2
2
كتاب الجنايات
وهي القتل والقطع والجرح الذي لا يزهق ولا يبين القتل ظلما وهو مراد الأصل بقوله قتل النفس بغير حق أكبر الكبائر بعد الكفر فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم عند الله تعالى قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك قيل ثم أي قال أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك رواه الشيخان وقال صلى الله عليه وسلم لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا وما فيها رواه أبو داود بإسناد صحيح ولصاحبه أي القتل ظلما توبة كالكافر بل أولى ولا يتحتم عذابه بل هو تحت خطر المشيئة ولا يخلد عذابه إن عذب و إن أصر على ترك التوبة فيها كسائر ذوي الكبائر غير الكفار وتعبيره بالعذاب أعم من تعبير أصله بدخول النار ويتعلق به يعني بالقتل غير المباح كما عبر به في الروضة فلا يتقيد بكونه ظلما الكفارة والقصاص أو الدية أو التعزير لما سيأتي ويتصور التعزير في صور كقتل نفس من نساء أهل الحرب وصبيانهم وكقتل عبده أو أمته والنظر إما في موجب القصاص بكسر الجيم و إما في واجبه فللموجب له في النفس ثلاثة أركان الأول القتل ظلما يعني عمدا بقرينة قوله وهو كل فعل عمد محض مزهق للروح عدوان من حيث كونه مزهقا للروح فبقوله كل فعل دخل الجرح وغيره وبقوله عمد خرج الخطأ وبمحض خرج شبه العمد وسيأتي بيان الثلاثة
وبعدوان خرج القتل الجائز كالقتل قودا أو دفعا لصائل أو باغ وبمزهق خرج الجرح كأن غرز إبرة بغير مقتل فمات من غير أن يعقبه ألم والتصريح بهذا وبإخراج الخطأ وشبه العمد من زيادته على الروضة وبكونه الأولى وبحيث كونه مزهقا خرج ما خالف فيه بأن عدل عن الطريق المستحق في القتل كأن استحق حز رقبته قودا فقده
3
3
نصفين فإنه عدوان لا من جهة الإزهاق بل من جهة أنه عدل عن الطريق المستحق
والنظر بعد ذلك في أطراف أربعة الأول في بيان الخطأ والعمد وشبهه والتمييز بينهما فإذا قتل غيره فإن لم يقصد الفعل كأن زلق فوقع على غيره فمات به أو تولد الموت من اضطراب يد المرتعش أو قصد الفعل لكن قصد به شخصا من آدمي أو غيره فأصاب غيره من الآدميين فهو الخطأ وإن قصدهما أي الفعل والشخص فإن كان أي قصدهما بما يقتل غالبا فعمد وإلا بأن قصدهما بما يقتل نادرا كغرز إبرة بغير مقتل كعقب أو بما يقتل لا غالبا ولا نادرا فشبه عمد
فرع لو جرحه بمحدد مؤثر من حديد أو خشب أو حجر أو قصب أو نحوها فمات بذلك الجرح ولو بعد مدة وجب القود بالإجماع وكذا لو جرحه بإبرة بأن غرزها في مقتل بفتح التاء كدماغ وعين وأصل أذن وحلق وثغرة لنحر وأخدع بالدال المهملة وهو عرق العنق وخاصرة وإحليل وأنثيين ومثانة بالمثلثة بعد الميم مستقر البول من الآدمي وعجان بكسر العين المهملة ما بين الخصية والدبر ويسمى العض بفتح العين المهملة فيجب القود في ذلك وإن لم يظهر فيه أثر لعظم الخطر فيه
أما لو غرزها في غيره أي غير مقتل كفخذ فإن مات في الحال ولم يظهر أثر فشبه عمد لأن مثله لا يقتل غالبا بغير سراية وتألم فأشبه السوط الخفيف نعم الغرز في بدن الصغير والشيخ الهرم ونضو الخلق عمد مطلقا نقله الأصل عن العبادي وأقره قال الزركشي والمراد من قولهم ولم يظهر أثر لم يشنه لا أنه لم يظهر أصلا إذ لا بد من ألم ما غالبا
وإن أوغل من الإيغال وهو السير السريع والإمعان أي أمعن في الغرز وبقي متورما متألما منه مدة ثم مات فعمد لظهور أثر الجناية وسرايتها إلى الهلاك ولو اقتصر على التألم كان أولى فإنه المقتضي للقود كما اقتضاه كلامهم وصرح بتصحيحه النووي في شرح الوسيط ونقله عن جماعة وقال الرافعي لو لم يتعرض الغزالي للألم لم يضر لأن الورم لا يخلو عن الألم بخلاف عكسه فعلم أن العبرة بالألم لكن قول الرافعي لم يضر أي في مراد الغزالي وإلا فيضر في الحكم إذ الحكم منوط بالألم وإن عدم الورم ولا أثر لغرزها في جلدة العقب ونحوها إذا لم يتألم به لعلمنا بأنه لم يمت به والموت عقبه موافقة قدر فهو كمن ضرب بقلم أو ألقي عليه خرقة فمات وإبانة الفلقة الخفيفة من اللحم بكسر الفاء وضمها مع إسكان اللام فيهما وهي القطعة كغرز الإبرة في غير مقتل
فرع لو ضربه بمثقل يقتل غالبا كحجر ودبوس كبيرين أو أوطأه دابة أو عصر خصيتيه عصرا شديدا أو دفنه حيا فمات فعمد فيجب القود لخبر الصحيحين أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين فقتلها فأمر صلى الله عليه وسلم أن يرض رأسه بين حجرين ولأنه قتله بما يقتل غالبا فأشبه القتل بالمحدد ولأنا لو لم نوجب القود لاتخذ ذلك ذريعة إلى إهلاك الناس وإن ضربه بجمع كفه بضم الجيم وإسكان الميم وهو قبض الكف أي الكف المقبوضة الأصابع أو بعصا خفيفة أو حجر صغير في مقتل أو والى ضربه مرات بحيث يضربه الضربة الثانية وألم الأولى وأثرها باق كل منهما أو لم يواله لكن كان المضروب صغيرا أو نضوا أي نحيف الخلقة أو ضعيفا لمرض أو ضربه في شدة حر أو برد أو في غيرها لكن اشتد ألمه منها أي من الضربة مدة حتى مات فعمد لأن ذلك مهلك غالبا سواء قصد الضارب في الرابعة الموالاة أم لا كأن ضربه ضربة وقصد أن لا يزيد عليها فشتمه فضربه ثانية وهكذا ولا حاجة فيها للجمع بين الألم والأثر وإلا أي وإن لم يكن شيء من ذلك فشبه عمد وإن خنقه أو وضع على فمه يده أو مخدة أو نحوها فأطال حتى مات أو لم يمت لكن
4
4
انتهى إلى حركة مذبوح أو ضعف وتألم حتى مات فعمد وإن زال الألم ثم مات فلا شيء على الفاعل لانقطاع أثر فعله وإن قصرت المدة أي مدة الخنق أو نحوه بحيث لا يموت مثله منها غالبا فمات فشبه عمد ولو سقاه سما يقتل كثيرا لا غالبا فكغرز الإبرة في غير مقتل أي فإن مات في الحال فشبه عمد وإن بقي متألما منه مدة ثم مات فعمد وذلك لأن في الباطن أغشية رقيقة تنقطع به فأشبه تأثيره تأثير الجارح في ظاهر البدن أما إذا كان يقتل غالبا فهو كغرز الإبرة بمقتل
فرع لو حبسه ومنعه الطعام أو الشراب والطلب له مدة يموت مثله فيها غالبا جوعا أو عطشا ومات لزمه القود لكونه عمدا لظهور قصد الإهلاك به وتختلف المدة باختلاف المحبوس قوة وضعفا والزمان حرا وبردا ففقد الماء في الحر ليس كهو في البرد وكذا يلزمه القود إن سبق له جوع أو عطش وكانت المدتان تبلغان المدة القاتلة وعلمه الحابس لما ذكر وإلا أي وإن لم يعلمه لزمه نصف الدية أي دية شبه العمد لأن ذلك شبه عمد إذ لم يقصد إهلاكه ولا أتى بما هو مهلك فأشبه ما لو دفع إنسانا دفعا خفيفا فسقط على سكين وراءه وهو جاهل لا يلزمه القصاص وإنما وجب النصف لأن الهلاك بالجوعين أو بالعطشين والذي منه أحدهما أو فعل به ذلك مدة لا يموت مثله فيها غالبا ولا جوع به ولا عطش سابق ومات فشبه عمد لأنه لا يقتل غالبا وإن أمكنه أي المحبوس سؤال الطعام وتركه أو كان عنده طعام أو شراب فتراكه خوفا أو حزنا كما صرح به الأصل أو منعه الشراب فترك الأكل خوف العطش أو مات بانهدام السقف عليه قد ذكر الموت بعد فالأولى أو انهدم السقف عليه وهو حر أو وجده في مفازة فأخذ طعامه فمات بذلك فهدر لأنه لم يحدث فيه صنعا
قال الأذرعي وقضية هذا التوجيه أنه لو أغلق عليه بيتا هو جالس فيه حتى مات جوعا لم يضمنه وفيه نظر نعم إن كان التصوير في مفازة يمكنه الخروج منها فهذا محتمل وإن لم يمكنه ذلك لطولها أو لزمانة ولا طارق في ذلك الوقت فالمتجه وجوب القود كالمحبوس
انتهى
وخرج بالحر الرقيق فإنه مضمون باليد ومنع الدفاء في البرد كمنع الطعام فيما ذكر ولو قتله بالدخان بأن حبسه في بيت وسد منافذه فاجتمع فيه الدخان وضاق نفسه فمات وجب القود قاله المتولي
الطرف الثاني فيما له مدخل من الأفعال في الزهوق وهو إما شرط وهو ما لا يؤثر في الهلاك ولا يحصله بل يحصل التلف عنده بغيره و يتوقف التأثير أي تأثير ذلك الغير عليه كالحفر مع التردي فإنه لا يؤثر في التلف ولا يحصله وإنما المؤثر التخطي في صوب الحفرة والمحصل للتلف التردي فيها ومصادمتها لكن لولا الحفر لما حصل التلف ولهذا سمي شرطا
و مثل الإمساك للقاتل فلا قصاص فيه أي في الشرط وإما علة وتسمى مباشرة وهي ما تؤثر في الهلاك وتحصله كالجراح السارية وفي أكثر النسخ السابق وفيه القصاص وإما سبب وهو ما يؤثر فيه أي في الهلاك ولا يحصله وهو ثلاثة أضرب الأول حسي كالإكراه على القتل ففيه القصاص لأنه مما يقصد به الإهلاك غالبا لأنه يولد داعية القتل في المكره غالبا ليدفع الهلاك عن نفسه وسيأتي بيانه و الثاني شرعي كالشهادة لأن الشهود تسببوا إلى قتله بما يقتل غالبا كالمكره لأن الشهادة تولد في القاضي داعية القتل شرعا كما أن الإكراه يولدها حسا فلا يقتص من شهود الزور إذا شهدوا على إنسان بما يوجب قتله مثلا وحكم الحاكم بشهادتهم وقتله بمقتضاها إلا إن اعترفوا بالتعمد والعلم بأن قالوا تعمدنا وعلمنا أنه يقتل بشهادتنا وجهله الولي فإن علم به فالقود عليه دونهم لأنهم لم يلجئوه
5
5
حسا ولا شرعا فصار قولهم شرطا محضا كالإمساك وسيأتي
بيان ذلك مع زيادة
في الشهادات والثالث عرفي كتقديم طعام مسموم لمن يأكله فإن أوجره سما صرفا أو مخلوطا يقتل مثل الموجر بفتح الجيم غالبا فمات فالقصاص واجب سواء كان السم موحيا أو غير موح وإن كان لا يقتل غالبا فشبه عمد فلا قصاص وكذا يوجب القصاص إكراه جاهل بأنه سم عليه أي على شربه له فشربه ومات لا إكراه عالم بذلك وكلام الأصل هنا محمول على هذا التفصيل بقرينة ذكره له في الكلام على إكراهه على قتل نفسه حيث قال ويجري القولان فيما لو أكرهه على شرب سم فشربه وهو عالم به وإن كان جاهلا فعلى المكره القصاص قطعا فإن ادعى القاتل الجهل بكونه سما ونازعه الولي فقولان أحدهما لا يصدق فيلزمه القصاص كما لو جرحه وقال لم أعلم أنه يموت بهذه الجراحة والثاني يصدق لأن ذلك مما يخفى بخلاف الجراحة الأوجه ما قاله المتولي إن كان ممن يخفى عليه ذلك صدق وإلا فلا أو بكونه قاتلا ونازعه الولي فالقصاص واجب لأنه لما علم أنه سم كان من حقه أن لا يوجره ولو قامت بينة بأن السم الذي أوجره يقتل غالبا وقد ادعى أنه لا يقتل غالبا وجب القصاص فإن لم تقم بينة بذلك صدق بيمينه فإن ساعدته بينة فلا يمين عليه كما صرح به الأصل ومنه أي من السبب العرفي السحر وسيأتي بيانه في الباب الرابع في موجب الدية وحكم السحر
فرع لو أضاف رجلا عاقلا الأولى أضاف عاقلا بمسموم أو دس سما في طعام الرجل المذكور أو في ماء في طريقه وكان يتناوله أي كلا من الطعام والماء غالبا فتناوله ومات به فلا قصاص لأنه فعل ما هلك به باختياره من غير إلجاء حسي ولا شرعي مع أن القصاص يدرأ بالشبهة بل تجب له الدية أي دية شبه العمد إن جهل السم لأن الداس غره ولم يقصد هو إهلاك نفسه فأحيل على السبب الظاهر بخلاف ما إذا علمه لأنه المهلك نفسه وكذا إذا كان يتناوله نادرا و تجب له قيمة الطعام أو الماء لأن الداس أتلفه عليه وكذا إن غطى بئرا في دهليزه ودعاه إليه أو إلى بيته وكان الغالب أنه يمر عليها إذا أتاه فأتاه ووقع فيها ومات بذلك فلا قصاص بل له دية شبه العمد إن جهل البئر فإن كانت غير مغطاة أو لم يدعه فمهدر نعم إن كان المدعو لا يبصرها لعمى أو نحوه فشبه عمد ويهدر آكل مسموم بغير إذن مالكه لأنه المهلك نفسه وإن أضافه أو أوجره مسموما بسم يقتل غالبا وهو لا يميز لصغر أو جنون أو نحوه فتناوله ومات به فالقصاص واجب وإن قال هو مسموم لأن غير المميز لا اختيار له والتقييد بغير المميز من زيادته وبه صرح الماوردي وابن الصباغ والمتولي وغيرهم ووقع في الأنوار أنه لا فرق بين الصبي المميز وغيره وقوله أو أوجره صوابه أو ناوله كما عبر به الأصل إذ الإيجار لا فرق فيه بين المميز وغيره وقد تقدم أول الضرب الثالث ولو قال لعاقل كله ففيه الأولى قول أصله وفيه سم لا يقتل فأكله ومات به فلا قصاص بل ولا دية كما نص عليه في الأم وجزم به الماوردي
فصل لو ألقى رجلا لا صبيا غير مميز في ماء مغرق أو نار وأمكنه التخلص منهما بسباحة أو غيرها فقصر كأن ترك السباحة بلا عذر فهدر لأنه المهلك نفسه بإعراضه عما ينجيه وإن شك في إمكان
6
6
تخلصه بأن قال الملقي كان يمكنه الخروج مما ألقيته فيه فقصر وقال الولي لم يمكنه صدق الولي بيمينه لأن الظاهر أنه لو أمكنه الخروج لخرج ويضمن ما تلف منه قبل التقصير في خروجه من الماء والنار وهذا أولى من اقتصار الأصل على ذلك في النار وإلا أي وإن لم يمكنه التخلص لصغره كما صرح به أولا أو لضعفه أو لعدم معرفته السباحة أو لعظم الماء والنار أو لنحوها أو أمكنه التخلص لكنه لم يقصر ومات بذلك فالقصاص واجب لأن ذلك مهلك لمثله وإن منعه السباحة عارض ريح ونحوه كموج فشبه عمد ففيه ديته ويهدر مقصود ترك العصب على محل الفصد مع قدرته عليه حتى مات لأن العصب موثوق به والفصد ليس مهلكا بخلاف مجروح جراحة مهلكة ترك العلاج لها حتى مات فإنه لا يهدر بل على جارحه القصاص لأن مجرد الجراحة مهلك ولأن البرء غير موثوق به لو عالج
فرع لو ربطه وطرحه عند ماء يزيد إليه غالبا فزاد ومات به فعمد أو لا يزيد فزاد ومات به فخطأ أو قد يزيد وقد لا يزيد فزاد ومات به فشبه عمد وفي معنى الربط عدم إمكان الانتقال لنحو زمانة أو طفولية
الطرف الثالث في اجتماع المباشرة والسبب أو الشرط فالشرط يسقط أثره مع المباشرة فيجب القصاص فيما لو حفر بئرا ولو عدوانا فردى غيره فيها آخر على المردي لا الحافر و فيما لو أمسكه فقتله آخر على القاتل لا الممسك لأن المباشرة أقوى من الشرط نعم إن منع مانع من تعلق القصاص بها كأن كان القاتل مجنونا أو سبعا ضاريا تعلق بالممسك بل يأثم كل من الحافر عدوانا والممسك ويعزر لأنه فعل معصية لا حد فيها ولا كفارة ويضمن العبد والممسك للقتل بالإمساك أي يضمنه الممسك إذا مات والقرار على القاتل ويقتص من واضع الصبي على الهدف بعد الرمي لأنه المباشر فهو كالمردي والرامي كالحافر لا قبله فلا يقتص منه بل من الرامي لأنه المباشر
والسبب قد يغلب المباشرة ويسقط الإثم عن المباشرة بأن أخرجها عن كونها عدوانا مع توليده لها كالشهود الذين شهدوا على شخص بما يوجب الحد فقتله القاضي أو الجلاد أو بما يوجب القصاص فقتله الولي أو وكيله ثم تبين أن شهادتهم زور واعترفوا بالتي عمد والعلم فالقصاص عليهم دون القاضي والولي ونائبهما وقوله ويسقط الإثم أي يمنعه من زيادته وقد تغلبه المباشرة كمن ألقى رجلا في ماء مغرق لا يمكنه الخلاص منه فقده آخر بالسيف فالقصاص على القاد الملتزم للأحكام لأنه المباشر ولا شيء على الملقي وإن عرف الحال أو كان القاد ممن لا يضمن كحربي فإن التقمه حوت ولو قبل وصوله إلى الماء فعلى الملقي القصاص لأنه ألقاه في مهلك وقد هلك بسبب إلقائه ولا نظر إلى الجهة التي هلك بها ولأن لجة البحر معدن الحوت فأشبه ما لو كتفه وحذفه للسبع وفارق صورة القد السابقة بأن القد صدر من فاعل مختار يفعل برأيه فقطع أثر السبب الأول والحوت يلتقم بطبعه كالسبع الضاري فهو كالآلة والتقييد بالمغرق قيد في الثانية دون الأولى كما يعلم مما يأتي كمن ألقاه في بئر فيها سكين منصوب أو حية أو مجنون وكانا ضاريين فمات بذلك فإنه يجب القصاص على الملقي لأنه القاتل والسكين والضاري كالآلة بخلاف ما إذا كان الطارئ فعل من له روية وغير الضاري كالعاقل في إسقاط الضمان عن المردي فإن التقمه الحوت والماء قليل أي غير مغرق أو دفعه دفعا خفيفا فوقع على سكين فجرحته و لم يعلمه أي كلا من الحوت والسكين الدافع ومات بذلك فشبه عمد ففيه ديته وإنما لم يجب القصاص لأنه لم يقصد إهلاكه ولم يعلم سبب الهلاك فإن علمه فعمد وقد يعتدلان أي السبب والمباشرة كالإكراه على القتل ولو من السلطان فيقتص من الآمر
7
7
وكذا من المأمور كمضطر قتل إنسانا ليأكله فإنه يقتص منه ولأن الإكراه يولد في المكره داعية القتل غالبا له ليدفع الهلاك عن نفسه وقد آثرها بالبقاء فصارا شريكين ولا يشبه قتل الصائل فإنه بالصيال متعد فمكن من دفعه ولهذا لا يأثم بقتله
والمكره يأثم كما يأثم المختار والتصريح بالتنظير بمسألة المضطر من زيادته على الروضة
فلو آل الأمر في مسألة الإكراه إلى الدية فهي على الآمر والمأمور كالشريكين وللولي فيما إذا لزمهما القصاص أن يقتص من أحدهما ويأخذ نصف الدية من الآخر فإن كان أحدهما غير مكافئ للمقتول فعليه نصف الدية في ماله لا على عاقلته لأنه قاصد للقتل آثم وعلى الآخر وهو المكافئ القصاص كشريك الأب كأن أكره مسلم ذميا على قتل ذمي أو حر عبدا على قتل عبد فالقصاص على العبد في الثانية والذمي في الأولى وعلى الآخر وهو الحر في الثانية والمسلم في الأولى نصف الضمان وكأن أكره ذمي مسلما على قتل ذمي أو عبد حرا على قتل عبد فالقصاص على الآمر وعلى المأمور نصف الضمان وإن كان أحدهما صبيا مميزا أو المأمور بالرمي إلى شاخص جاهلا كونه آدميا فالقصاص على البالغ في الأولى بناء على الأصح من أن عمد الصبي عمد
و على الآمر في الثانية وإن كان شريك مخطئ لأن هذا الخطأ نتيجة إكراهه فجعل عمدا في حقه والمأمور كالآلة لأنه غير آثم لظنه الحل لكن لا دية على الجاهل ولا على عاقلته إذ هو كالآلة وأما الصبي في الأولى ففي ماله نصف الدية مغلظة كما سيأتي وما ذكره من أنه لا دية أي لا يجب نصفها على عاقلة الجاهل هو أحد وجهين يؤخذان من كلام الأصل فالترجيح من زيادته لكن الأوجه وجوب نصفها على عاقلته مخففة وهو ما يؤخذ من كلام الأنوار ولو ترك المصنف قوله المأمور وأبدل قوله والآمر بقوله والعالم كان أعم لكنه تبع في ذلك أصله فإن كانا مخطئين فيما ذكر بأن جهل كل منهما كون المرمي آدميا فعلى عاقلة كل منهما نصفها مخففة فلا قصاص على واحد منهما لأنهما لم يتعمدا قتله وإن أكرهه على صعود شجرة أو نزول بئر ففعل فزلق فمات فشبه عمد فلا قصاص لأنه لا يقصد به القتل غالبا ومحل كونه شبه عمد في صعود الشجرة إذا كانت مما يزلق على مثلها غالبا وإلا فخطأ نقله الزركشي عن نكت الوسيط للنووي
فرع لو قال لمميز اقتل نفسك أو قال له اشرب هذا السم وإلا قتلتك فقتل نفسه أو شرب السم فمات فلا قصاص على الآمر لأن ما جرى ليس بإكراه حقيقة إذ المكره من يتخلص بما أمر به عما هو أشد عليه وهنا اتحد المأمور به والمخوف به فكأنه اختاره قال في الشرح الصغير ويشبه أن يقال لو هدده بقتل يتضمن تعذيبا شديدا لو لم يقتل نفسه كان إكراها وعليه نصف الدية كذا قاله تبعا لأصله قال في الكفاية وفيه نظر لأن القصاص إنما سقط لانتفاء الإكراه فينتفي موجبه فلا يجب على فاعله شيء قال جماعة منهم الزركشي وبه صرح البغوي وغيره وهو مقتضى التعليل السابق وقد ذكره الرافعي في موجبات الدية على الصواب ولو قال اقطع يدك وإلا قتلتك فقطعها اقتص منه لأنه إكراه وإن قال اقتلني أو اقطع يدي أو اقذفني مع قوله وإلا
8
8
قتلتك أو بدونه ففعل فهدر لإذنه له فيه فصار كإتلاف ماله بإذنه وإن حرم عليه فعل ذلك وإذن العبد في قتله أو قطع يده مثلا لا يسقط الضمان لأنه حق السيد وهل يسقط الأولى يجب القصاص فيما إذا كان المأذون له عبدا أيضا وجهان أصحهما كما قال الزركشي لا يجب وبه جزم القاضي لأنه يسقط بالشبهة وللمأمور بالقتل دفع المكره وللثالث وهو المأمور بقتله دفعهما أي المكره والمكره وإن أفضى الدفع في الثلاث إلى القتل فهدر لأنه صائل فيها
فرع لو قال اقتل زيدا أو عمرا وإلا قتلتك فليس بإكراه بل تخيير فمن قتله منهما كان مختارا لقتله وإنما المكره من حمل على قتل معين لا يجد عنه محيصا فيلزم القاتل القصاص أو الدية ولا شيء على الآمر غير الإثم وإن أكرهه على إكراه غيره على أن يقتل رابعا ففعلا اقتص منهم أي من الثلاثة ولو أمره الإمام بقتله فقتله غير ظان أن الإمام ظالم فبان ظالما اقتص من الإمام عبارة الأصل فعليه القصاص أو الدية والكفارة دونه أي المأمور فلا شيء عليه لأن الظاهر أن الإمام لا يأمر إلا بحق ولأن طاعته واجبة فيما لا يعلم أنه معصية ويسن للمأمور أن يكفر لمباشرته القتل وكذا زعيم البغاة أي سيدهم حكمه حكم الإمام فيما ذكر لأن أحكامه نافذة فلو علم مأمور كل منهما بظلمه انعكس الحكم أي اقتص من المأمور دون الآمر إن لم يخف سطوته عليه أي قهره بالبطش والمراد سطوته بما يحصل به الإكراه وإن خافها فكالمكره وإن أمره بقتله متغلب لم يجز امتثال أمره لأنه أمر بمعصية والتصريح بهذا من زيادته لكنه إذا اعتقد حقيقته جاز له ذلك والذي في الأصل فعليه القصاص أو الدية والكفارة وليس على الآمر إلا الإثم ولا فرق بين أن يعتقده حقا أو يعرف أنه ظلم لأنه ليس بواجب الطاعة
انتهى
هذا إن لم يخف سطوته فإن خاف سطوته فكالمكره فيجب القصاص عليهما تنزيلا لأمره بالقتل حينئذ منزلة الإكراه عليه إذ المعلوم كالملفوظ المصرح به وإن أمره الإمام بصعود شجرة أو بنزول بئر ففعل فهلك بذلك فإن لم يخف سطوته فلا ضمان عليه كما لو أمره أحد الرعية بذلك كما صرح به الأصل وإن خافها فالضمان على عاقلته وإن كان ذلك لمصلحة المسلمين كما إذا أكرهه على صعودها أي الشجرة أو على نزول البئر غير الإمام ففعل فهلك فإنه يجب الضمان على عاقلته لأنه شبه عمد أو خطأ كما مر بيانه قبيل الفرع السابق وإنما ذكره هنا تنظيرا مع أن الأصل لم يذكره هنا
فرع لو أمر إنسان عبده أو عبد غيره المميز الذي لا يعتقد وجوب طاعته في كل ما يأمره بقتل أو إتلاف لغيره ظلما ففعل أثم الآمر لإتيانه بمعصية واقتص من العبد وتعلق الضمان أي ضمان المال برقبته وإن أمر صبيا غير مميز أو مجنونا ضاريا أو أعجميا يعتقد وجوب طاعته فيما ذكر بقتل أو إتلاف ففعل فالقصاص أو المال على الآمر وليا كان أو أجنبيا عبدا أو حرا ضاق المكان أو اتسع عبدا كان المأمور أو حرا ولا يتعلق برقبته وذمته مال لأنه كالآلة فأشبه ما لو أغرى بهيمة على إنسان فقتلته لا يتعلق بها ضمان وذكر الأعجمي الحر من زيادته
وإن أمر إنسان أحد هؤلاء بقتل نفسه فقتلها اقتص منه أي من الآمر لا في صورة الأعجمي فلا يقتص من آمره لأنه لا يعتقد وجوب الطاعة في قتل نفسه بحال نعم إن أمره ببط جرحه أو بفتح عرقه القاتل بأن كان بمقتل ففعل وجهله أي وجهل كونه قاتلا ضمن الآمر لأن الأعجمي حينئذ لا يظنه قاتلا فيجوز أن يعتقد وجوب الطاعة أما إذا علمه قاتلا فلا ضمان على آمره والتصريح بقوله وجهله من زيادته
وإن كان للصبي والمجنون تمييز فالضمان عليهما دونه أي الآمر وما أتلفه غير المميز بلا أمر فخطأ لا هدر فيتعلق برقبته إن كان عبدا وبذمته إن كان حرا وكلام الأصل يقتضي ترجيح أنه هدر فعدل عنه المصنف إلى ما قاله لقول الإسنوي إنه مخالف لما سبق في الرضاع من أن الصبي إذا دب وارتضع وانفسخ النكاح لزمه الغرم ولما سيأتي في الكلام على شريك السبع
فرع إذا أكره عبدا مراهقا الأولى قول أصله مميزا على قتل مثلا ففعل تعلقت الدية أي نصفها برقبته بناء على الأصح من أن المكره الحر تلزمه الدية

9
9
فصل
فيما يباح بالإكراه وما لا يباح به لا يباح القتل المحرم لذاته و لا الزنا بالإكراه لتعلقهما بالغير
وقضيته أنه لا يباح به القذف أيضا والأصح تصور الإكراه على الزنا إذ الانتشار المتعلق بالشهوة ليس شرطا للزنا بل يكفي مجرد الإيلاج والإكراه لا ينافيه أما القتل المحرم لغيره كقتل صبيان الكفار ونسائهم فيباح بالإكراه كما قاله ابن الرفعة ويباح به الخمر أي شربه استبقاء للمهجة كما يباح لمن غص بلقمة أن يسيغها بخمر إذا لم يجد غيرها و يباح به ترك الفريضة كالإفطار في رمضان على القول بإبطال الصوم به و يباح به كلمة الكفر أي التكلم بها والقلب مطمئن بالإيمان لقوله تعالى إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان والامتناع من التكلم بها أفضل وإن قتل مصابرة وثباتا على الدين كما يعرض النفس للقتل جهادا ويباح به بل يجب كما قاله الغزالي في وسيطه ونقل ابن الرفعة الاتفاق عليه إتلاف مال الغير وصيد الحرم لأن لهما بدلا كما ذكره بقوله ويضمنهما أي كل من المكره والمكره المال والصيد والقرار على المكره لتعديه وليس للغير وهو المالك دفعه أي المكره عن ماله بل يجب عليه أن يقي روحه بماله كما يناول المضطر طعامه ولهما أي المكره والمالك دفع المكره بما أمكنهما لأنه صائل وظاهر أن غير المالك من وكيل وغيره كالمالك فيما ذكر
فصل لو أنهشه أي ألسعه حية مثلا فقتلته فإن قتلت أي كانت مما يقتل غالبا كأفاعي مكة وثعابين مصر فعمد فيجب القصاص وإلا فشبهه فتجب ديته وإن ألقاها عليه أو ألقاه عليها أو قيده وطرحه في مكان فيه حيات ولو ضيقا أو طرحه في مسبعة أو ألقاه ولو مكتوفا بين يدي سبع في مكان متسع كصحراء أو أغراه به فيه أي في المتسع فقتله فلا ضمان سواء أكان المقتول صغيرا أم كبيرا لأنه لم يلجئه إلى قتله وإنما قتله باختياره فصار فعله مع قتله كالإمساك مع المباشرة ولأن السبع ينفر بطبعه من الآدمي في المتسع فجعل إغراؤه له كالعدم وبهذا فارق ما مر من إيجاب القصاص على من أمر مجنونا ضاريا أو أعجميا يعتقد طاعة آمره بقتل فقتل ولو بمتسع نعم إن كان السبع المغرى ضاريا شديد العدو ولا يتأتى الهروب منه وجب القصاص على ما نقله الرافعي عن القاضي وغيره وكذا نقله في الروضة لكن عن القاضي فقط ثم قالا معا وجعل الإمام هذا بيانا واستدراكا لما أطلقه الأصحاب
وأما البغوي وغيره فجعلوا المسألة مختلفا فيها وجرى المصنف في شرح الإرشاد على ما قاله الإمام وجزم به الغزالي في وسيطه وقال في المطلب إنه الذي يظهر ترجيحه ومحل ما ذكر في الحر أما الرقيق فإنه يضمن باليد وإن كان طرحه ولو غير مكتوف أو إغراؤه في مضيق أو حبسه معه أي مع السبع في بيت أو بئر أو حذفه له حتى اضطر
10
10
إليه أي إلى قتله والسبع مما يقتل غالبا كأسد ونمر وذئب فقتله في الحال أو جرحه جرحا يقتل غالبا لزمه القصاص لأنه ألجأ السبع إلى قتله ولأن الحيوان الضاري حينئذ يصير كالآلة أو جرحه جرحا يقتل نادرا يعني لا يقتل غالبا كما عبر به أصله فشبه عمد كنظائره ولم يشترطوا في إلقاء الحية المضيق الأوفق بكلامه وبكلام أصله ولم يفرقوا في إلقاء الحية بين المضيق والمتسع كما في السبع لأنها تنفر بطبعها من الآدمي بخلاف السبع فإنه يثب عليه في المضيق دون المتسع ولهذا لو ألقاه مكتوفا بمسبعة لم يضمنه كما مر والمجنون الضاري كالسبع المغرى في المضيق وفارقه في المتسع لأن السبع ينفر فيه من الآدمي كما مر بخلاف المجنون وترك الفرار النافع من المغرى عليه في تخلصه من السبع كترك السباحة فيما مر
وإن ربط ببابه كلبا عقورا ودعا إليه رجلا فعقره فمات فلا ضمان لأنه ظاهر يمكن دفعه بعصا ونحوها و لأنه يفترس باختياره
الطرف الرابع في اجتماع مباشرتين فإن ذفف عليه اثنان معا فأكثر أي أسرعا قتله بأن يعني كأن حز أحدهما رقبته وقده الآخر نصفين أي قطعتين وهما عامدان اقتص منهما وكذا إن جرحاه معا أو كل منهما جرحا يقتل غالبا كأن أجافاه جائفة أو قطع أحدهما الساعد والآخر العضد معا أو تعاقبا ومات بسرايتهما لاشتراكهما في القتل ووجهه في الأخيرة أن القطع الأول قد انتشرت سرايته وآلمه وتأثرت به الأعضاء الرئيسة وانضم إليها آلام الثاني فأشبه ما لو أجاف واحد جائفة وجاء آخر ووسعها فمات يجب القصاص عليهما وليس اختلافهما في كثرة الألم وقلته مانعا من تساويهما في القتل كما لو جرحه واحد جراحات وآخر جراحة واحدة فمات بذلك فهما قاتلان فرب جراحة لها غور ونكاية لم تحصل بجراحات وقوله يقتل غالبا من زيادته هنا فلو جرح أحدهما وذفف الآخر فهو القاتل فعليه القصاص أو كمال الدية على ما يقتضيه الحال ويقتص من الجارح أو يؤخذ منه المال بالجرح إن تقدم على التذفيف سواء أتوقع البرء من الجرح لو لم يطرأ التذفيف أم تيقن الموت منه بعد يومين أو نحوهما لأن حياته في الحال مستقرة وتصرفاته نافذة فإن تأخر جارحه عن مذففه عزر كالجاني على الميت لهتكه حرمته والقاتل هو المذفف والتذفيف أن يذبحه أو يقده أو ينحي كرسيا تحت رجلي مشنوق أو يبين الحشوة أو ينهيه بغير ذلك إلى حركة المذبوح وهي حالة الشخص العادم سمعا وبصرا واختيارا بأن لا يبقى معها إبصار وإدراك ونطق وحركة اختياريان فلا يؤثر بقاء الضررين فقد يقد الشخص وتترك أحشاؤه في النصف الأعلى ويتحرك ويتكلم بكلمات لكنها لا تنتظم وإن انتظمت فليست صادرة عن روية واختيار وله في الحالة المذكورة حكم الميت فلا يصح إسلامه ولا ردته ولا غيرهما من سائر التصرفات ويصير فيها المال للورثة ولا يرث قريبه ولا يرثه من أسلم أو عتق حينئذ بخلاف مريض انتهى في النزع إليها أي إلى حركة المذبوح فليس له حكم الميت فيجب بقتله القصاص والفرق بينه وبين المقدود أن المريض حينئذ لم يقطع بموته وقد يظن به ذلك ثم يشفى بخلاف المقدود ومن في معناه فإنه يقطع بأنه لا يعيش إحالة على السبب الظاهر وجعل في الأصل هذا فرقا ثانيا فقال
11
11
بعد بخلاف المقدود ولأن المريض لم يسبق فيه فعل بحال القتل وأحكامه عليه حتى يهدر الفعل الثاني والقد ونحوه بخلافه وقضية كلام المصنف أن المريض المذكور يصح إسلامه وردته وليس مرادا وعبارة أصله سالمة من ذلك ثم ما ذكرناه هنا من أنه ليس كالميت محمول على أنه ليس كهو في الجناية أما في غيرها فهو فيه كهو بقرينة ما ذكر في الوصية من عدم صحة وصيته وإسلامه وتوبته ونحوها وإن شك في الانتهاء إليها أي إلى حركة المذبوح روجع أهل الخبرة فيه وعمل بقولهم والمراد قول عدلين منهم
فصل فيما إذا قتل إنسانا يظنه على حال فكان بخلافه إذا قتل مسلما ظنه كافرا لزيه أي لكونه بزي الكافر في دارنا لزمه القصاص أو الدية مع الكفارة لأن الظاهر من حال من بدارنا العصمة أو بزيه في دار الحرب أو لم يظن كفره وهو بصف الكفار ولم يعرف مكانه فلا قصاص عليه وكذا لا دية للعذر الظاهر ثم سواء أعلم في دارهم مسلما أم لا وسواء أعين شخصا أو لا وإن عرف مكانه فكقتله بدارنا حتى إذا قصد قتله يجب القصاص أو الدية المغلظة مع الكفارة أو قتل غيره فأصابه تجب الدية المخففة مع الكفارة وهذا ذكره الأصل في باب كفارة القتل وحذفه المصنف ثم وتجب عليه الكفارة لقوله تعالى وإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة فإن من بمعنى في كما نقله الشافعي وغيره فإن ادعى عليه علمه بإسلامه فقال لم أعلم به فالقول قول القاتل بيمينه لأنه أعرف بحاله أو قتل مسلما عهده ذميا أو مرتدا أو حرا عهده عبدا أو غير قاتل أبيه ظنه قاتل أبيه أو ضرب مريضا ظنه غير مريض ضربا يقتل مثله المريض دون غيره فمات منه وجب القود أي القصاص لأنه قتله عمدا وعدوانا والظن لا يبيح القتل والضرب أما في الذمي والعبد وغير المريض فظاهر وأما في المرتد فلأن قتله إلى الإمام لا إلى الآحاد فأشبه ما لو علم تحريم القتل وجهل وجوب القصاص
وما لو زنى عالما بالتحريم جاهلا بوجوب الحد بخلاف من أبيح له الضرب كالمؤدب وقيد ذلك بالظن لأنه محل الخلاف فمع العلم يجب القود قطعا والفرق كما قال الرافعي بين وجوب القود هنا وعدم وجوبه فيما إذا أجاع إنسانا وبه جوع سابق لا يعلمه أن الضرب ليس من جنس المرض فيمكن إحالة الهلاك عليه حتى لو ضعف من الجوع فضربه ضربا يقتل مثله وجب القود لا إن قتل مسلما عهده حربيا وكان على زي الكفار بدارنا فلا قود عليه لعذره والترجيح من زيادته وفارق المرتد فيما مر بأن المرتد لا يخلى والحربي يخلى بالمهادنة وفارق الذمي والعبد بأن الظن ثم لا يفيد الحل بخلافه هنا وسمي القصاص قودا لأنهم يقودون الجاني إلى القتل بحبل أو غيره قاله الأزهري
الركن الثاني القتيل وشرطه العصمة بإيمان أو أمان لخبر مسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ولقوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله الآية وقوله تعالى وإن أحد من المشركين استجارك الآية فلا يقتل مسلم معصوم بغير معصوم كالمرتد والحربي ولو صبيا وامرأة وعبدا وإنما حرم قتلهم رعاية لحق الغانمين لا لحق الله تعالى والأصل فيما قاله قوله تعالى اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخبر من بدل دينه فاقتلوه وكذا الزاني المحصن لا يقتل به مسلم
12
12
معصوم لاستيفائه حد الله تعالى سواء أقتله قبل أمر الإمام بقتله أم لا وسواء أثبت زناه بالبينة أم بالإقرار ووقع في تصحيح التنبيه للنووي أن ذلك فيما إذا ثبت زناه بالبينة فإن ثبت بالإقرار قتل به و كذا تارك الصلاة عمدا بعد الأمر بها وقد خرج وقتها لا يقتل به مسلم معصوم ويقتل بقتل من عليه قصاص لغيره أي لغير القاتل لا له لأنه ليس بمباح الدم وإنما ثبت عليه حق قد يترك وقد يستوفى نعم إن تحتم عليه كقاطع الطريق لم يقتل قاتله إلا أن يكون مثله ويعصم تارك الصلاة بالجنون لعدم تكليفه والسكر لعدم تمكنه حينئذ منها لا المرتد فلا يعصم بشيء من ذلك لقيام الكفر
الركن الثالث القاتل وشرطه التزام الأحكام الشرعية ولو كافرا أصليا أو مرتدا فلا قصاص على صبي ومجنون وإن تقطع جنونه ونائم إذ ليس لهم أهلية الالتزام ولرفع القلم عنهم ولأنهم لا يكلفون بالعبادات البدنية فأولى أن لا يؤاخذوا بالعقوبات البدنية فيقتص ممن زال عقله بمحرم من مسكر أو دواء وتعبيره بالفاء يقتضي أنه مكلف وهو جار على طريقته والمشهور خلافه كما مر بيانه وإنما اقتص منه لتعديه وهو من قبيل ربط الأحكام بالأسباب
وإن قتل غيره ثم جن اقتص منه ولو في جنونه وإن ثبت قتله بإقراره بخلافه أي بخلاف إقراره في موجب حد الله تعالى فلا يستوفى في جنونه لأن الإقرار يقبل الرجوع فيه لا في موجب القصاص
فرع لو قال القاتل كنت عند القتل صبيا وأمكن صباه عنده أو مجنونا وعهد جنونه قبله وقال الولي بل كنت بالغا أو غير مجنون صدق القاتل بيمينه لأن الأصل بقاء الصبا والجنون سواء أتقطع أو لا بخلاف ما إذا لم يمكن صباه ولم يعهد جنونه وإن قال أنا الآن صبي لم يحلف أنه صبي لأن التحليف لإثبات صباه ولو ثبت لبطلت يمينه ففي تحليفه إبطال لحلفه وإن قامت بينتان بجنونه وعقله أي قامت إحداهما بجنون القاتل عند قتله والأخرى بعقله عنده تعارضتا ولا قصاص على حربي وإن عصم بعد قتله لعدم التزامه الأحكام عند القتل بخلاف المرتد يلزمه القصاص لالتزامه الأحكام
باب ما يشترط لوجوب القصاص من المساواة بين القاتل والقتيل وما لا يشترط له منها فلا يؤثر من الفضائل في منع القصاص مطلقا إلا ثلاث الإسلام والحرية والولادة فلا يقتل مسلم بذمي ومعاهد لخبر البخاري لا يقتل مسلم بكافر وإن ارتد المسلم القاتل لعدم المساواة عند القتل ويقتلان أي الذمي والمعاهد بالمسلم لأنهما إذا قتلا بمثلهما فبمن فوقهما أولى لا بحربي لعدم عصمته وهذا علم من الركن الثاني ويقتل أحدهما أي الذمي والمعاهد بالآخر وإن اختلفت الملة كيهودي ونصراني لأن الكفر كله ملة واحدة من حيث إن النسخ شمل الجميع ولا يسقط القصاص بإسلامه أي القاتل لتساويهما حالة الجناية إذ العبرة في العقوبات بحالها بدليل أن العبد إذا زنى أو قذف ثم عتق يقام عليه حد العبيد وكما لا يسقط القصاص لا تسقط الكفارة كالديون اللازمة في الكفر ولو كان إسلامه بين جراحة وسراية كأن جرح ذمي ذميا أو معاهدا وأسلم الجارح ثم مات المجروح بالسراية فإنه لا يسقط القصاص لما ذكر بخلاف ما لو أسلم
13
13
عقب إرسال المسلم السهم عليه وقبل الإصابة لأنه لم يساوه من أول الفعل ويقتل عبد مسلم بمثله ولو كان مثله لكافر لما ذكر ويستوفي لهما أي للوارث في الأولى والسيد في الثانية الإمام بالإذن منهما ولا يفوضه إليهما إن لم يسلم الوارث والسيد حذرا من تسليط الكافر على المسلم فإن أسلما فوضه إليهما ولو قال ويستوفي للوارث والسيد الإمام بالإذن إن لم يسلما كان أوضح ويقتص الكافر بعبده الكافر أي بسبب قتله من عبد كافر ولو كان لمسلم لتساوي القاتل والمقتول
فصل يقتل مرتد بذمي وإن عاد إلى الإسلام لتساويهما في الكفر عند القتل فكانا كالذميين ولأن المرتد أسوأ حالا من الذمي لأنه مهدر الدم ولا تحل ذبيحته ولا يقر بالجزية فأولى أن يقتل بالذمي الثابت له ذلك وعلم منه قتله بالمعاهد والمستأمن لا عكسه أي لا يقتل الذمي بالمرتد لأنه مهدر كالحربي بجامع اشتراكهما في الكفر ويقتل مرتد وزان محصن بمثلهما لتساويهما و يقتل مرتد بزان محصن كما يقتل بالذمي لا عكسه أي لا يقتل زان محصن بمرتد لاختصاصه بفضيلة الإسلام ولخبر لا يقتل مسلم بكافر ويقدم قتله أي المرتد بالقصاص الواجب عليه على قتله بالردة لأنه حق آدمي فإن عفا عنه على مال أخذ من تركته وقتل بالردة ولا دية لمرتد ولو قتله مثله لأنه لا قيمة لدمه
ويقتل رقيق بحر كما يقتل برقيق بل أولى لا عكسه أي لا يقتل حر برقيق ولو لغيره لقوله تعالى الحر بالحر والعبد بالعبد ولخبر البيهقي لا يقاد حر بعبد وأما خبر من قتل عبده قتلناه ومن جدع جدعناه فمنقطع وقال البيهقي إنه منسوخ وابن المنذر ليس بثابت وإن صح فمحمول على ما إذا أعتقه ثم قتله فيفيدان تقدم الملك لا يمنع ذلك ولا يقتل حر بمبعض كما صرح به الأصل ولا يقتل مبعض بالمبعض ولو تساويا حرية ورقا أو كانت حرية المقتول أكثر لأنه لا يقتل بجزء الحرية جزء الحرية وبجزء الرق جزء الرق لأن الحرية شائعة فيهما بل يقتل جميعه بجميعه أي وليس ذلك حقيقة القصاص فعدل عنه عند تعذره لبدله ودليل ذلك المال فإنه يجب عند التساوي ربع الدية وربع القيمة في ماله ويتعلق الربعان الباقيان برقبته ولا نقول نصف الدية في ماله ونصف القيمة في رقبته ويقتل رقيق برقيق مطلقا أي سواء استويا كقنين ومكاتبين أم لا كأن كان أحدهما قنا والآخر مدبرا أم مكاتبا أم أم ولد للتساوي في الملك ولا نظر إلى ما انعقد لهؤلاء من سبب الحرية لا مكاتب بعبده أي لا يقتل به كما لا يقتل الحر بعبده ولو كان المقتول أباه لأنه مملوكه والسيد لا يقتل بعبده وعتق القاتل كإسلامه فلو قتل عبد عبدا ثم عتق أو جرحه وعتق ثم مات المجروح لم يسقط القصاص ولو عتق المجروح بعد إرسال الحر السهم عليه وقبل الإصابة فلا قصاص
ولا قصاص فيمن أي في قتل من جهل إسلامه أو حريته والقاتل حر في الثانية ومسلم في الأولى للشبهة ويفارق وجوب القصاص فيما لو قتل المسلم الحر لقيطا في صغره بأن محل ما هنا في قتله بدار الحرب وما هناك في قتله بدارنا بقرينة تعليلهم وجوب القصاص
14
14
فيه بأن الدار دار حرية وإسلام وفرق بعضهم بأن ما هنا محله إذا لم يكن له ولي يدعي الكفاءة وإلا فهي مسألة اللقيط ويقتل فرع بأصله كغيره بل أولى ويقتل المحارم بعضهم ببعض لذلك
ولا يقتل حر بعبد هذا تقدم قريبا لكنه أعاده ليشركه مع ما بعده في الحكم الآتي و لا أصل بفرع وإن نزل لخبر الحاكم والبيهقي وصححاه لا يقاد للابن من أبيه ولرعاية حرمته ولأنه كان سببا في وجوده فلا يكون هو سببا في عدمه فإن وفي نسخة فلو حكم به أي بالقتل في الصورتين حاكم نقض حكمه في قتل الأصل بفرعه دون العبد الأنسب بما قبله دون الحر أي دون قتل الحر بالعبد إلا إن أضجع الأصل الفرع وذبحه وحكم بوجوب القصاص حاكم فلا ينقض حكمه رعاية لقول الإمام مالك بوجوب القصاص ولا يقتل عبد وابن مسلمان بحر وأب كافرين ولا عكسهما أي لا يقتل حر وأب كافران بعبد وابن مسلمين ولو حكم به حاكم وذلك لاختصاص القاتل بما يمنع القصاص وما ذكره من أنه لا يقتل في ذلك عند حكم الحاكم بقتله مبني على أن حكمه به ينقض وهو ما نقله الأصل عن ابن كج في قتل المسلم بالذمي لكنه حكي عنه أيضا احتمال أنه لا ينقض وقال إنه الوجه وصححه أيضا في أدب القضاء ويقتل العبد بعبد لولده كما يقتل بوالده لا بعبد لوالده كما لا يقتل بولده
فرع لا قصاص على القاتل فيمن أي في قتل من يرثه ولده وحده أو مع غيره كزوجة ولده أو زوجته أو أبيها ثم ماتت وله منها ولد لأنه إذا لم يقتص من الوالد بجنايته على ولده فلأن لا يقتص منه بجنايته على من يرثه أولى ولا قصاص على وارث القصاص أو بعضه كمن قتل أباه وله أخ مات وورثه هو وحده أو مع غيره لأن الشخص لا يقتص من نفسه وقضية كلامهم أن الولد يرث القصاص ثم يسقط وقال الإمام إنه الوجه لأنه لو لم يرثه لورثه غيره ولما سقط قال الأذرعي والقياس كما قال ابن الرفعة يقتضي عدم إرثه له لأن المسقط قارن سبب الملك وجزم بذلك قبل صدقة الواشي فقال إنه لا يجب شيء أصلا
انتهى
فرع لو قتلا ولدا مجهولا يتنازعانه أي يتداعيانه فلا قصاص في الحال لأن أحدهما أبوه وقد اشتبه الأمر كما لو اشتبه طاهر بنجس لا يستعمل أحدهما بغير اجتهاد فإن ألحق الولد بثالث اقتص منهما لانتفاء نسبه عنهما أو ألحق بأحدهما اقتص من الآخر لانتفاء نسبه عنه ولأنه شريك الأب فإن رجعا عن تنازعهما لم يقبل رجوعهما لأنه صار ابنا لأحدهما وفي قبول الرجوع إبطال حقه من النسب أو رجع أحدهما دون الآخر فهو ابن الآخر فيقتص من غيره الأولى قول أصله من الراجع إن قتله من زيادته ولا حاجة إليه لأن صورة المسألة أنهما قتلاه فإن قتله أحدهما فألحق بالآخر أو بغيرهما اقتص منه كما صرح به الأصل هذا إذا لم يكن لحوق الولد بأحدهما فراشا أي بالفراش بل بالدعوى كما هو الفرض أما إذا كان بالفراش كأن وطئت امرأة بنكاح أو شبهة في عدة من نكاح وأتت بولد وأمكن كونه من كل منهما فلا يجزئ أي يكفي رجوع أحدهما في لحوق الولد بالآخر والفرق أن النسب ثم ثبت من أحدهما لا بعينه بدعواهما فإذا رجع أحدهما لحق الولد بالآخر وهنا ثبت بالفراش فلا يسقط بالرجوع فلا يلحق الولد بالآخر وإنما يلحق به بالقائف ثم بانتسابه إليه إذا بلغ وتعبيره ثم أولى من تعبير أصله بأو فإن ألحقه القائف بأحدهما قال في الأصل أو انتسب بعد بلوغه إليه اقتص من غيره أي غير من ألحق به لا منه لأنه أبوه وقوله فإن ألحقه إلى آخره علم مما مر وفي مسألة التداعي السابقة لو ألحقه القائف بأحدهما ثم أقام الآخر بينة بنسبه سمعت ولحقه بها واقتص من الأول فإن تعذر الإلحاق لعدم القائف أو تحيره وقتل الولد قبل الانتساب فلا قصاص إلا أن ينفيه أحدهما عن نفسه ويبقى الآخر على استلحاقه فيقتص من الأول
فرع لو قتل أحد الأخوين الشقيقين أباهما والآخر أمهما معا والعبرة في المعية والتعاقب بالزهوق للروح لا بالجرح فلكل منهما القصاص على الآخر لأنه قتل مورثه فإن عفا أحدهما فللمعفو عنه أن يقتص من العافي فإن لم يعف قدم أحدهما للقصاص
15
15
والتقديم له بالقرعة عند التنازع لاستوائهما في وقت الاستحقاق فلو اقتص أحدهما من أخيه بقرعة أو مبادرا بدونها لم يرث أخاه بناء على الأصح من أن القاتل بحق لا يرث فيقتص منه أي من المقتص ورثة أخيه ولا فرق هنا بين بقاء الزوجية بين الأبوين وعدمه لأنهما إذا ماتا معا لم يرث أحدهما الآخر وإن تعاقبا في قتل أبويهما والزوجية باقية فالقصاص على القاتل الثاني دون الأول لأنه إذا سبق قتل الأب لم يرث منه قاتله ويرثه أخوه والأم فإذا قتل الآخر الأم ورثها الأول فتنتقل إليه حصتها من القصاص ويسقط باقيه ويستحق القصاص على أخيه ولو سبق قتل الأم سقط القصاص عن قاتلها واستحق قتل أخيه فثبت أن القصاص على الثاني دون الأول
لكن يطالبه أي الأول ورثة الثاني بنصيب أبيهم إن كان مورثهم أبا والأولى حذف أبيهم والتعبير بنصيب مورثهم كما في نسخة أو بنصيبه من الدية للقتيل الأول وإن لم يبق بينهما زوجية فلكل من الأخوين القصاص على الآخر ويبدأ بقتل القاتل منهما أولا لتقدم سببه مع تعلق الحق بالعين فلا يصح توكيله أي القاتل الأول في قتل أخيه لأنه إنما يقتل بعد قتله وبقتله تبطل الوكالة قال الروياني بعد نقل هذا عن الأصحاب وعندي أن توكيله صحيح ولهذا لو بادر وكيله فقتل لم يلزمه شيء لكن إذا قتل موكله بطلت الوكالة وإن كان القتل وقع منهما معا اقتص بالقرعة كما مر فيجوز قبل الاقتصاص بها التوكيل فيه لمن خرجت قرعته لأنه يقتص له في حياته فقط أي دون من لم تخرج قرعته لما مر من أن وكالته تبطل بقتله وفيه ما مر عن الروياني
فلو وكلا من يقتص لهما بأن وكل كل منهما وكيلا قبل القرعة ليقتص له صح ثم يقرع بين الوكيلين وحين يقتص من أحدهما ينعزل وكيله لأن الوكيل ينعزل بموت موكله قال البلقيني فلو اقتص الوكيلان معا هل يقع الموقع لم أقف فيه على نقل والظاهر أن قتلهما وقع وهما معزولان من الوكالة لأن شرط دوام استحقاق الموكل قتل من وكل في قتله أن يبقى عند قتله حيا وهو مفقود في ذلك ويكره للوكيل قتل والده حدا أو قصاصا رعاية لحرمته ولو شهد أحد على أبيه بموجب قتل بكسر الجيم قتل لانتفاء التهمة بل ذلك أبلغ في الحجة وقيل لا يقتل بشهادته كما لا يقتل بقتله ولأنه متهم باستعجال ميراثه ويجوز قراءة قتل بالمثناة فوق وبالوحدة والثاني أنسب بعبارة الأصل
فرع إخوة أربعة قتل الثاني أكبرهم والثالث الأولى قول أصله ثم الثالث أصغرهم ولم يخلفا أي القتيلان غير القاتلين فللثاني أن يقتص من الثالث ويسقط القصاص عنه لما ورثه من قصاص نفسه وذلك لأنه لما قتل الأكبر كان القصاص للثالث والأصغر فإذا قتل الثالث الصغير ورث الثاني ما كان الأصغر يستحقه عليه ومن استحق قتل من
16
16
يستحق قتله كأن قتل زيد ابنا لعمرو وعمرو ابنا لزيد وكل منهما منفرد بالإرث لم يسقط القصاص بل لكل منهما القصاص على الآخر لأن التقاص لا يجري في القصاص فصل فيما لا يؤثر فيه عدم المساواة بين القاتل والقتيل يقتل رجل بامرأة وخنثى كعكسه أي عكس كل منهما وعالم بجاهل كعكسه وشريف بخسيس وشيخ بشاب كعكسهما لأنه صلى الله عليه وسلم كتب في كتابه إلى أهل اليمن أن الذكر يقتل بالأنثى رواه النسائي وصححه ابن حبان والحاكم وقيس بما فيه البقية ولا قصاص على ذمي بقتل حربي بالغ عاقل أسر قبل أن يرى فيه الإمام رأيه من إرقاق أو غيره لأنه باق على حكمه السابق وإن قطع رجل ذكر مشكل وأنثييه وشفريه فلا قصاص في الحال لاحتمال أنه امرأة ثم إن صبر إلى التبين فإن بان رجلا اقتص منه للذكر والأنثيين و أخذ منه للشفرين حكومة أو بان أنثى فدية تؤخذ منه للشفرين وحكومة للمذاكير أي الذكر والأنثيين جمعها على ذلك تغليبا وإن لم يصبر فإن عفا عن القصاص المحتمل على مال قبل التبين وطلب حقه أعطى دية الشفرين وحكومة المذاكير لأن ذلك هو المتيقن فإن بان أنثى فمعه حقه أو رجلا كمل له على ما أعطيه ديتا الذكر والأنثيين وحكومة الشفرين ولو طلب حقه ولم يعف عن القصاص أعطي الأقل من حكومة الشفرين مع تقدير الذكورة ومن حكومة المذاكير ودية الشفرين بتقدير الأنوثة لأن ذلك هو المتيقن إذ يحتمل ظهوره ذكرا فيقتص في المذاكير فلا يستحق إلا حكومة الشفرين ويحتمل ظهوره أنثى فيستحق دية الشفرين وحكومة المذاكير فالمتيقن هو الأقل من واجبي الاحتمالين ولا يبعد أن تزيد حكومة الشفرين على ديتهما مع حكومة المذاكير وإن قطع الجميع من المشكل امرأة وصبر إلى التبين فإن بان أنثى اقتص في الشفرين ولها حكومة المذاكير أو ذكرا فله ديتا الذكر والأنثيين وحكومة الشفرين ولا يخفى التفصيل للحكم وقت الإشكال أي فيما إذا لم يصبر وطلب حقه فإن عفا على مال أعطي دية الشفرين وحكومة المذاكير لأن ذلك هو المتيقن وإن لم يعف أعطي حكومة المذاكير لأنها المتيقن لاحتمال ظهوره أنثى فيقتص في الشفرين فلا يستحق إلا الحكومة المذكورة
ولا ريب أنها أقل من ديتي الذكر والأنثيين وحكومة الشفرين وإن بان ذكرا كمل له الديتان وحكومة الشفرين وإن قطع رجل أو مشكل مذاكيره أي المشكل و قطعت أنثى أو مشكل شفريه فلا طلب له على واحد منهما بمال إن لم يعف عن القصاص المحتمل لتوقع القصاص في حق كل منهما وإن عكسا بأن قطع رجل شفريه وأنثى مذاكيره طولب كل منهما بحكومة لما قطعه وإن زادت فيما لو بانت ذكورته حكومة الشفرين على ديتهما من المرأة لأنهما في الحقيقة ليسا بشفرين بل على صورتهما لأنهما للمرأة وهذا ليس بامرأة ولا مجال في ذلك للقصاص لأن الزائد لا يؤخذ بالأصلي ولا عكسه وإن قطع الجميع مشكل من مشكل فلا قصاص في الحال ثم إن صبر إلى التبين وبانا رجلين أو امرأتين قطع الأصلي بالأصلي وكذا الزائد بالزائد إن تساويا محلا وإلا فالحكومة تجب فيه وإن بان أحدهما ذكرا والآخر أنثى فكما سبق في قطع الرجل أو المرأة الجميع وإن لم يصبر فإن عفا قبل التبين أعطي كما سبق أي دية الشفرين وحكومة المذاكير لأن ذلك هو المتيقن ولو لم يعف لم يعط شيئا في الحال لأن القصاص متوقع في الجميع ويرجع فيما إذا جنى عليه رجل بقطع ما ذكر إلى قوله إنه رجل أي إلى قوله قبل الجناية أنا رجل فيجب القصاص للذكر والأنثيين أو ديتهما لا إلى قوله ذلك بعدها للتهمة وشبهوه بمن قال إن كنت غصبت فامرأتي طالق فإن ثبت غصبه قبل اليمين لا بعدها برجل وامرأتين طلقت لأن الغصب ثبت عليه بخلاف ما إذا ثبت غصبه بعدها لأن المقصود من هذه الشهادة الطلاق برجل وامرأتين وهو لا يقع بهم وشبهوه أيضا بما إذا شهد برؤية هلال شوال فردت شهادته ثم أكل لا يعزر ولو أكل ثم شهد عزر للتهمة قاله في الأصل ويصدق الرجل الجاني بيمينه في أنه أي المقطوع أقر بالأنوثة كأن
17
17
قال له أقررت بالأنوثة فلا قصاص لك فأنكر لأن الأصل عدم القصاص والمقطوع متهم
فرع
لو قطع المشكل ذكر رجل وأنثييه وبان رجلا اقتص منه أو أنثى فديتان ولا قصاص عليه وقبل اليمين لحال المشكل لا يعطى مالا إلا إن عفا على مال فيعطاه لأن القصاص قبل العفو متوقع بخلافه بعده وإن قطع شخص يد مشكل لزمه القصاص في الحال ويجب في الخطأ وشبه العمد نصف دية امرأة لأنه المتيقن وعبارة الأصل فلو آل الأمر إلى المال لم يؤخذ إلا اليقين وهو نصف دية المرأة وكذا لو قتل لا يؤخذ منه إلا دية امرأة
انتهى
وظاهر مما مر أن ذلك محل إذا لم يقل قبل القطع أنا رجل ويدل له تعبيرهم بالمشكل
فصل لو قتل الجماعة واحدا قتلوا به وإن تفاضلت الجراحات في العدد والفحش والأرش سواء أقتلوه بمحدد أم بمثقل كأن ألقوه من شاهق أو في بحر لأن القصاص عقوبة تجب للواحد على الواحد فتجب له على الجماعة كحد القذف ولأنه شرع لحقن الدماء فلو لم يجب عند الاشتراك لاتخذ ذريعة إلى سفكها وروى مالك أن عمر قتل نفرا خمسة أو سبعة برجل قتلوه غيلة وقال لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا وإنما يعتد في ذلك بجراحة كل واحد منهم إذا كانت مؤثرة في الزهوق للروح لا خدشة خفيفة فلا عبرة بها وكأنه لم يوجد سوى الجنايات الباقيات فيستحق ولي قتيل الجماعة دم كل منهم فله قتل جميعهم و للولي قتل بعضهم وأخذ باقي الدية من الباقين وله أن يقتصر على أخذ الدية موزعة بعددهم لا بالجراحات أي بعددها لأن تأثيرها لا ينضبط وقد تزيد نكاية الجراحة الواحدة على نكاية جراحات كثيرة وخرج بالجراحات الضربات فتوزع الدية عليهما كما سيأتي ومن اندملت جراحته قبل الموت لزمه أرشها الأولى قول أصله لزمه مقتضاها فقط أي دون قصاص النفس لأن القتل هو الجراحة السارية وإن جرحه اثنان متعاقبان وادعى الأول اندمال جرحه و أنكره الولي ونكل فحلف مدعي الاندمال سقط عنه القصاص في النفس فإن عفا الولي عن الآخر لم يلزمه إلا نصف الدية إذ لا يقبل قول الأول عليه إلا أن تقوم بينة بالاندمال فيلزمه كمال الدية
فرع لو قتل واحد من الأحرار في غير المحاربة جماعة أو قطع أيديهم اقتص منه لواحد منهم و عليه للباقين أي لكل منهم الدية وسيأتي ذلك مع الكلام فيمن يقتص له منهم في بابه أما لو كان القاتل عبدا أو حرا لكنه قتل في المحاربة فسيأتي
فصل وفي نسخة فرع وإن مات الجريح من جراحتي عمد وخطأ أو شبه عمد لم يقتص منه أي من الجارح لأن الزهوق لم يحصل بعمد محض بل على عاقلة المخطئ يعني عاقلة غير المتعمد نصف الدية مخففة أو مثلثة وعلى المتعمد النصف مغلظة سواء اتحد الجارح أو تعدد إلا إن قطع المتعمد طرفه فيقتص منه فلو قطع اليد فعليه قصاصها أو الأصبع فكذلك مع أربعة أعشار الدية وإن امتنع القصاص في أحدهما لمعنى فيه اقتص من شريكه إذا تعمدا جميعا لأنه لو انفرد بقتله لزمه القصاص فإذا شارك من لا يقتص منه لا لمعنى في فعله لزمه أيضا كما لو تعمدا فعفا الولي عن أحدهما فيقتص من شريك لأب في قتل الولد وعلى الأب نصف الدية مغلظة وفارق شريك الأب شريك المخطئ بأن الخطأ شبهة في فعل المخطئ والفعلان مضافان إلى محل واحد فأورث شبهة في القصاص كما لو صدرا من واحد والأبوة صفة في ذات الأب وذاته متميزة عن ذات الأجنبي فلا تورث شبهة في حقه و يقتص من شريك الحر في قتل العبد و من شريك المسلم في قتل الذمي وكذا من شريك سيد في قتل عبده إن كان شريكه عبدا أو حرا وجرحه بعد أن جرحه سيده ثم أعتقه و من شريك حربي في مثل من يكافئه و من شريك جارح جرح بحق كقطع سرقة أو قصاص و من شريك صبي مميز ومجنون له نوع تمييز في قتل من يكافئه لأن عمدها عمد بخلاف شريك من لا تمييز له ومن شريك السبع أو الحية القاتلين غالبا في قتل من يكافئه بخلاف شريك القاتلين لا غالبا لا يقتص منه كشريك الجارح شبه عمد ووقع للنووي في تصحيح التنبيه تصحيح
18
18
أنه لا يقتص منه مطلقا كشريك المخطئ وجرى عليه صاحب الأنوار والأول ما نص عليه الشافعي في الأم و من شريك قاتل نفسه في قتل من يكافئه وفي نسخة جارح نفسه ولو رميا أي اثنان مسلما بسهم أو سهمين في صف كفار وأحدهما جاهل به والآخر عالم به اقتص من العالم به كشريك السيد فقط أي دون الجاهل وليس هو مخطئا حتى يقال إن شريكه شريك مخطئ بل هو متعمد لأنه قصد الفعل والشخص بما يقتل غالبا وإنما لم يلزمه القصاص لعذره
فرع لو جرح شخص آخر غير معصوم كحربي ومرتد وصائل ثم جرحه ثانيا بعد العصمة أو جرح رجلا بحق كقصاص وسرقة ثم جرحه عدوانا أو جرح عبده قبل العتق وبعده أو جرح حربي مسلما ثم أسلم ثم جرحه ثانيا ومات بالسراية فكشريك المخطئ فلا قصاص في النفس تغليبا لمسقط القصاص ويثبت موجب الجرح الثاني من قصاص وغيره وإن قطع حر إحدى يدي عبد أو مسلم إحدى يدي ذمي قبل العتق للعبد أو الإسلام للذمي و قطع الأخرى بعده أي بعد العتق أو الإسلام فمات بالسراية اقتص منه باليد الأخرى أي بقطعها لمكافأته المقطوع حين قطعها ولا قصاص في النفس ولزمه نصف الدية لأنه استوفى منه ما يقابل النصف الآخر فإن عفا عن قصاص اليد لزمه دية حر مسلم وإن قطع ذمي يد ذمي فأسلم القاطع ثم قطع منه الآخر فمات بالسراية فالقصاص واجب في قطع اليد الأولى فقط أي دون الثانية ولا قصاص في النفس فإن عفا عن قصاص اليد فدية ذمي على القاطع
فرع لو داوى المجروح جرحه بمذفف أي قاتل سريعا كأن شرب سما قاتلا أو وضعه على الجرح فهو قاتل نفسه لأن التذفيف يقطع حكم السراية فهو كما لو جرحه غيره فذبح نفسه وعلى الجارح أرش جرحه أو قصاصه لا قصاص النفس سواء علم المجروح حال السم أم لا كما صرح به الماوردي والروياني أو داواه أي جرحه بما لا يقتل غالبا أو بما يقتل غالبا وليس بمذفف وجهله أي جهل كونه يقتل غالبا فالجارح شريك صاحب شبه عمد فلا قصاص عليه في النفس وإنما عليه موجب جرحه من قصاص وغيره فإن علمه المجروح فكشريك قاتل نفسه فعليه القصاص وكذا يكون كشريك قاتل نفسه لو خاط المجروح جرحه في لحم حي لا لحم ميت ولو تداويا خياطة تقتل غالبا بخلاف ما لو خاط في لحم ميت بل لا أثر للخياطة كما سيأتي فإن خاطه غيره بلا أمر منه اقتص منه ومن الجارح وإن كان الغير إماما لتعديه مع الجارح لا إن خاطه الإمام لصبي أو مجنون لمصلحته فلا قصاص عليه كما لو قطع سلعة منه فمات لأن له عليه ولاية وقصد بذلك مصلحته بل تجب الدية مغلظة على عاقلته نصفها ونصفها الآخر في مال الجارح ولا قصاص عليه والتصريح بقوله ونصفها في مال الجارح من زيادته وإن قصد المجروح أو غيره الخياطة في لحم ميت فوقع في لحم حي فالجارح شريك مخطئ قال في الأصل قال القفال وكذا لو قصد الخياطة في الجلد فوقع في اللحم والكي فيما ذكر كالخياطة فيه ولا أثر لهما في اللحم الميت ولا في الجلد كما فهم من التعبير باللحم لعدم الإيلام المهلك فعلى الجارح القصاص أو كمال الدية وما هنا تبيين لمراده بقوله فيما مر لا ميت ولا أثر لدواء لا يضر ولا لمرض بالمجروح حادث أو قديم كما فهم بالأولى وعبارة الأصل ولا اعتبار بما على المجروح من قروح ولا بما به من مرض وضنى قال الرافعي لأن ذلك لا يضاف إلى أحد ولا يدخل تحت الاختيار
فرع لو قطع أصبع يد رجل مثلا فتآكل موضع القطع فقط فقطعها يعني اليد المجروح من الكف عبارة الأصل فقطع المقطوع كفه خوف السراية طولب القاطع بالأصبع قصاصا أو أرشا إن لم يسر القطع إلى النفس ولا يطالب بالقصاص في موضع القطع لأن فوات الجسم لا يقصد بالسراية فإن سرى إلى النفس فكشريك خائط جرحه فيما مر وإن تآكل الكف لا من الدواء الحاصل من المجروح لجرحه ضمنها القاطع فإن تآكلت من الدواء فليس عليه إلا أرش القطع وإن تآكلت منهما فعليه مع أرش القطع ما يخصه من ضمان بقية الكف بالتوزيع عليهما
19
19
وإن تآكلت ثم قطعها من لحم حي أو ميت فكالخياطة فيما مر ولو اختلفا أي الخصمان في التآكل بالدواء فقال الجاني داويت بما يورث التآكل وأنكر المجني عليه أو اختلفا هل مات بالسراية فقال الوارث مات بها وقال الجاني بل قتل نفسه صدق المجني عليه بيمينه في الأولى أو الوارث في الثانية عملا بالجناية المعلومة والأصل عدم غيرها من الأسباب
فرع لو ضربوه سياطا أي بسياط خفيفة مثلا حتى قتلوه وكل منهم ضربه يقتل لو انفرد قتلوا وكذا لو لم يقتل إن تواطئوا على ضربه وكان ضرب كل منهم مؤثرا في الزهوق حسما للذريعة وكما لو توالت ضربات الواحد وتخالف الجراحات حيث لا يشترط فيها التواطؤ لأن نفس الجرح يقصد به الإهلاك بخلاف الضرب بالسوط وإلا بأن وقعت الضربات كلها أو بعضها اتفاقا فالدية أي فالواجب الدية لا القصاص موزعة على الضربات لأنها تلافي ظاهر البدن فلا يعظم فيها التفاوت بخلاف الجراحات نعم إن ضربه أحدهما ضربا يقتل كأن ضربه خمسين سوطا ثم ضربه الآخر سوطين أو ثلاثة حال الألم من ضرب الأول عالما بضربه اقتص منهما لظهور قصد الإهلاك منهما أو جاهلا به فلا قصاص على واحد منهما لأنه لم يظهر قصد الإهلاك من الثاني والأول شريكه فعلى الأول حصة ضربه من دية العمد وعلى الثاني كذلك أي حصة ضربه من دية شبهه قال في الأصل وفرق بينه وبين ما إذا ضرب مريضا سوطين جاهلا مرضه حيث يجب القصاص بأنا لم نجد ثم من نحيل عليه القتل سوى الضارب وإن ضرباه بالعكس بأن ضربه أحدهما سوطين أو ثلاثة ثم ضربه الآخر ضربا يقتل كأن ضربه خمسين سوطا حال الألم ولا تواطؤ فلا قصاص على واحد منهما لأن ضرب الأول شبه عمد والثاني شريكه بل يجب عليهما الدية كذلك يعني على الأول حصة ضربه من دية شبه العمد وعلى الثاني حصة ضربه من دية العمد
فرع لو جرحه شخص خطأ ونهشته حية وسبع ومات من ذلك لزمه ثلث الدية كما لو جرحه ثلاثة نفر وخرج بالخطأ العمد فيقتص من صاحبه كما مر
باب تغير الحال أي حال الجارح أو المجروح بين الجرح والموت بالعصمة والإهدار أو بالقدر المضمون به لو جرح مسلم مثلا حربيا فأسلم أو أمن ثم مات بالسراية فلا ضمان كعكسه بأن جرح حربي مسلما فأسلم الحربي أو أمن ثم مات المجروح لأنه جرح غير مضمون فسرايته غير مضمونة كقطع يد السارق وكذا لا ضمان لو جرح عبده فأعتقه فمات بالسراية لذلك نعم يضمنه بالكفارة كما سيأتي وإن رمى مرتدا أو حربيا فأسلم قبل الإصابة أو رمى عبده أو قاتل أبيه فأعتقه أي العبد أو عفا عن قاتل أبيه قبلها أي الإصابة وجبت الدية اعتبارا بحالة الإصابة لأنها حالة اتصال الجناية والرمي كالمقدمة التي يتوصل بها إلى الجناية ولا يجب القصاص لعدم الكفاءة في أول أجزاء الجناية وهذا كمن كان عبدا أو مرتدا حال الحفر لبئر بمحل عدوان فعتق العبد أو أسلم المرتد ثم تردى فيها فتجب الدية ولا قصاص
وإن رمى حربي مسلما ثم أسلم الحربي قبل الإصابة فهل يضمن أو لا وجهان الظاهر منهما أنه يضمن بخلاف ما مر في قوله كعكسه لأن الإصابة هنا حصلت حالة كون الرامي ملتزما للضمان بخلافها ثم وإن ارتد المجروح ومات مرتدا بالسراية فلوليه القصاص بالجرح لا بالنفس إن أوجبه كالموضحة وقطع اليد عمدا لأن القصاص في الطرف ينفرد عنه في النفس ويستقر فلا يتغير بما يحدث بعده بدليل أنه لو قطع طرف غيره ثم حز آخر رقبته ولو خطأ لزم الأول قصاص الطرف والمراد بوليه من يرثه لولا الردة لا الإمام لأن القصاص للتشفي وهو له لا للإمام فلو كان صغيرا أو مجنونا انتظر كماله ليستوفي وإلا أي وإن لم يوجب الجرح القصاص كالجائفة والهاشمة وكقطع اليد خطأ فا لواجب الأقل من الدية للنفس والأرش للجرح فإن كان الأرش أقل كقطع اليد الواحدة لم يزد بالسراية في الردة شيء وإن كانت الدية أقل كقطع اليدين والرجلين فلا زيادة عليها لأنه لو مات بالسراية مسلما لم يجب أكثر منها فبالأولى إذا مات مرتدا ويكون الواجب
20
20
فيئا فلا شيء منه لوليه و إن اندمل جرحه الموجب للقصاص قبل الموت كان القصاص له فإن مات قبل أن يقتص اقتص وليه وللمال الواجب له بالجرح حكم ماله الثابت له بغير ذلك فهو موقوف فإن عاد إلى الإسلام أخذه وإلا أخذه الإمام فإن أسلم قبل اندمال جرحه ثم مات بالسراية فلا قصاص في النفس وإن قل زمن الردة لأنه انتهى إلى حالة لو مات فيها لم يجب القصاص فصار ذلك شبهة دارئة له وتجب الدية كاملة وإن كثر زمن الردة لوقوع الجرح والموت في حالة العصمة ولأن العبرة في الدية بآخر الأمر
وكذا لا يجب القصاص في النفس وتجب الدية كاملة إن ارتد المرمي إليه قبل الإصابة ثم أسلم بين الرمي والإصابة فلو لم يسلم حينئذ أهدر والمعتبر في المغير قدر الدية وقت الموت لأن الضمان بدل التالف فيعتبر فيه وقت التلف وقدر الدية منصوب بالمغير فإن جرح ذميا حرا مثله فنقض المجروح عهده والتحق بدار الحرب ثم سبي واسترق ثم مات بالسراية وللجرح قصاص كقطع يد اقتص به إذ لا مانع لا بالنفس لتخلل حالة إهدارها ولأن الحر لا يقتل بالعبد بل تجب قيمته في ذلك وفيما لو لم يقتص وإن كانت أكثر من الأرش اعتبارا بالمال بعد اعتبار كونه مضمونا وقت الجناية وللوارث منها قدر الأرش ولو كان الوارث ذميا في دار الحرب وما فضل منها للسيد فإن لم يفضل منها شيء فلا شيء له فإن كان سيده قد أعتقه فدية ذمي تجب إن لم يسلم المجروح أو دية مسلم إن أسلم وقيل الواجب في الأولى أقل الأمرين من الأرش ودية ذمي وفي الثانية أقل الأمرين من الأرش ودية مسلم وفي القصاص في الثانية قولان وقد حكى الأصل ذلك مع ما ذكره المصنف بلا ترجيح فترجيح إيجاب الدية وعدم إيجاب القصاص المفهوم من ذلك من زيادة المصنف
والدية في الصورتين للوارث وهو في الأولى ذمي وفي الثانية مسلم
وإن جرح شخص ذميا فأسلم أو عبدا لغيره فعتق ثم مات بعد الاندمال وجب أرش الجناية ويكون أرشها في الثانية لمالك العبد وإن الأولى فإن فقأ عينه لزمته قيمته وإن كان الاندمال بعد عتقه لأن الجراحة إذا اندملت استقرت وخرجت عن أن تكون جناية على النفس فينظر إلى حال الجناية على الطرف والمجني عليه كان حينئذ مملوكا فيجب أرشها للمالك كما قلنا لا دية حر وكأنه أشار إلى ذلك بقوله من زيادته فقط بناء على أن الدية أكثر من القيمة غالبا وإن مات المجروح من الذمي والعبد بالسراية فلا قصاص إن كان جارح الذمي مسلما وجارح العبد حرا لأنه لم يقصد بالجناية من يكافئه بل تجب دية حر مسلم وإن كانت أقل من قيمة العبد في مسألته لأنه في الابتداء مضمون وفي الانتهاء حر مسلم فتجب ديته للورثة في المسألتين و لكن لسيد العبد منها في الثانية قيمته لأنه استحقها بالجناية الواقعة في ملكه وإن فضل منها شيء فلوارث العتيق لأنه وجب بسبب الحرية ربما تقرر علم أنه لا حاجة لقوله وإن فضل إلى آخره مع أنه لو قال للورثة ولسيد العبد فإن فضل من قيمته شيء فلوارث العتيق كان أحسن وأوضح وأخصر مما قاله وإن قطع يده ثم عتق ثم مات بالسراية فدية تجب لما مر وللسيد نصف قيمته منها وإن أتت قيمته أي نصفها على الدية بأن ساوتها
فرع لو قطع شخص يد عبد لغيره فعتق ثم قطع آخر يده الأخرى واندمل الجرحان قطع القاطع الثاني حرا كان أو عبدا لوجود الكفاءة لا الأول فلا يقطع إن كان حرا لعدمها بل عليه للسيد نصف قيمته فإن مات منهما أي من القطعين قتل الثاني لوجود الكفاءة لا الأول إن كان حرا لعدمها ولزم الأول نصف الدية للسيد منها يعني من نصفها نصف قيمته والباقي للوارث وإن عفا عن الثاني فعليهما أي القاطعين الدية وللسيد في حصة الأول منهما الأقل من نصفها ومن نصف القيمة ولا شيء له في حصة الثاني لأن جنايته لم تكن في ملكه وكذا الحكم إن اتحد القاطع لكن لا يقتل به أي بالمقطوع إن مات تغليبا للمسقط فلو قطع حر يد عبد فعتق ثم قطع يده الأخرى واندمل الجرحان اقتص منه للأخرى لا للأولى وعليه للسيد نصف قيمته فإن مات منهما اقتص منه للأخرى لا للنفس ولزمه نصف الدية للسيد منه نصف القيمة فإن عفا عنه فعليه دية للسيد
21
21
منها الأقل من نصفها ونصف القيمة وإن قطع أصبع يد عبد لغيره فعتق ثم قطع آخر رجله فمات منهما فعليهما الدية وللسيد على الأول منهما الأقل من نصفها وعشر القيمة وإن قطع من العبد يديه ورجليه مثلا ثم عتق وجرحه آخران ومات بالسراية فعليهم الدية أثلاثا فللسيد الأقل من ثلث الدية وكل القيمة الواجبة بالقطع في الرق
فرع لو قطع حر يد عبد فعتق ثم جرحه اثنان كأن قطع أحدهما يده الأخرى والآخر رجله ومات بجراحاتهم فعليهما القصاص في الطرف والنفس لوجود الكفاءة ولا قصاص على الأول لعدمها وإن عفا عن القصاص على الدية فعلى الأول الثلث منها للسيد منه الأقل منه ومن نصف القيمة الواجب بالقطع في الرق وعلى كل من الآخرين الثلث ولا حق للسيد فيه لأنهما لم يجنيا على ملكه فإن جرحه الأول ثانيا بعد العتق ومات بجراحاتهم فعليه ككل من الآخرين الثلث من الدية لما مر أنها تجب موزعة على عددهم لا على عدد جراحاتهم وللسيد منه الأقل من نصف القيمة الواجب بالقطع في الرق و من سدس الدية الواجب آخرا بجناية الرق لأن الثلث الواجب على الأول موزع على جراحتيه في الرق والحرية وإذا قطع يده فعتق ثم جرحه ثانيا مع آخر فعليهما الدية نصفين وللسيد على الأول الأقل من نصف القيمة وربع الدية لأن النصف الواجب على الأول موزع على جراحتيه في الرق والحرية وإذا جرحه اثنان قبل العتق وثالث بعده فمات بجراحاتهم فالدية عليهم أثلاثا فللسيد على الأولين الأقل من ثلثي الدية الواجبين عليهما وأرش جنايتهما في الرق وإذا جرحه قبل العتق ثلاثة ورابع بعده فمات بجراحاتهم فالدية عليهم أرباعا وللسيد على الثلاثة الأقل من ثلاثة أرباع الدية وأرش جنايات الرق أو جرحه اثنان قبل العتق وثلاثة بعده فالدية عليهم أخماسا وللسيد على الاثنين الأقل من خمس الدية وأرش جنايتي الرق وإذا أوضحه فعتق ثم قطع آخر يده فمات منهما فعليهما الدية نصفين وللسيد على الأول الأقل من نصف الدية ونصف عشر القيمة الواجب بالإيضاح في الرق ولو أوضحه فعتق ثم جرحه تسعة فمات منهم فالدية عليهم أعشارا وللسيد على الأول الأقل من عشر الدية وأرش الموضحة الواجب بالإيضاح في الرق وهو نصف عشر القيمة فإن جرحه الأول ثانيا بعد العتق معهم فالدية عليهم أعشارا وللسيد عليه الأقل من نصف عشر الدية ونصف عشر القيمة إذ العشر اللازم له موزع على جراحتيه
فرع لو قطع حر يد عبد فعتق فحز آخر رقبته فحز الرقبة مبطل للسراية فعلى الأول نصف القيمة للسيد وعلى الثاني القصاص أو الدية كاملة للوارث وإن قطع الثاني يده الأخرى بعد العتق ثم حزت رقبته فإن حزها ثالث بطلت سراية القطعين وكأنهما اندملا فعلى الأول نصف القيمة للسيد وعلى الثاني القصاص في اليد أو نصف الدية للوارث وعلى الثالث القصاص في النفس أو الدية كاملة للوارث فإن حزه القاطع أولا فإن حزه قبل الاندمال لقطعه لزمه القصاص في النفس فإن قتل به سقط حق السيد بناء على الأصح من أن بدل الطرف يدخل في النفس وإن عفا عنه الوارث وجبت الدية كاملة وللسيد منها الأقل من نصفها ونصف القيمة أو حزه بعد الاندمال فعليه نصف القيمة للسيد وقصاص النفس أو الدية كاملة للوارث وعلى الثاني نصف الدية وإن حزه الثاني قبل الاندمال أو بعده فلا يخفى الحكم وهو أنه إن حزه قبل الاندمال فللوارث القصاص في النفس أو الدية كاملة أو بعد الاندمال فللوارث أن يقتص منه في اليد والنفس أو يأخذ بدلهما أو بدل أحدهما وقصاص الآخر وعلى الأول نصف القيمة للسيد بكل حال
وحصة السيد فيما إذا جنى على عبد فعتق وسرت الجناية إلى نفسه أو حز الجاني رقبته وعفا عنه الوارث تكون من إبل الدية لأن الواجب فيه الدية وهي الإبل فتؤخذ ويصرف للسيد حصته منها لأن حقه في عينها وليست مرهونة به بخلاف الدين مع التركة فليس للوارث تعويضه عنها بأن يقول أنا آخذ الإبل وأدفع إليه القيمة نقدا ولا له مطالبة الجاني بما يستحقه السيد من الدية إن أبرأه منه السيد ولا للسيد تكليف
22
22
الجاني بإعطاء النقد وللجاني تسليمها أي حصة السيد دراهم أو دنانير للسيد فيجبر على قبولها لأن ما يجب له يجب بحق الملك والواجب بحق الملك النقد فإذا أتى به فقد أتى بأصل حقه وحاصله تخير الجاني بين تسليم حصة السيد من الدية وحصته من القيمة وهو مراد الأصل بقوله بين تسليم الدية والدراهم وما ذكر من أن السيد يجبر على قبول حصته من القيمة قال في الأصل إنه أرجح الوجهين عند الإمام والغزالي قال الإسنوي والوجهان بحث للإمام لا نقل عن الأصحاب والذي صرح به القاضي أبو الطيب ونص عليه الشافعي وحكاه عنه في المطلب عدم الإجبار قال الأذرعي وكلام الغزالي في بسيطه يفهم أن ذلك نقل عن الأصحاب
فرع كل جرح أوله غير مضمون لا ينقلب مضمونا في الانتهاء بتغير الحال كأن جرح مرتدا فأسلم قال الرافعي وكل جرح أوله مضمون ثم هدر المجروح لم يتعلق به إلا ضمان الجرح كأن جرح مسلما فارتد وإن كان مضمونا في الحالين اعتبر في قدر الضمان الانتهاء كأن قطع يد عبد لغيره فعتق ومات بالسراية فتجب الدية لا نصف القيمة وفي القصاص تعتبر الكفاءة من الفعل كالرمي إلى الفوت وهو انتهاء الجناية باب القصاص في الأطراف
الأولى في غير النفس وفيه أربعة فصول الأول في أركانه وهي ثلاثة الأول القطع فيعتبر في ثبوت القصاص فيه أن يكون عمدا محضا عدوانا كما في النفس فلا قصاص في خطئه كإصابة إنسان بحجر قصد به الرامي جدارا فأوضحه ولا في شبه عمده كاللطمة تتورم بأن يتورم محلها وتوضح هي عظمه والضرب بالعصا الخفيف والحجر المحدد أي الضرب بكل منهما عمد في الشجاج لا في النفس لأنه يوضح غالبا ولا يقتل غالبا وقد يكون الفعل من ضرب وغيره عمدا في النفس أيضا فالأول كإيضاحه شخصا بما يوضح غالبا ولا يقتل غالبا كالضرب بعصا خفيف فمات به فيوجب القصاص في الموضحة دون النفس وقيده الماوردي بما إذا مات في الحال بلا سراية وإلا فيوجبه فيها أيضا و الثاني كفقء العين أي بخصها بالأصبع فإنه عمد يوجب القصاص في العين والنفس لأن الأصبع في العين تعمل عمل السلاح ثم بين الركن الثاني والثالث بقوله ويشترط في القاطع التكليف والتزام الأحكام وفي المقطوع العصمة والمكافأة لا التساوي في البدل فيقطع رجل بامرأة كما في النفس وتقطع جماعة أي أيديهم بيد لواحد تحاملوا عليها دفعة واحدة بسكين أو نحوها حتى أبانوها أو أبانوها بضربة اجتمعوا عليها كما في النفس بخلاف ما لو اشتركوا في سرقة نصاب لا قطع على أحد لأن الحد محل المساهلة لأنه حق الله تعالى بخلاف القود
ولهذا لو سرق نصابا دفعتين لم يقطع ولو أبان اليد بدفعتين قطع لا إن تميزت أفعالهم كأن حز كل منهم من جانب والتقى الحديدتان وكذا لو قطعا أي اثنان قطع المنشار بالنون وبالياء وبالهمز فلا قطع على أحد في الأولى خلافا لصاحب التقريب ولا في الثانية عند الجمهور لتعذر المماثلة لاشتمال المحل على أعصاب ملتفة وعروق ضاربة وساكنة مع اختلاف وضعها في الأعضاء بل على كل منهم حكومة تليق بجنايته مجموعها دية يد أي بحيث يبلغ مجموع الحكومات دية اليد وهذا من زيادته في صورة الجمهور وصرح به في الأنوار
تنبيه ما نقله كأصله عن الجمهور في صورة المنشار من أنه من صور التمييز مثل به ابن كج لصورة الاشتراك الموجب للقصاص نقله الرافعي ثم قال ويحل الإشكال ما ذكره الإمام أن الإمرار يصور بصورتين إحداهما أن يتعاونا في كل جذبة ورسلة فيكون من صور الاشتراك والثانية أن يجذب كل واحد إلى جهة نفسه ويفتر عن الإرسال في جهة صاحبه فيكون البعض مقطوع هذا والبعض مقطوع ذاك ويكون الحكم ما قاله الجمهور وتبعه في الروضة على ذلك قال الأذرعي وغيره وما صور به الإمام كلام الجمهور قد صرح به القاضي والمتولي وغيرهما وهو ظاهر
الفصل الثاني فيما يوجب القصاص في غير النفس من الجنايات وهي وفي نسخة وهو ثلاثة
23
23
أنواع شق وقطع وإزالة منفعة الأول الجرح قال تعالى والجروح قصاص ويقع على الشجاج وهي بكسر الشين جمع شجة بفتحها عشر بالاستقراء الحارصة بمهملات وهي التي تشق الجلد قليلا نحو الخدش وتسمى الحرصة كما في الأصل والحريصة كما في المحكم والدامية وهي التي تدميه بضم التاء أي الشق من غير سيلان دم وقيل معه والباضعة بموحدة ومعجمة ثم مهملة وهي التي تقطع لحما بعد الجلد والمتلاحمة بالمهملة وهي التي تغوص فيه أي في اللحم ولا تبلغ الجلدة التي بينه وبين العظم قال في الأصل وتسمى اللاحمة
والسمحاق بكسر السين وبالحاء المهملتين وهي التي تبلغ جلدة العظم أي التي بينه وبين اللحم وتسمى الجلدة به أيضا وكذا كل جلدة رقيقة قال في الأصل وقد تسمى هذه الشجة الملطاء والملطاة والملاطية والموضحة وهي التي توضح العظم بعد خرق الجلدة أي تظهره من اللحم بحيث يقرع بالمرود وإن لم يظهر كما سيأتي
والهاشمة وهي التي تكسره أي العظم وإن لم توضحه والمنقلة بكسر القاف أفصح من فتحها وتسمى المنقولة وهي التي تنقله من موضع إلى آخر وإن لم توضحه وتهشمه قال في الأصل ويقال هي التي تكسر وتنقل ويقال هي التي تكسر العظم حتى يخرج منها فراش العظام والفراشة كل عظم رقيق والمأمومة جمعها مآميم كمكاسير قال في الأصل وتسمى الآمة وهي التي تبلغ خريطة الدماغ المحيطة به وهي أم الرأس
والدامغة بالمعجمة وهي التي تخرق الخريطة وتصل الدماغ قال في الأصل وهي مذففة وزاد بعضهم فيها ألفاظ أخر تؤول إليها في الحكم كالدامعة بالمهملة وقد زادها الماوردي بعد الدامية وقال هي التي يجري دمها جريان الدمع وكلها تتصور في الرأس وفي الجبهة وكذا تتصور في الخد وقصبة الأنف واللحي الأسفل وسائر البدن سوى الدامغة والمأمومة وإن كان اسم الشجاج لا يقع على جروح سائر البدن عند جماعة ولا قصاص في شيء منها إلا في الموضحة ولو مع هشم وتنقيل لتيسر ضبطها واستيفاء مثلها بخلاف البقية و إلا في جرح ينتهي إلى العظم ولم يكسره في سائر البدن كذلك ولو قال إلا في الموضحة ولو في البدن لكان أوضح وأخصر وقوله كأصله ولم يكسره لا حاجة إليه بل يوهم خلاف المراد إذ ليس المراد أنه إذا كسره مع الإيضاح لا قصاص في الإيضاح بل المراد لا قصاص في الكسر فقط وهذا معلوم مما مر
النوع الثاني القطع للطرف فيقتص في كل طرف ينضبط إما بمفصل بفتح الميم وكسر الصاد وهو موضع اتصال عضو بعضو على منقطع عظمين برباطات واصلة بينهما أما مع دخول أحدهما في الآخر أو لا فالثاني كأنملة وكوع والأول كركبة ومرفق وكذا أصل فخذ ومنكب إن أمنت الجافة و إما بتحيزه وإن لم يكن له مفصل كعين وأذن وجفن ومارن وذكر وأنثيين وشفة ولسان وكذا شفران بضم الشين وأليان وذلك لأن القصاص خطر فاختص بما يؤمن فيه الحيف والتعدي إلى ما لا يستحق وذلك في الأعضاء المنضبطة بما ذكر ولقوله تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين الآية وقوله صلى الله عليه وسلم في خبر الربيع بنت النضر في الصحيحين وقد كسرت ثنية جارية من الأنصار كتاب الله القصاص أما إذا لم تؤمن الإجافة في أصل الفخذ والمنكب فلا قصاص وإن أجاف الجاني وقال أهل البصر يمكن أن يقطع ويجاف مثل تلك الجائفة لأن الجوائف لا تنضبط ضيقا وسعة وتأثيرا ونكاية ولذلك لم يجز القصاص فيها نعم إن مات بالقطع قطع الجاني وإن لم يمكن بلا إجافة كما اقتضاه كلامهم لا إطار شفة بكسر الهمزة وتخفيف المهملة وهو المحيط بها إذ ليس له حد مقدر كذا في الروضة وهو كما في المهمات وغيرها غلط لأن القصاص يجب في آخرها كما يجب في جميعها وأولها وصوابه هنا السه بمهملة بعدها هاء بلا فاء وهو حلقة الدبر لأن المحيط بها لا حد له وهي كذلك في نسخ الرافعي الصحيحة
فرع لو قطع فلقة بفاء مكسورة ثم قاف بعد اللام وبقاف مضمومة ثم فاء بعد اللام أي قطعة من أذن أو مارن أو لسان أو حشفة أو شفة وجب القصاص إن أبانها وكذا إن لم يبنها لتيسر المماثلة فيها ويضبط المقطوع بالجزئية كالثلث والربع ويستوفى من الجاني مثله لا المساحة لأن الأطراف المذكورة تختلف كبرا وصغرا بخلاف
24
24
الموضحة وسيأتي
فلو قطع من مفصل أي بعضه كالكوع ولم يبن فلا قصاص لعدم تحقق المماثلة في قطعه لأن الكوع ونحوه مجمع العروق والأعصاب المختلف وضعها تسفلا وتصعدا وتختلف بالسمن والهزال فلا يوثق بالمماثلة بخلاف المارن والأذن ونحوهما فإنهما من جنس واحد وكذا لو بان فلقة من فخذ أو نحوه لا قصاص لأن سمكه لا ينضبط
فرع للمعلق أي للمقطوع من الأعضاء المعلق بجلدة حكم المقطوع المبان فيجب فيها القصاص أو كمال الدية لبطلان فائدة العضو وإمكان الاستيفاء بما ذكره بقوله ويقتص إلى الجلدة ثم لا تقطع الجلدة بعد مراجعة الجاني أهل البصر فيها إلا لمصلحة
فرع لا قصاص في كسر العظم لعدم الوثوق بالمماثلة فيه ويستثنى منه السن فإنه إذا أمكن فيها القصاص بأن تنشر بمنشار بقول أهل الخبرة وجب نص عليه في الأم وجزم به الماوردي وغيره لخبر الربيع السابق نبه عليه الأذرعي وغيره وله أي للمجني عليه بكسر عظمه القطع من أقرب مفصل دونه أي دون محل الكسر فلو كسر عظم ساعده أو ساقه وأبانه فله قطع يده من كوعه ورجله من كعبه لأن به يحصل استيفاء بعض الحق والميسور لا يسقط بالمعسور
وليس له القطع من المرفق والركبة و له عليه حكومة للباقي لأنه لم يأخذ عوضا عنه وله أنه يعفو عن الجناية ويعدل إلى المال كما صرح به الأصل وإن أوضح ونقل أو هشم وأوضح فله أي للمجني عليه أن يوضح ويأخذ أرش الهشم في الثانية وهو خمسة أبعرة و أرش النقل في الأولى وهو عشرة لتعذر القصاص فيهما فعدل إلى بدلهما ولو أوضح وأم فله أن يوضح ويأخذ تمام ثلث الدية كما صرح به الأصل ولو حذف المصنف قوله وأوضح كان أخصر وإن قطع يده من كوعه فالتقط المقتص أصابعه بل أصبعا واحدا عزر وإن قال لا أطلب في الباقي قطعا ولا أرشا لعدوله عن محل الجناية مع القدرة عليه وبهذا فارق جواز القصاص في الموضحة في المسائل السابقة ولا غرم عليه لأنه يستحق إتلاف الجملة فلا يلزمه بإتلاف البعض غرم كما أن مستحق النفس لو قطع طرف الجاني لا غرم عليه ولو قطع الباقي أي الكف كما أن مستحق النفس لو قطع يد الجاني له أن يعود ويحز رقبته ويفارق ما يأتي من أنه لو لقط أصابع من قطعه من ساعده ليس له أن يقطع الكف بأن الكف هنا محل الجناية بخلافها ثم لا طلب حكومة للباقي لأنها تدخل في دية الأصابع وقد استوفاها فأشبه ما لو قطع مستحق النفس يدي الجاني ثم عفا عن حز الرقبة وطلب الدية لم يجب إليها لأنه قد استوفى ما يقابلها أو قطع يده من مرفقه فرضي عنها بأصبع أو بكف كما فهم بالأولى وصرح به الأصل لم يجز لعدوله عن محل الجناية مع القدرة عليه فإن قطعها من الكوع عزر ولا غرم عليه لما مر وأهدر الباقي فليس له قطعه ولا طلب حكومته لأنه بقطعه من الكوع ترك بعض حقه وقنع ببعضه ويفارق ما مر في الصورة السابقة من أن له قطع الباقي بأن القاطع من الكوع مستوف لمسمى اليد بخلاف ملتقط الأصابع
وإن قطع إنسانا من نصف الأولى من بعض العضد فله قطعه من المرفق لأنه أقرب مفصل إلى محل الجناية وكذا له قطعه من الكوع لعجزه عن محل الجناية ومسامحته ببعض حقه وليس له العود إلى قطع المرفق والترجيح في أن له القطع من الكوع من زيادته وبه صرح في المنهاج تبعا لمقتضى كلام أصله ولما رجحه البغوي لكن الرافعي في الشرح الصغير رجح ما اقتضاه كلامه في الكبير وجزم به جماعة أنه ليس له ذلك لأنه عدول عما هو أقرب إلى محل الجناية و له قطع أصبع واحدة لأنه دون حقه و له أخذ الحكومة للباقي من العضد في الأولى ومنه ومن الساعد في الثانية والثالثة لكن له في الثالثة أخذ دية أربع أصابع أيضا وكلام الأصل ساكت عن حكم الثالثة بالكلية وليس له لقط الأصابع لتعدد الجراحات وهو عظيم الموقع ويؤخذ من العلة أنه ليس له قطع أصبعين فأكثر وأن له قطع أصبع واحدة وقد مر أما لو عفا عن قطع العضد فله دية الكف وحكومتا الساعد والمقطوع من العضد صرح به الأصل أو قطع يده من بعض الساعد فله قطعها من الكوع أو ديتها بعفو أو غيره فتعبيره أعم من تعبير أصله بالعفو و له حكومة للباقي حالتي القطع وأخذ الدية فإن لقط أصابعه أو اثنين فأكثر منها عزر ولا غرم لما مر والتصريح
25
25
بالتعزير من زيادته وأهدر باقي الكف فليس له قطعه ولا طلب حكومته لما مر وله حكومة بعض الساعد لما مر وتعبيره بالبعض في الموضعين أعم من تعبير أصله بالنصف أو قطعها من نصف الأولى من بعض الكف التقط الأصابع وإن تعددت الجراحة لأنه لا سبيل إلى إهمال التقاطها وليس بعد موضع الجراحة إلا مفاصل متعددة وله مع الالتقاط حكومة الباقي من الكف لما مر
فرع لو شق الكف من إنسان حتى انتهى إلى مفصل يمكن المماثلة في الاستيفاء بشقه حتى ينتهي إليه بقول أهل الخبرة اقتص منه
النوع الثالث إبطال المنافع وهي لا تفوت بالمباشرة لها بل تبعا لمحلها أو لمجاورها فإن أذهب ضوء عينيه بفتح الضاد وضمها بهاشمة أو نحوها مما لا قصاص فيه أذهبه من الجاني بكافور أو بتقريب حديدة حامية من حدقته أو بنحوهما وفي الهاشمة أرشها لتعذر القصاص فيها وإن أذهبه بموضحة وكذا بلطمة تذهب الضوء غالبا اقتص بمثل فعله فإن لم يذهب أذهبه بكافور أو نحوه فإن لم يمكن إذهابه إلا بإذهاب الحدقة سقط القصاص ووجبت الدية لأنه لا يجوز أن يستوفي أكثر من حقه وتقييد ما ذكر بضوء العينين ليس بقيد بل ضوء إحداهما كذلك إلا في مسألة اللطمة لأنه ربما لطمه فأذهب ضوء عينيه معا بل يذهبه بالمعالجة إن أمكن وإلا فالدية والسمع والشم والذوق والكلام والبطش لا العقل كالبصر في أن إبطالها يوجب القصاص بالسراية لأن لها محالا مضبوطة ولأهل الخبرة طرق في إبطالها بخلاف العقل لتعذر إزالته بالسراية إذ لا يوثق بالمعالجة مما يزيله ولاختلاف الناس في محله وإن كان الصحيح أن محله القلب لقوله تعالى فتكون لهم قلوب يعقلون بها ولأنه نوع من العلوم ثم ما تقرر من وجوب القصاص في السمع هو ما جزم به الشيخان ونقلاه عن تصحيح الإمام قال ابن الرفعة وغيره والمذهب فيه المنع إذ هو قول الجمهور ونص عليه في الأم
انتهى وفي اللمس كلام ذكرته في شرح البهجة
فرع متى قطع أصبعه فتآكل الكف أو أوضحه فتصلع بأن ذهب شعر مقدم رأسه اقتص منه كفعله ولزمه دية للمتآكل مغلظة في ماله وحكومة للشعر وإن ذهبا بالقصاص فلا يقع ذهابهما قصاصا إذ لا قصاص فيهما لما مر أن فوات الجسم لا يقصد بالسراية وكالتآكل الشلل ولو عفا المجني عليه عن دية الأصبع بعد عفوه عن القصاص عليها لزمه أي الجاني من دية الكف أربعة أخماس أي أربعة أخماس ديتها للأصابع الأربع ولا حكومة للمنابت أي منابت الأصابع بل تدخل في ديتها وقوله ولو عفا إلى آخر من زيادته وهو معلوم وترك قول الأصل ولو عفا عن قصاص الأصبع له دية اليد وإن اقتص فلم يسر القطع إلى غير الأصبع أو سرى وقلنا لا يقع قصاصا فله أربعة أخماس دية الكف ولا حكومة للمنابت وهي أي دية المتآكل مغلظة في مال الجاني لأنها سراية جناية عمد وهذا مكرر لتقدمه آنفا وكلام الأصل سالم منه يطالب بها أي بدية المتآكل عقيب قطع الأصبع أي أصبع الجاني لأنه وإن سرى القطع إلى الكف لم يسقط باقي الدية فلا معنى لانتظار السراية بخلاف ما لو سرت أي الجناية إلى النفس فاقتص بها أي بالجناية لم يطالب في الحال فلعلها أي جراحة القصاص تسري فيحصل القصاص وكذا في ابيضاض حدقة العين وشخوصها بالجناية يقتص بها بما يفضي إلى ذلك إن أمكن ولا يطالب بدية الضوء في الحال فلعل الجرح يسري وإن اقتص بما ذكر فلم يذهب الضوء في الحال صبر فلا يطالب بالدية فربما يسري للضوء
فرع لو اقتص من الجاني عليه خطأ أو شبه عمد ففي كونه مستوفيا خلاف والأصح أنه مستوف كما جزمت به بعد تبعا لجزم الأصل به ثم وإن جرى صاحب الحاوي ومن تبعه على عكسه أو اقتص من قاتل مورثه
26
26
وهو صبي أو مجنون فلا يكون مستوفيا لعدم أهليته للاستيفاء بخلاف ما لو أتلف وديعته فإنه يكون مستوفيا لحقه لأنها لو تلفت برئ المودع ولو مات الجاني لم يبرأ أو إذا لم يكن مستوفيا فتتعلق الدية بتركة الجاني ويلزمه دية عمد بقتله الجاني لأن عمده عمد والطرف كالنفس فلو ثبت لصبي أو مجنون قصاص طرف فقطع طرف الجاني لم يكن مستوفيا لحقه فإن قطعه بإذنه أو تمكينه بأن أخرج إليه طرفه فقطعه فهدر ولو ترك قوله والطرف كالنفس أغنى عنه ما قبله ولو أبدل قطعه بقص منه كان أعم
الفصل الثالث في المماثلة وهي معتبرة في قصاص غير النفس كالكفاءة في النفس و عليه لا تقطع يد برجل و لا يمين بيسار ولا جفن أعلى بأسفل و لا نحوه كأذن بشفة كالعكس ولا أصبع وأنملة وسن بغيرها ولا زائد بزائد في محل آخر كزائد بجنب الخنصر بزائد بجنب الإبهام لاختلاف المحل بل والاسم والمنفعة في بعضها بخلاف زائد بزائد متفقي المحل ولا يضر في وجوب القصاص حيث اتحد الجنس تفاوت كبر أو طول أو قوة أو سمن أو لون في عضو أصلي وكذا زائد كما في النفس لأن المماثلة في ذلك لا تكاد تتفق ولأنها لو اعتبرت لبطل مقصود القصاص ولذلك تقطع يد الصانع بيد الأخرق كما يقتل العالم بالجاهل إلا إن تفاوتا أي الزائدان بمفصل بأن زادت مفاصل زائدة الجاني على مفاصل زائدة المجني عليه فيضر حتى لا تقطع بها لأن هذا أعظم من تفاوت المحل وكذا إن تفاوتا بالحكومة وإن تماثلا في المفصل كما نقله الأصل عن الإمام وأقره
ويقطع زائد بأصلي اتفق محلهما لأنه دون حقه ولا شيء له لنقصان الزائد كما لو رضي بالشلاء عن الصحيحة بخلاف ما إذا اختلف محلهما لا عكسه أي لا يقطع أصلي بزائد وإن اتفق محلهما لأنه فوق حقه
فرع ويقتص في الموضحة بالمساحة طولا وعرضا لا بالجزئية لأن الرأسين مثلا قد يختلفان صغرا وكبرا فيكون جزء أحدهما قدر جميع الآخر فيقع الحيف بخلاف الأطراف لأن القصاص وجب فيها بالمماثلة بالجملة فلو اعتبرناها بالمسامحة أدى إلى أخذ الأنف ببعض الأنف وهو ممتنع ولا كذلك في الموضحة فاعتبرت بالمسامحة وإن عم بالبعض أي بسبب إيضاح البعض الكل بأن كان رأس الشاج أصغر من رأس المشجوج وإن كان أكبر منه أخذ قدر حقه منه بالمساحة وبدأ المقتص بالإيضاح من حيث شاء الجاني إذ كل رأسه محل الجناية وقيل من حيث شاء المجني عليه لأنه أوضح جميع رأسه فيستوفي قدره من أي موضع شاء وصوبه الأذرعي وغيره قالوا وهو الذي أورده العراقيون وغيرهم خلا الإمام ومن تبعه ونص عليه الشافعي في الأم وما رجحه الشيخان تبعا فيه الإمام وتعليله السابق لا يناسبه وإنما يناسب الثاني وإن كان المناسب لإعطاء من عليه حقوق مالية هو الأول
قالوا ونقل الرافعي الأول عن الأكثرين سهو ولا يتمم موضحة لرأس إذا كان أصغر بالجهة كعكسه لأنه غير محل الجناية ولو قال ولا يتمم بغيره كان أعم بل يتمم بالقسط أي بقسط الباقي من الأرش إذا وزع على جميع الموضحة لتعذر القصاص فيه فإن كان الباقي قدر الثلث فالقسط ثلث أرش الموضحة وهذا كما لو قطع ناقص الأصابع يد كاملها فإنه تقطع يده ويؤخذ أرش الأصبع الناقصة وإنما لم يكتف برأسه كاليد الصغيرة عن الكبيرة لأن ما به التفاوت بين اليدين ليس بيد وما به التفاوت بين الموضحتين موضحة فلا يجعل تابعا ولأن المعتبر ثم اسم اليد وهنا المساحة نعم إن كان بعضه أي رأس الجاني مشجوجا والباقي بقدر موضحته تعين لتعذر مشيئة الجاني وصار كأنه كل الرأس ولا تفرق الموضحة في محلين كمقدم رأسه ومؤخره فتصير موضحتين لأنه يؤدي إلى مقابلة موضحة بموضحتين
ولا تبعض الموضحة مع إمكانها أي إمكان استيفائها وذلك بأن يستوفي بعضها قصاصا و بعضها أرشا أي بقسطه منه لأن البعض المستوفى يقابل بالأرش التام مع تمكنه من تمام الاستيفاء بخلاف ما إذا لم يتمكن منه وهو ما مر في قوله بل بالقسط من
27
27
الأرش بخلاف الموضحتين فإنه له أن يقتص في إحداهما ويأخذ أرش الأخرى لأنهما جنايتان وإن أوضح الجاني بعضه أي بعض الرأس كالناصية والقذال بفتح القاف وبالمعجمة وهو جماع مؤخر الرأس تعين الموضع للإيضاح ويتمم ما نقص من موضحته من الرأس لأنه كله عضو واحد لا من الجبهة والقفا ونحوهما لأنهما أعضاء مختلفة ولا يتمم الساعد أي موضحته من العضد والكف ولا عكسه لذلك وليحلق إذا أراد الاقتصاص في الموضحة موضعها من رأس الشاج إن كان عليه شعر ويعلم بخط من سواد أو حمرة أو نحوهما ويوضح بحديدة حادة كالموسى لا بسيف وحجر ونحوهما وإن كان أوضح به إذ لا تؤمن الزيادة قال في الأصل كذا ذكره القفال وغيره وتردد فيه الروياني
انتهى
وعبارة الروياني بعد نقله ذلك عن القفال وفيه نظر وقياس المذهب أنه يقتص بمثل ما فعله إن أمكن ولعله أراد إذا لم يمكن قال الزركشي وهو ما نقله البغوي عن القاضي ولم يذكر غيره وهو الظاهر ولا عبرة بغلظ الجلد أو اللحم ورقته كما لا عبرة بتفاوت كبر الأطراف ويفعل المقتص الأسهل على الجاني من الشق دفعة واحدة أو شيئا فشيئا وخالف ابن الرفعة فقال الأشبه الإتيان بمثل جنايته إن أوضح دفعة فدفعة أو بالتدريج فبالتدريج ويضبط الجاني وجوبا لئلا يضطرب فإن زاد المقتص في الموضحة على قدر حقه فإن كان باضطراب الجاني فهدر أو عمدا اقتص منه في الزائد لكن بعد اندمال جرحه أو خطأ كأن اضطربت يداه أو عفا على مال فأرش كامل يلزمه لأن حكم الزائد يخالف حكم الأصل وتخالف الحكم كتعدد الجاني ويصدق المقتص بيمينه إن قال أخطأت بالزيادة وقال المقتص منه بل تعمدت لأن الأصل عدم العمد وإن قال تولدت الزيادة باضطرابه وأنكر المقتص منه فوجهان في المصدق منهما لأن الأصل براءة الذمة وعدم الاضطراب ورجح البلقيني وغيره منهما تصديق المقتص منه تنبيه سيأتي أن المجني عليه لا يمكن من الاستيفاء في الطرف وصورة ما ذكر هنا أن يرضى الجاني بذلك أو يوكل فيه المجني عليه غيره
فرع إيضاح الجماعة كقطعهم الطرف في كيفية الاشتراك ووجوب القصاص فإذا تحاملوا على الآلة وجروها معا وجب أن يوضح من كل منهم مثل تلك الموضحة وقيل توزع عليهم ويوضح من كل منهم بقدر حصته لإمكان التجزئة وإن وجب مال وزع أرش الموضحة عليهم وهو ما قطع به الماوردي ونقله الرافعي عن البغوي وقيل يجب عليه كل أرش كامل والترجيح في الصورتين من زيادته وبه صرح في المنهاج كأصله في الأولى
فرع يقتص في الموضحة التي لذي شعر من شاج ذي شعر وإن تفاوتا في الشعر خفة وكثافة وكذا من شاج أقرع لا عكسه بأن كان المشجوج أقرع والشاج ليس بأقرع فلا يقتص منه لما فيه من إتلاف شعر لم يتلفه وعبر بالأقرع إشارة إلى ما جمع به ابن الرفعة بين نص الأم على أنه لا قصاص على من اختص الشعر برأسه وهو ما نقله الأصل ونص المختصر على أن عليه القصاص فيحلق محل الشجة ثم يقتص منه كما يفعل به ذلك إذا كان برأسهما شعر فحمل ابن الرفعة الأول على ما إذا كان عدم الشعر برأس المشجوج لفساد منبته والثاني على ما إذا كان لحلق ونحوه
فرع لو خفي الإيضاح بأن شك هل أوضح بالشجة أو لا لم يقتص مع الشك بل يسبر بالمهملة ثم الموحدة أي يبحث عنه بمسمار أو نحوه حتى يعرف ويشهد به شاهدان أو يثبت باعتراف الجاني وهو أي الإيضاح يحصل بالانتهاء إلى العظم حتى لو غرز إبرة وانتهت إليه فموضحة وإن لم يظهر العظم للناظر
فصل في الصفات التي يؤثر التفاوت فيها أو لا يؤثر تقطع يد مثلا سليمة ببرصاء وعسماء وعرجاء وعليلة ظفر لأنه لا خلل في العضو ولأن هذه الأشياء علة ومرض في العضو وذلك لا يؤثر في وجوب القصاص
28
28
قال الأذرعي وغيره ومحله في علة الظفر من سواد واخضرار ونحوهما إذا لم يكن لآفة ولم يكن جافا وإلا فلا قصاص كما جزم به في الأول المتولي ونص عليه في الثاني الشافعي وجرى عليه الإمام والعسم بمهملتين مفتوحتين تشنج في المرفق أو قصر في الساعد أو العضد قاله في الأصل وقال ابن الصباغ هو ميل واعوجاج في الرسغ وقال الشيخ أبو حامد الأعسم الأعسر وهو من بطشه بيساره أكثر لا ساقطة أي لا سليمة ظفر بساقطة لأنها أعلى منها و لكن تكمل ديتها وفرق بأن القصاص تعتبر فيه المماثلة بخلاف الدية وعلم بما قاله أن ساقطة الظفر تقطع بسليمته وبه صرح الأصل لأنها دون حقه
فرع لا تقطع يد أو رجل صحيحة بشلاء لم يمت صاحبها بقطعها وإن رضي به الجاني لانتفاء المماثلة كما لا يقتل الحر بالعبد ولأن نسبة بدل الصحيحة إلى بدل النفس النصف ونسبة بدل الشلاء إلى بدل النفس دون ذلك لأن واجبها الحكومة فإن قطعها المجني عليه بلا إذن من الجاني لزمه نصف الدية فلا تقع قصاصا لأنها غير مستحقة له بل لو سرى لزمه القصاص في النفس وإن أذن له في قطعها قصاصا فهل يجزئ وكان الجاني أدى الجيد عن الرديء وقبضه المستحق أو يضمن كل منهما جنايته بأن يضمن المجني عليه نصف الدية لأنه لم يستحق ما قطعه والجاني الحكومة لأنه لم يبذل عضوه مجانا أي بل أخذ بدله وجهان وبالثاني قطع البغوي وهو قضية ما يأتي في بذل اليسار عن اليمين
أو قطعها بإذن مطلق عن التقييد بقطعها قصاصا فقد استوفى حقه ولا يلزمه شيء وإن مات الجاني بالسراية لأنه إذن في القطع وتقطع شلاء بشلاء إن تساوى الشلل من الجانبين أو زاد شلل الجاني ولم يخف نزف الدم أي خروجه كله وإلا فلا تقطع بها لأنها فوق حقه وحذرا من استيفاء النفس بالطرف فيما إذا خيف نزف الدم و تقطع شلاء بصحيحة إن لم يخف نزف الدم بخلاف ما إذا خيف نزفه بأن قال أهل الخبرة لو قطعت لم ينسد فم العروق بالحسم ولم ينقطع الدم لا شلاء خنصر بشلاء بنصر لانتفاء المماثلة وبطلان العمل وإن لم يزل الحس والحركة شلل وقيل لا بد من زوالهما والترجيح من زيادته وصرح به الغزالي وابن الرفعة وغيرهما
وتقطع قوية بضعيفة لا بضعيفة من جناية ذات أرش ولو حكومة بل لو قطعت لا تكمل ديتها وهذا كما أن من قتل من صار إلى حالة المحتضر يلزمه القصاص إن صار إليها لا بجناية وإلا فلا ولا حاجة لقوله ذات أرش لأن ضعف العضو بجناية لا بد له من أرش
وإن قطع الحر الذمي يد عبد فنقض عهده واسترق أو قطع الأشل مثله فصح القاطع لم يقطع لانتفاء المماثلة عند الجناية في الأولى ووجوب الزيادة عند الاستيفاء في الثانية وكذا لا يقطع سليم يدا أو رجلا قطع أشل أو ناقصة أصبع ثم شلت بفتح الشين يده في الأولى ونقصت في الثانية لانتفاء المماثلة عند الجناية والترجيح في الأولى من زيادته وما ذكره في الثانية خلاف ما نقله الأصل هنا عن التهذيب وجزم به أواخر هذا الباب والذي فيه أوجه لأن القصاص قد تعلق فيها بما عدا الأصبع المذكورة عند الجناية بخلافه في الأولى فإنه لم يتعلق بشيء أصلا
وفي قطع الذكر والأنثيين وإشلالهما القصاص وكذا في قطع وإشلال إحدى أنثيين إن علم سلامة الأخرى بقول أهل الخبرة وكذا دقهما فيقتص فيه بمثله إن أمكن وإلا وجبت الدية نقله الأصل عن التهذيب ثم قال ويشبه أن يكون الدق ككسر العظام ويقطع ذكر فحل وشاب ومختون بذكر خصي وعنين وشيخ وطفل وأقلف إذ لا خلل في نفس العضو بل في أثره لأمر خارج وللذكر الأشل حكم اليد الشلاء فيما مر وهو أي الأشل ما أي منبسط لا ينقبض أو منقبض لا ينبسط وهذا لازم لقوله فيما مر وبطلان العمل شلل
وتقطع أذن سميعة بصماء لأن السمع لا يحل جرم الأذن وكذا صحيحة بمستحشفة بكسر الشين المعجمة وبمثقوبة ثقبا غير شائن لبقاء الجمال والمنفعة من جمع الصوت ورد الهوام بخلاف اليد والرجل الشلاوين ومحله في المستحشفة بغير جناية لا صحيحة بمخرومة ومشقوقة لفوات الجمال فيهما والمخرومة ما قطع بعضها بل يقتص فيها بقدر ما بقي منها كما مر
وتقطع مخرومة بصحيحة ويؤخذ أرش ما نقص منها والثقب الشائن للأذن كالخرم فيما ذكر
ويقطع أنف صحيح بأخشم
29
29
أي غير شام لأن الشم لا يحل جرم الأنف وأجذم وإن اسود لبقاء الجمال والمنفعة و يقطع أنف سقط بعضه ولو صحيحا بمثله ولو أجذم وإلا أي وإن لم يسقط بعضه وكان صحيحا فيقطع من الصحيح مثل الباقي أي مثل ما كان بقي من أنف المجني عليه ولو أجذم إن أمكن لا عين مبصرة بقائمة أي بحدقة عمياء مع قيام صورتها لأن البصر في جرم العين و لا لسان ناطق بأخرس لأن النطق في جرم اللسان ويجوز بعكسه أي قطع عين قائمة بمبصرة ولسان أخرس بناطق إذا رضي المجني عليه ولا شيء معه
ويؤخذ جفن بصير بجفن أعمى لتساوي الجرمين والبصر ليس في الجفن نعم لا يؤخذ جفن له أهداب بما لا أهداب له كما قاله المتولي والفارقي والعين القائمة كا ليد الشلاء فلا تؤخذ بها المبصرة وهذا معلوم من قوله فيما مر لا عين مبصرة بقائمة ولو ذكره كالأصل عقبه ليكون كالتعليل له كان أولى
و يقطع لسان ناطق بلسان رضيع إن ظهر فيه أثر النطق بحيث يحركه عند البكاء وغيره لا من بلغ أوان الكلام ولم يتكلم وكلامه كأصله تبعا للإمام والغزالي يقتضي أنه إذا لم ينته إلى حد يحرك فيه لسانه لم يقطع لكن سيأتي أنه تجب فيه الدية كقطع رجله ولأن الظاهر السلامة ومقتضى ذلك وجوب القصاص فيه ذكره الإسنوي وأجيب بالمنع إذ لا يلزم من وجوب الدية وجوب القصاص لأنه يدرأ بالشبهة قلت والأوجه وجوبه كما لو قطع يده عقب الولادة
فرع التصاق الأذن بحرارة الدم بعد الإبانة لا تسقط القصاص والدية لأن الحكم يتعلق بالإبانة وقد وجدت ولا توجبه أي ما ذكر من القصاص والدية بقطعها مرة ثانية لأنها مستحقة لإزالة ولا مطالبة للجاني بقطعها بأن يقول اقطعوها ثم اقطعوا أذني لأن قطعها من باب الأمر بالمعروف لا اختصاص له به والنظر في مثله إلى الإمام وأما التصاقها وقطعها مرة ثانية قبل الإبانة فبالعكس أي فتسقط القصاص والدية عن الأول وتوجيها على الثاني وللمجني عليه حكومة على الجاني أولا كالإفضاء إذا اندمل تسقط الدية وتجب الحكومة لكنهم أوجبوا قطع أذن مبانة التصقت إن لم يخف منه محذور التيمم كأن لم ينبت اللحم على محل النجاسة لئلا يفسد الصلاة لنجاسة الباطن من الأذن بالدم الذي ظهر في محل القطع فقد ثبت له حكم النجاسة فلا يزول بالاستبطان لا قطع أذن معلقة بجلدة وقد التصقت الأذن وفيه نظر لما مر من نجاسة الباطن ويجاب بأنا إنما أوجبنا القطع ثم للدم لأن المتصل منه بالمبان قد خرج عن البدن بالكلية فصار كالأجنبي وعاد إليه بلا حاجة ولهذا لم يعف عنه وإن قل بخلاف المتصل منه هنا وإن استوفى المجني عليه البعض من الأذن فالتصق فله قطعه مع الباقي منها لاستحقاقه الإبانة ولو قطعت أذن مبانة التصقت بمكانها ولم نوجب إزالتها لخوف التلف مثلا فمات المقطوع سراية فالقود على القاطع والتصاق السن المقلوعة بمكانها كالأذن فيما ذكر
فصل القصاص واجب في قلع السن لقوله تعالى والسن بالسن لا في كسرها لما مر أنه لا قصاص في كسر العظم نعم إن أمكن فيها القصاص فتقدم عن النص أنه يجب ونقله الأصل هنا عن حكاية ابن كج وعن قطع صاحب المهذب بعد نقله عن البغوي وغيره إطلاق أنه لا قصاص في السن وبالإطلاق جزم المنهاج كأصله قال الرافعي وقد يوجه ما نقله عن النص بأن السن عظم مشاهد من أكثر الجوانب ولأهل الصنعة آلات قطاعة يعتمد عليها في الضبط فلم تكن كسائر العظام فلا تؤخذ صحيحة بمكسورة ويجوز عكسه مع أرش الذاهب من المكسورة وعادم تلك المقلوعة عند جنايته لا قصاص عليه فيها وإن نبتت بعد لأنها لم تكن موجودة عند الجناية ومثله من به موضحة غير مندملة لو أوضح آخر أي غيره في موضع موضحته لا يقتص منه وإن اندملت موضحته لأن محل القصاص لم يكن موجودا عند الجناية وهذا من زيادته على الروضة
وإن قلع مثغور وهو الذي سقطت رواضعه وهي أربع تثبت وقت الرضاع يعتاد سقوطها لا سقوط الكل قاله في الأنوار فتسمية غيرها بالرواضع مجاز علاقته المجاورة
30
30
سن غير مثغور ولو بالغا انتظر فلا قصاص ولا دية في الحال لأنها تعود غالبا فإن نبتت سليمة فلا شيء له أو بها شين كسواد واعوجاج ولو كان الشين طولا أو شغا بالمعجمتين والفتح والقصر أي زيادة بأن زادت السن أو نبت معها سن شاغية أي زائدة وهي التي يخالف نبتها نبت غيرها من الأسنان فحكومة تجب فيها وإن نبتت أقصر مما كانت فقسطها من الأرش يجب وإن يئس من نباتها وقته بأن سقطت سائر الأسنان وعادت ولم تعد المقلوعة وقال أهل الخبرة فسد منبتها فالقصاص واجب لأنه بان بالآخرة أنه أفسد المنبت فيقابل بمثله لكن لا يقتص في الحال في الصغير بل يؤخر حتى يبلغ فإن مات قبل البلوغ فإن كان قبل اليأس فلا قصاص لوارثه لعدم اليأس من نباتها وفي وجوب الأرش وجهان أصحهما كما سيأتي في الديات المنع وإن كان بعد اليأس اقتص وارثه في الحال أو أخذ الأرش
فرع لو قلع مثغور مثله أي سن مثله كما هو موجود في بعض النسخ اقتص منه وإن نبتت لأن نباتها نعمة جديدة إذ لم تجر العادة بنبات سن المثغور كاندمال موضحة وجائفة بأن التأمتا والتحمتا فيقتص فيهما لأن العادة فيهما الالتحام هذا تقرير كلامه وهو مسلم في الموضحة لا في الجائفة إذ لا قصاص فيها والمراد لا تسقط بذلك ديتها و مثل نبات لسان لأن عوده بعيد جدا فهو محض نعمة وقوله قطعت وصف للثلاثة قبله واللسان يذكر ويؤنث وفي قلع سن المثغور النابتة بعد قلعها القصاص فإن قلعها منه الجاني وقد اقتص منه وجب عليه الأرش للقلع الثاني لأن ما فيه القصاص وهو سن الجاني قد فات والتعليل من زيادته فإن كان أي الشأن قد أخذ أرشها للقلع الأول ولم يقتص منه اقتص منه الآن للقلع الثاني أم لم يؤخذ منه شيء ولم يقتص منه لزمته قصاص وأرش أو أرشان بلا قصاص أو قلع بالغ غير مثغور سن مثغور انتظره حال القالع أو أخذ الأرش أو اقتص منه ولا أرش له مع الاقتصاص كالشلاء أي كما في أخذها بالصحيحة وانقطع طلبه بذلك فلو عادت السن لم تقلع ثانيا وقضيته أنه ينقطع حقه بالاستيفاء وإن لم يشرط عليه أن لا حق له فيما يعود وهو ظاهر ما نقله الأصل عن ابن كج وخرج بالبالغ الصغير فلا قصاص عليه ويتعين الأرش أو قلع غير مثغور مثله أي سن مثله انتظر حاله فلا قصاص ولا دية في الحال لما مر فإن نبتت سن المجني عليه فلا قصاص ولا دية وإن لم تنبت وقد دخل وقت نباتها اقتص من القالع أو أخذ منه الأرش فإن اقتص ولم يعد سن الجاني فذاك فلو عادت قلعت ثانيا ليفسد منبتها كما فسد منبت المجني عليها لا يقال قياس ما مر في قلع غير المثغور سن المثغور أنها لا تقلع هنا ثانيا لأنا نقول القصاص ثم إنما توجه لسن مماثلة لسن المجني عليه وهي لم توجد بعد فلما لم يصبر إلى وجودها وقلع الموجودة غير المماثلة سقط حقه كما في الشلاء وهنا توجه إلى الموجودة لمماثلتها المقلوعة فإذا قلعها ولم يفسد منبتها قطع المعادة ليفسد منبتها كمنبت المجني عليها
فرع قال في الأنوار ولو ضرب سنة فزلزلها ثم سقطت وجب القصاص
فصل له قطع يد ناقصة أصبع أو أصبعين مثلا بكاملتها لأنها بعض حقه وله دية الأصبع في الأولى أو الأصبعين في الثانية لأنها قد قطعت منه ولم يستوف قصاصها ويخالف ما لو قطع من له يد شلاء يدا سليمة حيث لا يأخذ المجني عليه أرشا مع قطعها بل يقنع بها أو يأخذ دية اليد بلا قطع لأن نقص الصفة لا يقابل بمال بخلاف نقص الجرم بدليل أنه لو أتلف عليه الغاصب صاعا جيدا فأخذ عنه صاعا رديئا لا يأخذ معه الأرش بل يقنع به أو يأخذ بدل المغصوب جيدا ولو أتلف عليه صاعين ووجد له صاعا كان له أخذه وطلب البدل للآخر وله في مسألتنا أن يأخذ دية اليد ولا يقطع
ولو قطع شخص وله أصبع أصبعين من آخر قطع الأصبع الموجود وأخذ أرش المفقود فإن قطع كامل أصابعه ناقصة أصبع من آخر فله قطع مثل أصابعه المقطوعة مع أخذ حكومة كل الكف أو دية الموجود من الأصابع وحكومة خمس الكف دون حكومة منابت الأربع لأنها من جنس الدية دون القصاص
31
31
فدخلت فيها دونه ولأن الدية بدل حكمي فجاز أن يجعل بدلا عن الكل والقصاص استيفاء المثل حسا فلا يمكن أن يجعل الأصابع وحدها في مقابلة الأصابع ومنابتها مع التفاوت المحسوس بين الجملتين وما ذكره يجري فيما لو كانت يد الجاني زائدة أصبع ويد المجني عليه معتدلة ذكره الأصل وتقطع فاقدة الأصابع بمثلها للمساواة وبكاملة مع دية الأصابع هذا معلوم من أول الفصل وإن قطع أشل أصبعين مثلا يدا سليمة وقنع صاحبها بقطع الشلاء اقتصر بخلاف ما لو طلب مع قطعها دية الشلاوين كما لو عم الشلل اليد بل أولى وإلا بأن لم يقنع بها لقط الثلاث السليمة للمساواة مع حكومة منابتهن وأخذ دية أصبعين لتعذر الوصول إلى تمام حقه ودخل في دية الأصبعين حكومة منبتها أو بالعكس بأن قطع سليم أشل أصبعين فله لقط مثل الثلاث السليمة وحكومة الشلاوين مع حكومة كل الكف وإنما لم يستتبع حكومة الشلاوين حكومة منبتها لأن الحكومة ضعيفة غير مقدرة فلا يليق بها الاستتباع بخلاف الدية والتصريح بترجيح عدم الاستتباع لها من زيادته فإن قطع شخص كفا من آخر ذات أصبع فقط خطأ فعليه دية الأصبع وحكومة منابت الأربع للباقية وإنما لم يجب حكومة منبت الأصبع لاندراجها في ديتها
فرع لو قصرت أصابع إحدى يديه وكفها عن يده الأخرى فلا يقتص فيها من تامة جنى عليه صاحبها لأنها ناقصة بل فيها دية تنقص حكومة وعدم إيجاب القصاص فيها هو ما نقله الأصل عن البغوي قال الأذرعي وهو فيما إذا كانت تامة الخلقة مشكل وإن كانت أختها أتم منها وذكر الزركشي نحوه فقال سكت الشيخان عليه وقضيته أنه المرجح وليس كذلك بل قضية كلام الشافعي والأصحاب أنها إذا كانت تامة الأنامل والبطش يجب فيها القصاص
انتهى
فكلام البغوي محمول على غير ذلك
فصل سبق أنه تقطع زائدة بمثلها إذا اتحد المحل فإذا قطع من له أصبع زائدة زائدة مثلها من آخر اقتص بها إذا اتحد المحل وكذا يقتص بالكف الزائدة إن قطعها صاحبها من آخر واتحد المحل فإن قطع معتدل يده يد ذي أصبع زائدة قطع بها و يؤخذ للزائدة حكومة سواء كانت معلومة بعينها أو لا وله أن يأخذ دية اليد وحكومة الزائدة كما صرح به الأصل لا عكسه بأن قطع من له يد بها أصبع زائدة يد معتدل فلا تقطع بها لأنها فوق حقه بل يلتقط الخمس الأصليات وله حكومة الكف وإن كانت الزائدة بجنب أصلية بحيث لو قطعت سقطت الزائدة لم تقطع الأصلية بل يأخذ مع قطع الأربع دية الخامسة أو كانت نابتة على أصبع أخذ من أناملها مع الأربع الممكن من الأصبع بدون أخذ النابت وأرش الباقي فلو كانت نابتة على أنملة وسطى قطعت الأنملة العليا مع الأربع وأخذ ثلثا دية الأصبع وإن كانت السادسة أصلية بأن انقسمت القوة في الست على ستة أجزاء متساوية في القوة والعمل بدلا عن القسمة على خمسة أجزاء وأخبر أهل البصر بأنها أصلية فله أي للمجني عليه لقط خمس منها متوالية من أي جهة شاء قال في الأصل وهو قريب إن لم تكن الست على تقطيع الخمس المعهودة وهيئتها وإلا فصورة الإبهام منها تباين صورة باقيها فإن كانت المشبهة للإبهام على طرف فينبغي أن يلقط من جانبه وإن وقعت ثانية والتي تليها على الطرف كالملحقة بها فينبغي أن يلقط من الجانب الآخر مع أخذ سدس دية يد لأنه قطع يدا كاملة ولم يقطع منه إلا خمسة أسداس يد فيبقى سدس دية اليد و لكن يحط منه شيء بالاجتهاد من الحاكم لأن الخمس الملقوطة وإن كانت خمسة أسداس يد الجاني فهي في الصورة كالخمس المعتدلة وله أيضا حكومة خمسة أسداس الكف التي تقابل الخمس الملقوطة
ولو قطع المقطوع الست عزر لتعديه بالقطع ولا شيء عليه نقله الأصل عن البغوي ثم قال ولا يبعد لزوم شيء لزيادة الصورة قال الرافعي وهو قدر ما حط من سدس الدية فيما مر وما بحثه جزم به الصيدلاني والقاضي وغيرهما قال الإسنوي وغيره وهو القياس الواضح فتعين العمل به وإن كانت إحداهن أي الست زائدة والتبست بالأصلية فلا
32
32
قصاص في شيء منها لئلا يقطع زائد بأصل مع اختلاف المحل فإن بادر وقطع خمسا عزر ولا شيء عليه لاحتمال أصالة المقطوعات ولا له وإن احتمل أن تكون الزائدة فيما استوفى لأنه تعدى بما فعل والاحتمالان قائمان فلا شيء له كما لا شيء عليه أو قطع الكل فعليه للزائدة حكومة فإن شك في زيادتها أي إحدى الست بأن قال أهل البصر لا ندري أكلها أصليات أو خمس فلا حكومة كما لا قصاص وعبارة الأصل فلا قصاص أيضا ولو قطع جميعها أو خمسا منها عزر ولا شيء له ولا عليه لأنه إن قطع الكل احتمل أنهن أصليات وإن قطع خمسا احتمل أن الباقية زائدة
انتهى ويأتي فيه البحث السابق
ولو قطع ذو الست أصبع معتدل قطعت أصبعه المماثلة للمقطوعة وأخذ منه ما بين خمس دية اليد وسدسها وهو بعير وثلثان لأن خمسها عشرة وسدسها ثمانية وثلث والتفاوت بينهما ما قلنا قال في الأصل وقياس ما مر حط شيء من قدر التفاوت قال الرافعي لأن المستوفى سدس في صورة خمس وما بحثه جزم به القاضي والإمام وغيرهما ولو قطع معتدل يده ذات الست الأصلية قطع يده وأخذ منه شيء للزيادة المشاهدة أو قطع أصبعها منها فلا قصاص عليه لما فيه من استيفاء خمس بسدس بل يجب عليه سدس دية يد أو قطع أصبعين منها قطع صاحبها منه أصبعا وأخذ ما بين خمس دية وثلثها وهو ستة أبعرة وثلثان ولو قطع ثلاثا منها قطع منه أصبعان وأخذ ما بين نصف دية اليد وخمسيها وهو خمسة أبعرة ولو بادر ذو الست وقطع بأصبعه المقطوعة أصبعا من أصابع المعتدل قال الإمام فهو كقطع صحيحة بشلاء ذكر ذلك الأصل
فصل تقطع أصبع ذات أربع أنامل أصلية بمعتدلة إذ لا تفاوت بين الجملتين وهذا ما صححه الإمام وجزم به القاضي والمتولي والروياني والغزالي في وسيطه والبغوي في تعليقه وقال فيه بخلاف من له ست أصابع لا تقطع بمن له خمس لوجود الزيادة في منفصلات العدد وصحح في تهذيبه أنها لا تقطع بها بل تقطع ثلاث أنامل ويأخذ التفاوت وبه جزم الغزالي في وجيزه والترجيح من زيادة المصنف
وكذا تقطع أنملتها بأنملة المعتدل مع أخذ زيادة ما بين الثلث والربع من دية أصبع وهو خمسة أسداس بعير لأن أنملة المعتدل ثلث أصبع وأنملة القاطع ربع أصبع ولا حاجة لقوله من زيادته زيادة
ولو قطع أنملتين قطع منه أنملتان مع أخذ ما بين نصف دية الأصبع وثلثها وهو بعير وثلثان صرح به الأصل وقياس ما مر كما أشار إليه الرافعي حط شيء من التفاوت فيما ذكر وقد يفرق بما مر آنفا عن تعليق البغوي
وإن قطعها المعتدل فلا قصاص ولزمه ربع دية أصبع أو قطع منه المعتدل أنملتين قطع منه أنملة وأخذ منه ما بين ثلث ديتها ونصفه أي أرشها وكان الأولى ونصفها وما بينهما بعير وثلثان ولو قطع منه ثلاث أنامل قطع منه أنملتان مع أخذ خمسة أسداس بعير ولو قطع الأصبع بتمامها قطعت أصبعه ولم يلزمه شيء آخر كذا ذكره الإمام والروياني صرح بذلك الأصل
وإن كانت الأنملة العليا زائدة لم تقطع هي ولا أصبعها بمعتدلة للزيادة بل تجب ديتها وذكر حكم هذه الأنملة من زيادته وإن قطع المعتدل أصبعها أي أصبع الأنملة الزائدة قطعت أصبعه ولزمه حكومة للزيادة ولو قالوا لا ندري أكلها أصليات أو ثلاث فالقياس أن لا حكومة أو قطع أنملة منها فحكومة تلزمه فلا قصاص عليه لأن الأصلية لا تؤخذ بالزائدة أو قطع منه ثنتين أو ثلاثا اقتص منه فيقطع منه في الأولى أنملة وفي الثانية أنملتان وللعليا حكومة ويقطع الطرف الأصلي من أنملة لها طرفان أصلي وزائد إن أمكن إفراده بالقطع عن الزائد بأنملة معتدل وعكسه أي ويقطع أنملة معتدل بالطرف الأصلي من الأنملة المذكورة وهذا من زيادته
فإن كانتا أصليتين أنثهما باعتبار أنهما أنملتان وإن كان الأنسب بتعبيره بالطرفين تذكيرهما كما فعل بعد وعبارة الأصل وإن كانا عاملين ولكل منهما مفصل قطع إحداهما فقط بأنملة المعتدل مع أخذ نصف الأرش و يحط منه شيء لأن المقطوع نصف في صورة الكل والتصريح بالتقييد بأن لكل منهما مفصلا من زيادته ولا يعطى شيئا مع قطعه إحداهما إن كانت الأخرى زائدة لأن ما قطعها
33
33
تامة في نفسها فإن قطعهما معا عزر للتعدي ولزمه حكومة وقوله ولا يعطى إلى آخره من زيادته وإن قطع معتدل أحدهما أي أحد الطرفين لم تقطع أنملته أو قطع كليهما قطعت أنملته مع أخذ زيادة شيء لزيادة الخلقة وقوله زيادة زائد هذا كله إن نبتا على رأس الأنملة الوسطى فلو تشعبا من عظم عليها ولا مفصل بين العظم وبينهما فلا قصاص وإن كان لكل طرف مفصل فالعظم الحائل أنملة من أربع أنامل والعليا منهما ذات طرفين والكفان في الساعد والقدمان في الساق كالأنملتين على رأس الأصبع فيما ذكر ولو خلقت أصبع تامة أي تناسب سائر الأصابع في الطول بأنملتين فتامة هي لكنها ذات قسمين كما لو كان لها أربع أنامل كانت أصبعا ذات أربعة أقسام وقيل ليست أصبعا تامة وإنما هي أنملتان لأن طول الأنامل لا يقتضي مزيدا بدليل أن ذات الأنامل لو طالت أناملها لم تزد لها حكومة بالطول ولم يكن الطول كأنملة زائدة أو خلقت بلا مفصل فناقصة فيها دية تنقص شيئا لأن الانثناء إذا زال سقط معظم منافع الأصبع وقد ينجر هذا إلى أن لا تقطع أصبع السليم بها
وإن قطع السليم أي سليم اليد وسطى فاقد الأنملة العليا فلا قصاص ما لم يفقد العليا فإذا فقدها بآفة أو جناية اقتص منه لأن المنع كان لاتصال محل الجناية بغيره فإذا زال اقتص كالحامل إذا وضعت الحمل ومثله لو قطع السليم كفا لا أصبع لها كما صرح به الأصل ولا أرش أي وليس له طلب الأرش للحيلولة ما لم يعف عن القصاص ولو كانت العليا مستحقة القطع قصاصا أما طلبه للفيصولة فجائز وله أخذه حينئذ بعد العفو كما سيأتي قال الرافعي قال الأئمة إن أخذ الدية عفو فإن قطع السليم مع قطعه وسطى من ذكر عليا آخر اقتص منه أولا صاحب العليا وإن كان قطعه متأخرا ثم صاحب الوسطى ولهما أن يقتصا معا التصريح بهذا من زيادته ولهما أن يكتفيا بقطع الوسطى معا بأن يضعا الحديدة على مفصلها ويستوفيا الأنملتين بقطعة واحدة وقد هونا الأمر عليه
فإن بادر الأول في الذكر وهو مقطوع الوسطى وقطعهما أثم لتعديه وعليه أرش العليا وإن قطع أنملتي رجل من أصبع ثم أنملة آخر من مثلها سليمين أي الرجل والآخر اقتص منه ذو الأنملتين لسبق حقه وللآخر الأرش أو عكسه بأن قطع أنملة رجل ثم أنملة آخر سليمين فبالعكس أي يقتص منه ذو الأنملة وللآخر الأرش أي أرش أنملتيه بعد العفو أو يأخذ الآخر الوسطى وأرش العليا فإن بادر الآخر وهو ذو الأنملتين وقطعهما فقد استوفى حقه وللآخر وهو ذو الأنملة الأرش لها على الجاني
الفصل الرابع في وقت القصاص بالجروح أي فيها ويستحب القصاص فيها بعد الاندمال لاحتمال العفو ويجوز قبله لأن القصاص فيها ثابت وإن سرى إلى النفس أو شاركه غيره في الجرح لا المطالبة بالأرش فلا تجوز قبل ذلك لأن الأرش غير مستقر فقد تعود الديات في ذلك إلى واحد بالسراية إلى النفس وقد يشاركه جماعة فيقل واجبه
باب اختلاف الجاني ومستحق الدم
إذا قد ملفوفا في ثوب أو هدم عليه بيتا وادعى أنه كان حين القد أو الهدم ميتا وادعى الولي أنه كان حيا حلف الولي وإن كان ملفوفا على هيئة التكفين لأن الأصل بقاء الحياة فأشبه ما لو قتل من عهده مسلما وادعى ردته نعم إن لم يتحقق حياته كسقط فينبغي أن يقطع بتصديق الجاني لأن الأصل براءة الذمة ولم يعارضه أصل آخر قاله البلقيني وإذا حلف الولي فيحلف يمينا واحدة بخلاف نظيره في القسامة يحلف خمسين يمينا لأن الحلف ثم على القتل وهنا على حياة المجني عليه
وخالف البلقيني فرجح أنه يحلف هنا خمسين أيضا بناء على ترجيح تصديق الولي لكنه نازع فيه وقال إنه مخالف لنصوص الشافعي وجمع
ورجح تصديق الجاني ومال إليه الأذرعي واستحق الدية لا القصاص كما صرح به في الروضة لأنه يدرأ بالشبهة وللولي أن يقيم بينة بحياته أيضا ولمن رآه يلتف في الثوب أو يدخل البيت الشهادة بحياته وإن لم يتيقنها حالة
34
34
القد والانهدام استصحابا لما كان ولا تقبل شهادته بالالتفاف أي بأنه رآه يلتف في الثوب أو يدخل البيت وإذا ادعى الجاني رقه أي رق مقتوله وأنكر الولي أو ادعى قاطع الطرف نقصه بشلل أو فقد أصبع أو خرس أو عمى أو نحوهما وهو غير ظاهر أي والطرف باطن كالذكر وأنكر المجني عليه صدق بيمينه الولي في الأولى لأن الغالب والظاهر الحرية ولهذا حكمنا بحرية اللقيط المجهول والمجني عليه في الثانية وإن كان ظاهرا كاليد فلا يصدق المجني عليه إلا ببينة ويصدق الجاني بيمينه إن أنكر أصل السلامة وذلك لعسر إقامة البينة في الباطن دون الظاهر والأصل استمراره على سلامة وإن اعترف بأصلها صدق المجني عليه
قال في الأصل والمراد بالباطن ما يعتاد ستره مروءة وقيل ما يجب وهو العورة وبالظاهر ما سواه وإذا صدق المجني عليه وجب القصاص كما صرح به الماوردي ونقله ابن الرفعة عن قضية كلام البندنيجي والأصحاب ثم استشكله بما مر في الملفوف ويفرق بأن الجاني ثم لم يعترف ببدل أصلا بخلافه هنا
وتكفي الشهادة فيما ذكر إن كان سليما وإن لم يتعرض لوقت الجناية وله الشهادة بسلامة اليد والذكر برؤية الانقباض والانبساط وبسلامة البصر بالتوقي وطول التأمل أي برؤية توقيه المهالك وإطالة تأمله لما يراه بخلاف تأمله اليسير لأنه قد يوجد من الأعمى
ولو قطع يديه ورجليه ثم مات وادعى السراية أي موته بها والولي الاندمال أي موته بعده بها وأمكن الاندمال قبل الموت بأن طال الزمن حلف الولي لأن الأصل عدم السراية ولموافقته الظاهر فتجب ديتان فإن لم يمكن بأن قصر الزمن كيوم أو يومين صدق الجاني بلا يمين صرح به الأصل وكذا يحلف الولي إن قال مات بسبب آخر وقال الجاني بل بالسراية أو قتلته أنا قبل الاندمال لأن الأصل بقاء الديتين بالجنايتين هذا إن عينه الولي كأن قال قتل نفسه أو قتله آخر وإلا أي وإن لم يعينه حلف الجاني أنه مات بالسراية أو بقتله إن لم يمكن الاندمال في دعوى السراية فإن أمكن حلف الولي أنه مات بسبب آخر وذكر حلف الجاني من زيادته وهو ظاهر في دعوى قتله أما في دعوى السراية فالظاهر أنه لا يحلف كنظيره في المسألة السابقة وإن قال الولي قتلته أنت بعد الاندمال فعليك ثلاث ديات وقال الجاني بل قبل الاندمال فعلي دية وأمكن الاندمال حلفا أي حلف كل منهما على ما ادعاه وسقطت الثالثة بحلف الجاني فحلفه أفاد سقوطها وحلف الولي أفاد دفع النقص عن ديتين فلا يوجب زيادة فإن لم يمكن الاندمال حلف الجاني عملا بالظاهر
وكذا الحكم في رافع حاجز موضحتيه بأن قال رفعته قبل الاندمال فعلي أرش واحد وقال المجني عليه بل بعده فعليك أرش ثلاث موضحات وأمكن الاندمال حلف كل منهما على ما ادعاه وسقط الثالث عملا بالظاهر وإن لم يمكن الاندمال حلف الجاني لذلك فإن قال المجروح أنا رفعته أو رفعه آخر وقال الجارح بل رفعته أنا أو ارتفع بالسراية صدق المجروح بيمينه لأن الموضحتين يوجبان أرشين فالظاهر ثبوتهما واستمرارهما
فإن قال الجاني لم أوضح إلا واحدة وقال المجروح بل أوضحت موضحتين وأنا رفعت الحاجز بينهما صدق الجاني بيمينه لأن الأصل براءة الذمة ولم يوجد ما يقتضي وجود الزيادة ولو قطع يده ثم مات فقال الولي مات بالسراية فعليك القتل أو الدية وقال الجاني بل بعد الاندمال فعلي قطع اليد أو نصف الدية وأمكن الاندمال صدق بيمينه لأن الأصل براءة الذمة ولم يثبت ما يوجب تمام الدية بخلاف قطع اليدين والرجلين الموجب لديتين وبخلاف ما لو قال الجاني بل مات بسبب آخر لأن الأصل عدم السبب أما إذا لم يمكن الاندمال فيصدق الولي وقياس ما مر من تصديق الجاني بلا يمين في صورة قطع اليدين أن تصديق الولي هنا كذلك فإن قامت بينة للولي أنه أي المجروح لم يزل متألما من الجراحة حتى مات صدق الولي بيمينه لأن جانبه قد قوي بالبينة أو قال الجاني مات بسبب آخر فعلي نصف دية وقال
35
35
الولي بل مات بالسراية فعليك دية حلف الولي سواء عين الجاني السبب أم أبهمه لأن الأصل عدم وجوب سبب آخر وقدم هذا الأصل على أصل براءة الذمة لتحقق الجناية واستشكل ذلك بتصديق الولي في عكسه وهو ما لو قطع يديه ورجليه فمات وادعى أنه مات بالسراية وادعى الولي أنه مات بسبب آخر بشرطه السابق مع أن الأصل عدم وجود سبب آخر
وأجيب بأنه إنما صدق الولي ثم مع ما ذكر لأن الجاني قد اشتغلت ذمته ظاهرا بديتين ولم يتحقق وجود المسقط لإحداهما وهو السراية بإمكان الإحالة على السبب الذي ادعاه الولي فدعواه قد اعتضدت بالأصل وهو شغل ذمة الجاني وإن عاد الجاني بعد قطع يده فقتله وادعى عدم الاندمال أي أنه قتله قبل اندماله حتى يلزمه ديته وادعى الولي أنه قتله بعده حتى يلزمه دية ونصف حلف الجاني لأن الأصل عدم الاندمال
ويصدق منكر إمكان الاندمال فلو قال الولي في قطع اليدين والرجلين مضت مدة يمكن الاندمال فيها وقال الجاني لم تمض صدق الجاني بيمينه لأن الأصل عدم المدة ولو قال الجاني في قطع اليد مضت مدة يمكن الاندمال فيها وقال الولي لم تمض صدق الولي بيمينه لذلك و يصدق منكر وجود العضو بيمينه كأن ادعى أنه قطع ذكره وأنثييه وقال لم أقطع إلا أحدهما لأن الأصل عدمه بخلاف ما لو قطع كفه واختلفا في نقص أصبع منها لأنها بعض ما جنى عليه والقول قول المجروح أن التآكل من الجرح لا من الدواء فلو قطع أصبعه فداوى جرحه وسقطت الكف فقال الجارح تآكل بالدواء وقال المجروح بل بسبب الجرح صدق المجروح بيمينه عملا بالظاهر إلا إن قال أهل الخبرة أنه يتآكل به أي بالدواء بأن قالوا إنه يأكل اللحم الحي أو الميت والحي فيصدق الجارح بيمينه فشمل المستثنى منه ما لو قالوا لا يأكل الحي ما إذا اشتبه الحال
باب استيفاء القصاص وهو موروث كالمال فيرثه ورثة القتيل وإن ورثوا بسبب كالزوجين لأنه حق موروث فكان كالمال الموروث وإذا عدم الوارث الخاص اقتص الإمام من القاتل ويحبس الجاني وجوبا لصبي فيهم أي في الورثة حتى يبلغ ومجنون حتى يفيق وكذا الغائب حتى يحضر أو يأذن ولا يحتاج الحاكم في حبسه بعد ثبوت القتل عنده إلى إذن الولي والغائب كما قاله الروياني وغيره ولو كان القصاص في طرف ضبطا لحق المجني عليه فليس للولي ولا للحاكم استيفاؤه عنهم لأنه إنما شرع للتشفي فلا يفوت عليهم نعم قاطع الطريق أمره إلى الإمام والتصريح بترجيح أنه يحبس في قطع الطرف من زيادته وعلم بقوله يحبس أنه لا يخلى بكفيل فقد يهرب فيفوت الحق ولا يستوفي القتل إن كان لجماعة إلا واحد منهم أو من غيرهم بتراض أو قرعة أي أو واحد منهم بقرعة بعدها إذن فمن خرجت قرعته لا يتولاه إلا بإذن الباقين وفارق
36
36
نظيره في التزويج بأن مبنى القصاص على الدرء ويجوز لجميع المستحقين ولبعضهم تأخيره كإسقاطه والنكاح لا يجوز تأخيره وليس لهم أن يجتمعوا على مباشرة استيفائه لأن فيه زيادة تعذيب للجاني ويؤخذ من العلة أن لهم ذلك إن كان القصاص نحو إغراق أو تحريق وبه صرح البلقيني ولا يدخل في القرعة عاجز عن الاستيفاء كشيخ أو امرأة لأن القرعة للاستيفاء فتختص بأهله ووقع في المنهاج كأصله تصحيح دخوله فيها وأنه ينيب إذا خرجت له لأنه صاحب حق كالقادر و على الأول لو خرجت لقوي فعجز قبل الاستيفاء أعيدت للباقين فإن خلف القتيل امرأة لا تستغرق كبنت أو جدة استوفاه السلطان معها كالمال وقياس توريث ذوي الأرحام في غير القصاص أن يقال به فيه أيضا
فصل لو قتل الجاني أجنبيا فقصاصه لورثته لا لمستحق القصاص عليه لأن القصاص للتشفي وورثته هم المحتاجون إليه وكذا لهم ديته الواجبة بعفوهم عليها أو بغيره وإن قتله أحد ورثة المقتول مبادرة بلا إذن ولا عفو من البقية أو بعضهم ولو مع علمه بالتحريم سقط عنه يعني لم يلزمه القصاص إن لم يحكم حاكم بمنعه من القتل للشبهة من حيث إن له حقا في قتله كما لا حد عليه في وطء الأمة المشتركة بينه وبين غيره وقيل لشبهة اختلاف العلماء في أن لكل من الورثة الانفراد بقتله ولزمه لورثة الجاني ما زاد من ديته عن نصيبه من الدية أي دية مورثه بخلاف غير الزائد لا يلزمه لأنه استوفاه بقتله الجاني كما قاله جماعات وقال ابن الرفعة إنه الحق أو يسقط عنه تقاصا بما له على تركة الجاني على ما جزم به الأصل فإذا جهل القاتل تحريم المبادرة فهل تحمله أي بدل القتل وهو الدية عاقلته لأن الجهل كالخطأ أو في ماله لقصده القتل قولان أوجههما الأول و أما حق ورثة المقتول الأول فهو في تركة قاتل أبيهم الأنسب قاتل مورثهم أو قاتله أي الأول أي في تركة الجاني لا في ذمة المبادر لأن المبادر فيما وراء حقه كالأجنبي
وفارق ما لو أودع غيره وديعة ومات عن ابنين فإتلافها أحدهما حيث يرجع الآخر بضمان نصيبه عليه لا على المودع بأن الوديعة غير مضمونة على المودع حتى لو تلفت بآفة لم يضمنها ولو أتلفها أجنبي غرمه المالك ونفس الجاني مضمونة حتى لو مات أو قتله أجنبي أخذت الدية من تركته وإن قتله بعد عفو أحدهم وعلم بعفوه لزمه القصاص وإن لم يحكم حاكم بسقوطه عن الجاني إذ لا حق له في القتل بعد العفو فكان كقتل من ظنه مرتدا وإلا أي وإن لم يعلم بعفوه فوجهان صوب الزركشي أنهما قولان وعبارة الرافعي وجهان أو قولان بناء على الخلاف في قتل من ظنه مرتدا فبان خلافه وقضيته ترجيح اللزوم وبه صرح المنهاج كأصله فإن اقتص منه للجاني فنصيبه من دية مورثه لورثته في تركة الجاني فإن عفا عنه وارث الجاني كما عفا عن الجاني بعض ورثة قتيله عمل بمقتضى العفوين من وجوب المال وعدمه
فصل لو قتل رجل جماعة أو قطع أطرافهم مرتبا فالقصاص عليه بالأول منهم وللباقين الديات وإن طلبوا الاشتراك في القصاص والديات لم يجابوا إليه ويحبس القاتل فيما لو كان ولي القتيل الأول صبيا أو مجنونا أو غائبا لبلوغ وليه وإفاقته وقدومه فإن عفا الأول أي وليه فلمن أي فالقصاص لولي من بعده لا إن أمهل ولي الأول بأن لم يعف ولم يقتص فليس لولي المتأخر قتل القاتل فإن قتله المتأخر عزر لارتكابه معصية لا حد فيها ولا كفارة و قد استوفى بذلك قصاصه المستحق له ثم لكل من الباقين دية فإن طالب ولي الثاني دون ولي الأول بالقصاص من القاتل فقتله به أي بالثاني الإمام ولم يبعث للأول ليعرف أهو طالب أم عاف كره تحريما ولا شيء عليه لأن لكلهم عليه حق القود ولو قتلهم معا أو أشكل السابق بأن لم يعلم أقتلهم دفعة أم مرتبا أو علم سبق ولم يعلم عين السابق فالتقدم بالقرعة بينهم واجب المراد ما في الأصل أن الإقراع بينهما واجب ليقدم به فينتظر لصبي ومجنون أي لكمالهما وغائب أي حضوره فيما إذا كان بعض
37
37
أولياء القتلى صبيا أو مجنونا أو غائبا و التقدم بالتراضي بلا قرعة جائز فإن بدا لهم الإقراع أقرع بينهم ويقبل إقراره أي القاتل لأحدهم بالسبق لقتل بعضهم لأنه أقر على نفسه بحق وللباقين تحليفه إن كذبوه واستشكله في المطلب بأنه لو نكل فالنكول مع يمين الخصم إن قلنا كالإقرار لم يسمع كما لو أقر صريحا بما يخالف ما أقر به أولا وإن قلنا كالبينة فكذلك لأنا لا نعديها لثالث على الصحيح ولو قتلهم كلهم أساءوا ووقع القتل موزعا عليهم ورجع كل منهم بالباقي له من الدية والتصريح بالإساءة من زيادته
وإن قتل جماعة جماعة قتلوا بالأول من القتلى إن قتلوهم مرتبا وإلا أقرع بينهم فمن خرجت قرعته قتلوا به وللباقين الديات في تركات القاتلين كالواحد أي كما لو كان القاتل واحدا والعبد فيما ذكر كالحر المعسر فإن قتل بالأول من القتلى فديات الباقين في ذمته يلقى الله بها وإن عفا ولي الأول بمال تعلق برقبته وللثاني قتله وإن بطل حق الأول لأن تعلق المال لا يمنع القصاص كجناية المرهون فإن عفا الثاني أيضا بمال شاركه فيتعلق المالان برقبته ولا يرجح بالتقديم كما لو أتلف أموالا لجماعة في أزمنة وهكذا إن عفا الثالث ومن بعده كان الحكم كذلك والتصريح بهذا من زيادته
ومن لزمه قتل وقطع قطع ثم قتل سواء أتقدم قتله أم قطعه ليجمع بين الحقين ومن قطع يمينا من شخص ثم أصبعها من آخر قطع منه يمينه وودى الأصبع أي أعطى ديته أو عكسه بأن قطع أصبع اليمين من شخص ثم اليمين من آخر قطعت أصبعه للأول و يجوز للآخر القطع لباقي اليمين مع أخذ الأرش للأصبع أو الدية لليمين وإن قطعهما معا أو أشكل الحال أقرع فمن خرجت له القرعة فكأنه السابق بالقطع
فصل من اقتص في نفس أو طرف بغير إذن الإمام عزر لافتياته عليه وتعديه إذ أمر الدماء خطر يحتاج إلى نظر واجتهاد فلا يستوفيها إلا بإذنه إلا السيد فيقيمه على رقيقه والمستحق المضطر فيقيمه على الجاني ليأكله والقاتل في الحرابة ذكره الماوردي والمنفرد بحيث لا يرى فقال ابن عبد السلام لا ينبغي أن يمنع منه لا سيما إذا عجز عن إثباته ويوافقه قول الماوردي أن من وجب له على شخص حد قذف أو تعزير وكان ببادية بعيدة عن السلطان له استيفاؤه إذا قدر عليه بنفسه وأجزأه في وقوعه قصاصا لأنه استوفى حقه ويؤمر العاجز عن الاستيفاء كشيخ وزمن وامرأة بالتوكيل في القتل لما في استيفائه له من التعذيب وكذا يؤمر القوي على الاستيفاء كالعاجز بالتوكيل في قطع الطرف فلا يستوفي بنفسه لأنه لا يؤمن أن يزيد في الإيلام بترديد الآلة فيسري بخلافه في النفس لأنها مضبوطة ولو حد المقذوف أو عزر من لزمه له الحد أو التعزير لنفسه بإذنه أو بغير إذنه أساء لتعديه والتصريح بالإساءة من زيادته
ولم يجزه لعدم تعلقه بمحل معين فلا ينضبط ولإمكان تداركه بخلاف القتل والقطع فيترك حتى يبرأ ثم يحد وقيل بجزئه كالقصاص والترجيح من زيادته فلو مات معه فالقود أو بدله واجب على المستوفي لا إن أذن له في ذلك وعلى الإمام أن يتفقد الآلة لئلا تكون كالة
38
38
إذ لا يجوز القتل بها إلا أن يكون قتل بها كما يأتي لما فيه من التعذيب المحرم ولخبر مسلم إذا قتلتم فأحسنوا القتلة والتصريح بوجوب التفقد من زيادته وهو قضية كلام الماوردي وغيره ويستحب له أن يشهد على الاستيفاء عدلين ليشهدا على المقتص إن أنكر ولا يحتاج إلى القضاء بعلمه إن كان الترافع إليه قال المتولي ويستحب أن يستوفي بحضرة الناس لينتشر الخبر فيحصل الزجر وأقل من يحضره عدلان
فإن قتله بكال ولم تكن الجناية بمثله أو قتله بشيء مسموم كذلك عزر لتعديه والولي إن تعمد غير الرقبة في اقتصاصه بضربها عزر لذلك ولم يعزل لأهليته وإن تعدى بفعله كما لو جرحه ثم رفعه إلى القاضي لا يمنع الاستيفاء وإن أخطأ وأمكن خطؤه عادة بأن أمره الإمام بضرب الرقبة فضرب كتفه أو رأسه مما يليها فعكسه أي فلا يعزر إذا حلف ويعزل لأن يشعر بعجزه فلا يؤمن أن يخطئ ثانيا ولا يعزل ماهر في ضرب الرقاب اتفق خطؤه فإن ادعى الخطأ فيما لا يمكن فيه كأن ضرب رجله أو وسطه فهو كتعمده لظهور كذبه وإن استوفى طرفا بمسموم فمات لزمه نصف الدية لأنه مات من مستحق وغيره في ماله لتعمده فعلم أنه لا قصاص عليه وبه صرح الأصل فإن كان السم موحيا فالقصاص واجب عليه
فرع ولينصب الإمام من يستوفي القصاص والحدود ورزقه من المصالح أي من خمس خمس الفيء والغنيمة المرصد للمصالح وإلا بأن لم يكن عنده من سهم المصالح شيء أو كان واحتاج إليه لأهم منه فالأجرة للمنصوب على الجاني والمحدود لأنها مؤنة حق لزمه أداؤه فلزمتهما كأجرة كيال المبيع على البائع ووزان الثمن على المشتري فلو قال الجاني أنا أقتص من نفسي ولا أؤدي الأجرة منع لأن المقصود التشفي وهو لا يتم بفعل الجاني ولأنه إذا مسته الحديدة فترت يده ولا يحصل الزهوق إلا بأن يعذب نفسه تعذيبا شديدا وهو ممنوع منه فإن أجيب لما قاله واقتص من نفسه فهل يجزئ عن القصاص وجهان أحدهما لا كما لو جلد نفسه في الزنا بإذن الإمام وفي القذف بإذن المقذوف كما يأتي وكما لو قبض المبيع من نفسه بإذن المشتري
والثاني نعم وصححه الأذرعي أخذا من كلام الإمام لحصول الزهوق وإزالة الطرف بخلاف الجلد فإنه قد لا يؤلم نفسه ويوهم الإيلام فلا يتحقق حصول المقصود وبخلاف قبض المبيع فإن المقصود إزالة يد البائع ولم تزل ولو أذن الإمام للسارق في قطع يده فقطع يده جاز ويجزئ عن الحد لأن الغرض منه التنكيل وهو يحصل بذلك ومن القصاص التشفي وهو لا يحصل بذلك فمنع الإجزاء على وجه كما مر
وما ذكره كأصله من الجواز ناقضه في أول الباب الثاني من أبواب الوكالة بخلاف الزاني والقاذف لا يجوز فيه ذلك ولا يجزئ لما مر
الطرف الثاني في وقت القصاص ويجب القصاص على من لزمه على الفور إن أمكن لأنه موجب الإتلاف فيتعجل كقيم المتلفات فيقتص في الحرم ولو في النفس أو مع الالتجاء إليه لأنه قتل لو وقع في الحرم لم يوجب ضمانا فلا يمنع منه كقتل الحية والعقرب وقوله تعالى ومن دخله كان آمنا محمول على غير الجاني لا في مسجد ومنه الكعبة و لا في ملك إنسان بل يخرج منهما من عليه الحق ويستوفى خارجهما للنهي عن إقامة الحدود في المساجد صيانة لها عن ذلك ولأنه يمتنع استعمال ملك الإنسان بغير إذنه مع أن التأخير المذكور يسير وظاهر كلامه كأصله أن الاستيفاء في المسجد حرام وهو كذلك إن خيف تلويث المسجد وإلا فمكروه كما صرح به المتولي وعلى هذا يحمل إطلاقه كأصله في باب أدب القضاء كراهة إقامة الحد في المسجد
ولا يؤخر القصاص لحر وبرد ومرض ولو كان القصاص في الأطراف قال في الأصل وكذا لا يؤخر لذلك الجلد في القذف بخلاف قطع السرقة والجلد في حدود الله تعالى لأن حقوقه تعالى مبنية على التخفيف وحقوق العباد على المضايقة هكذا قطع به البغوي والغزالي وغيرهما
وفي جمع الجوامع للروياني أنه نص في الأم على أنه يؤخر قصاص الطرف لذلك أيضا
انتهى
ولعله محمول على الندب
ويقطعها أي وللمجني عليه إن قطع الأطراف متوالية ولو فرقت من الجاني لأنها حقوق اجتمعت عليه
ويؤخر الاستيفاء
39
39
في القصاص ولو في الطرف من الحامل ولو من زنا للحمل أي لوضعه وإن كانت مرتدة ويؤخر الاستيفاء منها أيضا في سائر الحدود كحد القذف لما في ذلك من هلاك الجنين أو الخوف عليه من براءته وتحبس من بها حمل وعليها قصاص إلى وضعه وإرضاعه اللبأ ووجود مرضعة من امرأة أو بهيمة يحل شرب لبنها احتياطا للولد وإنما وجب التأخير إلى ما ذكر خوفا على الجنين لأنه ربما يهلك بالاستيفاء قبل وضعه كما مر ولأن الغالب أنه لا يعيش بدون اللبأ مع أنه تأخير يسير ولأنه إذا وجب التأخير لوضعه فوجوبه بعد وجوده وتيقن حياته أولى ويستحب صبر الولي بالاستيفاء بعد وجود مرضعات يتناوبنه أو لبن شاة أو نحوه حتى توجد امرأة راتبة مرضعة لئلا يفسد خلقه ونشؤه بالألبان المختلفة ولبن البهيمة وتجبر المرضعة بالأجرة فلو وجد مراضع وامتنعن أجبر الحاكم من يرى منهن بالأجرة وعطف على وجود مرضعة قوله أو وجود شاة تغنيه مع أنه لا حاجة إليه ولو قدمه على قوله ويستحب كان أولى
وعبارة الأصل يجب التأخير إلى أن توجد مرضعة أو ما يعيش به أو ترضعه هي حولين وتفطمه وظاهر أن محل الأخير إذا تضرر بفطمه قبل الحولين ولم يتضرر به عندهما
فلو بادر المستحق وقتلها بعد انفصال الولد قبل وجود ما يغنيه فمات لزمه القود فيه كما لو حبس رجلا ببيت ومنعه الطعام حتى مات ولا تحبس هي في حق الله تعالى كرجم بل تمهل حتى يتم للولد حولان ونجد بعدهما من يكفله لأن حق الله تعالى مبني على التخفيف ولو ادعت جانية حملا صدقت وإن لم تظهر مخايله ولم تشهد به القوابل لأن من أماراته ما يختص بالحامل وظاهر كلام غير الماوردي أنها تصدق بلا يمين قال في المهمات وهو المتجه لأن الحق لغيرها وهو الجنين ويصير المستحق إلى وقت الظهور للحمل لا إلى انقضاء مدته فإن التأخير أربع سنين من غير ثبت بعيد ومحل تصديقها إذا أمكن حملها عادة فلو كانت آيسة لم تصدق فإن بادر وقتلها حاملا ولم ينفصل حملها أو انفصل سالما ثم مات فلا ضمان عليه لأنه لا يعلم أنه مات بالجناية أو ميتا فغرة وكفارة فيه أو متألما فمات فدية وكفارة فيه لأن الظاهر أن تألمه وموته من موتها والدية والغرة على عاقلته لأن الجنين لا يباشر بالجناية ولا تتيقن حياته فيكون هلاكه خطأ أو شبه عمد بخلاف الكفارة فإنها في ماله وإن كان قتلها بأمر الإمام فالضمان عليه علما بالحمل أو جهلا لأن البحث عليه وهو الآمر به والمباشر كآلة له لصدور فعله عن رأيه وبحثه لا إن علم الولي دونه فالضمان على الولي لاجتماع العلم والمباشرة ولو علم الإمام دون الولي فالضمان على الإمام كما فهم من كلامه بالأولى ولو قتلها جلاد الإمام فكالولي في أنه يضمن إن علم دون الإمام
40
40
وقيل لا ويضمن الإمام إن علم دونه أو علما معا أو جهلا والترجيح فيما قاله من زيادته قوله لكن من ماله من تصرفه والوجه أنه على عاقلته كالولي لأن المأخذ السابق مشترك بينهما ولو علم الولي والجلاد والإمام بالحمل ضمنوا أثلاثا والقياس على ما مر من أن الضمان على الإمام فيما إذا علم هو والولي أنه على الإمام هنا أيضا كما ذكره الإسنوي وحيث ضمن الإمام الغرة ففي ماله إن علم بالحمل وإلا فعلى عاقلته وقوله كالروضة أنها في ماله إن علم سهو على عكس ما في الرافعي فإنه جزم بأنها على عاقلته ذكره الإسنوي ويشهد له المأخذ السابق والمراد بالعلم هنا ظن مؤكد بمخايله صرح به الأصل
فإن ماتت في الحد أو نحوه من العقوبة بألم الضرب فلا ضمان لأنها تلفت بحد أو عقوبة عليها أو ماتت بألم الولادة فالدية مضمونة أو بهما فنصفها واقتصاص الولي منها جاهلا برجوع الإمام عن إذنه له في قتلها كوكيل جهل العزل أي عزل موكله له أو عفوه عن القصاص وسيأتي بيانه
الطرف الثالث في المماثلة فللولي قتله بالسيف لأنه أسهل وأسرع قال البغوي وهو الأولى وبما قتل به رعاية للمماثلة ولآية فمن اعتدى عليكم ولآية وإن عاقبتم لا بالسحر لأن عمله حرام ولا ينضبط وكذا اللواط والوطء لطفلة في قبلها والخمر والبول لأنه قتل بفعل محرم في نفسه فكان كالقتل بالسحر ولو أوجر ماء نجسا أوجر ماء طاهرا ذكره الأصل وبما تقرر علم أنه لو قتله بمسموم اقتص منه بمثله وهو كذلك إذا لم يكن مهريا يمنع الغسل فإن قتله بجوع أو خنق أو ألقاه في ماء أو نار أو من شاهق أي مرتفع أو بمثقل كخشبة جوع مثل مدته وخنق وألقي فيما ذكر مثل فعله فيعتبر صلابة الموضع ويقتل بمثل المثقل و بمثل عدد ضرباته فلو أشكل معرفة قدر ما تحصل به المماثلة أخذ باليقين وإذا لم يمت في مثل تلك المدة والعدد فالأهون من السيف والزيادة من جنس فعله يفعل به
فرع لو علم عدم تأثير المثل فيه لقوته فالسيف فلو قتل نحيفا بضربات تقتل مثله غالبا وعلمنا أو ظننا أن الجاني لا يموت بها لقوة جثته تعين السيف فإن قتله بجرح ذي قصاص كقطع يده وكذا غيره كالجائفة جرحه مثله رعاية للمماثلة ثم حزه حالا للسراية أو انتظر بعد الجرح السراية لتكمل المماثلة ولا يكلف ذلك بل له حزه تسهيلا عليه ولا يلزمه إجابة الجاني لو قال في الشق الأول أمهلوني مدة بقاء المجني عليه بعد جنايتي أو قال في الثاني أريحوني بالقتل أو العفو ويمنع من إجافة و من كل ما لا يقتص به أي بسببه ككسر عضد وقصده أي والحالة أن قصده العفو لا الحز بعدها أي بعد الإجافة أو نحوها بل يعدل إلى الحز أما إذا قصد الحز بعد ذلك أو أطلق فله أن يفعل كفعل الجاني وإن لم يكن فيه لو لم يسر قصاص ووقع في المنهاج كأصله تصحيح أنه يلزمه العدول إلى الحز فإن فعل ذلك مع قصد العفو ثم عفا عنه بل أو لم يعف عنه عزر لتعديه ويقتص في إبانة العين بالأصبع بمثله لأن إبانتها به مضبوطة لا في إبانة طرف بمثقل أبين به إذ لا يمكن رعاية المماثلة به بل يعدل إلى السيف وإذا قطع السليم مرفق مقطوع كف اندمل قطعها ولم يندمل
41
41
قطع المرفق فمات سراية قطع مرفقه وقتل بعده ليرد الحديدة على موردها في الجناية ولا عبرة بزيادة الكف الهالكة بهلاك النفس فإن قطعه أي مرفقه وعفا عنه ولي المقطوع بمال فنصف دية تجب للعافي إلا أرش ساعد لأنه استوفى كفا وساعدا وصور الأصل المسألة بغير ما ذكر وحكم عليها بما يليق بالتصوير والكل صحيح
وإن مات مقطوع يد سراية وقد اقتص هو من الجاني فلوليه حز الجاني أو نصف دية إن عفا عن النفس بالبدل واليد المستوفاة مقابلة بالنصف فإن عفا والمقطوع منه يدان فلا شيء له لأنه استوفى ما يقابل الدية بقصاص اليدين ومحل ذلك عند التساوي دية كما يأتي في باب العفو عن القصاص
فلو قطع ذمي يد مسلم أو يديه فاقتص منه ومات المسلم سراية وعفا وليه عن النفس بالبدل فله في الأولى خمسة أسداس دية مسلم وفي الثانية ثلثاها ولو ماتا بعد الاقتصاص سراية معا أو سبق المقتص الجاني فقد استوفى حقه من الجاني بالقطع والسراية ولو سبقه الجاني والمقطوعة يد النصف الدية يجب له في تركة الجاني لأن القصاص لا يسبق الجناية لأنه يكون في معنى السلم في القصاص وهو ممتنع
قال في الأصل ولو كان ذلك في الموضحة وجب تسعة أعشار الدية ونصف عشرها وقد أخذ بقصاص الموضحة نصف العشر
فرع لو قتل شخص قاطع يده ومات بالسراية حصل التقاص هذا بخلاف ما ذكروه في الكتابة من أن التقاص إنما يجري في النقود وتقدم نظيره أوائل الباب مع أن التعبير بذلك من تصرفه وليته بعد أن عبر به عبر بالتقاص بالإدغام ولو عبر بالقصاص فسلم من ذلك ووافق قول الأصل صار قصاصا وإن اندمل القطع قتل قصاصا وله دية يده في تركة الجاني
فرع لو قطع يد رجل وقتل آخر ثم مات المقطوع بالسراية قطع الجاني بالمقطوع ثم قتل بالآخر وبقي للمقطوع نصف الدية في تركة الجاني وإنما قتل بالآخر دون المقطوع مع أنه مات أيضا بالسراية لأن القصاص للمقطوع وجب بالسراية وهي متأخرة عن وجوبه للمقتول فإن مات الجاني بسراية القطع فقد استوفى قاطعه حقه وللمقتول في تركته الدية
فصل التراضي من القاطع والمقطوع بقطع عضو عن آخر كقطع اليسار عن اليمين فاسد فيأثمان بذلك عند العلم بفساده لكن لا قصاص في اليسار لشبهة البدل ويضمن القاطع لها ديتها ويسقط قصاص اليمين إلى الدية بذلك لأن الرضا به عفو عن قطعها بخلاف الصلح الفاسد عن المال المدعى به لا يسقط به الحق لأن ما جعله عوضا هنا وهو قطع اليسار قد حصل وإن لم يقع بدلا في الحكم بخلاف عوض الصلح ويعزر كل من قاطع اليسار ومخرجها عند علمه بالتحريم وإن طلب المقتص يمينه فأخرج له يساره عالما أو غير عالم فيما يظهر أنها لا تجزئ عن اليمين بنية الإباحة لها أهدرت وأهدر إن مات سراية لأنه بذلها مجانا وإن لم يتلفظ بالإباحة لأنه وجد منه فعل الإخراج مقرونا بالنية فكان كالنطق وهذا كمن قال أعطني مالك لألقيه في البحر أو طعامك لآكله فناوله له وألقاه في البحر أو أكله لا ضمان عليه وليس عدم الدفع ولو من القادر إباحة فلو قطع يد غيره ظلما فلم يدفعه وسكت حتى قطعها وجب القصاص لأنه لم يوجد منه لفظ ولا فعل فصار كسكوته عن إتلاف ماله ولا يسقط بقطع اليسار مع نية الإباحة قصاص اليمين إلا إن مات المبيح أو قال القاطع لليسار ظننتها تجزئ عن اليمين أو علمت أنها لا تجزئ عنها لكن جعلتها عوضا عنها كما صرح به أصله فتجب ديتها فيهما لا دية اليسار لأنها وقعت هدرا وإنما سقط قصاص اليمنى في الأولى لتعذره بالموت وفي الثانية لرضا المقتص بسقوطه اكتفاء باليسار وعلى المبيح الكفارة إن مات سراية كقاتل نفسه وإنما لم تجب على المباشر لأن السراية حصلت بقطع يستحق مثله وبهذا فارق ما سيأتي في الطرف الثاني من الباب الآتي
42
42
فإن أخرج اليسار وقال ظننتها تجزئ عن اليمين فجعلتها بدلا عنها فلا قصاص في اليسار على القاطع لها مطلقا أي سواء قال ظننت أنه أباحها أو أنها اليمين أو علمت أنها اليسار وأنها لا تجزئ أم قطعتها عن اليمنى وظننت أنها تجزئ عنها لشبهة بذلها فإن قال قطعتها عوضا عن اليمين وعلمت أي أو علمت أنها لا تجزئ عنها أو ظننته أباحها وجبت الدية في اليسار لأن صاحبها لم يبذلها مجانا وهذا داخل في قوله بعد وحيث سقط في اليسار وجبت ديتها
فإن قال المخرج دهشت فظننتها اليمين أو ظننته قال أخرج يسارك فكذلك أي فتجب الدية في اليسار وهذا داخل فيما ذكر أيضا فكان الأولى أن يقول فلا قصاص إن قال القاطع ظننتها تجزئ عنها أو أنها اليمين وإنما لم يجب القصاص لأن هذا الاشتباه قريب فإن قال ظننته أباحها أو دهشت أيضا أو علمت أنها لا تجزئ عنها لزمه القصاص في اليسار أما في الأولى فكمن قتل رجلا وقال ظننت أنه أذن في قتله ويفارق عدم لزومه فيما لو ظن إباحتها مع قصد المخرج جعلها عن اليمين بأن جعلها عن اليمين تسليط بخلاف إخراجها دهشة أو ظنا منه أنه قال أخرج يسارك وأما في الثانية فلأن الدهشة لا تليق بحال القاطع وأما في الثالثة فلأنه لم يوجد من المخرج تسليط ثم في جميع هذه الصور لا يسقط قصاص اليمين إلا إن قال القاطع ظننتها تجزئ عن اليمين أو جعلتها عوضا عنها كما فهم بالأولى
وحيث سقط القصاص في اليسار بغير الإباحة وجبت ديتها وإن قال له الجاني خذ الدية عوضا عن اليمين فأخذها ولو ساكنا سقط القصاص وجعل الأخذ عفوا فإن كان المقتص منه مجنونا فكمن قال بعد إخراجه اليسار دهشت أو كان المستحق للقصاص مجنونا وقال للجاني أخرج يسارك أو يمينك فأخرجها له وقطعها أهدرت لأنه أتلفها بتسليطه ولأنه لا يصح استيفاؤه كما صرح به في قوله وإن لم يخرجها له وقطع يمينه لم يصح استيفاؤه لعدم أهليته له
ووجب لكل منهما على الآخر دية وتقاصا وفيه ما قدمته أول الفصل وحيث أوجبنا قصاص اليمين فوقته بعد اندمال اليسار لما في توالي القطعين من خطر الهلاك ويؤخذ من التعليل أن له التوالي فيما إذا كان الجاني مستحق القتل كالقتل في الحرابة وحيث أوجبنا دية اليسار في الصور المتقدمة فهي في ماله لا على عاقلته لأنه قطع متعمدا وكذا من قطع أنملتين بأنملة وادعى الخطأ كأن قال أخطأت وتوهمت أني أقطع أنملة واحدة تجب دية لأنملة الزائدة في ماله لا على عاقلته لأن إقراره لا يسري عليها وإن اعترف بتعمده قطعت منه الأنملة الزائدة ويصدق بيمينه في أنه أخطأ لأنه أعرف بفعله والقول قول المخرج يده فيما نوى فلو قال قصدت بالإخراج إيقاعها عن اليمين وقال القاطع بل قصدت الإباحة صدق المخرج بيمينه لأنه أعرف بقصده
باب العفو عن القصاص وهو مستحب لقوله تعالى فمن عفا وأصلح فأجره على الله ولما روى البيهقي وغيره عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ما رفع إليه قصاص قط إلا أمر فيه بالعفو ويسري العفو إن تبعض
43
43
فلو عفا بعض المستحقين سقط القصاص وإن كره الباقون لأنه لا يتجزأ أو تغليبا لجانب السقوط لحقن الدماء ولو عفا عن عضو من الجاني سقط القصاص كله كما أن تطليق بعض المرأة تطليق لكلها فإن وقت العفو تأبد كالطلاق وفيه طرفان أحدهما في حكم العفو وهو مبني على أن موجب العمد ماذا وقد بينه بقوله وموجب العمد بفتح الجيم القصاص فقط ولذا يتبدل عنه لا أحدهما مبهما وذلك لقوله تعالى كتب عليكم القصاص في القتلى وقوله صلى الله عليه وسلم في خبر الربيع كتاب الله القصاص وقوله من قتل عمدا فهو قود رواه الشافعي وأبو داود وغيرهما بأسانيد صحيحة ولأنه بدل متلف فتعين جنسه كالمتلفات المثلية وما ذكرته تبعا للأصل من أن الدية بدل عن القصاص لا ينافي قول الماوردي إنما هي بدل عن نفس المجني عليه بدليل أن المرأة لو قتلت رجلا لزمها دية رجل ولو كانت بدلا عن القصاص لزمها دية المرأة وذلك لأنها مع أنها عن القصاص بدل عن نفس المجني عليه لأن القصاص بدل عن نفس المجني عليه وبدل البدل بدل وإن عفا عنه على غير مال بأن قال عفوت عنه أو عفوت عنه بلا مال سقطت الدية يعني لم تجب إذ الواجب القصاص عينا كما مر والعفو إسقاط ثابت لا إثبات معدوم
فإن لم يكن العافي حائزا للميراث فللباقين حصتهم من الدية على الجاني وإن عفا عنه مطلقا بأن قال عفوت عنه واختارها أي الدية عقيب العفو وجبت وإن كره الجاني العفو تنزيلا لاختيارها حينئذ منزلة العفو عليها بخلاف ما إذا تراخى اختياره لها عن العفو فلا تجب والتصريح بقوله وإن كره الجاني من زيادته وكذا بقوله وإن عفا عنه على بعضها جاز كالعفو على كلها وبه صرح القاضي ولو صالح هو أو غيره على غيرها أي الدية أي غير جنسها أو على ديتين أو أكثر جاز إن قبل الجاني وإلا فلا كالخلع وإذا لم يجز فلا يسقط القصاص لأن العوض لم يحصل وليس كالصلح بعوض فاسد حيث يسقط القصاص فيه لأن الجاني ثم قد رضي والتزم فرجعنا إلى بدل الدم وقوله أو غيره ظاهره أنه صالح الجاني وليس بمستقيم بل المراد أنه صالح المستحق فيحتاج إلى تقييد جوازه بقبول المستحق فعلم أن قوله إن قبل الجاني قيد في الأولى خاصة
وللمفلس والمريض ووارث المديون وكذا السفيه القصاص و لهم العفو عنه بلا مال بناء على أن الواجب القصاص عينا وليس في العفو عنه تضييع مال لا العفو عن مال ثبت لأنهم ممنوعون من التبرع به
الطرف الثاني في صحيح العفو وفاسده وألفاظه
إذا قطعه بإذنه وهو رشيد فمات سراية فلا ضمان للإذن وتبع في تعبيره بالرشيد المنهاج قال الأذرعي وغيره وقضية التعبير به إخراج السفيه وليس كذلك فإن الحجر عليه في ماله لا في نفسه ولهذا له أن يعفو عن القصاص قطعا ولم يعبر الأصل والمحرر بالرشيد بل بمالك أمره والمراد به الحر البالغ العاقل وإن كان محجورا عليه وتجب عليه الكفارة لأنها تجب بالجناية على حق الله تعالى والإباحة لا تؤثر فيها ولو قطع يد رجل مثلا فعفا عن موجب قطعها فإن لم يسر القطع فلا ضمان لأن المستحق أسقط حقه بعد ثبوته وإن سرى إلى النفس لم يبرأ من السراية ولو قال مع عفوه عن ذلك و عفوت عما يحدث من القطع لأنه عفو عن الشيء قبل ثبوته لكن يسقط القصاص لأن السراية تولدت من معفو عنه فانتهضت شبهة لدرء القصاص ولأنه لا يمكن استيفاء النفس إلا باستيفاء الطرف وقد عفا عنه فمعنى قوله لم يبرأ من السراية أنه يلزمه نصف الدية وقوله من زيادته إن مات لا حاجة إليه فإن أوصى له بعد عفوه عن القصاص بدية اليد فوصية للقاتل وهي صحيحة فتصح الوصية فيما يحدث من القطع أيضا كأن قال أوصيت له بأرش القطع وأرش ما يحدث منه فتسقط دية كل من القطع والسراية إن خرجت من الثلث وإلا سقط منها قدر الثلث
وإن عفا عن عبد لزمه أي تعلق به قصاص له ثم مات سراية صح العفو لأن القصاص عليه أو تعلق به مال له بجناية وأطلق العفو أو أضافه إلى السيد فكذلك أي يصح العفو لأنه عفو عن حق لزم السيد في عين ماله أو إلى العبد لغا العفو لأن الحق ليس عليه فإن عفا المقطوع ثم مات سراية أو عفا الوارث في جناية الخطأ
44
44
عن الدية أو عن العاقلة أو مطلقا صح العفو لأنه تبرع صدر من أهله وذكر عفو الوارث عن الدية من زيادته أو عن الجاني فلا يصح العفو لا إن لزمته دونهم بأن الأولى كأن كان ذميا وعاقلته مسلمين أو حربيين فيصح العفو لمصادفته الجاني وعليه الدية بخلاف في المستثنى منه لأنه بمجرد وجوبها عليه تنتقل عنه فيصادفه العفو ولا شيء عليه هذا إذا ثبتت الجناية بالبينة أو باعتراف العاقلة فإن أنكرت العاقلة الجناية ولا بينة فهي أي الدية على القاتل لأنها إنما ثبتت باعترافه ويكون العفو تبرعا عليه
وإن جرحه جرحا لا قصاص فيه كالجائفة وكسر الذراع فعفا عن القصاص لغا العفو لعدم القصاص فإن مات المجروح منه أي من الجرح اقتص من الجارح لأن الجناية لم تتولد من المعفو عنه فإن عفا الولي أخذ الدية وكذا يقتص منه إن أخذ المجروح أرشه قبل موته لذلك وإن قطع يده مثلا فعفا عنه بمال ثم عاد القاطع فحزه قبل الاندمال لزمه القصاص في النفس لأن الزهوق لم يتولد من المعفو عنه ثم لو عفا الولي عن القصاص على باقي الدية استحق باقي الدية لا الكل والأطراف تدخل في الدية وإن لم تدخل في القصاص أو حزه بعد الاندمال لزمه القصاص في النفس ودية يد فإن عفا الولي عن القصاص على دية النفس استحقها ودية اليد
ولوارث القصاص العفو عنه لأنه خليفة مورثه فلو استحق واحد طرف إنسان ونفسه أي قصاصها بأن قطع طرفه ثم حز رقبته ولو قبل البرء فعفا وليه عن الطرف طالب بالنفس أو عن النفس طالب بالطرف لأنهما حقان ثبتا له فالعفو عن أحدهما لا يسقط الآخر كسائر الحقوق لا إن ذهبت أي النفس بسرايته أي قطع الطرف فلا يطالب العافي عنها بالطرف لأن مستحقه القتل والقطع طريقه وقد عفا عن المستحق فليس له التوصل إليه بخلاف ما لو عفا عن الطرف لا يسقط قصاص النفس كما شمله أول كلامه لأنه متمكن من العدول إلى حز الرقبة فربما قصده بالعفو ولأن له القطع ثم الحز ففي العفو عن القطع تسهيل الأمر عليه وإن استحقهما اثنان لم يسقط عفو أحدهما حق الآخر كأن قطعت يد عبد فأعتق ثم مات بسراية فقصاص النفس للورثة وقصاص اليد للسيد وإن استحق قتله شخص فقطعه بأن قطع طرفه عدوانا أو بحق بأن كان القتل بالقطع الساري مثلا وعفا بعد ذلك عن النفس لم يلزمه غرم لقطع الطرف لأنه قطع طرف من يباح له دمه فلا يضمنه كما لو قطع يد مرتد والعفو إنما يؤثر فيما بقي لا فيما استوفى هذا إذا لم يمت بالسراية فإن مات بها بان بطلان العفو لأن السبب وجد قبله وترتب عليه مقتضاه فلم يؤثر فيه العفو وفائدة بطلانه تظهر فيما لو عفا بمال فإنه لا يلزم
فإن رمى المستحق إلى الجاني فعفا عنه فأصاب صح العفو ووجب على العافي الدية لأنه محقون الدم عند الإصابة وما ذكره من ترتب صحة العفو على الإصابة عكس ما في الأصل من ترتبها على عدمها لكنه تبع في ذلك الإسنوي حيث قال تصحيح إيجاب الدية بعد الجزم ببطلان العفو غلط واضح فإنه إذا بطل العفو استحق العافي الدم فلا يضمن دية الجاني نعم حكى الغزالي في بسيطه وجها أن عفوه صحيح مع الإصابة ويلزمه ضمانه بناء على أن الاعتبار بحالة الإصابة وحينئذ يستقيم بناء ذلك عليه وكلام الإمام يشير إليه وكلام القاضي صريح فيه
انتهى
ويجاب عن الإشكال بأن بطلان العفو إنما هو بالنظر إلى البدل فلا يستحقه العافي
فإن قطع ذمي مسلما فاقتص منه أو ذميا فأسلم بعدما اقتص من قاطعه ثم مات المقطوع بالسراية وجب القصاص في النفس ولو عفا عنه على مال فعلى الذمي القاطع خمسة أسداس الدية أي دية مسلم ويسقط سدسها باليد التي استوفيت لأنها نصف جملة الذمي التي هي ثلث جملة المسلم بالنظر إلى الدية وعلى المرأة فيما لو قطعت يد رجل فاقتص منها ثم مات بالسراية فعفا الولي على مال ثلاثة أرباعها أي الدية لأنه استوفى ما يقابل ربعها فإن كان القصاص في قطع اليدين لكون الذمي أو المرأة قطع يدي من ذكر لزمه أي الذمي ثلثا دية أي دية مسلم لأن المستحق استوفى ما يقابل ثلثها ولزمها أي المرأة نصفها أي نصف دية مسلم لأن المستحق استوفى ما يقابل
45
45
نصفها
ولو قطع عبد يد حر فاقتص منه ثم عتق فمات الحر بالسراية سقط من ديته نصف قيمة العبد ولزم السيد الأقل من القيمة وباقي الدية إذ عتقه اختيار للفداء وقيل يسقط نصف الدية ويلزم السيد الأقل من القيمة ونصف الدية والترجيح من زيادته وإن اقتص الوكيل بعد عفو الموكل أو عزله إياه عالما بذلك اقتص منه كما لو قتله غيره أو جاهلا به فلا يقتص منه لعذره ولا من موكله لأنه محسن بالعفو وفارق ذلك ما لو قتل من عهده مرتدا أو حربيا وقلنا بوجوب القود فيه فبان خلافه بأن القتل ثم يقصر لأن المرتد لا يخلى بل يحبس والحربي لا يجترئ على دخول دارنا بلا أمان ولا يخلو من علامة فكان حقه التثبت والوكيل معذور هنا
والقول قوله بيمينه في أنه لم يعلم ذلك لأن الأصل عدم العلم فإن نكل حلف المستحق واستحق القصاص وذكر مسألة العزل من زيادته وتلزمه الدية إن علم أن قصاصه وقع بعد العفو أو العزل لأنه بان أنه قتله بغير حق ولأنه لو علم ذلك وقتله اقتص منه فإذا جهله لزمته الدية كما لو قتل من عهده مرتدا فبان خلافه مغلظة وحالة في ماله لأنه متعمد وإنما سقط عنه القصاص لشبهة الإذن وقيده الماوردي بأن يكون على مسافة يمكن إعلام الوكيل بالعفو فيها فلو كان على مسافة عشرة أيام وعفا الوكيل قبل القصاص بخمسة أيام كان عفوه باطلا وذكر ابن أبي عصرون نحوه قال البلقيني وقضيته أنه لا يجب على الوكيل الدية قطعا وتعليلهم قد يرشد إليه
انتهى
وحيث وجبت الدية على الوكيل فهي لورثة الجاني لا للموكل كما لو قتله غيره ولسقوط حق الموكل قبل القتل ولا رجوع للوكيل بالدية على الموكل لأنه محسن بالعفو ما على المحسنين من سبيل قال البلقيني إلا أن ينسب الموكل إلى تقصير في الإعلام فالأرجح أن الوكيل يرجع عليه لأنه لم ينتفع بشيء بخلاف الزوج المغرور لا يرجع بالمهر على من غره في الأظهر لانتفاعه بالوطء
باب في مسائل منثورة
لو قطع عبد حرا فاشتراه بغير الأرش لم يسقط القصاص كما لو قطعه وهو في ملكه فإن اشتراه بالأرش وهو الواجب لم يصح الشراء للجهل بوصف الإبل وإن اشتراه والواجب القصاص فهو اختيار للمال فيسقط القصاص وإن لم يصح الشراء وإن صالح عن القصاص على عين فاستحقت أو ردها بعيب أو تلفت قبل قبضها وجب على السيد لاختياره للفداء بالصلح الأقل من قيمته أي العبد وأرش الجناية كما سيأتي في محله
فرع لو جنى حر على حر بموجب قصاص بكسر الجيم فصالحه منه أي من القصاص على مال صح وإن كانت الدية مجهولة فإن خرج المال مستحقا أو معيبا أو تلف قبل قبضه رجع إلى الأرش لا إلى قيمة المال بناء على أن بدل الصلح عن الدم مضمون ضمان عقد لا ضمان يد وإن أوجبت الجناية المال فصالح منه على عين لم يصح الصلح عنها أي عن الجناية أي أرشها لما مر فلو قال عنه كان أولى ومثله ما لو اشترى به عينا من العاقلة في الخطأ أي أو شبه العمد أو من الجاني في العمد صرح به الأصل
فرع لو وجب على امرأة قصاص فتزوجها به مستحقه جاز لأنه عوض مقصود وسقط القصاص لتضمن ذلك العفو عنه وإطلاقه المرأة أولى من تقييد أصله لها بالحرة إذ لا فرق فإذا طلقها قبل الدخول رجع بنصف أرش الجناية لأنه بدل ما وقع عليه العقد كما لو أصدقها تعليم سورة فعلمها ثم طلقها قبل الدخول فإنه يرجع عليها بنصف أجرة التعليم ولو تزوجها بالدية الواجبة له بالجناية عليه فالصداق فاسد للجهل بالدية وإن قتل حر عبدا فصالح عن قيمته المعلومة على عين واستحقت أو ردت بعيب أو تلفت قبل القبض رجع السيد بالأرش قطعا وذكر الاستحقاق من زيادته والأصل إنما ذكر الرد بالعيب والتلف فإن كان الجاني فيما ذكر عبدا فالسيد مختار للفداء بالصلح وليس بمختار له إن صالح على رقبته واستحقت أو ردت بعيب أو تلفت قبل القبض ويتعلق الأرش حينئذ بها كما كان حتى لو مات سقط حق المجني عليه
فصل لو قطع يدي رجل ورجليه فمات فقطع الولي يديه وعفا عن الباقي على الدية
46
46
ولم يقبل الجاني لم تجب أي الدية لأنه استوفى ما يقابلها أو على غيرها أي غير جنسها وقبل الجاني فوجهان أحدهما لا تجب كالدية والثاني وهو أوجه يجب ويكون عوضا عن القصاص الذي تركه وإن اقتص ذمي من مسلم قتل مورثه بغير حكم حاكم اقتص منه بخلاف ما إذا اقتص منه بحكم حاكم بناء على أن حكمه بذلك لا ينقض
وإن أكره على رمي صيد فرماه فقتل إنسانا فهما قاتلان خطأ فالدية على عاقلتيهما نصفين ويكفران أي ويلزم كلا من القاتلين كفارة وهل لعاقلة المأمور بالرمي الرجوع بما يغرمونه على المكره وعاقلته
فيه تردد أي يحتمل أن لا يرجعوا وإن كان المكره متعديا كما لا يرجعون في شبه العمد على القاتل ويحتمل أن يرجعوا عليهما والمراد أنهم يرجعون على المكره إن لم يكن له عاقلة تحمل عنه الدية وإلا فعلى العاقلة والاحتمال الثاني أوجه
وإن اقتص مقطوع اليدين بإحداهما أي بقطع إحدى يدي قاطعه بعد الاندمال لقطع يديه فأهلكت يد الجاني أي قطعها الجاني أخذت دية اليد لأخرى من تركته لأنه استحق قصاصها وقد فات بما لا ضمان عليه فيه فأشبه سقوطها بآفة
وإن اقتص بإحداهما وأخذت دية الأخرى بالعفو عن قصاصها ومات بنقض الجراحة برئ الجاني فلا قصاص لورثته لأنه مات بجراحتين إحداهما معفو عنها ولا شيء لهم من الدية لأنه استوفى نصفها واليد المقابلة بالنصف
وإن مات مقطوع اليدين بالسراية بقطع وارثه يد الجاني فمات منها أي من قطعها قبل قطع الأخرى لم يستحق الوارث شيئا في تركته أي الجاني لأنه إذا سرت الجراحة إلى النفس سقط حكم الأطراف وصارت النفس بالنفس وقد قتله بالقطع فصار كحز الرقبة ويقتص السيد لعبده من عبده ولا يلزمه أي الجاني منهما على الآخر المال إذ لا يثبت للسيد على عبده مال إلا إن أعتقه ثم عفا على مال فيلزمه المال بخلاف ما إذا عفا مطلقا لأن القتل لا يقتضيه
وإن قتله أي قتل إنسان آخر بقطع يد له عمدا ورجل خطأ فمات منهما فلا قصاص في النفس لاختلاط العمد بالخطأ ويجب نصف الدية على الجاني لتعمده قطع اليد ونصف آخر على عاقلته لخطأ الجاني في قطعه الرجل فإن قطع الولي يده أي يد الجاني عن اليد المقطوعة فمات منه فقد استوفى حقه ولا يبقى له شيء على العاقلة كما لو قتل من له عليه قصاص خطأ فإنه يكون مستوفيا حقه
وإن ارتد القاتل أو العبد المبيع فقتله الولي في الأولى أو المشتري في الثانية بالردة وقع قصاصا في الأولى وقبضا في الثانية إلا إن كان القاتل بالردة فيهما إماما فلا يقع قتله قصاصا ولا قبضا بل له الدية في الأولى في تركة المرتد وينفسخ العقد في الثانية لأن له قتله بالردة وغيره لا يملك قتله بها بخلاف ما إذا قتله لا بردته
والمصنف صور ذلك بحدوث الردة بعد القتل والبيع والذي في الأصل تصويره بحدوثها قبلهما والكل صحيح
وإن ضرب زوجته ضربا قاتلا فماتت منه لزمه القود إلا إن أدبها بسوطين أو ثلاثة كما في الأصل أو نحوهما ثم بدا له فضربها الضرب القاتل فماتت فلا يلزمه قود لاختلاط العمد بشبهه
وإن قال الوكيل في استيفاء القصاص قتلته بشهوتي لا عن الموكل لزمه القصاص وللموكل الدية في تركة الجاني
وإن ضرب سنا فتزلزلت أو يدا فتورمت أو اضطربت كما في الأصل ثم سقطت بعد أيام وجب عليه القصاص لأنها سقطت بجنايته
ولو توقف القاضي في الحكم في حادثة لإشكاله أي الحكم فيها فجرأه رجل بحديث نبوي رواه له فيها حتى قتل به رجلا ثم رجع المجرئ عنه وقال كذبت وتعمدت فليس كرجوع الشاهد عن شهادته حتى يلزمه القصاص لأن الشهادة تختص بالحادثة بخلاف الحديث وإن حبسه في محل دخان أو منعه عصب فصادته
47
47
على محل الفصد فمات من ذلك فالقود عليه لأنه قتله بما يقتل غالبا سواء منعه في الثانية من العصب ابتداء أم إعادة كأن عصبه المفتصد فحله رجل ومنعه آخر من إعادة العصب حتى مات
ولو رمى شخص أحد الجماعة مبهما فجرح واحدا منهم جراحة توجب القصاص لزمه القصاص هذا ما صححه في الروضة هنا والصحيح كما قاله الإسنوي وغيره عدم لزومه لأنه لم يقصد عينه وبه جزم المصنف كأصله فيما سيأتي في الكلام على المنجنيق
ويقطع الثدي بالثدي وإن لم يتدل والحلمة بالحلمة كما في سائر الأطراف لا حلمة امرأة بحلمة رجل بناء على الأصح من أن حلمة الرجل لا تجب فيها الدية
كتاب الديات جمع دية وهي المال الواجب بالجناية على الحر في النفس أو فيما دونها وأصلها ودية مشتقة من الودي وهو دفع الدية كالعدة من الوعد والزنة من الوزن تقول وديت القتيل أديه وديا ودية إذا أديت ديته والأصل فيها قبل الإجماع قوله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية وخبر الترمذي وغيره كما سيأتي وفيه ستة أبواب
الأول في دية النفس دية الحر المسلم الذكر غير الجنين مائة من الإبل مخمسة في الخطأ عشرون من بنات المخاض و عشرون من بنات لبون و عشرون من بني لبون و عشرون من حقاق وعشرون من جذاع لخبر الترمذي وغيره بذلك من رواية ابن مسعود قالوا وأخذ به الشافعي لأنه أقل ما قيل والمراد من الحقاق والجذاع الإناث كما أفاده قول الأصل وعشرون حقة وعشرون جذعة والمغلظة في العمد وشبهه مثلثة ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة أي حاملا لخبر الترمذي في العمد وخبر أبي داود في شبهه بذلك والخلفة بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام وبالفاء ولا جمع لها من لفظها عند الجمهور بل جمعها مخاض كامرأة ونساء وقال الجوهري جمعها خلف بكسر اللام وابن سيده خلفات
وتغلظ بالخطأ في ثلاثة أشياء في الأشهر الحرم ذي القعدة وذي الحجة والمحرم ورجب لعظم حرمتها ولا يلتحق بها شهر رمضان وإن كان سيد الشهور لأن المتبع في ذلك التوقيف قال الله تعالى فلا تظلموا فيهن أنفسكم والظلم في غيرهن محرم أيضا وقال تعالى يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ولا يشكل ذلك بنسخ حرمة القتال فيها لأن أثر الحرمة باق كما أن دين اليهود نسخ وبقيت حرمته و في حرم مكة لأن له تأثيرا في الأمن بدليل إيجاب جزاء الصيد المقتول فيه سواء أكان القاتل والمقتول فيه أم أحدهما وخرج بالحرم الإحرام لأن حرمته عارضة غير دائمة وبمكة حرم المدينة بناء على منع الجزاء بقتل صيده أو في قتل ذي رحم محرم لعظم حرمة الرحم لما ورد فيه وخرج بذي الرحم المحرم بمصاهرة أو رضاع وبالمحرم ذو الرحم غير المحرم كبنت العم وابن العم والحاصل أنه
48
48
إنما يغلظ بالخطأ في الثلاثة المذكورة فقط ولا بد أن تكون المحرمية من الرحم ليخرج ابن عم هو أخ من الرضاع وبنت عم هي أم زوجته فإنه مع أنه ذو رحم محرم لا تغلظ فيه الدية لأن المحرمية ليست من الرحم
ولو رمى حربيا أو مرتدا فأسلم قبل الإصابة ثم أصابه ومات فدية خطأ فيه لأنه لم يكن معصوما عند الرمي
فصل دية العمد مغلظة حالة تخص الجاني فلا يحملها العاقلة على قياس إبدال المتلفات ولخبر الترمذي بذلك سواء أوجبت الجناية القصاص فعفي على الدية أم لا كقتل الوالد ولده ودية الخطأ وإن تغلظت و دية شبه العمد على العاقلة مؤجلة فدية العمد مغلظة من ثلاثة أوجه كونها معجلة لا مؤجلة وكونها مثلثة لا مخمسة وكونها على الجاني لا على عاقلته ودية الخطأ في غير الأشياء الثلاثة السابقة مخففة من الأوجه الثلاثة ودية شبه العمد مع دية الخطأ في الأشياء الثلاثة مغلظة من الوجه الثاني مخففة من الآخرين ويدخل التغليظ والتخفيف في دية المرأة والذمي ونحوه ممن له عصمة
و في دية الجروح بالنسبة لدية النفس ففي قتل المرأة خطأ عشر بنات مخاض وعشر بنات لبون وهكذا وفي قتلها عمدا أو شبهه خمس عشرة حقة وخمس عشرة جذعة وعشرون خلفة وفي قتل الذمي خطأ ست بنات مخاض وثلثان وست بنات لبون وثلثان وهكذا وفي قتله عمدا أو شبهه عشر حقاق وعشر جذاع وثلاث عشرة خلفة وثلث لا قيمة العبد فلا يدخل فيها تغليظ ولا تخفيف بل فيه قيمته يوم التلف على قياس قيم سائر المتقومات
و يجب في قتل المرأة والخنثى وجروحهما نصف ما يجب في الرجل كما روي ذلك في المرأة عن عمر وعثمان وابن مسعود وغيرهم ولم يخالفهم غيرهم وروى البيهقي خبر دية المرأة نصف دية الرجل وألحق بها الخنثى للشك في الزائد نعم يخالفها في الحلمتين والشفرين كما سيأتي بيانه
وفي اليهودي والنصراني اللذين يعقد لهما الذمة ثلث دية المسلم أخذا من خبر عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه صلى الله عليه وسلم فرض على كل مسلم قتل رجلا من أهل الكتاب أربعة آلاف درهم رواه عبد الرزاق في مصنفه وقال به عمر وعثمان رضي الله عنهما وقيس في الخبر بالدراهم الإبل وبالمسلم غيره ممن يضمن بإتلافه والسامرة كاليهود في حكمهم والصابئون كالنصارى كذلك إن لم يكفروهم وإلا بأن كفروهم فكمن لا كتاب له من الكفار وسيأتي حكمه وفي المجوسي ثلثا عشر دية مسلم الأولى الموافق لطريقة الحساب ثلث خمس هذا كله إن كانوا أي اليهودي والنصراني والمجوسي ذميين أو معاهدين أو مستأمنين كما قال به عمر وعثمان وابن مسعود رضي الله عنهم ويعبر عن ذلك بخمس دية الذمي وهو له كتاب ودين كان حقا وتحل ذبيحته ومناكحته ويقر بالجزية وليس للمجوسي من هذه الخمسة إلا الخامس فكانت ديته خمس ديته وهي أخس الديات وخرج بالشرط المذكور من لا ذمة له ولا عهد ولا أمان فلا شيء فيه لعدم عصمته
فإن دخل دارنا وثني ومن أي وغيره ممن لا كتاب له ولا شبهة كتاب كعابد الشمس والقمر وكذا زنديق وهو من لا ينتحل دينا لا مرتد بأمان فكالمجوسي فيما ذكر فتجب فيه ديته بخلاف المرتد ومن لا أمان له فإنهما مقتولان بكل حال ودية المتولد بين كتابي ومجوسي كدية الكتابي اعتبارا بالأكثر سواء أكان أبا أم أما جزم به الرافعي وغيره في الجزية ونقله الماوردي عن نص الأم لأن الولد يتبع أشرف الأبوين دينا والضمان يغلب فيه جانب التغليظ ويحرم قتله أي قتل من له أمان لأمانه وقتل من لم تبلغه الدعوة أي دعوة نبي لعذره وهو أي من لم تبلغه دعوة نبي كالمستأمن في أنه لا قصاص على قاتله المسلم وله دية المجوسي وكذا متمسك بدين لم يبدل ولم يبلغه ما يخالفه فإنه كالمستأمن فيما ذكر وديته دية أهل دينه فإن كان كتابيا فدية كتابي أو مجوسيا فدية مجوسي لأنه بما ذكر ثبت له نوع عصمة فألحق بالمؤمن من أهل دينه فإن جهل قدر دية أهل دينه قال ابن الرفعة يجب أخس الديات لأنه المتيقن قال ومن لم يعلم هل بلغته الدعوة ففي ضمانه وجهان بناه على أن الناس قبل ورود الشرع على أصل الإيمان أو الكفر قال الأذرعي والأشبه بالمذهب أن لا ضمان
49
49
إذ لا وجوب بالاحتمال قلت بل الأشبه بالمذهب الضمان لأن الإنسان يولد على الفطرة وعليه ينبغي أن يجب أخس الديات وإن تمسك بمبدل ولم يبلغه ما يخالفه فدية مجوسي ولا يحل قتله أي قتل من لم تبلغه دعوة نبينا قبل الدعاء إلى الإسلام وهذا شامل لقوله قبل وقتل من لم تبلغه الدعوة وفيه أي في قتله الكفارة ويقتص بمسلم لم يهاجر من دار الحرب بعد إسلامه وإن تمكن لأن العصمة بالإسلام
فصل لا يجبر مستحق الدية على أخذ معيب من الإبل يرد في بيع و لا أخذ مريض كالمسلم فيه وإن كانت إبل من لزمته كلها معيبة بخلاف الزكاة لتعلقها بعين المال والكفارة لأن مقصودها تخليص الرقبة من الرق لتستقل فاعتبر فيها السلامة مما يؤثر في العمل والاستقلال وذكر المريض بعد المعيب من باب ذكر الخاص بعد العام لأن المرض عيب ويجوز أخذ ذلك بالتراضي لأن له إسقاط الأصل فكذا الوصف
وإذا حملت جذعة فما دونها عدت خلفة وإن كان الغالب أن الناقة لا تحمل حتى تكون ثنية لصدق الاسم عليها ويعرف الحمل بقول عدلين خبيرين إلحاقا له بالتقويم فإن ماتت مقبوضة للمستحق بقول العدلين أو بتصديقه وشق بطنها فبانت حاملا غرمها وأخذ بدلها حاملا كما لو خرج المسلم فيه على غير الصفة المشروطة فإن تنازعا في الحمل قبل الشق شق جوفها ليعرف فيرتب عليه ذلك فإن ادعى الدافع الإسقاط للحمل بأن صادفنا الناقة المأخوذة حائلا فقال المستحق لم يكن بها حمل وقال الدافع أسقطت عندك وأمكن الإسقاط صدق الدافع إن أخذها المستحق بقول خبيرين لتأيد قوله بقول أهل الخبرة فإن لم يمكن ذلك أو أمكن وأخذها المستحق بقول الدافع مع تصديقه له صدق المستحق بلا يمين في الأولى وبيمين في الثانية لأن الظاهر معه
فرع تجب الدية من غالب إبل الدافع من جان وعاقلة فيدفع منها إن شاء وإن خالفت إبل البلد في نوعها وإن شاء دفعها من غالب إبل البلد لذي الحاضرة أو القبيلة الذي البادية وإن تفرقوا أي من لزمتهم الدية فتؤخذ حصة كل واحد من غالب إبل بلده أو قبيلته ثم إن اختلفت أنواع إبله أخذ من الأكثر فإن استويا فمما شاء الدافع وقيل يؤخذ من كل بقسطه إلا أن يتبرع بالأشرف فيجبر المستحق على أخذه والتصحيح من زيادته وبه صرح المتولي وصحح صاحب الانتصار الثاني وهو مقتضى كلام الرافعي حيث بنى ذلك على نظيره في الزكاة والأول هو الموافق لنظيره في اختلاف أنواع إبل البلد
أو اختلفت أنواع إبل البلد أو القبيلة ولا غالب فيها فمما شاء الدافع أخذ فإن عدمت هي أو بعضها في بلده أو قبيلته أو وجدت فيها لا بصفة الإجزاء أو بصفته لكن بأكثر من ثمن المثل نقل الواجب منها من أقرب البلاد أو القبائل فالأقرب إلى محل الدافع كما في زكاة الفطر ما لم تبلغ المؤنة أي مؤنة نقلها مع قيمتها أكثر من ثمن المثل ببلد أو قبيلة العزة أي العدم وهذا نقله الأصل عن الإمام بعد نقله عن إشارة بعضهم الضبط بدون مسافة القصر فالترجيح من زيادة المصنف لكن قال الزركشي الراجح الضبط بدون مسافة القصر كما في نظيره من السلم وقد اعترض الإمام ثم أيضا على مسافة القصر كما نقله الرافعي عنه ثم إن عدمت من أقرب ما ذكر على الوجه المذكور وجبت القيمة من غالب نقد بلد الإعواز يوم وجوب التسليم فيه لو كانت موجودة فيه لأنها بدل متلف هذا إن لم يمهل أي الدافع فإن أمهل بأن قال له المستحق أنا أصبر حتى توجد الإبل لزمه امتثاله لأنها الأصل
فإن أخذت القيمة فوجدت الإبل لم ترد لتسترد الإبل لانفصال الأمر بالأخذ ومع وجودها أي الإبل لا يؤخذ غيرها من نوع أو قيمة إلا بالتراضي فيؤخذ كما لو أتلف
50
50
مثليا وتراضيا على أخذ القيمة مع وجود المثل وتقدم في الصلح أنه لا يجوز الصلح عنها بالتراضي لجهالتها وحمل ابن الرفعة ما هناك على ما إذا كانت مجهولة الصفة وما هنا على ما إذا كانت معلومتها
الباب الثاني في دية ما دون النفس
وهي أي الجناية على ما دون النفس ثلاثة أقسام جرح وإبانة طرف وإزالة منفعة الأول الجروح وفي الموضحة للرأس ولو للعظم الناتئ خلف الأذن والوجه ولو تحت اللحيين نصف عشر دية صاحبها فللكامل وهو الحر المسلم الذكر غير الجنين خمس من الإبل لما رواه الترمذي وحسنه في الموضحة خمس من الإبل وفي الهاشمة إن لم توضح ولم تحوج إليه ولم تسر مثلها أي خمس من الإبل أخذا مما مر مع ما يأتي فإن أوضحت أو أحوجت إليه أي إلى الإيضاح بشق لإخراج العظم أو تقويمه أو سرت إليه فعشر من الإبل لما روي عن زيد بن ثابت أنه صلى الله عليه وسلم أوجب في الهاشمة عشرا من الإبل ورواه الدارقطني والبيهقي موقوفا على زيد والتصريح بقوله أو سرت من زيادته وفي المنقلة الهاشمة إن لم توضح ولم تحوج إليه بشق ولم تسر عشر من الإبل أخذا مما مر مع ما يأتي فإن أوضحت أو أحوجت إليه بشق أو سرت إليه أخذا مما مر فخمسة عشر لما رواه أبو داود وغيره في خبر عمرو بن حزم وفي المنقلة خمسة عشر من الإبل وفي المأمومة ثلث الدية لخبر عمرو بذلك أيضا وكذا الدامغة يجب فيها ثلث الدية قياسا على المأمومة قال في الأصل بعد أن صحح هذا وقال الماوردي فيها ثلث الدية وحكومة
انتهى
وما قاله الماوردي قياس ما يأتي في خرق الأمعاء في الجائفة
فرع لو أوضح واحد وهشم في محل الإيضاح آخر ونقل فيه ثالث وأم فيه رابع فعلى كل من الثلاثة خمس من الإبل وعلى الآم تكملة الثلث أي ثلث الدية وذلك ثمانية عشر بعيرا وثلث بعير ويجب فيما قبل الموضحة من الشجاج كالدامية والباضعة والمتلاحمة الأكثر من الحكومة والقسط من الموضحة إن علم القسط بأن عرفت نسبة الجراحة من الموضحة في عمق اللحم من نصف أو ثلث أو غيرهما وذلك لوجود سبب كل منهما فإن استويا وجب أحدهما واعتبار الأول أولى لأنه الأصل فإن شككنا في قدرها من الموضحة أوجبنا اليقين فإن جهل القسط فحكومة أي فالواجب حكومة لا تبلغ أرش موضحة
ولا تقدير لأرش شجاج البدن وهو ما عدا الرأس والوجه لأن أدلة ما مر في الإيضاح والهشم والتنقيل لم تشمله لاختصاص أسماء الثلاثة بجراحة الرأس والوجه وليس غيرهما في معناهما لزيادة الخطر والقبح فيهما ولأنه لو وجب مقدر في شيء من ذلك في البدن لأدى إلى أن يؤخذ في الجناية على العضو أكثر مما يؤخذ في العضو نفسه كالأنملة مثلا ولا تقدير لموضحته أي البدن كالقفا هذا من زيادته وهو محض تكرار مع إيهام أن الهاشمة والمنقلة تخالفان الموضحة في ذلك فلو اقتصر على قوله
51
51
كالقفا كان أولى وأخصر
ويقتص فيها أي في الموضحة في البدن لتيسر استيفاء المثل لأن الجرح ينتهي فيها إلى عظم يؤمن معه الحيف كالرأس والوجه والتصريح بهذا هنا من زيادته ثم يجب في الجائفة ولو بإبرة ثلث الدية كما جاء في خبر عمرو بن حزم فإن خرقت الأمعاء وجب مع ذلك حكومة نص عليه في الأم وحكاه الماوردي وغيره وهي أي الجائفة الجراحة النافذة إلى جوف من الصدر والبطن والجبين والورك والعجان والحلق وثغرة النحر والخاصرة ونحوها لا إلى باطن فم وذكر وأنف وجفن وإن ثقب النافذ في العين إذ لا يعظم فيها الخطر كالأمور السابقة ولأنها لا تعد من الأجواف وليس فيها قوة تحيل الغذاء والدواء فلا تكون جائفة فلا يجب فيها ثلث دية بل حكومة
وإن وصلت أي الجراحة إلى الفم أو داخل الأنف بإيضاح من الوجه أو بكسر ال قصبة من الأنف فأرش موضحة في الأولى أو أرش هاشمة في الثانية مع حكومة فيهما للنفوذ إلى الفم والأنف لأنها جناية أخرى والتصريح بحكم الإيضاح من زيادته وكذا قوله إن كانت أي الجراحة وصلت إلى ما ذكر لكن هذا الثاني لا حاجة إليه بل تركه أولى وأخصر وإن حز بالسكين من كتف أو فخذ إلى البطن وأجافه الأولى قول الأصل فجافه فأرش أي فواجبه أرش جائفة وحكومة لجراحة الكتف أو الفخذ لأنها في غير محل الجائفة أو حز بها من الصدر إلى البطن أو النحر فأرش جائفة فقط أي بلا حكومة لأن جميعه محل الجائفة
فصل تتعدد موضحات الضربة وإن صغرت أي الموضحات إن حال بين كل ثنتين جلد ولحم لا أحدهما فقط فلا تعدد بل يكون المجموع موضحة واحدة لأن الجناية أتت على الموضع كله باستيعابه بالإيضاح ولو أوضح بموضعين أوغل الحديدة ونفذها من إحداهما إلى الأخرى في الداخل ثم سلها ففي تعدد الموضحة وجهان في الأصل بلا ترجيح أقر بهما عدم التعدد ولو تآكل الحاجز بينهما أو رفعه قبل الاندمال أو وسع الموضحة هو فموضحة أما في الأولى فلأن الحاصل بسراية فعله منسوب إليه وأما في الأخيرتين فكما لو أوضح ابتداء وهذا كتداخل الديات إذا قطع الأطراف ثم حز لرقبة قبل الاندمال بخلاف ما لو رفع الحاجز بعد الاندمال أو رفعه أو وسع الموضحة غيره تعددت وعليه أرش موضحته لأن فعل الإنسان لا يبنى على فعل غيره وإن رفع أحد الجانبين الحاجز بين الموضحتين اتحدت أي الموضحة في حقه ولزمه نصف أرش و لزم صاحبه أرش كامل ورفع المجني عليه الحاجز هدر فلا يسقط به شيء مما وجب على الجاني ولو أوضح متلاحمة غيره فعلى كل حكومة فلا يلزمهما أرش موضحة لأن فعل الإنسان لا يبنى على فعل غيره كما مر
وتسقط حكومة جرح أوضح بعضه تبعا للأرش لأنه لو كان كله موضحة لم يجب إلا أرش فهنا أولى وإن اقتص فيما فيه من الموضحة فوجهان في سقوط الحكومة وعدمه كما لو قطع يده من نصف الكف فاقتص من الأصابع هل له حكومة نصف الكف وجهان كذا في الأصل والمرجح من هذين الوجهين لزوم الحكومة فيؤخذ من ذلك عدم سقوطها هنا ولو اتصلت موضحة الجبهة بالوجنة فأرش
52
52
واحد تنزيلا لأجزاء الوجه منزلة أجزاء الرأس أو اتصلت موضحة الرأس بالجبهة فأرشان ولو كان بينهما جراحة دون الموضحة لاختلاف المحل فإن لم يوضح الموضح للرأس الجبهة بل جرحها فأرش لموضحة الرأس وحكومة لجرح الجبهة
ولو هشم بعض ما أوضح فهاشمة بموضحة أي معها ولو أوضح وهشم في موضعين واتصل الهشم بينهما باطنا فهاشمتان لأن الهاشمة تتبع الموضحة وقد وجدت الموضحتان فيتعدد الهشم بتعددهما ولو تبعضت الموضحة قصاصا وعدوانا أو عمدا وخطأ فموضحتان لاختلاف الحكم لكن لو رفع حاجز موضحتي العمد خطأ فيما لو أوضح موضحتين عمدا اتحدتا كذا رجحه في الروضة وهو كما قال الزركشي عجيب فإن كلام الرافعي مصرح بترجيح التعدد فإنه قال فيه وجهان لاختلاف الحكم فإن جعلناه مؤثرا فعليه أرش ثالث وإلا لم يلزم إلا أرش واحد
فصل الجائفة كالموضحة في الاتحاد والتعدد وقد مر بيان ذلك فلو طعن في جائفة غيره ولم يقطع شيئا عزر لتعديه ولا ضمان عليه وإن زاد غورا فيها أو قطع ظاهرا فقط أو عكسه أي باطنا فقط فحكومة تلزمه أو قطع ظاهرا في جانب وباطنا في جانب آخر فأرش آخر يلزم القاطع إن أكملا أي القطعان جائفة كأن قطع الثاني نصف الظاهر من جانب ونصف الباطن من جانب وإلا أي وإن لم يكملاها فبالقسط يعتبر الأرش بأن ينظر في ثخانة اللحم والجلد ويقسط أرش الجائفة على المقطوع من الجانبين ولو نفذت الجائفة من أحد الجانبين إلى الجانب الآخر أو طعنه بحديدة لها رأسان والحاجز بينهما سليم فجائفتان لأنه جرحه جرحين نافذين إلى الجوف فإن لم يكن بينهما سليم فجائفة واحدة وهذا معلوم من صدر الفصل فإن جرحت أي الحديدة عضوا باطنا كالكبد زاد مع الأرش اللازم حكومة وخرج بقوله أولا جائفة غيره ما لو عاد الجاني فوسع جائفته أو زاد في غورها ولا يزيد الواجب ويكون كما لو أجاف ابتداء كذلك ولو أدخل في دبره ما خرق به جائفة في الباطن فهل هو حاجز أو لا وجهان قال الرافعي بناء على الوجهين في أن خرق الحاجز بين الموضحتين في الباطن هل يكون كخرق الظاهر حتى لا يلزم إلا أرش موضحة واحدة قال في المهمات ويؤخذ من البناء المذكور تصحيح وجوب أرش الجائفة لأن الصحيح في مسألة الموضحتين أنه لا أثر لبقاء الظاهر حتى ترجع الموضحتان إلى موضحة
فرع لو خيطت جائفة فنزع رجل الخيط الذي خيطت به قبل الالتحام عزر وضمن الخيط إن تلف والخياطة أي أجرة مثلها ولا أرش ولا حكومة أو نزعه بعد الالتحام الظاهر والباطن وانفتحت ولو من جانب منها فجائفة جديدة أو بعد التحام أحدهما أي الظاهر دون الباطن أو عكسه فحكومة تلزمه دون الأرش إن لم يمكن التقسيط ويضمن معها الخيط إن تلف لا الخياطة لدخولها في الحكومة
القسم الثاني إبانة الأطراف ومقدر البدل من الأعضاء ستة عشر عضوا فما وجب فيه الدية منها وهو ثنائي كاليدين ففي الواحدة منه الأولى الواحد نصفها أو ثلاثي كالأنف فثلثها أو رباعي كالأجفان فربعها وفي البعض من كل منها القسط لأن ما وجب فيه الدية وجب في بعضه بقسطه الأول من الستة عشر الأذنان ففيهما قطعا أو قلعا الدية للسميع والأصم بناء على أن السمع لا يحلهما وذلك لما في خبر عمرو بن حزم وفي الأذن خمسون من الإبل وعن عمر وعلي في الأذنين الدية ولأن فيهما مع الجمال منفعتين جمع الصوت ليتأدى إلى محل السماع ودفع الهوام لأن صاحبهما يحس بسبب معاطفهما بدبيب الهوام فيطردها وهذه هي المنفعة المعتبرة في إيجاب الدية وكذا تجب الدية إذا أحشفهما أي أيبسهما كما لو أشل يده ولأنه أذهب الإحساس الذي يدفع به الهوام
وإذا قطع أذنا مستحشفة فحكومة تلزمه كمن قطع يدا شلاء قال الزركشي وقضيته أن لا قصاص بقطعها لكن مر أن الأذن الصحيحة تقطع بالمستحشفة والجمع بين جريان القصاص فيها وعدم تكميل الدية مما لا يعقل فالراجح وجوب الدية وهو ما عزاه المروزي إلى الجديد
انتهى
وقد يجاب بأنه لا تلازم بين وجوب القصاص ووجوب الدية وإن
53
53
قطعهما بإيضاح العظم فدية وموضحتان أي أرشهما ولا يتبعان الدية إذ لا يتبع مقدر مقدرا
العضو الثاني العينان ففيهما أي في فقئهما الدية وإن كان أعمش أو أخفش أو أعشى كالقصاص ولأن المنفعة باقية في أعين هؤلاء ومقدار المنفعة لا ينظر إليه وفي خبر عمرو بن حزم في العين خمسون من الإبل رواه مالك وروى النسائي وابن حبان والحاكم في العينين الدية ولأنهما أعظم الجوارح نفعا وأجل الحواس قدرا والأعمش ضعيف الرؤية مع سيلان الدمع غالبا وتقدم تفسير الأخفش والأعشى في باب خيار النقص وكذا بياض لا ينقص الضوء فتجب معه الدية كما تجب في اليد والرجل مع الثآليل فإن نقص الضوء وانضبط النقص بالاعتبار بالصحيحة التي لا بياض فيها فقسط من الدية يلزم وإلا فحكومة وفرق بينه وبين عين الأعمش بأن البياض نقص الضوء الذي كان في أصل الخلقة وعين الأعمش لم ينقص ضوءها عما كان في الأصل قاله الرافعي ويؤخذ منه كما قال الأذرعي وغيره أن العمش لو تولد من آفة أو جناية لا تكمل فيه الدية
العضو الثالث الأجفان ففي قطعهما أو إحشافهما الأولى ففي قطعها وإحشافها الدية ولو كانت لأعمى لأن فيها جمالا ومنفعة و في قطعها أو إحشافها مع فقء العينين ديتان وفي قطع الجفن المستحشف حكومة وكذا الأهداب و سائر الشعور كشعر الرأس واللحية تجب في قطعها حكومة إن فسد المنبت لا دية لأن الفائت بقطعها الزينة والجمال دون المقاصد الأصلية وإلا فالتعزير وتدخل حكومة الأهداب في دية الأجفان كما تدخل حكومة الكف في دية الأصابع وكما أن شعر الساعد والساق ومحل الموضحة لا يفرد بحكومة العضو
الرابع الأنف ففي قطع المارن وهو ما لان من الأنف الدية كما جاء في خبر عمرو بن حزم ولأن فيه جمالا ومنفعة وهو أي المارن المنخران والحاجز بينهما والأخشم في ذلك كغيره لأن الشم ليس في الأنف وفي قطع باقي المقطوع من المارن بجناية أو غيرها ولو بجذام قسطه من الدية بالمساحة وهذا علم من صدر هذا القسم وإحشافها أي المنخرين والحاجز بينهما كالأذن أي كإحشافها ففيها الدية لإبطال منفعتها وفي الشق للمارن إذا لم يذهب منه شيء حكومة وإن لم يلتئم فإن تآكل بالشق بأن ذهب بعضه فقسطه من الدية واجب وقاطع القصبة منقل ففي قطعها وحدها دية منقلة فلو قطعها مع المارن تبعته في الدية كذا رجحه في أصل الروضة ونقل الرافعي ترجيحه عن الإمام قال الإسنوي وغيره وهو خلاف نص الأم من وجوب الحكومة مع الدية قال الإسنوي وعليه الفتوى
وفي قصبة كسرت وانجبرت بعد كسرها بلا تعوج حكومة ومع التعوج تكثر الحكومة
العضو الخامس الشفتان ففي قطعهما وإشلالهما الدية كما جاء في خبر عمرو بن حزم ولأن فيهما جمالا ومنفعة سواء أكانتا غليظتين أم رقيقتين كبيرتين أم صغيرتين وهما الساتران للثة وللأسنان في جانبي الفم وتحريره أنهما في عرض الوجه إلى الشدقين وفي طوله إلى ما يستر اللثة وهي اللحم حول الأسنان وهل يسقط معهما أي مع قطعهما حكومة الشارب أو لا وجهان أوجههما الأول كما في الأهداب مع الأجفان وفي شقهما بلا إبانة حكومة وكذا في الشفة الشلاء كما صرح به الأصل ولو قطع شفة مشقوقة فديتها واجبة لا حكومة الشق وإن قطع بعضهما فتقلصا أي البعضان الباقيان وبقيا كمقطوع الجميع فهل تكمل الدية أو يتوزع على المقطوع والباقي وجهان أوجههما الثاني ونص الأم يقتضيه وكذا كلام الرافعي على قطع الأجفان وصرح بتصحيحه في الأنوار
العضو السادس اللسان وفيه الدية لما مر و الألكن والأرت والألثغ والمولود أي كل منهم كغيره كضعيف البطش فإن بلغ المولود النطق والتحريك أي أوانهما ولم يوجدا منه فحكومة لا دية لإشعار الحال بعجزه وإن لم يبلغه يعني أوان النطق فدية أخذا بظاهر السلامة كما تجب الدية في رجله ويده وإن لم يكن في الحال مشي ولا بطش وهذا علم من قوله والمولود كغيره فإن أخذت الحكومة لقطع بعضه أي بعض لسانه لأمر اقتضى إيجابها ثم نطق ببعض الحروف وعرفنا سلامة لسانه وجب تمام قسط
54
54
ديته وفي قطع لسان الأخرس ولو كان خرسه عارضا حكومة وإن فقد الأخرس الذوق بقطع لسانه فدية تجب لا حكومة و اللسان ذو الطرفين إن استويا خلقة فلسان مشقوق فيجب بقطعهما الدية وبقطع أحدهما قسطه منها وإلا بأن كان أحدهما أصليا والآخر زائدا فللزائد أي لقطعه حكومة دون قسط قدره من لسان أصلي من ثلث وربع ونحوهما ولقطع الأصلي دية وفي قطع اللهات قال الجوهري وهي الهنة المطبقة في أقصى سقف الفم حكومة
العضو السابع الأسنان وفي كل سن أصلية تامة مثغورة غير متقلقلة صغيرة أو كبيرة لذكر حر مسلم خمسة أبعرة كما جاء في خبر عمرو بن حزم ولا فرق بين الضرس والثنية لدخولهما في لفظ السن وإن انفرد كل منهما باسم كالخنصر والسبابة والوسطى في الأصابع ففي الشاغية أي الزائدة التي يخالف نبتتها نبتة غيرها من الأسنان حكومة لا دية كالأصبع الزائدة ويعزر قالع سن متخذة من ذهب وعظم وغيرهما من غير دية ولا حكومة وإن تشبثت باللحم واستعدت للمضغ والقطع لأنها ملحقة وليست جزءا من الشخص وتكمل الدية للسن بكسر الظاهر منها خلقة وإن بقي السنخ بحاله لأن السن اسم للظاهر والمستتر باللحم يسمى سنخا ولأن الجمال والمنفعة من العض والمضغ وجمع الريق يتعلقان بالظاهر ومنفعة المستتر حمل الظاهر وحفظه وهو مع الظاهر كالكف مع الأصابع وعليه أي الظاهر التوزيع لأنا نوجب فيه تمام الأرش فلو قطع بعضه فعليه قسطه من الأرش وينسب المقطوع إلى الظاهر دون السنخ وكذا يوزع على الحشفة والحلمة والمارن فيما إذا قطع بعضها لا على جميع الذكر والثدي والأنف
وأما السنخ بكسر المهملة وسكون النون وإعجام الخاء ويقال بالجيم وهو أصل السن المستتر باللحم كما مر فتابع لها إن قلعت فتندرج حكومة في ديتها كما تندرج حكومة الكف في دية الأصابع وإن برز بعضه أي السنخ لحفر أصاب اللثة لأن بروزه عارض فإن كسرها أي السن ثم قلعه أي السنخ هو أو غيره ولو قبل الاندمال فدية وحكومة لتعدد الجناية وإن كسر نصفها الظاهر عرضا ثم قلع شخص آخر الباقي مع السنخ دخلت الحكومة للسنخ في الأرش للباقي من السن أو كسره طولا ثم قلع آخر الباقي مع السنخ لزمه حكومة سنخ المكسور كما مر فيما إذا قطع كفا عليها بعض الأصابع دون بعض وسنخ الباقي يدخل في أرشه وإن قلعها فتعلقت بعرق فأعادها عبارة الأصل ثم عادت وثبتت فحكومة تلزمه لا دية لأنها إنما تجب بالإبانة ولم توجد
وإن كسر سنا مكسورة واختلف هو وصاحبها في قدر الفائت صدق صاحبها في قدر الفائت بيمينه لأن الأصل عدم فوات الزائد لو كسر سنا صحيحة واختلف هو وصاحبها في قدر ما كسر منها صدق الجاني في قدر ما كسر بيمينه لأن الأصل براءة ذمته وتنقص الدية لصغر شائن في بعض الأسنان بحسب نقصان السن كمساواة الثنيتين للرباعيتين بفتح الراء وتخفيف الياء أو نقصهما عنهما لأن الغالب أن الثنايا أطول من الرباعيات وقيل تجب الدية كاملة في الثنيتين والتصريح بالتقييد بالشاهدين وبالترجيح من زيادته
ولا دية في سن غير مثغورة قبل العلم بفساد المنبت لأن الغالب عودها فهي كالشعر يحلق ولو مات قبله أي قبل العلم بذلك أو قبل تمام نباتها فحكومة تجب وإن لم يبق شين لما حصل من الألم وكما يجب بتقدير العود وإن لم يبق شين بأن تقدر الجناية في حال كونها دامية كما سيأتي أما بعد العلم بالفساد فتجب الدية كما يجب القصاص وإن قلعها قبل التمام لنباتها آخر انتظرت فإن لم تنبت فالدية على الآخر وإلا فحكومة أكثر من الحكومة الأولى وإن أفسد منبت غير المثغورة آخر بعد قلع غيره لها فعليه حكومة وفي إلزام الأول الأرش تردد أي احتمالان للإمام والظاهر منهما كما في البسيط المنع والاقتصار على حكومة
55
55
فإن سقطت بلا جناية ثم أفسد شخص منبتها ففي إلزام المفسد الأرش تردد والظاهر المنع لما مر آنفا وإذا نبتت سن المثغور بعد قلعها بجناية وأخذ أرشها لم يسترد الأرش لأنه نعمة جديدة كموضحة أو جائفة التحمت بعد أخذ أرشها فإنه لا يسترد كما لا يسقط بالتحامها القصاص ويستتر الأرش في سائر أي جميع المعاني كبطش اليد أي عوده وعود النظر ونحوه لظهور عدم زوالها بخلاف الأجسام غير الإفضاء وسن غير المثغور فإنه تحقق فيها الإبانة ولا يعتاد فيها العود وتجب حكومة لا أرش في سن متزلزلة أو صغيرة بطل نفعهما ولا يضر نقصه أي نقص نفعها في إيجاب الأرش فيجب الأرش مع نقص نفعهما لتعلق الجمال وأصل المنفعة بهما في المضغ وحفظ الطعام ورد الريق ولا أثر لضعفها كضعف البطش والمشي
وإن تزلزلت سن صحيحة بجناية ثم سقطت بعد لزمه الأرش وإن بقيت وعادت كما كانت فحكومة تلزمه كما لم يبق في الجراحة نقص ولا شين أو عادت ناقصة المنفعة فالأرش واجب كذا اقتضاه كلامه الأصل والذي في الأنوار لزمته الحكومة لا الأرش لأن الأرش يجب بقلعها كما مر قال وهذا الموضع مزلة القدم في الشرحين والروضة فليتأمل فإذا قلعها آخر لزمته حكومة دون حكومة سن تحركت بهرم أو مرض لأن النقص الذي فيها قد غرمه الجاني الأول بخلافه في الهرم والمرض نقله الأصل عن الشيخ أبي حامد وأقره ولا أثر في وجوب الأرش للسواد الأصلي فلو قلع سنا سوداء قبل أن تثغر وبعده لزمه الأرش لأن سوادها من أصل الخلقة فهو كعمش العين خلقة فإن ثغر الشخص بضم الثاء وكسر الغين أي قلعت سنه فنبتت سوداء أو بيضاء ثم اسودت وقالوا أي أهل الخبرة إنما يكون ذلك لعلة فيها ففيها حكومة وإلا بأن قالوا لم يكن لعلة أو أنه قد يكون لعلة وقد يكون لغيرها فالأرش واجب لأن الرد إلى الحكومة مع كمال المنفعة وعدم تحقق العلة خلاف القياس ومتى ضربها فاسودت أو اخضرت مثلا ومنفعتها باقية فحكومة تلزمه وحكومة الاخضرار أقل من حكومة الاسوداد وحكومة الاصفرار أقل من الاخضرار ذكره الأصل فإن فاتت منفعتها فالأرش
فصل الأسنان في غالب الفطرة اثنان وثلاثون أربع ثنايا وهي الواقعة في مقدم الفم ثنتان من أعلى وثنتان من أسفل ثم أربع رباعيات ثنتان من أعلى وثنتان من أسفل ثم أربع ضواحك ثم أربعة أنياب وأربعة نواجذ واثنا عشر ضرسا وتسمى الطواحين قاله في الأصل لا يقال قضيته أن النواجذ في الإثناء وليس كذلك بل هي آخر الأضراس لأنا نمنع أن قضيته ذلك لأنه عبر في الأول بثم ثم عطف النواجذ والأضراس بالواو وهي لا تقتضي ترتيبا وأما خبر أنه صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه فالمراد ضواحكه لأن ضحكه صلى الله عليه وسلم كان تبسما فإذا قلعها معا أو مرتبا لزمه مائة وستون بعيرا لما مر أن في كل سن خمسة أبعرة ولكونها يختلف نباتها تقدما وتأخرا اعتبرت في نفسها فزاد أرشها على أرش النفس بخلاف الأصابع ونحوها فإن زادت على اثنين وثلاثين وكان الزائد على سننها فهل للزائد أرش لظاهر الخبر أو حكومة لزيادته على الغالب كالأصبع الزائدة وجهان صحح منهما القمولي والبلقيني والزركشي الأول وصاحب الأنوار الثاني والأول أوجه
العضو الثامن اللحيان بفتح اللام وهما منبت الأسنان السفلى وملتقاهما الذقن وفيهما الدية لأن فيهما جمالا ومنفعة ظاهرة ولا يتبعهما الأسنان لأن كلا منهما مستقل برأسه وله بدل مقدر واسم يخصه فلا يدخل أحدهما في الآخر بخلاف اليد مع الأصابع ولو فكهما أو ضربهما فيبسا لزمه ديتهما فإن تعطل بذلك منفعة الأسنان لم يجب لها شيء لأنه لم يجن عليها بل على اللحيين نص عليه في الأم كما نقله الأذرعي وغيره
العضو التاسع اليدان وفيهما الدية
56
56
كما جاء في خبر عمرو بن حزم وتكمل الدية بلقط الأصابع لما ثبت أن في كل أصبع عشرا من الإبل وتدخل حكومة الكف في ديتها أي الأصابع كما في المارن مع قصبته بخلاف ما قطع من الساعد و من المرفق و من العضد فلا تدخل حكومتها في دية اليد بل تجب حكومتها مع اليد لأن كلا منها مع اليد عضوان بخلاف الكف مع الأصابع فإنهما كالعضو الواحد بدليل قطعهما في السرقة لقوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ثم بعد لقطه الأصابع إن قطع الكفين أو أحدهما بعد ذلك هو أو غيره فحكومة تجب كما في السنخ مع السن لاختلاف الجناية وفي الأصبع أي في قطع كل أصبع عشرة أبعرة كما جاء في خبر عمرو بن حزم و في قطع أنملة الإبهام نصفها أي العشرة و أنملة غيرها ثلثها لأن لكل أصبع ثلاث أنامل إلا الإبهام فلها أنملتان فلو انقسمت أصبع بأربع أنامل متساوية ففي كل واحدة ربع العشر كما صرح به الأصل
ويقاس بهذه النسبة الزائدة على الأربع والناقصة عن الثلاث وبه صرح الماوردي ثم قال فإن قيل لم لم يقسموا دية الأصابع عليها إن زادت أو نقصت كما في الأنامل بل أوجبوا في الأصبع الزائدة حكومة قلنا الفرق أن الزائدة من الأصابع متميزة ومن الأنامل غير متميزة ومن له يمينان أو شمالان أو كفان مع الأصابع على منكب في الأوليين أو معصم في الثالثة وإحداهما أكمل من الأخرى فهي اليد الأصلية ففيها أي في قطعها القصاص وفي الأخرى الحكومة ويعرف الكمال بالبطش أو قوته وإن كانت الباطشة أو القوية منحرفة عن الذراع أو ناقصة أصبع كما أفاده كلام القاضي لأن اليد خلقت للبطش فهو أقوى دليلا على كمالها أي أصالتها فإن كانت إحداهما معتدلة والأخرى منحرفة فاليد الأصلية هي المعتدلة لا إن كانت المنحرفة أقوى بطشا فإنها الأصلية لما مر ولو كانت إحداهما معتدلة والأخرى زائدة أصبع فلا تمييز عند الأكثرين لأن اليد الأصلية كثيرا ما تشتمل على الأصبع الزائدة صرح به الأصل فإن وفي نسخة وإن استويا بطشا وإحداهما مستوية لكنها ناقصة أصبع والأخرى منحرفة كاملة ففيه تردد للإمام
قال الزركشي والأقرب أن المنحرفة هي الأصلية كما في زيادة البطش وذكر الماوردي أنهما إذا استويا بطشا وكانت إحداهما أكبر من الأخرى فالكبيرة هي الأصلية فإن وفي نسخة وإن استويا بطشا وغيره فهما كيد واحدة فعلى قاطعهما القصاص أو الدية ويجب مع ذلك حكومة لزيادة الصورة وفي قطع إحداهما نصف دية اليد وحكومة لأنها نصف في صورة الكل ولا قصاص فيها إلا أن يكون للقاطع مثلها وفي قطع الأصبع والأنملة منها نصف ديتهما وحكومة لما مر آنفا فلو عاد القاطع إحداهما بعد أخذ الأرش والحكومة منه وقطع اليد الثانية فهل له أي للمقطوع رد الأرش الذي أخذه غير قدر الحكومة ويقتص منه لأن الأرش إنما أخذ لتعذر القصاص لا لإسقاطه فإذا قطع الثانية حصل الإمكان أولا لأن القصاص يتعلق بقطع اليدين جميعا وقد سبق منه أخذ الأرش عن إحداهما وهو يتضمن إسقاطه فلا عود إليه بعد إسقاطه وجهان كنظيرهما
57
57
في القصاص في الأنملة الوسطى والعليا ويؤخذ منه كما قال الزركشي ترجيح الثاني
فرع
لو قطع ذو اليدين الباطشتين معتدلا أي يدي معتدل لم تقطع يداه للزيادة بل له أي للمقطوع قطع يد منهما ويأخذ نصف دية يد ناقصة شيئا فلو بادر وقطعهما عزر لتعديه وأخذت منه حكومة للزيادة ولا يقتص صوابه ويقتص من أصلية مع وجود زائدة حيث يمكن تخصيصها أي الأصلية بالقطع وإلا فلا يقتص منها فإن لم يعلم عين الأصلية من الزائدة لم يقطع واحدة منهما
فرع لو كانت إحدى يديه باطشة دون الأخرى أو أقوى بطشا منها فقطعت وأخذت ديتها فصارت الأخرى باطشة أو أقوى بطشا صارت هي الأصلية حتى لو قطعها قاطع لزمه القصاص أو الدية و لكن لم يسترد ما زاد على قدر الحكومة مما أخذه المقطوع من الدية لأن بطش الأخرى نعمة من الله تعالى فلا يغير بها ما مضى وكذا لو كانتا باطشتين على السواء فغرمنا قاطع أحدهما الأولى إحداهما نصف الدية لليد والحكومة وزاد بطش الثانية لم يسترد من المقطوع الدية أي نصفها المذكور لتسلم له حكومة يعني لا يسترد من المغروم عن الأولى ما يرده إلى قدر الحكومة وإن ضعفت الثانية بقطعها أي الأولى اقتص منه أي من قاطع الأولى أو أخذت ديتها لأنا عرفنا أنها الأصلية
العضو العاشر الرجلان وفيهما الدية كما جاء في خبر عمرو بن حزم والأعرج كغيره لأنه لا خلل في العضو وكذا تجب الدية لو تعطل مشيه بكسر ظهره فقطع شخص رجله المعطلة لأن الرجل صحيحة والخلل في غيرها وللقدم والأصابع أي أصابع الرجلين حكم الكف وأصابعها فيما مر فيهما والساق والفخذ كالساعد والعضد فيما مر فيهما وحكم العضد وإن لم يتقدم ثم صريحا فقد تقدم ما يقتضيه والأصابع والأنامل والشلل في الرجل كما في اليد وتقدم بيانها لكن ذكر الأصابع مكرر
العضو الحادي عشر حلمتا المرأة وهما المجتمعان ناتئين على رأس الثديين وفيهما أي في قطعهما الدية لأن منفعة الإرضاع وجمال الثدي بهما كمنفعة اليدين وجمالهما بالأصابع سواء أذهبت منفعة الإرضاع أم لا قال الإمام ولون الحلمة يخالف لون الثدي غالبا وحواليها دائرة على لونها وهي من الثدي لا منها ولباقي الثديين بعد قطع الحلمتين حكومة فلو قطعهما مع الحلمتين سقطت أي الحكومة أي لم تجب لدخولها في دية الحلمتين كالكف مع الأصابع و لو قطعهما مع جلدة الصدر فحكومة الجلدة تجب مع الدية فإن وصلت أي الجراحة الباطن فجائفة أي فالواجب أرش جائفة مع دية الحلمة وإذا قطع حلمتي رجل أو خنثى فحكومة تجب لا دية إذ ليس فيهما منفعة مقصودة بل مجرد جمال وكذا ثندوته وهي لحمة تحت حلمته إذا لم يكن مهزولا فيجب في قطعها مع حلمته حكومة أخرى ولا يتداخلان لأن المقطوع منه عضوان ومن المرأة كعضو واحد
فرع لو ضرب ثدي امرأة فشل بفتح الشين فدية تجب كما في اليد وإن استرسل فحكومة لا دية لأن الفائت مجرد جمال لا إن استرسل بذلك ثدي خنثى فلا تجب حكومة حتى يتبين كونه امرأة لاحتمال كونه رجلا فلا يلحقه نقص بالاسترسال ولا يفوت جماله فإذا تبين امرأة وجبت الحكومة
العضو الثاني عشر الذكر وفيه أي في قطعه لعنين وغيره من خصي وشيخ ومختون وغيرهم الدية كما جاء في خبر عمرو بن حزم وتكمل الدية بالحشفة أي بقطعها لأن معظم منافع الذكر وهو لذة الجماع يتعلق بها وأحكام الوطء تدور عليها فهي مع الذكر كالأصابع مع الكف وفي قطع بعضها بعض ديتها بقسطه منها لأن الدية تكمل بقطعها فقسطت على أبعاضها فإن اختل بالقطع مجرى البول فالأكثر من حكومة فساد المجرى وقسطه أي المقطوع من الدية عليه وفي قطع باقي الذكر أو فلقة منه حكومة وكذا في قطع الأشل كما صرح به الأصل فإن أشله أو شقه طولا فأبطل منفعته فدية تجب أو تعذر يضر به الجماع به لا الانقباض والانبساط فحكومة تجب لأنه ومنفعته باقيان والخلل في غيرهما قال في أصل الروضة فلو قطعه قاطع بعد
58
58
ذلك فعليه القصاص أو الدية كذا ذكره ابن الصباغ والبغوي وغيرهما وفيه نظر
انتهى
وتعقبه الأذرعي بأن هذا لم يذكره ابن الصباغ ولا غيره وذكر نحوه الزركشي قال وعبارة الرافعي سالمة منه فإنه قال ففي الشامل والتهذيب عليه الحكومة ثم قال وعلى هذا فلو قطعه قاطع بعد ذلك فعليه القصاص أو كمال الدية والمسألة غير صافية عن الإشكال فهذا إنما ذكره الرافعي بحثا تفريعا على مقتضى ما نقله لا نقلا عمن ذكره
انتهى
والبحث ظاهر أخذه من تعليل وجوب الحكومة السابق
العضو
الثالث عشر والرابع عشر الأنثيان والأليتان
وهما النائتان عن البدن عند استواء الظهر والفخذ ففي قطع كل منهما الدية كما جاء في خبر عمرو بن حزم في الأول وأما الثاني فلما فيه من الجمال والمنفعة الظاهرة في الركوب والقعود وغيرهما وإن نبتتا أي الأليتان بعد قطعهما فلا تسقط الدية كالموضحة إذا التحمت فإن قطع بعض الألية فالقسط له من ديتها إن انضبط وإلا فحكومة ولا يشترط في وجوب ديتها بلوغ الحديدة فيها إلى العظم وسواء في هذا العضو الرجل والمرأة ولا نظر إلى اختلاف القدر الناتئ واختلاف الناس فيه كاختلافهم في سائر الأعضاء صرح به الأصل
العضو الخامس عشر الشفران بضم الشين للمرأة ففي قطعهما وإشلالهما الدية لأن فيهما جمالا ومنفعة إذ بهما يقع الالتذاذ بالجماع سواء شفر الرتقاء والقرناء وغيرهما لأن النقصان فيهما ليس في الشفرين بل في داخل الفرج وهما اللحمان المشرفان على المنفذ أي الفرج فإن قطع العانة معهما أو مع الذكر فدية وحكومة تجبان وإن زالت به أي بقطعهما البكارة فأرشها واجب مع الدية ولو قطعهما فجرح موضعهما آخر بقطع لحم أو غيره لزم الثاني حكومة صرح به الأصل
العضو السادس عشر سلخ الجلد وفيه الدية لأن في الجلد جمالا ومنفعة ظاهرة فإن سلخ مقطوعا عضوه كيده أو قطع مسلوخا جلده سقط القسط من الدية فتجب في الأولى دية الجلد إلا قسط العضو وتوزع في الثانية مساحة الجلد على جميع البدن فما يخص العضو يحط من ديته ويجب الباقي
فصل في كسر الترقوتين حكومة كالضلع وسائر العظام لا جمل نفي لما قيل إن فيهما جمالا لما روي عن عمر أنه قضى بذلك وحمله الأول على أن الحكومة كانت في الواقعة قدر جمل والترقوة بفتح التاء العظم المتصل بين المنكب وثغرة النحر
القسم الثالث المنافع أي إزالتها وهي ثلاثة عشر شيئا الأول العقل وفيه إن لم يرج عوده بقول أهل الخبرة في مدة يظن أنه يعيش إليها أخذا مما يأتي في السمع وينبغي أن يجري مثله في البصر ونحوه الدية كما جاء في خبر عمرو بن حزم ولأنه أشرف المعاني وبه يتميز
59
59
الإنسان عن البهيمة ونقل ابن المنذر فيه الإجماع قال الماوردي وغيره والمراد العقل الغريزي الذي به التكليف دون المكتسب الذي به حسن التصرف ففيه الحكومة فإن رجي عوده في المدة المذكورة انتظر فإن عاد فلا ضمان كمن أي كما في سن من لم يثغر وفي إزالة بعضه بعض الدية بالقسط إن انضبط بزمان كما لو كان يجن يوما ويفيق يوما أو غيره بأن يقابل صواب قوله وفعله بالمختل منهما وتعرف النسبة بينهما
وإلا أي وإن لم ينضبط بأن كان يفزع أحيانا مما لا يفزع أو يستوحش إذا خلا فحكومة تجب يقدرها الحاكم باجتهاده وكذا حيث تجب في سائر المنافع الآتية ولا قصاص فيه للخلاف في محله ولعدم الإمكان وإذا زال العقل بجناية لها أرش مقدر أو حكومة وجبا أي كل منهما مع ديته أي العقل لأنها جناية أبطلت منفعة ليست في محل الجناية فكانت كما لو أوضحه فذهب سمعه أو بصره فلو قطع يديه ورجليه فزال عقله وجب ثلاث ديات وإن مات في أثناء المدة المقدر عوده فيها وجبت الدية كما جزم به الجرجاني وغيره واعتبار المدة والتصريح بوجوب الدية من زيادته وكذا تنظير الانتظار فيما مر بسن من لم يثغر وعبارة الأصل نقلا عن المتولي فإن توقع عوده فيتوقف في الدية فإن مات قبل الاستقامة ففي الدية وجهان كما لو قلع سن مثغور فمات قبل عودها وقوله سن مثغور وصوابه كما قال الأذرعي وغيره سن غير مثغور فإنه الذي ذكره المتولي وإن كان الموافق للمنقول أي من حيث الحكم ما عبر به فإن كذبه الجاني في زوال عقله ونسبه إلى التجانن اختبر في غفلاته فإن لم ينتظم قوله وفعله أعطي الدية بلا يمين لأنه يتجانن في الجواب ويعدل إلى كلام آخر ولأن يمينه تثبت جنونه
والمجنون لا يحلف لا يقال يستدل بحلفه على عقله لأنه قد يجري انتظام ذلك منه اتفاقا نعم إن تقطع جنونه حلف زمن إفاقته وإن انتظما حلف الجاني لاحتمال صدور المنتظم اتفاقا أو جريا على العادة والاختبار بأن يكرر ذلك إلى أن يغلب على الظن صدقه أو كذبه
الثاني السمع أي إزالته وفيه الدية لخبر البيهقي وفي السمع الدية ونقل ابن المنذر فيه الإجماع ولأنه من أشرف الحواس فكان كالبصر و في إزالته مع قطع الأذنين ديتان لأنه ليس في الأذنين وفي إزالة سمع إحداهما نصفها أي الدية لا لتعدد السمع فإنه واحد وإنما التعدد في منفذه بخلاف ضوء البصر إذ تلك اللطيفة متعددة ومحلها الحدقة بل لأن ضبط نقصانه بالمنفذ أقرب منه بغيره فإن قالوا أي أهل الخبرة يعود وقدروا لعوده مدة لا يستبعد عيشه أي أن يعيش إليها انتظرت فإن استبعد ذلك أخذت الدية ولا تنتظر المدة وإن لم يقدروا مدة أخذت الدية في الحال لأن التأخير لا إلى غاية كالتفويت وإن قالوا لطيفة السمع باقية في مقرها ولكن ارتتق المنفذ يعني منفذ السمع أو الشم والسمع أو الشم باق فحكومة تجب لا دية لبقاء السمع إن لم يرج فتقه فإن رجي لم يجب شيء ولو أذهب سمع طفل فلم ينطق بأن تعطل مع بقاء قوته لم يلزمه دية تعطيل النطق بل حكومة لأن الطفل يتدرج إلى النطق تلقيا مما يسمع نعم تجب الدية لإزالة سمعه ويمتحن المجني عليه إن ادعى زواله وأنكره الجاني في غفلاته ونومه بالأصوات المنكرة فإن انزعج علما كذبه و حلف الجاني
60
60
إن سمعه باق لاحتمال أن يكون انزعاجه اتفاقا وإلا علمنا صدقه و حلف هو لاحتمال تجلده ولا بد في امتحانه من تكرره مرة بعد أخرى إلى أن يغلب على الظن صدقه أو كذبه وإن ادعاه أي زواله من إحداهما حشيت الأخرى وامتحن كما مر وإن ادعى زوال بعضه من الأذنين أو إحداهما وكذبه الجاني صدق المجني عليه بيمينه لأنه لا يعرف إلا منه وقسط واجب السمع على الزائل والباقي إن أمكن التقسيط بأن عرف في الأولى أنه كان يسمع من موضع كذا فصار يسمع من دونه وبأن يخشى في الثانية العليلة ويضبط منتهى سماع الأخرى ثم يعكس ويجب قسط التفاوت كما سيأتي ذلك فإن كان نصفا وجب في الأولى نصف الدية وفي الثانية ربعها وإلا أي وإن لم يمكن التقسيط فحكومة تجب
الثالث البصر وفيه أي في إزالته الدية قالوا لخبر معاذ في البصر الدية وهو غريب ولأنه من المنافع المقصودة سواء الأحول والأعمش والأعشى وغيرهم ولا فرق بين إزالته وحده و إزالته مع العينين كما في البطش مع اليدين بخلاف السمع مع الأذنين لما مر وفي إزالة بعضه بعض ديته بالقسط إن تقدر أي أمكن تقديره بأن كان يرى الشخص من مسافة معينة فصار لا يراه إلا من بعضها وإلا فحكومة كما في السمع ولو اختلفا في زواله من العينين أو إحداهما حكم فيه بشهادة عدلين خبيرين مطلقا أو رجل وامرأتين إن كان خطأ أو شبه عمد والتصريح بذكر العدالة من زيادته ويمتحن بمثل تقريب حية مغافصة أي بغتة فإن انزعج صدق الجاني بيمينه وإلا فالمجني عليه بيمينه وخير في المنهاج كأصله بين الامتحان بذلك وسؤال أهل الخبرة فإنهم إذا أوقفوا الشخص في مقابلة عين الشمس ونظروا في عينه عرفوا أن الضوء ذاهب أو قائم بخلاف السمع إذ لا طريق لهم إلى معرفته لكن ما يأتي من أنهم إذا توقعوا عوده وقدروا له مدة انتظر قد يقتضي أن لهم طريقا إلى معرفته والذي في الأصل نقل سؤالهم عن نص الأم وجماعة والامتحان عن جماعة ورد الأمر إلى خيرة الحاكم بينهما عن المتولي ورتب في الكفاية فقال يسألون فإن تعذر الأخذ بقولهم امتحن وظاهر كلامه أنه المعتبر وقال البلقيني أنه متعين وصوبه الزركشي وكلام المصنف لا يوافق شيئا من ذلك لجمعه بين
61
61
السؤال والامتحان إلا أن تجعل الواو للتقسيم فيوافق ما في المنهاج
وإذا روجع أهل الخبرة فشهدوا بذهاب البصر فلا حاجة إلى التحليف وتؤخذ الدية بخلاف الامتحان ولا بد من التحليف بعده ذكره الأصل ثم إن قالوا يعود وقدروا مدة انتظر كالسمع فإن مات قبله أي قبل عوده في المدة فالدية تجب لأن الظاهر عدم عوده لو عاش لا القصاص فلا يجب للشبهة وقال الزركشي تبع فيه الرافعي البغوي وصاحب المهذب والذي جزم به الماوردي والبندنيجي والروياني وغيرهم وجوبه وهو الصواب فقد نص عليه في الأم وسبقه إلى نحو ذلك البلقيني وإن ادعى الجاني عوده قبل الموت وأنكر الوارث صدق الوارث بيمينه لأن الأصل عدم عوده
فرع لو ادعى النقص في عين أو أذن عصبت أي العين أو حشيت أي الأذن وأطلقت الأخرى وعرف مقدار رؤيتها للماشي مثلا في الأولى بأن يوقف شخص بموضع يراه ويؤمر أن يتباعد عنه حتى يقول لا أراه فيعلم على المسافة أو مقدار سماع صوته في الثانية بأن يجلس بمحل ويؤمر من يرفع صوته من مسافة بعيدة عنه بحيث لا يسمعه ثم يقرب منه شيئا فشيئا إلى أن يقول سمعت فيعلم الموضع ثم عصبت العين أو حشيت الأذن الثانية وأطلقت الأولى ويغير في الأولى لباس المتراءى بفتح الهمزة ويؤمر بأن يقرب راجعا إلى أن يراه فيضبط ما بين المسافتين ويجب قسطه من الدية و يغير في الثانية صوته أي المصوت عند الامتحان للصحيحة وينتقل في الجهة أي في سائر الجهات عند الامتحان للعليلة فإن استوت المساحة صدق بيمينه وإلا حلف الجاني لأن اختلاف الجهات لا يؤثر في ذلك والتصريح بالحلف في ذلك من زيادته وإذا عرف تفاوت المساحتين فالواجب القسط فإن أبصر بالصحيحة أو سمع من مائتي ذراع وبالأخرى من مائة فالنصف من الدية يجب وذكر مسألة السمع في المثال من زيادته
فإن قالوا أي أهل الخبرة المائة الثانية عن مائتين وجب الثلثان عبارة الأصل لكن لو قال أهل الخبرة إن المائة الثانية تحتاج إلى مثلي ما تحتاج إليه المائة الأولى لقرب الأولى وبعد الثانية وجب ثلثا دية العليلة فإن أعشاه لزمه نصف دية وفي إزالة عين الأعشى الذي عشيت عيناه بآفة سماوية الدية ومقتضى كلام التهذيب نصفها أي وجوب نصفها موزعا على إبصاره بالنهار وعدم إبصاره بالليل والتصريح بالتقييد بالآفة السماوية من زيادته وإن أعمشه أو أخفشه أو أحوله أو أشخص بصره فحكومة تجب وقوله أو أخفشه من زيادته لكنه ترك من الأصل إشخاص البصر
وإن أذهب أحدهما أي أحد شخصين الضوء والآخر الحدقة واختلفا في عود الضوء وعدم عوده فقال الثاني قلعت الحدقة قبل عوده وقال الأول بل بعده صدق الثاني بيمينه وإن كذبه المجني عليه لأن الأصل عدم عوده
الرابع الشم وفيه أي في إزالته بالجناية على الرأس وغيره الدية كما جاء في خبر عمرو بن حزم لكنه غريب ولأنه من المنافع المقصودة ويمتحن بالروائح إذا أنكر الجاني زوال الشم فإن هش للطيب منها وعبس لغيره أي للخبيث منها حلف الجاني لظهور كذب المجني عليه وإلا حلف هو لظهور صدقه مع أنه لا يعرف إلا منه وإن لزم أنفه أي وضع يده عليه فقال الجاني فعلته لعود شمك وقال هو فعلته اتفاقا أو لغرض آخر كامتخاط وتفكر ورعاف صدق بيمينه لاحتمال ذلك وإن ادعى نقصانه وأنكر الجاني فكالسمع في أن المدعي يصدق بيمينه لأنه لا يعرف إلا منه وليبين في الدعوى والحلف القدر الذي يطالب به وإلا فهو مدع مجهولا وطريقه أن يطلب المتيقن وهذا لا يختص بالشم ولو نقص شم أحد المنخرين اعتبر بالجانب الآخر كما في السمع والبصر صرح به سليم في المجرد وبحثه الأصل فإن قطع أنفه فذهب شمه فديتان كما في السمع لأن الشم ليس في الأنف وهذا من زيادته
الخامس النطق وفيه أي في إزالته الدية لخبر البيهقي في اللسان الدية إن منع الكلام وقال زيد بن أسلم مضت السنة بذلك ولأن اللسان عضو مضمون بالدية فكذا منفعته العظمى كاليد والرجل وإنما تؤخذ الدية إذا قال أهل الخبرة لا يعود نطقه صرح به الأصل وإن كان المزال نطقه ألثغ فإنه تجب فيه الدية كما لو كان البطش المزال ضعيفا
62
62
إلا إن كانت أي اللثغة حصلت بجناية فلا تكمل الدية إذ نقصانها أي اللثغة أي النقصان الحاصل بها على جانبها أي محصلها بجنايته ويمتحن بالتفزيع في أوقات غفلته إذا أنكر الجاني زوال النطق فإن لم ينطق بالتفزيع حلف كأخرس أي كما يحلف الأخرس ووجبت الدية ولو أبطل بجنايته حروفا فذهب إفهام كلامه فالدية واجبة لأن منفعة الكلام قد فاتت وقيل لا يلزم إلا قسط الحروف الفائتة لأنه لم يفوت غيرها من الحروف وإنما تعطلت منافعها فصار كما لو كسر صلبه فتعطل مشيه والرجل سليمة والترجيح من زيادته وجزم بما رجحه البغوي وغيره وقال الروياني إنه المذهب وكلام الشرح الصغير يقتضي ترجيحه ورجحه البلقيني ولو أفهم كلامه مع إبطال بعض الحروف وزعت أي الدية على ما كان يحسن من الحروف لأن الكلام يتركب منها وهي ثمانية وعشرون حرفا في لغة العرب ولام ألف حرفان مكرران فلا اعتداد به ففي إبطال نصف الحروف نصف الدية وفي إبطال حرف منها ربع سبعها وتوزع في لغة غير العرب على عدد حروفها ولو كان ألثغ لا يتكلم إلا بعشرين حرفا مثلا ولا يحسن غيرها وزعت الدية على ما يحسنه لا على الجميع وإلى ذلك أشار بقوله مطلقا أي سواء أكانت من لغة العرب أم من غيرها وسواء ما خف منها على اللسان وما ثقل
وإن تكلم بلغتين وحروف إحداهما أكثر وبطل بالجناية بعض حروف كل منهما فبم الأولى فعلام يوزع أي على أكثرهما حروفا أو أقلهما وجهان رجح منهما البلقيني وغيره الأول لأن الأصل براءة ذمة الجاني فلا يلزمه إلا اليقين وإن قطع شفتيه فذهبت الميم فهل يجب أرشها مع دية الشفتين أو لا يجب غير دية الشفتين كما لو قطع لسانه فذهب كلامه فيه وجهان أوجههما الأول وعبارة الأصل فذهبت الميم والباء وهي أولى لتلازم الحرفين في الذهاب وعدمه فإن أبدل بالجناية على لسانه حرفا بحرف فعليه أرش الفائت ولا يصير الآخر بدلا فإنه أيضا أحد الحروف المقصودة وفي حدوث الفأفأة والتمتمة ونحوها كالوأرة بالجناية حكومة فقط لبقاء المنفعة
وأما الأطراف الناقصة الجرم التي الأولى الذي له أرش مقدر فيحط الأرش للجرم فيها أي في الأطراف المذكورة أي إزالتها والأولى منها أي من ديتها وإن كان الذهاب للجرم بآفة سماوية فلو سقطت أصبعه أو أنملته بجناية أو بغيرها ثم قطعت يده حط من ديتها أرش الأصبع أو الأنملة وكذا يحط واجب الجناية على شيء من المعاني المؤثرة تلك الجناية في نقصه من دية ذلك المعنى لئلا يتضاعف الغرم فيما نقص بالجناية الأولى سواء أكانت الجناية الثانية مبطلة للمعنى وحده أم مع العضو و يحط واجب الجناية على جرم لا أرش له مقدرا وله منفعة زالت بتلك الجناية من دية الجناية على عضو الجرم لذلك لا إن ذهبا أي المعنى أي بعضه في تلك والجرم المذكور في هذه بآفة سماوية فلا يؤثر ذهابهما بل يجب بالجناية على عضو كل منهما كمال الدية إذ لا ينضبط ضعف المنفعة وقوتها والجرم المذكور تابع وكذا الحكم في ذهاب الجرم المذكور إذا لم تكن له منفعة كفلقة انفصلت من لحم أنملة بجناية وإن وجب بها حكومة للشين أو بآفة كما فهم بالمخالفة في الأولى وبالأولى في الثانية
فصل الكلام من اللسان كالبطش من اليد في أنه إذا ذهبت المنفعة ولو مع العضو تجب دية واحدة وفي بعض ما يأتي وذهابه بقطع بعضها أي اللسان موجب للدية كشلل اليد بقطع أصبع منها ولأنه إذا كملت الدية بإذهاب الكلام بالجناية بدون قطع جرم فلأن تكمل مع قطعه أولى قال الرافعي وقد يشكل ما ذكروه بأنا نرى مقطوع اللسان يتكلم ويأتي بالحروف كلها أو بمعظمها وذلك يشعر بأن النطق
63
63
في اللسان ليس كالبطش في اليد فلو قطع ربعها فذهب نصف كلامه أي نصف أحرفه أو عكسه أي قطع نصف لسانه فذهب ربع كلامه فنصف دية تجب اعتبارا بأكثر الأمرين المضمون كل منهما بالدية ولو قطع في الصورتين آخر الباقي فثلاثة أرباعها أي الدية تجب لأنه قطع في الأولى ثلاثة أرباع اللسان وفيها قوة الكلام وأبطل في الثانية ثلاثة أرباع الكلام ولو تساوت نسبة الجرم والكلام بأن قطع نصف لسانه فذهب نصف كلامه وجب نصف الدية صرح به الأصل
ولا يقتص مقطوع نصف ذهب نصف كلامه من مقطوع نصف ذهب ربع كلامه إذا قطع الثاني الباقي من لسان الأول وإن أجرينا القصاص في بعض اللسان لنقص الأول عن الثاني وتجب الدية على من أذهب النطق بقطع للسان غيره أو لبعضه ولم يذهبه القصاص من الجاني فلو قطع نصف لسانه فذهب نصف كلامه فاقتص من الجاني فلم يذهب إلا ربع كلامه فللمجني عليه ربع الدية ليتم حقه وذكر حكم قطع جميع اللسان في ذلك من زيادته لا عكسه بأن لم يذهب الجاني النطق وأذهبه القصاص فلا تجب الدية فلو اقتص في الصورة السابقة من الجاني فذهب ثلاثة أرباع كلامه فلا شيء على المجني عليه لأن سراية القصاص مهدرة ويضمن أرش حرف فوتته ضربة أفادته حروفا لم يكن يتمكن من النطق بها ولا ينجبر الفائت بما حدث لأنه نعمة جديدة وهل يوزع على الحروف وفيها الحروف المفادة أو عليها قبل الجناية قال الإمام هذا موضع نظر
وقضية كلام الرافعي ترجيح الثاني وصرح به صاحب الذخائر وتعبير المصنف بحروف أولى من تعبير أصله بحرف
ولا تضمن ضربة قومت لسانا اعوج بواسطة عجلة أو اضطراب لأنها لم تنقص منه حرفا ولا منفعة ولو قطع بعض لسان وبقي نطقه فحكومة تجب لا قسط إذ لو وجب للزم إيجاب الدية الكاملة في لسان الأخرس قال الزركشي وهذا خلاف مذهب الشافعي فإنه نص في الأم على لزوم القسط وبه أجاب الماوردي وابن الصباغ والعمراني وغيرهم ولو قطع لسانا ذهب نصف كلامه بجناية على اللسان من غير قطع لشيء منه فالدية تجب لقطعه جميع اللسان مع بقاء المنفعة فيه واللسان يذكر ويؤنث وقد استعملها المصنف في هذا الفصل
السادس الصوت وفيه أي في إبطاله ولو مع بقاء اللسان على اعتداله وتمكنه من التقطيع والترديد الدية لما روى البيهقي عن زيد بن أسلم مضت السنة في الصوت إذا انقطع بالدية ولأنه من المنافع المقصودة فإن أشل بإذهابه أي الصوت اللسان بأن عجز عن التقطيع والترديد فديتان تجبان لأنهما منفعتان في كل واحدة منهما إذا انفردت بالتفويت كمال الدية ولو أذهب به أي بإبطال الصوت النطق وهي أي اللسان سليمة فقد تعطل النطق بفوات الصوت فدية واحدة تجب بناء على أن تعطيل المنفعة ليس كإبطالها وينبغي إيجاب حكومة لتعطيل النطق
السابع والثامن المضغ والذوق وفي إبطال كل منهما الدية كغيرهما من المنافع المقصودة وإبطال المضغ يحصل باسترخاء اللحيين بأن يتصلب مغرسهما حتى تمتنع حركتهما مجيئا وذهابا وتخديرهما بأن يجني على الأسنان فيصيبهما خدر وتبطل صلاحيتهما لمضغ ودية الذوق موزعة على خمسة حلاوة وحموضة ومرارة وملوحة وعذوبة
64
64
لكل منها خمسها أي الدية وفي نقصانه أي الذوق بأن نقص الإحساس نقصانا لا يتقدر بأرش وبقي لا يدرك الطعوم بكمالها حكومة وإن أزال النطق والذوق فديتان لاختلاف المنفعة ولاختلاف المحل فالذوق في طرف الحلقوم والنطق في اللسان نقله الرافعي عن المتولي وأقره لكن جزم في موضع آخر بأن الذوق في اللسان وجزم به جماعة منهم ابن جماعة شارح المفتاح وجميع الحكماء وقال الزنجاني والنشائي وغيرهما إنه المشهور وعليه ينبغي أن يكون كالنطق مع اللسان فتجب دية واحدة للسان
ويمتحن إذا اختلف هو والجاني في ذهاب الذوق بالأشياء المرة ونحوها كالحامضة الحادة بأن يلقمها له غيره مغافصة فإن لم يعبس صدق بيمينه وإلا فالجاني بيمينه
التاسع والعاشر والحادي عشر الإمناء والإحبال والجماع ففي كل من إبطال قوة الإمناء وقوة الإحبال ولذة الجماع ولو مع بقاء المني وسلامة الذكر الدية لأنها من المنافع المقصودة ولفوات النسل بإذهاب الإمناء والإحبال وقال البلقيني الصحيح بل الصواب عدم وجوب الدية في إبطال قوة الإمناء لأن الإمناء الإنزال فإذا أبطل قوته ولم يذهب المني وجبت الحكومة لا الدية لأنه قد يمتنع الإنزال بما يسد طريقه فيشبه ارتتاق الأذن ولم يذكر هذه العبارة إلا الغزالي في وسيطه ووجيزه وعبارته في البسيط كعبارة الفوراني وغيره فأبطل منيه وما قاله ظاهر قال الأذرعي ويشبه أن يكون محل إيجاب الدية بإذهاب الإحبال في غير من ظهر للأطباء أنه عقيم وإلا فلا تجب وأن الأولى فإن أذهب إمناءه أو لذة جماعه بكسر الصلب فدية تجب وأفاد كلامه أن المراد بإذهاب الجماع إذهاب لذته ويصدق المجني عليه في إذهاب ذلك بيمينه لأنه لا يعرف إلا منه كالحيض
قال الرافعي إلا أن يقول أهل البصر لا يمكن ذهابه بهذه الجناية ومسألة تصديقه بيمينه ذكرها الأصل في ذهاب الجماع خاصة وكلام المصنف فيها شامل لها وللبقية وهو أحسن أو أذهب إمناءه أو لذة جماعه بقطع الأنثيين فديتان تجبان كما في إذهاب الصوت مع اللسان
وإن أبطل إحبالها فدية تجب بين بهذا أن المراد بإذهاب الإحبال إذهابه من المرأة كما صرح به الأصل قال في المطلب ويحتمل تصويره بإذهابه من الرجل أيضا قلت وكلام المصنف يحتمله بل هو ظاهر فيه لتعبيره بإحبالها لا بحبلها أو أبطل لبنها حال الإرضاع أي حال وجود لبنها أو قبله بأن جنى على ثديها ولم يكن لها لبن ثم ولدت ولم يدر لها لبن وجوزوا كونه بجنايته فحكومة تجب وفارق ذلك إبطال الإمناء حيث أوجب الدية بأن استعداد الطبيعة للمني صفة لازمة والإرضاع شيء يطرأ ويزول وإن كسر صلبه فشل ذكره فدية لإشلال الذكر وحكومة لكسر الصلب
فرع لو ضربه على عنقه فضاق مبلعه فلم يمكنه ابتلاع الطعام إلا بمشقة لالتواء العنق أو غيره فحكومة تجب وإن سده أي المبلع فمات فدية تجب لأنه مات بجناية وقال الغزالي وإمامه في الانسداد الدية حتى لو حزه آخر وفيه حياة مستقرة فعلى كل منهما دية كما في سالخ الجلد مع حاز الرقبة
الثاني عشر الإفضاء للمرأة وإن زالت به البكارة وفيه الدية كما روي عن زيد بن ثابت ولفوات منفعة الجماع أو اختلالها ولو قدم قوله وفيه الدية على قوله وإن زالت به البكارة كان أولى مع أن حكم إزالة البكارة سيأتي وذكره هنا من زيادته فإن التأم محل الإفضاء سقطت ديته وتجب حكومة إن بقي أثر كما في عود البصر بخلاف الجائفة ونحوها لأن الدية لزمت ثم بالاسم وهنا بفقد الحائل وقد سلم وهو أي الإفضاء رفع ما بين القبل والدبر بالذكر أو غيره فإن كان بجماع نحيفة والغالب إفضاء وطئها إلى
65
65
الإفضاء فهو عمد و بجماع غيرها فشبه عمد أو بجماع من ظنها زوجته فخطأ ويجب معها أي الدية المهر إذا كان الإفضاء بالذكر لأنهما بدلا منفعتين مختلفتين فلا يتداخلان وإن رفع حاجزي الدبر والبول أي الحاجز بين القبل والدبر والحاجز بينه وبين مخرج البول فدية للأول وحكومة للثاني لأنه ينقص المنفعة ولا يفوتها وقيل بالعكس لأن الحائل في الأول قوي من أعصاب غليظة لا يكاد يزول بالوطء وصحح المتولي أن كلا منهما إفضاء موجب للدية لأن التمتع يختل بكل منهما ولأن كلا منهما يمنع إمساك الخارج من أحد السبيلين فلو أزال الحاجزين لزمه ديتان
وكذا إن أفضاها ولم يستمسك البول تجب دية وحكومة لا ديتان ويحرم عليه وطء من يفضيها وطؤه ولا يلزم ها التمكين بل يحرم عليها ولا فسخ لأحد من الزوجين لا للزوج بضيق المنفذ ولا للزوجة بكبر آلته وإن خالفت العادة بخلاف الجب والعنة لأنهما يمنعان الوطء مطلقا إلا أن يقضيها بالوطء كل أحد من نحيف وغيره فيثبت له الخيار لأن ضيق منفذها حينئذ كالرتق وهذا بحثه الرافعي بعد أن نقل إطلاق عدم الفسخ عن الأصحاب ومقابله عن الغزالي
ثم قال وينزل كلام الأصحاب على ما إذا كان الزوج هو الذي يفضيها دون نحيف آخر وكلام الغزالي على ما إذا كان يفضيها كل أحد ولم يتعرض لنظيره في آلة الزوج قال الزركشي ومقتضى القياس أن يقال إن كان كبرها لا تحتمله امرأة أصلا كان كالجب أو تحتمله امرأة متسعة المنفذ فلا فسخ ولو أفضى شخص الخنثى فحكومة تجب لا دية لأنا لم نتحقق أن المنفذ فرج وفي إزالة بكارته حكومة لجراحته لا لبكارته لذلك
فرع في إزالة بكارة أجنبية بأصبع مثلا لا بذكر حكومة لأنها جراحة ويقتص بالبكارة من بكر مثلها برفعه فاعل يقتص فإن زالت بذكر بزنا وهي مطاوعة أهدرت بكارتها حكومة كما أهدرت مهرا إذ لا يمكن الوطء بدون إزالتها فكأنها رضيت بإزالتها بخلاف دية الإفضاء لأنها رضيت بالوطء لا بالإفضاء أو وهي مكرهة أو زالت بشبهة من نكاح فاسد أو غيره فحكومة ومهرها ثيبا يجبان وإن أزالها الزوج ولو بخشبة فلا شيء عليه لأنه مستحق لإزالتها وإن أخطأ في طريق الاستيفاء بخشبة أو نحوها فإن أفضاها غير الزوج مع إزالة بكارتها دخل أرش البكارة في الدية لأنهما وجبا للإتلاف فيدخل الأقل في الأكثر بخلاف المهر لاختلاف الجهة فإن المهر للتمتع والأرش لإزالة الجلدة
الثالث عشر البطش وفيه أي في إبطاله الدية وكذا المشي لأنهما من المنافع المقصودة وإن أبطل بطش يد أو أصبع فديتها واجبة لكنها إنما تؤخذ إن اندمل جرحها ولم يعد أي البطش وتسترد الدية إن عاد بعد أخذها وهذا علم من الكلام على الأسنان فإن بقي بعد عوده نقص منه أو أثر كما صرح به الأصل فحكومة تجب كان احدودب بسبب ذلك فإن انكسر صلبه فذهب مشيه ورجله سليمة فدية تجب كما جاء في خبر
66
66
عمرو بن حزم فإن أشل الرجلين منه بذلك أي بكسر صلبه أو أشل ذكره فدية في الإشلال وحكومة في كسر الصلب وفارقت ما قبلها بأن ذهاب المشي في الأولى لخلل الصلب فلا يفرد بحكومة وفي الثانية لشلل الرجل فأفرد كسر الصلب بحكومة ولو ذهب بكسر صلبه مشيه وإمناؤه أو وجماعه كما صرح به الأصل وعبر بدل الإمناء بالمني فديتان تجبان لأن كلا منهما مضمون بالدية عند الانفراد فكذا عند الاجتماع ولأن المشي في الرجل لا في الصلب والمني ليس مستقرا في الصلب ولا له محل مخصوص من البدن وإنما يتولد من الأغذية الصحيحة ويمتحن من ادعى ذهاب مشيه بأن يفاجأ بمهلك كسيف فإن مشى علمنا كذبه وإلا حلف وأخذ الدية
فصل لو فعل به موجب ديات من إزالة أطراف ونحوها واندملت جراحته فحزه من رقبته أو غيرها لزمته الديات مع دية النفس لاستقرار ديات الأطراف بالاندمال وكذا لو لم تندمل ومات بسقوطه من سطح ونحوه كما أفتى به البلقيني وفرق بينه وبين اعتبار التبرع في المرض المخوف من الثلث لو مات بذلك بأن التبرع صدر عند الخوف من الموت فاستمر حكمه وإن مات منها أو من بعضها كما اقتضاه نص الشافعي واعتمده البلقيني بأن سرت إلى النفس فالدية للنفس واجبة وسقط بدل الأطراف لأنها صارت نفسا أو حزه قبل الاندمال واتفقت أي الجنايات عمدا أو خطأ أو شبه عمد فالدية تجب للنفس فقط لأنها وجبت قبل الاستقرار بدل الأطراف فيدخل فيها بدلها كالسراية ولأن السراية إذا لم تنقطع بالاندمال كانت الجنايات كلها قتلا واحدا وهذا يخالف ما لو قطع أطراف حيوان غير آدمي وسرت الجناية إلى النفس أو عاد فقتله قبل الاندمال حيث تجب قيمته يوم موته ولا يندرج فيها قيمة أطرافه لأنه مضمون بما نقص وهو يختلف بالكمال والنقصان والآدمي مضمون بمقدر وهو لا يختلف بذلك ولأن الغالب في ضمانه التعبد فلو كانت أي الجنايات خطأ أو عمدا أو شبه عمد دخلت الأطراف أي ديتها في دية النفس ولا يتداخل الخطأ والعمد لاختلافهما واختلاف من يجبان عليه فلو قطع يده خطأ ثم حزه قبل الاندمال عمدا وعفا الولي عن القصاص فله نصف دية الخطأ على عاقلته مخففة ودية العمد مغلظة في ماله
وإن قتله قصاصا فله نصف دية اليد على عاقلته مخففة ولو قطع يده عمدا ثم حز رقبته خطأ قبل الاندمال فللولي قطع يده ودية النفس على عاقلته مخففة وإن عفي عن القطع فله نصف الدية مغلظة في ماله لليد ودية مخففة على عاقلته للنفس صرح به الأصل
الباب الثالث في بيان الحكومات والجناية على الرقيق وفيه طرفان الأول الحكومة هي فعولة من الحكم لاستقرارها بحكم الحاكم وهي جزء من الدية نسبته من دية النفس أي نفس المجني عليه إليها نسبة ما نقص بالجناية عليه من قيمته إليها بفرض الرق أي بفرضه رقيقا إذ الحر لا قيمة له وذلك بأن يقوم بعد برئه سليما من أثر الجناية ثم يقوم وبه أثرها وينظر إلى التفاوت بينهما فلو كانت قيمته قبلها مائة وبعدها تسعين فالتفاوت عشر فيجب عشر الدية لأن الجملة مضمونة بجميع الدية فتضمن الأجزاء بالأجزاء كما في نظيره من عيب المبيع وللحاجة في معرفة الحكومة إلى تقدير الرق قال الأئمة العبد أصل الحر في الجنايات التي لا يتقدر أرشها كما أن الحر أصل العبد في الجنايات التي يتقدر أرشها وتجب الحكومة إبلا لا نقدا كالدية وأما التقويم فمقتضى كلامهم أنه بالنقد لكن نص الشافعي على أنه بالإبل فقال في إذهاب العذرة فيقال لو كانت أمة تساوي خمسين من الإبل كم ينقصها ذهاب العذرة من القيمة فإن قيل العشر وجب خمس من الإبل وإن قيل أقل أو أكثر وجب حكاه البلقيني ثم قال وهو جار على أصله في الديات أن الإبل هي الأصل
انتهى
والظاهر أن كلا من الأمرين جائز لأنه يوصل إلى الغرض
ولا
67
67
يبلغ الحاكم بحكومة طرف أرشه المقدر كاليد والرجل لئلا تكون الجناية على العضو مع بقائه مضمونة بما يضمن به العضو نفسه فتنتقص حكومة الأنملة بجرحها أو قطع ظفرها عن ديتها وحكومة جراحة الأصبع بطوله عن ديته ولا يبلغ بما أي بحكومة ما دون الجائفة من الجراحات على البطن أو نحوه الجائفة أي أرشها ولا بنحو أي بحكومة نحو الصلب والساعد و سائر ما ليس له أرش مقدر من الأعضاء كالظهر والكتف دية النفس وإن بلغت أرش عضو مقدر أو زادت عليه وإنما لم يجعل الساعد كالكف حتى لا يبلغ بحكومة جرحه دية الأصابع لأن الكف هي التي تتبع الأصابع دون الساعد ولهذا لو قطع من الكوع لزمه ما يلزم في لقط الأصابع ولو قطع من المرفق لزمه مع الدية حكومة الساعد ولو بلغ بحكومة كف دية أصبع جاز لأن منفعتها دفعا واحتواء يزيد على منفعة أصبع وكما أن حكومة اليد الشلاء لا تبلغ دية اليد ويجوز أن تبلغ دية أصبع وأن تزيد عليها فإن بلغت حكومة العضو أرشه المقدر نقص الحاكم شيئا منها باجتهاده لئلا يلزم المحذور السابق ولا يكفي أقل متمول قال الإمام وقال ابن الرفعة تبعا للماوردي أقله ما يصلح ثمنا أو صداقا أي فيكفي أقل متمول
فصل ويقوم المجروح لمعرفة الحكومة مندملا لأن الجرح قد يسري إلى النفس أو إلى ما يكون واجبه مقدرا فيكون ذلك هو الواجب لا الحكومة وإن لم ينقص بالجرح بعد اندماله شيء من منفعة أو جمال أو قيمة كقلع سن أو أصبع زائدة فأقرب نقص إلى الاندمال يعتبر وهكذا إلى حال سيلان الدم حتى تنقص القيمة بتأثرها بالخوف والخطر فإن لم ينقص به شيء فيعزر فقط إلحاقا للجرح حينئذ باللطم والضرب للضرورة أم يفرض القاضي شيئا باجتهاده وجهان رجح منهما البلقيني وغيره الثاني
ولو أفسد منبت لحية امرأة أو قلع سنا أو أصبعا زائدة ولم ينقص بذلك شيء قدرت أي المرأة بلحية عبد تزينه ومثلها الخنثى وقدرت السن أو الأصبع زائدة ولا أصلية أخلفها أي يقوم المجني عليه متصفا بذلك ثم يقوم مقلوع تلك الزائدة فيظهر التفاوت بذلك لأن الزائدة تسد الفرجة ويحصل بها نوع جمال ولو قطع أنملة لها طرف زائد قدر القاضي للزائد شيئا باجتهاده ولا تعتبر النسبة لعدم إمكانها قال الرافعي وكأن يجوز أن يقوم وله الزائدة بلا أصلية ثم يقوم دونها كما فعل في السن الزائدة أو تعتبر بأصلية كما اعتبرت لحية المرأة بلحية الرجل ولحيتها كالأعضاء الزائدة ولحيته كالأعضاء الأصلية
انتهى
ويقاس بالأنملة فيما ذكر نحوها كالأصبع
وإن ضربه بسوط أو غيره أو لطمه ولم يظهر بذلك شين فالتعزير واجب فإن ظهر شين كأن اسود محل ذلك أو اخضر وبقي الأثر بعد الاندمال وجبت الحكومة والعظم المكسور في غير الرأس والوجه إن انجبر ولم يبق فيه أثر كالجراح فيما مر فيعتبر أقرب نقص إلى الاندمال وهكذا إلى آخر ما مر وإن بقي أثر وهو الغالب وجبت الحكومة وإن انجبر معوجا فكسره الجاني ليستقيم وليس له كسره لذلك فحكومة أخرى لأنه جناية جديدة وفي إفساد منبت الشعور حكومة ومحله فيما فيه جمال كاللحية وشعر الرأس أما ما الجمال في إزالته كشعر الإبط فلا حكومة فيه في الأصح
68
68
وإن كان التعزير واجبا فيه للتعدي قاله الماوردي والروياني لكن كلام المصنف كأصله هنا وفي الضابط الآتي يقتضي وجوبها لا فيها أي الشعور أي لا حكومة في إزالتها بغير إفساد منبتها لأنها تعود غالبا وضابطه أي ما يوجب الحكومة وما لا يوجبها أن أثر الجناية من ضعف أو شين إن بقي أوجب حكومة وإن لم يبق والجناية جرح أو كسر فوجهان أصحهما وجوبها بأن يعتبر أقرب نقص إلى الاندمال وهكذا إلى آخر ما مر أو غيره أي غير جرح أو كسر كإزالة الشعور واللطمة فلا شيء فيه من حكومة
فصل الجرح المقدر يتبع أرشه بالنصب حكومة جوانبه بالرفع كالموضحة فلو أوضح رأسه وبقي حول الموضحة شين كتغير لون ونحول واستحشاف وارتفاع وانخفاض تبعها لأنه لو استوعب جميع موضعه بالإيضاح لم يلزمه إلا أرش موضحة وكذا ما دونها كالمتلاحمة إن عرف نسبته منها بأن كان بجنبه موضحة وأوجبناه أي ما اقتضته النسبة لكونه أكثر من الحكومة فإن شينه يتبعه ولا ينفرد بحكومة فإن لم تعرف نسبته منها بأن عسر تقدير أرشه أو لم يكن بجنبه جرح له أرش مقدر فلا يتبعه شينه في الحكومة لأنها ضعيفة لا تقوى على الاستتباع بخلاف المقدر وما ألحق به وعلى هذا يحمل إطلاق المنهاج كأصله والأنوار إن شين الجرح الذي لا مقدر له يفرد بحكومة لكن قال ابن النقيب في تصويره عسر فإنا نحتاج إلى تقويمه سليما ثم جريحا بلا شين فتحصل حكومة ثم يقوم جريحا بشين وجريحا بلا شين فتحصل حكومة ثانية والذي ينبغي أن يقوم سليما ثم جريحا بشين ويجب ما بينهما ولعله لا يختلف مع ما تقدم أي في المقدار فلا فائدة في قولنا يفرد بحكومة نعم تظهر فائدته لو عفي عن إحدى الحكومتين فتجب الأخرى وذكر نحوه البلقيني فقال الأقيس عندنا إيجاب حكومة واحدة جامعة لهما وتظهر فائدة ذلك فيما لو زاد على المقدر فعلى إيجاب حكومتين لا يحتاج إلى نقص إذا نقص كل منهما عن المقدر وعلى إيجاب حكومة لا بد من النقص فإن تعدى شين موضحة الرأس عن محله إلى القفا أو الوجه فوجهان صحح منهما البارزي عدم التبعية لتعديه محل الإيضاح وكلام الأصل يشير إليه ولو أوضح جبينه فأزال حاجبه فالأكثر من الحكومة للشين وإزالة الحاجب و سن أرش الموضحة يجب هذا مستثنى مما ذكر
ولو جرحه على بدنه جراحة وبقربها جائفة قدرت بها ولزمه الأكثر من أرش القسط والحكومة كما لو كان بقربها موضحة
الطرف الثاني في الجناية على الرقيق ففي الجناية على نفسه قيمة بالغة ما بلغت كما مر وفيها أي الجناية على ما دون نفسه مما لا مقدر له ما نقص من قيمته سليما لأنا نشبه الحر في الحكومة بالعبد ليعرف قدر التفاوت ليرجع به ففي المشبه به أولى فإذا قطع منه ما له أرش مقدر من الحر فإنه يجب نسبته من قيمته أي يجب فيه جزء من قيمته بنسبته إليها كنسبة الواجب في الحر إلى الدية لأنه مضمون بالقصاص فيتقدر بدل أطرافه كالحر ففي قطع يده نصف قيمته وفي يديه قيمته وفي ذكره وأنثييه قيمتاه وإذا قطع يد عبد قيمته ألف لزمه خمسمائة فإن قطع الأخرى آخر بعد الاندمال وقد نقص مائتين لزمه أربعمائة أو قبل الاندمال فنصف ما وجب على الأول يلزمه وهو مائتان وخمسون لأن الجناية الأولى لم تستقر بعد حتى ينضبط النقصان وقد أوجبنا بها نصف القيمة فكأنه انتقص نصفها فإن مات بسرايتهما أي الجنايتين والجاني واحد فكقطعه إياهما معا التصريح بهذا من زيادته وإن لم تسر جنايتاه فكما لو قطعه اثنان صرح به الأصل أو مات بسرايتهما والجاني هو وآخر بأن جنى هو على يد والآخر على الأخرى فكما مر في الذبائح
وإن قطع يده ثم حزه آخر لزمه أي الثاني قيمته بلا يد ولزم الأول نصف قيمته ويفارق الحر حيث لا يؤثر فقدان الأطراف في بدله لأن الرجوع في بدل العبد إلى قول المقومين وبدل الحر مقدر في الشرع لا يختلف ولأن فقد بعض أطراف العبد يؤثر في بدل أطرافه لتأثيره في نقصان بدل النفس بخلاف الحر

69
69
الباب الرابع في موجب الدية وحكم السحر وفيه خمسة أطراف
الأول في السبب المؤثر وغيره ولو علة أو شرطا ولا ينافيه ما مر من أن مراتب الشيء الذي له أثر في الهلاك ثلاثة العلة والسبب والشرط والضابط فيما يؤثر فيه وما لا يؤثر أن يحصل الهلاك عنده أو صوابه إن كان مؤثرا في الهلاك فهو كالهلاك بحذف مضاف وزيادة الكاف أي فهو علة الهلاك وعبارة الأصل فهو علة للهلاك وفيه الدية ولو لم يؤثر في الهلاك بل يوجب الهلاك بأن يتوقف تأثير المؤثر في الهلاك عليه كالحفر مع التردي تعلقت به الدية أيضا وإن لم يتوقف ذلك عليه فالموت عنده اتفاقي لا شيء فيه ولا أثر لصفعة خفيفة مات معها للعلم بأنه لا أثر لها في الهلاك ولو قصد صغيرا غير مميز أو ضعيف التمييز أو مجنونا أو نائما أو امرأة ضعيفة بتهدد عبارة الأصل بتهديد شديد أو سلاح أو صياح أي شديد كما في الرافعي فجن أو ارتعد فسقط من طرف سطح أو بئر أو نهر أو نحوها ومات منه فشبه عمد تجب فيه دية مغلظة على العانة لأن هؤلاء كثيرا ما يتأثرون بذلك لا عمد وفي نسخة ولا عمد لأن التأثير بذلك ليس غالبا سواء أغافصه من ورائه أم واجهه أما لو مات بعدما ذكر بمدة بلا تألم أو عقبه بلا سقوط أو بسقوط بلا ارتعاد فلا ضمان لأن الموت به في غاية البعد قال ابن الرفعة والتقييد بالارتعاد كأنه لوحظ فيه أن يغلب على الظن كون السقوط بالصياح أي أو نحوه وإن لم يقصده بذلك كأن قصد به صيدا فارتعد به صبي أو نحوه ومات منه فخطأ تجب فيه دية مخففة على العاقلة ولو كان الصغير أو نحوه على الأرض فمات بالصيحة أو نحوها أو كان بالغا أو مراهقا متيقظا وسقط وفي نسخة فسقط من السطح أو نحوه فهدر لأن الغالب عدم تأثيرهم بذلك وظاهر كلامه أن الصغير المميز غير المراهق كغير المميز وكلام الأصل فيه متدافع لأنه قيد في الأول بغير المميز وفي الثاني بالمراهق المتيقظ والظاهر أنه كالمراهق
فرع لو طلبها السلطان أو كاذب عليه لعقوبة أو لغيرها كإحضار ولدها وإن لم تذكر عنده بسوء خلافا لما يوهمه كلام أصله من أن ذكرها عنده بسوء شرط أو تهددها غيره فأجهضت أي ألقت جنينا فزعا منه وجب ضمانه بغرة مغلظة على عاقلة الطالب لا ضمان ثياب أفسدها حدث خرج منه فزعا ممن ذكر لأنه لم ينقصه جمالا ولا منفعة ولا إن ماتت أي الحامل أو غيرها بتهديد الإمام أو غيره فلا ضمان لأنه لا يفضي إلى الموت بخلاف ما لو ماتت بالإجهاض
الطرف الثاني فيما يغلب من العلة والشرط إذا اجتمعا مع أنه تقدم بيانه مع زيادة في أوائل كتاب الجنايات فالعلة وهي المباشرة إذا اجتمعت مع الشرط تغلب الشرط إن كانت عدوانا كمن حفر بئرا ولو عدوانا فردى غيره فيها إنسانا عدوانا وإن لم تكن أي العلة عدوانا كجاهل تردى فيها فمات فإن كان الحفر عدوانا فدية خطأ تجب على عاقلة الحافر وإلا فلا ضمان
فرع لو ألقى صبيا في مسبعة أي موضع السباع فأكله سبع لم يضمن ه ولو عجز عن الانتقال كما علم
70
70
بزيادة مما مر في أوائل الجنايات في فصل أنهشه حية وأفهم كلامه بالأولى أنه لا ضمان في البالغ وإنما خص الصبي بالذكر للخلاف فيه
ولو تبع رجلا بالسيف وكذا صبيا مميزا فولى هاربا فألقى نفسه في مهلك كنار أو ماء عالما به لا جاهلا فهلك أو لقيه سبع في طريقه فقتله ولم يلجئه إليه بمضيق لم يضمن ه لأنه في الأولى باشر إهلاك نفسه قصدا والمباشرة مقدمة على السبب ولأنه أوقع نفسه فيما كان يحذر من تابعه فأشبه ما لو أكره إنسانا على أن يقتل نفسه فقتلها لا ضمان على المكره وفي الثانية لم يوجد من التابع إهلاك ومباشرة السبع العارضة كعروض القتل على إمساك الممسك وإلا بأن كان الملقي نفسه غير مميز أو جاهلا بالمهلك لعمى أو ظلمة أو تغطية بئر أو غيرها أو ألجأه إلى السبع بمضيق ضمن ه لأنه لم يقصد إهلاك نفسه وقد ألجأه التابع إلى الهرب المفضي إلى الهلاك والتصريح بقوله مميزا من زيادته
وإن انخسف السقف بالهارب لا الملقي أي لا بالملقي نفسه عليه من علو ضمنه لأنه حمله على الهرب وألجأه إليه مفضيا إلى الهلاك مع جهله به فأشبه ما لو وقع ببئر مغطاة بخلاف الملقي نفسه عليه إذا انخسف بثقله لا بضعف السقف ولم يشعر به كما ذكره الأصل لأنه باشر ما يفضي إلى الهلاك
ولو علم ولي أو غيره بإذنه أي الولي صبيا ولو مراهقا السباحة أي العوم أو الفراسة بفتح الفاء لغة في الفروسة والفروسية كما مر فهلك فشبه عمد فتلزمه ديته كضرب المعلم الصبي تأديبا إذا هلك به ولأنه هلك بإهماله قال في الوسيط ولو قال له ادخل الماء فدخل مختارا فيحتمل عدم الضمان إذ لا يضمن الحر باليد والصبي مختار وقال العراقيون يجب لأنه ملتزم للحفظ
انتهى
وإن أدخله الماء ليعبر به فكما لو ختنه وسيأتي بيانه في ضمان المتلفات
وإن سلم البالغ العاقل نفسه للسباح ليعلمه السباحة فغرق هدر لاستقلاله فعليه أن يحتاط لنفسه ولا يغتر بقول السباح
فصل في بيان الحفر عدوانا وغيره
حفر البئر في ملك الغير أو في مشترك فيه بين الحافر وغيره بلا إذن عدوان فيتعلق به الضمان لتعدي الحافر بخلاف حفرها بالإذن وحفرها في ملك نفسه أو في موات كما سيصرح به ورضاه باستبقائها أي البئر المحفورة عدوانا كالإذن في حفرها فلا يتعلق بها ضمان ولا يفيده تصديق المالك بالإذن أي فيه بعد التردي فلو قال بعده حفر بإذني لم يصدق واحتاج الحافر إلى بينة بإذنه
ولو تعدى بدخوله ملك غيره فوقع في بئر حفرت عدوانا فهلك يضمنه الحافر لتعديه أولا لتعدي الواقع فيها بالدخول وجهان صحح منهما البلقيني وغيره الثاني فإن أذن له المالك في دخولها فإن عرفه بالبئر فلا ضمان وإلا فهل يضمن الحافر أو المالك وجهان في تعليق القاضي قال البلقيني والأرجح أنه على المالك لأنه مقصر بعدم إعلامه فإن كان ناسيا فعلى الحافر
فرع
71
71
لو حفر بئرا في شارع ضيق يتضرر الناس بالبئر فيه ضمن ما هلك بها وإن أذن له السلطان فيه وليس له الإذن فيما يضر قال الزركشي وقضيته أنه لا فرق بين أن يكون فيه مصلحة للمسلمين وأن لا يكون وفيه نظر وله حفرها في الشارع الواسع سواء المنعطف منه وغيره لمصلحة المسلمين كالحفر للاستقاء أو لاجتماع ماء المطر فلا ضمان لما يهلك بها وإن لم يأذن فيه الإمام لما فيه من المصلحة العامة وقد تعسر مراجعة الإمام فيه نعم إن نهاه فعليه الضمان كما نقل عن أبي الفرج الزاز وخص الماوردي ذلك بما إذا أحكم رأسها فإن لم يحكمها وتركها مفتوحة ضمن مطلقا قال الزركشي وهو ظاهر وكذا له حفرها في ذلك لنفسه وإن لم يأذن فيه الإمام و لكنه يضمن ما هلك بها لافتياته على الإمام إلا إن أذن له أي حفرها أو رضي باستبقائها فلا ضمان إذ له أن يخص بعض الناس بقطعة من الشارع حيث لا يضر بالمارة والتصريح بأن له الحفر فيما ذكر من زيادته
و حفرها في الموات للاستقاء منها أو للتملك كما فهم بالأولى وصرح به الأصل لا يضمن لأنه جائز كالحفر في ملكه وعليه يحمل خبر مسلم البئر جبار أي لا ضمان فيه
وإن حفر في ملكه لو متعديا كأن حفر فيه وهو مؤجر أو مرهون بغير إذن المكتري أو المرتهن ودخل رجل داره بالإذن وأعلمه أن هنا بئرا أو كانت مكشوفة والتحرز منها ممكن فهلك بها لم يضمن وذكر الملك مثال والمراد ما يستحق منفعته ولو بإجارة أو وصية أما إذا لم يعرفه بها والداخل أعمى أو الموضع مظلم أي أو البئر مغطاة ففي التتمة أنه كما لو دعاه إلى طعام مسموم فأكله فيضمن فلو حفر بئرا في دهليز داره ودعا إليه إنسانا فهلك بها فقد سبقت في أول الجنايات وتقدم تقريرها ثم
فرع بناء المسجد في الشارع وحفر بئر في المسجد ووضع سقاية على باب داره ليشرب الناس منها كالحفر في الشارع فلا يضمن الهالك بشيء منها وإن لم يأذن الإمام إن لم يضر بالناس لأنه فعله لمصلحة المسلمين والتصريح بالتقييد بعدم الضرر في الأخيرتين من زيادته فإن بنى أو حفر ما ذكر لمصلحة نفسه فعدوان إن أضر بالناس أو لم يأذن فيه الإمام وظاهر أن بناء المسجد ولا تصير به البقعة بل ولا البناء مسجدا بل لا بد من لفظ يحصل به ذلك قال الماوردي ولو بنى مسجدا في موات فهلك به إنسان لم يضمنه وإن لم يأذن الإمام ولا يضمن بتعليق قنديل وفرش حصير أو حشيش ونصب عمد وبناء سقف وتطيين جدار كما صرح به الأصل في المسجد ولو بلا إذن من الإمام لأنه فعله لمصلحة المسلمين ويضمن الهلاك المتولد من جناح خارج إلى شارع وإن كان إخراجه جائزا بأن لم يضر بالمارة سواء أذن فيه الإمام أم لا لأن الارتفاق بالشارع مشروط بسلامة العاقبة وكذا يضمن المتولد من جناح خارج إلى درب منسد ليس فيه مسجد أو نحوه أو إلى ملك غير
72
72
بلا إذن من أهل الدرب في الأولى والمالك في الثانية
وإن كان الجناح عاليا لتعديه بخلافه بالإذن والدية في الحر والقيمة في الرقيق على العاقلة إن تلفا بذلك وإن تلف به مال ليس برقيق ففي ماله يجب الضمان أما إذا كان فيه مسجد أو نحوه فهو كالشارع كما نبه عليه الأذرعي وغيره أخذا مما مر في الصلح
فصل لا يضمن المالك التصرف المعتاد في ملكه أي ما يتولد منه إذ لكل أحد أن يتصرف في ملكه بالمعروف ولا يتقيد بسلامة العاقبة لئلا يؤدي إلى حرج عظيم وينجر إلى بطلان فائدة الملك بخلاف إشراع الجناح إذ لا ضرورة إليه ولا يرغب فيه كل أحد كمن نصب فيه أي في ملكه سكينا أو شبكة فأهلكت شيئا أو وضع جرة على طرف سطح له فسقطت بريح أو هدم لمحلها ببلها فأهلكت شيئا أو أوقف دابة في ملكه فرفست رجلا فأهلكته ولو كان خارج ملكه أو نجست ثوبه مثلا أو كسر حطبا فيه أي في ملكه فتطاير منه شيء فأهلك شيئا أو حفر فيه بئرا أو بالوعة فتندى جدار جاره فانهدم أو غارت بذلك بئره أي ماؤها أو تغيرت فإنه لا يضمن لأن الملاك لا يستغنون عن مثل ذلك بخلاف إشراع الجناح كما مر فقوله لم يضمن لا حاجة إليه وكأنه توهم أنه جواب شرط تقدم فإن وسع حفرها أو قربها من الجدار أي جدار جاره خلاف العادة أو وضع في أصل جدار غيره سرجينا أو لم يطو بئره ومثلها أي مثل أرضها ينهار إذا لم تطو ضمن ما هلك بذلك لتقصيره
ولا يضمن المتولد من نار أوقدها في ملكه وطرف سطحه عبارة الأصل أو على سطحه إلا إن أوقد ها وأكثر في الإيقاد خلاف العادة أو أوقدها في يوم ريح عاصف أي شديد فيضمن كطرحها في ملك غيره إلا الأولى لا إن عصف الريح بعده أي بعد الإيقاد فلا يضمن لعذره نعم إن أمكنه إطفاؤه فتركه قال الأذرعي ففي عدم تضمينه نظر
وإن سقى أرضه كالعادة فخرج الماء من جحر فأهلك شيئا لم يضمنه إلا إن سقى فوق العادة أو علم بالجحر ولم يحتط فيضمن لتقصيره
فصل إذا كان الميزاب كله خارجا عن الجدار بأن سمر عليه أو بعضه داخلا فيه وبعضه خارجا عنه فهلك بالخارج فيهما إنسان حر لزمه الدية أو غيره لزمته القيمة كما في الجناح وكما لو طرح ترابا في الطريق ليطين به سطحه فزلق به إنسان وهلك ودعوى ضرورة البناء إليه ممنوعة إذ يمكنه أن يتخذ لماء السطح بئرا في داره أو يجري الماء في أخدود في الجدار وإن سقط كله وهلك بالخارج والداخل أو بعضه أي بعض كل منهما أو بطرف الكل لزمه نصف الدية لحصول التلف من مضمون وغير مضمون وإن زادت مساحة أحدهما لأن التلف حصل بثقل الجميع وقوله أو بعضه من زيادته وإن فسد بمائه أي الميزاب ثوب مار ضمن ما نقص به والضمان بالجناح كهو بالميزاب فيما فصله آنفا
والجدار إن بني أي إن بناه شخص مستويا أو مائلا إلى ملكه أو موات فسقط وأتلف شيئا فلا ضمان لأنه تصرف في ملكه ولم يقصر ولأن له أن يبني في ملكه كيف شاء نعم إن كان ملكه المائل إليه الجدار مستحقا لغيره بإجارة أو وصية كان كما لو بناه مائلا إلى ملك غيره فيما يظهر لأن منفعة الهواء تابعة لمنفعة القرار قاله الأذرعي
وإن بناه مائلا إلى شارع أو إلى ملك الغير بلا إذن منه ضمن ما تلف به وإن أذن الإمام فيه كالساباط والجناح فإن مال المستوي إلى ذلك أو غيره وسقط وتلف به شيء لم يضمنه وإن أمكن هدمه وإصلاحه وأمر به بأن أمره بهدمه الوالي أو غيره إذ لا صنع له في البل بخلاف الميزاب ونحوه وكملك الغير الدرب المنسد أو نحوه
73
73
ولو سقط ما بناه مستويا ولو بعد ميله إلى شارع أو غيره ولم يرفعه لم يضمن ما تلف به لأن السقوط لم يحصل بفعله نعم إن قصر في رفعه ضمن قاله جماعة منهم الماوردي وقال الأذرعي إنه المختار ولو بناه مائلا بعضه فالضمان بالساقط منه كهو بالميزاب فيما مر فيه من التفصيل صرح به الأصل ولو استهدم الجدار ولم يمل لم يلزمه نقضه ولا ضمان ما تولد منه لأنه لم يجاوز ملكه وقضيته أنه إذا مال لزمه ذلك وليس مرادا
فرع لو باع ناصب الميزاب أو الجناح أو باني الجدار مائلا الدار لم يبرأ من الضمان أي ضمان ما تلف بذلك نعم لو بني الجدار مائلا إلى ملك الغير عدوانا ثم باعه منه وسلمه إياه فيشبه أن يبرأ بذلك فقدر في حفر البئر في ملك الغير إن رضاه ببقائها يبرئ الحافر ذكره الزركشي وغيره ومن هلك به من الآدميين فضمانه على عاقلة البائع نعم إن كانت عاقلته يوم السقوط غيرها يوم النصب أو البناء فالضمان عليه صرح به البغوي في تعليقه وقول المصنف مائلا أولى من قول أصله المائل لسلامته من إيهام أن الجدار الحادث ميله كالجدار الذي بناه مائلا ولصاحب الملك مطالبة من مال جداره إلى ملكه بالنقض كأغصان الشجرة تنتشر إلى هواء ملكه فإن له المطالبة بإزالتها لكن لو تلف بها شيء لم يضمن مالكها لأن ذلك لم يكن بصنعه بخلاف الميزاب ونحوه نقله البغوي في تعليقه عن الأصحاب
فرع لو طرح قمامة أي كناسة أو قشر بطيخ أو نحوه أو متاعا في ملكه أو في موات أو ألقى القمامة في سباطة مباحة لم يضمن ما تلف بشيء منها لاطراد العرف بالمسامحة بذلك مع الحاجة إليه أو طرح شيئا منها في طريق ضمن ما تلف به سواء أطرحه في متن الطريق أم طرفه لأن الارتفاق بالطريق مشروط بسلامة العاقبة ولأن في ذلك مضرة على المسلمين كوضع الحجر والسكين لا من مشى عليه قصدا فهلك أي لا يضمنه الطارح كما لو نزل البئر فسقط وخرج بطرحها ما لو وقعت بنفسها بريح أو نحوه فلا ضمان إلا إذا قصر في رفعها بعد ذلك وسيأتي حكم الحمام في باب إتلاف البهائم
ويضمن برش الماء في الطريق لمصلحته ما تلف به لما مر لا برشه لمصلحة المسلمين كدفع الغبار عن المارة وذلك كحفر البئر للمصلحة العامة هذا إن لم يجاوز العادة وإلا فيضمن كبل الطين في الطريق ولتقصيره نعم إن مشى على موضع الرش قصدا فلا ضمان كما صرح به أصله وما ذكره كأصله فيما إذا لم يجاوز العادة قضيته أنه لا ضمان وإن لم يأذن الإمام قال الزركشي لكن الذي صرح به الأصحاب وجوب الضمان إذا لم يأذن له الإمام وقال المتولي إنه الصحيح لأنه ليس إليه مراعاة المصالح ولأن معظم غرضه مصلحة نفسه وهو أن لا يتأذى بالغبار
انتهى
وإن بنى دكة على باب داره في الطريق أو وضع متاعه في الطريق لا في طرف حانوته ضمن ما تعثر وتلف به لما مر ولأنه بنى الدكة لمصلحة نفسه وإنما لم يضمن ما تلف بما
74
74
وضعه بطرف حانوته لكونه موضوعا فيما يختص به قال الأذرعي وهو ظاهر إذا لم يخرج من الموضوع شيئا عن طرف الحانوت وإلا فهو كمتاع الطواف والجناح ونحوهما وأولى بالتضمين
وإن تعدى شخص بإسناد خشبة إلى جدار لغيره فسقط على شيء فأتلفه ضمنه أي الجدار وما تلف به وإن تأخر السقوط عن الإسناد كما مر في آخر الغصب بخلاف ما لو فتح قفصا عن طائر وطار حيث يفرق فيه بين طيرانه في الحال وطيرانه بعد مدة لأن الطائر مختار والجماد لا اختيار له أو أسندها إلى جداره أو جدار غيره بلا تعد فسقط أو مال في الحال لا بعد حين ضمن ما أتلفه كما لو أسقط جدارا على مال غيره أو بناه مائلا ثم سقط على ذلك بخلاف ما لو وقع ذلك بعد حين كما لو حفر بئرا في ملكه وقوله أو مال في الحال أي ثم سقط وإن سقط بعد حين ولو حذف في الحال كان أخصر
ومن نخس دابة رجل أو ضربها بغير إذنه ولو مغافصة ضمن ما أتلفته بسبب ذلك أو بإذنه ولو مغافصة ضمن المالك ما أتلفته وذكر المالك مثال وأولى منه التعبير بالراكب كما عبر به في باب إتلاف البهائم فإنه أعاد المسألة ثم وأولى منهما معا التعبير بمن هي معه وقوله بغير إذنه أعم من قول أصله مغافصة وإن استقبل دابة فرت ممن هي معه فردها بغير إذنه ضمن ما أتلفته في انصرافها
فرع لو قرص أو ضرب رجلا حاملا لشيء فتحرك وسقط ما يحمله فكإكراهه على إلقائه فيضمن كل منهما وصور الأصل المحمول بالرجل وهو مثال ولهذا أطلق المصنف
الطرف الثالث في اجتماع سببين وحكمه أنه يقدم أولهما في التلف لا في الوجود بأن وضع شخص حجرا مثلا فعثر بها رجل كأنه يرى تأنيث الحجر وتذكيره فإنه أنثه هنا وذكره في الفصل الآتي والمعروف تذكيره فوقع في بئر حفرها آخر حالة كونهما متعديين فهلك ضمن الواضع إذ التلف يضاف إلى الحجر لكونه الملجئ إلى الوقوع في البئر وبه علم أنه لو تعدى الواضع فقط كان الضمان عليه وبه صرح الأصل
فإن تعدى الحافر فقط ووضع الآخر الحجر في ملكه أو نحوه فالضمان على المتعدي لتعديه فإن وضعها أي الحجر سيل أو نحوه كسبع وحربي فعثر به رجل فوقع في البئر فهلك لم يضمن المتعدي بالحفر كما لو ألقاه السبع أو الحربي في البئر وينبغي ترجيح هذا في واضع الحجر في ملكه واستدل له الأصل بما يأتي من أن الحافر لو كان مالكا للبئر ونصب غيره فيها سكينا فوقع فيها إنسان فجرحته فلا ضمان على واحد منهما وفرق البلقيني بين مسألة واضع الحجر في ملكه ومسألة السيل ونحوه بأن الوضع في الأولى فعل من يقبل الضمان فإذا سقط عنه لعدم تعديه فلا يسقط عن المتعدي بخلافه في مسألة السيل ونحوه فإن فاعله ليس متهيئا للضمان أصلا فسقط الضمان بالكلية
انتهى
وأما المستدل به فيحمل على ما إذا كان الوقع في البئر متعديا بمروره أو كان الناصب غير متعد ولا يضمن ناصب سكين في بئر حفرت عدوانا جراحة من سقط فيها فجرحته السكين بل يضمنها الحافر لأن الحفر هو الملجئ له إلى السقوط على السكين فإن كان الحافر مالكا فلا ضمان عليهما أما المالك فظاهر وأما الآخر فلأن السقوط في البئر هو الذي أفضى إلى السقوط على السكين فكان الحافر كالمباشر والآخر كالمتسبب بل هو غير متعد على ما قدمته ولو كان بيده سكين فألقى رجل رجلا عليها فهلك ضمن ه الملقي لا صاحب السكين لأنه تلقاه بها فيضمن
فرع قال الصيمري لو وقعا على بئر دفع أحدهما صاحبه فلما هوى جذب معه الدافع فسقط فماتا فإن جذبه طمعا في التخلص وكانت الحال توجب ذلك فهو مضمون ولا ضمان عليه وإن جذبه لا لذلك بل لإتلاف المجذوب ولا طريق إلى خلاص نفسه بمثل ذلك فكل منهما ضامن للآخر كما لو تجرحا وماتا
فرع يتناصف الضمان حافر ومعمق لبئر بأن حفرها واحد ثم عمقها آخر ولو تفاضلا في الحفر كأن حفر أحدهما ذراعا والآخر ذراعين كالجراحات ولو طمت بئر حفرت عدوانا فنبشها آخر فالضمان عليه لانقطاع أثر الحفر الأول بالطم سواء أكان الطام الحافر أم غيره فعبارته أولى من قول أصله ولو حفر بئرا وطمها
فصل لو عثر بحجر وضع عدوانا فدحرجه فأتلف شيئا انتقل الضمان من الواضع إلى
75
75
المدحرج لأن الحجر إنما حصل هناك بفعله وقوله عدوانا من زيادته ولو تركه كان أولى وإن كان حكم الواضع بلا عدوان مفهوما بالأولى والتعبير بالانتقال من تصرفه وهو إنما يناسب زيادته المذكورة
ولو وضع إنسان حجرا في طريق عدوانا وآخران حجرا بجبه كذلك فعثر بهما إنسان وهلك فالضمان أثلاث وإن تفاوتت أفعالهم كالجراحات المختلفة
وإن عثر الماشي بواقف أو قاعد أو نائم في ملكه أو نحوه فهلكا أو أحدهما فالماشي ضامن ومهدر لأنه قتل نفسه وغيره دونهم فليسوا بضامنين ولا مهدرين وإنما يهدر الماشي إن دخل بلا إذن من المالك فإن دخل بإذنه لم يهدر وذكر النائم من زيادته ويهدر العاثر فقط بقاعد في طريق واسع أو نحوه بحيث لا يتضرر به المارة لما مر وكالقاعد الواقف والنائم كما صرح بالأول الأصل وبالثاني المنهاج وأصله
ومتى ضاق الطريق أهدر النائم والقاعد لا العاثر بهما والقائم فيه مضمون على العاثر والعاثر به أي بالقائم مهدر لأن القيام من مرافق الشارع كالمشي لكن الهلاك حصل بحركة الماشي فخص بالضمان والقعود والنوم ليسا من مرافق الطريق فمن فعلهما فقد تعدى وعرض نفسه للهلاك فإن تنحى القائم أي انحرف إليه أي إلى الماشي لما قرب منه لا عنه فأصابه في انحرافه فكما شيئين اصطدما وسيأتي حكمه بخلاف ما إذا انحرف عنه فأصابه في انحرافه أو انحرف إليه فأصابه بعد تمام انحرافه فحكمه كما لو كان واقفا لا يتحرك والقائم في طريق واسع أو ضيق لغرض فاسد كسرقة أو أذى كالقاعد في ضيق نبه عليه الأذرعي والمسجد بالنسبة لقاعد أو قائم فيه وكذا نائم معتكف فيه كالملك لهم فعلى عاقلة العاثر ديتهم وهو مهدر وفي تشبيه ذلك بالملك رمز إلى أن محله فيمن له المكث بالمسجد بخلاف ما لو امتنع عليه كجنب وحائض وكافر دخل بلا إذن و المسجد لنائم فيه غير معتكف وقاعد أو قائم فيه لما ينزه عنه المسجد كالطريق فيفصل فيه بين الواسع والضيق كما مر وخرج بما ذكر القائم فيه لذلك فكالقاعد في ضيق وما تقدم من تضمين واضع القمامة والحجر والحافز والمدحرج والعاثر وغيرهم المراد به وجوب الضمان على عاقلتهم بالدية أو بعضها
فصل لو وقع إنسان في بئر فوقع عليه آخر عمدا بغير جذب بذال معجمة فقتله فالقصاص عليه إن قتل مثله مثله غالبا لضخامته وعمق البئر وضيقها فهو كما لو رماه بحجر فقتله فإن مات الآخر فالضمان في ماله وإلا أي وإن لم يقتل مثله غالبا فشبه عمد وإن سقط عليه خطأ بأن لم يختر الوقوع أو لم يعلم وقوع الأول ومات بثقله عليه وبانصدامه بالبئر فنصف الدية عليه أي على عاقلته لورثة الأول ونصف أي والنصف الآخر على عاقلة الحافر لأنه مات بوقوعه في البئر وبوقوع الثاني عليه هذا إن كان الحفر عدوانا وإلا فهدر أي النصف الآخر وإذا غرم عاقلة الثاني في صورة الحفر عدوانا رجعوا بما غرموه على عاقلة الحافر لأن الثاني غير مختار في وقوعه عليه بل ألجأه الحفر إليه فهو كالمكره مع المكره له على إتلاف مال بل أولى لانتفاء قصده هنا بالكلية وبذلك علم أن لورثة الأول مطالبة عاقلة الحافر بجميع الدية ولا رجوع لهم على أحد لأن القرار عليهم ذكر ذلك الرافعي
فإن نزل الأول في البئر ولم ينصدم فوقع عليه آخر فقتله فالكل أي كل دية الأول على عاقلة الثاني لأنه القاتل فإن مات الثاني فضمانه على عاقلة الحافر المتعدي بحفره لا إن ألقى نفسه في البئر عمدا فلا ضمان فيه لأنه القاتل لنفسه وإن ماتا معا فالحكم في حق كل منهما كما سبق فيما إذا مات وحده
ولو حفرت بئر عدوانا وسقط فيها ثلاثة وترتبوا في السقوط وماتوا فثلثا دية الأول على عاقلة الأخيرين وثلث أي والثلث الباقي على عاقلة الحافر وقيل يجب دية الأول على عاقلة الأخيرين والتصريح بالترجيح من زيادته ودية الثاني على عاقلتي الثالث والحافر نصفين ودية الثالث على عاقلة الحافر وإن جذب الأول الثاني إلى البئر فوقع فوقه وماتا ضمنته عاقلته لأنه مات بجذبه فكأنه أخذه وألقاه في البئر إلا أنه قصد الاستمساك والتحرز عن الوقوع فكان
76
76
مخطئا ويتعلق بعاقلة الحافر نصف دية الأول ويهدر النصف الآخر لأنه مات بسببين صدمة البئر وثقل الثاني وهو منسوب إليه فإن جذب الثاني ثالثا وماتوا فعلى عاقلة الثاني ثلث دية الأول وثلث منها هدر وثلث آخر يتعلق بعاقلة الحافر لأنه مات بثلاثة أسباب صدمة البئر وثقل الثاني والثالث لكن ثقل الثاني منسوب إليه وعلى عاقلة الأول نصف دية الثاني ويهدر النصف الآخر لأنه مات بجذب الأول وجذبه للثالث وهو منسوب إليه ولا أثر للحفر في حقه لأنه إنما وقع في البئر بالجذب وهو مباشرة أو سبب فيقدم على الشرط وعلى عاقلة الثاني دية الثالث لأنه الذي أهلكه بجذبه فلو جذب الثالث رابعا وماتوا فعلى عاقلة الثاني والثالث نصف دية الأول وربع منها يتعلق بعاقلة الحافر وربع آخر هدر لأنه مات بأربعة أسباب صدمة البئر وثقل الثلاثة لكن ثقل الثاني منسوب إليه وعلى عاقلة الأول والثالث ثلثا دية الثاني وثلث منها هدر لأنه مات بثلاثة أسباب جذب الأول له وثقل الثالث والرابع وثقل الثالث منسوب إليه وعلى عاقلة الثاني نصف دية الثالث ونصف منها هدر لأنه مات بسببين جذب الثاني له وثقل الرابع وهو منسوب إليه وعلى عاقلة الثالث دية الرابع لأنه الذي أهلكه بجذبه
وإن لم يقع كل مجذوب على جاذبه بل وقع كل منهم في ناحية فدية كل مجذوب على عاقلة جاذبه والأول ديته تتعلق بعاقلة الحافر أما إذا حفرت البئر بغير عدوان فلا شيء على حافرها ومن وجبت في هذه المسائل على عاقلته دية أو بعضها فالكفارة تجب في ماله كما تكون في ماله في غير هذه المسائل
الطرف الرابع في اجتماع سببين متقاومين فإن اصطدما أي حران كاملان فماتا سواء كانا راكبين أو ماشيين أو ماش طويل وراكب الأولى أو ماشيا طويلا وراكبا غلبتهما الدابتان أو لا وسواء اتفقا أي المركوبان جنسا وقوة كفرسين أم لا كفرس وبعير أو بغل وسواء اتفق سيرهما أو اختلف كأن كان أحدهما يمشي والآخر يعدو وسواء أكانا مقبلين أم مدبرين أم أحدهما مقبلا والآخر مدبرا وسواء أوقعا منكبين أم مستلقيين أم أحدهما منكبا والآخر مستلقيا فعلى عاقلة كل منهما نصف دية مخففة لوارث الآخر لأنه مات بفعله وفعل الآخر ففعله هدر في حق نفسه مضمون في حق الآخر والتصريح بمخففة من زيادته على الروضة هذا إذا لم يتعمدا الاصطدام كأن كانا أعميين أو غافلين أو في ظلمة فلو تعمدا
ه فشبه عمد لا عمد لأن الغالب أن الاصطدام لا يفضي إلى الموت فلا يتحقق فيه العمد المحض وكذلك لا يتعلق به قصاص إذا مات أحدهما دون الآخر فعلى عاقلة كل منهما نصف دية مغلظة لوارث الآخر وإن تعمد أحدهما دون الآخر فلكل حكمه من التخفيف والتغليظ ثم محل ذلك كله إذا لم تكن إحدى الدابتين ضعيفة بحيث يقطع بأنه لا أثر لحركتها مع قوة الأخرى فإن كانت كذلك لم يتعلق بحركتها حكم كغرز الإبرة في جلدة العقب مع الجراحات العظيمة نقله الأصل عن الإمام وأقره وجزم به ابن عبد السلام ولا ينافيه قول الشافعي سواء أكان أحد الراكبين على فيل والآخر على كبش لأنا لا نقطع بأنه لا أثر لحركة الكبش مع حركة الفيل ومثل ذلك يأتي في الماشيين كما قاله ابن الرفعة وغيره وعلى كل من المصطدمين في تركته كفارتان إحداهما لقتل نفسه والأخرى لقتل صاحبه لاشتراكهما في إهلاك نفسين
و على كل منهما في تركته نصف قيمة دابة الآخر أي مركوبه لاشتراكهما في الإتلاف مع هدر فعل كل منهما في حق نفسه وقد يجيء التقاص في ذلك ولا يجيء في الدية إلا أن تكون عاقلة كل منهما ورثته وعدمت الإبل هذا إذا كانت الدابتان لهما فإن كانتا لغيرهما كالمعارين والمستأجرين لم يهدر منهما شيء لأن المعار ونحوه مضمونان
77
77
وكذا المستأجر ونحوه إذا أتلفه ذو اليد أما غير الحرين الكاملين فسيأتي حكمهما
فرع
لو تجاذبا حبلا لهما أو لغيرهما فانقطع وسقطا وماتا فعلى عاقلة كل منهما نصف دية الآخر وهدر الباقي لأن كلا منهما مات بفعله وفعل الآخر سواء أسقطا منكبين أم مستقلين أم أحدهما كذا والآخر كذاك فإن قطعه غيرهما فماتا فديتهما على عاقلته لأنه القاتل لهما وإن مات أحدهما بإرخاء الآخر الحبل فنصف ديته على عاقلته وهدر الباقي لأنه مات بفعلهما وإن كان الحبل لأحدهما والآخر ظالم فالظالم هدر وعلى عاقلته نصف دية المالك والمجنونان والصبيان والمجنون والصبي في اصطدامهما كالكاملين فيه إن ركبا بأنفسهما وكذا لو أركبهما الولي لمصلحتهما وكانا ممن يضبطان المركوب فلا ضمان على الولي إذ لا تقصير قال الزركشي في شرح المنهاج ويشبه أن الولي من له ولاية التأديب من أب وغيره خاص وغيره وقال في الخادم ظاهر وكلامهم أنه ولي المال والذي يقتضيه كلام الشافعي أنه ولي الحضانة الذكر وبه جزم البلقيني فلو أركبهما أجنبي بغير إذن الولي ولو لمصلحتهما فعلى عاقلته ديتاهما وعليه قيمة دابتيهما لتعديه بذلك أو أركبهما أجنبيان كل واحدا فعلى عاقلة كل منهما نصف ديتهما وعلى كل منهما نصف قيمة الدابتين لأنه أتلف النصفين متعديا و على كل منهما ضمان ما أتلفته دابة من أركبه قال في الأصل قال في الوسيط فلو تعمد الصبي والحالة هذه وقلنا عمده عمد احتمل أن يحال الهلاك عليه لأن المباشرة مقدمة على السبب وهذا احتمال حسن والاعتذار عنه تكلف
انتهى
وقضية كلام الجمهور أن ضمان المركب بذلك ثابت وإن كان الصبيان ممن يضبطان المركوب وقضية نص الأم أنهما إن كانا كذلك فهما كما لو ركبا بأنفسهما وبه جزم البلقيني أخذا من النص المشار إليه وإن وقع الصبي فمات ضمنه المركب إن لم يكن أركبه لغرض من فروسية ونحوها وإن أركبه لذلك وهو ممن يستمسك على الدابة لم يضمنه وقول المتولي لا فرق فيه بين الولي والأجنبي حمله ابن الرفعة في الأجنبي على ما إذا أركبه بإذن معتبر وإن أركبه الولي جموحا ضمن لتعديه
ولو اصطدم حاملان فماتتا مع الجنينين لزم كل واحدة في تركتها أربع كفارات لاشتراكهما في إهلاك أربعة أنفس وعلى عاقلة كل منهما نصف دية الأخرى كغيرهما ونصف الغرتين لأن الحامل إذا جنت على نفسها فألقت جنينها لزم عاقلتها الغرة فلا يهدر منها شيء بخلاف الدية لأن الجنين أجنبي عنهما بخلاف أنفسهما
وإن اصطدم عبدان فماتا فهدر وإن تفاوتا قيمة لفوات محل تعلق الجناية نعم لو امتنع بيعهما كأن كانا ابني مستولدتين لم يهدرا لأنهما حينئذ كالمستولدتين أو مات أحدهما فنصف قيمته في رقبة الحي وإن أثر فعل الميت في الحي نقصا تعلق غرمه بنصف قيمة العبد المتعلق برقبة الحي وجاء التقاص في ذلك المقدار أو اصطدم عبد وحر فمات العبد فنصف قيمة العبد على عاقلة الحر وهدر الباقي أو مات الحر فنصف ديته تتعلق برقبة العبد وإن ماتا معا فنصف قيمة العبد على عاقلة الحر و يتعلق بها الأولى به نصف دية الحر لأن الرقبة فاتت فتتعلق الدية ببدلها فيأخذ السيد من
78
78
العاقلة نصف القيمة ويدفع منه أو من غيره للورثة نصف الدية
ولورثته أي الحر مطالبة العاقلة أي عاقلته بنصف القيمة وإن كان ملكا للسيد ليتوثقوا به نقله الأصل عن الإمام ونقل عنه أيضا أنه يثبت للمجني عليه مطالبة قاتل الجاني بالقيمة فيما إذا تعلق أرش برقبة عبد فقتله أجنبي وأنه يثبت للمرتهن مطالبة قاتل المرهون بالقيمة ليتوثق بها ثم قال وليكن هذا مبنيا على أن المرتهن هل له أن يخاصم الجاني وفيه خلاف سبق والأصح المنع
انتهى
فما ذكره المصنف مبني على قول الإمام القائل بأن للمرتهن أن يخاصم وهو ضعيف أو اصطدم مستولدتان لاثنين فماتتا فنصف قيمة كل منهما على سيد الأخرى لأن ضمان جناية المستولدة على سيدها كما سيأتي في محله
ويهدر النصف الآخر من كل منهما لشركتها الأخرى في قتل نفسها وإنما يلزمه أي كلا من السيدين الأقل من أرش الجناية وقيمة مستولدته على القاعدة في إتلافها ويتقاصان ويرجع أحدهما على الآخر بما زاد له إن كانت زيادة فلو كانت قيمة إحداهما مائة والأخرى مائتين رجع سيدها على سيد الأولى بخمسين لأن نصف قيمة كل منهما هدر كما مر ونصفها الآخر يتعلق ببدل الأخرى فتسقط خمسون بمثلها فيفضل لمالك النفيسة خمسون فإن كانتا حاملين وقد مات جنيناهما معهما وهما رقيقان فعلى كل من السيدين مع نصف القيمة أي قيمة مستولدة الآخر نصف عشرها أي عشر قيمتها لنصف جنينها لأن الجنين الرقيق يضمن بعشر قيمة أمه أو وهما حران فإن كانا من شبهة فعلى سيد كل منهما مع نصف قيمة الأخرى نصف غرتي جنينهما أو من السيدين فعلى كل منهما مع نصف قيمة الأخرى نصف غرة جنين الأخرى ويهدر الباقي لأن المستولدة إذا جنت على نفسها وألقت جنينها كان هدرا ويتقاصان بمثل ما مر
لكن محله في الغرة عند إعواز الرقيق نعم إن كان لأحد الجنينين مع سيد أمه جدة أم أم وارثة وإن علت ولا يرث معه غيرها فإرثها في الغرة السدس وقد أهدر نصفه أي السدس لأجل عدم استحقاق سيد بنتها أرش جنايتها فيتمم لها السدس من نصيبه بنصف سدس والتصريح بهذه من زيادته على الروضة ومثلها ما لو كانت إحداهما حاملا فقط وكان لجنينها جدة وهي التي في الروضة ولو كان لكل من الجنينين جدة فلها على كل سيد نصف سدس الغرة ويقع ما بقي للسيدين في التقاص على ما مر وقوله من نصيبه من تصرفه وليس قيدا لأن كل جدة لها على كل سيد نصف سدس غرة في ذمته يخرجه من أي مال من أمواله شاء وظاهر أن الجدة إنما تستحق ما ذكر إذا كانت قيمة كل أمة تحتمل نصف غرة فأكثر لأن السيد لا يلزمه الفداء إلا بأقل الأمرين كما مر وبما تقرر علم حكم ما لو كان أحد الجنينين من سيد والآخر من أجنبي أو كان أحدهما رقيقا والآخر حرا
وإن اصطدم سفينتان بفعل صاحبيهما أي مجريهما وغرقتا بما فيهما وهما وما فيهما ملك لهما فكاصطدام الراكبين فيما مر فيهدر نصف بدل كل سفينة ونصف ما فيها ويلزم كلا منهما للآخر نصف بدل سفينته ونصف ما فيها فإن ماتا بذلك لزم كلا منهما كفارتان ولزم عاقلة كل منهما نصف دية الآخر واستثنى الزركشي من التشبيه المذكور ما إذا كان الملاحان صبيين وأقامهما الولي أو أجنبي فالظاهر أنه لا يتعلق به ضمان لأن الوضع في السفينة ليس بشرط ولأن العمد من الصبيين هنا هو المهلك واستثني منه أيضا كغيره بالنسبة للقصاص وللديات من حيث عدم تحمل العاقلة لها ما ذكره المصنف بقوله وإن حملا أنفسا وأموالا في سفينتيهما وتعمدا كسرهما الأولى قول الأصل وتعمد الاصطدام بمهلك غالبا اقتص منهما لواحد بالقرعة وديات الباقين وضمان الأموال والكفارات حالة كونها بعدد من أهلكا من الأحرار والعبيد في مالهما فلو كان في كل سفينة عشرة أنفس وماتوا معا أو جهل
79
79
الحال وجب في مال كل منهما بعد قتلهما لواحد من عشرين بالقرعة تسع ديات ونصف
وعلى كل واحد منهما نصف قيمة ما في السفينتين لا يهدر منه شيء لأنه ملك لغيرهما وأما سفينتاهما فيهدر نصفهما ويلزم كلا منهما نصف بدل ما للآخر كما مر في الدابتين ويقع التقاص فيما يشتركان فيه وإن تعمد الاصطدام بما لا يهلك غالبا وقد يهلك فشبه عمد وحكمه كما مر إلا أنه لا يوجد قصاصا وتكون الدية على العاقلة مغلظة وإن لم يتعمد الاصطدام بل ظنا أنهما يجريان على الريح فأخطأ أو لم يعلم واحد منهما أن يقرب سفينته سفينة الآخر فالدية على العاقلة مخففة وإن كان السفينتان لغيرهما وهما أمينان فعلى كل منهما نصف قيمتهما للمالكين ولكل من المالكين مطالبة أمينه بالكل كما له مطالبته بالنصف ومطالبة أمين الآخر بالباقي وهما يتراجعان يعني إذا طالب أمينه بالكل فلأمينه أن يرجع على أمين الآخر بالنصف وإن كان الملاحان عبدين فالضمان يتعلق برقبتهما صرح به الأصل فإن اصطدما لا باختيارهما فإن قصرا بأن سيرا هما في ريح شديدة لا تسير في مثلها السفن أو لم يعدلاهما عن صوب الاصطدام مع إمكانه أو لم يكملا عدتهما من الرجال والآلات فالضمان لما هلك عليهما كذلك أي مثل ما مر لكن لا قصاص وإن لم يقصر أو غلب الريح فحصل به الهلاك فلا ضمان لعدم تقصيرهما كما لو حصل الهلاك بصاعقة بخلاف غلبة الدابة كما مر لأنها تنضبط باللجام سواء أوجد منهما فعل بأن سيراهما ثم هاجت ريح أو موج وعجزا عن الحفظ أم لا كما لو شداهما على الشط فهاجت ريح وسيرتهما والقول قولهما بيمينهما عند التنازع في أنهما غلبا لأن الأصل براءة ذمتهما وإن تعمد أحدهما أو فرط دون الآخر فلكل منهما حكمه وإن كانت إحداهما مربوطة والأخرى سائرة فصدمتها السائرة فكسرتها فالضمان على مجري الصادمة
فرع لو خرق سفينة عامدا خرقا يهلك غالبا كالحرق الواسع الذي لا مدفع له فغرق به إنسان فالقصاص أو الدية المغلظة على الخارق وخرقها للإصلاح لها أو لغير إصلاحها لكن بما لا يهلك غالبا كما فهم من التقييد السابق وصرح به الأصل شبه عمد فإن أصاب بالآلة غير موضع الإصلاح أو سقط من يده حجر أو غيره فخرقه فخطأ محض
فرع لو ثقلت سفينة بتسعة أعدال فألقى فيها إنسان عاشرا عدوانا أغرقها لم يضمن الكل لأن الغرق حصل بثقل الجميع لا بفعله فقط ويفارق ما لو رمى صيدا فلم يزمنه ثم عمرا آخر ولولا الأول ما أزمنه حيث حكم بأنه ملك للثاني بأن الضمان يعتبر فيه العلم بالسبب لأن الأصل براءة الذمة بخلاف الملك وهل يضمن النصف أو العشر وجهان كالوجهين في الجلاد إذا زاد على الحد المشروع ذكره الأصل وقضيته ترجيح العشر
فصل يجوز إذا أشرفت سفينة فيها متاع وركاب على غرق وخيف هلاك المتاع إلقاء بعض المتاع في البحر لسلامة البعض الآخر أي لرجائها قال البلقيني يشترط إذن المالك فلو كان لمحجور لم يجز إلقاؤه ولو كان مرهونا أو لمحجور عليه بفلس أو لمكاتب أو لعبد مأذون عليه ديون لم يجز إلقاؤه إلا باجتماع الغرماء أو الراهن والمرتهن أو السيد والمكاتب أو السيد والمأذون قال فلو رأى الولي أن إلقاء بعض أمتعة محجوره يسلم به باقيها فقياس قول أبي عاصم العبادي فيما لو خاف الولي استيلاء غاصب على المال أن له أن يؤدي شيئا لتخليصه جوازه هنا
انتهى
ويجب إلقاؤه وإن لم يأذن مالكه إذا خيف الهلاك لسلامة حيوان محترم بخلاف غير المحترم كحربي ومرتد وزان محصن و يجب إلقاء حيوان ولو محترما لسلامة آدمي محترم إن لم يمكن في دفع الغرق غيره أي غير إلقاء الحيوان فإن أمكن لم يجب إلقاؤه بل لا يجوز قال الأذرعي نعم لو كان هناك أسرى من الكفار وظهر للأمير أن المصلحة في قتلهم فيشبه
80
80
أن يبدأ بإلقائهم قبل الأمتعة وقبل الحيوان المحترم قال وينبغي أن يراعى في الإلقاء تقديم الأخس فالأخس قيمة من المتاع والحيوان إن أمكن حفظا للمال ما أمكن لا عبيد لأحرار أي لا يجوز إلقاؤهم لسلامة الأحرار بل حكمهما واحد فيما ذكر وإن لم يلق من لزمه الإلقاء حتى غرقت السفينة فهلك به شيء أثم ولا ضمان عليه كما لو لم يطعم مالك الطعام المضطر حتى مات
ويحرم على الشخص إلقاء المال ولو ماله بلا خوف لأنه إضاعة مال ويضمن بإلقائه مال غيره ولو في حال الخوف بلا إذن من مالكه لأنه أتلف مال غيره بغير إذنه من غير أن يلجئه إلى إتلافه فصار كما لو أكل المضطر طعام غيره بغير إذنه بخلاف ما لو ألقاه بإذنه أو ألقى مال نفسه ولو اختص الخوف بغيره بأن كان بالشط أو بزورق وفارقت هذه حينئذ مسألة المضطر إذا أطعمه مالك الطعام قهرا بأن المطعم ثم دافع للتلف لا محالة بخلاف الملقي
فلو قال شخص لأحد الركبان في السفينة ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه أو علي أن أضمنه أو على إني ضامنه فألقاه فيه لزمه ضمانه وإن لم يكن للملتمس فيها شيء ولم تحصل النجاة لأنه التمس إتلافا لغرض صحيح بعوض فصار كقوله أعتق عبدك على كذا فأعتق ومثله قوله لمن معه أسير أطلق الأسير و لمن له قصاص اعف عن القصاص و لمن له طعام أطعم هذا الجائع ولك علي كذا أو علي أن أعطيك كذا فأجاب سؤاله فيلزمه ما التزمه بخلاف ما لو اقتصر على قوله ألق متاعك في البحر ونحوه ففعل لا ضمان لعدم الالتزام
وفارق ما لو قال أد ديني بأن نفع الأداء محقق بخلاف نفع الإلقاء ويخالف ما ذكر هنا ما لو قال بع من زيد بمائة وعلى أخرى حيث لا ضمان على الأصح لأنه لا يظهر فيه غرض ذكروه في الضمان وفي الخلع وهذا ضمان حقيقته الافتداء من الهلاك لا الضمان المعروف وإن سمي به إذ لا يضمن ما لم يجب وقول البلقيني لا بد من أن يشير إلى ما يلقيه أو يكون معلوما له وإلا فلا يضمن إلا ما يلقيه بحضرته فيه نظر وتعبير المصنف فيما يأتي بالركاب حسن بخلاف تعبيره هنا بالركبان فقد قال النووي في تهذيبه أنه منكر والمعروف في اللغة الركاب لأن الركبان راكبو الإبل خاصة وقيل راكبو الدابة وإنما يضمن الملتمس بشرطين أن يخاف الغرق فإن لم يخفه لم يضمن كما لو التمس هدم دار غيره ففعل وأن لا يختص مالكه بالفائدة أي بفائدة الإلقاء بأن يختص بها الملتمس أو أجنبي أو هما أو أحدهما والمالك أو يعم الجميع بخلاف ما إذا اختص بها المالك
فلو كان كل ما فيها له فقال له من بالشط أو بزورق بقربها ألق كذا أي متاعك أو بعضه في البحر وأنا ضامن له فألقاه لم يلزمه شيء ولم يحل للمعين الأخذ لأنه فعل ما هو واجب عليه لغرض نفسه فلا يستحق به عوضا كما لو قال لمضطر كل طعامك وأنا ضامنه لك فأكله لا شيء على الملتمس ولا يحل للآكل الأخذ
فلو قال ألق متاعك في البحر وأنا ضامن له وركاب السفينة أو على أن أضمنه أنا وركابها أو أنا ضامن له وهم ضامنون أو أنا وركاب السفينة ضامنون له كل منا على الكمال أو على أني ضامن وكل منهم ضامن لزمه الجميع لأنه التزمه أو قال أنا وركاب السفينة ضامنون له لزمه قسطه وإن لم يقل معه كل منا بالحصة وإن أراد به الإخبار عنهم أي عن ضمان سبق منهم فصدقوه فيه لزمهم وإن أنكروا صدقوا وإن صدقه بعضهم فلكل حكمه وإن قال أنشأت عنهم الضمان ثقة برضاهم لم يلزمهم وإن رضوا لأن العقود لا توقف وإن قال أنا وهم ضمناء وضمنت عنهم بإذنهم طولب بالجميع فإن أنكروا الإذن فهم المصدقون حتى لا يرجع عليهم صرح به الأصل
فإن وفي نسخة وإن قال أنا وهم ضامنون له وأصححه أو أخلصه من مالهم أو من مالي لزمه الجميع لو قال اخلعها على ألف أصححها لك أو أضمنها لك من مالها يلزمه الألف والتصريح بقوله أو من مالي في الثانية وبقوله من مالهم في الأولى من زيادته وإن قال أنا وهم ضامنون له ثم باشر الإلقاء بإذنه أي المالك فهل يضمن الجميع لأنه باشر الإتلاف أو قسطه عملا بقضية اللفظ وجهان حكى الرافعي الأول عن القاضي أبي حامد وقال الأذرعي إنه نص الأم
ولو قال ألق متاعك وعلي نصف الضمان وعلى فلان ثلثه وعلى فلان سدسه لزمه النصف صرح به الأصل وهو معلوم مما مر وتعتبر
81
81
قيمة الملقى قبيل هيجان البحر إذ لا قيمة له حينئذ ولا تجعل قيمته في البحر مع الخطر كقيمته في البر وظاهر كلامهم اعتبار القيمة وإن كان الملقى مثليا وهو ما رجحه البلقيني لما في إيجاب المثل من الإجحاف بالملتمس وعلله البلقيني بأنه لا مثل لمشرف على هلاك إلا مشرف على هلاك وذلك بعيد وهذا أوجه من قول الأذرعي يجب في المثلي المثل
فرع
لو قال لعمرو ألق متاع زيد وعلي ضمانه ففعل ضمن عمرو دون الآمر لأنه المباشر للإتلاف نعم إن كان المأمور أعجميا يعتقد وجوب طاعة آمره ضمن الآمر
فرع لو لفظ البحر المتاع الملقى فيه على الساحل وظفرنا به أخذه المالك واسترد الضامن منه عين ما أعطى إن كان باقيا وبدله إن كان تالفا ما سوى الأرش الحاصل بالغرق فلا يسترده وهذا من زيادته وصرح به الإسنوي وقال الأذرعي إنه واضح
فصل لو قتل المنجنيق بفتح الميم أفصح من كسرها أي لو قتل حجره رماته أو بعضهم بأن عاد عليهم سقط قسط فعل كل منهم من ديته ولزم عاقلة الباقين باقي ديته لأنه مات بفعله وفعلهم فإن كانوا عشرة أهدر العشر من دية كل منهم ولزم عاقلة كل واحد من التسعة عشرها وكذا حكم دية الواحد من العشرة إذا مات أهدر عشرها ويلزم كلا من عاقلة التسعة عشرها قال البلقيني ويستثنى منه ما لو حصل عوده على بعضهم بأمر صنعه الباقون وقصدوه بسقوطه عليه وغلبت إصابته فهو عمد لا تحمله العاقلة بل في أموالهم ولا قصاص عليهم لأنهم شركاء مخطئ وكأنهم تركوه لأنه لا يتصور عندهم ونحن صورناه فلا خلاف بيننا وبينهم قال الزركشي كالأذرعي وصورة المسألة فيمن مد معهم الحبال ورمى بالحجر أما من أمسك خشبة المنجنيق إن احتيج إلى ذلك أو وضع الحجر في الكفة ولم يمد الحبال فلا شيء عليه لأنه متسبب والمباشر غيره قاله الماوردي والمتولي وغيرهما قال لكن نازع صاحب الوافي في التعليل وقال جودة الرمي بذلك تتعلق بواضع الحجر ولا تزال يده على المقلاع والسهم إلى أن يرتفع إلى حد يراه الجاذبون للحبال وينتهي جذبهم بقعودهم على الأرض وظاهر أن الخلاف في التصوير فحيث تصور ما ذكر فالحق الأول وإلا فالثاني فإن رموا به شخصا معينا أو أشخاصا معينين وغلبت الإصابة به وهم حذاق فأصابوا من قصدوه فعمد لصدق حد العمد به فيوجب القصاص أو الدية المغلظة في أموالهم أو لم تغلب الإصابة به أو قصد به غير معين كأحد الجماعة فشبه عمد يوجب دية مغلظة على العاقلة وإنما لم يكن عمدا في الثانية لأن العمد يعتمد قصد العين بدليل أنه لا قصاص على الآمر في قوله اقتل أحد هؤلاء وإلا قتلتك فقتل أحدهم لأنه لم يقصد عينه وإن لم يقصدوا واحدا أو أصاب الحجر غير من قصدوه بأن عاد فقتل بعضهم فخطأ يوجب دية مخففة على العاقلة صرح به الأصل
والسهم إذا رمى به شخص آخر غير معين من جماعة كذلك أي شبه عمد
ولو جرح شخص مرتدا فأسلم ثم جرحه هو ثانيا وثلاثة آخرون ومات بالجميع فالدية تلزمهم أرباعا بعدد الجارحين لا أخماسا بعدد الجراحات وسقوط الخمس الآخر بالردة وهذا المنفي وجهة نظر قائله بما لو جرحه واحد في الردة وأربعة بعد الإسلام ويحط لجارح المرتين من الربع ثمن من الدية لأن جرح الردة هدر وحصته من الربع الموزع عليه وعلى جرح الإسلام ثمن فيحط من ربع جارحيهما واحترز بقوله ومات بالجميع عما لو مات بعد اندمال الجراحة الأولى فتجب الدية أرباعا بلا حط أو بالعكس بأن جرح ثلاثة مرتدا فأسلم ثم جرحوه مع رابع ومات بالجميع فيحط لكل من الثلاثة ثمن لذلك ويبقى على الرابع الربع ولو جرحه أربعة في الردة ثم جرحه أحدهم مع ثلاثة آخرين في الإسلام ومات بالجميع فعلى الثلاثة ثلاثة أسباع الدية وعلى جارح المرتين نصف سبع ويهدر الباقي وهو ثلاثة أسباع ونصف سبع لأن جراحات الردة هدر وإن جرحه أربعة في الردة ثم جرحه أحد في الإسلام فمات بالجميع لزمه ثمن من الدية
82
82
ويهدر الباقي لما مر وعلى هذا القياس فلو جرحه ثلاثة في الردة ثم أحدهم في الإسلام لزمه سدس الدية وهدر الباقي ولو جرحه اثنان في الردة ثم أحدهما مع ثالث في الإسلام لزمه سدس الدية ولزم الثالث ثلثها وهدر الباقي
وإن اختلف الجراح من واحد خطأ وعمدا وشاركه غيره بأن جرحه خطأ ثم جرحه مع آخر عمدا تناصفا الدية ويخفف على وفي نسخة عن العاقلة نصف ما على جارح المرتين وقس عليه كما في مسألة الردة السابقة فلو جرح شخص آخر خطأ ثم جرحه مع ثلاثة عمدا فمات بالجميع تربعوا الدية ويخفف على عاقلة جارح المرتين نصف ما عليه وإن جرح عبد زيدا وهو حر ثم قطعت يد العبد بأن قطعها بكر ثم جرح العبد عمرا ومات العبد بالسراية سواء أمات زيد وعمرو بها أم لم يموتا فعلى القاطع ليد العبد قيمته ويختص زيد منها بأرش نقص اليد لورود القطع على متعلق حقه قبل أن يتعلق به حق عمرو وهو أي الأرش ما نقص من قيمته بقطع يده لا نصف قيمته لأنه يلزم عليه أنه لو قطع يدي زيد اختص بجميع القيمة وليس بجائز ولأن الجراحة إذا صارت نفسا سقط اعتبار بدل الطرف
ويضارب زيد عمرا في الباقي من القيمة بما بقي له فلو قطع العبد يد مسلم حر وأخرى من آخر وقد قطعت يده بينهما وجب لكل خمسون بعيرا فإذا فرضنا أن نقصان يده بقدر عشرة أبعرة دفعنا للأول وبقي له أربعون وللثاني خمسون فتقسم بينهما بقية قيمة العبد أتساعا
وإن حفر شخص بئرا عدوانا ثم أحكم هو أو غيره سد رأسها ففتحه آخر ضمن الآخر ما هلك بها كما مر في فرع يتناصف الضمان حافر ومعمق
وإن وقعت بهيمة في بئر ولو حفرت عدوانا ولم تنصدم عبارة الأصل ولم تتأثر وبقيت مدة وماتت جوعا أو عطشا عبارة الأصل ولم تتأثر بالصدمة وبقيت مدة وماتت جوعا أو عطشا أهدرت فلا ضمان على الحافر لحدوث سبب آخر كما لو افترسها سبع في البئر
وإن تضاربا أي اثنان فمات أحدهما بصولة وضربة صاحبه له فنصف ديته واجب على صاحبه وأهدر قسط صولته ولهذا لو سقط بصولته ومات فلا ضمان كما صرح به الأصل وإن دخل بعير لم يعرف بفساد بين بعيرين مقرونين بحبل فخنقهما بجذبه الحبل أهدرا بخلاف ما إذا عرف بالفساد فيضمن مالكه لتقصيره بإطلاقه والأصل صور ذلك بخنق أحدهما والأمر قريب
الطرف الخامس في حكم السحر وله حقيقة لا كما قيل إنه تخييل ويدل لذلك الكتاب والسنة الصحيحة والساحر قد يأتي بفعل أو قول يتغير به حال المسحور فيمرض ويموت منه وقد يكون ذلك بوصول شيء إلى بدنه من دخان وغيره وقد يكون دونه ويحرم فعله بالإجماع ويكفر معتقد إباحته فإن تعمده تعليما أو تعلما أو فعلا وفي نسخة فإن تعلمه أثم فكل منهما حرام لخوف الافتتان والإضرار بالناس بل إن احتيج فيها إلى تقديم اعتقاد مكفر كفر قال في الأصل نقلا عن الإمام وغيره ولا يظهر السحر إلا على فاسق ولا تظهر الكرامة على فاسق وليس ذلك بمقتضى العقل بل مستفاد من إجماع الأمة وتحرم الكهانة أي تعليمها وفعلها والتنجيم والضرب بالرمل والحصى والشعير والشعبذة كذلك وحلوانها أي المذكورات أي إعطاء أو أخذا لعوض عنها بالنص الصحيح في حلوان الكاهن والباقي بمعناه والكاهن من يخبر بواسطة النجم عن المغيبات في المستقبل بخلاف العراف فإنه الذي يخبر عن المغيبات الواقعة كعين السارق ومكان المسروق والضالة قال في الروضة ولا يغتر بجهالة من يتعاطى الرمل وإن نسب إلى علم وأما الحديث الصحيح كان نبي من الأنبياء بخط فمن وافق خطه فذاك فمعناه من علمتم موافقته له فلا بأس ونحن لا نعلم الموافقة فلا يجوز
فصل إنما يعتمد في تأثير السحر من الساحر إقراره به لا بالبينة لأنها لا تشاهد تأثيره ولا يعلم قصد الساحر نعم يثبت بها تأثيره فيما إذا شهد ساحر أن بعد التوبة أن ما اعترف به فلان يقتل غالبا قاله في الكفاية فإن قال قتلته بسحر يقتل غالبا فالقصاص عليه أو يقتل نادرا فشبه عمد أو قال قصدت به غيره فأصبته فخطأ عملا بإقراره في الثلاثة والدية الواجبة في شبه العمد والخطأ في ماله لا على عاقلته لأن إقراره لا يلزمهم إلا إن صدقته العاقلة فتجب عليها عملا بتصديقها

83
83
فرع لو قال آذيته بسحري
ولم أمرضه نهي عنه فإن عاد عزر ولو قيل بأنه يعزر على قوله الأول لم يبعد أو قال أمرضته به عزر لأن السحر كله حرام فإن مرض به وتألم حتى مات كان لوثا إن قامت بينة بذلك أي بأنه تألم به حتى مات أو أقر به الساحر كما صرح به الأصل ثم يحلف الولي أنه مات بسحره ويأخذ الدية فإذا ادعى الساحر برأه من ذلك المرض واحتمل برؤه بأن مضت مدة يحتمل برؤه فيها صدق بيمينه وإن قال قتلت بسحري ولم يعين أحدا عزر لارتكابه محرما ولا قصاص لأحد لأن المستحق غير معين والتصريح بلزوم التعزير من زيادته
فرع لو اعترف شخص بقتله إنسانا بالعين فلا ضمان ولا كفارة وإن كانت العين حقا لأنها لا تفضي إلى القتل غالبا ولا تعد مهلكة ودليل أنها حق خبر مسلم العين حق ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين ويستحب للعائن أن يدعو للمعين بفتح الميم بالمأثور أي المنقول وهو اللهم بارك فيه ولا تضره وأن يقول لا قوة إلا بالله ما شاء الله وفي نسخة كبعض نسخ الروضة ما شاء الله لا قوة إلا بالله والأمر قريب و أن يغسل جلده مما يلي إزاره بماء ويصب على المعين لخبر مسلم العين حق وإذا استغسلتم أي طلب منكم الغسل فاغسلوا قال في الروضة قال العلماء الاستغسال أن يقال للعائن اغسل داخلة إزارك مما يلي الجلد بماء ثم يصب على المعين وبما قاله علم أن تعبير المصنف بغسل جلده لا يطابق أصله و أن يغتسل المعين بوضوئه أي العائن فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت كان يؤمر العائن أن يتوضأ ثم يغسل منه المعين ذكره في الروضة وفي نسخة أو يغتسل بأو والأولى هي المطابقة للأصل
الباب الخامس في العاقلة ومن عليه الدية وفي جناية الرقيق
وفيه أطراف أربعة الأول في بيانها أي العاقلة والأصل في تحملها خبر الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على عاقلة الجاني وفيهما أن امرأتين اقتتلتا فحذفت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن دية جنينها غرة عبد أو أمة وقضى بدية المرأة على عاقلتها أي القاتلة وقتلها شبه عمد فثبوت ذلك في الخطأ أولى والمعنى في ذلك أن القبائل في الجاهلية كانوا يقومون بنصرة الجاني منهم ويمنعون أولياء الدم أخذ حقهم فأبدل الشرع تلك النصرة ببذل المال وخص تحملهم بالخطأ وشبه العمد لأنهما مما يكثر لا سيما في متعاطي الأسلحة فحسنت إعانته لئلا يتضرر بما هو معذور فيه وأجلت الدية عليهم رفقا بهم وسموا عاقلة لعقلهم الإبل بفناء المستحق ويقال لتحملهم عنه العقل أي الدية ويقال لمنعهم عن القاتل والعقل المنع ومنه سمي العقل عقلا لمنعه من الفواحش
وجهات التحمل ثلاث العصبة من النسب والولاء وبيت المال لا غيرها كزوجية ومحالفة وقرابة ليست بعصبة فلا يتحمل القاتل مع وجود العاقلة فيما تحمل فيه لما مر ولا أصوله و لا فروعه كالقاتل إذ مالهم كماله بدليل لزوم النفقة وفي رواية لأبي داود في خبر المرأتين السابق وبرأ الوالد أي من العقل وفي النسائي لا يؤخذ الرجل بجريرة ابنه كابن الجانية ولو كان ابن ابن عمها أو معتقها فلا يتحمل عنها وإن كان يلي نكاحها لأن البنوة هنا مانعة وثم غير مقتضية لا مانعة فإذا وجد مقتض زوج به
ويقدم منهم الأقرب فالأقرب والمدلي بالأبوين على المدلي بالأب لأن العقل حكم من أحكام العصوبة فيقدم من ذكر كالميراث وولاية النكاح فإن عدموا أي العاقلة من النسب أو لم يفوا بالواجب إذا وزع عليهم فالمعتق يتحمل لخبر الولاء لحمة كلحمة النسب فإن فقد وكذا لو فضل عن الواجب شيء فعصبته من النسب ثم معتق المعتق ثم عصبته وهكذا ثم معتق أبي المعتق ثم عصبته ثم معتق معتقه ثم عصبته وهكذا ثم معتق جد المعتق ثم عصبته وهكذا إلى حيث ينتهي كالإرث
84
84
ويفارق الأخذ من البعيد إذا لم يف الأقرب بالواجب الإرث حيث يحوزه الأقرب بأنه لا تقدير لميراث العصبة بخلاف الواجب هنا فإنه مقدر بنصف دينار أو ربعه كما سيأتي قال في الأصل وذوو الأرحام لا يتحملون قال المتولي إلا إذا قلنا بتوريثهم فيتحملون عند عدم العصبات كما يرثون عند عدمهم
انتهى
وظاهر أن محله إذا كان ذكرا غير أصل ولا فرع
ولا يدخل في العاقلة فرع المعتق و لا أصله لما رواه الشافعي والبيهقي أن عمر قضى على علي رضي الله عنهما بأن يعقل عن مولى صفية بنت عبد المطلب لأنه ابن أخيها دون ابنها الزبير واشتهر ذلك بينهم وقيس بالابن غيره من الأبعاض وصحح البلقيني أنهما يدخلان قال لأن المعتق يتحمل فهما كالمعتق لا كالجاني ولا نسب بينهما وبين الجاني بأصلية ولا فرعية ويعقل عتيق المرأة الجاني عاقلتها الذين يتحملون الدية عنها لو وجبت كما أنها لما لم تكن أهلا للتزويج يزوج عتيقتها من يزوجها
ومن اعترف بنسب لقيط لزم عصبته دية جنايته إن لم تكذبه البينة وإلا فالحكم لها وإذا لزمت الدية عصبته لزمته هو بالأولى إن لم يكن اللقيط أصله أو فرعه
فإن أعتقه جماعة ضرب عليهم حصة واحدة ربع دينار أو نصفه بحسب الحال فالمعتقون كمعتق فيما عليه كل سنة لأن الولاء لجميعهم لا لكل منهم فإن كانوا أغنياء فعلى الكل نصف دينار أو متوسطين فربع دينار أو بعضا وبعضا فعلى كل غني حصته من النصف لو كان الكل أغنياء وعلى المتوسط حصته من الربع لو كان الكل متوسطين فإن مات واحد منهم أو جميعهم فعلى كل رجل من عصبته مثل ما كان عليه من نصف أو ربع بحسب حاله بناء على أن الولاء لا يورث بل يورث به فإن مات معتق له وكان واحدا عن عصبته حمل كل منهم حصة تامة من نصف دينار أو ربعه فلا يوزع عليهم ما كان يتحمله المعتق بتقدير حياته بخلاف ما مر آنفا لأن الولاء يتوزع على المعتقين فيوزع عليهم القدر المتحمل بخلاف عصبة المعتق لا يوزع الولاء عليهم إذ لا يرثونه بل يرثون به كما مر فالولاء في حقهم كالنسب ولا يعقل عتيق ولا عصبته عن معتقه إذ لا إرث
فصل لو جرح ابن عتيقة أباه رقيق رجلا خطأ ثم انجر الولاء بعتق أبيه إلى موالي أبيه فمات الجريح بالسراية فعلى موالي الأم بدل أرش الجرح لأن الولاء حين الجرح لهم وزاد لفظ بدل بلا فائدة والباقي من الدية إن كان على الجاني لحصول السراية بعد العتق بجناية قبله لا على موالي أمه لانتقال الولاء عنه قبل وجوبه ولا على موالي أبيه لتقدم سببه على الانجرار ولا في بيت المال لوجود جهة الولاء بكل حال ولأن تحمل العاقلة على خلاف القياس فيسقط بالشبهة كالقصاص نعم يتحمل منه موالي الأم ما زاد بالجرح قبل الانجرار فلو كان الجرح قطع أصبع فسرى إلى الكف ثم انجر الولاء ثم مات الجريح بالسراية لزم موالي الأم مع أرش الأصبع وهو عشر الدية ما زاد قبل الانجرار وهو أربعة أعشارها لأن السراية إلى الكف حصلت حين كان الولاء لهم فكانت كأصل الجراحة صرح به الرافعي
أما إذا لم يكن باق بأن ساوى أرش الجرح الدية أو زاد عليها كأن قطع يديه أو يديه ورجليه ثم عتق الأب ثم مات الجريح فعلى موالي الأم دية كاملة لأن الجرح حين كان الولاء لهم يوجب هذا القدر والمعتبر أن لا يزيد قدر الواجب على موالي الأم بالسراية الحاصلة بعد الانجرار فإن مات الجريح بالسراية وقد جرحه جارحه ثانيا خطأ بعد عتق الأب فعلى موالي الأب نصفها الأولى باقيها أيضا أي كما يجب على موالي الأم أرش الجرح وكذا لو جرح ذمي مسلما خطأ ومات الجريح بالسراية بعد إسلامه أي الذمي فعلى عاقلته الذميين ما يخص الجرح لأنهم عاقلته حين الجرح وباقي الدية إن كان عليه لما مر في نظيره وقوله مسلما مثال وعبارة الأصل رجلا فإن مات الجريح بالسراية وقد جرحه جارحه ثانيا خطأ وبعد الإسلام فعلى عاقلته المسلمين نصف الدية وعلى عاقلته الذميين النصف الآخر إن لم يكن الأرش أقل منه
فإن كان أقل منه كأرش موضحة فعليهم الأرش فقط والباقي من النصف على الجاني فإن كان جرحه الثاني مذففا فكل الدية على عاقلته المسلمين بناء على
85
85
أن من جرح ثم قتل يدخل أرش جرحه في الدية ولو عاد بعد الإسلام فجرحه مع آخر خطأ فعليه نصف الدية بجرحيه حصة جرح الإسلام وهي الربع على عاقلته المسلمين وعلى عاقلته الذميين ربع إن لم تكن حصة جرح الكفر دون الربع وإلا فعليهم قدر الأرش والباقي عليه صرح به الأصل
وإن تخللت ممن رمى إلى صيد فأصاب شخصا فمات ردة أو إسلام بين الرمي والإصابة وإن لم تتصل الردة أو الإسلام بالإصابة فالدية في ماله لا على عاقلته لأن شرط تحملها أن تكون صالحة لولاية النكاح من الفعل إلى الفوات
ومن حفر وكان عبدا أو ذميا بئرا عدوانا أو رمى صيدا فعتق العبد أو عتق أباه وانجر ولاؤه إلى مولى أبيه أو أسلم الذمي ثم بعد العتق أو الإسلام تردى رجل في البئر أو أصابه السهم فمات أو عتق أبوه وانجر ولاؤه إلى موالي أبيه أو أسلم الذمي ثم بعد العتق أو الإسلام تردى رجل في البئر أو أصابه السهم فمات ضمن الحافر أو الرامي الدية في ماله فلا تجب على السيد لانتقال العبد عن ملكه قبل الوجوب ولا على العاقلة لما مر في التي قبلها والتصريح بمسألة حفر الذمي من زيادته
وإن جرح عبد رجلا خطأ فأعتقه سيده فذلك منه اختيار للفداء فيلزمه إن مات به أي بالجراح الأقل من أرشها أي الجراحة وقيمته أي العبد وعلى العتيق باقي الدية إن كان لا على سيده ولا على عاقلته لما مر
وإن مات جريح بجراحة خطأ وقد ارتد جارحه بعد جرحه فالأقل من أرش الجرح والدية على عاقلته المسلمين والباقي من الدية إن كان في ماله فلو قطع يده فعلى عاقلته نصف الدية والباقي في ماله ولو قطع يديه ورجليه فعليهم الدية ولا شيء عليه ولو جرح وهو مرتد ثم أسلم ثم مات المجروح فالدية في ماله إذ لا عاقلة للمرتد
وإن تخللت الردة من الجارح بين إسلاميه وقبل موت الجريح فهل على عاقلته جميع الدية اعتبارا بالطرفين أم عليهم أرش الجرح والزائد عليه في ماله لحصول بعض السراية في حالة الردة فتصير شبهة دارئة للتحمل قولان قال الربيع أصحهما عندي الأول وبه قطع جماعة إن عاد قريبا وعليه يستثنى ذلك من اعتبار كون العاقلة أولياء للنكاح من الفعل إلى الفوات وعلى الثاني جرى القونوي وغيره وهو المعتمد
فإن فقدت العاقلة أو أعسروا وكذا لو لم يفوا بواجب الحول عقل بيت المال عن الجاني المسلم كما يرثه ولخبر أنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأرثه لا عن ذمي ومرتد كما لا يرثهما وإنما يوضع فيه ما لهما فيء بل تجب الدية في مالهما مؤجلة فإن ماتا حلت كسائر الديون والمستأمن في ذلك كالذمي
الطرف الثاني في صفة العاقلة وهي خمس التكليف وعدم الفقر والحرية والذكورة واتفاق الدين فلا يعقل صبي ومعتوه وفقير وإن اعتمل أي اكتسب ورقيق ومبعض كما قاله البلقيني وامرأة وخنثى لعدم أهليتهم للنصرة ولعدم الولاية ولأن الرقيق لا يملك والمكاتب وإن ملك ليس أهلا للمواساة فلو بان الخنثى ذكرا غرم حصته التي أداها غيره اعتبارا بما في نفس الأمر كما في شاهد النكاح ووليه وصحح البلقيني خلافه قال لبناء التحمل على الموالاة والمناصرة الظاهرة وقد كان هذا في ستر الثوب كالأنثى فلا نصرة به وظاهر أنه يغرسها للمستحق لا للمؤدي ويرجع المؤدي على المستحق ولا يعقل مسلم عن ذمي و لا عكسه لما مر ويتعاقل يهودي ونصراني أي عقل كل منهما عن الآخر كما يتوارثان لأن الكفر كله ملة واحدة و يتعاقل ذمي ومعاهد بقي عهده مدة الأجل واعتبر الأصل زيادة مدة العهد على الأجل فخرج به ما إذا نقصت عنه وهو ظاهر
وما إذا ساوته تقديما للمانع على المقتضي ويكفي في تحمل كل حول على انفراده زيادة مدة العهد عليه قال الأذرعي ومقتضى كلام القاضي وغيره أن ما ذكر من تحمل الذمي ونحوه محله إذا كانوا في دارنا لأنهم تحت حكمنا لا حربي فلا يعقل عن ذمي ولا معاهد ولا يعقلان عنه وإن اتفقت ملتهما لانقطاع المناصرة بينهما باختلاف الدار وإذا فقد بيت المال بأن تعذر أخذ الكل أو الباقي منه فعلى الجاني الضمان
86
86
لأن الوجوب يلاقيه ابتداء كما في سائر المتلفات فإن كان تعذر ذلك لعدم انتظام بيت المال أخذ من ذوي الأرحام قبل الجاني على ما مر لا على فرعه وأصله لأنه الأصل في الإيجاب بخلافهما
فصل قسط الغني كل سنة وهو من يملك عشرين دينارا أو قدرها اعتبارا بالزكاة نصف دينار أو قدره دراهم وهو ستة منها لأن ذلك أول درجة المواساة في زكاة النقد والمتوسط من ملك دونها أي دون العشرين وفوق الربع أي ربع الدينار الذي يؤخذ منه وإنما شرط هذا لئلا يبقى فقيرا وقد يقال يقاس به الغني لئلا يبقى متوسطا ويفرق بأن المتوسط من أهل التحمل بخلاف الفقير وشرطهما أن يكون ما يملكانه فاضلا عما يبقى لهما في الكفارة من مسكن وثياب وسائر ما لا يكلف بيعه فيها وقسطه أي المتوسط ربع دينار أو قدره لأن ما دونه تافه بدليل عدم القطع به في السرقة وإلحاقه بالغني أو بالفقير إفراط أو تفريط وضبط الغني والمتوسط بما ذكر قاله الإمام وتبعه الغزالي وغيره وضبطه البغوي تبعا للقاضي بالعرف ولا ترجيح في الأصل فالترجيح من زيادة المصنف فلو كثروا أي العاقلة أو قل الواجب نقص القسط فيؤخذ من كل منهم حصته من غير تخصيص أحد منهم لشمول جهة التحمل لهم ولا عكس أي لو قلوا وكثر الواجب لم يزد القسط والتصريح بهذا من زيادته
فرع الواجب النقد فيجمع العاقل المال الذي عليه من نصف أو ربع بعد تمام الحول ويشتري به الإبل لأنها الواجبة لا النقد بعينه كما صرح به الأصل ففي قول المصنف الواجب النقد تسمح فإن فقدت ثم وجدت قبل الأداء للمال تعينت كوجود الماء قبل صلاته بالتيمم وإلا يعني وإن لم توجد قبل الأداء ولا عنده فالقيمة أي فالمعتبر قيمتها بنقد البلد وإن وجدت بعده لم يؤثر فإن حل نجم والإبل بالبلد قومت يومئذ وأخذت قيمتها ولا يعتبر بعض النجوم ببعض ذكره الأصل
ويعتبر الغنى والتوسط آخر الحول لأنه وقت الأداء فلا يؤثر الغنى وضده قبله ولا بعده كالزكاة فلو أيسر آخره ولم يؤد ثم أعسر ثبت دينا في ذمته ولو افتقر آخره فلا شيء عليه لأنه ليس أهلا للمواساة بخلاف الجزية لأنها كالأجرة لسكنى دار الإسلام قال الماوردي ولو ادعى الفقر بعد الغنى حلف ولا يكلف البينة لأنه إنما يتحمل بعد العلم بغناه وأما الكمال بالتكليف والإسلام والحرية فمن أي فيعتبر من الفعل إلى الزهوق بل إلى مضي الأجل والتصريح بهذا من زيادته والذي في الأصل ولو كان بعضهم في أول الحول كافرا أو رقيقا أو صبيا أو مجنونا وكمل في آخره لم تؤخذ منه حصة تلك السنة وما بعدها قال الرافعي لأنهم ليسوا أهلا للنصرة بالبدن في الابتداء فلا يكلفون النصرة بالمال في الانتهاء والمعسر كامل أهل للنصرة وإنما يعتبر المال ليتمكن من الأداء فيعتبر وقته
الطرف الثالث في كيفية الضرب على العاقلة لو فقد بيت المال لزمت الدية الجاني لا أصله وفرعه هذا مكرر والاقتصار عليه هنا هو الموافق للأصل ولا يقبل إقراره بالجناية على العاقلة كسائر الأقارير ولا يقضى عليهم بالتحمل بحلف من المدعي بعد نكوله أي المدعى عليه بناء على أن اليمين المردودة كالإقرار ولا يقبل إقراره بالجناية على بيت المال ولا يقضى عليه بالتحمل بما ذكر وعلى العاقلة يمين نفي العلم بالجناية فإذا حلفوا كانت الدية على المقر إذ لا سبيل إلى التعطيل وقد تعذر التحمل
وتلزمه أي الدية الجاني مؤجلة كالعاقلة فلو مات غنيا حلت عليه كسائر الديون المؤجلة بخلاف ما لو مات أحد العاقلة في أثناء الحول لا يؤخذ من تركته شيء لأن الوجوب عليهم سبيله المواساة وعلى الجاني سبيله صيانة الحق عن الضياع فلا يسقط أو مات معسرا سقطت عنه المطالبة بها كما لو كان حيا معسرا ولو غرم واعترفوا بعد ذلك بالقتل لم يسترد ما غرمه بناء على أن الوجوب يلاقيه ابتداء بل يرجع به عليهم
فصل تحمل العاقلة الأروش والغرة والحكومات وكذا قيمة العبد كالدية وألحق بدل العبد ببدل
87
87
الحر لأنه بدل آدمي ويتعلق به القصاص والكفارة فإن اختلفوا أي العاقلة والسيد في قدر قيمة العبد صدقت العاقلة بيمينها لأنها الغارمة وإن بلغت قيمته قدر ديتين أخذت في ست سنين في كل سنة قدر ثلث دية نظرا إلى القدر
و تحمل العاقلة بعض جناية المبعض أي تحمل من دية قتيله بقدر حريته و تحمل طرفه أي طرف المبعض أي الجناية عليه ومثله طرف العبد ويوزع كل الواجب ولو نصف دينار على العاقلة هذا تقدم في قوله فلو كثر وأنقص ولا تحمل العاقلة عمد الصبي والمجنون بناء على أن عمدهما عمد كغيرهما وأما الجاني على نفسه كلا أو بعضا فهدر لأن الإنسان لا يجب له على نفسه شيء بجنايته عليها كما لو أتلف ماله
فصل تؤجل الدية الكاملة على العاقلة وبيت المال والجاني لأنها وجبت على غير الجاني مواساة كالزكاة وألحق به الجاني ثلاث سنين كما رواه البيهقي من قضاء عمر وعلي رضي الله عنهما وعزاه الشافعي في المختصر إلى قضاء النبي صلى الله عليه وسلم وما نقص عن الدية الكاملة كدية المرأة والذمي أو زاد عليها كأرش الأطراف كأن قطع يديه ورجليه ففي كل سنة يجب قدر ثلث الدية الكاملة توزيعا لها على السنين الثلاث وعبر بقدر ليفيد أن النظر في الأجل إلى قدر الواجب لا إلى بدل النفس وتقدمت الإشارة إليه أيضا ولا نقص عن السنة قال الرافعي وكان سببه أن الفوائد كالزروع والثمار تتكرر كل سنة فاعتبر مضيها ليجتمع عندهم ما يتوقعونه فيواسون عن تمكن
فإن زاد الواجب على قدر ثلث الدية الكاملة شيئا ولم يزد على ثلثيها أجل للزائد سنة ثانية وإن زاد على قدر ثلثيها شيئا ولم يجاوز الدية أجل للزائد سنة ثالثة وهكذا
ولو قتل واحد جماعة فثلث من كل دية قسط كل سنة لأن الواجب مختلف ومستحقوه مختلفون فلا يؤخر حق بعضهم باستحقاق غيره أو قتله جماعة فعلى عاقلة كل منهم كل سنة ثلث ما يخصهم كجميع الدية عند الانفراد ومن مات من العاقلة بعد الحول لا قبله لزم واجبه تركته بخلاف من مات قبله كالزكاة
فصل لا يخص الحاضر من العاقلة في بلد الجناية بالأخذ من ماله بل يؤخذ من مال الغائب أيضا ولا ينتظر حضوره كالدين والتنظير بالدين من زيادته وإلا أي وإن لم يؤخذ من ماله كتب القاضي أي قاضي بلد الجناية بعد حكمه عليهم بالواجب للقاضي أي قاضي بلد العاقلة بما وجب بالجناية ليأخذه منه أو كتب إليه بحكم القتل أي بحكمه به ليوجب أي ليحكم عليه بالواجب ويأخذه منه
فصل ابتداء المدة في واجب النفس من وقت الزهوق لها بمزهق أو بسراية جرح لأنه مال يحل بانقضاء الأجل فكان ابتداء أجله من وقت وجوبه كسائر الديون المؤجلة وفي واجب الجروح المندملة من وقت الجناية لأن الوجوب تعلق بها ويطالب بالواجب بعد الاندمال لها ولم يعتبروا في الضرب اندمالها وإن لم يطالب قبله بالواجب لأن التوقف في المطالبة لتبين منتهى الجراحة وابتداء المدة ليس وقت طلب فلا يقاس ضرب المدة بالمطالبة فلو مضت سنة ولم تندمل لم يطالب بواجبها
و ابتداء المدة فيما سرت إليه الجروح من عضو إلى آخر من وقت السراية لها فلو قطع أصبعه ثم سرى إلى كفه مثلا فابتداء مدة واجب الأصبع من القطع كما لو لم يسر وواجب الكف من سقوطها وقيل ابتداء مدة الواجبين من سقوط الكف وقيل من الاندمال وترجيح الأول من زيادته وجرى عليه الحاوي الصغير وغيره
الطرف الرابع جناية الرقيق وهي متعلقة أي واجبها
88
88
المالي ولو بعد العفو متعلق برقبته إذ لا يمكن إلزامه لسيده لأنه إضرار به مع براءته ولا أن يقال في ذمته إلى عتقه لأنه تفويت للضمان أو تأخير إلى مجهول وفيه ضرر ظاهر بخلاف معاملة غيره له لرضاه بذمته فالتعلق برقبته طريق وسط في رعاية الجانبين فإن حصلت البراءة عن بعض الواجب انفك منه بقسطه كما صححه الأصل في دوريات الوصايا ويخالف ما ذكر هنا الواجب بجناية البهيمة لأن جناية العبد مضافة إليه فإنه يتصرف باختياره ولذلك لزمه القصاص إذا أوجبته الجناية بخلاف البهيمة لا مع ذمته
وإن أذن له سيده بالجناية وإلا لما تعلق برقبته كديون المعاملات حتى لو بقي شيء لا يتبع به بعد عتقه نعم إن أقر العبد بالجناية ولم يصدقه سيده تعلق واجبها بذمته كما مر في الإقرار ومعلوم مما مر أن جناية غير المميز بأمر سيده أو غيره على الآمر والمبعض يجب عليه من واجب جنايته بنسبة حريته وما فيه من الرق يتعلق به باقي واجب الجناية فيفديه السيد بأقل الأمرين من حصتي واجبها والقيمة كما يعلم مما يأتي ولا يباع في واجب الجناية إلا بإذن سيده والمجني عليه ولا يباع منه بأكثر من الأرش المتعلق برقبته إلا بإذن من سيده أو ضرورة كأن لم يجد من يشتري بعضه وللسيد فداؤه بالأقل من الأرش وقيمة يوم الجناية لأن الأقل إن كان القيمة فليس عليه غير تسليم الرقبة وهي بدلها أو الأرش فهو الواجب وإنما اعتبر يوم الجناية كما حكى عن النص لتوجه طلب الفداء فيه ولأنه يوم تعلقها واعتبر القفال يوم الفداء لأن النقص قبله لا يلزم السيد بدليل ما لو مات العبد قبل اختيار الفداء وحمل النص على ما لو منع بيعه حال الجناية ثم نقصت القيمة والتصريح بالترجيح من زيادة المصنف وما قاله القفال هو الأوجه وقال الزركشي إنه متجه وجرى عليه المصنف في إرشاده وشرحه أيضا
وإن جنى العبد ثانيا قبل البيع والفداء تعلق به الأرش فيفديه بأقل الأمرين منهما أو القيمة وإن شاء باعه ووزع الثمن عليهما فإن جنى ثانيا بعد الفداء وقبل البيع سلمه للبيع أو فداه لأنه الآن لم يتعلق به غير هذه الجناية وكذا إن قتله سيده أو أعتقه ونفذنا عتقه بعد جنايات فداه لمنعه من بيعه بالأقل من الأرش والقيمة وإن مات الجاني أو هرب فلا شيء على السيد إلا إن كان قد منع منه فهو اختيار للفداء فيفديه أو يحضره لأن له الرجوع عن اختيار الفداء والتصريح بقوله فيفديه إلى آخره من زيادته
وليس الوطء لأمته الجانية اختيارا له أي للفداء إذ لا دلالة على الالتزام مع أنه لو التزم لم يلزمه بخلافه في زمن خيار البيع لأن الخيار ثم يثبت بفعل من هو له فجاز أن يسقط بفعله وهنا ثبت بالشرع فلا يسقط بفعله فإن قتل الجاني خطأ أو شبه عمد تعلقت جنايته بقيمته لأنها بدله فإذا أخذت سلمها السيد أو بدلها من سائر أمواله أو عمدا واقتص السيد هو جائز له لزمه الفداء للمجني عليه
فصل يفدي السيد وجوبا أم الولد وإن ماتت عقب الجناية لمنعه بيعها بالإيلاد كما لو قتلها بخلاف
89
89
موت العبد لتعلق الأرش برقبته فإذا مات بلا تقصير فلا أرش ولا فداء بالأقل من الأرش و من قيمتها يوم جنايتها لا يوم إحبالها اعتبارا بوقت لزوم فدائها ووقت الحاجة إلى بيعها الممنوع بالإحبال وشمل كلامه كأصله الأمة التي استولدها سيدها بعد الجناية وهو ظاهر لكن الظاهر هنا أن العبرة بقيمة يوم الإحبال إلا أن يمنع بيعها حال الجناية فيعتبر قيمتها حينئذ وكالمستولدة الموقوف لمنع الواقف بيعه بوقفه والظاهر أن المنذور عتقه كذلك قال الزركشي وسكتوا هنا عن التعلق بذمتها ويشبه القطع به لتعذر التعلق برقبتها قلت إنما يشبه القطع بالتعلق بذمة السيد لأنه منع بيعها فإذا تكررت جنايتها فليس عليه إلا فداء واحد وإن فدى الأولى قبل جناياتها الآخر لأن إحباله إتلاف ولم يوجد منه إلا مرة واحدة كما لو جنى عبده جنايات ثم قتله أو أعتقه فإن استغرق الأرش الحاصل بجناياتها القيمة شارك كل ذي جناية تحدث منها من جنت عليه قبله فيها أي شاركه في قيمتها
فلو كانت قيمتها ألفا وجنت جنايتين وأرش كل منهما ألف فلكل منهما خمسمائة فإن كان الأول قبض الألف استرد منه الثاني نصفه أو أرش الثانية خمسمائة استرد منه ثلثه أو أرش الثانية ألف والأولى خمسمائة استرد منه ثلثها ومن السيد خمسمائة تمام القيمة ليصير معه ثلثا الألف ومع الأول ثلثه كديون الميت إذا قسمت تركته عليها ثم حدث عليه دين آخر كأن حفر بئرا عدوانا فهلك بها شيء فيزاحم المستحق الغرماء ويسترد منهم حصته
وحمل الجانية غير المستولدة للسيد لا يتعلق به الأرش سواء أكان موجودا يوم الجناية أم حدث بعدها فلا تباع حتى تضع إذ لا يمكن إجبار السيد على بيع الحمل ولا يمكن استيفاؤه فإن لم يفدها بعد وضعها بيعا معا وأخذ السيد ثمن الولد أي حصته وأخذ المجني عليه حصته وإنما يباع الجاني بالأرش النقد لا الإبل ولو من المجني عليه عبارة الأصل لو لم يفد السيد الجاني ولا سلمه للبيع باعه القاضي وصرف الثمن للمجني عليه ولو باعه بالأرش جاز إن كان نقدا وكذا بلا وقلنا يجوز الصلح عنها
الباب السادس في دية الجنين
والأصل فيها خبر الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قضى في الجنين بغرة عبد أو أمة بترك تنوين غرة على الإضافة البيانية وتنوينها على أن ما بعدها بدل منها وفيه أطراف أربعة الأول الموجب وهو كل جناية توجب انفصاله ميتا وهي ما تؤثر فيه فإن ماتت الأم بها ولم ينفصل منها جنين فلا دية له وإن كان بها انتفاخ أو حركة في بطنها فزال بالجناية عليها للشك في وجود الجنين ولجواز أن ذلك كان ريحا فانفشت ولا أثر لنحو لطمة خفيفة كما لا تؤثر في الدية ولو علم موته بخروج رأس ونحوه كرؤيته في بطنها بعد قدها وإن لم ينفصل منه شيء فكالمنفصل سواء أجنى عليها بعد خروج رأسه أم قبله وسواء أماتت الأم أيضا أم لا لتحقق وجوده وذكر الأصل موت الأم تصوير لا تقييد وإن خرج حيا فإن بقي زمانا لا يتألم فيه ثم مات فلا شيء على الجاني سواء أزال ألم الجناية عن أمه قبل إلقائه أم لا لأن الظاهر أنه مات بسبب آخر أو بقي زمانا يتألم فيه حتى مات أو مات في الحال أو تحرك تحركا شديدا كقبض يد وبسطها ولو حركة مذبوح لا اختلاجا فمات فدية كاملة على الجاني ولو انفصل الجنين لدون ستة أشهر لأنا تيقنا حياته والظاهر موته بالجناية بخلاف مجرد اختلاجه لاحتمال كونه انتشارا بسبب الخروج من المضيق
وإن حزه شخص وقد انفصل بلا جناية وإن لم تكن حياته مستقرة أو بجناية وحياته مستقرة فالقصاص عليه كما لو قتل مريضا مشرفا على الموت وإلا بأن كانت حياته غير مستقرة فالقاتل له هو الأول أي
90
90
الجاني على أمه ولا شيء على الجاز
ولو خرج رأسه وصاح فحزه آخر لزمه القصاص لأنا تيقنا بالصياح حياته فإن وفي نسخة وإن ألقت جنينين ميتين فغرتان فيها كما لو كانا منفردين أو جنينين أحدهما حي ومات والآخر ميت فدية للأول وغرة للثاني أو اشترك اثنان في الضرب فالغرة عليهما كما في الدية وإن ضربها فماتت ثم ألقته ميتا وجبت الغرة كما لو انفصل في حياتها لأنه شخص مستقل فلا يدخل ضمانه في ضمانها وإن ضرب بطن ميتة وألقته ميتا فهدر لأن الظاهر موته بموتها وقيل تجب غرة لأن الأصل بقاء الحياة وترجيح الأول من زيادته وبه جزم الماوردي وغيره ورجحه البلقيني بأن الإيجاب لا يكون بالشك قال والقول بأن الأصل بقاء الحياة ممنوع لأنا لا نعلم حياته حتى نقول الأصل بقاؤها
فرع لو ألقت المضروبة يدا وماتت فغرة تجب لأن العلم قد حصل بوجود الجنين والغالب على الظن أن اليد بانت بالجناية وخرج بماتت ما لو عاشت ولم تلق جنينا فلا يجب إلا نصف غرته كما أن يد الحي لا يجب فيها إلا نصف ديته ولا يضمن باقيه لأنا لم نتحقق تلفه كيدين ألقتهما وماتت أو عاشت فيجب فيهما غرة وكذا لو ألقت ثلاثا وأربعا من الأيدي أو والأرجل ورأسين لإمكان كونهما لجنين واحد بعضها أصلي وبعضها زائد وعن الشافعي أنه أخبر بامرأة لها رأسان فنكحها بمائة دينار ونظر إليها وطلقها وظاهر أنه يجب للعضو الثالث فأكثر حكومة
وإن ألقت بدنين ولو ملتصقين فغرتان إذ الواحد لا يكون له بدنان فالبدنان حقيقة يستلزمان رأسين فلو لم يكن إلا رأس فالمجموع بدن واحد حقيقة فلا تجب إلا غرة واحدة وإن ألقت يدا ثم جنينا بلا يد قبل الاندمال وزوال الألم من الأم فغرة لأن الظاهر أن اليد مبانة منه بالجناية أو حيا فمات من الجناية فدية ودخل فيها أرش اليد فإن عاش وشهد القوابل أو علم أنها يد من خلقت فيه الحياة فنصف دية لليد وإلا بأن لم تشهد القوابل بذلك ولم يعلم فنصف غرة لليد عملا باليقين وفارق هذا ما لو انفصل الجنين ميتا حيث لا تراجع القوابل لأنه ثم لم تثبت له الحياة بعد انفصاله وهنا انفصل حيا فينظر في أن اليد انفصلت وهو حي أولا أو ألقته بعد الاندمال وزوال الألم أهدر الجنين حيا كان أو ميتا لزوال الألم الحاصل بالجناية ووجب لليد الملقاة قبله إن خرج ميتا نصف غرة كما أن يد الحي تضمن بنصف ديته أو حيا ومات أو عاش نصف دية إن شهد القوابل أو علم كما سبق أي أنها يد من خلقت فيه الحياة وقيل يجب نصف غرة كما لو قطعت يد حي فاندمل ثم مات يجب نصف ديته وترجيح الأول من زيادته وجزم به ابن الصباغ وغيره
وإن انفصل بعد إلقاء اليد ميتا كامل الأطراف بعد الاندمال فلا شيء فيه وأما اليد فالأوجه أن فيها حكومة لا غرة للاحتمال الآتي أو قبل الاندمال ميتا فغرة فقط لاحتمال أن اليد التي ألقتها كانت زائدة لهذا الجنين وانمحق أثرها أو حيا ومات فدية
91
91
لا غرة كما وقع في أصل الروضة وإن عاش فحكومة كما علم ذلك مما مر وتأخر اليد عن الجنين إلقاء كتقدمها كذلك فيما ذكر
وإن ضرب بطنها فألقت يدا ثم ضربها آخر فألقت جنينا ميتا قبل الاندمال بلا يد فالغرة عليهما وقوله قبل صلة ضربها أو حيا ومات فالدية عليهما أو عاش وشهد القوابل أو علم أن اليد يد من خلقت فيه الحياة فعلى الأول نصف الدية وعلى الثاني التعزير فقط أو ضربها الآخر بعد الاندمال وانفصل ميتا فعلى الأول نصف غرة وعلى الثاني غرة كما لو قطع يد رجل فاندملت ثم قتله آخر فعلى الأول نصف دية وعلى الثاني دية أو حيا فعلى الأول نصف الدية سواء عاش أم لا التصريح بالتسوية من زيادته وليس على الثاني إن عاش الجنين إلا التعزير وإن مات فعليه الدية كاملة وإن انفصل كامل الأطراف وكان ضرب الثاني قبل الاندمال فإن انفصل ميتا فعليهما الغرة أو حيا وعاش فعلى الأول حكومة لليد للاحتمال السابق فيما إذا اتحد الضارب وليس على الثاني إلا التعزير فإن مات فعليهما الدية فلو كان ضرب الثاني بعد الاندمال فعليه إن انفصل ميتا غرة أو حيا ومات فدية أو عاش فالتعزير وعلى الأول حكومة
الطرف الثاني في الجنين الذي تجب فيه الغرة ووصفه كما ذكره في المستولدة وفي نسخة في العدة وذلك بأن يكون مما ظهر فيه صورة آدمي ولو في طرف من أطرافه أو لم تظهر لكن قال القوابل فيه صورة خفية لا إن قلن لو بقي لتصور ولا إن شككن في أنه أصل آدمي ويشترط في إيجاب الغرة الكاملة فيه الحكم بإسلامه وحريته فلو كان من كتابيين أو من أحدهما ووثني أو نحوه فثلث غرة مسلم تجب فيه كما في ديته أو من مجوسيين أو نحوهما فثلثا عشرها أي ثلث خمسها يجب فيه لذلك ويشتري بها الأولى به أي بقدر الثلث أو الثلثين غرة تعدل بعيرا وثلثين في الأول وثلث بعير في الثاني وإن تعذرت أي الغرة بأن لم توجد بذلك فالإبل إن وجدت أو الدراهم إن لم توجد تجب
وإن وطئ مسلم وذمي ذمية بشبهة فحبلت وألقت جنينا بجناية وألحقه القائف بأحدهما فله حكمه وإن أشكل الأمر أخذ الأقل وهو الثلث ووقف حتى يصطلحوا أو ينكشف الحال ولو أراد الذمي والذمية أن يصطلحا على ثلث الموقوف منعا لجواز أن يكون الجميع للمسلم لا حق لهما فيه أو أراد الذمية والمسلم أن يصطلحا عليه جاز لأنه إن كان الجنين كافرا فالثلث أي ثلث الموقوف لأمه فلها أن تصالح المسلم عليه وإن كان مسلما فالكل له أي للواطئ المسلم فالحق فيه لا يعدوهما فلا حق فيه للذمي وجنين المرتدة التي حبلت به قبل الردة مسلم فتجب فيه غرة كاملة فلو أحبلها مرتد أو غيره لكن بزنا في حال ردتها وألقت جنينا بجناية فهدر كجنين الحربيين بناء على أن المتولد من مرتدين كافر
فرع لو عتقت أمة حبلى أجهضت جنينا بجناية بين الجناية والإجهاض لا بينها وبين موت العتيقة كما وقع في الأصل أو أسلم أحد أبوي الجنين الذمي وإن كان الآخر وثنيا أو نحوه فغرة كاملة تجب لأن الاعتبار في قدر الضمان بالمآل وتعبيره بما قاله في الثانية أعم من تعبير أصله بالذميين مع أنه لو حذف الوصف بالذمي كان أولى ولسيدها أي الأمة من ذلك أي من الغرة الأقل من الغرة و من عشر القيمة أي قيمة الأمة لأن الغرة إن كانت أقل فلا واجب غيرها أو العشر أقل فهو الذي استحقه السيد وما زاد بالحرية فلو كانت أي المجني عليها حربية أو الجاني على الأمة قبل عتقها السيد وجنينها من غيره وهو مالك له فهدر ولو كان الجنين من زوج لأنه لم يكن مضمونا على الجاني ابتداء
فصل في الجنين الرقيق ذكرا كان أو أنثى أو خنثى عشر قيمة أمه على وزان اعتبار الغرة في الحر بعشر دية أمه وإنما لم تعتبر قيمته في نفسه بتقدير الحياة فيه بل قيمة أمه لعدم ثبوت استقلاله بانفصاله ميتا ويجب ذلك على العاقلة كما في الجنين الحر فلو ألقت أي الأمة بجناية جنينا ميتا فعتقت ثم ألقت آخر ففي الأول عشر قيمة الأم وفي الثاني غرة اعتبارا بحال الإجهاض ويعتبر في عشر قيمتها أكثر قيمتها وفي نسخة قيمها من الجناية إلى الإجهاض مع تقدير إسلام الكافرة
92
92
ورق الحرة وسلامة المعيبة إذا كان الجنين بخلافها في الأوليين وصورة الثانية أن تكون الأمة لرجل والجنين لآخر بوصية فيعتقها مالكها فإن كان للجاني نصف الأم المجني عليها وجنينها من زوج أو زنا فعليه لشريكه نصف عشر القيمة ويهدر نصيبه
وإن ضربها أحد الشريكين ثم أعتقها وهو معسر فألقت جنينا ميتا عتق نصيبه من الأم والجنين وعليه نصف عشر قيمة الأم لشريكه ولا يلزمه لما عتق من الجنين شيء لأنه وقت الجناية كان ملكه فإن كان المعتق موسرا وحكمنا بعتقها عليه فلشريكه عليه نصف قيمتها حاملا ولا يفرد الجنين بقيمة بل يتبع الأم في التقويم كما يتبعها في البيع ويلزمه بالجناية عليه غرة أي نصفها لأنه حر لورثة الجنين دونه أي المعتق لأنه قاتل وإن أعتق أحد الشريكين نصيبه منها ثم جنى عليها معسرا فعليه لشريكه نصف عشر قيمة الأم و عليه لما عتق من الجنين نصف غرة لورثته وإن كان موسرا فعليه لشريكه نصف قيمتها حاملا وللجنين غرة لورثته أو جنى عليها بعد إعتاق أحدهما نصيبه الشريك الآخر والمعتق معسر فعلى الجاني نصف غرة لورثة الجنين أو موسر فعليه للجاني نصف قيمتها حاملا وعلى الجاني غرة لورثة الجنين أو أعتق أحدهما نصيبه والجاني أجنبي والمعتق معسر فعلى الجاني نصف غرة لورثة الجنين ونصف عشر قيمة الأم للشريك الآخر لأنه أتلف جنينا نصفه حر ونصفه رقيق أو موسر فغرة تلزم الجاني لأنه أتلف جنينا حرا
وإن أجهضت بجناية الشريكين عليها فلكل منهما على الآخر ربع عشر قيمتها لأن كلا منهما جنى على ملكه وملك صاحبه ونصيب كل منهما تلف بفعلهما فتهدر جنايته على ملكه ويتقاصان لأن الحقين من جنس واحد فلو أعتقاها معا أو أعتقها وكيلهما بكلمة بين الجناية والإجهاض فعلى كل منهما ربع غرة اعتبارا بحال الجناية وقيل نصفها اعتبارا بحال الإجهاض
والتصريح بالترجيح من زيادته وصرح به الشيخ أبو علي للأم منها الأولى منه أي من ربع الغرة الثلث والباقي للعصبة ولا شيء للسيدين لأنهما قاتلان فلو أعتقاها قبل الإجهاض وبعد الجناية والجاني أحدهما فعليه لورثة الجنين نصف غرة ولشريكه الأقل من نصف الغرة ونصف عشر قيمة الأم اعتبارا بحال الجناية وقيل عليه غرة اعتبارا بحال الإجهاض والتصريح بالترجيح من زيادته
فرع لو وطئ شريكان أمتهما فحبلت فألقت جنينا ميتا بجناية أجنبي عليها فإن كانا موسرين فالجنين حر وعلى الجاني غرة وهي لمن يلحقه الجنين وإن كانا معسرين فنصف الجنين حر ووجب على الجاني نصف غرة لمن يلحقه الجنين وعليه للآخر نصف عشر القيمة أي قيمة الأم وكذا الحكم فيما يظهر لو كان أحدهما موسرا والآخر معسرا ولحقه الجنين فإن لحق الموسر فله غرة وإن قتلت مستولدة جنينها الحاصل من السيد بأن جنت على نفسها فألقته ميتا أهدر لما زاده على الروضة بقوله لأن الأم قاتلة لا ترث والأب لا يثبت له على المستولدة شيء لأنها ملكه نعم إن كان لها أم حرة وإن علت طالبت السيد بالأقل من قيمة المستولدة وسدس الغرة
فرع لو مات الزوج وخلف امرأة حاملا وأخا لأب أو لأبوين وألقت جنينا ميتا بجناية عبد عليها من التركة فلها منه ربعه ومن الغرة ثلثها وللأخ ثلاثة أرباع العبد وثلثا الغرة فالغرة ملكهما متعلقة بالعبد وهو ملكهما أرباعا والجنين بانفصاله ميتا خرج عن كونه وارثا والسيد لا يجب له على عبده شيء فيسقط من نصيب كل من الأم والأخ من الغرة ما يقابل ملكه من العبد ويطالب الآخر بما بقي له إن كان فللأخ ثلاثة أرباع العبد فيسقط من نصيبه من الغرة ثلاثة أرباعه يبقى له ربعه منها وهو سدس يتعلق بنصيب الأم من العبد وللأم ربعه فيسقط من نصيبها
93
93
من الغرة ربعه يبقى لها ثلاثة أرباعه منها وهو سدس ونصف سدس يتعلق بنصيب الأخ من العبد فيتقاصان في سدس ويبقى لها نصف سدس ويسقط نصيب الأخ منها وقد أوضح ذلك من زيادته
فقال فإن صلح العبد غرة بأن ساواها قيمة كأن كانت قيمة كل منهما ستين دينارا سقط نصيب الأخ من الغرة كله ثلاثة أرباعه في مقابلة ما يملكه من العبد وربعه بالتقاص وبقي لها بعد سقوط ربع نصيبها من الغرة والتقاص نصف سدس من الغرة تأخذه من نصيبه أي الأخ فإن سلم لها مقداره من العبد صار لها ثلثه وله ثلثاه وإلا أي وإن لم يصلح العبد غرة فإن الأولى كأن كان قيمة العبد عشرين دينارا والغرة ستين بقي لها من نصيبها منها خمسة عشر تأخذ فيها نصيبه من العبد و قد استوفت حقها وبقي له من نصيبه منها عشرة يأخذ فيها نصيبها منه وسقط الباقي لهما من الغرة وذلك لأنه قد سقط من نصيب الأخ ثلاثة أرباع نصيبه منها وتعلقت العشرة الباقية بما بقي للأم من العبد وهو يساوي خمسة فسقط له خمسة أيضا إذ لا يلزمها الفداء إلا بالأقل من الأرش وقيمة نصيبها وسقط مما لها من الغرة ربعه وهو خمسة فقد بقي لها خمسة عشر وله عشرة كما تقرر فإن سلم كل منهما نصيبه من العبد للآخر انعكس قدر ملكيهما فيصير له ربعه ولها ثلاثة أرباعه قال الرافعي عن الشيخ أبي حامد ولو كان بدل الأخ ابنا فالغرة بينهما أثلاثا أيضا والعبد بينهما أثمانا وقرر ذلك
فرع لو جنى حر ابن عتيقة أباه رقيق على امرأة حامل ثم عتق أباه و انجر ولاؤه من موالي أمه إلى موالي أبيه ثم أجهضت جنينا ميتا بالجناية فهل الغرة على موالي الأم اعتبارا بحال الجناية أو على موالي الأب اعتبارا بحال الإجهاض وجهان قياس ما رجحه قبيل فرع وطئ شريكان أمتهما ترجيح الأول وقد نبه عليه الأصل ولا تغتر بما وقع للإسنوي هنا
وعلى المكاتب غرم وفي نسخة غرة جنين أمته الحاصل منه إذا أجهضها بجنايته عليها وأنت خبير بأن المكاتب لا يلزمه بدل ولده من أمته فما قاله المصنف سهو نشأ من قراءته جنى في كلام أصله ببنائه للفاعل
وعبارة أصله أحبل مكاتب أمته فجنى عليها فأجهضت وجب في الجنين عشر قيمة الأم لأنها رقيقة بعد فقوله فجني مبني للمفعول والمراد جنى عليها أجنبي
الطرف الثالث في صفة الغرة وهي عبد مميز أو أمة مميزة ولو كبيرا وإن امتنع دخوله على النساء لوجود المنفعة لا معيب بعيب يوجب الرد للمبيع فلا يجزئ بخلاف الكفارة لا يضر فيها عيب لا يخل بالعمل لأنها حق الله ولورود الخبر هنا بلفظ الغرة وهي الخيار والمعيب بخلافه و لا هرم ولا غير مميز لعدم استقلالهما بخلاف الكفارة لأن الوارد فيها لفظ الرقبة ويشترط أن تساوي الغرة الكاملة نصف عشر دية الأب المسلم وهو عشر دية الأم المسلمة كما روي ذلك عن عمر وعلي وزيد بن ثابت ولا مخالف لهم ولأنه لا يمكن تكميل الدية لعدم كمال حياته ولا الإهدار فقدرت بأقل دية وردت وهي الخمس في الموضحة والسن وإيجاب ثلاثة أبعرة وثلث لأنملة غير الإبهام لم يرد بخصوصه بل لزم من توزيع ما للإصبع على أجزائها ومتى عدمت أي الغرة بأن لم توجد سليمة بثمن المثل فأقل فخمسة أبعرة كما روي عن زيد بن ثابت وغيره ولأنها مقدرة بها فإذا عدمت أخذ ما هي مقدرة به لا قيمتها ولأن الإبل هي الأصل في الديات فوجب الرجوع إليها عند فقد المنصوص عليه ولأن القيمة قد تبلغ دية كاملة أو تزيد عليها ولا سبيل إلى إيجابها فإن عدمت الإبل قومت الخمس وأخذت قيمتها كما في فقد إبل الدية فإن عدم بعضها أخذت قيمته مع الموجود وقد نبه على ذلك في الأصل ولا يجبر على قبول خصي ومعيب ولو خنثى واضحا قال في الأصل ولا كافر وهو محمول بقرينة ما مر في البيع على كافر ببلد تقل فيه الرغبة أو على مرتد أو كافرة يمتنع وطؤها لتمجس أو نحوه وكأن المصنف حذفه لذلك والاعتياض عنها أي عن الغرة كالاعتياض عن إبل الدية فلا يصح
الطرف الرابع في مستحقها أي الغرة و في من تلزمه المستحق لها هو الوارث للجنين لأنها دية نفس فعلى عاقلة من شربت دواء أو غيره وأجهضت جنينا ميتا بشربها غرة للورثة أي ورثته دونها لأنها قاتلة والغرة على العاقلة إذ لا عمد فيها أي في مقتضيها من الجناية على الجنين
94
94
إذ لا يتحقق وجوده ولا حياته حتى يقصد بل فيه خطأ وشبه عمد سواء أكانت الجناية على أمه خطأ أم عمدا أم شبهة بأن قصد غيرها فأصابها أو قصدها بما يجهض غالبا أو بما لا يجهض غالبا وقيل لا يتصور فيه شبه العمد أيضا وهو قوي لتعذر قصد الشخص المعتبر فيه كالعمد وعلى الأول يغلظ فيه فيؤخذ عند فقد الغرة حقة ونصف وجذعة ونصف وخلفتان قال الروياني وغيره وينبغي أن يغلظ في الغرة أيضا بأن يبلغ قيمتها نصف عشر الدية المغلظة قال في الأصل وهو حسن وإن جرحها أي الحامل فأجهضت جنينا ميتا فأرش يجب للجرح مقدرا وغير مقدر وغرة تجب للجنين ولو ضربها فألقت جنينا ميتا وبقي فيها شين فغرة وحكومة تجبان
فصل لو أقر بجناية على حامل ثم أنكر الإجهاض للجنين بأن قال إنها لم تجهض أو لم تجهضيه بل هو ملتقط أو أنكر خروجه حيا بأن قال خرج ميتا فالواجب الغرة وقال الوارث بل حيا ثم مات فالواجب الدية صدق المنكر بيمينه عملا بالأصل فعلى الوارث البينة بما يدعيه وتقدم بينة الوارث إن أقام كل منهما بينة بما ادعاه لأن معها زيادة علم وتقبل هنا النساء لأن الإجهاض والاستهلال أو نحوه لا يطلع عليه غالبا إلا النساء كالولادة فيقبلن على ذلك لا على أصل الجناية وإنما يقبل فيه الرجال صرح به الأصل وعلله المتولي بأن الضرب مما يطلعون عليه غالبا لكن صرح الماوردي بالاكتفاء فيه برجل وامرأتين حكاه عنه الأذرعي ثم قال وما قاله هو قضية ما يأتي في الشهادات من أن الجناية التي لا تثبت إلا المال كقتل الخطأ تثبت بذلك وإن ادعى أن الإجهاض أو موت من خرج حيا كان بسبب آخر أي غير الجناية فإن كان الإجهاض أو الموت عقب الجناية أو بعد مدة وكان الغالب بقاء الألم في الأم أو الجنين إليه أي إلى الإجهاض والموت صدقت هي بيمينها لأن الجناية سبب ظاهر والأصل عدم وجود سبب آخر
وإلا بأن لم يكن الغالب بقاء الألم إلى ذلك فلا تصدق هي بل المصدق هو بيمينه لأن الظاهر معه إلا أن تقوم بينة بأن الألم لم يزل حتى أجهضت أو مات الجنين ولا يقبل هنا إلا رجلان صرح به الأصل في الأولى وقاس بها المصنف الثانية قال الأذرعي وسياق كلام الماوردي يقتضي الاكتفاء برجل وامرأتين نظير ما مر عنه ولو قال المصنف بدل صدقت هي صدق الوارث كان أنسب بكلامه وبكلام أصله
وإن ألقت جنينين عرف استهلال واحد منهما ببينة أو غيرها وجهل وجب اليقين لأن الأصل براءة الذمة عن الزائد فإن كانا ذكرا وأنثى فغرة ودية أنثى وكذا إن كانا أنثيين فإن كانا ذكرين فغرة ودية رجل وإن ألقت جنينين ذكرا وأنثى وأحدهما حي ومات فادعى الوارث حياة الذكر وموت الأنثى والجاني العكس صدق الجاني بيمينه عملا باليقين ويحلف على نفي العلم بحياة الذكر وتجب غرة ودية أنثى و لو صدقه الجاني في حياة الذكر وكذبته العاقلة لم يقبل على العاقلة ويلزمها دية أنثى وغرة الآخر والباقي في مال الجاني وتعبير الأصل بالحكومة بدل الغرة سبق قلم وإن ألقت جنينين حيا وميتا ومات الحي أو جنينين وماتا كما صور به أصله وماتت فادعى ورثة الجنينين سبق موتها موته ليرثها ثم يرثونه و ادعى وارثها عكسه لترث هي الجنين ثم يرثها هو فإن كان لأحدهما بينة حكم بها وإلا فإن حلفا أو نكلا فلا توارث بين الجنين والأم للجهل بموت السابق وما تركه كل واحد لورثته الأحياء وإلا بأن حلف أحدهما ونكل الآخر قضي للحالف كنظائره وذكر الجنينين مثال فما نقص عنهما أو زاد عليهما كذلك باب كفارة القتل الأصل فيها قوله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة وقوله عز وجل فإن كان من قوم أي في قوم عدو
95
95
لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وقوله وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة وخبر واثلة بن الأسقع قال أتينا النبي صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا قد استوجب النار بالقتل فقال أعتقوا عنه رقبة يعتق الله بكل عضو منها عضوا منها من النار رواه أبو داود وصححه الحاكم وغيره الكفارة تلزم من سوى الحربي مميزا كان أم لا بقتل كل آدمي معصوم من مسلم ولو في دار الحرب وذمي ومستأمن وجنين وعبد ونفسه عمدا أو خطأ أو شبه عمد مباشرة أو تسببا ولا يؤثر عدم الضمان بالمال أو القصاص كما في قتل عبده ونفسه لأن الكفارة إنما تجب لحق الله تعالى لا لحق الآدمي وخرج بسوى الحربي الحربي فلا تلزمه الكفارة لعدم التزامه الأحكام ومثله الجلاد القاتل بأمر الإمام ظلما وهو جاهل بالحال لأنه سيف الإمام وآلة سياسته وبالقتل الجراحات فلا كفارة فيها لورود النص بها في القتل دون غيره كما تقرر وليس غيره في معناه وتقدم أن غير المميز لو قتل بأمر غيره ضمن آمره دونه وقضيته أن الكفارة كذلك نبه عليه الأذرعي لا بقتل مباح الدم بأن أذن فيه كما صرح به الأصل كقتل مرتد وقاطع طريق وزان محصن وحربي وباغ وصائل وسيأتي في باب البغاة أن الكفارة لا تجب أصلا بقتل الباغي العادل إذا كان له تأويل ولعله لكونه مأذونا له بحسب ما ظهر له من دليله وما ذكره كأصله في قاطع الطريق محله إذا أذن الإمام في قتله وإلا فتجب الكفارة كما تجب الدية بناء على ما يأتي من أن المغلب في قتله بلا إذن معنى القصاص فلا إشكال بين البابين
ولا تلزم الكفارة بذراري أي بقتل ذراري أهل الحرب ونسائهم وإن حرم قتلهم لأن تحريمه ليس لحرمتهم بل لمصلحة المسلمين لئلا يفوتهم الارتفاق بهم وهي الكفارة غير متجزئة بدليل أنها لا تنقسم على الأطراف ولأن فيها معنى العبادة وهي لا تتوزع على الجماعة بل على كل شريك في القتل كفارة كالقصاص وفارقت جزاء الصيد بأنها وجبت لهتك الحرمة لا بدلا وهي ككفارة الظهار في الترتيب والصفات لكن لا إطعام فيها اقتصارا على الوارد فيها من إعتاق رقبة مؤمنة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ولا يحمل المطلق على المقيد في الظهار كما فعلوا في قيد الأيمان حيث اعتبروه ثم حملا على المقيد هنا لأن ذلك إلحاق في وصف وهذا إلحاق في أصل وأحد الأصلين لا يلحق بالآخر بدليل أن اليد المطلقة في التيمم حملت على المقيدة بالمرافق في الوضوء ولم يحمل إهمال الرأس والرجلين في التيمم على ذكرهما في الوضوء بل بمعنى لكن إن مات قبل الصوم أطعم من تركته كصوم رمضان أي كفائته فيخرج لكل يوم مد طعام
وتجب الكفارة في مال الصبي والمجنون إذا قتلا كما علم مما مر ويعتق الولي عنهما من مالهما كما يخرج الزكاة عنهما منه فلو عدم مالهما فصام الصبي المميز عن كفارته أجزأه بناء على إجزاء قضائه الحج الذي أفسده وقيل لا يجزئه بناء على مقابل ذلك والتصريح بالترجيح من زيادته وخرج بالصبي المميز المجنون فلا يصح صومه ولا يصوم عنهما الولي بحال والقياس أن السفيه يعتق عنه وليه وتردد فيه الأذرعي فقال هل يتولاه عنه الولي أو يعين له رقبة ويأذن له في عتقها فيه نظر وللأب والجد أي لكل منهما الإعتاق والإطعام عنهما من ماله وكأنهما ملكاهما ثم نابا عنهما
96
96
في ذلك لا غيرهما كوصي وقيم أي ليس له ذلك لأنه ليس في معناهما بل يتملك لهما الحاكم ما يعتق ويطعم عنهما ثم يعتق ويطعم عنهما الوصي أو القيم
باب دعوى الدم وما يتبعها وفيه ثلاثة أبواب الأول في الدعوى ولها خمسة شروط الأول التعيين للمدعى عليه فلو قال قتل أبي أحد هذين أو أحد هؤلاء العشرة لم تسمع دعواه للإبهام كمن ادعى دينا على أحد رجلين أو رجال فلا تسمع الدعوى المجهولة فيه أي في القتل ولا في غيره كغصب وإتلاف وسرقة ولم يحضره يعني القاضي المدعى عليه المجهول الغائب فلو قال قتل أبي زيد أو عمرو لم تسمع الدعوى ولم يحضر القاضي أحدا منهما وكذا لا تسمع الدعوى بقتل أو غيره على جمع لا يتصور وقوعه منهم لأنه دعوى محال فإن أمكن أي تصور وقوعه منهم سمعت
الشرط الثاني التفصيل للدعوى فيقول قتله خطأ أو عمدا أو شبه عمد أو منفردا أو شريكا لغيره ويصف كلا من الثلاثة الأول بما يناسبه لأن الأحكام تختلف بهذه الأحوال ولو قال كأصله منفردا بدون أو كان أولى فلو أطلق دعواه استحب للقاضي استفصاله وما قيل من أن الاستفصال تلقين ممنوع بل التلقين أن يقول له قل قتله عمدا أو خطأ والاستفصال أن يقول كيف قتل والتصريح بالاستحباب من زيادته ولا يلزمه استفصاله بل له أن يعرض عنه ولا يسأله الجواب حتى يحرر الدعوى فلو قال قتله بشركة سئل عمن شاركه في القتل فإن ذكر مع الخصم شركاء فيه لا يمكن اجتماعهم عليه لغت دعواه كما علم مما مر فإن أمكن ولم يعينهم لعدم حصره لهم أو لعدم معرفته لهم والواجب القود بأن قال قتل عمدا مع شركاء عامدين سمعت دعواه لأنه إذا أثبتها أمكن الاقتصاص منه ولا يختلف ذلك بعدد الشركاء أو والواجب الدية بأن قال قتل خطأ أو شبه عمد أو تعمد وفي شركائه مخطئ فلا تسمع دعواه لأن حصة المدعى عليه من الدية لا تعلم إلا بحصر الشركاء نعم إن قال مثلا لا أعلم عددهم تحقيقا ولكن أعلم أنهم لا يزيدون على عشرة ونحو ذلك سمعت دعواه وطولب المدعى عليه في المثال المذكور بالعشر من الدية لأنه المتيقن وقوله مثلا ونحو ذلك من زيادته وأحدهما يغني عن الآخر
الشرط الثالث والرابع المدعي والمدعى عليه وشرطهما التكليف وشرط الأصل كون المدعي ملتزما فخرج به الحربي وهو محمول على حربي لا أمان له فقول الإسنوي
97
97
إن ذكره ذهول ممنوع وقد اغتر به المصنف فحذفه مع أنه شرط في المدعى عليه أيضا وعبارة المنهاج وإنما تسمع من مكلف ملتزم على مثله فتسمع الدعوى وإن كان كل من المدعي والمدعى عليه جنينا حال القتل لأنه قد يعلم الحال بالتسامع ويمكنه أن يحلف في مظنة الحلف إذا عرف ما يحلف عليه بإقرار الجاني أو سماع من يثق به كما لو اشترى عينا وقبضها فادعى رجل ملكها فله أن يحلف أنه لا يلزمه التسليم إليه اعتمادا على قول البائع وذكر حكم الجنين في المدعى عليه من زيادته
وتسمع دعوى السفيه أي المحجور عليه بالسفه ويحلف ويحلف ويقتص والمال إذا آل الأمر إليه يأخذه الولي كما في دعوى المال يدعي السفيه ويحلف والولي يأخذ المال وتسمع الدعوى على السفيه فإن لم يكن لوث فإن أقر بموجب قصاص أو نكل وحلف المدعي اقتص منه عملا بإقراره الحقيقي في الأولى والحكمي في الثانية لأن إقراره بما يوجب القصاص مقبول أو أقر بموجب مال فلا يقتص منه لكن تسمع الدعوى عليه لإقامة البينة عليه ولا يحلف المدعي إن أنكر السفيه بناء على أن نكول المدعى عليه مع يمين المدعي كالإقرار وإن كان لوث أقسم المدعي وقضي له كما في غير السفيه وإن أقر مفلس إقرارا حقيقيا أو حكميا لرجل بجناية خطأ أو شبه عمد وكذبته العاقلة أو بجناية عمد وعفا على مال زاحم الرجل الغرماء عملا بإقرار المفلس وإن صدقته العاقلة تحملت موجب ما صدقت فيه وإن أنكر المفلس فإن كان بينة أو لوث وأقسم المدعي زاحم الغرماء وإن لم يكن بينة ولا لوث حلف المفلس فإن نكل حلف المدعي وقضى له والدعوى في جناية العبد تكون عليه إن أوجبت قصاصا أو كان ثم لوث لصحة إقراره في الأولى والقسامة في الثانية فيرتب على ذلك حكمه وإلا أي وإن لم توجب قصاصا ولا ثم لوث فعلى السيد الدعوى وتعلق المال حيث وجب برقبة العبد كسائر جناياته
الشرط الخامس عدم التناقض في دعواه فإن ادعى انفراده بالقتل ثم ادعاه على آخر شركة أو انفرادا لغت دعواه الثانية لأن الأولى تكذبها وكذا تلغو الأولى قبل الحكم لأن الثانية تكذبها بخلافها بعده فيمكن من العود إلى الأول إلا أن يصرح بأنه ليس بقاتل فلو أقر له الثاني بما ادعاه لزمه لأن الحق لا يعدوهما ويحتمل كذب المدعي في الأولى وصدقه في الثانية وإذا ادعى قتلا عمدا ووصفه بخطأ أو شبه عمد أو عكسه بأن ادعى خطأ ووصفه بعمد أو شبهة أو ادعى شبه عمد ووصفه بغيره سمعت دعواه لأنه قد يظن ما ليس بعمد أو عكسه فيتبين بتفسيره أنه مخطئ في اعتقاده ولأنه قد يكذب في الوصف ويصدق في الأصل فاعتمد تفسيره فيمضي حكمه
وإن قال بعد دعواه القتل وأخذه المال أخذت المال باطلا أو ما أخذته حرام علي أو نحوه سئل فإن قال ليس بقاتل وكذبت في الدعوى استرد المال منه أو قال قضي لي عليه بيمين وأنا حنفي لا أعتقد أخذ المال بيمين المدعي لم يسترد منه لأن النظر إلى رأي الحاكم لا إلى اعتقاد الخصمين فلو تعذر سؤاله بموته سئل وارثه فإن امتنع من الجواب فظاهر أنه يلزم بالرد و نظير ما ذكر من قال لا أملك هذا لأنه إرث أي لأني ورثته من كافر وفسر كفره بالاعتزال أو لا أملكه لأنه قضي لي من حنفي بأخذه بشفعة الجوار وأنا شافعي لا أرى الأخذ بها أو لا أملك هذه الأمة لأنها مستولدة أبي وقد علم أنه استولدها بنكاح واستند هو فيما قاله إلى ذلك فلا أثر لإقراره في الصور الثلاث فيملك فيها ما أقر به لفساد ما استند إليه

98
98
أو قال لا أملك هذا لأنه مغصوب ولم يعين مالكه فمال ضائع وإن عينه لزمه تسليمه إليه ولا رجوع له على المأخوذ منه لأن قوله لا يقبل عليه ولا أثر لقوله أي من أقسم ندمت على القسامة فلا يلزمه به شيء فإن ادعى قتلا على رجل و أخذ الدية بيمينه واعترف آخر بالقتل ولم يصدقه الآخذ فلا أثر لقوله فيما جرى وإلا أي وإن صدقه رد الدية على الذي أخذها منه وله مطالبة المقر بها لأنه ربما بنى الدعوى الأولى على ظن حصل له وإقرار الثاني يفيد اليقين أو ظنا أقوى من الظن الأول وهو نظير ما مر في أول هذا الشرط
الباب الثاني في القسامة الباب الثاني في القسامة هي لغة اسم لأولياء الدم ولأيمانهم واصطلاحا اسم لأيمانهم ويطلقها أئمتنا على الأيمان مطلقا أيضا والأصل في الباب خبر الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن بن سهل لما أخبروه بقتل اليهود لعبد الله بن سهل بخيبر وأنكره اليهود أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم وفي رواية تحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم قاتلكم أو صاحبكم قالوا كيف نحلف ولم نشاهد ولم نر قال فتبرئكم يهود بخمسين يمينا قالوا كيف نأخذ بأيمان كفار فعقله النبي صلى الله عليه وسلم من عنده وهذا مخصص لخبر البيهقي البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه
وفيه أربعة أطراف الأول في محلها أي القسامة وهو قتل الحر في محل اللوث الآتي بيانه وكذا العبد ولو مكاتبا بناء على أن بدله تحمله العاقلة وفي معناه الأمة ولو أم ولد فلا قسامة في غير القتل من جرح وإتلاف مال بل يصدق المدعى عليه بيمينه على الأصل وإن كان هناك لوث لأن البداءة بيمين المدعى على خلاف القياس والنص ورد في النفس وحرمتها أعظم من حرمة غيرها ولهذا اختصت بالكفارة وكذا لا قسامة في قتل النفس في غير محل اللوث كما أفهمه كلامه السابق لانتفاء ما يفيد الظن ولو ارتد المجروح أو نقض العهد فيما لو كان كافرا ومات بالسراية قبل الإسلام في الأولى أو تجديد العهد في الثانية فلا قسامة لأن المستحق ضمان الجرح دون النفس فإن مات بالسراية بعد الإسلام أو تجديد العهد جرت القسامة لأن المستحق حينئذ ضمان النفس
واللوث لغة القوة ويقال الضعف يقال لاث في كلامه إذا تكلم بكلام ضعيف واصطلاحا قرينة توقع في القلب صدق المدعي كأن يوجد قتيل في مساكن أعدائه كالحصن والقرية الصغيرة والمحلة المنفردة عن البلد الكبير ولم يخالطهم غيرهم حتى لو كانت القرية مثلا بقارعة طريق يطرقها غيرهم فلا لوث لاحتمال أن غيرهم قتله واعتبار عدم المخالطة جرى عليه تبعا للإسنوي فقال إنه الصواب فقد نص عليه الشافعي وذهب إليه جمهور الأصحاب بل جميعهم إلا الشاذ وحكاه النووي في شرح مسلم عن الشافعي وقال البلقيني إنه المذهب المعتمد والذي في الأصل تصحيح اعتبار أن لا يساكنهم غيرهم والمراد بغيرهم على كلا القولين من لم تعلم صداقته للقتيل ولا كونه من أهله وإلا فاللوث موجود فلا تمنع القسامة قاله ابن أبي عصرون وغيره قال الإسنوي تبعا لابن الرفعة ويدل له قضية خيبر فإن إخوة القتيل كانوا معه ومع ذلك شرعت القسامة قال العمراني ولو لم يدخل ذلك المكان غير أهله لم تعتبر العداوة أو يوجد قريبا من قريتهم مثلا ولا ساكن في الصحراء ولا عمارة ثم أو يوجد وقد تفرق عنه جمع وإن لم يكونوا أعداءه وبه أثر جرح أو خنق أو عض وفي نسخة أو عصر ولو كان وجوده في المسجد أو في باب الكعبة أو في الطواف ونحوه كبستان وقوله من زيادته وبه أثر جرح أو خنق أو عض يغني عنه ما يأتي قبيل الطرف الثاني بل ذكره هنا يوهم أنه لا يعتبر فيما قبله ولا فيما بعده وليس كذلك أو يوجد وقد ازدحموا في مضيق إذ يغلب على الظن أنهم قتلوه أو بعضهم ولو ترك قوله ازدحموا كان أولى وأخصر أو وجد الأنسب بكلامه يوجد قتيل في صحراء وعنده رجل ملطخ سلاحه أو ثوبه أو بدنه بالدم ولا قرينة تعارضه بأن لا يكون ثم ما تمكن إحالة القتل عليه فلو وجد بقربه سبع أو رجل آخر مول ظهره قال في الأنوار أو غير مول أو وجد أثر قدم أو ترشيش دم في غير جهة صاحب السلاح فليس بلوث في حقه إن لم تدل قرينة على أنه لوث في حقه كأن وجد به جراحات لا يكون مثلها من غيره ممن وجد
ثم ولو
99
99
استفاض بين الناس أنه أي أن فلانا هو القاتل أو رئي من بعيد يحرك يده كما يفعل من يضرب فوجد مكانه قتيل أو شهد عدل ولو قبل الدعوى وكذا امرأتان أو عبدان أو صبيان أو فساق أو ذميون ولو دفعة بأنه القاتل فلوث في حقه لأنه يثير الظن واحتمال التواطؤ كاحتمال الكذب في شهادة العدل الواحد وقد حكى الرافعي في شهادة من تقبل روايتهم كعبيد ونسوة جاءوا دفعة وجهين أشهرهما المنع وأقواهما أنه لوث واقتصر في الروضة على الأصح بدل الأقوى قال الإسنوي وهو عجيب لأنه لم يذكر ما ذكره الرافعي من أنه بحث وأن الجمهور على خلافه لا سيما وقد نقل في المطلب عن الشافعي المنع فيتعين الفتوى به
انتهى
والأوجه مقابله وعليه اقتصر في الشرح الصغير ولم ينسب ترجيح المنع إلى أحد وما قاله من أن الرافعي ذكر أنه بحث وأن الجمهور على خلافه ممنوع على أن القول بالمنع يقتضي القول به في نظيره ممن لم تقبل روايته كفسقة وهو خلاف ظاهر كلامهم وتعبير المصنف كأصله بالشهادة يوهم أنه يتعين لفظها وأنه لا يشترط البيان وليس كذلك بل يكفي الإخبار وهو ظاهر ويشترط البيان فقد يظن ما ليس بلوث لوثا ذكره في المطلب
لا قول المقتول أي المجروح جرحني فلان أو قتلني أو دمي عنده أو نحوه فليس بلوث لأنه مدع فلا يعتمد قوله وقد يكون بينه وبينه عداوة فيقصد إهلاكه فإن تفرق عنه جمع لا يمكن اجتماعهم على قتله كما في الازدحام بمضيق لم تسمع دعواه عليهم كما مر وتسمع على بعضهم في الازدحام كما لو ثبت اللوث في جماعة محصورين فادعى الولي القتل على بعضهم ويعتمد القاضي لوثا عاينه ولا يخرج على الخلاف في قضائه بعلمه لأنه يقضي بالأيمان
وقتيل الصفين المتقاتلين أي قتيل أحدهما الموجود عند انكشافهما إن التحم قتال بينهما ولو بأن وصل سلاح أحدهما إلى الآخر فلوث في حق صف العدو للقتيل إذ الظاهر أن أهل صفه لا يقتلونه وإلا أي وإن لم يتحتم القتال ففي أي فهو لوث في حق أهل صفه لأن الظاهر أنهم قتلوه فلو وجد بعضه أي القتيل في محلة أعدائه وبعضه في أخرى لأعداء له آخرين فللولي أن يعين أحدهما ويدعي عليه ويقسم قال الروياني وله أن يدعي عليها ويقسم قال في الأصل قال المتولي ولو وجد قتيل بين قريتين أو قبيلتين ولم يعرف بينه وبين أحدهما عداوة لم يجعل قربه من إحداهما لوثا لأن العادة جرت بأن يبعد القاتل القتيل عن فنائه وينقله إلى بقعة أخرى دفعا للتهمة عن نفسه وما ورد مما يخالف ذلك لم يثبت الشافعي رضي الله عنه إسناده
فصل قد يعارض اللوث ما يبطله فإذا ظهر لوث على جماعة فللولي أن يعين واحدا أو أكثر وفي نسخة الأكثر منهم ويدعي عليه ويقسم لأن اللوث كذلك يظهر وقلما يختص بالواحد فإن قال القاتل أحدهم ولا أعرفه فلا قسامة وله تحليفهم قال الإسنوي وغيره هذا خلاف الصحيح فقد مر أول الباب أنه لو قال قتله أحد هؤلاء وطلب من القاضي تحليف كل واحد منهم لم يجبه للإبهام وسبب ما وقع فيه الرافعي هنا أن الغزالي في الوجيز ذكره هنا كذلك وهو ممن يصحح سماع الدعوى على غير المعين فقلده ذاهلا عما مر وعلى القول بالتحليف فإن نكل واحد منهم عن اليمين فذلك لوث في حقه لأن نكوله يشعر
100
100
بأنه القاتل فللولي أن يقسم عليه ولو وفي نسخة فلو نكلوا كلهم عن اليمين وقال وفي نسخة أو قال عرفته فله تعيينه ويقسم عليه لأن اللوث حاصل في حقهم جميعا وقد يظهر له بعد الاشتباه أن القاتل هو الذي عينه ولو شهد شاهد بقتله مطلقا عن التقييد بعمد أو غيره بعد دعوى مفصلة أو مطلقة على القول بصحتها لم يكن ذلك لوثا حتى يبين إذ لا يمكنه أن يحلف مع شاهده ولو حلف لا يمكن الحكم به لأنه لا يعلم صفة القتل حتى يستوفي موجبه فظهور اللوث في أصل القتل دون وصفه لا قسامة فيه لتعذر استيفاء موجبه قال في الأصل بعد هذا كله وهذا يدل على أن القسامة على قتل موصوف تستدعي ظهور اللوث في قتل موصوف لكن إطلاق الأصحاب يفهم تمكن الولي من القسامة على القتل الموصوف بظهور اللوث في أصل القتل وليس ببعيد بدليل أنه لو ثبت اللوث في حق جماعة تمكن الولي من القسامة في حق بعضهم فكما لا يعتبر ظهور اللوث في الانفراد والاشتراك لا يعتبر في صفتي العمد وغيره
ويصدق بيمينه مدعي الغيبة عن مكان القتل أو مدعي أنه غير من نسب إليه اللوث كأن قال لم أكن في القوم المتهمين أو لست أنا الذي رئي معه السكين المتلطخ على رأسه لأن الأصل براءته وعلى المدعي البينة فلو قامت بينة بحضوره وبينة بكونه كان غائبا في مكان آخر تساقطتا وقيل تقدم بينة الغيبة إن اتفقنا على سبق حضوره والترجيح من زيادته
قال الإسنوي والصحيح الثاني فقد نقله الإمام عن أصحابنا وإن اختار هو الأول وإن قامت البينة بأن القاتل غيره أو أنه كان في مكان آخر أو أقر المدعي بذلك بعد القسامة والحكم بموجبها نقض واسترد المال ولا تسمع البينة أنه لم يكن هناك وفي نسخة هنا وبه عبر الأصل وكلاهما صحيح أو أنه لم يقتله لأنه نفي محض قال الإسنوي في الأولى أخذا من كلام ابن الرفعة هو وإن كان نفيا إلا أنه نفي محصور فتسمع قال ولو اقتصرت البينة على أنه كان غائبا فكلام الغزالي يوهم أنه لا يكفي أيضا والمتجه الاكتفاء به نظرا إلى اللفظ وبه جزم الطبري والحبس والمرض المبعد للقتل أي دعوى وجود كل منهما يوم القتل كالغيبة أي كدعواها فيما مر والشهادة من عدل أو عدلين أن أحدهما قتله لوث في حقهما فله أن يدعي عليهما وله أن يعين أحدهما ويدعي عليه لا الشهادة أنه قتل أحدهما فليست لوثا لأنها لا توقع في القلب صدق ولي أحدهما وهذه العلة يؤخذ منها أنه لو كان وليهما واحدا كان لوثا وبه صرح ابن يونس قال ابن الرفعة ويقوي ما قاله ما لو كانت ديتهما متساوية قال الإسنوي ويؤيده ما لو عجز الشهود عن تعيين الموضحة فإنه يجب الأرش لأنه لا يختلف باختلاف محلها وقدرها بخلاف القصاص لتعذر المماثلة وما لو شهدا على أنه قطع يد زيد ولم يعينا وكان زيد مقطوع يد واحدة فإنه ينزل على المقطوعة ولا يشترط تنصيصهما
وإن وفي نسخة وإذا تكاذب الوارثان في متهمين وعين كل منهما غير من يراه الآخر أنه القاتل أو كذب أحدهما الآخر فيمن عينه كأن قال أحد ابني القتيل قتله زيد وكذبه الآخر ولو فاسقا بطل اللوث فلا يحلف المدعي لانخرام ظن القتل بالتكذيب الدال على أنه لم يقتله لأن النفوس مجبولة على الانتقام من قاتل المورث وفرقوا بينه وبين ما لو ادعى أحد وارثين دينا للمورث وأقام به شاهدا وكذبه الآخر حيث لا يمنع تكذيبه حلف المدعي مع
101
101
الشاهد بأن شهادة الشاهد حجة في نفسها وهي محققة وإن كذب الآخر واللوث ليس بحجة وإنما هو مثير للظن فيبطل بالتكذيب قال البلقيني ومحله إذا لم يثبت اللوث بشاهد واحد في خطأ أو شبه عمد والألم يبطل بتكذيب أحدهما قطعا ولهما التحليف أي ولكل من الوارثين تحليف من عينه على الأصل من أن اليمين في جانب المدعى عليه وخرج بالتكاذب ما لو قال أحدهما قتله زيد وسكت الآخر أو قال لا أعلم أنه قتله فلا يبطل اللوث قاله الروياني وغيره فإن قال أحدهما قتله زيد ومجهول وقال الآخر قتله عمرو ومجهول أقسم كل منهما على من عينه إذ لا تكاذب منهما لاحتمال أن الذي أبهمه كل منهما من عينه الآخر وأخذ كل منهما ممن عينه ربع الدية لاعترافه بأن الواجب عليه نصفها وحصته منه نصفه وإن قال كل منهما بعد أن أقسم على من عينه المجهول من عينه أخي أقسما ثانيا وأخذ الباقي أي أقسم كل منهما على من عينه الآخر وأخذ ربع الدية وهل يحلف كل منهما في المرة الثانية خمسين يمينا أو نصفها فيه خلاف يأتي في نظائره أو قال كل منهما بعدما ذكر المجهول غير من عينه صاحبي رد كل منهما ما أخذه لتكاذبهما وإن قال ذلك أحدهما رد صاحبه وحده ما أخذه لأن قائل ذلك كذبه بخلاف قائله ولصاحبه أن يحلف من عينه وقوله ولكل منهما تحليف من عينه متعلق بالتي قبل هذه وكلامه يقتضي خلافه
ولو قال أحدهما قتله زيد وعمرو وقال الآخر بل زيد وحده أقسما على زيد لاتفاقهما عليه وطالباه بالنصف ولا يقسم الأول على عمرو لأن أخاه كذبه في الشركة ولكل منهما تحليف خصمه في الباقي فللأول تحليف عمرو فيما بطلت فيه القسامة وللثاني تحليف زيد فيه ولا بد من ظهور أثر في اللوث والقسامة كالخنق والعض وفي نسخة والعصر والجرح فإن لم يوجد أثر فلا لوث فلا قسامة لاحتمال أنه مات فجأة والأصل عدم تعرض غيره له فلا بد أن يعلم أنه قتيل ليبحث عن القاتل وهذا ما صححه الأصل والمذهب المنصوص وقول الجمهور ثبوت اللوث والقسامة ذكره في المهمات وبسطه ولا يتعين في ذلك الجرح لأن القتل يحصل بما ذكر
الطرف الثاني في كيفية القسامة يحلف الولي أي الوارث مع وجود اللوث خمسين يمينا للخبر السابق أول هذا الباب سواء أكان الولي حائزا أم لا لتكمل الحجة وسواء أكانت النفس كاملة أم لا لقد قتل هذا أبي مثلا وإن شاء ميزه أي كلا من القاتل والمقتول بالاسم والنسب وغيرهما كقبيلة وضبعة عمدا أي قتله عمدا أو خطأ أو شبه عمد وشمل قوله يحلف الولي ما لو كان المدعي غيره كمستولدة أوصى له سيدها بقيمة عبد قتل وهناك لوث ومات السيد فلها الدعوى وليس لها أن تقسم وإنما يقسم الوارث كما سيأتي ذلك ويقول قتله وحده أو مع زيد وهل ذلك أي قوله وحده أو مع زيد شرط لاحتمال الانفراد صورة مع الاشتراك حكما كالمكره مع المكره أو تأكيد لأن قوله قتله يقتضي الانفراد وجهان أوجههما الأول وهو ظاهر النص وعليه اقتصر القاضي أبو الطيب وغيره وذكر الشافعي رضي الله عنه أن الجاني لو ادعى أنه بريء من الجرح زاد الولي في اليمين وما بريء من جرحه حتى مات منه نقله الأصل ويسن للقاضي تخويفه ووعظه إذا أراد أن يحلف كأن يقول له اتق الله ولا تحلف إلا عن تحقق ويقرأ عليه إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا ويغلظ عليه في اليمين كما في اللعان فيستحب التغليظ فيها زمانا ومكانا ولفظا كما صرح به الأصل
ولا يشترط موالاتها لأنها حجة كالشهادة فيجوز تفريقها في خمسين يوما ويفارق اشتراطها في اللعان بأن اللعان أولى بالاحتياط من حيث إنه تتعلق به العقوبة البدنية وأنه يختل به النسب وتشيع به الفاحشة فإن تخللها جنون ونحوه كإغماء ثم زال عمن قام به بنى عليها فلا يلزمه الاستئناف لعذره مع لزوم ما وقع أو تخللها موت للمدعي استأنف وارث المدعي فلا يبني لأن الأيمان كالحجة الواحدة ولا يجوز أن يستحق أحد شيئا بيمين غيره وليس كما لو أقام شطر البينة ثم مات حيث يضم وارثه إليه الشطر الثاني ولا يستأنف لأن شهادة كل شاهد مستقلة بدليل أنه إذا انضمت اليمين إليها قد يحكم بهما بخلاف يمين القسامة
102
102
لا استقلال لبعضها بدليل أنه لو انضم إليه شهادة شاهد لا يحكم بها لا إن تمت أيمانه قبل موته فلا يستأنف وارثه بل يحكم له كما لو أقام بينة ثم مات ويبني وارث المدعى عليه على أيمانه إذا تخلل موته الأيمان وإن عزل القاضي أو مات في خلالها وولي غيره لا المدعي إن عزل القاضي أو مات في خلالها أي لا يبني عليها بل يستأنف إلا إن عاد المعزول فيبني المدعي بناء على أن الحاكم يحكم بعلمه وإنما استأنف فيما إذا ولي غيره تشبيها بما لو عزل القاضي أو مات بعد سماع البينة وقبل الحكم وبما لو أقام شاهدا واحدا وأراد أن يحلف معه فعزل القاضي وولي آخر لا بد من استئناف الدعوى والشهادة وخرج بالمدعي والمدعى عليه كما فهم بالأولى أيضا من في حكم وارثه فله البناء فيما لو تخلل أيمانه عزل القاضي أو موته ثم ولي غيره والفرق أن يمينه للنفي فتنفذ بنفسها ويمين المدعي للإثبات فتتوقف على حكم القاضي والقاضي الثاني لا يحكم بحجة أقيمت عند الأول وعزل القاضي وموته بعد تمامها كهو الأولى كهما في أثنائها في الطرفين أي طرف المدعي وطرف المدعى عليه فيأتي فيه ما تقرر
وله أي المدعي أن يقسم ولو غاب حال قتله عن محل القتل لأنه قد يعرف الحال بإقرار المدعى عليه أو سماع من ينوبه ولا تمنع القسامة غيبة المدعى عليه كالبينة كما صرح به الأصل وتوزع الأيمان على الورثة بحسب الميراث لأن ما يثبت بأيمانهم يقسم عليهم على فرائض الله فكذا اليمين ولأن المستحق واحد وهم خلفاؤه فيحلف كل منهم بقدر خلافته وفي صور الجد والإخوة تقسم الأيمان كقسم المال وفي المعادة لا يحلف ولد الأب إن لم يأخذ شيئا فإن أخذ حلف بقدر حقه صرح به الأصل
ويتمم المنكسر من الأيمان إن وقع كسر لأن اليمين لا تتبعض ولا يجوز إسقاطه لئلا ينقص نصاب القسامة فمن خلف تسعة وأربعين ابنا حلفوا يمينين يمينين لأن الواحدة الباقية تقسم بينهم ويتمم ولو خلف أما وابنا حلفت تسعا وحلف اثنين وأربعين ولو خلف أكثر من خمسين ابنا حلف كل واحد يمينا صرح به الأصل وإن خلف ثلاثة بنين حلف كل منهم سبع عشرة يمينا فإن حضر واحد منهم حلف خمسين لحقه فقط إن لم يصبر أي إلى حضور الآخرين لتعذر أخذ شيء قبل تمام الحجة فيفرض حائزا لذلك فإن صبر حتى حضرا حلف كل بقدر حقه وإن حضر آخر أو بلغ الصبي أو أفاق المجنون حلف نصفها كما لو حضر ابتداء و حلف الثالث إذا حضر أو بلغ أو أفاق سبع عشرة بتكميل المنكسر فإن قلت إذا كانت الأيمان كالبينة فلم لم يكتف بوجودها من بعضهم كالبينة قلنا لصحة النيابة في إقامة البينة دون اليمين ولأن البينة حجة عامة واليمين حجة خاصة وذكر الأصل أن كل من حلف فله أخذ حصته في الحال وكان للمصنف حذفه لقول الإسنوي هذا إنما يتجه إذا قلنا إن تكذيب بعض الورثة لا يمنع القسامة وهو رأي البغوي فإن قلنا يمنع وهو الصحيح فيتعين الانتظار لأن توافق الورثة شرط وما قاله ممنوع لأن الشرط عدم التكاذب لا التوافق وقول الأصل ولو امتنع الحاضر من الزائد على قدر حقه لم يبطل حقه من القسامة حتى إذا حضر الغائب كمل معه بخلاف نظيره في الشفعة لأن التأخير فيها تقصير مبطل والقسامة لا تبطل بالتأخير حذف المصنف صدره لفهمه من قوله إن لم يصبر وعجزه لأنه مفرع على ضعيف إذ الصحيح في باب الشفعة أنه لا يبطل حق الحاضر منها بالتأخير
وإن ماتا أي الثاني والثالث بعد حلف الحاضر فورثهما الحاضر حلف حصتهما ولا يكفيه حلفه السابق لأنه لم يكن مستحقا لحصتهم يومئذ ولو خلف زوجة وبنتا حلفت الزوجة عشرا والبنت أربعين بجعل الأيمان بينهما أخماسا لأن نصيب البنت كنصيب الزوجة أربع مرات أو خلفت زوجا وبنتا حلفت البنت الثلثين وهو أي الزوج الثلث بجعل الأيمان بينهما أثلاثا لأن نصيبها كنصيبه مرتين
ويحلف الخنثى خمسين
103
103
يمينا لاحتمال أنه ذكر ولأنه لا يأخذ قبل تمام الأيمان شيئا ويأخذ النصف فقط لاحتمال أنه أنثى هذا إن انفرد فإن كان هناك أي معه عصبة ليسوا في درجته كإخوة فلهم أن يحلفوا نصفها لاحتمال أنه أنثى ويؤخذ المال الباقي ويوقف بينهم وبينه إلى البيان أو الصلح ولهم أن يصبروا إلى البيان ولا تعاد القسامة عند البيان وإن لم يكن معه عصبة لم يؤخذ أي الباقي من المدعى عليه بل يوقف حتى يبين الخنثى فإن بان أنثى ولا حلف المدعى عليه أنه لم يقتله أخذه أي القاضي الباقي لبيت المال وإن بان ذكرا أخذه فإن حلف المدعى عليه لم يأخذ منه القاضي ذلك وفي نسخة فإن بان أنثى ولا عصبة حلف المدعى أي عليه لبيت المال أي لأجله والخنثيان يحلف كل منهما الثلثين أربعا وثلاثين مع الجبر لاحتمال أنه ذكر والآخر أنثى ويعطى الثلث لاحتمال أنه أنثى والابن مع الخنثى يحلف ثلثيها لاحتمال أنوثة الخنثى ويعطى النصف لاحتمال ذكورته والخنثى يحلف نصفها لاحتمال ذكورته ويعطى الثلث لاحتمال أنوثته ويوقف السدس بينهما إلى البيان أو الصلح ولو خلف بنتا وخنثى حلفت نصف الأيمان والخنثى ثلثها وأخذا ثلثي الدية ولا يؤخذ الباقي من المدعى عليه حتى يتبين الخنثى صرح به الأصل
فرع من مات من الورثة قبل حلفه وزعت أيمانه على ورثته كما مر فإن مات من لزمه النصف مثلا فحلف اثنين فحلف الأول حصته ثلاث عشرة ثم مات أخوه قبل حلفه وورثه حلف حصته ثلاث عشرة لأنها القدر الذي كان يحلفه مورثه لا تكملة النصف فقط ومن نكل من الورثة عن اليمين ومات فلورثته تحليف الخصم لا القسامة لبطلان حقهم بنكول مورثهم
فرع لو كان للقتيل ابنان و حلف أحدهما ومات الآخر قبل أن يحلف عن ابنين فحلف أحدهما حصته وهي ثلاث عشرة ونكل الآخر وزعت أيمانه التي نكل عنها وهي الربع على عمه وأخيه على قدر حصتيهما من الدية تكملة للحجة فيحلف العم تسعا إذ يخصه ثمان وثلث والأخ أربعا إذ يخصه أربع وسدس يضم ذلك إلى حصتيهما في الأصل فيكمل للعم أربع وثلاثون لأنه حلف أولا خمسا وعشرين وللأخ سبع عشرة لأنه حلف أولا ثلاث عشرة وإنما حلف الأخ هنا بالحصة الأصلية وفيما قبل الفرع بحصة لتكملة لأنه فرع عن أخيه ثم بخلافه هنا لبطلان حق الناكل بنكوله ولا يختص العدد باللوث بل يمين مدعي القتل مع الشاهد ويمين المدعى عليه واليمين المردودة من المدعي أو المدعى عليه فيها أي في القسامة خمسون لأنها يمين دم ولخبر فتبرئكم يهود بخمسين يمينا في جانب المدعى عليه ومحله في المدعى عليه إن انفرد وإلا بأن تعدد حلف كل منهم خمسين كما يحلفها الواحد اعتبارا باليمين الواحدة أما إذا تعدد المدعي فيحلف كل منهم بنسبة حقه والفرق أن كلا من المدعى عليهم ينفي ما ينفيه الواحد لو انفرد وكل من المدعيين لا يثبت لنفسه ما يثبته الواحد لو انفرد بل يثبت بعض الأرش فيحلف بقدر الحصة وبهذا فرق الرافعي بين يمين المدعين ابتداء ويمين المدعى عليهم ومنه يؤخذ أن اليمين المردودة على المدعين كيمينهم ابتداء وجرى عليه البلقيني وغيره فكلام المصنف كأصله محمول على ما يوافق ذلك كما أشرت إليه في تقرير كلام المصنف
والأشبه أن يمين الجراحات كالنفس فتكون خمسين سواء نقصت أي الجراحات أي إبدالها عن الدية كالحكومة وبدل اليد أو زادت كبدل اليدين والرجلين إذ لا تخلف اليمين في سائر الدعاوى بقلة المدعى وكثرته
الطرف الثالث في حكم القسامة والواجب بها الدية في الحر والقيمة في الرقيق لا القصاص لما روي في الخبر السابق من قوله صلى الله عليه وسلم إما أن تدوا صاحبكم أو يؤذنوا بحرب ولم يتعرض للقصاص ولأن القسامة حجة ضعيفة فلا توجب القصاص احتياطا لأمر الدماء كالشاهد واليمين وليست كاللعان في رجم المرأة لتمكنها فيه من الدفع بلعانها أولا كاليمين المردودة لتقويها بالنكول ولهذا جعلت كالإقرار أو كالبينة وأجابوا عن قوله في الخبر أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم بأن التقدير بدل دم صاحبكم جمعا بين الخبرين ويعقل عنه أي القاتل في غير العمد من شبهه والخطأ أما في العمد فتجب الدية في مال القاتل حالة
فإن ادعى القتل على اثنين واللوث على أحدهما
104
104
أقسم عليه خمسين وحلف الآخر خمسين يمينا أو ادعى على ثلاثة بلوث أي معه أنهم قتلوه عمدا وهم حضور حلف لهم خمسين يمينا وأخذ الدية وإن غابوا حلف لكل من حضر منهم خمسين وإنما لم يكتف بأيمانه الأول لأنها لم تتناول غيره قال في الأصل هذا إن لم يكن ذكر غيره في الأيمان السابقة وإلا فينبغي الاكتفاء بها بناء على صحة القسامة في غيبة المدعى عليه وهو الأصح كإقامة البينة
انتهى
وفي تعليلهم السابق إشارة إليه وإن أقر من حضر بعمد اقتص منه أو بخطأ وصدقته العاقلة كان الواجب عليها وإلا بأن لم تصدقه ففي مال المقر وكل من حلف له أخذ منه ثلث الدية
فرع لو نكل المدعي في دعوى عمد أو خطأ أو شبه عمد عن القسامة أو عن اليمين مع الشاهد ثم نكل خصمه عن اليمين فردت عليه فله أن يحلف وإن كان قد نكل لأنه إنما نكل عن يمين القسامة أو المكملة للحجة وهذه يمين الرد والسبب الممكن من تلك هو اللوث ومن هذه نكول المدعى عليه فالنكول عن شيء في مقام لا يبطل حقا في مقام آخر ولأنه في دعوى القتل الموجب للقصاص يستفيد بها ما لا يستفيد بالقسامة وهو القصاص المذكور في قوله ويقتص أو يطلب الدية لأن اليمين المردودة كالإقرار أو كالبينة وكلاهما يثبت به القصاص أو الدية وإذا نكل المدعي عن اليمين المردودة ولا لوث ثم ظهر لوث أقسم لما مر
الطرف الرابع فيمن يحلف في القسامة من استحق بدل الدم من دية أو قيمة أقسم مسلما كان أو كافرا فيقسم السيد ولو مكاتبا بقتل عبده لأنه المستحق لا العبد المأذون له فلا يقسم بقتل عبده وهو عبد التجارة إذ لا حق له بخلاف المكاتب وإنما يقسم سيده فقوله بقتل عبده متعلق بيقسم فإن عجز المكاتب عن أداء النجوم قبل نكوله عن اليمين ولو بعد عرضها عليه حلف السيد لأنه المستحق حينئذ أو بعد نكوله فلا يحلف لبطلان الحق بالنكول كما لا يقسم الوارث إذا نكل مورثه لكن للسيد تحليف المدعى عليه أو عجز بعد القسامة أخذ السيد المال أي قيمة العبد كما لو مات المكاتب وكما لو مات الولي بعدما أقسم
وإن أوصى لمستولدته بعبد فقتل وهناك لوث حلف السيد وأخذ القيمة وبطلت الوصية أو أوصى لها بقيمة عبده إن قتل صحت الوصية لأن القيمة له فله أن يوصي بها ولا يقدح فيها الخطر لأنها تحتمل الأخطار والقسامة للسيد أو ورثته بعد موته بلا نكول فلا تلزمهم القسامة وإن تيقنوا الحال قال في الذخائر لأنه سعى في تحصيل غرض الغير وإنما أقسموا مع أن القيمة للمستولدة لأن المال للسيد ولأن القسامة من الحقوق المتعلقة بقتل مملوكه فتورث كسائر الحقوق ويثبت بها المال له ثم يصرف أي يصرفونه لها بموجب الوصية لأن لهم غرضا ظاهرا في تنفيذها كما يقضون ديونه عند عدم التركة من خالص مالهم ويجب قبوله بخلاف ما لو تبرع به أجنبي فإن نكلوا عن القسامة لم تقسم المستولدة لأن القسامة لإثبات القيمة وهي للسيد فيختص بتحليفه بل لها الدعوى على الخصم بالقيمة والتحليف له لأن الملك لها فيها ظاهرا ولا يحتاج في دعواها والتحليف إلى إثبات جهة الاستحقاق ولا إلى إعراض الورثة عن الدعوى صرح به الأصل فلو نكل الخصم عن اليمين حلفت يمين الرد
وإن أوصى لغيره بعين فادعاها شخص ففي حلف الوارث لتنفيذ الوصية تردد أي احتمالان للإمام أحدهما ورجحه الإمام وجزم به الماوردي والروياني يحلف كما في مسألة المستولدة والثاني لا ويفرق بأن القسامة تثبت على خلاف القياس احتياطا للدماء قال في المطلب ومحل التردد إذا كانت العين في يد الوارث فإن كانت في يد الموصى له فهو الحالف جزما وإن أوصى لعبده ثم أعتقه صحت الوصية له لأنه عند استحقاقها حر يملك وكذا لو باعه بعدها صحت وتصير للمشتري
105
105
وتقدم ذلك في الوصية
فرع
لو قطع يد عبد فعتق ثم مات بالسراية فللسيد الأقل من الدية ونصف القيمة كما مر فإن كان ثم لوث وفضل عن الأقل شيء للورثة أقسم السيد مع الورثة بالتوزيع للأيمان عليهما بحسب ما يأخذان وكذا يقسم وحده إن لم يفضل عنه شيء للورثة لأنه المستحق دونهم
فرع لو ارتد السيد ولو قبل قتل العبد وكذا لو ارتد الوارث بعد موت المجروح لا قبله فله أي لكل منهما ولو في الردة القسامة لإثبات حقه بخلاف ما لو ارتد الوارث قبل موت الجريح واستمر مرتدا حتى مات الجريح لأنه لا يرث وإنما لم يفصل هذا التفصيل في السيد لأن استحقاقه بالملك لا بالإرث والأولى تأخيرها أي القسامة إلى أن يسلم السيد أو الوارث لأنه قبل إسلامه لا يتورع عن اليمين الفاجرة فإن أقسم في الردة ثبت المال كما لو أقسم في الإسلام وكان المال الحاصل به للمقسم في الردة كاكتساب أي كالحاصل بالاكتساب باحتشاش واحتطاب ونحوه وسيأتي حكمها في باب الردة وإنما صح إقسامه فيها كسائر الكفار ولأنه نوع اكتساب للمال فلا تمنع منه الردة كالاحتطاب وذكره أولوية تأخير القسامة وما بعدها في حق السيد من زيادته
مسائل منثورة ينبغي أن لا يحلف سكران مدعيا كان أو مدعى عليه حتى يعلم ما يقول وما يقال له وينزجر عن اليمين الفاجرة فلو حلف صح كغيره وإن قتل رجل فبان اللوث على عبده فلا قسامة لوارثه لأنه لا يثبت له على عبده شيء لا إن كان مرهونا فله القسامة ليستفيد بها فكه وبيعه وقسمة ثمنه على الغرماء
ولو ادعى على غيره قتلا عمدا فأقر خصمه بالخطأ أو شبه العمد ولا لوث صدق الخصم وحلف خمسين يمينا فإن كان هناك لوث أقسم المدعي ودعوى الخصم كون القتل غير عمد لا يمنع المدعي من القسامة ولا تبطل اللوث بل تؤكده وإذا حلف المدعى عليه على الخطأ أو شبه العمد فللمدعي طلب الدية منه إلا أن تصدقه العاقلة فيطلبها منهم وعلى كل حال فهي مخففة صفة وتأجيلا فإن نكل المدعى عليه وحلف المدعي اقتص منه فإن عفي على الدية فهي مغلظة في ماله
وإن ادعى عليه قتلا خطأ أو شبه عمد وأقر خصمه بعمد فلا قصاص عليه لتكذيب المدعى له وطولب بدية مخففة لأنها المدعاة والخصم وإن لم يقر بالدية بل بالقصاص لكن طلب المدعي لها يستلزم العفو عنها
الباب الثالث في الشهادة على الدم إنما يثبت موجب القصاص من قتل أو جرح بعدلين يشهدان بالموجب أو بإقرار الجاني وإن عفي على مال فلو قال المدعي في الجناية الموجبة للقصاص عفوت عنه فاقبلوا مني رجلا وامرأتين أو شاهدا ويمينا لآخذ المال لم يقبل منه لأنها في نفسها موجبة للقصاص لو ثبتت ولأنه ينبغي أن يثبت القصاص حتى يعتبر العفو وإقرار الجاني عطف على عدلين والتصريح به من زيادته ويثبت موجب المال مما ذكر مع عدلين برجل مع امرأتين أو برجل ويمين لأن المقصود منه المال وذلك كعمد الأب والصبي والمجنون وكالهاشمة لا الهاشمة المسبوقة بإيضاح فلا يثبت أرشها بذلك بل لا بد من شهادة عدلين لأن الإيضاح قبلها الموجب للقصاص لا يثبت بذلك
ومتى شهد رجل وامرأتان أو رجل مع يمين كما صرح به الأصل أنه تعمد زيدا بسهم رماه به فقتله ومرق منه فقتل عمرا قبل منه ذلك لعمرو سواء أكانت الجناية الأولى متعلق حق المدعي أم لا والفرق بين هذه وما قبلها أن الإيضاح والهشم هناك جناية واحدة في محل واحد وإذا اشتملت الجناية على ما يوجب القصاص احتيط لها ولم تثبت إلا بحجة كاملة وهنا جنايتان في مجلس لا تتعلق إحداهما بالأخرى ويؤخذ من ذلك ما صرح به الأصل نقلا عن الإمام أنه لو ادعى أنه أوضح رأسه ثم عاد وهشمه ينبغي أن يثبت أرش الهاشمة برجل وامرأتين لتعدد الجناية ومثله رجل ويمين
فصل وليصرح الشاهد على الجاني بالإضافة للهلاك إلى فعله فلو قال ضربه بالسيف أو ضربه فأنهر الدم لم يكف في ثبوت قتله بذلك ويكفي فيه قوله جرحه فقتله أو فمات من جرحه
106
106
أو أنهر دمه فمات بذلك لا جرحه فمات فلا يكفي حتى يقول منه أو مكانه أو نحوه لاحتمال موته بسبب آخر ولا يشهد بالقتل برؤية الجرح حتى يقطع بموته منه بقرائن يشاهدها وتثبت الدامية والموضحة فالدامية بقوله ضربه فأسال دمه أو فأدماه أو فجرحه لا بقوله ضربه فسال دمه لاحتمال سيلانه بغير الضرب و الموضحة بقوله أوضح أي ضربه فأوضح عظمه أو فاتضح عظمه بضربه لا بقوله أوضحه أي ضربه فأوضحه أو أوضح رأسه أو ضربه فاتضح أو فوجدنا رأسه موضحا لعدم استلزامها إيضاح العظم ولاحتمال الإيضاح في الأخيرتين بسبب آخر وما ذكره من اعتبار ذكر العظم حتى لا يكفي فأوضحه أو فأوضح رأسه هو ما صححه المنهاج كأصله حيث قال ويشترط لموضحة ضربه فأوضح عظم رأسه وقيل يكفي فأوضح رأسه أي لفهم المقصود منه وبالثاني جزم الأصل ثم ذكر الأول عن حكاية الإمام والغزالي وحكى البلقيني الثاني عن نص الأم والمختصر ورجحه وصوبه الزركشي وقال إنه المنصوص للشافعي وأصحابه وليبين محل الموضحة ومساحتها فيما إذا كان على رأسه مواضح للقصاص أي لوجوبه أو يعينها بالإشارة إليها فيما إذا لم يكن على رأسه إلا موضحة لأنها قد توسع أي لجواز أنها كانت صغيرة فوسعها غير الجاني
فلو شهدا في صورة الوضح بإيضاح بلا تعيين وجب المال لأنه لا يختلف باختلاف محل الموضحة وقدرها بخلاف القصاص لتعذر المماثلة لا إن وجد المشهود له بإيضاحه سليما لا أثر عليه والعهد قريب فلا يجب المال لبطلان الشهادة ويكفي في شهادة مقطوع أي في الشهادة بقطع يد فقط قول الشاهد قطع يده ويكفي في قبول شهادته بقطعها رؤيتها مقطوعة عن التعيين لها وكذا يكفي فيه قوله قطع يده وهما أي يداه مقطوعتان لكن لا قصاص فيها لعدم تعينها بخلاف اليد الواحدة لتعينها
فصل ترد شهادة الوارث لمورثه غير بعضه بالجرح الذي يمكن أن يفضي إلى الهلاك قبل الاندمال ولو عاش الجريح للتهمة لأنه لو مات مورثه أخذ الأرش فكأنه شهد لنفسه بخلاف ما لو شهد له بعد الاندمال أو قبله لكن مستحق الأرش غيره كأن جرح عبد فأعتقه سيده وادعى بالجرح على الجارح لكون الأرش له فشهد له وارث الجريح فلا ترد شهادته لانتفاء التهمة وبخلاف ما لو شهد له بمال ولو في مرض موته والفرق أن الجرح سبب للموت الناقل للحق إليه بخلاف المال
ولا يحكم بالجرح بشهادة محجوب كأخ مع وجود ابن صار وارثا بأن مات الابن فإن ورث بعد الحكم به لم ينقض كما لو حدث الفسق ولو شهد وارثان ظاهرا به ثم حجبا قبل الحكم ردت شهادتهما للتهمة عند أدائها وللعاقلة الشهادة بجرح شهود القتل العمد و بجرح شهود الإقرار بالخطأ أو شبه العمد إذ لا تهمة لانتفاء تحملهم الدية ولبعيدهم الغني وفي عدد الأقرب وفاء بالواجب الشهادة بالجرح مطلقا عن التقييد بالعمد والإقرار بغيره لا فقيرهم أي ليس له الشهادة بذلك والفرق أن توقع الغني أقرب من توقع موت القريب المحوج إلى التحمل فالتهمة لا تتحقق فيه والتصريح بمطلقا من زيادته
فرع
107
107
لو بادر الشهود عليهما بالقتل أو بادر غيرهم وشهدا به على الشاهدين عليهما به أو على غيرهما كما صرح به الأصل سئل المطالب أي المدعي احتياطا لحصول الريبة بشهادة الآخرين فإن كذبهما حكم عليهما بالقتل بشهادة الأولين ولا تقبل شهادتهما لتكذيب الولي لهما وللتهمة بالمبادرة وبدفع ضرر موجب شهادة الشهود عليهما على الشاهدين ولصيرورتهم ا عدوين لهما بشهادتهما عليهما وإن صدقهما دون الأولين أو صدق الجميع أو كذب الجميع وهو أي والمدعي الولي بطل الجميع أي الشهادتان وهو ظاهر في الثالث ووجهه في الأول أن فيه تكذيب الأولين وعداوة الآخرين لهما والتهمة وفي الثاني أن في تصديق كل فريق تكذيب الآخر أو والمدعي وكيله أي الولي وعين له الولي الآخرين انعزل عن الوكالة وذكر الانعزال عند تكذيب الجميع من زيادته ولا تبطل دعوى موكله عليهما فلو وكله بإثبات الحق على اثنين من هؤلاء الأربعة ولم يعينهما صح التوكيل فإن شهد المشهود عليهما على الآخرين أي الشاهدين عليهما فصدقهما أي الوكيل الآخرين وحدهما أو مع الأولين انعزل عن الوكالة وللولي الدعوى على الأولين إن لم يسبق منه مناقض لهما لكن لا تقبل شهادة الآخرين لما مر فإن صدق الولي المبادرين لم تقبل شهادتهما على الأولين ولو كانا أجنبيين أي غير المشهود عليهما لما مر ولو شهد المشهود عليهما أو أجنبيان كما صرح به الأصل بمال على الشاهدين للمدعي بمال وصدقهما المدعي لم يضر في صحة دعواه وشهادة الأولين وله أن يدعي عليهما أيضا لإمكان اجتماع المالين وتقبل شهادة الآخرين عليهما وإن شهدا في مجلس واحد
فصل لو أقر أحد الورثة بعفو بعضهم عن القصاص وعينه أو لم يعينه سقط القصاص لأنه لا يتبعض وبالإقرار سقط حقه منه فسقط حق الباقي فللجميع الدية إن لم يعين العافي وكذا إن عينه فأنكر فإن أقر سقطت حصته من الدية فإن عينه المقر وشهد عليه بالعفو عن القصاص والدية جميعا بعد دعوى الجاني قبلت شهادته في الدية ويحلف الجاني معه أي مع الشاهدان العافي عفا عن الدية لا عنها وعن القصاص لأن القصاص سقط بالإقرار فتسقط من الدية حصة العافي ويكفي منكر العفو المدعي به عليه اليمين فإن نكل حلف المدعي وثبت العفو بيمين الرد ويشترط لإثبات العفو من بعض الورثة عن القصاص لا عن حصته من الدية شاهدان لأن القصاص ليس بمال وما لا يثبت بحجة ناقصة لا يحكم بسقوطه بها أما إثبات العفو عن حصته من الدية فيثبت بالحجة الناقصة أيضا من رجل وامرأتين أو رجل ويمين لأن المال يثبت بذلك فكذا إسقاطه
فصل لو اختلف الشاهدان في هيئة القتل كأن قال أحدهما قده نصفين والآخر حز رقبته أو في مكانه كأن قال أحدهما قتله في البيت والآخر في السوق أو في زمانه كأن قال أحدهما قتله يوم السبت أو غدوة والآخر يوم الأحد أو عشيته أو في آلته كأن قال أحدهما قتله بالسيف والآخر بالرمح لغت شهادتهما ولا لوث بها للتناقض فيها وقد يقال لم لم يحلف مع من وافقه منهما ويأخذ البدل كنظيره من السرقة ويجاب بأن باب القسامة أمره أعظم ولهذا غلظ فيه بتكرر الأيمان لا إن اختلفا في زمان الإقرار ومكانه المزيد على الأصل أي فيهما معا أو في أحدهما كأن شهد أحدهما بأنه أقر بالقتل يوم السبت والآخر بأنه أقر به يوم الأحد فلا تلغو الشهادة لأنه لا اختلاف في القتل وصفته بل في الإقرار إلا إن عينا يوما أو نحوه في مكانين متباعدين بحيث لا يصل المسافر من أحدهما إلى الآخر في الزمن الذي عيناه كأن شهد أحدهما بأنه أقر بالقتل بمكة يوم كذا والآخر بأنه أقر بقتله بمصر ذلك اليوم فتلغو الشهادة
وإن شهد أحدهما على المدعى عليه بالقتل والآخر بالإقرار به فلوث تثبت به القسامة دون القتل لأنهما لم يتفقا على شيء واحد فإن ادعى عليه
108
108
الوارث قتلا عمدا أقسم ورتب حكم القسامة وإلا بأن ادعى خطأ أو شبه عمد فيحلف مع أحدهما أي أحد الشاهدين فإن حلف مع شاهد الإقرار فالدية على الجاني أو مع الآخر أي شاهد القتل فعلى العاقلة وإن ادعى عليه عمدا فشهد أحدهما بإقراره بقتل عمد والآخر بإقراره بمطلق أي بقتل مطلق عن التقييد بعمد أو غيره أو شهد أحدهما بقتل عمد والآخر بقتل مطلق ثبت أصل القتل لاتفاقهما عليه حتى لا يقبل من المدعى عليه إنكاره وطولب بالبيان لصفة القتل فإن امتنع منه وأصر على إنكار أصل القتل جعل ناكلا وحلف المدعي يمين الرد أنه قتل عمدا واقتص منه فإن بين فقال قتلته عمدا اقتص منه أو عفى على مال أو قتله خطأ وللمدعي تحليفه على نفي العمدية إن كذبه فإذا حلف لزمه دية خطأ بإقراره فإن نكل عن اليمين حلف المدعي واقتص منه
ولو شهد أحدهما بقتل عمد ادعى به والآخر بخطأ أو شبه عمد ثبت القتل لاتفاقهما على أصله والاختلاف في العمدية وضدها ليس كالاختلاف فيما مر أول الفصل لأن التكاذب ثم في أمر محسوس والعمدية وضدها في محل الاشتباه فالفعل الواحد قد يعتقده أحدهما عمدا والآخر غيره على أنه صحح في الشرح الصغير عدم ثبوت القتل هنا أيضا وعلى الأول يطالب المدعى عليه بالبيان فإن بين أنه عمد ثبت أو أنه خطأ أو شبه عمد فكذبه الولي أقسم لأن معه شاهدا وذلك لوث هنا ويخالف ما لو شهد أحدهما بإقرار العمد والآخر بإقرار القتل المطلق لأن اللوث إنما يتحقق في الفعل لا في الإقرار فإن امتنع من الإقسام حلف الجاني والدية في ماله مخففة فإن نكل ردت اليمين على المدعي فإن حلف ثبت موجب العمد أو نكل فدية الخطأ في ماله
فإن شهدا أنه قد ملفوفا في ثوب ولم يتعرضا لحياته حين القد لم يثبت القتل بشهادتهما والقول في حياته حينئذ قول الولي بيمينه لأن الأصل بقاء الحياة كما مر في باب اختلاف الجاني ومستحق الدم وإذا حلف اقتص من القاد عملا بمقتضى تصديقه كالدية وهذا ما نقله الأصل هنا عن جماعة ونقل مقابله عن الشيخ أبي حامد ولم يرجح شيئا لكنه رجح الثاني في الروضة في الباب المذكور آنفا كما قدمته ثم ونقله فيه عن المحاملي والبغوي أيضا قال الأذرعي وهو الصحيح المختار لأن القصاص يدرأ بالشبهة كالحدود
فرع لو شهد رجل على آخر أنه قتل زيدا وآخر أنه قتل عمرا أقسم ولياهما لحصول اللوث في حقهما جميعا
باب الإمامة العظمى وهي فرض كفاية كالقضاء إذ لا بد للأمة من إمام يقيم الدين وينصر السنة وينصف المظلومين ويستوفي الحقوق ويضعها مواضعها فإن لم يصلح لها إلا واحد ولم يطلبوه لزمه طلبها لتعينها عليه وأجبر عليها إن امتنع من قبولها فإن صلح لها جماعة فحكمه حكم ما لو صلح جماعة للقضاء وسيأتي حكمه في بابه مع أنه تعرض لبعض ذلك في الفصل الآتي
ويشترط كونه حال العقد لها أو العهد بها أهلا للقضاء فيشترط كونه مسلما مكلفا عدلا حرا ذكرا مجتهدا ذا كفاية سميعا بصيرا ناطقا لنقص غيره شجاعا ليغزو بنفسه ويدير الجيوش ويقوى على فتح البلاد قرشيا
109
109
لخبر النسائي الأئمة من قريش وأما خبر أطيعوا ولو أمر عليكم عبد حبشي فمحمول على غير الإمامة العظمى فلو اختلت الشروط عند العهد وكملت عند موت العاهد لم يصح العهد ولا يشترط كونه هاشميا فإن أبا بكر وعمر وعثمان لم يكونوا من بني هاشم ولا معصوما باتفاق من يعتد به فإن فقد قرشي جامع للشروط فمنتسب إلى كنانة ثم إلى إسماعيل وقوله وهم يعني أولاده الشاملين لكنانة العرب من زيادته ثم إلى جرهم قال في الأصل وهم أصل العرب قال الرافعي ومنهم تزوج إسماعيل حين أنزله أبوه أرض مكة ثم إلى إسحاق ثم إلى غيرهم وقيل إذا فقد الإسماعيلي ولي رجل من العجم والترجيح من زيادته قال الرافعي ولك أن تقول قريش من ولد النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة فكما قالوا إذا فقد قرشي ولي كناني هلا قالوا إذا فقد كناني ولي خزيمي وهكذا يرتقي إلى أب بعد أب حتى ينتهى إلى إسماعيل قال ابن الرفعة وهو قضية كلام القاضي فما ذكروه مثال يقاس عليه قال الأذرعي وفي كلام الرافعي الأخير وقفة ظاهرة إذ من المعلوم أن من فوق عدنان لا يصح فيه شيء ولا يمكن حفظ النسب فيه منه إلى إسماعيل
و يشترط أن لا يكون به نقص يمنع استيفاء الحركة وسرعة النهوض كالنقص في اليد والرجل و أن لا يكون به نظر لا يميز به الأشخاص ولا يضر فقد ذوق وشم ولا قطع ذكر ونحوه كالأنثيين ولا يضر عشا العين بفتح أوله والقصر لأن عجزه عن النظر إنما هو حال الاستراحة ويرجى زواله
وتنعقد الإمامة بثلاثة طرق الأول البيعة كما بايع الصحابة أبا بكر رضي الله عنهم ولا تنعقد البيعة إلا بعقد ذوي عدالة وعلم ورأي من أهل العقد والحل من العلماء والرؤساء وسائر وجوه الناس الذين يتيسر حضورهم لأن الأمر ينتظم بهم ويتبعهم سائر الناس ولا يشترط اتفاق أهل الحل والعقد في سائر البلاد والأصقاع بل إذا وصل الخبر إلى أهل البلاد البعيدة لزمهم الموافقة والمتابعة ولو كان أهله الأولى أهلها واحدا يطاع كفى في البيعة
ويشترط لانعقادها الإشهاد بشاهدين إن عقدها واحد لا إن عقدها جماعة كذا صحح هذا التفصيل في الروضة بعد نقله كأصله عن العمراني إطلاق وجهين في اشتراط حضور شاهدين وحكى بعد تصحيحه المذكور عن الإمام عن أصحابنا اشتراط حضور الشهود لئلا يدعي عقد سابق ولأن الإمامة ليست دون النكاح
انتهى
والأوجه عدم التفصيل فإما أن يشترط الإشهاد في الشقين أو لا يشترط في شيء منهما
الطريق الثاني استخلاف الإمام لغيره ولو لولده أي جعله خليفة بعده ويعبر عنه بعهده إليه كما عهد أبو بكر إلى عمر رضي الله عنهما بقوله بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند آخر عهده من الدنيا وأول عهده بالآخرة في الحال التي يؤمن فيها الكافر ويتقي فيها الفاجر أني استعملت عليكم عمر بن الخطاب فإن بر وعدل فذلك علمي به ورأيي فيه وإن جار وبدل فلا علم لي بالغيب والخير أردت ولكل امرئ ما اكتسب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون وظاهر أن المراد الإمام الجامع للشروط فلا عبرة باستخلاف الجاهل والفاسق نبه عليه الأذرعي وغيره وإنما يصح الاستخلاف بشرط القبول من الخليفة في حياته أي الإمام وإن تراخى عن الاستخلاف كما اقتضاه كلامه كأصله وقال البلقيني ينبغي أن يكون الأصح اعتبار كونه على الفور
انتهى
فإن أخره عن حياته رجع ذلك فيما يظهر إلى الإيصاء وسيأتي حكمه وعليه أن يتحرى الأصلح للإمامة أي يجتهد فيه فإذا ظهر له واحد ولاه
وله جعلها أي الخلافة لزيد ثم بعده لعمرو ثم بعده لبكر وتنتقل إليهم على ما رتب كما رتب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمراء جيش مؤتة فيصح استخلافه واحدا أو جماعة مترتبين وإن لم يحضره أحد ولم يشاور أحدا فإن جعلها شورى بين اثنين فأكثر بعده تعين من عينوه منهم بعد موته كما جعل عمر رضي الله عنه الأمر شورى بين ستة علي والزبير وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة فاتفقوا على عثمان رضي الله عنه لا قبله فلا يتعين من عينوه بل ليس لهم أن يعينوا أحدا حينئذ إلا بإذنه فإن خافوا الفرقة أي تفرق الأمر وانتشاره بعده استأذنوه فإن أذن فعلوه ولا يلزمهم التعيين فيما إذا جعلها شورى بين جماعة بل يكون الأمر كما لو لم يجعلها شورى
ولو أوصى
110
110
بها جاز كما لو استخلف لكن قبول الموصى له إنما يكون بعد موت الموصي وقيل لا يجوز لأنه بالموت يخرج عن الولاية والترجيح من زيادته ويتعين من اختاره للخلافة بالاستخلاف أو الوصية مع القبول فليس لغيره أن يعين غيره
فلو جعل الأمر شورى بين ثلاثة مترتبين فمات الأول منهم في حياته فالخلافة للثاني أو الأول والثاني فللثالث فإن استعفى الخليفة أو الموصى له بعد القبول لم ينعزل حتى يعفى ويوجد غيره فإن عفي بعد وجود غيره انعزل عبارة الروضة فإن وجد غيره جاز استعفاؤه وإعفاؤه وخرج من العهد باجتماعهما وإلا امتنعا وبقي العهد لازما وشمول كلام المصنف حكم الموصى له من زيادته
ويصح استخلاف غائب علمت حياته بخلاف ما إذا جهلت ويستقدم أي يطلب قدومه بأن يطلبه أهل العقد والحل بعد الموت أي بعد موت الإمام فإن بعد قدومه بأن بعدت غيبته وتضرروا أي المسلمون بتأخر النظر في أمورهم عقدت أي الخلافة أي عقدها أهل العقد والحل لنائب عنه بأن يبايعوه بالنيابة دون الخلافة وينعزل بقدومه وله أي للإمام تبديل ولي عهد غيره فلو جعل الأمر شورى بين ثلاثة مترتبين ومات وهم أحياء فانتصب الأول للخلافة فله تبديل الأخيرين بغيرهما لأنها لما انتهت إليه صار أملك بها لا تبديل ولي عهده إذ ليس له عزله بلا سبب لأنه ليس نائبا له بل للمسلمين
وليس لولي العهد نقلها أي الخلافة منه إلى غيره لأنه إنما تثبت له الولاية بعد موت المولي ولا عزل نفسه استقلالا و إنما ينعزل بالتراضي منه ومن الإمام بقيد زاده بقوله إن لم يتعين فإن تعين بتقدير عدم الإمام لم ينعزل وإن خلع الإمام بأن خلعه غيره وليس بجائز بغير سبب لم ينخلع إذ لو انخلع لم يؤمن تكرر التولية والانخلاع وفي ذلك سقوط الهيبة وكذا لو خلع نفسه لم ينخلع إلا لعجز منه عن القيام بأمور المسلمين لهرم أو مرض أو نحوه فينخلع فقوله ونحوه لا حاجة إليه وله أن يولي غيره ما دام الأمر له أي قبل خلعه نفسه فإن ولاه حينئذ انعقدت ولايته وإلا فيبايع الناس غيره
فصل لو صلح لها اثنان استحب لأهل العقد والحل تقديم أسنهما أي في الإسلام فيما يظهر كما في إمامة الصلاة ثم إن كثرت الحروب بظهور البغاة وأهل الفساد فالأشجع أحق لأن الحاجة دعت إلى زيادة الشجاعة أو كثرت البدع فالأعلم أحق لأن الحاجة دعت إلى زيادة العلم لسكون الفتن وظهور البدع ثم إن تساويا فيما ذكر اعتبرت القرعة لعدم الترجيح وقيل يقدم أهل العقد والحل من شاءوا بلا قرعة والترجيح من زيادته ولو تنازعاها لم يقدح فيهما تنازعهما لأن طلبها ليس مكروها وقضية كلامه أنه يقرع وإن لم يتنازعاها وقضية كلام الروضة أنه إنما يقرع عند تنازعهما والأول أوجه لأن الحق فيها للمسلمين لا لهما كما سيأتي
الطريق الثالث أن يغلب عليها ذو شوكة ولو كان غير أهل لها كأن كان فاسقا أو جاهلا فتنعقد للمصلحة وإن كان عاصيا بفعله وكذا تنعقد لمن قهره عليها فينعزل هو بخلاف ما لو قهر عليها من انعقدت إمامته ببيعة أو عهد فلا تنعقد له ولا ينعزل المقهور ولا يصير أحد إماما بمجرد حصول الأهلية أي أهليته للإمامة بل لا بد من إحدى الطرق السابقة
فصل تجب طاعة الإمام وإن كان جائرا فيما يجوز فقط من أمره ونهيه لخبر اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي مجدع الأطراف وخبر من نزع يده من طاعة إمامه فإنه يأتي يوم القيامة ولا حجة له وخبر من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يده من طاعته رواها مسلم ولأن المقصود من نصبه اتحاد الكلمة ودفع الفتن ولا يحصل ذلك إلا بوجوب الطاعة و تجب نصيحته فيما يقدر أي بحسب قدرته
ولا يجوز عقدها لإمامين فأكثر ولو بأقاليم ولو تباعدت الأقاليم لما في ذلك من اختلاف الرأي وتفرق الشمل فإن عقدتا أي الإمامتان لاثنين معا بطلتا أو مرتبا انعقدت للسابق كما في النكاح على امرأة ويعزر الآخرون أي الثاني ومبايعوه إن علموا بيعة
111
111
السابق لارتكابهم محرما
وأما خبر مسلم إذا بويع للخليفتين فاقتلوا الآخر منهما فمعناه لا تطيعوه فيكون كمن قتل وقيل معناه أنه إن أصر فهو باغ يقاتل فإن جهل سبق أو علم لكن جهل سابق فكما مر في نظيره من الجمعة والنكاح فيبطل العقدان وإن علم السابق ثم نسي وقف الأمر رجاء الانكشاف فإن أضر الوقف بالمسلمين عقد لأحدهما لا غيرهما لأن عقدها لهما أوجب صرفها عن غيرهما وإن بطل عقداهما بالإضرار وهذا ما صححه في الروضة وقال البلقيني بل الأصح جواز عقدها لغيرهما إذ هو مقتضى بطلان عقدهما وما قاله حسن والحق في الإمامة للمسلمين لا لهما فلا تسمع دعواهما أي دعوى أحدهما السبق وإن أقر به أحدهما للآخر بطل حقه ولا يثبت الحق للآخر إلا ببينة تشهد له بسبقه وقول البلقيني إن الصواب ثبوته له بالإقرار لانحصار الحق فيه حينئذ مردود بأن الحق إنما هو للمسلمين لا لهما كما عرف وتقبل شهادة المقر بالسبق له أي للآخر مع آخر إن لم يسبق مناقض لها بأن كان يدعي اشتباه الأمر قبل إقراره فإن سبق مناقض بأن كان يدعي السبق لم تقبل شهادته
فصل وينعزل الإمام بعمى وصمم وخرس ومرض ينسيه العلوم وجنون لخروجه عن أهلية الإمامة قال البغوي فإن أفاق بعد تولية غيره فالولاية للثاني إلا أن يخاف فتنة فهي للأول وكلام غيره يقتضي أنها للثاني مطلقا لا إن كثر زمن الإفاقة من جنونه وتمكن فيه من أموره أي من قيامه بها فلا ينعزل ولا ينعزل إن فسق أو أغمي عليه كما أفهمه كلامه وصرح به أصله قال الأذرعي في الإغماء كذا أطلقوه وهو ظاهر إذا قل زمنه ولم يتكرر وأما لو طال زمنه وتكرر بحيث يقطعه عن النظر في المصالح فلا ولا ينعزل بثقل سمع وتمتمة لسان وفي منعهما الإمامة ابتداء خلاف والأقرب لا كما في إمامة الصلاة ولو قطعت إحدى يديه أو رجليه لم يؤثر في الدوام بخلاف الابتداء إذ يغتفر فيه ما لا يغتفر في الابتداء وبخلاف قطع اليدين أو الرجلين
فصل لا ينعزل إمام أسره كفار أو بغاة لهم إمام إلا إن وقع اليأس من خلاصه فينعزل فحينئذ لا يؤثر عهده لغيره بالإمامة وتعقد لغيره بخلاف ما لو عهد لغيره قبل اليأس لبقائه على إمامته وإن خلص من الأسر بعد اليأس لم يعد إلى إمامته بل يستقر فيها ولي عهده وإن لم يكن للبغاة إمام لم ينعزل الإمام المأسور وإن وقع اليأس من خلاصه ويستنيب عن نفسه إن قدر على الاستنابة ثم يستناب عنه إن عجز عنها فلو خلع الأسير نفسه أو مات لم يصر المستناب إماما
فرع يجوز تسمية الإمام خليفة وأمير المؤمنين وأول من سمي به عمر بن الخطاب رضي الله عنه وخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان فاسقا لأنه خلف الماضي وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته وقام بأمر المؤمنين لا خليفة الله لأنه إنما يستخلف من يغيب ويموت والله منزه عن ذلك وقيل يجوز ذلك لقيامه بحقوقه في خلقه ولقوله تعالى هو الذي جعلكم خلائف في الأرض قال النووي في أذكاره مع ذكره ذلك قال البغوي ولا يسمى أحد خليفة الله تعالى بعد آدم وداود عليهما السلام قال تعالى إني جاعل في الأرض خليفة وقال يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض وعن ابن أبي مليكة أن رجلا قال لأبي بكر الصديق رضي الله عنه يا خليفة الله فقال أنا خليفة محمد صلى الله عليه وسلم وأنا راض بذلك
باب قتال البغاة جمع باغ سموا بذلك لمجاوزتهم الحد وقيل لطلب الاستعلاء والأصل فيه قوله تعالى وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما الآية وليس فيها ذكر الخروج على الإمام لكنها تشمله لعمومها أو تقتضيه لأنه إذا طلب القتال لبغي طائفة على طائفة فللبغي على الإمام أولى وفيه أطراف أربعة الأول في صفتهم وهم الخارجون عن الطاعة لإمام أهل العدل ولو جائرا بامتناعهم من أداء حق توجه عليهم بتأويل فاسد لا يقطع بفساده بل يعتقدون به جواز الخروج كتأويل الخارجين على علي رضي الله عنه بأنه يعرف قتلة
112
112
عثمان رضي الله عنه ويقدر عليهم ولا يقتص منهم لمواطأته إياهم وتأويل بعض مانعي الزكاة من أبي بكر رضي الله عنه بأنهم لا يدفعون الزكاة إلا لمن صلاته سكن لهم وهو النبي صلى الله عليه وسلم إن كان لهم شوكة بكثرة أو قوة ولو بحصن بحيث يمكن معها مقاومة الإمام ويحتاج إلى احتمال كلفة من بذل مال وإعداد رجال ونصب قتال ونحوها ليردهم إلى الطاعة
و كان فيهم مطاع ليحصل به قوة الشوكة وإن لم يكن إماما لهم وما ذكره من أن الشوكة تحصل بالتقوي بالحصن أخذه من عموم كلام أصله أولا فإنه ذكر أنه يشترط أن يكون لهم شوكة وعدد بالحيثية المذكورة ثم قال ولو تقوى قوم قليل بحصن فوجهان عن الإمام ورأى أن الأولى أن يفصل فيقال إن كان الحصن بحافة الطريق وكانوا يستولون بسببه على ناحية وراء الحصن ثبت لهم الشوكة وحكم البغاة لئلا تتعطل أقضية أهل الناحية وإلا فليسوا بغاة ولا يبالي بتعطيل عدد قليل ويجب قتالهم فقد أجمعت الصحابة عليه وليسوا فسقة كما أنهم ليسوا كفرة لأنهم إنما خالفوا بتأويل جائز باعتقادهم لكنهم مخطئون فيه ولا اسم البغي ذما والأحاديث الواردة في ذلك أي فيما يقتضي ذمهم كحديث من حمل علينا السلاح فليس منا وحديث من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه وحديث من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فميتته جاهلية محمول على من خرج عن الطاعة بلا تأويل أو بتأويل فاسد قطعا
ومن فقدت فيهم الشروط المذكورة بأن خرجوا بلا تأويل كمانعي حق الشرع كالزكاة عنادا أو بتأويل يقطع بفساده كتأويل المرتدين ومانعي حق الشرع كالزكاة الآن والخوارج أو لم يكن لهم شوكة بأن كانوا أفرادا يسهل الظفر بهم أو ليس فيهم مطاع فليس لهم حكمهم أي البغاة لانتفاء حرمتهم ولأن ابن ملجم قتل عليا متأولا بأنه وكيل امرأة قتل علي أباها فاقتص منه ولم يعط حكمهم في سقوط القصاص لانتفاء شوكته
فرع الخوارج قوم من المبتدعة يكفرون من ارتكب كبيرة ويطعنون بذلك في الأئمة ولا يحضرون معهم الجمعة والجماعات فلا يقاتلون ولا يفسقون ما لم يقاتلوا وكانوا في قبضة الإمام كما ذكره الأصل لأن عليا رضي الله عنه سمع رجلا من الخوارج يقول لا حكم إلا لله ولرسوله ويعرض بتخطئة تحكيمه فقال كلمة حق أريد بها باطل لكم علينا ثلاث لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروه فيها ولا الفيء ما دامت أيديكم معنا ولا نبدأ بقتالكم نعم إن تضررنا بهم تعرضنا لهم حتى يزول الضرر نقله القاضي عن الأصحاب
أما إذا قاتلوا ولم يكونوا في قبضة الإمام فيقاتلون ولا يتحتم قتل القاتل منهم كما سيأتي قال في الأصل مع هذا وأطلق البغوي أنهم إن قاتلوا فهم فسقة وأصحاب نهب فحكمهم حكم قطاع الطريق وبه جزء في المنهاج وأصله ومحله أخذا مما يأتي قريبا إذا قصدوا إخافة الطريق وإن سبوا الأئمة وغيرهم من أهل العدل عزروا إلا إن عرضوا بالسب فلا يعزرون لأن عليا لم يعزر الذي عرض به ولأن الجماعة لا تكاد تخلو من أن يكون فيها من يعرض بالسلطان أو غيره فإن قتلوا أحدا ممن يكافئهم هذا أولى من قول أصله ولو بعث إليهم واليا فقتلوه اقتص منهم كغيرهم ولا يتحتم قتلهم وإن كانوا كقطاع الطريق في شهر السلاح لأنهم لم يقصدوا إخافة الطريق
الطرف الثاني في حكمهم أي البغاة فنجيز نحن شهادة البغاة وننفذ قضاءهم فيما ينفذ فيه قضاؤنا لانتفاء فسقهم إن علمنا أنهم لا يستحلون دماءنا وأموالنا ولم يكونوا خطابية وهم صنف من الرافضة يشهدون بالزور ويقضون به لموافقيهم بتصديقهم فإن لم نعلم عدم استحلالهم لما ذكر بأن علمنا استحلالهم له أو لم نعلمه امتنع ذلك لانتفاء العدالة لكن محله في الأولى إذا استحلوا ذلك بالباطل عدوانا ليتوصلوا به إلى إراقة دمائنا وإتلاف أموالنا وما ذكره كأصله في الشهادات من التسوية في تنفيذ ما ذكر بين من يستحل
113
113
الدماء والأموال وغيره محله في غير ذلك فلا تناقض وأما إذا كانوا خطابية فيمتنع منا ذلك أيضا وإن علمنا أنهم لا يستحلون ما ذكر لكن محله إذا فعلوا ذلك مع موافقيهم كما سيأتي في الشهادات نعم لو بينوا في شهادتهم السبب قبلت لانتفاء التهمة حينئذ كما سيأتي
ثم وخرج بما ينفذ فيه قضاؤنا غيره كأن حكموا بما يخالف النص أو الإجماع أو القياس الجلي فلا ننفذه ولو كتبوا بحكم منهم إلى حاكمنا جاز تنفيذه لأنه حكم أمضي والحاكم به من أهله بل لو كان الحكم لواحد منا على واحد منهم فالمتجه وجوب تنفيذه قاله الأذرعي وكذا لو كتبوا بسماع بينة يجوز لنا الحكم بها لتعلق الحكم برعايانا ويستحب لنا أن لا ننفذ حكمهم استخفافا بهم وليعتد بما استوفوه بالبلد الذي استولوا عليه من حدود وتعازير وخراج وزكاة وجزية لاعتمادهم التأويل المحتمل فأشبه الحكم بالاجتهاد ولما في عدم الاعتداد به من الإضرار بالرعية
وكذا لو فرقوا سهم المرتزقة في جندهم يعتد به لأنهم من جند الإسلام ورعب الكفار قائم بهم ولو ادعى المطلوب بالخراج والجزية استيفاءهم منه لهما ولا بينة له لم يقبل قوله لأن كلا منهما أجرة فكان المطلوب بهما كالمستأجر بخلاف الزكاة لأنها عبادة ومواساة ومبناها على الرفق و بخلاف الحد الثابت بالإقرار لأن المقر به يقبل رجوعه عنه وقد أنكر بما يدعيه بقاء الحد عليه فيجعل كالرجوع لا البينة أي لا الحد الثابت بها فلا يقبل قول المطلوب به أنه استوفى منه لأن الأصل عدم استيفائه ولا قرينة تدفعه إلا إن بقي أثره على بدنه فيقبل قوله للقرينة
الطرف الثالث في حكم الضمان وما أتلفوه أو أتلفناه في غير الحرب بلا ضرورتها من نفس ومال مضمون على الأصل في الإتلافات وما أتلفناه أو أتلفوه بضرورة الحرب فهدر اقتداء بالسلف وترغيبا في الطاعة ولأنا مأمورون بالقتال فلا يضمن ما يتولد منه وهم إنما أتلفوا بتأويل وما أتلف فيها بلا حاجة تتعلق بها ضمن كالمتلف في غيرها ويجب رد الأموال المأخوذة في القتال على الفريقين إلى أربابها
فرع لو وطئ باغ أمة عادل بلا شبهة حد ورق الولد ولا نسب لأن الوطء حينئذ زنا ومتى كانت مكرهة على الوطء لزمه المهر كغيره وإن وطئها يعني أمة غيره حربي ولا شبهة وأولدها رق الولد ولا نسب و لكن لا حد عليه ولا مهر لأنه لم يلتزم الأحكام
فصل المتأولون بلا شوكة وذوو الشوكة بلا تأويل لا تنفذ أحكامهم ولا يعتد بحقوق قبضوها لانتفاء شروطهم ويضمن المتلفات ولو في الحرب من لا شوكة له كقطاع الطريق وإلا لأبدت كل شرذمة مفسدة تأويلا وفعلت ما شاءت وبطلت السياسات وذوو الشوكة بلا تأويل كباغين في الضمان وعدمه فلا يضمنون المتلفات لحاجة الحرب لأن سقوط الضمان عن الباغين لقطع الفتنة واجتماع الكلمة وهذا موجود هنا بخلاف ما لو ارتدت طائفة لهم شوكة فأتلفوا مالا أو نفسا في القتال ثم تابوا وأسلموا فإنهم يضمنون لجنايتهم على الإسلام كما نقله الماوردي عن النص في أكثر كتبه وابن الرفعة عن الجمهور وقال الإسنوي إنه الصحيح ونقله عن تصحيح جماعات وقطع آخرين وقال الأذرعي إنه الوجه وحكى الأصل في ذلك
114
114
وجهين بلا ترجيح
الطرف الرابع في كيفية قتالهم والمقصود به ردهم إلى الطاعة لا نفيهم وقتلهم فيقاتلون كالصائل فلا يقاتلهم الإمام حتى يبعث إليهم أمينا فطنا ناصحا يسألهم ما ينقمون أي يكرهون فإن ذكروا مظلمة بكسر اللام وفتحها أو شبهة أزالها عنهم لأن عليا بعث ابن عباس رضي الله عنهم إلى أهل النهروان فرجع بعضهم إلى الطاعة فإن أبوا عن الرجوع بعد الإزالة وعظهم وأمرهم بالعود إلى الطاعة لتكون كلمة أهل الدين واحدة ثم إذا لم يتعظوا يعرض عليهم المناظرة فإن أصروا على إبائهم آذنهم بالمد أي أعلمهم بالقتال لأنه تعالى أمر بالإصلاح ثم بالقتال فلا يجوز تقديم ما أخره الله فإن وفي نسخة وإن استنظروه أي طلبوا منه الإنظار وله فيه مصلحة بأن ظهر له أن استنظارهم للتأمل في إزالة الشبهة أنظرهم بحسب ما يراه لا إن خشي مضرة بأن ظهر له أن استنظارهم لتقويهم كاستلحاق مدد فلا ينظرهم وإن بذلوا مالا ورهنوا أولادا ونساء لاحتمال تقويهم واستردادهم ذلك وإذا كان بأهل العدل ضعف أخر القتال للخطر صرح به الأصل فإن سألوا الكف عنهم حال الحرب ليطلقوا أسرانا وبذلوا بذلك رهائن قبلناها استيثاقا واستمالة لأسرانا فإن قتلوا الأسارى لم تقتل الرهائن لأن القاتل غيرهم بل يطلقهم كأساراهم بعد انقضاء الحرب فإن أطلقوهم أطلقناهم
فإن انهزموا متبددين أي متفرقين بحيث بطلت شوكتهم واتفاقهم لم نتبعهم ولو خفنا أن يجتمعوا في المآل للنهي عنه كما رواه البيهقي والحاكم ولأنه لا اعتبار بما يتوقع أو انهزموا مجتمعين تحت راية زعيمهم اتبعناهم حتى يرجعوا إلى الطاعة أو يتبددوا ومن تخلف منهم عجزا ولو غير مختار أو ألقى سلاحه تاركا القتال لم يقتل عبارة الرافعي لم يقاتل وهي أولى وقوله كأصله ألقى سلاحه ليس بقيد بل لو ترك القتال وهو معه كان الحكم كذلك لأن القصد بقتاله الكف وهو حاصل بالترك ويقاتل مول ظهره تحرف للقتال أو تحيز إلى فئة قريبة لا بعيدة لأمن غائلته في البعيدة دون ما قبلها ولا عبرة بما يتوقع
ولا يقتل مثخنهم من أثخنه الجرح أي أضعفه ولا أسراهم للنهي عنهما في الخبر السابق وينبغي أن تعرض عليهم أي على أسراهم الرجال التوبة وبيعة الإمام ويطلقون بعد انقضاء الحرب وتفرق الجمع إلا إن خيف عودهم إلى القتال فلا يطلقون وقوله وينبغي إلخ من زيادته أخذه من كلام القاضي وبعضه بعلم مما يأتي آخر الفصل بل إن جعل ضمير عودهم للبغاة لا للأسارى فذلك كله تكرار فلو كانوا مراهقين وعبيدا ونساء غير مقاتلين أو أطفالا أطلقوا بعدها أي بعد الحرب من غير أن يعرض عليهم البيعة وإن خفنا عودهم إلى القتال إذ لا بيعة لهم فإن كانوا مقاتلين فهم كالرجال وقال البلقيني وغيره إنه مخالف لمقتضى نص الأم من أنهم كغير المقاتلين والأموال التي ليست من آلات الحرب كالأطفال فترد عليهم بعد انقضاء الحرب وإن خفنا عودهم إلى القتال والخيل والسلاح كالأسارى فيردان إليهم بعد انقضاء الحرب إلا إن خفنا عودهم إلى القتال ويحرم استعمالها أي الأموال والخيل والسلاح في قتال أو غيره لخبر لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه إلا لضرورة كأن تعين السلاح للدفع والخيل للهزيمة كمال
115
115
أي كما لا يجوز أكل مال الغير إلا لضرورة بأن اضطر إليه وقضيته وجوب أجرة استعمالها في القتال للضرورة لكن الأوجه خلافه كما اقتضاه كلام الأنوار لما مر من أنه لا ضمان لما يتلف في القتال ويفارق مسألة المضطر بأن الضرورة فيه نشأت من المضطر بخلافها في مسألتنا فإنها إنما نشأت من جهة المالك
ولا نقاتلهم بما يعم ويعظم أثره كالمنجنيق والنار وإرسال السيول الجارفة ولو تعذر الاستيلاء عليهم بغير ذلك كأن تحصنوا ببلدة ولم يتأت الاستيلاء عليهم إلا بذلك لأن المقصود بقتالهم ردهم إلى الطاعة وقد يرجعون فلا يجدون للنجاة سبيلا ولأن ترك بلدة بأيدي طائفة من المسلمين يتوقع الاحتيال في فتحها أقرب إلى الصلاح من استئصالهم إلا لضرورة دفع بأن خيف استئصالنا بهم بأن أحاطوا بنا واضطررنا إلى دفعهم بذلك أو قاتلونا به واحتجنا إلى دفعهم إلى مثله فيجوز أن نقاتلهم به ويتجنب العادل ندبا قريبه الباغي أي قتاله ما أمكن بل يكره له ذلك كما قاله الإمام وغيره
وتحرم الاستعانة عليهم بكافر ولو ذميا إذ لا يجوز تسليطه علينا لقوله تعالى ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ولأن المقصود ردهم إلى الطاعة والكفار يدينون بقتلهم نعم يجوز الاستعانة بهم عند الضرورة كما نقله الأذرعي وغيره عن المتولي وقالوا إنه متجه وكذا يحرم على من لا يرى قتلهم مدبرين الاستعانة عليهم بمن يرى قتلهم مدبرين لعداوة أو لاعتقاد كالحنفي إبقاء عليهم وفرق الماوردي بينه وبين جواز استخلاف الشافعي الحنفي ونحوه بأن الخليفة ينفرد برأيه واجتهاده والمذكورون هنا تحت رأي الإمام ففعلهم منسوب إليه فلا يجوز أن يعملوا بخلاف اجتهاده إلا إن احتجناهم أي احتجنا إلى من يرى قتلهم مدبرين ولهم إقدام أي حسن إقدام وجراءة وأمكن دفعهم عنهم لو اتبعوهم بعد انهزامهم زاد الماوردي وشرطنا عليهم أن لا يتبعوا مدبرا ولا يقتلوا جريحا ونثق بوفائهم بذلك
وإن قتل والحرب قائمة أسيرهم أو مثخنهم أو مدبرهم أو ذفف جريحهم فلا قصاص لشبهة تجويز أبي حنيفة قتله ولا يطلق أسيرهم وجموعهم باقية ولو بعد انقضاء الحرب إلا إن تاب وبايع الإمام ولفظ تاب من زيادته وإن تفرقوا أطلق الأسير ولو توقع عودهم وينبغي أن يعرض على الأسير منهم البيعة للإمام
فصل لو عقد البغاة ذمة أي أمانا الحربيين ليعينوهم علينا نفذت في حقهم لأنهم أمنوهم لا في حقنا لأن الأمان لترك قتال المسلمين فلا ينعقد بشرط القتال قال في الكفاية وإذا حاربونا معهم لم يبطل أمانهم في حقهم بخلاف ما لو أمن شخص مشركا فقصد مسلما أو ماله فلمؤمنه مجاهدته لأن تأمينه ليكف عن الكل فانتقض بقتال أحدهم بخلاف الحربي مع البغاة أما إذا عقدوها لهم بغير شرط إعانتهم علينا فينفذ في حقنا أيضا فإذا اعتانوا بهم علينا انتقض عهدهم في حقنا نص عليه والقياس انتقاضه في حقهم أيضا فما أتلفوه على البغاة لا علينا ضمنوه لصحة الأمان في حقهم لا في حقنا ونستبيحهم نحن بأن نغنم أموالهم ونسترقهم ونسبي نساءهم وذراريهم ونقتل مدبرهم ونذفف على جريحهم ونقتل أسيرهم بخلاف البغاة ولا حاجة لقوله ونقتل أسيرهم لدخوله فيما قبله فلو قالوا أي الحربيون ظنناهم أي البغاة المحقين قال الرافعي وإن لنا إعانة المحقين أو ظننا جواز الإعانة لهم في قتالكم أو أنهم استعانوا بنا
116
116
في قتال كفار وأمكن صدقهم فيما قالوه بلغوا المأمن وأجري عليهم حكم البغاة في القتال فلا نستبيحهم للأمان مع عذرهم فإن أعانهم علينا ذميون أو مستأمنون مختارين عالمين بالتحريم لقتالهم لنا انتقض عهدهم في حقنا وحق البغاة ولو قالوا ظنناهم المحقين كما لو انفردوا بالقتال والتصريح بالعلم بالتحريم في المستأمنين من زيادته ولهم الأولى فلهم حكم أهل الحرب فنستبيحهم نحن والبغاة ونقتل أسيرهم ولو أتلفوا بعد الشروع في القتال شيئا لم يضمنوه
وإن ذكروا عذرا في إعانتهم إياهم بأن قالوا ظننا أنهم المحقون وأن لنا إعانة المحقين أو أنه يجوز لنا إعانتهم أو أنهم استعانوا بنا في قتال كفار وأمكن صدقهم أو أنهم كانوا مكرهين لم ينتقض عهدهم لموافقتهم طائفة مسلمة مع عذرهم لا المستأمن الشامل للمعاهد في دعواه الإكراه فإنه يشترط في عدم انتقاض أمانه إقامة البينة بإكراهه فإن لم يقمها انتقض لأن أمانه ينتقض بخوف القتال فبحقيقته أولى بخلاف الذمي ويقاتلون أي الذين لم ينتقض عهدهم كالبغاة لكنهم يضمنون ما أتلفوه علينا مطلقا أي سواء أتلفوه في الحرب أم لا بخلاف البغاة كما مر استمالة لقلوبهم لئلا ينفرهم الضمان ولأن لهم تأويلا وأهل الذمة والأمان في قبضتنا ولا تأويل لهم وهل يقتص منهم إذا قتلوا نفسا في الحرب وجهان قال ابن الرفعة المشهور القطع بالوجوب وصححه البلقيني وقال إنه ظاهر نص الشافعي
ولو حارب ذميون بغاة لم ينتقض عهدهم لأنهم حاربوا من على الإمام محاربته ويقاس بهم المستأمنون
فصل لو اقتتل طائفتان باغيتان منعهما الإمام من الاقتتال فلا يعين إحداهما على الأخرى فإن عجز عن منعهما قاتل أشرهما بالأخرى التي هي أقرب إلى الحق فإن رجعت من قاتلها إلى الطاعة لم يفاجئ الأخرى بالقتال حتى ينذرها أي يدعوها إلى الطاعة لأنها باستعانته بها صارت في أمانه فإن استوتا اجتهد فيهما وقاتل المضمومة منهما إليه الأخرى غير قاصد إعانتها بل قاصدا دفع الأخرى وقال الماوردي فإن استويا ضم إليه أقلهما جمعا ثم أقر بهما دارا ثم يجتهد وعلى العادل منا مصابرة باغيين في الجماعة كما في قتال الكفار فلا يولي عنهما إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة
وإن غزا البغاة مع الإمام مشركين فكأهل العدل في حكم الغنائم وإن وادعوا أي البغاة أي عاهدوا مشركا اجتنبناه بأن لا نقصده بما يقصد به الحربي غير المعاهد ويستنقذ وجوبا منهم سبايا مشركين أمناهم ومن تعمد قتل باغ أمنه عادل ولو كان المؤمن له عبدا أو امرأة اقتص منه أو قتله جاهلا بأمانه فالدية تلزمه ويستنقذ وجوبا أسير البغاة من الكفار إن قدرنا على استنقاذه
وإن قتل عادل عادلا في القتال وقال ظننته باغيا حلف ووجبت الدية لا القصاص للعذر
كتاب الردة
هي لغة الرجوع عن الشيء إلى غيره وشرعا ما سيأتي وهي أفحش الكفر وأغلظه حكما لقوله تعالى ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر الآية ولقوله ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ولخبر البخاري من بدل دينه فاقتلوه وفيه بابان الأول في حقيقتها ومن تصح منه وفيه طرفان الأول في حقيقتها وهذا سقط من نسخة ولا بد منه لقوله بعد الطرف الثاني فيمن تصح ردته وهي قطع الإسلام إما بتعمد فعل ولو بقلبه استهزاء أو جحودا كسجود لصنم وإلقاء مصحف أو نحوه ككتب الحديث في قذر
117
117
استخفافا أي على وجه يدل على الاستخفاف بهما وكأنه احترز به في الأولى عما لو سجد بدار الحرب فلا يكفر كما نقله القاضي عن النص وإن زعم الزركشي أن المشهور خلافه وفي الثانية عما لو ألقاه في قذر خيفة أخذ الكفار له إذ الظاهر أنه لا يكفر به وإن حرم عليه وسحر فيه عبادة الشمس ونحوها كالمشي إلى الكنائس مع أهلها بزيهم من الزنانير وغيرها كما ذكره الأصل وأما بقول كفر صدر عن اعتقاد أو عناد أو استهزاء بخلاف ما لو اقترن به ما يخرجه عن الردة كاجتهاد أو سبق لسان أو حكاية أو خوف
فمن مبتدأ خبره قوله بعد كفر أي فمن اعتقد قدم العالم بفتح اللام وهو ما سوى الله تعالى وحدوث وفي نسخة أو حدوث الصانع المأخوذ من قوله تعالى صنع الله أو جحد جواز بعثة الرسل أو نفى ما هو ثابت للقديم بالإجماع ككونه عالما قادرا أو أثبت ما هو منفي عنه بالإجماع كالألوان كما صرح بذلك الأصل وأورد في المهمات على الأخير أن المجسمة ملتزمون بالألوان مع أنا لا نكفرهم على المشهور كما سيأتي في الشهادات قال لكن في شرح المهذب في صفة الأئمة الجزم بتكفيرهم
أو كذب نبيا في نبوته أو غيرها أو جحد آية من المصحف مجمعا عليها أي على ثبوتها أو زاد فيه كلمة معتقدا أنها منه أو استخف بنبي بسب أو غيره أو سنة كأن قيل له قلم أظفارك فإنه سنة فقال لا أفعل وإن كان سنة
أو أنكر الوجوب أو التحليل الصادق بالإباحة والندب والكراهة أو تحريم المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة وإن لم يكن فيه نص كوجوب الصلاة والزكاة والحج وتحليل البيع والنكاح وتحريم شرب الخمر والزنا بخلاف ما لا يعرفه إلا الخواص وإن كان فيه نص كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب وتحريم نكاح المعتدة فلا يكفر منكره للعذر بل يعرف الصواب ليعتقده وفي هذا كلام للمصنف في شرح الإرشاد ذكرته مع الجواب عنه في شرح البهجة ولو حذف أل من الوجوب والتحليل ليكونا مضافين لمثل ما أضيف له تحريم كان أولى وأخصر وأنسب بكلام أصله أو أنكر ركعة من الصلوات الخمس هذا داخل في إنكار الوجوب
أو اعتقد وجوب ما ليس بواجب بالإجماع كأن زعم زيادة صلاة سادسة أو وجوب صوم شوال أو قذف عائشة رضي الله عنها لأن القرآن نزل ببراءتها بخلاف سائر زوجاته
118
118
أو ادعى نبوة بعد نبينا عليه السلام أو صدق مدعيها أو كفر مسلما ولو لذنبه وقوله لذنبه من زيادته ولو تركه كان أولى وأخصر وإنما كفر مكفره لأنه سمى الإسلام كفرا ولخبر مسلم من دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه أي رجع عليه هذا إن كفره بلا تأويل للكفر بكفر النعمة أو نحوه وإلا فلا يكفر وهذا ما نقله الأصل عن المتولي وأقره والأوجه ما قاله النووي في شرح مسلم أن الخبر محمول على المستحل فلا يكفر غيره وعليه يحمل قوله في أذكاره إن ذلك يحرم تحريما مغلظا
أو عزم على الكفر أو علقه بشيء كقوله إن هلك مالي أو ولدي تهودت أو تنصرت أو تردد هل يكفر أو لا لأن استدامة الإيمان واجبة فإذا تركها كفر وبهذا فارق عدم تفسيق العدل بعزمه على فعل كبيرة أو تردده فيه أو رضي بالكفر كأن أمر مسلما به أو الأولى والأنسب بالأصل كأن أشار به على مسلم أو على كافر أراد الإسلام بأن أشار عليه باستمراره على كفره أو لم يلقن الإسلام طالبه منه أو امتهل أي استمهل منه تلقينه كأن قال له اصبر ساعة لأنه اختار الكفر على الإسلام وهذا كله نقله الأصل عن المتولي وأقره ونقله عنه النووي في مجموعه ما عدا إشارته به على مسلم لكنه قال وما قاله إفراط والصواب أنه ارتكب معصية عظيمة قال الأذرعي والتصويب ظاهر فيما عدا إشارته عليه بأن لا يسلم وقال الزركشي بل الصواب ما قاله المتولي
أو سخر باسم الله أو بأمره أو وعده أو وعيده كما ذكره الأصل أو باسم رسوله أو قال لو أمرني الله أو رسوله بكذا لم أفعل والتصريح بذكر حكم اسم رسوله من زيادته أو لو جعل القبلة هنا لم أصل إليها قال الأذرعي ومحله إذا قاله استحفافا أو استغناء لا إن أطلق أو لو اتخذ الله فلانا نبيا لم أصدقه ولو أي أو لو أوجب الله علي الصلاة مع حالي هذا أي من مرض وشدة لظلمني أو قال المظلوم هذا بتقدير الله فقال الظالم أنا أفعل بغير تقديره كما ذكره الأصل أو لو شهد عندي نبي بكذا أو ملك لم أقبله أو قال إن الله جلس للإنصاف أو قام للإنصاف كما ذكره الأصل وكان المصنف تركه لأن قائله مجسم والمشهور عدم تكفيره
أو إن كان ما قاله الأنبياء صدقا نجونا أو لا أدري النبي إنسي أو جني أو قال إنه جن كما ذكره الأصل أو لا أدري ما الإيمان احتقارا أو صغر عضوا منه أي من النبي صلى الله عليه وسلم احتقارا أو صغر اسم الله تعالى هذا أخذه من قول الأصل واختلفوا فيمن نادى رجلا اسمه عبد الله وأدخل في آخره حرف الكاف الذي تدخل التصغير بالعجمية فقيل يكفر وقيل إن تعمد التصغير كفر وإن لم يقصد أو جهل ما يقول فلا فالترجيح من زيادة المصنف وعليه جرى صاحب الأنوار
أو قال لمن حوقل لا حول لا يغني من جوع أو كذب المؤذن في أذانه كأن قال له تكذب أو سمى الله على شرب خمر أو على زنا استخفافا باسمه تعالى أو قال لا أخاف القيامة قال الأذرعي وغيره هذا إذا قصد الاستخفاف وإلا فلا يكفر ويحمل الإطلاق على قوة رجائه وسعة غفران الله ورحمته أو قال قصعة من ثريد خير من العلم أو قال لمن قال أودعت الله مالي أودعته من لا يتبع السارق إذا سرق وقيده الأذرعي بما قيد به ما تقدم آنفا ويحمل الإطلاق على ستر الله إياه ونحوه
أو قال توفني إن شئت مسلما أو كافرا أو قال أخذت مالي وولدي فما تصنع أيضا أو ماذا بقي لم تفعله أو قال المعلم للصبيان مثلا اليهود خير من المسلمين لأنهم ينصفون معلمي صبيانهم نقله الأصل عن الحنفية وارتضاه قال الأذرعي وغيره والظاهر عدم موافقة أئمتنا لهم فيه لأن المعلم لم يقصد الخير المطلق بل في الإحسان للمعلم ومراعاته أو أعطى من أسلم مالا فقال مسلم ليتني كنت كافرا فأسلم فأعطى مالا أو أنكر شخص صحبة أبي بكر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم لأن الله سبحانه وتعالى نص عليها بقوله إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا بخلاف سائر الصحابة أو قيل ألست مسلما فقال لا عمدا أو نودي
119
119
يا يهودي أو نحوه فأجاب بقوله لبيك أو نحوه قال في الروضة وفيه نظر إذا لم ينو شيئا وقال الأذرعي الظاهر أنه لا يكفر إذا لم ينو غير إجابة الداعي
أو قال كان النبي صلى الله عليه وسلم أسود أو أمرد أو غير قرشي لأن وصفه بغير صفته نفي له وتكذيب به أو قال النبوة مكتسبة أو تنال رتبتها بصفاء القلوب أو أوحي إلي وإن لم يدع النبوة أو قال إني دخلت الجنة فأكلت من ثمارها وعانقت حورها عبر في الروضة بدل الماضي في الأفعال الثلاثة بالمضارع وكلاهما صحيح أو شك في تكفير اليهود والنصارى عبارة الروضة أو لم يكفر من دان بغير الإسلام كالنصارى أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم فعبارته أعم من عبارة المصنف مع زيادة حكم و في تكفير طائفة ابن عربي الذين ظاهر كلامهم عند غيرهم الاتحاد وغيره وهذا من زيادته وهو بحسب ما فهمه كبعضهم من ظاهر كلامهم والحق أنهم مسلمون أخيار وكلامهم جار على اصطلاحهم كسائر الصوفية وهو حقيقة عندهم في مرادهم وإن افتقر عند غيرهم ممن لو اعتقد ظاهره عنده كفر إلى تأويل إذ اللفظ المصطلح عليه حقيقة في معناه الاصطلاحي مجاز في غيره فالمعتقد منهم لمعناه معتقد لمعنى صحيح وقد نص على ولاية ابن عربي جماعة علماء عارفون بالله منهم الشيخ تاج الدين بن عطاء الله والشيخ عبد الله اليافعي ولا يقدح فيه وفي طائفته ظاهر كلامهم المذكور عند غير الصوفية لما قلناه ولأنه قد يصدر عن العارف بالله إذا استغرق في بحر التوحيد والعرفان بحيث تضمحل ذاته في ذاته وصفاته في صفاته ويغيب عن كل ما سواه عبارات تشعر بالحلول والاتحاد لقصور العبارة عن بيان حاله الذي ترقى إليه وليست في شيء منهما كما قاله العلامة السعد التفتازاني وغيره أو ضلل الأمة أي نسبهم إلى الضلال أو كفر الصحابة بأن نسبهم إلى الكفر أو أنكر إعجاز القرآن أو غير شيئا منه كما صرح به الأصل أو أنكر مكة أو البيت أو المسجد الحرام كما صرح بهما في الروضة أو شك فيها بأن قال لا أدري أن هذه المسماة بمكة هي مكة أو غيرها أو أنكر الدلالة على الله في خلق السماوات والأرض بأن قال ليس في خلقهما دلالة عليه تعالى أو أنكر البعث للموتى من قبورهم بأن يجمع أجزاءهم الأصلية ويعيد الأرواح إليها أو الجنة أو النار أو الحساب أو الثواب أو العقاب كما صرح بها في الروضة
أو أقر بها لكن قال المراد بها غير معانيها أو قال الأئمة أفضل من الأنبياء كما صرح به الأصل كفر بجميع ما ذكر كما تقرر لمخالفة ما نص عليه الشارع صريحا في بعضها وما أجمع عليه في الباقي هذا إن علم معنى ما قاله لا إن جهل ذلك لقرب إسلامه أو بعده عن المسلمين فلا يكفر لعذره ولا إن قال مسلم لمسلم سلبه الله الإيمان أو لكافر لا رزقه الله الإيمان لأنه مجرد دعاء عليه بتشديد الأمر والعقوبة عليه ولا إن دخل دار الحرب وشرب معهم الخمر وأكل لحم الخنزير ولا إن قال الطالب ليمين خصمه وقد أراد الخصم أن يحلف بالله تعالى لا أريد الحلف بالله تعالى بل بالطلاق أو العتاق ولا إن قال رؤيتي إياك كرؤية ملك الموت ولا إن قرأ القرآن على ضرب الدف أو القصب أو قيل له تعلم الغيب فقال نعم أو خرج لسفر فصاح العقعق فرجع
ولا إن صلى بغير وضوء متعمدا أو بنجس أو إلى غير القبلة ولم يستحل ذلك ولا إن تمنى حل ما كان حلالا في زمن قبل تحريمه كأن تمنى أن لا يحرم الله الخمر أو المناكحة بين الأخ والأخت أو الظلم أو الزنا أو قتل النفس بغير حق ولا إن شد الزنار على وسطه أو وضع قلنسوة المجوس على رأسه أو شد على وسطه زنارا ودخل دار الحرب للتجارة أو ليخلص الأسارى ولا إن قال النصرانية خير من المجوسية أو المجوسية شر من النصرانية ولا إن قال لو أعطاني الله الجنة ما دخلتها صرح بذلك كله في الروضة مع الأصل في بعضه لكن رجح صاحب الأنوار في الأخيرة أنه يكفر قال الأذرعي ومحله إذا قاله استخفافا أو استغناء لا إن أطلق
وقال الإسنوي في مسألة من صلى بنجس ما اقتضاه كلامه من كفر من استحل الصلاة بالنجس ممنوع فإنه ليس مجمعا على تحريمها بل ذهب جماعة من العلماء إلى الجواز كما ذكره النووي في مجموعه وفي الروضة أيضا عن القاضي عياض أنه لو شفي مريض ثم قال لقيت في مرضي هذا ما لو قتلت أبا بكر وعمر رضي الله عنهما لم أستوجبه فقال بعض العلماء يكفر ويقتل لأنه يتضمن النسبة إلى الجور وقال
120
120
آخرون لا يتحتم قتله ويستتاب ويعزر
انتهى
وقال المحب الطبري الأظهر أنه لا يكفر وفيها أيضا لو قال فلان في عيني كاليهودي والنصراني في عين الله أو بين يدي الله فمنهم من قال كفر ومنهم من قال إن أراد الجارحة كفر وإلا فلا قال الأذرعي والظاهر أنه لا يكفر مطلقا لأنه ظهر منه ما يدل على التجسيم والمشهور أنا لا نكفر المجسمة
الطرف الثاني فيمن تصح ردته ومن لا تصح ردته ولا تصح الردة إلا من مكلف مختار فلا تصح من مجنون وصبي ومكره كسائر العقود فإن ارتد ثم جن أمهل بالقتل لأنه قد يعقل ويعود إلى الإسلام فإن قتل مجنونا فهدر وإن فوت قاتله الاستتابة الواجبة فينبغي أن يعزر لذلك
وإن ثبت زناه ببينة لا بإقرار أو أقر بقذف أو قصاص ثم جن استوفى منه في حال جنونه لأنه لا يسقط برجوعه بخلاف ما لو ثبت زناه بإقراره ثم جن لا يستوفى منه حينئذ احتياطا فلو استوفى منه حينئذ لم يجب فيه شيء كما ذكره الأصل وبخلاف صورة الردة كما مر لأن الاستتابة فيها واجبة
وتصح ردة السكران كسائر تصرفاته وفي صحة استتابته وجهان أحدهما نعم كما تصح ردته لكن يندب تأخيرها إلى الإفاقة خروجا من خلاف من قال بعدم صحة توبته والثاني المنع لأن الشبهة لا تزول في تلك الحالة والجمهور على الأول ونقله الرافعي عن النص وقال العمراني إنه المذهب المنصوص والإسنوي إنه المفتى به ويمهل بالقتل احتياطا لا وجوبا كما نص عليه الشافعي والبغوي في تلعيقه حتى يفيق فيعرض عليه الإسلام
ويصح إسلامه في السكر ولو ارتد صاحيا أو لم يستتب ويجب القصاص بقتله بعد إسلامه بناء على صحة إسلامه وإذا قامت بينة الردة قبلت وإن لم تفصل شهادتها لأن الردة لخطرها لا يقدم الشاهد بها إلا على بصيرة وهذا ما صححه في أصل الروضة والمنهاج كالمحرر وقال الرافعي عن الإمام إنه الظاهر والذي صرح به القفال والماوردي وكثير وجوب التفصيل وهو الأوجه لاختلاف الناس فيما يوجبها وكما في الشهادة بالجرح والزنا والسرقة وبنحوه أجاب المصنف كأصله في باب تعارض البينتين وصححه جماعة منهم السبكي وقال الأذرعي وغيره إنه المذهب الذي يجب القطع به وقال الإسنوي إنه المعروف عقلا ونقلا وأطال في بيانه قال وما نقل عن الإمام بحث له
وإن ادعى الإكراه على الردة وقد
121
121
شهد عليه شاهدان و كانت شهادتهما بالردة لم يصدق ولو بيمينه لتكذيبه الشهود لأن المكره لا يكون مرتدا قال الرافعي وليس ذلك كما لو شهد شهود بإقراره بالزنا وأنكر لا يحد لأن الإقرار بالزنا يقبل الرجوع فيجعل إنكاره رجوعا ولا يسقط القتل عن المرتد بقوله رجعت فلا يقبل إنكاره وتكذيبه قال في المهمات وقضية كلامه أنه لا يحد إذا قال كذبا علي أو لم أزن لكنه صحح في باب الزنا أنه يحد في الأولى قال الأذرعي في اقتضاء كلامه لذلك في الأولى نظر لأن الإنكار دون التكذيب الصريح إلا إن كان ثم قرينة تصدقه في دعواه كأسر كفار له ونحوه فيصدق في دعواه بيمينه وحلف لاحتمال كونه مختارا ولا حاجة مع ذكره الكاف إلى قوله ونحوه أو كانت شهادتهما بأنه سجد لصنم أو تكلم بكفر وادعى هو الإكراه صدق بيمينه وإن لم يكن قرينة لأنه لم يكذب الشهود ويجدد ندبا كلمة الإسلام فإن قتل قبل اليمين فهل يضمن لأن الردة لم تثبت أولا لأن لفظ الردة وجد والأصل الاختيار قولان أوجههما الثاني ولا حاجة لقوله وادعى الإكراه للعلم به مما قبله واستشكل الرافعي تصوير هذه الشهادة بأنه إن اعتبر تفصيلها فمن الشرائط الاختيار فدعوى الإكراه تكذيب للشاهد أولا فالاكتفاء بالإطلاق إنما هو فيما إذا شهد بالردة لتضمنه حصول الشرائط أما إذا قال إنه تكلم بكذا فيبعد أن يحكم به ويقنع بأن الأصل الاختيار لاعتضاده بسكوت المشهود عليه مع قدرته على الدفع قال في الأصل وفيما ذكرنا دلالة على أنهما لو شهدا بردة أسير ولم يدع إكراها حكم بردته ويؤيده ما حكي عن القفال أنه لو ارتد أسير مع الكفار ثم أحاط بهم المسلمون فاطلع من الحصن وقال أنا مسلم وإنما تشبهت بهم خوفا قبل قوله وإن لم يدع ذلك ومات فالظاهر أنه ارتد طائعا
وعن نص الشافعي أنهما لو شهدا بتلفظ رجل بالكفر وهو محبوس أو مقيد لم يحكم بكفره وإن لم يتعرضا لإكراه وفي التهذيب أن من دخل دار الحرب فسجد لصنم أو تلفظ بكفر ثم ادعى إكراها فإن فعله في خلوة لم يقبل أو بين أيديهم وهو أسير قبل قوله أو تاجر فلا
انتهى
وإذا قال مسلم مات أبي مرتدا استفصل فإن ذكر كفرا كسجود لصنم لم يرثه وكان وفي نسخة وصار نصيبه فيئا لبيت المال وإلا بأن ذكر غير كفر كأكل لحم خنزير أو شرب خمر ورثه لتبين خطئه بتفسيره وإن لم يذكر شيئا وقف الأمر كما نص عليه الشافعي في الأم ونقله الإمام عن العراقيين ورجحه ووقع في المنهاج كأصله تصحيح أن نصيبه فيء وإن لم يذكر كفرا لإقراره بكفر أبيه والأول هو الملائم لاشتراط التفصيل في الشهادة
فرع لو أكره أسير أو غيره على الكفر ببلاد الحرب لم يحكم بكفره كما مر فإن مات هناك ورثه وارثه المسلم فإن قدم علينا عرض عليه الإسلام لاحتمال أنه كان مختارا قال ابن كج ومحله إذا كان معرضا عن الجماعات والطاعات وإلا فلا عرض استحبابا لا وجوبا كما لو أكره على الكفر بدارنا فإن امتنع من الإسلام بعد عرضه عليه حكمنا بكفره من حين كفره الأول لأن امتناعه يدل على أنه كان كافرا من حينئذ فلو مات قبل العرض والتلفظ بالإسلام فهو مسلم كما لو مات قبل قدومه علينا كما صرح به الأصل
ولو ارتد أسير مختارا ثم صلى في دار الحرب حكم بإسلامه لا إن صلى في دارنا
122
122
لأن صلاته في دارنا قد تكون تقية بخلافها في دارهم لا تكون إلا عن اعتقاد صحيح وتبع في ذكره الأسير أصله وله وجه لكن الظاهر أنه ليس بقيد بل هو جري على الغالب ولهذا لم يذكره في إرشاده كالأكثر تبعا للنص ولو صلى حربي المراد كافر أصلي ولو في دارهم لم يحكم بإسلامه بخلاف المرتد لأن علقة الإسلام باقية فيه والعود أهون من الابتداء فسومح فيه إلا إن سمع تشهده في الصلاة فيحكم بإسلامه واعترض بأن إسلامه حينئذ باللفظ والكلام في خصوص الصلاة الدالة بالقرينة ويجاب بأن فائدة ذلك دفع إيهام أنه لا أثر للشهادة فيها لاحتمال الحكاية
الباب الثاني في أحكام الردة لا نسترق نحن مرتدا لبقاء علقة الإسلام فيه ويجب قتله إن لم يتب لخبر من بدل دينه فاقتلوه وهو شامل للمرأة وغيرها ولأن المرأة تقتل بالزنا بعد الإحصان فكذلك بالكفر بعد الإيمان كالرجل وأما النهي عن قتل النساء فمحمول بدليل سياق خبره على الحربيات قال الماوردي ولا يدفن المرتد في مقابر المسلمين لخروجه بالردة عنهم ولا في مقابر المشركين لما تقدم له من حرمة الإسلام ويتولاه أي قتله الحاكم ولو بنائبه بضرب الرقبة لا الإحراق بالنار أو غيره لما فيه من المثلة فلو تولاه غير الحاكم أو الحاكم بغير ضرب الرقبة عزر وسيصرح بالأول ويستتاب قبل قتله وجوبا لا استحبابا لأنه كان محترما بالإسلام وربما عرضت له شبهة فتزال فإن لم يتب قتل كما مر والاستتابة تكون في الحال لظاهر الخبر السابق ولأنه حد فلا يؤجل كسائر الحدود لا ثلاثا رد لما قيل إنه يستتاب ثلاثة أيام لأنها أول حد الكثرة وآخر حد القلة ولأنه قد تعرض له شبهة فاحتملت له الثلاثة ليتروى فيها قال في الأصل ولا خلاف أنه لو قتل قبل الاستتابة لم يجب بقتله شيء أي غير التعزير وإن كان القاتل مسيئا بفعله وحذفه المصنف للعلم به مما مر في قتله في جنونه
وتقبل توبته أي إسلامه ولو كان زنديقا لا يتناهى خبثه في عقيدته أو تكررت ردته لإطلاق قوله تعالى قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ولقوله صلى الله عليه وسلم فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله
ويعزر إن تكرر منه الارتداد ثم أسلم لزيادة تهاونه بالدين
ويعزر المستبد أي المستقل بقتله وإن اشتغل عنه الإمام بما هو أهم منه لافتياته عليه
ولو قذف نبيا من الأنبياء ولو تعريضا ثم عاد إلى الإسلام فهل يترك من العقوبة لأنه مرتد أسلم أو يقتل حدا لأن القتل حد قذف النبي وحد القذف لا يسقط بالتوبة أو يجلد ثمانين لأن الردة ارتفعت بإسلامه وبقي جلده فيه ثلاثة أوجه حكي الأول عن الأستاذ أبي إسحاق المروزي ورجحه الغزالي في وجيزه وجرى عليه الحاوي الصغير ونقله المصنف في شرح الإرشاد عن الأصحاب والثاني عن الشيخ أبي بكر الفارسي وادعى فيه الإجماع ووافقه القفال والثالث عن الصيدلاني فعليه لو عفا واحد من بني أعمام النبي ففي سقوط حد القذف احتمالان للإمام والغزالي وهذه المسألة ذكرها الأصل في آخر الجزية وصوب أن من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم عمدا لا يكفر ولا يقتل بل يعزر قال وما روي أن رجلا أتى قوما وزعم أنه رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكرموه فأمر النبي بقتله محمول على أن الرجل كان كافرا
ولو سأل المرتد قبل الاستتابة أو بعدها إزالة شبهة عرضت له نوظر بعد إسلامه لا قبله لأن الشبهة لا تنحصر فحقه أن يسلم ثم يستكشفها من العلماء وهذا ما صححه الغزالي وفي وجه يناظر أولا لأن الحجة مقدمة على السيف وحكاه الروياني عن النص واستبعد الخلاف كذا في نسخ الرافعي المعتمدة وهو الصواب ووقع في أكثر نسخ الروضة تبعا لنسخ الرافعي السقيمة عكس ذلك فجعل الأصح عند الغزالي المناظرة أولا والمحكي عن النص عدمها وإن شكا قبل المناظرة جوعا وقلنا بتقديمها أو بتأخيرها كما جرى هو عليه وأسلم بأن قال أنا جائع فأطعموني ثم ناظروني أطعم أولا ثم نوظر
123
123
فصل لو ارتد الزوجان وهي
أي الزوجة حامل أو ارتد أحدهما قبل الحمل فالولد مسلم بالتبعية ولو انعقد بين المرتدين فله حكمهما فيكون مرتدا تبعا لهما فلا يسترق ولا يقتل حتى يبلغ فيستتاب فإن أصر قتل وخالف البلقيني فقال إنه مسلم كما صححه الرافعي ونصوص الشافعي قاضية به وأطال في بيانه وذكر نحوه الزركشي أو بين مرتد وكافر أصلي فكالأصلي تغليبا له لأنه يقر على دينه بخلاف المرتد فيقر بالجزية إن كان الأصلي ممن يقر بها كمن أحد أبويه مجوسي والآخر وثني وإن كان كتابيا فالولد كتابي
فرع لو نقض ذمي أو معاهد عهده وترك ولده عندنا لم ينقض أي العهد في حقه فلا يسترق فإن بلغ عاقلا ولم يقبل الجزية بلغ المأمن ولا يجبر على قبولها
فصل ملك المرتد وتملكه باصطياد واحتطاب ونحوهما موقوف كبضع زوجته سواء التحق بدار الحرب أم لا فإن أسلم فهو له قطعا أي تبينا أن ما ملكه باق على ملكه وأن ما تملكه ملكه يوم تملكه وإن قلنا يزول ملكه عنه بالردة على وجه وإلا بأن مات مرتدا بان أن ملكه فيء و أن ما يملكه في الردة باحتطاب أو غيره على الإباحة وينفق عليه وعلى ممونه وتقضى ديون لزمته قبل الردة من ماله إذ غاية الردة جعلها كالموت وكذا ما أي ديون لزمته فيها بإتلاف قياسا على ما لو تعدى بحفر بئر ومات ثم تلف بها شيء ويوضع ماله عند عدل وأمته عند امرأة ثقة أو نحوها ممن تحل له الخلوة بها كالمحرم ويعتق بموته مستولدته أي التي استولدها قبل الردة ويؤخر ما يملك منفعته وإن لم يملك رقبته احتياطا لتعلق حق المسلمين به
ولا يحل دينه المؤجل بردته بناء على أن ملكه لم يزل بها بل حلوله موقوف كملكه ويصح منه تصرف يحتمل الوقف بأن يقبل قوليه ومقصود فعليه التعليق كعتق ووقف ووصية واستيلاد وتدبير وخلع كما مر في بابه ويوقف نفوذ تصرفه المذكور فإن أسلم نفذ وإلا فلا وقوله من زيادته ووقف سهو فإنه ليس من ذلك بل مما ذكره بقوله لا بيع ونكاح وكتابة وإنكاح ونحوها من العقود التي لا تحتمل الوقف فلا توقف بل تبطل وما ذكره كأصله في الكتابة هو ما في المحرر والمنهاج هنا وفي الكتابة لكنه جرى هناك على الصحة ونقلها الأصل ثم عن جمع ونقل البطلان عن واحد ورده بأن هذا وقف تبين لا وقف صحة وهو صحيح على الجديد والمعتمد ما هنا لأن وقف التبين إنما يكون حيث وجد الشرط حال العقد ولم يعلم وجوده وهنا ليس كذلك إذ الشرط احتمال العقد التعليق وهو منتف وإن احتمله مقصود العقد بخلاف الخلع مثلا فإنه يصح تعليقه كقوله إن أعطيتني ألفا فأنت طالق وتؤخذ نجوم كتابته الواقعة قبل ردته أي يأخذها عنه الحاكم لأن قبضه غير معتبر فإن لحق بدار الحرب بيع عليه حيوان بحسب المصلحة
فصل لو امتنع مرتدون بنحو حصن بدأنا بقتالهم دون غيرهم لأن كفرهم أغلظ ولأنهم أعرف بعورات المسلمين واتبعنا مدبرهم وذففنا جريحهم واستتبنا أسيرهم وضمناهم كالبغاة قضيته أنهم لا يضمنون ما أتلفوه في الحرب لكن تقدم في قتال البغاة أن الصحيح خلافه ويقتص من المرتد ويقدم القصاص على قتل الردة كما يعلم مما سيأتي والدية حيث لزمته بعفو أو غيره في ماله مطلقا معجلة في العمد ومؤجلة في غيره فإن مات حلت لأن الأجل يسقط بالموت
وإذا وطئت مرتدة بشبهة كأن وطئت مكرهة أو استخدمت مكرهة وكذا المرتد فوجوب مهر المثل والأجرة موقوفان ولو أتى في ردته بما يوجب حدا كأن زنى أو شرب خمرا أو قذف أو سرق حد ثم قتل وصرح الأصل بشرب الخمر

124
124
فصل لا بد في إسلام المرتد وغيره
من الكفار من الشهادتين ولو ضمنا على ما يأتي مطلقا عن التقييد بكونه غير مقر بإحداهما إذ المقر بإحداهما لم يقر بها ليأتي بالأخرى فإن كان كفره بإنكار شيء آخر مما لا ينافي الإقرار بهما أو بإحداهما ببادئ الرأي كمن خصص رسالة محمد بالعرب أو جحد فرضا أو تحريما فيلزمه مع الشهادتين الإقرار بما أنكر ه بأن يقر الأول بأن محمدا رسول الله إلى جميع الخلق أو يبرأ من كل دين يخالف الإسلام ويرجع الثاني عما اعتقده ويستحب الامتحان بعد الإسلام بتقريره بالبعث بعد الموت وقدم كأصله هذا مع بعض ما قبله في كتاب الكفارات
فإن قال كافر أنا منكم أو أنا مثلكم أو مسلم كما عبر بهما الأصل أو ولي محمد أو أحبه وكذا أسلمت أو آمنت لم يكن اعترافا بالإسلام لأنه قد يريد أنا مثلكم في البشرية وأنا منقاد لكم وأنا ولي محمد أو أحبه لخصاله الحميدة وأسلمت وآمنت بموسى أو عيسى ولأنه قد سمى دينه الذي هو عليه إسلاما نعم إن اقترن بذلك ما ينفي عنه الكفر كأن يقع جوابا في دعوى الكفر عليه بإسلامه ومنه ما صرح به في اللعان وفي القضاء في الكلام على التزكية وما ذكره في قوله
فإن قال آمنت أو أسلمت أو أنا مؤمن أو مسلم مثلكم أو أنا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أو دينكم حق أو اعترف من كفر بإنكار وجوب شيء بوجوب ما كفر به أي بإنكار وجوبه قال في الأصل أو أقر بتحريم الخمر والخنزير أو قال أنا بريء من كل ما يخالف الإسلام من دين ورأي وهوى لا أنا بريء من كل ملة تخالف لأن التعطيل ليس بملة كان ذلك اعترافا بالإسلام عند المحققين بخلاف المنفي المذكور لأنه لا ينفي التعطيل الذي يخالف الإسلام وليس بملة كما قاله ومثله قول اليهودي أنا بريء من اليهودية والنصراني أنا بريء من النصرانية لأن ضد اليهودية والنصرانية غير منحصر في الإسلام صرح به الأصل وقال نقلا عن الحليمي لو قال الإسلام حق لم يكن مؤمنا لأنه قد يقر بالحق ولا ينقاد له قال وهذا يخالف ما حكيناه عن البغوي في قوله دينكم حق وكلام المصنف جار على كلام البغوي حيث جزم به فيما مر وترك هذا ثم ما عزى إلى المحققين قال في الأصل إنها طريقة نسبها إليهم الإمام والذي عليه الجمهور خلافها ولو أقر يهودي برسالة عيسى لم يجبر على الإسلام كما لو أقر ببعض شرائع الإسلام كالصلوات الخمس
فرع قال الحليمي لو قال لا رحمن أو لا بارئ إلا الله أو لا إله إلا الله أو الرحمن أو البارئ أو من آمن به المسلمون أو من في السماء كفى في إيمانه بالله لإفادته التوحيد والمراد بمن في السماء الله قال تعالى أأمنتم من في السماء والألفاظ المذكورة أمثلة فما في معناها كذلك كلا مالك أو لا رازق إلا الله أو لا رحمن أو لا بارئ أو لا إله إلا الخالق لا ساكن السماوات أي لا يكفي قوله لا رحمن أو لا بارئ أو لا إله إلا ساكن السماء أو إلا الله ساكن السماء كما صرح به الأصل لأن السكون محال على الله تعالى ولا آمنت بالذي لا إله غيره لأنه قد يريد الوثن ولا إله إلا الملك أو إلا الرازق لأنه قد يريد السلطان الذي يملك أمر الجند ويرتب أرزاقهم وغيره وسوى وما عدا ونحوها في الاستثناء كإلا في الاكتفاء بها فيه كقوله لا إله غير الله أو سوى الله أو ما عدا الله أو ما خلا الله وأحمد وأبو القاسم رسول الله كمحمد رسول الله في صحة الشهادة بهما والنبي كرسول الله لا الرسول فإنه ليس كرسول الله فلو قال آمنت بمحمد النبي كفى بخلاف آمنت بمحمد الرسول لأن النبي لا يكون إلا لله تعالى والرسول قد يكون لغيره وبخلاف آمنت بمحمد كما فهم بالأولى وصرح به الأصل
ومن قال آمنت بالله ولم يدن بشيء أي ولم يكن على دين قبل ذلك صار مؤمنا بالله فيأتي بالشهادة الأخرى وإن كان مشركا فلا يصير مؤمنا حتى يضم إليه وكفرت بما كنت أشركت به وكذا يصير مؤمنا بالله من قال أؤمن بالله أو أسلم لله إن لم يرد الوعد كما أن أقسم بالله يمين إن لم يرد الوعد وأسلمت وأسلم كآمنت وأؤمن فيما ذكر ومن قال بقدم غير الله كفاه للإيمان بالله لا قديم إلا الله كمن لم يقل به ومن لم يقل به يكفيه
125
125
أيضا الله ربي أو الله خالقي إن لم يكن له دين قبل ذلك ولو قال اليهودي المشبه لا إله إلا الله لم يكن إيمانا منه حتى يبرأ من التشبيه فإن قال مع ذلك محمد رسول الله فإن كان يعلم أنه جاء بنفي التشبيه كان مؤمنا وإلا فلا حتى يبرأ من التشبيه صرح بذلك الأصل وهو مأخوذ من كلام المصنف أول الفصل
والبرهمي موحد ينكر الرسل فإن قال مع لا إله إلا الله محمد رسول الله فهو مؤمن وإن لم يذكر غيره من الرسل لا إن قال عيسى وموسى وكل نبي قبل محمد رسل الله لأن الإقرار برسالة محمد إقرار برسالة من قبله لأنه شهد لهم وصدقهم قال الرافعي ويتوجه أن يقال كما أن محمدا صلى الله عليه وسلم شهد لهم وصدقهم فقد شهدوا له وبشروا به ويجاب بأن شريعته ناسخة لما قبلها باقية بخلاف شريعة غيره قال في الأصل والمعطل إذا قال محمد رسول الله قيل يكون مؤمنا لأنه أثبت المرسل والرسول ولو قال آمنت بالله إن شاء الله أو إن كان شائيا لم يكن مؤمنا قال الزركشي وهذا فيما إذا قصد التعليق للشك فإن قصد التبرك فينبغي صحة إيمانة إلحاقا للابتداء بالدوام وبما قررته علم أن ذكر عيسى وموسى مثال وعبارة الأصل ولو أقر برسالة نبي قبل محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن مؤمنا ولا تكفي شهادة الفيلسوفي ويقال الفلسفي وهو النافي لاختيار الله تعالى أن الله علة الأشياء ومبدئها حتى يشهد بالاختراع والإحداث من العدم ولا يكفي الطبائعي القائل بنسبة الحياة والموت إلى الطبيعة لا إله إلا المحيي المميت حتى يقول لا إله إلا الله ونحوه من أسمائه تعالى التي لا تأويل له فيها
تتمة ذكر القاضي أبو الطيب في باب الوضوء أنه لو آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يؤمن بالله لم يصح إيمانه وذكر الحليمي أن الموالاة بينهما ليست بشرط
كتاب حد الزنا بالقصر أفصح من مده وهو من المحرمات الكبائر قال تعالى ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا وأجمع أهل الملل على تحريمه ولهذا كان حده أشد الحدود لأنه جناية على الأعراض والأنساب وفيه بابان الأول في الموجب له وهو إيلاج الحشفة أو قدرها من ذكر ولو أشل وملفوفا بخرقة وغير منتشر في فرج محرم مشتهى طبعا لا شبهة فيه ولا الأولى فلا حد بالاستمناء باليد أو غيرها وهو حرام ففيه التعزير كما صرح به الأصل هنا لا بيد زوجته أو أمته كما صرح به الأصل هنا فليس بحرام بل صرح كأصله بهما معا في الباب التاسع من أبواب النكاح لكن يكره لأن فيه معنى العزل من الزوجة ولا حد بإيلاج في غير الفرج كإيلاجه بين الفخذين لعدم إيلاجه في فرج ولا بإيلاج في فرج ميتة وإن كانت محرمة في الحياة لأنه مما ينفر الطبع منه فلا يحتاج إلى الزجر عنه ولا في فرج بهيمة لذلك لكن يعزر في الثلاثة قال في الأصل وقيل يحد واطئ البهيمة وعليه فقيل حده قتله مطلقا وقيل قتله إن كان محصنا وعلى وجوب القتل لا يختص القتل به بل يجب به أي بالإيلاج فيها ذبح البهيمة المأكولة ولو بإيلاج في دبرها وعليه حمل خبر الترمذي وغيره من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة بخلاف غير المأكولة لما في قتلها من ضياع المال بالكلية و المأكولة
126
126
إذا ذبحت يحل أكلها لأنها مذكاة كغيرها وبذلك علم أن وجوب ذبحها إنما هو مفرع على وجوب الحد على الفاعل لا على عدمه كما توهمه المصنف وعليه الأرش للتفاوت بين قيمتها حية ومذكاة إن كانت لغيره
وتحد امرأة استدخلت ذكر نائم كمن زنى بنائمة لا خلية حبلى لم تقر بالزنا أو ولدت ولم تقر به فلا تحد إذ الحد إنما يجب ببينة أو إقرار وحكم الخنثى هنا حكمه في الغسل واللائط لا بزوجته وأمته كالزاني فيما يلزمه بجامع أن كلا منهما مولج في فرج محرم مشتهى طبعا
و اللائط بهما أي بزوجته وأمته يعزر إن تكرر منه الفعل وإنما لم يحد لأنهما محل استمتاعه في الجملة ولأنه مختلف في إباحته أما إذا لم يتكرر منه الفعل فلا تعزير كما ذكره البغوي والروياني والملوط به غير الزوجة والأمة يجلد ويغرب كالبكر وإن أحصن رجلا أو امرأة إذ لا يتصور إدخال الذكر في دبره على وجه مباح حتى يصير به محصنا والرجم خاص بالمحصن كما سيأتي أما الزوجة والأمة فيعزران كما يؤخذ من كلام أصله
فإن أتت امرأة امرأة عزرتا ولا حد عليهما والتصريح بوجوب التعزير عليهما من زيادته على الروضة وتمكينها القرد من نفسها كوطئه البهيمة وفي نسخة كوطء البهيمة فيلزمها التعزير لا الحد ويسقط الحد بثلاث شبه لخبر ادرءوا الحدود بالشبهات رواه الترمذي وصحح وقفه والحاكم وصحح إسناده فيسقط بالشبهة في المحل كوطء زوجة له حائض أو صائمة أو محرمة وأمة له لم تستبرأ وأمة ولده ولو مستولدة كما مر بيانه في خيار النكاح وكذا أمة له هي محرم له بنسب أو رضاع أو مصاهرة أو محرمة عليه بوطء شبهة كأم من وطئها بشبهة أو بنتها أو أمة مشتركة بينه وبين غيره أو أمة له مزوجة أو معتدة أو وثنية أو مجوسية أو مسلمة وهو ذمي أو معاهد لعروض التحريم في بعضها وشبهة الملك في الباقي
وبالشبهة في الفاعل كمن أي كوطء من ظنها زوجته أو أمته ويصدق في أنه ظن ذلك بيمينه سواء أكان ذلك في ليلة الزفاف أم غيرها لا إن ظنها مشتركة فلا يسقط عنه الحد لأنه علم التحريم فكان من حقه الامتناع وهذا ما رجحه في الروضة من احتمالين نقلهما تبعا لبعض نسخ الرافعي عن الإمام وجزم الميمي كالتعليقة بسقوطه وظاهر كلام النهاية كما في بعض نسخ الرافعي أن المنقول ترجيحه وقال ابن عبد السلام في مختصرها أنه أظهر الاحتمالين لأنه ظن ما لو تحقق دفع عنه الحد وقال في المهمات إنه الصحيح كما لو سرق مال غيره يظن أنه لأبيه أو ابنه أو أن الحرز ملكه فإن الأصح في أصل الروضة أنه لا حد فيها والفرق بين هذه المسائل وبين ما إذا علم التحريم واعتقد عدم الحد أو سرق دنانير يظنها فلوسا أنه هنا اعتقد أمرا نعتقده نحن مسقط وثم نعتقده موجبا وقال البلقيني ظاهر نص المختصر يشهد لذلك
وبالشبهة في الجهة أي الطريق وهي إباحة بعض العلماء الوطء بجهة كالنكاح بلا ولي كمذهب أبي حنيفة أو بلا شهود
127
127
كمذهب مالك ونكاح المتعة كمذهب ابن عباس
ولو اعتقد المولج التحريم في هذه الشبهة نظرا لاختلاف العلماء نعم إن حكم حاكم بإبطال النكاح المختلف فيه وفرق بين الزوجين قال الماوردي لزمهما الحد لارتفاع الشبهة بالحكم بالفرقة
وإن استأجرها للزنا أو تزوج من لا تحل له كمحرم ووثنية وخامسة ومطلقة ثلاثا وملاعنة ومعتدة ومرتدة وذات زوج ووطئ أو وطئ من ارتهنها ولو بإذن الراهن لو أبيحت له أو كانت لبيت المال حد لأن البضع لا يباح بشيء من ذلك فلا يورث شبهة كما لو اشترى حرة فوطئها أو خمرا فشربها ولأنه لو كان شبهة لثبت به النسب واللازم منتف وكذا لو زنى بمن له عليها قود أو بحربية ولم يقصد به الاستيلاء وإلا فيملكها ولا حد عليه وإنما لم يعتد بخلاف عطاء في إباحة المرأة نفسها للوطء لأنه لم يثبت عنه ولظهور ضعفه وخرج بالوثنية المجوسية ففيها في الأصل عن البغوي أنه يجب الحد وعن الروياني لا يجب للخلاف في صحة نكاحها وهذا نقله الروياني في التجربة عن النص قال الأذرعي والزركشي فهو المذهب وذكر مسألة بيت المال من زيادته هنا وذكرها أيضا كأصله في السرقة
ومن ادعى الجهل بتحريمها بنسب كأخته بعد أن تزوجها ووطئها لم يصدق لبعد الجهل بذلك نعم إن جهل مع ذلك النسب ولم يبن لنا كذبه فالظاهر تصديقه قاله الأذرعي أو بتحريمها برضاع فقولان قال الأذرعي أظهرهما تصديقه إن كان ممن يخفى عليه ذلك أو بتحريمها بكونها مزوجة أو معتدة وأمكن جهله بذلك صدق بيمينه وحدت هي دونه إن علمت تحريم ذلك
فصل إنما يحد جلدا أو رجما مكلف مختار عالم بالتحريم للزنا ولو جهل وجوب الحد فلا حد على غيرهم كما قال والصبي والمجنون يؤدبان بما يزجرهما فلا يحدان لأن فعلهما لا يوصف بتحريم نعم يحد السكران وإن كان غير مكلف ولا يحد المكره ولو رجلا لشبهة الإكراه ولخبر رفع عن أمتي الخطأ ولا معاهد لعدم التزامه الأحكام كالحربي غير المعاهد وهذا من زيادته هنا وذكره أيضا كأصله في السرقة ولا جاهل أي مدعي الجهل بتحريمه لقرب عهده بالإسلام أو بعد عن أهله بخلاف من
128
128
نشأ بين المسلمين ويختص الحد بالمكلف من الزانيين لوجود الشروط فيه دون الآخر و يختص الرجم بالمحصن منهما لذلك
وحد المحصن الرجم حتى يموت لأمره صلى الله عليه وسلم به في أخبار مسلم وغيره وروى الشيخان رضي الله عنهما عن عمر رضي الله عنه أنه خطب فقال الرجم حق على من زنى إذا كان محصنا وقال إن الله بعث محمدا نبيا وأنزل عليه كتابا وكان فيما أنزل عليه آية الرجم فتلوناها ووعيناها وهي الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله والله عزير حكيم وقد رجم النبي صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه والإحصان لغة المنع وشرعا جاء بمعنى الإسلام والبلوغ والعقل والحرية والعفة والتزويج ووطء المكلف الحر في نكاح صحيح وهو المراد هنا كما يؤخذ من قوله وهو أي المحصن ذكرا كان أو أنثى كل مكلف حر وطئ أو وطئت في قبل حال الكمال بتكليف وحرية في نكاح صحيح ولو كان الوطء في عدة شبهة أو حيض أو إحرام لا في ملك يمين وطء شبهة ونكاح فاسد كما في التحليل فلا رجم على من زنى وهو غير مكلف ليس بسكران لأن فعله لا يوصف بتحريم كما مر
ولا على من فيه رق لأن الجناية تتغلظ بالحرية من جهة أنها تمنع الفواحش لأنها صفة كمال وشرفها والشريف يصون نفسه عما يدنس عرضه ومن جهة أنها توسع طرق الحل إذ للحر نكاح أربع حرائر ولا يحتاج فيه إلى إذن غالبا بخلاف من فيه رق فيهما وإنما اعتبر الوطء في نكاح صحيح لأن به قضى الواطئ الشهوة واستوفى اللذة فحقه أن يمتنع عن الحرام ولأنه يكمل طريق الحل بدفع البينونة بطلقة أو ردة واعتبر وقوعه في حال الكمال لأنه مختص بأكمل الجهات وهو النكاح الصحيح فاعتبر حصوله من كامل حتى لا يرجم من وطئ وهو ناقص ثم زنى وهو كامل ويرجم من كان كاملا في الحالين وإن تخللهما نقص كجنون ورق فالعبرة بالكمال في الحالين ولا يرد النائم إذا استدخلت المرأة ذكره من حيث إنه صار محصنا وليس بمكلف عند الفعل لأنا نقول إنه مكلف استصحابا لحاله قبل النوم وبما تقرر علم أنه لا يعتبر الوطء مع كامل ولا عصمته حتى لو وطئ وهو حربي ثم زنى بعد أن عقدت له ذمة رجم وقضية كلامهم كما قال ابن الرفعة أنه لا يشترط في الإحصان أن يكون الواطئ مختارا
ولا يشترط فيه الإسلام فيرجم المرتد والذمي لالتزامهما الأحكام ولخبر الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم رجم رجلا وامرأة من اليهود زنيا زاد أبو داود وكانا قد أحصنا
وحد البكر
129
129
الحر وهو غير المحصن رجلا كان أو امرأة جلد مائة وتغريب عام لقوله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة مع أخبار الصحيحين وغيرهما المزيد فيها التغريب على الآية فلا ترتيب بينه وبين الجلد لكن الأولى تأخيره عن الجلد
و حد من فيه رق ولو مبعضا خمسين ولو كان بينه وبين سيده مهايأة ووافق نوبة نفسه ويغرب نصف عام على النصف من الحر لقوله تعالى فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ولا يبالي بضرر السيد في عقوبات الجرائم بدليل أنه يقتل بردته ويحد بقذفه وإن تضرر السيد ولو زنى العبد المؤجر حد وهل يغرب في الحال ويثبت للمستأجر الخيار أو يؤخر إلى مضي المدة
وجهان حكاهما الدارمي قال الأذرعي ويقرب أن يفرق بين طول مدة الإجارة وقصرها ويحتمل أن يقال إن طالت غرب في الحال وإلا فوجهان قال ويشبه أن يجيء ذلك في الأجير الحر أيضا
انتهى
والأوجه أنه لا يغرب إن تعذر عمله في الغربة كما لا يحبس لغريمه إن تعذر علمه في الحبس بل أولى لأن ذاك حق آدمي وهذا حق لله تعالى وقضية كلامهم أنه لا فرق فيما ذكر بين الكافر والمسلم قال الزركشي لكن الذي يقتضيه نص الشافعي في الرسالة تخصيصه بالمسلم وهو القياس لأن العبد الكافر في معنى المعاهد إذ لا جزية عليه والمعاهد لا يحد فكذا العبد الكافر وعليه جرى ابن المنذر والبيهقي وغيرهما وللإمام ولو بنائبه تغريبهما أي الحر ومن فيه رق مسافة القصر لأن المقصود إيحاشه بالبعد عن الأهل والوطن وفوقها إن رآه الإمام لأن عمر رضي الله عنه غرب إلى الشام وعثمان إلى مصر وعليا إلى البصرة لا دونها إذ لا يتم الإيحاش المذكور به لأن الأخبار تتواصل حينئذ وليكن تغريب من ذكر إلى بلد معين فلا يرسله الإمام إرسالا
ولو عين الإمام جهة لتغريبه تعينت فلو طلب جهة أخرى لم يجب لأنه اللائق بالزجر فلو انتقل بعد أي بعد التغريب من البلد الذي غرب إليه إلى بلد آخر لم يمنع لأنه امتثل والمنع من الانتقال لم يدل عليه دليل ويستصحب معه جوازا سرية مع نفقة يحتاجها ومالا يتجر فيه كما قاله الماوردي لا أهلا وعشيرة له لانتفاء إيحاشه قال الزركشي وقضيته أنه يمنع من تغريبه إلى بلد فيه أهله لكن صرح الماوردي والمتولي فيه بالجواز فإن خرجوا معه لم يمنعوا والغريب يغرب من بلد الزنا تنكيلا وإبعادا عن محل الفاحشة فربما ألفه لا إلى بلده ولا إلى دون المسافة منها أي ولا إلى بلد بينه وبين بلده دون مسافة القصر لأن القصد إيحاشه وتغريبه إلى ذلك يأباه فإن رجع إليها أي إلى بلدته أو إلى دون المسافة منها منع معارضة له بنقيض قصده
و يغرب المسافر إذا زنى في طريقه لا إلى مقصده لذلك ومن لا وطن له كالمهاجر إلينا من دار الحرب ولم يتوطن بلدا يمهل
130
130
حتى يتوطن بلدا ثم يغرب منه وهذا لا ينافيه قول القاضي إنه يغرب من المكان الذي قصده ويراقب المغرب أي يحفظ بالمراقبة في المكان الذي غرب إليه ولا يحبس فيه والمراد أنه يراقب لئلا يرجع إلى بلدته أو إلى ما دون المسافة منها لا أن ينتقل إلى بلد آخر لما مر أنه لو انتقل إلى بلد آخر لم يمنع وما نقله الأصل عن الروياني من تصحيح أنه يلزمه أن يقيم ببلد الغربة ليكون كالحبس له فلا يمكن من الضرب في الأرض لأنه كالنزهة يحمل على أن المراد ببلد الغربة غير بلده لأن ما عداه بلاد غربة وبقوله فلا يمكن من الضرب في الأرض أنه لا يمكن من ذلك في جميع جوانبها بل في غير جانب بلده فقط على ما عرف وكأن المصنف لما لم يظهر له الجمع حذف كلام الروياني
ومؤنته أي المغرب في مدة تغريبه على نفسه إن كان حرا وعلى سيده إن كان رقيقا وإن زادت على مؤنة الحضر فإن خيف رجوعه إلى محله الذي غرب منه حبس جوازا
ولو رجع إلى بلد غرب منه استؤنفت المدة ليتوالى الإيحاش فلا تفرق السنة في الحر ولا نصفها في غيره وقضية كلامه أنه لا يتعين للتغريب البلد الذي غرب إليه وهو كذلك وعبارة صاحب الذخائر رد إلى الغربة ثم نقل عن المهذب ما جزم به الأصل أنه يرد إلى البلد الذي غرب إليه وأشار إلى تفرده به ولم يقف ابن الرفعة على نقل في ذلك فقال الأشبه أن يقال إن قلنا بالاستئناف لم يتعين ذلك البلد
ولو زنى المغرب في البلد الذي غرب إليه غرب إلى موضع آخر ودخلت البقية أي بقية مدة الأول في مدة الثاني لتجانس الحدين ولا يعتد بتغريبه نفسه لأن القصد التنكيل ولا يحصل إلا بتغريب الإمام وإذا انقضت المدة فله الرجوع إلى وطنه لأنه أتى بالواجب قاله الأكثرون وما قيل من أنه ليس له الرجوع إلا بإذن الإمام فإن رجع بغير إذنه عزر كما لو خرج من حبسه مردود بأن مدة الحبس مجهولة له بخلاف مدة التغريب وأولها ابتداء السفر لا وقت وصوله إلى ما غرب إليه
ولو غربت امرأة اشترط خروج زوج أو محرم معها ولو مع أمن الطريق لخبر لا تسافر المرأة إلا ومعها زوج أو محرم ولأنه يخاف من الزانية الهتك عند خروجها وحدها والقياس أن كل من جاز له النظر إليها كعبدها حكمه حكم الزوج والمحرم وما ذكره هو ما صححه الأصل لكن نص في الأم في موضعين على تغريبها وحدها وأن النهي عن سفرها وحدها محله فيما لا يلزمها كما مر بيانه في الحج وأجرته عليها إذا لم يخرج إلا بها لأنها مما يتم بها الواجب كأجرة الجلاد ولأنها من مؤن سفرها فإن لم يكن لها مال فعلى بيت المال فلو امتنع من الخروج معها بأجرة لم يجبر كما في الحج ولأن في إجباره تعذيب من لم يذنب ويؤخر حينئذ تغريبها إلى أن يتيسر قال في الكفاية وبه جزم ابن الصباغ وذكر الروياني أنها تغرب ويحتاط الإمام في ذلك
وفي الاكتفاء في الخروج معها بنسوة ثقات اثنتين فأكثر مع أمن طريق وجهان أظهرهما على ما في نسخ الرافعي المعتمدة وأحدهما على ما في السقيمة التي اختصرت منها الروضة نعم قياسا على الزوج والمحرم والثاني لا لأن النسوة مطموع فيهن قال في الأصل وربما اكتفى بعضهم بواحدة ثقة
انتهى
والاكتفاء بها هو ما في الشامل وغيره وقال ابن الرفعة إنه الأصح والبلقيني إنه المعتمد وصححه النووي في مجموعه في نظيره من الحج مع أنه على التراخي فهذا أولى أما مع الخوف فلا يكتفى بالنسوة وهل يشرع التغريب عند الخوف قال الرافعي فيه قول بشرعيته وفي البيان وغيره ما يشعر بخلافه وقضيته تصحيح عدم مشروعيته حتى لا يغرب الرجل ولا المرأة المستصحبة للزوج أو نحوه حينئذ وقضية كلامهم أن الرجل يغرب وحده ولو أمرد والظاهر كما قال الأذرعي وغيره أن الأمرد الحسن الذي يخاف عليه الفتنة يحتاج إلى محرم أو نحوه
وينفى المخنثون تعزيرا لثبوته في خبر البخاري وغيره ولا يبلغ به مدة تغريب الزاني
فصل لا يثبت الحد إلا ببينة أو إقرار ولو مرة ليتمكن من إقامته إما بالبينة فالآية واللاتي يأتين
131
131
الفاحشة من نسائكم وإما بالإقرار فلأنه صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا والغامدية بإقرارهما رواه مسلم وروى هو والبخاري خبر واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها علق الرجم على مجرد الاعتراف وإنما كرره على ماعز في خبره لأنه شك في عقله ولهذا قال أبك جنون ووصف الإقرار بقوله مفسر كالشهادة واحتياطا للحد وسعيا في ستر الفاحشة ما أمكن ويستأنس له بقصة ماعز
ويجزئ أي يكفي في ثبوت الحد إشارة الأخرس بالإقرار بالزنا
وإن رئيا أي رجل وامرأة أجنبيان تحت لحاف عزرا ولم يحدا
ويقام الحد في دار الحرب إن لم يخف فتنة من نحو ردة المحدود والتحاقه بأهل الحرب
ويحرم العفو عن حد لله تعالى والشفاعة فيه لقوله صلى الله عليه وسلم لأسامة لما كلمه في شأن المخزومية التي سرقت أتشفع في حد من حدود الله تعالى ثم قام فاختطب فقال إنما هلك الذين من قبلكم إنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها رواه الشيخان
ويستحب للزاني ولكل من ارتكب معصية الستر على نفسه لخبر من أتى من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله فإن من أبدى لنا صفحته أقمنا عليه الحد رواه الحاكم والبيهقي بإسناد جيد بخلاف ما لو قتل أو قذف فإنه يستحب له بل يجب عليه أن يقر به ليستوفى منه كما سيأتي في الشهادات لما في حقوق الآدميين من التضييق والمراد بقولهم يستحب أن يستر على نفسه المعصية أن لا يظهرها ليحد أو يعزر فيكون إظهارها خلاف المستحب أما التحدث بها تفكها أو مجاهرة فحرام قطعا للأخبار الصحيحة فيه نبه عليه الأذرعي
وكذا الشاهد يستحب له سترها بأن يترك الشهادة بها إن رآه مصلحة وإن رأى المصلحة في الشهادة بها شهد كذا في الروضة فكلامها فيما إذا لم ير مصلحة متدافع وكلام المصنف يقتضي أنه يشهد والأقرب خلافه وعلى هذا التفصيل يحمل إطلاقهم في باب الشهادات وغيره استحباب ترك الشهادة ثم محل استحباب تركها إذا لم يتعلق بتركها إيجاب حد على الغير فإن تعلق به ذلك كأن شهد ثلاثة بالزنا فيأثم الرابع بالتوقف ويلزمه الأداء
ولو أقر بزنا أو شرب لمنكر استحب له الرجوع كالستر ابتداء وهو مقتضى خبر ماعز السابق وهذا ما رجحه في الروضة ولا يخالفه كما قال الزركشي ما يأتي في الشهادات أن من ظهر عليه حد يستحب له أن يأتي الإمام ليقيمه عليه لفوات الستر لأن المراد بالظهور أن يطلع على زناه من لا يثبت الزنا بشهادته فيستحب له ذلك أما المقر فيستحب له الرجوع لما مر فإن رجع عن الإقرار ولو بعد الشروع في الحد سقط عنه الحد لتعريضه صلى الله عليه وسلم لماعز بالرجوع بقوله لعلك قبلت لعلك لمست أبك جنون ولأنهم لما رجموه قال ردوني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يسمعوا وذكروا ذلك له صلى الله عليه وسلم فقال هلا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه
فلو قتل بعد الرجوع عن إقراره فلا قصاص على قاتله لاختلاف العلماء في سقوط الحد بالرجوع وقول الدارمي ومحل الخلاف إذا لم يعلم القاتل برجوعه فإن علم برجوعه قتل بلا خلاف فيه نظر يعرف من التعليل ويضمن بالدية لأن الضمان بها بجامع الشبهة والتصريح بهذا من زيادته
وإن رجع في أثناء الحد وتممه الإمام متعديا بأن كان معتقدا سقوطه بالرجوع فمات بذلك فالواجب نصف دية لأنه مات من مضمون وغيره أو
132
132
التوزيع للدية على السياط قولان أقربهما الثاني كما لو ضربه زائدا على حد القذف فمات
وإن قال زنيت بفلانة فأنكرت أو قالت كان تزوجني فمقر بالزنا وقاذف لها فيلزمه حد الزنا وحد القذف فإن رجع سقط حد الزنا وحده
فإن قال زنيت بها مكرهة لزمه حد للزنا لا للقذف و لزمه لها مهر فإن رجع عن إقراره سقط الحد كما علم مما مر لا المهر لأنه حق آدمي
ولو شهدوا بإقراره بالزنا ولو قبل الحكم به فكذبهم كأن قال ما أقررت لم يقبل تكذيبه لأنه تكذيب للشهود والقاضي أو كذب نفسه في إقراره قبل في إقراره كما علم مما مر والتصريح بهذا من زيادته
ولو قال لا تحدوني وامتنع من تسليم نفسه أو هرب فليس برجوع فلا يسقط عنه الحد لوجود مثبته مع عدم تصريحه بالرجوع لكن يكف عنه في الحال لما في خبر ماعز هلا تركتموه ولأنه ربما قصد الرجوع فيعرض عنه احتياطا فإن رجع فذاك وإلا حد وإن لم يكف عنه فمات فلا ضمان لأنه صلى الله عليه وسلم لم يوجب عليهم في قصة ماعز شيئا
و الحد الثابت بالبينة لا يسقط بالرجوع وأفهم كلامه أنه لا يسقط بالتوبة سواء أثبت بالإقرار أم بالبينة وصرح الأصل بتصحيحه وذلك لئلا يتخذها ذريعة إلى إسقاط الزواجر فإن أقر بالزنا ثم قامت بينة بزناه ثم رجع عن الإقرار فوجهان أحدهما لا يسقط الحد لبقاء حجة البينة كما لو شهد عليه ثمانية فرد أربعة وثانيهما يسقط إذ لا أثر للبينة مع الإقرار وقد بطل ونقلهما الماوردي في ذلك وفي عكسه وقال الأصح عندي اعتبار أسبقهما وينبغي تقييد محل الخلاف بما قبل الحكم أو بعده وقد أسند إليهما معا أو أطلق فإن كان بعده وقد أسند إلى أحدهما فقط فهو المعتبر قطعا ثم رأيت الزركشي أشار إلى بعض ذلك ولا يشترط حياة الشهود ولا حضورهم كما فهم بالأولى وصرح به أصله حالة الحكم ولا قرب عهد الزنا فتقبل الشهادة به وإن تطاول الزمان
وإن قامت بينة ببكارة من ثبت زناها أو رتقها أو قرنها سقط الحد عنها للشبهة نعم إن كانت غوراء يمكن تغييب الحشفة فيها مع بقاء البكارة فالأشبه كما قال الزركشي أنها تحد لثبوت زناها قال والفرق بينه وبين عدم حصول التحليل به على ما قاله البغوي أن التحليل مبني على تكميل اللذة وعن قاذفها لقيام الشهادة بزناها مع احتمال عود البكارة بعد زوالها لترك المبالغة في الافتضاض في البكر ورمي من لا يمكن جماعه في الأخريين وكذا لا يجب حد القذف على الشهود لذلك قال القاضي وتبطل حصانتها بلا خلاف
أو قامت بينة ببكارة من ثبت لها مهر على من وطئها ولو بشبهة أو إكراه لم يسقط مهرها لثبوته مع الشبهة ولا حد عليه فيما لو شهد بزناه بها أربعة ولا على الشهود للشبهة ولا عليها للشهادة وتعبيره بالبينة أعم من تعبير أصله بأربع نسوة وإن شهد اثنان بإكراهها على الزنا لم يثبت الزنا وكذا المهر بناء على الأصح من أن شهود الزنا إذا نقصوا عن أربعة لزمهم حد القذف صرح بذلك الأصل
وإن شهد اثنان بإكراهها على الزنا واثنان بمطاوعتها عليه لزمه المهر لسقوط الحد عن شهود الإكراه لتمام عدد شهود زناه دون الحد أي حد زناه فلا يلزمه لوجوبه أي حد قذفها على الآخرين لعدم تمام عدد شهود زناها فخرج قولهما عن كونه شهادة ولا حد عليها لذلك ولا يجب حد القذف للرجل لأن عدد شهود زناه قد تم وإنما رددنا الشهادة لأمر مجتهد فيه وإن ذكر كل من الشهود للزنا زاوية من زوايا البيت الذي زنيا فيه فسيأتي بيانه في الشهادات الباب الثاني في استيفاء الحد
إنما يستوفيه من الحر الإمام أو نائبه لأنه في عهده صلى الله عليه وسلم وعهد الخلفاء بعده لم يقم إلا بإذنهم قال ابن عبد السلام وإنما لم يفوض لأولياء المزني بها لأنهم قد لا يستوفونه خوفا من العار قال القاضي ولا بد في إقامة الحدود من النية حتى لو ضرب لصادرة أو غيرها وعليه حدود لم يحسب منها وفي فتاوى شيخه القفال
133
133
أنه لا يحتاج فيها إلى نية حتى لو حد بنية الشرب فظهر أن حده الزنا جاز لأنه لو أخطأ من يده اليمنى إلى اليسرى في السرقة أجزأ قال وعلى هذا لو أن الإمام جلد رجلا مائة ظلما فبان أن عليه حد الزنا سقط عنه كما لو قتل رجلا فبان أنه قاتل أبيه قال الأذرعي بعد نقله ذلك والأشبه في صورة جلده ظلما ما قاله القاضي وأما ما قبلها فالإجزاء فيه ظاهر لأنه قصد الحد فلا عبرة بظنه أنه عن الشرب
ويستحب حضوره أي الإمام أو نائبه استيفاء حد الزنا سواء أثبت بالإقرار أم بالبينة ولا يجب لأنه صلى الله عليه وسلم أمر برجم ماعز والغامدية ولم يحضر وحضور جمع من الرجال المسلمين الأحرار لقوله تعالى وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين وأقلهم أربعة لأن الزنا لا يثبت بأقل منهم والتصريح باستحباب حضور الإمام أو نائبه من زيادته وصرح به في المنهاج وغيره وصرح الأصل باستحباب حضور الشهود إذا ثبت بالبينة وظاهره استحباب حضور الجمع المذكور حينئذ أيضا والظاهر أنه إنما يستحب إذا ثبت زناه بالإقرار أو بالبينة ولم تحضر قال الماوردي وتعرض عليه التوبة قبل رجمه فإن حضر وقت صلاة أمر بها وإن تطوع مكن من ركعتين وإن استسقى ماء سقي وإن استطعم لم يطعم
و يستحب أن يحاط بالمحدود المحصن فيرمى من الجوانب وأن يرجم بحجارة ومدر ونحوها معتدلة ففي خبر ماعز فرميناه بالعظام والمدر والخزف وخرج بالمعتدلة الحصيات الخفيفة لئلا يطول تعذيبه والصخرات لئلا تذففه فيفوت به التنكيل المقصود وليس لما يرجم به تقدير لا جنسا ولا عددا فقد تصيب الأحجار مقاتله فيموت سريعا وقد يبطئ موته ذكره الأصل لكن ضبطه الماوردي فقال الاختيار أن تكون ملء الكف وأن يكون موقف الرامي منه بحيث لا يبعد عنه فيخطئه ولا يدنو منه فيؤلمه وجميع بدنه محل للرجم ويختار أن يتوقى الوجه ولا يربط ولا يقيد وأن يبدأ الشهود بالرجم ثم الإمام ثم الناس فإن ثبت بالإقرار بدأ الإمام ثم الناس قاله ابن الرفعة
وأن يحفر للمرأة عند رجمها إلى صدرها إن ثبت زناها ببينة لئلا تنكشف بخلاف ما إذا ثبت بالإقرار ليمكنها الهرب إن رجعت وبخلاف الرجل لا يحفر له وإن ثبت زناه بالبينة وأما ثبوت الحفر في قصة الغامدية مع أنها كانت مقرة فبيان للجواز ووجوب الحد على المرأة باللعان كوجوبه بالبينة
ولا يقتل بالسيف ونحوه إذ القصد التنكيل به بالرجم وتؤخر وجوبا حدود الله كقطع السرقة لمرض يرجى زواله وشدة حر وبرد إلى البرء واعتدال الزمن لئلا يهلك المحدود ولأن حقوقه تعالى مبنية على المساهلة بخلاف حقوق الآدميين كقصاص وحد قذف فلا تؤخر لأنها مبنية على المضايقة وكالمرض المذكور النفاس والحمل والجرح والضرب واستثنى الماوردي والروياني ما لو كان ببلاد لا ينفك حرها أو بردها فلا يؤخر ولا ينقل إلى البلاد المعتدلة لما فيه من تأخير الحد ولخوف المشقة وكل من أخر حده لعذر فلا يخلى بل يحبس حتى يزول عذره قاله الإمام وتوقف فيه ابن الرفعة وقال لا يتجه حبس المقر كما ذكره الإمام احتمالا في موضع آخر وأما الثابت زناه بالبينة فإن أمن هربه لم يحبس وإلا فيشبه أن يوكل به من يحفظه أو يراقبه لا الرجم فلا يؤخر لشيء مما ذكر
ولو ثبت زناه بإقراره لأن نفسه مستوفاة به ويؤخر للحمل وانقضاء الفطام ولو كان الحمل من زنا كما في استيفاء القصاص فلو أقيمت حدود الله تعالى مع ما ذكر فمات المحدود فلا ضمان على المقيم لها وإن عصى بترك التأخير لأنه تلف بواجب أقيم عليه ويفارق الضمان فيما لو ختن أقلف في مرض أو شدة حر أو برد فمات بأن الجلد ثبت قدرا بالنص والختان أصلا وقدرا بالاجتهاد ولأن استيفاء الحدود إلى الإمام فلا يؤاخذ بما يتولد منها والختان لا يتولاه الإمام أصالة بل يتولاه الإنسان بنفسه أو يقوم به وليه في صغره فإذا تولاه الإمام بالنيابة اشترط فيه سلامة العاقبة
وإن لم يرج زوال المرض كالسل والزمانة أو كان
134
134
نضوا أي نحيف البدن لا يحتمل السياط لم تفرق أي السياط على الأيام وإن احتمل التفريق بل يضرب في الحال إذ لا غاية تنظر لكن لا يضرب بسياط لئلا يهلك بل بعثكال أي غصن ذي فروع خفيفة ونحوه كنعال وأطراف ثياب مرة فأكثر بحسب العدد فإن كان على الغصن مائة فرع ضرب به مرة أو خمسون ضرب به مرتين وهكذا والعثكال بفتح العين وكسرها ويقال عثكول بضم العين وإثكال بإبدالها همزة مع ضم الهمزة وكسرها ولا يطلق إلا على شمراخ النخل ما دام رطبا فإذا يبس فهو عرجون ويشترط أن يناله ألمها أي فروع العثكال بمس له أو انكباس لبعضها على بعض ليناله الألم فإن انتفى المس والانكباس أو شك فيه لم يسقط الحد ويفارق الأيمان حيث لا يشترط فيها ذلك لأنها مبنية على العرف والضرب غير المؤلم يسمى ضربا وأما الحدود فمبنية على الزجر وهو لا يحصل إلا بالإيلام
وإن برأ من لا يرجى برؤه بعد ضربه بعثكال ونحوه أجزأه بخلاف المعضوب إذا حج عنه ثم برئ لبناء الحدود على الدرء وقياسه أنه لو برئ في أثناء ذلك كمل حد الأصحاء واعتد بما مضى وهو نظير ما لو قدر في أثناء الصلاة على القيام فلو ضرب بها من يرجى برؤه فبرئ لم يجزه بناء على أنه يجب تأخير الجلد إلى البرء ويخير من له حد قذف على مريض بين الضرب بعثكال ونحوه و بين الصبر إلى برئه وقيل يجلد بالسياط سواء أرجي برؤه أم لا لأن حقوق الآدميين مبنية على المضايقة وترجيح الأول من زيادته وبه صرح في المهمات لكن الأصل جزم في استيفاء القصاص بالثاني وتركه المصنف ثم وقال الزركشي إنه خلاف المنصوص عليه في الأم
فصل للسيد بنفسه أو نائبه ولو مكاتبا بفتح التاء وامرأة وفاسقا ولو كافرا ومشتريا لرقيق بعد وجوب الحد عليه إقامة الحد على رقيقه ولو مدبرا وأم ولد وإن لم يأذن له الإمام لأنها على سبيل الإصلاح لملكه لا على سبيل الولاية كالمعالجة بالفصد والحجامة وفي خبر الصحيحين إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ولا يثرب عليها بالمثلثة أي لا يوبخها ولا يعيرها وقيل لا يبالغ في جلدها بحيث يدميها وفي خبر أبي داود أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم وله تغريبه لأنه بعض الحد وقدم المشتري على البائع فيما ذكر اعتبارا بحال الاستيفاء وإن كان المعتبر في مقدار الحد حال الوجوب كما ذكره الإمام والغزالي وما ذكر في المكاتب هو ما صححه الشيخان لكن نص في الأم والمختصر على خلافه كما نقله الإسنوي والأذرعي فعليه لا يحده إلا الإمام وكأنه مبني على أن إقامة الحد ولاية لا إصلاح وليس للسفيه إقامة الحد على رقيقه لخروجه عن أهلية الإصلاح وهو أي السيد أولى بإقامة الحد على رقيقه من الإمام وحاصل عبارة الأصل أن إقامة السيد له بنفسه أولى من تفويضه إلى الإمام لأنه أستر وللخبر السابق وعبارة المصنف أعم من ذلك لا إن نازعه الإمام فليس بأولى بل الإمام أولى لعموم ولايته قال الأذرعي وغيره وظاهر الأخبار وإطلاق الشافعي والأصحاب أن السيد أولى لما مر ويتوزع الشركاء في إقامة الحد على العبد المشترك السياط بقدر الملك ويستنيبون واحدا منهم أو من غيرهم في المنكسر إن حصل كسر وعبارته أعم من قول الأصل فإن حصل كسر فوض المنكسر إلى أحدهم
والمبعض يحده الإمام فقط أي لا سيده لأنه لا ولاية له على بعضه والحد يتعلق بجملته وقد يقال ينبغي أن يكون كالمشترك وقد يجاب بأنه لا ترجيح ثم بخلافه هنا إذ الحرية أولى بالمؤاخذة بالجرائم فكانت الولاية عليها أقوى وكذا المكاتب كتابة صحيحة لا يحده إلا الإمام لخروجه عن قبضة سيده قال البلقيني وفي معناهما العبد الموقوف كله أو بعضه بناء على أن الملك فيه لله تعالى وهو الأظهر وعبد بيت المال والموصى بإعتاقه إذا زنى بعد موت الموصي وقبل إعتاقه وهو يخرج من الثلث بناء على أن أكسابه له وهو المذهب
وللسيد التعزير لرقيقه على
135
135
ما ارتكبه مما يوجب تعزيرا كالحد سواء أكان لله تعالى أم لآدمي و له إقامة حد القذف وسائر الحدود أي باقيها حتى القطع وقتل الردة والمحاربة لإطلاق الخبر السابق وروى الشافعي عن مالك أن ابن عمر رضي الله عنهما قطع يد عبد له سرق وروى مالك في الموطإ أن عائشة قطعت يد أمة لها سرقت وأن حفصة قتلت أمة لها سحرتها قال الرافعي وإنما يقتل الساحر بكفره و هل له القتل والقطع في القصاص وجهان كلام الأصل ظاهر في ترجيح الجواز
وهل للسيد أن يتولى لعان عبده فيما إذا قذف زوجته المملوكة لسيده بأن يلاعن بينهما وجهان رجح هو منهما في اللعان الجواز وهو قضية كلام الأصل ثم حيث بني الخلاف فيه على الخلاف في إقامته الحد على عبده وسماع البينة
وليس للكافر حد عبده المسلم قاله ابن كج لأنه لا يقر على ملكه ولا يلي تزويج أمته المسلمة بخلاف عبده الكافر وفي جواز إقامة الولي من أب وجد وصبي وحاكم وقيم الحد في عبد الطفل ونحوه من سفيه ومجنون وجهان قال في الأصل ويشبه أن يقال إن قلنا الحد إصلاح فله إقامته أو ولاية ففيه الخلاف وقضيته ترجيح الجواز ولو عبر المصنف بقوله وفي الولي في رقيق المولى عليه كان أولى ويشترط علم السيد بأحكام الحد وإن كان جاهلا بغيرها فلو سمع البينة بزناه عالما بأحكامها أو قضى بما شاهده من زناه جاز أما في الأولى فلأنه يملك الحد عليه فملك سماع بينته كالإمام وأما في الثانية فلحاجته إلى إصلاح ملكه ولأنه لا تهمة فيه وبهذين فارق عدم جواز قضاء القاضي بعلمه في الحدود وخرج بقوله عالما بأحكامها أي البينة ما لو لم يكن عالما بها فلا يسمعها لعدم أهليته لسماعها وقضيته أنه ليس للمكاتب والكافر والفاسق والمرأة سماعها فلا يحدون ببينة بل بإقرار أو بمشاهدة منهم وبذلك جزم الزركشي وفرضه في الفاسق والمكاتب ومثلهما البقية بل أولى
وإن قذف الرقيق سيده حد أو عكسه بأن قذف السيد عبده رفع الأمر إلى الحاكم ليعزره كغيره ومسألة العكس مرت في باب القذف
وإن زنى ذمي حر ثم استرق بعد نقض عهده أقامه عليه الإمام لا سيده لأنه لم يكن مملوكا يومئذ
وللمقتول حدا بالرجم أو غيره حكم موتى المسلمين من غسل وتكفين وصلاة وغيرها كتارك الصلاة إذا قتل ولأنه صلى الله عليه وسلم صلى على الجهنية وأمر بالصلاة على الغامدية ودفنها وفي رواية صلى هو عليها أيضا
باب حد القذف بالمعجمة وهو لغة الرمي وشرعا الرمي بالزنا في معرض التعيير كما مر في كتاب القذف القذف من المكلف المختار العالم بالتحريم مسلما أو كافرا كبيرة ففي الصحيحين اجتنبوا السبع الموبقات وعد منها قذف المحصنات وقد سبقت شروطه الموجبة للحد أي بقيتها في اللعان فلا حد على غير مكلف ليس بسكران ولا على مكره ولا جاهل بالتحريم ولا حربي لعدم التزامه الأحكام ولا قاذف غير المحصن المتقدم بيانه في اللعان بقوله وهو الحر المسلم البالغ العاقل العفيف عن الزنا ولا حد على المكره بكسر الراء أيضا ويفارق لزوم القود له بأن أحدا لا يستعين بلسان غيره في القذف بخلاف نظيره في القتل ويفرق بين المكره هنا والمكره ثم بفتح الراء فيهما بأن المأخذ هنا التعيير ولم يوجد وهناك الجناية وقد وجدت
ويحد الإمام ولو بنائبه لا غيره القاذف الحر ثمانين جلدة لآية والذين يرمون المحصنات ولإجماع الصحابة عليه ودليل كون الآية في الحر قوله ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إذ غيره لا تقبل شهادته
136
136
وإن لم يقذف
و يحد من فيه رق ولو مبعضا أو أم ولد أربعين جلدة على النصف من الحر لإجماع الصحابة عليه والنظر في الحرية والرق إلى حالة القذف لتقرر الواجب حينئذ فلا يتغير بالانتقال من أحدهما إلى الآخر ولا يحد أصل الفرع وإن سفل كما لا يقاد به وإن استحقه أي الفرع الحد بإرث كأن ورث من أمه حد قذف على أبيه فإنه لا يحده وخرج بالحد التعزير فيلزم الأصل للأذى كما نص عليه الشافعي ويعزر به أي بالقذف صبي ومجنون ميزا للزجر والتأديب
فرع هو أي حد القذف حق آدمي وقد يشبه الحد وفي نسخة وفيه شبه الحد من حيث إنه أي المقذوف لو استوفاه بنفسه ولم يكن سيد القاذف لم يجزه وإن إذن له القاذف كجلد الزنا لو استوفاه أحد الرعية لأن مواقع الجلدات والإيلام بها مختلف فلا يؤمن من الحيف فيها بخلاف المقتص لو استوفى قصاصه بنفسه وبخلاف ما لو قتل أحد الرعية زانيا محصنا فإن ذلك يجزئ واستثنى من عدم الإجزاء مع مسألة السيد السابقة ما لو قذفه ببادية بعيدة عن الإمام واستوفى منه بلا مجاوزة فإنه يجوز كالدين الذي له أن يتوصل إلى أخذه إذا منع منه صرح به الماوردي قال الأذرعي وقضية هذا التشبيه أن له ذلك بالبلد إذا لم يكن له بينة بقذفه ولقاذف يجحد ويحلف ومن حيث إنه يتشطر بالرق كما مر والحاصل أن فيه حقا لله تعالى وحقا للآدمي و المغلب فيه حق الآدمي من حيث إنه إنما يستوفى بطلبه لأنه المتضرر بإشاعة الفاحشة ويسقط بإذنه للقاذف في القذف كما في القود وبعفوه عنه كسائر الحقوق لا بعفوه بمال فلا يسقط هذا من زيادته وهو ما صوبه البلقيني فارقا بينه وبين نظيره من الشفعة والرد بالعيب بأن التأخير هنا لا يقتضي إبطاله بخلافه ثم والأوجه ما أفتى به الحناطي ونقله عنه ابن الملقن وأقره أنه يسقط للعفو عنه لكن لا يستحق المال كما صححه في الروضة
فصل لو شهد بالزنا لا الإقرار به دون أربعة حدوا لما روى البخاري أن عمر رضي الله عنه جلد الثلاثة الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة بالزنا ولم يخالفه أحد من الصحابة ولئلا يتخذ صورة الشهادة ذريعة إلى الوقيعة في أعراض الناس بخلاف ما لو شهد واحد بالإقرار به إذ لا حد على من قال لغيره أقررت بأنك زنيت وإن ذكره في معرض القذف لا إن شهد به أربعة فلا يحدون ولو ردت شهادتهم بفسق مقطوع به كالزنا وشرب الخمر وفارق ما مر بأن نقص العدد متيقن وفسقهم إنما يعرف بالظن والاجتهاد والحد يدرأ بالشبهة وعلم من كلامه أنه لا فرق بين رد شهادتهم بفسق وردها بغيره كعداوة ولا في الفسق بين المقطوع به والمجتهد فيه كشرب النبيذ
ويحد القاذف لمن شهدت الأربعة بزناه وردت شهادتهم لعدم ثبوت الزنا ولا معارض
ثم الزوج إن شهد بزنا زوجته قاذف لها لا شاهد فيلزمه حد القذف لأن شهادته بزناها غير مقبولة للتهمة وإن شهد عليها مع دون أربعة حدوا لأنهم قذفة كنساء وعبيد وذميين شهدوا بزنا امرأة فإنهم يحدون لذلك لأنهم ليسوا من أهل الشهادة فلم يقصدوا إلا العار وكذا لو شهد مع واحد منهم ثلاثة شهود كما صرح به الأصل
وإن شهد ثلاثة فأقل بالزنا فحدوا وأعادوها مع رابع لم تقبل شهادتهم كالفاسق ترد شهادته ثم يتوب ويعيدها لا تقبل أو شهد له عبيد وحدوا فأعادوها بعد العتق قبلت لعدم اتهامهم
وإن شهد به خمسة فرجع واحد منهم عن شهادته لم يحد لبقاء
137
137
النصاب أو رجع اثنان منهم حدا لأنهما ألحقا به العار دون الباقين لتمام النصاب مع عدم تقصيرهم وكذا لو رجع واحد من أربعة حد وحده سواء أرجع بعد حكم القاضي بالشهادة أم قبله ولو رجع الأربعة حدوا لأنهم ألحقوا به العار سواء تعمدوا أم أخطئوا لأنهم فرطوا في ترك التثبت صرح به الأصل وتركه المصنف اكتفاء بذكره له كأصله في الشهادات
كتاب السرقة بفتح السين وكسر الراء ويجوز إسكانها مع فتح السين وكسرها ويقال أيضا السرق بكسر الراء وسرق منه مالا يسرق سرقا بالفتح وربما قالوا سرقه مالا والأصل في القطع بها قبل الإجماع قوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما وغيره مما يأتي
وهي لغة أخذ المال خفية وشرعا أخذه خفية من حرز مثله بشروط تأتي وفيه ثلاثة أبواب الأول فيما يوجب القطع وهو السرقة وله ثلاثة أركان مسروق وسرقة وسارق الأول المسروق وله ستة شروط الأول النصاب وهو ربع دينار أو ما يقوم به فيقطع بربع دينار وهو أي الدينار المضروب ووصف الدينار بقوله خالص أي فيقطع بربع دينار خالص أو مغشوش خالصه نصاب وإن كان الربع لجماعة لخبر مسلم لا تقطع يد سارق إلا في ربع دينار فصاعدا والدينار المثقال وقيس بالربع ما يساويه في القيمة حال السرقة سواء أكان دراهم أم لا فلو سرق شيئا يساوي ربع مثقال من غير المضروب كسبيكة وحلي ولا يبلغ ربعا مضروبا أو بالعكس فلا قطع به كما ذكره بقوله لا سبيكة بالجر عطفا على ربع تنقص قيمته عن ربع دينار وإن كملت وزنا نظرا إلى القيمة فيما هو كالعرض وغير السبيكة من حلي ونحوه مثلها كما صرح به الأصل و لا خاتم ينقص وزنا وإن زادت قيمته نظرا إلى الوزن وهذا ما صححه في أصل الروضة
وقال الإسنوي إنه غلط فاحش لأنه سوى بين هذه والتي قبلها في تصحيح عدم القطع ثم عقبه بقوله والخلاف في المسألتين راجع إلى أن الاعتبار بالوزن أو بالقيمة وقال البلقيني ليس بغلط بل هو فقه مستقيم وإن لم يعطه كلام الرافعي فإن الوزن في الذهب لا بد منه وهل يعتبر معه إذا لم يكن مضروبا أن تبلغ قيمته ربع دينار ومضروب فيه الخلاف الذي في السبيكة فأما إذا نقص الوزن ولكن قيمته تساوي ربع دينار مضروب فهذا يضعف فيه الاكتفاء بالقيمة فاستقام ما ذكره في الروضة وما ذكره الرافعي فيه إلباس وكان اللائق أن ينبه عليه صاحب الروضة انتهى وبذلك علم أنه لا بد في المسألتين من النظر إلى الوزن والقيمة معا وغير ذلك من العروض والدراهم يقوم بذهب أي بدنانير نعم إن لم تعرف قيمته بالدنانير قوم بالدراهم ثم قومت الدراهم بالدنانير قاله الدارمي
فلو لم يكن مكان السرقة دنانير قال الزركشي فالمتجه اعتبار القيمة في أقرب البلاد إليه وقضية كلامهم أن سبيكة الذهب تقوم بالدنانير وإن كان فيه تقويم ذهب بذهب خلافا للدارمي في قوله تقوم بالدراهم ثم يقوم الدراهم بالدنانير وليكن التقويم بالدنانير تقويم قطع من المقومين لا تقويم اجتهاد منهم للحد أي لأجله فلا بد لأجله من القطع بذلك فلو قالوا نظن أنه يساوي ربعا لم يحد به كما عبر به الغزالي مع أن الشهادة لا تقبل إلا بالقطع وإن كان مستندها الظن و يراعى في القيمة المكان والزمان لاختلافها بهما
قال الرافعي ويبعد أن يقال تعتبر قيمة الحجاز أو قيمة عهد النبي صلى الله عليه وسلم ويعمل في دعوى السرقة إن اختلفت بينتان بالأقل من القيمتان للقطع بل وللمال وعبارة الأصل ولو شهد اثنان بأنه نصاب وقومه آخران بدونه فلا قطع ويؤخذ في الغرم بالأقل وله الحلف فيما لو شهد اثنان بسرقة فقوم أحدهما المسروق نصابا والآخر دونه مع شاهد الأكثر للمال ويقطع بدينار أي بسرقة دينار ظنه فلسا لأنه قصد سرقة عينه ولا أثر لظنه ولأنه أخرج نصابا
138
138
من حرزه بقصد السرقة والجهل بجنس المسروق وقدره لا يؤثر كالجهل بصفته وكذا يقطع بسرقة ظرف ظنه فارغا فلو سرق ثوبا خسيسا وفي جيبه ربع دينار أو ما يبلغ قيمته نصابا ولم يعلم بالحال وجب القطع لذلك ولو أخرج النصاب من حرزه دفعات قطع وإن تخلل بينهما اطلاع المالك وإهمال إعادة الحرز أو اشتهر هتكه لأنه أخرج نصابا من حرز هتكه فأشبه ما لو أخرجه دفعة واحدة وكما لو طر جيب إنسان وأخذ منه درهما فدرهما ولأن فعل الشخص مبني على فعله ولهذا لو جرح ثم قتل دخل الأرش في دية النفس بخلاف فعل غيره لا إن تخلل اطلاع من المالك أو إحراز منه صوابه الموافق لأصله وإحراز للمسروق ولو بإعادة الحرز فلا قطع والمأخوذ بعد الإحراز سرقة أخرى فإن كان نصابا قطع أو دونه فلا لانفصال كل واحدة عن الأخرى والظاهر أنه عبر بأو موافقة للبلقيني والزركشي في أنه لا قطع فيما إذا تخلل أحدها فقط ولو فتح وعاء أو طر أي قطع جيبا فانثال بالمثلثة أي انصب مما فيه من بر أو غيره نصاب ولو شيئا فشيئا قطع وإن لم يأخذه كما لو أخرجه بيده لأنه بفعله هتك الحرز وأخرج منه نصابا وقوله أو طر جيبا داخل فيما قبله وإن أخرج بعض ثوب مثلا من حرز وترك باقية فيه لم يقطع وإن كثرت قيمته أي البعض المخرج لأنه مال واحد ولم يتم إخراجه ولذلك لو كان طرف عمامة المصلي على نجاسة لم تصح صلاته وتعبيره بالبعض أعم من تعبير أصله بالنصف ولو جمع نصابا من بذر أرض محرزة كأن تكون بجنب المزارع قطع ولا يقبل موضع كل حبة حرز خاص فصار كما لو أخرج النصاب من حرزين لأن الأرض تعد بقعة واحدة والبذر فيها كأمتعة في أطراف البيت فإن لم تكن الأرض محرزة لم يقطع ولا يقطع المشتركان في الإخراج من حرز بدون نصاب بين أي بسرقته ويقطعان بسرقة نصابين توزيعا للمسروق عليهما بالسوية في الشقين وقيد القمولي الشق الثاني بما إذا كان كل منهما يطيق حمل ما يساوي نصابا أما إذا كان أحدهما لا يطيق ذلك والآخر يطيق حمل ما فوقه فلا يقطع الأول وخرج باشتراكهما في الإخراج ما لو تميزا فيه فيقطع من مسروقه نصاب دون من مسروقه أقل قال الزركشي تبعا للأذرعي والظاهر تصوير المسألة بما إذا كان كل منهما مستقلا فلو كان أحدهما صبيا أو مجنونا لا يميز فيقطع المكلف وإن لم يكن المخرج نصابين لأن غيره كآلة وظاهر أن محله إذا أذن له المكلف بقرينة التعليل وإن أخذ نصابا من حرز وأتلف بعضه في الحرز بأكل أو غيره لم يقطع لأنه إتلاف لا سرقة الشرط الثاني كونه أي المسروق ملك الغير فلا يقطع بسرقة ماله الذي بيد غيره وإن كان مرهونا ولا بما سرقه مع ماله أو وجده كما صرح به الأصل من حرز غاصب لماله الذي وضع فيه لأن له دخول الحرز وهتكه لأخذ ماله بخلاف الأجنبي يقطع بذلك ولو سرقه مع المغصوب لا بما سرقه ولو مع ماله ممن أي من حرز من يده عليه بحق كملك وإجارة وإعارة أي فيقطع لأنه لا شبهة له فيما سرقه بخلاف ما لو سرق ممن يده عليه بغير حق كغصب سواء أسرقه منه مالك الحرز أم غيره لأنه ليس حرزا لغاصبه ولمالكه دخوله وذكر هذه هنا من زيادته وستأتي مع زيادة ولو سرق ما اشتراه من يد البائع ولو قبل تسليم الثمن أو في زمن الخيار أو سرق ما اتهبه قبل قبضه لم يقطع فيهما لشبهة الملك وكذا لو سرق ما اشتراه مالا آخر بعد تسليم الثمن كما صرح به الأصل أو سرق شخص الموصى له به قبل الموت أي موت الموصي وكذا بعده وقبل
139
139
القبول قطع فيهما
أما في الأولى فلأن القبول لم يقترن بالوصية وأما في الثانية فبناء على أن الملك فيها لا يحصل بالموت قال الأذرعي وفيه نظر ظاهر وأطلق ابن الرفعة القول بأنه لا يقطع من غير تعرض لبناء وهو أقرب لشبهة الملك بالموت و الرافعي تبع في البناء البغوي وأحسن الخوارزمي فصحيح عدم القطع انتهى وعدم القطع أوجه وإلا أشكل بعدم القطع بسرقة ما اتهبه قبل قبضه والفرق بأن القبول وجد ثم ولم يوجد هنا لا يجدي لا إن سرق الموصى به فقير بعد موت الموصي والوصية للفقراء فلا يقطع كسرقة المال المشترك بخلاف ما لو سرقه الغني ولو ادعى الملك أي أنه مالك لما سرقه أو للحرز أو للمالك لما سرقه وهو مجهول نسبا أو أنه أخذه من الحرز بإذنه أو أنه أخذه والحرز مفتوح أو وصاحبه معرض عن الملاحظة أو أنه دون النصاب سقط عنه القطع بمجرد دعواه وإن ثبتت السرقة بالبينة لاحتمال صدقه فصار شبهة دارئة للقطع ولأنه صار خصما في المال وسمي هذا السارق الظريف ولا يستفصل بعد ثبوت السرقة عن كون المسروق ملكه أو لا وإن كان فيه سعي في سقوط الحد عنه لأنه إغراء له بادعاء الباطل ولا يثبت له المال إلا ببينة أو اليمين المردودة لا بمجرد دعواه فإن نكل عن اليمين المردودة لم يجب القطع لسقوطه بالشبهة وإن ادعى من شهد عليه أربعة بزنا امرأة أن الموطوءة زوجته أو أمته سقط عنه الحد لاحتمال صدقه وإن قال أحد السارقين المال لصاحبي وأذن لي في الأخذ منه لم يقطع لذلك فلو أنكر صاحبه أن المال له قطع المنكر لأنه مقر بسرقة نصاب بلا شبهة بخلاف ما لو صدقه أو سكت أو قال لا أدري ولو سرق عبد نصابا وادعاه أي أن ما سرقه ملك لسيده لم يقطع وإن كذبه سيده كالحر يدعي الملك لنفسه فرع لو ملك ما سرقه بعد ثبوت السرقة قطع أو قبله ولو بعد الإخراج من الحرز وقبل الرفع إلى الحاكم تعذر القطع لعدم المطالب بناء على الأصح من أن القطع يتوقف على دعوى المسروق منه ومطالبته الشرط الثالث أن يكون المسروق محترما فلا يقطع ولو ذميا بخمر وكلب ولو محترمين وجلد ميتة لم يدبغ ونحوها لأنها ليست بمال وهذا كما قال الرافعي علم من الشرط الأول لأن ما لا قيمة له لا يكون نصابا على أن الغرض من هذا الشرط أن يكون مالا محترما ليخرج بالمال ما ذكر و بالمحترم غيره كمال الحربي ويقطع بإناء خمر ولو كسره في الحرز وأخرجه منه وبآلة لهو وبإناء ذهب أو فضة ولو كسرهما في الحرز وأخرجهما حيث يبلغ مكسورهما أي إناء الخمر وآلة اللهو وإناء الذهب نصابا لأنه سرق نصابا من حرز بلا شبهة بخلاف ما إذا لم يبلغ ذلك ولو قال لو كسرها في الحرز وأخرجها وأخره عن قوله ذهب كان أولى وأوفى بما في الأصل لا إن أخرجها من الحرز ليشهرها بالكسر والتغيير فلا يقطع لأنها غير محرزة شرعا إذ لكل من قصد كسرها أن يدخل مكانها ليكسرها وهو إنما دخل بقصد كسرها وقضيته أنه لو دخل بقصد كسرها وأخرجها بقصد سرقتها لا يقطع وهو ظاهر وقضية كلامه كأصله أنه لا قطع أيضا في عكس هذه الشرط الرابع تمام ملك الغير فإذا سرق ماله فيه شركة لم يقطع وإن قل نصيبه إذ ما من قدر يأخذه إلا وله فيه جزء فكان شبهة كوطء المشتركة وخرج بماله فيه شركة ما لو سرق من مال شريكه الذي ليس بمشترك قدر نصاب فيقطع إن اختلف حرزهما وإلا فلا قاله الماوردي وعليه يحمل إطلاق القفال القطع ولو كان المسروق مال بيت المال فإنه لا يقطع وإن كان السارق غنيا لأن له فيه حقا لأن ذلك قد يصرف في عمارة المساجد والرباطات والقناطر فينتفع بها الغني والفقير من المسلمين لأن ذلك مخصوص
140
140
بهم بخلاف الذمي يقطع بذلك ولا نظر إلى إنفاق الإمام عليه عند الحاجة لأنه إنما ينفق عليه للضرورة وبشرط الضمان كما ينفق على المضطر بشرط الضمان وانتفاعه بالقناطر والرباطات للتبعية من حيث إنه قاطن بدار الإسلام لا لاختصاصه بحق فيها لا إن كان المسروق مال الصدقات وهو أي السارق غني ليس غارما لإصلاح ذات البين ولا غازيا فإنه يقطع لأنه لا حق فيه بخلاف الفقير والغارم والغازي المذكورين ويقطع السارق بما أفرز لغيره من مال بيت المال كأن أفرز منه شيء لذوي القربى أو المساكين وليس السارق منهم ولا له فيه شبهة لأنه لا حق له حينئذ ككفن ميت أي كما يقطع من سرق كفن ميت وإن كان من بيت المال أو سرقه بعد دفنه لعموم الآية وفي خبر البيهقي من نبش قطعناه ولأنه لم يبقى لغير الميت فيه حق كما لو صرف إلى حي وكذا ستر الكعبة يقطع سارقه إن خيط عليها لأنه حينئذ محرز و كذا باب مسجد وجذوعه وتأزيره وسواريه وسقوفه وقناديل زينته يقطع سارقه لعدم الشبهة لا القناديل التي فيه للإسراج ولا حصره ولا سائر ما يفرش فيه فلا يقطع بسرقتها لأنها أعدت لانتفاع المسلم بها بالإضاءة والافتراش بخلاف بابه وجذعه ونحوهما فإنها لتحصينه وعمارته لا للانتفاع هذا كله في المسجد العام أما الخاص بطائفة فيخص القطع بغيرها بناء على أنه إذا خص المسجد بطائفة اختص بها نبه عليه الأذرعي ولا بكرة بئر مسبلة فلا يقطع سارقها لأنها لمنفعة الناس وحاصل كلام الأصل أن هذا احتمال للبغوي وأن المنقول خلافه لكن الاحتمال أفقه قال الزركشي وبه جزم صاحب البحر واقتضى كلامه أنه المذهب حيث قال بعد جزمه بذلك وقال بعض أصحابنا بخراسان يقطع وهو غلط قال وعندي أن الذمي لا يقطع بسرقتها أيضا لأن له فيها حقا انتهى فإن سرق ذمي حصر مسجد أو قناديله أو غيرها قطع لعدم الشبهة ولو سرق رجل وقفا على غيره أو مستولدة نائمة أو مجنونة أو مغمى عليها أو سكرانة أو مكرهة أو أعجمية تعتقد طاعة آمرها قطع كسائر الأموال بخلاف العاقلة المستيقظة المختارة لقدرتها على الامتناع سواء أقلنا الملك في الوقف لله تعالى أم للموقوف عليه لأنه ملك لازم وإن كان ضعيفا كالمستولدة في ذلك غيرها من الأرقاء كما فهم بالأولى لا إن سرق مكاتبا ومبعضا فلا يقطع لأن المكاتب في يد نفسه كالحر والمبعض فيه شبهة الحرية ولو زنى بجارية بيت المال حد كما مر في بابه الشرط الخامس عدم الشبهة للسارق في المسروق فإن سرق مال غريمه الجاحد للدين الحال أو المماطل وأخذه بقصد الاستيفاء لم يقطع لأنه حينئذ مأذون له في أخذه شرعا وإلا قطع وغير جنس حقه كهو أي كجنس حقه في ذلك ولا يقطع بزائد على قدر حقه أخذه معه وإن بلغ الزائد نصابا وهو مستقل لأنه إذا تمكن من الدخول والأخذ لم يبق المال محرزا عنه ولا يقطع بمال فرعه وإن سفل وأصله وإن علا لما بينهما من الاتحاد ولأن مال كل منهما مرصد لحاجة الآخر ومنها أن لا تقطع يده بسرقة ذلك المال بخلاف سائر الأقارب وسواء أكان السارق منهما حرا أم عبدا صرح به الزركشي تفقها مؤيدا له بما ذكروه من أنه لو وطئ الرقيق أمة فرعه الحر لم يحد للشبهة
141
141
وتعبير المصنف بما قاله أولى من تعبير أصله بمال من يستحق عليه النفقة بالبعضية و لا بمال سيده ولو كاتبه أو كان هو مبعضا للشبهة ولأن المكاتب قد يعجز فيصير كما كان ويقطع بمال زوج ذكر أو أنثى وأخ إن كان محرزا عنه لعموم الآية والأخبار ولأن النكاح عقد على منفعة فلا يؤثر في درء الحد كالإجارة لا يسقط بها الحد عن الأجير أو المستأجر إذا سرق أحدهما من الآخر وتفارق الزوجة العبد بأن مؤنتها على الزوج عوض كثمن المبيع ونحوه بخلاف مؤنة العبد وذكر الأخ مثال ولا حاجة إليه ولا إلى الشرط بعده وفي القطع بسرقة مال عبده الحر بعضه أي مال من بعضه مملوك له وبعضه حر وجهان أحدهما لا لأن ما ملكه بالحرية في الحقيقة لجميع بدنه فصار شبهة
وثانيهما نعم لتمام ملكه كمال الشريك بعد القسمة والراجح كما قال الزركشي الأول فقد جزم به الماوردي والشيخ أبو حامد وغيرهما ومن لا يقطع بمال لا يقطع به عبده فكما لا يقطع الأصل بسرقة مال الفرع وبالعكس لا يقطع عبد أحدهما بسرقته مال الآخر ويحد زان بأمة سيده إذ لا شبهة له في بضعها ولو ظن السارق أن المال الذي سرقه أو الحرز له أو لأبيه أو لابنه لم يقطع للشبهة كما لو وطئ امرأة ظنها زوجته أو أمته ويقطع بحطب أي بسرقة حطب وحشيش ونحوهما كصيد لعموم الأدلة ولا أثر لكونها مباحة الأصل و بسرقة معرض للتلف كهريسة وفواكه وبقول لذلك وروى أبو داود وغيره أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن التمر المعلق فقال من سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع والمجن الترس وكان ثمنه عندهم ربع دينار أو ثلاثة دراهم وكانت مقدرة عندهم بربع دينار وكذا ماء وتراب ومصحف وكتب علم شرعي وما يتعلق به و كتب شعر نافع مباح لما مر وإلا أي وإن لم يكن نافعا مباحا قوم الورق والجلد فإن بلغا نصابا قطع وإلا فلا وإن قطع بسرقة عين ثم سرقها ثانيا من مالكها الأول أو من غيره قطع أيضا لأن القطع عقوبة تتعلق بفعل في عين فيتكرر بتكرر ذلك الفعل كما لو زنى بامرأة وحد ثم زنى بها ثانيا الشرط السادس الحرز فلا قطع بسرقة ما ليس محرزا لخبر لا قطع في شيء من الماشية إلا فيما أواه المراح ومن سرق من التمر شيئا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع رواه أبو داود وغيره ولأن الجناية تعظم بمخاطرة أخذه من الحرز فحكم بالقطع زجرا بخلاف ما إذا جرأه المالك ومكنه بتضييعه والمحكم في الحرز العرف لأنه يختلف باختلاف الأموال والأحوال والأوقات ولم يحده الشرع ولا اللغة فيرجع فيه إلى العرف كالقبض والإحياء فالإصطبل والتبن المتصلان بالدور أخذا مما يأتي حرز الدواب في الأول وإن كانت نفيسة والتبن في الثاني لا الثياب ونحوها كالنقود والفرق أن إخراج الدواب والتبن مما يظهر ويبعد الاجتراء عليه بخلاف الثياب ونحوها فإنها مما يخفى ويسهل إخراجها ويستثنى منها كما قاله البلقيني وغيره آنية الإصطبل كالسطل وثياب الغلام وآلات الدواب من سروج وبرادع ولجم ورحال جمال وقربة السقاة والراوية ونحو ذلك مما جرت العادة بوضعه في إصطبلات الدواب والصفة والعرصة للدار حرز آنية خسيسة بخلاف النفيسة كالمتخذة من الجواهر النفيسة قاله الأذرعي وثياب بذلة ونحوها كالبسط والمخزن حرز الحلي والنقد والدور وبيوت الخانات والأسواق المنيعة حرز الثياب النفيسة وإلا على حرز الأدنى لا عكسه عبارة الأصل وما كان حرزا لنوع كان حرزا لما دونه وإن لم يكن حرزا لما فوقه وهي أحسن من عبارة المصنف في صورة العكس فتأمل وإن وضع متاعه بقربه
142
142
في صحراء أو مسجد أو شارع وأعرض عنه كان وراء ظهره أو ذهل عنه بشاغل أو نام فضاع فليس بمحرز وإن أدام ملاحظته من يبالي به لقوته أو استغاثة بغيره أو نام فيها أي في الصحراء أو تالييها لابسا لعمامته أو غيرها كمداسه أو خاتمه أو مفترشا ثوبه أو متكئا على المتاع ولو بتوسده فمحرز به فيقطع السارق بدليل الأمر بقطع سارق رداء صفوان قال الشافعي رضي الله عنه ورداؤه كان محرزا باضطجاعه عليه وإنما يقطع بتغييبه عنه ولو بدفنه إذ إحراز مثله بالمعاينة فإذا غيبه عن عين الحارس بحيث لو نبه له لم يره كأن دفنه في تراب أو واراه تحت ثوبه أوحال بينهما جدار فقد أخرجه من حرزه وهذا ذكره الأصل آخر الباب قال الزركشي تبعا للأذرعي والكلام في متاع بعد التوسد به حرزا له أما لو توسد كيسا فيه نقد أو جوهر ونام فليس بمحرز حتى يشده بوسطه قاله الماوردي والروياني وينبغي تقييده بشده تحت الثياب انتهى وإن انقلب في نومه عن المتاع أو قلبه السارق عنه أولا ثم أخذه أو كان الحارس لا يبالي به لعدم القوة والاستغاثة فضائع فليس بمحرز وما ذكره كأصله في الثانية تبع فيه البغوي كما قاله جماعة منهم البلقيني قال وهو عندنا شاذ مردود لا وجه له والذي نعتقده القطع بخلافه لأنه أزال الحرز ثم أخذ النصاب فصار كما لو نقب الحائط أو كسر الباب أو فتحه وأخذ النصاب فإنه يقطع اتفاقا انتهى وهو حسن فإن قلت يفرق بأن المال ثم لما أخذه كان محرزا في الجملة بخلافه هنا قلت منتقض بما نقل عن الشيخ أبي محمد الجويني وابن القطان من أنه لو وجد جملا وصاحبه نائم عليه فألقاه عنه وهو نائم وأخذ الجمل قطع مع أنه لما أخذه لم يكن محرزا أصلا لكن قال البغوي في هذه بعدم القطع أيضا قال لأنه رفع الحرز ولم يهتكه بخلاف ما لو نقب وأخذ المال قال في الأصل وينبغي أن لا يفرق فيما ذكرنا بين كون الصحراء مواتا أو غيره قال الزركشي لكن قيده الشافعي في الأم بالوضع المباح وجرى عليه القاضي ويؤيده ما سيأتي في الغاصب قلت المراد بالمباح مقابل الحرام لا ما ليس مملوكا فلا استدراك وإن كان ثم زحمة من الطارقين لم يكف في الإحراز ملاحظته المتاع ولو في دكانه لأنها لا تبقى ثابتة حينئذ فتقاوم أي فينبغي أن تقاوم الزحمة بكثرة الملاحظين ليصير المتاع حرزا بهم كما يقاوم طارق ملاحظ وما في الجيب والكم محرز بهما فيقطع سارقه وإن لم يربط الكم ولم يزر الجيب وكذا المربوط في العمامة على الرأس محرز بها بخلاف غير المربوط وكالمربوط بها المشدود بها وإن أجابه شخص إلى حفظ ثوب له وكذا إلى حفظ حانوت له مفتوح بعد طلبه الحفظ منه فأهمله حتى سرق الثوب أو ما في الحانوت ضمنه بإهماله وإن سرقه هو لم يقطع لأنه ليس محرزا بالنسبة إليه أو إلى حفظ حانوت مغلق فبالعكس أي فإن أهمله حتى سرق ما فيه لم يضمن لأنه محرز
143
143
في نفسه ولم يدخل تحت يده وإن سرقه هو قطع
ولا بد في دار حصينة منفردة عن عمارة لبلد ولو ببستان أو ببرية أي لا بد في كونها حرزا من حارس سواء أكان بابها مفتوحا أم مغلقا للعرف فيحتاج مع فتح الباب إلى دوام الملاحظة لا مع إغلاقه حتى ولو كان فيها مع إغلاقه مبالى به ولو كان نائما فحرز خلافا لما اقتضاه إطلاق المنهاج كأصله وإن كانت في بلدة فإغلاقها ولو مع نومه ولو في زمن الخوف ليلا أو نهارا وكذا مع غيبته في زمن الأمن نهارا كاف في كونها حرزا اعتمادا على ملاحظة الجيران فيهما ولأن السارق في الأولى على خطر من اطلاع النائم وتنبهه بحركته واستغاثته بالجيران وخرج بما ذكره في الثانية زمن الخوف والليل ولو في زمن الأمن قال البلقيني ويلتحق بإغلاق الباب ما لو كان مردوده وخلفه نائم بحيث لو فتح لأصابه وانتبه وقال إنه أبلغ من الضبة والمتراس قال وكذا لو كان نائما أمام الباب بحيث لو فتح لانتبه بصريره كما قاله الدارمي ونقله الأذرعي عنه وعن غيره وفتحها مع غيبته مطلقا أو مع نومه ولو نهارا وزمن أمن تضييع لما فيها فليست حرزا له ويخالف أمتعة الحانوت الموضوعة على بابه لأن الأعين تقع عليها دون ما في الدار ولا نظر للحظ الجيران في الثانية لتساهلهم فيه إذا علموا بأن الحافظ فيها نعم ما فيها من بيت مغلق فهو حرز لما فيه كما حكاه الشيخ أبو حامد عن أبي إسحاق المروزي وجزم به ابن الصباغ والقاضي وغيرهما
وقوله من زيادته مطلق لا حاجة إليه بل توهم أن ما قبله مخالف لما بعده وليس كذلك والمستيقظ غير الملاحظ كالنائم فيما مر فإن كان ملاحظا لها مبالى به فمحرزة به وإن كان بابها مفتوحا نعم لو لم يبالغ في الملاحظة مع فتح الباب فتغفله إنسان فسرق لم يقطع لتقصيره بإهماله المراقبة مع الفتح قال الزركشي وينبغي أن يكون حكم ما بعد الفجر إلى الإسفار حكم الليل وما بعد الغروب وقبل انقطاع الطارق حكم النهار وإن ضم العطار أو البقال أو نحوهما الأمتعة وربطها بحبل على باب الحانوت أو أرخى عليها شبكة أو خالف لو حينا على باب حانوته فمحرزة بذلك بالنهار ولو نام فيه أو غاب عنه لأن الجيران والمارة ينظرونها وفيما فعل ما ينبههم لو قصدها السارق وكذا بالليل هي محرزة بذلك لكن مع حارس أما إذا تركها مفرقة ولم يفعل شيئا من ذلك فليست بمحرزة والبقل ونحوه كالفجل إن ضم بعضه إلى بعض وترك على باب الحانوت وطرح عليه حصيرا أو نحوه فهو محرز بحارس وإن رقد ساعة ودار على ما يحرسه أخرى والأمتعة النفيسة التي تترك على الحوانيت في ليالي الأعياد ونحوها لتزيين الحوانيت وتستر بقطع ونحوه محرزة بحارس لأن أهل السوق يعتادون ذلك فيقوى بعضهم ببعض بخلاف سائر الليالي والثياب الموضوعة على باب حانوت القصار ونحوه كأمتعة العطار الموضوعة على باب حانوته فيما مر وتحرز القدور التي يطبخ فيها في الحوانيت بشرائج بالجيم أي بسدد تنصب على باب الحانوت للمشقة في نقلها إلى بناء وإغلاق باب عليها و يحرز الحطب وطعام البياعين الذي في غرائر بشد الغرائر والحطاب ببعض أي يشد بعض كل منهما إلى بعض بحيث لا يمكن أخذ شيء منه إلا بحل الرباط أو فتق بعض الغرائر حيث اعتيد ذلك بخلاف ما إذا لم يعتد فإنه يشترط أن يكون عليه باب مغلق وباء ببعض زائدة و تحرز الأجذاع الثقيلة بالترك لها على الأبواب أي أبواب المساكن دون الصحراء والحانوت المغلق بلا حارس حرز لمتاع البقال في زمن الأمن ولو
144
144
ليلا لا لمتاع البزاز ليلا بخلاف الحانوت المفتوح والمغلق زمن الخوف وحانوت متاع البزاز ليلا والأرض حرز للبذر والزرع للعادة هذا ما نقله الأصل عن الروياني والمروزي في الزرع وقاس عليه البذر ونقل قبله عن البغوي أنها ليست حرزا لهما إلا بحارس وظاهر كلامه اعتماده وهو الأوجه قال الأذرعي وقد يختلف ذلك باختلاف عرف النواحي فيكون محرزا من ناحية بحارس وفي غيرها مطلقا فرع نقل المروروذي عن عامة العلماء أنه لو دفن ماله في الصحراء لم يقطع سارقه وعن أبي سهل الأبيوردي إنه يقطع والتحويط بلا حارس لا يحرز الثمار وإن كانت على الأشجار إلا إن اتصلت بجيران يراقبونها عادة ومثلها الزرع والبذر كما جزم به الأصل وبه يعرف أنه معتمد لكلام البغوي السابق وأشجار أفنية الدور محرزة بلا حارس بخلافها في البرية والثلج في المثلجة والجمد في المجمدة والتبن في المتبن قال في الأصل والحنطة في المطامير في الصحراء غير محرز كل منها إلا بحارس وأبواب الدور والبيوت التي فيها والحوانيت بما عليها من مغاليق وحلق ومسامير محرزة بالتركيب لها ولو مفتوحة ولم يكن في الدور والحوانيت أحد ومثلها كما قال الزركشي وغيره سقوف الدور والحوانيت ورخامها والآجر محرز بالبناء أو بصحن الدار إن أحرزت ما فيها وإلا فغير محرز والخيمة محرزة بضربها بأن تشد أوتادها مع حارس لها وإن نام ولم يرسل أذيالها في الصحراء بخلاف ما إذا لم تضرب أو لم يكن لها حارس وما فيها محرز بإرسال الأذيال مع حارس وإن نام ولو بقربها ولم يرسل بابها لحصول الإحراز بذلك عادة بخلاف ما إذا لم ترسل أذيالها أو لم يكن لها حارس ولو ضربت بين العمارة فحكمها كمتاع موضوع بين يديه في سوق حتى يعتبر فيها دوام الملاحظة ويشترط أن يكون في الصحراء من يتقوى به الحارس الذي لا يبالي به فلو كان بمفازة بعيدة عن الغوث فلا إحراز ولو نحى السارق النائم في الخيمة وأبعده عنها ثم سرقها أو ما فيها لم يقطع لأنها لم تكن حرزا حين سرق وتحرز السائمة من إبل وخيل وبغال وحمير وغيرها في المرعى الخالي عن المارين بملاحظة لراع بأنه يراها ويبلغها صوته فإن نام أو غفل عنها أو استتر عنه بعضها فمضيع لها إلا الأخيرة فلبعضها المستتر عنه فإن لم يخل المرعى عن المارين حصل الإحراز بنظرهم نبه عليه الرافعي أخذا من كلام الغزالي وإن بعد عن بعضها ولم يبلغها يعني بعضها صوته فوجهان أحدهما أنه غير محرز لعدم بلوغ الصوت له والثاني محرز اكتفاء بالنظر لإمكان العدو إلى ما لم يبلغه ورجحه في الشرح الصغير وعزاه العمراني وابن الرفعة إلى الأكثرين واشترطوا بلوغه أي صوت الراعي في الغنم كلها أو بعضها على ما مر وإن كانت مجتمعة كغيرها هذا تكرار لفهمه مما مر وإنما ذكره الأصل لأنه إنما تكلم قبله على غيرها
و تحرز السائمة في المراح المتصل بالعمارة بإغلاقه أي إغلاق بابه وإن لم يكن لها حارس اعتبارا بالعادة سواء أكان المراح من حطب أم قصب أم حشيش أم غيرها بحسب العادة وقضية كلامه كأصله أن ذلك لا يتقيد بالنهار ولا بزمن الأمن وهو مخالف لما مر في الدار وفرق بعضهم بأنه يتسامح في أمر الماشية دون غيرها قال الأذرعي وغيره وينبغي أن يكون محل ذلك إذا أحاطت به المنازل الأهلية فلو اتصل بها وأحد جوانبه يلي البرية فينبغي أن يلحق بها فإن كان مفتوحا أو ببرية اشترط حارس و لو كان ينام بها إن أغلق الباب فإن فتح فيها وفي المتصل بالعمارة اشترط استيقاظ الحارس قال الزركشي والظاهر أن نومه حينئذ بالباب كاف كما مر في الدور بل أولى لقوة الإحساس لخروج السائمة وتحرز الدواب السائرة في شارع وأولادها التابعة لها بسائق لها يرى ها كلها أو قائد لها كذلك أي يراها كلها إذا التفت إليها وإنما تحرز به إن أكثر الالتفات إليها فإن لم ير بعضها الحائل فهو غير محرز فإن ركب بعضها فقائد لما بعده سائق لما قبله ويأتي في اشتراط بلوغ الصوت لها ما مر في الراعية ثم إن كانت غير إبل وبغال لم يشترط كونها مقطورة وإن كانت إبلا أو بغالا اشترط قطار لها أي كونها مقطورة لأنها لا تسير غير مقطورة غالبا وقيل لا يشترط بل الشرط أن يقرب منها أو يقع نظره عليها
145
145
وترجيح الأول من زيادته وهو ما صححه المنهاج كأصله قال في المهمات وبه الفتوى فقد نص عليه في الأم ورجح في الشرح الصغير الثاني وتبعه البلقيني وقال الأذرعي إنه المذهب وقد جرت عادة العرب بسوق إبلهم بلا تقطير وهو الأوجه
وعلى الأول يشترط كون القطار كالعادة وقدروه بتسعة وخالف ابن الصلاح فقدره بسبعة وقال إن الأول تصحيف فلو زاد على تسعة جاز أي كان الزائد محرزا في الصحراء لا في العمران وقيل غير محرز مطلقا وهو ما اقتضاه كلام المنهاج كأصله وعليه اقتصر الشرح الصغير وقيل لا يتقيد بعدد وما ذكره توسط نقله الأصل عن السرخسي وصححه وقال البلقيني لم يعتبر ذلك الشافعي ولا كثير من الأصحاب منهم الشيخ أبو حامد وأتباعه والتقييد بالتسع أو السبع ليس بمعتمد وذكر الأذرعي والزركشي نحوه ثم قالا وسبب اضطرابهم في العدد اضطراب العرف فيه فالأشبه الرجوع في كل مكان إلى عرفه وبه صرح صاحب الوافي وما غاب عن نظره في السائرة فليس بمحرز كما في السائمة في المرعى وللبنها وما عليها من صوف ووبر ومتاع وغيرها حكمها في الإحراز وعدمه لكن لو حلب من اثنين فأكثر حتى بلغ نصابا ففيه وجهان ذكرهما الماوردي والروياني أحدهما لا يقطع لأنها سرقات من إحراز لأن كل ضرع حرز للبنه وثانيهما يقطع لأن المراح حرز واحد لجميعها قال الروياني وهو اختيار جماعة من أصحابنا قال الأذرعي ويأتي مثله في جز الصوف ونحوه قال وينبغي أن يكون محل الخلاف ما إذا كانت الدواب لواحد أو مشتركة أي فإن لم تكن كذلك قطع بالثاني وقد يستغنى فيما إذا سيرها في السوق ونحوه بنظر المارة عن نظره وتحرز الإبل المعقلة الوجه قول الأصل المعقولة في المناخ بحارس ولو بالنائم لأن في حلها ما يوقظه وغيرها بالملاحظ لها وفي نسخة بالملاحظة وقد يجزئ حارس واحد في غنم في الصحراء دون العمران والقبر في بيت محرز أو مقبرة في عمارة ولو بجنب البلد لا في مفازة أو عمارة غير محرزة حرز للكفن الشرعي للعادة بخلاف المنفي لأن السارق حينئذ يأخذ من غير خطر ولا يحتاج إلى انتهاز فرصة والتصريح بالترجيح فيه من زيادته لا غيره أي غير الشرعي كأن زاد على خمسة أثواب فليس الزائد بمحرز بالقبر إلا أن يكون القبر ببيت محرز فإنه محرز به أبو الفرج الرازي ولو غالى في الكفن بحيث جرت العادة أن لا يخلى مثله بلا حارس لم يقطع سارقه وإذا كان الكفن محرزا بالقبر فيقطع بإخراجه من جميع القبر إلى خارجه لا من اللحد إلى فضاء القبر وتركه ثم لخوف أو غيره لأنه لم يخرجه من تمام حرزه وعطف على الكفن قوله لا لغيره بأن دفن مع الميت غير الكفن فليس بمحرز كما مر في الزائد على الكفن الشرعي وهذا مفهوم مما عطف عليه بل داخل في قوله لا غيره
ولو كفن الميت من التركة فنبش قبره وأخذ منه طالب به الورثة من أخذه لأنه ملكهم وإن قدم به الميت كقضاء دينه ولو
146
146
أكله أي الميت سبع قال في الأصل أو ذهب به سيل وبقي الكفن اقتسموا الكفن لذلك ولو كفنه أجنبي أو سيد من ماله أو كفن من بيت المال فهو أي الكفن كالعارية للميت قال الرافعي لأن نقل الملك إليه غير ممكن لأنه لا يملك ابتداء فكان المكفن معبر إعارة لا رجوع له فيها كإعارة الأرض للدفن فيقطع به غير المعبر وفي نسخة غير المكفن والخصم فيه المالك في الأوليين والإمام في الثالثة وإن سرق الكفن وضاع ولم تقسم التركة أبدل لزوما من التركة وإن كان الكفن من غير ماله فإن لم يكن تركة فكمن مات ولا تركة له فلو قسمت ثم سرق الكفن لم يلزمهم إبداله بل يستحب قال الأذرعي وإنما يظهر هذا إذا كفن أولا في الثلاثة التي هي حق له فإنه لا يتوقف التكفين بها على رضا الورثة أما لو كفن منها بواحد فينبغي أن يلزمهم تكفينه من تركته بثان وثالث والخمسة للمرأة كالثلاثة للرجل وتنضيض الحجارة أي جمعها عليه أي الميت وهو على وجه الأرض عند تعذر الحفر كالدفن للضرورة بخلاف ما إذا لم يتعذر الحفر قال الأذرعي ويشبه أن تكون الفساقي المعروفة كبيت قود حتى إذا لم تكن في حرز ولا لها حافظ فلا قطع بسرقة الكفن منها فإن اللص لا يلقى عناء في النبش بخلاف القبر المحكم على العادة
وليس البحر حرزا لكفن الميت المطروح فيه فلا يقطع آخذه لأنه ظاهر فهو كما لو وضع الميت على شفير القبر وأخذ كفنه ولو غاص في الماء فإنه ليس حرزا له فلا يقطع آخذه أيضا لأن طرحه في الماء لا يعد إحرازا كما لو تركه على وجه الأرض وغيبته الريح بالتراب قال في الأصل وقد يتوقف فيه ويقطع بسرقته من داره التي أجرها ما للمستأجر وضعه فيها لأنه سرقه من حرز محترم بلا شبهة بخلاف ما ليس للمستأجر وضعه فيها كأن استأجر أرضا للزراعة فأوى إليها ماشية مثلا ويؤخذ من هذا أنه لو سرق منها بعد فراغ مدة الإجارة لم يقطع لكن شبهه ابن الرفعة بمسألة العارية الآتية وقضيته أنه يقطع وفيه كما قال الأذرعي وغيره نظر وكذا يقطع بسرقته من داره فيما لو أعارها لغيره ما للمستعير وضعه فيها لما مر وإنما يجوز له الدخول إذا رجع ومثله لو أعار عبدا لحفظ مال أو رعي غنم ثم سرق ما يحفظه عبده كما صرح به الأصل ومسألتا الإجارة والإعارة علمتا مما مر أوائل الشرط الثاني لكن تقييدهما بما ذكر إنما علم هنا فلو ذكره ثم كان أولى وأخصر وذكره في الثانية من زيادته و يقطع بسرقته من دار اشتراها قبل القبض وقبل تسليم الثمن لا بعد تسليم الثمن لأن للبائع قبل تسليمه حق الحبس فأشبه المستأجر بخلاف ما بعده وقضيته أنه لو كان الثمن مؤجلا لم يقطع وهو ظاهر ولو سرق الأجنبي مغصوبا أو نحوه لم يقطع لأن مالكه لم يرض بإحرازه بحرز غاصبه فكأنه غير محرز وسواء أعلم أنه مغصوب أم لا وكذا لا يقطع من أذن له في الدخول إلى داره أو غيرها لحاجة كشراء متاع فسرق وقد دخل لحاجته لا للسرقة كما لا يقطع بسرقة ثياب الحمام إذا دخل ليغتسل على ما يأتي بيانه وقيل يقطع والترجيح هنا من زيادته أخذا مما يأتي قبيل الركن الثالث ومن هذا الآتي أخذ منه التقييد بما ذكرته ويقطع بالطعام أي بسرقته في زمن المجاعة إن وجد ولو عزيزا بثمن غال وهو واجد له لا إن عز أي قل وجوده ولم يقدر هو عليه فلا يقطع لأنه كالمضطر وعليه يحمل ما جاء عن عمر رضي الله عنه لا قطع في عام المجاعة سواء أخذ بقدر حاجته أم أكثر لأن له هتك الحرز لإحياء نفسه صرح به الروياني الركن الثالث السرقة وهي الأخذ لمال الغير خفية من حرز مثله كما مر فلا يقطع مختلس وهو من يعتمد الهرب و لا منتهب وهو من يعتمد
147
147
القوة والغلبة و لا مودع جحد الوديعة لخبر ليس على المختلس والمنتهب والخائن قطع رواه الترمذي وصححه وفرق من حيث المعنى بينهم وبين السارق بأن السارق يأخذ المال خفية ولا يتأتى منعه فشرع القطع زجرا له وهؤلاء يقصدونه عيانا فيمكن منعهم بالسلطان وغيره كذا قاله الرافعي وغيره وفي كون الخائن يقصد الأخذ عيانا وقفة وفيه ثلاثة أطراف الأول في إبطال الحرز فلو نقب في ليلة وسرق وفي أخرى قطع كما لو نقب في أولها وسرق في آخرها إلا إن كان النقب ظاهرا يراه الطارقون أو علم به المالك فلا يقطع لانتهاك الحرز فصار كما لو سرقه غيره وإنما قطع في نظيره مما لو أخرج النصاب دفعات كما مر لأنه ثم تمم السرقة وهنا ابتدأها وإن نقب واحد وأخرج آخر النصاب ولو في الحال لم يقطعا أي لم يقطع واحد منهما لأن الأول لم يسرق والثاني أخذ من غير حرز ويضمن الأول الجدار والثاني ما أخذه نعم إن بلغ ما أخرجه الأول من آلة الجدار نصابا قطع كما علم مما مر إلا أن يقال أخذ الآلة غير مقصود فإن سلم اعتبار القصد لزم أن يقال إن قصد سرقة الآلة مع ما في الحرز قطع بالآلة وحدها وإن لم يدخل ولا يطلق القول بأنه إذا لم يدخل لم يقطع ذكر ذلك الأذرعي والظاهر أنه لا يعتبر القصد ويراد بقولهم لأن الأول لم يسرق أنه لم يسرق ما في الحرز وإن كان المال محرزا بملاحظ له قريب من النقيب لا نائم قطع الآخذ له بخلافه في النائم كنظيره فيمن نام في الدار وبابها مفتوح وإن نقبا أي اثنان الحرز وأخرج أحدهما المال ولو شده عليه الآخر أو عكسه بأن نقب واحد وأخرج مع الآخر قطع الجامع بين الإخراج والنقب فقط إن بلغ نصيبه في الثانية نصابا كما صرح به الروياني ولو قربه أحد الناقبين إلى النقب أو إلى الباب وأخرجه الآخر قطع المخرج فقط لأنه المخرج له من الحرز وإن نقبا وأخرج أحدهما ثلث دينار والآخر سدسه قطع صاحب الثلث لأنه سرق ربع دينار بل أكثر دون الآخر ولو أخرج كل واحد منهما لبنات فمشتركان في النقب فلا يشترط فيما يحصل به الاشتراك أن يأخذ آلة واحدة ويستعملاها معا بخلاف نظيره في الاشتراك في قطع اليد لأن النقب ذريعة إلى المقصود ولا سرقة في نفسه بخلاف نظيره المذكور ولو وضعه أحدهما وسط النقب ولم يناوله الآخر أو ناوله لآخر هناك أي في وسط النقب فأخذه وأخرجه لم يقطعا أي لم يقطع واحد منهما وإن بلغ المال نصابين لأن الداخل لم يخرجه من تمام الحرز والخارج لم يأخذه منه فصار كما لو نقب أحدهما ووضع المال بوسط النقب وأخذه الآخر وخرج بوسط النقب ما لو وضعه خارجه فأخذه الآخر أو ناوله له خارجه فإن الداخل يقطع وإن ربطه لشريكه الخارج فجره قطع الخارج دون الداخل وعليهما الضمان كما صرح به الأصل ويقطع الأعمى بسرقة ما دله عليه الزمن وإن حمله ودخل به الحرز ليدله على المال وخرج به لأنه السارق و يقطع الزمن بما أخرجه والأعمى حامل للزمن لذلك وإنما لم يقطع الأعمى لأنه ليس حاملا للمال ولهذا لو حلف لا يحمل طبقا فحمل رجلا حاملا طبقا لم يحنث وكالزمن غيره كما فهم بالأولى وصرح به الأصل ولو قال حامل له كان أخصر وفتح الباب والقفل بكسر أو غيره وتسور الحائط أي كل منها كالنقب فيما مر الطرف الثاني في وجوه النقل للمال فإن جره من الحرز بمحجن أو نحوه ككلاب أو رمى منه إلى خارج عنه قطع ولو ضاع أو لم يدخل هو الحرز إذ النظر للإخراج لا للكيفية والمحجن عصا محنية الرأس وإن ابتلع
148
148
جوهرة مثلا في الحرز وخرج منه قطع إن خرجت منه بعد لبقائها بحالها فأشبه ما لو أخرجها في فيه أو وعاء فإن لم تخرج منه فلا قطع لاستهلاكها في الحرز كما لو أكل المسروق وكذا لو خرجت منه لكن نقصت قيمتها حال الخروج عن ربع دينار كما نبه عليه البارزي وإن تضمخ بطيب في الحرز وخرج منه لم يقطع ولو جمع من جسمه نصاب منه لأن استعماله يعد إتلافا له كالطعام وهذا علم من قوله قبل وإن أخذ نصابا وأتلف بعضه في الحرز لم يقطع وما ذكره في صورة جمع النصاب هو ما صححه الأصل قال البلقيني ولم أقف عليه في تصنيف والرافعي نقل الوجهين عن السرخسي وهما في تهذيب البغوي وكافي الخوارزمي وتعليقة القاضي والقاضي قال الأصح وجوب القطع ولا توقف عندنا في القطع به وإن خرج المال بوضعه له في ماء جار في الحرز قطع لأنه أخرجه من الحرز بفعله أو في ماء واقف فمن خرج المال بتحريكه قطع لذلك سواء أكان المحرك له هو أم غيره نعم إن كان غيره غير مميز أو معتقدا وجوب طاعة آمره وقد أمره الواضع بذلك فالقطع على الآمر كنظيره فيما لو نقب الحرز ثم أمر من هو كذلك بإخراج ما فيه فأخرجه ولو خرج منه بانفجار أو مزيد سيل أو نحوه فلا يقطع لخروجه بغير فعله وإن رمى ثمر شجر بحجارة أو نحوها أو بدخان نار أدخلها من خارج البستان فتساقط الثمر في الماء وخرج من الجانب الآخر فلا قطع لعدم استيلائه عليه وإن عرضه لريح موجودة بوضعه على طرف النقب أو غيره فأخرجته من الحرز قطع ولا أثر لمعاونتها كما أنها لا تمنع حينئذ وجوب القصاص وحل الصيد لا إن حدثت بعد تعريضه لها فأخرجته فلا قطع كما في زيادة الماء وإن وضعه في الحرز على دابة سائرة أو واقفة وسيرها بسوق أو قود أو تطيير حتى خرجت به قطع لأنه أخرجه من الحرز بفعله وإلا بأن لم تكن سائرة ولا سيرها بل سارت بنفسها ولو فورا فلا يقطع لأن لها اختيارا في السير والوقوف فيصير ذلك شبهة دارئة للقطع ولو أخرج شاة دون النصاب فتبعتها سخلتاه أو أخرى فكمل بها النصاب لم يقطع لذلك قال في الأصل وفي دخول السخلة في ضمانه وجهان انتهى والظاهر المنع لأنها سارت بنفسها ومثلها غيرها مما تبع الشاة ولو نقب حرزا وأمر أعجميا أو صبيا غير مميز بإخراج المال فأخرج قطع الآمر لأن أمره كتسيير الدابة والمأمور آلة له ولو قال أو غير مميز كان أعم أو مميزا أو قردا فلا قطع لأنه ليس آلة له ولأن للحيوان اختيارا وإن سرق من حرز عبدا غير مميز لصغر أو عجمة أو جنون قطع كسائر الأموال وحرزه فناء الدار ونحوه إذا لم يكن الفناء مطروقا قاله الإمام سواء حمله السارق أو دعاه فأجابه لأنه كالبهيمة تساق أو تقاد وكذا إن سرقه مميزا سكرانا أونائما أو مضبوطا يقطع سارقه كغير المميز وسكران ممنوع الصرف فكان ينبغي له أن يتبع أصله في حذف ألفه لكنه صرفه للتناسب ولو أكرهه أي المميز فخرج من الحرز فكذلك أي يقطع كما لو ساق البهيمة بالضرب ولأن القوة التي هي الحرز قد زالت بالقهر لا إن أخرجه بخديعة فلا يقطع لأنها خيانة لا سرقة فإن حمل عبدا مميزا قويا على الامتناع نائما أو سكران ففي القطع تردد لأن مثل هذا العبد محرز بقوته وجرى على عدم القطع الغزالي في وجيزه والمنقول القطع صرح به القاضيان أبو الطيب وحسين وابن الصباغ والبغوي والشاشي والعمراني وغيرهم وهو نظير ما مر في أم الولد لا إن حمله مستيقظا فلا يقطع لأنه محرز بقوته وهي معه ولو تغفل ملاحظا متاعه حيث لا غوث أي لا مغيث يستغاث به شخص أضعف منه وأخذ المتاع ولو علم به الملاحظ لطرده لا أقوى منه قطع لاختلاف الحكم باختلاف الآخذين كما يختلف أصل الإحراز باختلاف أصناف الأموال ولو سرق حرا ولو نائما أو طفلا عليه قلادة أو غيرها من حليه أو ملابسه ثم نزعها منه لم يقطع قال في الأصل لأن الحر ليس بمال
149
149
وما معه في يده ومحرز به ولم يخرجه من حرزه وقضيته أنه لو نزع منه المال قطع لإخراجه من حرزه فقول المصنف من زيادته ثم نزعها من تصرفه لكن نقل الأذرعي عن الزبيلي أن محل الخلاف إذا نزع منه وإلا فلا قطع قطعا فعليه كان ينبغي للمصنف أن يقول وإن نزعها والأوجه ما اقتضاه كلامهم وصرح به الماوردي والروياني أنه إن نزعها منه خفية أو مجاهرة ولم يمكنه منعه من النزع قطع وإلا فلا ولو جر بعيرا من قافلة عليه أمتعته وعبد نائم لا حر قال في الأصل وجعله بمضيعة قطع لأن البعير بما عليه مسروق بخلافه في الحر ولو نائما لأن البعير بما عليه من المتاع في يد الحر ومثله المكاتب والمبعض كما علم مما مر وبخلاف ما لو لم يجعله بمضيعة كأن جعله بقافلة أخرى أو بلد وفيه نظر ولعل المصنف حذف ما نقلته عن الأصل لهذا وبخلاف ما لو كان العبد مستيقظا وهو قادر على الامتناع قال الزركشي ولا حاجة لذكر الأمتعة لأن البعير والعبد مسروقان نعم إن حمل العبد على القوي فلا بد من ذكرها انتهى وفي كونه لا بد من ذكرها حينئذ نظر لأن البعير مسروق وإن سرق قلادة مثلا معلقة على صغير ولو حرا أو كلب محرزين أو سرقها مع الكلب قطع وحرز الحر الصغير حرز العبد الصغير وحرز الكلب حرز الدواب الطرف الثالث في المحل المنقول إليه المال المسروق فلا قطع بالنقل له إلى صحن الدار المقفلة من بيت مفتوح لأن صحنها إن لم يكن حرزا للمال فليس المال محرزا في نفسه لأن البيت المفتوح كالعرصة وإلا فهو كما لو نقله من زاوية إلى أخرى من الحرز فإن كان البيت مقفلا وباب الدار مفتوح قطع لأنه أخرجه من حرزه إلى محل الضياع أو كانا مفتوحين ولا حافظ ثم أو مغلقين فلا يقطع لعدم الإحراز في الأولى وعدم إخراجه في الثانية من تمام حرزه كما لو أخرجه من الصندوق إلى البيت هذا إذا فتحه أي باب الدار غير السارق فإن فتحه السارق فهو في حقه المغلق حتى لا يقطع لأنه لم يخرجه من تمام الحرز وإلا لزم أن لا يقطع بعد إخراجه المال لأنه أخرجه من غير حرزه وإن أخرج أجنبي من حرز مشترك بين جماعة كالخان والرباط ما سرقه من حرز مثله كالصحن إلى خارجه قطع كما لو أخرجه من مختص بواحة أو أخذه من حجرة أي للخان وأخرجه إلى الصحن فرق بين أن يكون باب الخان مفتوحا أو مغلقا كما مر في الدار مع البيت وقيل يقطع بكل حال لأن الصحن ليس حرزا لصاحب البيت بل مشترك بين السكان فهو كالسكة المشتركة بين أهلها والترجيح من زيادته وبه صرح المنهاج كأصله والشرح الصغير
ونقله الأذرعي والزركشي الثاني عن العراقيين وبعض الخراسانيين قالا وهو المختار والتعبير بأو فيما ذكر ونحوه كثير في كلام الفقهاء وهو بمعنى الواو لأن بين لا تدخل إلا على متعدد وإن سرق أحد سكانه أي المشترك من الصحن أو من حجرة مفتوحة لم يقطع لأنه أخذ ما ليس محرزا عنه لشركته في الصحن في الأولى وفتح الباب في الثانية أو من حجرة مغلقة قطع بالإخراج منها ولو إلى الصحن والصحن في حق السكان كسكة منسدة بالإضافة إلى الدور وسواء أكان باب المشترك مفتوحا أم مغلقا كنظيره فيما لو كان على السكة باب وإن سرق الضيف من مكان مضيفه أو الجار من حانوت جاره والمغتسل من الحمام وإن دخل ليسرق أو المشتري من الدكان المطروق للناس ما ليس محرزا عنه لم يقطع على القاعدة في سرقة ذلك وإن دخل الحمام ليسرق قال ابن الرفعة أو ليغتسل ولم يغتسل فتغفل حماميا أو غيره استحفظ متاعا فحفظه فأخرج المتاع من الحمام قطع بخلاف ما لو لم يستحفظ أو استحفظ فلم يحفظ لنوم أو إعراض أو غيره أو لم يكن حافظ الركن الثالث السارق وشرطه التكليف والاختيار والالتزام والعلم بالتحريم فيقطع سكران بمحرم أي بشرب محرم سرق هذا فرعه على ما عنده من أن السكران مكلف وقد تكرر أنه غير مكلف وإنما قطع لأنه كالمكلف وهو باب خطاب الوضع ولا قطع على صبي ومجنون لرفع القلم عنهما لكنهما يعزران إن كانا مميزين ولا على مكره لشبهة الإكراه الدافعة للحد ولا على حربي لعدم التزامه الأحكام ولا على جاهل لعذره ويقطع ذمي بمال مسلم كعكسه بجامع
150
150
أن كلا منهما ملتزم للأحكام ويقطع أيضا بمال ذمي وكذا يحد إن زنى ولو بغير مسلمة وإن لم يرض بحكمنا في الصورتين بعد الرفع إلينا إن ألزمنا نحن حاكمنا الحكم بينهم وهو المجزوم به في المسلمة والراجح في غيرها والمسألة تقدمت في باب نكاح المشرك بخلاف المعاهد الشامل للمستأمن من إذا زنى لا يحد لأنه غير ملتزم للأحكام كالحربي مع أن ذلك محض حق الله تعالى ولا يقطع معاهد و لا مستأمن بسرقة مال غيرهما وإن شرط قطعهما بها ولا يقطع لهما بسرقة مالهما لذلك ولا ينتقض عهده أي كل منهما بالسرقة إلا أن شرط عليه انتقاض عهده بها والترجيح هنا من زيادته أخذا مما يأتي أو أخر الجزية وعبارة الأصل وفي انتقاض عهد المعاهد بالسرقة أوجه ثالثها إن شرط عليه أن لا يسرق انتقض وإلا فلا الباب الثاني فيما تثبت به السرقة ومثلها المحاربة التصريح بهذا من زيادته وهو أي ما يثبت به السرقة أمور ثلاثة الأول يمين الرد فلو نكل السارق عن اليمين وحلف المدعي يمين الرد قطع لأن اليمين المردودة كالإقرار أو البينة وكل منهما يقطع به وهذا ما رجحه المنهاج كأصله ورجحه الأصل هنا وفيما مر في الشرط الثاني لكنه صحح في الدعاوى وتبعه المصنف أنه لا يقطع لأنه حق لله تعالى وهو لا يثبت بالمردودة كما لو قال أكره فلان أمتي على الزنا فأنكر ونكل فحلف المدعي فإنه يثبت المهر دون حد الزنا ولأن اليمين المردودة كالإقرار على الأصح والسارق إذا أنكر ما أقر به لا يقطع وهذا قد أنكر وقال البلقيني إن هذا هو المعتمد لنص الشافعي على أنه لا يثبت قطع السارق إلا بشاهدين أو إقراره وقال الأذرعي وغيره أنه المذهب الذي أورده العراقيون وبعض الخراسانيين الثاني الإقرار فيقطع به المقر بالسرقة لخبر من أبدى لنا صفحته أقمنا عليه الحد هذا إن بين السرقة والمسروق منه وقدر المسروق كما يؤخذ من كلام الأصل والحرز بتعيين أو وصف له بخلاف ما إذا لم يعين ذلك لأنه قد يظن غير السرقة الموجبة للقطع سرقة موجبة له وسيأتي نظير ذلك في الشهود وسقط القطع بالرجوع عن السرقة والمحاربة أي عن الإقرار بهما ولو كان الرجوع في أثناء القطع كما يسقط حد الزنا بالرجوع وروى أبو داود وغيره أنه صلى الله عليه وسلم أتي بسارق فقال ما إخالك سرقت قال بلى سرقت فأمر به فقطع ولولا أن الرجوع مقبول لما كان للحث عليه معنى فلو بقي من القطع بعد الرجوع ما يضر إبقاؤه قطع هو لنفسه لئلا يتأذى به ولا يجب على الإمام قطعه لأنه تداو وخرج بالقطع المال فلا يسقط الرجوع لأنه حق آدمي فرعان لو أقر بالسرقة ثم رجع ثم كذب رجوعه قال الدارمي لا يقطع ولو أقر بهما ثم أقيمت عليه البينة ثم رجع قال القاضي سقط عنه القطع على الصحيح لأن الثبوت كان بالإقرار وتقدم نظيره في الزنا عن الماوردي وإن رجع أحد المقرين بالسرقة عن إقراره دون الآخر قطع الآخر فقط فلو أقر واحد بإكراه أمة على الزنا أو بالزنا بها بلا إكراه حد وإن غاب سيدها لأن الحد لا يتوقف على طلبه لأنه محض حق لله تعالى فإن رجع السيد من غيبته وقال كنت ملكته إياها ببيع أو غيره وأنكر ه المقر لم يسقط الحد إذ لو سقط لم يستوف في غيبته وكذا لا يسقط إن قال أبحتها له وإن لم ينكر لأنها لا تباح للوطء وبهذا فارق مسألة سرقة مال الغائب الآتية قال الرافعي نقلا عن الإمام
151
151
وعلى قياس ما ذكره في البيع ينبغي أن لا يسقط عنه الحد إذا أقر بوقف الجارية عليه وكذبه زاد في الروضة قلت ليس الوقف كالبيع فإنه يصح بلا قبول على المختار ولو أقر بلا دعوى بسرقة لغائب أو شهد بها شهود حسبة لم يقطع حتى يقدم من غيبته ويطالبه لأنه ربما أباح له المال ولأن القطع متعلق حق الآدمي لأنه شرع حفظا لماله واشترط حضوره وفي معنى حضوره حضور وكيله في ذلك كما قاله الأذرعي وغيره وهل يحبس المقر حتى يقدم الغائب كمن أقر بقصاص لغائب أو صبي أو لا يحبس إلا إن قصرت المسافة وتوقع قدومه على قرب لأن الحد مبني على الماهلة أو يحبس إن كانت العين تالفة للغرم وإن كانت باقية أخذت منه ثم يفرق بين طول المسافة وقصرها فيه وجوه قال الأذرعي ظاهر نص الشافعي في الأم الأول وقال الإمام إنه الظاهر عند الأصحاب قلت وبه جزم صاحب الأنوار فإن أقر له أي الغائب بغصب لمال لم يطالبه الحاكم به إذ ليس له المطالبة بمال الغائب فلا يحبسه بخلاف السارق لأن له أن يطالبه بالقطع أي في الجملة إلا إن مات الغائب عن المال وخلفه لطفل ونحوه فللحاكم أن يطالب المقر به ويحبسه وهذا من زيادته على الروضة فرع لو أقر عبد بسرقة دون النصاب لم يقبل إلا إن صدقه السيد أو بنصاب قطع كإقراره بجناية توجب قصاصا ولم يثبت المال وإن كان بيده لأنه إقرار على سيده لتعلق الغرم برقبته إن تلف المال وانتزاعه منه إن بقي وهذا تقدم في الإقرار فرع للقاضي التعريض له أي لمن اتهم في باب الحدود بما يوجب شيئا منها بأن ينكر ما اتهم به منها سترا للقبيح ولخبر الترمذي وغيره من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة إن لم يكن بينة فإن كانت لم يجز له التعريض بذلك لما فيه من تكذيب الشهود و له التعريض لمن أقر له بها بالرجوع عن الإقرار وإن كان عالما بجواز الرجوع لما مر آنفا ولخبر ماعز السابق في باب الزنا قال الرافعي قالوا هذا إذا كان المقر جاهلا بوجوب الحد بأن أسلم قريبا أو نشأ ببادية بعيدة عن العلماء وإذا عرض له فإنما يعرض بما أي برجوع لا يسقط حق الغير من عقوبة وغيرها لا بما يسقطه حتى لا يعرض في السرقة بما يسقط الغرم وإنما يسعى في دفع القطع كما أنه في حدود الله يستحب الستر وفي حقوق العباد يجب الإظهار ولا يقول له ارجع عن الإقرار أو نحوه من صرائح الرجوع كاجحده لأنه أمر بالكذب وما روي من أنه صلى الله عليه وسلم قال للسارق أسرقت قل لا لم يصح بل يقول له في الزنا لعلك لامست أو في شرب الخمر لعلك ما علمته خمرا أو في السرقة لعلك سرقت من غير حرز ونحوه أي نحو كل منهما نحو لعلك فاخذت أو قبلت أو لم تعلمه مسكرا أو غصبت أو أخذت بإذن المالك وقد ورد بعض ذلك في الأخبار ولا يستحب له التعريض لأنه صلى الله عليه وسلم ترك التعريض في أكثر الأوقات ولو عرض للشهود بالتوقف في الشهادة بحدود الله تعالى جاز بحسب المصلحة في الستر فإن انتفت لم يجز الثالث الشهادة فيثبت المال بشاهد وامرأتين أو شاهد ويمين ولا يثبت القطع إلا بشاهدين فلا يثبت بما ذكر كسائر العقوبات وهذا كما يثبت به الغصب المعلق عليه الطلاق أو العتق دونهما ويخالف ما لو شهد بالقتل العمد رجل وامرأتان حيث لا يجب القصاص ولا الدية لأن الدية بدل عن القتل والغرم هنا ليس بدلا عن القطع ووصف الشاهدين بقوله يبينان
152
152
السارق والمسروق منه وقدر المسروق كما يؤخذ من كلام الأصل والحرز بتعيين أو وصف كنظيره فيما مر في المقر بالسرقة و يشترط أن يقول الشاهد لا أعلم له فيه شبهة وقياسه اشتراط ذلك في الإقرار بالسرقة وإن شهد له واحد بثوب أبيض أي بسرقته وآخر بأسود فله أن يحلف مع أحدهما وله مع ذلك أن يدعي الثوب الآخر ويحلف مع شاهده واستحقهما أي الثوبين لأن ذلك مما يثبت بالشاهد واليمين كما مر ولا قطع لاختلاف الشاهدين أو شهد اثنان بسرقة واثنان بسرقة فإن لم يتواردا على عين واحدة كالمثال السابق وكما لو شهد اثنان بسرقة كيس غدوة واثنان بسرقة كيس عشية ثبت القطع والمالان لتمام الحجتين وإن تواردا على عين واحدة واختلف الوقت كأن شهد اثنان بسرقة كذا غدوة واثنان بسرقته عشية تعارضتا فيتساقطان وفي صورة شهادة الواحد والواحد لا يقال تعارضتا لأن الحجة لا تتم وإن شهد أحدهما بكيس والآخر بكيسين ثبت الكيس وقطع به السارق إن بلغ نصابا وإن شهد بثوب وهو تالف وقد قومه أحدهما نصابا والآخر نصفه ثبت النصف لاتفاقهما عليه وله أن يحلف مع الآخر أي الشاهد بالنصاب للباقي منه أي لأخذه ولا قطع على السارق ولو شهد اثنان بسرقته وقوماه بنصاب وآخران بها وقوماه بنصفه ثبت النصف ولا قطع كما صرح به الأصل وقد يشمله كلام المصنف بجعل ألف شهدا راجعا إلى كل من واحد وواحد واثنين واثنين ولو شهد بسرقة مال شخص غائب أو حاضر حسبة قبلت شهادتهما تغليبا لحق الله تعالى ولا قطع على السارق حتى يطالب المالك أي يدعي بماله كما مر وتعاد الشهادة بعد دعواه للمال أي لثبوته لأن شهادة الحسبة لا تقبل في المال لا لثبوت القطع لأنه ثبت بشهادة الحسبة فبقطع بعد مطالبته لأنا قد سمعنا الشهادة أولا وإنما انتظرنا لتوقع ظهور مسقط ولم يظهر وفي حبسه ما في حبس المقر بسرقة مال غائب من تردد أي وجوه تقدم بيانها وبيان الراجح منها ولو سرق مال صبي أو مجنون أو سفيه فيما يظهر فلا قطع حتى يبلغ أو يفيق أو يرشد لاحتمال أن يقر له بأنه مالك لما سرقه كالغائب الباب الثالث في الواجب على السارق وهو ضمان المال وإن كان فقيرا فيلزمه رده إن كان باقيا وبدله إن كان تالفا لخبر أبي داود على اليد ما أخذت حتى تؤديه ولأن القطع لله تعالى والضمان للآدمي فلا يمنع أحدهما الآخر وقطع يده اليمنى قال تعالى فاقطعوا أيديهما وقرئ شاذا فاقطعوا أيمانهما والقراءة الشاذة كخبر الواحد في الاحتجاج بها كما مر ولو كانت اليد زائدة الأصابع أو فاقدتها أو مقطوعة البعض لعموم الآية ولأن الغرض التنكيل بخلاف القود فإنه مبني على المماثلة كما مر وعلم من كلامه ما صرح به أصله أنه لو سرق مرارا ولم يقطع اكتفي بقطع يمينه عن الجميع لاتحاد السبب كما لو زنى أو شرب مرارا يكتفى بحد واحد وستأتي الأولى في الباب الآتي وإنما تعددت الكفارة فيما لو لبس أو تطيب في الإحرام في مجالس
153
153
مع اتحاد السبب لأن فيها حقا لآدمي لأنه تصرف إليه فلم تتداخل بخلاف الحد فإن عاد أي سرق ثانيا بعد قطع يمناه فرجله اليسرى فإن عاد ثالثا فيده اليسرى فإن عاد رابعا فرجله اليمنى
روى الشافعي أنه صلى الله عليه وسلم قال السارق إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله ثم إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله وقدمت اليد لأنهما الآخذة وقدمت اليد اليمنى لأن البطش بها أقوى فكان البداءة بها أردع وإنما قطع من خلاف لئلا يفوت جنس المنفعة عليه فتضعف حركته كما في قطع الطريق فإن عاد خامسا عزر كما لو سقطت أطرافه أولا ولا يقتل وما روى من أنه صلى الله عليه وسلم قتله منسوخ أو مؤول بقتله لاستحلال أو نحوه بل ضعفه الدارقطني وغيره وقال ابن عبد البر إنه منكر لا أصل له ويمد العضو حتى ينخلع تسهيلا للقطع ثم يقطع من الكوع في اليد أو كعب السارق في الرجل للأمر به في سارق رداء صفوان في الأول ولفعل عمر في الثاني كما رواه ابن المنذر وغيره ويقطع بماض أي حاد قال في الأصل وليكن المقطوع جالسا ويضبط لئلا يتحرك ويحسم عقيبه أي القطع بأن يغمس محله بدهن من زيت أو غيره مغلي لتنسد أفواه العروق وخصه الماوردي بالحضري قال وأما البدوي فيحسم بالنار لأنه عادتهم وقال في قاطع الطريق وإذا قطع حسم بالزيت المغلي وبالنار بحسب العرف فيهما انتهى فدل على اعتبار عادة تلك الناحية ويفعل المقطوع ذلك استحبابا لا وجوبا
ويستحب للإمام الأمر به عقب القطع لخبر الحاكم أنه صلى الله عليه وسلم قال في سارق اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه وإنما لم يجب لأن فيه مزيد ألم والمداواة بمثل هذا لا تجب بحال نعم إن أدى تركه إلى الهلاك لتعذر فعله من المقطوع بجنون أو نحوه لم يجز تركه قاله البلقيني وغيره لمصلحته أي السارق لأنه حق له لا تتمة للحد لأن الغرض منه دفع الهلاك عنه بنزف الدم فلا يفعل إلا بإذنه ومؤنته عليه كأجرة الجلاد وخالف البلقيني فقال المعروف في الطريقين أنها في بيت المال وذكر نحوه الأذرعي وعلى الأول قال الزركشي وغيره محله إذا لم ينصب الإمام من يقيم الحدود ويرزقه من المصالح وإلا فلا مؤنة على المقطوع ويعلق العضو المقطوع في عنقه ساعة ندبا للزجر والتنكيل وقد أمر به صلى الله عليه وسلم رواه الترمذي وحسنه فرع لو كان له كفان على معصمه قطعت الأصلية منهما إن تميزت وأمكن استيفاؤها بدون الزائدة وإلا فيقطعان وما ذكر فيما إذا تميزت هو ما اختاره الإمام بعد أن نقل عن الأصحاب قطعهما مطلقا لأن الزائدة كالأصبع الزائدة وما اختاره الإمام هو الراجح فلو عاد وسرق ثانيا وقد صارت الزائدة أصلية بأن صارت باطشة أو كانتا أي الكفان أصليتين وقطعت إحداهما في سرقة قطعت الثانية ولا يقطعان بسرقة واحدة بخلاف الإصبع الزائدة إذ لا يقع عليهما اسم يد ويقطع رجل من سقطت كفه قبل السرقة بآفة أو قود أو جناية كما لو قطعت بسرقة أخرى لا رجل من سقطت كفه بعدها بل يسقط قطعها لأن القطع تعلق بعينها وقد فاتت قال القاضي وغيره كذا لو شلت بعد السرقة وخيف من قطعها تلف النفس وكل من الكف والرجل صادق باليمين واليسار كيد شلاء قبل السرقة خيف من قطعها أن لا يكف الدم أي ينقطع بقول أهل الخبرة فإنها لا تقطع لكن في مسألة الشلاء تقطع رجله كما لو سقطت يده قبل السرقة وقاطع يمين السارق بلا إذن من الإمام لا يضمن بسببها شيئا وإن مات بالسراية لأنها مستحقة القطع وما تولد من قطعها تولد من مستحق بل يعزر لافتياته على الإمام فإن أخرج السارق للجلاد يساره فقطعها سئل الجلاد فإن قال ظننتها اليمين أو أنها تجزئ عنها وحلف لزمته الدية وأجزأته عن قطع اليمين أو قال علمتها اليسار وأنها لا تجزئ لزمه القصاص إن لم يقصد المخرج بدلها عن اليمين أو إباحتها وإلا فلا كما مر في الجنايات وفي نسخة وإباحتها وبه عبر الأصل فهو عطف تفسير والواو بمعنى أو ولم تجزه أي اليسار عن اليمين وما ذكره من أن
154
154
الجلاد يسأل طريقة حكاها الأصل وحكى معها طريقة أخرى أنه إن قال المخرج ظننتها اليمين أو أنها تجزئ أجزأته وإلا فلا فالترجيح للأولى من زيادة المصنف وكلام الأصل يومئ إليه لكن صحح الإسنوي الثانية وقال كذا صححها الرافعي في آخر باب استيفاء القصاص والنووي في تصحيحه وما نقله عن الرافعي منع بأن الرافعي لم يذكر ثم النظر إلى المخرج ولا إلى القاطع أصلا بل أطلق أن ظاهر المذهب إجزاء اليسار عن اليمين
تاب قاطع الطريق
الأصل فيه قوله تعالى
إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله الآية قال أكثر العلماء نزلت في قطاع الطريق لا في الكفار واحتجوا له بقوله إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم الآية إذ المراد التوبة عن قطع الطريق ولو كان المراد الكفار لكانت توبتهم بالإسلام وهو دافع للعقوبة قبل القدرة وبعدها وقطع الطريق هو البروز لأخذ مال أو لقتل أو إرعاب مكابرة اعتمادا على الشوكة مع البعد عن الغوث كما سيأتي وفيه أطراف ثلاثة الأول في صفتهم وهم كل ملتزم للأحكام ولو ذميا ومرتدا كما في السارق خلافا لما اقتضاه تقييد الأصل بالمسلم من إخراجها ولما أطلقه من أن الكفار ليسوا بقطاع مكلف أخذ المال بقوة وغلبة في حالة البعد عن محل الغوث لبعد السلطان وأعوانه أو لضعفه وخرج بالملتزم الحربي والمعاهد وبالمكلف غيره أي إلا السكران وبما بعده الأخذ بغير قوة أو في القرب من الغوث كما سيأتي بعض ذلك وإنما اعتبر بعده عن الغوث ليتمكن من الاستيلاء والقهر مجاهرة
فإن استسلم لهم القادرون على دفعهم حتى قتلوا أو أخذت أموالهم فمنتهبون لا قطاع وإن كانوا ضامنين لما أخذوه لأن ما فعلوه لم يصدر عن شوكتهم بل عن تفريط القافلة أو كان القاصدون لقطع الطريق قليلين اعتمادهم على الهرب بركض الخيل أو نحوها أو العدو على الأقدام يختطفون من قافلة كثيرين فمختلسون لا قطاع لما ذكر والمعنى في ذلك أن المعتمد على الشوكة ليس له دافع من القافلة فغلظت عقوبته ردعا له بخلاف المنتهب والمختلس فلو قهروهم ولو مع القلة أي مع كونهم قليلين فقطاع لاعتمادهم الشوكة فلا يعدون أي القافلة مقصرين لأن القافلة لا تجتمع كلمتهم ولا يضبطهم مطاع ولا عزم لهم على القتال ولو دخلوا أي جماعة الدار ليلا على صاحبها ومنعوه الاستغاثة بأن خوفوه بالقتل أو نحوه أو أغاروا على بلد ولو ليلا مع البعد عن الغوث فقطاع سواء أكانوا من البلد أم لا كما لو كانوا ببرية ولأن المنع من الاستغاثة كالبعد عن محل الغوث ولا يشترط في قاطع الطريق سلاح وذكورة وعدد بل الواحد ولو أنثى والخارج بغير سلاح قاطع إن غلب أي إن كان له قوة يغلب بها الجماعة ولو باللكز والضرب بجمع الكف وقيل لا بد من آلة والتصريح بالترجيح من زيادته والمراهقون ومثلهم سائر غير المكلفين كالمجانين لا عقوبة عليهم ويضمنون النفس والمال كما لو أتلفوا في غير هذا الحال الطرف الثاني في عقوبتهم فمن أخاف الطريق ولم يأخذ مالا ولا نفسا أو كان ردء للقاطع أي عونا له كأن كثر جمعه أو أخاف الرفقة عزر بحبس أو نحوه كتغريب كما في سائر الجرائم التي لا حد فيه ويمتد الحبس ونحوه إلى أن تظهر توبته والحبس في غير موضعه أولى لأنه أحوط وأبلغ في الزجر وإن أخذ نصابا ممن يحرزه قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى فإن عاد ثانيا وأخذ ذلك فعكسه أي فتقطع يده اليسرى ورجله اليمنى للآية السابقة وإنما قطع من خلاف لما مر في السرقة وقطعت اليمين للمال كالسرقة
155
155
ولهذا اعتبر في القطع النصاب وقيل للمحاربة والرجل قيل للمال والمجاهرة تنزيلا لذلك منزلة سرقة ثانية وقيل للمحاربة قال العمراني وهو أشبه ولو قطع الإمام يده اليمنى ورجله اليمنى فقد تعدى ولزمه القود في رجله إن تعمد وديتها إن لم يتعمد ولا يسقط قطع رجله اليسرى ولو قطع يده اليسرى ورجله اليمنى فقد أساء ولا يضمن وأجزأه والفرق أن قطعهما من خلاف نص توجب مخالفته الضمان وتقديم اليمنى على اليسرى اجتهاد يسقط بمخالفته الضمان ذكره الماوردي والروياني
قال الأذرعي ولا شك في الإساءة وأما إيجاب القود وعدم الإجزاء في الحالة الأولى ففيه وقفة قال الزركشي وقضية الفرق أنه لو قطع في السرقة يده اليسرى في المرة الأولى عامدا أجزأ لأن تقديم اليمنى عليها بالاجتهاد أي وليس كذلك كما مر في بابه ويجاب بأنا لا نسلم أن تقديم اليمنى ثم بالاجتهاد بل بالنص لما مر أنه قرئ شاذا فاقطعوا أيمانهما وإن القراءة الشاذة كخبر الواحد قال الأذرعي وسكتوا هنا عن توقف القطع على المطالبة بالمال وعلى عدم دعوى التملك ونحوه من المسقطات وينبغي أن يأتي فيه ما مر من السرقة قال في الأصل ويحسم موضع القطع كما في السارق ويجوز أن تحسم اليد ثم تقطع الرجل وأن يقطعا جميعا ثم يحسما وإن قتل عمدا انحتم أي وجب قتله للآية ولأنه ضم إلى جنايته إخافة السبيل المقتضية زيادة العقوبة ولا زيادة هنا لا تحتم القتل فلا يسقط قال البندنيجي ومحل انحتامه إذا قتل لأخذ المال وإلا فلا يتحتم وإن أخذ نصابا وقتل قتل ثم صلب حتما زيادة في التنكيل ويكون صلبه بعد غسله وتكفينه والصلاة عليه كما مر في الجنائز
والغرض من صلبه بعد قتله التنكيل به وزجر غيره وبما تقرر فسر ابن عباس الآية فقال المعنى أن يقتلوا إن قتلوا أو يصلبوا مع ذلك إن قتلوا وأخذوا المال أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على أخذ المال أو ينفوا من الأرض إن أرعبوا ولم يأخذوا شيئا فحمل كلمة أو على التنويع لا التخيير كما في قوله تعالى وقالوا كونوا هودا أو نصارى أي قالت اليهود كونوا هودا وقالت النصارى كونوا نصارى إذ لم يخير أحد منهم بين اليهودية والنصرانية فلو مات من اجتمع عليه القتل والصلب أو قتل بقصاص من غير المحاربة سقط الصلب لأنه تابع للقتل فسقط بسقوط متبوعه وقيل لا يسقط لأن القتل والصلب مشروعان وقد تعذر أحدهما فوجب الآخر والتصريح بالترجيح من زيادته والمحارب وهو قاطع الطريق الذي اجتمع عليه القتل والصلب يقتل أولا ثم يصلب فلا يعكس لأن فيه تعذيبا وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن تعذيب الحيوان وهذا لا حاجة إليه فإنه تقدم قريبا وإذا ذكر فلا حاجة لذكره أولا ويصلب على خشبة ونحوها ثلاثا من الأيام ليشتهر الحال ويتم النكال ولأن لها اعتبارا في الشرع وليس لما زاد عليها غاية فإن خيف تغيره قبلها أنزل الطرف الثالث في حكم هذه العقوبة وهي تحتم القتل والصلب وقطع الرجل واليد وهي تسقط بالتوبة من القاطع قبل القدرة عليه لقوله تعالى
156
156
إلا الذين تابوا الآية لا بعدها لمفهوم الآية ولتهمة الخوف أما غير هذه العقوبات مما ذكر هنا من قصاص وضمان مال وغيرهما فلا يسقط بالتوبة مطلقا كما في غير هذا الباب ولا يسقط بها سائر الحدود أي باقيها كالزنا والسرقة والشرب في حق القاطع وغيره لعموم أدلتها من غير تفصيل وقياسا على الكفارة إلا قتل تارك الصلاة فإنه يسقط بالتوبة ولو بعد رفعه إلى الحاكم لأن موجبه الإصرار على الترك لا الترك الماضي ومحل عدم السقوط فيما ذكر في الظاهر أما فيما بينه وبين الله تعالى فيسقطا قطعا لأن التوبة تسقط أثر المعصية نبه عليه في الروضة في السرقة قال الإسنوي وهو صحيح لا شك فيه وقد صرحوا به في الشهادات لكن ذكر هنا بعد هذا ما ظاهره يخالف ذلك والمغلب في قتل القاطع حق الآدمي لأنه الأصل فيما اجتمع فيه حق الله تعالى وحق الآدمي ولأنه لو قتل بلا محاربة ثبت له القصاص فكيف يحبط حقه بقتله فيها وقيل المغلب فيه الحد لأنه لا يصح العفو عنه ويستوفيه الإمام بدون طلب الولي والترجيح من زيادته وبه صرح المنهاج كأصله وفرع على هذا الأصل فروعا فقال فلا يقتل إذا كان حرا بعبد أو نحوه ممن لا يكافئه كابنه وذمي والقاطع مسلم وتلزمه الكفارة لو قال الضمان بالمال كان أعم وإن قتل بمثقل أو غيره كقطع عضو روعيت المماثلة في قتله بأن يقتل بمثل ما قتل به وإذا قتل ومات قبل قتله قصاصا فالدية تجب في ماله وإذا عفا الولي على مال لزمه أي القاطع المال وقتل حدا كمرتد لزمه قصاص وعفي عنه بمال وسقط قتله قصاصا لصحة العفو عنه وإذا قتله أحد بلا إذن من الإمام فلورثته الدية على قاتله ولا قصاص لأن قتله متحتم ولو لم يراع فيه القصاص لم تلزمه الدية بل مجرد التعزير لافتياته على الإمام وبنفس التوبة قبل القدرة عليه تسقط عنه حقوق الله تعالى كالقطع والصلب وانحتام القتل ويبقى القصاص والمال هذا تقدم أول هذا الطرف وإذا جرح جرحا ولم يسر لم يتحتم جرحه لأن الانحتام تغليظ لحق الله تعالى فيختص بالنفس كالكفارة ولأنه تعالى لم يذكر الجرح في الآية فبقي على أصله في غير الحرابة فلو عفي عنه سقط فإن سرى فهو قاتل وقد سبق حكمه ونبه بلم يتحتم جرحه على أن صورة المسألة فيما فيه قود من الأعضاء كقطع يد ورجل أما غيره كالجائفة فواجبة المال ولا قود كما في حق غير القاطع وإن قتل خطأ أو شبه عمد فالدية على عاقلته ولا قتل عليه فصل يوالي على قاطع الطريق قطع يده ورجله لاتحاد العقوبة كالجلدات في الحد الواحد فإن فقدت إحداهما اكتفى بالأخرى ولا يجعل طرف آخر بدل المفقود والتصريح بفقد اليسار من زيادته وإن فقدتا قبل أخذه المال قطع لأخريان أو بعده سقط القطع كما في السرقة وإن وجب على المحارب قصاص في يمينه من يديه قطعت قصاصا لما مر أنه يغلب في ذلك حق الآدمي فلا تقطع قصاصا ومحاربة ومنه يؤخذ ما صرح به أصله أنه لو اجتمع الرجم لزنا وقتل قصاص لا يقتل رجما بإذن الولي بل يسلم إليه ليقتص منه ثم قطعت رجله اليسرى للمحاربة بلا وجوب مهلة بين القطعين بل يوالي بينهما وإن اختلفت العقوبتان لأن الموالاة بينهما مستحقة بقطع الطريق فإذا تعذر قطعهما جميعا عنه لم يسقط إذ الميسور لا يسقط بالمعسور
فإن عفا مستحق القصاص ولو بمال أخذ المال في صورته وقطعا الأولى وقطعتا حدا والتصريح بقوله ولو بمال أخذ من زيادته أو وجب عليه قصاص في يساره من يديه قطعت أولا للقصاص وأمهل لقطع يده اليمنى ورجله اليسرى للحد حتى يبرأ فإذا برئ قطعتا أو في عضوي المحارب المقطوعين في المحاربة أو في غيرها واقتص منه فيهما سقط عنه الحد لفوات محله الذي تعلق به وإن عفا عنه قطعا حدا ولو قطع يسار غيره وسرق قطعت يساره قصاصا وأهمل حتى يبرأ ثم تقطع يمينه عن السرقة ولا يوالى لأنهما عقوبتان مختلفتان وقدم القصاص لأن حق الآدمي آكد صرح به الأصل فصل لو لزمه قتل وقطع عن قصاص وقذف أي حده لثلاثة وطالبوه بذلك جلد وإن تأخر القذف وأمهل حتى يبرأ وإن قال مستحق القتل عجلوا القطع وأنا أبادر بعده بالقتل لئلا يهلك
157
157
بالموالاة فيفوت القتل قصاصا نعم لو كان به مرض مخوف يخشى منه الزهوق إن لم يبادر بالقطع بودر به لئلا يضيع حقه أيضا قاله الأذرعي ثم قطع ثم قتل بلا وجوب مهلة بينهما لأن النفس مستوفاة وإن أخر مستحق حد القذف صيرا أي الآخران حتى يستوفي حقه وإن تقدم استحقاقهما له لئلا يفوتا عليه حقه أو أخر مستحق قطع الطرف صبر ولي القتل حتى يستوفي حقه بذلك فإن بادر وقتله عزر لتعديه وكان مستوفيا لحقه ورجع الآخر وهو مستحق القطع إلى الدية وإن زنى بكر أو شرب مسكرا أو سرق مرات فحد واحد يلزمه وإن تخلل بينهما عتق للعبد الفاعل لذلك ولو فعله فحد ثم فعله لزمه حد آخر ولو حد بعض الحد ففعل ثانيا دخل الباقي في الحد الثاني ولا يوالى بين حدين لاثنين بل يمهل بينهما حتى يبرأ لئلا يهلك بالموالاة ومثله قطع الأطراف قصاصا لجماعة بخلاف ما لو كان ذلك لواحد فإنه يوالى فيه ولو حدي قذف لاثنين على عبد فإنه لا يوالى بينهما لأنهما حدان وقيل يوالى بينهما لأنهما كحد حر والتصريح بالترجيح من زيادته ويقدم الأول أي حد الأول منهما أي من موجبي حدي القذف إن ترتبا وإلا بأن قذفهما بكلمة واحدة فالقرعة تجب فرع لو زنى بكر وسرق وشرب مسكرا وحارب وارتد قدم الأخف منها فالأخف وقعا لأنه الأقرب لاستيفائها فورا فيجلد للشرب ويمهل حتى يبرأ ثم يجلد للزنا ويمهل حتى يبرأ ثم تقطع يده للسرقة والمحاربة ورجله للمحاربة ثم يقتل للردة ولو كان الواجب بدل قتلها قتل قصاص أو محاربة كان الحكم كذلك كما صرح به الأصل ويوالى بين الثلاثة أي قطع اليد وقطع الرجل والقتل لا بين الاثنين الأخيرين منها فقط لأن اليد تقع عن المحاربة والسرقة فصار كما لو انفردت المحاربة فيمهل فيما ذكر ويوالى بين الثلاثة
ولو كان القتل للمحاربة وللردة الجمع بينهما من زيادته وعبارة الأصل ولو كان الواجب قتل محاربة فهل يجب التفريق بين الحدود المقامة قبل القتل وجهان أحدهما لا لأنه متحتم القتل فلا معنى للإمهال بخلاف قتل الردة والقصاص فإنه يتوقع الإسلام والعفو وأصحهما نعم لأنه قد يموت بالموالاة فيفوت سائر الحدود وعلم من تقديم الأخف أنه لو اجتمع معها التعزير قدم لأنه الأخف وبه صرح الماوردي ولو اجتمع قتل وردة ورجم قال القاضي قدم قتل الردة إذ فسادها أشد وقال الماوردي والروياني يرجم ويدخل فيه قتل الردة لأن الرجم أكثر نكالا وإن كان فيها أي المذكورات وفي نسخة فيه أي المذكور حق آدمي كحد قذف أو قصاص طرف قدم على حد الشرب وإن كان حد الشرب أخف لبناء حق الآدمي على الضيق بلا توال بل يمهله لئلا يهلك بالتوالي وإن اجتمع قتل ردة وقتل محاربة ورجم قال القاضي قدم قتل المحاربة وإن جعل حدا لأنه حق آدمي وإن اجتمع قتل قصاص في غير محاربة و قتل محاربة قدم السابق منهما ورجع الآخر إلى الدية وفي اندراج قطع السرقة في قتل المحاربة فيما لو سرق وقتل في المحاربة وجهان أحدهما وهو الأوجه نعم تغليبا لحق الآدمي وثانيهما لا بل يقطع للسرقة ثم يقتل ويصلب للمحاربة لأن الظاهر في ذلك أن حق الآدمي لا يفوت بتقديم حق الله تعالى
وإن جلد للزنا ثم زنى ثانيا قبل التغريب أو جلد له خمسين ثم زنى ثانيا كفاه فيهما جلد مائة وتغريب واحد ودخل في المائة الخمسون الباقية وفي التغريب للثاني التغريب للأول ولو زنى بكرا ثم محصنا قبل أن يجلد دخل التغريب لا الجلد تحت الرجم لئلا تطول المدة مع أن النفس مستوفاة ولأن التغريب صفة فيغتفر فيها ما لا يغتفر في غيرها بخلاف
158
158
الجلد لاختلاف العقوبتين وقيل يدخل فيه الجلد أيضا لأنهما عقوبة جريمة واحدة فأشبه ما لو كان بكرا عند الزنيتين والترجيح في هذه من زيادته هنا أخذا مما مر في الباب الثالث من اللعان ولو زنى ذمي محصن ثم نقض العهد واسترق فزنى ثانيا ففي دخول الجلد في الرجم وجهان صحح منهما البغوي المنع ذكره الأصل وقال البلقيني الأصح الدخول كالحدين
فصل
لو شهد اثنان من الرفقة على المحارب لغيرهما ولم يتعرضا لأنفسهما في الشهادة قبلت شهادتهما وليس على القاضي البحث عن كونهما من الرفقة أو لا وإن بحث عن ذلك لم يلزمهما أن يجيبا فإن قالا نهبونا فأخذوا مالنا رفقتنا لم يقبلا لا في حقهما ولا في حق غيرهما للعداوة ولو أوصى لهم أي لجماعة بشيء فقالا أي اثنان منهم نشهد بها أي بالوصية لهؤلاء دون ما يتعلق بنا قبلت شهادتهما وإن قالا نشهد بها لهم ولنا لم تقبل في شيء منها للتهمة باب حد شارب الخمر شربه من كبائر المحرمات قال تعالى إنما الخمر الآية وروى الشيخان خبر كل شراب أسكر فهو حرام وروى مسلم خبر كل مسكر خمر وكل خمر حرام والمشهور أنها كانت مباحة في صدر الإسلام ثم حرمت في السنة الثالثة من الهجرة والخمر هي المتخذة من عصير العنب إذا اشتدت وقذفت بالزبد الأولى حذف التاء ليعود الضمير على العصير والرطب أي عصيره إذا صار مسكرا والأنبذة المسكرة وهي المتخذة من التمر ونحوه مثلها أي مثل الخمر في التحريم والحد والنجاسة لمشاركتها لها في كونها مائعة مسكرة لكن لا يكفر مستحلها بخلاف الخمر للإجماع على تحريمها دون تلك فقد اختلف العلماء في تحريمها ولم يستحسن الإمام إطلاق القول بتكفير مستحل الخمر قال وكيف يكفر من خالف الإجماع ونحن لا نكفر من يرد أصله إنما نبدعه وأول كلام الأصحاب على ما إذا صدق المجمعين على أن تحريم الخمر ثبت شرعا ثم حلله فإنه رد للشرع حكاه عنه الرافعي ثم قال وهذا إن صح فليجر في سائر ما حصل الإجماع على افتراضه فنفاه أو تحريمه فأثبته وأجاب عنه الزنجاني بل مستحل الخمر لا نكفره لأنه خالف الإجماع فقط بل لأنه خالف ما ثبت ضرورة أنه من دين محمد صلى الله عليه وسلم والإجماع والنص عليه وذكرت في شرح البهجة زيادة على هذا وفيه طرفان الأول في متعلق الحد فكل ملتزم التحريم أي تحريم المشروب شرب ما يسكر جنسه من خمر أو غيره وإن لم يسكر القدر المشروب منه مختارا بلا ضرورة ولا عذر لزمه الحد لأنه صلى الله عليه وسلم كان يحد في الخمر رواه الشيخان وصحح الحاكم خبر من شرب الخمر فاجلدوه وقيس به شرب النبيذ وإنما حرم القليل وحد به وإن لم يسكر حسما لمادة الفساد كما حرم تقبيل الأجنبية والخلوة بها لإفضائهما إلى الوطء ويكره من غير المسكر المنصف أي شربه وهو ما يعمل من ثمر ورطب والخليط أي شربه وهو ما يعمل من بسر ورطب وقيل من ثمر وزبيب للنهي عن ذلك في الصحيحين وسبب النهي أن الإسكار يسرع إلى ذلك بسبب الخلط قبل أن يتغير طعمه فيظن الشارب أنه ليس بمسكر ويكون مسكرا فيحد بشرب المسكر المسلم المكلف ولو حنفيا شرب النبيذ وإن قل ولا يؤثر اعتقاده حله لقوة أدلة تحريمه ولأن الطبع
159
159
يدعو إليه فيحتاج إلى الزجر عنه وبهذين التعليلين فارق ذلك عدم وجوب الحد بالوطء في نكاح بلا ولي وخرج بالمسلم الكافر ولو ذميا لأنه لم يلتزم تحريم ذلك أي مطلقا ليخرج الحنفي الشارب للنبيذ وبالمكلف غيره لرفع القلم عنه لا أي يحد من ذكر بشرب المسكر لا بإسعاط وحقنة به لأن الحد للزجر ولا حاجة فيهما إلى زجر فإن النفس لا تدعو إليهما و يحد بمرق أي بشرب مرق ما طبخ به أي بالمسكر لا بأكل لحمه لذهاب العين منه و يحد بأكل ما ثرد به أو غمس فيه لا بأكل ما عجن به لاستهلاكه فيه ولا بشربه أي المسكر فيما استهلكه كأن شرب ما فيه قطرات خمر والماء غالب بصفاته لذلك ولا يحد مكره بشربه لشبهة الإكراه ولأنه يباح له شربه بالإكراه و لا مسيغ أي مزدرد لقمة به حين غص بفتح الغين أي شرق بها ولم يجد غيره مما يحصل به الإساغة وخاف الهلاك إن لم يفعل للضرورة ويجوز له حينئذ إساغتها به بل يجب دفعا للهلاك فلو شربها أي الخمر لتداو أو لدفع جوع أو عطش أثم وإن لم يجد غيرها كما مر مع زيادة في كتاب الأطعمة ولا حد عليه بشربها لذلك وهذا ما اختاره النووي في تصحيحه في التداوي ومثله ما بعده ولم يصحح كالرافعي فيهما شيئا وإنما قالا قال القاضي والغزالي لا حد بالتداوي وإن حكمنا بالحرمة لشبهة الخلاف في حل الشرب وقال الإمام أطلق الأئمة المعتبرون أقوالهم إنه حرام موجب للحد ثم قال في الشرب للعطش وإذا حرمناه ففي الحد الخلاف كالتداوي وهذا يقتضي أن الأكثر على وجوب الحد فيهما فيكون هو الأصح مذهبا وعليه اختصر شيخنا الحجازي كلام الروضة لكن الأول أوجه لشبهة قصد التداوي كما جعل الإكراه على الزنا شبهة دارئة للحد وإن كان لا يباح بالإكراه ويجوز التداوي بنجس غير مسكر كلحم حية وبول ومعجون خمر كما مر في الأطعمة ولو كان التداوي لتعجيل شفاء كما يكون لرجائه فإنه يجوز بشرط إخبار طبيب مسلم عدل بذلك أو معرفة المتداوي به إن عرف و بشرط عدم ما يقوم به مقامه مما يحصل به التداوي من الطاهرات والمعذور في شرب المسكر بشيء من جهل التحريم له لقرب عهد منه بالإسلام ونحوه كنشئه بعيدا عن العلماء أو من جهل كونه خمرا لا يحد لعذره والتصريح بنحوه من زيادته ويلزمه قضاء الصلوات الفائتة مدة السكر كالمغمى عليه بخلاف العالم بذلك لتعديه وإن علم التحريم وجهل وجوب الحد أو كونه مسكرا لقلته حد لأنه إذا علم التحريم فحقه أن يمتنع وإنما يحد السكران بشهادة رجلين أو إقراره أنه شرب خمرا أو مسكرا لا بنسوة ولا برجل وامرأة ولا برجل ويمين فيكفي ذلك وإن لم يقل عالما مختارا لأن الظاهر من حال الشارب العلم بما يشربه والأصل عدم الإكراه فصار كالإقرار بالبيع والطلاق وغيرهما والشهادة بها بخلاف الزنا لأنه يطلق على مقدماته كما ورد في الخبر العينان تزنيان فاحتيج في الإقرار والشهادة به إلى الاحتياط ولا تعويل على مشاهدة السكر و لا على ظهور النكهة أي رائحة الفم ولا على تقيؤ الخمر لاحتمال الغلط أو الإكراه والحد يدرأ بالشبهة فرع مزيل العقل من غير الأشربة كالبنج والحشيشة حرام لإزالته العقل لا حد
160
160
فيه لأنه لا يلذ ولا يطرب ولا يدعو قليله إلى كثيره بل فيه التعزير وله تناوله ليزيل عقله لقطع عضو متآكل والند بالفتح المعجون بخمر لا يجوز بيعه لنجاسته قال في الأصل وكان ينبغي أن يجوز كالثوب النجس لإمكان تطهيره بنقعه في الماء ودخانه كدخان النجاسة ففي تنجيسه المتبخر به وجهان قضية تشبيهه بدخان النجاسة التنجيس ومع ذلك لا يستلزم المنع من التبخر به وقد قدم في باب الأطعمة أنه جائز وتقدم بيانه ثم الطرف الثاني في نفس الحد الواجب في الشرب وهو أربعون جلدة للحر ففي مسلم عن علي رضي الله عنه جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين وجلد أبو بكر أربعين وعمر ثمانين وكل سنة وهذا أحب إلي وعن أنس رضي الله عنه كان النبي صلى الله عليه وسلم يضرب في الخمر بالجريد والنعال أربعين وعشرون للعبد على النصف من الحر كنظائره ومثله الأمة والمبعض وإنما يحد الشارب بعد الإفاقة من سكره ليرتدع فلو حد فيه ففي الاعتداد به وجهان في الكفاية عن القاضي والأصح كما قال البلقيني والأذرعي الاعتداد به لظاهر خبر البخاري أتي النبي صلى الله عليه وسلم بسكران فأمر بضربه فمنا من ضربه بيده ومنا من ضربه بنعله ومنا من ضربه بثوبه ولفظ الشافعي فضربوه بالأيدي والنعال وأطراف الثياب وبكل حال فيضرب بالأيدي والنعال والسوط وأطراف الثياب بعد فتلها حتى تشتد ولا يتعين شيء من ذلك بل كل منها أو نحوه كاف قال الأذرعي ويشبه أن يقال في القوي إن كان مما يردعه الضرب بغير السوط ونحوه اقتصر عليه وإلا تعين السوط ونحوه ولو بلغه الإمام ثمانين جاز كما مر فعله عن عمر رضي الله عنه ورآه علي رضي الله عنه قال لأنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى وحد الافتراء ثمانون قال الزركشي والأربعون أولى لأنها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا كان علي يقول في نفسي من جلد شارب الخمر ثمانين شيء لو مات وديته لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسنه ثم محل ذلك في الحر أما العبد فلو رأى الإمام تبليغه أربعين جاز ولا يزاد عليها وكان الزائد على الأربعين أو العشرين تعزيرا وإلا لما جاز تركه واعترض بأن وضع التعزير النقص عن الحد فكيف يساويه وأجيب بأنه لجنايات تولدت من الشارب قال الرافعي وليس شافيا فإن الجناية لم تتحقق حتى يعزر والجنايات التي تتولد من الخمر لا تنحصر فلتجز الزيادة على الثمانين وقد منعوها قال وفي قصة تبليغ الصحابة الضرب ثمانين ألفاظ مشعرة بأن الكل حد وعليه فحد الشرب مخصوص من بين سائر الحدود بأن لم يتحتم بعضه ويتعلق بعضه باجتهاد الإمام وسوط الحدود والتعازير معتدل الحجم فيكون بين القضيب والعصا ويقاس بالسوط غيره و معتدل الرطوبة فلا يكون رطبا فيشق الجلد بثقله ولا شديد اليبوسة فلا يؤلم لخفته وفي خبر مرسل رواه مالك الأمر بسوط بين الخلق والجديد و ضربه أي السوط أو نحوه بين الضربين فيرفع الضارب ذراعه ليكسب السوط ثقلا لا عضده بحيث يرى بياض إبطه لئلا يعظم ألمه ولا يضعه عليه وضعا لا يتألم به ويفرقه على الأعضاء فلا يجمعه في عضو واحد لما روى البيهقي عن علي أنه قال للجلاد أعط على كل عضو حقه واتق الوجه والمذاكير والمعنى في التفريق أن الضرب في المحل الواحد مهلك ويتقي الوجه لخبر مسلم إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه ولأنه مجمع المحاسن فيعظم أثر شينه و يتقي المقاتل كنقرة النحر والفرج لأن القصد ردعه لا قتله لا الرأس لما روي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال للجلاد اضرب الرأس فإن الشيطان فيه ولأنه مستور بالشعر وغيره غالبا فلا يخاف تشويهه بخلاف الوجه ولا يبالي برقيق جلد أي بكون
161
161
المجلود رقيق جلد يدمى بالضرب الخفيف ويتقي أي المجلود بيده اليمنى واليسرى فلا يشد ولا يمد على الأرض ليتمكن من الاتقاء بيديه فلو وضعهما أو إحداهما على موضع عدل عنه الضارب إلى آخر لأنه يدل على شدة ألمه بالضرب فيه ولا يجرد من قميص أو قميصين بل يجرد من جبة محشوة وفروة ونحوهما مما يدفع الألم ملاحظة لمقصود الحد ويجلد الرجل قائما والمرأة جالسة لأنه أستر لها فلو عكسه الجلاد أساء وأجزأه ولا يضمن أن تلف لأن ذلك تغيير حال لا زيادة ضرب والظاهر كما قال الأذرعي أن ذلك مندوب ولا ينافيه التعبير بالإساءة ويجلدها أي المرأة رجل لأن الجلد ليس من شأن النساء وامرأة أو نحوها كمحرم تشد ثيابها وظاهر أن الخنثى كالمرأة فيما ذكر لكن لا يختص بشد ثياب المرأة ونحوها ويحتمل تعيين المحرم ونحوه ويوالي الضرب بحيث يحصل به زجر وتنكيل فلا يفرق على الأيام والساعات لعدم الإيلام والزجر بخلاف ما لو حلف ليضربنه عددا ففرقه على الأيام مثلا فإنه يبر في يمينه لأن المتبع هناك موجب اللفظ وهنا الزجر والتنكيل فلو حصل مع التفريق هنا إيلام قال الإمام فإن لم يتخلل ما يزول به الألم الأول كفى وإلا فلا فإن ضرب في الزنا في يوم خمسين متوالية وفي غد خمسين كذلك جاز لحصول الإيلام والزجر بذلك وهذا مثال والضابط ما تقرر عن الإمام فرع لا يحد ولا يعزر في المسجد لخبر أبي داود وغيره لا تقام الحدود في المساجد ولاحتمال أن يتلوث من جراحة تحدث فإن فعل أجزأه كالصلاة في أرض مغصوبة وقضيته تحريم ذلك وبه جزم البندنيجي لكن الذي ذكره الأصل في باب أدب القضاء أنه لا يحرم بل يكره ونص عليه في الأم نبه عليه الإسنوي باب التعزير هو لغة التأديب وشرعا تأديب على ذنب لا حد فيه ولا كفارة كما يؤخذ من قوله وهو مشروع في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة سواء أكانت حقا لله تعالى أم لآدمي وسواء أكانت من مقدمات ما فيه حد كمباشرة أجنبية في غير الفرج وسرقة ما لا قطع فيه والسب بما ليس بقذف أم لا كالتزوير وشهادة الزور والضرب بغير حق بخلاف الزنا لإيجابه الحد وبخلاف التمتع بالطيب ونحوه في الإحرام لإيجابه الكفارة وقد ينتفي التعزير مع انتفاء الحد والكفارة كما في صغيرة صدرت من ولي لله تعالى وكما في قطع شخص أطراف نفسه وكما في وطء زوجته أو أمته في دبرها فلا يعذر بأول مرة بل ينهى عن العود فإن عاد عزر نص عليه في المختصر وصرح به البغوي وغيره وكما في تكليف السيد عبده فوق ما يطيق من الخدمة فلا يعزر بأول مرة أيضا وكما لو رعى أحد من أهل القوة من الحمى الذي حماه الإمام للضعفة ونحوهم فلا
162
162
يعزر ولا يغرم قاله القاضي أبو حامد وتوقف فيه الأذرعي قال وإطلاق كثيرين أو الأكثرين يقتضي أنه يعزر وقد يجتمع مع الحد كما في تكرار الردة وقد يجتمع مع الكفارة كما في الظهار واليمين الغموس وإفساد الصائم يوما من رمضان بجماع زوجته أو أمته وكما في قتل من لا يقاد به كولده وعبده قال الإسنوي نعم يجاب عنه بأن إيجاب الكفارة ليس للمعصية بل لإعدام النفس بدليل إيجابها بقتل الخطأ فلما بقي التعمد خاليا من الزاجر أوجبنا فيه التعزير والأصل في مشروعيته قبل الإجماع قوله تعالى واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن الآية وفعله صلى الله عليه وسلم كما رواه الحاكم في تصحيحه ويحصل التعزير بحبس أو جلد أو صفع أو توبيخ بكلام أو فعل كنفي أو نحوها ككشف رأس وإقامة من مجلس وجمع بينها وكل ذلك باجتهاد الإمام أي بحسب ما يراه الإمام باجتهاده جنسا وقدرا إفرادا أو جمعا فلا يرتفع عن التوبيخ إلى غيره إذا كان يكفي فلا يرقى إلى مرتبة وهو يرى ما دونها كافيا بل يعزر بالأخف ثم الأخف كما في دفع الصائل قال الماوردي ويجوز حلق رأسه لا لحيته وقال الأكثرون يجوز تسويد وجهه فلو جلد أو حبس لم يبلغ بتعزير حر بالضرب أربعين وبالحبس سنة ولا بتعزير عبد بالضرب عشرين وبالحبس نصف سنة لخبر من بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين رواه البيهقي وقال المحفوظ إرساله وكما يجب نقص الحكومة عن الدية والرضخ عن السهم فيجوز الزيادة على عشرة أسواط وأما خبر الصحيحين لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى فأجيب عنه بأنه منسوخ بعمل الصحابة على خلافه من غير إنكار قال القونوي وحمله على الأولوية بعد ثبوت العمل بخلافه أهون من حمله على النسخ ما لم يتحقق فصل للأب والأم ضرب الصغير والمجنون زجرا لهما عن سيئ الأخلاق وإصلاحا لهما مثلهما السفيه وللمعلم ذلك بإذن الولي قال الأذرعي وسكت الخوارزمي وغيره عن هذا القيد والإجماع الفعلي مطرد بذلك من غير إذن وللزوج ضرب زوجته لنشوزها ولما يتعلق به من حقوقه عليها للآية السابقة أول الباب لا لحق الله تعالى لأنه لا يتعلق به وقضيته أنه ليس له ضربها على ترك الصلاة لكن أفتى ابن البزري بأنه يجب عليه ذلك وفي الوجوب نظر وللسيد ضرب رقيقه لحق نفسه كما في الزوج بل أولى لأن سلطته أقوى وكذا لحق الله تعالى لما مر في الزنا ويسمى الكل تعزيرا وقيل إنما يسمى ما عدا ضرب الإمام أو نائبه مما ذكر تأديبا لا تعزيرا وإن لم يفد تعزيره إلا بضرب مبرح أي شديد مؤذ ترك ضربه لأن المبرح مهلك وغيره لا يفيد وللإمام ترك تعزير لحق الله تعالى لإعراضه صلى الله عليه وسلم عن جماعة استحقوه كالغال في الغنيمة ولاوي شدقه في حكمه للزبير وكذا الآدمي أي لحقه ولو طلبه
163
163
كما في حق الله تعالى وقيل لا يجوز تركه عند طلبه كالقصاص والترجيح من زيادته وجرى الحاوي الصغير ومختصره على الثاني وهو الأوجه وله أي الإمام تعزير من عفا عنه مستحق التعزير لحق الله تعالى وإن كان لا يعزره قبل مطالبته المستحق له لا تعزير من عفا عنه مستحق الحد لأن التعزير يتعلق أصله بنظر الإمام فجاز أن لا يؤثر فيه إسقاط غيره بخلاف الحد كتاب ضمان المتلفات وفيه ثلاثة أبواب الأول في ضمان الولادة وفيه طرفان الأول في موجبه بكسر الجيم فإن مات المعزر بتعزير من الإمام ضمنه الإمام ولو عزره لحق آدمي لأنه مشروط لسلامة العاقبة إذ المقصود التأديب لا الهلاك فإذا حصل الهلاك تبين أنه جاوز الحد المشروط وكان الأولى أن يقول فإن مات بتعزير الإمام ضمنه ضمان شبه العمد وكذا يضمن كذلك زوج ومعلم وأب وأم ونحوها بتعزيرهم للزوجة والصغير ونحوه وإن أذن الأب فيه للمعلم وفارق ذلك عدم ضمان المستأجر للدابة والرائض لها بموتها بالضرب المعتاد بأنهما لا يستغنيان عن ضربها بخلاف المعزر قد يستغني عن الضرب بغيره لا إن كان مملوكا فمات بضرب غيره له بإذن سيده فلا يضمن كقتله بإذنه وكذا لو عزر الوالي من اعترف بما يقتضي التعزير وطلبه بنفسه لإذنه قاله البلقيني فإن أسرف المعزر وظهر منه قصد القتل بأن ضربه بما يقتل غالبا فالقصاص يلزمه وإن مات المحدود بحد مقدر فلا ضمان ولو حد في حر أو برد مفرطين لأن الحق قتله ولا حاجة لقوله مقدر لأن الحد لا يكون إلا مقدرا فإن جاوز المقدر فمات ضمن بالقسط من العدد فإن جلد في الشرب ثمانين فمات لزمه نصف الدية لأنه مات من مضمون وغيره أو ستين فثلثها أو واحدة وأربعين فجزء من أحد وأربعين جزءا أو اثنين وأربعين فجزءان من اثنين وأربعين جزءا أو إحدى وثمانين فأحد وأربعون جزءا من أحد وثمانين جزءا وقس على ذلك وكذا لو زاد في حد القذف فجلد إحدى وثمانين فمات لزمه جزء منها أو اثنين وثمانين فجزءان منها وإن أمره الإمام بالزيادة على المقدر وجهل ظلمه وخطأه فيه كما يعلم مما يأتي أو قال له اضرب وأنا أعد فغلط في عده فزاد ضمن الإمام نعم لو أمره بثمانين في الشرب فزاد واحدة ومات المجلود وزعت الدية إحدى وثمانين جزءا يسقط منها أربعون ويجب أربعون على الإمام وجزء على الجلاد فصل يحرم على المستقل بنفسه ركوب أي ارتكاب الخطر في قطع غدة منه وإن كانت تشين بلا خوف لأنه يؤدي إلى إهلاك نفسه بخلاف ما إذا لم يكن في قطعها خطر فله ولو سفيها أو مكاتبا بنفسه أو نائبه قطعها لإزالة الشين والغدة ما يخرج بين الجلد واللحم نحو الحمصة إلى الجوزة فما فوقها فإن خيفت أي خيف منها وزاد خطر الترك لها على خطر قطعها جاز له القطع لها لزيادة رجاء السلامة مع إزالة الشين بل قال البلقيني لو قال الأطباء إن لم يقطع حصل أمر يفضي إلى الهلاك وجب القطع كما يجب دفع المهلكات ويحتمل الاستحباب انتهى ومثله يجري في مسألة الولي الآتية وكذا يجوز قطعها لو تساويا أي الخطران لتوقع السلامة مع إزالة الشين وإلا بأن زاد خطر قطعها فلا يجوز قطعها لأنه يؤدي إلى هلاك النفس ومثلها فيما ذكر العضو المتآكل فإن قطعهما منه أجنبي بلا إذن منه فمات لزمه القصاص وكذا الإمام يلزمه القصاص بقطعهما كذلك لتعدي كل منهما بذلك وللأب والجد وإن علا قطعهما للصبي والمجنون مع الخطر فيه إن زاد خطر الترك عليه لأنهما يليان صون مالهما عن الضياع فبدنهما أولى فإن تساويا أي الخطران أو زاد خطر القطع كما فهم بالأولى ضمنا لعدم جواز القطع حينئذ بخلاف نظيره في المستقل في صورة
164
164
التساوي كما مر لأن القطع ثم من نفسه وهنا من غيره وليس للسلطان ولا لغيره ما عدا الأب والجد كالوصي ذلك لأنه يحتاج إلى نظر دقيق وفراغ وشفقة تامين وكما أن للأب والجد تزويج البكر الصغيرة دون غيرهما وقضية التعليل أنه لو كانت الأم وصية جاز لها ذلك وهو ظاهر وللسلطان وغيره من الأولياء لا الأجنبي معالجة الصبي والمجنون بما لا خطر فيه كفصد وحجامة وقطع غدة لا خطر في قطعها للمصلحة مع عدم الضرر بخلاف الأجنبي لأنه لا ولاية له وظاهر أن الأب الرقيق والسفيه كالأجنبي كما بحثه الأذرعي فإن عالجه الأجنبي فسرى أثر العلاج إلى النفس فالقصاص يلزمه لعمديته مع عدم ولايته أو عالجه الإمام أو غيره من الأولياء بما لا خطر فيه فمات فلا ضمان لئلا يمتنع من ذلك فيتضرر الصبي والمجنون بخلاف التعزير أو بما فيه خطر فلا قصاص لشبهة الإصلاح وللبعضية في الأب والجد بل تلزمه الدية مغلظة في ماله لعمديته ويحرم على المتألم تعجيل الموت وإن عظمت آلامه ولم يطقها لأن برأه مرجو فلو ألقى نفسه من محرق علم أنه لا ينجو منه إلى مائع مغرق ورآه أهون عليه من الصبر على لفحات المحرق جاز لأنه أهون وقضية التعليل أن له قتل نفسه بغير إغراق وبه صرح الإمام في النهاية عن والده وتبعه ابن عبد السلام فصل لا بد من كشف جميع الحشفة في الختان للرجل بقطع الجلدة التي تغطيها فلا يكفي قطع بعضها ويقال لتلك الجلدة القلفة و من قطع شيء من بظر المرأة الخفاض أي اللحمة التي في أعلى الفرج فوق مخرج البول تشبه عرف الديك وتقليله أفضل روى أبو داود وغيره أنه صلى الله عليه وسلم قال للخاتنة لا تنهكي فإن ذلك أحظى للمرأة وأحب للبعل والختان واجب وإنما يجب بالبلوغ والعقل واحتمال الختان لقوله تعالى ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وكان من ملته الختان ففي الصحيحين أنه اختتن وعمره ثمانون سنة وفي صحيح ابن حبان والحاكم مائة وعشرون سنة وقيل سبعون سنة ولأنه صلى الله عليه وسلم أمر بالختان رجلا أسلم رواه أبو داود قالوا ولأنه قطع عضو لا يخلف فلا يكون إلا واجبا كقطع اليد والرجل ولأنه جرح يخاف منه فلو لم يجب لم يجز بخلاف ختان الصبي والمجنون ومن لا يحتمله لأن الأولين ليسا من أهل الوجوب والثالث يتضرر به وكما يجب الختان يجب قطع السرة لأنه لا يتأتى ثبوت الطعام إلا به إلا أن وجوبه على الغير لأنه لا يفعل إلا في الصغر كذا قاله الزركشي ويستحب أن يختن لسبع من الأيام غير يوم الولادة لأنه صلى الله عليه وسلم ختن الحسن والحسين يوم السابع من ولادتهما رواه البيهقي والحاكم وقال صحيح الإسناد وإنما حسب يوم الولادة من السبعة في العقيقة وحلق الرأس وتسمية الولد لما في الختن من الألم الحاصل به المناسب له التأخير المفيد للقوة على تحمله قال الماوردي ويكره تقديمه على السابع قال ولو أخره عنه فالمستحب أن يختن في الأربعين فإن أخره عنها ففي السنة السابعة لأنه الوقت الذي يؤمر فيه بالطهارة أو الصلاة ولا يجوز ختان ضعيف خلقة يخاف عليه منه بل ينتظر حتى يصير بحيث يغلب على الظن سلامته فإن لم يخف عليه منه استحب تأخيره حتى يحتمله ويحرم ختان الخنثى المشكل مطلقا أي سواء أكان قبل البلوغ أم بعده لأن الجرح لا يجوز بالشك
165
165
وهذا ما صححه في الروضة ونقله عن البغوي وقال ابن الرفعة المشهور وجوبه في فرجيه جميعا ليتوصل إلى المستحق وعليه قال النووي إن أحسن الختن ختن نفسه وإلا ابتاع أمة تختنه فإن عجز عنها تولاه الرجال والنساء للضرورة كالتطبيب ويختن من الرجل الذي له ذكران الذكران العاملان معا أو العامل من الذكرين فإن شك فالقياس أنه كالخنثى وصرح به ابن الرفعة فيه بما صرح به في الخنثى وهل يعرف العمل بالجماع أو البول وجهان جزم كالروضة في باب الغسل بالثاني ورجحه في التحقيق ومؤنة كل من ختان الذكر والأنثى في ماله وإن كان صغيرا أو مجنونا لأن ذلك لمصلحته كمؤنة التعليم فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته والسنة في ختان الذكور إظهاره وفي النساء إخفاؤه نقله الزركشي عن ابن الحاج في المدخل وأقره فرع يجبر الإمام البالغ العاقل على الختان إذا احتمله وامتنع منه ولا يضمن حينئذ إن مات بالختان لأنه مات من واجب فلو أجبره الإمام فختن أو ختنه الأب أو الجد في حر أو برد شديدين فمات وجب على الإمام فقط أي دون الأب والجد نصف الضمان لأن أصل الختان واجب والهلاك حصل من مستحق وغيره ويفارق الحد بأن استيفاءه إلى الإمام فلا يؤاخذ بما يفضي إلى الهلاك والختان يتولاه المختون أو والده غالبا فإذا تولاه هو شرط فيه غلبة سلامة العاقبة وبذلك عرف الفرق بينه وبين الوالد في الختان ومن ختن من لا يحتمل الختان فمات منه اقتص منه لتعديه بالجرح المهلك قال الزركشي والظاهر أن هذا عند حكم أهل الخبرة بذلك فلو قالوا يحتمله فمات فلا قصاص وتجب دية شبه العمد فإن كان أبا أو جدا ضمن المال ولا قصاص للبعضية أو سيدا فلا ضمان أصلا أو ختن من يحتمل الختان وهو ولي له ولو وصيا أو قيما فلا ضمان عليه إلحاقا للختان حينئذ بالمعالجات ولأنه لا بد منه والتقديم أسهل من التأخير لما فيه من المصلحة أو وهو أجنبي فالقصاص لتعديه بالمهلك نعم إن قصد بذلك إقامة الشعار فلا يتجه القصاص لأن ذلك يتضمن شبهة في التعدي ويؤيده ما ذكره البغوي في قطعه يد السارق بغير إذن الإمام كذا قاله الزركشي الطرف الثاني في محل ضمان إتلاف الإمام وهو في عمده وخطئه في غير الأحكام الصادرة منه كغيره من الآحاد في أن الضمان يجب في ماله أو على عاقلته فإن أخطأ في الحكم أو في إقامة الحد أو جلده في الشرب ثمانين فمات ضمنت عاقلته لا بيت المال لأنه ضمان نفس واجب بالخطأ أو نحوه فيكون على العاقلة كخطأ غيره وكخطئه في غير الأحكام وبذلك علم أنه لا فرق في تشبيه الإمام بغيره بين خطئه في الحكم وغيره وإنما فصله الأصل لبيان الخلاف فلو قال وهو في عمده وخطئه كغيره كان أولى وأخصر وكذا الغرة تضمنها عاقلته في جلد حامل أجهضت جنينا ميتا وإن علم حملها لأن ذلك إما خطأ أو شبه عمد وعطف على الغرة قوله أو الدية أي دية الجنين فيضمنها عاقلة الإمام إن خرج من أمه حيا ومات بألم الجلد وكذا ديتها تضمنها عاقلته إن ماتت من الإجهاض وحده بأن أجهضت ثم ماتت وأحيل الموت على الإجهاض كما وجب ضمان الجنين أو نصفها أي تضمنه عاقلته إن ماتت منه ومن الجلد لأنها ماتت من مضمون وغيره ولو حذف كذا الثانية أغنت عنها الأولى وكان أخصر والكفارة تجب في ماله وإن حده أي الإمام شخصا بشاهدين ليسا من أهلها أي الشهادة كذميين أو عبدين أو امرأتين أو فاسقين فمات المحدود فإن قصر الإمام في البحث عن حالهما اقتص منه
166
166
إن تعمد لأن الهجوم على القتل ممنوع منه بالإجماع وإن وجب المال فهو عليه أيضا لا على عاقلته ولا في بيت المال وإن لم يقصر في البحث بل بذل وسعه فالضمان على عاقلته كالخطأ في غير الحكم ولا رجوع لها على الشاهد إلا على متجاهر بالفسق فترجع عليه بما غرمته لأن حقه أن لا يشهد ولأن الحكم بشهادته يشعر بتدليس منه وتغرير بخلاف غير المتجاهر بذلك من كاتم له وذمي وعبد وامرأة وصبي والاستثناء المذكور جرى عليه هنا لكنه في شرح الإرشاد رد ما هنا وقال أنه تفريع على ضعيف كما ذكره في الروضة هنا وليس كما قال وإن أوهمته عبارة الروضة فإنها محمولة على ما في أصلها السالم من الإيهام والضمان في التلف باستيفاء الجلاد في حد أو تعزير بأمر الإمام على الإمام لا على الجلاد لأنه آلته ولا بد منه في السياسة ولو ضمناه لم يتول الجلد أحد لكن استحب له الشافعي أن يكفر لمباشرته القتل فإن علم ظلم الإمام أو خطأه في أمره كما صرح به في الأصل ولم يكرهه على ما أمره به فعكسه أي فالضمان على الجلاد لا الإمام لأنه يعتقد حرمة ذلك فكان حقه الامتناع نعم إن اعتقد وجوب طاعته في المعصية فالضمان على الإمام لا عليه لأن ذلك مما يخفى نقله الأذرعي عن صاحب الوافي وأقره وإن أكرهه عليه فعليهما الضمان وإن أمره في حد الشرب بستين فضربه ثمانين ومات فعلى كل منهما ربع الدية توزيعا للزائد عليهما وإن اعتقد الإمام والجلاد تحريم قتل الحر بالعبد أو المسلم بالذمي أو نحو ذلك مما هو في محل الاجتهاد أو اعتقده الجلاد وحده فقتله الجلاد امتثالا لأمر الإمام بلا إكراه لزمه القصاص لأن حقه الامتناع أو بالعكس بأن اعتقده الإمام وحده فقتله الجلاد عملا باعتقاده فلا قصاص عليه بل على الإمام ولا ضمان على حجام حجم أو فصد غيره أو قطع سلعة منه بإذن معتبر بأن يكون منه وهو مستقل أو من ولي أو إمام فأفضى ذلك إلى التلف لما مر في الجلاد الباب الثاني في حكم الصائل مشتق من الصيال وهو الاستطالة والوثوب والأصل في الباب قوله تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم وخبر البخاري انصر أخاك ظالما أو مظلوما والصائل ظالم فيمنع من ظلمه لأن ذلك نصره وخبر من قتل دون أهله فهو شهيد ومن قتل دون ماله فهو شهيد يجوز للمصول عليه وغيره دفع كل صائل من آدمي مسلم أو كافر حر أو رقيق مكلف أو غيره وبهيمة عن كل معصوم من نفس وطرف ومنفعة وبضع ومقدماته من تقبيل ومعانقة ونحوها ومال وإن قل نعم لو مال مكرها على إتلاف مال غيره لم يجز دفعه بل يلزم المالك إن بقي روحه بماله كما يناول المضطر طعامه ولكل منهما دفع المكره وكالمال الاختصاصات من جلد ميتة ونحوه كما اقتضاه كلام البسيط وغيره فإن أتى الدفع على نفسه فلا ضمان بقصاص ولا دية ولا كفارة ولا قيمة كما صرح به الأصل لأنه مأمور بدفعه وبين الأمر بالقتال والضمان منافاة
وله دفع مسلم عن ذمي ووالد عن ولده وسيد عن عبده لأنهم معصومون مظلومون
167
167
و دفع مالك عن إتلاف ملكه بإحراق أو تغريق أو نحوه لأنه محرم فلو كان الملك الذي أراد مالكه إتلافه حيوانا وجب دفعه عنه لحرمته ويضمن جرة سقطت عليه من علو لم تندفع عنه إلا بكسرها وكسرها إذ لا قصد لها بخلاف الآدمي والبهيمة نعم إن كانت موضوعة بمحل عدوان كأن وضعت بروشن أو على معتدل لكنها مائلة لم يضمنها قاله الزركشي والأولى إبدال قوله عدوان بيضمن به و يضمن بهيمة لم تخل جائعا أي لم تتركه وطعامه بأن لم يتمكن من الوصول إليه إلا بقتلها وقتلها لأنها لم تقصده وقتله لها لدفع الهلاك عن نفسه بالجوع فكان كأكل المضطر طعام غيره فإنه موجب للضمان قال في الأصل ويمكن أن يجعل الأصح هنا نفي الضمان كما لو عم الجراد المسالك فوطئها المحرم وقتل بعضها انتهى ويفرق بأن الحق ثم لله وهنا للآدمي فصل ويجب الدفع للصائل بالأخف فالأخف إن أمكن كالزجر بالكلام أو الصياح ثم الاستغاثة بالناس ثم الضرب باليد ثم بالسوط ثم بالعصا ثم بقطع عضو ثم بالقتل لأن ذلك جوز للضرورة ولا ضرورة في الأثقل مع إمكان تحصيل المقصود بالأخف نعم لو التحم القتال بينهما وانسد الأمر عن الضبط سقط مراعاة الترتيب كما ذكره الإمام في قتال البغاة ولو اندفع شره كأن وقع في ماء أو نار أو انكسرت رجله أو حال بينهما جدار أو خندق لم يضر به كما صرح به الأصل وفائدة الترتيب المذكور أنه متى خالف وعدل إلى رتبة مع إمكان الاكتفاء بما دونها ضمن قال الماوردي والروياني ومحل رعاية ذلك في غير الفاحشة فلو رآه قد أولج في أجنبية فله أن يبدأ بالقتل وإن اندفع بدونه فإنه في كل لحظة مواقع لا يستدرك بالأناة قال البلقيني ومحله أيضا في المعصوم وأما غيره كالحربي والمرتد فله العدول إلى قتله لعدم حرمته وإن حال بينهما نهر وخاف أنه إن عبره غلبه فله رميه ومنعه العبور وإن ضربه ضربه مثلا فهرب أو بطل صياله ثم ضربه ثانية ضمن الثانية بالقصاص وغيره فإن مات منهما فنصف دية تلزمه لأنه مات بمضمون وغيره
فإن عاد بعد الضربتين وصال ضربه ثالثة فمات من الثلاث فثلثها أي الدية تلزمه وله دفع من قصده بالصيال قبل أن يضربه من قصده ولو كان يندفع بالعصا فلم يجد إلا سيفا أو سكينا ضربه به إذ لا يمكنه الدفع إلا به ولا يمكن نسبته إلى التقصير بترك استصحاب عصا ونحوه فإن أمكن دفعه به بلا حرج له فجرح ضمن بخلاف ما إذا لم يمكن ومتى أمكنه الهرب أو التخلص بنحو تحصن بمكان حصين أو التجأ إلى فئة لزمه ذلك لأنه مأمور بتخليص نفسه بالأهون فالأهون قال الزركشي وقضيته أنه لو قاتله حينئذ فقتله لزمه القصاص وقضية كلام البغوي المنع فإنه قال تلزمه الدية قال تبعا للأذرعي وكلامهم يقتضي أن وجوب الهرب إنما هو فيما إذا دفع عن نفسه لا عن ماله ولا عن حرمه إلا أن يمكنه الهرب بهن فرع لو عض شخص يده مثلا خلصها منه بالأخف فالأخف من فك لحي وضرب فم لا غيره أي لا بغيره إلا إن احتاج في التخليص إلى أن يبعج أي يفتق بطنه أو أن يخلع لحييه أو أن يفقأ عينيه أو نحوها فله ذلك ولا يجب قبل ذلك الإنذار بالقول كما جزم به الماوردي والروياني فإن اختلفا في إمكان التخليص بدون ما دفع به صدق الدافع بيمينه ذكره الروياني فإن عجز عن تخليصها ونزعها فسقطت أسنانه أهدرت كنفسه وإن كان العاض مظلوما لأن العض لا يجوز بحال وقد أهدر النبي صلى الله عليه وسلم
168
168
كما في الصحيحين ثنية العاض وقال أيعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل ثم إن كان المعضوض غير معصوم كمرتد فليس له ما ذكر فإن فعل لم يهدر العاض قاله البلقيني وغيره و قولهم لا يجوز العض بحال حمله في الانتصار على ما إذا أمكنه التخلص بلا عض وإلا فهو حق له نقله عنه الأذرعي وقال إنه صحيح
فصل
لا يجب الدفع عن المال غير ذي الروح لأن إباحة المال جائزة نعم إن كان مال محجور عليه أو وقف أو مالا مودعا وجب على من هو بيده الدفع عنه قاله الغزالي في الإحياء وكذا إن كان ماله وتعلق به حق للغير كرهن وإجارة قاله الأذرعي ويجب الدفع عن الحرم أي النساء إن أمن الهلاك لأنه لا مجال للإباحة فيهن بخلاف المال وتعبيره بالحرم أعم من تعبير أصله بالأهل والمراد الدفع عن البضع ومقدماته وكذا يجب الدفع عن نفسه وغيره المحترمين إن قصده كافر ولو معصوما إذ غير المعصوم لا حرمة له والمعصوم بطلت حرمته بصياله ولأن الاستسلام للكافر ذل في الدين أو بهيمة لأنها تذبح لاستيفاء الآدمي فلا وجه للاستسلام بها وظاهر أن عضوه ومنفعته كنفسه ومحل وجوب الدفع عن غيره إذا أمن الهلاك كما صرح به الأصل لا إن قصده مسلم ولو مجنونا و مراهقا أو أمكن دفعه بغير قتله فلا يجب دفعه بل يجوز الاستسلام له بل يستحب كما أفهمه كلام الأصل لخبر أبي داود كن خير ابني آدم يعني قابيل وهابيل ولمنع عثمان رضي الله عنه عبيدة من الدفع يوم الدار وقال من ألقى سلاحه فهو حر واشتهر ذلك في الصحابة ولم ينكر عليه أحد وقيده الإمام وغيره بمحقون الدم ليخرج غيره كالزاني المحصن وتارك الصلاة ولو ظهر في بيت خمر يشرب أو طنبور يضرب أو نحوه فله الهجوم على متعاطيه لإزالته نهيا عن المنكر فإن لم ينتهوا فله قتالهم وإن أتى على النفس وهو مثاب على ذلك والغزالي ومن تبعه عبروا هنا بالوجوب وهو لا ينافي تعبير المصنف كالأصحاب بالجواز إذ ليس مرادهم أنه مخير فيه بل أنه جائز بعد امتناعه قبل ارتكاب ذلك وهو صادق بالواجب ويجب دفع الزاني عن المرأة ولو أجنبية وهذا علم من وجوب الدفع عن الحرم فإن اندفع بغير القتل فقتله عبارة الأصل ثم قتله اقتص منه لا في قتل زان محصن فلا يقتص منه كما مر في الجنايات وإن لم يندفع بغير القتل وأفضى الدفع إلى القتل وطولب القاتل بالقصاص كفاه شاهدان يشهدان أنه قتله دفعا عن المرأة فإن لم يكن له شهود حلف الورثة أي ورثة القتيل على نفي العلم بما قاله القاتل واقتصوا منه فإن كانوا أي الورثة اثنين فحلف أحدهما ونكل الآخر وحلف له القاتل فللحالف عليه نصف الدية فإن كان الآخر صبيا لم يقتص من القاتل حتى يبلغ الصبي فيحلف أو يموت فيحلف وارثه ثم يقتص من القاتل فإن أخذ البالغ وهو الحالف نصف الدية أخذ للصبي أي أخذ له وليه أيضا فإن بلغ وحلف مكن من التصرف فيما أخذ له وإلا بأن نكل حلف القاتل فلا شيء له ورد للقاتل ما أخذ له وإن قال القاتل زنى وهو محصن
169
169
فقتلته اشترط في ثبوت الزنا أربعة كما جاء في خبر مسلم وإلا أي وإن لم يكن له شهود أربعة حلف الأولياء أي ورثة القتيل على نفي العلم بما قاله القائل واقتصوا منه وإن أقروا أي الورثة باستمتاع غير الجماع كأن أقروا أن مورثهم كان معها تحت ثوب يتحرك تحرك المجامع وأنزل ولم يقروا بجماع لم يسقط القصاص عن الدافع فإن ادعى الورثة مع إقرارهم بجماعه بكارته فالقول قولهم وعلى القاتل البينة بالإحصان ومن قطع يمين السارق أو محارب بغير إذن الإمام احتسب به عن الحد فلا ضمان عليه بقطعها لأنها مستحقة الإزالة وعزر لافتياته على الإمام ولو جلد شخص زانيا أو قاذفا بغير إذن الإمام لم يحتسب به عن الحد لأن الجلد يختلف وقتا ومحلا بخلاف القطع والترجيح في الثانية من زيادته هنا وصرح به تبعا لأصله في باب حد القذف فلو مات من جلده بجلده لزمه القصاص وإن عاش أعيد عليه الحد فصل له أي للشخص رمي عين رجل وكذا امرأة أو خنثى أو مراهق حال نظره ولو من ملكه إلى امرأته عبارة أصله إلى حرمته في داره لخبر الصحيحين لو اطلع أحد في بيتك ولم تأذن له فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح وفي رواية صححها ابن حبان والبيهقي فلا قود ولا دية والمعنى فيه المنع من النظر سواء أكانت الحرمة مستورة أم لا ولو في منعطف لعموم الأخبار ولأنه يريد سترها عن الأعين وإن كانت مستورة بثياب ولأنه لا يدري متى تستتر وتنكشف فيحسم باب النظر وظاهر أن ذلك يثبت للمنظورة وإن الأمرد والأمة كالمرأة بناء على تحريم النظر إليهما وجاز رمي المراهق مع أنه غير مكلف لأنه في حرمة النظر كالبالغ والرمي تعزير وهو لا يختص بالمكاتب ولهذا يجوز دفع الصائل وإن كان صبيا أو بهيمة وخرج بما ذكر الأجنبي فليس له رمي الناظر لا حال نظره في مسجد وشارع فليس له رمي عينه لأن الموضع لا يختص به ولأنه الهاتك حرمته
وكذا رميه حال نظره إليه مكشوف العورة لما مر بخلاف مستورها قال الأذرعي لكن أطلق الشافعي جواز الرمي ونقله الروياني عن الأصحاب وهو المختار الأقوى للأخبار الصحيحة في ذلك وإنما يرميه إذا كان نظره من كوة ضيقة وشق باب مردود وكذا من سطحه أي الناظر ومنارة إذ لا تقصير من صاحب الدار ويجوز له رميه ولو قبل إنذاره قال الإمام هذا إذا لم يفد الصياح عليه ونحوه فإن كان يفيد فلا بد منه قبل رميه وهذا مخالف لكلام الأصحاب قال في الأصل بعد نقله كلام الإمام وينبغي أن يقل ما لا يوثق بكونه دافعا ويخاف من الابتداء به مبادرة الصائل لا يجب الابتداء به قطعا وإذا جاز له الرمي رماه بشيء خفيف تقصد العين بمثله كحصاة وإن أعماها لما مر فإن أصاب قريبا منها بلا قصد فجرحه فمات فلا ضمان لقرب الخطأ منها إليه إلا إن بان المرمي أعمى فيضمنه الرامي وإن جهل عماه قال المروروذي وكذا بصير في ظلمة الليل لأنه لم يطلع على العورات بنظره ولو أصاب ما لا يخطئ إليه رامي العين بأن كان بعيدا عنها ضمن لبعد الخطأ منها إليه وإن رماه بحجر يقتل أو نشاب أو قصد عضوا آخر ولو قريبا وجب الضمان نعم لو لم يجد غير الحجر والنشاب جاز كنظيره في الصيال فيما إذا أمكنه الدفع بالعصا ولم يجد إلا السيف نبه عليه الزركشي ومحل ما ذكر في الأخيرة إذا أمكنه رمي عينه
فإن لم يمكن رمي عينه أو لم يندفع برميه بالخفيف استغاث عليه قال الشافعي فإن لم يكن في محل غوث أحببت أن ينشده بالله تعالى ذكره الأصل ثم له إن لم يندفع
170
170
بالاستغاثة ضربه بسلاح ويناله بما يردعه فإن لم ينل منه شيئا عاقبه السلطان ويحرم رمي من لم يقصد الاطلاع بأن كان مخطئا أو مجنونا أو وقع نظره اتفاقا وعلم صاحب الدار الحال ولو الأولى قول أصله فلو رماه ثم ادعى هو عدم القصد أو عدم الاطلاع لم يصدق فلا شيء على الرامي لوجود الاطلاع ظاهرا وقصده أمر باطن لا يطلع عليه قال في الأصل وهذا ذهاب إلى جواز الرمي بل تحقق قصده وفي كلام الإمام ما يدل على منعه وهو حسن انتهى
وظاهر أن ما ذكر ليس ذهابا لذلك إذ لا يمنع ذلك أن يحتف الأمر بقرائن يعرف بها الرامي قصد الناظر فإن كان له أي للناظر محرم في الدار أو زوجة أو متاع لم يرم لشبهة النظر فلو كانت زوجة الساكن في الدار محرما للناظر وهي مكشوفة العورة جاز الرمي إذ ليس له النظر للعورة بخلاف ما إذا كانت مستورة ولو نظر من باب مفتوح أو كوة واسعة لم يرم لتقصير صاحب الدار إلا أن ينذره فيرميه كما صرح به الحاوي الصغير وغيره ويؤخذ من التعليل أنه لو كان الفاتح للباب هو الناظر ولم يتمكن رب الدار من إغلاقه جاز الرمي وهو ظاهر ولمستأجر الدار رمي المالك الناظر كمالكها وليس للغاصب لها ذلك لحرمة دخوله لها وفي المستعير وجهان صحح البلقيني منهما أنه يرميه قال وقربه القاضي من السرقة والصحيح فيها القطع فرع له دفع من دخل داره أو خيمته بغير إذنه كما يدفعه عن سائر أمواله و له اتباعه إن أخذ متاعا له وقتاله عليه إلى أن يطرحه وإنما يدفعه بعد الإنذار له كسائر أنواع الدفع قال الروياني وفرقوا بينه وبين ما ذكر في النظر إلى الحرمة بأن رمي العين منصوص عليه كقطع اليد في السرقة ودفع الداخل مجتهد فيه وبهذا يفرق بين ما هنا وما مر في تخليص اليد من عاضها من حيث إنه صلى الله عليه وسلم لما أهدر ثنية العاض بنزع المعضوض يده من فيه لم يفصل بين وجود الإنذار وعدمه فإن قتله في داره وقال دفعته أي إنما قتلته دفعا عن نفسي أو مالي وأنكر الولي فعليه البينة بأنه قتله دفعا ويكفي قولها أنه دخل داره شاهرا سلاحه وإن لم تقل وأراده بالصيال عليه للقرينة الظاهرة ولا يكفي قولها إنه دخل بسلاح من غير شهر نعم إن كان معروفا بالفساد وبينه وبين القتيل عداوة فينبغي أن يكفي ذلك للقرينة كما أشار إليه الزركشي ولا يتعين ضرب رجليه وإن كان الدخول بهما لأنه دخل بجميع بدنه فلا يتعين قصد عضو بعينه ولا يجوز رمي أذن مسترق سمعا فلو ألقى أذنه بشق الباب ليسمع لم يجز رميه إذ ليس السمع كالبصر في الاطلاع على العورات فصل لو أمكنه الهرب من فحل صائل عليه ولم يهرب فقتله دفعا ضمن بناء على وجوب الهرب عليه إذا صال عليه إنسان وفي حل أكل لحم الفحل الصائل الذي تلف بالدفع إن أصيب مذبحه تردد أي وجهان وجه منع الحل أنه لم يقصد الذبح والأكل قال الزركشي والراجح الحل كما دل عليه كلام الرافعي في الصيد والذبائح وإن قطع يد صائل دفعا وولى فتبعه فقتله قتل به لأنه حين ولى عنه لم يكن له أن يقتله ولا شيء له في اليد لأن النفس لا تنقص بنقص اليد ولهذا لو قتل من له يدان من ليس له إلا يد قتل به ولا شيء عليه وإن صال عبد مغصوب أو مستعار على المالك فقتله دفعا لم يبرأ كل من الغاصب والمستعير من الضمان إذ لا أثر لقتله دفعا الباب الثالث فيما تتلفه البهائم
171
171
وإن أرسل دابته أو دابة تحت يده كما سيأتي كلامه في الصحراء بلا راع لا طيره فأتلفت شيئا ضمن ما أتلفته ليلا لا نهارا لتقصيره بإرسالها ليلا بخلافه نهارا للخبر الصحيح في ذلك رواه أبو داود وغيره وهو وفق العادة في حفظ الزرع ونحوه نهارا والدابة ليلا وإنما لم يضمن في الطير لأن العادة جرت بإرساله ولو تعودوا أي أهل البلد الإرسال للبهائم أو الحفظ للزرع ليلا دون النهار انعكس الحكم فيضمن مرسلها ما أتلفته نهارا لا ليلا اتباعا لمعنى الخبر وللعادة من ذلك يؤخذ ما بحثه البلقيني أنه لو جرت عادة بلد بحفظها ليلا ونهارا ضمن مرسلها ما أتلفته مطلقا وإن كان للمزارع والبساتين إغلاق لم يضمن مرسلها ما أتلفته منها إن تركت مفتوحة ولو ليلا لأن مالك ما أتلفته هو المضيع لماله والتصريح باعتبار الغلق في المزارع من زيادته
ولو كان المرعى بعيدا عن المزارع وفرض انتشار للبهائم إلى أطراف المزارع فلا ضمان على مرسلها لما أتلفته مطلقا لانتفاء تقصيره وإن كان المرعى بين المزارع ضمن ما أتلفته ليلا وكذا نهارا إلا إن تعودوا إرسالها بلا راع فلا يضمنه لانتفاء تقصيره وإن ربطها ليلا فانفلتت بغير تقصير منه كأن انهدم الجدار أو فتح الباب لص أو قطعت حبلها لم يضمن ما أتلفته مطلقا لذلك وكذا لا يضمنه لو قصر وحضر صاحب الزرع وقدر على تنفيرها ولم ينفرها لأنه المضيع لماله وإن نفر شخص دابة مسيبة عن زرعه فوق قدر الحاجة ضمنها أي دخلت في ضمانه كما لو ألقت الريح ثوبا في حجره أو جر السيل حبا فألقاه في ملكه لا يجوز إخراجه وتضييعه بل يدفعه لمالكه فينبغي إذا نفرها أن لا يبالغ في إبعادها بل يقتصر على قدر الحاجة وهو القدر الذي يعلم أنها لا تعود منه إلى زرعه قاله المروروذي وإن أخرجها عن زرعه إلى زرع غيره فأتلفته ضمنه إذ ليس له أن يقي ماله بمال غيره فإن لم يكن إلا ذلك بأن كانت محفوفة بمزارع الناس ولم يمكن إخراجها إلا بإدخالها مزرعة غيره تركها في زرعه وغرم صاحبها ما أتلفته وإن أرسلها في البلد ضمن ما أتلفته لمخالفة العادة وربط الدواب في الطريق ولو على دار الرابط يضمن رابطها ما أتلفته سواء أضاق الطريق أم اتسع لأن الارتفاق به مشروط بسلامة العاقبة كإشراع الجناح نعم إن ربطها في المتسع بإذن الإمام لم يضمن كما لو حفر بئرا فيه لمصلحة نفسه قاله القاضي والبغوي لا ربطها في الملك أي ملك الرابط والموات فلا يضمن رابطها ما أتلفته في غيبته وذو اليد عليها وإن كان غاصبا يضمن ما تتلفه الدابة بحضوره مطلقا أي سواء أتلفته ليلا أم نهارا سائقا كان أو قائدا أو راكبا أتلفته بيدها أو رجلها أو غيرهما لأنها تحت يده وعليه حفظها فإن حضر ها سائق وقائد فنصفان أي فالضمان نصفان لأنها تحت يدهما ويضمن الراكب دونهما إذا حضروها لأن اليد له خاصة وقيل يضمنون أثلاثا
172
172
والترجيح من زيادته وبه صرح الروياني وغيره واقتضاه كلام الرافعي ولو نخس الدابة شخص بغير إذن الراكب ضمن ما أتلفته لأنه المتسبب أو بإذنه ضمن الراكب لأنه الحامل على النخس وقد مر بيان ذلك في الباب الرابع في موجب الدية وكالراكب السائق والقائد وإن غلب المركوب مسيره فانفلت منه وأتلف شيئا لم يضمن لخروجه من يده وإن كان يده عليها وأمسك لجامها فركبت رأسها فهل يضمن ما أتلفته لأن من حقه أن يضبط مركوبه أو لا يركب ما لا يضبطه أو لا يضمن لخروج الأمر عن اختياره قولان قضية كلامه كأصله في مسألة اصطدام الراكبين ترجيح الضمان نبه عليه البلقيني وغيره قال الإمام ومن ركب الدابة الصعبة التي لا تنضبط بالكج والترديد في معاطف اللجام أو ساق الإبل غير مقطورة في الأسواق فيهما ضمن ما أتلفته لتقصيره بذلك وما فسد بروث أو بول الدابة السائرة في الطريق ولو وقفت حين روثها أو بولها أو برشاشها الحاصل من وحل أو غبار لا يضمن وإن كان الطريق ضيقا لأنه لا يخلو عن ذلك ولا سبيل إلى المنع من الطروق كذا ذكره كأصله هنا وخالفاه في كتاب الحج فجزما فيه بالضمان ونص عليه في الأم لأن الارتفاق بالطريق مشروط بسلامة العاقبة كما مر وهذا ما عليه الأصحاب والأول احتمال للإمام جزم به هنا لكنه بين في الديات أنه احتمال وأن الأصحاب على الضمان ومن هنا قال البلقيني عدم الضمان فيما تلف بركض معتاد بحث للإمام بناه على احتماله المذكور والذي يقتضيه قياس المذهب الضمان وإطلاق نصوص الشافعي والأصحاب قاضية به نعم إن ركض خلاف العادة فرسه أو نحوها بوحل ونحوه ضمن ما أتلفته أو ركضها كالعادة فطارت حصاة لعين إنسان لم يضمن وأفاد قوله كالعادة أن ذلك محله إذا كان الموضع موضع ركض وإلا فيضمن وبه صرح الأصل قال الأذرعي والظاهر أن هذا التفصيل إنما يأتي على طريقة الإمام أما على طريقة الجمهور فيضمن في الحالين والسائر بالحطب على دابة أو غيرها يضمن الجدارات إذا تلفت به نعم لو كانت مستحقة الهدم ولم يتلف شيء من الآلة لم يضمنها ذكره الأذرعي وكذا يضمن ما يتلفه الحطب من نفس ومال إن كان ثم زحام كأن يكون بسوق لتولد ذلك بسببه سواء كان المتلف مقبلا أم مدبرا وإلا أي وإن لم يكن ثم زحام ضمن مدبرا و أعمى ولو مقبلا إذا تلف بذلك ولم ينبههما لتقصيره بخلاف ما لو كان مقبلا بصيرا أو مدبرا أو أعمى ونبههما فلم يحترزا ويلحق بالأعمى معصوب العين لرمد ونحوه ذكره الأذرعي وألحق البغوي وغيره بما إذا لم ينبهه ما لو كان أصم وقيد الإمام والغزالي وغيرهما البصير المقبل بما إذا وجد منحرفا وقضيته أنه إذا لم يجده لضيق وعدم عطفة يضمن لأنه في معنى الزحام نبه عليه الزركشي قال ولو دخل السوق في غير وقت الزحام فحدث الزحام فالمتجه إلحاقه بما إذا لم يكن زحام لعدم تقصيره كما لو حدثت الريح وأخرجت المال من النقب لا قطع فيه بخلاف تعريضه للريح الهابة وإن تعلق الحطب بثوبه فجذبه أيضا فنصف الضمان على صاحب الحطب كلاحق وطئ مداس سابق فانقطع فإنه يلزمه نصف الضمان لأنه انقطع بفعله وفعل السابق قال في الأصل وينبغي أن يقال إن انقطع مؤخرا مداس السابق
173
173
فالضمان على اللاحق أو مقدم مداس اللاحق فلا ضمان على السابق ولو تعودت الهرة الإتلاف بأن عهد منها ذلك ضمن مالكها ما أتلفته ليلا أو نهارا إلا مثلها ينبغي ربطه وكف شره وقوله مالكها مثال والمراد من يأويها وكذا كل حيوان عاد حكمه كذلك ولا ضمان لما أتلفته إن لم تعتد ذلك إذ العادة حفظ الطعام عنها لا ربطها ولو هلكت في الدفع عن حمام ونحوه فهدر لصيالها ولو أخذت حمامة وهي حية جاز فتل أذنها وضرب فمها لترسلها صرح به الأصل ولا تقتل ساكنة ولو ضارية لإمكان التحرز عن شرها وليست الضارية كالفواسق لأن ضراوتها عارضة وإن كان بداره كلب عقور أو دابة رموح ودخل ها رجل بإذنه ولم يعلمه بحال الكلب أو الدابة فعضه الكلب أو رمحته الدابة ضمن وإن كان الداخل بصيرا كما لو وضع بين يديه طعاما مسموما وهذا لا يخالف ما مر في آخر الطرف الثالث من الجنايات حيث جزم بعدم الضمان لأن ما هنا في كلب الدار وما هناك في كلب ربطه مالكها على بابها وعللوه ثم بأنه ظاهر يمكن دفعه أو دخلها بلا إذن أو أعلمه بالحال فلا ضمان لأنه المتسبب في هلاك نفسه والفواسق الخمس لا تعصم ولا تملك ولا أثر لليد فيها باختصاص لعدم احترامها للأمر بقتلها وألحق بها الإمام المؤذيات بطباعها كالأسد والذئب فصل المودع والمستأجر للحفظ كالمالك في أن كلا منهما يضمن ما أتلفته الدابة في يده بلا إرسال ليلا ونهارا وبإرسال ليلا ونهارا وهذا الأخير هو ما ذكره الأصل تفقها بعد نقله عن إطلاق البغوي أنه يضمن ما أتلفته ليلا ونهارا ومن ألقت الريح في حجره ثوبا مثلا فألقاه ضمنه لتركه الواجب عليه مما ذكر بقوله فليسلمه إلى المالك ولو إلى نائبه وإلا أي وإن لم يجده فالحاكم وكذا يجب على الشخص رد دابة دخلت ملكه إلى مالكها فإن لم يجده فإلى الحاكم إلا إن كان المالك هو الذي سيبها فليحمل قولهم فيما مر أخرجها من زرعه إن لم يكن زرعه محفوفا بزرع غيره على ما سيبه الأوضح سيبها المالك وإلا بأن لم يسيبها فيضمن ها المخرج لها إذ حقه أن يسلمها لمالكها فإن لم يجد فإلى الحاكم ولو سقط شيء من سطح غيره يريد أن يقع في ملكه فدفعه في الهواء حتى وقع خارج ملكه لم يضمن قاله البغوي في فتاويه ولا يضمن صاحب الدابة ما أتلفته إن قصر صاحب الزرع ونحوه في حفظ معتاد لأنه المضيع لماله وهذا يعلم مما مر في قوله وكذا لو قصر وحضر صاحب الزرع ولم ينفرها ويدفعها صاحب الزرع عن الزرع دفع الصائل فإن تنحت عنه لم يجز إخراجها عن ملكه لأن شغلها مكانه وإن كان فيه ضرر عليه لا يبيح إضاعة مال غيره وإن حمل متاعه في مفازة على دابة رجل بلا إذن منه وغاب فألقاه الرجل عنها فضاع أو أدخل دابته زرع غيره بلا إذن منه فأخرجها من زرعه فوق قدر الحاجة فضاعت ففي الضمان عليه لهما وجهان أحدهما لا لتعدي المالك والثاني وهو الأوجه نعم لتعدي الفاعل
174
174
بالتضييع وإن دخلت بقرة مثلا مسيبة ملكه فأخرجها من موضع يعسر عليها الخروج منه فتلفت ضمن ها وإن دخلت دابة ملكه فرمحته فمات فكإتلافها زرعه في الضمان وعدمه فيفرق بين الليل والنهار والدية إن وجبت تكون على عاقلة مالكها أي الدابة كحفر البئر وإن ضرب شجرة في ملكه ليقطعها وعلم أنها إذا سقطت تسقط على غافل عن ذلك من النظار ولم يعلمه القاطع به فسقطت عليه فأتلفته ضمن ه وإن دخل ملكه بغير إذنه وإلا بأن يعلم القاطع بذلك أو علم به وعلم به الناظر أيضا أو لم يعلم به لكن أعلمه القاطع به أو لم يعلما به فلا يضمنه إذ لا تقصير منه ولو ركب صبي أو بالغ دابة رجل بغير إذنه فغلبته الدابة وأتلفت شيئا فعلى الراكب الضمان بخلاف ما لو ركب المالك فغلبته حيث لا يضمن في قوله كما مر لأنه غير متعد صرح به الأصل وإذا ند بعير من مالكه فأتلف شيئا أو تفرقت الغنم على الراعي لريح هاجت وأظلمت أي وأظلم النهار بها فأتلفت المزارع لم يضمن كل من المالك والراعي ما أتلفته لعدم تقصيره وبهذا فارق ما أتلفته الدابة التي غلبت راكبها حيث يضمن كما مر وإن تفرقت لنومه أو غفلته عنها فأتلفت ذلك ضمن لتقصيره وذكر الغفلة من زيادته وإن رد دابة بغير إذن وهي تحت يده فأتلفت في رجوعها شيئا ضمنه لذلك وهذه تقدمت في الباب الرابع في موجب الدية وإن سقط هو أو مركوبه ميتا على شيء فأتلفه فلا ضمان وإن سقط طفل على شيء فأتلفه ضمنه لأن للطفل فعلا بخلاف الميت وإن حل قيد دابة غيره لم يضمن ما أتلفت كما لو أبطل الحرز فأخذ المال وكذا لو سقطت دابة في وهدة فنفر من سقطتها بعير وتلف كما صرح به الأصل وإن أتلفت الدابة المستعارة وكذا المبيعة قبل القبض لها زرعا مثلا لمالكها ضمن ها المستعير والبائع لأنها في يدهما وأتلفت ملك غيرهما فإن كان الزرع للبائع لم يضمنه وإن كان ثمنا للدابة لأنها أتلفت ملكه ويصير قابضا للثمن بذلك كما مر في محله وإن تنخم في ممر حمام فزلق بها أي بنخامته رجل فتلف ضمن ه كتاب السير جمع سيرة وهي الطريقة والمقصود منها أصالة الجهاد المتلقى تفصيله من سير النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته فلهذا ترجم المصنف ككثير بها وبعضهم بالجهاد وبعضهم بقتال المشركين والأصل فيه قبل الإجماع آيات كقوله تعالى كتب عليكم القتال وقاتلوا المشركين كافة واقتلوهم حيث وجدتموهم وأخبار كخبر الصحيحين أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وخبر مسلم لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها وفيه ثلاثة أبواب الأول في فروض الكفايات وفيه أطراف ثلاثة الأول في مقدمات لفروض الكفاية أول ما فرض بعد الإنذار والدعاء إلى التوحيد من قيام الليل ما ذكر في أول سورة المزمل ثم نسخ بما في آخرها ثم نسخ با لصلوات الخمس أي بإيجابها ليلة الإسراء بمكة بعد النبوة بعشر سنين وثلاثة أشهر ليلة سبع وعشرين من رجب كذا في الروضة وخالفه في فتاويه فقال بعد النبوة بخمس أو ست وقيل غير ذلك وجعل الليلة من ربيع الأول وخالفهما معا في شرح مسلم فجزم بأنها من ربيع الآخر وقلد فيها القاضي عياض نبه على ذلك الإسنوي ثم أمر صلى الله عليه وسلم بالصلاة إلى بيت المقدس مدة إقامته بمكة وبعد الهجرة ستة عشر شهرا أو سبعة عشر وإلا نسب بكلام أصله أن يقول ثم نسخ بالصلوات الخمس إلى بيت المقدس إذ لم يثبت ترتيب بين النسخ بذلك وبين الصلاة إلى
175
175
بيت المقدس ثم أمر باستقبال الكعبة ثم فرض الصوم بعد الهجرة بسنتين تقريبا و فرضت الزكاة بعد الصوم وقيل قبله ثم فرض الحج سنة ست وقيل سنة خمس ولم يحج صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة إلا حجة الوداع سنة عشر واعتمر أربعا
ومنع أمته أول الإسلام من قتال الكفار وأمروا بالصبر على أذاهم بقوله تعالى لتبلون في أموالكم الآية ثم أمر به إذا ابتدئوا به بقوله تعالى وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ثم أبيح له ابتداؤه في غير الأشهر الحرم بقوله فإذا انسلخ الأشهر الحرم الآية ثم أمر به مطلقا من غير تقييد بشرط ولا زمان بقوله واقتلوهم حيث ثقفتموهم
وما عبد صنما قط قال الرافعي ورووا أنه صلى الله عليه وسلم قال ما كفر بالله نبي قط انتهى ومعناه صحيح إجماعا قال في الروضة واختلفوا في أنه هل كان قبل النبوة يتعبد على دين إبراهيم أم نوح أم موسى أم عيسى أم لم يلتزم دين أحد منهم والمختار أنه لا يجزم في ذلك بشيء لعدم الدليل ا ه وصحح الواحدي الأول وعزى إلى الشافعي واقتصر الرافعي على نقله عن صاحب البيان
والأنبياء معصومون قبل النبوة من الكفر وفي عصمتهم قبلها من المعاصي خلاف و هم معصومون بعدها من الكبائر ومن كل ما يزري بالمروءة وكذا من الصغائر ولو سهوا عند المحققين لكرامتهم على الله تعالى أن يصدر عنهم شيء منها وتأولوا الظواهر الواردة فيها وجوز الأكثرون صدورها عنهم سهوا إلا الدالة على الخسة كسرقة لقمة
وشرع من قبلنا ليس بشرع لنا وإن لم يرد شرعنا بنسخ ذلك الحكم
قال في الروضة وبعث وله أربعون سنة وأقام بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة على الصحيح فيهما ثم هاجر إلى المدينة فأقام بها عشرا بالإجماع ودخلها ضحى يوم الاثنين لثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الأول وتوفي ضحى يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة
الطرف الثاني في وجوب الجهاد وهو فرض كفاية لا فرض عين وإلا لتعطل المعاش وقد قال تعالى لا يستوي القاعدون من المؤمنين الآية ذكر فضل المجاهدين على القاعدين ووعد كلا الحسنى والعاصي لا يوعد بها وفي خبر الصحيحين من جهز غازيا فقد غزا ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا فلو عطل الجهاد بأن امتنع كل
176
176
المسلمين منه أثم كل من لا عذر له من الأعذار الآتي بيانها كترك سائر فروض الكفايات
وإن جاهد من فيه كفاية سقط الفرض عن الباقين وتحصل الكفاية بأن يشحن الإمام الثغور بمكافئين للكفار مع إحكام الحصون و حفر الخنادق ونحوها وتقليد الأمراء بأن يرتب في كل ناحية أميرا كافيا يقلده أمور المسلمين من الجهاد وغيره أو بأن يدخل الإمام أو نائبه دار الكفر بالجيوش لقتالهم
وأقله أي الجهاد مرة واحدة في السنة كإحياء الكعبة ولفعله صلى الله عليه وسلم له منذ أمر به كل سنة فكانت غزوة بدر الكبرى في الثانية وأحد ثم بدر الصغرى ثم بني النضير في الثالثة والخندق في الرابعة وذات الرقاع ثم دومة الجندل وبني قريظة في الخامسة والحديبية وبني المصطلق في السادسة وخيبر في السابعة ومؤتة وذات السلاسل وفتح مكة وحنين والطائف في الثامنة وتبوك في التاسعة على خلاف في بعض ذلك جرى عليه الرافعي وتبعته عليه في شرح البهجة ولأن الجزية لكف القتال و إنما تؤخذ في كل سنة مرة وكذا سهم الغزاة فلا بد من جهاد فيها فإن زاد على مرة فهو أفضل صرح به الأصل لا أقل من مرة يعني لا يجوز إخلاء سنة عنها إلا لضرورة كعجز عن قتالهم أو عذر كعزة زاد في الطريق وانتظار لحاق مدد وتوقع إسلام قوم منهم فيؤخر الجهاد حتى تزول الضرورة أو العذر وإن دعت الحاجة لأكثر من مرة في السنة وجب ذكره ابن أبي عصرون
ويبدأ وجوبا إن لم يمكن بث الأجناد للجهاد في جميع النواحي بالأهم فالأهم منها وقوله وهو الأشد ضررا علينا من زيادته ثم ندبا الأقرب إلينا إن لم يكن أهم
ويناوب بين الغزاة مراعاة للنصفة فلا يتحامل على طائفة بتكرير الإغزاء مع إراحة الآخرين
ولا يجب الجهاد إلا على مسلم بالغ عاقل ذكر حر مستطيع له ولو سكران لا على صبي ومجنون لعدم تكليفهما و لا على امرأة وخنثى لضعفهما عن القتال غالبا ولخبر البيهقي وغيره عن عائشة قلت يا رسول الله هل على النساء جهاد قال نعم جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة و لا على من فيه رق ولو مكاتبا أو مبعضا وإن أمره سيده به كما في الحج لعدم أهليته له نعم للسيد استصحاب غير المكاتب للخدمة كما في الحضر و لا على ذمي وغيره من سائر الكفار لأنهم غير مطالبين به كما في الصلاة والذمي بذل الجزية لنذب عنه لا ليذب عنا و لا على بين العرج ولو ركب لعجزه والدابة قد تتعطل فيتعذر الفرار و لا على مريض تعظم مشقته وأشل يد وفاقد معظم أصابعها وفاقد الأنامل وأعمى وعادم أهبة وذي عذر يسقط الحج أي وجوبه كعدم راحلة في سفر القصر لعجزهم إلا الخوف من الكفار ومتلصصي المسلمين فلا يمنع وجوب الجهاد لأن مبناه على ركوب المخاوف فإن بذل الأهبة لفاقدها غير الإمام لم يلزم القبول بخلاف ما لو بذلها له الإمام من بيت المال يلزمه قبولها لأنها حقه
ويجب الجهاد على أعور وأعشى وضعيف نظر يبصر الشخص والسلاح ليتقيهما وفاقد أقل أصابع يد لأن ذلك لا يمنع مكافحة العدو وقضية كلامه كأصله أنه يجب على فاقد الإبهام والمسبحة وفاقد الوسطى والبنصر لكن قال الأذرعي الظاهر أنه لا يجب عليهما أي كما لا يجزئان في الكفارة وقد يفرق بينهما و على ذي صداع وعرج يسيرين لأنهما لا يمنعان مكافحة العدو
ويؤذن للمراهق أي يأذن له الإمام مع أصله في الخروج للجهاد لمداواة الجرحى وسقي الماء وحفظ الأمتعة ونحوها لا للمجنون إذ لا فائدة له بل قد يشوش
ويستصحب معه النساء للمداواة والسقي ونحوهما عبارة الأصل وللإمام أن يأذن للمراهقين والنساء في الخروج وأن يستصحبهم لسقي الماء ومداواة المرضى ومعالجة
177
177
الجرحى
فرع يحرم السفر على مديون موسر بغير إذن غريمه
أي الدائن مسلما كان أو ذميا وكالمديون وليه فيما يظهر لأنه المطالب وللغريم منعه من السفر لتوجه مطالبته وحبسه إن امتنع بخلاف المعسر ولا يمنعه من السفر قبل حلول الدين ولو كان سفره في خطر كالجهاد وركوب البحر إذ لا مطالبة في الحال فإن وكل الموسر من يقضيه أي الدين من مال له حاضر لا غائب جاز الخروج للسفر لأن الدائن يصل إلى حقه في الحال بخلافه في الغائب لأنه قد لا يصل
فرع يشترط لجواز الخروج للجهاد وحج التطوع لا حج الفرض إذن سائر أي جميع أصوله المسلمين ولو وجد الأقرب منهم وأذن سواء كانوا أحرارا أم أرقاء ذكورا أو إناثا لأن برهم متعين عليه وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال لمستأذنه في الجهاد أحي والداك قال نعم قال ففيهما فجاهد بخلاف حج الفرض لأنه فرض عين وفي تأخيره خطر الفوات وليس الخوف فيه كالخوف في سفر الجهاد والعمرة في ذلك كالحج لا لطلب العلم أي لا يشترط لجواز الخروج له مع الأمن إذنهم ولو لم يتعين طلب العلم لأنه إن تعين فكسفر الحج بل أولى لأن الحج على التراخي أو كان فرض كفاية فلأن الحجر على المكلف وحبسه بعيد ولأنه بالخروج يدفع الإثم عن نفسه كالفرض المتعين عليه وفارق السفر للجهاد بعظم خطره وكذا لا يشترط له ذلك لو وجده أي طلب العلم بأن وجد من يتعلم منه في البلد الذي هو فيه لكن توقع زيادة فراغ أو إرشاد من أستاذ أو غيرهما كما لا يشترط لجواز الخروج للتجارة أن لا يتمكن منها ببلده بل اكتفى بتوقع زيادة ربح أو رواج وقيد الرافعي الخارج وحده بالرشيد قال الأذرعي وينبغي أن لا يكون أمرد جميلا يخشى عليه ولا يشترط إذنهم للخروج لسفر التجارة ولو بعد كي لا ينقطع معاشه ويضطرب أمره إلا للخروج لركوب بحر وبادية مخطرة فيشترط ذلك لشمول معنى البر والشفقة والوالد الكافر فيما ذكر كالمسلم لذلك إلا في الجهاد لتهمة ميله لأهل دينه والرقيق كالحر لشمول ما ذكر وهذا وما قبله علما مما مر مع أن الحر لم يصرح به فيما مر حتى يحيل عليه وإنما الكلام السابق شامل لهما معا
فرع لو رجع الوالد أو الغريم عن الإذن له أو أسلم أصله الكافر ولم يكن أذن له وعلم هو بالحال فعليه الرجوع عن القتال إلحاقا للدوام بالابتداء لكن قيده الشافعي في الأخيرة بأن يأمر الأصل فرعه بعد الإسلام بالرجوع
178
178
ومثله ما لو تجدد عليه دين فلا يأثم باستمرار السفر عند سكوت الأصل والدائن ويفارق ما مر في ابتداء السفر بأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء هذا كله قبل الشروع في القتال إن أمن في طريقه على نفسه وماله ونحوهما ولم تنكسر قلوب المسلمين برجوعه ولم يخرج مع الإمام بجعل وإلا فلا يلزمه الرجوع بل لا يجوز ولو أمكنه الإقامة عند الخوف بموضع في طريقه لزمه الإقامة به حتى يرجع الجيش لحصول غرض الراجع من عدم حضور القتال وإن لم يمكنه الإقامة ولا الرجوع فله المضي مع الجيش لكن يتوقى مظان القتل نص عليه الشافعي في الأم ولو شرع في القتال بأن التقى الصفان حرم عليه الرجوع ولو خرج بلا إذن لوجوب المصابرة لقوله تعالى إذا لقيتم فئة فاثبتوا ولأن الانصراف يشوش أمر القتال وقيل لا يحرم ذلك إذا خرج بلا إذن والترجيح من زيادته
ورجوع العبد إذا خرج بلا إذن من سيده قبل الشروع في القتال واجب وبعده مستحب وإنما لم يجب عليه الثبات بعده لأنه ليس من أهل الجهاد
فرع لو مرض من خرج للجهاد أو عرج عرجا بينا أو تلف زاده فله الانصراف ولو من الوقعة لأنه لا يمكنه القتال هذا إن لم يورث انصرافه من الوقعة فشلا في المسلمين و إلا حرم انصرافه منها وعليه يحمل إطلاق نص الأم على أنه ليس له الانصراف منها فقول الإسنوي أن هذا القيد ضعيف مردود وألحق الأصل هنا تلف الدابة بتلف الزاد وذكر فيه كلاما مردودا بما ذكره في الباب الثاني فتركه المصنف ليذكره ثم على الصواب
ولينو ندبا المنصرف من الوقعة لمرض أو نحوه التحيز أو التحرف إلى مكان ليزول عذره هذا من زيادته هنا ولو قال ولا ينوي الفرار كان أولى
فإن انصرف لعذر كتلف زاد ثم زال العذر قبل فراق دار الحرب لا بعده لزمه الرجوع للجهاد
ومن شرع في صلاة جنازة لزمه الإتمام لها لأنها في حكم الخصلة الواحدة وقد تعلق الفرض بعين المصلي لشروعه فيه ولأن الإعراض عنها هتك لحرمة الميت كالقتال فإنه يلزم من شرع فيه إتمامه فيحرم انصرافه منه إذ يخاف منه التخذيل وكسر قلوب المسلمين لا من شرع في تعلم علم فلا يلزمه إتمامه وإن آنس من نفسه الرشد فيه لأن الشروع لا يغير حكم المشروع فيه غالبا ولأن كل مسألة مطلوبة برأسها منقطعة عن غيرها وليست العلوم كالخصلة الواحدة بخلاف الجهاد ونحوه قال الأذرعي والمختار لزوم إتمامه لأنه تلبس بفرض عظيم ولو شرع لكل شارع في علم الشريعة لإعراض عنه لأدى ذلك إلى إضاعة العلم
فصل يتعين الجهاد بالشروع في القتال الأولى والأخصر فيه على أهل فرض الكفاية هذا لا حاجة إليه لعلمه مما مر
و يتعين عليهم بدخول الكفار فإن دخل الكفار بلاد المسلمين تعين عليهم لأن دخولهم لها خطب عظيم لا سبيل إلى إهماله ولو قال وبدخول الكفار بلاد المسلمين وحذف الباقي كان أولى وأخصر فلو دخلوا بلدة لنا تعين على أهلها من المكلفين حتى على عبيد ونساء لا نساء ضعيفات فلا يتعين عليهن وعبارة الأصل فلا يحضرن وعلله الرافعي بأن حضورهن قد يجر شرا ويورث وهنا ولا حجر لسيد على رقيقه و لا زوج على زوجته ولا أصل على فرعه ولا دائن على مدينه كما صرح بهما الأصل حينئذ أي حين دخول الكفار البلدة و حتى على المعذورين بعمى وعرج ومرض ونحوها و على من دون مسافة القصر من البلدة ولو استغنى عنهم بغيرهم لتقوى القلوب وتعظم الشوكة وتشتد النكاية في الكفار انتقاما من هجومهم ولا يجوز انتظارهم مع قدرة الحاضرين على القتال عبارة الأصل وليس لأهل البلدة ثم الأقربين فالأقربين إذا قدروا على القتال أن يلبثوا إلى لحوق الآخرين و حتى على الأبعدين عن البلدة بأن يكونوا بمسافة القصر عند الحاجة إليهم في القتال بأن لم يكن في أهلها والذين يلونهم كفاية بخلاف ما إذا كان فيهم كفاية لا يجب على الأبعدين لأنه يؤدي إلى الإيجاب على جميع الأمة وفي ذلك حرج بغير حاجة فيصير الجهاد فرض عين في حق من قرب وفرض كفاية في حق من بعد
ويشترط
179
179
في الوجوب المركوب أي وجوده للأبعد دون الأقرب كما في الحج ويشترط فيه الزاد أي وجوده للجميع من الأبعد والأقرب إذ لا استقلال بغير زاد ولا معنى لإلزامهم الخروج مع العلم بأنهم سيهلكون
ولو قهروا أي المسلمون ولم يتمكنوا من الدفع عن أنفسهم وتوقعوا الأسر والقتل وأمنت المرأة امتداد الأيدي إليها في الحال لو أسرت جاز لهم الاستسلام لأن المكافحة حينئذ استعجال للقتل والأسر يحتمل معه الخلاص وإلا بأن لم تأمن المرأة ذلك فلا يحل لها الاستسلام بل يلزمها الدفع ولو قتلت لأن من أكره على الزنا لا تحل له المطاوعة لدفع القتل والأصل أفرد مسألة المرأة على حدتها وهو أحسن ثم قال ما معناه فإن كانت تأمن من ذلك حالا بعد الأسر فيحتمل أنه يحل لها الاستسلام حالا ثم تدفع إذا أريد منها ذلك
ولو نزلوا أي الكفار على خراب أو موات ولو بعيدا عن الأوطان من حدود دار الإسلام تعين دفعهم كما لو دخلوا بلاد الإسلام
وكذا لو أسروا مسلما وأمكن تخليصه منهم بأن رجوناه تعين جهادهم وإن لم يدخلوا دارنا لأن حرمة المسلم أعظم من حرمة الدار ولخبر البخاري فكوا العاني فإن لم يمكن تخليصه بأن لم نرجه لم يتعين جهادهم بل ينتظر للضرورة وذكر في التنبيه وغيره أنه يلزمنا فك من أسر من الذميين
ولا يتسارع الآحاد والطوائف منا إلى دفع ملك منهم عظيم شوكته دخل أطراف البلاد أي بلادنا لما فيه من عظم الخطر
الطرف الثالث فيما عدا الجهاد من فروض الكفايات وهي كثيرة كغسل الميت وتكفينه وغير ذلك مما ذكرت في أبوابها كصلاة الميت ودفنه وصلاة الجماعة وهي أمور كلية يتعلق بها مصالح دينية أو دنيوية لا ينتظم الأمر إلا بحصولها فطلب الشارع تحصيلها لا من كل أحد بخلاف فرض العين فإن كل واحد طلب منه تحصيله وعلى الإمام أن ينصب محتسبا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وإن كانا لا يختصان بالمحتسب قال في الأصل والمراد منه الأمر بواجبات الشرع والنهي عن محرماته فيتعين عليه الأمر بصلاة الجمعة إذا اجتمعت شروطها وكذا بصلاة العيد وإن قلنا إنها سنة لأن الأمر بالمعروف هو الأمر بالطاعة لا سيما ما كان شعارا ظاهرا كذا في الروضة مع جزمها كأصلها بما مر آنفا وأجيب بأنه ذكر أولا موضع الإجماع ثم ذكر موضع الخلاف ويجاب أيضا بأن الثاني خاص بالمحتسب وقول الإمام معظم الفقهاء على أن الأمر بالمعروف في المستحب مستحب محله في غير المستحب ولا يقاس بالوالي غيره ولهذا لو أمر الإمام بصلاة الاستسقاء أو بصومه صار واجبا
ولا يأمر المخالفين له في المذهب بما لا يجوزوه بحذف نون الرفع على لغة لكن عبارة الأصل بما لا يجوز بترك الواو ولا ينهاهم عما يرونه فرضا عليهم أو سنة لهم
ويأمر المسلمين بالمحافظة على الفرائض والسنن ولا يعترض عليهم في تأخيرها والوقت باق لاختلاف العلماء في فضل تأخيرها
ويأمر فيما الأولى بما كما في نسخة يعم نفعه كعمارة سور البلد وسربه ومعونة المحتاجين من أبناء السبيل وغيرهم ويجب ذلك من بيت المال إن كان فيه مال وإلا فعلى من له مكنة أي قدرة على ذلك
وينهى الموسر عن مطل الغريم إن استعدى أي استعداه الغريم عليه ولو قيل بأنه ينهاه من حيث المعصية وإن لم يستعد لم يكن بعيدا
و ينهى الرجل عن الوقوف مع المرأة في طريق خال لأنه موضع ريبة فينكر عليه ويقول له إن كانت محرما لك فصنها عن مواقف الريب وإن كانت أجنبية فخف الله في الخلوة معها بخلاف ما لو وجده معها في طريق يطرقه الناس
ويأمر بنكاح الأكفاء أي إنكاحهم وإيفاء العدد والرفق بالمماليك وتعهد البهائم والمأمور بالأول الأولياء وبالثاني النساء وبالثالث السادة وبالرابع أصحاب البهائم ومن لازم الأمر بتعهدها الأمر بأن لا يستعملوها فيما لا تطيق المصرح به في الأصل مع أنه معلوم أيضا من الأمر بالرفق بالمماليك
وينكر على من تصدى للتدريس والفتوى والوعظ وليس هو من أهله ويشهر أمره لئلا يغتر به
و ينكر على من أسر في صلاة جهرية أو زاد في الأذان وعكسهما بأن ينكر على من جهر في سرية أو نقص من الأذان
ولا يطالب أحدا بحق آدمي عبارة الأصل ولا ينكر في حقوق الآدميين كتعدي الشخص في جدار جاره قبل
180
180
الاستعداء من ذي الحق عليه
ولا يحبس ولا يضرب للدين
وينظر عبارة الأصل وينكر على القضاة إن احتجبوا عن الخصوم أو قصروا في النظر في الخصومات وعلى أئمة المساجد المطروقة إن طولوا الصلاة كما أنكر صلى الله عليه وسلم على معاذ ذلك
ويمنع الخونة من معاملة النساء لما يخشى فيها من الفساد
ولا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمسموع القول بل عليه أي على كل مكلف أن يأمر وينهى وإن علم بالعادة أنه لا يفيد فإن الذكرى تنفع المؤمنين فلا يسقط ذلك عن المكلف بهذا العلم لعموم خبر من رأى منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه
ولا يشترط في الآمر والناهي كونه ممتثلا ما يأمر به مجتنبا ما ينهى عنه بل عليه أن يأمر وينهى نفسه وغيره فإن اختل أحدهما لم يسقط الآخر
ولا يأمر وينهى في دقائق الأمور من أقوال وأفعال متعلقة بالاجتهاد أو غيره إلا عالم فليس للعوام ذلك وخرج بدقائق الأمور ظواهرها كالصيام والصلاة والزنا وشرب الخمر فللعوام وغيرهم الأمر والنهي فيها
ولا ينكر العالم إلا مجمعا عليه أي على إنكاره لا ما اختلف فيه إلا أن يرى الفاعل تحريمه لأن كل مجتهد مصيب أو المصيب واحد ولا نعلمه ولا إثم على المخطئ واستشكل عدم الإنكار إذا لم ير الفاعل تحريمه بحدنا للحنفي بشربه للنبيذ مع أن الإنكار بالفعل أبلغ منه بالقول وأجيب بأن الحد ليس من باب إنكار المنكر لأن الحنفي لم يفعل منكرا والحد لا يفيد منعه منه ولهذا لا ينكر عليه الشافعي بالقول كما لا ينكر على المالكي استعمال الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغيره كما صرح به الغزالي في الإحياء وإنما حده إذا رفع إليه لأن الحاكم يجب عليه أن يحكم بما أدى إليه اجتهاده ويجاب أيضا بأن أدلة عدم تحريم النبيذ واهية وبهذا فرق بين حدنا لشاربه وعدم حدنا للواطئ في نكاح بلا ولي
لكن إن ندب على جهة النصيحة إلى الخروج من الخلاف برفق فحسن إن لم يقع في خلاف آخر وترك أي وفي ترك حسنة ثابتة لاتفاق العلماء على استحباب الخروج من الخلاف حينئذ
وليس للمحتسب المجتهد أو المقلد كما فهم بالأولى حمل الناس على مذهبه لما مر ولم يزل الخلاف بين الصحابة والتابعين في الفروع ولا ينكر أحد على غيره مجتهدا فيه وإنما ينكرون ما خالف نصا أو إجماعا أو قياسا جليا
والإنكار للمنكر أخذا من الخبر السابق يكون باليد فإن عجز فباللسان فعليه أن يغيره بكل وجه أمكنه ولا يكفي الوعظ لمن أمكنه إزالته باليد ولا كراهة القلب لمن قدر على النهي باللسان ويرفق في التغيير بمن يخاف شره وبالجاهل فإن ذلك أدعى إلى قبول قوله وإزالة المنكر ويستعين عليه بغيره إن لم يخاف فتنة من إظهار سلاح وحرب ولم يمكنه الاستقلال فإن عجز عنه رفع ذلك إلى الوالي فإن عجز عنه أنكره بقلبه
وليس له أي لكل من الآمر والناهي التجسس والبحث واقتحام الدور بالظنون بل إن رأى شيئا غيره فإن أخبره ثقة بمن استسر أي اختفى بمنكر فيه انتهاك حرمة يفوت تداركها كالزنا والقتل بأن أخبره أن رجلا خلا بامرأة ليزني بها أو بشخص ليقتله اقتحم له الدار وتجسس وجوبا فتعبيره بذلك أولى من تعبير أصله نقلا عن الماوردي بالجواز وإلا بأن لم يكن فيه انتهاك حرمة فلا اقتحام ولا تجسس كما مر
ولا يسقط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن القائم بهما إلا لخوف منهما على نفسه أو ماله أو عضوه أو بضعه أو لخوف مفسدة على غيره أكثر من مفسدة المنكر الواقع أو غلب على ظنه أن المرتكب يزيد فيما هو فيه عنادا كما أشار إليه الغزالي في الإحياء كإمامه
فصل ومن فروض الكفاية إحياء الكعبة والمواقف التي هناك بالحج والعمرة كل سنة مرة
181
181
فلا يكفي إحياؤهما بالاعتكاف والصلاة ولا بالعمرة كما قاله النووي إذ لا يحصل مقصود الحج بذلك لأن المقصود الأعظم ببناء الكعبة الحج فكان به إحياؤها وذكر العمرة من زيادته على الروضة فيجب الإتيان في كل سنة بحج وعمرة
وعلى الموسر إذا اختل بيت المال ولم تف الصدقات الواجبة بسد حاجات المسلمين والذميين والمستأمنين المواساة لهم بإطعام الجائع وستر العاري منهم ونحوهما بما زاد على كفايته سنة لخبر البخاري أطعموا الجائع وفكوا العاني وتعبير المصنف بالعاري أولى من تعبير أصله بالعورة لأن الحكم لا يختص بها قال في الأصل وهل يكفي سد الضرورة أم يجب تمام الكفاية التي يقوم بها من تلزمه النفقة فيه وجهان وقضية قوله في الأطعمة أن ذلك على القولين فيما إذا وجد المضطر الميتة ترجيح الأول قال الإسنوي وما ذكره من وجوب المواساة بما زاد على كفاية سنة ذكر في الأطعمة ما يخالفه فإنه قال يجب إطعام المضطر وإن كان يحتاجه في ثاني الحال وأجيب بأنه لا مخالفة فإن ذاك في المضطر وهذا في المحتاج غير المضطر
ومنها أي فروض الكفاية الصناعات والحرف كالبيع والشراء والحراثة والحجامة والكنس لكن النفوس مجبولة على القيام بها فلا يحتاج إلى حث عليها وترغيب فيها والحرف الصناعات ذكره الجوهري فعطفها عليها كعطف رحمة على صلوات في قوله تعالى أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وقال الزركشي الصناعات هي المعالجات كالخياطة والنجارة والحرف وإن كانت تطلق على ذلك فتطلق عرفا على من يتخذ صناعا ويدل بهم ولا يعمل فهي أعم
ومنها تحمل الشهادات وأداؤها وإعانة القضاة على استيفاء الحقوق لمسيس الحاجة إليها
فصل القيام بعلوم الشرع من تفسير وحديث وفقه على ما مر في الوصية والانتهاء فيها إلى درجة الفتوى والقضاء كما سيأتي في أدب القضاة فرض كفاية لما مر ولقوله تعالى فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين وذلك أي القيام بما ذكر واجب على كل مسلم مكلف حر ذكر واجد للقوت ولسائر ما يكفيه ليس ببليد فلا يجب على أضدادهم
وفي سقوط ذلك بقيام العبد والمرأة به تردد أي وجهان لأنهما أهل للفتوى دون القضاء والأوجه السقوط من حيث الفتوى
ويلزم ذلك الفاسق كغيره ولا يسقط به لأنه لا تقبل فتواه ولا قضاؤه
ومن فروض الكفاية علم الكلام أي تعلمه لرد المبتدعة وما نص عليه الشافعي من تحريم الاشتغال به محمول على التوغل فيه قال الإمام ولو بقي الناس على ما كانوا عليه في صفوة الإسلام لما أوجبنا الاشتغال به كما لم يشتغل به الصحابة
ويتعين على المكلف السعي في إزالة شبهة أورثها أي أدخلها بقلبه وذلك بأن يعرف أدلة المعقول
ومنها الطب المحتاج إليه لمعالجة الأبدان والحساب المحتاج إليه لقسمة المواريث والوصايا وللمعاملات وأصول الفقه والنحو واللغة والتصريف وأسماء الرواة والجرح والتعديل واختلاف العلماء واتفاقهم والتعليم لما يجب تعلمه والإفتاء وقوله فرض كفاية لا حاجة إليه
فإن احتيج في التعليم إلى جماعة لزمهم
ويجب لكل مسافة قصر مفت لئلا يحتاج المستفتي إلى قطعها وفرق بينه وبين قولهم لا يجوز إخلاء مسافة العدوى عن قاض بكثرة الخصومات وتكررها في اليوم الواحد من كثيرين بخلاف الاستفتاء في الواقعات
ولو لم يفت المفتي وهناك من يفتي وهو عدل لم يأثم فلا يلزم الإفتاء قال في الروضة وينبغي أن يكون المعلم كذلك انتهى ويفرق بين هذا وبين نظيره من أولياء النكاح والشهود بأن اللزوم هنا فيه حرج ومشقة بكثرة الوقائع بخلافه ثم قال في الروضة ويستحب الرفق بالمتعلم والمستفتي
ويتعين من ظواهر العلوم
182
182
التي يجب تعلمها لا دقائقها تعلم ما يحتاج إليه لإقامة فرائض الدين كأركان الصلاة والصيام وشروطهما لأن من لا يعلمها لا يمكنه إقامة ذلك وقوله لا دقائقها مرفوع عطفا على من ظواهر أو مجرور عطفا على ظواهر وعبارة الأصل وإنما يتعين تعلم الأحكام الظاهرة دون الدقائق والمسائل التي لا تعم بها البلوى
و إنما يجب تعلمه أي ما يحتاج إليه لإقامة الفرائض بعد الوجوب لها وكذا قبله إن لم يتمكن منه أي من تعلمه بعد دخول الوقت مع الفعل كما يجب السعي إلى الجمعة قبل الوقت على من بعد منزله و كأركان وشروط الحج وتعلمه أي الحج أي أركانه وشروطه على التراخي كالحج و كأركان وشروط الزكاة إن ملك مالا فيتعين عليه تعلم ظاهر ما يحتاج إليه فيها ولو كان هناك ساع يكفيه الأمر إذ قد يجب عليه ما لا يعلمه الساعي وأحكام أي وكأحكام البيع والقراض إن تاجر أي إن أراد أن يبيع ويتاجر فيتعين على من يريد بيع الخبز أن يعلم أنه لا يجوز بيع خبز البر بالبر ولا بدقيقه وعلى من يريد الصرف أن يعلم أنه لا يجوز بيع درهم بدرهمين ونحو ذلك
وتعلم دواء أمراض القلب وحدودها وأسبابها كالحسد والرياء فإن رزق شخص قلبا سليما منها كفاه ذلك
و يتعين اعتقاد ما ورد به الكتاب والسنة
وأما علم أي تعلم علم الفلسفة والشعبذة والتنجيم والرمل وعلم الطبائعيين والسحر فحرام
والشعر أي تعلمه مباح إن لم يكن فيه سخف أو حث على شر وإن حث على الغزل والبطالة كره
فرع يأثم بتعطيل فرض الكفاية كل من علم بتعطيله وقدر على القيام به وإن بعد عن المحل وكذا يأثم قريب منه لم يعلم به لتقصيره في البحث عنه قال الإمام ويختلف هذا بكبر البلد وصغره
وإن قام به الجميع فكلهم مؤد فرض الكفاية وإن ترتبوا في أدائه إذ لا مزية لبعضهم على بعض من حيث الوجوب والثواب والإثم إن تعطل الفرض
وللقائم به مزية على القائم بفرض العين وصرح الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني والإمام وأبوه وغيرهم بأنه أفضل من فرض العين لأن ذلك أي القائم بفرض العين أسقط الحرج عن نفسه وهذا أي القائم بفرض الكفاية أسقط الحرج عنه وعن الأمة ولأن ذاك لو ترك الفرض اختص بالإثم وهذا لو تركه أثم الجميع ولا يستبعد ذلك فقد صرحوا بأن السنة قد تكون أفضل من الواجب فلا يبعد تفضيل فرض الكفاية على فرض العين لما ذكر
فصل ابتداء السلام على كل مسلم حتى على الصبي سنة عين إن كان المسلم واحدا وسنة كفاية إن كان جماعة أما كونه سنة فلقوله تعالى فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم أي ليسلم بعضكم على بعض وقوله لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها وللأمر بإفشاء السلام في الصحيحين وأما كونه كفاية فلخبر أبي داود يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم ويجزئ عن الجلوس أن يرد
183
183
أحدهم ولخبر إذا سلم واحد من القوم أجزأ عنهم رواه مالك في الموطإ ولأن ما قصد به الأمان حاصل بسلام الواحد
ورده ولو كان المسلم صبيا فرض عين إن كان المسلم عليه واحدا مكلفا وفرض كفاية إن كان جماعة أما كونه فرضا فلقوله تعالى وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها وأما كونه كفاية فلما مر هذا إذا سن ابتداء السلام وإن كرهت صيغته كما سيأتي فإن لم يسن كما سيأتي بيانه لم يجب الرد قال الحليمي وإنما كان الرد فرضا والابتداء سنة لأن أصل السلام أمان ودعاء بالسلامة وكل اثنين أحدهما آمن من الآخر يجب أن يكون الآخر آمنا منه فلا يجوز لأحد إذا سلم عليه غيره أن يسكت عنه لئلا يخافه
وشرطه أي كل من ابتداء السلام ورده إسماع له برفع الصوت به وإلا لزم ترك سنة الابتداء أو وجوب الرد واتصال للرد بالابتداء كاتصال الإيجاب بالقبول في العقود والإلزام ترك وجوب الرد
فإن شك أحدهما في سماعه أي الآخر زاد في الرفع فإن كان عنده نيام خفض صوته بحيث لا يتيقظون للاتباع رواه مسلم
والقارئ كغيره في استحباب السلام عليه ووجوب الرد باللفظ على من سلم عليه وهذا ما بحثه في الروضة بعد نقله عن الواحدي أن الأولى ترك السلام عليه وأنه إن سلم عليه كفاه الرد بالإشارة وما نقله عنه ضعفه في التبيان وغيره قال في الأذكار أما إذا كان مشتغلا بالدعاء مستغرقا فيه مجتمع القلب عليه فيحتمل أن يقال هو كالمشتغل بالقراءة والأظهر عندي في هذا أنه يكره السلام عليه لأنه يتنكد به ويشق عليه أكثر من مشقة الأكل قال الأذرعي وإذا اتصف القارئ بذلك فهو كالداعي بل أولى لا سيما المستغرق في التدبر
ولا يكفي رد صبي مع وجود مكلف لأنه غير مكلف ويفارق نظيره في الصلاة على الميت بأن السلام أمان وهو لا يصح منه بخلاف الصلاة وبأن المقصود بالصلاة الرحمة والاستغفار للميت بخلاف السلام ولو سلم على جماعة فيهم امرأة فردت هل يكفي قال الزركشي ينبغي بناؤه على أنه هل يشرع لها الابتداء بالسلام فحيث شرع لها كفى جوابها وإلا فلا ومثلها الخنثى فيما يظهر
ولا يكفي رد غير المسلم عليهم بل يلزمهم الرد
ويجب الجمع بين اللفظ والإشارة على من رد السلام على أصم ليحصل به الإفهام ويسقط عنه فرض الجواب ومن سلم عليه أي الأصم جمع بينهما أيضا ليحصل به الإفهام ويستحق الجواب وقضية التعليل أنه إن علم أنه فهم ذلك بقرينة الحال والنظر إلى فمه لم تجب الإشارة وهو ما بحثه الأذرعي
وتجزئ إشارة الأخرس ابتداء وردا لأن إشارته به قائمة مقام العبارة
وصيغته أي السلام ابتداء السلام عليكم أو سلام عليكم فإن قال عليكم السلام جاز لأنه تسليم وكره للنهي عنه في خبر الترمذي وغيره قال في الروضة ويجب فيه الرد على الصحيح كما قاله الإمام قال في الأذكار لأنه يسمى سلاما قال الأذرعي ولك أن تقول إذا كره الابتداء بذلك فينبغي أن لا يستحق المسلم جوابا لا سيما إذا كان عالما بالنهي عن ذلك وكعليكم السلام عليكم سلام أما لو قال وعليكم السلام فليس بسلام فلا يستحق جوابا لأنه لا يصلح للابتداء نقله في الأذكار عن المتولي
ويسن صيغة الجمع لأجل الملائكة مطلقا أي سواء أكان المسلم عليه واحدا أم جماعة لكن الشق الثاني غير مراد لما يأتي فكان ينبغي أن يقول بدل مطلقا في الواحد ويجوز أي يكفي الإفراد للواحد ويكون آتيا بأصل السنة والأولى مراعاة صيغة الجمع معه ليحصل بها التعظيم أما الإفراد للجماعة فلا يكفي والتصريح بالتقييد بالواحد من زيادته أخذه من كلام الأصل في صيغة الرد
والإشارة به بيد أو نحوها بلا لفظ خلاف الأولى للنهي عنه في خبر الترمذي ولا يجب لها رد
والجمع بينها وبين اللفظ أفضل من الاقتصار على اللفظ
184
184
وعليه يحمل خبر أنه صلى الله عليه وسلم ألوى بيده بالتسليم رواه الترمذي وحسنه ويدل له أن أبا داود رواه وقال في رواية فسلم علينا
وصيغته ردا وعليكم السلام قال في الأصل أو وعليك السلام للواحد وكذا لو ترك الواو فقال عليكم السلام وإن كان ذكرها أفضل كما أشعر به كلامه فإن عكس فيهما فقال والسلام عليكم أو السلام عليكم جاز وكفى فإن قال وعليكم وسكت عن السلام لم يجز إذ ليس فيه تعرض للسلام وقيل يجزئ والتصريح بالترجيح من زيادته وقد يقال يؤيد الثاني ما يأتي من أنه لو سلم على المسلم ذمي لم يزد في الرد على قوله وعليك ويجاب بأنه ليس الغرض ثم السلام على الذمي بل الغرض أن يرد عليه لما ثبت في الحديث
وهو أي السلام ابتداء وردا بالتعريف أفضل منه بالتنكير فيكفي سلام عليكم وعليكم سلام وإن كانا مفضولين
وزيادة ورحمة الله وبركاته على السلام ابتداء وردا أكمل من تركها وجاء فيه في الابتداء حديث حسن رواه أبو داود وغيره
وإن سلم كل من اثنين تلاقيا على الآخر معا لزم كلا منهما الرد على الآخر ولا يحصل الجواب بالسلام أو مرتبا كفى الثاني سلامه ردا نعم إن قصد به الابتداء صرفه عن الجواب قاله الزركشي ويؤخذ من تعبير المصنف بكفى أن الأولى أن يجيب بغير سلامه
وإن سلم عليه جماعة كفاه أن يقول وعليكم السلام بقصدهم أي بقصد الرد عليهم جميعا كما لو صلى على جنائز صلاة واحدة بخلاف ما إذا لم يقصد الرد عليهم جميعا وقضيته أنه لو أطلق لم يكفه والأوجه خلافه
ويسلم ندبا الراكب على الماشي والماشي على الواقف والصغير على الكبير و الجمع القليل على الكثير في حال التلاقي في طريق كما ثبت ذلك في الصحيحين ولأن القصد بالسلام الأمان والماشي يخاف الراكب والواقف يخاف الماشي فأمر بالابتداء ليحصل منهما الأمن وللكبير والكثير زيادة مرتبة فأمر الصغير والقليل بالابتداء تأدبا فلو تلاقى ماش وكثير راكب تعارضا
وإن عكس بأن سلم الماشي على الراكب والواقف على الماشي والكبير على الصغير والكثير على القليل لم يكره وإن كان خلاف السنة وذكر عدم الكراهة في سلام الكبير على الصغير من زيادته وصرح به النووي في أذكاره
وكلهم يسلم فيما إذا وردوا على قاعد على القاعد مطلقا عبارة الروضة ثم هذا الأدب فيما إذا تلاقيا أو تلاقوا في طريق فأما إذا وردوا على قاعد أو على قعود فإن الوارد يبدأ سواء كان صغيرا أو كبيرا قليلا أو كثيرا انتهى وكالقاعد الواقف والمضطجع
ويكره تخصيص البعض من الجمع بالسلام ابتداء وردا لأن القصد منه المؤانسة والألفة وفي تخصيص البعض إيحاش الباقين وربما صار سببا للعداوة
فرع ويسن السلام للنساء مع بعضهن وغيرهن لا مع الرجال الأجانب أفرادا وجمعا
فيحرم السلام عليهم من الشابة ابتداء وردا خوف الفتنة ويكرهان أي ابتداء السلام ورده عليها نعم لا يكره سلام الجمع الكثير من الرجال عليها إن لم يخف فتنة ذكره في الأذكار وذكر حرمة وكراهة ابتدائها به من زيادة المصنف
لا على جمع نسوة أو عجوز أي لا يكره ابتداء السلام ورده عليهن لانتفاء خوف الفتنة بل يندب الابتداء به منهن على غيرهن وعكسه ويجب الرد لذلك وذكر الابتداء منهن ما عدا العجوز من زيادته ويستثنى عبد المرأة بالنسبة إليها ومثله كل من يباح نظره إليها كممسوح
ولو سلم بالعجمية جاز إذا فهم المخاطب وإن قدر على العربية ووجب الرد لأنه يسمى سلاما
ولا يبدأ به أي بالسلام فاسقا و لا مبتدعا على المختار إلا لعذر كخوف من مفسدة والترجيح والاستثناء في مسألة الفاسق من زيادته وصرح به في الأذكار وغيره وسكت عن حكم الرد على الفاسق والمبتدع وقد قال في الأذكار ينبغي أن لا يسلم عليهما ولا يرد عليهما السلام كما قاله البخاري وغيره
وفي وجوب الرد على المجنون والسكران إذا سلما وجهان أصحهما في المجموع المنع لأن السلام عبادة وهي لا تقصد منهما
ويحرم أن يبدأ به الشخص ذميا للنهي عنه في خبر مسلم
فإن بان من سلم هو عليه ذميا فليقل له استرجعت سلامي تحقيرا له كذا في أصل الروضة و الذي في الرافعي والأذكار وغيرهما فيستحب أن يسترد سلامه بأن يقول رد علي سلامي قال في الأذكار والغرض من ذلك أن يوحشه ويظهر له أن ليس بينهما ألفة وروي أن
185
185
ابن عمر سلم على رجل فقيل له إنه يهودي فتبعه وقال له رد علي سلامي انتهى وبذلك علم أن كلا من الصيغتين كافية
وإن سلم الذمي على مسلم قال له وجوبا كما قاله الماوردي والروياني وعليك فقط لخبر الصحيحين إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم وروى البخاري خبر إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم السام عليك فقولوا وعليك وقال الخطابي كان سفيان يروي عليكم بحذف الواو وهو الصواب لأنه إذا حذفها صار قولهم مردودا عليهم وإذا ذكرها وقع الاشتراك معهم والدخول فيما قالوه قال الزركشي وفيه نظر إذ المعنى ونحن ندعو عليكم بما دعوتم به علينا على أنا فسرنا السام بالموت فلا إشكال لاشتراك الخلق فيه ويستثنيه أي الذمي وجوبا ولو بقلبه إن كان بين مسلمين وسلم عليهم ولو قال إن كان مع مسلم كان أخصر وأعم
ولا يبدأ الذمي بتحية غير السلام أيضا إلا لعذر كقوله هداك الله أو أنعم الله صباحك أو صبحت بالخير أو بالسعادة أو أطال الله بقاءك فإن لم يكن عذر لم يبدأه بشيء من الإكرام أصلا فإن ذلك بسط له وإيناس وملاطفة وإظهار ود ونحن مأمورون بالإغلاظ عليهم ومنهيون عن ودهم فلا تظهره قال تعالى لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله
وإن كتب إلى كافر كتابا وأراد أن يكتب فيه سلاما قال أي كتب ندبا ما كتبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل السلام على من اتبع الهدى
ولو قام عن جليس له فسلم عليه وجب الرد عليه لأن ابتداء السلام منه سنة لخبر إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم فإذا أراد أن يقوم فليسلم فليست الأولى بأحق من الآخرة رواه الترمذي وحسنه وقيل لا يجب الرد والتصريح بالترجيح من زيادته وما صرح بترجيحه صوبه في المجموع في باب الجمعة
ومن دخل داره فليسلم ندبا على أهله لخبر أنس أنه صلى الله عليه وسلم قال له يا بني إذا دخلت على أهلك فسلم يكن بركة عليك وعلى أهل بيتك رواه الترمذي وقال حسن صحيح
أو دخل موضعا خاليا عن الناس فليقل ندبا السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين لما روى مالك في موطئه أنه بلغني أنه يستحب ذلك حينئذ وقال تعالى فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة
ويسم الله ندبا قبل دخوله ويدعو بما أحب ثم يسلم بعد دخوله لخبر أبي داود إذا ولج الرجل بيته فليقل اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج بسم الله ولجنا وبسم الله خرجنا وعلى الله ربنا توكلنا ثم ليسلم على أهله
ولا يسلم على من في الحمام أي لا يستحب السلام عليه قال الرافعي لأنه بيت الشيطان ولاشتغاله بالغسل وقضية تعليله الأول دخول محل نزع الثياب والثاني خروجه وهو الظاهر وعليه جرى الزركشي وغيره
و لا على من يقضي الحاجة للنهي عنه ولأن مكالمته بعيدة عن الأدب والمروءة
أو على من يأكل وخصه الإمام بحالة المضغ وجزم به النووي في أذكاره والشرب كالأكل كما في التعليقة
أو على من يصلي لاشتغاله بالصلاة وفي معناها سجدة التلاوة والشكر
أو على من يؤذن والضابط كما قاله الإمام أن يكون الشخص بحالة لا يليق بالمروءة القرب منه فيها فيدخل النائم والناعس والخطيب
ولا يلزم من لا يستحب السلام عليه الرد عليه أي على من سلم عليه ويستثنى منه السلام على مستمع الخطبة فإنه يجب فيه الرد مع أنه مكروه كما مر في باب الجمعة بما فيه
ويرد الملبي في الإحرام باللفظ على من سلم عليه وتقدم في الحج أنه يكره السلام عليه قال في الأذكار لأنه يكره له قطع التلبية انتهى ورد الملبي محمول على الاستحباب لما مر آنفا
ويكره الرد لمن يبول أو يجامع أو لنحوهما كما مر في الاستنجاء
ويسن الرد لمن يأكل أو في الحمام باللفظ وكذا يسن للمصلي ونحوه كساجد لتلاوة ومؤذن بالإشارة وقوله ونحوه من زيادته
ويسن إرسال السلام إلى غائب عنه برسول أو كتاب ويجب على الرسول التبليغ للغائب لأنه أمانة و يجب على الغائب الرد فورا باللفظ في الرسول وبه أو بالكتابة في الكتاب ويستحب الرد على المبلغ أيضا فيقول وعليه وعليك السلام
و يستحب أن يحرص كل من المتلاقيين على البداءة بالسلام لخبر أن
186
186
أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام رواه أبو داود بإسناد جيد ولخبر الصحيحين وخيرهما الذي يبدأ بالسلام
و أن يتكرر بتكرر التلاقي لخبر الصحيحين في خبر المسيء صلاته أنه جاء فصلى ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه فرد عليه السلام فقال ارجع فصل فإنك لم تصل فرجع فصلى ثم جاء فسلم عليه حتى فعل ذلك ثلاث مرات وروى أبو داود خبرا إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه وخرج بتكرر التلاقي ما إذا لم يتكرر بأن اتحد مجلس سلام بأن سلم فيه على رجل فرد عليه ثم أراد أن يسلم عليه فيه ثانيا فلا يستحب كما صرح به الروياني
وأن يبدأ به قبل الكلام للأخبار الصحيحة في ذلك وأما خبر السلام قبل الكلام فضعيف
وإن كان مارا في سوق أو جمع لا ينتشر فيهم السلام الواحد كالجامع سلم على من يليه فقط أولا أي أول ملاقاته لأنه لو سلم على الجميع تعطل عن كل منهم وخرج به عن العرف وإذا سلم على من يليه كان مؤديا سنة السلام في حق من سمعه ويدخل في وجوب الرد كل من سمعه
فإن جلس إلى من سمعه سقط عنه سنة السلام في حق من لم يسمع
وإن تخطى وجلس إلى من لم يسمع سلامه سلم ثانيا ولا يسقط الفرض للرد عن الأولين برد الآخرين
ولا يترك السلام خوف عدم الرد عليه لتكبر أو غيره لأن الذي أمر به المار أن يسلم لا أن يحصل الرد مع أن المرور به قد يرد ويستحب لمن سلم على إنسان وتوجه عليه الرد فلم يرد أن يحلله من ذلك فيقول أبرأته من حقي في رد السلام أو جعلته في حل منه أو نحو ذلك ويستحب أن يقول له بعبارة لطيفة رد السلام واجب فينبغي لك أن ترد علي ليسقط عنك الفرض
والتحية من المار على من خرج من حمام أو غيره بنحو صبحك الله بالخير أو بالسعادة أو قواك الله أو طاب حمامك أو غيرها من ألفاظ العرف لا أصل لها إذ لم يثبت فيها شيء ولا جواب لقائلها على المدعو له فإن أجابه بالدعاء فحسن إلا أن يريد تأديبه لتركه السلام فترك الدعاء له حسن
وأما الطلبقة أي التحية بها وهي أطال الله بقاءك فقيل بكراهتها قال الأذرعي وفيه نظر بل ينبغي أن يقال إن كان من أهل الدين أو العلم أو من ولاة العدل فالدعاء له بذلك قربة وإلا فمكروه بل حرام وكلام ابن أبي الدم يشير إلى ما قاله
وحني الظهر مكروه لخبر أن رجلا قال يا رسول الله الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له قال لا قال أفيلتزمه ويقبله قال لا قال فيأخذ بيده ويصافحه قال نعم رواه الترمذي وحسنه ولا يغتر بكثرة من يفعله ممن ينسب إلى علم وصلاح وغيرهما وما اقتضاه كلام المصنف كأصله من جواز الانحناء قال الإسنوي مردود مخالف للحديث الصحيح وللمعروف في المذهب وأطال في بيانه
والقيام للداخل مستحب إن كان فيه فضيلة ظاهرة من علم أو صلاح أو شرف أو ولادة أو رحم أو ولاية مصحوبة بصيانة أو نحوها ويكون هذا القيام للبر والإكرام والاحترام لا للرياء والإعظام اتباعا للسلف والخلف قال الأذرعي بل يظهر وجوبه في هذا الزمان دفعا للعداوة والتقاطع كما أشار إليه ابن عبد السلام فيكون من باب دفع المفاسد
ويحرم على الداخل محبة القيام له ففي الحديث الحسن من أحب أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار والمراد بتمثلهم له قياما أن يقعد ويستمروا قياما له كعادة الجبابرة كما أشار إليه البيهقي ومثله حب القيام له تفاخرا وتطاولا على الأقران أما من أحب ذلك إكراما له لا على الوجه المذكور فلا يتجه تحريمه لأنه صار شعارا في هذا الزمن لتحصيل المودة نبه عليه ابن العماد
وتقبيل اليد لزهد أو صلاح أو كبر سن أو نحوها من الأمور الدينية كشرف وصيانة مستحب اتباعا للسلف والخلف و تقبيلها لدنيا وثروة ونحوهما كشوكة ووجاهة عند أهل الدنيا مكروه شديد الكراهة
وتقبيل خد طفل ولو لغيره لا يشتهى و سائر أطرافه أي تقبيل كل منها شفقة ورحمة مستحب للأخبار الصحيحة في ذلك أما تقبيلها بشهوة فحرام
ولا بأس بتقبيل وجه الميت الصالح للتبرك
ويسن تقبيل وجه صاحب قدم من السفر أو نحوه ومعانقته للاتباع رواه الترمذي وحسنه ويكره ذلك لغير القادم من سفر أو نحوه للخبر السابق في الكلام على حني الظهر هذا كله في غير الأمرد الحسن الوجه أما هو فيحرم تقبيله بكل حال والظاهر أن معانقته كتقبيله أو قريبة منه ولا فرق في هذا بين أن يكون المقبل والمقبل
187
187
صالحين أم فاسقين أم أحدهما صالحا والآخر فاسقا ذكر ذلك في الأذكار
وتسن المصافحة مع البشاشة بالوجه والدعاء بالمغفرة وغيرها للتلاقي في الثلاثة للخبر المشار إليه آنفا ولخبر ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا رواه أبو داود وغيره ولخبر أن المسلمين إذا التقيا فتصافحا وتكاشرا بود ونصيحة تناثرت خطاياهما بينهما وفي رواية إذا التقى المسلمان فتصافحا وحمدا الله تعالى واستغفرا غفر الله لهما قال في الأذكار وينبغي أن يحترز من مصافحة الأمرد الحسن الوجه لما فيه من المس
ولا أصل لها أي للمصافحة بعد صلاتي الصبح والعصر و لكن لا بأس بها فإنها من جملة المصافحة وقد حث الشارع عليها
وإن قصد بابا مغلقا لغيره فالسنة أن يسلم على أهله ثم يستأذن فيقول وهو عند الباب بحيث لا ينظر إلى من بداخله السلام عليكم أأدخل رواه هكذا أبو داود وغيره فإن لم يجب أعاده إلى ثلاث من المرات فإن أجيب فذاك والأرجح لخبر الصحيحين الاستئذان ثلاثا فإن أذن لك وإلا فارجع فإن قيل له بعد استئذانه بدق الباب أو نحوه من أنت فليقل ندبا فلان بن فلان أو فلان المعروف بكذا أو نحوه مما يحصل به التعريف التام به للأخبار الصحيحة في ذلك ولا بأس أن يكني نفسه أو يقول القاضي ك فلان أو الشيخ فلان أو نحوه مما يعرف به وإن تضمن تبجيلا له ليعرف أي إذا لم يعرفه المخاطب إلا به لذلك ولأن الحاجة دعت إليه مع عدم إرادة الافتخار ويكره اقتصاره في التعريف على قوله أنا أو الخادم أو نحوه مما لا يعرف به كالمحب لخبر الصحيحين عن جابر قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فدققت الباب فقال من ذا فقلت أنا فقال أنا أنا كأنه كرهها
وتسن زيارة الصالحين والجيران غير الأشرار والإخوان والأقارب وإكرامهم بحيث لا يشق عليه ولا عليهم فتختلف زيارتهم باختلاف أحوالهم ومراتبهم وفراغهم للأخبار المشهورة في ذلك
و تسن استزارتهم بأن يطلب منهم أن يزوروه وأن يكثروا زيارته بحيث لا يشق لخبر البخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال لجبريل ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا فنزلت وما نتنزل إلا بأمر ربك
و تسن عيادة المرضى لخبر الترمذي وغيره من عاد مريضا أو زار أخا له في الله تعالى ناداه مناد بأن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا
وأن يضع العاطس أي الذي جاءه العطاس يده أو ثوبه أو نحوه على وجهه ويخفض صوته ما أمكن للاتباع رواه الترمذي وقال حسن صحيح وروى ابن السني خبرا أن الله يكره رفع الصوت بالتثاؤب والعطاس و أن يحمد الله عقب عطاسه بأن يقول الحمد لله قال في الأذكار فلو قال الحمد لله رب العالمين كان أحسن ولو قال الحمد لله على كل حال كان أفضل لخبر أبي داود وغيره بإسناد صحيح إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله على كل حال وليقل أخوه أو صاحبه يرحمك الله ويقول هو يهديكم الله ويصلح بالكم
وإن كان العاطس في صلاة أسر به أو في حالة البول أو الجماع أو نحوهما حمد الله في نفسه قاله البغوي وغيره وتقدمت الأولى في الاستنجاء
فإن حمد الله شمت للأمر به في الصحيحين
فإن تكرر منه العطاس متواليا سن تشميته لكل مرة إلى ثلاث من المرات لتكرر السبب وفيه خبر رواه ابن السني ثم إن زاد عليها يدعى له بالشفاء ويذكر بالحمد إن تركه لأنه إعانة على معروف ولا يشمته حتى يسمع تحميده وأقل الحمد و التشميت وجوابه أن يرفع صوته بحيث يسمع صاحبه وإذا قال العاطس لفظا آخر غير الحمد لم يشمت لخبر مسلم إذا عطس أحدكم فحمد الله تعالى فشمتوه فإن لم يحمد الله تعالى فلا تشمتوه صرح بذلك في الروضة
فإن شمت قال ندبا لمشمتيه يهديكم الله أو يغفر الله لكم أو نحوه لخبر أبي داود السابق و غيره قال الإمام ولعل السبب في أن هذا سنة ورد السلام واجب أن التشميت للعطاس ولا عطاس بالمشمت والتحية تشمل الطرفين وفي حصول الفرق بما قاله نظر
والتشميت للمسلم يرحمك الله أو ربك لخبر أبي داود السابق ولخبر البخاري الآتي و كيرحمك الله يرحمكم الله ورحمك الله ورحمكم الله ذكره في الأذكار
وهو أي التشميت سنة كفاية كابتداء السلام
و التشميت للكافر يهديك الله ونحوه لا يرحمك الله للاتباع رواه الترمذي وقال حسن صحيح
ويسن رد التثاؤب ما استطاع لخبر البخاري إن الله تعالى يحب العطاس ويكره التثاؤب فإذا عطس
188
188
أحدكم وحمد الله تعالى كان حقا على كل مسلم سمعه أن يقول له يرحمك الله وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان قال العلماء معناه أن العطاس سببه محمود وهو خفة الجسم التي تكون لقلة الأخلاط وتخفيف الغذاء وهو أمر مندوب إليه لأنه يضعف الشهوة ويسهل الطاعة والتثاؤب بضد ذلك فإن غلب ه التثاؤب ستر فمه بيده أو غيرها لخبر مسلم إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فمه فإن الشيطان يدخل سواء كان في صلاة أم لا والتقييد بالغلبة من زيادة المصنف
وأن يلبي الداعي أي المنادي له بأن يقول له لبيك وسعديك أو لبيك فقط و أن يرحب بالقادم عليه بأن يقول له مرحبا قال الأذرعي والذي يظهر تحريم تلبية الكافر والترحيب به ويبعد استحباب تلبية الفاسق والترحيب به أيضا و أن يخبر أخاه بحبه له في الله للأمر به في الأخبار الصحيحة و أن يدعو لمن أحسن إليه بأن يقول له جزاك الله خيرا أو حفظك الله أو نحوهما للأخبار المشهورة في ذلك قال في الأذكار ولا بأس بقوله للرجل الجليل في علمه أو صلاحه أو نحوهما جعلني الله فداك أو فداك أبي وأمي ونحوهما ودلائله من الأحاديث الصحيحة كثيرة مشهورة
الباب الثاني في كيفية الجهاد وما يتعلق به وفيه أطراف أربعة الأول في قتال الكفار ويكره الغزو بغير إذن الإمام أو نائبه نادبا معه ولأنه أعرف من غيره بمصالح الجهاد ولا يحرم إذ ليس فيه أكثر من التغرير بالنفوس وهو جائز في الجهاد قال الأذرعي وينبغي تخصيص ذلك بالمتطوعة أما المرتزقة فلا يجوز لهم ذلك قطعا لأنهم مرصودون لمهمات تعرض للإسلام يصرفهم فيها الإمام فهم بمنزلة الأجراء واستثنى البلقيني من اعتبار الإذن ما لو كان الذهاب للاستئذان يفوت المقصود أو عطل الإمام الغزو وأقبل هو وجنوده على الدنيا أو غلب على الظن أنه إن استؤذن لم يأذن
وإن بعث سرية سن له أن يؤمر عليهم أميرا و أن يلزمهم طاعته ويوصيه بهم لخبر أبي داود إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم ولخبر مسلم أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال اغزوا بسم الله وفي سبيل الله وقاتلوا من كفر بالله
و أن يبايعهم أن لا يفروا للاتباع رواه مسلم
و أن يخرجوا صبح يوم الخميس لأنه صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يخرج فيه
و أن يبعث الطلائع ويتجسس أخبار الكفار وأن يعقد الرايات
ويجعل لكل فريق راية وشعارا حتى لا يقتل بعضهم بعضا بيانا
و أن يعبيهم بالباء المشددة بعد العين للقتال بأن يدخل دار الحرب بتعبية الحرب لأنه أحوط وأهيب
و أن يحرضهم عليه وعلى الصبر والثبات
و أن يدعو عند اللقاء و أن يستنصر بالضعفاء
و أن يكبر بلا إسراف في رفع الصوت وكل ذلك مشهور في سير النبي صلى الله عليه وسلم
ويجب عرض الإسلام أولا على الكفار بأن يدعوهم إليه إن علمنا أنه لم تبلغهم الدعوة وإلا استحب
وجاز بياتهم أي الإغارة عليهم ليلا بغير دعاء وإن كان فيهم النساء والذراري لأنه صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وسئل عن المشركين يبيتون فيصاب من نسائهم وذراريهم فقال هم منهم رواهما الشيخان وأما خبر النهي عن قتلهم فمحمول على ما بعد السبي لأنهم غنيمة
و جاز قتالهم حتى يسلموا أو يؤدي أهل الجزية الجزية ويجوز مع ذلك أن تسبى نساء غير أهل الجزية وأن تغنم أموالهم حتى يسلموا كما سيأتي
وله الاستعانة عليهم بعبيد أذن لهم ومراهقين أقوياء كذلك واستثنى البلقيني العبد الموصى بمنفعته لبيت المال والمكاتب كتابة صحيحة فلا يعتبر إذن سيدهما وفيما قاله في المكاتب وقفة
189
189
والنساء والخناثى إن كانوا أحرارا فكالمراهقين في استئذان الأولياء أو أرقاء فكالعبيد في استئذان السادات وبذلك علم أنه يعتبر في الرقيق إذن سيده لا أصله وبه صرح الماوردي قال ويعتبر في المبعض إذن أصله بما فيه من الحرية وإذن سيده بما فيه من الرق
و له الاستعانة بكفار ذميين أو مشركين أمناهم بأن عرفنا حسن رأيهم فينا ونحن نقاوم الفريقين أي المستعان بهم والمستعان عليهم لو اجتمعنا بأن لا يكثر العدد بالمستعان بهم كثرة ظاهرة وبذلك يجمع بين الأخبار الدالة لذلك والأخبار الدالة للمنع وظاهر كلامه جواز إحضار نسائهم وصبيانهم كالمسلمين وهو أحد قولين ذكرهما الأصل بلا ترجيح
ثانيهما لا إذ لا قتال منهم ولا رأي ولا يتبرك بحضورهم والراجح الجواز فقد نص عليه في الأم ويتميزون عنا أو يختلطون بنا بحسب المصلحة التي يراها الإمام
ويرد مخذل عن الخروج في الجيش وهو من يخوف الناس كأن يقول عدونا كثير وخيولنا ضعيفة ولا طاقة لنا بهم ومرجف وهو من يكثر الأراجيف كأن يقول قتلت سرية كذا أو لحقهم مدد للعدو من جهة كذا أو لهم كمين في موضع كذا وخائن وهو من يتجسس لهم ويطلعهم على العورات بالمكاتبة والمراسلة و إنما كان صلى الله عليه وسلم يخرج عبد الله بن أبي ابن سلول في الغزوات وهو رأس المنافقين مع ظهور التخذيل وغيره منه لأن الصحابة كانوا أقوياء في الدين لا يبالون بالتخذيل ونحوه وأنه صلى الله عليه وسلم كان يطلع بالوحي على أفعاله فلا يستضر بكيده ويمنع كل من الثلاثة من أخذ شيء من الغنيمة حتى سلب قتيله
فصل لا يصح من أحد استئجار مسلم للجهاد لأنه يقع عنه وتقدم بيانه في الإجارة مع زيادة ولو عبدا فإنه لا يصح استئجاره للجهاد بناء على الأصح من أنه لو دخل الكفار دارنا تعين على العبد الجهاد
وللإمام ولو بنائبه بذل الأهبة ومنها السلاح من بيت المال أو من مال نفسه وله الأولى فله ثواب عمله أي إعانته لخبر الصحيحين من جهز غازيا فقد غزا
وثواب الجهاد لمباشره وكذا للآحاد بذل ذلك من مالهم ولهم ثواب إعانتهم وثواب الجهاد لمباشره ومحله في المسلم أما الكافر فلا بل يرجع فيه إلى رأي الإمام لاحتياجه إلى اجتهاد لأن الكافر قد يخون وما ذكر محله إذا بذل ذلك لا على أن يكون الغزو للباذل وإلا لم يجز كما صرح به الروياني وغيره
وما يدفع إلى المرتزقة من الفيء وإلى المتطوعة من الصدقات كما صرح به الأصل ليس بأجرة لهم بل هو مرتبهم وجهادهم واقع عنهم كما صرح به الأصل
ولو أجبر الإمام حرا على غسل أو دفن فقير ميت ولا بيت مال ثم فلا أجرة له بخلاف ما لو أجبره غير الإمام أو كان غنيا أو كان ثم بيت مال كما مر في آخر الإجارة وقوله حرا من تصرفه ولو عبر كأصله برجلا كان أولى وكان الحامل له على ذلك الاختصار في قوله أو أجبر حرا مسلما على الجهاد فكذلك أي فلا أجرة له وإن قاتل إن تعين عليه لما مر وإلا فله أجرة الذهاب أو أجبر عليه عبدا فلسيده الأجرة من حين ذهابه إلى عوده ليده
وللإمام لا لغيره استئجار كافر للجهاد ولو بأكثر
190
190
من سهم لراجل أو فارس لأنه لا يقع عنه ولا يضر الجهل بأعمال القتال لأنه يحتمل في معاملات الكفار لمصالح القتال ما لا يحتمل في غيره كما في مسألة العلج الآتية في باب الأمان وإنما لم يجز لغير الإمام استئجاره لأنه يحتاج إلى نظر واجتهاد لكون الجهاد من المصالح العامة ويفارق صحة استئجاره في الأذان بأن الأجير ثم مسلم وهنا كافر لا تؤمن خيانته
والأجرة الواجبة للكافر مسماة كانت أم أجرة المثل تؤدى من سهم المصالح من هذه الغنيمة أو غيرها لا من أصل الغنيمة ولا من أربعة أخماسها لأنه يحضر للمصلحة لأنه من أهل الجهاد فإن أكرهه الإمام عليه أو استأجره بمجهول كأن قال أرضيك أو أعطيك ما تستعين به وقاتل وجبت له أجرة المثل بخلاف ما إذا لم يقاتل كنظائره وقوله وقاتل بالنسبة للثانية من زيادته
وإن قهرهم أي الكفار على الخروج للجهاد ولم يقاتلوا فلا أجرة لهم لمدة وقوفهم في الصف لأنها في مقابلة العمل ولم يحصل ولأن منفعة الحر لا تضمن إلا بالتفويت وخرج بمدة وقوفهم مدة ذهابهم فلهم أجرتها أو هربوا قبل الوقوف في الصف أو خلى سبيلهم قبله فلهم أجرة الذهاب فقط وإن تعطلت منافعهم في الرجوع لأنهم ينصرفون حينئذ كيف شاءوا ولا حبس ولا استئجار ولو حذف قوله فلا أجرة لمدة وقوفهم ليكون جواب ما بعده جوابا للجميع كان أولى وأخصر
وإن رضوا بالخروج ولم يعدهم بشيء رضخ لهم من أربعة أخماس الغنيمة كما مر في بابها ويفارق الأجرة بأنه إذا حضر طائعا بلا مسمى فقد تشبه بالمجاهدين فجعل في الغنيمة معهم بخلاف ما إذا حضر بأجرة فإنها عوض محض ونظره مقصور عليها فجعلت فيما يختص بيد الإمام وتصرفه ولا يزاحمهم فيه الغانمون لا إن خرجوا بلا إذن من الإمام فلا شيء لهم لأنهم ليسوا من أهل الذب عن الدين بل متهمون بالخيانة والميل إلى أهل دينهم سواء أنها هم عن الخروج أم لا بل له تقريرهم فيما نهاهم عنه إن رآه
فصل ويكره لغاز قتل قريب له من الكفار لما فيه من قطع الرحم ولأنه قد تحمله الشفقة على الندم فيكون ذلك سببا لضعفه و قتل القريب المحرم أشد كراهة من قتل غيره لقوله تعالى وصاحبهما في الدنيا معروفا وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر يوم أحد عن قتل ابنه عبد الرحمن وأبا حذيفة بن عتبة يوم بدر عن قتل أبيه لا إن سمعه يسب الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم والمراد أن يذكره بسوء فلا يكره قتله تقديما لحق الله وحق رسوله لأن أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه حين سمعه يسب النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليه صلى الله عليه وسلم ذلك
ويحرم قتل امرأة وخنثى وصبي ومجنون من الكفار للنهي في خبر الصحيحين عن قتل النساء والصبيان وإلحاق الجنون بالصبي والخنثى بالمرأة لاحتمال أنوثة والمعنى في ذلك أنهم ليسوا من أهل القتال وربما يسترقون فيكونون قوة لنا إلا إن قاتلوا فيجوز قتلهم وإن أمكن دفعهم بغيره وفي معنى القتال سب المرأة والخنثى للمسلمين
ويقتل مراهق أنبت الشعر الخشن على عانته لأن إنباته دليل بلوغه كما مر في الحجر لا إن ادعى استعجاله بدواء وحلف أنه استعجله بذلك فلا يقتل بناء على أن الإنبات ليس بلوغا بل دليله وحلفه على ذلك واجب وإن تضمن حلف من يدعي الصبا لظهور أمارة البلوغ فلا يترك بمجرد دعواه
ويجوز قتل راهب شيخ أو شاب وأجير ومحترف وشيخ ولو ضعيفا وأعمى وزمن ومقطوع اليد والرجل وإن لم يحضر والصف لعموم قوله تعالى اقتلوا المشركين وصحح الترمذي خبر اقتلوا شيوخ المشركين و استحيوا شرخهم أي مراهقيهم ولأنهم أحرار مكلفون فجاز قتلهم كغيرهم
ويقتل منهم ذو الرأي وغيره فلو ذكر غيره كان أولى وكذا السوقة بضم السين وسكون الواو لا الرسل فلا يقتلون لجريان السنة بذلك
ويجوز حصارهم في البلاد والقلاع والحصون وإن كان فيهم نساء وصبيان واحتمل أن يصيبهم
و يجوز إتلافهم بالماء والنار قال تعالى وخذوهم واحصروهم وحاصر صلى الله عليه وسلم أهل الطائف رواه الشيخان ونصب عليهم المنجنيق رواه البيهقي وقيس به ما في معناه مما يعم الإهلاك به نعم لو تحصنوا بحرم مكة لم يجز قتالهم بما يعم كما نص عليه في الأم وظاهر كلامهم أنه
191
191
يجوز إتلافهم بما ذكر وإن قدرنا عليهم بدونه قال الزركشي وبه صرح البندنيجي لكن الظاهر خلافه
و يجوز سبي نسائهم وذراريهم بتشديد الياء وتخفيفها أي صغارهم ومجانينهم مع أن ذراريهم تشمل نساءهم أيضا كما صرح به ابن قرقول وأخذ أموالهم
ولو كان فيهم وهم بالبلدة أو القلعة أو نحوهما مسلم كره إتلافهم بالماء وما في معناه ولا يحرم لئلا يتعطل الجهاد لحبس مسلم فيهم ولأن المسلم قد لا يصاب ولأن الدار دار إباحة فلا يحرم القتال بكون المسلم فيها كما أن دارنا لا تحل بكون المشرك فيها إلا إن فعل ذلك لضرورة كخوف ضررنا أو لم يحصل فتح القلعة إلا به فلا يكره وإن علم أنه يصيب مسلما دفعا لضررنا ونكاية فيهم وحفظ من معنا أولى من حفظ من معهم وإن هلك أحد ممن معهم رزق الشهادة فإن أصابه بما يعم أو بغيره وقد علمه فيهم وجبت دية وكفارة وإلا فكفارة فقط وهذا حكاه الأصل عن الروياني والمعتمد عدم وجوب الدية كما تقرر ذلك في الجنايات
ومتى تترسوا في القتال بصبيانهم ونسائهم ونحوهم ولو في قلعة رميناهم وإن لم تدع ضرورة إلى رميهم كما يجوز نصب المنجنيق على القلعة وإن كان يصيبهم ولئلا يتخذوا ذلك ذريعة إلى تعطيل الجهاد أو حيلة إلى استبقاء القلاع لهم وفي ذلك فساد عظيم وخالف في المنهاج كأصله فصحح أنه لا يجوز لنا رميهم عند عدم الضرورة لأنه يؤدي إلى قتلهم بلا ضرورة وقد نهينا عن قتلهم
أو تترسوا بمسلم أو ذمي فلا ترميهم إن لم تدع ضرورة إلى رميهم واحتمل الحال الإعراض عنهم صيانة للمسلمين وأهل الذمة وفارق النساء والصبيان بأن المسلم والذمي محقونا الدم لحرمة الدين والعهد فلم يجز رميهم بلا ضرورة والنساء والصبيان حقنوا لحق الغانمين فجاز رميهم بلا ضرورة فلو رمى رام فقتل مسلما فحكمه معلوم مما مر في الجنايات فلو دعت ضرورة إلى ذلك بأن تترسوا في حال التحام القتال به وكانوا بحيث لو كففنا عنهم ظفروا بنا وكثرت نكايتهم جاز رميهم لما مر وتوقيناه أي المسلم أو الذمي بحسب الإمكان لأن مفسدة الإعراض أكثر من مفسدة الإقدام ولا يبعد احتمال قتل طائفة للدفع عن بيضة الإسلام ومراعاة الأمور الكليات وكالذمي المستأمن والعبد لكن حيث تجب دية تجب في العبد قيمته فإن قتل مسلم وقوله من زيادته وعرف قاتله ليس له كبير جدوى وجبت الكفارة لأنه قتل معصوما وكذا الدية إن علمه القاتل مسلما إن كان يمكنه توقيه والرمي إلى غيره بخلاف ما إذا لم يعلمه مسلما وإن كان يعلم أن فيهم مسلما لشدة الضرورة لا القصاص لأنه مع تجويز الرمي لا يجتمعان
وإن تترس كافر بترس مسلم أو ركب فرسه فرماه مسلم فأتلفه ضمنه إلا إن اضطر بأن لم يمكنه في الالتحام الدفع إلا بإصابته فلا يضمنه في أحد الوجهين وقطع المتولي بأنه يضمنه كما لو أتلف مال غيره عند الضرورة
فصل يحرم انهزام مائة رجل ولو كانوا سكارى عن مائتين والمراد يحرم انهزام من عليه الجهاد من الصف إن كان الكفار مثلينا فأقل لقوله تعالى فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وهو خبر بمعنى الأمر أي لتصبر مائة لمائتين وعليه يحمل قوله إذا لقيتم فئة فاثبتوا وإن خافوا الهلاك بالثبات إذ الغزاة يقتلون ويقتلون وأما قوله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ففسرت التهلكة فيه بالكف عن الغزو وبحب المال وبالفرار من الزحف وبالخروج بغير نفقة والمعنى في وجوب الثبات للمثلين أن المسلم على إحدى الحسنيين إما أن يقتل فيدخل الجنة أو يسلم فيفوز بالأجر والغنيمة والكافر يقاتل على الفوز بالدنيا إلا متحرفين لقتال أو متحيزين إلى فئة ولو بعدت فلا يحرم الانهزام قال تعالى ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة وعن عمر رضي الله عنه أنا فئة لكل مسلم وكان بالمدينة وجنوده بالشام والعراق
192
192
رواه الشافعي ولأن عزمه على العود إلى القتال لا يختلف بالقرب والبعد والمتحرف من يخرج من الصف ليكمن بموضع ويهجم أو ينحرف إلى موضع أصلح للقتال كأن يفر من مضيق ليتبعه العدو إلى متسع سهل للقتال أو ينصرف من مقابلة الشمس أو الريح إلى محل يسهل فيه القتال والمتحيز من يقصد الاستنجاد بفئة للقتال سواء قلت أم كثرت بعدت أو قربت هذا علم من قوله ولو بعدت قال في الأصل ومن عجز بمرض ونحوه أو لم يبق معه سلاح فله الانصراف وقدمه المصنف كأصله أيضا في الطرف الثاني من الباب السابق
ويستحب لمن فر لعجز أو غيره مما مر قصد التحيز أو التحرف ليخرج عن صورة الفرار المحرم وهذا قدمه في العجز ثم من غير تصريح بالاستحباب وعبارة الأصل ويستحب أن يولي منحرفا أو متحيزا
وليس لمتحيز بعد في تحيزه إلى فئة حق فيما يغنم بعده أي بعد تحيزه لعدم نصرته بخلاف ما يغنم قبل تحيزه لبقائها وبخلاف المتحيز إلى فئة قريبة يشارك فيما غنم مطلقا لذلك فهو كالسرية القريبة تشارك الجيش فيما غنمه والمراد بالقريبة أن تكون بحيث يدرك غوثها المتحيز عنها عند الاستغاثة
ولا يلزمه العود ليقاتل مع الفئة لأن عزمه العود لذلك رخص له الانصراف فلا حجر عليه بعد والجهاد لا يجب قضاؤه
ولو ذهب سلاحه وأمكنه الرمي بالحجارة لم ينصرف عن الصف بخلاف ما إذا لم يمكنه الرمي بها
أو ذهب فرسه وهو لا يقدر على الترجل أي على قتاله راجلا انصرف جوازا أو وجوبا على ما يأتي بيانه
وإن زادوا أي الكفار على الضعف ورجي الظفر بأن ظنناه إن ثبتنا استحب لنا الثبات ولو غلب على ظننا الهلاك بلا نكاية فيهم وجب علينا الفرار لقوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة أو بنكاية فيهم استحب لنا الفرار
ويحرم انصراف مائة بطل منا عن مائتين وواحد منهم ضعفاء لا مائة ضعفاء منا عن مائة وتسعة وتسعين بطلا منهم نظرا للمعنى وإنما نراعي العدد عند تقارب الأوصاف وظاهر أن ذكر الواحد مثال والعبرة بأن يكون معنا من القوة ما يغلب به الظن أنا نقاوم من بإزائنا من العدو ونرجو الظفر به وبالعكس
وهل لرجالة عند الفرسان كالضعفاء عند الأبطال أو يستوون فيه تردد أخذه من بحث الروضة حيث نقل فيها عن الماوردي والروياني أنه تجوز الهزيمة من أكثر من المثلين وإن كان المسلمون فرسانا والكفار رجالة ويحرم من المثلين وإن كانوا بالعكس ثم قال وفيه نظر ويمكن تخريجه على الوجهين السابقين أي في الضعفاء مع الأبطال في أن الاعتبار بالمعنى أو بالعدد
فرع الثبات إنما هو مشروط في الجماعة فإن لقي مسلم شخصين مشركين جاز له الفرار منهما و لو طلبهما هو ولم يطلباه
وإن تحصنت الجماعة قبل اللقاء في قلعة حتى يجيء لهم مدد جاز أي لو قصد الكفار بلدا فتحصن أهله إلى أن يجدوا قوة ومددا لم يأثموا إنما الإثم على من فر بعد اللقاء
فصل المبارزة للقتال وهي ظهور اثنين من الصفين للقتال مباحة لنا لأن عبد الله بن رواحة وابني عفراء رضي الله عنهم بارزوا يوم بدر ولم ينكر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الصحيحين عن قيس بن عبادة قال سمعت أبا ذر يقسم قسما أن هذان خصمان اختصموا في ربهم نزلت في الذين بارزوا يوم بدر حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث وعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة
فإن طلبها كافر استحب لمن فيه قوة بأن عرفها من نفسه مبارزته لأن في تركها حينئذ إضعافا لنا وتقوية لهم قال الماوردي ويعتبر في الاستحباب أن لا يدخل بقتله ضرر علينا بهزيمة تحصل لنا لكونه كبيرنا قال البلقيني وغيره وأن لا يكون عبدا ولا فرعا مأذونا لهما في الجهاد من غير تصريح بالإذن في البراز وإلا فيكره لهما ابتداء وإجابة ومثلهما فيما يظهر المدين وكرهت مبارزته لغيره أي لغير من فيه قوة لأنه قد يحصل لنا به ضعف
ولو بارز مسلم بغير إذن الإمام كره لأن للإمام نظرا في تعيين الأبطال وذكر الكراهة من زيادته
ويكره نقل رءوس الكفار ونحوها من بلادهم إلى بلادنا لما روى البيهقي أن أبا بكر رضي الله عنه أنكر على
193
193
فاعله وقال لم يفعل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وما روي من حمل رأس أبي جهل فقد تكلموا في ثبوته وبتقدير ثبوته إنما حمل من موضع إلى موضع لا من بلد إلى بلد وكأنهم فعلوه لينظر الناس إليه فيتحققوا موته واستثنى الماوردي والغزالي ما إذا كان فيه نكاية في الكفار قال في الأصل ولم يتعرض له الجمهور
الطرف الثاني في سبيهم واسترقاقهم يرق بالأسر نساء الكفار وصبيانهم ومجانينهم وخناثاهم وعبيدهم أي يصيرون به أرقاء لنا ويكونون كسائر أموال الغنيمة لأهل الخمس والباقي للغانمين لأنه صلى الله عليه وسلم كان يقسم السبي كما يقسم الأموال
ولا يقتلون للنهي عن قتل النساء والصبيان والباقي في معناهما فإن قتلهم الإمام ولو لشرهم وقوتهم ضمن قيمتهم للغانمين كسائر الأموال وذكر هذا في غير العبيد من زيادته
ويفعل في رجالهم الكاملين إذا أسروا ما يراه بالمصلحة للإسلام والمسلمين لا بالتشهي ويتوقف في فعله ويحبسهم حتى يظهر له وجه المصلحة من أحد أمور أربعة من قتل بالسيف لا تغريق ونحوه كتحريق ولا تمثيل بهم ومن من عليهم بتخلية سبيلهم وكذا استرقاق الأولى ومن استرقاق وإن كانوا عربا بفتح العين المهملة أو وثنيين ومن فداء بمال يؤخذ منهم للغانمين أو برجال أو نساء أو خناثى كما فهما بالأولى منا مأسورين معهم وإن قلوا عنهم كان فدي مشركين بمسلم وبأسلحتنا التي بأيديهم للاتباع في الأربعة وقال تعالى اقتلوا المشركين وقال فإما منا بعد وإما فداء وقال حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق أي بالاسترقاق وقولهم منا تبعا للنص جروا فيه على الغالب فإن أهل الذمة كذلك فيما يظهر خلافا لمن زعم خلافه
ولا يرد أسلحتهم التي بأيدينا عليهم بمال يبذلونه لنا كما لا يجوز أن نبيعهم السلاح وهل يردها لهم بأسارى منا كما تجوز المفاداة بهم ولأن ما تأخذه خير مما يبذله أو لا كما لا يردها بمال وجهان أوجههما الأول
ومن استبد بقتل أسير عزر لافتياته على الإمام ولا قود ولا دية لأنه لا أمان له وهو حر إلى أن يسترق ولذلك يجوز أن يخلي سبيله والأموال لا ترد إليهم بعد الاغتنام ولزمته القيمة إن كان قد استرق قبل قتله والتصريح بهذا من زيادته وتحرير ذلك ما قاله الماوردي أن الإمام إن حكم بقتله فلا شيء على قاتله سوى التعزير وإن أرقه ضمنه القاتل بقيمته ويكون غنيمة وإن من عليه فإن قتله قبل حصوله في مأمنه ضمن ديته لورثته أو بعده هدر دمه وإن فداه فإن قتله قبل قبض الإمام فداه ضمن ديته للغنيمة أو بعد قبضه وإطلاقه إلى مأمنه فلا ضمان عليه لعوده إلى ما كان عليه قبل أسره وقضية هذا التعليل أن محل ذلك إذا وصل إلى مأمنه وإلا فيضمن ديته لورثته وهو ظاهر
ويصح استرقاق بعض شخص منهم قال الرافعي بناء على تبعيض الحرية في ولد الشريك المعسر بقدر حصته
وإن أسرنا صبيا منفردا عن أبويه رق كما علم مما مر وذكره هنا من زيادته وهو يوهم أنه لا يرق إذا لم يكن منفردا
194
194
وليس مرادا وتبع السابي في إسلامه فإن قتله عبد اقتص منه لمكافأته له فإن وجب المال فهو قيمة عبد مسلم
وينفسخ نكاح من رق بالأسر ولو بعد الدخول لعموم خبر لا توطأ حامل حتى تضع إذ لم يفرق فيه بين المنكوحة وغيرها ولزوال ملكه عن نفسه فعن زوجته أولى وتعبيره بما قاله أعم من قول أصله وإن أسر صبي له زوجة انفسخ النكاح بأسره
وكذا ينفسخ نكاح الأسير إن استرق لا إن كان هو وزوجته رقيقين فلا ينفسخ نكاحه إذ لم يحدث رق وإنما انتقل الملك من شخص إلى آخر وذلك لا يقطع النكاح كالبيع والهبة فلو كان أحدهما رقيقا والآخر حرا فيؤخذ من ذلك أنهما إن سبيا أو الحر وحده وأرقه الإمام فيما إذا كان زوجا كاملا انفسخ النكاح لحدوث الرق أو الرقيق وحده فلا لعدم حدوثه
وإن أسلم من الأسرى رجل حر مكلف قبل اختيار من الإمام فيه عصم دمه من القتل لخبر الصحيحين أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ولم يرق بإسلامه كما علم مما مر فيختار فيه الإمام ما سوى القتل من إرقاق ومن فداء كما أن من عجز عن الإعتاق في كفارة اليمين يبقى مخيرا بين الإطعام والكسوة لكن لا يفادي إلا من كان عزيزا في قومه أو له فيهم عشيرة ولا يخشى الفتنة في دينه ولا في نفسه
أو أسلم كافر مكلف قبل الظفر به رجلا كان أو امرأة عصم نفسه وماله لخبر السابق و عصم ولده الصغير والمجنون الحرين من السبي وكذا الحمل تبعا له فيهما لا إن استرقت أمه قبل إسلام الأب فلا يعصمه إسلامه أي لا يبطل رقه كالمنفصل وإن حكم بإسلامه وكذا يعصم إسلامه ولد ابنه الصغير وإن كان الابن حيا ويحكم بإسلامه أي ولد ابنه الصغير تبعا له والمجنون كالصغير ولو عبر بولد ولده كان أولى ولا يعصم إسلامه زوجته من السبي والاسترقاق ويفارق عتيقه بأن الولاء بعد ثبوته لا يرتفع وإن تراضيا لأنه لحمة كلحمة النسب بخلاف النكاح فإنه يرتفع بأسباب منها حدوث الرق ويفارق أيضا ما لو بذل الجزية حيث يمتنع إرقاق زوجته وابنته البالغة بأن ما يمكن استقلال الشخص به لا يجعل فيه تابعا لغيره والبالغة تستقل بالإسلام ولا تستقل ببذل الجزية
وإن استرقت ولو بعد الدخول انقطع نكاحه لزوال ملكها عن نفسها فزوال ملك الزوج عنها أولى كما مر ولامتناع نكاح المسلم الأمة الكافرة ابتداء ودواما وفي تعبيرهم هنا وفيما قبله باسترقت تجوز فإنها ترق بنفس الأسر فلو عبروا برقت كان أولى
ولا يعصم إسلامه ابنه الأولى ولده البالغ العاقل لاستقلاله بالإسلام
وإن استأجر مسلم حربيا رقيقا أو حرا فاسترق أو داره فغنمت فله استيفاء مدته لأن منافع الأموال مملوكة ملكا تاما مضمونة باليد كأعيان الأموال وكما لا تغنم العين المملوكة للمسلم لا تغنم المنافع المملوكة له بخلاف منفعة البضع فإنها تستباح ولا تملك ملكا تاما ولهذا لا تضمن باليد
وتسترق زوجة الذمي الحربية وعتيقه الحربي لأن الذمي لو التحق بدار الحرب استرق فزوجته وعتيقه أولى وفي قوله تسترق تجوز بالنسبة إلى الزوجة كما مر نظيره واستشكل ما ذكر بما قالوه من أن الحربي إذا عقدت له الجزية عصم نفسه وزوجته من الاسترقاق وأجيب بأن المراد ثم الزوجة الموجودة حين العقد ليتناول العقد لها على وجه التبعية وهنا الزوجة المتجددة بعد عقد الذمة لعدم تناوله لها أو يحمل ما هناك على ما إذا كانت زوجته داخلة تحت القدرة حين العقد وما هنا على ما إذا لم تكن كذلك
وكذا تسترق زوجة المسلم الحربية وإن كانت حاملا عند إسلامه لا عتيقه كما في زوجة من أسلم وعتيقه وخالف في المنهاج كأصله فصحح عدم جواز استرقاق زوجته مع تصحيحه جوازه في زوجة من أسلم
وإن نقض ذمي عهده فاسترق وملكه عتيقه ثم أعتقه فلكل منهما الولاء على الآخر فولاء السيد
195
195
لا يبطل باسترقاقه
وإن استرق حربي وعليه دين لمسلم أو ذمي أو معاهد لا حربي لم يسقط عنه لأن شغل ذمته قد حصل ولم يوجد ما يسقطه بخلاف الحربي لعدم احترامه وقضي من ماله المغنوم بعد الرق فيقدم الدين على الغنيمة كما يقدم على الوصية وإن زال ملكه بالرق كما يقضى دين المرتد من ماله وإن قلنا بزوال ملكه ولأن الرق كالموت والحجر وكلاهما يعلق الدين بالمال لا من المغنوم قبله لانتقاله للغانمين وكذا لو قارن الغنم الرق لتعلق الغنيمة بالعين فيقدم على الدين كما يقدم حق المجني عليه على حق المرتهن وإلا أي وإن لم يوجد له مال يقضى منه دينه صبر رب الدين عليه إلى العتق واليسار فيطالبه به فلو ملكه أي الحربي المدين الغريم سقط عنه الدين وقيل لا يسقط والترجيح من زيادته وتعبيره بملكه أولى من قول أصله فلو كان الدين للسابي لاعتراض الإسنوي عليه بأن من أخذ من دار الحرب شيئا اختلاسا أو سرقة فالصحيح أنه غنيمة وعليه فلا يملك السابي من المسبي إلا أربعة أخماسه وحينئذ فلا يسقط الدين على الصحيح أي كله
وإن استرق الحربي وله دين على مسلم أو ذمي لم يسقط بل هو باق في ذمة المدين كوديعته فيطالبه به سيده ما لم يعتق فيما يظهر أو على حربي سقط كما لو رق من هو عليه ولأنه قد زال ملكه وليس الحربي ملتزما حتى يطالب ومنه يؤخذ أن المعاهد مثله
وإن أسلم حربيان ولأحدهما على الآخر دين معاوضة كبيع وقرض وعقد صداق لم يسقط ولو سبق إسلام المديون إسلام الدائن لالتزامه بعقد فاستديم حكمه كما في أحكام عقود أنكحتهم وكإسلامهما قبولهما الجزية أو الأمان كما صرح به الأصل نعم لا موقع لها والأولى وإن كان الدين دين إتلاف سقط إذ لا التزام ولا عقد يستدام والإتلاف نوع قهر ولأن إتلاف مال الحربي لا يزيد على إتلاف مال المسلم وهو لا يوجب الضمان على الحربي وكإسلامهما إسلام أحدهما وتقييد الأصل بإسلام المتلف لبيان محل الخلاف كما صرح به الأصل وفي تعبيره بسقط تسمح لاقتضاء أن الدين ثبت أولا فلو عبر كأصله بقوله لم يطالب كان أولى
وإن قهر مديون غريمه أو عبد سيده أو امرأة زوجها أو والد ولده وهما حربيان ملكه وإن كان المقهور كاملا لأن الدار دار إباحة واستيلاء بخلاف ما لو كانا بدار الإسلام بأمان لأنها دار إنصاف قال الإمام ولم يعتبروا في القهر قصد الملك وعندي لا بد منه فقد يكون القهر للاستخدام وغيره ولا مميز لكن ليس للأب في الأخيرة بيعه لعتقه عليه وبطل الدين في الأولى والرق في الثانية والنكاح في الثالثة
وإن سبيت امرأة وولدها الصغير لم يفرق بينهما في القسمة بل يقومان فإن وافقت قيمتهما نصيب أحد الغانمين جعلا لواحد وإلا اشترك فيهما اثنان أو بيعا وجعل ثمنهما في المغنم وقد سبق بيان تحريم التفريق بينهما بالقسمة ونحوها مع زيادة في البيع
الطرف الثالث في إتلاف أموالهم من تخريب بناء وقطع شجر وغيرهما للإمام عبارة الأصل للمسلمين إتلاف غير الحيوان منها لقوله تعالى يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ولخبر الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قطع نخل بني النضير وحرق عليهم فأنزل الله عليه ما قطعتم من لينة أو تركتموها الآية وروى البيهقي أنه صلى الله عليه وسلم قطع لأهل الطائف كروما سواء أتلفها لحاجة أو لا مغايظة لهم وتشديدا عليهم وقد قال تعالى ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار الآية فإن ظن حصولها لنا كره إتلافها حفظا لحق الغانمين ولا يحرم لأنه قد يظن شيئا فيظهر خلافه عبارة المنهاج كأصله تبعا للشافعي ندب تركه وعبارة الرافعي الأولى تركه فإن أريد بذلك الكراهة فلا خلاف أما الحيوان أي المحترم فيحرم إتلافه لحرمته وللنهي عن ذبح الحيوان لغير مأكلة
وإن غنمناها بأن فتحنا دارهم
196
196
قهرا أو صلحا على أن تكون لنا أو غنمنا أموالهم وانصرفنا حرم إتلافها لأنها صارت غنيمة لنا وكذا إن فتحناها صلحا على أن تكون لهم فإن خفنا استردادها وكانت غير حيوان جاز إتلافه أي غير الحيوان لئلا يأخذوها فيتقووا بها أو كانت حيوانا فلا يجوز إتلافه لما مر لكن يذبح المأكول منه للأكل خاصة لمفهوم خبر النهي السابق
ويعقر الحيوان للحاجة في القتال إلى عقره لدفعهم أو للظفر بهم إن ركبوه لقتالنا أو خفنا أن يركبوه للعذر ولأنه كالآلة للقتال
وإن خفنا استرداد نسائهم وصبيانهم ونحوهما منا لم يقتلوا لتأكد احترامهم
فرع ما حرم الانتفاع به من كتبهم الكفرية والمبدلة والهجوية والفاحشية كما ذكرهما الأصل لا التواريخ ونحوها مما يحل الانتفاع به ككتب الطب والشعر واللغة يمحى بالغسل إن أمكن مع بقاء المكتوب فيه وإلا مزق وإنما نقره بأيدي أهل الذمة لاعتقادهم كما في الخمر وخرج بتمزيقه تحريقه فلا يجوز لما فيه من أسماء الله تعالى ولما فيه من تضييع المال لأن للمزق قيمة وإن قلت ولا يشكل بما رواه البخاري عن عثمان رضي الله عنه أنه لما جمع القرآن جمع ما بأيدي الناس وأحرقه أو أمر بإحراقه ولم يخالفه غيره لأن الفتنة التي تحصل بالانتشار هناك أشد منها هنا كما لا يخفى أما ما يحل الانتفاع به فهو باق بحاله وأدخل ما ذكر من المغسول والممزق في الغنيمة فيباع أو يقسم
وتتلف الخنازير والخمور لا أوانيها الثمينة فلا تتلف بل تحمل فإن لم تكن ثمينة بأن لم تزد قيمتها على مؤنة حملها أتلفت قال الأذرعي ويشبه أن يكون محل إتلافها إذا لم يرغب أحد من الغانمين فيها ويتكلف حملها لنفسه فحينئذ تدفع إليه ولا تتلف وبين في المجموع في البيع أن الخنزير إن كان يعدو على الناس وجب إتلافه وإلا فوجهان ظاهر نص الشافعي أنه يتخير قال الزركشي بل ظاهره الوجوب أيضا وبه صرح الماوردي والروياني لأن الخمر تراق وإن لم يكن فيها عدوى
وكلب الصيد والماشية والزرع ونحوها يعطى لمن أراده من الغانمين أو أهل الخمس إن لم يتنازعوا فيه فإن تنازعوا فيه وكانت أي الكلاب كثيرة وأمكن قسمتها عددا قسمت بالعدد إذ لا قيمة لها حتى تقسم بالقيمة وإلا فالقرعة وهذا ما قاله الرافعي وتبعه النووي أنه المذهب الموجود في كتب العراقيين لكن أطلق الغزالي أن للإمام أن يخص بها من شاء وكذا نقله الإمام عن العراقيين واعترض ابن الرفعة الرافعي فيما نقله عنهم وقال إن البندنيجي وابن الصباغ والماوردي قالوا إن كان في الغانمين من يحل له اقتناء الكلب دفع إليه وإلا دفع إلى من هو محتاج إليه من أهل الخمس ونقل القاضي ذلك عن النص قال البندنيجي والماوردي فإن لم يكن في أهل الخمس من يحل له اقتناؤه ترك قال وما ذكره الرافعي لم أجده فيما وقفت عليه من كتب العراقيين بل قال في الشامل بعد حكايته ما تقدم عنهم أن أصحابنا لم يذكروا ما إذا تنازع فيها الغانمون وأبدى ما ذكره الرافعي احتمالا لنفسه قال في الأصل وتقدم في الوصية أنه يعتبر قيمة الكلاب عند من يرى لها قيمة ويعتبر منافعها فيمكن مجيئه هنا قلت الظاهر عدم مجيئه بقرينة قولهم قسمت عددا وإلا فالقرعة ويفارق الوصية بأن بابها أوسع من باب الجهاد
الطرف الرابع في الاغتنام لو دخل ولو بغير إذن الإمام واحد أو جماعة منا دارهم مختفيا فسرق أو اختلس أو التقط من مالهم فهو غنيمة مخمسة لا يختص به الآخذ تنزيلا لدخوله دارهم وتغريره بنفسه منزلة القتال وإن أخذه على وجه السوم ثم جحده أو هرب فهو له ولا يخمس وقولهم دخل دارهم لعله جرى على الغالب وإلا فلو أخذ من مالهم في دارنا ولا أمان لهم كان الحكم كذلك كما نبه عليه الأذرعي
ومن قهر منا حربيا وأخذ ماله وهداياه فغنيمة مخمسة لا يختص به الآخذ وقوله وهداياه من زيادته وكان المراد به هداياه المحمولة معه لغيره ولا حاجة إليه لدخوله فيما قبله
ولو قدم الكافر الهدية إلى الإمام أو غيره والحرب قائمة فهي غنيمة لا يختص بها المهدى إليه لأنه فعله خوفا بخلاف ما لو قدمها إليه والحرب غير قائمة
فرع لو احتمل كون اللقطة الموجودة بدارهم لمسلم عرفها الآخذ وجوبا قيل يوما أو يومين ليصل إلى الأجناد وقيل سنة كسائر اللقطات وظاهر كلام الروياني وغيره ترجيحه ثم بعد تعريفه يخمس غنيمة
والصيد البري والبحري والحشيش
197
197
المباح وسائر المباحات كالحطب والحجر أي كل منها ملك لمن أخذه من دار الحرب كدار الإسلام وإنما لم يكن غنيمة لأنه لم يجر عليه ملك كافر فإن ملكوه أي الحربيون ولو ظاهرا كأن وجد الصيد موسوما أو مقرطا بأن جعل القرط في أذنه أو الحشيش مجزوزا أو الحجر مصنوعا فغنيمة فإن أمكن كونه لمسلم فهو كسائر اللقطات فيأتي فيه ما مر
ولو دخل صبي أو امرأة أو مجنون أو خنثى منهم بلادنا فأخذ أي أخذه مسلم أو أخذ ضالة لحربي من بلادنا كان المأخوذ فيئا لأنه مأخوذ بلا قتال ومؤنة
أو دخلها رجل حربي فأخذه مسلم فغنيمة لأن لأخذه مؤنة و يتخير الإمام فيه فإن استرقه كان الخمس لأهله والباقي لمن أخذه بخلاف الضالة لما مر
فصل للغانمين قبل اختيار التملك وقبل رجوعهم لعمران دار الإسلام التبسط في الغنيمة ولو بغير إذن الإمام بأكل القوت والأدم والفاكهة ونحوها مما يعتاد أكله للآدمي عموما كالشحم واللحم والعلف للدواب شعيرا وتبنا ونحوهما لخبر أبي داود الحاكم وقال صحيح على شرط البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى قال أصبنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر طعاما فكان كل واحد منا يأخذ منه قدر كفايته وفي البخاري عن ابن عمر قال كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله ولا نرفعه والمعنى فيه عزته بدار الحرب غالبا لإحراز أهله له عنا فجعله الشارع مباحا ولأنه قد يفسد وقد يتعذر نقله وقد تزيد مؤنة نقله عليه سواء أكان معه طعام يكفيه أم لا لعموم الأخبار قال الإمام ولو وجد في دارهم سوقا وتمكن من الشراء منه جاز التبسط أيضا إلحاقا لدارهم فيه بالسفر في الترخص وقضيته أنا لو جاهدناهم في دارنا امتنع التبسط ويجب حمله على محل لا يعز فيه الطعام لما سيأتي ويتزودون منه لقطع المسافة التي بين أيديهم ويكون كل من التبسط والتزود بقدر الحاجة ولو كانوا أغنياء عنه لإطلاق الأخبار ولأنه يشبه طعام الولائم وهو مباح مطلقا ولو أكل فوق حاجته لزمه قيمته كما صرح به الأصل قال الزركشي وكذا ينبغي أن يقال به في علف الدواب لا بأكل الفانيد والسكر والأدوية التي تندر الحاجة إليها لندور الحاجة إليها ولا توقيح الدواب بالقاف والحاء المهملة أي مسحها بالدهن المذاب أي المغلي كالمداواة ولا إطعام البزاة ونحوها كالصقور لعدم الحاجة إليها بخلاف الدواب قال الروياني فإن لم يقدر صاحبها على إطعامها بشراء أو غيره أرسلها وذبح ما يؤكل لحمه ولا الانتفاع بمركوب وملبوس من الغنيمة فلو خالف لزمته الأجرة كما تلزمه القيمة إذا أتلف بعض الأعيان فإن احتاج إلى الملبوس لبرد أو حر لبسه الإمام له إما بالأجرة مدة الحاجة ثم يرده إلى المغنم أو حسبه عليه من سهمه كالأدوية والفانيد والسكر المحتاج إليها فيعطي الإمام المريض المحتاج إليها قدر حاجته بقيمته أو يحسبه عليه من سهمه
وله القتال بالسلاح بلا أجرة للضرورة إليه فيه ويرده إلى المغنم بعد زوالها فإن لم يكن ضرورة لم يجز له استعماله ولو اضطر إلى ركوب المركوب في القتال فله ركوبه بلا أجرة فيما يظهر كالقتال بالسلاح
ولو ذبح حيوانا للأكل جاز ولا تلزمه قيمته كتناول الأطعمة ودعوى الندور ممنوعة سواء الغنم وغيرها بخلاف ذبحه لغير الأكل ورد جلده إلى المغنم إلا ما يؤكل مع اللحم فله أكله معه فإن اتخذ منه شراكا أو سقاء أو نحوه فكالمغصوب فيأثم بذلك ويلزمه رده بصنعته ولا أجرة له فيها بل إن نقص لزمه الأرش وإن استعمله لزمه الأجرة
ولا يتبسط مدد لحقوا الجيش بعد أي بعد انقضاء الحرب ولو قبل حيازة الغنيمة كما لا يستحق منها شيئا ولأنهم معهم كغير الضيف مع الضيف وما قررته هو مقتضى ما في الرافعي ووقع في الروضة اعتبار بعدية حيازة الغنيمة أيضا والمعتمد خلافه
فإن ضيف بما فوق حاجته الغانمين جاز وليس فيه إلا تحمل التعب عنهم أو ضيف به غيرهم فكغاصب ضيف غيره بما غصبه فيأثم به ويلزم الآكل ضمانه ويكون المضيف له طريقا في الضمان
ويعلف الرجل جوازا ما معه من الدواب كما علم مما مر ولو دابتين فأكثر وإن لم يسهم إلا لفرس
وإذا دخلوا أي المتبسطون عمران دار الإسلام ولم يعز الطعام لا خرابه الأولى خرابها ردوا فضل الزاد لزوال الحاجة وكون المأخوذ متعلق حق الجميع إلى المغنم قبل
198
198
القسمة وإلى الإمام بعدها فإن كثرت بقية ما أخذ للتبسط قسمت كما قسمت الغنيمة وإلا جعلت في سهم المصالح قال الإمام ولا ريب أن إخراج الخمس منها ممكن وإنما هذا في الأربعة الأخماس وكدار الإسلام بلد أهل ذمة أو عهد لا يمتنعون من معاملتنا لأنها وإن لم تكن مضافة إلى دار الإسلام فهي في قبضتنا بمثابتها فيما نحن فيه للتمكن من الشراء منهم نقله الأصل عن الإمام وأقره
فرع ليس لهم التصرف بالبيع ونحوه فيما تزودونه ومن المغنم لأنهم لا يملكونه بالأخذ وإنما أبيح لهم الأخذ والأكل كالضيف فليس لهم أن يأكلوا طعام أنفسهم ويصرفوا المأخوذ إلى حاجة أخرى كما لا يتصرف الضيف فيما قدم له إلا بالأكل
فلو أقرض منه غانم غانما آخر فله مطالبته بعينه أو بمثله من المغنم ما لم يدخلوا دار الإسلام لا من خالص ماله وذلك لأنه إذا أخذه صار أحق به ولم تزل يده عنه إلا ببدل وليس ذلك قرضا محققا لأن الآخذ لا يملك المأخوذ حتى يملكه لغيره فلو رد عليه من ماله لم يأخذه لأن غير المملوك لا يقابل بالمملوك وعليه فإن نفد الطعام أي فرغ سقطت المطالبة وإذا رد من المغنم صار الأول أحق به لحصوله في يده
أو دخلوا دار الإسلام ولم يعز الطعام رده المقترض إلى الإمام لانقطاع حقوق الغانمين عن أطعمة المغنم فإن بقي بيده بعد دخوله دار الإسلام عين المقترض رده إلى المغنم بناء على أن فضل الزاد يجب رده إليه وهذه تعلم من التي قبلها على أن الذي في الأصل أن الأولى في رد المقرض بأن رد له المقترض ذلك قبل دخولهم دار الإسلام والثانية في رد المقترض بأن لم يرده للمقرض قبل ذلك
وإن تبايعا أي غانمان ما أخذاه صاعا بصاع أو بصاعين فكتناول الضيفان باللقم أي فكإبدالهم لقمة بلقمة أو بلقمتين فلا يكون ربا لأنه ليس بمعاوضة محققة وكل منهما أولى بما صار إليه فيأكلانه ولا يتصرفان فيه ببيع أو نحوه
فإن قل الطعام المغنوم واستشعر الإمام الازدحام والتنازع فيه خص الإمام به المحتاجين إليه بقدر حاجاتهم وله أن يمنع غيرهم من مزاحمتهم
فصل لا يملكون الغنيمة لا بالقسمة والاختيار للغنيمة أو لتملكها أي لا يملكونها إلا بأحد الأمرين فلو عبر بأو بل لو اقتصر على الاختيار كان أولى فقد قال في الأصل العبرة باختيار التملك لا بالقسمة وإنما اعتبرت القسمة لتضمنها اختيار التملك وأما قبل ذلك فإنما ملكوا أن يتملكوا كحق الشفعة كما قال ولهم اختيار التملك بعد الحيازة لأنهم لو ملكوا لم يصح إعراضهم كمن احتطب
ولكل منهم الإعراض عن حقه من الغنيمة قبل اختيار التملك ولو بعد إفرازه له ما لم يقبله أي ما أفرز له أو لم يختر التملك لما مر ولأن المقصود الأعظم من الجهاد إعلاء كلمة الله تعالى والذب عن الملة والغنائم تابعة فمن أعرض عنها فقد جرد قصده للغرض الأعظم أما إذا قبل ما أفرز له أو اختار التملك فلا يصح إعراضه كما مر لاستقرار ملكه كسائر الأملاك وكما أن من اختار في العقود أحد الطرفين لا يعدل إلى الآخر وعلى هذا يحمل نص الشافعي وجماعة على أنهم يملكون حقوقهم بإقرار الإمام مع قبضهم لها وبدونه مع حضورهم
فإن وهب بعضهم نصيبه للغانمين أي لباقيهم وأراد الإسقاط له سقط أو أراد تمليكهم إياه فلا يسقط لأنه غير مملوك له ولأنه مجهول
ومن مات منهم عن نصيبه فوارثه كهو فيه كسائر الحقوق فيملكه إن سبق اختيار التملك له وإلا فله طلبه والإعراض عنه كالشفعة
فلو أعرضوا جميعا جاز وصرف الجميع مصرف الخمس لأن المعنى المصحح للإعراض يشمل البعض والجميع
والسالب أي مستحق السلب وذو القربى ولو واحدا والسفيه لا يصح إعراضهم لأن السلب متعين لمستحقه بالنص كالوارث وكنصيبه بعد القسمة وسهم ذوي القربى منحة أثبتها الله تعالى لهم بالقرابة بلا تعب وشهود وقعة كالإرث فليسوا كالغانمين الذين يقصدون بشهودهم محض الجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى والسفيه محجور عليه وما ذكره من عدم صحة إعراضه نقله الأصل عن نفقة الإمام قال البلقيني وهذا إنما فرعه الإمام على أنه يملك بمجرد الاغتنام وبه صرح في البسيط فقال والسفيه يلزم حقه على قولنا يملك ولا يسقط بالإعراض إلا على قولنا إنه لا يملك وتقدم أنه لا يملك إلا بالاختيار فيكون الأصح صحة إعراضه ولذا قال في المهمات الراجح صحة إعراضه وقال الأذرعي إنه مقتضى إطلاق الجمهور

199
199
وباقي أصحاب الخمس لا يتصور إعراضهم لأنهم غير معينين
والمعرض من الغانمين كالمعدوم فيقسم المال خمسا وأربعة أخماس كما لو لم يكن إعراض فالإعراض إنما ترجع فائدته إلى باقي الغانمين دون أرباب الخمس
ويصح إعراض مفلس محجور عليه لأن اختيار التملك كالاكتساب والمفلس لا يلزمه ذلك ولأن الإعراض يمحض جهاده للآخر فلا يمنع منه
لا إعراض عبد وصبي عن الرضخ لأن الحق فيما غنمه العبد لسيده وعبارة الصبي ملغاة بل الإعراض للسيد لأنه المستحق نعم إن كان العبد مكاتبا أو مأذونا له في التجارة وقد أحاطت به الديون فلا يظهر صحة إعراضه في حقهما ذكره الأذرعي وفي الثاني نظر لا للولي لعدم الحظ في إعراضه للمولى عليه فإن بلغ قبل اختياره التملك صح إعراضه
فرع لو سرق من الغنيمة غانم أو ولده أو والده أو عبده أو سيده قدر نصيبه منها رده إليها فإن تلف فبدله يرده إليها ولم يقطع حرا كان أو عبدا لأن له حقا فيها وكذا لو سرق أكثر من نصيبه يرده فإن تلف فبدله ولا يقطع وينبغي أن يسقط عنه قدر نصيبه إن كان الغانمون محصورين كما في المهر الآتي بيانه في الفرع الآتي ولو بعد إفراز الخمس سواء أسرق منه أم من الأخماس الأربعة وإن بلغ ما سرقه منها نصابا لذلك
أو سرقه أجنبي غير كافر من الغنيمة قبل إفراز الخمس أو من الخمس بعد إفرازه وقبل إخراج خمسه أو من خمسه أي خمس الخمس بعد إفرازه لم يقطع لأن فيه مالا لبيت المال وله فيه حق أو من أربعة أخماس الغنيمة قطع لأنه لا حق له فيها وكذا لو سرق من أربعة أخماس الخمس إن لم يكن من أهلها أي أهل استحقاقها وإلا فلا يقطع
ومن غل من الغنيمة شيئا وكان من الغانمين عزر
فرع لو وطئ غانم جارية من الغنيمة قبل القسمة وقبل اختيار التملك لو اقتصر على الثاني كان أولى وأخصر كما مر نظيره فلا حد عليه لأن له فيها شبهة ملك وهذا الحكم ثابت بعد اختيار التملك أيضا كما فهم بالأولى ويعزر عالم بالتحريم لا جاهل به بأن قرب عهده بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة عن العلماء بل ينهى عنه ويعرف حكمه ولزمه المهر للشبهة كوطء الأب جارية ابنه فإن أحبلها لم يثبت الاستيلاد في حصته وإن كان موسرا لعدم الملك فإن ملكها بعد بسهمه أو بسبب آخر ثبت الاستيلاد كما صححه في الروضة وجزم به الرافعي في المعسر
ولزمه أرش نقص الولادة لحصة
200
200
غيره لعدم ثبوت الاستيلاد لكن عدم ثبوته الذي جزم به المصنف هو ما رجحه في أصل الروضة ونقله الرافعي عن العراقيين وكثير من غيرهم والذي رجحه في شرحيه ونقله عن النص ثبوته في حصته وإن كان معسرا لشبهة الملك وإن لم تكن ملكه كما في وطء الأب جارية ابنه بل أولى لأن حق الغانم أقوى وعلى ما رجحه يسري الاستيلاد من حصة الموسر إلى الباقي فيلزمه قيمة حصة شركائه بخلاف المعسر ويدخل فيها أرش نقص الولادة وفي كلام الروضة هنا توهم نبه عليه في المهمات وقد أشرت إلى بعضه بما تقرر ويسقط عنه حصته من المهر إن كانوا محصورين بأن تيسر ضبطهم إذ لا معنى لأخذها منه وردها عليه حيث لا مشقة في معرفتها وإلا بأن لم يكونوا محصورين ولم يفرز الإمام الخمس لأربابه ولا عين شيئا أخذا مما يأتي أخذ المهر وضم إلى المغنم وهو أي نصيبه يرجع إليه عند القسمة ولا يكلف الإمام ضبطهم ومعرفة نصيبه لما فيه من المشقة قال الإمام وليخص ما ذكروه بما إذا طابت نفسه بغرم الجميع فإن قال أسقطوا نصيبي فلا بد من إجابته ويؤخذ المتيقن ويوقف المشكوك فيه قال في الروضة ظاهر كلامهم خلاف ما قاله ويحتمل أخذ هذا القدر منه وإن كان يستحقه للمصلحة العامة والمشقة الظاهرة ولئلا يقدم بعض المستحقين في الإعطاء على بعض أي مع ارتكاب المشقة
ولو جعل الخمس بأن أفرزه الإمام لأربابه وكان وطء الغانم بعد تملك الغانمين وخرجت أي الجارية في حصة قوم هو أي واطئها منهم فهم شركاؤه فيها ولا يخفى حكمه من أنه يغرم من المهر قسطهم وإن كان قبل تملكهم فكما لو كانوا محصورين إلا أن المهر لا يخمس هنا بل يوزع عليهم فيسقط عن الواطئ حصته منه ويلزمه حصة الباقين وما ذكر من أحكام المهر يأتي مثله في قيمة السراية كما ذكره الأصل
ولا يثبت فيها أي الجارية القسمة وهي حامل بحر إن جعلناها أي القسمة بيعا وهل تقوم عليه ويسلم القيمة للإمام فيجعلها في المغنم لأنه بالأحبال حال بين الغانمين وبينها بيعا وقسمة أم تكون الجارية حصته إن احتمل أي احتملتها حصته أم تدخل في القسمة وإن كانت حاملا بحر للضرورة فيه خلاف والأوجه الأول
فإن وضعت حملها فهو حر نسيب للشبهة سواء أكان الواطئ موسرا أو معسرا هذا ما صححه الأصل هنا كالعراقيين وقيل إن كان معسرا فالحر منه قدر حصته فقط كإيلاده وهذا موافق لما قدمه كأصله في النكاح في الكلام على وطء الأب الأمة المشتركة بين ابنه وأجنبي قالا هنا والخلاف في تبعيض الحرية يجري في ولد الشريك المعسر فيكون الأصح أنه حر كله لكنه صحح في باب دية الجنين وباب الكتابة التبعيض وإنما ذكر المصنف وضع الولد مع أنه حر قبل وضعه ليرتب عليه قوله ويلزمه قيمة الولد لأنه منع رقه بإحباله مع عدم تقويم الأم عليه وحكمها أي قيمة الولد حكم المهر وقيمة السراية فيما مر وتجعل الأم في المغنم فتخمس مع بقية المال وإن وضعت قبل القسمة وإلا خمست وحدها وقوله وهل تقوم إلى آخره مفرع على عدم ثبوت الاستيلاد ولو أولد امرأة بعضها حر بنكاح أو زنا فالذي استقر عليه جواب القاضي أنه كالأم حرية ورقا قال الإمام وهو الوجه لأنه لا سبب لحريته إلا حرية الأم فيتقدر بها ذكره الأصل
وإن وطئ جارية الخمس بعد القسمة عبارة الأصل بعد إفراز الخمس غانم أو أجنبي حد كوطء جارية ببيت المال بخلاف سرقته لأنه يستحق منه النفقة لا الإعفاف وإن وطئ الأجنبي جارية من الأخماس الأربعة حد إلا أن يكون له في الغانمين ولد أو مكاتب
وإن أعتق عبدا من الغنيمة أو كان فيها من يعتق عليه لم يعتق قبل اختياره التملك لعدم دخوله في ملكه وفارق ثبوت الاستيلاد على ما مر بقوة الاستيلاد بدليل نفوذ استيلاد المجنون واستيلاد الأب جارية ابنه دون إعتاقهما وبأن الوطء اختيار للتملك بدليل جعل وطء البائع في زمن الخيار فسخا بخلاف الإعتاق أما بعد اختياره التملك فيعتق عليه وينظر إلى يساره وإعساره في تقويم الباقي
فرع لو دخل مسلم دار الحرب منفردا وأسر أباه أو ابنه البالغ العاقل لم يعتق منه شيء في
201
201
الحال لأنه لا يرق بالأسر حتى يختار الإمام استرقاقه وحينئذ للسابي تملكه فإن تملكه عتق عليه أربعة أخماسه فإن كان موسرا قوم عليه الخمس لأهله وإن لم يتملكه لم يعتق شيء منه وكذا إذا لم يختر الإمام استرقاقه بأن اختار قتله أو فداءه أو المن عليه
وإن أسر أمه أو بنته البالغة رقت بالأسر فلا حاجة إلى اختيار الإمام فإن اختار السابي التملك فكما مر في نظيره قبلها وكذا ابنه الأولى ولده الصغير إن أسره رق بالأسر وجرى فيه ما ذكر إن كان رقيقا لحربي كأن تزوج حربي أمة لحربي فأتت بولد أو قهر حربي ولد الحربي أو اشتراه منه ثم أسلم الأب في الثلاثة وهذا الشرط من زيادته ذكره تبعا للإسنوي لتصوير سبي الرجل ولده الصغير لأن الصغير يتبع أباه في الإسلام فلا يتصور منه سبيه فإذا كان رقيقا لحربي تصور منه ذلك
وإن كان الغانمون قليلين وأخذوا أي غنموا من يعتق عليهم جميعا لم يتوقف عتقهم له إلا على اختيارهم التملك
فصل في حكم عقار الكفار ويملك عقارهم بالاستيلاء عليه مع اختيار التملك كالمنقولات ولعموم الأدلة كقوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء الآية وخرج بعقارهم مواتهم فلا يملك بالاستيلاء لأنهم لم يملكوه إذ لا تملك إلا بالإحياء كما مر في بابه
أما مكة ففتحت صلحا لا عنوة لقوله تعالى ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار الآية يعني أهل مكة وقوله وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة وقوله وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم إلى قوله وأخرى لم تقدروا عليها أي بالقهر قبل التي عجلها لهم غنائم حنين والتي لم يقدروا عليها غنائم مكة ومن قال فتحت عنوة معناه أنه دخل مستعدا للقتال لو قوتل قاله الغزالي
فبيوتها ملك لأهلها لا وقف فيصح بيعها إذ لم يزل الناس يتبايعونها ولقوله صلى الله عليه وسلم وهل ترك لنا عقيل من دار يعني أنه باعها رواه البخاري قال الروياني ويكره بيعها وإجارتها للخلاف ونازعه النووي في مجموعه وقال إنه خلاف الأولى لأنه لم يرد فيه نهي مقصود قال الزركشي والأول هو المنصوص
وأما سواد العراق من البلاد وهو من إضافة الجنس إلى بعضه لأن السواد أزيد من العراق بخمسة وثلاثين فرسخا كما قاله الماوردي وسمي سوادا لأنهم خرجوا من البادية فرأوا خضرة الزرع والأشجار الملتفة والخضرة ترى من البعد سوادا فقالوا ما هذا السواد ولأن بين اللونين متقاربا فيطلق اسم أحدهما على الآخر ففتح في زمن عمر رضي الله عنه عنوة بفتح العين أي قهرا وغلبة لأنه قسم بين الغانمين وأرضى عمر عنه الغانمين بعوض وبغيره واسترده ووقفه دونه بنية دوره علينا لأنه خاف تعطل الجهاد باشتغالهم بعمارته لو تركه بأيديهم ولأنه لم يستحسن قطع من بعدهم عن رقبته ومنفعته وأجره من أهله إجارة مؤبدة بالخراج المضروب عليه على خلاف سائر الإجارات وجوزت كذلك للمصلحة الكلية قال العلماء لأنه بالاسترداد رجع إلى حكم أموال الكفار وللإمام أن يفعل بالمصلحة الكلية في أموالهم ما لا يجوز مثله في أموالنا كما يأتي مثله في مسألة البدأة والرجعة وغيرهما
والخراج المضروب عليه أجرة منجمة تؤدى كل سنة لمصالحنا وليس لأهل السواد بيعه ورهنه وهبته لكونه صار وقفا ولهم إجارته مدة معلومة لا مؤبدة كسائر الإجارات وإنما خولف في إجارة عمر للمصلحة الكلية كما مر
ولا يجوز لغير ساكنيه إزعاجهم عنه ويقول أنا أستغله وأعطي الخراج لأنهم ملكوا بالإرث المنفعة بعقد بعض آبائهم مع عمر والإجارة لازمة لا تنفسخ بالموت
وأما دورهم أي أبنيتها فيجوز بيعها إذ لم ينكره أحد ولهذا لا يؤخذ عليها خراج ولأن وقفها يفضي إلى خرابها نعم إن كانت آلتها من أجزاء الأرض
202
202
الموقوفة لم يجز بيعها قاله الأذرعي تفقها وعليه يحمل ما نقله البلقيني عن النص وقطع به من أن الموجود من الدور حال الفتح وقف لا يجوز بيعه
ثم ما فيها أي أرض سواد العراق من الأشجار ثمارها للمسلمين يبيعها الإمام ويصرفها أي أثمانها وله أن لا يبيعها ويصرفها نفسها كما صرح به الأصل مصارف الخراج ومصارفه مصالح المسلمين الأهم فالأهم منها ومنها أهل الفيء أغنياؤهم وفقراؤهم
وحد السواد من عبادان بالباء المشددة إلى حديقة الموصل بفتح الحاء والميم طولا ومن عذيب القادسية إلى حلوان بضم الحاء عرضا بإجماع أهل التاريخ ما خلا البصرة بفتح الباء أشهر من ضمها وكسرها فإنها وإن كانت داخلة في حد السواد فليس لها حكمه لأنها حدثت بعد فتحه ووقفه فأحياها عثمان بن أبي العاص وعتبة بن غزوان في زمن عمر رضي الله عنهم سنة سبع عشرة ولم يعبد بها صنم قط إلا الفرات شرقي دجلتها و إلا نهر الصراة غربيها أي غربي دجلتها وهو أي حد السواد بالفراسخ مائة وستون فرسخا طولا وثمانون عرضا وبالجريب قولان أحدهما أنه اثنان وثلاثون ألف ألف جريب وثانيهما ستة وثلاثون ألف ألف حكاهما الرافعي ثم قال ويمكن أن يرجع التفاوت إلى ما يقع الحد المذكور من السباخ والتلول والطرق ومجاري الأنهار ونحوها مما لا يزرع فكان بعضهم أخرجها عن الحساب
والخراج أي قدره في كل سنة ما فرضه عثمان بن حنيف لما بعثه عمر ماسحا وهو على جريب شعير درهمان و جريب حنطة أربعة و جريب شجر و جريب قصب سكر ستة و جريب نخل ثمانية و جريب كرم عشرة و جريب زيتون اثنا عشر درهما والجريب عشر قصبات كل قصبة ستة أذرع بالهاشمي كل ذراع ست قبضات كل قبضة أربع أصابع فالجريب ساحة مربعة من الأرض بين كل جانبين منها ستون ذراعا هاشميا وقال في الأنوار الجريب ثلاثة آلاف وستمائة ذراع
وأما مصر فقال الزركشي تبعا لابن الرفعة وغيره إنها فتحت عنوة وقيل فتحت صلحا ثم نكثوا ففتحها عمر ثانيا عنوة وفي وصية الشافعي في الأم ما يقتضي أنها فتحت صلحا
وأما الشام فقال الأذرعي إنها فتحت صلحا كما صرح به الجوري وغيره ونقل الرافعي في كتاب الجزية عن الروياني وغيره أن مدتها فتحت صلحا وليس كذلك بل ذكر في كتاب الخراج أن كثيرا منها فتح عنوة
فرع إن رأى الإمام اليوم أن يقف أرض الغنيمة كما فعل عمر رضي الله عنه جاز وكذا سائر عقاراتها ومنقولاتها إن رضي الغانمون بذلك كنظيره فيما مر عن عمر رضي الله عنه لا قهرا عليهم وإن خشي أنها تشغلهم عن الجهاد لأنها ملكهم لكن يقهرهم على الخروج إلى الجهاد بحسب الحاجة وعلم من كلامه أنه لو امتنع بعضهم لم يقهره ويكون أحق بماله وبه صرح الأصل
ولا يرد شيء من الغنيمة إلى الكفار إلا برضا الغانمين لأنهم ملكوا أن يتملكوها
الباب الثالث في الأمان للكافر والأصل فيه آية وإن أحد من المشركين استجارك وخبر الصحيحين ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلما أي نقض عهده فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين والذمة العهد والأمان والحرمة والحق وأما الذمة في قولهم ثبت المال في ذمته وبرئت ذمته فلها معنى آخر بينته في البيع لكل مسلم مكلف غير أسير ولا مكره حتى امرأة أو عبد أو فاسق أو سفيه أمان كافر وكافرة غير كافر أسير سواء أكانا بدار الحرب أم لا وأمان جماعة محصورين كقرية صغيرة أي أهلها فخرج بالمسلم الكافر لأنه متهم وليس أهلا للنظر لنا وبالمكلف غيره لإلغاء عبارته وبما بعده المكره والأسير أي المقيد أو المحبوس وإن لم يكن مكرها لأنه مقهور بأيديهم لا يعرف وجه المصلحة ولأن وضع الأمان أن يأمن المؤمن وليس الأسير أمينا أما أسير الدار وهو المطلق ببلاد الكفر الممنوع من الخروج منها فيصح أمانه كما في التنبيه وغيره وعليه
203
203
قال الماوردي إنما يكون مؤمنه آمنا منا بدار الحرب لا غير إلا أن يصرح بالأمان في غيرها وبغير الأسير الكافر الأسير لأنه بالأسر ثبت فيه حق للمسلمين وقيده الماوردي بغير الذي أسره أما الذي أسره فإنه يؤمنه إذا كان باقيا في يده لم يقبضه الإمام كما يجوز قتله وترجيح صحة الأمان للكافرة من زيادة المصنف وبها جزم الماوردي وغيره وصححها البلقيني وغيره وتبعية أمانهما لأمان السيد والرجل لا تمنع إفراد صحة العقد لهما وبالمحصورين غيرهم كأهل بلد أو ناحية فلا يؤمنهم الآحاد لئلا يتعطل الجهاد فيها بأمانهم
وقد بين ضابط ذلك بقوله والشرط أن لا يؤدي الأمان إلى إبطال الجهاد في تلك الناحية لأن الجهاد شعار الدين والدعوة القهرية وهو من أعظم مكاسب المسلمين فلا يجوز أن يظهر بأمان الآحاد انسداده و لا إلى تكليف حمل الزاد والعلف فلو آمنا آحادا على طريق الغزاة واحتجنا إلى حمل ذلك ولو لا الأمان لأخذنا أطعمة الكفار لم يصح الأمان للضرر والتصريح بهذا من زيادته
فلو أمن كل واحد منا واحدا أو جماعة منهم وتعاقبوا صح أمانهم إلى ظهور الخلل وإن أمنوهم معا بطل في الجميع
وقوله أي المسلم وإن تعدد كنت أمنته مقبول قبل الأسر لا بعده لأنه يملك أمانه قبل الأسر لا بعده نعم إن شهد له اثنان لم يشاركاه في الأخبار قبل منه
ولا ينقض أمان مسلم لكافر إلا لخوف خيانة سيأتي ما يغني عن هذا مع زيادة
فصل وينعقد الأمان بالصريح كأجرتك وأمنتك وأنت مجاور أنت آمن ولا بأس عليك ولا تخف ولا تفزع ومترس بالعجمية أي لا خوف عليك وإدخال الكاف على الأمثلة من زيادته وبالكناية كانت على ما تحب وكن كيف شئت ونحوه كالمذكور بقوله وبكتابة بالفوقانية وبإرساله أي المسلم المذكور مكلفا ولو كافرا وبالتعليق بالغرر كقوله إن جاء زيد فقد أمنتك لبناء الباب على التوسعة وبإشارة مفهمة ولو من ناطق لكن يعتبر في كونها كناية من الأخرس أن يختص بفهمها فطنون فإن فهمها كل أحد فصريح كما علم من الطلاق ولفظه ونحوه من زيادته ولا حاجة إليها
فإن أمنه المسلم في بلاد الإسلام أو بلد معين ولو من دار الكفر أمن فيه وفي طريقه إليه من دار الحرب لا في غيره
وإن أطلق أمانه له وهو وال إماما كان أو نائبه بإقليم أو نحوه ففي أي فهو آمن في محل ولايته وإلا ففي موضع سكناه وفي الطريق إليه من دار الحرب ما لم يعدل عنه بأكثر من قدر الحاجة
ويشترط في صحة الأمان علم الكافر به وكذا يشترط قبوله له ولو بما يشعر به كما يأتي ويجوز قتله قبل ذلك أي قبل علمه وقبوله ويكفي ما يشعر بالقبول كترك القتال وكإشارة وتقدم استجارة منه وما ذكره من اعتبار القبول رجحه المنهاج تبعا لقول المحرر والأصل الظاهر اعتباره زاد الأصل وبه قطع الغزالي واكتفى البغوي بالسكوت وما قاله البغوي هو المنقول والأول إنما هو بحث للإمام وتبعه عليه الغزالي ذكره العلامة ابن النقيب وذكر نحوه البلقيني وغيره
فإن قبل الكافر الأمان وقال لا أؤمنك فهو رد للأمان لأن الأمان لا يختص بطرق
فإن أشار مسلم لكافر فظنه أمنه بإشارته فجاءنا وأنكر المسلم أنه أمنه بها أو أمنه صبي ونحوه ممن لا يصح أمانه وظن صحته
204
204
أي الأمان بلغناه مأمنه ولا نغتاله لعذره فإن قال في الأولى علمت أنه لم يرد الأمان وفي الثانية علمت أنه لا يصح أمانه لم يبلغ المأمن بل يجوز اغتياله إذ لا أمان له فإن مات المشير قبل أن يبين فلا أمان ولا اغتيال فيبلغ المأمن
فرع ما مر من اعتبار صيغة الأمان هو فيما إذا دخل الكفار بلادنا بلا سبب أما من دخل إليها رسولا أو لسماع القرآن أو نحوه مما ينقاد به للحق إذا ظهر له فهو آمن
لا من دخل لتجارة فليس آمنا فلو أخبره مسلم أنها أي التجارة أي الدخول لها أمان فإن صدقه بلغ المأمن ولا يغتال وكذا لو سمع مسلما يقول من دخل تاجرا فهو آمن فدخل وقال ظننت صحته وبه صور لأصل وإلا أي وإن لم يصدقه اغتيل وكذا يغتال إن لم يخبره مسلم وإن ظن أن الدخول لها أمان إذ لا مستند لظنه وللإمام لا للآحاد جعلها أي التجارة أي الدخول لها أمانا إن رأى في الدخول لها مصلحة كما صرح به الأصل فإذا قال من دخل تاجرا فهو آمن جاز واتبع ومثله لا يصح من الآحاد
ومدته أي الأمان وإن أطلق أربعة أشهر فيصح بخلاف في الهدنة فهذا كما قال الأذرعي مستثنى من قولهم الأمان كالهدنة لأن بابه أوسع بدليل صحته من الآحاد بخلافها ولو عقد بأكثر منها بطل الزائد عليها أي بطل العقد فيه فقط أي لا فيما عداه تفريقا للصفقة وأما الزائد لضعفنا المنوط بنظر الإمام فكهو وفي الهدنة قال الزركشي ومحل التقييد بمدة في الرجال أما النساء فلا يخفى أنه لا يحتاج فيهن لتقييده بمدة ونقل عن نص الأم ما يؤيده قال وإنما منع الرجال من السنة لئلا يترك الجهاد والمرأة ليست من أهله وبلغ بعدها أي الأربعة أشهر المأمن
ويبطل أمان متجسس وطليعة إذ من شرط الأمان أن لا يتضرر به المسلمون و مع ذلك يغتال كل منهما لأن دخول مثاله خيانة فعلم أن شرط الأمان انتفاء الضرر دون ظهور المصلحة وبه صرح الأصل لكن قال القاضي قال أصحابنا إنما يجوز بالمصلحة قال البلقيني وهو الأرجح نظرا
وللكفار وفي نسخة وللكافر نبذه أي الأمان لأنه جائز من قبلهم لا لنا وإن استشعرنا خيانة منهم لأنه لازم من قبلنا
وللإمام نبذه للخيانة أي لاستشعاره الخيانة منهم لأن المهادنة تنبذ بذلك فأمان الآحاد أولى
فصل تجب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام على مستطيع لها إن عجز عن إظهار دينه لقوله تعالى الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم الآية ولخبر أبي داود وغيره أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين سواء الرجل والمرأة وإن لم تجد محرما وكذا كل من أظهر حقا ببلدة من بلاد الإسلام ولم يقبل منه ولم يقدر على إظهاره تلزمه الهجرة منها نقله الأذرعي وغيره عن صاحب المعتمد ونقله الزركشي عن البغوي أيضا واستثنى البلقيني من ذلك ما إذا كان في إقامته مصلحة للمسلمين فيجوز له الإقامة فإن لم يستطع الهجرة فهو معذور إلى أن يستطيع فإن فتح البلد قبل أن يهاجر سقط عنه الهجرة صرح به الأصل
وإن قدر على إظهار دينه لكونه مطاعا في قومه أو لأن له عشيرة تحميه ولم يخاف فتنة فيه استحب له أن يهاجر لئلا يكثر سوادهم أو يميل إليهم أو يكيدوا له ولا يجب لأنه صلى الله عليه وسلم بعث عثمان يوم الحديبية إلى مكة لأن عشيرته بها فيقدر على إظهار دينه لا إن رجا إسلام غيره ثم فلا يستحب له أن يهاجر بل الأفضل أن يقيم
ثم فإن قدر على الاعتزال والامتناع في دار الحرب مع كونه قادرا على إظهار دينه ولم يخف فتنة فيه حرمت أي الهجرة منها لأن موضعه دار إسلام فلو هاجر لصار دار حرب نعم إن رجا نصرة
205
205
المسلمين بهجرته فالأفضل أن يهاجر قاله الماوردي وقاتلهم على الإسلام إن قدر وإلا فلا
وعلى الأسير ولو مخلى ولم يقدر على إظهار دينه الهرب إن قدر عليه لخلوصه به من قهر الأسر فوصف الأصل الأسير بالمقهور بيان لحقيقته لا لإخراج أسير غير مقهور وتقييدي بعدم قدرته على إظهار دينه هو ما جزم به المصنف في شرح الإرشاد كالقمولي وغيره وقال الزركشي إنه قياس ما مر في الهجرة لكنه قال قبله سواء أمكنه إظهار دينه أم لا ونقله عن تصحيح الإمام
وإن أطلقوه من الأسر بلا شرط فله اغتيالهم قتلا وسبيا وأخذا للمال إذ لا أمان
وإن أطلقوه على أنه آمن منهم حرم عليه اغتيالهم وإن لم يؤمنهم وكذا إن أمنهم وإن لم يؤمنوه كما نص عليه في الأم لأن الأمان لا يختص بطرف واستثنى منه في الأم ما لو قالوا أمناك ولا أمان لنا عليك ولو تبعه قوم بعد خروجه فله قصدهم وقتلهم في الدفع بكل حال ذكره الأصل
أو أطلقوه بشرط أن لا يخرج عنهم وحلفوه مكرها على ذلك ولو بالطلاق خرج وجوبا إن لم يمكنه إظهار دينه وحرم الوفاء بالشرط واليمين لا تبيح له الإقامة حيث حرمت ولم يحنث لعدم انعقاد يمينه وإن حلف لهم ترغيبا لهم ليثقوا به ولا يتهموه بالخروج بلا شرط منهم ولو كان حلفه قبل الإطلاق حنث بخروجه لانعقاد يمينه فإن كان ثم شرط بأن قالوا لا نطلقك حتى تحلف أنك لا تخرج فحلف فأطلقوه فخرج لم يحنث كما لو أخذ اللصوص رجلا وقالوا لا نتركك حتى تحلف أنك لا تخبر بمكاننا فحلف ثم أخبر بمكانهم لم يحنث لأنه يمين إكراه وقوله من زيادته بلا شرط لا حاجة إليه بل قد يوهم خلاف المراد
ويحرم عليه اغتيالهم بعد أي بعد إطلاقه لأنهم أمنوه
وله عند خروجه أخذ مال مسلم وجده عندهم ليرده عليه ولو أمنهم عليه ولا يضمنه لأنه لم يكن مضمونا على الحربي الذي كان بيده بخلاف المغصوب إذا أخذه شخص من الغاصب ليرده إلى مالكه فإنه يضمنه لأنه كان مضمونا على الغاصب فأديم حكمه وترجيح عدم الضمان من زيادته
فإن التزم لهم قبل خروجه مالا فداء وهو مختار لا مكره أو أن يعود إليهم بعد خروجه إلى دار الإسلام حرم عليه العود إليهم واستحب له الوفاء بالمال الذي التزمه ليعتمدوا الشرط في إطلاق الأسرى وإنما لم يجب لأنه التزام بغير حق قال الروياني وغيره والمال المبعوث إليهم فداء لا يملكونه لأنه مأخوذ بغير حق
وإن بايعهم لزم الثمن إن صح البيع كما لو بايع مسلما وإلا رد العين عبارة الأصل ولو اشترى منهم الأسير شيئا ليبعث إليهم ثمنه أو اقترض فإن كان مختارا لزمه الوفاء أو مكرها فالمذهب أن العقد باطل ويجب رد العين كما لو أكره مسلم مسلما على الشراء قال ولو لم يجر لفظ بيع بل قالوا خذ هذا وابعث إلينا كذا من المال فقال نعم فهو كالشراء مكره
وإن وكلوه ببيع شيء لهم بدارنا باعه ورد ثمنه إليهم
فرع لو تبارزا أي مسلم وكافر بإذن الإمام أو بدونه بشرط عدم الإعانة أي أن لا يعين المسلمون المسلم ولا الكفار الكافر إلى انقضاء القتال أو بغير شرط لكن كان عدم الإعانة عادة فقتل الكافر المسلم أو ولى أحدهما منهزما أو أثخن الكافر قتلناه جوازا لأن الأمان كان لانقضاء القتال وقد انقضى وإن شرط أن لا يتعرض للمثخن وجب الوفاء بالشرط كما ذكره الأصل
وإن شرط الأمان إلى دخوله الصف وفى له به وجوبا
وإن فر المسلم عنه فتبعه ليقتله أو أثخن أي أثخنه الكافر منعناه من قتله وقتلناه وإن خالف الشرط أي شرط تمكينه من إثخانه لنقضه الأمان في الأولى وانقطاع القتال في الثانية ولو شرط له التمكين من قتله فهو شرط باطل لما فيه من الضرر وهل يفسد به أصل الأمان وجهان ذكره الأصل
وإن أعانه أصحابه قتلناهم مطلقا وقتلناه أيضا إن رضي بإعانتهم له بأن استنجدهم أو لم يستنجدهم لكن لم يمنعهم بخلاف ما إذا لم يرض بأن منعهم فلم
206
206
يمتنعوا وعلم من كلامه أنه لا يجوز قتله بدون ما ذكر بل يجب الوفاء بالشرط وبالعادة كما صرح به الأصل لأن المبارزة عظيمة الوقع ولا تتم إلا بأن يأمن كل واحد منهما من غير قرنه أما إذا لم يشرط عدم الإعانة ولم تجر به عادة فيجوز قتله مطلقا
فصل
لو عاقد الإمام علجا وهو الكافر الغليظ الشديد سمي به لدفعه عن نفسه بقوته ومنه سمي العلاج علاجا لدفعه الداء ليدل على قلعة بإسكان اللام أشهر من فتحها ولو كان الإمام نازلا تحتها وهو لا يدري بها بجارية معينة أو مبهمة منها لا من غيرها استحقها وفاء بالشرط وصح ذلك مع إبهامها وعدم ملكها والقدرة على تسلميها للحاجة إليه رقيقة كانت أو حرة لأنها ترق بالأسر هذا إن فتحت أي القلعة بدلالته ولو في وقت آخر كأن تركناها ثم عدنا إليها ولو لم يظفر منها بغيرها أي بغير الجارية بخلاف ما لو عاقده بجارية من غيرها فيعتبر في الصحة ما يعتبر فيها في سائر الجعالات وخرج بالعلج ما لو عاقد مسلما بما ذكر لأن فيه أنواع غرر فلا يحتمل معه واحتملت مع الكافر لأنه أعرف بأحوال قلعهم وطرقهم غالبا ولأن المسلم يتعين عليه فرض الجهاد والدلالة نوع منه فلا يجوز أخذ العوض عليه
كذا نقله الأصل عن تصحيح الإمام ثم نقل عن العراقيين جوازه واقتضى كلامه في باب الغنيمة تصحيحه وصححه البلقيني وغيره لأن الحاجة قد تدعو إلى ذلك وقد بسطت الكلام على ذلك في شرح البهجة واستشكل في المهمات الاستحقاق بدلالته تحت القلعة وقال الراجح بمقتضى ما ذكر في الجعالة من اشتراط التعب عدم الاستحقاق بدلالته تحت القلعة وقياسه على رد العبد من البلد واضح البطلان لما ذكرناه من الكلفة وأجاب عنه بعضهم بأن هذا مستثنى وبعضهم بأن هذا محمول على ما إذا حصل فيه تعب وظاهر كلام المصنف كالمنهاج وأصله أنه لا فرق بين القلعة المعينة والمبهمة بخلاف ظاهر قول أصله قلعة كذا قال الزركشي والظاهر اعتبار التعيين كما صوره به الجمهور لأن غير المعينة يكثر فيها الغرر ولا حاجة حينئذ لكن في تعليق الشيخ أبي حامد أنه لا فرق ولعله محمول على ما إذا أبهم في قلاع محصورة فإن لم تفتح أو فتحت بغير دلالته فلا شيء له وإن لم يعلق الاستحقاق بالفتح أما في الأولى فلتعذر تسليم الجارية بدون الفتح فكأن الاستحقاق مقيد بالفتح وأما في الثانية فلأن الاستحقاق لا يثبت بمجرد دلالته بل بالفتح بها
وكذا الحكم لو فتحها طائفة أخرى ولو بدلالته لانتفاء معاقدته معها ذكره الأصل وإن لم تكن المعينة فيها أو ماتت قبل اشتراطه أي الإمام لإعطائها للعلج فلا شيء له لفقد المشروط أو ماتت بعده ولو قبل التمكن من تسليمها وجبت قيمة من ماتت بعد الظفر لتعذر تسليمها وقد حصلت في يد الإمام فكان التلف من ضمانه لا من ماتت قبله فلا شيء له لعدم القدرة عليها وقيل تجب له القيمة لأن العقد تعلق بها وهي حاصلة لكن تعذر التسليم فصار كما لو قال من رد عبدي فله هذه الجارية فرده وقد ماتت يلزمه البدل
ورجحه البلقيني وقال إنه المنصوص في الأم والمختصر وليس له نص يخالفه ولو هربت فهي كما لو ماتت وإذا وجبت قيمتها فلتجب من حيث يكون الرضخ أي من الأخماس الأربعة لا من أصل الغنيمة ولا من سهم المصالح ولو أسلمت بعد الظفر دونه أي العلج أعطي قيمتها لتعذر تسليمها له بالإسلام بناء على عدم جواز شراء الكافر مسلما لكن قال البلقيني هذا البناء مردود بل يستحقها قطعا لأنه استحقها بالظفر وقد كانت إذ ذاك كافرة فلا يرتفع ذلك بإسلامها كما لو ملكها ثم أسلمت لكن لا تسلم إليه بل يؤمر بإزالة ملكه عنها كما لو أسلم العبد الذي باعه المسلم للكافر قبل القبض لكن هناك يقبضه له الحاكم وهنا لا يحتاج إلى قبض وما ذكر الأول من أن الواجب قيمتها هو ما عليه الجمهور ونص عليه الشافعي في الأم ووقع في المنهاج كأصله أن الواجب أجرة لمثل أما لو أسلم العلج أيضا
207
207
فتسلم إليه إلا أن يكون أسلم بعدها لانتقال حقه منها إلى قيمتها قاله الإمام والماوردي وغيرهما وهو ظاهر على البناء السابق وقد مر ما فيه لا إن أسلمت قبل الظفر وهي حرة فلا يعطى قيمتها لأن إسلامها مطلقا يمنع تسليمها إليه كما يمتنع بيع المسلم للكافر وقبل الظفر يمتنع إرقاقها وما قاله من أنه لا يعطى قيمتها من تصرفه
وكلام أصله يقتضي خلافه وهو ظاهر أما لو أسلمت قبل العقد فلا شيء له إن علم بذلك وبأنها قد فاتته لأنه عمل متبرعا ذكره البلقيني وكلام غيره يقتضيه والتعيين في الجارية المبهمة فيما ذكر إلى الإمام ويجبر العلج على القبول لأن المشروط جارية وهذه جارية كما أن للمسلم إليه أن يعين ما شاء بالصفة المشروطة ويجبر المستحق على القبول فإن ماتت الجواري فيما إذا عاقده على مبهمة بعد الظفر فقيمة جارية منهن يعينها له الإمام كما يعين الجارية هذا كله إن فتحت عنوة فإن فتحت صلحا ودخلت أي الجارية المشروطة في الأمان ولم يرضوا أي أصحاب القلعة بتسليمها أي الجارية إليه ولا رضي العلج بعوضها وأصروا كلهم على عدم الرضا بذلك نقضنا الصلح وبلغوا المأمن بأن يردوا إلى القلعة ثم يستأنف القتال لأنه صلح منع الوفاء بما شرطناه قبله وإن رضوا أي أصحاب القلعة بتسليم الجارية إليه بقيمتها أعطوا قيمتها وأمضى الصلح وهل هي من بيت المال أي سهم المصالح أو من أصل الغنيمة حقه أن يقول أو من حيث يكون الرضخ وجهان قال الزركشي أرجحهما الثاني أما إذا كانت خارجة عن الأمان بأن كان الصلح على أمان صاحب القلعة وأهله ولم تكن الجارية منهم فتسلم إلى العلج
فرع من دخل منهم دارنا بأمان من الإمام أو ذمة كان ما صحبه لا ما خلفه بدار الحرب من المال والولد في أمان ولو لم يشرط دخولهما فيه أو كان ما صحبه من المال وديعة حربي آخر بخلاف ما خلفه لا يدخل في الأمان إلا إن شرط الإمام دخوله فيه كما ذكره الأصل آخر الباب وقاتله يأثم لأنه بالأمان عصم دمه قال الإمام وعليه دية ذمي
وكذا يكون ما معه مما ذكر في أمان إن أمنه رجل من الآحاد في دارنا أو في غيرها واشترط ذلك أي أن ما معه في أمان وإلا أي وإن لم يشترط ذلك دخل في الأمان ما يحتاج إليه مدة أمانه من المال الذي معه من ملبوس ومركوب ونفقة فقط أي دون الولد وما لا يحتاج إليه من المال للعرف الجاري بذلك ودون ما خلفه سواء أشرط دخوله أم لا بخلاف ما مر في أمان الإمام لقوته كما ذكره الأصل وبما قررته اندفع ما قيل أن في كلام الأصل تناقضا
وإن نقض عهده والتحق بدار الحرب ومن أسباب النقض أن يعود ليتوطن ثم فولده الذي عندنا باق على أمانه وإن مات هو فإذا بلغ وقبل الجزية ترك وإلا بلغ المأمن وكذا ماله الذي عندنا باق على أمانه ما دام حيا ولو دخل دارنا لأخذه ورجع لم يقتل ولم يسب لأن دخوله لأخذه يؤمنه كالدخول لرسالة هذا إن لم يتمكن من أخذه دفعة فإن تمكن من ذلك وأخذ شيئا منه ثم عاد ليأخذ الباقي فقد عرض نفسه للقتل والأسر فعليه إذا أخذ ماله أن يعجل في تحصيل غرضه ولا يعرج على غيره كما صرح به الأصل
وإذا مات ولو هناك بقتل أو غيره فهو
208
208
أي ماله لوارثه لا فيء لأنه كان في أمان مدة حياته والأمان حق لازم يتعلق بالمال فينتقل بحقوقه إلى وارثه الذمي فقط أي دون الحربي بناء على الأصح من أنه لا توارث بين ذمي وحربي وعليه يقال لنا حربي يرثه ذمي فإن فقد وارثه ففيء وكذا يكون ماله فيئا إذا سبي واسترق ومات رقيقا لأن الرقيق لا يورث فإن عتق كله أو بعضه فيما يظهر فله أي فماله له بناء على أنه لو مات قبل استرقاقه كان ماله لوارثه
وتحرم أموال أهل الحرب على من أمنوه منا فلو دخل مسلم دارهم بأمان فاقترض منهم شيئا أو سرق وعاد إلى دارنا لزمه رده إذ ليس له التعرض لهم إذا دخل بأمان
فصل لو حاصرنا قلعة مثلا فنزلوا أي أهلها على حكم الإمام أو رجل عدل في الشهادة عارف بمصالح الحرب جاز لأن بني قريظ نزلوا على حكم سعد بن معاذ رواه الشيخان ولأنه لا يجوز التعويل إلا على رأي من كان كذلك لأنه ولاية حكم كالقضاء فخرج بذلك المرأة والكافر والفاسق والرقيق وغير المكلف وغير العارف بمصالح الحرب وحذف المصنف من الأصل التكليف والحرية والإسلام اكتفاء بالعدالة ولا يضر العمى لأن المقصود هنا الرأي ويمكن الأعمى أن يبحث ويعرف ما فيه صلاح المسلمين فهو كالشهادة بالاستفاضة تصح من الأعمى ويجوز نزولهم على حكم أكثر من رجل كما يؤخذ مما يأتي وصرح به الأصل وكذا يجوز نزولهم على حكم من يختاره الإمام وحده أو مع من يتفقون عليه معه لأنه لا يختار إلا من يصلح للحكم لا من يختاره هم فلا يجوز نزولهم على حكمه حتى تشترط فيه الأوصاف المذكورة بأن يشترطوها فيه
وكره تحكيم مصادقهم أي من بينه وبينهم صداقة
ولو استنزلوا على قضاء الله تعالى فيهم أي استنزلهم الإمام على أن ما يقضيه الله فيهم ينفذه لم يجز لجهالهم به لخبر مسلم عن بريدة أنه صلى الله عليه وسلم قال له وإن حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله تعالى فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا قال في الأصل ولو استنزلهم على أن يحكم فيهم بكتاب الله تعالى كره لأن هذا الحكم ليس منصوصا في كتاب الله تعالى فيحصل منه اختلاف هكذا ذكره الروياني انتهى
وإن حكم اثنان فاختلفا في الحكم ورضيا أي الفريقان معا بحكم أحدهما جاز وإلا فلا وإن لم يختلفا فواضح فإن مات المحكم قبل الحكم سواء المحكم وحده أم مع غيره أو لم يكن أهلا للحكم ردوا إلى القلعة إلا أن يرضوا بحكم حاكم في الحال
وليحكم المحكم بمصلحة المسلمين من القتل والاسترقاق والمن والفداء لعلو الإسلام على الشرك ويتخير فيمن يرق بالأسر كالنساء بين المن والإرقاق والفداء
فإن حكم بمحرم أي بما يخالف الشرع كقتل الذراري والنساء لم ينفذ ولو حكم بقتل المقاتلة وسبي الذرية وأخذ الأموال جاز وتكون الأموال غنيمة أو باسترقاق من أسلم منهم وقتل من أقام منهم على الكفر أو باسترقاق من أسلم ومن أقام على الكفر جاز صرح بذلك الأصل وينفذ حكم المحكم على الإمام
وللإمام التخفيف من حكمه أي المحكم لا التشديد فيه فإذا حكم بالقتل أو بالفداء فله المن أو بالمن فليس له ما عداه لكن لا يسترق إن حكم بالقتل لأن الاسترقاق يتضمن ذلا مؤبدا وقد يختار الإنسان القتل عليه وكذا لا يمن إن استرق أي حكم باسترقاقه إلا برضا الغانمين لأنه صار مالا لهم بنفس الحكم والفداء لا يدخل في ملكهم قبل قبضه
ولو حكم عليهم بالجزية أو الفداء ألزموهما أي ألزموا بقبولهما وإن لم يلزم به الأسير لرضاهم بحكمه أولا بخلافه فإن امتنعوا من القبول فكأهل ذمة امتنعوا من بذل الجزية
ومن أسلم منهم قبل الحكم عليه حقن دمه وماله وولده ولم يجز استرقاقه بخلاف الأسير يسلم لأنه صار في قبضة الإمام وثبت بالسبي حق الاسترقاق فيه وذكر الولد من زيادته
أو أسلم بعد الحكم عليه بالقتل خلي سبيله فيمتنع قتله وإرقاقه وفداؤه لأنهم لم ينزلوا هذا الشرط
أو أسلم بعد الحكم عليه بالرق أي بالإرقاق لا قبله استرق لأنهم نزلوا على حكم المحكم و قد حكم بإرقاقه والإسلام لا يمنع الإرقاق الذي كان جائزا بخلاف ما لو أسلم قبل الحكم عليه بإرقاقه وكلامه كأصله هنا يقتضي أن الحكم بالإرقاق لا يستلزم الرق عكس ما قدمه في قوله إلا برضا
209
209
الغانمين والوجه ما قدمه ثم وجرى عليهم في شرح الإرشاد فلو حذف قوله لا قبله وقال بدل استرق استمر رقه لوافق ذلك
فرع
لو صالح زعيم لقلعة أي سيد أهلها على أمان مائة منهم فعد مائة غيره أي غير نفسه جاز للإمام قتله لخروجه عن المائة وقد اتفق مثله ذلك في محاصرة لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه وصحح الأمان المذكور وإن جهلت أعيانهم وصفاتهم للحاجة إليه
فصل فيه مسائل تتعلق بكتاب السير يسقط عن الكافر بالإسلام أي إسلامه حد الزنا الذي لزمه لقوله تعالى قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف مع كون الحق له تعالى لا كفارة يمين وظهار وقتل فلا تسقط عنه بإسلامه كالدين
وعليه بعد إسلامه رد مال المسلم الذي كان قد استولى عليه وإن أحرزه بدار الحرب لأنه لا يملكه بالاستيلاء فإن غنم بأن غنمناه ولو مع أموالهم رد لمالكه وإن خرج لواحد بعد القسمة رده لمالكه و غرم له الإمام من بيت المال بدله فإن فقد بأن لم يكن فيه شيء أو كان ما هو أهم أو استولت عليه الظلمة نقضت القسمة
فإن استولد الكافر جارية مسلم ثم وقعت في المغنم أخذها وولدها مالكها وإن استولدها بعد إسلامه أخذ مالكها منه معها المهر وقيمة الولد عند انعقاده حرا بشبهة ولا يلزمه أي مالكها إذا أخذها استبراؤها لأن ملكه لم يزل عنها بل يستحب
وإن نكح حربي مسلمة أو أصابها بلا نكاح فأولدها ثم ظفرنا بهم لم يرق الولد كأمه للحكم بإسلامه تبعا لها ويلحق الناكح أو المصيب للشبهة
ويصدق بيمينه في دعوى الإسلام والذمة لدفع رق أسير غير أي أسير وجد بغير دار الحرب بخلاف أسير وجد بدار الحرب
وإن غنمنا رقيقا مسلما اشتراه كافر مستأمن أو غيره من مسلم رد لبائعه ورد بائعه الثمن للمستأمن لعدم صحة البيع
فرع فداء الأسير مستحب للآحاد فلو قال شخص للكافر بغير إذن الأسير أطلقه و لك علي ألف مثلا فأطلقه لزمه الألف كما لو قال أعتق أم ولدك بكذا ففعل ولا رجوع له عليه به أو قال له ذلك بإذنه فأطلقه فله الرجوع عليه به إذا غرمه ولو لم يشترطه أي الرجوع كقول المدين لغيره اقض ديني
فلو قال الأسير للكافر أطلقني بكذا أو قال له الكافر افتد نفسك بكذا فقبل لزمه ما التزم قال في المهمات وهذا مخالف لما مر من أنه لو التزم لهم مالا ليطلقوه لم يلزمه الوفاء به ومن أنهم لو قالوا له خذ هذا وابعث لنا كذا من المال فقال نعم فهو كالشراء مكرها فلا يلزمه المال وقياسه أن يكون ما هنا كذلك انتهى ويجاب بأن ما مر في الأولى صورته أن يعاقده على أن يطلقه ليعود إليه أو يرد إليه مالا كما أفصح عنه الدارمي وهنا عاقده على رد المال عينا وأما الثانية فلا عقد فيها الحقيقة
ولو غنمه أي ما فدى به الأسير المسلمون رد للمفادي ولا يكون غنيمة لأنه لم يخرج عن ملكه
وإن أسروا مسلمة وأمكن أحدا تخليصها لزمه ومثلها المسلم كما علم من أوائل كتاب السير قال الأذرعي والظاهر أن في معناها من مات عنها زوجها أو سيدها المسلم ثم أو أسلمت بنفسها وطلبت إنجاء نفسها منهم
وإن انقضت مدة حربي مستأمن وأمانة مختص ببلد بلغ مأمنه أو وأمانة عام في جميع البلاد لم يجب تبليغه مأمنه لأن ما يتصل من بلادنا ببلادهم من محل أمانة فلا يحتاج إلى مدة الانتقال من موضع الأمان

210
210
كتاب عقد الجزية
للكفار تطلق الجزية على العقد وعلى المال الملتزم به وهي مأخوذة من المجازاة لكفنا عنهم وقيل من الجزاء بمعنى القضاء قال تعالى واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا أي لا تقضي ويقال جزيت ديني أي قضيته وجمعها جزى كقرية وقرى والعقود التي تفيد الكافر الأمن ثلاثة أمان وهدنة وجزية لأن التأمين إن تعلق بمحصور فهو الأمان وقد تقدم أو بغير محصور كأهل إقليم أو بلد فإن كان إلى غاية فهو الهدنة وستأتي أولا إلى غاية فهو الجزية وهما مختصان بالإمام بخلاف الأمان كما مر وقضيته أن تأمين الإمام غير محصورين لا يسمى أمانا وإن الجزية لا تصح في محصورين وليس مرادا والأصل في الجزية قبل الإجماع قوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله إلى قوله حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون وقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الجزية من مجوس هجر كما رواه البخاري ومن أهل نجران كما رواه أبو داود ومن أهل أيلة كما رواه البيهقي وقال إنه منقطع والمعنى في ذلك أن في أخذها معونة لنا وإهانة لهم وربما يحملهم ذلك على الإسلام وفيه طرفان الأول في أركانها وهي خمسة عاقد وصيغة ومعقود له ومكان ومال معقود عليه الأول العاقد وهو الإمام أو نائبه وعليه الإجابة لهم إن طلبوا عقدها وأمن مكرهم سواء أرأى فيها مصلحة أم لا لقوله تعالى حتى يعطوا الجزية وللأمر به في خبر مسلم بخلاف ما إذا لم يطلبوا أو خاف مكرهم فلا يجيبهم فإن عقد ها لهم غيره من الآحاد لم يصح لأنها من الأمور الكلية فيحتاج إلى نظر واجتهاد فيما يتعلق بها من الصلاح والفساد و لكن يبلغون المأمن ولا شيء عليه أي على المعقود له وإن أقام سنة فأكثر لأن العقد لغو ولو قال عليهم كان أنسب ويكتب الإمام أو نائبه بعد العقد أسماءهم وأديانهم وحلاهم هذا من زيادته هنا وهو تكرار فقد ذكره كأصله مع زيادة آخر الكتاب الركن الثاني الصيغة كسائر العقود وهي كأقررتكم أو أذنت لكم في الإقامة بدارنا مثلا على الانقياد للحكم أي حكمنا الذي يعتقدون تحريمه كالزنا والسرقة دون غيره كشرب الخمر ونكاح المجوس المحارم ويذكر لهم في العقد الجزية أي التزامها وذلك لأن الانقياد والجزية كالعوض عن التقرير فيجب ذكرهما كالثمن في البيع والأجرة في الإجارة وفسر إعطاء الجزية في الآية بالتزامها والصغار بالتزام أحكامنا قالوا وأشد الصغار على المرء أن يحكم عليه بما لا يعتقده ويضطر إلى احتماله ويشترط تقديرها كالثمن والأجرة لا التعرض للكف أي لكفهم عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لدخوله في ذكر الانقياد ولا بد في صحة العقد من لفظ دال على القبول كما في الإيجاب كرضيت وقبلت وقوله ونحوه من زيادته ولا حاجة إليه ويكتفي بالكناية مع النية وبإشارة الأخرس المفهمة وظاهر أنه يعتبر اتصال القبول بالإيجاب كالبيع لكن قال الأذرعي ويقرب عدم اعتباره ويلزم العقد بقوله أي الكافر قررني بكذا فقرره لأن الاستيجاب كالقبول فإن عقدها مؤقتا بوقت معلوم أو مجهول كأن قال أقررتكم ما شئنا أو ما شاء الله أو زيد أو ما أقركم الله لم يصح لأن ذلك خلاف مقتضى العقد و لأنه بدل الإسلام وهو لا يصح مؤقتا وأما قوله صلى الله عليه وسلم أقركم ما أقركم الله فإنما جرى في المهادنة حين وادع يهود خيبر لا في عقد الذمة ولو قال ذلك غيره من الأئمة لم يصح لأنه صلى الله عليه وسلم يعلم ما عند الله بالوحي بخلاف غيره وقضية كلامهم أنه لا يشترط ذكر التأبيد بل يجوز الإطلاق وهو يقتضي التأبيد أو قال أقررتكم ما شئتم صح لأن لهم نبذ العقد متى شاءوا فليس فيه إلا التصريح بمقتضى العقد بخلاف الهدنة لا تصح بهذا اللفظ لأنه يخرج عقدها عن موضوعه من كونه مؤقتا إلى ما يحتمل تأبيده المنافي لمقتضاه فرع لو أقام من عقد له الإمام أو نائبه الجزية
211
211
بدارنا سنة فأكثر بعقد فاسد سقط المسمى لفساد العقد ووجب لكل سنة دينار لأنه أقل الجزية وبلغ المأمن أو أقام كافر سنة فأكثر بغير عقد فلا مال عليه لما مضى بخلاف من سكن من الملتزمين للأحكام دارا غصبا كما سيأتي لأن عماد الجزية القبول وهذا الحربي لم يلتزم شيئا بخلاف الغاصب وجاز لنا اغتياله أي قتله غيلة واسترقاقه وأخذ ماله ويكون فيئا والمن عليه بنفسه وماله وولده بخلاف سبايا الحرب وأموالها لأن الغانمين ملكوها فاشترط استرضاؤهم ويلزم المال أي الأجرة من سكن دارا غصبا كما تقرر ومتى من عليه وبذل الجزية قبلت منه وجوبا وإذا بذلها الأسير حرم قتله لأن بذلها يقتضي حقن الدم كما لو بذلها قبل الأسر لا استرقاقه فلا يحرم لأن الإسلام أعظم من قبول الجزية والإسلام بعد الأسر لا يمنع الاسترقاق فقبول الجزية أولى أن لا يمنع وماله مغنوم كما فهم بالأولى وصرح به الأصل فرع لو قال من رأيناه في دارنا دخلت لسماع كتاب الله أو بأمان مسلم أو لأداء رسالة ولو وعيدا أي ولو في وعيد وتهديد صدق فلا يتعرض له سواء أكان معه كتاب أم لا لأن الظاهر من حال الحربي أنه لا يدخل دارنا بغير أمان فقوله موافق للظاهر قال الزركشي وهذا إذا ادعى ذلك قبل أن يصير عندنا أسيرا وإلا لم يصدق إلا ببينة وإن اتهم حلف احتياطا وذكر تحليف من دخل لسماع كتاب الله أو بأمان مسلم من زيادته الركن الثالث المعقود له ويشترط فيه عقل وبلوغ وحرية وذكورة وكونه كتابيا أو نحوه ممن يأتي فلا جزية على مجنون مطبق جنونه لأنها لحقن الدم وهو محقونه وطريانه أي الجنون في أثناء العام على المعقود له كموته فيه وسيأتي حكمه فلو تقطع جنونه لفق زمنه إن أمكن كيوم ويوم أو ويومين فإذا تم زمن إفاقته عاما فأكثر أخذت منه الجزية اعتبارا للأزمنة المتفرقة بالأزمنة المجتمعة أما إذا لم يمكن التلفيق فالظاهر أنه يجري عليه أحكام المجنون ولا أثر ليسيره أي زمن جنونه كساعة من شهر فتؤخذ منه الجزية وكذا لا أثر ليسير زمن الإفاقة فيما يظهر ولو أسر من لم يجز معه عقد ولا أمان حالة جنونه رق فلا يقتل تغليبا لحكم الجنون بخلاف ما لو أسر حال إفاقته ولا جزية على صبي ورقيق ولو مبعضا أو مكاتبا لما مر وقد كتب عمر رضي الله عنه إلى أمراء الأجناد أن لا تأخذوا الجزية من النساء والصبيان رواه البيهقي بإسناد صحيح وروى أبو داود وغيره أنه صلى الله عليه وسلم لما وجه معاذا إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم دينارا وروى لا جزية على العبد ولأن العبد مال والمال لا جزية فيه ولا جزية على سيده بسببه ويفارق المبعض من تقطع جنونه بأن الجنون والإفاقة لم يجتمعا في وقت واحد بخلافه هنا فإن بلغ الصبي أو عتق العبد وطلبنا منه الجزية فامتنع ولم يبذلها بلغ المأمن سواء أعتقه مسلم أو ذمي وإن بذلها لم يكف عقد أب وسيد ولو كان كل منهما قد أدخله في عقد إذا بلغ أو عتق كأن قال قد التزمت هذا عني وعن ابني إذا بلغ أو عبدي إذا عتق وإذا لم يكف ذلك فيعقد له عقد مستأنف ويساوم كغيره لانقطاع التبعية بالكمال ولوجوب جزية أخرى وتقدم أن إعطاءها في الآية بمعنى التزامها ويجعل الإمام حولهما أي التابع والمتبوع واحدا ليسهل عليه أخذ الجزية ويستوفي المال المنكسر وهو ما لزم التابع في بقية العام الذي اتفق الكمال في أثنائه إن رضي التابع بذلك أو يؤخره إلى الحول الثاني فيأخذه مع جزية المتبوع في آخره لئلا يختلف أواخر الأحوال وإن شاء أفردهما بحول فيأخذ ما لزم كلا منهما عند تمام حوله ولو بلغ الصبي سفيها فعقد لنفسه هو أو وليه بأكثر من دينار لم يصح لأن الحقن ممكن بدينار أو بدينار صح لأن فيه مصلحة حقن الدم وإن اختار السفيه إلحاقه أي التحاقه بالمأمن لم يمنعه الولي لأن الحجر على ماله لا على
212
212
نفسه وإن صالح السفيه عن القصاص الواجب عليه مستحقه بأكثر من الدية لم يمنع أي لم يمنعه الولي كما يشتري له الطعام في المخمصة بثمن غال صيانة لروحه والفرق بينه وبين منعه له من عقد الجزية بأكثر من دينار أن صون الدم في تلك يحصل بالدينار وصون الروح لا يحصل في هذه إلا بالزيادة وتعقد الذمة لامرأة وخنثى طلبها بلا بذل جزية ولا جزية عليهما أما في المرأة فلما مر وأما في الخنثى فلاحتمال أنه أنثى ويعلمهما الإمام بأنه لا جزية عليهما فإن رغبا في بذلها فهي هبة لا تلزم إلا بالقبض كما يعلم مما يأتي وصرح به الأصل هنا ويشترط عليهما التزام الأحكام وذكر العقد للخنثى مع اشتراط الالتزام عليه من زيادته وتسترق المرأة إن دخلت دارنا بلا أمان ونحوه كطلب أمان كالصبي ونحوه وكل ما يفعله فيهم أي الكفار حال القتال من قتل واسترقاق وغيرهما يفعله بمن دخل دارنا بلا أمان ونحوه وهذا علم مما مر ولو بان الخنثى المعقود له الجزية ذكرا طالبناه بجزية المدة الماضية عملا بما في نفس الأمر بخلاف ما لو دخل حربي دارنا وبقي مدة ثم اطلعنا عليه لا نأخذ منه شيئا لما مضى كما مر إذ لم تعقد له الجزية وإن حاصرنا قلعة مثلا أي أهلها فبذلوا الجزية عن النساء دون الرجال لم نصالحهم فإن صالحناهم على ذلك فالصلح باطل فإن لم يكن فيها إلا نساء وطلبن العقد بالجزية ففي قول تعقد لهن لأنهن يحتجن إلى صيانة أنفسهن عن الرق كما يحتاج الرجال إلى الصيانة عن القتل فعليه يشترط عليهن التزام الأحكام ولا يسترققن ولا يلزمهن المال أي الجزية فإن بذلنها جاهلات بلزومها ردت عليهن لأنهن دفعنها على اعتقاد أنها واجبة فإن علمن أنه لا يلزمهن الأولى أنها لا تلزمهن فبذلنها فهي هبة تلزم بالقبض بالإذن والتصريح بالإذن من زيادته وفي قول لا تعقد لهن بل يسبين لأن الجزية تؤخذ لقطع الحرب ولا حرب فيهن فإن عقد لهن لم يتعرض لهن حتى يرجعن إلى القلعة فإذا فتحنها سباهن والظاهر الأول قال في الأصل والقولان متفقان على أنه لا يقبل منهن جزية ولا يؤخذ أخذ التزام فإن كان لهن في القلعة رجل وبذل الجزية جاز و عصمهن من القتل وغيره قال في الأصل كذا أطلقه مطلقون وخصه الإمام والغزالي بما إذا كن من أهله وهو حسن فرع يدخل في عقد الذمة للكافر المال حتى العبد وكذا زوجة وطفل ومجنون له وسائر ما يستحقه وإن لم يشترط دخولهم اعتمادا على قرينة الحال لأن صاحبها لا يأمن إذا لم يأمن عليها فبذله الجزية إنما هو لعصمتها فيحرم إتلافها وعلى من أتلف شيئا منها غير الخمر والخنزير ونحوهما الضمان وسيأتي أنه لا يحرم إتلاف الخمر والخنزير إذا أظهرهما وكذا يدخل فيه من اشترط دخوله معه فيه من نساء وصبيان ومجانين وخناثى وأرقاء لهم منه قرابة وعلقة ولو مصاهرة بخلاف من لم يشترط دخوله منهم فليس له أن يستتبع من شاء منهم لأنه يخرج عن الضبط واستشكل صاحب الوافي ذلك بأنه إذا كان الاستتباع إنما يحصل بالشرط فلا يتقيد بالأقارب ونحوهم قال ولعلهم أرادوا بالشرط أن يقول بشرط دخول أتباعي في العقد ولا يعينهم وهو الظاهر وإلا ففيه احتمال انتهى
نقله عنه الزركشي وأقره فرع لو صالحناهم على أن يؤدوا الجزية من مالهم عن ما ينسب إليهم من النساء والصبيان والمجانين سوى ما يؤدونه عن أنفسهم جاز وكأنهم قبلوا جزية كثيرة بخلاف ما لو صالحناهم على أن يؤدوها من مال المذكورين إلا النساء فإنهن إن أذن لهم فهم وكلاء عنهن وفي بذلهن لها ما مر فصل لا تعقد الجزية إلا ليهودي أو نصراني للآية السابقة أو مجوسي لأنه صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من المجوس وقال سنوا بهم سنة أهل الكتاب ولأن لهم شبهة كتاب والأظهر أنه كان لهم كتاب فرفع وكذا من زعم التمسك تبعا لتمسك أبيه بالزبور أي بزبور داود وصحف إبراهيم
213
213
ونحوهما ولو لم يقيموا بينة بتمسكهم بذلك فإنها تعقد لهم وإن حرمت ذبيحتهم ومناكحتهم لإطلاق الآية ولأنها تعقد للمجوس مع الاختلاف في أصل كتابهم فلهؤلاء أولى وكما يحرم ذبائح هؤلاء ومناكحتهم يحرمان من المجوس كما هو معلوم من محله وإنما حرما وحل عقد الجزية عملا بالاحتياط فيهما أما غير المذكورين ممن لا كتاب له ولا شبهة كتاب كعبدة الأوثان والملائكة والشمس فلا تعقد لهم الجزية فرع تعقد أيضا لمن دخل أصله التهود والنصرانية الأنسب والتنصر ولو بعد التبديل في دينه لا بعد النسخ له ولو بعيسى أي بشريعته فتعقد لأولاد من تهود أو تنصر قبل النسخ لدينه أو معه ولو بعد التبديل فيه وإن لم يجتنبوا المبدل منه تغليبا لحقن الدم ولأنهم أهل كتاب ولأنهم وإن بدلوا فمعلوم أنه بقي فيه ما لم يبدل فلا ينحط التمسك به عن شبهة كتاب المجوس ولا تعقد لأولاد من تهود أو تنصر بعد النسخ بشريعة نبينا أو تهود بعد بعثة عيسى كآبائهم لأنهم تمسكوا بدين بطل وسقطت فضيلته فإن شككنا في دخولهم فيه أكان قبل النسخ أم بعده أقررناهم بالجزية تغليبا لحقن الدم كالمجوس وبه حكمت الصحابة في نصارى العرب وتعقد لمن تولد بين كتابي ووثني وإن كان الكتابي أمه تغليبا لحقن الدم لأن شبهة الكتاب موجودة وفي المناكحة والذبيحة غلبنا التحريم احتياطا لا لجاسوس يخاف شره للضرر والجاسوس صاحب سر الشر كما أن الناموس صاحب سر الخير فصل تعقد الجزية للصائبة والسامرة إن لم تكفرهم اليهود والنصارى ولم يخالفوهم في أصول دينهم وإلا فلا تعقد لهم وكذا تعقد لهم لو أشكل أمرهم وإن ظفرنا بقوم وادعوا أو بعضهم التمسك تبعا لتمسك آبائهم بكتاب قبل النسخ والتبديل الأنسب بما مر ولو بعد التبديل صدقنا المدعين دون غيرهم وعقد لهم الجزية لأن دينهم لا يعرف إلا من جهتهم والتصريح بقبل النسخ من زيادته على الروضة فإن شهد عدلان ولو منهم بأن أسلم منهم اثنان وظهرت عدالتهما بكذبهم فإن كان قد شرط في العقد قتالهم إن بان كذبهم اغتالهم وإلا بأن لم يشرط ذلك فوجهان أحدهما وهو قضية كلام التهذيب والوسيط وغيرهما ونقله الأذرعي وغيره عن النص وقال الإمام إنه الظاهر كذلك لتلبيسهم علينا وثانيهما لا بل يلحقون بالمأمن فرع إذا توثن نصراني بلغ المأمن كما مر في موانع النكاح ثم أطفالهم أي المتوثنين من أمهم النصرانية نصارى وكذا من أمهم الوثنية فتعقد الجزية لمن بلغ منهم لأنه ثبت له علقة التنصر فلا تزول بما يحدث بعد فصل تجب الجزية على شيخ هرم وزمن وأجير وراهب وأعمى وفقير غير مكتسب ولو من أهل خيبر لأنها كأجرة الدار ولأنها تؤخذ لحقن الدم وما قيل من أن عليا رضي الله عنه كتب لأهل خيبر كتابا بإسقاطها عنهم قال ابن سريج لم ينقله أحد من المسلمين فيطالب الفقير في صورته إن أيسر بها الركن الرابع المكان القابل للتقرير فيمنع الكفار ولو ذميين الإقامة بالحجاز وهو مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها بالمعجمة جمع مخلاف أي قراها كالطائف ووج وخيبر وكذا الطرق الممتدة فيه أي في الحجاز سواء أقاموا فيه بجزية أم لا لشرفه ولما روى البيهقي عن أبي عبيدة بن الجراح آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم أخرجوا اليهود من الحجاز ولخبر الصحيحين أخرجوا المشركين من
214
214
جزيرة العرب وخبر مسلم لأخرجنا اليهود والنصارى من جزيرة العرب والمراد منها الحجاز المشتملة هي عليه لأن عمر أجلاهم منه وأقرهم فيما عداه من اليمن ونجران وسمي ذلك حجازا لأنه حجز بين نجد وتهامة لا بحرا أي يمنعون الإقامة بما ذكر لا ركوب بحر الحجاز لأنه ليس موضع إقامة ويمنعون من الإقامة في جزائره وسواحله المسكونة بخلاف غير المسكونة على ما اقتضاه التقييد بالمسكونة لكن قال الأذرعي والزركشي التقييد به تبع فيه الشيخان البغوي والصواب حذفه كما حذفه الشرح الصغير وغيره تبعا لنصوص الشافعي مع أنه لا يلائم ما رجحوه من المنع من الإقامة بالطرق الممتدة
والبغوي إنما قيد بذلك باعتبار الغالب فإن دخل الكافر الحجاز بلا إذن من الإمام أخرج منه ويعزر إن علم بالتحريم لدخوله بخلاف ما إذا جهله ويؤذن له جوازا من جهة الإمام في دخول الحجاز غير حرم مكة إن كان دخوله للمصلحة لنا كأداء رسالة وعقد ذمة وهدنة وحمل متاع تجارة يحتاج إليه وإلا بأن لم يحتج إليه اشترط في الإذن له في الدخول أخذ شيء منها أي من متاعها وقدره أي المشروط منوط برأي الإمام و إذا دخله بالإذن لا يقيم فيه أكثر من ثلاث من الأيام سوى يومي الدخول والخروج لأن الأكثر من ذلك مدة الإقامة وهو ممنوع منها ثم سواء أدخل لمصلحة أم لا ويشترط ذلك عليه عند الدخول ويوكل غيره كمسلم بقبض دينه إن كان له ثم دين لا يمكن استيفاؤه في هذه المدة وله إقامة ثلاثة من الأيام وفي نسخة ثلاث في كل قرية حيث كان ينتقل من قرية إلى أخرى قال الزركشي تبعا لصاحب الوافي وينبغي أن يكون بين كل قريتين مسافة القصر وإلا فيمنع من ذلك لأن ما دونها في حكم الإقامة
ويمنع المرور بحرم مكة ولو لمصلحة لقوله تعالى فلا يقربوا المسجد الحرام والمراد جميع الحرم لقوله تعالى وإن خفتم عيلة أي فقرا بمنعهم من الحرم وانقطاع ما كان لكم بقدومهم من المكاسب فسوف يغنيكم الله من فضله ومعلوم أن الجلب إنما يجلب إلى البلد لا إلى المسجد نفسه والمعنى في ذلك أنهم أخرجوا النبي صلى الله عليه وسلم منه فعوقبوا بالمنع من دخوله بكل حال ويخرج واحد منا إليه لسماع رسالة و يبلغها للإمام فإن قال لا أؤديها إلا مشافهة خرج إليه الإمام وإن طلب منا المناظرة ليسلم خرج إليه من يناظره فإن بذل على دخوله الحرم ما لا لم يقبل أي لم يجب إليه فإن أجيب فالعقد فاسد و إن وصل المقصد أخرج وثبت المسمى ويفارق الإجارة الفاسدة حيث يجب فيها أجرة المثل بأنه لا يقابل بعوض حتى يكون له مثل أو وصل دونه أي المقصد فبالقسط من المسمى يؤخذ وحرم مكة من طريق المدينة على ثلاثة أميال ومن طريق العراق والطائف على سبعة ومن طريق الجعرانة على تسعة ومن طريق جدة على عشرة كما قال بعضهم وللحرم التحديد من أرض طيبة ثلاثة أميال إذا رمت إتقانه وسبعة أميال عراق وطائف وجدة عشر ثم تسع جعرانة وزاد الشيخ كمال الدين الدميري ومن يمن سبع وكر زلها اهتدى فلم يعد سيل الحل إذ جاء بنيانه ولا يجري هذا الحكم في حرم المدينة لاختصاص حرم مكة بالنسك وثبت أنه صلى الله عليه وسلم أدخل الكفار مسجده وكان ذلك بعد نزول براءة وإن دفن الكافر في حرم مكة نبش قبره وأخرج
215
215
لأن بقاء جيفته فيه أشد من دخوله له حيا ما لم يتهر أي يتقطع فإن تهرى ترك ولا ينقل المريض من الحجاز وإن أمكن نقله بلا مشقة إلا من حرم مكة فينقل منه وإن خيف من النقل موته ولا يلحق بذلك فيما ذكر حرم المدينة لما مر لكن يستحب إلحاقه به فيه ولا يدفن الكافر في الحجاز إن أمكن نقله قبل التغير وإلا دفن فيه فلو دفن فيه لم ينبش وإن لم يتغير وعليه قال الإمام لا يبعد أن لا يرفع نفس قبره ولا يدخل حربي سائر البلاد أي باقيها إلا بإذن فيجوز دخوله ويجوز تقرير الكافر فيه بالجزية ولا يؤذن له أي للحربي في دخوله له إلا لحاجة كما فهمت بالأولى أو لمصلحة لنا كرسالة وتجارة وعقد ذمة أو هدنة لأنه لا يؤمن أن يدخل لتجسس أو قتل مسلم أو نحوه مما يتولد منه فساد ولا ينافي هذا ما مر في الأمان من أن العبرة بنفي المضرة لا بوجود المصلحة لأن الأمان هنا إنما هو لدخولهم بلادنا بخلافه ثم ويقف أي يمكث إذا دخل لما ذكر بقدر لحاجة ولا يدخل مساجدها أي بقية البلاد إلا بإذن ويأذن له الآحاد كالإمام ولو في دخوله الجامع لحاجة مسلم أو حاجته هو إليه ولسماع قرآن وحديث وعلم لا أكل وشرب ونوم ويعزر إن دخل مسجدا بلا إذن عالما بالتحريم وإن لم يشرط عليه أن لا يدخل بلا إذن أو جاهلا فلا يعزر لعذره ويعرف الحكم وجلوس القاضي فيه إذن للكافر المخاصم في الدخول وللإمام إنزال وفدهم أي القادمين من الكفار علينا بمسجد ولو كان الوافد جنبا لا حائضا تلوث المسجد ولا صبيا ومجنونا غير مميزين صيانة للمسجد عن القاذورات الحاصلة فيه بذلك وغير المسجد أولى بالإنزال فيه من المسجد وبعض هذه المسائل علم مع زيادة من باب شروط الصلاة ولو سأل من لا يرجى إسلامه تعليم العلم منع منه بخلاف من يرجى إسلامه كما في تعليمه القرآن ولو علم نحوا أو شعرا أو نحوهما جاز وإن لم يرج إسلامه ولا يمكن إذا دخل لشيء مما مر من إظهار خمر وخنزير ولا يأذن له الإمام في حمل شيء منهما إلى دارنا الركن الخامس المال وأقله دينار لكل سنة عن كل واحد لما رواه الترمذي وغيره عن معاذ أنه صلى الله عليه وسلم لما وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم دينارا أو عدله من المعافر ثياب تكون باليمن وظاهر الخبر أن أقلها دينار أو ما قيمته دينار وبه أخذ البلقيني والمنصوص الذي عليه الأصحاب أن أقلها دينار وعليه إذا عقد به جاز أن يعتاض عنه ما قيمته دينار وإنما امتنع عقدها بما قيمته دينار لأن قيمته قد تنقص عنه آخر المدة ومحل كون أقلها دينارا عند قوتنا وإلا فقد نقل الدارمي عن المذهب أنه يجوز عقدها بأقل من دينار نقله الأذرعي وقال إنه ظاهر متجه وتستحب المماكسة أي المشاحة مع الكافر العاقل لنفسه أو لموكله في قدر الجزية حتى يزيد على دينار بل إذا أمكنه أن يعقد بأكثر منه لم يجز أن يعقد بدونه إلا لمصلحة ويسن أن يفاوت بينهم فيعقد للغني بأربعة والمتوسط بدينارين والفقير بدينار فإن أبى عقدها إلا بدينار أجيب لأنه الواجب والمماكسة كما تكون في العقد تكون في الأخذ بل الأصحاب إنما صدروا به في الأخذ فقالوا يستحب للإمام المماكسة حتى يأخذ من
216
216
الغني إلى آخره ويستثنى السفيه فلا يصح عقده ولا عقد الولي له بالزائد على الدينار خلافا للقاضي فلو امتنع من بذل الزائد على دينار بعد العقد به فناقض للعهد كما لو امتنع من أداء أصل الجزية فيبلغ المأمن كما سيأتي فعلم أنه يلزمه ما التزم كمن اشترى شيئا بأكثر من ثمن مثله فإن بلغ المأمن وعاد باذلا للدينار عبارة الأصل وعاد وطلب العقد بدينار أجيب كما لو طلبه أولا فإن شرط وأطلق على كل فقير دينار و كل غني أربعة و كل متوسط دينار إن اعتبرت هذه الأحوال أي الفقر والغنى والتوسط وقت الأخذ لا وقت طروها ولا وقت العقد وخرج بقوله من زيادته وأطلق أي الشرط ما لو قيد بأن قيدت الأحوال المذكورة بوقت فيتبع والقول قول مدعي الفقر أو التوسط منهم بيمينه إلا أن تقوم بينة بخلافه أو يعهد له مال وكذا من غاب وأسلم ثم حضر وقال أسلمت من وقت كذا كما نص عليه الشافعي في الأم ولا تؤخذ الجزية في أثناء الحول بالقسط اتباعا لسيرة الأولين إلا ممن مات أو أسلم أو استقال من العقد أو نبذه في أثناء الحول فيؤخذ بالقسط إذ وجوبها بالسكنى فإذا سكن بعض المدة وجب قسطه كالأجرة نعم إن لم يكن للميت وارث فتركته كلها فيء فلا معنى لأخذ الجزية منها ولو كان له وارث غير مستغرق أخذ من نصيبه ما يتعلق به من الجزية وسقطت حصة بيت المال وقضية كلامهم أنه لو حجر عليه بفلس في أثناء العام لا يؤخذ منه القسط حينئذ قال البلقيني وهو الجاري على القواعد لكن نص في الأم على أخذه فلو مات وعليه مع الجزية دين لآدمي وضاق ماله عنهما سوى بينهما لأن الجزية ليست بقربة حتى تكون كالزكاة ولأن المغلب فيها حق الآدمي من جهة أنها أجرة وليس للإمام طلب تعجيل الجزية هذا علم من قوله ولا يؤخذ في أثناء الحول بالقسط فصل فإن أقروا ببلدهم بجزية استحب معها اشتراط ضيافة من يمر بهم منا وإن لم يكن المار من أهل الفيء لا على فقير لأنها تتكرر فلا يتيسر للفقير القيام بها والأصل في اشتراطها ما رواه البيهقي أنه صلى الله عليه وسلم صالح أهل أيلة على ثلاثمائة دينار وكانوا ثلثمائة رجل وعلى ضيافة من يمر بهم من المسلمين وروى الشيخان خبر الضيافة ثلاثة أيام ويبين لهم في العقد أيام الضيافة أي قدرها في الحول كمائة يوم فيه ومدة الإقامة كيوم أو ثلاثة لينتفي الغرر ولا تزيد مدتها أي لا تندب زيادتها على الثلاث للخبر السابق ولأن في الزيادة عليها مشقة فإن وقع توافق على زيادة جاز كما صرح به الإمام ونقل في الذخائر عن الأصحاب أنه يشترط عليهم تزويد الضيف كفاية يوم وليلة ويبين لهم عدد الضيفان خيلا ورجلا بفتح الراء وإسكان الجيم كعشرين ضيفا في العام من الفرسان كذا ومن الرجالة كذا على الواحد منهم أو ألف كذلك على الجميع و هم يوزعونها على أنفسهم بقدر الجزية أو يتحمل بعضهم عن
217
217
بعض وإذا تفاوتوا في الجزية يستحب أن يفاوت بينهم في الضيافة فيجعل على الغني عشرين مثلا وعلى المتوسط عشرة ولا يفاوت بينهم في جنس الطعام لأنه لو شرط على الغني أطعمة فاخرة أجحف به الضيفان و يبين لهم جنس الطعام والأدم وقدرهما بالنسبة لكل واحد منا كأن يقول لكل واحد كذا من خبز البر
وكذا من السمن أو غيرهما بحسب عادتهم و يبين العلف أي علف الدواب من تبن وحشيش وقت لا قدره أي لا يشترط بيانه إلا الشعير إن ذكره فيقدره وإطلاق العلف لا يقتضي الشعير فإن كان لواحد دواب ولم يعين عددا منها لم يعلف إلا واحدة نص عليه في الأم ولا يلزمه الأنسب يلزمهم أجرة طبيب وحمام وثمن دواء و يبين لهم المنازل أي منازل الضيفان من فضول منازلهم وبيوت الفقراء الذين لا ضيافة عليهم والكنائس ونحوها الدافعة للحر والبرد ويشترط عليهم تعلية الأبواب ليدخلها المسلمون ركبانا كما شرطه عمر على أهل الشام ولا يخرجون أي أرباب المنازل من منازلهم وإن ضاقت وهي أي الضيافة زيادة على الجزية لا منها لأنها مبنية على الإباحة والجزية على التمليك ولهذا لا يجزئ فيها التغدية والتعشية كما في الكفارة تلزم بالقبول منهم وإن اعتاض عنها أي الضيافة الإمام دراهم أو دنانير وبها عبر الأصل برضاهم جاز واختصت بأهل الفيء كالأصل الذي هو الدينار ويفارق الضيافة بأن الحاجة إليها تقتضي التعميم وإنما اعتبر رضاهم لأن الضيافة قد تكون أهون عليهم فرع لضيفهم حمل الطعام من غير أكل بخلاف طعام الوليمة لأنه مكرمة وما هنا معارضة لا المطالبة بالعوض و لا طعام الغد ولا طعام الأمس الذي لم يأتوا بطعامه بناء على أن الضيافة زائدة على الجزية وإن ازدحم الضيفان على المضيف لهم أو عكسه خير المزدحم عليه فيخير المضيف في الأولى والضيف في الثانية وإن كثرت الضيفان عليهم بدءوا بالسابق لسبقه وإلا بأن تساووا أقرع بينهم وليكن للضيفان عريف يرتب أمرهم صرح به الأصل فصل والجزية تؤخذ ممن هي عليه برفق كسائر الديون ويكفي في الصغار المذكور في آية الجزية أن يجري عليهم الحكم بما لا يعتقدونه كما فسره الأصحاب بذلك وتفسيره بأن يجلس الآخذ ويقوم الذمي ويطأطئ رأسه ويحني ظهره ويضع الجزية في الميزان ويقبض الآخذ لحيته ويضرب لهزمتيه مردود بأن هذه الهيئة باطلة ودعوى استحبابها أو وجوبها أشد خطأ ولم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحدا من الخلفاء الراشدين فعل شيئا منها فله توكيل مسلم في أدائها وتضمينه لها والحوالة بها عليه بناء على أن الهيئة المذكورة غير واجبة فصل لو طلب قوم ممن يعقد لهم الجزية عرب أو عجم أن يؤدون الجزية باسم الزكاة لا باسم الجزية وقد عرفوها حكما وشرطا و أن يضعف عليهم أجيبوا إلى ذلك إن رآه الإمام وسقط عنهم الإهانة واسم الجزية اقتداء بعمر رضي الله عنه في نصارى العرب لما قالوا له نحن عرب لا نؤدي ما تؤديه العجم فخذ منا ما يأخذ بعضكم من بعض يعنون لزكاة ولم ينكر عليه فيه أحد فكان إجماعا وعقد لهم الذمة مؤبدا فليس لأحد نقض ما فعله هذا إن تيقنا وفاءها بدينار وإلا فلا يجابوا ولو اقتضى إجابتهم تسليم بعض منهم عن بعض ما التزموه فإنهم يجابون ولبعضهم أن يلتزم عن نفسه وعن غيره وغرضنا تحصيل دينار عن كل رأس فيقول الإمام في صورة العقد جعلت عليكم ضعف الصدقة أو صالحتكم عليه أو نحوه وهي أي الأموال المأخوذة باسم الزكاة جزية حقيقة وإن بدل اسمها تصرف مصرف الفيء فعن عمر أنه قال هؤلاء حمقى أبوا الاسم ورضوا بالمعنى ولا تؤخذ من مال صبي ومجنون وامرأة وخنثى بخلاف الفقير فإن وفى قدر الزكاة بلا تضعيف أو نصفها أن نصفها بالدينار يقينا لا ظنا كفى أخذه فلو كثروا وعسر عددهم لمعرفة الوفاء بالدينار لم يجز الأخذ بغلبة الظن بل يشترط تحقق أخذ دينار عن كل رأس ولا يتعين تضعيفها ولا تنصيفها فيجوز تربيعها وتخميسها ونحوهما على ما يرونه بالشرط المذكور ولو شرط الضعف للزكاة وكثر أي زاد على دينار وبذلوا الدينار بأن سألوا إسقاط الزائد
218
218
وإعادة اسم الجزية أجيبوا لأن الزيادة أثبتت لتغيير الاسم فإذا رضوا بالاسم وجب إسقاطها وإن قل الضعف عن الدينار زاد في التضعيف حتى يستوفيه فرع تضعف الماشية أي الزكاة المأخوذة منها كما علم مما مر فيؤخذ من خمس من الإبل شاتان ومن أربعين من الغنم شاتان ومن ثلاثين من البقر تبيعان ومن عشرين دينارا دينار ومن مائتي درهم عشرة دراهم ومما سقي بلا مؤنة الخمس ومما سقي بمؤنة العشر ومن الركاز خمسان وهكذا ولا يضعف الجبران لو أخذناه أو أعطيناه لئلا يكثر التضعيف ولأنه على خلاف القياس فيقتصر به على مورد النص فلو ملك ستا وثلاثين بعيرا ولم يكن فيها بنتا لبون أخرج بنتي مخاض مع إعطاء الجبران أو حقتين مع أخذه فيعطي في النزول مع كل واحدة شاتين أو عشرين درهما ويأخذ في الصعود مع كل واحدة مثل ذلك ويعطى الإمام الجبران من الفيء كما يصرفه إذا أخذه إلى الفيء ولا يأخذها من دون النصاب بالقسط كشاة من عشرين ونصف شاة من عشر لأن الأثر إنما ورد فيما يلزم المسلم وهل يعتبر النصاب كل الحول أو آخره وجهان في الكفاية قياس باب الزكاة ترجيح الأول وقياس اعتبار الغنى والفقر والتوسط آخر الحول في هذا الباب ترجيح الثاني ويؤخذ من مائتين من الإبل ثمان حقاق أو عشر بنات لبون ولا يفرق فلا يأخذ أربع حقاق وخمس بنات لبون كما لا يفرق في الزكاة قلت وفيه نظر إذ لا تشقيص هنا بخلاف ما هناك فصل لا يؤخذ شيء من حربي دخل دارنا رسولا أو بتجارة نضطر نحن إليها أو لسماع كلام الله تعالى لأن له الدخول بلا إذن فإن لم نضطر إليها واشترط عليهم الإمام أخذ شيء ولو أكثر من عشرها جاز كما فعله عمر رضي الله عنه بخلاف ما إذا لم يشترط عليهم لأنهم لم يلتزموا ويجتهد الإمام في الزائد على العشر كما في زيادة الجزية على دينار ويجوز له أن يشترط عليهم دونه أي العشر و أن يشترط عليهم أخذ شيء في نوع من تجاراتهم أكثر من نوع آخر ولو أعفاهم عن الأخذ جاز لأن الحاجة قد تدعو إليه لاتساع المكاسب وغيره فإن شرط عليهم عشر الثمن أي ثمن ما بيع من تجاراتهم أمهلوا إلى البيع بخلاف ما لو شرط أن يأخذ من تجاراتهم والمأخوذ أي ما يؤخذ في الحول لا يؤخذ إلا مرة ولو ترددوا إلى بلادهم كالجزية ولا يؤخذ شيء من تجارة ذمي ولا ذمية اتجرت إلا إن شرط عليهما مع الجزية اقتداء بعمر رضي الله عنه سواء أكانا بالحجاز أم بغيره ولا حاجة لقوله اتجرت ولا يؤخذ شيء من غير متجر دخل بأمان وإن دخل الحجاز ويكتب لمن أخذ منه براءة حتى لا يطالب مرة أخرى قبل الحول فصل لو صالحناهم وأبقينا أرضهم على ملكهم وضربنا عليها خراجا يؤدونه كل سنة عن كل جريب كذا يفي ذلك الخراج بالجزية عن كل واحد منهم جاز فالمأخوذ جزية تصرف مصرف الفيء فلا يؤخذ من أرض صبي ولا مجنون ولا امرأة ولا خنثى ويؤخذ الخراج منهم وإن لم تزرع أي الأرض أو باعوها أو وهبوها ما لم يسلموا لأنه جزية كما مر وإن اشتراها مسلم أو استأجرها فعليه الثمن في الأولى والأجرة في الثانية والخراج باق على البائع والمؤجر ويؤخذ منهم الخراج في موات يذبون عنه لا غيره أي لا في موات لا يذبون عنه وإن أحيوه إلا بشرط بأن شرط عليهم أن يؤخذ ذلك عما يحيونه وإن ضربناه على أن الأرض لنا ويسكنونها ويؤدون كل سنة عن كل جريب كذا فهو أي المأخوذ منهم أجرة لأن ذلك عقد إجارة فلا يسقط بإسلامهم ولا يشترط فيه أن يبلغ دينارا والجزية باقية فتجب مع الأجرة ولا يجوز لهم بيعها أي الأرض ولا هبتها ولهم إجارتها لأن المستأجر يؤجر ويؤخذ ذلك من أرض النساء والصبيان وغيرهم ممن لا جزية عليه لأنه أجرة الطرف الثاني في أحكام عقد الذمة فيلزمنا بعد عقدها لهم الكف عن أنفسهم وأموالهم لأنهم إنما بذلوا الجزية لعصمتهما وروى أبو داود خبر ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة ولو غصبت لهم خمر وخنزير
219
219
ونحوهما ردت إليهم لعموم خبر على اليد ما أخذت حتى تؤديه ويعصي متلفها إلا إن أظهروها فلا يعصي ولا يضمن وإن لم يظهروها وتراق الخمر على مسلم اشتراها منهم وقبضها ولا ثمن عليه لهم لأنهم تعدوا بإخراجها إليه ولو قضى الذمي دين مسلم كان له عليه بثمن خمر أو نحوه حرم على المسلم قبوله إن علم أنه ثمن ذلك لأنه حرام في عقيدته وإلا لزمه القبول وما اقتضاه كلامه كأصله في نكاح المشرك من أنه لا يحرم قبوله مع العلم ممنوع ويلزمنا الذب عنهم لعصمتهم لا إن كانوا مقيمين في دار الحرب وليس معهم مسلم إذ لا يلزمنا الذب عنها بخلاف دارنا إلا أن شرط الذب عنهم ثم أو انفردوا عنا ببلد مجاورين لنا فيلزمنا ذلك لالتزامنا إياه في الأولى وإن كره لنا طلبه وإلحاقا لهم في الثانية بباقي العصمة وإن عقدت أي الذمة بشرط أن لا نذب عنهم من يمر بنا ممن يقصدهم بسوء من أهل الحرب وهم مجاورون لنا أو أن لا نذب عنهم وهم معنا كما فهم بالأولى وصرح به الأصل فسد العقد لتضمنه تمكين الكفار منا بخلاف ما لو شرط أن لا نذب عنهم من لا يمر بنا أو من يمر بنا وهم غير مجاورين لنا ويجب علينا وعلى من هادناه غرم بدل ما أتلفناه أي نحن ومن هادناه عليهم أي على أهل الذمة للعصمة في الجانبين نعم إن كان إتلاف من هادناه بعد نقضه العهد فلا غرم عليه لأنه حربي وهذا يعلم مما يأتي فإن لم نذب عنهم فلا جزية لمدة عدم الذب كما لا يجب أجرة الدار إذا لم يوجد التمكين من الانتفاع بها فإن ظفر الإمام بمن أغار عليهم وأخذ أموالهم رد عليهم ما وجدوه من أموالهم ولا يضمنون أي المغيرون على أهل الذمة ما أتلفوه إن كانوا حربيين كما لو أتلفوا مالنا فصل ويمنعون وجوبا هنا وفيما يأتي من إحداث كنيسة وبيعة وصومعة للرهبان ونحوها في بلد أحدث في دار الإسلام كبغداد والكوفة والبصرة أو بلد أسلم أهله كالمدينة واليمن لأن كلا منها صار ملكا لنا ولأن إحداثها معصية فلا يجوز في دارنا فإن وجدت كنائس مثلا فيما ذكر جهل أصلها بقيت لاحتمال أنها كانت في قرية أو برية فاتصل بها عمران ما أحدث منا بخلاف ما لو علم إحداث شيء منها بعد بنائها وإن شرط حداثها في بلادنا فسد العقد لفساد الشرط ومن بنى منهم دارا لأبناء السبيل منا ومنهم لم يمنع لانتفاء المعصية فإن خصص الذميين بها فوجهان أحدهما وبه جزم صاحب الشامل كذلك كما لو وقف عليهم والثاني المنع لأنهم إذا انفردوا بسكناها صارت
220
220
ككنائسهم ولو فتحنا بلدا عنوة نقضنا كنائسهم القائمة لأنا قد ملكناها بالاستيلاء فيمتنع إبقاؤها كنائس ولم نبق لهم شيئا من متعبداتهم لذلك فعلم أنه لا يجوز لهم بناء شيء من ذلك كما صرح به الأصل
أو فتحناه صلحا على أن الأرض لنا ويسكنونها بخراج وشرطوا إبقاء الكنائس مثلا لهم أو إحداثها مكنوا من ذلك وكأنهم استثنوها وقوله مكنوا أولى من قول الأصل جاز لأن الجواز حكم شرعي ولم يرد الشرع بجواز ذلك وإنما المراد عدم المنع نبه عليه السبكي وإلا أي وإن لم يشرطوا ذلك منعوا ولو من إبقائها كما يمنعون من إحداثها لأن إطلاق اللفظ يقتضي أن البلد كله صار لنا أو فتحناه صلحا على أن الأرض لهم يؤدون خراجها لم يمنعوا من الكنائس ونحوها ولو أحدثوها لأن الملك والدار لهم ولا يمنعون من إظهار شعائرهم كخمر وخنزير وأعيادهم وضرب ناقوسهم ويمنعون من التجسس أي إيواء الجاسوس وتبليغ الأخبار وسائر ما نتضرر به في ديارهم ولهم عمارة أي ترميم كنائس جوزنا إبقاءها إذا استهدمت لأنها مبقاة فترمم بما تهدم لا بآلات من جديد كذا قاله السبكي والذي قاله ابن يونس في شرح الوجيز واقتضى كلامه الاتفاق عليه أنها ترمم بآلات جديدة قال في الأصل ولا يجب إخفاؤها فيجوز تطيينها من داخل وخارج لا إحداثها لأن العمارة المذكورة ليست بإحداث هذا التعليل من زيادته وفيه إيهام أنه تعليل للأخير لكن لا يخفى المراد
فلو انهدمت أي الكنائس المبقاة ولو بهدمهم لها تعديا خلافا للفارقي أعادوها هذا يغني عما قبله وليس لهم توسيعها لأن الزيادة في حكم كنيسة محدثة متصلة بالأولى ويمنعون من إظهار الناقوس هذا سيأتي وعبارة الأصل ويمنعون من ضرب الناقوس في الكنيسة كما يمنعون من إظهار الخمر لا في بلدهم قال في الأصل قال الإمام وأما ناووس المجوس فلست أرى فيه ما يوجب المنع وإنما هو محوط وبيوت تجمع فيها المجوس جيفهم وليس كالبيع والكنائس فإنها تتعلق بالشعار ويمنع الذمي وجوبا من تطويل بنائه على بناء جاره المسلم وإن لم يشرط عليهم في العقد لخبر الإسلام يعلو ولا يعلى وليتميز البناءان ولئلا يطلع على عوراتنا هذا إن لم ينفردوا بقرية فإن انفردوا بها جاز تطويل بنائهم والتقييد بهذا لا يناسب المقيد إذ لا جار لهم من المسلمين حينئذ مع أنه معلوم من التقييد بالجار فلو قال لا إن انفردوا بقرية بل وأخره إلى قوله لا عال كان أولى وإن رضي الجار بذلك فإنه يمنع منه لأن المنع منه لحق الدين لا لمحض حق الجار سواء أكان بناء المسلم معتدلا أم في غاية الانخفاض
221
221
قال البلقيني ومحل المنع إذا كان بناء المسلم مما يعتاد في السكنى فلو كان قصيرا لا يعتاد فيها لأنه لم يتم بناؤه أو لأنه هدمه إلى أن صار كذلك لم يمنع الذمي من بناء جداره على أقل مما يعتاد في السكنى لئلا يتعطل عليه حقها الذي عطله المسلم باختياره أو تعطل عليه بإعساره قال الجرجاني والمراد بالجار أهل محلته دون جميع البلد قال الزركشي وهو ظاهر
وكذا يمنع من المساواة لما مر فيهدم ما يحصل به التطويل والمساواة لا عال اشتراه مثلا ولم يكن مستحق الهدم أو بنوه قبل أن تملك بلادهم فلا يهدم لأنه وضع بحق لكن يمنع طلوع سطحه إلا بعد تحجيره بخلاف المسلم لأنه مأمون ويمنع صبيانهم من الإشراف على المسلم بخلاف صبياننا حكاه في الكفاية عن الماوردي فإن انهدم البناء المذكور امتنع العلو والمساواة كما صرح به الأصل قال الزركشي ولو استأجر دارا عالية لم يمنع من سكناها بلا خلاف قاله في المرشد وهل يجري مثله فيما لو ملك دارا لها روشن حيث قلنا لا يشرع له الروشن أي وهو الأصح أو لا يجري لأن التعلية من فوق الملك والروشن لحق الإسلام وقد زاد فيه نظر انتهى و يمنعون من ركوب الخيل إن لم ينفردوا لأن فيه عزا فإن انفردوا ببلدة أو قرية في غير دارنا فوجهان أحدهما يمنعون خوفا من أن يتقووا به علينا وثانيهما لا يمنعون كإظهار الخمر قال الأذرعي وهو الأقرب إلى النص قال ولو استعنا بهم في حرب حيث يجوز فالظاهر تمكينهم من ركوبها من القتال لا من ركوب البغال ولو نفيسة لأنها في نفسها خسيسة و لا من ركوب الحمر ولو نفيسة لذلك
وكذا البراذين الخسيسة بخلاف النفيسة ويركبونها عرضا بأن يجعلوا أرجلهم من جانب واحد قال في الأصل ويحسن أن يتوسط فيفرق بين أن يركبوا إلى مسافة قريبة من البلد أو إلى بعيدة فيمنعون في الحضر ويركبونها بالأكف لا السرج وبالركاب الخشب لا الحديد ونحوه تمييزا لهم عنا ليعطى كل حقه ويمنعون من حمل السلاح مطلقا و من اللجم المزينة بالتبرين أي الذهب والفضة قال الزركشي في الأولى ولعله محمول على الحضر ونحوه دون الأسفار المخوفة والطويلة هذا كله في الرجال لا في النساء والصبيان ونحوهما فلا يمنعون من ذلك إذ لا صغار عليهم كما لا جزية عليهم حكاه الأصل عن ابن كج وأقره وتوقف فيه الزركشي وقال الأشبه خلافه لأنهم صححوا أن النساء يؤمرن بالغيار والزنار والتمييز في الحمام قال وما حكي عن ابن كج وجه ضعيف انتهى
ويجاب بأن ما استند إليه كالضروري لحصول التمييز به بخلاف ما هنا قال ابن الصلاح وينبغي منعهم من خدمة الملوك والأمراء كما يمنعون من ركوب الخيل فرع ويلجأ في الزحمة إلى أضيق الطرق ولا يصدر في مجلس فيه مسلمون بحيث لا يقع في وهدة ولا يصدمه جدار لخبر الصحيحين لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه فإن خلت
222
222
الطرق عن الزحمة فلا حرج ولا يوقر كما صرح به الأصل ولا يصدر في مجلس فيه مسلمون إهانة له وتحرم موادته لقوله تعالى لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله الآية ولا ينافي هذا ما مر في الوليمة من أنه تكره مخالطته لأن المخالطة ترجع إلى الظاهر والموادة إلى الميل القلبي فصل وعليهم ولو نساء في دارنا لبس الغيار بكسر المعجمة وإن لم يشرط عليهم وهو أن يخيط كل منهم بموضع لا يعتاد الخياطة عليه كالكتف على ثوبه الظاهر لونا يخالفه أي يخيط عليه ما يخالف لونه ويلبسه وذلك للتمييز ولأن عمر رضي الله عنه صالحهم على تغيير زيهم بمحضر من الصحابة كما رواه البيهقي وإنما لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم بيهود المدينة ونصارى نجران لأنهم كانوا قليلين معروفين فلما كثروا في زمن الصحابة وخافوا من التباسهم بالمسلمين احتاجوا إلى تمييز قال في الأصل وإلقاء منديل ونحوه كالخياطة واستبعده ابن الرفعة والأولى باليهود الأصفر وبالنصارى الأزرق قال في الأصل أو الأكهب ويقال له الرمادي وبالمجوس الأحمر قال في الأصل أو الأسود قال البلقيني وما ذكر من الأولى لا دليل عليه انتهى ويكتفى عن الخياطة بالعمامة كما عليه العمل الآن ويشد كل منهم زنارا بضم الزاي وهو خيط غليظ يشد به وسطه فوق الثياب لما مر قال الماوردي ويستوي فيه سائر الألوان قال في الأصل وليس لهم إبداله بمنطقة ومنديل ونحوهما والجمع بينهما أي الغبار والزنار أولى مبالغة في شهرتهم ومن لبس منهم قلنسوة يميزها عن قلانسنا بذؤابة بالمعجمة أي علامة فيها فإن دخلوا حماما به مسلمون أو كانوا في غيره متجردين عن ثيابهم بحضرة مسلمين تميزوا عنهم بجلاجل في أعناقهم أو خواتم حديد أو رصاص لا ذهب وفضة لما مر ويجزون نواصيهم كما أمر به عمر رضي الله عنه ولا يرسلون الضفائر كما يفعله الأشراف والأجناد وتجعل المرأة خفيها لونين كأن تجعل أحدهما أسود والآخر أبيض قال في الأصل ولا يشترط التمييز بكل هذه الوجوه بل يكفي بعضها وللمسلمات دخول الحمام بلا ضرورة ويكره بلا حاجة كما مر ذلك في الغسل مع دليله ويمنعن بنون التوكيد الذميات دخوله مع المسلمات قال الرافعي لأنهن أجنبيات في الدين وتقدم في النكاح ما له بهذا تعلق ولو لبس الذمي الحرير أو تعمم أو طيلس لم يمنع كما لم يمنع من رفيع القطن والكتان وعليهم الانقياد لحكمنا الذي يعتقدون تحريمه كالزنا والسرقة فإذا فعلوه أجرينا عليهم حكم الله تعالى فيه كما مر و عليهم الإعانة لنا بلا تضرر منهم إذا استعنا بهم والكف عن إظهار اعتقادهم المنكر كاعتقادهم في المسيح وعزير صلى الله وسلم عليهما و مثل التثليث أي قولهم الله ثالث ثلاثة ويمنعون في دارنا من إظهار الخمر والناقوس والخنزير وأعيادهم وقراءة كتبهم لما فيه من إظهار شعائر الكفر و من إظهار دفن موتاهم والنوح واللطم و من إسقاء مسلم خمرا أو إطعامه خنزيرا و من رفع أصواتهم على المسلمين و من استبذالهم إياهم في المهن أي الخدمة بأجرة وغيرها سواء أشرط ذلك في العقد عليهم أم لا فإن أظهروا شيئا من ذلك عزروا ولم ينتقض به عهدهم ولو شرط عليهم نقضه أي انتقاضه به لأنا لا نتضرر به ولأنهم يتدينون به بخلاف القتال ونحوه مما يأتي وحملوا الشرط المذكور على تخويفهم وذكر التعزير في إظهار دفن موتاهم وما عطف عليه وعدم انتقاض عهدهم بذلك من زيادته
223
223
فإن قاتلوا المسلمين بلا شبهة أو منعوا الجزية أو الانقياد للحكم بمعنى امتناعهم منه بالقوة والعدة لا بالهرب انتقض عهدهم وإن لم يشرط عليهم الانتقاض بذلك ولا الامتناع منه لمخالفتهم مقتضى العقد بخلاف ما إذا قاتلوا لشبهة كما مر في البغاة قال في الأصل في الثانية كذا قاله الأصحاب وخصه الإمام بالقادر أما العاجز إذا استمهل فلا ينتقض عهده بذلك قال ولا يبعد أخذ الجزية من الموسر الممتنع قهرا ولا ينتقض عهده كسائر الديون ويخص قولهم بالمتغلب المقاتل انتهى وظاهر أن كلام الإمام الأول مفهوم من تعبير الأصحاب بالمنع ولو نكح مسلمة ووطئها أو زنى بها مع علمه بإسلامها أو قتل مسلما قتلا يوجب القصاص وإن لم نوجبه عليه كذمي حر قتل عبدا مسلما أو قطع طريقا على مسلم أو تجسس للكفار أي لأجلهم بأن تطلع على عوراتنا ونقلها إليهم أو آوى جاسوسا لهم أو دعا مسلما إلى دينه أو فتنه عن دينه أو قذف مسلما أو سب الله أو رسوله أو الإسلام أو القرآن جهرا أو نحوها مما لا يتدينون به فإن شرط انتقاض العهد به انتقض وإلا فلا ينتقض لمخالفته الشرط في الأول دون الثاني وهذا ما صححه المنهاج كأصله والشرح الصغير ونقله الزركشي وغيره عن نص الشافعي ووقع في أصل الروضة تصحيح أنه لا انتقاض بذلك مطلقا لأنه لا يخل بمقصود العقد وعلى الأول لو نكح كافرة ثم أسلمت بعد الدخول فوطئها في العدة لم ينتقض عهده فقد يسلم فيستمر نكاحه قال البلقيني والقياس أن لواطه بمسلم كزناه بمسلمة وسواء انتقض عهده أم لا يقام عليه موجب ما فعله من حد أو تعزير كما صرح به الأصل أما ما يتدينون به كقولهم القرآن ليس من عند الله فلا انتقاض به مطلقا فلو شرط عليه ذلك أي الانتقاض به ثم قتل بمسلم أو بزناه حالة كونه محصنا بمسلمة صار ماله فيئا لأنه حربي مقتول وماله تحت أيدينا لا يمكن صرفه لأقاربه الذميين لعدم التوارث ولا للحربيين لأنا إذا قدرنا على مالهم أخذناه فيئا أو غنيمة وشرط الغنيمة هنا ليس موجودا وقيل لا يصير فيئا والترجيح من زيادته وبه صرح البلقيني فرع إذا نقض الذمي العهد بقتاله لنا قتل ولا يبلغ المأمن لقوله تعالى فإن قاتلوكم فاقتلوهم ولأنه لا وجه لإبلاغه مأمنه مع نصبه القتال أو انتقض عهده بغيره ولم يسأل تجديد العهد فللإمام الخيرة فيه من قتل وغيره من استرقاق ومن وفداء ولا يلزمه أن يلحقه بما منه لأنه كافر لا أمان له كالحربي وقوله ولم يسأل تجديد العهد من زيادته هنا وأخرج ما لو سأل ذلك فتجب إجابته ويفارق ما ذكر من أمنه صبي حيث يلحق بمأمنه بأن ذلك يعتقد لنفسه أمانا وهذا فعل باختياره ما أوجب الانتقاض واستشكل ما ذكر بما ذكروه من أن
224
224
الداخل دارنا بهدنة أو أمان يلحق بمأمنه إذا انتقض عهده مع أن حق الذمي آكد منه وأجيب بأن الذمي ملتزم لأحكامنا وبالانتقاض زال التزامه لها بخلاف ذاك فإنه ليس ملتزما لها وقضية الأمان رده إلى مأمنه و إذا انتقض أمان رجل لم ينتقض أمان نسائه وصبيانه لأنه قد ثبت لهم الأمان ولم يوجد منهم خيانة ناقضة فلا يجوز سبيهم ولا إرقاقهم ويجوز تقريرهم في دارنا فإن طلبوا دار الحرب بلغن أي النساء مأمنهن دون الصبيان حتى يبلغوا أو يطلبهم مستحق الحضانة إذ لا حكم لاختيارهم قبل ذلك ولأنهم بعد البلوغ بصدد أن تعقد لهم الجزية فلا يفوت ذلك علينا فإن بلغوا وبذلوا الجزية فذاك وإلا ألحقوا بدار الحرب وكالنساء الخناثى وكالصبيان المجانين والإفاقة كالبلوغ ولو نبذ ذمي إلينا العهد وسأل إبلاغه المأمن أجبناه لأنه لم تبد منه خيانة ويكتب الإمام بعد عقد الذمة اسم من عقد له ودينه وحليته قال في الأصل فيتعرض لسنه أهو شيخ أم شاب ويصف أعضاءه الظاهرة من وجهه ولحيته وجبهته وحاجبيه وعينيه وشفتيه وأنفه وأسنانه وآثار وجهه إن كان فيه آثار ولونه من سمرة وشقرة وغيرهما ويجعل لكل من طوائفهم عريفا مسلما يضبطهم ويعرف الإمام الأولى ليعرف بمن مات أو أسلم أو بلغ منهم أو دخل فيهم وأما من يحضرهم لأدائها أي ليؤدي كل منهم الجزية أو ليشتكي إليه أي الإمام ممن تعدى عليهم منا أو منهم فيجوز جعله عريفا لذلك ولو كان كافرا وإنما اشترط إسلامه في الغرض الأول لأن الكافر لا يعتمد خبره كتاب عقد الهدنة وتسمى الموادعة والمعاهدة والمسالمة والمهادنة لغة المصالحة وشرعا مصالحة أهل الحرب على ترك القتال مدة معينة بعوض أو غيره وهي مشتقة من الهدون وهو السكون تقول هدنت الرجل وأهدنته إذا سكنته وهدن هو سكن والأصل فيها قبل الإجماع قوله تعالى براءة من الله ورسوله الآية وقوله وإن جنحوا للسلم فاجنح لها الآية ومهادنته صلى الله عليه وسلم قريشا عام الحديبية كما رواه الشيخان وهي جائزة لا واجبة وفيه طرفان الأول في شروطها فيشترط لها أربعة شروط أن يتولاها الإمام أو نائبه إن كانت للكفار مطلقا أو لأهل إقليم كالهند والروم لأنها من الأمور العظام لما فيها من ترك الجهاد على الإطلاق أو في جهة ولما فيها من الأخطار ولأنه لا بد فيها من رعاية مصلحتنا فاللائق تفويضها للإمام أو نائبه وللوالي بإقليم مهادنة بعض من في ولايته لتفويض مصلحة الإقليم إليه وقضية كلامه كأصله أنه لا يهادن جميع أهل الإقليم وبه صرح الفوراني لكن صرح العمراني بأن له ذلك فإن عقد ها غيره أي غير من ذكر فدخل قوم ممن هادنهم دارنا لم قدرت لكن بلغوا المأمن لأنهم دخلوا على اعتقاد صحة أمانه وأن يكون للمسلمين فيها مصلحة كقلتهم أو قلة مالهم أو توقع إسلامهم باختلاطهم بهم أو الطمع في قبولهم الجزية بلا قتال وإنفاق مال فإن لم يكن لهم فيها مصلحة لم يهادنوا بل يقاتلوا إلى أن يسلموا أو يبذلوا الجزية إن كانوا من أهلها قال تعالى فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون
ولو طلبوها لم تلزمنا إجابتهم فيجتهد الإمام وجوبا في الأصلح من الإجابة والترك وأن يخلوا عقد الهدنة عن كل شرط فاسد كسائر العقود وذلك كالعقد على أن يترك لهم العاقد مسلما أسيرا أو ماله أو يرد إليهم من جاءت إلينا منهم مسلمة ولو أمة أو كان لها عشيرة أو على أن يعطوا جزية أقل من دينار أو أن يعطيهم مالا ولم تدع ضرورة إليه أو على أن يقيموا بالحجاز أو يدخلوا الحرم أو يظهروا الخمور في دارنا قال تعالى فلا تهنوا الآية وفي ذلك إهانة ينبو عنها الإسلام وروى أبو داود في قصة الحديبية أنه جاءت نسوة مؤمنات مهاجرات فنزل قوله تعالى إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات إلى قوله فلا ترجعوهن إلى الكفار فامتنع صلى الله عليه وسلم من ردهن ولأنه لا يؤمن أن يفتن المسلمة زوجها الكافر أو تزوج كافرا وسواء أجاءت مسلمة أو أسلمت بعد ما جاءت وخرج بالمسلم وماله الكافر وماله فيجوز شرط تركهما وبالمسلمة الكافرة والمسلم فيجوز شرط ردهما
225
225
كما سيأتي بيانه
فلو دعت ضرورة إلى إعطائهم مالا كأن خفنا منهم الاصطلام لإحاطتهم بنا أو كانوا يعذبون أسرانا وجب إعطاؤهم ذلك للضرورة واستشكل بأنه مخالف لما في السير من ندب فك الأسرى وأجيب بحمل ندب ما هناك على عدم تعذيب الأسرى أو خوف اصطلامهم وهل العقد في هذه الحالة صحيح قال الأذرعي عبارة كثير تفهم صحته وهو بعيد والظاهر بطلانه وهو قضية كلام الجمهور ولم يملكوه أي ما أعطي لهم لأخذهم له بغير حق ويشترط أن لا يزيد في عقد الهدنة على أربعة أشهر إن كان بالمسلمين قوة لأنه تعالى أمر بقتل المشركين مطلقا وأذن في الهدنة أربعة أشهر بقوله فسيحوا في الأرض أربعة أشهر قال الشافعي وكان ذلك في أقوى ما كان عليه الصلاة والسلام عند منصرفه من تبوك وروي أيضا أنه صلى الله عليه وسلم هادن صفوان بن أمية يوم الفتح أربعة أشهر فأسلم قبل مضيها وعلى عشر سنين إن كان بالمسلمين ضعف لأنه صلى الله عليه وسلم هادن قريشا في الحديبية على وضع الحرب عشر سنين رواه أبو داود ولو احتيج إلى زيادة على العشر عقد على عشر ثم عشر قبل أن تنقضي الأولى جزم به الفوراني وغيره
ولا يجوز في عقد واحد كما شمله قوله ومتى زاد العاقد على الجائز من أربعة أشهر عند قوتنا أو عشر سنين عند ضعفنا بطل الزائد أي العقد فيه فقط أي دونه في المزيد عليه تفريقا للصفقة قال الماوردي هذا بالنسبة إلى أنفسهم أما أموالهم فيجوز العقد لها مؤبدا واستثنى البلقيني المهادنة مع النساء فإنها تجوز من غير تقييد بمدة من المدتين السابقتين فإن انقضت أي العشر والضعف بنا مستمر استؤنف عقد جديد وتتم المدة إن استقوينا فيها عملا بما وقع عليه العقد فلو هادن مطلقا عن ذكر المدة بطل العقد ولا يحمل على المدة المشروعة لأن الإطلاق يقتضي التأبيد وهو لا يجوز لمنافاته مقصوده من المصلحة أو قال هادنتكم ما شاء فلان مثير العدل منا ذي رأي صح العقد فإذا نقضها انتقضت وليس له أن يشاء أكثر من أربعة أشهر عند قوتنا ولا أكثر من عشر سنين عند ضعفنا لا لرجل منهم لأن الكافر لا يحكم علينا ولا لفاسق ولا لمن لا رأي له فإن قال هادنتكم ما شاء الله لم يجز أي لم يحل ولم يصح للجهالة وأما قوله صلى الله عليه وسلم هادنتكم ما شاء الله فلأنه يعلم ما عند الله بالوحي دون غيره ولو دخل إلينا بأمان لسماع كلام الله فاستمع في مجالس يحصل فيها البيان التام بلغ المأمن ولا يمهل أربعة أشهر لحصول غرضه الطرف الثاني في أحكامها فبالعقد الفاسد لها نبلغهم المأمن وننذرهم إن كانوا بدارنا ويجوز قتالهم بعد ذلك وإن كانوا بدارهم جاز قتالهم بلا إنذار وبالصحيح يكف عنهم الأذى منا ومن أهل الذمة إلى انقضاء المدة أو إلى أن ينقضوها أي الهدنة بأن يصدر منهم ما يقتضي الانتقاض قال تعالى فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم وقال فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ولا يلزمنا دفع الحربيين عنهم ولا منع بعضهم من بعض لأن مقصود الهدنة الكف لا الحفظ بخلاف الذمة فإن أخذ الحربيون مالهم بغير حق وظفرنا به رددناه إليهم لزوما وإن لم يلزمنا استنقاذه كما نرده على المسلمين والذميين ولا ينتقض العهد بموت الإمام وعزله فيلزم الإمام بعده إمضاؤه ولا ينتقض بتبين فسادها أي الهدنة بالاجتهاد بل بالنص أو الإجماع وينبغي للإمام إذا عقد الهدنة أن يكتب بها كتابا ويشهد عليها فيه ليعمل به من بعده قال الأذرعي والمتبادر من ذلك الاستحباب ويشبه أن يجب ليرجع إليه عند التنازع في شروطها ولا بأس أن يقول فيها لكم ذمة الله وذمة رسوله عليه الصلاة والسلام وذمتي فإن أخذوا مالا أو سبوا الله أو القرآن أو رسول
226
226
الله صلى الله عليه وسلم أو قاتلوا المسلمين أو آووا عينا عليهم أو قتلوا مسلما أو تجسسوا كأن كاتبوا أهل الحرب جميعا في الصور كلها أو فعل بعضهم شيئا من ذلك وسكت الباقون عنه انتقض العهد ولو لم يعلموه نقضا ولم يحكم حاكم بنقضه لإتيانهم بما يخل بالعقد وبيتوا في بلادهم بلا إنذار وإن لم يعلموا أن ما أتوا به ناقضا لآية وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم ولصيرورتهم حينئذ كما كانوا قبل المهادنة والنازل بنا أي بدارنا بأمان أو هدنة نبلغه المأمن ولا نغتاله قبل وصوله المأمن فإن أنكره عليهم الباقون فيما مر بقول أو فعل بأن اعتزلوهم أو بعثوا إلى الإمام بأنا مقيمون على العهد لم ينتقض عهدهم وإن كانوا أتباعا ثم نظرت فإن تميزوا عنهم بيتناهم أي منتقضي العهد وإلا أنذرناهم أي الباقين ليتميزوا عنهم أو يسلموهم إلينا فإن أبوا ذلك مع القدرة عليه فناقضون للعهد بخلاف عقد الذمة فنقضه من البعض ليس نقضا من الباقين بحال لقوته والقول قول منكر النقض بيمينه لأن الأصل عدمه ولو أي وكل ما اختلف في كونه ناقضا في الجزية نقض هنا قطعا لضعف هذا وقوة ذاك وتأكده بالجزية فرع لو استشعر الإمام خيانتهم بأمارات تدل عليها لا بمجرد توهم لم ينتقض عهدهم بل ينبذ إليهم جوازا العهد قال تعالى وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم بخلاف عقد الذمة لا ينبذ بذلك لأنه عقد معاوضة مؤبد ولأن أهلها في قبضتنا فيسهل التدارك عند ظهور الخيانة ولأن المغلب فيه جانبهم ولهذا تجب الإجابة إليه بخلاف عقد الهدنة وجروا في التعليل الثاني على الغالب من كون أهل الذمة ببلادنا وأهل الهدنة ببلادهم واعتبر ابن الرفعة في جواز النبذ بالخوف حكم الحاكم به لأنه يحتاج إلى نظر واجتهاد ورده الزركشي وينذرهم بعد نبذ عهدهم ويبلغهم مأمنهم قبل قتالهم إن كانوا بدارنا وفاء بالعهد ولأن العقد لازم قبل ذلك وهو أي مأمنهم دار الحرب وتبليغهم إياه يكون بالكف للأذى منا ومن أهل الذمة عنهم بعد استيفاء حق الآدمي منهم إن كان فرع يجب على الذين هادنهم الإمام الكف عن قبيح القول والعمل في حقنا وبذل الجميل منهما فلو نقصوا المسلمين من الكرامة لهم أو الإمام من التعظيم له بعد أن كانوا يكرمونهم ويعظمونه سألهم عن سبب ذلك فإن لم يقيموا حجة أي عذرا ولم ينتهوا نقض العهد وأنذرهم قبل نقضه وإن أقاموا عذرا يقبل مثله قبله فصل لو صالح الإمام الكفار أي هادنهم بشرط رد من جاء نا منهم مسلما صح فيجب الوفاء به لقوله تعالى وأوفوا بالعهد ولم يجز بذلك رد المرأة المسلمة إذ لا يؤمن أن يصيبها زوجها الكافر أو تزوج بكافر ولأنها عاجزة عن الهرب منهم وأقرب إلى الافتتان وقد قال تعالى إذا جاءكم المؤمنات الآية فإن صرح بشرط ردها لم يصح لذلك ويفسد به العقد لفساد الشرط ومثلها الخنثى فيما يظهر فإن جاءت إلينا مسلمة أو أسلمت بعد مجيئها وطالب الزوج بمهرها لارتفاع
227
227
نكاحها بإسلامها قبل الدخول أو بعده لم نعطه له أي لم يجب علينا إعطاؤه له وأما قوله تعالى وآتوهم أي الأزواج ما أنفقوا أي من المهور فهو وإن كان ظاهرا في وجوب الغرم محتمل لندبه الصادق بعدم الوجوب الموافق للأصل ورجحوه على الوجوب لما قام عندهم في ذلك وأما غرمه صلى الله عليه وسلم لهم المهر فلأنه كان قد شرط لهم رد من جاءتنا مسلمة ثم نسخ ذلك بقوله فلا ترجعوهن إلى الكفار فغرم حينئذ لامتناع ردها بعد شرطه وإن أسلمت أي وصفت الإسلام من لم تزل مجنونة فإن أفاقت رددناها له لعدم صحة إسلامها وزوال ضعفها والتقييد بالإفاقة من زيادته وذكره الأذرعي وغيره للاحتراز عما إذا لم تفق فلا ترد أخذا مما يأتي في المجنون وكذا إن جاءت عاقلة وهي كافرة سواء أطلبها في الصورتين زوجها أم محارمها لا إن أسلمت قبل مجيئها أو بعده ثم جنت أو جنت ثم أسلمت بعد إفاقتها وكذا إن شككنا في أنها أسلمت قبل جنونها أو بعده فإنها لا ترد ولا نعطيه مهرها ولو جاءت صبية مميزة تصف الإسلام لم نردها لأنا وإن لم نصحح إسلامها نتوقعه فيحتاط لحرمة الكلمة إلا إن بلغت ووصفت الكفر فنردها ولو هاجر قبل الهدنة أو بعدها العبد أو الأمة ولو مستولدة ومكاتبة ثم أسلم كل منهما عتق لأنه إذا جاء قاهرا لسيده ملك نفسه بالقهر فيعتق ولأن الهدنة لا توجب أمان بعضهم من بعض فبالاستيلاء على نفسه ملكها أو أسلم ثم هاجر قبل الهدنة فكذا يعتق لوقوع قهره حال الإباحة أو بعدها فلا يعتق لأن أموالهم محظورة حينئذ فلا يملكها المسلم بالاستيلاء ولا يرد إلى سيده لأنه جاء مسلما مراغما له والظاهر أنه يسترقه ويهينه ولا عشيرة له تحميه بل يعتقه السيد فإن لم يفعل باعه الإمام عليه لمسلم أو اشتراه للمسلمين عبارة الأصل أو دفع قيمته من بيت المال وأعتقه عنهم ولهم ولاؤه واعلم أن هجرته إلينا ليست شرطا في عتقه بل الشرط فيه أن يغلب على نفسه قبل الإسلام إن كانت هدنة ومطلقا إن لم تكن فلو هرب إلى مأمن ثم أسلم ولو بعد الهدنة أو أسلم ثم هرب قبلها عتق وإن لم يهاجر فلو مات قبل هجرته مات حرا يرث ويورث وإنما ذكروا هجرته لأن بها يعلم عتقه غالبا وأما المكاتبة فتبقى مكاتبة إن لم تعتق فإن أدت نجوم الكتابة عتقت بها وولاؤها لسيدها وإن عجزت ورقت وقد أدت شيئا من النجوم بعد الإسلام لا قبله حسب ما أدته من قيمتها الواجبة له فإن وفى بها أو زاد عليها عتقت لأنه استوفى حقه وولاؤها للمسلمين ولا يرد عليها من بيت المال لأنها كالمتبرعة عنهم به ولفوزها بالعتق في مقابلته ولا يسترجع من سيدها الفاضل أي الزائد وإن نقص عنها وفى من بيت المال ولا يرد صبي و لا مجنون لضعفهما ولهذا لا يجوز الصلح بشرط ردهما حتى يبلغ الصبي أو يفيق المجنون ويصف كل منهما الكفر أو لم يصف شيئا فيما يظهر فإن وصف الإسلام لم يرد وإن جاء منهم حر بالغ عاقل مسلم والرد مشروط علينا نظرت فإن لم تكن له عشيرة تحميه لم يرد وإلا رد إن طلبته عشيرته وإن عجز عنهم كما رد النبي صلى الله عليه وسلم أبا جندل رضي الله عنه على أبيه سهيل بن عمرو ورواه البخاري ولأن الظاهر أنهم يحمونه وأما كونهم أنفسهم يؤذونه بالتقييد ونحوه فلا عبرة به لأنهم يفعلونه تأديبا في زعمهم لا إن طلبه غيرهم فلا يرد إلا إن كان المطلوب يقهرهم وينفلت منهم فيرد وعليه حمل رد النبي صلى الله عليه وسلم أبا بصير لما جاء في طلبه رجلان فقتل أحدهما في الطريق وأفلت الآخر رواه البخاري أما إذا لم يطلبه أحد فلا يرد وخرج بقوله من زيادته والرد مشروط ما إذا لم يشرط فلا يجب الرد مطلقا ولا يلزم المطلوب الرجوع إليهم بل له قتل طالبه دفعا عن نفسه ودينه ولذلك لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على أبي بصير امتناعه وقتل طالبه
ولنا التعريض له به أي بقتله لما روى أحمد في مسنده أن عمر قال لأبي جندل حين رد إلى أبيه أن دم الكافر عند الله كدم الكلب يعرض له بقتل أبيه ولأن الإمام إنما التزم بالهدنة أن يمتنع عنهم ويمنع الذين يعادونهم وهم المسلمون يومئذ فأما من أسلم بعد فلم يشرط على نفسه شيئا ولا تناوله شرط الإمام لأنه لم يكن في قبضته وخرج بالتعريض التصريح فيمتنع نعم من أسلم منهم بعد الهدنة له أن يصرح بذلك كما يقتضيه كلامهم لأنه لم يشرط على نفسه أمانا لهم ولا تناوله شرط الإمام قاله الزركشي
228
228
ولا يمنع الإقامة عندنا بل يؤمر بها ندبا سرا بأن يقول له الإمام سرا لا ترجع وإن رجعت فاهرب إن قدرت قال في الأصل ويقول للطالب لا أمنعك منه إن قدرت عليه ولا أعينك إن لم تقدر ومعنى الرد له التخلية بينه وبينهم كما في رد الوديعة لا إجباره على الرجوع إذ لا يجوز إجبار المسلم على الإقامة بدار الحرب فلو شرط في العقد أن يبعث به الإمام إليهم لم يصح إلا أن يراد بالبعث الرد بالمعنى السابق فظاهر أنه يصح والترجيح من زيادته وعبارة الأصل ولو شرط الإمام في الهدنة أن يبعث إليهم من جاءه مسلما فمن الأصحاب من قال يجب الوفاء بشرطه ومقتضى هذا أن لا يعتبر الطلب ونقل الروياني عن النص أنه يفسد العقد بهذا الشرط وذكر أنهم لو طلبوا من جاءنا منهم وهو مقيم على كفره مكناهم منه وأنهم لو كانوا شرطوا أن تقوم برده عليهم وفينا بالشرط انتهى بزيادة فصل لو عقدت أي الهدنة بشرط أن يردوا من جاءهم منا مرتدا صح ولزمهم الوفاء به سواء أكان رجلا أم امرأة حرا أو رقيقا فإن امتنعوا من رده فناقضون للعهد لمخالفتهم الشرط أو عقدت على أن لا يردوه جاز ولو كان المرتد امرأة فلا يلزمهم رده لأنه صلى الله عليه وسلم شرط ذلك في مهادنة قريش حيث قال لسهيل بن عمرو وقد جاء رسولا منهم من جاءنا منكم مسلما رددناه ومن جاءكم منا فسحقا سحقا ومثله ما لو أطلق العقد كما فهم بالأولى وصرح به الأصل ويغرمون فيها مهرها أي المرتدة قال البلقيني وهو عجيب لأن الردة تقتضي انفساخ النكاح قبل الدخول وتوقفه على انقضاء العدة بعده فإلزامهم المهر مع انفساخ النكاح أو إشرافه على الانفساخ لا وجه له وكذا يغرمون قيمة رقيق ارتد دون الحر فإن عاد الرقيق المرتد إلينا بعد أخذنا قيمته رددناها عليهم بخلاف نظيره في المهر قال في الأصل لأن الرقيق بدفع القيمة يصير ملكا لهم والنساء لا يصرن زوجات قال ويغرم الإمام لزوج المرتدة ما أنفق من صداقها لأنا بعقد الهدنة حلنا بينه وبينها ولولاه لقاتلناهم حتى يردوها ويشبه أن يكون الغرم لزوجها مفرعا على الغرم لزوج المسلمة المهاجرة ولم أره مصرحا به وقد يشعر كلام الغزالي بخلافه انتهى
وقوله يصير ملكا لهم جار على مقتضى كلامه في البيع من صحة بيعه للكافر لكن الصحيح في المجموع خلافه كما مر ثم وجرى عليه المصنف ثم كتاب المسابقة على الخيل والسهام ونحوهما فالمسابقة تعم المفاضلة قال الأزهري النضال في الرمي والرهان في الخيل والسباق فيهما وهي لقصد الجهاد سنة للرجال للإجماع لقوله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة الآية وفسر النبي صلى الله عليه وسلم القوة فيها بالرمي كما رواه مسلم وخبر ابن عمر قال أجرى النبي صلى الله عليه وسلم ما ضمر من الخيل من الحفياء إلى ثنية الوداع وما لم يضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق قال سفيان من الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة ومن ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق ميل وخبر أنس كانت العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسبق فجاء أعرابي على قعود له فسبقها فشق ذلك على المسلمين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن حقا على الله أن لا يرفع شيئا من هذه الدنيا إلا وضعه وخبر سلمة بن الأكوع خرج النبي صلى الله عليه وسلم على قوم من أسلم يتناضلون فقال ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا رواها
229
229
البخاري وخبر لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل رواه الترمذي وحسنه وابن حبان وصححه يروى سبق بسكون الموحدة مصدرا وبفتحها المال الذي يدفع إلى السابق قال في الروضة ويكره لمن علم الرمي تركه كراهة شديدة ففي صحيح مسلم عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من علم الرمي ثم تركه فليس منا أو قد عصى وفيه بابان الأول في السبق وفيه طرفان الأول في شروطه وهي عشرة الأول أن يكون المعقود عليه عدة للقتال لأن المقصود منه التأهب للقتال وبهذا قال الصيمري لا يجوز السبق والرمي من النساء لأنهن لسن أهلا للحرب قال الزركشي وغيره ومراده أنه لا يجوز إلا بعوض لا مطلقا فقد روى أبو داود بإسناد صحيح أن عائشة سابقت النبي صلى الله عليه وسلم والأصل في السبق الخيل والإبل المركوبة لخبر الترمذي السابق ولأنها التي يقاتل عليها غالبا وتصلح للكر والفر بصفة الكمال ويفارق ذلك عدم استحقاق راكب الإبل السهم الزائد بأن استحقاقه منوط بزيادة المنفعة وهي في الخيل من الانعطاف والالتواء وسرعة الإقدام أكثر منها في الإبل وخرج بالمركوبة غيرها كالصغيرة وعبارة الروضة قال الدارمي والذي تجوز المسابقة عليه من الخيل قيل الذي يسهم له وهو الجذع أو الثني وقيل وإن كان صغيرا فالتقييد بالمركوبة في الإبل وترجيح اعتباره في الخيل من زيادة المصنف ويجوز السبق على الفيل والبغل والحمار والرمي بأنواع القسي والسهام ولو بمسلات وإبر لخبر الترمذي السابق وكذا المزاريق وهي الرماح القصيرة والزانات بالزاي والنون وهي التي لها رأس دقيق وحديدتها عريضة تكون مع الديلم وهم جيل من الناس كما في الصحاح وذلك لأنها أسلحة يرمي بها ويبتغي بها الإصابة كالسهام ورمي الحجر باليد والمقلاع والمنجنيق لأنه ينفع في الحرب بخلاف إشالته باليد ويسمى العلاج وبخلاف المرامات بأن يرمي كل واحد الحجر أو السهم إلى الآخر وتسمى المداحاة لأنهما لا ينفعان في الحرب والتردد بالسيوف والرماح للخبر السابق ولأنه ينفع في الحرب ويحتاج إلى معرفة وحذق وأما المسابقة على الأقدام والسباحة في الماء والزوارق والبقر ونحوها كالكلاب والطيور والصراع والمشابكة باليد وكل ما ينفع في الحرب كلعب شطرنج وخاتم وكرة صولجان ورمي ببندق ووقوف على رجل ومعرفة ما في يد من شفع ووتر فيجوز بلا عوض لأنه صلى الله عليه وسلم تسابق هو وعائشة على الأقدام وقيس به البقية أما بعوض فلا يجوز لأنها ليست من آلات القتال ولأن الزوارق سبقها بالملاح لا بمن يقاتل فيها والتجويز بلا عوض في البقر والترجيح في المشابكة من زيادته لا على مناطحة الكباش ومهارشة الديكة فلا تجوز مطلقا لأنها سفه وكذا على الغطس في الماء إلا إن جرت عادة بالاستعانة به في الحرب فكالسباحة الشرط الثاني معرفة الموقف الذي يجريان منه والغاية التي يجريان إليها لخبر ابن عمر السابق وتساويهما فيهما فلو شرطا تقدم موقف أحدهما أو تقدم غايته لم يجز لأن القصد معرفة فروسية الفارس وجودة سير الفرس ولا يعرف ذلك مع تفاوت المسافة لاحتمال أن السبق حينئذ لقصر المسافة لا لحذق الفارس ولا لفراهة الفرس فلو أهملا الغاية وشرط أن المال لمن سبق منهما أو عينا الغاية وقالا إن اتفق السبق في وسط الميدان لواحد منا كان فائزا بالسبق لم يصح أما في الأولى فلأنهما قد يديمان السير حرصا على المال فيتعبان وتهلك الدابة ولتفاوت الأغراض باختلاف الدواب في قوة السير في الابتداء وبعده فتعينت المعرفة لقطع النزاع كما في الثمن والأجرة وأما في الثانية فلأنا لو اعتبرنا السبق في خلال الميدان لاعتبرناه بلا غاية معينة ولأن الفرس قد يسبق ثم يسبق والعبرة بآخر الميدان ولو قالوا الأنسب قالا بعد أن عينا غاية السبق إلى هذه الغاية فإن تساويا فيه فإلى غاية أخرى بعدها متفق عليها بينهم جاز لحصول المعرفة بذلك الشرط الثالث فيما إذا عقد
230
230
بعوض المال فلا يصح بغيره ككلب وشرطه أن يكون معلوما كالثمن هذا مكرر فإنه ذكره في الشرط التاسع وأن يحصل كله وأكثره للسابق فإن تسابقا والمال من غيرهما مثلا وجعله للسابق منهما فذاك ظاهر ولو جعل للثاني منهما أقل من الأول جاز لأنه يسعى ويجتهد في السبق ليفوز بالأكثر لا إن جعل له مثله ولا أكثر منه أو جعله كله له كما فهم بالأولى فلا يجوز وإلا لم يجتهد أحد في السبق فيفوت المقصود ولو كانوا ثلاثة مثلا وشرط المال باذله للأول دونهم الأولى دون الآخرين جاز لأن كلا منهم يجتهد في السبق ليفوز بالمال ويستحب أن يجعل للثاني أقل من الأول حتى لو كانوا أكثر من ثلاثة استحب أن يفضل الأول فالأول فلو شرط للثاني الأكثر أو الكل كما فهم بالأولى لم يجز لما مر في الاثنين وظاهر أن محله في الثاني وكأنه لم يكن أو شرط له كالأول أي مثله جاز لأن كلا منهم يجتهد هنا أن يكون أولا أو ثانيا ووقع في المنهاج كأصله عدم جواز ذلك لأنه حينئذ لم يجتهد أحد في السبق ويمنع الباذل للمال الثالث أو ينقصه عن الثاني فلا يشترط له مثله ولا أكثر منه فلو منع الثاني وشرط للآخرين كأن شرط للأول عشرة وللثالث تسعة فوجهان أحدهما المنع لأن الثالث المسمى بالفسكل كما يأتي يفضل من قبله وأصحهما كما اقتضاه كلام الأصل هنا وصرح به المصنف آخر الباب الجواز ويقام الثالث مقام الثاني وكأن الثاني لم يكن فبطلان المشروط في حق بعضهم لا يقتضي البطلان في حق غيره كما سيأتي ثم واعلم أن خيل السباق يقال للجائي منها أولا السابق والمجلي وثانيا المصلي وثالثا المسلي ورابعا التالي وخامسا العاطف ويقال البارع وسادسا المرتاح وسابعا المرمل بالراء ويقال المؤمل بالهمز وثامنا الخطي وتاسعا اللطيم وعاشرا السكيت مخففا كالكميت ومثقلا أيضا ويقال له الفسكل بكسر الفاء والكاف ويقال بضمهما وقيل فيهما غير ذلك ومنهم من زاد حادي عشر سماه المقردح والفقهاء قد يطلقونها على ركاب الخيل فرع لو قال واحد من سبق من هؤلاء فله كذا فجاءوا معا وتأخر واحد منهم استحقوه دونه فإن لم يتأخر منهم أحد فلا شيء لهم كما صرح به الأصل أو قال للأول دينار وللثاني نصف من دينار فسبق واحد وجاء الباقون معا أخذ أي الواحد الدينار وأخذوا أي الباقون النصف وإن جاءوا معا فلا شيء لهم وإن سبق ثلاثة منهم بأن جاءوا معا وتأخر واحد فللثلاثة دينار وللواحد نصف التصريح بهذه من زيادته أو قال كل من سبق فله دينار فسبق ثلاثة فلكل منهم دينار الشرط الرابع أن يكون فيهم محلل إذا شرط كل منهم الغنم والغرم وسمي محللا لأنه يحلل العقد ويخرجه عن صورة القمار المحرم فإن أخرج المال أحدهما أي أحد اثنين وشرطه للسابق منهما جاز لانتفاء صورة القمار وإن أخرجاه معا على أن السابق منهما يأخذ المالين لم يجز لأن كلا منهما متردد بين أن يغنم وأن يغرم وهو على صورة القمار إلا بمحلل مكافئ فرسه لفرسيهما يغنم إن سبق ولا يغرم إن سبق فيجوز لخروجه بذلك عن صورة القمار ولخبر من أدخل فرسا بين فرسين وقد أمن أن يسبقهما فهو قمار وإن لم يؤمن أن يسبقهما فليس بقمار رواه أبو داود وغيره وصحح الحاكم إسناده وجه الدلالة أنه إذا علم أن الثالث لا يسبق يكون قمارا فإذا لم يكن معهما الثالث فأولى بأن يكون قمارا فإن لم يكن فرسه مكافئا لفرسيهما بأن كان ضعيفا يقطع بتخلفه أو فارها يقطع بتقدمه لم يجز لوجود صورة القمار لأنه كالمعدوم وسيأتي هذا مع زيادة في الشرط الخامس أيضا وذكره هنا من زيادته وإن شرط للمحلل الكل إن سبق المتسابقين وأن السابق منهما يأخذ ماله فقط جاز بالاتفاق وإن شرط للمحلل الكل وأن السابق منهما يأخذه جاز أيضا كما شمله كلامه السابق والسابق يطلق على السابق الأول لأنه المتبادر إلى الفهم عند الإطلاق فلو جاء المحلل أولا ثم أحدهما ثم الثالث أخذ المحلل الجميع وإن جاء أحدهما مع المحلل أحرز ماله ثم يشارك المحلل فيما أخرجه الآخر فلو توسط المحلل بينهما حاز الأول الجميع لأنه السابق فإن سبقاه وجاءا معا أحرزا مالهما أي أحرز كل منهما ماله ولا شيء له على الآخر ويجوز محللان فأكثر فلو تسابق اثنان ومحللان فسبق محلل ثم متسابق ثم المحلل الثاني ثم المتسابق الثاني أو جاء أحدهما ثم محلل ثم المحلل الآخر فالجميع
231
231
للسابق الأول الشرط
الخامس إمكان سبق كل
من المتسابقين والمحلل فلو ندر الإمكان لم يجز لأن قضية التسابق توقع سبق كل ليسعى فيتعلم أو يتعلم منه فلا يكفي الاحتمال النادر كذا أطلقه الأصحاب وقال الإمام لو أخرج المال من يقطع بتخلفه جاز لأنه كالباذل جعلا في نحو قوله لغيره ارم كذا فإن أصبت منه كذا فلك هذا المال وكذا لو أخرجه من يقطع بسبقه وهذه مسابقة بلا مال ولو أخرجاه معا ولا محلل وأحدهما يقطع بسبقه فالسابق محلل أي كالمحلل لأنه لا يغرم شيئا وشرط المال من جهته لغو وهو أي ما قاله الإمام حسن ولو اختلف النوعان الأولى النوع كعتيق وهجين من الخيل ونجيب وبختي من الإبل جاز السباق عليهما إذا لم يندر سبق أحدهما كما في النوع الواحد وألحق بهما حمار وبغل لتقاربهما لا إن اختلف الجنسان الأولى الجنس كفرس وبعير أو فرس وحمار ولو أمكن سبق كل منهما لأن البعير والحمار لا يلحقان الفرس غالبا الشرط السادس تعيين المركوبين لأن الغرض معرفة سيرهما وهو يقتضي التعيين ولو كان تعيينهما بالوصف كما في الربا والسلم وينفسخ العقد بموت المشار إليه كالأجير المعين ولأن القصد اختياره لا بموت الموصوف كالأجير غير المعين فعلم أن المركوبين يتعينان بالتعين لا بالوصف فلا يجوز إبدال واحد منهما في الأول ويجوز في الثاني وفي معنى الموت العمى وذهاب اليد أو الرجل السابع أن يركبا المركوبين للمسابقة ولا يرسلا هما فلو شرطا إرسالهما ليجريا بأنفسهما فالعقد باطل لأنهما ينفران به ولا يقصدان الغاية بخلاف الطيور إذا جوزنا المسابقة عليها لأن لها هداية إلى قصد الغاية الثامن أن لا تقطعهما أي المركوبين المسافة فيعتبر كونها بحيث يمكنهما قطعها بلا انقطاع وتعب وإلا فالعقد باطل التاسع كون المال عينا أو دينا معلوما كالأجرة فلو شرطا مالا مجهولا كثوب غير موصوف أو دينار إلا ثوبا فالعقد باطل فإن كان لأحدهما على الآخر مال في الذمة وجعلاه عوضا بأن قال له إن سبقتني فلك علي الدين الذي لي عليك فوجهان بناء على جواز الاعتياض عنه فيجوز وللأجنبي إذا أخرج المال أن يشرط لأحدهما إذا سبق أكثر من الآخر والتصريح بقوله إذا سبق من زيادته هنا وإن أخرجه المتسابقان فلأحدهما إخراج أكثر من الآخر ولا بد من محلل كما علم مما مر قال البلقيني ومقتضى القواعد اشتراط إطلاق التصرف في مخرج المال دون الآخر والأرجح اعتبار إسلام المتعاقدين ولم أر من ذكره انتهى
وفي الثاني وقفة العاشر اجتناب شرط مفسد فإن قال إن سبقتني فلك هذا الدينار ولا أرمي أو لا أسابقك بعدها أو لا أسابقك إلى شهر بطل العقد كما لو باعه شيئا بشرط أن لا يبيعه ولأنه شرط ترك قربة مرغوب فيها ففسد وأفسد العقد وكذا يبطل لو شرط على السابق أن يطعمه أي المال أصحابه لأنه تمليك بشرط يمنع كمال التصرف فصار كما لو باعه شيئا بشرط أن لا يبيعه فصل اعتبار السبق في الخيل ونحوها بالعنق ويسمى الهادي و في الإبل ونحوها بالكتد بفتح التاء أشهر من كسرها وهو مجمع الكتفين بين أصل العنق والظهر ويسمى الكاهل والفرق أن الخيل تمد أعناقها في العدو بخلاف الإبل فإنها ترفعها فيه فلا يمكن اعتبارها فالمتقدم ببعض العنق أو الكتد سابق فإن طال عنق السابق من الفرسين اعتبر في السبق زيادة منه على قدر الآخر
232
232
فرع
لو سبق أحدهما عبارة الأصل وسط الميدان والثاني آخره فالسابق الثاني لأن العبرة بآخره وإن عثر أحدهما أي أحد المركوبين أو وقف بعد ما جرى لمرض أو نحوه فسبق فلا سبق أو وقف بلا علة فمسبوق لا إن وقف قبل أن يجري فليس مسبوقا سواء أوقف لمرض أم غيره ولو شرطا السبق بفتح الباء لمن سبق منهما بأذرع معلومة بينهما على موضع معين جاز والغاية في الحقيقة نهاية الأذرع المشروطة من ذلك الموضع لكنه شرط في الاستحقاق تخلف الآخر عنها بالقدر المذكور وليجريا أي المتسابقان بالمركوبين في وقت واحد بعد التساوي في الأقدام بالموقف والتصريح باعتبار التساوي في ذلك من زيادته هنا وفي تعبيره كغيره بالأقدام تجوز فلو عبر بالقوائم كان أولى ويستحب جعل قصبة في الغاية يأخذها عبارة الأصل يقطعها السابق ليظهر لكل واحد سبقه الطرف الثاني في أحكامها أي المسابقة عقدها لازم كالإجارة بجامع أن كلا منهما عقد يشترط فيه العلم بالمعقود عليه من الجانبين واللزوم في حق مخرج المال ولو غير المتسابقين فقط أي دون من لم يخرجه محللا كان أو غيره فلا لزوم في المسابقة بلا عوض ولمن كان العقد في حقه جائزا فسخه ولو بلا عيب دون من كان في حقه لازما فلا يفسخ إلا بسبب كما قال ويفسخ بعيب ظهر في العوض المعين كما في الإجارة ونحوها أو بموافقة الآخر له على الفسخ ولا يترك العمل إلا إن سبق وامتنع لحوق الآخر له لأن الحق له فله تركه كما صرح بذلك الأصل ويشترط في صحة العقد القبول بالقول إن سبق أحدهما بتشديد الباء أي أخرج السبق بفتحها وظاهر اشتراط القبول فيما لو سبقا معا فلو ترك التقييد كان أولى وعبارة الأنوار ولا بد من القبول لفظا ولا يكلف المسبق بفتح السين وتشديد الباء وكسرها البداءة بالتسليم للمال بخلاف الأجرة تسلم للمكري بالعقد المطلق لأن في المسابقة خطرا فيبدأ فيها بالعمل ويصح ضمان السبق بفتح الباء والرهن به ولو قبل العمل إن كان العوض في الذمة كالأجرة بخلاف ما إذا كان معينا نعم يجوز للكفيل التزام تسليمه كما في كفالة البدن وإن كان العوض عينا لزم المسبق تسليمها فإن امتنع أجبره الحاكم وحبسه عليه كما صرح به الأصل و إن تلفت في يده بعد فراغ العمل ضمنت عليه كالمبيع إذا تلف في يد البائع قبل تسليمه أو قبله انفسخ العقد كالمبيع المذكور لا إن مرضت يعني تعيبت بمرض أو نحوه فلا ينفسخ العقد بل ينتظر زواله أي العيب كالمبيع وينبغي فيه ثبوت الخيار ولو اشترى ثوبا وعقد المسابقة بعشرة مثلا فجمع بيع وإجارة في صفقة فيصح بناء على أن المسابقة لازمة وإن بان العقد بعد الفراغ من العمل فاسدا فللسابق المشروط له المال على الملتزم أجرة المثل كالإجارة والقراض الفاسدين وهي ما يتسابق بمثله في مثل تلك المسافة غالبا فلو فسد عوض السابق الأول مثلا استحق أجرة المثل ولم يبطل مسمى من بعده ولا يضر كون المشروط له زائدا على أجرة المثل لأن الفساد إنما وقع فيما يستحق بالعقد وأجرة المثل غير مستحقة به الباب الثاني في الرمي وفيه طرفان الأول في شروطه وهي ستة الأول المحلل كما مر بيانه في السبق والحزبان في ذلك كالشخصين فإن أخرج المال أحدهما أو أجنبي جاز وإن أخرجاه اشترط محلل إما واحد أو حزب والمحلل يكون من غيرهما هذا معلوم من التشبيه المذكور ولو أخرجه الحزبان على أن واحدا منهما أي من أحدهما إذا غنم حزبه يغنم معهم ولا يغرم شيئا إذا غرموا أو اشتمل كل حزب منهما على محلل هكذا أي على هذا التصوير لم يجز إذ شرط المحلل أن لا يشاركه أصحابه في المال وهنا يشاركونه فيه فإن شرط كل منهم الأولى منهما أي من الحزبين المال كله لمحللهم إن غلبوا لم يجز لأنه يكون فائزا لغيره قال البلقيني وكذا لو شرطه أحدهما الشرط الثاني اتحاد الجنس لآلات الرمي فلو كانت سهاما ومزاريق لم يصح العقد كما في المسابقة على الخيل مع الإبل ولا يضر اختلاف نوع
233
233
كالقوس العربي مع القوس الفارسي وكالنبل وهو ما يرمى به عن القوس العربية مع النشاب وهو ما يرمى به عن الفارسية كاختلاف أنواع الإبل والخيل ومن النوع أي أنواع القسي قوس الحسبان وقد مر بيانه في الوصايا ثم إن عينا أي المتناضلان نوعا من الطرفين أو أحدهما تعين ولم يبدل فإن أبدل ولو بدون الشرط كما إذا عينا الفارسية فأبدلت بالعربية لم يجز إلا برضا الآخر لأنه ربما كان استعماله لأحدهما أكثر ورميه به أجود وإن عينا قوسا أو سهما لم يتعين وجاز إبداله بمثله من نوعه وإن لم يحدث فيه خلل يمنع استعماله بخلاف الفرس المعين لا يبدل بغيره كما مر ولو شرط أن لا يبدل فسد العقد لفساد الشرط لأن الرامي قد تعرض له أحوال خفية تحوجه إلى الإبدال وفي منعه منه تضييق لا فائدة فيه فأشبه تعيين المكيال في السلم ولو أطلقا العقد ولم يعينا نوعا جاز وإن لم يغلب نوع في الموضع الذي يترامون فيه لأن الاعتماد على الرامي وفسخا عبارة الأصل وفسخ العقد في هذه إن لم يتفقا على نوع أو على نوعين لكل منهما نوع بأن اختار أحدهما نوعا والآخر آخر وأصرا على المنازعة فإن اتفقا على ذلك جاز كما في الابتداء الشرط الثالث تكافؤهما أي تقارب المتناضلين في الحذف بحيث يحتمل أن يكون كل منهما ناضلا ومنضولا فإن تفاوتا فكان أحدهما مصيبا في أكثر رميه والآخر مخطئا في أكثره لم يجز لأن حذف الناضل معلوم بلا نضال فأخذه المال كأخذه بلا نضال وقيل يجوز والترجيح من زيادته وكلام الرافعي يميل إليه وإمكان الإصابة والخطأ فيبطل العقد إن امتنعت الإصابة عادة لصغر الغرض أو بعد المسافة أو كثرة الإصابة المشروطة و ذلك مثل إصابة عشرة متوالية لأن ذلك لا يفضي إلى مقصوده إذ المقصود من بذل المال الحث على المراماة طمعا في المال والممتنع لا يسعى فيه وكذا يبطل لو ندرت أي الإصابة كإصابة تسعة من عشرة وكالتناضل إلى مسافة يندر فيها الإصابة والتناضل في الليلة المظلمة وإن كان الغرض قد يتراءى لهما لبعد حصول المقصود والتمثيل المذكور من زيادته ولو تيقنت أي الإصابة عادة كإصابة حاذق واحدا من مائة لم يجز لأن هذا العقد ينبغي أن يكون فيه خطر ليتأنق الرامي في الإصابة وقيل يجوز ليتعلم الرمي بمشاهدة رميه والترجيح من زيادته وبه صرح ابن الرفعة والبلقيني الشرط الرابع الإعلام بأمور يختلف الغرض باختلافها فيبينان عدد الإصابة كخمسة من عشرين لأن الاستحقاق بالإصابة وبها يتبين حذق الرامي وجودة رميه و يبينان صفتها من القرع وهو الإصابة ولو بلا خدش والخزق بالخاء المعجمة والزاي وهو أن يثقب الغرض ولا يثبت فيه بأن يعود أو يمرق والخسق وهو أن يثبت فيه بمعنى أنه كاف فلا يضر ما فوقه ما دونه ولا يضر سقوطه بعد ما ثبت كما لو نزع بقربة ما سيأتي في الطرف الثاني والخرم وهو أن يخرم طرف الغرض والمرق بالراء وهو أن يثقبه و يخرج من الجانب الآخر ويكفي الإطلاق للعقد ويقنع بواحد منها فلا يشترط التعرض لشيء منها وإن نص على شيء منها تعين هو أو ما فوقه وأما المسافة التي يرميان فيها أي بيانها وبيان طول الغرض وعرضه وارتفاعه من الأرض فإن لم يكن للرماة عرف غالب في ذلك وجب بيانه لأن الغرض يختلف بذلك وإلا فلا يجب بيانه بل يتبع العرف فيه كمواضع النزول بالطريق والمغاليق في استئجار الدار سواء أكان الغرض على هدف أم لا واعلم أنه قد ذكر كأصله أنه لا يشترط بيان نوع ما يرمي به كالقوس العربي والفارسي وإن لم يغلب نوع وهذا مخالف لما هنا وأطلق أيضا أنه يشترط بيان عدد الرمي من غير تعرض لعادة ولا غيرها وذكر في اشتراط البادئ نحوه وهما مخالفان لكل من الموضعين والمتجه استواء الجميع في اعتبار العادة أو عدمها نبه على ذلك الإسنوي في كلامه على الأصل وقد يفرق بأن الغرض يختلف في الأخيرين اختلافا ظاهرا بخلاف ما يرمي به وأما المسافة التابع لها ما ذكر معها فهي شبيهة بالمسافة المستأجر لقطعها بسير الدابة كما تقرر والإصابة للغرض ممكنة في مائتين وخمسين ذراعا روى الطبراني أنه قيل لبعض الصحابة كيف كنتم تقاتلون العدو فقال إذا كانوا على مائتين وخمسين ذراعا قاتلناهم بالنبل وإذا كانوا على أقل من ذلك قاتلناهم بالحجارة وإذا كانوا على أقل من ذلك قاتلناهم
234
234
بالرماح وإذا كانوا على أقل من ذلك قاتلناهم بالسيف وتتعذر الإصابة بما فوق ثلثمائة وخمسين قال الرافعي ورووا أنه لم يرم إلى أربعمائة إلا عقبة بن عامر الجهني وتندر الإصابة فيما بينهما ولو تناضلا على البعد أي على أن يكون السبق لا بعدهما رميا ولم يقصدا غرضا جاز لأن الأبعاد مقصود أيضا في محاصرة القلاع ونحوها وحصول الإرعاب وامتحان شدة الساعد وتخالف الغاية في السباق بالدابة لإفضاء طول العدو إلى الجهد فيراعى للبعد استواؤهما أي المتناضلين في شدة القوس ورزانة السهم وخفته لأن ذلك يؤثر في القرب والبعد تأثيرا عظيما والهدف ما يرفع من حائط يبنى أو تراب يجمع أو نحوه ويوضع عليه الغرض والغرض بغين معجمة وراء مهملة مفتوحتين شن أي جلد بال أو قرطاس أو خشب وقيل كل ما نصب في الهدف فقرطاس كاغدا كان أو غيره وما علق في الهواء فغرض والرقعة عظم ونحوه يجعل وسط الغرض والدارة نقش مستدير كالقمر قبل استكماله قد يجعل بدل الرقعة في وسط الغرض والخاتم نقش يجعل في وسطها أي الدارة فيبينان الإصابة أي موضعها أهو في الغرض أو الهدف أو الدارة أو الخاتم وقد يقال له الحلقة والرقعة وقد تجعل العرب بدل الهدف ترسا وتعلق فيه الشن ذكر ذلك الأصل ولو شرط الخاتم أي إصابته ألحق بالنادر فيبطل العقد ويجوز أن يتفقا على أن يرمي الأول سهامه ثم الثاني كذلك وإن أطلقا حمل على سهم سهم وبهذا علم أنه لا يشترط بيان عدد نوب الرمي بين الرماة كأربع نوب كل نوبة خمسة أسهم ولا يلزم التعرض في العقد للمحاطة بتشديد الطاء والمبادرة خلافا لما وقع في المنهاج كأصله بل يحمل المطلق على المبادرة لأنها الغالب فالمحاطة أن يشترط في العقد أن الناضل من زادت إصابته على إصابة صاحبه بخمسة مثلا من عدد معلوم كعشرين فإن استويا في إصابة خمسة أو أقل أو أكثر أو لم يستويا وزاد أحدهما أقل منها أي من الخمسة فلا ناضل وإن زاد بها فهو الناضل ولو زادت إصابة أحدهما على إصابة الآخر بخمسة قبل إتمام الرمي لزم إتمامه لجواز أن يصيب الآخر فيما بقي ما تخرج به زيادة ذاك عن كونها خمسة نعم إن لم يرج بالتمام الدفع عن نفسه كما لو رمى أحدهما في المثال خمسة عشر فأصابها ورمى الآخر خمسة عشر فأصاب منها خمسة فلا يلزم إتمام الرمي كما سيأتي لعدم فائدته فإنه لو أصاب في الخمسة الباقية لم يخرج الناضل عن كونه زاد عليه بخمسة والمبادرة أن يشترط في العقد أن يسبق أحدهما إلى إصابة خمسة مثلا من عشرين قال في الأصل مع استوائهما في العدد المرمي به فإن أصاب كل منهما بخمسة فلا ناضل وإن أصاب أحدهما بخمسة من عشرين ورمى الآخر تسعة عشر وأصاب أربعة فلا ناضل بل لا بد أن يتم العشرين لجواز أن يصيب في الباقي فلا يكون الأول ناضلا قال في الأصل وقولنا مع استوائهما في العدد المرمي به احتراز عن هذه لأن الأول بدر لكن لم يستويا بعد وإن أصاب الآخر من التسعة عشر بثلاثة لم يتم العشرين وصار منضولا ليأسه من المساواة مع الاستواء في رمي عشرين والتصريح بهذا من زيادته ويشترط بيان عدد الأرشاق بفتح الهمزة جمع رشق بفتح الراء وهي الرمي وأما بكسرها فهو النوبة من الرمي تجري بين الراميين سهما سهما أو أكثر محاطة كانت أو مبادرة ليكون للعمل ضبط والأرشاق في المناضلة كالميدان في المسابقة ولو تناضلا على إصابة رمية واحدة وشرطا في المال للمصيب فيها جاز وإن كان قد يتفق في المرة الواحدة إصابة الأخرق دون الحاذق والرمي من أحدهما في غير النوبة المستحقة له لاغ ولو جرى ذلك باتفاقهما فلا تحسب الزيادة له إن أصاب ولا عليه إن أخطأ وإن عقدا على عدد كثير كأن يرمي كل منهما كل يوم بكرة كذا وعشية كذا وجب عليهما الوفاء بذلك بأن لا يتفرقا كل يوم حتى يستوفيا المشروط فيه إلا لعارض مرض أو ريح عاصفة ونحوهما فلا يجب الوفاء فيقطعان الرمي ثم يرميان على ما مضى في ذلك اليوم أو بعده إذا زال العذر ويجوز شرطه أي الرمي في جميع النهار فلا يدعانه أي يتركانه إلا وقت الطهارة والصلاة والأكل ونحوها فهذه الأوقات تقع
235
235
مستثناة كما في الإجارة ولو أطلقا ولم يبينا وظيفة كل يوم جاز الأولى قول أصله فكذلك الحكم أي يدعان الرمي في هذه الأوقات ويجوز لهما الترك للرمي بالتراضي وبعذر مطر وريح عاصفة ومرض ونحوها لا حر وريح خفيفين وصف الريح بالخفة من زيادته وإن غربت الشمس و بقي عليهما شيء من وظيفة اليوم لم يرميا ليلا للعادة و إن شرطا رميه أي الباقي عليهما ليلا لزم والقمر قد يكفي ضوءه وإلا بأن لم يكن قمر فشمعة مثلا يكفي ضوءها إن وجداها أو يرميان من الغد إن لم يجداها وذكر لزوم الرمي ليلا والرمي من الغد من زيادته ويشترط رميهما مرتبا بخلاف المتسابقين يجريان الفرسين معا لأنهما إذا رمياه معا اشتبه المصيب بالمخطئ و يشترط تبيين البادئ منهما بالرمي فإذا لم يبيناه فسد العقد لأن الأغراض تختلف بالبداءة والرماة يتنافسون فيها تنافسا ظاهرا من جهة أن المبتدئ بالرمي يجد الغرض نقيا لا خلل فيه وهو على ابتداء النشاط فتكون إصابته أقرب وإذا كان كذلك تأثر العقد بإهماله ولو بدأ أحدهما في نوبة له تأخر عن الآخر في الأخرى ولو شرط تقديمه أبدا لم يجز لأن المناضلة مبنية على التساوي ويستحب نصب غرضين متقابلين يرمون من عند أحدهما إلى الآخر ثم بالعكس بأن يأتوا إلى الآخر ويلتقطون السهام ويرمون إلى الأول لأنهم بذلك لا يحتاجون إلى الذهاب والإياب ولا تطول المدة أيضا الشرط الخامس تعيين الرماة فيجب تعيينهم في العقد لأن المقصود معرفة حذقهم ولا يعرف إلا بتعيينهم ويشترط لكل حزب زعيم أي كبير يعين أصحابه ويتوكل عنهم في العقد بعد تعيينهم فلا يجوز زعيم واحد للحزبين كما لا يجوز أن يتوكل واحد في طرفي البيع ولا يجوز أن يعقدا قبل التعيين وطريق التعيين الاختيار كما قال ويختار هذا واحدا ثم هذا واحدا وهكذا إلى آخرهم ولا يجوز أن يختار أحدهما أصحابه أولا لأنه لا يؤمن أن يستوعب الحذاق ولا أن يعينهم بالقرعة لأنها قد تجمع الحذاق في جانب فيفوت مقصودها المناضلة ولهذا لو قال أحدهما أنا أختار الحذاق وأعطي السبق أو الخرق وآخذ السبق لم يجز ولأن القرعة لا مدخل لها في العقود ولهذا لا تجوز المناضلة على تعيين من خرجت القرعة عليهم نعم إن رضيا بما أخرجته القرعة وعقدا عليه فينبغي الجواز كما بحثه الرافعي قال في الأصل ونص في الأم على أنهما لو تناضلا على أن يختار كل واحد ثلاثة ولم يسمهم لم يجز وأنه يشترط أن يعرف كل واحد من يرمي معه بأن يكون حاضرا أو غائبا يعرفه قال القاضي أبو الطيب وظاهره أنه يكفي معرفة لزعيمين ولا يعتبر أن يعرف الأصحاب بعضهم بعضا وابتداء أحد الحزبين بالرمي كابتداء أحد الرجلين به فلا يتقدم واحد من هؤلاء على واحد من هؤلاء بغير رضا الزعيمين وهذا التفريع من زيادته والذي في الأصل بدله ولا يجوز أن يشرطا أن يتقدم من هذا الحزب فلان ويقابله من الحزب الآخر فلان ثم فلان لأن تدبير كل حزب إلى زعيمهم وليس للآخر مشاركته فيه فرع لو أدخل أحدهما أي الزعيمين غريبا ظنه جيد الرمي فبان خلافه بأن بان غير حاذق لم يضر في صحة العقد أو غير رام أصلا بطل العقد فيه كما لو استؤجر للكتابة فبان غير كاتب و بطل في مقابله من الحزب الآخر كما أنه إذا بطل البيع في بعض المبيع يسقط قسطه من الثمن لا في الجميع عملا بتفريق الصفقة كما في سائر العقود ولكل من الحزبين الفسخ لتبعيض الصفقة عليهما بغير اختيارهما فإن أجازوا العقد وتنازعوا في تعيين من يجعل في مقابله من الحزب الآخر فسخ العقد لتعذر إمضائه أو بان فوق ما ظنوا فلا فسخ للآخرين أي للحزب الآخر ولو تناضل غريبان لا يعرف كل منهما الآخر جاز فلو بانا غير متكافئين بطل العقد لتبين فوات الشرط والتصريح بالترجيح من زيادته ولو تساوى عدد الأرشاق يعني تساوى فيها وفي عدد الإصابة الحزبان واختلف عدد الحزبين لم يجز لأن القصد معرفة حذقهم ولا يحصل إلا مع التساوي إذ بدونه يجوز أن يكون فضل الناضلين لكثرة العدد لا للحذق فتساوي الحزبين شرط وقيل ليس بشرط فيجوز أن يكون أحدهما ثلاثة والآخر أربعة والتصريح بالترجيح من زيادته
236
236
ونقله الرافعي في الشرح الصغير عن الأكثرين ويشترط أن يقسم عليهم عدد الأرشاق بالسواء أي قسما صحيحا فإن كانوا ثلاثة اشترط أن يكون لعدد الأرشاق ثلث صحيح أو كانوا أربعة فربع صحيح والزعيمان وكيلاهما أي الحزبين موزعان المال الملتزم بالإذن من موكلهما أو بالتزامه معهما كما صرح به الأصل أي يوزعانه في أخذه من أصحابه على عدد الرءوس وكذا يقسم السبق إذا نضل أحد الحزبين على عدد الرءوس لا على عدد الإصابة عكس ما وقع في المنهاج كأصله إلا بشرطه أي بشرط قسمه على عدد الإصابة فيوزعانه على عددها عملا بالشرط
الشرط السادس تعيين الموقف الذي يرمى منه وتساوي المتناضلين فيه فلو شرط قرب موقف أحدهما لم يجز كما في المسابقة و لكن لا بأس بتقديم قدمه فقد تعتاده الرماة ولو وقف الرماة صفا فالواقف في الوسط أقرب إلى الغرض لكنه تفاوت محتمل صرح به الأصل فإن جرت العادة بالمسامحة بتقديم الثاني خطوتين أو ثلاثا واطردت احتمل ذلك للعادة وقيل لا يحتمل والترجيح من زيادته وإلا أي وإن لم تجر بها عادة فلا يحتمل وإن اختلفت عادتهم فيه فالأقل معتبر والمعنى في تقدم الثاني أنه يقع في مقابلة قوة النفس بالبداءة فرع لو تنازعوا في الوقوف وسط الصف وقف به مستحق الابتداء بشرط أو غيره أي يتخير بين أن يقف به وأن يقف بغيره و وقف من بعده بجنبه يمينا أو شمالا وهل له أي لمن بعده إزاحته عن موقفه عند الرمي أي رميه أولا وجهان أوجههما نعم فإن رميا بين غرضين وانتهيا إلى الثاني تخير الثاني كالأول في أنه يقف حيث شاء فإن كانوا ثلاثة أقرع بين الآخرين عند الغرض الثاني فمن خرجت قرعته وقف حيث شاء فإن عادوا إلى الغرض الأول بدأ الثالث بلا قرعة ووقف حيث شاء فرع لو تأخر واحد عن الموقف بعد العقد لم يجز لمخالفته وضع العقد ولأن القوس الشديد قد يحوج إلى زيادة مسافة فينتفع بالتأخر وكذا لا يجوز له التقدم لمخالفته وضع العقد فهو كما لو شرط الاستحقاق لواحد بتسع إصابات وللآخر بعشر لا التقدم اليسير المعفو عنه عادة فيجوز لأن مثله يقع إذا وقفوا صفا كما مر ويجزئ مثل ذلك في المسابقة كما صرح به الرافعي ولو اتفق الجميع على ذلك أي على تقدم الجميع أو تأخرهم قال في الأصل أو تغيير عدد الأرشاق بزيادة أو نقص لم يجز بناء على أن العقد لازم وإن نصب الغرض مقابل الشمس بأن نصبه أحدهما فيه ودعا الآخر إلى استدبارها أجيب الداعي إلى استدبارها لأنه أصلح للرمي ومثله استقبال الريح واستدبارها الطرف الثاني في أحكامها أي المناضلة فإن شرط في العقد الإصابة أو القرع فخسق الغرض حسب ولا يضر عدم التأثير بخدش أو خرق وكذا يحسب لو أصاب نقبا في الشن وإن لم يصب الغرض فإن أصاب الجلد أو الجريد أي الدائر على الشن أو العروة وهي السير أو الخيط المشدود به الشن على الجريد كفى لأن كلا منها من الغرض لا إن أصاب ما تعلق به الغرض فلا يكفي لأنه ليس منه وإن شرط أحدهما أي إصابة ما تعلق به الغرض أو واحد مما قبله والأولى أحدها أي إصابة واحد من المذكورات تعين فلا يكفي إصابة غيره والاعتبار فيما يصيب في السهم بإصابة النصل لا بالإصابة بفوق السهم بضم الفاء وهو موضع الوتر منه و لا بإصابة عرضه لدلالته الأولى لدلالتها أي الإصابة بكل منهما على سوء الرمي فتحسب هذه الرمية عليه ولو انصدم السهم بشيء كجدار وشجرة فأصاب الغرض أو انصدم بالأرض فازدلف وأصاب الغرض حسب له وإن أعانته الصدمة كما لو صرفت الريح اللينة السهم فأصاب وكما لو هتك السهم في مروره حجابا عارضا ثم أصاب وإن أخطأ بعد ازدلافه فلم يصب الغرض فعليه يحسب كما لو أخطأ بلا انصدام وخالف في تصحيح التنبيه فصحح أنه لا يحسب عليه وإن شرط الخسق فخسق وثبت ثم سقط لم يضر كما لو نزع إلا أي لكن إن لم يثبت فيضر لعدم مروقه وعدم ثبوته المأخوذ في تفسير الخسق وإن مرق أو خرم وثبت وبعض النصل خارج أو كله داخل كما فهم بالأولى
237
237
وصرح به الأصل حسب خاسقا لأنه في الثانية خرق بالنصل وثبت وفي الأولى خرق والمروق بعده يدل على زيادة القوة وليس الغرض من ذكر الثبوت في تفسير الخسق عينه بل أن تقوى الرمية بحيث يتأتى معها الثبوت ولو صادف السهم ثقبا في الغرض فثبت في الهدف فخاسق إن كان في السهم قوة تخرق الغرض لو أصاب موضعا صحيحا منه وإلا فلا يحسب له ولا عليه لأنه لا يدري هل كان يثبت لو أصاب موضعا صحيحا منه أو لا وإذا خرق الغرض بحيث يثبت فيه مثل هذا السهم فردته حصاة أو نحوها كنواة فخاسق لظهور سبب الرد وإن أنكر خصمه الحصاة أي تأثيرها ولم توجد أو وجدت ولم يمكن تأثيرها صدق بلا يمين عملا بالأصل والظاهر سواء أعلم موضع الإصابة أم لا بأن كان في الغرض خروق ولم يعلم موضع الإصابة وحسب على الرامي أو وجدت وأمكن تأثيرها صدق بيمينه لأن الأصل عدم الخسق والخدش ولا يحسب على الرامي كما لا يحسب له وإن مرق السهم وثبت في الهدف وعليه أي السهم أي نصله قطعة من الغرض فادعى الرامي أن سهمه أبانها لقوته وذهب بها و ادعى الخصم أنها كانت مباتة قبله فتعلقت بالسهم صدق بيمينه لأن الأصل عدم الخسق قال في الأصل قال الشيخ أبو حامد هذا إذا لم يجعل الثبوت في الهدف كالثبوت في الغرض وإلا فلا معنى لهذا الاختلاف وإن شرط في المبادرة المال لمن بدر من الراميين إلى إصابة عشرة من مائة مثلا فرميا خمسين خمسين بأن رمى كل منهما خمسين فأصاب أحدهما منها عشرة والآخر دونها أو لم يصب شيئا فالأول ناضل فيستحق المال ولا يلزمه إتمام العمل لأن العمل الذي تعلق به الاستحقاق قد تم فلا يلزمه عمل آخر ولو شرطاه أي المال في المحاطة لمن حصلت له زيادة عشرة من مائة فرمى كل منهما خمسين فأصاب أحدهما منها خمسة عشر والآخر خمسة فقد خلص للأول عشرة وجب عليه لاستحقاق المال إتمام المائة لأن الاستحقاق منوط بحصول عشرة من مائة وقد يصيب الآخر فيما بقي ما يمنع حصول عشرة للأول بخلاف المبادرة فإن الإصابة بعدها لا ترفع ابتدار الأول إلى ذلك العدد ومتى بقي من عدد الأرشاق ما لا ينفعه لو أصاب فيه لم يجب الإتمام فظهر أن الاستحقاق لا يحصل بمجرد المبادرة إلى العدد المذكور فيها بل يعتبر معها مساواتهما في عدد الأرشاق أو عجز الثاني عن المساواة في الإصابة وإن ساواه في عدد الأرشاق ولا بمجرد خلوص المشروط في المحاطة بل يعتبر معه عجز الثاني عما يمنع منه فرع لو قال رجل لآخر ارم بعشرة الأولى قول أصله ارم عشرة فإن أصبت بأكثرها فقد نضلتني فلك كذا لم يجز لأن النضال عقد فلا يكون إلا بين جماعة كالبيع وغيره فلو لم يقل فقد نضلتني جاز لأنه بذل مال على عمل معلوم لغرض ظاهر وهو التحريض على الرمي ومشاهدته وهذا ليس مناضلة بل جعالة واستحق الرامي المشروط له إذا أصاب بستة فأكثر وعليه للشارط إتمام العشرة لأنه علق الاستحقاق على عشرة إصابتها أكثر وزاد قوله فبإتمام العشرة تزداد الكثرة بلا حاجة مع أنه لا يلزم كثرتها بإتمامها فلو قال قد تزداد الكثرة كان أولى وإن قال له ارم عشرة خمسة عني وخمسة عنك فإن أصبت في خمستك أو كان الصواب فيها أكثر فلك كذا لم يجز لما مر ولأنه قد يجتهد في حقه دون حق صاحبه ولو قال لراميين ارميا عشرة فمن أصاب منكما خمسة فله كذا جاز كما صرح به الأصل مع زيادة علمت مع ذلك مما مر وإن قال شخص لأحد المتناضلين وقد انتهت النوبة إليه إن أصبت بسهمك هذا فلك دينار فأصاب به لزم له الدينار وحسب له أيضا السهم أي إصابته من معاملته التي هو فيها ولو ناضل غيره والمشروط عشرة وشرط الأولى قول أصله فشرط أن يناضل بها شخصا ثانيا وثالثا وهكذا جاز وإذا فاز بها كان ناضلا لهم جميعا عملا بالشرط وتقديمه جار على ما بعده أولى من تأخير الأصل له عنه وفيه إشكال بالإجارة المشبهة بها المناضلة من حيث إنها لو كانت تشبهها لما استحق بعمل واحد مالين عن جهتين والفرق أن العمل في الإجارة راجع إلى المستأجر فالمال مستحق فيها برجوع العمل إليه لا بالشرط وهنا مستحق بالشرط
238
238
إلا برجوع العمل للشارط لأنه لا يرجع إليه قال الرافعي وقضيته أنه لا تجب أجرة المثل عند الفساد لأن العامل لا يعمل لغيره
فصل من
أنواع الرمي الحوابي بالحاء المهملة جمع حاب وهو أن يرمي على أن يسقط الأقرب للغرض الأبعد منه فإن عينا حد القرب من ذراع ونحوه أي أقل منه أو أكثر أو لم يعيناه لكن كان هناك للرماة عادة مطردة جاز عملا بالشرط في الأولى وحملا على العادة في الثانية كما تحمل الدراهم المطلقة على العقد وإلا فلا يجوز للجهالة فعلى تقدير الصحة لو عقدا على أن يرميا عشرين على أن يسقط الأقرب الأبعد ومن فضل له خمسة من عشرين فهو ناضل جاز لأنه ضرب من الرمي معتاد للرماة وهو نوع محاطة وحينئذ فإن تساوت سهامهما قربا وبعدا وكذا إن لم تتساو لكن لم يفضل العدد المشروط فلا ناضل ولا منضول فإن قارب أحدهما الغرض بسهم بأن وقع سهمه قريبا من الغرض ورمى الآخر خمسة فوقعت أبعد منها الأولى منه أي من ذلك السهم ثم رمى الأول سهما فوقع أبعد من الخمسة أسقطته الخمسة وأسقطها المقارب وإن رمى أحدهما خمسة متفاضلة في القرب إلى الغرض ورمى الآخر خمسة فوقعت أبعد منها أسقطتها خمسة الأول وحسبت كلها فلا يسقط منها شيء وإن تفاوتت في القرب لأن قريب كل منهما يسقط بعيدا لآخر ولا يسقط بعيد نفسه ولو أصاب سهم الآخر الغرض سقط به الأقرب إليه كما يسقط الأقرب الأبعد ولأن إصابة الغرض تدل على زيادة القوة فاعتبرت كنظيره فيما لو شرط الخسق فمرق ولو أصاب أحدهما الرقعة في وسط الغرض والآخر خارجها من الغرض قال في الأصل أو أصابا خارجها وأحدهما أقرب إليها فهما سواء والعبرة فيما إذا شرطا احتساب القريب من الغرض بموضع الثبوت للسهم لا بحالة المرور حتى لو قرب مروره من الغرض ووقع بعيدا منه لم يحتسب به إلا إذا شرط اعتبار حالة المرور وهو أي القرب من الغرض من كل الجوانب سواء لوقوع اسم القريب على الجميع وعد صاحب التنبيه من أنواع الرمي المناضلة وهو أن يشرطا إصابة عشرة من عشرين مثلا على أن يستوفيا جميعا فيرميان جميع ذلك فإن أصاب كل منهما العشرة أو أكثر أو أقل أحرز أسبقهما وإن أصاب أحدهما العشرة أو فوقها والآخر دونها فقد نضله فصل في النكبات التي تطرأ عند الرمي وتشوشه والأصل أن السهم متى وقع متباعدا عن الغرض تباعدا مفرطا إما مقصرا عنه أو مجاوزا له فإن كان ذلك لسوء الرمي حسب على الرامي ولا يرد إليه السهم ليرمي به وإن كان لنكبة عرضت أو خلل في آلة الرمي بلا تقصير منه لم يحسب عليه فلو حدثت في يده علة أخلت بالرمي أو اعترض في مرور السهم حيوان منعه أو تلف الوتر أو القوس أو السهم بلا تقصير منه بل لضعف الآلة ونحوه فلم يصب لم تحسب عليه تلك الرمية فيعيدها لأنه معذور وتحسب له إن أصاب لأن الإصابة مع النكبة تدل على جودة الرمي فإن كان بتقصير حسبت عليه ليتعلم ولو انكسر السهم نصفين بلا تقصير فأصاب إصابة شديدة بالنصف الذي فيه النصل لا غيره حسب له لأن اشتداده مع الانكسار يدل على جودة الرمي وغاية الحذق فيه بخلاف إصابته بالنصف الآخر لا تحسب له كما لو لم يكن انكسار وظاهر كلامه كأصله أن الإصابة الضعيفة لا تحسب له والأوجه خلافه وإن أصاب بالنصفين حسب ذلك إصابة واحدة كالرمي دفعة بسهمين إذا أصاب بهما ولو رمى السهم مائلا عن السمت أو مسامتا والريح لينة فردته إلى الغرض أو صرفته عنه فأصاب بردها وأخطأ بصرفها حسب له في الأولى وعليه في الثانية لأن الجو لا يخلو عن الريح اللينة غالبا ويضعف تأثيرها في السهم مع سرعة مروره فلا اعتداد بها ولو رمى رميا ضعيفا فقوته الريح اللينة فأصاب حسب له صرح به الأصل لا إن رمى كذلك في ريح عاصفة قارنت ابتداء الرمي فلا يحسب له إن أصاب ولا عليه إن أخطأ لقوة تأثيرها ولهذا يجوز لكل واحد ترك الرمي إلى أن تركد بخلاف اللينة وكذا الحكم لو هجمت في مرور السهم نعم لو أصاب
239
239
في الهاجمة حسب له كما في السهم المزدلف ولو نقلت الريح الغرض إلى موضع آخر فأصاب السهم موضعه حسب له لأنه لو كان موضعه لأصابه هذا إن كان الشرط إصابة وكذا إن كان خسقا إن ثبت في موضع مساو صلابة أي يساوي في صلابته صلابة الغرض أو فوقه فيها وإن أصاب الغرض في الموضع الآخر أو لم يصبه كما فهم بالأولى حسب عليه لا له وإن نقلته حين استقبله السهم فأصاب الغرض لم يحسب له ويحسب عليه والظاهر أنه لو أصاب موضع الغرض حسب له وإن رمى الغرض فحاد السهم عن طريقه حسب عليه لسوء رميه وإن أصاب سهمه سهما بأن أصاب فوقه وهو في الغرض غارقا فيه حسب له فإن كان الشرط الخسق أو كان السهم خارجا عن الغرض لا غارقا فيه لم يحسب له لأنه في الأولى لا يدري هل كان يخسق أو لا وفي الثانية لا يدري هل كان يبلغ الغرض لولا هذا السهم أو لا ولا يحسب عليه لأنه عرض دون الغرض عارض قال في الأصل وينبغي أن ينظر إلى ثبوته فيه وتقاس صلابة ذلك السهم بصلابة الغرض كما مر نظيره فإن شقه وأصاب الغرض حسب له ولو سقط السهم بالإغراق من الرامي بأن بالغ في المد حتى دخل النصل مقبض القوس ووقع السهم عنده فكانقطاع الوتر ونحوه كانكسار القوس لأن سوء الرمي أن يصيب غير ما قصده ولم يوجد هنا فصل قد قدمنا لزومها أي المناضلة فتفسخ المناضلة بموت الرامي كالأجير المعين ولأن القصد اختباره و ينفسخ العقد في المسابقة بموت الفرس لا بموت الفارس لأن التعويل فيها على الفرس لا على الفارس ويتولاها أي المسابقة الوارث عنه بنفسه أو نائبه فإن لم يكن له وارث استأجر الحاكم من يقوم مقامه قاله ابن الرفعة والظاهر إبقاء كلامهم على عمومه والوارث يشمل الخاص والعام ويؤخر الرمي في المناضلة للمرض أو نحوه فلا تنفسخ بذلك ولا يزاد بعد عقدها ولا ينقص في عدد الأرشاق و لا في عدد الإصابة إلا بمعنى لكن إن فسخا العقد وعقدا عقدا جديدا جاز لهما ذلك فإن امتنع المنضول من إتمام العمل حبس على ذلك وعزر فيلزمه إتمامه كمن استؤجر لخياطة ونحوها وكذا الآخر أي الناضل يلزمه إتمام العمل ويحبس ويعزر على امتناعه منه إن توقع صاحبه إدراكه فيساويه أو يفضله وإلا بأن شرطا إصابة خمسة من عشرين فأصاب أحدهما خمسة والآخر واحدا ولم يبق لكل منهما إلا رميتان فلصاحب الخمسة أن يترك الباقي ويمنع أحدهما بعد رمي صاحبه من التباطؤ بالرمي ولا يدهش استعجالا فلو تعلل بعد ما رمى صاحبه بمسح القوس والوتر وأخذ النبل بعد النبل والنظر فيه والكلام مع غيره قيل له ارم لا مستعجلا ولا متباطئا لأنه قد يتعلل لخطائه وقد يصيب صاحبه فيؤخر لتبرد يده أو ينسى نهج الصواب ويمنع أحدهما من أذية صاحبه بالتبجح والفخر عليه ولا يجوز شرط حمل أحدهما في يده من النبل أكثر مما في يد الآخر ولا أن تحسب لأحدهما الإصابة بإصابتين ولا أن يحط من إصاباته شيء أو أنه إن أخطأ رد عليه سهم أو سهمان ليعيد رميهما لأن هذه المعاملة مبنية على التساوي نعم لو شرط أن الخاسق بحابيين بالحاء المهملة تثنية حاب في صور شرط الحوابي جاز لأن الخاسق يختص بالإصابة والثبوت فجاز أن تجعل تلك الزيادة مقام حاب ولو شرط الخيار في الترك للرمي لكل منهما أو لأحدهما أو أن من ترك الرمي فهو مسبوق بطل العقد أي لم يصح لمخالفة وضعه ولا يجوز بذل مال على حط الفضل فلو فضل أحدهما الآخر بإصابات فقال المفضول حط فضلك ولك كذا لم يجز لأن حط الفضل لا يقابل بمال ولا يجوز عقد الشركة في السبق لأجنبي فيما غرم المناضل أو غنم فلو تناضلا أو تسابقا وأخرج السبق أحدهما أو هما وبينهما محلل فقال أجنبي لأحدهما شاركني فيه فإن غنمت أخذت معك ما أخرجته وإن غرمت غرمت معك لم يجز لأن الغنم والغرم في ذلك مبنيان على العمل وهذا الأجنبي لا يعمل ولو تناضلا فرميا بعض الأرشاق ثم ملا فقال أحدهما للآخر ارم فإن أصبت فقد نضلتني أو قال أرمي أنا فإن أصبت هذه الواحدة فقد نضلتك لم يجز لأن الناضل من ساوى صاحبه في عدد الأرشاق وفضله في الإصابة صرح به الأصل ولو
240
240
عقدا في الصحة ودفعا العوض في مرض الموت فالعوض من رأس المال كالإجارة أو عقدا في المرض بعوض المثل عادة فعوض المثل من رأس المال لأنه ليس تبرعا ولا محاباة فيه وإن زاد على عوض المثل عادة فالزيادة من الثلث لأنها تبرع وليس للولي المسابقة الشاملة للمناضلة بالصبي بماله وإن استفاد بها التعلم قال الأذرعي وغيره وينبغي الجواز فيما إذا كان من أولاد المرتزقة وقد راهق لا سيما إذا كان قد أثبت اسمه في الديوان وكذا في السفيه البالغ لما فيه من المصلحة وإن سأل أحدهما وضع المال الملتزم عند عدل والآخر تركه عندهما وهو عين أجيب أو دين فلا يجاب فإن اتفقا على وضعه عند هما أو عند عدل يثقان به جاز والثاني أحوط وأبعد عن النزاع وإن اختار كل منهما عدلا اختار الحاكم أحدهما الأنسب بما يأتي وبعبارة الأصل عدلا قطعا للنزاع وهل يتعين أحد العدلين المتنازع فيهما أو له أن يختار غيرهما وجهان أوجههما الثاني ولا أجرة للعدل فإن جرت بها عادة فوجهان قال الرافعي نقلا عن الروياني بناء على الوجهين في الخياط أحدهما يستحقها وتكون على المتسابقين ولا يختص بها السابق منهما لأنهما أجرة على حفظ المالين وثانيهما لا أجرة له وقضية ذلك ترجيح الثاني وإن اختلفا في مكان المحلل بأن رضي أحدهما بعدوله عن الوسط ولم يرض الآخر أو رضيا بترك توسطه وقال أحدهما يكون عن اليمين وقال الآخر عن اليسار لزم توسطه فعلم بذلك ما صرح به الأصل أنه ينبغي أن يجري فرسه بين فرسيهما فإن لم يتوسطهما وأجراه بجنب أحدهما جاز إن تراضيا به فإن تنازع المتسابقان في اليمين واليسار أقرع بينهما ويحث الفرس في السباق بالسوط وتحريك اللجام ولا يجلب عليه بالصياح ليزيد عدوه ولخبر لا جلب ولا جنب وفي رواية رواها أبو داود لا جلب ولا جنب في الرهان قال الرافعي وذكر في معنى الجنب أنهم كانوا يجنبون الفرس حتى إذا قاربوا الأمد تحولوا عن المركوب الذي كده بالركوب إلى الجنيبة فنهوا عنه ولو رمى أحدهما بلا استئذان لصاحبه فهل يحسب أو لا يحسب وإن أصاب لتركه اتباع عرف الرماة في الاستئذان وجهان أوجههما الأول تتمة يستحب أن يكون عند الغرض شاهدان ليشهدا على ما وقع من إصابة وخطأ وليس لهما أن يمدحا المصيب ولا أن يذما المخطئ لأن ذلك يخل بالنشاط كتاب الأيمان جمع يمين والأصل فيها قبل الإجماع آيات كقوله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم الآية وقوله تعالى إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا وأخبار منها أنه صلى الله عليه وسلم كان يحلف لا ومقلب القلوب رواه البخاري وقوله والله لأغزون قريشا ثلاث مرات ثم قال في الثالثة إن يشاء الله رواه أبو داود واليمين والحلف والإيلاء والقسم ألفاظ مترادفة هي لغة اليد اليمنى وأطلقت على الحلف لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل بيمين صاحبه وقيل لأنها تحفظ الشيء على الحالف كما تحفظه اليد واصطلاحا تحقيق أمر غير ثابت ماضيا كان أو مستقبلا نفيا أو إثباتا ممكنا كحلفه ليدخلن الدار أو ممتنعا كحلفه ليقتلن الميت أو ليقتلن زيدا صادقة كانت اليمين أو كاذبة مع العلم بالحال أو مع الجهل به وخرج بالتحقيق لغو اليمين فليست يمينا وسيأتي وبغير ثابت الثابت كقوله والله لأموتن أو لا أصعد السماء فكذلك لتحققه في نفسه فلا معنى لتحققه ولأنه لا يتصور فيه الحنث وفارق انعقادها فيما لا يتصور فيه البر كحلفه ليقتلن الميت أو ليصعدن السماء بأن امتناع الحنث لا يخل بتعظيم اسم الله وامتناع البر يخل به فيحوج إلى التكفير وعبارة الأصل اليمين تحقيق الأمر أو توكيده باسم الله أو صفة من صفاته قال الرافعي لكن يشبه أن يقال ذكر اسم الله أو صفته لا يدخل في حقيقة اليمين بدليل أنه يقال حلفت بالله وحلفت بغير الله وفي الخبر لا تحلفوا بآبائكم وأسقطه النووي لأن الكلام في حقيقة اليمين الشرعية الموجبة للكفارة وفيه ثلاثة أبواب الأول في اليمين فإن حلف كاذبا عالما بالحال على ماض فهي اليمين الغموس سميت بذلك لأنها
241
241
تغمس صاحبها في الإثم أو في النار وهي من الكبائر كما ورد في البخاري وفيها الكفارة لقوله تعالى ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان الآية ولأنه حلف بالله وهو مختار كاذب فصار كما لو حلف على مستقبل والإثم لا يمنع وجوبها كما في الظهار ويجب فيها التعزير أيضا قاله ابن عبد السلام وابن الصلاح فإن كان جاهلا ففي وجوبها القولان فيمن فعل المحلوف عليه ناسيا ومن حلف بلا قصد بأن سبق لسانه إلى لفظ اليمين بلا قصد كقوله في حالة غضب أو لجاج أو صلة كلام لا والله تارة بلى والله أخرى أو سبق لسانه بأن حلف على شيء فسبق لسانه إلى غيره فلغو أي فهو لغو يمين إذ لا يقصد بذلك تحقيق اليمين ولقوله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولخبر لغو اليمين لا والله وبلى والله رواه أبو داود وابن حبان وصححه فلو جمع بين لا والله وبلى والله في كلام واحد قال الماوردي الأولى لغو والثانية منعقدة لأنها استدراك مقصود منه ويصدق حيث لا قرينة تدل على قصده اليمين التي حلفها إن قال لم أقصد ها ولا يصدق ظاهرا في الطلاق والعتاق والإيلاء لتعلق حق الغير به ولأن العادة جرت بإجراء ألفاظ اليمين بلا قصد بخلاف هذه الثلاثة فدعواه فيها يخالف الظاهر فلا يصدق فإن كان ثم قرينة تدل على قصده اليمين لم يصدق ظاهرا ولو قال أعزم أو عزمت أو أقسم أو أقسمت أو آلي أو آليت عليك بالله أو أسألك أو سألتك بالله لتفعلن كذا وقصد عقد اليمين لنفسه كان يمينا لظاهر الآية السابقة والتصريح بعزم من زيادته هنا ويندب للمخاطب إبراره للحديث الصحيح فيه هذا إن أبيح الإبرار الذي في الروضة هذا إذا لم يتضمن الإبرار ارتكاب محرم أو مكروه قال الإسنوي ومقتضاه أن المستحب الذي لا يكره تركه يستحب إبرار الحالف على تركه وليس كذلك فسيأتي أن الحلف على تركه والإقامة عليه مكروهان فإذا كان الأمر كذلك في حق نفسه ففي حق غيره أولى انتهى لكن قال الأذرعي بعد نقله هذا والذي قاله الأصحاب أنه يندب للمخاطب إبرار قسم الحالف حيث أمكنه شرعا ورجحت مصلحة إبراره انتهى أما إذا لم يقصد عقد اليمين لنفسه بأن قصده للمخاطب أو قصد به الشفاعة أو أطلق فليس يمينا لأن ذلك ليس صريحا فيها والإطلاق محمول على الشفاعة ويكره السؤال بوجه الله تعالى ورد السائل به لخبر لا يسأل بوجه الله إلا الجنة وخبر من سأل بالله تعالى فأعطوه رواهما أبو داود فصل لو عقب الحالف اليمين بإن شاء الله لم يحنث بالفعل المحلوف عليه لما مر في الطلاق ولم تنعقد يمينه للتعليق وقيل تنعقد لكن المشيئة مجهولة فلا يحنث والترجيح من زيادته هنا وجزم كأصله به في كتاب الطلاق ويشترط التلفظ بالاستثناء وقصده قبل فراغ اليمين واتصاله بها فلا يضر
242
242
تخلل سكتة لطيفة لتذكر أو عي أو تنفس كما في الطلاق ويصح تقديمه أي الاستثناء على اليمين بالله تعالى والطلاق والعتاق كقوله إن شاء الله والله لأفعلن كذا أو أنت طالق أو أنت حر و على الإقرار فإن قال لفلان علي إلا عشرة دراهم مائة لزمه تسعون وإن قدمه على أيمان ولو على طلاق وعتاق فقال إن شاء الله أنت طالق عبدي حر بعاطف وغيره قصد استثناءهما معا أم أطلق لم يقعا بناء على أن الشرط المتقدم على المتعاطفات يعود إلى جميعها كالمتأخر عنها أما مع العاطف فظاهر وأما بدونه فلأنه قد يحذف مع إرادة العطف وكذا إن وسط الاستثناء كانت إن شاء الله تعالى طالق لا يقع المحلوف عليه والتمثيل من زيادته فإن قال أنت طالق إن شاء الله وعبدي حر ونوى صرف الاستثناء إليهما صح فإن لم ينوه انصرف إلى الأول خاصة فيقع العتق دون الطلاق وقوله والله لأفعلن كذا إن لم يشأ الله أو إلا أن يشاء الله حكمه كما في نظيره من الطلاق فلا يحنث فرع لو قال والله لأدخلن اليوم هذه الدار إلا أن يشاء زيد وأراد إلا أن يشاء عدم دخولي فدخل في اليوم أو لم يدخل فيه وشاء زيد عدم دخوله لم يحنث وحنث بترك الدخول فيه مع مشيئته له أي للدخول وهو ظاهر ومع الجهل بها بأن مات أو جن أو أغمي عليه حتى مضى اليوم لأن المانع من حنثه المشيئة وقد جهلت أو قال والله لا أدخل إلا أن يشاء زيد الدخول حنث بالدخول قبل مشيئته سواء أشاء زيد عدم دخوله أم لا ولا يحنث بدخوله بعدها ولا بترك الدخول ومتى مات أو جن أو أغمي عليه ولم يعلم مشيئته حنث بالدخول لما مر في التي قبلها أو قال والله لا أدخل إلا أن يشاء زيد عدم الدخول لم تنعقد يمينه حتى يشاء عدم الدخول ثم يحنث بالدخول وإلا من زيادته ولا معنى لها هنا وعبارة أصله ولو قال والله لا أدخل إن شاء فلان أن لا أدخل فلا تنعقد يمينه حتى يشاء فلان أن لا يدخل وإن قال والله لأدخلن إن شاء فلان دخولي لم ينعقد يمينه حتى يشاء فلان دخوله فإن شاء دخوله ودخل بعدها أي المشيئة بر وإلا حنث قبل الموت إن لم يقيد الدخول بزمن فلو لم تعرف مشيئته أو لم يشأ شيئا أو شاء أن لا يدخل كما فهم بالأولى وصرح به الأصل فلا يحنث لأن اليمين لم تنعقد فصل الحلف بالمخلوق لا بسبق لسان مكروه كالنبي والكعبة وجبريل والصحابة لخبر الصحيحين إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ولخبر لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا تحلفوا إلا بالله رواه النسائي وابن حبان وصححه قال الإمام وقول الشافعي أخشى أن يكون الحلف بغير الله معصية محمول على المبالغة في التنفير من ذلك فلو حلف به لم ينعقد يمينه كما صرح به الأصل فإن اعتقد تعظيمه كما وفي نسخة بما يعظم الله بأن اعتقد فيه من التعظيم ما يعتقده في الله تعالى كفر وعليه يحمل خبر الحاكم من حلف بغير الله فقد كفر أما إذا سبق لسانه إليه بلا قصد فلا كراهة بل هو لغو يمين وعليه يحمل خبر الصحيحين في قصة الأعرابي الذي قال لا أزيد على هذا ولا أنقص أفلح وأبيه إن صدق وإن قال إن فعلت كذا فأنا يهودي أو بريء من الله أو من رسوله أو من الإسلام أو من الكعبة أو فأكون مستحلا الأولى قول أصله مستحل أي أو أنا مستحل للخمر أو الميتة أو نحو ذلك فليس بيمين لعروه عن ذكر اسم الله تعالى وصفته ولأن المحلوف به حرام فلا ينعقد به اليمين كقوله إن فعلت كذا فأنا زان أو سارق فإن قصد به تبعيد نفسه عن ذلك أو أطلق كما اقتضاه كلام الأذكار لم يكفر لكنه ارتكب محرما كما صرح به النووي في أذكاره أو قصد الرضا بذلك إن فعله كفر في الحال فإن لم نكفره استحب أن يأتي بالشهادتين فيقول لا إله إلا الله محمد رسول الله لكن ظاهر خبر الصحيحين من حلف فقال في حلفه باللاتي والعزى فليقل لا إله إلا الله الاقتصار على لا إله إلا الله والتصريح بالاستحباب من زيادته وبه صرح النووي في نكته و أن يستغفر الله تعالى ويستحب أيضا أن يستغفر الله من كل إثم ويجب أن يتوب منه عبارة الروضة ويستحب أيضا لكل من تكلم بكلام قبيح أن يستغفر الله وتجب التوبة من كل كلام محرم
243
243
فصل حروف القسم
ثلاثة الباء والواو والتاء لاشتهارها فيه شرعا وعرفا وزاد الشيخ أبو حامد والمحاملي الألف وسيأتي أنه كناية والأصل الباء الموحدة ثم الواو ثم التاء الفوقية لا بد لها من الواو والواو من الباء كما ذكره الزمخشري ولدخولها على المضمر كالمظهر تقول حلفت بك وبه لأفعلن والواو تختص بالمظهر والتاء لا تدخل إلا على الله تعالى كما ذكره الأصل فإن قال تالله بالمثناة من فوق أو والله لأفعلن كذا وأراد غير اليمين بأن قال أردت تالله أو والله ثم ابتدأت لأفعلن قبل منه فلا يكون يمينا لاحتماله بخلاف ما لو أراد اليمين أو أطلق وكذا لو قال بالله بالموحدة لأفعلن كذا فإن أراد غير اليمين بأن قال أردت وثقت أو استعنت بالله قبل منه وإلا فلا وقوله فالله بالفاء أو يالله بالمثناة من تحت أو آلله بالمد لأفعلن كذا كناية فإن نوى به اليمين فيمين وإلا فلا ووجه كونه يمينا في الثانية بحذف المنادى وكأنه قال يا قوم أو يا رجل ثم استأنف اليمين
ولو قال له القاضي قل والله فقال تالله بالمثناة أو الرحمن لم يجز أي لم يحسب يمينا لمخالفته التحليف وقضية التعليل أنه لا يحسب يمينا فيما لو قال له قل تالله بالمثناة فقال بالله بالموحدة أو قل بالله فقال والله وفيه تردد ذكره الأصل هنا وسأذكره مع ما يتعلق به في محله الذي أشار فيه المصنف إلى ذلك مع بيان أنه نكول أو لا ولو لحن فرفع الهاء أو نصبها أو سكنها لم يضر لأن اللحن لا يمنع انعقاد اليمين ولو حذف حرف القسم فقال الله لأفعلن كذا بجره أو نصبه أو رفعه أو إسكانه فكناية فإن نوى به اليمين فيمين وإلا فلا واللحن وإن قيل به الرفع لا يمنع الانعقاد كما مر على أنه لا لحن في ذلك فالرفع بالابتداء أي الله أحلف به والنصب بنزع الخافض والجر بحذفه وإبقاء عمله والإسكان بإجراء الوصل مجرى الوقف قال الرافعي ويحتج لذلك بقوله صلى الله عليه وسلم في خبر ركانة الله ما أردت إلا واحدة رواه العمراني بالرفع والروياني بالجر وبقوله لابن مسعود في قتله أبا جهل الله قتلته بالنصب رواه الطبراني ولو قال له بحذف الألف بعد اللام المشددة لغا فلا يكون يمينا وإن نواها هذا بحثه النووي قال لأنها لا تكون إلا باسم الله تعالى أو صفته والقول بأن هذا لحن ممنوع لأن اللحن مخالفة صواب الإعراب بل هذه كلمة أخرى وقال ابن الصلاح ليس هو لحنا بل لغة حكاها الزجاجي أي غيره وهي شائعة فينبغي أن يكون يمينا عند الإطلاق وما قاله أولى لأنه مثبت والأول ناف قال الأذرعي ولو استحضر النووي ما قاله ابن الصلاح لما قال ما قال وجزم في الأنوار بما نقله الرافعي عن الجويني والإمام الغزالي من أنها يمين إن نواها ويحمل حذف الألف على اللحن لأن الكلمة تجري كذلك على ألسنة العوام والخواص وقول ابن الصلاح أوجه لكن ينبغي تقييده بما إذا لم يرد ببله البلة بمعنى الرطوبة فصل ينعقد اليمين بأسماء الله تعالى وصفاته أي بواحد منها وأسماؤه تعالى ثلاثة أنواع ما لا يحتمل غيره سواء كان من أسمائه تعالى الحسنى كالله والرحمن أم لا كالذي أعبده أو أسجد له وما يحتمل غيره والغالب إطلاقه عليه تعالى وما يحتمل غيره وإطلاقه عليهما سواء وقد أخذ في بيانها وبيان أحكامها فقال وما لا يحتمل غيره ك والذي أعبده أو أصلي له والذي فلق الحبة أو نفسي بيده والأسماء المختصة بالله كوالله والإله والرحمن ورب العالمين ومالك يوم الدين ونحوه كخالق الخلق والحي
244
244
الذي لا يموت لا يقبل الصرف عن اليمين قد تقدم أنه يقبله فالوجه الموافق لكلام أصله لا يقبل الصرف عن الله تعالى إلى غيره لا ظاهرا ولا باطنا وإن نواه لأن اللفظ لا يصلح لغيره وأطلق كالأكثرين الحكم في الإله وقيده الماوردي بما إذا كان الحالف من أهل الملك فإن كان من غيرهم كعبدة الأوثان انعقدت يمينه بها ظاهرا ويتوقف باطنا على إرادته لأنهم يجعلون هذا الاسم مشتركا بين الله وأوثانهم انتهى ويأتي مثله في والذي أعبده أو أصلي له أو أسجد له أو نحوها وما لا يختص بالله وهو لله أغلب كالجبار والحق والمتكبر والبارئ التصريح به من زيادته والقادر والخالق والرازق والرحيم والرب لا ينصرف عن اليمين إلا بنية بأن ينوي به غير الله فينصرف عن اليمين لاحتمال اللفظ له وقد نواه وكذا قوله وحق الله وحرمته بالكسر لا ينصرف عن اليمين إلا بنية لذلك وخرج بالكسر والمراد الجر الرفع والنصب فلا يكون ذلك يمينا إلا بنيتها وقد صرح به بعد في وحق الله أما الذي يطلق على الله و على غيره سواء أي مستويا كالحي والموجود والمؤمن والكريم والغني فكناية إن نوى به اليمين فيمين لأنه اسم يطلق على الله تعالى وقد نواه ومنه والسميع والبصير والعليم والحكيم وينعقد اليمين بقوله وعلم الله وقدرته وحقه وعظمته وسمعه وبصره ونحوها من سائر صفات الذات إلا إن أراد بالعلم المعلوم وبالقدرة المقدور وبالحق العبادات وبالعظمة ما يأتي وبالسمع المسموع وبالبصر المبصر فلا ينعقد لأن اللفظ محتمل له ولهذا يقال في الدعاء اغفر علمك فينا أي معلومك ويقال انظر إلى قدرة الله أي مقدوره فيكون كقوله ومعلوم الله ومقدوره وخلقه ورزقه وسائر صفات الفعل وذلك ليس بيمين والفرق بين صفتي الذات والفعل أن الأولى ما استحقه في الأزل والثانية ما استحقه فيما لا يزال دون الأزل يقال علم في الأزل ولا يقال رزق في الأزل إلا توسعا باعتبار ما يؤول إليه الأمر وكذا قوله وعظمته وكبريائه وعزته وجلاله وبقائه ومشيئته فينعقد بها اليمين إلا أن يريد بها ظهور آثارها على الخلق فقد يقال في ذلك عاينت عظمته وكبرياءه وعزته وجلاله ويراد مثل ذلك وقوله وحقه وعظمته مكرر وقوله وكلام الله وكتابه وقرآنه يمين كما لو حلف بالعلم والقدرة وكذا قوله والمصحف ولو أطلق بأن لم يرد به حرمته أو حرمة ما هو مكتوب فيه أو القرآن لأنه إنما يقصد به الحلف بالقرآن المكتوب فكان هو المتبادر عند الإطلاق لا إن أراد به الرق والجلد أو أحدهما فلا يكون يمينا ولو أراد بالقرآن الخطبة والصلاة أو أحدهما أو بالكلام الحروف والأصوات الدالة عليه لم ينعقد يمينه وإن قال أقسم بالله أو أحلف أو حلفت أو أولي أو آليت أو أقسمت بالله فيمين ولو أطلق لأنه عرف الشرع قال تعالى وأقسموا بالله جهد أيمانهم فإن قال أردت بالمضارع الوعد بالحلف و بالماضي الإخبار عن حلف ماض قبل ظاهرا وباطنا ولو في الإيلاء كما صرح به الأصل فلا يكون يمينا لاحتمال ما قاله ولا ينافي هذا ما مر أول الباب من أنه لو قال لم أقصد اليمين لم يصدق في الإيلاء لأنه هنا ادعى ما يوافقه ظاهر الصيغة من أقسمت أو أقسم أو نحوه بخلافه
245
245
فيما مر إذ قوله والله لا فعلت كذا لا يوافق ما ادعاه وإن حذف من ذلك اسم الله لغا فلا يكون يمينا لا صريحا ولا كناية وإن نوى اليمين لأنه لم يحلف باسم الله تعالى ولا بصفة من صفاته ولو كان ذلك في الإيلاء التصريح بهذا من زيادته ولو جعله بعد والأخبار كان موافقا لأصله ولعل تأخيره من النساخ ومع هذا فالأمر قريب والكل صحيح ويحتمل أنه حذفه ثم للإشكال الذي أجيب عنه لما لم يظهر له عنه جواب ولو قال أشهد أو شهدت أو أعزم أو عزمت بالله فليس بيمين إلا إن نوى فيمين قالوا لورود الشرع به في أشهد قال تعالى قالوا نشهد إنك لرسول الله إذ المراد نحلف بقرينة قوله اتخذوا أيمانهم جنة وقيس به الباقي فعلم من كلامه أن ذلك لا يكون يمينا إذا نوى غيرها وهو ظاهر أو أطلق لتردده وعدم إطراد عرف شرعي أو لغوي به ولو قال الملاعن في لعانه أشهد بالله وكان كاذبا لزمته الكفارة وإن نوى غير اليمين إذ لا أثر للتورية في مجلس الحكم قال الرافعي ولك أن تقول إنما لا تؤثر التورية حينئذ في الأحكام الظاهرة والكفارة حكم بينه وبين الله تعالى فيشبه أن يقال لا تلزمه إذا لم ينو اليمين ورد بأن ما يتعلق باليمين من التحريم والإثم حكم بينه وبين الله ومع ذلك لا يرتفع بالتورية قطعا قال البلقيني وإذا أوجبنا الكفارة تعددت قطعا بخلاف الأيمان على المستقبل الواحد لأن كل مرة في الماضي حلف وكذا في القسامة انتهى والأولى أن يفرق بأن الحنث في الماضي مقارن لليمين بخلافه في المستقبل وقوله لا هالله بالمد والقصر كناية إن نوى به اليمين فيمين وإلا فلا وإن كان مستعملا في اللغة لعدم اشتهاره وكذا قوله و أيم الله بضم الميم أشهر من كسرها ووصل الهمزة ويجوز قطعها وأيمن الله وإنما لم يكن كل منهما يمينا إذا أطلق لأنه وإن اشتهر في اللغة وورد في الخبر لا يعرفه إلا الخواص ولعمر الله والمراد منه البقاء والحياة وإنما لم يكن صريحا لأنه يطلق مع ذلك على العبادات والمفروضات وكذا قوله وعلى عهد الله وميثاقه وأمانته وذمته وكفالته أي كل منها كناية سواء أضاف المعطوفات إلى الضمير كما مثل أم إلى الاسم الظاهر والمراد بعهد الله إذا نوى به اليمين استحقاقه لإيجاب ما أوجبه علينا وتعبدنا به وإذا نوى به غيرها العبادات التي أمرنا بها وقد فسر بها الأمانة في قوله تعالى إنا عرضنا الأمانة فإن نوى اليمين بالكل انعقدت يمين واحدة والجمع بين الألفاظ تأكيد كقوله والله الرحمن الرحيم فلا يتعلق بالحنث فيها إلا كفارة واحدة ولو نوى بكل لفظ يمينا كان يمينا ولم يلزمه إلا كفارة واحدة كما لو حلف على الفعل الواحد مرارا ونوى بكل مرة يمينا صرح به الأصل وإن قال وحق الله بالرفع أو النصب فكناية لتردده بين استحقاق الطاعة والإلهية الباب الثاني في كفارة اليمين وفيه أطراف ثلاثة الأول في سبب الكفارة فتجب باليمين والحنث جميعا لأنه لو كان السبب مجرد اليمين لوجبت الكفارة وإن لم يوجد الحنث أو مجرد الحنث لما جاز تقديم الكفارة عليه فصل يجوز تقديم الكفارة بغير الصوم على الحنث لخبر أبي داود وغيره وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير لأنها وجبت بسببين فجاز تقديمها على أحدهما كتعجيل الزكاة أما الصوم فلا يجوز تقديمه لأنه عبادة بدنية فلا يجوز تقديمه على وقت وجوبه بغير حاجة كالصلاة وصوم رمضان ولأنه إنما يجوز التكفير به عند العجز عن جميع الخصال المالية والعجز إنما يتحقق بعد الوجوب ولو كان الحنث بمعصية من ترك واجب أو فعل حرام كما لو حلف لا يزني فإنه يجوز تقديم الكفارة عليه لوجود أحد السببين والتكفير لا يتعلق به إباحة ولا تحريم بل المحلوف عليه معصية قبل اليمين وبعدها وقبل التكفير وبعده وخرج بالحنث اليمين فلا يجوز التقديم عليها لأنه تقديم على السبيين ومنه لو قال إن دخلت الدار فوالله لا أكلمك لم يجز التكفير قبل دخولها لأن اليمين لم تنعقد بعد صرح به البغوي وغيره وكما لا يجوز تقديمها على السببين لا تجوز مقارنتها لليمين حتى لو وكل من يعتق عنها مع شروعه في اليمين لم يجز بالاتفاق قاله الإمام وتأخيرها عن الحنث أفضل
246
246
ليخرج من خلاف أبي حنيفة وإن قال أعتقت عبدي عن كفارتي إن حنثت فحنث أجزأه ذلك عن الكفارة وإن قال أعتقه عنها إن حلفت لم يجزه عنها لأنه قدم التعليق على اليمين وفي التي قبلها قدمه على الحنث فقط وإن قال إن حنثت في يميني غدا فعبدي حر عن كفارتي فإن حنث غدا عتق وأجزأه عنها وإلا فلا لأن المعلق عليه لم يوجد وإن قال أعتقه عن كفارتي إن حنثت فبان حانثا عتق وأجزأه عنها وإلا فلا نعم إن حنث بعد ذلك أجزأه عنها أو قال أعتقته عن كفارتي إن حلفت وحنثت فبان حالفا قال البغوي لم يجزه للشك في الحلف بخلاف التي قبلها فإن الشك في الحنث والتكفير قبل الحنث جائز قال في الأصل وعلى قياسه لو قال هو حر عن ظهاري إن ظاهرت فبان مظاهرا ينبغي أن لا يجوز ولو ارتد المعتق بفتح التاء عن الكفارة أو مات أو تعيب بعد اليمين قبل الحنث لم يجزه عنها كما لو عجل الزكاة فارتد الآخذ لها أو مات أو استغنى قبل تمام الحول فرع تجزئ كفارة القتل والصيد غير الصوم بعد الجرح وقبل الزهوق بخلاف الصوم وبخلاف التكفير قبل الجرح لما مر وللمظاهر التكفير بالمال قبل العود لما علم مما مر وصورته أن يظاهر من رجعية ثم يراجعها أو يظاهر من زوجته فيطلقها رجعيا ثم يكفر ثم يراجعها أو يظاهر مؤقتا ويكفر ثم يطأ أو يظاهر فترتد الزوجة فيكفر ثم تسلم هي والعتق عن كفارة الظهار عقيب الظهار في غير ذلك ونحوه عتق مع العود لا قبله لأن اشتغاله بالتكفير عود وإن أجزأ ذلك أيضا فرع لا يجوز تقديم كفارة الجماع في رمضان أو الحج أو العمرة عليه لأنها لا تنسب إلى الصوم والإحرام بل إلى الجماع وكفارة اليمين تنسب إلى اليمين وكذا لا يجوز تقديم فدية الحلق واللبس والطيب عليها لما علم مما قبله فلو جوزت هذه الثلاثة لعذر كمرض ونحوه جاز تقديمها عليها للعذر ويجوز تقديم المنذور المالي على المنذور له كإن شفيت فعلي عتق رقبة أو أن أتصدق بكذا كما في تعجيل الزكاة بخلاف المنذور البدني كالصوم كما مر نظيره ولو قدمت الحامل أو المرضع الفدية حال الصيام أو قبل الفجر على الإفطار جاز لما علم مما مر وإن عجلت فدية الإفطار لأيام يومين فأكثر فكتعجيل الزكاة لعامين فيمتنع فيما زاد على يوم التعجيل فصل تكره اليمين لقوله تعالى ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أي لا تكثروا منها لتصدقوا ولخبر إنما الحلف حنث أو ندم رواه ابن حبان في صحيحه ولأنه ربما يعجز عن الوفاء بما حلف عليه إلا في طاعة الله تعالى فلا تكره كالبيعة على الجهاد لقوله صلى الله عليه وسلم والله لأغزون قريشا والحث على الخير كوالله إن لم تتب لتندم التصريح بهذا من زيادته و كاليمين الصادقة في الدعاوى قال في الروضة ولا تكره أيضا فيما إذا دعت إليها حاجة كتوكيد كلام وتعظيم أمر كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالله لا يمل الله حتى تملوا وقوله عليه السلام والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا قال الإمام ولا يجب اليمين أصلا وأنكره عليه ابن عبد السلام وأورد صورا تجب اليمين فيها
247
247
فإن حلف على أداء أي فعل واجب أو ترك حرام فاليمين طاعة وحرم الحنث لأن الإقامة عليها واجبة أو حلف على تركه أي ترك واجب أو فعل حرام فاليمين معصية ووجب عليه الحنث لأن الإقامة عليها حرام ولخبر من حلف على يمين السابق نعم إن كان له طريق غير الحنث لم يلزمه الحنث كأن حلف لا ينفق على زوجته فإن له طريقين غير الحنث أن يعطيها من صداقها أو يقرضها ثم يبرئها لأن الغرض حاصل مع بقاء التعظيم أو حلف ليتركن سنة أو ليفعلن مكروها استحب الحنث لأن اليمين والإقامة عليها مكروهان وفي مثله نزلت آية ولا يأتل أولو الفضل منكم ولخبر من حلف على يمين السابق أو حلف على أن يفعلها أي السنة أو أن يترك مكروها كره له الحنث لأن الإقامة عليها مندوبة فلو حلف لا يأكل طيبا أو لا يلبس ناعما وأراد الاقتداء بالسلف وهو ممن يصبر على خشونة المطعم والملبس وقد تفرغ للعبادة أو لم يتفرغ لها فيما يظهر فطاعة حلفه وإلا كره وعليه حمل
248
248
قوله تعالى قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ولو حلف على فعل أو ترك مباح لا يتعلق به مثل هذا الغرض كدخول دار ولبس ثوب وأكل طعام أو تركها استحب له الوفاء لقوله تعالى ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ولما فيه من تعظيم الله تعالى قال في الأصل وقد حصل مما ذكرناه أن اليمين لا تغير حال المحلوف عليه عما كان وجوبا وتحريما وندبا وكراهة وإباحة الطرف الثاني في كيفيتها أي الكفارة فيتخير الحالف بين إطعام عشرة مساكين كل مسكين مدا أو كسوتهم أو إعتاق رقبة لآية لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولا يجوز التبعيض فيها فلو أطعم بعض العشرة وكسا بعضهم لم يجزه كما لا يجزئ أن يعتق نصف رقبة ويطعم أو يكسو خمسة ولأن التخيير بين الخصال المذكورة ينفي التمكن من غيرها والتفريق غيرها فإن أطعم ثلاثين مسكينا أو كساهم عن ثلاث من الكفارات أو أطعم عشرة وكسا عشرة وأعتق رقبة عنها جاز وإن لم يعين بناء على ما مر من أن تعيين النية في الكفارات لا يشترط ومن عجز عن الخصال الثلاث صام ثلاثة أيام للآية وإن تفرقت لإطلاق الآية ولبناء كفارة اليمين على التخفيف بخلاف كفارة الظهار والقتل والجماع والعاجز من له أخذ الزكاة والكفارة من فقير ومسكين فيكفر بالصوم لأنه فقير في الأخذ فكذلك في الإعطاء وقد يملك نصابا فيزكي ويباح له أخذها أي الزكاة حين لا يفي دخله بخرجه ويكفر بالصوم والفرق بين البابين أنا لو أسقطنا الزكاة خلا النصاب عنها بلا بدل وللتكفير بالمال بدل وهو الصوم وقد سبق بيان العجز في الكفارات فرع إخراج الطعام وجميع ما يتعلق به من جنسه وقدره وكيفية إخراجه وغيرها كما سبق في الكفارات وكذا العتق كما سبق ثم والكسوة يجب تمليكها كما في الطعام وهي قميص أو سراويل أو عمامة أو مقنعة أو إزار أوجبة أو قباء أو رداء أو منديل قال في الروضة والمراد به المعروف الذي يحمل في اليد أو طيلسان أو درع وهو قميص لا كم له أو نحوها مما يسمى كسوة من صوف وقطن وكتان وشعر وحرير ولو لرجل وإن لم يجز له لبسه لوقوع اسم الكسوة المذكورة في الآية على ذلك رديئا كان أو جيدا أو متوسطا لإطلاق الآية لا الدرع من حديد أو نحوه من آلات الحرب والمكعب أي المداس والنعل والخف والقلنسوة والتبان وهو سروال قصير لا يبلغ الركبة والقفاز والمنطقة والخاتم والتكة ونحوها مما لا يسمى كسوة فلا يجزئ لأنها لا تسمى كسوة وإن كانت لبوسا يجب على المحرم الفدية بلبسها ويجزئ لبد أو فروة اعتيد في البلد لبسها لغالب الناس أو نادرهم بخلاف ما لا يعتاد لبسه كجلود والتصريح بذكر الفروة من زيادته وبما تقرر علم أنه لا يشترط كون المملك مخيطا ولا ساترا لعورة ويجزئ
249
249
المتنجس وعليه أن يعرفهم بذلك حتى لا يصلوا فيه ولا يجزئ ما نسج من نجس العين كصوف ميتة فإن كسا رضيعا شيئا لائقا به جاز لأن صرف طعام الكفارة وكسوتها للصغار جائز كما في الزكاة ويتولى الولي الأخذ وكذا لو أعطاه أي اللائق بالصغير كبيرا لوقوع اسم الكسوة عليه كما يعطى ما للمرأة للرجل وبالعكس قال الأذرعي والمعتبر والأقرب إلى كلام العراقيين وإلى قوله تعالى أو كسوتهم المنع حيث أضاف الكسوة إلى من يكسي وقضية كلام الذخائر أنه المذهب وقال به القفال وغيره لأن المراد سد خلة الفقير ويستحب ثوب جديد خاما كان أو مقصورا ويجوز عتيق فيه قوة كالطعام العتيق ولانطلاق الكسوة عليه وكونه يرد في البيع لا يؤثر في مقصودها كالعيب الذي يضر بالعمل في الرقيق لا منمحق كالطعام المعيب و لا مرقع لبلى لعيبه لا مرقع لزينة أو غيرها ولا يجزئ جديد مهلهل النسج إذا كان في ضعف البالي أي إذا كان لبسه لا يدوم إلا بقدر ما يدوم الثوب البالي لضعف النفع به الطرف الثالث فيمن تلزمه الكفارة وهو كل مكلف حنث في يمينه حتى الكافر الملتزم للأحكام فإن مات من لزمته قبل أخذها منه وله تركة أخذت من تركته كسائر الديون فصل العبد مراده الرقيق ذكرا كان أو أنثى يكفر عن اليمين وغيرها بالصوم لأنه لا يملك وقد سبق في الكفارات تفصيل في احتياجه إلى الإذن في تكفيره بالصوم فإذا احتاج إليه فيه فللسيد منع الأمة منه وإن لم يضعفها عن الخدمة لحق تمتعه الفوري وكذا له منع عبد يضعفه عن الخدمة فإن لم يضعفه عنها لم يمنعه من ذلك ولا من صوم تطوع وصلاته في غير وقت الخدمة كما لا يمنع من الذكر وقراءة القرآن ولو حال العمل فلو صام من يضعفه الصوم عن الكفارة بلا إذن أجزأه عنها كصلاة الجمعة بلا إذن وهذا كله سوى النظيرين ومنع الأمة من الصوم قدمه في الكفارات فإن مات العبد وعليه كفارة فللسيد التكفير عنه بالمال وإن قلنا لا يملك بالتمليك إذ لا رق بعد الموت فهو والحر سواء بخلاف ما قبله ولأن التكفير عنه قبل موته يتضمن دخول المال في ملكه بخلافه بعده إذ ليس للميت ملك محقق لا بالعتق عنه لنقصه عن أهلية الولاء وقد سبق في الصيام ذكر الصوم عن الميت فيصوم عنه قريبه لا غيره والإشارة إلى هذا في العبد من زيادته فصل لو مات الحر وعليه كفارة فهي دين الله تعالى وحقوق الله تعالى مقدمة على حقوق الآدمي فتخرج قبله من تركته سواء أوصى بها أم لا لخبر فدين الله أحق أن يقضى إلا إذا تعلق حق الآدمي وحده بعين فإنه يقدم على حقوق الله تعالى كسائر الديون كما مر في الفرائض وإلا في المفلس المحجور عليه فإنه يقدم حق الآدمي على حقوق الله تعالى ما دام حيا فإن كانت الكفارة مرتبة أعتق عنه الوارث أو الوصي والولاء على العتيق للميت فإن تعذر الإعتاق أطعم من التركة أو كانت ذات تخيير وجب من الخصال المخير فيها أقلها قيمة وكل منها جائز لكن الزائد على أقلها قيمة يحسب من الثلث على ما يأتي ولو لزم المرتد كفارة تخيير لم يتعين الأقل وإن ضعف ملكه كما لا يتعين في حق غيره وهذا ذكره الأصل في كتاب الكفارات فلو لم يكن للميت تركة وتبرع عنه أجنبي بالإطعام أو الكسوة جاز كالوارث أو بالعتق وكانت الكفارة مخيرة فلا يجوز من الأجنبي ولا من الوارث لسهولة التكفير بغيره فلا يعتق لما فيه من عسر إثبات الولاء فلو كانت مرتبة جاز الإعتاق عنه من كل منهما لتعينه ولو أوصى في المخيرة بالعتق عنه وزادت قيمة العبد على قيمة الطعام والكسوة حسبت قيمته من الثلث لأن براءة الذمة تحصل بما دونها فإن وفى الثلث بقيمة عبد مجزئ أعتق عنه وإلا عدل عنه إلى الطعام أو الكسوة وبطلت الوصية وهذا ما صححه الأصل ونقل معه وجها أن قيمة أقلها قيمة تحسب من رأس المال والزيادة إلى تمام قيمة العبد من الثلث فإن وفى ثلث الباقي مضموما إلى الأقل المحسوب من رأس المال بقيمة عبد أعتق عنه وإلا بطلت الوصية وعدل إلى الإطعام أو الكسوة كأن تكون التركة أربعين وقيمة أقلها
250
250
عشرة وهي مع ثلث الباقي عشرون فإذا وجد بالعشرين رقبة نفذنا الوصية قال الرافعي وهذا الوجه أقيس عند الأئمة ووافقه النووي في باب الوصية والمبعض الموسر يكفر بالإطعام والكسوة لا بالعتق لأنه يستعقب الولاء المتضمن للولاية والإرث وليس هو من أهلهما ولا بالصوم ليساره كما أنه إذا وجد ثمن الماء أو الثوب لا يجوز له أن يصلي متيمما أو عاريا الباب الثالث فيما يقع به الحنث والبر الأصل المرجوع إليه فيهما اتباع مقتضى اللفظ الذي تعلقت به اليمين وقد يتطرق إليه التقييد بنية تقترن به أو باصطلاح خاص أو قرينة وصوره لا تتناهى لكنهم تكلموا فيما يغلب استعماله ليقاس به غيره وهو أنواع سبعة الأول في الدخول والمساكنة فإن حلف لا يدخل الدار فحصل فيها من باب أو غيره كسطح حنث ولو كان رأسه أو يده خارجها لا إن حصل في سطح لها كان تسوره فلا يحنث ولو كان السطح محوطا لأن ذلك ليس دخولا لها إذ يقال أنه على السطح وليس في الدار فإن كان فيه تسقيف لكله أو بعضه حنث إن نسب إليها أي إلى الدار بأن كان يصعد إليه منها لأنه حينئذ كطبقة منها بخلاف ما إذا لم ينسب إليها وكذا يحنث لو دخل الدهليز بكسر الدال لأنه منها وما حكي عن النص من أنه لا يحنث بذلك حملوه على الطاق خارج الباب لا إن دخل الطاق المعقود خارج الباب لأنه وإن كان منها ويدخل في بيعها لا يقال لمن دخله أنه دخلها و لا إن دخل الدرب أمامه أي الطاق ولم يكن مختصا بالدار أو مختصا بها ولم يكن داخلا في حدها أو داخلا في حدها ولم يكن في أوله باب لذلك وهذا نقله الأصل مقيدا وعبارته وجعل المتولي الدرب المختص بالدار أمام الباب إذا كان داخلا في حد الدار ولم يكن في أوله باب كالطاق قال فإن كان في أوله باب فهو من الدار مسقفا كان أو غيره قال الأذرعي وما قاله في غير المسقف بعيد جدا انتهى ولو تعلق بغصن شجرة في الدار وأحاط به البنيان بحيث لا يرتفع بعضه عن البنيان حنث لا إن ارتفع بعضه عنه فلا يحنث أو حلف ليخرجن منها بر بالخروج إلى ما لا يحنث في الأول وهو ما لو حلف لا يدخلها بدخوله كالطاق خارج الباب والسطح إذا لم ينسب إلى الدار فرع لو حلف لا يدخل الدار وهو بها فاستدام المكث فيها لم يحنث لأنه لا يسمى دخولا ومثله ما لو حلف لا يخرج منها وهو خارج لا يحنث بترك الدخول كما صرح به الأصل بخلاف اللبس والركوب والقيام والقعود والاستقبال ونحوها مما يصح تقديره بمدة كالسكنى والانتقال إذا حلف لا يفعلها فيحنث باستدامتها لصدق اسمها بذلك إذ يصح أن يقال لبست شهرا وركبت ليلة وكذا البقية ولا يصح أن يقال دخلت شهرا وإنما يقال سكنت شهرا ولأنه إذا قيل له انزع الثوب حسن أن يقول حتى ألبس ساعة وإذا قيل له انزل عن الدابة حسن أن يقول حتى أركب قدر ما ركبت وفي الدخول لا يصح أن يقول حتى أدخل ساعة وكل ذلك محله عند الإطلاق فإن نوى شيئا عمل به وليس استدامة النكاح والطهارة والصوم والصلاة
251
251
والغصب ونحوها مما لا يقدر بمدة كالإنشاء لها فلا يحنث الحالف لا يفعلها باستدامتها لما مر في الدخول إذ لا يصح أن يقال نكحت شهرا لأن النكاح قبول عقده وأما وصف الشخص بأنه لم يزل ناكحا فلانة منذ كذا فإنما يراد به استمرارها على عصمة نكاحه وكذا البقية ولا يخلو بعض ذلك عن بعض إشكال إذ قد يقال صمت شهرا وصليت ليلة وصورة حلفه في الصلاة أن يحلف ناسيا لها أو كان أخرس فحلف بالإشارة وكذا الطيب والوطء ليس استدامتها كالإنشاء فلا يحنث الحالف لا يفعلهما باستدامتهما ولهذا لو تطيب ثم أحرم واستدام لا تلزمه الفدية ولو حلف لا يسافر وهو في السفر فرجع فورا أو وقف بنية الإقامة وكان قاصدا بحلفه الامتناع من ذلك السفر لم يحنث فلو لم يكن قصد ذلك حنث لأنه في العود مسافر أيضا فقوله قاصدا حال من ضمير حلف فلو قدمه على قوله فرجع فورا كان أولى فصل لو حلف لا يدخل أو لا يسكن بيتا وأطلق حنث بالدخول أو السكنى بالبيوت المبنية ولو من خشب والخيام ولو من جلد ولو كان الحالف قرويا لوقوع اسم البيت على الكل لغة ولا معارض له عرفا وعدم استعمال القروي للخيام لا يوجب تخصيصا أو نقلا عرفيا للفظ بل هو كلفظ الطعام الذي يعم جميع أنواعه مع اختصاص بعض النواحي بنوع أو أكثر بناء على ما عليه جمهور الأصوليين من أن العادة لا تخصص ولا يرد ما لو حلف لا يأكل البيض أو الرءوس حيث لا يحنث بأكل بيض السمك ولا برءوسه ورءوس الطير لأن لفظ البيض والرءوس بقرينة تعلق الأكل بها لا يطلقه أهل العرف على شيء من الثلاثة وإن كثرت عندهم وفرق بين تخصيص العرف للفظ بالنقل عن مدلوله اللغوي إلى ما هو أخص منه وبين انتفاء استعمال أهل العرف له في بعض أفراد مسماه في بعض الأقطار ومنه اسم الخبز فإنه باق على مدلوله اللغوي وإن غلب استعماله في بعض مسماه في بعض الأقطار كخبز الأزرقي طبرستان كما سيأتي ومحل ذلك إذا عبر عن البيت بالعربية فلو قال والله لا أدخل درخانة لروم لم يحنث بغير البيت المبني لأن العجم لا يطلقونه على غير المبني نقله الرافعي عن القفال والإمام والغزالي وغيرهم وصححه في الشرح الصغير وإن نوى نوعا منها اتبع عملا بنيته ولا يحنث بالمساجد والبيع وبيوت الحمام والرحى ونحوها كالكعبة والغار الذي لم يتخذ سكنة لأنها ليست للإيواء والسكن ولا يقع عليه اسم البيت إلا بتجوز أو بتقييد كما يقال الكعبة بيت الله والبيت الحرام وكذا
252
252
لا يحنث لو دخل أو سكن دهليزا أو صفة أو صحنا للدار إذ يقال لم يدخل البيت وإنما وقفت في الدهليز أو الصفة أو الصحن أو حلف لا يسكن دارا أو لا يقيم فيها وهو فيها حنث باللبث فيها بلا عذر لأن استدامة السكنى سكنى كما مر فيحنث وإن أخرج أهله ومتاعه لأنه إنما حلف على سكنى نفسه لا أهله ومتاعه فإن خرج منها وبقوا أي أهله فيها لم يحنث إذ المحلوف عليه سكناه ومحله كما قال البندنيجي وابن الصباغ والجرجاني وغيرهم إذا خرج بنية التحول ليقع الفرق بينه وبين الساكن الذي من شأنه أن يخرج ويعود إليه يومئ قول الشافعي في الأم والمختصر ويخرج بدنه متحولا قال الأذرعي وكنت أقول إطلاق من أطلق محمول على هذا ولا أحسب في المسألة خلافا ثم رأيت النووي قد قال فيما علقه على مواضع من المهذب ثم إن المصنف شرط في عدم الحنث أن يخرج بنية التحول وقد وافق عليه بعض الأصحاب ولم يشترطه بعضهم والذي قاله المصنف أظهر لأن من خرج من سكنه إلى السوق مثلا عد عرفا ساكنا به ثم قال أعني الأذرعي وهذا في المتوطن فيه قبل حلفه فلو دخله لينظر إليه هل يسكنه فحلف أنه لا يسكنه وخرج في الحال لم يفتقر إلى نية التحول قطعا ولو مكث فيها لخوف على نفسه أو ماله أو نحوهما أو منع له من الخروج أو مرض لا يقدر معه على الخروج ولم يجد من يخرجه لم يحنث للعذر فإن وجد من يخرجه فينبغي أن يأمره بإخراجه فإن لم يفعل حنث صرح به الأصل ولو حدث له العجز عن الخروج بعد الحلف فكالمكره فلا يحنث وإن اشتغل بأسباب الخروج كأمر أهله به ولبس ثوبه وجمع المتاع لم يحنث ولو بات فيها لحفظه أي المتاع ليلا لأنه لا يعد ساكنا وعطف جميع المتاع على ما قبله من عطف الخاص على العام وعد الماوردي من الأعذار ضيق وقت الفريضة بحيث لو خرج قبل أن يصليها فاتته ولا يضر عوده إلى الدار بعد خروجه منها لنقل متاع قال الشاشي ولم يقدر على الإنابة وعيادة مريض وزيارة وغيرها لأنه فارقها وبمجرد العود لا يصير ساكنا نعم إن مكث ضر قاله الأذرعي وغيره نقلا عن تعليق البغوي وأخذ من مسألة عيادة المريض الآتية وقد يفرق بأنه هنا خرج ثم عاد ثم لم يخرج فلو عاد المريض
253
253
قبل خروجه منها وقعد عنده حنث بخلاف ما إذا عاده مارا في خروجه قال في الأصل ولو حلف خارجها ثم دخل لم يحنث ما لم يمكث فإن مكث إلا أن يشتغل بحمل متاع كما في الابتداء ولو خرج بعد حلفه فورا ثم اجتاز بها بأن دخل من باب وخرج من آخر لم يحنث وإن تردد فيها بلا غرض حنث وينبغي أن لا يحنث بالتردد زاد الرافعي إن أراد بلا أسكنها لا اتخذها مسكنا لأنها لا تصير به مسكنا وإن حلف لا يساكنه ونوى أن لا يساكنه ولو في البلد حنث بمساكنته ولو فيها الأولى فيه أي في البلد عملا بنيته وإن لم ينو موضعا فسكنا في بيتين يجمعهما صحن ومدخلهما واحد حنث لحصول المساكنة والمراد ما قاله الأصل أنه إذا لم ينو موضعا حنث بالمساكنة أي في أي موضع كان لا إن كان البيتان من خان ولو صغيرا فلا يحنث وإن اتحد فيه المرقي وتلاصق البيتان لأنه مبني لمسكن قوم وبيوتها تفرد بأبواب ومغاليق فهو كالدرب وهي كالدور ولا إن كانا من دار كبيرة وإن تلاصقا فلا يحنث لذلك بخلافهما من صغيرة لكونهما في الأصل مسكنا واحدا بخلافهما من الخان الصغير ويشترط في الدار الكبيرة لا في الخان أن يكون لكل بيت فيها غلق بباب ومرقى وذكر المرقى من زيادته فإن لم يكونا أو سكنا في صفتين من الدار أو في بيت وصفة حنث لأنهما متساكنان عادة وكأن اشتراكهما في الصحن الجامع للبيتين مثلا وفي الباب المدخول منه مع تمكن كل منهما من دخول بيت الآخر جعل كالاشتراك في المسكن ولو انفرد في دار كبيرة بحجرة منفردة المرافق كالمرقى والمطبخ والمستحم وبابها أي الحجرة في الدار لم يحنث لعدم حصول المساكنة كذا لو انفرد كل منهما بحجرة كذلك في دار كما صرح به الأصل وإن حلف لا يساكنه في هذا البيت فساكنه في غيره لم يحنث فلو حلف لا يساكنه فيه وهو فيه فمكث بلا عذر حنث أو فارقه فورا بنية التحول لم يحنث ولو اشتغل ببناء حائل بينهما ولكل من الجانبين مدخلا أو أحدثا مدخلا حنث لحصول المساكنة إلى تمام البناء بغير ضرورة وقيل لا يحنث لاشتغاله برفع المساكنة وهذا صححه المنهاج كالمحرر ونسب الأصل ترجيحه إلى البغوي وتصحيح الأول إلى الجمهور ونظيره ما لو تبايعا وبنى بينهما جدارا فإنه لا يقطع الخيار لبقائهما في مجلس العقد قال ابن الرفعة وظاهر النص مع البغوي ومن خالفه أوله بما إذا خرج أحدهما بنية الانتقال فبنى الجدار ثم عاد وعلى الأول يفارق ما مر من عدم الحنث باشتغاله بجمع المتاع بأنه معذور ثم بخلافه هنا لا إن خرج من البيت ثم عاد وسكن بعد بنائه أي الحائل فلا يحنث وإن حلف لا يساكنه وهما في بيتين من خان فلا مساكنة ولا حاجة إلى مفارقة أحدهما الآخر أو وهما في بيت منه فلينتقل أحدهما إلى بيت آخر أي يكفي ذلك فلا يشترط انتقاله إلى غير الخان النوع الثاني الأكل والشرب فلو حلف لا يشرب من ماء هذا النهر مثلا أو لأشربن منه حنث في الأول وبر في الثاني بما يشرب منه وإن قل أو حلف لأشرب أو لأشربن ماء هذا الحب أو الإداوة أو
254
254
نحوه من ما يمكن استيفاؤه شربا في زمان وإن طال لم يحنث في الأول ولم يبر في الحال في الثاني بشرب بعضه بل بشرب الجميع لأن الماء معرف بالإضافة فيتناول الجميع أو حلف ليصعدن السماء غدا فغدا يحنث لأن اليمين معقودة على الصعود فيه فعلم أنه لو حلف ليصعدن السماء انعقدت يمينه ويحنث في الحال لأن العجز متحقق فيه وصرح به الأصل أو حلف لا أشرب ماء هذا النهر أو نحوه أو لا آكل خبز الكوفة أو نحوها لغا أي لم ينعقد يمينه كما لو حلف لا يصعد السماء والأصل إنما فرض الكلام في الحنث وعدمه بتناول البعض وصحح عدم الحنث به ونقله عن عامة الأصحاب وعن تصحيح القاضي أبي الطيب وغيره كما لو حلف لا يشرب ماء هذا الحب فشرب بعضه ثم نقل عن القاضي في الأولى ومثلها الثانية أنه ينبغي أن لا تنعقد يمينه فإن كان بحث القاضي بيانا لمراد الأصحاب بعدم الحنث فاختصار المصنف موف بالغرض وإلا فهو إنما يأتي على بحث القاضي وبالجملة فالحالف على ما ذكر لا يحنث بتناول بعضه إلا إن أراد أن لا يتناول شيئا منه فيحنث به وهذا من زيادته في الأولى
أو حلف لا أصعد السماء لغا أي لم ينعقد يمينه لأن الحنث فيه غير متصور وفارق ما لو حلف أنه فعل كذا أمس وهو صادق حيث تنعقد يمينه وإن لم يتصور فيه الحنث بأن الحلف ثم محتمل للكذب لو حلف لأشربن ماء هذا الكوز مثلا وكان فارغا وهو عالم بفراغه أو ليقتلن زيدا وهو عالم بموته حنث فيهما في الحال لأن العجز متحقق فيه فعلم أن يمينه انعقدت وإن لم يتصور فيه البر كما لو قال فعلت كذا أمس وهو كاذب وتقدم قبيل الباب الأول الفرق بين الانعقاد فيما لا يتصور فيه البر وعدمه فيما لا يتصور فيه الحنث أما لو كان لا يعلم ذلك فكان فارغا أو ميتا فلا يحنث كما لو فعل المحلوف عليه ناسيا وإن كان فيه ماء فانصب منه قبل إمكان شربه فكالمكره فلا يحنث بخلاف انصبابه بعد الإمكان فيحنث فيه أو حلف لأشربن منه فصبه في ماء وشرب منه بر إن علم وصوله إليه لا إن حلف ليشربنه منه أي من الكوز فصب في ماء وشربه أو شرب منه لا يبر وإن علم وصوله إليه لأنه لم يشربه من الكوز فيهما ولم يشربه جميعه في الثانية وهذا من زيادته والذي في الأصل ولو حلف لا يشرب منه فصبه في ماء وشرب منه حنث قال وكذا لو حلف لا يشرب من لبن هذه البقرة فخلطه بلبن غيرها بخلاف ما لو حلف لا يأكل هذه الثمرة فخلطها بصبرة لا يحنث إلا بأكل جميع الصبرة والفرق ظاهر
وإن حلف لا يشرب ماء فراتا أو من فرات حنث بالعذب في أي موضع كان لا بالمالح أو من ماء الفرات حمل على النهر المعروف فإن شرب من كوز ماؤه منه أو بئر ماؤها منه حنث ولو قال لا أشرب من ماء نهر كذا فشرب من ساقية تخرج منه أو من بئر محفورة بقرب النهر يعلم أن ماءها منه حنث ولو قال لا أشرب من نهر كذا ولم يذكر الماء فشرب من ساقية تخرج منه حنث كما لو أخذ الماء في إناء صرح بذلك الأصل أو لا يشرب من هذه الإداوة أو نحوها مما يعتاد الشرب منه فصبها أي صب ماءها في كوز وشربه لم يحنث فرع لو حلف لا يأكل هذين الرغيفين أو لا يلبس هذين الثوبين أو نحوهما أو ليفعلن ذلك تعلق الحنث فيما عدا الأخيرة والبر في الأخيرة بهما ولو فرق الفعل لأنه يمين واحدة على المجموع وكذا لو عطف بالواو كأن حلف لا أكلم زيدا وعمرا أو لا آكل اللحم والعنب فيتعلق الحنث بهما لأن الواو
255
255
تجعل الشيئين كشيء واحد إلا إن أراد غير ذلك بأن أراد أحدهما فيتعلق به الحنث وظاهر كلامه أنه لا يتعلق به البر في الإثبات أيضا وقد يتوقف فيه فإن قال لا أكلم زيدا ولا عمرا أو لا آكل اللحم ولا العنب فيمينان لإعادة حرف النفي فيحنث بكل منهما ولا تنحل إحداهما بالحنث في الأخرى كما لو قال والله لا أكلم زيدا والله لا أكلم عمرا وقضية كلامه كغيره أن الإثبات كالنفي الذي لم يعد معه حرفه كقوله والله لأكلمن زيدا وعمرا أو لآكلن اللحم والعنب وهو الظاهر كما قاله البارزي وما نقله الأصل عن المتولي من أنه كالنفي المعاد معه حرفه حتى يتعدد اليمين لوجود حرف العطف توقف فيه ثم قال ولو أوجب حرف العطف تعدد اليمين في الإثبات لأوجبه في النفي أي غير المعاد معه حرفه انتهى
وقال ابن الصلاح وأحسب أن ما قاله المتولي من تصرفه وخرج بالعطف بالواو العطف بالفاء أو بثم فإن الحالف حينئذ حالف على عدم أكل العنب بعد اللحم بلا مهلة في الفاء وبمهلة في ثم في قوله والله لا آكل اللحم فالعنب أو ثم العنب فلا يحنث إذا أكلهما معا أو العنب قبل اللحم أو بعده بمهلة في الفاء وبلا مهلة في ثم وإن قال لا أكلم أحدهما أو واحدا منهما وأطلق حنث بكلام واحد منهما وانحلت اليمين فلا يحنث بكلام الآخر وإن قال لا آكل هذه الرمانة فأكلها إلا حبة لم يحنث أو عكسه بأن قال لآكلن هذه الرمانة فأكلها إلا حبة لم يبر لتعلق يمينه بالجميع فيهما وخرج بالحبة القشر والشحم لأن اليمين محمولة على العادة أو لا آكل هذا الرغيف فأكله إلا شيئا يمكن لقطه وأكله لم يحنث كما لو قال لا آكل ما على هذا الطبق من التمر فأكل ما عليه إلا تمرة لم يحنث وإن جرت العادة بترك بعض الطعام للاحتشام من استيفائه أو لغير ذلك ولو حلف لا يأكل الرءوس أو الرأس وأطلق حمل على رءوس نعم وهي الإبل والبقر والغنم لأنها تباع وتشرى مفردة فهي المتعارفة وإن اختص بعضها ببلد الحالف لا على رءوس طير وحوت وظبي وصيد آخر لم يعتد بيعها منفردة في بلده أي الحالف لأنها لا تفهم من اللفظ عند إطلاقه فإن اعتيد ذلك في بلده حنث بها الحالف أي بأكلها حيث كان إما في بلده فقطعا وإما في غيره فعلى الأقوى في الأصل لشمول الاسم ولأن ما ثبت به العرف في موضع ثبت في سائر المواضع كخبز الأرز قال وهو الأقرب إلى ظاهر النص وصحح النووي في تصحيحه وغيره مقابله ورجحه الشيخ أبو حامد
256
256
وغيره وقطع به المحاملي وهو مفهوم كلام المنهاج كأصله ومال إليه البلقيني قال والأول مقيد بما إذا انتشر العرف بحيث بلغ الحالف وغيره وإلا فلا حنث انتهى
وهل يعتبر كون الحالف في ذلك البلد أو كونه من أهله ولو كان بغيره فيه وجهان في الأصل رجح منهما البلقيني الثاني لأنه يسبق إلى فهمه ما ذكر عنده من عرف بلده وكلام المصنف يقتضيه وظاهر أن رءوس الخيل كرءوس الظباء فإن قال لا آكل رءوس الشواء فبرءوس الغنم يحنث فقط أي دون رءوس غيرها هذا من زيادته وصرح به الأذرعي وإن خصص أو عمم نوعا من الرءوس اتبع التصريح بالتعميم من زيادته أو قصد أن لا يأكل ما يسمى رأسا بالكل أي بكل ما يسمى رأسا فيحنث برأس الطير والحوت وغيرهما ومن حلف لا يأكل البيض حنث بما يزايل بائضه أي ينفصل عنه وهو حي كما وجد في نسخة لأنه المفهوم من لفظ البيض كبيض الدجاج والنعام والإوز والعصافير حالة كونه منعقدا ولو خرج من ميتة لا بيض السمك والجراد لأنه يخرج منهما بعد الموت بشق البطن و لا خصية شاة لأنها لا تفهم عند الإطلاق وكلامه كأصله شامل لبيض غير المأكول بناء على طهارته وحل أكله وقد قال في المجموع وإذا قلنا بطهارته حل أكله بلا خلاف لأنه ظاهر غير مستقذر بخلاف المني قاله البلقيني وهو مخالف لنص الأم والنهاية والتتمة والبحر على منع أكله وإن قلنا بطهارته قال وليس في كتب المذهب ما يخالفه فيأتي في الحنث بأكله الخلاف فيمن حلف لا يأكل لحما فأكل لحم ميتة أو حلف لا يأكل الخبز حنث بخبز البر والذرة والأرز والباقلا والحمص والشعير ونحوها من الحبوب ولو لم يعهد بعضها في بلد له لأن الجميع خبز واللفظ باق على مدلوله من العموم وعدم الاستعمال لا يوجب تخصيصا كما مر وكما لو حلف لا يلبس ثوبا حنث بأي ثوب كان وإن لم يكن معهود بلده وخبز الملة بفتح الميم وتشديد اللام وهي الرماد الحار كغيره والحاصل أنه يحنث بكل خبز وإن ثرد أو ابتلعه بلا مضغ وخالف كأصله في الطلاق في الثانية كما مر التنبيه عليه ثم لا إن جعله في مرقة حسوا بفتح الحاء وتشديد الواو بوزن فعول أي مائعا يشرب شيئا بعد شيء فحساه أي شربه فلا يحنث به لأنه حينئذ لا يسمى خبزا قال في الأصل ولا يحنث بأكل الجوزنيق على الأصح وهو القطائف المحشوة بالجوز ومثله اللوزنيق وهو القطائف المحشوة باللوز قاله ابن خلكان قال يقال فيها الجوزنيج واللوزنيج بالجيم فلما عربوه أبدلوا الجيم قافا ويحنث برقاق وبقسماط وكعك وبسيس لأنها خبز في الحقيقة وذكر هذا الحكم من زيادته وصرح به الأذرعي قال ولا أحسب أن المراد على هذا بالبسيس ما فسره به الجوهري من أنه دقيق أو سويق أو أقط مطحون يلت بسمن أو بزيت ثم يؤكل بلا طبخ بل المراد به ما يتعاطاه أهل الشام من أنهم يعجنون دقيقا ويخبزونه قبل أن يختمر ثم يبسونه بغربال ونحوه ويضيفون إليه سمنا وقد يزاد عليه عسل أو سكر أو
257
257
حلف لا يأكل اللحم حنث بشحم الظهر والجنب وهو الأبيض الذي لا يخالطه الأحمر لأنه لحم سمين ولهذا يحمر عند الهزال لا شحم البطن أو العين لأنه مخالف اللحم في الصفة كالاسم أو حلف لا يأكل الشحم فبالعكس أي يحنث بشحم البطن أو العين لا بشحم الظهر أو الجنب وإن كان الحالف عربيا لأنه لحم لا شحم وترجيح الحنث بشحم العين والتصريح بعدمه بشحم الجنب من زيادته ويحمل اللحم على كل لحم مأكول من نعم وغيرها سواء أكله مطبوخا أم نيء أم مشويا لا على لحم غيره كالميتة والحمار فلا يحنث الحالف لا يأكل لحما بأكله لأن قصده الامتناع عما يعتاد أكله ولأن اسم اللحم إنما يقع على المأكول شرعا ولا على لحم السمك والجراد لأنه لا يفهم عند إطلاق لفظ اللحم وإن سمى الله تعالى السمك لحما فقال لتأكلوا منه لحما طريا وشبه ذلك بما لو حلف لا يجلس في ضوء السراج فجلس في ضوء الشمس لا يحنث وإن سماه الله سراجا فقال وجعل الشمس سراجا وليس السنام بفتح السين والألية شحما ولا لحما فلا يحنث بهما من حلف لا يأكل شحما ولا لحما لمخالفتهما لهما في الاسم والصفة وإن حلف عليها أي على الألية لم يحنث بالسنام كعكسه المصرح به في الأصل وتقدم في الربا أن الجلد إذا لم يؤكل غالبا ليس بلحم فلا يحنث به الحالف لا يأكل لحما قال ابن أبي عصرون وكذا بقانصة الدجاج ثم الدسم وهو الودك يتناول شحم الظهر والبطن والألية والسنام والأدهان المأكولة لصدق اسمه بكل منها وخرج بالأدهان أصولها كالسمسم والجوز واللوز ولا تدخل الأمعاء والكرش والكبد بفتح أولهما وكسر ثانيهما على الأشهر والرئة والطحال بكسر الطاء والمخ والقلب قال الأذرعي والخصية والثدي على الأقرب في اللحم لعدم صدق الاسم ويدخل فيه لحم الرأس واللسان والخد والأكارع لصدق الاسم أو حلف على لحم البقر حنث بالأهلي والوحشي والجاموس لذلك بخلاف ما لو حلف لا يركب الحمار فركب حمارا وحشيا لا يحنث لأن المعهود ركوب الحمار الأهلي بخلاف الأكل قاله الرافعي ولو حلف على ميتة لم يحنث بالمذكاة ولا بالسمك والجراد للعرف وكما لو حلف على الدم لا يحنث بالكبد والطحال والسمن غير الزبد والدهن هذا يعلم منه قوله وكذا العكس والحاصل أن كلا من الثلاثة مغاير لكل من الآخرين فالحالف على شيء منها لا يحنث بالباقي للاختلاف في الاسم والصفة ولو حلف على الزبد والسمن لا يحنث باللبن كما صرح به الأصل واللبن يتناول ما يؤخذ من النعم والصيد قال الروياني والآدمي والخيل سواء فيه الحليب والرائب والمخيض والميش يؤخذ من كلام الجوهري أنه لبن ضأن مخلوط بلبن معز والشيراز بكسر المعجمة وهو أن يغلى اللبن فيثخن جدا ويصير فيه حموضة لا الجبن والمصل والأقط والسمن إذ لا يصدق عليها اسم اللبن وأما الزبد فإن ظهر فيه لبن فله حكمه وإلا فلا وينبغي أن تكون القشطة مثله ولو حلف على الجوز أو التمر أو البطيخ لم يحنث بالهندي منه للمخالفة في الطعم واللون والبطيخ الهندي هو الأخضر واستشكل عدم الحنث به في الديار المصرية والشامية وقيل
258
258
يحنث بالجوز الهندي لقربه من الجوز المعروف طبعا وطعما والترجيح فيه من زيادته وبما رجحه جزم المنهاج كأصله وليس خيار شنبر خيارا فلا يحنث الحالف عليه به والطعم والتناول شامل للأكل والشرب فلو حلف لا يطعم أو لا يتناول شيئا حنث بكل ما أكله وشربه ودليل كون الشرب طعما قوله تعالى ومن لم يطعمه فإنه مني وخبر ماء زمزم طعام طعم فإن حلف لا يأكل مائعا فشربه لم يحنث لأن الشرب ليس بأكل وإن أكله بخبز حنث لأنه هكذا يؤكل أو حلف لا يشربه فعكسه أي فإن أكله لم يحنث وإن شربه بخبز حنث أو حلف لا يشرب السويق لم يحنث باستفافه والتعاقه بملعقة أو أصبع مبلولة ولو كان خاترا بحيث يؤخذ بالملاعق لأن ذلك ليس شربا وما ذكره في الخاتر كأصله منقول عن الإمام وزعم الإسنوي أنه مخالف لكلامه ورده عليه الأذرعي أو حلف لا يأكله لم يحنث بشربه بل باستفافه والتعاقه أو حلف لا يأكل السكر حنث ببلعه بمضغ وغيره قوله وغيره يخالف ما مر في الطلاق كما مر التنبيه عليه فلو وضعه بفيه وذاب وابتلعه لم يحنث لأنه لم يأكله ولا يحنث بما اتخذ منه إلا إن نوى وكذا الحكم في التمر والعسل ونحوهما فإن حلف لا يأكل العنب والرمان فامتصهما ورمى الثقل بضم المثلثة لم يحنث كأكله أو شربه عصيرهما لأن ذلك لا يسمى أكلا لهما ومثلهما كل ما يمص أو حلف لا يأكل سمنا حنث بأكله جامدا وحده أو بخبز ولو ذائبا لا يشربه ذائبا لصدق اسم الأكل في ذاك دون هذا وإن جعله في عصيدة أو سويق وظهر جرمه فيه برؤيته حنث لأنه فعل المحلوف عليه نعم إن نوى شيئا حمل عليه وإن جعل الخل المحلوف عليه في سكباج فظهر لونه وطعمه حنث بأكله وإن استهلكه أي السمن أو الخل فلا يحنث وإن حلف لا يأكل أو لا يشرب فذاق لم يحنث أو لا يذوق حنث بأحدهما أي بالأكل أو الشرب لتضمنه الذوق وكذا لو ذاقه ومجه لأن الذوق إدراك الطعم وقد حصل أو حلف لا يأكل ولا يشرب ولا يذوق فأوجر في حلقه وبلغ جوفه لم يحنث لأنه لم يأكل ولم يشرب ولم يذق أو حلف لا يطعم كذا حنث بالإيجار من نفسه أو من غيره باختياره لأنه صار طعامه عبارة الأصل لأن معناه لا جعلته لي طعاما أي وقد جعله له طعاما ويدخل في اسم الفاكهة وشرطها النضج رطبها ويابسها كالتمر والزبيب والتين اليابس ومفلق الخوخ والمشمش والرطب والعنب والأترج بضم الهمزة والراء ويقال فيه الأترنج وبه عبر الأصل والليمون والنارنج والنبق والموز ولب الفستق بفتح التاء وحكي ضمها والبندق بالباء كما عبر به النووي وغيره وبالفاء كما عبر به الأزهري وغيره والبطيخ ونحوها كتفاح وكمثرى وسفرجل وذلك لوقوع اسم الفاكهة عليها والعطف في قوله تعالى فيهما فاكهة ونخل ورمان لتخصيصهما وتمييزهما كما في قوله تعالى وملائكته ورسله وجبريل وميكال وقيد الفارقي الليمون والنارنج بالطريين فالملح منهما ليس بفاكهة واليابس منهما أولى بذلك ومقتضى كلامهم عدم
259
259
دخول البلح والحصرم في الفاكهة وبه صرح المتولي لكن محله في البلح في غير الذي حلى أما ما حلى فظاهر أنه من الفاكهة وفي شمولها الزيتون وجهان في البحر لا القثاء بكسر القاف وضمها أو بالمثلثة والمد والخيار فليسا منها بل من الخضراوات كالباذنجان والجزر وظاهر كلامهم أن القثاء غير الخيار وهو الشائع عرفا لكن فسر الجوهري كلا منهما بالآخر ولا يدخل اليابس من الثمار في الثمار
فصل لو حلف لا يأكل البيض و حلف ليأكلن ما في كم زيد فكان ما في كمه بيضا فجعله في الناطف وأكله كله لم يحنث لأنه أكل ما في كمه ولم يأكل البيض فرع الرطب والعنب والسمسم ليست بثمر و لا زبيب و لا شيرج وعصير التمر ودبسه ليسا بتمر وكذا العكس لاختلافهما اسما وصفة وإن كان أصلهما واحدا والرطب غير البسر والبلح وهل يتناول الرطب المشرخ وهو ما لم يترطب بنفسه بل عولج حتى ترطب قال الزركشي فيه نظر وقد ذكروا في السلم أنه لو أسلم إليه في رطب فأحضر إليه مشرخا لا يلزمه قبوله لأنه لا يتناوله اسم الرطب فائدة قال الجوهري البسر أوله طلع ثم خلال بفتح الخاء ثم بلح ثم بسر ثم رطب ثم تمر فإن حلف لا يأكل الرطب فأكل من المنصفة بضم الميم وفتح النون وكسر الصاد المشددة وهي ما بلغ الأرطاب فيها نصفها غير الرطب لم يحنث أو أكل منها الرطب حنث وكذا لو أكلهما جميعا قال في الأصل ولو حلف لا يأكل البسر فأكل المنصف ففيه هذا التفصيل والحكم بالعكس وقضيته أنه لا يحنث بأكل الجميع وليس بظاهر فالأوجه أنه يحنث به لأنه أكل بسرا أو كنظيره فيما اقتصر عليه المصنف وكذا لو حلف لا يأكل بسرة ولا رطبة فأكل منصفة لم يحنث ولفظة كذا من زيادته ولا معنى لها هنا والطعام إذا حلف لا يأكله يتناول التوت والفاكهة والأدم والحلوى وتقدم في باب الربا الدواء وفيه في الأصل هنا وجهان وقضية كلام المصنف كالمنهاج وأصله عدم الحنث به وبه جزم الماوردي والروياني واختاره الأذرعي وغيره وتقدم الفرق بين البابين في باب الربا وهل يدخل الزبيب والتمر واللحم في القوت لمن لا يقتاته أي كلا منها أو لا وجهان أوجههما عدم دخولها إن لم يعتد اقتياتها ببلد الحلف بخلاف ما لو اعتيد ذلك أو كان الحالف يقتاتها ومن الأدم الفجل والثمار والبصل والملح والتمر والخل والشيرج ولو حلف لا يشرب الماء حنث بكل ماء حتى بماء البحر وشرب ماء الثلج والجمد لا أكلهما فشربهما غير أكلهما وأكلهما غير شربهما والثلج غير الجمد والاعتبار في الطبخ فيما لو حلف لا يأكل مما طبخه زيد بالإيقاد منه تحت القدر حتى ينضج ما يطبخه وإن وجد نصب القدر وتقطيع اللحم وصب الماء عليه وجمع التوابل من غيره أو بوضع القدر منه في تنور سجر أي حمي وإن حماه غيره لانصب القدر على تنور لم يسجر وجمع التوابل أي لا يحنث بذلك فإن حلف لا يأكل طبيخه فشاركه غيره في الطبخ معا أو مرتبا لم يحنث بأكله مما تشاركه في طبخه لأنه لم ينفرد بالطبخ ولو حضر الطابخ أي الحاذق بالطبخ قريبا وأشار إلى صبيه بالإيقاد أو الوضع في
260
260
التنور والتقليل أو التكثير فوجهان أحدهما يحنث بأكله من ذلك لأن الطبخ هنا يضاف إلى الأستاذ والثاني لا لانتفاء ما مر والخبز فيما لو حلف لا يأكل مما خبزه زيد الإلصاق منه لما يخبز بالتنور لا سجره وعجن الدقيق وتقطيع الرغفان وبسطها النوع الثالث العقود لو حلف لا يأكل أو لا يلبس ما اشتراه زيد أو مما اشتراه لم يحنث بما رجع إليه برد بعيب أو إقالة وإن جعلناها بيعا أو حصل له بصلح أو قسمة وإن جعلناها بيعا أو إرث أو هبة أو وصية لأنها لا تسمى بشراء عند الإطلاق ويحنث بما دخل في ملكه بسلم أو تولية أو إشراك كما ذكره الأصل لأنها شراء حقيقة وإطلاقا إذ يقال اشتراه سلما وتولية وإشراكا ويترتب عليها أحكامه من خيار وغيره وإن اشتهر لكل منها صيغة وصورته في الإشراك أن يشتري بعده الباقي أو تفرز حصته إذ لا حنث بالمشاع كما سيأتي مع أنه علم مما مر فظاهر كلامه كالروضة أنه لا فرق في الصلح بين كونه بدين وكونه بغيره لكن قيده الرافعي وجماعة بالدين ولعله مثال ولا يحنث بما اشتراه له وكيله لأنه ليس مشتراه إذ يقال ما اشتراه زيد بل وكيله وإن اشتراه زيد لغيره بوكالة أو ولاية أو اشتراه ثم باعه أو باع بعضه فأكله حنث لأنه أكل ما اشتراه زيد ولا يحنث بما اشتراه زيد وعمرو شركة معا أو مرتبا وإن أكل أكثر من النصف لأنه ليس مشتراه إذ يقال ما اشتراه زيد بل زيد وعمرو فكل جزء منه مشترك نعم إن أفرز حصته فالظاهر حنثه إن كانت القسمة إفرازا فلو اختلط ما اشتراه زيد بما اشتراه غيره فأكل الحالف من ذلك قدرا يعلم كونه أي ما اشتراه زيد فيه وفي نسخة منه أي القدر المذكور كالكف والكفين حنث لأنا نعلم أن فيه مما اشتراه زيد وإن لم يتعين لنا والمراد بالعلم ما يشمل الظن لظهور أن الكف قد لا يحصل به العلم أو حلف لا يدخل دارا اشتراها زيد فملك بعضها وأكلها بشفعة أو نحوها مما لا يسمى شراء لم يحنث وصورة أخذ الكل بالشفعة أن يأخذ بها دار جاره ويحكم له بصحة الأخذ أو يأخذ بها حصة شريكه ثم يبيع حصته القديمة فيبيعها المشتري ثم يأخذها هو بالشفعة أيضا أو حلف لا يأكل طعامه فأكل مشتركا بينه وبين غيره حنث بخلافه في اللبس والركوب لا يحنث لأن يمينه في الأولى انعقدت على أن لا يأكل طعاما مملوكا له وقد أكل طعاما مملوكا له وفي الأخيرتين انعقدت على أن لا يلبس ثوبا مملوكا له وأن لا يركب دابة مملوكة ولم يحصل ذلك بلبس المشترك وركوبه وفي معنى اللبس والركوب السكنى ونحوها وإن حلف لا يعقد عقدا فوكل فيه غيره لم يحنث وإن جرت عادته بالتوكيل فيه لأنه لم يعقد وكذا لو وكل في إنكاح ابنته فيما لو حلف لا ينكحها وهذا داخل فيما قبله قال الزركشي ومقتضى إطلاقهم أنه لا يحنث وإن فعله الوكيل بحضرته وأمره لكن مر في الخلع فيما لو قال لزوجته متى أعطيتيني ألفا فأنت طالق أنها لو قالت لوكيلها سلمه إليه فسلمه طلقت وكان تمكينها الزوج من المال إعطاء وقياسه هنا أن يحنث بذلك لكن قد يفرق بأن اليمين تتعلق باللفظ فاقتصر على فعله وأما في الخلع فقولها لوكيلها سلمه إليه بمثابة خذه
261
261
فلاحظوا المعنى وإن وكل من يتزوج له فيما لو حلف لا يتزوج حنث لأن الوكيل في قبول سفير محض ولهذا يشترط تسمية الموكل وقيل لا يحنث كما في البيع والشراء وترجيح الأول من زيادته وبه جزم في المنهاج كأصله هنا وفي الشرح الكبير في النكاح قال البلقيني وهو مخالف لمقتضى نصوص الشافعي أن من حلف على شيء أن لا يفعله فأمر غيره بفعله لم يحنث ولقاعدة أن النظر في ذلك إلى الحقيقة ولما عليه الأكثر قال ولم أر أحدا اعتمد الأول إلا البغوي انتهى ومثل ذلك يجري فيما لو حلف لا يراجع من طلقها رجعيا ثم وكل من راجعها سواء قلنا الرجعة ابتداء نكاح أم استدامة ولو عقد لغيره ما سوى النكاح بوكالة فيما لو حلف لا يعقد عقدا حنث لأنه فعل ما حلف عليه أما النكاح فلا يحنث الحالف أنه لا ينكح بعقده لغيره لأن النكاح تجب إضافته للموكل فلا يحنث الوكيل وقيل يحنث كما في غير النكاح والترجيح من زيادته وبه جزم المنهاج كأصله وقضية كلامه أن صورة هذه أن يحلف أنه لا يعقد عقدا وليس مرادا سواء كان الحالف فيما مر ممن يليق به عقده أم لا وسواء صرح بالإضافة إلى الموكل أم نواه لأنه فعل ما حلف عليه وبما مر علم أن فعل غير الحالف لا يقوم مقام فعله حتى لو حلف الأمير أو نحوه أنه لا يضرب فلانا فضربه الجلاد ولو بأمره لم يحنث لأنه حلف على فعل نفسه حقيقة فلا يحنث بغيره ولا نظر إلى العادة بدليل أنه لو حلف لا يلبس أو لا يأكل فلبس أو أكل ما لا يعتاده حنث أو حلف لا يبني بيته فأمر البناء ببنائه فبناه أو لا يحلق رأسه فأمر بحلاق بزيادة الباء فحلقه لم يحنث فيهما لذلك وقيل يحنث في الثانية للعرف وترجيح الأول فيها من زيادته لكن جزم الرافعي في باب محرمات الإحرام من شرحيه بالثاني وصححه الإسنوي وغيره فإن نوى فيما ذكر منع نفسه أو وكيله أي منع كل منهما من فعل المحلوف عليه اتبع عملا بنيته وطريقه أنه استعمل اللفظ في حقيقته ومجازه أو في عموم المجاز كان لا يسعى في فعل ذلك واستثنى الزركشي ما إذا كان قد وكل قبل يمينه والأوجه خلافه أو حلف لا يبيع لزيد مالا فباعه بلا إذن لم يحنث إذ لا بيع صحيح لأن العقد إنما يتناول الصحيح أما لو باعه بإذنه و بإذن الحاكم لحجر أو امتناع أو بإذن الولي لحجر أو بالظفر فيحنث وصرح ببعضه البلقيني وجعل ضابط ذلك أن يبيعه بيعا صحيحا وكذا لو باعه بإذن وكيله أي وكيل زيد ولم يعلم أنه مال زيد لا يحنث لجهله وإن حلف لا يبيع لي زيد مالا فباع له بإذن وكيله حنث سواء علم زيد أنه مال الحالف أم لا لأن اليمين منعقدة على نفي فعل زيد وقد فعل باختياره قال الأذرعي والظاهر حمل ذلك على ما إذا قصد التعليق أما إذا قصد المنع فيأتي فيه ما مر في تعليق الطلاق أو حلف لا يطلق زوجته ففوض إليها طلاقها فطلقت نفسها لم يحنث كما لو وكل فيه أجنبيا ولو قال إن فعلت كذا أو إن شئت فأنت طالق ففعلت أو شاءت حنث لأن الموجود منها صفة وهو المطلق صرح به الأصل فرع لو حلف لا يبيع ولا يشتري ولا يهب فعقد عقدا فاسدا لم يحنث كما علم من المسائل المعللة بقوله إذ لا بيع فلو أضاف العقد إلى ما لا يقبله كأن حلف لا يبيع خمرا أو مستولدة لم يحنث ببيعه لأن البيع سبب للملك وهو لا يتصور في ذلك فلغت الإضافة إليه إلا أن يريد صورة البيع فيحنث لوجود
262
262
الصفة وإن حلف لا يحج فحج حجا فاسدا حنث لأنه منعقد يجب المضي فيه كالصحيح وسيأتي تصوير انعقاده فاسدا أو لا يبيع بيعا فاسدا فباع بيعا فاسدا ففي حنثه وجهان جزم صاحب الأنوار كغيره بأنه لا يحنث وقال الإمام الوجه عندنا أنه يحنث قال الأذرعي وظاهر كلام الشيخين ترجيح الأول والقلب إلى ما قاله الإمام أميل قلت ولي به أسوة ولو حلف لا يهب له حنث بكل تمليك في الحياة خال عن العوض ولو بالصدقة عليه والعمرى والرقبى لأنها أنواع خاصة من الهبة لا بإعطائه الزكاة لآنها لا تسمى هبة و لا ضيافته ولا إعارته إذ لا تمليك فيهما و لا الوصية له لأنها تمليك بعد الموت والميت لا يحنث ولا يوقف عليه لأن الملك فيه لله تعالى ولو وهب له ولم يقبض منه ما وهبه له لم يحنث لأن مقصود الهبة لم يحصل ولأن المقصود بالحلف على الامتناع من الهبة عدم التبرع على الغير وذلك حاصل عند عدم القبض قال إبراهيم المروذي ولا يحنث بالهبة لعبده لأنه إنما عقد مع العبد قال الماوردي ولا بمحاباة في بيع ونحوه أو حلف لا يتصدق حنث بالصدقة فرضا وتطوعا على فقير وغني ولو ذميا لشمول الاسم ويحنث بالإعتاق لأنه تصدق عليه برقبته لا الهبة لأنها أعم من الصدقة كما مر نعم إن نواها بها حنث كما صرح به الإمام ولا يحنث بالإعارة والضيافة كما صرح به الأصل وإن وقف عليه حنث لأن الوقف صدقة لا يقال ينبغي أن يحنث به فيما مر أيضا لأنه تبين بهذا أن الوقف صدقة وكل صدقة هبة لأنا نقول هذا الشكل غير منتج لعدم اتحاد الوسط إذ محمول الصغرى صدقة لا تقتضي التمليك وموضوع الكبرى صدقة تقتضيه كما مر في بابها ولو حلف لا يشارك فقارض حنث لأنه نوع من الشركة قاله الخوارزمي قال الزركشي وهو ظاهر بعد حصول الريح دون ما قبله وإن حلف لا يبره حنث بجميع التبرعات كإبرائه من الدين وإعتاقه وهبته وإعارته لأن كلا منها يعد برا عرفا لا إعطائه الزكاة كما لو قضى دينا والكفالة بالبدن والكتابة للرقيق غير الضمان بالمال والعتق فلو حلف لا يضمن لفلان مالا فكفل بدن مديونه أو لا يعتق عبده فكاتبه وعتق بأداء النجوم لم يحنث لأنه لم يأت بالمحلوف عليه ووجهه في الثانية أنه إن وجد فيها إعتاق في الجملة من حيث إن التعليق مع وجود الصفة إعتاق لكن الظاهر أن اليمين عند الإطلاق منزلة على الإعتاق مجانا وإن حلف أنه لا مال له حنث بكل ماله حتى بثوبه وداره وعبد خدمته وبدينه ولو مؤجلا ولو على معسر أو جاحد لصدق الاسم ووجهه في الدين وجوب الزكاة فيه وجواز التصرف فيه بالحوالة والإبراء واستثنى البلقيني أخذا من التعليل بوجوب الزكاة دينه على مدين مات ولم يخلف تركة ودينه على مكاتبه فلا يحنث بهما وإن كان له مال غائب وضال ومغصوب ومسروق وانقطع خبره فوجهان أحدهما يحنث
263
263
لأن الأصل بقاء الملك فيها وثانيهما لا لأن بقاءها غير معلوم ولا يحنث بالشك وهذا أوجه ويحنث بأم الولد والمدبر لأنهما مملوكان وله منافعهما وأرش الجناية عليهما لا المكاتب كتابة صحيحة إذ لا يملك سيده منافعه ولا أرش جنايته فهو كالخارج عن ملكه ولا ينافي هذا ما قدمه في الغصب من أنه مال لأن المتبع العرف والغصب تعد يناسبه التغليظ ولا منفعة بوصية أو إجارة ولا بموقوف عليه ولا باستحقاق قصاص لأن المفهوم من إطلاق المال الأعيان فلو كان قد عفا عن القصاص بمال حنث ولو حلف لا ملك له حنث بمغصوب منه وآبق ومرهون لا بزوجة لأنها غير مفهومة مما ذكر هذا إن لم تكن له نية وإلا فيعمل بنيته ولا بزيت نجس أو نحوه لأن الملك زال عنه بالتنجس كموت الشاة أو لا عبد له لم يحنث بمكاتب تنزيلا للكتابة منزلة البيع النوع الرابع الأوصاف والإضافات لو حلف لا يدخل داره حنث بدار يملكها وإن لم يسكنها لأنه مقتضى الإضافة إلى من يملك بدليل الإقرار والشهادة لا بما يسكنه بإجارة أو إعارة أو نحوهما لعدم الملك إلا إن أراده فيحنث عملا بنيته أو حلف لا يدخل مسكنه حنث بما يسكنه ولو غصبا إلا بما يملكه ولا يسكنه لأنه ليس بمسكنه حقيقة إلا إن أراده فيحنث عملا بنيته أو لا يدخل دار مكاتبه حنث بدخولها لأنه مالك نافذ التصرف وإن حلف لا يدخل دار زيد أو لا يكلم عبده فباعهما يعني فأزال ملكهما أو ملك بعضهما ثم دخلها أي الدار وكلمه أي العبد لم يحنث لأنه لم يدخل دار زيد ولم يكلم عبده حقيقة فإن دخل ما أي دارا اشتراها زيد بعد لم يحنث بدخولها إن أراد الأولى وإن أراد ملكه بأن أراد أي دار تكون في ملكه حنث بالثانية وكذا إن أطلق كما ذكره الماوردي والبغوي وابن الصباغ وغيرهم وإن أراد أي دار جرى عليها ملكه حنث بهما ولو قال لا أدخل دار زيد هذه حنث بدخولها ولو بعد البيع تغليبا للإشارة دون الاسم كمن حلف لا يكلم زوجة فلان هذه وكلمها مطلقة حنث بتكليمها أو لا آكل لحم هذه البقرة مشيرا لشاة حنث بأكلها بخلاف قوله لا آكل لحم هذه السخلة فكبرت وأكل لحمها أو لا أكلم هذا الصبي فبلغ وكلمه لزوال الاسم ولا يلزم من اعتبار الاسم المطابق اعتبار غيره ولا يجيء فيه الخلاف في نظيره من البيع إذ باب الإيمان أوسع ولو حلف لا يدخلها من هذا الباب فقلع ونصب على منفذ آخر منها فالمعتبر في الحنث المنفذ لا الخشب المركب عليه فحنث بالأول لأنه المحتاج إليه في الدخول دون الباب المنصوب عليه لا بالثاني إلا إن نواه فيحنث به ولو حلف لا يدخل هذه الدار من بابها أو لا يدخل باب هذه الدار فحول الباب إلى منفذ آخر ودخل منه حنث كما يحنث بدخوله من المنفذ الأول لأن كلا منهما بابها ولا يشترط لما يتناوله اللفظ وجوده عند اليمين بدليل أنه لو قال لا أدخل دار زيد فدخل دارا ملكها بعد اليمين حنث وإن تسور الجدار وصار فيها لم يحنث لأنه لم يدخل من بابها ولو ملك زيد عبده دابة فركبها رجل حلف لا يركب دابة زيد حنث لأنها دابته أو حلف لا يركب دابة عبده لم يحنث لأن الإضافة للملك ولا ملك للعبد إلا إن قال أردت ما ملكه عبده بتشديد اللام فيحنث لوجود التمليك وإن لم يحصل به ملك
264
264
فلو ركب دابة ملكها العبد بعد العتق فوجهان أحدهما رجحه الرافعي في الشرح الصغير يحنث لوجود الملك وثانيهما لا إن لم تكن له نية لأنه إنما ركب دابة حر وهذا رجحه الأصل تفقها وهو الأوجه أو حلف لا يركب سرج هذه الدابة فركبه ولو على دابة أخرى وكذا دكان حلف لا يدخله وهو ينسب إلى زيد بلا ملك وإنما ينسب إليه نسبة تعريف حنث ومثل ذلك كل ما لا يتصور منه الملك فتكون الإضافة إليه للتعريف لا للملك كدار العدل ودار الولاية وسوق أمير الجيوش وخان الخليلي بمصر وسوق يحيى ببغداد وخان أبي يعلى بقزوين ودار الأرقم بمكة ودار العقيقي بدمشق فإذا حلف لا يدخل شيئا منها حنث بدخوله وإن كان من يضاف إليه ميتا لتعذر حمل الإضافة على الملك أو حلف لا يلبس ثوبا من أي أنعم به عليه فلان فباعه ثوبا وأبرأه من ثمنه أو حاباه فيه لم يحنث بلبسه لأن المنة في الثمن لا في الثوب وإن وهبه له أو أوصى له به حنث بلبسه إلا أن يبدله قبل لبسه بغيره ثم يلبس الغير فلا يحنث لأن الأيمان تبنى على الألفاظ لا على المقصود التي لا يحتملها اللفظ وقوله فباعه إلى آخره يقتضي وقوعه بعد اليمين وليس مرادا إذ وقوعه بعدها لا حنث فيه مطلقا لأنه عبر في حلفه بالماضي فلو قال كأصله فلبس ثوبا باعه له أو وهبه إلخ كان أولى وسيأتي بسط ذلك لكن ما اقتضاه كلامه بحثه الأذرعي والزركشي قالا وينبغي التفصيل بين اللغوي وغيره وإن من أي عدد عليه النعم غيره فحلف لا يشرب له ماء من عطش فشرب ماءه بلا عطش أو أكل له طعاما أو لبس له ثوبا لم يحنث لأن اللفظ لا يحتمله وإن كان قد يقصد في مثل ذلك الامتناع من الجميع وإن قال لا ألبس ثوبا من غزل فلانة فلبس ثوبا سداه بفتح السين من غزلها ولحمته من غيره لم يحنث لأنه ما لبس من غزلها بل منه ومن غيره وإن قال لا ألبس من غزلها حنث به لا بثوب خيط بخيط من غزلها لأن الخيط لا يوصف بأنه ملبوس فإن قال لا ألبس مما غزلته لم يحنث بما تغزله بعد اليمين بل ما غزلته قبلها أو عكسه فعكس حكمه أي قال لا ألبس مما تغزله لم يحنث بما غزلته قبل اليمين بل بما تغزله بعدها أو قال لا ألبس من غزلها حنث بهما أي بما غزلته وبما تغزله لصلاحية اللفظ لهما وبذلك علم ما صرح به الأصل أنه يراعى في الحلف مقتضى اللفظ في تناوله الماضي والمستقبل أو أحدهما فإذا قال لا ألبس ما من به علي فلان فإنما يحنث بلبس ما من به فلان قبل اليمين بهبة أو غيرها لا بما يمن به بعدها وعكسه عكس حكمه وتقدم فيه بحث الأذرعي والزركشي وإن حلف لا يلبس ثوبا حنث بقميص ورداء وسراويل وجبة قباء ونحوها مخيطا كان أو غيره من قطن وكتان وصوف وإبريسم سواء ألبسه بالهيئة المعتادة أم لا بأن ارتدى أو اتزر بالقميص أو تعمم بالسراويل لتحقق اسم اللبس والثوب لا بالجلود والقلنسوة والحلي لعدم اسم الثوب قال الأذرعي ويشبه أنه إذا كان من أهل ناحية يلبسونها ويعدونها ثيابا يحنث بها ولا بوضع الثوب على الرأس و لا افتراشه تحته وكذا لو تدثر به لأن ذلك لا يسمى لبسا وإنما حرم افتراش الحرير لأنه نوع استعمال فكان كسائر أنواع الاستعمال قال في المهمات ومحل ما ذكر في التدثر إذا كان بقميص أو نحوه كما صور به في الوجيز أما إذا تدثر بقباء أو فرجية ففي أصل الروضة عن الإمام في محرمات الإحرام أنه إن أخذ من بدنه ما إذا قام عد لابسه لزمته الفدية وإن كان بحيث لو قام أو قعد لم يستمسك عليه إلا بمزيد أمر فلا وحينئذ يحمل إطلاقهم هنا على ذلك انتهى
ورد بما فيه نظر ويحنث في الحلف على لبس الحلي لا الحلي المتخذ من الذهب والفضة واللؤلؤ والجواهر ولو منطقة محلاة وسوارا وخلخالا وطوقا ودملجا وخاتما سواء أكان الحالف رجلا أو امرأة لا بسيف محلى لأنه ليس حليا و يحنث بالخرز والسبج بفتح المهملة والموحدة وبالجيم وهو الخرز الأسود كما في الصحاح إن كان من قوم يعتادون
265
265
التحلي بهما مثل أهل السواد وإلا فوجهان قال في الأصل كما لو حلف غير البدوي لا يدخل بيتا فدخل بيت شعر وقضيته ترجيح الحنث لكن جزم الماوردي بعدمه لا بالمتخذ من شبه بفتح السين المعجمة والموحدة أي نحاس وحديد قال الأذرعي ويشبه أنه إذا كان من قوم يتحلون بذلك ويعدونه حليا حنث به كما ذكر في المخدة وكما مر في الخرز ثم رأيت الروياني قال ولو تحلى بالخرز والصفر فإن كان في عرفهم حليا كأهل البوادي وسكان السواد حنث وإلا فلا وإن حلف لا يلبس شيئا حنث بالجلود والنعل والقلنسوة والدرع ونحوها من سائر ما يلبس لصدق الاسم أو لا يلبس قميصا منكرا أو معرفا كهذا القميص فارتدى أو اتزر به حنث لتحقق اسم اللبس والقميص كما مر نظيره في الحلف على لبس الثوب لا إن ارتدى أو اتزر به بعد فتقه لزوال اسم القميص فلو أعاده على هيئته الأولى فكالدار المعادة بنقضها وسيأتي ولو قال لا ألبس هذا الثوب وكان قميصا أو رداء فجعله نوعا آخر مثل سراويل حنث بلبسه لتعلق اليمين بعين ذلك الثوب إلا أن ينوي ما دام بتلك الهيئة كما صرح به الأصل أو لا ألبس هذا القميص أو الثوب قميصا فارتدى أو اتزر أو تعمم به لم يحنث لعدم صدق الاسم بخلاف ما لو قال لا ألبسه وهو قميص فأتى بذلك فإنه يحنث لأنه لبسه وهو قميص وإن حلف لا يأكل هذه وأشار إلى حنطة فأكلها ولو خبزا حنث تغليبا للإشارة أو لا يأكل حنطة أو هذه الحنطة أو من هذه الحنطة فأكلها حبا ومقلية ومطبوخة مع بقاء حبها ومبلولة لا مطحونة ومعجونة ومخبوزة حنث إن أكلها لصدق الاسم لا إن أكل بعضها فلا يحنث به إلا في الثالثة وهي لا آكل من هذه الحنطة فيحنث وإنما لم يحنث بأكلها مطحونة أو معجونة أو مخبوزة أو مطبوخة مع عدم بقاء حبها لزوال اسم الحنطة وظاهر أن أكل الكل أو البعض في الأولى غير مراد لعدم تأتيه فيها لتنكيره الحنطة والدقيق غير العجين والخبز غيرهما فلو قال لا آكل هذا الدقيق فأكل عجينه أو خبزه أو هذا العجين فأكل خبزه أو هذا الخبز فدقه بعد يبسه وأكل دقيقه لم يحنث وذكر الأخيرة من زيادته وبها صرح ابن الرفعة تفقها وإن حلف لا يلبس هذا الغزل فلبسه ثوبا أو لا يأكل لحم هذا الخروف فذبحه وأكله حنث لأن الغزل هكذا يلبس ولحم الخروف هكذا يؤكل والأولى ترك لفظة لحم كما تركها الأصل فلو ذبحه وقد صار كبشا وأكله لم يحنث لزوال اسم الخروف فكان الثاني غير الأول ولو قال مشيرا لصبي أو عبد لا أكلم هذا فكلمه حرا أو بالغا حنث والتصريح بمسألة الصبي من زيادته أو قال لا أكلم هذا العبد أو هذا الصبي فكلمه حرا أو بالغا لم يحنث لزوال الاسم وكذا لا يحنث لو قال لا آكل هذا الرطب فصار تمرا أو هذا التمر فجعل حبسا بأن خلطا بعد نزع نواه وعجنه شديدا
266
266
بسمن وأقط وأكله كذلك ولو حلف لا يلبس الخاتم فجعلها
الأولى قول أصله فجعله
في غير خنصره من أصابعه حنثت المرأة لا الرجل لأنه العادة في حقها دونه أما جعله في الخنصر فيحنث به كل منهما وما قاله تبع فيه ابن الرفعة وغيره أخذا من كلامهم في الوديعة بل نقله ابن الرفعة عن الجامع الكبير ردا على قول الأصل فعن المزني في الجامع أنه لا يحنث لأنه لا يلبس عادة في غير الخنصر وتابعه البغوي وقاسه على ما لو حلف لا يلبس القلنسوة فجعلها في رجله والذي حكاه الروياني عن الأصحاب أنه يحنث أي مطلقا قال الأذرعي وهو الراجح لوجود حقيقة اللبس وصدق الاسم قال والظاهر أنه لا فرق بين لبسه في الأنملة العليا والوسطى والسفلى فصل لو حلف لا يخرج فلان إلا بإذنه أو بغير إذنه أو حتى يأذن له فخرج بلا إذن منه حنث أو بإذن فلا يحنث ولو لم يعلم بإذنه لحصول الإذن وانحلت اليمين في الحالين أي حالتي الحنث وعدمه حتى لو خرج بعد ذلك بغير إذن أو بإذن لم يحنث ولو كان الحلف بطلاق كأن قال لزوجته إن خرجت أو إن خرجت أبدا بغير إذني فأنت طالق فخرجت وادعى الإذن لها في الخروج وأنكرت ولا بينة له فالقول قولها بيمينها وتنحل اليمين بخرجة واحدة سواء أكانت بإذن أم لا لأنها تعلقت بخرجة واحدة إذ ليس فيها ما يقتضي التكرار فصار كما لو قيدها بواحدة ولأن لهذه اليمين جهة بر وهي الخروج بإذن وجهة حنث وهي الخروج بدونه لأن الاستثناء يقتضي النفي والإثبات جميعا وإذا كان لها جهتان ووجدت إحداهما تنحل اليمين بدليل ما لو حلف لا يدخل اليوم الدار وليأكلن هذا الرغيف فإنه إن لم يدخل الدار في اليوم بر وإن ترك أكل الرغيف وإن أكله بر وإن دخل الدار وليس كما لو قال إن خرجت لابسة حريرا فأنت طالق فخرجت غير لابسة لا تنحل حتى يحنث بالخروج ثانيا لابسة له لأن اليمين لم تشتمل على جهتين وإنما علق الطلاق بخروج مقيد فإذا وجد وقع الطلاق لا في التعليق بلفظ كلما أو كل وقت فلا ينحل بخرجة واحدة بل يتكرر الحنث بتكرر الخروج لاقتضائه التكرار هذا إن كانت مدخولا بها وإلا فلا تكرار وكذا لو قال إن خرجت أو مهما خرجت أو نحوهما غير لابسة خفا أو حريرا فأنت طالق فخرجت لابسة له انحلت يمينه لما مر وإن قال كلما خرجت بغير إذني فأنت طالق فطريقه في عدم تكرر وقوع الطلاق أن يجدد الإذن لكل خرجة ويغنيه عن ذلك أن يقول أذنت لك في الخروج كلما أردت فإن أذن لها في الخروج ثم رجع عن الإذن فخرجت بعد لم يحنث في قوله في تعليقه حتى أو إلى أن آذن لك لأنه جعل إذنه غاية اليمين وقد حصل الإذن ويحنث في قوله فيه بغير إذني أو إلا بإذني أو بلا إذني لأن خروجها بعد رجوعه خروج بغير إذن ولا مانع قال البغوي في فتاويه ولو قال لا أخرج حتى أستأذنك فاستأذنه فلم يأذن فخرج حنث لأن الاستئذان لا يغني لعينه بل للإذن ولم يحصل نعم إن قصد الإعلام لم يحنث النوع الخامس في الكلام هجران المسلم حرام فوق ثلاث من الأيام إلا لبدعة أو مصلحة دين أو مجاهرة بظلم أو فسق كما مر ذلك في باب الشقاق مع التسوية بين المجاهر وغيره وقد صوبها الإسنوي وجزم بها الأذرعي قال بل المستتر بذلك أولى بالهجران لأنه أقرب إلى الارتداع من المجاهر فإن قال والله لا أكلمك فتنح عني أو قم أو اخرج أو غيرها ولو متصلا باليمين حنث لأنه كلمه لا إن كلمه برسول وكتاب وإشارة برأس أو غيره ولو من أخرس لأنه لم يكلمه حقيقة وإنما أقيمت إشارة الأخرس في المعاملات مقام النطق للضرورة كذا ذكره الأصل وتعقب بما في فتاوى القاضي من أنه لو حلف الأخرس لا يقرأ القرآن فقرأه بالإشارة حنث
267
267
وبما مر في الطلاق من أنه لو علقه بمشيئة ناطق فخرس وأشار بالمشيئة طلقت ويجاب عن الأول بأن الخرس موجود فيه قبل الحلف وفي مسألتنا بعده وعن الثاني بأن الكلام مدلوله اللفظ فاعتبر بخلاف المشيئة وإن كانت تؤدى باللفظ ويرتفع بها أي بالرسالة والكتابة والإشارة الإثم أي إثم الهجران في حال الغيبة لأحدهما إن صوابه أو كانت المواصلة بينهما قبل الهجران بها وتضمنت في الحالين الألفة بينهما لا إن كان فيها إيذاء وإيحاش فلا يرتفع بها الإثم بل هي زيادة وحشة وتأكيد للمهاجرة ولا إن كانت في حال الحضور ولم تكن المواصلة بينهما قبل الهجران بها ولو حلف أن يهاجره فراسله أو كاتبه أو أشار إليه فإن كان إثم الهجران لا يرتفع بها ما لم يحنث وإلا حنث صرح به الأصل ويحنث فيما لو حلف لا يكلمه أو لا يسلم عليه بسلام عليه لأنه كلام وسلام
وكذا بسلام على قوم هو فيهم وعلم به وإن كان سلام الصلاة عملا فظاهر اللفظ وظاهر أن محل ذلك إذا سمع سلامه وبه صرح البغوي كما نقله الأذرعي ونقل عن الماوردي أنه لو كلمه وهو مجنون أو مغمى عليه وكان لا يعلم بالكلام لم يحنث وإلا حنث وإن لم يفهمه وأنه لو كلمه وهو نائم بكلام يوقظ مثله حنث وإلا فلا وأنه لو كلمه وهو بعيد منه فإن كان بحيث يسمع كلامه حنث وإلا فلا سمع كلامه أم لا وستأتي مسألة الإيقاظ مع زيادة توافق كلام البغوي وتوقف الأذرعي في الحنث بسلام الصلاة وقال الراجح المختار الذي دلت عليه قواعد الباب والعرف الظاهر أنه لا يحنث به لأنه لا يقال كلمه أصلا بخلاف السلام مواجهة خارج الصلاة وفيما قاله نظر لا إن استثناه من القوم في سلامه عليهم ولو بنيته فلا يحنث لأن اللفظ العام يقبل التخصيص ويحنث بتفهيم بقراءة بأن قرأ آية أفهمه بها ولم يقصد قراءة لأنه كلمه بخلاف ما إذا قصدها لأنه لم يكلمه لا بفتحها أي القراءة عليه ولا بتسبيح ولو لسهو من إمامه لأنه لم يكلمه وظاهر مما مر في الصلاة أن محل ذلك إذا قصد به القراءة أو الذكر وإلا فيحنث به فيساوي قراءة الآية المفهمة للغرض وإن فرق بينهما بعضهم بأن ذلك من مصالح الصلاة بخلاف قراءة الآية وقوله ولو من زيادته فرع لو حلف لا يتكلم حنث بكل كلام حتى بشعر ردده مع نفسه لأنه كلام لا بذكر من تسبيح وتهليل وتكبير ودعاء وقراءة قرآن ولو جنبا لأن الكلام عرفا ينصرف إلى كلام الآدميين في محاوراتهم وفي خبر مسلم إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن وعلم بذلك تخصيص عدم الحنث بما لا يبطل الصلاة وبه صرح القاضي أبو الطيب فلو حلف لا يسمع كلام زيد لم يحنث بسماع قراءة القرآن قاله الجيلي و لا قراءة شيء من التوراة أو الإنجيل للشك في أن الذي قرأه مبدل أم لا ويؤخذ منه أنه لا يحنث بما يعلمه مبدلا كأن قرأ جميع التوراة أو الإنجيل أو حلف ليثنين على الله بأحسن الثناء أو أعظمه أو أجله فليقل لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك زاد عليه إبراهيم المروذي فلك الحمد حتى ترضى وذلك لأن أحسن الثناء مثلا ثناء الله على نفسه ولأن الاعتراف بالقصور عن الثناء والحوالة على ثنائه على نفسه أبلغ الثناء وأحسنه وزاد المتولي في أول الذكر سبحانك أو حلف ليحمدنه بمجامع الحمد أو بأجل التحميد فليقل الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده يقال إن جبريل علمه لآدم عليهما السلام
268
268
وقال قد علمتك مجامع الحمد وفسر في الروضة يوافي نعمه بقوله أي يلاقيها حتى يكون معها ويكافئ مزيده بقوله أي يساوي مزيد نعمه أي يقوم بشكر ما زاد منها وعندي أن معناه يفي بها ويقوم بحقها ويمكن حمل كلام النووي على هذا وأفضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ما يقال في التشهد في الصلاة فلو حلف ليصلين على النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الصلاة فليقل اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إلخ فقد ثبت أنهم قالوا يا رسول الله كيف نصلي عليك فقال قولوا اللهم صل على محمد إلخ وهذا ما قال في الروضة إنه الصواب ونقل الرافعي عن المروذي أن أفضلها أن يقول اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كلما ذكره الذاكرون وكلما سها عنه الغافلون قال النووي وقد يستأنس له بأن الشافعي رضي الله عنه كان يستعمل هذه العبارة ولعله أول من استعملها واعترض القمولي ما صوبه النووي بأن في ذاك من المبالغة ما ليس في هذا فإن هذا يقتضي صلاة واحدة وذاك يقتضي صلاة متكررة بتكرر الذكر والسهو فتدوم كما ثبت في الصحيح أن قوله سبحان الله عدد خلقه وزنة عرشه ونحوه أفضل من أعداد التسبيحات والتشبيه بالصلاة على إبراهيم وعلى آل إبراهيم لا يقتضي تكرارا وقال البارزي بعد ذكره كلام المروذي وعندي أن البر أن يقول اللهم صل على محمد وعلى آل محمد أفضل صلواتك عدد معلوماتك فإنه أبلغ فيكون أفضل ثم قال وقال بعض علماء زماننا إن زماننا ما يقال عقب التشهد وأراد به النووي فإنه اجتمع به وأثنى عليه النووي وتأخرت وفاته عنه فوق ستين سنة وما قاله وإن كان أوجه مما قاله المروذي فالأوجه ما قاله النووي لثبوته عنه صلى الله عليه وسلم في أفضل العبادات بعد الإيمان مع أنه أبلغ من غيره إذ الصلاة المشبهة بصلاة الله تعالى على من ذكر أبلغ من غيرها بلا ريب ولأنه صلى الله عليه وسلم لا يختار لنفسه الشريفة إلا الأفضل وبالجملة فالأحوط للحالف أن يأتي بجميع ما ذكر كما قاله الأذرعي فصل لو حلف ليتركن الصوم والحج والاعتكاف والصلاة حنث بالشروع الصحيح في كل منها وإن فسد بعد لأنه لا يسمى صائما وحاجا ومعتكفا ومصليا فالشروع هو المراد كما في خبر جبريل حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم صلى بي الظهر حين زالت الشمس لا بالشروع الفاسد لأنه لم يأت بالمحلوف عليه لعدم انعقاده إلا في الحج فيحنث به كما مر في فصل حلف لا يبيع وذكره هنا وذكر الحنث وعدمه فيما قبله في غير الصلاة من زيادته وكذا قوله وصورته أي انعقاد الحج فاسدا أن يفسد عمرته ثم يدخل الحج عليها فإنه ينعقد فاسدا وتصويره بأن يحرم به مجامعا إنما يأتي على وجه مرجوح إذ الأصح عدم انعقاده كما مر في بابه أو لا أصلي صلاة حنث بالفراغ منها إلا بالشروع فيها ولو من صلاة فاقد الطهورين وممن يومئ لأنها إنما تعد صلاة بالفراغ منها ولا يقدح في ذلك وجوب القضاء لا إن أراد صلاة مجزئة فلا يحنث بصلاة فاقد الطهورين ونحوها مما يجب قضاؤها عملا بنيته لا بسجود تلاوة وشكر وطواف فلا يحنث بها لأنها لا تسمى صلاة وقضية كلامهم أنه يحنث بصلاة ركعة واحدة وكلام الروياني يقتضي أنه إنما يحنث بصلاة ركعتين فأكثر قال الماوردي والقفال ولا يحنث بصلاة الجنازة لأنها غير متبادرة عرفا وإن صلى صلاة فاسدة وكان شروعه فيها فاسدا وحلف أنه ما صلى لم يحنث وإن حلف لا يقرأ حنث بما قرأ ولو ببعض آية النوع السادس في تأخير الحنث وتقديمه لو حلف ليأكلن هذا الطعام غدا فتلف قبله بغير اختياره لم يحنث لفوات البر بغير اختياره كالمكره أو تلف كذلك باختيار حنث لأنه فوت البر باختياره وهل يحنث من الآن لحصول اليأس من البر أو من الغد لأنه وقت البر والحنث وجهان وقيل قولان وترجيح
269
269
كونهما وجهين من زيادته وقال الإسنوي أنه المعروف فقد جزم به الرافعي في النوع الثاني وجزم به في الروضة في الصيام قال والراجح من الوجهين الثاني كما رجحه الرافعي في النوع المذكور وعلى الأول منهما لو كانت كفارته بالصوم جاز أن ينوي صوم الغد عنها وعلى الثاني حنثه بمضي زمن إمكان الأكل من الغد أو قبيل غروب الشمس وجهان وأصحهما عند البغوي والإمام الأول أو تلف في الغد بغير اختياره وقبل التمكن من الأكل لم يحنث كتلفه قبل الغد بخلافه باختياره أو بعد التمكن منه لتمكنه من البر ولم يفعل فصار كقوله لآكلن هذا الطعام وتمكن من أكله فلم يأكل حتى تلف أو لآكلنه قبل غد فتلف أو مات بعد التمكن من أكله وقبل الغد حنث لأنه فوت البر باختياره وهل هو في الحال أو بعد مجيء الغد وجهان أرجحهما أخذا مما مر الأول وتلف بعض الطعام كتلف كله فيما مر وموت الحالف متلف الطعام مصرح بهما الأصل أو قال والله لأقضين حقك ومات قبل القضاء فإن تمكن منه ولم يقضه حنث وإلا فلا أو لأقضين حقك غدا فمات فيه بعد التمكن منه ولم يقضه حنث في الحال وإلا أي وإن مات قبل التمكن فكالأكل فيما مر فلا يحنث وقضاؤه أي الحق قبله أي قبل مجيء الغد كإتلافه أي المأكول فيما مر فيحنث لأنه فوت البر باختياره إلا أن يريد لا أؤخره عن غد فلا يحنث بذلك بل يبر به وموت صاحب الحق هنا لا يقتضي حنثا لإمكان القضاء بالدفع إلى وارثه كما أشار إليه بقوله والوارث قائم مقامه أو قال لأقضينك حقك غدا إلا أن تشاء تأخيره فقضاه غدا بر شاء صاحب الحق أم لا وإن لم يقضه في الغد وشاء صاحبه تأخيره قبل مضي الغد لم يحنث وإلا حنث فإن مات صاحب الحق قبل تمكن الحالف من القضاء في الغد فكالمكره فلا يحنث أو بعده حنث في الحال لأنه فوت البر باختياره وهذه لا يقوم وارثه فيها مقامه لإضافة القضاء إليه فيها وإن سأله أن يبرئه من حقه فيما ذكر فأبرأه حنث لتفويته البر باختياره حيث سأل في ذلك إلا أن يريد باليمين لا يمضي الغد وحقه باق عليه وكذا إن أبرأه بلا سؤال بعد التمكن من القضاء لتفويته البر باختياره أيضا حيث تمكن من البر ولم يفعل لا قبله لفوات البر بغير اختياره كالمكره والتصريح بذكر السؤال وبعدمه مع التفرقة بين التمكن وعدمه من زيادته ولو صالحه عن الدين أو وهبه الحق وكان عينا حنث إن قبل وإلا فلا صرح به الأصل وبنى كلامه في مسألة الإبراء على الخلاف فيه في اشتراط القبول فيه وعدم اشتراطه والأصح الثاني وعليه جرى المصنف أو لأقضينك حقك غدا لا أن يشاء زيد تأخيره فمات زيد قبله أي قبل انقضاء الغد ولم تعلم مشيئته لم يحنث في الحال لإمكان القضاء بعد موته فلا يحنث حتى ينقضي الغد بلا قضاء وإن مات من له الحق قبل الغد لم يحنث أو بعده وبعد التمكن حنث لتمكنه من البر صرح به الأصل أو لأقضينك حقك إلى الغد فطلع الفجر أي فجر الغد ولم يقضه حنث لأن إلى للغاية وبيان الحد وصور الأصل المسألة بقوله أو لأقضينك حقك إلى الغد إلا أن تشاء تأخيره فإن لم يقدم القضاء على طلوع فجر الغد ولم يشأ صاحب الحق تأخيره حنث قال ولو حلف ليطلقنها غدا فطلقها اليوم فإن استوفى الثلاث حنث وإلا فالبر ممكن أو ليصلين منذورة عليه غدا فصلاها اليوم حنث أو لأقضينك حقك رأس الشهر أو أوله أو مع رأس الهلال أو مع الاستهلال أو عنده أو عند رأس الشهر أو مع رأسه حمل على أول جزء من أول ليلة منه وهو وقت الغروب لاقتضاء اللفظ المقارنة والمراد المقارنة العرفية فإن قضاه قبله أو بعده حنث لتفويته البر باختياره فليترصد الغروب ويعد المال ويقضيه حينئذ ولو أخذ حينئذ في مقدمات القضاء كالكيل والوزن وحمل المكيال والميزان وتأخر الفراغ لكثرة المال لم يحنث وإلى ذلك أشار بقوله ويشرع به أي بالغروب أي معه في الكيل والوزن
270
270
وكذا مقدماته كتقريب المكيال والميزان قال في الشرح الصغير وكان يجوز أن يقال ينبغي تقديمها بحيث ينطبق الفراغ عند الاستهلال ليقارنه الوفاء فإن شك في الهلال فأخر القضاء عن الليلة الأولى وبأن كونها من الشهر فكمكره فلا يحنث وانحلت يمينه والتصريح بانحلالها من زيادته أو لأقضينك حقك أول يوم كذا فبطلوع فجره يشتغل بالقضاء أو إلى رأس الشهر أو إلى رمضان فليقدمه عليه كما مر في قوله إلى الغد نعم إن أراد بإلى معنى عند فالراجح عند الإمام والغزالي والقاضي مجلي قبول قوله بيمينه أو إلى حين أو إلى زمان أو دهر أو حقب أو أحقاب أو نحوها حنث بالموت أي قبيله متمكنا من القضاء لا بمضي زمن لأن ذلك لا يختص بزمن مقدر بل يقع على القليل والكثير كما مر في الطلاق فيكون كقوله لأقضين حقك فمتى قضاه بر سواء وصف هذه الألفاظ بقرب أم بعد أو لا فجميع العمر مهلة له ويخالف الطلاق حيث يقع بعد لحظة في قوله أنت طالق بعد حين أو نحوه وفرق الأصل بينهما بأن قوله أنت طالق بعد حين تعليق فيتعلق الطلاق بأول ما يسمى حينا وقوله لأقضين حقك إلى حين وعد وهو لا يختص بأول ما يقع عليه الاسم وقضيته أنه لو حلف بالطلاق ليقضين حق فلان إلى حين لا يحنث بعد لحظة أو قال لا أكلمك حينا أو دهرا أو زمانا أو حقبا أو نحوه بر بأدنى زمان لصدق ذلك به والمدة القريبة والبعيدة كالحين وعبارة الأصل ولو قال لأقضين حقك إلى مدة قريبة أو بعيدة لم يتقدر بزمن أيضا وهو كالحين ولو قال لأقضين حقك إلى أيام فثلاثة منها يحمل ذلك عليها لأنها أقل الجمع وأما إطلاقها على القليل والكثير كالحين في قولهم أيام العدل وأيام الفتنة ونحوهما فخرج بالقرينة هذا إن لم ينو غيرها وإلا عمل بما نواه النوع السابع الخصومات ونحوها لو حلف لا يرى منكرا إلا رفعه إلى القاضي وعينه بر بالرفع إليه ولو على التراخي ولو كان الرفع برسول وكتاب وبدون حضور مرتكب المنكر فإن مات أحدهما بعد التمكن من الرفع إليه حنث لتفويته البر باختياره وإلا لم يحنث لا إن عزل القاضي فلا يحنث بل يبر بالفرع إليه كما قال ويرفع إليه حالة كونه معزولا سواء أراد عين الشخص بذكر القضاء تعريفا له وهو ظاهر أم أطلق تغليبا للعين كما لو قال لأدخل دار زيد هذه فباعها يحنث بدخولها لأنه عقد اليمين في الصورتين على العين وكل من الوصف والإضافة يطرأ أو يزول وبهذا يندفع استشكال ذلك بما لو حلف لا يكلم هذا العبد فكلمه بعد العتق لأن العبودية ليس من شأنها أن تطرأ وتزول لا إن أراد أن يرفعه إليه وهو قاض أو تلفظ به كما فهم بالأولى وصرح به الأصل فيصير أي فلا يبر بالرفع إليه معزولا ولا يحنث وإن تمكن من الرفع إليه بل يصير فقد يتولى ثانيا فيرفع ذلك إليه فإن مات أحدهما وقد تمكن من الرفع إليه وهو قاض قبل أن يتولى تبين الحنث وما في المنهاج كأصله من أنه إذا عزل بعد تمكنه من الرفع إليه حنث حمل على عزل اتصل بالموت ولا حاجة إلى هذا فإن المنهاج كأصله قيد بدوام كونه قاضيا فلا يخالف ما هنا أصلا ولو لم يعين القاضي بأن حلف لا يرى منكرا إلا رفعه إلى القاضي بر بمن قضى أي بالرفع إلى القاضي في بلده الذي حلف فيه دون قضاء بقية البلاد حملا له على المعهود
271
271
سواء أكان هو الموجود عند الحلف أم لا حتى لو عزل من كان قاضيا أو مات وولي غيره بالرفع إلى الثاني لا إلى المعزول ولو علمه أي القاضي المنكر من غيره أي الحالف قبل رفعه إليه سواء أعلمه من مخبر آخر أم من رؤيته بين يديه فإنه إنما يحصل البر بالرفع إليه وقيل لا حاجة للرفع في الثانية والترجيح فيها من زيادته وإن كان في بلده قاضيان كفى الرفع إلى أحدهما نعم إن اختص كل منهما بناحية من البلد فينبغي أن يتعين قاضي الناحية التي فيها فاعل المنكر وهو الذي تجب عليه إجابته إذا دعاه قاله ابن الرفعة وقد يتوقف فيه إذا رفع المنكر إلى القاضي منوط بإخباره كما مر لا بوجود إجابة فاعله على أن المعتبر إنما هو ناحية الحالف أخذا مما مر من أن المعتبر بلده و إن قال والله لا رأيت منكرا إلا رفعته إلى قاض فكل قاض ببلده أو غيره كاف في البر بالرفع إليه سواء أكان قاضيا عند الحلف أم لا وإن حلف لا يفارق غريمه حتى يستوفي منه حقه ففارقه قبل استيفائه منه كفرقة المتبايعين عن مجلس البيع عالما مختارا حنث وإلا فلا لوجود المحلوف عليه شرعا في الشق الأول دون الثاني فإن فارقه الغريم وفر منه فلا حنث وإن أذن له في المفارقة أو تمكن من متابعته ولم يتبعه أو فارق الحالف بمكانه بعد ذلك لأنه حلف على فعل نفسه فلا يحنث بفعل غريمه فإن تماشيا ووقف أحدهما حنث الحالف لأنه إن وقف الغريم فقد فارقه الحالف بمشيه أو الحالف فقد فارقه بالوقوف لأنه الحادث فنسبت المفارقة إليه بخلاف ما إذا كانا ساكنين فمشى الغريم دونه لأن الحادث ثم المشي فإن قال والله لا تفارقني حتى أستوفي منك حقي أو حتى توفيني حقي ففارقه الغريم عالما مختارا ولو بالفرار حنث الحالف وإن لم يختر فراقه لأن اليمين على فعل الغريم وهو مختار في المفارقة فإن نسي الغريم الحالف أو أكره على المفارقة ففارق فلا حنث إن كان ممن يبالى بتعليقه كنظيره في الطلاق نبه عليه الإسنوي وقس عليه ما يأتي ولو فر الحالف منه لم يحنث وإن أمكنه متابعته لأن اليمين على فعله فإن قال لا نفترق حتى أستوفي منك حقي حنث بمفارقة أحدهما الآخر عالما مختارا وكذا إن قال لا افترقنا حتى أستوفي منك لصدق الافتراق بذلك فإن فارقه ناسيا أو مكرها لم يحنث ثم بعد ذلك ينظر في الاستيفاء للحق فإن أبرأه منه الحالف حنث بالإبراء وإن لم يفارقه لتفويته البر باختياره وكذا يحنث لو أحال الغريم الحالف به أي بالحق أو أحال هو أجنبيا عليه به أو اعتاض عنه وإن كانت قيمة العوض أكثر من حقه لأن ذلك ليس استيفاء حقيقة فهو مفوت للبر باختياره إلا إن نوى بيمينه أن لا يفارقه وعليه حقه فلا يحنث بشيء من ذلك
فإن أفلس الغريم أو ظهر أنه مفلس ففارقه عالما مختارا حنث وإن كان تركه واجبا شرعا كما لو قال لا أصلي الفرض فصلى حنث وإن وجبت الصلاة عليه شرعا لعدم وجود المحلوف عليه فإن منعه الحاكم من ملازمته ففارقه فمكره أي فكمكره فلا حنث وإن استوفى حقه من وكيله أي من وكيل غريمه أو من متبرع به وفارقه حنث إن كان قال لا أفارقك حتى أستوفي حقي منك وإلا بأن لم يقل منك فلا يحنث فإن استوفى حقه ثم فارقه ثم وجده معيبا لم يحنث إن كان من جنس حقه لأن العيب لا يمنع من الاستيفاء نعم إن كان الأرش كثيرا لا يتسامح بمثله حنث قاله الماوردي وتبعه ابن الرفعة قال الماوردي فإن قيل نقصان الحق موجب للحنث فيما قل وكثر فهلا كان نقصان الأرش كذلك قلنا لأن نقصان الحق محقق ونقصان الأرش مظنون فإن بان غير جنس حقه كمغشوش أو نحاس ولم يعلم بالحال فجاهل فلا يحنث وإلا حنث وإن حلف الغريم فقال والله لا أوفيك حقك فسلمه له مكرها أو ناسيا لم يحنث أو لا استوفيت حقك مني فأخذه مكرها أو ناسيا فكذلك أي لم يحنث بخلاف ما إذا أخذه عالما مختارا وإن كان المعطي مكرها أو ناسيا وإن حلف ليضربنه لم يكف وضع سوط ويد وغيرهما عليه بلا اسم ضرب فإن سمي ذلك ضربا كفى ولا يكفي عض لا نتف شعر ولا قرص ولا خنق لأن ذلك لا يسمى ضربا ولهذا يقال ما ضربه ولكن عضه ونتف شعره وقرصه وخنقه فلو لطم أو لكم فضرب فيكفي ولا يشترط
272
272
في الضرب الإيلام لصدق الاسم بدونه ولهذا يقال ضربه ولم يؤلمه بخلاف العقوبة من حد أو تعزير فإنه يشترط فيها الإيلام لأن المقصود بها الزجر وهو لا يحصل إلا بذلك واليمين يتعلق بالاسم نعم إن وصف الضرب بالشدة فقال ضربا شديدا فلا بد من الإيلام كما جزم به المنهاج كأصله تبعا للإمام قال ويرجع في الشدة إلى العرف وتختلف باختلاف حال المضروب ويبر الحالف بضرب السكران والمجنون والمغمى عليه لأنهم محل للضرب لا بضرب الميت لأنه ليس محله فرع لو حلف ليضربنه مائة عود أو عصا أو خشبة فشدها وضربه بها مرة أو ضرب ه بعثكال بكسر العين على المشهور وبالمثلثة أي عرجون عليه مائة من الأغصان مرة بر لأنه وفى بموجب اللفظ ويكفيه في البر تثاقل الكل عليه بحيث يناله ثقل الجميع ولو شك في إصابته وفرقوا بينه وبين ما لو حلف ليدخلن الدار اليوم إلا أن يشاء زيد فلم يدخل ومات زيد ولم تعلم مشيئته حيث يحنث بأن الضرب سبب ظاهر في الانكباس والمشيئة لا أمارة عليها والأصل عدمها وفارق أيضا نظيره في الحدود بأن المقصود فيها الزجر والتنكيل وفي البر حصول الاسم وهو حاصل بالشك لكن الورع أن يكفر عن يمينه وإن حال بين بدنه وما ضرب به ثوب أو غيره مما لا يمنع تأثر البشرة بالضرب فإنه يكفي فلا يضر كون بعض العثكال أو نحوه حائلا بين بدنه وبين بعضه الآخر كالثياب وغيرها مما لا يمنع التأثر ولو قال لأضربنه مائة سوط لم يبر بالعثكال المذكور لأنه لا يسمى سياطا و إنما يبر بسياط مجموعة بشرط عمله إصابتها بدنه ما مر ولو حلف ليضربنه مائة خشبة فشد مائة سوط وضربه بها لم يبر قياس التي قبلها وما وقع في الأصل من أنه يبر فكلام سقط صدره وهو ولو حلف ليجلدنه مائة سوط نبه عليه الأذرعي وغيره وما جزم به المنهاج كأصله من أنه يبر بالعثكال في الأولى ضعيف وإن زعم الإسنوي أنه الصواب وأن ما في الأصل خلاف المعروف ولو قال لأضربنه مائة مرة أو مائة ضربة لم يبر با لمائة المجموعة لأنه لم يضربه بها إلا مرة أو ضربة قال ابن الرفعة وعليه يعتبر فيه التوالي ذكره الإمام فصل في حنث الناسي والجاهل والمكره لا يحنث ناس ليمينه وجاهل بأن ما أتى به هو المحلوف عليه ومكره عليه في يمين بالله تعالى وطلاق وعتق لخبر رفع عن أمتي الخطأ أو النسيان وما استكرهوا عليه ولا تنحل اليمين بالإتيان بالمحلوف عليه ناسيا أو جاهلا أو مكرها لأنا إذا لم نحنثه لم نجعل يمينه متناولة لما وجد إذ لو تناولته لحنث قال الإسنوي قد تقدم في أوائل تعليق الطلاق أنه لو قال أنت طالق قبل أن أضربك بشهر فضربها قبل مضيه لم تطلق وانحلت اليمين وهذه مع مسألتنا على حد سواء فإن المحلوف عليه قد وجد في كل منهما إلا أنه لم يحنث لمانع وهو النسيان مثلا هنا واستحالة الحنث قبل اليمين هناك فالمتجه ما هناك وهو الانحلال لوجود المعلق عليه حقيقة انتهى يجاب بأن وجود الفعل في تلك معتد به شرعا حتى يترتب عليه أحكامه من الانحلال وغيره وإن امتنع الحنث به للاستحالة المذكورة بخلافه هنا ليس معتدا به شرعا وإن حلف لا يدخل الدار مختارا ولا مكرها ولا ناسيا حنث بذلك كله عملا بتعليقه فلو انقلب الحالف من نومه بجنب الدار فحصل فيها أو حمل إليها و لو لم يمتنع لم يحنث
273
273
إذ لا اختيار له في الأولى ولا فعل منه في الثانية أو حمل إليها بأمره حنث كما لو ركب دابة ودخلها ويصدق حينئذ أن يقال دخلها على ظهر فلان كما يصدق أن يقال دخلها راكبا فصل لو حلف لا يدخل على زيد فدخل على قوم هو فيهم حنث وإن استثناه بلفظه أو بقلبه لوجود صورة الدخول على الجميع ولأن الفعل لا يدخله الاستثناء لما يأتي بخلاف نظيره في السلام والفرق أن الدخول لكونه فعلا لا يتبعض إذ لا ينتظم أن يقال دخلت عليكم إلا فلانا بخلاف السلام والكلام فإن لم يعلم أنه فيهم فقولا حنث الجاهل فلا يحنث على الأصح ولو دخل عالما به لشغل حيث هو أي زيد أي في المكان الذي هو فيه حنث بخلاف ما لو دخل جاهلا به فإن دخل عليه زيد لم يحنث ولو استدام الحالف لأن اليمين إنما انعقدت على فعله لا على فعل زيد فصل في أصول تتعلق بالكتاب لا تنعقد يمين صبي و لا مجنون و لا مكره لعدم صحة عبارتهم شرعا ويمين سكران كطلاقه فتنعقد وتنعقد من كافر كمسلم ومن حلف على شيء ولم يتعلق به حق آدمي وقال أردت شهرا أو نحوه مما يخصص اليمين قبل منه ظاهرا وباطنا لأنه أمين في حقوق الله تعالى لا في حق آدمي كطلاق وعتاق وإيلاء فلا يقبل قوله ظاهرا ويدين فيما بينه وبين الله تعالى أو حلف لا يكلم أحدا وقال أردت زيدا مثلا لم يحنث بغيره عملا بنيته قال في الأصل قال الشيخ أبو زيد لا أدري ماذا بنى الشافعي رضي الله عنه عليه مسائل الإيمان إن اتبع اللغة فمن حلف لا يأكل الرءوس ينبغي أن يحنث بكل رأس وإن اتبع العرف فأصحاب القرى لا يعدون الخيام بيوتا ولم يفرق بين القروي والبدوي ثم أجاب الأصل بأنه يتبع اللغة تارة عند ظهورها وشمولها وهو الأصل والعرف أخرى عند اطراده وحذف المصنف هذا للعلم به مما يأتي فرع اللفظ الخاص في اليمين لا يعمم بنية ولا بغيرها والعام قد يخصص فالأول مثل أن يمن عليه رجل بما نال منه فحلف لا يشرب له ماء من عطش لم يحنث بغيره من طعام وثياب وماء من غير عطش وغيرها وإن نواه وكانت المنازعة بينهما تقتضي ما نواه لانعقاد اليمين على الماء من عطش خاصة وإنما تؤثر النية إذا احتمل اللفظ ما نوى بجهة يتجوز بها ويخصص الثاني أي العام إما بالنية كلا أكلم أحدا ونوى زيدا أو بالاستعمال كلا آكل الرءوس أو بالشرع كلا أصلي حمل الأخير على الصلاة الشرعية والأول على ما نواه والثاني على المستعمل عرفا في الرءوس فرع قد يصرف اللفظ من الحقيقة إلى المجاز بالنية كلا أدخل دار زيد ونوى مسكنه دون ملكه فيقبل قوله في غير حق آدمي بأن حلف بالله لا في حق الآدمي كأن حلف بطلاق أو عتاق و قد يصرف إليه بالعرف بأن يكون متعارفا والحقيقة بعيدة كلا آكل من هذه الشجرة يحمل اللفظ على أكل الثمر لا على أكل الورق والأغصان وقد تكون الحقيقة متعارفة والمجاز بعيدا كلا آكل من هذه الشاة يحمل اللفظ على أكل لحمها لا على اللبن و لحم الولد وإن قال والله لا دخلت الدار وأعادها أي اليمين مرة ناويا بها يمينا أخرى أو أطلق فيمينان بكفارة واحدة لأن الكفارة تشبه الحدود المتحدة الجنس فتتداخل كما مر وتقدم الفرق بينه وبين نظيره في الطلاق حيث يتعدد وفرق بينه وبين نظيره في الظهار حيث تتعدد فيه الكفارة بأن الظهار من الكبائر فناسب أن يزجر عنه بالكفارة لرفع الإثم بخلاف اليمين وإن كانت على فعل محرم لأن كفارتها لا تجب في مقابلتها بل في مقابلة انتهاك حرمة اسم الله تعالى وهو لا يحصل إلا بالحنث والحنث لا يحصل إلا بالفعل وهو متحد وأما اليمين الغموس فملحقة بالظهار لأنها من الكبائر كما مر وإن كرر قوله لا دخلت الدار فقط أي دون قوله والله فيمين واحدة وإن نوى الاستئناف فرع اليمين المعقودة على المملوك المضاف يعتمد المالك دون المملوك والمعقودة على غير المملوك يعتمد المضاف دون المضاف إليه فلو حلف لا يكلم عبيد فلان حنث بما سيملكه من العبيد أو حلف لا يكلم أولاده لم يحنث بما سيولد له من الأولاد لأنهم لم يكونوا موجودين وقت اليمين بخلاف المالك في الأولى فإنه كان موجودا وقت اليمين
274
274
أو قال والله لا أكلم الناس حنث بواحد كما لو حلف لا يأكل الخبز يحنث بما أكل منه وأل للجنس وقال البلقيني المعتمد أنه لا يحنث إلا إذا كلم ثلاثة وأيده بنص الشافعي رحمه الله أو لا أكلم ناسا فبثلاثة يحنث كما لو حلف لا يتزوج نساء أو لا يشتري عبيدا قال الخوارزمي وفيه نظر والذي يقتضيه المذهب أنه يحنث بواحد كما لو حلف لا يأكل خبزا فإنه يحنث بأكل شيء منه وإن قل فرع المعرفة المقرونة بالنكرة في اليمين لا تدخل تحت النكرة لتغايرهما فلو قال والله لا يدخل داري أحد فدخل هو لم يحنث أو غيره حنث قال في الأصل نقلا عن كتب الحنفية وإنما لم يحنث بدخوله لأنه صار معرفا بإضافة الدار إليه وكذا لو عرف نفسه لم يحنث بإضافة الفعل إليه كأن قال والله لا ألبس هذا القميص أحدا فألبسه نفسه لم يحنث أو ألبسه غيره حنث أو عرف غيره بالإضافة إليه كأن قال والله لا يدخل دار زيد أحد حنث بغير زيد أي بدخول غيره بخلاف دخوله وحاصله أنه لا يدخل في اليمين المضاف إليه في الصورتين لأنه صار معرفا أو قال والله لا يقطع هذا اليد أحد يعني يده فقطعها هو لم يحنث لذلك أو قال لأدخلن هذه الدار أو هذه الدار الأخرى بر بواحدة أي بدخول واحدة منهما لأن أو إذا دخلت بين إثباتين اقتضت ثبوت أحدهما أو لا أدخل هذه الدار أو هذه الدار لم يحنث إلا بدخولهما لا بدخول أحدهما لأن أو إذا دخلت بين نفيين كفى للبر أن لا يدخل واحدة منهما ولا يضر دخوله الأخرى كما أنها إذا دخلت بين إثباتين كفى للبر أن يدخل إحداهما ولا يضر أن لا يدخل الأخرى وهذا ما رجحه الأصل رادا به ما نقله من أنه يحنث بأيهما دخل لأن أو إذا دخلت بين نفيين اقتضت انتفاءهما كما في قوله تعالى ولا تطع منهم آثما أو كفورا وزعم البلقيني أن ما رجحه الأصل غير مستقيم وأن المعتمد أنه يحنث بدخوله إحداهما أو قال لا أدخل هذه الدار أبدا أو لأدخلن الدار الأخرى اليوم فدخل الدار الأخرى اليوم بر وإن لم يدخل الأخرى اليوم ولا الأولى بر أيضا أي لم يحنث قال الرافعي ولو قال لا أدخل هذه الدار أبدا ولأدخلن هذه الدار الأخرى اليوم فمضى اليوم ولم يدخل واحدة منهما حنث لأن عدم دخول الأولى أبدا شرط للبر وعدم دخول الثانية في اليوم شرط للحنث فإذا وجد شرطه حنث فصل منثور مسائله لو حلف لا يدخل هذه يشير إلى دار فانهدمت حنث بالعرصة أي بدخولها أو لا يدخل هذه الدار فلا يحنث بدخولها إلا إن بقيت الرسوم أو أعيدت بآلتها لبقاء اسمها فشمل المستثنى منه ما لو صارت فضاء وما لو أعيدت بغير آلتها فلا حنث بدخولها لزوال اسمها عنها أو لا أدخل دارا فدخل عرصة دار لم يحنث لأنها لا تسمى دارا ولو جعلت الدار مسجدا أو حماما أو غيرهما لم يحنث لزوال اسمها عنها أو قال والله لا أشم الريحان أو ريحانا فبالضيمران أي بشمه يحنث فقط أي دون شم البنفسج والورد والياسمين والنرجس والمرزنجوش والزعفران ونحوها أو لا أشم مشموما حنث بشم جميع ذلك لا بشم المسك والكافور والصندل والعود ونحوه مما لا يسمى مشموما عرفا وقوله ونحوه من زيادته قال الزركشي ومحل حنثه بذلك إذا اجتذب الرائحة بخياشيمه حتى شمها لأن شمها بذلك من فعله فلو حمل النسيم الرائحة حتى شمها لم يحنث لأن شمها بذلك ليس من فعله قاله الماوردي ومنه يؤخذ أنه لو
275
275
اجتذب بخياشيمه ما حمله النسيم إليه حنث وهو ظاهر قال المتولي ولو حلف لا يشم طيبا حنث بكل ما حرم على المحرم قال الأذرعي وفي إطلاقه بالنسبة إلى العرف نظر أو لا أشم الورد والبنفسج لم يحنث بدهنهما وفي شم يابسهما وجهان أوجههما كذلك أو حلف لا يستخدم زيدا فخدمه بلا طلب لم يحنث وإن كان عبده لأن السين تقتضي الطلب قال صاحب الوافي ينبغي أن تكون استدامة الخدمة استخداما كما أن استدامة اللبس لبس نقله عنه الزركشي قال ومقتضى تعليلهم إن طلب الخدمة يحنث به وإن لم توجد الخدمة وهو ظاهر أما لو حلف لا يخدمه فخدمه وهو ساكت فيحنث أو لا يتسرى حنث بأن يحجب الجارية عن أعين الناس حتى عن الضيفان على ما اقتضاه كلامه ويطأ ها وينزل فيها وحنث وبر بالقراءة جنبا فيما لو حلف لا يقرأ القرآن أو ليقرأنه ولا تجزئه قراءته جنبا عن نذره القراءة لأن المقصود من النذر التقرب والمعصية لا يتقرب بها وينعقد يمينه لنذره بالقراءة جنبا وإن عصى لأن اليمين ينعقد على فعل الحلال والحرام بخلاف النذر إذ لا نذر في معصية أو حلف لا يصلي في مصلى فصلى فيه على ثوب حنث كما لو قال لا أصلي في هذا المسجد فصلى على حصير فيه فإن قال أردت ملاقاته أي عدم ملاقاة المصلى بقدمي وجبهتي وبدني وثيابي قبل منه فلا يحنث لا إن قال ذلك واليمين بطلاق أو عتق فلا يقبل منه في الحكم ويدين أو لا يكلمه فأقبل على الجدار أو ولاه ظهره فقال يا جدار افعل كذا ليفهمه الغرض لم يحنث وكذا إن أقبل على الجدار وتكلم ولم يناده أو لا يلبس ثوبا من غزلها فجعل منه رقعة في ثوبه لم يحنث لأنه لا يسمى لابسا ثوبا من غزلها وحنث بعمامة تعمم بها وقد نسجت منه إن حلف بالعربية دون الفارسية لأنه لا يسمى بها لبسا لا بالتحاف لحاف نسج منه فلا يحنث به لأنه لا يسمى لبسا كما في التدثر بالثوب ولو قيل له كلم زيدا اليوم فحلف ولو بطلاق لا يكلمه فللأبد انعقدت يمينه إلا أن يريد اليوم فينعقد عليه لاحتمال ما قاله ويفارق ما مر في فصل لا ينعقد يمين صبي بأن ذكر اليوم هنا في السؤال قرينة دالة على ذلك فإن كلمه والحالف مجنون لم يحنث وقيل يحنث والترجيح من زيادته أخذا مما قاله الأصل في باب الإيلاء وإن حلف لا يدخل حانوت فلان حنث بما أي بدخوله الحانوت الذي يعمل فيه ولو مستأجرا للعرف ونقل الروياني مع قوله أن الفتوى على الحنث في المستأجر أن الشافعي نص على أنه لا يحنث فيه قال الزركشي وما نقله عن الشافعي نص عليه في الأم والمختصر وجرى عليه الجمهور ولكن المختار ما قاله الروياني انتهى والقياس أنه لا يحنث وقوله وسلطان الله يمين إن أراد القدرة لا المقدور فإن قال ورحمة الله وغضبه إن لم يرد النعمة والعقوبة بأن لم يرد شيئا أو أراد فعلهما فليس يمينا أو أرادهما أي أراد إرادتهما كما ذكره الأصل فيمين وذكر حكم عدم إرادة شيء من زيادته ولو قال لزوجته لأضربنك حتى تبولي أو يغشى عليك أو حتى تموتي حمل على الحقيقة ما ذكره في الأخيرة بحث للأصل وعبارته أو حتى أقتلها أو ترفع ميتة حمل على أشد الضرب ويظهر على أصلنا الحمل على الحقيقة أيضا انتهى لكن ما بحثه جزم به في أواخر الطلاق كما نبه عليه الإسنوي وجزم به الماوردي وغيره فما قاله المصنف حسن قال الرافعي ولو حلف ليضربنها في كل حق وباطل فهذا على الشكاية بأحدهما ويمكن أن يحمل على ما يوجد منهما من حق وباطل ولا تعتبر الشكاية أو حلف لا يدخل هذه الخيمة فنقلت إلى موضع آخر ودخلها حنث وإن حلف على سيف أو سكين أي على القطع به أو بهما فأعيدت صنعته أي السيف بعد كسره أو قلب حدها أي السكين وجعل في ظهرها وقطع بهما لم يحنث وفي معنى كل منهما الآخر فيما ذكر فيه بل يمكن إدراج حكم السكين في حكم السيف بتفسير ضمير صنعته بكل منهما ولا أثر في الحنث لتبديل مسمار ونصاب بغيرهما أو حلف لا يقرأ بمصحف ففتحه وقرأ فيه حنث أو لا يدخل هذا المسجد فدخل زيادة حادثة فيه بعد اليمين أو لا يكتب بهذا القلم وهو مبري فكسر
276
276
ثم بري وكتب به لم يحنث وإن كانت الأنبوبة واحدة لأن اليمين في الأولى لم تتناول الزيادة حالة الحلف والقلم في الثانية اسم للمبري دون القصبة وإنما تسمى قبل البري قلما مجازا لأنها ستصير قلما قال الإسنوي ويدل على عدم الحنث في الأولى أن الأفضلية الثابتة لمسجده صلى الله عليه وسلم المستفادة من قوله صلاة في مسجدي هذا خاصة بما كان في زمنه دون ما زيد فيه بعد وممن جزم به النووي في مناسكه وغيره ولو حلف لا يدخل مسجد بني فلان فدخل زيادة حادثة فيه حنث قال الرافعي أو لا يستند إلى هذا الجدار أو لا يجلس عليه فهدم وبني بآلته لا بغيرها ولا ببعضها واستند إليه أو جلس عليه حنث أو لا يأكل من كسبه فيما أي فيحنث بما يملك من مباح وبعقد لا إرث ويحنث بكسب كسبه المحلوف عليه ثم مات عنه وورثه الحالف وأكله قال في الأصل ولو انتقل إلى غيره بشراء أو وصية لم يحنث لأن ما قبله غيره صار مكتسبا له فلا يبقى مكتسبا للأول بخلاف الموروث فيبقى مكتسبا للأول ويكون كما لو قال لا آكل مما زرعه فأكل مما زرعه وباعه لغيره فإنه يحنث قال ولك أن لا تفرق بينهما ويشترط لكسبه أن يكون باقيا في ملكه والحلوى ما اتخذ من نحو عسل وسكر من كل حلو ليس في جنسه حامض كدبس وقند وفانيذ لا عنب وإجاص ورمان لا هما أي العسل والسكر ونحوهما فليست بحلوى بدليل خبر الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم كان يحب الحلوى والعسل فيشترط في الحلوى أن تكون معمولة فلا يحنث بغير المعمول بخلاف الحلو قال في الأصل وفي اللوزينج والجوزينج وجهان قال الأذرعي ولعل الأشبه الحنث لأن الناس يعدونهما حلواء قال ومثله ما يقال له المكفن والخشكنان والقطائف والشواء يقع على اللحم المشوي لا على الشحم والسمك المشويين والطبيخ يقع على مرق ولحمه وكذا على أرز وعدس طبخ كل منهما بودك أو زيت أو سمن والمرق يصدق بمطبوخ اللحم فلو حلف لا يأكل المرق فهو ما يطبخ باللحم أي لحم كان فإن طبخ به أي بالمرق والمراد بالماء الشحم والبطون والكرش فوجهان قال الأذرعي وأكثر الناس يعدون ذلك مرقا ولا يقصرون المرق على ما يطبخ باللحم قال في الأصل وإذا حلف لا يأكل المطبوخ حنث بما طبخ بالنار أو أغلي ولا يحنث بالمشوي والطباهجة مستوية ويحتمل غيره والغداء أي وقته من طلوع الفجر إلى الزوال ثم العشاء أي وقته من الزوال إلى نصف الليل وقدرهما أن يأكل فوق نصف الشبع ثم هو أي ما بعد نصف الليل سحور أي وقت له إلى طلوع الفجر والغدوة من طلوع الفجر إلى الاستواء والضحوة بعد طلوع الشمس من حين زوال الكراهة للصلاة إلى الاستواء والصباح ما بعد الطلوع للشمس إلى ارتفاع الضحى قال في الأصل وقد يتوقف في كون العشاء من الزوال وفي مقدار الغداء والعشاء وفي امتداد الغدوة إلى نصف النهار وفي أن الضحوة من الساعة التي تحل فيها الصلاة قلت وقد يتوقف أيضا في كون الصباح مقيدا بما بعد طلوع الشمس وقوله لمن دق الباب وكان قد حلف أن لا يكلمه من هذا كلام منه له فيحنث إن علم به وإلا فلا وكذا إيقاظ نائم حلف لا يكلمه وأيقظه بالكلام فإنه كلام له فيحنث إن علم به والتقييد بالعلم به كما يؤخذ من كلامه قد يؤخذ من كلام الأصل وينبغي تقييد المسألة بما إذا انتبه النائم وعبارة الأصل فيها نقلا عن الحنفية لو حلف لا يكلمه فنبهه من النوم حنث وإن لم ينتبه وهذا غير مقبول فلعله أشار بقوله وهذا غير مقبول إلى ما ذكرته وقوله لا أكلمه اليوم ولا غدا أو اليوم وغدا لم يحنث بالليل لأنه لم يدخل في اليمين إلا بنيته فيحنث به أيضا أو قال لا أكلمه يوما ولا يومين فاليمين على يومين فقط فلو كلمه في اليوم الثالث لم يحنث أو لا أكلمه يوما ويومين فثلاثة أي فاليمين عليها لأنه عطف مبتدأ ويشترط في البر في الحلف على هدم أو نقض هذه الدار كذا هذا
277
277
الحائط لا كسره إزالة الاسم بخلاف ما لو حلف على كسره لا يشترط في البر إزالة الاسم فرع لو حلف لا يزوره حيا ولا ميتا يحنث بتشييع جنازته أو لا يدخل بيته صوفا فأدخل شاة عليها صوف ومثله الجلد الذي عليه الصوف فيما يظهر أو لا يدخله بيضا فأدخل دجاجة فباضت ولو في الحال لم يحنث أو حلف لا يظله سقف حنث باستظلاله بالأزج أو حلف لا يفطر فبأكل وجماع ونحوهما مما يفطر يحنث لا ردة وحيض و دخول ليل ونحوها مما لا يفطر عادة كجنون فلا يحنث بها قال البغوي في فتاويه ولو حلف لا يذبح الجنين فذبح شاة في بطنها جنين حنث لأن ذكاتها ذكاته ولو حلف لا يذبح شاتين لم يحنث بذلك لأن الأيمان تراعى فيها العادة وفي العادة لا يقال إن ذلك ذبح لشاتين ويحتمل أن لا يحنث في الأولى أيضا قال الأذرعي وهذا الاحتمال أقرب وعلى الأول يشبه الفرق بين علمه بحملها وجهله وظنه حيالها ونقل الرافعي أنه لو حلف لا يصطاد ما دام الأمير في البلد فخرج الأمير منها فاصطاد ثم رجع واصطاد لم يحنث لانقطاع دوام الصفة انتهى وتقدم في أواخر تعليق الطلاق ما يوافقه كتاب القضاء بالمد أي الحكم وجمعه أقضية كقباء وأقبية وهو في الأصل يقال لإتمام الشيء وإحكامه وإمضائه والفراغ منه سمي بذلك لأن القاضي يستتم الأمر ويحكمه ويمضيه ويفرغ منه والأصل فيه قبل الإجماع آيات كقوله تعالى وأن احكم بينهم بما أنزل الله وقوله تعالى فاحكم بينهم بالقسط وقوله تعالى إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس وأخبار كخبر الصحيحين إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإن أصاب فله أجران وفي رواية صحح الحاكم إسنادها فله عشرة أجور وروى البيهقي خبر إذا جلس الحاكم للحكم بعث الله له ملكين يسددانه ويوفقانه فإن عدل أقاما وإن جار عرجا وتركاه وما جاء في التحذير من القضاء كقوله من جعل قاضيا ذبح بغير سكين محمول على عظم الخطر فيه أو على من يكره له القضاء أو يحرم على ما سيأتي وفيه ثلاثة أبواب الأول في التولية والعزل وفيه طرفان الأول في التولية و في الفتوى والقضاء أي توليه فرض كفاية في حق الصالحين له كالإمامة بالإجماع ولما يتعلق بذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن تعين عليه بأن لم يوجد في ناحيته صالح للقضاء غيره لزمه طلبه وقبوله إذا ولي للحاجة إليه فيها ولا يعذر المتعين لخوف ميل منه أي جور بل يلزمه أن يطلب ويقبل ويحترز من الميل كسائر فروض الأعيان ولا يفسق بالامتناع من ذلك لتأوله في امتناعه وإن أخطأ ويجبر على القبول لاضطرار الناس إليه كإطعام المضطر وسائر فروض الكفايات عند التعين وأما خبر أنا لا نكره على القضاء أحدا فحملوه على حال عدم التعين مع أنه غريب فإن كان هناك أفضل منه غير ممتنع من القبول كره للمفضول الطلب
278
278
لخبر الصحيحين عن عبد الرحمن بن سمرة حيث قال له النبي صلى الله عليه وسلم لا تسأل الإمارة وجاز له القبول إذ ولي مع كراهته فلو قال والقبول كان أولى ويكره للإمام أن يبتدئه بالتولية أما إذا كان الأفضل يمتنع من القبول فكالمعدوم واستثنى الماوردي من كراهة ما ذكر ما إذا كان المفضول أطوع وأقرب إلى القبول والبلقيني ما إذا كان أقوى في القيام في الحق وإن كان هناك مثله وكان هذا مشهورا ينتفع بعلمه مكفيا بغير بيت المال كره له طلبه وقبوله وعلى هذا حمل امتناع السلف وإلا بأن لم يكن مشهورا أو مكفيا استحب له ذلك لينتفع بعلمه أو ليكتفي من بيت المال وإن كان هناك دونه استحب له القبول وكذا الطلب وإنما يستحبان إذا وثق بنفسه أما عند الخوف عليها فيحترز لأن أهم العزائم حفظ السلامة وبما تقرر علم أنه لو حذف لفظة كذا كان أولى وحرم على الصالح للقضاء طلب له وبذل مال لعزل قاض صالح له ولو كان دونه وبطلت بذلك عدالته فلا تصح توليته والمعزول به على قضائه حيث لا ضرورة كما سيأتي لأن العزل بالرشوة حرام وتولية المرتشي للراشي حرام ولو وجب أو استحب طلبه جاز بذل المال و لكن آخذه ظالم كما إذا تعذر الأمر بالمعروف إلا ببذل مال فإن لم يجب ولم يستحب لم يجز له بذل المال ليولى ويجوز له بذله لئلا يعزل ووقع في الروضة أنه يجوز له بذله ليولى وهو سبق قلم وكذا يستحب بذله لعزل قاض غير صالح للقضاء لما فيه من تخليص الناس منه لكن آخذه ظالم ولا يجب على من تعين عليه القضاء طلب و لا قبول له في غير بلده لما فيه من الهجرة وترك الوطن وفارق سائر فروض الكفايات بأنه يمكن القيام بها والعود إلى الوطن والقضاء لا غاية له مع قيام حاجة بلد المتعين إليه وظاهر كلامه أنه لو كان ببلد صالحان وولي أحدهما ما لم يجب على الآخر ذلك في بلد آخر ليس به صالح والأوجه الوجوب عليه لئلا تتعطل البلد الأخرى إن لم يشملها حكم الأول مع انتفاء حاجة بلده إليه هذا واقتصاره على البلد من تصرفه والذي في الأصل اعتبار البلد والناحية وفي الحقيقة المعتبر في ذلك الناحية فقط كما اقتصر عليها المنهاج وإن صلح له بفتح اللام وضمها جماعة وقام به أحدهم سقط به الفرض عن الجميع وإن امتنعوا منه أثموا كسائر فروض الكفايات وأجبر الإمام واحدا منهم عليه لئلا تتعطل المصالح هذا كله إذا لم يكن هناك قاض وإن كان هناك قاض فإن كان غير مستحق للقضاء فكالمعدوم وإن كان مستحقا له فطلب عزله حرام وإن كان مفضولا فإن فعل أي عزل وولى غيره نفذ للضرورة أي عندها وأما عند تمهد الأصول الشرعية فلا ينفذ صرح به الأصل فيما إذا بذل مالا لذلك والظاهر أنه بدونه كذلك ويشترط فيمن يتولى القضاء أن يكون مسلما حرا ذكرا إذا رأى مجتهدا أي غير مقلد فلا يولاه كافر ولو على كفار كما سيأتي لعدم عدالته لقوله تعالى ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ولا من فيه رق لنقصه ولا أنثى ولو فيما تقبل شهادتها فيه إذ لا يليق بها مجالسة الرجال ورفع صوتها بينهم ولخبر البخاري لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ولا خنثى كالأنثى ولا مقلدا كما في الإفتاء وسيأتي أن القضاء ينفذ عند الضرورة من المقلد وقوله إذا رأى يغني عنه قوله بعد وأن يكون كافيا مع أن الأصل إنما ذكره في المندوبات الآتية
والمجتهد من علم ما يتعلق بالأحكام من الكتاب والسنة وعرف منهما الخاص
279
279
والعام والمطلق والمقيد والمجمل والمبين والنص والظاهر والناسخ والمنسوخ وعرف من السنة المتواتر والآحاد والمرسل والمتصل وعدالة الرواة وجرحهم لأن أهلية الاجتهاد لا تحصل إلا بمعرفة ذلك و عرف أقاويل الصحابة فمن بعدهم إجماعا وغيره لئلا يخالفهم في اجتهاده و عرف القياس جليه وخفيه وسيأتي بيانهما في الباب الثاني وصحيحه وفاسده لما علم مما مر و عرف لسان العرب لغة وإعرابا لورود الشريعة به ولأن به يعرف عموم اللفظ وخصوصه وإطلاقه وتقييده وإجماله وبيانه و عرف أصول الاعتقاد قال الغزالي وعندي أنه يكفي اعتقاد جازم ولا يشترط معرفتها على طرق المتكلمين وأدلتهم لأنها صناعة لم يكن الصحابة ينظرون فيها ولا يشترط حفظ جميع القرآن ولا بعضه عن ظهر القلب بل يكفي أن يعرف مظان أحكامه في أبوابها فيراجعها وقت الحاجة إليها ولا يشترط التبحر في هذه العلوم بل يكفي جل أي معرفة جل منها
و أن يكون له في كتب الحديث أصل مصحح يجمع أحاديث الأحكام أي غالبها كسنن أبي داود فيعرف كل باب فيراجعه إذا احتاج إلى العمل به ولا يشترط ضبط كل مواضع الإجماع والاختلاف ويكفيه الأولى بل يكفيه أن يعرف أو يظن في المسألة التي يفتي فيها أن قوله لا يخالف الإجماع لموافقته غيره أو أن المسألة لم يتكلم فيها الأولون بل تولدت في عصره كما صرح به الأصل ويكتفي عن البحث في الأحاديث بما قبله منها السلف وتواترت أهلية رواته من العدالة والضبط وما عداه يكتفي في أهلية رواته بتأهيل إمام مشهور عرفت صحة مذهبه في الجرح والتعديل والضبط ثم اجتماع هذه العلوم إنما يشترط في المجتهد المطلق الذي يفتي في جميع أبواب الشرع ويجوز أن يتبعض الاجتهاد بأن يكون العالم مجتهدا في باب دون باب فيكفيه علم ما يتعلق بالباب الذي يجتهد فيه ويشترط فيمن يتولى أيضا أن يكون بصيرا مكلفا عدلا فلا يولى فاسق ولا أعمى ولا غير مكلف كما في الشهادة ولا كافر ولو في كفار لما مر
ومن نصب منهم أي من الكفار عليهم كما جرت به عادة الولاة من نصب حاكم لهم فهو تقليد رياسة لا تقليد حكم وإنما يلزمهم حكمه بالتزامهم لا بإلزامه و يشترط أن يكون ناطقا سميعا فلا يكفي كونه أصم ولا أخرس وإن فهمت إشارته ولا يضر ثقل سمعه لحصول المقصود معه و يشترط أن يكون كافيا في القضاء ولو كان أميا لا يكتب ولا يحسب ولا يقرأ المكتوب وتعبيره كالرافعي بالأمي أعم من قول الروضة ولا يشترط أن يحسن الكتابة على الأصح واختار الأذرعي مقابل الأصح للحاجة إلى ذلك ثم قيد محل الخلاف بما إذا كان من يتولى بمحل فيه من يقوم بذلك ممن يثق هو به من أهل العدالة وإلا لضاعت حقوق ومصالح كثيرة ولا الأولى فلا يجزئ ضعيف رأي لتغفل أو اختلال رأي بكبر أو مرض أو نحوه وندب لتولي القضاء قرشي ومراعاة العلم والتقى أولى من مراعاة النسب وندب ذو حلم وتثبت ولين وفطنة وتيقظ وكتابة والتصريح بندب الكتابة من زيادته و ندب صحة حواس وأعضاء ومعرفة بلغة البلد الذي يقضي لأهله قنوع سليم من الشحناء صدوق وافر العقل ذو وفاء وسكينة ووقار كما صرح بها الأصل
وإذا عرف الإمام
280
280
أهلية أحد ولاه وإلا بحث عن حاله وبتولية من لا يصلح للقضاء مع وجود الصالح له والعلم بالحال يأثم الولي أي ولي الأمر وهو المولي بكسر اللام والمولى بفتحها ولا ينفذ قضاؤه وإن أصاب فيه هذا هو الأصل في الباب لكن مع عدمه أي الصالح للقضاء كما في زمننا لخلوه عن المجتهد نفذوا أي الأصحاب للضرورة قضاء من ولاه سلطان ذو شوكة وإن جهل وفسق لئلا تتعطل المصالح ولهذا ينفذ قضاء قاضي البغاة كما مر قال البلقيني ويستفاد من ذلك أنه لو زالت شوكة من ولاه بموت ونحوه انعزل لزوال الضرورة وأنه لو أخذ شيئا من بيت المال على ولاية القضاء أو جوامك في نظر الأوقاف استرد منه لأن قضاءه إنما نفذ للضرورة ولا كذلك في المال الذي يأخذه فيسترد منه قطعا انتهى وفيه وقفة وكلام المصنف كأصله قد يقتضي أن القضاء ينفذ من المرأة والكافر إذا وليا بالشوكة وقال الأذرعي وغيره الظاهر أنه لا ينفذ منهما وللقاضي العادل الأولى وللعادل تولي القضاء من الأمير الباغي فقد سئلت عائشة عن ذلك لمن استقضاه زياد فقالت إن لم يقض لهم خياركم قضى لهم شرارهم فرع يحرم بمعنى لا يحل ولا يصح تقليد مبتدع ترد شهادته القضاء و كذا تقليد من ينكر الإجماع وأخبار الآحاد والاجتهاد المتضمن إنكاره إنكار القياس والمراد من ينكر واحدا منها فصل في بيان المفتي فإن لم يكن في الناحية غيره تعين عليه الفتوى وإن كان فيها غيره فهي فرض كفاية كنظيره في القضاء وغيره ومع هذا لا يحل التسارع إلى ما لا يتحقق ه فقد كانت الصحابة رضي الله عنهم مع مشاهدتهم الوحي يحيل بعضهم على بعض في الفتوى ويحترزون عن استعمال الرأي والقياس ما أمكن ويشترط في جواز الفتوى وقبولها إسلام المفتي وعدالته الظاهرة فترد فتوى الفاسق والكافر وغير المكلف إذ لا يقبل خبرهم ويعمل الفاسق لنفسه باجتهاده ويشترط فيما ذكر أيضا تيقظ وقوة ضبط فترد فتوى من يغلب عليه الغفلة والسهو وأهلية اجتهاد أي التأهل له فمن عرف من العامة مسألة أو مسائل بأدلتها لم يجز فتواه بها ولا تقليده فيها سواء كانت أدلتها نقلية أم قياسية وكذا من لم يكن من العلماء مجتهدا لا تجوز فتواه على ما يعلم مما يأتي ولا تقليده ولو مات المجتهد لم تبطل فتواه
281
281
ومذهبه بل يؤخذ بقوله كما يؤخذ بشهادة الشاهد بعد موته ولأنه لو بطل قوله بموته لبطل الإجماع بموت المجمعين ولصارت المسألة اجتهادية ولأن الناس اليوم كالمجمعين على أنه لا مجتهد اليوم فلو منعنا تقليد الماضين لتركنا الناس حيارى فعلى هذا من عرف مذهب مجتهد وتبحر فيه لكن لم يبلغ رتبة الاجتهاد جاز له أن يفتي بقول ذلك المجتهد وليضف ما يفتي به إلى صاحب المذهب وفي نسخة وليضف المذهب إلى صاحبه إن لم يعلم أنه يفتى عليه فإن علم أنه يفتي عليه كفاه إطلاق الجواب ولا يجوز لغير المتبحر أن يفتي لأنه ربما ظن ما ليس مذهبا له مذهبه لقصور فهمه وقلة اطلاعه على مظان المسألة واختلاف نصوص ذلك المذهب والمتأخر منها والراجح إلا في مسائل معلومة من المذهب علما قطعيا كوجوب النية في الوضوء والفاتحة في الصلاة والزكاة في مال الصبي والمجنون وتبييت النية في صوم الفرض وصحة الاعتكاف بلا صوم فيجوز له ذلك فرع ليس لمجتهد تقليد مجتهد وإن خاف الفوات لضيق الوقت لقدرته على معرفة الحكم ولو حدثت واقعة لمجتهد قد اجتهد فيها قبل وجب عليه إعادته أي الاجتهاد فيها كنظيره في القبلة إن نسي الدليل الأول أو تجدد له مشكك وفي نسخة مشكل أي ما قد يوجب رجوعه بخلاف ما إذا كان ذاكرا للدليل ولم يتجدد له ذلك فرع المنتسبون إلى مذهب إمام إما عوام فتقليدهم أي فجواز تقليدهم له مفرع على جواز تقليد الميت وقد مر جوازه وإما مجتهدون فلا يقلدون غيرهم حتى الإمام المنتسبين إليه وإنما انتسبوا إليه لأنهم جروا على طريقته في الاجتهاد واستعمال الأدلة ووافق اجتهادهم اجتهاده وإذا خالف أحيانا لم يبالوا بالمخالفة وعبر عن هذا بقوله فإن وافق اجتهادهم اجتهاده فلا بأس وإن خالفه أحيانا و أما من لم يبلغ رتبة الاجتهاد بل وقف على أصول إمامه في الأبواب وتمكن من قياس ما لم ينص عليه على المنصوص عليه فليس بمقلد في نفسه بفتح اللام لمن يأخذ بقوله من العوام بل هو واسطة بينه وبين الإمام المذكور ومقلد للإمام فإن نص صاحب المذهب على الحكم والعلة ألحق المتمكن من القياس بها أي بالعلة غير المنصوص بالمنصوص ولو نص على الحكم فقط فله أن يستنبط العلة ويقيس بواسطتها على المنصوص وليقل بالبناء للمفعول أي والأولى أن يقال هذا قياس مذهبه أي الإمام لا قوله ومنه القول المخرج مع أن الأصل لم يذكر ذلك إلا فيه عقب قوله وإن اختلف نص إمامه في مسألتين مشتبهتين فله التخريج للحكم من إحداهما إلى الأخرى وبالعكس فرع للمفتي أن يغلظ في الجواب للزجر والتهديد في مواضع الحاجة متأولا كما إذا سأله من له عبد عن قتله له وخشي منه المفتي أن يقتله جاز أن يقول له إن قتلته قتلناك متأولا له لقوله صلى الله عليه وسلم من قتل عبده قتلناه ولأن القتل له معان وكما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن توبة القاتل فقال لا توبة له وسأله آخر فقال له توبة ثم قال أما الأول فرأيت في عينيه إرادة القتل فمنعته وأما الثاني فقد قتل وجاء يطلب المخرج فلم أقنطه وهذا إذا لم يترتب على إطلاقه الجواب مفسدة وإلا فلا يجوز إطلاقه واختلاف المفتيين في حق المستفتي كالمجتهدين أي كاختلافهما في حق المقلد وسيأتي أنه يقلد من شاء منهما فللمستفتي ذلك على ما يأتي لأن الأولين كانوا يسألون علماء الصحابة رضي الله عنهم مع تفاوتهم في العلم والفضل ويعملون بقول من سألوه من غير إنكار ولأن كلا منهما أهل فصل في بيان المستفتي وآداب المفتي يجب على المستفتي عند حدوث مسألته أن
282
282
يستفتي من عرف علمه وعدالته ولو بإخبار ثقة عارف أو باستفاضة لذلك وإلا بأن لم يعرفهما بحث عن ذلك يعني عن علمه بسؤاله الناس فلا يجوز له استفتاء من انتسب إلى ذلك وانتصب للتدريس وغيره من مناصب العلماء بمجرد انتسابه وانتصابه وقضية كلامه أنه يبحث عن عدالته أيضا والمشهور ما في الأصل خلافه وبه يشعر قوله فلو خفيت عليه عدالته الباطنة اكتفى بالعدالة الظاهرة لأن الباطنة تعسر معرفتها على غير القضاة وهذا كما يصح النكاح بحضور مستورين بخلاف ما لو خفي عليه علمه حيث لا يستفتيه لأن الغالب من حال العلماء العدالة بخلاف العلم ليس هو الغالب من حال الناس ويعمل المستفتي بفتوى عالم مع وجود أعلم منه جهله بخلاف ما إذا علمه بأن اعتقده أعلم كما صرح به بعد فلا يلزمه البحث عن الأعلم إذا جهل اختصاص أحدهما بزيادة علم فإن اختلفا أي المفتيان جوابا وصفة ولا نص من كتاب أو سنة والتقييد بهذا من زيادته قدم الأعلم
وكذا إذا اعتقد أحدهما أعلم أو أورع قدم من اعتقده أعلم أو أورع كما يقدم أرجح الدليلين وأوثق الروايتين ويقدم الأعلم على الأورع لأن تعلق الفتوى بالعلم أشد من تعلقها بالورع فلو كان ثم نص قدم من معه النص وكالنص الإجماع أخذا مما يأتي ولو حال و أجيب في واقعة لا تتكرر أي لا يكثر وقوعها ثم حدثت له ثانيا لزم إعادة السؤال إن لم يعلم استناد الجواب إلى نص أو إجماع بأن علم استناده إلى رأي أو قياس أو شك فيه والمقلد حي لاحتمال تغير رأي المفتي فإن كثر وقوع الواقعة أو علم استناد ذلك إلى ما ذكر أو كان المقلد ميتا لم يلزم إعادة السؤال لمشقة الإعادة في الأولى وندرة تغير الرأي في الثانية وعدمه في الثالثة والتقييد بعدم التكرار من زيادته وصرح به وبتصحيح لزوم إعادة السؤال فيما ذكر النووي في أوائل مجموعه نقلا عن القاضي أبي الطيب لكنه صحح فيه بعد ذلك بنحو خمسة أوراق أنه لا يلزمه الإعادة لأنه قد عرف الحكم الأول والأصل استمرار المفتي عليه وصحح أنه لا فرق فيه بين الحي والميت ولو لم تطمئن نفسه بجواب المفتي استحب له سؤال غيره لتطمئن نفسه ولا يجب التصريح باستحبابه من زيادته ويكفي المستفتي في استفتائه بعث رقعة إلى المفتي ليكتب عليها أو بعث رسول ثقة إليه ليسأله فيكفيه ترجمان واحد إذا لم يعرف لغته وله اعتماد خط المفتي إذا أخبره من يقبل خبره أو كان يعرف خطه ولم يشك فيه صرح به في الروضة ومن الأدب له أن لا يسأل والمفتي قائم أو مشغول بما يمنع تمام الفكر كأن يكون مستوفزا أو مستضجرا وأن لا يقول لجوابه أي المفتي هكذا قلت أنا أو كذا وقع لي أو أفتاني غيرك بكذا وأن لا يقول له إن كان جوابك موافقا لما كتب فلان وهو كذا فاكتب وإلا فلا تكتب ذكره المجموع و أن لا يطالب ه بدليل للجواب فإن أراده أي الدليل أي معرفته فبوقت آخر يطالبه به وليبين له في الرقعة إن طلب جوابه فيها موضع السؤال وينقط المشتبه في الرقعة لئلا يذهب الوهم إلى غير ما وقع عنه والسؤال فليكن مرتبها حاذقا ويتأملها أي ومن أدب المفتي أن يتأملها كلمة كلمة لا سيما آخرها لأنه موضع السؤال وقد يتقيد الجميع بكلمة في آخرها ويغفل عنها ويثبت في الجواب وإن وضحت أي المسألة ولا يقدح الإسراع في الجواب مع التحقق له بخلافه مع عدم التحقق و أن يشاور فيما يحسن إظهاره من حضر مجلسه متأهلا لذلك وإن كان دونه اقتداء بالسلف ولرجاء ظهور وما قد يخفى عليه بخلاف ما لا يحسن إظهاره ومن لم يكن متأهلا لذلك
وله أن ينقط مشكل الرقعة ويشكله بعد معرفة معناه بسؤاله المستفتي و أن يصلح لحنا فاحشا وجده فيها وليشغل بياضا وجده في بعض السطور بخط كي لا يلحق فيه شيء بعد جوابه ويبين خطه بقلم بين قلمين عبارة الأصل وليبين خطه وليكن قلمه بين قلمين أي لا دقيق خاف ولا غليظ جاف ولا بأس بكتبه الدليل مع الجواب إن كان واضحا مختصرا وقيد الأصل الدليل بقوله من آية أو حديث ومثلهما الإجماع فيما يظهر قال ولا يعتاد ذكر القياس وطرق الاجتهاد زاد في المجموع إلا أن تتعلق الفتوى بقضاء قاض أو يفتي فيها غيره بغلط فيفعل ذلك لينبه على ما ذهب إليه لا السؤال
283
283
ففي كتب المفتي له بأس وعبارة الروضة واستحبوا أن يكون السؤال بخط غير المفتي وعبارة الرافعي ولم يستحبوا أن يكون السؤال بخط المفتي وعبارة المصنف أوفق بالأولى ولا يكتب خلف يعني مع من لا يصلح للفتوى لأن فيه تقريرا منه لمنكر وله أن يضرب عليه إن أمن فتنة وإن سخط المالك للرقعة وينهي المفتي المستفتي عن ذلك أي عما ارتكبه من استفتائه من لا يصلح وجهله وجوب بحثه عمن يصلح للفتوى وليس له حبس الرقعة التي أجاب فيها من لا يصلح للفتوى إلا بإذن صاحبها قال في المجموع أما إذا وجد فتيا من يصلح وهي خطأ قطعا فلا يجوز له الامتناع من الإفتاء تاركا للتنبيه على خطئها إذا لم يكف ذلك غيره بل عليه الضرب عليها أو تقطيعها بإذن صاحبها أو نحوهما فإن تعذر ذلك كتب صواب جوابه عند ذلك الخطأ وحسن أن تعاد إلى ذلك المفتي بإذن صاحبها وإن لم يكن الخطأ قطعا لكن وجدها بخلاف ما يراه هو فليقتصر على كتب جواب نفسه ولا يتعرض لها بتخطئة ولا اعتراض وينبغي للإمام أن يبحث أي يسأل أهل العلم المشهورين في عصره عمن يصلح للفتوى ليمنع من لا يصلح لها منها ويتوعده بالعقوبة على العود وليكن المفتي مع شروطه السابقة متنزها عن خوارم المروءة فقيه النفس سليم الذهن وحسن التصرف والاستنباط ولو كان المفتي عبدا أو امرأة وأعمى وأخرس تفهم إشارته أو يكتب وليس هو كالشاهد في رد فتواه لقرابة وجر نفع ودفع ضرر وعداوة لأنه في حكم من يخبر عن الشرع بما لا اختصاص له بشخص فكان كالراوي لا كالشاهد قال في الروضة بعد نقله ذلك عن ابن الصلاح قال وعن صاحب الحاوي أن المفتي إذا نابذ في فتواه شخصا معينا صار خصما له فترد فتواه عليه كما ترد شهادته وتقبل فتوى من لا يكفر ولا يفسق ببدعته كشهادته بخلاف الرافضة نحوهم ممن يسب السلف لا تقبل فتواهم ولا ينافيه ما قالوه في الشهادات من قبولها منهم لأن في قبول فتواهم ترويجا وإعلاء لهم لأنها درجة رفيعة والتنظير بشهادة من زيادته ويفتي من يصلح للفتوى ولو كان قاضيا فلا تكره له الفتوى ولو في الأحكام وفي اشتراط معرفة الحساب لتصحيح مسائله الفقهية وجهان أصحهما في المجموع تبعا لابن الصلاح نعم لكن قال الإسنوي نقلا عن الروياني المذهب لا ورد الأذرعي وغيره له بأن الروياني إنما ذكر ذلك في القاضي لا يفيد الغرض لأنها إذا لم تشترط في القاضي لم تشترط في المفتي إذ لو شرطت فيه لشرطت في القاضي لأن شرط القاضي أن يكون مفتيا وتقدم أنه لا يشترط في القاضي أن يكون حاسبا فليكن المفتي كذلك ويشترط في المفتي المنتسب إلى مذهب إمام أن يحفظ مذهب إمامه ويعرف قواعده وأساليبه ويكون فقيه النفس كما صرح به في الروضة وليس للأصولي الماهر التصرف في الفقه وكذا البحاث في الخلاف من أئمة الفقه عبارة الروضة البحاث في الفقه من أئمة الخلاف وفحول المناظرين أن يفتي في الفروع الشرعية بمجرد ذلك فلو وقعت له واقعة لزمه أن يستفتي فيها لأنه ليس أهلا لإدراك حكمها استقلالا لقصور آلته ولا هو من مذهب إمام لعدم حفظه له على الوجه المعتبر ولا يجب إفتاء فيما لم يقع لعدم الحاجة إليه ويحرم التساهل في الفتوى و يحرم اتباع الحيل المحرمة مطلقا وكذا غيرها إن فسدت الأغراض بخلاف ما إذا صحت بأن احتسب في طلبه حيلة لا شبهة فيها ولا تجر إلى مفسدة ليخلص بها المستفتي من ورطة يمين ونحوها وعليه يحمل ما جاء عن بعض السلف من هذا و يحرم سؤال من عرف بذلك أي بالتساهل واتباع الحيل المذكورة ولا يفتي في حال تغير أخلاقه وخروجه عن الاعتدال ولو بفرح ومدافعة أخبثين ونعاس وملالة فإن أفتى في شيء من هذه الأحوال معتقدا أن ذلك لم يمنعه عن درك الصواب صحت فتواه وإن خاطر والأولى للمفتي أن يتبرع بالفتوى فإن أخذ رزقا من بيت المال جاز إلا إن تعينت عليه الفتوى وله كفاية فلا يجوز ولا يأخذ أجرة من مستفت وإن لم يكن له رزق كالحاكم فإن جعل له أهل البلد رزقا من أموالهم ليتفرغ لفتاويهم جاز وإن استؤجر على كتب الجواب جاز بخلاف ما لو استؤجر على الفتوى بالقول كما علم مما مر آنفا والأولى عبارة الروضة وينبغي
284
284
كونها أي الإجارة للكتب بأجرة مثل كتبه ذلك القدر لو لم تكن فتوى لئلا يكون آخذا زيادة بسبب الإفتاء مع كراهة للإيجار لذلك وله قبول هدية بخلاف الحاكم لأنه لا يلزمه حكمه لا قبول رشوة على فتوى لما يريد المستفتي كالحاكم وعلى الإمام أن يفرض من بيت المال المدرس ومفت كفايته أي كل منهما ليستغني عن التكسب وعن عمر رضي الله عنه أنه أعطى كل رجل ممن هذه صفته مائة دينار في السنة ولكل أهل بلد اصطلاح في اللفظ فلا يجوز أن يفتي أهل بلد بما يتعلق باللفظ كالأيمان والإقرار والوصايا من لا يعرف اصطلاحهم هذا فاعل يفتي ومفعوله أهل وليس له أي لكل من العامل والمفتي على مذهب الشافعي العمل والفتوى في مسألة ذات قولين أو وجهين بأحد القولين أو الوجهين من غير نظر بل عليه في القولين أن يعمل ويفتي بالمتأخر منهما إن علمه وإلا فبالذي رجحه الشافعي إن رجح شيئا وإلا لزمه البحث عنه أي عن الراجح فيعمل ويفتي به فإن كان أهلا للترجيح أو التخريج اشتغل به متعرفا ذلك من القواعد والمآخذ للشافعي وإلا تلقاه من نقلة المذهب أي الموصوفين بالأهلية فإن عدم الترجيح بأن لم يحصله بطريق توقف حتى يحصله وحكم الوجهين فيما ذكر كالقولين لكن لا عبرة بالمتأخر منهما إلا إذا وقعا من شخص واحد قال في الروضة وإذا كان أحدهما منصوصا والآخر مخرجا فالمنصوص هو الراجح المعمول به غالبا كما إذا رجح الشافعي أحد القولين بل هذا أولى فإن اختلفوا أي الأصحاب في الأرجح من القولين أو الوجهين ولم يكن أي كل من العامل والمفتي على مذهب الشافعي أهلا للترجيح اعتمد ما صححه الأكثر والأعلم إن صححوا شيئا وإلا توقف هذا من زيادته في العامل وقياس ما مر وإلا لزمه البحث عن الراجح
والذي في الروضة اعتمد ما صححه الأكثر والأعلم والأورع فإن تعارض أعلم وأورع قدم الأعلم فإن لم يبلغه عن أحد ترجيح اعتبر صفات الناقلين للقولين والقائلين للوجهين فما رواه البويطي والمزني والربيع المرادي مقدم على ما رواه الربيع الجيزي وحرملة ويترجح أيضا ما وافق أكثر أئمة المذاهب وكذا ما وافق من القولين مذهب أبي حنيفة مثلا إن لم يجد مرجحا مما مر ولو تعارض جزم مصنفين فكتعارض الوجهين فيرجع إلى البحث كما مر وكذا يرجح بالكثرة فلو جزم مصنفان بشيء وثالث مساو لأحدهما بخلافه رجحناهما عليه ونقل العراقيين نصوص الشافعي وقواعد مذهبه ووجوه المتقدمين من أصحابنا أتقن وأثبت من نقل الخراسانيين غالبا إن لم يكن دائما ومما ينبغي أن يرجح به أحد القولين كون الشافعي ذكره في بابه ومظنته والآخر مستطرد في باب آخر انتهى ملخصا والعمل يكون بالجديد من قولي الشافعي رحمه الله لا بالقديم منهما لأنه مرجوع عنه إلا في نحو ثلاثين مسألة عبارة الروضة في نحو عشرين أو ثلاثين مسألة بينتها في أول شرح المهذب مع ما يتعلق بها والمذكور في شرح المهذب ثمانية عشر مسألة
فلو عبر المصنف بعشرين بدل ثلاثين كان أولى وإن كان في الرقعة مسائل رتب المفتي الأجوبة على ترتيبها ويكره له أن يقتصر في جوابه على قوله فيه قولان أو وجهان أو خلاف أو روايتان أو نحوها إذ لا يفيد جوابا للمستفتي بل ينبغي أن يجزم له بالراجح فإن لم يعرفه انتظر ظهوره أو امتنع من الإفتاء كما فعله كثير ولا يطلق الجواب حيث وجد في المسألة التفصيل فهو أي الإطلاق حينئذ خطأ اتفاقا ويجيب على ما في الرقعة لا على ما يعلمه من صورة الواقعة فإن أراده أي الجواب على ما يعلمه قال إن أراد كذا فجوابه كذا قال في المجموع ويستحب أن يزيد على ما في الرقعة ما له تعلق بها مما يحتاج إليه المستفتي لخبر هو الطهور ماؤه الحل ميتته قال في الروضة وإذا كتب الجواب أعاد نظره فيه وتأمله ويجيب المفتي الأول في الناحية اليسرى من الرقعة لأنه أمكن وإن شاء أجاب غيرها أي في غيرها ولو في الحاشية لا قبل البسملة أي فوقها قال في الروضة ويستحب عند إرادة الإفتاء أن يستعيذ من الشيطان ويسمي الله تعالى ويحمده ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويقول لا حول ولا قوة إلا بالله ويقرأ رب اشرح لي صدري الآية قال في المجموع أو نحوها وليكتب أول فتواه الحمد لله
285
285
والله الموفق أو حسبنا الله أو حسبي الله أو نحوها ويختم جوابه بقوله والله أعلم أو وبالله التوفيق أو نحوه ويذكر أي يكتب بعده اسمه ونسبه وما يعرف به وينتسب إلى مذهبه فيكتب الشافعي مثلا قال في المجموع فإن كان مشهورا بالاسم أو غيره فلا بأس بالاقتصار عليه ولا يقبح في الجواب أن يقول عندنا أو الذي عندنا أو الذي نذهب إليه كذا لأنه من أهله قال في الروضة وإذا أغفل المستفتي الدعاء للمفتي أو الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الفتوى ألحق المفتي ذلك بخطه لجريان العادية به وإن تعلقت أي الفتوى بالسلطان دعا له وقال الأولى قول الروضة فقال وعلى السلطان أو على ولي الأمر سدده الله أو شد أزره أي قوته أو ظهره أو وفقه الله أو أصلحه أو نحوها ويكره أطال الله بقاءه فليست من ألفاظ السلف ويختصر جوابه ويوضح عبارته وإن سئل عمن تكلم بكفر يتأول قال يسأل المتكلم به إن أراد به كذا فلا شيء عليه وإن أراد به كذا فيستتاب فإن تاب قبلت توبته وإلا قتل وإن سئل عمن قال أنا أصدق من محمد بن عبد الله أو الصلاة لغو أو نحوهما فلا يبادر بقوله هذا حلال الدم أو عليه القتل بل يقول إن ثبت هذا بإقراره أو ببينة استتيب فإن تاب قبلت توبته وإلا فعل به كذا وكذا وأشبع القول فيه ذكره في الروضة وإن سئل عمن قتل أو جرح احتاط في الجواب وذكر عبارة الروضة فذكر شروط القصاص ويبين قدر التعزير وما يعزر به من عصا أو سوط أو غيرهما فيما لو سئل عمن فعل ما يقتضي تعزيرا قال في الروضة ينبغي أن يلصق الجواب بآخر الاستفتاء ولا يدع بينهما فرجة مخافة أن يزيد السائل شيئا يفسد الجواب ويكتب الجواب على الملصق من الورقة أي وإذا كان موضع الجواب ورقة ملصقة كتب على موضع الإلصاق وإن ضاقت عن الجواب كتب في الظهر أو في الحاشية والحاشية أولى به لا في ورقة أخرى خوفا من الحيلة قال في المجموع وإذا كتب في ظهرها كتب في أعلاها إلا أن يبتدئ من أسفلها متصلا بالاستفتاء ويضيق الموضع قيمته في أسفل ظهرها ليصل جوابه ويحرم الميل في فتواه مع المستفتي أو خصمه بأن يكتب ما لأحدهما دون ما عليه ويشافهه بما عليه إن ظهر له أنه لا يرضى بكتابته بل إن اقتضاهما أي ما له عليه السوال لم يقتصر على أحدهما التصريح بهذا من زيادته ولو قدمه على ما قبله كان أولى وعبارة الروضة ووجوه الميل معروفة ومنها أن يكتب ما له دون ما عليه وليس له أن يعلم أحدهما ما يدفع به حجة صاحبه ثم ذكر مسألة المشافهة ولا يلقنه حجته على خصمه فإن وجب عليه الإفتاء ولو كفاية واجتمع عنده رقاع قدم السابق فالسابق بفتوى واحدة كالقاضي نعم إن ظهر له جواب المسبوق دون السابق فالظاهر تقديم المسبوق كذا قاله الأذرعي ثم إن لم يكن سابق بأن تساووا أو جهل السابق أقرع نعم يجب عبارة الروضة والمجموع يجوز تقديم نساء ومسافرين تهيؤا للسفر أو تضرروا بالتخلف عن رفقتهم على من سبقهم لا إن ظهر بتقديمهم تضرر غيرهم بكثرتهم فلا يقدمون وإن سئل عن إرث الإخوة مثلا بغير تفصيل فصل في جوابه فيقول ابن وفي نسخة من الأبوين أو الأب أو الأم وإن كان في الفريضة عول كالمنبرية قال في جوابه للزوجة مثلا الثمن عائلا وهو ثلاثة أسهم من سبعة وعشرين سهما أو لها ثلاثة أسهم من سبعة وعشرين سهما أو صار ثمنها تسعا ولا يقول لها الثمن ولا التسع لأنه لم يطلقه أحد من السلف بخلاف ما يمنع الإرث من رق وكفر وغيرهما لا يشترط بيان عدمه بل المطلق محمول على ذلك ذكره في الروضة وإن كان في الورثة من يسقط في حال دون حال بينه فيقول وسقط فلان في هذه الحالة أو نحوه لئلا يتوهم أنه لا يرث بحال وإن كان فيهم من لا يرث بحال بينه فيقول وسقط فلان وحسن أن يقول وتقسم التركة بعد إخراج ما يجب تقديمه من دين أو وصية إن كانا ذكره في الروضة ويكتب تحت الفتوى الصحيحة التي كتبها غيره وخطه موافق لما عنده إن عرف أنها أهل للإفتاء الجواب صحيح ونحوه كهذا جواب صحيح أو جوابي كذلك وله أن يجيب أي يكتب الجواب كما لو كتبه أولا وقوله أن أرى ذلك من زيادته ولا حاجة إليه ويختصر في الجواب أي يأتي به أخصر من عبارة
286
286
السابق أما إذا عرف أنه ليس أهلا فقد تقدم حكمه وإن جهل أي من كتب أولا بحث عنه وإن لم يظهر له فله أمره أي المستفتي بإبدالها أي الرقعة عبارة الروضة فإن لم يعرف فله الامتناع أي من الكتابة معه والأولى أن يأمر صاحبها بإبدالها فإن تعسر إبدالها أجاب بلسانه قال في الروضة وينبغي للمستفتي أن يبدأ من المفتيين بالأسن الأعلم وبالأولى فالأولى إذا أراد جمعهم في رقعة وإلا فمن شاء وتكون الرقعة واسعة يدعو فيها لمن يستفتيه ويدفعها له منشورة ويأخذها كذلك فيريحه من نشرها وطيها وإن عدم المستفتي عن واقعة المفتي في بلده وغيرها الأولى وغيره ولا وجد من ينقل له حكمها فلا يؤاخذ صاحب الواقعة بشيء يصنعه فيها إذ لا تكليف عليه كما لو كان قبل ورود الشرع وفي نسخة ومن ينقل بحذف لا وهي أولى وأخصر فرع لو أفتاه مفت ثم رجع عن فتواه قبل العمل بها كف عنه وجوبا وكذا إذا نكح امرأة أو استمر على نكاحها بفتواه ثم رجع عنها لزمه فراقها كما في نظيره في القبلة واحتياطا للإبضاع وإن رجع عنها بعد العمل بها وقد خالف ما أفتاه به المفتي دليلا قاطعا نقضه أي عمله وإلا أي وإن لم يخالف قاطعا بأن كان في محل الاجتهاد فلا ينقضه لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد وإن كان المفتي مقلدا لإمام معين فنص إمامه وإن كان اجتهاديا في حقه كالدليل القاطع في حق المجتهد المستقل فإذا رجع المفتي عن فتواه لكونها خالفت نص إمامه وجب نقض العمل وإذا لم يعلم المستفتي برجوعه فكأنه لم يرجع في حقه وعلى المفتي إعلامه برجوعه قبل العمل وكذا بعده إن وجب النقض وإن أتلف بفتواه ما استفتاه فيه ثم بان أنه خالف القاطع أو نص إمامه لم يغرم من أفتاه ولو كان أهلا للفتوى إذ ليس فيها إلزام فرع يجوز لغير المجتهد تقليد من شاء من المجتهدين إن دونت المذاهب كاليوم فله أن يقلد كلا في مسائل لأن الصحابة كانوا يسألون تارة من هذا وتارة من هذا من غير نكير وله الانتقال من مذهبه إلى مذهب آخر سواء قلنا يلزمه الاجتهاد في طلب الأعلم أم خيرناه كما يجوز له أن يقلد في القبلة هذا أياما وهذا أياما لكن لا يتبع الرخص لما في تتبعها من انحلال ربقة التكليف فإن تتبعها من المذاهب المدونة فهل يفسق أو لا وجهان أوجههما لا بخلاف تتبعهما من المذاهب غير المدونة فإن كان في العصر الأول فلا يفسق قطعا وإلا فيظهر أنه يفسق قطعا فصل يستخلف جوازا في عام وخاص كتحليف وسماع بينة قاض أذن له في الاستخلاف ويستحب للإمام كما صرح به الأصل أن يأذن له في الاستخلاف لما فيه من الإعانة على فصل الخصومات وإلا أي وإن لم يؤذن له بأن أطلق له التولية ولم ينه عن الاستخلاف جاز له الاستخلاف فيما يعجز عنه كقضاء بلدين أو بلد كبير لأن قرينة الحال مشعرة بالإذن بخلاف ما لا يعجز عنه كقضاء بلد صغير لأن الإمام لم يرض بنظير غيره ولا قرينة تشعر بخلافه فلو نهى عنه وقد ولاه الإمام فيما يعجز عن بعضه بطلت توليته له فيما عجز عنه وصحت فيما عداه ولم ينفذ حكم خليفته حيث لا يجوز له الاستخلاف كخليفة لا يصلح للقضاء والخليفة في أمر خاص يكفي فيه أن يعرف شروط الواقعة حتى أن نائب
287
287
القاضي في القرى إذا كان المنوب فيه سماع البينة ونقلها دون الحكم كفاه بشروط سماع البينة ولا يشترط فيه رتبة الاجتهاد ولا يكفي في الخليفة في الأمر العام إلا أهل القضاء لأنه قاض ولو خالف اعتقاده فإنه يجوز استخلافه فللشافعي أن يستخلف الحنفي إن لم يشترط عليه العمل بخلاف معتقده فإن اشترط عليه ذلك لم يجز لأن الحاكم إنما يعمل باجتهاده أو باجتهاد مقلده قال الماوردي ولو لم يجر صيغة شرط بل قال الإمام قلدتك القضاء فاحكم بمذهب الشافعي أو لا تحكم بمذهب أبي حنيفة صح التقليد ولغا الأمر والنهي نقله عنه الأصل قال الرافعي وكان يجوز أن يجعل هذا الأمر شرطا وتقييدا كما لو قال قلدتك القضاء فاقض في موضع كذا وفي يوم كذا وأشار إلى ذلك في الروضة وإن قال لا تحكم في كذا فيما يخالفه فيه كقوله لا تحكم في قتل المسلم الكافر والحر العبد جاز وحكم في غيره من بقية الحوادث فإن نصب قاضيين في بلد وخصص كلا منهما بطرف منه أو زمان أو نوع من الخصومات جاز وفارق الإمام حيث لا يجوز تعدده بأن القاضيين إذا اختلفا قطع الإمام اختلافهما بخلاف الإمامين وكذا لو عمم و أثبت لكل منهما استقلالا بالحكم فإنه يجوز كالوكيلين والوصيين فإن شرط في توليتهما إجماع حكمهما بطلت لأن الخلاف يكثر في محل الاجتهاد فتتعطل الحكومات ولو أطلق بأن لم يشرط استقلالهما ولا اجتماعهما حمل على إثبات الاستقلال تنزيلا للمطلق على ما يجوز ويفارق نظيره في الوصيين بأن نصبهما بشرط اجتماعهما على التصرف جائز فحمل المطلق عليه بخلاف القاضيين فإن طلبا أي القاضيان خصما بطلب خصميه له منهما أجاب السابق منهما بالطلب وإلا بأن طلباه معا أقرع بينهما وإن تنازع الخصمان في اختيار القاضيين أجيب الطالب للحق دون المطلوب به وقيل يقرع والترجيح من زيادته وبما رجحه جزم الروياني فإن تساويا بأن كان كل منهما طالبا ومطلوبا كتحاكمهما في قسمة ملك أو اختلفا في قدر ثمن مبيع أو صداق اختلافا يوجب تحالفهما فأقرب القاضيين إليهما يتحاكمان عنده وإلا بأن استويا في القرب فالقرعة يعمل بها لا الإعراض عنهما حتى يصطلحا لئلا يؤدي إلى طول التنازع وهذا من زيادته ونصب أكثر من قاضيين ببلد كنصب قاضيين ما لم يكثروا كذا قيده الماوردي وفي المطلب يجوز أن يناط بقدر الحاجة فرع قال الماوردي ولو قلده بلدا و سكت عن ضواحيها فإن جرى العرف بإفرادها عنها لم تدخل في ولايته وإن جرى بإضافتها دخلت وإن اختلف العرف روعي أكثرهما عرفا فإن استويا روعي أقربهما عهدا فصل يجوز التحكيم من اثنين لرجل غير قاض لما رواه البيهقي أن عمر وأبي بن كعب تحاكما إلى
288
288
زيد بن ثابت وأن عثمان وطلحة تحاكما إلى جبير بن مطعم ولم يخالفهم أحد حتى بتزويج فاقدة ولي لها خاص نسيب أو معتق لا في حدود الله تعالى إذ ليس لها طالب معين ولأن نياط الحكم هنا رضا مستحقه وهو مفقود فيه واستثنى البلقيني صورا أخرى بينتها في شرح البهجة وإن وجد القاضي في البلد فإنه يجوز التحكيم بشرط تأهل المحكم للقضاء وإلا فلا يجوز مع وجود القاضي و بشرط رضا الخصمين بحكمه قبل الحكم لا بعده لأن رضاهما هو المثبت للولاية فلا بد من تقدمه فلو حكماه في الدية على العاقلة لم يلزم العاقلة حتى يرضوا بحكمه لأنهم لا يؤاخذون بإقرار الجاني فكيف يؤاخذون برضاه ولا يكفي رضا القاتل ولو رجع أحدهما قبل الحكم امتنع الحكم حتى لو أقام المدعي شاهدين فرجع المدعى عليه لم يكن له أن يحكم وليس له أن يحبس بل غايته الإثبات والحكم وقضيته أنه ليس له الترسيم قال الرافعي نقلا عن الغزالي وإذا حكم بشيء من العقوبات كالقصاص وحد القذف لم يستوفه لأن ذلك يخرم أبهة الولاة وإذا ثبت الحق عنده وحكم به أو لم يحكم فله أن يشهد على نفسه في المجلس خاصة إذ لا يقبل قوله بعد الافتراق كالقاضي بعد العزل قاله الماوردي ولا يحكم لنحو ولده ممن يتهم في حقه ولا على عدوه كما في القاضي والترجيح في هاتين من زيادته وهو القياس لأنه لا يزيد على القاضي لكن قال الزركشي الظاهر جواز الحكم لرضا المحكوم عليه بذلك وقول المصنف ولا على عدوه معلوم من قول الأصل ويشترط على أحد الوجهين كون المتحاكمين بحيث يجوز للمحكم أن يحكم لكل واحد منهما أي على الآخر وليس له أن يحكم بعلمه لانحطاط رتبته ولا يشترط رضا خصم قاض استناب عنه ليحكم بينهما بناء على أن ذلك تولية ورده ابن الرفعة بأن ابن الصباغ وغيره قالوا ليس التحكيم تولية لا يحسن البناء وقد يجاب بأن محل هذا إذا صدر التحكيم من غير قاض فيحسن البناء ويمضي القاضي حكمه أي المحكم كالقاضي ولا ينقض حكمه إلا بما ينقض به قضاء غيره
فرع يجوز أن يتحاكما إلى اثنين فلا ينفذ حكم أحدهما حتى يجتمعا ويفارق تولية قاضيين على اجتماعهما على الحكم لظهور الفرق ذكره في المطلب فصل منثور مسائله يتعلق بالتولية ليسأل الإمام عن حال من يوليه من جيرانه وخلطائه فإن ولى مجهولا أي من لا يعرف لم تنفذ توليته وإن بان أهلا لها للشك مع شدة أمر القضاء وخطره ولأن تولية الحاكم حكم بأهلية المولى وليس للحاكم أن يحكم إلا بعد قيام المستند حتى لو حكم ثم قامت بينة بعد ذلك على وفق الحكم لم يكن ذلك الحكم نافذا فليجدد توليته بان أهلا أو تجددت أهليته قال في الأصل ويجب عليه نصب قاض في كل بلد وناحية خالية عن قاض أن يبعث إليهم قاضيا من عنده أو يختار منهم من يصلح لذلك قال الإمام وغيره بحيث يكون بين كل بلدين فوق مسافة العدوى
ويجوز تفويض نصب قاض إلى وال و إلى غيره من الآحاد ولو كان الغير أهل البلد أو لم يكن صالحا للقضاء لأنه وكيل محض ولا يختار المفوض إليه ذلك ولدا ولا والدا له كما لا يختار نفسه ويشترط في التولية تعيين
289
289
القاضي فلو قال وليت أحد هذين أو من رغب في القضاء ببلد كذا من علمائها لم يجز و تعيين محل الولاية في قرية أو غيرها وتنعقد الولاية مشافهة ومكاتبة ومراسلة عند الغيبة كما في الوكالة بصريح كوليتك القضاء واستخلفتك واستنبتك فيه واقض واحكم بين الناس وقلدتك القضاء وبالكناية كاعتمدت عليك في القضاء أو رددته إليك أو فوضته إليك أو عهدت إليك فيه أو وكلتك فيه أو أسندته إليك والفرق بين وليتك القضاء وبين فوضته إليك أن الأول متعين لجعله قاضيا والثاني محتمل لأن يراد توكيله في نصب قاض بقبول لذلك ويشترط القبول فورا إن خوطب بخلاف ما لو كوتب أو روسل لا يشترط قبوله إلا عند بلوغه الخبر والأصح خلاف ذلك فقد قال في الأصل بعد نقله له عن الماوردي لكن سبق في الوكالة خلاف في اشتراط القبول وأنه إذا اشترط فالأصح أنه لا يعتبر الفور فليكن هكذا هنا ومن لازمه أنه لا يشترط القبول لفظا ومن ثم قال في الأنوار قال الماوردي ويشترط القبول لفظا وقال الرافعي لا كالوكالة ولو ولاه سنة أو نحوها جاز كما في الوكالة ويستفيد القاضي بالتولية المطلقة الحكم البات المستلزم سماع البينة والتحليف واستيفاء الحقوق والحبس للممتنع عن أداء الحق والتعزير وإقامة الحدود وتزويج من لا ولي لها خاص وولاية أموال الناقصين من الصغار والمجانين والسفهاء حيث لا ولي لهم خاص و ولاية الضوال والوقوف وإيصالها إلى أهلها والبحث عن حال ولاتها إن كان لها ولاة ويعم نظره الوقوف العامة والخاصة لأن الخاصة ستنتهي إلى العموم والوصايا إن لم يكن لها وصي وينظر في أحوال صلاة الجمعة والعيد إن لم يكن لها ولاة لأنها من حقوق الله العامة و في الطرق فيمنع متعديا فيها ببناء وإشراع لا يجوز وينصب المفتين وكذا المحتسبين وآخذي الزكاة إن لم ينصبهم الإمام و ينصب أئمة المساجد إن لم ينصبهم الإمام فلو قدم هذا على الشرط كان أولى ولا يأخذ الجزية والفيء والخراج إلا إن قلد ذلك لأن وجوه مصارفها متوقفة على اجتهاد الإمام الطرف الثاني في الانعزال والعزل فينعزل القاضي بجنون وإغماء وعمى وخرس وصمم وعدم ضبط لغفلة ونسيان أي لأحدهما وكذا بفسق لخروجه بكل منها عن الأهلية بخلاف الإمام الأعظم لا ينعزل بفسقه ولا بإغمائه لما فيه من اضطراب الأمور وحدوث
290
290
الفتن ولو زالت هذه الأحوال لم يعد قاضيا بلا تولية وإذا سمع البينة وتعديلها ثم عمي حكم في تلك الواقعة إن لم يحتج إلى إشارة هذه من زيادته هنا وقد ذكرها كأصله في الباب الثالث في مستند علم الشاهد وإن ولى الإمام قاضيا ظانا موت القاضي الأول أو فسقه فبان حيا أو عدلا لم يقدح في ولاية الثاني قال الأذرعي وقضيته انعزال الأول بالثاني لأنه أقامه مقامه لا أنه ضمه إليه وبه صرح البغوي في تعليقه وقضية كلام القفال عدم انعزاله به ويجوز للإمام عزله بخلل لا يقتضي انعزاله وقد غلب على الظن حصوله فقد روى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم عزل إماما يصلي بقوم بصق في القبلة وقال لا يصلي بهم بعدها أبدا وإذا جاز هذا في إمام الصلاة جاز في القاضي بل أولى إلا أن يكون متعينا فلا يجوز عزله ولو عزل لم ينعزل أما ظهور خلل يقتضي انعزاله فلا يحتاج فيه إلى عزل لانعزاله به و له عزله بأفضل منه وإن لم يظهر فيه خلل وبخوف فتنة تحدث من عدم عزله وإن لم يظهر فيه خلل ولم يعزله بأفضل منه نظرا لمصلحة المسلمين وإلا بأن لم يكن شيء من ذلك حرم عزله فلو عزله لم ينفذ إلا إن وجد غيره ممن هو أهل للقضاء فينفذ عزله مراعاة لطاعة الإمام قال في الأصل ومتى كان العزل في محل النظر واحتمل أن يكون فيه مصلحة فلا اعتراض على الإمام فيه ويحكم بنفوذه وفي بعض الشروح أن تولية قاض بعد قاض هل هي عزل للأول وجهان وليكونا مبنيين على أنه هل يجوز أن يكون في بلد قاضيان انتهى
قال الزركشي والراجح أنها ليست بعزل وقد ذكر في الروضة في الوكالة أنه لو وكل شخصا ثم وكل آخر فليس بعزل للأول قطعا مع أن تصرف الوكيل أضعف من تصرف القاضي وقد سبق في فصل التولية عن ابن الرفعة انعزال الأول أما القاضي فله عزل خليفته بلا موجب بناء على انعزاله بموته قاله الماوردي والسبكي وخالف فيه البلقيني فرع لا ينعزل القاضي قبل بلوغ خبر عزله من عدل لما في رد أقضيته من عظم الضرر بخلاف الوكيل كما مر في بابه نعم لو علم الخصم أنه معزول لم ينفذ حكمه له لعلمه أنه غير حاكم باطنا ذكره الماوردي قال البلقيني ولو بلغه الخبر ولم يبلغ نوابه لا ينعزلون حتى يبلغهم الخبر وتبقى ولاية أصلهم مستمرة حكما وإن لم ينفذ حكمه ويستحق ما رتب له على سد الوظيفة قال ولو
291
291
بلغ النائب قبل أصله فالقياس أنه لا ينعزل وينفذ حكمه حتى يبلغ الأصل انتهى وقد يتوقف فيه بما مر عن الماوردي فإن علقه أي عزله بقراءة كتاب كقوله إذا قرأت كتابي فأنت معزول العزل بقراءته ولو قرئ عليه لأن الغرض إعلامه بصورة الحال ولهذا ينعزل بمطالعته وفهم ما فيه وله عزل نفسه كالوكيل فينعزل وإن لم يعلم بعزله من ولاه إلا أن يكون متعينا فلا ينعزل وينعزل بانعزاله خليفته ولو في الأمر العام كما في الخاص كبيع على ميت أو غائب أو سماع شهادة في حادثة معينة سواء أذن له في أن يستخلف عن نفسه أم أطلق لأن الغرض من استخلافه معاونته وقد زالت فلا يشكل في حالة الإطلاق بنظيره من الوكالة إذ ليس الغرض ثم معاونة الوكيل بل النظر في حال الموكل فحمل الإطلاق على إرادته لا قيم يتيم ووقف فلا ينعزل بانعزال القاضي لئلا تختل مصالحهما فصار سبيله سبيل المتولي من جهة الولي والواقف ولا من استخلفه القاضي بقول الإمام له استخلف عني بل لا ينعزل إن عزله لأنه نائب الإمام والأول سفير في توليته فكان كما لو نصب الإمام عنه بنفسه والتصريح ببل إلى آخر من زيادته هذا كله إذا لم يعين له من يستخلفه فإن عينه لم ينعزل بانعزاله مطلقا لأنه قطع نظره بالتعيين وجعله سفيرا أشار إليه الماوردي والروياني وفيه نظر فيما إذا استخلفه عن نفسه ويؤيده ما يأتي عن الماوردي قال في الأصل ولو نصب الإمام نائبا عن القاضي فقال السرخسي لا ينعزل بموت القاضي وانعزاله لأنه مأذون له من جهة الإمام وفيه احتمال انتهى وصرح الماوردي بما يوافق هذا الاحتمال ولا ينعزل قاض ووال بموت الإمام كما لا ينعزل بانعزاله بغير موته لشدة الضرر بتعطيل الحوادث ولأن ما عقده الإمام إنما هو لغيره وهم المسلمون فلا يبطل بموته كما لا يبطل النكاح بموت الولي نعم لو ولاه الإمام للحكم بينه وبين خصمائه انعزل بذلك لزوال المعنى المقتضي لذلك قاله البلقيني فصل لو قال معزول كنت حكمت لفلان بكذا لم يقبل إلا ببينة لأنه حينئذ لا يقدر على الإنشاء نعم لو انعزل بالعمى قبل منه ذلك لأنه إنما انعزل بالعمى فيما يحتاج إلى الإبصار وقوله حكمت بكذا لا يحتاج إلى ذلك قاله البلقيني وترد شهادته ولو مع آخر بحكمه له أي لفلان لأنه يشهد على فعل نفسه ويخالف المرضعة لأن فعلها غير مقصود بالإثبات ولأن شهادتها على فعلها لا تتضمن تزكيتها بخلاف القاضي فيهما فلو قال أشهد أن قاضيا حكم به ولم يضف إلى نفسه قبلت شهادته كالمرضعة إذا شهدت كذلك فلو علم القاضي أنه حكمه لم يقبل نظرا لبقاء التهمة وإن شهد أنه أقر بمجلس حكمه بكذا أو أن هذا ملك فلان
292
292
قبل لأنه لم يشهد على فعل نفسه فإن كان القاضي في غير محل ولايته فكالمعزول في أنه لا ينفذ حكمه لعدم قدرته على الإنشاء ثم وإن قال وهو في محل ولايته حكمت بطلاق نساء القرية عبارة الأصل لو قال على سبيل الحكم نساء القرية طوالق من أزواجهن قبل قوله بلا حجة لقدرته على الإنشاء حينئذ بخلاف ما لو قاله على سبيل الإخبار فلا يقبل قوله كذا صرح به البغوي وهو مقتضى كلام الأصل وينبغي أن يكون محله ما لو أسنده إلى ما قبل ولايته قال الأذرعي وما قالوه من قبول قوله ظاهر في القاضي المجتهد مطلقا أو في مذهب إمامه أما غيرهما ففي قبول قوله وقفة وقد استخرت الله تعالى وأفتيت فيمن سئل من قضاة العصر عن مستند قضائه أنه يلزمه بيانه لأنه قد يظن ما ليس بمستند مستندا كما هو كثير أو غالب قال ويشبه أن يكون محل ما ذكر في قرية أهلها محصورون أما في بلد كبير كبغداد فلا لأنا نقطع ببطلان قوله وإلى ما قاله يشير تعبير المصنف كأصله بالقرية وإن قال المعزول للأمين أعطيتك المال أيام قضائي لتحفظه لفلان فقال الأمين بل أعطيتنيه لأحفظه لفلان فالقول قول المعزول لكن هل يغرم الأمين لمن عينه هو قدر ذلك فيه وجهان في تعليق القاضي أوجههما المنع أو قال له الأمين لم تعطني شيئا بل هو لفلان فالقول قول الأمين لأن الأصل عدم الإعطاء فرع وإن شهدا أي اثنان بحكم من حكم بشهادتهما جاز لأنهما الآن يشهدان على أن فعل القاضي فصل في جواز تتبع القاضي حكم من قبله من القضاة الصالحين للقضاء وجهان أحدهما نعم واختاره الشيخ أبو حامد وثانيهما المنع لأن الظاهر منه السداد وبه جزم المحاملي وصححه الفارقي وعزاه الماوردي إلى جمهور البصريين واقتضاه كلام الأصل في الباب الآتي فإن تظلم شخص عنده بمعزول أو نائبه سأله عما يريد منه ولا يسارع إلى إحضاره فقد يقصد ابتذاله فإن ادعى بأن ذكر أنه يدعي معاملة أو إتلاف مال أو عينا أخذها بغصب أو نحوه أحضره وفصل خصومته منه كغيره وكذا لو ادعى عليه رشوة بتثليث الراء أو حكما بعبدين مثلا أي بشهادة عبدين أو غيرهما ممن لا تقبل شهادته وإن لم يتعرض للأخذ أي لأخذ المال المحكوم به منه فإن أقام على المعزول بعد الدعوى عليه بينة أو أقر المعزول حكم عليه وإلا صدق بيمينه كسائر الأمناء إذا ادعى عليهم خيانة ولعموم خبر البينة على المدعي واليمين على من أنكر وقيل بلا يمين لأنه أمين الشرع فيصان منصبه عن التحليف والابتذال بالمنازعات وهذا صححه الرافعي قال الزركشي كغيره وقد اختلف تصحيح النووي فيه والصواب الثاني فإنه المنصوص كما نقله القاضي شريح الروياني وغيره قال وهذا فيمن عزل مع بقاء أهليته أما من ظهر فسقه وشاع جوره وخيانته فالظاهر أنه يحلف قطعا ولو قال المتظلم بقي على أمين المعزول شيء بعد المحاسبة فقال الأمين أخذته أجرة لعملي وقد اعتاد أخذها بل أو لم يعتده ففيه خلاف من عمل لغيره ولم يسم أجرة هل يستحقها وعبارة الأصل فلو حوسب الأمين فبقي عليه شيء فقال أخذته أجرة عملي فصدقه المعزول لم ينفعه تصديقه بل يسترد منه ما يزيد على أجرة المثل وهل يصدق بيمينه في أجرة المثل فإن الظاهر أنه لم يعمل مجانا أو لا بل يكلف البينة بجريان ذكر الأجرة وجهان قال الإمام والخلاف مبني على أن من عمل لغيره ولم يسم أجرة هل يستحقها قال الأذرعي وهذا البناء نقله ابن رشد عن بعض الأصحاب بعد قوله أن الوجهين في استحقاقه الأجرة كالوجهين
293
293
فيما لو ادعى راكب الدابة إعارتها والمالك إجارتها وعلى التشبيه اقتصر الماوردي والروياني وقضيته الأخذ بترجيح الاستحقاق بخلاف البناء المذكور والتشبيه أقرب من البناء وما قاله ظاهر مع أن الأجرة في مسألتنا مفروضة بخلافها في المنظر بها على أن الإمام لم يبن على تلك الخلاف في هذه وإنما بنى عليها توجيه الوجه الأول فقال عقبه وهذا يلتفت إلى أن من عمل لغيره إلخ ثم ذكر الوجه الثاني
فرع لو ادعى
شخص على قاض باق على قضائه معاملة أو غيرها مما يتعلق بالحكم حكم بينهما خليفته أو قاض آخر فصلا للخصومة أو ادعى عليه أنه جار عليه في حكمه أو على الشاهد أنه شهد عليه زورا لم يحلف واحد منهما لأنهما أمينان شرعا ولو فتح باب تحليفهما لتعطل القضاء وأداء الشهادة فلا تسمع دعواه عليه ولم يفد في ذلك إلا البينة فحينئذ تسمع دعواه عليه لخروجه عن إنابة الشرع ومحل عدم سماعها عليه إذا كان موثوقا به كما قاله الزركشي الباب الثاني في جامع آداب القضاء وغيرها وفيه أطراف أربعة الأول في آداب متفرقة منها أن يكتب له الإمام إذا ولاه القضاء في بلد كتاب العهد بالولاية ويعظه فيه ويذكر فيه ما يحتاج إلى القيام به لأنه صلى الله عليه وسلم كتب لعمرو بن حزم لما بعثه إلى اليمن رواه أصحاب السنن ولأن أبا بكر كتب لأنس لما بعثه إلى البحرين وختمه بخاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه البخاري ويشهد وجوبا عليها أي الولاية للبعيد من محلها عبارة الأصل فإن كان يبعثه إلى بلد آخر فإن كان بعيدا لا ينتشر الخبر إليه فليشهد شاهدين يخرجان معه يخبران بها وعند إشهادهما يقرآن الكتاب أو يقرؤه الإمام عليهما فإن قرأه غير الإمام فالأحوط أن ينظر الشاهدان فيه ولو أشهد ولم يكتب كفى فإن الاعتماد على الشهود ولو استفاض الخبر كفى عن الإشهاد لأن الاستفاضة آكد منه ولأنه لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن الخلفاء الإشهاد فلا يقبل في الولاية قول مدعيها فلو صدقه أهل البلد ففي وجوب طاعته وجهان وقياس ما مر في الوكالة عدم وجوبها لأن الإمام لو أنكر توليته كان القول قوله لكن قال الأذرعي لعل وجوبها أشبه وفي الآثار والأخبار ما يعضده ولا يعتمد الكتاب وحده أي بلا إشهاد واستفاضة لإمكان تحريفه و منها أن يسأل قبل الدخول للبلد الذي لا يعرف من فيه عن حال من في البلد من العدول والعلماء ليدخل على بصيرة بحال من فيه فيسأل عن ذلك قبل الخروج فإن تعسر ففي الطريق فإن تعسر فحين يدخل و أن يدخل يوم الاثنين لأنه صلى الله عليه وسلم دخل المدينة فيه فإن تعسر فالخميس أو السبت كذا عبر به في التنبيه وعبارة الروضة وإلا فالسبت ويستحب أن يدخل صبيحة اليوم و أن يدخل في عمامة سوداء ففي مسلم أنه صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح بها ولأنها أهيب له و أن ينزل وسط البلد ليتساوى أهله في القرب منه قال الزركشي وكأنه حيث اتسعت خطته والإنزال حيث تيسر قال وهذا إذا لم يكن فيه موضع يعتاد
294
294
القضاة النزول فيه ثم إذا دخل إن شاء قرأ العهد فورا وإن شاء واعد الناس ليوم يحضرون فيه ليقرأه عليهم وإن كان معه شهود شهدوا ثم انصرف إلى منزله وأن يبحث عن الشهود والمزكين سرا وعلانية والأحوط السر لأنه أعون له على اطلاعه على معرفة أحوالهم و أن يتسلم ديوان الحكم وهو ما كان عند القاضي قبله من المحاضر وهي التي فيها ذكر ما جرى من غير حكم والسجلات وهي ما يشمل على الحكم وحجج الأيتام وأموالهم ونحو ذلك من الحجج المودعة في الديوان كحجج الأوقاف لأنها كانت في يد الأول بحكم الولاية وقد انتقلت الولاية إليه فيتسلمها ليحفظها على أربابها ثم يبحث عن المحبوسين هل يستحقون الحبس أو لا وقدم على ما يأتي لأن الحبس عذاب وقدم عليه ما مر لأنه أهم ويؤخذ منه ما جزم به البلقيني أنه يقدم على البحث عنهم أيضا كل ما كان أهم منه كالنظر في المحاجير الجائعين الذين تحت نظره وما أشرف على الهلاك من الحيوان في التركات وغيرها وما أشرف من الأوقاف وأملاك محاجيره على السقوط بحيث يتعين الفور في تداركه و أن يكتب في رقاع أسماءهم وما حبس به كل منهم و من حبس له فإن بعث إليهم أمينا ليكتب ذلك كفى وإن بعث أمينين فهو أحوط فينادي بأن يأمر قبل أن يجلس للبحث عنهم من ينادي ألا من له حبيس فليحضر يوم كذا فإذا جلس لذلك وحضر الناس صبت الرقاع بين يديه فيأخذ رقعة رقعة وينظر في الاسم المثبت فيها ويحضر المحبوسين واحدا واحدا بحسب ما أخذه من الرقاع فيسألهم بعد اجتماعهم مع خصومهم عن سبب حبسهم فمن اعترف منهم بحق طولب به وإن أوفى الحق أو ثبت إعساره كما ذكره الأصل نودي عليه فلعل له غريما آخر
ثم إذا لم يحضر له غريم يطلق من الحبس بلا يمين لأن الأصل عدم غريم آخر ولا يطالب بكفيل ومن لم يوف الحق ولم يثبت إعساره رد إلى الحبس لأنه يستحقه لو أنشئت المحاكمة عند هذا القاضي فاستمراره أولى وإن قال حبست بكلب مثلا أتلفته أمضاه أي حكم المعزول وإن كان لا يعتقد التغريم بذلك كالمنعزل لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله وإن قال ظلمت بالحبس وأنكر خصمه طولب خصمه بالبينة أنه حبسه بحق وصدق هو بيمينه أنه حبس ظلما إن لم يقم خصمه بينة فيطلق من الحبس لأن استمراره فيه معصية ولو كان خصمه غائبا عن البلد طولب بكفيل أو يرد إلى الحبس وتبع في مطالبته بكفيل الروضة على القول بأنه لا يطلق من الحبس والرافعي إنما فرعه على القول بأنه يطلق منه وترجيح رده إليه من زيادة المصنف وإذا رد إليه أو أطلق بكفيل كتب لخصمه ليحضر عاجلا فيلحن بحجته فإن لم يحضر أطلق كالمحبوس ظلما ومن قال لا أدري فيم حبست أو لا خصم لي نودي عليه لطلب الخصم ثلاثة أيام كما في البحر وغيره فإن لم يحضر له خصم حلف على ما قاله لأن الحبس بلا خصم خلاف الظاهر وأطلق وإن حضر في هذا وما قبله فإن أقام بينة بالحق أو بأن القاضي حكم عليه بذلك فذاك وإلا أطلق بعد حلفه وحال المناداة عليه لطلب خصمه يراقب ولا يحبس ولا يطالب بكفيل ومن حبس تعزيرا أطلقه من الحبس لأنه لا يدري أن من كان قبله هل كان يديم حبسه أو لا أو يرده إليه إن رأى ذلك بأن بانت عنده خيانته ثم يبحث عن الأوصياء قال الماوردي ويبدأ هنا بمن شاء بلا قرعة بخلاف المحبوسين لأن النظر فيهم لهم وفي هؤلاء عليهم فينفذ القاضي أي يقرر ما قضى لهم به ومن عرف فسقه منهم انعزل فينزع المال منه أو ضعفه عن القيام بحفظ المال والتصرف فيه لكثرته أو لغيره أعانه بآخر أو شك في عدالته قرره لأن الظاهر الأمانة وقيل ينزع المال منه حتى تثبت عدالته والترجيح من زيادته لكن رجح ابن أبي عصرون في الانتصار الثاني وجزم به في المرشد وقال الأذرعي وغيره إنه المختار لفساد الزمان
295
295
وإن كان الأقرب إلى كلام الجمهور الأول ثم إن فرق الوصي الوصية وهي لمعينين لم يبحث عنه لأنهم يطالبونه إن لم يكن أوصلهم قال الأذرعي وهو ظاهر إن كانوا أهلا للمطالبة فإن كانوا محجورين فلا لا سيما إذا لم يكن لهم ولي غير القاضي
أو لجهة عامة وهو عدل أمضاه أي تصرفه وإلا أي وإن لم يكن عدلا ضمنه أي ما فرقه لتعديه بتفريقه بلا ولاية صحيحة وإن فرقها أجنبي لمعينين نفذ تفريقه لأن لهم أخذها بلا واسطة فلا يضمنه نعم قال البلقيني في الوصي لو فوض إلى اجتهاده التساوي والتفضيل وكان فاسقا فينبغي أن يضمنه لأنه تعدى بالتفريق بغير ولاية صحيحة فيأتي مثله في الأجنبي أو لعامة أي لجهة عامة ضمن ثم يبحث عن أمناء القاضي المنصوبين على الأطفال وتفرقة الوصايا فينعزل وفي نسخة فيعزل من فسق منهم ويعين الضعيف بآخر كما يعلم من كلام الأصل وله أن يعزل الأمناء وإن لم يتغير حالهم ويعوض عنهم بآخرين بخلاف الأوصياء لأن الأمناء يولون من جهة القاضي بخلاف الأوصياء وأخروا عن الأوصياء لأن التهمة فيهم أبعد لأن ناصبهم القاضي وهو لا ينصب إلا بعد ثبوت الأهلية عنده بخلاف الأوصياء ثم يبحث عن الأوقاف العامة ومتوليها قال الماوردي والروياني وعن الخاصة لأنها تؤول لمن لا يتعين من الفقراء والمساكين فينظر هل آلت إليهم وهل له ولاية على من تعين منهم لصغر أو نحوه و عن اللقطة التي لا يجوز تملكها للملتقط أو يجوز ولم يختر تملكها بعد الحول و عن الضوال فتحفظ هذه الأموال في بيت المال مفردة عن أمثالها وله خلطها بمثلها فإذا ظهر المالك غرم له من بيت المال وله بيعها وحفظ ثمنها لمصلحة مالكها وصرح به الأصل بالنسبة للقطة قال الأذرعي وفي جواز خلطها نظر إذا لم تظهر فيه مصلحة لملاكها ولا دعت إليه حاجة وقدم من كل نوع مما ذكر الأهم فالأهم ويستخلف فيما إذا عرضت حادثة حال شغله بهذه المهمات من ينظر في تلك الحادثة أو فيما هو فيه ثم بعدما ذكر يرتب أمر الكتاب والمزكون والمترجمين والمستمعين للحاجة إليهم وقد كان له صلى الله عليه وسلم كتاب منهم زيد بن ثابت ويشترط في هذا الأدب كون الكاتب مسلما ذكرا حرا مكلفا عدلا في الشهادة لتؤمن خيانته عارفا بكتب المحاضر ونحوها لئلا يفسدها حافظا لئلا يغلط فلا يكفي الكافر ولا الأنثى ولا العبد ولا غير المكلف ولا الفاسق ولا غير العارف بما ذكر ولا غير الحافظ ويستحب كونه فقيها بما زاد على ما يشترط من أحكام الكتابة عفيفا عن الطمع لئلا يستمال به جيد الخط والضبط للحروف لئلا يقع الغلط والاشتباه حاسبا للحاجة إليه في كتب المقاسم والمواريث فصيحا عالما بلغات الخصوم وافر العقل لئلا يخدع وذكر وفور العقل ذكره الأصل
و أن يجلس كاتبه بين يديه ليمليه ما يريد وليرى كتابه أي ما يكتبه ولا يشترط تعدده كما أفهمه كلامه كأصله لأنه لا يثبت شيئا بخلاف المترجمين ونحوهما ممن يأتي ويشترط في الترجمة في إسماع القاضي الأصم كلام الخصم مترجمان ومسمعان بلفظ أي مع لفظ الشهادة بأن يقول كل منهم أشهد أنه يقول كذا و مع عدالتهما في الشهادة وذلك لأن المترجم والمسمع ينقلان إليه قولا لا يعرفه أو لا يسمعه فأشبها الشاهد ومن هنا يشترط انتفاء التهمة فلا يقبل ذلك من الولد والوالد إن تضمن حقا لهما ويجزئ منهما أي من المترجمين والمسمعين في المال أو حقه رجل وامرأتان وفي غيره
296
296
كنكاح وعتق رجلان ولو في زنا كالشهادة على الإقرار به و لو كانت الترجمة عن شاهدين فيكفي رجلان ولا يشترط أربعة كما في شهادة الفرع على الأصل ولا يضرهما العمى لأنهما يفسران اللفظ وذلك لا يستدعي معاينة بخلاف الشهادة مع أن القاضي يرى من يترجم الأعمى كلامه ومثلهما في ذلك المسمعان فإن كان الخصم أصم كفاه في نقل كلام خصمه أو القاضي إليه مسمع واحد لأنه إخبار محض لكن يشترط فيه الحرية على الأصح كهلال رمضان ولا يسلك به مسلك الروايات ذكره الأصل وكالأصم في ذلك من لا يعرف لغة خصمه أو القاضي
فرع للقاضي وإن وجد كفايته أخذ كفايته وكفاية عياله من نفقتهم وكسوتهم وغيرهما مما يليق بحالهم من بيت المال ليتفرغ للقضاء ولخبر أيما عامل استعملناه وفرضنا له رزقا فما أصاب بعد رزقه فهو غلول رواه أبو داود والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين ولو حذف قوله وكسوتهم كان أولى إلا أن تعين للقضاء ووجد كفاية له ولعياله فلا يجوز له أخذ شيء لأنه يؤدي فرضا تعين عليه وهو واجد للكفاية ويستحب تركه أي الأخذ لمكتف لم يتعين ومحل جواز الأخذ للمكتفي ولغيره إذا لم يوجد متطوع بالقضاء صالح له وإلا فلا يجوز صرح به الماوردي وغيره ولا يجوز عقد الإجارة على القضاء لما مر في بابها ولا يجوز أن يرزق القاضي من خاص مال الإمام أو غيره من الآحاد فلا يجوز له قبوله وفارق نظيره في المؤذن بأن ذلك لا يورث فيه تهمة ولا ميلا لأن عمله لا يختلف وفي المفتي بأن القاضي أجدر بالاحتياط منه واستشكل عدم جواز ذلك بأن الرافعي رجح في الكلام على الرشوة جوازه وأسقطه النووي ثم ويجاب بأن ما هناك في المحتاج وما هنا في غيره وأجرة الكاتب ولو كان القاضي وثمن الورق الذي يكتب فيه المحاضر والسجلات ونحوهما من بيت المال وإلا بأن لم يكن في بيت المال شيء أو احتيج إليه لما هو أهم فعلى من له العمل من المدعي والمدعى عليه ذلك إن شاء كتابة ما جرى في خصومته وإلا فلا يجبر على ذلك لكن يعلمه القاضي أنه إذا لم يكتب ما جرى فقد ينسى شهادة الشهود وحكم نفسه وللإمام أن يأخذ من بيت المال لنفسه ما يليق به من خيل وغلمان ودار واسعة ولا يلزمه الاقتصار على ما اقتصر عليه صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون كالصحابة رضي الله عنهم لبعد العهد بزمن النبوة التي كانت سببا للنصر بالرعب
297
297
في القلوب فلو اقتصر اليوم على ذلك لم يطع وتعطلت الأمور ويرزق الإمام أيضا منه أي من بيت المال كل من كان عمله مصلحة عامة للمسلمين كالأمير والمفتي والمحتسب والمؤذن والإمام للصلاة ومعلم القرآن وغيره من العلوم الشرعية والقاسم والمقوم والمترجم وكتاب الصكوك وقوله ونحو ذلك أي كالمسمعين والمزكين لا حاجة إليه قال الأذرعي ولا خفاء أن محل ذلك إذا لم يجد متبرعا بذلك يحصل به الكفاية وإن لم يكن في بيت المال شيء لم يعين أي لم يندب له أن يعين قاسما ولا كاتبا ولا مقوما ولا مترجما ولا مسمعا ولا مزكيا كما أفاده كلام الأصل وذلك لئلا يغالوا بالأجرة و من الآداب أن يتخذ القاضي للقضاء مجلسا فسيحا أي واسعا لئلا يتأذى بضيقه الحاضرون نزها عما يؤذي من حر وبرد وريح ونحوها فيجلس في الصيف حيث يليق وفي الشتاء وزمن الرياح كذلك قال في الأصل بارزا أي ظاهرا ليعرفه من يراه ويصل إليه كل أحد هذا إن اتحد الجنس فإن تعدد وحصل زحام اتخذ مجالس بعدد الأجناس فلو اجتمع رجال وخناثى ونساء اتخذ ثلاثة مجالس قاله ابن القاص و أن يجلس على مرتفع كدكة ليسهل عليه النظر إلى الناس وعليهم المطالبة و أن يتميز عن غيره بفراش ووسادة وإن كان مشهورا بالزهد والتواضع ليعرفه الناس وليكون أهيب للخصوم وأرفق به فلا يمل و أن يستقبل القبلة لأنها أشرف المجالس كما رواه الحاكم وصححه و أن لا يتكئ بغير عذر ويكره الحكم في المساجد أي اتخاذها مجالس له صونا لها عن ارتفاع الأصوات واللغط الواقعين بمجلس الحكم عادة وقد يحتاج لإحضار المجانين والصغار والحيض والكفار وإقامة الحدود فيها أشد كراهة لا الحكم فيما اتفق حال دخوله لها أي وقت حضوره فيها الصلاة أو غيرها فلا يكره للاتباع رواه البخاري
ولا فيما إذا احتاج إليها لعذر من مطر أو غيره فلا يكره الجلوس فيها للحكم فإن جلس له فيه أي في المسجد مع الكراهة أو دونها منع الخصوم من الخوض فيه بالمخاصمة والمشاتمة ونحوهما ووقف غير الخصمين السابقين لمجلس الحكم خارجه عبارة الأصل لم يمكن الخصوم من الاجتماع فيه والمشاتمة ونحوها بل يقعدون خارجه وينصب من يدخل عليه خصمين خصمين ولا يقضي أي يكره أن يقضي في حال تغير الخلق بنحو غضب وجوع وامتلاء أي شبع مفرطين ومرض مؤلم وخوف مزعج وحزن وفرح شديدين ومدافعة خبث وغلبة نعاس لخبر الصحيحين لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان رواه ابن ماجه بلفظ لا يقضي القاضي وفي صحيح أبي عوانة لا يقضي القاضي وهو غضبان مهموم ولا مصاب محزون ولا يقضي وهو جائع قال في المطلب ولو فرق بين ما للاجتهاد فيه مجال وغيره لم يبعد نقله عنه وعن ابن عبد السلام الزركشي واعتمده واستثنى الإمام والبغوي وغيرهما الغضب لله تعالى واستغربه في البحر قال البلقيني والمعتمد الاستثناء لأن الغضب لله يؤمن معه التعدي بخلاف الغضب لحظ النفس
وقال الأذرعي الراجح من حيث المعنى والموافق لإطلاق الأحاديث وكلام الشافعي والجمهور أنه لا فرق لأن المحذور تشويش الفكر وهو لا يختلف بذلك نعم تنتفي الكراهة إذا دعت الحاجة إلى الحكم في الحال وقد يتعين الحكم على الفور في صور كثيرة فإن قضى مع تغير خلقه نفذ قضاؤه لقضية الزبير المشهورة ويكره له إذا جلس للحكم حاجب أي نصبه حيث لا زحمة لخبر من ولي من أمور الناس شيئا فاحتجب عنهم حجبه الله عنه يوم القيامة رواه أبو داود والحاكم وصحح إسناده ورواه الطبراني بلفظ أيما أمير احتجب عن الناس فأهمهم احتجب الله عنه يوم القيامة فإن لم يجلس للحكم بأن كان في وقت خلواته أو كان ثم زحمة لم يكره نصبه والبواب وهو من يقعد بالباب للإحراز كالحاجب
298
298
فيما ذكر وهو من يدخل على القاضي للاستئذان قال الماوردي أما من وظيفته ترتيب الخصوم والإعلام بمنازل الناس أي وهو المسمى الآن بالنقيب فلا بأس باتخاذه وصرح القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ باستحبابه
فصل ويشهد القاضي
وجوبا شاهدين بإقرار من المدعى عليه لمن سأل ه ذلك أو بحلف من المدعي بعد نكول من المدعى عليه لأنه قد ينكر بعد فلا يتمكن القاضي من الحكم عليه بما سبق لنسيان أو عزل أو غيرهما أو بحلف مدعى عليه وهو السائل في هذه فيجيبه القاضي ليكون الإشهاد حجة له فلا يطالبه خصمه مرة أخرى ولو أقام بينة بما ادعاه وسأل القاضي الإشهاد عليه لزمه أيضا صرح به الأصل وإن سأله أحدهما كتب محضر بما جرى ليحتج به إذا احتاج إليه وثم أي وعند القاضي قرطاس من بيت المال أو أتى به السائل استحب أن يكتب له ذلك ولا يجب لأن الحق يثبت بالشهود لا الكتاب ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده من الأئمة كانوا يحكمون ولا يكتبون المحاضر والسجلات وقضية كلامه أنه إذا لم يكن عنده قرطاس ولا أتى به السائل لم يستحب ذلك والظاهر استحبابه وعبارة الأصل لا تنافيه فإنه إنما نفى الوجوب فقط ويلزمه أن يحكم بما ثبت عنده إن سأل فيه فيقول حكمت له بكذا أو نفذت الحكم به أو ألزمت خصمه الحق أو نحوها ولا يجوز له الحكم بذلك قبل أن يسأل نعم لو كان الحكم لمن لا يعبر عن نفسه لصغر أو جنون وهو وليه فيظهر الجزم بأنه لا يتوقف على سؤال أحد قاله الأذرعي ويستحب إذا أراد الحكم أن يعلم الخصم بأن الحكم توجه عليه ليكون أطيب لقلبه وأبعد عن التهمة وهل يحكم على ميت بإقراره حيا عملا بالأصل الخالي عن المعارض وللإجماع على صحة الدعوى على الميت أو لا لأن الميت ليس أهلا للالتزام وجهان صحح منهما الأذرعي والزركشي الأول ولو قال ثبت عندي كذا بالبينة العادلة أو صح لم يكن حكما لأنه قد يراد به قبول الشهادة واقتضاء البينة صحة الدعوى فصار كقوله سمعت البينة وقبلتها ولأن الحكم هو الإلزام والثبوت ليس بإلزام وكذا لو كتب على ظهر الكتاب الحكمي صح ورود هذا الكتاب علي فقبلته قبول مثله والتزمت العمل بموجبه لاحتمال أن المراد تصحيح الكتاب وإثبات الحجة ذكره الأصل في باب القضاء على الغائب ووقع في نسخ غير معتمدة ألزمت بدل التزمت وليس بصحيح ويشترط تعيين ما يحكم به ومن يحكم له لكن يجوز لمن ابتلي بظالم يريد ما لا يجوز ويحتاج إلى ملاينته أن يلاينه كما إذا عارض الظالم الداخل بينة خارج ببينة فاسقة وطلب الحكم بناء على ترجيح بينة الداخل فله إن خافه أن يكتب شيئا موهما يدفعه به فيقول حكمت بمقتضى الشرع في معارضة بينة فلان الداخل وفلان الخارج وقررت المحكوم به في يد المحكوم
299
299
له وسلطته عليه ومكنته من التصرف فيه وقوله ولا يجوز إلخ ذكره الأصل في باب القضاء على الغائب إلا قوله ويستحب أن يعلم الخصم بأن الحكم توجه عليه فذكره هنا في الطرف الثالث
ثم إن القاضي إن سأل الإشهاد بحكمه أو كتب سجل به يلزمه الإشهاد بالحكم لا الكتب به فلا يلزمه ولو في الديون المؤجلة والوقوف وأموال المصالح كما سبق في نظيره في كتب المحضر ويأتي في استحبابه التفصيل السابق ثم كما أفاده كلام الأصل ويكتب الكاتب في المحضر حضور الخصمين عند القاضي ويصف الجميع أي الثلاثة بما يميزهم وكذا يكتب في السجل ذلك و يكتب فيهما دعوى المدعي وإقرار خصمه أو إنكاره وإحضاره الشهود ويسميهم وقوله ويكتب حليتهم أي إذا احتاج إليها من زيادته وكأنه قاسه على كتب حلية الخصمين فكان حقه أن يفصل بين معرفته الشهود وعدمها كما يأتي في الخصمين والنظر إلى المرأة في هذا أي في كتب الحلية إذا كانت أحد الشهود أو الخصوم كتحمل الشهادة فيجوز إذا احتيج إلى إثبات حليتها فإن كان القاضي يعرف الخصمين فكتب حليتهما طولا وقصرا وسمرة وشقرة ونحوها مستحب وإلا فلا بد منه ويكتب مع ما ذكر سماع الشهادة بسؤاله أي المدعي في مجلس حكم القاضي وثبوت عدالتهم عنده ويؤرخ ما يكتبه ويكتب القاضي على رأس المحضر علامته من الحمدلة وغيرها
ويجوز إبهام الشاهدين فيكتب وأحضر عدلين شهدا بما ادعاه وإن اكتفى عن المحضر بكتبه على شاهدي الصك شهدا عندي بكذا وعلامته جاز عبارة الأصل ولو كان مع المدعي كتاب فيه خط الشاهدين وكتب تحت خطهما شهدا عندي بذلك وأثبت علامته في رأس الكتاب واكتفى به عن المحضر جاز وإن كتب المحضر وضمنه ذلك الكتاب جاز وعلى هذا قياس محضر يذكر فيه تحليف المدعى عليه أو المدعي بعد نكول المدعى عليه
ا ه
وفي السجل يحكي الكاتب صورة الحال وأنه حكم بذلك لفلان على فلان وأنفذه بسؤال المحكوم له وقد بين الأصل صورتي المحضر والسجل ويجعل من المحاضر والسجلان نسختين لتبقى عنده في ديوان الحكم واحدة للأمن من التزوير مختومة معنونة باسم أصحابها ويجعل الأخرى عند ذي الحق غير مختومة ليلقي بها الشهود والحاكم في بعض الأزمنة ويذكرهم لئلا ينسوا وتوضع التي عند القاضي في القمطر وهو السفط الذي يجمع فيه المحاضر والسجلات ويكون بين يديه إلى آخر المجلس ويختم عند قيامه
وهو ينظر ويحمل معه إلى موضعه ويجمع أسبوعا بأن يدعو به في اليوم الثاني وينظر في الختم ويفك وهو ينظر ويضع فيه كتب اليوم الثاني كما ذكر وهكذا يفعل حتى يمضي الأسبوع ثم إن كثرت جعلها إضبارة بهمزة مكسورة وضاد معجمة وباء موحدة وراء مهملة هي الربطة من الورق ويعبر عنها بالرزمة وبالحزمة تقول ضبرت الكتب أضبرها ضبرا إذا ضممت بعضها إلى بعض وجعلتها ربطة واحدة ويسمى أيضا كل شيء مجتمع ضبارة بكسر الضاد وجمعه ضبائر ويكتب عليها خصومة أسبوع كذا ويؤرخ بأن يكتب من شهر كذا من سنة كذا وإلا أي وإن لم تكثر جمعها في السنة بأن يتركها حتى يمضي شهر ثم يعزلها فإذا مضت سنة يجمعها ويكتب عليها خصومات سنة كذا ليسهل الوقوف عليها عند الحاجة ويحتاط في حفظها بأن يجعلها بموضع لا يصله غيره ويتولى الأخذ منها بنفسه إذا احتاج إلى شيء منها وينظر أولا إلى ختمه وعلامته و يتولى ردها مكانها ومن الآداب أن يجمع القاضي بمجلس الحكم العلماء الموافقين له والمخالفين الأمناء للمشكلة من المسائل ثم يخرج إليهم ويشاورهم في الحكم فيها عند تعارض الآراء والمذاهب ليأخذ بالأرجح عنده من مجموع أدلتهم لقوله تعالى وشاورهم في الأمر ولخبر البيهقي وغيره المستشير معان والمستشار مؤتمن ولأنه أبعد من التهمة وأطيب للخصوم بخلاف الحكم المعلوم بنص أو إجماع أو قياس جلي ولا يشاور غير عالم ولا عالما غير أمين فإنه ربما يضله وإذا حضروا فإنما يذكرون ما عندهم إذا سألهم ولا يبتدرون بالاعتراض عليه إلا فيما يجب نقضه كما سيأتي و أن يؤدب من أساء الأدب بمجلسه من الخصوم بتكذيب شاهد وإظهار تعنت لخصم كأن ادعى عليه وقال
300
300
لي بينة وسأحضرها ثم فعل ذلك ثانيا وثالثا إيذاء وتعنتا فيزجره وينهاه ثم إن عاد يهدده ثم إن لم ينزجر يعزره بما يقتضيه اجتهاده من توبيخ وإغلاظ قول وضرب وحبس ونفي لينكف فإن اجترأ على القاضي كأن قال له أنت تجور أو تميل أو ظالم فله تعزير له وعفو عنه وهو أولى إن لم يستضعف أي لم يحمل على ضعفه وإلا فالتعزير أولى لئلا يتسلط عليه بأكثر من ذلك ويكره له البيع والشراء وسائر المعاملات بنفسه في مجلس الحكم وغيره لئلا يشتغل قلبه عما هو بصدده ولأنه قد يحابي فيميل قلبه إلى من يحابيه إذا وقع بينه وبين غيره حكومة وربما خاف خصم معامله ميله إليه فلا يرفعه له واستثنى الزركشي معاملته مع إبعاضه لانتفاء المعنى إذ لا ينفذ حكمه لهم وما قاله لا يأتي مع التعليل الأول لا توكيل له غير معروف فلا يكره ذلك لانتفاء ما ذكر بخلاف وكيله المعروف وإذا عرف بأنه وكيله أبدله فإن لم يجد من يوكله عقد بنفسه للضرورة فإن وقعت لمن عامله خصومة أناب ندبا غيره في فصلها خوف الميل إليه ويوكل في نحو أمر ضياعه من نفقة عياله ونحوها كما يوكل في غير ذلك ليتفرغ قلبه فصل تحرم عليه الرشوة أي قبولها وهي ما يبذل له ليحكم بغير الحق أو ليمتنع من الحكم بالحق وذلك لخبر لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم رواه ابن حبان وغيره وصححوه ولأن الحكم الذي يأخذ عليه المال إن كان بغير حق فأخذ المال في مقابلته حرام أو بحق فلا يجوز توقيفه على المال إن كان له رزق في بيت المال ولمن لا رزق له فيه ولا في غيره وهو غير متعين للقضاء وكان عمله مما يقابل بالأجرة أن يقول للخصمين لا أحكم بينكما إلا بأجرة أو برزق بخلاف المتعين لا يجوز له ذلك ويفارق ما مر من جواز أخذه من بيت المال بأن بيت المال أوسع وفيه حق لكل مسلم ولا تهمة في أخذ الرزق منه بخلاف الأخذ من الخصوم وجزم بما قاله جماعات منهم الشيخ أبو حامد وابن الصباغ والجرجاني والروياني لكن قال الزركشي تبعا للسبكي ينبغي تحريم ذلك وبه صرح شريح الروياني في روضته وجعل ذلك وجها ضعيفا انتهى
والأول أقرب والثاني أحوط ويأثم من أرشى القاضي للخبر السابق لا من أرشاه للوصول إلى حقه حيث لا يصل إليه بدونها فلا يأثم وإن حرم القبول كفداء الأسير والمتوسط بين المرتشي والراشي كموكله منهما فيما ذكر ويحرم عليه ولو في غير محل ولايته هدية من له خصومة في الحال عنده ولو عهدت منه قبل القضاء لخبر هدايا العمال غلول رواه البيهقي بإسناد حسن وروي هدايا العمال سحت وروي هدايا السلطان سحت ولأنها تدعو إلى الميل إليه وينكسر بها قلب خصمه وما وقع في الروضة من أنها لا تحرم في غير محل ولايته سببه خلل وقع في
301
301
نسخ الرافعي السقيمة وكذا هدية من لا خصومة له عنده تحرم عليه في محل ولايته إن لم يعهد منه قبل القضاء لذلك ولأن سببها العمل ظاهرا وفي الكفاية عن النهاية والبسيط أنها تكره له وعلى الأول فلا يملكها لو قبلها لأنه قبول محرم ويردها على مالكها فإن تعذر وضعها في بيت المال واستثنى الأذرعي هدية إبعاضه إذ لا ينفذ حكمه لهم وقضية كلامهم أنه لو أرسلها إليه في محل ولايته ولم يدخل بها حرمت وذكر فيها الماوردي وجهين وتحل له ممن لا خصومة له في غير محل ولايته إذ ليس سببها العمل ظاهرا ولا تحرم عليه ممن يعتاد ها منه قبل القضاء إن لم ترد على المعتاد لذلك و لكن الأولى له أن يرد ها أو يثيب عليها أو يضعها في بيت المال إن قبلها لأن ذلك أبعد عن التهمة ولأنه صلى الله عليه وسلم كان يقبلها ويثيب عليها أما إذا زادت على المعتاد فكما لو لم تعهد منه كذا في الأصل وقضيته تحريم الجميع لكن قال الروياني نقلا عن المذهب إن كانت الزيادة من جنس الهدية جاز قبولها لدخولها في المألوف وإلا فلا وفي الذخائر ينبغي أن يقال إن لم تتميز الزيادة حرم قبول الجميع وإلا فالزائد فقط لأنها حدثت بالولاية وصوبه الزركشي وجعله الإسنوي القياس فإن زاد في المعنى كأن أهدى من عادته قطنا حريرا فقد قالوا يحرم أيضا لكن هل يبطل في الجميع أم يصح منها بقدر قيمة المعتاد فيه نظر والأوجه الأول قاله الإسنوي والضيافة والهبة كالهدية وظاهر أن الصدقة كذلك لكن قال السبكي في الحلبيات للقاضي قبولها ممن ليست له عادة وليس له حضور وليمة أحد الخصمين حال الخصومة ولا حضور وليمتهما ولو في غير محل الولاية لخوف الميل ويجيب غيرهما استحبابا إن عم المولم النداء لها ولم تقطعه كثرة الولائم عن الحكم بخلاف ما إذا قطعته عنه فيتركها في حق الجميع وله تخصيص إجابة من اعتاد تخصيصه بها قبل الولاية ويكره له حضور وليمة اتخذت له خاصة أو للأغنياء ودعي فيهم بخلاف ما لو اتخذت للجيران أو للعلماء وهو منهم قال الأذرعي وما ذكر من كراهة حضوره لها فيما إذا اتخذت له أخذه الرافعي من التهذيب والذي اقتضاه كلام الجمهور أن ذلك كالهدية وهو ما أورده الفوراني والإمام الغزالي ولا يضيف القاضي أحد الخصمين فقط أي دون الآخر لخبر لا يضيف أحدكم أحد الخصمين إلا أن يكون خصمه معه رواه البيهقي وضعفه لكن ذكر له متابعا ولا يلتحق
302
302
بالقاضي فيما ذكر المفتي والواعظ ومعلم القرآن والعلم إذ ليس لهم أهلية الإلزام وله أن يشفع له و أن يزن عنه ما عليه لأنه ينفعهما و أن يعود المرضى ويشهد الجنائز ويزور القادمين ولو كانوا متخاصمين لأن ذلك قربة قال في الأصل فإن لم يمكنه التعميم أتى بممكن كل نوع وخص من عرفه وقرب منه وفرقوا بينها وبين الولائم إذا كثرت بأن أظهر الأغراض فيها الثواب لا الإكرام وفي الولائم بالعكس قال الرافعي والنفس لا تكن إليه ولعدم إيضاحه قال القاضي أبو حامد يسوى أو يترك كإجابة الوليمة فرع شهادة الزور من أكبر الكبائر لأنه صلى الله عليه وسلم جعلها منه رواه الشيخان وإنما تثبت شهادة الزور بإقراره أي الشاهد أو بتيقن للقاضي منه بأن شهد على رجل أنه زنى في بلد يوم كذا وقد رآه القاضي ذلك اليوم في غيره فيعزره بما يراه من توبيخ وضرب وحبس ونحوها ويشهره بأن يأمر بالنداء عليه في سوقه أو قبيلته أو مسجده تحذيرا عنه وتأكيدا للزجر ولا يكفي إقامة البينة بأنه شهد زورا لاحتمال زورها وإنما يتصور إقامتها بالإقرار به فصل لا ينفذ قضاؤه لنفسه وفروعه وأصوله ومملوك لهم ومكاتب لهم ولا لشركائهم فيما لهم فيه شركة لوجود التهمة ولو قال ومملوك لهم ولو مكاتبا كان أولى قال في المطلب ويظهر أن يكون المنع في قضائه للشريك في صورة يشارك فيها أحد الشريكين الآخر فيما يحصل له كما سيأتي في الشهادات وما قاله هو مرادهم وينفذ قضاؤه عليهم كما تنفذ شهادته عليهم وهذا من زيادته فيما عدا الفروع والأصول وقضية كلامه نفوذ قضائه على نفسه وقد قال الماوردي لو حكم على نفسه أخذنا به وهل هو إقرار أو حكم فيه وجهان انتهى والأوجه أنه حكم لا على بعض لبعض لما فيه من قضائه لبعضه فأشبه بعضه مع الأجنبي ويقضي له ولهؤلاء إذا وقعت له أو لهم خصومة نائبه لأنه حاكم أو الإمام أو قاض آخر لانتفاء التهمة ولا يقضي على عدو له كالشهادة عليه وفي جواز حكمه بشهادة ابن له لم يعدله شاهدان وجهان أحدهما نعم لأن المقصود الخصم لا الشاهد والثاني لا قال ابن الرفعة وهو الأرجح في البحر وغيره لأنه يتضمن تعديله فإن عدله شاهدان حكم بشهادته وكابنه في ذلك سائر أبعاضه وله استخلافه أي بعضه لأنه كنفسه وهل يجوز له تنفيذ حكمه وجهان حكاهما شريح الروياني عن جده قال وقيل يجوز قولا واحدا لأنه لا تهمة فيه و له أن يحكم ليتيم وصى به إليه لأن القاضي يلي أمر الأيتام كلهم وإن لم يكن وصيا فلا تهمة وقيل ليس له ذلك كما لا يشهد له قال الزركشي وهو مقتضى نص الشافعي في المختصر وصرح الجمهور بترجيحه
303
303
فصل فيما ينقض من قضائه
أي القاضي ولنقدم عليه قواعد فنقول المعتمد فيما يقضي به القاضي ويفتي به المفتي الكتاب والسنة والإجماع والقياس وقد يقتصر على الكتاب والسنة ويقال الإجماع يصدر عن أحدهما والقياس يرد إلى أحدهما وليس قول الصحابي إن لم ينتشر في الصحابة حجة لأنه غير معصوم عن الخطأ فأشبه التابعي ولأن غيره يساويه في أدلة الاجتهاد فلا يكون قوله حجة على غيره لكن يرجح به أحد القياسين على الآخر وإذا تقرر أنه ليس بحجة فاختلاف الصحابة في شيء كاختلاف سائر المجتهدين فلا يكون قول واحد منهم حجة نعم إن لم يكن للقياس فيه مجال فهو حجة كما نص عليه الشافعي في اختلاف الحديث فقال روي عن علي أنه صلى في ليلة ست ركعات في كل ركعة ست سجدات وقال لو ثبت ذلك عن علي لقلت به فإنه لا مجال للقياس فيه فالظاهر أنه فعله توقيفا انتهى
وذكر في المحصول أيضا أنه حجة ذكر ذلك الإسنوي فإن انتشر قول صحابي في الصحابة ووافقوه فإجماع حتى في حقه فلا يجوز له كغيره مخالفة الإجماع وإن خالفوه فليس بإجماع ولا حجة فإن سكتوا بأن لم يصرحوا بموافقته ولا بمخالفته أو لم ينقل سكوت ولا قول فحجة سواء أكان القول مجرد فتوى أم حكما من إمام أو قاض لأنهم لو خالفوه لاعترضوا عليه هذا إن انقرضوا وإلا فلا يكون حجة لاحتمال أن يخالفوه لأمر يبدو لهم والقياس جلي وهو ما قطع فيه بنفي تأثير الفارق بين الأصل والفرع أو بعد تأثيره وغيره وهو ما لا يقطع فيه بذلك وسيأتي في كلامه الإشارة إلى ذلك فالجلي كإلحاق الضرب بالتأفيف في قوله تعالى فلا تقل لهما أف وما فوق الذرة بها في قوله تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومنه ما ورد النص فيه على العلة كخبر إنما نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي من أجل الدافة عليكم وهو كالمنصوص في أنه لا يحتمل إلا معنى واحدا وغيره الجلي ما يحتمل الموافقة والمخالفة للأصل فمنه ما العلة فيه مستنبطة كقياس الأرز على البر بعلة الطعم ومنه قياس الشبه وهو أن تشبه الحادثة أصلين أما في الأوصاف بأن تشارك كل واحد من الأصلين في بعض المعاني والأوصاف الموجودة فيه وأما في الأحكام كالعبد يشارك الحر في بعض الأحكام والمال في بعضها فيلحق بما المشاركة فيه أكثر والحق الذي أمر المجتهد بإصابته مع أحد المجتهدين في الفروع
قال صاحب الأنوار أو في الأصول والآخر مخطئ مأجور لقصده الصواب ولخبر الصحيحين إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر فقط أي لا لاجتهاده أيضا لأنه أفضى به إلى الخطأ وكأنه لم يسلك الطريق المأمور به فإن بان للقاضي الخطأ في حكمه أو حكم غيره نظرت فإن خالف فيه قطعيا كنص كتاب وسنة متواترة وإجماع أو ظنيا محكما أي واضح الدلالة كخبر الواحد أو القياس الجلي نقض وجوبا حكمه أي حكم المخطئ بالإجماع في مخالفة الإجماع وبالقياس عليه في البقية وعليه إعلام الخصمين بانتقاضه في نفس الأمر وحاصل كلام أصله أنه يلزمه نقض حكمه وإعلام الخصمين
304
304
بصورة الحال ليترافعا إليه فينقضه سواء أعلما أنه بان له الخطأ أم لا لأنهما قد يتوهمان أنه لا ينقض الحكم وإن بان له الخطأ لكن ذكر الغزالي في وسيطه والماوردي وغيره ما حاصله أنه ينقضه وإن لم يرفع إليه قال الإسنوي وهذا أوجه مما توهمه عبارة الكتاب وتأويلها متعين انتهى
ومن ثم عدل المصنف عن عبارة أصله إلى ما قاله وهو حسن والممنوع إنما هو تتبع قضاء غيره كما مر وفي تعبيرهم بنقض وانتقض مسامحة إذ المراد أن الحكم لم يصح من أصله نبه عليه ابن عبد السلام وإن بان له الخطأ بقياس خفي رجحه أي رآه أرجح مما حكم به اعتمده مستقبلا أي فيما يستقبل من أخوات الحادثة ولا ينقض به حكما لأن الظنون المتقاربة لا استقرار لها فلو نقض بعضها ببعض لما استمر حكم ولشق الأمر على الناس وعن عمر رضي الله عنه أنه شرك الشقيق في المشركة بعد حكمه بحرمانه ولم ينقض الأول وقال ذاك على ما قضينا وهذا على ما نقضي
ولو قضى قاض بصحة نكاح المفقود زوجها بعد أربع سنين و مدة العدة أو بنفي خيار المجلس و بنفي بيع العرايا ومنع القصاص في المثقل أي في القتل به و صحة بيع أم الولد وصحة نكاح الشغار و نكاح المتعة وحرمة الرضاع بعد حولين أو نحو ذلك كقتل مسلم بذمي وجريان التوارث بين المسلم والكافر نقض قضاؤه كالقضاء باستحسان فاسد وذلك لمخالفة القياس الجلي في عصمة النفوس في الرابعة وفي جعل المفقود ميتا مطلقا أو حيا كذلك في الأولى والحاكم المخالف جعله فيها ميتا في النكاح دون المال ولظهور الأخبار في خلاف حكمه في البقية وبعدها عن التأويلات التي عنده وقيل لا ينقض ذلك وصححه الروياني وكلام الروضة فيما عدا مسألة المفقود يميل إليه والأكثرون على الأول كما يعلم من كلام الرافعي هنا واقتصر في كتاب أمهات الأولاد على نقله عن الروياني نفسه عن الأصحاب وصححه ابن الرفعة وجزم به صاحب الأنوار والاستحسان الفاسد أن يستحسن شيء لأمر هجس في النفس أو لعادة الناس من غير دليل أو على خلاف الدليل لأنه يحرم متابعته وقد يستحسن الشيء بدليل يقوم عليه من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس فيجب متابعته ولا ينقض وهو ما احترز عنه المصنف كأصله بقوله فاسد لا إن قضى بصحة النكاح بالأولى أو بشهادة من لا تقبل شهادته كفاسق فلا ينقض قضاؤه كمعظم المسائل المختلف فيها والترجيح في هذه هنا وفي المسائل السابقة ما عدا مسألة المفقود من زيادته هذا كله في الصالح للقضاء وإن كان القاضي قبله ممن لا يصلح للقضاء نقض أحكامه كلها وإن أصاب فيها لأنها صدرت ممن لا ينفذ حكمه قلت لعله فيما إذا لم يوله ذو شوكة والله أعلم فإن ولاه ذو شوكة بحيث ينفذ حكمه مع الجهل أو نحوه فلا ينقض ما أصاب فيه فرع لو كتب إليه بحكم لا ينقض ولم يعتقده بل رأى غيره أصوب منه أعرض عنه ولا ينفذه كما لا ينقضه لأن ذلك إعانة على ما يعتقد خطأه وهذا ما حكاه الأصل عن ابن كج عن النص ثم حكى عن السرخسي تصحيح عكسه قال وعليه العمل كما لو حكم بنفسه ثم تغير اجتهاده تغيرا لا يقتضي النقض وترافع خصماء الحادثة إليه فيها فإنه يمضي حكمه الأول وإن أدى اجتهاده إلى أن غيره أصوب منه أما لو كتب إليه بحكم ينقض فيعرض عنه جزما وينقضه بطريقه ولو استقضي مقلد للضرورة فحكم بمذهب غير من قلده لم ينقض بناء على أن للمقلد تقليد من شاء فصل ينفذ حكم القاضي الصادر منه فيما باطن الأمر فيه بخلاف ظاهره بأن ترتب على أصل كاذب ظاهرا لا باطنا فلا يحل حراما ولا عكسه فلو حكم بشهادة زور بظاهري العدالة لم يحصل بحكمه
305
305
الحل باطنا سواء المال والنكاح وغيرهما لخبر الصحيحين إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه إنما أقطع له قطعة من نار وينتهض حكمه المذكور شبهة فلا يحد محكوم له بمزوجة من غيره وطئها لشبهة الخلاف لأن أبا حنيفة يجعلها منكوحة بالحكم فيكون وطؤه وطئا في نكاح مختلف في صحته وقيل يحد والتصريح بالترجيح من زيادته وعلى الثاني جماعة وجزم به صاحب الأنوار وعليها الامتناع منه جهدها فإن أكرهت فلا إثم عليها صرح به الأصل وحمله الإسنوي على ما إذا ربطت ووطئت لئلا يخالف ما مر في أوائل الجنايات من أن الزنا لا يباح بالإكراه وقد يجاب بأن ذاك محله إذا لم يتقدمه حكم بخلاف ما هنا
وللأول فيما إذا حكم بطلاقها بشاهدي زور ثم تزوجت بثان وطؤها باطنا لا إن وطئها الثاني ولو عالما بالحال أو نكحها أحد الشاهدين ووطئها كما صرح به الأصل فليس للأول وطؤها حتى تنقضي العدة لشبهة الخلاف مع أنه أي وطؤه لها حيث أبيح له مكروه لأنه يعرض نفسه للتهمة والحد وذكر الكراهة في وطئه بعد العدة من زيادته أما ما باطن الأمر فيه كظاهره بأن ترتب على أصل صادق فينفذ الحكم فيه باطنا أيضا قطعا إن كان في محل اتفاق المجتهدين وعلى الأصح عند البغوي وغيره إن كان في محل اختلافهم وإن كان الحكم لمن لا يعتقده كما سيأتي لتتفق الكلمة ويتم الانتفاع وقيل لا لتعارض الأدلة وقيل لا في حق من لا يعتقده ولو قضى حنفي لشافعي بشفعة الجوار أو بالإرث بالرحم حل له الأخذ به وليس للقاضي منعه من الأخذ بذلك ولا من الدعوى به إذا أرادها اعتبارا بعقيدة الحاكم ولأن ذلك مجتهد فيه والاجتهاد إلى القاضي لا إلى غيره ولو شهد شاهد بما يعتقده القاضي لا الشاهد كشافعي شهد عند حنفي بشفعة الجوار قبلت شهادته لذلك ولها حالان أحدهما أن يشهد بنفس الجوار وهو جائز ثانيهما أن يشهد باستحقاق الآخذ بالشفعة أو بشفعة الجوار وينبغي عدم جوازه لاعتقاده خلافه كذا قاله الإسنوي فرع لو قال خصمان لقاض حكم بيننا فلان بكذا فانقضه واحكم بيننا لم يجبهما لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله فصل منثور مسائله يستحب للقاضي أن يبحث أي يسأل أصدقاءه الأمناء عن عيوب نفسه ليجتنبها وأن يركب في مسيره إلى مجلس وفي نسخة موضع حكمه و أن يسلم في طريقه على الناس وإذا دخل عليهم و أن يدعو بالتوفيق والتسديد إذا جلس للحكم و أن يقف عنده أمين ممسوح ذكره لأجل النساء يرتب الخصوم وتعبيره بالمسموح
306
306
أولى من تعبير أصله بالخصي وله أي للقاضي تعيين وقت للحكم فيه بحسب حاجة الناس ودعاويهم وأن وفي نسخة وينبغي أن يسمع الدعوى في غيره أي في غير الوقت المعين إذا اتفق حضور الخصمين ويعذر في عدم سماعها لأكل ونحوه كصلاة وحمام ويستحب أن يتخذ درة للتأديب وسجنا لأداء حق وتعزير ونحوهما كما اتخذهما عمر رضي الله عنه وقد حبس النبي صلى الله عليه وسلم رجلا في تهمة ثم خلى عنه رواه الترمذي وحسنه والحاكم وصحح إسناده فرع لو خشي القاضي هرب خصم من حبسه فنقله إلى حبس الجرائم جاز ولا يمنع المحبوس من الاستمتاع بنسائه في الحبس إن أمكن فيه فإن امتنعن من ذلك أجبرت أمته عليه لا زوجته الحرة لأنه لا يصلح للسكنى ولا الأمة إلا إن رضي سيدها بذلك فتجبر وما ذكره من عدم منع المحبوس مما ذكر خالفه في باب التفليس كما مر بيانه ثم ويجاب الخصم إلى ملازمة خصمه بدلا عن الحبس لأنها أخف فإن اختار الغريم الحبس على الملازمة وشق عليه بسببها العبادة أجيب فيحبس بخلاف ما إذا لم يشق عليه ذلك وهل يحبس مريض ومخدرة وابن سبيل منعا لهم من الظلم أو لا يحبسون بل يوكل بهم ليترددوا ويتجملوا وجهان أقر بهما الأول ويحبس الوكيل وأبو الطفل وقيمه في دين وجب بمعاملتهم لا غيرها ولا يحبس صبي و لا مجنون لعدم تكليفهما ولا مكاتب بالنجوم أي بسببها لأنها ليست بلازمة من جهته وكذا بغيرها في حق السيد ولا عبد جان جناية توجب مالا ولا سيده ليؤدي أو يبيع بل يباع عليه إن وجد راغب و امتنع من بيع وفداء له وأجرة السجان على المحبوس كما تجب أجرة الجلاد على المجلود و أجرة الوكيل أي الموكل بفتح الكاف وبه عبر الرافعي على من وكل به بضم الواو إن تعذر بيت المال الطرف الثاني في مستند قضائه وهو الحجة وإقراره أي المدعى عليه بالمدعي في مجلس حكمه وكذا علمه أي القاضي بصدق المدعي ولو في قصاص وحد قذف سواء أعلمه في زمن ولايته ومكانها أم في غيرهما وسواء أكان في الواقعة بينة أم لا لأنه يقضي بالبينة وهي إنما تفيد ظنا فبالعلم أولى لكنه مكروه كما أشار إليه الشافعي في الأم فلو رام البينة نفيا للريبة كان أحسن قاله الغزالي في خلاصته
قال الزركشي وليس لنا من الحجج ما لا يلزم معه الحكم إلا هذا وذكر الماوردي والروياني أنه لا ينفذ إلا مع التصريح بأن مستنده علمه بذلك فيقول قد علمت أن له عليك ما ادعاه وحكمت عليك بعلمي فإن اقتصر على أحدهما لم ينفذ الحكم لا في
307
307
حد وتعزير لله تعالى لندب الستر في أسبابها قال الأذرعي وإذا نفذنا أحكام القاضي الفاسق للضرورة كما مر فينبغي أن لا ينفذ قضاؤه بعلمه بلا خلاف إذ لا ضرورة إلى تنفيذ هذه الجزئية النادرة مع فسقه الظاهر وعدم قبول شهادته بذلك قطعا
ولا يقضي القاضي بخلاف علمه وإن قامت بينة كأن علم إبراء المدعى عليه مما ادعاه المدعي وأقام به بينة فلا يقضى بها فيه بالإجماع ولا يقضى في هذه بعلمه أيضا كما صرح به الشاشي والماوردي والروياني فإن قال القاضي في محل ولايته حكمت بكذا أو ثبت عندي كذا أو نحوه قبل قطعا وإن كانت التهمة ممكنة كما أن للقاضي أن يحكم بعلمه وإن كانت التهمة ممكنة وإذا ذكر وفي نسخة تذكر حكما له بحجة لأحد وطلب منه إمضاؤه وجب عليه إمضاؤه كما لو طلب منه الحكم به ابتداء وليس هو أي ما ذكر من القضاء بالعلم حكما بعلم أي يقين وإنما هو مثل أن يرى القاضي رجلا يقرض رجلا مالا أو يقر له به في غير مجلس حكمه أو فيه قبل الدعوى فيحكم فيه بظنه أشار بذلك إلى ما صرح به الأصل من أن المراد بالعلم الظن المؤكد بقرينة تمثيلهم للقضاء به بما إذا ادعى عليه مالا وقد رآه القاضي أقرضه ذلك أو سمع المدعى عليه أقر بذلك إذ رؤية الإقراض وسماع الإقرار لا يفيد العلم بثبوت المحكوم به وقت القضاء فقول الإمام إنما يقضي بالعلم فيما يستيقنه لا ما يظنه اختيارا له أو يحمل قوله ما يستيقنه على ما يشمل الظن القوي وما بعده على مجرد الظن أما الإقرار بمجلس حكمه بعد الدعوى فالحكم به لا بالعلم كما علم مما مر أيضا نعم إن أقر عنده سرا فهو حكم بالعلم قاله في الأنوار
والأصل قدم هذه المسألة على
308
308
مسألة ذكر الحاكم حكمه وهو أنسب لتعلق تلك بقوله
فإن لم يذكره لم يمضه ولو كان بسجل في حفظه أي حرزه لاحتمال التزوير ومشابهة الخط ولأن قضاءه فعله والرجوع إلى العلم هو الأصل في فعل الإنسان ولهذا يأخذ عند الشك في عدد الركعات بالعلم وكذا الشاهد لا يشهد بمضمون خطه وإن كان الكتاب محفوظا عنده وبعد احتمال التزوير ما لم يتذكره لذلك بخلاف رواية الحديث فإنها تجوز للشخص اعتمادا على الخط المحفوظ عنده لعمل العلماء به سلفا وخلفا وقد يتساهل في الرواية بخلاف الشهادة لأنها تقبل من العبد والمرأة ومن الفرع مع حضور الأصل بخلاف الشهادة ولأن الراوي يقول حدثني فلان عن فلان أنه يروي كذا ولا يقول الشاهد حدثني فلان عن فلان أنه يشهد بكذا وتجوز الرواية للشخص بإجازة أرسلها إليه المحدث بخطه إن عرف هو خطه اعتمادا على الخط فيقول أخبرني فلان كتابة أو في كتابه أو كتب إلي بكذا ويصح أن يروي عنه بقوله أجزتك مروياتي أو مسموعاتي أو نحوهما بل لو قال أجزت المسلمين أو من أدرك زماني أو كل أحد أو نحوه صح لا بقوله أجزت أحد هؤلاء الثلاثة مثلا مروياتي أو نحوها أو أجزتك أحد هذه الكتب للجهل بالمجاز له في الأولى وبالمجاز في الثانية ولا بقوله أجزت من سيولد لي مروياتي مثلا لعدم المجاز له وتصح الإجازة لغير المميز وتكفي الرواية بكتابة ونية جائزة كما تكفي بالقراءة عليه مع سكوته وإذا كتب الإجازة استحب أن يتلفظ بها وقوله بلا لفظ إيضاح فرع لو وجد إنسان بخط مورثه أن له دينا على شخص أو أنه أدى لفلان كذا وعرف أمانته فله الحلف على استحقاقه أو أدائه اعتمادا على ذلك وكذا لو وجد خط نفسه بذلك كما ذكره الأصل في الدعاوى واشترط فيه هنا أن يتذكر ذلك لإمكان اليقين بخلافه في خط مورثه والأصح الأول وفرقوا بين ذلك وبين القضاء والشهادة بأنهما يتعلقان بغير القاضي والشاهد وبأن خطرهما عظيم وعام بخلاف الحلف فإنه يتعلق بنفس الحالف ويباح بغالب الظن ولا يؤدي إلى ضرر عام وتعبيره بمورثه أولى من تعبير أصله بأبيه مع أن ذلك ليس بقيد بل خط مكاتبه الذي مات في أثناء الكتابة وخط مأذونه القن بعد موته وخط معامله في القراض وشريكه في التجارة كذلك عملا بالظن المؤكد وكذا الخط ليس بقيد بل الإخبار من عدل مثله وينبغي أي يستحب للشاهد أن يثبت حلية مقر جهله والتاريخ وموضع تحمله للشهادة ونحو ذلك كمن كان معه حينئذ ليستعين بها على التذكر عند الأداء
ولو شهدا عنده أنك حكمت بكذا ولم يتذكر ذلك لم يؤثر أي لم يحكم بقولهما إلا أن يشهدا بالحق بعد تجديد دعوى وذلك لأن حكمه فعله والرجوع إلى اليقين هو الأصل في فعل الإنسان كما مر بخلافه في الرواية بل يجوز للراوي إذا نسيها أن يقول أخبرني فلان عني بكذا كما وقع لسهيل بن أبي صالح في روايته خبر القضاء بالشاهد واليمين عن أبيه عن أبي هريرة وسمعه منه ربيعة بن أبي عبد الرحمن ثم نسي سهيل ذلك فكان يرويه عنه فيقول حدثني ربيعة عني أني حدثته عن أبي عن أبي هريرة وذلك للمساهلة فيها كما مر وإذا لم يتذكر القاضي فحقه أن يتوقف ولا يقول لم أحكم صرح به الأصل فإن توقف وشهدا على حكمه عند قاض غيره نفذ بشهادتهما حكم الأول ولو ثبت عنده توقفه لا إن ثبت عنده ولو بعلمه إنكاره ذلك فلا ينفذه وليس له أي لأحد أن يدعي عليه أي على القاضي في محل ولايته عند قاض آخر أنك حكمت لي بكذا كما في نظيره في الشهادة
ولو كان معزولا أو في غير محل ولايته سمعت البينة عليه بذلك لا إقراره لأنه لا يقبل بعد عزله ولا في غير محل ولايته ولا يحلف سواء أكان في محل ولايته كما لا يحلف الشاهد إذا أنكر الشهادة أم في غيره بناء على أن اليمين المردودة كالإقرار من حيث إنه قد ينكل فيحلف المدعي قال في الأصل ولك أن تقول سماع الدعوى على القاضي معزولا أو غيره بذلك ليس على قواعد الدعاوى الملزمة وإنما يقصد بها التدرع إلى إلزام الخصم فإن كان له بينة فليقمها في وجه الخصم وينبغي أن لا يسمع على القاضي بينة ولا يطالب بيمين كما لو ادعى على رجل أنك شاهدي انتهى وهل له أي لمدعي ذلك فيما إذا لم يتذكر القاضي حكمه تحليف خصمه أنه لا يعلم
309
309
حكمه أو لا وجهان أصحهما في الأنوار الأول وقال الأذرعي إنه الأشبه ويؤيده ما سيأتي من قولهم كل من توجهت عليه دعوى لو أقر بمطلوبها لزمه حلف الطرف الثالث في التسوية بين الخصمين وهي واجبة في الإكرام لهما و جواب السلام عليهما والنظر إليهما وغيره من سائر أنواع الإكرام كاستماع وطلاقة وجه وقيام لهما فلا يخص أحدهما بشيء من ذلك وإن اختص بفضيلة لئلا ينكسر قلب الآخر ويمنعه من إقامة حجته وروى أبو داود عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه قاضيا إلى اليمن قال له إذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقض حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول فإنه أحرى أن يبين لك القضاء وعطف ما بعد الإكرام عليه من عطف الخاص على العام فإن سلم عليه أحدهما انتظر الآخر أو قال له سلم ليجيبهما معا إذا سلم وكأنهم احتملوا هذا الفصل لئلا يبطل معنى التسوية قال الزركشي وحكى الماوردي فيه ثلاثة أوجه أحدها يرده على المسلم وحده في الحال ثانيهما بعد الحكم ثالثها يرده عليهما معا في الحال ولم يحك ما نقله الشيخان وجها بل عزاه لبعض الفقهاء يعني من غير أصحابنا
والمختار ما مال إليه الإمام من وجوب الرد عليه في الحال وبه جزم القاضي أبو الطيب وشريح الروياني وغيرهما وصححه الجرجاني وسبقه إلى نحو ذلك الإسنوي ثم قال وما ذكره الشيخان هنا لا يوافق ما جزما به في السير من أن ابتداء السلام سنة كفاية وأجيب بأنهم ارتكبوا ذلك هنا حذرا من التخصيص وتوهم الميل ولا يرتفع الموكل عن الوكيل والخصم لأن الدعوى متعلقة به أيضا بدليل تحليفه إذا وجبت يمين حكاه ابن الرفعة عن الزبيلي وأقره قال الأذرعي وغيره وهو حسن والبلوى به عامة وقد رأينا من يوكل فرارا من التسوية بينه وبين خصمه ويرفع في المجلس جوازا مسلما على كافر بأن يجلس مثلا المسلم أقرب إليه كما جلس علي رضي الله عنه بجنب شريح في خصومة له مع يهودي وقال لو كان خصمي مسلما لجلست معه بين يديك ولكني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لا تساووهم في المجلس رواه البيهقي في سننه
ولأن الإسلام يعلو ولا يعلى قال في الأصل ويشبه أن
310
310
يجري ذلك في سائر وجوه الإكرام أي حتى في التقديم بالدعوى كما بحثه بعضهم وهو ظاهر إن قلت الخصوم المسلمون وإلا فالظاهر خلافه لكثرة ضرر التأخير وليقبل عليهما بقلبه وعليه السكينة بلا مزح معهما أو مع أحدهما ولا تسار ولا نهر ولا صياح عليهما ما لم يتركا أدبا فإن تركا أدبا نهرهما وصاح عليهما ويندب أن يجلسا بين يديه ليتميزا وليكون استماعه لكل منهما أسهل وإذا جلسا تقاربا إلا أن يكونا رجلا وامرأة غير محرم فيتباعدان ولا يتعنت شهودا بأن يقول لهم لم تشهدون وما هذه الشهادة ولا يلزمهم بها ولا بمنعها ولا يلقن أحدا منهم ولا من الخصمين حجته ولا يشكك أحدا منهم وذكر منع إلزامه الشهود بالشهادة ومنع تشكيكه الخصمين من زيادته ولا يحمل أحدا منهم على الجراءة كأن يجزئ المائل إلى النكول عن اليمين عليها أو إلى التوقف عن الشهادة عليها لكن يرشد إلى الإنكار في حقوق عبارة الأصل في حدود الله تعالى كما هو مبين في محله ولو علم المدعي والشاهد كيف تصح الدعوى والشهادة جاز لم يصحح الأصل شيئا في الأولى فالتصحيح فيها من زيادة المصنف لكن الذي عليه الأكثرون
ورجحه صاحب التنبيه وأقره عليه النووي وجزم به صاحب الأنوار وقال الروياني وغيره إنه المذهب عدم الجواز كما لا يجوز أن يعلمه احتجاجا ولما فيه من كسر قلب صاحبه وقد يفرق بينها وبين الثانية بأن الدعوى أصل والشهادة تبع ولا بأس أن يسأل من المدعي عن صفة الدراهم المدعاة كأن يقول أهي صحيحة أم مكسرة وندب له ندبهما أي الخصمين بعد ظهور وجه الحكم إلى صلح يرجى ويؤخر له الحكم يوما ويومين برضاهما بخلاف ما إذا لم يرضيا والتصريح بندب ذلك من زيادته وإذا وقفا عبارة الأصل جلسا والمراد حضرا بين يديه فله أن يسكت حتى يتكلما وأن يقول ليتكلم المدعي منكما لما فيه من إزالة هيبة القدوم قال في الأصل وأن يقول للمدعي إذا عرفه تكلم قال الزركشي تبع فيه البغوي وابن شداد قال ابن الرفعة والذي ذكره القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما أنه لا يقول ذلك قال أعني الزركشي وهو مقتضى إطلاق الجمهور لأنه ميل وكان المصنف تركه لذلك وهذا القول صدوره من الأمين الواقف على رأسه أولى ويطالب جواز المدعى عليه بجواب الدعوى وإن لم يسأله المدعي لأن المقصود فصل الخصومة وبذلك تنفصل فلو أقر بالمدعى أو حلف المدعي اليمين المردودة عليه ثبت المدعى بغير حكم بخلاف البينة لأن دلالة الإقرار ولو حكما على وجوب الحق جلية إذ الإنسان على نفسه بصيرة والبينة تحتاج إلى نظر واجتهاد وللمدعي بعد الإقرار أن يطلب من القاضي الحكم عليه فيحكم كأن يقول له اخرج من حقه أو كلفتك الخروج من حقه أو ألزمتك به
وإن أنكر سكت القاضي أو قال للمدعي ألك بينة نعم إن جهل المدعي أن له إقامة البينة فلا يسكت بل يجب إعلامه بأن له ذلك كما أفهمه كلام المهذب وغيره وقال البلقيني إن علم علمه بذلك فالسكوت أولى وإن شك فالقول أولى وإن علم جهله به وجب إعلامه انتهى ولو عبر بالحجة بدل البينة كان أولى لشمولها الشاهد مع اليمين واليمين إذا كانت في جانب المدعي لكونه أمينا أو في قسامة أو في قذف الزوج زوجته فإن الحق
311
311
يثبت بلعانه فإن قال لي بينة وأقامها فذاك وإن قال يحلف خصمي ولو مع قوله لي بينة حلف لأنه قد لا يحلف ويقر فيستغني المدعي عن إقامة البينة وإن حلف أقامها وأظهر كذبه فله في طلب تحليفه مع وجود البينة غرض ثم بعد حلف خصمه إن جاء ببينة بأن جاء بشاهدين أو شاهد وامرأتين أو شاهد ويمين كما نقله الزركشي عن صاحب العدة وأقره سمعت وإن قال لا بينة لي أصلا لا حاضرة ولا غائبة أو كل بينة أقيمها فهي باطلة أو كاذبة أو زور لأنه ربما لم يعرف أو نسي ثم عرف أو تذكر فلو قال شهودي فسقة أو عبيد فجاء بعدول وقد مضت مدة استبراء أو عتق قبلت شهادتهم وإلا فلا فرع ويقدم وجوبا السابق لمجلس الحكم إن جاءوا مترتبين وعرف السابق والعبرة بالمدعي أي بسبقه لا بسبق المدعى عليه فإن جهل السابق أو استووا في مجيئهم أقرع بينهم وقدم من خرجت قرعته فإن كثروا وعسر الإقراع كتب الرقاع أي كتب فيها أسماءهم وصبت بين يدي القاضي ليأخذها واحدة واحدة ويدعي من خرج اسمه في كل مرة ويستحب أن يرتب ثقة يكتب أسماءهم يوم قضائه ليعرف ترتيبهم ولو قدم الأسبق غيره على نفسه جاز ذكر ذلك في الأصل ولا يقدم سابق وقارع أي من خرجت قرعته إلا بدعوى واحدة وإن اتحد المدعى عليه دفعا للضرر عن الباقين فإن كان له دعوى أخرى انتظر فراغهم أو حضر في مجلس آخر ويستحب له عند اجتماع الخصوم عنده تقديم مسافرين مستوفزين أي متهيئين للسفر وخائفين من انقطاعهم عن رفقتهم إن تأخروا عن المقيمين لئلا يتضرروا بالتخلف و تقديم نساء قال في الأصل إن رأى القاضي تقديمهن طلبا لسترهن ولو كان المسافرون والنساء مدعى عليهم فإنه يستحب تقديمهم كذا بحثه الأصل ومنعه البلقيني وقال بل هو مختص بالمدعين أي كنظيره السابق أول الفرع بدعاو أي بدعاويهم إن كانت خفيفة بحيث لا تضر بالمقيمين في الأولى وبالرجال في الثانية إضرارا بينا فإن طالت فواحدة يقدم بها من ذكر لأنها مأذون فيها وقد يقنع بواحدة ويؤخر الباقي إلى أن يحضر كذا رجحه في الروضة واعترضه الإسنوي بأن ما ذكره من التقديم بواحدة فقط ممنوع بل القياس على ما قاله أن يسمع في عدد لا يضر بالباقين كما لو لم يكن معه غيره أي من المسافرين أو النساء قال الأذرعي وهذا لا يكاد ينضبط هذا كله إن قل المسافرون أو النساء والإقدام بالسبق ثم بالقرعة كما في بعض
312
312
كل منهما من بعضه الآخر صرح به الأصل ويقدم المسافر على المرأة المقيمة صرح به في الأنوار وما ذكره المصنف من استحباب تقديم النساء بدعاويهن إن كانت خفيفة وإلا فبواحدة من زيادته أخذه من مسألة المسافرين وظاهر أن الخناثى مثلهن وإذا قدمنا بواحدة فالظاهر أن المراد التقديم بالدعوى وجوابها وفصل الحكم فيها نعم إن تأخر الحكم لانتظار بينة أو تزكية أو نحوها سمع دعوى من بعده حتى يحضر هو ببينة فيشتغل حينئذ بإتمام حكومته إذ لا وجه لتعطيل الخصوم ذكره الأذرعي وغيره وإن قال كل من الخصمين أنا المدعي فإن كان قد سبق أحدهما إلى الدعوى لم تقطع دعواه بل على الآخر أن يجيب ثم يدعي إن شاء وإلا ادعى من بعث منهما العون خلف الآخر وكذا من أقام منهما بينة أنه أحضر الآخر ليدعي عليه كما فهم بالأولى وصرح به الأصل وإن استووا أقرع بينهم فمن خرجت قرعته ادعى والمدرس والمفتي في فرض الكفاية وفرض العين المفهوم بالأولى يقدمان بالسبق إن كان ثم سبق أو بالقرعة إن لم يكن سبق وجوبا أما في غير الفرض فالتقديم بالمشيئة وما ذكره في المفتي مر مع زيادة في الباب الأول الطرف الرابع في البحث عن حال الشهود وتزكيتهم لا يجوز للقاضي أن يتخذ شهودا معينين لا يقبل غيرهم لما فيه من التضييق على الناس إذ قد يتحمل الشهادة غيرهم فإذا لم يقبل ضاع الحق ولإطلاق قوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم بل من عرف عدالته وقد شهد عنده قبله ولم يحتج إلى تعديل وإن طلبه الخصم أو عرف فسقه رده ولم يحتج إلى بحث وإن جهله أي جهل استزكاه ه أي طلب تزكيته وجوبا وإن لم يطعن فيه الخصم لأن الحكم بشهادته فيجب البحث عن شرطها كما لو طعن الخصم ولا يكتفي بأن الظاهر من حال المسلم العدالة أو من حال من بدارنا الإسلام ويكتفي بقول الشاهد أنا مسلم بخلاف قوله أنا حر لأنه يستقل بالإسلام دون الحرية ولو أقر الخصم بعدالتهما الأنسب بعدالته بأن قال هو عدل لكنه أخطأ في شهادته فإنه لا بد من الاستزكاء لأنه حق لله تعالى ولهذا لا يجوز الحكم بشهادة فاسق وإن رضي الخصم لأن الحكم بشهادته يتضمن تعديله والتعديل لا يثبت بقول واحد كقوله للشاهد قبل أداء الشهادة أنت عدل فيما تشهد به علي فإنه لا بد فيه من الاستزكاء لذلك فقول الروضة تبعا لبعض نسخ الرافعي إنه تعديل للشاهد رد بأنه لا بد في التعديل من قوله أشهد أنه عدل فكيف يجعل ذلك تعديلا فلو صدقه فيما شهد به حكم بإقراره واستغنى عن البحث عن حال الشاهد فلو قامت البينة العادلة عليه وأقر وفي نسخة فأقر وعبارة الأصل ثم أقر بما شهدت به عليه قبل الحكم عليه لا بعده فالحكم بالإقرار لا بالشهادة لأنه أقوى منها بخلاف ما لو أقر بعده فإن الحكم قد مضى مستندا إلى الشهادة وإن وقع إقراره قبل تسليم المال للمشهود له وما ذكره من أن الحكم بالإقرار فيما قاله هو ما نقله الأصل عن تصحيح الهروي وأقره وهو يخالف ما قدمته عن الماوردي في باب الزنا من أن الأصح عنده اعتبارا سبقهما فصل ينبغي أن يكون له مزكون وهم المرجوع إليهم ليبينوا حال الشهود عقلاء أي وأقر العقول لئلا يخدعوا بريئون من الشحناء والعصبية في النسب والمذهب خوفا من أن يحملهم ذلك على جرح عدل أو تزكية فاسق وأن يخفيهم لئلا يشتهروا في الناس بالتزكية ولئلا يستمالوا أو يتوقفوا عن جرح من يخاف شره و أن يكون له أصحاب المسائل الأولى مسائل وهم رسله إليهم أي إلى المزكين ليبحثوا ويسألوا وربما فسروا في لفظ الشافعي بالمزكين لأنهم مسئولون وباحثون ويكتب
313
313
وفي نسخة فيكتب ندبا إذا أراد البحث عن حال الشهود إلى المزكين اسم الشاهد ويصفه بما يميزه من كنية وولاء واسم أب وجد وحلية وحرفة ونحوها لئلا يشتبه بغيره واسم المشهود له و اسم المشهود عليه فقد يكون الشاهد بعض المشهود له أو عدو المشهود عليه
وكذا قدر المال المشهود به فقد يغلب على الظن صدق الشاهد في القليل دون الكثير فيكتب لكل مزك نسخة بذلك ويرسلها على يد صاحب مسألة سرا بأن يخفيها عن غير من أرسلها إليه وغير من أرسله إليه احتياطا لئلا يسعى المشهود له في التزكية والمشهود عليه في الجرح فإن عاد إليه الرسل بجرح من المزكين توقف عن الحكم وكتمه أي الجرح وقال للمدعي زدني في الشهود أو عادوا إليه بتعديل دعا مزكيين ليشهدا عنده به مشيرين إليه ليأمن بذلك الغلط من شخص إلى آخر فالحكم إنما يكون بقولهم لا بقول أرباب المسائل لأنهم الأصل وأولئك رسل يشهدون على شهادة فلا تقبل مع حضور الأصل على ما يأتي و لكن من نصب من أرباب المسائل حاكما في الجرح والتعديل كفى أن ينهى إليه أي إلى القاضي وحده ذلك فلا يعتبر العدد لأنه حاكم فالحكم مبني على قوله وكذا لو أمر القاضي صاحب المسألة بالبحث فبحث وشهد بما بحثه لكن يعتبر العدد لأنه شاهد وما تقرر هو ما بحثه الأصل رافعا به الخلاف في أن الحكم بقول المزكين أو بقول هؤلاء والذي نقله عن الأكثرين أنه بقول هؤلاء وهو المعتمد
واعتذر ابن الصباغ عن كونه شهادة على شهادة مع حضور الأصل بالحاجة لأن المزكين لا يكلفون الحضور ويشترط فيه أي فيمن نصب حاكما في الجرح والتعديل علمه بذلك واتصافه بسائر صفات القضاة الذين يتولون ذلك وعبارة الأصل تعتبر فيه صفات القضاة وفي المزكي صفات الشهود مع العلم بموجب العدالة والجرح أي بسببهما وأن يكون المعدل خبيرا بالباطن أي بباطن حال من يعدله بصحبة وجوار ومعاملة ونحوها فعن عمر رضي الله عنه أن اثنين شهدا عنده فقال لهما إني لا أعرفكما ولا يضركما أني لا أعرفكما ائتيا بمن يعرفكما فأتيا برجل فقال له عمر كيف تعرفهما قال بالصلاح والأمانة قال هل كنت جارا لهما تعرف صباحهما ومساءهما ومدخلهما ومخرجهما قال لا قال هل عاملتهما بهذه الدراهم والدنانير التي تعرف بها أمانات الرجال قال لا قال هل صاحبتهما في السفر الذي يسفر عن أخلاق الرجال قال لا قال فأنت لا تعرفهما ائتيا بمن يعرفكما
314
314
والمعنى فيه أن أسباب الفسق خفية غالبا فلا بد من معرفة المزكي حال من يزكيه وهذا كما في الشهادة بالإفلاس
و أن يعلم القاضي منه ذلك أي أنه خبير بباطن الحال في كل تزكية خفية أي يبنى على الظاهر قال في الأصل إلا إذا علم من عادته أنه لا يزكي إلا بعد الخبرة ولا يعتبر في خبرة الباطن التقادم في معرفتها لئلا يتضرر المتداعيان بالتأخير الطويل بل يكتفي بشدة الفحص عن الشخص ولو غريبا يصل المزكي بفحصه إلى ذلك أي كونه خبيرا بباطنه فحين يغلب على ظنه عدالته باستفاضة من جمع من أهل الخبرة بباطن حاله شهد بها إقامة لخبرتهم مقام خبرته كما أقيم في الجرح رؤيتهم مقام رؤيته ويعتمد المزكي في الجرح المعاينة بأن يراه يزني أو يشرب الخمر أو نحو ذلك والسماع بأن يسمعه يقذف شخصا أو يقر على نفسه بكبيرة أو نحو ذلك وتعبيره بكبيرة أعم من تعبير أصله بزنا أو شرب خمر وكذا إن سمع من غيره وتواتر أو استفاض لحصول العلم أو الظن بذلك بخلاف ما لو سمع من عدد لا يحصل به تواتر ولا استفاضة لكنه يشهد على شهادتهم بشرطه
وليبين في تجريحه غيره سبب الجرح من زنا أو سرقة أو نحوهما لأن أسبابه مختلف فيها وقد يظن الشاهدان ما ليس بجرح عند القاضي جرحا ولا حاجة إلى بيان سبب التعديل لأن أسبابه غير منحصرة قال الإسنوي وليس المراد بعدم قبول الشهادة بالجرح من غير ذكر سببه أنها لا تقبل أصلا حتى تقدم عليها بينة التعديل بل المراد أنه يجب التوقيف عن العمل بها إلى بيان السبب كما ذكره النووي في شرح مسلم في جرح الراوي ولا فرق في ذلك بين الرواية والشهادة قال الأذرعي وفي عدم الفرق وقفة للمتأمل وفي اشتراط ذكر ما يعتمده المزكي في الجرح من المعاينة والسماع وجهان أحدهما وهو الأشهر نعم وثانيهما وهو الأقيس لا ذكر ذلك في الأصل وظاهر صنيع المصنف اعتماد الثاني فإن شهد بأنه زنا لم يجعل قاذفا وإن لم يوافقه غيره لعذره لأنه مسئول عن شهادته والجواب منه فرض كفاية أو عين وبذلك فارق ما لو شهد دون أربعة بالزنا فإنه يجعل قاذفا لأنه مندوب إلى الستر فهو مقصر ولا يجوز أن يزكي أحد الشاهدين الآخر لقيامه بأحد الشطرين فلا يقوم بالآخر ولا والده و لا ولده كالحكم لهما وإن جهل مزك زكى فلو شهد اثنان وعدلهما آخران مجهولان وزكى الآخرين مزكيان للقاضي جاز
ولا يكفي في ثبوت العدالة رقعة مزك بالتزكية لأن الخط لا يعتمد في الشهادة كما مر بل لا بد من شاهدين معها إن كان القاضي يحكم بشهادة المزكين فإن ولي بعضهم الحكم بالجرح والتعديل فليكن كتابه ككتاب قاض إلى قاض والرسولان كشاهدين عليه وأصحاب المسائل فروع فلا يشهدون إلا عند تعذر حضور المزكين هذا جار على بحث الأصل السابق وقد عرفت ما فيه فرع يكفي في التعديل أن يقول أشهد أنه عدل أو مرضي أو مقبول القول أو نحوها وإن لم يقل علي ولي لأنه أثبت العدالة التي اقتضاها قوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم ولا
315
315
يكفي قوله لا أعلم منه إلا خيرا لأنه قد لا يعرف منه إلا الإسلام ولا قوله لا أعلم منه ما ترد به الشهادة لأنه قد لا يعرف ما يوجب القبول أيضا
فصل يستحب
للقاضي قبل التزكية أن يفرق شهودا ارتاب بهم أو توهم غلطهم لخفة عقل وجدها فيهم ويسألهم أي كلا منهم عن زمان التحمل للشهادة عاما وشهرا ويوما وغدوة أو عشية و عن مكانه محلة وسكة ودارا أو صفة أو صححنا و عن من حضر معه من الشهود عبارة الأصل ويسأله أتحمل وحده أم مع غيره و عن من كتب شهادته معه وبأي مداد كتبوا عبارة الأصل وأنه كتب بحبر أو بمداد ونحو ذلك ليستدل على صدقهم إن اتفقت كلمتهم وإلا فيقف عن الحكم وإذا جاء به أحدهم لم يدعه يرجع إلى الباقين حتى يسألهم لئلا يخبرهم بجوابه فإن امتنعوا من التفصيل ورأى أن يعظهم ويحذرهم عقوبة شهادة الزور وعظهم وحذرهم فإن أصروا على شهادتهم ولم يفصلوا وجب عليه القضاء إذا وجدت شروطه ولا عبرة بما يبقى من ريبة وإنما استحب له ذلك قبل التزكية لا بعدها لأنه إن اطلع على عورة استغنى عن الاستزكاء والبحث عن حالهم وإلا فإن عرفهم بالعدالة قضى وإلا استزكى قال الأذرعي وينبغي أن يفرقهم فجأة قبل أن يفهموا عنه ذلك فيحتالوا فيجعل كل واحد بمكان بمفرده كما صنع علي رضي الله عنه وإن لم يرتب بهم ولا توهم غلطهم فلا يفرقهم ولو طلب منه الخصم تفريقهم لأن فيه غضا منهم فصل تقدم بينة الجرح وإن كانت الثانية أكثر لزيادة علم الجارح إلا إن شهدت الثانية بتوبته مما جرح به فتقدم على الأولى لأن معها حينئذ زيادة علم ولو عدل الشاهد في واقعة ثم شهد في أخرى وطال بينهما زمن استبعده القاضي باجتهاده طلب تعديله ثانيا لأن طول الزمن يغير الأحوال بخلاف ما إذا لم يطل ولو عدل في مال قليل فهل يعمل بذلك أي بتعديله المذكور في شهادته بالمال الكثير بناء على أن العدالة لا تتجزأ أو لا بناء على أنها تتجزأ وجهان قال ابن أبي الدم المشهور من المذهب الأول فمن قبل في درهم يقبل في ألف نقله عنه الأذرعي وأقره ولو عدلوا عنده في غير محل ولايته لم يعمل بها أي بشهادتهم إذا عاد إلى محل ولايته إذ ليس هذا قضاء بعلم بل ببينة فهو كما لو سمع البينة خارج ولايته وقيل يعمل بها إن جوزنا القضاء بالعلم والأول قول الأكثر والترجيح مع التعليل من زيادته وصوب الزركشي الثاني محتجا له بقول الأصل في الكلام على القضاء بالعلم وسواء ما علمه في زمن ولايته ومكانها وما علمه في غيرهما وما قاله مردود بما علل به المصنف وتقبل شهادة الحسبة في الجرح والتعديل لأن البحث عن حال الشهود ومنع الحكم بشهادة الفاسق حق لله تعالى الباب الثالث في القضاء على الغائب وهو جائز بشرطه الآتي لعموم الأدلة ولقوله صلى الله عليه وسلم لهند خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف وهو قضاء منه على زوجها وهو غائب ولو كان فتوى لقال لك أن تأخذي أو لا بأس عليك أو نحوه ولم يقل
316
316
خذي ولقول عمر في خطبته من كان له على الأسيفع دين فليأتنا غدا فإنا بايعوا ماله وقاسموه بين غرمائه وكان غائبا ولأن الغيبة ليست بأعظم من الصغر والموت في العجز عن الدفع فإذا جاز الحكم على الصغير والميت فليجز على الغائب أيضا حتى في العقوبة لآدمي كقصاص وحد قذف لا في العقوبة لله تعالى من حد أو تعزير لبنائها على المساهلة وفيه أطراف خمسة الأول في الدعوى على الغائب ويشترط فيها على الغائب ما يشترط فيها على الحاضر من بيان المدعى وقدره ونوعه ووصفه وقوله إني مطالب بالمال فلا يكفي الاقتصار على قوله لي عليه كذا كما سيأتي و يشترط أن يكون له أي للمدعي بينة أو يعلم القاضي ذلك وإلا فلا فائدة للدعوى على الغائب
وينبغي أن يذكر في دعواه عليه جحوده لأن البينة شرط وهي لا تقام على مقر فلو قال هو مقر لم تسمع دعواه على ما يأتي و لكن لو لم يذكر جحودا ولا إقرارا سمعت لأنه قد لا يعلم جحوده ولا إقراره والبينة تسمع على الساكت فلتجعل غيبته كسكوته فإن ذكر إقراره وأراد إقامة البينة ليكتب له الحاكم به إلى حاكم بلد الغائب لم تسمع لما مر أو ليستوفي له الحاكم حقه من مال حاضر للغائب سمعت ووفاه حقه فهذه مستثناة من عدم سماعها فيما لو قال هو مقر واستثنى البلقيني أيضا من لا يقبل إقراره لسفه أو نحوه فلا يمنع قوله وهو مقر من سماعها وما لو قال هو مقر لكنه ممتنع وما لو كانت بينته شاهدة بالإقرار فإنه يقول عند إرادة مطابقة دعواه بينته أقر فلان بكذا ولي به بينة ويستحب للقاضي نصب مسخر بفتح الخاء المعجمة ينكر عن الغائب لتكون البينة على إنكار منكر والذي في الأصل أنه لا يلزمه ذلك لأنه قد يكون مقرا فيكون إنكاره كذبا قال ومقتضى هذا التوجيه أنه لا يجوز نصبه لكن الذي ذكره أبو الحسن العبادي وغيره أن القاضي مخير بين النصب وعدمه فذكر الاستحباب من زيادة المصنف وبه صرح صاحب الأنوار وقد يتوقف فيه فرع لا تسمع الدعوى والبينة على الغائب بإسقاط حق له كما لو قال كان له علي ألف قضيته إياها أو أبرأني فيها ولي بينة به ولا آمن إن خرجت إليه أن يطالبني ويجحد القبض أو الإبراء فاسمع بينتي واكتب بذلك إلى قاضي بلده لم يجبه لأن الدعوى بذلك والبينة لا تسمع إلا بعد المطالبة بالحق قال ابن الصلاح وطريقه في ذلك أن يدعي إنسان أن رب الدين أحاله به فيعترف المدعى عليه بالدين لربه وبالحوالة ويدعي أنه أبرأه منه أو أقبضه فتسمع الدعوى بذلك والبينة وإن كان رب الدين حاضرا بالبلد الطرف الثاني في التحليف وبعد قيام البينة وتعديلها يحلف
317
317
وجوبا يمين الاستظهار مدع على غائب وصبي ومجنون وميت بلا وارث خاص أن ما ادعاه عليه باق في ذمته يلزمه تسليمه ما برئ من شيء منه بطريق من الطرق احتياطا له إذ لو حضر أو كمل أو لم يمت لكان له أن يحلفه عليه فإن كان للميت وارث خاص اعتبر في الحلف طلب الوارث لأن الحق له في التركة ومثله ما لو كان للصبي والمجنون نائب خاص وبه صرح صاحب المهذب والتهذيب وغيرهما كما نقله الزركشي وأقره ولا يشترط التعرض في اليمين لصدق الشهود بخلاف اليمين مع الشاهد لكمال الحجة هنا صرح به الأصل فلو اقتصر في حلفه على أنه ثابت في ذمته يلزمه تسليمه كفى وإنما اعتبر ذكر لزوم تسليمه لأنه قد يكون ثابتا في ذمته ولا يلزمه تسليمه لتأجيل ونحوه ولو ادعى قيم طفل على قيم طفل وأقام بما ادعاه بينة انتظر بلوغ المدعى له ليحلف لتعذر تحليف غيره عنه ومثله المجنون والإفاقة كالبلوغ ويقضى على الغائب بشاهد ويمينين أحدهما لتكميل الحجة والأخرى بعدها لنفي المسقط من إبراء أو غيره ويسمى يمين الاستظهار كما مرت الإشارة إليه فرع لو ادعى وكيل غائب على غائب لم يحلف لأن الوكيل لا يحلف يمين الاستظهار بحال ويعطي الحق الذي ادعاه أي يعطيه له القاضي إن كان للمدعى عليه هناك مال
318
318
لأنه نائبه وأفهم كلامه كأصله أنه لا يعطيه إن لم يكن هناك مال والمتجه كما قال التاج السبكي خلافه إن كان المال في محل عمله وقد يحمل قوله هناك على محل ولايته فيزول الإشكال أو على حاضر فقال له أبرأني موكلك الغائب عما ادعيته علي لم يؤخر الحكم ليمينه على نفي ذلك بعد حضوره لأنه يؤدي إلى تعذر استيفاء الحقوق بالوكلاء بل يحكم عليه بالحق ثم يثبت هو الإبراء أو يسلم الحق عبارة الأصل بل عليه تسليم الحق ثم يثبت الإبراء وكذا إن استحق عليه أي على أحد صبي مالا وادعاه وليه عليه فادعى أنه أتلف عليه عينا بدلها من جنس دينه وقدره فإنه يحكم عليه ويسلم الحق ويحلف له الصبي إذا بلغ عاقلا
ولو سأل المدعى عليه تحليف الوكيل الذي ادعى عليه أنه لم يعلم أن موكله أبرأه من الحق أجيب إليه وقال صوابه قاله الشيخ أبو حامد وهو مخالف لما سبق من أن الوكيل لا يحلف لكن قال الأذرعي ما قاله الشيخ أبو حامد هو ما أورده العراقيون كما ذكره ابن الصلاح وغيره وهو الصحيح الموافق لما مر في الوكالة من أن الوكيل يحلف على نفي العلم فيما لو ادعى البائع أن الموكل علم بالعيب ورضي به وذكر الزركشي نحوه وقال ففي البحر أنه مذهب الشافعي لأنه لو أقر به خرج من الوكالة والخصومة ولا يشكل بما سبق إذ لا يلزم من تحليفه هنا تحليفه ثم لأن تحليفه هنا إنما جاء من جهة دعوى صحيحة يقتضي اعترافه بها سقوط مطالبته بخلاف يمين الاستظهار فإن حاصلها أن المال ثابت في ذمة الغائب أو الميت وهذا لا يتأتى من الوكيل ولو قال شخص لآخر أنت وكيله أي فلان الغائب ولي عليه كذا وادعى عليك وأقيم به بينة فأنكر الوكالة أو قال لا أعلم أني وكيل لم تقم عليه بينة بأنه وكيله لأن الوكالة حق له فكيف تقام بينة بها قبل دعواه وقوله فأنكر من زيادته وإذا علم أنه وكيل وأراد أن لا يخاصم فليعزل نفسه وإن لم يعلم ذلك فينبغي أن يقول لا أعلم أني وكيل ولا يقول لست بوكيل فيكون مكذبا لبينة قد تقوم عليه بالوكالة صرح به الأصل وقضية كلام المصنف كأصله أنه لا يجب إقامة البينة على الوكالة ويكفي اعتراف الخصم بها حتى لو صدقه سمعت دعواه عليه بلا بينة وبه أجاب البغوي في فتاويه ونقله عن القاضي
وجزم به الإمام وغيره لكن قال الماوردي والروياني مذهب الشافعي أنه لا يسمع تخاصمهما إلا ببينة خلافا لابن سريج نقل ذلك الزركشي تبعا للأذرعي ثم قال والحاصل أنه إن كان قصد الوكيل إثبات الدين سمعت دعواه أو تسليم المال فلا لأنه وإن ثبت الحق عليه لم يلزمه تسليمه إلا على وجه يبرئه منه انتهى وتقدم في باب الوكالة ما له تعلق بذلك الطرف الثالث في كتاب القاضي إلى القاضي يجوز للقاضي أن يسمع البينة على الغائب وينهي الأمر إلى قاضي بلده ليحكم ويستوفي وأن يحكم عليه بالحق وينهي الأمر إلى قاضي بلده ليستوفي منه إن لم يكن له مال حاضر يوفى عنه منه
319
319
لا ما حكم فيه بعلمه فلا ينهى الأمر فيه إلى قاضي بلد الغائب عبارة الأصل وهل يجوز أن يكتب بعلم نفسه ليقضي به المكتوب إليه قال في العدة لا يجوز وإن جوزنا القضاء بالعلم لأنه ما لم يحكم به هو كالشاهد والشهادة لا تتأدى بالكتابة وفي أمالي السرخسي جوازه ويقضي به المكتوب إليه إذا جوزنا القضاء بالعلم لأن إخباره عن علمه إخبار عن قيام الحجة فليكن كإخباره عن قيام البينة قال الإسنوي وبما قاله في العدة جزم صاحب البحر وقال البلقيني الأصح ما في أمالي السرخسي وقضية كلام الأصل أنه لو حكم بعلمه جاز له الإنهاء فما قاله المصنف عكس ما اقتضاه كلام أصله ولعله سبق قلم فإن حكم على غائب وسأل إنهاء الحكم إلى قاضي بلده يلزمه الإشهاد بحكمه
والأولى أن يكتب له بذلك كتابا أولا ثم يشهد ويقول فيه بعد ذكر البينة المسبوقة بالدعوى أي بعد ذكره حضر فلان وادعى على فلان الغائب المقيم ببلد كذا بكذا وأقام عليه بينة و حلف المدعي وحكمت له بالمال وسأل أن أكتب له إليك بذلك فكتبت له وأشهدت به ويجوز أن يقول فيه حكمت بشاهدين وإن لم يصفهما بعدالة و لا غيرها فحكمه بها أي بشهادتهما تعديل لهما وأن يقول حكمت بكذا بحجة أوجبت الحكم فقد يحكم بشاهد ويمين أو بعلمه فعلم أنه لا يجب تسمية شهود الحكم ولا شهود الحق ولا ذكر أصل الشهادة فيهما وليقرأ الكتاب الذي كتبه على الشهود ويقرأ بين يديه عليهم ويقول اشهدوا علي بما فيه أو على حكمي المبين فيه قال في الأصل وفي الشامل لو اقتصر بعد القراءة على قوله هذا كتابي إلى فلان أجزأ لكن حكاه في الشرح الصغير بصيغة قيل والأحوط أن ينظر الشاهد أن وقت القراءة عليهما في الكتاب فلو لم يقرأه عليهما وجهلا ما فيه وأشهدهما على ما أن فيه حكمه أو أنه قضى بمضمونه لم يكف حتى يفصل لهما ما حكم به ولا يكفي أيضا ما فهم بالأولى وصرح به الأصل أن يشهدهما على أن هذا كتابه أو ما فيه خطه لأن الشيء قد يكتب من غير قصد تحقيقه ولو حكم بحضورهما ولم يشهدهما فلهما الشهادة بحكمه
والحاصل أن إنشاء الحكم بحضورهما لا يحتاج فيه إلى قوله اشهدا علي بخلاف قراءة الكتاب لا بد فيه من قوله اشهدا علي بما فيه إلا ما مر عن الشامل والمكتوب إليه يطلب وجوبا تزكية الشهود الحاملين للكتاب ولا يكفي تعديل الكاتب إياهم لأنه تعديل قبل أداء الشهادة ولأنه كتعديل المدعي شهوده ولأن الكتاب إنما يثبت بقولهم فلو ثبت به عدالتهم لثبتت بقولهم والشاهد لا يزكي نفسه ولو قال رجل لآخر يستحق فلان علي ما في هذه القبالة وأنا عالم به جاز أن يشهد عليه بما فيها إن حفظها وإن لم يفصله له لأنه يقر على نفسه والإقرار بالمجهول صحيح بخلاف القاضي فإنه مخبر عن نفسه بما يضر غيره فالاحتياط فيه أهم وهذا ما صححه الغزالي وجزم الصيمري بالمنع حتى يقرأه ويحيط بما فيه وذكر أنه مذهب الشافعي وأبي حنيفة والترجيح من زيادة المصنف قال في الأصل ويشبه أن يكون الخلاف في أنه هل يشهد أنه أقر بمضمون القبالة مفصلا أما الشهادة بأنه أقر بما فيها مبهما فينبغي أن تقبل قطعا كسائر الأقارير المبهمة ويستحب للقاضي ختم الكتاب حفظا لما فيه وإكراما للمكتوب إليه وكان صلى الله عليه وسلم يرسل كتبه غير مختومة فامتنع بعضهم من قبولها إلا مختومة فاتخذ خاتما ونقش عليه محمد رسول الله فصار ختم الكتب سنة متبعة وإنما كانوا لا يقرءون كتابا إلا مختوما خوفا من كشف أسرارهم وإضاعة تدبيرهم
و أن يترك معهما نسخة أخرى غير مختومة يطالعانها عند الحاجة و أن يذكر في الكتاب نقش الختم أي الخاتم الذي يختم به وأن يثبت اسمه واسم المكتوب إليه في العنوان أيضا كما يثبتهما في باطن الكتاب فإن أنكر الخصم الحق بعد أن أحضره المكتوب إليه شهدا عنده بأن هذا كتاب القاضي فلان وختمه وحكم بما فيه لفلان
320
320
على هذا وقرأه علينا وإن لم يقولا وأشهدنا به فلا يكفي ذكرهما الكتاب والختم من غير تعرض لحكمه وإن أقر به استوفاه منه
فرع التعويل على
شهادة الشهود فلو شهدوا بخلاف ما في الكتاب أو بعد أن ضاع أو انمحى أو انكسر الختم كما فهمت بالأولى عمل بشهادتهم لأن الاعتماد كما مر عليها لا على الكتاب والكتاب تذكرة مندوب إليه جرى رسم القضاة به ويشهد به أي بما فيه رجلان ولو في مال أو زنا أو هلال رمضان وتجوز شهادتهم قبل فض الكتاب وبعده سواء فضه القاضي أم غيره لكن الأدب والاحتياط أن يشهدوا بعد فض القاضي له وقراءتهم الكتاب فرع لو كتب إلى قاض معين بحكم أو سماع بينة فشهدوا عند غيره جاز وإن لم يكتب وإلى كل من يصل إليه من القضاة اعتمادا على الشهادة سواء عاش الكاتب والمكتوب إليه أو ماتا لأنهم يشهدون بما تحملوه عن الكاتب ومحل ذلك في موت الكاتب إذا لم يكن الحاكم الثاني نائبا عنه فإن كان نائبا عنه تعذر ذلك وكالموت العزل والانعزال بجنون وإغماء وخرس ونحوها ولو فسق الكاتب أو ارتد ثم وصل الكتاب إلى الثاني أمضى حكمه لأن ذلك لا يؤثر في الحكم السابق لا إن كان الإنهاء إنهاء سماع بينة فلا يقبلها ولا يحكم بها كما لو فسق الشاهد أو ارتد قبل الحكم ولأن شهادتهما مشبهة بالشهادة على الشهادة وشهادة الفرع لا تقبل بعد فسق الأصل أو ردته وهذا التفصيل أجراه المصنف في شرح الإرشاد في غير الفسق والردة مما مر أيضا وهو خلاف ما في الأصل فرع ينبغي أي يندب أن يكتب القاضي في الكتاب اسم المحكوم له و المحكوم عليه و أن يصفهما بما يميزان به من كنية وولاء واسم أب وجد وحلية وحرفة ونحوها ليسهل التمييز فإن شهدا على الموصوف بالصفات المذكورة في الكتاب فأنكر الاسم والنسب ولم يكن معروفا بذلك فالقول قوله بيمينه أنه ليس الموصوف لموافقته الأصل وعلى المدعي بينة بأن هذا المكتوب اسمه ونسبه فإن لم تكن بينة ونكل عن اليمين حلف المدعي واستحق أما إذا شهدا على عينه أن القاضي الكاتب حكم عليه فيستوفى منه فلو قال لا أحلف على أني لست الموصوف بل أحلف على أنه لا يلزمني شيء لم يقبل منه بل يلزمه التعرض لما أنكره وقيل يقبل والترجيح من زيادته على الروضة وهو مقتضى كلام الرافعي في الشرح الكبير وصرح به في الصغير قال ولو اقتصر في الجواب على أنه لا يلزمني شيء كفاه وحلف عليه فإن قال هو اسمي ولست الخصم فإن لم يوجد هناك مشارك له في الاسم والصفات يعاصر المحكوم عليه الذي قاله غيره المحكوم له حكم عليه لأن الظاهر أنه المحكوم عليه
فإن وجد وهو ميت بعد الحكم مطلقا أو قبله وقد عاصره وقع
321
321
الإشكال بخلاف ما إذا لم يعاصره واعتبرت معاصرته له لتمكن معاملته له ونازع البلقيني في اعتبار المعاصرة لاحتمال كون الدين على ميت لم يعاصره بمعاملة مع مورثه مثلا قال وإنما المدار على إمكان صدور المدعى به مع الميت أو حاضرا حضر فإن أنكر الحق كتب الحاكم الثاني إلى الأول بما وقع من الإشكال ليأخذ من الشهود ما يدرأ أي يدفع الإشكال فيه أي المحكوم عليه وإن اعترف بالحق طولب به وخلص الأول هذا كله إذا أثبت القاضي اسم المحكوم عليه ونسبه وصفته كما مر أما لو حكم على محمد بن أحمد مثلا لم يصح لأنه حكم على مبهم وإن اعترف بذلك الاسم رجل وأنه المحكوم عليه ولم يقر بالحق لم يلزمه ذلك الحكم لبطلانه في نفسه فإن أقر بالحق لزمه ولما فرغ من الإنهاء بالمكاتبة شرع في الإنهاء بالمشافهة فقال فإن شافه قاض قاضيا بالحكم والمنهى له في غير محل ولايته لم يحكم الثاني وإن كان في محل ولايته لأن إخباره في غير محل ولايته كإخباره بعد عزله أو عكسه بأن كان المنهى في محل ولايته والمنهى إليه في غيره
فله الحكم إذا رجع ولايته أي إليها أي محلها وهو حكم بعلمه فإن كانا في محل ولايتهما كان تناديا من الطرفين بأن كان كل منهما في طرف محل ولايته ونادى الحاكم الأول الثاني وأخبره بما حكم أو كانا قاضي بلد أو أنهى إليه نائبه في البلد وعكسه بأن أنهى إليه منيبه أو خرج القاضي إلى قرية له فيها نائب فأخبر أحدهما الآخر بحكمه أمضاه لأنه أبلغ من الشهادة والكتاب ولأن القرية في الأخيرة محل ولايتهما ولو دخل النائب بلد منيبه فأنهى إليه حكمه لم يقبل لأن المنهى في غير محل ولايته أو أنهى إليه القاضي حكمه نفذه إذا عاد إلى محل ولايته وكان حكما بعلم
فرع له أن يشافه بالحكم واليا غير قاض ليستوفي الحق ممن لزمه ولو ممن هو في غير محل ولايته لأن سماع الولي مشافهة كشهادة الشهود عند القاضي واختار الإمام خلاف ذلك قال لأنه ليس إليه سماع قول القاضي كما ليس إليه سماع البينة ولا يكتب إليه إلا إن فوض إليه من الإمام نظر القضاء أي تولية من يراه صالحا للقضاء وهو صالح له فله مكاتبته كما يجوز مكاتبة الإمام الأعظم قال في الأصل وإنما لم يكاتبه فيما عدا هذا لأن الكتاب إنما يثبت بالبينة ومنصب سماعها يختص بالقضاء لكنه خالف فيه في الروضة فصحح فيها قبيل الباب الرابع في الشاهد واليمين أن ذلك لا يختص بالقضاة نبه عليه الإسنوي فصل وإن لم يحكم وأنهى سماع الحجة المسبوقة بالدعوى إلى قاض آخر مشافهة له به لم يجز له الحكم به بناء على أن إنهاء سماعها نقل لها كنقل الفرع شهادة الأصل فكما لا يحكم بالفرع مع حضور الأصل لا يجوز الحكم بذلك ويؤخذ منه أنه لو غاب الشهود عن بلد القاضي لمسافة يجوز فيها الشهادة على الشهادة جاز الحكم بذلك وهو ظاهر أو مكاتبة جاز الحكم به حيث تكون المسافة بين القاضيين بحيث يسمع فيها الشهادة على الشهادة بخلاف الكتاب بالحكم يجوز ولو مع القرب لأن الحكم قد تم ولم يبق إلا الاستيفاء بخلاف سماع الحجة إذ يسهل إحضارها مع القرب ويسمى كتاب سماعها كتاب
322
322
نقل الشهادة وكتاب الثبت أي تثبيت الحجة بخلاف ما لو قال لنائبه اسمع البينة بعد الدعوى وانهها إلي ففعل فإن الأشبه الجواز أي جواز حكم منيبه بذلك لأن تجويز النيابة للاستعانة بالنائب وهو يقتضي الاعتداد بسماعه بخلاف سماع القاضي المستقل ومقابل الأشبه عدم الجواز كإنهاء أحد القاضيين في البلد إلى الآخر لإمكان حضور الشهود عنده وليبين القاضي الكاتب الحجة أهي بينة أو شاهد ويمين أو يمين مردودة ليعرفها المكتوب إليه فقد لا يرى بعض ذلك حجة ويسمي له الشهود ليبحث عنهم
والأولى أن يبحث عن حالهم ويعدلهم لأن أهل بلدهم أعرف بهم فإن لم يفعل فعلى الثاني البحث والتعديل وإذا عدلهم الأول فليس للثاني إعادة التعديل قال الأذرعي وينبغي أن يكون محله في القاضي الموافق في المذهب في التعديل لا المخالف وفي نسخة وليبحث بالواو فلو عدلهم الكاتب وسكت عن تسميتهم كفى كما في الحكم ولا حاجة هنا إلى تحليف المدعي كما صرح به الأصل وللخصم تجريحها أي الحجة والأولى تجريحهم ويمهل له أي لتجريحهم أي لإقامة البينة به ثلاثا من الأيام فأقل بحسب الحاجة إذا استمهل له لأنها مدة يسيرة لا يعظم ضرر المدعي بتأخير الحكم فيها وبالمدعى عليه حاجة إليها وكذا لو قال أبرأتني أو قضيت الحق واستمهل ليقيم البينة عليه لا إن استمهل ليذهب إلى الكاتب ويجرحهم عنده أو ليأتي من بلده ببينة أخرى دافعة فلا يمهل بل يسلم المال للمدعي قال الإسنوي ويظهر أن محله إذا توقف على أكثر من ثلاثة أيام وكلام الروياني يدل عليه ويحتمل المنع مطلقا سدا للباب فإن أقام دافعا استرد ما سلمه فلو سأل الخصم والكاتب بالحكم تحليفه أي المدعي أنه ما استوفى منه الحق أو أنه ما أبرأه منه فهل يجاب إليه
كما لو ادعى عنده ابتداء أو لا لأن الكاتب حلفه وجهان أرجحهما في الأنوار الثاني ونقله ابن الرفعة عن القاضي أبي الطيب والماوردي والبندنيجي وغيرهم نعم إن ادعى إيقاع ذلك بعد الحكم فله تحليفه بلا شك أو سأل تحليفه أنه لا يعلم عداوة الشهود له أجيب إليه بخلاف ما لو سأل تحليفه أنه لا عداوة بينه وبينهم كما صرح به الماوردي والروياني ومن هنا زاد المصنف يعلم على قول أصله أو لا عداوة بينه وبين الشهود أو تحليفه أنهم عدول لم يجب بل يكفي تعديل الحاكم إياهم بخلاف ما لو سأل تحليفه أنه لا يعلم فسقهم كما سيأتي في الدعاوى الطرف الرابع في الحكم بالشيء الغائب على غائب وهذا في الأعيان لأنها التي تتصف بالغيبة والحضور أما الدين ونحو النكاح والطلاق من رجعة وإثبات وكالة ونحوهما فلا يوصف بغيبة ولا حضور لا في الدعوى بها ولا في غيرها ثم العين المدعاة الغائبة عن البلد إن كانت مما تعرف بأن يؤمن اشتباهها كالعقار المعروف ويعتمد فيه ما ذكره بقوله فيعرفه المدعي بذكر البقعة والسكة والحدود الأربعة على ما يأتي في الدعاوى وكالعبد والفرس المعروفين بالشهرة سمعت الدعوى والبينة ويحكم بها قال في الأصل ولا يجب ذكر القيمة على الأصح لحصول التمييز دونه وتركه المصنف للعلم به مما يأتي في الدعاوى
وما لا شهرة له كغير المعروف من العبيد والدواب تسمع فيه الأوصاف أي الدعوى به اعتمادا على الأوصاف أيضا لإقامة البينة للحاجة إليها كما في العقار وكما تسمع على الخصم الغائب اعتمادا على الصفة
323
323
لا للحكم لأنه مع خطر الاشتباه والجهالة بعيد فيصفها أي العين الغائبة المدعى بها بصفات السلم وبالقيمة على الوجه الذي ذكره بقوله قالوا والركن في تعريف المثليات الوصف أي ذكره وذكر القيمة مستحب وفي ذوات القيم الأمر بالعكس أي الركن في تعريفها ذكر القيمة وذكر الوصف مستحب وعليه يحمل كلام المنهاج وما ذكره في الدعاوى من وجوب وصف العين بصفة السلم دون قيمتها مثلية كانت أو متقومة هو في عين حاضرة بالبلد يمكن إحضارها مجلس الحكم فلا ينافي ما هنا كما أشاروا إليه بتعبيرهم هنا بالمبالغة في الوصف وثم بوصف السلم والمصنف كبعضهم توهم أن العين في البابين واحدة فعبر هنا بما عبروا به ثم من اعتبار وصفها بصفات السلم ويكتب القاضي بذلك أي بما جرى عنده من قيام البينة إلى قاضي بلد العين فإن لم يوجد ثم عين أخرى بتلك الصفات المذكورة بعث المكتوب إليه بالعين إلي القاضي الكاتب ليشهدوا أي الشهود عنده على عينها ويبعثها له على يد المدعي لا الخصم لما في بعثه من المشقة
ويؤخذ منه كفيل ببدنة لا بقيمتها احتياطا للمدعى عليه ويختم على العين عند تسليمها له بختم لازم لئلا تبدل بما لا يستريب الشهود في أنها له فإن كان المدعى به عبدا جعل في عنقه قلادة وختم عليها والختم مستحب والكفيل واجب أو كان جارية لا يحل للمدعي الخلوة بها فكذلك الحكم لكن يبعث بها على يد أمين في الرفقة لا على يد المدعي فإن شهدوا بعينها أي العين المبعوث بها إلى الكاتب عنده حكم بها للمدعي وسلمها إليه فله الرجوع على الخصم بمؤنة الإحضار وكتب بذلك ليبرأ الكفيل عبارة الأصل وكتب إبراء الكفيل وإن لم يشهدوا بعينها فعلى المدعي مؤنة الرد والإحضار لها إلى الخصم لتعديه وأجرة العين لمدة الحيلولة وتسامحوا أي الأصحاب في أجرة ما أحضر في البلد لزمن الإحضار والرد فلم يوجبوها للخصم وإن لم يثبت ذلك للمدعي لأن مثل ذلك يتسامح به توفيرا لمجلس القاضي ومراعاة للمصلحة في ترك المضايقة مع عدم زيادة الضرر بخلاف الغائب عن البلد ولا يجب للخصم أجرة منفعته وإن أحضره من غير البلد للمسامحة بمثله ولأن منفعة الحر لا تضمن بالفوات أما إذا وجدت عين أخرى بتلك الصفات فقد صار القضاء مبهما وانقطعت المطالبة في الحال كما مر في المحكوم عليه صرح به الأصل
وأما إن كانت العين في البلد وإحضارها متيسر فإنها تحضر لتقوم البينة على عينها إذ بذلك
324
324
يتوصل المدعي إلى حقه فوجب إحضارها كما يجب على الخصم الحضور عند الطلب ولا تسمع البينة على الأوصاف كما في الخصم الغائب عن المجلس في البلد لعدم الحاجة إلى ذلك بخلافه في الغائب عن البلد وأما العقار فيوصف ويحدد في الدعوى وتقام عليه البينة بتلك الحدود إذ لا يتيسر إحضاره وقد تكفي شهرته عن تحديده ويحكم به للمدعي كما مر نظيره في الغائب عن البلد وكذا العبد مثلا المشهور للناس لا يحتاج إلى إحضاره كما مر في العقار وكذا إن عرفه القاضي وحكم بعلمه بناء على جواز حكمه بعلمه فإن كانت حجته التي يحكم بها بينة أحضر لتشاهده البينة بناء على أنها لا تسمع بالصفة وتبع في هذه أصله حيث نقل عن الغزالي أنه يحكم بالعبد الذي يعرفه القاضي بلا إحضار ثم اعترضه بأن هذا بعيد فيما إذا جهل وصفه وقامت به بينة لأنها لا تسمع بالصفة لكن أجاب عنه ابن الرفعة بأن الممنوع إنما هو الشهادة بوصف لا يحصل للقاضي به معرفة الموصوف معه دون ما إذا حصلت به كما هنا وما تعسر إحضاره لثقل فيه أو إثبات له في جدار أو أرض وضر قلعه وصفه المدعي إن أمكن وصفه
ثم يأتيه القاضي أو نائبه لتقع الشهادة على عينه فإن لم يمكن وصفه حضر القاضي أو نائبه للدعوى على عينه وكذا إذا عرف الشهود العقار دون الحدود يحضره هو أو نائبه لتقع الشهادة على عينه فإن وافقت الحدود ما ذكره المدعي في الدعوى حكم له وإلا فلا وإن أنكر المدعى عليه العين المدعاة بأن أنكر اشتمال يده عليها وحلف فله أي للمدعي أن يدعي عليه قيمتها فلعلها بلغت وإن نكل عن اليمين وحلف المدعي أو قامت بينة حين أنكر ولم يحضر العين حبس لإحضارها فإن ادعى التلف لها صدق بيمينه وإن كان على خلاف قوله الأول لئلا يخلد عليه الحبس مع إمكان صدقه ويسلم القيمة عنها فإن غصبه عينا أو أعطاه إياها ليبيعها فطالبه بها فجحدها ولم يدر أباقية هي فيطالبه بها أم لا فيطالبه بقيمتها في الصورتين أو بثمنها إن باعها في الثانية فقال في دعواه عليه بها ادعى عليه عينا يلزمه ردها إلا إن كانت باقية أو قيمتها إن تلفت أو ثمنها إن باعها سمعت دعواه وإن كانت مترددة للحاجة وقيد ابن الرفعة تبعا للغزالي الثانية بما إذا أعطاها له ليبيعها بأكثر من قيمتها وفيه نظر فيما إذا أعطاها له ليبيعها بدون قيمتها
فإن أقر بشيء فذاك وإن أنكر حلف يمينا أنه لا يلزمه رد العين ولا قيمتها ولا ثمنها فإن نكل عن اليمين وردها على المدعي فقيل يحلف كما ادعى أي على التردد وقيل يشترط التعيين في حلفه والأوجه الأول وهذا ذكره الأصل في أوائل الدعاوى وظاهر أن ما ذكره من الدعوى بالقيمة محله في المتقوم أما المثلي فيدعي فيه بالمثل ويرتب
325
325
عليه حكمه ومن أثبت أي أقام بينة بعبد موصوف ثم مات العبد فله قيمته بتلك الصفة فرع لو كان الخصم حاضرا والعين غائبة عن البلد سمع القاضي البينة ولا يحكم بها كما لو كان الخصم غائبا أيضا بل يأمره أي المدعى عليه بإحضارها إلى مجلسه ليشهد الشهود على عينها كما يفعله القاضي المكتوب إليه عند غيبة الخصم فإن أحضرت ولم يشهدوا بها للمدعي لزمه مؤنة الإحضار والرد وأجرة المثل لمدة الحيلولة كما مر فيما إذا كان الخصم غائبا أيضا الطرف الخامس في المحكوم عليه لو ادعى شخص على غائب في البلد يمكن إحضاره مجلس الحكم لم يجز أي الدعوى عليه أي سماعها بل ولا سماع البينة ولا الحكم عليه لسهولة إحضاره وليأمن الحاكم خطأ البينة فيه ولأن أمر القضاء مبني على الفصل بأقرب الطرق ولو أحضر ربما أقر فيغني عن سماع البينة والنظر فيها وكذا لا يجوز على من على مسافة العدوى الآتي بيانها في الطرف الثالث من الباب الثالث من أبواب الشهادات لأنه في حكم الحاضر فإن تعزر كل منهما أو اختفى سمعت عليه لتعذر الوصول إليه وإلا اتخذ الناس ذلك ذريعة إلى إبطال الحقوق وهل يحلف له المدعي يمين الاستظهار كالغائب أو لا لقدرته على الحضور وجهان صحح منهما البلقيني الأول لأن هذا احتياط للقضاء فلا يمنع منه ذلك وجزم صاحب العدة والماوردي والروياني بالثاني وصححه الأذرعي وإلى ترجيحه أشار المصنف كأصله بقوله وقوى المنع قدرته على الحضور فلا عذر له بخلاف الغائب فإن كان له أو الغائب وكيل نصبه بنفسه فهل يحتاج حضوره يعني طلبه في تحليف الخصم أي فهل يحتاج في تحليف المدعي إذا قلنا به إلى طلب الوكيل لأن الاحتياط حينئذ من وظيفة الوكيل أو لا كالموكل فيه تردد أي احتمالان لأبي العباس الروياني قال ابن الرفعة والمشهور الأول فصل من استعدى القاضي على خصم من أعدى يعدي أي يزيل العدوان أي من طلب من القاضي إحضار خصم له في البلد يمكن إحضاره أحضره وجوبا إلى مجلسه ولو كان من ذوي المروآت فيبعث إليه بختم من طين رطب أو غيره مما يعتاد بدفعه إلى المدعي ليعرضه عليه وليكن مكتوبا عليه أجاب
326
326
القاضي فلانا وقد هجر هذا في هذه الأعصار فالأولى ما اعتيد من الكتابة في كاغد أو يبعث إليه بأحد أعوانه المرتبين على بابه وأجرتهم أي أعوانه على الطالب إن لم يرزقوا من بيت المال وقضية كلامه كالمنهاج وأصله التخيير بين الأمرين وعبارة الأصل ثم الإحضار قد يكون بختم طين رطب أو غيره وقد يكون بشخص من الأعوان المرتبين على بابه فإن بعث بالختم فلم يجب بعث إليه العون انتهى وينبغي أن تكون مؤنة من أحضره عند امتناعه من الحضور ببعث الختم على المطلوب أخذا مما ذكر في قوله فإن ثبت عنده امتناعه من الحضور بلا عذر أو سوء أدبه بكسر الختم ونحوه ولو بقول العون الثقة أحضره أعوان السلطان وعليه حينئذ مؤنتهم لامتناعه ثم يعزره بما رأى من ضرب أو حبس أو غيره وله العفو عن تعزيره إن رآه
فإن اختفى نودي بإذن القاضي على بابه أي باب داره أنه إن لم يحضر إلى الثلاثة من الأيام سمر بابه أو ختم عليه فإن لم يحضر بعد الثلاث وطلب الخصم تسميره أو ختمه أجابه إليه إن تقرر عنده أنها داره ولا يرفع المسمار أو الختم إلا بعد فراغ الحكم ثم محل التسمير أو الختم إذا كان لا يأويها غيره وإلا فلا سبيل إلى ذلك ولا إلى إخراج من فيها فيما يظهر قاله الأذرعي فإن عرف موضعه بعث إليه نساء أو صبيانا أو خصيانا قال في الأصل على هذا الترتيب أي فيقدم النساء ثم الصبيان ثم الخصيان يهجمون الدار ويفتشون عليه قال ابن القاص وغيره ويبعث معهم عدلين من الرجال فإذا دخلوها وقف الرجال في الصحن وأخذ غيرهم في التفتيش قالوا ولا هجوم في الحدود إلا في قاطع الطريق قال الماوردي وإذا تعذر حضوره بعد هذه الأحوال حكم القاضي بالبينة وهل يجعل امتناعه كالنكول في رد اليمين الأشبه نعم لكن لا يحكم عليه بذلك إلا بعد إعادة النداء على بابه ثانيا بأنه يحكم عليه بالنكول فإذا امتنع من الحضور بعد النداء الثاني حكم بنكوله وإن امتنع من الحضور لعذر كخوف ظالم أو حبسه ومرض بعث إليه نائبه ليحكم بينه وبين خصمه أو وكل المعذور من يخاصم عنه
ويبعث إليه القاضي من يحلفه إن وجب تحليفه قال في المهمات ويظهر أن هذا في غير معروف النسب أو لم يكن عليه بينة وإلا سمع الدعوى والبينة وحكم عليه لأن المرض كالغيبة في سماع شهادة الفرع فكذا في الحكم عليه قال وقد صرح بذلك البغوي وأما إن كان الخصم خارج البلد وهو في محل ولايته أي القاضي وثم نائب عنه كتب إليه بسماع البينة أي بأنه سمعها ولم يحضره لما في إحضاره من المشقة مع وجود الحاكم ثم وظاهر أن محل ذلك إذا كان فوق مسافة العدوى لما مر أن الكتاب بسماع البينة لا يقبل في مسافة العدوى وكذا إن لم يكن له نائب وهناك من يتوسط بينهما بصلح ونحوه وكان من أهل الخبرة والمروءة والعقل فيكتب إليه أنه يتوسط ويصلح بينهما ولا يحضره للاستغناء عن إحضاره وقوله ونحوه من زيادته وإلا بأن لم يكن هنا من يتوسط بينهما أحضره ولو بعدت المسافة لأن عمر رضي الله عنه استدعى المغيرة بن شعبة من البصرة إلى المدينة ولئلا يتخذ السفر طريقا لإبطال الحقوق والتصريح بالترجيح من زيادته وعليه جرى جمع من المتأخرين تبعا للعراقيين وصحح في المنهاج كأصله ما نقله
327
327
الأصل عن الإمام أنه لا يحضره إلا إذا كان بمسافة العدوى فأقل
ولكن بعد البحث عن جهة دعواه لئلا يتعبه فيما لا يلزمه كذمي أراد مطالبة مسلم بضمان خمر بخلاف الحاضر بالبلد لا يحتاج إلى البحث في إحضاره إذ ليس عليه في الحضور مشقة شديدة ولا مؤنة أما إذا كان في غير محل ولايته فليس له أن يحضره إذ لا ولاية له عليه
وكذا المرأة غير المخدرة بقرينة ما يأتي يحضرها القاضي وعليه أن يبعث إليها محرما لها أو نسوة ثقات لتخرج معهم بشرط أمن الطريق كما في الحج ونقل الزركشي عن نص الشافعي أنه يكتفى بالمرأة الواحدة وترجيح اشتراط أمن الطريق من زيادة المصنف وبه جزم في الأنوار فصل ويستوفي أي القاضي لمن أثبت دينا على غائب من ماله الحاضر أو الغائب في محل ولايته إذا طلبه المدعي ولا يطالبه القاضي بكفيل وإن احتمل أن يكون للغائب دافع لأن الحكم قد تم والأصل عدم الدافع ولا يحكم على الغائب في عقوبة لله تعالى ويحكم بها للآدمي كما مر أول الباب أيضا فكتب القاضي بعد حكمه إلى قاضي بلد الغائب ليأخذه بالعقوبة فصل يلغو الحكم ببينة إذا تخلل بينهما عزل للحاكم بأن سمع البينة فعزل ثم ولي ثانيا لبطلان السماع بالعزل بل تجب الاستعادة لا خروج له عن محل ولايته قبل الحكم فلا يلغو حكمه بالسماع الأول بعد عوده إلى محلها لبقاء ولايته وإنما فقد شرط نفوذ الحكم ولهذا لا يحتاج إلى تولية جديدة وإن سمعت بينة على غائب فقدم أو على صبي فبلغ عاقلا ولم يحكم بها لم تعد أي لم يجب استعادتها بخلاف شهود الأصل إذا حضروا بعد ما شهد شهود الفرع قبل الحكم لا يقضى بشهادتهم لأنهم بدل ولا حكم للبدل مع وجود الأصل ومكن الغائب بعد قدومه والصبي بعد بلوغه عاقلا من الجرح للبينة وغيره مما يمنع شهادتها عليه كعداوة فإن قدم الغائب أو بلغ الصبي عاقلا وقد حكم بالبينة فهو على حجته في إقامتها بالأداء أو الإبراء وجرح الشهود قال الأذرعي والظاهر أنه لا عبرة ببلوغ الصبي سفيها لدوام الحجر عليه كما لو بلغ مجنونا فإن أثبت أي أقام بينة بفسق الشاهد أرخ فسقه بيوم الشهادة أو بما قبله ولم يمض زمن الاستبراء لأن الفسق يحدث فلو أطلق احتمل حدوثه بعد الحكم وتعبيره بأرخ أعم من تعبير أصله بأرخ بيوم الشهادة فصل المخدرة وهي من لا تصير متبذلة في الخروج للحاجات المتكررة كشراء خبز وقطن وبيع غزل بأن لم تخرج أصلا لا لضرورة أو لم تخرج إلا قليلا لحاجة كعزاء وزيارة وحمام لا تكلف الحضور إلى مجلس الحكم كالمريض قالوا لقوله صلى الله عليه وسلم في قصة العسيف واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها فتوكل أو يبعث القاضي إليها نائبه فتجيب من وراء الستر إن
328
328
اعترف الخصم أنها هي أو شهد اثنان من محارمها أنها هي وإلا تلففت بملحفة وخرجت من الستر إلى مجلس الحكم ولو اختلفا في التخدير ففي فتاوى القاضي أن عليها البينة وقال الماوردي والروياني إن كانت من قوم الأغلب من حال نسائهم التخدير صدقت بيمينها وإلا صدق بيمينه أي حيث لا بينة لها واستثنى مع المخدرة من استؤجر على عينه وكان حضوره يعطل حق المستأجر أخذا من فتوى الغزالي بعدم حبسه وتكلف المخدرة حضور الجامع للتحليف إذا اقتضى الحال التغليظ عليها وغير المعذور إن وكل لم يكلف الحضور إلا للتحليف فصل لا يزوج القاضي امرأة في غير محل ولايته وإن حضر الخاطب ورضيت لأن الولاية عليها لا تتعلق بذلك بخلاف ما لو حكم لحاضر على غائب لأن المدعي حاضر والحكم يتعلق به ولو كان ليتيم مال غائب عن محل ولاية قاضي بلده تولى قاضي بلد المال حفظه وتعهده لأن الولاية عليه ترتبط بماله ولا يتصرف فيه للتجارة والاستمناء ولا ينصب قيما لهما بل ذلك لقاضي بلد اليتيم لأنه وليه في النكاح فكذا في المال وهذا نقله الأصل عن الغزالي وأقره وجزم به البغوي والخوارزمي وغيرهما ورجحه ابن الرفعة وغيره قال الأذرعي وعليه فلقاضي بلده العدل الأمين أن يطلب من قاضي بلد ماله إحضاره إليه عند أمن الطريق وظهور المصلحة له فيه ليتجر له فيه ثم أو يشتري له به عقارا ويجب على قاضي بلد المال إسعافه بذلك وكاليتيم المجنون والمحجور عليه بسفه وللقاضي إقراض مال الغائب من ثقة ليحفظه بالذمة أي فيها و له بيع حيوانه لخوف هلاكه ونحوه كغصبه سواء فيه مال اليتيم الغائب وغيره كما صرح به الأصل وقوله ونحوه من زيادته و له تأجيره أي إجارته وفي نسخة ويؤجره إن أمن عليه لأن المنافع تفوت بمضي الوقت قال الأذرعي وينبغي أن يقتصر في الإجارة على أقل زمن يستأجر فيه ذلك
329
329
الشيء إذا أمكن لتوقع قدوم الغائب وحاجته إلى الانتفاع به قال القفال وإذا باع شيئا للمصلحة أو أجره بأجرة مثله ثم قدم الغائب فليس له الفسخ كالصبي إذا بلغ ولأن ما فعله القاضي كان بنيابة شرعية ومال من لا ترجى معرفته له أي للقاضي بيعه وصرفه أي صرف ثمنه في المصالح وله حفظه قال الأذرعي والأحوط في هذه الأعصار صرفه في المصالح لا حفظه لأنه يعرضه للنهب ومد أيدي الظلمة إليه فصل في مسائل منثورة ينفذ كتاب قاضي البغاة أي يقبل ككتاب قاضي أهل العدل وللقاضي أن يشهد في محل ولايته على كتاب حكم كتبه في غير محل ولايته لا عكسه أي ليس له أن يشهد في غير محل ولايته على كتاب حكم كتبه في محل ولايته والحكم كالإشهاد بخلاف الكتابة لا بأس بها ومثلها الإذن إذا لم يتضمن حكما كأن أذن وهو في غير محل ولايته في الإفراج عن خصم محبوس في محلها بسؤال خصمه وقول المحكوم عليه الموكل في الخصومة كنت عزلت وكيلي قبل قيام البينة لا يبطل الحكم لأن القضاء على الغائب جائز بخلاف المحكوم له إذا قال ذلك يبطل الحكم لأن القضاء للغائب باطل وليس لمن تحمل إشهاده بكتاب حكم أرسله به القاضي الكاتب إلى قاضي بلد الغائب وخرج به أن يتخلف في الطريق عن القاضي المقصود إلا أن أشهد على شهادته بأن أشهد على نفسه شاهدين يحضران بالكتاب ويشهدان به عند القاضي المقصود أو شهد به عند قاض فيمضيه ويكتب به له أي للقاضي المقصود فإن لم يجد قاضيا ولا شهودا وطلب أجرة لخروجه إلى القاضي المقصود لم يعط غير النفقة وكراء الدابة بخلاف سؤاله ذلك أي الأجرة قبل الخروج من بلد القاضي الكاتب فيعطاها وإن زادت على ما ذكر فإنه لا يكلف الخروج والقناعة بذلك لأن القاضي يتمكن من إشهاد غيره وهنا لتحمل مضطر إليه وإن استوفى المكتوب إليه الحق من الخصم وسأله الخصم الإشهاد على المدعي بذلك أجابه وجوبا ولا يلزمه أن يكتب له كتابا بقبضه لأن الحاكم إنما يطالب بإلزام ما حكم به وثبت عنده ولا أن يعطيه ما كتب به إليه يعني الكتاب الذي ثبت به الحق كما لا يلزم من استوفى من غريمه ما له عليه بحجة أو من باع غيره شيئا له به حجة أن يعطيه الحجة لأنها غالبا تكون ملكه ولأنه قد يظهر استحقاق فيحتاج إليها كتاب القسمة هي تمييز الحصص بعضها من بعض والأصل فيها قبل الإجماع قوله تعالى وإذا حضر القسمة الآية وخبر الشفعة فيما لم يقسم وكان صلى الله عليه وسلم يقسم الغنائم بين أربابها رواهما الشيخان والحاجة داعية إليها فقد يتبرم الشريك من المشاركة أو يقصد الاستبداد بالتصرف وتصح القسمة من الشركاء بأنفسهم ومنصوبهم بالتراضي لأن الحق لهم ومن نصبوه لها وكيل لهم فلا يشترط فيه الشروط الآتية في منصوب الإمام وتصح من الإمام ومنصوبه كما يعلم مما يأتي ولو وكل بعضهم واحدا منهم أن يقسم عنه قال في الاستقصاء إن وكله على أن يفرز لكل منهم نصيبه لم يجز لأن على الوكيل أن يحتاط لموكله وفي هذا لا يمكنه لأنه يحتاط لنفسه وإن وكله على أن يكون نصيب الوكيل والموكل جزءا واحدا جاز لأنه يحتاط لنفسه ولموكله وعلى الإمام إن كان في بيت المال سعة ولم يجد متبرعا نصب قاسم فأكثر في كل بلد بحسب الحاجة ويرزقون حينئذ من بيت المال من سهم المصالح لأن ذلك من المصالح العامة إن كان فيه سعة هذا من زيادته ولا حاجة إليه لعلمه مما قبله بل المسألة كلها تقدمت في كتاب القضاء وإلا بأن لم يكن فيه سعة أو وجد متبرعا فلا ينصب قاسما إلا لمن سأل نصبه وهذا الاستثناء من زيادته وأجرته حينئذ إذا لم ينصبه الإمام أو نصبه بسؤالهم عليهم سواء طلبوا كلهم القسمة أم بعضهم لأن العمل لهم ولا يعين قاسما إذا لم يسأله أحد
330
330
لئلا يغالي في الأجرة ولئلا يواطئه بعضهم فيحيف بل يدع الناس ليستأجروا من شاءوا ومنعه من التعيين قال القاضي على جهة التحريم والفوراني على جهة الكراهة والأوجه الأول والشرط فيمن ينصبه وكذا في من حكموه أن يكون حرا عدلا ذكرا لأنه يلزم كالحاكم وحذف من كلام أصله مكلفا للاستغناء عنه بالعدل يعرف الحساب والمساحة لأنها آلة القسمة كما أن الفقه آلة القضاء ولا بد أن يكون ضابطا سميعا بصيرا قال الماوردي وغيره عفيفا عن الطمع واقتضاه كلام الأم لا أن يعرف التقويم وقيل يشترط ذلك لأن في أنواع القسمة ما يحتاج إليه والترجيح من زيادته وبه صرح الإسنوي قال فقد جزم باستحبابه القاضيان البندنيجي وأبو الطيب وابن الصباغ وغيرهم وحينئذ فإن لم يكن عارفا رجع إلى إخبار عدلين عند الحاجة إلى ذلك ورد البلقيني ذلك وقال المعتمد اشتراط ذلك في قسمتي التعديل والرد والأول أوجه ويجزئ أي يكفي إذا لم يكن في القسمة تقويم قاسم في كل بلد كالوزان والكيال من جهة استناده إلى عمل محسوس هذا إن كفى والأزيد بقدر الحاجة هذا من زيادته ولا حاجة إليه للعلم به مما مر فإن كان فيها تقويم فلا بد من اثنين لاشتراط العدد في المقوم لأن ذلك شهادة بالقيمة وللإمام جعل القاسم حاكما في التقويم فيعمل فيه بقول عدلين ويقسم بنفسه وللقاضي الحكم في التقويم بعلمه كما يحكم به في غيره فرع أجرة القاسم التي استأجره الشركاء بها وأطلقوها موزعة على قدر الحصص لا على عدد رءوسهم وإن كانت أي الإجارة فاسدة أو القسمة بغير عقد بأن اقتصروا على نصبه لها وقلنا الأجرة واجبة أو بإخبار من القاضي ولو من منصوبه لأنها من مؤن الملك كالنفقة وإن قدر له كل منهم لنفسه أي عليها أجرة جاز فله على كل منهم ما التزمه سواء كان مساويا لأجرة مثل حصته أم لا وليستأجروا بعقد واحد كأن يقولوا استأجرناك لتقسم بيننا كذا بدينار على فلان ودينارين على فلان أو يوكلوا من يعقد لهم كذلك فلو انفرد كل منهم بعقد لإفراز نصيبه وترتبوا أو لم يترتبوا فيما يظهر لم يصح إلا برضا الباقين فيصح ذلك بل يصح أن يعقد أحدهم ويكون حينئذ أصيلا ووكيلا ولا حاجة حينئذ إلى عقد الباقين وإنما لم يصح بدون رضاهم لأن ذلك يقتضي التصرف في ملك غيره بغير إذنه نعم له ذلك في قسمة الإجبار بأمر الحاكم وقيل يصح فيما قاله وإن لم يرض الباقون لأن كلا عقد لنفسه والترجيح من زيادته وجزم به في الأنوار لكن قال الإسنوي وغيره
331
331
المعروف الصحة قال في الكفاية وبه جزم الماوردي والبندنيجي وابن الصباغ وغيرهم وعليه نص الشافعي وتجب الأجرة في مال الصبي وإن لم يكن له في القسمة غبطة لأن الإجابة إليها واجبة والأجرة من المؤن التابعة لها وعلى الولي طلب القسمة له حيث كان له فيها غبطة وإلا فلا يطلبها وإن طلبها الشريك أجيب وإن لم يكن للصبي فيها غبطة وكالصبي المجنون والمحجور عليه بسفه فصل يمنعون من قسمة عين تتلف منفعتها بها كجوهرة وثوب نفيسين وزوجي خف ومصراعي باب لأنها سفه والتقييد بالنفاسة ذكره الأصل وغيره وتركه المصنف تبعا للتنبيه وعليه اعتمد العراقي وإن نقصها كسيف يكسر لم يجبهم إليها الإمام لذلك ولم يمنعهم من قسمتها بأنفسهم كما لو هدموا الجدار واقتسموا نقضه واستشكل هذا بعدم إجابة الإمام إليه ويجاب بأن فعل الإمام يصان عن مثل ذلك لأنه ملزم بخلاف المالك وكذا لا يجيبهم ولا يمنعهم من قسمة ما يبطل مقصوده بها كحمام صغير لا ينقسم لما فيها من الضرر وذكر عدم منعهم منها من زيادته فإن انقسم بأن أمكن جعله حمامين أجابهم إليها وأجبر الممتنع ولو احتاج إلى إحداث بئر أو مستوقد لانتفاء الضرر مع تيسر تدارك ما احتيج إليه من ذلك بأمر قريب ولو كان نصيب أحد الشريكين في الدار المشتركة بينهما العشر و هو لا يكفيه مسكنا لو قسمت فلصاحبه لا له طلب القسمة ويجبر عليها إن طلبها صاحبه وذلك لأن طلبه لها تعنت وتضييع لماله وصاحبه معذور لأنه ينتفع بحصته وضرر صاحب العشر نشأ من قلة نصيبه لا من مجرد القسمة وإن كان نصفها لواحد ونصف آخر لخمسة فطلب صاحب النصف القسمة أجيب وحينئذ فلكل منهم أي من الخمسة القسمة تبعا له وإن كان العشر الذي لكل منهم لا يصلح مسكنا له لأن في القسمة فائدة لبعض الشركاء ولو بقي حقهم أي الخمسة مشاعا ثم طلب واحد منهم القسمة لم يجبروا أي الباقون عليها لأنها تضر الجميع وإن طلب أولا الخمسة إفراز نصيبهم مشاعا أو كانت أي الدار لعشرة فطلب خمسة منهم إفراز نصيبهم مشاعا أجيبوا إليه لأنهم ينتفعون بنصيبهم كما كانوا ينتفعون به قبل القسمة ولم يعتبروا مطلق الانتفاع لعظم التفاوت بين أجناس المنافع فصل القسمة الجائزة أنواع ثلاثة أحدها القسمة بالإجزاء وتسمى قسمة المتشابهات وقسمة الإفراز وهي التي لا يحتاج فيها إلى رد ولا إلى تقويم كالمثليات من حبوب ودراهم وأدهان ونحوها وأرض مستوية الأجزاء ودار متفقة الأبنية فقسمتها قسمة إجبار إذ الممتنع منها يجبر عليها وإن كانت
332
332
الأنصباء متفاوتة إذ لا ضرر عليه فيها فتعدل السهام في المكيل كيلا والموزون وزنا والمذروع ذرعا بعدد الأنصباء إن استوت كالإثلاث لزيد وعمرو وبكر ويكتب الأسماء لتخرج على الأجزاء أو الأجزاء مميزة بالحدود أو الجهة ونحوها لتخرج على الأسماء في رقاع وتجعل في بنادق صغار مستوية وزنا وشكلا من طين مجفف أو شمع أو نحوه وذلك لئلا تسبق اليد لإخراج الكبيرة وتردد الجويني في وجوب التسوية ورجح الإمام والغزالي عدمه وقوله صغار من زيادته وليس بقيد ونقل الأصل في باب العتق عن الصيدلاني أنه لا يجوز الإقراع بأشياء مختلفة كدواة وقلم وحصاة
ثم قال وفيه وقفة إذ لا حيف بذلك مع الجهل بالحال وأيده الرافعي بكلام الشافعي والإمام وتعطى الرقاع المدرجة في البنادق من لم يحضر الكتابة والإدراج بأن تجعل في حجره أو نحوه وذلك لبعده عن التهمة إذ القصد سترها عن المخرج حتى لا يتوجه إليه تهمة ومن ثم يستحب كونه قليل الفطنة لتبعد الحيلة وصبي ونحوه كعجمي أولى بذلك من غيره لأنه أبعد عن التهمة وتعيين من يبدأ به من الأسماء أو الأجزاء مفوض إلى نظر القاسم حسما للنزاع فيقف أولا على أي طرف شاء ويسمي أي شريك شاء أو أي جزء شاء ويأمره أي القاسم من يخرج الرقاع إن كتب فيها الأسماء بالوضع لرقعة على الجزء الأول فمن خرج اسمه أخذه ثم لأخرى على ما يليه إن كانوا أكثر من اثنين فمن خرج اسمه من البقية أخذه أو إن كتب الأجزاء فبالوضع أي فيأمره بوضع رقعة على زيد ثم أخرى على عمرو إن كانوا أكثر من اثنين فإن كانوا ثلاثة تعين الثالث للثالث بلا وضع وإن كانوا أكثر من ثلاثة زيد في الوضع لما عدا الأخير على ما يعلم مما يأتي أو اثنين تعين الثاني للثاني بلا وضع قال الزركشي واختار الشافعي هذه الطريقة أي كتابة الأجزاء في الإقراع لأنها أحوط
وإن اختلفت الأنصباء كنصف وسدس وثلث في أرض جزئت أي الأرض على أقل السهام وهو السدس لأنه يتأدى به القليل والكثير بخلاف ما لو جزئت على الأكثر فتجعل ستة أجزاء ويقسم كما مر ويحترز عن تفريق حصة واحدة كما يعلم مما يأتي والأولى في الكتابة حينئذ أن يكتب الأسماء في رقاع كما سيأتي ويخرج على الأجزاء لأنه لو عكس فقد يخرج الجزاء الرابع لصاحب النصف فيتنازعون في أنه يأخذ معه السهمين قبله أو بعده أو يخرج الثاني أو الخامس لصاحب السدس فيفرق ملك أحد شريكيه وإنما كان ما قاله أولى لا واجبا لأن التنازع قد يمنع بما سيأتي وباتباع نظر القاسم كما فيمن يبدأ به من الأسماء أو الأجزاء ويجعل أي يكتب الأسماء في ثلاث رقاع ويخرج رقعة على الجزاء الأول فإن خرج الأول لصاحب السدس أخذه ثم إن خرج الثاني الذي خرجت عليه الرقعة الثانية لصاحب الثلث أخذه وما يليه وهو الثالث وتعين الباقي لصاحب النصف وإن خرج الأول لصاحب النصف أخذ الثلاثة الأولى ثم إن خرج الرابع لصاحب الثلث أخذه وما يليه وهو الخامس وتعين الباقي لصاحب السدس وإن خرج الرابع لصاحب السدس أخذه وتعين الباقي لصاحب الثلث وإن خرج الأول لصاحب الثلث لم يخف الحكم ويجوز كتب الأسماء في ست رقاع اسم صاحب النصف في ثلاث وصاحب الثلث في ثنتين وصاحب السدس في واحدة
ويخرج على ما ذكر ولا فائدة فيه زائدة على الطريق الأول إلا سرعة خروج اسم صاحب الأكثر وذلك لا يوجب حيفا لتساوي السهام فجاز ذلك أيضا بل قال الزركشي إنه المختار المنصوص وصححه ابن يونس لأن لصاحب النصف والثلث مزية بكثرة الملك فكان لهما مزية بكثرة الرقاع فإن كتبت الأجزاء فلا بد من إثباتها في ست رقاع لصاحب النصف ثلاث رقاع و لصاحب الثلث ثنتان ويمكن الاحتراز عن التفريق بأن لا يبدأ بصاحب السدس لأن التفريق إنما جاء من قبله فإن بدأ باسم صاحب النصف فخرج له الأول أخذ الثلاثة ولاء وإن خرج له الثاني أخذه وما قبله وما بعده ولو قال فكذلك كان أخصر قال الإسنوي وإعطاؤه ما قبله وما بعده تحكم فلم لا أعطي السهمان مما بعده ويتعين الأول لصاحب السدس
333
333
والباقي لصاحب الثلث وقد ذكر الرافعي نظير هذا في أمثلة أو يقال لا يتعين هذا بل يتبع نظر القاسم كما قاله الرافعي أيضا في نظائر له أو خرج له الثالث ففي الأصل عن الجويني يتوقف فيه ويخرج لصاحب الثلث فإن خرج له الأول أو الثاني أخذهما وأخذ صاحب النصف الثالث واللذين بعده أو الخامس أخذه مع ما بعده قال وأهمل باقي الاحتمالات ثم بحث هو ما جزم به المصنف من أنه إن خرج له الثالث أخذه مع اللذين قبله ثم يخرج باسم الآخرين أو الرابع أخذه مع اللذين قبله
ويتعين الأول لصاحب السدس والأخيرين الوجه والأخيران لصاحب الثلث أو الخامس أخذه مع اللذين قبله وتعين السادس لصاحب السدس والأولان لصاحب الثلث قال الإسنوي وما ذكره في الصور الثلاث تحكم بلا دليل إذ يقال له لم لا قلت في الأولى أخذه مع الثاني والرابع ويتعين الأول لصاحب السدس والأخيران لصاحب الثلث أو أخذه مع اثنين بعده ويتعين الأخير لصاحب السدس والأولان لصاحب الثلث ولم لا قلت في الثانية أخذه مع الثالث والخامس ويتعين الأخير لصاحب السدس والأولان لصاحب الثلث ولم لا قلت في الثالثة أخذه مع الرابع والسادس ثم يقرع بين الأخيرين لا سيما وهذا الطريق يؤدي إلى الإقراع بين الكل بخلاف ما ذكره هو أو خرج له السادس أخذه مع اللذين قبله ثم بعد ذلك يخرج رقعة أخرى باسم أحدهما أي أحد الآخرين ولا يخفى الحكم فإنه إن بدأ منهما باسم صاحب الثلث فخرج له الأول أو الثاني أخذهما وتعين الثالث للآخر أو الثالث أخذه مع ما قبله وتعين الأول للآخر أو بصاحب السدس فخرج له الأول أو الثالث أخذه وتعين الثاني والثالث للآخر وإن خرج له الثاني لم يعطه للتفريق وإن بدأ بصاحب السدس أو بصاحب الثلث يبني على هذا القياس فإن خرج لصاحب السدس الأول أو السادس أخذه ثم يخرج باسم أحد الآخرين أو الثالث أو الرابع أخذه وتعين الأولان في الأولى والأخيران في الثانية لصاحب الثلث والبقية لصاحب النصف أو الثاني أو الخامس لم يعطه للتفريق
وهذا المحترز عنه بقولهم ويمكن الاحتراز عن التفريق بأن لا يبدأ بصاحب السدس وإن خرج لصاحب الثلث الأول أو الثاني أخذهما أو الخامس أو السادس فكذلك ثم يخرج باسم أحد الآخرين وإن خرج له الثالث أخذه مع الثاني وتعين الأول لصاحب السدس والثلاثة الأخيرة لصاحب النصف أو الرابع أخذه مع الخامس وتعين السادس لصاحب السدس والثلاثة الأول لصاحب النصف وقد ذكر الرافعي هنا طريقة أخرى حذفها في الروضة لطولها ثم القرعة على الوجه السابق لا تختص بقسمة الإجزاء وكما تجوز بالرقاع المدرجة في البنادق تجوز بالأقلام والعصا والحصى ونحوها صرح بذلك الأصل فصل تنقض قسمة الإجبار للغلط وللحيف بأن ادعاه أحد الشركاء وبينه وأقام به بينة كما سيأتي وهذا كما لو قامت بينة بجور القاضي أو كذب الشهود ومن ادعاه منهم مجملا بأن لم يبينه لم يلتفت إليه فإن بين لم يحلف القاسم الذي نصبه القاضي كما لا يحلف القاضي أنه لم يظلم والشاهد أنه لم يكذب بل يمسحها أي العين المشتركة قاسمان حاذقان ويعرفان الحال ويشهدان وتنقض القسمة قال في الأصل وألحق السرخسي بشهادتهما ما إذا عرف أنه يستحق ألف ذراع ومسح ما أخذه فإذا هو سبعمائة ذراع انتهى وظاهر أن الشاهد والمرأتين والشاهد واليمين وعلم الحاكم وإقرار الخصم ويمين الرد كالشاهدين خلافا لجماعة وستأتي الأخيرة في كلامه وله إذا ادعاه وبينه ولم يقم حجة تحليف بقية الشركاء لأن من ادعى على خصمه ما لو أقر به لنفعه فأنكر كان له تحليفه ومن نكل منهم عن اليمين نقضت أي القسمة في حقه دون حق غيره من الحالفين إن حلف خصمه كما لو أقر وليس عليهم أي بقيتهم البينة بصحتها أي القسمة
وإن قال المدعي إن القاسم لا يحسن القسمة والمساحة والحساب لأن الظاهر صحتها وإن اعترف به القاسم لم تنقض أي القسمة إن كذبوه أو سكتوا كما أفاده كلام الأصل ورد الأجرة لاعترافه بما يقتضي عدم استحقاقه لها وإن صدقوه نقضت القسمة كالقاضي يعترف بالغلط أو الحيف في الحكم إن صدقه الخصم المحكوم له رد المال المحكوم به إلى المحكوم عليه وإلا فلا و غرم القاضي
334
334
للمحكوم عليه بدل ما حكم به وأما قسمة التراضي بأن نصب الشريكان قاسما قسم بينهما أو اقتسما بأنفسهما فإن تراضيا بعد القسمة وهي قسمة إفراز وادعى أحدهما غلطا أو حيفا نقضت إن ثبت الغلط أو الحيف إذ لا إفراز مع التفاوت وحلف الخصم إن لم يثبت ذلك كما صرح به الأصل أو وهي قسمة بيع فلا تنقض ولا أثر للغلط أو الحيف وإن تحقق كما لا أثر للغبن بعد البيع والشراء لرضا صاحب الحق بتركه ثم لا يخفى أن كلام المصنف كأصله إنما هو في قسمة المتشابهات فلو قال كأصله بدل وهي قسمة إفراز وبيع وقلنا إنها قسمة إفراز أو بيع كان أولى مع أنه ماش على أنها بيع على ما يأتي تحريره فكان الأولى أن يقول فإن تراضيا بعد القسمة لم تنقض وإن ثبت الغلط وكأنه أراد بقوله أو بيع فلا بيان حكم ذلك في النوعين الآتيين وعليه فكان ينبغي تأخير هذا الفصل عن الأنواع الثلاثة فصل لو ظهر أي حدث برد بعيب أو بترد في بئر حفرت عدوانا أو نحوه بعد القسمة للتركة بين الورثة دين وهي إفراز بيعت الأنصباء في الدين إن لم يوفوا الدين فالقسمة باطلة وإن وفوه فصحيحة كما جزم به البغوي وغيره ونقله الإمام عن العراقيين أو وهي بيع بطلت وبيعت الأنصباء إن لم يوفوا الدين وإلا صحت لأنها كانت جائزة لهم ظاهرا و يأتي في عبارته ما قدمته قبيل الفصل فعلى كون كلامه في المتشابهات لو قال ظهر بعد القسمة دين بطلت إن لم يوفوا السلم من ذلك ولكان أوضح وأخصر وإن استحق بعد القسمة بعض مشاع من المقسوم كثلث بطلت في الجميع لعدم حصول مقصود القسمة وهو التمييز ولظهور انفراد بعض الشركاء بالقسمة ومقتضى ما في الأصل أي الروضة الصحة ما ذكره من البطلان تبع فيه الإسنوي وهو جار على طريقته في أن العقد إذا جمع بين حلال وحرام لا يصح لرجوع الشافعي إليه آخرا كما مر بيانه في باب تفريق الصفقة وأما ما ذكره من أن مقتضى كلام الروضة الصحة فوهم بل الذي فيها أنها تبطل في المستحق وفي الباقي طريقان أصحهما قولان بلا ترجيح وفاته بيان الراجح مما ذكره الرافعي في شرحيه والمحرر وتبعه هو في المنهاج من أن في الباقي قولي تفريق الصفقة فيكون الأظهر صحة القسمة فيه وثبوت الخيار أو بعض معين واستويا أي الشريكان فيه صحت في الباقي لأن كلا منهما وصل إلى حقه وإلا أي وإن لم يستويا فيه بأن اختص أحدهما به أو أصاب أحدهما منه أكثر بطلت في الجميع لأن ما يبقى لكل لا يكون قدر حقه بل يحتاج أحدهما إلى الرجوع على الآخر وتعود الإشاعة نعم لو وقع في الغنيمة عين لمسلم أخذها منه الكفار ولم يعلم بها إلا بعد القسمة ردت لصاحبها وعوض عنها من وقعت في نصيبه من خمس الخمس ولا تبطل القسمة كما أوضحوه في بابه
335
335
أو ظهرت بعد قسمة التركة وصية مرسلة في الذمة فكدين ظهر على التركة أو وصية بجزء شائع أو معين فكالمستحق في حكمه السابق ثم ظهور الدين والاستحقاق ودعوى الغلط لا تختص بقسمة المتشابهات على ما يفهمه كلامه بل تعم أنواع القسمة كما صرح به الأصل النوع الثاني قسمة التعديل بالقيمة فيما لا يتعدد كأرض تختلف قيمة أجزائها باختلافها في قوة الإنبات والقرب من الماء وفي أن بعضها يسقى بالنهر وبعضها بالناضح فيكون مثلا قيمة ثلثها لجودته كقيمة ثلثيها فتجزأ الأرض على أقل الأنصباء إن اختلفت كنصف وثلث وسدس فتجزأ ستة أسهم بالقيمة لا المساحة لأنه يتأدى به القليل والكثير كما مر وتوزع أجرة القاسم على قدر مساحة المأخوذ لا مساحة النصيب لأن العمل في الكثير أكثر فهذا الأولى وهذا أي النوع قسمة بالإجبار لأنه إذا طلبها أحدهما أجبر عليها الممتنع إلحاقا للتساوي في القيمة بالتساوي في الإجزاء هذا إذا لم يمكن قسمة الجيد وحده والرديء وحده وإلا فلا إجبار كما لو كانا شريكين في أرضين يمكن قسمة كل واحدة بالإجزاء لا يجوز الإجبار في قسمتها على التعديل وكذا بستان بعضه عنب وبعضه نخل ودار بعضها آجر وبعضها خشب وطين ونحوهما مما اختلفت قيمته لاختلاف الجنس يجري فيه الإجبار إذا لم يمكن قسمة كل جنس وحده إلحاقا لذلك بما اختلفت قيمته لاختلاف صفته
وأما المتعدد فما لا ينقسم آحاده كدكاكين صغار متلاصقة وتسمى عضائد فتقسم أعيانها إجبارا للحاجة وكالخان المشتمل على بيوت ومساكن فإن انقسمت الدور أو الدكاكين المتعددة المتساوية القيمة وطلب أحد الشركاء القسمة بأن يجعل لكل منهم دار أو دكان فلا إجبار سواء تجاورت الدور والدكاكين أم تباعدت لشدة اختلاف الأغراض باختلاف المحال والأبنية كالجنسين وأما الأراضي فلا إجبار فيها إلا إن تلاصقت واتحد الشرب والطريق فيجبر فيها فمحل عدم الإجبار فيها إذا تفرقت أو تلاصقت ولم يتحد المشرب والطريق والمتعدد إن كان من نوع واحد كعبيد وثياب وشجر إن أمكن التسوية فيها بين الشركاء ولو بالقيمة كما لو أمكنت بالعدد والقيمة أجبر الممتنع عليها أي على قسمتها أعيانا كثلاثة أعبد بين اثنين قيمة أحدها الأولى أحدهم مائة و قيمة الآخرين مائة وكثلاثة أعبد متساوية القيمة بين ثلاثة وذلك لقلة اختلاف الأغراض فيها عند إمكان التسوية عدد أو قيمة بخلاف الدور وإلحاقا للتسوية في القيمة بالتسوية في العدد والقيمة عند عدم إمكانها
وما ذكره فيها هو مقتضى كلام الأصل لكن قال ابن الرفعة الصحيح عند العراقيين وهو الذي أورده الأكثرون منع الإجبار فيها بخلاف عبدين بين اثنين قيمة ثلثي أحدهما يعدل قيمة ثلثه مع الآخر كأن ساوت قيمة الأول ثلثمائة والثاني مائة فلا إجبار في قسمتهما لعدم ارتفاع الشركة بالكلية
وإن اختلفت الأنواع والأجناس المفهومة بالأولى كعبدين تركي وهندي وكعبد وثوب فلا إجبار في قسمتها ولو اختلطت وتعذر التمييز كتمر جيد ورديء لشدة اختلاف الأغراض باختلافها واللبن إن استوت قوالبه فمتشابهات أي فقسمته قسمة المتشابهات وإن اختلفت فالتعديل أي فقسمته قسمة تعديل فيأتي فيها الإجبار ويجبر الممتنع على قسمة علو وسفل من دار أمكن قسمتها لا على قسمة أحدهما فقط لأنهما قد يقتسمان الآخر بعد ذلك فيقع ما يحاذي نصيب هذا لذاك أو على جعله لواحد والآخر لآخر لأن العلو تابع والسفل متبوع فلا يجعل أحد النصيبين تابعا والآخر متبوعا ولأن العلو مع السفل كدارين متلاصقين لأن كلا منهما يصلح سكنا وقال في الأصل ويجوز أن يقال إن لم تمكن القسمة علوا وسفلا فجعل العلو لأحدهما والسفل للآخر من جملة قسمة
336
336
التعديل قال الأذرعي وفيه نظر لأن شأن قسمة التعديل انقطاع العلقة من الجانبين وهنا منتف فإن صاحب العلو لو أراد البناء عليه نازعه صاحب السفل وصاحب السفل لو أراد الحفر تحت بنائه نازعه صاحب العلو
النوع الثالث قسمة الرد بأن يكون في أحد جانبي الأرض بئر أو شجر
أو بيت تتعذر قسمته وليس في الجانب الآخر ما يعادله إلا بضم شيء إليه من خارج فيرد من يأخذه بالقسمة قسط قيمته فإن كانت ألفا وله النصف رد خمسمائة وكل ما لا يمكن تعديله إلا برد فلا إجبار فيه لأن فيه تمليكا لما لا شركة فيه فكان كغير المشترك فلو كان بينهما عبدان قيمة أحدهما مائة والآخر خمسمائة واقتسما على أن يرد آخذ النفيس مائتين ليستويا فلا إجبار ولو تراضيا بأن يأخذ أحدهما النفيس ويرد على الآخر ذلك جاز وإن لم يحكما القرعة وهي أي قسمة الرد بيع وكذا قسمة التعديل وإن أجبر عليها كما مر وذلك لأنه لما انفرد كل من الشريكين ببعض المشترك بينهما صار كأنه باع ما كان له بما كان للآخر وإنما دخل الثانية الإجبار للحاجة كما يبيع الحاكم مال المديون جبرا وقسمة الإجزاء إفراز للحق لا بيع قالوا لأنها لو كانت بيعا لما دخلها الإجبار ولما جاز الاعتماد على القرعة ومعنى كونها إفرازا أن القرعة تبين أن ما خرج لكل من الشريكين كان ملكه وقيل بيع فيما لا يملكه من نصيب صاحبه إفراز فيما كان يملكه هو قبل القسمة لما علم مما مر وإنما دخلها الإجبار للحاجة فما صار في يد كل واحد منهما نصفه مبيع ونصفه مفرز باق على ملكه وهذا القول جزم به تبعا لتصحيح أصله له في بابي زكاة المعشرات والربا وهو قوي قال في الأصل ثم قيل القولان فيما إذا جرت القسمة إجبارا فإن جرت بالتراضي فبيع قطعا وقيل القولان في الحالين قال البغوي والأصح الطريق الأول قال الإسنوي هذا غلط على البغوي فإنه صحح في تهذيبه الطريق الثاني لكنه انعكس على الرافعي قال الأذرعي وفي بعض نسخ الرافعي الأصح الثاني وهو الصواب فرع وحيث قلنا القسمة بيع فاقتسما ربويا اشترط في الربوي التقابض في المجلس وامتنعت في الرطب والعنب وما عقدت النار أجزاءه كما علم من باب الربا وقوله ونحوه أي كل من المذكورات من زيادته وقوله وإن قلنا هي إفراز جاز لهم أي الشركاء ذلك يغني عن قوله ويقسم الرطب والعنب في الإفراز أي على القول بأن القسمة إفراز ولو كانت قسمتهما على الشجر خرصا لا غيرهما من سائر الثمار فلا يقسم على الشجر لأن الخرص لا يدخله وتقسم الأرض مزروعة وحدها ولو إجبارا سواء كان الزرع بذرا بعد أم قصيلا أم حبا مشتدا لأنه
337
337
في الأرض بمنزلة القماش في الدار بخلاف البناء والشجر لأن للزرع أمدا بخلافهما أو مع الزرع قصيلا بتراض من الشركاء لأن الزرع حينئذ معلوم مشاهد وأفهم قوله بتراض أنه لا إجبار في ذلك وصرح به الأصل نقلا عن جمع قال ولم يوجهوه بمقنع لا الزرع وحده ولا معها وهو بذر بعد أو بعد بدو صلاحه فلا يقسم
وإن جعلناها إفرازا كما لو جعلناها بيعا لأنها في الأولى قسمة مجهول وفي الآخرتين على الأول قسمة مجهول ومعلوم وعلى الثاني بيع طعام وأرض بطعام وأرض وتصح الإقالة في قسمة هي بيع لا إفراز وقوله بل تلغو إيضاح وتصحح القسمة في مملوك عن وقف إن قلنا هي إفراز لا إن قلنا هي بيع مطلقا أو إفراز وفيها رد من المالك فلا تصح أما في الأول فلامتناع بيع الوقف وأما في الثاني فلأن المالك يأخذ بإزاء ملكه جزءا من الوقف فعلم أنه إنما تصح فيما إذا لم يكن فيها رد أو كان فيها رد من أرباب الوقف ولغت على القولين قسمة وقف فقط أي لا عن ملك بأن قسم بين أربابه لما فيها من تغيير شرط الواقف قال البلقيني هذا إذا صدر الوقف من واحد على سبيل واحد فإن صدر من اثنين فقد جزم الماوردي بجواز القسمة كما تجوز قسمة الوقف مع الملك وذلك راجح من جهة المعنى وأفتيت به انتهى وكلامه متدافع فيما إذا صدر من واحد على سبيلين أو عكسه
والأقرب في الأول بمقتضى ما قاله الجواز وفي الثاني عدمه ويشترط في غير قسمة الإجبار وهي القسمة الواقعة بالتراضي من قسمة الرد وغيرها وإن تولاها منصوب الحاكم التراضي قبل القرعة وهو ظاهر وبعدها أما في قسمة الرد فلأنها بيع وهو لا يحصل بالقرعة فاشترط التراضي بعدها كما اشترط قبلها وأما في غيرها مما يقع بالتراضي فقياسا عليها بجامع اشتراط التراضي قبلها فإن لم يحكما القرعة كأن اتفقا على أن يأخذ أحدهما أحد الجانبين والآخر الآخر أو يأخذ أحدهما الخسيس والآخر النفيس ويرد زائد القيمة فلا حاجة إلى تراض ثان أما قسمة الإجبار فلا يعتبر فيها الرضا لا قبل القرعة ولا بعدها ويكفي في التراضي بالقسمة بعد خروج القرعة رضينا بها ونحوه كرضينا بما أخرجته القرعة وبما جرى لأن الرضا أمر خفي فنيط بأمر ظاهر يدل عليه ولا يكفي مجرد رضيت ولا يشترط في القسمة بيع ولا تمليك أي التلفظ بهما وإن كانت بيعا فصل تقسم المنافع بين الشريكين كما تقسم الأعيان مهايأة أي مناوبة مياومة ومشاهرة ومسانهة ويقال مساناة ومسانية وعلى أن يسكن أو يزرع هذا مكانا من المشترك وهذا مكانا آخر منه لكن لا إجبار في المنقسم وغيره من الأعيان التي طلبت قسمة منافعها فلا تقسم إلا بالتوافق لأن المهايأة تعجل حق أحدهما وتؤخر حق الآخر بخلاف قسمة الأعيان ولأن انفراد أحدهما بالمنفعة مع الاشتراك في العين لا يكون إلا بمعاوضة والمعاوضة بعيدة عن الإجبار قال البلقيني وهذا في المنافع المملوكة بحق الملك في العين أما المملوكة بإجارة أو وصية فيجبر على قسمتها
وإن لم تكن العين قابلة للقسمة إذ لا حق للشركة في العين قال ويدل للإجبار في ذلك ما ذكروه في كراء العقب وهو مع ذلك معترف بأن ما قاله مناف لما يأتي فيما إذا استأجر أرضا فإن تراضيا بالمهايأة وتنازعا في البداءة بأحدهما أقرع بينهما ولكل منهما الرجوع عن المهايأة بناء على أنه لا إجبار فيها فإن رجع أحدهما عنها بعد استيفاء المدة أو بعضها لزم المستوفي للآخر نصف أجرة المثل لما استوفى كما إذا تلفت أي العين المستوفي أحدهما منفعتها فإنه يلزم المستوفى نصف أجرة المثل فإن تمانعا أي تنازعا في المهايأة وأصرا على ذلك أجرها أي العين القاضي لهما بمعنى عليهما ووزع الأجرة عليهما بقدر حصتهما وينبغي له أن يقتصر على أقل مدة تؤجر تلك العين فيها عادة إذ قد يتفقان عن قرب قاله الأذرعي ولا يبيعها
338
338
عليهما لأنهما كاملان ولا حق لغيرهما فيها وكذا الحكم لو استأجرا أرضا مثلا في المهايأة والنزاع وتأجير أي إجارة القاضي لهما بمعنى عليهما فيه زيادة على ما في الأصل وعبارته ولو استأجرا أرضا وطلب أحدهما المهايأة وامتنع الآخر فينبغي أن يعود الخلاف في الإجبار
وإن اقتسماها بالتراضي ثم ظهر عيب بنصيب أحدهما فله بل لهما الموافق لكلام الأصل بل للآخر الفسخ للقسمة وثبوت الفسخ للآخر نقله الأصل عن بحث القاضي وهو بعيد وكلامه آخر الباب يقتضي المنع وهو ظاهر وإن جرت المهايأة في عبد مثلا مشترك بينهما فقد بينا في باب اللقطة بأن الباء زائدة أي أن الأكساب النادرة كاللقطة والهبة ونحوهما كالوصية تدخل في المهايأة كالأكساب العامة ولا حاجة لقوله ونحوهما وكذا يدخل فيها المؤن النادرة كأجرة الطبيب والحجام كالمؤن العامة فتكون الأكساب لذي النوبة والمؤن عليه إلا أرش الجناية كما مر في اللقطة ويراعى في الكسوة قدر المهايأة فتجب عليهما إن كانت مياومة فرع لا تجوز المهايأة في ثمر الشجر ليكون لهذا عاما ولهذا عاما و لا في لبن الشاة ليحلب هذا يوما وهذا يوما لأن ذلك ربوي مجهول وطريق من أراد ذلك أن يبيح كل منهما لصاحبه مدة واغتفر الجهل لضرورة الشركة مع تسامح الناس في ذلك فصل ليس للقاضي أن يجيب جماعة إلى قسمة شيء مشترك بينهم حتى يثبتوا أي يقيموا عنده بينة بالملك لهم لأنه قد يكون في أيديهم بإجارة أو إعارة فإذا قسمه بينهم فقد يدعون الملك محتجين بقسمة القاضي قال البلقيني وخرج من هذا أن القاضي لا يحكم بالموجب بمجرد اعتراف العاقدين بالبيع ولا بمجرد إقامة البينة عليهما بما صدر منهما لأن المعنى الذي قيل هنا يأتي هناك والأوجه خلاف ما قاله لأن معنى الحكم بالموجب أنه إن ثبت الملك صح فكأنه حكم بصحة الصيغة واعترض ابن سريج على إجابة القاضي لهم إذا أثبتوا عنده الملك بأن البينة إنما تقام وتسمع على خصم ولا خصم هنا وأجاب ابن أبي هريرة بأن القسمة تتضمن الحكم لهم بالملك وقد يكون لهم خصم غائب فيسمع البينة ليحكم لهم عليه قال ابن الرفعة وفي الجواب نظر وخرج بإثبات الملك إثبات اليد لأن القاضي لم يستفد به شيئا غير الذي عرفه وإثبات الابتياع أو نحوه لأن يد البائع أو نحوه كيدهم سواء في عدم إجابته لهم اتفقوا على طلب القسمة أو تنازعوا فيه ويقبل في إثبات الملك شاهد وامرأتان كما يقبل فيه شاهدان قاله ابن كج لا شاهد ويمين لأن اليمين إنما شرعت لترد على الخصم عند النكول ولا مرد لها هنا لعدم وجود الخصم وقيل
339
339
يقبل ذلك أيضا والترجيح من زيادته لكن قال الأذرعي جزم الدارمي بالثاني واقتضاه كلام غيره وهو الأشبه وقال الزركشي إنه الصواب
فصل قول القاسم في قسمة الإجبار حال ولايته قسمت كقول القاضي
وهو في محل ولايته حكمت فيقبل وإلا لم يقبل بل لا تسمع شهادته لأحد الشريكين وإن لم يطلب أجرة وظاهر أن محله إذا ذكر فعله ولو تقاسما ثم تنازعا في بيت أو قطعة من الأرض وقال كل منهما هذا من نصيبي ولا بينة لهما أو لكل منهما بينة تحالفا وفسخت أي القسمة كالمتبايعين قال الشيخ أبو حامد فإن اختص أحدهما باليد فيما تنازعا فيه حلف ذو اليد لأن الآخر اعترف له بها وادعى أنه غصبه منه ولمن اطلع منهما على عيب في نصيبه أن يفسخ القسمة كالبيع ولا تصح قسمة الديون المشتركة في الذمم لأنها إما بيع دين بدين أو إفراز ما في الذمة وكلاهما ممتنع وإنما امتنع إفراز ما في الذمة لعدم قبضه وعلى هذا لو تراضيا على أن يكون ما في ذمة زيد لأحدهما وما في ذمة عمرو للآخر لم يختص أحد منهما بما قبضه كتاب الشهادات الأصل فيها آيات كقوله تعالى ولا تكتموا الشهادة وقوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم وأخبار كخبر الصحيحين ليس لك إلا شاهداك أو يمينه وخبر أنه صلى الله عليه وسلم سأل عن الشهادة فقال للسائل ترى الشمس قال نعم فقال على مثلها فاشهد أو دع رواه البيهقي والحاكم وصحح إسناده وفيه ستة أبواب الأول في أهلية الشهادة وشرط الشاهد أي شروطه ثمانية إسلام فلا يقبل من كافر ولو على كافر لآية واستشهدوا وقوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم والكافر ليس من رجالنا وليس بعدل ومعنى قوله تعالى أو آخران من غيركم أي من غير عشيرتكم وتكليف فلا يقبل من غير مكلف كالإقرار بل أولى وحرية كاملة فلا تقبل ممن فيه رق كسائر الولايات إذ في الشهادات نفوذ قول على الغير وهو نوع ولاية ولأنه مشتغل بخدمة سيده فلا يتفرغ لتحمل الشهادة ولا لأدائها وعدالة فلا تقبل من فاسق لآية واستشهدوا ولقوله ممن ترضون من الشهداء والفاسق ليس بمرضي ولقوله إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا ومروءة ونطق وعدم تهمة فلا تقبل ممن لا مروءة له ولا نطق ولا ممن يتهم كما سيأتي بيانها في كلامه والأصل سالم من تكرار هذه الثلاثة وكذا عدم حجر بسفه قاله الصيمري فلا يقبل من المحجور عليه بسفه لأنه متهم وشرط العدالة اجتناب الكبائر أي كل منها وعدم الإصرار على الصغائر ولو على نوع كما سيأتي
340
340
وفسر جماعة الكبيرة بأنها ما لحق صاحبها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة فعدوا من الكبائر القتل أي عمدا بغير حق أو شبه عمد بخلاف الخطأ والزنا بالزاي روى الشيخان عن ابن عمر قال قال رجل أي الذنب أكبر عند الله قال أن تدعو لله ندا وهو خلقك قال ثم أي قال أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك قال ثم أي قال أن تزني بحليلة جارك فأنزل الله سبحانه وتعالى تصديقها والذين لا يدعون مع الله إلها آخر
الآية واللواط لأنه مضيع لماء النسل في فرج محرم كالزنا زاد البغوي وإتيان البهائم وشرب الخمر وإن قل ولم يسكر والمسكر ولو بغير الخمر قال صلى الله عليه وسلم إن على الله عهدا لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال قالوا يا رسول الله وما طينة الخبال قال عرق أهل النار رواه مسلم أما شرب ما لا يسكر لقلته من غير الخمر فصغيرة والسرقة قال تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما نعم سرقة الشيء القليل صغيرة قال الحليمي إلا إذا كان المسروق منه مسكينا لا غنى به عن ذلك فيكون كبيرة والقذف زاد شريح الروياني الباطل قال تعالى إن الذين يرمون المحصنات الآية نعم قال الحليمي قذف الصغيرة والمملوكة والحرة المتهتكة من الصغائر لأن الإيذاء في قذفهن دونه في الحرة الكبيرة المستترة وقال ابن عبد السلام قذف المحصن في خلوة بحيث لا يسمعه إلا الله والحفظة ليس بكبيرة موجبة للحد لانتفاء المفسدة أما قذف الرجل زوجته إذا أتت بولد يعلم أنه ليس منه فمباح وكذا جرح الراوي والشاهد بالزنا إذا علم بل هو واجب وشهادة الزور لأنه صلى الله عليه وسلم عدها في خبر من الكبائر وفي خبر من أكبر الكبائر رواهما الشيخان وغصب المال لخبر مسلم من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوقه الله تعالى إياه يوم القيامة من سبع أرضين وقيده جماعة بما يبلغ قيمته ربع مثقال كما يقطع به في السرقة وخرج بغصب المال غصب غيره كغصب كلب فصغيرة
والفرار من الزحف لأنه صلى الله عليه وسلم عده من السبع الموبقات أي المهلكات رواه الشيخان نعم يجب إذا زاد العدو على مثليه وعلم أنه إذا ثبت يقتل من غير نكاية في العدو لانتفاء إعزاز الدين بثبوته وأكل الربا لآية يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ولأنه صلى الله عليه وسلم عده من السبع الموبقات في الخبر السابق و أكل مال اليتيم قال تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى الآية وقد عده صلى الله عليه وسلم من السبع الموبقات في الخبر السابق وعقوق الوالدين لأنه صلى الله عليه وسلم عده في خبر من الكبائر وفي آخر من أكبر الكبائر رواهما الشيخان وأما خبرهما الخالة بمنزلة الأم وخبر البخاري عم الرجل صنو أبيه فلا بد لأن على أنهما كالوالدين في العقوق والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمدا الخبر من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار رواه الشيخان أما الكذب على غيره فصغيرة وكتمان الشهادة بلا عذر قال تعالى ومن يكتمها فإنه آثم قلبه بخلافه بعذر والإفطار في رمضان عدوانا لأن صومه من أركان الإسلام ففطره يؤذن بقلة اكتراث مرتكبه بالدين بخلاف الإفطار فيه بعذر
341
341
واليمين الفاجرة لخبر الصحيحين من حلف على مال امرئ مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان وخبر مسلم من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم الله عليه الجنة فقال له رجل وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله قال وإن كان قضيبا من أراك وقطع الرحم لخبر الصحيحين لا يدخل الجنة قاطع قال سفيان بن عيينة في رواية يعني قاطع رحم والخيانة في كيل أو وزن لغير الشيء التافه قال تعالى ويل للمطففين الآية والكيل يشمل الذرع عرفا أما للتافه فصغيرة وتقديم الصلاة أو تأخيرها عن وقتها بلا عذر لخبر الترمذي من جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر وأولى بذلك تركها بخلاف ذلك بعذر كسفر وضرب مسلم بغير حق لخبر مسلم صنفان من أمتي من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات إلى آخره قال الأذرعي وفي التقييد بالمسلم نظر لا سيما إن كان للمضروب رحم وقرابة ولا يخفى أن الكلام فيمن له ذمة أو عهد معتبر قال وأطلق الحليمي أن الخدشة والضربة والضربتين من الصغائر وقد يفصل بين مضروب ومضروب من حيث القوة وضدها والشرف والدناءة
وسب الصحابة لخبر الصحيحين لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه ولخبر مسلم عن أبي سعيد الخدري أنه كان بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف شيء فسبه خالد فقال صلى الله عليه وسلم لا تسبوا أحدا من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق إلى آخره الخطاب للصحابة السابين نزلهم لسبهم الذي لا يليق بهم منزلة غيرهم حيث علل بما ذكره أما سب غير الصحابة فصغيرة وخبر الصحيحين سباب المسلم فسوق معناه تكرار السب بحيث يغلب على طاعاته وأخذ الرشوة لما مر في باب آداب القضاء والدياثة بالمثلثة لخبر ثلاثة لا يدخلون الجنة العاق والديه والديوث ورجلة النساء رواه الذهبي وصحح إسناده والقيادة قياس على الدياثة وتقدم تفسيرهما في الطلاق والسعاية عند السلطان وهي أن يذهب إليه ليتكلم عنده في غيره بما يؤذيه به وفي نهاية ابن الأثير خبر الساعي مثلث أي مهلك بسعايته نفسه والمسعى به وإليه
ومنع الزكاة لخبر الصحيحين ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره إلى آخره وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة عليهما لآية لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وينبغي تقييد المنكر بالكبيرة والسحر لأنه صلى الله عليه وسلم عده من السبع الموبقات في الخبر السابق ونسيان القرآن لخبر الترمذي عرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة أو آية أوتيها رجل ثم نسيها قال في الروضة لكن في إسناده ضعف وتكلم فيه الترمذي وإحراق حيوان إذ لا يعذب بالنار إلا خالقها وامتناعها أي المرأة من زوجها بلا سبب لخبر الصحيحين إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح واليأس من رحمة الله قال الله عز وجل إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون وأمن مكره تعالى بالاسترسال في المعاصي والاتكال على العفو قال تعالى فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون والظهار قال تعالى فيه وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا أي حيث شبهوا الزوجة بالأم في التحريم وأكل لحم خنزير وميتة بلا عذر قال تعالى قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما الآية
ونميمة وهي نقل بعض كلام الناس إلى بعض على وجه الإفساد بينهم لخبر الصحيحين لا يدخل الجنة نمام أما نقل الكلام نصيحة للمنقول إليه فواجب كما في قوله تعالى حكاية يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك والوقع في أهل العلم وحملة القرآن لشدة احترامهم وهذا مستثنى من قولهم الغيبة صغيرة قال في الأصل وللتوقف مجال في بعض المذكورات كقطع الرحم وترك الأمر بالمعروف على إطلاقهم ونسيان القرآن وإحراق الحيوان وقد أشار الغزالي في
342
342
الإحياء إلى مثل هذا التوقف انتهى وليست الكبائر منحصرة فيما ذكر كما أشار إليه في أولها وأما خبر الصحيحين الكبائر الإشراك بالله والسحر وعقوق الوالدين وقتل النفس زاد البخاري واليمين الغموس ومسلم بدلها وقول الزور وخبرهما اجتنبوا السبع الموبقات الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات فمحمولان على بيان المحتاج إليه منها وقت ذكره
وقد قال ابن عباس هي إلى السبعين أقرب وسعيد بن جبير هي إلى السبعمائة أقرب يعني باعتبار أصناف أنواعها وقيل إن الكبيرة هي المعصية الموجبة للحد وذكر في الأصل أنهم إلى ترجيح هذا أميل وأن الذي ذكرناه أولا هو الموافق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر أي لأنهم عدوا الربا وأكل مال اليتيم وشهادة الزور ونحوها من الكبائر ولا حد فيها وقال الإمام هي كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين والمراد بها بقرينة التعاريف المذكورة غير الكبائر الاعتقادية التي هي البدع فإن الراجح قبول شهادة أهلها ما لم نكفرهم كما سيأتي بيانه ومن الصغائر جمع صغيرة وهي كل ذنب ليس بكبيرة
النظر المحرم وغيبة للمسر فسقه واستماعها بخلاف المعلن لا تحرم غيبته بما أعلن به كما مر في النكاح وبخلاف غير الفاسق فينبغي أن تكون غيبته كبيرة وجرى عليه المصنف كأصله في الوقوع في أهل العلم وحملة القرآن كما مر وعلى ذلك يحمل ما ورد فيها من الوعيد الشديد في الكتاب والسنة وما نقله القرطبي وغيره من الإجماع على أنها كبيرة وهذا التفصيل أحسن من إطلاق صاحب العدة أنها صغيرة وإن نقله الأصل عنه وأقره وجرى عليه المصنف وقوله واستماعها أخص من قول الأصل والسكوت عليها لأنه قد يعلمها ولا يسمعها وكذب لا حد فيه ولا ضرر وقد لا يكون صغيرة كإن كذب في شعره بمدح وإطراء وأمكن حمله على المبالغة فإنه جائز لأن غرض الشاعر إظهار الصنعة لا التحقيق كما سيأتي ذلك وخرج بنفي الحد والضرر ما لو وجدا أو أحدهما مع الكذب فيصير كبيرة لكنه مع الضرر ليس كبيرة مطلقا بل قد يكون كبيرة كالكذب على الأنبياء وقد لا يكون بل الموافق لتعريف الكبيرة بأنها المعصية الموجبة للحد أنه ليس كبيرة مطلقا وإشراف على بيوت الناس وهجر مسلم فوق ثلاث من الأيام بلا سبب يقتضي ذلك كما مر في باب الشقاق
وأفهم كلامهم جوازه في الثلاث بلا سبب قال الأذرعي وفيه نظر وكثرة خصومات وإن كان مكثرها محقا لا إن راعى حق الشرع فيها فليست صغيرة وضحك في الصلاة ونياحة وشق جيب لمصيبة وتبختر في المشي قال الأذرعي ولم أر عد هذه الثلاثة من الصغائر إلا لصاحب العدة والأخبار الصحيحة تقتضي أنها من الكبائر وجلوس بين فساق إيناسا لهم وإدخال مجانين ونجاسة وكذا إدخال صبيان يغلب تنجيسهم المسجد وإلا أي وإن لم يغلب تنجيس الصبيان له كره ومثلهم في هذا المجانين وعلى عدم الغلبة يحمل إطلاق المجموع الكراهة في إدخالهما المسجد ولا ينافي تحريم إدخالهما إياه ما مر من جواز إدخالهم المسجد الحرام ليحرم عنهم أولياؤهم ويطوفوا بهم إذ لا يلزم من تجويز الإدخال لحاجة العبادة الجواز لغير حاجة وإمامة من أي قوم يكرهونه لعيب فيه تقدم في صفة الأئمة أنها مكروهة واستعمال نجس في بدن أو ثوب لغير حاجة كما مر في باب ما يجوز لبسه والثوب ذكره الأصل ثم والمصنف هنا كما مر التنبيه عليه ثم والتغوط مستقبلا القبلة بشرطه السابق في باب الاستنجاء و التغوط في الطريق تقدم ثم إنه مكروه مع ما فيه وما أشبه ذلك مما لا يجوز حتى كشف العورة ولو في خلوة لغير حاجة ومن ذلك القبلة للصائم التي تحرم شهوته والوصال في الصوم والاستمناء ومباشرة الأجنبية بغير جماع وقد ذكر الأصل هنا أمثلة كثيرة وبالجملة فالإصرار على الصغائر ولو على نوع منها يسقط الشهادة بشرط ذكره في قوله
قال الجمهور من غلبت طاعته
343
343
معاصيه كان عدلا وعكسه وهو من غلبت معاصيه طاعته فاسق فلا تقبل شهادته ومثله ما إذا استويا
فرع يكره الشطرنج
أي اللعب به وهو بكسر أوله وفتحه معجما ومهملا وأنكر بعضهم فتحه واحتج لإباحة اللعب به بأن الأصل الإباحة وبأن فيه تدبير الحروب وللكراهة بأن صرف العمر إلى ما لا يجدي وبأن عليا رضي الله عنه مر بقوم يلعبون به فقال ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون فإن اقترن به قمار بأن شرط المال من الجانبين أو فحش أو لعب مع معتقد التحريم أو تأخير الصلاة عن الوقت عمدا وكذا تأخيرها عنه سهوا للعب به بأن شغله اللعب به حتى خروج الوقت وهو غافل وتكرر ذلك منه فحرام لما اقترن به بخلاف ما إذا لم يتكرر ويفارق حكم السهو مع التكرر هنا ما لو ترك الصلاة ساهيا مرارا بأنه هنا شغل نفسه بما فاتت به الصلاة قال في الأصل كذا ذكروه وفيه إشكال لما فيه من تعصية الغافل ثم قياسه الطرد في شغل النفس بغيره من المباحات وما استشكل به أجاب عنه الشافعي رضي الله عنه بأن في ذلك استخفافا من حيث إنه عاد إلى ما علم إنه يورثه الغفلة نقله الإسنوي وأما القياس المذكور فأجيب عنه بأن شغل النفس بالمباح يفجؤها ولا قدرة على دفعه بخلافه هنا وبأن ما شغلها به هنا مكروه وثم مباح فإن خرج أحدهما المال لمن غلب أي ليبذله إن غلب ويمسكه إن غلب أو أخرجه غيرهما فليس بقمار بل مسابقة فاسدة لأنه مسابقة على غير آلة فقال وهي مع ذلك حرام أيضا لكونه من باب تعاطي العقود الفاسدة والنرد وفي نسخة واللعب بالنرد حرام لخبر من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله رواه أبو داود والحاكم وصححه وفي خبر مسلم فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه أي وذلك حرام وفارق اللعب بالشطرنج بأن التعويل فيه على ما يخرجه الكعبان أي الحصى ونحوه فهو كالأزلام وفي الشطرنج على الفكر والتأمل وإنه ينفع في تدبير الحرب وهو صغيرة والحزة بفتح الحاء المهملة وبالزاي وهي قطعة خشب يحفر فيها حفر في ثلاثة أسطر يجعل فيها حصى صغار يلعب بها وتسمى بالمنقلة وقد تسمى بالأربعة عشر والفرق بفتح القاف والراء ويقال بكسر القاف وإسكان الراء وهو أن يخط في الأرض خط مربع ويجعل في وسطه خطان كالصليب ويجعل على رءوس الخطوط حصى صغار يلعب بها كالنرد في تحريم اللعب به وقيل كالشطرنج والترجيح من زيادته وكلام الرافعي يميل إلى
344
344
ترجيح الثاني حيث قال بعد حكاية الوجهين ويشبه أن يقال ما يعتمد فيه على إخراج الكعبين فكالنرد أو على الفكر فكالشطرنج قال الإسنوي وهذا يؤخذ منه ترجيح الجواز فيهما لأن كلا منهما يعتمد فيه على الفكر لا على شيء يرمى
فرع اتخاذ الحمام
للبيض أو الفرخ أو الأنس أو حمل الكتب مباح ويكره اللعب به بالتطيير والمسابقة ولا ترد به الشهادة فإن انضم إليه قمار أو نحوه ردت الشهادة به كالشطرنج فيهما فرع الغناء بكسر الغين والمد وسماعه يعني استماعه بلا آلة أي كل منهما مكروه لما فيه من اللهو لقوله تعالى ومن الناس من يشتري لهو الحديث قال ابن مسعود هو الغناء رواه الحاكم وصحح إسناده وإنما لم يحرما لخبر الصحيحين عن عائشة قالت دخل علي أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث وليستا بمغنيتين فقال أبو بكر أمزامير الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك في يوم عيد فقال له النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا بكر لكل قوم عيد وهذا عيدنا و استماعه بلا آلة من الأجنبية أشد كراهة فإن خيف من استماعه منها أو من أمرد فتنة فحرام قطعا والحداء بضم الحاء وكسرها والمد وهو ما يقال خلف الإبل من رجز وغيره مباح بل قال النووي في مناسكه مندوب لأخبار صحيحة ولما فيه من تنشيطها للسير وتنشيط النفوس وإيقاظ النوام وتحسين الصوت بالقرآن مسنون كما مر في باب الأحداث ولا بأس بالإدارة للقراءة بأن يقرأ بعض الجماعة قطعة ثم البعض قطعة بعدها
قال في الأصل ولا بأس بترديد الآية للتدبر ولا باجتماع الجماعة في القراءة و لا قراءته بالألحان إن لم يفرط فإن أفرط في المد والإشباع حتى ولد حروفا أو أسقط حروفا بأن ولدها من الحركات فتولد من الفتحة ألف ومن الضمة واو ومن الكسرة ياء أو أدغم في غير موضع الإدغام حرم ويفسق به القارئ ويأثم المستمع لأنه عدل به عن نهجه القويم نقله في الروضة عن الماوردي ويسن ترتيله وتدبره للقراءة والبكاء عندها واستماع شخص حسن الصوت كما مرت في الأحداث والمدارسة وهي أن يقرأ على غيره ويقرأ غيره عليه لخبر ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط الشيخين قال في الروضة ويسن الجلوس في حلق القراءة وأما الغناء على الآلة المطربة كالطنبور والعود وسائر المعازف أي الملاهي والأوتار وما يضرب به والمزمار العراقي وهو الذي يضرب به مع الأوتار وكذا اليراع وهو
345
345
الشبابة فحرام استعماله واستماعه وكما يحرم ذلك يحرم استعمال هذه الآلات واتخاذها لأنها من شعار الشربة وهي مطربة وصحح الرافعي حل اليراع لأنه ينشط على السير في السفر وعطف المعازف على ما قبلها من عطف العام على الخاص وعطف ما بعدها عليها بالعكس ومنها الصنج كما ذكره الأصل والمراد به ذو الأوتار كما قاله البارزي
وضرب الدف بضم الدال أشهر من فتحها مباح في العرس والختان وغيرهما مما هو سبب لإظهار السرور كعيد وقدوم غائب ولو كان بجلاجل لأخبار وردت بحل الضرب به كخبر فصل ما بين الحلال والحرام الضرب بالدف وخبر أنه صلى الله عليه وسلم لما رجع إلى المدينة من بعض مغازيه جاءته جارية سوداء فقالت يا رسول الله إني نذرت إن ردك الله سالما أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى فقال لها إن كنت نذرت فأوف بنذرك رواهما ابن حبان وغيره وصححوهما وترجيح الإباحة في غير العرس والختان من زيادة المصنف وصرح به المنهاج كأصله والمراد بالجلاجل الصنوج جمع صنج وهو الحلق التي تجعل داخل الدف والدوائر العراض التي تؤخذ من صفر وتوضع في خروق دائرة الدف والقول بأن الضرب بالدف وفيه صنج أشد إطرابا من كثير من الملاهي المحرمة ممنوع ولا يحرم من الطبول إلا الكوبة بضم الكاف وإسكان الواو وهي طبل طويل ضيق الوسط متسع الطرفين لخبر إن الله حرم الخمر والميسر والكوبة رواه أبو داود وابن حبان والمعني فيه التشبه بمن يعتاد ضربه وهم المخنثون قاله الإمام ونازع الإسنوي في الحصر المذكور فقال هذا ما ذكره الغزالي فتبعه عليه الرافعي والموجود لأئمة المذهب هو التحريم فيما عدا الدف ورده الزركشي بأن أكثرهم قيدوه بطبل اللهو قال ومن أطلق التحريم أراد به اللهو أي فالمراد إلا الكوبة ونحوها من الطبول التي تراد للهو
ويحرم الصفاقتان وهما من صفر تضرب إحداهما بالأخرى ويسميان بالصنج أيضا لأنهما من عادة المخنثين بفتح النون وكسرها وبالمثلثة وطبول لعب الصبيان كالدفوف فهي مباحة والضرب بالقضيب على الوسائد مكروه غير محرم لأنه لا يفرد عن الغناء ولا يطرب وحده بخلاف الآلات المطربة والرقص بلا تكسر مباح لخبر الصحيحين إنه صلى الله عليه وسلم وقف لعائشة يسترها حتى تنظر إلى الحبشة وهم يلعبون ويزفنون والزفن الرقص لأنه مجرد حركات على استقامة أو اعوجاج وعلى الإباحة التي صرح بها المصنف الفوراني والغزالي في وسيطه وهي مقتضى كلام غيرهما وقال القفال بالكراهة وعبارة الأصل محتملة لها
346
346
حيث قال والرقص ليس بحرام وبالتكسر حرام ولو من النساء لأنه يشبه أفعال المخنثين فرع الشعر أي إنشاؤه و إنشاده واستماعه أي كل منها مباح اتباعا للسلف والخلف ولأنه صلى الله عليه وسلم كان له شعراء يصغي إليهم منهم حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة رواه مسلم لا الهجاء بالمد فليس بمباح ولو هجاء بما هو صادق فيه للإيذاء وعليه حمل الشافعي خبر مسلم لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا فترد به الشهادة هذا محمول على ما إذا هجا بما يفسق به كان أكثر منه ولم تغلب طاعاته بقرينة ما مر قال في الأصل وليس إثم حاكى الهجو كإثم منشئه نعم لو كان المهجو معروفا قال الأذرعي فيظهر أن إثم الحاكي أعظم من إثم المنشئ إذا كان قد سمعه منه سرا فأذاعه وهتك به ستر المهجو
وفي التعريض به تردد في رد الشهادة به جزم في الشرح الصغير بأنها ترد به بل رجحه الأصل حيث قال ويشبه أن يكون التعريض هجوا كالتصريح وقال ابن كج ليس التعريض هجوا انتهى ومحل تحريم الهجاء إذا كان لمسلم فإن كان لكافر أي غير معصوم جاز كما صرح به الروياني وغيره لأنه صلى الله عليه وسلم أمر حسانا بهجاء الكفار ومن هنا صرح الشيخ أبو حامد بأنه مندوب ومثله في جواز الهجو المبتدع كما ذكره الغزالي في الإحياء والفاسق المعلن كما قاله العمراني وبحثه الإسنوي وظاهر كلامهم جواز هجو الكافر المعين وعليه فيفارق عدم جواز لعنه بأن اللعن الإبعاد من الخير ولاعنه لا يتحقق بعده منه فقد يختم له بخير بخلاف الهجو
والتشبيب بمعينة وهو ذكر صفاتها من طول وقصر وصدغ وغيرها ووصف أي أو وصف أعضائها الباطنة ولو كانت زوجته مسقط للمرأة فترد شهادته بل ذلك محرم في حق غير الزوجة والأمة كما اقتضاه كلام الأصل للإيذاء والإشهار بما لا يليق وهتك الستر ثم ما ذكره كالروضة في حق زوجته وأمته إنما ذكره الرافعي بحثا وقد نص في الأم على خلافه فقال ومن شبب فلم يسم أحدا لم ترد شهادته لأنه يمكن أن يشبب بامرأته وجاريته ونقل في البحر عدم رد الشهادة عن الجمهور نبه عليه الإسنوي والزركشي وزاد نعم يشترط أن لا يكثر من ذلك وإلا ردت شهادته قاله الجرجاني وأنت خبير بأن النص المذكور لا يرد به ذلك لجواز حمله على ما ليس حقه الإخفاء من وصف الأعضاء الظاهرة والغلام فيما ذكر كالمرأة إن ذكر أنه يعشقه فيشترط في رد شهادته تعيين الغلام فإن أكثر الكذب فيه أي في شعره ولم يمكن حمله على المبالغة ردت شهادته وإلا فلا كسائر أنواع الكذب وإن قصد به إظهار الصفة لا إيهام الصدق فإن شهادته ترد خلافا للقفال والصيدلاني قالا لأن الكاذب يوهم الكذب صدقا بخلاف الشاعر والتشبب بغير معين لا يضر لأنه صنعة وغرض الشاعر تحسين الكلام لا تحقيق المذكور وما اقتضاه كلامه من أن ذلك لا يضر مع الكثرة بناه الأصل على ضعيف فيقيد كلام المصنف بالقليل وليس ذكر امرأة مجهولة كليلى تعيينا التمثيل بليلى من زيادته فرع شرب الخمر عمدا مع العلم بالتحريم يوجب الحد ورد الشهادة وإن قل المشروب ولم يسكر كما مر وترد شهادة بائعها ومشتريها لغير حاجة كتداو أو قصد تخلل لا ممسكها فربما قصد بإمساكها التخليل أو التخلل ولا عاصرها ومعتصرها إن لم يقصد بذلك شربها أو الإعانة عليه والمطبوخ منها كالنبيذ فإذا شرب من أحدهما القدر المسكر حد وردت شهادته فلو شرب منه
347
347
قدرا لا يسكر واعتقد إباحته كالحنفي حد ولم ترد شهادته لأن الحد إلى الإمام فاعتبر فيه اعتقاده ورد الشهادة يعتمد اعتقاد الشاهد ولأن الحد للزجر وشرب ما ذكر يحتاج إلى الزجر ورد الشهادة لسقوط الثقة بقول الشاهد ولا يوجد ذلك إذا لم يعتقد التحريم وإن اعتقد تحريمه حد كما فهم بالأولى مما قبله وصرح به الأصل و ردت شهادته لأنه إذا ارتكب ما يعتقد تحريمه لم يؤمن جراءته على شهادة الزور وسائر المحرمات ومن وطئ أمته وهو يعتقدها أجنبية ردت شهادته لا من وطئ أجنبية وهو يظنها أمته اعتبارا باعتقاده فيهما وتعبيره أولا بالاعتقاد وثانيا بالظن تفنن وإن نكح بلا ولي أو نكح نكاح متعة ووطئ فيهما وهو يعتقد الحل لم ترد شهادته أو الحرمة ردت لذلك
ولا ترد شهادة ملتقط النثار وإن كره التقاطه لأنه غير مكروه عند جماعة وترد شهادة من تعود حضور الدعوة بلا نداء أو ضرورة قال في الأصل أو استحلال صاحب الطعام لأنه يأكل محرما وإنما اشترط التعود لأنه قد يكون له شبهة حتى يمنعه صاحب الطعام فإذا تعود صار دناءة وقلة مروءة لا دعوة السلطان ونحوه فلا ترد شهادة من تعود حضورها لأنه طعام عام الشرط الخامس المروءة وهي توقي الأدناس وهو قريب من قول المنهاج كأصله المروءة تخلق بخلق أمثاله في زمانه ومكانه لأنها لا تنضبط بل تختلف باختلاف الأشخاص والبلدان بخلاف العدالة فتركها يسقط الشهادة لأنه إما نقص عقل أو قلة مبالاة وعلى التقديرين تبطل الثقة بقوله وتركها مثل أن يلبس الفقيه لبس العربي أو التاجر ثوب الجمال ويترددا فيه بموضع لا يعتاد مثلهما لبسه فيه و مثل فعل كل ما يصير به المرء ضحكة بضم أوله وإسكان ثانيه أي يضحك منه كأن يتعمم الجمال ويتطيلس ويركب بغلة مثمنة ويطوف في السوق و مثل المشي في السوق مكشوف الرأس والبدن أو أحدهما ولو مع ستر العورة ممن لا يليق به وأكل غير السوقي في السوق لغير جوع شديد كما قيد به البغوي وشربه من سقاياته لا شربه منها لعطش شديد بخلاف السوقي لا يضره ذلك ومد الرجل عند الناس بلا ضرورة والمراد جنسهم ولو واحدا قال الأذرعي ويشبه أن يكون محله إذا كان بحضرة من يحتشمه فلو كان بحضرة إخوانه أو نحوهم كتلامذته لم يكن ذلك تركا للمروءة وتقبيل أمته أو زوجته بحضرتهم
وأما تقبيل ابن عمر أمته التي وقعت في سهمه بحضرة الناس قال الزركشي
348
348
فكأنه تقبيل استحسان لا تمنع أو فعله بيانا للجواز أو ظن أنه ليس ثم من ينظره أو لأن المرة الواحدة لا تضر على ما اقتضاه نص الشافعي أو حكاية ما يفعله معها في الخلوة تقدم كراهة هذا مع زيادة في الباب التاسع من أبواب النكاح والإكثار من الحكايات المضحكة و من سوء العشرة مع المعاملين والأهل والجيران و من المضايقة في اليسير الذي لا يستقصى فيه والإكباب على لعب الشطرنج والحمام والغناء وسماعه أي استماعه وإن لم يقترن بها ما يوجب التحريم وكذا الإكباب على إنشاد الشعر واستنشاده حتى يترك به مهماته و مثل اتخاذ جارية وغلام ليغنيا للناس والمراد جنسهم و مثل الإكباب على الرقص و على الضرب بالدف ويرجع في الإكثار مما ذكر إلى العادة والشخوص إذ يستقبح من شخص قدر لا يستقبح من غيره وللأمكنة والأزمنة فيه تأثير فليس اللعب بالشطرنج مثلا في الخلوة مرارا كالسوق والطرق أي كاللعب فيهما مرة في ملأ من الناس وظاهر تقييدهم ما ذكر بالكثرة أنها لا تشترط فيما عداه لكن ظاهر نص الشافعي والعراقيين وغيرهم أن التقييد في الكل ذكره الزركشي
ثم قال وينبغي التفصيل بين ما يعد خارما لها بالمرة الواحدة وغيره فالأكل من غير السوقي مرة في السوق ليس كالمشي فيه مكشوفا والتكسب بالشعر والغناء قد لا يزري بمن يليق به فلا يكون تركا للمروءة هذا في الشعر نقله الأصل عن ابن القاص وفي الغناء بحثه وقال إن كلام الأصحاب محمول على من لا يليق به وقيد الأذرعي وغيره الأول بما قاله الماوردي والروياني من أن محله إذا كان لا يتقصى إذا مدح ولا يذم إذا منع بل يقبل ما وصل إليه ورد الثاني بأن الوجه إبقاء كلام الأصحاب على إطلاقه فإن ذلك وضيع عند كل أحد وقد نص الشافعي والأصحاب على أنه ترد به الشهادة انتهى وفيه نظر فإن الأصل مسلم أن الأصحاب أطلقوا ذلك فلا يناسبه الرد عليه بما ذكر وحمل الماء والأطعمة إلى البيت شحا لا اقتداء بالسلف التاركين للتكلف قل بمعنى قلة أي خرم مروءة ممن لا يليق به بخلاف من يليق به ومن يفعله اقتداء بالسلف والتقشف في الأكل واللبس كذلك فيخل بمروءة من لا يليق به إن فعله شحا لا اقتداء بالسلف وتقبل شهادة أهل الحرف المباحة الدنيئة بالهمز إن لاقت بهم وإن لم تكن حرفة آبائهم كحجام وكناس ودباغ وكذا من يباشر النجاسة إن حافظوا على الصلوات في أوقاتها في ثياب طاهرة وحارس وحمامي وإسكاف وقصاب وحائك وذلك لأنها حرف مباحة والناس محتاجون إليها ولو رددنا شهادة أربابها لم نأمن أن يتركوها فيعم الضرر بخلاف من لا يليق به وليس الصباغ والصائغ منهم قضيته قبول شهادتهما وإن لم تلق بهما حرفتها وقضية كلام الأصل أنهما كالمذكورين لكنهما أولى بالقبول ومن أكثر من أهل الصنائع المذكورة وغيرها الكذب وخلف الوعد ردت شهادته تنبيه التوبة مما يخل بالمروءة سنة كما في المعاصي ذكره في التنبيه فرع المداومة على ترك السنن الراتبة وتسبيحات الصلاة تقدح في الشهادة لتهاون مرتكبها بالدين وإشعاره بقلة مبالاته بالمهمات قال الأذرعي ويشبه أن يكون محله في الحاضر أما من يديم السفر كالملاح والمكارى وبعض التجار فلا وكذا يقدح فيها مداومة منادمة مستحل النبيذ مع السفهاء و كذا كثرة شربه إياه معهم لإخلال ذلك بالمروءة والتصريح بالثانية من زيادته لا كثرة السؤال للحاجة وإن طاف مكثره بالأبواب فلا يقدح في شهادته إن لم يقدر على كسب مباح يكفيه لحل المسألة له حينئذ إلا إن أكثر الكذب في دعوى الحاجة أو أخذ ما لا يحل له أخذه فيقدح في شهادته نعم إن كان المأخوذ في الثانية قليلا اعتبر التكرر كما مر
349
349
نظيره
الشرط السادس عدم التهمة فمن جر بشهادته لنفسه نفعا أو دفع
بها عنه ضررا ردت شهادته فلا تقبل شهادة أحد لعبده المأذون له وغيره ومكاتبه ومورثه وغريم له ميت وإن لم تستغرق تركته الديون أو عليه حجر فلس وذلك للتهمة وتقبل شهادته لغريمه الموسر وكذا المعسر قبل الحجر عليه والموت لغريمه لأنه حينئذ يتعلق الحق بذمته لا بعين أمواله بخلافه بعد الحجر عليه والموت والتصريح بذكر الموت من زيادته وترد شهادة ولي ووكيل ووصي بجعل وبدونه وقيم فيما يتصرف فيه كل منهم لمن قام هو مقامه لاقتضاء شهادته سلطنة التصرف فيما شهد به ومسألة الوكيل مرت مع زيادة في الباب الثاني من الوكالة وذكر الولي من زيادته و ترد شهادة ضامن شهد ببراءة من ضمن عنه أي مما ضمنه فيه لأنه يدفع بها الغرم عن نفسه و شهادة شريك يشهد لشريكه فيما هو شريك فيه بأن قال هذه الدار مثلا بيننا فلو قال هذه الدار لزيد ولي قال الزركشي فالظاهر أخذا من التصوير المذكور الصحة في نصيب زيد دون نصيبه كما لو شهد لفرعه وأجنبي وما بحثه يأتي في مسألة التصوير أيضا فالمتجه حمل ذلك كله على ما يأتي عن المطلب
فإن شهد بنصيب شريكه وحده قبلت إذ لا تهمة واستشكله في المطلب بأن الشركة قد تكون من وارث ونحوه ولم يتصل بها قبض فلأحد الشريكين مشاركة الآخر فيما يقبضه فلا تسمع شهادته له وقد أطلق الأصحاب أن الشهادة للشريك غير مقبولة والأحسن أن يقال إن كان ما شهد به لشريكه يستلزم حصول شيء له فيه لم تسمع شهادته وعليه ينزل إطلاق الأصحاب وإلا سمعت وعليه ينزل كلام الرافعي ومن تبعه
350
350
ولا تقبل شهادته له ببيع شقص من عقار مشترك بينهما أو للمشتري بشرائه و له فيه شفعة لأنها تتضمن إثبات الشفعة لنفسه ومثله شهادته بالشراء صرح بها الأصل ويمكن إدخالها في كلام المصنف لا شهادته بذلك بعد العفو عنها لإسقاط حقه منها قبل شهادته ولا فيما لا ينقسم إذ لا شفعة فيه فلا تهمة ولم ينظروا إلى تهمة الخلاص من سوء المشاركة وترد شهادة وارث بجرح مورثه عندها قبل الاندمال وإن اندمل بعدها للتهمة فإنه لو مات أخذ الأرش فكأنه شهد لنفسه ودخل في كونه مورثا له عند شهادته ما لو شهد بذلك أخو الجريح وهو وارث له ثم ولد للجريح ابن فلا تقبل شهادته
وخرج به ما لو شهد بذلك وللجريح ابن ثم مات الابن فتقبل شهادته ثم إن صار وارثا وقد حكم بشهادته لم ينقض كما لو طرأ الفسق أو لا فلا يحكم بها وخرج بقبل الاندمال المزيد على الأصل هنا شهادته بعد الاندمال فمقبولة لانتفاء التهمة قال البلقيني ولو كان الجريح عبدا ثم أعتقه سيده بعد الجرح وادعى به على الجارح وأنه المستحق لأرشه لأنه كان ملكه فشهد له وارث الجريح قبلت شهادته لعدم المعنى المقتضي للرد لا شهادته بمال له أي لمورثه وليس بعضا له فتقبل ولو وهو مريض أو مجروح ولو قبل الاندمال وفارق شهادته بالجرح بأن الجرح سبب للموت الناقل للحق إليه بخلاف المال ولا تقبل شهادة الوديع والمرتهن بهما أي الوديعة والمرهون للمودع والراهن لأن كلا منهما يستديم اليد لنفسه وتقبل شهادته بهما لغيرهما لانتفاء التهمة ولا تقبل شهادة غاصب على المغصوب منه بالمغصوب لأجنبي لفسقه ولتهمته بدفع الضمان ومؤنة الرد عنه فإن شهد له به بعد التوبة والرد له إلى مستحقه لا بعد التلف له قبلت شهادته لانتفاء التهمة بخلاف ما بعد التلف لأنه يدفع الضمان عن نفسه وظاهر أن المردود بعد أن جنى في يد الغاصب جناية مضمونة كالتالف فيما ذكر والتصريح ببعد التوبة من زيادته ولا شهادة مشتر شراء فاسدا بعد القبض للمبيع بالملك فيه لغير خصمه أي لغير البائع إلا بعد الرد له لما ذكر والتصريح بالاستثناء من زيادته ولا شهادة مشتر شراء صحيحا لبائع بالمبيع إن فسخ البيع كأن رد عليه بعيب أو إقالة أو خيار لاستبقائه الغلة لنفسه إن كان المدعي يدعي الملك من تاريخ متقدم على البيع كما ذكره الأصل
ولو أثبت رجل أي أقام بينة بإخوة ميت له دين على شخص فشهد المديون بابن للميت لم تقبل شهادته لأنه ينقل ما عليه للأخ إلى من شهد له بالبنوة بخلاف ما لو تقدمت شهادته ولا تقبل شهادته أي الوارث أو الموصى له بموت مورثه ومن أوصى له قال الأذرعي لم لا يقال تقبل شهادتهما في حق غيرهما دون حقهما لقصر التهمة عليهما دون غيرهما وتقبل شهادة المديون بموت الغريم وهو الدائن لأنه لا ينتفع بها ولا ينظر هنا إلى نقل الحق من شخص إلى آخر لأن الوارث خليفة المورث وكأنه هو لا شهادة العاقلة ولو فقراء والغرماء بجرح من شهد بقتل خطأ أو شبه عمد على من تحمل عنه العاقلة ودين أي وبجرح من شهد بدين آخر على المفلس المحجور عليه فلا تقبل تهمة دفع ضرر تحمل العاقلة ومزاحمة الغرماء أما شهادة العاقلة بفسق على من شهد بقتل عمدا وبإقرار بقتل ولو خطأ فمقبولة لانتفاء تحملهم العقل كما مر في باب الشهادة على الدم وألحقوا بذلك شهادة الوكيل والوصي بجرح من شهد بمال على الموكل واليتيم فإن شهد شخص بوصية لم يشهد له بوصية أيضا
ولو كانت الوصيتان من تركة واحدة جاز أي قبلت الشهادتان لانفصال كل منهما عن الأخرى بغير تهمة واحتمال المواطأة مندفع بأن الأصل عدمها كما تقبل شهادة بعض القافلة لبعض على قطاع الطريق بمثل ما شهد له به البعض الآخر فتقبل الشهادتان إذا نسب كل منهما ما شهد به إلى الآخر بأن يقول أخذوا مال هذا فإن نسبه إليهما معا كقوله أخذوا مالنا لم تقبلا للتهمة قال الزركشي وعلى قياس هذا قول البغوي لو شهد عدلان من الفقراء
351
351
أنه أوصى بثلث ماله للفقراء قبلت أو بثلث ماله لنا لم تقبل قال ابن أبي الدم وينبغي أن يقيد قبولها بما إذا كان في البلد فقراء سوى الشاهدين ثم إذا قلنا بالقبول فهل يدخل الشاهدان في الوصية فيه احتمالان أحدهما نعم تبعا لغيرهما والثاني المنع لأنه يلزم منه استحقاقهما بمجرد شهادتهما قال أعني الزركشي وقد صرح البغوي في تعليقه بأنهما يدخلان فيها وما بحثه يعني ابن أبي الدم لا بد فيه من قيد آخر وهو أن يكونوا غير محصورين وإلا فالظاهر المنع لقوة التهمة ولا سيما إذا قلوا وكثر الموصى به وفي اعتبار هذا القيد وقفة تتلقى من كلام لابن يونس وابن الرفعة في نظير ذلك من الوقف
فصل ولا تقبل شهادة أصل
وإن علا لفرعه ومكاتب فرعه وما دونه وإن قبلت عليهم ولا بالعكس أي ولا تقبل شهادة فرع وإن نزل لأصله ومكاتب أصله وما دونه وإن قبلت عليهم لأنها كالشهادة لنفسه لأن الشهود له بعضه أو كبعضه ومن ذلك أن تتضمن شهادته دفع ضرر عمن ذكر كأن يشهد للأصيل الذي ضمنه بعضه بالأداء أو الإبراء نعم لو ادعى السلطان على شخص بمال لبيت المال فشهد له به أصله أو فرعه قبلت كما قاله الماوردي لعموم المدعى به وقضية كلامهم أنه لو شهد لأحد ابنيه على الآخر لم يقبل وبه جزم الغزالي لكن جزم ابن عبد السلام بقبولها لأن الوازع الطبيعي قد تعارض فيظهر الصدق لضعف التهمة المعارضة وبه أفتى ابن الجميزي ويقاس بذلك بقية الصور فائدة لو شهد الوالد لولده أو العدو على عدوه أو الفاسق بما يعلمونه من الحق والحاكم لا يشعر بمانع الشهادة فهل يأثمون بذلك قال ابن عبد السلام المختار جوازه لأنهم لم يحملوا الحاكم على باطل بل على إيصال حق إلى مستحقة ولا إثم عليه ولا على الخصم ولا على الشاهد وتقبل شهادته على الأب بتطليق ضرة أمه وقذفها وإن جرت نفعا إلى أمه إذ لا عبرة بمثل هذا الجر لا شهادته لأمه بطلاق أو رضاع إلا إن شهد به حسبة ابتداء فتقبل ولا حاجة لقوله ابتداء وإن ذكره الأصل لأن شهادة الحسبة لا تكون إلا ابتداء وترد شهادة أب بزنا زوجة ابن له قد قذفها ابنه وطولب بالحد وإن لم يطالب به أو لم يقذفه ها وشهد أباه بذلك حسبة قبلت شهادته
فرع لو قال شخص لزيد وفي يده عبد اشتريت هذا العبد الذي في يدك من عمرو وعمرو اشتراه منك وطالبه بالتسليم فأنكر جميع ذلك وشهد له بذلك ابنا عمرو أو ابنا زيد قبلت شهادتهما وإن تضمنت إثبات الملك لأبيهما لأن المقصود بها في الحال المدعي وهو أجنبي عنها ولو شهد لوالده أو نحوه ولأجنبي قبلت شهادته
352
352
للأجنبي فقط لاختصاص المانع بغيره وقضية كلامهم أنه لا فرق بين قوله هذا لوالدي ولفلان وعكسه قاله الزركشي ثم قال ويشبه أن يكون الخلاف فيما إذا قدم الأجنبي فإن قدم الآخر فيحتمل القطع بالبطلان للأجنبي من جهة العطف على الباطل كما لو قال نساء المسلمين طوالق وأنت طالق انتهى وقوله وأنت طالق عبارة الأصحاب وأنت يا زوجتي وهو الوجه
فرع تقبل شهادة أحد الزوجين للآخر وعليه لأن الحاصل بينهما عقد يطرأ ويزول فلا يمنع قبولها كما لو شهد أحد المتآجرين للآخر أو عليه لا شهادته أي الزوج بزناها أي بزنا زوجته ولو مع ثلاثة فلا تقبل لأن شهادته عليها بذلك تدل على كمال العداوة بينهما ولأنه نسبها إلى خيانة في حقه فلا يقبل قوله كالمودع فصل لا تقبل شهادته على عدو له وإن قبلت له للتهمة ولخبر لا تقبل شهادة ذي غمر بكسر الغين المعجمة أي عدو حقود على أخيه رواه أبو داود وابن ماجه بإسناد حسن وعدو المرء من يتمنى زوال نعمته ويفرح بمصيبته ويحزن بمسرته وذلك قد يكون من الجانبين وقد يكون من أحدهما فيختص برد شهادته على الآخر وإن أفضت العداوة إلى الفسق ردت شهادته مطلقا كما علم مما مر والمراد العداوة الظاهرة لأن الباطنة لا يعلمها إلا مقلب القلوب وإن عادى من سيشهد عليه وبالغ في خصامه ولم يجبه ثم شهد عليه لم ترد شهادته لئلا يتخذ ذلك ذريعة إلى ردها وهذا في غير القذف كما يعلم مما يأتي ولا تقبل شهادته على قاذفه ولو قبل طلب الحد لظهور العداوة كما نبه عليه بقوله والنص يقتضي أن الطلب للحد ليس بشرط في عدم قبول الشهادة ولا تقبل شهادته على من ادعى عليه أنه قطع عليه الطريق وأخذ ماله وحاصل كلام الأصل نقلا عن النص أن كلا من القاذف والمقذوف في الأولى ومن المدعي والمدعى عليه في الثانية لا تقبل شهادته على الآخر فإن قذفه المشهود عليه بعد الشهادة عليه لم يؤثر في قبولها فيحكم بها الحاكم فرع البغض لله المعبر عنه في الأصل بالعداوة الدينية ليس قدحا في الشهادة فمن أبغضته لفسقه قبلت شهادتك عليه كشهادة المسلم على الكافر والسني على المبتدع وجرح العالم الراوي الحديث أو نحوه كالمفتي نصيحة كأن قال لا تسمعوا الحديث من فلان فإنه مخلط أو لا تستفتوه فإنه لا يعرف الفتوى لا يقدح في شهادته لأنه نصيحة للناس وتقبل الشهادة من العدو للعدو إذا لم يكن بعضه إذ لا تهمة والفضل ما شهدت به الأعداء
فرع حب الرجل لقومه ليس عصبية حتى ترد شهادته لهم بل تقبل مع أن العصبية وهي أن يبغض الرجل لكونه من بني فلان لا تقتضي الرد بمجردها وإنما تقتضيه إن انضم إليها دعاء الناس وتألفهم للإضرار به والوقيعة فيه كما يؤخذ من قوله فإن ألب بتشديد اللام أي جمع جماعة على
353
353
أعدائهم أي قومه ووقع معها فيهم ردت شهادته عليهم وتقبل الشهادة للصديق والأخ وسائر الحواشي وإن كانوا يصلونه ويبرونه لانتفاء التهمة ولأن الصداقة مندوب إليها بخلاف العداوة فعوقب العدو على عداوته فرع تقبل شهادة أهل البدع كمنكري صفات الله وخلقه أفعال عباده وجواز رؤيته يوم القيامة لاعتقادهم أنهم مصيبون في ذلك لما قام عندهم إلا الخطابية وهم أصحاب أبي الخطاب الأسدي الكوفي كان يقول بألوهية جعفر الصادق ثم ادعى الألوهية لنفسه فلا تقبل شهادتهم لمثلهم وإن علمنا أنهم لا يستحلون دماءنا وأموالنا لتجويزهم الشهادة لمن صدقوه في دعواه أي لأنهم يرون جواز شهادة أحدهم لصاحبه إذا سمعه يقول لي على فلان كذا فيصدقه بيمين أو غيرها ويشهد له اعتمادا على أنه لا يكذب إذ الكذب عندهم كفر و إلا منكري العلم لله تعالى بالمعدوم والجزئيات ومنكري حدوث العالم والبعث والحشر للأجسام فلا تقبل شهادتهم للكفر لإنكارهم ما علم مجيء الرسول به ضرورة لا من قال بخلق القرآن أو نفي الرؤية وما ورد من كفرهم مؤول بكفران النعمة لا الخروج عن الملة بدليل أنهم لم يلحقوهم بالكفار في الإرث والأنكحة ووجوب قتلهم وقتالهم وغيرها فلو قال الخطابي في شهادته رأيت أو سمعت قبلت شهادته لتصريحه بالمعاينة النافية لاحتمال اعتماده على إخبار المشهود له وتقبل شهادة من يسب الصحابة والسلف لأنه يقوله اعتقادا لا عداوة وعنادا فلا نكفر متأولا بماله وجه محتمل نعم قاذف عائشة رضي الله عنها كافر فلا تقبل شهادته لأنه كذب الله تعالى في أنها محصنة قال الله تعالى إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات الآية وقذف سائر المحصنات يوجب رد الشهادة فقذفها أولى فصل ولا تقبل شهادة المغفل الذي لا يضبط أصلا أو غالبا إذ لا يوثق بقوله فإن فسر شهادته وبين وقت التحمل ومكانه قبلت لزوال التهمة وكثير الغلط والنسيان ترد شهادته للتهمة ولا يضر قليل الغلط والنسيان إذ لا يسلم منه أحد فصل وإن شهد فاسق ولو معلنا بفسقه أو عدو فردت شهادته ثم حسنت توبته وأعادها لم تقبل للتهمة بدفع عار رد شهادته الأولى عنه نعم إن لم يصغ القاضي إلى شهادة المعلن قبلت شهادته المعادة بناء على الأصح في الشرح الصغير وأصل الروضة من أن القاضي لا يصغي إليها كما لا يصغي إلى شهادة
354
354
العبد والصبي فما أتى به أولا ليس بشهادة في الحقيقة بخلاف الكافر المعلن والعبد والصبي إذا شهدوا شهادة ثم أعادوها بعد الكمال قبلت لأن شهادتهم الأولى لم تكن في الحقيقة شهادة حتى توصف بالرد والقبول ولأنهم لا يتعيرون برد شهادتهم فلا يتهمون لأن نقص العبد والصبي ليس إليهما والكافر لا يعتقد كفره نقصا بل يفتخر به ولا يبالي برد شهادته بخلاف الفاسق والعدو وخرج بالكافر المعلن المسر بكفره فلا تقبل شهادته المعادة بعد إسلامه للتهمة ولو شهد السيد لمكاتبه أو مأذونه بمال أو غيره أو لمورثه بجراحة قبل اندمال لها فردت شهادته ثم أعادها بعد العتق والاندمال لم تقبل
كما لو شهد شفيعان بعفو الشفيع الثالث قبل عفوهما فردت شهادتهما ثم أعاداها بعد عفوهما وإن ردت شهادة الفرع الشاهد على شهادة أصل لفسق الأصل فتاب الأصل ثم أعادها بنفسه أو بغيره لم تقبل للتهمة ولو ردت شهادة الفرع لفسقه لم يؤثر في شهادة الأصل قال الأذرعي والأشبه قبول الشهادة المعادة ممن شهد به خرس ثم زال انتهى ومثلها المعادة ممن شهد به عمى ثم زال فصل ولو شهد في غير شهادة الحسبة قبل الدعوى وكذا بعدها لكن قبل الاستشهاد به ردت شهادته لتهمته بالحرص عليها وفي خبر الصحيحين في معرض الذم ثم يجيء قوم يشهدون ولا يستشهدون وأما خبر مسلم ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها فمحمول على ما يجوز المبادرة إليه وهو شهادة الحسبة ولا يصير بذلك مجروحا في شهاداته بل في شهادته بها أي بتلك الواقعة فقط أي لا في غيرها ولا فيها إذا استشهد في مجلس آخر بل أو في مجلس تلك الشهادة كما اقتضاه كلام الأصل والأنوار وعبارته ولو أعادها بالاستشهاد قبلت فقوله من زيادته لا في مجلس آخر زيادة ضرر فرع تقبل شهادة من اختبأ في زاوية ليستمع ما يشهد به ولا يحمل على الحرص لأن الحاجة قد تدعوا إليه كأن يقر من عليه الحق إذا خلا به المستحق ويجحد إذا حضر غيره ويستحب له أن يخبر الخصم بأنه اختبأ وشهد عليه لئلا يبادر إلى تكذيبه إذا شهد فيعزره القاضي وإن قالا أي اثنان لثالث حاسب بيننا لنتصادق ولا تشهد علينا بما يجري ففعل لزمه أن يشهد بما جرى والشرط فاسد وتقبل شهادة الحسبة في حقوق الله تعالى والأصل في قبولها خبر مسلم السابق كالحدود والمستحب سترها أي ستر موجباتها على ما مر في الزنا وكالصلاة والصوم بأن يشهد بتركهما
وكذا تقبل فيما لله فيه حق مؤكد وهو ما لا يتأثر برضا الآدمي كالطلاق رجعيا كان أو بائنا لأن المغلب فيه حق الله تعالى بدليل أنه لا يرتفع بتراضي الزوجين لا في مال الخلع لأنه حق آدمي بخلاف فراقه وقيل لا تقبل في فراقه أيضا لأنه لا ينفك عن المال والترجيح من زيادته وبه صرح الإسنوي قال فقد جزم به القاضي واختاره الغزالي وتبعه الحاوي الصغير وكالعتق والاستيلاد لا في عقدي التدبير والكتابة وفارقهما الاستيلاد بأنه يفضي إلى العتق لا محالة بخلافهما و لا في شراء القريب الذي يعتق به وإن تضمن العتق لكون الشهادة على الملك والعتق تبع وليس كالخلع لأن المال فيه تابع وفي الشراء مقصود فإثباته دون
355
355
المال محال لا شهادتها بالعتق الحاصل بها أي بالتدبير والكتابة وشراء القريب أي بكل منها فتقبل وذكر هذا في الثالثة من زيادته وتقبل في العفو عن القصاص لما في قبولها فيه من سلامة النفس وفي الوصية والوقف إذا عمت جهتهما ولو أخرت الجهة العامة فيدخل نحو ما أفتى به البغوي من أنه لو وقف دارا على أولاده ثم على الفقراء فاستولى عليها ورثته وتملكوها فشهد شاهدان حسبة قبل انقراض أولاده بوقفيتها قبلت شهادتهما لأن آخره وقف على الفقراء لا إن خصت جهتهما فلا تقبل فيهما لتعلقهما بحظوظ خاصة
و تقبل في الرضاع والنسب وانقضاء العدة وبقائها وتحريم المصاهرة والزكوات والكفارات بأن يشهد بتركهما والبلوغ والإسلام والكفر وقطع الطريق والسرقة وهذان مكرران لدخولهما في الحدود والإحصان والتعديل لا في حق الآدمي كالقصاص وحد القذف والبيوع ونحوها لكن إذا لم يعلم صاحب الحق به أعلمه الشاهد به ليستشهده بعد الدعوى ولا تسمع دعوى الحسبة فيما تقبل فيه شهادتها اكتفاء بشهادتها ولأنه لا حق للمدعي في المشهود به ومن له الحق لم يأذن في الطلب والإثبات بل أمر فيه بالإعراض والدفع ما أمكن وقيل تسمع لأن البينة قد لا تساعد ويراد استخراج الحق بإقرار المدعى عليه والترجيح من زيادته وبه صرح الإسنوي بل ما رجحه نسبه الإمام إلى العراقيين وقضية ما مر في السرقة وآخر القضاء على الغائب ترجيح الثاني وصححه البلقيني ويجب حمله على غير حدود الله تعالى فسيأتي في الدعاوى عدم سماعها فيها لكن محله كما قال ابن الصباغ والبندنيجي والماوردي وغيرهم إذا لم يتعلق بها حق آدمي فتسمع في السرقة إذا لم يبرأ السارق من المال برد ونحوه وإلا فلا تسمع لتمحض الحق لله تعالى كالزنا فالمعتمد سماعها إلا في محض حدود الله تعالى ولا تسمع شهادتها أي الحسبة حتى تقول شهودها ابتداء للقاضي نشهد بكذا على فلان فأحضره لنشهد عليه فإن قالوا ابتداء فلان زنى فهم قذفة
نعم إن وصلوا شهادتهم به قال الزركشي فالظاهر أنهم لبسوا بقذفة لكن كلام الروياني يقتضي أنه لا فرق انتهى وإنما تسمع عند الحاجة إليها فإن شهدوا بحرية لشخص قالوا وفلان يسترقه أو شهدوا برضاع محرم لامرأة على رجل قالوا وفلان يريد أن ينكح ها أو نكح ها قال في الأصل نقلا عن فتاوى القفال ولو شهد اثنان بطلاق وقضى القاضي بشهادتهما ثم جاء
356
356
آخران يشهدان بإخوة بين المتناكحين لم تقبل هذه الشهادة إذ لا فائدة لها في الحال ولا عبرة بكونهما قد يتناكحان بعد انتهى وظاهر أن محله إذا لم يقولا والمطلق يريد أن ينكحها وحذف المصنف ذلك لفهمه مع القيد المذكور من كلامه السابق وتسمع البينة بعتق أحد العبدين فلو جاء عبدان للقاضي فقالا إن سيدنا أعتق أحدنا وقامت بينة بذلك سمعت وإن كانت الدعوى فاسدة لأن البينة على العتق مستغنية عن تقدم الدعوى فصل لا تقبل شهادة الأخرس ولو عقلت إشارته لأنها ليست بصريحة في الشهادة ونحن في غنية عن شهادته بشهادة غيره وتقبل شهادة ولد الزنا ويكون قاضيا لا إماما تعقد له الإمامة لأن النسب شرط في الإمامة بخلاف الإمامة بالشوكة وقوله لا إماما تعقد له من زيادته على الروضة هنا و تقبل شهادة محدود تاب عما حد به فصل التوبة تنقسم إلى توبة بين العبد وبين الله تعالى وهي التي يسقط بها الإثم وإلى توبة في الظاهر وهي التي يتعلق بها عود الشهادات والولايات فالتوبة المسقطة للإثم أن يندم على ما فعل من حيث إنه معصية ويتركه في الحال ويعزم على أن لا يعود إليه وأن لا يغرغر وأن يخرج عن المظالم والزكاة الواجبة عليه إن كانت وذلك بأن يردها إلى مستحقها إن بقيت ويغرم بدلها إن تلفت أو يستحل من المستحق لها أو من وارثه فيبرئه قال الله تعالى فاستغفروا لذنوبهم أي ندموا ولم يصروا على ما فعلوا أي عزموا أن لا يعودوا على ما فسر به بعضهم وقال صلى الله عليه وسلم من كانت لأخيه عنده مظلمة في عرض أو مال فليستحلله اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم فإن كان له عمل يؤخذ منه بقدر مظلمته وإلا أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه رواه مسلم وقول المصنف أو من وارثه من زيادته ولا حاجة إليه لدخوله في المستحق وعطف الزكاة على المظالم من عطف الخاص على العام و أن يعلمه بها إن لم يعلم فإن لم يكن مستحق أو انقطع خبره سلمها إلى قاض أمين فإن تعذر تصدق بها على الفقراء ونوى الغرم له إن وجده أو يتركها عنده والتصريح بتركها من زيادته قال الإسنوي ولا يتعين التصدق بها بل هو مخير بين وجوه المصالح كلها قال الأذرعي وقد يقال إذا لم يكن للقاضي الأمين صرف ذلك في المصالح إذا لم يكن مأذونا له في التصرف فكيف يكون ذلك لغيره من الآحاد
والمعسر ينوي الغرم إذا قدر بل يلزمه التكسب لإيفاء ما عليه إن عصى به لتصح توبته فإن مات معسرا طولب في الآخرة إن عصى بالاستدانة كما يقتضيه ظواهر السنة الصحيحة وإلا فالظاهر أنه لا مطالبة فيها إذ لا معصية منه والرجاء في الله تعويض الخصم وتباح الاستدانة للحاجة لا في سيف ولا غيره من سائر المعاصي إذا رجا الوفاء من جهة أو سبب ظاهر ومن ارتكب ما يوجب حد الله تعالى كأن زنى أو شرب فالأفضل له إن لم يثبت عليه أن يستر على نفسه لخبر من أتى من هذه القاذورات شيئا
السابق في باب الزنا فإن ثبت عليه فات الستر وأتى حينئذ ندبا فيما يظهر الإمام ليقام عليه الحد لم يعبر الأصل بالثبوت بل بالظهور قال ابن الرفعة والمراد به الشهادة قال وألحق به ابن الصباغ ما إذا اشتهر بين الناس وإن كان موجب ما ارتكبه
357
357
قصاصا أو قذفا أي عقوبته أعلم المستحق له به ومكنه من الاستيفاء فيأتي إليه فيقول أنا الذي قتلت أو قذفت ولزمني موجبهما فإن شئت فاستوف وإن شئت فاعف لما في حقوق الآدميين من التضييق
ويستغفر الله تعالى من الغيبة إن لم يعلم صاحبها بها فإن علم صاحبها بها استحل منه لا من وارثه بعد موته عبارة الأصل فإن تعذر استحلاله لموته أو تعسر لغيبته البعيدة استغفر الله تعالى ولا اعتبار بتحليل الورثة ويستغفر الله تعالى من الحسد وهو أن يتمنى زوال نعمة غيره ويسر ببليته وعبارة الأصل والحسد كالغيبة وهي أفيد ولا يخبر صاحبه أي لا يلزمه إخبار المحسود قال في الروضة بل لا يسن ولو قيل يكره لم يبعد وفي الاستحلال من الغيبة المجهولة كلام تقدم في الضمان فصل من مات وله ديون أو مظالم على شخص ولم تصل إلى الورثة ومات المدين طالب بها مستحقها الأول في الآخرة لا آخر وارث من ورثته أو ورثة ورثته وإن نزلوا وإن دفعها إلى الوارث عند انتهاء الاستحقاق إليه قال القاضي أو أبرأه الوارث خرج عن مظلمة غير المطل بخلاف مظلمة المطل فصل في التوبة في الظاهر وإنما تعود عدالة التائب عن الفسق الناشئ عن المعصية التي لا تقتضي الكفر كالزنا والشرب بمدة يغلب على الظن فيها أنه قد صلح عملا وسريرة لا بإظهار التوبة منه إذ لا يؤمن أن يكون له في الإظهار غائلة وغرض فاسد فاعتبرت مدة لذلك وهي سنة لأن لمضيها المشتمل على الفصول الأربعة أثرا بينا في تهييج النفوس لما تشتهيه فإذا مضت على السلامة أشعر ذلك بحسن السريرة ومحله في ظاهر الفسق فلو كان يخفيه وأقر به ليقام عليه الحد قبلت شهادته عقب توبته لأنه لم يظهر التوبة عما كان مستورا إلا عن صلاح ذكره الروياني وغيره نقله الإسنوي ثم قال وهو ظاهر ثم في كون السنة تحديدية أو تقريبية وجهان في الحاوي والبحر قال الأذرعي والأشبه الثاني وكلام الجمهور يقتضي الجزم بالأول ويشترط في التوبة من المعصية القولية القول كما أن التوبة من الردة بكلمتي الشهادة
فيقول في توبته من القذف قذفي باطل وأنا نادم على ما فعلت ولا أعود إليه أو يقول ما كنت
358
358
محقا في قذفي وقد ثبت منه أو نحو ذلك ليندفع عار القذف وتبع في عطفه لا أعود بالواو الأصل كالجمهور ولكن عبر البغوي في تعليقه بأو ولا يشترطه فيها أن يقول كذبت فيما قذفته به فقد يكون صادقا فكيف يؤمر بالكذب وأما خبر توبة القاذف إكذابه نفسه فغريب وبتقدير شهرته فمحمول على الرجوع والإقرار ببطلان ما صدر منه فإنه نوع إكذاب سواء كان القذف بصورة الشهادة عند القاضي بأن لم يكمل عدد الشهود أو بالسب والإيذاء و لكن لو كان قذفه في شهادة لم تكمل عددا فليتب أي يشترط أن تكون توبته عند القاضي ولا يشترط حينئذ مضي المدة إذا كان عدلا قبل القذف وإن كان قذفه بالسب والإيذاء اشترط مضيها لأن ذلك فسق مقطوع به بخلاف الفسق عند الشهادة ولهذا تقبل رواية من شهد بالزنا وإن لم يتب وتخصيصه وجوب التوبة عند القاضي بالقذف بصورة الشهادة من زيادته وصرح به الزركشي قال وكلام الغزالي في الإحياء يشير إليه قال في الأصل واعلم أن اشتراط التوبة بالقول في القذف مشكل وإلحاقه بالردة ضعيف فإن اشتراط كلمتي الشهادة مطرد في الردة القولية والفعلية كإلقاء المصحف في القاذورات زاد الرافعي وبالجملة فلم يشترط في القول أن يقول ما كنت محقا في قول كذا ولم يشترط في الفعل ما كنت محقا في فعل كذا
وقد ذكر ذلك في المطلب ثم تعقبه بما يطول ذكره وقد نبه عليه الأذرعي مع زيادة ولا يشترط في التوبة من الردة مدة وفرقوا بينها وبين سائر المعاصي بأنه إذا أسلم فقد أتى بضد الكفر فلم يبق بعد ذلك احتمال بخلاف سائر المعاصي فتقبل شهادته بعد إسلامه وقيده الماوردي والروياني بما إذا أسلم مرسلا فإن أسلم عند تقديم القتل اعتبر مضي المدة فرع لو قذفه وأقام بينة على زناه قبلت شهادته لإظهار صدقه بالبينة ولم يقدح قذفه فيه أي في قبول شهادته والتصريح بهذا من زيادته وكذا الحكم إن اعترف به المقذوف أو قذف زوجته ولاعن قال الأذرعي أو طلب المقذوف الحد فطلب القاذف يمينه على أنه لم يزن فنكل ولا يشترط في رد شهادة القاذف إحصان المقذوف بل قذفه لعبده ترد به شهادته ويكفي تحريم القذف سببا للرد وشاهد الزور يقول في توبته من شهادته كذبت فيما قلت ولا أعود إلى مثله لتبين كذبه بالعلم بأنه شهد زورا فليس فيه أمره بالكذب ويستبرئ مع ذلك سنة كسائر الفسقة ثم إذا ظهر صلاحه
359
359
يقبل في شهادته في غير تلك الشهادة عبارة الأصل في غير تلك الواقعة ومن غلط في شهادة لم يستبرأ أي لم يجب استبراؤه بل تقبل شهادته في غير واقعة لغلط ولا تقبل فيها فصل تجب التوبة من المعصية على الفور بالاتفاق وتصح من ذنب دون ذنب وإن تكررت توبته وتكرر منه العود إلى الذنب ولا تبطل توبته به بل هو مطالب بالذنب الثاني دون الأول وإن كانت توبته من القتل الموجود للقود صحت توبته في حق الله تعالى قبل تسليمه نفسه ليقتص منه ومنعه القصاص حينئذ عن مستحقه معصية جديدة لا تقدح في التوبة بل تقتضي توبته منها ولا يجب عليه تجديد التوبة كلما ذكر الذنب وقيل يجب لأن تركه حينئذ استهانة بالذنب والأول يمنع ذلك والترجيح من زيادته وسقوط الذنب بالتوبة مظنون لا مقطوع به و سقوطه بالإسلام مع الندم مقطوع به وثابت بالإجماع قال في الأصل وليس إسلام الكافر توبة من كفره وإنما توبته ندمه على كفره ولا يتصور إيمانه بلا ندم فتجب مقارنة الإيمان للندم على الكفر
فصل لو حكم القاضي بشهادة اثنين فبانا له كافرين أو عبدين أو امرأتين أو فاسقين أو خنثيين أو صبيين أو نحو ذلك نقض حكمه أي أظهر بطلانه لأنه تيقن الخطأ كما لو حكم باجتهاده فوجد النص بخلافه وينقضه غيره إذا بان له ذلك قال في الأصل فإن قيل قد اختلف العلماء في شهادة العبيد فكيف نقض الحكم في محل الخلاف والاجتهاد قلنا لأن الصورة مفروضة فيمن لا يعتقد الحكم بشهادة العبيد وحكم بشهادة من ظنهما حرين فلا اعتداد بمثل هذا الحكم ولأنه حكم بخلاف القياس الجلي لأن العبد ناقص في الولايات وسائر الأحكام فكذا في الشهادة وإن شهدا ثم فسقا أو ارتد قبل الحكم بشهادتهما لم يحكم بشهادتهما لأن ذلك يوقع ريبة فيما مضى ويشعر بخبث كأمن ولأن الفسق يخفى غالبا فربما كان موجودا عند الشهادة وإن شهدا ثم ماتا أو جنا أو عميا أو خرسا حكم بشهادتهما لأن هذه الأمور لا توقع ريبة فيما مضى بل يجوز التعديل لهما بعد حدوثها ثم يحكم بشهادتهما ولو فسقا أو ارتدا بعد الحكم بشهادتهما وقبل استيفاء المال استوفى كما ورجعا عن شهادتهما كذلك وخرج بالمال الحدود فلا يستوفى فرع فإن قال الحاكم بعد الحكم بان لي أنهما كانا فاسقين ولم تظهر بينة بفسقهما نقض حكمه أيضا إن جوزنا قضاءه بالعلم وهو الأصح ولم يتهم فيه ولو قال أكرهت على الحكم بشهادتهما وأنا أعلم فسقهما قبل قوله من غير قرينة على الإكراه وتعبيره بالقرينة لا يوافق تعبير أصله بالبينة الموافق لقولهم لا يقبل قول الشخص أنه أكره إلا بقرينة قال الأذرعي وينبغي أن يكون محل قبول قوله إذا كان الإكراه مما يسوغ الإقدام على ذلك الحكم وإلا فهو معترف على نفسه بالخطأ فلا يتعدى اعترافه إلى غيره وينقض الحكم بشهادة اثنين إن بانا والدين أو ولدين للشهود له أو عدوين للمشهود عليه وقول الأصل بانا بالبينة الظاهر أنه ليس بقيد فلهذا تركه المصنف ولو قال الحاكم كنت يوم الحكم فاسقا فالظاهر أنه لا يلتفت إليه كما لو قال الشاهدان كن عند عقد النكاح فاسقين ذكره الأذرعي وغيره ويفارق ما مر في قوله بان لي فسق الشاهدين بأنه أعرف بصفة نفسه منه بصفة غيره فتقصيره في حق نفسه أكثر
360
360
الباب الثاني في العدد والذكورة
إنما يحكم بواحد في هلال رمضان للصوم لا غيره لما مر في كتاب الصيام وقدم المصنف ثم إنه يثبت بالواحد أيضا شهر نذر صومه وتقدم ثم ما فيه ثم الشهادات ثلاثة أضرب الأول في الزنا واللواط وإتيان البهيمة والميتة فلا يقبل فيها إلا أربعة رجال لقوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء وقوله تعالى لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء وقوله تعالى فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ولخبر مسلم عن سعد بن عبادة أنه قال يا رسول الله أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء فقال نعم ولما في ذلك من القبائح الشنيعة فغلظت الشهادة فيه ليكون أستر ويثبت الإقرار به أي بكل من المذكورات كالقذف برجلين لأن المشهود به قول فأشبه سائر الأقوال ويشترط أن يذكروا أي شهود الزنا المرأة الزنى بها فقد يظنون وطء المشتركة وأمة ابنه زنا و أن يذكروا الزنا مفسرا
ويقولون الأولى قول أصله فيقولون رأيناه أدخل ذكره أو قدر الحشفة منه في فرج فلانة على سبيل الزنا فقد يظنون المفاخذة زنا وفي الخبر زنا العينين النظر بخلاف شهادتهم بوطء الشبهة يكفي إطلاقهم لأن المقصود منه المال ولهذا يثبت بما يثبت به المال كما سيأتي ولا يشترط أن يقول الشاهد بذلك رأيناه أدخل ذكره أو نحوه في فرجها كالمرود في المكحلة وإنما يذكره احتياطا قال ابن الرفعة واعتبر القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما ذكر مكان الزنا وزمانه وهو ما في التنبيه في المكان تبعا للشيخ أبي حامد ورأى الماوردي أنه إن صرح بعض الشهود بذلك وجب سؤال الباقين عنه وإلا فلا ويكفي الشاهد في وطء الشبهة أن يقول وطئها بشبهة ويجوز النظر منه إلى الفرج للشهادة كما مر في النكاح الضرب الثاني فيما لا يقصد منه المال فالعقوبات التي لله تعالى أو للآدمي كالشرب أي كحده وقطع الطريق والردة أي القتل بها والقصاص في النفس والطرف وحد القذف والتعزير لا يثبت إلا برجلين لا بغيرهما كالشاهد واليمين والنسوة وغير العقوبة إن اطلع عليه الرجال غالبا فكذلك أي لا يثبت إلا برجلين وذلك كالنكاح والرجعة والطلاق والعتاق والإسلام والردة والبلوغ والإيلاء والظهار والإعسار والموت والخلع من جانب المرأة بأن ادعته على زوجها والولاء وانقضاء العدة بالأشهر وجرح الشهود
361
361
وتعديلهم والعفو عن القصاص ولو على مال والإحصان والكفالة بالبدن ورؤية غير رمضان والشهادة على الشهادة والحكم والتدبير والاستيلاد وكذا الكتابة إن ادعى الرقيق شيئا من الثلاثة
والوكالة والوصاية والقراض والشركة وإن كانت الأربعة في مال لأنه تعالى نص على الرجلين في الطلاق والرجعة والوصاية وتقدم خبر لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل وروى مالك عن الزهري مضت السنة بأنه لا تجوز شهادة النساء في الحدود ولا في النكاح والطلاق وقيس بالمذكورات غيرها مما يشاركها في الشرط المذكور والوكالة ونحوها وإن كانت في مال القصد منها الولاية والسلطنة لكن لما ذكر ابن الرفعة اختلافهم في الشهادة بالقراض والشركة قال وينبغي أن ينزل كلام الفريقين على تفصيل فيقال إن رام مدعيها إثبات التصرف فهو كالوكيل أو إثبات حصة من الربح فرجل وامرأتان إذا المقصود المال ويقرب منه دعوى المرأة النكاح لإثبات المهر فيثبت برجل وامرأتين وإن لم يثبت النكاح وكذا لو ادعى أن زيدا أوصى إلى عمر وبإعلائه كذا فتثبت الوصية بالمال دون الوصاية انتهى وإنما لم يكتف في مسألة العفو عن القصاص على مال برجل وامرأتين أو شاهد ويمين مع أن المقصود منه المال لأن الجناية في نفسها موجبة للقصاص لو ثبتت والمال إنما هو بدل عنه
واكتفى في الشهادة على الشهادة برجلين ولم يحتج إلى أربعة كما لو شهدا على مقرين بناء على أن الفرع لا يثبت بشهادته الحق ولا يقوم مقام الأصل بل يثبت بها شهادة الحق والحق يثبت بشهادة الأصل لأنه يصرح بالشهادة على شهادته ولم يشهد فعلا ولا سمع قولا فهو كمن شهد بإقرار اثنين ولو قلنا بقيامه مقامه قام الرجلان إذا شهدا على شهادة أحد الأصلين مقامه فلا يجوز أن يقوما مقام الثاني كمن شهد مرة بشيء ثم شهد به مرة أخرى لا يكمل به النصاب وسواء في اشتراط الرجلين كان الأصل رجلا أم رجلين أم رجلا وامرأتين أم أربع نسوة وخرج بقولي فيما مر إن ادعى الرقيق شيئا من الثلاثة ما لو ادعاه السيد على من وضع يده عليه أو الكتابة على الرقيق لأجل النجوم فإنه يقبل فيها ما يقبل في المال وما يختص بمعرفته النساء غالبا يقبلن فيه منفردات وذلك كالولادة والبكارة والثيابة والرتق والقرن والحيض والرضاع وعيب المرأة من برص وغيره كجراحة على فرجها تحت الإزار حرة كانت أو أمة
362
362
واستهلال الولد فلا يقبل فيه إلا أربع نسوة أو رجلان أو رجل وامرأتان روى ابن أبي شيبة عن الزهري مضت السنة بأنه تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن من ولادة النساء وعيوبهن وقيس بذلك غيره مما شاركه في الضابط المذكور وإذا قبلت شهادتهن في ذلك منفردات فقبول الرجلين والرجل والمرأتين أولى
وما تقرر في مسألة الرضاع قيده القفال والقاضي والمتولي بما إذا كان الرضاع من الثدي فإن كان من إناء حلب فيه اللبن لم تقبل شهادة النساء به لكن تقبل شهادتهن بأن هذا اللبن من هذه المرأة لأن الرجال لا يطلعون عليه غالبا وقول المصنف يقبلن فيه منفردات يغني عنه قوله إلا أربع إلى آخره ولا يثبت عيب بوجه الحرة وكفيها إلا برجلين بناء على أنه لا يحرم النظر إلى ذلك ويثبت العيب في الأمة فيما يبدو حال المهنة برجل وامرأتين لأن المقصود منه المال لكن هذا وما قبله إنما بإتيان على القول بحل النظر إلى ذلك أما على ما صححه الشيخان في الأولى والنووي في الثانية من تحريم ذلك فالأوجه قبول النساء منفردات ثم رأيت البلقيني ذكر نحوه قال الإسنوي وقضية التعليل المذكور اختصاص ذلك بما إذا كان إثبات العيب لفسخ البيع فإن كان لفسخ النكاح لم يقبل الضرب الثالث المال وما المقصود منه المال كالأعيان والديون في الأول والعقود المالية ونحوها وكذا الإقرار به أي بما ذكر في الثاني يثبت كل منهما برجلين ورجل وامرأتين لعموم قوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان وسيأتي أنه يثبت أيضا بشاهد ويمين ولا يثبت نسوة منفردات لعدم اختصاصهن بمعرفته ومثل للأمثلة السابقة لكونها مجملة بقوله كالبيوعات والإقالة والضمان والرد بالعيب والحوالة والصلح والإبراء والقرض والشفعة والمسابقة والغصب والوصية بمال والمهر في النكاح ووطء الشبهة والجناية في المال وقتل الخطأ وقتل الصبي والمجنون و قتل حر عبدا ومسلم ذميا ووالد ولدا والسرقة التي لا قطع فيها وكذا يثبت بذلك حقوق الأموال والعقود كشرط الرهن والخيار والأجل وقبض المال ولو أخر نجم في الكتابة وإن ترتب عليه العتق لأن المقصود المال والعتق يحصل بالكتابة وطاعة الزوجة لتستحق النفقة وقتل كافر لسلبه وإن مات صيد لتملكه وعجز مكاتب عن النجوم
ورجوع الميت عن التدبير بدعوى وارثه وإثبات السيد أي إقامة بينة بأم الولد التي ادعاها على غيره فيثبت ملكها له وإيلادها لكن في صورة شهادة الرجل والمرأتين يثبت عتقها بموته بإقراره والعوض أصلا أو قدرا في الطلاق و في العتق و في النكاح و كذا يثبت بذلك فسخ العقود المالية بخلاف فسخ النكاح لا يثبت إلا برجلين وشهادة الخنثى كالأنثى لاحتمال كونه أنثى فرع إذا شهد بالسرقة رجل وامرأتان ثبت المال لا القطع كما مر في بابها وإن علق طلاقا أو عتقا بولادة فشهد بها أربع نسوة أو رجل وامرأتان ثبتت دونهما كما يثبت صوم رمضان بواحد ولا يحكم بوقوع الطلاق والعتق المعلقين باستهلاله بشهادة ذلك الواحد ولو ثبتت الولادة بهن أو برجل وامرأتين أولا ثم قال إن كنت ولدت فأنت طالق أو حرة طلقت وعتقت والفرق بينها وبين ما قبلها أن التعليق بعد الحكم واقع بعد ثبوت المعلق به ظاهرا فنزل عليه وإلا فهو مراغمة لحكم القاضي وقدح فيه والتعليق قبله ينصرف إلى نفس المعلق به فإذا شهدوا به لا يقع المعلق وإن ثبت
363
363
المعلق به كما لا يثبت قطع السرقة وإن ثبت المال قال الرافعي لكن تقرير الروياني بأنه قد يترتب على البينة ما لا يثبت بها كالنسب والميراث مع الولادة الثابتة بالنسوة يدفع الفرق ويقتضي وقوع الطلاق والعتق مطلقا فيما ذكر
ويؤيده الفطر بعد ثلاثين فيما لو ثبت الهلال بواحد كما مر وربما أمكن لم بعض الشعث بأن يقال ما شهد به رجل وامرأتان إن لم يكن يثبت بهم كالسرقة والقتل فإن ثبت موجبه بهم كالمال في السرقة ثبت ولا يحكم القاضي بها بل بالمال في سرقة شهدوا بها وإلا كالقصاص فلا يثبت شيء وإن كان يثبت بهم فإن كان المرتب عليه شرعيا كالنسب والميراث المرتبين على الولادة ثبت تبعا لإشعار الترتب الشرعي بعموم الحاجة وتعذر الانفكاك أو تعسره وإن كان وضعيا كالطلاق والعتق المرتبين على التعليق برمضان فلا ضرورة في ثبوت الثاني بثبوت الأول فإن تأخر التعليق عن ثبوته ألزمناه ما أثبتناه
فصل لو شهدا بعين مال وطلب المدعي أو رأى الحاكم أن يعد له
أي يحوله حتى يزكي الشاهد إن أجيب إليه وإن كانت العين مما لا يخاف تلفها ولا تعيبها كالعقار لأن الظاهر في المسلمين العدالة وإنما يتوقف للكشف عن جرح الشاهدين أو شهدا بدين لم يستوف قبل التزكية ولو طلب المدعي الحجر عليه أي على المدعى عليه قبلها أي التزكية لم يجبه وإن كان يتهمه بحيلة لأن ضرر الحجر في غير المشهود به عظيم وقضيته إنه يجيبه إلى الحجر في المشهود به وحده قال الزركشي وينبغي أن يستثنى ما لو كان الحق لصبي أو مجنون أو محجور عليه بسفه ولهذا قالوا في الفلس إن الحاكم يحجر لمصلحتهم بلا التماس أو طلب حبسه أجيب لأن المدعي أتى بما عليه والبحث بعد ذلك من وظيفة القاضي
وظاهر الحال العدالة ويحبس قبلها أي التزكية للقصاص وحد القذف لأن الحق يتعلق ببدنه فيحتاط له سواء قذف زوجته أم أجنبيا لا لأجل حدود الله تعالى لبنائها على المسامحة وفي دعوى النكاح تعدل أي تحول المرأة عند امرأة ثقة وتمنع الخروج ولا يمنع الزوج منها قبل التزكية وفي نسخة قبل التعديل لأنه ليس مدعى عليه وليس البضع في يده ولا معنى للحجر عليه قبل التزكية ولو شهد للأمة بالحرية حيل بين السيد وبينها قبل التزكية احتياطا للبضع مع كون السيد مدعى عليه وكذا العبد يحال بينه وبين سيده إن طلب ذلك أو رآه القاضي ويؤجر القاضي الرقيق ولو بغير إذنهما أي السيد والرقيق وينفق عليه من الأجرة وما فضل عن نفقته وقف بينه وبين سيده فإن لم يكن مكتسبا أنفق عليه من بيت المال فإن استمر رقه لتبين جرح الشهود رجع به أي بما أنفق عليه من بيت المال على السيد وتؤجر الأعيان المنزوعة أيضا من يد المدعى عليه قبل التزكية ولو أقامت امرأة شاهدين بطلاق لها من زوجها فرق الحاكم بينهما قبل التزكية احتياطا للبضع
ولا يحال بين المدعى به والمدعى عليه ولا يحبس المدعى عليه بشاهد واحد لأن الشاهد وحده ليس بحجة بخلاف الشاهدين وليست التزكية جزءا من الحجة وإنما يتبين بها قيام الحجة وأما الواحد مع اليمين فلأن اليمين إنما يكون بعد التزكية وتبقى الحيلولة والحبس قبل التعديل إلى ظهور الأمر للقاضي بالتعديل أو الجرح ولا يقدر لهما مدة
فرع لا ينفذ تصرفهما أي المتداعيين في المنزوع من يد المدعى عليه قبل التزكية فإن أقر به أي المنزوع أحدهما لآخر أو أوصى به له أو أعتقه أو دبره وبان أنه له نفذ منه ذلك إن لم يحجر عليه القاضي بالقول في المشهود به بخلاف ما إذا حجر عليه وهذا أحد وجهين نقلهما الأصل عن أبي سعيد الهروي والذي نقله قبله عن البغوي وجزم به صاحب الأنوار وغيره أنه ينظر ما يستقر عليه الأمر آخرا أما قبل الانتزاع فلا ينفذ تصرف المدعي وينفذ تصرف المدعى عليه فرع الغلة الحادثة بين شهادتهما أي الشاهدين والتعديل تكون للمدعي وكذا ما أي الغلة الحادثة بين شهادة الشاهد الأول والثاني تكون للمدعي إن أرخ الثاني ما شهد به بيوم شهادة الأول أو بما قبله فإن استخدم السيد العبد المدعي للعتق بين شهادتهما لزمه أجرة المثل له إن عدلا
364
364
الباب الثالث في مستند علم الشاهد
وحكم تحمل الشهادة وأدائها وفيه ثلاثة أطراف الأول فيما يحتاج إلى الأبصار ومبنى الشهادة على اليقين قال تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم وقال تعالى إلا من شهد بالحق وهم يعلمون وتقدم أنه صلى الله عليه وسلم قال على مثل هذا فاشهد أو دع وقد يتعذر اليقين في مواضع فيكفي الظن المؤكد كما سيأتي وقد قسموا المشهود به ثلاثة أقسام أحدها ما يكفي فيه السماع ولا يحتاج إلى الإبصار ومحل بيانه الطرف الثاني ثانيهما ما يكفي فيه الإبصار فقط وهو الأفعال وما في معناها كالزنا وشرب الخمر والغصب والإتلاف والولادة والرضاع والاصطياد والإحياء و كون اليد على المال فيشترط فيها الرؤية المتعلقة بها وبفاعلها ولا يكفي فيها السماع من الغير لكنه معترض في كون اليد على المال إذ يكفي فيه الاستفاضة كما سيأتي وقد نقل الأصل ثم الاكتفاء بها وأبدى ما جزم به هنا بحثا قال الزركشي والاكتفاء بها هو الصواب فقد نقله الجوري عن النص وقال إنه متفق عليه وإن اختلف في ثبوت الملك بها ويشهد بها الأصم لإبصاره
الثاني ظاهره أنه الطرف الثاني وليس مرادا فإنه مذكور بعد وإنما هذا ثالث الأقسام التي ذكرتها وهي مذكورة في الأصل على الوجه المذكور وقد حذف هو بعضها فحصل به خلل في تعبيره الذي لزم منه ذلك مع ذكر فقط في غير محلها كما عرفت فكان حقه ذكر الأقسام كما ذكرها الأصل وبالجملة ثالثها ما يحتاج إلى السمع والبصر معا كالنكاح والطلاق والبيع وسائر الأقوال كالعقود والفسوخ والأقارير فلا بد فيها من سماع ومشاهدة ولا تقبل فيها شهادة الأصم الذي لا يسمع شيئا و لا شهادة الأعمى اعتمادا على الصوت لأن الأصوات تتشابه ويتطرق إليها التلبيس مع أنه لا ضرورة لشهادته
365
365
للاستغناء عنه بالبصير وله وطء زوجته اعتمادا على صوتها للضرورة ولأن الوطء يجوز بالظن ومبنى الشهادة على العلم ما أمكن ولا يجوز أن يشهد على زوجته اعتمادا على صوتها كغيرها وإن جاز له وطؤها بذلك لما مر وما حكاه الروياني عن الأصحاب من أنه لو جلس بباب بيت فيه اثنان فقط فسمع تعاقدهما بالبيع وغيره كفى من غير رؤية زيفه البندنيجي بأنه لا يعرف الموجب من القابل ولو وضع الرجل فمه على أذنه أي الأعمى فأقر بشيء كطلاق وعتق ويد الأعمى على رأسه مثلا فضبطه أي تعلق به إلى أن أحضره إلى الحاكم وشهد عليه عنده بما سمع منه قبل للعلم بما شهد به حينئذ
قال البلقيني وقد يشهد بالفعل كالزنا والغصب بأن وضع يده على ذكر آدمي في فرج آخر فتعلق بهما حتى شهد بما عرفه وبأن جلس على بساط لغيره فغصبه إنسان فتعلق به وبالبساط في تلك الحالة حتى شهد بما عرفه واعترض ابن الرفعة الحصر في الأقسام الثلاثة السابقة بجواز الشهادة بما علم بباقي الحواس الخمس وهي الذوق واللمس كما لو اختلف المتبايعان في مرارة المبيع أو حموضته أو تغير رائحته أو حرارته أو برودته أو نحوها وأجاب بأن فيما اقتصروا عليه تنبيها على جواز الشهادة بما يدرك بالمذكورات بجامع حصول العلم بذلك وبأن اعتماد الشهادة على ذلك قليل وهم إنما ذكروا ما تعم الحاجة انتهى قيل والشهادة بالحمل والقيمة خارجة عن ذلك كله وقد يقال بل هما داخلان في الإبصار إذ المراد الإبصار لما يتعلق بما شهد به بحسبه وتقبل رواية الأعمى بما سمعه ولو حال العمى إذا حصل لنا الظن الغالب بضبطه لأن باب الرواية أوسع من باب الشهادة كما مر ويشهد الأعمى لمعروف النسب والاسم على معروف النسب والاسم بما تحمل وفي نسخة بما سمع منه قبل العمى لحصول العلم بذلك بخلاف مجهوليهما أو أحدهما إذ لا يمكنه تعيينهما أو تعيين أحدهما نعم لو عمي ويدهما أو يد المقر في يده فشهد عليه في الأولى مطلقا وفي الثانية لمعروف النسب والاسم قبلت شهادته وبه صرح الأصل في الثانية ولو ترجم الأعمى كلام الخصم أو الشهود للقاضي أو بالعكس جاز لما مر أن الترجمة تفسير للفظ لا تحتاج إلى معاينة وإشارة ولو عمي قاض بعد سماع البينة وتعديلها في واقعة حكم في تلك الواقعة وإن صار معزولا في غيرها إن لم يحتج إلى إشارة كما لو تحمل الشهادة وهو بصير ثم عمي فصل لو رأي فعل إنسان أو سمعه يقول شيئا شهد عليه باسمه ونسبه إن عرف اسمه ونسبه غائبا ولو بدفنه ميتا وبالإشارة إليه إن حضر لحصول التمييز بذلك وإن لم يعرف إلا اسمه واسم أبيه أي دون اسم جده شهد بذلك ولم تفد شهادته به إلا إن ذكر القاضي أمارات يتحقق بها نسبه أي يتميز بها عن غيره فله أن يحكم بشهادته حينئذ كذا نقله الأصل عن الغزالي ثم نقل عن غيره ما يقتضي أنها لا تفيد لأنها شهادة على مجهول وجمع بينهما الإسنوي بأن الأول فيما إذا حصلت المعرفة بذلك والثاني فيما إذا لم تحصل به ولو سمع اثنين يشهدان أن فلانا وكل هذا بالبيع لكذا وأقر
366
366
الوكيل بالبيع شهد على إقراره بالبيع لأنه سمعه ولا يشهد بالوكالة لأنه لم يسمعها وله أن يشهد بشهادة الشاهدين بالوكالة كما يعلم مما سيأتي ولو حضر عقد نكاح زعم الموجب أنه ولي للمخطوبة أو وكيل وليها وأنها أذنت له في العقد
ولم يعلم الإذن ولا الولاية أو الوكالة ولا المرأة أو علم بعض ذلك لم يشهد بالزوجية لكن يشهد أن فلانا قال نكحت فلانة فلانا وقبل فلان فإن علم جميع ذلك شهد بالزوجية وله أن يشهد بالإشارة على من لا يعرف اسمه ونسبه فإن مات أحضر ليشاهد صورته ويشهد على عينه قال الأذرعي هذا إن كان بالبلد ولم يخش تغيره بإحضاره وإلا فالوجه حضور الشاهد إليه لا إن دفن فلا يحضر إذ لا يجوز نبشه نعم إن اشتدت الحاجة إليه ولم تتغير صورته جاز نبشه كما قاله الغزالي لكن قال في الأصل وهذا احتمال ذكره الإمام ثم قال والأظهر أنه لا فرق فلو تحملها على من لا يعرفه وقال له اسمي ونسبي كذا لم يعتمد ه فلو استفاض اسمه ونسبه بعد تحملها عليه فله أن يشهد في غيبته باسمه ونسبه كما لو عرفهما عند التحمل وإن أخبره عدلان عند التحمل أو بعده بنسبه واسمه لم يشهد في غيبته بناء على عدم جواز الشهادة على النسب بالسماع من عدلين فرع لو قال ادعى أن لي على فلان بن فلان الفلاني كذا فلا بد في صحة الدعوى أن يقول المدعي مع ذلك وهو هذا إن كان حاضرا
ولا يكفي فيه ادعى أن لي على فلان بن فلان كذا من غير ربط بالحاضر فإن أحضر رجلا عند القاضي وقال هذا أقر لفلان بن فلان بكذا وأنا هو وقال الخصم نعم أقررت ولكن لرجل آخر شاركك في الاسم والنسب أثبت المقر أي أقام بينة بالآخر أي بوجود الآخر المشارك للمدعي في الاسم والنسب ثم يسأل الآخر فإن صدقه سلم إليه ما أقر له به وحلف للأول أنه لا شيء له عليه وإن كذبه سلم ذلك للمدعي وإن قال أقررت لأحدهما و لا أعرفه منهما سأل الآخر فإن قال لا شيء لي عنده أعطى ذلك الأول كما لو كانت عنده وديعة فقال هي لأحدكما ولا أدري أنها لأيكما فقال أحدهما ليست لي فإنها تكون للآخر وإن ادعاه كل منهما فكما في الوديعة إذا قال كل من اثنين هي لي فصل لا تجوز الشهادة على منتقبة بالنون قبل التاء بما لا يحكي أي يصف الرائي من وراءه وجهها اعتمادا على الصوت كما في الأعمى والبصير في الظلمة أو من وراء حائل صفيق لأن الأصوات تتشابه بخلاف الشهادة على منتقبة بما يحكي وجهها يجوز لأنه لا يمنع الشهادة الآن ضبطها الشاهد حتى دخل بها لي الحاكم أو عرفها بالنسب والاسم أو بالعين فتجوز الشهادة عليها وإلا فلا بد عند تحمل الشهادة عليها أن يكشف وجهها ليراها ويضبط حليتها حتى يعرفها إذا رآها عند الأداء للشهادة عليها ولو عرفه بها عدلان بأن قالا له هذه فلانة بنت فلان لم يجز له التحمل بتعريفهما وجوزه الشيخ أبو حامد بناء على أنه يجوز الشهادة على النسب بالسماع من عدلين وعن الشيخ أبي محمد أنه يتحمل بتعريف واحد وسلك به مسلك الإخبار وأجازه جماعة من المتأخرين
قال في المنهاج كأصله والعمل على هذا وفيه إشارة إلى الميل إليه قال في الأصل فإن قال عدلان نشهد أن هذه فلانة بنت فلان تقر بكذا فهما شاهدا أصل وسامعهما شاهد فرع يشهد على شهادتهما بالاسم والنسب دون العين عند اجتماع الشروط وحذفه المصنف للعلم به مما سيأتي وإن شهد اثنان أن امرأة منتقبة أقرت يوم كذا لفلان بكذا فشهد آخران أن تلك المرأة التي حضرت وأقرت يوم كذا هي هذه ثبت الحق بالبينتين ولا يجوز النظر إلى وجهها للتحمل إلا إن أمن الفتنة فإن خاف فلا كما مر في محله لأن في غيره غنية نعم إن تعين
367
367
عليه نظر واحترز ذكره الأصل
فرع لو ثبت الحق على عين شخص
وأراد المدعي أن يسجل له القاضي جاز أن يسجل له بالحلية فيكتب حضر رجل ذكر أنه فلان بن فلان ومن حليته كيت وكيت فلا يسجل بالعين لامتناعه ولا بالاسم والنسب ما لم يثبتا ولا يكفي فيهما قول المدعي ولا إقرار من قامت عليه البينة لأن نسب الشخص لا يثبت بإقراره فلو شهد الشهود على اسمه ونسبه حسبة جاز وسجل بهما بعد حكمه بهما بناء على قبول شهادة الحسبة في النسب وهو الأصح فرع لو شهدا على امرأة باسمها ونسبها ولم يتعرضا لمعرفة عينها جاز ذلك فإن سألهما الحاكم هل تعرفان عينها فلهما أن يقولا لا يلزمنا الجواب عن هذا ولهما أن يسكتا نعم إن كانا ممن يخفى عليهما شروط الأداء كما هو الغالب يلزمهما البيان قاله الأذرعي وغيره الطرف الثاني فيما تجوز الشهادة فيه بالاستفاضة فمنه النسب لأنه أمر لا مدخل للرؤية فيه وغاية الممكن رؤية الولادة على الفراش لكن النسب إلى الأجداد المتوفين والقبائل القديمة لا تتحقق فيه الرؤية فدعت الحاجة إلى اعتماد الاستفاضة ولو من الأم قياسا على الأب وصورتها أي الاستفاضة في التحمل أن يسمعه أي الشاهد المشهود بنسبه ينتسب إلى الشخص أو القبيلة والناس ينسبونه إلى ذلك وامتد ذلك مدة وقيل لا يشترط امتداده مدة بل لو سمع انتساب الشخص وحضر جماعة لا يرتاب في صدقهم فأخبروه بنسبه دفعة واحدة جاز له الشهادة بذلك والترجيح من زيادته وبه صرح الأذرعي وغيره ونقله الروياني عن النص ولا تقدر المدة بسنة بل العبرة بمدة يغلب على الظن صحة ذلك وإنما يكتفى بالانتساب ونسبة الناس بشرط أن لا يعارض هما ما لا يوجب أي يورث تهمة فإن أنكره أي النسب المنسوب إليه لم تجز الشهادة به وكذا لو طعن بعض الناس في نسبه وإن كان فاسقا لاختلال الظن حينئذ ولو سمعه الشاهد يقول لآخر هذا ابني لصغير أو كبير وصدقه الكبير أو أنا ابن فلان وصدقه جاز له أن يشهد بنسبه
ولو سكت المنسوب الكبير جاز للشاهد أن يشهد بالإقرار لا بالنسب وترجيح الحكمين من زيادته وكذا تخصيص الأول بالصغير وتصديق الكبير والثاني بسكوت الكبير وأما كلام أصله هنا فحاصله أن كثيرين جوزوا الشهادة بذلك على النسب سواء كان المنسوب صغيرا أم كبيرا وصدق أو سكت لأن السكوت في النسب كالإقرار وأن الذي أجاب به الإمام والغزالي المنع وإنما يشهد بالإقرار قال وهذا قياس ظاهر وعبر في الشرح الصغير عن الثاني بأنه الظاهر وكلامه في الكبير يميل إليه أيضا لكن اختار ابن الرفعة في المطلب الأول والأوجه ما جوزه المصنف فإن قلت قضية كلامه في الحكم الثاني أن الراجح ثبوت النسب بالإقرار به حال السكوت وهو ما جزم به أصله هنا كما رأيت فيخالف عكسه المعتمد الذي جرى هو عليه في الإقرار قلت لا نسلم أن قضيته ذلك فإن قلت فيلزم على عدم ثبوته به أن الراجح عدم جواز الشهادة بذلك قلت لا نسلم لجواز أن يصدقه
368
368
بعد سكوته فينكر إقراره فيقيم البينة به ليثبت النسب
فرع يثبت أيضا بالاستفاضة الموت
كالنسب ولأن أسبابه كثيرة فمنها ما يخفى ومنها ما يظهر وقد يعسر الاطلاع عليها فجاز أن يعتمد على الاستفاضة ويثبت بها الولاء والعتق والوقف والزوجية لأنها أمور مؤبدة فإذا طالت مدتها عسر إقامة البينة على ابتدائها فمست الحاجة إلى إثباتها بالاستفاضة ولأنها شهادة على الحاصل بالعقد فأشبهت الشهادة على الملك المطلق وهذا ما رجحه النووي في كتبه وقال الإسنوي الصواب الذي به الفتوى إنما هو المنع فقد نص عليه الشافعي ونقله عنه ابن الرفعة وإذا قلنا بالأول قال النووي في فتاويه لا يثبت بها شروط الوقف وتفاصيله بل إن كان وقفا على جماعة معينين أو جهات متعددة قسمت الغلة بينهم بالسوية أو على مدرسة مثلا وتعذرت معرفة الشروط صرف الناظر الغلة فيما يراه من مصالحها انتهى قال الإسنوي وهذا الإطلاق ليس بجيد بل الأرجح فيه ما أفتى به ابن الصلاح فإنه قال يثبت بالاستفاضة أن هذا وقف لا أن فلانا وقفه قال وأما الشروط فإن شهد بها منفردة لم تثبت بها وإن ذكرها في شهادته بأصل الوقف سمعت لأنه يرجع حاصله إلى بيان كيفية الوقف انتهى وما قاله به النووي قال ابن سراقة وغيره لكن الأوجه حمله على ما قاله ابن الصلاح قال الإسنوي ولا شك أن النووي لم يطلع عليه فرع يشترط في الاستفاضة أن يسمع الشاهد من جمع كثير يقع في نفسه صدقهم ويؤمن تواطؤهم على الكذب فلا يكفي سماعه من عدلين نعم لو أشهداه شهد على شهادتهما ولا يشترط عدالتهم وحريتهم وذكوريتهم كما لا يشترط في التواتر فصل من رأى رجلا يتصرف في شيء في يده متميز عن أمثاله كالدار والعبد واستفاض في الناس أنه ملكه جاز له أن يشهد له به وإن لم يعرف سببه ولم تطل المدة وكذا يجوز ذلك لو انضم إلى اليد تصرف مدة طويلة ولو بغير الاستفاضة لأن امتداد اليد والتصرف بلا منازع يغلب ظن الملك وهذا لا ينافيه تعين التسامع فيما مر في باب اللقيط من أنه لو رآه يستخدم صغيرا لا يفيده ذلك الشهادة له بالملك حتى يسمع منه ومن الناس أنه له لأنه محمول على ما إذا لم تطل المدة وفرق الإسنوي بأن وقوع الاستخدام في الأحرار كثير مع الاحتياط في الحرية وخرج بالمتميز غيره كالدراهم والدنانير والحبوب ونحوها مما يتماثل فلا تجوز الشهادة فيها بالملك ولا باليد ولا يكفي في جواز الشهادة بالملك يد مجردة ولا تصرف مجرد
369
369
ولا هما معا دون طول المدة والاستفاضة لأن اليد المجردة قد تكون عن إجارة أو إعارة والتصرف المجرد قد يكون من وكيل أو غاصب نعم يجوز أن يشهد له فيهما باليد
ولو تجردت الاستفاضة لم يشهد بها الشاهد على الملك حتى ينضم إليها إما يد أو تصرف مع مدة طويلة فيهما كما لا يشهد بها على أسباب الملك فإن انضما أي اليد والتصرف إليها أي الاستفاضة لم يشترط طول المدة كما علم مما مر وما ذكره من عدم الاكتفاء بالاستفاضة وحدها هو ما نقله الأصل عن نصه في حرملة وعن اختيار القاضي والإمام والغزالي وغيرهم وقال إنه الظاهر قال والأقرب إلى إطلاق الأكثرين الاكتفاء بها كالنسب والموت انتهى ونص على الثاني أيضا كما نقله ابن خيران ونقل المنهاج تصحيحه عن المحققين والأكثرين وجزم به العمراني وغيره ويشترط في الشهادة بالملك بناء على اليد والتصرف مع ما ذكر أن لا يعارضها منازع في الملك للمشهود له به إذ ظن الملك إنما يحصل حينئذ ويرجع في معرفة طول مدة اليد والتصرف إلى العرف ولا يكفي الشاهد بالاستفاضة أن يقول سمعت الناس يقولون كذا وإن كانت شهادته مبنية عليها بل يقول أشهد أنه له أو أنه ابنه مثلا لأنه قد يعلم خلاف ما سمع من الناس قال ابن أبي الدم ولا يذكر من غير سؤال الحاكم مستند شهادته من تسامع أو رؤية يد أو تصرف زائد فلو ذكره بأن قال أشهد بالتسامع أن هذا ملك زيدا وأشهد أنه ملكه لأني رأيته يتصرف فيه مدة طويلة لم يقبل على الأصح لأن ذكره يشعر بعدم جزمه بالشهادة
ويوافقه ما سيأتي في الدعاوى من أنه لو صرح في شهادته بالملك بأنه يعتمد الاستصحاب لم تقبل شهادته كما لا تقبل شهادة الرضاع على امتصاص الثدي وحركة الحلقوم والأوجه كما قال الزركشي حمله لما علل به ابن أبي الدم وللجمع بينه وبين ما اقتضاه ما مر قبل باب القضاء على الغائب من أن ذكر المستند من تسامع وغيره ليس بقادح على ما إذا ظهر بذكره تردد في الشهادة فإن ذكره لتقوية أو حكاية حال قبلت شهادته فرع التصرف المعتبر هنا تصرف الملاك كالهدم والبناء والدخول والخروج والبيع والفسخ بعده وكذا الإجارة أو الرهن لأنها تدل على الملك ولا يكفي التصرف مرة واحدة لأنه لا يحصل ظنا ولا يثبت دين باستفاضة لأنها لا تقع في قدره كذا علله ابن الصباغ قال الزركشي ويؤخذ منه أن ملك الحصص من الأعيان لا يثبت بالاستفاضة قال والوجه القائل بثبوت الدين بالاستفاضة قوي وكان ينبغي للنووي ترجيحه كما رجح ثبوت الوقف ونحوه بها ولا فرق بينهما ولو شهد الأعمى بالاستفاضة جاز إن لم يحتج إلى تعيين وإشارة لأن الاعتماد فيما تجوز الشهادة فيه بالاستفاضة على السماع والأعمى فيه كالبصير بأن شهد على معروف باسمه ونسبه أو شهد له بنسب مرتفع أو بنسب أدنى وصوره بأن يصف الشخص فيقول الرجل الذي اسمه كذا وكنيته كذا ومصلاه كذا وسكنه كذا هو فلان بن فلان ثم يقيم المدعي بينة أخرى أنه
370
370
الذي اسمه كذا وكنيته كذا إلى آخر الصفات أو شهد له بملك دار معروفة أو أرض معروفة فرع ما شهد به الشاهد اعتمادا على الاستفاضة جاز الحلف عليه اعتمادا عليها بل أولى لأنه يجوز الحلف على خط الأب دون الشهادة الطرف الثالث في تحمل الشهادة وأدائها كتمان الشهادة حرام الآية ولا تكتموا الشهادة ولأنها أمانة حصلت عنده فعليه أداؤها ويجب الأداء لها على متعين لها وعلى غيره إن دعي كل منهما لمسافة قريبة وهي كما سيأتي مسافة العدوى فأقل ولا عذر له من مرض أو خوف أو نحوه وهو عدل فإن لم يدع لم يجب عليه الأداء إلا في شهادة الحسبة وسيأتي بيان بقية المفاهيم فإن شهد واحد من اثنين وامتنع الآخر بلا عذر وقال للمدعي احلف معه عصى وإن كان القاضي يرى القضاء بشاهد ويمين إذ من مقاصد الإشهاد التورع عن اليمين فلا يفوت عليه وكذا شاهدا رد الوديعة إذا امتنعا من الأداء وقالا للمودع احلف على الرد يعصيان وإن صدق المودع في الرد بيمينه والتصريح بقوله وإن إلى آخره من زيادته فإن لم يكن في الواقعة إلا شاهد واحد لزمه الأداء إن ثبت الحق بشاهد ويمين وكان القاضي يرى الحكم بهما وإلا فلا يلزمه إذ لا فائدة فيه ويجب الأداء على الشاهدين وإن تحملاها اتفاقا بأن وقع السماع أو الرؤية اتفاقا لا قصدا لأنها أمانة حصلت عنده وإن لم يلتزمها فعليه أداؤها كثوب طيرته الريح إلى داره ثم بين بقية مفاهيم القيود السابقة فقال
فإن دعي لمسافة بعيدة لم يجب عليه الأداء لقوله تعالى ولا يضار كاتب ولا شهيد وللمشقة ولجواز الشهادة على الشهادة حينئذ وحد القرب ما يعود فيه بمعنى منه المبكر من يومه أي ما يتمكن المبكر إليه من عوده إلى محله في يومه لا ما بينه وبين تمام مسافة القصر فلو دعي من مسافة القصر فأكثر أو أقل إلى فوق مسافة العدوى لم يجب عليه الحضور للأداء لما مر قال الأذرعي هذا إذ ادعاه المستحق أو الحاكم وليس في عمله فإن دعاه الحاكم وهو في عمله أو الإمام الأعظم فيشبه أن يجب حضوره وقد استحضر عمر رضي الله عنه الشهود من الكوفة إلى المدينة وروي من الشام أيضا وما قاله ظاهر في الإمام الأعظم دون غيره وإنما يجب الأداء على العدل فلو أجمع على فسقه حرم عليه أن يشهد وإن خفي فسقه لأن الحكم بشهادته باطل قال الأذرعي وفي تحريم الأداء مع الفسق الخفي نظر لأنه شهادة بحق وإعانة عليه في نفس الأمر ولا إثم على القاضي إذا لم يقصر بل يتجه الوجوب عليه إذا كان في الأداء إنقاذ نفس أو عضو أو بضع قال وبه صرح الماوردي وفرق بينه وبين الفسق الظاهر بأن رد الشهادة به مختلف فيه وبالظاهر متفق عليه قال وصرح ابن أبي الدم فهما من كلام الأصحاب بعدم التحريم وقال إنها مستحبة ونقل أعني الأذرعي عن ابن عبد السلام ما يوافقه وقد قدمته
371
371
في الكلام على عدم التهمة
أما لو لم يجمع على فسقه بأن اختلف فيه كشرب النبيذ فإنه يلزمه الأداء مطلقا أي سواء كان القاضي يرى التفسيق ورد الشهادة به أم لا فقد يتغير اجتهاده ويرى قبولها وقضية التعليل عدم اللزوم إن كان القاضي مقلدا يفسق بذلك وهو ظاهر وقد يمنع بأنه يجوز أن يقلد غير مقلده ويجاب بأن اعتبار مثل هذا الجواز بعيد ولو كان مع المجمع على فسقه عدل لم يلزمه الأداء إلا فيما يثبت بشاهد ويمين إذ لا فائدة فيه فيما عداه وهل يجوز لعدل أن يشهد ببيع عند من يرى إثبات الشفعة للجار وهو لا يراه أو لا وجهان أفقههما الجواز أخذا مما مر في باب آداب القضاء من أنه تقبل شهادة الشاهد عند القاضي بما يعتقده دونه كشفعة الجوار وذكر البيع المذكور مثال والضابط أن يشهد بما يعلم أن القاضي يرتب عليه ما لا يعتقده هو كما صرح به الأصل وأما المريض ونحوه كالخائف على ماله إذا شق عليه الحضور لأداء الشهادة فلا يكلف له بل يشهد على شهادته أو يبعث إليه القاضي من يسمعها دفعا للمشقة عنه والمخدرة كالمريض فيما ذكر وغيرها من النساء تحضر وتؤدي ويجب أن يأذن لها الزوج لتؤدي الواجب عليها ولا يجب على الشاهد وهو في أكل طعام أو في حمام أو صلاة ونحو ذلك أن يقطعه للأداء بل يتمه ثم يمضي له
ولو رد قاض شهادته لجرحه ثم دعي إلى قاض آخر ليؤدي عنده لا إن دعي إليه لزمه أداؤها ويلزمه الأداء للشهادة ولو كان القاضي جائرا أو متعنتا ولا أثر لكونه لا يأمن أن ترد شهادته جورا أو تعنتا فيتعير بذلك وكذا يلزمه الأداء عند أمير ونحوه كوزير إن علم أنه يصل به إلى الحق بأن علم أنه لا يصل إليه إلا بأدائه عنده كما ذكره في التوشيح قال فإن علم أنه يصل إلى ذلك بالقاضي فلا وجه لإقامة البينة عند من ليس أهلا لسماعها وقد جزم في الروضة في القضاء على الغائب بأن منصب سماع الشهادة يختص بالقضاة قال في الكفاية ولو دعي إلى من لا يعتقد انعقاد ولايته لجهل أو فسق لزمه
فرع لو امتنع الشاهد من الأداء حياء من المشهود عليه أو غيره عصى وردت شهادته إلى أن تصح توبته ولو قال المدعي للقاضي شاهدي ممتنع من أداء الشهادة لي عنادا فأحضره ليشهد لم يجبه إلى ذلك لأنه لو شهد سقطت شهادته له أي لم تقبل لأنه فاسق بالامتناع بزعمه بخلاف ما إذا لم يقل عنادا لاحتمال أن يكون امتناعه لعذر شرعي كخوف على نفسه من ظالم فرع ليس له أي للشاهد أخذ رزق لتحمل الشهادة من بيت المال ولا من أحد من الإمام أو الرعية تبع كالروضة في عدم أخذه من بيت المال نسخ الرافعي السقيمة والذي في نسخه المعتمدة كما قاله الأذرعي وغيره ترجيح أن له ذلك كالقاضي وتقدم تفصيله بل الأقرب أن له ذلك بلا تفصيل كما في نظيره الآتي في كتابة الصكوك وله بكل حال أخذ أجرة من المشهود له على التحمل وإن تعين عليه كما في
372
372
تجهيز الميت
هذا إن دعي له فإن تحمل لمكانه فلا أجرة له ومحله أيضا أن لا تكون الشهادة مما يبعد تذكرها ومعرفة الخصمين فيها لأن باذل الأجرة إنما يبذلها بتقدير الانتفاع بها عند الحاجة إليها وإلا فيصير آخذها على شهادة يحرم أداؤها قاله ابن عبد السلام لا أخذ أجرة للأداء وإن لم يتعين عليه لأنه فرض عليه فلا يستحق عليه عوضا ولأنه كلام يسير لا أجرة لمثله وفارق المتحمل بأن الأخذ للأداء يورث تهمة قوية مع أن زمنه يسير لا تفوت به منفعة متقومة بخلاف زمن التحمل إلا إن دعي من مسافة عدوى فأكثر فله نفقة الطريق وأجرة المركوب وإن لم يركب لا لمن يؤدي في البلد أي ليس له أخذ شيء للأداء وهذا داخل في المستثنى منه السابق وإنما أعاده ليرتب عليه قوله إلا إن احتاجه أي ما ذكر فله أخذه وله صرف ما يعطيه له المشهود له إلى غيره أي غير ما ذكر من الأجرة والنفقة وكذا من أعطى شيئا فقيرا ليكسو به نفسه له أي للفقير أن يصرفه إلى غيره أي غير ما ذكر من الكسوة وتقدمت هذه والتي قبلها بزيادة في باب الهبة ثم إن مشى الشاهد من بلد إلى بلد مع قدرته على الركوب قد يخرم المروءة فيظهر امتناعه فيمن هذا شأنه قاله الإسنوي قال الأذرعي بل لا يتقيد ذلك بالبلدين بل قد يأتي في البلد الواحد فيعد ذلك خرما للمروءة إلا أن تدعوه الحاجة إليه أو يفعله تواضعا ولا يلزم من قوته من كسبه يوما يوما إذا شغله عنه إلا بأجرة مدته أي الأداء لا بقدر كسبه فيها وإن عبر به الأصل نقلا عن الشيخ أبي حامد وبما عبر به المصنف عبر به الماوردي فرع كتب الصكوك فرض كفاية أي في الجملة وإلا فقد مر في باب القضاء فيما إذا طلب الخصم من القاضي كتابا بما ثبت عنده أو حكم به أنه لا يجب وإنما كان فرض كفاية للحاجة إليه في حفظ الحقوق وله أثر ظاهر في التذكر وإن لم يجز الاعتماد على الخط وحده ولكاتبها رزق من بيت المال فإن لم يرزق منه لذلك فله طلب الأجرة وإن تعين عليه الكتب لطول زمنه كما في التحمل فصل تحمل الشهادة فرض كفاية في النكاح لتوقف انعقاده عليه فإن امتنع الجميع منه أثموا ولو طلب شخص اثنين للتحمل وهناك غيرهما لم يتعينا بخلاف ما لو طلب الأداء من اثنين تحملا مع غيرهما شهادة فإنهما يتعينان لأنهما تحملا أمانة فيلزمهما أداؤها عند طلبها كما مر وكذا سائر التصرفات المالية وغيرها تحمل الشهادة فيها فرض كفاية للحاجة إلى إثباتها عند التنازع ولا يلزمه إجابة الداعي له ليتحمل إلا أن يكون الدعاء من مريض أو محبوس أو مخدرة أو دعاه قاض ليشهده على حكم حكم به فيلزمه إجابته للعذر ولئلا يحتاج القاضي إلى التردد لأبواب الشهود فتتعطل أحوال الناس
373
373
فصل من آدابه
أي الشاهد أن لا يتحمل شهادة وبه ما يشغله عن الضبط وتمام الفهم من جوع وعطش وهم وغضب ونحوها كما لا يقضي القاضي وبه شيء منها ولا يلتفت الشاهد على بمعنى إلى قول من لا تجوز الشهادة عليه كصبي ومجنون فلا يتحمل عليه ولا على بمعنى إلى كتاب مخالف للإجماع فلا يثبت شهادته فيه ويبين فساده أي يظهره ويستثنى الشهادة على المكوس ونحوها فتجوز إذا قصد الشاهد بذلك حفظ الأموال على أربابها بأن يشهد لهم ليرجعوا بها في وقت آخر عند إمكانه بتولية عادل قاله ابن عبد السلام ويثبت شهادته على كتاب أنشئ على مختلف فيه بين العلماء وهو يخالف معتقده ليؤدي عند الحاجة ويحكم الحاكم باجتهاده وقيل يعرض عنه والترجيح من زيادته على الروضة ولا بأس أن يضرب على الكلمة المكروهة والمكررة لا سيما إذا لم يسبقه بالشهادة أحد و أن يلحق بالكتاب ما ترك ويبين في رسم شهادته إلحاقه ويتمم السطر الناقص بخطين أو بخط كما صرح به الأصل وإذا قرأ الشاهد الكتاب عليه أي على المشهود عليه أو قرأه عليه غيره بحضرته
وقال له أشهد عليك بذلك فقال نعم ونحوه كأجل وجير وبلى كفى في التحمل لا إن قال له في الجواب إن شئت ونحوه كالأمر إليك أو كما ترى أو استخر الله وإذا شهد على كتاب عقد بدين أو طلاق أو عتق أو نحوها أقر به من عقد عليه فلا يقل أشهد بذلك بل يقول أشهد بإقراره بذلك وليكتب ندبا في الكتاب الذي تحمل فيه اسمه وما يتميز به من اسم أب وجد يعرف به وإن تخطى إليه أي إلى جد أعلى يعرف هو به لشهرته فإن شورك فيه أي فيما ذكر من اسمه ونسبه ذكر الكنية ليتميز بها ويأتي ندبا بما يفيد التذكر كما مر في أدب القضاء و يكتب في السجل أشهد على حكم القاضي بما فيه أو على إنفاذ ما فيه لا على إقراره إن حكم وهو عنده فإن حكم في غيبته ثم أخبره شهد على إقراره ويسأل الشاهد ندبا في كتابة الدين المؤجل صاحب الدين كم هو و أمؤجلا هو أم لا ثم بعد أن يجيبه يسأل الآخر أي المدين لأنه لو سأل المدين أولا وأقر فقد ينكر صاحبه الأجل فيقع في النزاع وفي كتابه السلم يسأل ندبا المسلم أولا عما ذكر خوفا من أن ينكر السلم ويطالب بما دفعه لو سأل صاحبه أولا وأقر ويقعد القاضي الشاهد الذي أتى إليه ليؤدي عنده عن يمينه وينظر الشاهد اسمه المكتوب ويتأمله قبل أن يشهد
فإن استشهد بأن استشهده المشهود له استأذن القاضي ندبا ليصغي إليه فقد لا يسمعه فتلغو شهادته وقضية ذلك أنه ليس للقاضي ذلك وبه صرح الماوردي فقال لا ينبغي للقاضي أن يستدعيهم للشهادة ولا ينبغي لهم أن يبدءوا بها قال وصيغة إذن القاضي أن يقول بم تشهدون ولا يقول اشهدوا قال ابن أبي الدم ويستحب للشاهد أن يبجل القاضي في الأداء فيقول أطال الله بقاء سيدنا الحاكم ويزيد من ألقابه والدعاء له بما يقتضيه حاله وقدره ثم يقول أشهد بكذا الباب الرابع في الشاهد مع اليمين يجوز القضاء بشاهد ويمين في الجملة لأنه صلى الله عليه وسلم قضى بهما رواه مسلم وغيره زاد الشافعي في الأموال وقد قالوا ما ثبت بشاهد وامرأتين ثبت بشاهد ويمين غير عيوب النساء التي لا تتعلق بالمال ونحوها
374
374
كالرضاع فلا يثبت بهما لخطرها بخلاف الأموال وحقوقها وما لا يثبت بهم فلا يثبت بشاهد ويمين ولا يثبت شيء بامرأتين ويمين ولو فيما يثبت بشهادة النساء منفردات لأن المنضم إلى اليمين حينئذ أضعف شطري الحجة فلا يقنع بانضمام ضعيف إلى ضعيف كما لا يقنع بانضمام شهادة المرأتين إلى مثلهما ولعدم ورود ذلك وقيامهما مقام رجل في غير ذلك لوروده والقضاء يقع بالشاهد واليمين كما يقع بالشاهدين لا باليمين وحدها والشاهد مؤكد ولا بالعكس كما قيل بكل منهما فلو رجع الشاهد غرم النصف ولا يحلف المدعي مع شاهد له حتى يشهد ويعدل لأنه إنما يحلف من قوي جانبه وجانب المدعي فيما ذكر إنما يقوى حينئذ وفارق عدم اشتراط تقدم شهادة الرجل على المرأتين بقيامهما مقام الرجل قطعا ولا ترتيب بين الرجلين ويحلف وجوبا على الاستحقاق لما ادعاه
و على صدق الشاهد فيما شهد به كأن يقول والله إن شاهدي لصادق فيما شهد به وإني مستحق لكذا ونبه بعطفه بالواو على أنه لا يعتبر الترتيب بين ذكر الاستحقاق وذكر صدق الشاهد وهو ما صرح به الإمام واعتبر تعرضه في يمينه لصدق الشاهد لأن اليمين والشهادة حجتان مختلفا الجنس فاعتبر ارتباط إحداهما بالأخرى لتصيرا كالنوع الواحد قال الزركشي وينبغي أن يتعرض في حلفه لعدالة الشاهد أيضا ولا يكفي تعرضه لصدقه لأنه قد يكون صادقا والمدعي يقر بفسقه وفيما قاله نظر لأن البحث عن العدالة من وظيفة الحاكم وإن حدث للشاهد فسق بعد الحكم بشهادته لم ينقض أو قبله فكأن لا شاهد فيحلف المدعى عليه فإن نكل عن اليمين حلف المدعي ولم يعتد بما مضى وإن نكل مدع عن اليمين مع شاهد له وحلف خصمه بطلبه سقط حقه من اليمين بل سقطت دعواه كما صرح به الأصل وهذا بخلاف ما لو أقام المدعي بعد حلف خصمه أو نكوله هو عن اليمين المردودة بينة حيث تسمع دعواه وبينته لأن البينة قد تتعذر عليه إقامتها فيعذر واليمين إليه بعد شهادة شاهده فلا عذر له في الامتناع وكالبينة في ذلك الشاهد واليمين كما نقله البلقيني عن نص المختصر وقدمت بعضه عن صاحب العدة في باب آداب القضاء
وإن نكل خصمه عن اليمين فيما ذكر فللمدعي أن يحلف قال الشيخان يمين الرد وإن كان قد ترك الحلف أولا كناكل عن يمين الرد وجد شاهدا له فإنه يحلف معه وذلك لأن يمينه هذه غير التي امتنع عنها لأن تلك لقوة جهته بالشاهد وهذه لقوة جهته بنكول خصمه بدليل أن تلك لا يقضى بها إلا في المال وهذه يقضى بها في جميع الحقوق قال الزركشي وقضية تقييد الشيخين الحلف بيمين الرد أنه ليس له أن يحلف مع شاهده اليمين التي تكون معه لكن قضية كلام الرافعي في القسامة أنه يحلف على الأظهر انتهى وكلام المصنف يقتضي موافقة ما في القسامة والأوجه ما تقرر أولا ولو أراد الناكل عن اليمين مع شاهده أن يحلف بعد نكوله وقبل حلف خصمه ولو بدون استحلافه له لم يمكن من ذلك لأنه صار في جانب خصمه إلا أن يعود في مجلس آخر فيستأنف الدعوى ويقيم الشاهد فحينئذ يمكن من ذلك وذكر بعد نكوله إيضاح فصل لو ادعى شخص استيلاد أمة في يد آخر غاصب لها بزعمه وحلف على ذلك مع شاهد له ثبت الاستيلاد لأن حكم المستولدة حكم المال فتسلم إليه وإذا مات حكم بعتقها بإقراره لا بالشاهد واليمين لأن العتق لا يثبت بهما ومثلهما الشاهد والمرأتان كما صرح به الأصل وقدمته أيضا في الباب الثاني لا ملك الولد لأنه لم يدعه ولا نسبه ولا حريته فلا يثبتان بذلك كما لا يثبت به عتق الأم
375
375
فيبقى الولد في يد من هو في يده على سبيل الملك قال في المطلب ومحله إذا أسند دعواه إلى زمن لا يمكن فيه حدوث الولد أي أو أطلق وإلا فلا شك أن الملك يثبت من ذلك الزمن وأن الزوائد الحاصلة في يده للمدعي والولد منها وهو يتبع الأم في تلك الحالة فقد بان انقطاع حق صاحب اليد وعدم ثبوت يده الشرعية عليه قال في الأصل وهل يثبت نسبه بإقرار المدعي فيه ما مر في الإقرار واللقيط في استلحاق عبد غيره وقضيته أنه لا يثبت في حق الصغير والمجنون محافظة على الولاء للسيد ويثبت في حق البالغ العاقل إذا صدقه
ولو قال له المدعي استولدتها أنا في ملكك ثم اشتريتها مثلا مع ولدها فعتق علي وأقام على ذلك الحجة الناقصة وهي رجل وامرأتان أو ويمين ثبت النسب والحرية بإقراره المرتبان على الملك الذي قامت به الحجة الناقصة كمن ادعى والعبد في يد آخر أنه كان له وأنه أعتقه وأقام على ذلك الحجة الناقصة فإنه يثبت بإقراره حريته المرتبة على الملك الذي قامت به الحجة الناقصة والمدعى به ينتزع في هذه ويحكم بكونه عتيقا للمدعي كما ينتزع في التي قبلها ويحكم بكونه والدا له فصل لا يحكم للورثة الذين ادعوا لمورثهم دينا أو عينا إلا إذا أثبتوا أي أقاموا بينة بالموت والوراثة والمال أو أقر المدعى عليه بذلك فإذا ادعوا لمورثهم ملكا وأقاموا شاهدا وحلفوا معه ثبت الملك له وصار تركة يقضي منها ديونه ووصاياه وإن امتنعوا من الحلف وعليه ديون ووصايا لم يحلف من أرباب الديون والوصايا أحد وإن لم يكن في التركة وفاء بذلك كنظيره في الفلس إلا الموصى له بمعين من عين أو دين ولو مشاعا كنصف فله أن يحلف بعد دعواه ليتعين حقه فيه فتعبيره بمعين أعم من تعبير أصله بعين وإن حلف مع الشاهد بعضهم أخذ نصيبه لثبوت حجته ولم يشاركه فيه من لم يحلف من الغائبين والحاضرين بخلاف اثنين ادعيا دارا ملكاها بجهة واحدة كإرث ولم يقولا قبضناها فصدق المدعى عليه أحدهما وكذب الآخر فإن المكذب يشارك المصدق فيما أخذه لأن الثبوت هنا بشاهد ويمين فلو شركنا لملكنا الشخص بيمين غيره مع أن اليمين لا يجزئ فيها النيابة وثم بالإقرار ثم ترتب عليه إقرار المصدق بالإرث والإرث يقتضي الشيوع
قال الزركشي والمعتمد في الفرق أن الممتنع هنا قادر على الوصول إلى حقه بيمينه فحيث لم يفعل صار كالتارك لحقه ويقضى من نصيبه قسطه من الدين والوصية لا الجميع بناء على أن من لم يحلف لا يشارك الحالف ولا يحلف ورثة الناكل مع الشاهد الأول أو غيره لأنه يتلقى الحق عن مورثه وقد بطل حقه أي من اليمين بنكوله وقيل لا يبطل حقه بل له أن يحلف هو ووارثه لأنه حقه فله تأخيره والتصريح بالترجيح من زيادته وبه صرح المنهاج كأصله ورجح الإسنوي الثاني ويمكن أخذا مما مر قبيل الفصل السابق حمل الأول على ما إذا لم يستأنف الدعوى والثاني على ما إذا استأنفها وأقام شاهده فلو أرادوا ضم شاهد إلى الشاهد الأول ليحكم لهم بالبينة جاز بلا تجديد دعوى وشهادة الأول كما لو أقام مدع شاهدا في خصومة ثم مات فأقام وارثه شاهدا آخر بخلاف ما لو كانت الدعوى لا عن جهة الإرث كأن قال أوصى لي ولأخي الغائب مورثك بكذا أو باع منا كذا وأقام شاهدا وحلف معه ثم قدم الغائب فإنه يجدد الدعوى والشهادة وذلك لأن الدعوى في الميراث عن واحد وهو الميت ولهذا تقضى ديونه من المأخوذ وفي غير الميراث الحق لأشخاص فليس لأحد أن يدعي ويقيم البينة لغيره بلا إذن أو ولاية وإن أقام الورثة شاهدا وحلف معه بعضهم و مات بعضهم قبل النكول أي نكوله وقبل حلفه حلفوا أي ورثته ولم يعيدوا الدعوى والشهادة
فإن كان فيهم أي فيمن لم يحلف غائب أو صبي أو مجنون فقدم الغائب أو بلغ الصبي أو أفاق المجنون حلف لإثبات نصيبه وقبضه بلا إعادة شهادة لأنها متعلقة بالميراث وإثبات ملك المورث وذلك في حكم خصلة واحدة فإذا ثبتت الشهادة في حق البعض ثبتت في حق الكل وإن تعذرت الدعوى من الجميع وليس كاليمين فإنها مبنية على اختصاص أثرها بالحالف والشهادة حكمها التعدي والدعوى وإن كانت على الاختصاص وعدم التعدي فإنما هي وسيلة قال الزركشي وينبغي أن يكون محل ذلك إذا ادعى الأول جميع
376
376
الحق فإن كان ادعى بقدر حصته فلا بد من الإعادة انتهى وكلام الماوردي الآتي قد يقتضي أنه لا بد من أن يدعي الأول جميع الحق وكالغائب فيما ذكر الحاضر الذي لم يشرع في الخصومة أو لم يشعر بالحال كما بحثه الأصل فلو فسق الشاهد عبارة الأصل فلو تغير حاله فهل يؤثر في حق الغائب أو الصبي أو المجنون فلا يحلف لأن الحكم بشهادته إنما اتصل في حق الحالف فقط ولهذا لو رجع لم يكن لمن ذكر الحلف أم لا يؤثر في حقه فيحلف لأنه قد حكم بشهادته وجهان المختار منهما كما قال الزركشي وغيره الأول وإن مات الغائب أو الصبي أو المجنون حلف وارثه وأخذ حصته وإن كان الوارث هو الحالف أولا فلا تحسب يمينه الأولى
وأقام الظاهر في قوله الوارث مقام المضمر والحالف من الورثة على دين أو عين لمورثه يحلف على الجميع لا على حصته فقط سواء حلف كلهم أم بعضهم لأنه يثبته لمورثه لا له فيحلف كل منهم على ما نقل عن الماوردي أن مورثه يستحق على هذا كذا أو أنه يستحق بطريق الإرث عن مورثه من دين جملته كذا كذا وكذا وإن ادعى بعض الورثة لا بعض الموصى لهم وأقام شاهدين ثبت الجميع واستحق الغائب والصبي والمجنون بلا إعادة شهادة والفرق بين مسألتي الإرث والوصية علم من نظيره السابق فيما إذا أقام شاهدا واحدا وعلى القاضي بعد تمام البينة الانتزاع للصبي والمجنون أي لنصيبهما دينا كان أو عينا ثم يأمر بالتصرف فيه بالغبطة لئلا يضيع عين مالهما وأما نصيب الغائب فيقبض له القاضي العين وجوبا لا الدين فلا يجب قبضه له بل يجوز كمن أقر بدين لغائب وأحضره للقاضي لأن بقاء الدين في ذمة المدين أحفظ لمالكه بخلاف بقاء العين بل الأمر بالعكس ويؤجر القاضي العين لئلا تفوت المنافع و قد مر في كتاب الشركة أن أحد الورثة لا ينفرد بقبض شيء من التركة و لو قبض من التركة شيئا لم يتعين له بل يشاركه فيه بقيتهم وقالوا هنا يأخذ الحاضر نصيبه وكأنهم جعلوا الغيبة للشريك هنا عذرا في تمكين الحاضر من الانفراد حينئذ وإذا حضر الغائب شاركه فيما قبضه ويقبض وكيل الغائب فيما مر وجوبا العين والدين ويقدم في ذلك على القاضي كموكله لو كان حاضرا ومثله ولي الصبي والمجنون إن كان لهما ولي كما صرح به ابن أبي الدم فصل يثبت الوقف بشاهد ويمين لأن المقصود منه استحقاق المنافع فأشبه استئجار بدن الحر وليس كالعتق لأن المقصود منه تكميل الأحكام وإثبات الولايات ولأن الوقف لا ينفك عن أحكام الملك بدليل أنه إذا أتلف وجبت قيمته بخلاف العتيق فلو أقاموا أي أولاد ميت على شخص شاهدا بغصب دار وقفها أبوهم عليهم وعلى زيد وحلفوا على ذلك مع الشاهد ثبت الغصب والوقف وإنما احتيج لشاهد ويمين في ثبوت الوقف لأجل الغرماء وإلا فإقرارهم به كاف التصريح بهذا من زيادته مع أنه سيأتي ما يغني عنه وإن مات عن أولاد ثم ادعى ثلاثة منهم أن أبوهم وقف عليهم هذه الدار وأنكر بقيتهم وأقاموا شاهدا فإن حلفوا معه ثبت الأولى ثبتت أي الدار وقفا لهم ولا حق فيها لباقي الورثة فإن كان مدعاهم وقف ترتيب بأن ادعوا أنه وقفها عليهم ثم على أولادهم ثم على أولاد أولادهم وهكذا ومات بعضهم أخذ من بقي منهم لا من بعدهم من البطون نصيبه أي نصيب من مات لأن استحقاق البطن الثاني إنما هو بعد انقراض من قبله بلا يمين لحلفة أولا
فإن ماتوا أي الثلاثة كلهم معا أو مرتبا أخذها أي الدار وقفا من بعدهم بلا يمين وإن قلنا بالأصح إنهم يتلقون من الواقف لأن وقفيتها تثبت بحجة يثبت بها الوقف فتدام كما لو ثبتت بشاهدين ولأنها ثبتت لمستحق فلا يفتقر من بعده إلى اليمين كالمملوك ولأنهم خلفاء المستحقين أولا لا فلا يفتقرون إليها كالغريم إذا أثبت الوارث ملكا لمورثه بشاهد ويمين فيأخذونها بطنا بعد بطن عملا بشرط الواقف وإن نكلوا عن اليمين