن تفاوتا في المال غاية له وكلام الأصل ظاهر في أنه فرض المشروط له الزيادة معينا وكلام المصنف صالح له وللمبهم كما تقرر إلا المزيدة فإنه فرضها في معين فصل يد كل واحد منهما يد أمانة كالمودع في دعوى الرد والخيانة وغيرهما مما يأتي في باب الوديعة ومنه لو ادعى التلف بسبب ظاهر كحريق طولب ببينة بالسبب ثم يصدق في التلف به بيمينه ويصدق كل منهما بيمينه في تخصيصه وعدم تخصيصه بما في يده عملا بها و في أن ما اشتراه للشركة أو لنفسه لأنه أعلم بقصده وهذه يغني عنها ما قبلها لا إن ادعى ملكه بالقسمة مع قول الآخر هو باق على شركته لأن الأصل عدم القسمة وإن ادعى كل منهما ملك العبد مثلا بالقسمة وهو في يدهما
259
259
أو يد أحدهما بأن قال كل منهما هذا نصيبي من المشترك وأنت أخذت نصيبك حلفا و إذا حلفا أو نكلا جعل العبد مشتركا بينهما وإلا بأن حلف أحدهما ونكل الآخر فللحالف العبد فرع لو ادعى المشتري من شريك مأذون له في بيعه تسليم الثمن مع إنكار البائع فصدقه شريكه في دعواه سقط حقه عن المشتري لاعترافه ببراءته والقول قول البائع بيمينه في أنه لم يتسلم شيئا من الثمن فإن حلف أو رد اليمين على المشتري فنكل أخذ حقه منه بيمينه في الأولى ومؤاخذة للمشتري باعترافه بلزوم الحق له بالشراء في الثانية فليس ذلك قضاء بنكوله فيها ولا يشاركه فيه صاحبه لأنه يزعم أن ما أخذه الآن ظلم بل له مطالبة شريكه البائع بحصته من الثمن لزعمه أنه قبضه وتحليفه أنه ما قبض من المشتري إلا ما قبض بالخصومة الجارية بينه وبين المشتري أما إذا حلف المشتري اليمين المردودة فتنقطع عنه المطالبة كما لو أقام بينة بالتسليم أو أقر به البائع فلو شهد له شريك البائع لم يقبل في نصيبه لما فيه من جر منفعة له وهو مطالبته البائع بحصته صرح بذلك الأصل هنا فإن نكل البائع في خصومته مع صاحبه حلف صاحبه و إذا حلف صاحبه غرم له البائع حصته ولم يرجع بها على المشتري لأنه يزعم أن شريكه ظلمه وللبائع أن يحلفه هنا أي في خصومته مع صاحبه
وإن كان قد نكل هناك أي في خصومته مع المشتري لأن هذه خصومة أخرى مع آخر وإن ادعى المشتري أنه سلم الثمن إلى الشريك الذي لم يبع وصدقه البائع مع إنكار الذي لم يبع فإن كان الذي لم يبع مأذونا له من البائع في القبض للثمن فالبائع هنا كصاحبه الذي لم يبع هناك أي فيما مر أول الفرع في أنه يسقط حقه عن المشتري لاعترافه بأن وكيله قبضه وفي أن القول قول الذي لم يبع بيمينه في أنه لم يتسلم الثمن فإن حلف أو رد اليمين على المشتري فنكل أخذ حقه منه ولا يشاركه فيه البائع بل له مطالبة شريكه الذي لم يبع بحصته من الثمن وتحليفه أنه ما قبض من المشتري إلا ما قبض بالخصومة وإن حلف المشتري اليمين المردودة انقطعت عنه المطالبة ولو شهد له البائع لم يقبل في نصيبه فإن نكل الذي لم يبع في خصومته مع صاحبه وحلف صاحبه غرم له الذي لم يبع حصته ولم يرجع بها على المشتري وللذي لم يبع أن يحلف هنا وإن كان قد نكل هناك لأن هذه خصومة أخرى مع آخر فلو حذف قوله يسقط حقه كان أولى وأخصر وإن كان الذي لم يبع غير مأذون له في القبض لم يسقط حق البائع عن المشتري فيطالب ه به لأنه لم يعترف بقبض صحيح ولم يسقط عنه حق الذي لم يبع أيضا فيطالبه به لأنه منكر للقبض
ثم إن كان البائع مأذونا له في القبض للثمن لم يكن له قبض الجميع أي لم يكن له قبض نصيب شريكه لأنه انعزل بإقراره على الشريك بقبض نصيبه فإن قبض البائع حقه لم يشاركه الشريك فيما قبضه لأنه معزول عن الوكالة بما ذكر بل يطالب الشريك المشتري بحق نفسه وقيل له أن يشاركه ويأخذ الباقي من المشتري لاتحاد الصفقة فكل جزء من الثمن شائع بينهما كما في الإرث فعلى هذا لا تقبل شهادة البائع للمشتري على الشريك بقبضه الثمن لأنه يدفع بها شركة صاحبه فيما أخذه وعلى الأول تقبل والترجيح من زيادته أخذه من ترجيح الأصل أن لكل منهما قبض نصيبه في مسألة العبد الآتية وقد يفرق بينهما بما يأتي وفي نسخة هنا من زيادته إلا إن جدد لصاحبه وكالة فإنه يطالب بالجميع وظاهره أن الضمير في جدد للذي لم يبع وفي فإنه للبائع وليس كذلك لأن البائع مقر بقبض شريكه الثمن فكيف يتوكل له في قبض ما ليس له بزعمه فالوجه جعل الضمير الأول للبائع والثاني للذي لم يبع وفي التعبير بالتجدد بالنسبة إلى البائع مجاز وإن كان البائع منهيا عن القبض الأولى قول أصله وإن لم يكن
260
260
مأذونا له في القبض قبلت شهادته للمشتري على الشريك بقبضه الثمن كما لو كان مأذونا له ولو باعا عبدهما صفقة أو وكل أحدهما الآخر فباعه فلكل منهما قبض نصيبه من الثمن كما لو انفرد بالبيع فلا يشاركه الآخر فيما قبضه
وقد يقال قياس ما قالوه في المشترك من إرث ودين كتابة أنه يشاركه فيه لاتحادهما في الحق كما هو وجه في المسألة ويجاب بمنع أن الثمن مشترك بل كل يملك منه نصيبه منفردا ولو سلم فيجاب بأن الاتحاد المقتضي للمشاركة فيما يقبض محله إذا لم يتأت انفراد أحدهما بالاستحقاق لنصيبه فيما اشتركا فيه كما في ذينك بخلاف هذه نعم قد تشكل هذه بالمشترك بالشراء معا إذا ادعياه وهو في يد ثالث فأقر لأحدهما بنصفه فإن الآخر يشاركه فيه كما مر في الصلح مع أن شراء أحدهما يتأتى انفراده عن شراء الآخر ويجاب بأن المشترك ثم نفس المدعي وهنا بدله فألحق ذاك بذينك وإن تأتى الانفراد فيه وإن أزال غاصب يد أحدهما عنه أي عن العبد أي عن نصيبه فيه بأن نزل نفسه منزلته فباعه أي العبد الغاصب والشريك صح في نصيب الشريك فقط لتعدد الصفقة بالبائع أي بتعدده ولا يصح من المغصوب منه بيع نصيبه إلا للغاصب أو القادر على انتزاعه منه كما علم مما مر في البيع وصرح به هنا الأصل أيضا كتاب الوكالة هي بفتح الواو وكسرها لغة التفويض شرعا تفويض شخص أمره إلى آخر فيما يقبل النيابة والأصل فيها قبل الإجماع قوله تعالى فابعثوا أحدكم بورقكم هذه وقوله اذهبوا بقميصي هذا وهذا شرع من قبلنا وورد في شرعنا ما يقرره كقوله تعالى فابعثوا حكما من أهله الآية وخبر الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم بعث السعاة لأخذ الزكاة وخبر عروة البارقي السابق في الكلام على بيع الفضولي وقد وكل صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري في نكاح أم حبيبة رواه البيهقي وصححه الإمام والحاجة داعية إليها فهي جائزة بل قال القاضي وغيره إنها مندوب إليها لقوله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى ولخبر الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه وفيه ثلاثة أبواب الأول في أركانها وهي أربعة الأول ما يجوز فيه التوكيل وله شروط ثلاثة الأول الملك للموكل فلا يصح التوكيل في طلاق من سينكحها وتزويج من ستنقضي عدتها ونحوه كبيع عبد سيملكه أو إعتاق من سيملكه لأنه لا يتمكن من مباشرة ما وكل فيه حال التوكيل نعم لو جعل ما لا يملكه تبعا لما يملكه كتوكيله ببيع عبده وما سيملكه ففيه احتمالان للرافعي والمنقول عن الشيخ أبي حامد وغيره الصحة كما لو وقف على ولده الموجود ومن سيحدث له من الأولاد ولو وكله ببيع عبد وأن يبتاع بثمنه كذا صح الشرط الثاني قبول النيابة لأن الوكالة إنابة فلا بد أن تكون فيما يقبلها فلا يصح التوكيل في الشهادات إلحاقا لها بالعبادات لاعتبار ألفاظها مع عدم توقفها على قبول ولأن الحكم فيها منوط بعلم الشاهد وهو غير حاصل
261
261
للوكيل وهذا غير تحملها الجائز باسترعاء أو نحوه كما سيأتي بيانه و لا في الأيمان إلحاقا لها بالعبادات لتعلق حكمها بتعظيم الله تعالى ولو ظهارا لأن المغلب فيه معنى اليمين لتعلقه بألفاظ وخصائص كاليمين قال في المطلب ولعل صورته أن يقول أنت على موكلي كظهر أمه أو جعلت موكلي مظاهرا منك قال الأذرعي والأشبه أن يقول موكلي يقول أنت عليه كظهر أمه وما ادعى أنه الأشبه ظاهر أن الأشبه خلافه و لا في النذر وتعليق الطلاق والعتاق لما مر قبله كذا جزم به الجمهور ونقل المتولي فيه أوجها ثالثها إن كان التعليق بقطعي كطلوع الشمس صح وإلا فلا فإنه يمين لأنه حينئذ يتعلق به حث أو منع أو تحقيق خبر واختاره السبكي وفي معنى التعليق التدبير وصرح به الأصل قال القاضي وعلى المنع هل يصير بتوكيله معلقا ومدبرا وجهان وقضية تقييدهم بتعليق الطلاق والعتاق أنه يصح التوكيل بتعليق غيرهما كتعليق الوصاية وفيه نظر ويحتمل وهو الظاهر أنهم قيدوا به نظرا للغالب فلا يعتبر مفهومه و لا في ملازمة مجلس الخيار فلو اصطرف اثنان فأراد أحدهما أن يفارق المجلس قبل القبض فوكل وكيلا في ملازمته لم يصح وينفسخ العقد بمفارقة الموكل لأن التعبد في العقد منوط بملازمة العاقد و لا في المعاصي كالقتل والقذف والسرقة لأن حكمها يختص بمرتكبها لأن كل شخص بعينه مقصود بالامتناع منها و لا في ما لا يقبلها أي النيابة من العبادات كالصلاة والطهارة والاعتكاف لأن مباشرها مقصود بعينه ابتلاء بخلاف ما يقبلها كما سيأتي ويجوز في عقود المعاملات كبيع وسلم وصرف وتولية للأخبار السابقة أول الباب و في الفسوخ كفسخ عيب وإقالة وتحالف قياسا على العقود والمراد الفسخ الذي ليس على الفور أو على الفور وحصل عذر لا يعد به التأخير بالتوكيل فيه تقصيرا و في الإبراء والوصية ونحوها كالوقف و في ما يقبل النيابة من العبادات كالحج والعمرة وتوابعهما والصدقة وتفرقة الزكاة والكفارة والذبائح كالأضحية والهدي والعقيقة لأدلة معروفة في أبوابها ومن ذلك تجهيز الموتى وحملهم ودفنهم نبه عليه الأذرعي قال وفي البحر أنه لا يجوز التوكيل في غسل الميت وكأنه أراد أن فعل الغاسل يقع عن نفسه كالجهاد وفيه نظر انتهى وفي النكاح وتنجيز الطلاق والرجعة ونحوها بالنص في النكاح وبالقياس عليه في الباقي لا في التعيين للطلاق والعتاق والنكاح أي لمحالها ممن طلق إحدى نسائه أو أعتق إحدى إمائه أو أسلم عن بمعنى على خمس أو أكثر لتعلقه بالشهوة والميل إلا إن عين له أي للوكيل التي يختارها للطلاق أو العتاق أو اللاتي يختارهن للنكاح فيصح التوكيل لانتفاء المعنى ويجوز في القبض للحق من عين أو دين كتوكيل أصناف الزكاة في قبضها لهم لعموم الحاجة إليه و في الإقباض له كذلك نعم إن كان عينا يقدر على ردها بنفسه قال جماعة منهم المتولي لم يصح لأنه لا حق له فيها ولأنه ليس له دفعها لغير مالكها فلو سلمها لوكيله بغير إذن مالكها كان مفرطا لكنها إذا وصلت إلى يد مالكها خرج الموكل عن
262
262
عهدتها وصرح الجوري بما يقتضي أنه يصح إذا كان الوكيل من عياله للعرف ولو كان الوكيل في الإقباض مسلما عن ذمي في جزية فإنه يجوز بناء على أن أخذ لحييه وضرب لهزمتيه ونحوهما ليس بواجب و يجوز في تملك المباحات وإحياء الأولى قول الأصل كإحياء الموات لأنه أحد أسباب الملك كالشراء فيملكها الموكل إذا قصده الوكيل له لا في الالتقاط كما في الاغتنام فلو وكله فيه فالتقط كان له دون الموكل تغليبا لشائبة الولاية لا لشائبة الاكتساب ولا يجوز التوكيل في الإقرار بأن يقول لغيره وكلتك لتقر عني لفلان بكذا فيقول الوكيل أقررت عنه بكذا أو جعلته مقرا بكذا لأنه إخبار عن حق فلا يقبل التوكيل كالشهادة لكن التوكيل فيه إقرار من الموكل لإشعاره بثبوت الحق عليه وقيل ليس بإقرار كما أن التوكيل بالإبراء ليس إبراء ومحل الخلاف إذا قال وكلتك لتقر عني لفلان بكذا فلو قال أقر عني لفلان بألف له علي كان إقرارا قطعا ولو قال أقر له علي بألف لم يكن إقرارا قطعا صرح به صاحب التعجيز ويصح في الخصومات من جانب المدعي أو المدعى عليه رضا الخصم أو لا سواء أكان في مال أم عقوبة لغير الله بقرينة ما يأتي لآية فابعثوا حكما من أهله ولأن ذلك توكيل في خالص حقه فيمكن منه كالتوكيل باستيفاء الدين بغير رضا من هو عليه وفي استيفاء العقوبات وكذا الحدود كسائر الحقوق ولما في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم في قصة ماعز اذهبوا به فارجموه وفي غيرها واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها بل يتعين التوكيل في قصاص الطرف وحد القذف كما سيأتي في محلهما وذكر العقوبات يغني عن ذكر الحدود وكأنه ذكرها وأراد بها حدود الله تعالى ليرتب عليها قوله لا في إثباتها فلا يصح لبنائها على الدرء نعم قد يقع إثباتها بالوكالة تبعا بأن يقذف شخص آخر فيطالبه بحد القذف فله أن يدرأه عن نفسه بإثبات زناه بالوكالة وبدونها فإذا ثبت أقيم عليه الحد الشرط الثالث العلم به أي بما يجوز فيه التوكيل بوجه ما أي بحيث يقل معه الغرر لأن تجويز الوكالة للحاجة يقتضي المسامحة فيه فيكفي أن يكون معلوما من وجه يقل معه الغرر للوكيل بخلاف ما إذا كثر فقوله وكلتك في كل أموري أو تصرف في أموالي كيف شئت أو نحوه كقوله وكلتك في كل قليل وكثير من أموري أو فوضت إليك جميع الأشياء باطل لكثرة الغرر فيه ويجوز التوكيل بقوله وكلتك في بيع أموالي واستيفاء ديوني واسترداد ودائعي ومخاصمة خصمائي ولو جهل الخصوم وما فيه الخصومة والأموال والديون والودائع ومن هي عليه أو عنده لقلة الغرر فيه لا بيع بعض مالي أو طائفة منه أو سهم ولا بع هذاك أو هذا فلا يجوز لكثرة الغرر فيه وفارقت الأولى الصور الآتية على الأثر بأن الموكل فيه هنا مبهم لأنه نكرة لا عموم فيه ولا خصوص بخلافه ثم لأنه معرفة عامة مخصوصة وفارقت الثانية قوله بع أحد عبيدي بأن العقد لم يجد فيها موردا يتأثر به لأن أو للإبهام بخلاف الأحد فإنه صادق على كل عبد
ولو قال بع أو هب من مالي ما شئت أو اقبض من ديوني ما شئت أو أعتق أو بع كما صرح به الأصل في أواخر الباب الآتي من عبيدي من شئت
263
263
قال القاضي أو طلق من نسائي من شئت صح في البعض لا في الجميع فلا يأتي الوكيل بالجميع لأن من للتبعيض لكن قال القاضي مع ما مر عنه ولو قال طلق من نسائي من شاءت فله أن يطلق كل من شاءت الطلاق ويفرق بأن المشيئة في هذه مستندة إلى كل منهن فلا تصدق مشيئة واحدة بمشيئة غيرها فكان ذلك في معنى أي امرأة شاءت منهن الطلاق طلقها بخلافها في تلك فإنها مستندة إلى الوكيل فصدقت مشيئته فيما لا يستوعب الجميع فلا يتمكن من مشيئته فيما يستوعبه احتياطا ويصح التوكيل بقوله تزوج لي من شئت كما لو قال بع من مالي ما شئت فرع لا يكفي في شراء الرقيق قوله اشتر لي رقيقا حتى يبين النوع كتركي وهندي وللذكورة والأنوثة تقليلا للغرر فإن الأغراض تختلف بذلك وتبيين الأثمان ليس شرطا إذ تعلق الغرض بعبد أو أمة من ذلك نفيسا أو خسيسا غير بعيد ولا يصح التوكيل بقوله اشتر لي عبدا كما تشاء لكثرة الغرر بخلاف قوله في القراض اشتر من شئت من العبيد لأن القصد ثم الربح والعامل أعرف به ولا يشترط لصحة التوكيل استقصاء الأوصاف أي أوصاف السلم ولا ما يقرب منها
فإن تباينت أوصاف نوع ذكر الصنف كحطابي وقفجاقي في الرقيق هذا كله إذا لم يكن للتجارة وإلا فلا يجب فيه ذكر نوع ولا غيره بل يكفي اشتر ما شئت من العروض أو ما فيه حظ كالقراض كما اقتضاه كلام الأصل ونقله ابن الرفعة عن الماوردي وغيره وأقره ويبين في توكيله في شراء الدار المحلة أي الحارة والسكة أي الزقاق وظاهر أن العلم بالبلد ونحوها من ضرورة العلم بذلك وفي شراء الحانوت السوق ليقل الغرر وقس على ذلك وإذا علم الموكل في الإبراء قدر الدين صح التوكيل فيه ولو جهله الوكيل والمديون إذ لا فائدة في علمهما به عكس البيع في نحو قوله بع عبدي بما باع به فلان فرسه فإنه يشترط فيه علم الوكيل فقط لأن العهدة تتعلق به ثم ولا عهدة في الإبراء قاله الرافعي وإن قال له أبره عن شيء من ديني أبرأه عن قليل منه أي عن أقل ما ينطلق عليه اسم الشيء كما عبر به في الروضة ويفارق عدم الصحة في نظيره في البيع بأن الإبراء عقد غبن فتوسع فيه بخلاف البيع أو أبره عما شئت منه أي من ديني فليبق الوكيل شيئا منه بعد إبرائه عما عداه ولزم منه اغتفار جهل الموكل بقدر المبرأ إذا كان جميع الدين معلوما أو أبره عن الجميع فأبراه عنه أو عن بعضه صح بخلاف بيعه لبعض ما وكله ببيعه من عبد أو نحوه لتضمن التشقيص فيه الغرر إذ لا يرغب عادة في شراء البعض نعم إن باعه بقيمة الجميع صح قطعا ذكره النووي في تصحيحه وقد يلحق به ما لو باعه بما ينقص عن قيمة الجميع بقدر يقطع في العادة بأنه يرغب في الباقي به الركن الثاني والثالث الموكل والوكيل ويشترط فيهما صحة مباشرتهما الموكل فيه أي مباشرة الموكل إياه بملك أو ولاية ومباشرة الوكيل إياه لنفسه فلا يصح توكيل صبي ومجنون ومغمى عليه ونائم في التصرفات ولا توكيل فاسق في إنكاح ابنته ولا توكيل امرأة ومحرم بضم الميم في نكاح ولا إنكاح إذ لا تصح مباشرتهم لذلك وصورة توكيل المحرم أن يوكل ليعقد له أو لموليته حال الإحرام فإن وكله ليعقد له بعد التحلل أو أطلق صح لأن الإحرام يمنع الانعقاد دون الإذن كما سيأتي ذلك في النكاح وطرده القاضي فيما لو وكله ليشتري له هذا الخمر بعد تحلله والتصريح بذكر مسألة الموكل في الإحرام هنا من زيادته ولا توكيل عبد في إيجابه أي النكاح ولو بإذن سيده لأنه لا يزوج بنته فبنت غيره أولى ويصح توكيله في قبوله
264
264
كما يقبله لنفسه ولو بلا إذن من سيده لأنه لا ضرر على السيد فيه بخلافه في قبوله لنفسه لما فيه من التزام المهر والنفقة وجوز توكيل الأعمى لغيره في عقد بيع ونحوه مما توقف صحته على الرؤية كالإجارة والأخذ بالشفعة للضرورة فهو مستثنى من عكس اعتبار صحة مباشرة الموكل ما وكل فيه ويستثنى معه صور منها ما لو وكل المستحق لقصاص طرف أو حد قذف باستيفائه وما لو وكل المشتري بإذن البائع من يقبض الثمن منه مع أنه يمتنع قبضه من نفسه وما لو وكلت امرأة رجلا بإذن الولي لا عنها بل عنه أو مطلقا في إنكاح موليته وما لو وكل محرم بالنكاح ليعقد له بعد التحلل أو أطلق كما تقرر ويستثنى من طرده صور منها غير المجبر إذا أذنت له موليته في النكاح ونهته عن التوكيل فيه لا يوكل به والظافر بحقه لا يوكل بكسر الباب أو نحوه وأخذ حقه ويحتمل جوازه عند عجزه والمسلم لا يوكل كافرا في استيفاء قصاص من مسلم والوكيل لا يستقل بالتوكيل فيما يقدر عليه والسفيه المأذون له في النكاح ليس له التوكيل به فإن حجره لم يرتفع إلا عن مباشرته وكذا العبد كما سيأتي في بعض ذلك ويوكل الأب والوصي والقيم في بيع مال الطفل عن الطفل وعن نفسه أي عنهما معا أو عن كل منهما وعليه اقتصر في الروضة نقلا عن الماوردي ثم قال في جوازه عن الطفل نظر وفائدة كونه وكيلا عن الطفل أنه لو بلغ رشيدا لم ينعزل الوكيل بخلاف ما إذا كان وكيلا عن الولي وذكر البيع والطفل مثال فكالبيع ما في معناه وكالطفل المجنون والسفيه المحجور عليه قال الأذرعي وما ذكر هنا من توكيل الوصي هو الصحيح وقضية كلام الشيخين في الوصايا أنه لا يوكل ولا يصح توكيله أي فيما يتولاه مثله فعليه يمكن حمل ما هنا على ذاك لكن الظاهر الإطلاق وتوكيل غير المجبر قبل الإذن له من موليته مذكور في النكاح وسيأتي أنه لا يصح ويجوز توكيل الصبي المميز المأمون في إذن الدخول أي في الإذن فيه و في إيصال الهدية قال الماوردي والروياني وفي إخباره غيره بطلب صاحب الوليمة وما قاله المصنف هنا علم مما مر أيضا في البيع فيوكل الصبي غيره فيهما حيث يجوز للوكيل التوكيل فيما وكل فيه فجاز أن يكون الصبي وكيلا وموكلا فهو بالاعتبار الأول مستثنى من عكس اعتبار صحة مباشرة الوكيل ويستثنى معه توكيل المرأة بالطلاق وسيأتي وتوكيل المسلم كافرا بشراء مسلم كما مر في البيع وتوكيل الولي امرأة لتوكل رجلا في تزويج موليته وتوكيل معسر موسرا بنكاح أمة وتوكيل شخص بقبول نكاح أخته أو نحوها حيث لم يتعين للولاية ولا يصح توكيل الرقيق والسفيه والمفلس المحجور عليهما فيما لا يستقل به كل
265
265
منهم من التصرفات لا بإذن من السيد والولي والغريم لكن لو وكل عبدا ليشتري له نفسه أو مالا آخر من مولاه صح وليس من لازم وجود الإذن لمن ذكر صحة تصرفه فلا يرد عدم صحة البيع ونحوه من السفيه بإذن وليه أما ما يستقل به أحدهم فيصح توكيله ولو بلا إذن ويصح توكيل السفيه في قبول النكاح وإن لم يستقل به كنظيره فيما مر في العبد كما أفاده كلام الأصل وإن اقتضى كلام المصنف خلافه ويصح توكيل المفلس ولو لزمه عهدة فيما لو وكل فيه كما يصح شراؤه و يصح توكيل السكران بمحرم كسائر تصرفاته بخلاف السكران بمباح كدواء فإنه كالمجنون ويشترط في الوكيل مطلقا أن يكون معينا فلو قال أذنت لكل من أراد بيع داري أن يبيعها أو قال لرجلين وكلت أحدكما ببيع داري لم يصح كما ذكره الأصل في الحج وفي وكيل القاضي أن يكون عدلا كما صرح به ابن الصباغ والمتولي وغيرهما فرع ولو وكل امرأة في طلاق غيرها جاز ولو سفيهة كما يجوز أن يفوض إليها طلاق نفسها قال في الأصل قال في التتمة ولا يصح توكيلها في رجعة نفسها ولا رجعة غيرها لأن الفرج لا يستباح بقول النساء ا ه ومثلها الخنثى فما مر أول الباب من صحة التوكيل في الرجعة محله في الرجل لا في اختيار فراق خامسة من أسلم بإضافة خامسة إلى ما بعدها بأن أسلم على خمس مثلا ووكل امرأة في اختيار الخامسة للفراق فلا يجوز لأنه يتضمن اختيارها الأربع للنكاح وهو ممتنع ففهم مما قاله بالأولى ما صرح به الأصل أنه لا يجوز توكيلها في الاختبار للنكاح وسواء أعين لها الموكل من تختارها أم لا ومثلها الخنثى فما مر أول الباب من صحة التوكيل فيما إذا عينها الموكل محله في توكيل الرجل وتوكيل المرتد غيره كتصرفه فلا يصح لأن تصرفه إن احتمل الوقف كالعتق والتدبير والوصية وقف وإن لم يحتمله كالبيع والهبة لم يصح والتوكيل عقد لا يحتمل الوقف على الجديد فلا يصح مطلقا وهو أوجه من قول أصله إنه يوقف كملكه ومن قول الزركشي ينبغي صحته فيما يحتمل الوقف وأفهم كلام المصنف ما اقتضاه كلام أصله من أنه لو ارتد الموكل لم يؤثر في التوكيل بل يوقف كملكه بأن يوقف استمراره لكن جزم ابن الرفعة في المطلب بأن ارتداده عزل وليس بظاهر ولو وكله أي المرتد أحد صح تصرفه لوقوعه لغيره وفهم منه بالأولى ما صرح به أصله من أنه لو ارتد الوكيل لم يؤثر في التوكيل ويصح توكيل كافر في نكاح كتابية ولو لمسلم لأنه يملك نكاحها لنفسه وكذا في طلاق مسلمة لأنه يملك طلاقها كأن أسلمت كافرة بعد الدخول فطلقها زوجها ثم أسلم في العدة وقيل لا يصح والترجيح من زيادته هنا وبه جزم الأصل في باب الخلع لا في نكاحها إيجابا وقبولا لأنه لا يملك نكاحها بنفسه بخلاف توكيله في شراء مسلم أو مسلمة كما مر بيانه مع الفرق بينهما في البيع وكلامه أولى من كلام أصله لشموله منع التوكيل في الإيجاب ولا في استيفاء قصاص مسلم ولو لكافر لأنه لا يملك استيفاءه لنفسه وهذا من زيادته هنا ولا يصح توكيل المكاتب غيره في التبرعات بلا إذن من سيده ويصح بالإذن كما لو تبرع بنفسه فيهما وخرج بالتبرعات غيرها كالبيع والشراء وسائر التصرفات التي
266
266
تصح منه فيصح أن يوكل فيه غيره مطلقا وكذا لا يصح توكله بجعل لا يفي بأجرته لتبرعه بعمله بخلاف ما إذا كان يفي بها وهذا أولى من قول أصله ولو وكل مكاتبا بجعل يفي بأجرته جاز وبغير جعل له حكم تبرعه الركن الرابع الصيغة فيشترط للوكالة الإيجاب كوكلتك بكذا وفوضت إليك كذا أو ما يقوم مقامه كطلق وبع وأعتق لأن الشخص ممنوع من التصرف في حق غيره إلا برضاه وهو لا يحصل إلا بذلك ويصح القبول بالرضا والامتثال لما فوض إليه ولو على التراخي كالوصية نعم لو وكله في إبراء نفسه أو عرضها الحاكم عليه عند ثبوتها عنده اعتبر القبول بالامتثال فورا ذكره الروياني وغيره وهذان لا يستثنيان في الحقيقة لأن الأول منهما مبني على أنه تمليك لا توكيل كنظيره في الطلاق والثاني إنما اعتبر فيه الفور لإلزام الحاكم إيفاء حق الغريم لا للوكالة والتصريح بالامتثال من زيادته وأفاد به مع ما قبله أن القبول يحصل بكل منهما ولو لم يتلفظ بما يدل على الرضا سواء أوجد الرضا أم لا كأن أكرهه حتى تصرف له وذلك لأن الوكالة إباحة ورفع حجر كإباحة الطعام فلا يتعين فيها القبول باللفظ نعم لو كان لإنسان عين معارة أو مؤجرة أو مغصوبة فوهبها لآخر فقبلها وأذن له في قبضها ثم إن الموهوب له وكل في قبضها المستعير أو المستأجر أو الغاصب اشترط قبوله لفظا ولا يكتفى بالفعل وهو الإمساك لأنه استدامة لما سبق فلا دلالة فيه على الرضا بقبضه عن الغير كما سيأتي في الهبة مع ما فيه فإن ردها أي الوكيل الوكالة وندم جددت وجوبا لأنها جائزة ترتفع في الدوام بالفسخ فارتدادها بالرد في الابتداء أولى
ولو وكله ولم يعلم صح التوكيل كما أن العزل ينفذ قبل بلوغ الخبر للوكيل وتصرفه قبل العلم كبيع من ظن حياة أبيه ما له فبان ميتا فيصح وتكفي الكتابة والرسالة في الوكالة ولو علقها بشرط كقوله إذا قدم زيد أو جاء رأس الشهر فقد وكلتك بكذا أو فأنت وكيلي فيه بطلت للشرط ونفذ تصرف صادف الإذن فينفذ تصرفه في ذلك عند وجود الشرط لوجود الإذن وكذا حيث فسدت الوكالة إلا أن يكون الإذن فاسدا كقوله وكلت من أراد بيع داري فلا ينفذ التصرف قاله الزركشي وشمل كلامهم النكاح فينفذ بعد وجود الشرط في نحو إذا انقضت عدة بنتي فقد وكلتك بتزويجها بخلاف نحو وكلتك بتزويجها ثم انقضت عدتها ولا يضر تعليق التصرف فقط كقوله وكلتك ببيع عبدي وبعه بعد شهر فتصح الوكالة ولا يتصرف إلا بعد الشهر
فرع لو قال وكلتك ومتى أو إذا أو مهما عزلتك فأنت وكيلي أو فقد
267
267
وكلتك صحت في الحال لوجود الإذن فلو عزله لم تنعقد أي الوكالة بل تقع فاسدة للتعليق إلا أنه إن تصرف نفذ تصرفه للإذن لا إن كرر عزله بأن قال عزلتك أو أداره كالوكالة كأن قال متى أو إذا أو مهما عدت وكيلي فأنت معزول أو فقد عزلتك فلا ينفذ تصرفه إما في الأولى فلأن تعليق الوكالة بما ذكر لا يقتضي عودها إلا مرة واحدة وأما الثانية فلتقاوم التوكيل والعزل واعتضاد العزل بالأصل وهو الحجر في حق الغير ففائدة صحة الوكالة مع نفوذ التصرف في فاسدها استقرار الجعل المسمى إن كان بخلافه في الفاسدة فإنه يسقط وتجب أجرة المثل كما أن الشرط الفاسد في النكاح يفسد الصداق المسمى ويوجب مهر المثل وإن لم يؤثر في النكاح وفي نسخة فإن كرر عزله انعزل ففائدة فساد الوكالة سقوط المسمى ووجوب أجرة المثل والكل صحيح لكن الثانية أوفق بكلام الأصل فإن قال كلما عزلتك فأنت وكيلي تكرر الإذن بتكرر العزل لاقتضاء كلما التكرار فطريقه في أنه لا ينفذ تصرف الوكيل المأذون فيه بالوكالة المعلقة أن يوكل غيره في عزله لأن المعلق عليه عزل نفسه إلا إذا كان قد قال عزلتك أو عزلك أحد عني فلا يكفي التوكيل بالعزل بل يتعين ما ذكره بقوله
أو يقول كلما عدت وكيلي فأنت معزول فيمتنع تصرفه واستشكلت إدارة العزل بأنها تفريع على ضعيف وهو صحة الوكالة المعلقة كما فرعها عليه الأصل والمصنف لا يفرع على الضعيف وبأنها تعليق للعزل على الوكالة فهو تعليق قبل الملك لأنه لا يملك العزل عن الوكالة التي لم تصدر منه فهو كقوله إن ملكت فلانة أو تزوجتها فهي حرة أو طالق وهو باطل وأجيب عن الأول بأن الوكالة وإن فسدت بالتعليق فالتصرف نافذ للإذن فاحتيج إلى ذلك ليبطل الإذن وعن الثاني بأن العزل المعلق إنما يؤثر فيما يثبت فيه التصرف بلفظ الوكالة المعلقة السابق على لفظ العزل لا فيما يثبت بلفظ الوكالة المتأخرة عنه إذ لا يصح إبطال العقود قبل عقدها وتعليق العزل كقوله إذا طلعت الشمس فأنت معزول كالوكالة المعلقة فيفسد وقيل يصح وهو أولى منها بالصحة إذ لا يشترط فيه قبول قطعا أو الترجيح من زيادته وهو مقتضى كلام المنهاج وأصله وعلى المرجح يمنع من التصرف عند وجود الشرط لوجود المنع كما أن التصرف ينفذ في الوكالة الفاسدة بالتعليق عند وجود الشرط لوجود الإذن ويصح توقيت الوكالة ك وكلتك شهرا فإذا مضى الشهر امتنع على الوكيل التصرف الباب الثاني في أحكام الوكالة وهي أربعة الأول الموافقة في تصرف الوكيل لمقتضى اللفظ الصادر من الموكل أو القرينة فإنها قد تقوى فيترك لها إطلاق اللفظ كما في أمره له في الصيف بشراء الجمد كما سيأتي وكما لو كان يأكل الخبز فقال لغيره اشتر لي لحما حمل على المشوي لا على النيء فيبيع وجوبا عند الإطلاق للوكالة بأن لم تقيد بثمن ولا حلول ولا تأجيل ولا نقد بثمن المثل فأكثر حالا من نقد البلد أي بلد البيع لا بلد التوكيل نعم إن سافر بما وكل فيه إلى بلد بغير إذن وباعه فيها اعتبر نقد بلد حقه أن يبيع فيها فإن كان بالبلد نقدان فبأغلبهما يبيع ثم أنفعهما للموكل ثم يتخير بينهما فإن باع بهما معا قال الإمام والغزالي جاز وإن كان في عقد
268
268
واحد وبما تقرر علم أنه لا يبيع بدون ثمن المثل ولا بمؤجل ولا بغير نقد البلد من عرض ونقد نظرا للعرف وقياسا على الوصي فإن خالف شيئا مما ذكر ضمن المبيع بعد قبض المشتري له بإقباضه لتعديه بالإقباض فيسترده إن بقي وإلا غرم الموكل من شاء من الوكيل والمشتري قيمته في المتقوم ومثله في المثلي
والقرار على المشتري وإذا استرده فله بيعه بالإذن السابق كما في بيع العدل الرهن بخلاف ما لو رد عليه بعيب أو فسخ البيع المشروط فيه الخيار للمشتري وحده لا يبيعه ثانيا بالإذن السابق والفرق ظاهر أما قبل إقباضه فلا ضمان لعدم التعدي فيه ولا يضر غبن يسير وهو ما يتغابن به في العرف كبيع ما يساوي عشرة بتسعة لا بثمانية ويختلف العرف باختلاف الأعيان من الأموال فلا تعتبر النسبة في المثال المذكور ولهذا قال ابن أبي الدم العشرة إن سومح بها في المائة فلا يسامح بالمائة في الألف ولا بالألف في عشرة آلاف ولا يصح بيع الوكيل بثمن المثل إن وجد زيادة لا يتغابن بمثلها بأن وجد راغب بها موثوق به لأنه مأمور بالمصلحة قال الأذرعي وهذا ظاهر إذا لم يكن الراغب مماطلا ولا متجوها ولا ماله أو كسبه حرام والفسخ في زمن الخيار لأجلها ذكرناه في بيع عدل الرهن فيأتي فيه ما مر ثم فإن وكله في الصيف في شراء جمد لم يشتره في الشتاء ولا في الصيف بعده كما قاله الإسنوي لمقتضى القرينة فرع قوله بع بكم شئت إذن في الغبن الفاحش فله أن يبيع به فقط فلا يبيع بالنسيئة ولا بغير نقد البلد
و قوله بع بما شئت أو بما تيسر قاله القاضي أبو الطيب إذن في العرض فله أن يبيع به لا بالغبن الفاحش ولا بالنسيئة و قوله بع كيف شئت إذن في النسيئة فله أن يبيع بها لا بالغبن الفاحش ولا بغير نقد البلد و قوله بع بما عز وهان إذن في الغبن الفاحش والعرض فيبيع بهما لا بالنسيئة وذلك لأن كم للعدد فشمل القليل والكثير وما للجنس فشمل النقد والعرض لكنه في الأخيرة لما قرن بعزوها شمل عرفا القليل والكثير أيضا وكيف للحال فشمل الحال والمؤجل وما ذكره كأصله في ما تبعا للقاضي والمتولي وغيرهما كلام الإمام والغزالي والمتولي في النكاح يقتضي خلافه من جواز البيع بالغبن الفاحش قال السبكي وهو الذي يقتضيه العرف فليكن هو الصحيح إلا إذا دلت قرينة على خلافه فرع لو باع الوكيل أو اشترى من أصوله أو فروعه البالغين الرشداء أو مكاتبه جاز كما يجوز من صديقه بخلاف ما لو فوض إليه الإمام أن يولي القضاء من شاء لا يجوز له تفويضه إلى أصوله ولا فروعه لأن لنا هنا مردا ظاهرا وهو ثمن المثل ولا يجوز بيعه ولا شراؤه من نفسه وطفله ونحو من محاجيره ولو أذن له فيه لتضاد غرضي الاسترخاص لهم والاستقصاء للموكل ولأن الأصل عدم جواز اتحاد الموجب والقابل وإن انتفت التهمة ولأنه لو وكله ليهب من نفسه لم يصح وإن انتفت التهمة لاتحاد الموجب والقابل كما يأتي والترجيح في صورة الإذن في الطفل من زيادته وكذا لو وكل في الهبة والتزويج واستيفاء الحد والقصاص والدين من نفسه لا يجوز له شيء منها لذلك وما اقتضاه كلامه وصرح به أصله من منع توكيل السارق في القطع سيأتي ما يخالفه في باب استيفاء القصاص وقد يحمل الحد في كلام المصنف على غير هذا أو يوكل في الطرفين من عقد ونحوه كمخاصمة لا يجوز له أن يأتي بهما وله اختيار طرف منهما فيأتي به ويصح توكله في إبراء نفسه بناء على أنه لا يشترط القبول في الإبراء و في إعتاقها أي نفسه و في العفو عنها من القصاص وحد القذف
فرع وإن وكله في
269
269
البيع نسيئة جاز ولو لم يبين المدة عملا بالإذن و إذا لم يبينها له يعتمد العرف في مثل المبيع حملا للمطلق على المعهود ثم إن لم يكن فيه عرف اعتمد الأنفع للموكل ثم يتخير أخذا مما مر في النقدين وقياس ما يأتي في عامل القراض من وجوب الإشهاد بالبيع نسيئة وجوبه هنا وبه صرح القاضي ولا يطالب المشتري بالثمن إذا حل فليس له قبضه حينئذ إلا بإذن مستأنف بل عليه تسليم المبيع للمشتري وإن كان بيده إذ لا حبس بالمؤجل أو وكله في البيع مطلقا فله قبض الثمن الحال لأنه من مقتضيات البيع هذا إن لم يمنعه الموكل من قبضه وإلا فليس له قبضه ويسلم المبيع وجوبا إن كان بيده بعده أي بعد قبض الثمن لما مر آنفا ولأنه صار ملكا للمشتري ولا حق يتعلق به أما قبل قبض الثمن فليس له التسليم لما فيه من الخطر وقياسا على ما لو أذن له فيهما ولو قال له امنع المبيع منه أي من المشتري فسدت الوكالة لأن منع الحق عمن يستحق إثبات يده عليه حرام
وصح البيع بالإذن وفي نسخة بدل قوله فسدت إلى آخره فشرط فاسد وإن قال له لا تسلم أي المبيع للمشتري لم تفسد أي الوكالة لأنه لم يمنعه من أصل التسليم المستحق بل من تسليمه بنفسه وفرق بين قوله لا تسلمه إليه وقوله امنعه منه و على هذا يسلم المبيع وفي نسخة يسلمه أي يسلمه الموكل للمشتري عنه أي عن الوكيل والتصريح بهذا من زيادته فرع وإن سلم الوكيل المبيع قبل قبض الثمن الحال غرم الوكيل القيمة أي قيمة المبيع يوم التسليم لتقصيره وإن كانت أكثر من الثمن قال القاضي ومع هذا للموكل مطالبة المشتري باسترداد المبيع إن كان باقيا ثم بعد غرمه القيمة إن قبضه أي الثمن سلمه للموكل لأنه ملكه واسترد ما غرم له لأنه إنما غرم للحيلولة ومقتضى إطلاقه كأصله أنه لا فرق في غرم القيمة بين المثلي والمتقوم قال الإسنوي وهو قريب مما قالوه في ضمان الحيلولة ومن وكل في إثبات حق له لم يستوفه عينا كان أو دينا وكذا عكسه بأن وكل في استيفاء حق لم يثبته إذا أنكره من هو عليه لأن أحدهما لا يقتضي الآخر وقد يرضاه الموكل لأحدهما دون الآخر فلو قال له بع نصيبي من كذا أو قاسم شركائي أو خذ بالشفعة فأنكر الخصم ملكه لم يكن له الإثبات فرع لو أمره بالشراء وأعطاه الثمن واشترى بعينه أو في الذمة فله تسليمه بعد قبض المبيع لا قبله كنظيره في أمره له بالبيع وإعطائه المبيع فرع لو اشترى معيبا عالما بعيبه ولو بتعيين الموكل لم يقع عن الموكل وإن ساوى الثمن نظرا للعرف نعم إن علم بعيب ما عينه وقع له وبطل الشراء إن كان بعين مال الموكل لتقصير الوكيل مع شرائه بما ذكر وإلا بأن اشتراه في الذمة ولم يعلم الموكل عيبه فيما إذا عينه وقع عن الوكيل لا عن الموكل ولو ساوى الثمن لأن الإطلاق يقتضي السلامة ولا عذر وبهذا علم أنه لا يشتري إلا السليم من العيب ويخالف عامل القراض حيث يجوز له شراء المعيب لأن المقصود ثم الربح وقد يتوقع في شراء المعيب وهنا المقصود الاقتناء وقضية هذا أنه إذا كان المقصود هنا الربح جاز له شراء المعيب كعامل القراض وشريك التجارة والعبد المأذون له فيها وبه جزم الأذرعي وغيره وإن اشتراه جاهلا بعيبه وقع للموكل ولو لم يساو الثمن كما لو اشتراه بنفسه جاهلا وفارق عدم صحة بيعه بغبن فاحش بأن الغبن لا يثبت الخيار فيتضرر الموكل وللموكل حينئذ وكذا الوكيل الرد للمبيع أما الموكل فلأنه المالك والضرر لاحق به وأما الوكيل فلأنه نائبه ولأنا لو لم نجوزه له فقد لا يرضى به الموكل فيتعذر الرد لكونه فوريا ويبقى للوكيل فيتضرر به واستشكله الرافعي بأنا إذا لم نجوزه له
270
270
كان كالأجنبي عن العقد فلا أثر لتأخيره و بأن من له الرد قد يعذر في التأخير فهلا كان مشاورته الموكل عذرا وبأنه وإن تعذر رده فلا يتعذر رد الموكل إذا سماه في العقد أو نواه ويجاب عن إشكاله الأول بأن ما قاله فيه لا ينافي مقصود التعليل وعن الثاني بأن الوكيل لما استقل بالبيع عن موكله استقل بتوابعه فلا يعد التأخير للمشاورة عذرا وعن الثالث بأن قوله فيه فلا يتعذر رد الموكل إذا سماه الوكيل أو نواه لا يستلزم دفع الضرر عن الوكيل لجواز أن لا يرده الموكل على البائع بأن يرده على الوكيل أو يقول اخترت رده ولو سلم استلزامه له فإنما يدفعه عنه إذا صدقه البائع دون ما إذا كذبه لما سيأتي أنه إذا كذبه يرد الموكل عليه لا على البائع لا إن اشترى المعيب بعين مال الموكل فلا رد له بالعيب لأنه لا يقع له بحال فلا يتضرر به فإن اشتراه في الذمة ورضي به الموكل أو قصر في الرد لم يرده الوكيل بخلاف نظير الأولى في الفسخ بخيار المجلس لاختصاصه بالوكيل وبخلاف عامل القراض على ما سيأتي لحظة في الربح وقوله أو قصر من زيادته وإن رضي به الوكيل أو قصر في الرد رده الموكل لبقاء حقه هذا إن سماه الوكيل في الشراء أو نواه وصدقه البائع وإلا وقع الشراء للوكيل لأنه اشترى في الذمة ما لم يأذن فيه الموكل فانصرف إليه فرع لو قال البائع للوكيل أخر الرد حتى يحضر الموكل لم تلزمه إجابته لتضرره ولأنه حقه فإن فعل أي أخر الرد فقد قصر فلا رد له والشراء واقع للموكل وله الرد لكون الوكيل سماه أو نواه وصدقه البائع ضرورة أنهم متصادقون على أن الشراء وقع له وهذا ما بحثه الأصل وصرح به الجمهور كما قاله الزركشي وغيره وخالف البغوي فقال المبيع للوكيل ورده الأصل بما ذكر وقال بعضهم إنه تفرد به وقال السبكي الظاهر أن مراده ما إذا لم يسم الموكل ولا صدقه البائع لكن عبارته تقصر عن مراده وقوله حتى يحضر الموكل أي بزعمك انتهى فإن ادعى البائع رضا الموكل بالعيب واحتمل رضاه به باحتمال بلوغ الخبر إليه فحلف الوكيل على نفي العلم برضا الموكل رد المبيع وإن لم يحتمل لم يلتفت إلى دعواه فلو حضر الموكل وصدق البائع في دعواه فله استرداده أي المبيع منه لموافقته إياه على الرضا قبل الرد وإن نكل الوكيل وحلف البائع لم يرد أي الوكيل لتقصيره بالنكول ثم إن حضر الموكل وصدق البائع فذاك وإن كذبه وقع الشراء للموكل وله الرد خلافا للبغوي كما مر نظيره نبه عليه الأصل فرع للمشتري الرد بالعيب على الوكيل و على الموكل ثم الوكيل إذا رد عليه يرد على الموكل ولو حط الوكيل الأرش من الثمن للعيب لم ينحط لتضمنه الإبراء بلا إذن بخلاف ما لو حط بعض الثمن في زمن الخيار فينحط إن رأى الوكيل فيه مصلحة بأن كان في السلعة ربح وخاف إن لم يحط بعض الثمن فسخ المشتري فلو أنكر الموكل قدم العيب وزعم حدوثه عند المشتري واعترف به الوكيل لزمه وحده أي رد على الوكيل لا على الموكل ولا يرد الوكيل على الموكل ولو اشترى معيبا يعتق على الموكل فله رده لأنه لا يعتق على الموكل قبل رضاه بالعيب بخلاف ما لو اشترى من يعتق عليه فوجده معيبا لا رد له كما مر مع الفرق بينهما في باب خيار النقص فرع للوكيل التوكيل ولو بغير إذن الموكل فيما لا يحسنه أو لا يليق به إذ تفويض مثل ذلك إليه إنما يقصد منه الاستنابة قال الإسنوي وقضيته امتناع التوكيل عند جهل الموكل بحاله أو اعتقاده خلاف ما هو عليه وهو ظاهر فلو كثر الموكل فيه ولم يمكن الوكيل الإتيان بجميعه وكل فيما لا يمكنه الإتيان به لدعاء الضرورة إليه فقط أي لا فيما يمكنه
271
271
لأنه لم يرض بتصرف غيره ولا ضرورة ولو وكله فيما يمكنه عادة ولكنه عاجز عنه بسفر أو مرض فإن كان التوكيل في حال علمه بسفره أو مرضه جاز له أن يوكل وإن طرأ العجز فلا خلافا للجوري قاله في المطلب وكطرق العجز ما لو جهل الموكل حال توكيله ذلك كما يؤخذ مما مر آنفا عن الإسنوي وله التوكيل بإذن الموكل فإن قال له وكل عن نفسك فوكل كان الوكيل وكيله عملا بإذن الموكل فينعزل بعزله له وانعزاله بموته وجنونه لأنه وكيله وكذا ينعزل بعزل الموكل له أو لموكله كما ينعزل بموته وجنونه ولأنه فرع فرعه فيكون فرعه أو قاله له وكل عني فهما وكيلان له
وكذا لو لم يقل عني ولا عنك أما الأول فيهما فظاهر وأما الثاني في الأول فعملا بإذن الموكل وأما في الثانية فلأن توكيل الثاني له تصرف وقع بإذن الموكل فوقع عنه فله فيهما عزل أيهما شاء ولا يعزل أحدهما الآخر ولا ينعزل بانعزاله فلو وكله فيهما عن نفسه لم يصح ولو فسق الوكيل الثاني فيهما لم يعزله إلا الموكل وهذا بخلاف ما لو قال الإمام أو القاضي لنائبه استنب فاستناب فإنه نائب عنه لا عن منيبه وفرق بأن القاضي ناظر في حق غير المولى كما قاله الماوردي والوكيل ناظر في حق الموكل ويفرق أيضا بأن الغرض من إنابة الغير ثم إعانته فكان هو المراد بخلافه هنا فكان المراد الموكل وحيث ملك الوكيل التوكيل اشترط أن يوكل أمينا رعاية لمصلحة الموكل إلا إن عين له الموكل غيره فيوكله لإذنه فيه نعم لو علم الوكيل فسق المعين دون الموكل فيظهر أنه يمتنع توكيله كما لو وكله في شراء معين فاطلع على عيبه دون الموكل قاله الإسنوي قال وقضية تعبيرهم بالتعيين أنه لو عمم فقال وكل من شئت لا يجوز توكيل غير الأمين لكنهم قالوا في النكاح إن المرأة إذا قالت زوجني ممن شئت جاز تزويجها من الأكفاء وغيرهم وقياسه الجواز هنا بل أولى لأنه ثم يصح ولا خيار لها وهنا يستدرك لأنه إذا وكل الفاسق فباع بدون ثمن المثل لا يصح أو اشترى معيبا ثبت الخيار وأجيب عنه بأن المقصود بالتوكيل في التصرف في الأموال حفظها وتحصيل مقاصد الموكل فيها وهذا ينافيه توكيل الفاسق بخلاف الكفاءة فإنها صفة كمال وقد تسامح المرأة بتركها لحاجة القوت أو غيره
وقد يكون غير الكفء أصلح لها والظاهر أن الموكل هنا إنما قصد التوسعة عليه بشرط النظر له بالمصلحة ولو عين له فاسقا فزاد فسقه فيظهر كما قال الزركشي أنه يمتنع توكيله كنظيره فيما لو زاد فاسق عدل الرهن فرع ليس قوله للوكيل في توكيله بشيء افعل فيه ما شئت أو وكل ما تصنع فيه جائز إذنا في التوكيل لأنه يحتمل ما شئت من التوكيل وما شئت من التصرف فيما أذن له فيه فلا يوكل بأمر محتمل كما لا يهب فصل في التقييد للوكالة لو قال بع من زيد لم يبع من عمرو لأنه قد يقصد تخصيصه بتلك السلعة وربما كان ماله أبعد عن الشبهة نعم إن دلت قرينة على إرادة الربح وأنه لا غرض له في التعيين إلا ذلك فالمتجه جواز البيع من غير المعين قاله الزركشي أو قال بع أو أعتق يوم الجمعة مثلا لم يجز له البيع
272
272
أو العتق قبله ولا بعده مراعاة لتخصيص الموكل والمتجه كما قال الإسنوي انحصار يوم الجمعة في الذي يليه حتى لا يجوز ذلك في مثله من جمعة أخرى وكذا الطلاق إذا قيد بيوم لا يقع قبله ولا بعده لما مر وبه صرح في الروضة في كتاب الطلاق نقلا عن البوشنجي وأشار إليه هنا بعد نقله عن الداركي أنه يقع بعده لا قبله لأن المطلقة فيه مطلقة بعده لا قبله وما قاله الداركي غريب مخالف لنظائره وإن عين للبيع مكانا كبلد وسوق تعين ولو لم يكن له في ذلك غرض ظاهر ككثرة الراغبين وجودة النقد لما مر وما ذكر من تعين المكان إذا لم يكن للموكل غرض ظاهر وهو ما صححه الشيخان لكن قال الإسنوي الراجح عدم التعيين فقد نص عليه الشافعي وجمع وقال الزركشي نص عليه الشافعي وجمهور الأصحاب وعلى الأول محله إذا لم يقدر الثمن فإن قدر الثمن لم يتعين المكان إلا إن نهاه عن البيع في غيره فيتعين البيع فيه وإن عين للبيع بلدا أو سوقا فنقله أي ما وكل في بيعه إلى غيره ضمن المثمن والثمن وإن قبضه وعاد به كنظيره من القراض للمخالفة قال في الأصل بل لو أطلق التوكيل في البيع في بلد فليبع فيه فإن نقل ضمن فروع لو قال اشتر لي عبد فلان وكان فلان قد باعه فللوكيل شراؤه من المشتري ولو قال طلق زوجتي ثم طلقها الزوج فللوكيل طلاقها أيضا في العدة قالهما البغوي في فتاويه ولو باع الوكيل ليلا فإن كان الراغبون فيه مثل النهار صح وإلا فلا قاله القاضي في تعليقه فصل لو قال له بع بمائة درهم لم ينقص عنها للمخالفة فلا يبيع إلا بها أو بأكثر لأن المفهوم عرفا من ذلك إنما هو منع النقص فلو بذل راغب أكثر من مائة لم يقتصر على المائة لأنه مأمور بالاحتياط والغبطة إلا إن نهاه عن الزيادة عليها أو عين شخصا بأن قال بعه لزيد بمائة فيجب الاقتصار عليها لمنع المالك من الزيادة عليها في الأولى ولأنه ربما قصد إرفاق المعين في الثانية بخلاف ما لو وكله في الخلع بمائة فإنه يجوز الزيادة عليها والفرق أن الخلع يقع غالبا عن شقاق وذلك قرينة دالة على عدم قصد المحاباة وقيد ابن الرفعة الثانية بما إذا كانت المائة دون ثمن المثل لظهور قصد المحاباة بخلاف ما إذا كانت ثمن المثل فأكثر أو قال له اشتر بمائة لم يزد عليها فلا يشتري إلا بها أو بأقل إلا أن ينهاه عن الشراء بأقل كما صرح به الأصل نعم له أن يشتري من المعين في نحو قوله اشتر عبد فلان بمائة بأقل من المائة بخلاف البيع كما مر آنفا والفرق كما قال ابن الرفعة أن البيع لما كان ممكنا من المعين وغيره كان تعيينه ظاهرا في قصد إرفاقه وشراء المعين لما لم يكن من غير المذكور ضعف احتمال ذلك القصد وظهر قصد التعريف وما فرق به في الروضة عن الماوردي من أنه في البيع ممنوع من قبض ما زاد على المائة فلا يجوز قبض ما نهي عنه وفي الشراء مأمور بدفع مائة ودفع الوكيل بعض المأمور به جائز نقضه ابن الرفعة بما إذا منعه من القبض فإنه لا يبيع بأكثر من المائة مع انتفاء ما ذكره وبما لو قال بع بمائة ولم يعين المشتري فإنه يجوز له قبض الزائد إذا جاز له قبض الثمن وبأنه يصح البيع بأكثر من ثمن المثل وإن كان قد قال بعه بثمن المثل مع وجود المعين الذي ذكره فيه فرع لو قال له لا تبع أو لا تشتر بأكثر من مائة مثلا فاشترى أو باع بثمن المثل وهو مائة أو دونها لا أكثر جاز لإتيانه بما أمر به بخلاف ما إذا اشترى أو باع بأكثر من مائة للنهي عنه وإن قال له بع بمائة لا بمائة وخمسين لم يجز النقص عن
273
273
المائة ولا استكمال المائة والخمسين ولا الزيادة عليهما أي على المائة والخمسين للنهي عن ذلك ويجوز ما عداه ولو قال اشتر بمائة لا بخمسين جاز الشراء بالمائة وبما بينها بين الخمسين لا بما عدا ذلك ذكره الأصل
فصل
لو قال له بع مؤجلا وبين له قدر الأجل أو حملناه على المعتاد فباع حالا أو بأجل دون المقدر لفظا أو عادة بقيمة المؤجل بالأجل المقدر أو باع بما رسم به الموكل ولا غرض له فيما أمره به فيهما صح لأنه زاده خيرا وإلا أي وإن باع بأقل من قيمة المؤجل بالمقدر أو بما رسم به الموكل أو باع بهما وللموكل غرض كأن كان في وقت لا يأمن من نحو نهب أو كان لحفظه مؤنة قبل فراغ الأجل المقدر أو عين له المشتري فلا يصح لأنه في الأول باع بأقل مما أمره به وفي الثاني فوت عليه غرضه وكذا لو قال له اشتر حالا فاشترى مؤجلا بقيمته حالا صح إن لم يكن للموكل غرض لأنه زاده خيرا أو بقيمته مؤجلا لم يصح للموكل لأنه أكثر مما أمره به وما قدرته من الشرط مفهوم من كلامه وهو من زيادته وصرح به القاضي أبو الطيب والتعبير بالغرض وعدمه كما ذكر أعم من قول الأصل إن كان في وقت لا يؤمن النهب والسرقة أو كان لحفظه مؤنة في الحال قال في الأصل ولو اشترى الوكيل بالشراء مطلقا نسيئة بثمن مثله نقدا جاز لأنه زاد خيرا وللموكل تفريغ ذمته بالتعجيل انتهى وزاد الماوردي أو أذن له في الشراء إلى شهر فاشترى إلى شهرين فرع إذا وكله في شراء شاة موصوفة بدينار فاشترى به شاتين تساوي كل واحدة دينارا صح الشراء للموكل لأنه حصل غرضه وزاد خيرا ويشهد له خبر عروة البارقي السابق في البيع وكذا يصح إن ساوت إحداهما دينارا دون الآخر لما مر وإلا أي وإن لم تساو إحداهما دينارا فلا يصح وإن زادت قيمتهما جميعا عليه لفوات ما وكل فيه وليس له بيع إحداهما ولو بدينار ليأتي به وبالأخرى إلى الموكل وإن فعل عروة ذلك لعدم الإذن فيه وأما عروة فلعله كان مأذونا له في بيع ما رآه مصلحة من ماله صلى الله عليه وسلم والوكالة في بيع ما سيملكه تبعا لبيع ما هو مالكه صحيحة كما مر فرع متى قال له بع العبد بمائة فباعه بمائة وثوب أو و دينار صح لأنه حصل غرضه وزاد خيرا وقوله وثوب أولى من قوله أصله وثوب يساوي مائة ولو قال بع بألف درهم فباع بألف دينار لم يصح إذ المأتي به ليس مأمورا به ولا مشتملا عليه فصل وإقرار الوكيل في الخصومة بالإبراء أو بالاعتراف من موكله بما يبطل حقه من قبض وتأجيل ونحوه بالجر عطفا على ما قدرته آخرا أو بالرفع عطفا على إقرار الوكيل أي ونحو الإقرار بما ذكر كالإبراء والمصالحة لا يصح لأن اسم الخصومة لا يتناوله ولأن الوكيل إنما يفعل ما فيه الحظ لموكله وينعزل أي بإقراره المذكور لتضمنه الاعتراف بأنه ظالم في الخصومة ولا ينعزل بإبرائه الخصم ولا بمصالحته له لأنهما لا يتضمنان ذلك وقوله وينعزل به أعم من قول أصله وينعزل وكيل المدعي بإقراره بالقبض أو بالإبراء ووكيل المدعى عليه بإقراره بالحق ووكيل المدعي يقيم البينة ويثبت أي يقيم بينة بالعدالة لها ويحلف الخصم ويطلب الحكم ويفعل سائر ما هو وسيلة إلى الإثبات كالدعوى ووكيل المدعى عليه ينكر ويطعن في الشهود ويدافع جهده ولا يصح تعديله بينة المدعي لأنه كالإقرار في كونه قاطعا للخصومة وليس للوكيل قطع الخصومة بالاختيار فلو عدل انعزل كما نبه عليه الأذرعي وتقبل شهادة الوكيل على الموكل وكذا له فيما ليس وكيلا فيه لعدم التهمة لا فيما هو وكيل فيه لأنه متهم بإثبات ولاية التصرف لنفسه فلو عزل قبل الخصومة قبلت شهادته لأنه ما انتصب خصما ولا يثبت لنفسه حقا فهو كما لو شهد له في غيرها لا إن عزل بعدها فلا تقبل شهادته لأنه متهم بإظهار صدقه ولو وكل رجلين في الخصومة أو الحفظ لمتاعه أو غيرهما كبيع وطلاق ووصاية لم ينفرد أحدهما بالاستقلال إلا بإذن فيه من الموكل لأنه لم يرض بنظر أحدهما فرع تثبت الوكالة باعتراف الخصم كالبينة بل أولى فله مخاصمته لكن ليس للحاكم أن يحكم بالوكالة كما قاله الهروي كالنكاح ينعقد فيما بين الناس بشهادة مستوري العدالة ولا يثبت النكاح المجحود عند القاضي
274
274
بشهادتهما بل لا بد من عدلين وله الامتناع عليه أي وللخصم أن يمتنع من مخاصمته حتى يقيم بينة بوكالته كالمديون حيث يعترف للوكيل أي لمدعي الوكالة بأنه وكيل ولا بينة فإن له الامتناع من إقباضه الدين حتى يقيم بينته بوكالته لاحتمال تكذيب رب الدين له في الوكالة قال البلقيني وفائدة جواز المخاصمة مع جواز الامتناع منها إلزام الحق للموكل لا دفعه للوكيل قلت ولعل من فوائده أيضا أنه لو أقام بينة بوكالته لا يحتاج الحاكم في إلزامه الخصم بالدفع للوكيل إلى إعادة الدعوى أما لو كذبه الخصم في دعواه الوكالة فلا يخاصمه نعم لمدعيها تحليفه أنه لا يعلمها قاله الهروي وفصل القاضي فقال له تحليفه إن ادعى أنه وكيل في الخصومة بخلاف ما لو ادعى أنه وكيل في الاستيفاء لأنه لو صدقه لم يلزمه دفع الحق إليه وكلام الهروي محمول على هذا حتى لو ادعى الأمرين كان له تحليفه في الأول دون الثاني وللوكيل إثبات الوكالة في غيبة الخصم ولو بالبلد ولو لم ينصب القاضي مسخرا بفتح الخاء ينوب عن الغائب ليقيم المدعي البينة في وجهه قال في الأصل ولا يشترط في إقامة البينة تقدم دعوى حق الموكل على الخصم في إثبات الوكالة عليه ولا ينعزل من وكل في مجلس القاضي بخصومة بانقضائه أي المجلس لكن إن كان الموكل عند القاضي مجهولا بأن لم يعرف اسمه ولا نسبه وغاب عنه أثبت المدعي أن الذي وكله هو فلان بن فلان لتجوز مخاصمته عنه والحكم بالدفع له اعتمادا على ذكر اسمه ونسبه فإن لم يكن مجهولا عند القاضي لم يحتج فيما ذكر إلى هذا الإثبات قال القاضي وإذا سمع القاضي دعوى الوكيل قبل إثباته الوكالة ظانا أنه يدعي لنفسه ثم أثبت وكالته استأنف الدعوى ولو أثبت المدعي المال في وجه وكيل الغائب فحضر وادعى عزله أو أنكر وكالته لم يسمع منه لأن الحكم على الغائب جائز فصل لو وكله في بيع أو شراء فاسد كأن قال بع أو اشتر إلى وقت العطاء أو قدوم زيد لغا فلا يملك العقد الصحيح لعدم الإذن فيه ولا الفاسد لمنع الشرع منه لا يقال قد مر أنه إذا فسدت الوكالة وتصرف الوكيل صح تصرفه فلم لم يصح هنا قلنا هناك لم ينهه عن الشراء الصحيح وهنا نهاه عنه ضمنا أو وكله في الخلع أو العفو أي الصلح عن الدم على خمر أو خنزير أو نحوهما ففعل صح الخلع أو العفو وفسد العوض حتى يستحق الموكل بدل البضع والدم كما ذكره بقوله ووجبت الدية أي في الثانية ومهر المثل أي في الأولى كما لو فعله الموكل بنفسه لأنه وإن كان فاسدا بالنسبة إلى العوض صحيح فيما يتعلق بالخلع والقصاص فيصح التوكيل فيما لو فعله بنفسه صح لا أنا نصحح التوكيل في العقد الفاسد على أن في التعبير بالصحة توسعا سلم منه تعبير الأصل بالحصول فلو خالف موكله كأن وكله في ذلك على خمر فخالفه وعقد على غيره كخنزير أو مال لغا للمخالفة فتبقى الزوجية والقصاص كما كانا وما ذكر في الصورتين يجري في النكاح قال البلقيني ولو جرى في الكتابة فالظاهر أنه لا يحصل العتق عند أداء النجوم المذكورة لأن التوكيل حينئذ ينصب إلى محض التعليق والتوكيل في التعليق باطل على الأصح وليس كذلك التوكيل في الكتابة الصحيحة لأن التعليق فيها غير مرعي بدليل أنه لو أبرأ السيد المكاتب فيها عن النجوم برئ وعتق عن الكتابة بخلاف ما لو أبرأه في الفاسدة فلا عتق فيها إلا بحصول الصفة وذلك لا يمكن أن يحصله الوكيل فرع في مخالفته موكله لو أعطاه ألفا وقال له اشتر كذا بعينه فاشترى في الذمة أي في ذمته لينقد الألف في الثمن لم يقع أي الشراء للموكل لأنه أمره بعقد ينفسخ بتلف العين حتى لا يطالب الموكل بغيره فأتى بما لا ينفسخ بتلفه فيطالب بغيره بل لم يقع للوكيل وإن صرح بالسفارة وخرج بعينه ما لو قال له اشتر بهذا أو به أو نحوه فيقع الشراء فيما ذكر لموكله كما اقتضاه كلامهم في الكلام على ما إذا دفع إليه دينارا وقال اشتر به شاة فإنه يتخير بين الشراء بعينه والشراء في الذمة لكن جزم الإمام والشيخ أبو علي الطبري بأنه لا فرق وكذا عكسه بأن قال اشتر به في الذمة ثم انقده عن الثمن
275
275
فاشترى بعينه لم يقع للموكل لأنه ربما يريد تحصيل الموكل فيه وإن تلف المعين ولا للوكيل أيضا كما يعلم مما يأتي وبما قاله علم أنه لو قال بع هذا العبد فباع آخر لم يصح وبه صرح الأصل ولو أطلق بأن لم يقل بعينه ولا في الذمة تخير بين الشراء بعينه وفي الذمة لتناول الاسم لهما
فإن اشترى في الذمة وقد أمره الموكل بالشراء فيها أو أطلق وقع عن الموكل ثم إن سلم الثمن عنه من ماله وكان أمره بتسليم الألف في الثمن كما ذكره في الروضة فمتبرع بذلك لا يرجع به ويلزمه رد الألف إلى الموكل بخلاف ما إذا لم يكن دفع إليه شيئا أو دفع إليه شيئا ولم يأمره بتسليمه في الثمن فيرجع بذلك لأن أمره بالشراء حينئذ يتضمن أمره بدفع الثمن بدليل أن للبائع مطالبته بالثمن والعهدة وقول الأذرعي إطلاق القول بعدم الرجوع مشكل والأشبه أنه لو تعذر عليه دفع ما دفع إليه في الوقت كضياع مفتاح صندوقه أو حانوته أو أرهق بالحاكم إلى دفع ولم يمكن من الرجوع إلى محل المدفوع له فأدى من ماله ليرجع رجع ممنوع لأنه كان متمكنا من أن يشهد على أنه أدى عنه ليرجع أو أن يخبر به الحاكم وإن تصرف لنفسه قرضا عليه فيما أعطاه الموكل له ثم اشترى له بغيره أو في الذمة لم يقع عنه بل عن الوكيل لانعزاله ظاهرا بتلف ما وكل في التصرف فيه سواء أقال له الموكل اشتر بعينه أم في الذمة كما سيأتي إيضاحه في آخر الحكم الثالث فإن عاد إليه ما تصرف فيه واشترى له أي لموكله به جاز أي وقع له لتبين عدم انعزاله بناء على الأصح من أنه لا ينعزل بتعديه ثم لا يضمن ما اشتراه لأنه لم يتعد فيه فلو رد بعيب واسترد الثمن عاد الضمان وما ذكر من جواز التصرف فيما عاد إليه قال الزركشي يخالف ما ذكروه فيما لو وكله ليتزوج له امرأة فتزوجها لنفسه ثم طلقها ثم أراد أن يتزوجها لموكله وأقول لا مخالفة لأنه بتزوجه لها انعزل عن الوكالة وهنا لم ينعزل بتصرفه لبقاء العين على ملك الموكل فصل يشترط في الصيغة أن يقول البائع للوكيل بعتك أو بعتك لموكلك فيقول اشتريت لموكلي أو نحوه وقوله أو بعتك لموكلك من زيادته وبه صرح ابن الرفعة فإن قال بعت موكلك فقال اشتريت له لم يصح الشراء وإن وقع التصرف على وفق الإذن لعدم الخطاب بخلاف نظيره في النكاح يصح بذلك بل لا يصح إلا به لأن الوكالة فيه سفارة محضة بخلافها في البيع إذ له أحكام تتعلق بالمجلس وإنما يمكن اعتبارها بالمتعاقدين فاعتبر جريان الخطاب بينهما وإن وكله ليبيع من زيد فباع من وكيله لم يصح البيع بخلاف نظيره في النكاح يصح لأنه لا يقبل نقل الملك والبيع يقبله ولهذا يقول وكيل النكاح زوج موكلي ولا يقول زوجني لموكلي وفي البيع يقول بعني لموكلي ولا يقول بع موكلي قال الزركشي والذي يظهر صحة البيع تفريعا على الأصح من أن الملك يقع ابتداء للموكل وقال الأذرعي المتجه أنه لو كان الموكل ممن لا يتعاطى الشراء بنفسه كالسلطان صح البيع من وكيله اعتبارا بالعرف ولأن الغالب أن الموكل إنما يقصد بقوله بع هذا للسلطان مثلا ذلك لا مخاطبته بالبيع
قال وقضية الفرق أنه لو جرى العقد على وجه لا يقدر فيه دخول الملك في ملك الوكيل صح وعند المخالفة أي مخالفة الوكيل موكله فيما أمر به إن اشترى بعين ماله كأن قال له اشتر كذا بعين هذه المائة فاشتراه بعين مائة أخرى من مال موكله بطل الشراء للمخالفة أو اشترى في ذمته كأن قال له اشتره بخمسة فاشتراه بعشرة وقع للوكيل ولو سمى الموكل لأنه إن لم يسمه فالخطاب معه ونيته لاغية للمخالفة كالأجنبي وإن سماه بأن قال البائع بعتك فقال اشتريته لموكلي فلأن التسمية غير معتبرة في الشراء فإذا سماه وتعذر صرف العقد إليه فكأنه لم يسمه
فرع وكيل المتهب يسميه وجوبا في القبول وإلا فيقع العقد له لجريان الخطاب معه أي بغير ذكر الموكل ولا تجزئ النية في وقوع العقد لموكله لأن الواهب قد
276
276
يسمح بالتبرع له دون غيره نعم إن نواه الواهب أيضا وقع عنه كما بحثه الأذرعي وغيره بخلاف الشراء لا يجب فيه على وكيل المشتري تسميته لأن القصد منه العوض قال الزركشي وليس لنا ما يجب فيه ذكر الموكل إلا ثلاث صور صورة الهبة والنكاح وما لو وكل عبد ليشتري نفسه من سيده لأن قوله اشتريت نفسي صريح في اقتضاء العتق لا يندفع بمجرد النية نعم القياس ما ذكر في الهبة يجري مثله في الوقف والوصية والإعارة والرهن الوديعة وغيرها مما لا عوض فيه انتهى ولا ينحصر ذلك فيما لا عوض فيه فقد أوجبوا ذكره في صورة أخرى منها ما لو قال اشتر لي عبد فلان بثوبك هذا مثلا ففعل وما لو وكل العبد غيره ليشتريه لنفسه ففعل وستأتيان وظاهر كلامه كأصله أن الواهب لو قال للمخاطب وهبتك فقال قبلت لموكلي فلان وقع للموكل وإن كان الواهب إنما أوجب للوكيل وقصده لأن اللفظ أقوى من النية ولهذا لو وهبه شيئا بنية الثواب لم تلزمه إثابة لعدم التصريح به
قال الأذرعي وقد يقال على قياس ما ذكر إنه لو قال بعتك هذا بدرهم وهو يساوي ألفا مثلا فقال قبلت ونوى الشراء لموكله لم يصح لأن الموجب إنما سمح ببيعه بدرهم للمخاطب خاصة لا لغيره انتهى وقد يفرق بأن الهبة وقعت هنا في ضمن معاوضة بخلافها فيما ذكر الحكم الثاني من أحكام الوكالة الأمانة والوكيل أمين وإن كان بجعل لأنه نائب عن الموكل في اليد والتصرف فكانت يده كيده ولأن الوكالة عقد إرفاق والضمان مناف له ومنفر عنه فإن تعدى في العين بركوب أو لبس أو نحوهما ضمنها بخلاف ما لو تلفت بلا تعد كسائر الأمناء فيهما ولم ينعزل بذلك لأن الوكالة إذن في التصرف والأمانة حكم يترتب عليها ولا يلزم من ارتفاعها ارتفاع أصلها كالرهن بخلاف الوديعة فإنها ائتمان محض نعم إن كان وكيلا لولي أو وصي قال الأذرعي وغيره فالمتجه انعزاله كالوصي يفسق إذ لا يجوز إبقاء مال محجور بيد غير عدل وما قالوه مردود لأن الفسق لا يمنع الوكالة وإن منع الولاية نعم الممنوع بقاء المال بيده فإن عاوض بها أي اعتاض بالعين التي تعدى فيها غيرها فالعوض وهو غيرها أمانة لأنه لم يتعد فيه وزال عنه ضمان العين بتسليمها للمعتاض منه لأنه أخرجها من يده بإذن مالكها بخلاف ما إذا لم يسلمها لأن المبيع قبل التسليم من ضمان البائع فإن ردت عليه بعيب عاد الضمان لعود اليد وقال الروياني لا نص فيه وعندي أنه لا يعود الضمان لأن الفسخ يرفع العقد من حينه لا من أصله وقال الأذرعي وغيره وما قاله ظاهر إن رده عليه الحاكم جبر إلا إن استرده اختيارا انتهى والمعتمد عود الضمان والفسخ وأن رفع العقد من حينه لا من أصله لا يقطع النظر عن أصله بالكلية وتقدم أنه لو تعدى بسفره بما وكل فيه وباعه فيه ضمن ثمنه وإن تسلمه وعاد من سفره فيكون مستثنى من قوله فالعوض أمانة فرع يضمن الوكيل المال إذا طالبه الموكل برده بالامتناع من التخلية بينه وبينه إذا لم يكن له عذر كالمودع فإن كان له عذر ككونه في الحمام أو مشغولا بطعام لم يضمن كما هو مشهور في كلام الأصحاب ونقل الغزالي عنهم أنه لو تلف في هذه المدة ضمن وإنما جاز التأخير لغرض نفسه بشرط سلامة العاقبة قال وهو منقدح إذا كان التلف بسبب التأخير انتهى فيكون ما نقله مع ما قيد به تقييدا لكلامهم الأول لكن قال الأذرعي والراجح خلاف ما نقله عن الأصحاب لما ستعرفه في الوديعة الحكم الثالث في العهدة الملك للمبيع ونحوه في عقد الوكيل يقع ابتداء للموكل كما في شراء الأب لطفله ولأنه لو وقع للوكيل ابتداء لعتق عليه أبوه إذا اشتراه لموكله ولا يعتق قطعا لكن أحكام عقد البيع والشراء من الخيار والتقابض
277
277
ونحوهما كالرؤية والتفرق تتعلق بالوكيل دون الموكل لأنه العاقد حقيقة فله الفسخ بخياري المجلس والشرط وإن أجاز الموكل بخلاف خيار العيب لا رد للوكيل إذا رضي به الموكل لأنه لدفع الضرر عن المالك وليس منوطا باسم المتعاقدين كما نيط به في الفسخ بخيار المجلس بخبر البيعان بالخيار ما لم يتفرقا وبخيار الشرط بالقياس على خيار المجلس وشمول كلامه له من زيادته وإن اشترى الوكيل والثمن في يده طولب به سواء اشترى بعينه أم في الذمة لأن أحكام العقد تتعلق به والعرف يقتضيه وله مطالبة الموكل أيضا كما يعلم مما يأتي والظاهر أن له ذلك وإن أمره الموكل بالشراء بعين ما دفعه إليه بأن يأخذه من الوكيل ويسلمه للبائع وإلا أي وإن لم يكن الثمن في يده فلا يطالب به
إن اشترى بمعين لأنه ليس في يده وحق البائع مقصور عليه وإن اشترى في الذمة فللبائع مطالبتهما أي الوكيل والموكل أي من شاء منهما إن صدق الوكيل في وكالته ولو كان الثمن بيد الوكيل أو صرح بالسفارة في العقد لأن العقد وإن وقع للموكل لكن الوكيل نائبه ووقع العقد معه لذلك جوزنا مطالبتهما وقيل إن صرح بالسفارة لم يطالب وبه جزم الإمام كما لو قبل نكاح امرأة لرجل لا يصير ملتزما للمهر قال السبكي والأول هو المشهور وما ذكره المصنف من زيادته هنا من أن للبائع مطالبة الموكل والثمن بيد الوكيل ذكره الأصل في باب معاملات العبيد لكن قوله ولو كان الثمن بيد الوكيل لا يصلح غاية لما قبله لأنه مفروض فيما إذا لم يكن بيده لأنه قسم في الظاهر من قوله وإلا أما لو كذبه أو قال لا أدري أهو وكيل أم لا فيطالبه فقط لأن العقد وقع معه فالظاهر أنه يشتري لنفسه قال الماوردي أما ولي الطفل إذا لم يذكره في العقد كان ضامنا للثمن ولا يضمنه الطفل في ذمته لكن ينقده الولي من مال الطفل وإن ذكره في العقد لم يلزمه ضمان الثمن بخلاف الوكيل والفرق أن شراء الولي لازم للمولى عليه بغير إذنه فلم يلزم الولي ضمانه بخلاف الوكيل انتهى والفرق بين ضمان الموكل الثمن وعدم ضمان الطفل له فيما إذا لم يذكره الولي أن الموكل أذن بخلاف الطفل وهذا الفرق ذكره الإسنوي وكلامه يوهم أنه من كلام الماوردي وليس كذلك وأسقط من كلامه الفرق السابق
والوكيل في الرجوع قبل الغرم أي غرمه للبائع وبعده كالضامن والموكل كالأصيل فلا يرجع عليه الوكيل إلا بعد غرمه وبعد إذنه له في الأداء إن دفع إليه ما يشتري به وأمره بتسليمه في الثمن وإلا فالوكالة تكفي عن الإذن كما مرت الإشارة إليه وعليه يحمل قول الأنوار وإذا غرم الوكيل رجع على الموكل كالضامن بالإذن ولو استحق ما اشتراه الوكيل بعد تلفه ولو في يده فللمستحق مطالبة البائع والوكيل وكذا الموكل ببدله لأن كلا منهم غاصبه الأول حقيقة والآخران حكما والقرار عليه أي الموكل فإذا غرم البائع أو الوكيل رجع بما غرمه على الموكل لتلف العين تحت يد أمينه فكأنها تلفت تحت يده ثم إذا سلم الوكيل الثمن فيما ذكر فهل له مطالبة البائع به قال السبكي فيه ثلاثة أوجه أصحها عند ابن أبي عصرون المنع وعند الماوردي كذلك إن استحق في يد الموكل لانقضاء أحكام الوكالة وإن استحق في يد الوكيل فله مطالبته أو استحق ما باعه الوكيل وتلف الثمن ولو في يده والمشتري معترف بالوكالة كما صرح به أصله طولبا أي الوكيل والموكل به أي بالثمن لما مر في مطالبة البائع لهما والقرار على الموكل لما مر ولو باع الوكيل بثمن في الذمة وقبضه ودفعه للموكل أو لم يدفعه له وخرج مستحقه أو رده الموكل بعيب فله مطالبة المشتري بالثمن لبقائه في ذمته
و مطالبة الوكيل لأنه صار مسلما للمبيع قبل أخذ عوضه وهل يطالب الوكيل بقيمة العين لأنه فوتها عليه أم بالثمن لأن حقه انتقل منها إليه بالبيع وجهان أصحهما الأول كما جزم به أصله بعد وسيأتي قبيل فصل وكله في قضاء دينه فإن قلنا يطالبه بالقيمة فأخذها منه طالب الوكيل المشتري بالثمن و إذا أخذه منه دفعه للموكل واسترد منه القيمة لأنها إنما أخذت للحيلولة وإن أمره أن يشتري شيئا بمعين يعني بعين ماله كما عبر به أصله فتلف في يده قبله أي قبل الشراء انعزل أو بعده وقبل القبض انفسخ البيع كما في تلف المبيع قبل قبضه ولا شيء على
278
278
الوكيل أو أمره أن يشتري شيئا في الذمة ولو مع الأمر بصرف ما دفع إليه في الثمن ففعل وقد تلف المدفوع له في يده بعد الشراء أو قبله لم ينفسخ أي العقد ولمن يقع أي العقد فيه خلاف قيل للوكيل ويلزمه الثمن وقيل للموكل ويلزمه مثل المدفوع وقيل يقال له إن أردته فادفع مثل المدفوع وإلا فيقع عن الوكيل وعليه الثمن وهذه طريقة بعض المراوزة جرى عليها المصنف تبعا للرافعي وأما طريقة العراقيين وغيرهم فالوكيل ينعزل بتلف المدفوع سواء أقال اشتر بعينه أم لا كما مرت الإشارة إليه ومن ثم زاد في الروضة
قلت كذا ذكره صاحب التهذيب وقطع في الحاوي بأنه إذا قال اشتر في الذمة أو بعينه فتلف انفسخت الوكالة وانعزل فإذا اشترى بعده وقع للوكيل انتهى وقطع به أيضا القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما وصرحوا إلا ابن الصباغ بأنه لو كان التلف بعد الشراء وقع الشراء للوكيل أيضا كنظيره في القراض وهذه المسألة هي عين قوله فيما مر ولو تصرف لنفسه إلى آخره لكنه كأصله جرى في تلك على طريقة العراقيين فرع المقبوض للوكيل بالشراء الفاسد يضمنه الوكيل سواء أتلف في يده أم في يد موكله لوضع يده عليه بغير إذن شرعي وفي نسخة يضمنه الوكيل إن تلف في يده ويرجع إذا غرم على الموكل لأن قرار الضمان عليه كما مر واستشكله الأذرعي فيما إذا تلف في يد الوكيل فقال لا وجه له بل الصواب أنه لا رجوع له لأن الشراء الفاسد غير مأذون فيه ولو أذن فيه فلا عبرة بالإذن وتبعه الزركشي ويجاب بأن فاسد كل عقد كصحيحه في الضمان وعدمه وبأن يده فيما وكل فيه كيد موكله لأنه أمينه وهذه المسألة شاملة لمسألتي الاستحقاق السابقتين فرع وكيل المستقرض كوكيل المشتري فيطالب ويرجع بعد الغرم على الموكل الحكم الرابع الجواز من الجانبين لأن الوكالة إنابة فلا تلزم للإضرار فلكل منهما العزل إن لم يكن عقد الوكالة باستئجار فإن كان باستئجار بأن عقدت بلفظ الإجارة فهو لازم لا يقبل العزل وهذا ظاهر لا يحتاج إلى التنبيه عليه نعم إن عقدت بلفظ الوكالة وشرط فيها جعل معلوم قال في الأصل أمكن تخريجه على أن الاعتبار بصيغ العقود أو بمعانيها وهذان الاحتمالان نقلهما الروياني وجهين وصحح منهما الأول على القاعدة الغالبة في ذلك وهو قضية كلام المصنف فالترجيح فيه من زيادته وإن قال الوكيل عزلت نفسي أو فسخت الوكالة أو خرجت منها أو نحوه كأبطلتها أو عزله الموكل أو فسخها بقوله فسختها أو نقضتها أو أزلتها أو صرفتها أو رفعتها أو نحوها وعلم الوكيل بالعزل أو الفسخ وكذا إن لم يعلم به انعزل وإن كانت صيغة الموكل صيغة أمر ك بع وأعتق لدلالة كل من ذلك عليه ولا يشترط في انعزاله بعزله نفسه علم الموكل كما شمله كلامه وصرح به أصله وإنما لم يشترط فيما ذكر علم الآخر لأنه رفع عقد لا يحتاج فيه إلى الرضا فلا يحتاج فيه إلى العلم كالطلاق وقياسا على ما لو جن أحدهما والآخر غائب بخلاف انعزال القاضي لا يحصل إلا بعلمه لتعلق المصالح الكلية به وبخلاف النسخ لا يحصل إلا ببلوغ الخبر لأنه تكليف
وهو يعتمد العلم إذ لا تكليف بمحال بخلاف العزل وفرق السبكي
279
279
بأن الاعتداد بالعبادة حق لله تعالى والله تعالى شرط العلم في الأحكام بدليل أنه لا يكلف بالمستحيل والعقود حق للموكل ولم يشترط العلم ولا يصدق موكله بعد التصرف في قوله كنت عزلته إلا ببينة فينبغي له أن يشهد على عزله قال الإسنوي وصورته إذا أنكر الوكيل العزل فإن وافقه لكن قال كان بعد التصرف فهو كدعوى الزوج تقدم الرجعة على انقضاء العدة وفيه تفصيل معروف قاله الرافعي في اختلاف الموكل والوكيل انتهى وظاهر أن هذا بالنسبة إليهما أما بالنسبة إلى الثالث كالمشتري من الوكيل فلا يصدق الموكل في حقه مطلقا ولو تلف المال في يده بعد عزله لم يضمنه ولو باعه وسلمه للمشتري جاهلا بعزله قال الروياني في الحلية ينبغي أن لا يضمنه لبقاء الأمانة وقال في البحر نقلا عن بعضهم إنه يضمنه كالوكيل إذا قتل بعد العفو تلزمه الدية والكفارة وهذا مقتضى كلام الشاشي والغزالي وغيرهما وهو الأوجه وينعزل بموت أحدهما وبالحجر عليه بسفه أو فلس أو رق أو جنون فيما لا ينفذ منه وبالإغماء لزوال الأهلية
قال ابن الرفعة والصواب أن الموت ليس بانعزال بل تنتهي الوكالة به كالنكاح وتقدم في الحج أن الوكيل في رمي الجمار لا ينعزل بإغماء الموكل وكلامه كأصله قد يوهم أنه لو حجر عليه بسفه بعد توكله في قبول نكاح لا يصح قبوله لأنه لا ينفذ منه وليس مرادا وينعزل أيضا بالفسق فيما العدالة شرط فيه وبخروج ما وكل ببيعه أو بالشراء به عن الملك بالبيع ونحوه كالهبة مع القبض وكذا بتزويج الجارية والإجارة لإشعارهما بالندم على البيع وخرج بالجارية العبد لا بالتوكيل وكيل آخر ولا بالعرض على البيع كما صرح به أصله وفي انعزاله بطحن الحنطة الموكل ببيعها أي بطحن الموكل لها وجهان قال المتولي أصلهما ما لو حلف لا يأكل هذه الحنطة فأكلها بعد الطحن وقضيته ترجيح الانعزال ووجهه الرافعي ببطلان اسم الحنطة وإشعار طحنها بالإمساك وظاهر أنهما علتان لأن الأصل عدم تركيب العلة واقتصر في الروضة على الأول منهما وقضيته أنه لو لم يصرح باسم الحنطة كأن قال وكلتك في بيع هذا لم يكن عزلا وقضية الثاني خلافه وهو الأوجه قال الزركشي قال ابن كج وينعزل بالرهن مع القبض وكذا بالكتابة بخلاف التدبير وقال البلقيني الأقرب أن الوصية والتدبير وتعليق العتق عزل ولو ردها أي رد الوكيل الوكالة ارتدت بخلاف المباح له طعام إذا رد الإباحة لا ترتد
وقضية كلام الأصل أن هذا مقطوع به قال ابن الرفعة وكلام المهذب يقتضي ارتدادها قال الزركشي وبه صرح في الذخائر قال الأذرعي ولعله الأظهر ولو وكل عبده في تصرف ولو بصيغة عقد ك وكلتك ثم أعتقه أو باعه أو كاتبه كما ذكره الأصل انعزل لأن إذن سيده له استخدام لا توكيل وقد زال ملكه عنه ولهذا لو قال قبل عتقه عزلت نفسي لغا قاله الرافعي لا عبد غيره فلا ينعزل بذلك لكن العبد أي عبد غيره وإن نفذ تصرفه يعصي به إن لم يستأذن مشتريه فيه لأن منافعه صارت مستحقة له ولو جحد أحدهما الوكالة عامدا ولا غرض له في الجحد من خوف ظالم أو نحوه فهو عزل لأن الجحد حينئذ رد لها وإلا بأن نسيها أو جحدها لغرض كما لو أنكر الوكيل الوكالة حين ادعى عليه بحق على موكله فقامت البينة بقبوله لها فلا عزل وتسويته بين جحدي الموكل والوكيل في التفصيل المذكور تبع فيه الروضة لكنه أطلق كأصله في باب التدبير أن جحد
280
280
الموكل عزل وحمله ابن النقيب على ما هنا والرافعي لما ذكر التفصيل في جحد الوكيل قال وأورد في النهاية قريبا منه في جحد الموكل انتهى والذي في النهاية في باب التدبير كما في الكفاية وغيرها حكاية وجهين في أن جحد الموكل عزل أو لا أصحهما لا وأشهرهما نعم
ثم أبدى التفصيل احتمالا وبالأشهر جزم ابن عبد السلام في مختصر النهاية وقال في النهاية إنه المفتى به انتهى وعليه يفرق بأن الموكل أقوى على رفع الوكالة لأنه المالك غالبا ولأن معظم الحظ فيها له وبأن جحد الوكيل قد يجب حفظا لمال موكله فجعل عذرا في الجملة بخلاف جحد الموكل المالك وألحق به جحد الموكل النائب عن غيره وإن عزل الموكل أحد وكيليه مبهما لم يتصرفا أي لم يتصرف واحد منهما ولو تصرف لم ينفذ حتى يبين يعني يعين للشك في أهليته مسائل منثورة إن وكله ببيع فباع ثم فسخ البيع بعيب أو غيره لم يبع ثانيا كما مر بيانه قبل باب حكم المبيع قبل قبضه مع زيادة تقييد فلو اقتصر على ما هناك كان أولى مع سلامته من التكرار وليس للوكيل شرط الخيار لمبايعة أي معاقدة بغير إذن موكله وله شرطه لنفسه وللموكل لأنه لا يضر موكله وإن أمره باشتراطه أي الخيار لم ينعقد بعقده مطلقا لمخالفته أمره فإن أمره ببيع عبد أو شرائه لم يعقد على بعضه وفي نسخة لم ينعقد في بعضه لضرر التبعيض وإن فرضت فيه غبطة نعم إن قدر الثمن وباع البعض بما قدره ولم يعين المشتري قال الزركشي صح لأنه مأذون فيه عرفا فلأن من رضي ببيع الجميع بمائة رضي ببيع البعض بمائة ونقله الأذرعي عن المتولي والقاضي وذكره في المهمات لكن بالنسبة للقيمة فقال يستثنى ما إذا باع البعض بقيمة الجميع فإنه يصح بلا خلاف ذكره النووي في تصحيحه وابن الرفعة في الكفاية انتهى وهو جري على الغالب وإلا فلو كانت قيمة الجميع ألفا وقال بعه بألفين فباع بعضه بألف ينبغي أنه لا يصح وإن اقتضى كلامهما الصحة أو أمره أن يشتري به أي بالعبد ثوبا فاشترا ه ببعضه جاز لأن من رضي بشراء الثوب بجميع العبد فببعضه أشد رضا نعم إن عين البائع لم يجز ذلك لقصده محاباته فإن قال بع هذه الأعبد أو اشترهم فرق هم في عقود وجمع هم في عقد أي جاز له ذلك إذ لا ضرر وقضية التعليل أنه لو كان الأحظ في أحدهما تعين ولهذا قال الروياني عليه أن يفعل الأحظ منهما فإن عدل عنه لم يجز فإن قال بعهم أو اشترهم صفقة لم يفرقها لمخالفته أمره أو قال بعهم بألف لم يبع واحدا بأقل من ألف لجواز أن لا يشتري أحد الباقين بباقي الألف فلو باعه بألف صح وقد يلحق به ما قدمته قبيل الركن الثاني ثم له بيع الباقين بثمن المثل والتصريح بثمن المثل من زيادته وإن قال له اطلب حقي من زيد فمات زيد لم يطالب وارثه لأنه غير المعين أو اطلب حقي الذي على زيد طالبهم أي ورثته ولو قال طالبه كان أنسب بما قبله فإن لم يمت جاز له القبض من وكيله كيف كان لأن دفع وكيله كدفعه وظاهر أنه تجوز له مطالبته وإن أمره بالبيع مؤجلا فباع فعليه بيان الغرم لئلا يكون مضيعا لحقه لا مطالبته فلا تلزمه ولو بعد الأجل بل لا تجوز إلا بإذن وإن قال أعط هذا الذهب صائغا فأعطاه ثم امتنع من تنبيه بعد مطالبة الموكل له بتبيينه صار ضامنا له حتى لو بينه بعد ذلك وكان قد تلف في يد الصائغ ضمنه قال الأذرعي وفي إطلاقه نظر والقياس أنه إن كان قد تلف قبل المطالبة والامتناع بلا تعد ولم يضمن ولو قال بع عبدك من زيد بألف علي لم يصح التزامه لأنه ضمان ما لم يجب ولا جرى سبب وجوبه فلو باع على ذلك لم يصح لاشتراط الثمن على غير مالك المبيع نعم إن تولى الآمر العقد صح لكن إن تولاه بولاية أو وكالة وقع الشراء للمشتري له وإلا وقع له ولزمه الثمن فيهما وله الرجوع به في الأولى نقل ذلك في الروضة عن الماوردي إلا استحقاق الرجوع فسكت عنه لعلمه مما مر أو قال بعه منه بألف وأنا أدفعه لك فهذا وعد لا يلزم فلو باع صح ولا يلزم الآمر شيء لعدم التزامه أو قال اشتر لي عبد فلان بثوبك هذا مثلا ففعل ملكه الآمر ويقدر انتقال الملك إليه في الثوب قرضا قال في المهمات ولا يكفي هنا نية الموكل بل لا بد من التصريح به فلو اقتصر على النية وقع للوكيل كما في الأصل في الشرط الثالث من شروط المبيع وذكره المصنف أيضا ثم لكن شملت عبارته فيه ما ليس مرادا كما بينته ثم ورجع المأمور على الآمر بقيمة الثوب
281
281
وإن لم يشترط الرجوع وإنما رجع بقيمته مع أنه قرض لأنه ليس قرضا حقيقيا بل تقديري وليس لوكيل غرم الثمن من ماله حبس المبيع ليغرم له موكله وإن استحق الرجوع عليه به لأن العقد يقع ابتداء للموكل وإن قال المديون لوكيل غريمه خذ هذا واقضه به صار وكيلا للمديون في قضاء دينه فله استرداده ما دام بيد الوكيل ولو تلف عنده بقي الدين على المديون أو قال له خذ ه عما تطالبني به لغريمي فأخذه برئ المديون ولا استرداد له وكذا يبرأ لو قال له خذه قضاء لدين غريمي وفي نسخة خذه قضاء أي الغريم وقضية كلامه أنه لو نازعه غريمه في إرادة التوكيل صدق وليس مرادا فقد صرح أصله بأن المصدق فيه المديون بيمينه وإن أعطى شخص وكيله شيئا ليتصدق به فنوى التصدق عن نفسه وقع للآمر ولغت النية ولو وكلت أنت عبدا يشتري لك نفسه أو مالا آخر من سيده صح كما يصح توكيله في الشراء من غير سيده ولزمه التصريح باسمك بأن يقول اشتريت نفسي أو كذا منك لموكلي فلان كما يلزمك التصريح باسمه إن وكلك في شرائه لنفسه بأن تقول اشتريت عبدك منك له وإلا بأن لم يصرح بالاسم فيهما وقع عقده له لاقتضاء العقد حينئذ العتق فلا يندفع بمجرد النية و وقع عقدك لك لأن البائع قد لا يرضى بعقد يتضمن الإعتاق قبل توفير الثمن وصور القفال المسألة الأولى بأن يوكله بإذن سيده وقال البغوي لا يحتاج إلى إذنه قبل الشراء لأن بيعه منه لنفسه إذن له في الشراء ولو قال أسلم لي في كذا وأد رأس المال من مالك وارجع علي به ففعل لم يصح لأن الإقراض إنما يتم بالإقباض ولم يوجد من المستقرض قبض واستشكل هذا بالصحة فيما لو قال اشتر لي عبد فلان بثوبك هذا وأجيب بأن رأس مال السلم كدينه لا يصح الاستبدال عنه وبأن الموكل هنا يصير مشتريا للدين بالدين فلا يصح كما لا يصح بيع الدين بالدين ودعوى أنه يقدر دخوله في ملك الآمر لا تصح لأن الأشياء التقديرية لا تعطى حكم الأشياء المحققة في الأشياء المضيق فيها وهذا كما أنا في باب الربا لا نكتفي بالمماثلة التقديرية فكذا هنا لا نكتفي بالقبض التقديري ولهذا لو أحال المسلم المسلم إليه برأس المال وقبضه في المجلس لم يكف كما مر وفي النفس من ذلك شيء وإذا أبرأ وكيل المسلم المسلم إليه بلا إذن لم يبرأ أي المسلم إليه وفي نسخة لم يبر ووجهه أن يقدر دخول الجازم بعد إبدال الهمزة ألفا وقوله بلا إذن من زيادته فلو قال له المسلم إليه لست وكيلا والسلم لك وأبرأتني منه نفذ الإبراء ظاهرا أو تعطل بذلك حق المسلم وغرم له الوكيل برأس المال أي قيمته للحيلولة فلا يغرم بدل المسلم فيه كي لا يكون اعتياضا عنه وإن قال اشتر لي طعاما حمل في كل مكان على العرف فيه إن كان فيه عرف كالحنطة بمكة أو مصر فإن لم يكن فيه عرف كما في طبرستان لم يصح لأنه توكيل في مجهول وإن قال أبري غرمائي وكان من غرمائه لم يبر نفسه لأن المخاطب لا يدخل في عموم أمر المخاطب له على الأصح فلو قال وإن شئت فأبر نفسك فله ذلك كما لو وكل المديون بإبراء نفسه صرح به الأصل أو قال أعط ثلثي للفقراء أو أعطه نفسك إن شئت لم يعط نفسه لما صرح به من زيادته بقوله لتولي الطرفين قضية تعبيره
282
282
بأو أن ذلك مسألتان ولا حرج ويحتمل جعلها للتخيير فيكون مسألة واحدة فيوافق قول الأصل ولو قال فرق ثلثي على الفقراء وإن شئت أن تضعه في نفسك فافعل فعلى الخلاف فيمن أذن له في البيع لنفسه وما اقتضاه كلامه من المنع وصرح به المصنف قال الزركشي إنه مردود نقلا وتوجيها أما النقل فقد نص الشافعي على الجواز كما نقله الروياني ورجحه الجرجاني وأما التوجيه فالرافعي وجه الحكم ثم بتوجيهين أحدهما تضاد الغرضين وهو منتف هنا بل فيه وفاء بمقصود الآذن والثاني اتحاد الموجب والقابل وهو منتف أيضا لأنه هناك توكيل في صيغة عقد فيؤدي إلى الاتحاد وهو منتف هنا وإن قال بع هذا ثم هذا لزمه الترتيب امتثالا لأمر موكله فلو عكس فسد البيع الأول وكان كالعدم وصح الثاني كما لو باعه أولا وهل له بيع الآخر بعد فيه نظر قاله الأذرعي والأوجه نعم ويستحق الوكيل جعله إن شرط له موكله جعلا وإن تلف المال أي الثمن معه لأن استحقاقه بالعمل وقد عمل وإن بلغه أن زيدا وكله وصدق المخبر تصرف بالوكالة جوازا وإن لم يقبل الحاكم قول المخبر لا إن كذب المخبر فلا يتصرف بالوكالة وإن قامت بينة عند الحاكم بمضمون الخبر وكذا إن لم يصدقه ولم يكذبه بل تردد كما أفاده كلام الروضة وإن سأل الوكيل من الموكل الإشهاد على نفسه بتوكيله فإن كان التوكيل حيث يضمن يعني فيما يضمنه الوكيل بجحوده أي الموكل الوكالة كالبيع والشراء وقبض المال وقضاء الدين لزمه بعد التصرف أو إن أراد بقاء الوكالة وإلا أي وإن كان التوكيل فيما لا يضمنه الوكيل بجحود الموكل الوكالة كإثبات الحق وطلب الشفعة ومقاسمة الشريك فلا يلزمه وإن وكله في شراء جارية ليطأها لم يشتر له من تحرم عليه كأخته وأخت موطوءته لأنه غير المأذون فيه وحذف من كلام الروضة هنا أنه يشترط فيما إذا وكله بتزويج امرأة أن يعينها لذكره له في كتاب النكاح الأنسب به الباب الثالث في الاختلاف في الوكالة وصفتها وإن اختلفا في أصل الوكالة كأن قال وكلتني في كذا فأنكر أو في صفتها كأن قال وكلتني في البيع نسيئة أو الشراء بعشرين فقال بل نقدا أو بعشرة فالقول قول الموكل بيمينه لأن الأصل عدم الإذن فيما ذكره الوكيل ولأن الموكل أعرف بحال الإذن الصادر منه
فرع لو اشترى الوكيل جارية بعشرين فقال الموكل إنما أذنت بعشرة صدق بيمينه لما مر وبطل الشراء إن حلف الموكل و كان الشراء له بعين ماله وسماه الوكيل في العقد وقال فيه المال له وكذا يبطل الشراء إن نواه الأوفق بكلام أصله إن لم يسمه في العقد وقال بعده اشتريتها لفلان والمال له وصدقه البائع لأنه ثبت بالتسمية في الأولى وبتصديق البائع في الثانية أن العقد للموكل وثبت بيمين الموكل أنه لم يأذن في التصرف على هذا الوجه فتبقى الجارية على ملك البائع وعليه رد الثمن إن أخذه ولا ريب أن إقامة البينة على ذلك ملحقة بما ذكر وتقدم في الشرط الثالث من شروط المبيع أنه لو اشترى لغيره بثمن في ذمة الغير بطل أيضا ومحل البطلان فيما ذكره كأصله إذا لم يوافق البائع المشتري على وكالته بالقدر المذكور وإلا فالجارية باعتراف البائع ملك للموكل فينبغي أن يأتي فيه التلطف الآتي نبه عليه البلقيني
وإن كذبه البائع فيما قال بأن قال لست وكيلا في الشراء المذكور وحلف أي على نفي العلم بالوكالة فيحكم بالصحة للشراء ظاهرا للوكيل ويسلم له
283
283
أي للبائع الوكيل الثمن المعين ويرد للموكل مثل ماله الذي سلمه للبائع وحذف من كلام أصله ما قدرته بعد وحلف لقول الإسنوي كيف يستقيم الحلف على نفي العلم والحلف إنما يكون على حسب الجواب وهو إنما أجاب بالبت وكيف يصح أيضا الاقتصار على تحليفه على نفي الوكالة مع أنه لو أنكرها واعترف بأن المال لغيره كان كافيا في إبطال البيع فينبغي الحلف عليهما كما يجيب بهما بل يكفي الحلف على المال وحده لما ذكرنا لكن أجيب عن الأول بأن الإثبات إذا استلزم النفي جاز أن يحلف على نفي العلم وهو هنا كذلك وفيه نظر والأولى أن يجاب بأن تحليفه على البت يستلزم محذورا وهو تحليفه على البت في فعل الغير لأن معنى قوله لست وكيلا فيما ذكر أن غيرك لم يوكلك وأجيب عن الثاني بأنه إنما حلف على نفي العلم بالوكالة خاصة لأنها على خلاف الأصل والمال للوكيل بمقتضى الأصل وهو ثبوت يده عليه فلم تقبل دعواه أنه للغير بما يبطل به حق البائع وإن كان الشراء له في الذمة ولم يسمه الوكيل في العقد بل نواه وقع له أي للوكيل ظاهرا وظاهر أنه لو صدقه البائع بطل الشراء كنظيره الآتي وكأنهم سكتوا عنه لأنه الغالب أنه إذا لم يسم الموكل فلا يتصور معه ذلك وإن سماه فإن صدقه البائع في تسميته بطل الشراء لاتفاقهما على أنه للغير وقد ثبت بيمين ذلك الغير أنه لم يأذن فيه بالثمن المذكور
وإلا أي وإن لم يصدقه البائع بل كذبه بأن قال أنت مبطل في تسميته أو سكت عن التصديق والتكذيب وقع الشراء له أي للوكيل ظاهرا ثم إن كان الوكيل صادقا فالملك للموكل باطنا وللوكيل عليه الثمن أو كان كاذبا والشراء في الذمة فالملك له أو بالعين فللبائع الملك ويستحب للحاكم حيث حكم بالشراء للوكيل أن يرفق بالموكل أي يتلطف به فيبيعها أي الجارية منه أي من الوكيل بالعشرين فإذا قبل البيع ملكها ظاهرا وباطنا كذا في الأصل وحذفه المصنف لما قيل إنه إنما يملكها ظاهرا فقط لأنه بتقدير كذب الوكيل فالجارية ليست له لا ظاهرا ولا باطنا بل للبائع فيحتاج فيه الحاكم إلى تلطفه بالبائع أيضا وكذا فيما لو اشترى الوكيل بعين مال الموكل وكذبه البائع لأنه إن كان صادقا في أنه وكله بعشرين فالملك للموكل وإلا فللبائع ولا يكون بيع الموكل المذكور إقرارا بما قاله الوكيل ولو أخر هذا عما بعده كما فعل الأصل لشمله أيضا لكن حكمه مفهوم من الأول بالأولى ولو قال الموكل إن كنت أذنت لك في شرائها بعشرين فقد بعتكها بعشرين فقال الوكيل قبلت صح الشراء واحتمل هذا التعليق في المبيع للضرورة ولأن التعليق بذلك من مقتضيات العقد فهو كقوله بعتك إن كان ملكي ويفارق عدم صحة النكاح فيما لو بشر بولد فقال إن كان أنثى فقد زوجتكها باختصاص النكاح بمزيد احتياط وبأنه نزع عرقا من العبادة
فلو امتنع الموكل من الإجابة أو لم يرفق به الحاكم فقد ظفر الوكيل بغير جنس حقه وهو الجارية فله بيعها بنفسه أو بالحاكم وأخذ حقه من ثمنها وكذا إن اشترى جارية وقال الموكل إنما أمرت بغيرها فيأتي فيها ما تقرر
فرع لو باع الوكيل مؤجلا وزعم أن الموكل أذن
284
284
له فيه فأنكره الموكل صدق لأن الأصل عدمه كما مر و إذا حلف الموكل أنه ما أذن له وحلف المشتري وقد أنكر الوكالة أنه ما علمه وكيلا أو لم يحلف لكن نكل الموكل عن اليمين المردودة عليه من المشتري قرر البيع للمشتري فإن حلف الموكل حكم ببطلان البيع كما صرح به الأصل و إذا قرر البيع فيما ذكر غرم الوكيل للموكل القيمة عبارة الأصل قيمة المبيع أو مثله إن كان مثليا وعند الحلول للأجل إذا لم يرجع الوكيل عن قول الأول يطالب المشتري بالثمن فلا يطالبه قبله مؤاخذة له بمقتضى تصرفه ويستوفي منه أي من الثمن ما غرم للموكل فإن زاد الثمن على ما غرم فهو مقر بالزائد لمن لا يدعيه وهو الموكل وسيأتي حكمه في الإقرار وإن رجع الوكيل عن قوله الأول وصدق الموكل لم يأخذ من المشتري إلا أقل الأمرين من الثمن والقيمة لأنه إن كان الثمن أقل فهو موجب عقده فلا يقبل رجوعه فيما يلزم فيه زيادة على الغير أو القيمة أقل وهي ما غرمه فلا يرجع إلا بما غرم لأنه قد اعترف آخرا بفساد العقد وإن اعترف المشتري بالوكالة وصدق الموكل في دعواه أنه ما أذن في البيع مؤجلا أو كذبه وحلف الموكل حكم ببطلان العقد فعلى المشتري رد المبيع فإن تلف فالموكل بالخيار إن شاء غرم الوكيل لتعديه وإن شاء غرم المشتري وقرار الضمان عليه لحصول التلف في يده ويرجع بالثمن الذي دفعه على الوكيل وإن نكل الموكل حلف المشتري وبقي العقد له صرح بذلك الأصل
فصل لو ادعى الوكيل التصرف كما أذن الموكل وأنكر الموكل تصرفه فالقول بعد عزله قول الموكل بيمينه وكذا قبله لأن الأصل عدم التصرف ولأن الوكيل في الأولى غير مالك للتصرف وإن اتفقا على التصرف ولكن قال الموكل عزلتك قبله وقال الوكيل بل بعده فكدعوى المطلق زوجته رجعيا أنه راجع قبل البينونة أي قبل انقضاء عدتها وهي تنكرها أي تنكر المراجعة قبل انقضاء عدتها وفي نسخة وقالت بعدها فيقال إن اتفقا على وقت العزل كيوم الجمعة وقال الوكيل بعت قبله فقال الموكل بعده صدق الموكل في أنه لا يعلم أن البيع قبل وإن اتفقا على وقت البيع واختلفا في العزل فالمصدق الوكيل وإن لم يتفقا على شيء بل اقتصرا على تقديم البيع وتأخيره عن العزل صدق من سبق بالدعوى ولو وقع كلامهما معا صدق الموكل واستشكل ذلك بتصديق المرتهن فيما لو أذن للراهن في بيع الرهن فباع ورجع المرتهن عن الإذن واختلفا فقال المرتهن رجعت قبل البيع وقال الراهن بل بعده ويجاب بأن الوكيل وضعه التصرف من حيث الوكالة فقوي جانبه فصدق في بعض الأحوال بخلاف الراهن من حيث الرهنية ليس وضعه ذلك بل وضعه وفاء الدين من الرهن أو غيره وما قيل من أن مسألتنا ليست شبيهة بمسألة الرجعة لأن تلك مقيدة بما إذا لم تتزوج بزوج آخر وهنا حصل التصرف وتعلق الحق بثالث لا يؤثر لأن الكلام في الموكل مع الوكيل لا فيه مع المشتري
وإن قال الموكل بعت على بمعنى من زيد فأنكر الوكيل البيع وصدق زيد الموكل حكم بالبيع منه وإن كذبه فالقول قوله أي زيد
فرع قول الوكيل ولو بجعل مقبول بيمينه في دعوى التلف ورد المعوض والعوض على الموكل لأنه أمينه كما مر في الحكم الثاني ولأنه إن كان بلا جعل فقد أخذ المال لمحض غرض المالك كالمودع أو بجعل فلانة إنما أخذ العين لمنفعة المالك وانتفاعه هو إنما هو بالعمل فيها لا بها نفسها و في
285
285
دعوى الرد على رسوله بل القول قول رسوله بيمينه ولا يلزم الموكل تصديق الوكيل لأنه يدعي الرد على من لم يأتمنه فعليه البينة
فصل لو قال الوكيل في قبض الدين قبضته وتلف في يدي أو دفعته إلى موكلي فكذبه الموكل حلف الموكل على نفي العلم بقبض الوكيل لأن الأصل بقاء حقه و إذا حلف طالب الغريم بالدين ولا رجوع للغريم على الوكيل لاعترافه بأنه مظلوم
ولو باع الوكيل وادعى قبض الثمن وتلف في يده أو دفعه إلى موكله كما صرح به أصله فكذبه الموكل فإن كان اختلافهما قبل تسليم المبيع صدق الموكل بيمينه كما في التي قبلها أو بعده والثمن حال صدق الوكيل لأن الموكل يدعي خيانته بالتسليم للمبيع قبل القبض والأصل عدمها فأشبه ما لو قال طالبتك برد المال فامتنعت مقصرا إلى أن تلف وقال الوكيل لم تطالبني أو لم أقصر بخلاف ما إذا أذن له في إقباضه للمبيع قبل أي قبل قبض الثمن أو كان الثمن مؤجلا وأذن له في قبضه بعد الأجل فالمصدق الموكل لعدم خيانة الوكيل بالتسليم حينئذ فإذا وفي نسخة فإن حلف فيما صدق فيه ففي براءة المشتري من الثمن وجهان أصحهما عند الإمام نعم لأنا قبلنا قول الوكيل في قبض الثمن فكيف نوجبه ونقله ابن الرفعة عن القاضي قال وهو ما حكاه البندنيجي عن ابن سريج وصححه الغزالي في بسيطه وأصحهما عند البغوي لا لأن الأصل عدم القبض وإنما قبلنا قول الوكيل في حقه لائتمانه إياه وعلى نقل هذا اقتصر الرافعي في الشرح الصغير فإن خرج المبيع مستحقا رجع المشتري بالثمن على الوكيل لأنه دفعه إليه فقط أي دون الموكل لإنكاره قبض الثمن وبهذا فارق ما مر في العهدة من أن للمشتري مطالبة كل من الوكيل والموكل بالثمن عند خروج المبيع مستحقا فسقط ما قيل إن ما هنا يخالف ما هناك
ولا رجوع للوكيل على الموكل لأن بيمينه التي دفعت عنه الغرم لا تثبت له حقا على غيره وإن بان المبيع معيبا ورده المشتري على الموكل وغرمه الثمن لم يرجع به على الوكيل لاعترافه بأنه لم يأخذ شيئا وكذا عكسه بأن رده على الوكيل وغرمه لا يرجع على الموكل والقول قوله بيمينه أنه لم يأخذ منه شيئا ولا يلزم من تصديقنا الوكيل في الدفع عن نفسه بيمينه أن نثبت له بها حقا على غيره كما مر وظاهر كلامه أن ما ذكر في مسألتي الاستحقاق والرد بالعيب جار على الوجهين السابقين وهو ظاهر لاتحاد الحكم وهو عدم الرجوع عليهما وإن لم يكن للمشتري في الثانية تغريم على الثاني وفي نسخة وإن قلنا ببراءة المشتري وبأن معيبا إلى آخره وكذا ذكره الأصل لكن قدمه على المسألتين معا وقدم منهما الثانية
والوجه في الأولى أنه لا يختص تفريعها بالأول وأما الثانية فيصح اختصاص تفريعها به نظرا لجواز التغريم عليه لا على الثاني لكن التغريم ليس هو الحكم المطلوب
وإن قال الموكل للوكيل قبضت الثمن فادفعه لي فأنكر فالقول قول الوكيل بيمينه لأن الأصل عدم قبضه وليس للموكل مطالبة المشتري لاعترافه بقبض وكيله لكن إن تعدى الوكيل بتسليم المبيع قبل قبض الثمن غرمه الموكل قيمة المبيع للحيلولة فلا يشكل بكون القيمة قد تكون أكثر من الثمن الذي لا يستحق غيره
فصل لو وكله في قضاء دينه بمال دفعه له فقضاه في غيبته بدعواه فأنكر الغريم صدق الغريم بيمينه لأنه لم يأتمن الوكيل حتى يلزمه تصديقه ولأن الأصل عدم الدفع وإذا حلف طالب الموكل بحقه لا الوكيل وإذا أخذ منه ضمن الوكيل للموكل وإن صدقه الموكل في القضاء إذا لم يشهد به لتقصيره بترك الإشهاد لا إن دفع الوكيل بحضرته فلا يضمن له شيئا لنسبة التقصير حينئذ إلى الموكل والقول فيما إذا اختلفا في أنه دفع بحضرته قول الموكل بيمينه في أنه لم يحضر لأن الأصل عدم الحضرة
وإن أشهد الوكيل شهودا وغابوا أو ماتوا أو جنوا أو أشهد واحدا أو مستورين
286
286
فبان فسقهم فعلى ما سبق في رجوع الضامن على الأصيل قال المتولي والقول قوله في الإشهاد أما إذا صدقه الغريم فلا ضمان على الوكيل ولو ادعى ولي اليتيم ولو حاكما كما صرح به القاضي أبو الطيب رد ماله إليه بعد البلوغ لم يقبل إلا ببينة لقوله تعالى فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ولأن الأصل عدم الدفع وهو لم يأتمنه حتى يلزمه تصديقه وتعبيره بما قاله أولى من تعبير أصله بقيم اليتيم والوصي لسلامته من إيهام أن الجد يقبل قوله بلا بينة وليس كذلك والأب مع ولده كذلك والسفيه والمجنون كاليتيم والرشد والإفاقة كالبلوغ
ولو امتنع من يقبل قوله في الرد كالمودع والوكيل ولو بجعل من التسليم أي تسليم المال لمالكه إلا بالإشهاد عليه بالرد لم يلزمه ذلك لأن قوله مقبول في الرد وللغاصب و كل من لم يقبل قوله في الرد كالمستعير والمدين الامتناع من التسليم حتى يشهد المالك على نفسه بالرد لأنه يحتاج إلى بينة بالرد قال في الأصل هذا إن كان عليه بينة بالأخذ وإلا فوجهان صحح البغوي الامتناع وقطع العراقيون بعدمه لأنه يمكنه أن يقول ليس له عندي شيء ويحلف عليه انتهى وبالأول قال المراوزة والماوردي مع أنه عراقي وعليه جرى المصنف كالمنهاج وأصله فالترجيح من زيادته واستشكل جواز التأخير للغاصب بوجوب التوبة على الفور وهي متوقفة على الرد وأجيب بأنه زمن يسير فاغتفر لما يترتب عليه من المصلحة
فصل من عليه دين أو في يده عين لغيره يلزمه تسليمها الأولى تسليمه أي أحدهما أو تسليمهما لمن صدقه في دعواه بأنه وارث للمستحق ولا وارث له غيره أو محتال منه أو وصي له أو موصى له منه فليس له أن يطلب منه بينة لاعترافه بانتقال الحق إليه فلا يمنعه حقه لا إن أنكر ذلك الأولى لا إن لم يصدقه فلا يلزمه التسليم بلا بينة ولا يلزمه التسليم للوكيل حتى يقيم بينة بوكالته وإن صدقه عليها لاحتمال إنكار المستحق لها لكن يجوز له أن يسلمه إن صدقه عليها وهذا مسلم في الدين لأنه سلم ملكه أما في العين فلا لما فيه من التصرف في ملك الغير بغير إذنه فإن سلم إليه الحق وأنكر المستحق وكالته فإن كان عينا وبقيت أخذها أو أخذها الدافع وسلمها إليه
و إن تلفت طالب بها أي ببدلها من شاء منهما ثم لا يرجع أحدهما على الآخر به إذا غرمه لاعترافهما أن الظالم غيرهما فلا يرجع إلا على ظالمه إلا إن قصر القابض لها فتلفت وغرم المستحق الدافع لها فإنه أي الدافع يرجع عليه أي على القابض لأنه وكيل عنده والوكيل يضمن بالتقصير والمستحق ظلمه بأخذ القيمة منه وماله في ذمة القابض فيستوفيه بحقه وزاد صاحب الأنوار في الاستثناء فقال إلا أن شرط الضمان على القابض لو أنكر المالك أو تلف بتفريط القابض فيرجع الدافع حينئذ
وإن كان الحق دينا لم يطالب به المستحق إلا غريمه فلا يطالب القابض لأنه فضولي بزعمه والمقبوض ليس حقه وإنما هو مال المديون فإن ألزم الغريم تسليمه للمستحق ثانيا عبارة الأصل وإذا غرمه فله استرداده من القابض له إن بقي وصار للمستحق في زعمه لأنه مال من ظلمه وقد ظفر به فإن تلف فإن كان بلا تفريط منه لم يغرمه وإلا غرمه هذا كله إن صرح بتصديقه في دعواه الوكالة كما هو فرض المسألة وإلا أي وإن لم يصرح بتصديقه بل كذبه أو سكت فله المطالبة أي مطالبته والرجوع عليه بما قبضه منه دينا كان أو عينا وإن بان المستحق في صورة الوارث والوصي والموصى له حيا وطالبه أي الغريم عبارة الأصل وغرمه رجع الغريم على الوارث والوصي والموصى له بما دفعه إليهم لتبين كذبهم بخلاف صورة الوكالة لا رجوع فيها في بعض صورها كما مر لأنه صدقه على الوكالة وإنكار المستحق لا يرفع تصديقه وصدق الوكيل لاحتمال أنه وكله ثم جحد وهنا بخلافه قاله الرافعي وكالوكالة في ذلك الحوالة كما ذكره بقوله وجحد المحيل
287
287
الحوالة كجحد الموكل الوكالة لا يخفى أن الدافع مصدق للقابض على أن ما قبضه صار له بالحوالة وأن المستحق ظلمه فيما أخذه منه فينبغي أن لا يرجع على القابض فتخالف الحوالة الوكالة في ذلك وأن قوله أولا وطالبه وقول أصله وغرمه ليسا على إطلاقهما وإن كان تعبير المصنف أولى بل ينبغي أن يكون محلهما في العين وإن تلف أما في الدين فينبغي رجوع الغريم على من ذكر وإن لم يطالبه المستحق ولم يغرمه لأن المقبوض ملكه
فصل وإن صرح الوكيل بجحود الوكالة أو القبض
من الموكل أو الغريم فأقام الموكل عليه بينة بما يخالف جحوده ثم ادعى الرد مطلقا عن تقييده بقبل الجحود أو التلف قبل الجحود لم يصدق لمصيره خائنا بخلاف قوله لا حق لك علي ونحوه كقوله ما لك عندي شيء أو لا يلزمني تسليم شيء إليك فيصدق بيمينه في دعوى الرد والتلف وتسمع بينته كما يفهم بالأولى مما يأتي إذ لا تناقض بين كلاميه فلو أقام المصرح بجحود ما ذكر بينة بما ادعاه سمعت لأنه لو صدقه المدعي لسقط عنه الضمان فكذا إذا قامت البينة عليه ولو ادعى بعد الجحود التلف الأولى قول أصله التلف بعد الجحود صدق بيمينه لئلا يتخلد في الحبس ولتنقطع عنه المطالبة برد العين لكن يلزمه الضمان لخيانته كما إذا ادعى الغاصب التلف وما علل به هو من زيادته وما عللت به هو ما في الأصل وإن كان الأول لازما للثاني
فرع لا تسمع دعوى الخيانة حتى يبينها بأن يبين ما خان به كأن يقول بعت بعشرة وما دفعت إلا خمسة فصل ولو صدق الموكل بقبض دين أو استرداد وديعة أو نحوه مدعي التسليم إلى وكيله المنكر لذلك لم يغرمه أي الموكل مدعي التسليم بتركه الإشهاد ويفارق ما لو ترك الوكيل بقضاء الدين الإشهاد حيث يغرمه الموكل بأن الوكيل يلزمه الاحتياط للموكل فإذا تركه غرم بخلاف الغريم ويجوز عقد البيع والنكاح ونحوهما بالمصادفة على الوكالة به ثم بعد العقد إن كذب الوكيل نفسه بأن قال لم أكن مأذونا فيه لم يؤثر وإن وافقه المشتري في مسألة البيع على التكذيب لأن فيه حقا للموكل إلا إن أقام المشتري بينة بإقراره بأنه لم يكن مأذونا له في ذلك العقد فيؤثر فيه كالمشتري في ذلك كل من وقع العقد له
كتاب الإقرار هو لغة الإثبات من قر الشيء يقر قرارا إذا ثبت وشرعا إخبار عن حق سابق ويسمى اعترافا أيضا والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم وفسرت شهادة المرء على نفسه بالإقرار وقوله أقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا وقوله وليملل الذي عليه الحق إلى قوله فليملل وليه بالعدل أي فليقر بالحق دل أوله على صحة إقرار الرشيد على نفسه وآخره على صحة إقرار الولي على موليه وخبر الصحيحين اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها والقياس لأنا إذا قبلنا الشهادة على الإقرار فلأن نقبل الإقرار أولى
وفيه أربعة أبواب الأول في أركانه وهي أربعة
288
288
الأول المقر ولا يصح إقرار صبي وزائل العقل بعذر
كشرب دواء وإكراه على شرب خمر وإغماء لأن عبارتهما ملغاة وسنذكر السكران أي حكمه في كتاب الطلاق
تنبيه من قدر على الإنشاء قدر على الإقرار ومن لا فلا كما أشار إليه الأصل ويستثنى من الأول إقرار الوكيل بالتصرف إذا أنكره الموكل فلا ينفذ وإن أمكنه إنشاؤه ومن الثاني إقرار المرأة بالنكاح والمجهول بحريته أو رقه وبنسبه والمفلس ببيع الأعيان والأعمى بالبيع ونحوه والوارث بدين على مورثه والمريض بأنه كان وهب وارثه وأقبضه في الصحة فكل هؤلاء يصح إقرارهم بما ذكر ولا يمكنهم إنشاؤه وسيأتي بعض ذلك في كلامه قال ابن عبد السلام قولهم من ملك الإنشاء ملك الإقرار هو في الظاهر أما في الباطن فبالعكس أي لأنه إذا ملكه باطنا فهو ملكه وليس له أن يقر به لغيره
ويصدق الشخص في دعوى البلوغ بالاحتلام الممكن في الذكر وغيره أو الحيض الممكن في الأنثى بلا يمين فيهما وإن فرض ذلك في خصومه لأنه لا يعرف إلا من جهته فأشبه ما لو علق العتق بمشيئة غيره فقال شئت ونوزع في أنه إنما شاء غير العتق صدق بلا يمين ولأنه إن كان صادقا فلا حاجة إلى اليمين وإلا فلا فائدة فيها لأن يمين الصبي غير منعقدة ولا يقبل قوله في دعوى البلوغ بالسن إلا ببينة ولو كان غريبا لإمكانها ولو أطلق الإقرار بالبلوغ ولم يعين نوعا ففي تصديقه وجهان في فتاوى القاضي قال الأذرعي والمختار استفساره ولو طلب غاز سهمه عن المقاتلة وادعى البلوغ بالاحتلام حلف وجوبا إن اتهم وأخذ السهم فإن لم يحلف لم يأخذ شيئا كما أفهمه كلامه هنا وصرح به كأصله في الدعاوى وحكى فيه أصله هنا وجهين بلا تصحيح واستشكل في المهمات تحليفه لاستحقاقه السهم بعدم تحليفه لثبوت البلوغ وإن فرضت مخاصمة كما مر ويجاب بأن الكلام في الأولى في وجوب البلوغ في الحال وفي الثانية في وجوده فيما مضى لأن صورتها أن تنازع الصبي بعد انقضاء الحرب في بلوغه حالة الحرب
وإقرار المفلس مقبول فيما يصح منه إنشاؤه كما سبق في بابه وفي نسخة مقبول في النكاح وهي الموافقة لكلام الأصل لكن الأولى أولى لشمولها غير النكاح كما سبق
ثم لا إقرار السفيه فلا يصح بما لا يصح منه إنشاؤه كما سبق في الحجر ويقبل إقرار السفيهة بالنكاح لمن صدقها كالرشيدة إذ لا أثر
289
289
للسفه في النكاح من جانبها وسيأتي فيه في كتاب النكاح زيادة بيان ويفارق إقرار السفيهة إقرار السفيه بأن في إقرارها تحصيل مال وفي إقراره تفويت مال
و يقبل إقرار الرشيد بجنايته في الصغر كما لو قامت بينة قال البلقيني وينبغي تقييده بما إذا لم يكن على وجه يسقط عن المحجور وعليه فإن كان كذلك كالمقترض والمبيع فلا ينبغي أن يؤاخذ به وتعبير المصنف بالجناية أعم من تعبير الروضة بإتلافه مالا
وإن أقر العبد بمال وكذبه الأولى ولم يصدقه السيد اختص أي المال أي نفسه إن لم يكن عينا وبدله إن كان عينا ولو باقية بذمته يتبع به إذا عتق لا برقبته لعدم قدرته على الإنشاء ولأنه متهم إلا إن كان مأذونا له وأقر بدين معاملة وصرح بها المأذون له قبل الحجر عليه فلا يختص بذمته بل يؤديه من كسبه وما في يده كما مر في بابه فشمل المستثنى منه إقرار غير المأذون له ولو بدين معاملة وإقرار المأذون له بما لا تتعلق بها كالقرض وإقراره المطلق بأن أقر بدين لم يعين جهته وإقراره بعد الحجر عليه بدين معاملة أضافه إلى ما قبله فما أقر به فيها مختص بذمته فلا يقبل شيء منها في حق سيده وإنما قبل إقرار المفلس في حق الغرماء بدين وجب قبل الحجر كما مر لأنه ثم يقضى من ماله ويطالب به أيضا بعد فك الحجر وهو حاصل قطعا عن قرب بخلاف العبد وما ذكر في الإقرار المطلق محله كما قال الإسنوي وغيره إذا تعذرت مراجعته وإلا فليراجع لقبول إقراره كنظيره من المفلس أما إذا صدقه السيد فإقراره مقبول على سيده إلا إذا كان غير مأذون له وأقر بدين معاملة فيتعلق بذمته لتقصير معاملة وإقرار العبد بموجب الحد بكسر الجيم كزنا وشرب خمر و موجب القصاص كقتل وقطع طرف مقبول منه لبعده عن التهمة في ذلك فإن كل نفس مجبولة على حب الحياة والاحتراز عن الآلام ولأن عليا رضي الله عنه قطع عبدا بإقراره والدعوى تكون عليه فيه أي فيما يقبل إقراره به وحيث أي وما لا يقبل إقراره به كالمال المتعلق برقبته إذا صدقه السيد فالدعوى فيه على السيد لأن الرقبة المتعلق بها المال حقه إلا أن قال المدعي لي بينة فتسمع الدعوى عليهما لانتفاء التهمة وهذا ما نقله في الروضة هنا عن البغوي والراجح أنها لا تسمع على العبد كما ذكره في الدعاوى نبه عليه الإسنوي وغيره سيأتي فيه ثم مزيد كلام
فلو أقر بقصاص على نفسه ثم عفا المقتص بمال تعلق المال برقبته وإن كذبه السيد لأنه إنما أقر بالعقوبة والمال ثبت بالعفو واحتمال تهمة المواطأة أضعفته المخاطرة
وإذا أقر بسرقة توجب القطع قطع كما مر ولم ينزع المال المسروق من يده ولا من يد سيده إن كان فيها كما فهم بالأولى وصرح به أصله إلا بتصديق سيده فينزع كما لو قامت بذلك بينة فإن تلف وصدقه السيد بيع في الجناية لتعلق المال برقبته كما لو قامت عليه بينة وله أن يختار فداءه ولا يتبع بعد العتق على الجديد بما زاد من المال عن قيمته إن زاد إذ لا يجتمع التعلق بالرقبة مع التعلق بالذمة أما إذا كذبه فلا يتعلق بالرقبة بل بالذمة يتبع به إذا عتق كما مر
ومن نصفه حر وأقر بدين إتلاف يلزمه نصف ما أقر بإتلافه ولا يقبل إقراره على سيده إلا أن يصدقه فيتعلق نصف ما أقر به بجزئه الرقيق وإن أقر بدين معاملة فحيث صح تصرفه قبل إقراره عليه وقضي مما في يده وإلا فإقراره كإقرار العبد كما علم ذلك مما مر
وصرح به الأصل والظاهر أن ما لزم ذمته في نصفه الرقيق لا يجب تأخير المطالبة به إلى العتق لأنها إنما أخرت في كامل الرق لعدم ملكه والمبعض يملك
فرع لا يقبل إقراره على عبده بموجب عقوبة بكسر الجيم كقتل وقطع طرف وزنا ودين معاملة ويقبل إقراره
290
290
عليه بدين جناية ويتعلق برقبته فلو بيع فيه وبقي شيء لم يطالب به بعد العتق وإن صدقه وقول الأصل أنه يطالب به إن صدقه إنما يأتي على القديم المشار إليه فيما مر قبل الفرع
وإقرار العبد بعد العتق بإتلاف لمال لغيره قبله يلزمه به المال لا سيده و لو ثبت بالبينة أنه كان جنى يلزم السيد الأقل من قيمته والأرش والدعوى على العبد بما يتعلق بذمة العبد كدين معاملة كالدعوى بالمؤجل فلا تسمع وجعل في الروضة التشبيه في عدم سماع بينته وكل صحيح لأن عدم المطالبة في الحال يمنع من سماع كل منهما كما سيأتي بيانه
فرع يقبل إقرار المريض مرض الموت بالنكاح وموجب العقوبات وبالدين والعين للأجنبي كالصحيح ويساوي إقراره البينة في القبول وكذا يقبل إقراره للوارث ويساوي البينة كالصحيح ولأن الظاهر أنه محق ولا يقصد حرمان بعض الورثة فإنه انتهى إلى حالة يصدق فيها الكذوب ويتوب فيها الفاجر والتصريح بذكره مساواة إقراره للبينة في الأجنبي من زيادته ولو كان إقراره له بهبة مقبوضة له في الصحة فإنه يصح لتحصيل البراءة بتقدير صدقه ويصح إقراره أيضا بهبة مقبوضة في المرض لكنه يتوقف على إجازة بقية الورثة كما سيعلم في الوصية
ولا يقدم فيما لو أقر في صحته بدين لإنسان وفي مرضه بدين لآخر إقرار الصحة على إقرار المرض بل يتساويان كما لو ثبتا بالبينة وكما لو أقر بهما في الصحة أو المرض بل لو أقر الوارث على المورث بعد موته بدين لآخر أو أقر بدين عليه لإنسان ثم بدين لآخر أو حدث ضمان لإنسان عليه من حفر تعدى به حيا شارك صاحبه أي كل من الدين والضمان الغرماء لأن الحفر فعل المريض وإقرار وارثه كإقراره فكأنه أقر بالدينين سواء كان الأول مستغرقا أم لا قال البلقيني ولو أقر الوارث لمشاركه في الإرث وهما مستغرقان كزوجة وابن أقر لها بدين على أبيه وهي مصدقة له ضاربت بسبعة أثمان الدين مع أصحاب الديون لأن الإقرار صدر ممن عبارته نافذة في سبعة أثمان فعملت عبارته فيها كعمل عبارة الحائز في الكل
وإن صدق الوارث فيما لو ادعى إنسان أن المورث أوصى له بثلث ماله مثلا وآخر بأن له عليه دينا يستغرق التركة مدعي الوصية ثم مدعي الدين المستغرق أو بالعكس بأن صدق مدعي الدين ثم مدعي الوصية أو صدقهما معا قدم الدين على الوصية كما لو ثبتا بالبينة والتصريح بالترجيح في الأولى من زيادته
وإن أقر المريض لإنسان بدين ولو مستغرقا ثم لآخر بعين قدم صاحبها كعكسه المصرح به في الأصل ولأن الإقرار بالدين لا يتضمن حجرا في العين بدليل نفوذ تصرفه فيها قال في المهمات وهذا يشعر بنفوذ التبرعات من المريض الذي عليه دين مستغرق وليس كذلك فقد صرح بعدم النفوذ في كتاب الوصية وحينئذ فيحمل ما هنا على ما لا تبرع فيه نعم لو قضى في مرضه ديون بعض الغرماء لم يزاحمه غيره وإن لم يوف المال بجميع الديون كما سيأتي في الوصية أو أقر بإعتاق أخيه في الصحة عتق وورث إن لم يحجبه غيره بناء على صحة الإقرار للوارث وهو الأصح أو أقر بإعتاق عبد في الصحة وعليه بدين مستغرق لتركته عتق لأن الإقرار إخبار لا تبرع
ولا يصح إقرار المكره بما أكره عليه لقوله تعالى إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان جعل الإكراه مسقطا لحكم الكفر فبالأولى ما عداه وصورة إقراره أن يضرب ليقر فلو ضرب ليصدق في القضية فأقر حال الضرب أو بعده لزمه ما أقر به لأنه ليس مكرها إذ المكره من أكره على شيء واحد وهنا إنما ضرب ليصدق ولا ينحصر الصدق في الإقرار و لكن يكره إلزامه حتى يراجع ويقر ثانيا نقل في الروضة ذلك عن الماوردي ثم قال وقبول إقراره حال الضرب مشكل لأنه قريب من المكره ولكنه ليس مكرها وعلله بما قدمته ثم قال وقبول
291
291
إقراره بعد الضرب فيه نظر إن غلب على ظنه إعادة الضرب إن لم يقر قال الزركشي والظاهر ما اختاره النووي من عدم قبول إقراره في الحالين وهو الذي يجب اعتماده في هذه الأمصار مع ظلم الولاة وشدة جراءتهم على العقوبات وسبقه إليه الأذرعي وبالغ فقال والصواب أن هذا إكراه
الركن الثاني المقر له وشرطه أهلية الاستحقاق للمقر به فالإقرار للدابة كأن قال لهذه الدابة أو لدابة فلان علي كذا باطل نعم لو أضافه إلى ممكن كالإقرار بمال من وصية ونحوها صح كما قاله الماوردي قال الزركشي كالأذرعي ومحل البطلان في المملوكة أما لو أقر لخيل مسبلة فالأشبه الصحة كالإقرار لمقبرة ويحمل على أنه من غلة وقف عليها أو وصية لها وبه صرح الروياني واقتضى كلامه أنه لا خلاف فيه فلو قال علي لمالكها أي الدابة بسببها ألف مثلا قبل وحمل على أنه جنى عليها أو اكتراها أو استعملها متعديا ويكون المقر به ملكا لمالكها حين الإقرار فإن لم يقل لمالكها لم يلزم أن يكون المقر به لمالكها في الحال ولا لمالكها مطلقا بأن كانت بيده فأتلفت لإنسان شيئا بل يسأل ويحكم بموجب بيانه وتعبير الأصل بقوله لفلان علي ألف بسببها أعم من تعبير المصنف بما ذكر
والإقرار للعبد إقرار للسيد حملا على أنه جنى عليه أو اكتراه أو استعمله متعديا والإضافة إليه كالإضافة في الهبة وسائر الإنشاءات قال البلقيني وقضية قواعد المذهب وهو الصواب أنه لا يصرف لسيده ما أقر به له إلا إذا تحقق استناده إلى أمر في حال رق ذلك السيد فقد يكون ثبت له عليه في حال حريته وكفره ثم استرق فلا يسقط كما سيأتي في السير فكيف يصرف لسيده وكذا لو كان بمعاملة أو جناية عليه في حال رق غيره قال الزركشي كالأذرعي ولو رد القن الإقرار وكان مأذونا له ارتد وإلا فلا على ظاهر المذهب قال ويستثنى مما قالوه المكاتب فيكون الإقرار له والموصى بمنفعته فيكون للموصى له والموقوف فيكون للموقوف عليه وأما المبعض فالظاهر أن المقر به له بينه وبين سيده بنسبتي الرق والحرية إلا أن يكون بينهما مهايأة فيختص بذي النوبة إلا أن يتحقق ما يقتضي خلافه
وإن أقر لحمل بشيء وأسنده إلى إرث أو وصية أو غيرهما مما يمكن في حقه لزمه لأن ما أسنده إليه ممكن وكذا يلزمه إذا أطلق أي لم يسنده إلى شيء حملا على الجهة الممكنة في حقه لا إن أسنده إلى جهة باطلة كالبيع والإقراض كقوله باعني به شيئا أو أقرضنيه فلا يلزمه لأنا نقطع بكذبه وهذا ما جزم به في أصل المنهاج وصححه في الروضة قال وبه قطع في المحرر والذي في الشرحين فيه طريقان أصحهما القطع بالصحة والثاني على القولين في تعقيب الإقرار بما يرفعه قال الأذرعي وطريقة التخريج جزم بها أكثر العراقيين وطريقة القطع بالصحة ذكرها المراوزة وما صححه النووي ممنوع ولم أر من قطع بإلغاء الإقرار وما عزاه للمحرر بناه على ما فهمه من قول المحرر وإن أسنده إلى جهة لا تمكن فلغو من أنه أراد فالإقرار لغو وليس كذلك بل مراده فالإسناد لغو بقرينة كلام الشرحين وذكر مثله صاحب الأنوار والزركشي
292
292
وهو حسن
وإذا صح الإقرار له فيما ذكر فإن انفصل ميتا فلا حق له في الوصية والإرث وغيرهما مما أسند إليه ويكون المقر به فيما إذا أسنده إلى ذلك للورثة أي ورثة المورث أو الموصي أو لغيرهم مما أسند إليه وإن أطلقه فسيأتي بيانه أو انفصل حيا لدون ستة أشهر من وقت الإقرار استحق لأنا تيقنا وجوده يومئذ وقولهم من وقت الإقرار صوابه كما قال الإسنوي وغيره من حين سبب الاستحقاق لأن وجود الحمل عند الإقرار مع عدمه عند السبب لا يفيد وكذا لدون أربع سنين صوابه لأربع سنين فأقل إن لم تكن أمه فراشا لزوج أو سيد لأن الظاهر وجوده أو لا سبب يحال عليه بخلاف ما إذا كانت فراشا له لاحتمال حدوثه والأصل عدم الاستحقاق وبخلاف ما إذا انفصل لأكثر من أربع سنين لتيقن عدمه يومئذ فإن ولدت أنثى واحدة وهو أي المقر به إرث من أب لها مثلا أعطيت النصف أو ولدت ذكرا واحدا أو أكثر سواء أكان المقر به إرثا أو وصية أو ولدت أنثى واحدة أو أكثر والمقر به وصية فالكل للولد وإن ولدت ذكرا وأنثى فهو بينهما بالسوية إن أسنده إلى وصية وأثلاثا إن أسنده إلى إرث واقتضت جهته ذلك فإن اقتضت التسوية كولدي أم سوي بينهما في الثلث
وفي مطلق الإقرار بالمال للحمل إذا انفصل ميتا لا يستحق شيئا بل يستفهم المقر عن الجهة ويحكم بمقتضاها قال في الأصل قال الإمام وليس لهذا الاستفهام طالب معين وكان القاضي يستفهم حسبة ليصل الحق إلى مستحقه فإن مات المقر قبل البيان فكمن أقر لإنسان فرده أي فيبطل كما صرح به البغوي وغيره أما إذا انفصل حيا للمدة المعتبرة فالكل له ذكرا كان أو أنثى وإن انفصل ذكر وأنثى فهو لهما بالسوية أو حي وميت فالميت كالمعدوم وصرح به الأصل وصرح أيضا بأن الإقرار المسند إلى جهة باطلة إذا قلنا بصحته كالإقرار المطلق فيما ذكر أو مطلق الإقرار بالإرث وقد ولدت ذكرا وأنثى سئل المقر عن جهة الإرث وحكم بمقتضاها قاله الإمام وابن الصباغ
وقال الشيخ أبو حامد يسوى بينهما نقل ذلك في الروضة فالتصريح بالترجيح من زيادة المصنف لكن قال الزركشي ما قاله أبو حامد هو المنصوص في الأم ولم يورد البغوي والفوراني سواه ووجهه الماوردي بأن الأصل التساوي حتى يعلم سبب التفاضل فإن تعذر سؤاله سوي بينهما
فرع وإن أقر بحمل دابة من أمة أو بهيمة فإن أسنده إلى وصية أو نحوها كوقف صح وكذا إذا أطلق أي لم يسنده إلى شيء لا إن أسنده إلى جهة فاسدة لما مر في الإقرار له ويأتي فيه ما مر ثم وعبارة الأصل وإن أطلق أو أسند إلى جهة باطلة ففيه الخلاف المذكور والخلاف في مسألة الإطلاق قولان وفي مسألة الإسناد إلى فاسد طريقان فما قيل إن الشافعي نص في مسألة الإطلاق ثم على الصحة وهنا على المنع لا يقتضي اختلاف التصحيح وانفصاله هنا للإمكان على ما سبق ثم وسئل عن حمل البهيمة أهل الخبرة به ولو أقر مع إقراره به لواحد بالأم لآخر جاز الإقراران
وإقراره لمسجد ومقبرة ونحوهما كرباط كإقراره لحمل إذ لهما غلة الوقف ونحوها كالوصية وأفاد بالتعليل أن الإقرار لكنيسة أو بيعة باطل بكل حال قال الروياني ولو قال لهذا الميت علي كذا فظاهر كلام المختصر جواز الإقرار بتقدير كان له علي
فصل يشترط لصحة الإقرار عدم تكذيب المقر له المقر فلو كذبه فيه بطل في حقه وترك المقر به دينا كان أو عينا مع المقر لأن يده تدل على الملك ظاهرا والإقرار الطارئ عارضه التكذيب فسقط ومحل ذلك إذا كذبه في الأصل فلو قال له علي ألف من ثمن عبد فقال لا بل من ثمن أمة فالأصح لزومه ولا يضر التحالف في الجهة ثم إذا بطل إقراره بالتكذيب قال الزركشي ينبغي أن يجوز له جميع التصرفات خلا الوطء لاعترافه بتحريم ذلك عليه بل ينبغي أن يمتنع جميع التصرفات حتى يرجع
انتهى

293
293
والظاهر أنه إن كان ظانا أن المال للمقر له امتنع عليه التصرف وإلا فلا فإن وفي نسخة فلو صدقه بعد تكذيبه لم ينزع ما أقر به من يده إلا بإقرار جديد لأن نفيه عن نفسه بالمطابقة بخلاف المقر فإن نفيه له عن نفسه بالالتزام فكان أضعف والظاهر أن تكذيب وارث المقر له كتكذيبه حتى لو أقر لميت أو لمن مات بعد الإقرار فكذبه الوارث لم يصح أما في حق غيره فيصح كما لو أقر بجناية على المرهون وكذبه المالك فإنه وإن لم يصح في حق المالك صح في حق المرتهن حتى يتوثق بأرشها
وينزع القاضي من المقر عينا أقر بها لمجهول بأن قال بيدي مال لا أعرف مالكه ومراده أنه إقرار بمال ضائع فهو إقرار صحيح بخلاف ما سيأتي قريبا من أنه لو قال علي مال لرجل لا يكون إقرارا لفساد الصيغة ويحتمل أن يقال ما هنا في العين وما هناك في الدين كما يشير إليه كلامه كأصله ثم رأيت السبكي أجاب به
ولو رجع المقر في حال إنكار المقر له بل أو بعده وقال كذبت في الإقرار أو غلطت فيه صح رجوعه بناء على أن المال يترك بيده وهذا لا حاجة إليه لما مر أنه بالتكذيب بطل الإقرار ولو أقر له بعبد فرده أي أنكره لم يحكم بعتقه لأنه محكوم برقه فلا يرفع إلا بيقين بخلاف اللقيط فإنه محكوم بحريته بالدار فإذا أقر ونفاه المقر له بقي على أصل الحرية وإن أقر له بأحد العبدين وعينه فرده وعين الآخر لم يصدق فيما عينه إلا ببينة وصار مكذبا للمقر فيما عينه له أو أقر له بقصاص وحد قذف وكذبه سقطا وفي نسخة سقط أي كل منهما أو الإقرار في حقه وكذا حد سرقة وفي المال ما مر من أنه يترك بيد المقر وإن أقرت له امرأة بالنكاح وأنكر سقط في حقه قال المتولي حتى لو رجع بعد وادعى نكاحها لم تسمع إلا أن يدعي نكاحا مجددا وكأنه احتيج لهذا الاستثناء لأنه يعتبر في صحة إقرار المرأة بالنكاح تصديق الزوج لها فاحتيط له بخلاف غيره
فرع لو أقام من لزمه حق بينة على إقرار غريمه بالاستيفاء له وأقام الغريم بينة على إقراره الواقع بعد ذلك أي بعد إقامة بينته بعدمه أي الاستيفاء سمعت بينته وطالبه لأنه وإن قامت البينة على إقرار الغريم بالاستيفاء فقد قامت أيضا على أن صاحبه كذبه فيبطل حكم الإقرار ويبقى الحق على من لزمه ولو قال علي مال لرجل من أهل البلد أو نحوه من المجهولين كقوله علي مال لواحد من بني آدم لم يصح الإقرار بناء على أنه لو أقر بشيء لمعين فكذبه لم ينزع منه ولأنه لا طالب له فيبقى بيده فإن قال رجل أنا هو أي المراد بالإقرار لم يصدق بل المصدق المقر بيمينه فعلم أنه يشترط أن يكون المقر له معينا نوع تعيين بحيث يتوقع منه الدعوى والطلب كقوله لأحد هؤلاء الثلاثة علي كذا
الركن الثالث المقر به ويشترط فيه أن لا يكون ملكا للمقر حين يقر لأن الإقرار ليس إزالة ملك بل إخبار عن كونه ملكا للمقر له فيجب تقديم المخبر عنه على الخبر فإن قال داري أو داري هذه أو ثوبي أو ثوبي هذا لزيد لم يصح لأن الإضافة إليه تقتضي الملك له فينافي الإقرار به لغيره إذ هو إخبار سابق عليه كما مر ويحمل كلامه على الوعد بالهبة ولو قال الدار التي اشتريتها لنفسي أو ورثتها من أبي ملك لزيد لم يصح أيضا إلا أن يريد الإقرار فيصح وكذا لو قال داري لفلان وأراد الإقرار لأنه أراد بالإضافة إضافة سكنى ذكر ذلك البغوي في فتاويه واستشكل الإسنوي عدم صحة الإقرار في الأوليين إذ لم يرده بأن الملكين لم يتواردا على وقت واحد ويجاب بأن الموافق لقاعدة الباب من الأخذ باليقين كما سيأتي عدم الصحة
قال الأذرعي بعد نقله كلام البغوي ويتجه أن يستفسر عند إطلاقه ويعمل بقوله بخلاف قوله داري التي هي ملكي له للتناقض الصريح أو قال مسكني أو ملبوسي لفلان صح إذ لا منافاة لأنه قد يسكن ويلبس ملك غيره وقوله أو ملبوسي من زيادته وكذا يصح إن قال هو لفلان وكان ملكي إلى أن أقررت به لأن أول كلامه إقرار وآخره لغو فيطرح آخره ويعمل بأوله كما لو قال هو له ليس له ولو عكس بأن قال هو ملكي هو لفلان أو هو لي وكان ملك زيد إلى أن أقررت صح أيضا كما صرح به الإمام وغيره وهو إقرار بعد إنكار وإن شهدت بينة هكذا أي بأن زيدا أقر بأن هذا ملك عمرو وكان ملك زيد إلى أن أقر به لم تقبل وفارقت المقر بأنها تشهد على غيرها فلا يقبل قولها إلا إذا لم يتناقض
294
294
والمقر يشهد على نفسه فيؤاخذ بما يصح من كلامه
وقوله ديني الذي على زيد لعمرو باطل لما مر في قوله داري أو ثوبي لزيد أو قال الدين الذي كتبته على زيد لعمرو صحيح فلعله كان وكيلا عنه في المعاملة التي أوجبت الدين وقول الرافعي واسمي في الكتاب عارية لا حاجة إليه ولهذا لم يذكره في التهذيب وغيره بخلافه في كلام الروضة في بعض النسخ لزيادة لفظة لي حيث قال ولو قال الدين الذي لي على زيد لعمرو واسمي في الكتاب عارية فهو إقرار صحيح وقيد في التهذيب صحة الإقرار بما إذا لم يعلم أنه للمقر وإلا فلا يصح ولا يزول ملكه بالكذب لا في نحو صداق وخلع و أرش جناية عقب ثبوتها للمقر فلا يصح إقرار المرأة بالصداق في ذمة الزوج ولا إقرار الزوج ببدل الخلع في ذمة الزوجة ولا إقرار المجني عليه بأرش الجناية عقب ثبوت الثلاثة لهم بحيث لا يحتمل جريان ناقل وسواء فيما قاله الدين والعين حتى ولو أعتق عبده ثم أقر له هو أو غيره عقب عتقه بدين أو عين لم يصح إذ أهلية الاستحقاق لم تثبت له إلا في الحال ولم يجر بينهما ما يوجب المال قال الأذرعي لم لا يصح من غير السيد إذا احتمل تصور الملك له قبل الرق أما السيد فقد يقال إذا ملكه سقط دينه عنه وإذا صح الإقرار بقوله الدين الذي كتبته على زيد لعمرو فطالب عمرو زيدا فأنكر فإن شاء عمرو أثبت أي أقام بينة بإقراره أي المقر أن الدين الذي كتبه على زيد له يثبت على زيد أي يقيم بينة عليه بالدين المقر به وإن شاء عكس أي أقام بينة بالدين ثم بينة بالإقرار
فرع لا ينفذ إقراره أي المقر بما في يد الغير حتى يصير في يده إذ يشترط في الحكم بثبوت ملك المقر له أن يكون المقر به تحت يد المقر وتصرفه حسا أو شرعا وإلا كان كلامه إما دعوى عن الغير بغير إذنه أو شهادة بغير لفظها لكنه إذا حصل في يده لزمه تسليمه إليه فإن كان قال هذا وهو في يد غيره رهن زيد أي مرهون عنده فحصل في يده بيع في دين زيد عملا بإقراره السابق قال الزركشي وعلم منه أنه لو أراد قضاء الدين من موضع آخر لم يلزم قبوله لأن الحق ليس عليه وإنما هو متعلق بالعين وإن قال في عبد في يد غيره هو حر ثم اشتراه صح تنزيلا للعقد على قول من صدقه الشرع وهو البائع لكونه ذا يد أو استنقاذا للعبد من أسر الرق وإذا صح شراؤه نظرت فإن كان قال أعتقه من كان في يده عتق وكان ذلك الشراء منه فداء للعبد لاعترافه بحريته فلا يثبت له أحكام الشراء ومن البائع بيعا عملا باعتقاده فيثبت للبائع لا للمشتري الخياران خيار المجلس وخيار الشرط والفسخ بالعيب لأن المشتري إنما فداه فلا يثبت له شيء من ذلك والبائع باع وثبت له ذلك فلو رد الثمن المعين بعيب فله استرداد العبد بخلاف ما لو باع عبدا وأعتقه المشتري فرد الثمن المعين بعيب لا يسترد العبد بل يأخذ قيمته من المشتري لاتفاقهما على عتقه
وولاؤه فيما ذكر موقوف لأن البائع لم يعترف بعتقه والمشتري لم يعتقه فإن مات العبد بلا وارث بغير الولاء وخلف تركة فصدق البائع المشتري بعتقه ورثه البائع ورد الثمن للمشتري وإلا أي وإن لم يصدقه
295
295
فللمشتري أخذ قدر الثمن من تركته ويوقف الباقي إن كان لأنه إما كاذب في حريته فكل الكسب له أو صادق فالكل للبائع إرثا بالولاء وقد ظلمه بأخذ الثمن منه وتعذر استرداده وقد ظفر بما له قال في الأصل قالوا ويجوز الرجوع في المبذول فدية وقربة كما لو فدي أسير بيد المشركين ثم استولينا على بلادهم ووجد الباذل عين ماله فله أخذه أما إذا كان له وارث بغير الولاء فإن لم يكن مستغرقا فله من ميراثه ما يخصه وفي الباقي ما مر وإلا فجميع ميراثه له وليس للمشتري أخذ شيء منه لأنه بزعمه ليس للبائع نعم إن كان البائع يرث بغير الولاء كأن كان أخا للعبد لم يرث بل يكون الحكم كما لو لم يكن وارث بغير الولاء كما اقتضاه التعليل وصرح به البلقيني وغيره وإن كان قال هو حر الأصل أو حر بعتق غير من هو في يده قبل أن يشتريه فهو افتداء منه أيضا ولا ولاء له عليه فإن مات وخلف مالا وورثة فماله لورثته أو لم يخلف ورثة فماله لبيت المال وليس للمشتري أخذ شيء منه لأنه بزعمه ليس للبائع كما مر وإطلاقه الورثة هنا أولى من تقييد أصله لهم بغير الولاء لصدق كلام أصله حينئذ بما إذا لم يكن له وارث خاص أصلا وبما إذا كان له ذلك لكنه بالولاء وهذا الثاني لا يمكن القول فيه بأن المال لبيت المال بل ينبغي أن يستفصل المقر ويعمل بما يظهر من قوله فإن تعذر صار كعتيق لم يظهر له وارث بالولاء نبه على ذلك الزركشي
ثم قال وقوله وليس للمشتري أخذ شيء منه إنما هو في صورة حر الأصل أما في الأخرى فإن أضاف إلى ذلك أنك اشتريته وأنت لا تعلم أو تعلم ولم تعمل بعلمك فينبغي أن يأخذ من تركته قدر الثمن إذا لم يكن له وارث غير المعتق الأول وسبقه إلى ذلك البلقيني لكنه عبر بدل أو لم تعلم بثم علمت وظاهر أنه لا حاجة لتقييدهما بقولهما وأنت إلى آخره وأنه إنما يأخذ أقل الثمنين لا قدر الثمن وإن مات قبل القبض أي قبض المشتري له استرد الثمن من البائع إن كان سلمه له وليس للبائع أن يطالبه به إن لم يكن سلمه له لأنه لا حرية في زعمه وقد تلف المبيع قبل القبض بخلاف ما لو اشترى من يعتق عليه فمات قبل قبضه فإنه يلزم المشتري الثمن لأن العبد عتق عليه بالاتفاق وعتقه وقع قبضا ولو قال إنه حر فينبغي استفساره فإن تعذر حمل على أنه حر الأصل
فرع قال الزركشي لو كان بيد كل من اثنين عبد فقال كل منهما للآخر قد أعتقت عبدك فأنكر ثم تبادلا أحد العبدين بالآخر فإن قلنا هو فداء صح أو بيع فحكى أبو عاصم العبادي أن العقد باطل لاعتقادهما ورود العقد على الحرية وحكى أبو سهل الأبيوردي الصحة حكاه عنه المتولي في الصلح
انتهى
وقضيته ترجيح صحته ويكون فداء من كل منهما لأنه يعتقد أن عبد الآخر حر لا يصح عقد البيع عليه
فرع لو أقر بحرية أمة لغيره فاستأجرها أو نكحها لزمته الأجرة في الأولى و لزمه المهر في الثانية وليس له استخدامها بغير رضاها وكذا ليس له وطؤها إلا إن كان نكحها بإذنها وهو أي سيدها عنده ولي بالولاء أو بغيره بأن قال أنت أعتقتها أو أعتقها من انجر إليك منه الولاء أو كان أخاها مثلا قال الماوردي وسواء حلت له الأمة أم لا أي لاعترافه بحريتها وقال السبكي وغيره ينبغي أن لا يصح إلا أن يكون ممن تباح له الأمة لأن أولادها يسترقون كأمهم وخرج بقوله من زيادته تبعا للإسنوي بإذنها ما لو نكحها بغير إذنها فلا يصح وقضية ما ذكر صحة الإجارة
296
296
قال ابن الرفعة وفيها نظر لأنها لا تتضمن الفداء المطلق وقال السبكي صحتها من جهة مطالبة المكتري بالأجرة دون حل انتفاعه لا مانع منها وقال الزركشي مرادهم أنه فداء من جهة المكتري في المنفعة المعقود عليها مدة الإجارة فالفداء كما يكون في الرقبة يكون في المنفعة
وإن أقر أن عمرا غصب عبدا من زيد ثم اشتراه من عمرو صح الشراء استنقاذا لملك الغير كما يستنقذ الحر وقوله وأخذه أي العبد زيد من زيادته ونقله الإمام عن الأصحاب قال وقالوا لا يثبت للمشتري الخياران لأنهما إنما يثبتان لمن يطلب بالشراء ملكا لنفسه أي أو لمستنيبه وقال إنه حسن متجه
فرع لو أقر بعبد في يده لزيد وأقر العبد أنه لعمرو سلم لزيد لأنه في يد من يسترقه لا في يد نفسه فإن أعتقه زيد فولاؤه له لأن الولاء لمن أعتق فليس لعمرو تسلم رقبته ولا التصرف فيها لما فيه من إبطال ولاء زيد وهل أكسابه الحاصلة بعد عتقه لعمرو أو لا فيه وجهان وجه المنع أن الأكساب أي استحقاقها فرع الرق ولم يثبت فهي مستحقة للعتيق قال الزركشي وهذا هو المرجح
الركن الرابع الصيغة في الإقرار بالدين ظاهرا علي وفي ذمتي كقوله لزيد علي أو في ذمتي كذا لأنه المتبادر منهما عرفا لكنهم قبلوا التفسير في علي الوديعة كما سيأتي و للإقرار بالعين عندي ومعي ولدي كذلك والمراد بكونها للعين أنها تحمل عند الإطلاق على الوديعة لأنها أدنى المراتب حتى ولو ادعى أنها كانت وديعة وتلفت أو ردها صدق بيمينه صرح بذلك في الروضة نقلا عن البغوي وأقره وقول الزركشي لا معنى لاقتصاره على التفسير الوديعة بل التفسير بالمغصوبة كذلك لم يقع في محله إذ ليس الكلام في التفسير بل في أن ذلك عند الإطلاق يحمل على ماذا و للإقرار بهما لزيد كذا في قبلي بكسر القاف وفتح الموحدة لصلاحيته لهما وهذا ما رجحه الشيخان بحثا بعد نقلهما عن البغوي أنه للدين وسبقهما إلى ما بحثاه الماوردي وهو قوي
ولكن قال الإسنوي إنه خلاف مذهب الشافعي فقد نص في الأم على أنه كعلي ورد عليه الزركشي بما لا يصلح للرد قال أعني الإسنوي ولو أتى بلفظ يدل على العين وآخر على الدين كأن قال له ومعي عشرة فالقياس أنه يرجع إليه في تفسير بعض ذلك بالعين وبعضه بالدين وقول الأصل لفلان كذا صيغة إقرار وجهه الإسنوي بأن اللام تدل للملك قال ومحله إذا كان المقر به معينا فيلزمه تسليمه له إن كان بيده وانتقل إليها وإن لم يكن معينا فلا بد أن يضيف إليه شيئا من الألفاظ المذكورة
واعلم أنه قد وقع في نسخة من الروضة وبهما لزيد كذا أو قبلي وفي نسخة وقبلي بالواو ولا يخفى ما فيهما فإن قال لي عليك ألف فقال في جوابه خذه أو زنه أو استوفه أو اختم عليه أو اجعله في كيسك أو هي صحاح فليس بإقرار لأنه استهزاء لا التزام فإن وفي نسخة وإن قال في جوابه نعم أو بلى أو صدقت أو أجل أو جير أو أي بمعنى نعم فإقرار لأنها موضوعة للتصديق قال في الأصل قالوا ولو قال لعمري فإقرار ولعل العرف يختلف فيه
انتهى
إلا إن صدر الإقرار بأن أدي أو رد بصورة الاستهزاء والتكذيب
297
297
كتحريك الرأس تعجبا وإنكارا ففيها تردد أي خلاف لتعارض اللفظ والقرينة كما لو قال لي عليك ألف فقال مستهزئا لك ألف فإن المتولي حكى فيه وجهين وقضية كلامه كما في المهمات أن الأصح اللزوم فإنه عقب ذلك بقوله وأصلهما إذا أقر بشيء ثم وصله بما يرفعه أي نحو له علي ألف من ثمن خمر وقول ابن العماد لم يقل المتولي ثم وصله بما يرفعه وإنما قال ثم قرن به ما يرفعه أي نحو له علي من ثمن خمر ألف فلا تلزمه الألف سهو إذ لم يقل المتولي إلا ما قلناه وبتقدير تسليمه لا يحصل ما ادعاه لتعبيره بثم وقوله في الجواب أنا مقر به أو لست منكرا له أو لا أنكر دعواك أو ما تدعيه إقرار لأنه المفهوم من ذلك بخلاف قوله لا أنكر أن تكون محقا لا يكون إقرارا بالمدعى لجواز أن يريد بشيء آخر كما صرح به الأصل وقضية التعليل الآتي في أنا مقر تقييد حكم أنا مقر به بما إذا خاطبه فقال أنا مقر لك به وإلا فيحتمل الإقرار به لغيره قاله الرافعي وأسقطه في الروضة وأجاب عنه السبكي بأن الضمير عائد إلى الألف التي له أي فلا يقبل قول المقر أردت به غيرك كما لا يقبل تفسيره لدراهم بالناقصة إذا لم يصلها بالكلام وكانت دراهم البلد تامة إذ الجواب منزل على السؤال لا إن ترك الصلة كقوله أنا مقر أو لست منكرا أو المفعول كقوله لا أنكر أو قال لا أقر لك به ولا أنكره فليس بإقرار لأن الأول يحتمل الإقرار ببطلان الدعوى أو بالوحدانية والثاني والثالث يحتملان عدم الإنكار لأحد هذين والرابع في معنى السكوت والتصريح بذكر الثالث من زيادته
وكذا لو قال أنا أقر لك به لا يكون إقرارا لاحتماله الوعد بالإقرار في ثاني الحال وفرق الهروي بينه وبين لا أنكر ما تدعيه مع احتماله الوعد بأن العموم إلى النفي أسرع منه إلى الإثبات بدليل النكرة فإنها تعم في حيز النفي دون الإثبات قال الرافعي ولك أن تقول هب أن هذا الفرق متين لكنه لا ينفي الاحتمال وقاعدة الباب الأخذ باليقين
انتهى
ويفرق أيضا بأن المفهوم عرفا من لا أنكر ما تدعيه أنه إقرار بخلاف أقر لك به
وقوله في الجواب أبرأتني منه أو قد قضيتك إقرار لأنه قد اعترف بالشغل وادعى الإسقاط والأصل عدمه وعليه بنية الإبراء والقضاء وكأبرأتني منه أبرئني منه في أنه إقرار بخلاف أبرأتني أو أبرئني من دعواك ذكره أبو حاتم القزويني والقفال كما لو قال صالحني عن دعواك لا قوله قد أقررت لي بالبراءة والاستيفاء مني فليس بإقرار لأنه لم يعترف بشيء وقد في الموضعين من زيادته ولا حاجة إليها ولا قوله أظن وعسى ولعل وأحسب وأقدر لأنه لا جزم فيه ويحتمل الوعد بالإقرار في ثاني الحال بخلاف قوله له علي ألف فيما أعلم أو أشهد أو في علمي أو شهادتي فإنه إقرار لأنه التزام بخلاف قوله في علم فلان أو في قوله كما نقله الأذرعي عن روضة الحكام وقوله بلى أو نعم في جواب أليس لي عليك كذا إقرار لأنه المفهوم منهما وقيل نعم ليس إقرارا لأنه موضوع للتصديق فيكون مصدقا للنفي الداخل عليه الاستفهام بخلاف بلى فإنه لرد النفي ونفي النفي إثبات قال ابن عباس في قوله تعالى ألست بربكم قالوا بلى لو قالوا نعم كفروا ورد بأن النظر في الإقرار إلى العرف وأهله يفهمون الإقرار بنعم فيما ذكر و قوله في جواب دعوى عين بيده اشتريتها وملكتها أي أو ملكتها منك أو من وكيلك إقرار لتضمن ذلك الملك للمخاطب عرفا ولم ينظروا إلى احتمال كون المخاطب وكيلا في البيع ولا إلى احتمال كون الوكيل باع ملك غير المخاطب لبعده عن المقام والتصريح باشتريتها منك وبملكتها من وكيلك من زيادته لا قوله ملكتها على يدك فليس بإقرار لأن معناه كنت وكيلا في تمليكها
ونعم إقرار بالعبد لمن قال اشتر عبدي كما أنه إقرار به لمن قال أعتق عبدي لا لمن قال اشتر هذا العبد لأنه لم يعترف له إلا بكونه يملك بيعه لا نفسه أو قال ما لك علي أكثر من ألف فليس بإقرار لأن نفي الزائد عليه لا يوجب إثباته ولا إثبات ما دونه وجوابك للمتقاضي للدين كأن قال لك اقض الألف الذي لي عليك بنعم أو بقولك أقضيك غدا أو أمهلني
298
298
يوما أو حتى أقعد أو أفتح الكيس أو نحوه أو أجد المفتاح مثلا أو نحوهما كابعث من يأخذه أو أمهلني حتى أصرف الدراهم أو اقعد حتى تأخذ أو لا أجد اليوم أو لا تدم المطالبة أو ما أكثر ما تتقاضى أو والله لأقضينك كما صرح بها أصله إقرار لأنه المفهوم منها عرفا لكن ما نقل الأصل هذه الصورة قال وجميعها إقرار عند أبي حنيفة ثم قال وأما أصحابنا فمختلفون فيها والميل إلى موافقته في أكثرها
انتهى
والصور التي اقتصر عليها المصنف وحكم عليها بأنها إقرار اقتصر عليها المنهاج كأصله وحكم عليها بذلك وظاهر أن بقية الصور كذلك إلا قوله لا تدم المطالبة وما أكثر ما تتقاضى فالظاهر كما قال ابن العماد أنهما ليسا بإقرار لعدم صراحتهما فيه وعليهما يحمل مفهوم كلام الأصل السابق هذا وقد قال السبكي بعد إيراده كلام المنهاج والأشبه عندي في غير نعم أنه ليس بإقرار وقال في الأصل بعد كلامه السابق ومثله أسرج دابة فلان هذه فقال نعم أو أخبرني زيد أن لي عليك ألفا فقال نعم أو متى تقضي حقي فقال غدا ولو قال كانت لك أو كان لك عندي دار مثلا فليس بإقرار لأنه لا يعترف في الحال بشيء والأصل براءة الذمة ولا ينافي ذلك ما في الدعاوى من أنه لو قال كان ملكك أمس كان مؤاخذا به لأنه ثم وقع جوابا للدعوى وهنا بخلافه فطلب فيه اليقين وقوله أو كان لك عندي من زيادته وذكره القمولي وحذف المصنف قول أصله أو كان لك علي ألف للاكتفاء بما زاده وبما ذكره في الباب الثالث
أو قال أسكنتك هذه الدار حينا ثم أخرجتك منها فهو إقرار باليد لأنه اعترف بثبوتها من قبل وادعى زوالها ولا ينافيه ما في الدعاوى من أنه لو قال كان في يدك أمس لم يؤاخذ به لأنه أقر له هنا بيد صحيحة بقوله أسكنتكها بخلافه ثم لاحتمال كلامه أن يده كانت من غصب أو سوم أو نحوه وعدل عن قول أصله داري إلى قوله الدار لقول السبكي وغيره في التعبير بداري نظر لأنه مع الإقرار لا يجتمعان كما لو قال داري لزيد وقد يجاب بأن هذا محله إذا أقر بملك أما بيد فلا إذ لا تنافي بينهما أو فائدته أنه لو أقام كل منهما بينة بأن العين له قدمت بينة ذي اليد ولو قال معسر لزيد علي ألف إن أيسرت وأمكن استفهامه استفهم أي استفسر فإن فسر بالتأجيل صح أو بالتعليق لغا وإلا بأن تعذر استفساره فإقرار نقل تصحيحه في الروضة عن العدة قال في المهمات وقياس المذهب أنه ليس بإقرار وهو واضح وقد صرح به الهروي وعلله بأن الأصل فراغ الذمة وقد ذكر النووي في تعليق الطلاق مثله
انتهى
ومثله لو قال ما أردت شيئا ويصدق فيه بيمينه وقوله لمن شهد عليه ولو واحدا بشيء هو صادق أو عدل ليس بإقرار حتى يقول فيما شهد به قال في الروضة قلت في لزومه بقوله عدل يعني فيما شهد به نظر وقوله إذا شهدا أي فلان وفلان أو شاهدان علي بكذا كألف فهما صادقان لا صدقتهما إقرار وإن لم يشهدا عليه لأنهما لا يكونان صادقين إلا إذا كان عليه الألف الآن فيلزمه بخلاف صدقتهما لأن غير الصادق قد يصدق ولأن ذلك وعد وخرج بكذا ما لو قال ما يشهد به شاهدان علي فهما صادقان عدلان فليس بإقرار بل تزكية وتعديل كما نقله الرافعي في التزكية عن الهروي وأقره كذا قاله في المهمات ولو لم يأت بصيغة الشهادة بل قال إذا قال زيد إن لعمرو علي كذا فهو صادق كان الحكم كذلك ذكره ابن العماد
وإن قال أقرضتك كذا فقال كم ثمن به علي أو لا اقترضت منك هذا أولى من قول الروضة والله لا اقترضت منك غيره فإقرار قال فيها وإن قال ما أعجب هذا أو نتحاسب فليس بإقرار لا إن قال لمن قال له لي عليك كذا لزيد علي أكثر مما لك بفتح اللام فلا شيء عليه لواحد منهما لاحتمال أنه قاله استهزاء أو أنه أراد له علي من الحرمة والكرامة أكثر مما لك بخلاف ما لو قال أكثر من مالك بكسر اللام أو له علي مال أكثر من مالك أو له علي أكثر مما ادعيت فإقرار فيها لزيد
وستأتي الثانية في الباب الآتي والثالثة في الدعاوى فلا مخالفة بينهما وبين ما هنا لأنها مسائل مختلفة والتي هنا أعادها كأصله في الدعاوى ولو قال لي مخرج من دعواك فليس بإقرار ذكره في الروضة هنا والمصنف في الدعاوى
ولو كتب لزيد علي ألف أو كتبه غيره فقال لشهود اشهدوا علي بما
299
299
فيه لغا لأن الكتابة بلا لفظ ليست إقرارا وظاهر أخذا مما مر في الضمان أن محله إذا لم ينو أيضا وأن كتابة الأخرس عند القرينة المشعرة ليست لغوا وكذا يلغو قوله له علي ألف إن مت أو قدم زيد لأن الإقرار إخبار عن حق سابق والواقع لا يعلق وإنما لم يستفسر كما مر في تعليق المعسر بيساره لأن حال المعسر يشعر بطلب الصبر عليه المشعر بلزوم ما قاله وسيأتي في الباب الثالث أن محل ما هنا إذا لم يقصد التأجيل فلو قال له علي كذا إلا أن يبدو لي لزمه لأنه بمنزلة له علي عشرة إلا عشرة وهذا أخذه من قول الروضة ولعل الأصح لزومه قال في المهمات والصواب أنه لا يلزمه شيء ففي الأشراف للهروي أن الشافعي نص على أنه استثناء صحيح كقوله إن شاء الله
انتهى
ويؤيده تصحيحهم عدم انعقاد النذر بذلك لأن تعليق الأمر بمجرد الخبرة ينافي الالتزام
وإن لقن إقرار أو غيره من العقود أو غيرها بغير لغته وقال لم أفهمه وأمكن عدم فهمه له بأن لم يكن له مع أهل تلك اللغة اختلاط حلف أي صدق بيمينه وإن أقر ثم قال أقررت صبيا أو مجنونا أو مكرها وأمكن الصبا أو عهد الجنون أو كانت أمارة على الإكراه من حبس أو ترسيم أو نحوه صدق بيمينه لظهور ما قاله ولأن الأصل بقاء ما كان على ما كان فإن لم يكن الصبا ولم يعهد الجنون ولم تكن أمارة لم يصدق والأمارة إنما تثبت باعتراف المقر له أو بالبينة أو باليمين المردودة وإكراهه لزيد لا يقدح في إقراره لغيره لا إن قامت البينة في الصور الثلاث بكونه أي المقر حينئذ أي حين إقراره بالغا في الأولى أو عاقلا في الثانية أو مختارا في الثالثة فلا يصدق لما فيه من تكذيب البينة وتعبيره بذلك أعم من قول أصله إذا شهد الشهود وتعرضوا لبلوغه وصحة عقله واختياره فادعى المقر خلافه لم يقبل ولا يشترط التعرض لذلك أي لما ذكر من البلوغ والعقل والاختيار ولا للحرية والرشد وفي نسخة مع الحرية والرشد في الشهادة بذلك بل يكتفى بأن الظاهر وقوع الشهادة على الإقرار الصحيح قال في الأصل قال الأصحاب وما يكتب في الوثائق أنه أقر طائعا في صحة عقله وبلوغه احتياط فإن قامت بينة من المقر بالإكراه له اشترط في الشهادة به تفصيلها لاختلاف العلماء فيما يحصل به ذلك فرب شيء يكون إكراها عند بعض دون بعض وقدمت بينة لإكراه على بينة الاختيار لأن معها زيادة علم نعم إن شهدت بينة الاختيار بأنه كان مكرها وزال الإكراه ثم أقر قدمت بينته على بينة الإكراه لذلك قال في الأنوار ولو قال لي عليك ألف فقال مع مائة لم تجب الألف ولا المائة ولو قال لزوجته هذه زوجة فلان حكم بارتفاع النكاح
الباب الثاني في الإقرار بالمجمل أي المجهول فيصح الإقرار بالمجهول سواء أكان ابتداء أم جوابا عن دعوى لأن الإقرار إخبار عن حق سابق والشيء يخبر عنه مفصلا تارة ومجملا أخرى إما للجهل به أو لثبوته مجهولا بوصية أو نحوها أو لغير ذلك ويخالف الإنشاءان حيث لا تحتمل الجهالة احتياطا لابتداء الثبوت وتحرزا عن الغرر مثل له علي شيء ويفسره وجوبا بما شاء وإن لم يتمول ولو حبة شعير وقمع باذنجانة وحد قذف وحق شفعة وديعة ونجسا يقتنى ككلب معلم أو قابل للتعليم وخمر محترمة لصدق كل منهما بالشيء مع كونه
300
300
محترما وعطف على ما شاء أو على حبة قوله لا رد سلام وعيادة لمريض فلا يصح تفسيره بهما لبعد فهمهما في معرض الإقرار إذ لا مطالبة بهما إلا أي لكن إن قال له علي حق قبل تفسيره بهما قال الرافعي والتوجيه المذكور ينافيه مع عسر الفرق فإن الحق أخص من الشيء فكيف يقبل في تفسير الأخص ما لا يقبل في تفسير الأعم وأجاب السبكي وغيره بأن الحق يطلق عرفا على ذلك بخلاف الشيء فيقال نفي العرف له على حق ويراد ذلك وفي الخبر حق المسلم على المسلم خمس وذكر منها عيادة المرضى ورد السلام
فاعتبار الإقرار بما يطالب به محله إذا لم يشع اللفظ عرفا أو شرعا فيما لا يطالب به وأما ما يحرم اقتناؤه كالخنزير وما لا ينفع كجلد الكلب والكلب الذي لا ينفع والخمر غير المحترمة فلا يقبل تفسيره بها إذ ليس فيها حق ولا اختصاص ولا يلزم ردها وقضية التعليل كما قال الإسنوي وغيره قبول تفسيره بالخمرة غير المحترمة إذا كان المقر له ذميا لأن على غاصبها منه ردها عليه إذا لم يتظاهر بها ولا يضر في كونها غير محترمة بمعنى أنها عصرت بقصد الخمرية كونها في حق الذمي محترمة بمعنى أن على غاصبها ردها فلا يعترض بأنها كلها في حقه محترمة ولو فسره بميتة أو نحوها لمضطر قال القاضي لا يقبل لأن اليد لا تثبت على ذلك ورجح الإمام خلافه وهو الأقرب
فرع لو قال غصبت منه شيئا قبل تفسيره بما يقبل به في الصور السابقة بالأولى وقيده بما إذا احتمله اللفظ احترازا من تفسيره بنحو حق الشفعة الوديعة ويقبل تفسيره بالخمر والخنزير إذ الغصب لا يقتضي التزاما وثبوت مال وإنما يقتضي الأخذ قهرا بخلاف قوله علي قالوا ولو قال له عندي شيء وفسره بخمر وخنزير قبل لأنه شيء مما عنده وقوله من زيادته قالوا يشعر بأنه متبرئ من ذلك وليس بظاهر ولو قال غصبتك ما تعلم أو غصبتك كما فهم بالأولى وصرح به في الروضة لغا إذ قد يريد نفسه لكنه إن قال أردت غير نفسك فظاهر أنا نقبله لأنه غلظ على نفسه لا إن قال غصبتك شيئا ثم قال أردت نفسك فلا يلغو ولا تقبل إرادته وقضيته أن الحكم كذلك لو قال غصبتك شيئا تعلمه وهو ظاهر ويفرق بينه وبين ما مر في غصبتك ما تعلم بأن شيئا اسم تام ظاهر في المغايرة بخلاف ما
فصل لو امتنع من تفسير المبهم ولم تمكن معرفته بغير مراجعته حبس للتفسير لأنه واجب عليه فإذا امتنع منه حبس كالممتنع من أداء الدين وأولى لأنه لا وصول لمعرفته إلا منه بخلاف الدين إذ يمكن أداؤه بأن يبيع الحاكم ماله أما إذا أمكن معرفته بغير مراجعته كقوله له علي من الدراهم زنة هذه الصنجة أو قدر ما باع به فلان فرسه فلا يحبس بل يرجع إلى ما أحال عليه كما سيأتي في المسائل المنثورة
وإن فسره ببعض الجنس المدعى به كمائة ودعواه أي المقر له مائتان وقال المدعي وهو المقر له أراد المقر بالمبهم المائة تثبت باتفاقهما وحلف المقر على نفي الزيادة وهذا ذكره الأصل وتركه المصنف للعلم به من باب الدعاوى ومما يأتي على الأثر وإن قال أرادهما حلف على نفي الزيادة و على نفي الإرادة لهما يمينا واحدة لاتحاد الدعوى فإن نكل حلف المدعي على الاستحقاق لهما لا على إرادته أي المقر لهما لأنه لا اطلاع له عليها بخلاف الزوجة إذا ادعت إرادة الزوج الطلاق بالكناية ونكل عن اليمين حيث تحلف مع أنها لا تطلع عليها وفرق الإمام بأنها تدعي عليه إنشاء الطلاق والمقر له لا يدعي على المقر إثبات حق له فإن الإقرار لا يثبت حقا وإنما هو إخبار عن حق سابق حتى ولو كذبه المقر له لم يثبت له حق
وإذا مات المقر قبل تفسيره طولب به الوارث فإن امتنع وقفت التركة كلها إلا أقل متمول منها حتى يفسر الوارث لأنها وإن لم تدخل في التفسير مرتهنة بالدين ولا يخالفه صحة التفسير بالسرجين ونحوه لأنا لم
301
301
نتيقن عدم إرادة المال فيمتنع التصرف في الجميع احتياطا
فإن قال الوارث لا أعلم قدر ما أقر به وصدقه المقر له فللمقر له أن يعين المدعى به ويحلف عليه ويأخذه إذ الوارث في تقدير الناكل وألحق الهروي المجنون بالميت ثم حكى عن صاحب التقريب أن الموقوف في حال جنونه أقل ما يتمول
انتهى
الأوجه أنه كالغائب وقد نقل أعني الهروي عن الشافعي فيه أن له أن يعين مقدارا ويحلف عليه وعلى أن المقر أراده بإقرار ويأخذه وقد يتوقف في اشتراط الحلف على أنه أراده بإقرار
وإذا ادعى المقر له زيادة على ما فسر به الوارث فالمصدق الوارث بيمينه كالمقر و تكون يمينه على نفي الإرادة أي إرادة مورثه الزيادة لأنه قد يطلع من حال مورثه على ما لا يطلع عليه غيره بخلاف تفسيره الوصية حيث أوصى بمجهول وفسره الوارث وزعم الموصي له أنه أكثر مما فسر به فإنه يحلف فيها على نفي علم الاستحقاق للزيادة لا على نفي الإرادة قال في الأصل والفرق أن الإقرار إخبار عن حق سابق وقد يطلع عليه والوصية إنشاء أمر على الجهالة وبيانه إذا مات الموصي إلى الوارث وإن فسره المقر بغير الجنس المدعى به وصدقه المقر له في الإرادة بإقراره لما فسر به فقال هو لي عليه ولي عليه معه كذا ثبت المتفق عليه وصدق المقر في نفي غيره كما صرح به الأصل ويمكن أخذه من قول المصنف بعد ثم إن لم ينف إلى آخره و إن قال مع تصديقه في الإرادة ما ديني عليه إلا غيره فهو رد للإقرار وكان مدعيا عليه غيره وإن كذبه في الإرادة بأن قال إنما أردت بإقرارك ما ادعيت أنا حلف المقر على نفي المدعى به و نفي الإرادة ثم إن لم ينف المقر له ما فسر به المقر ثبت له وإن نفاه بطل الإقرار هذا إن ادعى مع الإرادة الاستحقاق
فلو ادعى الإرادة فقط بأن قال ما أردت بإقرارك ما فسرته به وإنما أردت به كذا إما من جنس المقر به أو من غيره لم يسمع منه ذلك لأن الإقرار والإرادة لا يثبتان حقا له بل الإقرار إخبار عن حق سابق فعليه أن يدعي الحق نفسه وهو ما أراده بقوله حتى يدعي المال أي فيسمع فدعوى الإرادة مع دعوى الاستحقاق مسموعة ودعواها وحدها غير مسموعة كما أنه لا يسمع منه دعوى الإقرار بكذا بل عليه أن يدعي الحق نفسه
فرع لو قال الدائن استوفيت من فلان أو قال المديون قد أوفيتك فقال بلى ثم ادعاه في البعض صدق ذكره الرافعي في الحكم الثاني من أحكام الكتابة
فصل لو قال له علي مال أو مال عظيم أو خطير أو كثير أو كبير أو جليل أو نفيس أو نحوها أو حقير أو قليل أو خسيس أو طفيف أو نحوها أو أكثر من مال فلان أو مما في يده أو مما شهد به الشهود عليه وكذا مما حكم به الحاكم على فلان ثم فسره بأقل متمول قبل وإن كثر مال فلان لصدق اسم المال عليه ويكون وصفه بكونه عظيما ونحوه من حيث إثم غاصبه وكفر مستحله وبكونه حقيرا ونحوه من حيث احتقار الناس له أو فناؤه وبكونه أكثر من كذا من حيث إنه أحل منه أو أنه دين لا يتعرض للتلف وذلك عين تتعرض له قال الشافعي رضي الله عنه أصل ما أبني عليه الإقرار أن ألزم اليقين وأطرح الشك ولا أستعمل الغلبة قال الشيخ أبو علي أي ما غلب على الناس وإلى ما قاله يشير قول الشافعي أصل ما أبني عليه والمراد باليقين في كلامه ما يشمل الظن القوي ولهذا قال في موضع آخر ولا ألزمه إلا ظاهر ما أقر به بيننا وإن سبق إلى القلب غير ظاهر ما قاله وقال الهروي وغيره الشافعي يلزم في الإقرار باليقين وبالظن القوي لا بمجرد الظن والشك إذ الأصل براءة الذمة وخرج بالمتمول قال الإمام وهو ما يسد مسدا أو يقع موقعا من جلب نفع أو دفع ضرر ما ليس متمولا كالكلب والسرجين وجلد الميتة لمباينته اسم المال لكن تعبيره بأقل متمول يقتضي أنه لا يقبل التفسير بمال متمول كتمرة وحبة بر وليس كذلك بل يقبل به وكل متمول مال ولا ينعكس ذكره الأصل وفيه أنه يقبل التفسير بالمستولدة لا بما وقف عليه وحذفهما المصنف لأن المناسب فيهما أن يقول عندي مال والصورة إنما هي فيما لو قال له علي مال ولا يخالف ما ذكروه هنا من أن حبة البر ونحوها مال ما ذكروه في البيع من أنها لا تعد مالا فإن كونها لا تعد مالا لعدم تمولها لا ينفي كونها مالا كما يقال زيد لا يعد من الرجال وإن كان رجلا
فرع لو قال له علي أكثر من مال فلان فالإبهام في الجنس
302
302
والنوع والقدر أو له علي أكثر منه أي من مال فلان عدا فالإبهام كذلك أي في المذكورات إلا في القدر فلا إبهام فيه حتى لو كان مال فلان مائة دينار ففسر بأكثر من مائة درهم أو غيرها قبل دون ما إذا فسر بأقل منه إلا أن يقول ما علمت أن له إلا كذا مما يوافق ما فسر به فيقبل منه وإن قامت البينة بأكثر منه لأنه قد لا يطلع عليه صرح به القاضي أبو الطيب فلو لم يكن لفلان عدد لزم أقل متمول أخذا مما يأتي عن البغوي ولو قال المصنف كأصله فالإبهام في الجنس والنوع كان أخصر وأولى أو له علي من الذهب أكثر من مال فلان فالإبهام في النوع والقدر دون الجنس أو له علي من صحاح الذهب أكثر من مال فلان فالإبهام في القدر فقط وإن قال له علي أكثر من دراهم فلان فهل يجب عليه أدنى شيء كما لو قال أكثر من مال فلان أو أكثر من عددها بأقل متمول من أي جنس فسر لذكره الجمع فيه وجهان اقتصر الأصل على الثاني وقال كذا قاله في التهذيب
قال وهو يخالف ما سبق من وجهين
أحدهما إلزام ذلك العدد والثاني إلزام زيادة لأن التأويل الذي ذكرناه للأكثرية ينفيها جميعا
انتهى
فالوجه الأول أخذه المصنف من هذا الإشكال ونقل ابن الرفعة مع كلام التهذيب عن القاضي والإمام أنه يلزمه مثل عددها إن عرف قدرها وإلا فثلاثة وهو الأوجه ولو لم يكن مع فلان شيء لزمه أقل متمول كما قاله البغوي ونقله القمولي عنه وأقره ولو قال له علي من الدراهم أكثر من دراهمه ومعه ثلاثة دراهم لزمته بلا زيادة حملا للأكثر على ما مر ولو فسر بدونها لم يقبل كما قاله الجمهور خلافا للجويني وإن كان ما قاله هو القياس كما قاله الغزالي وقال البغوي في مسألة الكتاب يلزمه ثلاثة وزيادة أقل ما يتمول وهو جار على طريقته السابقة وقد ضعفه الأصل هنا أيضا أو ومعه أكثر من ثلاثة كعشرة وقال المقر ظننتها ثلاثة أو علمت أنها أكثر ونسيت عند الإقرار صدق بيمينه فلا يلزمه أكثر منها وقوله كأصله وظننتها ثلاثة يوهم أنه لو قال وعلمتها أكثر من ثلاثة لا يقبل تفسيره بها وليس كذلك قال الإسنوي بل يقبل تفسيره بأقل متمول كما صرح به في الروضة من زيادته أول المسألة قلت ذاك فيما إذا عبر بالمفرد وهذا فيما إذا عبر بالجمع ثم قضية ما ذكر أنه لو لم يقل ظننتها ثلاثة ونحوه لزمه الجميع وبه صرح القاضي في تعليقه قال ولو لم يكن معه شيء لزمه أقل متمول من الدراهم
فرع قوله له علي كذا مثل له علي شيء فيقبل تفسيرها بما يقبل به تفسيره لأنها أيضا مبهمة وهي في الأصل مركبة من كاف التشبيه واسم الإشارة ثم نقلت فصارت يكنى بها عن العدد وغيره و قوله كذا كذا بلا عطف تأكيد فهو كقوله كذا ومثله شيء شيء بلا عطف نعم إن نوى الاستئناف فهو كما لو عطف صرح به المتولي فإن عطف فقال له علي كذا وكذا أو شيء وشيء فشيئان يلزمه التفسير بهما متفقين أو مختلفين بحيث يقبل كل منهما في تفسير كذا لأن العطف يقتضي المغايرة ويجب عليه بقوله له علي كذا درهم بالرفع على أنه عطف بيان أو بدل أو خبر مبتدأ محذوف درهم لكون الدرهم تفسيرا لما أبهمه بقوله كذا وكذا يلزمه درهم لو نصب أو خفض أو سكن الدرهم أو كرر كذا بلا عاطف في الأحوال الأربعة لذلك ولاحتمال التأكيد في الأخيرة المصرح بها من زيادته وإن اقتضى النصب لزوم عشرين لكونه أول عدد مفرد ينصب الدرهم عقبه إذ لا نظر في تفسير المبهم إلى الإعراب بدليل الاتفاق على عدم لزوم مائة بقوله له علي كذا درهم بالخفض ولا يؤثر اللحن في الإقرار كما لا يؤثر في الطلاق ونحوه ومتى كررها وعطف بالواو أو بثم ونصب الدرهم كقوله له علي كذا وكذا درهما أو كذا ثم كذا درهما تكرر الدرهم بعدد كذا فيلزمه في كل من المثالين درهمان
303
303
لأنه أقر بمبهمين وعقبهما بالدرهم منصوبا فالظاهر أنه تفسير لكل منهما بمقتضى العطف غير أنا نقدره في صناعة الإعراب تمييزا لأحدهما ويقدر مثله للآخر ولأن التمييز وصف وهو يعود إلى المتعاطفات قبله لا إن خفضه أو رفعه أو سكنه فلا يتكرر لأنه لا يصلح تمييزا لما قبله وإن صلح فهو محتمل لغيره والمعنى في الرفع هما درهم والخفض محمول عليه والظاهر أن العطف بالفاء إذا أراد بها كالعطف بالواو وثم ولو قال كذا بل كذا ففيه وجهان حكاهما الماوردي أحدهما يلزمه شيء واحد والثاني شيئان لأنه لا يسوغ رأيت زيدا بل زيدا إذا عنى الأول وإنما يصح إذا عنى غيره وذكر ثم من زيادة المصنف وسبقه إليه البلقيني
فصل ولو قال له علي خمسة عشر درهما فالكل دراهم لأنهما اسمان جعلا اسما واحدا فالدرهم تفسير له أو قال له علي ألف ودرهم أو ألف وثوب فالألف مجمل فله تفسيره بغير الدرهم أو الثوب من المال كألف فلس كما في عكسه وهو درهم وألف أو ثوب وألف ولأن العطف إنما وضع للزيادة ولم يوضع للتفسير نعم لو قال ألف ودرهم فضة فينبغي أن تكون الألف أيضا فضة للعادة كما نقله القاضي وأقره
ولو قال له علي خمسة وعشرون درهما أو ألف ومائة وخمسة وعشرون درهما أو ألف وخمسة عشر درهما أو ألف ونصف درهم فالكل دراهم لأنه جعل الدرهم تمييزا فالظاهر أنه تفسير لكل من المذكورات بمقتضى العطف والظاهر أنه لو رفع الدرهم أو نصبه في الأخيرة كان الحكم كذلك ولا يضر فيه اللحن وأنه لو رفعه أو نصبه فيها لكن مع تنوين نصف أو رفعه أو خفضه في بقية الصور لزمه ما عدده العدد المذكور وقيمته درهم أخذا مما يأتي في ألف درهم منونين مرفوعين أو قال له علي نصف ودرهم فالنصف مجمل كالألف في له علي ألف ودرهم أو قال له علي ألف وأربعة دنانير أو ألف و ثلاثة أثواب فالكل دنانير في الأولى أو ثياب في الثانية أو قال له علي ألف وقفير حنطة فالألف مجمل بخلافه في له علي ألف وثلاثة دراهم قال في الأصل لأن الدراهم تصلح تفسيرا للكل والحنطة لا تصلح تفسيرا للألف لأنه لا يحسن أن يقال ألف حنطة أو قال له علي ألف درهم حالة كونهما منونين مرفوعين وجب ما عدده ألف وقيمته درهم والظاهر أنه لو نصبهما أو خفضهما منونين أو رفع الألف منونا ونصب الدرهم أو خفضه أو سكنه أو نصب الألف منونا رفع الدرهم أو خفضه أو سكنه كان الحكم كذلك وأنه لو رفع الألف أو نصبه أو خفضه ولم ينونه ونصب الدرهم أو رفعه أو خفضه أو سكنه لزمه ألف درهم ولو سكن الألف وأتى في الدرهم بالأحوال المذكورة احتمل الأمرين وهو إلى الأول أقرب
فصل المعتبر في الدراهم المقر بها دراهم الإسلام وإن كانت دراهم البلد أكثر منها وزنا ما لم يفسرها المقر بما يقبل تفسيره كما سيأتي وتقدم بيان مقدار الدرهم والدينار في باب زكاة الذهب والفضة
304
304
فإن فسرها أي الدراهم التي أقر بها بفلوس لم يقبل وينبغي كما قال بعضهم قبول التفسير بها وإن فصله عن الإقرار إذا غلب التعامل بها ببلد بحيث هجر التعامل بالفضة وإنما تؤخذ عوضا عن الفلوس كالديار المصرية في هذا الزمان أو بناقصة عنها أي عن الدراهم الإسلامية كدرهم شامي أو مغشوشة ودراهم البلد أي بلد الإقرار كذلك أي ناقصة أو مغشوشة قبل متصلا لأن اللفظ والعرف يصرفانه إليه وكذا منفصلا حملا على المعهود كما في المعاملات فلو لم يفسرها وتعذرت مراجعته قال الأذرعي فالصواب وهو المنقول المنصوص عليه أنه يلزمه ذلك من دراهم البلد كما في المعاملات ولأنه المتيقن ولم أر من صرح بخلافه ولا يغتر بما زعمه الإسنوي أي في المهمات من نقل من يخالفه
انتهى
وقضية التوجيه الأول أنه لو كانت دراهم البلد أكثر من دراهم الإسلام كان الحكم كذلك وقضية الثاني خلافه أو فسرها بما ذكر ودراهم البلد تامة أو نقرة قبل متصلا لا منفصلا كالاستثناء فيهما ولأن لفظ الدرهم صريح فيه وضعا وعرفا فلا يقبل منفصلا إلا أن يصدقه المقر له أو فسره أي ما أقر به من الدراهم وكان الأولى أن يقول أو فسرها من الفضة بجنس رديء أو بدراهم سكتها غير جارية في ذلك البلد قبل تفسيره كما لو قال له علي ثوب ثم فسره بجنس رديء أو بما لا يعتاد أهل البلد لبسه ويخالف تفسيره بالناقص لرفع بعض ما أقر به فيه بخلافه هنا ويخالف البيع حيث يحمل على سكة البلد لأن البيع إنشاء معاملة والغالب أنها في كل بلد تقع بما يروج فيها والإقرار إخبار عن حق سابق يحتمل ثبوته بمعاملة في غير ذلك البلد فيرجع إلى إرادته
وقوله له علي دريهم بالتصغير أو درهم صغير أو كبير كدرهم عار على ذلك والجمع الموصوف بتصغير أو غيره كقوله دريهمات أو دراهم صغار أو كبار كالجمع العاري عن ذلك فيأتي في تفسيره بالنقص وغيره التفصيل السابق وليس التقييد بالصغر كالتقييد بالنقصان لأن لفظ الدرهم صريح في الوازن والوصف بالصغر يجوز أن يكون في الشكل وأن يكون بالإضافة إلى غيره وقس بذلك الوصف بغير الصغر
فرع يجب بقوله له علي دراهم كثيرة أو قليلة ثلاثة كما لو قال له علي دراهم ولا يشترط تساويها في الوزن بل يكفي أن تكون الجملة زنة ثلاثة دراهم و يجب بقوله له علي أقل عدد الدراهم درهمان لأن العدد هو المعدود وكل معدود متعدد فيخرج عنه الواحد قاله الرافعي و يجب بقوله له علي مائة درهم عدد أن تكون وازنة بوزن الإسلام صحاحا فلا يقبل مائة بالعدد ناقصة الوزن إلا أن يكون نقد البلد عددا ناقصا فيقبل منه حملا على المعهود و يجب في إقراره بمائة عدد من الدراهم العدد فقط أي دون الوزن لأنه لم يقل مائة درهم قال الإسنوي وقد تقدم أن أقل العدد اثنان فالقياس لزوم مائتي درهم ناقصة إن كان عدد مجرورا بالإضافة كما هو المتبادر إلى الفهم وكذا إن كان منصوبا لأنه تفسير للمائة وإن كان مرفوعا فالقياس أن المائة مبهمة ويلزمه تفسيرها بما لا تنقص قيمته عن درهمين عددا لا وزنا كنظيره فيما مر في قوله علي ألف
305
305
درهم برفعهما وتنوينهما وإن كان ساكنا لزمه الأقل لأنه المتيقن ورد عليه بعضهم ذلك بشيء بناه على ما توهمه من كلامه من أن عددا جمع وتمييز المائة لا يقع جمعا وما توهمه فاسد إذ ليس في كلامه ما يقتضي أنه جمع ولا يلزم من دلالته على أكثر من واحد أن يكون جمعا بل هو مفرد فيصح كونه تمييزا للمائة كزوج وشفع
فرع قوله
له علي من درهم إلى عشرة لزمه به تسعة إخراجا للطرف الأخير وإدخالا للأول لأنه مبدأ الالتزام و قوله له عندي أو بعتك من الجدار إلى الجدار يلزمه به ما بينهما إخراجا للطرفين والفرق بين هذه وتلك أن المقر به هنا الساحة وليس الجدار منها بخلاف الدراهم هذا من زيادته وذكر الجدار مثال فالشجرة كذلك بل لو قال من هذا الدرهم إلى هذا الدرهم فكذلك فيما يظهر لأن القصد التحديد لا التعديد و قوله له علي ما بين درهم وعشرة أو ما بين درهم إلى عشرة يلزمه به ثمانية لأن ما بينهما لا يشملهما و قوله له علي درهم في عشرة يلزمه به لمريد الحساب إذا فهم معناه عشرة لأنها موجبة بخلاف ما إذا لم يفهم معناه وإن أراد معناه عند أهله إذ لا تصح إرادته ما لا يفهمه فلا يلزمه إلا درهم و يلزم به لمريد معنى مع بأن قال أردت مع عشرة دراهم له أحد عشر لأن ذلك هو الحاصل بضمهما ووردت في بمعنى مع كما في قوله تعالى ادخلوا في أمم أي معهم وبما فسرت به المعية اندفع ما قيل إنه ينبغي أن يلزمه درهم ويرجع في تفسير العشرة إليه كنظيره في ألف ودرهم و يلزم به لمريد الظرفية أو المطلق بكسر اللام بأن لم يرد شيئا مما ذكر درهم أخذا باليقين
فصل الظرف والمظروف لا يتبع أحدهما الآخر في الإقرار لأنه لم يقر به والإقرار يعتمد اليقين كما مر فيجب بقوله له عندي سيف في غمد وزيت في جرة ونحوهما المظروف لا الظرف وبعكسه عكسه فيجب بقوله له عندي غمد فيه سيف وجرة فيها زيت ونحوهما الظرف لا المظروف وكذا الحكم في له عندي فرس عليه سرج وعبد عليه عمامة وخاتم فيه أو عليه فص وجارية في بطنها حمل وفرس في حافرها نعل وقمقمة عليها عروة وعكسه أي كل من المذكورات كقوله له عندي سرج على فرس وعمامة على عبد وفص في خاتم وحمل في بطن جارية ونعل في حافر فرس وعروة على قمقمة فتجب في الصورة الأولى الفرس والعبد والخاتم والجارية والقمقمة لا السرج والعمامة والفص والحمل والنعل والعروة وفي صور عكسها عكس ذلك
أو قال له عندي جارية فكانت حاملا
306
306
أو له عندي خاتم فكان فيه فص دخل الفص في الثانية لأن الخاتم يتناوله فلو قال لم أرد الفص لم يقبل منه لأنه رجوع عن بعض ما أقر به وإنما لم يتناوله في خاتم فيه فص لقرينة الوصف الموقع في الشك لا الحمل في الأولى لأن الجارية لا تتناوله بخلاف البيع لأن الإقرار إخبار عن حق سابق كما مر وربما كانت الجارية له دون الحمل بأن كان موصى به ولهذا لو قال هذه الدابة لفلان إلا حملها صح ولو قال بعتكها إلا حملها لم يصح والشجرة كالجارية والثمرة كالحمل فيما ذكر قال في الأنوار قال القفال وغيره والضابط أن ما يدخل تحت مطلق البيع يدخل تحت الإقرار وما لا فلا إلا الثمرة غير المؤبرة والحمل والجدار أي فإنها تدخل في البيع ولا تدخل في الإقرار لبنائه على اليقين وبناء البيع على العرف فإن قال له عندي فرس بسرجة أو عبد بعمامته لزم المقر الجميع وكذا يلزمه الجميع بقوله له عندي ثوب مطرز لأن الباء بمعنى مع كما مر والطراز جزء من المطرز وإن ركب عليه بعد نسجه قال ابن الرفعة ويظهر أن قوله عليه طراز كقوله مطرز
انتهى
ويحتمل أنه كخاتم عليه فص وقد يفرق بينهما لا فرس مسرج أو دار مفروشة فلا يلزمه إلا الفرس والدار لأنه لم يقر بالسرج والفراش وليستا شبيهتين بما قبلهما وبقوله له علي ألف في هذا الكيس يلزمه ألف وإن لم يكن فيه شيء لاقتضاء علي اللزوم ولا نظر إلى ما عقبه به ويتممه وجوبا لو نقص ما فيه عن الألف كما أنه لو لم يكن فيه شيء لزمه الألف
أو قال له علي الألف الذي في الكيس فلا تتميم لو نقص لأنه لم يلتزم إلا ما في الكيس لجمعه بين التعريف والإضافة إلى الكيس وهذه العلة قد تقتضي أن الحكم كذلك لو قال له علي الألف في الكيس بترك الذي وهو محتمل لكن الأوجه خلافه كقوله له علي ألف في الكيس وإن افترقا بالتعريف والتنكير ولا غرم لو لم يكن فيه شيء لأنه لم يعترف بشيء في ذمته أي على الإطلاق وفرق أيضا بين المنكر والمعرف بأن الإخبار عن المنكر الموصوف في قوة خبرين فأمكن قبول أحدهما وإلغاء الآخر والإخبار عن المعرف الموصوف يعتمد الصفة فإذا كانت مستحيلة بطل الخبر كله قال السبكي والظاهر أنه لا فرق في حالتي التعريف والتنكير بين أن تكون الصيغة علي كما فرضه الإمام والرافعي وأن تكون عندي كما فرضه الغزالي لأن عندي وإن حملت على الوديعة لكن لا بد من تحققها حين الإقرار نعم يفترق الحال في أن في علي إذا ألزمناه الإتمام أو الجمع كان إلزام ضمان وفي عندي يكون أمانة ويظهر أثر ذلك فيما لو تلف الموجود بعد ذلك بغير تفريط وعلى كلا التقديرين يتعلق حق المقر له بعينه حتى لو حجر على المقر لم يزاحمه الغرماء فيه انتهى قال الزركشي ويظهر أنه لو قال عندي ألف في هذا الكيس بالتنكير ولم يوجد فيه شيء لم يلزمه شيء بخلاف ما إذا قال علي لأنها التزام للدينية
فصل قال لفلان ألف في هذا العبد أو منه أو من ثمنه أو فيه فهو لفظ مجمل فيسأل ويعمل بتفسيره كما بينه بقوله وفسره بجناية صدرت منه على فلان أو على ماله أرشها ألف قبل وتعلق الأرش برقبته أو فسره بقوله وصي له من ثمنه بألف قبل وبيع لأجله وتعين ثمنه للصرف له فليس للمقر إمساكه ودفع الألف من ماله امتثالا لشرط الموصي قال السبكي كذا أطلقوه وقال ابن الصباغ إن رضي المقر له جاز والذي قاله متعين وإنما لم يجز عند عدم الرضا هنا وجاز في العبد الجاني مع اشتراكهما في التعلق بالعين لأن حق الموصى له يثبت مع حق الوارث يعني في وقت واحد وهو وقت الموت وحق المجني عليه متأخر عن حق السيد فكان أضعف والفاضل عن الألف من ثمن العبد للمقر ولو لم يبلغ ثمنه ألفا لم يلزمه تتميمه أو فسره بقوله أقرضني في ثمنه ألفا قبل وكذا إن قال هو رهن عنده به قبل ولزمه الألف لأن الدين وإن كان في الذمة فله تعلق ظاهر بالمرهون فصار كالتفسير بأرش الجناية وإن قال وزنها أي الألف في ثمنه ولم آذن فالعبد كله للمقر له أو قال وزنت مثله أي ألفا لكن له العشر مثلا في العبد بأن قال وزن في ثمن عشره ألفا ووزنت أنا ألفا في تسعة أعشاره قبل وإن قال اشتريناه دفعتين لاحتماله فيكون له تسعة أعشاره وللمقر له عشره ولا نظر إلى قيمته وكان الأولى بالغاية دفعه وفي نسخة إن بدون الواو وهي الموافقة للأصل لكن الأولى أكثر فائدة وإلا بأن قال وزنت مثله فقط كان
307
307
العبد بينهما نصفين فإن قال وزنت مثليه أو نصفه مثلا كان الاشتراك بحسابه فله في الأولى ثلثاه وللمقر له ثلثه وفي الثانية بالعكس وإن قال أعطاني ألفا لأشتري له العبد و قد اشتريته له فإن صدقه فالعبد له وإن كذبه بطل إقراره في العبد ولزمه الألف التي أقر بها هذا كله إذا لم يقل علي فإن قال له علي ألف على هذا العبد أو منه أو من ثمنه أو فيه فألف تلزمه بكل حال حتى تلزمه وإن لم يبلغ ثمن العبد أو قيمته ألفا
قال السبكي لكن التفسير بالجناية أو الوصية أو الشراء لا يجيء هنا وهو ظاهر لإتيانه بعلي ولو قال له علي ألف في عبدي قال السبكي فهو كما لو قال في هذا العبد قاله الشيخ أبو حامد لكن لا يتصور معه التفسير بالمشاركة أو بالشراء للمقر له
فرع قوله له علي درهم في دينار كألف أي كقوله له علي ألف في هذا العبد فيأتي فيه ما مر إلا أن يريدهما معا فيلزمانه فإن لم ينو شيئا فدرهم فقط يلزمه وظاهر أن هذين الحكمين يأتيان في له علي ألف في هذا العبد أيضا
فصل لو قال له في ميراث أبي ألف أو له في هذه الدار نصفها فإقرار في الأولى على الأب بألف في الميراث و في الثانية بنصف الدار واستشكلت الأولى بأن قياس ما فسر به في له في هذا العبد ألف أن يفسر به فيها وأجيب بأن قوله له في ميراث أبي ألف إقرار بتعلق الألف بعموم الميراث فلا يقبل منه دعوى الخصوص بتفسيره بشيء مما ذكر لأن العبد المفسر بجنايته أو رهنه مثلا لو تلف ضاع حق المقر له في الأول وانقطع حق تعلقه بعين من التركة في الثاني فيصير كالرجوع عن الإقرار بما يرفع كله أو بعضه
وقضيته أنه لو فسر هنا بما يعم الميراث وأمكن قبل وأنه لو قال ثم وله عبيد له في هذه العبيد ألف وفسر بجناية أحدهم لم يقبل وخرج أحدهم لم يقبل وخرج بالألف الجزء الشائع كقوله له في ميراث أبي نصفه أو ثلثه فلا يكون دينا على الأب وإلا لتعلق بجميع التركة ذكره الإسنوي ثم قال والظاهر صحة الإقرار به لاحتمال أنه أوصى له بذلك الجزء وقبله وأجازه الوارث إن كان زائدا على الثلث وما قاله أوجه من قول السبكي إنه ينبغي أن يكون قوله في ميراث أبي نصفه كقوله له في ميراثي نصفه وأن يكون قوله له فيه ثلثه إقرارا له بالوصية بالثلث أو قال له في ميراثي من أبي ألف أو في داري نصفها أو في مالي ألف فهو وعد لهبة لا يلزم فليس بإقرار إذا لم يرده لأنه إذا أضاف الكل إلى نفسه لم ينتظم منه الإقرار ببعضه كما لا ينتظم منه الإقرار بكله في قوله داري لفلان وفارقت المسألة الأولى ما مر في ميراث أبي بأنه في تلك أثبت حق المقر له في الميراث وهو لا يحتمل التبرع إذ لا تبرع بعد الموت وفي هذه أضاف الميراث لنفسه ثم جعل للمقر له منه شيئا فاحتمل كونه تبرعا واستشكل القاضي الفرق بأن الدين لا يمنع الإرث فإضافته إلى نفسه لا تمنع كونه إقرارا على أبيه وأجاب بأن ذلك مبني على العرف فإنهم لا يضيفون إلى أنفسهم الميراث إلا في المستقر
فإن كان ما ذكر في الصور المذكورة بصيغة ملزمة كقوله له علي في ميراثي ألف أو له في مالي ألف بحق لزمني أو بحق ثابت أو له في داري نصفها بحق لزمني أو ثابت لزمه ما أقر به سواء بلغ الميراث أو المال ألفا أو نقص عنه لاعترافه بلزومه له وبما قررته علم أن قوله بحق لزمني أو ثابت قيد في الثانية فقط
فرع في التأكيد والعطف ونحوهما التكرار بلا عاطف تأكيد فيلزمه بقوله له علي درهم درهم وإن زاد التكرير درهم وبقوله له علي درهم ودرهم ودرهم ثلاثة لاقتضاء
308
308
العطف التغاير فإن أكد الثاني بالثالث فدرهمان يلزمانه عملا بنيته لا إن قال أردت بالثاني أو بالثالث تأكيد الأول فلا يقبل منه لعدم اتفاق اللفظين فيهما وتخلل الفصل بينهما في الثانية وهاتان داخلتان كحالة الإطلاق وحالة إرادة الاستئناف في أول كلامه فلا حاجة لإفرادهما بالذكر والعطف بثم كالواو فيما ذكر لكن لو قال له علي درهم ودرهم ثم درهم لزمه ثلاثة بكل حال كما ذكره الأصل لاختلاف حرف العطف ومتى قال له علي درهم مع درهم أو فوق درهم أو تحت درهم لي أو معه درهم أو فوقه درهم أو تحته درهم وجب عليه درهم فقط لأنه ربما يريد مع أو فوق أو تحت درهم لي أو معه أو فوقه أو تحته درهم لي أو يريد فوقه في الجودة وتحته في الرداءة ومعه في أحدهما بخلاف نظيره في الطلاق لما يأتي أو قال له علي درهم قبل أو قبله أو بعد أو بعده درهم فدرهمان يلزمانه لاقتضاء القبلية والبعدية المغايرة وتعذر التأكيد وفرقوا بين الفوقية والتحتية وبين القبلية والبعدية بأنهما يرجعان إلى المكان فيتصف بهما نفس الدرهم والقبلية والبعدية ترجعان إلى الزمان ولا يتصف بهما نفس الدرهم فلا بد من أمر يرجع إليه التقدم والتأخر وليس إلا الوجوب عليه واعترضه الرافعي بأنهما ترجعان إلى الرتبة وغيرها أيضا ولو سلم فلا يلزم رجوعهما إلى الوجوب فقد يريد درهما مضروبا قبل درهم ونحوه ولو سلم فقد يريد لزيد درهم قبل وجوب درهم لغيره وأجيب بأن قبل وبعد صريحان أو ظاهران في الزمان فالحمل على غيره من المرتبة وغيرها بعيد والحمل على غير الواجب مناف لعلي الموضوعة للالتزام واحتمال إرادة قبل وجوب درهم لغيره مناف لظاهر قوله له وليس كل احتمال مقبولا
ومتى قال له علي أو عندي درهم فدرهم أو درهم فقفير حنطة وجب عليه درهم فقط إن لم يرد بالفاء العطف لأنها تأتي لغيره فيؤخذ باليقين بخلاف أنت طالق حيث يقع طلقتان وفرقوا بأنه قد يريد فدرهم لازم لي أو أجود منه ومثله لا ينقدح في الطلاق وبأن الإنشاء أقوى وأسرع نفوذا ولهذا يتعدد بالتلفظ به في يومين بخلاف الإقرار واعترض الرافعي الفرق الأول بأنه قد يريد فطالق مهجورة أو لا تراجع أو خير منك أو نحوه وأجيب بأن ذلك صرف للصريح عن مقتضاه أما إذا أراد بالفاء العطف فيلزمه في الأولى درهمان وفي الثانية درهم وقفير حنطة كما في العطف بالواو وفي قوله بعتك بدرهم فدرهم الثمن درهمان لأنه إنشاء ومنعه البلقيني بأن الطلاق إنشاء يمكن أن يعقب بعضه بعضا بخلاف البيع إذ الشيء إذا بيع بدرهم امتنع بيعه بدرهم آخر قال ومقتضاه أنه لو قال بعتك بدرهم ثم بدرهم لم يصح ونحن نلتزمه بخلاف درهم ودرهم لدلالة الواو على الجمع بلا ترتيب وإن قال له علي درهم بل درهم أو لا بل أو لكن درهم فدرهم يلزمه لأنه ربما قصد الاستدراك فيذكر أنه لا حاجة إليه فيعيد الأول أو له علي درهم بل درهمان أو لا بل أو لكن درهمان فدرهمان يلزمانه لتعذر نفي ما قبل بل أو لكن لاشتمال ما بعدها عليه
وإنما المقصود نفي الاقتصار على ما قبلها وإثبات الزيادة عليه كذا علله الرافعي واستشكله بأنت طالق طلقة بل طلقتين حيث تقع الثلاث وأجيب بأن الطلاق إنشاء فإذا أنشأ طلقة ثم أضرب عنها إلى إنشاء طلقتين لا يمكن إنشاء إعادة الأولى مع الثانية لأن تحصيل الحاصل محال والإقرار إخبار فإذا أخبر بالبعض ثم أضرب عن الإخبار به إلى إخبار بالكل جاز دخول البعض في الكل هذا إذا لم يعين الدرهمين ولم يختلف الجنس فإن عينهما أو اختلف الجنس مثل قوله له عندي هذا الدرهم بل هذان الدرهمان أو درهم بل دينار فالكل يلزمه لعدم دخول ما قبل بل فيما بعدها ولا يقبل رجوعه عنه وكاختلاف الجنس اختلاف النوع والصفة أو قال له عندي عشرة بل تسعة فعشرة تلزمه لأن الرجوع عن الأكثر لا يقبل ويدخل فيه الأقل أو له عندي درهمان بل درهم أو لا بل درهم فدرهمان تلزمانه أو قال درهم ودرهمان أو قال قفيز وقفيزان أو دينار بل ديناران بل ثلاثة فثلاثة من الدراهم والأقفزة والدنانير تلزمه ولو قال دينار بل ديناران بل قفيز بل قفيزان لزمه ديناران وقفيزان ولو قال دينار وديناران بل
309
309
قفيز وقفيزان لزمه ثلاثة دنانير وثلاثة أقفزة كما علم من كلامه وصرح به أصله
فصل لا يتعدد
المقر به بالتكرار للإقرار لأنه إخبار وتعدده لا يقتضي تعدد المخبر عنه إلا إذا عرض ما يمنع منه فالإقرار أمس بألف واليوم بألف يوجب ألفا فقط وإن كتب بكل منهما صكا وأشهد عليه فإن عزا أي نسب كلا منهما أي من الإقرارين لا أحدهما إلى سبب كألف من ثمن عبد وألف من ثمن جارية أو وصف كألف صحاح وألف مكسرة أو ألف حالة وألف مؤجلة تعدد المقر به لتعذر الجمع بخلاف ما إذا عزا أحدهما إلى ذلك لإمكان حمل المطلق على المقيد وإن أقر أمس بخمسمائة وغدا وفي نسخة وغده بألف دخل الأقل في الأكثر لأن من عليه ألف يصح أن يخبر بأن عليه خمسمائة ومن اقترض خمسمائة ثم اقترض مثلها يصح إخباره بالألف بعد إخباره بالخمسمائة فإن قال طلقت زوجتي أمس وطلقت ها اليوم أو قبضت منك اليوم ألفا وقبضت منك أمس ألفا تعدد لما مر وإن شهد واحد أنه أقر بألف أو بغصبه أمس وآخر أنه أقر به أو بغصبه اليوم لفقت شهادتهما وأثبت الألف والغصب لأن الإقرار لا يوجب حقا بنفسه وإنما هو إخبار عن ثابت فينظر إلى المخبر عنه وإلى اتفاقهما على الإخبار عنه لا إن اختلف الوصف أو السبب فيها لتعذر الجمع لكن للمدعي أن يعين أحدهما ويستأنف الدعوى به ويحلف مع الشاهد به وله أن يدعيهما ويحلف مع كل من الشاهدين صرح بذلك الأصل ولا تلفق شهادتهما في الإنشاء كالبيع والطلاق والقرض كأن شهد أحدهما أنه باعه أمس أو بألف والآخر أنه باعه غده أو بخمسمائة لأنهما لم يتفقا على شيء واحد وليس هو إخبارا حتى ينظر إلى المقصود المخبر عنه ونلفقها في الإقرار لا إن اختلف الوصف أو السبب كما مر
ولو أقر يوم السبت أنه طلقها طلقة ويوم الأحد أنه طلقها طلقتين لم يلزمه إلا طلقتان وتلفق الشهادتان في الإقرار كما مر وإن اختلف اللغتان كأن شهد واحد بإقراره بألف بالعربية وآخر بإقراره بألف بالعجمية لا في الشهادة بنفس القذف كأن شهد واحد بأنه قذف يوم السبت بالعربية وآخر أنه قذف يوم الأحد بالعجمية فلا تلفق الشهادتان لأن القذف إنشاء ولا فيما إذا شهد واحد على إقراره أنه يوم السبت قذفه أو أنه قذفه بالعربية والآخر على إقراره أنه يوم الأحد قذفه أو أنه قذفه بالعجمية لأن المقر به شيئان مختلفان ولا يخفى ما في كلامه من التكرار كما أشرت إلى بعضه ولا تلفق لذلك شهادتا الإيفاء والإبراء كأن شهد واحد أن المدعي استوفى دينه من غريمه وآخر أنه أبرأه نعم إن قال الشاهد بالإبراء أردت به الإيفاء أي إبراءه بفعل الإيفاء لفقت الشهادتان قاله العبادي وفي تلفيق شهادتي الإبراء والبراءة تردد كأن شهد واحد بأن المدعي أبرأه وآخر بأنه برئ إليه منه والموافق لكلام أصله أن يقول شهادتي الإيفاء والبراءة ثم قضية كلام أصله ترجيح التلفيق حيث قال والعبارة للرافعي قال أبو عاصم العبادي تلفق لأن إضافة البراءة إلى المديون عبارة عن إيفائه وقيل بخلافه ويؤخذ من كون البراءة بمعنى الإيفاء أن مسألة الإبراء والبراءة عين الإيفاء والبراءة فيلزم على تعبير المصنف بالإبراء بدل
310
310
الإيفاء تكرار محض
فرع
لو ادعى ثلاثين فشهد له واحد بها وآخر بعشرين ثبتت العشرون وله الحلف مع الشاهد الأول فلو كانت الدعوى بعشرين فشهد له واحد بها وآخر بثلاثين ردت شهادته في العشرة لأنه شهد بها قبل أن يستشهد فلو أعادها أي الشهادة بعشرة بعد الدعوى بها والاستشهاد قبلت شهادته وإن ادعاها المدعي في المجلس التصريح بهذا من زيادته هنا
فرع له مسطور بإقرار بألفين استوفى ألفا وادعى الآخر فكيف يشهد الشهود وهم شهدوا بالإقرار بالجمع فقيل يشهدون بألف من ألفين وقيل بإقراره بألف من ألفين لا بألفين فإن شهدوا بهما بطلت في الزائد وفي الباقي قولا تبعيض الشهادة قال السبكي وهذا كله خبط لأن الإقرار ليس عين الحق بل طريق إليه وتسمع الشهادة به إذا كانت الدعوى بالاستحقاق أو ضم إليه الدعوى بالإقرار بلا خلاف وكذا إن أفرده على الأصح المشهور الذي قطع به الأكثرون لأنهم إنما يشهدون بما سمعوه والحاكم يقبل شهادتهم لأنها تنفع في الحق المدعى به ويرتب عليها ما ادعاه المدعي وليس الشهادة بالألفين شهادة قبل الاستشهاد لأن المدعي يسألهم الشهادة بما جرى لكونه طريقا في إثبات دعواه ولا يسألهم الشهادة بما ادعاه ولو سألهم ذلك لم يلتفتوا إليه بل يعرضون عنه إلى أن يسألهم سؤالا صحيحا ولقد كنت أسمع بعض الحكام يقول للشاهد اشهد بما ادعاه وهذه غفلة صادرة عن معرفة الفقه دون أسراره
مسائل منثورة لو قال ما ينسب إلي أو ما في يدي لزيد ثم قال وقد نازعه زيد في عين هل كانت في يده حينئذ لم تكن هذه العين في يدي صدق المقر بيمينه وعلى المقر له البينة وكذا لو قال ليس لي مما في يدي إلا ألف وباقيه لزيد ومثله وارثه فيما يظهر نعم لو قال هذه الدار وما فيها لفلان ثم مات وتنازع وارثه والمقر له في بعض الأمتعة فقال الوارث لم يكن هذا في الدار يوم الإقرار وعاكسه المقر له صدق المقر له لأنه أقر له بها وبما فيها ووجدنا المتاع فيها فالظاهر وجوده فيها يوم الإقرار قاله القاضي في فتاويه وكالوارث في هذا المقر وإن قال زيد لا حق لي فيما في يد عمرو ثم قال زيد وقد ادعى عينا في يد عمرو لم أعلم كون هذه العين في يده حين الإقرار صدق بيمينه لاحتمال ما قاله وإن قال له علي درهم أو دينار لزمه أحدهما وطولب بالتعيين لأنه جزم بالإقرار وأبهم المقر به فيلزمه تعيينه وإن قال له علي ألف أو على زيد لم يلزمه شيء للشك في الإخبار وإن قال أنت طالق أو لا بإسكان الواو على سبيل الإقرار لم تطلق لذلك أو على سبيل الإنشاء طلقت كما لو قال أنت طالق طلاقا لا يقع عليك فإن تعذر استفساره بموت أو غيره قال الإسنوي قال الهروي فيمكن أن يحمل على الإخبار حتى لا يقع للشك والأصل بقاء النكاح قال وما قاله ظاهر منقاس أو قال لك علي ألف درهم وإلا فلعمرو علي ألف دينار لزمته الدراهم فقط وكلامه الآخر للتأكيد أي لأن مثله إنما يذكر في معرض النذر غالبا وإن أقر لابنه وإن نزل بعين فله الرجوع فيها لاحتمال أن يكون مستنده الهبة فنزل الإقرار عليها لأنها أضعف الملكين كما ينزل على أقل المقدارين وترجيح ما قاله من زيادته وقد صححه النووي في فتاويه وفيها أن الأم والجدة في ذلك كالأب
ولو أقر أنه لا دعوى له على
311
311
زيد ثم خصص ذلك في شيء كان له إنما أردت في عمامته وقميصه لا في داره وبستانه لم يقبل قوله في الظاهر و لكن له تحليفه أي المقر له أنه ما علمه قصد ذلك ويفارق قبول قوله في مسألة لا حق لي السابقة بأن الأصل عدم العلم فدعواه له ثم موافقة للأصل وبأن عدم العلم غالب على الإنسان كالنسيان وقد أفتى ابن الصلاح في مسألة دعوى نسيان عين بقبول قوله بخلاف تخصيص العام بالإرادة في ذلك فلا يقبل بلا قرينة ولهذا لو قال نسائي طوالق أو كل امرأة لي طالق قال أردت بعضهن لم يقبل ظاهرا بلا قرينة على الصحيح إنما لم يجر ذلك الخلاف في مسألتنا لأن العام فيها نص في إفراده لوقوعه بعد لا النافية للجنس بخلافه في تينك فإنه ظاهر ولأن الحق هنا لمحض حق الآدمي بخلافه
ثم اعلم أن ما قاله المصنف هو ما صوبه النووي على قول الهروي القياس قبول قوله ثم قال ولعله مراده ويؤخذ منه أن المحذور من قبول قوله إنما هو إقامة البينة وأنه في مسألة لا حق لي ونحوها يقبل قوله لإقامتها وهو مقتضى كلام البلقيني بل هو مقتضى ما صححه الشيخان في نظير ذلك من المرابحة وعليه يفرق بما قدمته آنفا ويحمل ما أطلقه الشافعي والجمهور في المرابحة وغيرها من مسائل الإقرار من عدم سماع البينة لتكذيب قوله الأول لها على ما إذا لم يذكر المدعي تأويلا ظاهرا كإرادة ما ذكر في مسألتنا والإشهاد على رسم القبالة والجهل بما أقر به ولو مع دعوى ظهور مستند يشهد له باستحقاقه فلا تسمع دعواه إلا للتحليف هكذا فهم
وإن أقر بمجهول تمكن معرفته كوزن هذه الصنجة دراهم وقدر ما باع به فلان فرسه صح ويرجع إلى ما أحال عليه وكقوله لزيد علي ألف إلا نصف ما لعمرو علي ولعمرو علي ألف إلا ثلث ما لزيد علي فلزيد ستمائة ولعمرو ثمانمائة لأن ستمائة ألف إلا نصف ثمانمائة وثمانمائة ألف إلا ثلث ستمائة وذكر الأصل لذلك ثلاثة طرق أولها أن تفرض لزيد شيئا وتقول لعمرو ألف إلا ثلث شيء فتسقط نصفه من ألف زيد يبقى خمسمائة وسدس شيء يعدل الشيء تسقط سدس شيء بمثله تبقى خمسة أسداس شيء تعدل خمسمائة فالشيء ستمائة وهو ما لزيد ولعمرو ثمانمائة ثانيها أن تفرض لزيد ثلاثة أشياء لاستثنائه الثلث مما له وتسقط ثلثها من ألف عمرو يصير ألفا إلا شيئا ثم تزيد نصفه على ما فرض لزيد يصير معه خمسمائة وشيئان ونصف شيء يعدل ألفا فتسقط خمسمائة بمثلها تبقى خمسمائة تعدل شيئين ونصف شيء فالشيء مائتان فلزيد ستمائة
ولك أن تقول أخذا من الطريق السابق بعد قولهم يصير ألفا إلا شيئا ثم تسقط نصفها خمسمائة إلا نصف شيء من ألف زيد يبقى خمسمائة ونصف شيء وذلك يعدل المفروض فتسقط نصف شيء بمثله يبقى شيئان ونصف شيء يعدل خمسمائة فالشيء مائتان فلزيد ستمائة
ثالثها أن تضرب مخرج النصف في مخرج الثلث يكون ستة فتنقص منها الحاصل من ضرب أحد الجزأين في الآخر وهو واحد يبقى خمسة تسميها المقسوم عليه ثم تضرب ما يبقى من مخرج كل بعد إسقاط جزئه في مخرج الآخر فيبقى من مخرج النصف واحد تضربه في ثلاثة بثلاثة تضربها في الألف تحصل ثلاثة آلاف تقسمها على الخمسة يخرج ستمائة وهي ما لزيد ويبقى من مخرج الثلث اثنان تضربهما في مخرج النصف بأربعة تضربها في الألف تحصل أربعة آلاف تقسمها على الخمسة تخرج ثمانمائة وهي ما لعمرو وإن قال لزيد علي عشرة إلا ثلثي ما لعمرو علي ولعمرو علي عشرة إلا ثلاثة أرباع ما لزيد علي فلزيد ستة وثلثا واحد ولعمرو خمسة
وطريقه بالثالث أن تضرب المخرج في المخرج يكون اثني عشر ثم تضرب أحد الجزأين في الآخر وهو اثنان في ثلاثة بستة تسقطها من اثني عشر تبقى ستة ثم تضرب الباقي من مخرج كل منهما بعد إسقاط بسطه منه في مخرج الآخر فيبقى من مخرج الثلث واحد تضربه في أربعة بأربعة تضربها في العشرة بأربعين تقسمها على الستة يخرج ستة وثلثان وهي ما أقر به لزيد ثم تضرب واحدا وهو الباقي من مخرج الربع في ثلاثة بثلاثة تضربها في العشرة بثلاثين تقسمها على الستة يخرج خمسة وهي ما أقر به لعمرو وهذا الطريق لا يطرد فيما إذا اختلف المبلغ في الإقرارين كالمثال الذي ذكره بقوله وإن قال لزيد علي عشرة إلا نصف ما لعمرو علي ولعمرو علي ستة إلا ربع ما لزيد علي فلزيد ثمانية ولعمرو أربعة
وطريقه بالأول أن تفرض لزيد شيئا وتقول لعمرو ستة إلا ربع شيء
312
312
فتسقط نصفه من العشرة يبقى سبعة وثمن شيء يعدل الشيء فتسقط ثمن شيء بمثله يبقى سبعة أثمان شيء تعدل سبعة فالشيء ثمانية وهو ما لزيد ولعمرو أربعة ولو قال لزيد علي عشرة إلا نصف ما لعمرو علي ولعمرو علي عشرة إلا ربع ما لزيد علي فلزيد خمسة وخمسة أسباع ولعمرو ثمانية وأربعة أسباع وإن قال زيد لك علي ألف إلا نصف ما لك على عمرو وقال عمرو ولك علي ألف إلا ثلث ما لك على زيد صح واستخراج ذلك ظاهر لمن عرف الطرق السابقة وخرج أنت على ذلك ما شئت من الأمثلة وقد بسطت الكلام على ذلك في شرح البهجة تبعا لها مع زيادة
الباب الثالث في تعقيب الإقرار بما يغيره من استثناء وغيره
فإن قال لك علي ألف من ثمن خمر أو كلب أو نحوهما مما يبطل حكم الإقرار شرعا وقدم الألف علي من ثمن خمر أو نحوه لا إن أخره عنه لزمه الألف إن انفصل وكذا إذا اتصل لأنه عقب إقراره بما يرفعه فأشبه ما لو قال له علي ألف لا تلزمني بخلاف ما إذا أخره لا يلزمه شيء
وقضية إطلاقهم أنه لا فرق في اللزوم بذلك بين المسلمين والكفار وهو ظاهر لأن الكفار إذا ترافعوا إلينا إنما نقرهم على ما نقرهم عليه لو أسلموا وإن قال متصلا له علي ألف من ثمن عبد أو هذا العبد ثم ادعى متصلا أو منفصلا أنه لم يقبضه أي العبد فالقول قوله لأن ما ذكره آخرا هنا لا يرفع الأول بخلاف ثمن الخمر ونحوه ولأنه علق الإقرار بالعبد والأصل عدم قبضه لا إن فصل قوله من ثمن عبد عن قوله له علي ألف فلا يقبل قوله فيه لأنه خلاف الظاهر ولو قال أقرضني ألفا ثم ادعى أنه لم يقبضه قبل قاله الماوردي وإن أقر بألف ثم قال هو ثمن خمر وظننته يلزمني فله تحليفه أي المقر له على نفيه رجاء أن يرد اليمين عليه فيحلف ولا يلزمه شيء وإن قال له علي ألف قضيته أو لا يلزمني أو ألف لا لزمه الألف لأنه عقب إقراره بما يرفعه والأولى قدمها لكن في جواب لي عليك ألف أو قال له علي ألف أو لا بإسكان الواو أو ألف إن شاء الله أو إن لم يشأ الله أو إلا أن يشاء الله أو إن شئت أو شاء فلان لم يلزمه سواء تقدم الألف على المشيئة أو تأخر عنها لأنه لم يجزم بالالتزام
والأولى نظير ما مر من أنه لو قال أنت طالق أو لا على سبيل الإقرار لم تطلق أو قال ابتداء كان له علي ألف قضيته لم يلزمه لأنه لم يلتزم في الحال بشيء وتقدم مثله في الركن الرابع وقال السبكي الذي يظهر فيه أن الأصح أنه إقرار سواء أذكر قضيته أم لا أو قال له علي ألف إذا جاء رأس الشهر أو نحوه كإذا قدم زيد كما قدمه في الركن الرابع لم يلزمه لما مر وقياسا على ما لو قدم التعليق فقال إذا جاء رأس الشهر أو إذا قدم زيد فلفلان علي ألف إلا إن قصد التأجيل ولو بأجل فاسد فيلزمه ما أقر به و لكن من عقب إقراره بذكر أجل صحيح متصلا ثبت الأجل بخلاف ما إذا لم يكن صحيحا كقوله إذا قدم زيد وقوله له علي ألف أقرضنيه مؤجلا وما إذا كان صحيحا لكن ذكره منفصلا وفارق عدم اللزوم
313
313
في مسائل التعليق اللزوم في نحو قوله له علي ألف من ثمن خمر بأن دخول الشرط على الجملة يصيرها جزءا من الجملة الشرطية فيتغير معناها بخلاف قوله من ثمن خمر لا يغير معنى ما قبله وإنما هو بيان جهته
فصل وإذا قال
لامرأة بعتك أو أعتقتك أو خالعتك بكذا فلم تقبلي فقالت بل قبلت صدقت بيمينها لأنها أعرف بذلك ولأنه عقب إقراره بما رفعه ولو واطأ الشهود على الإقرار بما ليس عنده أو عليه ثم أقر بشيء لزمه ما أقر به كقوله له علي ألف لا تلزمني وقيل لا يلزمه والترجيح من زيادته وإذا قال له معي أو عندي أو علي ألف وفسره ولو منفصلا بوديعة قبل قوله بيمينه أما في الأوليين فظاهر وأما في الثالثة فلاحتمال إرادة وجوب حفظها والتخلية بينها وبين مالكها ولاحتمال أنه تعدى فيها حتى صارت مضمونة عليه ولأن علي قد تستعمل بمعنى عند فإن قال المقر له هو وديعة لكن لي عليك ألف آخر دينا وهو الذي أردت بإقرارك فالقول قول المقر بيمينه لذلك
وكذا لو قال أخذته منه ثم فسر ه الوديعة قبل قوله بيمينه فإن تلف ولو بدعواه لم يضمن كما في سائر الودائع ولأن لفظه ليس فيه ما يدل على ضمان ولا على دينية لا إن قال له ألف في ذمتي أو دين علي فلا يقبل تفسيره الوديعة بل القول قول المقر له بيمينه إذ العين لا توصف بكونها دينا أو في الذمة وإن قال له عندي ألف وديعة دينا أو مضاربة دينا لزمه الألف مضمونا عليه فلا يصدق في دعوى الرد والتلف لأن كونه دينا عبارة عن كونه مضمونا فإن قال في تفسيره منفصلا أردت أنه أودعني أو قارضني بشرط الضمان إن تلف لم يقبل قوله لأن شرط الضمان في الأمانة لا يوجب الضمان وإن اتصل ذلك بإقراره قبل إلغاء للضمان بهذا القول كذا فهمه كشيخنا الحجازي من قول أصله وغيره فإن فسر متصلا ففيه قولا تبعيض الإقرار وليس موافقا له بل الموافق له وكذا إن اتصل فهو نظير ما لو قال من ثمن خمر بعد قوله له علي ألف حيث قالوا إن قاله منفصلا لم يقبل أو متصلا فكذلك على الأظهر
وإن قال في شيء وهبته له وخرجت إليه منه أو وملكه كما صرح به الأصل لم يكن إقرارا بالقبض لجواز أن يريد الخروج إليه منه بالهبة نعم إن كان بيد المقر له كان إقرارا بالقبض كما سيأتي في باب الهبة إلا إن قال وأقبضته له وأمكن فإنه يكون إقرارا بالقبض وإن لم يكن بيد المقر له ولو قال وهبته له وقبضه بغير رضاي فالقول قوله لأن الأصل عدم الرضا نص عليه والإقرار بالقبض هنا كالإقرار به في الرهن فإذا قال لم يكن إقراري عن حقيقة فله تحليف المقر له أنه قبض الموهوب وإن لم يذكره لإقراره تأويلا أو قال له عندي ألف عارية ضمنه سواء أصححنا عبارة الدراهم أم لا لأن الفاسد كالصحيح في الضمان ومتى قال هذه الدار لك عارية بالرفع أو النصب أو الجر أو الإسكان كما هو ظاهر كلامهم أو هبة عارية أو هبة سكنى بالإضافة فيهما فهي عارية بإقراره فله الرجوع فيها ولم يجعل في الأولى
314
314
إقرارا بالملك لاحتماله العارية ولا تنافي بين هذه لك وعارية لأن اللام للاختصاص فإذا قيد به جهة صالحة وراء الملك حمل عليها وإلا فعلى الملك لأنه أظهر وجوه الاختصاص وإذا أقر بعقد كبيع أو غيره وادعى فساده لم يصدق وإن قال أقررت لظني الصحة لأن الاسم يحمل عند الإطلاق على الصحيح ومع ذلك فله التحليف للمقر له لاحتمال ما يدعيه وقد يخفى المفسد أو يغفل عنه فإن نكل حلف المقر وحكم ببطلان العقد
وإن أقر بإتلاف وأشهد على نفسه وقال أشهدت لعزمي عليه أي على الإتلاف لم يسمع قوله بخلاف نظيره في القرض ونحوه كثمن المبيع فإنه يسمع قوله للتحليف لأنه معتاد بخلاف ما قبله وإن قال هذه الدار لزيد بل أو ثم لعمرو أو غصبتها من زيد بل من عمرو أو وغصبها زيد من عمرو وسلمها لزيد لسبق الإقرار له وغرم لعمرو القيمة وصل إقراره الثاني بالأول أو فصل سلمها لزيد بنفسه أو سلمها له الحاكم للحيلولة بإقراره الأول والحيلولة توجب الضمان كالإتلاف بدليل أنه لو غصب عبدا ثم أبق عنده لزمه قيمته للحيلولة وقضية التعليل أنه لو كان المقر به مثليا غرم القيمة أيضا
فرع لو باع عينا لشخص قال في الأصل وتقابضا ثم أقر بعد الخيار الذي لا يخص المشتري بالبيع أي ببيعها لآخر أو بالغصب أي بغصبها منه لم يبطل بيعه للأول وغرم قيمتها للآخر لأنه فوتها عليه بتصرفه وإقباضه ولأنه استوفى عوضه وللعوض مدخل في الضمان بدليل أنه لو غر بحرية أمة فنكحها وأحبلها ثم أجهضت بجناية يغرم المغرور قيمة الجنين لمالك أمه لأنه يأخذ الغرة ولو أجهضت ميتا بلا جناية لم يغرم وقضية التعليل الأول وكلام المصنف أنه لا فرق بين قبض الثمن وعدم قبضه وقضية الثاني وكلام الأصل أن ذلك يتقيد بقبضه والأول أوجه وبه صرح القاضي فإن لم يقر به أي بما أقر به البائع المشتري فللمقر له دعوى القيمة على البائع مع بقائها أي العين في يد المشتري بناء على ما تقرر من أن البائع يغرم له القيمة بإقراره وهذا معلوم مما قبله وإنما ذكره الأصل على وجه البناء لبيان الخلاف في المسألة وخرج بعد الخيار المذكور ما لو أقر في زمنه فينفسخ البيع ويرد إلى المشتري الثمن
أو قال هذه العين التي في تركة مورثي لزيد بل لعمرو سلمت لزيد وفي غرمه لعمرو خلاف أي طريقان أحدهما أنه كنظائره السابقة والثاني القطع بأن لا غرم والفرق أنه هنا معذور لعدم كمال اطلاعه قال الماوردي ولو قال غصبتها من زيد وغصبتها من عمرو فهل هو كقوله غصبتها من زيد وعمرو حتى تسلم إليهما فيه وجهان انتهى ومال السبكي إلى المنع قال لأنهما إقراران بغصبين مستقلين بخلاف ما إذا عطف ولم يعد العامل فإنه إقرار واحد لهما معا أو قال هذه لزيد وعمرو فهي نصفان وفي نسخة قسمتها بينهما ومتى انتزعت عين من يد رجل بيمين لنكوله ثم أثبت أي أقام بها آخر بينة غرم له الرجل القيمة بناء على أن اليمين المردودة كالإقرار وإن قال غصبتها من زيد وهي ملك عمرو أو هي ملك لعمرو وغصبتها من زيد كما صرح به الأصل سلمت لزيد لأنه اعترف له باليد والظاهر أنه محق فيها ولا غرم عليه لعمرو إذ لا منافاة هنا بين الإقرارين لاحتمال أن زيدا مستأجر أو مرتهن أو موصى له بالمنافع فيكون الآخذ غاصبا منه
قال السبكي وفهم ابن الرفعة من ذلك أن العين المغصوبة من يد المستأجر أو المرتهن ترد عليه ويبرأ الغاصب من الضمان قال بل ذلك مصرح به في كلامهم قلت وهذا صحيح ولا ينافي قولنا إنهما لا يخاصمان على أحد الوجهين
انتهى
ثم قال وأطلقوا في قوله غصبتها من زيد بل عمرو غرم القيمة وذلك يقتضي أن الإقرار بالغصب يتضمن الإقرار بالملك وهنا بخلافه فطريق الجمع أن يجعل التصوير ثم فيما إذا أقر بالملك أو يقال إطلاق الإقرار بالغصب يقتضي الإقرار بالملك وهنا لم يطلق بل ضم إليه الإقرار بالملك لغيره وعلى هذا تتقيد هذه المسألة بما إذا ذكره متصلا بكلامه
انتهى
ولو شهد المقر بها لعمرو لم تقبل شهادته لأنه غاصب أي فهو فاسق وعلى هذا فقضيته
315
315
إن شهد بذلك بعد توبته قبلت شهادته أو قال غصبتها من أحدكما وجهلت ه حلف لهما على ذلك أي على جهله بأن يحلف على نفي العلم إن كذباه و حيث كذباه وحلف لهما أو صدقاه وقفت أي العين بينهما حتى يبين المالك أو يصطلحا وإذا عين أحدهما سلمها له و حلف للآخر فإن نكل عن اليمين وحلف الآخر غرم له القيمة
فصل في الاستثناء الاستثناء وهو إخراج ما لولاه لدخل فيما قبله بإلا أو نحوها جائز في الإقرار وغيره لكثرة وروده في القرآن وغيره هذا إن اتصل بالمستثنى منه بحيث يعد معه كلاما واحدا ولم يستغرقه كعشرة إلا ثلاثة أو إلا سبعة فلو وفي نسخة فإن فصله بسكوت أو بأجنبي عما هو فيه ولو بقوله أستغفر الله بطل الاستثناء نعم يغتفر الفصل اليسير بسكتة تنفس أو عي أو تذكر أو انقطاع صوت كما نص عليه في الأم وما قاله من أن الفصل بأستغفر الله يبطل الاستثناء تبع فيه إطلاق الأصحاب ونظر الروضة فإنه لما ذكر فيها أن تخلل الكلام الأجنبي يبطل الاستثناء قال هكذا قاله أصحابنا وقال صاحبا العدة والبيان إذا قال علي ألف أستغفر الله إلا مائة صح الاستثناء عندنا خلافا لأبي حنيفة لنا أنه فصل يسير فصار كقوله علي ألف يا فلان إلا مائة وما نقلاه فيه نظر
انتهى
ونظره في المقيس عليه ظاهر وأما في المقيس فجوابه ما قاله الخوارزمي أن قوله أستغفر الله استدراك لما سبق منه فكان ملائما للاستثناء فلا يمنع الصحة ولا بد في الاستثناء من قصده قبل فراغ الإقرار كما سيأتي في الطلاق وإذا تقرر أنه يعتبر فيه عدم الاستغراق فعشرة إلا عشرة باطل لأنه رفع لما أثبته وعشرة إلا تسعة صحيح وإن كان المستثنى أكثر من نصف المستثنى منه
فرع الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات لأنه مشتق من الثني وهو الصرف وإنما يكون الصرف من الإثبات إلى النفي وبالعكس فإن قال له علي عشرة إلا تسعة إلا ثمانية لزمه تسعة إذ المعنى إلا تسعة لا تلزمني إلا ثمانية تلزمني فتلزمه ثمانية والواحد الباقي من العشرة فإن قال له مع ذلك إلا سبعة وهكذا إلى الواحد لزمه خمسة وطريق ذلك ونحوه أن تسقط الأعداد المنفية من المثبتة والباقي هو اللازم أو تخرج المستثنى الأخير مما قبله وما بقي منه يخرج مما قبله وهكذا إلى أن تنتهي إلى الأول قال في الأصل عقب الطريق الأول ثم معرفة المثبت أن العدد المذكور أولا إن كان شفعا فالأشفاع مثبتة والأوتار منفية وإن كان وترا فبالعكس وشرطه أن تكون الأعداد المذكورة على التوالي المعتاد إذ يتلو كل شفع وترا وبالعكس وإن قال ليس له علي شيء إلا خمسة لزمته الخمسة أو قال ليس له علي عشرة إلا خمسة لم يلزمه شيء لأن عشرة إلا خمسة خمسة فكأنه قال ليس له علي خمسة بجعل النفي الأول متوجها إلى مجموع المستثنى والمستثنى منه وإن خرج عن قاعدة أن الاستثناء من النفي إثبات ويلزمه بعشرة أي بقوله له علي عشرة إلا خمسة إلا خمسة أو عشرة إلا خمسة إلا عشرة خمسة ويلغو ما يحصل به الاستغراق فلو قال له علي عشرة إلا عشرة إلا أربعة وجبت أربعة إذ الكلام بآخره وآخره يخرجه عن الاستغراق لأن عشرة إلا أربعة ستة ويكون المقر به
316
316
في مثل ذلك الأخير حتى يكون الإقرار في له علي عشرة إلا عشرة إلا درهمين بدرهمين وإلا ثلاثة بثلاثة والتصريح بترجيح وجوب الأربعة فيما قاله من زيادته هنا
أو قال له علي عشرة إلا خمسة وإلا ثلاثة أو ثلاثة لزمه اثنان لأن المستثنيين مستثنيان من العشرة للعاطف المشرك ولو قال له علي عشرة إلا سبعة وثلاثة أو وإلا ثلاثة لزمته ثلاثة لأن الأول صح استثناؤه والثاني مثل العدد الباقي فهو المستغرق ولا يجمع مفرق بالعطف في المستثنى أو في المستثنى منه أو فيهما إن حصل بجمعه استغراق أو عدمه لأن واو العطف وإن اقتضت الجمع لا تخرج الكلام عن كونه ذا جملتين من جهة اللفظ الذي يدور عليه الاستثناء وهذا مخصص لقولهم إن الاستثناء يرجع إلى جميع المعطوفات لا إلى الأخير فقط فقوله له علي درهمان ودرهم أو درهم ودرهم ودرهم إلا درهما يوجب ثلاثة لأن المستثنى منه إذا لم يجمع مفرقه كان الدرهم الواحد مستثنى من درهم واحد فيستغرق فيلغو أو قال له علي ثلاثة إلا درهما ودرهمين لزمه درهمان لأن المستثنى إذا لم يجمع مفرقه لم يلغ إلا ما يحصل به الاستغراق وهو درهمان وفي عكسه بأن قال له علي ثلاثة إلا درهمين ودرهما يلزمه درهم لذلك وكذا لو قال له علي ثلاثة إلا درهما ودرهما ودرهما أو قال له علي درهم ودرهم ودرهم إلا درهما ودرهما ودرهما فثلاثة تلزمه لأنه إذا لم يجمع مفرق المستثنى والمستثنى منه كان المستثنى درهما من درهم فيلغو
فرع لو قال له علي عشرة إلا خمسة أو ستة لزمه أربعة لأن الدرهم الزائد مشكوك فيه فصار كقوله له علي خمسة أو ستة فإنه يلزمه خمسة قال بعضهم والظاهر أن هذا محله إذا تعذرت مراجعته ليوافق ما قالوه فيما إذا قال له علي درهم أو دينار وفيما إذا قال أنت طالق واحدة أو اثنتين من أنه يعين لا يقال بل يلزمه في مسألتنا خمسة لأنه أثبت عشرة واستثنى خمسة وشككنا في استثناء الدرهم السادس لأنا نقول المختار أن الاستثناء بيان ما لم يرد بأول الكلام لا أنه إبطال ما ثبت و قوله له علي درهم غير دانق كإلا أي كقوله له علي درهم إلا دانق الأولى دانقا فتلزمه خمسة دوانق ولو رفع غير أو جره أو سكنه فيما يظهر والخطأ في الإعراب لا يؤثر في ذلك
فرع ويصح الاستثناء من غير الجنس أي جنس المستثنى منه لوروده في القرآن وغيره ومنه قوله تعالى فإنهم عدو لي إلا رب العالمين وقوله ما لهم به من علم إلا اتباع الظن ونحوهما كألف درهم إلا ثوبا وتخرج قيمته أي الثوب من الألف إن فسر بثوب قيمته دون الألف فلو فسر بثوب تستغرق قيمته الألف لزم الألف لأنه بين ما أراده باللفظ فكأنه تلفظ به وهو مستغرق قال السبكي قال ابن سراقة لو لزمه لرجل ألف درهم وله عليه قيمة عبد أو عشرة دنانير ويخاف إن أقر له جحده فطريقه أن يقول له علي ألف درهم إلا عبدا أي قيمته أو إلا عشرة دنانير فإن الحاكم يسمع إقراره ويستفسره فإن فسر بأقل من الألف بأن قوم ذلك بدراهم أقل من الألف حلفه أن جميع ما عليه ذلك ثم ألزمه بالباقي قال الأذرعي وسيأتي في الدعاوى في مسائل الظفر ما ينازع في هذا وإن قال له علي ألف إلا شيئا أو عكس فقال له علي شيء إلا ألفا فالألف والشيء مجملان فيفسرهما ويجتنب في تفسيره الاستغراق والتصريح بمسألة العكس من زيادته
فإن قال له علي ألف إلا درهما فالألف مجمل فليفسره بما فوق الدرهم فلو فسره بما قيمته درهم فما دون ه لغا الاستثناء والتفسير للاستغراق وكذا لو قال له علي شيء إلا شيئا أو مال إلا مالا أو نحوه فكل من المستثنى منه والمستثنى مجمل فليفسرهما فإن فسر الثاني بأقل مما فسر به الأول صح الاستثناء وإلا لغا وقيل الاستثناء في ذلك باطل كقوله له علي درهم إلا درهما فيلزمه أقل متمول والترجيح من زيادته
فرع يصح الاستثناء من المعين كما يصح من غيره فلو قال هذا الخاتم إلا فصه لفلان أو هؤلاء العبيد له أو غصبتهم منه إلا واحدا صح ورجع إليه في التعيين لأنه أعرف بمراده فإن ماتوا بقتل أو بدونه إلا واحدا وقال وهو المستثنى قبل قوله بيمينه لاحتماله وقوله هذا الأولى هذه الدار لفلان وهذا البيت منها لي أو لفلان أو هذا الخاتم له وفصه لي أو لفلان مقبول لأنه إخراج بعض ما تناوله اللفظ فكان
317
317
كالاستثناء
فرع لو أقر لورثة أبيه بمال وكان هو أحدهم لم يدخل لأن المتكلم لا يدخل في عموم كلامه قال السرخسي ثم قال وهذا إن أطلق فإن نص على نفسه فقيل يكون كما لو وقف على نفسه وقيل يصح قولا واحدا وهذا أوجه
فصل فيه مسائل تتعلق بالإقرار لو قال بعتك الجارية التي في يدك بكذا وسلمتها لك فأد الثمن فقال بل زوجتنيها بصداق كذا وهو علي وحلف كل منهما للآخر على نفي ما يدعيه سقط الثمن والنكاح ولا مهر وإن وطئها ذو اليد لأنه وإن أقر بالمهر لمن كان مالكا فهو منكر له وترد الجارية إلى مدعي البيع ثم هل يملكها كالمعادة للإفلاس أي كالعين المبيعة المعادة إلى البائع لإفلاس المشتري بالثمن فيفسخ ولو بدون الحاكم كأن يقول استرجعتها أو فسخت البيع ويحل له وطؤها والتصرف فيها أم يكون ظافرا بمال من ظلمه بزعمه أنه باعها له فيبيعها ويستوفي حقه من ثمنها ويرد الفاضل لذي اليد إن أخذه وإلا فموقوف ولا يحل له وطؤها وجهان أقر بهما الأول وينبغي جريانهما في رد العين فيما لو قال بعتكها فقال بل وهبتنيها وحلفا وإن نكل مدعي الثمن عن يمينه على نفي التزويج حلف الآخر وهو ذو اليد اليمين المردودة على النكاح فيحلف يمينا لنفي ما يدعيه الآخر ويمينا لإثبات ما يدعيه هو ولا يكتفى منه بيمين واحدة يجمع فيها بين النفي والإثبات خلافا للقاضي وحكم له بالنكاح وبرقبتها للآخر فإن ارتفع النكاح بطلاق أو غيره حلت للبائع ظاهرا لا باطنا إلا إن كان كاذبا في دعواه فتحل له باطنا أيضا وإن نكل مدعي الزوجية عن يمينه على نفي الشراء حلف المدعي للثمن اليمين المردودة على الشراء فيحلف يمينين نظير ما مر آنفا ووجب له الثمن وإن نكلا معا عن اليمين قال الروياني فهو نكول عن يمين نفي وإنكار فيحلف كل منهما على إثبات دعواه فإن نكلا أيضا لم يحكم لواحد منهما بما ادعى وحرمت على الواطئ لنكوله عما ادعاه وهل تحرم على المالك وجهان وإن حلف المالك ونكل الواطئ حكم بالشراء ولزوم الثمن للواطئ وإن حلف الواطئ ونكل المالك حكم بالتزويج
فإن حلفا معا حكم بالشراء ولزوم الثمن للواطئ لأن تزوجه بها لا يمنع جواز ابتياعها وزاد على ذلك أشياء ونقلها عنه الأذرعي في توسطه هذا كله إذا لم يولدها مدعي النكاح فإن أولدها مدعي النكاح صارت أم ولد والولد حر لاعتراف المالك بالبيع فإن كان المستولد قد حلف على نفي الشراء فهل يلزمه للمالك الأقل من المهر والثمن لأنه مقر له بالمهر وهو يدعي الثمن فالأقل منهما متفق عليه أم لا يلزمه له شيء لأنه أسقط الثمن عن نفسه بيمينه والمهر الذي يقر به لا يدعيه المالك وجهان قال البلقيني أصحهما الأول لأن الأول مستحق للمالك بكل حال والاختلاف في الجهة لا يضر كما في من شهد بأن مالك العبد أعتقه فردت شهادته ثم اشتراه ومات فإنه يأخذ من تركته قدر الثمن فكذا هنا وصحح الشيخ أبو حامد الثاني
انتهى
ونقل الأذرعي تصحيحه أيضا عن الماوردي وإليه يشير كلام الدارمي قال في الأصل وهل لذي اليد تحليف المالك على نفي الزوجية بعدما حلف على نفي الشراء طمعا في أنه ينكل فيحلف ويثبت له النكاح أو لا لأنه لو ادعى ملكها وتزويجها بعد اعترافه بأنها أم ولد للآخر لم يقبل فكيف يحلف على ما لو أقر به لم يقبل قال البلقيني والثاني هو الصواب ولا وجه للأول لأنا وإن قلنا إن النكول واليمين المردودة كالبينة فإن البينة لو شهدت بأن ملكها باق للبائع لم تسمع لأنه مكذب لها وكان المصنف حذف هذه سهوا إذ في كل منهما ومما قبلها وجهان فانتقل نظره من وجهي تلك إلى وجهي هذه وإن نكل المستولد عن اليمين على نفي الشراء وحلف المالك اليمين المردودة على الشراء استحق الثمن ولم تنزع أي الجارية من يده فإنها أم ولده أو زوجته وله وطؤها باطنا وكذا ظاهرا ونفقتها عليه فإن ماتت قبل موت المستولد ماتت قنة وللبائع أخذ قدر الثمن من ما تركته من أكسابها إن لم يكن أخذه قبل لأن المستولد يقول إنها بأسرها
318
318
له وهو يقول إنها للمستولد وله عليه الثمن فيأخذ حقه منها
ويوقف الفاضل منها لأنه لا يدعيه أحد وتعبيره بالثمن أولى من تعبير أصله في أكثر النسخ بالقيمة والتصريح بقوله إن لم يكن أخذه من زيادته وبه صرح الدارمي
وإن ماتت بعد موت المستولد لم يأخذه أي الثمن من تركتها لأنها حرة بزعمه لعتقها بموت المستولد والثمن بزعمه عليه فلا يأخذه مما جمعته بعد الحرية بل توقف تركتها إن لم يكن لها وارث إذ الولاء لا يدعيه واحد منهما هذا كله إن أصرا على كلاميهما فإن رجع المالك وصدق صاحب اليد لم يبطل الاستيلاد والحرية للولد وملك أكسابها ما دام المستولد حيا فإذا ماتت عتقت وكانت أكسابها لها وإن رجع صاحب اليد وصدق البائع لزمه الثمن وكان الولاء له وإذا أقر أحد الوارثين على التركة بدين أو وصية بدين أو عين وأنكر الآخر لم يلزمه إلا قسطه من حصته من التركة لأنه لم يقر عن نفسه بل عن مورثه بحكم الخلافة عنه فيتقيد بقدرها وكما في إقرار الشريك في عبد بجنايته
وشمل كلامه ما لو أقر أحدهما بأنه أوصى بربع ماله وأنكر الآخر فإنه يلزمه ربع ما بيده للموصى له وبه صرح الأصل قال البلقيني ويستثنى من ذلك ما لو كان قد أقر بالدين وبأن التركة مرهونة عليه وهنا مقبوضا قبل موت المورث فإنه يلزمه قضاء جميع الدين من حصته لأنه معترف بتعلق جميع الدين بها وما لو كانت التركة بيد ثالث مدع لها أو ادعى عليه بدين للميت فأقام أحد الوارثين شاهدا بالمدعى وحلف معه ونكل الآخر فإنه يقتضي من نصيب الحالف جميع الدين تنزيلا للناكل منزلة المعسر من غرماء المفلس الذين اقتسموا ثم ظهر غريم وأحد الآخذين معسر والآخر موسر فإنه يأخذ من الموسر بنسبة أن الذي في يده كل المال كما هو الأصح في باب التفليس
ولا يجاوز في الوصية ثلث نصيبه لأنه محلها فلو أقر بأن أباه أوصى بعشرة وأنكر الآخر تعلق نصفها بثلث نصيبه وظاهر أنه إذا كانت الوصية بأكثر من الثلث وأجاز المقر جاوز فيها ثلث نصيبه وإذا لم يلزمه بالإقرار إلا القسط فتقبل شهادته على مورثه ولو بعد إقراره لعدم التهمة نعم إن كانت الوصية التي أقر بها بعين وخرجت بالقسمة أو نحوها للمقر أخذها الموصى له وإن خرجت للمنكر فللموصى له أن يغرم المقر نصف القيمة لأنه فوته عليه بالقسمة وإن شهد المقر للموصى له وانتزعت أي العين من يد المنكر غرم للمنكر نصف القيمة لأنه بان أنها مستحقة للموصى له فيغرم للمنكر ما يقابل ما أخذه بالقسمة وكان الأولى أن يقول نصف القيمة أو المثل وأولى منه وأخصر بدل النصف ولو مات المنكر فورثه المقر لزمه جميع الدين لحصول جميع التركة في يده
فرع على إقرار أحد الوارثين وإن خالفه حكما
لو أقر أحد الشريكين لثالث بنصف الألف المشترك بينهما تعين ما أقر به في نصيبه بخلاف الوارث لأنه خليفة مورثه كما مر وهذا فرد من أفراد قاعدة الحصر والإشاعة وفيها اضطراب والمرجح في الخلع الإشاعة خلاف المرجح هنا وفي البيع والرهن والوصية والصداق والعتق قال الزركشي والحق أنه لا يطلق فيها ترجيح بل يختلف بحسب اختلاف الأبواب والمآخذ كما في الرجعة والنذر ونظائرهما قال وقوله في الروضة الأفقه حمله على الحصر خلاف ما قاله في كتاب العتق في الإقرار بالنصف المشترك من أن الراجح حمله على الإشاعة وقال الإسنوي بعد كلام طويل إذا علمت ذلك علمت أن الفتوى على التفصيل لقوة مدركه أو على الإشاعة مطلقا وهو الحق لنقله عن الأكثرين وأما المذكور هنا فلا وجه له وقال البلقيني قواعد الفقه تقتضي ترجيح حمل ما هنا على الإشاعة ومن ادعى أنه باع من عبد له نفسه ولو بيعا ضمنيا كأن قال له أعتقتك على ألف أو أنه باع من حر أباه بألف فأنكر وحلف المدعى عليه عتق عليه أي على المدعي وسقط المال لاعترافه بالحرية ولو ادعى عليه ألفا بضمان فقال بل بإتلاف لزمه الألف إذ لا يضر الاختلاف في الجهة كما مر
وإن أقر بدار مبهمة ومات ولم يعين الوارث الدار كالموروث عينها المدعي فإن أنكر الوارث ذلك وحلف أنها غير ما أراد مورثه لزمه التعيين وحبس له إن امتنع منه حتى يعين وإن باع دارا وادعى أنه باعها بغير إذن وهو لا يملكها وأنها الآن ملكه سمعت دعواه وإن لم يكن قال بعتك داري
319
319
أو ملكي أو نحوه مما يقتضي أنه ملكه وإلا لم تسمع وعدل إلى ما قاله عن قول الروضة وهي ملكه إلى الآن لإيهامه أنه يدعي أنها الآن ملك للمقر له وليس مراد إذ لا تصح دعواه ملك الغير وإن قال غصبت داره ولو بإسكان الهاء وقال أردت دارة الشمس أو القمر لم يقبل قوله لأن غصب ذلك محال فلا تقبل إرادته وإن أقر أو أوصى بثياب بدنه دخل فيه كل ما يلبسه من قميص وطيلسان ولحاف وقلنسوة وغيرها حتى الفروة لا الخف وما اعترض به في المهمات مما يقتضي عدم دخول الفروة واللحاف والقلنسوة وهي ما يغطي الرأس من قبع وطاقية ونحوهما ردوه عليه وإن أقر البائع بالمبيع في مدة الخيار لأحد انفسخ البيع لأن له الفسخ حينئذ بخلاف ما لو أقر بعد انقضاء الخيار لعجزه عن الفسخ
الباب الرابع في الإقرار بالنسب يشترط صدوره من أهل الإقرار في الجملة فيصح استلحاق السفيه وهو قسمان الأول أن يلحق المنسوب بنفسه كهذا ابني أو أنا أبوه وإن كان الأول أولى لكون الإضافة فيه إلى المقر فيشترط أن لا يعلم نسبه من غيره وإن صدقه المقر به لأن النسب الثابت من شخص لا ينتقل إلى غيره فالشرع مكذب له نعم لا يجوز لغير النافي أن يستلحق المنفي عن فراش نكاح صحيح كما يعلم من باب اللعان ولا يجوز استلحاق ولد الزنا كما هو معلوم وإن يمكن كونه منه فلو كان في سن لا يتصور كونه منه أو كان قد قطع ذكره وأنثياه من زمن يتقدم على زمن العلوق به لم يثبت نسبه لأن الحس يكذبه فإن قدمت كافرة بطفل وادعاه مسلم الأولى رجل وأمكن اجتماعهما بأن احتمل أنه خرج إليها أو أنها قدمت إليه قبل ذلك أو أنه أنفذ إليها ماءه فاستدخلته لحقه فإن لم يمكن اجتماعهما لم يلحقه وإن استلحق كبيرا حيا عاقلا فلا بد من تصديقه أو البينة بخلاف ما لو كذبه أو سكت لأن له حقا في نسبه وهو أعرف به من غيره
وفرق بينه وبين الاكتفاء بالسكوت في الإقرار بالمال بأن أمر النسب خطر فإن كذبه أو سكت وأصر ولا بينة حلفه المدعي فإن نكل وحلف المدعي ثبت النسب وإن حلف سقطت الدعوى وكذا الحكم لو ادعاه أبا فكذبه أو سكت ولا بينة لم يثبت الاستلحاق ولو سقط صغيرا أو ذا جنون ولو طرأ الجنون فلما بلغ الصغير أو أفاق المجنون كذبه لم يندفع النسب لأنه يحتاط له فلا يندفع بعد ثبوته
320
320
بالإقرار كالثابت بالبينة وكما لو كذبه قبل كماله ويفارق ما لو حكم بإسلام اللقيط بظاهر الدار ثم بلغ واعترف بالكفر حيث يقر عليه بأن الحكم بتبعية الدار أضعف من الحكم بالنسب بالإقرار
وليس له أي المقر به تحليفه لأنه لو رجع لم يقبل فلا معنى لتحليفه وما ذكر في المجنون يخالفه ما لو قال لمجنون هذا أبي حيث لا يثبت نسبه حتى يفيق ويصدقه قال الروياني وما أدري ما الفرق بينهما إلا أن يقال الابن بعد الجنون يعود إلى ما كان عليه في صباه بخلاف الأب وإن استلحق ميتا ولو كبيرا لحقه وورثه هو ولا نظر إلى تهمة الإرث لأن أمر النسب مبني على التغليب لعسر إقامة البينة عليه ولهذا يثبت بمجرد الإمكان ولأنه أصل والإرث فرع وقد ثبت الأصل ولا قصاص عليه إن قتله ثم استلحقه فرع لو ادعى جماعة بالغا عاقلا أي نسبه لحق من صدقه لأن الشروط قد اجتمعت فيه دون غيره وسواء صارت الأم فراشا لهم أم لا فإن لم يصدق واحدا عرض على القافة كما سيأتي في محله أو صغيرا أو كان المستلحق بكسر الحاء عبدا أو عتيقا أو امرأة فسيأتي حكمه في باب اللقيط
فرع لو استلحق شخص عبد غيره أو عتيقه لم يقبل إن كان صغيرا أو مجنونا محافظة على حق الولاء للسيد بل يحتاج إلى البينة فإن صدقه الكبير العاقل قبل وقيل لا يقبل والترجيح هنا من زيادته أخذا من ترجيح الأصل له في باب اللقيط ورجح صاحب الأنوار والسبكي أنه لا يقبل محافظة على ما مر للسيد وعلى الأول فالعبد باق على رقه لعدم التنافي بين النسب والرق لأن النسب لا يستلزم الحرية والحرية لم تثبت أو استلحق عبده أي عبدا بيده ولم يمكن لحوقه به كأن كان أمن منه لغا قوله وإلا بأن أمكن لحوقه به لحقه الصغير والمجنون والمصدق له وعتقوا لا ثابت النسب من غيره و لا المكذب له فلا يلحقانه ويعتقان مؤاخذة له باعترافه بحريتهما وقيل لا يعتقان والترجيح من زيادته وبه صرح الأذرعي ولا يرثان منه كما لا يرث منهما والتصريح بهذا من زيادته وإن استلحق بالغا عاقلا وصدقه ثم رجعا لم يسقط النسب لأن النسب المحكوم بثبوته لا يرتفع بالاتفاق كالثابت بالفراش وقيل يسقط والترجيح من زيادته وبه صرح العمراني وغيره
فصل لو قال لولد أمته غير المزوجة والمستفرشة له هذا ولدي منها ولو مع قوله ولدته في ملكي ثبت النسب بالشروط السابقة لا الاستيلاد لاحتمال أنه أحبلها بنكاح أو شبهة ثم ملكها واستشكل بما لو أتت امرأة رجل بولد يلحقه فإنهم قالوا باستقرار المهر مع إنكار الزوج الوطء تمسكا بالظاهر وهو العلوق بالوطء ولم ينظروا إلى احتمال استدخال الماء وأجيب بأن العلوق من الاستدخال نادر فوجب المهر حملا على الوطء الذي يغلب على الظن حصول الحمل منه وأما كون الأمة في الملك حال علوقها بالولد فليس ظاهرا حتى يعمل به بل هو وعدمه محتملان على السواء فإن مات السيد عنها ورثها الابن مع بقية الورثة إن كانوا وعتق عليه قدر ما ورث منها ولم يسر إلى بقيتها لدخول ما ورثه في ملكه قهرا فإن قال هذا ولدي علقت به في ملكي أو استولدتها به في ملكي أو قال هو ولدي منها ولها في ملكي عشر سنين مثلا وكان ابن سنة ثبت الاستيلاد لانتفاء الاحتمال نعم لو كان مكاتبا قبل إقراره لم يثبت الاستيلاد حتى ينفي احتماله أنه أحبلها زمن كتابته لأن إحبال المكاتب لا يثبت أمية الولد كما سيأتي في محله
ولو كان قوله ذلك في المرض لأن إنشاء الاستيلاد نافذ فيه كما في الصحة أما إذا كانت مزوجة فيلغو الإقرار ويلحق الولد بالزوج عند الإمكان أو مستفرشة له بأن أقر بوطئها فيلحقه بالاستفراش لا بالإقرار لخبر الصحيحين الولد للفراش
فرع لو استلحق أحد ولدي أمتيه وهما مزوجتان أو مستفرشتان له لغا الاستلحاق للحوق ولد كل أمة بزوجها في الأولى ولحوقهما به في الثانية بالاستفراش لا بالاستلحاق
321
321
كما مر نظيره أو كانت إحداهما غير مزوجة أو مستفرشة دون الأخرى أو هما غير مزوجتين ولا مستفرشتين له لزمه التعيين كما لو أقر بطلاق إحدى زوجتيه فإذا عين أحدهما رتب عليه حكمه من نسب وغيره ولو ادعت الأخرى أنها المستولدة وولدها المستلحق أو بلغ الولد وادعاه صدق السيد بيمينه فإن نكل حلف المدعي وقضي بمقتضى يمينه صرح بذلك الأصل
وإن قال هذا ولدي من أمتي وليست مزوجة ولا مستفرشة له ثم زاد من زنا لينفيه عنه لم يقبل قوله من زنا وإن اتصل بإقراره فيثبت النسب دون الاستيلاد وهذا في حالة الاتصال ما بحثه الأصل بعد نقله عن البغوي أنه لا يثبت النسب أيضا والبحث قوي وما أجاب به ابن الرفعة عنه فيه نظر وإن مات السيد ولم يعين عين الورثة لأنهم خليفته وتعيينهم كإقراره أي كتعيينه كما عبر به أصله في ثبوت الاستيلاد والنسب والإرث فإن قالوا لا نعلم كيف استولد أو لم يكن له وارث كما في الأصل فالقائف يعرض عليه الولدان ويستدل بالعصبة إن لم يكن رأى المستلحق فإن فقد القائف أو أشكل عليه الأمر أو ألحقهما به أو نفاهما عنه فالقرعة يرجع إليها ليعرف بها الحر منهما ولا ينتظر بلوغهما لينتسبا كما أفهمه كلامه
بخلاف ما لو تنازع اثنان في ولد ولا قائف لأن الاشتباه هنا في أن الولد أيهما فلو اعتبرنا الانتساب ربما انتسبا جميعا إليه فدام الإشكال صرح بذلك الأصل أما النسب والإرث فلا يثبت كل منهما بها لأنها على خلاف القياس وإنما ورد الخبر بها في العتق فاقتصر عليه ويثبت بها الولاء تبعا للحرية لأنه فرعها والتصريح بهذا من زيادته ومحله إذا لم يثبت الاستيلاد لأنه إذا ثبت لا ولاء على الولد لأنه حر الأصل كما سيأتي
ولا يوقف نصيب ابن بين من خرجت قرعته وبين الآخر لأنه إشكال وقع اليأس من زواله فأشبه غرق المتوارثين إذا لم تعلم معية ولا سبق والاستيلاد يثبت بالقرعة إن صدر من السيد ما يقتضيه بأن اعترف باستيلادها في ملكه لأن المقصود الحرية والقرعة عاملة فيها فكما تفيد حرية الولد تفيد حرية أمه وإن لم يصدر منه ما يقتضيه لم يثبت
فرع حيث يثبت الاستيلاد فالولد حر الأصل لا ولاء عليه لأنه انعقد حرا وكذا إن كان قال من وطء شبهة تقتضي حريته فهو حر الأصل وبما تقرر علم أن ولد المستولدة ملحق بالمقر دون ولد الأخرى هذا إن لم تكن إحداهما فراشا له كما علم مما مر أيضا فإن كانت كذلك فعين ولد الأخرى لحقاه جميعا المعين بالإقرار والآخر بالفراش
فرع لأمته ثلاثة أولاد ولم تكن فراشا له ولا مزوجة قبل ولادتهم وقال أحدهم ولدي طولب بالتعيين فمن عينه منهم فهو نسيب حر وارث فإن عين الأوسط ولم يكن إقراره يقتضي الاستيلاد فالآخران رقيقان وإن اقتضاه بأن اعترف باستيلادها في ملكه لحقه الأصغر أيضا دون الأكبر للفراش إلا إن ادعى استبراءها بعد ولادة الأوسط وحلف عليه فإنه لا يلحقه حينئذ بناء على الأصح من أن نسب ملك اليمين ينتفي بالاستبراء
322
322
ويكون كأمه فيعتق بموت السيد كأمه لأنه ولد أم ولد وهو يعتق بذلك وإن عين في الشق الأول الأكبر أو الأصغر أو في الثاني الأصغر فالآخران رقيقان وإن عين في الثاني الأكبر لحقه الآخران إلا أن يدعي الاستبراء على ما قاله لكن ما قاله تبعا لظاهر كلام أصله من أن دعوى الاستبراء في المستولدة يمنع اللحوق بالسيد مبني على أن فراشه بها يزول بالاستبراء بعد الولادة وليس كذلك على الأصح لأنه لو زال به لزال بالولادة الدالة على فراغ الرحم قطعا
وسيأتي في بابه أنه لو استبرأها ثم أتت بولد لستة أشهر فأكثر لحقه بخلاف غير المستولدة فالوجه حذف الاستثناء المذكور
وإن مات السيد قبل التعيين عين الوارث لأنه خليفته فإن تعذر التعيين بأن لم يكن وارث أو كان وقال لا أعلم فالقائف يعرضون عليه ليعين فإن تعذر معرفته بأن فقد أو أشكل عليه الأمر أو ألحقهم أو اثنين منهم به أو نفاهم عنه فالقرعة يرجع إليها ليعرف بها الحر منهم ثم إن كان إقراره لا يقتضي الاستيلاد وخرجت القرعة لواحد عتق وحده ولم يثبت نسبه ولا يوقف من ميراث السيد نصيب ابن بين من خرجت قرعته والآخرين لما مر في مسألة استلحاق أحد ولدي أمتيه وإن اقتضاه أي إقراره الاستيلاد ولم يدع الاستبراء قبل ولادة الصغير فالصغير نسيب حر على كل تقدير لأنه إما المقر له أو ولد المستفرشة بالولادة فإن ادعى الاستبراء وحلف عليه لم يثبت نسبه ويكون كأمه على ما مر
ويدخل الصغير في القرعة وإن كان حرا بكل تقدير ليرق غيره إن خرجت القرعة له وإن خرجت لغيره عتق معه
القسم الثاني في إلحاق النسب بغيره إلحاق النسب بغيره ممن يتعدى النسب منه إليه كأبيه أو جده أو أخيه جائز ودليله من السنة خبر الصحيحين اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام فقال سعد يا رسول الله إن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه فانظر إلى شبهه به وقال عبد بن زمعة هذا أخي ولد على فراش أبي من وليدته فنظر صلى الله عليه وسلم إلى شبهه فرأى شبها بينا بعتبة فقال هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر واحتجبي منه يا سودة فلم تره سودة قط وفي رواية للبخاري هو أخوك يا عبد وإنما أمر زوجته سودة بالاحتجاب منه وإن كان أخاها شرعا تورعا لأجل شبهه بعتبة ومن المعنى أن الوارث يخلف مورثه في حقوقه والنسب من جملتها فيثبت بإقراره بالشروط المتقدمة في الإلحاق بنفسه وبأن يكون الملحق به ميتا لا حيا ولو مجنونا لاستحالة ثبوت نسب الأصل مع وجوده بإقرار غيره وأن يكون الملحق بكسر الحاء وارثا حائزا لتركة الملحق به ولو بواسطة كأن أقر بعم وهو حائز تركة أبيه الحائز تركة جده الملحق به فإن كان قد مات أبوه قبل جده فلا واسطة صرح بذلك الأصل قال ابن الرفعة وهو يفهم أنه يعتبر كون المقر حائزا لميراث الملحق به لو قدر موته حين الإلحاق
وكلامهم يأباه لأنهم قالوا لو مات مسلم وترك ولدين مسلما وكافرا ثم مات المسلم وترك ابنا مسلما وأسلم عمه الكافر فحق الإلحاق بالجد لابن ابنه المسلم لا لابنه الذي أسلم بعد موته ولو كان كما قيل لكان الأمر بالعكس وإنما اشترط كونه وارثا حائزا لأنه القائم مقام المورث وإن تعدد أو كان امرأة ويشترط أن يكون الملحق به رجلا لأن استلحاق المرأة لا يصح كما سيأتي في اللقيط فبالأولى استلحاق وارثها وإن كان رجلا لأنه خليفتها جزم به ابن الرفعة قال الإسنوي وهو واضح وقد جزم به ابن اللبان ونقل عنه العمراني في زوائده أن الإقرار بالأم لا يصح لإمكان إقامة البينة على الولادة
323
323
كما في استلحاق المرأة نقله عنه ابن الرفعة وأقره فيصح استلحاق الوارث الحائز ولو نفاه الميت الملحق به أو وارثه كما لو استلحقه قبل موته بعدما نفاه ولا يصح الاستلحاق من غير وارث كالقاتل والكافر والعبد والأجنبي كما لا يصح إقراره عليه بالمال ولا تعتبر موافقته أي غير الوارث للمستلحق
ويصح إلحاق المسلم الكافر بالمسلم وعكسه أي إلحاق الكافر المسلم بالكافر ولا بد من موافقة جميع من ورث ولو بزوجية وولاء على الاستلحاق ليكون المستلحق حائزا وينتظر الصغير أي بلوغه والغائب أي قدومه ليوافقا على الاستلحاق فإن ماتا قبل الموافقة فموافقة وارثها تعتبر وكذا وارث وارث أنكر أو سكت كما فهم بالأولى وصرح به الأصل فلو حلف ابنين مكلفين فأقر أحدهما وأنكر الآخر أو سكت ثم مات وخلف وارثا اعتبر موافقته نعم إن لم يرث الصغير والغائب والمنكر إلا المقر ثبت النسب وإن لم يجدد إقرارا لأنه صار حائزا فالحيازة معتبرة حالا أو مآلا والتصريح بذكر الغائب من زيادته وكالصغير فيما ذكر المجنون كما صرح به الأصل
ولو ورثه المسلمون فللإمام أن يلحق النسب بالميت و له أن يوافق فيه غير الحائز إن ورث معه كبنت وأفاد بذكر الإرث والتصريح به من زيادته أن المسألة مصورة بما إذا كان الميت مسلما وهو واضح
فرع لو أقر الابن الحائز بأخ مجهول فأنكره المجهول لم يؤثر فيه إنكاره لأنه لو أثر فيه لبطل نسب المجهول الثابت بقول المقر له فإنه لم يثبت بقول المقر إلا لكونه حائزا ولو بطل نسب المجهول لثبت نسب المقر وذلك دور فلو أقرا جميعا بثالث فأنكر الثالث نسب الثاني سقط نسبه لأنه ثبت نسب الثالث فاعتبر موافقته في ثبوت نسب الثاني ولو أقر بهما أي بأخوين مجهولين معا فكذب كل منهما الآخر أو صدقه كما فهم بالأولى ثبت نسبهما لوجود الإقرار من الحائز وإن صدق أحدهما الآخر فكذبه الآخر سقط المكذب بفتح الذال أي نسبه دون نسب المصدق إن لم يكونا توأمين وإلا فلا أثر لتكذيب الآخر لأن المقر بأحد التوأمين مقر بالآخر
فرع لو أقر أحد الابنين الحائزين دون الآخر بثالث لم يجب على المقر مشاركته في الإرث ظاهرا لأن الإرث فرع النسب ولم يثبت كما مر لكن تحرم عليه أي المقر بنته أي المقر به وإن لم يثبت نسبها مؤاخذة له بإقراره وهذا من زيادته وذكره الرافعي في أكثر نسخه ويقاس بالبنت ما في معناها وفي عتق حصته أي المقر إن كان المقر به من التركة كأن قال أحدهما لعبد في التركة إنه ابن أبينا وجهان أحدهما نعم مؤاخذة له بإقراره والثاني لا لأنه فرع النسب ولم يثبت والأول أوجه لتشوف الشارع إلى العتق وعليه أي المقر إذا كان صادقا مشاركته أي المقر به باطنا لعلمه باستحقاقه بثلث ما في يده من التركة فإن حقه بزعم المقر شائع فيما بيده ويد المنكر فله الثلث من كل منهما وطريق التصحيح أن تعمل فريضتي الإقرار والإنكار ثم تنظر ما بينهما فإن تماثلتا اكتفيت بإحداهما أو تداخلتا فبأكثرهما أو توافقتا فبالحاصل من ضرب وفق إحداهما في الأخرى أو تباينتا فبالحاصل من ضرب إحداهما في الأخرى والتفاوت بين حصتي المقر بتقديري الإقرار والإنكار للمقر له وكذا لو تعدد المقر والمقر له كابن وبنت أقر الابن ببنت والبنت بابن ففريضة الإنكار من ثلاثة وفريضة إقرار الابن من أربعة وفريضة إقرار البنت من خمسة وهي متباينة فتصح من ستين فيرد الابن عشرة للمقر لها والبنت ثمانية
324
324
للمقر له وفي المثال السابق فريضة الإقرار من ثلاثة وفريضة الإنكار من اثنين وهما متباينان فتصح من ستة ثلاثة للمنكر واثنان للمقر وواحد للمقر له
ولو أقر بنسب من يحجبه كأخ أقر بابن للميت ثبت النسب لأن الوارث الحائز في الظاهر قد استلحقه لا الإرث للدور الحكمي وهو أن يلزم من إثبات الشيء نفيه وهنا يلزم من إرث الابن عدم إرثه فإنه لو ورث لحجب الأخ فيخرج عن كونه وارثا فلم يصح إقراره فإن أقر به الأخ والزوجة لم يرث معهما لذلك وإن خلف بنتا أعتقته فأقرت بأخ لها فهل يرث فيكون الميراث بينهما أثلاثا أو لا وجهان عللهما بقوله لأنه لا يحجبها بل يمنعها عصوبة الولاء وكأنه قال وجهان أحدهما نعم لأنه لا يحجبها حرمانا والثاني لا لأنه يمنعها عصوبة الولاء أي الإرث بها والأول أوجه ولو مات عن بنت وأخت فأقرتا بابن له سلم للأخت نصيبها لأنه لو ورث لحجبها ذكره الأصل
فرع لو ادعى مجهول على أخي الميت أنه ابن الميت فأنكر الأخ ونكل عن اليمين فحلف المدعي اليمين المردودة ثبت النسب ولم يرث لما مر في إقرار الأخ ولأنه لو ورث لبطل نكول الأخ ويمين المدعي
فرع إقرار الورثة بالزوجية بأن أقروا بزوج أو زوجة للميت مقبول فإن أنكر بعضهم فالتوريث أي حكمه كما مر في نظيره في النسب فيشارك المقر به المقر باطنا لا ظاهرا
فرع لو أقر بأخ وقال منفصلا أردت من الرضاع لم يقبل لأنه خلاف الظاهر ولهذا لو فسر بأخوة الإسلام لم يقبل واستشكل بقول العبادي لو شهد أنه أخوه لا يكتفى به لأنه يصدق بأخوة الإسلام وأجيب بأن المقر يحتاط لنفسه بما يتعلق به فلا يقر إلا عن تحقيق ومن أقر على أبيه بالولاء فقال هو عتيق فلان ثبت عليه الولاء إن كان المقر حائزا قال القفال ولم تعرف له أم حرة الأصل وإلا فإقراره لغو وإن أقر اثنان من ثلاثة بنين بأخ لهم وشهدا له عند إنكار الثالث قبلت شهادتهما بشرطها لأنها أولى بالقبول من شهادة الأجنبيين لأن عليهما فيها ضررا
كتاب العارية بتشديد الياء وقد تخفف وفيها لغة ثالثة عارة بوزن ناقة وهي اسم لما يعار ولعقدها من عار إذا ذهب وجاء ومنه قيل للغلام الخفيف عيار لكثرة ذهابه ومجيئه وقيل من التعاور وهو التناوب وقال الجوهري كأنها منسوبة إلى العار لأن طلبها عار وعيب وحقيقتها شرعا إباحة الانتفاع بما يحل الانتفاع به مع بقاء عينه والأصل فيها قبل الإجماع قوله تعالى ويمنعون الماعون فسره جمهور المفسرين بما يستعيره الجيران بعضهم من بعض وخبر الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم استعار فرسا من أبي طلحة فركبه وخبر أبي داود وغيره بإسناد جيد أنه صلى الله عليه وسلم استعار درعا من صفوان بن أمية يوم حنين فقال أغصب يا محمد وروي أغصبا فقال بل عارية مضمونة قال الروياني وغيره وكانت واجبة أول الإسلام للآية السابقة ثم نسخ وجوبها فصارت مستحبة أي أصالة وإلا فقد تجب كإعارة الثوب لدفع حر أو برد وإعارة الحبل لإنقاذ غريق والسكين لذبح حيوان محترم يخشى موته وقد تحرم كإعارة الصيد من المحرم والأمة من الأجنبي وقد تكره كإعارة العبد المسلم من كافر كما سيأتي
وفيه بابان الأول في أركانها وهي أربعة الأول المعير ويشترط فيه صحة تبرعه لأن الإعارة تبرع بالمنفعة فلا تصح ممن لا يصح تبرعه كصبي وسفيه ومفلس ومكاتب بغير إذن سيده و يشترط فيه ملكه المنفعة ولو بوصية أو وقف وإن لم يملك العين لأن الإعارة ترد على المنفعة دون العين
325
325
وقيد ابن الرفعة جواز الإعارة من الموقوف عليه بما إذا كان ناظرا فتصح الإعارة من المستأجر لأنه مالك المنفعة لا من المستعير لأنه غير مالك لها وإنما أبيح له الانتفاع والمستبيح لا يملك نقل الإباحة بدليل أن الضيف لا يبيح لغيره ما قدم له فإن أذن له المالك صحت الإعارة قال الماوردي ثم إن لم يسم من يعير له فالأول على عاريته وهو المعير من الثاني والضمان باق عليه وله الرجوع فيها وإن ردها الثاني عليه برئ وإن سماه انعكست هذه الأحكام لكن له أي للمستعير استيفاء المنفعة بنفسه وبوكيله كأن يركب الدابة المستعارة وكيله في حاجته أو زوجته أو خادمه لأن الانتفاع راجع إليه بواسطة المباشر وأورد على قيد ملك المنفعة صحة إعارة الكلب للصيد مع أنه لا يملك وصحة إعارة الأضحية والهدي المنذورين مع خروجهما عن ملكه وصحة إعارة الإمام مال بيت المال من أرض وغيرها مع أنه ليس مالكا له ويجاب عن ذلك بأن هذه الأمور ليست عارية حقيقة بل شبيهة بها وبأنهم أرادوا هنا بملك المنفعة ما يعم الاختصاص بها والتصرف فيها لا بطريق الإباحة وعلى هذا لا يرد ما عليه العمل من إعارة الصوفي والفقيه سكنهما بالرباط والمدرسة وما في معناهما
وليس للأب أن يعير ولده الصغير في خدمة لها أجرة أو تضر به الخدمة كما لا يعير ماله بخلاف خدمة ليست كذلك كأن يعيره ليخدم من يتعلم منه كما صرح به الروياني قال الزركشي وينبغي أن يكون المجنون والبالغ السفيه كذلك
الركن الثاني المستعير وشرطه صحة عبارته والتبرع عليه فلا تصح لمن لا عبارة له كصبي ومجنون وبهيمة كما لا تصح الهبة منهم وقوله صحة عبارته مغن عما بعده وعبارة أصله يشترط كونه أهلا للتبرع عليه بعقد قال في المهمات وقضيته صحة استعارة السفيه فإن الصحيح صحة قبوله الهبة والوصية لكن كيف تصح استعارته مع أنها مضمنة لا جرم جزم الماوردي وغيره بعدم صحتها
انتهى
وقضيته صحتها منه ومن الصبي والمجنون بعقد وليهما إذا لم تكن مضمنة كأن استعار من مستأجر
الركن الثالث المعار وشرطه وجود الانتفاع المباح فلا يعار ما لا ينتفع به كحمار زمن ولا ما ينتفع به انتفاعا محرما كجارية للتمتع وآلات الملاهي مع بقاء عينه كعبد ودار وثوب فلا يعار المطعوم ونحوه لأن الانتفاع به إنما هو بالاستهلاك فانتفى المعنى المقصود من الإعارة قال الإسنوي ويدخل في الضابط ما لو استعار قيم المسجد أحجارا أو أخشابا ليبني بها المسجد مع أنه لا يجوز كما أفتى به البغوي لأن حكم العواري جواز استردادها والشيء إذا صار مسجدا لا يجوز استرداده
ولا يعار النقدان إذ منفعة التزين بهما والضرب على طبعهما منفعة ضعيفة قلما تقصد ومعظم منفعتهما في الإنفاق والإخراج إلا للتزين أو الضرب على طبعهما فيما يظهر بأن صرح بإعارتهما لذلك أو نواها فيما يظهر فتصح لاتخاذه هذه المنفعة مقصدا وإن ضعفت وينبغي عود هذا الاستثناء إلى المطعوم أيضا وحيث لم نصححها أي العارية فجرت ضمنت لأن العارية الصحيحة مضمونة وللفاسد حكم الصحيح في الضمان وقبض مال الغير بإذن منه لغير انتفاع
326
326
أمانة في يده وهذا معلوم وإنما ذكره أصله لأنه من جملة تعليل لشيء وعبارته وقيل لا ضمان لأن ما جرى بينهما ليس بعارية صحيحة ولا فاسدة ومن قبض مال غيره بإذنه لا لمنفعة كان أمانة وتحرم إعارة جارية لأجنبي أي لخدمته لخوف الفتنة قال الإسنوي ويفارق هذا جواز إجارتها والوصية بمنفعتها له على ما دل عليه عموم كلامهم بأن المستأجر والموصى له يملكان المنفعة فيعيران ويؤجران لمن يخلو بها إن امتنع عليهما الانتفاع بأنفسهما والإعارة إباحة له فقط وإذا لم يستبح لنفسه لم يكن له فائدة وخرج بالأجنبي المحرم وفي معناه المرأة والممسوح وزوج الجارية ومالكها كأن يستعيرها من مستأجرها أو الموصى له بمنفعتها إذ لا محذور في ذلك قال الإسنوي وسكتوا عن إعارة العبد للمرأة وهو كعكسه بلا شك ولو كان المستعير أو المعار خنثى امتنع احتياطا والمفهوم من الامتناع فيه وفي الأمة الفساد كالإجارة للمنفعة المحرمة وهو ما بحثه الأصل في صورة الأمة واستشهد عليه بإطلاق الجمهور ونفى الجواز بعد نقله عن الغزالي الصحة وبها جزم ابن الرفعة وعللها بأن المنع في ذلك لغيره كالبيع وقت النداء وجعل فائدة الصحة عدم وجوب الأجرة
وقضيته وجوبها في الفاسدة وهو مخالف لقولهم إن فاسد العقود كصحيحها في الضمان وعدمه ثم رأيت الزركشي نبه على هذا لا إعارة صغيرة وشوهاء بالمد أي قبيحة يؤمن منه أي من الأجنبي عليها أي على كل منهما فلا تحرم لانتفاء خوف الفتنة وهذا ما رجحه في الروضة ورجح في الشرح الصغير المنع فيهما وقال الإسنوي الصواب الجواز في الصغيرة لجواز الخلوة بها دون الكبيرة قال الزركشي ويلتحق بالمشتهاة الأمرد الجميل لا سيما ممن عرف بالفجور
ولو استعار أو استأجر والدا له وإن علا للخدمة أو استعار أو استأجر كافر مسلما جاز إذ لا مانع وكره صيانة لهما عن الإذلال نعم إن قصد باستعارة والده واستئجاره لذلك توفيره فلا كراهة فيهما بل هما مستحبان كما قاله القاضي أبو الطيب وغيره في صورة الاستعارة وكما يكره للكافر استعارة المسلم واستئجاره تكره إعارته وإجارته له كما مر في البيع وتقدم ثم جواز استئجاره وذكره هنا مع كراهته وجواز استعارته وكراهتها من زيادته وأما إجارة وإعارة الوالد نفسه لولده فليستا مكروهتين وإن كان فيهما إعانة على مكروه قال الفارقي لأن نفس الخدمة غير مكروهة وإنما كانت الكراهة في جانب الولد لمكان الولادة فلم تتعد لغيره بخلاف إعارة الصيد من المحرم فإن العبادة يجب احترامها لحق الله تعالى وهو شامل لكل مكلف
فرع لو استعار الحلال من المحرم صيدا لم يرسله في إحرامه فتلف في يده لم يضمنه له لأنه غير مالك وعلى المحرم الجزاء لله تعالى لأنه متعد بالإعارة إذ يلزمه إرساله فإن استعاره المحرم منه أي من الحلال فتلف في يده ضمن الجزاء لله تعالى والقيمة للحلال
فرع تجوز إعارة فحل للضراب وكلب للصيد لأنها تبرع بخلاف الإجارة فإنها معاوضة ولو أعاره شاة أو دفعها له وهو ما عبر به الأصل وملكه الدر والنسل منها لم يصح شيء من الإعارة والتمليك ولم يضمن آخذها الدر والنسل لأنه أخذهما بهبة فاسدة ويضمن الشاة بحكم العارية الفاسدة فلو أباحهما له أو استعار منه الشاة لأخذ ذلك أو الشجرة ليأخذ ثمرها كما في الروضة جاز وكان إباحة للدر والنسل والثمر وإعارة للشاة والشجرة قال في الأصل فعلى هذا قد تكون العارية لاستفادة عين وليس من شرطها أن يكون المقصود مجرد المنفعة بخلاف الإجارة
انتهى
فالشرط في العارية أن لا يكون فيها استهلاك المعار لا أن لا يكون فيها استيفاء عين فإن شرط علفها فيما إذا ملكه درها ونسلها أو أباحهما له فذلك أي العقد المذكور بيع وإجارة فاسدان فيضمن الريع من الدر والنسل بحكم البيع الفاسد دون الشاة لأنه أخذها بإجارة فاسدة كمن أعطى سقاء شيئا ليشرب فأعطاه كوزا فانكسر الكوز في يده فإنه يضمن الماء لأنه أخذه بشراء فاسد نعم إن كان الماء أكثر مما يشربه لم يضمن الزائد لأنه أمانة
327
327
صرح به القاضي والمتولي لا الكوز أي لا يضمنه لأنه أخذه بإجارة فاسدة فإن سقاه مجانا فانكسر الكوز فعكسه أي فيضمن الكوز لأنه أخذه بعارية فاسدة لا الماء لأنه أخذه بهبة فاسدة
فرع لو قال أعرني دابة فقال خذ إحدى دوابي صحت أي العارية فلا يشترط تعيين المعار عند الإعارة وخالف الإجارة لأنها معاوضة والغرر لا يحتمل فيها
الركن الرابع الصيغة ويكفي لفظ من جانب يدل على الإذن في الانتفاع كأعرتك أو أبحتك منفعة هذا مع فعل من الجانب الآخر وإن تراخى أحدهما عن الآخر فلو قال أعرني فأعطاه أو قال له أعرتك فأخذ صحت أي العارية كما في إباحة الطعام ولا يشترط اللفظ من جانب المعير بخلافه في الوديعة والفرق أن أصل وضع اليد على مال الغير الضمان فلا يزول إلا بلفظ من جانبه الوديعة أمانة فاحتيج إلى لفظ من جانب المالك بخلاف العارية فإنها مضمونة على وفق الأصل فاكتفي فيها بلفظ من أحد الجانبين وأيضا فالوديعة مقبوضة لغرض المالك وغرضه لا يعلم إلا بلفظ من جانبه والعارية بالعكس فاكتفي فيها بلفظ المستعير ولا يكفي الفعل من الطرفين إلا فيما كان عارية ضمنا كظرف الهدية الآتي وظرف المبيع إذا تسلمه المشتري منه فلو رآه عاريا فألبسه قميصا أو فرش له مصلى أو وسادة أو نحوهما فجلس عليه فهو إباحة لقضاء العرف به وفي نسخة بدل إباحة عارية وهو ما جرى عليه المتولي بناء منه على أنه لا يشترط فيها اللفظ قال بخلاف ما لو دخل فجلس على فراش مبسوط لأنه لم يقصد به انتفاع شخص بعينه والعارية لا بد فيها من تعيين المستعير
وكلام الأصل يقتضي تقرير المتولي على ما قاله من أن ذلك عارية لاقتضاء العرف له ويكون مستثنى من اشتراط اللفظ ومساويا للإباحة في عدم الاحتياج إلى لفظ فكل من النسختين صحيح لكن الثانية أولى وإن أكل هدية من ظرفها ضمنه بحكم العارية إن جرت العادة بأكلها منه كأكل الطعام من القصعة المبعوث فيها وإلا فبحكم الغصب لا إن كان لها عوض وجرت العادة بالأكل منه فلا يضمنه بحكم الإجارة الفاسدة وإن لم تجر العادة بذلك ضمنه بحكم الغصب وهذا قد يستشكل بظرف المبيع إذا تسلمه المشتري فيه حيث جعل عارية ويجاب بأنه لما جرت العادة هنا بالأكل من ظرف الهدية قدر أن عوضها مقابل لها مع منفعة ظرفها بخلافه في البيع فكان عارية فيه على الأصل قال في المهمات ويؤخذ من كلام الرافعي فيما إذا ضمنه أن الضمان يتوقف على الاستعمال فأما قبله فأمانة وإن كانت بلا عوض وصرح به الرافعي في الهبة وخالف البلقيني فرجح أن ذلك هبة لمنفعة الظرف لا إعارة له كما أن هبة منافع الدار ليست إعارة للدار على الأرجح ويفرق بأنه هناك وهب المنافع بخلافه هنا
فرع لو قال أعرتك حماري لتعيرني كذا أو دابتي لتعلفها أو على أن تعلفها أو بعشرة دراهم فإجارة لا إعارة نظرا للمعنى فاسدة للتعليق في الأولى ولجهل العلف في الثانية والمدة في الثالثة فيجب في الثلاث أجرة المثل بعدم القبض مدة الإمساك ولا يضمن العين فإن قدر مع ذكر الدراهم في الثالثة مدة معلومة كأن قال أعرتك داري شهرا من اليوم بعشرة دراهم فعارية فاسدة أو إجارة صحيحة وجهان قال في الأصل مبنيان على أن الاعتبار باللفظ أو المعنى قال الإسنوي وقضيته تصحيح الثاني اعتبارا بالمعنى كما صححه فيها بدون ذكر المدة وبه جزم في الأنوار
فرع لو أعطاه حانوتا ودراهم أو أرضا وبذرا وقال اتجر بالدراهم فيه أي في الحانوت أو ازرعه أي البذر فيها أي في الأرض لنفسك فالأرض في الثانية أو الحانوت في الأولى عارية وهل الدراهم أو البذر قرض أو هبة وجهان قياس ما مر في الوكالة من أنه لو قال اشتر لي عبد فلان بكذا ففعل ملكه الآمر ورجع عليه المأمور ببدل ما دفعه ترجيح الأول ثم رأيت الشيخ ولي الدين العراقي نبه على ذلك وزاد في الأنوار بعد قوله فيه وجهان والقول قوله في القصد

328
328
الباب الثاني في أحكامها
وهي ثلاثة
الأول الضمان لها ولو للأجزاء منها لخبر أبي داود وغيره العارية مضمونة ولأنه مال يجب رده لمالكه فيضمن عند تلفه كالمأخوذ بجهة السوم ولأن المستعير من الغاصب يستقر عليه الضمان
ولو كانت العارية أمانة لما استقر كالمودع من الغاصب فيضمنها إن تلفت في يده بآفة سماوية أو أتلفها هو أو غيره ولو بلا تقصير أو قرح أي جرح ظهرها بالاستعمال تعديا بأن حصل باستعمال غير مأذون فيه فإن تلفت هي أو أجزاؤها باستعمال مأذون فيه كاللبس والركوب المعتاد كل منهما لم يضمن الأجزاء والعين لحصول التلف بسبب مأذون فيه فأشبه ما لو قال اقتل عبدي وقد يعرض للعارية ما يمنع ضمانها كأن استعار من مستأجر ونحوه وسيأتي أو استعار شيئا ليرهنه وتقدم في الرهن وتضمن العارية بقيمة يوم التلف بغير الاستعمال لا بقيمة يوم القبض ولا بأقصى القيم من يوم القبض إلى يوم التلف إذ لو اعتبر أحدهما لأدى إلى تضمين الأجزاء المستحقة بالاستعمال المأذون فيه وظاهر كلامهم لزوم قيمة العين وإن كانت مثلية كخشب وحجر وهو ما جزم به في الأنوار واقتضاه بناء الروياني والبغوي وغيرهما ضمان المثلي على الخلاف في المتقوم حيث قالوا إن اعتبرنا أقصى القيم أوجبنا المثل أو قيمة يوم التلف وهو الأصح فالقيمة وخالف ابن أبي عصرون فضمن المثلي بالمثل على القياس وجرى عليه السبكي وهو الأوجه واقتصارهم على القيمة جرى على الغالب من أن العارية متقومة والقول بأنه لا فرق بين المثلي والمتقوم غير قويم وكذا يضمن المقبوض بالسوم بقيمة يوم تلفه إن كان متقوما واشتراط كونها أمانة لغو فلو أعاره بشرط أن تكون أمانة لغا الشرط وكانت مضمونة ولم يتعرضوا لصحتها ولا لفسادها قال الإسنوي والقياس تخريجه على ما إذا أقرضه صحاحا بشرط أن يرد عنها مكسرا ونحو ذلك وقضيته ترجيح الصحة وإليه يومئ تعبيرهم بأن الشرط لغو
فرع لو أعار عينا بشرط ضمانها عند تلفها بقدر معين قال المتولي فسد الشرط دون العارية قال الأذرعي وفيه وقفة ولو ولدت في يد المستعير فالولد أمانة ولو ساقها المستعير فتبعها ولدها والمالك ساكت ينظر فالولد أمانة لأنه لم يأخذه للانتفاع به بل لتعذر حفظه بدون أمه وذلك أمانة شرعية كما لو طيرت الريح ثوبا إلى داره فإذا تمكن من رده فلم يرده ضمنه وقوله ينظر من زيادته ولو أبدله بقوله يعلم كان أولى
فرع مؤنة الرد للعارية إن كان له مؤنة على المستعير لخبر على اليد ما أخذت حتى تؤديه رواه الترمذي وحسنه والحاكم وصححه
329
329
على شرط البخاري ولأن الإعارة بر ومكرمة فلو لم تجعل المؤنة على المستعير لامتنع الناس منها وخرج بمؤنة الرد مؤنة العارية فتلزم المالك لا المستعير لأنها من حقوق الملك جزم بذلك الماوردي والشيخ أبو علي السنجي وغيرهما واقتضاه ما مر من أنه لو قال أعرتك دابتي لتعلفها كان إجارة فاسدة وإنما يبرأ من ضمانها بالرد لها إلى المالك أو وكيله فيه أو الحاكم عند غيبته أو حجره عليه بسفه أو فلس فلو رد الدابة للإصطبل أو الثوب ونحوه للبيت الذي أخذه منه لم يبرأ إلا أن يعلم به المالك أو يخبره به ثقة كما قاله المتولي هنا ونقله عنه الأصل في باب الغصب وأقره وكذا لا يبرأ بالرد إلى ولده وزوجته وإن لم يجد المالك أو وكيله بل يضمنان بالرد إليهما لعدم إذن المالك فإن أرسلاها المرعى وتلفت فالقرار عليهما لحصول التلف في يدهما حتى لو غرما لم يرجعا على المستعير ولو غرم المستعير رجع عليهما
ولو استعار من مستأجر أو نحوه كموصى له بالمنفعة فتلفت العين لم يضمن لأنه نائب عنه وهو أمين ولأن هذا الانتفاع مستحق على المالك فأشبه انتفاع المستأجر بخلاف المستعير من مستأجر إجارة فاسدة لأن معيره ضامن كما جزم به البغوي وعلله بأنه فعل ما ليس له قال والقرار على المستعير ولا يقال حكم الفاسدة حكم الصحيحة في كل ما تقتضيه بل في سقوط الضمان بما تناوله الإذن لا بما اقتضاه حكمها وعليه المؤنة للرد إن رد على المستأجر كما في سائر العواري وتجب المؤنة على المالك إن رد إليه كما لو رد عليه المستأجر
فرع على المستعير للعين من الغاصب إن تلفت في يده قرار ضمان قيمتها يوم التلف وكذا قرار بدل منافع استوفاها لمباشرته إتلافها ولا يضمن زيادة كانت في يد المعير له ولا في يده إن تلفت بنفسها قضية كلامه أنه لا يضمن التالفة في يده أصلا وليس كذلك بل يضمنها لكن قرار ضمانها على المعير لأن يد المستعير في المنافع ليست يد ضمان ذكره الأصل وإن استعار من مستأجر من غاصب ضمن ورجع بما غرمه على المستأجر ويرجع المستأجر على الغاصب
فرع لو أركب مالك دابة دابته وكيله في حاجته أو حافظ متاعه الذي عليها أو الرائض ليروضها أي يعلمها السير وتلفت في يده بلا تفريط لم يضمن لأنه لم يركبها إلا لغرض المالك أو أركبها منقطعا في الطريق تقربا لله تعالى فتلفت ضمن سواء التمس الراكب أم ابتدأه المركب كسائر العواري والتصريح بلله تعالى من زيادته وإن أردفه أي أركبه معه عليها فتلفت بغير الركوب فنصف الضمان على الرديف وإن وضع متاعه على دابة رجل وقال له سيرها ففعل فتلفت بغير الوضع ضمنها كسائر العواري وإن كان عليها متاع لغيره فتلفت بذلك ضمن منها قسط متاعه أي بقسطه لأنه مستعير منها بقسطه مما عليها حتى لو كان عليها مثل متاعه ضمن نصفها وإن سيرها مالكها بغير أمره أي الواضع فتلفت لم يضمن الواضع لأنها تحت يد مالكها بل يضمن المالك متاعه إذ له طرحه عنها وإن حمل صاحب الدابة متاعك فإن كان بسؤالك فهو معير لك كل الدابة إن لم يكن عليها شيء وإلا فبقدر متاعك أو بسؤاله فهو وديع أو مستودع متاعك ولا تدخل الدابة في ضمانك
قال السبكي ولك أن تقول لم جعل ذلك مع سؤالك عارية ومع سؤاله وديعة مع أن كلا منهما يصح بالاستيجاب والإيجاب ولم نجد ما يميز أحدهما عن الآخر إلا أن يقال الغرض في الانتفاع في تلك لصاحب
330
330
المتاع فجعلت عارية وفي هذه لم يتحقق ذلك فحمل على الوديعة
انتهى
وتفارق هذه مسألة ما لو أركبها منقطعا بأن الدابة ثم تحت يد الراكب بخلافها هنا
فرع وإن جاوز المستعير المكان
بالدابة التي استعارها ليركبها إليه ضمن أجرة ذهاب المجاوزة أي مجاوزتها عنه وإيابها إليه لتعديه ثم هل له الإياب بها منه إلى المكان الذي استعارها منه أو لا وجهان أحدهما لا لأن الإذن قد انقطع بالمجاوزة وثانيهما نعم قال الرافعي لأنه مأذون فيه من جهة المالك وصححه السبكي وتبعه البلقيني أخذا من كلام المتولي قال كما لا ينعزل الوكيل عن وكالته بتعديه بجامع أن كلا منهما جائز قال وتعليل الرافعي ذلك بما ذكر يقتضي أنه فرض المسألة بما إذا أذن له في الإياب أيضا إذ لو أطلق كان في ركوبه في الرجوع وجهان حكاهما المتولي وقربهما من خلاف المعاطاة في البيع ومقتضاه أن المذهب المنع كما في المعاطاة وإن كان المختار فيها خلافه لكن مجيء ذلك الاختيار هنا بعيد لاطراد العرف ثم بخلافه هنا
وما نقله عن المتولي يقتضي أن له الإياب بها غير راكب لها وهو ظاهر فإن قلنا لا إياب له بها سلمها إلى حاكم البلد الذي استعار إليه فإن خالف ضمن
فرع وإن أودعه ثوبا ثم أذن له في اللبس فلبس صار عارية فإن لم يلبسه فهو باق على كونه وديعة وإن استعار صندوقا فوجد فيه دراهم مثلا فهي أمانة عنده كما لو طيرت الريح ثوبا في داره فإن أتلفها ولو جاهلا بها ضمنها بالإتلاف وبالتلف بتقصيره
الحكم الثاني التسليط الأولى قول أصله التسلط للمستعير على الانتفاع المأذون فيه فإن استعار أرضا لزرع شيء معين زرعه ومثله فما دون ه في الضرر فلو قال ازرع البر فله زرع الشعير والباقلا ونحوهما لأن ضررها في الأرض دون ضرر البر لا الذرة والقطن ونحوهما لأن ضررها فوق ضرره إلا أن ينهاه عن غير ما عينه فلا يزرع غيره اتباعا لنهيه فإن خالف فزرع ما ليس له زرعه قلع المعير جوازا مجانا فلو مضت مدة لمثلها أجرة فما الذي يلزمه قال في المطلب يشبه أن يقال إن قلنا في نظيره من الإجارة أنه يلزمه أجرة المثل فكذا هنا أو ما زاد على المسمى من أجرة المثل فيجوز أن يقال يرجع عليه هنا بما بين زراعة البر وزراعة الذرة وقد يقال بل يرجع عليه بجميع أجرة المثل
والفرق أن المستأجر استوفى ما كان يملكه مما لا يقبل الرد بزيادة والمستعير لا يملك شيئا فهو بعدوله عن الجنس كالراد لما أبيح له فلا يسقط بإزائه عنه شيء قال الأذرعي وهذا الثاني أرجح كما اقتضاه كلامه في الكفاية واقتضاه قول المتولي وغيره فإن فعل فكالغاصب
انتهى
وبه جزم في الأنوار مع أن في مسألة الإجارة شيئا تركه في المطلب هنا مع أنه الأصح وسيأتي بيانه في بابه
أو استعارها لمطلق الزراعة بأن لم يبين المزروع زرع ما شاء لإطلاق اللفظ ومثله كما فهم بالأولى لو أعارها ليزرع ما شاء لأنه عام لا مطلق والمراد كما قال الأذرعي أن يزرع ما شاء مما اعتيد زرعه هناك ولو نادرا حملا للإطلاق على الرضا بذلك ولم يغرس ولم يبن من استعار للزرع لأن الغراس والبناء ليسا من نوعه وضررهما أكثر أو استعار للغراس أو للبناء زرع وإن لم يكن الزرع من نوعهما لأن ضرره أخف فإن نهاه عنه امتنع
أو استعار لأحدهما لم يأت بالآخر لاختلاف جنس الضرر إذ ضرر البناء بظاهر الأرض أكثر وضرر الغراس بباطنها أكثر لانتشار عروقه ولا يجب التصريح بجهة الانتفاع في
331
331
نحو بساط لا يصلح إلا للفرش من كل ما لا ينتفع به إلا بجهة واحدة عادة لكونه معلوما بالتعين وإن تعددت جهة الانتفاع كالأرض تصلح للزرع والبناء والغراس وكالدابة للركوب والحمل وجب كالإجارة التصريح بالجهة أو بالتعميم كقوله انتفع به كيف شئت أو افعل به ما بدا لك فالإعارة في التعميم صحيحة وقيل باطلة والترجيح من زيادته وجرى عليه صاحب الحاوي الصغير وغيره
وعلم من كلامه أن الإعارة المطلقة لما له منافع باطلة وهو ما صححه في المنهاج كأصله واقتضاه كلام الروضة واختار السبكي صحتها قال ولا يضر الجهل لأنه يحتمل فيها ما لا يحتمل في الإجارة وينتفع في صورة التعميم بما هو العادة فيه أي في المعار وقيل ينتفع به كيف شاء وهذا من زيادته أخذه من كلام الأصل فيما فرعه على قول الصحة في الإعارة المطلقة
الحكم الثالث الجواز للعارية لأنها إرفاق فلا يليق بها الإلزام فلكل من العاقدين الرجوع فيها وإن كانت مؤقتة والمدة باقية لا في مقبرة قبل الاندراس للميت المحترم بحيث لا يبقى منه شيء بعد مواراته بالتراب محافظة على حرمته أما بعد اندراسه أو قبله وقبل مواراته ولو بعد وضعه في القبر فيجوز الرجوع لكن قضية كلام الشرح الصغير ترجيح المنع بعد وضعه في القبر وصورة ذلك بعد الاندراس إذا أذن المعير في تكرار الدفن وإلا فقد انتهت العارية وذكر منع رجوع المستعير من زيادته واستفدنا من منع رجوع المعير قبل الاندراس أنه لا أجرة له أيضا وقد صرح به الماوردي والبغوي وغيرهما لأن العرف غير قاض به والميت لا مال له وله أي للمعير سقي شجرها أي المقبرة إن أمن ظهور شيء من الميت بخلاف ما إذا لم يأمنه ولو أظهره السيل من قبره قال الماوردي والروياني تجب إعادته فيه لأنه قد صار حقا له مؤبدا قال ابن الرفعة وقد يوجه بأن دفنه على الفور وفي تأخيره إلى حفر غيره ونقله إليه تأخير للواجب نعم إن كان السيل حمله إلى موضع مباح يمكن دفنه فيه من غير تأخير فالذي يظهر المنع من ذلك وعليه أي على المعير لولي الميت مؤنة حفر ما رجع فيه قبل الدفن لأنه المورط له فيه
وفي فتاوى البغوي أن المعير لو بادر إلى زراعة الأرض بعد تكريب المستعير لها لم تلزمه أجرة التكريب قال الإسنوي والقياس التسوية بينهما قلت وهو احتمال للبغوي أيضا قاله بعدما تقدم ويجاب بأن الدفن لا يمكن إلا بالحفر بخلاف الزراعة فإنها ممكنة بدون التكريب ولا يلزم الولي الطم لما حفره لأنه حفر بالإذن ولو أعاره أرضا ليحفر فيها بئرا صحت الإعارة فإذا نبع الماء جاز للمستعير أخذه لأن الماء يستباح بالإباحة نقله في الروضة عن البيان وغيره وقال المتولي إن قصد أن يستقي منها فلا خلاف أنه إذا رجع المعير فله منعه من الاستقاء وإن أراد طمها ويغرم ما التزمه من المؤنة جاز أو أراد تملكها بالبدل فإن كان له فيها عين كآجر وخشب جاز كما في البناء والغراس وإلا فإن قلنا القصارة ونحوها كالأعيان فكذلك وإلا فلا أو أراد التقرير بأجرة فإن كان الاستقاء يحتاج إلى استطراق أي أو نحوه في ملكه وأخذ الأجرة في مقابلة الاستطراق أي أو نحوه جاز أو أراد أخذ العوض في مقابلة ما يستفيد من الماء فلا بد من شروط البيع أو في مقابلة ترك الطم لم يجز لأنه بذل المال في مقابلة ترك الضرر والإجارة موضوعة لجلب
332
332
النفع
وإن كان البئر بئر حش أو يجتمع فيها ماء المزاريب فإن أراد الطم أو التملك فالأمر كما ذكرنا أو التقرير بعوض فكما لو صالحه عن إجراء الماء على سطحه بمال
والرجوع من المعير في حائط أعاره لوضع الجذوع عليه تقدم جوازه مع بيان فائدته في الصلح ولا يرجع كل من العاقدين في ثوب كفن فيه المعير أجنبيا قبل الدفن أو بعده أو أحرم فيه عار بمكتوبة لما في ذلك من هتك الحرمة فتلزم الإعارة من جهتهما في هاتين وفيما لو أعاره سفينة فطرح فيها مالا وهي في اللجية وفيما لو أعار أرضا لدفن ميت كما مر أو أعار آلة لسقي حيوان محترم يخشى هلاكه ومن جهة المعير فيما لو قال أعيروا داري بعد موتي لزيد شهرا أو نذر أن يعيره مدة معلومة أو أن لا يرجع وتلزم من جهة المستعير في إسكان معتدة وفيما لو استعار آلة الاستقاء لوضوء أو إزالة نجس وقد ضاق الوقت وقوله ولا في ثوب إلى آخره من زيادته وذكره مع ما زدته الأذرعي وغيره لكنهم ذكروا بعض ذلك فيما يلزم من جهة المعير فقط وتبعتهم في شرح البهجة وما ذكرته هنا أنسب
وتنفسخ العارية بموت واحد من العاقدين وجنون وإغماء وحجر سفه من واحد منهما كسائر العقود الجائزة وبحجر فليس على المعير فيما يظهر و إذا انفسخت أو انتهت وجب على المستعير إن كان حيا أو الورثة إن كان ميتا ردها فورا وإن لم يطالب المعير كما لو طيرت الريح ثوبا إلى داره لكن الرد في تلك بالتخلية فإن أخره الورثة فإن كان لعدم تمكنهم منه فهي مضمونة في تركة المستعير ولا أجرة وإلا فهي مضمونة عليهم مع الأجرة
ومؤنة الرد في هذه الحالة عليهم وفي الأولى على التركة وذكر مسألة الورثة هنا والفور من زيادته وفي معنى موته جنونه والحجر عليه بسفهه
فصل إذا أعار غيره أرضا للبناء أو الغراس ولم يذكر مدة فله فعلهما ما لم يرجع أي المعير لكن لا يفعلهما إلا مرة واحدة وغير البناء والغراس في معناهما فإن فعل عالما أو جاهلا برجوعه قلع مجانا وكلف تسوية الأرض كالغاصب في حالة العلم وكمالك ما نبت بحمل السيل إلى أرض غيره في حالة الجهل وما بنى وغرس قبل الرجوع من المعير إن لم ينقصه القلع قلع وإن نقصه فلا يقلع مجانا لأنه محترم أي لا يلزم المستعير القلع مجانا ولا يلزمه القلع مجانا و لا التسوية للأرض إلا باشتراط لهما أو لأحدهما فيلزمه ما شرط عليه عملا بالشرط فإن امتنع من القلع قلعه المعير مجانا أو باختيار القلع
333
333
من المستعير فتلزمه التسوية قال الإسنوي تبعا للسبكي وينبغي تقييده بالحفر الحاصلة بالقلع دون الحاصلة بسبب البناء والغراس في مدة العارية لأنها حصلت بالاستعمال فأشبه انسحاق الثوب
انتهى
وفرق الزركشي بإمكان عود الأرض لما كانت بخلاف الثوب وفي تأثير فرقه نظر فإن لم يكن ذلك أي شيء من الاشتراط واختيار القلع خير المعير بين القلع بضمان أي مع ضمان الأرش وهو قدر التفاوت بين قيمته قائما ومقلوعا والتملك بالقيمة حين التملك لأن العارية مكرمة فلا يليق بها منع المعير ولا تضييع مال المستعير فأثبتنا الرجوع على الوجه المذكور وإنما خيرنا المعير لأنه المحسن ولأن الأرض أصل لما فيها ولا بد في اعتبار قيمته من ملاحظة كونه مستحق الأخذ فإن قيمته قائما بهذا التقدير أقل من قيمته قائما بدونه ذكره العمراني
وإن طلب المعير الأجرة لم يلزم المستعير إجابته بخلاف ما إذا اختار أحد الأمرين السابقين تلزمه إجابته فإن أبى كلف تفريغ الأرض كما صرح به الرافعي فعلم بذلك أنه ليس للمعير التبقية بالأجرة وبه صرح الأصل والذي في الحاوي الصغير والأنوار وغيرهما أن له ذلك أيضا وهو اختيار الإمام والغزالي وخيره في المنهاج كأصله بين التبقية بالأجرة والقلع بالأرش وقال الزركشي تبعا للبلقيني ليس في المسألة خلاف كما زعمه الشيخان بل الكل متفقون على التخيير بين الثلاث وهو ما اقتضاه كلامهما في الصلح وغيره وهو قياس نظائره أي كالشفعة والهبة والإجارة وقولهما في الإجارة إنها كالعارية لا يستلزم أنها كهي في اختيار الخصلتين فقط على ما صححاه فيها وإن كان ظاهره ذلك لكنهما قد يفرقان بين العارية وغيرها بأن غيرها ملك فيه الباني والغارس منفعة الأرض فساغ إلزامهما بها بخلافهما في العارية ثم محل التخيير إذا لم يوقف البناء والغراس وإلا قال ابن الرفعة وغيره فيتعين تبقيتهما بالأجرة والزركشي يتخير بين ذلك وبين قلعهما بالأرش والموافق لما في الكتاب كأصله أنه يتعين القلع بالأرش ومحله أيضا إذا لم توقف الأرض وإلا فيتخير بين الثلاث لكن لا يقلع بالأرش إلا إذا كان أصلح للوقف من التبقية بالأجرة ولا يتملك بالقيمة إلا إذا كان في شرط الوقف جواز تحصيل مثل ذلك البناء والغراس من ريعه وبذلك أفتى ابن الصلاح في نظيره من الإجارة قال ابن الرفعة ومحله أيضا في الغراس كما قال القاضي وغيره إذا لم يكن عليه ثمر لم يبد صلاحه وإلا فلا يتجه التخيير إلا بعد الجذاذ كما في الزرع لأن له أمدا ينتظر قال الإسنوي ويؤخذ من كلام الرافعي أنه لا بد في التملك من عقد ولا يلحق بالشفيع وبالتمانع بأن امتنع المعير من التخيير والمستعير من بذل الأجرة وقد طلبها المعير يعرض عنهما إلى أن يختار المعير ما له اختياره وللمعير حينئذ الدخول للأرض والانتفاع بها لأنها ملكه والاستظلال بالبناء والغراس لأنه جالس في ملكه لا للمستعير أي ليس له دخولها لتفرج أو لا لغرض بغير إذن المعير إذ لا ضرورة إليه
فلو دخل لسقي للغراس أو إصلاح له أو للبناء جاز صيانة لملكه عن الضياع وفهم منه بالأولى جواز دخوله لأخذ الثمار وفهم مما قاله في المعير عدم جواز الاستناد إلى البناء والغراس وبه قطع القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والعمراني وغيرهم وحكاه القاضي حسين ثم استشكله بما مر في الصلح من جواز هذا في جدار الأجنبي قال الزركشي ولعل الفرق أنه
334
334
هنا في حكم الوديعة والمودع عنده ليس له الانتفاع الوديعة وإن لم يتضرر به المالك بخلافه في تلك وفيما فرق به نظر والأولى حمل ما هنا على ما فيه ضرر كما أشار إليه السبكي وعليه أجرة الدخول إن تعطلت المنفعة بدخوله على المعير فلا يمكن من الدخول إلا بها ولكل منهما بيع ما له من الآخر بل له بيعه لثالث أيضا كسائر الأملاك ولا يؤثر في بيع المستعير تمكن المعير من تملكه ما له كتمكن الشفيع من تملك الشقص وللمشتري الخيار إن جهل الحال وله حكم من باع منه من معير ومستعير فيما مر لهما ومتى باعاهما بثمن واحد جاز للضرورة ووزع الثمن على قيمة الأرض مشغولة بالغرس بمعنى الغراس أو البناء و على قيمة ما فيها وحده فحصة الأرض للمعير وحصة ما فيها للمستعير قاله البغوي وقال المتولي يوزع كما في الرهن كذا ذكرهما الأصل مقدما كلام المتولي فالترجيح من زيادة المصنف وما بناه أحد الشريكين بلا إذن قلع مجانا وسيأتي بيانه في بناء المشتري في المشفوع
فرع ليس لشريك رجع بعد الإذن في البناء أو الغراس في الأرض المشتركة إلا الأجرة أي إلا التبقية بها فليس له القلع بأرش النقص لأنه يتضمن قلع بناء المالك وغراسه من ملكه ولا أن يتملك بالقيمة لأن للباني والغارس في الأرض مثل حقه فإن لم يرض بها أي بالأجرة أعرض عنهما إلى أن يرضى وإن كانت العارية مقيدة بمدة غرس المستعير وبنى جوازا مرة بعد أخرى إلى أن تنقضي المدة أو يرجع المعير ومتى انقضت أي المدة أو رجع فالحكم كما سبق في العارية المطلقة
فصل ولو رجع المعير قبل إدراك الزرع بقاه وجوبا بأجرة إلى الحصاد أما تبقيته فلأن له أمدا ينظر بخلاف البناء والغراس وأما أنها بالأجرة فلأنه إنما أباح له المنفعة إلى وقت الرجوع فأشبه من أعار دابة إلى بلد ثم رجع في الطريق فإن عليه نقل متاعه إلى مأمن بأجرة المثل هذا إن لم يعتد قطعه قبل إدراكه أو اعتيد كالباقلاء ولم يبلغ أو إن قطعه عادة بخلاف ما لو اعتيد قطعه وبلغ ذلك تحكيما للعادة قال ابن الرفعة وكذا لو لم ينقص بالقطع أي وإن لم يعتد قطعه وكذا تلزمه تبقيته بالأجرة إلى الحصاد إن انقضت المدة ولم يقصر المستعير بتأخير الزرع كما في الإعارة المطلقة سواء أسند عدم الإدراك لعروض حر أو برد أو مطر أم لقلة المدة التي عينها أم لا كأكل الجراد رءوس الزرع فينبت ثانيا لا إن قصر بالتأخير فلا يلزمه ذلك فعلى المستعير القطع مجانا وتسوية الأرض وكذا إن قصر بالزرع وإن لم يقصر بالتأخير كأن علا الأرض سيل أو ثلج أو نحوه مما لا يمكن مع الزرع ثم زرع بعد نضوبه وهو لا يدرك في المدة قال الإسنوي وذكر الرافعي في نظير المسألة من الإجارة أنه إذا أبدل الزرع المعين بغيره كان كالتقصير بالتأخير ويأتي هنا أيضا مثله
وإن أعاره أرضا لفسيل أي لغرسه وهو صغار النخل فإن كان مما يعتاد نقله فكالزرع وإلا فكالبناء قال السبكي وسكتوا عن البقول ونحوها مما يجز مرة بعد أخرى ويحتمل إلحاق عروقه بالغراس كما في البيع إلا أن يكون مما ينقل أصله فيكون كالفسيل الذي ينقل
فرع لو حمل السيل أو نحوه كهواء حبات أو نوى لغيره إلى أرضه وكذا لو حمل إليها ما لا قيمة له كحبة أو نواة لم يعرض عنها المالك لها لزمه ردها للمالك إن حضر وإن غاب فالقاضي يردها وعدل إلى هذا عن قول أصله لزمه ردها لمالكها إن عرفه وإلا فيدفعها إلى القاضي ليفيد أنه يدفعها إلى القاضي عند غيبة المالك وإن عرفه وعند حضوره إذا لم يعرفه كما فهم بالأولى وإن نبت الأولى نبتت في أرضه لم يملكها وعلى مالكها القلع لأن مالك الأرض لم يأذن فيه فهو كما لو انتشرت أغصان شجرة غيره في هواء داره و عليه التسوية للأرض لأن ذلك لتخليص ملكه وجزم في المطلب بأنه لا أجرة عليه للمدة التي قبل القلع وإن كثرت لعدم الفعل منه أما إذا أعرض عنها مالكها وكان ممن يصح إعراضه فهي لمالك الأرض

335
335
فصل في الاختلاف
بين المالك وذي اليد لو قال المالك لدابة مثلا آجرتك ها وقال المتصرف فيها أعرتني ها صدق المتصرف بيمينه إن لم تمض مدة لها أجرة ولم تتلف العين لأنه لم يتلف شيئا حتى نجعله مدعيا لسقوط بدله ويحلف ما آجرتني لتسقط عنه الأجرة ويرد العين إلى مالكها فإن نكل حلف المالك يمين الرد واستحق الأجرة ومتى مضت مدة لها أجرة صدق المالك بيمينه كما لو أكل طعام غيره وقال كنت أبحته لي وأنكر المالك ولأنه إنما يؤذن في الانتفاع غالبا بمقابل وفرقوا بين هذه وما لو قال الغسال أو الخياط فعلت بالأجرة ومالك الثوب مجانا حيث لا يصدق مالك المنفعة بل مالك الثوب بأن العامل فوت منفعة نفسه ثم ادعى عوضا على الغير والمتصرف فوت منفعة مال غيره وطلب إسقاط الضمان عن نفسه فلم يصدق
ويحلف المالك ما أعرتك بل آجرتك ليستحق الأجرة ولا يكفي الاقتصار على نفي الإعارة لأنه لم ينكر أصل الإذن حتى يتوصل إلى إثبات المال بنفي الإذن ونسبته إلى الغصب فإذا اعترف بأصل الإذن فإنما يثبت المال بطريق الإجارة
ويستحق أجرة المثل لا المسمى لأنهما لو اتفقا على الإجارة واختلفا في الأجرة كان الواجب أجرة المثل فبالأولى إذا اختلفا في أصل الإجارة فلو نكل عن اليمين لم يحلف المتصرف لأنه لا يدعي إلا الإعارة وهي لا تلزم فإن تلفت فالراكب مقر بالقيمة لمنكر لها وهو يدعي الأجرة إن كان التلف بعد مضي مدة لها أجرة فيعطى قدرها أي الأجرة منها أي القيمة بلا يمين ويحلف للزائد فيما لو زادت على القيمة ومتى قال له المالك غصبتني فقال بل أعرتني وهناك مدة لها أجرة ولم تتلف العين صدق المالك بيمينه لأن الأصل عدم الإذن فللمالك الأجرة وإن لم تمض مدة لها أجرة فلا معنى للنزاع إذ لم تفت العين ولا المنفعة فلو تلفت تلفا يوجب ضمان العارية فله أخذ قيمة يوم التلف بلا يمين لأن المتصرف مقر له بها ولا يأخذ الأجرة فيما إذا مضت مدة لها أجرة و لا الزائد على قيمة يوم التلف مما اقتضاه الغصب إلا بيمين ولو قال المالك غصبتني وقال الراكب آجرتني صدق المالك بيمينه لأن الأصل بقاء استحقاق المنفعة فيسترد العين إن كانت باقية وله فيما إذا مضت مدة لها أجرة أخذ المسمى أي قدره بلا يمين لأن الراكب مقر له به ويحلف لباقي أجرة المثل أي للزائد على المسمى بل ولقيمة العين إن تلفت كما ذكره الأصل والحاصل أن له أخذ ما يقر له به بلا يمين وأخذ ما ينكره باليمين وإن قال الراكب آجرتني وقال المالك أعرتك صدق المالك بيمينه لما مر في التي قبلها فيسترد العين إن كانت باقية فإن نكل عن اليمين حلف الآخر اليمين المردودة واستوفى المدة وإن حلف المالك وهناك مدة لها أجرة فقد أقر له الراكب بأجرة وهو ينكرها وقد عرف حكمه من باب الإقرار وإن اختلفا في ذلك بعد التلف للعين و بعد مضي مدة لها أجرة فإن كانت الأجرة أكثر من القيمة أخذ منها قدر القيمة أو مساوية لها أو أقل منها أخذها أي الأجرة أي قدرها بلا يمين فإن نقصت أي الأجرة عن القيمة حلف للباقي
ولو قال بدل فات إلى آخره وحلف في الأخيرة للباقي كان أوضح وإن اختلفا بعد التلف وقبل مضي مدة لها أجرة حلف المالك وأخذ القيمة لأن الراكب أتلفها ويدعي مسقطا والأصل عدمه
وإن قال المالك غصبتني فقال ذو اليد بل أودعتني صدق المالك بيمينه وأخذ القيمة إن تلفت العين وأجرة المثل إن مضت مدة لها أجرة قال البلقيني وجزم الهروي بأن المصدق ذو اليد قال ويوافقه أن الصحيح في أصل الروضة في الإقرار أنه لو قال أخذت منه ألفا وفسرها الوديعة وقال المقر له بل غصبتها صدق المقر قال ومحل الخلاف أن لا يوجد استعمال يخالف دعوى الوديعة فإن وجد فلا حاجة إلى الحلف ويأخذ المالك القيمة عند التلف وأجرة المثل لما بعد التعدي قال فلو ادعى المالك الإعارة والآخر الوديعة فينبغي القطع بتصديق مدعي الوديعة حتى ينتفي عنه الضمان لأنهما اتفقا على أنه وضع يده بالإذن واختلفا في المضمن والأمانة هنا مقصودة بخلاف الإجارة وقد أفتى البغوي فيمن دفع إلى رجل ألفا فتلفت فادعى الدافع القرض والآخر الوديعة بأن المصدق القابض وهذا متعين
انتهى

336
336
وقد يجاب عما قاله من موافقة ما في الإقرار لكلام الهروي بأن الملك هنا لم يعرف ابتداء من قبل ذي اليد بخلافه ثم والمعتبر في الإقرار اليقين غالبا وما بحثه في الثانية جار على طريقته في الأولى وإلا فالموافق لكلام الجمهور تصديق المالك أيضا ولو ادعى المالك الإجارة وذو اليد الغصب فإن لم تتلف العين ولم تمض مدة لها أجرة صدق ذو اليد بيمينه وإن مضت فالمالك مدع للمسمى وذو اليد مقر له بأجرة المثل فإن لم يزد المسمى عليها أخذه بلا يمين وإلا حلف للزائد وإن تلفت فإن لم تمض مدة لها أجرة فذو اليد مقر بالقيمة لمنكرها وإلا فهو مدع للمسمى وذو اليد مقر له بأجرة المثل والقيمة فإن لم يزد المسمى عليهما أخذه بلا يمين وإلا حلف للزائد ولو ادعى المالك الإعارة وذو اليد الغصب فلا معنى للنزاع فيها إن كانت العين باقية ولم تمض مدة لها أجرة وإن مضت فذو اليد مقر بالأجرة لمنكرها وإن تلفت قبل مضي مدة لها أجرة فإن لم يزد أقصى القيم على قيمة يوم التلف أخذ القيمة بلا يمين وإلا فالزيادة مقر بها ذو اليد لمنكرها وإن مضت مدة لها أجرة فالأجرة مقر بها ذو اليد لمنكرها
فرع
لو ركب المستعير الدابة المعارة جاهلا برجوع المعير لم تلزمه أجرة واستشكل بأن الضمان لا يختلف بالجهل وعدمه وأجاب الزركشي بأن ذاك عند عدم تسليط المالك وهنا بخلافه والأصل بقاء تسليطه وبأنه المقصر بترك الإعلام قال وفرق القاضي بينه وبين نظيره في الوكالة بأن الوكالة عقد والإعارة إباحة وإذن ولا يشكل الجواب بوجوب الدية على الوكيل إذا اقتص جاهلا بعفو المستحق لأنه مقصر بتوكله في القود لأنه غير مستحب إذ العفو مطلوب فضمن زجرا له عن التوكل فيه وبموته أي المستعير يلزم الوارث له الرد للعارية وإن لم يطالبه المعير لأن العارية عقد جائز وقد انفسخت بموت المستعير والمعير لم يرض بيد الوارث وتقدمت المسألة بزيادة
كتاب الغصب
الأصل في تحريمه قبل الإجماع آيات كقوله تعالى لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل أي لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل وقوله ويل للمطففين وأخبار كخبر إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام وخبر من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين رواهما الشيخان هو لغة أخذ الشيء ظلما وقيل أخذه ظلما جهارا وشرعا الاستيلاء على حق الغير عدوانا ولا يصح قول من قال هو الاستيلاء على مال الغير لأنه يخرج الكلب والسرجين وجلد الميتة وخمر الذمي وسائر الاختصاصات كحق التحجر واختار الإمام أنه الاستيلاء على مال الغير بغير حق وقال لا حاجة إلى التقييد بالعدوان بل يثبت الغصب وحكمه
337
337
بغير عدوان كأخذه مال غيره بظنه ماله قال في الأصل والأشبه التقييد به والثابت في هذه الصورة حكم الغصب لا حقيقته وأورد على التعريف السرقة فإنه صادق بها وليست غصبا وأجيب بأنها خرجت بالاستيلاء فإنه يبنى على القهر والغلبة وفيه نظر والحق أنها غصب أيضا وإن كانت من حيث إنها سرقة يرتب عليها حكم زائد على الغصب بشرطه وما قاله المصنف من التعريف هو ما جزم به في أصل المنهاج لكن اختار في الروضة أنه الاستيلاء على حق الغير بغير حق واعترضه الإسنوي بأن قوله بغير حق ذهول وصوابه عدوانا لما قدمه من موافقة الرافعي على الفرق بينهما وإنما قصد الانتقاد على من عبر بالمال قلت الظاهر أنه لم يذهل بل قصد ذلك ليدخل الصورة التي قالها الإمام ولا نسلم أنه وافق الرافعي على الفرق وإنما نقل كلامه على عادته ثم اختار ذلك وحينئذ فيصح حمل قولهم عدوانا على قوله بغير حق ويكون ذلك حقيقة الغصب عنده ولا يؤثر عدم الإثم في نحو صورة الإمام لأن الغصب لا يستلزم الإثم كما لا يستلزمه ارتكاب المنهي عنه لتوقفه على العلم بأنه محرم
وفيه بابان
الأول في الضمان وفيه أربعة أطراف الأول في موجب الضمان بكسر الجيم أي سببه أي في موجب دخول المال في ضمانه ولا ينحصر موجبه في الغصب بل الإتلاف والاستعارة والاستيام وغيرها مضمونة الأولى والموافق لكلام أصله مضمنة والإتلاف هو التفويت بمباشرة وهي ما يحصل الهلاك كالقتل أو سبب وهو ما يحصل الهلاك به كالإكراه على القتل أو شرط وهو ما لا يحصلهما لكن يحصل الهلاك به كحفر بئر عدوانا وسيأتي تحقيقها في الجنايات لكن المصنف كأصله أراد بالسبب هنا ما يشمل الشرط كما يعلم مما يأتي وإن فتح رأس زق غير منتصب فسال ما فيه بفتحه وتلف أو منتصب فسقط بفعله كأن حرك الوكاء وجذبه أو بتقاطر ما فيه وابتلال أسفله به أي بما تقاطر منه ولو كان التقاطر بإذابة شمس أو حرارة ريح مع مرور الزمان فسال ما فيه وتلف ضمن لأنه باشر الإتلاف في الأوليين والإتلاف ناشئ عن فعله في الباقي سواء أحضر المالك وأمكنه التدارك فلم يفعل أم لا كما لو حرق ثوبه أو قتل عبده وأمكنه الدفع فلم يفعل ذكره القمولي لا إن أسقطته بعد فتحه له ريح عارضة أو نحوها كزلزلة ووقوع طائر أو جهل الحال فلم يعلم سبب سقوطه فلا يضمن لأن التلف لم يحصل بفعله وليس فعله في الأولى مما يقصد به تحصيل ذلك العارض وللشك في الموجب في الثانية وقيل يضمن فيها والترجيح فيها من زيادته وبه جزم الماوردي والروياني وغيرهما وفارق حكم الأولى حكم إذابة الشمس بأن طلوع الشمس محقق فلذلك قد يقصده الفاتح بخلاف الريح وأفهم كلامه كأصله أن الريح لو كانت هابة عند الفتح ضمن وهو ظاهر كما يؤخذ من الفرق المذكور ومن تفرقتهم بين المقارن والعارض فيما إذا أوقد نارا في أرضه فحملها الريح إلى أرض غيره فأتلفت شيئا نبه عليه الإسنوي
فلو أذابه آخر غير الفاتح بنار قربها إليه أو نكسه بالتخفيف والتشديد أي قلب الزق وهو أي ما فيه يتقاطر فالضمان من حينئذ أي حين إذابته أو تنكيسه أي ضمان التلف بهما عليه دون الفاتح كالحاز مع الجارح وكذا يضمن بالسبب كالمباشرة وقد مر مثله في فتح الزق ومثل له هنا أيضا بأمثلة فقال كما لو أزال ورق العنب ففسدت عناقيده بالشمس أو ذبح شاة رجل أو حمامته فهلك الفرخ في الثانية أو السخلة في الأولى لفقد ما يعيشان به ويفارق عدم الضمان فيما لو حبس المالك عن ماشيته حتى تلفت كما سيأتي بأن التالف هنا جزء أو كالجزء من المذبوح بخلاف الماشية مع مالكها وبأنه هنا أتلف غذاء الولد المتعين له بإتلاف أمه بخلافه ثم أو قرب النار إلى جامد في زق مفتوح فذاب وخرج وتلف
فرع لو حل رباط سفينة
338
338
فغرقت بحله ضمن أو بحادث ريح أو غيره فلا يضمن لما مر فإن لم يظهر حادث فوجهان في الضمان أحدهما المنع كالزق قال الزركشي وهو الأقرب للشك في الموجب والثاني يضمن لأن الماء أحد المتلفات
فرع لو فتح قفصا عن طائر الأولى طير فطار في الحال وإن لم يهيجه ضمن لأن طيرانه في الحال يشعر بتنفيره وإلا بأن وقف ثم طار فلا يضمنه لأن طيرانه بعد الوقوف يشعر باختياره وإن أخذته هرة بمجرد الفتح وقتلته وإن لم تدخل القفص أو لم يعهد ذلك منها فيما يظهر أو طار فصدمه جدار فمات أو كسر في خروجه قارورة أو القفص ضمن ذلك لأنه ناشئ من فعله ولأن فعله في الأولى في معنى إغراء الهرة وقضية هذا التعليل أن محل ذلك إذا كانت حاضرة وإلا فهو كعروض ريح بعد فتح الزق فلا يضمن وبه صرح السبكي وغيره ثم ما ذكر من الضمان فيما إذا أخذته هو ما في الأصل عن فتاوى القفال وهو قياس ما يأتي عنه في مسألة الحمار لكن قياس ما يأتي عن غيره أنه لا ضمان ومسألة صدم الطائر جدارا من زيادة المصنف وهي داخلة في قوله فطار في الحال ضمن قال الماوردي والروياني ولو أمر طفلا أو مجنونا بإرسال طائر في يده فأرسله فهو كفتحه القفص عنه
339
339
فينظر هل يطير عقب الإرسال أو لا
وحل رباط البهيمة والعبد المجنون وفتح باب مكانهما كما صرح به أصله كفتح القفص فيما ذكر وفي معنى المجنون الصبي الذي لا يميز لا العبد العاقل ولو كان آبقا لأنه صحيح الاختيار فخروجه عقب ما ذكر محال عليه
ولو حل رباطا عن شعير في جراب فأكله في الحال حمار بجنبه ضمن كذا نقله الأصل عن فتاوى القفال قال الأذرعي وجزم الروياني بعدم ضمانه ثم قال وفيه وجه وعدم الضمان منسوب إلى العراقيين وقد صرح هو كالماوردي بأنه لو حل رباط بهيمة فأكلت علفا وكسرت إناء لم يضمن سواء اتصل ذلك بأكل أم لا لأنها المتلفة قال ويدل لذلك نص في الأم وسبقه إلى نحو ذلك السبكي لكن قد يجاب بأنه إنما لم يضمن في تلك لأنه لم يتصرف في التالف بل في المتلف عكس مسألتنا
فلو خرجت البهيمة عقب فتح الباب ولو ليلا فأتلفت زرعا أو غيره لم يضمنه الفاتح إذ ليس عليه حفظ بهيمة الغير عن ذلك وترجيح عدم الضمان ليلا من زيادته وعليه العراقيون قال السبكي وبه أفتى البغوي وهو الأصح وذكر نحوه الأذرعي وقال إنه أقرب إلى نصوص الشافعي وجزم به صاحب الأنوار
وعبارة الأصل قال القفال إن كان نهارا لم يضمن أو ليلا ضمن كدابة نفسه وقال العراقيون لا يضمن زاد في الروضة قلت قطع ابن كج بما قاله القفال وفي نسخة من الروض بدل لم يضمنه ضمنه وهي موافقة لما نقله الأصل عن القفال قال ابن الرفعة ولمن خالف العراقيين أن يقول ليس تضمينه لترك الحفظ بل للتسليط على الإتلاف وقال البلقيني الصواب أنه يضمن مطلقا لأنه متعد بإخراجها بخلاف الإنسان في دابة نفسه
قال وسئلت عن رجل ركب دابة غيره في المرعى ثم نزل عنها فجاءت إلى الجرن فردها الحارس فرفصته فكسرت أسنانه ولم يكن أحد معها وذلك بالنهار فأفتيت بأنه لا ضمان على صاحبها ولا على الذي ركبها بخلاف ما صوبته هنا والفرق أن التعدي تم بالإخراج بخلاف من وجدها خارجة وفيما قاله وقفة
وإن رمى طائرا ولو في هواء داره فقتله ضمنه إذ ليس له منعه من هواء داره لا إن نفره عن جداره فلا يضمنه لأن له منعه من جداره وإن فتح الحرز وأخذ غيره ما فيه أو حبس رجلا ولو ظلما عن ماشيته فهلكت جوعا أو عطشا بسبب حبسه وإن قصد منعه عنها أو دل عليها أي العين اللصوص فلا ضمان عليه إذ لم تثبت يده على المال وتسببه بالفتح في الأولى قد انقطع بالمباشرة نعم لو أخذه غيره بأمره وهو أعجمي أو ممن يرى طاعة آمره فعليه الضمان لا على الآخذ كما سيأتي بيانه في الجنايات ولو بنى دارا فألقت الريح فيها ثوبا وضاع لم يضمن كما يؤخذ من كلامه وصرح به أصله
وكذا لو منعه من سوق الماء إلى زرعه فتلف لا ضمان عليه كما في حبس غيره عن ماشيته ولو غصب بقرة أو هاديا للقطيع وهو الماشي أمامه فتبعه العجل في الأولى أو القطيع في الثانية لم يضمن التابع ما لم تثبت يده عليه وهذا ما رجحه في أصل الروضة والذي في الرافعي ذهب بعضهم إلى أنه يضمنه وأعاد المسألة في السرقة وحكى فيها وجهين بلا ترجيح وتبعه عليه في الروضة قال في المطلب والراجح الضمان ويشهد له قول الأصحاب أنه إذا كان بيده دابة وخلفها ولدها فأتلف شيئا ضمنه كما يضمن ما تتلفه أمه فلو لم يكن في يده لم يضمنه قال والذي يظهر فيما إذا غصب أم النحل فتبعها النحل أنه يضمن وجها واحدا لاطراد العادة بتبعيته لها
انتهى
وما استشهد به لا شاهد فيه لجواز حمله على ما إذا وضع يده على الولد كما هو الغالب بقرينة ما نظر به
فرع لو نقل صبيا حرا إلى مسبعة
340
340
فافترسه سبع لم يضمن ه وإن لم يقدر على الحركة إحالة للهلاك على اختيار الحيوان ومباشرته ولأن النقل المذكور ليس بإهلاك ولم يلجئ السبع إليه بل غالب حاله الفرار من الناس نعم إن ألقاه في زبيته وهو فيها فقتله ضمنه لأنه ألجأه إلى قتله وأفهم كلامه بالأولى أنه لا ضمان في البالغ وإنما خص الصبي بالذكر للخلاف فيه أما الرقيق فمضمون باليد والمسبعة بفتح الميم والباء اسم للأرض الكثيرة السباع ويجوز ضم الميم وكسر الباء أي ذات سباع قاله ابن سيده
فصل يضمن
ذو اليد العادية الأصل وزوائده المنفصلة كالولد والثمرة والمتصلة كالسمن وتعلم الصنعة بإثبات اليد عدوانا على الأصل مباشرة وعلى الزوائد تسببا إذ إثباتها على الأصل سبب لإثباتها على زوائده نعم لو اصطاد العبد المغصوب صيدا ففي البيان عن الصيمري لا يضمنه الغاصب إلا أن يحول بينه وبين العبد ثم إثبات اليد يكون في المنقول والعقار وقد أخذ في بيان ما يحصل به ذلك مبتدئا بالمنقول فقال بنقل المنقول فلا يكون غاصبا بدون نقله إلا فيما ذكره بقوله وكذا لو جلس على دابة أو فراش ولم ينقل فإنه يكون غاصبا وإن لم يقصد الاستيلاء كما صرح به في أصل الروضة لحصول غاية الاستيلاء بصفة الاعتداء نعم إن حضره المالك ولم يزعجه لكنه بحيث يمنعه التصرف في ذلك فقياس ما يأتي في نظيره من العقار أن يكون غاصبا لنصفه فقط ذكره الأصل وكركوب الدابة استخدام العبد ذكره ابن كج ثم ثنى المصنف بالعقار في صور فيها أشياء ليست قيودا كما سأشير إلى بعضها فقال أو أضاف إلى ملكه ملكا لغيره ببناء ونحوه كأن اقتطع أرضا ملاصقة لأرضه وبنى عليها حائطا وأضافها إلى ملكه فيكون غاصبا لها لوجود الاستيلاء وقوله ونحوه من زيادته أو أزعج المالك أي أخرجه عن داره ودخلها بعياله أو بدونهم بقرينة ما يأتي على هيئة الساكن وإن لم يقصد الاستيلاء لأن وجوده يغني عن قصده أو أزعجه عنها وإن لم يدخلها إذ لا يعتبر في قبضها دخولها والتصرف فيها أو دخل ها بقصد الاستيلاء ولم يكن مالكها فيها فهو غاصب لها وإن كان ضعيفا والمالك قويا لوجود الاستيلاء وأثر قوة المالك إنما هو في سهولة النزع فأشبه ما لو سلب قلنسوة ملك فإنه غاصب وإن سهل على المالك نزعها فإن منعه شيئا منها كأن سكن بيتا منها ومنعه منه دون باقيها فغاصب له دون الباقي لأنه الذي استولى عليه أو شاركه في الاستيلاء فغاصب لنصفها لاجتماع يدهما واستيلائهما لا إن دخل ها لا بقصد الاستيلاء بل لينظر هل تصلح له أو ليتخذ مثلها أو لنحوهما فلا يكون غاصبا لها ولا يضمنها
ولو تلفت وهو فيها بخلاف ما لو رفع المنقول من بين يدي مالكه لذلك فتلف في يده فإنه يضمنه لأن يده عليه حقيقة فلا يحتاج في إثبات حكمها إلى قرينة وعلى العقار حكمية فلا بد في تحقيقها من قرينة قصد الاستيلاء كذا نقله الأصل عن المتولي وأقره قال في المهمات وهو خلاف المعروف في رفع المنقول فقد قال
341
341
القاضي والإمام والغزالي لا يضمن وفي فتاوى البغوي ما يوافقه لكن لو خطا به خطوات ففي تعليق القاضي يضمن وفي فتاويه لا يضمن وشرط غصب الضعيف الدار دخوله لها في غيبة المالك بقصد الاستيلاء فإن دخلها في حضرته ولو بقصد الاستيلاء لم يكن غاصبا لأنه لا يعد مستوليا ولا عبرة بقصد ما لا يتمكن من تحقيقه فلا يكون في صورة المشاركة السابقة غاصبا للنصف فإن قيل لو نوى المسافر الإقامة في مفازة لا يمكن فيها ذلك اعتبر قصده حتى لا يترخص فلم خالف ما هنا
قلنا رعاية للأصل فيهما إذ الأصل عدم الترخص وعدم الضمان ولأن الإقامة في المفازة ثم ممكنة في زمان يسير بخلاف الاستيلاء ذكره الإسنوي قال كالسبكي وقياس ما ذكر هنا يقتضي أنه لو انعكس الحال فكان المالك ضعيفا والداخل بقصد الاستيلاء قويا كان غاصبا للجميع قال الأذرعي وفيه نظر لأن يد المالك الضعيف موجودة فلا معنى لإلغائها بمجرد قوة الداخل
انتهى
وقد يعارض بمثله في الداخل الضعيف بقصد الاستيلاء
فصل يد من ترتبت يده على يد الغاصب بشراء أو غيره ضامنة وإن جهل صاحبها الغصب وكان أمينا كالمودع لأنه أثبت يده على مال غيره بغير إذنه فللمالك مطالبة من شاء منهما على ما يأتي ويستثنى الحاكم ونائبه لأنهما نائبان عن المالك ومن انتزعه ليرده لمالكه إن كان الغاصب حربيا أو رقيقا للمالك وكذا الزوج كما سيأتي وإن علم من ترتبت يده على يد الغاصب الغصب فغاصبة يده لوجود حد الغصب فيما ترتبت عليه فيستقر عليه ضمان ما تلف عنده فلا يرجع بما ضمن على الغاصب ولا يضمن ما نقص من العين المغصوبة قبل وقوع يده عليه لأنه لم ينقص في يده فإن تلفت مع الثاني الجاهل وكانت يده في الأصل ضامنة كالمشتري والمقترض والمتهب والمستعير فقرار ضمان يده عليه لأنه دخل في عقد الهبة على التملك وفي غيرها على الضمان بل وعلى التملك في بعضه فلم يغره الغاصب وعده المتهب ممن يده يد ضمان من تصرفه والذي في الأصل وغيره أن يده ليست يد ضمان وإن كان المرجح أن قرار الضمان عليه لما قلنا أو كانت غير ضامنة كالمستأجر والوكيل والمودع فالقرار على الغاصب دونه لأنه دخل على أن يده نائبة عن يد الغاصب لكنه طريق في الضمان إلا الزوج فليس طريقا فيه فلو تزوج المغصوبة من الغاصب فتلفت عنده لم يضمنها بخلاف المودع لأن كونها في حيال الزوج ليس كحلول المال في اليد قال الزركشي وينبغي تخصيصه بما إذا تلفت بغير الولادة وإلا فيضمنها كما لو أولد أمة غيره بشبهة وماتت بالولادة فإنه يضمنها على الأصح كما قاله الرافعي في الرهن
فرع لو أضافه أي الغاصب غيره طعاما مغصوبا فأكله فقرار الضمان على
342
342
الضيف إن علم أنه مغصوب وكذا إن جهل لأنه المتلف وإليه عادت منفعته فإن ضمنه لم يرجع على الغاصب وإن ضمن الغاصب رجع عليه وكذا إن قال له هو ملكي فالقرار على الآكل فلا يرجع بما غرمه على الغاصب لكن بهذه المقالة إن ضمن الغاصب لا يرجع عليه لاعترافه أن ظالمه غيره فلا يرجع على غير ظالمه وإذا قدمه لعبد ولو بإذن مالكه فالأكل جناية منه يباع فيها لتعلق موجبها برقبته فلو ضمن الغاصب رجع على قيمة العبد لا إن قدمه لبهيمة فأكلته وضمن الغاصب فإنه لا يرجع على المالك إن لم يأذن وإلا رجع عليه ومطيع الغاصب في ذبح الشاة المغصوبة بأن قال له اذبحها فذبحها لا في قتلها جاهلا بالغصب يرجع عليه لأنه إنما ذبح له لا لنفسه وكذا في كل ما استعان به الغاصب كطحن الحنطة وخبز العجين وإنما لم يرجع عليه في صورة القتل لأنه حرام بخلاف الذبح وخرج بالجاهل العالم فلا يرجع على الغاصب بل الغاصب يرجع عليه بما ضمن
فرع يبرأ الغاصب من المغصوب بإطعامه المالك أو إعارته إياه أو بيعه أو إقراضه له ولو كان جاهلا بأنه له لأنه باشر أخذ ماله باختياره وتمكينه أي ويبرأ بتمكينه منه بالوضع بين يديه عالما بأنه له لا جاهلا به لأنه يعد قابضا له في الأول دون الثاني وهذه من زيادته لا بإيداعه ورهنه وإجارته وتزويجه منه والقراض معه فيه جاهلا بأنه له لأن التسليط فيها غير تام وكما لا يتقرر الضمان فيها على الأجنبي بخلاف ما إذا كان عالما وكلامه في التزويج شامل للذكر والأنثى ما لم يستولدها فإن استولدها أي وتسلمها برئ الغاصب ولا يبرأ إن صال المغصوب على مالكه فقتله المالك دفعا لصياله سواء أعلم أنه عبده أم لا لأن الإتلاف بذلك كإتلاف العبد نفسه ولهذا لو كان العبد لغيره لم يضمنه قال الزركشي وينبغي أن يكون المرتد والباغي كذلك إذا قتله سيده الإمام كنظيره فيما مر في البيع ولو قال الغاصب للمالك أعتقه أو أعتقه عنك فأعتقه ولو جاهلا بأنه له عتق لأن العتق لا يندفع بالجهل وبرئ لانصرافه إلى جهة صرفه المالك إليها بنفسه وعادت مصلحتها إليه وكذا يعتق ويبرأ الغاصب لو قال للمالك أعتقه عني فأعتقه عنه ولو جاهلا والترجيح من زيادته وصرح به السبكي ويقع العتق عن المالك لا عن الغاصب على الصحيح في أصل الروضة والأوجه معنى أنه يقع عن الغاصب ويكون ذلك بيعا ضمنيا إن ذكر عوض وإلا فهبة بناء على صحة البيع فيما لو باع مال أبيه ظانا حياته فبان ميتا وكذا يعتق ويبرأ إن أمره المالك بعتقه بأن قال أعتقه أو أعتقه عنك أو عني ومسألة أعتقه عنك في الموضعين من زيادته وذكرها القاضي والمتولي قال البلقيني وينبغي أن يلحق بالإعتاق الوقف ونحوه
الطرف الثاني في المضمون المضمون مال وغيره وهو الحر أما الحر فيضمن بالجناية وسيأتي بيانه في الديات و أما المال فهو أعيان ومنافع فالأعيان تضمن بالإتلاف وبالدخول تحت اليد العادية فيضمن الغاصب جزء الرقيق غير المقدر واجبه من الحر كذهاب البكارة والهزال وجرح البدن بنقص القيمة كما في سائر الحيوانات قال البلقيني واستثنى المتولي ما إذا كانت الجناية فيما يتقدر كاليد وكان الناقص أكثر من مقدره أو مثله فلا يوجب جميعه لأنه يؤدي إلى أن يزيد على موجب الجناية أو يساويه بإدخال خلل في العضو على نفس العضو لكن الحاكم يوجب فيه حكومة باجتهاده قال وهذا تفصيل لا بد منه وإطلاق من أطلق يحمل عليه وما استثناه إنما يأتي في غير الغاصب أما فيه فيضمن بالنقص مطلقا والكلام إنما هو فيه
و يضمن جزأه المقدر واجبه من الحر كيد العبد ولو مكاتبا ومدبرا وأم ولد بأكثر الأمرين من أرشه ونصف قيمته إن جنى عليه لاجتماع السببين فلو كان الناقص بقطعها ثلثي قيمته لزماه النصف بالقطع والسدس باليد العادية نعم إن قطعها المالك ضمن الغاصب الزائد على النصف فقط نقله الأذرعي عن الروياني والمبعض يعتبر بما فيه من الرق كما ذكره الماوردي ففي قطع يده مع ربع الدية أكثر الأمرين من ربع القيمة ونصف
343
343
الأرش
فرع
لو قطع أصبعا منه زائدة وبرئ ولم تنقص قيمته قال ابن سريج لا شيء عليه وقال أبو إسحاق يلزمه ما نقص ويقوم قبل البرء والدم سائل للضرورة وإن تلفت يده بآفة سماوية فبما نقص من قيمته يضمن لأن الساقط بغير جناية لا يتعلق به قود ولا كفارة ولا يضرب على العاقلة بحال فأشبه سائر الأموال ولهذا لو كان قدر النقصان أكثر من المقدر كان هو الواجب بالإتلاف وكالآفة السماوية ما لو جنى العبد المغصوب على يد آخر فقطعت يده قودا قاله الإمام وإن أتلفها غير غاصب له ضمنها بنصف قيمته وإن كان في يد الغاصب كما تضمن يد الحر بنصف ديته والمنافع المتقومة تضمن بالتفويت كأن سكن الدار واستخدم العبد وركب الدابة وكذا بالفوات تحت اليد العادية كأن لم يفعل ذلك وذلك لأنها مضمونة بالعقد الفاسد فتضمن بالغصب كالأعيان إلا منفعة الحر والبضع فلا تضمن بالفوات وسيأتيان فمن غصب عينا تؤجر ضمن منفعتها إذا بقيت في يده مدة لها أجرة وإن لم يستوفها كما يضمن عينها الأولى تضمنها وإن لم يتلفها والتصريح بهذا التنظير من زيادته حتى لو غصب المسك والكتاب ضمن منفعتهما وتجب الأولى فتجب أجرته أي كل منهما وإن لم يشمه أي المسك ولم يطالعه أي الكتاب ويجب أعلى أجرة صنائع المغصوب إذا كان له صنائع فلا تجب أجرة الجميع لاستحالة وجود عملين مختلفين في وقت واحد قاله القاضي وغيره قال الزركشي ويؤخذ منه تخصيص ذلك بما لا يمكن الإتيان معه بصنعة أخرى فإن أمكن كالخياطة مع الحراسة ضمن الأخرى أيضا قال وسيأتي في صيد العبد المغصوب ما يؤيده ومحل ذلك في غير الحر أما الحر فلا يضمن فيه إلا أجرة مثل ما استعمله فيه كما يؤخذ مما سيأتي
وصرح به القفال في فتاويه وإن غصب أرضا تنقص بترك الزراعة لنبت الحشيش فيها إذا لم تزرع كأرض البصرة فلم يزرع ها فعليه قلعه أي الحشيش ورده مع الأجرة وأرش النقص التصريح بذكر القلع من زيادته ولو ذكر معه الرد الذي اقتصر عليه أصله كان أولى أما إذا كانت العين لا تؤجر كمسجد وشارع ومقبرة فلا تضمن منفعتها إلا بالتفويت وأما الحر والبضع فلا تضمن منفعتهما إلا بالتفويت كأن استخدم ووطئ فلا تضمن بالفوات لأنهما لا يدخلان تحت اليد شرعا فاليد في منفعة الحر له وفي بضع الحرة لها بدليل صحة تزويج المغصوبة ودعوى كل من اثنين نكاحها عليها لا على الآخر وإن كانت عنده ولأن منفعة البضع تستحق استحقاق ارتفاق للحاجة ولهذا لا يملك الزوج نقلها أصلا بخلاف سائر المنافع لأنها تستحق استحقاق ملك تام ومحل ضمان تفويت ما ذكر حيث لا ردة متصلة بالموت فسيأتي في بابها أنه لو أكره أمة مرتدة على الوطء أو مرتدا على عمل وماتا على الردة لا مهر لها ولا أجرة له بناء على زوال ملك المرتد أو وقفه نعم لو استأجر شخص الحر فله تأجيره يعني إجارته ويستحق عليه الحر الأجرة بتسليم نفسه له ولو لم يستعمله بناء لذلك على الحاجة والمصلحة وإلا فقضية كون منفعة الحر لا تدخل تحت اليد منع ذلك كما قال به القفال
فرع على ناقل الحر صغيرا أو كبيرا قهرا من مكانه إلى مكان آخر مؤنة رده إن احتاج إليها لتعديه هذا إن كان له أي للحر غرض في الرجوع إلى مكانه وإلا فلا شيء عليه نقل ذلك الأصل عن المتولي وذكر مثله القاضي في موضع وقال في آخر لا تجب لكن إذا كان النقل إلى برية مهلكة فعليه رده إلى العمران يعني المأمن حسبة من حيث الأمر بالمعروف ولا يختص به بل جملة المسلمين فيه سواء وذكر الإمام مثله ولو غصب جارحة أو شبكة أو قوسا فاصطاد بها صيدا فالصيد له لا لصاحبها لأنها آلات للصائد وعليه الأجرة أي أجرة مثلها لا في الكلب بناء على الأصح من أنه لا تجوز إجارته بل يجب رده مع مؤنته إن كان له مؤنة وإن غصب عبدا فاصطاد له صيدا فالصيد لسيده لاستقلال العبد به ولو أمر عبدا لا يميز بذلك ففعل فظاهر كلامهم أن الصيد لمالكه وبه صرح البغوي والروياني وهو ظاهر لأن له
344
344
اختيارا في الجملة وإن كان التعليل المذكور يقتضي خلافه ويضمن الغاصب أجرته في زمن صيده أيضا قال الرافعي لأنه لو كان بيد مالكه ربما استعمله في غير ما اشتغل به فلا تدخل الأجرة فيما اكتسبه وبما قاله يندفع إشكال الجمع بينهما إذا كان أعلى منافع العبد الاصطياد وكان المصنف لما رأى الإشكال قويا زاد لفظة له ليخرج ما لو اصطاد لسيده أو أطلق فلا يضمن الغاصب أجرته بل تدخل فيما ذكر وظاهر كلامهم خلافه وجواب الإشكال ما قلنا
فرع يجب أرش نقص المغصوب الحاصل بغير كساد السوق وأجرته وضمان جنايته وزوائده وإن أبق وسلمت القيمة للحيلولة حالة إباقه لبقاء حكم الغصب وتكون الأجرة بعد حدوث النقص أجرة ناقص بخلافها قبل حدوثه فإنها أجرة تام سواء في وجوب الأرش مع الأجرة حدث النقص بالاستعمال الموجب للأجرة كأن لبس الثوب فأبلاه أم لا كأن غصب ثوبا أو عبدا فنقصت قيمته بآفة سماوية كسقوط عضو العبد بمرض لا يقال على الشق الأول النقصان نشأ من الاستعمال وقد قوبل الاستعمال بالأجرة فلا يجب له ضمان آخر لأنا نقول الأجرة لا تجب للاستعمال بل لفوات المنفعة على المالك بدليل أنها تجب وإن لم يكن استعمال فلم يلزم ضمانان لشيء واحد
فصل لا يضمن أحد خمرا ولو محترمة وخنزيرا لعدم المالية كالميتة والدم و لكن يجب رد الخمر المحترمة وخمر ذمي غير متظاهر بها شربا أو بيعا أو غيرهما مع مؤنة ردهما كما صرح به الأصل في الثانية في الجزية لاحترامهما بخلاف ما عداهما لا ترد بل تراق كما مر في الرهن ويجوز كسر إنائها إذا لم يقدر على إراقتها إلا به أو كان إناؤها ضيق الرأس ولو اشتغل بإراقتها أدركه الفساق ومنعوه أو كان يضيع زمانه ويتعطل شغله ذكره الغزالي قال وللولاة كسر آنية الخمر زجرا وتأديبا دون الآحاد والنبيذ كالخمر في حكمها قال الماوردي إلا أنه لا يريقه إلا بأمر حاكم مجتهد لئلا يتوجه عليه الغرم فإنه عند أبي حنيفة مال وظاهر أن الحاكم المقلد لمن يرى إراقته كالمجتهد في ذلك وقد قال النووي الحشيشة مسكرة فعليه يتجه إلحاقها بالخمر في عدم الضمان قاله الإسنوي وغيره
فرع وفي نسخة فصل يلزم المكلف القادر كسر الأصنام قال في الأصل والصليب وآلات الملاهي كالبربط والطنبور إزالة للمنكر إذ يحرم الانتفاع بها ولا حرمة لصنعتها والأصل فيه خبر الصحيحين والذي نفسي بيده ليوشكن أن يقوم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير فلا يلزم بكسرها شيء إذا كسرها كسرا تصير به إعادتها في إنالة الصانع التعب كإحداثها بأن تفصل لتعود كما قبل التأليف فلا يكفي قطع الأوتار لأنها مجاورة لها منفصلة فلو رضها أو أحرقها ضمن ما سوى الكسر المشروع أي الزائد عليه لأن رضاضها متمول ولزيادته على ما يزول به الاسم فعلم أنه ليس له أن يكسرها الكسر الفاحش قال الزركشي وينبغي أن يكون محله في الآحاد أما الإمام فله ذلك زجرا وتأديبا على ما قاله الغزالي في إناء الخمر بل أولى ويعذر في كسر الزائد على الكسر
345
345
المشروع إن دوفع عن كسره لأن دافعه مقصر ولو أتلف جلدا غير مدبوغ فادعى المالك أنه مذكى والغاصب أنه ميتة صدق الغاصب بخلاف ما لو أراق ماء عنب واختلفا في تخمره فإنه يصدق المالك لأن الأصل بقاء ماليته ذكره البغوي قال الزركشي وينبغي أن يلحق بالثانية ما لو قال الكاسر هنا لم يمكن الكسر إلا بالرض أو الإحراق وخالفه المالك فيصدق المالك قلت والأوجه إلحاقه بالأولى لأن له الإقدام على إزالة المنكر والأصل براءة الذمة قال الإسنوي قال الإمام لو أبرز خمرا وزعم أنها خمر خل لم يقبل منه كما قاله طوائف ولو اطلعنا على خمر ومعها مخايل تشهد بأنها خمر خل فالمذهب أنا لا نتعرض لها
وللصبي المميز وغير الكامل من امرأة ومن فيه رق أو فسق وفي نسخة بدل هذا وغير المكلف وكلا اللفظين يغني عما قبله كسرها ويثاب الصبي وإن كان غير مكلف على كسرها كالبالغ قال في الروضة قال في الإحياء وليس لأحد منعه من ذلك ولا من إزالة سائر المنكرات كما ليس له منع البالغ فإنه وإن لم يكن مكلفا فهو من أهل القرب
الطرف الثالث في قدر البدل الواجب فالمثلي يضمن بمثله لآية فمن اعتدى عليكم ولأنه أقرب إلى التالف ولأن المثل كالنص لأنه محسوس والقيمة كالاجتهاد ولا يصار للاجتهاد إلا عند فقد النص والمثلي ما حصره كيل أو وزن وجاز السلم فيه فخرج بقيد الكيل أو الوزن ما يعد كالحيوان أو يذرع كالثياب وبجواز السلم فيه الغالية والمعجون ونحوهما لأن المانع من ثبوت ذلك في الذمة بعقد السلم مانع من ثبوته بالتلف والإتلاف وشمل التعريف الرديء نوعا أما الرديء عيبا فليس بمثلي لأنه لا يجوز السلم فيه وأورد الإسنوي عليه القمح المختلط بالشعير فإنه لا يجوز السلم فيه مع أن الواجب فيه المثل فيخرج القدر المحقق منهما ويجاب بأن إيجاب رد مثله لا يستلزم كونه مثليا كما في إيجاب رد مثل المتقوم في القرض فالتراب والنحاس والحديد والتبر والمسك والعنبر والكافور والثلج والجمد والقطن ولو بحبه خلافا لابن الرفعة والعنب والرطب والفواكه الرطبة والدقيق واللحم الطري ونحوها كالنخالة كما في فتاوى ابن الصلاح كلها مثلية لصدق التعريف عليها وما ذكره كأصله من أن الرطب والعنب مثليان تقدم ما فيه في زكاة المعشرات لا الخبز وكل ما دخلته النار لطبخ أو قلي أو شي فليس مثليا لأنه لا يجوز السلم فيه ثم الماء والحبوب الجافة والخلول التي ليس فيها ماء والأدهان والألبان والسمن والمخيض والدراهم والدنانير الخالصة ونحوها مثلية وكذا الدراهم والدنانير المغشوشة والمكسرة والسبيكة ولو عطف الماء والمذكورات بعده بالواو وقدمها على قوله كلها مثلية كان أولى وأخصر والمراد بالماء الماء البارد إذ الحار متقوم لدخول النار فيه قاله في المطلب وهذا كما قال الأذرعي يطرق غيره من المائعات إذا حميت بالنار
فصل لو غصب مثليا فتلف أو أتلفه بلا غصب والمثل موجود فلم يغرم حتى عدم المثل حسا أو شرعا بأن لم يجده أو وجده بأكثر من ثمن مثله أو منعه من الوصول إليه مانع فيما دون مسافة القصر من بلد الغصب أو الإتلاف لزمه أقصى القيم للمغصوب أو المتلف وقيل للمثل وصححه السبكي من
346
346
وقت الغصب في الأول أو وقت الإتلاف في الثاني إلى وقت الإعواز للمثل لأن وجود المثل كبقاء العين في لزوم تسليمه فلزمه ذلك كما في المتقوم ولا نظر إلى ما بعد العدم كما لا نظر إلى ما بعد تلف المتقوم
فإن قال المستحق أنا أصبر عن أخذ القيمة إلى وجود المثل أجيب لأن الحق له ولو تلف المثلي أو أتلفه والمثل مفقود وهو غاصب فيهما فأقصى القيم من الغصب إلى التلف يلزم أو وهو غير غاصب في الثانية فقيمة يوم التلف تلزم والتصريح بمسألة الإتلاف في الغصب هنا من زيادته فلو غرم الغاصب أو المتلف القيمة لفقد المثل هنا وفيما مر ثم وجد المثل لم يرجع إليه بالبناء للمفعول أي لم يرجع الغارم إلى دفعه مع استرداد القيمة ولا المالك إلى أخذه مع رد القيمة لأن الأمر قد انفصل بالبدل كاليسار بعد صوم الكفارة المرتبة
فرع لو غصب مثليا من بلد ونقله إلى بلد آخر طولب بالرد إلى بلد الغصب عند العلم به ليرده كما أخذه وبالقيمة للحيلولة بينه وبين مالكه إن كان بمسافة بعيدة وإلا فلا يطالب إلا بالرد قاله الماوردي قال الأذرعي وهذا قد يظهر فيما إذا لم يخف هرب الغاصب أو تواريه وإلا فالوجه عدم الفرق بين المسافتين وحين يرده أي المغصوب يستردها أي القيمة لأن الأخذ للحيلولة وقد زالت فإن تلف في البلد المنقول إليه طالبه بمثله حيث ظفر به في أي البلدين شاء لأنه كان له مطالبته برد العين فيهما وكذا يطالبه به في أي بقعة شاء من البقاع التي وصل إليها به في طريقه بينهما قاله السبكي ونقله غيره عن شريح الروياني فإن فقد المثل أو وجد بزيادة على ثمن مثله أو منعه من الوصول إليه مانع غرم للمالك قيمته في أكثرهما أي البلدين قيمة بل في أكثر البقاع التي وصل إليها المغصوب لأنه كان له مطالبته بالمثل فيه وإن ظفر به أي الغاصب في بلد ولم ينقله أي المغصوب إليه وهو مما لا مؤنة في نقله كالدراهم اليسيرة والطريق آمن طالبه بالمثل لأنه لا ضرر على واحد منهما حينئذ وإلا فلا يلزمه أي الغاصب تحصيله لوجود الضرر ولو اقتصر على قوله وإلا فلا كان أوضح وأخصر وأنسب بكلام أصله
ولا يلزم المالك قبوله أي المثل عند المؤنة أو الخوف لما فيه من الضرر بل يلزم الغاصب قيمة بلد التلف لأنه قد تعذر على المالك الرجوع إلى المثل فيرجع إلى القيمة كالفقد قال في الأصل فإن تراضيا على المثل لم يكن له تكليفه مؤنة النقل قال السبكي كالبغوي ولو أخذ المثل على أن يغرم له مؤنة لم يجز ثم إذا أخذ منه القيمة لو اجتمعا في بلد التلف لم يرجعا إلى المثل لما مر فيما إذا أخذها لفقد المثل وشمل قوله ولم ينقله إليه ما لو نقله إلى بلد وظفر به المالك في بلد ثالث وحكمه المذكور صحيح فيه لكن فيما لا مؤنة لنقله
أما ما لنقله مؤنة فيلزم فيه قيمة أكثر البقاع التي وصل إليها المغصوب قيمة كما ذكره الأصل لكنه عبر بقيمة أكثر البلدين قيمة وخرج به ما لو نقله إليه فيطالبه مالكه بمثله في أي بقعة شاء من البقاع التي وصل إليها المغصوب كما مر وإن وجد المثل فحدث فيه غلاء أو رخص لم يؤثر في استحقاق المالك له فلو أتلف مثليا في وقت الرخص فله طلب المثل في وقت الغلاء ولو أتلفه في وقت الغلاء وأتى به في وقت الرخص لزمه القبول
نعم إن خرج المثل عن أن يكون له قيمة كمن غصب جمدا
347
347
في الصيف أو ماء في مفازة وتلف أو أتلفه هناك بلا غصب فاجتمعا أي المالك والغاصب أو المتلف في الشتاء في الأولى أو على شط نهر في الثانية لزمه قيمة المثل في الصيف في الأولى أو في مثل تلك المفازة في الثانية ثم إذا اجتمعا في الصيف أو في مثل تلك المفازة فلا تراد كما علم مما مر ونبه عليه الأصل هنا
فصل لو غصب حليا من ذهب وزنه عشرة دنانير وقيمته عشرون دينارا وتلف ضمن التبر بمثله لأنه مثلي كما مر والصنعة بقيمتها لأنها متقومة من نقد البلد وإن كان من جنس الحلي ولا ربا لاختصاصه بالعقود وهذا ما نقله الأصل عن البغوي ونقل عن الجمهور أنه يضمن الجميع بنقد البلد وصححه لكنه قال إن قول البغوي أحسن منه ترتيبا ومن هنا جرى المصنف عليه ويوافقه ما سيأتي في الدعاوى فإن كانت الصنعة محرمة كالإناء ضمنه بوزنه أي بمثله وزنا كالسبيكة وغيرها مما لا صنعة فيه كالتبر
فصل لو صار المثلي متقوما و كذا عكسه بأن صار المتقوم مثليا أو صار المثلي مثليا آخر كجعله الشاة لحما مثال للثاني والدقيق خبزا مثال للأول والسمسم شيرجا مثال للثالث ثم تلف عنده أخذ المالك المثل في الثلاثة مخيرا في الثالث منها بين المثلين إلا أن يكون الآخر أغبط أي أكثر قيمة فيؤخذ هو في الثالث وقيمته في الأوليين أما إذا صار المتقوم متقوما كحلي صيغ من إناء غير ذهب ولا فضة فيجب فيه أقصى القيم كما يعلم مما يأتي في غير المثلي
فصل لو جنى على غير مثلي ضمنه المتلف غير الغاصب بقيمته يوم التلف لأنه بعده معدوم وضمان الزائد قبله في المغصوب إنما كان باليد العادية ولم توجد هنا وأما رده صلى الله عليه وسلم الإناء بدل الإناء الذي كسرته عائشة رضي الله عنها فمحمول على أن الإناءين كانا له صلى الله عليه وسلم وأراد بهذا الإصلاح والمعونة لا حقيقة التضمين هذا إن لم ينقص بالجناية وإلا كأن جنى على حيوان قيمته مائة ثم مات وقيمته خمسون فيوم أي فيضمنه بقيمته يوم الجناية لأنا إذا اعتبرنا الأقصى في اليد العادية ففي نفس الإتلاف أولى ويضمن بعضه بما نقص منها أي من قيمته كأن قطع يد حيوان فيلزمه أرش ما نقص بالقطع وهذا قدمه الأصل في أوائل الطرف الثاني وأما الغاصب فيضمن التالف غير المثلي بأكثر قيمه من حين الغصب إلى حين التلف لتوجه الرد عليه حال الزيادة فيضمن بدله ولا عبرة بالزيادة بعد التلف كما لا عبرة بالنقص بالكساد وتكون قيمته من نقد بلد التلف لأنه محل وجوب الضمان وهذا محمول على ما إذا لم ينقله وإلا فيتجه كما في الكفاية اعتبار نقد البلد أي الذي تعتبر قيمته وهو أكثر البلدين قيمة ونقل الروياني عن والده ما يقاربه عملا بمحل وجوب الضمان الحقيقي فلو غصبه وقيمته مائة فصارت بالغلاء مائتين ثم صارت بالرخص مائة ثم صارت بالغلاء مائتين ثم تلف ثم صارت بالغلاء ثلثمائة لزمه مائتان لأنهما أقصى قيمة من غصبه إلى تلفه ولا أثر للتكرر أي تكرر غلو السعر ورخصه حتى لا يضمن كل زيادة وإنما يضمن الأكثر ولا للزيادة في السعر بعد التلف للمغصوب إذ لا وجود له ولو قدم هذه والتي قبلها على المثال السابق كان أنسب ومحل الضمان بالأكثر من غير نظر إلى التكرر في الأعيان دون المنافع كما ذكره بقوله ويضمن أي المنفعة كل أي في كل مدة بأجرة مثلها فيها
فصل لو أبق المغصوب أو سرق المثلي بل أو المتقوم أو غيبه الغاصب أو ضاع فللمالك
348
348
تضمين الغاصب القيمة في الحال للحيلولة ويعتبر فيها أقصى ما كانت من الغصب إلى المطالبة وينبغي كما قال الإسنوي إذا زادت القيمة بعد هذا أن يطالب بالزيادة لأنه على ملكه ويملكها المالك كما يملكها عند التلف فينفذ تصرفه فيها ولا يملك الغاصب المغصوب كما لا يملك نصف العبد إذا قطع إحدى يديه وغرم والمراد كما قال القاضي والإمام وغيرهما أنه يملكها ملك قرض لأنه ينتفع بها على حكم ردها أو رد بدلها عند رد العين كما سيأتي ولا يلزمه قبولها لأنها ليست حقا ثابتا في الذمة حتى يلزمه قبوله و لهذا لا يصح الإبراء عنها فلو ظفر الغاصب بالآبق أو المسروق فلم يحبسه للقيمة أي لاستردادها كما ليس للمشتري شراء فاسدا حبس المبيع لاسترداد الثمن بل يرده لمالكه لأنه عين حقه ويسترد قيمته كما أن المالك يردها ويسترده فإن اتفقا على ترك التراد هنا وفيما مر من نظيره في فرع غصب مثليا فلا بد من بيع ليصير المغصوب للغاصب صرح به الأصل هنا أما لو اتفقا على ذلك قبل رده قال الزركشي فجائز بالاتفاق قال الإمام ولا حاجة إلى عقد قلت ويوجه بأن القيمة حينئذ على ملك المالك فكفى فيما ذكر ذلك بخلافها بعد رده كما سيأتي فلو كانت القيمة باقية بيد المالك ولو بزيادة ردها بزوائدها المتصلة دون المنفصلة
وتتصور زيادتها بأن يدفع عنها حيوانا فينتج أو شجرا فيثمر كما قاله العمراني أو بأن يكونا ببلد يتعامل أهله بالحيوان كما قاله بعضهم ولم يجز إبدالها بغيرها من غير تراض كنظائره من القرض واللقطة وإلا أي وإن لم تكن باقية وجب إبدالها بمثلها إن لم يكن أخذ عنها متقوما وإلا فبقيمة المتقوم فإن أفلس المالك وعليه دين فالغاصب أحق من غيره بالقيمة التي دفعها له لأنها عين ماله قال السبكي وهو أولى من الفلس لأنه ثم يحتاج إلى اختيار وهنا بمجرد عود المغصوب ينتقض الملك في القيمة فيما يظهر قلت وبه صرح المحاملي في مجموعه ولو لم تكن القيمة باقية قدم الغاصب ببدلها من ثمن المغصوب نقله السبكي عن النص
الطرف الرابع في الاختلاف ولو وفي نسخة لو اختلفا في تلف المغصوب أو في كونه كاتبا أو محترفا أو في مالك ثياب العبد أهو مالكه أو غاصبه أو في تخلل الخمر المحترمة قبل تلفها بأن قال صاحبها تلفت بعد تخللها وقال الغاصب بل قبله صدق الغاصب بيمينه لأنه في الأولى قد يكون صادقا ويعجز عن البينة فلو لم يصدق لأدى إلى تخليد حبسه ويده في الرابعة على العبد وثيابه والأصل فيما عداهما براءة ذمته وعدم ما ادعاه المالك وإذا حلف الغاصب في الأولى فللمالك تغريمه البدل على الأصح كما صرح به الأصل ولا حاجة كما قال الأذرعي إلى تقييد الخمر بالمحترمة بناء على الأصح من أن الخل للمغصوب منه فلا فرق بين الخمرين وخرج بالعبد ما لو غصب حرا صغيرا مثلا واختلف هو والولي في ثيابه فإن المصدق وليه فينتظر بلوغ الصغير ليحلف بناء على أن يد غاصبه لا تثبت على ثيابه وهو الأصح وكذا يصدق الغاصب لو اختلفا في قدر القيمة المستحقة لأن الأصل براءة ذمته من الزيادة
وعلى مالكه البينة ولا تسمع بينة المالك بقيمته إلا إن قدرت القيمة ولا تقبل بينته على الوصف أي وصف المغصوب
349
349
ليقومه المقومون بذلك الوصف لأن الموصوفين بالصفة الواحدة يتفاوتون في القيم لتفاوتهم في الملاحة وغيرها مما لا يدخل تحت الوصف لكن يستفيد المالك بإقامة البينة على الوصف أنه إن قدرها أي القيمة الغاصب بحقير ينافي مقتضى الوصف لم يسمع تقديره كما لو أقر بصفات فيما غصبه تقتضي النفاسة ثم قدره بحقير لا يليق بها لم يسمع تقديره بل يؤمر بالزيادة إلى أن يبلغ حدا يجوز أن يكون قيمة لمثل ذلك الموصوف واعترض بأن ما ذكر هنا من عدم إثبات الوصف بالشهادة مخالف لما ذكر في القضاء على الغائب من أنهما لو شهدا أنه غصب منه عبدا بصفة كذا فمات استحق قيمته بتلك الصفة وأجيب بأن فائدة القبول ثم أنه لا يسمع تقدير الغاصب بحقير ينافي مقتضى الصفة كما تقرر ويجاب أيضا بأن تلك فيما إذا ذكر الشهود قيمتها وبه صرح صاحب الاستقصاء فإن قال الغاصب لا أعرفها أي القيمة أي قدرها لكنها دون ما ادعى به المالك علي لم يسمع قوله حتى يبين قدرا فإذا بينه حلف عليه فإن نكل عن اليمين حلف المالك على ما ادعاه واستحقه أو قال شهود المالك هي أكثر مما قدر الغاصب من غير تقدير سمعت شهادتهم
وفائدة سماعها منهم مع عدم تقديرهم لها ما ذكره بقوله وكلف أي الغاصب الزيادة على ما قدره إلى حد لا يقطعون أي الشهود بزيادة عليه ولو وصفه أي المغصوب الغاصب بعيب خلقي كالكمه وعدم اليد خلقة وأنكر المالك صدق الغاصب بيمينه لأن الأصل براءة ذمته وعدم ذلك العضو والمالك يمكنه الإثبات بالبينة لا إن تلف المغصوب واختلفا في عيب حادث كالعمى كأن قال الغاصب كان أعمى أو أقطع أو سارقا وأنكر المالك صدق المالك بيمينه لأن الأصل والغالب السلامة من ذلك وتصريحه بالتقييد بتلف المغصوب من زيادته ولو رده الغاصب أعمى مثلا وقال هكذا غصبته وقال المالك بل حدث عندك صدق الغاصب بيمينه لأن الأصل براءة ذمته عما يزيد على تلك الصفة
وقد يقال لا يتقيد ذلك برد المغصوب بل لو تلف كان الحكم كذلك أخذا من التعليل المذكور ومن مسألة الطعام الآتية ويجاب بأن الغاصب في التلف قد لزمه الغرم فضعف جانبه بخلافه بعد الرد
وإن أقر بغصب دار بالكوفة أو بجارية أي بغصبها فقال المالك لا بل بالمدينة في الأولى أو غصبت عبدا في الثانية حلف الغاصب أنه لم يغصب دار المدينة ولا العبد لأن الأصل عدم غصبه لهما وسقطت دار المدينة أو العبد أي سقط بيمينه حق المالك من كل منهما ودار الكوفة أو الجارية أي وسقط حقه أيضا من كل من هذين برد الإقرار أما إذا صدقه المالك على ما أقر به فيثبت ولو قال المالك للغاصب وقد غصب منه طعاما طعامي الذي غصبته جديد وقال الغاصب بل عتيق صدق الغاصب بيمينه لأن الأصل عدم غصب الجديد ويفارق ما مر من تصديق المالك فيما إذا اختلفا في حادث بأن المغصوب ثم متفقان على تعيينه بخلافه هنا بقرينة مسألة دار الكوفة فإن نكل حلف المالك وأخذ الجديد وله أخذ العتيق لأنه دون حقه
فصل لو استحق المبيع باعتراف المشتري أو بنكوله عن يمين نفي العلم أي علمه باستحقاق المبيع مع يمين المدعي المردودة لم يرجع بالثمن على البائع لتقصيره باعترافه مع شرائه أو بنكوله وخرج بالمشتري البائع فلا يقبل اعترافه على المشتري ويبقى البيع بحاله إلا أن يكون اعترافه
350
350
بالاستحقاق في زمن الخيار فيجعل فسخا للبيع ثم لو عاد المبيع إلى البائع بإرث أو بغيره لزمه تسليمه للمدعي كما تقدم ذلك في الإقرار وصرح به الأصل هنا أيضا فإن استحق ببينة أو بتصديقهما أي البائع والمشتري للمدعي رجع المشتري على البائع بالثمن إن كان باقيا وببدله إن كان تالفا كما سيأتي في الدعاوى والبينات وإن صدقاه على استحقاق المبيع وكان عبدا وقد أعتقه المشتري لم يبطل العتق وإن وافقهما العبد على استحقاقه لأن في عتقه حقا لله تعالى ولهذا سمعت شهادة الحسبة عليه بخلاف موافقة المكاتب من المشتري لهما على استحقاقه لأنها أي الكتابة تقبل الفسخ بخلاف العتق ويفارق حكمه بطلان حرية اللقيط المحكوم بحريته بالدار إذا أقر برقه لإنسان بأن الحرية الجعلية أقوى من الشرعية لا سيما حرية الدار وللمدعي في مسألة العتق مطالبتهما أي مطالبة من صدقه منهما فيطالب البائع إن صدقه وحده والمشتري كذلك ويطالبهما معا إن صدقاه بالقيمة أي قيمة العبد والقرار على المشتري لأنه المتلف للرق لكن لا يطالب بفتح اللام بزيادة قيمته التي كانت في يد البائع فإن مات العتيق وقد اكتسب شيئا فهو للمدعي لأنه خالص حق آدمي وقد توافقوا على أنه المستحق له بخلاف العتق لكن لا يطالبه أي العتيق أي واضع يده على ما اكتسبه بكسب يفتقر إلى إذن السيد لأنه لم يأذن فيه وإن اختلفا أي المالك والغاصب في رد المغصوب حيا بأن قال الغاصب رددته حيا وقال المالك بل مات عندك وتعارضت بينتان لهما في ذلك سقطتا وصدق المالك بيمينه فيضمن الغاصب لأن الأصل بقاء الغصب وإن قال إنسان غصبنا من زيد ألفا ثم قال كنا عشرة وخالفه زيد صدق الغاصب بيمينه لأن الأصل براءته مما زاد
الباب الثاني في الطوارئ على المغصوب وفيه ثلاثة أطراف
الأول في النقص للقيمة أو الجزء أو الصفة ولا يضمن نقص القيمة بالرخص كأن غصب ما يساوي عشرة ورده بحاله وهو يساوي درهما إلا عند التلف أو ذهاب جزء وصفة فيضمن نقص القيمة بأقصى القيم وفي استثناء هذا مما قبله نوع قلاقة فإن غصب ثوبا أو عبدا قيمته من الدنانير عشرة فعادت بالرخص دينارا ثم تلف لزمه أقصى القيم من الغصب إلى التلف كما مر نظيره وإن لم يتلف بعد الرخص بل عادت قيمته باللبس للثوب أو نسيان الصنعة للعبد إلى نصف دينار لزمه مع رد ه خمسة لنصفه التالف باللبس أو النسيان لأنها أقصى قيمة والنقص الباقي وهو أربعة ونصف سببه الرخص وقد مر أنه غير مضمون ويجب مع الخمسة أجرة اللبس كما علم مما مر
وإن عادت العشرة التي هي قيمة الثوب أو العبد بالرخص إلى خمسة و بعده باللبس أو النسيان إلى دينارين ورده لزمه ستة لأن الذاهب منه بذلك ثلاثة أخماسه فيغرمها بثلاثة أخماس أقصى القيم وهي الستة فلو عادت العشرة باللبس أو النسيان إلى خمسة ثم بالغلاء إلى عشرين لزمه مع رده خمسة فقط وهي الفائتة باللبس أو النسيان لامتناع تأثير الزيادة الحاصلة بعد التلف بدليل أنه لو تلف الثوب كله ثم زادت القيمة لم يغرم الزيادة وإن اختلفا أي المالك والغاصب هل حدث الغلاء قبل التلف باللبس أو النسيان أو بعده بأن قال المالك حدث قبله وقال الغاصب بل بعده صدق الغاصب بيمينه لأنه الغارم كما لو تلف كله واختلفا في أن القيمة زادت قبل التلف أو بعده
فصل وإن نقصت الصفة فقط أي دون الكل والجزء كمن ذبح شاة أو طحن حنطة أو نحوهما مما لا يسري إلى التلف ردها لخبر على اليد ما أخذت حتى تؤديه مع الأرش ولو كان قدر القيمة كقطع يدي العبد وليس للمالك ترك المغصوب عنده وتغريم بدله لأنه عين ملكه فإن فعل بالمغصوب ما يسري إلى التلف كحنطة بلها فتعفنت أو جعلها هريسة فكالتالف لإشرافه على التلف ولو ترك بحاله لفسد فكأنه تالف فيغرم البدل من مثل أو قيمة وفارق نظيره في الفلس حيث جعل مشتركا بين البائع والمفلس ولم يجعل كالتالف بأنا لو لم نثبت له الشركة لما حصل له تمام حقه بل احتاج إلى المضاربة وهنا يحصل للمالك تمام
351
351
البدل وهل يملكها أي الحنطة الغاصب إتماما للتشبيه بالتالف أو تبقى للمالك لئلا يقطع الظلم حقه وجهان رجح منهما ابن يونس الأول وهو مقتضى كلام الإمام وصححه السبكي وإن كان المختار عنده ما استحسنه في الشرح الصغير ونسبه الإمام إلى النص من أن المالك يتخير بين جعلها كالتالف وبين أخذها مع أرش عيب سار أي شأنه السراية وهو أكبر من أرش عيب واقف ولا يلحق بذلك مرض العبد المغصوب إذا كان ساريا عسر العلاج كالسل والاستسقاء لاحتمال البرء بخلاف عفن الحنطة أو نحوه فإنه يفضي إلى الفساد قطعا
ولو نجس الغاصب زيته أي زيت المالك غرم له بدله لأنه صيره كالتالف والمالك أحق بزيته ويفارق الحنطة فيما مر بخروجه عن المالية بالتنجس فصار من الاختصاصات التي لا قيمة لها فلا محذور في إعادتها للمالك بخلاف الحنطة لا تخرج بالعفن ونحوه عن المالية ففي إعادتها للمالك محذور وهو الجمع بين المبدل والبدل في ملك شخص واحد وسيأتي نظيره فيما لو خلط الزيت أو نحوه بجنسه ولو تعفن الطعام بنفسه عند الغاصب لطول المدة أخذه المالك مع الأرش ولم يجعل كالتالف نظير ما مر لأن التعفن هنا حصل بلا جناية بخلافه ثم وعلى هذا لو صار المغصوب هريسة بنفسه أخذه المالك مع الأرش
فصل في جناية العبد المغصوب والجناية عليه وبدأ ببيان جنايته فقال وإن تعلق برقبته مال بجناية موجبة للمال أو للقصاص وعفي على مال فداه الغاصب وجوبا لأن جناية المغصوب مضمونة عليه بالأقل من الأرش وقيمته لأن الأقل إن كان القيمة فهو الذي دخل في ضمانه أو المال المتعلق برقبته فهو الواجب وإن تلف في يده قبل الفداء غرم للمالك أكثر القيم من الغصب إلى التلف كسائر المغصوبات وغرم أيضا للمجني عليه الأقل من الأرش والقيمة أي قيمته يوم الجناية لما مر أن جناية المغصوب مضمونة عليه وللمجني عليه التعلق مما غرم الغاصب للمالك بقيمته يوم الجناية فقط لأن حقه كان متعلقا بالرقبة يومئذ فتعلق ببدلها كذلك كما لو أتلف المرهون كانت قيمته رهنا ثم إذا أخذ المجني عليه حقه من القيمة يكون للمالك الرجوع على الغاصب بما أخذ أي أخذه المجني عليه منه لأنه لم يسلم له بل أخذ منه بجناية مضمونة على الغاصب وهذا كما يرجع المالك عليه بما أخذ منه للجناية حين يرده أي المغصوب عليه قبل أن يغرم للمجني عليه إذا بيع في الجناية لأنها حصلت حين كان مضمونا عليه ويؤخذ من قوله ثم للمالك الرجوع أنه لو طلب المالك من الغاصب الأرش قبل أن يأخذ المجني عليه القيمة منه لا يجاب وبه صرح الإمام وعلله باحتمال أن المجني عليه يبرئ الغاصب ثم ما يأخذه المجني عليه قد يكون كل القيمة بأن كان الأرش مثلها وقد يكون بعضها بأن كانت القيمة ألفا والأرش خمسمائة فلا يأخذ إلا خمسمائة ولا يرجع المالك إلا بخمسمائة لأن الباقي قد سلم له وكذا لو كانت قيمته ألفا فرجع بانخفاض السعر إلى خمسمائة ثم جنى ومات عند الغاصب
ولو كان أرش جنايته أكثر من قيمته يوم الجناية وزادت قيمته بعد يوم الجناية فليس له أي للمجني عليه إلا ذلك أي قدر قيمته يوم الجناية والتصريح بهذا من زيادته وإن تخلل الغصب والرد للعبد بين الجناية والبيع فيها فلا شيء على الغاصب لأن الجناية حصلت وهو غير مضمون عليه
فرع لو جنى المغصوب جنايتين كل منهما تستغرق قيمته والأولى منهما في يد المالك والأخرى في يد الغاصب بيع للمجني عليهما واقتسماه أي ثمنه نصفين إن تساوى الأرشان ثم يرجع المالك على الغاصب بنصف القيمة لأن إحدى الجنايتين وجدت والعبد في ضمانه و حينئذ للمجني عليه أولا أخذها ولا يرجع بها الأولى أخذه ولا يرجع به المالك على الغاصب لأنه أخذ منه بجناية غير مضمونة على الغاصب ولا حق فيه للثاني لأن سببه الغصب وهو متقدم على حقه فلا
352
352
يأخذ مما وجب به شيئا كما لو جنى عبد على غيره ثم قطعت يده ثم جنى على آخر ثم قتل أو مات سراية فإن أرش اليد لا يأخذ منه المجني عليه ثانيا شيئا لوجوبه بالقطع المتقدم على الجناية عليه والتصريح بقوله وللمجني عليه أولا إلى آخره من زيادته على الروضة قال فيها كأصلها ولو تلف العبد بعد الجنايتين في يد الغاصب فللمالك طلب القيمة منه وللمجني عليهما أخذها فإذا أخذاها فللمالك الرجوع بنصفها على الغاصب لأنه أخذ منه نصفها بجناية في يد الغاصب فإذا رجع به فللمجني عليه أولا أخذه لأنه بدل ما تعلق به حقه قبل الجناية الثانية
وإذا أخذه لم يكن له الرجوع على الغاصب مرة أخرى لأنه مأخوذ بجناية غير مضمونة على الغاصب وترك المصنف ذلك للعلم به مما ذكر ولو جنى في يد الغاصب أولا ثم في يد المالك وهما أي الجنايتان مستغرقتان أي كل منهما مستغرقة قيمته بيع للمجني عليهما وقسم ثمنه بينهما نصفين وللمالك الرجوع على الغاصب بالنصف أي بنصف القيمة للجناية المضمونة عليه وللأول التعلق به كما في المسألة السابقة ثم إذا أخذه من المالك يرجع به المالك على الغاصب مرة أخرى ويسلم له المأخوذ ثانيا لأن الأول أخذ تمام القيمة والثاني لم يتعلق حقه إلا بالنصف وقد أخذه وإن غصبه ثانيا في هذه الصورة وقتله أو مات معه في عبارته قلب فكان الأولى ليوافق أصله أن يقول ومات عنده أو قتله أي بلا غصب أخذت منه القيمة وقسمت بين المجني عليهما ثم يرجع عليه المالك بالنصف لأنه أخذ منه بسبب جناية مضمونة عليه فيأخذه منه الأول ثم يرجع به عليه المالك مرة أخرى ويسلم له المأخوذ في هذه المرة وقد غرم الغاصب في هذه قيمتين إحداهما بالجناية والأخرى بالتلف
فصل وإن ارتد أو قتل المغصوب إنسانا فقتل ولو في يد المالك بردته أو قتله لزم الغاصب أقصى قيمة من الغصب إلى القتل لأن سبب الفوات حصل في يده وإن قطع عضو غيره أو سرق فقطع بقطعه أو سرقته في يد الغاصب أو غيره كما يعلم مما يأتي غرم نقص القيمة كما لو تلف بآفة سماوية وإن كانت الجناية أو الردة وقعت في يد المالك والعقوبة لمن وقع منه ذلك في يد الغاصب لم يضمن كمن اشترى مرتدا أو سارقا فقتل أو قطع في يده لم يضمنه والجناية تشمل القتل والقطع والسرقة فتعبيره بها أولى من تعبير أصله بالسرقة
ويضمن الغاصب في عكسه أي فيما إذا كانت الجناية أو الردة في يده والعقوبة في يد المالك لأن سبب الفوات حصل في يده وهذا يشمل بعض ما مر أول الفصل
ثم أخذ في بيان الجناية عليه فقال وإن قتله عبد عمدا واقتص المالك منه برئ الغاصب لأنه أخذ بدل حقه ولا نظر مع القصاص إلى تفاوت القيمة كما لا نظر في الأحرار إلى تفاوت الدية وإن قتله حر طالبهما أي المالك الغاصب والجاني أي أيهما شاء و لكن قرار ضمان قيمته يوم التلف أي القتل على الجاني لأنه المتلف له والزائد على قيمته يوم القتل على الغاصب بحكم اليد وإن قتله عبد خطأ أو شبه عمد أو عمدا وآل الأمر إلى مال تعلق المال برقبته أي الجاني وبالغاصب فيتخير مالكه بينهما و لكن القرار في رقبته لأنه المتلف والزائد على قيمته يوم القتل على الغاصب بحكم اليد فلو غرمه المالك ابتداء القيمة رجع بها على سيد الجاني إلا ما لا يطالب به إلا الغاصب وكذا في الجراحة يطالبهما و القرار لبدلها المقدر وغيره على الجاني حرا كان أو عبدا لكنه في العبد يتعلق برقبته وفي النقص للقيمة يكون النقص الزائد على الجراحة المقدرة أي على أرشها المقدر على الغاصب بخلاف ما ذهب من المغصوب كيده بآفة سماوية فإن الزائد بتقدير الجناية عن بمعنى على نقصان القيمة يسقط على الغاصب يعني لا يطالب به كما علم مما مر في الطرف الثاني
وإن لم تكن أي الجراحة مقدرة أي أرشها مقدرا فالمعتبر في النقص نقص القيمة بعد الاندمال فإن لم يكن حينئذ نقص لم يطالب بشيء كما صرح به الأصل وفي المطالبة بأرش المقدرة قبل الاندمال القولان في الجناية على الحر وسيأتي فيها أن المرجح المنع لاحتمال حدوث نقص بسريان إلى نفس أو شركة جارح وإن قطعت يده قصاصا أو حدا فكالآفة أي فهل هو كذهابها بالآفة لأنه يشبهه من حيث إنه تلف لا بدل له أو الجناية عليه لأنه
353
353
يشبهها من حيث حصوله بالاختيار وجهان والمراد هل يجب على الغاصب أرش النقص أو الأكثر منه ومن نصف القيمة والراجح الأول لما مر من قوله وإن قطع أو سرق فقطع في يد الغاصب غرم نقص القيمة كما لو تلف بآفة سماوية نبه عليه الإسنوي وغيره قال الزركشي ورجحه ابن أبي عصرون وهو الصواب
فرع وإن قتل العبد المغصوب إنسانا ثم قتله في يد الغاصب عبد لآخر أي لغير المغصوب منه فاقتص منه السيد أي المغصوب منه سقط به الضمان عن الغاصب وبطل حق ورثة الإنسان المقتول لأن العبد الجاني إذا هلك ولم يحصل له عوض يضيع حق المجني عليه ولو حذف بطل كان أخصر وأوفق بعبارة الأصل حيث عبر في الموضعين بالسقوط نعم إن حدث فيه أي في المغصوب عيب بعد الجناية منه غرمه أي أرش العيب الغاصب وتعلق به الورثة أي ورثة المقتول أو حدث فيه عيب قبلها فاز به أي بأرشه المالك لأن الجزء المقابل للأرش كان مفقودا عند الجناية وإن عفا المالك عن القصاص على مال أو كان الواجب بالجناية مالا تعلق به الورثة لأنه بدل الجاني على مورثهم
و إذا أخذوه رجع به المالك على الغاصب ثانيا لأنه أخذ منه بسبب جناية مضمونة عليه ويسلم له كما مر نظيره وإن قتل المغصوب غاصبه فقتله ورثته ولو بعد رده للمالك أو أخذوا الدية من رقبته غرموا قيمته لسيده من التركة وإن عفوا عن القصاص والدية سقط الضمان عن الغاصب في المال وإن قتل سيده وهو في يد الغاصب ثم اقتص ورثته منه رجعوا بقيمته على الغاصب وإن صال المغصوب على إنسان فقتله دفعا عنه فالضمان على الغاصب فقط أي دون القاتل ولو صال على الغاصب فقتله دفعا عنه فظاهر أنه كتلفه بآفة فيضمنه
فصل وإن نقل تراب أرض غيره بغير إذنه بكشط وجهها أو حفر بئر أو نهر فيها أجبره المالك على رده إلى محله كما كان قبل نقله من انبساط وارتفاع ولو غرم عليه أضعاف قيمته هذا إن بقي وإن تلف فمثله أي فيجبره على رد مثله كما كان هو لأن التراب مثلي كما مر فإن تعذر رد مثله غرم الأرش فإن وفي نسخة وإن لم يطالب ه المالك برده فليس له رده بغير إذن لأنه تصرف في ملك غيره إلا أن يضيق ملكه أو ملك غيره أو كان المنقول إليه شارعا وخشي التعثر به أي خشي منه ضمانا فله أن يستقل برده وإن منعه المالك لأن له في ذلك غرضا بخلاف ما إذا لم يكن شيء من ذلك كان نقله منها إلى موات أو من أحد طرفيها إلى الآخر فلا يستقل برده كما شمله المستثنى منه فلو استقل برده فللمالك إجباره على نقله ثانيا كما صرح به الأصل والتصريح بقوله وإن منعه المالك من زيادته وكذا يستقل به إن زال به نقص الأرض إلا إن أبرأه المالك عن الأرش فلا يستقل برده إذ لا غرض له فيه والتصريح بالاستثناء المذكور من زيادته وصرح بتصحيحه الروياني وحيث كان له غرض في رده فرده فمنعه المالك من بسطه لم يبسطه وإن كان في الأصل مبسوطا صرح به الأصل
فلو كان المحفور بئرا فللغاصب طمها بترابها إن بقي وبمثله إن تلف ليندفع عنه ضمان التردي فيها فإن طالب ه المالك به لزمه وإن رضي المالك باستدامتها فإن كان لا ضرر على الغاصب إلا خوف ضمان من يقع فيها اندفع عنه الضمان برضاه ولم يكن له طمها لخروجه عن أن يكون جناية وتعديا فإن منعه من الطم ولم يقل رضيت ببقائها فهل يكون كالرضا باستدامتها لتضمن منعه له من الطم ذلك فيندفع عنه ضمان التردي أو لا لعدم تصريحه بالرضا وجهان
354
354
أوجههما الأول وهو ما نقله الروياني وابن الرفعة عن الأصحاب أما إذا كان عليه ضرر غير خوف ضمان من يقع فيها فله طمها وإن طوى الغاصب البئر بآلته فله أخذ آلته لأنها ملكه وللمالك تكليفه أخذها تفريغا لملكه ولو تركها له هبة أو إعراضا إذ لا يلزمه قبولها وعليه أي الغاصب أجرة الأرض لمدة الحفر والرد وإن لم يبق فيها نقص لأنه فوتها بسبب متعد فيه و عليه معها أرش نقص إن بقي لاختلاف سببهما وحيث قلنا له الرد للتراب من الشارع وملكه بل وملك غيره فوجد في طريقه أو في غيره ولم تزد مشقته على الأوجه من تردد نقله الإمام عن الأئمة مواتا أو نحوه واقتصر في الرد عليه أي على رده إلى الموات أو نحوه إلا إن طلب المالك الرد له إلى محله فيجب رده إليه
فصل إذا خصى الغاصب العبد المغصوب بأن قطع أنثييه دون ذكره لزمه قيمته بناء على أن جراح العبد تتقدر وهو الجديد فلو قطع جميع ذلك لزمه قيمتاه إلا أي لكن إن حصل ذلك بآفة سماوية فلا يلزمه قيمته لكن إن نقصت قيمته بذلك ضمن النقص وإلا فلا ولو أغلى الغاصب دهنا غصبه فنقص عينه دون قيمته رده وغرم مثل الذاهب لأن للدهن بدلا مقدرا وهو المثل فأوجبناه وإن زادت القيمة بالإغلاء حتى جبرت النقص كخصاء العبد أو عكسه أي نقصت قيمته دون عينه غرم مع رده الأرش للنقص كغيره أو نقصا معا غرم مع رد الباقي مثل الذاهب ونقص القيمة إن كان أكثر من قيمة الذاهب كما لو كان صاعا يساوي درهما فرجع بالإغلاء إلى نصف صاع يساوي أقل من نصف درهم فإن لم يكن نقص القيمة أكثر فلا أرش وإن لم ينقص واحد منهما فلا شيء غير الرد
وإن كان المغصوب عصيرا فأغلاه فنقص عينه دون قيمته لم يضمن مثل الذاهب لأن الذاهب منه مائية لا قيمة لها والذاهب من الدهن دهن متقوم وفارق نظيره في الفلس حيث يضمن مثل الذاهب للبائع كالزيت بأن ما زاد بالإغلاء ثم للمشتري فيه حصة فلو لم يضمن المشتري ذلك لأجحفنا بالبائع والزائد بالإغلاء هنا للمالك فانجبر به الذاهب
وكذا الرطب يصير تمرا قال في الأصل والعصير يصير خلا إذا نقصت عينه دون قيمته لا يضمن مثل الذاهب وأجراه الماوردي والروياني في اللبن إذا صار جبنا ونقص كذلك قال ابن الرفعة وفيه نظر لأن الجبن لا يمكن كيله حتى تعرف نسبة نقصه من عين اللبن
انتهى
نعم تعرف النسبة بوزنهما ويؤخذ من التعليل بأن الذاهب مما ذكر مائية لا قيمة لها أنه لو نقص منه عينه وقيمته ضمن القيمة ويحتمل أنه يضمن مثل الذاهب كالدهن
فصل لو هزلت الدابة بالبناء للمفعول في يد الغاصب فنقصت قيمتها ثم سمنت فعادت القيمة لم ينجبر نقصها فيردها مع أرش السمن الأول لأن العائد غير الأول وعود الحسن كعود السمن لا كتذكر الصنعة قاله الإمام وكذا لو كسر الغاصب الحلي أو الإناء فنقصت قيمته ثم أعاده لم ينجبر نقصه فيرده مع أرش النقص لأن الإعادة صنعة أخرى وهو متبرع بها ولو نسي المغصوب صنعة فنقصت قيمته ثم تذكر الصنعة أو تعلمها كما صرح به الأصل ولم ينقص عن قيمته الأولى بل ساواها أو زاد عليها انجبرت أي الصنعة أي نقصها بذلك لأنه لا يعد في العرف شيئا جديدا بخلاف السمن أما إذا نقص عن قيمته الأولى فيضمن ما بقي من النقص وينجبر الباقي فلو علمه سورة أو حرفة مرارا وهو ينساها في كل مرة ضمن أكثر المرات نقصا
وقضية كلامه كأصله أنه لو تذكر الصنعة في يد المالك انجبرت أيضا حتى يسترد منه الغاصب الأرش قال في المطلب
355
355
وهو الذي يظهر قال الإسنوي وسكت يعني صاحب المطلب عن تعلمها وفيه نظر والمتجه فيه عدم الاسترداد
لا بتعلم صنعة أخرى ولا بإحداثها في الحلي أو نحوه كما فهم بالأولى مما مر في إعادته وصرح به الأصل هنا لأن ذلك يعد في العرف شيئا جديدا ولاختلاف الأغراض بذلك ولو سمنت عنده الدابة فزادت قيمتها عما كانت ثم هزلت فنقصت قيمتها مرتين بأن سمنت بعد هزالها الثاني ثم هزلت ضمن مع ردها أرش نقص السمنين وإن كانت قيمتها مائة فبلغت بالسمن ألفا ثم بتعلم الصنعة ألفين فنسيتها أي الصنعة وهزلت أي الدابة فعادت قيمتها مائة ضمن مع ردها ألفا وتسعمائة لأن ذلك أقصى قيم الذاهب منها
ولا يضمن بالبناء للمفعول وهو سمن مفرط قائم بجارية لا ينقص فواته القيمة إذا فات ولو بتفويته لأن السمن ليس له بدل مقدر بخلاف الأنثيين فلو انعكس الحال بأن كانت معتدلة فسمنت في يد الغاصب سمنا مفرطا ونقصت قيمتها فإنه يردها ولا شيء عليه لأنها لم تنقص حقيقة ولا عرفا كذا نقله في الكفاية عن الطبري قال الإسنوي وفيه نظر
فرع لو تعلمت الجارية المغصوبة الغناء فزادت قيمتها ثم نسيته لم يضمنه قال في الأصل لأنه محرم كما في كسر الملاهي وهو محمول على غناء يخاف منه الفتنة لئلا ينافي ما صححه في الشهادات من أنه مكروه ويفارق صحة بيعها فيما لو اشتراها بألفين وقيمتها ساذجة ألف كما مر في بابه بأن البيع وقع على نفسها لا على الغناء كما لو اشترى ما يساوي درهما بألف بخلاف المغصوب فإن الواجب رد العين وقد ردها وكالجارية فيما ذكر العبد وما نقله الأصل فيه من لزوم تمام قيمته يحمل على ذلك أو أتلف ديك الهراش أو كبش النطاح كما صرح به الأصل ضمنه غير مهارش أو ناطح لأن ذلك محرم
فرع مرض الرقيق المغصوب وتمعط شعره وسقوط سنه ينجبر بعوده كما كان ولو عاد بعد الرد للمالك لا سقوط صوف الشاة وورق الشجر فلا ينجبران بعودهما كما كانا لأنهما متقومان فيغرمهما وصحة الرقيق وشعره وسنه غير متقومة وإنما يغرم أرش النقص بفقدها وقد زال نقله الأصل في الأخيرين عن البغوي قال الأذرعي وهو مشكل ولعل عودهما أولى بعدم الجبر من السمن على أن كلامهم في سقوط سن المثغور في الجنايات ثم عودها قد ينازع فيما قاله قال ثم رأيت ابن الرفعة قال هنا وفي مسألة السن نظر يتلقى من أن سن الصغير إذا قلع ثم عاد هل تجب معه حكومة أو لا
فصل لو غصب عصيرا فتخمر عنده ضمنه عصيرا لفوات ماليته وعليه إراقتها أي الخمر إن عصرت بقصد الخمرية وإلا فلا يجوز له إراقتها لاحترامها كما أشار إليه الأصل فلو عادت خلا عنده رده للمالك لأنه عين ماله وإنما انتقل من صفة إلى أخرى بالأرش أي مع أرش نقصه إن نقصت قيمته عن العصير لحصوله في يده واسترد منه ما غرم له من العصير لوصوله إلى عين ماله وهذا من زيادته وذكره الماوردي والروياني ولو غصب بيضة فتفرخت عنده أو بذرا فزرعه ونبت أو بذر قز فصار قزا أخذه المالك لأنه فرع ملكه ويغرم له الغاصب أرش النقص إن كان لما مر ولو أخذ خمرا أو جلد ميتة فتخللت أي الخمرة ودبغه أي الجلد لزمه ردهما أي الخل والجلد للمالك لأنهما فرع ما هو مختص به
وقضية التعليل إخراج الخمرة غير المحترمة وبه جزم الإمام وسوى المتولي بينهما وهو أوجه إلا إن أعرض المالك عنهما أي عن الخمر والجلد فلا يلزم الآخذ ردهما وليس
356
356
للمالك استردادهما
فرع
قال الماوردي والروياني وغيرهما لو غصب وثيقة أو سجلا وأتلفه ضمن قيمة الكاغد وإن بطل الاحتجاج به ولو محاه فقط فلا غرم عليه إلا أن تنقص قيمة الكاغد فيغرم نقصه وسيأتي ذلك في آخر الوديعة
الطرف الثاني في الزيادة وهي عين وأثر فالأثر لا حق للغاصب فيه لتعديه به بخلاف المفلس وهو كالقصارة والحياكة والخياطة بخيط للمالك لا بخيط لغيره وغزل القطن أو نحوه وضرب النقرة أي الفضة دراهم مثلا وطحن الحنطة وضرب الطين لبناء وذبح الشاة وشيها وللمالك إجباره على إعادته كما كان إن أمكن كإعادة الدراهم سبائك واللبن طينا فإن لم يمكن كالقصارة فليس له إجباره عليها بل يأخذه بحاله مع أرش نقصه إن نقص عما كان قبل الزيادة وإن رضي المالك به أي بما يمكن إعادته بحاله أجبر الغاصب على تسليمه له بحاله و على غرم أرش النقص إن كان إلا أن يكون له غرض في الإعادة كما سيأتي فإن نسج الثوب من الغزل أو ضرب النقرة دراهم مثلا كان للمالك أخذه مع أرش نقصه إن كان ولا يكلف الغاصب نقص النسج إلا في الخز ونحوه فيكلف نقصه إن رضي به المالك لأنه ممكن في الخز ونحوه دون غيرهما والتصريح بقوله إن رضي به المالك من زيادته وعليه أرش نقص الغزل إن نقصت قيمته بنقضه عن قيمته في الأصل لا أرش نقص الصنعة
وهي النسج إلا إن نقضها بغير إذن المالك له فإنه يضمنها أيضا لعدم الإذن ولو خشي على نفسه من بقائها ضررا من تعزير أو غيره كمن ضرب الدراهم بغير إذن السلطان أو على غيره عياره فله إبطالها وإن لم يرض به المالك بخلاف ما إذا لم يخش سواء أرضي المالك ببقائها أم سكت عن الرضا والمنع ولو ضرب الشريك الطين المشترك لبنا أو السبائك دراهم بغير إذن شريكه فيجوز له كما أفتى به البغوي أن ينقضه وإن رضي شريكه بالبقاء لينتفع بملكه كما كان وأما العين فكالصبغ للثوب ونقدم عليه صورتين لاحتياجه إليهما إحداهما أن يغصب أرضا فيبني فيها أو يغرس فيقلع مجانا لتعديه ولو أراد القلع لم يكن للمالك منعه لأنه عين ماله صرح به الأصل وتلزمه الأجرة للأرض وإن قلع وفي وجوب الأرش معها والتسوية عليه ما سبق في نقل التراب فيجبان عليه ولو أراد المالك التملك للبناء أو الغرس بالقيمة أو الإبقاء له بالأجرة لم يجب إليه أي لم يلزم الغاصب إجابته لتمكنه من القلع بلا غرامة بخلاف المستعير وإن غصب من غيره أرضه وبذره وبذرها به فللمالك تكليفه إخراج البذر منها وأرش النقص وإن رضي المالك به أي ببقاء البذر في الأرض لم يخرج ه الغاصب منها
الثانية لو زوق الغاصب الدار المغصوب بما لا يتحصل منه شيء بقلعه لم يجز له قلعه وإن رضي به أي ببقائه المالك وليس للمالك إجباره عليه كالثوب إذا قصره وهذا ما رجحه في الروضة ونقل الرافعي ترجيحه عن البغوي قال الزركشي والأقوى أن له إجباره لأنه عين حقه وليس أثرا محضا كالقصارة
وحاصله أنه ينبغي أن يفصل فيه كالأثر بين ما يمكن قلعه وما لا يمكن قلعه فإن تحصل منه شيء بقلعه فله قلعه لأنه عين ماله سواء أكان للمقلوع قيمة أم لا وللمالك إجباره على قلعه ولو تركه الغاصب للمالك ليدفع عنه كلفة القلع ففي إجباره على قبوله وجهان أصحهما المنع كما يعلم مما يأتي في الصبغ في الفرع الآتي إذا ثبت
357
357
هذا عدنا إلى الصبغ فإذا صبغ الغاصب الثوب المغصوب بصبغه وكان الحاصل تمويها لا يحصل منه بالانصباغ عين مال فكالتزويق فيما مر وإن حصل منه ذلك ولم يمكن فصله اشتركا في الثوب والصبغ لأنه عين مال انضم إلى ملك المغصوب منه بخلاف نحو السمن والقصارة والطحن فإنه أثر محض فلو كانت قيمة كل منهما عشرة وصار الثوب مصبوغا يساوي عشرين أو ثلاثين فهي بينهما بالسوية بخلاف نظيره في الفلس فإن الزيادة الحاصلة بالصنعة للمفلس لأنه عمل في خالص ملكه ثم شركتهما فيما ذكر ليست على الإشاعة بل كل منهما يملك ما كان له مع ما يخصه من الزائد
ولو حصل فيهما أو في أحدهما نقص أو زيادة لانخفاض سعر أحدهما في النقص أو ارتفاعه في الزيادة عمل به فيكون النقص أو الزيادة لاحقا لمن انخفض أو ارتفع سعر ماله أو حصل ذلك بسبب اجتماعهما أي الثوب والصبغ أي بسبب العمل فالنقص في صورته على الصبغ لأن صاحبه هو الذي عمل والزيادة في صورتها بينهما لأن الزيادة الحاصلة بفعل الغاصب إذا أسندت إلى الأثر المحض تحسب للمغصوب منه وإن نقصت به قيمة الثوب عن قيمته بلا صبغ غرم مع رده الأرش لتقصيره وللغاصب فصله أي الصبغ عن الثوب إن أمكن ولو نقص به الثوب ورضي المالك بإبقائه بناء على أن المالك يجبره عليه وسيأتي وعليه الأرش للنقص والتصريح بهذا من زيادته بل يجبر عليه أي الفصل لو طلبه صاحب الثوب كما يجبر على قلع البناء والغراس وقيل لا يجبر والترجيح من زيادته وبه صرح المنهاج كأصله وإن تراضيا على إبقائه في الثوب بقي مشتركا كما سبق فيما إذا لم يمكن فصله
فرع لو وهب الغاصب له أي لمالك الثوب الصبغ لم يلزمه قبوله كالبناء والغراس بخلاف نعل الدابة المردودة بعيب لأن الغاصب متعد بخلاف المشتري ولو بذل صاحب الثوب للغاصب قيمته أي الصبغ ليتملكه عليه لم يجب إليه سواء أمكن فصله أم لا بخلاف البناء والغراس في العارية لتمكنه من القلع مجانا بخلاف المعير ولأن بيع العقار عسر بخلاف بيع الثوب ولو أراد أحدهما الانفراد ببيع ملكه لثالث لم يجز إذ لا ينتفع به وحده كبيع دار لا ممر لها نعم لو أراد المالك بيع الثوب لزم الغاصب البيع للصبغ معه لأنه متعد وليس له أن يضر بالمالك لا عكسه بأن أراد الغاصب بيع الصبغ فلا يلزم مالك الثوب البيع معه لئلا يستحق المتعدي بتعديه إزالة ملك غيره وقضية تعليلي الحكمين أنه لو كان الصبغ لثالث لم يكن كالغاصب فيهما وهو مسلم في الأول دون الثاني بقرينة ما يأتي آخر الفرع وإن كان الصبغ مغصوبا من آخر اشتركا فيه وفي الثوب كما مر فيما إذا كان الصبغ للغاصب فإن حصل في المصبوغ نقص باجتماعهما أي الثوب والصبغ أي بعمل الغاصب اختص النقص بالصبغ كما سبق فيما إذا كان الصبغ له وغرم الغاصب لصاحب الصبغ قيمة صبغه وإن أمكن فصله فلهما تكليف الغاصب الفصل وكذا لصاحب الثوب وحده كما أن ذلك لصاحب الصبغ وحده أيضا وإنما اقتصر على صاحب الثوب لأنه محل الخلاف فإذا حصل بالفصل نقص فيهما أو في أحدهما غرمه الغاصب كما صرح به الأصل وإن لم يمكن فصله بأن كان الحاصل تمويها فكما سبق في التزويق وإن طيرت الريح ثوبا إلى مصبغة رجل مثلا فانصبغ اشتركا في المصبوغ مثل ما مر ولم يكلف أحدهما البيع و لا الفصل و لا الأرش إن حصل نقص إذ لا تعدي وذكر حكم بيع الثوب من زيادته
فرع حيث كان الصبغ لمالك الثوب فالزيادة الحاصلة به له لا للغاصب لأنها أثر محض والنقص على الغاصب فيغرم أرشه وللمالك إجباره على فصله إن أمكن وليس للغاصب فصله إذا رضي المالك بالإبقاء كما صرح به الأصل قال الإسنوي وقياسه كذلك فيما إذا سكت المالك
فرع لو غصب ثوبا قيمته عشرة وصبغه بصبغ له قيمته عشرة فبلغت باجتماعهما
358
358
بعمله ثلاثين ففصله بإذنه أي المالك غرم نقص الثوب عن العشرة أو فصله بلا إذن فعن أي فيغرم نقص الثوب عن الخمسة عشر نصف الثلاثين فإن عادت قيمته مصبوغا عشرة للرخص فيهما أي في الثوب والصبغ على نسبة واحدة فهما أي المالك والغاصب فيه أي في المصبوغ سواء كما كان ولا يضمن الغاصب تفاوت القيمة مع رد العين فإن فصله بعد عود القيمة إلى عشرة عدوانا فساوى الثوب أربعة لزمه خمس الثوب من أقصى قيمه وهو خمسة عشر وإن فصله بإذن من مالك الثوب فخمس العشرة يلزمه
فصل ومتى خلط الغاصب الزيت أو الشيرج أو نحوه بجنسه وتعذر التمييز صار كالهالك لا مشتركا سواء أخلطه بمثله أم بأجود أم بأردأ لتعذر رده وملكه الغاصب وله إبداله أو إعطاؤه مما خلطه بمثله أو بأجود منه لا بأردأ لأنه دون حقه إلا برضاه فله ذلك ويسقط عنه الأرش كما لو أخذ الأردأ من محل آخر وقوله بمثله إلى آخره تنازعه إبداله وإعطاؤه وقضية إطلاقهم إن خلط الدراهم بمثلها بحيث لا تتميز هلاك لكن جزم ابن الصباغ وغيره بأنهما يشتركان والأول أوجه والفرق بأن كل درهم متميز في نفسه بخلاف الزيت ونحوه منتقض بالحبوب
ولو غصب ورقا وكتب عليه قرآنا أو غيره كان كالهالك لأنه لا يمكن رده بحاله كذا قاله ابن الصباغ والأوجه أنه كالصبغ فيما مر وكذا الحكم لو غصب من اثنين رقيقين أو نحوهما وخلطهما فيكون المخلوط كالهالك ويملكه والتصريح بهذا من زيادته وهو مقتضى كلام الأصل وغيره وهو أوفق بما مر من قول البلقيني المعروف عند الشافعية أنه لا يملك شيئا منه ولا يكون كالهالك
ومما حكاه صاحب البحر من أن فيه وجهين أحدهما يقسم بينهما والثاني يتخيران بين القسمة والمطالبة بالمثل ولو اختلطا أي الزيتان أو نحوهما بانثيال بالمثلثة أي بانصباب ونحوه كصب بهيمة أو برضاهما أي مالكيهما فمشترك لعدم التعدي وهذا ذكره الأصل في كتاب الصيد والذبائح فإن كان أحدهما أردأ أجبر صاحبه على قبول المختلط لأن بعضه عين حقه وبعضه خير منه لا صاحب الأجود فلا يجبر أخذا وبذلا أي على الأخذ من المختلط والبذل منه فإن أخذ منه على قول الشركة في صورة الغصب فله الأرش للنقص لتعدي الغاصب بخلاف المفلس إذا خلط بالأردأ فإن البائع إذا رجع في شيء من المخلوط لا أرش له لعدم تعديه وإلا بيع المختلط وقسم الثمن بينهما بنسبة القيمة فلو كانت قيمة صاعه درهمين وقيمة صاع الآخر درهما قسم الثمن بينهما أثلاثا فإن أراد قسمة عين المتفاضلين في القيمة على نسبة القيمة لم تجز للتفاضل في الكيل ونحوه وقوله هنا فإن كان إلى آخره وفيما يأتي فإن اتفقا إلى آخره إنما فرعه الأصل على قول الشركة في صورة الغصب ففرعه المصنف عليه في صورة الانثيال ونحوه وهو صحيح إلا في أخذ الأرش كما أشرت إليه وإن خلطه بغير جنسه كزيت بشيرج ودقيق حنطة بدقيق شعير فهالك أي فكالهالك لما مر ولبطلان فائدة خاصيته يملكه الغاصب فلو لم يكن قد غصب وانثال على الآخر فمشترك لما مر في اختلاط الشيء بجنسه
فإن اتفقا على قسمته أو بيعه وقسمة الثمن بينهما جاز إذ التفاضل جائز مع اختلاف الجنس ولت السويق بالزيت ونحوه كصبغ الثوب فيما مر وإن أمكن التمييز كإخراج الحنطة الحمراء من السمراء والزيت من الماء أو من الزيت كأن كان بينهما حائل رقيق واختلفا لونا وأزيل ما بينهما برفق وجب على الغاصب التمييز وإن شق ليتمكن من الرد الواجب عليه فإن لم يمكن إلا تمييز بعضه وجب قاله في الشامل ووجب عليه أرش النقص إن
359
359
حصل نقص فإن سرى الخلط إلى التلف فكما سبق في مسألة الهريسة وإن غصب لوحا مثلا وبنى عليه لنفسه أو لغيره وجب عليه إخراجه ورده إلى مالكه إن بقي له قيمة ويرد معه الأرش للنقص إن كان والأجرة أيضا وبتعفنه إن لم تبق له قيمة يصير هالكا أي كالهالك فلو كان اللوح في سفينة في البحر لم ينزع منها حتى يؤمن عليها و على ما فيها من نفس محترمة ومال محترم ولو للغاصب فينزع منها وإنما لم ينزع منها في غير ذلك لأنها لا تدوم في البحر فيسهل الصبر إلى الشط أو نحوه كرقراق بخلاف هدم البناء لرد اللوح بل يأخذ القيمة للحيلولة إلى تيسر النزع وخرج بالمحترم غيره كنفس الحربي وماله
فرع وإن خاط شيئا بمغصوب نزعه منه وجوبا ورده إلى مالكه إن لم يبل فإن بلي فكالهالك لا من جرح حيوان محترم يخاف به أي بالنزع هلاكه أو ما يبيح التيمم أي لا يجوز نزعه منه إبقاء لحرمته إلا أنه لا يؤثر في ذلك الشين في غير الآدمي بخلاف الآدمي كما في التيمم ولو شد بمغصوب جبيرة كان كما لو خاط به جرحا ذكره المتولي ولا يذبح لنزعه مأكولا ولو كان للغاصب كغير المأكول وللنهي عن ذبح الحيوان لغير مأكله ويضمنه لأنه أحال بينه وبين مالكه وإن خيط أي خاط به الغاصب جرحا لآدمي بإذنه فالقرار عليه ولو جهل الغصب كمن قرب له الطعام المغصوب فأكله فإن قرار الضمان عليه وإن جهل الغصب وينزع الخيط من الميت ولو آدميا وإنما لم ينزع في الحياة لحرمة الروح و ينزع من حي غير محترم ككلب لا ينتفع به ومرتد وكذا الزاني المحصن والمحارب وحيث لا يجوز نزعه من المحترم يجوز غصبه له ابتداء ليخاط به جرحه إن لم يوجد خيط حلال وحيث يجوز نزعه لا يجوز غصبه ليخاط به الجرح وقوله من المحترم من زيادته ولا حاجة إليه
فرع وإن وقع فصيل في بيت أو دينار في محبرة ولم يخرج إلا بكسر للمحبرة أو هدم للبيت فعل ذلك فإن كان الوقوع بفعل صاحبهما أي البيت والمحبرة عمدا أو سهوا والمراد بتفريطه فلا غرم على المالك للفصيل والدينار وإلا غرم الأرش لأن الكسر أو الهدم إنما فعل لتخليص ملكه وشمل هذا ما لو كان الوقوع بتفريطهما لكن الأوجه ما قاله الماوردي أنه إنما يغرم النصف لاشتراكهما في التفريط كالمتصادمين
فرع وإن أدخلت بهيمة رأسها في قدر ولم تخرج إلا بكسرها كسرت لتخليصها ولا تذبح المأكولة لذلك ووجب الأرش على مالكها إن صحبها مالكها لتفريطه بترك حفظها وإلا فإن تعدى مالك القدر بوضع القدر بموضع لا حق له فيه قال الروياني أوله فيه حق لكونه قدر على دفع البهيمة فلم يدفعها فلا أرش لكسرها على مالك البهيمة وإلا وجب عليه الأرش
وقضية كلامه أنه لو تعدى كل منهما لزم مالك البهيمة الأرش وليس مرادا بل حكمه كما قال القمولي حكم ما مر عن الماوردي وإن ابتلعت بهيمة جوهرة لم تذبح لتخليصها وإن كانت مأكولة بل يغرم مالكها القيمة أي قيمة الجوهرة للحيلولة وإن ابتلعت ما يفسد بالابتلاع غرم قيمته للفيصولة هذا إن فرط في حفظها حتى ابتلعت ذلك وإن ابتاعها بطعام معين فأكلته قبل قبضه بوجه مضمون على البائع استقر العقد ووقع ذلك قبضا للثمن بناء على أن إتلاف المشتري قبض منه أو بوجه غير مضمون عليه انفسخ العقد كنظائره أو أكلته بعد قبضه لقد أتلفت مالا للبائع فلا ينفسخ العقد
فرع لو غصب لؤلؤة ودجاجة فابتلعت الدجاجة اللؤلؤة يقال له إن لم تذبح الدجاجة غرمناك قيمة اللؤلؤة وإن ذبحتها غرمناك أرش الدجاجة

360
360
فصل ولو أتلف
شخص خفا من زوجي خف أو غصبه وتلف في يده فنقص الثاني وجب أرشه وقيمة التالف فإن كانت قيمتهما عشرة فبقيت قيمة الثاني ثلاثة لزمه سبعة لأنها الفائتة بالإتلاف وكذا يلزمه سبعة لو غصبهما ورد واحدا وقيمته ثلاثة وتلف الآخر لأن بعض المغصوب تلف وبعضه نقص ولو أتلفهما رجلان معا لزم كلا منهما خمسة إذ لا ضرر على المالك هنا بخلافه فيما مر لو غرمنا المتلف خمسة وإن تعاقبا في الإتلاف لزم الأول سبعة والثاني ثلاثة ولا يتمم لسارقه أي أحدهما النصاب بالأرش فلو أخذ أحدهما بسرقة وقيمته مع نقص الباقي نصاب لم يقطع سارقه
الطرف الثالث فيما يترتب على تصرف الغاصب فبيعه وشراؤه بعين المغصوب باطل كل منهما وفي الذمة صحيح كما مر أول البيع فإن نقده عما اشتراه في الذمة ملكه أي ما اشتراه ولو قال لم يمنع ملكه كان أولى لأنه ملكه قبل النقد ولم يبرأ من ثمنه بما نقده
فصل وإن وطئ الغاصب الأمة المغصوبة جاهلين بتحريم الوطء لقرب عهده بالإسلام أو بعد عن بلدة الإسلام وفي نسخة أو بعد بلد عن الإسلام أو عالمين بالتحريم وأكرهها على الوطء أو جاهلة وحدها بالتحريم وجب عليه المهر لسيدها لا إن طاوعته عالمة بالتحريم فلا مهر عليه ولو جهل التحريم إذ لا مهر للزانية لسقوط الحرمة بزناها فلو كانت بكرا ووجب مهر فمهر ثيب أي فيجب مهر مثلها ثيبا وأرش بكارة لا مهر مثلها بكرا لوجوبهما بسببين مختلفين وانفكاك كل منهما عن الآخر وتقدم ذلك مع نظائره في البيع الفاسد ولا يسقط أرشها أي أرش بكارتها بمطاوعتها كما لا يسقط أرش طرفها بإذنها في قطعه ويلزم العالم بالتحريم الحد لا المكرهة على الوطء كالكره عليه ووطء المشتري من الغاصب للمغصوبة كوطئه أي الغاصب في الحد والمهر لكن جهله التحريم بواسطة جهله بغصبه ممكن مطلقا عن التقييد بما مر من قرب عهد الإسلام إلى آخره ويطالبان أي الغاصب والمشتري منه أي يطالبهما المالك بالمهر ولو تكرر وطء المكره لها العالم بالتحريم تكرر المهر لتعدد الإتلاف مع تعدد الشبهة التي هي الإكراه هنا لا إن تكرر وطء الجاهل ولم يؤد المهر قبل التكرر فلا يتكرر المهر لأن الجهل شبهة واحدة مطردة فأشبه الوطء في نكاح فاسد مرارا وإن وطئها مرة عالما ومرة جاهلا وجب مهران
فرع لو أحبلها الغاصب أو المشتري منه عالما بالتحريم للوطء فالولد رقيق للسيد غير نسيب لأنه من زنا فلو انفصل حيا ومات ضمنه لسيده أو ميتا بجناية فبدله لسيده أو بلا جناية ففي وجوب ضمانه على المحبل وجهان أحدهما وهو ظاهر النص الوجوب لثبوت اليد عليه تبعا للأم والثاني المنع وبه قال أبو إسحاق وغيره لأن حياته غير متيقنة ويجري الوجهان في حمل البهيمة المغصوبة إذا انفصل ميتا فإن أوجبنا الضمان فهو قيمة يوم الانفصال لو كان حيا ذكر ذلك الأصل وبالثاني وهو مفهوم كلام المصنف جزم في الأنوار فقال وميتا بلا جناية فلا وكذا حمل البهيمة ونقله الإسنوي عن ترجيح الرافعي لكن رده عليه الأذرعي بأنه انتقل نظره من
361
361
مسألة إلى أخرى
وإن أحبلها الغاصب أو المشتري جاهلا بالتحريم فهو حر نسيب للشبهة ويضمن قيمته لمالك الأمة لأنه فوت رقه بظنه يوم انفصاله إن انفصل حيا لأن التقويم قبله غير ممكن
لا إن انفصل ميتا لأنا لم نتيقن حياته وأن المحبل أتلفه إلا إن كان انفصاله ميتا بجناية فإنه يجب على الجاني غرة لأن الانفصال عقب الجناية يغلب على الظن أنه كان حيا ومات بها وللمالك مطالبة الغاصب أو المشتري منه لأن الجنين يقوم له فيقوم عليه بعشر قيمة الأم لأن الجنين الرقيق به يضمن فيأخذه المالك إن ساوى قيمة الغرة وإن كانت الغرة أي قيمتها أكثر فالزائد لورثة الجنين وإن كانت أقل ضمن الغاصب أو المشتري منه للمالك عشر قيمة الأم كاملا لأنه لما انفصل متقوما كان بمثابة ما لو انفصل حيا ولأن بدله إنما نقص عن العشر بسبب الحرية الحاصلة بظنه وإن مات المحبل قبل الجناية فالغرة لأبيه إن كان هو الوارث وهل يضمن أبوه ما كان يضمنه هو لو كان حيا أو لا وجهان وعلى الضمان جرى القاضي ووجه الإمام المنع بأنه لم يغصب ولم يفوت ولا أثبتت يده على يد غاصب والأوجه الضمان متعلقا بتركة المحبل
ودعوى الجهل منهما بتحريم وطء المغصوبة لا تقبل إلا من قريب عهد بالإسلام ونحوه وأما دعوى الجهل به بواسطة جهله بكونها مغصوبة فتقبل من المشتري مطلقا كما مر ذلك فيما إذا لم يحبل
ويضمن المحبل في حالتي العلم والجهل أرش نقص الولادة فإن ماتت بها ولو بعد ردها لمالكها سقط كل أرش أي أرش البكارة وأرش نقص الولادة لدخولهما في القيمة المذكورة في قوله وضمن القيمة كالمهر والأجرة
فرع إذن المالك للغاصب أو للمشتري منه بالوطء هل يسقط المهر فيه قولان أو يسقط قيمة الولد فيه طريقان رجح ابن القطان عدم سقوط المهر وهو قياس نظيره في الرهن وقياسه ترجيح عدم سقوط قيمة الولد وفي تعبير المصنف بالسقوط تسمح والمراد هل يجب ذلك أو لا
فصل فيما يرجع به المشتري الجاهل بالغصب على الغاصب إذا غرمه المالك فالمشتري يضمن أكثر القيم في يده أي من يوم القبض إلى يوم التلف كالغاصب ولا يرجع عليه إلا بالثمن الذي غرمه له ولو نقص عنها أي عن القيمة التي يغرمها للمالك فلا يرجع عليه بقيمة المبيع التي دفعها للمالك لأن الشراء عقد ضمان فلم يرجع على بائعه بها ويرجع عليه إذا غرم للمالك بدل منافع وفوائد لم يستوفها بخلاف ما غرمه له من بدل ما استوفاه منها فلا يرجع به لأن منفعته عادت إليه ولأنه المباشر لإتلافها ويرجع بنقص الولادة أي بأرشه وقيمة الولد المنعقد حرا إذا غرمهما للمالك لأنه شرع في العقد على أن لا يغرم شيئا من ذلك
وقول الروضة لا يرجع بقيمة الولد المنعقد حرا سبق قلم لا ما ضمن له من أرش عيب وتلف عضو فلا يرجع به كما لا يرجع بالقيمة عند تلف الكل تسوية بين الجملة والأجزاء ولو قلع المالك غراسه أي المشتري وبناءه رجع بالأرش على الغاصب لشروعه في العقد على ظن السلامة والضرر إنما جاء بتغرير الغاصب لا بنفقة عبد ونحوه وخراج أرض لأنه شرع في الشراء على أن يضمنها وفي رجوع المتهب منه أي من الغاصب بقيمة الولد التي غرمها للمالك وجهان وجه الفرق أن الواهب متبرع والبائع ضامن سلامة الولد بلا غرم قاله الرافعي والأوجه أن المتهب كالمشتري
فرع يطالب زوج مغصوبة وطئها جاهلا بالغصب بمهر مثلها أي يطالبه به مالكها ولا يرجع به على الغاصب لأنه شرع فيه على أن يضمن المهر وكذا لا يرجع عليه بأجرتها الفائتة عنده إن استخدمها لأنه لم يسلطه بالتزويج على الاستخدام فإن لم يستخدمها رجع بأجرتها والضابط في ذلك أن ما غرمه الشخص وقد أثبتت يده على يد الغاصب جاهلا بالغصب فإن
362
362
دخل على أن يضمنه كالنفقة والخراج والمهر لم يرجع به على الغاصب وإلا أي وإن دخل على أن لا يضمنه كأجرة المنافع رجع به إن لم يستوفه لا إذا استوفاه وله الرجوع عليه بلبن أي بدل لبن شاة رضعته سخلة المالك وغرم بدله له لأنه لم يدخل فيه على أن يضمنه ولا عاد نفعه إليه وإنما غرمه المالك اللبن مع أنه انصرف إلى سخلة الشاة وعاد نفعه لمالكها تشبيها بما لو غصب علفا وعلف به بهيمة مالكه
فلو استرضع مشتري الجارية ولده أي أرضع منها ولده منها أو من غيرها أو غيره أي غير ولده غرم للمالك الأجرة ولم يرجع بها على الغاصب كالمهر ولا يجب بدل اللبن لأن لبن الآدميات غير متقوم ويرجع عليه مستأجر للمغصوب غرم أجرة المثل للمالك بالمسمى في عقد الإجارة وعلى المستعير من الغاصب أجرة المثل للمنافع الفائتة تحت يده ويرجع منها على الغاصب بما لم يستوفه منها بخلاف ما استوفاه منها
فرع ما يرجع به المتلقي للمغصوب من الغاصب على الغاصب لا يرجع به الغاصب عليه إن غرمه للمالك كقيمة الولد وأجرة المنافع الفائتة تحت يده لأن القرار عليه ويرجع عليه بما لا يرجع عليه إن غرمه للمالك كقيمة العين والأجزاء والمنافع التي استوفاها
مسائل منثورة لو أسند خشبة إلى جدار غيره بلا إذن من مالكه فسقط بإسناده وإن لم يكن في الحال ضمنه و ضمن ما يحدث منه أي من سقوطه من تلف لشيء بخلاف ما لو أسندها إليه بإذنه وكذا يضمن ما وقعت عليه الخشبة التي أسندها إلى جدار في الحال وأتلفته وإن كان الجدار ملكه بخلاف ما وقعت عليه لا في الحال كفتح رأس الزق سواء أكان الإسناد إلى جدار غيره بإذن مالكه أم لا وإن غصب دارا وهدمها وأتلف النقض فهل يضمن مع النقض وما نقص من قيمة العرصة الأجرة أي أجرة مثلها دارا إلى وقت الهدم أو إلى وقت الرد وجهان جزم المحاملي والعمراني بالأول وبأنه يضمن بعد ذلك أجرة مثلها عرصة
ولو ولدت الأمة المغصوبة رقيقا ردهما وضمن أرش النقص الحاصل بالولادة والغاصب لشاب كبر عنده أو جارية ناهد تدلى ثديها أو أمرد التحى أو فحل ضرب أنثى يضمن نقص الشاب بالكبر وتدلي أي ونقص النهود بتدلي الثدي الناهد و نقص المرودة بالتحاء الأمرد ونقص الفحل بالضراب ونحوه أي ونحو ذلك ثم الولد الحاصل بضرب الفحل لمالك الأم وإن كان الغاصب ولا شيء عليه أي على الغاصب للإنزاء بلا نقص لأنه لا يقابل بمال وإن جعل الخشب المغصوب بابا وسمره بمسامير له ونزعها منه ضمن نقص قيمته فلو بذلها للمغصوب منه لم يجب عليه قبولها وإن غصب ثوبا فتنجس عنده لم يجز له تطهيره بغير إذن مالكه ولا يكلف تطهيره فإن طهره فنقص ضمن النقص أي أرشه وإلا أي وإن لم يطهره فعليه مؤنته أي التطهير وأرشه أي أرش نقصه إن نقص وتنجيس مائع لا يمكن تطهيره إهلاك فيضمنه وإن غصب شخص من الغاصب ما غصبه فأبرأ المالك الغاصب الأول عن ضمان المغصوب التالف صح الإبراء لأنه مطالب بقيمته فهو كدين عليه أو ملكه العين المغصوبة برئ وانقلب الضمان على الثاني للأول
وإن باعه أي المالك المغصوب لغاصب الغاصب أو أبرأه عن الضمان للمغصوب التالف أو وهبه له وأقبضه الموهوب بأن أذن له في قبضه وكذا لو أودعه عنده برئ الغاصب الأول لا إن رهنه عند الثاني أو زوجه منه أو وكله ببيعه فلا يبرأ واحد منهما ولو رد الغاصب الدابة إلى الإصطبل أي إصطبل مالكها وعلم به المالك ولو بخبر ثقة برئ بخلاف ما قبل علمه ولو امتنع المالك من الاسترداد رفع الأمر إلى الحاكم ليأمره بالقبض فإن امتنع من القبض نصب نائبا عنه قال الخوارزمي فلو لم يكن ثم حاكم فوضعه بين يديه أو ألقاه في حجره
363
363
برئ من الضمان بخلاف ما لو تلف المغصوب فوضع بدله بين يديه فلم يقبله لأن المغصوب غير ملكه بخلاف بدله
وإن شغل شخص بمتاعه بقعة من المسجد لزمه أجرتها إن لم يغلقه فإن أغلقه لزمه أجرة الكل كما يلزمه قيمة أجزائه بالإتلاف وعلى المشتري من الغاصب ضمان ما ولدته العين المغصوبة حيا و ضمان ثمار الشجرة تبعا لأصليهما فإن أكلها أي الثمار يعني أتلفها لم يرجع ببدلها وإن تلفت رجع به
كتاب الشفعة بإسكان الفاء وحكي ضمها وهي لغة الضم على الأشهر من شفعت الشيء ضممته فهي ضم نصيب إلى نصيب ومنه شفع الأذان وشرعا حق تملك قهري يثبت للشريك القديم على الحادث فيما ملك بعوض والأصل فيها خبر البخاري عن جابر رضي الله عنه قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة وفي رواية له في أرض أو ربع أو حائط وفي رواية لمسلم قضي بالشفعة في كل شرك لم يقسم ربعة أو حائط ولا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك فإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق به والمعنى فيه دفع ضرر مؤنة القسمة واستحداث المرافق في الحصة الصائرة إليه والرابعة تأنيث الربع وهو المنزل والحائط والبستان ومفهوم الخبر أنه إذا استأذن شريكه في البيع فأذن له لا شفعة قال في المطلب ولم يصر إليه أحد من أصحابنا تمسكا ببقية الأخبار قال والخبر يقتضي إيجاب استئذان الشريك قبل البيع ولم أظفر به في كلام أحد من أصحابنا وهذا الخبر لا محيد عنه وقد صح وقد قال الشافعي إذا صح الحديث فاضربوا بمذهبي عرض الحائط انتهى وقد يجاب بحمل عدم الحل في الخبر على خلاف الأولى والمعنى أن ذلك لا يحل حلا مستوي الطرفين
وفيه ثلاثة أبواب الأول فيما تثبت به الشفعة وله الأولى ولها ثلاثة أركان والصيغة إنما هي شرط للملك كما سيأتي الأول المأخوذ فلا تثبت إلا في أرض وتوابعها المثبتة فيها للدوام كالبناء وتوابعه الداخلة في مطلق البيع من الأبواب والرفوف والمسامير والمفاتيح ونحوها وحجري الطاحونة والأشجار فلا تثبت في منقول غير تابع لما ذكر وإن بيع معه كأن باع البناء والغراس دون الأرض لما مر من الأدلة ولأنه لا يدوم فلا يدوم ضرر الشركة فيه بخلاف ما ذكر وسيأتي بعض ذلك في كلامه ويأخذها أي الشفيع الأشجار كما مر بثمر حادثة بعد البيع لم تؤبر عند الأخذ لأنها قد تبعت الأصل في البيع فتتبعه في الأخذ كالبناء والغراس لا إن أبرت عنده فلا يأخذها لانتفاء التبعية ويأخذ الثمرة الداخلة في العقد بالشرع

364
364
أي بغير شرط ولو لم يتفق الأخذ لها حتى أبرت لدخولها في مطلق البيع ولأن حقه تعلق بها وزيادتها بالتأبير كالزيادة الحاصلة في الشجرة
ولا يأخذ الداخلة بالشرط لانتفاء التبعية في مطلق البيع فتخرج الثمرة المؤبرة المشروطة أي المشروط دخولها في البيع عن الأرض والنخيل اللتين يأخذهما بالشفعة بحصتها من الثمن كالزرع المشروط دخوله في البيع والجزة الأولى مما يتكرر أي الجزة الظاهرة التي لا تدخل في مطلق البيع ويبقى كل ما لا يأخذ من ثمرة وزرع وجزة إلى أوان الجذاذ فإن باع البناء والشجر دون الأرض المتخللة ولو بلآس للبناء والمغرس للشجر فلا شفعة فيهما أي في البناء والشجر والآس والمغرس لأن الأرض هنا تابعة والمتبوع منقول
ولا شفعة في علو بلا سفل ثابت كأن باع شقصا من غرفة مبنية على سقف لهما أو لأحدهما أو لغيرهما إذ لا قرار له ولو كان السفل مشتركا بينهما والعلو لأحدهما فباعه أي العلو و باع نصيبه من السفل فالشفعة ثابتة في نصيبه من السفل لا في العلو لانتفاء الشركة فيه ولا حق للشفيع فيه هذا من زيادته وهو تأكيد لما قبله وكذا لو اشتركا في أرض فيها شجر لأحدهما فباعه مع نصيبه منها فالشفعة ثابتة في الأرض بحصتها من الثمن لا في الشجر لذلك
فصل ولا تثبت الشفعة فيما لا يجبر الشريك فيه على القسمة إذا طلبها شريكه وهو ما لا تبقى منفعته المعتادة بعد القسمة وإن بقي غيرها أي غير المعتادة بعد القسمة للتفاوت العظيم بين أجناس المنافع كحمام لا ينقسم حمامين لما مر أن علة ثبوت الشفعة دفع ضرر مؤنة القسمة واستحداث المرافق في الحصة الصائرة إلى الشفيع كمصعد ومنور وبالوعة قال الرافعي وهذا الضرر وإن كان واقعا قبل البيع لو اقتسم الشريكان لكن كان من حق الراغب في البيع تخليص شريكه ببيعه منه فإذا لم يفعل سلطه الشرع على أخذه منه فعلم أنها لا تثبت لا فيما يجبر الشريك فيه على القسمة إذا طلبها شريكه وتثبت لمالك عشر الدار الصغيرة إن باع مالك تسعة الأعشار نصيبه لأنه لو طلب من مالك العشر القسمة أجبر عليها لا عكسه بأن باع مالك العشر نصيبه فلا تثبت الشفعة للآخر لأمنه من القسمة إذ لا فائدة فيها فلا يجاب طالبها
ولو باع نصيبه من أرض تنقسم وفيها بئر لا تنقسم و سقى منها ثبتت أي الشفعة في الأرض دونها أي البئر بخلاف الشجر الثابت في الأرض لأنه ثابت في محل الشفعة والبئر مباينة عنه
الركن الثاني الآخذ بالشفعة فتثبت للشريك في رقبة العقار وما ألحق به لا للجار ولو ملاصقا لخبر البخاري السابق ولا للشريك في غير رقبة العقار كالشريك في المنفعة فقط كأن ملكها بوصية و لكن لو قضى للجار بها حنفي لم ينقض حكمه ولو كان القضاء بها لشافعي كنظائره في المسائل الاجتهادية
وتثبت الشفعة لذمي على مسلم ومكاتب على سيد كعكسهما
فرع لو باع نصيبا ينقسم من ممر لا ينفذ فلأهله الشفعة لأنهم شركاء فيه بخلاف غير المنقسم وبخلاف النافذ في الغالب لأنه لا يملك غالبا وكان ينبغي تأخير ينقسم عن ممر وتعبيره ب نصيبا أولى من تعبير أصله بنصيبه المحتاج إلى قول المهمات وصورة المسألة أن تتصل دار البائع بملك له أو شارع وإلا فهو كمن باع دارا أو استثنى منها بيتا والأصح فيها البطلان لعدم الانتفاع بالباقي ولنقصان الملك
ولو باع دارا له ممرها المشترك ينقسم فلا شفعة لهم أي للشركاء في الدار لانتفاء الشركة فيها وكذا لا شفعة لهم في الممر إن لم يمكن تحصيل ممر آخر أو فتح باب للدار إلى شارع أو ملك له آخر أو نحوهما لما فيه من إضرار المشتري والضرر لا يزال بالضرر فإن أمكنه ذلك فلهم الشفعة لانتفاء الضرر وظاهر كلامه كأصله في التي قبل هذه

365
365
أنه لو اشترى من له دار لا ممر لها نصيب أحد شريكين في ممر ثبتت الشفعة وإن لم يمكن المشتري تحصيل ممر وهو ظاهر لكون الممر ليس من حقوق الدار قبل البيع بخلافه في مسألتنا ولصحن بيوت الخان ومجرى النهر وبئر المزرعة حكم الممر أي الشركة في صحن الخان دون بيوته وفي مجرى الماء دون الأرض وفي بئر المزرعة دون المزرعة كالشركة في الممر فيما مر
فرع لو ترافع إلينا ذميان بعد أخذ الشفعة والثمن خمر أو خنزير لم ننقضها أو قبله لم نثبتها وظاهر أنه لو كان الثمن مسلما لا نثبتها مطلقا كنظيره فيما مر فيما لو أصدق ذمي ذمية مسلما ثم ترافعا إلينا
ولو ارتد مستحق الشفعة لم تبطل لأن الردة لا تزيل الملك ووقفت شفعته فإن عاد إلى الإسلام أخذ بها كما صرح به غير الإمام قاله الأذرعي وإن مات قبل عوده إليه شفع الإمام أي أخذ بالشفعة لبيت المال ويرد بعيب أو نحوه إن كان فلو اشترى مسلم شقصا من أرض معيبا أو بشرط الخيار ثم ارتد ومات قبل عوده إلى الإسلام كان للإمام رده وهذا جعله الأصل نظيرا لما قبله فقال كما لو اشترى شقصا إلى آخره وإن ارتد المشتري فالشفيع على شفعته
فرع لو كان للمسجد شقص من أرض مشتركة مملوك له بشراء أو هبة ليصرف في عمارته ثم باع شريكه نصيبه فللمقيم أن يشفع أي يأخذه بالشفعة إن رآه مصلحة كما لو كان لبيت المال شريك في أرض فباع شريكه نصيبه فللإمام الأخذ بالشفعة إن رآه مصلحة
ولا شفعة لصاحب شقص من أرض مشتركة موقوف عليه إذا باع شريكه نصيبه ولا لشريكه إذا باع شريك آخر نصيبه كما أفتى به البلقيني لامتناع قسمة الوقف عن الملك ولانتفاء ملك الأول عن الرقبة نعم على ما اختاره الروياني والنووي من جواز قسمته عنه لا مانع من أخذ الثاني
فرع لمأذون له في التجارة لم يمنعه السيد من أخذ الشفعة ولم يسقط حقه منها أخذ الشفعة فيما إذا ملك شقصا من أرض ثم باع شريكه نصيبه وكذا لسيده أخذ الشفعة في ذلك وله أي لسيده منعه من الأخذ عبارة الأصل وله الإسقاط وإن أحاطت به الديون و كان فيه أي الأخذ غبطة كما له منعه من سائر الاعتياضات في المستقبل
الركن الثالث المأخوذ منه ويشترط أن يكون ملكه طارئا على ملك الآخذ لازما بعوض فلا شفعة لأحد مشتريين على الآخر إن اشتريا عقارا أو شقصا منه معا لاستوائهما في وقت حصول الملك ولا في مدة الخيار في البيع إلا إذا شرط الخيار للمشتري فقط فيأخذه منه الشفيع في الحال لأن الملك فيه له حينئذ والشفيع متسلط عليه بعد اللزوم فقبله أولى بخلافه في المستثنى منه الصادق بكون الخيار للبائع والمشتري وللبائع فقط فلا يأخذ بالشفعة حتى ينقطع الخيار لأنه لا يتمكن من إبطال حق البائع ولو عبر بدل شرط ب كان كان أولى ليشمل خيار المجلس أيضا ويتصور انفراد أحدهما به بإسقاط الآخر خيار نفسه ولا حاجة لقوله لازما لثبوت الشفعة في مدة خيار

366
366
المشتري وعدم ثبوتها في مدة خيار البائع أو خيارهما لعدم الملك الطارئ لا لعدم اللزوم
فإن باع الشريك الثاني نصيبه بتا أي بيع بت قبل انقضائها أي مدة الخيار الثابت لهما أو للبائع فقط في بيع الشريك الأول نصيبه لم يبق للثاني ولا للمشتري منه على العقد الأول شفعة وإن طرأ على ملك المشتري منه ملك الأول لزوال ملك البائع الثاني في الأولى وتقدم سبب الشفعة وهو البيع على ملك المشتري منه في الثانية وتثبت الشفعة في العقد الثاني لمن له الملك في الأول من البائع إن كان الخيار له فقط ومن المشتري منه كذلك فإن وقف الملك بأن كان الخيار لهما فالشفعة موقوفة لعدم العلم بزوال الملك فلو أخذه أي المبيع في العقد الثاني بالشفعة من حكم له بالملك منهما في الأول ثم فسخ العقد الأول لم تنفسخ شفعته كما يحكم بأن الزوائد الحادثة في مدة الخيار ملك لمن حكم له بالملك
فصل للشفيع المنع أي منع من له فسخ العقد من الفسخ له بعيب أحد العوضين إذا رضي بأخذه أي الشقص المشفوع لأن حقه سابق لثبوته بالبيع ولأن غرض العاقد استدراك الظلامة وتحصيل العوض وذلك حاصل بأخذ الشفيع ولأن في تقديم العاقد عليه إبطالا لحقه بالكلية فقدم و له المنع من الإقالة لذلك وله الأخذ بالشفعة ولو فسخ العقد قبله بإقالة أو عيب أو إفلاس لذلك ويفسخ الرد أو نقول تبينا أن الرد كان باطلا قاله في الأصل قال في المهمات وهذا الترديد وجهان صرح بهما القاضي والإمام والغزالي وفائدتهما كما في المطلب في الفوائد من الرد إلى الأخذ انتهى
وعلى الأول مشيت في شرح البهجة تبعا لشراح الحاوي لا إن انفسخ العقد بتلف الثمن المعين قبل قبضه فلا يأخذ الشفيع بالشفعة والتصريح بالترجيح من زيادته والأوجه أنه يأخذ بها لما مر في الفسخ والانفساخ كالفسخ في أن كلا منهما يرفع العقد من حينه لا من أصله
والشفيع أولى بالشقص المشفوع من مصدق له زوجته حيث يرجع فيه أو في نصفه لفرقة بردة أو طلاق قبل الدخول لسبق حق الشفيع لأنه ثبت بالعقد والزوج إنما يثبت حقه بالفرقة ولأن حقه أقوى من حق الزوج بدليل أنه يبطل تصرف المشتري ويأخذ الشقص والزوج لا يبطل تصرف الزوجة ولو كانت أي الشفعة لشفيعين فالشقص مشترك بينهما وإن تخلل الطلاق بين أخذيهما في النصف المشفوع إن وقعت المعاوضة في النصف بأن أخذ أحدهما نصفه ثم طلقها الزوج قبل أخذ الآخر فللشفيع الآخر النصف الآخر فهو مقدم على الزوج لسبق حقه وقوله في النصف متعلق بأخذيهما و في بمعنى اللام ولو ترك ذلك كان أعم وأخصر
و الشفيع أولى بالشقص من بائع حيث يرجع فيه لفلس حصل للمشتري بالثمن لذلك ولا يخص حينئذ وفي نسخة ولا يختص البائع دون الغرماء بالثمن بل يضارب معهم به لأن حقه لما انتقل من العين إلى الذمة التحق بسائر الغرماء
ولا شفعة في مملوك بلا عوض كالإرث والهبة بلا ثواب والوصية لأن وضعها على أن يأخذ الشفيع بما أخذ به المتملك وهو مفقود في ذلك ولأن الوارث مقهور فلم يضر

367
367
الشريك ولأن المتهب والموصى له تقلد المنة من الواهب والموصي بقبولهما تبرعهما فلو أخذ الشفيع لأخذ عن استحقاق وتسلط فلا يكون متقلدا للمنة فلو اقتضت أي الهبة ثوابا بأن ذكر العاقدان ثوابا معلوما ثبتت أي الشفعة ولو لم يقبض الموهوب لأنه صار بيعا