35
الباب الاول في ذكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه ثمانية فصول
الفصل الاول في ذكر اسمه وكنيته ونسبه
هو رضى الله تعالى عنه ورحمه عبد الله بن أبي قحافة أبو بكر الصديق وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله واسم أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك القرشي التيمي وسمي الصديق لبداره إلى تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ما جاء به وقيل لتصدييقه له في خبر الاسراء وكان يقال له عتيق لجماله وعتاقة وجهه وقيل لأنه لم يكن في نسبه شىء يعاب به وقيل كان له أخ يسمى عتيقا فمات فسمي به وقيل بل رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا فقال من سره أن ينظر إلى عتيق من النار فلينظر إلى هذا ذكر جميع ذلك أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في كتاب الاستيعاب في أسماء الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وأخبارهم فوائد لغوية في ثلاث مسائل الأولى في المحكم لابن سيده سيل قحاف [ كثير ] يذهب بكل شيء وكل ما اقتحف من شيء فهو قحافة وفي الاشتقاق لابن سيد
36
القحافة كل شيء قحفته من إناء أو غيره فأخذته بأجمعه ويقال اقتحفت الريق إذا مصصته انتهى وقال ابن طريف قحف الإناء استوعب ما فيه الثانية في ديوان الأدب لأي بفتح اللام وسكون الهمزة من أسماء الرجال وأنشد المبرد في الكامل للحطيئة [ من الطويل ]
أتت آل شماس بن لأي وإنما
أتاهم بها الاحلام والحسب العد
قال الجوهري في الصحاح وتصغيره لؤي ومنه لؤي بن غالب الثالثة في الصحاح العتق الكرم يقال ما أبين العتق في وجه فلان يعني الكرم والعتيق الكريم من كل شىء والعتق الجمال وكان يقال لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه عتيق لجماله
الفصل الثاني في ذكر اليوم الذي بويع له فيه لم يختلف أنه بويع له رضي الله تعالى عنه في اليوم الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلف في اليوم الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم كم كان من الشهر بعد اتفاقهم على أنه يوم الإثنين في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة فقيل لاثنتي عشرة مضت من ربيع الأول قال ابن
37
جماعة في مختصر السير وهو المرجع عند الجمهور ولم يصححه السهيلي ولا أبو الربيع ابن سالم انتهى وقيل غرة شهر ربيع الأول وقيل الثاني منه وإلى هذين القولين مال أبو الربيع ابن سالم في كتابه الاكتفاء في أخبار الخلفاء فائدة لغوية في المحكم البيعة المتابعة على الأمر والطاعة وقد تبايعوا على الأمر وبايعه عليه مبايعة [ عاهده ] وفي المشارق بيعة الأمراء بفتح الباء وأصله من البيع لأنهم إذا بايعوه وعقدوا عهده وحلفوا له جعلوا أيديهم في يده توكيدا كالبائع والمشتري
الفصل الثالث

في ذكر بيعته الخاصة رضي الله تعالى عنه

في كتاب السيرة لابن إسحاق لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توفي وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم والله


38
ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات ووالله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رجع موسى فلتقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات

وروى محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله في صحيحه عن أبي سلمة أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته قالت أقبل أبو بكر على فرسه من مسكنه بالسنح حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة فتيمم النبي صلى الله عليه وسلم وهو مسجى ببرد حبرة فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقلبه ثم بكى فقال بأبي أنت يا نبي الله لا يجمع الله عليك موتتين أبدا وأما الموتة التى كتبت عليك فقد متها

قال أبو سلمة ( السيرة 2 655 ) فأخبرني ابن عباس أن أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس فقال اجلس يا عمر فأبى عمر أن يجلس فتشهد أبو بكر فمال إليه الناس وتركوا عمر فقال أما بعد من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت قال الله تعالى وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ( آل عمران 144 ) قال والله لكأن الناس لم يكونوا يعلمون أن الله أنزلها حتى تلاها أبو بكر فتلقاها منه الناس فما يسمع بشر إلا وهو يتلوها

قال ابن إسحاق ( 2 656 ) ولما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم انحاز


39
هذا الحي من الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة واعتزل علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيدالله في بيت فاطمة وانحاز بقية المهاجرين إلى أبي بكر وانحاز معهم أسيد حضير في بني عبد الأشهل فأتى آت أبا بكر وعمر فقال إن هذا الحي من الأنصار مع سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة قد انحازوا إليه فإن كان لكم بأمر الناس حاجة فأدركوا الناس قبل أن يتفاقم أمرهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته لم يفرغ من أمره قد أغلق دونه الباب أهله قال عمر فقلت لأبي بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار حتى ننظر ما هم عليه فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا منهم رجلان صالحان فذكرا لنا ما تمالأ عليه القوم وقالا أين تريدون يا معشر المهاجرين [ قلنا نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار قالا فلا عليكم أن لا تقربوهم يا معشر المهاجرين ] اقضوا أمركم قال قلت والله لنأتينهم فانطلقا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل فقلت من هذا فقالوا سعد بن عبادة فقلت ما له فقالوا وجع فلما جلسنا تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا وقد دفت دافة من قومكم قال وإذا هم يريدون أن يحتازون من أصلنا ويغصبونا الأمر فلما سكت أردت أن أتكلم وقد زورت مقالة في نفسي قد أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر وكنت أداري منه بعض الحد فقال أبو بكر على رسلك يا عمر فكرهت أن أغضبه فتكلم وهو كان أعلم مني وأوقر فوالله ما ترك من كلمة أعجبتني من تزويري إلا قالها في بديهته أو مثلها أو أفضل منها حتى سكت قال أما ما ذكرتم فيكم من خير فأتنم له اهل ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش أوسط العرب نسبا ودارا قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا
40
ولم أكره شيئا مما قال غيرها كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر قال فقال قائل من الأنصار أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش قال فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى تخوفت الاختلاف فقلت ابسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرين ثم بايعه الأنصار ونزونا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم قتلتم سعد بن عبادة قال فقلت قتل الله سعد بن عبادة

فوائد لغوية في ثماني مسائل الاولى في الصحاح سجيت الميت تسجية إذا مددت عليه ثوبا وفي المشرع الروي سجى غطى وستر من قولهم سجى الليل إذا غطى النهار بظلمته الثانيه في المشارق البرد المحبر المزين الملون ومنه حلة حبرة وبرد حبرة الثالثة أسيد بن حضير بضم الهمزة والحاء على التصغير فيهما كذلك في المشارق ( 1 60 ) الرابعة في الصحاح أبو زيد مالأته على الأمر ممالأة ساعدته عليه وشايعته ابن السكيت تمالأوا على الأمر اجتمعوا عليه والملأ الجماعة الخامسة في الصحاح يقال هو نازل بين ظهريهم وظهرانيهم بفتح النون ولا تقل ظهرانيهم بكسرها وزاد في المحكم وبين أظهرهم السادسة في الغريبين الدافة القوم يسيرون جماعة بالتشديد يقال يدفون دفيفا وفي الأفعال لأبن طريف دفت دافة من الناس يقال ذلك للجماعة تقبل من بلد إلى بلد السابعة زورت مقاله في الغريبين أي أصلحت وهيأت والتزوير


41
إصلاح الشىء وكل شىء كان صلاحا لشىء فهو زواره وزياره ومنه زيار الدابة وفي المحكم كلام مزور وهو المثقف قبل أن يتكلم به ومنه قول عمر ما زورت كلاما لأقوله إلا سبقني به أبو بكر قال نصر بن سيار [ من الطويل ]
أبلغ أمير المؤمنين رسالة
تزورتها من محكمات الرسائل

الثامنة في الغريبين قال الأصمعي الجذيل تصغيرجذل أو جذل لغتان وهو العود ينصب للجربى فتحتك به والعذيق تصغير عذق بفتح العين وهو النخلة والمرجب قال أبو عبيدة والأصمعي هو من الرجبة وهو أن تعمد النخلة الكريمة إذا خيف عليها لطولها وكثرة حملها ببناء من حجارة أو بخشبة ذات شعبيتين ويكون ترجيبها أيضا أن يجعل حولها شوك فلا يرقى إليها راق يقول أنا ممن يستشفى برأيه كما استشفت الإبل الجربى بالاحتكاك بهذا العود من جربها

وفي المشارق شبه نفسه بالعذق المرجب لما عنده من قوم يمنعونه ويحمونه وعشيرة تشده وترفده وتصغيرهما ليس على طريق التحقير بل للمدح كما قيل فريخ قريش وقيل للتعظيم تنبيه قول الأصمعي الجذيل تصغير جذل أو جذل يريد بكسر الجيم أو فتحها قال القاضي في المشارق جذل الشجرة بكسر الجيم وفتحها أصلها القائم

الفصل الرابع في ذكر بيعته العامة رضي الله تعالى عنه ورحمه

قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى في السير ولما بويع لأبي بكر في السقيفة وكان الغد جلس أبو بكر على المنبر فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر


42
فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل ثم قال أيها الناس إني كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما وجدتها في كتاب الله ولا كانت عهدا عهده إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكني كنت أرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدبر أمرنا يقول يكون آخرنا وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى رسوله فإن اعتصمتم به هداكم لما كان هداه له وإن الله قد أجمع لكم أمركم على خيركم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثاني اثنين إذ هما في الغار فقوموا فبايعوه فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة

ثم تكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله ثم قال أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني الصدق أمانة والكذب خيانة والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله

قال ابو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب قال ابن عزة القرشي الجمحي [ من الكامل ]

شكرا لمن هو بالثناء خليق
ذهب اللجاج وبويع الصديق
من بعد ما دحضت بسعد نعله
ورجا رجاء دونه العيوق
جاءت به الأنصار عاصب رأسه
فأتاهم الصديق والفاروق

43
وأبو عبيدة والذين إليهم
نفس المؤمل للبقاء تتوق
فدعت قريش باسمه فأجابها
إن المنوة باسمه الموثوق

فوائد لغوية في ثلاث مسائل الأولى في الديوان ( 2 309 ) أجمعت الشىء جعلته جميعا وفي الصحاح ( 3 1199 ) قال الكسائي أجمعت الأمر وعلى الأمر إذا عزمت عليه والأمر مجمع وقال أيضا أجمع أمرك ولا تدعه منتشرا قال الشاعر [ من الطويل ]

تهل وتسعى بالمصابيح وسطها
لها أمر حزم لا يفرق مجمع
الثانية في المحكم ( 4 391 ) إنك لخليق بذلك أي جدير وفي المشارق ( 1 141 ) هو جدير بكذا أي حقيق به

الثالثة في الصحاح ( 3 1075 ) مكان دحض أيضا بالتحريك زلق ودحضت رجله تدحض دحضا قلت وهذا مثل يضرب لكل من أخطأ الصواب فيقال زلقت قدمه وزلت نعله قال زهير أنشده الأعلم في أشعار الستة [ من الطويل ]

تداركتما الأحلاف قد ثل عرشها
وذبيان قد زلت بأقدامها النعل
الفصل الخامس في ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يحتج به على صحة استخلافه وصحة إمامته رضي الله عنه

قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب ( 969 ) رحمه الله تعالى استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته على من بعده بما أظهر من الدلائل البينة على محبته في ذلك وبالتعريض الذي يقوم مقام التصريح


44
ولم يصرح بذلك لأنه لم يؤمر فيه بشىء وكان لا يصنع شيئا في دين الله إلا بوحي والخلافة ركن من أركان الدين ومن الدليل الواضح على ما قلناه ما حدثناه سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان وذكر حديث محمد بن جبير بن مطعم الذي خرجه مسلم رحمه الله تعالى والنص لمسلم عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أن امرأة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فأمرها أن ترجع إليه فقالت يا رسول الله فإن لم أجدك قال أبي كأنها تعني الموت قال لم تجديني فأتي أبا بكر قال أبو عمر ابن عبد البر في هذا الحديث دليل على أن الخليفة أبو بكر

وقال القاضي أبو الفضل عياض في الاكمال رحمه الله تعالى فيه من الحجة صحة إمامة أبي بكر رضي الله تعالى عنه وأن النبي عليه السلام أخبر أنه سيكون إماما بعده ولو لم يكن لها أهلا لما أمر بالمجىء إليه انتهى

وقوله في الحديث قال أبي قال القاضي قال هذا عن أبيه محمد بن جبير انتهى وذكر الحافظ أبو عمر أيضا في الاستيعاب الحديث الذي يرويه الزهري بسنده عن عبدالله بن زمعة بن الأسود قال كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عليل فدعاه بلال إلى الصلاة فقال لنا مروا من يصلي بالناس قال فخرجت فإذا عمر في الناس وكان أبو بكر غائبا فقلت قم فصل بالناس فقام عمر فلما كبر سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته وكان عمر وكان عمر مجهرا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأين ابو بكر يأبى الله ذلك والمسلمون فبعثت إلى أبي بكر فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة فصلى بالناس طوال علته حتى مات صلى الله عليه وسلم


45

وروى أبو عمر أيضا عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال كان رجوع الأنصار يوم سقيفة بني ساعدة بكلام قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه نشدتكم الله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يصلي بالناس قالوا اللهم نعم قال فأيكم تطيب نفسه أن يزيله عن مقام أقامه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا كلنا لا تطيب نفسه ونستغفر الله

وذكر أبو عمر أيضا الحديث الذي يرويه الحسن البصري عن قيس بن عبادة قال قال لي علي بن أبي طالب إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرض ليالي وأياما ينادي للصلاة فيقول مروا أبا بكر يصلي بالناس فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرت فإذا الصلاة علم الاسلام وقوام الدين فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا فبايعنا أبا بكر انتهى

فائدتان لغويتام

الاولى في الصحاح جهر بالقول رفع به صوته نقول منه جهر الرجل بالضم وإجهار الكلام إعلانه ورجل مجهر بكسر الميم إذا كان من عادته أن يجهر بكلامه وقال ابن طريف جهرت بالكلام وأجهرت

الثانية في الصحاح قوام الأمر بالكسر نظامه وعماده وقوام الأمر أيضا ملاكه الذي يقوم به وقد يفتح

الفصل السادس في ذكر نبذ من أخباره ومناقبه رضي الله تعالى عنه

قال أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب لا يختلفون أنه رضي الله عنه شهد بدرا بعد مهاجرته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة وأنه لم يكن رفيقه من الصحابة غيره وهو كان مؤنسه في الغار إلى أن خرج معه مهاجرين وهو أول من أسلم من الرجال في قول طائفة من أهل العلم


46
بالسير والخبر وأول من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول أولئك

وقال الشعبي سألت ابن عباس أو سئل أي الناس كان أول إسلاما فقال أما سمعت قول حسان [ من البسيط ]

إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة
فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أتقاها وأعدلها
بعد النبي وأوفاها بما حملا
والثاني التالي المحمود مشهده
وأول الناس منهم صدق الرسلا

وروى مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه ( 2230 ) عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أمن الناس علي في ماله وصحبته أبو بكر ولو كنت متخذا خليلا لتخذن أبا بكر خليلا ولكن أخوة الاسلام لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر

وروى أيضا رحمه الله تعالى عن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل فأتيته فقلت أي الناس أحب إليك قال عائشة قلت من الرجال قال أبوها قلت ثم من قال عمر فعدد رجالا انتهى وفضائله رضي الله تعالى عنه أكثر من أن تحصى

فائدة لغوية قول حسان في الصديق رضي الله تعالى عنهما وأول الناس منهم صدق الرسلا في المخصص ( 13 234 235 ) لبن سيدة في باب ما جاء مجموعا وإنما هو واحد في الأصل قال الاصمعي يقال ألقاه في لهوات الليث وإنما له لهاة واحدة وكذلك وقع في لهوات الليث وقال العجاج

عودا دوين اللهوات مولجا

47
وقال الاسود
فلقد أروح إلى التجار مرجلا
مذلا بمالي لينا أجيادي
وقال غيره
تمد للمشي أوصلا وأصلابا
يعني ناقة وإنما لها صلب واحد
الفصل السابع في ذكر وفاته وقدر مدته رضي الله تعالى عنه

في الاستيعاب مكث في خلافته سنتين وثلاثة أشهر إلا خمس ليال وقيل سنتين وثلاث أشهر وسبع ليال وقيل عشرة أيام وقيل واثنتي عشرة ليلة واختلف في حين وفاته فقيل هو يوم الجمعة لتسع ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وقيل يوم الاثنين وقيل ليلة الثلاثاء وقيل عشي يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة

واختلف في السبب الذي مات منه فذكر الواقدي أنه اغتسل في يوم بارد فحم ومرض خمسة عشر يوما وقال الزبير بن بكار كان به طرف من السل وقال سلام بن أبي مطيع إنه سم انتهى

وقال أبو الفرج الجوزي في الصفوة عن ابن شهاب إن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه والحارث بن كلدة كانا يأكلان خزيرة أهديت لأبي بكر رضي الله تعالى عنه فقال الحارث لأبي بكر ارفع يدك يا خليفة رسول الله والله إن فيها لسم سنة وأنا وأنت نموت في يوم واحد فرفع يده فما زالا عليلين حتى ماتا في يوم واحد عند انقضاء السنة

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

الاولى في تفسير الألفاظ الطبية لابن الحشا السل في اللغة


48
ذبول البدن وذهاب لحمه عن أي سبب كان وفي اصطلاح الاطباء اسم لقرحة الرئة ويتبعها لا محالة ذبول البدن

الثانية حكى ابن السيد في المثلث عن الطوسي في السم ثلاث لغات ضم السين وفتحها وكسرها

الثالثة في ديوان الأدب الخزيرة أن ينصب القدر بلحم يقطع صغارا على ماء كثير فإذا نضج ذر عليه الدقيق فإذا لم يكن فيها لحم فهي عصيدة

الفصل الثامن في معنى الخليفة وأول خليفة كان في الاسلام ومعنى الأمير من تسمى بأمير المؤمنين وبأمير المسلمين

وفيه خمس مسائل المسألة الاولى في معنى الخليفة في تفسير القرآن شرفه الله تعالى للفخر ابن الخطيب رحمه الله تعالى الخليفة من يخلف غيره ويقوم مقامه

وفي ديوان الأدب للفارابي خلفه بفتح اللام في الماضي وضمها في المستقبل

وفي صناعة الكتابة لابن النحاس وعلى هذا خوطب الصديق رضي الله تعالى عنه فقيل له يا خليفة رسول الله انتهى

وفي اختصار الزجاجي لزاهر ابن الأنباري الأصل في الخليفة خليف بغير هاء فدخلت الهاء للمبالغة في مدحه بهذا الوصف كعلامة ونسابه وراوية وما أشبه ذلك انتهى


49

وجمع الخليفة في الصحاح ( 4 1356 ) للجوهري الخلا ئف على الأصل مثل كريمة وكرائم والخلفاء على تقدير إسقاط الهاء من أجل أنه لا يقع إلا لمذكر فصار مثل ظريف وظرفاء لأنه فعليه بالهاء لا تجمع على فعلاء وفي المحكم ( 5 121 ) الخلفاء جمع الخليف بمعنى الخليفة ولم يعرفه سيبويه وحكاه أبو حاتم وأنشد لأوس بن حجر [ من البسيط ]

إن من الحي موجودا خليفته
وما خليف أبي وهب بموجود
انتهى قلت قد جاء أوس في بيته هذا باللغتين معا خليفة وخليف المسألة الثانية في أول من ولي الخلافة ودعي بها

في كتاب نفحة الحدائق والخمائل أول من ولي الخلافة أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه

وفي كتاب الاستيعاب ( 971 ) لأبي عمر كان أبو بكر يقول أنا خليفة رسول الله وكان يدعى يا خليفة رسول الله وروىبسند عن ابن أبي ملكية قال قال رجل لأبي بكر يا خليفة الله قال لست بخليفة الله ولكني خليفة رسول الله وأنا راض بذلك

المسألة الثالثة في معنى الأمير

في المحكم الأمير الآمر والأمير الملك لنفاذ أمره بين الإمارة والأمارة وأمر علينا يأمر أمرا وأمر وأمر كولي

تنبيه المشهور في الإمارة من الولاية كسر الهمزة وزاد في المحكم فتحها وأما


50
الأمارة بمعنى العلامة فهي بفتح الهمزة لا غير كذلك قيدها الهروي والفارابي وأنشد جميعا [ من الطويل ]
إذا طلعت شمس النهار فإنها
أمارة تسليمي عليك فسلمي

المسألة الرابعة في أول من تسمى بأمير المؤمنين وهو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه

ذكر أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب ( 1151 ) أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى سأل أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة لأي شىء كان أبو بكر يكتب من خليفة رسول الله وكان عمر يكتب من خليفة أبي بكر ومن أول من كتب من عبد الله أمير المؤمنين قال حدثتني الشفاء وكانت من المهاجرات الأول أن عمر بن الخطاب كتب إلى عامل العراق أن ابعث إلي برجلين نبيلين أسألهما عن العراق فبعث إليه عامل العراق لبيد بن ربيعة العامري وعدي بن حاتم الطائي فلما قدما المدينة أناخا راحلتيهما بفناء المسجد ثم دخلا المسجد فإذا هما بعمرو بن العاص فقالا له استأذن لنا على أمير المؤمنين يا عمرو فقال عمرو أنتما والله أصبتما اسمه نحن المؤمنين وهو أميرنا فوثب عمرو فدخل على عمر فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين فقال عمر ما بدا لك في هذا الاسم يعلم الله لتخرجن مما قلت أو لأفعلن قال إن لبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم قدما فأناخا راحلتيهما بفناء المسجد ثم دخلا المسجد وقالا لي استأذن لنا على أمير المؤمنين فهما والله أصابا اسمك أنت الامير ونحن المؤمنون قال فجرى الكتاب من يومئذ انتهى

المسألة الخامسة في أول من تسمى بأمير المسلمين وهو يوسف بن تاشفين رحمه الله تعالى


51
وفي الحدائق والخمائل أول من تسمى بأمير المسلمين يوسف بن تاشفين وكان أول من دعاه به المعتمد بن عباد فاستحسن ذلك منه ومرت عليه هذه التسميةإلى أن مات
52
الباب الثاني في الوزير وفيه أربعة فصول الفصل الأول في معنى الوزير واشتقاق اسم الوزارة

في كتاب أحكام القرآن ( 4 1630 ) للقاضي أبي بكر ابن العربي رحمه الله تعالى الوزارة عبارة عن رجل موثوق به في دينه وعقله يشاوره الخليفة فيما يعن له من الأمور انتهى

وفي اشتقاق الوزير ثلاثة أقوال الأول أن يكون مشتقا من الوزر وهو الثقل بكسر الواو وسكون الزاي كذلك ضبطه الفارابي ( 3 236 ) فكان الوزير يحمل عن السلطان ثقل الأمور قاله الهروي والعزيزي وابن سيده

والثاني أن يكون مشتقا من الوزر وهو المكان الممتنع في الجبل يلجأ إليه ويمتنع فيه بفتح الواو والزاي معا كذلك ضبطه الفارابي أيضا ( 3 215 ) فكأن الوزير يلجأ إليه السلطان فيما يعن له من الامور ويمتنع برأيه من الخطأ قاله الهروي وابن سيده

والثالث أن يكون مشتقا من الأزر وهو الشدة والقوة بفتح الهمزة وسكون الزاي كذلك ضبطه الفارابي أيضا ( 4 140 ) فكأن الوزير يشد أمر السلطان ويقويه قاله ابن سيدة قال ومن هنا أيضا ذهب بعضهم إلى أن الواو في الوزير بدل من الهمزة وقال وحالته الوزارة والوزارة والكسر أعلى انتهى


53
الفصل الثاني في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وزيراي من أهل السماء جبريل وميكائيل ووزيراي من أهل الأرض أبو بكر وعمر

في كتاب أحكام القرآن ( 4 1630 ) وكتاب سراج المريدين للقاضي أبي بكر ابن العربي رحمه الله في الحديث الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم وزيراي من أهل السماء جبريل وميكائيل ووزيراي من أهل الأرض أبو بكر وعمر

وخرج مسلم ( 2 211 ) رحمه الله تعالى عن سعد بن إبراهيم عن أبيه عن سعد قال رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بياض ما رأيتهما قبل ولا بعد يعني جبريل وميكائيل عليهما السلام

وخرج مسلم ( 2 211 ) رحمه الله عن سعد أيضا عن أبيه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال لقد رأيت يوم أحد عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن يساره رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه كأشد القتال ما رأيتهما قبل ولا بعد انتهى

وفي هذه الاحاديث ثبوت مؤازرة جبريل وميكائيل عليهما السلام له صلى الله عليه وسلم وتصحيح الحديث الحسن الذي خرجه أبو بكر ابن العربي في ذلك

وقد ذكر ذلك حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه في شعره فقال يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشده الفقيه أبو القاسم العزفي في الدار المنظم في مولد النبي المعظم [ من الكامل ]

يا ركن معتمد وعصمة لائذ
وملاذ منتجع وجار مجاور
يا من تخيره الإله لخلقه
فحباه بالخلق الرضي الطاهر

54
أنت النبي وخير عترة آدم
يا من يجود بفيض بحر زاخر
ميكال معك وجبرئيل كلاهما
مدد لنصرك من عزيز قاهر
الفصل الثالث في ذكر أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وأنسابهما وأخبارهما

أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قد تقدم من ذكره في الباب الذي قبل هذا ما فيه كفاية والحمد لله عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه

في الاستيعاب ( 1144 ) عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب القرشي العدوي أبو حفص أسلم بعد أربعين رجلا فكان إسلامه عزا ظهر به الإسلام بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم

وفي السير لابن إسحاق ( 1 345 ) أن خباب بن الأرت قال لعمر يحضه على الإسلام يوم أسلم والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه فإني سمعته أمس وهو يقول اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم ابن هشام أو بعمر بن الخطاب

وفي الاستيعاب ( 1147 ) ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدر عمر حين أسلم ثلاث مرات وهو يقول اللهم أخرج ما في صدره من غل وأبدله إيمانا يقول ثلاثا

وهاجر فهو من المهاجرين الأولين وشهد بدرا وبيعة الرضوان وكل مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنه راض


55

وقال صلى الله عليه وسلم إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه وقال عليه السلام قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في هذه الأمة أحد فعمر بن الخطاب وولي الخلافة بعد أبي بكر باستخلافه سنة ثلاث عشرة فسار بأحسن سيرة وفتح الله له الفتوح بالشام والعراق ومصر وكان لا يخاف في الله لومة لائم وكان من أشراف قريش وإليه كانت السفارة في الجاهلية وذلك أن قريشا إذا وقعت بينهم حرب أو بينهم وبين غيرهم بعثوه سفيرا وإن نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخر بعثوه منافرا ومفاخرا ورضوا به

ولد بعد الفيل بثلاث عشرة سنة وقتل رحمه الله سنة ثلاث وعشرين طعنه أبو لؤلؤة فيروز غلام المغيرة بن شعبة لثلاث بقين من ذي الحجة وقيل لأربع بقين منه يوم الأربعاء وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر

روفي الاكتفاء أن عمر رضي الله تعالى عنه بعد أن قدم المدينة من حجة خرج يوما يطوف بالسوق فلقيه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بنشعبة وكان نصرانيا لعنه الله

وفي الاستيعاب ( 1155 ) ويقال كان مجوسيا

رجع إلى الاكتفاء فقال يا أمير المؤمنين أعدني على المغيرة فإن علي خراجا كثيرا قال وكم خراجك قال قال درهمان في كل يوم قال وأيش صناعتك قال نجار نقاش حداد قال فما أرى خراجك كثيرا على ما تصنع من الأعمال ثم انصرف عمر رضي الله تعالى عنه إلى منزله فلما كان صبح اليوم الثالث خرج رضي الله تعالى عنه إلى الصلاة وكان يوكل بالصفوف رجالا فإذا استوت أخبروه فكبر فدخل أبو لؤلؤة في الناس في يده خنجر له رأسان نصابه في


56
وسطه فضرب عمر رضي الله تعالى عنه ست ضربات إحداهن تحت سرته وهي التي قتلته فلما وجد عمر رضي اله تعالى عنه حر السلاح سقط وقال دونكم الكلب فإنه قد قتلني وماج الناس فأسرعوا إليه فجرح منهم ثلاثة عشر

وفي الاستيعاب اثني عشر مات منهم ستة

رجع إلى الإكتفاء فجاء رجل فاحتضنه من خلفه وقيل ألقى عليه برنسا فقيل إنه لما أخذ قتل نفسه وأمر عمر رضي الله تعالى عنه عبد الرحمن بن عوف فصلى بالناس ثم حمل رضي الله تعالى عنه إلى منزله وكان مقتله رضي الله تعالى عنه لأربع بقين من ذي الحجة من سنة ثلاث وعشرين وقيل لثلاث بقين منه وقيل إن وفاته كانت في غرة المحرم من سنة أربع وعشرين

وفي الاستيعاب ( 1155 ) واختلف الناس في سن عمر رضي الله تعالى عنه يوم مات فقيل اثنتان وخمسون وقيل أربع وخمسون وقيل خمس وخمسون وقيل ستون وقيل ثلاث وستون وقال أبو الربيع ابن سالم في الاكتفاء وأشهر ما في ذلك ثلاث وستون وأنه استوفى بمدة خلافته سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسن أبي بكر رضي الله تعالى عنه

فوائد لغوية في خمس مسائل

المسألة الأولى من شرح العمدة لابن دقيق العيد رياح في نسب عمر رضي الله تعالى عنه براء مهملة مكسورة بعدها الياء أخت الواو وألف وحاء مهملة ورزاح براء كذلك بعدها زاي معجمة وألف وحاء مهملة

المسألة الثانية في المشارق ( 1 183 ) محدثون بفتح الدال قال البخاري يجري على ألسنتهم الصواب


57

وقال اب قتيبة يصيبون إذا ظنوا وحدسوا ويقال محدث أي كأنه لاصابته حدث بذلك

المسألة الثالثة في الأفعال لابن طريف أعدى الحاكم المظلوم نصره وأعذيت الرجل نصرته على حقه وأعديته من حقه انصفته

المسألة الرابعة في المشارق ( 1232 ) الخرج بفتح الخاء وسكون الراء والخراج الغلة

المسألة الخامسة وأيش صناعتك في اليواقيت للمطرز قال سمعت ثعلبا يقول إذا لم يسمع العالم شيئا أنكره قال الأصمعي لا يدع أهل بغداد قولهم أيش أبدا قال أبو العباس ولم يسمعها الأصمعي وهي فاشية في كلام العرب فصيحة أنشدنا ابن الأعرابي عن أبي زيد [ من الرجز ]

عجيز مائلة المكيال
مشنوجة الكف عن العيال
أقول زيديني أيش حالي

وفي التسهيل في الكلام على أي وقد يحذف ثالثها في الاستفهام قال ابن هانىء في شرحه وأنشد عليه ابن عصفور قلت ولم ينسباه للفرزدق ونسبه ابن سيده في المحكم للفرزدق [ من الطويل ]

تنظرت نصرا والسماكين أيهما
علي من الغيث استهلت مواطره

قال ابن هانىء ومنه قولهم أيش هذا


58

وفي البسيط لابن أبي الربيع قالوا أيش هذا والمعنى أي شيء هذا فحذفت العين واللام وبقيت الفاء لكثرة الاستعمال ذكره في باب القسم

ومن كتاب معاني القرآن ( 1 2 ) للفراء رحمه الله تعالى من الكلام على حذف الألف من بسم الله الرحمن الرحيم قال إنما حذفت الألف في بسم الله الرحمن الرحيم في أوائل السور والكتب لأنها وقعت في موقع معروف لا يجهل القارىء معناه ولا يحتاج إلى قراءته فاستخف طرحها لأن من شأن العرب الإيجاز وتقليل الكثير إذا عرف معناه

قال ومما كثر في كلام العرب فحذفوا منه أكثر من ذا قولهم أيش عندك فحذفوا إعراب أي وإحدى ياءيه وحذفت الهمزة من شيء وكسرت الشين وكانت مفتوحة

ومن مليح ما وقعت فيه أيش من كلام المتأخرين ما أنشده الإمام أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى لبعضم في كتابه التحبير في تفسير أسماء الله الحسنى [ من البسيط ]

ملكت نفسي وكنت عبدا
فزال رقي وطاب عيشي
أصبحت ارضى بحكم ربي
وإن لم أكن راضيا فأيش
الفصل الرابع
فيما جاء في الوزير الصالح

روى النسائي ( 7 159 ) رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها


59
قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ولي منكم عملا فأراد الله به خيرا جعل له وزيرا صالحا فإن نسي ذكره وإن تذكر أعانه انتهى

وروى أبو داود ( 2 118 ) رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد الله بالأمير خيرا جعل له وزير صدق إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه وإن أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء إن نسي لم يذكره وإن ذكر لم يعنه انتهى

وروى النسائي ( 7 158 ) رحمه الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من وال إلا وله بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وبطانة لا تألوه خبالا فمن وقي شرها فقد وقي وهو من التي تغلب عليه منهما

وروى البخاري ( 9 95 ) رحمه الله تعالى عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما بعث من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له [ بطانتان ] بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه فالمعصوم من عصم الله انتهى

فوائد لغوية في أربع مسائل

الأولى الهروي كل ما نسب إلى الصلاح والخير أضيف إلى الصدق فقيل رجل صدق وصديق صدق

وقال الزمخشري في الكشاف ( 2 209 ) قولك رجل سوء نقيض قولك رجل صدق

وفي المفصل ( 114 ) وتقول مررت برجل رجل صدق ورجل رجل


60
سوء كأنك قلت صالح وفاسد والصدق ها هنا بمعنى الصلاح والجودة والسوء بمعنى الفساد والرداءة

الثانية في الجامع للقزاز بطن ثوبه إذا جعل له بطانة أي ثوبا داخلا ومنه أخذ بطانة الرجل وهم الذين يداخلونه كأنهم خصوا بباطن أمره

وفي الديوان ( 2 135 ) بطن فلان بفلان يبطن إذا كان خاصا به بفتح الطاء في الماضي وضمها في المستقبل

الثالثة في ديوان الأدب ( 4 200 ) ما ألوت أي ما قصرت وألوت أبطأت في باب فعلت بفتح العين أفعل بضمها

وفي الجامع ألوا وألوا وأليا مثل عتوا وعتيا

الرابعة في الغريبين الخبال والخبل الفساد وقد يكون في الأفعال والأبدان والعقول


61
الباب الثالث
في صاحب السر

من تاريخ بغداد ( 1 161 162 ) للخطيب حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه كان صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم لقربه منه وثقته به وعلو منزلته عنده

روى النسائي رحمه الله تعالى عن علقمة قال قدمت الشام فدخلت مسجد دمشق فصليت ركعتين ثم قلت اللهم ارزقني جليسا صالحا فجلست إلى أبي الدرداء فقال لي ممن أنت قلت من أهل العراق فقال كيف كان يقرأ عبدالله والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى قلت هكذا كان يقرؤها عبدالله فقال أبوالدرداء هكذا سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال فيكم الذي أجير من الشيطان وفيكم الذي يعلم السر لا يعلمه غيره يعني حذيفة انتهى

تنبيه

سيأتي ذكر حذيفة رضي الله تعالى عنه في باب كاتب الجيش فيما يأتي من هذا الكتاب وذكر نسبه وأخباره إن شاء الله تعالى

وذكر ابن قتيبة في كتاب عيون الأخبار ( 1 19 ) بسنده عن الشعبي عن عبد الله بن عباس قال قال لي ابي يا بني إني أرى أمير المؤمنين يستخليك


62
ويستسرك ويستفهمك ويقدمك ويفضلك على الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإني أوصيك بخلال ثلاث لا تفشين له سرا ولا يجربن عليك كذبا ولا تغتابن عنده أحدا قال الشعبي قلت لابن عباس كل واحدة خير من ألف قال أي والله ومن عشرة آلاف
فائدة لغوية

في الصحاح ( 2 683 ) أسررت الشيء كتمته وأسر إليه حديثا أي أفضى وساره في أذنه مسارة وسرارا وتساروا أي تناجوا والسر الذي يكتم


63
الباب الرابع
في الآذان والحاجب والبواب وفيه أربعة فصول
الفصل الأول
في ذكر من كان يأذن على النبي صلى الله عليه وسلم

روى مسلم رحمه الله تعالى عن جابر بن عبدالله قال جاء أبوبكر يستأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فوجد الناس جلوسا ببابه لم يؤذن لأحد منهم قال فأذن لأبي بكر فدخل ثم اقبل عمر فاستأذن فأذن له وساق الحديث

وفي كتاب أنباء الأنبياء للقضاعي آذنه عليه السلام أنس بن مالك

قال القاضي ابوبكر ابن العربي في كتاب الأحكام ( 3 1351 ) كان أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعمل على قوله وفي ذلك دليل أنه يجوز من الصغير

وفي كتاب أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم ( 162 ) لابن حيان عن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد مشربة وعلى الباب وصيف له فقلت له استأذن لي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن لي فإذا رسول الله صلى الله وسلم على حصير قد أثر في جنبه وإذا تحت رأسه مرفقة من أدم حشوها ليف


64

وخرجه البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه ( 7 37 ) مطولا في كتاب النكاح وفيه فقلت لغلام له أسود استأذن لعمر

وفي مختصر السير لابن جماعة رحمه الله وأذن عليه صلى الله عليه وسلم رباح الأسود وأنسة مولياه انتهى

فائدتان لغويتان

الأولى في الصحاح ( 1 107 ) حجبه اي منعه عن الدخول وحاجب الأمير جمعة حجاب واستحجبه ولاه الحجبة واحتجب الملك عن الناس وملك محجب

الثانية ابن سيده أذن له في الشيء إذنا أباحه له واستأذنه طلب منه الإذن وأذن له عليه أخذ له منه الإذن و في الديوان ( 4 215 ) بكسر الذال في الماضي وفتحها في المستقبل وفي الصحاح ( 5 2068 ) يقال إيذن لي على الامير والآذن الحاجب

الفصل الثاني
في ذكر آنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالىعنهم

1 أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه يأتي الكلام عليه مستوفى في باب صاحب الطهور

2 أنسة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإستيعاب ( 137 ) آنسة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم يكنى أبا مسرح ويقال أبا مسروح ذكر في من شهد بدرا وكان من مولدي السراة وكان يأذن على النبي صلى الله عليه وسلم إذا جلس فيما حكى مصعب الزبيري ومات في خلافة ابي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وذكر المدائني عن ابن عباس قال استشهد يوم بدر ابوأنسة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا قال أبو أنسة والمحظوظ آنسة


65

قال الواقدي ( 138 ) ليس ذلك عندنا بثبت قال ورأيت أهل العلم يثبتون أنه قد شهد أحدا وبقي بعد ذلك زمانا قال وحدثني ابن ابي الزناد عن محمد بن يوس قال مات أنسة بعد النبي صلى الله عليه وسلم في ولاية أبي بكر رضي الله تعالى عنه

تنبيه

كتب أبو علي الغساني في نسخته التي بخطه من الاستيعاب على أبي مسرح طرة نصها

ابو مسرح بالسين غير معجمة وقع في تاريخ ابن ابي خيثمة وكذلك رويناه عن ابي علي ابن السكن 3 رباح مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستيعاب ( 487 ) رباح مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أسود وربما أذن على النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا إذا انفرد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأخذ عليه الإذن

الفصل الثالث
في البواب

روى البخاري ( 9 81 ) رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر فقال اتقي الله


66
واصبري قالت إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه فقيل لها إنه النبي صلى الله عليه وسلم فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين فقالت لم أعرفك فقال إنما الصبر عند الصدمة الأولى
الفصل الرابع
في ذكر حجاب الخلفاء الأربعة رضي الله تعالى عنهم

1 حاجب ابي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في كتاب أنباء الانبياء للقضاعي وكتاب بلغة الظرفاء ( 10 ) لابن ابي السرور الروحي

حاجب أبي بكر رضي الله تعالى عنه شديد ( 1 ) مولاه وفي كتاب بهجة النفس لابن هشام حاجب أبي بكر رضي الله عنه سديف مولاه وقيل شديد

2 حاجب عمر رضي الله تعالى عنه في كتاب الأنباء و البلغة و البهجة مولاه يرفأ وفي كتاب الموالي للجاحظ كان يرفأ حاجب عمر رضي الله تعالى عنه يدعو صهيبا وبلالا وخبابا وعمارا وسلمانا قبل الناس ثم يدخل الناس بعدهم على مراتبهم حتى تمعر وجه الاقرع بن حابس وعيينة بن حصن وحكيم بن حزام ورجال من جلة قريش وسادة العرب فلما رأى سهيل بن عمرو ذلك وكان فيهم قال لم تمعر ألوانكم وتربد وجوهكم دعوا ودعينا فأسرعوا وابطأنا فلئن حسدتموهم على باب عمر وجفانة لما أعد لهم في الجنة أكثر فليطل حسدكم وقال آخر كيف بكم وبهم إذا دعوا الى الجنة وتركتم

وقال ابن قتيبة في المعارف ( 558 ) أول من رشا في الإسلام المغيرة بن شعبة وقال ربما عرق الدرهم في يدي أرفعه ليرفأ ليسهل إذني على عمر

وخرج البخاري ( 4 96 97 ) رحمه الله تعالى عن مالك بن اوس بن الحدثان قال بينا انا جالس في اهلي حين متع النهار إذا رسول عمر بن الخطاب رضي الله


67
تعالى عنه يأتيني فقال أجب أمير المؤمنين فانطلقت معه حتى ادخل على عمر وذكر الحديث وفيه فبينا أنا جالس عنده أتاه حاجبه يرفأ فقال هل لك في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد بن ابي وقاص يستأذنون قال نعم فأذن لهم فدخلوا وجلسوا وساق الحديث

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

الأولى في الصحاح ( 2 818 ) تمعر لونه عند الغضب تغير

الثانية في الصحاح ( 1 469 ) تربد وجه فلان اي تغير من الغضب وقد تربد الرجل تعبس

الثالثة في المشارق ( 1 224 ) مالك بن اوس بن الحدثان بدال مهملة مفتوحة وثاء مثلته

3 حاجب عثمان رضي الله تعالى عنه حمران مولاه ذكره ابن هشام في البهجة وفي العمدة للتلمساني من موالي عثمان رضي الله تعالى عنه حمران بن ابان وهو من سبي عين التمر وسكن البصرة وبقي إلى زمن عبد الملك بن مروان

وحجبه ايضا نائل مولاه ذكر ابن السكيت في شرح شعر حاتم الطائي أن عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه قدم على عثمان رضي الله تعالى عنه في خلافته فحجبه نائل مولى عثمان فلما خرج عثمان عرض له عدي فرحب به عثمان فشكا نائلا فلامه عثمان فقال لا تحجبه فإنا نعرف له فضله وراي الخليفتين فيه وفي قومه

4 حاجب علي رضي الله تعالى عنه قنبر مولاه ذكره ابن هشام في البهجة وذكره القضاعي في كتاب الأنباء وزاد كان قبله بشر مولاه أيضا

فائدة لغوية

في الصحاح ( 2 785 ) قنبر بالفتح اسم رجل


68
الباب الخامس
في ذكر الخادم
وفيه فصلان
الفصل الأول
في ذكر من تولي خدمة النبي صلى الله عليه وسلم

قال ابن جماعة في مختصر السير في ذكر خدم النبي صلى الله عليه وسلم منهم أبو حمزة أنس بن مالك الأنصاري وهند وأسماء ابنا حارثة الأسلميان وربيعة بن كعب الأسلمي

وروى البخاري ( 7 30 ) عن ابن شهاب قال أخبرنا أنس بن مالك أنه كان ابن عشر سنين مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فكان أمهاتي يواصينني على خدمة النبي صلى الله عليه وسلم فخدمته عشر سنين وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ابن عشرين سنة

وذكر ابن عبد البر في الاستيعاب ( 1544 ) عن أبي هريرة أنه قال ما كنت أرى أسماء وهند ابني حارثة إلا خادمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم من طول ملازمتهما بابه وطول خدمتهما إياه

وقال أبو الفرج الجوزي في مختصر الحلية ( 1 284 ) ربيعة بن كعب الأسلمي كان يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبيت على بابه لحوائجة


69
فائدة لغوية

في المحكم ( 5 90 ) خدمه يخدمه ويخدمه خدمة وخدمة الفتح عن اللحياني وقيل الفتح المصدر والكسر الاسم والمذكر خادم والجمع خدام والخدم اسم للجمع والانثى خادم وخادمة عربيتان فصيحتان وخدم نفسه يخدمها ويخدمها كذلك وحكى اللحياني لا بد لمن لم يكن له خادم أن يختدم أي يخدم نفسه واستخدمه فأخدمه استوهبه خادما فوهبه له

الفصل الثاني
في ذكر أنسابهم وأخبارهم

1 أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه يأتي الكلام عليه مستوفى في باب الطهور

2 3 هند وأسماء ابنا حارثة الأسلميان في الاستيعاب ( 1544 86 ) هند بن حارثة بن هند ويقال ابن حارثة بن سعيد بن عبد الله بن غياث بن سعد بن عمرو بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى الأسلمي شهد هند بن حارثة بيعة الرضوان مع إخوة له سبعة وهم هند وأسماء وخراش وذؤيب وفضالة وسلمة ومالك وحمران ولم يشهدها إخوة في عددهم غيرهم ولزم منهم النبي صلى الله عليه وسلم اثنان أسماء وهند وكانا من أهل الصفة

قال أبو هريرة ما كنت أرى أسماء وهندا ابني حارثة إلا خادمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم من طول لزومهما بابه وخدمتها إياه وتوفي هند بالمدينة في خلافة معاوية وتوفي أسماء بالبصرة في خلافة معاوية أيضا في ولاية زياد وهو ابن ست وثمانين سنة

4 ربيعة بن كعب الأسلمي في الاستيعاب ( 494 ) ربيعة بن كعب بن مالك بن يعمر الأسلمي أبو فراس معدود في أهل المدينة وكان من أهل الصفة وكان يلزم النبي صلى الله عليه وسلم في السفر والحضر وهو الذي سأل رسول


70
الله صلى الله عليه وسلم مرافقته في الجنة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أعني على نفسك بكثرة السجود

وفي اختصار الجوزي لحلية أبي نعيم ( 2 284 285 ) ربيعة بن كعب الأسلمي أسلم قديما وكان من أهل الصفة وكان يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبيت على بابه لحوائجه

وعن ربيعة بن كعب قال كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقوم له في حوائجه نهاري أجمع حتى يصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء الآخرة فأجلس ببابه حتى إذا دخل بيته أقول لعلها أن تحدث لرسول الله صلى الله عليه وسلم حاجةفما أزال أسمعه يقول سبحان الله وبحمده حتى أمل فأرجع أو تغلبني عيني فأرقد فقال لي يوما لما يرى من خفتي له وخدمتي إياه يا ربيعة سلني أعطك قال فقلت أنظر في أمري يا رسول الله ثم أعلمك ذلك قال ففكرت في نفسي فعرفت أن الدنيا منقطعة وزائلة وأن لي فيها رزقا سيكفيني ويأتيني قال فقلت أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لأخرتي فإن من الله بالمنزل الذي هو به قال فجئته قال ما فعلت يا ربيعة فقلت يا رسول الله أسألك أن تشفع لي إلي ربك فيعتقني من النار قال من أمرك بهذا يا ربيعة فقلت والذي بعثك بالحق ما أمرني به أحد ولكن لما قلت سلني أعطك وكنت من الله بالمنزل الذي أنت به نظرت في أمري فعرفت أن الدنيا منقطعة زائلة وأن لي منها رزقا سيأتيني فقلت أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لأخرتي قال فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا ثم قال إني فاعل فأعني على نفسك بكثرة السجود وما زال ربيعة يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيغزو معه فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج فنزل على بريد من المدينة وبقي إلى أيام الحرة انتهى

قال أبو عمر ( 494 ) مات بعد الحرة سنة ثلاث وستين


71
الباب السادس
في ذكر صاحب الوساد
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الاول
في ذكر من تولى ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم

روى البخاري ( 5 31 ) رحمه الله تعالى قال ذهب علقمة إلى الشام فأتى المسجد فصلى ركعتين فقال اللهم ارزقني جليسا صالحا فجلس إلى أبي الدرداء فقال ممن أنت فقال من أهل الكوفة فقال أليس فيكم صاحب السر الذي كان لا يعلمه غيره يعني حذيفة أو ليس فيكم أو كان فيكم الذي أجاره الله على لسان رسوله من الشيطان يعني عمارا أو ليس فيكم صاحب السواك والوساد يعني ابن مسعود كيف كان عبد الله يقرأ والليل إذا يغشى قال والذكر والانثى فقال ما زال بي هؤلاء حتى كادوا يشككونني وقد سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم

فائدة لغوية

في الصحاح ( 1 547 ) الوساد والوسادة المخدة والجمع وسائد ووسد وقد وسدته الشىء فتوسده إذا جعلته تحت رأسه

الفصل الثاني
كيف كان يتكىء صلى الله عليه وسلم ومن أي شىء كان الوساد

في كتاب أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم ( 245 246 ) لابن حيان الأصبهاني عن أنس قال بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس في


72
المسجد إذ دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله ثم قال أيكم محمد ورسول الله صلى الله عليه وسلم متكىء بين ظهرانيهم فقلنا له هذا الابيض المتكىء انتهى

وفي شمائل النبي صلى الله عليه وسلم ( 63 ) للترمذي حدثنا عباس بن محمد الدوري عن إسحاق بن منصور عن إسرائيل عن سماك عن جابر بن سمرة قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا على وسادة على يساره

(65 ) وحدثنا يوسف بن عيسى حدثنا وكيع حدثنا إسرائيل عن سماك عن جابر بن سمرة قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم متكئا على وسادة

قال أبو عيسى لم يذكر وكيع فيه على يساره وهكذا رواه غير واحد عن إسرائيل نحو رواية وكيع ولا نعلم أحدا ذكر فيه على يساره إلا ما رواه إسحاق بن منصور عن إسرائيل

وروى مسلم ( 2 155 ) رحمه الله تعالى عن عائشة قالت كان وساد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يتكىء عليه من أدم حشوة ليف انتهى

وذكر ابن حيان الأصبهاني ( 162 ) حديث عمر رضي الله تعالى عنه المذكور في باب الإذن وفيه فاستأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير قد أثر في جنبه وإذا تحت رأسه مرفقة من أدم حشوة ليف

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

الاولى قال أبو الفرج الجوزي رحمه الله تعالى في كتاب كشف مشكل الصحيحين حين تكلم على حديث أنس رضي الله تعالى عنه الظاهر في الاتكاء الاعتماد على أحد المرفقين وقال أبو سليمان لا نعرف المتكىء إلا من مال في قعوده معتمدا على أحد جانبيه وكل من استوى قاعدا على وطاء فهو متكىء

الثانية قال في الصحاح ( 4 1482 ) المرفق والمرفق موصل الذراع بالعضد


73

الثالثة المرفقة بالكسر المخدة وقد تمرفق إذا أخذ مرفقة وبات مرتفقا أي متكئا على مرفق يده

الفصل الثالث
في إدناء النبي صلى الله عليه وسلم الوساد للداخل
وفي اتخاذ الخلفاء رضي الله تعالى عنهم الوساد واتكائهم عليه

في كتاب أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم ( 247 ) لابن حيان الأصبهاني دخل سلمان على عمر وهو متكىء فألقاها له فقال له سلمان الله أكبر صدق الله ورسوله فقال عمر حدثنا يا أبا عبد الله فقال سلمان دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متكىء على وسادة فأدناها إلي ثم قال يا سلمان ما من مسلم دخل على أخيه المسلم فيلقي إليه بالوسادة إكراما له إلا غفر الله له

تنبيه

يأتي نسب عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه وأخباره في باب الطهور من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى


74
الباب السابع
في ذكر صاحب النعلين

في الاستيعاب ( 988 ) عند ذكر عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه كان يلج على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلبسه نعليه

وفي مختصر السير لابن جماعة رحمه الله تعالى كان عبد الله بن مسعود صاحب نعلي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام ألبسه إياهما وإذا جلس جعلهما في ذراعه حتى يقوم

وروى الترمذي رحمه الله تعالى في كتابه الجامع ( 5 338 ) عن خيثمة بن أبي سبرة رحمه الله تعالى قال أتيت المدينة فسألت الله أن ييسر لي جليسا صالحا فيسر لي أبا هريرة رضي الله تعالى عنه فجلست إليه فقلت له إني سألت الله ييسر لي جليسا صالحا فوقعت لي فقال لي ممن أنت قلت من أهل الكوفة جئت ألتمس الخير وأطلبه قال أليس فيكم سعد بن مالك مجاب الدعوة وابن مسعود صاحب طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم ونعليه وحذيفة صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمار الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه وسلمان صاحب الكتابين

قال قتادة والكتابان الانجيل والقرآن


75
ص

قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب

تنبيه

يأتي ذكر عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه وأخباره في باب الطهور من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى

فائدة لغوية

في المحكم ( 2 114 ) النعل والنعلة ما وقيت به القدم من الأرض مؤنثة والجمع نعال ونعل نعلا وتنعل وانتعل لبس النعل ونعل القوم وهب لهم النمعال وانعلوا وهو ناعلون كثرت نعالهم ورجل ناعل ومنعل ذو نعل

وفي الصحاح ( 5 1831 ) وتصغيرها نعيلة


76

77

78

79
الباب الاول
في معلم القرآن
وفيه أربعة فصول
الفصل الاول
في ذكر من كان يعلم ذلك بالمدينة والنبي صلى الله عليه وسلم بها

ذكر أبو الفرج الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه كشف مشكل الصحيحين عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه وقال شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يعلم أهل الصفة القرآن وهو أحد النقباء الاثني عشر

فائدتان لغويتان

الاولى في المحكم ( 6 289 ) قرأ القرآن يقرأه ويقرؤه

الثانية عند الزجاج قرءا وقراءة وقرآنا الأولى عن اللحياني ورجل قارىء من قوم قرأة وقراء وقارئين وأقرأ غيره

وفي الغريبين سمي القرآن قرآنا لأنه جمع فيه القصص والأمر والنهي والوعد والوعيد وكل شيء جمعته فقد قرأته

وفي الصحاح ( 1 65 ) قرأت الشىء قرآنا جمعته وضممت بعضه إلى بعض ومنه قولهم ما قرأت هذه الناقة سلى قط ولم تقرأ جنينا أي ما انضم رحمها على ولد الصفة بضم الصاد وتشديد الفاء ظلة في مؤخر مسجد النبي


80
صلى الله عليه وسلم يأوي إليها المساكين وإليها ينسب أهل الصفة على أشهر الأقاويل كذلك في المشارق ( 2 50 )
الفصل الثاني
في ذكر نسب عبادة بن الصامت رضي الله عنه وأخباره

في الاستيعاب ( 807 ) عبادة بن الصامت الأنصاري السالمي يكنى أبا الوليد كان نقيبا وشهد العقبة الأولى والثانية وشهد بدرا والمشاهد كلها ووجهه عمر إلى الشام قاضيا ومعلما فأقام بحمص ثم انتقل إلى فلسطين وكان معاوية قد خالفه في شىء أنكره عليه عبادة بن الصامت فأغلظ له معاوية في القول فقال له عبادة لا أساكنك بأرض واحدة أبدا ورحل إلى المدينة فقال له عمر ما اقدمك فأخبره فقال ارجع إلى مكانك فقبح الله أرضا لست فيها ولا أمثالك وكتب إلى معاوية لا إمرأة لك عليه وتوفي سنة أربع وثلاثين بفلسطين

فائدة

ذكر عبد الله بن علي الرشاطي في كتابه اقتباس الأنوار في النسب فلسطين وقال إنها من الشام وذكر عن اليعقوبي أن فلسطين القديمة كانت مدينة يقال لها باب لد فلما ولي سليمان بن عبد الملك الخلافة ابنتي مدينة الرملة ونقل أهل لد إليها فصارت الرملة مدينة فلسطين


81
الفصل الثالث
فى ذكر من بعثه صلى الله عليه وسلم إلى الجهات يعلم الناس القرآن

1 فمنهم مصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه في السير ( 1 434 ) لابن إسحاق رحمه الله تعالى ولما انصرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم القوم يعني الذين بايعوه في العقبة الأولى قال وهم اثنا عشر بعث معهم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين وكان يسمى المقرىء بالمدينة

2 ومنهم معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه في كتاب الاكتفاء استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد على مكة وخلف معه معاذ بن جبل يفقه الناس في الدين ويعلمهم القرآن

وفي الاستيعاب ( 1403 ) بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضيا إلى الجند من اليمن يعلم الناس القرآن وشرائع الإسلام ويقضي بينهم وجعل إليه قبض الصدقات من العمال الذين باليمن عام فتح مكة

فائدة

أسيد بفتح الهمزة وكسر السين المهملة على وزن أمير قاله عبد الغني في المؤتلف والمختلف قال ابن سيد من قولهم أسد يأسد أسدا إذا صار كالأسد

3 ومنهم عمرو بن حزم رضي الله تعالى عنه في الاستيعاب ( 1173 ) استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان الخزرجي النجاري من بني مالك على نجران وهم بلحارث بن كعب وهو ابن سبع عشرة


82
سنة ليفقههم في الدين ويعلمهم القرآن ويأخذ صدقاتهم وذلك سنة عشر بعد أن بعث إليهم خالد بن الوليد فأسلموا
فائدة

في ديوان الأدب ( 3 383 ) في باب فعلان بفتح الفاء وتسكين العين لوذان من أسماء الرجال انتهى وقال ابن سيد لوذان فعلان من لاذ يلوذ انتهى

الفصل الرابع
في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم

1 مصعب بن عمير في الجماهر ( 126 ) لابن حزم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي حسبما نسبة ابن إسحاق في الفصل قبل هذا

وفي الاستيعاب ( 1473 ) يكنى أبا عبد الله كان من جلة الصحابة وفضلائهم

بلغة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإسلام في دار الأرقم فدخل وأسلم وكتم إسلامه خوفا من امه وقومه وكان يختلف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سرا فبصر به عثمان بن طلحة يصلي فأخبر به قومه فأخذوه فحسبوه فلم يزل محبوسا إلى أن خرج إلى أرض الحبشة في أول من هاجر إليها وشهد بدرا ولم يختلف أهل السير أن راية رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ويوم أحد كانت بيده فلما قتل يوم أحد أخذها علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه إلى المدينة قبل الهجرة بعد العقبة


83
العقبة يقرئهم القرآن ويفقههم في الدين وكان يدعى القارىء والمقرىء ويقال إنه أول من جمع الجمعة بالمدينة قبل الهجرة

وقال الواقدي ( 1474 ) كان مصعب بن عمير فتى مكة شبابا وجمالا وكان أبواه يحبانه وكانت أمه تكسوه أحسن ما يكون من الثياب وكان أعطر أهل مكة يلبس الحضرمي من النعال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكره فيقول ما رأيت بمكة أحسن لمة ولا أرق حلة ولا أنعم نعمة من مصعب بن عمير وقتل يوم أحد شهيدا وهو يومئذ ابن أربعين سنة

وعن خباب رضي الله تعالى عنه قال قتل مصعب بن عمير يوم أحد ولم يكن له إلا نمرة فإذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه وإذا غطينا بها رجليه خرج رأسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم غطوا بها رأسه واجعلوا على رجليه من الإذخر

2 معاذ بن جبل رضي الله عنه يأتي نسبه وأخباره في باب القاضي

3 عمرو بن حزم رضي الله تعالى عنه ياتي نسبه وأخباره في باب المفقة

فائدة لغوية

الهروي كل شملة مخططة من مآزر الأعراب فهي نمرة وجمعها نمار وفي المشارق ( 2 13 ) النمار بكسر النون جمع نمرة وهي شملة مخططة من صوف


84
الباب الثامن
في معلم الكتابة
وفيه فصلان
الفصل الاول
في ذكر من كان يعلم ذلك في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم

1 ذكر المعلم من الرجال

المعلم المسلم ذكر أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في الاستيعاب ( 920 ) عبد الله بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وقال كان اسمه في الجاهلية الحكم فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله وأمره أن يعلم الكتاب بالمدينة وكان محسنا قتل يوم بدر شهيدا وقيل بل قتل يوم مؤتة شهيدا وقال أبو معشر استشهد يوم اليمامة رحمه الله تعالى

وخرج أبو داود ( 2237 ) رحمه الله تعالى عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال علمت ناسا من أهل الصفة الكتاب والقرآن فأهدى إلي رجل منهم قوسا فقلت ليست بمال وأرمي عليها في سبيل الله فقلت لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأسألنه فأتيته فقلت يا رسول الله رجل أهدى إلي قوسا ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن وليست بمال وأرمي عليها في سبيل الله قال إن كنت تحب أن تطوق طوقا من نار فاقبلها انتهى

المعلم الكافر في الروض الأنف ( 5245 ) للسهيلي في الكلام على غزوة بدر قال وكان في الأسرى يوم بدر من يكتب ولم يكن في الأنصار أحد يحسن


85
الكتابة فكان منهم من لا مال له فيقبل منه أن يعلم عشرة من الغلمان الكتابة ويخلى سبيله فيومئذ تعلم الكتابة زيد بن ثابت في جماعة من غلمان الأنصار

2 ذكر المعلمة من النساء

قال أبو عمر في الاستيعاب ( 1867 ) الشفاء أم سليمان بن أبي حثمة قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم علمي حفصة رقية النملة كما علمتها الكتاب

وخرج أبو داود ( 2 337 ) رحمه الله عن الشفاء بنت عبد الله قالت دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا عند حفصة فقال ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتها انتهى

فائدة فقهية

قال أبو سليمان الخطابي في معالم السنن في هذا الحديث دليل على أن تعلم النساء الكتابة غير مكروه

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

المسألة الأولى قول عبادة رضي الله تعالى عنه ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم للشفاء كما علمتها الكتاب وهو بمعنى الكتابة ويبينه رواية أبي داود كما علمتها الكتابة

وفي كتاب الزينة لأبي حاتم أحمد بن حمدان الرازي رحمه الله تعالى وفي الحديث علمت رجلا من اهل الصفة القرآن والكتاب يعني به الخط والهجاء

وفي المحكم ( 6 482 483 ) لابن سيدة كتب الشىء يكتبه كتبا وكتابا وكتبه خطه قال أبو النجم [ من الرجز ]

أقبلت من عند زياد كالخرف
تخط رجلاي بخط مختلف
تكتبان في الطريق لام الف

86

وكتب الرجل وأكتبه علمه الكتاب والمكتب المعلم وقال اللحياني هو المكتب

قال الحسن كان الحجاج مكتبا بالطائف يعني معلما ومنه قيل عبيد المكتب لأنه كان معلما والمكتب موضع الكتاب والمكتب والكتاب موضع تعليم الكتاب ورجل كاتب والجمع كتاب وكتبه وحرفته الكتابة والكتبة الحالة واستكتبه أمره ان يكتب له والكتاب ما كتب فيه والجمع كتب

المسألة الثانية قول عبادة بن الصامت أيضاوأرمي عليها في سبيل الله يعني القوس قال ابن قتيبة في أدب الكتاب ( 537 ) رميت على القوس أي عنها قال ابن السيد في الاقتضاب ( 2 270 ) إنما جاز استعمال على ها هنا بمعنى عن لأنه إذا رمى عنها وضع السهم عليها للرمي وقال ابن قتيبة ( 539 ) ورميت عن القوس بمعنى بالقوس أعملوا عن بمعنى الباء قال ابن السيد في الاقتضاب ( 2 272 ) هذا غير صحيح لأن عن في قولهم رميت عن القوس ليست ببدل عن شىء لأن معنى عن التجاوز كقولك خرجت عن البلد وهذا موجود في الرمي لأن السهم يتجاوز القوس ويسير عنها وأنكر بعض النحويين استعمال الباء ها هنا وقال لا يقال رميت بالقوس إلا إذا ألقيتها من يدك قال ابن السيد إنما أنكر هذا المنكر ذلك لأنه توهم أن قوله رميت بالقوس بمنزلة قولهم رميت بالشىء إذا ألقيته من يدك قال وليس المعنى على ما ظن وإنما المعنى رميت السهم بالقوس

المسألة الثالثة أبو حثمة والد سليمان بن الشفاء بفتح الحاء المهملة وسكون الثاء المثلثة كذلك ضبطه الحافظ أبو علي الغساني بخطه في الاستيعاب وفي المحكم ( 3 224 ) الحثمة أكيمة صغيرة سوداء من حجارة


87
والحثمة أرنبة الأنف والحثمة المهر الصغير والجمع من كل ذلك حثام وأبو حثمة رجل من جلساء عمر كني بذلك انتهى
الفصل الثاني
في ذكر أنسابهم وأخبارهم

1 عبادة بن الصامت تقدم ذكر نسبه وأخباره في الباب الذي قبل هذا

2 الشفاء أم سليمان بن أبي حثمة في الاستيعاب ( 1867 ) هي الشفاء بنت عبد الله بن عبد شمس بن خلف بن صداد ويقال ضرار بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب القرشية العدوية من المبايعات قال أحمد بن صالح المصري اسسمها ليلى وغلب عليها الشفاء أسلمت قبل الهجرة وهي من المهاجرات الأول وبايعت النبي عليه السلام وكانت من عقلاء النساء وفضلائهن وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها ويقيل عندها في بيتها وكانت قد اتخذت له فراشا وإزارا ينام فيه فلم يزل ذلك عند ولدها حتى أخذه منها مروان وقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم علمي حفصة رقية النملة كما علمتها الكتاب وأقطع لها رسول الله صلى الله عليه وسلم دارها عند الحكاكين فنزلتها مع ابنها سليمان وكان عمر يقدمها في الرأي ويفضلها وربما ولاها شيئا من أمور السوق


88
الباب الثالث
في ذكر المفقه في الدين
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الاول
في الحض على التفقه في الدين

فمن ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وإنما أنا قاسم ويعطي الله رواه مسلم ( 1 283 ) رحمه الله تعالى عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول

ورواه النسائي رحمه الله تعالى عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

ومن ذلك أيضا قوله صلى الله عليه وسلم نضر الله امرءا سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه رواه الترمذي ( 4 141 ) عن زيد بن ثابت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول

فائدتان لغويتان

الأولى في التنقيح الفقه لغة هو الفهم والعلم وفي الاصطلاح


89
هو العلم بالأحكام الشرعية العملية بالاستدلال ويقال فقه بكسر القاف إذا فهم وبفتحها إذا سبق غيره إلى الفقه وبضمها إذا صار الفقه له سجية

الثانية في الغريبين في الحديث نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها رواه الأصمعي بالتشديد وأنشد

نضر الله أعظما دفنوها
بسجستان طلحة الطلحات

ورواه أبو عبيد بالتخفيف وقال ابن شميل نضره الله ونضره الله وأنضره اله وقال ابن طريف فنضر هو ونضر ونضر نضارة ونضرة

الفصل الثاني
كيف كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمور الدين وقد جاءت بذلك آيات وأحاديث

فمن الآيات قول الله عز وجل يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات ( المائدة 4 ) وقوله تعالى يسألونك عن الخمر والميسر ( البقرة 219 ) وقوله تعالى ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ( البقرة 222 ) وقوله تعالى يسألونك عن الأهلة ( البقرة 189 ) إلى غير ذلك من الآي الشريفة

1 ومن أحاديث سؤال الرجال حديث أبي رفاعة العدوي رواه مسلم والنسائي رحمهما الله تعالى والنص للنسائي عن حميد بن هلال قال قال أبو رفاعة انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فقلت


90
يا رسول الله رجل غريب جاء يسألك عن دينه لا يدري ما دينه فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك خطبته حتى انتهى إلي فأتى بكرسي خلت قوائمه حديدا فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يعلمني مما علمه الله ثم أتى خطبته فأتمها

وحديث مسلم ( 1 97 ) عن علي رضي الله تعالى عنه قال كنت رجلا مذاء فكنت أستحيي أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال يغسل ذكره ويتوضأ

2 سؤال النساء حديث مسلم ( 1 98 ) أيضا عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت جاءت أم سليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن الله ل يستحيي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم إذا رأت الماء فقالت له أم سلمة يا رسول الله أو تحتلم المرأة فقال تربت يداك ففيم يشبهها ولدها انتهى

وحديث مسلم ( 1 102 ) عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن أسماء سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسل المحيض قال فقال تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتتطهر بها فتحسن الطهور ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكا شديدا حتى تبلغ شؤون رأسها ثم تصب عليها الماء ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها فقالت أسماء وكيف اتطهر بها فقال سبحان الله تطهرين بها فقالت عائشة كأنها تخفي ذلك تتبعين أثر الدم وسألته عن غسل الجنابة فقال تأخذ ماء فتطهر فتحسن الطهور أو تبلغ الطهور ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها ثم تفيض عليها الماء فقالت عائشة نعم النساء نساء الانصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين


91
فائدة لغوية

في المشارق ( 1 120 ) قوله تربت يداك أصله من قولهم ترب الرجل بفتح التاء وكسر الراء إذا افتقر واختلف في معناه وتفسيره والأصح في هذا ومثله من الأدعية الموجودة في كلام العرب المستعملة كثيرا لدعم الكلام ووصله وتهويل الخبر مثل لاأبالك وثكلتك أمك وشبهه أنه لا يقصد به الدعاء وإن كان أصله الدعاء ثم جرى على ألسنتهم وكثر من استعمالهم في غير مواطن الدعاء والذم فأتوا به عند التعجب والاستحسان والتعظيم نقلته مختصرا

الفصل الثالث
في ذكر من بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مفقها في الدين وذكر أنسابهم وأخبارهم

1 فمنهم مصعب بن عمير في السير ( 1 434 ) لابن إسحاق رحمه الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه مع القوم الذي بايعوه في العقبة الأولى وهم اثنا عشر وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الاسلام ويفقههم في الدين وكان يسمى المقرىء بالمدينة وقد تقدم التعريف به في باب مقرىء القرآن

2 ومنهم معاذ بن جبل في الاكتفاء ( 2 325 ) استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد على مكة وخلف معه معاذ بن جبل يفقه الناس في الدين ويعلمهم القرآن انتهى

وفي الاستيعاب ( 1403 ) بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضيا إلى الجند من اليمن يعلم الناس القرآن وشرائع الإسلام ويقضي بينهم وجعل إليه قبض الصدقات من العمال الذين باليمن عام فتح مكة


92
تنبيه

قد تقدم الوعد بمجيء ذكر نسب معاذ وأخباره رضي الله تعالى عنه عند ذكره في باب القاضي إن شاء الله تعالى

3 ومنهم عمرو بن حزم في الاستيعاب ( 1172 ) استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان الخزرجي النجاري من بني مالك على نجران وهو بلحارث بن كعب وهو ابن سبع عشرة سنة ليفقههم في الدين ويعلمهم القرآن ويأخذ صدقاتهم وذلك سنة عشر بعد أن بعث إليهم خالد بن الوليد وكتب له كتابا فيه الفرائض والسنن والصدقات والديات لم يشهد بدرا فيما يقولون وأول مشاهده الخندق ومات بالمدينة سنة إحدى وخمسين وقيل سنة ثلاث وخمسين وقيل سنة أربع وخمسين وقيل إنه توفي في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بالمدينة


93
الباب الرابع
في اتخاذ الدار ينزلها القراء ويتخرج منه اتخاذ المدارس

ذكر أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في باب العبادلة من الاستيعاب ( 977 1198 ) عبد الله بن أم مكتوم الأعمى القرشي العامري وقال كان قديم الإسلام بمكة وهاجر إلى المدينة واختلف في وقت هجرته إليها فقيل كان ممن قدم المدينة مع مصعب بن عمير قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الواقدي قدمها بعد بدر بيسير فنزل دار القراء

فائدة لغوية

ابن طريف درس الكتاب درسا ودراسة تردد على قراءة ليحفظه

الجوهري ( 2 925 924 ) دارست الكتب وتدارستها وادارستها أي درستها ويقال سمي إدريس عليه السلام لكثرة دراسته كتاب الله عز وجل واسمه أخنوخ قلت والمدرسة اسم مكان من درس الكتاب يدرسه كالمرقب من رقب يرقب


94
الباب الخامس
في المفتي
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الاول
في أن الناس كانوا يستفتون أهل العلم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم في نوازلهم في عهد النبي صلى الله عليع وسلم فيفتونهم

روى مالك رحمه الله تعالى في الموطأ ( 591 ) عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي الله تعالى عنهما أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله وقال الأخر وهو أفقههما أجل يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله وايذن لي في أن أتكلم فقال تكلم قال إن ابني كان عسيفا على هذا فزنا بامرأته فأخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة وجارية ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أن ما على ابني جلد مائة وتغريب عام وأخبروني أنما الرجم على امرأته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بينكما بكتاب الله أما عنمك وجاريتك فرد عليك وجلد ابنه مائة وغربه عاما وأمر أنيسا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها فاعترفت فرجمها


95
95
الفصل الثاني
في تسمية من كان يفتي
في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم

ترجم أبو الفرج الجوزي رحمه الله تعالى في المدهش ( 43 ) فقال تسمية من كان يفتي على عهد رسول اللله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وأبي ومعاذ وعمار وحذيفة وزيد بن ثابت وأبو الدرداء وأبو موسى وسلمان رضي الله تعالى عنهم أجمعين

فائدة لغوية

ابن طريف أفتى العالم أجاب والاسم الفتيا والفتوى الفارابي ( 4 63 64 ) بضم الفاء مع الياء وفتحها مع الواو وزاد ابن سيدة الفتوى بالضم مع الواو قال والفتح لأهل المدينة وفي الصحاح ( 6 452 ) واستفتيت الفقيه في مسألة فأفتاني وتفاتوا إلى الفقيه إذا ارتفعوا إليه في الفتيا

الفصل الثالث
ذكر أنسابهم ونبذ من أخبارهم رضوان الله تعالى عنهم وتحية

1 أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه تقدم ذكره في باب الخلافة

2 عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه تقدم ذكره في باب الوزير

3 عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه يأتي ذكره في باب الرسول

4 علي بن أبي طالب رضي الله عنه تعالى عنه يأتي ذكره في باب القاضي

5 عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه يأتي ذكره في باب الأمين على الحرم


96

6 عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه يأتي ذكره في باب الطهور

7 أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه يأتي ذكره في باب الإمامة في قيام رمضان

8 معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه يأتي ذكره في باب القاضي

9 عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه في الاستيعاب ( 1135 ) عمار ابن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن حصين العنسي ثم المذحجي يكنى أبا اليقظان حليف لبني المخزوم وكان عمار وأمه سمية ممن عذب في الله ثم أعطاهم عمار ما أرادوا بلسانه واطمأن بالإيمان قلبه فنزلت فيه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ( النحل 106 ) وهذا مما أجمع اهل التفسير عليه وهاجر إلى أرض الحبشة وصلى للقبلتين وهو من المهاجرين الأولين ثم شهد بدرا والمشاهد كلها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن عمارا ملىء إيمانا إلى مشاشه ويروى إلى أخمص قدميه ( 1138 ) ومن حديث خالد بن الوليد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من أبغض عمارا أبغضه الله قال خالد فما زلت أحبه من يومئذ ومن حديث علي بن ابي طالب قال جاء عمار يستأذن على النبي صلى الله عليه وسلم يوما فعرف صوته فقال مرحبا بالطيب المطيب إيذنوا له وفضائله المروية كثيرة يطول ذكرها ( 1139 ) وعن عبد الله بن سلمة قال لكاني أنظر إلى عمار يوم صفين واستسقى فإتي بشربة من لبن فشرب فقال اليوم ألقى الأحبة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي أن آخر شربة أشربها من الدنيا شربة من لبن ثم استسقى فأتته امرأة طويلة اليدين بإناء فيه ضياح من لبن فقال عمار حين شربه الحمد لله الجنة تحت الأسنة ثم قال والله لو


97
ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أن مصلحتنا على الحق وأنهم على الباطل ثم قاتل حتى قتل رحمه الله تعالى

قال أبو عمر ( 1140 ) رحمه الله تعالى وتواترت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال تقتل عمارا الفئة الباغية وهو من إخباره بالغيب وأعلام نبوته صلى الله عليه وسلم وهو من أصح الأحاديث وكانت صفين في ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين ودفن في ثيابه ولم يغسل وكان سن عمار يوم قتل نيفا على تسعين سنة فقيل إحدى وتسعين سنة وقيل اثنتين وتسعين وقيل ثلاثا وتسعين انتهى

فائدة لغوية

قوله لعلمنا أن مصلحتنا على الحق وأنهم على الباطل هكذا وجدته بالصاد في جميع ما طالعته من نسخ الاستيعاب ولا علمت له وجها وذكر ابن الأثير القصة في تاريخه ( 3 308 ) فقال لعلمنا أنا على الحق وأنهم على الباطل ولم يقل مصلحتنا ولولا ثبوته بالصاد في جميع ما طالعته من النسخ لقلت إنه مصحف من المسلحة بالسين وهو القوم يحرسون الثغر المصاقب للعدو وفي المحكم ( 3 141 ) المسلحة قوم في عدة بموضع مرصد وكلوا به بإزاء ثغر واحدهم مسلحي وهو أيضا الموكل بهم والمؤمر والمسالح مواضع المخافة

10 حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه يأتي ذكره في باب كاتب الجيش

11 زيد بن ثابت [ رضي الله تعالى عنه ] يأتي ذكره في باب كاتب الرسائل

12 أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه قال أبو عمر في الاستيعاب ( 1227 ) هو مشهور بكنيته ( وذكر في اسمه وفي نسبة خلافا كثيرا أضربت عنه ) ونقلت نسبة من كتاب التاريخ للبخاري ( 7 76 ) رحمه الله تعالى من باب عويمر


98
وعمويمر بن زيد بن قيس بن أمية بن عامر بن عدي بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج من بلحارث بن الخزرج نسبة إبراهيم بن المنذر

وقال أبو عمر ابن عبد البرفي الاستيعاب ( 1227 ) ( 1646 ) شهد أحدا وما بعدها من المشاهد وقيل إنه لم يشهد أحدا لأنه تأخر إسلامه قليلا كان آخر اهل داره إسلاما وحسن إسلامه وكان فقيها عاقلا حكيما

وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال حكيم أمتي أبو الدرداء عويمر وعن عبد الرحمن الحجري قال قال أبو ذر لأبي الدرداء ما حملت ورقاء ولا أظلت خضراء أعلم منك ياأبا الدرداء وروى أبو إدريس الخولاني عن يزيد بن عميرة قال لما حضرت الوفاة معاذ بن جبل قيل له يا أبا عبد الرحمن أوصينا فقال التمسوا العلم عند عويمر أبي الدرداء فإنه من الذين أوتوا العلم

وقيل لآبي الدرداء مالك لا تقول الشعر وكل لبيب من الأنصار قال الشعر فقال وأنا قد قلت شعرا فقيل وما هو فقال [ من الوافر ]

يريد المرء أن يؤتي مناه
ويأبى الله إلا ما أراد
يقول المرء فائدتي ومالي
وتقوى الله أفضل ما استفادا

وقال أبو عمر ابن عبد البر ( 1229 ) وله حكم مأثورة مشهورة منها قوله ووصف الدنيا فأحسن الدنيا دار كدر ولن ينجو منها إلا أهل الحذر ولله فيها علامات يسمعها الجاهلون ويعتبر بها العالمون ومن علاماته فيها أن حفها


99
بالشبهات فارتطم فيها أهل الشهوات ثن أعقب بالآفات فانتفع بذلك أهل العظات ومزج حلالها بالمؤونات وحرامها بالتبعات فالمثري فيها تعب والمقل فيها نصب

قال أبو عمر ( 1230 ) ولاه عمر قضاء دمشق وقيل ولاه معاوية قضاء دمشق وقيل بل ولاه عثمان والأمير معاوية قال وقد توفي بدمشق سنة إحدى وثلاثين وقيل سنة اثنتين وثلاثين وقيل سنة ثلاث وثلاثين وقيل سنة أربع وثلاثين انتهى

فائدتان لغويتان

الاولى قوله ما حملت ورقاء ولا أظلت خضراء قلت أراد بالورقاء هنا الأرض وبالخضراء السماء كما قالوا ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء وفي المشارق ( 2 283 ) الورقة من الألوان في الإبل التي تضرب إلى الخضرة كلون الرماد وقيل غبرة تضرب إلى السواد

الثانية قوله فارتطم فيها في الصحاح ( 5 1934 ) رطمته في الوحل رطما فارتطم هو أي ارتبك فيه وارتطم عليه أمر إذا لم يقدر على الخروج منه

13 أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه في الاستيعاب ( 979 ) عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب بن عامر الأشعري أبو موسى ذكر الواقدي أن أبا موسى قدم مكة فحالف سعيد بن العاص بن أمية أبا أحيحة وكان قدومه مع إخوته في جماعة في الأشعريين ثم أسلم وهاجر إلى أرض الحبشة وقال ابن إسحاق هو حليف آل عتبة بن ربيعة ذكره فيمن هاجر من حلفاء بني عبد شمس إلى أرض الحبشة وقالت طائفة من أهل العلم بالنسب والسير إن أبا موسى لما قدم مكة مع سعيد بن العاص انصرف إلى بلاد قومه ولم يهاجر إلى أرض الحبشة ثم قدم مع إخوته فصادف قدومه قدوم السفينتين من الحبشة

قال أبو عمر ابن عبد البر ( 980 ) الصحيح أن أبا موسى رجع بعد قدومه مكة ومحالفته من حالف من بني عبد شمس إلى أرض قومه فأقام بها حتى قدم مع


100
الأشعريين في نحو خمسين رجلا في سفينة فألقتهم الريح إلى النجاشي بأرض الحبشة فوافقوا خروج جعفر وأصحابه منها فأتوا معهم وقدمت السفينتان معا سفينة الأشعريين وسفينة جعفر وأصحابه على النبي صلى الله عليه وسلم في حين فتح خيبر

وقد قيل إن الأشعريين إذ رمتهم الريح إلى النجاشي أقاموا بها مدة ثم خرجوا في حين خروج جعفر فلهذا ذكره ابن إسحاق فيمن هاجر إلى أرض الحبشة والله تعالى أعلم وكان من أحسن الناس صوتا بالقرآن قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أوتي أبو موسى مزمارا من مزامير آل داود

ولما دفع أهل الكوفة سعيد بن العاص ولوا أبا موسى وكتبوا إلى عثمان يسألونه أن يوليه فأقره عثمان على الكوفة وعزله علي عنهافلم يزل واجدا منها على علي حتى جاء منه ما قال حذيفة فيه فقد روي فيه لحذيفة كلام كرهت ذكرهه والله يغفر له ثم كان من أمره يوم الحكمين ما كان ومات بالكوفة في داره بها وقيل إنه مات بمكة سنة أربع وأربعين وقيل سنة خمسين وقيل سنة اثنتين وخمسين وهو ابن ثلاث وستين سنة انتهى ما نقل من الاستيعاب

تنبيه

قال أبو علي الغساني حضار في نسب أبي موسى مشدد الضاد مفتوح الحاء أكثر من حضار بالتخفيف والكسر نقلته من طرة بخطه في الاستيعاب الذي بخطه ايضا

14 سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه في الاستيعاب ( 234 ) سلمان الفارسي أبو عبد الله يقال إنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعرف بسلمان الخير أصله من فارس من رام هرمز من قرية يقال لها جي وقيل كان من أصبهان وكان إذا قيل له من أنت قال أنا سلمان ابن الإسلام من بني آدم وكان سلمان يطلب دين الله ويتبع من يرجو ذلك عنده فدان بالنصرانية وغيرها وقرأ الكتب وصبر في ذلك على مشقات نالته وذكر أبو عثمان النهدي عن


101
سلمان أنه تداوله في ذلك اثنا عشر ربا من رب إلى رب حتى أفضى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن الله عليه بالاسلام انتهى

روى البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه ( 5 90 ) عن أبي عثمان عن سلمان الفارسي أنه تداوله بضعة عشر من رب إلى رب انتهى

وفي تاريخ بغداد ( 1 163 ) للخطيب أسلم سلمان رضي الله عنه في السنة الأولى من الهجرة وأول مشهد شهده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق وإنما منعه من حضور ما قبل ذلك انه كان مسترقا لقوم من اليهود فكاتبهم وأدى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابته وعتق انتهى

وقال أبو عمر ابن عبد البر ( 636 ) رحمه الله تعالى روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان الدين في الثريا لناله سلمان وقال صلى الله عليه وسلم أمرني ربي بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم علي وأبو ذر والمقداد وسلمان وعن عائذ بن عمرو أن أبا سفيان أتى على سليمان وصهيب وبلال في نفر فقالوا ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها فقال أبو بكر تقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم وأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال يا أبا بكر لعلك أغضبتهم لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك فأتاهم أبو بكر فقال يا إخوتاه أغضبتكم قالوا لا يا أبا بكر يغفر الله لك

وذكر ابن إسحاق في السير ( 2 224 ) أن سلمان رضي الله تعالى عنه أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعمل الخندق على المدينة حين حاصره الأحزاب وأن المهاجرين قالوا سلمان منا وقالت الأنصار سلمان منا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمان منا أهل البيت

وعن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال سلمان الفارسي مثل لقمان الحكيم


102
وعنه رضي الله تعالى عنه أنه سئل عن سلمان قال علم العلم الأول والآخر بحر لا ينزف هو منا أهل البيت

0636 ) وقال أبو هريرة سلمان صاحب الكتابين قال قتادة يعني الإنجيل والفرقان

( 637 ) وقال كعب الأحبار سلمان حشي علما وحكمه

(635 ) قال أبو عمر كان خيرا فاضلا حبرا عالما زاهدا متقشفا

وعن الحسن كان عطاء سلمان خمسة آلاف وكان إذا خرج عطاؤه تصدق به ويأكل من عمل يده وكانت له عباءة يفترش بعضها ويلبس بعضها

وعن معمر عن رجل من الصحابة قال دخل قوم على سلمان رضي الله تعالى عنه وهو أمير على المدائن وهو يعمل هذا الخوص فقيل له لم تعمل هذا وأنت امير يجري عليك رزق فقال إني أحب أن آكل من عمل يدي انتهى

وقال الخطيب في تاريخ بغداد ( 1 163 ) ولم يزل سلمان بالمدينة حتى غزا المسلمون العراق فخرج معهم وحضر فتح المدائن ونزلها حتى مات بها وقبره الآن معروف ظاهر بقرب إيوان كسرى وعليه بناء وهناك خادم مقيم يحفظ الموضع وعمارته والنظر في أمر مصالحه وقد رأيت الموضع وزرته غير مرة انتهى

قال أبو عمر ( 638 ) توفي سلمان رضي الله تعالى عنه آخر خلافة عثمان سنة خمس وثلاثين وقيل بل توفي سنة ست وثلاثين في أولها وقيل توفي في خلافة عمر والأول أكثر والله أعلم

فوائد لغوية في ثلاث مسائل
الأولى جي اسم القرية التي كان منها سلمان رضي الله تعالى عنه ذكرها
103
البكري في باب الجيم والياء أخت الواو من كتاب معجم ما استعجم ( 412 ) فقال جي بفتح أوله وتشديد ثانية مدينة أصبهان قال ذو الرمة
نظرت ورائي نظرة الشوق بعدما
بدا الجو من جي لنا والدساكر

الثانية قوله وهو يعمل الخوص الجوهري ( 3 1038 ) الخوص ورق النخيل الواحدة خوصة وقد أخوصت النخلة

الثالثة ابن طريف عتق العبد عتقا وعتاقة وعتاقا قال الفارابي بفتح التاء في الماضي وكسرها في المستقبل


104
الباب السادس
في العابر للرؤيا

وإنما جعلت هذا الباب تلو باب المفتي لأنها من قبيل الفتيا وكذلك سماها الله في قصة ملك مصر فقال تعالى يا أيها الملأ افتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون ( يوسف 43 )

ذكر من كان يعبر الرؤيا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم

ذكر علي بن سعيد الخولاني القيرواني في كتابه في العبارة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في بعض ما جاء عنه اعبر أمتي للرؤيا أبو بكر الصديق وأسماء بنت عميس

1 ذكر تعبير أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه روى مسلم ( 2 202 ) رحمه الله تعالى أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كان يحدث أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني رأيت الليلة في المنام ظلة تنظف السمن والعسل فأرى الناس يتكففون [ منها ] بأيديهم فالمستكثر والمستقل وأرى سببا واصلا من السماء إلى الأرض فأراك أخذت به فعلوت ثم أخذ به رجل من بعدك فعلا ثم أخذ به رجل آخر فعلا ثم أخذ به رجل آخر فانقطع به ثم وصل له فعلا قال أبو بكر يا رسول الله بأبي أنت لتدعني فلأعبرنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اعبرها قال أبو بكر أما الظلة فظلة الإسلام وأما الذي


105
ينظف من السمن والعسل فالقرآن حلاوته ولينه وأما ما يتكفف الناس من ذلك فالمستكثر من القرآن والمستقل وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه تأخذ به فيعليك الله به ثم يأخذ به رجل من بعدك فيعلو به ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع به ثم يوصل له فيعلوا به فأخبرني يا رسول الله بأبي أنت وأمي أصبت أم أخطأ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبت بعضا وأخطأت بعضا قال فوا الله يا رسول الله لتحدثني ما الذي أخطأت قال لا تقسم

وذكر علي بن سعيد الخولاني في كتابه في العبارة أن عائشة رضي الله تعالى عنها رأت ثلاثة أقمار سقطت في حجرتها فقصت رؤياها على أبيها رضي الله تعالى عنه فقال خيرا يا عائشة فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبر في حجرتها قال لها هذا أحد أقمارك وهو خيرها ثم صار ثلاثة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبر أبي بكر وقبر عمر رضي الله تعالى عنهما

2 ذكر تعبير أسماء رضي الله تعالى عنه ذكر علي بن سعيد الخولاني في كتابه في العبارة أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال لها رأيت ديكا أحمر نقر في ثلاث نقرات فقالت مبادرة رجل من العجم يطعنك ثلاث طعنات انتهى

وقد أجمع المؤرخون ونقله الاخبارأن أبا لؤلؤة لعنه الله تعالى وكان غلاما للمغيرة ابن شعبة طعنه طعنات توفي منها واختلف في عددها فقال أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب ( 1154 ) كانت ست طعنات وذكر الخولاني أنها كانت ثلاث طعنات

تنبيه

قد تقدم في التعريف بأبي بكر رضي الله تعالى عنه في باب الخلافة ما أعنى عن إعادته هنا

وأما أسماء بنت عميس فقال ابن حزم في الجماهر ( 390 ) هي أسماء بنت عميس بن معد بن الحارث بن تيم بن كعب بن مالك بن قحافة


106

قال أبو عمر ابن عبد البر ( 1784 ) رحمه الله تعالى كانت أسماء بنت عميس من المهاجرات إلى أرض الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما فولدت له هنالك محمدا وعبد الله وعونا ثم هاجرت إلى المدينة فلما قتل جعفر بن أبي طالب تزوجها أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم وولدت له محمد بن أبي بكر ثم مات عنها فتزوجها علي بن أبي طالب فولدت له يحيى بن علي بن أبي طالب لا خلاف في ذلك وفي الاستيعاب مثل ذلك

وقال ابن حزم في جماهره وبنو قحافة هؤلاء أهل بيت خثعم

فوائد لغوية في سبع مسائل

الأولى في الديوان ( 4 307 ) للفارابي رأى في الفقه رأيا ورأى بعينه الشىء رؤية ورآه عالما كذلك ورأى في منامه رؤيا يرى في المستقبل في جميع ذلك

الثانية ابن طريف عبر الرؤيا بفتح الراء عبرا وعبارة فسرها مكسورة العين وفي محكم ( 2 93 ) ابن سيدة عب الرؤيا فسرها وأخبر بآخر ما يؤول إليه أمرها

الثالثة في المشارق ( 1 328 ) وقوله رأيت ظلة تنظف السمن والعسل أي سحابة وتنظف بكسر الطاء وضمها أي تقطر

الرابعة في المشارق ( 1 346 ) يتكففون منها أي يأخذون منها بأكفهم

الخامسة في المشارق ( 2 202 ) قوله سببا أي حبلا قاله الخشني

السادسة في الاشتقاق لمحمد بن أبان بن سيد عميس أبو أسماء فعيل من قولهم تعامس عن الشىء إذا تغافل عنه ويوم عماس شديد في الشر

السابعة معد في نسخة أبي علي الغساني التي بخطه من الاستيعاب مضبوط بفتح الميم وسكون العين وكتب عليه في الطرة أيضا قال ابن حبيب معد ساكن العين وهو في سائر نسخ الاستيعاب معد بفتحهما وتشديد الدال


107
الباب السابع
في الإمام في صلاة الفريضة
وفيه خمس فصول
الفصل الاول
في أن السلطان أحق بالأمامة في الصلاة إلا أن يأذن لغيره في ذلك

روى مسلم ( 2 186 ) رحمه الله تعالى عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال ولا يؤم الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه

وروى النسائي عن أبي مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يؤم الرجل في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه قال شعبة فقلت لإسماعيل ما تكرمته قال فراشه في الإكمال للقاضي عياض في هذا الحديث حجة على أن الإمام من السلطان أو من جعل له الصلاة أحق بالتقديم حيث كان من غيره

وقال الخطابي هذا في الجمعات والاعياد لتعلقها بالسلاطين فإما في الصلوات المكتوبات فأعلمهم أولاهم

قال القاضي أبو الفضل عياض هذا ما لا يوافق عليه والصلاة لصاحب السلطة حق من حقه وإن حضر أفضل منه وأفقه وقد تقدم الأمراء من عهد النبي صلى الله عليه وسلم فمن بعدهم على من تحت أيديهم وفيهم الأفضل وقد ذكر شيوخنا أن الإمام على الجملة أولى بالصلاة دون تفصيل في وجه انتهى


108

وقال القاضي أبو بكر ابن العربي في أحكام القرآن ( 4 1632 ) ولاية الصلاة أصل في نفسها وفرع للإمارة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث أمير كانت الصلاة إليه ولكن لما فسدت الولاة ولم يكن فيهم من ترضى حاله للإمامة بقيت الولاية في يده بحكم الغلبة وقدم للصلاة من ترضى حاله سياسة منهم للناس وإبقاء على أنفسهم فقد كان بنو أمية حين كانوا يصلون بأنفسهم يتحرج أهل الفضل من الصلاة خلفهم ويخرجون على الأبواب فتأخذهم سياط الحرس فيصبرون عليها حتى يفروا عن المسجد

قال القاضي أبو بكر ( 4 1632 ) وهذا لا يلزم بل يصلي معهم وفي إعادة الصلاة اختلاف بين العلماء بيانه في كتب الفقه

فوائد لغوية في أربع مسائل

الاولى الجوهري ( 5 1865 ) أممت القوم في الصلاة إمامة وأتم به اقتدى به والامام الذي يقتدى به والجمع أئمة ابن القوطية ( 1 49 ) أم القوم إمامة تقدمهم والشىء أما قصده الهروي سمي الإمام لان الناس يؤمون أفعاله أي يقصدونها ويتبعونها

الثانية قال الجوهري ( 3 1133 ) السلطان الوالي وهو فعلان والجمع سلاطين والسلطان أيضا الحجة والبرهان ولا يجمع لأن مجراه مجرى المصدر وفي المحكم السلطان قدرة الملك يذكر ويؤنث

الثالثة الصلاة من الله عز وجل الرحمة وفي الوجيز ( 2 23 ) لأبن عطية صلاة الله عز وجل على العبد هي رحمته وبركته وفي الغريبين وقوله عز وجل أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمته ( البقرة 157 ) المراد بالصلوات الترحم ونسق الرحمة على الصلوات لاختلاف اللفظين والصلاة من غير الله عز وجل الدعاء وفي المشارق كصلاة الملائكة على ابن آدم كقوله ما زالت الملائكة تصلي عليه وفي غريب العزيزي وكقوله عز وجل إن صلواتك سكن لهم ( التوبة 103 ) أي دعاؤك وفي المشارق أيضا منه الصلاة على الميت


109
وفي الصحاح ( 6 2403 ) الصلاة الدعاء وفي المحكم وصلى دعا وأنشد البيت الثاني للأعشى ميمون بن جندل وألحقت به الأول من ديوان شعره وذلك أوضح لمعناه [ من البسيط ]
تقول بنتي وقد قربت مرتحلا
يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا
عليك مثل الذي صليت فاغتمضي
نوما فإن لجنب المرء مضطجعا

الرابعة في الصحاح ( 6 2402 ) الصلاة واحدة الصلوات المفروضة وهو اسم وضع المصدر تقول صليت صلاة ولا يقال تصلية وفي المشارق ( 2 45 ) واختلف من أي شىء اشتقت الصلاة الشرعية فقيل من الدعاء وفي التنبيهات وهو قول أكثر أهل العربية والفقه لما فيها من الدعاء ثم إن الشرع أضاف إلى ما فيها من الدعاء ما شاء الله من ركوع وسجود وأفعال وأقوال ( وكمل في اشتقاقها في المشارق ثمانية أقوال تركتها اختصارا ) وفي المقدمات والمشهور أن الصلاة مأخوذة من الدعاء

الفصل الثاني
في استخلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه
وكم صلاة صلاها أبو بكر

روى مسلم ( 1 124 ) رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يصلي بالناس في مرضه فكان يصلي بهم

وروى عن أنس بن مالك ( 1 124 ) أن أبا بكر كان يصلي بهم في وجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه حتى إذا كان يوم الإثنين وهم


110
صفوف في الصلاة كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم ستر الحجرة فنظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف ثم تبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكا قال فبهتنا ونحن في الصلاة من فرح بخروج النبي صلى الله عليه وسلم ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف وظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خارج للصلاة فأشار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده أن أتموا صلاتكم قال ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرخى الستر قال فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه ذلك

وفي الدر المنظوم لأحد بن محمد بن أحمد اللخمي ثم العزفي رحمه الله تعالى قال ابن حبيب الهاشمي صلى أبو بكر رضي الله تعالى عنه بالناس في مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع عشرة صلاة قال وكذا روى الدولابي

تنبيه قد تقدم ذكر أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في باب الخليفة

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

المسألة الأولى قوله رفع ستر الحجرة في الغريبين كل ما منعت منه فقد حجرت عليه ومنه الحجرة التي يحاط عليها في الدار

وفي الروض الأنف ( 4 267 ) كانت بيوت النبي صلى الله عليه وسلم تسعة بعضها من جريد مطين بالطين وسقفها جريد وبعضها من حجارة موضوعة بعضها على بعض مسقفة بالجريد أيضا وكان لكل بيت حجرة وكانت حجرته عليه السلام أكسيه من شعر مربوطة في خشب عرعر اننتهى

الثانية قوله فبهتنا ونحن في الصلاة في الأفعال ( 4 1 117 )


111
للسرقطي بهت بهتا دهش وهي لغة القرآن الفصيحة قال الله عز وجل فبهت الذي كفر ( البقرة 258 ) وفي ديوان الأدب ( 2 225 ) بهت بفتح الباء وكسر الهاء أي دهش

الثالثة قوله ونكص أبو بكر في المشارق أي رجع إلى ورائه

الفصل الثالث
في ذكر الاختلاف في من كان الإمام حين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة وهو مريض

1 ذكر ما روي في ذلك من الأحاديث روى البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى والنص للبخاري ( 1 174 ) عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يصلي بالناس في مرضه فكان يصلي بهم قال عروة فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه خفة فخرج فإذا أبو بكر يؤم الناس فلما رآه أبو بكر استأخر فإشار إليه أنت كما أنت فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم حذاء أبي بكر إلى جنبه فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يصلون بصلاة أبي بكر انتهى

قال أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي رحمه الله تعالى في أعلام الحديث له ورواه أبو معاوية عن الأعمش عن الأسود عن عائشة أنها قالت لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث قالت فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس عن يسار أبي بكر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس جالسا وأبو بكر قائما يقتدي به والناس يقتدون بأبي بكر

قال أبو سليمان ووافق أبا معاوية حفص بن غياث وعبد الله بن داود


112
ومحاضر بن المورع فرووه عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود قال أبو سليمان وخالفه شعبة فروى عن الأعمش عن إبراهيم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى خلف أبي بكر قال وروى شعبة أيضا عن نعيم أبي هند عن أبي وائل عن مسروق عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى خلف أبي بكر جالسا في مرضه الذي توفي فيه انتهى

وروى النسائي ( 2 79 ) رحمه الله تعالى عن مسروق عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن أبا بكر صلى بالناس ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالصف انتهى

وذكر القاضي أبو الوليد ابن رشد في البيان والتحصيل ( 1 298 ) قول النبي صلى الله عليه وسلم ما مات نبي حتى يصلي وراء رجل من قومه وقال قد روى مالك هذا الحديث عن ربيعة فصح به أن النبي صلى الله عليه وسلم إذ خرج في مرضه الذي توفي فيه وأبو بكر يصلي بالناس صلى خلفه جالسا ولم يخرج أبو بكر من الأمامة انتهى

وروى الترمذي ( 1 226 ) رحمه الله تعالى عن أنس رضي الله تعالى عنه قال صلى الله عليه وسلم في مرضه خلف أبي بكر قاعدا في ثوبه متوحشا انتهى

قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح

وروى النسائي ( 2 79 ) رحمه الله تعالى عن أنس رضي الله تعالى عنه قال آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع القوم صلى في ثوب واحد متوشحا خلف أبي بكر انتهى

2 ذكر ما نقل في ذلك عن العلماء ذهب الخطابي رحمه الله تعالى في الاعلام إلى ترجيح حديث عروة بن الزبير أن الإمام في تلك الصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن عروة بن الزبير يسمع ما يسمع من عائشة بلا حجاب


113
لأنها خالته فأما الأسود ومسروق وغيرهما فيسمعان من وراء حجاب وباتفاق أبي معاوية وحفص بن غياث وعبد الله بن داود ومحاضر بن المورع على رواية حديث الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أن الإمام في تلك الصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومخالفتهم شعبة في روايته عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أن الإمام في تلك الصلاة أبو بكر انتهى

وقال القاضي عز الدين ابن جماعة في مختصر السير له وصلى النبي صلى الله عليه وسلم وراء أبي بكر في الصف صلاة تامة قال ابن حزم وصلى أبو بكر بالناس تلك الأيام بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه في ذلك وخرج صلى الله عليه وسلم في بعض تلك الأيام وهو متكىء على علي والعباس وقد أخذ أبو بكر في الصلاة بالناس فقعد صلى الله عليه وسلم عن يسار أبي بكر وأبو بكر في موضع الإمام وصار أبو بكر واقفا عن يمينه صلى الله عليه وسلم في موضع المأموم يسمع الناس تكبير رسول الله A فصلى النبي A بالناس يؤمهم قاعدا وهم خلفه قيام يؤمهم وهي آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس انتهى

وقال القاضي أبو الوليد ابن رشد رحمه الله تعالى في البيان والتحصيل ( 1 299 ) قد تعالرضت الآثار في ذلك فجاء في بعضها ما دل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج في مرضه وأبو بكر يصلي بالناس تأخر أبو بكر عن الإمامة وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس بقية صلاتهم وهو جالس والقوم خلفه قياما وجاء في بعضها ما دل على أن أبا بكر لم يتأخر عن الإمامة وأن رسول الله


114
صلى الله عليه وسلم إنما صلى مؤتما بأبي بكر فمن الناس من صحح ما دل منهما على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان الإمام [ ورأى ذلك شرعا لأمته ثم لم ينسخه عنهم ولا أختص به دونهم ] فأجاز إمامة المريض جالسا بالأصحاء قياما وهي رواية الوليد بن مسلم عن مالك ومنهم من صححها ولم يجز لأحد بعده إذا كان مريضا أن يؤم الأصحاء قياما وهو المشهور من قول مالك وأصحابه ومنهم من ذهب إلى أن ذلك كان منه صلى الله عليه وسلم في صلاتين فكان في الصلاة الاولى هو الآمام وأتم في الثانية بأبي بكر فكان فعله في الصلاة الثانية ناسخا لفعله في الصلاة الأولى والتأويلان قائمان لمالك من رواية ابن القاسم عنه وعلى هذا التأويل تتخلص الآثار من التعارض وهو أولى بالصواب وبالله التوفيق
الفصل الرابع
في ذكر أول من اتخذ المنبر

روى البخاري ( 3 80 ) عن جابر بن عبد الله أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه فإن لي غلاما نجارا قال إن شئت قالت فعلمت له المنبر فلما كان يوم الجمعة قعد النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر الذي صنع فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت أن تنشق فنزل النبي صلى الله عليه وسلم حتى أخذها فضمها إليه فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكت حتى استقرت قال بكت على ما كانت تسمع من الذكر

قال ابن بشكوال في كتاب تفسير ما استعجم من غوامض الأسماء اسم هذا الغلام النجار مينا قال ويقال إن الذي صنع المنبر للنبي صلى الله عليه


115
وسلم باقوم مولى العاص بن أمية صنعه من طرفاء ثلاث درجات فلما قدم معاوية المدينة زاد فيه فكسفت الشمس يومئذ قال وقيل صنعه ميمون النجار قال وقيل صنعه صباح غلام العباس بن عبد المطلب

وذكر ابن فتحون قبيصة المخزومي في كتابه وقال هو الذي عمل غلامه منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم

وفي المقدمات لابن رشد وفي سنة سبع اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم المنبر ويقال في سنة ثمان عمله له غلام لسعد بن عبادة وقيل غلام لامرأة من الأنصار وقيل غلام للعباس بن عبد المطلب قال ابن رشد لعلهم اجتمعوا كلهم على عمله انتهى

وقال ابن جماعة في مختصر السير عمل المنبر في سنة ثمان وكان درجتين ومجلسا انتهى

فائدة لغوية من مختصر الزاهر قال ثعلب سمي المنبر لعلوه وارتفاعه أخذ من النبر وهو ارتفاع الصوت يقال نبر الرجل نبرة إذا تكلم كلمة فيها علو انتهى

الفصل الخامس
في ذكر أول من اتخذ المقصورة

أول من اتخذ المقصورة معاوية بن أبي سفيان قال ابن قتيبة في المعارف ( 553 ) لأنه أبصر على منبره كلبا

وقال المبرد في الكامل ( 3 196 201 202 ) نظرت الخوارج في أمرها فقالوا إن عليا ومعاوية قد أفسداأمر هذه الأمة فلو قتلناهما لعاد الأمر إلى حقه


116
فقال رجل من أشجع والله ما عمرو دونهما وإنه لأصل هذا الفساد فقال عبد الرحمن بن ملجم أنا أقتل عليا وقال الحجاج بن عبد الله الصريمي وهو البرك أنا أقتل معاوية وقال زاذويه مولى بني العنبر بن تميم أنا أقتل عمرا فأجمع رأيهم على أن يكون قتلهم في ليلة واحدة فجعلوا ذلك ليلة إحدى وعشلاين من شهر رمضان فخرج كل واحد منهم إلى ناحيته فأما ابن ملجم فقتل عليا بالمسجد وهو خارج لصلاة الصبح وأما الحجاج بن عبد الله الصريمي فإنه ضرب معاوية مصليا فأصاب مأكمتيه وكان معوية عظيم الأوراك فقطع منه عرقا يقال له عرق النكاح فلم يولد لمعاوية بعد ذلك فلما أخذ قال الأمان والبشارة قتل علي هذه الصبيحة فاستؤني به حتى جاء الخبر فقطع معاوية يده ورجله فأقام بالبصرة ثم بلغ زيادا أنه قد ولد له فقال أيولد له وأمير المؤمنين لا يولد له فقتله ويروى أن معاوية قطع يديه ورجليه وأمر باتخاذ المقصورة فقيل لابن عباس بعد ذلك ما تأويل المقصورة فقال يخافون أن يبهضهم الناس وأما زاذويه فإنه أرصد لعمرو واشتكى عمرو بطنه فلم يخرج للصلاة فخرج خارجة وهو رجل من بني سهم بن عمر بن هصيص رهط عمرو بن العاص فضربه زاذويه فقتله فلما دخل به على عمرو فرآهم يخاطبونه بالإمرة قال أنا قتلت عمرا قيل إنما قتلت خارجة قال أردت عمرا وأراد الله خارجة ( وهذا السبب في اتخاذ معاوية المقصورة أصح مما قاله ابن قتيبة وأنسب ونقلته مختصرا )

فائة لغوية

في الصحاح ( 5 1863 ) المأكمة العجيزة والجمع المآكم وفي الديوان بفتح الميم والكاف

تنبيه ليس خارجة من بني سهم بن عمرو بن هصيص كما ذكر المبرد وإنما


117
هو من بني عدي بن كعب رهط عمر بن الخطاب وفيهم ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام في جماهر الأنساب له فقال خارجة بن حذافة بن غانم قاضي عمرو بن العاص بمصر الذي قتله الخارجي وهو يظن أنه عمرو بن العاص وقال ابن حزم في جماهر الأنساب ( 156 ) له أيضا هو خارجة بن حذافة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب الذي قتله الحروري بمصر وهو يظنه عمرو بن العاص فلما عرف من قتل قال أردت عمرا وأراد الله خارجة فأرسلها مثلا انتهى
118
الباب الثامن
في الإمام في صلاة القيام في رمضان
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول
كيف كان الناس يصلونها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر رضي الله تعالى عنه

في الموطأ ( 84 ) عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ذات ليلة فصلى بصلاته ناس ثم صلى في القابلة فكثر الناس ثم اجتمعوا في الليلة الثالثة والرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أصبح قال قد رأيت الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم وذلك في رمضان وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمر بعزيمة فيقول من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه قال ابن شهاب فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما


119
الفصل الثاني
في جمع عمر رضي الله تعالى عنه الناس في قيام رمضان على إمام

في الموطأ ( 85 ) عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل ويصلي بصلاته الرهط فقال عمر والله إني لأراني لو جمعت هؤلاء على قارىء واحد لكان أمثل فجمعهم على أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه قال ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم فقال عمر نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون يعني آخر الليل وكان الناس يقومون أوله

فائدة لغوية

في المشارق ( 1 81 ) قوله نعمت البدعة هذه كل ما أحدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم فهو بدعة والبدعة فعل ما لم يسبق إليه فما وافق أصلا من السنة يقاس عليه فهو محمود وما خالف أصول السنن فهو ضلالة

الفصل الثالث
في ذكر أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه

في الاستيعاب ( 65 ) أبي بن كعب بن قيس بن عبيد [ بن زيد ] بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري المعاوي يكنى أبا الطفيل


120
وأبا المنذر وعن أبي موسى قال جاء أبي بن كعب إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما فقال له يا ابن الخطاب فقال له عمر يا أبا الطفيل في حديث ذكره وعن أبي قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أي آية معك في كتاب الله أعظم فقلت الله لا إله إلا هو الحي القيوم ( البقرة 255 ) قال فضرب صدري وقال ليهنك العلم يا أبا المنذر

قال أبو عمر شهد أبي بن كعب العقبة الثانية وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ثم شهد بدراوكان أحد فقهاء الصحابة وأقرأهم لكتاب الله وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال أقرأ أمتي أبي وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا أبيا فقال إن الله أمرني أن أقرأ عليك قال الله سماني لك قال نعم فجعل أبي يبكي

قال أبو عمر وكان أبي بن كعب ممن كتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي قبل زيد بن ثابت ومعه أيضا وعن الواقدي قال أول من كتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمة المدينة أبي بن كعب وهو أول من كتب في آخر الكتاب وكتب فلان

ومات رضي الله تعالى عنه في خلافة عمر بن الخطاب فقيل سنة تسع عشرة وقيل سنة عشرين وقيل سنة اثنتين وعشرين وقيل إنه مات في خلافة عثمان سنة اثنتين وثلاثين والأكثر أنه مات في خلافة عمر

فائدة لغوية

في المحكم الهنيء ( 4 26 ) ما أتاك بلا مشقة وقد هنىء وهنؤ هناءة وهنأني الطعام وهنأ لي يهنئني ويهنؤني وهنأتنيه العافية

فأما ما أنشده سيبويه

فارعي فزارة لا هناك المرتع

121
فعلى البدل للضرورة وليس على التخفيف وفي المشارق ( 2 271 ) قوله فهناني وجاءني الناس يهنوني ولتهنك توبة الله يهمز ويسهل قلت وعليه جاء ليهنك العلم مسهلا وقوله في قصة أم معبد
ليهن بني كعب مقام فتاتهم

مسهلا ولا ضرورة فيه كذلك ضبطها أبو علي الغساني بخطه في الاستيعاب


122
الباب التاسع
في المؤذن
وفيه خمسة فصول
الفصل الاول
في عدد مؤذني النبي صلى الله عليه وسلم

روى مسلم ( 1 112 ) رحمه الله تعالى عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنان بلال وابن أم مكتوم

قال القاضي عياض رحمه الله تعالى في الإكمال قوله كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنان بلال وابن أم مكتوم يعني في وقت واحد وإلا فقد كان له عليه الصلاة والسلام غيرهما أذن له أبو محذورة بمكة ورتبة لأذانها صلى الله عليه وسلم وسعد القرظ أذن للنبي صلى الله عليه وسلم بقباء ثلاث مرات وقال له إذا لم تر بلالا فأذن ولكن هذان لزما الأذان له بالمدينة

فائدة لغوية

في التنبيهات للقاضي عياض الأذان الإعلام قال تعالى وآذان من الله ورسوله ( التوبة 3 ) قال ابن قتيبة وأصله من الأذن كأنه أودع ما علمه أذنه فالأذان اعلام بدخول الوقت والاجتماع للصلاة وأن الدار دار إيمان وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا غزا قوما فإن سمع إذانا أمسك وإلا أغار ففي معنى الأذان إعلام بهذه المعاني الثلاثة من شعار الإسلام

وفي المحكم الأذان والأذين النداء إلى الصلاة قال سيبويه قالوا أذنت وآذنت فمن العرب من يجعلها بمعنى ومنهم من يقول أذنت للتصويت


123
بإعلان وآذنت أعلمت والأذين المؤذن والمئذنة موضع الأذان وقال اللحياني هي المنارة يعني الصومعة
الفصل الثاني
في ذكر بلال رضي الله تعاى عنه

في الاستيعاب ( 178 182 ) بلال بن رباح المؤذن من مولدي مكة وقيل من مولدي السراة واسم أمه حمامة مولى أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما اشتراه ثم أعتقه وكان من أول من أظهر الإسلام وكان صادق الإسلام طاهر القلب وكان يعذب فهانت عليه نفسه في الله وهان على قومه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول أحد أحد وأخذه أبو جهل فبطحه على وجهه وسلقه في الشمس فجعل يقول وقد عمد إلى رحى فوضعها على بطنه أحد أحد وروي عن قيس قال اشترى أبو بكر بلالا وهو مدفون بالحجارة

شهد رضي الله تعالى عنه بدرا وأحدا وسائر المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبلال يا بلال إني دخلت الجنة فسمعت فيها خشفا والخشف الوطء والحس فقلت من هذا قيل بلال قال فكان بلال إذا ذكر ذلك بكى

وذكر ابن أبي شيبة أن بلالا أذن حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أذن لأبي بكر حياته ولم يؤذن في زمن عمر فقال له عمر ما منعك أن تؤذن قال إني أذنت لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قبض وأذنت لأبي بكر حتى قبض لأنه كان ولي نعمتي وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يا بلال ليس عمل أفضل من الجهاد فخرج مجاهدا ويقال إنه أذن لعمر رحمه الله إذ دخل الشام مرة فبكى عمر وغيره من المسلمين


124

وذكر ابن المسيب أنه كان يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يخرج إلى الشام فقال له أبو بكر بل تكون عندنا فقال إن كنت أعتقتني لنفسك فاحبسني وإن كنت أعتقتني لله عز وجل فذرني أذهب إلى الله عز وجل فقال اذهب إلى الشام فكان بها حتى مات

قال أبو عمر ( 179 ) مات بدمشق ودفن عند الباب الصغير بمقبرتها سنة عشرين وقيل سنة إحدى وعشرين وهو ابن ثلاث وستين سنة وقيل ابن سبعين سنة انتهى

فائدة لغوية سلقه ألقاه على ظهره قال الجوهري ( 4 1497 ) طعنته فسلقته إذا ألقيته على ظهره
الفصل الثالث
في ذكر ابن أم مكتوم رضي الله تعالى عنه

في الجماهر ( 171 ) لابن حزم ابن أم مكتوم مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو عمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم واسم الأصم جندب من بني معيص بن عامر بن لؤي ونسب إلى أمه أم مكتوم وهي عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة بن عامر بن مخزوم قال وابن أم مكتوم ابن خال خديجة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها

قلت واختلف في قول أبي عمر ابن عبد البر في الاستيعاب ( 1198 ) فذكره في باب عمرو ونسبه كما نسبه ابن حزم وذكر قرابته أيضا من أم المؤمنين خديجة رضي الله تعالى عنها وذكره في باب عبد الله وذكر في نسبه خلافا في الأسماء إلا أنه لم يخالف في أنه من بني معيص حسبما ذكر في باب عمرو


125

قال أبو عمر ( 997 ) وكان قديم الإسلام بمكة واختلف في وقت هجرته فقيل كان ممن قدم المدينة مع مصعب بن عمير قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الواقدي قدمها بعد بدر بيسير فنزل دار القراء واستخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة ثلاث عشرة مرة في غزواته وأما رواية قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف ابن أم مكتوم على المدينة مرتين فلم يبلغه ما بلغ غيره انتهى

وفي الموطأ ( 60 ) عن سالم بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن بلالا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم قال وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له أصبحت [ أصبحت ] انتهى

قال أبو عمر ابن عبد البر ( 1199 ) وشهد القادسية وكان معه اللواء يومئذ وقتل شهيدا بالقادسية وقال الواقدي رجع ابن أم مكتوم من القادسية إلى المدينة فمات ولم يسمع له بذكر بعد عمر بن الخطاب انتهى

فائدة لغوية

في كتاب الاشتقاق لمحمد بن أبان بن سيد بنو عنكثة في بني مخزوم من العكث والنون زائدة والعكث خلط الشىء بالشىء وفي ديوان الأدب ( 2 23 ) العنكث بفتح العين والكاف وبينهما نون ساكنة وبعد الكاف ثاء مثلثة نبت قال [ من الرجز ]

وعنكثا متلبدا
الفصل الرابع
في ذكر محذورة رضي الله تعالى عنه

في الاستيعاب ( 1751 1752 ) أبو محذورة المؤذن القرشي الجمحي اختلف في اسمه فقيل سمرة وقيل معير وقيل سلمة وقيل أوس واتفق الزبير


126
وعمه مصعب ومحمد بن إسحاق على أن اسمه أوس وهؤلاء أعلم بطريق أنساب قريش قال الزبير هو أوس بن معير بن لوذان بن سعد بن جمح وفي الجماهر ( 153 ) لابن حزم أبو محذورة أوس بن معير بن لوذان بن سعد بن جمح

ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان بمكة فتوارثه بعد ولده إلى انقراض آخرهم في أيام الرشيد وانقرض جميع عقب لوذان بن سعد بن جمح فورث الأذان بمكة عنهم بنو سلامان بن ربيعة بن سعد بن جمح فهو فيهم إلى الآن

وفي الاستيعاب 01752 ) كان أبو محذورة مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة أمره بالأذان بها منصرفه من حنين وكان سمعه يحكي الأذان فأعجبه صوته فأمر أن يؤتى به فأسلم يومئذ وأمره بالأذان فأذن بين يديه ثم أمره فانصرف إلى مكة وأقره على الأذان بها فلم يزل يؤذن بها هو وولده ثم عبد الله بن محيريز ابن عمه فلما انقطع ولد محيريز صار الأذان بها إلى ولد ربيعة بن سعد بن جمح

وأبو محذورة وابن محيريز من ولد لوذان بن سعد بن جمح قال الزبير كان أبو محذورة أحسن الناس أذانا وأنداهم صوتا قال وأنشدني عمي مصعب لبعض شعراء قريش في أذان أبي محذورة [ من الرجز ]

أما ورب الكعبة المستوره
وما تلا محمد من سوره
والنغمات من أبي محذوره
لأفعلن فعلة مشهوره

قال الطبري توفي أبو محذورة بمكة سنة تسع وخمسين وقيل سنة تسع وسبعين ولم يهاجر ولم يزل مقيما بمكة حتى مات

فائدة لغوية

في الاشتقاق لابن سيد لوذان جد أبي محذورة فعلان من لاذ يلوذ


127
الفصل الخامس
في ذكر سعد القرظ رضي الله تعالى عنه

في الاستيعاب ( 593 ) سعد بن عائذ المؤذن مولى عمار بن ياسر المعروف بسعد القرظ له صحبة وإنما قيل له سعد القرظ لأنه كان كلما تجر في شىء وضع فيه فتجر في القرظ فربح فيه فلزم التجارة فيه جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنا بقباء

وفي الاشراف عن سعد القرظ قال كان إذا جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء يؤذن له بلال فجاء يوما ليس معه بلال قال سعد فرقيت على عذق فإذنت فاجتمع الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا سعد إذا لم تر بلالا فإذن فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه وقال بارك الله فيك يا سعد فإذن سعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء ثلاث مرات

في الاستيعاب ( 594 ) أنه كان يؤذن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل قباء حتى نقله عمر بن الخطاب في خلافته إلى المدينة حين خرج بلال إلى الشام فإذن له في المدينة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم قال ويقال إنه لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك بلال الأذان نقله أبو بكر رضي الله تعالى عنه إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قلم يزل يؤذن فيه إلى أن مات وتوارث عنه بنوه الأذان فيه إلى زمن مالك وبعده أيضا انتهى

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

الاولى في المحكم ( 6 210 ) القرظ شجر يدبغ به وقيل هو ورق السلم وفي المشارق بفتح القاف والراء وهو صمغ السمر وقيل القشر الذي يدبغ به وبه سمي سعد القرظ لأنه كان يتجر فيه

الثانية الفارابي ( 1 122 191 ) العذق بفتح العين وسكون الذال النخلة


128
وبكسرها وسكون الذال الكباسة انتهى وفي الصحاح ( 2 966 ) الكباسة بالكسر العذق وهو من التمر بمنزلة العنقود من العنب

الثالثة في الصحاح ( 3 1300 ) وضع الرجل في تجارته وأوضع على ما لم يسم فاعله فيها أي خسر ويقال وضعت في تجارتك وأنت موضوع انتهى

وفي المشارق ( 2 290 ) دخلت المال وضيعة أي نقص


129
الباب العاشر
في المؤقت
وفيه فصلان
الفصل الاول
في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالا رضي الله تعالى عنه بحفظ الوقت

في الموطأ ( 19 ) مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قفل من خيبر أسرى حتى إذا كان من آخر الليل عرس وقال لبلال أكلأ لنا الصبح ونام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكلأ بلال ما قدر له ثم استند إلى راحلته وهو مقابل الفجر فغلبته عيناه فلم يستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بلال ولا أحد من الركب حتى ضربتهم الشمس ففزع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بلال يا رسول الله أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتادوا فبعثوا رواحلهم واقتادوا شيئا ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأقام الصلاة فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح ثم قال حين قضي الصلاة من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه الكريم وأقم الصلوة لذكري ( طه 14 )

وخرج مسلم ( 1 189 ) عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة نحوه إلا أنه قال اكلأ لنا الليل


130
فوائد لغوية في ثلاث مسائل

الأولى في الصحاح ( 2 945 ) التعريس نزول القوم في السفر من آخر الليل يقفون فيه وقفة للاستراحة ثم يرحلون وأعرسوا لغة فيه قليلة والموضع معرس ومعرس

الثانية ابن طريف كلأت الشىء حرسته وكلأه الله كلاءة وكلاء حفظه قال الشاعر [ من المنسرح ]

إن سليمى والله يكلؤها
ضنت بشىء ما كان يرزؤها

الثالثة في التنبيهات الوقت المقدار من الزمان وقال ابن طريف وقت الشىء وقتا قدره لوقت وفي الصحاح ( 1 270 ) وقته فهو موقوت إذا بين للفعل وقتا يفعل فيه وفي ديوان الأدب ( 3 249 272 ) وقت يقت ووقت بتشديد القاف يوقت توقيتا بمعنى كقصر من الصلاة وقصر وفي الصحاح ( 1 269 ) الميقات الوقت المضروب من الزمان للفعل والموضع يقال هذا ميقات اهل الشام الذي يحرمون فيه

تنبيه

قد تقدم ذكر بلال رضي الله تعالى عنه في باب الأذان قبل هذا فأغنى ذلك عن إعادته الأن

الفصل الثاني
في اقتداء المساجد في صلاتهم بمؤذن المسجد الجامع

في الروض الأنف كانت مساجد المدينة تسعة سوى مسج رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يصلون بأذان بلال كذلك قال بكير بن عبد الله بن


131
الأشج فيما روى عنه أبو داود في مراسيله والدارقطني في سننه ( 2 85 ) فمنها مسجد راتج ومسجد بني عبد الأشهل ومسجد بني عمرو بن مبذول ومسجد جهينة وأسلم وأحسبه قال مسجد بني سلمة وسائرها مذكور في السنن

وفي شرح الرسالة للزناتي مساجد المدينة عشرة مساجد مسجد بني النجار وهو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وهو المؤسس على التقوى وهو الذي أقام جبريل قبلته وغيره أقام النبي صلى الله عليه وسلم قبلته وهي مسجد بني عمرو ومسجد بني ساعدة ومسجد بني عبد الأشهل ومسجد بني سلمة ومسجد راتج ومسجد بني زريق ومسجد غفار ومسجد أسلم ومسجد جهينة


132
الباب الحادي عشر
في ذكرصاحب الخمرة

روى البخاري ( 1 107 ) رحمه الله تعالى عن ميمونة رضي الله تعالى عنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على الخمرة انتهى

وروى مسلم رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ناوليني الخمرة من المسجد قالت فقلت إني حائض فقال إن حيضتك ليست في يدك انتهى

وروى النسائي ( 1 192 ) عن ميمونة رضي الله تعالى عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع رأسه في حجر إحدانا فيتلو القرآن وهي حائض وتقوم إحدانا بخمرته إلى المسجد فتبسطها وهي حائض انتهى

فائدة لغوية

في المشارق ( 1 240 ) الخمرة بضم الخاء وسكون الميم هي كالحصير الصغير من سعف النخل يضفر بالسيور ونحوها بقدر الوجه والكفين وهي أصغر من المصلى يصلى عليها سميت بذلك لأنها تستر الوجه والكفين من برد الأرض وحرها فإن كبرت عن ذلك فهي حصير قاله أبو عبيد انتهى وفي المعالم للخطابي ( 171 ) الخمرة السجاد التي يسجد عليها المصلي


133
الباب الثاني عشر
في الذي يحمل العنزة

روى البخاري ( 2 25 ) عن نافع عن ابن عمر قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يغدو إلى المصلى والعنزة بين يديه تحمل وتنصب بالمصلى بين يديه يصلي إليها

فائدة لغوية

في المشارق ( 2 92 ) العنزة بفتح العين والنون قال الخليل هي عصا في طرفها زج قال أبو عبيد قدر نصف الرمح أو أكثر شيئا فيها سنان مثل سنان الرمح وقال الأصمعي العنزة ما دور نصله والأدلة والحربة العريضة النصل وقيل في الحربة إنها ليست عريضة النصل


134
الباب الثالث عشر
في المرج وهو الموقد

في الاستيعاب ( 683 ) سراج مولى تميم الداري قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في خمسة غلمان لتميم روى عنه في تحريم الخمر وأنه أسرج في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالقنديل والزيت وكانوا لا يسرجون قبل ذلك إلا بسعف النخل فقال رسول الله صلى اله عليه وسلم من أسرج مسجدنا فقال تميم غلامي هذا فقال ما اسمه قال فتح فقال النبي صلى الله عليه وسلم بل اسمه سراج قال فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم سراجا

فائدتان لغويتان

الأولى في ديوان الأدب ( 1 445 2 202 ) السراج الذي يزهر بالليل وزهر السراج يزهر بفتح الهاء فيهما أي أضاء وفي المحكم السراج المصباح والجمع سرج والمسرجة التي فيها الفتيل والمسرجة التي تجعل فيها المسرجة وأسرج السراج أوقد

الثانية هو القنديل بكسر القاف كذلك قيده الفارابي في الديوان ( 2 76 ) في الرباعي على وزن فعليل


135
الباب الرابع عشر
في المجمر
وفيه فصلان
الفصل الأول تطيب المسجد

روى أبو داود ( 1 108 ) رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور وأن تطيب وتنظف

وروى مسلم ( 2 395 ) رحمه الله تعالى عن جابر رضي الله تعالى عنه أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجدنا هذا وفي يده عرجون ابن طاب فرأى في قبلة المسجد نخامة فحكها بالعرجون ثم أقبل علينا فقال أيكم يحب أن يعرض الله عنه قال فخشعنا ثم قال أيكم يحب أن يعرض الله عنه قلنا لا يا رسول الله قال فإن أحدكم إذا قام يصلي فإن الله تبارك وتعالى قبل وجهه فلا يبصقن قبل وجهه ولا عن يمينه وليبصقن عن يساره تحت رجله اليسرى فإن عجلت به بادرة فليقل بثوبه هكذا ثم طوى ثوبه بعضه على بعض وقال أروني عبيرا فثار فتى من الحي يشتد إلى أهله فجاء بخلوق في راحته فإخذه صلى الله عليه وسلم فجعله على [ رأس ] العرجون ثم لطخ به على أثر النخامة فقال جابر فمن هناك جعلتم الخلوق في مساجدكم انتهى

وخرجه أبو داود ( 1 112 ) أيضا رحمه الله تعالى بمعناه

فائدتان لغويتان

الأولى في الصحاح ( 2 734 ) العبير قال الأصمعي هي أخلاط تجمع


136
بالزعفران وقال أبو عبيدة العبير عند العرب الزعفران وحده وفي الحديث أتعجز إحداكن أن تتخذ تومتين ثم تلطخهما بعبير أو زعفران وفي هذا الحديث بيان أن العبير غير الزعفران

الثانية الخلوق ضرب من الطيب وقد خلقته أي طيبته بالخلوق فتخلق

الفصل الثاني
في المجمر

قال القاضي أبو الوليد ابن رشد رحمه الله تعالى في كتاب الجامع من البيان والتحصيل روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال جمروا مساجدكم

وفي التمهيد عبد الله بن المجمر مولى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان يجمر المسجد إذا قعد عمر على المنبر وقد قيل إنه كان من الذين يجمرون الكعبة والأول أصح وهو والد نعيم بن عبد الله المجمر شيخ مالك بن أنس رحمهما الله تعالى

فائدة لغوية ابن طريف أجمرت الشىء بالمجمرة بخرته بها وفي الصحاح ( 2 616 ) المجمرة واحدة المجامر وكذلك المجمر والمجمر فبالكسر اسم الشىء الذي يجعل فيه الجمر وبالضم الذي هىء له الجمر يقال أجمرت النار مجمرا انتهى


137
الباب الخامس عشر
في الذي يقم المسجد
ويلتقط الخرق والقذى والعيدان منه

روى أبو داود ( 1 109 ) رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد

وروى مسلم ( 1 262 ) رحمه الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد أو شابا فقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عنها أوعنه فقالوا مات قال أفلا كنتم آذنتموني قال فكأنهم صغروا أمرها أو أمره فقال دلوني على قبره فدلوه فصلى عليه ثم قال إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم

فائدة لغوية

في المشارق ( 2 185 ) قوله يقم المسجد أي يكنسه ويزيل قمامته وهي الزبل وما يجتمع فيه والمقمة المكنسة


138
الباب السادس عشر
في الرجل يأخذ الناس بالصلاة في الجماعة ويشتد عليهم في تركها

روى أبو داود ( 1 129 ) رحمه الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد هممت أن آمر فتيتي فيجمعوا حزما من حطب ثم آتي قوما يصلون في بيوتهم ليست بهم علة فأحرقها عليهم انتهى

وروى مسلم ( 1 167 ) رحمه الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة الفجر وصلاة العشاء ولو يعلمون ما فيها لأتوها ولو حبوا ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم آخذ شعلا من النار فأحرق على من لا يخرج إلى الصلاة بعد انتهى

وروى البخاري رحمه الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال النبي A ليس صلاة أثقل على المنافقين من صلاة الفجر والعشاء ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ولقد هممت أن آمر المؤذن فيقيم ثم آمر رجلا يؤم الناس ثم آخذ شعلا من النار فأحرق على من لا يخرج إلى الصلاة انتهى

وذكر الزمخشري في كتاب الكشاف ( 2 463 ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل عتاب بن أسيد على أهل مكة وقال انطلق فقد استعملتك على أهل الله فكان شديدا على المريب هينا على المؤمن وقال والله لا أعلم متخلفا يتخلف عن الصلاة في جماعة إلا ضربت عنقه فإنه لا يتخلف عن الصلاة إلا


139
منافق فقال أهل مكة يا رسول الله لقد استعملت على أهل الله عتاب بن أسيد أعرابيا جافيا فقال صلى الله عليه وسلم إني رأيت فيما يرى النائم كأن عتاب بن أسيد أتى باب الجنة فأخذ بحلقة الباب فقلقله قلقالا شديدا حتى فتح له فدخلها انتهى

فائدة لغوية قلقل الباب في الصحاح ( 5 1805 ) قلقل أي صوت وقلقله قلقلة وقلقالا فتقلقل أي حركه فتحرك واضطرب فإذا كسرته فهو مصدر وإذا فتحته فهو اسم مثل الزلزال والزلزال انتهى


140
الباب السابع عشر
في الرجل يمنع الناس من المنازعة واللغظ في المسجد

روى الترمذي ( 1 202 ) رحمه الله تعالى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن تناشد الأشعار في المسجد وعن البيع والشراء فيه وأن يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة انتهى

وروى مسلم ( 1 157 ) رحمه الله تعالى عن أبي هريرة رضي اللله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا

وروى النسائي رحمه الله تعالى عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا رأيتم من يبتاع أو يشتري في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك وإذا رأيتم من ينشد ضالة في المسجد فقولوا لا ردها الله عليك انتهى

وروى البخاري ( 1 127 ) رحمه الله تعالى عن السائب بن يزيد قال كنت نائما في المسججد فحصبني رجل فنظرت فإذا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال اذهب فأتني بهذين فجئت بهما قال من أنتما أو من أين أنتما قالا من أهل الطائف قال لو كنتما من أهل البلد لأوجهتكما ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم


141
وفي الموطأ ( 121 ) لمالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بني رحبة في ناحية المسجد تسمى البطحاء وقال من كان يريد أن يلغط أو ينشد شعرا أو يرفع صوته فليخرج إلى هذه الرحبة

وفي الاستيعاب ( 811 ) كان العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم في الجاهلية رئيسا في قريش وإليه كانت عمارة المسجد الحرام والسقاية في الجاهلية فالسقاية معروفة وأما العمارة فإنه كان لا يدع أحدا يستب في المسجد الحرام ولا يقول فيه هجرا فحملهم علىعمارته في الخير لا يستطيعون لذلك امتناعا لأنه كان ملأ قريش قد اجتمعوا وتعاهدوا على ذلك فكانوا أعوانا له وسلموا ذلك إليه انتهى

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

المسألة الأولى في المحكم أنشد الشعر وهم يتناشدون ينشد بعضهم بعضا والنشيد الشعر فعيل بمعنى مفعل والنشيد من الأشعار ما يتناشد وأنشد بهم هجاهم

المسألة الثانية في المشارق ( 2 28 ) إنشاد الضالة هو تعريفها يقال أنشدتها إذا عرفتها فإذا طلبتها يقال نشدتها أنشدها بضم الشين في المستقبل هذا قول أكثرهم وحكى الحربي اختلاف أهل اللغة في الناشد والمنشد ومن قال إنه بعكس ما قيدناه من أن الناشد المعرف والمنشد الطالب وحجة كل فريق في ذلك من الحديث وشعر العرب

المسألة الثالثة قوله فحصبني في الصحاح ( 1 112 ) حصبت الرجل أحصبه بالكسر أي رميته بالحصباء والحصباء الحصى


142
الباب الثامن عشر
في صاحب الطهور
وفيه فصلان
الفصل الأول
في ذكر من كان يتولى ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم

روى الترمذي ( 5 338 ) رحمه الله تعالى عن خيثمة بن أبي سبرة رحمه الله تعالى قال أتيت المدينة فسألت الله أن ييسر لي جليسا صالحا فيسر لي أبا هريرة رضي الله تعالى عنه فجلست إليه فقلت له إني سألت الله أن ييسر لي جليسا صالحا فوفقت لي فقال لي ممن أنت قلت من أهل الكوفة جئت ألتمس الخير وأطلبه قال أليس فيكم سعد بن مالك مجاب الدعوة وابن مسعود صاحب طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم ونعليه وحذيفة صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمار الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه وسلمان صاحب الكتابين

قال قتادة والكتابين الإنجيل والقرآن

قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب انتهى

وروى مسلم ( 1 89 ) رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال كان رسول اله صلى الله عليه وسلم يتبرز لحاجته فآتيه بالماء فيغتسل به انتهى


143

وروى البخاري ( 1 50 ) رحمه الله تعالى عن أنس رضي الله تعالى عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج لحاجته أجيء أنا وغلام ومعنا إداوة من ماء يعني يستنجي به انتهى

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

المسألة الأولى قوله صاحب طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحاح ( 2 327 ) طهر الشىء وطهر أيضا بالضم طهارة فيهما والاسم الطهر وطهرته أنا تطهيرا وتطهر بالماء وهم قوم يتطهرون أي يتنزهون من الأدناس والطهور ما يتطهر به كالفطور والسحور والوقود قال الله تعالى وأنزلنا من السماء ماء طهورا ( الفرقان 48 ) والمطهرة والمطهرة الإداوة والفتح أعلى والجمع المطاهر

المسألة الثانية قوله يتبرز لحاجته الفاربي ( 2 447 ) تبرز أي خرج إلى البرازأي لحاجة على وزن فعال زيد في أوله تاء مع تكرير العين وفي المشارق ( 1 84 ) البراز بفتح الباء وآخره زاي وهو كناية عن قضاء حاجة الأنسان من الغائط وأصله من البراز وهو المتسع من الأرض فسمي به الحدث لأنهم كانوا يخرجون لقضاء حاجتهم إليه لخلائه من الناس كما قالوا الغائط باسم ما اطمأن من الأرض لقصدهم إياه لذلك

المسألة الثالثة الإداوة بكسر الهمزة هي آنية للماء كالمطهرة وبكسر الهمزة قيدها الفارابي ( 4 195 ) وفي الصحاح ( 6 2266 ) الإداوة المطهرة والجمع الأداوى مثل المطايا وقال أبو الفرج الجوزي في كشف المشكل الإداوة إناء من جلود كالركوة

الفصل الثاني

في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم

1 عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه في الاستيعاب ( 987 ) والجماهر ( 197 ) لابن حزم عبد الله بن مسعود بن غافل قال أبو عمر بالغين


144
المنقوطة والفاء بن حبيب بن شمخ بن فار بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل

وفي الاستيعاب ( 987 ) في باب عبد الله بن مسعود وأم عبد الله بن مسعود أم عبد بنت عبد ود بن سواء بن فريم بالراء بن صاهلة بن كاهل بن هذيل أيضا

وقال في باب النساء منه في باب الكنى ( 1946 ) أم عبد بنت سود بن فريم بن صاهلة الهذلية أم عبد الله بن مسعود كذلك ضبطه أبو علي الغساني فريم بالراء في الموضعين بخطه

قال أبو عمر ( 987 988 ) كان إسلامه قديما في أول الإسلام وهاجر الهجرتين جميعا الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة والهجرة الثانية من مكة إلى المدينة وضمه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه فكان يلج عليه ويلبسه نعليه ويمشي معه وأمامه ويستره إذا اغتسل ويوقظه إذا نام وشهد بدرا والحديبية وشهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة ( 984 ) وعن عبد الله بن عمرو قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول خذوا القرآن من أربعة من ابن أم عبد فبدأ به ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وسالم مولى أبي حذيفة ومناقبه رضي الله تعالى عنه كثيرة ( 993 ) ومات بالمدينة سنة ثنتين وثلاثين ودفن بالبقيع وكان يوم توفي ابن بضع وستين سنة

2 أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه في الاستيعاب ( 109 ) أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد الأنصاري النجاري خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم يكنى أبا حمزة أمه أم سليم بنت ملحان الأنصارية قال رضي الله تعالى عنه قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأنا ابن عشر سنين وتوفي وأنا ابن عشرين سنة وقال له مولى له أشهدت بدرا قال لا أم لك وأين غبت عن بدر قال محمد بن عبد الله الأنصاري خرج أنس بن مالك مع رسول الله صلى


145
الله عليه وسلم حين توجه إلى بدر وهو غلام يخدمه ( 111 ) ويقال إنه قدم من صلبه ومن ولد ولده نحوا من مائة قبل موته وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا له فقال اللهم ارزقه مالا وولدا وبارك له قال أنس فإني لمن أكثر الأنصار مالا وولدا ويقال إنه ولد له ثمانون ولدا منهم ثمانية وسبعون ذكرا وابنتان الواحدة تسمى حفصة والثانية تكنى أم عمرو ( 110 ) ومات سنة ثلاث وتسعين وهو ابن مائة وثلاث سنين وقيل مات ابن مائة وسبع وقيل ابن مائة وعشر قال أبو عمر وأصح ما فيه أنه عمر ماءئة سنة إلا سنة ومات بقصره بالطف على فرسخين من البصرة ودفن هنالك

تنبيه

قول أبي عمر في أنس أنه قدم من صلبه ومن ولد ولده نحوا من مائة قبل موته يفهم منه أنهم ماتوا قبله وقال ابن حزم في الجماهر ( 351 352 ) لم يمت أنس حتى مشى أمامه مائة رجل من ولده يرجعون بنسبهم إليه من ذكور ولده وولد ولده خاصة قال وله عقب بالبصرة كثير جدا


146
الباب التاسع عشر
في صاحب السواك

روى البخاري ( 5 31 ) رحمه الله تعالى في باب من ألقى له وسادة عن إبراهيم قال ذهب علقمة إلى الشام فأتى المسجد فصلى ركعتين فقال اللهم ارزقني جليسا فقعد إلى أبي الدرداء فقال ممن أنت فقال من أهل الكوفة فقال أليس فيكم صاحب السر الذي كان لا يعلمه غيره يعني حذيفة أليس فيكم أو كان فيكم الذي أجاره الله على لسان رسول من الشيطان يعني عمارا أليس فيكم صاحب السواك يعني ابن مسعود كيف كان يقرأ عبد الله والليل إذا يغشى قال والذكر والأنثى فقال ما زال هؤلاء حتى كادوا يشككوني وقد سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى

تنبيه

قد تقدم ذكر عبد الله بن مسعود في الباب الذي قبل هذا

فائدة لغوية

في المحكم ساك الشىء سوكا دلكه وساك فمه بالعود واستاك مشتق من ساك واسم العود المسواك يؤنث ويذكر والسواك كالمسواك والجمع سوك


147
قال أبو حنيفة وربما همز فقيل سؤك قال أنشد الخليل لعبد الرحمن بن حسان [ من المتقارب ]
أغر الثنايا أحم اللثا
ت تمنحه سؤك الإسحل

بالهمز وهذا لا يلزم همزة انتهى وقال الجوهري ( 4 1593 ) سوك فاه تسويكا وإذا قلت استأك بالهمز أو تسوك لم تذكر الفم انتهى


148
الباب الموفي عشرين
في صاحب الكرسي
وفيه أربع فصول
الفصل الاول
في اتخاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكرسي

ذكر الدارقطني رحمه الله تعالى في كتاب العلل في حديث علي رضي الله تعالى عنه قال كنت آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم كل غداة فإذا تنحنح دخلت وإذا سكت لم أدخل قال فخرج إلي فقال حدث البارحة أمر سمعت خشخشة في الدار فإذا أنا بجبريل عليه السلام فقلت ما منعك من دخولك قال إن في البيت كلبا قال فدخلت فإذا بجرو للحسن تحت كرسي لنا انتهى

فائدتان لغويتان

الاولى قوله صلى الله عليه وسلم سمعت خشخشة في المشارق ( 1 247 ) سمعت خشخشة أمامي أي صوت شىء وأصله صوت الشىء اليابس

وأنشد الأعلم لعلقمة [ من الطويل ]

كما خشخشت يبس الحصاد جنوب

الثانية الكرسي في المشرع الروي هو الذي يجلس عليه وقيل لا يفضل عن مقعد القاعد وفي ديوان الأدب ( 1 176 202 ) كرسي بضم الكاف وكرسي بكسرها والراء ساكنة في اللغتين


149
الفصل الثاني
في ذكر جلوس النبي صلى الله عليه وسلم على الكرسي

روى مسلم والنسائي رحمهما الله تعالى والنص لمسلم ( 1 239 ) عن حميد بن هلال قال قال أبو رفاعة العدوي انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب قال فقلت يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينه قال فأقبل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك خطبته حتى انتهى إلي فأتي بكرسي حسبت قوائمه حديدا قال فقعد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يعلمني مما علمه الله ثم أتى خطبته فأاتم آخرها

الفصل الثالث
في اتخاذ عمر رضي الله تعالى عنه الكرسي

ذكر المبرد في الكتاب الكامل ( 2 193 194 ) في قصة الحطيئة حين حبسه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لاستعداء الزبرقان عليه في هجوه وهجو رهطه وتفصيله بني عمهم عليهم أن عمر رضي الله تعالى عنه دعا بكرسي فجلس عليه ودعا بالحطيئة فأجلسه بين يديه ودعا بإشفا وشفرة يوهمه أنه عامل على قطع لسانه حتى ضج من ذلك فكان فيما قال له الحطيئة يا أمير المؤمنين والله لقد هجوت أبي وأمي وهجوت نفسي فتبسم عمر ثم قال فما الذي قلت قال قلت لأبي وأمي والمخاطبة للأم [ من الكامل ]

ولقد رأيتك في النساء فسؤتني
وأبا بنيك فساءني في المجلس

وقلت لها [ من الوافر ]

تنحي فاقعدي مني بعيدا
أراح الله منك العالمينا
أغربالا إذا استودعت سرا
وكانونا على المتحدثينا

وقلت لامرأتي [ من الوافر ]

أطوف ما أطوف ثم آوي
إلى بيت قعيدته لكاع

150

فقال له عمر فكيف هجورت نفسك فقال اطلعت في بئر فرأيت وجهي فاستفبحته فقلت [ من الطويل ]

أبت شفتاي اليوم إلا ترنما
بشر فما أدري لمن أنا قائله
أرى لي وجها قبح الله خلقه
فقبح من وجه وقبح حامله
فوائد لغوية في ثلاث مسائل

الاولى قوله وكانوا على المتحدثينا في ديوان الأدب ( 3 61 ) رجل كانون يستثقله أصحابه عند الحديث وأنشد الحطيئة يهجو أمه هذا البيت

الثانية قوله قيعدته لكاع في المحكم ( 1 96 ) قعيدة الرجل وقيعدة بيته امرأته وقال الجوهري ( 3 1280 ) رجل لكع أي لئيم وقيل هو العبد الذليل النفس امرأة لكاع مثل قطام وأنشد للحطيئة هذا البيت قال ولا يصرف لكع في المعرفة لأنه معدول عن ألكع وقد لكع لكاعة فهو ألكع والمرأة لكعاء

الثالثة قوله إلا ترنما في الصحاح ( 5 1938 ) الرنم بالتحريك الصوت وقد رنم بالكسر وترنم الطائر في تغريده

الفصل الرابع
في اتخاذ علي رضي الله تعالى عنه الكرسي

روى النسائي ( 1 96 ) عن عبد خير رحمهما الله تعالى قال شهدت علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه دعا بكرسي فقعد علبه ثم دعا بماء في تور فغسل يديه ثلاثا ثم مضمض واستنشق بكف واحدة ثلاثا ثم غسل وجهه ثلاثا وغسل يده اليمنى ثلاثا وغسل يده اليسرى ثلاثا ومسح برأسه ثم غسل رجليه بالماء ثلاثا ثم قال من سره أن ينظر إلى وضوء الرسول صلى الله عليه وسلم فهذا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم

3 فائدة لغوية

في الصحاح ( 2 602 ) التور إناء يشرب فيه ذكره في باب التاء المثناة من فوق


151
الباب الحادي والعشرون
في السقاء
وفيه أربعة فصول
الفصل الأول
في أنه كان صلى الله عليه وسلم يستعذب له الماء

في كتاب أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم ( 227 ) للأصبهاني رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعذب له الماء من بئر السقيا والسقيا من أطراف الحرة وفي لفظ آخر من طرف الحرة انتهى

وروى أبو داود ( 2 305 ) رحمه الله تعالى عن عائشة أيضا رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعذب له الماء من بيوت السقيا قال قتيبة هي عين بينها وبين المدينة يومان

فائدتان لغويتان

الأولى ابن طريف سقيتك شرابا وأسقيتك وفي المحكم ( 6 302 ) رجل ساق وسقاء على التكثير من قوم سقائين والأنثى سقاءة وسقاية

الثانية في المعجم ما استعجم ( 742 ) السقيا بضم السين وإسكان القاف


152
بعده الياء أخت الواو قرية جامعة وهي طريق مكة إلى المدينة ووإنما سميت السقيا لما سقت من الماء العذب وهي كثيرة الآبار والعيون والبرك انتهى
الفصل الثاني
في ما جاء من أنه صلى عليه وسلم كانةيبرد له الماء

روى مسلم ( 2 396 ) عن جابر في حديثه الطويل في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيه قال يعني جابرا فأتينا العسكر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا جابر ناد بوضوء فقلت ألا وضوء ألا وضوء قال قلت يا رسول الله ما وجدت في الركب من قطرة وكان رجل من الأنصار يبرد لرسول الله صلى الله عليه وسلم الماء في أشجاب له على حمارة من جريد فقال لي انطلق إلى فلان الأنصاري فانظر هل في أشجابه من شىء قال فانطلقت إليه فنظرت فيها فلم أجد فيها إلا قطرة في عزلاء شجب منها لو اني أفرغه لشربه يابسة قال اذهب فأتني به فأتيته به فأخذه بيده ثم جعل يتكلم بشىء ما أدري ما هو ويغمزه بيده ثم أعطانيه فقال يا جابر ناد بجفنة فقلت يا جفنة الركب فأتيت بها تحمل فوضعتها بين يديه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده في الجفنة هكذا فبسطها وفرق بين أصابعه ثم وضعها في قعر الجفنةوقال خذ يا جابر فصب علي وقل بسم الله فصببت عليه وقلت بسم الله فرأيت الماء يفور من بين أصابع يد رسول اللله صلى الله عليه وسلم ثم فارت الجفنة ودارت حتى امتلأت فقال يا جابر ناد من كان له حاجة بماء قال فأتى الناس فاستقوا حتى رووا قال فقال هل بقي أحد له حاجة فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من الجفنة وهي ملأى انتهى


153

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

المسألة الأولى قوله في أشجاب له على حمارة من جريد في المشارق ( 2 244 1 144 ) جمع شجب بسكون الجيم وفتح الشين وهو ما قدم من القرب والحمارة وتسمى الحمار أيضا هي الأعواد التي تعلق عليها هذه القربة والجريد سعف النخل وأغصانها التى يخرج فيها خوصها

المسألة الثانية قوله في عزلاء شجب في المشارق ( 2 80 ) عزلاء المزاددة فمها الأسفل ممدود وجمعه عزالي

المسألة الثالثة في المشارق ( 1 159 ) الجفنة أعظم القصاع وهي جفنة الطعام مفتوحة الجيم ومعنى قوله يا جفنة الركب يريد يا هؤلاء الركب احضروا جفنتكم والركب جمع راكب

الفصل الثالث
في ساقي النبي صلى الله عليه وسلم

روى مسلم ( 2 132 ) رحمه الله تعالى عن أنس رضي الله تعالى عنه قال لقد سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدحي هذا الشراب كله العسل والنبيذ والماء واللبن

الفصل الرابع
في سقي الماء في الغزو

روى البخاري ( 4 40 ) عن ثعلبة بن أبي مالك أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قسم مروطا بين نساء من نساء المدينة فبقى مرط جيد فقال له بعض من عنده يا أمير المؤمنين أعط هذا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عندك يريدون أم كلثوم بنت علي فقال عمر ام سليط أحق وأم سليط من نساء


154
الأنصار ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عمر فإنها كانت تزفر لنا القرب يوم أحد انتهى

وفي الاستيعاب ( 1940 ) أم سليط امرأة من المبايعات حضرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد قال عمر بن الخطاب كانت تزفر لنا القرب يوم أحد انتتهى

فائدة لغوية

تزفر لنا القرب في المشارق ( 1 312 ) أي تحملها ملأى على ظهرها تسقي الناس منها والزفر الحمل على الظهر والزفر القربة أيضا كلاهما بفتح الزاي وسكون الفاء يقال منه زفر وأزفر وفي الديوان ( 2 155 ) بكسر الفاء في المستقبل وفتحها في الماضي

تنبيه يأتي شرح المرط في باب الألوية من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى


155
الباب الثاني والعشرون
في الإمارة على الحج
وفيه فصلان
الفصل الأول
في ذكر من ولي ذلك
في عهد النبي صلى الله عليه وسلم

قال القاضي أبو الفضل عياض رحمه الله تعالى في الإكمال أول من أقام للمسلمين الحج عتاب بن أسيد سنة ثمان ثم أبو بكر رضي الله تعالى عنه سنة تسع وحج رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة عشر انتهى

فائدة لغوية

في جامع اللغات يقال حج الرجل يحج حجا إذا قصد الشىء فسمي الحج حجا لأنه قصد البيت ويقال له الحج والحج لغتان فصيحتان وقيل الحج مأخوذ من قولهم حججت فلانا أي جئته مرة بعد مرة فقيل حج البيت لأن الناس يأتونه في كل سنة وقيل الحج الزيارة فقيل حج البيت لأن الناس يزورونه والحجة ما يلزم الإنسان من المناسك وأنكر بعضهم حجة وقال الفراء حجة بالكسر ولم أسمع حجة ولو قالوا حجة مثل مددته مدة كان صوابا

وفي المثلث لبن السيد الحجة بالفتح قضاء نسك سنة وبعضهم يكسر الحاء وفي المشارق ( 1 181 ) اسم الحج حجة بالفتح والمرة الواحدة منه حجة بالكسر ولم تأت فعلة بالكسر في المرة الواحدة إلا في هذا الباب والباب كله فعلة بالفتح وفي المحكم ( 2 337 ) رجل حاج وقوم حجاج وحجيج مثل غاز


156
وغزي قال ويجمع على حج مثل بازل وبزل وفي المشارق ( 1 181 ) و المحكم ( 2 337 ) و الجامع الحج بالكسر الحجاج وأنشدوا في الأخيرين [ من الكامل ]
وكأن عافية النسور عليهم
حج بأسفل ذي المجاز نزول
تنبيه

قد تقدم ذكر أبي بكر رضي الله تعالى عنه في أول الكتاب في كتاب الخلافة ويذكر عتاب بن أسيد في باب الإمارة فأغنى ذلك عن إعادته هنا

الفصل الثاني
في حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم
وهي حجة الوداع

قد تقدم في الفصل قبل هذا قول القاضي عياض رحمه الله تعالى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج سنة عشر

وقال ابن جماعة في مختصر السير إنه صلى الله عليه وسلم حج سنة عشر قال ووقف معه مائة ألف وعشرين ألفا قال وسميت حجة الوداع لأن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس فيها وأوصاهم وقال لعلكم لا تروني بعد عامي هذا وودعهم ولم يحج صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة غيرها انتهى

فائدة لغوية

في الصحاح ( 3 1295 ) التوديع عند الرحيل والاسم الوداع بالفتح


157
الباب الثالث والعشرون
في صاحب البدن

روى مالك رحمه الله تعالى في الموطأ ( 262 ) عن هشام بن عروة عن أبيه أن صاحب هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا رسول الله كيف أصنع بما عطب من الهدي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم كل بدنة عطبت من الهدي فانحرها ثم ألق قلائدها في دمها ثم خل يبنها وبين الناس يأكلونها انتهى

وروى النسائي رحمه الله تعالى عن هشام عن أبيه عن ناحية الخزاعي قال قلت يا رسول الله كيف أصنع بما عطب من البدن قال انحرها ثم اغمس نعلها في دمها وخل بينها وبين الناس يأكلونها انتهى

تنبيه

يأتي ذكر ناجية بن جندب رضي الله تعالى عنه في باب الدليل إن شاء الله تعالى في هذا الكتاب

فائدة لغوية

البدن قال الهروي واحدتها بدنه كما يقال ثمرة وثمر وسميت بدنة لأنها تبدن والبدانة السمن وقال القاضي في المشارق ( 1 80 ) وهي مختصة


158
بالأبل وقال الجوهري ( 5 2077 ) البدنة ناقة أو بقرة تنحر بمكة والجمع بدن بالضم وقال ابن سيدة البدنة من الإبل والبقر كالأضحية من الغنم تهدى إلى مكة الذكر والأنثى في ذلك سواء والجمع بدن وبدن ولا يقال في الجمع بدن وإن كانوا قد قالوا خشب وأجم ورخم وأكم استثناه اللحياني وفي ديوان الأدب ( 1 243 ) البدنة بفتح الباء والدال الناقة والبقرة تنحر بمكة
159
الباب الرابع والعشرون
في حجابة البيت وهي العمارة والسدانة أيضا
وفيه فصلان
الفصل الأول
في ذكر من وليها
في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال أبو محمد عبدالحق بن عطية في التفسير ( 8 149 ) عمارة البيت وهي السدانة وكان يتولاها عثمان بن طلحة بن أبي طلحة واسم ابي عبد الله بن عبدالعزى بن عبد الدار وشيبة بن عثمان بن أبي طلحة المذكور وهذان هما اللذان دفع إليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة في ثاني يوم الفتح بعد أن طلبه العباس وعلي وقال لعثمان وشيبة يوم وفاء وبر خذوها خالدة تالدة لا ينازعكموها إلا ظالم يعني السدانة انتهى

فائدتان لغويتان

الأولى الجوهري ( 5 2135 ) السادن خادم الكعبة والجمع السدنة وقد سدن يسدن بالضم سدنا وسدانة ابن سيده السدن والسدانة الحجابة والسدنة حجاب البيت

الثانية التالدة قال ابن طريف تلد الشيء في يد فلان أقام وفي الصحاح تلد فلان في بني فلان أقام فيها


160
الفصل الثاني
في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم 1

عثمان بن طلحة بن أبي طلحة نسبه أبوعمر ابن عبد البر في الاستيعاب ( 1034 ) فقال عثمان بن طلحة بن أبي طلحة واسم أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي القرشي العبدري ويقال عثمان بن عبد العزى بن عبد الدار ولم يذكره ابن عطية

وكما نسبه ابن عبد البر نسبه ابو عبيد القاسم بن سلام وابن حزم ( 127 ) في جماهرهما بإثبات عثمان بن عبد العزى وعبد الدار

قال أبو عمر ( 1034 ) هاجر عثمان بن طلحة بن ابي طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت هجرته في هدنة الحديبية مع خالد بن الوليد فلقيا عمرو بن العاص مقبلا من عند النجاشي يريد الهجرة فاصطحبوا جميعا حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم رمتكم مكة بأفلاذ كبدها يقول إنهم وجوه مكة فأسلموا ثم شهد عثمان بن طلحة فتح مكة فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة إليه وإلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة وقال خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة لا ينازعكم فيها إلا ظالم ثم نزل عثمان بن طلحة المدينة فأقام بها إلى وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انتقل إلى مكة فسكنها حتى مات بها في أول خلافة معاوية سنة اثنتين وأربعين وقيل إنه قتل يوم أجنادين انتهى 2

شيبة بن عثمان بن أبي طلحة قد تقدم إيصال نسبه بقصي في نسب ابن عمه عثمان بن طلحة بن أبي طلحة

وقال أبو عمر في الاستيعاب القرشي العبدري الحجبي المكي يكنى أبا عثمان وقيل أبا صفية ويعرف أبوه عثمان بن أبي طلحة بالأوقص


161
أسلم شيبة يوم فتح مكة وشهد حنينا وقيل بل أسلم بحنين وقال الزبير كان شيبة قد خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين يريد أن يغتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى من رسول الله صلى الله عليه وسلم غرة فأقبل يريده فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا شيبة هلم لا أم لك فقذف الله في قلبه الرعب ودنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع يده على صدره ثم قال أخسأ عنك الشيطان فأخذ أفك وقذف الله في قلبه الإيمان فأسلم وقاتل مع رسول الله صلى الله وسلم وكان ممن صبر معه يومئذ وكان من خيار المسلمين ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة بن أبي طلحة وإلى ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة وقال خذوها خالدة تالدة إلى يوم القيامة يا بني طلحة لا يأخذها منكم إلا ظالم قال فبنو أبي طلحة هم الذين يلون سدانة الكعبة دون بني عبد الدار

قال ابو عمر شيبة هذا هو جد بني شيبة حجبة الكعبة إلى اليوم وذكره بعضهم في المؤلفة قلوبهم وهو من فضلائهم وتوفي في آخر خلافة معاوية سنة تسع وخمسين وقيل بل توفي في أيام يزيد بن معاوية انتهى


162
الباب الخامس والعشرون
في السقاية
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول
في السقاية

كانت قبل الإسلام لبني عبد المطلب فأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم في الإسلام روى مسلم ( 1 348 ) رحمه الله تعالى عن جابر رضي الله تعالى عنه حديثه الطويل في باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم وفيه ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر فأتى بني فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم فناولوه دلوا فشرب انتهى

الفصل الثاني
في ذكر من وليها
في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال أبو محمد ابن عطيه في التفسير ( 8 150 ) قال محمد بن كعب إن العباس وعليا وعثمان بن طلحة تفاخروا فقال العباس أنا ساقي الحاج وقال عثمان أنا عامر البيت ولو شئت بت فيه وقال علي انا صاحب جهاد الكفار مع النبي صلى الله عليه وسلم والذي آمنت وهاجرت قديما فنزلت الآية اجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين التوبة 19 )


163
الفصل الثالث
في ذكر العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم

في الاستيعاب ( 810 ) العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف عم رسول الله صلى الله عليه وسلم يكنى أبا الفضل بابنه الفضل وكان العباس أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين وقيل بل بثلاث سنين وأمه امرأة من النمر بن قاسط وهي نثلة ويقال نثيلة ابنة جناب بن كليب بن مالك بن عمرو بن عامر الضيحان

وقال أبو عبيدة هي نثيلة بنت جناب بن حبيب بن مالك بن عمرو بن عامر بن زيد مناة بن عامر وهو الضحيان ولدت لعبد المطلب العباس فأنجبت به وهي اول عربية كست البيت الحرام الحرير والديباج وأصناف الكسوةوذلك أن العباس ضل وهوصبي فنذرت إن وجدته أن تكسو البيت الحرام فوجدته ففعلت

وكان العباس في الجاهلية رئيسا في قريش وإليه كانت عمارة المسجد الحرام والسقاية في الجاهلية والسقاية معروفة وليها بعد أبي طالب فقام بها وأما العمارة فإنه كان لا يدع أحدا يستب في المسجد الحرام ولا يقول فيه هجرا يحملهم على عمارته في الخير لا يستطيعون لذلك امتناعا لانه كان ملأ قريش قد اجتمعوا وتعاقدوا على ذلك وكانوا اعوانا عليه وسلموا ذلك إليه

وكان ممن خرج مع المشركين يوم بدر وأخرج إليها مكرها فيما يزعم قوم فأسر فيمن أسر منهم وكانوا قد شدوا وثاقهم فسهر النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة ولم ينم فقال له بعض أصحابه ما يسهرك يا بني الله قال أسهر لأنين العباس فقام رجل من القوم فأرخى من وثاقه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مالي لا أسمع أنين العباس فقال الرجل أنا أرخيت من وثاقه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فافعل ذلك بالأسرى كلهم


164
قال أبو عمر ( 812 ) أسلم العباس قبل فتح خيبر وكان يكتم إسلامه وذلك بين في حديث الحجاج بن علاط أنه كان مسلما يسره ما يسر ويفتح الله على المسلمين ثم أظهر إسلامه يوم فتح مكة وشهد حنينا والطائف وتبوك ويقال إن إسلامه قبل بدر وكان يكتب بأخبار المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان المسلمون بمكة يتقون به وكان يحب أن يقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إن مقامك بمكة خير فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر من لقي منكم العباس فلا يقتله فإنما أخرج كرها

وكان العباس أنصر الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحضر مع النبي صلى الله عليه وسلم يشترط له على الأنصار وكان على دين قومه يومئذ وانهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين غيره وغير عمر وعلي وأبي سفيان بن الحارث وقد قيل غير سبعة من أهل بيته وذلك مذكور في شعر العباس الذي يقول فيه [ من الطويل ]

ألا هل أتى عرسي مكري ومقدمي
بوادي حنين والأسنة شرع
نصرنا رسول الله في الحرب سبعة
وقد فر من قد فر عنه وأقشعوا

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكرم العباس بعد إسلامه ويعطيه ويجله ويقول هذا عمي وصنو أبي

وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا العباس بن عبد المطلب أجود قريش كفا وأوصلها


165

( 816 ) وقال ابن شهاب كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرفون للعباس فضله ويقدمونه ويشاورونه ويأخذون برأيه

( 814 ) وعن أبي الزناد عن الثقة أن العباس بن عبد المطلب لم يمر بعمر ولا بعثمان وهما راكبان إلا نزلا حتى يجوز العباس إجلالا له ويقولون عم النبي صلى الله عليه وسلم

وروى ابن عباس وأنس بن مالك أن عمر بن الخطاب كان إذا قحط أهل المدينة استسقى بالعباس

( 816 ) وقال ابن شهاب استسقى به عمر فسقي

قال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى ( 814 ) وكان سبب ذلك أن الأرض أجدبت إجدابا شديدا على عهد عمر عام الرمادة وذلك سنة تسع عشرة فقال كعب يا أمير المؤمنين إن بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم مثل هذا استسقوا بعصبة الأنبياء فقال عمر هذا عم النبي صلى الله عليه وسلم وسيد بني هاشم

( 815 ) وروينا من وجوه عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه خرج يستسقى وخرج معه اللعباس فقال اللهم إنا نتقرب إليك بعم نبيك ونستشفع به فاحفظنا بعم نبينا كما حفظت الغلامين بصلاح أبيهما وأتيناك مستغفرين ومستشفعين ثم أقبل على الناس فقال استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا ( نوح 10 12 ) ثم قام العباس وعيناه تنضحان فطالع عمر ثم قال اللهم أنت الراعي لا تهمل الضالةولا تدع الكسير بدار مضيعة فقد ضرع الصغير ورق الكبير وارتفعت الشكوى وأنت تعلم السر وأخفى اللهم أغثهم بغياثك من قبل أن يقنطوا [ فيهلكوا ] فإنه لا ييأس من روحك إلا القوم الكافرون فنشأت طريرة من سحاب فقال الناس ترون ترون ثم تلاءمت واستتمت ومشت فيها ريح ثم هرت ودرت


166

فوالله ما برحوا حتى اعتلقوا الحذاء وقلصوا المآزر وطاف الناس باللعباس يمسحون أردانه ويقولون هنيئا لك ساقي الحرمين

( 816 ) وتوفي العباس بالمدينة يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب وقيل بل من رمضان سنة اثنتين وثلاثين قبل قتل عثمان بسنتين وصلى عليه عثمان ودفن بالبقيع وهو ابن ثمان وثمانين سنة أدرك في الإسلام اثنتين وثلاثين سنة وفي الجاهلية ستا وخمسين

وقال خليفة بن خياط ( 179 ) كانت وفاة العباس سنة ثلاث وثلاثين انتهى

فوائد لغوية في ثماني مسائل

المسألة الأولى في الغريبين العباس صنو أبي أراد أن أصله وأصل أبي واحد وفي الصحاح ( 6 2404 ) إذا خرج نخلتان وثلاث من أصل واحد فكل واحدة منهن صنو والاثناء صنوان والجمع صنوان برفع النون وفي المحكم في الحديث عم الرجل صنو أبيه

المسألة الثانية في الصحاح ( 3 1151 ) القحط الجدب وقحط المطر يقحط قحوطا إذا احتبس وحكى الفراء قحط المطر بالكسر يقحط وأقحط القوم إذا أصابهم القحط وقحطوا أيضا على ما لم يسم فاعله قحطا

المسالة الثالثة في الغريبين عام الرمادة أي عام الهلكة يقال رمدت الغنم إذا هلكت وموتت من برد أو صقيع وأرمد القوم إذا هلكت مواشيهم ورمد عيشهم إذا هلكوا وهو الرمد وقال أبو عبيد بل سمي عام الرمادة لأن الزرع والشجر وكل شىء من النبت احترق مما أصابه من السنة فشبه سوادها بالرماد قال الهروي هذا تفسير الفقهاء والأول كلام العرب ولكل وجه

المسألة الرابعة في المحكم ( 3 94 ) نضحت العين تنضح نضحا وانتضحت فارت بالدمع

المسألة الخامسة في الصحاح ( 2 854 656 ) الهرهور الماء الكثير وهو


167
الذي إذا جرى سمعت له هرهرة وهي حكاية جريه وسقال ماء هرهر وهراهر وللسحاب درة أي صب والجمع درر

وقال النمر بن تولب [ من المتقارب ]

سلام الإله وريحانه
ورحمته وسماء درر
غمام ينزل رزق العباد
ذ فأحيا البلاد وطاب الشجر

المسألة السادسة اعتقلوا الحذاء أي نزعوها من أرجلهم وعلقوها بأيديهم لئلا يفسدها الماء من كثرة سيحه وفي الصحاح ( 6 2310 ) الحذاء النعل واحتذى انتعل

وقال الراجز

كل الحذاء يحتذى الحافي الوقع

المسألة السابعة قلصوا المآزر أي رفعوها فتقلصت كي لا يصيبها الماء وفي الصحاح ( 3 1053 ) قلص الشيء يقلص قلوصا ارتفع والمآزر جمع مئزر وفي الغريبين ويقال إزار ومئزر ولحاف وملحف وحلاب ومحلب وفي المشارق ( 1 29 ) المئزر والإزار ما ائتزر به الرجل من أسفله وفي حديث أنس أزرتني بنصف خمارها وردتني بنصفه أي جعلت من بعضه إزارا لأسفلي ومن بعض رداء لأعلى بدني وهو موضع الرداء

المسألة الثامنة في الصحاح ( 5 2121 ) الردن بالضم أصل الكم يقال قميص واسع الردن وأردنت القميص وردنته تردينا جعلت له ردنا والجمع أردان وقال [ من المتقارب ]

وعمرة من سروات النساء
تنفح بالمسك أردانها

168

169

170

171
الباب الاول
في كتاب الوحي
وفيه فصلان
الفصل الاول
في ذكر أسمائهم

قال القاضي محمد بن سلامة القضاعي رحمه الله تعالى في كتابه في أنباء الأنبياء عليهم السلام وتواريخ الخلفاء وولايات الملوك والأمراء كان عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما يكتبان الوحي فإن غابا كتب أبي بن كعب وزيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهما انتهى

قال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في الاستيعاب ( 68 ) كان أبي بن كعب ممن كتب لرسول الله صلى االله عليه وسلم الوحي قبل زيد بن ثابت ومعه أيضا وكان زيد ألزم الصحابة لكتاب الوحي وكان أبي وزيد يكتبان الوحي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم

وقال القاضي محمد بن سلامة فإن لم يحضر أحد من هؤلاء الأربعة كتب من حضر من الكتاب وهم معاوية بن أبي سفيان وخالد بن سعيد بن العاص وأبان بن سعيد والعلاء بن الحضرمي وحنظلة بن الربيع


172

وكان عبد الله بن سعد بن أبي سرح يكتب الوحي أيضا فارتد عن الأسلام ولحق بالمشركين فلما فتحت مكة استأمن له عثمان بن عفان وكان أخاه من الرضاعة فأمنه رسول الله عليه وسلم وحسن إسلامه ولاه عمر مصر ثم أقره عثمان عليها وخرج عنها حين تأمر علها محمد بن أبي حذيفة ومات بعسقلان فهؤلاء كتاب الوحي انتهى ما قاله القضاعي

الفصل الثاني
في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم

1 عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه يأتي ذكره في باب الرسول

2 علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يأتي ذكره في باب القاضي

3 أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه تقدم ذكره في باب الإمامة في قيام رمضان

4 زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه يأتي ذكره في باب كتاب الرسائل

5 معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه في الاستيعاب ( 1416 ) معاوية بن أبي سفيان واسم أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف أمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف يكنى أبا عبد الرحمن كان هو وأبوه وأخوه من مسلمة الفتح

قال أبو عمر معاوية وأبوه من المؤلفة قلوبهم ( 1420 ) وله فضيلة جليلة رويت من طريق الشاميين عن عرباض بن سارية قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب

وهو أحد الذين كتبوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وولاه عمر رضي الله تعالى عنه الشام بعد موت أخيه يزيد ( 1417 ) وورد البريد على عمر بموت يزيد وأبو سفيان عنده فلما قرأ الكتاب بموت يزيد قال لأبي سفيان أحسن الله عزاءك


173
في يزيد ورحمه ثم قال له أبو سفيان من وليت مكانه ياأمير المؤمنين قال أخاه معاوية قال وصلتك رحم يا أمير المؤمنين

وفي المعارف ( 345 ) كان يقال ليزيد بن أبي سفيان يزيد الخير واستعمله أبو بكر على الشام ثم أقره عمر بعده حتى مات في خلافة عمر سنة ثماني عشرة

قال أبو عمر ( 1417 ) وأقام معاوية على الشام أربع سنين ومات عمر فأقره عثمان عليها اثنتي عشرة سنة إلى أن مات ثم كانت الفتنة فحارب معاوية عليا أربع سنين

قال ابن إسحاق وكان معاوية أميرا عشرين سنة وخليفة عشرين سنة ( 1418 ) وذم معاوية عند عمر يوما فقال دعونا من ذم فتى قريش من يضحك في الغضب ولا ينال ما عنده إلا على الرضى ولا يؤخذ ما فوق رأسه إلا من تحت قدميه

( 1421 ) وروى ابن شهاب بسنده عن المسور بن مخرمة أنه وفد على معاوية قال فلما دخلت عليه سلمت قال فقال ما فعل طعنك على الأئمة يا مسور قال قلت ارفضنا من هذا وأحسن فيما قدمنا له قال والله لتكلمن بذات نفسك قال فلم أدع شيئا أعيبه إلا بينته له قال فقال لا أبرأ من الذنوب فما لك ذنوب تخاف أن تهلك إن لم يغفرها الله لك قال فقلت بلى قال فما جعلك أحق أن ترجو المغفرة مني فوالله لما ألي من الإصلاح بين الناس وإقامة الحدود والجهاد في سبيل الله والأمور العظام التي لست أحصيها ولا تحصيها أكثر مما تلي وإني لعلى دين يقبل الله فيه الحسنات ويعفو عن السيئات والله لعلي ذلك ما كنت لأخير بين الله تعالى وبين ما سواه إلا اخترت الله


174
تعالى على ما سواه قال مسور ففكرت حين قال ما قال فعرفت أنه خصمني قال فكان إذا ذكره بعد دعا له بخير

( 1418 ) واختلف في تاريخ وفاته فقيل توفي يوم الخميس لئمان بقين من رجب سنة تسع وخمسين وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وقيل في رجب سنة ستين قيل في النصف منه بدمشق ودفن بها وهو ابن ثمان وسبعين سنة وقيل ابن ست وثمانين سنة وقيل لأربع ليال بقين منه

واختلف في مدة خلافته فقيل كانت مدته عشرين سنة وقيل تسع عشرة سنة وتسعة أشهر وثمانية وعشرين يوما وقيل تسع عشرة ونصفا وقيل تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر وعشرين يوما انتهى مختصرا

6 خالد بن سعيد بن العاص ياتي ذكره في باب العامل على الصدقة

7 أبان بن سعيد بن العاص في الاستيعاب ( 62 ) في باب أبان [ ابان ] بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي قال الزبير بن بكار تأخر إسلامه بعد إسلام أخويه خالد وعمرو فقال فيهما [ من الطويل ]

ألا ليت ميتا بالظريبة شاهدا
لما يفتري في الدين عمرو وخالد
أطاعا بنا أمر النساء فأصبحا
يعينان من أعدائنا من يكايد

وهو الذي أجار عثمان بن عفان حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قريش يوم الحديبية وحمله على فرس حتى دخل مكة وقال له [ من المنسرح ]

أقبل وأدبر ولا تخف أحدا
بنو سعيد أعزة الحرم

ثم أسلم أبان وحسن إسلامه وكان إسلامه بين الحديبية وخيبر وأمره رسول


175
الله صلى الله عليه وسلم على بعض سراياه منها سرية إلى نجد واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبان بن سعيد بن العاص على البحرين برها وبحرها إذ عزل العلاء بن الحضرمي عنها فلم يزل عليها أبان إلى أن توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم

واختلف في وفاته فقيل يوم أجنادين في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة في خلافة أبي بكر وقيل يوم مرج الصفر سنة أربع عشرة في صدر خلافة عمر وقيل يوم اليرموك وهو قول ابن إسحاق ولم يتابع عليه وكانت اليرموك في رجب سنة خمس عشرة في خلافة عمر

تنبيه

قال أبو عمر في الاستيعاب ( 1086 ) في باب العلاء ولى النبي صلى الله عليه وسلم العلاء بن الحضرمي البحرين وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عليها وهذا خلاف ما ذكره هنا انتهى

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

المسألة الأولى في المشارق ( 1 220 221 ) الحديببية بضم الحاء وتخفيف الياءين الأولى ساكنة والثانية مفتوحة وبينهما باء بواحدة مسكورة كذا ضبطنا عن المتقنين وعامة المحدثين يقولونها بتشديد الياء الأخيرة وهي قرية ليست بالكبيرة أسفل مكة منها إلىمكة مرحلة قال مالك وهي من الحرم وحكى ابن القصار أن بعضها حل والحديبية التي سميت بها هي البئر التي هناك عند مسجد الشجرة

المسألة الثانية في معجم البكري ( 114 ) أجنادين بفتح الهمزة وبالنون والدال المهملة بعدها ياء ونون على لفظة التثنية كأنه تثنية أجناد موضع من بلاد الأردن بالشام

المسألة الثالثة في معجم البكري ( 837 ) مرج الصفر بضم الصاد


176
المهملة بعدها الفاء أخت القاف مفتوحة مشددة بعدها راء مهملة موضع معروف انتهى

8 العلاء بن الحضرمي رضي الله تعالى عنه في الاستيعاب ( 1085 ) يقال اسم الحضرمي عبد الله بن عماد ويقال عمار ويقال ابن ضمار ونسبه بعضهم فقال هو العلاء بن عبد الله بن عماد بن أكبر بن عويف بن مالك بن الخزرج بن أبي بن الصدف وقيل الحضرمي والد العلاء هو عبد الله بن عمار بن سليمان بن أكبر وقيل عماد بن مالك بن أكبر قال الدارقطني وزعم الأملوكي أنه عبد الله بن عباد فصحف ولا يختلفون أنه من حضرموت حليف بني أمية

وكان رسول الله صلى اله عليه وسلم قد بعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين ثم ولاه على البحرين إذ فتحها الله عليه وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عليها فأقره أبو بكر خلافته كلها ثم أقره عمر رضي الله تعالى عنه وتوفي في خلافة عمر قيل سنة أربع عشرة وقيل سنة إحدى وعشرين واستعمل عمر مكانه أبا هريرة

قال أبو عمر ( 1086 ) ويروي عن موسى بن أنس أن أبا بكر ولى أنس بن مالك على البحرين وهذا لا يعرفه أهل السير قال ويقال إن عمر ولى العلاء البصرة فمات قبل أن يصل إليها بماء من مياه بني تميم سنة أربع عشرة

ويقال إنه كان مجاب الدعوة وإنه خاض البحر بكلمات قالها ودعا بها وذلك مشهور عنه انتهى

وفي مختصر حلية أبي نعيم الأصبهاني ( 1 290 ) لأبي الفرج الجوزي


177
رحمهما الله تعالى العلاء بن الحضرمي واسم الحضرمي عبد الله بن عماد بن سليمان من حضرموت أسلم قديما وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المنذر بن ساوى العبدي بالبحرين بكتاب يدعوه فيه إلى الإسلام وولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم البحرين ثم عزله عنها وولاها أبان بن سعيد ثم أعاد أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه العلاء إلى البحرين وكتب إليه عمر أن سر إلى عتبة بن غزوان فقد وليتك عمله يعني البصرة فسار إليها فمات في الطريق سنة إحدى وعشرين وقيل أربع عشرة وقيل خمس عشرة

وعن قدامة بن حماطة قال سمعت سهم بن منجاب قال غزونا مع العلاء بن الحضرمي دارين فدعا بثلاث دعوات فاستجيب له فيهن نزلنا منزلا فطلب الماء يتوضأ فلم يجده فقام فصلى ركعتين وقال اللهم إنا عبيدك وفي سبيلك نقاتل عدوك اللهم اسقنا غيثك لنتوضأ منه ونشرب فإذا توضأنا لم يكن لأحد نصيب غيرنا فسرنا فإذا نحن بماء حين أقلعت عنه السماء فتوضأنا منه وتزودنا وملأت إداوتي وتركتها مكانها حتى أنظر هل استجيب له أم لا فسرنا قليلا ثم قلت لأصحابي نسيت إداوتي فجئت إلى ذلك المكان وكأنه لم يصبه ماء قط ثم سرنا حتى أتينا دارين والبحر بيننا وبينهم فقال يا عليم يا حكيم يا علي يا عظيم إنا عبيدك وفي سبيلك نقاتل عدوك اللهم فاجعل لنا إليهم سبيلا فتقحم البحر فخضناه ما يبلغ لبودنا فخرجنا إليهم فلما رجع أخذه وجع البطن فمات فطلبنا ماء نغسله به فلم نجده فلففناه في ثيابه ودفناه فسرنا غير بعيد فإذا نحن بماء كثير فقال بعضنا لبعض لو رجعنا فاستخرجناه فغسلناه فرجعنا فطلبناه فلم نجده فقال رجل من القوم إنه سمعته يقول يا علي يا عظيم يا عليم يا حكيم أخف عليهم موتي أو كلمة نحوها ولا تطلع على عورتي أحدا فرجعنا وتركناه

وعن عمرو بن ثابت قال دخلت في أذن رجل من البصرة حصاة فعالجها الأطباء فلم يقدروا عليها حتى وصلت إلى صماخة فأسهرت ليلة ونغصت عيش


178
نهاره فأتى رجل من أصحاب الحسن فشكا إليه ذلك فقال ويلك إن كان شىء ينفعك الله به فدعوة العلاء بن الحضرمي التي دعا بها في البحر وفي المفازة قال وما هي يرحمك الله قال يا علي يا عظيم يا حكيم يا عليم فدعا بها فوالله ما برحنا حتى خرجت من أذنه ولها طنين حتى صكت الحائط انتهى

تنبيه

قال أبو عمر في باب أبان من الأستيعاب ( 62 ) استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبان بن سعيد بن العاص على البحرين برها وبحرها إذ عزل العلاء بن الحضرمي عنها فلم يزل عليها أبان إلى ان توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا خلاف ما ذكره هنا من بقائه على ولاية البحرين حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك عند ذكرنا أبان

9 حنظلة بن الربيع في الاستيعاب ( 379 ) حنظلة بن الربيع ويقال ابن ربيعة والأكثر ابن الربيع بن صيفي الكاتب الأسيدي التميمي يكنى أبا ربعي من بني أسيد بن عمرو بن تميم من بطن يقال لهم بنو شريف وهو أسيد بكسر الياء وتشديدها قال نافع بن الأسود التميمي يفخر بقومه

قومي أسيد إن سألت ومنصبي
ولقد علمت معادن الأحساب

وبنو أسيد بن عمرو بن تميم من أشراف بني تميم

وحنظلة ابن أخي أكثم بن صيفي حكيم العرب وحنظلة أحد الذين كتبوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويعرف بالكاتب شهد القادسية وهو ممن تخلف عن علي في قتال أهل البصرة يوم الجمل ولماتوفي رحمه الله تعالى ورضي عنه جزعت عليه امرأته فنهينها جاراتها وقلن إن هذا يحبط أجرك فقالت [ من السريع ]

تعجبت دعد لمخزونة
تبكي على ذي شيبة شاحب

179
إن تسأليني اليوم ما شفني
أخبرك قولا ليس بالكاذب
إن سواد العين أودى به
حزن على حنظلة الكاتب

مات حنظلة الكاتب في إمارة معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما انتهى

فائدة لغوية

أكثم بن صيفي بثاء مثلثة قال محمد بن أبام بن سيد في كتاب الاشتقاق هو مشتق من الكثمة وهو عظم البطن انتهى

10 عبد الله بن سعد بن أبي سرح في الاستيعاب ( 918 ) عبد الله بن سعد بن ابي سرح بن الحارث بن حبيب بن جذيمة بن نصر بن مالك بن حسل بن عامل بن لؤي القرشي ثم العامري يكنى أبا يحيى وحبيب بالتخفيف قاله ابن الكلبى وقال ابن حبيب وأبو عبيدة حبيب بالتشديد

أسلم قبل الفتح وهاجر وكان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ارتد مشركا وصار إلى قريش بمكة فقال لهم إني كنت أصرف محمدا كيف أريد كان يملي علي عزيز حكيم فأقول أو عليم حكيم فيقول نعم كل صواب فلما كان يوم الفتح أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله وقتل عبد الله بن خطل ومقيس بن صبابة ولو وجدوا تحت أستار الكعبة وفر عبد الله بن أبي سرح إلى عثمان وكان أخاه من الرضاعة أرضعت أمه عثمان فغيبه عثمان حتى أتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما اطمأن أهل مكة فاستأمنه له فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا ثم قال نعم فلما انصرف عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن حوله ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه فقال رجل من الأنصار فهلا أومأت إلي يا رسول الله فقال إن النبي لا ينبغي أن تكون له خائنة أعين

وأسلم عبد الله بن أبي سرح أيام الفتح فحسن إسلامه ولم يظهر عليه شىء


180
ينكر عليه بعد ذلك وهو أحد النجباء العقلاء الكرماء في قريش وكان فارس بني عامر بن لؤي المعدود فيهم وكان صاحب ميمنة عمرو بن العاص في افتتاحه مصر وفي حروبه هناك كلها

( 919 ) وانتقضت الإسكندرية سنة خمس وعشرين فافتتحها عمرو بن العاص فقتل المقاتلة وسبى الذرية فأمر عثمان أن يرد السبي الذين سبوا من القرى إلى مواضعهم للعهد الذي كان لهم ولم يصح عنده نقضهم وعزل عمرو بن العاص وولى عبد الله بن أبي سرح وكان ذلك بدء الشر بين عثمان وعمرو بن العاص وافتتح عبد الله بن ابي سرح إفريقية من مصر سنة سبع وعشرين وغزا منها الأساود من أرض النوبة سنة إحدى وثلاثين وغزا الصواري من أرض الروم سنة أربع وثلاثين ثم قدم على عثمان واستخلف على مصر السائب بن هشام بن عمرو العامري فانتزى محمد بن ابي حذيفة بن عتبة فخلع السائب وتأمر على مصر ورجع عبد الله بن سعد من وفادته فمنعه ابن أبي حذيفة من دخول الفسطاط فمضى الى عسقلان فأقام بها حتى قتل عثمان وقيل بل أقام بالرملة حتى مات فارا من الفتنة ولم يبايع لعلي ولا لمعاوية وكانت وفاته قبل اجتماع الناس على معاوية

( 920 ) وذكر يزيد بن أبي حبيب وغيره أنه دعا ربه فقال اللهم اجعل خاتمة عملي صلاة الصبح فتوضأ ثم صلى فقرأ في الركعة الأولى بأم القرآن والعاديات وفي الثانية بأم القرآن وسورة ثم سلم عن يمينه وذهب يسلم عن يساره فقبض الله روحه وقيل إنه توفي بإفريقية والصحيح أنه توفي بعسقلان سنة سبع وثلاثين وقيل سنة ست وثلاثين


181
الباب الثاني
في ذكر كتاب الرسائل والاقطاع
وفيه فصلان
الفصل الأول
في ذكر من كان يكتبها

في الاستيعاب ( 68 ) عن الواقدي عن أشياخه قال أول من كتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمة المدينة أأبي بن كعب وهو اول من كتب في آخر الكتاب وكتب فلان وكان أبي إذا لم يحضر دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت فكتب وكان أبي وزيد بن ثابت يكتبان الوحي بين يديه صلى الله عليه وسلم ويكتبان كتبه إلى الناس وما يقطع وغير ذلك

قال أبو عمر ( 69 ) وكان من المواظبين على كتاب الرسائل عبد الله بن الأرقم الزهري

وذكر عن ابن إسحاق أنه قال ( الاستيعاب 865 ) كان زيد بن ثابت يكتب الوحي ويكتب إلى الملوك أيضا وكان إذا غاب عبد الله بن الأرقم وزيد بن ثابت واحتاج أن يكتب إلى بعض أمراء الأجناد والملوك أو إلى إنسان بقطيعة أمر من حضر أن يكتب له

فائدتان لغويتان

الأولى في المشارق ( 2183 ) الإقطاع تسويغ الإمام من مال الله لمن


182
يراه أهلا لذلك يقال منه أقطع بالألف فأصله من القطع كأنه قطع له من جملة المال وقد جاء في حديث بلال بن الحارث قطع له معادن القبلية

الثانية في المشارق ( 2285 ) وذكر المواظبة على الصلاة هي الملازمة

الفصل الثاني
في ذكر أنسابهم وجمل من أخبارهم رضي الله تعالى عنهم

1 أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه تقدم ذكره في باب الإمامة في قيام رمضان

2 زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه في الاستيعاب ( 537 ) زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري النجاري يكنى أبا سعيد وقيل أبا عبد الرحمن وقيل أبا خارجة بابنه خارجة يقال إنه كان في حين قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ابن احدى عشرة سنة

ومن تاريخ البخاري ( 3380 ) زيد بن ثابت أبو سعيد ويقال ابو خارجة الخزرجي النجاري قال أتي بي النبي صلى الله عليه وسلم مقدمة المدينة فعجب بي فقيل له هذا غلام من بني النجار قد قرأ مما أنزل الله عليك بضع عشرة سورة فاستقرأني فقرأت

ومن الاستيعاب ( 537 ) قال الواقدي استصغر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر جماعة فردهم منهم زيد بن ثابت فلم يشهد بدرا

قال أبو عمر ( 537 ) ثم شهد أحدا وما بعدها من المشاهد وقيل إن أول مشاهدة الخندق قيل وكان ينقل التراب يومئذ مع المسلمين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما إنه نعم الغلام

( 539 ) وكان أحد فقهاء الصحابة الجلة الفراض قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرض أمتي زيد بن ثابت ( 538 ) وحديث أنس أن زيد بن ثابت أحد


183
الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح انتهى

ومن الجامع الصحيح ( 2 252 ) لمسلم رحمه الله تعالى عن قتادة قال سمعت أنسا يقول جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة كلهم من الأنصار معاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وأبو زيد

قال قتادة قلت لأنس من أبو زيد قال أحد عمومتي

وفي الاستيعاب وكتب زيد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر وكان على بيت المال في خلافة عثمان وكان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قد أمره القرآن بجمع القرآن في المصحف فكتبه بيده وذكره أبو الفرج الجوزي في مختصر الحلية ( 1 295 ) لأبي نعيم وخرجه البخاري ( 6 89 )

قال أبو عمر ( 539 ) رحمه الله ولما اختلف الناس في القرآن زمن عثمان واتفق رأيه ورأي الصحابة أن يرد القرآن إلى حرف واحد وقع اختياره على حرف زيد فأمره أن يمل المصحف على قوم من قريش جمعهم إليه فكتبوه على ما هو عليه اليوم بأيدي الناس

وروى الأعمش عن ثابت بن عبيد قال كان زيد بن ثابت من أفكة الناس إذا خلا مع أهله وأزمته إذا جلس مع القوم

قال أبو الفرج الجوزي في مختصر الحلية ( 1 296 ) مات زيد بن ثابت سنة خمس وأربعين وهو ابن خمس وستين سنة

قال أبو عمر ( 540 ) وقيل سنة اثنتين وقيل سنة ثلاث وأربعين وهو ابن ست وخمسين سنة وقيل ابن أربع وخمسين سنة وقيل بل توفي سنة إحدى أو اثنتين وخمسين وقيل سنة خمسين وقيل سنة خمس وخمسين قال أبو عمر صلى عليه مروان


184

فائدتان لغويتان

الاولى الجوهري ( 5 1991 ) العم أخو الأب والجمع أعمام وعمومة مثل البعولة وبيني وبين فلان عمومة كما يقال أبوه وخؤولة

الثانية الجوهري ( 6 2243 ) 1 250 ) فكه الرجل بالكسر فكاهة بالفتح فهو فكة إذا كان طيب النفس مزاحا والفكاهة بالضم المزاح والزميت الوقور وفلان أزمت الناس أي أوقرهم

3 عبد الله بن الأرقم في الاستيعاب ( 865 ) عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري أسلم عام الفتح وكتب للنبي صلى الله عليه وسلم ثم لأبي بكر واستكتبه أيضا عمر واستعمله على بيت المال وعثمان بعده حتى استعفى عثمان من ذلك فاعفاه

وروى ابن القاسم عن مالك قال بلغني أنه ورد على رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب فقال من يجيب عني فقال عبد الله بن الارقم أنا فأجاب عنه وأتى به إليه فأعجبه وأنفذه

وذكر محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير أن رسول الله صلى اله عليه وسلم استكتب عبد الله بن الأرقم فكان يجيب عنه وبلغ من أمانته عنده انه كان يأمر أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب ويأمره أن يطينه ويختمه وما يقرأه لأمانته عنده

( 866 ) وروى ابن وهب عن مالك قال بلغني أن عثمان أجاز عبد الله بن الأرقم وكان له على بيت المال بثلاثين ألفا فأبى أن يقبلها قال أبو عمر هكذا قال مالك وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار أن عثمان استعمل عبد الله بن الأرقم على بيت المال فأعطاه عثمان ثلاثمائة درهم فإبى أن يأخذها وقال إنما عملت لله وإنما أجري على الله وروى أشهب عن مالك عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول ما رأيت أحدا أخشى لله من عبد الله بن الأرقم وقال له عمر لو كان لك مثل سابقة القوم ما قدمت عليك أحدا


185
الباب الثالث
في كتاب العهود والصلح
وفيه فصلان
الفصل الأول
في ذكر من كان يكتبها

قال أبو عمر بن عبد البرفي الاستيعاب كان الكاتب لعهوده صلى الله عليه وسلم إذا عهد وصلحه إذا صالح علي بن أبي طالب

وخرج البخاري ( 5 179 180 ) عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يعتمر أرسل إلى أهل مكة يستأذنهم ليدخل مكة فاشترطوا عليه ألا يقيم بها إلا ثلاث ليال ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح ولا يدعو منهم أحدا فأخذ يكتب الشرط بينهم علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فكتب هذا ما قضى عليه محمد رسول الله فقالوا لو علمنا أنك رسول الله لم نمنعك ولبايعناك ولكن اكتب هذا ما قضى عليه محمد بن عبد الله قال أنا والله محمد بن عبد الله وأنا والله رسول الله قال وكان لا يكتب فقال لعلي امح رسول الله فقال علي والله لا أمحاه أبدا قال فأرنيه قال فأراه فمحاه النبي صلى الله عليه وسلم بيده

وخرج البخاري ( 5 76 ) أيضا حديث هجرة النبي صلى الله عليه وسلم واتباع سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ومولاه عامر بن فهيرة ودليلهم الديلمي ليردهم على قريش للجعل الذي جعلوا فيهم


186
وفيه ان سراقة قال ركبت فرسي فرفعتها تقرب بي حتى دنوت منهم فعثرت بي فرسي فخررت عنها فقمت فأهويت بيدي إلى كنانتي واستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا فخرج الذي أكره فركبت فرسي وعصيت الأزلام تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الألتفات ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره فناديتهم بالأمان فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له إن قومك قد جعلوا فيك الدية وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم وعرضت الزاد والمتاع فلم يرزآني ولم يسألاني إلا أن قالا اخف عنا فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أدم ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى

وقال محمد بن إسحاق في السير ( 1 489 490 ) حدثني الزهري أن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم حدثه عن أبيه عن عمه سراقة حديثه حين اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال فيه فعرفت حين رأيت ذلك يعني ما ظهر له في فرسه أنه قد منع مني وأنه ظاهر قال فناديت القوم أنا سراقة بن جعشم انظروني أكلمكم فوالله لا أريبكم ولا يأتيكم منيى شيء تكرهونه قال فقال رسول الله A لأبي بكر قل له ما تبتغي منا فقال لي ذلك أبو بكر فقلت اكتب لي كتابا يكون بيني وبينك آية قال اكتب له يا أبا بكر قال فكتب لي كتابا في عظم أو في رقعة أو في خزفة ثم ألقاه إلي فأخذته فجعلته في كنانتي ثم رجعت وهذا خلاف ما رواه البخاري عن الزهري أيضا من أن عامر بن فهيرة هو الذي كتب الكتاب فالله أعلم أي ذلك كان


187

فوائد لغوية في سبع مسائل

المسألة الأولى في المحكم ( 1 62 ) العهد التقدم إلى المرء في الشىء والعهد الذي يكتب للولاة وهو مشتق منه والجمع عهود وقد عهد إليه عهدا والعهد الموثق واليمين والجمع كالجمع وقد عاهده وفي الصحاح ( 1 512 ) العهد الوصية وقد عهدت إليه أي أوصيته ومنه اشتق العهد الذي يكتب للولاة وفي الديوان ( 2 230 ) عهد إليه يعهد بكسر الهاء في الماضي وفتحها في المستقبل

المسألة الثانية في المشارق ( 1 150 ) جلبان بضم الجيم واللام وتشديد الباء كذا في أكثر الأحاديث وكذا ضبطناه وكذا صوبه ابن قتيبة ورواه بعض الناس جلبان بسكون اللام وكذا ذكره الهروي وهو الذي صوبه وكذا قيدناه فيه وفي كتاب ثابت ولم يذكر ثابت سواه وفسر الجلبان في الحديث القراب وما فيه قال الحربي يريد جفون السيوف وقال غيره هو شبه الجراب من الأدم يوضع فيه السيف مغمودا ويطرح فيه الراكب سوطه ويعلقه من آخرة الرحل وهذا هو القراب

المسألة الثالثة في المشارق ( 2 190 ) قاضاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد فاصلهم به من المصالحة وفي كتاب العين قاضاهم عاوضهم سميت بذلك لمعاوضة هذه العمرة بالتي في السنة المقبلة وقال الداودي أقاضيك أعاهدك وأعاقدك والأول أصح واعرف

المسألة الرابعة في الصحاح ( 62489 ) محا لوحة يمحوه محوا ويمحيه محيا [ ويمحاه أيضا ] فهو ممحو وممحي وانمحى لغة فيه ضعيفة وفي المحكم ( 3 349 ) محى الشىء يمحاه محيا ومحاه يمحوه محوا أذهب أثره لأن هذه الكلمة واوية ويائية وجاء في الديوان ( 4 73 91 ) في باب فعل يفعل


188
بفتح العين في الماضي والمستقبل معا وفي باب فعل يفعل بفتحها في الماضي وضمها في المستقبل انتهى

المسألة الخامسة في الصحاح ( 1 199 ) التقريب ضرب من العدو ويقال قرب الفرس إذا رفع يديه معا ووضعهما معا في العدو وهو دون الحضر

المسالة السادسة في المشارق ( 1 288 ) قوله في حديث الهجرة فلم يرزآني معناه النقص ورزأته ورزئته إذا نقصته انتهى

وأنشد غيره [ من المنسرح ]

إن سليمى والله يكلؤها
ضنت بشىء ما كان يرزؤها

المسالة السابعة في المشارق ( 1 171 ) جعشم بضم الجيم والشين المعجمة المدلجي ( 1 404 ) بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر اللام وفي الصحاح ( 5 1889 ) قال الفراء فتح الجيم والشين في جعشم أفصح

الفصل الثاني
في ذكر نسبهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم

1 أمير المؤمنين علي بن ابي طالب رضي الله تعالى عنه ياتي الكلام في ذلك مستوفى في باب القاضي وأذكر هنا من أخباره ما يختص بحين كتابته لهذا العهد وهو من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم وهو من باب إخباره بالغيوب

روى النسائي رحمه الله تعالى عن علي رضي الله تعالى عنه قال إني كنت كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية وكتبت هذا ما صالح عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم سهيل بن عمرو فقال سهيل بن عمرو لو علمنا انه رسول الله ما قاتلناه امحها فقلت هو والله رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن رغم أنفك لا والله لا أمحوها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرني مكانها فأريته فمحاها وقال أما إن لك مثلها ستأتيها وانت مضطهد


189

وفي الكامل في التاريخ ( 3 319 320 ) لابن الأثير في أخبار الحكمين لما حضر عمرو بن العاص عند علي رضي الله تعالى عنه لتكتب القضية بحضوره فكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين فقال عمرو هو أميركم وأما أميرنا فلا فقال له الأحنف لا تمح اسم أمير المؤمنين فإني أتخوف إن محوتها ألا ترجع إليك أبدا لا تمحها وإن قتل الناس بعضهم بعضا فأبى ذلك علي رضي الله عنه مليا من النهار ثم إن الأشعث بن قيس قال امح هذا الاسم فمحي فقال علي لرضي الله تعالى عنه الله أكبر سنة بسنة والله إني لكاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية وكتبت محمد رسول الله فقالوا لست برسول الله ولكن اكتب اسمك واسم أبيك فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بمحوه فقلت لا أستطيع فقال أرنيه فأريته فمحاه بيده وقال إنك ستدعى إلى مثلها فتجيب

فائدة لغوية

مضطهد في الصحاح ( 1 498 ) ضهدته فهو مضهود ومضطهد أي مقهور مضطر

2 عامر بن فهيرة في الاستيعاب ( 796 ) عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه كان مولدي الأزد أسود اللون مملوكا للطفيل بن عبد الله بن سخبرة فأسلم وهو مملوك فاشتراه أبو بكر من الطفيل فأعتقه وأسلم قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم وكان حسن الإسلام وكان يرعى الغنم في ثور ثم يروح بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر في الغار وكان رفيق أبي بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم في هجرتهما إلى المدينة وشهد بدرا وأحدا وقتل يوم بئر معونة وهو ابن أربعين سنة قتله عامر بن الطفيل

( 797 ) وذكر ابن إسحاق ( 2 186 ) عن هشام بن عروة عن أبيه قال لما قدم عامر بن الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له من الرجل الذي لما


190
قتل رأيته رفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء دونه ثم وضع فقال له هو عامر بن فهيرة وذكر الزهري عن عروة قال طلب عامر بن فهيرة يومئذ في القتلى فلم يوجد قال عروة بن الزبير فيرون أن الملائكة دفنته أو رفعته

وكان بئر معونة سنة أربع من الهجرة

فائدة

في الاشتقاق لابن سيد السخبر نبت وسخبرة بن جرثومة أحد آباء الطفيل بن عبد الله


191
الباب الرابع
في ذكر صاحب الخاتم
وفيه فصلان
الفصل الأول
في اتخاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخاتم ومن أي شىء كان وما كان نقشه

خرج البخاري ( 7 203 ) رحمه الله تعالى عن أنس رضي الله تعالى عنه قال لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب الى الروم فقيل له إنهم لن يقدروا كتابك إذا لم يكن مختوما فاتخذ خاتما من فضة ونقشه محمد رسول اله فكأنما أنظر إلى بياضه في يده صلى الله عليه وسلم

وخرج الترمذي في الشمائل ( 46 ) أيضا قال كان نقش خاتم النبي صلى الله عليه وسلم محمد سطرورسول سطر والله سطر

قال ابن بطال قال المهلب كان عليه السلام لا يستغني عن الختم به على الكتب إلى البلدان وأجوبة العمال وقواد السريا

فائدتان لغويتان

الأولى في الخاتم أربع لغات خاتم بفتح التاء وخاتام بألف بعدها وخيتام بياء عوض الألف وخاتم بكسر التاء قاله الهروي وابن النحاس والجوهري


192

قال ابن النحاس إلا أن الرابعة رديئة لأنها تشكل بقولهم ختمت الكتاب فأنا خاتم

قال الهروي ومعنى الختم التغطية على الشىء والاستيثاق منه حتى لا يدخله شىء ومنه سمي خاتم الكتاب لصيانة الكتاب ومنع الناظرين من معرفة ما فيه وقال ابن النحاس وجمع خاتم وخاتم خواتم وجمع خاتام خواتيم وجمع خيتام خياتيم ويقال استختم الكتاب بلغ أن يختم وحكي أختم الكتاب بهذا المعنى قلت من قبيل قولهم أركب المهر إذا حان أن يركب انتهى

قال ابن النحاس ويقال أختمت الكتب أي وجدتها مختومة مثل أحمدت فلانا أي وجدته محمودا ويقال الكتب في الختك والختام ولا يقال في الخاتم ويقال أول من ختم الكتاب سليمان بن داود عليهما السلام

الثانية تقدم في أخبار عبد الله بن الأرقم رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب ويأمره أن يطينه ويختمه وما يقرأه لأمانته عنده وفي المحكم طان الكتاب طينا وطينه ختمة بالطين هذا هو المعروف وقال يعقوب سمعت من يقول أطن الكتاب أي اختمه وطينته خاتمه الذي يطين به

تنبيه

قد يقال لما يطبع به الكتاب طابع كما يقال له الآن قال ابن سيده في المكحم ( 1 349 ) طبع الشيء وعليه يطبع طبعا ختم والطابع الخاتم الذي يختم به وانشد لعدي بن الرقاع

كأن قرادي صدره طبعتهما
بطين من الجولان كتاب أاعجم

قال وقرادي الثديين حلمتاهما قلت وهذا من مليه التشبيه


193
الفصل الثاني
في ذكر من كان صاحب خاتمه صلى الله عليه وسلم

البخاري في التاريخ ( 8 52 ) معيقيب ويقال معيقب بن أبي فاطمة الدوسي له صحبة

قال محمد بن بشار حدثنا سهل بن حماد حدثنا أبو مكين نوح بن ربيعة حدثنا إياس بن الحارث بن معيقيب عن جده معيقيب قال كان خاتم النبي A من حديد ملوي عليه فضة فربما كان في يدي وكان المعيقيب على خاتم النبي صلى الله عليه وسلم انتتهى

أبو عمر ابن عبد البر ( 1478 ) معيقيب بن أبي فاطمة مولى سعيد بن العاصي هكذا ذكره موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال ويزعمون أنه من دوس وقال غيره هو دوسي حليف لآل سعيد بن العاصي أسلم معيقيب قديما بمكة وهاجر منها إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية وأقام بها حتى قدم على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة قيل إنه قدم عليه في السفينتين وهو بخيبر وقيل قدم عليه قبل ذلك وكان على خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم واستعمله أبو بكر وعمر على بيت المال وكان قد نزل به داء الجذام فعولج منه بأمر عمر بن الخطاب بالحنظل فتوقف أمره وتوفي في آخر خلافة عثمان وقيل بل توفي سنة أربعين في خلافة علي رضي الله تعالى عنهم


194
الباب الخامس
في الرسول
وفيه ستة فصول
الفصل الأول
في الرسول يبعث يدعو إلى الإسلام
ذكر من بعثه رسول اله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك

قال ابن إسحاق في السير ( 2 607 ) حدثني يزيد بن أبي حبيب المصري أنه وجد كتابا وفيه ذكر من بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البلدان وملوك العرب والعجم وما قاله لأصحابه حين بعثهم قال فبعثت به إلى محمد بن شهاب الزهري فعرفه وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه فقال لهم إن الله بعثني رحمة وكافة فأدوا عني يرحمكم الله ولا تختلفوا علي كما اختلف الحواريون على عيسى ابن مريم قالوا وكيف يا رسول الله كان اختلافهم قال دعاهم لمثل ما دعوتكم إليه فأما من قرب به فأحب وسلم وأما من بعد به فكره وأبي فشكا ذلك عيسى إلى الله فأصبحوا وكل رجل منهم يتكلم بلغة القوم الذين وجه إليهم

قال ابن إسحاق ( 2 607 ) فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلا من أصحابه وكتب معهم كتبا إلى الملوك يدعوهم فيها إلى الإسلام فبعث دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر ملك الروم


195

وقال البخاري رحمه الله تعالى في الصحيح ( 4 54 55 ) إن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام وبعث كتابه إليه مع دحية الكلبي وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدفعه غلى عظيم بصرى ليدفعه إلى قيصر

وقال مسلم ( 2 59 ) كان دحية الكلبي جاء به فدفعه إلى عظيم بصرى فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل

قال ابن إسحاق وبعث عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك فارس

قال البخاري ( 4 54 ) رحمه الله تعالى بعث رسول الله صلى اله عليه وسلم بكتابه رجلا وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى

وقال النسائي بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة بكتابه إلى كسرى يدفعه إلى عظيم البحرين فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى

قال ابن إسحاق ( 2 607 ) وبعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ملك الحبشة وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس ملك الإسكندرية وبعث عمرو بن العاص السهمي إلى جيفر وعياذ ابني الجلندي الأزديين ملكي عمان وبعث سليط بن عمرو أحد بني عامر بن لؤي إلى ثمامة بن أثال وهوذة بن علي الحنفيين ملكي اليمامة وبعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى العبدي ملك البحرين وبعث شجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر الغساني


196

قال ابن جماعة ملك البلقاء من أرض الشام

قال ابن هشام إنما توجه إلى جبلة بن الأيهم

قال ابن جماعة وقال ابن عبد البر توجه إليهما معا

وقال ابن إسحاق ( 2 607 ) وبعث المهاجر بن أبي أمية المخزومي إلى الحارث بن عبد كلال الحميري ملك اليمن انتهى

وقال ابن جماعة في مختصر السير بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة نفر في يوم واحد في المحرم سنة سبع عمرو بن أمية الضمري ودحية بن خليفة الكلبي وأبا حذافة عبد الله بن حذافة السهمي وحاطب بن أبي بلتعة اللخمي وشجاع بن وهب الأسدي وسليط بن عمرو العامري

فائدة لغوية في الصحاح ( 4 1709 ) للجوهري أرسلت فلانا في رسالة فهو مرسل ورسول والجمع رسل ورسل والرسول أيضا الرسالة وقال الشاعر [ من الوافر ]

ألا أبلغ أبا عمرو رسولا
بأني عن فتاحتكم غني

وقوله عز وجل انا رسول ربك ( مريم 19 ) ولم يقل رسل ربك لأن فعولا وفعيلا يستوي فيهما المذكر والمؤنث والواحد والجمع مثل عدو وصديق

ذكر أنسابهم وأخبارهم

1 عمرو بن أمية الضمري يأتي ذكره في باب الوكيل من الجزء الرابع

2 دحية بن خليفة الكلبي يأتي ذكره في الباب الذي يتلو هذا وهو باب حامل الكتاب


197

3 عبد الله بن حذافة يأتي ذكره في الباب الذي يتلو هذا أيضا وهو باب حامل الكتاب

4 حاطب بن أبي بلتعة في الاستيعاب ( 312 ) حاطب بن أبي بلعتة اللخمي من ولد لخم بن عدي في قول بعضهم يكنى أبا عبد الله وقيل أبا محمد واسم أبي بلعتة عمرو بن راشد بن معاذ السهمي حليف قريش ويقال إنه من مذحج وقيل هو حليف للزبير بن العوام وقيل بل كان عبدا لعبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزى فكاتبه فأدى كتابته يوم الفتح وهو من أهل اليمن والأكثر أنه حليف لبني أسد بن عبد العزى شهد بدرا والحديبية وقد شهد الله لحاطب بن أبي بلعتة بالإيمان في قوله يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء الآية وذلك أن حاطبا كتب إلى أهل مكة قبل حركة رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها عام الفتح يخبرهم ببعض ما يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم من الغزو إليهم وبعث بكتابه مع امرأة فنزل جبريل بذلك علىالنبي صلى الله عليه وسلم فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلب المرأة علي بن أبي طالب وآخر معه قيل المقداد بن الأسود وقيل الزبير بن العوام فأدركا المرأة بروضة خاخ

وفي صحيح مسلم ( 2 292 ) رحمه الله تعالى عن علي رضي الله تعالى عنه بعثنا رسول الله أنا والزبير والمقداد

قال أبو عمر ( 313 ) فأخذا الكتاب ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبا عليه فاعتذر وقال ما فعلته رغبة عن ديني فنزلت فيه آيات من صدر الممتحنة وأراد عمر بن الخطاب قتله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه قد شهد بدرا الحديث انتهى

وفي صحيح مسلم ( 2 262 ) رحمه الله تعالى أن حاطبا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا تعجل علي يا رسول الله إني كنت امرءا ملصقا في قريش قال سفيان كان حليفا لهم ولم يكن من أنفسها وكان ممن كان معك من


198
المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يدا يحمون فيها قرابتي ولم أفعله كفرا ولا ارتدادا عن ديني ولا أرضى بالكفر بعد الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق فقال عمر دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم

وفي الاستيعاب ( 315 ) عن حاطب بن أبي بلتعة قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس ملك الإسكندرية فجئت بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلني في منزله وأقمت عنده ليالي ثم بعث إلي وقد جمع بطارقته فقال إني سأكلمك بكلام أحب أن تفهمه مني فقال قلت هلم قال أخبرني عن صاحبك أليس نبيا قلت بلى هو رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فما له حيث كان هكذا لم يدع على قومه حيث أخرجوه من بلدته إلى غيرها فقلت له فعيسى ابن مريم أتشهد أنه رسول الله فما له حيث أخذه قومه فأرادوا صلبه أن لا يكون دعا عليهم بأن يهلكهم الله حتى رفعه الله في السماء الدنيا قال أحسنت أنت حكيم جاء من عند حكيم هذه هدايا أبعث بها معك إلى محمد وأرسل معك من يبلغك إلى مأمنك قال فأهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث جوار منهن أم إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرى وهبها رسول الله A إلى أبي جهم بن حذيفة العدوي وأخرى وهبها لحسان بن ثابت الأنصاري وأرسل إليه بثياب وطرف من طرفهم ومات حاطب سنة ثلاثين بالمدينة وهو ابن خمس وستين وصلى عليه عثمان انتهى

فائدتان لغويتان

الأولى في ديوان الأدب ( 2 32 ) أبو بلتعة من كنى الرجال بفتح الباء والتاء وسكون اللام على وزن فعللة


199

الثانية في المشارق ( 1 250 ) روضة خاخ بخاءين معجمتين موضع بقرب حمراء الأسد من المدينة كذا هو الصحيح انتهى

5 شجاع بن وهب الأسدي في الاستيعاب ( 707 ) شجاع بن أبي وهب ويقال ابن وهب بن ربيعة بن أسد بن صهيب بن مالك بن كبير بن غنم بن ذودان بن أسد بن خزيمة الأسدي حليف لبني عبد شمس يكنى أبا وهب شهد هو وأخوه عقبة بن أبي وهب بدرا والمشاهد كلها كان ممن هاجر إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية وممن قدم المدينة منها وشجاع هذا هو الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحارث بن أبي شمر اللغساني والى جبلة بن الأيهم الغساني واستشهد شجاع هذا يوم اليمامة وهو ابن بضع وأربعين سنة انتهى

فائدة

ذودان بذال معجمة مضمومة وأخرى مهملة بينهما الواو على وزن فعلان قيده الفارابي

6 سليط بن عمرو العامري في الاستيعاب ( 645 ) سليط بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي القرشي العامري أخو سهيل بن عمرو كان من المهاجرين الأولين ممن هاجر الهجرتين ذكره موسى بن عقبة فيمن شهد بدرا ولم يذكره غيره في البدريين وهو الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هوذة بن علي الحنفي وإلى ثمامة بن أثال الحنفي وهما رئيسا اليمامة وذلك في سنة ست أو سبع ذكر الواقدي وابن إسحاق إرساله إلى هوذة وزاد ابن هشام وإلى ثمامة قتل سنة أربع عشرة انتهى


200

فائدتان لغويتان

الأولى في المشارق ( 1 62 ) فيما في أوله همزة مضمومة ثمامة بن أثال بثاء مثلثة في اسمه واسم أبيه

وفي ديوان الأدب ( 4 189 ) أثال بضم الهمزة اسم جبل وبه سمي الرجل أثالا

الثانية في ديوان الادب ( 3 308 ) الهوذة القطاة وبها سمي الرجل هوذة في باب فعلة بفتح الفاء وسكون العين وذال معجمة

عمرو بن العاص في الاستيعاب عمرو بن العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بضم السين قاله ابن حزم ابن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي القرشي السهمي يكنى أبا عبد الله وقيل يكنى أبا محمد

والصحيح في إسلامه أنه كان سنة ثمان في صفر قبل الفتح بستة أشهر ذكره الواقدي وغيره

ولاه رسول الله صلى على عمان فلم يزل عليها حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم

وروى أبو هريرة وعمارة بن حزم جميعا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ابنا العاص مؤمنان عمرو وهشام

توفي بمصر أميرا عليها من قبل معاوية بن أبي سفيان يوم الفطر سنة ثلاث وأربعين وقيل سنة ثنتين وأربعين وقيل سنة ثمان وأربعين وقيل سنة إحدى وخمسين والأول أصح وهو سنة ثلاث وأربعين ودفن بالمقطم وصلى عليه ابنه عبد الله

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

الأولى جيفر بن الجلندى الذي أرس إليه عمرو بن العاص في الاشتقاق لابن سيد جيفر فيعل من الشىء المجفر والجفر بئر واسعة


201

الثانية الجوهري جلندى بضم الجيم مقصور اسم ملك عمان

الثالثة في معجم البكري 1251 المقطم بضم أوله وفتح ثانيه وتشديد الطاء المهملة وفتحها جبل بمصر يوارون فيه موتاهم

العلاء بن الحضرمي تقدم ذكره في باب كتاب الوحي فأغنى ذلك عن إعادته الآن

المهاجر بن أبي أمية في الاستيعاب 1452 المهاجر بن أبي أمية بن المغيرة القرشي المخزومي أخو أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم لأبيها وأمها كان اسمه الوليد فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه وقال لأم سلمة هو المهاجر وكانت قالت له قدم أخي الوليد مهاجرا فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المهاجر فعرفت أم سلمة ما أراد من تحويل اسمه فقالت هو المهاجر يا رسول الله في خبر فيه طول وفيه غيب اسم الوليد ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجر بن أبي أمية إلى الحارث بن عبد كلال الحميري ملك اليمن واستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا على صدقات كندة والصدف ثم ولاه أبو بكر اليمن وهو الذي افتتح حصن النجير بحضرموت مع زياد بن لبيد الأنصاري وهما بعثا بالأشعث بن قيس أسيرا فمن عليه أبو بكر وحقن دمه

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

الأولى عبد كلال بضم الكاف قاله ابن السيد في المثلث

الثانية الصدف بفتح الصاد والدال وفي ديوان الأدب الصدف الجبل المرتفع

الثالثة النجير بضم النون وفتح الجيم بعده ياء ساكنة مهملة على لفظ التصغير كذلك قيده البكري في معجمه 1299


202
الفصل الثاني
في بعث الرسول في الصلح
ذكر من بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك

في السير في عمرة الحديبية قال ابن اسحاق 2 314 315 دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم خراش بن أمية الخزاعي فبعثه إلى قريش بمكة وحمله على بعير له يقال له الثعلب ليبلغ أشرافهم ما جاء له فعقروا به جمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرادوا قتله فمنعه الأحابيش فخلوا سبيله حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له فقال يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي وليس بها من بني عدي بن كعب أحد يمنعني وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها ولكني أدلك على رجل أعز بها مني عثمان بن عفان فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب وأنه إنما جاء زائرا للبيت ومعظما لحرمته فخرج عثمان بن عفان إلى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاصي حين دخل مكة أبو قبل أن يدخلها فحمله بين يديه ثم أجاره حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول الله A ما أرسله به فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله A إن شئت أن تطوف بالبيت فقال ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم

فائدة في المشارق ( 1 176 ) الأحابيش هم حلفاء قريش وهم الهون بن خزيمة بن مدركة وبنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة وبنو المصطلق من خزاعة


203
وقال البكري في معجم ما استعجم ( 422 ) سموا بذلك لأنهم تحالفوا على جبل بمكة يقال له حبيش بفتح الحاء وكسر الباء لا ينقضون ما أقام حبيش
ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم

1 عثمان بن عفان هو رضي الله تعالى عنه أمير المؤمنين عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي الأموي قاله ابن عبد البر في الاستيعاب ( 1037 ) قال ويكنى أبا عبد الله وأبا عمرو كنيتان مشهورتان له وأبو عمرو أشهرهما وقد قيل إنه كان يكنى أبا ليلى ولد في السنة السادسة بعد الفيل هاجر إلى ارض الحبشة فارا بدينه مع زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أول خارج إليها وتابعه سائر المهاجرإلى أرض الحبشة ثم هاجر الهجرة الثانية إلى المدينة ولم يشهد بدرا لتخلفه على تمريض زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت عليلة فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتخلف عليها وضرب له بسهمه وأجره فهو معدود في البدريين لذلك وأما تخلفه عن بيعة الرضوان بالحديبية فلأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وجهه إلى مكة في أمر لا يقوم به غيره من صلح قريش على أن يتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والعمرة فلما أتاه الخبر الكاذب بأن عثمان قد قتل جمع أصحابه فدعاهم إلى البيعة فبايعوه على قتال أهل مكة يومئذ وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عثمان بإحدى الأخرى ثم أتاه الخبر بأن عثمان لم يقتل وما كان سبب بيعة الرضوان إلا ما بلغه صلى الله عليه وسلم من قتل عثمان فهو أيضا معدود في أهل الحديبية من أجل ما ذكرنا

وزوجه صلى الله عليه وسلم ابنته رقية ثم أم كلثوم واحدة بعد واحدة وقال لو كان عندي غيرهما لزوجتكها

وارتج أحد وعليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اثبت فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة


204

وكانت بئر رومة ركية ليهودي يبيع المسلمين ماءها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يشتري رومة فيجعلها للمسلمين يضرب بدلوه في دلائهم وله [ بها ] شرب في الجنة فأتى عثمان اليهودي فساومه فيها فأبى أن يبيعها كلها فاشترى نصفها باثني عشر ألف درهم فجعله للمسلمين وقال له عثمان إن شئت جعلت على نصيبي قرنين وإن شئت فلي يوم ولك يوم قال بل لك يوم ولي يوم فكان إذ كان يوم عثمان استقى المسلمون ما يكفيهم يوميين فلما رأى ذلك اليهودي قال أفسدت علي ركيتي فاشتر النصف الآخر فاشتراه بثمانية آلاف درهم

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يزيد في مسجدنا فاشترى عثمان موضع خمس سوار فزاده في المسجد

وجهز جيش العسرة في غزاة تبوك بتسعمائة وخمسين بعيرا وأتم الألف بخمسين فرسا وقيل بل جهزه بألف بعير وسبعين فرسا

وعن محمد بن سيرين عن امرأة عثمان كان يحيي الليل بركعة واحدة يجمع فيها القرآن

( 1044 ) وبويع له بالخلافة رضي الله تعالى عنه يوم السبت غرة المحرم سنة أربع وعشرين بعد دفن عمر بن الخطاب بثلاثة أيام اجتمع الناس عليه وقتل بالمدينة رحمه الله تعالى واختلف في اليوم الذي قتل فيه فقيل يوم الجمعة لثماني ليال خلت من ذي الحجة يوم التروية سنة خمس وثلاثين وقيل يوم الجمعة لثمان عشرة أو سبع عشرة خلت منه وقيل يوم الجمعة لليلتين بقيتا منه وقيل قتل في وسط أيام التشريق وقتله رجل من أصبح عداده في مراد اسمه رومان بن سرحان لعنه الله تعالى ورضي عن أمير المؤمنين عثمان ضربه بخنجر على صدغه الأيسر فقتله

( 1047 ) وحدث عبد الملك بن الماجشون عن مالك قال لما قتل عثمان ألقي على المزبلة ثلاثة أيام فلما كان في الليل أتاه اثنا عشر رجلا فيهم حويطب بن عبد العزى وحكيم بن حزام وعبد الله بن الزبير وجي فاحتملوه فلما صاروا إلى


205
المقبرة ليدفنوه ناداهم قوم من بني مازن والله لئن دفنتموه هنا لنخبرن الناس غدا فاحتملوه وكان على باب وإن رأسه ليقول طق طق حتى صاروا به إلى حش كوكب فاحترفوا له وكانت عائشة بنت عثمان معها مصباح في حق فلما أخرجوه ليدفنوه صاحت فقال لها ابن الزبير والله لئن لم تسكتي لأضربن الذي فيه عيناك قال فسكتت فدفن

والحش البستان وكوكب رجل من الأنصار كان عثمان قد اشتراه وزاده في البقيع فكان أول من دفن فيه

( 1048 ) قال مالك وكان عثمان يمر بحش كوكب فيقول إنه سيدفن ها هنا رجل صالح وقيل إنهم لما دفنوه غيبوا قبره رحمه الله تعالى

واختلف في سنة حين قتله فقيل ابن ثمانين سنة وقيل ابن اثنتين وثمانين وقيل ابن ست وثمانين وقيل ابن تسعين ولحسان بن ثابت يرثيه [ من البسيط ]

ضحوا بأشمط عنوان السجود به
يقطع الليل تسبيحا وقرآنا

( 1051 ) وللقاسم بن أمية بن أبي الصلت [ من الطويل ]

لعمري لبئس الذبح ضحيتم به
وخنتم رسول الله في قتل صاحبه

ولأيمن بن خريم [ من البسيط ]

ضحوا بعثمان في الشهر الحرام ضحى
وأي ذبح حرام ويلهم ذبحوا

( 1049 ) ولحسان بن ثابت أيضا [ من البسيط ]

إن تمس دار بني عفان موحشة
باب صريع وباب محرق خرب
فقد يصادف باغي الخير حاجته
فيها ويأوي إليها الجود والحسب

206

فوائد لغوية في أربع مسائل

الأولى في المشارق ( 2 282 ) الرج والاتجاج كثرة الحركة والاضطراب وفي الديوان رجه فارتج أي حركة فتحرك

الثانية في المشارق ( 1 305 رومة البئر التي اشترها عثمان رضي الله تعالى عنه وسلبها على المدينة بضم الراء

الثالثة في الصحاح ( 4 1501 ) تشريق اللحم تقديده ومنه سميت أيام التشريق وهي ثلاثة أيام من بعد يوم النحر لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها أي تشرر في الشمسز انتهى

تنبيه

قول الجوهري ( 2 695 ) تشرر في الشمس أي تيبس وشررت الثوب وشررته بسطته للشمس قاله الجوهري وغيره

الرابعة في الديوان ( 3 7 20 ) الحش بفتح الحاء البستان ومن ثم سمي المخرج حشا وضم الحاء لغة فيه والمخرج بفتح الراء المتوضأ انتهى

وقال البكري ( 450 ) وحش كوكب بضم الحاء وتشديد الشين موضع بالمدينة وهو الذي دفن فيه عثمان رضي الله تعالى عنه

2 خراش بن أمية الخزاعي في الاستيعاب ( 445 ) خراش بن أمية بن الفضل الكعبي الخزاعي مدني شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديبية وخيبر وما بعدهما من المشاهد وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية إلى مكة فآذته قريش وعقرت جمله فحينئذ بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان وهو الذي حلق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية وتوفي في آخر خلافة معاوية


207

تنبيه

في باب فعال مكسور الفاء من ديوان الأدب خراش من أسماء الرجال وأبو خراش كنيته

الفصل الثالث
في بعث الرسول بالأمان

1 ذكر من بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك من الرجال

في السير ( 2 417 ) في خبر فتح مكة قال ابن إسحاق خرج صفوان بن أمية يعني يوم فتح مكة يريد جدة ليركب منها إلى اليمن فقال عمير بن وهب يا نبي الله إن صفوان بن أمية سيد قومي وقد خرج هاربا منك ليقذف نفسه في البحر فأمنه صلى الله عليك قال هو آمن قال يا رسول الله فأعطني آية ليعرف بها أمانك فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمامته التي دخل فيها مكة فخرج بها عمير حتى أدركه وهو يريد أن يركب البحر فقال يا صفوان فداك أبي وأمي الله الله في نفسك أن تهلكها فهذا أمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جئتك به قال ويحك اغرب عني فلا تكلمني قال يا صفوان فداك أبي وأمي أفضل الناس وأبر الناس وأحلم الناس وخير الناس وابن عمك عزة عزك وشرفه شرفك وملكه ملكك قال إني أخافه على نفسي قال هو أحلم من ذلك وأكرم فرجع معه حتى وقف به على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صفوان إن هذا يزعم أنك قد أمنتني قال صدق قال فاجعلني بالخيار فيه شهرين قال أنت بالخيار أربعة أشهر

وقال أبو عمر ابن عبد البر ( 719 ) كان عمير بن وهب بن خلف قد استأمن له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هرب يوم الفتح هو وابنه وهب بن عمير فأمنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما وبعث ابنه وهب بن عمير بردائه أمانا له فأدركه وهب بن عميرببرد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بردائه فانصرف معه فوقف


208
على رسول الله صلى الله عليه وسلم وناداه في جماعة الناس يا محمد إن هذا وهب بن عمير يزعمك أنك أمنتني على أن أسير شهرين فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم انزل أبا وهب فقال لا حتى تبين لي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم انزل فلك تسييرأربعة أشهر

قال أبو عمر ابن عبد البر ( 719 ) وشهد صفوان وهو كافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا والطائف

واستعاره رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج معه إلى حنين سلاحا قال طوعا أو كرها فقال بل طوعا عارية مضمونة فأعاره وأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من المغانم يوم حنين فأكثر فقال صفوان أشهد بالله ما طابت بهذا إلا نفس نبي فأسلم

2 ذكر من توجه في ذلك من النساء

قال أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب ( 1932 ) أم حكيم بنت الحارث بن هشام زوجة عكرمة بن أبي جهل ابن عمها أسلمت يوم الفتح واستأمنت النبي صلى الله عليه وسلم لزوجها عكرمة وكان عكرمة قد فر إلى اليمن وخرجت في طلبه فردته حتى أسلم وثبتا على نكاحهما

وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رآه حين أتت به مرحبا بالراكب المهاجر وقال لأصحابه صلى الله عليه وسلم إن عكرمة يأتيكم فإذا رأيتموه فلا تسبوا أباه فإن سب الميت يؤذي الحي

فائدتان لغويتان

الأولى في ديوان الأدب ( 2 100 ) غرب يغرب واغرب عني أي تباعد بفتح الراء في الماضي وضمها في المستقبل

الثانية في المشارق ( 2 232 ) لك تسيير أربعة أشهر أي أمانها تسير فيها آمنا كما قال تعالى فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ( التوبة 2 ) قيل اذهبوا آمنين


209
ذكر نسبه

في الجماهر ( 161 ) و الاستيعاب هو عمير بن وهب بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح

وفي الاستيعاب ( 1221 ) شهد عمير بدرا كافرا وكان من أبطال قريش وشيطانا من شياطينها وأسر ابنه وهب بن عمير يومئذ ثم قدم عمير المدينة يريد الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره وشهد معه فتح مكة وقيل إن عمير بن وهب أسلم قبل وقعة بدر وشهد أحدا مع النبي صلى الله عليه وسلم وعاش إلى صدر من خلافة عثمان

وفي الاستيعاب ( 1561 ) أيضا وهب بن عمير بن وهب بن خلف أسر يوم بدر كافرا ثم قدم أبوه المدينة فأسلم فأطلق له رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنه وهب بن عمير فأسلم وكان له قدر وشرف وهو الذي بسط له رسول الله صلى الله عليه وسلم رداءه إذ جاء يطلب الأمان لصفوان بن أمية ومات بالشام مجاهدا رحمه الله تعالى ورضي عنه

قال أبو عمر ( 1223 ) رحمه الله تعالى وقد قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بسط أيضا لعمير بن وهب رداءه وقال الخال والد ولا يصح إسناده وبسط الرداء لوهب بن عمير أشهر وأكثر

قال أبو عمر ( 720 ) قال جماعة من أهل العلم بالأخبار والأنساب إن عمير بن وهب هو الذي جاء صفوان بن أمية ببرد رسول الله صلى الله عليه وسلم أمانا لصفوان

وذكر مالك عن ابن شهاب الذي جاءه برداء رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ابن عمه وهب بن عمير فالله أعلم

قال أبو عمر وكان إسلامهما معا أو متقاربا

تنبيه

جاء في هذا الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمير بن وهب


210
حين بسط له رداءه الخال والد وعمير من بني جمح بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر ووالده رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي وليس في آباء النبي صلى الله عليه وسلم من والدته جمحية

وقال ابن قتيبة في المعارف ( 129 ) لا نعلم أنه كان لآمنة أخ فيكون خالا للنبي صلى الله عليه وسلم ولكن بني زهرة يقولون نحن أخوال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن آمنة منهم

الفصل الرابع
في الرسول يبعث إلى الملك ليبعث من عنده في بلاده من المسلمين
ذكر من بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك

قال ابن إسحاق في السير ( 2 359 ) كان من أقام بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمري فحملهم في السفينتين فقدم بهم عليه وهو بخيبر بعد الحديبية ستة عشر رجلا منهم جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه

تنبيه

قد تقدم الوعد بمجىء ذكر عمرو بن أمية الضمري رضي الله تعالى عنه في باب الوكيل في الجزء الرابع من هذا الكتاب وسيأتي هناك إن شاء الله تعالى

الفصل الخامس
في الرسول يبعث إلى الملك ليزوج الإمام المرأة من المسلمين تكون ببلاده ويبعثها

ذكر القاضي عز الدين ابن جماعة رحمه الله تعالى في مختصر السير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي واسمه


211
اصحمة ابن أبحر وتفسير أصحمة بالعربية عطية وكتب غليه كتابين يدعوه في أحدهما إلى الإسلام ويتلو عليه القرآن فأخذه النجاشي ووضعه على عينيه ونزل عن سريره فجلس على الأرض ثم أسلم وشهد شهادة الحق وقال لو كنت أستطيع أن آتيه لآتيته

وفي الكتاب الآخر أن يزوجه أم حبيبة وأمره أن يبعث بمن قبله من أصحابه ويحملهم ففعل ودعا بحق من عاج فجعل فيه كتابي النبي صلى الله عليه وسلم وقال لن تزال الحبشة بخير ما كان هذان الكتابان بين أظهرها انتهى

تنبيه

أم حبيبة المذكورة في هذا الخبر هي بنت أبي سفيان بن حرب وسيأتي هذا الخبر بأتم من هذا في باب الوكيل من الجزء الرابع من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى

الفصل السادس
في الرسول يبعث بالهدية

قال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في الاستيعابط ( 1162 ) في باب عمرو بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري رضي الله تعالى عنه إلى أبي سفيان بن حرب بهدية إلى مكة

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال ( 328 ) حدثنا يزيد عن جرير بن حازم عن يعلى بن حكيم عن عكرمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى إلى أبي سفيان ابن حرب تمر عجوة وهو بمكة مع عمرو بن أمية وكتب إليه يستهديه أدما فأهداها إليه أبو سفيان

وقال أبو عبيد هذه الهدية كانت في الهدنة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل مكة قبل فتحها انتتهى


212
الباب السادس
في حامل الكتاب
وفيه فصلان
الفصل الأول
في أسمائهم

خرج البخاري ( 6 10 ) رحمه الله تعالى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بكتابه رجلا إلى عظيم البحرين فدفعه عظيم البحرين غلى كسرى فلما قرأه مزقه فحسبت أن ابن المسيب قال فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمزقوا كل ممزق

وخرج النسائي رحمه الله تعالى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة بكتابه إلى كسرى فدفعه إلى عظيم البحرين فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى فلما قرأه مزقه

وخرج البخاري ( 6 43 ) رحمه الله تعالى عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام وبعث بكتابه إليه مع دحية الكلبي وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدفعه إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى قيصر الحديث بكماله

قال مسلم ( 2 59 ) رحمه الله تعالى كان دحية الكلبي جاء به فدفعه إلى عظيم بصرى فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل


213
تنبيه

تقدم ذكر ابن إسحاق في السير وابن جماعة في المختصر بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة ودحية رسولين بكتابيه في جملة الأرسال لكن ذكر الإمامان البخاري ومسلم أن دحية دفع الكتاب لعظيم بصرى ودفعه عظيم بصرى لقيصر وذكر البخاري والنسائي أن عبد الله بن حذافة دفع الكتاب لعظيم البحرين ودفعه عظيم البحرين لكسرى فصح أنهما لم يكونا رسولين وإنما كانا حملا الكتابين لمن دفعهما لمن كتبا له فلذلك أفردت لحامل الكتاب بابا انتهى

الفصل الثاني

في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم

1 عبد الله بن حذافة في الاستيعاب ( 888 ) عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم القرشي السهمي يكنى أبا حذافة أسلم قديما وكان من المهاجرين الأولين هاجر إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية ويقال إنه شهد بدرا ولم يذكره ابن إسحاق في البدريين

قال أبو عمر ( 889 ) رحمه الله تعالى كان عبد الله بن حذافة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام فمزق كسرى الكتاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مزق ملكه وقال إذا مات كسرى فلا كسرى بعده قال الواقدي فسلط الله على كسرى ابنه شيرويه قتله ليلة الثلاثاء لعشر مضين من جمادى سنة سبع

قال أبو عمر ( 889 ) وعبد الله بن حذافة هذا هو القائل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال سلوني عما شئتم من أبي يا رسول الله فقال أبوك حذافة بن قيس فقالت له أمه ما سمعت بابن أعق منك أأمنت أن تكون أمك


214
قارفت ما تقارف نساء الجاهلية فتفضحها على أعين الناس فقال والله لو ألحقني بعبد أسود للحقت به

( 891 ) وعن أبي هريرة أن عبد الله بن حذافة صلى فجهر بصلاته فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ناج ربك بقراءتك يا ابن حذافة ولا تسمعني وأسمع ربك

قال أبو عمر رحمه الله تعالى ( 889 ) وكانت فيه دعابة حدث ابن وهب عن الليث بن سعد قال بلغني أنه حل حزام راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى كاد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع قال ابن وهب ليضحكه قال نعم كانت فيه دعابة قال الزبير هكذا ولم يكن قال ابن وهب عن الليث حل حزام راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن وهب علم بلسان العرب وإنما تقول العرب لحزام الراحلة غرضة إذا ركب بها على رحل وإن ركب بها على الرحل أنثى فهو وضين فإن ركب بها على جمل فهي بطان فإن ركب بها على فرس فهي حزام

قال الليث وكان قد أسره الروم في زمن عمر بن الخطاب فأرادوه على الكفر فعصمه الله تعالى حتى أنجاه منهم

قال خليفة بن خياط ( 135 ) أسروه سنة تسع عشرة

قال أبو عمر ( 890 ) مات في خلافة عثمان قال ابن لهيعة توفي بمصر ودفن بمقبرتها

2 دحية الكلبي في الاستيعاب ( 461 ) دحية بن خليفة بن فروة الكلبي من كلب بن وبره في قضاعة كان من كبار الصحابة ولم يشهد بدرا وشهد أحدا وما بعدها من المشاهد وبقي إلى خلافة معاوية وهو الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قيصر في الهدنة وذلك في سنة ست من الهجرة فآمن به قيصر وأبت بطارقته أن تؤمن فأخبر بذلك دحية رسول الله صلى الله عليه


215
وسلم فقال ثبت ملكه في حديث طويل وذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشبه دحية الكلبي بجبريل عليه السلام انتهى

وذكره ابن حزم في الجماهر ( 458 ) وقال صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أتاه جبريل عليه السلام على صورته

وقال ابن إسحاق ( 2 233 2349 في غزوة الخندق ولما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني من الليلة التي ارتحلت فيها الأحزاب انصرف عن الخندق راجعا إلى المدينة هو ةالمسلمون ووضعوا السلاح فلما كانت الظهر أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثني الزهري معتجرا بعمامة من استبرق على بغله عليها رحالة عليها قطيفة من ديباج قال أوقد وضعت السلاح يا رسول الله قال نعم قال جبريل فما وضعت الملائكة السلاح بعد وما رجعت الآن إلا من طلب القوم إن الله يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قريظة فإني عامد غليهم فمزلزل بهم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنا فأذن في الناس من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا قريضة

( 234 ) ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفر من أصحابه بالصورين قبل أن يصل إلى بني قريظة فقال هل مر بكم أحد قالوا يا رسول الله قد مر بنا دحية بن خليفة الكلبي على بغلة بيضاء عليها رحالة عليها قطيفة ديباج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك جبريل بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم ويقذف الرعب في قلوبهم

وذكره ابن قتيبة في المعارف ( 329 ) أسلم قديما ولم يشهد بدرا وكان يشبه بجبريل لجماله وحسنة وإذا قدم المدينة لم تبق معصر إلا خرجت تنظر إليه

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

المسألة الأولى الفارابي ( 4 17 ) دحية الكلبي بفتح الدال وكسرها والحاء


216
ساكنة في اللغتين الذي كان جبريل عليه السلام في صورته وكان من أجمل الناس

المسألة الثانية في معجم البكري ( 846 ) الصوران بفتح أوله وإسكان ثانيه بعده راء مهملة تثنية صور وهو الجماعة من المخل موضع بين المدينة وبني قريظة وهناك مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفر من أصحابه قبل أن يصل إلى بني قريظة فقال هل مر بكم من أحد وساق الحديث بنحو ما ذكر ابن إسحاق

المسألة الثالثة في ديوان الأدب ( 2 289 ) أعصرت الجارية إذا أدركت وأنشد غيره [ من الرجز ]

جارية من سفوان دارها
قد أعصرت أوقد دنا إعصارها
ينحل من غلمتها إزارها

217
الباب السابع
في الترجمان
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول
في ضبط لغاته ومعناه وتصريف الفعل منه

أما الغات فثلاث الأولى فتح التاء والجيم معا والثانية ضمها معا والثالثة فتح التاء وضم الجيم

قال الجوهري ( 5 1928 ) هو الترجمان والجمع تراجم كزعفران وزعافر وصحصان وصحاصح ويقال ترجمان ولك أن تضم التاء لضمة الجيم فتقول ترجمان على يسروع ويسروع انتهى

وفي المشارق ( 1 120 ) الترجمان بفتح التاء وضم الجيم وضبطها الأصيلي بضمهما وحكي عن أبي علي فيه وجهان واستحب الضم وقال ابن عسكر في المشرع الروي الضم يدل على أن التاء أصل لأنه يكون على وزن فعللان كعترفان ولم يأت فعللان انتهى

قلت وقد خالف وضع الجوهري لهذه اللفظة في باب الراء والجيم والميم تمثيله له بزعفراء فإن وضع الباب يدل على زيادة التاء وتمثيله يدل على


218
أصالتها وأما القاضي عياض رحمه الله تعالى فقد وضعها في باب التاء وذلك يدل على أنها عنده أصلية

وأنشد يعقوب بن السكيت رحمه الله في إصلاح المنطق ( 96 ) له [ من الرجز ]

ومنهل وردته التقاطا
لم ألق إذ وردته فراطا
إلا الحمام الورق والقطاطا
فهن يلغطن به إلغاطا
كالترجمان لقي الأنباطا
الفصل الثاني
في ذكر من كان يترجم للنبي صلى الله عليه وسلم

1 ذكر من كان يترجم له باللسان في العمدة للتلمساني زيد بن ثابت الأنصاري النجاري رضي الله تعالى عنه كان يكتب للملوك ويجيب بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وكان ترجمانه بالفارسية والرومية والقبطية والحبشية تعلم ذلك بالمدينة من أهل هذه الألسن وذكر ابن هشام في البهجة نحوا منه

2 ذكر من كان يترجم له بالكتاب 1 كتاب السريانية في الاستيعاب ( 583 ) كانت ترد على رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب السريانية فأمر زيد بن ثابت فتعلمها في بضعة عشر يوما

وفي مختصر الطحاوي رحمه الله عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أتحسن السريانية إنه تأتيني كتب قال قلت لا قال فتعلمها قال فتعلمتها في سبعة عشر يوما


219

وفي الأحكام الصغرى ذكر أبو بكر ابن أبي شيبة رحمه الله تعالى في مسنده عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه تأتيني كتب من أناس لا أحب أن يقرأها كل أحد فهل تستطيع أن تعلم كتاب السريانية قال قلت نعم فتعلمتها في سبعة عشر

فائدة لغوية

في المشارق ( 2 214 ) السريانية بسكون الراء وتشديد الياء الأخيرة هي اللغة الأولى التي تكلم بها آدم والأنبياء عليهم السلام أكثر الشيوخ يقولونه بتشديد الراء ومتقنوهم يقولونه بسكونها وكذلك قيده الأصيلي 2 كتاب اليهود في الصحيح ( 9 94 ) للبخاري رحمه الله تعالى في الشواهد وفي التاريخ له ( 3 381 ) والنص من التاريخ عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له تعلم كتاب يهود فإني ما آمن يهود على كتابي فتعلمت في نصف شهر حتى كتبت إلى يهود وأقرأ له إذا كتبوا إليه

وفي مختصر الططحاوي رحمه الله تعالى عن زيد بن ثابت أيضا رضى الله تعالى عنه أنه قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتعلم كتاب يهود فما مر بي نصف شهر حتى تعلمت وقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما آمن يهود على كتابي فلما تعلمت كنت أكتب إلى يهود إذا كتب إليهم وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابهم

وخرج الترمذي ( 4 167 ) رحمه الله تعالى عن زيد بن ثابت أيضا رضي الله تعالى عنه قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعلم كتاب يهود وقال إني والله ما آمن يهود على كتابي قال فما مر بي نصف شهر حتى تعلمته


220
له قال فلما تعلمته كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابهم

قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح

تنبيه

قد تقدم من نسب زيد بن ثابت وأخباره رضي الله تعالى عنه ما أغنى عن إعادته هنا والحمد لله

الفصل الثالث
في معنى نهي عمر رضي الله تعالى عنه عن رطانة الأعاجم وكراهة مالك رحمه الله تعالى تعلم خطهم وأن ذلك غير مخالف للحديث الثابت بالأمر بتعلم ذلك

في البيان والتحصيل قال مالك رحمه الله تعالى أكره للرجل المسلم أن يطرح ابنه في كتاب العجم أن يتعلم الوقف كتاب العجمية وأكره للمسلم أن يعلم أحدا من النصارى الخط او غيره

وفي التهذيب للبرادعي ونهى عمر عن رطانة الأعاجم وقال إنها خب

وفي الصحاح ( 5 2124 ) للجوهري الرطانة الكلام بالأعجمية تقول رطنت له رطانة وراطنته إذا كلمته بها وتراطن القوم فيما بينهم

( 1 117 ) والخب الخداع تقول منه خببت يا رجل تخب خبا مثل علمت تعلم علما والخب والخبب الرجل الخداع

وقال ابن رشد في البيان والتحصيل في الكلام على قول مالك رحمه الله تعالى الكراهة في ذلك كله بينة أما تعليم الرجل ابنه كتاب العجم فللاشتغال بما لا منفعة فيه ولا فائدة له عما له فائدة ومنفعة مع ما فيه من إدخال السرور عليهم بإظهار المنفعة بكتابهم والرغبة في تعلمه وذلبك من توليهم وقد قال الله عز وجل ومن يتولهم منكم فإنه منهم ( المائدة 51 )


221

وأما تعليم المسلم النصراني فلما فيه من الذريعة إلى قراءتهم القرآن مع ما هم عليه من التكذيب له والكفر به وقد قال ابن حبيب في الواضحة إن ذلك ممن فعله مسقط لأمانته وشهادته انتهى ما ذكره ابن رشد رحمه الله

قلت وقد تبين من كلامه أن الذي يكره من تعلم خطهم وكتابهم هو ما لا يكون في تعلمه منفعة وأما ما في تعلمه منفعة للمسلمين كتعلمه لترجمة ما يحتاج إليه الإمام كما تعلمه زيد رضي الله تعالى عنه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم أو لما يحتاج إليه القاضي للفصل بين الخصوم وإثبات الحقوق أو للعاشر الذي يعشر أهل الذمة وتجار الحربيين لطلب ما يتعين عندهم لبيت المال أو لما يحتاج إليه في فكاك الأساري وماأشبه ذلك مما تدعو إليه الضرورة فغير مكروه


222
الباب الثامن
في الشاعر
وفيه ثلاث فصول
الفصل الأول
في ذكر شعراء النبي صلى الله عليه وسلم

من الاستيعاب ( 13324 1325 ) قال محمد بن سيرين كان شعراء المسلمين حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك وأما شعراء المشركين فعمرو بن العاص وعبد الله بن الزبعري وأبو سفيان بن الحارث

قال أبو عمر ( 342 ) قيل لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه اهج عنا القوم الذين يهجوننا فقال إن أذن لي النبي صلى الله عليه وسلم فعلت فقالوا يا رسول الله ايذن له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن عليا ليس عنده ما يراد في ذلك منه أو ليس ذلك هنالك ثم قال ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم

قال ابن سيرين ( 344 ) وانتدب لهجو المشركين ثلاثة من الأنصار حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة فكان حسان وكعب بن مالك يعارضانهم بمثل قولهم في الوقائع والأيام والمآثر ويذكران مثالبهم وكان عبد الله بن رواحة يعيرهم بالكفر وعبادة ما لا يسمع ولا ينفع فكان قوله يومئذ أهون القول عليهم وكان قول حسان وكعب أشد القول عليهم فلما أسلموا وفقهوا كان أشد القول عليهم قول عبد الله بن رواحة

قال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى ( 898 ) وفيه وفي صاحبيه حسان وكعب بن مالك نزل إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا


223
وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ( الشعراء 227 )

وخرج مسلم ( 2 260 ) رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إلى ابن رواحة فقال اهجهم فهجاهم فلم يرض فأرسل إلى كعب بن مالك ثم أرسل إلى حسان بن ثابت فلما دخل عليه قال حسان قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه ثم أدلع لسانه فجعل يحركه فقال والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تعجل فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها وإن لي فيهم نسبا حتى يلخص لك نسبي فأتاه حسان ثم رجع فقال يا رسول الله قد لخص لي نسبك والذي بعثك بالحق لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين قالت عائشة رضي الله تعالى عنها فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان إن روح القدس لا يزال يؤيددك ما نفحت عن الله ورسوله وقالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هجاهم حسان فشفى وأشفى قال حسان [ من الوافر ]

هجوت محمدا فأجبت عنه
وعند الله في ذاك الجزاء
هجوت محمدا برا حنيفا
رسول الله شيمته الوفاء
فإن أبي ووالده وعرضي
لعرض محمد منكم وقاء
ثكلت بنيتي إن لم تروها
تثير النقع غايتها كداء
يبارين الأعنة مصعدات
على أكتافها الأسل الظماء
تظل جيادنا متمطرات
تلطمهن بالخمر النساء
فإن أعرضتم عنا اعتمرنا
وكان الفتح وانكشف الغطاء
وإلا فاصبروا لضراب يوم
يعز الله فيه من يشاء
وقال الله قد أرسلت عبدا
يقول الحق ليس به خفاء

224
وقال الله قد يسرت جندا
هم الأنصار عرضتها اللقاء
لنا في كل يوم من معد
سباب أو قتال أو هجاء
أمن يهجو رسول الله منكم
ويمدحه وينصره سواء
وجبريل رسول الله فينا
وروح القدس ليس له كفاء

قلت هكذا ثبت في صحيح مسلم رحمه الله تعالى ثكلت بنيتي وغايتها كداء ويبارين الأعنة مصعدات

ورواه ابن إسحاق في السير عدمنا خيلنا وموعدها كداء وينازعن الأعنة مصعدات وهو أشعر

وزاد ابن إسحاق في هذه القصيدة في السير

أتهجوه ولست له بكفء
فشركما لخيركما الفداء

وقال الحاتمي في حلية المحاضرة ( 1 330 ) أنشد حسان النبي صلى الله عليه وسلم

عفت ذات الأصابع فالجواء

فلما انتهى إلى قوله

هجوت محمدا فأجبت عنه
وعند الله في ذاك الجزاء

قال له النبي صلى الله عليه وسلم جزاؤك على الله جل اسمه الجنة يا حسان فلما انتهى غلى قوله

فإن أبي ووالده وعرضي
لعرض محمد منكم وقاء

قال له النبي صلى الله عليه وسلم وقاك الله حر النار

فلما انتتهى إلى قوله

أتهجوه ولست له بكفء
فشركما لخيركما الفداء

قال من حضر هذا أنصف بيت قالته العرب


225

فائدتان لغويتان

الأولى في الديوان ( 4 151 3 30 ) الكفء بضم الفاء وسكونها والند بكسر النون لا غير وكلها بمعنى المثل يقال لا ند له أي لا مثل له

الثانية الجوهري ( 6 2453 ) الفداء إذا كسر أوله يمد ويقصر وإذا فتح فهو مقصور قال ابن القوطية والمد أفصح إذا كسر وروى البخاري ( 8 45 ) عن البراء قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان اهجهم أو قال هاجهم وجبريل معك

فائدتان لغويتان

الأولى في الصحاح ( 2 699 ) شعرت بالشىء بالفتح أشعر شعرا أي فطنت له ومنه قولهم ليت شعري أي ليتني علمت والشعر واحد الأشعار والشاعر جمعه الشعراء على غير قياس وقال الأخفش الشاعر مثل لابن وتامر أي صاحب شعر وسمي شاعرا لفطنته وما كان شاعرا ولقد شعر بالضم فهو يشعر والمتشاعر الذي يتعاطى الشعر وشاعرته فشعرته بالفتح أي غلبته بالشعر

الثانية في معجم البكري ( 1117 ) كداء بفتح أوله ممدود لا يصرف لأنه مؤنث جبل بمكة وكذا هذا الجبل هو عرفة بعينها قال حسان يوعد قريشا

عدمنا خيلنا إن لم تروها
تثير النقع موعدها كداء
الفصل الثاني
في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم

1 حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه في الاستيعاب ( 341 ) حسان بن ثابت بت النمذر بن حرام بن عمرو بن زيدمناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري الشاعر يكنى أبا الوليد وقيل أبا عبد الرحمن وقيل أبا الحسام وأمه الفريعة بنت خالد الأنصارية كان يقال له شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم وروينا عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها وصفت رسول الله


226
صلى الله عليه وسلم كان والله كما قال فيه شاعره حسان بن ثابت [ من الطويل ]
متى يبد في الداجي البهيم جبينه
يلح مثل مصباح الدجى المتوقد
فمن كان أو من قد يكون كأحمد
نظام لحق أو نكال لملحد

قال أبو عمر ( 342 ) رحمه الله تعالى وقال حسان حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم فقال حسان أنا لها وأخذ بطرف لسانه وقال والله يسرني به مقول بين بصرى وصنعاء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تهجوهم وأنا منهم وكيف تهجو أبا سفيان وهو ابن عمي فقال والله لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين فقال إيت أبا بكر فإنه اعلم بأنساب القوم منك فكان يمضي إلى أبي بكر ليقفه على أنسابهم فكان يقول له كف عن فلان وفلانة واذكر فلانة وفلانة فجعل حسان يهجوهم فلما سمعت قريش شعر حسان قالوا إنهذا الشعر ما غاب عنه ابن أبي قحافة أو من شعر ابن أبي قحافة فمن شعر حسان في أبي سفيان بن الحارث من الطويل ]

إن سنام المجد من آل هاشم
بنو بنت مخزوم ووالدك العبد
ومن ولدت أبناء زهرة منهم
كرام ولم يقرب عجائزك المجد
ولست كعباس ولا كابن أمه
ولكن لئيم ليس يوري له زند
وإن امرءا كانت سمية أمه
وسمراء مغمور إذ بلغ الجهد
وأنت هجين نيط في آل هاشم
كما نيط خلف الراكب القدح الفرد

فلما بلغ هذا أبا سفيان قال هذا كلام لم يغب عنه ابن أبي قحافة

وروى مسلم ( 2 260 ) عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت قال حسان يا رسول الله إيذن لي في ابي سفيان قال كيف بقرابتي منه قال والذي أكرمك لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين فقال حسان


227
وإن سنام المجد من آل هاشم
بنو بنت مخزوم ووالدك العبد

قصيدته هذه

قال أبو عمر ( 343 ) يعني بقوله بنت مخزوم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم فيما ذكر أهل النسب وهي أم أبي طالب وعبد الله والزبير بني عبد المطلب وقوله ومن ولدت أبناء زهرة منهم يعني حمزة وصفية أمهما هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة والعباس وابن أمه شقيقه ضرار بن عبد المطلب أمهما نثيلة امرأة من النمر بن قاسط وسمية أم أبي سفيان وسمراء أم أبيه

قال ( 349 ) ومن جيد شعر حسان ما ارتجله بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم في حين قدوم بني تميم إذ أتوه بخطيبهم وشاعرهم ونادوه من وراء الحجرات أن اخرج إلينا يا محمد فانزل الله فيهم إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون

ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراص لهم ( الحجرات 4 5 ) وكانت حجراته صلى الله عليه وسلم تسعا كلها شعر معلقة من خشب العرعر فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم وخطب خطيبهم مفتخرا فلما سكت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس بن شماس أن يخطب بمعنى ما خطب به خطيبهم فخطب ثابت بن قيس فأحسن ثم قام شاعرهم وهو الزبرقان بن بدر فقال [ من البسيط ]
نحن الملوك فلا حي يقاربنا
فينا العلاء وفينا تنصب البيع
ونحن نطعم عند القحط مطعمنا
من الشواء إذا لم يؤنس القزع
وتنحر الكوم عبطا في أرومتها
للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا
تلك المكارم حزناها مقارعة
إذا الكرام على أمثالها اقترعوا

( 350 ) ثم جلس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان قم فقام وقال


228
إن الذوائب من فهر وإخوتهم
قد بينوا سنة للناس تتبع
يرضى بها كل من كانت سريرته
تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم
أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
سجية تلك فيهم غير محدثة
إن الخلائق فاعلم شرها البدع
إن كان في الناس سباقون بعدهم
فكل سبق لأدنى سبقهم تبع
لا يرقع الناس ما أوهت أكفهم
عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا
ولا يضنون عن جار بفضلهم
ولا يمسهم في مطمع طبع
أعفة ذكرت في الوحي عفتهم
لا يبخلون ولا يرديهم طمع
خذ منهم ما اتوا عفوا إذا غضبوا
ولا يكن همك الأمر الذي منعوا
فإن في حربهم فاترك عداوتهم
شرا يخاض إليه الصاب والسلع
أكرم بقوم رسول الله شيعتهم
إذا تفرقت الأهواء والشيع

فقال التميميون عند ذلك وربكم إن خطيب القوم أخطب من خطيبنا وإن شاعرهم أشعر من شاعرنا وما أنصفنا وما قاربنا

قال ابن إسحاق في السير ( 2 567 ) فلما فرغ القوم أسلموا وجوزهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسن جوائزهم

قال أبو عمر ( 351 ) وتوفي حسان بن ثابت رحمه الله تعالى قبل الأربعين في خلافة علي رضي الله تعالى عنه وقيل بل مات سنة خمسين وقيل بل سنة أربع وخمسين ولم يختلفوا أنه عاش مائة وعشرين سنة منها ستون في الجاهلية وستون في الإسلام

فائدتان لغويتان

الأولى قوله كما نيط خلف الراكب القدح الفرد في الغريبين في الحديث لا تجعلوني كقدح الراكب أراد لا تؤخروني في الكر والراكب يعلق قدحه في آخرة رحله عند فراغه ويجعله خلفه قال حسان كما نيط خلف الراكب القدح الفرد


229

الثانية في الصحاح ( 3 1253 ) الطبع بالتحريك الدنس تقول فيه طبع الرجل بالكسر

2 عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه من الاستيعاب ( 898 ) عبد الله بن رواحة بن ثعلةبن امرىء القيس الأكبر بن مالك الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي أحد النقباء شهد العقبة وبدرا وأحدا والحديبية وعمرة القضاء والمشاهد كلها إلا الفتح وما بعدها لأنه قتل يوم مؤتة شهيدا وهو أحد الأمراء في غزاة مؤتة وأحد الشعراء المحسنين الذين كانوا يردون الأذى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

روى البخاري ( 8 44 ) رحمه الله تعالى عن الهيثم بن أبي سنان أنه سمع أبا هريرة رضي الله تعالى عنه في قصصه يذكر النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن أخاكم لا يقول الرفث يعني بذلك ابن رواحة قال [ من الطويل ]

وفينا رسول الله يتلو كتابه
إذا انشق معروف من الفجر ساطع
أرنا الهدى بعد العمى فقلوبنا
به موقنات أن ما قال واقع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه
إذا استثقلت بالكافرين المضاجع

قال أبو عمر ( 900 ) روى هشام بن عروة عن أبيه قال سمعت أبي يقول ما سمعت أحدا أجرى ولا أسرع شعرا من عبد الله بن رواحة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له يوما قل شعرا تقتضيه الساعة فأنا أنظر إليك فانبعث مكانه يقول [ من البسيط

إنني تفرست فيك الخير أعرفه
والله يعلم أن ما خانني البصر

230
أنت النبي ومن يحرم شفاعته
يوم الحساب فقد أودي به القدر
فثبت الله ما آتاك من حسن
تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت فثبتك الله يا ابن رواحة

وعن ابي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره في اليوم الحار الشديد الحر حتى أن الرجل ليضع يده من شدة الحر على رأسه وما في القوم صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة

وفي السير ( 2 354 ) قال ابن اسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث عبد الله بن رواحة إلى أهل خيبر خارصا بين المسلمين ويهود فيخرص عليهم فإذا قالوا تعديت علينا قال إن شئتم فلكم وإن شئتم فلنا فتقول يهود بهذا قامت السماوات والأرض

قال ابن إسحاق ( 2 354 ) وإنما خرص عليهم عبد الله بن رواحة عاما واحدا ثم أصيب بمؤتة يرحمه الله فكان جبار بن صخر بن أمية بن خنساء أخو بني سلمة هو الذي يخرص عليهم بعد عبد الله بن رواحة

قال أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب ( 900 ) قصة عبد الله بن رواحة مع زوجته حين وقع على أمته مشهورة رويناها من وجوه صحاح وذاك أنه مشى ليلا إلى أمة له فنالها وفطنت له امرأته فلامته فجحدها وكانت قد رأت جماعة لها فقالت له إن كنت صادقا فاقرأ القرآن فقال [ من الوافر ]

شهدت بأن وعد الله حق
وأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طاف
وفوق العرش رب العالمينا

فقالت امرأته صدق الله وكذبت عيني وكانت لا تحفظ القرآن ولا تقرأه


231

فائدة لغوية

في الصحاح ( 1 203 ) اقتضاب الكلام ارتجاله تقول هذا شعر مقتضب وكتاب مقتضب

3 كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه في السير ( 2 519 ) كعب بن مالك بن أبي كعب بن القين أخو بني سلمة

وفي الجماهر ( 360 ) لابن حزم اسم أبي كعب عمرو بن القين بن سواد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة

وأنشد ابن إسحاق ( 2 132 133 136 ) في أشعار يوم أحد [ من الطويل ]

الا هل أتى غسان عنا ودونهم
من الأرض خرق سيره متتعتع
مجالدنا عن ديننا كل فخمة
مذربة فيها القوانس تلمع

قال وكان كعب قال مجالدنا عن جذمنا كل فخمة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيصلح أن تقول مجالدنا عن ديننا فقال كعب نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أحسن فقال كعب مجالدنا عن ديننا على ما قال النبي صلى الله عليه وسلم

وقال ابن هشام ( 2 261 ) لما قال كعب بن مالك [ من الكامل ]

جاءت سخينة كي تغالب ربها
وليغلبن مغالب الغلاب

فقال رسول الله صلى الله عليه ويسلم لقد شكرك الله يا كعب على قولك هذا

وفي الاستيعاب ( 1323 ) يكنى أبا عبد الله وقيل أبا عبد الرحمن كان قد غلب في الجاهلية أمر الشعر وعرف به ثم أسلم وكان أحد شعراء النبي صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يردون الأذى عنه

( 1325 ) وعن الزهري أن كعب بن مالك قال يا رسول الله ماذا ترى في الشعر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه


232
( 1324 ) شهد رضي الله تعالى عنه العقبة الثانية ولم يشهد بدرا وشهد أحدا والمشاهد كلها حاشا تبوك فغنه تخلف عنها وقد قيل إنه شهد بدرا فالله تعالى أعلم وهو أحد الثلاثة الأنصار الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وهم كعب بن مالك الشاعر هذا وهلال بن أمية ومرارة بن ربيعة فتاب الله تعالى عليهم وعذرهم وغفر لهم ونزل القرآن المتلو قال الله عز وجل وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت علهم الأرض بما رحبت ( التوبة 118 ) وكان كعب بن مالك يوم أحد لبس لأمة النبي صلى الله عليه وسلم وكانت صفراء ولبس النبي صلى الله عليه وسلم لأمته فجرح كعب بن مالك أحد عشر جرحا

وعن ابن سيرين قال بلغني أن دوسا إنما أسلمت فرقا من قول كعب بن مالك [ من الوافر ]

قضينا من تهامة كل وتر
وخيبر ثم أجمعنا السيوفا
نخبرها ولو نطقت لقالت
قواطعهن دوسا أو ثقيفا

فقالت دوس انطلقوا فخذوا لأنفسكم لا ينزل بكم ما نزل بثقيف

وتوفي كعب بن مالك في خلافة معاوية سنة خمسين وقيل سنة ثلاث وخمسين وهو ابن سبع وسبعين سنة يعد في المدنيين انتهى

الفصل الثالث
في استعمال خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حسان بن ثابت في مجاوبة من خاطبه بالشعر

من الذيل لابن فتحون صهبان بن شمر بن عمرو الحنفي سيد أهل قران كان ممن ثبت على إسلامه في الردة وكان عينا للمسلمين فيهم وغيظا


233
لمسيلمة ولا يجدون إليه سبيلا لشرفه وطاعة قومه له ولما ظهر من أمر الردة ما ظهر كتب إلى أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أما بعد فإنما أهل اليمامة خرجوا من ذمة الله ورسوله ومن يخرج منها يخذل وإني لست فيهم بذي براءة فأعتذر ولا لي فيهم قوة فأنتصر ولكني لا أزال أقوم فيهم مقاما يطول لي فيه اللسان وتقصر عني فيه اليد أفك به العاني وأراد به المرتاب والناس فينا ثلاثة أصناف كافر مفتون ومؤمن مقهور وشاك مغتوم ولم ينف البلاء عنهم إلا بلوغ الكتاب ولكل أجل كتاب وبعث معه شعرا [ من البسيط ]
أغوى حنيفة شر الناس كلهم
دخلا وأكذب من يحفى وينتعل
[ إني بريء إلى الصديق معتذر
مما مسيلمة الكذاب ينتحل ]
إني إليكم بريئ من جريمته
تجري بذلك مني الكتب والرسل
إني وناسا قليلا من عشيرته
عمي العيون وفي أسماعنا ثقل
عما يزخرفه لسنا نوادعه
فيما يجىء به ما حنت الإبل
لا أقلع الدهر جهدي عن مساءتهم
بالمخزيات وإن خفوا وإن جهلوا

ففرح أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه بكتابه والمسلمون ورووا شعره شعره وراجعه يشكر له ذلك ويعده بالنصر وأمر حسانا فراجعه بشعر يتوعد فيه أهل الردة ويشكر له ثباته أوله [ من الوافر ]

أتانا ما يقول أخو سحيم
فعزت بالذي قال العيون

وآخره

فنعم المرء صهبان بن شمر
له في قومه حسب ودين

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

الأولى قوله شاك مغتوم في الصحاح ( 5 1995 ) الغتمة العجمة


234
والأغتم الذي لا يفصح شيئا والجمع غتم ورجل غتمي بالغين المعجمة والتاء المثناة

الثانية صهبان بالصاد المهملة المضمومة في الاشتقاق لابن سيد صهبان جمع أصهب والألف والنون زائدة كما تقول أحمر وحمران

الثالثة في الديوان ( 1 182 ) شمر بكسر الشين وسكون الميم من أسماء الرجال وفي الاشتقاق لابن سيد هو من التشمير في الأمر والجد فيه أو من تشمير الثوب


235
الباب التاسع
في ذكر الخطيب في غير الصلوات
وفيه فصلان
الفصل الأول
في ذكر من كان خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم

من الجماهر ( 364 ) لابن حزم ثابت بن قيس بن الشماس خطيب رسول اله صلى الله عليه وسلم وهو ممن شهد له بالجنة

ومن الاستيعاب ( 200 ) كان ثابت بن قيس خطيب الأنصار ويقال له خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يقال لحسان بن ثابت شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم

فائئدة لغوية

في الصحاح ( 1 121 ) خطبت على المنبر خطبة بالضم وخطبت المرأة خطبة بالكسر واختطبت أيضا فيهما والخطيب الخاطب وخطب بالضم خطابة صار خطيبا

وفي المحكم خطب الخاطب على المنبر يخطب خطابة واسم الكلام الخطبة وخطب المرأة يخطبها خطبا وخطبة

وقال ثعلب خطب على القوم فجعلها مصدرا ولا أدري كيف ذلك إلا أن يكون وضع الاسم موضع المصدر


236
وذهب أبو إسحاق إلى أن الخطبة عند العرب الكلام المنثور المسجع ونحوه
الفصل الثاني
في ذكر نسبه وأخباره

قال أبو عمر في الاستيعاب ( 200 ) ثابت بن قيس بن شماس بن مالك بن امرىء القيس الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج

وقال ابم حزم في الجماهر ( 364 ) ثابت بن قيس بن الشماس بن أبي زهير بن مالك بن ثعلبة القيسي فزاد أبا زهير قال أبو عمر يكنى أبا محمد وقيل أبا عبد الرحمن شهد أحدا وما بعدها من المشاهد وقتل يوم اليمامة شهيدا في خلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنه

وروى النسائي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال لما نزلت يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أاعمالكم وأنتم لا تشعرون ) ( الحجرات 2 ) قال ثابت بن قيس أنا الذي كنت أرفع صوتي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وإني أخشى أن يكون الله غضب علي فحزن واصفر ففقده النبي صلى الله عليه وسلم فسأل عنه فقيل يا نبي الله إنه يقول إني أخشى أن أكون من أهل الناروإني كنت أرفع صوتي عند النبي صلى الله عليه وسلم قال نبي الله صلى الله عليه وسلم هو من أهل الجنة قال فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجلا من أهل الجنة

ومن السير ( 2 559 ) لابن إسحاق لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وفرغ من تبوك وأسلمت ثقيف وبايعت ضربت إليه وفود العرب من كل وجه


237

قال ابن هشام ( 2 560 ) حدثني أبو عبيدة أن ذلك في سنة تسع وأنها كانت تسمى سنة الوفود

قال ابن إسحاق ( 2 560 561 562 ) فقدم عليه عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس التميمي في أشراف من بني تميم فيهم الأقرع بن حابس والزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم وغيرهم في وفد عظيم من بني تميم فلما دخلوا المسجد نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء حجراته أان اخرج إلينا يا محمد فآذى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من صياحهم فخرج إليهم فقالوا جئناك يا محمد لنفاخرك فأذن لشاعرنا وخطيبنا قال قد أذنت لخطيبكم فليقل فقام عطارد بن حاجب فقال الحمد لله الذي له علينا الفضل والمن وهو أهله الذي جعلنا ملوكا ووهب لنا أمولا عظاما نفعل فيها المعروف وجعلنا أعز أهل المشرق وأكثره عددا وأيسره عدة فمن مثلنا في الناس ألسنا برؤوس الناس وأولي فضلهم فمن فاخرنا فليعد مثل ما عددنا وإنا لو نشاء لأكثرنا الكلام ولكنا نحيا من الإكثار فيما أعطانا وإنا نعرف بذلك أقول هذا لأن تأتوا بمثل قولنا أو أمر أفضل من أمرنا ثم جلس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن الشماس أخي بني الحارث بن الخزرج قم فأجب الرجل في خطبته فقام ثابت بن قيس فقال الحمد لله الذي السموات والأرض خلقه قضى فيهن أمره وسع كرسيه علمه ولم يك شيء قط إلا من فضله ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكا واصطفى من خير خلقه رسولا أكرمه نسبا وأصدقه حديثا وأفضله حسبا فأنزل عليه كتابه وائتمنه على خلقه فكان خيرة الله من العالمين ثم دعا الناس إلى الإيمان به فآمن برسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرون من قومه وذوي رحمه أكرم الناس أحسابا وأحسن الناس وجوها وخير الناس فعالا ثم كان أول الخلق إجابة واستجاب لله حين دعاه رسول الله صلىالله عليه وسلم نحن فنحن الأنصار أنصار الله ووزراء رسول الله نقاتل الناس حتى يؤمنوا فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه ومن كفر جاهدناه في الله أبدا وكان قتله علينا يسيرا أقول هذا واستغفر الله لي وللمؤمنين والمؤمنات والسلام عليكم ورحمة الله


238

وساق بقية الحديث من قيام الزبرقان بن بدر وإنشاده ومجاوبة حسان له بنحو ما تقدم في أخبار حسان في باب الشاعر

وقال أبو عمر رحمه الله تعالى في الاستيعاب 202 كان على ثابت بن قيس لما قتل يوم اليمامة شهيدا رحمه الله تعالى ورضي عنه درع نفيسة فمر به رجل من المسلمين فأخذها فبينا رجل من المسلمين نائم إذ أتاه ثابت فقال له إني أوصيك بوصية فإياك أن تقول هذا حلم فتضيعه إني لما قتلت أمس مر بي رجل من المسلمين فأخذ درعي ومنزله في أقصى الناس وعند خبائه فرس يستن في طوله وقد كفأ على الدرع برمة وفوق البرمة رحل فأت خالدا فمره أن يبعث إلى درعي فيأخذها وإذا قدمت المدينة على خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه فقل له إن علي من الدين كذا وكذا وفلان من رقيقي عتيق وفلان فأتى الرجل خالدا فأخبره فبعث إلى الدرع فأتى بها وحدث أبا بكر برؤياه فأجاز وصيته وقال ولا نعلم أحدا أجيزت وصته بعد موته غير ثابت بن قيس رحمه الله تعالى انتهى

فوائد لغوية

الأولى في المحكم ( 1 291 ) عدس وعدس ففي تميم بضم الدال وفي سائر العرب بفتحها وفي الصحاح ( 2 944 ) عدس مثل قثم اسم رجل وهو زرارة بن عدس

الثانية في الصحاح ( 6 2323 ) قال أبو زيد حييت منه أحيا استحييت ويقال استحيت بياء واحدة وأصله استحييت ويقال استحياه واستحيا منه بمعنى من الحياء

الثالثة في الصحاح ( 1 68 ) كفأت الإناء كببته وأكفأته أملته والإكفاء في الشعر أن يخالف بين قوافيه بعضها ميم وبعضها نون وقال الفراء هو أن يخالف بين حركات الروي وهو مثل الإقواء


239
الباب العاشر
في كاتب الجيش
وفيه خمسة عشر فصلا
الفصل الأول
في أمر النبي عليه السلام بكتب الناس وثبوت العمل بذلك في عصره صلى الله عليه وسلم

روى البخاري ( 4 87 ) رحمه الله بسنده عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم اكتبوا لي من يلفظ بالإسلام من الناس فكتبنا له ألفا وخمسمائة رجل فقلنا نخاف ونحن ألف وخمسمائة فلقد رأيتنا ابتلينا حتى إن الرجل ليصلي وحده وهو خائف

وروى مسلم ( 1 380 381 ) رحمه الله تعالى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يقول لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم فقام رجل فقال يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا قال انطلق فحج مع امرأتك

ورواه البخاري ( 4 72 ) رحمه الله تعالى أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني اكتتبت في غزوة كذا وكذا وامرأتي حاجة قال ارجع فحج مع امرأتك


240
وأنشد ابن إسحاق في السير ( 2 471 ) في أشعار يوم حنين لضمضم بن الحارث السلمي [ من الكامل ]
إذ لا أزال على رحالة نهدة
جرداء تلحق بالنجاد إزاري
يوما على أثر النهاب وتارة
كتبت مجاهدة مع الأنصار

فائدة لغوية

في المحكم الجيش الجند وقيل جماعة الناس في الحرب والجمع جيوش وفي الصحاح ( 3 999 ) يقال جيش فلان أي جمع الجيوش واستجاشه أي طلب منه جيشا وفي الأفعال لابن طريف جاش الماء ارتفع وكذلك حركة القوم ومنه الجيش

الفصل الثاني
في ذكر من تولى ذلك في عهده عليه السلام

قد ثبت في الحديث الذي تقدم عن البخاري رحمه الله تعالى أن ممن تولى ذلك حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه

من الاستيعاب ( 334 ) حذيفة بن اليمان يكنى أبا عبد الله واسم اليمان حسيل بن جابر واليمان لقب وهو حذيفة بن حسل ويقال حسل ويقال حسيل قاله في اسم والده ابن جابر بن عمرو بن ربيعة بن جروة بن الحارث بن مازن بن قطيعة بن عبس العبسي القطعي من بني عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان حليف لبني عبد الأشهل من الأنصار وإنما قيل لأبيه حسيل اليمان لأنه من ولد اليمان جروة بن الحارث وكان جروة بن الحارث يقال له اليمان وإنما سمي اليمان لأنه أصاب في قومه دما فهرب إلى المدينة فحالف بني عبد الأشهل فسماه قومه اليمان لأنه حالف اليمانية شهد حذيفة وأبوه حسيل وأخوه صفوان


241
أحدا وقتل أباه يومئذ بعض المسلمين وهو يحسبه من المشركين فتصدق ابنه حذيفة بديته على من أصابه من المسلمين

قلت قاله في اسم والده وذكره ابن إسحاق في السير أيضا

وقال أبو الفرج الجوزي رحمه الله تعالى في الصفوة ( 1 249 ) في سبب غيبته عن حضور بدر قال خرج حذيفة وأبوه فأخذهما كفار قريش فقالوا أنكما تريدان محمدا فقالا ما نريد إلا المدينة فأخذوا منهما عهدا ألا يقاتلا مع النبي صلى الله عليه وسلم وأن ينصرفا إلى المدينة فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه وقالا إن شئت قاتلنا معك فقال بل تفيان ونستعين بالله عليهم ففاتهما بدر وشهد حذيفة أحدا وما بعدها

قال أبو عمر كان حذيفة من كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق ينظر إلى قريش فجاءه بخبر رحيلهم وهو معروف في الصحابة بصاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عمر يسأله عن المنافقين وينظر إليه عند موت من مات منهم فإن لم يشهد جنازته حذيفة لم يشهد عمر

مات حذيفة سنة ست وثلاثين بعد قتل عثمان في أول خلافة علي وقيل سنة خمس وثلاثين والأول أصح وكان موته بعد أن أتى نعي عثمان إلى الكوفة ولم يدرك الجمل

وفي تاريخ بغداد ( 1 162 ) للخطيب ولاه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنهما المدائن فأقام بها إلى حين وفاته سنة ست وثلاثين بعد قتل عثمان بأربعين ليلة


242

فائدتان لغويتان

الأولى جروة جد حذيفة بضم الجيم كذلك ضبطه الحافظ أبو علي الغساني حيثما وقع في الاستيعاب بخطه

الثانية في الصحاح ( 6 2219 ) اليمن بلاد العرب والنسبة إليهم يمني ويمان مخففة والألف عوض من ياء النسب ولا يجتمعان وقال سيبويه وبعضهم يقول يماني بالتشديد وقوم يمانية ويمانون مثل ثمانية وثمانون وامرأة يمانية أيضا وأيمن الرجل ويمن ويامن إذا أتى اليمن وكذلك إذا أخذ في سيره يمينا يقال يا من يا فلان بأصحابك أي خذ بهم يمنة ولا تقل تيامن بهم والعامة تقوله

الفصل الثاني
في ثبوت العطاء
في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم

روى أبو داود ( 2 123 ) رحمه الله تعالى عن عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه الفيء قسمه في يومه فأعطى الآهل حظين وكان لي أهل ثم دعا بعدي عمار بن ياسر فأعطاه حظا واحدا

وروى مالك في الموطأ ( 163 ) رحمه الله تعالى عن القاسم بن محمد أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه كان إذا أعطى الناس أعطياتهم يسأل الرجل هل عندك من مال وجبت عليك فيه الزكاة فإن قال نعم أخذ من عطائه زكاة ذلك المال وإن قال لا أسلم إليه عطاؤه ولم يأخذ منه شيئا

فوائد لغوية في أربع مسائل

المسألة الأولى في الفىء لغة في الصحاح ( 1 63 ) فاء يفىء فيئا رجع وأفاءة غيره رجعه وفلان سريع الفىء من غصبه وفي المحكم فاء إلى الأمر وفاءه فيئا وفيوءا رجع إليه وأفاء واستفاء كفاء وفاء من غضبه رجع وإنه


243
لسريع الفىء أي الرجوع والفيء ما كان شمسا فنسخه الظل وفاء الفيء تحول

المسالة الثانية في الفيء في الشرع قال ابن شأس في الجواهر الفيء كل مال فاء للمسلمين من الكفار من خمس وجزية أهل العنوة وأهل الصلح وخراج أرضهم وما صولح عليه الحربيون من هدنة وماأخذ من تجار الحربيين وتجار أهل الذمة وخمس الركاز وخمس المعادن وقال أبةو عبيد في كتاب الأموال ( 24 ) هو الذي يعم المسلمين غنيهم وفقيرهم فيكون في أعطية المقاتلة وأرزاق الذرية وما ينوب الإمام من أمور [ الناس ] بحسن النظر للإسلام وأهله

المسألة الثالثة العطاء قال القاضي أبو الوليد الباجي رحمه الله تعالى في المنتقى الأعطية في اللغة اسم لما يعطيه الإنسان غيره على أي وجه كان إلا أنه في الشرع واقع على ما يعطيه الإمام الناس غيره على أي وجه كان إلا أنه في الشرع واقع على ما يعطيه الإمام الناس من بيت المال على سبيل الأرزاق وفي المحكم ( 2 223 ) العطاء والعطية المعطى والجمع أعطية وأعطيات جمع الجمع وفي الصحاح ( 6 2430 ) أعطاه مالا والاسم العطاء والعطية الشىء المعطى والجمع العطايا

المسألة الرابعة الاطماع في الكتاب المظفري الطمع رزق الجند أمر بأطماعهم أي بأرزاقهم وفي المحكم ( 1 352 ) وأطماع الجند أرزاقهم وقيل أوقات قبضها واحدها طمع

الفصل الرابع
في وضع عمر رضي الله تعالى عنه الديوان والسبب لذذلك

من تاريخ ابن الأثير ( 2 502 ) وفي سنة خمس عشرة من الهجرة فرض عمر رضي الله تعالى عنه الفروض ودون الدواوين وأعطى العطايا


244

ومن الأحكام السلطانية ( 199 ) للماوردي اختلف الناس في السبب الذي حمل عمر رضي الله تعالى عنه على ذلك فقال قوم إنه بعث بعثا وعنده الهرمزان فقال لعمر هذا بعث قد اعطيت أهله الأموال فإن تخلف منهم رجل أخل بمكانه من أين يعلم به فأثبت لهم ديونا فسأله عمر عن الديوان حتى فسره له

وقال آخرون سببه أن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه قدم عليه بمال من البحرين فقال عمر ماذا جئت به فقال خمسمائة ألف درهم فاستكثره عمر وقال أتدري ما تقول قال نعم مائة ألف خمس مرات فصعد عمر المنبر فحمد الله وأثنى عليه بماهو أهله ثم قال أيها الناس قد جاءنا مال كثير فإن شئتم كلناه لكم كيلا وإن شئتم عددناه لكم عدا فقام إليه رجل فقال يا أمير المؤمنين قد رأيت الأعاجم يدونون ديوانا لهم فدون أنت ديوانا فاستشار عمر رضي الله تعالى عنه المسلمين في تدوين الدواوين فقال علي رضي الله تعالى عنه تقسم كل سنة ما اجتمع إليك من المال ولا تمسك منه شيئا وقال عثمان رضي الله تعالى عنه إرى مالا كثيرا يسع الناس وإن لم يحصوا حتى يعلم من أخذ ممن لم يأخذ خشيت أن ينتشر الأمر فقال خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه قد كنت بالشام فرأيت ملوكا دونوا دواوين وجندوا أجنادا فدون ديوانا وجند جنودا فأخذ بقوله ودعا عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم وكانوا من شباب قريش فقال اكتبوا الناس على منازلهم

فائدة لغوية

في الصحاح ( 3 1097 ) الفرض العطية المرسومة يقال ما أصبت منه فرضا ولا قرضا وأفرضته إذا اعطيته وفرضت له في العطاء وفرضت له في الديوان


245
الفصل الخامس
ذكر من تولى كتابة الديوان في عصر عمر رضي الله تعالى عنه

تولى ذلك النفر الثلاث الذين ذكرهم الماوردي وهم

1 عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي يجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في عبد المطلب

قال أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب ( 1078 ) يكنى أبا يزيد وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا يزيد إني أحبك حبين حبا لقرابتك مني وحبا لما كنت أعلم من حب عمي إياك أسلم رضي الله تعالى عنه قبل الحديبية وشهد غزوة مؤتة وكان أسن من أخيه جعفر رضي الله تعالى عنهما بعشر سنين وكان جعفر أسن من علي رضي الله تعالى عنهما بعشر سنين وكان عقيل أنسب قريش وأعلمهم بأيامها وكانت له طنفسة تطرح في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجتمع إليه في علم النسب وأيام العرب وتوفي في خلافة معاوية رضي الله تعالى عنهما

2 ومخرمة بن نوفل القرشي قال أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب ( 1380 ) كان من مسلمة الفتح وكان له سن وعلم بأيام قريش وكان يؤخذ عنه النسب وكان أحد علماء قريش يكنى أبا صفوان وقيل أبا المسور بابنه المسور وقيل أبا الأسود وأبو صفوان أكثر وكان شهما أبيا وهو أحد المؤلفة قلوبهم وممن حسن إسلامه منهم

مات بالمدينة في زمن معاوية سنة أربع وخمسين وقد بلغ مائة سنة وخمس عشرة وكف بصره في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه

3 وجبير بن مطعم القرشي النوفلي قال أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب ( 232 ) يكنى أبا محمد وقيل أبا عدي وكان من أنسب قريش


246
لقريش والعرب قاطبة أسلم عام الفتح وقيل عام خيبر وذكره بعضهم في المؤلفة قلوبهم وفيمن حسن إسلامه منهم ومات سنة سبع وخمسين وقيل سنة تسع وخمسين في خلافة معاوية

فائدة لغوية الطنفسة في المشارق ( 1 340 ) يقال بضم الطاء والفاء وبكسرهما وبكسر الطاء وفتح الفاء وهو الأفصح وحكى أبو حاتم الكسر والفتح في الطاء وأما الفاء فالكسر لا غير وهي النمرقة وهي بساط صغير

الفصل السادس
في بيان قولهم في عمر رضي الله تعالى عنه إنه أول من دون الدواوين وفرض الأعطيات

قلت قد ثبت بما تقدم من صحيح الحديث في صدر الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بكتابة الناس وأنهم كتبوا في عصره صلى الله عليه وسلم وأنه كان صلى الله عليه وسلم يقسم الفيء وأن أبا بكر كان يعطي الناس الأعطيات ثم اتفق أهل الأثر وأصحاب الأخبار والسير على أن عمر رضي الله تعالى عنه أول من وضع الديوان في الإسلام وفرض الأعطيات وهذا غير مخالف لما تقدم فإنهم يعنون أنه أول من دون الدواوين للعطاء ورتب الناس فيها وقدر الأعطيات ولأن كتابة الناس في عصر النبي صلى الله عليه وسلم إنما كانت في أوقات نحو كتبهم حين أمر حذيفة رضي الله تعالى عنه بإحصاء الناس ونحو كتب من تعين منهم في بعث من البعوث كما في خبر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وكذلك العطاء في عصره صلى الله عليه وسلم لم يكن في وقت معين ولا مقدارا معينا فلما كانت خلافة عمر رضي الله تعالى عنه وكثر الناس وجبيت الأموال وفرضت الأعطيات وتأكدت الحاجة إلى ضبطهم وضع الديوان بعد مشاورته للصحابة رضي الله تعالى عنهم وهذا كما قالوا في عثمان رضي الله تعالى


247
عنه إنه أول من جمع مصحف القرآن وقد كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه جمعه في صحف وبقيت تلك الصحف عند حفصة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها إلى زمن عثمان رضي الله تعالى عنه ذكر ذلك أبو محمد ابن عطية وغيره وكان جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم قد جمعوه أيضا قبل ذلك ومن أشهرهم عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه

قال أبو عمر ابن عبد البر ( 992 ) إن رجلا جاء إلى عمر وهو بعرفات فقال جئتك من الكوفة وتركت بها رجلا يملي المصاحف عن ظهر قلب فغضب لذلك عمر غضباص شديدا وقال ويحك من هو قال عبد الله بن مسعود فذهب عنه ذلك الغضب وسكن وعاد إلى حاله وقال والله ما أعلم من الناس أحدا هو أحق بذلك منه انتهى

وقالوا إن عثمان رضي الله تعالى عنه حين أكمل كتب المصحف أمر بانتزاع ما عند الصحابة من المصاحف فانتزعت إلا مصحف عبد الله بن مسعود فهذا يدل على أنه قد كانت مصاحف جمعت قبل مصحف عثمان وإنما نسبوا ذلك إليه لأنه المصحف الذي بعثت نسخه إلى الأمصار وأتم المسلمون به في جميع الأقطار

فائدة لغوية

في المحكم ( 4 207 ) ظهر القلب حفظه عن غير كتاب وقد قرأه ظاهرا واستظهره

الفصل السابع
في معنى الديوان والزمام

أما الديوان فقال ابن السيد في الاقتضاب ( 1 192 ) الديوان اسم أعجمي أصله دوان بواو مشددة فقلبت الواو الأولى منهما ياء لانكسار ما قبلها بدليل قولهم في جمعة دواوين وفي تصغيره دويوين فرجعت الواو حين ذهبت


248
الكسرة قال ومن العرب من يقول في جمعه دياوين بالياء وأنشد [ من الوافر ]
عداني أن أزورك أم عمرو
دياوين تشقق بالمداد

وقال ابن قتيبة في صناعة الكتابة له وإنما جمعوه بالياء على لفظه قال وداله بالكسر ولا تفتح

قال ابن السيد ( 1 192 193 ) وفي ديوان شذوذ عما عليه جمهور الأسماء في الاعتلال قال والأصل في تسميتهم الديوان ديوانا أن كسرى أمر كتابه أن يجتمعوا في دار واحدة ويعملوا حساب السواد في ثلاثة أيام وأعجلهم فيه فأخذوا في ذلك واطلع عليهم لينظرو ماذا يصنعون فنظر إليهم يحسبون بأسرع ما يمكن وينسخون كذلك فعجب من كثرة حركتهم فقال أي ديوانه ومعناه هؤلاء مجانين وقيل معناه شياطين فسمي موضعهم ديوانا واستعملته العرب وجعلوا كل محصل من كلام أو شعر ديوانا وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال إذا قرأتم شيئا من القرآن ولم تعرفوا ما غريبه فاطلبوه في شعر العرب فإنه ديوانها انتهى

وأما الزمام فقال علي بن خيرة الميورقي في كتابه ترتيب الأعمال إنما قيل له زمام لأنه مشتق من زمام الناقة الذي هو مانعها من إرادة هواها وقاصرها على المكان الذي عقلت فيه قال وكذلك الزمام سمي زماما لحصر الأمور فيه وزمها وعقلها عن التلف وخشية النسيان لها واتقاء الغفلة فيها قال وقيل للزمام ديوان لأنه جعل كالكتاب الذي تدون فيه المعاني والعلوم وتبين لتعلم ولتحفظ في كل وقت فهو مدون لتقييد الأشياء والمعاني التي يخشى علها النسيان

قال ابن القوطية في أفعاله ( 2 98 ) زم البعير أوثقة بالزمام والشيء شده


249

قال الجوهري 05 1944 ) الزمام الخيط الذي يشد في [ البرة ] أو في الخشاش ثم يشد في طرف المقود وقد يسمى المقود زماما

أنشد الأعلم لامرىء القيس

فقلت لها سيري وأرخي زمامه
ولا تبعدينا من جناك المعلل
الفصل الثامن
بمن يبدأ وقت كتب الديوان

ذكر الماوردي في الأحكام السلطانية ( 200 ) أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حين أراد وضع الناس في الديوان قال بمن أبدأ فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه ابدأ بنفسك فقال عمر رضي الله تعالى عنه أذكر أني حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه يبدأ ببني هاشم وبني المطلب فبدأ عمر رضي الله تعالى عنه بهم ثم بمن يليهم من بنيهم من قريش بطنا بعد بطن حتى استوفى قبائل قريش ثم انتهى إلى الأنصار فقال عمر ابدأوا برهط سعد بن معاذ بن الأوس ثم بالأقرب فالأقرب من سعد واستقر ترتيب الناس في الديوان على تقدم النسب المتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم

قال الماوردي ( 204 ) الترتيب المعتبر في الديوان عام وخاص فالترتيب العام ترتيب القبائل والأجناس حتى تتميز كل قبيلة عن غيرها وكل جنس ممن خالفه ولا يخلو حالهم من أن يكونوا عربا أو غيرهم فإن كانوا عربا ترتبت قبائلهم بالقربى من رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فعل عمر رضي الله تعالى عنه فتقدم عدنان على قحطان لأن النبوة في عدنان وعدنان يجمع ربيعة ومضر فتقدم مضر على ربيعة لأن النبوة في مضر مضر ومضر تجمع قريشا وغيرهم فتقدم قريش لأن النبوة فيهم وقريش تجمع بني هاشم وغيرهم فتقدم بنو هاشم لأن النبوة فيهم وإن


250
كانوا غير عرب فإن كانت لهم سابقة في الأسلام ترتبوا عليها وإن لم تكن سابقة ترتبوا بالقربى من ولي الأمر فإن تساووا فبالسبق إلى الطاعة

والترتيب الخاص في ترتيب الواحد بعد الواحد فيترتب بالسابقة في الإسلام فإن تكافؤوا في السابقة ترتبوا بالدين فإن تقاربوا ترتبوا بالسن فإن تقاربوا في السن ترتبوا بالشجاعة فإن تقاربوا فيها فولي الأمر مخير إن شاء رتبهم بالقرعة أو رتبهم على رأيه واجتهاده

الفصل التاسع
من كم يجيز الإمام من يرسم في الديوان

روى الترمذي ( 3 127 ) رحمه الله تعالى عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش وأنا ابن أربع عشرة فلم يقبلني ثم عرضت عليه من قابل في جيش وأنا ابن خمس عشرة فقبلني

قال نافع فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه فقال هذا حد ما بين الصغير والكبير ثم كتب أن يفرض لمن بلغ الخمس عشرة

الفصل العاشر
في عرض الناس في كل سنة

ذكر أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب ( 655 ) عند ذكر سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعرض غلمان الأنصار في كل عام فمر به غلام فأجازه في البعث وعرض عليه سمرة بن جندب من بعده فرده فقال سمرة يا رسول الله لقد أجزت غلاما ورددتني ولو صارعته لصرعته قال فصارع فصارعته فصرعته فأجازني في البعث


251

فائدة لغوية

لابن طريف في أفعاله عرضت الجند نظرت حالهم بفتح الراء عرضا الجوهري في الصحاح ( 3 1082 ) عرضت الجند عرض العين إذا أمررتهم عليك ونظرت ما حالهم وقد عرض العارض الجند يعرضهم بالكسر واعترضوا هم ويقال اعترضت على الدابة إذا كنت وقت العرض راكبا

الفصل الحادي عشر
في العريش يبنى للرئيس يشرف منه على عسكره

قال الهروي الوشيع عريش يبنى للرئيس في العسكر يشرف منه على عسكره

وكان أبو عمر رضي الله تعالى عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوشيع يعني العريش يوم بدر

وفي الروض الأنف ( 5 182 ) العريش كل ما علاك وأظلك من فوقك فإن علوته أنت فهو عرش لك لا عريش

الفصل الثاني عشر
في الدعاء وقت العرض

قد تقدم في فصل ثبوت العطاء في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الفصل الثالث من هذا الباب ما رواه أبو داود ( 2 123 ) عن عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه الفيء قسمه في يومه فأعطى الآهل حظين وأعطى الأعزب حظا فدعينا وكنت أدعى قبل عمار فدعيت فأعطاني حظين وكان لي أهل ثم دعا بعدي عمار بن ياسر فأعطي حظا واحدا


252
الفصل الثالث عشر
في وقت العطاء

ذكر الشيرازي في كتابه طبقات الفقهاء ( 66 ) له أن أبا الزناد عبد الله بن ذكوان مولى رملة بنت ربيبة وفد على هشام بن عبد الملك بن مروان بحساب ديوان المدينة فسأل هشام ابن شهاب أي شهر كان يخرج فيه العطاء لأهل المدينة فقال لا أدري قال أبو الزناد فسألني هشام فقلت المحرم فقال هشام لابن شهاب يا أبا بكر هذا علم أخذته اليوم فقال ابن شهاب مجلس أمير المؤمنين أهل أن يفاد منه العلم

وأنشد أبو بكر محمد بن يحيى الصولي في كتاب الورقة الذي الفه في أشعار الخلفاء للوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان حين استخلف

ضمنت لكم إن سلم الله مهجتي
عطاء ورزقا كاملا في المحرم
فلا تسخطوني لا أبا لأبيكم
فإني لكم كالوالد المترحم
الفصل الرابع عشر
في دفع العروض في العطاء

روى البخاري ( 7 200 ) رحمه الله تعالى عن المسور بن مخرمة رضي الله تعالى عنه أن أباه مخرمة قال له يا بني بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قدمت عليه أقبية فهو يقسمها فاذهب بنا إليه فذهبنا فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم في منزله فقال لي يا بني ادع لي النبي صلى الله عليه وسلم فأعظمت ذلك فقلت أدعوا لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا بني إنه ليس بجبار فدعوته فخرج وعليه قباء من ديباج مزرر بالذهب فقال يا مخرمة هذا خبأته لك فأعطاه إياه


253

وذكر ابن المنذر رحمه الله تعالى في الإشراف عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه كان يأخذ الجزية من كل ذي صنع من صاحب الإبر إبرا ومن صاحب المسال مسال ومن صاحب الحبال حبالا ثم يدعو العرفاء فيعطيهم الذهب والفضة فيقسمونه ثم يقول خذوا هذا فاقتسموه فيقولون لا حاجة لنا فيه فيقول أخذتم خياره وتركتم علي شراره لتحملنه

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

الأولى في الصحاح ( 3 1083 ) العرض المتاع وكل شىء فهو عرض سوى الدراهم والدنانير فإنهما عين وقال أبو عبيد العروض الأمتعة التي لا يدخلها كيل ولا وزن ولا تكون حيوانا ولا عقارا تقول اشتريت المتاع بعرض أي بمتاع مثله وفي ديوان الأدب ( 1 115 ) العرض بفتح العين وسكون الراء ما ليس بنقد

الثانية الأقبية جمع قباء وفي الديوان ( 4 54 ) وهو القباء بفتح القاف ممدود وفي الأفعال لابن طريف قبوت الشيء قبوا إذا جمعته بأصابعك وبه سمي القباء لاجتماع أطرافه

الثالثة في المشارق ( 1 310 ) مزررة بالذهب أي لها أزرار منه أو زينت به أزرارها وفي الصحاح ( 2 669 ) الزر واحد أزرار القميص وفي المشرع الروي هو ما يدخل في العرى وفي المحكم الزر الذي يوضع في القميص وفي المثل ألزم من زر لعروة وفي الصحاح ( 2 669 ) زررته أزره بالضم زرا إذا شددت أزراره عليك ويقاال ازرر عليك قميصك وزره وزره وزره وأزررت القميص إذا له أزرارا فتزرر


254
الفصل الخامس عشر
في الرجل يموت بعد أن يستوجب العطاء أو بعضه

ذكر أبو عبيد في ط كتاب الأموال ( 333 ) أن رجلا مات بعد ثمانية أشهر من السنة فأاعطاه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ثلثي عطائه

وذكر أبو عبيد ( 332 ) أيضا قال قال الزبير لعثمان رضي الله تعالى عنهما بعدما مات عبد الله بن مسعود أعطني عطاء عبد الله فيعال عبد الله أحق به من بيت المال فأعطاه خمسة عشر ألفا

قال أبو عبيد قال يزيد وكان الزبير وصي عبد الله بن مسعود

وذكر أبو عبيد ( 332 ) أيضا عن عمر بن عبد العزيز رضي اللع تهالى عنه أنه كان إذا استوجب الرجل عطاءه ثم مات أعطاه ورثته

وفي الاستيعاب ( 1827 ) ذكر الزبير بن بكار بسنده عن أبي وجزة عن أبيه قال حضرت الخنساء بنت عمرو بن الشريد السلمية حرب القادسية ومعهما بنوها أربعة رجال فقالت لهم من أول الليل يا بني إنكم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين والله الذي لا إله غبره إنكم لبنو رجل واحد كما أنتم بنو امرأة واحدة ما خنت أباكم ولا فضحت خالكم ولا هجنت حسبكم ولا غيرت نسبكم وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية يقول الله عز وجل يأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ( آل عمران 200 ) فإذا أصبحتم غذا إن شاء الله تعالى فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين وبالله على أعدائه مستنصرين فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها واضطرمت لظى على سياقها وجللت نارا على أرواقها فتيمموا وطيسها وجالدوا رئيسها عند احتدام خميسها تظفروا


255
بالغنى والكرامة في دار الخلود والمقامة فخرج بنوها قابلين لنصحها عازمين على قولها فلما أضاء لهم الصبح باكروا مراكزهم وأنشد أولهم يقول [ من الرجز ]
يا إخواتي إن العجوز الناصحة
قد نصحتنا إذ دعتنا البارحة
مقالة ذات بيان واضحة
فباكروا الحرب الضروس الكالحه
وإنما تلقون عند الصائحه
ممن آل ساسان كلابا نابحه
قد أيقنوا منكم بوقع الجائحة
وأنتم بين حياة صالحة
أو ميتة تورث غنما رابحه

وتقدم فقاتل حتى قتل رحمه الله تعالى

ثم حمل الثاني وهو يقول [ من الرجز ]

إن العجوز ذات حزم وجلد
والنظر الأوفق والرأي السدد
قد أمرتنا بالسداد والرشد
نصيحة منها وبرا بالولد
فباكروا الحرب حماة في العدد
إما لفوز بارد على الكبد
أو ميتة تورثكم غنم الأبد
في جنة الفردوس والعيش الرغد

فقاتل حتى استشهد رحمه الله تعالى ثم حمل الثالث وهو يقول [ من الرجز ]

والله لا نعصي العجوز حرفا
قد أمرتنا حدبا وعطفا
نصحا وبرا صادقا ولطفا
فبادروا الحرب الضروس زحفا
حتى تلفوا آل كسرى لفا
أو تكشفوهم عن حماكم كشفا
إنا نرى التقصير منكم ضعفا
والقتل فيكم نجدة وعرفا

فقاتل حتى استشهد [ رحمه الله تعالى عليه ] ثم حمل الرابع وهو يقول [ من الرجز ]

لست لخنساء ولا للأخرم
ولا لعمرو ذي السناء الأقدم
إن لم أرد في الجيش جيش الأعجم
ماض على الهول خضم خضرم
إما لفوز عاجل أو مغنم
أو لوفاة في السبيل الأكرم

256

فقاتلل حتى قتل رحمة الله عليه وعلى إخوته فبلغها الخبر فقالت الحمد لله الذي شرفني بقتلهم وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته وكان عمر بن الخطاب رضي اللع تعالى عنه يعطي الخنساء أرزاق أولادها الأربعة لكل واحد مائتي درهم حتى قبض رضي الله تعالى عنه

فائدة تعريفية

في جماهر الأنساب ( 22 ) لأبي عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى من بني الحارث بن بهثة بن سليم العباس بن مرداس وإخوته هبيرة وجزء ومعاوية وعمرو بنو مرداس وأمهم جميعا غير عباس وحده خنساء بنت عمرو الشاعرة

فوائد لغوية

قولهم في الحرب شمرت عن ساقها وجللت نارا على أرواقها وهي القرون جمع روق وهو القرن وقولهم إنها كالحة والكالح الذي تتقلص شفتاه عن أسنانه في حال عبوسه حتى تبدو أسنانه إنما يعنون بذلك شدتها وعظم المشقة فيها وليس لها ساق تقوم عليها ولا روق تستعمله ولا شفة ولا أسنان تكلح عنها لكن لما كان ذلك من الأمور التي تستعمل في حال الشدة والمشقة استعيرت للحرب دلالة على ذلك

وكذلك استعارة الاضطرام وهو الاحتدام أيضا واللظى وهو من أسماء النار والوطيس وهو التنور أو شبهه يختبز فيه إنما هي دلالات على شدتها وعظم المشقة أيضا وقولهم حرب ضروس هي الشديدة الصعبة أيضا قال الجوهري ( 2 939 ) ضرسهم الزمان اشتد عليهم وناقة ضروس سيئة الخلق تعض حالبها وأنشدوا في كتاب الحماسة ( 1 96 )

وإني في الحرب الضروس موكل
بتقديم نفس لا أريد بقاءها

257

تكملة

في المشرع الروي في الحديث قوله عليه السلام الآن حمي الوطيس قال المطرزي الوطيس شبه التنور يخبز فيه ويضرب مثلا لشدة الحرب يشبه حرها بحره وقال غيره الوطيس التنور نفسه وقال الأصمعي هي حجارة مدورة إذا حميت لم يقدر أحد يطأ عليها فيضرب مثلا للأمر إذا اشتد وقيل الوطيس جمع واحدته وطيسة وهذه الكلمة هي من الكلام التي لم يسبق إليها النبي صلى الله عليه وسلم


258
الباب الحادي عشر
في ذكر العرفاء

روى البخاري ( 3 130 131 ) رحمه الله تعالى عن مروان بن الحكم ومسور بن مخرمة رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب الحديث إلي أصدقه فاختاروا إحدى الطائفتين إما السبي وإما المال وقد كنت استأنيت بهم وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم انتظر آخرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف فلما تبين لهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين قالوا فإنا نختار سبينا فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء قد جاءونا تائبين وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم فمن أحب أن يطيب فليفعل ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل فقال الناس قد طيبنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا انتهى


259

فوائد لغوية

في المنقى لأبي الوليد الباجي رحمه الله تعالى العرفاء رؤساء الأجناد وقوادهم ولعلهم سموا بذلك لأنهم بهم يتعرف أحوال الجيش

وفي الصحاح ( 4 1452 ) العريف والعرف بمعنى مثل عليم وعالم وأنشدوا [ من الكامل ]

أو كلما وردت عكاظ قبيلة
بعثوا إلي عريفهم يتوسم

أي عارفهم والعريف النقيب دون الرئيس والجمع عرفاء تقول منه عرف فلان بالضم عرافة مثل خطب خطابة يعني بفتح الخاء أي صار عريفا وإذا أردت أنه عمل ذلك قلت عرف فلان علينا سنين يعرف عرافة مثل كتب يكتب كتابه وفيها ( 1 227 ) النقيب العريف وهو شاهد القوم وضمينهم والجمع النقباء النقباء وقد نقب على قومه ينقب نقابة مثل كتب يكتب كتابة قال الفراء إذا أردت أنه لم يكن نقيبا قلت نقب بالضم نقابة بالفتح

قال سيبويه النقابة بالكسر الاسم وبالفتح المصدر مثل الولاية والولاية

وفيها ( 1 228 ) نكب على قومه ينكب نكابة إذا كان منكبا لهم يعتمدون عليه وهو رأس العرفاء


260
الباب الثاني عشر
في الرجل يدعوا الناس وقت العرض

قد تقدم في الفصل الثالث والفصل الثاني عشر من باب كاتب الجيش أن أبا داود ( 2 123 ) رحمه الله تعالى روى عن عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه الفيء قسمه من يومه فأعطى الآهل حظين وأعطى الأعزب حظا فدعيت وكنت أدعى قبل عمار فأعطاني حظين وكان لي أهل ثم دعي بعدي عمار بن ياسر فأعطي حظا واحدا

وفيه دليل على اتخاذ من يدعو الناس وقت العرض


261
الباب الثالث عشر
في [ ذكر ] المحاسب
وفيه أربع فصول
الفصل الأول
في محاسبة النبي صلى الله عليه وسلم عاملة على الصدقة

روى البخاري ( 2 160 ) رحمه الله تعالى عن ابي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه قال استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من الأزد على صدقات بني سليم يدعى ابن اللتبية فلما جاء حاسبه

وروى مسلم ( 2 84 ) رحمه الله تعالى عن ابي حميد الساعدي أيضا رضي الله تعالى عنه قال استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا على صدقات بني سليم يدعى ابن اللتيبة فلما جاء حاسبه قال هذا مالكم وهذا هدية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا ثم خطبنا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتيني فيقول هذا مالكم وهذا هدية أهديت لي أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقا والله لا يأخذ أحد منكم منها شيئا بغير حقه إلا لقي الله عز وجل بحمله يوم القيامة


262
فلأعرفن أحدا منكم لقي الله يحمل بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر ثم رفع يديه حتى رئي بياض ابطيه يقول اللهم هل بلغت بصر عيني وسمع أذني

فائدتان لغويتان

الأولى في الصحاح ( 1 109 111 ) حسبته أحسبه بالضم حسبا وحسابا وحسابه وحسبته عددته والحسبة أيضا من الحساب مثل القعدة والركبة

قال النابغة [ من البسيط ]

فكلمت مائة فيها حمامتها
وأسرعت حسبة في ذلك العدد

والمعدود محسوب وحسب أيضا وهو فعل بمعنى مفعول مثل نفض بمعنى منفوض وحاسبته من المحاسبة والحسبان الحساب قال الله تالى الشمس والقمر بحسبان ( الرحمن 5 ) قال الأخفش الحسبان جماعة الحساب مثل شهاب وشهبان وحسبته صالحا أحسببه بالفتح محسبة ومحسبة وحسبانا بالكسر أي ظننته ويقال أحسبه بالكسر وهو شاذ

الثانية يقال رغا البعير يرغو رغاء وخارت البقرة تخور خوارا ويعرت الشاة تيعر يعارا كل ذلك صياحها وأصواتها على فعال بضم الفاء قاله غير واحد

الفصل الثاني
في محاسبة أبي بكر رضي الله تعالى عنه عماله

قال ابن قتيبة في كتاب عيون الأخبار 01 60 ) قدم معاذ رضي الله تعالى عنه من اليمن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم على ابي بكر رضي الله تعالى عنه فقال له ارفع حسابك فقال أحسابان حساب من الله وحساب منكم والله لا ألي لكم عملا أبدا


263
الفصل الثالث
في استقدام عمر رضي الله تعالى عنه عمالة في كل سنة ومحاسبته لهم

قال أبو ربيع ابن سالم في كتابه الاكتفاء كان عمر رضي الله تعالى عنه ملازما للحج في سني خلافته كلها وكان من سيرته أن يأخذ عماله بموافاته كل سنة في موسم الحج ليحجزهم بذلك عن الرعية ويحجز عنهم الظلم ويتعرف أحوالهم في قرب وليكون للرعية وقت معلوم ينهون إليه شكاويهم

وقال المظفر في كتابه المنسوب إليه كان عمر رضي الله تعالى عنه يحاسب سعدا رضي الله تعالى عنه فيغضب فيقول عمر رضي الله تعالى عنه عزمت عليك ألا تدعو على أخيك ويضاحكه وإذا ذهب غضبه قال تعال نتحاسب فإنه اليوم أيسر عليك من غد

قلت وسعد هذا الذي ذكره هو سعد بن أبي وقاص القرشي الزهري رضي الله تعالى عنه أحد العشرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المشهود لهم بالجنة رضي الله تعالى عنهم وإنما قال عمر رضي الله تعالى عنه عزمت عليك ألا تدعو على أخيك لأنه كان مجاب الدعوة

قال أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب ( 607 ) وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اللهم سدد سهمه وأجب دعوته فكان مشهورا بذلك تخاف دعوته وترجى لاشتهار إجابتها عندهم


264
الفصل الرابع
في مدح الشعراء للمحاسب بعدم المسامحة في المحاسبة

فمن ذلك قول القاضي أبي بكر أحمد بن الحسين الأرجاني يمدح كاتبا محاسبا أنشده عماد الدين أبو حامد الأصبهاني في الخريدة [ من الكامل ]

من بلغ الأقلام فوق مدى القنا
للملك يوم تطاعن الآراء
بخلائق خلقت لإدراك العلا
وطرائق حظيت بكل ثناء
ويد تشح بذرة إن حاسبت
وبدرة منها أقل سخاء
إن لم يسامح ثم فاطلب رفده
ليريك كيف سماحة السماء
فائتان لغويتان

الفائدة الولى في المحكم أرجان موضع حكاه الفارسي وأنشد [ من الوافر ]

اراد الله أن يخزي بجيرا
فسلطني عليه بأرجان

وخففه بعض متأخري الشعراء فأقدم على ذلك لعجمته

قلت هو المتنبي قال [ من الكامل ]

أرجان أيتها الجياد فإنه
عزمي الذي يذر الوشيج مكسرا

وفي كتاب اقتباس الأنوار للرشاطي أرجان مدينة بين فارس والأهواز ومن يكون منها يقال له الأرجاني والرجاني انتتهى

الفائدة الثانية في ديوان الأدب ( 3 119 139 ) شح على الشيء بفتح الشين يشح ويشح شحا فيهما بخل


265

266

267
الباب الأول
في الإمارة العامة على النواحي
وفيه فصلان
الفصل الأول
في ذكر ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم

الأمراء الذين بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجهات كثيرون وأقتصر منهم على اثنين خاصة طالبا للإيجاز وهم أمير مكة شرفها الله تعالى وأمير اليمن

1 أمير مكة شرفها الله تعالى قال ابن إسحاق في السير ( 2 440 ) خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد لقاء هوزان ومعه اثنا عشر ألفا عشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه ففتح الله بهم مكة وألفان من أهل مكة واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس على مكة أميرا على من تخلف عنه من الناس

وفي [ مختصر ] السير لابن جماعة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد على مكة وإقامة الموسم والحج بالمسلمين سنة ثمان وهو دون العشرين سنة في سنه

2 أمير اليمن قال ابن فتحون في الذيل باذان ويقال باذام ملك اليمن ذكر الباوردي إسلامه واستعمال النبي صلى الله عليه وسلم إياه على


268
اليمن واستعماله شهرا ابنه على عمله بعد وفاة أبيه وذكر الثعالبي أنه أول من أسلم من ملوك العجم وأول أمير في الإسلام على اليمن

فائدة لغوية

الباوري والأبيوردي منسوبان إلى أبيورد مدينة من مدن خرسان قاله الرشاطي

الفصل الثاني
في ذكر نسبهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم

1 عتاب بن أسيد في الاستيعاب ( 1023 ) عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي يكنى أبا عبد الرحمن وقيل أبا محمد أسلم يوم فتح مكة واستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على مكة عام الفتح في حين خروجه إلى حنين فأقام للناس الحج تلك السنة وهي سنة ثمان ولم يزل أميرا على مكة حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقره أبو بكر عليها فلم يزل عليها إلى أن مات وكان عتاب رجلا صالحا خيرا فاضلا روى عنه عمرو بن أبي عقرب قال سمعت عتاب بن أسيد يقول وهو يخطب مسندا ظهره غلى الكعبة يحلف ما أصبت في عملي الذي بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ثوبين كسوتهما مولاي كيسان

قال أبو عمر ( 1024 ) كانت وفاته فيما قال الواقدي يوم مات أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال ماتا في يوم واحد وكذلك يقول ولد عتاب وقال محمد بن سلام وغيره جاء نعي أبي بكر رضي الله تعالى عنه مكة يوم دفن عتاب بت أسيد بها انتهى

وقال الزمخشري في الكشاف ( 2 463 ) إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل عتاب بن أسيد على أهل مكة وقال انطلق فقد استعملتك على أهل الله فكان شديدا على المريب لينا على المؤمن وقال لا والله لا أعلم متخلفا يتخلف


269
عن الصلاة في جماعة إلا ضربت عنقه فإنه لا يتخلف عن الصلاة غلا منافق فقال أهل مكة يا رسول الله لقد استعملت على أهل الله عتاب بن أسيد أعرابيا جافيا فقال صلى الله عليه وسلم إني رأيت فيما يرى النائم عتاب بن أسيد أتى باب الجنة فأخذ بحلقة الباب فقلقلها قلقالا شديدا حتى فتح له فدخلها انتهى

وقد تقدم هذا الخبر الذي ذكره الزمخشري في الباب الساس عشر من الجزء الثاني من هذا الكتاب وأعدته هنا لما فيه من تكلمة التعريف بعتاب بن أسيد رضي الله تعالى عنه ونقل الثعالبي في تفسيره في الكلام على قوله تعالى واجعل لي من لدنك سلطان نصيرا ( الإسراء 80 ) عن الكلبي أنه قال السلطان النصير عتاب بن أسيد وذكر تولية النبي صلى الله عليه وسلم إياه على مكة بنحو مما ذكره الزمخشري

2 باذان في السير لابن جماعة باذن ويقال باذام بن ساسان بن فلاش بن الملك جاماست بن الملك فيروز بن الملك يزدجرد بن الملك بهرام جور الفارسي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موت كسرى على اليمن كلها فهو أول أمير في الإسلام على اليمن وأول من أسلم من ملوك العجم ومات في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فولي ابنه شهر بن باذان على صنعاء وأعمالها فقط انتهى


270
الباب الثاني
في القاضي
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول
في قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الناس

روى مالك رحمه الله تعالى في الموطأ ( 509 ) عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذن منه شيئا فإنما أقطع له قطعة من النار

فائدتان لغويتان

الاولى في المشارق ( 2 189 190 ) قضي في اللغة على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشىء وتمامه والانفصال منه منها قضي بمعنى ختم ومنه ثم قضى أجلا ( الأنعام 2 ) أي أتمه وختمه ومنها الأمر كقوله تعالى وقضى ربك ألا تعبد إلا إياه ( الإسراء 23 ) أي أمر وبمعنى اعلم كقوله تعالى وقضينا إلى بني إسرائيل ( الإسراء 4 ) أي أعلمناهم وبمعنى فصل في الحكم ومنه يقضي الحاكم وبمعنى الفراغ انقضى الشىء إذا تم وقضي صلاته وبمعنى أنقذ وأمضى كقوله فاقض ما أنت قاض (طه 72 ) وبمعنى الخروج من الشىء والانفصال منه ومنه قضى الدين أي خرج وانفصل منه انتهى مختصرا

وكل هذه الوجوه تحتمل أن يكون قولهم قضي القاضي مشتقا منها

وفي المحكم القضاء الحكم قضي عليه يقضي قضاء


271

الثانية في الإكمال والغريبين قوله صلى الله عليه وسلم ألحن بحجته أي أفطن لها

وفي ديوان الأدب ( 2 220 254 ) لحن يلحن لحنا فهو لحن بكسر الحاء في الماضي واسم الفاعل وفتحها في المستقبل والمصدر قال واللحن الفطنة

وفي المنتقى ( 5 185 ) قال أبو عبيدة واللحن بفتح الحاء الفطنة واللحن بإسكان الحاء الخطأ في القول

الفصل الثاني
في ذكر قضاة رسول الله صلى الله عليه وسلم

عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في سنن الترمذي ( 2 392 ) ان عثمان قال لعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه اذهب فاقض بين الناس قال أو تعافيني يا أمير المؤمنين قال وما تكره من ذلك وقد كان أبوك يقضي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من كان قاضيا فقضى بالعدل فبالحري أن ينقلب منه كفافا قال وأرجو بعد ذلك وفي الحديث قصة

وقال أبو بكر ابن العربي في عارضة الأحوذي ( 6 64 ) قول أبي عيسى وفي الحديث قصة هي ما وقع في بعض نسخ الترمذي أن عثمان قال لابن عمر اقض بين الناس قال لا أقضي بين رجلين قال إن أباك كان يقضي قال ان أبي كان يقضي فإن أشكل عليه شيء سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أشكل على رسول صلى الله عليه وسلم سأل جبريل وإني لا أجد من أسأل وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من عاذ بالله فقد عاذ وإني أعوذ بالله منك أن تجعلني قاضيا فأعفاه وقال لا تخبرن أحدا

قال أبو بكر ابن العربي ( 6 65 ) قول عثمان لعبد الله بن عمر إن اباك كان قاضيا يعني لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك روي عنه ولم يرد به عثمان قضاءه


272
في خلافته ولا فهم عنه ذلك عبد الله بن عمر ولذلك قال له كان أبي إذا أشكل عليه أمر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا يدل على أن ذلك كان في حياته ولو أراد بذلك الخلافة لقال له إن أبي كان خليفة ليس فوقه متعقب عليه فكيف يحتج به في ولاية متعقب متوقف

علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في الاستيعاب ( 1100 ) بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وهو شاب ليقضي بينهم فقال يا رسول الله إني لا أدري ما القضاء فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال اللهم أهد قلبه وسدد لسانه قال علي فوالله ما شككت بعدها في قضاء بين اثنين

وروى أبو داود ( 2 270 ) رحمه الله تعالى عن علي قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضيا وأنا حدث السن ولا علم لي بالقضاء فقال إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء قال فما زلت قاضيا أو ما شككت في قضاء بعد

وقال أبوعمر في الاستيعاب ( 1102 ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه رضوان الله تعالى عنهم أقضاهم علي بن أبي طالب

وروي أن المغيرة حلف بالله ما أخطأ علي في قضاء قط

معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه في الاستيعاب ( 1403 ) بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضيا إلى الجند من اليمن يعلم الناس القرآن وشرائع الإسلام ويقضي بينهم وجعل إليه قبض الصدقات من العمال الذين باليمن وذلك عام فتح مكة انتهى

قلت وكان فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة لم يختلف في ذلك

وروى أبو داود ( 2 272 ) رحمه الله تعالى عن اناس من أهل حمص من أصحاب معاذ


273
رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسمل لما أراد أن يبعثه إلى اليمن قال كيف تقضي إذا عرض لك القضاء قال أقضي بكتاب الله قال فإن لم تجد في كتاب الله قال فبسنة رسول الله قال فإن لم تجد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في كتاب الله قال أجتهد رأي ولا آلو فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله

فائدتان لغويتان

الأولى الجند بفتح الجيم والنون معا قاله البكري في المعجم ( 397 ) و أنشد من الرجز

تنقلا من بلد إلى بلد
يوما بصنعاء ويوما بالجند

الثانية في الأفعال لابن طريف ما ألوت في حاجتكوما ألوتك نصحا ما قصرت بك عن جهدي على فعل بفتح الفاء والعين وأنشد لحاتم الطائي [ من الطويل ]

وإني لا آلوا بمالي صنيعة
فأوله زاد وآخره ذخر

انتهى

الفصل الثالث
في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم

عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قد تقدم ذكره في باب الوزير بما أغنى عن الإعادة هنا والحمد لله كثيرا

علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في الاستيعاب ( 1089 ) علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي القرشي الهاشمي يكنى أبا الحسن


274

وقال ابن إسحاق أول من آمن بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم من الرجال علي بن أبي طالب وهو قول ابن شهاب إلا أنه قال من الرجال بعد خديجة

( 1092 ) قال وسئل محمد بن كعب القرظي عن أول من أسلم علي أو أبو بكر قال سبحان الله علي أولهما إسلاما وإنما شبه على شبه على الناس لأن عليا أخفى إسلامه من لأبي طالب وأسلم أبو بكر وأظهر إسلامه ولا شك عندنا أن عليا أولهما إسلاما

( 1094 ) وعن ابن عمر أسلم علي بن أبي طالب وهو ابن ثلاث عشرة سنة وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة

قال أبو عمر رحمه الله تعالى ( 1095 ) هذا أصح ما قيل في ذلك

( 1096 ) وقال علي رضي الله تعالى عنه صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا لا يصلي معه غيري إلا خديجة وأجمعوا أنه صلى القبلتين وهاجر وشهد بدرا والحديبية وسائر المشاهد وأنه أبلى ببدر وأحد وبالخندق وخيبر بلاء عظيما وأنه أغنى في تلك المشاهد وقام فيها المقام الكريم وكان لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده في مواطن كثيرة ولم يتخلف عن مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم مذ قدم المدينة إلا تبوك فإنه خلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة وعلى عياله بعده وقال له أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لانبي بعدي وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين ثم آخى بين المهاجرين والأنصار وقال في كل واحدة منهما لعلي رضي الله تعالى عنه إنه أخي في الدنيا والآخرة وآخرى بينه وبين نفسه

( 1099 ) وروى بريدة وأبو هريرة وجابر والبراء بن عازب وزيد بن أرقم كل واحد منهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم غدير خم من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وبعضهم لا يزيد على من كنت مولاه فعلي مولاه


275

وروى سعد بن أبي وقاص وأبو هريرة وسهل بن سعد وبريدة الأسلمي وأبو سعيد الخدري وعبد الرحمن بن عمرو وعمران بن الحصين وسلمة بن الأكوع كلهم بمعنى واحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم خيبر لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ليس بفرار يفتح الله على يديه ثم دعا بعلي وهو أرمد فتفل في عينيه وأعطاه الراية ففتح الله عليه وهي كلها آثار ثابته

( 1105 ) وعن زر بن حبيش قال جلس رجلان يتغذيان ومع أحدهما خمسة أرغفة ومع الآخر ثلاثة أرغفة فلما وضعا الغداء بين أيديهما مر بهما رجل فسلم فقالا اجلس للغداء فجلس وأكل معهما واستوفوا في أكلهم الأرغفة الثمانية فقام الرجل وطرح إليهما ثمانية دراهم وقال خذا هذا عوضا مما أكلت لكما ونلته من طعامكما فتنازعا وقال صاحب الخمسة الأرغفة لي خمسة دراهم ولك ثلاثة دراهم فقال صاحب الأرغفة الثلاثة لا أرضى إلا أن تكون الدراهم بيننا نصفين وارتفعا إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فقصا عليه قصتهما فقال لصاحب الثلاثة قد عرض صاحبك ما عرض وخبزه أكثر من خبزك فارض بالثلاثة فقال لا والله لا رضيت منه إلا بمر الحق فقال علي ليس لك في مر الحق إلا درهم وله سبعة فقال الرجل سبحان الله يا أمير المؤمنين هو يعرض علي ثلاثة فلم أرض وأشرت علي بأخذها فلم أرض وتقول لي الآن إنه لا يجب في مر الحق إلا درهم واحد فقال له علي عرض صاحبك أن تأخذ الثلاثة صلحا فقلت لا أرضي إلا بمر الحق ولا يجب لك في مر الحق إلا درهم واحد فقال له الرجل فعرفني بالوجه في مر الحق حتى أقبله فقال له علي رضي الله تعالى عنه أليس الثمانية الأرغفة أربعة وعشرين ثلثا أكلتموها وأنتم ثلاثة أنفس ولا يعلم الأكثر منكم أكلا ولا الأقل فتحلمون في أكلكم على السواء قال بلى قال فأكلت أنت ثمانية أثلاث وإنما لك تسعة أثلاث وأكل صاحبك ثمانية أثلاث وله خمسة عشر ثلثا أكل منها ثمانية ويبقى له سبعة وأكل لك واحدا من تسعة فلك واحد بواحدك وله سبعة فقال الرجل رضيت الآن


276

قال أبو عمر رحمه الله تعالى ( 1115 ) وفضائله لا يحيط بها كتاب وقد أكثر الناس من جمعها

( 1121 ) وبويع له بالخلافة رضي الله تعالى عنه يوم قتل عثمان رضي الله تعالى عنه ورحمهما اجتمع على بيعته المهاجرون والأنصار وتخلف عن بيعته منهم نفر فلم يهجهم ولم يكرههم وسئل عنهم فقال أولئك قوم قعدوا عن الحق ولم يقوموا مع الباطل وفي رواية أخرى أولئك قوم خذلوا الحق ولم ينصروا الباطل

ومن كامل التاريخ ( 3 191 ) وكان أول من بايعه طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى فنظر إليه حبيب بن ذؤيب فقال إنا لله أول من بدأ بالبيعة يد شلاء لا يتم هذا الأمر

قال أبو عمر في الاستيعاب ( 765 ) أبلى طلحة يوم أحد بلاء حسنا ووقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه واتقى عنه النبل بيده حتى شلت إصبعه رضي الله تعالى عنه وروى البخاري رحمه الله تعالى عن قيس بن أبي حازم قال رأيت يد طلحة التي وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم قد شلت

وقال أبو عمر ( 1123 ) لما تعاقد الخوارج على قتل علي رضي الله تعالى عنه وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان وخرج منهم ثلاثة نفر لذلك كان عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله تعالى هو الذى اشترط قتل علي رضي الله تعالى عنه فدخل الكوفة عازما على ذلك واشترى لذلك سيفا بألف وسقاه السم فيما زعموا حتى لفظه وكان في خلال ذلك يأتي عليا رضي الله تعالى عنه ويسأله ويستحمله فيحمله إلى أن وقعت عينه على قطام امرأة من بني عجل بن لجيم وكانت ترى رأي الخوارج وكان علي قتل أباها وإخوتها بالنهروان وكانت امرأة رائعة جميلة فأعجبته ووقعت في نفسه فخطبها فقالت قد آليت ألا أتزوج إلا على مهر لا أريد سواه فقال وما هو فقالت ثلاثة آلاف وقتل علي بن أبي طالب فقال والله لقد قصدت لقتل علي بن أبي طالب والفتك به


277

وما أقدمني هذا المصر غير ذلك ولكن لما رأيتك آثرت تزويجك فقالت ليس إلا الذي قلت لك قال لها وما يغنيك أو يغنيني منك قتل علي وأنا أعلم أني إن قتله لم أفلت فقالت له إن قتلته ونجوت فهو الذي أردت تبلغ شفاء نفسي ويهنئك العيش معي وإن قتلت فما عند الله خير من الدنيا وما فيها فقال لها لك ما اشترطت ولقي ابن ملجم شبيب بن نجدة الأشجعي لعنهما الله تعالى فقال يا شبيب هل لك في شرف الدنيا والآخرة فقال وما هو قال تساعدني على قتل علي بن أبي طالب قال ثكلتك أمك لقد جئت شيئا إدا كيف تقدر على ذلك قال إنه رجل لا حرس له ويخرج إلى المسجد فإذا خرج إلى الصلاة قتلناه فإن نجونا نجونا وإن قتلنا سعدنا بالذكر في الدنيا وبالجنة في الآخرة فقال ويلك إن عليا ذو سابقة في الإسلام مع النبي صلى الله عليه وسلم والله ما تنشرح نفسي لمقتله قال ويلك إنه حكم الرجال في دين الله وقتل إخواننا الصالحين فنقتله ببعض من قتل فلا تشكن في دينك فأجابه وأقبلا حتى دخلا على قطام وهي معتكفة في المسجد الأعظم في قبة ضربتها لنفسها فدعت لهم فأخذوا أسيافهم وجلسوا قبالة السدة التي يخرج منها علي رضي الله تعالى عنه إلى صلاة الصبح فبدره شبيب لعنه الله فضربه فأخطأه وضربه عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله على رأسه وقال الحكم لله يا علي لا لك ولأصحابك فقال علي فزت ورب الكعبة لا يفوتنكم الكلب فشد الناس عليه من كل جانب فأخذوه وهرب شبيب خارجا من باب كندة فلما أخذ قال علي احبسوه فإن مت فاقتلوه ولا تمثلوا به وإن لم أمت فالأمر لي في العفو أو القصاص قال وذلك في صبيحة يوم الجمعة لسبع عشرة من رمضان صبيحة بدر وقيل لثلاث عشرة ليلة خلت منه وقيل لإحدى عشرة ليلة خلت منه وقيل بل بقيت من رمضان سنة أربعين وقبض في أول ليلة مضت من العشر الأواخر منه


278

واختلف في موضع دفنه فقيل في قصر الإمارة بالكوفة وقيل في رحبة الكوفة وقيل في نجف الحيرة في موضع بطريق الحيرة وقيل قبره مجهول جهل موضعه واختلف أيضا في مبلغ سنة يوم مات فقيل سبع وخمسون وقيل ثمان وخمسون وقيل ثلاث وستون وقيل أربع وستون وقيل خمس وستون وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر وثلاثة أيام وقيل ستة أيام وقيل أربعة عشر يوما

قال أبو عمر ( 1131 ) رحمه الله تعالى ومما قيل في ابن ملجم وقطام

فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة
كمهر قطام من فصيح وأعجم
ثلاثة آلاف وعبد وقينة
وضرب علي بالحسام المصمم
فلا مهر أغلى من علي وإن غلا
ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم

( 1133 ) ومما رثي به علي رضي الله تعالى عنه قول الفضل بن أبي لهب [ من البسيط ]

وما كنت أحسب أن الأمر منصرف
عن هاشم ثم منها عن أبي حسن
أليس أول من صلى لقبلته
وأعلم الناس بالقرآن والسنن
من فيه ما فيهم لا يمترون به
وليس في القوم ما فيه من الحسن

ومن أبيات لخزيمة بن ثابت بصفين [ من الخفيف ]

كل خير يزينهم فهو فيه
وله دونهم خصال تزينه
279

( 1132 ) وقال أبو الأسود الدؤلي وأكثرهم يروونها لأم الهيثم بنت العريان النخعية [ من الوافر ]

ألا يا عين ويحك أسعدينا
ألا تبكي أمير المؤمنينا
تبكي أم كلثوم عليه
بعبرتها وقد رأت اليقينا
ألا قل للخوارج حيث كانوا
فلا قرت عيون الشامتينا
أفي شهر الصيام فجعتمونا
بخير الناس طرا أجمعينا
قتلتم خير من ركب المطايا
وذللها ومن ركب السفينا
ومن لبس النعال ومن حذاها
ومن قرأ المثاني والمبينا
وكل مناقب الخيرات فيه
وحب رسول رب العالمينا
لقد علمت قريش حيث كانت
بأنك خيرها حسبا ودينا
وكنا قبل مقتله بخير
نرى مولى رسول الله فينا
يقيم الحق لا يرتاب فيه
ويعدل في العدا والأقربينا
وليس بكاتم علما لديه
ولم يخلق من المتجبرينا
فلا تشمت معاوية بن صخر
فإن بقية الخلفاء فينا

قال أبو عمر ( 1122 ) رحمه الله تعالى قال الزبير تجوب رجل من حمير كان أصاب دما في قومه فلجأ إلى مراد فقال جئت إليكم أجوب البلاد فقيل له أنت تجوب فسمي به وهو اليوم في مراد وهم رهط ابن ملجم المرادي ثم التجوبي لعنه الله تعالى وأصله من حمير

وأنشد التلمساني في العمدة للكميت بن زيد في أبيات يرثي بها عليا رضي الله تعالى عنه [ من الخفيف ]

والوصي الذي أمال التجوبي
به عرش أمة لانهدام

280

قال وقطام بنت علقمة من تميم الرباب وقيل إنها من عجل

فوائد لغوية في أربع مسائل

الأولى في المحكم ( 6 30 2 207 ) الغداء طعام الغدوة وتغدى الرجل وغديته ورجل غديان والعشاء طعام العشي وتعشى وعشيته ورجل عشيان وفي ديوان الأدب ( 4 45 46 ) الغداء والعشاء بفتح الفاء والمد وفي الصحاح ( 6 2444 ) إذا قيل لك ادن فتغد فقل ما بي من تغد وفي العشاء ما بي من تعش ولا تقل مابي غداء ولا عشاء لأنه الطعام بعينه انتهى

قلت وداله مهملة وأما الغذاء بكسر الغين والذال المعجمة والمد أيضا فما يكون به نماء الجسم وقوامه غذاه يغذوه غذوا فاغتذى وتغذى

الثانية قول شبيب شيئا إدا قال الهروي يقال جاء بأمر إد إذا أتى منكرا عظيما

الثالثة الفارابي ( 3 24 ) السدة بضم السين والدال المشددة الباب قال أبو الدرداء من يغش سدد السلطان يقم ويقعد

الرابعة نجف الحيرة قال البكري ( 1299 ) النجف بفتح أوله وثانيه بعده فاء موضع معروف بالكوفة قال الكميت [ من المتقارب ]

فيا ليت شعري هل أبصرن
بالنجف الدهر حضارها

قال ونهر الحيرة مدفون من الفرات إلى النجف


281

3 معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه في الاستيعاب ( 1402 ) معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ بن عدي بن كعب بن عمرو بن أدي بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج الأنصاري الخزرجي ثم الجشمي يكنى أبا عبد الرحمن وهو أحد السبعين الذين شهدوا العقبة من الأنصار شهد العقبة وبدرا والمشاهد كلها وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضيا إلى الجند من اليمن يعلم الناس القرآن وشرائع الإسلام ويقضي بينهم وجعل إليه قبض الصدقات من العمال الذين كانوا باليمن

( 1404 ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم أعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وقال أيضا صلى الله عليه وسلم يأتي معاذ بن جبل يوم القيامة أمام العلماء برتوة

( 1406 ) وعن فروة الأشجعي قال كنت جالسا مع ابن مسعود فقال إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين فقلت يا أبا عبد الرحمن إنما قال الله إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا فأعاد قوله إن معاذا فلما رأيته أعاد عرفت أنه تعمد الأمر فسكت فقال أتدري ما الأمة وما القانت قلت الله أعلم قال الأمة الذي يعلم الخير ويؤتم به ويقتدى والقانت المطيع لله وكذلك كان معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه معلما للخير مطيعا لله ورسوله

( 1405 ) وتوفي معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه سنة ثمان عشرة في طاعون عمواس قاله المدائني وأحمد بن حنبل قال المدائني بناحية الأردن وقال غيرهما توفي سنة سبع عشرة وقال أبو زرعة كان الطاعون سنة سبع عشرة واختلف في سنه فقيل ثمان وعشرون وقيل ثلاث وثلاثون وقيل أربع وثلاثون وقيل ثمان وثلاثون

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

الأولى قوله صلى الله عليه وسلم يأتي معاذ بن جبل يوم القيامة أمام العلماء برتوة قال الهروي أي بدرجة ومنزلة ويقال بخطوة


282

الثانية عمواس قال البكري ( 971 ) بفتح العين والميم بعده واو وألف وسين مهملة قرية من فرى الشام وهي التي ينسب إليها الطاعون وفي الاستيعاب هي قرية بين الرملة وبيت المقدس

الثالثة قال البكري ( 137 ) الأردن بضم الهمزة والدال معا وسكون الراء المهملة وتشديد النون نهر باعلى الشام وهو نهر طبرية قال الراجز

حنت قلوصي أمس بالأردن

283
الباب الثالث
في صاحب المظالم

قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى في كتابه في أحكام القرآن ( 4 1631 ) هذه ولاية غريبة أحدثها من تأخر من الولاة لفساد الولاية وفساد الناس وهي عبارة عن كل حكم يعجز عنه القاضي فينظر فيه من هو أقوى يدا منه وذلك أن التنازع إذا كان بين ضعيفين قوى أحدهما القاضي وإذا كان بين قوي وضعيف أو قويين والقوة في أحداهما بالولاية كظلم الأمراء أو العمال فهذا مما نصب له الخلفاء أنفسهم وأول من جلس إليه عبد الملك بن مروان

قال الماوردي في أحكامه ( 78 ) فكان عبد الملك إذا وقف منها على مشكل أو احتاج فيها إلى حكم ينفذ رده إلى قاضيه أبي إدريس الأودي فكان القاضي هو المنفذ وعبد الملك هو الآمر

قال القاضي أبو بكر ابن العربي في أحكام القرآن ( 4 1631 ) أيضا ثم جلس له عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه فرد مظالم بني أمية على المظلومين إذ كانت في أيدي الولاة والعتاة الذين تعجز عنهم القضاة

وذكر المطرز في اليواقيت عن ابن الأعرابي قال كان ملك من ملوك بني مروان إذا أراد أن يقعد للمظالم أقام غلاما حسن الوجه ينشد [ من السريع ]

إنا إذا مالت دواعي الهوى
واستمتع الصامت للقائل
واصطرع الناس بألبابهم
بالمنطق الجائر والعدل

284
لا نجعل الباطل حقا ولا
نلط دون الحق بالباطل
نكره أن تسفه أحلامنا
فتخمل الدهر مع الخامل

ثم ياخذ في عمله انتهى

قال القاضي أبو بكر في الأحكام ( 4 1631 ) أيضا ثم صارت تلك سنة فكان بنو العباس يجلسون لها وهي قصة دراسة على أنها في أصل وضعها داخلة في القضاء انتهى

ومن أخبار المأمون عبد الله بن الرشيد هارون العباسي أنه كان يجلس للمظالم في يوم الأحد فنهض ذات يوم من مجلسه نظره فلقيته امرأة في ثياب رثة فقالت

يا خير منتصف يهدى له الرشد
ويا إماما به قد أشرق البلد
تشكو إليك عميد الملك أرملة
عدا عليها فما تقوى به أسد
فابتز منها ضياعا بعد منعتها
لما تفرق عنها الأهل والولد

فأطرق المأمون يسيرا ثم رفع رأسه وقال

من دون ما قلت عيل الصبر والجلد
وأقرح القلب هذا الحزن والكمد
هذا أوان صلاة الظهر فانصرفي
وأحضري الخصم في اليوم الذي أعد
المجلس السبت إن يقض الجلوس لنا
أنصفك منه وإلا المجلس الأحد

فانصرفت وحضرت في يوم الأحد أول الناس فقال لها المأمون من خصمك فقالت القائم على رأسك العباس بن أمير المؤمنين فقال المأمون لقاضيه يحيى بن أكثم وقيل بل قاله لوزيره أحمد بن أبي خالد أجلسها معه وانظر ما بنهما فأجلسها معه ونظر بينهما بحضرة المأمون فجعل كلامها يعلو فزجرها بعض حجابه فقال دعها فإن الحق أنطقها والباطل أخرسه فأمر برد ضياعها عليها ذكر القصة الماوردي في الأحكام ( 84 )

فائدة لغوية

في المحكم ( 2 155 ) الضيعة الارض المغلة والجمع ضيع وضياع


285
الباب الرابع
في قاضي الانكحة

في الموطأ ( 357 ) عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة فقالت يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك فقامت قياما طويلا فقام رجل فقال يا رسول الله زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل عندك شىء تصدقها إياه فقال ما عندي إلا إزاري هذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أعطيتها إياه جلست ولا إزار لك فالتمس شيئا فقال ماأجد شيئا قال التمس ولو خاتم من حديد فالتمس فلم يجد شيئا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم هل معك شىء من القرآن فقال نعم سورة كذا وسورة كذا لسور سماها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنكحتكتها بما معك من القرآن

وخرج مسلم ( 1 401 ) نحوه من طرق عن سهل بن سعد وقال يزيد بعضهم على بعض غير أن في حديث زائدة فقال انطلق فقد زوجتكها فعلمها من القرآن

وفي سنن النسائي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرضت نفسها عليه فقال لها اجلسي فجلست ساعة ثم قامت قال اجلسي بارك الله فيك أما نحن فلا حاجة لنا فيك ولكن تملكيني أمرك قالت نعم فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوه القوم فدعا رجلا منهم فقال إني أريد أن أزوجك هذا إن رضيت قالت ما رضيت لي يا رسول الله فقد رضيت ثم قال للرجل هل عندك من شىء


286

قال لا والله قال قم إلى النساء قال فقام إليهن فلم يجد عندهن شيئا فقال ما تحفظ من القرآن قال سورة البقرة أو التي تليها قال علمها عشرين آية وهي امرأتك انتهى

وخرج أبو داود ( 1 487 ) عن أبي هريرة أيضا نحوه

فائدة لغوية

في الصحاح ( 1 413 ) النكاح الوطء وقد يكون العقد تقول نكحتها ونكحت هي أي تزوجت وهي ناكح في بني فلان أي ذات زوج منهم وفي الديوان ( 2 151 ) نكح ينكح بفتح الكاف في الماضي وكسرها في الآتي


287
الباب الخامس
في الشهادة وكتابة الشروط
وفيه خمسة فصول
الفصل الأول
فيما جاء في القرآن شرفه الله تعالى من الأمر بذلك

قلت أمرالله عز وجل بالكتب والإشهاد في بيوع الآجال فقال تعالى يأيها الذين ءامنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوا ( البقرة 282 ) ثم قال عز وجل واستشهدوا شهدين من رجالكم فإن لم يكونوا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى

وقال تعالى إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد

وكذلك أمر عز وجل بالإشهاد في الوصية فقال تعالى يأيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحسبونهما من بعذ الصلاة

وكذلك أمر عز وجل بالإشهاد على من ظهر رشده من اليتامى حين دفع أموالهم إليهم فقال تعالى 6 فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ( النساء 6 )

وكذلك أمر عز وجل بالإشهاد في الطلاق والرجعة فقال تعالى فإذا


288
بلغن أجلهن فأمسكونهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم ( الطلاق 2 )

وقال اللخمي في تبصرته أمر الله عز وجل بالإشهاد على الرجعة أو الفرقة أيهما اختيرت فتضمنت الشهادة على الطلاق لأن الرجعة لا تكون إلا عن طلاق فالإشهاد على الرجعة إشهاد على تقدم الطلاق انتهى ما قاله اللخمي

واختلف العلماء هل هذه الأوامر على الوجوب أو على الندب وبيان ذلك في كتب التفاسير والأحكام

وأمر الله عز وجل بالإشهاد على الزنا فقال تعالى واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ( النساء 15 )

وكذلك أمر عز وجل في ما يدفع الحد عن القاذف فقال تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ( النور 4 )

الفصل الثاني
فيما كتب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك

روى الترمذي ( 2 344 ) عن عبد الحميد بن وهب قال قال لي العداء بن خالد ابن هوذة ألا أقرئك كتابا كتبه لي رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت بلى فأخرج لي كتابا هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله اشترى منه عبدا أو أمة لا داء ولا غائلة ولا خبثة بيع المسلم المسلم

قال أبو عيسى وهذا حديث حسن غريب

وذكر أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب ( 1237 ) بسنده عن الأصمعي عن عثمان الشحام وعن أبي رجاء العطاردي عن العداء بن خالد قال ألا أقرئك كتابا كتبه لي رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا فيه مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اشترى العداء بن خالد من محمد رسول الله اشترى منه عبدا أو أمة شك عثمان بياعة المسلم أو بيع المسلم المسلم لا داء ولا غائلة ولا خبثة


289

وقال البخاري ( 3 76 ) رحمه الله تعالى ويذكر عن العداء بن خالد قال كتب لي النبي صلى الله عليه وسلم هذا ما اشترى محمد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من العداء بن خالد بيع المسلم المسلم لا داء ولا خبثة ولا غائلة

قال القاضي أبو الفضل عياض في المشارق وقيل هذا وهم وهو مقلوب وصوابه هذا ما اشتري العداء بن خالد من محمد رسول الله ذكره الترمذي وابن الجارود والعداء هو المشتري قال القاضي ولا يبعد صواب ما في الأم واتفاقه مع المصنفات الأخر إذ جعلنا شرى واشترى وباع وابتاع بمعنى يستعملان في الوجهين جميعا انتهى

قلت وإذا ثبت هذا كان حجة لمن يرى من الموثقين تقديم الأشرف في الكتب بائعا كان أو مشتريا

فائدة لغوية

في المشارق ( 1 288 ) الخبثة بكسر الخاء ما كان غير طيب الأصل وكل حرام خبيث قال الله تعالى ويحرم عليهم الخبائث ( الأعراف 157 ) وقيل الخبثة هنا الريبة من الفجور وقوله لا غائلةأي خديعة ولا حيلة قال الخطابي الغائلة في البيع كل ما أدى إلى تلف الحق وفسره قتادة في كتاب البخاري ( 3 67 ) الغائلة الزنا والسرقة والاباق والأشبه عندي أن يكون تفسير قتادة راجعا إلى الخبثة والغائلة معا

الفصل الثالث
في ذكر من كان يكتبها من الصحابة رضي الله تعالى عنهم

روى أبو داود في سننه ( 2 105 ) من طريق بشر بن المفضل عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال أصاب أرضا بخيبر فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أصبت أرضا لم أصب مالا قط أنفس عندي منه فكيف


290
تأمرني فيه قال إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها فتصدق بها عمر أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث للفقراء والقرباء والرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم صديقا غير متمول فيه

قال بشر وقال محمد غير متأثل مالا

وروى أيضا في سننه ( 2 105 ) عن الليث عن يحيى بن سعيد عن صدقة عمر بن الخطاب قال نسخها لي عبد الحميد بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما كتب عبد الله بن عمر في ثمغ فقص من خبره نحو حديث نافع قال غير متأثل مالا فما عفا عنه من ثمره فهو للسائل والمحروم قال وساق القصة قال وإن شاء ولي ثمغ اشترى من ثمره رقيقا لعمله وكتب معيقيب وشهد عبد الله بن الارقم انتهى

وقد تقدم ذكر عبد الله بن الأرقم في الباب الثاني من الجزء الثالث من هذا الكتاب وقال القاضي محمد بن سلامة القضاعي في كتاب الأنباء كان المغيرة بن شعبة والحصين بن نمير وقيل ابن بشير يكتبان المداينات والمعاملات وقاله ابن حزم أيضا في كتاب جوامع السيرة

تنبيه

المغيرة بن شعبة في الاستيعاب ( 1445 ) المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قيس من ثقيف الثقفي يكنى أبا عبد الله وقيل أبا عيسى وبالأولى كان يكنى حتى هلك

أسلم عام الخندق وقدم مهاجرا وقيل إن أول مشاهدة الحديبية وكان أعور أصيبت عينه يوم اليرموك وتوفي سنة خمسين وقيل سنة إحدى وخمسين


291
بالكوفة أميرا عليها لمعاوية في داره بها ووقف على قبره مصقلة بن هبيرة الشيباني فقال [ من الخفيف ]
إن تحت الأحجار حزما وجودا
وخصيما ألد ذا معلاق
حية في الوجار أربد لا ين
فع منه السليم نفث الراقي

ثم قال أما والله لقد كنت شديد الأخوة لمن آخيت

وروى سحنون عن ابن نافع قال أحصن المغيرة بن شعبة ثلاثمائة امرأة في الإسلام قال ابن وضاح غير ابن نافع يقول ألف امرأة انتهى

والحصين بن نمير أو ابن بشير حسبما اختلف فيه لم يذكره ابن عبد البر ولا ابن فتحون في الصحابة

الفصل الرابع
في ذكر من كان يكتبها من التابعين

قال الشيرازي رحمه الله تعالى في كتاب طبقات الفقهاء ( 60 ) له ومن فقهاء التابعين في المدينة خارجة بن زيد بن ثابت مات سنة مائة وهو ابن سبعين سنة قال مصعب كان خارجة بن زيد وطلحة بن عبد الله بن عوف في زمانهما يستفتيان وينتهي الناس إلى قولهما ويقسمان المواريث بين اهلها من الدور والنخيل والأموال ويكتبان الوثائق للناس انتهى

الفصل الخامس
في معنى قولهم كتابة الشروط والوثائق والعقود

قال أبو بكر ابن العربي في العارضة ( 5 220 ) الشرط في العربية العلامة ومنه


292
أشراط الساعة وهو عبارة عن كل شىء يدل على غيره ويعلم من قبله ولما كانت العقود يعرف بها ما جرى سميت شروطا

وفي ديوان الأدب ( 1 116 ) وزنه فعل بفتح العين

وقال أبو بكر ابن العربي ( 5 220 ) وسميت وثائق من الوثيقة وهو ربط الشىء لئلا ينفلت ويذهب وسميت عقودا لأنها ربطت كتبة كما ربطت قولا


293
الباب السادس
في فارض المواريث
وفيه فصلان
الفصل الأول
في الحض على تعلم الفرائض

ذكر أبو القاسم أحمد بن خلف الحوفي رحمه الله تعالى أن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإنها نصف العلم وهي أول ما ينزع من أمتي

وروى النسائي رحمه الله تعالى عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعلموا القرآن وعلموه الناس وتعلموا الفرائض وعلموها الناس وتعلموا العلم وعلموه الناس فإني مقبوض وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في فريضة لا يجدان إنسانا يفصل بينهما

فائدة لغوية

الفرائض جمع فريضة وفي المشارق ( 2 152 ) فرض الحاكم النفقة للمرأة قدرها وفرائض الله ما ألزمه عباده وأو جبه عليهم قال وقوله فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر قيل قدرها وبينها وهو مذهب بعض


294
أهل البصرة وبعض أهل الحجاز من الفقهاء وقيل الزمها وأوجبها وهو مذهب المالكية وأهل العراق
الفصل الثاني
في ذكر من كان فارضا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم

روى الترمذي ( 5 330 ) رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في أمر الله عمر وأصدقهم حياء عثمان وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب وأفرضهم زيد بن ثابت وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ألا وإن لكل أمة أمينا ألا وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح

قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح

وفي الاستيعاب ( 539 ) كان زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه أحد فقهاء الصحابة الجلة الفراض قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرض أمتي زيد بن ثابت

وفي كتاب الموال ( 285 ) لأبي عبيد القاسم بن سلام أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه خطب الناس بالجابية فقال من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبي بن كعب ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت ومن أراد أن يسأل عن الفقه في الدين فليأت معاذ بن جبل ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني فإن الله قد جعلني له خازنا وقاسما إني بادىء بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فمعطيهن ثم المهاجرين الأولين ثم انا بادىء بأصحابي أخرجنا من مكة من ديارنا وأموالنا ثم بالأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم قال ثم قال فمن أسرع إلى الهجرة أسرع به العطاء ومن أبطأ عن الهجرة أبطأ عنه العطاء فلا يلومن رجل إلا مناخ راحلته انتهى

تنبيه قد تقدم ذكر زيد بن ثابت رحمه الله تعالى في باب كتاب الرسائل فأغنى عن الإعادة الآن


295
الباب السابع
في ذكر فارض النفقات

روى مسلم ( 2 40 ) رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت دخلت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت من ماله بغير علمه فهل علي في ذلك من جناح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك

فائدة لغوية

في المحكم ( 3 62 ) الجناح الميل إلىالإثم وقيل هو الإثم عامة


296
الباب الثامن
في الوكيل في غير الامور المالية
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول
في ذكر من وكله النبي صلى الله عليه وسلم

ذكر أبو بكر ابن العربي رحمه الله تعالى في كتاب أحكام القرآن ( 3 1217 ) له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل عمرو بن أمية الضمري على عقد نكاح أم حبيبة بنت أبي سفيان عند النجاشي ووكل أبا رافع على نكاح ميمونة في إحدى الروايتين

الفصل الثاني
في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم

1 عمرو بن أمية الضمري في الاستيعاب ( 1162 ) عمرو بن أمية بن خويلد بن عبد الله بن إياس بن عبيد بن ناشرة بن كعب الضمري من بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن علي بن كنانة يكنى أبا أمية

قال ابو عمر رحمه الله شهد عمرو بن أمية الضمري بدرا وأحدا مع المشركين ثم أسلم حين انصرف المشركون من أحد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعثه في أموره وكان من رجال العرب نجدة وجرأة وكان أول مشهد شهده بئر معونة فأسرته بنو عامر يومئذ فقال له عامر بن الطفيل أنه كان على أمي نسمة فاذهب فأنت حر عنها وجز ناصيته قال الواقدي بعثه رسول


297
الله صلى الله عليه وسلم في سنة ست إلى النجاشي بالحبشة فقدم عمرو بن أمية بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على النجاشي يدعوه إلى الإسلام فأسلم النجاشي وشهد أن لاأله إلا الله وأن محمدا رسول الله

قال وأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان ويبعث بها إليه وكل من عنده من المسلمين ففعل

وبعث رسول اله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية أيضا إلى أبي سفيان بن حرب بهدية إلى مكة وهو معدود في أهل الحجاز ومات بالمدينة في خلافة معاوية بن أبي سفيان انتهىز

2 أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ياتي ذكره إن شاء الله تعالى في باب صاحب الثقل

الفصل الثالث
في توكيل علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه عبد الله بن أخيه جعفر رضي الله عنهم في خصومة مع طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنه

من البيان والتحصيل من كتاب أوله تأخير صلاة العشاء في الحرس روى الشعبي أنه قال أول من جرى جريا أي وكل وكيلا من الصحابة علي بن ابي طالب رضي الله تعالى عنه وكل عبد الله بن جعفر فقيل له لم وكلت عبد الله وأنت سيد من سادات الناطقين فقال إن للخصومات قحما قال وكانت الخصومة بين علي وطلحة بن عبيد الله في ضفير بين ضيعتيهما كان علي يحب أن يثبت وطلحة يحب أن يزال فوكل علي عبد الله بن جعفر فتنازعا الخصومة في ذلك بين يدي عثمان وهو خلبفة فقال لهما إذا كان غد ركبت في الناس معكما حتى أقف على الضفير فأقضي فيه بينكما معانية فركب في المهاجرين والأنصار وجاء معهم معاوية فقال وهم يتنازعون الخصومة في الطريق لو كان منكرا لأزاله


298
عمر فكان سبب توجه الحكم لعبد الله على طلحة فوقف عثمان والناس معه رضي الله تعالى عنهم على الضفير فقال يا هؤلاء أخبرونا أكان هذا أيام عمر قالوا نعم قال فدعوه كما كان أيام عمر رضي الله تعالى عنه وانصرفا

قال عبد الله فجئت من فوري إلى علي رضي الله تعالى عنه فقصصت عليه القصة حتى بلغت إلى كلام معاوية فضحك ثم قال أتدري لم أعانك معاوية قلت لا قال أعانك للمنافية قم الآن إلى طلحة فقل له إن الضفير لك فاصنع به ما بدا لك فأتيته فأخبرته فسر بذلك ثم دعا بردائه ونعليه وقام معي حتى دخلنا على علي رضي الله تعالى عنهم فرحب به وقال الضفير لك فاصنع به ماشئت فقال قد قبلت وإنما جئت شاكرا ولي حاجة ولا بد من قضائها فقال له علي رضي الله عنهما سل حتى أقضيها لك فقال طلحة أحب أن تقبل الضيعة مني مع ما فيها من الغلمان والدواب والآلة فقال علي قد قبلت قال ففرح طلحة وتعانقا وتفرقا

قال عبد الله فوالله ما أدري أيهما أكرم في ذلك المجلس علي إذا جاد بالضفير أم طلحة إذ جاد بالضيعة بعد ضنه بمسناة انتهى

فوائد لغوية في خمس مسائل

الأولى في الصحاح ( 6 230 ) الجري الوكيل والرسول يقال جري بين الجراية والجراية والجمع أجرياء وقد جريت جريا واستجريت وأما الجريء المقدام فهو من باب الهمز

الثانية في الغريبين وكل فلان فلانا أي وكل أمره إليه يستكفيه وفي الصحاح ( 5 1845 ) وكلته بأمر كذا توكيلا والأسم الوكالة والوكالة قال الفارابي ( 3 243 ) بفتح الواو وكسرها

وفي الزاهر ( 1 99 100 ) الوكيل الكافي قاله الفراء انتهى


299

ووكل أمرا إليه أي صرفه بتخفيف الكاف قال القاضي في المشارق ( 2 285 ) وقوله عن فاطمة ووكلها إلى الله بالتخفيف أي صرف أمرها إليه

الثالثة في الصحاح ( 5 2006 ) للخصومة قحم أي أنها تقحم بصاحبها على ما لا يريده قحم في الأمر قحوما رمى بنفسه فيه بغير روية

الرابعة في الصحاح ( 2 722 ) المسناة والمسناة العرم وفي الغريبين في حديث علي أن طلحة رضي الله تعالى عنهما نازعه في ضفيرة كان علي ضفرها في واد قال شمر قال ابن الأعرابي الضفير مثل المسناة المستطيلة في الأرض فيها خشب وحجارة وفيه أيضا المسناة ضفيرة تبنى للسيل ترده سميت مسناة لأن فيها مفاتيح الماء أخذت من قولهم سنيت الشىء إذا فتحته وأنشد [ من الطويل ]

إذا الله سنى عقد أمر تيسرا

وفي المحكم ( 2 105 ) العرمة والعرمة المسناة وهي سد يعترض به الوادي والجمع عرم وقيل العرم جمع لا واحد له وقال أبو حنيفة الأعرام الأحباس تبنى في أوساط الأودية

الخامسة قول علي رضي الله تعالى عنه أعانك بالمنافية يعني بالنسبة المنافية لأن عليا ومعاوية رضي الله تعالى عنهما يجتمعان في عبد مناف


300
الباب التاسع
في البصير بالبناء

وهو الرجل يكون له البصر بالبناء يبعثه الإمام يحكم بين المتنازعين فيؤخذ بقوله

ذكر من كان كذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم

وذكر أبو عمر ابن عبد البرفي الاستيعاب ( 227 ) عن جارية بن ظفر رضي الله تعالى عنه أن دارا كانت بين أخوين فحظرا في وسطها حظارا ثم هلكا وترك كل واحد منهما عقبا فادعى عقب كل واحد منهما أن الحظار له دون صاحبه فاختصم عقباهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل حذيفة بن اليمان يقضي بينهما فقضى بالحظار لمن وجد معاقد القمط تليه ثم رجع فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال أصبت أو احسنت انتهى وفي التاريخ للبخاري رحمه الله تعالى نحوه

تنبيه

قد تقدم ذكر حذيفة رضي الله تعالى عنه في باب كاتب الجيش فأغنى عن إعادته

فائدتان لغويتان

الأولى الحظار في المشارق ( 1 193 ) كل شىء مانع بين شيئين فهو حظار وحكى الهروي فيه فتح الحاء وكسرها

الثانية في الصحاح ( 3 115 ) القمط بالكسر ما تشدد به الأخصاص ومنه معاقد القمط وفي الغريبين اختصم إلى شريح رجلان في خص فقضى بالخص للذي تليه القمط وقمطه شرطه التي يشد بها من ليف كانت أو خوص أو غيره


301
الباب العاشر
في القسام
وفيه فصلان
الفصل الأول
فيما جاء في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق في السير ( 2 349 ) كانت المقاسم على أموال خيبر على الشق ونطاة والكتيبة فكانت الشق ونطاة في سهمان المسلمين وكانت الكتيبة خمس الله وسهم النبي صلى الله عليه وسلم ذوي القربى واليتامى والمساكين وطعم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وطعم رجال مشوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أهل فدك بالصلح

قال ( 2 349 350 ) وكان وادياها وادي السرير ووادي خاص وهما اللذان قسمت عليهما خيبر وكانت نطاة والشق ثمانية عشر سهما نطاة من ذلك خمسة أسهم والشق ثلاثة عشر سهما وقسمت الشق ونطاة على ألف سهم وثمانمائة سهم وكانت عدة الذين قسمت عليهم خيبر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف سهم وثمانمائة سهم برجالهم وخيلهم الرجال اربع عشرة مائة والخيل مائتا فرس فكان لكل فرس سهمان ولفارسه سهم وكان لكل سهم رأس جمع إليه مائة رجل فكانت ثمانية عشر سهما جمع

قال ابن إسحاق ( 2 350 ) فكان علي بن أبي طالب رأسا والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وعمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وعاصم بن عدي أخو بني العجلان وأسيد [ بن حضير ] وسهم الحارث بن الخزرج وسهم


302
ناعم بن عوف بن الخزرج ومزينة وشركائهم وسهم [ بني ] بياضة وسهم بني عبيد من بني سلمة وسهم بني حرام من بني سلمة أيضا وعبيد السهام وسهم ساعدة وسهم غفار وأسلم وسهم النجار وسهم حارثة وسهم أوس [ ثم هبطوا إلى الشق فكان أول سهم خرج منه سهم عاصم بن عدي أخي بني العجلان ومعه كان سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سهم عبد الرحمن بن عوف ثم سهم ساعدة ثم سهم النجار ثم سهم علي بن أبي طالب رضوان الله عليه ثم سهم طلحة بن عبيد الله ثم سهم غفار وأسلم ثم سهم عمر بن الخطاب ثم سهما سلمة بن عبيد وبني حرام ثم سهم حارثة ثم سهم عبيد السهام ثم سهم أوس ] وهو سهم اللفيف جمعت إليه جهينة ومن حضر خيبر من سائر العرب

قال ابن إسحاق ( 2 351 ) ثم قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتيبة وهي وادي خاص بين قرابته وبين نسائه وبين رجال من المسلمين ونساء اعطاهم منها

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

الأولى الشق بكسر الشين وتشديد القاف ونطاة بفتح النون وتاء التأنيث آخره ووادي السرير بضم السين على لغة التصغير هكذا قيدها البكري ( 805 ) وقال هي أودية بخيبر

الثانية الكتيبة بفتح الكاف وكسر التاء على لفظةواحدة الكتائب من الجيوش حصن من حصون خيبر قاله البكري ( 1115 ) أيضا

الثالثة وادي خاص قال السهيلي ( 6 567 ) قال أبو الوليد إنما هو وادي خلص باللام والأول تصحيف انتهى


303

وقال البكري ( 5079 خلص بضم الخاء المعجمة وإسكان اللام وبالصاد المهملة واد من أو دية خيبر وأنشد لنصيب [ من الوافر ]

وكانت إذ تحل أراك خلص
إلى أجزاع بينة والرغام
الفصل الثاني

في ذكر من عين عمر رضي الله تعالى عنه لقسمة خيبر حين أجلى اليهود عنها

قال أبو الربيع ابن سالم في الاكتفاء ولما أخرج عمر رضي الله تعالى عنه يهود خيبر ركب في المهاجرين والأنصار وخرج معه بجبار بن صخر وكان خارصهم وخارص أهل المدينة وحاسبهم وبزيد بن ثابت فهما قسما خيبر على أهل السهمان التي كانت عليها وذلك أن الشق ونطاة اللذين هما سهم المسلمين قسمت في الأصل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثمانية عشر سهما نطاة من ذلك خمسة أسهم والشق ثلاثة عشر سهما ثم قسم كل قسم من هذه الثمانية عشر إلى مائة سهم لكل رجل سهم ولكل فرس سهمان وكانت عدة الذين قسمت عليهم ألف رجل وأربعمائة رجل ومائتي فرس فذلك ألف سهم وثمانمائة سهم انتهى

تنبيه

سيأتي ذكر جبار بن صخر رضي الله تعالى عنه في باب الخارص إن شاء الله تعالى وأما زيد بن ثابت فقد تقدم ذكره في باب كتاب الرسائل


304
الباب الحادي عشر
في المحتسب
وفيه ستة فصول
الفصل الأول
فيما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحسبة

روى الترمذي ( 2 389 ) رحمه الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صبره طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا فقال يا صاحب الطعام ما هذه قال أصابته السماء يا رسول الله قال أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس ثم قال من غش فليس منا

قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح

وخرج مسلم ( 1 40 ) رحمه الله تعالى عن أبي هريرة أيضا نحوه

وروى ابن المنذر في الإشراف عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وقف على طعام بسوق المدينة فأعجبه حسنه فأدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يده في جوف الطعام فأخرج شيئا ليس بالظاهر فأقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاحب الطعام ثم نادى أيها الناس لا غش بين المسلمين من غشنا فليس منا انتهى

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

الأولى في الصحاح ( 2 707 ) الصبرة واحدة صبر الطعام يقال اشتريت الشيء صبرة أي بلا وزن ولا كيل انتهى


305

الثانية في الصحاح ( 4 331 ) أقف تأفيفا إذا قال أف وقال الهروي يقال لكل ما يضجر ويستثقل أف له

الثالثة في المحكم ( 3 152 151 ) احتسب فلان على فلان أنكر عليه قبيح عمله وإنه لحسن الحسبة في الأمر أي حسن التدبير والنظر والاحتساب طلب الأجر والاسم الحسبة

الفصل الثاني
فيما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في التسعير

روى الترمذي ( 2 388 ) عن أنس بن مالك [ رضي الله تعالى عنه ] قال غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله سعر لنا فقال إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق وإني أرجوأن ألقى ربي وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال

قال ابو عيسى هذا حديث حسن صحيح

الفصل الثالث
في نبذة من الفقه في ذلك

من البيان والتحصيل من كتاب أوله حلف ألا يبيع رجلا سلعة سماها في التسعير على أهل السوق قال ابن رشد أما الجلاب فلا اختلاف فيه أنه لا يسعر شيء مما جلبوه للبيع وإنما يقال لمن شذ منهم فحط السعر وباع بأغلى مما يبيع به عامتهم إما أن تبيع بما تبيع به العامة وإما أن ترفع من السوق كما فعل عمر رضي الله تعالى عنه بحاطب بن أبي بلتعة إذ مر به وهو يبيع زبيبا له في السوق فقال له إما أن تزيد في السعر وإما أن ترفع من سوقنا لأنه كان يبيع بالدرهم أقل مما كان يبيع به أهل السوق واما أهل الحوانيت والسوق الذين يشترون من


306
الجلاب وغيرهم جملا ويبيعون ذلك على أيديهم مقطعا مثل اللحم والأدم والفواكة فقيل إنهم كالجلاب لا يسعر عليهم شىء من يباعاتهم وإنما يقال لمن شذ منهم وخرج عن الجمهور إما أن تبيع كما يبيع الناس وإما أن ترفع من السوق وهو قول مالك في رواية عنه وممن روي ذلك عنه من السلف عبد الله بن عمر والقاسم بن سلام وسالم بن عبد الله وقيل إنهم في هذا بخلاف الجلاب لا يتركون على البيع باختيارهم إذا أغلوا على الناس ولم يقنعوا من الربح بما يشبه وأن على صاحب السوق الموكل على مصلحتها أن يعرف ما يشترونه فيجعل لهم من الربح ما يشبه وينهاهم أن يزيدوا على ذلك ويتفقد السوق أبدا فيمنعهم من الزيادة فيمنعهم على الربح الذي جعل لهم كيفما تقلب السعر من زيادة أو نقصان فمن خالف أمره عاقبه بما يراه من الأدب وبالإخراج من السوق إن كان معتادا لذلك مستسرا به وهو قول مالك في الرواية الأخرى عنه وإليه ذهب ابن حبيب وقاله من السلف جماعة منهم سعيد بن المسيب ويحيى بن سعيد وهو مذهب الليث بن سعد وربيعة بن أبي عبد الرحمن

ولا يجوز عند أحد من العلماء أن يقول لهم لا تبيعوا إلا بكذا وكذا ربحتم أو خسرتم من غير أن ينظر إلى ما يشترون به ولا أن يقول لهم فيما قد اشتروه لا تبيعوا إلا بكذا وكذا مما هو مثل الثمن الذي اشتروه به أو أقل وإذا ضرب لهم الربح على قدر ما يشترى مثل أن يقول لهم تربحون في المدي كذا وكذا فلا يتركهم أن يغلوا في الشراء وإن لم يزيدوا في الربح إذ قد يفعلون ذلك ويتساهلون فيه إذ لا ينقصهم بذلك ربحهم شيء وإذا علم ذلك منهم ضرب لهم الربح على ما يعلم من مبلغ السعر وقال لهم لا سبيل لكم أن تبيعوا بكذا وكذا فلا تشتروا إلا على هذا انتهى


307
الفصل الرابع
في ذكر من ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم السوق وكيف كان يضرب من يعمل بالربا في الأسواق في عهده أيضا صلى الله عليه وسلم

روى البخاري ( 3 95 ) رحمه الله تعالى عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنهم كانوا يشترون الطعام من الركبان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فبعث إليهم من يمنعهم أن يبيعوه حيث اشتروه حتى ينقلوه حتى يباع الطعام

وروى أيضا ( 3 90 ) عن سالم عن أبيه رأيت الذين يشترون الطعام مجازفة يضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه حتى يؤوه إلى رحالهم

وخرج مسلم ( 1 445 446 ) رحمه الله تعالى نحوه

وقال أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب ( 621 ) استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم سعيد بن سعيد بن العاص بن أمية بعد الفتح على سوق مكة

فائدة لغوية

في المشروع الروي في الحديث ذكر المجازفة في البيوع والجزاف هو بيع الشىء بغير وزن ولا كيل ولا عدد

الفصل الخامس
في ذكر نسب سعيد بن سعيد بن العاصي وأخباره

في الاستيعاب ( 621 ) سعيد بن سعيد بن العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي استشهد يوم الطائف وكان إسلامه قبل فتح مكة بيسير واستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح على سوق مكة فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف خرج معه فاستشهد انتهى


308
الفصل السادس
فيمن ولاه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه السوق
فمن الرجال

قال أبوعمر ابن عبد البر في الاستيعاب ( 576 ) كان السائب بن يزيد [ رضي الله تعالى عنه ] عاملا لعمر بن الخطاب على سوق المدينة مع عبد الله بن عتبة بن مسعود رضي الله تعالى عنهم

وفي مسند الزهري عن السائب بن يزيد رضي الله تعالى عنه قال كنت عاملا مع عبد الله بن عتبة على سوق المدينة في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه

ومن النساء

الشفاء أم سليمان بن أبي حثمة

قال أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب ( 1868 ) كان عمر يقدمها في الرأي ويرضاها ويعظمها وربما ولاها شيئا من أمر السوق

وذكرها ابن حزم في جماهره ( 156 ) في النسب في بني رزاح بن عدي بن كعب فقال الشفاء بنت عبد الله أم سليمان بن أبي حثمة كان عمر رضي الله تعالى عنه استعملها على السوق انتهى

تنبيه

قد تقدم نسب الشفاء أم سليمان وأخبارها في باب معلم الكتابة ويأتي ذكر السائب وعبد الله بن عتبة في باب العشر إن شاء الله تعالى ويستوفي هنالك نسبهما وأخبارهما

فائدة في معنى الباب

ذكر أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب ( 1863 ) سمراء بنت نهيك الأسدية وقال أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمرت وكانت تمر في الأسواق تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتضرب الناس على ذلك بسوط معها


309
الباب الثاني عشر
في المنادي وهو الذي يقال لصوته البريح

روى البخاري ( 2 43 ) رحمه الله تعالى عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال لما كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نودي أن الصلاة جامعة

وروى البخاري رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه كنت ساقي القوم منزل أبي طلحة وكان خمرهم يومئذ الفضيخ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديا ينادي ألا إن الخمر قد حرمت قال فجرت في سكك المدينة فقال لي أبو طلحة اخرج فأهرقها فخرجت فأهرقتها في سكك المدينة فقال بعض القوم قد قتل قوم وهي في بطونهم فأنزل الله تعالى ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ( المائدة 93 ) الآية

وروى البخاري ( 5 160 ) أيضا رحمه الله تعالى عن زاهر الأسلمي وكان ممن شهد الشجرة قال إني لأوقد تحت القدور بلحوم الحمر إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاكم عن لحوم الحمر

وروى أبو داود ( 2 39 ) رحمه الله تعالى عن سهل بن معاذ الجهني عن أبيه قال غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة كذا وكذا فضيق الناس المنازل وقطعوا الطريق فبعث نبي الله صلى الله عليه وسلم مناديا ينادي في الناس أن من ضيق منزلا أو قطع طريقا فلا جهاد له

فوائد لغوية في أربع مسائل

الأولى في ديوان الأدب ( 2 174 171 ) كسفت الشمس وخسف القمر


310
يخسف بفتح السين في الماضي وكسرها في المستقبل وفي الصحاح ( 4 1421 ) كسفت الشمس تكسف كسوفا وكسفها الله كسفا يتعدى ولا يتعدى وكذلك كسف القمر إلا أن الأجود فيه أن يقال خسف القمر والعامة تقول انكسفت الشمس

وفي المشارق ( 1 246 247 ) ونقلته مختصرا قال بعضهم إنما يقال خسف القمر وكسفت الشمس وقال بعضهم بالعكس خسفت الشمس وكسف القمر قال القاضي رحمه الله تعالى والقرآن يرد هذا وقيل هما بمعنى فيهما وقال الليث بن سعد الخسوف في الكل والكسوف في البعض وقيل الكسوف تغيرهما والخسوف مغيبها في السواد قال القاضي رحمه الله تعالى والذي تدل الأحاديث عليه أنهما سواء فيهما

الثانية في المشارق ( 2 160 ) الفضيخ هو البسر يشدخ ويفضخ ويلقى عليه الماء لتسرع شدته وفي الأثر أنه يلقى عليه الماء والتمر وقيل يفضخ التمر وينبذ في الماء وعليه يدل الحديث وكل بمعنى مقارب

الثالثة في المشارق ( 2 216 ) قوله فجرت في سكك المدينة هي الطرق والأزقة وأصلها الطريقة المصطفة من النخل فسميت الطريق في المدن بذلك لاصطفاف المنازل بجانبها

الرابعة في المحكم ( 3 244 ) قول بريح مصوت به قال الهذلي [ من المتقارب ]

أراه يدافع قولا بريحا

وفي المشارق ( 1 83 ) في الحديث فبرحت بنا امرأته بالصياح بتشديد الراء أي كشفت أمرنا وأظهرته


311
الباب الثالث عشر
في صاحب العسس في المدينة ويسمى بالغرب الحاكم وبالأندلس صاحب المدينة وبافريقية العريف
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول
في ذكر من ولي ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم

روى الترمذي ( 5 315 ) رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمه المدينة ليلة فقال ليت رجلا صالحا يحرسني الليلة قالت فبينا نحن كذلك إذ سمعنا خشخشة السلاح فقال من هذا قال سعد بن أبي وقاص فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء بك فقال سعد وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أحرسه فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نام

قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح

فائدة لغوية

في ديوان الأدب ( 3 194 ) الخشخشة صوت السلاح وخشخشت الريح يبس الحصاد انتهى وأنشد الأعلم لعلقمة بن عبدة [ من الطويل ]

تخشخش أبدان الحديد عليهم
كما خشخشت يبس الحصاد جنوب

312

تنبيه سيأتي ذكر سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه في الباب الثاني والثلاثين من الجزء الخامس بما يغني عن ذكره هنا والحمد لله

الفصل الثاني
في ذكر من ولي ذلك في زمن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه

ذكر أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في الاستيعاب ( 1150 ) في ترجمة عمر رضي الله تعالى عنه عن إبراهيم النخعي قال أول من ولى أبو بكر رضي الله تعالى عنه شيئا من أمور الناس عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ولاه القضاء وكان أول قاض في الإسلام وقال اقض بين الناس فإني في شغل وأمر ابن مسعود رضي الله تعالى عنه بعسس المدينة انتهى

وروى أبو داود ( 2 570571 ) بسنده عن الأعمش عن زيد أتي ابن مسعود فقيل له هذا فلان تقطر لحيته خمرا فقال عبد الله إنا قد نهينا عن التجسس ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به انتهى

وذكر الثعلبي عن زيد بن وهب أنه قال قيل لابن مسعود هل لك في الوليد ابن عقبة تقطر لحيته خمرا قال إنا قد نهينا عن التجسس فإن ظهر لنا شىء نأخذ به انتهى

تنبيه

قول النخعي رحمه الله تعالى في عمر رضي الله تعالى عنه وكان أول قاض قضي في الاسلام إنما يعني الخليفة والإ فقد ثبت تقديم النبي صلى الله عليه وسلم له ولغيره من الصحابة للقضاء حسبما ثبت في باب القاضي من هذا الكتاب

فائدة لغوية

في الصحاح ( 2 946 3 1110 ) عس يعس وعسا وعسسا أي طاف بالليل


313
وهو نفض الليل عن أهل الريبة فهو عاس وقوم عسس مثل خادم وخدم وطالب وطلب واعتس مثل عس وقد نفضت المكان واستنفضته إذا نظرت جميع ما فيه قال زهير يصف البقرة [ من الطويل ]
وتنقض عنها غيب كل خميلة
وتخشى رماة الغوث في كل مرصد

تنبيه ثان

قد تقدم ذكر عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه في باب صاحب النعال من هذا الكتاب مما أغنى عن إعادته هنا والحمد لله

الفصل الثالث
في ذكر من ولي ذلك في زمن عمر رضي الله تعالى عنه

كان عمر رضي الله تعالى عنه يتولى العسس بنفسه ويستصحب معه أسلم مولاه وربما استصحب عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه

وقال ابن الأثير في تاريخه ( 3 59 ) إن عمر رضي الله تعالى عنه أول من عس بالليل قلت يريد من الخلفاء وإلا فقد ثبت أن أول من عس سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه حسبما تقدم ذكر ذلك في الفصل الأول من هذا الباب

فمن أخباره في عسسه رضي الله تعالى عنه ما ذكره القاضي أبو الوليد الباجي رحمه الله تعالى في المنتقى ( 4 31 ) قال روي أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان يطوف ليلة بالمدينة فسمع امرأة تنشد [ من الطويل ]

ألا طال هذ الليل واسود جانبه
وأرقني إذ لا خليل ألاعبه

314
فوالله لولا الله لا شىء غيره
لزعزع من هذا السرير جوانبه
مخافة ربي والحياء يكفيني
وأكرم زوجي أن تنال مراكبه

فلما كان من الغد استدعى عمر تلك المرأة فقال أين زوجك قالت بعثت به إلى العراق فاستدعى بنساء وسألهن عن المرأة مقدار ما تصبر عن زوجها فقلن شهرين ويقل صبرها ثلاثة أشهر وتفقد صبرها في أربعة أشهر فجعل عمر مدة غزو الرجل أربعة أشهر فإذا مضت أربعة أشهر استرد الغازين ووجه بقوم آخرين

ومن أخباره أيضا في ذلك ما ذكره الثعلبي عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما قال حرست ليلة مع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بالمدينة إذ شب لنا سراج في بيت بابه مجاف على قوم لهم أصوات مرتفعة ولغط فقال عمر هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف وهم الأن شرب فما ترى قلت أرى أنا قد أتينا مانهى الله عنه قال ولا تجسسوا فقد تجسسنا فانصرف وتركهم

ومن أخباره أيضا في ذلك خبره الذي ذكره الخطابي في الغريب ( 2 20 ) والبكري في المعجم ( 830 ) والنص للخطابي عن أسلم مولى عمر رضي الله تعالى عنه قال خرجت معه حتى إذا كنا ب حرة واقم فإذا نار تؤرث بصرار فخرجنا حتى إذا أتينا صرارا فقال عمر السلام عليكم يا أهل الضوء وكره أن يقول يا أهل النار أدنو فقيل ادن بخير أو دع قال وإذا هم ركب قد قصر بهم الليل والبرد والجزع وإذا امرأة وصبيان فنكص عمر على عقبيه وأدبر يهرول حتى أتى دار الدقيق فاستخرج عدلا من الدقيق وجعل كبة من شحم ثم حمله حتى أتاهم فقال للمرأة ذري وأنا أحر لك انتهى

وقد ذكرت القصة في باب خازن الزرع في هذا الكتاب منقولة من تاريخ ابن الأثير باتم من هذا وأعدتها الآن تكملة لمعنى الباب


315

فوائد لغويةفي ست مسائل

الأولى ابن طريف زعزعت الشيء حركته لتقلعه وقالت امرأة [ من الطويل ]

فوالله لولا الله أني أراقبه
لزعزع من هذا السرير جوانبه

هكذا أنشده رحمه الله تعالى أني أراقبه

الثانية الفارابي ( 3 116 ) شببت النار بفتح الشين أشبها بضمها شبا أي أو قدتها

الثالثة في المشارق ( 1 165 ) أجيفوا الأبواب أي أغلقوها والباب مجاف أي مغلق

وأنشد ابن طريف [ من الطويل ]

فتحته طورا وطورا تجيفه

الرابعة في الصحاح ( 1 153 ) الشرب جمع شارب كصاحب وصحب ثم يجمع الشرب على شروب

الخامسة الخطابي ( 2 20 ) تؤرث أي توقد يقال أرثت النار إذا أو قدتها

قال عدي بن زيد [ من المديد ]

رب نار بت أرمقها
تقضم الهندي والغارا
عندها ظبي يؤرثها
عاقد في الجيد تقصارا

السادسة قوله وأنا أحر لك قال البكري ( 830 ) يريد أتخذ لك حريرة انتهى


316
ورأيت في طرة عليه في كتاب الخطابي ( 2 20 ) أراد أحرك لك فحذف لعلم السامع عن ابن سراج قال وكذلك رواه الحربي والخطابي

تنبيه

قد شرح ما بقي من الألفاظ اللغوية التي تضمنها هذا الخبر في باب خازن الطعام ويأتي ذكر عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه في باب الأمين على الحرم في الجزء الخامس من هذا الكتاب بما أغنى عن إعادة ذلك هنا والحمد لله


317
الباب الرابع عشر
في الرجل يتولى حراسة أبواب المدينة
في زمن المهرج

هذه العمالة لم أجد عليها نصا أنها كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لكنها تتخرج من حديث حراسة سعد رضي الله تعالى عنه النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة بالليل

وقد أمر بها الصديق رضي الله تعالى عنه ذكر أبو الفرج الجوزي رحمه الله تعالى في كتاب كشف مشكل الصحيحين البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى في الكلام على مسند حديث أبي هريرة كان طليحة بن خويلد قد ادعى النبوة في بني اسد وكان يقال له ذو النون لأن الذي يأتيه ذو النون واجتمعت عليه العرب وأرسلوا وفودا أن يقيموا الصلاة ويعفوا من الزكاة فصعد أبو بكر المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال إن الله توكل بهذا الأمر فهو ناصر من لزمه وخاذل من تركه وإنه بلغني أن وفودا من وفود العرب قدموا يعرضون الصلاة ويأبون الزكاة ألا إنهم لو منعوني عقالا مما أعطوه رسول الله صلى الله عليه مع فرائضهم ما قبلته ألا برئت الذمة من رجل من هؤلاء الوفود أخذ بعد يومه وليلته بالمدينة فتواثبوا يتخطون رقاب الناس حتى ما بقي في المسجد منهم أحد ثم دعا نفرا فأمرهم بأمره فأمر عليا بالقيام على نقب من أنقاب المدينة وأمر الزبير بالقيام على نقب آخر وأمر طلحة بالقيام على نقب آخر وأمر عبد الله بن مسعود بعسس ما وراء ذلك بالليل والارتباء نهارا وجد في أمره وقام على ساق رضي الله تعالى عنه

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

الأولى في الغريبين في حديث أبي بكر رضي الله تعالى عنه لو منعوني


318
عقالا مما أدوه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه يعني صدقة عام يقال أخذ منهم عقال هذا العام إذا أخذ صدقته وقيل أراد الحبل الذي كانت تعقل به الفريضة التي كانت تؤخذ في الصدقة

الثانية الفرائض جمع فريضة والفريضة الناقة تؤخذ في الصدقة أو في الدية وفي المشروع الروي سميت فريضة لأنها مقدرة في الدية أو واجبة فيها

تنبيه

قول أبي بكر رضي الله تعالى عنه في هذا الحديث لو منعوني عقالا مما أعطوه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع فرائضهم يبين أنه لم يرد إلا العقال الذي هو الحبل على جهة التأكيد والمبالغة

الثالثة في المشارق ( 2 23 ) قوله صلى الله عليه وسلم على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الدجال ولا الطاعون وفي بعض الحديث نقاب بكسر النون وكلاهما جمع نقب وإن كل فعل لا يجمع على أفعال إلا نادرا قال ابن وهب يعني مداخل المدينة وهي أبوابها وفوهات طرقها التي تدخل منها إليها كما جاء في الحديث الآخر عل كل باب منها ملك

تكلمة لهذه الفائدة قول ابن وهب فوهات طرقها قال الجوهري ( 6 2245 ) يقال قعد على فوهة الطريق وأفواه الأزقة والأنهار واحدتها فوهة بتشديد الواو


319
الباب الخامس عشر
في الرجل يكون ربيئة لأهل المدينة
في زمن الهرج

هذا العمل كالعمل الذي قبله في عدم النص على كونه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لكنه يتخرج من حديث سعد الذي تقدم قبل وقد تقدم في الباب الذي قبل هذا أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه أمر عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه بالعسس بالليل والارتباء بالنهار

وفي الاكتفاء كان عدي بن حاتم قد حبس إبل الصدقة يريد أن يبعث بها إلى أبي بكر إذا وجد فرجة والزبرقان بن بدر مثل ذلك فجعل قومهما يكلمونهما فيأبيان وكان أحزم رأيا وأفضل في الإسلام رغبة ممن فرق الصدقة في قومه فقالا لقومهما لا تعجلوا فإنه إن قام قائم ألفاكم لم تفرقوا الصدقة وإن كان الذي تظنون فلعمري إن أموالكم بأيديكم فلا يغلبنكم عليها أحد فسكنوهم حتى أتاهم يقين خبر القوم فلما اجتمع الناس على أبي بكر كان عدي يأمر ابنه أن يسرح معهم الصدقة فإذا كان المساء روحها وإنه جاء بها ليلة عشاء فضربه وقال ألا عجلت بها ثم راح بها الليلة الثانية فوق ذلك قليلا فجعل يضربه وجعلوا يكلمونه فيه فلما كان اليوم الثالث قال يا بني إذا سرحتها فصح في أدبارها وأم بها المدينة فإن لقيك لاق من قومك أومن غيرهم فقل نريد الكلأ تعذر علينا ما حولنا فلما أن جاء الوقت الذي كان يروح فيه لم يأت الغلام فجعل أبوه يتوقعه ويقول لأصحابه العجب لحبس ابني فيقول بعضهم نخرج ياأبا طريف فنتبعه فيقول لا والله فلما أصبح تهيا ليغدو فقال قومه نعدو


320
معك فقال لا يغدو معي منكم أحد إنكم إن رأيتموه حلتم بيني وبين ضربه وقد عصا أمري كما ترون فخرج على بعير له سريعا حتى لحق ابنه ثم حدر النعم إلى المدينة فلما كان ببطن قناة لقيته خيل لأبي بكر عليها ابن مسعود رضي الله تعالى عنهم ويقال محمد بن مسلمة وهو أثبت عندنا فلما نظروا إليه ابتدروه وما كان معه وقالوا أين الفوارس الذين كانوا معك قال ما معي من أحد قالوا بلى لقد كان معك فوارس فلما رأونا تغيبوا فقال ابن مسعود خلوا عنه فما كذب ولا كذبتم جنود الله معه ولم تروهم فقدم على أبي بكر بثلاثمائة بعير وذكر بعض من ألف في الردة أن الزبرقان بن بدر هو الذي فعل هذا الفعل المنسوب إلى عدي بن حاتم فإما أن يكونا فعلاه توفيقا من الله لهما وإما أن يكون هذا مما يعرض في النقل من الاختلاف انتهى

فائدتان لغويتان

الأولى في الصحاح ( 1 52 ) ربأت القوم ربأ وارتبأتهم أي رقبتهم وذلك إذا كنت لهم طليعة فوق شرف يقال ربأ لنا فلان وارتبأ والربيء والربيئة الطليعة والجمع الربايا

الثانية بطن قناة الموضع الذي كان فيه ابن مسعود وأصحابه يرتبئون قال البكري ( 1096 ) قناة بفتح أوله وثانيه وهاء التأنيث واد من أودية المدينة

وروى مالك عن يحيى بن سعيد قال بلغني أن السائب بن خباب توفي وأن امرأته جاءت عبد الله بن عمر فذكرت له وفاة زوجها وذكرت حرثا بقناة فسألته هل يصلح لها أن تبيت فيه فنهاها عن ذلك فكانت تخرج من المدينة سحرا فتصبح في حرثهم فتظل فيه يومها ثم تدخل المدينة إذا أمست فتبيت في بيتها

تنبيه

تقدم ذكر عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه في باب الطهور ويأتي ذكر محمد بن مسلمة رضي الله تعالى عنه في باب المقيمين للحدود في آخر هذا الجزء إن شاء الله تعالى


321
الباب السادس عشر
في السجان
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول
في ذكر ما جاء في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
سجن الرجال

روى أبو داود ( 2 282 ) رحمه الله تعالى عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس رجلا في تهمة

وروى الترمذي ( 2 435 ) رحمه الله تعالى عن بهز مثله وبنصه وزاد ثم خلى عنه وقال حديث حسن

وروى البخاري ( 5 214 215 ) رحمه الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال فربطوه بسارية من سواري المسجد فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما عندك يا ثمامة فقال عندي خير يا محمد إن تقتلني تقتل ذا دم وإن تنعم تنعم على شاكر وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت فترك حتى كان الغد ثم قال له ما عندك يا ثمامة قال ما قلته لك إن تنعم تنعم على شاكر فتركه حتى كان بعد الغد فقال ما عندك يا ثمامة قال عندي ما قلت لك قال أطلقوا ثمامة فانطلق إلى نجل قريب


322
من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وساق الحديث

وذكر محمد بن إسحاق في السير ( 2 240 241 ) في خبر قريظة حين نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حبسهم بالمدينة في دار بنت الحارث امرأة من الأنصار ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سوق المدينة التي هي سوقها اليوم فخندق بها خنادق ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم في تلك الخنادق يخرج بهم [ إليه ] أرسالا انتهى

سجن النساء

في السير ( 2 578 579 ) في خبر إسلام عدي بن حاتم قال عدي وذكر فراره إلى الشام حين سمع بجيش رسول الله صلى الله عليه وسلم وطىء بلادهم قال فاحتملت بأهلي وولدي ثم قلت ألحق بأهل ديني من النصارى من الشام فسلكت الجوشية ويقال الحوشية فيما قال ابن هشام وخلفت بنتا لحاتم في الحاضر فلما قدمت الشام أقمت بها وتخالفني خيل لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فتصيب ابنة حاتم فيمن أصابت فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبايا من طيء وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم هربي إلى الشام قال فجعلت ابنة حاتم في حظيرة بباب المسجد وكانت السبايا تحبس فيها وساق الحديث وفيه طول انتهى

فوائد لغوية

الأولى الجوشية بالجيم في قول ابن إسحاق وقال ابن هشام الحوشية بالحاء قال أبو ذر الخشني في غريب السير ( 2 441 ) الجوشية اسم موضع ولم يقيده وفي المحكم جوش بالجيم قبيلة أو موضع وفي معجم البكري ( 404 ) جوش بفتح الجيم والشين المعجمة أرض لبني القين


323

الثانية في الصحاح ( 2 632 ) الحاضر الحي العظيم وهو جمع كما يقال سامر للسمار وحاج للحجاج

الثالثة في المحكم ( 3 21 ) الحظيرة ما أحاط بالشىء وهي تكون من قصب وخشب وفي المشارق ( 1 193 ) حظار الغنم حظيرتها التي تحظر عليها بأغصان الشجر ونحوها ويقال حظار وحظار بالفتح والكسر

الرابعة في المحكم سجنه يسجنه سجنا حبسه والسجن المحبس والسجان صاحب السجن وفي الديوان ( 2 136 1 195 ) يسجنه بضم الجيم والسجن المحبس

الفصل الثاني
فيما جاء في ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه

ذكر ابو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في كتاب بهجة المجالس وأنس المجالس ( 2 106 ) أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حبس الحطيئة في قوله للزبرقان بن بدر [ من البسيط ]

دع المكارم لا ترحل لبغيتها
واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

بعد أن سأل حسان بن ثابت ولبيدا فقالا له هذا القول هجاء له وضعة منه فأمر به فسجن فقال [ من البسيط ]

ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ
حمر الحواصل لا ماء ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة
فاغفر عليك سلام الله يا عمر
لم يؤثروك بها إذا قدموك لها
لكن لأنفسهم كانت بك الأثر
أهلي فداؤك كم بيني وبينهم
من عرض داوية يعمى بها الخبر

فكلمه فيه عبد الرحمن بن عوف وعمرو بن العاص واسترضياه فأخرجه من السجن انتهى


324
الفصل الثالث
في ذكر ما جاء في ذلك عن علي رضي الله تعالى عنه

ذكر أبو عبيد البكري رحمه الله تعالى في معجمه ( 1199 ) أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه بنى سجنا بالكوفة يسمى يافعا لم يكن مستوثق البناء فكان المسجونون يخرجون منه فهدمه وبنى مخيسا فقال [ من الرجز ]

ألا تراني كيسا مكيسا
بنيت بعد يافع مخيسا
حصنا حصينا واميرا كيسا

قا ابن الأنباري هو مخيس بكسر الياء ولا يقال بفتحها لأنه هو الذي يخيس الناس وقال الخليل مخيس سجن الحجاج والإنسان يخيس في مخيس حتى يبلغ منه شدة الأذى يقال قد خاس فيه وأنشد للذبياني [ من البسيط ]

وخيس الجن إني قد أذنت لهم
يبنون تدمر بالصفاح والعمد

قال البكري هكذا ذكره الخليل بفتح الياء لأنه موضع التخييس انتهى


325
الباب السابع عشر
في لمقيمين للحدود
وفيه فصلان
الفصل الأول
في ذكر من كان يتولى ذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال القاضي أبو بكر ابن العربي رحمه الله تعالى في أحكام القرآن ( 4 1633 ) في سورة داود عليه السلام ولاية الحدود على قسمين الأول ةإيجابها وذلك للقضاة وتناول استيفائها وقد جعله النبي صلى الله عليه وسلم لقوم منهم علي بن أبي طالب ومحمد بن مسلمة رضي الله تعالى عنهما قال القاضي أبو بكر وهي أشرف الولايات لأنها على أشرف الأشياء وهي الأبدان فلمعصية الناس ورحضهم بالذنوب قلت يعني بعد انقراض السلف الصالح ألزمهم الذلة لأنه جعلها في أيدي الأدنياء والأوضاع من الخلق انتهى

فائدتان

الأولى أصل الحد المنع قاله القاضي في المشارق ( 1 184 ) وقال الهروي حد السلطان الجاني إذا ضربه فمنعه بالضرب عن معاودة مثل ما فعل أو بلغ به حدا لا يجوز تجاوزه انتهى


326

قلت وهذا لا يدخل تحت الحد بالقتل فيزاد فيه ولا التقصير عنه

الثانية قوله رحضهم بالذنوب هو عندي كثرة استغراقهم فيها من قولهم رخضته الحمى إذا أصابته حتى يعرق جميع بدنه وهي الرحضاء

وفي المحكم رحض الرجل رحضا عرق حتى كأنه غسل جسده

الفصل الثاني
في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم

1 علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه تقدم ذكره في باب القاضي بما أغنى عن الأعادة هنا

2 محمد بن مسلمة رضي الله تعالى عنه في الاستيعاب ( 1377 ) محمد بن مسلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس حليف لبني عبد الأشهل يكنى أبا عبد الرحمن وقيل بل يكنى أبا عبد الله شهد بدرا والمشاهد كلها وكان من فضلاء الصحابة وهو أحد الذين قتلوا كعب بن الأشرف واستخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة في بعض غزواته قيل استخلفه في غزوة قرقرة الكدر وقيل استخلفه عام تبوك واعتزل الفتنة واتخذ سيفا من خشب وجعله في الجفن وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بذلك ولم يشهد الجمل ولا صفين وأقام في الربذة ومات بالمدينة ولم يستوطن غيرها وكانت وفاته بها في صفر سنة ثلاث وأربعين وقيل سنة ست وأربعين وقيل سنة سبع وأربعين وهو ابن سبع وسبعين سنة وصلى عليه مروان بن الحكم وهو يومئذ أمير على المدينة انتهى

وقال ابن قتيبة في المعارف ( 269 ) كان يقال له فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يحارب في فتنة انتهى


327
فائدة لغوية

البكري ( 1065 ) قرقرة الكدر بفتح القاف وسكون الراء بعدهما مثلهما مضافة إلى كدر القطا على ستة أميال من خيبر

تنبيه

يأتي الكلام على الربذة في أخبار أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه فيما يأتي من الكتاب إن شاء الله تعالى


328

329

330

331
الباب الأول
في الامارة على الجهاد
وفيه فصلان
الفصل الأول
في جهاد النبي صلى الله عليه وسلم وكم غزوة غزا وفي كم غزوة قاتل منها

روى البخاري ( 5 90 ) رحمه الله تعالى عن أبي إسحاق كنت إلى جنب زيد بن أرقم فقيل له كم غزا النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة قال تسع عشرة قيل كم غزوة أنت معه قال سبع عشرة

وروى مسلم ( 2 78 ) عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع عشرة غزوة قال جابر لم أشهد بدرا ولا أحد منعني أبي فلما قتل عبد الله يوم أحد لم اتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة قط

وروى مسلم ( 2 78 ) أيضا عن عبد الله بن بريدة عن ابيه قال غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع عشرة غزوة قاتل في ثمان منهن

وذكر أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب ( 43 ) عن أبي إسحاق أيضا قال سألت زيد ابن ارقم كم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تسع عشرة غزوة وغزوت معه سبع عشرة غزوة وسبقني بغزاتين

قال أبو عمر رحمه الله تعالى ( 43 ) وأكثر ما قيل في ذلك أن غزاته بنفسه


332
عليه السلام كانت ستا وعشرين غزوة وكانت أشرف غزواته وأعظمها حرمة عند الله ورسوله والمسلمين غزوة بدر الكبرى حيث قتل الله صناديد قريش وأظهر دينه من يومئذ وكانت بدر في السنة الثانية من الهجرة لسبع عشرة من رمضان وليس في غزواته ما يعدل بها في الفضل ويقرب منها إلا غزوة الحديبية حيث كانت بيعة الرضوان وذلك سنة ست من الهجرة انتهى
الفصل الثاني
في بعثه صلى الله عليه وسلم الأمراء للجهاد وفيه عدد بعوثه وسراياه صلى الله عليه وسلم

قال أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب ( 43 ) كانت بعوثه وسراياه صلى الله عليه وسلم خمسا وثلاثين من بين بعث وسرية انتهى ستا وخمسين كما ذكر الشيخ شرف الدين الدمياطي رحمه الله تعالى وقيل كانت ثمانيا وأربعين وقيل سبعاص وأربعين وقيل ستا وثلاثين انتهى

فوائد لغوية في أربع مسائل

الأولى الهروي قوله تعالى وجاهدوا في الله حق جهاده 6 ( الحج 78 ) الجهاد المبالغة واستفراغ ما في الوسع بحرب أو لسان أو ما أطاق من شىء

الثانية في المحكم ( 6 26 ) الغزو السير إلى قتال العدو وانتهابه

وفي الصحاح ( 6 2246 ) واختصرته غزوت العدو غزوا والاسم الغزاة ورجل غاز والجمع غزاة مثل قضاة وغزى مثل سبق وغزي مثل حجيج وغزاء مثل فساق وأغزيت فلانا جهزته للغزو والنسبة إلى الغزو غزوي


333

قال ابن سيدة ( 6 27 ) وقالوا غزاة واحدة يريدون عمل وجه واحدة كما قالوا حجة واحدة يريدون عمل سنة واحدة والقياس غزوة وهي المرة الواحدة من الغزو

الثالثة في الصحاح ( 1 273 ) البعوث الجيوش وكنت في بعث فلان أي جيشه الذي بعثه معه وبعثه وابتعثه بمعنى أي أرسله

الرابعة في الصحاح ( 6 2375 ) السرية قطعة من الجيش يقال خير السرايا أربعمائة


334
الباب الثاني
في الرجل يستخلفه الإمام على حضرته إذا خرج عنها للغزو أو غيره

قد ذكر أصحاب التواريخ والسير رحمهم الله تعالى من استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة في كل خرجة خرجها منها وفي ذكر جميع من ذكروه طول فاقتصرت على ذكر من استخلفه في أول غزاة غزاها وذكر من استخلفه في آخر غزاة غزاها وذلك في فصلين

الفصل الأول
في ذكر أسمائهم رضي الله تعالى عنهم

قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى في السير ( 1 590 591 ) خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفر على رأس اثني عشر شهرا من مقدمة المدينة

قال ابن هشام واستعمل على المدينة سعد بن عبادة

قال ابن إسحاق ( 591 ) حتى بلغ ودان وهي غزوة الأبواء يريد قريشا وبني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة فوادعته فيها بنو ضمرة وكان الذي وادعه منهم مخشي بن عمرو الضمري وكان سيدهم في زمانه ذلك ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولم يلق كيدا

قال ابن هشام وهي أول غزوة غزاها انتهى

وقال ابن إسحاق ( 2 519 ) أيضا رحمه الله تعالى في خبر غزوة تبوك فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب عسكره على ثنية الوداع


335

قال ابن هشام واستعمل على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري

قال وذكر محمد بن عبد العزيز الدراوردي عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل على المدينة مخرجه إلى تبوك سباع بن عرفطة انتهى

قال عز الدين بن جماعة في مختصر السير كانت غزوة تبوك في السنة التاسعة في ثلاثين ألفا معهم عشرة آلاف فرس وهي آخر غزواته صلى الله عليه وسلم انتهى

وقال أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب ( 1377 ) محمد بن مسلمة استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة في بعض غزواته قيل استخلفه في غزوة قرقرة الكدر وقيل إنه استخلفه عام تبوك انتهى

الفصل الثاني
في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم

1 سعد بن عبادة رضي الله عنه يأتي ذكره في باب اللواء إن شاء الله تعالى

2 محمد بن مسلمة رضي الله تعالى عنه تقدم ذكره في باب الذين يقيمون الحدود بما أعنى عن الأعادة هنا

3 سباع بن عرفطة رضي الله تعالى عنه قال ابو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في الاستيعاب ( 682 ) سباع بن عرفطة استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة حين خرج إلى خيبر إلى دومة الجندل وهو من كبار الصحابة انتهى ما ذكر أبو عمر رحمه الله تعالى ولم ينسبه

قال ابن هشام في السير ( 2 213 ) سباع بن عرفطة الغفاري استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة في غزوة دومة الجندل انتهى

فائدة لغوية

في الاشتقاق لابن سيد العرفط ضرب من الشجر قال محمد يلقي شيئا يقال له المغافير واحدةه مغفور وهو حلو له رائحة منكرة وبضم الميم والفاء قيده الفارابي وبضم العين والفاء قيد العرفط أيضا


336
الباب الثالث
في الرجل يستخلفه الإمام على أهله إذا سافر

في السير ( 2 516 519 ) قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من عمرته لست بقين من ذي القعدة من سنة ثمان ثم أقام بالمدينة ما بين ذي الحجة إلى رجب ثم أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها إلا غزوة تبوك فإنه بينها للناس لبعد الشقة وشدة الزمان وكثرة العدو الذي يصمد له ليتأهب الناس لذلك أهبته ولما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب عسكره على ثنية الوداع

قال ابن هشام واستعمل على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري

وذكر عبد العزيز بن محمد الدراوردي أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل على المدينة مخرجه إلى تبوك سباع بن عرفطة

قال ابن إسحاق ( 2 519 ) وضرب عبد الله بن أبي معه على حدة عسكره أسفل منه نحو ذباب وكان فيما يذكرون ليس بأقل العسكرين فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب على أهله وأمره بالإقامة فيهم فأرجف به المنافقون فقالوا ما خلفه إلا استثقالا له وتخففا منه فلما قال ذلك المنافقون أخذ علي بن أبي طالب سلاحه ثم خرج حتى اتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجرف فقال يا نبي الله زعم المنافقون


337
أنك استثقلتني وتخففت مني فقال كذبوا ولكني خلفتك لما تركت ورائي فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي فرجع علي بن أبي طالب إلى المدينة ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سفره انتهى

وروى النسائي رحمه الله عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك خلف عليا في المدينة فقالوا فيه مله وكره صحبته فتبع علي النبي صلى الله عليه وسلم حتى لحقه بالطريق قال يا رسول الله خلفتني بالمدينة مع الذراري والنساء حتى قالوا مله وكره صحبته فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إنما خلفتك على أهلي أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي انتهى

تنبيه

قد تقدم ذكر علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في باب القاضي فأغنى عن الإعادة هنا

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

الأولى الفارابي ( 3 26 ) الشقة السفر البعيد وفيها لغتان ضم الشين وكسرها

الثانية الفارابي صمد يصمد بفتح الميم في الماضي وضمها في المستقبل صمدا قصد

الثالثة قال البكري ( 609 ) ذباب بضم الذال المعجمة على لفظ الواحد من الذبان جبل بجبانة المدينة أسفل من ثنية المدينة


338
الباب الرابع
في المستنفر

ذكر من بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مستنفرا وهو بسر بن سفيان الخزاعي وذكر نسبه وأخباره

في الروض الأنف ( 6 476 477 ) بسر بن سفيان بن عمرو بن عويمر الخزاعي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع بديل بن أم أصرم وهو بديل بن سلمة إلى خزاعة يستنفرهم إلى قتال أهل مكة عام الفتح ذكره في الكلام على خبر الحديبية انتهى

وفي الاستيعاب ( 166 ) بسر بن سفيان بن عمرو بن عويمر الخزاعي أسلم سنة ست من الهجرة وبعثه النبي صلى الله عليه وسلم عينا إلى قريش إلى مكة وشهد الحديبية وهو المذكور في حديث الحديبية من رواية الزهري عن عروة عن المسور ومروان وقوله فيه حتى إذا كان بغدير الأشطاط لقيه عينه الخزاعي فأخبره خبر قريش وجموعهم قالوا هو بسر بن سفيان هذا انتهى

وفي السير ( 2 309 ) أنه لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان وقال فيه بشر بن سفيان الكعبي قال ابن هشام ويقال بسر انتهى

وفي الاستيعاب ( 151 ) بديل بن أم أصرم أحد المنسوبين إلى أمهاتهم بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني كعب يستنفرهم لغزو مكة هو وبسر بن سفيان الخزاعي


339
فائدتان لغويتان

الأولى في الصحاح ( 2 833 ) نفر القوم في الأمور نفورا والنفير القوم الذين يتقدمون فيه انتهى

واستنفرت استفعلت منه

قال الفارابي ( 2 436 ) بناء هذا الباب أن يكون بمعنى سؤال الفعل وطلبه كقولك استعجلته أي طلبت عجلته

الثانية غدير الأشطاط في المشارق ( 1 85 59 ) بفتح الهمزة وإسكان الشين بعده طاء مهملة وألف وطاء أخرى وهو تلقاء الحديبية


340
الباب الخامس
في صاحب اللواء
وفيه سبعة فصول
الفصل الأول
في ذكر أول لواء رفع بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم

في كتاب أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم ( 249 ) لابن حيان الأصبهاني رحمه الله تعالى عن بريدة رضي الله تعالى عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتطير ولكن يتفاءل وكانت قريش جعلت مائة من الإبل لمن يأخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم فيرده عليهم حين توجه إلى المدينة فأقبل بريدة في سبعين راكبا من أهل بيته من بني سهم فلقوا نبي الله ليلا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم من أنت قال أنا بريدة فالتفت إلى أبي بكر فقال يا أبا بكر برد امرنا وصلح قال ثم ممن قال من أسلم قال سلمنا قال ثم ممن قال من بني سهم قال خرج سهمك فقال بريدة للنبي صلى الله عليه وسلم فمن انت قال أنا محمد بن عبد الله رسول الله قال بريدة أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله قال فأسلم بريدة وأسلم الذين معه جميعا فلما أن أصبح قال للنبي صلى الله عليه وسلم لا تدخل المدينة إلا ومعك لواء قال فحل عمامته ثم شدها في رمح ثم مشى بين يديه حتى دخل المدينة انتهى


341
الفصل الثاني
في ذكر نسب بريدة وأخباره

في الاستيعاب ( 185 ) بريدة الأسلمي وهو بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث بن الأعرج بن سعد بن رزاح بن عدي بن سهم بن مازن بن الحارث بن سلامان بن أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر يكنى أبا عبد الله وقيل أبا سهل وقيل أبا الحصيب وقيل أبا ساسان والمشهور أبو عبد الله أسلم قبل بدر ولم يشهدها وشهد الحديبية فكان ممن بايع بيعة الرضوان تحت الشجرة وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر من مكة إلى المدينة فانتهى إلى الغميم أتاه بريدة بن الحصيب فأسلم هو ومن معه وكانوا زهاء ثمانين بيتا فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء فصلوا خلفه ثم رجع بريدة إلى بلاده قومه وقد تعلم شيئا من القرآن ليلتئذ ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أحد فشهد معه مشاهده وشهد الحديبية وكان من ساكني المدينة ثم تحول إلى البصرة ثم خرج منها إلى خراسان غازيا

قال أبو عمر ( 185 ) أخبرنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ بسنده عن بريدة قال كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يتطير ولكن يتفاءل فركب بريدة في سبعين راكبا من أهل بيته من بني سهم فتلقى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له نبي الله صلى الله عليه وسلم من أنت قال لي أنا بريدة فالتفت إلى أبي بكر فقال يا أبا بكر برد أمرنا وصلح قال ثم قال لي ممن قلت من أسلم قال لأبي بكر سلمنا ثم قال لي من من قلت من بني سهم قال خرج سهمك

قال أبو عمر رحمه الله تعالى ( 185 ) مات بريدة بمرو في إمرة يزيد بن معاوية وبقي ولده بها

قال أبو عمر رحمه الله تعالى ( 186 ) وروى البخاري رحمه الله تعالى بسنده عن عبد الله بن مسلم الأسلمي من أهل مرو قال سمعت عبد الله بن بريدة يقول


342
مات والدي بمرو وقبره بالجصين وهو قائد أهل المشرق ونورهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال أيما رجل مات من أصحابي ببلده فهو قائدهم ونورهم يوم القيامة انتهى
فائدتان لغويتان

الأولى في المشارق ( 1 224 ) حصيب والد بريدة بصاد مهملة مفتوحة مصغر وآخره باء بواحدة وحاؤه مضمومة وقد صحفه بعض الأئمة قديما فقاله بالخاء المعجمة المفتوحة

الثانية الجصين بكسر الجيم بعده صاد مهملة مشددة على وزن فعيل موضع بمرو من خراسان قاله البكري ( 384 )

الفصل الثالث
في ذكر من حمل رايته ولواءه صلى الله عليه وسلم بين يديه ومن حملها ليقاتل بها

1 3 فمنهم أبو بكر وعمر وعلي رضي الله تعالى عنهم ذكر ابن إسحاق في السير ( 2 328 ) رحمه الله تعالى في أخبار غزوة خيبر خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر في بقية المحرم يعني من سنة سبع ودفع الراية إلى علي بن أبي طالب وكانت بيضاء

قال ابن إسحاق ( 2 332 ) لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم ما افتتح انتهى إلى حصنهم الوطيح وكان آخر حصون اهل خيبر افتتاحا

قال ابن إسحاق ( 2 334 335 ) وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ابا بكر الصديق برايته إلى بعض حصون خيبر فقاتل ورجع ولم يك فتح وقد جهد ثم بعث من الغد عمر بن الخطاب فقاتل ثم رجع ولم يكن فتح وقد جهد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأعطين الرية غدا رجلا يحب الله ورسوله


343
يفتح الله على يديه ليس بفرار قال يقول سلمة فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وهو أرمد فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ثم قال خذ الراية فامض بها حتى يفتح الله عليك قال يقول سلمة فخرج والله بها يأنح يهرول هرولة وإنا لخلفه نتبع أثره حتى ركز رايته في رضم حجارة تحت الحصن فاطلع إليه يهودي من رأس الحصن فقال له من أنت قال أنا علي بن أبي طالب قال يقول اليهودي علوتم وما أنزل على موسى أو كما قال انتهى
فائدتان لغويتان

الأولى جهد الرجل يجهد بفتح الهاء في الماضي والمستقبل قاله الفارابي وزاد ابن طريف وأجهد في الأمر بلغ فيه الجهد

الثانية في المحكم ( 3 314 ) أنح يأنح أنحا وأنيحا [ وأنوحا ] وهو مثل الزفير يكون من الغضب ومن الغيرة

وقال الفارابي ( 4 201 ) بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل

4 ومنهم الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه روى البخاري ( 5 186 ) رحمه الله تعالى عن هشام عن أبيه لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح فبلغ ذلك قريشا خرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يلتمسون الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث بكماله وفيه ثم جاءت كتيبة وهي أقل الكتائب فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وراية النبي صلى الله عليه وسلم مع الزبير بن العوام انتهى

5 ومنهم مصعب بن عمير قال ابن إسحاق في السير ( 1 612 ) دفع


344
رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء يوم غزوة بدر الكبرى إلى مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار

قال ابن هشام وكان أبيض

6 ومنهم سعد بن معاذ قال ابن إسحاق في السير ( 1 612 613 ) في أخبار غزوة بدر الكبرى وكان أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم رايتان سوداوان إحداهما مع علي بن أبي طالب والأخرى مع بعض الأنصار

قال ابن هشام كانت راية الأنصار مع سعد بن معاذ انتهى

7 ومنهم سعد بن عبادة قال ابن إسحاق ( 2 406 407 ) في أخبار يوم الفتح أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كداء قال ابن إسحاق فزعم بعض أهل العلم أن سعدا حين وجه داخلا قال اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة فسمعه رجل من المهاجرين قال ابن هشام هو عمر بن الخطاب فقال يا رسول الله اسمع ما قال سعد بن عبادة ما نأمن أن يكون له في قريش صولة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب أدركه فخذ الراية فكن أنت الذي تدخل بها

وذكر ابن عبد البر في الاستيعاب ( 598 ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى الراية حين انتزعها من يده لولده قيس قال وقيل أعطاها للزبير وقيل أعطاها لعلي وسيأتي ذلك مبسوطا عند ذكر ولده قيس

8 ومنهم قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري روى البخاري ( 4 64 ) رحمه الله تعالى عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي أن قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري وكان صاحب لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد الحج فرجل

وقال أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب ( 1289 ) وأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية يوم فتح مكة إذ نزعها من أبيه لشكوى قريش يومئذ

( 597 ) وكانت الراية يوم الفتح بيد سعد بن عبادة فلما مر بها على أبي سفيان


345
وقد كان أسلم أبو سفيان فقال سعد إذ نظر إليه اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة اليوم أذل الله قريشا فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبة الأنصار حتى إذا حاذى أبا سفيان ناداه يا رسول الله أمرت بقتل قومك فإنه زعم سعد ومن معه حين مر بنا أنه قاتلنا وقال اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة اليوم أذل الله قريشا وإني أنشدك الله تعالى في قومك فأنت أبر الناس وأرحمهم وأوصلهم وقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما يا رسول الله ما نأمن سعدا أن تكون له في قريش صولة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا سفيان اليوم يوم المرحمة اليوم أعز الله قريشا ( 598 ) وقال ضرار بن الخطاب يومئذ [ من الخفيف ]
يا نبي الهدى إليك لجا
حي قريش ولات حين لجاء
إن سعدا يريد قاصمة الظهر
بأهل الحجون والبطحاء
خزرجي لو يستطيع من الغي
ظ رمانا بالنسر والعواء
وغر الصدر لا يهم بشيء
غير سفك الدما وسبي النساء
إذ ينادي بذل حي قريش
وابن حرب بدا من الشهداء
فلئن أقحم اللواءونادى
يا حماة اللواء أهل اللواء
ثم ثابت إليه من بهم الخز
رج والأوس أنجم الهيجاء
لتكونن بالبطاح قريش
فقعة القاع في أكف الإماء
فانهينه فإنه أسد الأز
د لدى الغاب والغ في الدماء
إنه مطرق يدير لنا الأم
رسكوتا كالحية الصماء

فأرسل سول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد ونزع اللواء من يده وجعله بيد قيس ابنه ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اللواء لم يخرج عنه إذ صار إلى


346
ابنه وأبى سعد أن يسلم اللواء إلا بأمارة من رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعمامته فعرفها سعد فدفع اللواء إلى ابنه قيس هكذا ذكر يحيى بن سعيد الأموي في السير ولم يذكر ابن إسحاق هذا الشعر ولا ساق هذا الخبر وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى الراية الزبير إذ نزعها من سعد وروى أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عليا فأخذ الراية فذهب بها حتى دخل مكة فغرزها عند الركن انتهى
فائدتان لغويتان

الأولى في المشارق ( 1 221 ) الحجون بفتح الحاء وضم الجيم وتخفيفها الجبل المشرف حذاء مسجد العقبة عند المحصب قال الزبير الحجون مقبرة أهل مكة تجاه دار أبي موسى الأشعري

الثانية الوغرة شدة توقد الحر ومنه قيل في صدره علي وغر بالتسكين أي ضغن وعداوة وتوقد من الغيظ والمصدر بالتحريك تقول وغر صدره علي يوغر وغرا فهو واغر الصدر علي وقد أوغرت صدره على فلان أي أحميته من الغيظ

الفصل الرابع
في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم

1 قد تقدم ذكر أبي بكر رضي الله تعالى عنه في باب الخليفة

2 وذكر عمر رضي الله تعالى عنه في باب الوزارة

3 وذكر علي رضي الله تعالى عنه في باب القضاء

4 ويأتي ذكر الزبير رضي الله تعالى عنه في باب الزكاة

5 وتقدم ذكر مصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه في باب مقرىء القرآن وسأذكرالآن سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وقيس بن سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنهم


347

6 سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه في الاستيعاب ( 602 ) سعد بن معاذ بن النعمان بن امرىء القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن النبيت وهو عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأشهلي يكنى أبا عمرو أسلم بالمدينة بين العقبة الأولى والثانية على يد مصعب بن عمير وشهد بدرا وأحدا والخندق ورمي يوم الخندق بسهم فعاش شهرا ثم انتفض جرحه فمات منه رماه حبان ابن العرقة وقال خذها وأنا ابن العرقة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عرق الله وجهه في النار

وروى الليث عن أبي الزبير عن جابر قال رمي يوم الأحزاب فقطع أكحله فحسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتفخت يده ونزفه الدم فلما رأى ذلك قال اللهم لا تخرج نفسي حتى تقر عيني في بني قريظة فاستمسك عرقه فما قطر منه قطرة حتى نزل بنو قريظة على حكمه وكان حكمه فيهم أن يقتل رجالهم وتسبى نساؤهم وذريتهم يستعين به المسلمون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبت حكم الله فيهم وكانوا أربعمائة فلما فرغ من قتلهم انفتق عرقه فمات

وروي من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لقد نزل من الملائكة في جنازة سعد بن معاذ سبعون ألفا ما وطئوا الأرض قبل

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اهتز العرش لموت سعد بن معاذ

وقال صلى الله عليه وسلم في حلة رآها سيراء لمنديل من مناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها

وقال سعد رضي الله عنه ثلاث أنا فيهن رجل يعني كما ينبغي وما سوى ذلك فأنا رجل من الناس ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا قط إلا علمت أنه حق من الله ولا كنت في صلاة قط فشغلت نفسي بغيرها حتى


348
أقضيها ولا كنت في جنازة قط فحدثت نفسي بغير ما تقول ويقال لها حتى أنصرف عنها

قال سعيد بن المسيب هذه الخصال ما كنت أحسبها إلا في نبي

قال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى توفي سعد سنة خمس من الهجرة وكان موته بعد الخندق بشهر وبعد قريظة بليال انتهى

وقال ابن إسحاق في السير ( 2 252 ) وقالت أم سعد حين احتمل نعشه قال ابن عبد البر هي كبشة بنت رافع لها رضي الله تعالى عنها صحبة من الرجز

ويل أم سعد سعدا
صرامة وحدا
وسؤددا ومجدا
وفارسا معدا
سد به مسدا
يقد هاما قدا

قال يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم كل نائحة تكذب إلا نائحة سعد بن معاذ

فائدتان لغويتان

الأولى حبان بن العرقة بكسر الحاء المهملة وتشديد الباء بواحدة ضبطه الحافظ أبو علي الغساني رحمه الله بخطه

الثانية العرقة بعين مفتوحة وراء مكسورة مهملتان بعدهما القاف وتاء التأنيث قال أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب ( 603 ) وإنما قيل لها العرقة لطيب عرقها

الثالثة في المشارق ( 1 195 196 ) حلة سيراء بكسر السين وفتح الياء ممدود بعضهم يجعله نعتا قال الخطابي كما قيل ناقة عشراء وكان أبو مروان


349
ابن سراج ينكره ويضبطه على الإضافة وهي أثواب ذوات الوان وخطوط يخالطها حرير قال الخليل وغيره هو ثوب مضلع بالحرير وقيل الأشبه أنه مختلف الألوان وقال مالك السيراء وشيء من حرير قال ابن الأنباري والسيراء أيضا الذهب وقيل هو الحرير الصافي والحلة ثوبان غير لفقين رداء وإزار سميا بذلك لأنه يحل كل واحد منهما على الآخر

قال الخليل ولا يقال حلة لثوب واحد وقال أبو عبيد الحلل برود اليمن وقال بعضهم إنما تكون حلة إذا كانت جديدة لحلها عن طيها والأول أكثر وأشهر وفي الحديث أنه رأى رجلا عليه حلة ائتزر بأحدهما وارتدى بالآخر فهذا يدل على أنهما ثوبان

7 سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه في الاستيعاب ( 594 ) سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي حليمة ويقال ابن أبي حزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الساعدي يكنى أبا ثابت وقيل أبا قيس والأول أصح كان نقيبا شهد العقبة وشهد بدرا في قول بعضهم ولم يذكره ابن عقبة ولا ابن إسحاق في البدريين وذكره غيرهما وفي سعد بن عبادة وسعد بن معاذ جاء الخبر المأثور إن قريشا سمعوا صائحا يصيح ليلا على أبي قبيس

فإن يسلم السعدان يصبح محمد
بمكة لا يخشى خلاف المخالف

قال فظنت قريش أنهما سعد بن زيد مناة بن تميم وسعد بن هذيم من قضاعة فلماكان الليلة الثانية سمعوا على أبي قبيس

أيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا
ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف

350
أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا
على الله في الفردوس منية عارف
فإن ثواب الله للطالب الهدى
جنان من الفردوس ذات رفارف

قفالوا هذان والله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة

قال ابو عمر رحمه الله تعالى ( 596 ) وإليهما أرسل رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق دون سائر الأنصار لأنهما كانا سيدي قومهما كان سعد بن معاذ سيد الأوس وسعد بن عبادة سيد الخزرج فشاورهما فيما أراد أن يعطيه عيينة بن حصن من تمر المدينة لينصرف بمن معه من غطفان ويخذل الأحزاب فقالا يا رسول الله إن كنت أمرت بشى فافعله وامض له وإن كان غير ذلك فوالله لا نعطيهم إلا السيف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أومر بشيء ولو أمرت بشيء ما شاورتكما إنما هو رأي اعرضه عليكما فقالا والله يا رسول الله ما طمعوا بذلك منا قط في الجاهلية فكيف اليوم وقد هدانا الله بك وأكرمنا وأيدنا والله لا نعطيهم إلا السيف فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولهما وقال لعيينة بن حصن ومن معه ارجعوا فليس بيننا وبينكم إلا السيف انتهى

قلت وكانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بيده ثم انتزعها رسول الله صلى الله عليه وسلم من يده ودفعها لقيس ولده وقيل لعلي بن أبي طالب في قصة تقدمت مستوفاة في الفصل الثالث عند ذكر ولده قيس

وقال أبو عمر ابن عبد البر ( 595 ) كان سعد سيدا في الأنصار مقدما وجيها له رياسة وسيادة يعترف له قومه بها يقال إنه لم يكن في الأوس والخزرج أربعة مطعمون متتالون في بيت واحد إلا قيس بن سعد بن عبادة بن دليم وعن نافع قال مر ابن عمر على أطم سعد فقال لي يا نافع هذا أطم جده لقد كان مناديه ينادي يوما في كل حول من أراد الشحم واللحم فليأت دار دليم فمات دليم فنادى منادي عبادة بمثل ذلك ثم مات عبادة فنادى منادي سعد بمثل ذلك ثم قد رأيت قيس بن سعد يفعل ذلك


351

قال أبو عمر ( 599 ) وتخلف سعد بن عبادة عن بيعة أبي بكر وخرج من المدينة ولم ينصرف إليها إلى أن مات بحوران من أرض الشام لسنتين ونصف مضتا من خلافة عمر وذلك سنة خمس عشرة وقيل سنة أربع وقيل بل مات سعد في خلافة ابي بكر سنة إحدى عشرة ولم يختلفوا أنه وجد ميتا في مغتسله وقد اخضر جسده ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلا يقول ولا يرون أحدا [ من مجزوء الرمل ]

قتلنا سيد الخز
رج سعد بن عباده
رميناه بسهمين
فلم نخط فؤاده

ويقال إن الجن قتلته روى ابن جريج عن عطاء أنه قال سمعت الجن قالت في سعد بن عبادة فذكر البيتين

فائدةلغوية

الأطم بضم الطاء وتسكينها والهمزة مضمومة في اللغتين الحصن والجمع آطام قاله الجوهري قال وهي حصون لأهل المدينة والواحدة أطمة مثل أكمة

وفي المحكم الجمع القليل آطام والكثير أطوم قال ابن الأعرابي الأطوم القصور

8 قيس بن سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه في الاستيعاب ( 1289 ) قيس بن سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة الأنصاري الخزرجي قد نسبنا أباه في بابه فأغنى عن الرفع في نسبه هنا يكنى أبا الفضل وقيل ابا عبد الله وقيل أبا عبد الملك قال الواقدي كان قيس بن سعد بن عبادة من كرام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسخيائهم ودهاتهم

قال أبو عمر كان شريف قومه غير مدافع هو وأبوه وجده وصحب قيس رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وأبوه وأخوه سعيد بن سعد بن عبادة واعطاه


352
رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية يوم فتح مكة إذ نزعها من أبيه لشكوى قريش سعدا يومئذ وقد قيل إنه أعطاها الزبير وقيل إنه أعطاها عليا رضي الله تعالى عن الجميع

وعن جابر قال خرجنا في بعث كان عليهم قيس بن سعد فنحر لهم تسع ركائب فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا له ذلك من فعل قيس بن سعد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الجود شيمة أهل ذلك البيت

( 1289 ) ثم صحب قيس بن سعد علي بن أبي طالب وشهد الجمل وصفين والنهروان هو وقومه ولم يفارقه حتى قتل ( 1292 ) وهو القائل في صفين [ من البسيط ]

هذا اللواء الذي كنا نحف به
مع النبي وجبريل لنا مدد
ما ضر من كانت الأنصار عيبته
أن لا يكون له من غيرهم أحد
قوم إذا حاربوا طالت أكفهم
بالمشرفية حتى يفتح البلد

( 1290 1291 ) ولما أجمع الحسن على مبايعة معاوية خرج عن عسكره وغضب على الحسن وبدر منه فيه قول خشن أخرجه الغضب فاجتمع إليه قومه وكانوا خمسة آلاف قد حلقوا رؤوسهم بعدما مات علي رحمه الله وتبايعوا على الموت فلما دخل الحسن في بيعة معاوية أبى قيس أن يدخل وقال لأصحابه ما شئتم إن شئتم جالدت بكم أبدا وإن شئتم أخذت لكم أمانا فقالوا خذ لنا أمانا فأخذ لهم أن لهم كذا وكذا وألا يعاقبوا بشىء وأنه رجل منهم ولم يأخذ لنفسه خاصة شيئا والتزم لم معاوية الوفاء بما شرطوه ثم لزم قيس المدينة وأقبل على العبادة حتى مات بها سنة ستين وقيل سنة تسع وخمسين في آخر خلافة معاوية


353

( 1292 ) وهو معدود في المدنيين وكان رجلا طوالا سناطا لم يكن في وجهه شعرة ولا شيء من لحية وكان مع ذلك جميلا رحمه الله تعالى ورضي عنه وكانت الأنصار تقول لوددنا أن نشتري لقيس بن سعد لحية بأموالنا ومن أخباره في الكرم أن رجلا استقرض منه ثلاثين ألفا فلما ردها إليه أبي أن يقبلها وقال إنا لا نعود في شىء أعطيناه

( 1293 ) وكان له مال كثير ديونا على الناس فمرض واستبطأ عواده فقيل له إنهم يستحيون من أجل دينك فأمر مناديا فنادى من كان لقيس بن سعد عليه دين فهو له فأتاه الناس حتى هدموا درجة كانوا يصعدون عليها إليه

(1292 ) وتوفي أبوه عن حمل لم يعلم به فلما ولد وقد كان سعد قسم ماله حين خروجه من المدينة فكلم أبو بكر وعمر في ذلك قيسا وسألاه أن ينقض ما صنع سعد من تلك القسمة فقال نصيبي للمولود ولا أغير ما صنع أبي ولا أنقضه

قال أبو عمر ( 1292 ) وقصته مع العجوز التي شكت إليه أنه ليس في بيتها جرذ فقال لها ما أحسن ما سألت أما والله لأكثرن من جرذان بيتك فملأ بيتها طعاما وودكا وأداما صحيحة

فائدتان لغويتان

الأولى في المحكم السناط والسناط والسنوط كله الذي لا لحية له وقيل هو الذي لا شعر في وجهه البتة وقد سنط فيهن وفي الأفعال لابن طريف سنط وسنط بضم النون وكسرها سنطا لم ينبت له لحية فهو سناط


354

الثانية الجرذان بكسر الجيم وسكون الراء وفتح الذال المعجمة وبعدها ألف ونون جمع جرذ بضم الجيم وفتح الراء قال الفارابي ( 1 253 ) الجرذ بضم الفاء وفتح العين واحد الجرذان قال الجوهري ( 2 561 ) وهو ضرب من الفأر وأرض جرذة ذات جرذان

الفصل الخامس
في جواز القبائل على راياتهم وانفراد كل قبيلة برايتها

روى البخاري ( 5 186 ) رحمه الله تعالى عن هشام بن عروة عن أبيه رضي الله تعالى عنه لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح فبلغ ذلك قريشا خرج أبو سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يلتمسون الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مر الظهران فإذا هم بنيران كأنها نيران عرفة فقال أبو سفيان ما هذه لكأنها نيران عرفة فقال بديل بن ورقاء نيران بني عمرو فقال أبو سفيان عمرو أقل من ذلك فرآهم ناس من حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدركوهم فأخذوهم فأتوا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم أبو سفيان فلما سار قال للعباس احبس أبا سفيان عند خطم الجبل حتى ينظر إلى المسلمين فحبسه العباس فجعلت القبائل تمر مع النبي صلى الله عليه وسلم تمر كتيبة كتيبة على أبي سفيان فمرت كتيبة فقال يا عباس من هذه قال هذه غفار قال ومالي ولغفار ثم مرت جهينة قال مثل ذلك ثم مرت سعد بن هذيم فقال مثل ذلك ثم مرت سليم فقال مثل ذلك حتى أقبلت كتيبة لم ير مثلها قال من هذه قال هذه الأنصار عليهم سعد بن عبادة معه الراية فقال سعد بن عبادة يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الكعبة فقال أبو سفيان يا عباس حبذا يوم الذمار ثم جاءت كتيبة وهي أقل الكتائب فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وراية النبي عليه السلام مع الزبير وساق الحديث


355

وذكر ابن إسحاق في السير ( 2 403 404 ) عن العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه قال لما ذهب أبو سفيان لينصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر جنود الله فيراها قال فخرجت حتى حبسته بمضيق الوادي حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحسبه قال ومرت القبائل على راياتها كلما مرت قبيلة قال يا عباس من هؤلاء فأقول سليم فيقول مالي ولسليم ثم تمر قبيلة فيقول يا عباس من هؤلاء فأقول مزينة فيقول مالي ولمزينة حتى نفدت القبائل ما تمر قبيلة إلا سألني عنها فإذا أخبرته بهم قال مالي ولبني فلان حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء

قال ابن هشام وإنما قيل لها الخضراء لكثرة الحديد وظهوره فيها وأنشد للحارث بن حلزة اليشكري [ من الخفيف ]

ثم حجرا أعني ابن أم قطام
وله فارسية خضراء

ولحسان بن ثابت الأنصاري [ من الكامل ]

لما رأى بدرا تسيل جلاهه
بكتيبة خضراء من بلخزرج

قال ابن إسحاق فيها المهاجرون والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد قال سبحان الله يا عباس من هؤلاء قال قلت هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار قال ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما قال قلت ياأبا سفيان إنها النبوة قال فنعم إذن انتهى


356

وأنشد للحارث بن حلزة اليشكري يذكر انفراد كل قبيلة برايتها وذلك في الجاهلية [ من الخفيف ]

آية شارق الشقيقة إذ جا
ءوا جميعا لكل حي لواء
فوائد لغوية في أربع مسائل

الأولى في المشارق ( 1 139 140 ) خطم بالخاء المعجمة والجبل بفتح الجيم والباء الموحدة بعدها كذارواه القابسي وكذا ذكره أهل السير وخطم الجبل طرفه وأنفه السائل وهو الكراع ورواه سائر الرواة حطم بحاء مهملة والخيل بخاء معجمه وياء باثنتين تحتها أي حيث تجتمع ويحطم بعضها بعضا لاجتماعها والأول أشهر وأشبه بالمراد وحبسه هناك حيث يضيق الطريق وتمر جنود الله على هيئتها وشيئا بعد شىء فتعظم في عينيه وأما الانحطام فليس يختص به هذا الموضع ولا هو المراد به وأكثر ما يوصف ذلك في المعارك

قلت ويعضد ما اختاره القاضي رحمه الله تعالى قوله في رواية ابن إسحاق حبسه بمضيق الوالدي عند خطم الجبل

الثانية في المشارق ( 1 355 ) اليوم يوم الملحمة ملاحم القتال مواضعه

الثالثة في المشارق ( 1 270 ) الذمار بكسر الذال ما يجب على المرء حفظه وحمايته ومعنى حبذا يوم الذمار أي ما أوفقه لحمايته وأحبه لأهله

الرابعة في الديوان ( 1 265 ) يقال مالي به قبل أي طاقة بكسر القاف وفتح الباء


357
الفصل السادس
في عقده صلى الله عليه وسلم لأمراء البعوث والسرايا وذكر أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام ولمن عقدت وأنسابهم وأخبارهم
ذكر أول راية عقدت ولمن عقدت

قال ابن إسحاق في السير ( 1 591 592 ) أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد رجوعه من غزوة الأبواء بالمدينة بقية صفر وصدرا من شهر ربيع الأول يعني من السنة الثانية من الهجرة وبعث مقامه ذلك بالمدينة عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي في ستين أو ثمانين راكبا من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد فسار حتى بلغ ماء بالحجاز بأسفل ثنية المرة فلقي بها جمعا عظيما من قريش فلم يكن بينهم قتال إلا أن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قد رمى يومئذ بسهم فكان أول سهم رمي به في الإسلام ثم انصرف القوم عن القوم

قال ابن إسحاق ( 1 595 596 ) فكانت راية عبيدة فيما بلغنا أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد من المسلمين وبعض العلماء يزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه حين أقبل من الأبواء وقبل أن يصل إلى المدينة وبعث في مقامه ذلك حمزة بن عبد المطلب بن هشام إلى سيف البحر من ناحية العيص في ثلاثين راكبا من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد فلقي أبا جهل بن هشام بذلك الساحل في ثلاثمائة راكب من أهل مكة فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني وكان موادعا للفريقين جميعا فانصرف بعض القوم عن بعض ولم يكن بينهم قتال

قال وبعض الناس يقول كانت راية حمزة أول راية عقدها رسول الله صلى


358
الله عليه وسلم لأحد من المسلمين وذلك أن بعثه وبعث عبيدة كانا معا فشبه ذلك على الناس وقد زعموا أن حمزة قد في ذلك شعرا يذكر فيه أن رايته أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كان حمزة رضي الله تعالى عنه قد قال ذلك فقد صدق إن شاء الله تعالى لم يكن يقول إلا حقا والله أعلم أي ذلك كان

فأما ما سمعنا من أهل العلم عندنا فعبيدة بن الحارث أول من عقد له

والذي قاله حمزة رضي الله تعالى عنه في ذلك فيما يزعمون قال ابن هشام وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لحمزة [ من الطويل ]

فما برحوا حتى انتدبت لغارة
لهم حيث حلوا أبتغي راية الفضل
بأمر رسول الله أول خافق
عليه لواء لم يكن لاح من قبلي
لواء لديه النصر من ذي كرامة
إله عزيز فعله أفضل الفعل
فوائد لغوية في خمس مسائل

الأولى الأبواء في المشارق ( 1 57 ) بفتح الهمزة وباء بواحدة ساكنة ممدودة قرية من عمل الفرع من عمل المدينة بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلا فيها توفيت أم النبي صلى الله عليه وسلم

الثانية عبيدة بن الحارث بضم العين على لفظ التصغير قاله عبد الغني

الثالثة ثنية المرة قال البكري ( 1209 ) تخفيف المرأة

الرابعة سيف البحر ساحله قاله أبو ذر الخشني في غريب السيرة ( 151 456 )

الخامسة في غريب السير ( 151 ) لأبي ذر الخشني العيص هنا موضع وأصل العيص منبت الشجر

ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم

1 حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه في الاستيعاب ( 369 )


359
حمزة بن عبد المطلب بن هاشم عم النبي صلى الله عليه وسلم كان يقال له أسد الله وأسد رسوله يكنى أبا عمارة وأبا يعلى بابنيه عمارة ويعلى أسلم في السنة الثانية من المبعث وقيل بل كان إسلام حمزة بعد دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم في السنة السادسة من مبعثه صلى الله عليه وسلم وكان أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع سنين وهذا لا يصح عندي لأن الحديث الثابت أن حمزة وعبد الله بن أسد أرضعتهما ثويبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن تكون أرضعتهما في زمانين وذكر البكائي عن ابن اسحاق قال كان حمزة أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين قال المدائني أول سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحمزة بن عبدالمطلب في ربيع الأول من سنة اثنتين إلى سيف البحر من أرض جهينة وخالفه ابن اسحاق فجعلها لعبيدة بن الحارث قال ابن اسحاق ( 1 595 ) وبعض الناس يزعمون أن راية حمزة أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم

وكان أخا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة أرضعتها ثويبه ولم يدرك الإسلام فأسلم من أعمام النبي صلى الله عليه وسلم إلا حمزة والعباس رضي الله تعالى عنهما

وشهد حمزة بدرا وأبلى فيها بلاء حسنا مشهورا وقيل إنه قتل عتبة بن ربيعة مبارزة يوم بدر قاله موسى بن عقبة وقيل بل قتل شيبة بن ربيعة مبارزة قاله ابن اسحاق وغيره وقتل يومئذ طعيمة بن عدي اخا المطعم بن عدي وقتل يومئذ أيضا سباعا الخزاعي وقيل بل قتله يوم أحد قبل أن يقتل وشهد أحدا بعد بدر فقتل يومئذ شهيدا قتله وحشي بن حرب الحبشي مولى جبير بن مطعم على رأس اثنتين وثلاثين شهرا من الهجرة وكان يوم قتل ابن تسع وخمسين سنة ودفن هو وابن أخته عبد الله بن جحش في قبر واحد

وعن غير ابن إسحاق قال كان حمزة يقاتل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسيفين فقال قائل أي أسد فبينا هو كذلك إذ عثر عثرة وقع منها على


360
ظهره فانكشف الدرع عن بطنه فطعنه وحشي الحبشي بحربة أو قال برمح فأنفذه

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال حمزة سيد الشهداء وروي خير الشهداء ولولا أن تجد صفية لتركت دفنه حتى يحشر من بطون الطير والسباع

قال ابن جريح مثل الكفار يوم أحد بقتلى المسلمين كلهم إلا حنظلة بن الراهب لأن أبا عامر الراهب كان يومئذ مع أبي سفيان فتركوا حنظلة لذلك

ولم يمثل بأحد ما مثل بحمزة بقرت هند بطنه وقطعت كبده وجعلت تلوكها ثم لفظتها فقال النبي صلى الله عليه وسلم لو دخل بطنها لم تدخل النار وجدعت أنفه وقطعت أذنيه رضي الله تعالى عنه وعن جابر بن عبد الله قال لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة قتيلا بكى فلما رأى ما مثل به شهق

وعن أبي هريرة قال وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمزة وقد قتل ومثل به فلم ير منظرا كان أوجع لقلبه منه فقال رحمك الله أي عم فلقد كنت وصولا للرحم فعولا للخيرات فوالله لئن أظفرني الله بالقوم لأمثلن بسبعين منهم قال فما برح حتى نزلت وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ( النحل 126 ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل نصبر وكفر عن يمينه انتهى

وقال ابن اسحاق في السير ( 2 99 ) ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم على دار من دور الأنصار من بني عبد الأشهل وبني ظفر فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم فذرفت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى ثم قال لكن حمزة لا بواكي له فلما رجع سعد بن معاذ وأسيد بن خضير رضي الله تعالى عنهما إلى دار بني عبد الأشهل أمرا نساءهم أن يتحزمن ثم يذهبن فيبكين على عم رسول الله


361
صلى الله عليه وسلم ولما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بكاءهن على حمزة خرج عليهن وهن على باب مسجده يبكين عليه فقال ارجعن يرحمكن الله فقد آستين بأنفسكن

وقال ابن هشام ولما سمع بكاءهن قال صلى الله عليه وسلم رحم الله الأنصار فإن المواساة منهم ما علمت لقديمة مروهن فلينصرفن قال ابن هشام ونهى يومئذ عن النوح انتهى

قال ابن عبد البر في الاستيعاب ( 374 ) وذكر الواقدي قال لم تبك امرأة من الأنصار على ميت بعد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن حمزة لا بواكي له إلى اليوم إلا بدأت البكاء على حمزة ثم بكت ميتها

وأنشد أبو زيد عمر بن شيبة لكعب بن مالك يرثي حمزة وقال ابن اسحاق ( 2 162 163 ) هي لعبد الله بن رواحة [ من الوافر ]

بكت عيني وحق لها بكاها
وما يغني البكاء ولا العويل
على أسد الاله غداة قالوا
أحمزة ذاكم الرجل القتيل
أصيب المسلمون به جميعا
هناك وقد أصيب به الرسول
أبا يعلى لك الأركان هدت
وأنت الماجد البر الوصول
عليك سلام ربك في جنان
يخالطها نعيم لا يزول
ألا يا هاشم الأخيار صبرا
فكل فعالكم حسن جميل
رسول الله مصطبر كريم
بأمر الله ينطق إذ يقول
ألا من مبلغ عني لؤيا
فبعد اليوم دائلة تدول
وقبل اليوم ما عرفوا وذاقوا
وقائعنا بما يشفى الغليل

362
نسيم ضربنا بقليب بدر
غداة أتاكم الموت العجيل
غداة ثوى أبو جهل صريعا
عليه الطير حائمة تجول
وعتبة وابنه خرا جميعا
وشيبة عضه السيف الصقيل
ألا يا هند لا تبدي شماتا
بحمزة إن عزكم ذليل
ألا يا هند فابكي لا تملي
فأنت الواله العبري الهبول

فوائد لغوية في أربع مسائل

الأولى ثويبة بضم الثاء وفتح الواو مصغر وبعد ياء التصغير باء بواحدة مولاة أبي لهب مرضعة النبي صلى الله عليه وسلم قال القاضي في المشارق ( 1 : 137 )

الثانية في الأفعال لابن طريف حق لك وحق أن تفعل وحققت أن تفعل أي صرت حقيقا به وفي الديوان ( 3 : 128 ) في باب فعلت بفتح العين في الماضي وضمها في المستقبل حق لك أن تفعل كذا وحققت أن تفعل كذا بمعنى

الثالثة في الصحاح ( 6 : 2256 ) الوله ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد ورجل واله وامرأة واله ووالهة

الرابعة في الصحاح ( 1020 ) الهبول من النساء الثكول والهبل بالتحريك مصدر قولك هبلته أمه أي ثكلته والإهبال الإثكال

2 عبيدة بن الحارث رضي الله تعالى عنه في الاستبعاب عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي القرشي المطلبي يكنى أبا الحارث وقيل أبا معاوية وكان أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشر سنين وكان إسلامه قبل دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم بن


363
أبي الأرقم وقبل أن يدعو فيها وكان هجرته إلى المدينة مع أخويه الطفيل وحصين ابني الحارث وكان لعبيدة بن الحارث قدر ومنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن اسحاق ( 1 591 ) أول سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبيدة بن الحارث في ربيع الأول سنة ثنتين في ثمانين راكبا ويقال في ستين من الهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد قال وراية عبيدة أول راية عقدها رسول اله صلى الله عليه وسلم في الإسلام ثم شهد عبيدة بن الحارث بدرا فكان له فيها غناء عظيم ومشهد كريم وكان أشد المسلمين يومئذ قطع عتبة بن ربيعة رجله يومئذ وقيل بل قطعها يومئذ شيبة بن ربيعة فارتث منها فمات بالصفراء على ليلة من بدر ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل مع أصحابه بالنازيين قال له أصحابه إنا نجد ريح مسك فقال وما يمنعكم ها هنا قبر أبي معاوية وقيل كان لعبيدة بن الحارث يوم قتل ثلاث وستون سنة انتهى

فائدتان لغويتان

الأولى ارتث الجريح إذا حمل عن المعركة وبه رمق ذكره الفارابي في باب الأفتعال ( 3 : 176 )

الثانية البكري ( 836 ) الصفراء على لفظ تأنيث أصفر قرية فوق ينبع وبين ينبع والمدينة ست مراحل وبالصفراء مات عبيدة بن الحارث بن المطلب قالت هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب ترثيه من الطويل

لقد ضمنوا الصفراء مجدا وسؤددا
وحلما أصيلا وافر اللب والعقل
عبيدة فابكيه لأضياف غربة
وأرملة تهوي لأشعث كالجذل

تنبيه

لم يذكر البكري النازيين في كتابه وأظنه اسم موضع من الصفراء والله تعالى أعلم


364
الفصل السابع
في ألوان ألويته وراياته عليه الصلاة والسلام واسم رايته وما كتب على لوائه صلى الله عليه وسلم ( 1 ) الأبيض

في السير قال ابن اسحاق دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء يوم غزوة بدر الكبرى الى مصعب بن عمير قال ابن هشام وكان أبيض

وروى النسائي وأبو داود رحمها الله ( 2 : 31 ) عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه كان لواؤه صلى الله عليه وسلم يوم دخول مكة أبيض انتهى ( 2 ) الأصفر

روى أبو داود ( 2 : 31 ) رحمه الله تعالى عن سماك عن رجل من قومه عن آخر منهم قال رأيت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم صفراء

وذكر روايةسماك بن حرب كانت رايته عليه السلام صفراء

وفي الاستيعاب ( 1470 ) عن مزيدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد رايات الأنصار وجعلها صفراء ( 3 ) الأغبر

ذكر ابن جماعة في مختصر السير له في باب سلاح النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان له عليه الصلاة والسلام لواء أغبر

فائدة لغوية

الجوهري ( 2 : 764 ) الغبرة لون الغبر وهو شبيه بالغبار ( 4 ) الأسود

قال ابن اسحاق في السير ( 1 : 613612 ) في أخبار غزوة بدر الكبرى وكان أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم رايتان سوداوان إحداهما مع علي بن أبي طالب والأخرى مع بعض الأنصار


365

قال ابن هشام كانت راية الأنصار مع سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنهم

وذكر عبد الله بن حيان الأصبهاني ( 145 ) عن الحسن كانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء تسمى العقاب

وفي التاريخ للبخاري ( 2 : 261260 ) رحمه الله تعالى عن الحارث بن حسان بن كلدة البكري قال دخلت المسجد فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما على المنبر يخطب وفلان قائم متقلد السيف وإذا رايات سود تخفق قلت ما هذا قالوا عمرو بن العاص قدم من جيش ذات السلاسل ( 5 ) راية الصوف

قال القضاعي في كتاب الأنباء كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم راية تدعى العقاب من صوف أسود ( 6 ) الراية من المرط المرحل

قال أبو محمد ابن حيان في كتاب الأخلاق عن عائشة رضي الله تعالى عنهما كانت راية النبي صلى الله عليه وسلم من مرط مرحل وعن غيرها ( 145 ) كانت رايته عليه وسلم من مرط كان لعائشة

فوائد لغوية

المرط في المشارق ( 1 : 377 ) المرط بكسر الميم كساء من صوف أوخز أو كتان قاله الخليل وقال ابن الأعرابي هو الإزار وقال النضر لا يكون المرط إلا درعا وهو من خز أخضر ولا يسمى المرط إلا الأخضر ولا يلبسه إلا النساء وظاهر الحديث يصحح ما قاله الخليل وغيره أنه كساء وفي الحديث الصحيح خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرط مرحل من شعر أسود انتهى

والمرحل في المشارق ( 1 : 284 ) مرط مرجل بالجيم للهروي وبالحاء لغيره وهما جميعا صواب وهو الذي يوشي بصور الرحال فيقال بالحاء


366
إو بصور المراجل أو الرجال فيكون بالجيم وجاء ثوب مراجل وثوب ممرجل انتهى

وفي الصحاح مرط مرحل بالحاء إزار خز فيه علمان ( 7 ) الراية من النمرة

قال ابن جماعة في مختصر السير له وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم راية سوداء مربعة من نمرة مخملة يقال لها العقاب

فوائد لغوية

في المشارق النمار بكسر النون جمع نمرة وهي شملة مخططة من صوف وقيل فيها أمثال الأهلة

وفي المحكم النمرة النكتة من أي لون كان والأنمر الذي فيه نمرة بيضاء وأخرى سوداء والأنثى نمراء والنمرة الحبرة لاختلاف ألوان خطوطها والنمرة شملة فيها خطوط بيض وسود

ما كان مكتوبا على لوائه صلى الله عليه وسلم

ذكر أبو محمد عبد الله بن محمد بن حيان الأصبهاني في كتاب أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم عن بريدة رضي الله تعالى عنه أن راية رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت سوداء ولواءه ابيض زاد ابن عباس مكتوب على لوائه لا إله ألا الله محمد رسول الله انتهى

اسم رايته صلى الله عليه وسلم

قال قاسم بن ثابت في الدلائل رحمه الله تعالى كانت اسم راية رسول الله صلى الله عليه وسلم العقاب


367
فائدتان لغويتان

الأولى في الصحاح الراية العلم وفي جامع اللغات للقزاز الراية كل ما نصبته علما نحو رايةالبيطار والخمار والجمع راي ورايات وأصل ألفها ياء فإذا صغرت قلت ريبة ورييت راية فأنا مري وهي مرياة والمصدر ترية على تفعلة وإن شتت أظهرت التضعيف فقلت تريية والإدغام أحسن وروى قوم عن أبي عمرو بن العلاء أنه سمع من العرب من يهمز الراية في الحرب وغيرها إذ كانت علما وكان أبو عمرو الحرمازي يروي بيت العجاج

رأي إذا أورده الطعن صدر

بالهمز وكذا ننشده والراي جمع راية على ما تقدم وقد عيب هذا عليه وسائر الناس على ترك الهمز في الراية والراي إذا كان جمعا لها وحكى بعض اللغويين أرأيت راية إذا ركزتها والمعروف ما بدأنا به

الثانية في المشارق اللواء الراية وفي المحكم اللواء العلم والجمع ألوية وألويات الأخيرة جمع الجمع قال الراجز

جنح النواصي نحو ألويتها

وألوى اللواء عمله أو رفعه ولا يقال لواه وفي الصحاح الألوية المطارد وهي دون الأعلام والبنود


368
الباب السادس
في انقسام الجيش إلى خمسة اقسام المقدمة والمجنبتين والقلب والساقة وكون الرئيس في القلب منها

في المشارق وسمي الجيش خميسا لقسمه على خمسة أقسام قلب وميمنة وميسرة ومقدمة وساقة قال الجوهري ألا ترى الى قول الراجز

قد نضرب الجيش الخميس الأزورا

فجعله صفة وقال ابن سيدة الخميس الجيش يخمس ما وجده

قال القاضي في المشارق والأول أولى لأنه اسمه كان معروفا قبل ورود الشرع بالخميس انتهى وفي أشعار الستة لامرىء القيس [ من الطويل ]

لها مزهر يعلو الخميس بصوته
أجش إذا ما حركته اليدان

قال ابن اسحاق في السير ثم في أخبار يوم فتح مكة حدثني عبد الله بن أبي نجيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرق جيشه من ذي طوى أمر الزبير بن العوام أن يدخل في بعض الناس من كدى وكان الزبير على المجنبة اليسرى وأمر سعد بن عبادة الأنصاري أن يدخل في بعض الناس من كداء


369

قال ابن اسحاق فرغم بعض أهل العلم أن سعدا حين وجه داخلا قال اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة فسمعها رجل من المهاجرين قال ابن هشام هو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عن حميعهم

قال ابن اسحاق فقال يا رسول الله اسمع ما قال سعد بن عبادة ما نأمن أن يكون له في قريش صولة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن ابي طالب أدركه فخذ الراية فكن أنت الذي تدخل بها

قال ابن اسحاق وحدثني عبد الله بن أبي نجيح في حديثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر خالد بن الوليد فدخل من الليط أسفل مكة في بعض الناس وكان خالد على المجنبة اليمنى وفيها أسلم وسليم وغفار ومزينة وجهينة وقبائل من قبائل العرب وأقبل أبو عبيدو بن الجراح بالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذاخر حتى نزل بأعلى مكة وضربت له هناك قبة انتهى

وقال ابن اسحاق في السير في خبر غزوة بدر الكبرى وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الساقة قيس بن أبي صعصعة أخا بني مازن بن النجار انتهى

فائدتان لغويتان

الأولى في أقسام الجيش

أما القلب فإنما سمى قلبا لتوسطه وإحاطة سائر الأقسام به كتوسط قلب الإنسان في جسده ويحتمل أن يكون سمي قلبا لمكان الرئيس به الذي هو سيد الجيش ومنه قلب النخلة وهو لبها وفي الصحاح قلب النخلة لبها وفيه ثلاث لغات قلب وقلب وقلب

وأما الميمنة والميسرة فمن الجهة اليمنى واليسرى وكذلك المجنبتان من الجنبين لإحاطتهما بالقلب وأما المقدمة فلتقدمها


370

وفي الصحاح مقدمة الجيش بكسر الدال أوله وفي المحكم مقدمة العسكر وقادمتهم وقداماهم متقدموهم وقيل مقدمة كل شيء أوله

وأما الساقة فيحتمل أن يكون سميت بذلك لأنها لما تقدمها سائر الجيش صارت كأنها تسوقه قال ابن القوطية ساق الشىء سوقا قدمه بين يديه وفي فقه اللغة للثعالبي ساقه العسكر آخره انتهى

الثانية في المواضع المذكورة في هذا الباب

ذو طوى بفتح الطاء المهملة مقصور منون واد بمكة

وكداء بفتح أوله ممدود لا يصرف لأنه مؤنث وهو جبل من أعلى مكة وهو عرفة بعينها قال حسان [ من الوافر ]

عدمنا خيلنا إن لم تروها
تثير النقع موعدها كداء

وكدى بضم أوله وتنوين ثانية مقصور على لفظه جمع كدية بأسفل مكة عند قعيقعان وأما كدي مصغر فإنما هو لمن خرج من مكة إلى اليمن وليس من هذين الطريقين في شيء والليط بكسر أوله وبعده ياء وطاء مهملة موضع بأسفل مكة

وأذاخر بخاء معجمة كأنه جمع أذخر ثنية بين مكة والمدينة ذكر جميعها البكري

فائدة لغوية في معنى الباب

ذكر ابن فتحون في ذيل الاستيعاب أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه خرج


371
في الردة إثر وفاة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذي القصة وعلى ميمنته النعمان بن مقرن وعلى ميسرته عبد الله بن مقرن وعلى ساقته سويد بن مقرن فقرن الله تعالى له وللمسلمين في خروجه التوفيق والنصر وصحبة بني مقرن مشهورة وكونهم إخوة سبعة وقيل بل عشرة انتهى

ومقرن قال ابن سيد في الاشتقاق هو مفعل من قولهم قرنت البعيرين إذا لز أحداهما بالآخر انتهى

و ذي القصة قال البكري بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة موضع في طريق العراق من المدينة سمي بذلك لقصة في أرضه والقصة الجص وقال في رسم المضيح ترحل من المدينة فتنزل ذا القصة انتهى


372
الباب السابع
في الرجل يقيمه الإمام يوم لقاء العدو بمكانه من قلب الجيش ويلبس الإمام لأمته ويلبس هو لأمة الإمام حياطة على الإمام

قال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في الاستيعاب كان كعب بن مالك بن أبي كعب الأنصاري السلمي رضي الله تعالى عنه يوم أحد لبس لأمةالنبي صلى الله عليه وسلم وكانت صفراء ولبس النبي عليه السلام لأمته فجرح كعب بن مالك أحد عشر جرحا

فائدة لغوية

اللأمة في قول أكثر اللغويين الدرع وقال في المحكم اللأمة السلاح كلها عن ابن الأعرابي وهذا القول أقرب إلى معنى الحديث والله تعالى اعلم

تنبيه

قد تقدم ذكر كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه في باب الشاعر بما اغنى عن الإعادة هنا


373
الباب الثامن
في صاحب المقدمة
وفيه فصلان
الفصل الأول
في من تولى ذلك بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم

قال ابن اسحاق في السير رحمه الله تعالى في أخبار فتح مكة وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم

وذكر أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في الاستيعاب في اسم خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه أنه كان على مقدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين في بني سليم وجرح يومئذ فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في رحله بعد ما هزمت هوازن ليعرف خبره ويعوده فنفث في جرحه فانطلق

وقد تقدم أن مقدمة العسكر بضم الميم وكسر الدال وقال ابن السيد ولو فتحت الدال لم أر من فتحها مخطئا

الفصل الثاني
في أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم

1 أبو عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه ورحمه يأتي في باب المقدم على الرجالة إن شاء الله تعالى

2 خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه في الاستيعاب خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي المخزومي أبو سليمان


374
وقيل أبو الوليد أحد أشراف قريش في الجاهلية وإليه كانت القبة والأعنة في الجاهلية فأما القبة فانهم كانوا يضربونها ثم يجمعون إليها ما يجهزون به الجيش وأما الأعنة فإنه كان يكون على خيل قريش في الحروب واختلف في وقت إسلامه وهجرته فقيل كان إسلامه سنة خمس بعد فراغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني قريظة وقيل بعد الحديبية وقيل بين الحديبية وخيبر في ذي القعدة سنة ست وخيبر بعدها في المحرم سنة سبع وقيل كان إسلامه سنة ثمان مع عمرو بن العاص وعثمان بن طلحة فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رمتكم مكة بأفلاذ كبدها ولم يزل من حين أسلم يوليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أعنة الخيل فيكون في مقدمتها في محاربة العرب وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة وكان على مقدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين في بني سليم وجرح يومئذ فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم في رحله بعد ما هزمت هوزان ليعرف خبره ويعوده فنفث في جرحه فانطلق انتهى

وشهد خالد رضي الله تعالى عنه بعث مؤتة ولما أصيب الأمراء الثلاثة رضي الله تعالى عنهم الذين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الراية وانحاز بالمسلمين

وخرج البخاري رحمه الله تعالى عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة [ للناس ] قبل أن يأتيهم خبرهم فقال أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذ جعفر فأصيب ثم أخذ ابن رواحة فأصيب وعيناه تذرفان حتى أخذ [ الراية ] سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم انتهى

قال أبو عمر ابن عبد البر عن قيس قال سمعت خالد بن الوليد يقول اندقت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف فما صبرت في يدي إلا صفيحة يمانية وذكر البخاري مثله


375

قال أبو عمر وذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال نعم عبد الله وأخو العشيرة وسيف من سيوف الله سلة على الكفار والمنافقين

وأمره أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما على الجيوش ففتح الله تعالى عليه اليمامة وغيرها وقتل على يديه أكثر أهل الردة منهم مسيلمة ومالك بن نويرة

ولما حضرت خالد بن الوليد الوفاة قال لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها وما في جسدي موضع إلا وفيه ضربة أو طعنة أو رمية ثم ها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت العير فلا نامت أعين الجبناء وتوفي بالمدينة سنة إحدى وعشرين وقيل بل توفي بحمص ودفن بقرية على ميل منها سنة أحدى وعشرين أو اثنين وعشرين في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وبلغ عمر بن الخطاب أن نساء بني المغيرة اجتمعن في دار يبكين على خالد بن الوليد فقال عمر وما علهن أن يبكين أبا سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة وذكر محمد بن سلام قال لم تبق امرأة من بني المغيرة إلا وضعت لمتها على قبر خالد بن الوليد يقول حلقت رأسها انتهى

فائدتان لغويتان

الأولى في الغريبين نقع أي شق الجيوب قال المرار الفقعسي

نقعن جيوبهن علي حيا
وأعددن المراثي والعويلا

واللقلقة الجلبة ورفع الأصوات كأنه حكاية الأصوات إذا كثرت من القاف واللام

الثانية أصل اللمة ما طال من شعر الرأس حتى يلم بالمنكبين قاله غير واحد من اللغويين


376
الباب التاسع
في المقدم على الميمنة

روى مسلم عن عبد بن رباح قال وفدنا على معاوية بن أبي سفيان وفينا أبو هريرة فكان كل رجل يصنع طعاما يوما لأصحابه وكانت نوبتي فقلت يا أبا هريرة اليوم نوبتي فجاءوا إلى المنزل ولما يدرك طعامنا فقلت يا أبا هريرة لو حدثتنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يدرك طعامنا فقال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فجعل خالد بن الوليد على المجبنة اليمنى وجعل الزبير بن العوام على المجبنة اليسرى وجعل أبا عبيدة على البياذقة وبطن الوادي وساق الحديث

وفي السير في أخبار فتح مكة قال ابن اسحاق حدثني عبد الله بن أبي نجيح في حديثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر خالد بن الوليد فدخل من الليط من أسفل مكة في بعض الناس وكان خالد على المجنبة اليمنى وفيها أسلم وسليم وغفار ومزينة وجهينة وقبائل من قبائل العرب انتهى

تنبيه

قد تقدم ذكر خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه في باب صاحب المقدمة قبل هذا فأغنى ذلك عن إعادته هنا وسيأتي الكلام على البياذقة في الباب الثالث عشر إن شاء الله تعالى


377
الباب العاشر
في المقدم على الميسرة

قال ابن اسحاق في السير في أخبار فتح مكة حدثني عبد الله بن أبي نجيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرق جيشه من ذي طوى أمر الزبير بن العوام أن يدخل في بعض الناس من كدي وكان الزبير على المجبنة اليسرى انتهى

وقد تقدم ذكر ذلك في حديث مسلم رحمه الله تعالى في باب صاحب الميمنة

تنبيه

ياتي ذكر الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه في باب كاتب الزكاة من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى


378
الباب الحادي عشر
في المقدم على الساقة

قال ابن اسحاق في السير في خبر غزوة بدر الكبرى وكانت في السنة الثانية من الهجرة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليال مضت من رمضان في أصحابه وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة أخا بني مازن بن النجار انتهى

وفي الاستيعاب قيس بن أبي صعصعة واسم أبي صعصعة عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار الأنصاري المازني شهد العقبة وشهد بدرا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعله على الساقة يومئذ ثم شهد أحدا لا يوقف له على وقت وفاة انتهى


379
الباب الثاني عشر
في المقدم على الرماة

روى البخاري رحمه الله تعالى عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرجالة يوم أحد وكانوا خمسين رجلا عبد الله بن جبير

قال ابن اسحاق رحمه الله تعالى في السير في أخبار يوم أحد وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة عبد الله بن جبير اخا بني عمرو بن عوف وهو معلم يومئذ بثياب بيض والرماة خمسون رجلا فقال انضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك انتهى

في الاستيعاب عبد الله بن جبير بن النعمان بن أمية بن امرىء القيس وهو البرك ابن ثعلبة بن عمرو بن عوف الأنصاري شهد العقبة ثم شهد بدرا وقتل يوم أحد شهيدا وكان يومئذ أميرا على الرماة وهو أخو أخوات بن جبير بن النعمان لأبيه وأمه انتهى


380
الباب الثالث عشر
في المقدم على الرجالة
وفيه فصلان
الفصل الأول
في ذكر من تولى في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم

قد تقدم في باب المقدم على الميمنة حديث مسلم رحمه الله تعالى عن عبد الله بن رباح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وفيه قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فجعل خالد بن الوليد على المجبنة اليمنى وجعل الزبير على المجبنة اليسرى وجعل أبا عبيدة على البياذقة وبطن الوادي الحديث انتهى

فائدة لغوية

في المشارق البياذقة بياء موحدة بعدها ياء باثنتين من تحتها مخففة بعدها ألف وذال معجمة مكسورة وقاف وهم الرجالة وهم أيضا أصحاب ركاب الملك والمتصرفون له

الفصل الثاني
في ذكر نسب أبي عبيدة عامر بن الجراح رضي الله تعالى عنه وأخباره

في الاستيعاب أبو عبيدة ابن الجراح قيل اسمه عامر بن الجراح وقيل عبد الله بن عامر بن الجراح والصحيح أن اسمه عامر بن عبد الله بن


381
الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشي الفهري غلبت عليه كنيته ذكر ابن اسحاق والواقدي أنه هاجر الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة ولم يذكر ذلك ابن عقبة ولا غيره وشهد بدرامع النبي صلى الله عليه وسلم وما بعدها من المشاهد كلها وكان من كبار الصحابة وفضلائهم وأهل السابقة منهم

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة ابن الجراح وهو أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة

وعن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من أصحابي أحد إلا لو شئت وجدت عليه إلا أبا عبيدة قال الزبير كان أبو عبيدة أهتم وذلك أنه نزع الحلقتين اللتين دخلتا في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم من المغفر يوم أحد فانتزعت ثنيتاه فحسنتا فاه فيقال مارئي قط احسن من هتم أبي عبيدة

وقال فيه ابو بكر الصديق يوم السقيفة قد رضيت لكم أحد الرجلين فبايعوا أيهما شئتم يعني عمر وأبا عبيدة ابن الجراح ولما ولي عمر عزل خالدا وولى أبا عبيدة ابن الجراح على الشام وقال عمر إذ دخل عليه الشام وهو أميرها كلنا غيرته الدنيا غيرك ياأبا عبيدة

توفي رضي الله تعالى عنه وهو ابن ثمان وخمسين سنة في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة بالأردن من الشام وبها قبره انتهى

فائدة لغوية

في الديوان هتم يهتم بكسر التاء في الماضي وفتحها في المستقبل فهو أهتم وهو المنكسر الثنايا


382
الباب الرابع عشر
في الوازع

في الاكتفاء في فتح مكة ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذي طوى وقف على راحلته معتجرا بشقة برد حبرة وإنع ليضع رأسه تواضعا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح حتى إن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل ولما وقف هناك قال أبو قحافة وقد كف بصره لابنة له من أصغر ولده أي بينة اظهري على أبي قبيس فأشرفت به عليه فقال أي بنية ماذا ترين قالت أرى سوادا مجتمعا قال تلك الخيل قالت أرى رجلا يسعى بين ذلك السواد مقبلا ومدبرا قال أي بنية ذلك الوازع يعني الذي يأمر الخيل ويتقدم إليها ثم قالت قد والله انتشر السواد فقال قد والله إذن دفعت الخيل فاسرعي بي إلى بيتي فانحطت به وتلقاه الخيل قبل أن يصل إلى بيته وفي عنق الجارية طوق من ورق فيلقاها رجل فيقتطعه من عنقها قالت فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ودخل المسجد أتى أبو بكر الصديق بأبيه يقوده فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه فقال أبو بكر يا رسول الله هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي إليه فأجلسه بين يديه ثم مسح صدره ثم قال أسلم فأسلم ورآه رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن رأسه ثغامة فقال غيروا هذا من شعره ثم قام أبو بكر فأخذ بيد أخته فقال أنشد الله والإسلام طوق أختي فلم يجبه أحد فقال أي أخية احتسبي طوقك فوالله إن الأمانة اليوم في الناس لقليل انتهى

فوائد لغوية في أربع مسائل

الأولى في الصحاح وزعته أزعه وزعا كففته فاتزع هو أي


383
كف والوازع الذي يتقدم الصف ويقدم ويؤخر ويقال وزعت الجيش إذا حبست أولهم على آخرهم

الثانية في الصحاح الاعتجار لف العمامة على الرأس قال الراجز

جاءت به معتجرا ببرده
سفواء تردي بنسيج وحده

الثالثة في الصحاح واسطة الكور مقدمه قال طرفة

وإن شئت سامى واسط الكور رأسها
وعامت بضبعيها نجاء الخفيدد

الرابعة في الصحاح الثغام بالفتح نبت يكون في الجبل يبيض إذا يبس ويشبه به الشيب الواحدة ثغامة قال الشاعر مخاطبا نفسه [ من الكامل ]

أعلاقة أم الوليد بعد ما
أفنان رأسك كالثغام المخلس

384
الباب الخامس عشر
في صاحب الخيل
وفيه خمسة فصول
الفصل الأول
في أمر الله تعالى بارتباط الخيل وإعداد رسول الله صلى الله عليه وسلم الخيل في سبيل الله وذكر من تولى النظر فيها لرسول الله صلى الله عليه وسلم

قال الله عز وجل وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ( الانفال 60 )

وقد اقتبس كعب بن مالك الأنصاري رضي الله تعالى عنه شاعر النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الآية المعظمة فقال يعني الخيل

أمر الإله بربطها لعدوه
في الحرب إن الله خير موفق
لتكون غيظا للعدا وحياطة
للدار إن دلفت خيول النزق

روى الترمذي رحمه الله تعالى عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصا فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعزل نفقة اهله سنة ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله


385

قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح

وخرج البخاري رحمه الله تعالى نحوه وقال خالصة عوض خالصا

وذكر ابن اسحاق رحمه الله تعالى في غزوة بني قريظة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سعد بن زيد الأنصاري أخا بني عبد الأشهل رضي الله تعالى عنه بسبايا من سبايا بني قريظة إلى نجد فابتاع له بها خيلا وسلاحا

فائدة لغوية

في المشارق الكراع بضم الكاف قال أبو علي الكراع اسم لجميع الخيل والأكارع لذوات الظلف خاصة كالأوظفة من الخيل والإبل ثم كثر ذلك حتى سموا به ثم استعمل ذلك في الخيل خاصة

الفصل الثاني
في ذكر سعد بن زيد رضي الله تعالى عنه وأخباره

في ط الاستيعاب سعد بن زيد الأنصاري الأشهلي قال ابن اسحاق هو سعد بن زيد بن مالك بن عبيد بن كعب بن عبد الأشهل شهد بدرا وقال غير ابن اسحاق هو سعد بن زيد بن عوف بن عمرو بن جشم بن الحارث بن الخزرج ولم يشهد بدرا والصواب أنه من بني عبد الأشهل شهد بدرا وما بعدها من المشاهد وفي قول الواقدي شهد العقبة الخاصة وعند غيره شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى وسعد بن زيد هو الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبايا من سبايا بني قريظة إلى نجد فابتاع له بهم خيلا وسلاحا وهو الذي هدم المنار الذي كان بالمشلل للأوس والخزرج يعد في أهل المدينة


386
الفصل الثالث
في ذكر خيل النبي صلى الله عليه وسلم

وذكر ابن جماعة رحمه الله تعالى في مختصر السير خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال منها السكب وهو أول فرس ملكة اشتراه صلى الله عليه وسلم من أعرابي بعشر أوراق وكان اسمه عند الأعرابي الضرس أول ما غزا عليه أحدا ولم يكن مع المسلمين فرس غيره وغير فرس لأبي بردة بن نيار يقال له ملاوح

قال وكان يعني فرس رسول الله صلى الله عليه وسلم أغر محجلا طلق اليمين كميتا

وقال ابن الأثير كان أدهم وكذلك روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال كان للنبي صلى الله عليه وسلم فرس أدهم يسمى السكب والمرتجز وكان أشهب وهو الذي شهد له فيه خزيمة بن ثابت رضي الله تعالى عنه فجعل شهادته شهادة رجلين

وقيل هو الظرب وقيل هو اللحيف قال ابن الأثير وكان صاحبه من بني مرة واللحيف أهداه له ربيعة بن أبي البراء وقيل فروة بن عمرو الجذامي واللزاز أهداه له المقوقس والظرب أهداه له فروة بن عمرو الجذامي فأعطاه أبا أسيد الساعدي وسبحة وهو الذي سابق به فسبق ففرح به والورد أهداه له تميم الداري فأعطاه عمر رضي الله تعالى عنه فحمل عليه في سبيل الله

قال ابن الأثير وهو الذي وجده يباع

قال ابن جماعة فهذه سبعة أفراس متفق عليها وقيل كانت له صلى الله عليه وسلم أفراس أخر خمسة عشر مختلف فيها


387

فوائد لغوية في تسع مسائل

الأولى في المستوعب لأبي عبيدة البكري السكب فرس من خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي ركبه يوم أحد يقال فرس سكب إذا كان جوادا كثير العدو وكأنه يسكب الجري سكبا

الثانية وأما اسمه عند الأعرابي الذي باعه فالضرس بفتح الضاد وكسر الراء من قولهم رجل ضرس اي صعب الخلق قال الجوهري رجل ضرس شرس أي صعب الخلق

الثالثة ملاوح فرس أبي بردة في المحكم الملواح العظيم الألواح وكل عظيم عريض لوح انتهى

ومن شعر ضرار بن الخطاب في السير من البسيط

إني وجدك لا أنفك منتطقا
بصارم مثل لون الملح قطاع
على رحالة ملواح مثابرة
نحو الصريخ إذا ما ثوب الداعي

وقال ابن سيده الملواح الضامر وأنشد من الرجز

من كل شقاء النسا ملواح

الرابعة في المستوعب المرتجز فرس من خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أشقر سمي بذلك لكثرة صهيله وحسنه شبهه بارتجاز الرعد

الخامسة في المستوعب اللخيف ويقال اللحيف أحد أفراس رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل سمي بذلك لكثرة سبائب ذنبه وقيل سمي من قولك لحفت الفرس وألحفته إذا جللته لحافا


388

السادسة اللزاز يحتمل ان يكون من اللز وهو لزوم الشي للشيء كأنه يلازم الجري

وأنشد ابن السيد من الطويل

لزاز حضار يسبق الخيل عفوه
على الدفة الأولى وفي العقب مرجما

ويحتمل أن يكون من شدة الخلق

قال الزبيدي الملزز الخلق المجتمعة وأنشد أبو عبيدة في الغريب المصنف من الرجز

وطرفة لزت دخالا مدمجا

وفي المستوعب سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الخيل وجلس على سلع فطلعت ثلاثة أفراس يتلو بعضها بعضا أولها فرسه لزاز فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من عليه قالوا سهل بن سعد فقال امض بارك الله عليك فطلع رأس الثلاثة سابقا وفرسه الظرب مصليا وفرسه السكب ثالثا كلها لرسول الله صلى الله عليه وسلم

السابعة في المستوعب الظرب فرس من خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم تشبيها بالظرب من الجبال وهو المنبسط

الثامنة سبحة قال الشريف أحمد بن عبد الله الطبري في خلاصة السير له جاء سابقا فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمي سبحة وقال البكري في المستوعب سنحة بالنون قال وروى الزبير بن الخريت عن


389
أبي لبيد لمازة بن زبار الجهضمي من الأزد قال أجرى الحكم بن أيوب الخيل بالبصرة فنظرنا إليها ثم مررنا بأنس فقلنا لو سألناه هل راهن رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخيل فسألناه فقال نعم راهن على فرس يقال لها سنحة فسبقت فرأيته هش لذلك

ورواه ابو إسحاق الحربي قال فرأيته فرح لذلك

التاسعة الورد من الخيل الاحمر الصافي الحمرة قاله غير واحد

الفصل الرابع
في إتخاذ عمر رضي الله تعالى عنه الخيل عدة
في سبيل الله تعالى وذكر من كان قيمه عليها

قال أبو الربيع ابن سالم رحمه الله تعالى في الاكتفاء كان عمر رضي الله تعالى عنه قد اتخذ في كل مصر على قدره خيولا من فضول أموال المسلمين عدة لما يعرض فكان من ذلك بالكوفة أربعة آلاف فرس يشتيها في قبلة قصر الكوفة وميسرته في مكان يسمى لأجل ذلك الآري ويربعها فيما بين الفرات والأبيات من الكوفة مما يلي العاقول فسمته الأعاجم أخرا الشاهجان يعنون معلف الأمراء وكان قيمه عليها سلمان بن ربيعة الباهلي في نفر من أهل الكوفة يصنع سوابقها ويجريها في كل يوم وبالبصرة نحو منها قيمة عليها جزء بن معاوية وفي كل مصر من الأمصار على قدره انتهى

فائدة لغوية

قال الزبيدي في المختصر الآري المعلف وأرت الدابة إلى معلفها تأري إذا ألفته وفي الصحاح علفت الدابة علفا والموضع معلف


390
بالكسر وقال ابن قتيبة في الأدب يذهب الناس في الآري إلى أنه المعلف وذلك غلط وإنما الآري الآخية التي تشد بها الدابة وهو من تأريت بالمكان إذا أقمت به وقال أبو حاتم في لحن العامة الآري حبل يدفن في الأرض ويبرز طرفه تشد به الدابة وكذلك الآخية ممدوة مشددة

وقال أبو جعفر ابن النحاس الأواري والأواخي واحد وهي التي تحبس بها الخيل من وتد أو حبل والواحد آري وآخية وهي من قولهم آرت القدر تأري إذا لصق في أسفلها شيس قد احترق ولا يكاد يفارقها وقال النابغة الذبياني من البسيط

يا دار مية بالعلياء فالسند
أقوت وطال عليها سالف الأمد
وقفت فيها أصيلانا اسائلها
عيت جوابا وما بالربع من أحد
إلا الأواري لأيا ما أبينها
والنؤي كالحوض بالمظلوم الجلد
الفصل الخامس
في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم

1 سلمان بن ربيعة الباهلي رضي الله تعالى عنه في الاستيعاب سلمان بن ربيعة الباهلي أحد بني قتيبة بن معن بن مالك يعد في الكوفيين ذكره العقيلي في الصحابة وقال أبو حاتم الرازي له صحبة قال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى وهو عندي كما قالا وكان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قد بعثه قاضيا بالكوفة قبل شريح فلما ولى سعدا الولاية الثانية بالكوفة استقضاه ايضا وكان يلي الخيل لعمر فكان يقال له سلمان الخيل وروي عنه أنه قال قتلت بسيفي هذا مائة مستلئم كلهم يعبد غير الله ما قتلت منهم رجلا صبرا

وقتل سلمان بن ربيعة رضي الله تعالى عنه ببلنجر من بلاد أرمينية سنة ثمان وعشرين وكان عمر رضي الله تعالى عنه بعثه إليها ولم يقتل إلا في زمان عثمان


391
رضي الله تعالىعنه وقيل بل قتل ببلنجر سنة تسع وعشرين وقيل سنة ثلاثين وقيل سنة إحدى وثلاثين

فائدتان لغويتان

الأولى قال الأعلم في قول عنترة من الكامل

إن تغدفي دوني القناع فإنني
طب بأخذ الفارس المستلئم

هو لابس اللأمة وهي الدرع ويقال اللأمة السلاح كله

الثانية بلنجر مدينة الخزر قاله أبو علي الغساني رحمه الله تعالى وضبطها بفتح الباء بواحدة وفتح اللام وسكون النون وضم الجيم بعدها راء مهملة نقلته من خطه في أصله من الاستيعاب في اسم سلمان في طرة على الاسم المذكور

2 جزء من معاوية رضي الله تعالى عنه قال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى جزء بن معاوية التميمي عم الأحنف بن قيس لا تصح له صحبة كان عاملا لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على الأهواز

وقال أبو محمد ابن حزم في جماهره عم الأحنف جزء بن معاوية له وفادة

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الجماهر له جزء بن معاوية بن حصين ولاه عمر رضي الله تعالى عنه مناذر وهو من ولد مرة بن عبيد بن مقاعس وقال ابن فتحون في الذيل جزء بن معاوية استعمله عمر رضي الله تعالى عنه في اتباع الهرمزان وأمره على ما افتتح ذكره سيف والطبري انتهى

وفي استدراك ابن فتحون له في الذيل وقوم ابن حزم وله وفادة يصحح أن له رضي الله تعالى عنه صحبة


392
فائدة تاريخية

ذكر أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في الاستيعاب في أخبار معاوية بن أبي سفيان أنه رضي الله تعالى عنه أول من قيدت بين يديه الجنائب

فائدة لغوية

في المعجم مناذر بفتح الميم وكسر الذال المعجمة بعدها راء مهملة قرية من قرى الأهواز وهما قريتان مناذرالكبرى ومناذر الصغرى وكذلك اسم الرجل مناذر بفتح الميم وكان محمد بن مناذر الشاعر يغضب إذا قيل له كذلك بفتح الميم ويقول اشتقاق اسم أبي من ناذر فهو مناذر انتهى والحمد لله على نعمه

هذا آخر السفر الأول من النسخة التي عليها خط المؤلف رحمة الله عليه تجزئة سفرين وعليهما خطه بإلحاقات وزيادات وتصويبات والله المستعان


393
الباب السادس عشر
في المرج
وفيه فصلان
الفصل الأول
في ذكر من كان يسرج لرسول الله صلى الله عليه وسلم

في كتاب أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم لابن حيان الأصبهاني رحمه الله تعالى عن أبي عبد الرحمن الفهري رضي الله تعالى عنه قال شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين في يوم صائف شديد الحر فقال يا بلال أسرج لي فرسي فأخرج سرجا رقيقا من لبد ليس فيه أشر ولا بطر انتهى

ومن مسند أبي داود الطيالسي رحمه الله تعالى ثم من حديث أبي عبد الرحمن الفهري كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسرنا في يوم قائظ شديد الحر فنزلنا تحت ظلال الشجر فلما زالت الشمس لبست لأمتي وركبت فرسي فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في فسطاطه فقلت السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله قد حان الرواح يا رسول الله قال أجل ثم قال رسول الله A يا بلال فثار من تحت شجرة كأن ظله ظل طائر فقال لبيك وسعديك وأنا قدامك قال أسرج لي فرسي فاتاه بدفتين من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر قال فركب فرسه ثم سرنا انتهى

ورواه أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني رحمه الله تعالى وخالف في بعض ألفاظه فقال عن عبد الله بن يسار أن ابا عبد الرحمن الفهري قال شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا فسرنا في يوم قائظ شديد الحر


394
فنزلنا تحت ظل الشجر فلما زالت الشمس لبست لأمتي وركبت فرسي فاتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في فسطاطه فقلت السلام عليك يا رسول الله ورحمه الله وبركاته قد حان الرواح قال أجل ثم قال يا بلال فثار من تحت شجرة كأن ظله ظل طائر فقال لبيك وسعديك وأنا فداؤك فقال اسرج لي الفرس فأخرج سرجا دفتاه من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر فركب وركبنا وساق الحديث

قال أبو داود أبو عبد الرحمن الفهري ليس له إلا هذا الحديث وهو حديث نبيل جاء به حماد بن سلمة انتهى ذكره في كتاب الأدب

الفصل الثاني
في ذكر من أي شيء
كان سرج رسول الله صلى الله عليه وسلم شرف وكرم

قد اختلف في نص هذا الحديث المروي عن ابي عبد الرحمن الفهري ففي كتاب ابن حيان انه من لبد وعن الطيالسي والسجستاني انه من ليف ولم يجىء في أشعار العرب في سروجهم إلا أنه من لبد وقال امرؤ القيس من الطويل

كميت بنزل اللبد عن حال متنه

ولسلامة بن جندل من البسيط

من كل حت إذا ما ابتل ملبده
صافي الأديم اسيل الخد يعبوب

395

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

الأولى قا ليعقوب في شرح ديوان حاتم الطائي أحناء السرج عيدانه الواحد حنو ومن التحفة الفارسية السرج مذكر وجمعه سروج وهو مؤلف من دفتين والواحدة دقة بفتح الدال وهما اللتان تقعان على ظهر الفرس ومن قربوسين الواحد قربوس بفتح الراء قال الجوهري ولا يخفف إلا في الشعر والذئبة فرجة ما بين دفتي الشرج والجذيات بفتح الجيم والدال واحدته جدية بسكون الدال قطع من الأكسية ونحوها تحشى وتشد تحت دفتي السرج انتهى وقال الجوهري ويجمع أيضا على جدي كشرية وشري

وفي الأفعال لابن طريف أسرجت الدابة عملبت لها سرجا وأسرجتها أيضا وضعت عليه السرج

الثانية في الصحاح للجوهري الأشر البطر والبطر شدة المرح وقد أشر بالكسر يأشر أشرا فهواشر وبطر بالكسر وأبطره المال

الثالثة في الصحاح قولهم أجل إنما هو جواب مثل نعم قال الأخفش إلا أنه أحسن من نعم في التصديق ونعم أحسن منه في الاستفهام فإذا قال أنت سوف تذهب قلت أجل وكان أحسن من نعم وإذا قال أتذهب قلت نعم وكان أحسن من أجل


396
الباب السابع عشر
في ذكر من أخذ بركاب النبي صلى الله عليه وسلم عند ركوبه وذكر ما جاء في ضم ثياب الفارس في سرجه عند ركوبه
وفيه أربعة فصول
الفصل الأول
في ذكر من أخذ بركابه صلى الله عليه وسلم

ذكر النسائي في سنده عن عبد الله بن بسر عن أبيه رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عليه فأتوه بطعام فكان يأكل التمر ويضع النوى على ظهر إصبعه ثم يرمي به قال ثم قام يركب بغلة له بيضاء فقمت لآخذ بركابه فقلت يا رسول الله ادع لنا قال اللهم بارك لهم فيما رزقتهم واغفر لهم وارحمهم

وفي الاستيعاب لأبي عمر رحمه الله تعالى في باب بسر بسر السلمي ويقال المازني نزل النبي صلى الله عليه وسلم فأكل عندهم ودعا لهم لا أعرف له غير هذا الخبر وهو والد عبد الله بن بسر لم يرو عنه غير ابنه عبد الله بن بسر وليس من الصماء في شيء يعد في الشاميين

وفي باب عبد الله عبد الله بن بسر المازني مازن بن منصور بن قيس يكنى أبا بسر وقيل أبا صفوان وهوأخو الصماء مات بالشام سنة ثمان


397
وثمانين وهو ابن أربع وتسعين سنة وهو آخر من مات بالشام بحمص من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

وفي باب الباء من كتاب النساء بهية قال ويقال بهيمة بزيادة ميم بنت بسر أخت عبد الله بن بسر المازني تعرف بالصماء قال أبو زرعة وقال لي دحيم أهل بيت أربعة صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم بسر وابناه عبد الله وعطية وابنته أختها الصماء

وفي باب الصاد الصماء بنت بسر المازينة أخت عبد الله بن بسر انتهى فقد أثبت أبو عمر رحمه الله تعالى من إخوة عبد الله والصماء ما كان نفاه أولا بقوله في اسم عبد الله وليس من الصماء في شيء

الفصل الثاني
في ذكر من أخذ بالركاب من الصحابة رضوان الله عليهم اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم

قال القاضي أبوالفضل عياض في الشفاء عن الشعبي صلى زيد بن ثابت على جنازة امه ثم قربت له بغلته ليركبها فجاء ابن عباس فأخذ بركابه فقال زيد خل عنه يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هكذا نفعل بالعلماء فقبل زيد يد ابن عباس وقال هكذا امرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا

الفصل الثالث
فيما جاء في ضم ثياب الفارس في سرجه عند ركوبه

ذكر الثعالبي في فقه اللغة والمطرز في اليواقيت والنص له قال قال أبو العباس ثعلب قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بعث رسول الله صلى الله


398
عليه وسلم عليا رضي الله تعالى عنه في سرية فرأيته قد ألبسه ثيابه وعممه فركب على رضي الله تعالى عنه فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو له ويوصيه وصفن ثيابه في سرجه أي جمعها

قال أبو العباس ثعلب سألت ابن الأعرابي عنها فقال هي مأخوذة من الصفنة ويقال الصفنة وهي السفرة التي لها خيوط تجمع بها

زيادة إفادة في هذا الفصل الثالث والفصل الثاني الذي قبله

ذكر الفقيه أبو اسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي رحمه الله تعالى في كتابه طبقات الفقهاء عن مجاهد بن جبر رحمه الله تعالى قال كان ابن عمر رضي الله تعالى عننهما يأخذ الركاب ويسوي علي ثيابي إذا ركبت

الفصل الرابع
في ذكر أول من ضرب الركب من الحديد في الإسلام

قال المبرد في الكامل كانت ركب الناس قديما من خشب فكان الرجل يضرب ركابه فينقطع فإذا أراد الضرب أو الطعن لم يكن له معتمد فأمر المهذب فضربت الركب من الحديد فهو أول من أمر بطبعها وفي ذلك يقول عمران بن عصام العنزي [ من الكامل ]

ضربوا الدراهم في إمارتهم
وضربت للحدثان والحرب
حلقا ترى منها مرافقهم
كمناكب الجمالة الجرب
انتهى

وقال علي بن عبد الله بن النعمة وقع في كتاب أخبار الخوارج تأليف


399
القاسم بن محمد بن عباد بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة رواية قاسم بن أصبغ
حلقا ترى منها مراكلنا

والمراكل مواضع الهمز من جنبي الفرس فأما ما رواه أبو العباس فليس له معنى يصح نقلته من طرة نقلته كتبها على البيتين في نسخته من الكامل التي كتبها بخطه وقرأها على ابن السيد البطليوسي


400
الباب الثامن عشر
في الرجل يركب خيل الإمام يسابق بها
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول
في أنه صلى الله عليه وسلم كان يسابق بين الخيل

روى البخاري رحمه الله تعالى عن عبد الله بن محمد قال حدثنا معاوية قال حدثنا أبو اسحاق عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال سابق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الخيل التي قد أضمرت فأرسلها من الحفياء وكان أمدها ثنية الوداع فقلت لموسى وكم بين ذلك قال ستة أميال او سبعة وسابق بين الخيل التي لم تضمر فأرسلها من ثنية الوداع وكان أمدها مسجد بني زريق قلت كم بين ذلك قال ميل أو نحوه وكان ابن عمر ممن سابق فيها

فائدة لغوية

في المشارق سابق بين الخيل أي أجراها ليرى أيها يسبق والسباق والسبق الاسم والسبق بفتح السين والباء الرهن الذي يجعل للسابق

الفصل الثاني
في ذكر مسابقة رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيله وذكر من ركبها من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم للمسابقة بها

ذكر أبو عبيد البكري رحمه الله تعالى في كتاب المستوعب عن الزهري قال سبق سهل بن سعد الساعدي على فرس لرسول الله صلى الله عليه وسلم


401
يقال له الظب فكساه رسول الله صلى الله عليه وسلم بردا يمانيا وسبق أبو أسيد الساعدي على فرس لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له لزاز فلما طلع الفرس جثا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتيه واطلع من الصف وقال كأنه بحر وكسا أبا اسيد حلة يمانية

وروى قاسم بن ثابت رحمه الله تعالى عن واثلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه قال أجرى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسه الأدهم مع خيول المسلمين من المحصب بمكة فجاء فرس رسول الله صلى الله عليه وسلم سابقا فجثا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبيته حتى إذا مر به قال انه لبحر فقال عمر رضي الله تعالى عنه الحطيئة كاذب حيث يقول [ من الطويل ]

وإن جياد الخيل لا تستفزنا
ولا جاعلات العاج فوق المعاصم

لو كان أحد صابرا عن الخيل لكان أحفهم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم

فوائد لغوية في أربع مسائل

الأولى في المحكم البرد ثوب فيه خطوط وخص بعضهم به الوشي والجمع أبراد وبرود انتهى

قلت وهو انواع في الغريب المصنف البرد المفوف وهو الذي فيه بياض وخطوط بيض والشرعيبة والسيراء برود أيضا والقطر نوع من البرود وفي الصحاح برد مكعب فيه وشىء مربع والحبرة مثل العنبة والجمع حبر وحبرات والمسهم البرد المخطط انتهى

الثانية قال ابن قتيبة في الادب والهروي في الغريبين وابن فارس في المجمل والفارابي في الديوان والجوهري في الصحاح


402
والثعالبي في الفقه وابن الأنباري في الزاهر وكراع في المنتظم وابن سيدة في المحكم وابن السيد في المثلث والقزاز في الجامع لا تكون الحلة إلا ثوبين قال ابن الأنباري والثعالبي من جنس واحد قال كراع من صنف واحد قال الهروي والجوهري وابن السيد إزار ورداء وقال ابن سيدة إزار ورداء برد أو غيره قال والجمع حلل وحلال وأنشد ابن الأنباري [ من الرجز ]
ليس الفتى بالمسمن المختال
ولا الذي يرفل في الحلال

قال القزاز ومما يدل على أنها لا تكون إلا ثوبين حديث معاذ بن عفراء أن عمر بعث إليه بحلة فباعها واشترى بها خمسة ارؤس من الرقيق فأعتقهم ثم قال إن رجلا آثر قشرتين يلبسهما على عتق هؤلاء لغبين الرأي فقال قشرتين يعني ثوبين

قلت ومن أوضح الشواهد على أن الحلة ثوبان ما ذكره أبو الفرج الجوزي في كتاب مختصر الحيلة عن العتبي قال بعث إلى عمر حلل فقسمها فأصاب كل رجل ثوب ثم صعد المنبر وعليه حلة والحلة ثوبان فقال أيها الناس ألا تسمعون فقال سلمان لا نسمع فقال عمر ولم يا أبا عبد الله قال لأنك قسمت علينا ثوبا ثوبا وعليك حلة فقال لا تعجل يا أبا عبد الله ثم نادى يا عبد الله فلم يجب أحد فقال يا عبد الله بن عمر فقال لبيك يا أمير المؤمنين قال نشدتك الله الثوب الذي ائتزرت به أهو ثوبك قال اللهم نعم قال سلمان نسمع

وفي المشارق والحلة ثوبان غير لفقين إزار ورداء سميا بذلك لأنه يحل كل واحد منهما على الآخر قال الخليل ولا يقال حلة لثوب واحد وقال أبو عبيد الحلل برود اليمن وقال بعضهم إنما تكون حلة إذا كانت جديدة


403
لحلها عن طيها والأول أشهر وأكثر وفي الحديث أنه رأى رجلا عليه حلة ائتزر بإحداهما وارتدى بأخرى فهذا يدل على انهما ثوبان وفي الحديث الآخر وراى حلة سيراء وله حلة سندس وهذا يدل عل أنها واحدة انتهى وقال ابن السيد في المثلث الحلة بالضم إزار ورداء ولا يقال حلة لثوب واحد إلا أن يكون له بطانة

الثالثة قول الحطيئة لا يستفزنا أي لا يستخفنا قال الهروي في قول الله عز وجل واستفزز من استطعت منهم بصوتك ( الاسراء 64 ) معناه استدعهم بدعاء تستخفهم به إلى إجابتك بصوتك أي بدعائك

الرابعة قوله جاعلات العاج فوق المعاصم يريد النساء وكن يتخذن أساور من عاج يتحلين بها وتسمى المسك بفتح الميم والسين الواحدة مسكة بالفتح أيضا قاله غير واحد

الفصل الثالث
في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم

1 سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه في الاستيعاب سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الساعدي الأنصاري يكنى أبا العباس

وعن الزهري عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وهو ابن خمس عشرة سنة وعمر سهل بن سعد حتى أدرك الحجاج وامتحن معه ذكر الواقدي وغيره قال وفي سنة أربع وسبعين أرسل الحجاج إلى سهل بن سعد يريد إذلاله فقال ما منعك من نصر أمير المؤمنين عثمان قال قد فعلته قال كذبت ثم أمر به فختم في عنقه وختم في عنق أنس أيضا حتى ورد كتاب عبد الملك فيه وختم في يد جابر يريد إذلالهم بذلك وأن يجنبهم الناس ولا يسمعوا منهم


404
واختلف في وقت وفاة سهل بن سعد فقيل توفي سنة ثمان وثمانين وهو ابن ست وتسعين وقيل توفي سنة إحدى وتسعين وقد بلغ مائة سنة ويقال إنه آخر من بقي بالمدينة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم

وحكى ابن عيينة عن ابي حازم قال سمعت سهل بن سعد يقول لو مت لم تسمعوا أحدا يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

وعن سفيان بن عيينة قال سمعت سلمة بن دينار أبا حازم يقول كان سهل بن سعد آخر من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى 2 أبو أسيد الساعدي قال الحافظ عبد الغني في المؤتلف والمختلف في باب السين بضم الهمزة أبو اسيد الساعدي مالك بن ربيعة له صحبة

وفي الاستيعاب في باب الميم من الاسماء وباب الهمزة من الكنى مالك بن ربيعة بن البدن بن عامر بن عوف بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج أبو اسيد الأنصاري الساعدي وصح عن ابن إسحاق أن البدن بالباء بالنون واختلفوا في فتح الدال وكسرها واختلف فيه موسى بن عقبة عن ابن شهاب فرواه محمد بن فليح عن موسى بن عقبة ابن البدن بالنون ورواه اسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى ابن البدي بالياء فصحف والله اعلم وهو مشهور بكنيته شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعد في الحجازيين مات بالمدينة سنة خمس وستين وقال المدائني سنة ستين وقال الواقدي وخليفة سنة ثلاثين قال أبو عمر هذا اختلاف متباين جدا وهو عندي وهم والله تعالى اعلم وهو آخر من مات من البدريين وهو ابن خمس وسبعين سنة وقيل ابن سبع وثمانين سنة وقد ذهب بصره


405
الباب التاسع عشر في صاحب الراحلة

ذكر ابن جماعة رحمه الله تعالى في مختصر السير له في ذكر خدم النبي صلى الله عليه وسلم اسلع بن شريك بن عوف قال وكان صاحب راحلة النبي صلى الله عليه وسلم

وقال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في الاستيعاب أسلع بن شريك الأعوجي التميمي خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحب راحلته نزل البصرة انتهى

فائدة لغوية في الصحاح الراحلة الناقة التي تصلح لأن ترحل وكذلك الرحول ورحلت البعير أرحله رحلا إذا شددت على ظهره الرحل والرحل أصغر من القتب والجمع الرحال وثلاثة أرحل ويقال الراحلة المركب من الابل ذكرا كان أو أنثى وفي المشارق الراحلة الناقة النجيبية الكاملة الخلق الحسنة المنظر المدربة على الركوب والسير والحمل
406
الباب الموفي للعشرين
في صاحب البغلة

ذكر ابن جماعة رحمه الله تعالى في مختصر السير له في ذكر خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم عقبة بن عامر الجهني قال وكان صاحب بغلته صلى الله عليه وسلم ويقود به في الاسفار

تنبيه يأتي ذكر عقبة بن عامر في باب القائد الذي يلي هذا ونسبه وأخباره
407
الباب الحادي والعشرون
في القائد
وفيه فصلان
الفصل الاول
في ذكر من كان يقود برسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته وبغلته

روى أبو داود رحمه الله تعالى عن أم الحصين قالت حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالا وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم والاخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة

وذكر ابن جماعة في مختصر السير أن عقبة بن عامر الجهني كان صاحب بغلته صلى الله عليه وسلم يقود في الاسفار انتهى

الفصل الثاني
في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم

1 بلال رضي الله تعالى عنه تقدم ذكره في باب المؤذن فأغنى ذلك عن الاعادة الآن

2 أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه يأتي ذكره في باب صاحب المظلة

3 عقبة بن عامر الجهني قال أبو عمر في الاستيعاب عقبة بن


408
عامر بن عبس الجهني من جهينة ابن زيد بن سود بن أسلم بن عمير بن الحاف بن قضاعة وقد اختلف في هذا النسب ما ذكرنا في باب القبائل وذكر له ثماني كنى منها أبو عامر وهو قول خليفة بن الخياط ومنها أبو حماد وهو قول يحيى بن معين وابن لهيعة وسأتركها اختصارا

قال ابو عمر سكن عقبة بن عامر مصر وكان واليا عليها وابتنى بها دارا وتوفي في آخر خلافة معاوية

تنبيه اشار أبو عمر الى الاختلاف في نسب عقبة بن عامر والذي عليه أبو عبيد وابن حزم في جماهرهما في جهينة أنه ابن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة بزيادة ليث بين زيد وسود ونقص عمير بين أسلم والحاف

قال ابن حزم أسلم بن الحاف بضم اللام

فائدة لغوية

في الصحاح لهيعة اسم رجل ومن الكتاب الجامع لما في كتاب المبرد وكتاب ابن دريد وكتاب ابن النحاس وكتاب ابن جني في الاشتقاق ولا اعرف مؤلفه وهو غير كتاب ابن سيد اختصر فيه كتاب ابن دريد وكتاب قطرب وابن النحاس وكتاب ابن قتيبة في الادب اللهع التشدق في الكلام ومنه اشتقاق لهيعة مقلوب من الهلع وقال الخليل اللهيع من الرجال المسترسل إلى كل أحد لهع يهلع لهاعة ومنه سمي لهيعة انتهى وفي المحكم لابن سيدة نحو منه


409
الباب الثاني والعشرون
في الحادي
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الاول
في ذكر من حدا بمشهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم ( 1 ) أمر صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه بالنزول ليحدو بهم

روى النسائي رحمه الله تعالى عن عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير له فقال له يا ابن رواحة انزل فحرك الركاب فقال يا رسول الله قد تركت ذلك فقال عمر رضي الله تعالى عنه اسمع وأطع قال فرمى بنفسه فقال [ الرجز ]

اللهم لولا أنت ما اهتدينا
وما تصدقنا وما صلينا
فأنزلن سكينة علينا
وثبت الأقدام إن لا قينا ( 2 ) اتخاذه صلى الله عليه وسلم حاديين

روى النسائي رحمه الله تعالى عن عبد الله بن مسعود قال كان معنا ليلة نام رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس حاديان

( 3 ) من حدا بالرجال دون النساء 3 في الاستيعاب عن أبي الطيالسي عن أنس قال كان أنجشة يحدو بالنساء وكان البراء بن مالك يحدو بالرجال وكان أنجشة حسن الصوت وكان إذا حدا أعنقت الابل فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا أنجشة رويدك سوقك بالقوارير انتهى


410
( 4 ) من حدا بالنساء

روى البخاري رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم في سفر وكان معه غلام أسود يقال له أنجشة يحدو فقال له النبي صلى اله عليه وسلم ويحك يا أنجشة رويدك بالقوارير انتهى

بالقوارير انتهى

فوائد لغوية في خمس مسائل

الاولى في الصحاح الحدو سوق الابل والغناء لها وقد حدوت الابل حدوا وحداء زاد في المحكم وحدا بها ورجل حاد وحداء وأنشد غيرهما [ من الرجز ]

فغنها في لك الفداء
إن غناء الابل الحداء

الثانية في المشارق السكينة قيل هي الرحمة وقيل هي الطمأنينة وقيل الوقار وما يسكن به الانسان

الثانية في الديوان أعنق البعير وهو أن ينفسح في سيره والعنق بفتح العين والنون معا السير الفسيح

الرابعة في الصحاح فلان يمشي على رود أي على مهل وفي الديوان وهو تكبير رويد وأنشد [ من البسيط ]

كأنه ثمل يمشي على رود

الخامسة في المشارق القوارير اواني الزجاج الواحدة قارورة شبهن لضعف قلوبهن بقوارير الزجاج وقيل خشي عليهن الفتنة عند سماع الحداء الحسن ويحتمل أنه أشار الى الرفق في السير لئلا تسرع الابل بنشاطها بالحداء فيسقطن


411
الفصل الثاني
في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم

1 عبد الله بن رواحة رضي الله تعالىعنه تقدم الكلام عليه في باب الشاعر فأغنى عن الاعادة

2 البراء بن مالك رضي الله تعالى عنه في الاستيعاب البراء بن مالك بن النضر أخو أنس بن مالك لأبيه وأمه شهد أحدا وما بعدها من المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أحد الفضلاء ومن الابطال الاشداء قتل من المشركين مائة رجل مبارزة سوى من شارك فيه

وعن ابن سيرين قال كتب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ألا تستعملوا البراء بن مالك على جيش من جيوش المسلمين فإنه مهلكة من المهالك يقدم بهم وعن ابن اسحاق قال زحف المسلمون الى المشركين في اليمامة حتى ألجئوهم الى الحديقة وفيها عدو الله مسيلمة فقال البراء يا معشر المسلمين ألقوني عليهم فاحتمل حتى إذا أشرف على الجاد اقتحم يقاتلهم على الحديقة حتى إذا فتحها على المسلمين ودخل عليهم المسلمون فقتل الله مسيلمة

وعن أنس قال رمى البراء بنفسه عليهم فقاتلهم حتى فتح الباب وبه بضع وثمانون جراحة من بين رمية بسهم وضربة فحمل إلى رحله يداوى فأقام عليه خالد شهرا

وعن ابن شهاب عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كم من ضعيف مستضعف ذي طمرين لا يؤبه له أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك وأن البراء لقي زحفا من المشركين وقد أوجع المشركون في المسلمين فقالوا له يا براء إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنك لو أقسمت على الله لأبرك فأقسم على ربك قال أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم ثم التقوا على قنطرة السوس فأوجعوا في المسلمين فقالوا له يا براء أقسم على


412
ربك فقال أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم وألحقتني بنبيي صلى الله عليه وسلم فمنحوا أكتافهم وقتل البراء شهيدا

قال أبو عمر وقيل إن البراء إنما قتل بتستر وافتتحت السوس وأنطابلس وتستر سنة عشرين إلا أن أهل السوس صالح منهم دهقانهم على مائة وأسلم المدينة وقتله أبو موسى إذ لم يعد نفسه منهم انتهى

فوائد لغوية في خمس مسائل

الاولى البراء في الاشتقاق لابن سيد فعال من بئت بالشيء وتقول أنا بريء من كذا أي براء

الثانية الفارابي البضع بكسر الباء وسكون الضاد مادون العشرة

الثالثة في الأفعال لابن القوطية أبهت وأبهت للشيء بفتح الباء وكسرها أبها وأبها تنبهت له

الرابعة تستر بفتح التاء الاولى وضم الثانية وسكون السين المهملة بينهما ضبطها الحافظ أبو علي الغساني بخطه قال الرشاطي هي كورة من كور الأهواز

الخامسة في المعجم أنطابلس بفتح أوله وبالطاءالمهملة وبالباء المعجمة بواحدة مضمومة والسين المهملة مدينة من بلاد برقة بين مصر وإفريقية

3 أنجشة في الاستيعاب أنجشة العبد الأسود وكان يسوق أو يقود بنساء النبي صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع وكان يحدو وكان حسن الحداء وكانت الإبل تزيد في الحركة لحدائه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم رويدا يا أنجشة رفقا بالقوارير يعني النساء انتهى


413
الفصل الثالث
في ذكر أول من حدا الابل من العرب

في العمدة لابن رشيق يقال إن أول من أخذ من ترجيعه الحداء مضر بن نزار سقط عن جمل فانكسرت يده فحملوه وهو يقول وايداه وايداه وكان أحسن الناس صوتاص وجرسا فأصغت الابل إليه وجدت في السير فجعلت العرب مثالا لقوله هايدا هايدا يحدون به الابل ذكر ذلك عبد الكريم في كتابه

تنبيه

هكذا قال ابن رشيق فيما يحدون به الإبل هايدا هايدا والصحيح هيد وهيد بكسر الهاء وفتحها وهدا قاله الجوهري وابن سيده انتهى

ولذي الرمة يعني إبلا [ من الرجز ]

يخرجن من ذي ظلم منضود
شوائيا للسائق الغريد
إذا حداهن بهيد هيد

من ديوان شعره

وزعم ناس من مضر أن أول من حدا رجل منهم كان في إبله أيام الربيع فأمر غلاما له ببعض أمره فاستبطأه فضربه بالعصا فجعل يشتدفي الابل ويقول يا يداه يا يداه فقال له الزم الزم فاستفتح الناس الحداء من ذلك

وذكر ابن قتيبة انهم قالوا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم

وحكى الزبير بن بكار في حديث يرفعه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقوم من بني غفار سمع حاديهم بطريق مكة ليلاص فمال إليهم إن أباكم مضر


414
خرج الى بعض رعائه فوجد إبله قد تفرقت ليلا فأخذ عصا فضرب بها كف غلامه فعدا الغلام في الوادي وهو يصيح وايداه وايداه فسمعت الابل ذلك فعطت عليه فقال مضر لو أشتق مثل هذا لانتفعت به الابل واجتمعت فاشتق الحداء

فائدة لغوية

في ديوان الادب لزمت الشيء ألزمه لزوما بكسر الماضي وفتح المستقبل وقال ابن القوطية لم افارقه


415
الباب الثالث والعشرون
في صاحب السلاح
وفيه ذكر سلاح النبي صلى الله عليه وسلم
وفيه فصلان
الفصل الاول
في إعداد رسول الله صلى الله عليه وسلم السلاح في سبيل الله وذكر من تولى النظر في ذلك في عهده عليه الصلاة والسلام

روى مسلم رحمه الله تعالى عن عمر رضي الله تعالى عنه قال كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة فكان ينفق على اهله نفقة سنة وما بقي يجعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله عز وجل قال مسلم وربما قال معمر يحبس قوت أهله سنة انتهى

وقد تقدم ما ذكره ابن اسحاق رحمه الله تعالى من بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن زيد الأنصاري أخا بني عبد الأشهل رضي الله تعالى عنه بسبايا من سبايا بني قريظة إلى نجد فابتاع له بها خيلا وسلاحا انتهى

فائدة لغوية في المحكم السلاح اسم جامع لآلة الحرب وخص بعضهم به ما كان من الحديد يؤنث ويذكر وربما خص به السيف والجمع أسلحة ورجل سالح ذو سلاح كتامر ولابن والمتسلح لابس السلاح


416
تنبيه قد تقدم ذكر سعد بن زيد في باب صاحب الخيل من هذا الجزء فأغنى ذلك عن اعادته هنا
الفصل الثاني
في ذكر سلاح النبي صلى الله عليه وسلم

وفيه ثماني مسائل

المسألة الأولى في ذكر السيوف وعددها

في مختصر السير لابن جماعة كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة أسياف مأثور وهو اول سيف ملكه ورثه من أبيه والعضب وذو الفقار من غنائم بدر وهو الذي رأى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا كأن في ذباب سيفه ثلمة فأولها هزيمة فكانت يوم أحد وقيل أهداه له الحجاج بن علاط وكان لا يفارق النبي صلى الله عليه وسلم وكانت قائمة وقبيعة وحلقته وذوائبه وبكرته ونعله من فضة

وثلاثة أسياف أصابها رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني قينقاع القلعي والبتار والحتف وكان عنده بعد ذلك صلى الله عليه وسلم الرسوب والمخدم والقضيب انتهى

وقال غير ابن جماعة كان المخدم والرسوب للحارث بن ابي شمر الغساني نذرهما للبيت الذي كان في طيء وجعلهما فيه ولما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله تعالى عنه ليهدم البيت المذكور هدمه وجاء بالسفين الى النبي صلى الله عليه وسلم

وقال ابن هشام في السير حدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث علي بن ابي طالب فهدمها فوجد فيها سيفين يقال لأحداهما


417
الرسوب وللآخر المخدم فأتى بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فوهبهما له فهما سيفا علي رضي الله تعالى عنه انتهى

وقد ذكرهما علقمة بن عبدة في قصيدته التي مدح بها الحارث بن ابي شمر حيث يقول [ من الطويل ]

مظاهر سربالي حديد عليهما
عقيلا سيوف مخدم ورسوب
تقليده صلى الله عليه وسلم السيف

روى البخاري رحمه الله تعالى عن أنس رضي الله تعالى عنه استقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم على فرس عري ما عليه سرج وفي عنقه سيف

وروى الترمذي رحمه الله تعالى عن انس رضي الله تعالى عنه قال كان رسول صلى الله عليه وسلم من أجرأ الناس وأجود الناس وأشجع الناس قال وقد فزع اهل المدينة ليلة سمعوا صوتا فتلقاهم النبي صلى الله عليه وسلم على فرس لأبي طلحة عري وهو متقلد سيفه فقال لم تراعوا ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم وجدته بحرا يعني الفرس

قال أبو عيسى هذا حديث صحيح

فائدة لغوية

في الصحاح وفقه اللغة القلادة للعنق وزاد في الصحاح وقلدت المرأة وتقلدت هي ويقال تقلدت السيف قال الشاعر من [ الكامل المجزوء ]

يا ليت زوجك قدغدا
متقلدا سيفا ورمحا

418
ومقلد الرجل موضع نجاد السيف على منكبيه والنجاد حمائل السيف وفي المخصص والجمع النجد

وفي جامع اللغات والمحكم الحمالة والحميلة والمحمل في المحكم علاقة السيف وفي الجامع ما يحمل به السيف وأنشد معا

حتى بل دمعي محملي

وجمع الحميلة والحمالة حمائل في المخصص وجمع المحمل محامل في الجامع وجاء الحمالة مكسورة عن الفارابي

وضعه صلى الله عليه وسلم سيفه في حجره

ذكر ابن اسحاق رحمه الله تعالى في السير في خبر غزوة ذات الرقاع عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن رجلا من بني محارب يقال له غورث قال لقومه من غطفان ومحارب ألا أقتل لكم محمدا قالوا بلى وكيف تقتله قال أفتك به فأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره فقال يا محمد أنظر إلى سيفك هذا وكان محلى بفضة فيما قال ابن هشام قال نعم قال فأخذه فاستله ثم جعل يهزه ويهم به فيكبته الله عز وجل ثم قال يا محمد أما تخافني قال وما أخاف منك قال أما تخافني وفي يدي السيف قال لا يمنعني الله منك ثم عمد إلى سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فرده عليه فأنزل الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون


419

حلية سيفه صلى الله عليه وسلم

روى الترمذي رحمه الله تعالى عن طالب بن حجير عن هود وهو ابن عبد الله بن سعد عن جده رضي الله تعالى عنه قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وعلى سيفه ذهب وفضة قال طالب فسألته عن الفضة فقال كانت قبيعة السيف فضة

وروى النسائي رحمه الله تعالى عن أنس رضي الله تعالى عنه قال كانت نعل سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فضة وقبيعة سيفه فضة وما بين ذلك حلق فضة

فوائد لغوية وهي عشر

الأولى في الجمل المعقبة لابن المناصف سيف مأثور فيه أثر بفتح الهمزة ويقال أثر بضمها وهو الوشي الذي يكون في صفحته وقال ابن سيده في المحكم الأثر والإثر فرند السيف ورونقه والجمع أثور وسيف مأثور

الثانية العضب والمخذم والرسوب كلها القاطع وقيل في الرسوب إنه الذي يرسب في الضريبة أي يعرض فيها لقطعه ومضائه كل ذلك من كتاب الجمل أيضا وكذلك البتار ويقال الباتر أيضا وفي الصحاح الباتر السيف القاطع

الثالثة في الديوان في باب فعال بفتح الفاء الفقار جمع فقارة وذو الفقار سيف النبي صلى الله عليه وسلم انتهى

قال ابن المناصف في المعقبة المفقر من السيوف ما فيه حزوز مطمئنة عن متنه ومنه ذو الفقار سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن سيده شبهوا


420
تلك الحزوز بالفقار وقال ابن المناصف قال الاصمعي أحضر الرشيد ذا الفقار يوما بين يديه فاستأذنته في تقبيله فأذن لي فقبلته واختلفت أنا وبعض الحاضرين في عدة فقاره هل هي سبع عشرة أو ثماني عشرة وذكر قاسم في الدلائل أن ذلك كان يرى في رونق سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم تشبيها بفقار الحية يراه الناظر فإذا التمس لم يوجد

الرابعة في الصحاح مرج القلعة بالتحريك موضع بالبادية والقلعي سيف منسوب إليه قال الراجز

محارف بالشاء والأباعر
مبارك بالقلعي الباتر

الخامسة في الديوان الحتف بالفتح الموت يقال مات فلان حتف انفه اي مات من غير ضرب ولا قتل انتهى

فيحتمل أن يكون السيف مسمى من ذلك

السادسة في الصحاح سيف قاضب وقضيب أي قطاع والجمع قواضب وقضب وقضبة اي قطعه واقتضبه اي اقتطعه من الشىء وقال ابن المناصف القضيب السيف اللطيف ليس بالعريض

السابعة في مواضع الحلية من السيف

قائمة السيف وقائمه مقبضه وقبيعته راس اعلى القائم والشاربان طرفا حديدة في اسفل القائم معترضة تقع إذا أغمد السيف على فم الغمد والنعل حديدة يلبسها طرف الغمد قال جميع ذلك ابن المناصف في المقعبة

في المحكم البكرات الحلق التي في حلية السيف شبيهة بفتح النساء انتهى

قلت وجاء في الحديث عن مرزوق الصيقل قال صقلت سيف النبي


421
صلى الله عليه وسلم ذا الفقار وكانت قبيعته من فضة وفي وسطه بكرة أو بكرات فضة ذكره أبو عمر في الاستيعاب

والحلقة التي فيها الحمائل وهما حلقتان ذكر ابن حيان الأصبهاني في كتاب أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم عن عامر قال أخرج إلينا علي بن الحسين سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قبيعته والحلقتان اللتان فيهما الحمايل فضة

تنبيه

قول ابن جماعة وذوائبه يعني السيف لم أر أحداقبله ذكر ذوائب للسيف وأقرب ما يصرف إليه ذلك أن يكون أريد بها الشاربان لاسترسالهما من المقبض وكأنهما ذؤابتان له

الثامنة ذكر ابن سيدة في المخصص عن ابن دريد السيف مشتق من قولهم ساف ماله اي هلك فلماكان السيف سببا الى الهلاك سمي سيفا وعن أبي زيد الجمع أسياف وسيوف وعن ابن السكيت رجل سياف وسائف معه سيف وعن أبي عبيد المسيف المتقلد للسيف فاذا ضرب به فهو سائف وقد سفته سيفا

التاسعة غورث على وزن كوثر اسم لرجل لم يقع في كتاب الاشتقاق ويحتمل أن يكون فعولا من الغرث بمعنى الجوع

العاشرة في الصحاح الكبت الصرف والاذلال يقال كبت الله العدو أي صرفه وأذله

المسألة الثانية في ذكر الرماح والحراب والعنزات

قا البخاري يذكر عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم جعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغار على من خالف أمري


422
عدد أرماحه صلى الله عليه وسلم في مختصر السير لابن جماعة أنه صلى الله عليه وسلم كان له خمسة أرماح ثلاثة أصابها من سلاح بني قينقاع ورمح يقال له المثوي من الثواء أي أن المطعون به يقيم به في مكانه ورمح يقال له المثني وكانت له صلى الله عليه وسلم الله صلى الله عليه وسلم حربة يقال لها النبعة وحربة كبيرة اسمها البيضاء وحربة صغيرة دون الرمح يقال لها العنزة يدعم عليها ويمشي بها وهي في يده وكانت تحمل بين يديه في العيد حتى تركز أمامه فيتخذها سترة يصلي إليها قيل إنه أخذها من الزبير بن العوام وأخذها الزبير من النجاشي وكانت له عنزة أخرى

وذكر ابن اسحاق في السير في أخبار يوم احد قال لما أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب أدركه أبي بن خلف وهو يقول أين محمد لا نجوت إن نجوت فقال القوم يا رسول الله أيعطف عليه رجل منا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوه فلما دنا تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة يقول بعض القوم فيما ذكر لي فلما أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم منه انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعراء عن ظهر البعير إذا انتفض ثم استقبله فطعنه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا قال ابن اسحاق وكان أبي بن خلف يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فيقول يا محمد إن عندي العود فرسا أعلفها كل يوم فرقا من ذرة اقتلك عليها فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أنا أقتلك إن شاء الله فلما رجع إلى قريش وقد خدش في عنقه خدشا غير كبير فاحتقن الدم قال قتلني والله محمد قالوا ذهب والله فؤادك والله إن بك من بأس قال إنه قد كان قال


423
لي بمكة أنا أقتلك فوالله لو بصق علي لقتلني فمات عدو الله بسرف وهم قافلون به الى مكة انتهى

فائدتان لغويتان

الاولى الثواء الاقامة بثاء مثلثة قال الزبيدي يقال ثوى يثوي ثواء أقام ويقال للمقبور قد ثوى انتهى ولعنترة [ من الكامل ]

طال الثواء على رسوم المنزل

وقال الفارابي في باب فعل بالكسر يفعل بالفتح ثوى المكان أي أقام وأثوى لغة فيه وأنشد [ من الكامل ]

أثوى وقصر ليلة ليزودا

وقال ابن طريف ثوى بالمكان وأثوى وثوى القتيل في مصرعه والميت في قبره وأثواني فلان أنزلني قاله في باب فعل وأفعل معتلا بالياء في لامه باتفاق معنى واختلافه

الثانية الشعراء ذباب أزرق قاله ابن القوطية

المسألة الثالثة في ذكر القسي والجعاب

في مختصر السير لابن جماعة كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ست قسي الزوراء والروحاء والصفراء من نبع والبيضاء من شوحط وقوس من نبع أيضا تدعى الكتوم لانخفاض صوتها إذا رمى بها انكسرت يوم أحد وأخذها قتادة بن النعمان الظفري وقوس من نبع أيضا تدعى السواد وكانت له جعبة تسمى الجمع وتسمى الكافور

قال ابن اسحاق في السير رحمه الله تعالى في اخبار يوم احد


424
حدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى عن قوسه حتى اندقت سيتها فأخذها قتادة بن النعمان وكانت عنده انتهى
فوائد لغوية في ثماني مسائل

الاولى في الصحاح يقال للقوس زوراء لميلها والزور بالتحريك الميل

الثانية لم أحفظ في تسمية القوس روحاء شيئا ويحتمل أن يكون من الروح وهو سعة الخطو يراد بذلك بعد موقع سهمها قال في جامع اللغات الروح سعة الخطو يقال منه يعبر أروح من الروح ومنه قول ذي الرمة [ من الطويل ]

ورجل كظل الذئب ألحق سدوها
وظيف أمرته عصا الساق أروح

الثالثة الصفراء والبيضاء سميتا لألوانهما

الرابعة في الصحاح الكتوم القوس التي لا شق فيها وفي فقه اللغة الكتوم التي لا ترن يقال أرنت القوس إذا صوتت

الخامسة في الصحاح السداد بالفتح الصواب والقصد من القول والعمل وأمر سديد وأسد أي قاصد وقد استد أي استقام قال الشاعر

أعلمه الرماية كل حين
فلما استد ساعده رماني

425
وقال الاصمعي اشتد بالشين ليس بشيء فيحتمل أن تسمى القوس سدادا لكثرة الاصابة بالرمي عنها

السادسة في فقه اللغة عن المبرد النبع والشوحط والشريان في الشجر التي تعمل منه القسي شجرة واحدة وتختلف أسماؤها باختلاف أماكنها فما كان في قلة الجبل فهو النبع وما كان في سفح الجبل فهو الشريان وما كان في حضيض الجبل فهو الشوحط

السابعة الجعبة الكنانة وتسمى الوفضة أيضا قاله غير واحد من اللغويين ويحتمل تسميتها بالجعبة أن يكون من جمعها للسهام وتسميتها بالكافور أن يكون لسترها للسهام وفي ديوان الأدب كفر الشيء تغطيته كفره يكفره بفتح الفاء في الماضي وكسرها في المستقبل

الثامنة سية القوس ما عطف من طرفيها وهما سيتان وفي الصحاح والجمع سيات والنسبة إليها سيوي قال ابو عبيدة كان رؤبة يهمز سية القوس وسائر العرب لا يهمزونها

المسألة الرابعة في ذكر الدروع

1 عددها وأسماؤها ذكر ابن جماعة في مختصر السير له أنه كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم سبع أدرع ذات الفضول سميت بذلك لطولها وهي التي رهنها عند ابي الشحم اليهودي على شعير لعياله صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم

وفي كتاب أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم للأصبهاني عن جعفر بن محمد عن أبيه رحمهما الله تعالى قال في درع النبي صلى الله عليه وسلم حلقتان من فضة عند موضع الثندوة وفي ظهرها حلقتان من فضة أيضا وقال لبستها فخطت الأرض


426

وفي الدلائل عن جابر عن عامر قال أخرج إلينا علي بن حسين رضي الله تعالى عنهما درع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت يمانية رقيقة ذات زرافين إذا علقت بزرافينها انشمرت وإذا أرسلت مست الأرض

قال قاسم واحد الزرافين زرفين وزرفين وهو الإبزيم

قال ابن جماعة وذات الوشاح وذات الحواشي والسغدية وقيل إنها كانت درع داود عليه السلام التي لبسها حين قتل جالوت وقضة والبتراء وسميت بذلك لقصرها والخرنق

2 مظاهرته صلى الله عليه وسلم بين درعين

روى الترمذي رحمه الله تعالى عن الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه قال كان على النبي صلى الله عليه وسلم درعان في يوم أحد فنهض إلى الصخرة فلم يستطع فأقعد طلحة تحته وصعد النبي صلى الله عليه وسلم حتى استوى على الصخرة فقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول أوجب طلحة

قال ابو عيسى وهذا حديث حسن غريب

وقال ابن جماعة في مختصر السير كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد درعان ذات الفضول وقضة ويوم خيبر ذات الفضول والسغدية

فوائد لغوية في ثماني مسائل

الأولى في الصحاح درع الحديد مؤنثة والجمع القليل أدرع وأدراع فإذا كثرت فهي الدروع وتصغيرها دريع بغير هاء على غير قياس

وحكى ابو عبيدة أن الدرع تذكر وتؤنث قال الراجز

مطلقا بالدرع ذي التغضن

427

الثانية هي الصحاح الثندوة للرجل بمنزلة الثدي للمرأة وقال الأصمعي هي مغرز الثدي قال ابن السكيت هي اللحم الذي حول الثدي إذا ضممت أولها همزت فتكون فعللة وإذ فتحته لم تهمز فيكون فعلوة مثل ترقوة

الثالثة والرابعة ذات الوشاح وذات الحواشي لم أقف على شيء في تسميتها بذلك وفي المحكم الموشحة من الظباء والشاء والطير التي لها طرتان من جانبيها فيحتمل أن يكون في ذات الوشاح لون مخالف لسائرها فسميت به وكذلك في حواشي ذات الحواشي وأصل الوشاح خيط فيه لونان تتوشح به المرأة وحاشية الثوب جانبه ويعضد هذا الاحتمال قول ابن جماعة في المغفر الموشح إنه سمي بذك لأنه وشح بشبه

الخامسة في المحكم الصغد والسغد بالصاد والسين مهملتين جبل معروف

وأنشد صاحب الحماسة من الطويل

قروم تسامى من نزار عليهم
مضاعفة من نسج داود والصغد

السادسة القضاء من الدروع المحكمة ويقال الصلبة قال النابغة من الطويل

وكل صموت نثلة تبعية
ونسج سليم كل قضاء ذائل

ودرع قضاء أي خشنة المس لم تنسحق بعد انتهى

هذا هو المعروف فيها بالمد وأما درع قضة فيحتمل ان تسمى أيضا بذلك لخشونتها


428

وفي الصحاح أقض الرجل مضجعه أي وجده خشنا والقضة الحصى الصغار والقضة أرض ذات حصى

السابعة في المحكم الخرنق مصنعة الماء وفي الصحاح المصنعة كالحوض يجتمع فيه ماء المطر وكذلك المصنعة بضم النون انتهى فيكون على هذا تسمية الدرع خرنقا من باب تشبيهم الدرع بالغدير

الثامنة قال الأعلم في شرحه الأشعار الستة يقال ظاهر بين درعين إذا لبس واحدة على أخرى

المسألة الخامسة في ذكر القباء والجباب

روى البخاري رحمه الله تعالى عن المسور بن مخرمة ان اباه مخرمة رضي الله تعالى عنهما قال له يا بني بلغني ان النبي صلى الله عليه وسلم قد قدمت عليه اقبية وهو يقسمها فاذهب بنا إليه فذهبنا فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم في منزله فقال له يا بني ادع لي النبي صلى الله عليه وسلم فأعظمت ذلك وقلت ادعو لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا بني إنه ليس بجبار فدعوته فخرج وعليه قباء من ديباج مزرر بالذهب فقال يا مخرمة هذا خبأناه لك فأعطاه إياه

وقال ابن جماعة في مختصر السير كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث جبات يلبسها في الحرب فيها جبة سندس أخضر ولبس صلى الله عليه وسلم في وقت جبة ضيقة الكمين

وروى مسلم رحمه الله تعالى عن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فقال يا مغيرة خذ الإداوة فأخذتها ثم خرجت معه فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توارى عني


429
فقضى حاجته ثم جاء وعليه جبة شامية ضيقة الكمين فذهب يخرج يده من كمها فضاقت فأخرج يده من أسفلها فصببت عليه فتوضأ وضوءه للصلاة ثم مسح على خفيه ثم صلى

فائدتان لغويتان

الأولى في المشارق الجبة ما قطع من الثياب فخيط وفي المشرع الروي أصل الجب القطع ومنه الجبة لأنها تقطع ثم تخاط

الثانية في المشارق جبة السندس هو رقيق الديباج

تنبيه

قد تقدم ذكر القباء في فصل دفع العروض في العطاء في باب كاتب الجيش واشتقاقه فأغنى عن إعادته

المسألة السادسة في المنطقة

في مختصر السير لابن جماعة كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم منطقة من أديم مبشور فيها ثلاث حلق من فضة والإبزيم فضة والطرف من فضة

فائدتان لغويتان

الأولى في الصحاح انتطق الرجل أي لبس المنطق وهوكل ما شددت به وسطك والمنطقة معروفة اسم لها خاصة ونطقت الرجل تنطيقا فتنطق أي شدها في وسطه

الثانية في جامع اللغات الإبزيم ما يكون في طرف المنطقة وله لسان يدخل فيه الطرف الآخر ويقال له إبزام أيضا وقال الزبيدي في لحن العامة يقال إبزيم وإبزين بالنون قال وقول العامة بزيم لحن

المسألة السابعة في ذكر البيضة والمغفر

البيضة

روى مسلم رحمه الله تعالى عن سهل بن سعد رضي الله


430
تعالى عنه وسئل عن جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فقال جرح وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه

فائدة لغوية

قال ابن السيد في الاقتضاب الاسنان إذا كملت عدتها ولم ينقص منها شيء اثنتان وثلاثون سنا أربع ثنايا وأربع رباعيات وأربعة أنياب وأربعة ضواحك واثنتا عشرة رحى وأربعة نواجذ وهي أقصاها وآخره نباتا وقال قطرب في خلق الإنسان ويقال لما جاوز الضواحك إلى أقصى الفم أضراس انتهى وواحدة الرباعيات رباعية بتخفيف الباء قاله ابن قتيبة في الادب وفي الصحاح الضرس يذكر ما دام له هذا الاسم انتهى

المغفر

روى الترمذي رحمه الله تعالى عن انس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال دخل النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح وعلى رأسه المغفر فقيل له ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال اقتلوه قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح غريب انتهى

وفي مختصر السير لابن جماعة كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مغفر من حديد يقال له الموشح وشح بشبه ومغفر آخر يقال له السبوغ أو ذو السبوغ وهو الذي كان على رأسه المكرم حين دخل مكة يوم الفتح

فائدتان لغويتان

الأولى في المشارق المغفر بكسر الميم ما يجعل من الزرد على الرأس مثل القلنسوة والخمار وفي الصحاح الغفر التغطية وقال ابن القوطية غفرت الشيء مفتوح الفاء غفرا سترته


431

الثانية في الأفعال لابن طريف سبغ الشعر والثوب والدرع وكل شيء طال من فوق إلى أسفل سبوغاص من باب فعل بفتح الفاء والعين يفعل بضمها

المسألة الثامنة في التراس

في مختصر السير لابن جماعة كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ترس يقال له الزلوق يزلق عنه السلاح وترس آخر يقال له الفنق وأهدي له ترس فيه تمثال عقاب أو كبش فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده عليها فأذهب الله ذلك التمثال

وروى البخاري رحمه الله تعالى عن أنس رضي الله تعالى عنه قال كان أبو طلحة يتترس مع النبي صلى الله عليه وسلم بترس واحد

فائدتان لغويتان

الأولى في الصحاح الترس جمعه ترسة وتراس وأتراس وتروس قال يعقوب ولا يقال اترسة ورجل تارس وترس ورجل تراس صاحب ترس والتترس التستر بالترس وكذلك التتريس وفي الديوان هو الترس بضم التاء وسكون الراء انتهى

وقال الراجز

ظهراهما مثل ظهور الترسين

وقد حرك المتنبي راءه فقال من البسيط

أي الملوك وهو قصدي أحاذره
وأي قرن وهم سيفي وهم ترسي

الثانية في المحكم جمل فنق وفنيق مودع للفحلة وناقة فنق جسيمة حسنة الخلق

قلت فيحتمل أن يكون الفنق اسم الترس من هذا


432
الباب الرابع والعشرون
في حامل الحربة
وفيه فصلان
الفصل الأول
في حملها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم

ذكر أبو محمد ابن حيان الاصبهاني في كتابه في أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم عن ابن يزيد قال بعثني نجدة الحروري إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنه أسأله هل سير بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحربة قال نعم مرجعه من حنين انتهى

وتقدم في باب السلاح عند ذكر الرماح ما ذكره بن إسحاق في أخبار يوم أحد ثم في خبر طعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بن خلف وفيه فلما دنا يعني أبيا تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة ثم استقبله فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا

فائدة لغوية

في المحكم تدأدأ الرجل في مشيته تمايل وتدأدأ عن الشيء مال ذكره في المضاعف من الدال والهمزة

الفصل الثاني
في ذكر نسب الحارث بن الصمة وأخباره رضي الله تعالى عنه

في الاستيعاب الحارث بن الصمة بن عمرو بن عتيك بن عمرو بن عامر وعامر هذا يقال له مبذول بن مالك بن النجار يكنى أبا سعد وكان في من


433
خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر فكسر بالروحاء فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم وضرب له بسهمه وأجره وشهد معه أحدا فثبت معه يومئذ حين انكشف الناس وبايعه على الموت وقتل عثمان بن عبد الله بن المغيرة المخزومي يومئذ وأخذ سلبه فسلبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسلب يومئذ غيره ثم شهد بئر معونة فقتل يومئذ شهيدا وكان هو وعمرو بن أمية في السرح فرأيا الطير تعكف على منازلهم فأتوا فإذا أصحابهم مقتولون فقال لعمرو ما ترى قال أرى ان ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الحارث ما كنت لا تأخر عن موطن قتل فيه المنذر فأقبل حتى لحق القوم فقاتل حتى قتل

قال عبد الله بن أبي بكر ما قتلوه حتى أشرعوا له الرماح فنظموه بها حتى مات وأسر عمرو بن أمية وفيه يقول الشاعر يوم بدر من الرجز

يا رب إن الحارث بن الصمه
أهل وفاء صادق وذمه
أقبل في مهامه ملمه
في ليلة ظلماء مدلهمة
يسوق بالنبي هادي الأمة
يلتمس الجنة فيها ثمة

تنبيه

إنما قلت إن الحربة التي تناولها رسول الله صلى الله عليه وسلم من يد الحارث هي حربته عليه الصلاة والسلام لا حربة الحارث لأنه لم يكن صلى الله عليه وسلم ليشرك الحارث معه في جهاده بدليل امتناعه صلى الله عليه وسلم من قبول الراحلة التي أعدها له أبو بكر رضي الله تعالى عنه وقت الهجرة إلا بثمنها حسبما ثبت ذلك في خبر الهجرة ليخلص له صلى الله عليه وسلم أجر هجرته ولا يشركه فيها أحد


434
الباب الخامس والعشرون
في حامل السيف

في الإستيعاب الضحاك بن سفيان بن عوف بن كعب بن أبي بكر الكلابي يكنى أبا سعيد معدود في أهل المدينة وكان أحد الأبطال يقوم على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بسيفه وكان يعد بمائة فارس وحده وذكر الزبير بن بكار أن الضحاك بن سفيان الكلابي كان سياف رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما على رأسه متوشحا بسيفه وكانت بنو سليم في تسعمائة فارس فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لكم في رجل يعدل مائة يوفيكم ألفا فوفاهم فوفاهم بالضحاك بن سفيان وكان رئيسهم

قال السهيلي كانت بنو سليم يوم حنين تسعمائة فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرهم أنه قد تممهم به ألفا انتهى

وأنشد بن إسحاق في السير لعباس بن مرداس السلمي في أشعار يوم حنين ما يدل على ذلك فمن ذلك قوله من الطويل

ويوم حنين حين سارت هوازن
إلينا وضاقت بالنفوس الأضالع
صبرنا مع الضحاك لا يستفزنا
قراع الاعادي منهم والوقائع
امام رسول الله يخفف فوقنا
لواء كخذروف السحابة لامع
عشية ضحاك بن سفيان معتص
بسيف رسول الله والموت كانع

435

وقوله أيضا من البسيط

ونحن يوم حنين كان مشهدنا
للدين عزا وعند الله مدخر
إذ نركب الموت مخضرا بطائنه
والخيل ينجاب عنها ساطع كدر
تحت اللواء مع الضحاك يقدمنا
كما مشى الليث في غاباته الخدر

وقوله أيضا من الكامل

لا وفد كالوفد الألى عقدوا لنا
سببا بحبل محمد لا يقطع
وفد أبو قطن حزابة منهم
وأبو الغيوث وواسع والمقنع
والقائد المائة التي وفى بها
تسع المئين فتم ألف أقرع
فهناك إذ نصر النبي بألفنا
عقد النبي لنا لواء يلمع

قلت وإنما أراد بقائد المائة التي وفى بها الألف الضحاك بن سفيان وجعله كأنه قاد مائة لما تقدم من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه يعدل مائة توفيكم ألفا

تنبيه

حكى السهيلي في الروض الأنف عن البرقي أنه قال ليس الضحاك بن سفيان هذا بالكلابي إنما هو الضحاك بن سفيان السلمي وذكر من غير رواية ابن إسحاق نسبه مرفوعا إلى بهثة بن سليم قال السهيلي ولم يذكر أبوعمر في الصحابة إلا الأول وهو الكلابي والله أعلم انتهى

وقد ذكر ابن فتحون الضحاك بن سفيان السلمي في الذيل فقال الضحاك بن سفيان بن الحارث بن زائدة بن عبدالله بن حبيب بن مالك بن خفاف بن امرىء القيس بن بهثة له صحبة من النبي صلى الله عليه وسلم وكان رأس بني سليم وصاحب رايتهم انتهى


436

وكذلك نسبه ابن حزم في جمهرته سواء وقال وله صحبة وهو غير الضحاك بن سفيان الكلابي انتهى

إفادة

ذكر العباس بن مرداس رضي الله تعالى عنه في شعره اربعة من بني سليم في الوفد وهم أبو قطن حزابة وأبو الغيوث وواسع والمقنع فثبت بذلك صحبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكرهم أبو عمر ابن عبد البر وذكرهم ابن فتحون في الذيل

فوائد لغوية في ثمان مسائل

الاولى قول الزبير بن بكار كان الضحاك بن سفيان سياف رسول الله صلى الله عليه وسلم أي حامل سيفه صلى الله عليه وسلم الذي يحمله ويقف به بين يديه كما كان الحارث بن الصمة حامل حربته الذي يحملها ويسير بها بين يديه كما ذكر في باب حامل الحربة

وقوله متوشحا سيفه يعني أيضا سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بين ذلك عباس بن مرداس بقوله من الطويل

عشية ضحاك بن سفيان معتص
بسيف رسول الله والموت كانع

الثانية في المحكم رجل مسيف وسياف صاحب سيف وفي المخصص وسائف معه سيف

الثالثة التوشح بالسيف التقلد به كما تتقلد المرأة بالوشاح وقال الجوهري الوشاح ينسج من أديم عريضا ويرصع بالجواهر وتشده المرأة بين عاتقيها وكشحيها ووشحتها توشيحا فتوشحت هي أي لبسته وربما قالوا توشح الرجل بثوبه وبسيفه

الرابع في المحكم الخذروف السريع المشي والخذروف أيضا عويد مشقوق في وسطه يشد بخيط ويمد فيسمع له حنين وفي مختصر العين نحو منه


437
وبالذال المعجمة ذكراه معا وقال أبو الحسن طاهر بن عبد العزيز بن عبد الله الرعيني كخذروف يريد البرق الذي في السحاب نقلته من طرة كتبها على هذا البيت بخطه في نسخته العتيقة التي كتبها بخطه ايضا وقرأها على عبد الرحيم ين عبد الله بن عبد الرحيم الزهري البرقي سنة ثلاث وثمانين ومائتين بفسطاط مصر وحدثه بها عن عبد الملك بن هشام

الخامسة في الديوان عصيت بالسيف أعصى أي ضربته به بالكسر في الماضي والفتح في المستقبل وفي الصحاح العصا مقصور مصدر قولك عصي بالسيف يعصى إذا ضرب به وفي مختصر الزبيدي وأفعال السرقسطي وعصا بالسيف ايضا يعصو لغتان وفي الديوان في باب الافتعال فلان يعتصي بالسيف ثم قال وهذا الباب يكون بمعنى التفاعل بمعنى الاشتراك في الفعل كالتطاعن والاطعان والتخاصم والاختصام ويكون بمعنى فعل كجذب واجتذب وقلع واقتلع انتهى واللفظة تحتملهما معا وفي الصحاح فلان يعتصي بالسيف أي يجعله عصا

تنبيه

هذه اللغات كلها في الضرب بالسيف وأما العصا فقال ابن طريف عصوته وعصيته عصوا وعصيا ضربته بالعصا بفتح العين فيهما معا يريد عين فعل

السادسة في الصحاح كنع الأمر دنا ابن طريف كنع الموت بفتح النون كنوعا دنا وأنشد الجوهري


438
إني إذا الموت كنع

وأنشد ابن طريف من الطويل

يلوذ حذار الموت والموت كانع

السابعة في الصحاح سقت إليك ألفا أقرع من الخيل وغيرها أي تاما

الثامنة حزانة بن أبي قطن بحاء مضمومة مهملة وزاي ونون ضبطه طاهر بن عبد العزيز الرعيني في نسخته العتيقة التي بخطه

وقال ابن سيد في الاشتقاق لي في موضع كذا وكذا حزانة أي ما يتعلق به قلبي وأهتم به واشتقاقه من الحزن أي لي ما أحزن عليه انتهى

وأما سائر ما طالعته من نسخ السير فهو فيها أبو حزابة بحاء مهملة أيضا وزاي وباء بواحدة وفي المحكم حزبه الأمر يحزبه نابه واشتد عليه وضغطه والاسم الحزابة وأبو حزابة فيما ذكر ابن الأعرابي الوليد بن نهيك أحد بني ربيعة بن حنظلة انتهى والأول الوجه لثبوت الرواية به


439
الباب السادس والعشرون
في الصيقل

في الاستيعاب مرزوق الصقيل مولى الأنصار له صحبة صقل سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم وزعم أن قبيعته كانت فضة في إسناد حديثه لين روى عنه أبو الحكم الصقيل الحمصي انتهى

وذكر ابو حيان الاصبهاني في كتاب اخلاق النبي صلى الله عليه وسلم عن مرزوق الصقيل قال صقلت سيف النبي صلى الله عليه وسلم ذا الفقار قال وكانت قبيعته من فضة وفي وسطه بكرة أو بكرات فضة وفي قيده حلق فضة انتهى

وقال البخاري رحمه الله تعالى في كتاب التاريخ مرزوق الصقيل له صحبه انتهى

فائدتان لغويتان

الأولى في الصحاح صقل السيف وسقله أيضا صقلا وصقالا أي جلاه فهو صاقل والجمع صقلة وقال من الرجز

لم تعد أن أفرش عنها الصقله

440

والصانع صيقل والجمع الصياقلة والصقيل السيف والمصقلة ما يصقل به السيف ونحوه

الثانية قوله وفي قيده حلق فضة لا أدري ما القيد في السيف وأقرب ما إليه أن يكون المراد به حكالة السيف لأنها التي تمسكه في عاتق صاحبه إذا تقلده فكأنها قيد له


441
الباب السابع والعشرون
في الدليل
وفيه فصلان
الفصل الأول
في أدلاء النبي صلى الله عليه وسلم

1 دليله صلى الله عليه وسلم في الهجرة

روى البخاري رحمه الله تعالى عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت استأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الديل هاديا خريتا وهو على دين كفار قريش فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث انتهى

وقال ابن اسحاق رحمه الله تعالى في السير استأجرا عبد الله بن أرقط رجلا من بني الدئل بن بكر وكانت أمه امرأة من بني سهم بن عمرو وكان مشركا يدلهما على الطريق ودفعا إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما انتهى

فائدة لغوية

في الصحاح الدليل الدال وقد دله على الطريق يدله دلالة ودلالة بالفتح والكسر والفتح أعلى ودلولة وأنشد أبو عبيد من الرجز

إني امرؤ بالطرق ذو دلالات

442
والخريت الدليل الحاذق وقال من الرجز
وبلد يعيا به الخريت

والجمع الخرارت

الكسائي خرتنا الأرض إذا عرفناهم ولم تخف علينا طرقها

وفي المحكم الخريت الدليل الحاذق بالدلالة الذي يهتدي لمثل خرت الإبرة

وفي ديوان الأدب خريت بكسر الخاء وتشديد الراء وكسرها أيضا

2 دليله صلى الله عليه وسلم يوم أحد

قال ابن اسحاق في خبر أحد ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سلك حرة بني حارثة ثم قال لأصحابه من رجل يخرج بنا على القوم من كثب أي من قرب من طريق لا يمر بنا عليهم فقال ابو خيثمة من بني حارثة بن الحارث أنا يا رسول الله فنفذ به في حرة بني حارثة وبين أموالهم ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي إلى الجبل نقلته مختصرا

فائدة لغوية

عدوة الوادي بضم العين وكسرها والدال ساكنة في اللغتين جانبه قاله الفارابي

3 دليله صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية

في السير والاكتفاء والنص من الاكتفاء خرج رسول الله في ذي القعدة من سنة ست معتمرا لا يريد حربا حتى إذا كان بعسفان لقيه بسر بن


443
سفيان الكعبي فقال يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجوا يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم أبدا وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموها إلى كراع الغميم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من رجل يخرج بنا على غير طريقهم فقال رجل من أسلم أنا فسلك بهم طريقا وعرا أجرل بين شعاب فلما خرجوا منه وقد شق عليهم وأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولوا نستغفر الله ونتوب إليه فقالوا ذلك فقال والله إنها للحطة التي عرضت على بني إسرائيل فلم يقولها انتهى

فائدتان لغويتان

الأولى كراع الغميم بضم الكاف وفتح العين المعجمة وكسر الميم قال القاضي في المشارق وضم بعض الشعراء الغين وصغره وهو واد أمام عسفان بثمانية أميال اضيف إليه هذا الكراع والكراع جبل أسود بطرف الحرة يمتد إليه

الثانية في الروض الأنف طريق أجرل أي كثير الحجارة والجرول الحجر

الفصل الثاني
في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم

1 دليله صلى الله عليه وسلم في الهجرة

عبد الله بن أرقط تقدم في الفصل قبل هذا قول البخاري وابن اسحاق رحمهما الله تعالى انه كان مشركا

2 دليله صلى الله عليه وسلم يوم أحد

أبو حثمة يأتي التعريف به في باب الخرص إن شاء الله تعالى

3 دليله صلى الله عليه وسلم في عمرة الحديبية

قال السهيلي رحمه الله تعالى في الروض الأنف يقال إن ذلك الرجل هو ناجية الأسلمي وهو سائق بدن النبي صلى الله عليه وسلم


444

وفي الاستيعاب ناجية بن جندب الأسلمي صاحب بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ناجية بن جندب بن عمير بن يعمر بن دارم بن عمرو بن واثلة بن سهل بن مازن بن سلامان بن أسلم بن أفصى

قال أبو عمر ابن عبد البر ويقال ناجية بن عمر وناجية بن عمير معدود في أهل المدينة قال ابن عفير ناجية اسمه ذكوان فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم ناجية إذ نجا من قريش وهو الذي نزل في البئر يوم الحديبية مات في خلافة معاوية بالمدينة انتهى


445
الباب الثامن والعشرون
في مسهل الطريق

في الاستيعاب غالب بن عبدالله ويقال ابن عبيد الله والأكثرون يقولون فيه ابن عبد الله الليثي ويقال الكلبي والصواب غالب بن عبد الله بن مسعر الليثي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ستين راكبا إلى بني الملوح بالكديد وكانوا قد قتلوا أصحاب بشير بن سويد وأمره أن يغير عليهم فخرج قال جندب بن مكيث كنت في سريته فقتلنا واستقنا النعم وذلك عند أهل السير في سنة ثمان وهو الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفتح يسهل له الطريق انتهى

فائدة لغوية

الكديد بفتح الكاف وبعدها دال مهملة مكسورة وياء ودال مهملة أيضا موضع بين مكة والمدينة قاله البكري


446
الباب التاسع والعشرون
في صاحب المظلة
وفيه فصلان
الفصل الأول
في ذكر من ظلل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثوب

ذكر بن إسحاق رحمه الله تعالى في خبر هجرة النبي صلى الله عليه وسلم عن رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لما سمعنا بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة وتوكفنا قدومه كنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظاهر حرتنا ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالله ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال فإذا لم نجد ظلا دخلنا وذلك في أيام حارة حتى إذا كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم جلسنا كما كنا نجلس حتى إذا لم يبق ظل دخلنا بيوتنا وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخلنا البيوت فكان أول من رآه رجل من اليهود وقد رأى ما كنا نصنع وأنا ننتظر قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا فصرخ بأعلى صوته يا بني قيلة هذا جدكم قد جاء قال فخرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ظل نخلة ومعه أبو بكر في مثل سنه وأكثرنا لم يكن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك وركبه الناس وما يعرفونه من ابي بكر حتى إذا زال الظل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ابو بكر فأظله بردائه فعرفناه عند ذلك انتهى

وروى مسلم رحمه الله تعالى عن ام الحصين رضي الله تعالى عنها


447
قالت حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فرأيت أسامة بن زيد وبلالا وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة انتهى
الفصل الثاني
في ذكر انسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم

1 أبو بكر رضي الله تعالى عنه قد تقدم في باب الخليفة من ذكره رضي الله تعالى عنه ما فيه الكفاية

2 أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما

في الاستيعاب أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى الكلبي وقال ابن اسحاق شرحبيل فخالفه الناس فقالوا شراحيل وأم اسامة أم أيمن واسمها بركة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاضنته وكان لحق زيدا سباء وصار بعد مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم وله ولاؤه يكنى أسامة أبا زيد وقيل له أبا محمد يقال له الحب بن الحب

وعن ابن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أحب الناس إلي أسامة ما حاشى فاطمة ولا غيرها وعن هشام بن عروة عن أمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن أسامة بن زيد لأحب الناس إلي وإني أرجو أن يكون من صالحيكم فاستوصوا به خيرا وفرض عمر بن الخطاب لأسامة بن زيد خمسة آلاف ولابن عمر ألفين فقال ابن عمر فضلت علي اسامة وقد شهدت ما لم يشهد فقال إن أسامة كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك وأباه كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك وسكن أسامة بعد النبي صلى الله عليه وسلم وادي القرى ثم رجع إلى المدينة فمات بالجرف في آخر خلافة معاوية سنة ثمان أو تسع وخمسين وقيل توفي سنة أربع وخمسين قال أبو عمر رحمه الله تعالى وهو عندي أصح إن شاء الله تعالى


448

فوائد لغوية في خمس مسائل

الأولى المظلة بكسر الميم على وزن مفعلة وأنشد العماد الاصبهاني في الخريدة لأبي إسماعيل الحسين بن علي بن محمد بن عبد الصمد الطغرائي في وصف المظلة المعروفة بالحنو على رأس السلطان من الكامل

وعليه نشء مظلة مكفوفة
بالدر والياقوت وهو ثمين
سوداء حمراء الحفاف كأنها
زهر الشقائق في الرياض يبين
رفعت ترد الشمس عن شمس له
نور إذا اعتكر الظلام مبين
شمسان يكتنفانها من فوقها
شمس وآخر تحتها مدجون
فبنور تلك أضاءت الدنيا وذا
ضاءت به الدنيا وعز الدين
فلك يدور على ذؤابة تاجه
ويكون أنى دار حيث يكون

ومن شعر أبي القاسم بن هانىء الأندلسي في المظلة من الكامل

وعلى أمير المؤمنين غمامة
نشأت تظلل تاجه تظليلا
نهضت بعبء الدر ضوعف نسجه
وجرت عليه عسجدا محلولا

ومنه أخذ الطغرائي تشبيهها بنشء السحاب وزاد عليه ما أورده بعد ذلك من مستحسن الصفات

الثانية النشء بفتح النون وسكون الشين وبعده الهمزة اول ما ينشأ من السحاب قاله الفارابي

الثالثة في الصحاح التوكف التوقع يقال مازلت أتوكفه حتى لقيته

الرابعة في الصحاح الجد الحظ والبخت والجمع الجدود وفي الديوان هو بفتح الجيم

الخامسة بركة أم أيمن بفتح الباء والراء كذلك قيده الحافظ عبد الغني


449
الباب الموفي ثلاثين
في ذكر صاحب الثقل
وفيه فصلان
الفصل الأول
في ذكر من كان يتولى ذلك
في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم

روى البخاري رحمه الله تعالى عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه قال كان على ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يقال له كركرة فمات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو في النار فذهبوا ينظرون فوجدوا عليه عباءة غلها

وروى مسلم عن قتيبة عن أبي رافع وكان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم قال لم يأمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أنزل الأبطح حين خرج من منى ولكني جئت فضربت قبته فجاء فنزل

قال أبو محمد ابن حزم في كتابه في حجة الوداع وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأسامة بن زيد إنه ينزل غدا بالمحصب خيف بني كنانة وهو المكان الذي ضرب فيه أبو رافع قبته وفاقا من الله دون أن يأمره صلى الله عليه وسلم بذلك انتهى

روى البخاري رحمه الله تعالى عن أسامة بن زيد رضي الله


450
تعالى عنهما قال قلت يا رسول الله أين ننزل غدا في حجته فقال وهل ترك لنا عقيل منزلا ثم قال نحن نازلون غدا بخيف بني كنانة المحصب حيث قاسمت قريش على الكفر انتهى

فائدتان لغويتان

الأولى في المشارق والثقل بفتح الثاء والقاف هو متاع المسافر وحشمه وأصله من الثقل

الثانية في المشارق كركرة مولى النبي صلى الله عليه وسلم بكسر الكافين وفتحهما والراء الأولى ساكنة وفي الصحاح الكركرة في الضحك مثل القوقرة والكركرة تصريف الريح السحاب وكركرته عني أي دفعته

الفصل الثاني
في ذكر أخبارهم رضي الله تعالى عنهم

1 كركرة ذكره القاضي ابن جماعة في مختصر السير في موالي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كركرة كان على ثقله صلى الله عليه وسلم وكان يمسك دابته عند القتال يوم خيبر وفي صحيح البخاري في كتاب الجهاد أنه غل عباءة وفي الموطأ وكتاب المغازي من صحيح البخاري ان مدعما غلها في ذلك اليوم وكلاهما قتل بخيبر انتهى ما ذكره ابن جماعة

وقال ابن فتحون في الذيل كركرة رجل أسود كان يمسك دابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند القتال في خيبر فقتل يومئذ فقيل يا رسول الله استشهد كركرة فقال إنه الآن ليحرق في النار في شملة غلها ذكره الواقدي

2 أبو رافع رضي الله عنه

في الاستيعاب أبو رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم اختلف في اسمه فقيل إبراهيم وقيل أسلم وقيل هرمز وقيل ثابت وكان


451
قبطيا وإسلامه قبل بدر ولم يشهدها لأنه كان مقيما بمكة وشهد أحدا والخندق وما بعدهما من المشاهد واختلف في من كان له قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل كان للعباس رضي الله تعالى عنه فوهبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أسلم العباس بشر أبو رافع بإسلامه النبي صلى الله عليه وسلم فأعتقه وقيل كان لسعيد بن العاصي أبي أحيحة ولا يثبت من جهة النقل وما روي أنه كان للعباس فوهبه للنبي صلى الله عليه وسلم اولى وأصح لأنهم قد أجمعوا أنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يختلفون في ذلك وزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا رافع سلمى مولاته فولدت له عبيد الله بن أبي رافع وكانت قابلة إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم وشهدت معه خيبر وكان عبيد الله بن أبي رافع خازنا وكاتبا لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أجمعين واختلف في وقت وفاة أبي رافع فقيل قبل قتل عثمان رضي الله تعالى عنهما وقيل مات في خلافة علي رضي الله تعالى عنه زاد في الكنى وهو الصواب
452
الباب الحادي والثلاثون
في الأمين على الحرم
وفيه فصلان
الفصل الأول
في ذكر أمين رسول الله صلى الله عليه وسلم على حرمه

في الاستيعاب قال الزبير بن بكار كان عبد الرحمن بن عوف أمين رسول الله صلى الله عليه وسلم على نسائه وروي عنه عليه السلام انه قال عبد الرحمن بن عوف أمين في السماء وأمين في الأرض انتهى

وفي العمدة للتلمساني عند ذكره لعبد الرحمن بن عوف وهو الأمين في أرض الله وسمائه فكان لذلك أمين رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر على نسائه انتهى

وفي البهجة لابن هشام وفي سنة ثلاث وعشرين من الهجرة حج عمر رضي الله تعالى عنه واستأذنه أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحج فأذن لهن فخرجن في الهوادج عليهن الطيالسة وكان أمامهن عبد الرحمن بن عوف ووراءهن عثمان بن عفان فكان لا يدعان أحدا يدنو منهن انتهى

فائدتان لغويتان

الأولى في الصحاح الهودج مركب من مراكب النساء مقبب وغير مقبب


453

الثانية في المحكم الطيلسان والطيلسان وأنكر الاصمعي كسر اللام والجمع طيالس وطيالسة وقد تطلست بالطيلسان وتطيلست وهو ضرب من الأكيسة

الفصل الثاني
في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم

1 عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه تقدم ذكره في باب الرسول فأغنى عن إعادته الآن

2 عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه

في الإستيعاب عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي الزهري يكنى أبا محمد كان اسمه في الجاهلية عبد عمرو وقيل عبد الكعبة فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن ولد بعد الفيل بعشر سنين وأسلم قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم وكان من المهاجرين الأولين جمع الهجرتين جميعا هاجر إلى أرض الحبشة ثم قدم قبل الهجرة وهاجر إلى المدينة وشهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دومة الجندل إلى كلب وعممه بيده وسدلها بين كتفيه وقال له سر باسم الله وأوصاه بوصاياه لأمراء سراياه ثم قال له إن فتح الله عليك فتزوج بنت ملكهم أو قال بنت شريفهم وكان الأصبغ بن ثعلبة بن ضمضم الكلبي شريفهم فتزوج بنته تماضر بنت الأضبغ فهي أم ابنه ابي سلمة الفقيه

وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه في سفره وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال عبد الرحمن بن عوف أمين في السماء وأمين في الأرض قال الزبير بن بكار كان عبد الرحمن بن عوف أمين رسول الله صلى الله عليه وسلم على نسائه


454

وجرح رضي الله تعالى عنه يوم أحد إحدى وعشرين جراحة وجرح في رجله وكان يعرج منها قال أبو عمر رحمه الله تعالى كان تاجرا مجدودا في التجارة وكسب مالا كثيرا وخلف ألف بعير وثلاثة آلاف شاة ومائة فرس بالبقيع وكان يزرع بالجرف على عشرين ناضحا فكان يدخر من ذلك قوت أهله سنة وصولحت امرأته التي طلقها في مرضه من ثلث الثمن بثلاثة وثمانين ألفا وروى ابن عيينة انها صولحت بذلك عن ربع الثمن من ميراثه وروي عنه انه أعتق في يوم واحد ثلاثين عبدا وعن أبي الهياج قال رأيت رجلا يطوف بالبيت وهو يقول اللهم قني شح نفسي فسألت عنه فقالوا هذا عبد الرحمن بن عوف

وعن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت دخل عليها عبد الرحمن بن عوف فقال يا أمه قد خشيت ان يهلكني كثرة مالي أنا أكثر قريش كلهم مالا قالت يا بني تصدق فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أصحابي من لا يراني بعد أن فارقه فخرج عبد الرحمن فلقي عمر فأخبره بما قالت ام سلمة فجاء عمر فدخل عليه فقال بالله منهم أنا قالت لا ولن أقول لأحد بعدك

توفي عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه سنة إحدى وثلاثين وقيل سنة اثنتين وثلاثين وهو ابن خمس وسبعين سنة بالمدينة انتهى

فوائد لغوية في أربع مسائل

الأولى في الديوان دومة الجندل بفتح الدال وتضم أيضا اسم موضع

الثانية المجدود بالجيم المحظوظ أي ذو الحظ من الجد بفتحها وفي المشارق هو البخت والحظ في المال وسعة الدنيا انتهى


455

قلت وضده المحدود بالحاء المهملة وفي الصحاح المحدود الممنوع من البخت وغيره

وفي الأفعال لابن طريف جد الرجل بضم الجيم جدا ورجل مجدود منه وحد حدا بالحاء مفتوحة منع الرزق فهو محدود ويقال للرامي اللهم احدده اي لا توفقه لإصابة وفي الديوان حد بالضم انتهى

وللشافعي رحمه الله تعالى أنشده ابن رشيق في العمدة ما عدا البيت الأخير فهو عن غيره من الكامل

الجد يدني كل شيء شاسع
والجد يفتح كل باب مغلق
فإذا سمعت بأن مجدودا حوى
عودا فأورق في يديه فصدق
وإذا سمعت بان محدودا أتى
ماء ليشربه فجف فحقق
وأحق خلق الله بالهم امرؤ
ذو همة يبلى برزق ضيق
ولربما عرضت لنفسي فكرة
فأود منها أنني لم اخلق
ومن الدليل على القضاء وصدقه
بؤس اللبيب وطيب عيش الأخرق

الثالثة في الصحاح الجرف والجرف مثل العسر والعسر ما تجرفته السيول وأكلته من الأرض وفي المعجم قال الزبير والجرف على ميل من المدينة وقال ابن إسحاق على فرسخ من المدينة

الرابعة في الصحاح يقال يا أمه لا تفعلي ويا أبت افعل يجعلون علامة التأنيث عوضا من ياء الاضافة وتقف عليها بالهاء


456
الباب الثاني والثلاثون
في الحارس
وفيه خمسة فصول
الفصل الاول
في ذكر من حرسه صلى الله عليه وسلم

1 حرسه بالمدينة سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه روى البخاري رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها كان النبي صلى الله عليه وسلم سهر فلما قدم المدينة قال ليت رجلا من أصحابي صالحا يحرسني الليلة إذ سمعنا صوت سلاح فقال من هذا قال أنا سعد بن أبي وقاص جئت لأحرسك ونام النبي صلى الله عليه وسلم انتهى

وروى مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمه المدينة ليلة فقال ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة فبينا نحن كذلك سمعنا خشخشة السلاح فقال من هذا قال سعد بن ابي وقاص فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء بك قال وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت احرسه فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نام

2 وحرسه يوم بدر سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه قاله ابن إسحاق في السير في أخبار بدر ثم بني لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريش وكان فيه معه أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ليس معه فيه غيره وساق الحديث وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ حفنة من الحصى


457
فاستقبل بها قريشا ثم قال شاهت الوجوه ثم نفحهم بها وأمر أصحابه فقال شدوا فكانت الهزيمة فقتل الله بها من قتل من صناديد قريش وأسر من أسر من اشرافهم فلما وضع القوم أيديهم يأسرون ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش وسعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه قائم على باب العريش الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم متوشحا السيف في نفرمن الأنصار رضي الله تعالى عنهم يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم يخافون عليه كرة العدو وساق الحديث

3 وحرسه حين أعرس بصفية رضي الله تعالى عنها بخيبر أو ببعض الطريق أبو أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه قال ابن اسحاق رحمه الله تعالى في السير في أخبار غزوة خيبر كان اول حصونهم افتتح حصن ناعم ثم القموص حصن بني أبي الحقيق فأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم سبايا منهن صفية بنت حيي بن اخطب وبنتا عم لها فاصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية لنفسه وأعرس بها بخيبر أبو ببعض الطريق وكانت التي جملتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومشطتها وأصلحت من أمرها ام سليم بنت ملحان ام أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهم فبات بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة له وبات ابو أيوب خالد بن زيد رضي الله تعالى عنه أخو بني النجار متوشحا سيفه يحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويطيف بالقبة حتى أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى مكانه قال مالك يا أبا أيوب قال يا رسول الله خفت عليك من هذه المرأة وكانت امرأة قد قتلت أباها وزوجها وقومها وكانت حديثة عهد بكفر فخفتها عليك فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني انتهى

4 وحرسه بمكة وهو يصلي بالحجر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ذكر الدارقطني في كتاب العلل عن إدريس الأودي عن أبيه عن عمر بن


458
الخطاب رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى في الحجر قام عمر بن الخطاب على رأسه بالسيف حتى يصلي انتهى

وقال أبو محمد ابن عطية رحمه الله تعالى في كتابه الوجيز في تفسير آي الكتاب العزيز قال عبد الله بن شقيق كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتقبه أصحابه يحرسونه فلما نزلت والله يعصمك من الناس ( المائدة 67 ) خرج فقال يا أيها الناس الحقوا بملاحقكم فإن الله قد عصمني قال أبو محمد قال الربيع بن أنس نزلت سورة المائدة في مسير الله رسول الله صلى الله عليه وسلم الى حجة الوداع انتهى

وذكر الزمخشري في الكشاف في قوله تعالى والله يعصمك من الناس عن أنس رضي الله تعالى عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت فأخرج رأسه من قبة أدم فقال انصرفوا يا أيها الناس فقد عصمني الله من الناس

فائدة لغوية

ابن القوطية حرس الشيء حراسة حفظه وفي الديوان يحرسه بفتح الراء في الماضي وضمها في المستقبل

الفصل الثاني
في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم

1 عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه تقدم ذكره في باب الوزير

2 سعد بن ابي وقاص رضي الله تعالى عنه قال ابن حزم في الجماهر سعد بن أبي وقاص واسمه مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب وكذلك نسبه أبو عمر في الاستيعاب إلا أنه قال أهيب قال أبو عمر يكنى أبا إسحاق كان سابع سبعة في اسلامه أسلم بعد ستة وروي عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال أسلمت قبل أن تفرض الصلوات وأنا ابن تسع


459
عشرة سنة وشهد بدرا والحديبية وسائر المشاهد كلها وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وهو أحد الستة الذين جعل عمر فيهم الشورى وأخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وهو عنهم راض وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله وذلك في سرية عبيدة بن الحارث انتهى

قال ابن اسحاق في السير وقال سعد رضي الله تعالى عنه في رميته تلك فيما يذكرون [ من الوافر ]

ألا هل اتى رسول الله أني
حميت صحابتي بصدور نبلي
إذود بها أوائلهم ذيادا
بكل حزونة وبكل سهل
فما يعتد رام في عدو
بسهم يا رسول الله قبلي
وذلك أن دينك دين صدق
وذو حق أتيت به وعدل

قال أبو عمر وعن قيس بن أبي حازم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص اللهم أجب دعوته وسدد رميته

قال أبو عمر فكان مجاب الدعوة مشهورا بذلك تخاف دعوته وترجى لاشتهار إجابتها عندهم

وذكر ابن قتيبة في المعارف قال كان سعد على الناس يوم القادسية وكان به جراح فلم يشهد الحرب واستخلف خليفة ففتح الله على المسلمين فقال رجل من بجيلة [ من الطويل ]

ألم تر أن الله أظهر دينه
وسعد بباب القادسية معصم
فأبنا وقد آمت نساء كثيرة
ونسوة سعد ليس فيهن أيم

فقال سعد اللهم اكفنا يده ولسانه فأصابته رمية فخرس ويبست يده

وروى مسلم رحمه الله تعالى عن عبد الله بن شداد قال سمعت عليا يقول ما جمع رسول الله عليه وسلم أبويه لأحد غير سعد بن مالك فإنه جعل يقول يوم أحد ارم فداك أبي وأمي


460

قال ابوعمر وهو الذي كوف الكوفة ونفى الأعاجم وتولى قتال فارس وكان له فتح القادسية وغيرها

وكان سعد ممن قعد ولزم بيته في الفتنة وأمر اهله ان لا يخبروه من أخبار الناس بشيء حتى تجتمع الامة على امام

ومات في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة وحمل الى المدينة على اعناق الرجال ودفن بالبقيع وصلى عليه مروان بن الحكم واختلف في وقت وفاته فقيل سنة اربع وخمسين وقيل سنة خمس وخمسين وقيل سنة ثمان وخمسين واختلف في كم كان سنه حين مات فقال الواقدي توفي وهو ابن بضع وسبعين سنة وقال احمد بن حنبل توفي وهو ابن ثلاث وثمانين سنة انتهى وقال ابن قتيبة في المعارف توفي سنة خمس وخمسين وهو آخر العشرة موتا وصلى عليه مروان بن الحكم وهو يومئذ والي المدينة لمعاوية وبلغ من السن بضعا وثمانين أو بضعا وسبعين سنة انتهى

3 سعد بن معاذ رضي الله تعالىعنه قد تقدم ذكره في باب صاحب الراية

4 أبو أيوب الانصاري رضي الله تعالى عنه في الاستيعاب ابو ايوب الانصاري رضي الله تعالى عنه اسمه خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في خروجه من بني عوف حين قدم المدينة مهاجرا من مكة فلم يزل عنده حتى بنى مسجده في تلك السنة وبنى مساكنه ثم انتقل صلى الله عليه وسلم الى مسكنه

وعن أبي رهم السمعي أن ابا ايوب الانصاري حدثه قال نزل رسول الله


461
صلى الله عليه وسلم بيتنا الاسفل وكنت في الغرفة فاهريق ماء في الغرفة ققمت أنا وام ايوب بقطيفة نتتبع الماء شفقة ان يخلص الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلنا الى النبي صلى الله عليه وسلم وانا مشفق فقلت يا رسول الله انه ليس ينبغي ان نكون فوقك انتقل الى الغرفة فامر النبي صلى الله عليه وسلم بمتاعه ان ينقل ومتاعه قليل وذكر تمام الحديث

قال ابو عمر وكان أبوأيوب مع علي بن أبي طالب في حروبه كلها ثم مات في القسطنطينية من بلاد الروم في زمن معاوية وكانت غزاته تلك تحت راية يزيد وكان أميرهم يومئذ

ولما أمر معاوية يزيد على الجيش الى القسطنطينية جعل أبو أيوب يقول وما علي أن امر علي شاب فمرض في غزوته تلك فدخل عليه يزيد يعوده وقال له أوصني قال إذا مت فكفنوني ثم مر الناس فليركبوا ثم يسيرون في ارض العدو حتى إذا لم يجدوا مساغا فادفنوني ففعلوا ذلك

وأمر يزيد بالخيل فجعلت تقبل وتدبر علىقبره حتى عفا أثر قبره وقيل إن الروم قالت للمسلمين في صبيحة دفنهم لأبي أيوب لقد كان لكم الليلة شأن فقالوا هذا رجل من أكابر أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم وأقدمهم اسلاما وقد دفناه حيث رأيتم والله لئن نبش لا ضرب لكم بناقوس في ارض العرب ما كانت لنا مملكة

قال ابن القاسم عن مالك بلغني عن قبر أبي أيوب رضي الله تعالى عنه أن الروم يستصحون به ويستشفون

قال ابو عمر مات أبو أيوب سنة خمسين أو أحدى وخمسين من التاريخ وقيل بل كان ذلك سنة اثنتين وخمسين وهو الاكثر في غزوة يزيد القسطنطينية


462
الفصل الثالث
في ذكر حراس عسكره عليه الصلاة والسلام

غزوة ذات الرقاع

قال ابن إسحاق في السير رحمه الله تعالى وحدث جابر بن عبد الله قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع فأصاب رجل امرأة من المشركين فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا أتى زوجها وكان غائبا فلما أخبر حلف ألا ينتهي حتى يهريق في أصحاب محمد دما فخرج يتتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا فقال من رجل يكلؤنا ليلتنا فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار فقالا نحن يا رسول الله قال وكونا بفم الشعب قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله تعالى عنهم قد نزلوا إلى شعب من الوادي وهما عمار بن ياسر وعباد بن بشر فيما قال ابن هشام فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب قال الأنصاري للمهاجرين أي الليل تحب أن أكفيكه أوله أم آخره قال بل اكفني أوله قال فاضطجع المهاجري فنام وقام الأنصاري يصلي قال وأتى الرجل فلما رأى شخص الرجل عرف أنه ربيئة القوم قال فرمى بسهم فوضعه فيه قال فانتزعه ووضعه وثبت قائما قال ثم رماه بسهم آخر فوضعه فيه قال فنزعه ووضعه وثبت قائما ثم عاد له بالثلث فوضعه فيه قال فنزعه فوضعه ثم ركع وسجد ثم أهب صاحب فقال اجلس فقد أثبت قال فوثب فلما رآها الرجل عرف أنه قد نذرا به فهرب قال ولما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال سبحان الله أفلا أهببتني أول ما رماك قال كنت في سورة أقرأها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها قال فلما تابع علي الرمي ركعت فأذنتك وأيم الله لولا أن أضيع ثغرا أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها انتهى


463

2 غزوة بني قريظة

قال إبن إسحاق وخرج في تلك الليلة يعني الليلة التي نزل في صبيحتها بنو قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن سعدى القرظي فمر بحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه محمد بن مسلمة تلك الليلة فلما رآه قال من هذا قال أنا عمرو بن سعدى وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بني قريظة في غدرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا أغدر بمحمد أبدا فقال محمد بن مسلمة حين عرفه اللهم لا تحرمني إقالة عثرات الكرام فخلى سبيله فخرج على وجهه حتى بات في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة في تلك الليلة ثم ذهب فلم يدر أين توجه من الأرض إلى يومه هذا فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ذاك رجل نجاه الله بوفائه

3 غزوة الفتح

روى البخاري رحمه الله تعالى عن هشام بن عروة عن أبيه لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح فبلغ قريشا خرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يلتمسون الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مر الظهران فإذا هم بنيران كنيران عرفة فقال أبو سفيان ما هذه لكأنها نيران عرفة فقال بديل بن ورقاء نيران بني عمرو فقال أبو سفيان عمرو أقل من ذلك فرآهم ناس من حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدركوهم فأخذوهم فأتوا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى

فوائد لغوية في أربع مسائل

الأولى في المعجم اختلف في ذات الرقاع إحدى غزوات رسول الله


464
صلى الله عليه وسلم فقال بعض أهل العلم التقى القوم في أسفل أكمة ذات ألوان فهي ذات الرقاع

قال محمد بن جرير ذات الرقاع من نخل قال والجبل الذي سميت به هذه البقعة بذات الرقاع هو جبل فيه بياض وسواد

قال ابن إسحاق ويقال ذات الرقاع شجرة بذاك الموضع قال ويقال بل تقطعت راياتهم فرقعت فبذلك سميت ذات الرقاع وقال غيره بل كانت راياتهم ملونة الرقاع

والصحيح ما رواه البخاري عن أبي موسى قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه فنقبت أقدامنا ونقبت قداماي وسقطت أظفاري فكنا نلف على أرجلنا الرقاع فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا

الثانية في المعجم نخل على جمع نخلة لا يجرى قرية قال ابن حبيب على ليلتين من المدينة

الثالثة في الصحاح عاقبت الرجل في الراحلة إذا ركبت أنت مرة وركب هو مرة

الرابعة قوله نقبت أقدامنا أي رقت وأصله للبعير قال الفارابي نقب البعير بفتح النون وكسر القاف بنقب بفتحها إذا رقت أخفافه

الفصل الرابع
في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم

1 عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه تقدم ذكره في باب المفتي فأغنى عن إعادته الآن

2 عباد بن بشر الأنصاري رضي الله تعالى عنه في الاستيعاب


465
عباد بن بشر بن وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الأشهل الأنصاري الأشهلي يكنى أبا بشر وقيل أبا الربيع لا يختلفون أنه أسلم بالمدينة على يد مصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه وذلك قبل إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير رضي الله تعالى عنهما وشهد بدرا والمشاهد كلها وكان من فضلاء الصحابة وروى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهم أن عصاه كانت تضيء له إذا كان يخرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم ليلا إلى بيته وعرض له ذلك مرة مع أسيد بن الحضير فلما افترقا أضاءت لكل واحد منهما عصاه

وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت كان في بني عبد الأشهل ثلاثة لم يكن بعد النبي عليه السلام من المسلمين أحد أفضل منهم سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وعباد بن بشر

وعن عائشة أيضا قالت تهجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي فسمع صوت عباد بن بشر فقال يا عائشة صوت عباد بن بشر هذا قلت نعم قال اللهم اغفر له

واستشهد عباد بن بشر يوم اليمامة وكان له يومئذ بلاء وغناء وهو ابن خمس وأربعين سنة

3 محمد بن مسلمة رضي الله تعالى عنه ثبت في باب المقيمين للحدود من الجزء الرابع من هذا الكتاب التعريف به فأغنى ذلك عن إعادته هنا

الفصل الخامس
في ذكر حراسة الظهر

قال ابن إسحاق في السير رحمه الله تعالى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من تبوك في رمضان يعني من سنة تسع قال وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف وهم عبد ياليل بن عمرو


466
والحكم بن عمرو بن وهب وشرحبيل بن غيلان بن سلمة وعثمان بن أبي العاصي بن بشر وأوس بن عوف ونمير بن خرشة فخرج بهم عبد ياليل وهو ناب القوم وصاحب امرهم فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة ألفوا بها المغيرة بن شعبة يرعى في نوبته ركاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت رعيتها نوبا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآهم ترك الركاب عند الثقفيين وطفر يشتد ليبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومهم عليه فلقيه أبو بكر الصديق قبل أن يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره عن ركب ثقيف أن قدموا يريدون البيعة والإسلام وساق الحديث

تنبيه

قد تقدم ذكر نسب المغيرة بن شعبة وأخباره في باب الشهادة وكتب الشروط فأغنى ذلك عن إعادته

فائدتان لغويتان

الأولى في الصحاح الظهر الركاب وبنو فلان مظهرون إذا كان لهم ظهر ينقلون عليه كما يقال منجبون إذا كانوا أصحاب نجائب وفي المشارق الظهر بفتح الظاء هي دواب السفر التي تحمل عليها الأثقال من الإبل وغيرها والجمع ظهران بالضم

الثانية خرشة بفتح الثلاثة من أسماء الرجال قاله الفارابي وفي الصحاح الخرشة بالتحريك ذبابة


467
الباب الثالث والثلاثون
في التجسس
وفيه فصلان
الفصل الأول
في ذكر من بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم متجسسا

روى مسلم رحمه الله تعالى عن ثابت عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بسيسة عينا ينظر ما صنعت عير أبي سفيان فجاء وما في البيت أحد غيري وغير رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا أدري استثنى بعض نسائه قال فحدثه الحديث قال فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلم فقال إن لناطلبة فمن كان ظهره حاضرا فليركب معنا فجعل رجال يستأذنونة في ظهرانهم في علو المدينة فقال لا إلا من كان ظهره حاضرا انتهى

وقال ابن إسحاق رحمه الله تعالى في السير في غزوة بدر وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بسيس بن عمرو الجهني حليف بني ساعدة وعدي بن أبي الزغباء الجهني حليف بني النجار إلى بدر يتجسسان له الأخبار عن أبي سفيان بن حرب وغيره

وقال أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب في باب سعيد قال


468
الواقدي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث قبل أن يخرج من المدينة إلى بدر طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد إلى طريق الشام يتحسسان الأخبار ثم رجعا إلى المدينة فقدماها يوم وقعة بدر فضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهميهما وبأجريهما

وبقول الواقدي قال الزبير في ذلك سواء

وذكر ابن إسحاق رحمه الله تعالى في السير أيضا في غزوة الخندق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث حذيفة بن اليمان ليلا لينظر ما فعل القول يعني قريشا وغطفان وسيأتي ذلك مكملا في باب المخذل عند ذكر نعيم بن مسعود الأشجعي رحمه الله تعالى

وذكر أبوعمرابن عبد البر رحمه الله تعالى في الاستيعاب بسر بن سفيان الخزاعي وقال بعثه النبي صلى الله عليه وسلم عينا إلى قريش إلى مكة وشهد الحديبية انتهى

وقال ابن إسحاق رحمه الله تعالى في السير في أخبار غزوة حنين ولما سمعت هوازن برسول الله صلى الله عليه وسلم وما فتح الله عليه من مكة جمعها مالك بن عوف النصري فاجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلها واجتمعت نصر وجشم كلها وسعد بن بكر وناس من بني هلال وهم قليل ولم يشهدها من قيس غيلان إلا هؤلاء

ولما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي وأمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم ثم يأتيه بخبرهم فانطلق ابن أبي حدرد حتى دخل فيه فأقام فيهم حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع من مالك وأمر هوازن ماهم عليه ثم أقبل حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر انتهى


469

فائدتان لغويتان

الأولى التجسس بالجيم والحسس بالحاء قال القاضي في المشارق قيل هما بمعنى متقارب وهو البحث عن بواطن الأمور

وقيل الأولى التي بالجيم إذا تجسس بالخبر والقول والسؤال عن عورات الناس وأسرارهم أو ما يعتقدونه أو يقولونه فيه أو في غيره والثانية التي بالحاء إذا تولى ذلك بنفسه وتسمعه بأذنه وقال ثعلب بالجيم إذا طلبه لغيره وبالحاء إذا طلبه لنفسه وقيل التجسس بالجيم في الشر والتحسس بالحاء في الخير

الثانية في المحكم العين الذي يبعث ليتحسس الخبر وبعثنا عينا يعتاننا ويعتان لنا أي يأتينا بالخبر

الفصل الثاني
في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم

1 طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنه في الاستيعاب طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي يكنى أبا محمد يعرف بطلحة الخير وطلحة الفياض قال موسى بن عقبة وابن إسحاق عن ابن شهاب لم يشهد طلحة بدرا وقد قدم من الشام بعد رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من بدر فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في سهمه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لك سهمك قال وأجري يا رسول الله قال وأجرك وقال الواقدي بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يخرج من المدينة إلى بدر طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد إلى طريق الشام يتحسسان الأخبار ثم رجعا إلى المدينة فقدماها يوم وقعة بدر فضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهميهما وأجريهما

قال أبو عمر شهد أحدا وما بعدها قال الزبير وغيره وأبلى طلحة


470
يوم أحد بلاء حسنا ووقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه واتقى عنه النبل بيده حتى شلت إصبعه وضرب الضربة في رأسه

وروى البخاري رحمه الله عن قيس بن أبي حازم قال رأيت يد طلحة التي وقى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شلت

قال أبو عمر ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهض يوم أحد ليصعد صخرة وكان ظاهر بين درعين فلم يستطع النهوض فاحتمله طلحة بن عبيد الله فأنهضه حتى استوى عليها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب طلحة ثم شهد طلحة المشاهد كلها وشهد الحديبية وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة رضوان الله تعالى عنهم

وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إليه فقال من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة ثم شهد طلحة بن عبيد الله الجمل محاربا لعلي رضي الله تعالى عنهما فزعم بعض أهل العلم أن عليا دعاه فذكره أشياء من سوابقه وفضله فرجع طلحة عن قتاله على نحو ما صنع الزبير فاعتزل في بعض الصفوف فرمي بسهم فقطع من رجله عرق النساء فلم يزل دمه ينزف حتى مات ويقال إن السهم أصاب ثغرة نحره ولا يختلف العلماء الثقات أن مروان قتل طلحة يومئذ وكان في حزبه

وعن ابن سيرين قال رمي طلحة بسهم فأصاب ثغرة نحره قال فأقر مروان أنه رماه وعن قيس بن ابي حازم قال رمى مروان بن الحكم يوم الجمل طلحة رضي الله تعالى عنه بسهم في ركبته قال فجعل الدم يسيل فإذا أمسكوه استمسك وإذا أرسلوه سال قال فقال دعوه قال وجعلوا إذا أمسكوا فم الجرح انتفخت ركبته فقال دعوه فإنما هو سهم أرسله الله قال فمات فدفناه على شاطىء الكلاء

قال أبو علي الغساني الكلاء محبس السفن ذكره أبو علي البغدادي في باب فعال من الممدود


471

رجع فرأى بعض اهله أنه أتاه في المنام فقال ألا تريحني من هذا الماء فإني قد غرقت ثلاث مرات يقولها قال فنبشوه فإذا هو أخضر كأنه السلق فنزفوا عنه الماء ثم استخرجوه فإذا ما يلي الأرض من لحيته ووجهه قد أكلته الأرض فاشتروا له دارا من دور آل أبي بكرة بعشرة الآف فدفنوه فيها

وقتل رحمه الله تعالى ورضي عنه يوم الجمل وكانت وقعة الجمل لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وهو ابن ستين سنة وقيل ابن اثنتين وستين وقيل كانت سنه يوم قتل خمسا وسبعين سنة وما أظن ذلك

2 سعيد بن زيد رضي الله تعالى عنه قال أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي القرشي العدوي ويكنى أبا الأعور وهو ابن عم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما كانت تحته فاطمة بنت الخطاب أخت عمر بن الخطاب وكانت أخته عاتكة بنت زيد بن عمرو تحت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم وكان سعيد رضي الله تعالى عنه من المهاجرين الأولين وكان إسلامه قديما قبل عمر وهاجر هو وامرأته فاطمة بنت الخطاب ولم يشهد بدرا لأنه كان غائبا بالشام قدم منها بعقب غزاة بدر فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره فقصته أشبه القصص بقصة طلحة بن عبيد الله

وقد تقدم عند ذكر طلحة بن عبيد الله قول الواقدي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد بعث قبل أن يخرج من المدينة إلى بدر طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد إلى طريق الشام يتحسسان الأخبار ثم رجعا إلى المدينة فقدماها يوم وقعة بدر فضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهميهما وأجريهما


472

وقد قيل إنه شهد بدرا وشهد ما بعدها من المشاهد وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة رضوان الله تعالى عليه

وذكر أبو عمر ابن عبد البر قصته مع أروى بنت أويس ودعاءه عليها لما تظلمت منه بما لم يفعل وإجابة دعوته عليها من طرق مختلفة فجمعت معانيها

قال أبو عمر بسنده عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال جاءت أروى بنت أويس إلى محمد بن عمرو بن حزم بن محمد فقالت له يا أبا عبد الملك إن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بنى ضفيرة في حقي فأته فكلمه فلينزع عن حقي فوالله لئن لم يفعل لأصيحن به في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها لا تؤذي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فما كان ليظلمك ولا يأخذ لك حقا

وبسنده عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه أن أروى بنت أويس استعدت مروان بن الحكم على سعيد بن زيد رضي الله تعالى عنه في أرضه بالشجرة فقال سعيد كيف أظلمها وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من ظلم من الأرض شبرا طوقه يوم القيامة من سبع أرضين وأوجب عليه مروان اليمين فترك سعيد رضي الله تعلى عنه لها ما أدعت وقال اللهم إن كانت كاذبة فلا تمتها حتى تذهب بصرها وتجعل قبرها في بئر فهدمت الضفيرة وبنت بنيانا فعميت أروى وجاء سيل فأبدى ضفيرتها فرأوا حقها خارجا من حق سعيد فجاء سعيد إلى مروان فقال أقسمت عليك لتركبن معي وتنظرن إلى ضفيرتها فركب معه مروان وركب ناس معهما حتى نظروا إليها ثم إن أروى خرجت في بعض حاجتها بعدما عميت فوقعت في البئر فماتت قال وكان أهل المدينة يدعو بعضهم على بعض يقولون أعماك الله كما أعمى أروى ثم صار أهل الجهل يقولون أعماك الله كما أعمى الأروى يريدون الأروى التي في الجبل يظنونها ويقولون إنها عمياء وهذا جهل منهم


473

توفي سعيد بن زيد رضي الله تعالى عنهم بأرضه بالعقيق ودفن بالمدينة في ايام معاوية سنة خمسين أو إحدى وخمسين وهو ابن بضع وسبعين

3 بسيسة قال القاضي ابو الفضل عياض رحمه الله تعالى في المشارق بسيسة بضم الباء وفتح السين المهملة مصغر كذا في جميع النسخ والمعروف في اسمه بسبس بباءين بواحدة فيهما مفتوحتين وسينين مهملتين الأولى ساكنة قال وكذا ذكره ابن إسحاق وابن هشام وغيرهما وكذا جاء عند بعض رواة مسلم لكن بزيادة هاء بسبسة انتهى

بسبس بن عمرو والجهني رضي الله تعالى عنه حليف بني ساعدة هكذا قال ابن إسحاق حسبما تقدم

وقال ابو عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى بسبس بن عمرو بن ثعلبة بن خرشة بن عمرو بن سعد بن ذبيان الذبياني ثم الأنصاري حليف لبني طريف بن الخزرج قال ويقال بسبس بن بشر حليف للأنصار شهد بدرا وهو الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عدي بن أبي الزغباء ليعلما علم عير ابي سفيان بن حرب ولبسبس هذا يقول الراجز

أقم لها صدورها يا بسبس

انتهى

قال ابن هشام في السير هذا الراجز هو عدي بن أبي الزغباء قاله حين أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا من غزوة بدر ووصله بأشطار وهي من الرجز

أقم لها صدروها يا بسبس
ليس بذي الطلح لها معرس
ولا بصحراء غمير محبس
إن مطايا القوم لا تحبس
فحملها على الطريق أكيس
قد نصر الله وفر الأخنس

474

4 عدي بن الزغباء رضي الله تعالى عنه في الاستيعاب عدي بن الزغباء ويقال ابن أبي الزغباء واسم أبي الزغباء واسم أبي الزغباء سنان بن سبيع بن ثعلبة الجهني من جهينة حليف بني النجار من الأنصار قال موسى بن عقبة عدي بن أبي الزغباء حليف لبني مالك بن النجار من جهينة شهد بدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم عينا مع بسبس بن عمرو الجهني يتحسسان له عير أبي سفيان بن حرب في قصة بدرانتهى

5 حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه تقدم ذكره في باب كاتب الجيش

6 بسر بن سفيان الخزاعي رضي الله تعالى عنه في الاستيعاب بسر بن سفيان بن عمرو بن عويمر الخزاعي أسلم سنة ست من الهجرة وبعثه النبي صلى الله عليه وسلم عينا إلى قريش إلى مكة وشهد الحديبية وهو المذكور في حديث الحديبية من رواية الزهري عن عروة عن المسور ومروان وقوله فيه حتى إذا كان بغدير الأشطاط لقيه عينه الخزاعي فأخبره خبر قريش وجموعهم قالوا هو بسر بن سفيان هذا انتهى

وفي السير لابن إسحاق في قصة الحديبية قال ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة من سنة ست معتمرا لا يريد حربا حتى إذا كان بعسفان لقيه بسر بن سفيان الكعبي فقال يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك معهم العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور وقد نزلوا بذي طوى يعاهدون الله لا تدخلها عليه أبدا وساق الحديث

7 عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي رضي الله تعالى عنه في الاستيعاب عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي يكنى أبا محمد واسم أبي حدرد سلامة بن عمير بن أبي سلامة بن هوازن بن أسلم وقيل عبيد بن عمير بن أبي سلامة بن سعد من ولد هوازن بن أسلم أول مشاهد عبد الله هذا الحديبية ثم خيبر وما بعدها وكان من وجوه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم


475
وممن كان يؤمره على السرايا وأنكر بعضهم أن تكون له صحبة لروايته عن أبيه قال أبو عمر وذلك ليس بشيء وقد روى ابن عمر وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ويعد عبد الله بن ابي حدرد في أهل المدينة وتوفي سنة إحدى وسبعين وهو ابن إحدى وثمانين سنة في زمن مصعب بن الزبير انتهى

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

الأولى في المشارق غدير الأشطاط بفتح الهمزة وإسكان الشين بعدها طاء مهملة وألف وطاء أخرى وهو تلقاء المدينة

الثانية في المشارق العوذ المطافيل بضم العين هي النوق بفصلانها وقيل النساء مع الأولاد وأصله الناقة لأول ما تضع حتى يقوى ولدها وهي كالنفساء من النساء والمطافيل ذوات الأطفال وهم صغار البنين وقال الخليل العوذ واحدها عائذ وهي كل أنثى لها سبع ليال منذ ولدت

قلت وذاله معجمة من الصحاح وغيرها

الثالثة قال أبو ذر الخشني في غريب السيرة قوله قد لبسوا جلود النمور النمور جمع نمر وهو ضرب من السباع وهو مثل يكنى به عن إظهار العداوة يقال للرجل الذي يظهر العداوة والتنكر قد لبس لي جلد النمر


476
الباب الرابع والثلاثون
في الرجل يتخذ في بلد العدو عينا
يكتب بأخبارهم إلى الإمام

في الاستيعاب في أخبار العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو عمر أسلم العباس قبل فتح خيبر وكان يكتم إسلامه ويقال إن إسلامه كان قبل بدر وكان يكتب بأخبار المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إن مقامك بمكة خير فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لقي منكم العباس فلا يقتله فإنما أخرج كرها وقد تقدم ذكر هذا في باب السقاية مع سائر أخباره رضي الله تعالى عنه


477
الباب الخامس والثلاثون
في المخذل
وفيه فصلان
الفصل الأول
في ذكر من بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك
وهو نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي رضي الله تعالى عنه
وذكر نسبه وأخباره

قال ابن حزم رحمه الله تعالى في الجماهر هو نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن قنفذ بن حلاوة بن سبيع بن اشجع بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان له صحبة وهو الذي شتت جموع الأحزاب رضي الله تعالى عنه وخالف ابن إسحاق ابن حزم في نسبه فقال قنقذ بن هلال بن حلاوة فزاد هلالا وقال حلاوة بن أشجع فنقص سبيعا

وقال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في الاستيعاب نعيم بن مسعود بن عامر الأشجعي هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق وهو الذي خذل المشركين وبني قريظة حتى صرف الله كيدهم ثم أرسل عليهم ريحا وجنودا لم تر وخبره في تخذيل بني قريظة والمشركين في السير عجيب سكن المدينة ومات في خلافة عثمان وقيل بل قتل في الجمل الأول قبل قدوم علي رضي الله تعالى عنه مع مجاشع بن مسعود السلمي وحكيم بن جبلة


478

تنبيه

كان مجاشع بن مسعود مع أهل الجمل وانحاز عنهم حكيم بن جبلة في نصر عثمان بن حنيف عامل علي رضي الله تعالى عنه على البصرة فوقعت بينهم حرب قتل فيها من الفريقين قتلى فذلك اليوم هو الذي أراد أبو عمر بقوله في الجمل الأول قاله ابن الأثير في تاريخه

وقال حكيم بن جبلة بضم الحاء وفتح الكاف وقيل بفتح الحاء وكسر الكاف

فائدة لغوية

الجوهري خذل عنه أصحابه تخذيلاص أي حملهم على خذلانه وتخاذلوا أي خذل بعضهم بعضا

الفارابي خذل بفتح الخاء في الماضي يخذل بضمها في المستقبل خذلانا والخذلان ضد النصر

الفصل الثاني
في ذكر خبره رضي الله تعالى عنه
في تخذيل بني قريظة والمشركين

قال إبن إسحاق ثم إن نعيم بن مسعود الأشجعي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن إستطعت فإن الحرب خدعة فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة وكان لهم نديما في الجاهلية فقال يا بني قريظة قد عرفتم ودي إياكم وخاصة مابيني وبينكم قالوا صدقت لست عندنا بمتهم فقال لهم إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم البلد بلدكم به أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره وإن قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه وقد ظاهرتموهم عليه وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره فليسوا كأنتم فإن رأوا نهزة


479
أصابوها وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم فلا طاقة لكم به إن خلا لكم فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على ان يقاتلوا معكم محمدا حتى تناجزوه فقالوا أشرت بالرأي ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لأبي سفيان ومن معه من رجالهم قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمدا وأنه قد بلغني أمر رأيت علي حقا أن أبلغكموه نصحا لكم فاكتموا عني قالوا نفعل قال تعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد وقد أرسلوا إليه إنا قد ندمنا على ما فعلنا فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبلتين من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم فأرسل إليهم نعم فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا ثم خرج حتى أتى غطفان فقال يا معشر غطفان إنكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلي ولا أراكم تتهموني قالوا صدقت ما أنت عندنا بمتهم قال اكتموا عني قالوا نفعل ثم قال لهم مثل ما لقريش وحذرهم ما حذرهم فلما كانت ليلة السبت وكان ذلك من صنع الله لرسوله أرسلك أبو سفيان بن حرب ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان فقالوا لهم إنا لسنا بدار مقام قد هلك الخف والحافر فاعدوا للقتال حتى نناجز محمدا ونفرغ مما بيننا وبينه فأرسلوا إليهم إن اليوم يوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئا وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا فأصابه ما لم يخف عليكم ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدا فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب واشتد عليكم القتال أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلدنا ولا طاقة لنا بذلك منه فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة قالت قريش وغطفان والله إن الذي حدثكم به نعيم بن مسعود لحق فأرسلوا إلى بني قريظة إنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا فقالت بنو قريظة حين أنهت إليهم الرسل بهذا إن الذي ذكر لكم نعيم بن
480
مسعود لحق ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا فإن رأوا فرصة انتهزوها وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم وخلو بينكم وبين الرجل في بلدكم فأرسلوا إلى قريش وغطفان إنا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا فأبوا عليهم وخذل الله تعالى بينهم وبعث عليهم الريح في ليال شاتية شديدة البرد فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح آنيتهم فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اختلف من أمرهم وما فرق الله من جماعتهم دعا حذيفة بن اليمان فبعثه ليلا لينظر ما فعل القوم

فحدث حذيفة رحمه الله تعالى ورضي عنه وقد قال له رجل من أهل الكوفة يا أبا عبد الله أرأيتم رسول الله وصحبتموه قال نعم يا ابن أخي قال فكيف كنتم تصنعون قال والله لقد كنا نجهد قال الرجل والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه على أعناقنا فقال حذيفة يا ابن أخي لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق وصلى هويا من الليل ثم التفت إلينا فقال من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع يشترط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة فما قام رجل من القوم من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد فلما لم يقم أحد دعاني فلم يكن لم بد من القيام حين دعاني فقال يا حذيفة اذهب فادخل في القوم فانظر ما يفعلون ولا تحدثن شيئا حتى تأتيه فذهبت فدخلت في القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء فقام أبو سفيان فقال يا معشر قريش لينظر امرؤ من جليسه قال حذيفة فأخذت بيد الرجل الذي إلى جنبي فقلت من أنت فقال فلان إبن فلان وذكر ابن عقبة أنه فعل ذلك بمن يلي جانبيه يمينا ويسارا قال وبدرهم المسألة خشية أن يفطنوا له قال حذيفة ثم قال أبو سفيان يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام هلك الكراع والخف وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره ولقينا من شدة الريح ما ترون ما تطمئن لنا قدر ولاتقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء فارتحلوا فإني مرتحل ثم قام إلى جمله وهومعقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب على ثلاث فما أطلق عقاله إلا وهو قائم


481
ولولا عهد رسول لله صلى الله عليه وسلم إلي أن لا تحدث شيئا حتى تأتيني ثم شئت لقتلته بسهم فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه فلما رآني أدخلني إلى رجليه وطرح علي طرف المرط ثم ركع وسجد وإني لفيه فلما سلم أخبرته الخبر وسمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين إلى بلدهم ولما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف عن الخندف راجعا إلى المدينة والمسلمون معه

فوائد لغوية في أربع مسائل

الأولى قوله عليه السلام الحرب خدعة حكى القاضي في المشارق فيها أربع لغات فتح الخاء وسكون الدال قال أبو ذر وهي لغة النبي صلى الله عليه وسلم

والثانية بضم الخاء وسكون الدال أيضا

والثالثة ضم الخاء وفتح الدال

والرابعة فتحهما معا وقال من قال خدعة بفتح الحاء وسكون الدال أي ينقضي أمرها بخدعة واحدةأي من خدع فيها خدعة زلت قدمه ولم يقل فلا يؤمن شرها وليتحفظ من مثل هذا ومن قاله بضم أولها وسكون ثانيها فمعناها أنها تخدع من اطمأن إليها وأن أهلها كذلك ومن فتحهما فخدعة جمع خادع أي أهلها بهذه الصفة فحذف أهلها وأقام الحرب مقامهم كما قال تعالى وأسأل القرية

الثانية قال الخشني ضرستكم الحرب أي نالت منكم كما يصيب ذو الأضراس بأضراسه

الثالثة قال الخشني تنشمروا تنقبضوا وتسرعوا إلى بلادكم

الرابعة في المحكم مضى هوي من الليل وتهواء أي ساعة منه وفي الديوان على وزن سوي بفتح الهاء


482
الباب السادس والثلاثون
في صانع السفن وأول من صنع السفينة

قال القاضي محمد بن سلامة القضاعي في كتاب الأنباء في أخبار نوح عليه السلام أوحى الله تعالى إلى نوح عليه السلام بعمل السفينة فكانت من الساج طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسون ذراعا وارتفاعها ثلاثون ذراعا وبابها في عرضها ثلاث طبقات طبقة فيها الدواب وطبقة فيها الإنس وطبقة فيها الطيور واختلف في عدد من ركب معه فقال ابن عباس ثمانون رجلا يعني نفسه وبنيه ثلاثة سام وحام ويافث وكنائنه ثلاثا وثلاثة وسبعين من ولد شيث آمنوا به وقال قتادة ثمانية هو وبنوه وكنائنة وزوجه وقال الأعمش سبع عشرة ولم يذكر زوجته وقال ابن إسحاق عشرة وقال وهب استقلت السفينة في عشر خلت من رجب فكانت في الماء مائة وخمسين يوما ثم استقرت على الجودي جبل بالجزيزة شهرا وخرج إلى الأرض في اليوم العاشر من المحرم وابتنى قرية بأرض الجزيرة تسمى سوق ثمانين

وفي كتاب نفحة الحدائق قال أبو عمر ابن عبد البر روينا عن الهيثم بن عدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال كان جمع الناس حين خرجوا من السفينة ببابل فنزلوا سوق ثمانين من الجزيرة وابتنى كل واحد منهم بيتا وكانوا ثمانين رجلا وبهم سمي سوق ثمانين


483

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

الأولى في الصحاح السفن ما ينحت به الشيء والمسفن مثله وقال من البسيط

وأنت في كفك المبراة والسفن

يقول إنك نجار وسفنت الشيء سفنا قشرت والسفين جمع سفينة قال ابن دريد سفينة فعيلة بمعنى فاعلة كأنها تسفن الماء أي تقشره

وفي الأفعال لابن القوطية سفن الشيء على غيره جره ومنه السفينة قلت ويحتمل أن تكون سميت سفينة لأنها تسفن بالمسفن أي تنحت وفي المحكم السفان صانع السفن وسائسها وحرفته السفانة وجمع السفينة سفائن وسفن وسفين

الثانية في الصحاح الساج ضرب من الخشب زاد في المشارق يؤتى به من الهند

الثالثة في الصحاح استقلت السماء ارتفعت واستقل القوم مضوا وارتحلوا


484
الباب السابع والثلاثون
في إستعمال السفن
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول
في ذكر ما استعمل منها
في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم

1 سفينتا جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه

في الاستيعاب قال الواقدي رحمه الله تعالى بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري رضي الله تعالى عنه في سنة ست إلى النجاشي يدعوه إلى الإسلام فأسلم النجاشي رضي الله تعالى عنه وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قال وأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان ويبعث بها إليه ويحمل من عنده من المسلمين ففعل انتهى

وقال ابن إسحاق في السير كان من أقام بأرض الحبشة من أصحاب صلى الله عليه وسلم حتى بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الىالنجاشي عمرو بن أمية الضمري رضي الله تعالى عنه وحملهم في سفينتين فقدم بهم عليه وهو بخيبر بعد الحديبية ستة عشر رجلا منهم جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وسماهم وذكر معهم من أنبائهم ونسائهم عشرة


485
قال وقد كان حمل معهم النجاشي في السفينتين نساء من هلك هنالك من المسلمين وقال ابن هشام عن الشعبي إن جعفر بن ابي طالب قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح خيبر فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عينيه والتزمه وقال ما ادري بأيهما أنا أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر انتهى

2 سفينة الأشعر بين أبي موسى وإخوته وقومهم رضي الله تعالى عنهم

روى البخاري رحمه الله تعالى عن أبي موسى الاشعري رضي الله تعالى عنه قال بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن فخرجنا مهاجرين غليه أنا وأخوان لي أنا أصغرهم أحدهما أبو بردة والاخر أبورهم إما قال في بضع وإما قال في ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلا من قومي فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا الى النجاشي بالحبشة ووافقنا جعفر بن ابي طالب وأصحابه عنده فقال جعفر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا ها هنا وأمرنا يالاقامة فأقيموا معنا فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا فوافقنا النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر فأسلم لنا أو قال فأعطانا منها وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئا إلا لمن شهد معه الا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه قسم له معهم انتهى 3 سفن غير معينة

روى مالك رحمه الله تعالى في الموطأ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ من ماء البحر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الطهور ماؤه الحل ميته


486

فائدة لغوية

في الغريبين البضع من الشيء القطعة منه والعرب تستعمل ذلك فيما بين الثلاث إلى التسع والبضع والبضعة واحد ومعناهما القطعة من العدد وفي الصحاح بضع في العدد بكسر الباء وبعض العرب يفتحها وهو ما بين الثلاث إلى التسع تقول بضع سنين وبضعة عشر رجلا وبضع عشرة امرأة فإذا جاوزت لفظ العشر ذهب البضع لا تقول بضع وعشرون انتهى

قلت قد جاء ذلك في الحديث الذي قبل هذا من تخريج البخاري في خبر أبي موسى

وقال القاضي في المشارق قوله بضعا وخمسين سورة وبضعا وثلاثين ملكا بكسر الباء فقيل البضع والبضعة وقيل بفتحهما أيضا ما بين ثلاثة إلى عشرة الفصل الثاني

في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم

1 عمرو بن أمية الضمري رضي الله تعالى عنه تقدم ذكره في باب الوكيل في الجزء الرابع من هذا الكتاب فأغنى عن إعادته

2 جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في الاستيعاب جعفر بن أبي طالب يكنى أبا عبد الله واسم ابي طالب عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم كان جعفر أشبه الناس خلقا وخلقا برسول الله صلى الله عليه وسلم

وعن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجعفر أشبهت خلقي وخلقي يا جعفر

وكان جعفر أكبر من علي رضي الله تعالى عنهما بعشر سنين وكان عقيل أكبر من جعفر بعشر سنين وكان طالب أكبر من عقيل بعشر سنين وكان


487
جعفر من المهاجرين الأولين هاجر إلى أرض الحبشة وقدم منها على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فتح خيبر فتلقاه النبي صلى الله عليه وسلم واعتنقه وقال ما أدري بأيهما أنا أشد فرحا بقدوم جعفر أو بفتح خيبر وكان قدوم جعفر وأصحابه من أرض الحبشة في السنة السابعة من الهجرة واختط له رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب المسجد

ثم غزا غزوة مؤتة وذلك في سنة ثمان من الهجرة فقتل فيها قاتل فيها رضي الله تعالى عنه حتى قطعت يداه جميعا ثم قتل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء فمن هنالك قيل له جعفر ذو الجناحين

روينا عن ابن عمر أنه قال وجدنا ما بين صدر جعفر بن أبي طالب ومنكبيه وما أقبل منه تسعين جراحة ما بين ضربة بالسيف وطعنة بالرمح وقد روي أربع وخمسون جراحة والأول أثبت ولما أتى النبي صلى الله عليه وسلم نعي جعفر أتى امرأته أسماء بنت عميس فعزاها في زوجها جعفر ودخلت فاطمة وهي تبكي وتقول واعماه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم على مثل جعفر فلتبك البواكي

وعن ابن المسيب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل لي جعفر وزيد وابن رواحة في خيمة من در كل واحد منهم على سرير فرأيت زيدا وابن رواحة في أعناقهما صدود ورأيت جعفرا مستقيما ليس في صدود قال فسألت أو قيل لي إنهما حين غشيهما الموت أعرض أو كأنهما صدا بوجهها وأما جعفر فلا وجعفر أول من عرقب فرسا في سبيل الله نزل يوم مؤتة إذ رأى الغلبة فقاتل حتى قتل

وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ما احتذى النعال ولا ركب المطايا ولا وطىء التراب بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من جعفر


488

قال الزبير بن بكار كانت سن جعفر بن أبي طالب يوم قتل إحدى وأربعين سنة انتهى

فائدتان لغويتان

الأولى مؤتة التي استشهد بها جعفر رضي الله تعالى عنه في المشارق بضم الميم وسكون الهمز وفتح التاء باثنتين من فوق قاله الفراء وثعلب موضع بالشام حيث استشهد جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وابن رواحة ومن قتل معهم من المسلمين وأكثر الرواة يقولونه بغير همز

الثانية في الصحاح النعي خبر الموت يقال نعاه له نعيا ونعيانا بالضم وكذلك النعي على فعيل يقال جاء نعي فلان والنعي أيضا الناعي وهو الذي يجيء بخبر الموت

وأنشد الأعلم لامرىء القيس من الوافر

ألا إلا تكن إبل فمعزى
كأن قرون جلتها العصي
إذا مشت حوالبها أرنت
كأن الحي صبحهم نعي

3 أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه تقدم ذكره في باب المفتي في الجزء الثاني من هذا الكتاب فأغنى عن الإعادة هنا

الفصل الثاني
في إخبار النبي صلى الله عليه وسلم أن ناسا من أمته
يركبون البحر غزاة في سبيل الله ملوكا على الأسرة
أو مثل الملوك على الأسرة وفي ذكر أول من ركبه للغزو

روى مالك رحمه الله في الموطأ عن إسحاق بن عبد الله رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه


489
وسلم إذا ذهب إلى قباء يدخل على أم حرام بنت ملحان رضي الله تعالى عنها فتطعمه وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فأطعمته وجعلت تفلي رأسه فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ وهو يضحك قالت فقلت ما يضحكك يا رسول الله قال ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة يشك إسحاق قالت فقلت يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم ثم وضع رأسه فنام ثم استيقظ يضحك قالت فقلت يا رسول الله ما يضحكك قال ناس من أمتي عرضوا على غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة كما قال في الأولى فقلت يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال أنت من الأولين قال فركبت البحر في زمن معاوية بن أبي سفيان فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت

قال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى خرجت مع زوجها عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنهما غازية في البحر فلما وصلوا إلى جزيرة قبرس خرجت من البحر فقربت إليها دابة لتركبها فصرعتها فماتت ودفنت في موضعها وذلك في إمارة معاوية وخلافة عثمان رضي الله تعالى عنهم ويقال إن معاوية غزا تلك الغزاة بنفسه ومعه امرأته فاختة بنت قرظة انتهى

تنبيه

أول من ركب البحر غازيا في سبيل الله أهل هذه السفينة التي ركبت فيها أم حرام لقول النبي صلى الله عليه وسلم لها رضي الله تعالى عنها أنت من الأولين

وقال القاضي أبو الفضل عياض رحمه الله تعالى اسم أم حرام الرميصاء قال وقال ابن وهب هي إحدى خالات رسول الله صلى الله عليه وسلم من


490
الرضاعة فلهذا كان يدخل عليها ويقيل عندها وينام في حجرها وقال غير ابن وهب بل كانت خالة لأبي النبي صلى الله عليه وسلم أو لجده لأن أم عبد المطلب كانت من بني النجار

تنبيه

قد تقدم ذكر معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه في كتاب الوحي فأغنى عن إعادته الآن

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

الأولى في المشارق ثبج البحر بفتح الثاء والباء وسطه وثبج كل شيء وسطه وقيل ثبج البحر ظهره وقد جاء في الرواية الأخرى ظهر هذا البحر

الثانية جزيرة قبرس بضم القاف وسكون الباء بواحدة ضبطها الحافظ أبو علي الغساني بخطه في نسخته من كتاب الاستيعاب

الثالثة في الاشتقاق لابن سيد قرظة أبو فاختة زوج معاوية والقرظ ضرب من الشجر يدبغ به وفي جامع الاشتقاق وفي الديوان هو القرظ بفتح القاف والراء معا والواحدة قرظة


491
الباب الثامن والثلاثون
في صانع المنجنيق

قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى في السير حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الطائف بضعا وعشرين ليلة

قال ابن هشام ويقال سبع عشرة ليلة ورماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمنجنيق قال وحدثني من أثق به أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من رمى في الإسلام بالمنجنيق رمى أهل الطائف انتهى

وقال ابن الأثير في كتابه الكامل نصب رسول الله صلى الله عليه وسلم منجنيقا على أهل الطائف أشار به سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه انتهى

وذكر الجاحظ في كتاب البيان والتبيين أن جذيمة الأبرش أول من رمى بالمنجنيق

فائدة لغوية

في الصحاح الطائف بلاد ثقيف قال البكري وكان اسمها وج بفتح الواو والجيم المضاعفة قال وقال هشام إنما سمي الطائف فيما أخبرني ابن مسكين المدني قال أصاب رجل من الصدف دماء في قومه بحضرموت وكان يقال للصدفي الدمون ثم خرج هاربا حتى نزل بوج فحالف مسعود بن معتب ومعه مال عظيم فقال لهم هل لكم أن أبني طوفا عليكم يكون


492
لكم ردءا من العرب قالوا نعم فبنى لهم بماله ذلك الطوف فسمي الطائف لأنه حائط يطيف بهم قال أمية بن أبي الصلت من الرجز
نحن بنينا حائطا حصينا
نقارع الأبطال عن بنينا

قال القاضي في المشارق الطائف معلوم وهو وادي وج على يومين من مكة


493
الباب التاسع والثلاثون
في الرامي بالمنجنيق

قد تقدم في الباب قبل هذا قوله ابن هشام رحمه الله تعالى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى أهل الطائف بالمنجنيق

وفي كتاب نفحة الحدائق والخمائل في الابتداع والاختراع للأوائل أول من رمى بالمنجنيق في الإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل الطائف

فائدة لغوية

ابن قتيبة في الأدب منجنيق ومنجنيق بكسر الميم وفتحها وفي الصحاح المنجنيق الذي ترمى به الحجارة معربة وهي مؤنثة قال زفر بن الحارث من الطويل

لقد تركتني منجنيق ابن بحدل
أحيد عن العصفور حين يطير

والجمع منجنيقات ومجانيق والتصغير مجينيق وفي كتاب المذكر والمؤنث للفراء المنجنيق أنثى وبعض العرب يسميها المنجنوق وحكي لي ولم أسمعه منهم وفي المحكم عن أبي زيد جنقونا بالمنجنيق أي رمونا والجنق بضم الميم والنون حجارة المنجنيق وفي الغريبين الجنق أصحاب تدبير المنجنيق الواحد جانق


494

تنبيه

أنظر قول الجوهري في المنجنيق أولا الذي ترمى به الحجارة فذكره وقوله بعد معربة مؤنثة فإما أن يكون وهم في التذكير أو يكون تذكيرها لغة أو يكون ذلك من الناسخ


495
الباب الموفى أربعين
في صانع الدبابات

في كتاب نفحة الحدائق والخمائل في الابتداع والاختراع للأوائل أول دبابة صنعت في الإسلام دبابة صنعت على الطائف حين حاصرها رسول الله صلى الله عليه وسلم

وقال ابن إسحاق في السير في قصة حصار الطائف حتى إذا كان يوم الشدخة عند جدار الطائف دخل نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت دبابة ثم زحفوا إلى جدار الطائف ليخرقوه فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار فخرجوا من تحتها فرمتهم ثقيف بالنبل فقتلوا منهم رجالا انتهى

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

الاولى في الروض الأنف الدبابة آلة من آلات الحرب يدخل فيها الرجال فيدبون إلى الأسوار لينقبوها وفي الاشتقاق لاين سيد قال أبو جعفر الدبابة بيت صغير يعمل من جلود الإبل والبقر تعمل للحصون يدخلها الرجال فينقبون من داخلها ويكون سقفها حرزا لهم من الرمي

الثانية لم أر لأحد ممن تكلم على أغربة الحديث كلاما على معنى يوم الشدخة ويحتمل أن تكون الدبابة شدختها سكك الحديد المرسلة عليها فسمي يوم الشدخة بذلك وفي الصحاح الشدخ كسر الشيء الأجوف

الثالثة في الديوان السكة التي يحرث بها بكسر السين انتهى فيحتمل أن تكون هي المذكورة في هذا الحديث أو شبهها تطبع من الحديد محددة الأطراف


496
الباب الحادي والأربعون
في القوم يقطعون الأشجار ويحرقونها

روى مسلم رحمه الله تعالى عن نافع عن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير وقطع وهي البويرة

وزاد ابن قتيبة وابن رمح في حديثهما فأنزل الله عزوجل ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين الحشر

وفي حديث موسى بن عقبة ولها يقول حسان رحمه الله تعالى من الوافر

وهان على سراة بني لؤي
حريق بالبويرة مستطير

انتهى من كتاب مسلم رحمه الله تعالى

وقال ابن إسحاق في السير أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع أعناب ثقيف فوقع الناس يقطعون انتهى

فائدتان لغويتان

الأولى البويرة بضم الباء بواحدة وفتح الواو وسكون الياء أختها والراء المهملة على لفظ التصغير في المعجم والمشارق قال القاضي موضع معلوم من بلاد قريظة وبني النضير مذكور في شعر حسان

الثانية في المحكم اللينة واللونة كل ضرب من النخل ما لم يكن عجوة أبو برينا وفي التنزيل ما قطعتم من لينة أو تركتموها والجمع لين ولون وليان


497
الباب الثاني والأربعون
في حفر الخندق

ذكر إبن إسحاق رحمه الله تعالى في السير خبر اليهود لعنهم الله الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمع بهم وما اجتمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ترغيبا للمسلمين في الأجر وعمل معه المسلمون

وذكر أبو الفرج الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه مختصر الصفوة عن كثير بن عبد الله المدني عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خط الخندق وقطع لكل عشرة أربعين ذراعا فاحتج المهاجرون والأنصار في سلمان وكان رجلا قويا فقال المهاجرون سلمان منا وقال الأنصار سلمان منا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمان منا أهل البيت انتهى

وقال ابن إسحاق في السير وحدثت عن سلمان الفارسي قال ضربت في ناحية من الخندق فغلظت علي ورسول الله صلى الله عليه وسلم قريب مني فلما رآني أضرب ورأى شدة المكان علي نزل فأخذ المعول من يدي فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة قال ثم ضرب به الثانية فلمعت تحته برقة أخرى ثم ضرب به الثالثة قال فلمعت أخرى قال فقلت بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما هذا الذي رأيت لمع تحت المعول وأنت تضرب قال أو قد رأيت ذلك يا سلمان قال قلت نعم قال أما الأولى فإن الله فتح علي بها اليمن


498
وأما الثانية فإن الله فتح علي بها الشام والمغرب وأما الثالثة فإن الله فتح علي بها المشرق انتهى

وروى النسائي رحمه الله تعلى عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحفر الخندق عرض لنا فيه حجر لا يأخذ فيه المعول فاشتكينا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقى ثوبه وأخذ المعول وقال باسم الله فضرب ضربة فكسر ثلث الصخرة قال الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله إني لأبصر قصورها الحمر الآن مكاني هذا قال ثم ضرب أخرى وقال باسم الله وكسر ثلثا آخر وقال الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن ثم ضرب الثالثة وقال باسم الله فقطع الحجر قال الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأبصر باب صنعاء انتهى

قال ابن إسحاق واقبل فوارس من قريش تعنق بهم خيلهم حتى وقفوا على الخندق فلما رأوه قالوا والله إن هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها

قال ابن هشام يقال إن سلمان أشار به على رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى

وفي كتاب نفحة الحدائق والخمائل في الابتداع والاختراع للأوائل أول من ضرب الخندق في الإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة انتهى

فوائد لغوية في خمس مسائل

الأولى ضرب الخندق عمله وأنشأه وكذلك ضرب الحائط وفي المحكم الضريبة الطبيعة وهذه ضريبته التي ضرب عليها وضربها أي طبع


499
وفي شرح حاتم لابن السكيت في قول حاتم من الطويل
ولو شهدتنا بالمراح لأيقنت
على ضرنا أنا كرام الضرائب

والضرائب الطبائع والخلائق

وقال الأعلم في شرحه لقول طرفة من الطويل

ويأتيك بالأخبار من لم تبع له
بتاتا ولم تضرب له وقت موعد

معنى تضرب تجعل يقال ضربت له أجلا وموعدا إذا جعلته له

الثانية في المحكم الخندق الحفير وخندق حوله حفر خندقا

الثالثة في الديوان المعول بكسر الميم الفأس التي تكسر بها الحجارة وعينة مهملة

الرابعة في المقصور والممدود لابن القوطية صنعاء مدينة باليمن يمد ويقصر

الخامسة في الديوان العنق بفتح العين والنون السير الفسيح واعنق يعنق إعناقا


500
الباب الثالث والاربعون
في صاحب المغانم
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الاول
في ذكر من ولي جمعها وحفظها حتى تقسم في يوم بدر

قال ابن اسحاق رحمه الله تعالى في السير في أخبار يوم بدر وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على النقل عبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار رضي الله تعالى عنه

وكذلك ابن حزم في الجماهير محمية بن جزء الزبيدي وقال ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم يوم بدر

وفي يوم خيبر ذكر ابن اسحاق رحمه الله تعالى في أخبار غزوة خيبر عمن لا يتهم عن عبد الله بن مغفل المزني رضي الله تعالى عنه قال أصبت من فيء خيبر جراب شحم فاحتملته على عنقي الى رحلي واصحابي قال فلقيني صاحب المغانم الذي جعل عليها فأخذ بناحيته وقال هلم هذا حتى نقسمه بين المسلمين قال قلت لا والله لا أعطيكه قال يجاذبني الجراب قال فرآنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نصنع ذلك فتبسم ضاحكا ثم قال لصاحب المغانم لا أبالك خل بينه وبينه قال فأرسله فانطلقت به الى رحلي وأصحابي فأكلناه انتهى


501
وقال ابن فتحون في كتابه ذيل الاستيعاب ذكر ابن وهب بسند عن رجل من قريش قال لما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر جاع بعض الناس فافتتحوا حصنا من حصونها فأخذ رجل من المسلمين جراب شحم فبصر به صاحب المغانم وهو كعب بن عمرو بن زيد الانصاري فأخذه منه فقال النبي صلى الله عليه وسلم خل بينه وبين جرابه فذهب به الى أصحابه انتهى

وقال السهيلي في الروض الانف ذكر ابن إسحاق حديث عبد الله بن مغفل ولم يذكر اسم صاحب المغانم وروي عن ابن وهب أنه قال كان على المغانم يوم خيبر أبو اليسر كعب بن عمرو بن زيد الأنصاري

وكذلك قال فيه ابن بشكوال في كتابه المعجم كعب بن عمرو بن زيد فجعلوا اسم والد عمرو زيدا وجعله ابن إسحاق وابن عبد البر في اسم ولده عبد الله بن كعب في الفصل الذي قبل هذا عوفا وكذلك نسب ابن حزم عبد الله بن كعب في الجماهير وأخاه عبد الرحمن بن كعب فقال عبد الرحمن بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار أحد البكائين المذكورين في القرآن وأخوه عبد الله بن كعب بدري انتهى ولم يذكره أبو عمر ابن عبدالبر في كتابه وذكره ابن فتحون وغيره حسبما تقدم

وفي يوم حنين قال القاضي محمد بن سلامة القضاعي في كتاب الأنباء كان بها من السبايا ستة آلاف ومن الإبل والغنم ما لا يدري عدده

وروى ابن فارس في كتابه مسند الزهري عن سعيد بن المسيب ان النبي صلى الله عليه وسلم سبى يومئذ ستة آلاف بين امرأة وغلام فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم أبا سفيان بن حرب انتهى


502

وذكر ابن حزم في الجماهر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل أبا الجهم بن حذيفة بن غانم القرشي العدوي على النفل يوم حنين انتهى

وذكر ابن الأثير في كتابه الكامل في أخبار يوم حنين وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسبايا والأموال فجمعت إلى الجعرانة وجعل عليها بديل بن ورقاء الخزاعي انتهى

وقال ابن إسحاق رحمه الله تعالى في السير كان على المغانم يوم حنين مسعود بن عمرو القاري

وقال ابن عبد البر مسعود بن عمرو القاري من القارة كان على المغانم يوم حنين وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحبس السبايا والأموال بالجعرانة انتهى

فوائد لغوية في خمس مسائل

الأولى في الديوان غنم القوم بكسر النون يغنمون بفتحها وفي الصحاح غنما بالضم والغنمية والمغنم بمعنىوقال القزاز وجمع الغنيمة غنائم وجمع المغنم مغانم

وقال وأصل الغنيمة والمغنم الربح ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الرهن له غنمه وعليه غرمة أي فضله للراهن ونقصانه عليه

الثانية في الصحاح النقل بالتحريك الغنيمة والجمع الأنفال قال لبيد من الرمل

إن تقوى ربنا خير نفل

503

الثالثة في المؤتلف والمختلف لعبد الغني عبد الله بن مغفل بالغين معجمة بعدها فاء وهما مفتوحتان والفاء مشددة هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم

الرابعة في المشارق الجراب وعاء من جلد كالمزود ونحوه بكسر الجيم قاله الخليل وغيره وقال القزاز هو بفتح الجيم وفي الصحاح الجراب معروف والعامة تفتحه والجمع أجربة وجرب وجرب

الخامسة في المشارق الجعرانة أصحاب الحديث يقولونه بكسر العين وتشديد الراء وبعض أهل الاتقان يقولونه بتخفيفها وكلاهما صواب مسموع

وعن علي بن المديني ان أهل المدينة وقال البصري أهل الحجاز يقولونه بالتثقيل وأهل العراق يقولونه بالتخفيف ومذهب الأصمعي التخفيف وحكى أنه سمع من العرب من يثقلها وقال البكري وهي ما بين الطائف ومكة وهي إلى مكة أدنى وبها قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم حنين الفصل الثاني

في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم

1 عبد الله بن كعب رضي الله تعالى عنه تقدم نسبه عند ذكر اسمه في أول هذا الباب عن ابن إسحاق وكذلك نسبه أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب وقال شهد بدرا وكان على غنائم النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر وشهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان على خمس النبي صلى الله عليه وسلم في غيرها يكنى أبا الحارث وقيل يكنى أبا يحيى كانت وفاته بالمدينة سنة ثلاثين وصلى عليه عثمان رضي الله تعالى عنه وهو أخو أبي ليلى المازني انتهى


504

2 محمية بن جزء رضي الله تعالى عنه يأتي الكلام عليه في باب صاحب الخمس بعد هذا الباب إن شاء الله تعالى

3 كعب بن عمر بن زيد لم يذكره أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب واستدركه ابن فتحون في الذيل وقد تقدم ما ذكره ابن فتحون في اسمه قبل هذا وما ألحقته من قولي السهيلي وابن حزم في اختلافهم في نسبه ولم أقف من شأنه على غير ذلك

4 أبوسفيان بن حرب في الاستيعاب ابو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي القرشي هو والد معاوية ويزيد وعتبة وإخوتهم ولد أبو سفيان قبل الفيل بعشر سنين وكان من أشراف قريش في الجاهلية أسلم يوم الفتح

وفي حديث ابن عباس عن أبيه رضي الله تعالى عنه أنه قال لما أتى به العباس وقد أردفه خلفه يوم الفتح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله أن يؤمنه فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له ويحك يا أبا سفيان أما آن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله فقال بأبي أنت وأمي ما أوصلك وأعلمك وأكرمك والله لقد ظننت أنه لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئا فقال ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله فقال بأبي أنت وأمي ما أوصلك وأحلمك وأكرمك أما هذه ففي نفسي منها شيء فقال له العباس ويلك أشهد شهادة الحق قبل ان تضرب عنقك فشهد وأسلم

وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا مسلما وأعطاه من غنائمها مائة بعير وأربعين أوقية وزنها له بلال رضي الله تعالى عنه

واختلف في حسن إسلامه فطائفة تروي انه لما أسلم حسن إسلامه وذكر عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال رأيت أبا سفيان يوم اليرموك وهو تحت راية ابنه يزيد يقاتل ويقول يا نصر الله اقترب وطائفة تروي أنه كان كهفا للمنافقين منذ أسلم وكان في الجاهلية ينسب إلى الزندقة


505

وروي عن الحسن أن أبا سفيان دخل على عثمان رضي الله تعالى عنه حين صارت الخلافة إليه فقال قد صارت إليكم بعد تيم وعدي فأدرها كالكرة واجعل أوتادها بني امية فإنما هو الملك وما أدري ما جنة ولا نار فصاح به عثمان قم عني فعل الله بك وفعل قال أبو عمر وله اخبار من نحو هذا رديئة ذكرها أهل الأخبار وحديث سعيد بن المسيب يدل على صحة إسلامه والله تعالى أعلم

وفقئت عينه يوم الطائف فلم يزل أعور حتى فقئت عينه الأخرى يوم اليرموك اصابها حجر فشدخا فعمي ومات سنة ثلاث وثلاثين في خلافة عثمان وقيل سنة اثنتين وثلاثين وقيل سنة إحدى وثلاثين وقيل سنة أربع وثلاثين ودفن بالبقيع وهو ابن ثمان وثمانين سنة وقيل ابن بضع وسبعين سنة انتهى

5 ابو الجهم بن حذيفة رضي الله تعالى عنه في الاستيعاب أبو جهم بن حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب القرشي العدوي قيل اسمه عامر وقيل عبيد اسلم عام الفتح وصحب النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خميصة لها أعلام فشغلته في الصلاة فردها عليه هذا معنى رواية اهل الحديث

وذكر الزبير بسند ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بخميصتين سوداوين فلبس إحداهما وبعث الأخرى إلى أبي جهم ثم إنه أرسل إلى أبي جهم في تلك الخميصة وبعث إليه التي لبسها ولبس هو التي كانت عند أبي جهم بن حذيفة بعد أن لبسها أبو جهم لبسات

وكان أبو جهم من مشيخة قريش مقدما فيهم معظما عالما بالنسب وكانت فيه وفي ابيه شدة وعرامة وهو احد الاربعة الذين دفنوا عثمان بن عفان وهم حكيم بن حزام وجبير بن مطعم ونيار بن مكرم وأبو جهم بن حذيفة

وعن الزبيرقال قال عمي كان أبو جهم من المعمرين من قريش بنى الكعبة مرتين مرة في الجاهلية حين بنتها قريش ومرة حين بناها ابن الزبير


506
قال ابو عمر كذا ذكر الزبير عن عمه أن ابا جهم شهد بنيان الكعبة في زمن ابن الزبير وغيره يقول انه توفي في خلافة معاوية والزبير وعمه أعلم بأخبار قريش انتهى

6 بديل بن ورقاء رضي الله تعالى عنه في الاستيعاب بديل بن ورقاء بن عبد العزى بن ربيعة الخزاعي من خزاعة أسلم هو وابنه عبد الله بن بديل وحكيم بن حزام يوم فتح مكة بمر الظهران في قول ابن شهاب وذكر ابن اسحاق أن قريشا يوم فتح مكة لجأوا الى دار بديل بن ورقاء الخزاعي ودار مولاه رافع وشهد بديل وابنه حنينا والطائف وتبوك وكان بديل من كبار مسلمة الفتح وقيل إنه أسلم يوم الفتح وروى عنه ابنه مسلمة بن بديل أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب له كتابا وقال ابو عمر وذكر البخاري بسنده عن بديل بن ورقاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره ان يحبس السبايا والاموال بالجعرانة حتى يقدم عليه ففعل انتهى

7 مسعود بن عمرو القاري رضي الله تعالى عنه قال ابن عبد البر في الاستيعاب مسعود بن عمرو القاري من القارة كان على المغانم يوم حنين وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يحبس السبايا والاموال بالجعرانة ولم يزد على هذا وقد تقدم في اول الباب انتهى

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

الاولى في الصحاح آن أينك وأنىاينك أي حان حينك وآن لك أن تفعل كذا يئين أينا عن أبي زيد حان مثل أنى لك وهو مقلوب منه وأنشد ابن السكيت [ من الطويل ]

ألما يئن لي أن تجلى عمايتي
وأقصر عن ليلى بلى قد أنى ليا
فجمع بين اللغتين انتهى
507
قلت وكذا جاءت اللغتان في هذا الحديث وفي ديوان الادب آن لك أن تفعل كذا يئين أينا وأنى لك أن تفعل كذا يأني أي حان بفتح العين في الماضي وكسرها في المستقبل

الثانية في الغريبين قال الاصمعي الخمائص ثياب خز أو صوف معلمة وهي سود كانت من لباس الناس

الثالثة نيار بكسر النون وفتح الياء أخت الواو اسم رجل كذا قيده الفارابي

الفصل الثالث
في ذكر من تولى بيع ما احتيج الى بيعه من الغنائم

ذكر أبو القاسم خلف بن بشكوال رحمه الله تعالى في كتابه الذي ألفه في تفسير ما استعجم من غوامض الاسماء المبهمة الواقعة في متون الاحاديث المسندة بسنده عن مالك أنه قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم السعدين يوم خيبر أن يبيعا آنية من المغانم من ذهب أو فضة فباعا كل ثلاثة بأربعة عينا أو كل أربعة بثلاثة عينا فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أربيتما فردا

قال ابو القاسم ابن شكوال السعدان المذكوران اختلف فيهما كثيرا وأولى ما قيل في ذلك إن شاء الله تعالى أنهما سعد بن ابي وقاص وسعد بن عبادة رضي الله تعالى عنهما

وروى بسنده ذكره عن ابي كثير جلاح مولى عبد الرحمن أو عبد العزيز بن مروان قال سمعت حنشا السبائي عن فضالة رضي الله تعالى عنه يقول كنا يوم


508
خيبر فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الغنائم سعد بن أبي وقاص وسعد بن عبادة فأرادوا أن يبيعوا الدينارين بالثلاثة والثلاثة بالخمسة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا إلا مثلا بمثل قال ابن بشكوال قال أبو عمر ابن عبد البر هذا إسناد متصل صحيح حسن فصح أن السعدين سعد بن أبي وقاص وسعد بن عبادة وارتفع الشك في ذلك والحمد لله قال ابن بشكوان انتهى كلام أبي عمر والحمد لله

تنبيه

قد تقدم ذكر سعد بن ابي وقاص في باب الحارس من هذا الجزء وذكر سعد بن عبادة في باب صاحب اللواء من هذا الجزء أيضا فأغنى ذلك عن الاعادة هنا

فائدة لغوية

الجلاح اسم الرجل بضم الجيم وفتح اللام مخففة غير مشددة كذلك قيده الفارابي


509
الباب الرابع والاربعون
في صاحب الخمس
وفيه فصلان
الفصل الأول
في ذكر من ولي ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم

1 عبد الله بن كعب بن عمرو الانصاري رضي الله تعالى عنه قال ابو عمر ابن عبد البر كان على غنائم النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر وكان عل خمس النبي صلى الله عليه وسلم وغيرها انتهى

2 محمية بن جزء رضي الله تعالى عنه ذكر مسلم رحمه الله تعالى في كتاب الزكاة في باب ترك استعمال آل النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة فقال محمية بن جزء وهو رجل من بني أسد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمله على الاخماس

وقال القاضي عياض في الاكمال هكذا قال مسلم وهو رجل من بني أسد والمحفوظ من بني زبيد انتهى

قلت والى بني زبيد نسبة أبو داود في سننه وابو عمر في الاستيعاب وابن حزم في الجماهير وقالوا ثلاثتهم استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على الاخماس وكذلك نسبة أبو عبيد القاسم بن سلام في جماهره أيضا


510
الفصل الثاني
في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم

1 عبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف رضي الله تعالى عنه تقدم الكلام عليه في باب صاحب المغانم قبل هذا بما أغنى عن إعادته هنا

2 محمية بن جزء الزبيدي قال أبو عبيد في الجماهر محمية بن جزء حليف بني جمح من ولد زبيد الأصغر وهو منبه بن ربيعة بن سلمة بن مازن بن ربيعة بن منبه قال ومنبه بن صعب جماع زبيد

وقال ابن حزم في الجماهر محمية بن جزء بن عبد يغوث بن عويج بن عمرو بن زبيد الأصغر بن ربيعة بن سلمة بن مازن بن ربيعة بن زبيد له صحبة بدري ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم الأخماس والمغانم يوم بدر

وفي الاستيعاب محمية بن جزء بن عبد يغوث بن عويج بن عمرو بن زبيد الأصغر الزبيدي حليف لبني سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي كان من مهاجرة الحبشة وتأخر إقباله منها أول مشاهده المريسيع واستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأخماس وأمره أن يصدق عن قوم من بني هاشم في مهور نسائهم منهم الفضل بن عباس انتهى

وذكر مسلم رحمه الله في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يصدق عن الفضل بن العباس وعن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث من الخمس


511
الباب الخامس والأربعون
في الرجل يبعثه الإمام مبشرا بالفتح وفيه تلقي القوم المبعوث إليهم بالبشارة الإمام في الطريق يهنئونه

وفيه فصلان

الفصل الأول
في ذكر من بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مبشرا

قال ابن اسحاق رحمه الله تعالى في أخبار يوم بدر ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الفتح عبد الله بن رواحة بشيرا إلى أهل العالية بما فتح الله على رسوله وعلى المسلمين وبعث زيد بن حارثة إلى أهل السافلة قال ابن إسحاق ثم اقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا إلى المدينة حتى إذا كان بالروحاء لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح الله عليه ومن معه من المسلمين انتهى

الفصل الثاني
في ذكر انسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم

قال ابن هشام في السير زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى بن امرىء القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن بكر ابن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة انتهى

وكذلك نسبه ابن حزم في الجماهر


512

وقال أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي أبو أسامة مولى رسول الله صلي الله عليه وسلم ونسبه كما نسبه ابن هشام وابن حزم ووصل نسبه بقحطان قال وكان ابن اسحاق يقول زيد بن حارثة بن شرحبيل ولم يتابع على قوله شرحبيل وانما هو شراحيل وأم زيد سعدى بنت ثعلبة بن عامر من بني معن بن طيء وكان زيد رضي الله تعالى عنه أصابه سباء في الجاهلية فاشتراه حكيم بن حزام لخديجة بنت خويلد فوهبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتبناه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل النبوة وهو إبن ثمان سنين وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر منه بعشر سنين وقد قيل بعشرين سنة وطاف به رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تبناه على حلق قريش يقول هذا ابني وارثا وموروثا يشهدهم على ذلك وقال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزلت أدعوهم لأبائهم وعن بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال خرجت سعدى بنت ثعلبة أم زيد بن حارثة وهي امرأة من طيء تزور قومها وزيد معها فأغارت خيل لبني القين بن جسر في الجاهلية فمروا على أبيات بني معن رهط أم زيد فاحتملوا زيدا وهو يومئذ غلام يفعه فوافوا به سوق عكاظ فعرضوه للبيع فاشتراه منهم حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد بأربعمائة درهم فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبته له

وقال أبوه حارثة بن شراحيل حين فقده من الطويل

بكيت على زيد ولم أدر ما فعل
أحي يرجى أم أتى دونه الأجل
فوالله ما أدري وإن كنت سائلا
أغالك سهل الأرض أم غالك الجبل
فيا ليت شعري هل لك الدهر رجعه
فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل
تذكرنيك الشمس عند طلوعها
وتعرض ذكراه إذا قارب الطفل

513
وإن هبت الأرواح هيجن ذكره
فيا طول ما حزني عليه ويا وجل
سأعمل نص العيس في الأرض جاهدا
ولا أسام التطواف أو تسأم الإبل
حياتي أو تأتي علي منيتي
وكل امرىء فإن وإن غره الأمل
سأوصي به قيسا وعمرا كليهما
وأوصي يزيدا ثم من بعده جبل

يعني جبلة بن حارثة أخا زيد وكان أكبر من زيد ويعني يزيد أخا زيد لأمه وهو يزيد بن كعب بن شراحيل

فحج ناس من كلب فرأوا زيدا فعرفهم وعرفوه فقال أبلغوا أهلي هذه الأبيات فإني أعلم أنهم قد جزعوا علي فقال من الطويل

أحن إلى قومي وإن كنت نائيا
فإني قعيد البيت عند المشاعر
فكفوا عن الوجد الذي قد شجاكم
ولا تعملوا في الأرض نص الأباعر
فإني بحمد الله في خير أسرة
كرام معد كابرا بعد كابر

فانطلق الكلبيون فأعلموا أباه فقال ابني ورب الكعبة ووصفوا له موضعه وعند من هو فخرج حارثه وكعب بن شراحيل لفدائه وقدما المدينة فسألا عن النبي صلى الله عليه وسلم فقيل هو في المسجد فدخلا عليه فقالا يا ابن عبد المطلب يا ابن هاشم يا ابن سيد قومه أنتم أهل حرم الله وجيرانه تفكون العاني وتطمعون الأسير جئناك في ابننا عبدك فامنن علينا واحسن إلينا في فدائه قال من هو قالوا زيد بن حارثة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهلا غير ذلك قالوا ما هو قال أدعوه فأخبره فإن اختاركم فهو لكم وإن اختارني فو الله ما أنا بالذي أختار على من اختارني احدا قالا قد زدتنا على النصف وأحسنت فدعاه فقال هل تعرف هؤلاء قال نعم قال من هذا قال هذا أبي وهذا عمى قال فإني من قد علمت ورأيت صحبتي لك فاخترني او اخترهما قال زيد ما أنا بالذي أختار عليك أحدا أنت مني مكان الأب والعم


514

فقالا ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك قال نعم قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالذي أختار عليه أبدا فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه إلى الحجر فقال يا من حضر اشهدوا أن زيدا ابني يرثني وأرثه فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت نفوسهما وانصرفا ودعي زيد بن محمد حتى جاء الله بالإسلام فنزلت ادعوهم لأبائهم فدعي يومئذ زيد بن حارثة

وعن الزهري قال ما علمنا أحدا أسلم قبل زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه قال عبد الرزاق ما أعلم أحدا ذكره غير الزهري قال أبو عمر رحمه اللة تعالى وقد روي عن الزهري من وجوه أن أول من أسلم خديجة

وشهد زيد بن حارثة بدرا وزوجه رسول اللة صلى الله عليه وسلم من مولاته أم أيمن فولدت له أسامة بن زيد وبه كان يكنى وكان يقال لزيد بن حارثة حب رسول اللة صلى الله عليه وسلم

وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال إن أحب الناس إلي من أنعم الله عليه وأنعمت عليه يعني زيد بن حارثة أنعم الله عليه بالإسلام وأنعم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعتق

وقتل زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه بمؤتة من أرض الشام سنة ثمان من الهجرة وهو كان الأمير على تلك العزوة وقال رسول اللة صلى الله عليه وسلم فإن قتل زيد فجعفر فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة فقتلوا ثلاثتهم في تلك الغزوة ولما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعي جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة بكى وقال أخواي ومؤنساسي ومحدثاي انتهى

وقال ابن قتيبة في المعارف كان زيد ممن أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجيش يوم مؤتة فاستشهد وكان يوم مؤتة سنة ثمان وقتل وهو إبن خمس وخمسين سنة انتهى


515

وروى أبو عمر ابن عبد البر بسنده عن الليث بن سعد قال بلغني أن زيد بن حارثة اكترى من رجل بغلا من الطائف اشترط عليه الكري أن ينزله حيث شاء قال فمال به إلى خربة فقال انزل فنزل فإذا في الخربة قتلى كثيرة فلما أراد أن يقتله قال له دعني أصلي ركعتين قال صل فقد صلى قبلك هؤلاء فلم تنفعهم صلاتهم شيئا قال فلما صليت أتاني ليقتلني قال فقلت يا أرحم الراحمين قال فسمع صوتا لا تقتله قال فهاب ذلك فخرج يطلب فلم يطلب فلم ير شيئا فرجع الى فناديت يا أرحم الراحمين ففعل ذلك ثلاثا فإذا أنا بفارس على فرس بيده حربة حديد في رأسها شعلة من نار فطعنه بها فإنفذه من ظهره فوقع ميتا ثم قال لي بما دعوت المرةالأولى كنت في السماء السابعة فلما دعوت في المرة الثانية يا أرحم الراحمين كنت في السماء الدنيا فلما دعوت في المرة الثالثة يا أرحم الراحمين أتيتك انتهى

فوائد لغوية في ثماني مسائل

الأولى اين طريف بشرتك بالخبر بفتح الشين وكسرها بشارة بكسر الباء وضمها وأبشرتك بالخبر أيضا وفي الديوان بشترك مشددا وقاله ابن القوطية وفي الصحاح وتقول أبشر بخير بقطع الألف ومنه قوله تعالى وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون والبشارة المطلقة لا تكون إلا بالخير وإنما تكون بالشر إذا كانت مقيدة به كقوله تعالى فبشرهم بعذات أليم وبشرت الرجل بشرا وبشورا من البشرى وكذلك الإبشار والتشير ثلاث لغات وتباشر القوم بشر بعضهم بعضا والتباشير البشرى والبشير المبشر

الثانية في المشارق العالية ما كان من جهة نجد من المدينة من قراها وعمائرها والسافلة ما كان من ذلك من جهة تهامة

الثالثة في المشارق الروحاء بفتح الراء ممدود بينه وبين المدينة


516
نحو أربعين ميلا وفي كتاب مسلم هي على ستة وثلاثين ميلا وفي كتاب ابن أبي شيبة ثلاثون ميلا

الرابعة في الصحاح أيقع الغلام أي ارتفع وهو يافع ولا يقال موفع وهو من النوادر وغلام يفع ويفعة وغلمان أيفاع ويفعة أيضا

الخامسة الفارابي بجلي هذا وبجلي بفتح الجيم وسكونها والباء مفتوحة في اللغتين ومعناه حسبي

السادسة في الصحاح العاني الأسير وقوم عناة ونسوة عوان وعنا فيهم فلان أسيرا أي أقام فيهم على إساره واحتبس وعناه غيره تعنية حبسه

السابعة في ديوان الأدب النصف بكسر النون وسكون الصاد النصف والنصفة بالفتح الاسم من الإنصاف وفي الأفعال لابن طريف أنصفتك أعطتيك حقك وأنشد غيره للفرزدق من الطويل

ولكن نصفا لو سببت وسبني
بنو عبد شمس من مناف وهاشم

الثامنة في المحكم الكروة والكروة والكراء أجر المستأجر كاراه مكاراة وكراء واكتراه وأكراه دابته أو داره والاسم الكرو بغير هاء عن اللحياني وكذلك الكروة والكروة والمكاري والكري الذي يكريك دابته والجمع أكرياء لا يكسر على غير ذلك وفي الصحاح الكراء ممدود مصدر كاريت والمكاري مفاعل منه وهو من ذوات الواو وتقول أعط الكري كروته بالكسر أي كراه وتقول هؤلاء المكارون وذهبت إلى المكارين ولا تقول المكاريين بالتشديد


517
الجزء السادس
في العمالات الجبائية
وفيه اثنا عشر بابا
518

519
الباب الأول
في صاحب الجزية
وفيه فصلان

الفصل الأول

في ذكر أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الجزية وممن أخذها

قال محمد بن المنذر في الإشراف قال الشافعي صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم نصارى نجران على الجزية وفيهم عرب وعجم وصالح ذمة اليمن على الجزية وفيهم عرب وعجم انتهى

وذكر أبو عمر ابن عبد البر في التمهيد عن ابن شهاب قال أول من أعطى الجزية من أهل الكتاب أهل نجران في علمنا وكانوا نصارى ثم قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الجزية من أهل البحرين وكان مجوسا

فوائد لغوة

في الصحاح الجزية ما يؤخذ من أهل الذمة والجمع مثل لحية ولحى

قال العزيزي الجزية الخراج المجعول على رأس الذمي وسميت جزية لأنها قضاء منهم لما عليهم ومنه قوله عز وجل لا تجزي نفس عن نفس شيئا أي لا تقضي ولا تغني


520

وقال ابن عسكر في المشرع أو لأنها جزاء للمن عليهم بالإعفاء من القتل

الفصل الثاني
في ذكر من تولى الجزية
في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم

فمنهم أبو عبيدة ابن الجراح القرشي رضي الله تعالى عنه روى النسائي رحمه الله تعالى عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أن العاقب والسيد صاحبا نجران أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرادا أن يلاعناه فقال أحدهما لا ألاعنه والله لئن كان نبيا لعله لا نفلح ولا عقبنا من بعده قالا له نعطيك ما سألت فابعث معنا رجلا أمينا حق أمين فاستشرف لها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قم يا أبا عبيدة ابن الجراح فلما مضى قال هذا أمين هذه الأمة انتهى

وذكر ابن عطية أنهم لما أبوا أن يباهلوه صلى الله عليه وسلم قال لهم أسلموا فإن أبيتم فأعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون فإن أبيتم فإني أنبذ إليكم على سواء قالوا لا طاقة لنا بحرب العرب ولكنا نؤدي الجزية قال فجعل عليهم في كل سنة ألفي حلة ألفا في رجب وألفا في صفر وطلبوا منه رجلا أمينا يحكم بينهم فبعث معهم أبا عبيدة ابن الجراح رضي الله تعالى عنه

وروى البخاري رحمه الله تعالى عن عمرو بن عوف الأنصاري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة ابن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين الحديث بكماله

2 ومنهم معاذ ببن جبل بن عمرو الأنصاري رضي الله تعالى عنه روى أبو داود رحمه الله تعالى عن معاذ رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله


521

عليه وسلم لما وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم يعني محتلما دينارا أو عدله من المعافر ثيابا تكون باليمن انتهى

فائدتان لغويتان

الأولى في المشارق الحالم هو الذي بلغ الحلم بضم الحاء واللام وهو إدارك الرجال وأصله من الاحتلام في النوم وفي الحديث على كل محتلم وخذ من كل حالم دينارا والحلم بضم الحاء وسكون اللام وضمها أيضا من حلم النوم ورؤياه والفعل منه حلم بفتح اللام

الثانية في المشارق برد معافري بفتح الميم منسوب إلى معافر قرية باليمن وأصله قبيل منهم نزلوها وحكى لنا شيخنا أبو الحسين الضم وقد أنكر يعقوب الضم فيه

تنبيه

قد تقدم ذكر أبي عبيدة ابن الجراح رضي الله تعالى عنه في باب المقدم على الرجالة في الجزء الخامس من هذا الكتاب وذكر معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه في باب القاضي في الجزء الرابع منه فأغنى عن الإعادة الآن


522
الباب الثاني
في صاحب الاعشار

وفيه أربعة فصول

الفصل الاول

في ذكر ما جاء في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

روى أبو داود رحمه الله تعالى عن حرب بن عبيد الله بن عمير الثقفى عن جده رجل من بنى تغلب قال أتيت النبى صلى الله عليه وسلم فأسلمت وعلمنى الاسلام وعلمني كيف اخد الصدقة من قومي ممن أسلم ثم رجعت اليه فقلت يا رسول الله كل ما علمتني قد حفظت الا الصدقة أفأعشرهم قال لا انما العشر على اليهود والنصارى

فائدة لغوية

في المشارق عشور أهل الذمة وتعشيرهم هو ما يؤخد منهم اذا نزلوا بنا تجارا على ذمة وعهد وذلك ما صولحوا عليه عند مالك وفي رواية العشور وهو اسم لما يؤخذ منهم كالسحور لما يتسحر به وفى الترجمة عشور


523

أهل الذمة بالضم الا ان الضم له وجه كأنه جمع عشر وإذا سافر أهل الذمة من أفق إلى أفق غير أفقهم من بلاد الإسلام أخذ منهم العشر مما بأيديهم انتهى

وفي الصحاح العشر الجزء من أجزاء العشرة وعشرت القوم أعشرهم عشرا بالضم إذا أخذت منهم عشر أموالهم ومنه العاشر والعشار وعشرت القوم أعشرهم بالكسر عشرا بالفتح أي صرت عاشرهم

الفصل الثاني
في ذكر من تولى ذلك
في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه

روى الزهري رحمه الله تعالى في مسنده عن السائب بن يزيد رضي الله تعالى عنه قال كنت عاملا مع عبد الله بن عتبة على سوق المدينة في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فكنا نأخذ من النبط العشر

وعن السائب أيضا رضي الله تعالى قال عنه كنت أعشر اليهود والنصارى وخرجه مالك في موطأة بنصه رضي الله تعالى عنه الفصل الثالث

في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم

السائب بن يزيد رضي الله تعالى عنه في الإستيعاب السائب ابن يزيد بن سعيد بن ثمامة بن الأسود بن أخت النمر اختلف في نسبه فقيل كناني وقيل كندي وقيل هذلي وقيل أزدي حليف لبني أمية أو بني عبد شمس ولد في السنة الثانية من الهجرة وقيل في الثالثة

وكان يقول ذهبت بي خالتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يارسول الله إن ابن أختي وجع فدعا لي ومسح برأسي ثم توضأ فشربت من


524

وضوئه ثم قمت خلف ظهره فنظرت إلى خاتم بين كتفيه كأنه رز الحجلة وكان عاملا لعمر على سوق المدينة مع عبد الله بن عتبة بن مسعود واختلف في وقت وفاته فقيل توفي سنة ثمانين وقيل سنة إحدى وتسعين انتهى

2 عبد الله بن عتبة بن مسعود قال أبو عمر رحمه الله تعالى هو ابن أخي عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما ذكره العقيلي في الصحابة فغلط وإنما هو تابعي من كبار التابعين بالكوفة استعمله عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ولكنه ولد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتي به فمسحه بيده ودعا له روى عنه ابنه حمزة بن عبد الله بن عتبة أنه قال أذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده على رأسي

وروت عنه أم ولده قالت قلت لسيدي عبد الله بن عتبة أي شيء تذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أذكر أني غلام خماسي أو سداسي أجلسني النبي صلى الله عليه وسلم في حجره ومسح على وجهي ودعا لي ولذريتي البركة انتهى

فائدة لغوية

في المشارق في صفة خاتم النبوة مثل زر الحجلة كذا هو في صحيح مسلم وفي كتاب البخاري بتقديم الزاي مكسورة والحجلة بحاء مهملة مفتوحة وجيم مفتوحة والزر واحد الأزرار التي تدخل في العرى كأزرار القميص والحجلة واحد الحجل وهو ستر ذو سجوف


525
الفصل الرابع
في حكم ما يجلبه الحربيون إذا خلوا بالأمان
وحكم ما تجر به أهل الذمة من الخمر والخنزير

قال أبو عمر ابن عبد البر في باب حكم أهل الحرب إذا دخلوا إلينا بأمان في كتابه الكافي ولا يعرض لهم في بيع الخنزير والخمر من أهل الذمة ويؤخذ منهم عشر ثمن ذلك كله انتهى

وقال أبو محمد عبد الله بن نجم بن شاس في الجواهر في كتاب عقد الذمة منه إذا تجر أهل الذمة بالخمر وما يحرم علينا فروى ابن نافع أنهم يتركون حتى يبيعوه فيؤخذ منهم عشر الثمن وإن خيف من خيانتهم جعل معهم أمين قال ابن نافع وذلك إذا جلبوه إلى أهل الذمة لا إلى أمصار المسلمين التي لا ذمة فيها

وذكر ابن حبيب في الحربيين ومعهم خمر وخنزير فالوالي يريق الخمر ويقتل الخنزير ويفيت الجميع ولا يجوز للأمام إنزالهم على إبقاء ذلك في أيديهم انتهى


526
الباب الثالث
في الترجمان

أما الترجمان يترجم للإمام باللسان وبالكتاب فقد تقدم ذكره في الجزء الثالث من هذا الكتاب وأن المتولي لذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم كاتبه زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه وإنما يذكر هنا الرجل يترجم عن أهل الذمة فيما يعرض لهم وعليهم من المعاملات والحقوق والمخاصمات

قال ابن بطال اختلف العلماء في من تجوز ترجمته بلسان الأعجمين إذا تخاصموا إلى حكام المسلمين

مذهب مالك رحمه الله تعالى

قال ابن بطال فروى أشهب عن مالك أنه تجوز ترجمة رجل واحد ثقة واثنان أحب إلي في ذلك من الواحد ولا تقبل ترجمة عبد ولا مسخوط زاد ابن يونس ولا كافر وتقل ترجمة امرأة واحدة وإثنتان أحب إليه انتهى

وقال ابن يونس في كتاب آداب القضاة من تأليفه قال مالك ولا بأس أن تقبل ترجمة امرأة عدلة قال مطرف وابن الماجشون إذا لم يجد من الرجال من يترجم له قالوا وكان مالك يقبل فيه شهادة النساء وامرأتان ورجل أحب إلينا قال ابن يونس وقال سحنون ولا تقبل ترجمة النساء ولا ترجمة رجل واحد ولا ترجمة من لا تجوز شهادته لأن من لا يفهم قوله كالغائب عنه انتهى

وقال ابن رشد في البيان والتحصيل قوله لا تقبل ترجمة كافر أو عبد أو مسخوط معناه مع وجود العدول المرضيين وإذا اضطر إلى ترجمة الكافر


527

أو المسخوط أو العبد أعمل قوله وحكم به كما يحكم بقول الطبيب النصراني وغير العدل فيما يضطر به فيه إلى قوله من جهة معرفته بالطب انتهى

2 مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى

قال ابن بطال وأجاز أبو حنيفة وأبو يوسف ترجمة رجل واحد وامرأة واحدةولا تقبل من عبد كقول مالك وقال ابن المنذر قول النعمان ويعقوب ان الرجل المسلم اذا ترجم عنهم قبل منه قال واثنان أحب الى قال ولا تقبل ترجمة أهل الكفر ولا المكاتب ولا العبد ولو قبل ترجمة امرأة بعد أن تكون حرة مسلمة عدله فهو في سعة ورجلان ورجل وامرأة أحب الينا وقال ابن بطال وابن المنذر قال محمد بن الحسن لا تقبل الا من رجلين او رجل وامرأتين وانما هذا بمنزلة الشهادة ولا يقوم بذلك الا من تقبل شهادته لان القاضى اذا لم يعلم ما يتكلم به الخصم فكأنه لم يسمعه

3 مذهب الشافعي رحمه الله تعالى

قال ابن بطال وقال الشافعي لا بد من اثنين قال ابن المنذر وقالت طائفة لاتقبل الترجمة الا من شاهدين عدلين يعرفان ذلك اللسان لا يشكان فيه قال وهذا قول الشافعي وأقام الشافعي ذلك مقام الشهادة انتهى اختيار ابن المنذر

قال ابن المنذر لو كان الامر الى النظر لكان الواجب الا يقبل في الترجمة أقل من شاهدين قياسا على أن ما غاب عن الفاضى لايقبل فيه الا شاهدان

وفي ترجمة زيد بن ثابت وحده للنبي صلى الله عليه وسلم حجة لا يجوز خلافها انتهى


528
الباب الرابع
في متوليي خراج الارضين

وفيه ثلاثة فصول

الفصل الاول
في ذكر أقسام الارضين بالنظر الى أحكامها ومصرف فوائدها الارضون أربعة أقسام

القسم الاول

أرض انجلى عنها أهلها من غير أن يوجف عليها بخيل ولا ركاب روى مسلم رحمة الله تعالى عن عمر رضى الله تعالى عنه قال كانت اموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة فكان ينفق على أهله نفقة سنة وما بقي جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله عز وجل

قال القاضي في الاكمال قال الطبري كان ما أفاء الله على رسوله طعمه من الله له على أن يأكل منه هو وأهله ما احتاجوا ويصرف ما فضل عن ذلك في تقوية المسلمين

وعن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم كان يعود منها على فقراء بني هاشم ويزوج أيمهم 0

وقال الامام المازري ما أجلي عنه أهله من غير قتال فعندنا أنه لا يخمس ويصرف في مصالح المسلمين كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصرف ما يؤخذ من بني النضير


529
القسم الثاني

أرض أسلم عليهما أهلها قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الاموال فهي لهم ملك أيمانهم وهي أرض عشر لا شىء عليهم فيها غيره

القسم الثالث

ارض افتتحت صلحا على خراج معلوم قال او عبيد الفاسم بن سلام في كتاب الاموال ايضا فهم على ما صولحوا عليه لا يلزمهم أكثر منه

القسم الرابع

أرض أخذت قهرا وعنوة قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الاموال ايضا فهى التى اختلفت فيها المسلمون فقال بعضهم سبيلها سبيل الغنيمة تخمس وتقسم يكون أربعة أخماسها حصصا بين الذين افتتحوها خاصة ويكون الخمس الباقي لمن سمى الله تبارك وتعالى وقال بعضهم بل حكمها والنظر فيها الى الامام ان راى ان يجعلها غنيمة فيخمسها ويقسمها كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر فذلك له وان راى ان يجعلها فيئا فلا يخمسها ولا يقسمها ولكن تكون موقوفة على المسلمين عامة ما بقوا كما صنع عمر رضى الله تعالى عنه بالسواد فعل ذلك

وحكى ابن شاس فى المذهب فى كتاب الجهاد وكتاب قسم الفىء من الجواهر فى ثلاثة اقوال

الاول تكون وقفا لمن يأتى من المسلمين ليشترك الكل في منفعته كما فعل عمر رضى الله تعالى عنه يصرف خراجها في مصالح المسلمين من ارزاق المقاتلة والعمال وبناء القناطر و المساجد وغير ذلك من سبل الخير ولا تقسم

الثاني تقسم كسائر أموال الغنيمة من العين والعروض

الثالث ان ذلك موكول الى اجتهاد امام الوقت

قال وفى بعض روايات المدونة ما يقتضى التخيير فيصرف الامر فيها الى اجتهاد الامام


530
الفصل الثاني
في ذكر رأي أمين المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في أرض العنوة

روى أبو عبيد القاسم بن سلام عن ابراهيم التيمي قال لما افتح المسلمون السواد قالوا لعمر اقسمه بيننا فإنا فتحناه عنوة فأبى وقال فما لمن جاء بعدكم من المسلمين وأخاف إن قسمته أن تفاسدوا بينكم في المياه قال فأقر أهل السواد في أرضهم وضرب على رؤوسهم الجزية وعلى أرضهم الطسق قال أبو عبيد يعني الخراج ولم يقسمه بينهم

وعن الماحشون قال بلال لعمر بن الخطاب في القرى التي افتتحوها يعني بالشام عنوة اقسمها بيننا وخذ خمسها فقال عمر لا هذا عين المال ولكني أحبسه فيما يجري عليهم وعلى المسلمين فقال بلال وأصحابه أقسمها بيننا فقال عمر اللهم اكفني بلالا وذويه قال فما حال الحول ومنهم عين تطرف

وعن سفيان بن وهب الخولاني يقول لما افتتحت مصر بغير عهد قام الزبير فقال يا عمرو بن العاص اقسمها فقال عمرو لا اقسمها فقال الزبير لتقسمنها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خبير فقال عمرو لا اقسمها حتى اكتب إلى أمير المؤمنين وكتب الى عمر رضي الله تعالى عنهم فكتب إليه عمر أن دعها حتى يغزو منها حبل الحبلة يعني ولد الولد قال أبو عبيد أراه أراد أن يكون فيئا موقوفا للمسلمين ما تناسلوا ليرثه قرن عن قرن ويكون قوة لهم على عدوهم

وعن يزيد بن أبي حبيب أن عمر رضي الله تعالى عنه كتب إلى سعد بن أبي وقاص يوم افتتح العراق أما بعد فقد بلغني كتابك أن الناس قد سألوا أن تقسم بينهم غنائمهم وما أفاء الله عليهم فانظر ما أجلبوا به عليك في العسكر من كراع أو مال فاقسمه بين من حضر من المسلمين واترك الأرضين والأنهار لعمالها


531

ليكون ذلك في أعطيات المسلمين فإنا لو قسمناها بين من حضر لم يكن لمن بعدهم شيء

وعن جارية بن مضرب عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه أراد أن يقسم السواد بين المسلمين فأمر أن يحصوا فوجد الرجل يصيبه ثلاثة من الفلاحين فشاور في ذلك فقال له على بن ابي طالب رضي الله تعالى عنهما دعهم يكونوا مادة للمسلين فتركهم

وعن عبد الله بن أبي قيس او عبد الله بن قيس قال قدم عمر الجابية فأراد أن يقسم الأرض بين المسلمين فقال معاذ والله إذا ليكونن ما تكره إنك إن قسمتها اليوم صار الريع العظيم في يدي القوم ثم يبيدون فيصير ذلك إلى الرجل الواحد أو المرأة ثم يأتي من بعدهم يسدون من الإسلام مسدا وهم لا يجدون شيئا فانظر أمرا يسع أولهم واخرهم فصار عمر إلى قول معاذ رضي الله تعالى عنهما

قال أبو عببيد فقد تواترت الاثار في افتتاح الأرضين عنوة بهذين الحكمين أما الأول منهما فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في خبير وذلك أنه جعلها غنيمة فخمسها وقسمها وبهذا الرأي أشار بلال على عمر في بلاد الشام وأشار به الزبير بن العوام على عمرو بن العاص في أرض مصر وبهذا كان يأخذ مالك بن أنس

وأما الحكم الآخر فحكم عمر رضي الله تعالى عنه في السواد وغيره وذلك أنه جعله فيئا موقوفا على المسلمين ما تناسلوا ولم يخمسه ولم يقسمه وهو الرأي الذي أشار به علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل رضي الله تعالى عنهما وبهذا كان يأخذ سفيان وهو معروف من قوله

قال أبو عبيد وليس فعل النبي صلى الله عليه وسلم براد لفعل عمر ولكنه صلى الله عليه وسلم اتبع اية من كتاب الله فعمل بها واتبع عمر آية فعمل بها وهما آيتان محكمتان فيما ينال المسلمين من أموال المشركين فيصير غنيمة


532

أو فيئا قال الله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل فهذه آية الغنيمة و هي لأهلها دون الناس وبها عمل النبي صلى الله عليه وسلم وقال الله تعالى ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى إلى قوله للفقراء المهاجرين والذين تبوءوا الدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم والذين جاءوا من بعدهم فهذه آية الفيء وبها عمل عمر وإياها تأول حين ذكر الأموال وأصنافها قال فاستوعبت هذه الآية الناس وإلى هذه الآية ذهب على ومعاذ حين أشارا عليه بما أشارا فيما نرى والله تعالى أعلم

فوائد لغوية في ست مسائل

الأولى ابن طريف ضرب عليك الشيء الزمكه ومنه الضريبة من المغرم

الثانية تقدم قول أبي عبيد في الطسق أنه الخراج وفي المحكم الطسق ما يوضع على الجربان من الخراج وقال الجوهري فارسي معرب

الثالثة في الصحاح حبل الحبلة نتاج النتاج وولد الجنين وفي المشارق بفتح الحاء والباء فيهما ويروى في الأول بسكون الباء أيضا والفتح أبين وأوضح

الرابعة في جامع الاشتقاق المضرب يكون من الضرب على التكثير ويكون من قولهم أرض مضروبة من الضريب وهو الجليد الذي يسقط من السماء

الخامسة في المحكم سواد كل كورة ما حول القرى والرساتيق والسواد جماعة النخل والشجر لخضرته واسوداده وقيل إنما ذلك لأن الخضرة تقارب السواد والنسب إليهما سوادى بضم السين نادر عن ابن الأعرابي


533

تنبيه

الرساتيق في الصحاح الرستاق فارسي معرب ألحقوه بقرطاس والجمع الرساتيق وهي السواد

السادسة الريع في الصحاح النماء والزيادة وأرض مريعه بفتح الميم أي مخصبة انتهى

الفصل الثالث
في ذكر من تولى النظر في خراج الأرض في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر نسبه

روى مالك رحمه الله تعالى في الموطأ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر فجاء بتمر جنيب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل تمر خيبر هكذا فقال لا والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدارهم جنيبا انتهى

قال أبو القاسم ابن بشكوال في كتابه ( تفسير ما استعجم من غوامض الأسماء المبهمة الواقعة في متون الأحاديث المسندة ) الرجل المذكور هو سواد بن غزية أخو بني عدي الأنصاري

وروي عن سعيد بن المسيب أن أبا سعيد وأبا هريرة حدثاه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سواد بن غزية أخا بني عدي الأنصاري وأمره على خيبر فقدم عليه بتمر جنيب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل تمر خيبر هكذا قال لا والله يا رسول الله إنا لنشتري الصاع بالصاعين والصاعين بالثلاثة آصع من الجمع فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تفعل ولكن بع هذا اشتر بثمنه من هذا وكذلك الميزان


534

وقال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في الاستيعاب سواد بن غزية ذكره موسى بن عقبه في من شهد بدرا والمشاهد بعدها من بني عدي بن النجار وهو الذي أسر خالد بن هشام المخزومي يوم بدر

وسواد بن غزية هو كان عامل رسول الله صلى عليه وسلم على خيبر فأتاه بتمر جنيب قد أخذ منه صاعا بصاعين من الجمع رواه الدراوردي عن ابن المسبب وأبي هريرة وذكر الحديث انتهى

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

الأولى الخراج بفتح الخاء والخرج بفتحها أيضا وسكون الراء المهملة قاله القاضي في المشارق وتقدم في باب الوزير

الثانية في المشارق التمر الجنيب قال الطحاوي وابن السكن هو الطيب وقال غيره هو الكبيس وفي الصحاح الكبيس ضرب من التمر

الثالثة الجوهري الجمع الدقل يقال ما اكثر الجمع في ارض بني فلان لنخل خرج من النوى لا يعرف اسمه والدقل أراد التمر وقد أدقل النخل وقال الفارابي هو مفتوح الدال والقاف معا انتهى


535
الباب الخامس
في صاحب المساحة

روى أبو عبيد في كتاب الأموال عن أبي محلز لاحق بن حميد أن عمر بن الخطاب بعث عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنهما إلى أهل الكوفة على صلاتهم وجيوشهم وعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه على قضائهم وبيت مالهم وعثمان بن حنيف على مساحة الأرض ثم فرض لهم في كل يوم شاة بينهم قال أو قال جعل لهم في كل يوم شاة شطرها وسواقطها لعمار والشطر الآخر بين هذين ثم قال ما أرى قرية يؤخذ منها كل يوم شاة إلا كان سريعا في خرابها

قال فمسح عثمان بن حنيف الأرض فجعل على جريب الكرم عشرة دراهم وعلى جريب النخل خمسة دراهم وعلى جريب القضب ستة دراهم وعلى جريب البر أربعة دراهم وعلى جريب الشعير درهمين وجعل على أهل الذمة في أموالهم التي يختلفون بها في كل عشرين درهما درهما وجعل على رقابهم أربعة وعشرين كل سنة وعطل الصبيان والنساء من ذلك ثم كتب بذلك إلى عمر فأجازه ورضي به

وفي الاستيعاب عثمان بن حنيف بن واهب بن العكيم بن ثعلبة بن الحارث بن مجدعه الأنصاري من بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس أخو سهل بن حنيف يكنى أبا عمرو وقيل أبا عبد الله عمل لعمر ثم لعلي رضي الله تعالى عنهما ولاه عمر بن الخطاب مساحة الأرض وجبايتها وضرب الخراج والجزية على أهلها وولاه على البصرة فأخرجه طلحة والزبير رضي الله تعالى عنهم


536
حين قدما البصرة ثم قدم على فكانت وقعة الجمل فلما خرج علي من البصرة ولاها عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهم

ذكر العلماء بالخبر والأثر أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه استشار الصحابه رضي الله تعالى عنهم في رجل يوجهه إلى العراق فأجمعوا جميعا على عثمان بن حنيف وقالوا لن تبعثه إلى أهم من ذلك فإن له بصرا وعقلا ومعرفة وتجربة فأسرع عمر إليه فولاه مساحة أرض أهل العراق فضرب عثمان على كل جريب من الأرض يناله الماء عامرا أو غامرا درهما وقفيزا فبلغت جباية سواد الكوفة قبل أن يموت عمر بعام مائة ألف ونيفا

وقال عثمان بن حنيف في نزول عسكر طلحة والزبير البصرة ما زاد في فضله رحمه الله تعالى ورضي عنهم ثم سكن عثمان بن حنيف الكوفة وبقي إلى زمن معاوية انتهى

فوائد لغوية في خمس مسائل

الأولى ابن القوطية مسح الأرض مساحة ومسحا ذرعها الفارابي مسحها يمسحها بفتح السين فيهما

الثانية حنيف مصغر أحنف على أسلوب تصغير الترخيم كزهير وسويد في أزهر وأسود

الثالثة سواقط الشاة يداها ورجلاها وحشوتها وهي سقطها أيضا وفي الصحاح الساقط والساقطة اللئيم في حسبه ونفسه والسقط رديء المتاع

الرابعة في الصحاح الجريب من الطعام ومن الأرض مقدار معلوم والجمع أجربة وجربان

الخامسة في الصحاح القضب والقضبة الرطبة وهي


537
الإسفست بالفارسية والموضع الذي تنبت فيه يسمى مقضبة قال وهي الفصفصة بالكسر وأنشد الأعلم للنابغة من البسيط
وقارفت وهي لم تجرب وباع لها
من الفصافص بالنمي سفسير

وقال الفصافص الرطاب واحدتها فصفصة وفي ديوان الأدب الفصفصة بكسر الفاءين وسكون الصاد الأولى الرطبة بفتح الراء وأصلها بالفارسية والنمي الفلوس قاله الجوهري


538
الباب السادس
في العامل على الزكاة
وفيه ثلاثة فصول الفصل الاول

في فصل العمل على الصدقة بالحق واثم المعتدي فيها واثم مانعها وان ما يكتمه العامل فهو غلول

فضل العمل على الصدقة

روى الترمذى وابو داود رحمهما الله عن رافع بن خديج رضى الله تعالى عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول العامل على الصدقة بالحق كالعازى فى سبيل الله حتى يرجع الى بيته

اثم المعتدى فى الصدقة

روى الترمذى رحمه الله تعالى عن انس بن مالك رضى الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المعتدى في الصدقة كمانعها

قال الترمذى رحمه الله تعالى يقول على المعتدى من الاثم ما على المانع اذا منع اثم مانع الصدقة

روى البخاري رحمه الله تعالى عن ابي هريرة رضى الله تعالى عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من اتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا اقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه يعني


539

شدقيه ثم يقول انا مالك انا كنزك ثم تلا ولا يحسبن الذين يبخلون

وروى النسائي رحمه الله تعالى عن ابي ذر رضى الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من صاحب ابل ولا بقر ولاغنم لا يؤدى زكاتها الا جاءت يوم القيامة اعظم ما كانت واسمنة فتنطحه بقرونها وتطؤه بأخفاقها كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس انتهى ما يكتمه العامل فهو غلول

روى مسلم رحمه الله تعالى عن عدى بن عميرة الكندى رضى الله تعالى عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطا فما فوقه كان غلولا يأتي به يوم القيامة قال فقام إليه رجل أسود من الأنصار كأني أنظر إليه فقال يا رسول الله اقبل عني عملك قال وما لك قال سمعتك تقول كذا وكذا قال وأنا أقوله الآن من استعملناه منكم على عمل فليجىء بقليله وكثيره فما أوتي منه أخذ وما نهي عنه انتهى

فوائد لغوية في ست مسائل

الأولى في المعلم أصل الزكاة في اللغة النماء وفي الصحاح زكا الزرع يزكو زكاء ممدود أي نما وأزكاه الله قال الإمام المازري فإن قيل كيف يستقيم هذا الاشتقاق ومعلوم انتقاص المال بالإنفاق قيل وإن كان نقصا في الحال فقد يفيد النمو في المال ويزيد في صلاح الأعمال وفي الصحاح زكى ماله تزكية إذا أدى عنه زكاته

وقول الله عزل وجل وتزكيهم بها قالوا تطهرهم وزكاه أيضا إذا أخذ زكاته

الثانية الشجاع في المشارق قوله شجاع أقرع هو الحية الذكر وقيل كل حية شجاع بضم الشين وقيل بكسرها والجمع شجعان وشجعان وأشجعة ويقال لواحدها أيضا أشجع


540

الثالثة الأقرع في المشارق قوله شجاع أقرع في البارع هو ضرب من الحيات وقيل هو الذي تمعط من السم رأسه فزال عنه ما عليه كما زال شعر الأقرع

الرابعة في المشارق قوله زبيبتان بفتح الزاي هما الزبدتان في جانبي شدقي الحية من السم وتكون في جانبي شدق الإنسان عند كثرة الكلام وقيل هما نكتتان على عينيه وهو أشدها أذى ( قال القاضي رحمه الله ولا يعرف أهل اللغة هذا الوجه )

الخامسة في المشارق يأخذ بلهزمتيه بكسر اللام فسره في الحديث بشدقيه وقال الخليل هما مضيغتان في أصل الحنك وقيل عند منحنى اللحيين أسفل الأذنين وقيل بين الماضغ والأذن وذا متقارب كله وفي الديوان اللزمتان بكسر اللام والزاي في اللحيين مجتمع اللحم بين الماضغ والأذن

السادسة في المشارق أصل الكنز ما أودع الأرض من الأموال وهو في الحديث مالم تؤد زكاته وغيب عليه الفصل الثاني

في ذكر من ولي العمل على الصدقات في زمن
رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي كتب العهد لمتولي الصدقة كتب العهد بولاية الصدقة

روى أبو داود رحمه الله عن سويد بن غفلة رضي الله تعالى عنه قال أتانا مصدق النبي صلى الله عليه وسلم فأخذت بيده وقرأت في عهده قال لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة


541

وذكر أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في باب سويد في الإستيعاب عن سويد بن غفلة بن عوسجة الجعفي رضي الله تعالى عنه قال أتانا مصدق النبي صلى الله عليه وسلم فأخذت بيده وأخذ بيدي فقرأت في عهده لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة وذكر تمام الخبر انتهى

ذكر من وليها في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم

ذكر ابن إسحاق رحمه الله تعالى في السيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بعث أمراءه وعماله على الصدقات إلى كل ما وطأ الإسلام من البلدان وعد منهم جملة

وذكر أبو الربيع ابن سالم في الاكتفاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صدر من الحج سنة عشر وقدم المدينة فأقام حتى رأى هلال المحرم سنة إحدى عشرة بعث المصدقين في العرب وذكر منهم جماعة

قلت ولو ذهبت إلى ذكر جميع من بعثه النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقات بأسمائهم وأخبارهم لطال ذلك فاقتصرت على بعض من ولي ذلك من كبار الصحابة المشاهير رضي الله تعالى عنهم

فمنهم من قريش عمر بن الخطاب رض خرج مسلم رحمه الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر على الصدقات فقيل منع ابن جميع وخالد بن الوليد والعباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا وقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله وأما العباس فهي علي ومثلها معها ثم قال ياعمر أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه انتهى


542

تنبيه

لم أقف على ذكر ابن جميل ولا على اسمه في شيء من أخبار الصحافة رضي الله تعالى عنهم إلا في هذا الحديث

وخالد بن سعيد بن العاصي رضي الله تعالى عنه قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى في السير قدم فروة بن مسيك المرادي على رسول الله صلى الله عليه وسلم مفارقا لملوك كندة ومباعدا لهم واستعمله رسول الله A على مراد وزبيد مذحج كلها وبعث معه خالد بن سعيد بن العاصي رضي الله تعالى عنه على الصدقة فكان معه في بلاده حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى

وقال ابن قتيبة في المعارف استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن سعيد بن العاصي على صدقات بني زبيد فصار إليه الصمصامة سيف عمرو بن معد يكرب فلم يزل عند آل سعيد بن العاصي حتى اشتراه المهدي منهم بعشرين ألف درهم انتهى

ومنهم من الأنصار معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه روى الترمذي رحمه الله تعالى عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعا أو تبيعة ومن كل أربعين مسنة ومن كل حالم دينارا أو عدله معافر انتهى وأبي بن كعب رضي الله تعالى عنه روى أبو داود رحمه الله تعالى عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا انتهى ومنهم من طيء عدي بن حاتم الطائي قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى في السير


543

بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عدي بن حاتم على طيء وصدقاتها وعلى بني أسد

وروى مسلم رحمه الله تعالى عن عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه قال أتيت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال لي إن أول صدقة بيضت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوه أصحابه صدقة طيء جئت بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

ومنهم من بني تميم الزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم التميميان رضي الله تعالى عنهما قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى في السير فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة بني سعد على رجلين منهم فبعث الزبرقان بن بدر على ناحية منها وقيس بن عاصم على ناحية انتهى

وقال ابن قتيبة في المعارف استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبرقان بن بدر على صدقات قومه وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم فذهب بالصدقة إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنهما وهي سبعمائة بعير انتهى

فوائد لغوية في سبع مسائل

الأولى قد تقدم في كاتب العهود أن العهد الوصية ومنه استق العهد الذي يكتب للولاة

الثانية في المفصل تحقير الترخيم أن يحذف كل شيء زيد في ذوات الثلاثة والأربعة حتى تصير الكلمة على حروفها الأصول ثم تصغرها كقولك في أسود سويد

الثالثة سويد بن غفلة بفتح الغين والفاء قاله القاضي في المشارق


544

الرابعة في الأفغال لابن طريف نقمت الشيء ونقمته بفتح القاف وكسرها أنكرته

الخامسة في المعلم قوله صلى الله عليه وسلم احتبس أعتاده قال الهروي وغيره العتاد ما أعده الرجل من السلاح والدواب والآلة للحرب ويجمع أيضا أعتد وأعتده

السادسة قد تقدم الكلام على الصنو عند ذكر العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم في باب السقاية

السابعة في الاكمال قول عمر لعدي أول صدقة بيضت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوه أصحابه صدقة طيء أي فرحتهم وسرتهم وضده سواد الوجه عند الحزن والغمة بما يكره الفصل الثالث

في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه تقدم ذكره في باب الوزير فأغنى ذلك عن إعادته هنا خالد بن سعيد بن العاصي في الإستيعاب هو خالد بن سعيد بن العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي يكنى أبا سعيد أسلم قديما يقال إنه أسلم بعد أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما وكان ثالثا أو رابعا وقيل كان خامسا

وقال إبراهيم بن عقبة سمعت أم خالد بنت خالد بن سعيد تقول كان أبي خامسا في الإسلام قلت من تقدمه قالت علي بن أبي طالب وابن أبي قحافة وزيد بن حارثة وسعد بن أبي وقاص وهاجر إلى الحبشة المرة الثانية وأقام بها بضع عشرة سنة ثم قدم على النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر وشهد أبي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرة القضية وفتح مكة وحنينا


545

والطائف وتبوك وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدقات اليمن وفي رواية على صدقات مذحج واستعمله على صنعاء اليمن فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي باليمن

قال أببو عمر قتل خالد يوم أجنادين وكانت وقعة أجنادين في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وقيل بل قتل بمرج الصفر سنة أربع عشرة انتهى معاذ بن جميل رضي الله تعالى عنه تقدم ذكره في باب القاضي فأغنى ذلك عن إعادته

ابي بن كعب لضي الله تعالي عنه : تقدم ذكره في باب إمامه القيام في رمضان فاغنىعن اعادته هنا عدي بن حاتم الطائي رضي الله تعالى عنه قال أبو عمر ابن عبد البر عدي بن حاتم بن عبد الله الطائي مهاجري يكنى أبا طريف ووصل نسبه إلى زيد بن كهلان وقال إلا أنهم مختلفون في بعض الأسماء إلى طيء

قدم عدي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعبان من سنة تسع وقال الواقدي قدم عدي بن حاتم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعبان سنة عشر قال أبو عمر وخبره في قدومه على رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر عجيب في حديث حسن صحيح

وقال عدي ما دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم قط إلا وسع لي أو تحرك ودخلت عليه يوما في بيته وقد امتلآ من أصحابه فوسع لي حتى جلست إلى جنبه

قال أبو عمر ثم قدم على أبي بكر الصديق بصدقات قومه في حين الردة ومنع قومه وطائفة معهم من الردة ثبوته على الإسلام وحسن رأيه وكان سريا شريفا في قومه حاضر الجواب فاضلا كريما


546

وفي حديث الشعبي أن عدي بن حاتم قال لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إذ قدم عله ما أطنك تعرفني فقال وكيف لا أعرفك وأول صدقة بيضت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة طيء أعرفك آمنت إذ كفروا وأقبلت إذ أدبروا ووفيت إذ غدروا انتهى

وذكر ابن السكيت في شرح شعر حاتم أن عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه قدم على عثمان رضي الله تعالى عنه في خلافته فحجبه نائل مولى عثمان فلما خرج عثمان عرض له عدي فرحب به عثمان فشكا إليه نائلا فلامه عثمان وقال لا تحجبه فإنا نعرف له فضله ورأي الخليفتين فيه وفي قومه انتهى

قال أبو عمر ثم نزل عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه الكوفة وسكنها وشهد مع علي رضي الله تعالى عنه الجمل وفقئت عينه يومئد وشهد معه صفين والنهروان ومات بالكوفة سنة سبع وستين وقيل سنة ثمان وستين وقيل سنة تسع وستين وهو ابن مائة وعشرين سنة انتهى

الزبرقان بن بدر رضي الله تعالى عنه قال أبو عمر ابن عبد البر الزبرقان بن بدر بن امرىء القيس بن خلف بن بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم البهدلي السعدي التميمي يكنى أبا عياش وقيل أبا شذرة وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة تسع فولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقات قومه وأقره أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما على ذلك وله في ذلك اليوم من قوله بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مفاخرا [ من البسيط ]

نحن الملوك فلا حي يقاربنا
فينا العلاء وفينا تنصب البيع
ونحن نطعمهم في القحط ما أكلوا
من العبيط إذا لم يؤنس القزع
وننحر الكوم عبطا في أرومتنا
للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا
تلك المكارم حزناها مقارعة
إذا الكرام على أمثالها اقترعوا

547

فأجابه عليها حسان فأحسن وأجاب خطيبهم ثابت بن قيس يومئذ فقرعهم وخبرهم مشهور بذلك عند أهل السير موجود في كتبهم وفي كتب جماعة من أصحاب الأخبار وقد اختصرنا ذلك في باب حسان بن ثابت انتهى

قلت وقد أثبت ذلك في باب الشاعر عند ذكر حسان

قال أبو عمر رحمه الله تعالى وقيل إن اسم الزبرقان بن بدر الحصين بن بدر وإنما سمي الزبرقان لحسنه شبه بالقمر لأن القمر يقال له الزبرقان قال الأصمعي الزبرقان القمر والزبرقان الرجل الخفيف اللحية وقد قيل إن اسم الزبرقان بن بدر القمر بن بدر والأكثر على ما قدمت لك وقيل سمي الزبرقان لأنه لبس عمامة مزبرقة بالزعفران

وفي الصحاح زبرقت الثوب أي صفرته وزبرقان بن بدر الفزاري من رؤساء بني سعد قال أبو يوسف سمي الزبرقان لصفرة عمامته وكان اسمه حصينا قال المخبل السعدي [ من الطويل ]

وأشهد من عوف حلولا كثيرة
يحجبون سبب الزبرقان المزعفرا
انتهى قيس بن عاصم رضي الله تعالى عنه قال أبوب عمر ابن عبد البر رحمة الله تعالى عليه في الاستيعاب قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر بن عبيد بن الحارث والحارث هو مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم المنقري التميمي يكنى أبا علي وقيل أبا طلحة وقيل أبا قبيصة والمشهور أبو علي قدم في وفد تيمم على رسول الله صلى الله عليه
548

وسلم فأسلم وذلك في سنة تسع فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هذا سيد أهل الوبر وكان عاقلا حليما مشهورا بالحلم و

قيل للأحنف بن قيس ممن تعلمت الحلم قال من قيس بن عاصم المنقري رأيته يوما قاعدا بفناء داره محتبيا بحمائل سيفه حتى أوتى برجل مكتوف وآخر مقتول مقبل له هذا ابن أخيك قتل ابنك قال فو الله ما حل حبوته ولا قطع كلامه فلما أتمه التفت إلى ابن أخيه فقال يا ابن أخي بئس ما فعلت أثمت بربك وقطعت رحمك وقتلت ابن عمك ورميت نفسك بسهمك ثم قال لأبن له آخر قم يا بني فوار أخاك وحل كتاف ابن عمك وسق إلى أمك مائة ناقة دية ابنها فإنها غريبة

وكان قيس بن عاصم قد حرم الخمر على نفسه في الجاهلية وكان سبب ذلك أنه غمز عكنة ابنته وهو سكران وسب أباها ورأى القمر فتكم بشيء وأعطى الخمار كثيرا من ماله فلما أفاق أخبر بذلك فحرمها على نفسه وقال فيها أشعارا منها [ من الوافر ]

رأيت الخمر صالحة وفيها
خصال تفسد الرجل الحليما
فلا والله أشربها صحيحا
ولا أشفي بها أبدا سقيما
ولا أعطي بها ثمنا حياتي
ولا أدعو لها أبدا نديما
فإن الخمر تفضح شاربيها
وتجشمهم بها أمرا عظيما

قال الحسن لما حضرت قيس بن عاصم الوفاة دعا بنيه فقال يا بني احفظوا عني فلا أحد أنصح لكم مني إذا مت فسودوا كباركم ولا تسودوا صغاركم يسفه الناس كباركم وتهونوا عليهم وعليكم بإصلاح المال فإنه منبهة للكريم ويستغنى به عن اللئيم وإياكم ومسألة الناس فإنها أخر كسب المرء

وقال حكيم ولده إنه أوصى عند موته فقال إذا مت فلا تنوحوا علي فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينح عليه


549

وقال عبدة بن الطبيب [ من الطويل ]

عليك سلام الله قيس بن عاصم
ورحمته ما شاء أن يترحما
تحية من أوليته منك نعمة
إذا زار عن شحط بلادك سلما
فما كان قيس هلكه هلك واحد
ولكنه بنيان قوم تهدما

فوائد لغوية في ست مسائل

الأولى قال الخشني في غريب السيرة في أبيات الزبرقان البيع مواضع الصلوات والعبادات واحدتها بيعة والقزع جمع قزعة وهو سحاب رقيق يكون في الخريف

الثانية قال الجوهري عبطت الناقة وأعتبطتها إذا نحرتها وليست بها علة فهي عبيطة ولحمها عبيط

الثالثة في المشرع في الحديث الفخر والخيلاء في أهل الوبر يريد أصحاب الإبل وفي الصحاح والوبر بالتحريك للبعير الواحدة وبرة وقد وبر بالكسر فهو وبر وأوبر إذا كان كثير الوبر

الرابعة في المشارق الاحتباء أن ينصب الرجل ساقيه ويدير عليهما ثوبه أو يعقد يديه على ركبتيه معتمدا على ذلك والاسم الحبوة والحبية والحبوة بضم الحاء وكسرها

الخامسة في الصحاح غمزت الشيء بيدي قال ابن القوطية عصرته وفي الديوان غمز غمزا بفتح الميم في الماضي وكسرها في المستقبل

السادسة في المشارق وفي الحديث المسألة أخر كسب الرجل مقصور أي أرذله وأدناه وإن كان الخطابي قد رواه بالمد وحمله على ظاهره وأن معناه إن ما كنتم تقدرون على معيشة من غيرها فلا تسألوا


550
الباب السابع
من كان يكتب أموال الصدقة
وفيه ثلاث فصول
الفصل الأول
في ذكر من كان يكتبها
في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال القاضي محمد بن سلامة القضاعي رحمه الله تعالى في كتاب الأنباء له كان الزبير بن العوام وجهيم بن الصلت رضي الله تعالى عنهما يكتبان أموال الصدقات

وقال أبو محمد ابن حزم في كتابه جوامع السيرة والعدل وكان كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصدقات الزبير بن العوام فإن غاب أو اعتذر كتب جهيم بن الصلت وحذيفة بن اليمان انتهى

الفصل الثاني
في ذكر آنسابهم وآخبارهم رضي الله تعالى عنهم

الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه قال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي يكنى أبا عبد الله أمه صفيفة بن عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلم ابن ثمان سنين وقيل ابن اثنتي عشرة وقيل ابن خمس عشرة وقيل ابن ست عشرة


551

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الزبير ابن عمتي وحواري من أمتي والحواري الصاحب المستخلص وقيل الخليل وقيل الناصر

وشهد رضي الله تعالى عنه بدرا وكانت عليه يومئذ عمامة صفراء كان متعجرا بها فيقال إن الملائكة نزلت يوم بدر على سيما الزبير وشهد الحديبية والمشاهد كلها

وروى شعبة قال سمعت أبا إسحاق السبيعي قال سألت مجلسا فيه أكثر من عشرين رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان أكرم الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا الزبير وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما

وشهد رضي الله تعالى عنه الجمل فقاتل فه ساعة فناداه علي رضي الله تعالى عنهما وانفرد به فذكره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له وقد وجدههما يضحكان بعضهما إلى بعض أما إنك ستقاتل عليا وأنت له ظالم فذكر الزبير ذلك فانصرف عن القتال باتبعه ابن جرموز السعدي عبد الله ويقال عمير ويقال عمرو لعنه الله تعالى فقتله بموضع يعرف بوادي السباع وجاء برأسه وسيفة إلى علي رضي الله تعالى عنه فلما استأذن عليه لم يأذن له وقال للآذن بشره بالنار فقال [ من المتقارب ]

أتيت عليا برأس الزبير
أرجو لديه به الزلفه
فبشر بالنار إذ جئته
فبئس البشارة والتحفه

قال أبو عمر وكانت سن الزبير رضي الله تعالى عنه يوم قتل سبعا وستين سنة وقيل ستا وستين سنة وكان قتله رضي الله تعالى عنه يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الأولة سنة ست وثلاثين وفي ذلك اليوم كانت وقعة الجمل

جهيم بن الصلت رضي الله تعالى عنه قال أبو عمر ابن عبد البر جهيم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف القرشي المطلبي أسلم عام


552
خيبر وأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر ثلاثين وسقا وجهيم هذا هو الذي رأى الرؤيا بالجحفة حين نفرت قريش لتمنع عن عيرها نزلوا بالجحفة ليتزودوا من الماء ليلا فغلبت جهيما عينه فرأى فارسا وقف عليه فنعى إليه أشرافا من أشراف قريش

وذكر ابن إسحاق رحمه الله تعالى رؤيا جهيم في السير في عزوة بدر فقال لما نزلت قريش الجحفة رأى جهيم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب رؤيا فقال إني رأيت فيما يرى النائم وإن لبين النائم واليقظان إذ نظرت إلى رجل أقبل على فرس حتى وقف ومعه بعير له ثم قال قتل عتبه بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو الحكم بن هشام وأمية بن خلف وفلان وفلان فعدد رجالا ممن قتل يوم بدر من أشراف قريش ثم رأيته ضرب في لبة بعيره ثم أرسله في العسكر فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه نضح من دمه قال فبلغت أبا جهل فقال وهذا أيضا نبي آخر من بني المطلب سيعلم غدا من المقتول إن نحن التقينا

وذكر أبو محمد علي بن حزم رحمه الله تعالى جهيما في الجمهرة وقال هو الذي رأى الرؤيا بمكة حين سارت قريش إلى بدر ومساق الرؤيا يدل على أنه إنما رآها بالجفة

حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه قد تقدم ذكره في باب كاتب الجيش بما أغنى عن إعادته هنا

فائدتان لغويتان الأولى في غريب القرآان للعزيزي رحمه الله تعالى زلفى فربى الواحدة زلفة وقربة

الثانية في الصحاح في حرف الخاء المعجمة الأصمعي


553

يقال أصابه نضخ من كذا وهو أكثر من الفضخ ولا يقال منه فعل ولا يفعل وقال أبو زيد النضخ الرش مثل النضح وهما سواء يقول نضخت أنضخ بالفتح والنضاخ المناضخة قال الشاعر [ من الطويل ]

به من نضاخ الشول ردع كأنه
نقاعة حناء بماء الصنوبر
وانتضخ الماء ترشرش وعين نضاخة كثيرة الماء قال أبو عبيدة في قوله تعالى فيهما عينان نضاختان أي فوارتان
الفصل الثالث
في ذكر من كان يكتبها
في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه

قال ابن الأثير قال نافع العبسي دخلت حير الصدقة مع عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم قال فجلس عثمان في الظل يكتب وعلي على رأسه يمل عليه ما يقول عمر وعمر قائم في الشمس في يوم شديد الحر عليه بردان أسودان قد اتزر بأحدهما ولف الآخر على رأسه يعد إبل الصدقة ويكتب ألوانها وأسنانها فقال علي لعثمان في كتاب الله يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين ثم أشار علي بيده إلى عمر فقال هذا القوي الأمين انتهى

تنبيه

قد تقدم ذكر عثمان رضي الله تعالى عنه في باب الرسول من هذا الكتاب وذكر علي رضي الله تعالى عنه في بابب القاضي منه أيضا فأغنى عن الإعادة هنا الآن

فائدة لغوية

في الصحاح الحير بالفتح شبه الحظيرة أو الحمى ومنه الحير بكربلاء


554
الباب الثامن
في الخارص
وفيه أربعة فصول
الفصل الأول
في خرص رسول الله صلى الله عليه وسلم حديقة
لامرأة مر عليها في طريقه لغزوة تبوك بوادي القرى

روى مسلم رحمه الله تعالى عن أبي حميد رضي الله تعالى عنه قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم [ إلى ] غزوة تبوك فأتينا وادي القرى على حديقة لامرأة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اخرصوا فخرصناها و خرصها رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة اوسق وقال احصها حتى نرجع اليك ان شاء الله تعالى وانطلقنا حتى قدمناه تبوك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ستهب عليكم الليلة ريح شديدة فلا يقم فيها احد منكم فمن كان له بعير فليشد عقاله فهبت ريح شديدة فقام رجل فحملته الريح حتى القته بجبل طىء وجاء رسول ابن العلماء صاحب أيله الى رسول الله صلى الله عليه وسلم واهدى له بردا ثم اقبلنا حتى قدمنا وادى القرى فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حديقتها كم بلغ تمرها فقالت عشرة اوسق انتهى

فوائد لغوية في ست مسائل

الاولى فى الصحاح الخرص حزر ما على النخل من الرطب تمرا وقد خرصت النخل والاسم الخرص بالكسر تقول كم خرص ارضك


555

وفي الديوان خرص خرصا بفتح الراء في الماضي وضمها في المستقبل

الثانية تبوك في المعجم تبوك بفتح التاء هي من ادنى ارض الشام وهى اقصى اثر رسول الله صلى الله عليه وسلم و ذكر القتبي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء في غزوة تبوك وهم يبوكون حسيها بقدح فقال ما زلتم تبوكونها بعد فسميت تبوك ومعنى تبوكون تدخلون فيه السهم وتحركونه ليخرج ماؤه

وفي المقصور و الممدود لابن القوطية حسي وأحساء وهى عيون تحت الرمل وابار

الثالثة الحديقة روى البخاري رحمه الله تعالى هذا الحديث عن ابي حميد ايضا بمعناه وقال كل بستان عليه حائط فهو حديقة ومالم يكن عليه حائط لم يقل حديقة

الرابعة في المشارق الوسق بفتح الواو ستون صاعا بصاع النبي صلى الله عليه وسلم وخمسة اوسق وفي رواية اوساق ووسقت البعير مخففا حملت عليه وسقا وقال بعضهم اوسقت والاول اعلى وفي الصحاح الوسق بالكسر ستون صاعا وحكى ابن سيدة اللغتين فتحا وكسرا فى المحكم وقال الجمع اوسق ووسوق وأنشد من الطويل عليه الوسوق برها وشعيرها


556

الخامسة في المشارق وابن العلماء بفتح العين ممدودا صاحب ايلة

السادسة في المعجم ايلة بفتح الهمزة على وزن فعلة مدينة على شاطىء البحر في منتصف ما بين مصر ومكة

تنبيه

في الصححاح شاطىء الوادى شطه وجانبه تقول شاطىء الأدوية ولا يجمع وشاطآت الرجل اذا مشيت على شاطىء ومشى هو على الشاطىء الآخر

الفصل الثاني
في ذكر من كان يخرص
في زمن النبي صلى الله عليه وسلم

خرص أرض الخراج روى البخاري رحمه الله تعالى عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال عامل النبي صلى الله عليه وسلم خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو تمر فكان يعطي أزواجه مائة وسق ثمانون وسق تمر وعشرون وسق شعير انتهى

وفي الموطأ عن سعيد بن المسيب قال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص بينه وبينهم ثم يقول إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي فكانوا يأخذونه

وعن سليمان بن يسار قال فجمعوا له حليا من حلي نسائهم فقالوا هذا لك وخفف عنا وتجاوز في القسم فقال عبد الله بن رواحة يامعشر يهود والله إنكم لمن أبغض خلق الله إلي وما ذلك بحاملي على أن أحيف عليكم فأما


557
ما عرضتم من الرشوة فإنها سحت وإنا لا نأكلها فقال بهذا قامت السموات والأرض

قال ابن إسحاق في السير وإنما خرص عليهم عبد الله بن رواحة عاما واحدا ثم أطيب بمؤتة رحمه الله تعالى فكان جبار بن صخر رضي الله تعالى عنه أخو بني سلمة وهو الذي يخرص عليهم بعد عبد الله بن رواحة قال وكان جبار خارص أهل المدينة وحاسبهم انتهى

خرص أرض الزكاة في عارضة الأحوذي روى سهل بن أبي حثمة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا حثمة خارصا فجاء رجل فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن أبا حثمة قد زاد علي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ابن عمك يزعم أنك زدت عليه فقال يا رسول الله لقد تركت له قدر عرية أهله وما يطعم المساكين وما تسقط الريح فقال قد زادك ابن عمك وأنصفك انتهى

فائدة لغوية

في الصحاح العرية النخلة يعريها صاحبها رجلا محتاجا فيجعل له تمرها عاما فيعروها أي يأتيها وهي فعيلة بمعنى مفعولة وإنما أدخلت فيها الهاء لأنها أفردت فصارت في عداد الأسماء مثل النطيحة والأكيلة ولو جئت بها مع النخلة قلت نخلة عري

الفصل الثالث
في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم

عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه تقدم ذكره في باب الشاعر فأغنى ذلك عن الإعادة جبار بن صخر رضي الله تعالى عنه في الاستيعاب جبار ابن صخر بن أمية قال أبو عمر قال ابن إسحاق أمية بن خنساء ويقال


558
خنيس بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة السلمي الأنصاري وقال ابن هشام أمية بن خناس بن سنان فجعله من ولد خناس وجعله ابن إسحاق من ولد خنساء فقيل هما أخوان وقيل خناس وخنيس وخنساء سواء شهد بدرا وهو ابن اثنتين وثلاثين سنة وتوفي بالمدينة سنة ثلاثين انتهى

أبو حثمة رضي الله تعالى عنه في الاستيعاب أبو حثمة الأنصاري والد سهل بن أبي حثمة اسمه عبد الله بن ساعدة ويقال عامر بن ساعدة بن عامر بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الحارثي كان دليل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد وشهد معه المشاهد كلها وبعثه صلى الله عليه وسلم خارصا إلى خيبر وضرب له بخيبر بسهمه وسهم فرسه وكان أبو بكر وعمر وعثمان يبعثونه خارصا توفي في أول خلافة معاوية انتهى

الفصل الرابع
في ذكر ما يخرص من الغلات

النخل قد تقدم الدليل على ذلك في خرص النبي صلى الله عليه وسلم الحديقة وبعثه صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة وجبار بن صخر وأبا حثمة خراصا

العنب روى ابن شهاب الزهري رحمه الله تعالى في مسنده عن عتاب بن أسيد رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه وأمره أن يخرص العنب كما يخرص النخل وأن يأخذ زكاة العنب زبيبا كما يأخذ زكاة النخل تمرا انتهى


559

روى أبو داود رحمه الله تعالى عن عتاب بن أسيد أيضا نحوه انتهى الحبوب [ والزيتون ] قال مالك رحمه الله في الموطأ الأمر المجتمع عليه عندنا أنه لا يخرص من الثمار إلا النخل والأعناب فإن ذلك يخرص حين يبدو صلاحه ويحل بيعه وذلك أن ثمر النخيل والأعناب يؤكل رطبا وعنبا فيخرص على أهله للتوسعة على الناس ولئلا يكون على أحد في ذلك ضيق فأما ما لا يؤكل رطبا وإنما يؤكل بعد حصاده من الحبوب كلها فإنه لا يخرص وإنما على أهلها فيها إذا حصدوها ودقوها وطيبوها وخلصت حبا فإنما على أهلها فيها الأمانة يؤدون زكاتها إذا بلغ ذلك ما تجب فيه الزكاة

قال مالك وهذا الأمر الذي لا إختلاف فيه عندنا

قال ولا يخرص شيء من الزيتون في شجره انتهى

وقال ابن راشد في الشهاب واختلف في تعليل ذلك فقال مالك في الموطأ ذلك للتوسعة على الناس قال ابن شاس في الجواهر وهو المشهور وقيل لأن الخرص فيهما متمكن قال ابن شأس لظهور النبات في التمر والعنب وتميزهما عن الأوراق وقال ابن شأس أيضا ولو احتج فيما قلنا إنه لا يخرص إلا الأكل منه قبل كماله ففي خرصه قولان قال ابن راشد إن قلنا العلة في خرص التمر والعنب الاحتياج أجزنا ذلك في الزيتون إذ ينتفعون ببعضه


560

وهو أخضر وقال ابن عبد السلام التونسي وعلى هذا يتعدى الحكم إلى الزرع ولا سيما في سني الشدائد قال وفي الزرع والزيتون إذا لم يؤمن أربابه عليه وخيف منهم قولان هل يخرص عليهم أو يجعل عليهم أمين قال ابن راشد قال بن عبد الحكم إن اتهم الإمام قوما بالتقصير فيما يجب عليهم من زكاة الزيتون والزرع وكل من يتحفظ بهم ولم أر أن يخرص


561
الباب التاسع
في الأوقاف
وفيه ثلاث فصول
الفصل الأول
في ذكر أوقاف النبي صلى الله عليه وسلم

من كتاب الأحباس من كتاب ابن يونس روي أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس سبع حوائط أوصى له بها مخيريق لما قتل يوم أحد بأن يضعها حيث أراه الله تعالى فحبسها وهي من أموال بني النضر وذلك لأثنين وثلاثين شهرا من الهجرة

وفي السير لابن إسحاق وكان ممن قتل يوم أحد مخيريق وكان أحد بني ثعلبة بن الفطيون قال لما كان يوم أحد قال يامعشر يهود والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحق قالوا إن اليوم يوم السبت قال لا سبت لكم فأخذ سيفه وعدته وقال إن أصبت اليوم فمالي لمحمد يصنع فيه ما شاء ثم غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتل حتى قتل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا مخيريق خير يهود انتهى

قال السهيلي في الروض الأنف وهو أحد بني النضير فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف ماله أوقافا وهو أول حبس في الإسلام وقال الزهري كانت سبع حوائط وأسماؤها الأعواف أو الأعراف والصافية والدلال والميثب وبرقة وحسنى ومشربة أم إبراهيم لأنها كانت تسكنها انتهى


562
تنبيه

ذكر القاضي في الإكمال صدقات النبي صلى الله عليه وسلم فقال وذلك وصية مخيريق اليهودي له عند إسلامه يوم أحد وكانت سبع حوائط في بني النضير فهذا يدل على إسلام مخيريق ولم يذكره أبو عمر في الإستيعاب ولا ابن فتحون في الذيل

وقال الماوردي في الأحكام حكى الواقدي أن مخيريقا اليهودي كان حبرا من علماء بني النضير فآمن يوم أحد برسول الله صلى الله عليه وسلم

فائدة نحوية

الحائط حديقة النخل وهو مذكر وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال لبني النجار في الحائط الذي بنى مسجده فيه يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا وسيأتي في باب البناء وجاء ها هنا في كلام الزهري وكلام ابن يونس سبع حوائظ بتأنيث سبع وإن كانت الحوائط مذكرة قال المازري رحمه الله تعالى في المعلم العرب تراعي في التذكير والتأنيث اللفظ المقرون به العدد وصيغته هل يثبت للتذكير أو للتأنيث ولا تعتبر معناه فتقول ثلاثة منازل وهي تريد ثلاثة ديار وإن كانت الديار مؤنثة لأن لفظ المنزل مذكر وقد تعتبر المعنى أحيانا قال ابن أبي ربيعة [ من الطويل ]

فكان مجني دون من كنت أتقي
ثلاث شخوص كاعبان ومعصر

فأنث على معنى الشخص لا على اللفظ وحكى أبو عمرو بن العلاء أنه سمع أعرابيا يقول فلان جاءته كتابي فاحتقرها قال فقلت له أتقول جاءته كتابي فقال نعم أليس بصحيفة فأخبر أنه أنث مراعاة للفظ الصحيفة الذي لم يذكره لما كان المعنى هذا الكتاب المذكور انتهى


563

قلت وكذلك لما كانت لفظة الحوائط في معنى الحدائق ومعنى الجنات أنث كأنه قال سببع حدائق أو سبع جنات انتهى

فوائد لغوية في ست مسائل

الأولى وقفت الدابة وقوفا ووقفتها أنا وقفا يتعدى ولا يتعدى ووقفت الدار للمساكين وقفا وأوقفتها بالألف لغة رديئة قلت وأصل الوقف المنع والحبس فهو في الدابة منعها من السير وحبسها وفي الدار منعها وحبسها أن يتصرف فيها في غير الوجه الذي وقفت له

الثانية في المشارق حبس مخففا وحبس مشددا واللغة الفصيحة أحبس قاله الخطابي وقال صاحب الأفعال أحبست الفرس وحبسته لغة وفي الصحاح أحبست فرسا في سبيل الله عز وجل أي وقفت فهو محبس وحبيس والحبس بالضم ما وقف وفي مثلث ابن السيد الحبس بضم الحاء وسكون الباء ما حبس في سبيل الله تعالى وهو جمع حبيس وقلما يجمع فعيل على فعل إذا كان بمعنى مفعول ويجعل إسما مفردا لا جمعا لأنهم قالوا في جمعه أحباس

الثالثة الحائظ وقد تقدم أنه الحديقة من النخل وفي المحكم الحائط الجدار [ لأنه ] يحوط مافيه والجمع حيطان وحوط حائطا عمله فسميت الحديقة حائطا من هذا لأنه يحوطها كما سميت حديقة لإحداق الحائط بها وقد تقدم قول البخاري رحمه الله تعالى في باب الخرص كل بستان عليه حائط فهو حديقة وما لم يكن عليه حائط لم يقل حديقة


564

الرابعة في الصحاح المخراق المنديل يلف ليضرب به عربي صحيح قال عمرو بن كلثوم [ من الوافر ]

كأن سيوفنا منا ومنهم
مخاريق بأيدي لاعبيا
وفلان مخراق حرب يخف فيها انتهى قلت يحتمل مخيريق أن يكون مشتقا من أحدهما

الخامسة الفطيون وهو اسم أعجمي قاله ابن سيده وفي جامع الاشتقاق هو اسم عبراني ومعناه الملك قلت هو على وزن فرعون ووزن فرحون المحسة التي تحس بها الدواب

السادسة في أسماء الحوائط التي أوقفها النبي صلى الله عليه وسلم وهي ثلاثة أنواع النوع الأول ما ذكر أصل تسميته وهو مشربة أم إبراهيم قال السهيلي في الروض الأنف ومحمد بن فرج في كتاب أقضية النبي صلى الله عليه وسلم إنما سميت بذلك لأنها كانت تسكنها

وقال ابن عبد البر في الاستيعاب ذكر الزبير أن أم إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم مارية ولدته بالعالية في المال الذي يقال له اليوم مشربة ابراهيم بالقف

وفي ديوان الأدب المشربة بفتح الميم وضم الراء الغرفة وفتح الراء لغة فيها

والنوع الثاني ما لم يذكر أصل تسميته لكن له معان في اللغة يحتمل أن


565

يصرف إليها فمن ذلك الأعراف بالراء أخت الزاي الجرف الذي يكون على الفلجان والفلجان سواقي الزرع وفي الصحاح الفلج نهر صغير قال العجاج [ من الرجز ]

فصبحا عين روى وفلجا
والفلج بالتحريك لغة فيه قال عبيد
أو فلج ببطن واد
للماء من تحته قسيب

ومن ذلك الميثب في المحكم في الثاء والباء والواو والميثب اسم موضع قال النابغة الجعدي [ من المتقارب ]

أتاهن أن مياه الذها
ب فالأوق فالملح فالميثب

وفي الجامع في الهمزة والثاء والباء الميثب جبل بالمدينة وإياه أرادت أم حكيم رضي الله تعالى عنها ترثى النبي صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم [ من المتقارب ]

تبكي العفاة على ربها
بحزن وجاوبها الميثب

قال وهو موضع صدقته عليه السلام وفي المعجم ميثب بكسر أوله وثاء مثلثة مفتوحة بعدها باء معجمة بواحدة موضع تقدم ذكره في رسم تيماء وهو موضع صدقات رسول الله صلى الله عليه وسلم

ومن ذلك برقة في ديوان الأدب البرقة بضم الباء وسكون الراء غلط فيه حجارة ورمل زاد ابن سيده فإذا اتسعت البرقة فهي الأبرق


566

ومن ذلك حسنى في المقصور والممدود لأبي علي حسني بفتح الحاء مقصورة اسم جبل وفي المحكم حسنى اسم موضع

ومن ذلك الصافية في المعجم الصافية فاعلة من الصفا موضع بشط دجلة وفي الجامع للقزاز الصافة الضيعة تكون للإنسان وليس له فيها شريك

والنوع الثالث لم يذكر أيضا أصل تسميته ولا يحتمل معناه أن يصرف إلى اسم الحائط إلا على بعد وهو الدلال وفي المحكم دل المرأة ودلالها تدللها على زوجها وذلك أن تريه جرأة عليه في تغنج وتشكل كأنها تخالفه وليس بها خلاف

الفصل الثاني
في ذكر أوقاف عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه

روى البخاري رحمه الله تعالى عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال أصاب عمر بخيبر أرضا فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أصبت أرضا لم أصب مالا قط أنفس منها فكيف تأمرني به قال إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها فتصدق بها عمر أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث في الفقراء والقربى والرقاب وفي سبيل الله والضيف وابن السبيل لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقا غير متمول فيه انتهى

قال القاضي رحمه الله تعالى في المشارق واسم هذا المال ثمغ بفتح الثاء وسكون الميم قال وقيده المهلب بفتح الميم انتهى

وأضاف إليها رضي الله تعالى عنه مواضع في خلافته أوقفها فيها وقدم على النظر في جميعها حفصة بنته أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهما وكتب لها بذلك ونص الكتاب ذكره أبو داود في سننه بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين إن حدث به حدث الموت أن ثمغا


567

وصرمة ابن الأكوع والعبد الذي فيه ومائة السهم الذي بخيبر ورقيقه الذي فيه والمائة التي أطعمه محمد صلى الله عليه وسلم بالوادي تليه حفصة ما عاشت ثم توليه ذا الرأي من أهلها أن لا يباع ولا يشترى ينفقه حيث يرى من السائل والمحروم وذي القربى ولا حرج عليه إن أكل أو آكل أو اشترى رقيقا منه انتهى

فائدة لغوية

في المحكم نفس الشيء نفاسة فهو نفيس ونافس رفع وأنفس الشيء صار نفيسا

وقال اللحياني النفيس والمنفس المال الذي له خطر ثم عم فقال كل شيء له خطر فهو نفيس ومنفس وفي الأفعال لابن طريف نفست في الشيء بفتح النون وكسر الفاء نفاسة رغبت

الفصل الثالث
في ذكر أوقاف علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه

في الكامل للمبرد قال أبو نيزر جاءني علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأنا أقوم بالضيعتين عين أبي نيزر والبغيبغة فقال هل عندك من طعام فقلت طعام لا أرضاه لأمير المؤمنين قرع من قرع الضيعة صنعته بأهالة سنخة فقال علي به فقام إلى الربيع فغسل يده ثم أصاب من ذلك شيئا ثم رجع إلى الربيع فغسل يديه حتى أنقاهما ثم ضم يديه كل واحدة منهما إلى أختها وشرب حسى من الربيع ثم قال يا أبا نيزر إن الأكف أنظف الآنية ثم مسح كفيه على بطنه وقال من أدخله بطنه النار فأبعده الله ثم أخذ المعول وانحدر في العين وجعل يضرب وأبطأ عليه الماء فخرج وقد تفضج جبينه عرقا فانتكف العرق عن جبينه ثم أخذ المعول وعاد إلى العين فأقبل يضرب فيها وجعل يهمهم فانثالت كأنها عنق جزور فخرج مسرعا فقال أشهد الله أنها صدقة علي


568

بدواة وصحيفة فعجلت بهما إليه فكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تصدق به عبد الله علي أمير المؤمنين تصدق بالضيعتين المعروفتين بعين أبي نيزر والبغيبغة على فقراء أهل المدينة وابن السبيل ليقي الله بهما وجهه حر النار يوم القيامة ولا تباعا ولا تورثا حتى يرثهما الله وهو خير الوارثين إلا أن يحتاج إليهما الحسن والحسين فهما طلب لهما ليس لأحد غيرهما فركب الحسين دين فحمل إليه معاوية بعين أبي نيزر مائتي ألف دينار فأبى أن يبيع وقال إنما تصدق بهما أبي ليقي الله وجهه حر النار

فائدة لغوية

في التعريف بأبي نيزر لم يذكره أبو عمر ابن عبد البر وذكره ابن فتحون فقال أبو نيزر كان من أبناء الملوك الأعاجم قاله محمد بن هشام

وقال المبرد صح عندي أنه من ولد النجاشي رغب في الإسلام صغيرا فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وكان معه في بيوته فلما توفاه الله تعالى صلى الله عليه وسلم صار مع فاطمة وولدها رضي الله تعالى عنهم قال كنت أقوم لعلي رضي الله تعالى عنه بالضيعتين عين أبي نيزر والبغيبغة

فوائد لغوية في عشر مسائل

الأولى في المعجم البغيبغة بضم أولها على لفظ التصغير بيائين وغينين معجمتين ماء لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه بينبع اشتقاقها من قولهم بئر بغيبغ إذا كانت قريبة المنزع تنزع بالعقال قال الراجز

بغيبغ تنزع بالعقال

الثانية في المشارق في تفسير الدباء القرعة بسكون الراء وجمعها قرع كذلك وحكى ثعلب قرعة بتحريك الراء أيضا


569

الثالثة في الصحاح الإهالة الودك وزنخ الدهن بالكسر يزنخ زنخا تغير فهو زنخ وسنخ بالكسر أيضا لغة فيه

الرابعة في ديوان الأدب الربيع الجدول الصغير والجدول النهر الصغير

الخامسة في المحكم حسا الشئ حسوا وتحساه بلع قال سيبويه التحسي عمل في مهلة وقال ابن القوطية حسوتها ابتلعتها جرعة بعد جرعة وفي الصحاح حسوت حسوة واحدة وفي الإناء حسوة بالضم وفي المقصور والممدود لابن القوطية والحسى جمع حسوة وحسوة

السادسة تفضح جبينه عرقا أي رشح وقد تقدم الكلام على التفضج في باب من كان يكتب أموال الصدقة

السابعة في الصحاح نكفت الدمع انكفه نكفا إذا نحيته عن خدك بإصبعك انتهى وبفتح الكاف في الماضي وضمها في المستقبل قيده الفارابي

الثامنة في الصحاح والهمهمة ترديد الصوت في الصدر بين الهاء والميم

التاسعة في الصحاح انثال عليه التراب أي انصب ويقال انثال عليه الناس من كل وجه أي انصبوا

العاشرة في الصحاح الطلق بالكسر الحلال يقال هو لك طلقا


570
الباب العاشر
في صاحب المواريث
وفيه فصلان
الفصل الأول
في صرف الميراث لبيت المال إذا عدمت العصبة

في الجواهر لابن شأس إذا عدمت العصوبة من جهة القرابة فالعصوية لمعتق الميت فإن لم يكن حيا فلعصبات معتق المعتق إلى حيث تنتهي فإن لم يكن واحد منهم فالمال لبيت المال وهو أيضا عصوبة على المشهور ويستغرق إذا لم يكن وارث ويأخذ ما بقي من أصحاب الفروض إذا لم يكن للميت إلا ذو فرض

قال الشيخ أبو عمر فإن لم يكن عصبة ولا ولاء فبيت مال المسلمين إذا كان موضوعا في وجهه ولا يرث ذوو الأرحام ولا يرد على أهل السهام

قال الأستاذ أبو بكر قال أصحابنا هذا في زمان يكون الإمام فيه عدلا فإن كان غير عدل فينبغي أن يورث ذوو الأرحام وأن يرد ما فضل على ذوي السهام عليهم وقال أيضا رأيت لابن القاسم في كتاب محمد قال من مات ولا وارث له قال يتصدق بما ترك إلا أن يكون الوالي يخرجه في وجهه مثل عمر بن عبد العزيز فيدفع إليه انتهى


571

فائدتان لغويتان

الأولى في الصحاح الميراث أصله موراث انقلبت الواو ياء لكسر ما قبلها والتراث أصل التاء فيه واو تقول ورثت أبي وورثت [ الشيء ] من أبي أرثه بالكسر فيهما ورثا ووراثة وإرثا والألف منقلبة من الواو ورثة التاء عوض من الواو

الثانية في الصحاح عصب رأسه بالعصابة تعصيبا وعصبة الرجل بنوه وقرابته لأبيه وإنما سموا عصبة لأنهم عصبوا به أي أحاطوا به فالأب طرف والأبن طرف والعم جانب والأخ جانب والجمع العصبات

الفصل الثاني
في ذكر من قال توريث ذوي الأرحام
وذكر أول من أبطل ديوان المواريث

روى الترمذي رحمه الله تعالى عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال كتب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى أبي عبيدة ابن الجراح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله ورسوله مولى من لا مولى له والخال وارث من لا وارث له قال أبو عيسى هذا حديث حسن

وروى أيضا رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الخال وارث من لا وارث له قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب وقد أرسله بعضهم ولم يذكر فيه عن عائشة


572

قال أبو عيسى واختلف فيه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فورث بعضهم الخال والخالة والعمة وإلى هذا الحديث ذهب أكثر أهل العلم في توريث ذوي الأرحام وأما زيد بن ثابت فلم يورثهم وجعل الميراث في بيت المال انتهى

وقال المظفر في كتابه المنسوب إليه وفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين عهد المعتضد برد الفاضل من سهام ذوي القربى على ذو الأرحام وأبطل ديوان المواريث انتهى

فائدة تاريخية

المعتضد الذي ذكره المظهر هو أبو العباس أحمد بن طلحة الموفق بن جعفر المتوكل بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بويع له لاحدى عشرة ليلة بقيت من رجب سنة تسع وسبعين ومائتين وتوفي ببغداد لسبع بقين من شهر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين ذكر نسبه ومدته القاضي القضاعي في كتاب الأنباء


573
الباب الحادي عشر

وهو الرجل يبعثه الإمام ليقبض المال من العمال ويستخلصه منهم ويقدم به عليه

روى البخاري رحمه الله تعالى عن بريدة رضي الله تعالى عنه قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليا إلى خالد رضي الله تعالى عنهما ليقبض الخمس وكنت أبغض عليا وقد أغتسل فقلت لخالد ألا ترى إلى هذا فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له فقال يا بريدة أتبغض عليا فقلت نعم فقال لا تبغضه فإن له في الخمس أكثر من ذلك انتهى من باب بعث علي وخالد إلى اليمن

وقال ابن إسحاق في السير وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه إلى أهل نجران ليجمع صدقتهم ويقدم عليه بجزيتهم

قال ابن الأثير وذلك في سنة عشر

قال ففعل وعاد فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة في حجة الوداع انتهى

قلت وكان الذي أخذ صدقاتهم عمرو بن حزم حسبما تقدم في باب المفقة في الدين والذي آخذ جزيتهم أبو عبيدة ابن الجراح حسبما ثبت في باب الجزية


574

تنبيه

قد تقدم ذكر علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في باب القاضي فأغى ذلك عن الإعادة هنا

فائدة لغوية

ابن القوطية وفي الشئ وفاء تم وفي الصحاح أوفاه حقه ووفاه بمعنى أي أعطاه وافيا واستوفى حقه وتوفاه بمعنى


575
الباب الثاني عشر في المشرف

قال الهروي في الغريبين بعث عمر رضي الله تعالى عنه بعامل ثم عزله فانصرف إلى منزله بلا شيء فقالت له امرأته أين مرافق العمال فقال لها كان معي ضيزنان يحفظان ويعلمان يعني الملكين

وقال القزاز في جامع اللغات بعث عمر رضي الله تعالى عنه بعامل فعزله فجاء بما كان معه من المال وانصرف إلى منزله بغير شيء فقالت له امرأته أين التحف وأين مرافق العمال فقال لها كان معي ضيزن فتلفعت وأتت عمر رضي الله تعالى عنه وقالت يا أمير المؤمنين بعثت مع زوجي بضيزن فأتاني صفر اليدين فقال ما فعلت علي بزوجها فأتاه فقال له أنا بعثت معك بضيزن فقال كان معي ضيزنان يحفظان ويعلمان وأشار إلى الملكين فقال لها عمر رضي الله تعالى عنه صدق قد ذكرت انصرف إلى منزلك ثم قال لها ما أملت فيه قالت كذا وكذا فقال يا يرفأ أعطها ثم أعطها ثم قال لها أرضيت قالت نعم

وروى أو عبيد القاسم بن سلام في كتابه في الأموال عن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى أن عمر بعث معاذا رضي الله تعالى عنهما ساعيا على بني كلاب أو على بني سعد بن ذبيان فقسم فيهم ولم يدع شيئا حتى جاء بحلسه الذي خرج به على رقبته فقالت امرأته أين ما جئت به مما يأتي به العمال من عراضة أهلهم فقال كان معي ضاغط فقالت كنت أمينا عند رسول الله صلى الله عليه


576

وسلم وعند أبي بكر فبعث معك عمر ضاغطا فقامت بذلك في نسائها واشتكت عمر رضي الله تعالى عنهم فبلغ ذلك عمر فدعا معاذا فقال أنا بعثت معك ضاغطا فقال يا أمير المؤمنين لم أجد شيئا أعتذر به إليها إلا ذلك قال فضحك عمر وأعطاه شيئا وقال أرضها به قال أبو عبيد القاسم قال ابن جريج قوله ضاغطا يعنى ربه جل ثناؤه

فوائد لغوية في أربع مسائل

الأولى قال الهروي والقزاز الضيزن في حديث عمر رضي الله تعالى عنه الحافظ الثقة وقال ابن سيده الضيزن الذي يسميه أهل العراق البندار يكون مع عامل الخراج وحكى اللحياني جعلته ضيزنا عليه أي بندارا ونونه أصلية عندهم ووزنه على ذلك فيعل مثل فيصل وفيلق وقال ابن سيده أيضا الضيزن الشريك والضيزن الذي يزاحم على الحوض والضيزنان المستقيان من بئر واحدة والضيزن الذي يزاحم أباه في امرأته وقال أوس بن حجر [ من البسيط ]

والفارسية فيهم غير منكرة
فكلهم لأبيه ضيزن سلف
وقال اللحياني في كل رجل زاحم رجلا فهو ضيزن له

الثانية في الصحاح تلفعت المرأة بمرطها أي تلحفت به واللفاع ما يتلفع به

الثالثة في الصحاح الحلس للبعير وهو كساء رقيق يكون تحت البردعة بكسر الحاء وسكون اللام وفي المحكم حلس البيت ما يبسط تحت حر المتاع من مسح ونحوه

الرابعة في الصحاح قال اشتر عراضة لأهلك أي هدية وشيئا تحمله إليهم


577

تنبيه

قد ثببت مما تقدم أن بعث من يحفظ مع العامل كان من عمل الناس قديما لكنه لم يثبت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء ولا عن الخلفاء رضوان الله تعالى عليهم لأمانة الناس حينئذ وكونهم خير القرون وقد استمر العمل عليه ولا أعلم أول من عمله في الإسلام

تنبيه

قد تقرر فيما تقدم في هذا الباب تسمية الثقة الذي يجعل مع العامل ضيزنا في القديم وتسميته عند أهل العراق بندارا وأما تسميته مشرفا بالمغرب في هذا العصر فإنما سمي بذلك لاطلاعه وإشرافه على جميع أعمال العامل

فائدة لغوية في معنى الجباية واشتقاقها وتصريف الفعل منها والنسب إليها

الجباية جمع المال وتحصيله قال الجوهري في الصحاح قال الكسائي جبيت الماء في الحوض وجبوته أي جمعته والجابية الحوض الذي يجبى فيه الماء للإبل والجمع الجوابي وفي الديوان جبيت الخراج أجبيه جباية وجبوته أجبوه جباوة أي جمعته وقال الهروي وهو حسن الجبية والجبوة وفي المحكم جباوة نادر قال سيبويه ادخلوا الواو على الياء لكثرة دخول الياء عليها وفي المحكم أيضا جبى الخراج والماء في الحوض يجباه جمعه حكاها سيبويه وهي عنده ضعيفة قال ابن جنى هي كأبى يأبى شبهوا الألف في آخره بالهمزة في قرأ يقرأ وهدأ يهدأ وفي تبصرة الصيمري في النسب إلى ما كان على فعالة أو فعالة لأفعالة فيما لامه ياء وجهان الأول قلب الياء همزة والثاني قلبها واوا ثم تدخل عليها ياء النسب كسقائي وسقاوي في النسب إلى سقاية وأما ما لامه واو فليس فيه إلا وجه واحد وهو إبقاء الواو على حالها ولا تغير البتة ثم تدخل عليها ياء النسب


578

579
الجزء السابع
في العمالات الاختزانية
وما أضيف إليها
وفيه أحد عشر بابا

580

581
الباب الأول
في فضل الخازن الأمين
وفي معنى الخزن وتصريف الفعل منه

فصل الخازن الأمين

روى البخاري رحمه الله تعالى عن أبي موسى الاشعري رضي الله تعالى عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم الخازن الامين الذى يؤدي ما امر به طيبة نفسه احد المتصدقين انتهى

معنى الخزن

ومعنى خزن الشىء احرازه تغيبه وفى المحكم خزن الشىء يخزنه خزنا واختزانه احرزه وفي الديوان بفتح الزاي في الماضي و ضمها في المستقبل وفي الغريبين خزن له المال اذا غيبه وقال ابن سيدة والخزانة الموضع الذى يخزن فيه الشىء وفي التنزيل وأن من شىء الا عندنا خزائنه والخزانة عمل الخازن وقال القاضي في المشارق الخزانة الكسر اسم المكان الذى يخزن فيه الشىء وهو ايضا عمل الخازن وقال الجوهرى المخزن ما يخزن فيه الشىء والخزانة واحدة الخزائن وخزنت السر واختزنته كتمته قال الهروى ويقال للسر من الحديث مختزن وقال ابن سيدة وخزانة الانسان قلبه وخازنة وخزانه لسانه وكلاهما على التمثيل

وقال لقمان لابنه اذا كان خازنك حفيظا وخزانتك امينة رشدت في امريك دنياك وآخرتك يعنى اللسان والقلب انتهى


582
الباب الثاني
في خازن النقدين وهو صاحب بيت المال
وفيه فصلان
الفصل الاول
في تعجيل قسم النبي صلى الله عليه وسلم ما اتاه من الفىء في يومه

روى ابو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى في كتاب الاموال عن الحسن بن محمد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يقيل مالا عنده يبيته قال ابو عبيد يعنى ان جاءه غدوة لم ينتصف النهار حتى يقسمه وإن جاء عشية لم يبت حتى يقسمه

وروى ابو داود رحمه الله تعالى عن عوف ابن مالك رضى الله تعالى عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اذا اتاه الفئ قسمه في يومه وقد تقدم في باب كاتب الجيش

وروى البخاري رحمه الله تعالى عن انس رضى الله تعالى عنه قال اتي النبي صلى الله عليه وسلم بمال من البحرين فقال انثروه في المسجد وكان اكثر مال اتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الصلاة ولم يلتفت اليه فلما قضى الصلاة جاء وجلس


583

إليه فما كان يرى احد إلا اعطاه اذ جاءه العباس فقال يا رسول الله اعطني فاني فاديت نفسي وفاديت عقيلا فقال له رسول الله خذ فحثا في ثوبه ثم ذهب يقله فلم يستطيع فقال يا رسول الله اومر بعضهم ان يرفعه الي قال لا قال فارفعه انت علي قال لا فنثر منه ثم ذهب يقله فقال يا رسول الله مر بعضهم يرفعه قال لا قال فارفعه انت علي قال لا فنثر منه ثم احتمله فالقاه على كاهله ثم انطلق فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبعه بصره حتى خفى علينا عجبا من حرصه فما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وثم منها درهم انتهى

وفي كتاب الجامع من تأليف ابن يونس وفي سنة عشر قدم بمال البحرين وهو مائة الف وثمانون الف درهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه بين الناس انتهى

وفي كتاب ابن بطل في باب القطائع قال اسماعيل بن اسحاق مال البحرين كان من الجزية

الفصل الثاني

في اتخاذ الخلفاء بعد النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم بيت المال وذكر من ولوه النظر في ذلك

ابو بكر الصديق رضى الله تعالى عنه في العقد لابن عبد ربه ان ابا عبيدة رضي الله تعالى عنه كان على بيت المال في خلافة ابي بكر رضي الله تعالى عنهما قال ثم وجهه الى الشام

وفي استيعاب لابن عبد البر رحمه الله تعالى معيقيب بن ابي فاطمة استعمله ابو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهم على بيت المال


584

وفي العمدة للتلمساني بلال بن حمامة رضى الله تعالى عنه وحمامة امه واليها كان ينسب وأبوه رباح كان لبعض بنى جمح فاشتراه ابو بكر منهم ثم اعتقه وكان له خازنا عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه في الاستيعاب معيقيب بن ابي فاطمة استعمله ابو بكر وعمر على بيت المال وقد تقدم ذكره

وفي الاستيعاب ايضا عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث كتب للنبي صلى الله عليه وسلم ثم لابي بكر واستكتبه ايضا عمر رضي الله تعالى عنهم واستعمله على بيت المال وعثمان رضى الله تعالى عنهم بعده

وفي كتاب الأموال لداودي كان عمر رضي الله تعالى عنه قد اخرج عبد الله ابن مسعود رضي الله تعالى عنه إلى العراق على صلاتهم وبيت مالهم وأحكامهم وعمار بن ياسر رضى الله تعالى عنه على جيوشهم وسهل بن حنيف رضى الله تعالى عنه على مساحة الارض

عثمان بن عفان رضى الله تعالى عنه في الاستيعاب كان زيد ابن ثابت رضى الله تعالى عنه على بيت المال في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه على بيت المال في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه وكان لزيد عبد اسمه وهيب فابصره عثمان يعينهم في بيت المال فقال من هذا فقال زيد مملوك لي فقال عثمان اراه يعين المسلمين وله الحق وانا افرض له ففرض له الفين فقال زيد والله لا تفرض لعبد الفين ففرض له الفا وقد تقدم من وليه لعمر بن الخطاب

ذكر عبد الله بن الارقم وانه وليه لعثمان ايضا وفي العقد لابن عبد ربه كان على بيت المال في ايام عثمان رضى الله تعالى عنه عبد الله بن الأرقم ثم استعفاه انتهى

علي بن ابي طالب رضى الله تعالى عنه في كتاب معرفة علماء مصر ومن دخلها من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تأليف ابي سعيد


585

عبد الرحمن بن احمد بن يونس الصدفي رحمه الله تعالى ابراهيم القبطي مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم يكنى ابا رافع شهد الفتح بمصر واختط بها وصار ابو رافع بعد ذلك الى علي بن ابي طالب فولاه بيت مال الكوفة وتوفي بها سنة اربعين

وفي الاستيعاب عند ذكر ابي رافع كان عبيد الله بن ابي رافع خازنا وكاتبا لعلي بن ابي طالب رضي الله تعالى عنه وكان ابوه ابو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وامه سلمى مولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقابلة ابراهيم ابنه انتهى

وفي العقد لابن عبد ربه كان علي رضي الله تعالى عنه يقسم بيت المال في كل جمعة حتى لا يبقى فيه شيئا ثم يرش له ويقيل فيه ويتمثل بهذا البيت

هذا جناى وخياره فيه
اذ كل جان يده الى فيه

انتهى

تنبيه

قد تقدم ذكر ابي عبيدة ومعيقيب وبلال وعبد الله بن الارقم وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت رضى الله تعالى عنهم فيما تقدم من الكتاب فاغنى عن الاعادة واما ابو رافع رضى الله تعالى عنه وعبد الله ولده ففيما تقدم من ذكر والده في باب صاحب الثقل وفيما قيدته في هذا من كلام ابي عمر ابن عبد البر كفاية في شأنيهما انتهى


586
الباب الثالث
في الوزان

روى مسلم رحمه الله تعالى عن محارب سمع جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه يقول اشترى مني النبي صلى الله عليه وسلم بعيرا بأوقيتين وبدرهم أو درهمين قال فلما قدم صرارا أمر ببقرة فذبحت فأكلوا منها فلما قدم المدينة أمرني أن آتي المسجد فأصلى ركعتين فوزن لي وزادني وروي ووزن لي ثمن البعير فأرجح لي صلى الله عليه وسلم

وروى النسائي رحمه الله تعالى عن جابر رضي الله تعالى عنه قال لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة دعا بميزان فوزن لي وزادني

وروى أبو داود رحمه الله تعالى عن سويد بن قيس رضي الله تعالى عنه قال جلبت أنا ومخرفة العبدي بزا من هجر فأتينا به مكة فجاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي فساومنا بسراويل فبعناه وثم رجل يزن بالأجر فقال رسول الله A زن وأرجح

وذكر أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في الاستيعاب في أخبار أبي سفيان بن حرب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه من غنائم حنين وكان شهدها معه مائة بعير وأربعين أوقية وزنها له بلال


587

تنبيه

قد تقدم من ذكر بلال رضي الله تعالى عنه في باب الأذان ما فيه كفاية والحمد لله

فوائد لغوية في سبع مسائل

الأولى ابن القوطية وزنت الشيء امتحنته بما يعادله ابن سيده وزنا وزنة ابن طريف وزنت الرجل ووزنت له إذا اقتضيته ثمن شيء يوزن وفي القرآن وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون

ابن سيده وإنه لحسن الوزنة جاءوا به على الأصل ولم يعلوه لأنه ليس بمصدر وإنما هو هيئة الحال الهروي والآلة التي توزن بها الأشياء ميزان الجوهري وأصله موزان انقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها قال وكفة الميزان وكفته بالكسر والفتح والجمع كفف والسعدانات العقد التي في أسفل الميزان هي السعدانات والحلقة التي تجتمع فيها الخيوط في طرفي الحديدة هي الكظامة والحديدة هي المعترضة التي فيها اللسان وهي المنجم ويقال لما يكتنف منها اللسان الفياران واحدها فيار والخيط الذي يرفع به الميزان العذبة

قلت والوزان مما جاء على فعال مشدد العين على جهة النسب لذي صنعة أو حرفة يزاولها ويديمها كالنجار والعطار قال الزمخشري في المفصل في باب النسب وقد يبنى على فعال وفاعل على ما فيه معنى النسب من غير إلحاق الياء كقولهم ثواب وجمال ولابن وتامر والفرق بينهما أن فعالا لذي صنعة يزاولها ويديمها وعليه أسماء المحترفين وفاعلا لمن يلابس الشيء في الجملة


588

الثانية صرار بالصاد المهملة المكسورة بعدها راء وألف وراء مهملتان أيضا بئر قديمة على ثلاثة أميال من المدينة تلقاء حرة واقم قاله البكري

الثالثة في الصحاح رجح الميزان ويرجح رجحانا أي مال وأرجحت لفلان ورجحت ترجيحا إذا أعطيته راجحا

الرابعة قال أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب مخرفة العبدي ويقال مخرمة والصحيح مخرفة بالفاء اشترى منه رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل سراويل

الخامسة في المحكم البز الثياب والبزاز بائع البز وحرفته البزازة وقال الجوهري البز من الثياب أمتعة البزاز وفي الديوان البز بفتح الباء متاع البزاز

السادسة في المحكم هجر بفتح أوله وثانيه مدينة البحرين معروفة وهي معرفة لا تدخلها الألف واللام

السابعة في المحكم السراويل فارسي معرب يذكر ويؤنث ولم يعرف الأصمعي فيها إلا التأنيث قال الشاعر من الطويل

أردت لكيما يعلم الناس أنها
سراويل قيس والوفود شهود
وأن لا يقولوا غاب قيس وهذه
سراويل عادي نمته ثمود

589

والجمع سراويلات قال سيبويه ولا يكسر وقد قيل سراويل واحده سرولة قال من المتقارب

عليه من اللؤم سروالة
فليس يرق لمستعطف

وسروله فتسرول ألبسه إياها فلبسها

وفي الصحاح قال سيبويه سراويل واحدة وهي أعجمية أعربت فأشبهت من كلامهم ما لا ينصرف في معرفة ولا نكرة فهي مصروفة في النكرة وإن سميت بها رجلا لم تصرف وكذلك إن حقرتها اسم رجل لأنها مؤنث على أكثر من ثلاثة أحرف

وفي النحويين من لا يعرفه أيضا في النكرة ويزعم أنه جمع سروال وسروالة وينشد

عليه من اللؤم سروالة

ويحتج في ترك صرفه بقول ابن مقبل من الطويل

فتى فارسي في سراويل رامح

والعمل على القول الأول والثاني أقوى


590
الباب الرابع
في خازن الطعام
وفيه فصلان
الفصل الأول
في ذكر ما جاء في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

خرج البخاري رحمه الله تعالى عن عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبيع نخل بني النضير ويحتبس لأهله قوت سنتهم

وروى الترمذي رحمه الله تعالى عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعزل نفقة أهله سنة ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله

قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح

وروى محمد بن حفص العطار الدوري عن أبي الحوراء رحمهما الله


591
تعالى عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال قلت له ما تذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أذكر انه حملني على عاتقه فأدخلني في غرفة الصدقة فأخذت تمرة فجعلتها في في فقال ألقها أما علمت أن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد قال فأخرجتها من في انتهى من مسنده رحمه الله تعالى

فوائد لغوية في خمس مسائل

الأولى الجوهري بنو النضير حي من يهود خيبر وهم دخلوا في العرب وهم على نسبهم إلى هارون أخي موسى عليه السلام والنضار الذهب وكذلك النضير

الثانية ابن القوطية أفاء الله على المسلمين غنما أو خيرا جاء به إليهم

الثالثة ابن القوطية وجف وجيفا وأوجف أسرع الجوهري الوجيف ضرب من سير الإبل والخيل ووجف البعير وجفا ووجيفا وأوجفته أنا وقال تعالى فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب أي ما أعملتم

الرابعة الجوهري العاتق موضع الرداء من المنكب يذكر ويؤنث

الخامسة الجوهري الغرفة العلية والجمع غرفات وغرفات وغرفات وغرف

الفصل الثاني
فيما جاء من ذلك عن عمر رضي الله تعالى عنه

في تاريخ ابن الأثير قال أسلم خرج عمر رضي الله تعالى عنه إلى حرة واقم وأنا معه حتى إذا كنا بصرار إذا نار تسعر فقال انطلق بنا إليهم فهرولنا


592
حتى دنونا منهم فإذا بامرأة معها صبيان لها وقدر منصوبة على نار وصبيانها يتضاغون فقال عمر السلام عليكم يا أصحاب الضوء وكره أن يقول يا أصحاب النار فقالت وعليكم السلام قال أدنو قالت ادن بخير أو دع فدنا فقال ما بالكم قالت قصر بنا الليل والبرد قال فما بال هؤلاء الصبية يتضاغون قالت الجوع قال وأي شيء في القدر قالت ما لي ما أسكتهم به حتى يناموا فأنا أعللهم وأوهمهم أني أصلح لهم شيئا حتى يناموا الله بيننا وبين عمر قال أي رحمك الله ما يدري بكم عمر قالت يتولى أمرنا ويغفل عنا فأقبل علي وقال انطلق بنا فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الدقيق فأخرج عدلا فيه كبة شحم وقال احمله على ظهري قال أسلم فقلت أنا أحمله عنك مرتين أو ثلاثة فقال آخر ذلك أنت تحمل عني وزري يوم القيامة لا أم لك فحملته عليه فانطلق وانطلقت معه نهرول حتى انتهينا إليها فألقى ذلك عندها وأخرج من الدقيق شيئا فجعل يقول لها ذري علي وأنا أحر لك وجعل ينفخ تحت القدر وكان ذا لحية عظيمة فجعلت أنظر إلى الدخان من خلل لحيته حتى أنضج ثم أنزل القدر فأتته بصحفة فأفرغها ثم قال أطعميهم وأنا أسطح لك فلم يزل حتى شبعوا ثم خلى عندها فضل ذلك وقام وقمت معه فجعلت تقول جزاك الله خيرا أنت أولى بهذا الأمر من أمير المؤمنين فيقول قولي خيرا إنك إذا جئت أمير المؤمنين وجدتني هناك إن شاء الله تعالى ثم تنحى ناحية واستقبلها وربض لا يكلمني حتى رأى الصبية يضحكون ويصطرعون ثم ناموا وهدأوا فقام وهو يحمد الله وقال يا أسلم الجوع أسهرهم وأبكاهم فأحببت أن لا أنصرف حتى أرى ما رأيت منهم وذكره الخطابي في كتابه في غريب الحديث والبكري في المعجم مختصرا
593

تنبيه

من تاريخ البخاري رحمه الله تعالى أسلم مولى عمر بن الخطاب أبو خالد كان من سبي اليمن سمع عمر رضي الله تعالى عنه وعن إبن إسحاق بعث أبو بكر عمر رضي الله تعالى عنهما سنة إحدى عشرة فأقام للناس الحج وابتاع فيها أسلم وعن زيد بن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم توفي أسلم وهو ابن أربع عشرة ومائة وصلى عليه مروان

فوائد لغوية في ثماني مسائل

الأولى في المعجم حرة واقم بالواو والقاف أطم من آطام المدينة نسبت إليه الحرة

الثانية في المعجم أيضا صرار بصاد مهملة مكسورة وراءين مهملتين بينهما ألف بئر قديمة على ثلاثة أميال عن المدينة تلقاء حرة واقم

تنبيه

قول المرأة قصر بنا الليل والبرد تريد والله أعلم أنهم أدركهم الليل واشتد عليهم البرد فنزلوا هنالك وقصروا عن الوصول إلى المدينة

الثالثة في الأفعال لابن طريف ضغا الكلب وغيره ضغاء صوت وأضغى أيضا

الرابعة في المحكم العدل نصف الحمل يكون على أحد جنبي البعير

الخامسة في المحكم الكب الشيء المجتمع من تراب وغيره وكبة الغزل ما جمع منه وبالضم ضبطها الفارابي

السادسة قوله وأنا أحر لك أي أصنع لك حساء ذكره أبو علي في كتابه


594
في باب فعال بفتح الفاء فقال الحساء ما يعمل ليتحسى وهو الحسو والحسو المصدر مثل السحور والسحور فالسحور اسم للطعام الذي يتسحر به والسحور المصدر وكذلك الوضوء والوضوء

وذكره البكري والخطابي فقالا فيه وأنا أحره لك قال البكري في المعجم يريد اتخذ لك حريرة ورأيت عليه في طرة من كتاب غريب الحديث للخطابي أراد أحرك لك فحذف لعلم السامع قال وكذلك رواه الحربي

السابعة في الأفعال لابن طريف في حديث عمر رضي الله تعالى عنه حين صنع الحساء للأطفال الذين كانوا في مسغبة أسطح يقال سطح الشيء سطحا بسطه

الثامنة في الأفعال للسرقسطي ربض الدابة ربوضا برك


595
الباب الخامس
في الكيال

روى البخاري رحمه الله تعالى عن المقدام بن معد يكرب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه

وروى مسلم رحمه الله تعالى عن ابن عمر قال أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر بشطر ما يخرج منها من تمر أو زرع فكان يعطي أزواجه كل سنة مائة وسق ثمانين وسقا من تمر وعشرين وسقا من شعير

وروى مسلم رحمه الله تعالى عن ابن عباس رضي الله تعالى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يكتاله

وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يكتاله

فائدة لغوية

الجوهري كلت الطعام كيلا ومكالا ومكيلا أيضا وهو شاذ ابن سيده واكتلته الجوهري والاسم الكيلة بالكسر يقال إنه لحسن الكيلة مثل الجلسة والركبة وفي المثل أحشفا وسوء كيلة أي أتجمع علي أن تعطيني حشفا وأن تسيء لي الكيل ويقال كلته بمعنى كلت له ويقال كال المعطي واكتال الآخذ وكيل الطعام على ما لم يسم فاعله وكايلته وتكايلنا إذا كال لك وكلت له فهو مكائل بالهمز ابن سيده وكاله طعاما وكاله له والكيل والمكيل والمكيال والمكيلة ما كيل به الأخيرة نادرة ورجل كيال من الكيل


596
الباب السادس

في ذكر أسماء الأوزان والأكيال الشرعية المستعملة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفيه ثلاثة فصول

الفصل الأول في قوله صلى الله عليه وسلم الوزن وزن أهل مكة والمكيال مكيال أهل المدينة روى النسائي رحمه الله تعالى عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال المكيال مكيال أهل المدينة والوزن وزن أهل مكة وروى أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم المكيال مكيال أهل المدينة والميزان ميزان مكة وروى أبو داود رحمه الله تعالى عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الوزن وزن أهل مكة والمكيال مكيال أهل المدينة


597
وروى الطحاوي رحمه الله تعالى عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه ايضا نحوه بنصه

وقال الخطابي في كتابه معالم الحديث إنما جاء هذا الحديث في نوع ما تتعلق به أحكام الشريعة في حقوق الله سبحانه دون ما يتعامل به الناس في بياعاتهم وأمور معايشهم وقوله صلى الله عليه وسلم الوزن وزن أهل مكة يريد وزن الذهب والفضة خصوصا دون سائر الأوزان ومعناه أن الوزن الذي يتعلق به حق الزكاة في النقد وزن أهل مكة وأما قوله والمكيال مكيال أهل المدينة إنما هو الصاع الذي يتعلق به وجوب الكفارات ويجب إخراج صدقة الفطر به ويكون تقدير النفقات وما في معناها بعياره والله أعلم

وقال الطحاوي المعنى في ذلك لأن مكة لما كانت أرض متجر تباع فيها الأمتعة بالأثمان ولم يكن بها حينئذ ثمرة ولا زرع وكذلك كانت قبل ذلك الزمان ألا ترى إلى قول إبراهيم ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع وكانت المدينة بخلاف ذلك لأنها دار النخيل وفيها الزرع فكان جل تجارتهم في المكيل دون الموزون جعل النبي صلى الله عليه وسلم الأمصار كلها لهذين المصرين أتباعا فيما يحتاجون إليه من الكيل والوزن قال ولما كانت السنة قد منعت من إسلام موزون في موزون ومن إسلام مكيل في مكيل وأجازت إسلام الموزون في المكيل والمكيل في الموزون ومنعت من بيع الموزون بالموزون إلا مثلا بمثل ومن بيع المكيل بالمكيل إلا مثلا بمثل كان الأصل في الموزون ما كان حينئذ يوزن بمكة وكان الأصل في المكيل ما كان حينئذ يكال بالمدينة لا يتغير عن ذلك وإن غيره الناس

وقال الفقيه أبو العباس العزفي رحمه الله تعالى في كتابه إثبات ما ليس منه بد لمن أراد الوقوف على حقيقة الدينار والدرهم والصاع والمد فوجب على كل من دان بهذه الملة وتعبد بهذه الشريعة والبحث عن كيل أهل المدينة فيما جرت العادة بكيله وعن وزن أهل مكة فيما استمر العرف بوزنه


598

قلت وإنما يتحصل ذلك بمعرفة ما كان من ذلك مستعملا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبمعرفة أقدارها ويتحصل الغرض من ذلك في الفصلين المذكورين بعد هذا إن شاء الله تعالى

الفصل الثاني في معرفة أسماء الأوزان المستعملة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومعرفة أقدارها وهي عشرة الدرهم والدينار والمثقال والدانق والقيراط والأوقية والنش والنواة والرطل والقنطار

ذكر الدرهم وفيه سبع مسائل الأولى في ذكر استعماله روى النسائي رحمه الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سبق درهم مائة ألف قالوا يا رسول الله وكيف قال رجل له درهمان فأخذ أحدهما فتصدق به ورجل له مال كثير فأخذ من عرض ماله مائة ألف فتصدق بها وروى النسائي أيضا عن سماك قال سمعت مالكا أبا صفوان يقول رضي الله تعالى عنه بعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من سراويل قبل الهجرة بثلاثة دراهم فوزن لي فأرجح لي

المسألة الثانية هل كان معلوم القدر أم لا

وفي ذلك قولان

القول الأول أن الدرهم لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم معلوما حتى ضربت الدراهم في زمان عبد الملك بن مروان قال أبو عمر ابن عبد البر في الاستذكار قال أبو عبيد كانت الدراهم غير معلومة إلى أيام عبد الملك بن مروان فجمعها وجعل كل عشرة من الدراهم وزن


599
سبعة مثاقيل قال وكانت الدراهم يومئذ درهم من ثمانية دوانق زيف ودرهم من أربعة دوانق جيد

قال فاجتمع رأي علماء ذلك الوقت العبد الملك على أن جمعوا الأربعة دوانق إلى الثمانية فصارت اثني عشر دانقا وجعلوا الدرهم ستة دوانق وسموه كيلا انتهى وقال أبو محمد عبد الحق بن عطية في جواب سؤال سئله في سنة ست عشرة وستمائة قال أبو عبيد القاسم بن سلام عن بعض شيوخه إن الدراهم كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نوعين

السوداء الوافية ووزن الدرهم منها ثمانية دوانق والطبرية العتق وزن الدرهم منها أربعة دوانق قال وكان الناس يزكون بشطرين من الكبار والصغار فلما أراد عبد الملك بن مروان ضرب الدرهم خشي إن ضرب على الوزن الوافي أن يبخس الزكاة وإن ضرب على الطبرية أن يبخس الناس فجمع الوزنين وأخذ نصفهما مراعاة لما كانت زكاة الناس عليه فجعل الدرهم من ستة دوانق

والقول الثاني إن الدرهم كان معلوما في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو العباس العزفي قال أبو جعفر الداودي وذكر قول من قال إن الدرهم لم يكن معلوما في زمن النبي صلى الله عليه وسلم هذا قول فاسد لم يكن القوم ليجهلوا أصلا من أصول الدين فلا يعلمون فيه نصا وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج السعاة فلا يجوز أن يظن بهم جهل مثل هذا ولم يأت ما قاله من طريق صحيح

قال وقد قال أبو عمر ابن عبد البر لا يجوز أن تكون الأوقية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجهولة المبلغ من الدراهم في الوزن ثم يوجب الزكاة عليها وهي لا يعلم مبلغ وزنها

قال وتلاهما على هذا القول القاضي الجليل أبو الفضل عياض رحمه الله تعالى قال ولا يصح أن تكون الأوقية والدراهم مجهولة القدر في زمن النبي


600
صلى الله عليه وسلم وهو يوجب الزكاة في أعداد منها وتقع بها البياعات والأنكحة كما جاء في الأحاديث الصحيحة وهذا يبين أن قول من قال إن الدراهم لم تكن معلومة إلى زمن عبد الملك حتى جمعها برأي الفقهاء وهم

وإنما معنى ذلك أنها لم تكن من ضرب أهل الإسلام وعلى صفة لا تختلف وإنما كانت مجموعات من ضرب فارس والروم وصغارا وكبارا وقطع فضة غير مضروبة ولا منقوشة ويمنية ومغربية فرأوا صرفها إلى ضرب الإسلام ونقشه وتصييرها وزنا واحدا لا يختلف وأعيانا يستغنى بها عن الموازين فجمعوا أصغرها وأكبرها وضربوه على وزنهم الكيل ولعله كان الوزن الذي يتعاملون به حينئذ كيلا بالمجموع ولهذا سمي كيلا وإن كانت قائمة مفردة غير مجموعة انتهى

وقال أبو عمر ابن عبد البر في الاستذكار أيضا وما أظن عبد الملك وعلماء عصره نقضوا شيئا من الأصل وإنما أنكروا وكرهوا الضرب الجاري عندهم من ضرب الروم فردوها إلى ضرب الإسلام انتهى

وقال أبو سليمان أحمد بن محمد الخطابي رحمه الله تعالى في كتابه معالم السنن في الكلام على الحديث الذي خرجه أبو داود رحمه الله تعالى عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الوزن وزن أهل مكة والمكيال مكيال أهل المدينة إنما جاء الحديث في نوع ما يتعلق به أحكام الشريعة في حق من حقوق الله سبحانه دون ما يتعامل به الناس في بياعاتهم وأمور معايشهم وقوله الوزن وزن أهل مكة يريد من الذهب والفضة خصوصا دون سائر الأوزان ومعناه أن الوزن الذي يتعلق به حق الزكاة في النقد وزن أهل مكة وهي دراهم الإسلام المعدلة منها العشرة بسبعة مثاقيل والدرهم الوازن الذي هو من دراهم الإسلام المعدلة منها العشرة بسبعة مثاقيل والدرهم الوازن الذي هو من دراهم الإسلام الجائزة بينهم في عامة البلدان ستة دوانيق وهو نقد أهل مكة ووزنهم الجائز بينهم وكان أهل المدينة يتعاملون بالدراهم عددا وقت مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها والدليل على صحة ذلك أن


601
عائشة رضي الله تعالى عنها قالت فيما روي عنها من قصة بريرة إن شاء أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة فعلت تريد الدراهم التي هي ثمنها فأرشدهم صلى الله عليه وسلم إلى الوزن فيها وجعل العيار وزن أهل مكة دون ما يتفاوت وزنه منها في سائر البلدان وقد تكلم الناس في هذا الباب وهل كانت هذه الدراهم لم تزل في الجاهلية على هذا المعيار وإنما غيروا السكك منها ونقشوا فيها اسم الله عز وجل وقام الإسلام والاوقية وزنها أربعون درهما ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة وهي مائتا درهم وهذا بلغني عن أبي العباس ابن سريج أنه كان يقوله ويذهب إليه انتهى

تنبيه أقرب ما يتناول فيه هذا الاختلاف الواقع في الدرهم الشرعي هل كان معلوما في عصر النبي صلى الله عليه وسلم أو غير معلوم القدر وهو أن يكون معلوم القدر غير موجود العين مثل درهم الصنجة عندنا الآن فإنه معلوم القدر غير موجود العين وإنما توجد صنجته ومنه تتركب الأوزان التي فوقه بالدينار والأوقية والرطل وغيرها ومن أبين الأدلة على ذلك الحديث المتقدم على هذا الباب الذي خرجه النسائي في شرائه صلى الله عليه وسلم رجل سراويل بثلاثة دراهم وفيه فوزن لي فأرجح لي والحديث الذي خرجه مسلم والبخاري رحمهما الله تعالى عن جابر رضي الله تعالى عنه اشترى مني النبي صلى الله عليه وسلم بعيرا بأوقيتين ودرهم أو درهمين وفيه ووزن لي ثمن البعير فأرجح لي وقد تقدم في باب الوزان فلو لم يكن الدرهم معلوما في حين عقد هاتين الصفقتين المباركتين لما صح البيع ولما عرف الرجحان الذي أرجح لهما صلى الله عليه وسلم بعد استيفائهما حقوقهما والله تعالى أعلم

وبهذا تتفق الأقوال ويندفع التعارض عنها فيحمل قول من قال إن درهم مكة كان معلوما في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن المراد بذلك قدره ووزنه لا عينه ويحمل قول من قال إن الدراهم كانت غير معلومة إلى أيام


602
عبد الملك بن مروان أن المراد بذلك أنها لم تكن معلومة بأعيانها وإنما كانوا بتعاملون بتلك الدراهم المختلفة المتنوعة ويرجعون في أقدارها إلى قدر الدراهم المعلوم الذي تركبت منه الأوقية والنش والنواة

المسألة الثالثة في معرفة مقداره وفي ذلك قولان الأول قال أبو محمد ابن عطية في جوابه المشار إليه في أول الباب ذكر الخطابي عن أبي العباس ابن سريج أن درهم مكة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان من ستة دوانق وأن عدد حبوبه خمسون حبة وإنما غير في الإسلام نقشه قال أبو محمد والحبة التي تركب منها الدرهم هي حبة الشعير المتوسطة الحسنة غير مقشورة بعد أن يقطع من طرفيها ما امتد وخرج عن خلقتها والقول الثاني ذكر ابن حزم في المحلى قال قد بحثت أنا غاية البحث عند كل من وثقت بتمييزه فكل اتفق لي على أن دينار الذهب بمكة وزنه اثنتان وثمانون حبة وثلاثة أعشار حبة بالحب من الشعير المطلق والدرهم سبعة أعشار المثقال فوزن الدرهم المكي سبع وخمسون حبة وستة أعشار حبة وعشر عشر حبة وحكى ابن شاس في الجواهر مثل هذا القول عن عبد الله بن أحمد بن حنبل بنصه لم يغادر منه حرفا

المسألة الرابعة في الترجيح بين هذين القولين المختلفين في عدة حبوب لدرهم على مذهب من رجح أحدهما على الآخر والجمع بينهما على مذهب من رأى ذلك فلذلك قولان

القول الأول قال أبو العباس العزفي رحمه الله تعالى في إثبات ما ليس منه بد ما قاله أبو محمد علي بن أحمد لا تحقيق وراءه فإنه كان اعتمد على نقل من وثق بتمييزه في زنة الدينار والدرهم بمكة شرفها الله تعالى فلعل ذلك مخصوص بزمن بحثه وذلك لنحو من أربعمائة سنة من تاريخ الهجرة فبقي عليه البحث والتنقير على أن الدينار والدرهم لم يزالا على ذلك من الوزن بنقل الآحاد


603
العدول أو بنقل الجماء الغفير خلفا عن سلف من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك الزمان بمكة شرفها الله تعالى كما اعتمد المحققون ذلك في صاعه ومده عليه السالم بالمدينة وأما مع إمكان اختلافه في الإعصار وتباينه في الأمصار وعند تعاقب الولاة مع ما عهد من اختلاف زنة الدنانير والدراهم والمكاييل عند تجدد الولاة واختلاف الأزمنة فلا اعتماد على ما قاله فهذا ترجيح لمن قال إن الدرهم خمسون حبة وخمسا حبة

والقول الثاني قال الأستاذ أحمد بن عثمان بن البناء رحمه الله تعالى في مقالته في مقادير المكاييل الشرعية وأما ما نقله صاحب الجواهر الثمينة عن أبي محمد عبد الله بن أحمد بن حنبل من ان دينار الذهب وزنه بمكة اثنتان وثمانون حبة وثلاثة أعشار حبة وذلك بالحب المطلق من الشعير فتكون زنة الدرهم بالحب المطلق سبعا وخمسين حبة وكسرا لأن الدرهم سبعة أعشار الدينار هذا أيضا قول مشهور فليس بين القولين اختلاف لأن الوزن في القول الأول بالوسط من الشعير وفي هذا القول بالحب المطلق ولا يبعد أن يكون بين المطلق والوسط ذلك القدر من التفاوت وهذا جمع بين القولين المسألة الخامسة في الدليل على استعمالهم حب الشعير في أوزانهم في الجاهلية والإسلام أنشد ابن إسحاق في السير لأبي طالب من الطويل

جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا
عقوبة شر عاجلا غير آجل
بميزان صدق لا يخس شعيرة
له شاهد من نفسه غير عائل

وذكر أبو محمد ابن عطية في التفسير عند قوله عز وجل يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم المجادلة 12 صح عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال ما عمل بها أحد غيري وأنا كنت سبب الرخصة والتخفيف عن المسلمين وذلك أني أردت مناجاة النبي A في أمر ضروري فصرفت


604
دينارا بعشرة دراهم ثم ناجيته عشر مرات أقدم في كل مرة درهما وروي عنه أنه تصدق في كل مرة بدينار قال علي رضي الله تعالى عنه ثم فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذه العبادة قد شقت على الناس فقال لي يا علي كم ترى أن يكون حد هذه الصدقة أتراه دينارا قلت لا قال فنصف دينار قلت لا قال فكم قلت حبة من شعير قال إنك لزهيد فأنزل الله عز وجل الرخصة انتهى

قلت وإنما يريد رضي الله تعالى عنه وزن حبة من شعير لأنه يصح به الانتفاع ويكون قريبا من خمس العشر من الدرهم في قول من قال إن الدرهم خمسون حبة وخمسا حبة أو قريبا من سبع ثمن الدرهم في قول من قال إن الدرهم سبع وخمسون حبة وثلاثة أعشار حبة ولا يصح أن يردي رضي الله تعالى عنه حبة الشعير بعينها لتفاهتها وعدم الانتفاع بها

المسألة السادسة في معنى تسمية هذا الدرهم بالشرعي

قال أبو محمد ابن عطية في جوابه سمي بذلك لما تركب منه الرطل والمد والصاع فهو درهم كيل الشريعة وفي هذا الدرهم والرطل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الوزن وزن مكة وفيما تركب منه كما ذكرنا قال الكيل كيل المدينة

المسألة السابعة في ذكر فوائد لغوية وهي عشر فوائد الأولى في المخصص قال سيبويه الدرهم فارسي معرب ألحقوه ببناء هجرع وقالوا في تصغيره دريهم كأنهم صغروا درهاما قال ابن جني قد قيل درهام وأنشد

لو أن عندي مائتي درهام
لجاز في آفاقها ختامي
وقال المطرز في اليواقيت أفصح اللغات درهم والثانية درهم وقالوا في الجمع دراهم ودراهيم كما قالوا قراقر وقراقير
605
الثانية في المشرع الروي في حديث عائشة ما تصدقت المرأة من عرض بيتها أي من ناحيته ويقال عرض كل شيء ما استقبلك منه وكذلك عرض النهر والماء وفي المحكم عرض الشيء وسطه وناحيته وقيل نفسه وعرض الحديث نعظمه وعرض الناس كذلك وفي الديوان العرض بضم العين وسكون الراء الناحية الثالثة ابن القوطية زافت الدراهم تزيف زيفا فسدت وبارت الجوهري درهم زيف وزائف وقد زافت عليه الدراهم وزيفتها أنا الرابعة ابن القوطية بخسة حقه بخسا نقصه والكيل كذلك الفارابي بفتح العين في الماضي والمستقبل لمكان حرف الحلق الخامسة في الصحاح عايرت المكاييل والموازيين عيارا وعاورت بمعنى يقال عايروا بين مكاييلكم وموازينكم وهو فاعلوا من العيار ولا تقل عيروا والمعيار العيار

السادسة الجوهري الورق الدراهم المضروبة وحكى فيها الفراء ثلاث لغات ورق وورق وورق مثل كبد وكبد وكبد وكذلك الرقة والهاء عوض من الواو وتجمع على رقين مثل إرة وإرين السابعة ابن سيده صنجة الميزان وسنجته فارسية معربة وحكى اللغتين أبو عبيد في المصنف وفي الصحاح قال ابن السكيت ولا يقال سنجة وفي الفرق لابن السيد الصنجة بالصاد التي يوزن بها وقد حكي سنجة بالسين قلت وهي ما اتخذ من أحد المعادن أو الأحجار ليعاير بها مقدار وزن من الأوزان التي تجري بين الناس في معاملاتهم قلت أو كثرت وفي الحماسة من الرجز

وفعلة زين وليست فاضحه
نابلة طورا وطورا رامحه

606
على العدو والصديق جامحه
من لقيت فهي له مصافحه
كأنها صنجة ألف راجحه
الثامنة الجوهري قولهم جاءوا جماء غفيرا ممدودا والجماء الغفير وجماء الغفير أي جاء جماعتهم الشريف والوضيع ولم يتخلف أحد وكانت فيهم كثرة والجماء الغفير اسم وليس بفعل إلا أنه ينتصب كما تنتصب المصادر التي هي في معناه كقولك جاءوني جميعا وقاطبة وطرا وكافة وأدخلوا فيه الألف واللام كما أدخلوها فلي قولهم أوردها العراك أي أوردها عراكا ابن القوطية في المقصور والممدود وجماء القوم جماعتهم وجاء القوم الجماء الغفير أي بجماعتهم

التاسعة قال أبو ذر الخشني في غريب السير قوله لا يخس شعيرة أي لا ينقص ويروى لا يخيس من قولهم خاس بالعهد إذا نقضه وأفسده وفي المحكم خس الحظ خسا فهو خسيس وأخسه كلاهما قلله ولم يوفره وخاس الرحل خيسا أعطاه بسلعته ثمنا ما ثم أعطاه أنقص منه وكذلك إذا وعده بشيء وأعطاه أنقص مما وعده به وخاس عهده وبعهده نقضه وخانه

العاشرة الجوهري الشعير من الحبوب الواحدة شعيرة قلت وهو الذي تركب من المعايرة به الدراهم والدنانير التي هي أصول الأكيال والأوزان الشرعية من دون سائر الحبوب وفي المحكم الشعيرة حلي يتخذ من الفضة مثل الشيعر والشعيرة هنة تصاغ من فضة أو حديد على شكل الشعيرة فتكون مساكا لنصاب والسكين وأشعر السكين جعل لها شعيرة


607

302 ذكر الدينار والمثقال وفيه ثلاث مسائل المسألة الأولى في ذكر استعمالهما وأنهما بمعنى واحد روى مسلم رحمه الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة ودينار تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك وروى أبو عبيد في كتاب الأموال عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري أن في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي كتاب عمر في الصدقة أن الذهب لا يؤخذ فيه شيء حتى يبلغ عشرين دينارا وقال أيضا في كتاب الأموال في الحديث المرفوع عن عمر بن شبة عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس في أقل من عشرين مثقالا من الذهب ولا في أقل من مائتي درهم صدقة المسألة الثانية في مقدارهما وفيه قولان

القول الأول قال ابن عبد البر في التمهيد روي عن جابر بإسناد غير صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الدينار أربعة وعشرون قيراطا قال أبو عمر هذا وإن لم يصح إسنادا ففي قول جماعة العلماء به وإجماع الناس على معناه ما يغني عن الإسناد فيه قال أبو العباس العزفي في الإثبات وزاد الوليد ابن رشد القاضي الجليل في هذا الحديث والقيراط ثلاث حبات شعير ذكر ذلك في كتابه الكبير قال والدينار اثنتان وسبعون حبة من الشعير قال ولم تختلف الأوزان في الدنانير كما اختلفت في الدراهم انتهى قول العزفي وقال أبو عبيد في كتاب الأموال لم يزل المثقال في آباد الدهر موقتا محدودا قال الخطابي كانت الدنانير تحمل إليهم في زمان النبي صلى الله عليه


608
وسلم من بلاد الروم قال العزفي فكانت العرب تسميها الهرقلية وقد ذكرها كثير في شعره من الطويل
هرقلي وزن أحمر التبر راجح
وقال اللخمي في كتاب التبصرة الدينار درهم وثلاثة أسباع درهم وهو سبع العشرة والعشرة دراهم سبعة دنانير والقول الثاني ما ذكره صاحب الجواهر عن عبد الله بن أحمد بن حنبل وهو قول علي بن أحمد بن حزم أيضا أن وزن الدنيار اثنتان وثمانون حبة وثلاثة أعشار حبة حسبما تقدم ذكره في الكلام على الدرهم والقول في هذا الاختلاف كالقول في اختلافهم في الدرهم وقد تقدم فينظر هناك المسألة الثالثة في ذكر فائدتين لغويتين الفائدة الأولى في ديوان الأدب كل ما كان على فعال من الأسماء أبدل من أحد حرفي تضعيفه ياء فيصير على فيعال مثل دينار وقيراط كراهية أن تلتبس بالمصادر إلا أن يكون بالهاء فيخرج على أصله مثل دنابة وصنارة لأنه الآن أمن من التباسه بالمصدر قال العزفي في الإثبات والدليل على أن أصله دنار جمعه على دنانير ولو جمعوه على لفظه لقالوا فيه ديانير أو دوانير

الفائدة الثانية قال العزفي في الإثبات المثقال اسم لما له ثقل كبير أو صغير إلا أن عرفه غلب على الصغير وفي عرف الفقهاء والعلماء على الدينار 4 ذكر الدانق قلت لا أعلم أنه جاء في شيء من الحديث ولا الشعر ولكنه جاء في تحديد وزن الدرهم فلذلك ذكرته ويتحصل المقصود من الكلام عليه في مسألتين المسألة الأولى في معرفة قدره ولم يختلف أنه سدس الدرهم فيكون وزن


609
الدانق على هذا على قول من قال إن الدرهم خمسون حبة وخمسا حبة بالوسط ثماني حبات وخمسا حبة من الشعير قال العزفي في الإثبات وزنه ثماني حبات من الشعير وخمسا حبة

المسألة الثانية قال العزفي في الإثبات دانق ودانق بفتح النون وكسرها وأصله أعجمي معرب قال الحسن البصري رحمه الله تعالى لعن الله الدانق وأول من أخرج الدانق ما كانت العرب تعرف الدانق ولا أبناء فارس إنه لا دين لمن لا مروءه له وفي ديوان الأدب الدانق والدنق بكسر النون وفتحها لغتان وزاد الجوهري داناق كما قالوا للدرهم درهام قال وهو سدسد الدرهم 5 ذكر القيراط وفيه ثلاث مسائل

المسألة الأولى في استعماله

روى مسلم رحمه الله تعالى حديث شراء رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمل من جابر رضي الله تعالى عنه من طريق عثمان بن أبي شيبة عن جابر وفيه ثم قال لي بعني جملك هذا قال قلت لا بل هو لك قال لا بل بعنيه قال قلت لا بل هو لك يا رسول الله قال بل بعنيه قلت فإن لرجل علي أوقية من ذهب فهو لك بها قال قد أخذته فتبلغ عليه إلى المدينة قال فلما قدمت المدينة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال أعطه أوقية من ذهب وزده فأعطاني أوقية من ذهب وزادني قيراطا قال فقلت لا تفارقني زيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وكان في كيس لي فأخذه أهل الشام يوم الحرة

الثانية في مقداره قد تقدم عند ذكر الدينار أن الدينار أربعة وعشرون قيراطا فالقيراط جزء من أربعة وعشرين جزءا من الدينار وتقدم أيضا هنالك أن القيراط ثلاث حبات من الشعير


610

المسألة الثالثة قد تقدم قول الفارابي عند ذكر الدينار أن مثال القيراط فعال أبدل من إحدى حرفي تضعيفه ياء فصار على فيعال وقال العزفي في الإثبات أصله قراط يدل على ذلك جمعه على قراريط ولو لم يكن ذلك أصله لجمع على لفظه قياريط أو قواريط وهو أعجمي عربته العرب

ذكر الأوقية وفيه ثلاث مسائل المسألة الأولى في استعمالها روى مسلم رحمه الله تعالى عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة

وروى أيضا رحمه الله تعالى عن فضالة بن عبيد الله تعالى عنه قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر فبايع اليهود الأوقية الذهب بالدينارين والثلاثة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن

المسألة الثانية في قدرها قال ابن يونس قال مالك أوقية الفضة أربعون درهما قال التلمساني في التبصرة يدل على ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر ليس فيما دون مائتي درهم زكاة فإذا بلغت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم فصح بذلك أن الأوقية أربعون درهما

ومما يدل على ذلك أيضا ما خرجه مسلم في صحيحه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال سألت عائشة رضي الله تعالى عنها كم كان صداق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية


611
ونشا قالت أتدري ما النش قال قلت لا قالت نصف أوقية فذلك خمسمائة درهم فهذا صداق رسول الله صلى الله عليه وسلم لأزواجه

تنبيه قد جاء ذكر أوقية أخرى غيره هذه في تقرير الرطل المقدر به مد النبي صلى الله عليه وسلم ولم تكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وسأستوفي الكلام عليها عند ذكر الرطل إن شاء الله تعالى

المسألة الثالثة في ذكر فائدتين لغويتين الفائدة الأولى في الصحاح الأوقية في الحديث أربعون درهما والجمع الأواقي مثل أثفية وأثافي وإن شئت خففت الياء في الجمع وأنشد ابن سيده ف المحكم لذي الرمة وأنشده الفارابي أيضا في الديوان من الطويل

فما زلت أبقي الظعن حتى كأنها
أواقي سدى تغتالهن الحوائك
وقال بقيت الشيء بفتح القاف أبقيه بكسرها أي تعهدته وترقبته وفي المشارق وحكى اللحياني في الواحد وقية وتجمع على وقايا مثل ضحية وضحايا قال وبعض الرواة يمد أواق وهو خطأ

الفائدة الثانية في الصحاح الذود من الإبل ما بين الثلاث إلى العشر وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها والكثير أذواد وفي المشارق الذود من الأبل ما بين الاثنين إلى التسع وهو قول أبي عبيد وان ذلك


612
يختص بالإناث وقال الأصمعي وهو ما بين الثلاث إلى العشر قال غير واحد ومقتضى لفظ الأحاديث انطلاقه على الواحد وليس فيه دليل على ما قالوه وإنما هو لفظ للجميع كما قالوا ثلاثة رهط ونفر ولم يقولوه لواحد ولا تكلموا بواحد منها وفي الغريب المصنف [ أو زيد الذود من الإبل ما بين الثلاث إلى العشر وفي المنتقى قال ابن مزين عن عيسى بن دينار الذود واقع على الواحد من الإبل وعلى الجماعة منها وهو هنا واقع على الجماعة لأن العدد إلى العشرة لا يضاف إلا إلى الجماعة من المعدود فكأنه قال خمسة جمال أو خمس نوق

ذكر النش وفيه ثلاث مسائل المسألة الأولى في استعماله روى مسلم رحمه الله تعالى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال سألت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كم كان صداق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت كان صداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشا قالت أتدري ما النش قال قلت لا قالت نصف أوقية فذلك خمسمائة درهم فهذا صداق رسول الله صلى الله عليه وسلم لأزواجه

المسألة الثانية في قدره قد تقدم في المسألة التي قبل هذه تعريف عائشة رضي الله تعالى عنها بقدر النش وأنه نصف أوقية وليس وراء ذلك غاية

المسألة الثالثة في ذكر فائدتين لغويتين الأولى في المشارق في الصداق يقال بفتح الصاد وكسرها وفيه أيضا لغات صدقة وصدقة وصدقة وهو مهر المرأة الذي تستباح به


613
الثانية النش بفتح النون مشدد الشين عشرون درهما نصف الأوقية عندهم قاله غير واحد وأنشد المطرز من الرجز
إن التي أنكحها المحش
من نسوة مهورهن النش

ذكر النواة وفيه ثلاث مسائل المسألة الأولى في استعمالها روى مسلم رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه أثر صفرة فقال ما هذا قال يا رسول الله إني تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب قال فبارك الله لك أولم ولو بشاة

وروى النسائي رحمه الله تعالى عن أنس أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار فقال رسول الله صلى عليه وسلم كم سقت إليها قال زنة نواة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أولم ولو بشاة

المسألة الثانية في قدرها في المشارق قوله وزن نواة من ذهب قال أبو عبيد هي خمسة دراهم وقيل هي اسم لما زنته خمسة دراهم يقال له نواة كما يقال للعشرين نش وللأربعين أوقية وقيل كانت قدر نواة من ذهب قيمتها خمسة دراهم

المسألة الثالثة في ذكر فائدة لغوية وهي قوله صلى الله عليه وسلم أولم ولو بشاة في الصحاح الوليمة طعام العرس وقد اولمت وفي الحديث أولم ولو بشاة


614

ذكر الرطل وفيه أربع مسائل المسألة الأولى في استعماله في صحيح مسلم رحمه الله تعالى عن أنس رضي الله تعالى عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد

وروى الترمذي رحمه الله تعالى عن سفينة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بثلث المد ويغتسل بالصاع قال أبو عيسى حديث سفينة حديث حسن صحيح

قال القاضي أبو الفضل عياض في المشارق المد رطل وثلث والصاع خمسة أرطال وثلث هذا قول أهل الحجاز وهو الصحيح

وفي الإثبات قال شيخ الفقهاء ببغداد أبو إسحاق الشيرازي في نكته روى عمر بن حبيب القاضي قال حججت مع أبي جعفر فلما قدم المدينة قال إيتوني بصاع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتي به فعايره فوجده خمسة أرطال وثلثا برطل أهل العراق قال أبو عبيد وهو الذي عليه العمل وقال أبو محمد حسن بن علي بن محمد بن عبد الملك بن القطان في مقالته إنما نظرنا في معنى الرطل من حيث الأخذ في تفهم المد المذكور لا لأنه واقع في لفظ النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب ولا في غيره

قلت وقد جاء ذكر الرطل في أشعار العرب قال النابغة الجعدي من الطويل

نحلي بأرطال اللجين سيوفنا
ونعلو بها يوم الهياج السنورا
أنشده البياسي في حماسته مع أبيات من قصيدة له
615

المسألة الثانية في قدره وفيه مذهبان المذهب الأول تقديره بدراهم الكيل وفيه قولان القول الأول أنه مائة درهم وثمانية وعشرون درهما كيلا وفي الإثبات قال أبو عبيدة صاع النبي صلى الله عليه وسلم هو كما أعلمتك خمسة أرطال وثلث والمد ربعه وذلك برطلنا الذي وزنه مائة درهم وثمانية وعشرون درهما وزن سبعة وقال أبو محمد ابن أبي زيد وزنته بالدراهم يعني الرطل مائة درهم وثمانية وعشرون درهما قال أبو محمد ابن القطان وهو مذهب جماهير العلماء

قلت قول أبي عبيد برطلنا يعني الرطل العراقي وقوله وزن سبعة يعني كل عشرة دراهم منها وزن سبعة مثاقيل وهي دراهم الكيل حسبما تقدم ذكر ذلك

والقول الثاني أنه مائة وثلاثون درهما كيلا وفي الإثبات قال ابو جعفر أحمد بن نصر الدوادي الرطل في قول الجميع نصف منا والمنا مائتا درهم كيلا وستون درهما ذكر ذلك في الاكتفاء في شرح الموطأ

والمذهب الثاني تقديره بالأواقي وفيه ثلاثة أقوال القول الأول أنه اثنتا عشرة أوقية وزن الأوقية عشرة دراهم وثلثا درهم

قال أبو العباس العزفي في الإثبات الرطل في قول جميعهم هو العراقي البغدادي وهو اثنتا عشرة أوقية وهو الفلفلي وقال أبو الحسن على بن محمد بن عبد الملك بن القطان في مقالته في الأوزان والاكيال الرطل العراقي ثنتا عشرة


616
أوقية والأوقية هي زنة عشرة دراهم وثلثي درهم من دراهم الكيل قال فذلك من دراهم الكيل مائة درهم وثمانية وعشرون درهما

والقول الثاني أنه اثنتا عشرة أوقية وأربعة أخماس الأوقية وزن الأوقية عشرة دارهم خاصة ويتخرج هذا القول من قول الداودي الذي حكاه أبو العباس العزفي في الإثبات قال رحمه الله تعالى وحكي عن أبي جعفر المذكور يعني الداودي أنه سئل عن زنة مد النبي صلى الله عليه وسلم فقال سبع عشر أوقية وثلثا درهم فإذا قسمت ذلك على رطل وثلث وهو وزن المد الذي حكى هو الإجماع عليه خرج لنا واجب الرطل اثنتا عشرة أوقية وأربعة أخماس الأوقية فذلك مائة درهم وثمانية وعشرون درهما من دراهم الكيل

والقول الثالث أنه إحدى عشرة أوقية وثلث أوقية وثلثا ثلث أوقية والأوقية وزن عشرة دراهم كيلا أيضا قال أبو محمد ابن القطان وأبو العباس ابن البناء وهذا قول الداودي فذلك مائة درهم وخمسة عشر درهما وخمسة أسباع درهم قلت وهذا القول الذي نسب للداودي هنا خلاف الذي حكاه العزفي في الإثبات وحكاية العزفي أصح

المسألة الثالثة في الراجح من هذه الأقوال المختلفة في مقدار الرطل قال أبو العباس ابن البناء في مقالته رجح من ذلك أن الرطل ثمانية وعشرون درهما ومائة درهم كيلا وعليه الجمهور فيعتمد عليه

المسألة الرابعة في ذكر فائدة لغوية في الإثبات الرطل اسم مذكر ويقال بالفتح في الراء والكسر وهو اسم لمقدار من الموزونات تقديره بالعرف لا بالوضع وقد تقدم تفسير مقداره وهو أيضا اسم لما يعاير به الموزونات من حديد أو نحاس أو رصاص أو حجر وقد يكون اسما لما يكال به مثل المد والصاع وحكى ابن دريد أن الرطل ما يكال به ويوزن وأنشد شاهدا على أنه يكال به من الوافر


617
لها رطل تكيل الزيت منه
وحمار يسوق لها حمارا
وإذا أردت اشتقاقه فأولى ما يقال فيه أن يكون من قولهم رطل بالفتح والكسر للكبير الضعيف أي أن هذا من الموزونات ضعيف أو من قولهم غلام رطل بالفتح أي مقارب للاحتلام فيكون معناه أن الموزون به مقارب للمد وقد صرفوا منه الفعل فقالوا رطلت الشيء بيدي أرطله رطلا إذا حركته لتعرف وزنه ورطل شعره ترطيلا إذا كسره كأنه عاير شعره بشعر آخر يكون له التكسير خلقة انتهى

قلت يحتمل قول ابن دريد أن الرطل ما يكال به ويوزن أن يكون الذي يكال به إناء يسع زنة رطل من الزيت وورد في شعر ذي الرمة مثل ذلك في الأوقية وأنها إناء يكال به الزيت يصنع من الصفر حيث يقول يصف إبلا ضمرها ونقلته من ديوان شعره من الطويل

فجئنا على خوص كأن عيونها
صبابات زيت في أواقي من صفر

ذكر القنطار وفيه ثلاث مسائل المسألة الأولى في استعماله قال الله عز وجل ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما آل عمران وقال الله تعالى وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا النساء 20 وذكر القاضي منذر بن سعيد البلوطي في كتابه في شرح غريب القرآن ومعانيه وأحكامه واختلاف العلماء في حلاله وحرامه أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قام خطيبا فقال أيها الناس لا تغالوا مهور النساء فلو كانت مكرمة في


618
الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصدق امرأة من نسائه أكثر من اثنتي عشرة أوقية فقامت إليه امرأة فقالت يا أمير المؤمنين لم تمنعنا حقا جعله الله لنا والله يقول وآتيتم إ حداهن قنطارا قال عمر كل أحد أعلم من عمر ثم قال لأصحابه تسمعوني أقول مثل هذا فلا تنكرون حتى ترد علي امرأة ليست من أعلم النساء

المسألة الثانية في مقداره اختلف العلماء في ذلك اختلافا كبيرا فقال الهروي في الغريبين القنطار عند العرب المال الكثير قال وجاء في التفسير ملء مسك ثور ذهبا قلت ومسك الثور مفتوح الميم ساكن السين جلده قاله الفارابي وقال القاضي في المشارق أصله في لسان العرب الجملة الكثيرة من المال قيل ولهذا سميت القنطرة لتكاثف بنائها بعضه على بعض وقيل هو ثمانون ألفا وقيل ملء مسك ثور ذهبا وقيل أربعون أوقية ذهبا وقيل ألف ومائتا دينار وفي المحكم قال السدي هو مائة رطل من ذهب أو فضة وفي تفسير ابن عطية هو العقدة الكثيرة من المال واختلف الناس في تحرير حده كمن هو فروى أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال القنطار ألف ومائتا أوقية وقال بذلك معاذ بن جبل وعبد الله بن عمر وأبو هريرة وعاصم بن أبي النجود وجماعة من العلماء وهو أصح الأقوال


619

المسألة الثالثة في ذكر فائدة لغوية قال الفارابي في باب فعلال وفنعال بكسر الفاء وسكون العين والنون القنطار ملء مسك ثور ذهبا أو فضة وذكره الجوهري في مادة القاف والطاء والراء فتكون نونه زائدة مثل الشنعاف وهو رأس الجبل وأصله من الشعفة بالتحريك وهو رأس الجبل قال الجوهري والجمع شعف وشعوف وشعاف وشعفات وهي رؤوس الجبال وذكره ابن سيده في المحكم في الرباعي فتكون نونه عنده أصلية وكذلك ذكره القاضي في المشارق

الفصل الثالث
في معرفة أسماء الأكيال المستعملة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومعرفة أقدارها وهي المد والصاع والفرق والعرق والوسق

ذكر المد وفيه ثلاث مسائل المسألة الأولى في استعماله ترجم البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه باب صاع المدينة ومد النبي صلى الله عليه وسلم وبركته وما توارثه أهل المدينة من ذلك قرنا بعد قرن وخرج فيه عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اللهم بارك لهم في مكيالهم وصاعهم ومدهم

فائدة في المنتقى يحتمل أن يريد بالمكيال الصاع والمد فذكرها أولا باللفظ العام ثم أكد باللفظ الخاص ويحتمل أن يريد به غير ذلك من المكاييل ما هو أعظم منها من الأوسق وغيرها وما هو أصغر منهما كنصف المد وغيره

المسألة الثانية في مقداره في الإثبات قال أبو محمد ابن قتيبة أما أهل الحجاز فلا اختلاف بينهم


620
فيما أعلمه أن المد رطل وثلث قال أبو جعفر أحمد بن نصر الداودي أجمع أهل الحرمين على أن المد رطل وثلث وذكر نحوا منه أو عمر ابن عبد البر والقاضي أبو الوليد ابن رشد وفي المشارق قيل سمي مدا لأنه ملء كفي الإنسان إذا مدهما طعاما وفي الإثبات أيضا قال الفقيه أبو العباس جربنا هذا المد المعتمد بالحفنات والأكف والمختلفات فوجدنا الحفنة بالكفين العريضتين تزيد عليه ووجدناها بالكفين الدقيقتين تنقص عنه ووجدناها بالكفين العريضتين تزيد عليه ووجدناها بالكفين الدقيقتين تنقص عنه ووجدناها بالكفين المتوسطتين كفاء له نفع الله بذلك وقال أبو يحيى أبو بكر بن خلف الأنصاري شهر بالمواق في مقالته في المكاييل والموازين قال أبو حنيفة والنخعي ومن تابعهما المد رطلان انتهى

وإلى ما أجمع عليه أهل الحرمين أنه رطل وثلاث رجع أبو يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة حين ناظر عليه مالكا بين يدي الرشيد انتهى

وسيرد خبر مناظرتهما مستوفى عند ذكر الصاع بعد هذا إن شاء الله تعالى

المسألة الثالثة في ذكر فائدة لغوية في الإثبات المد مذكر وجمعه أمداد وقال بعضهم مداد وهو غير بعيد يشهد له أن فعلا في المضاعف يغلب على فعال نحو عش وعشاش وقف وقفاف

ذكر الصاع وفيه ثلاث مسائل المسألة الأولى في استعماله روى مسلم رحمه الله تعالى عن عبد الله بن زيد بن عاصم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن إبراهيم عليه السلام حرم مكة ودعا لأهلها وإني


621
حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة وإني دعوت في صاعها ومدها بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة

وروى مالك رحمه الله تعالى في الموطأ عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر على الناس من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين

المسألة الثانية في قدره في الإثبات قال أبو عبيد القاسم بن سلام أما أهل الحجاز فلا اختلاف بينهم أعلمه أن الصاع خمسة أرطال وثلث يعرفه عالمهم وجاهلهم ويباع في أسواقهم ويحمل علمه قرن بعد قرن

وقال أبو محمد ابن أبي زيد قال أهل الحرمين صاع النبي صلى الله عليه وسلم خمسة أرطال وثلث

وقال الشافعي وأتباعه في آخرين من العلماء صاع النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أمداد من مده صلى الله عليه وسلم وفيه رطل وثلث فالصاع خمسة أرطال وثلث

قال الفقيه أبو العباس وقد ذهب أهل العراق إلى أن مده عليه السلام رطلان وصاعه ثمانية أرطال إذ قد اتفق أهل الحجاز وأهل العراق على أن مده ربع صاعه وإن اختلفوا في مقداريهما انتهى

وقال أبو يحيى ابن المواق في مقالته قال أبو حنيفة والنخعي ومن تابعهما الصاع ثمانية أرطال والمد رطلان انتهى وفي الإثبات قال أبو عبيد وكان شريك بن عبد الله يقول ذلك قال الفقيه أو العباس وقد نقل الثقات الأثبات العلماء المحققون لما ينقلون كأبي عبيد القاسم بن سلام وأبي الحسن علي بن خلف وابي جعفر أحمد بن


622
نصر الداودي وأبي عمر ابن عبد البر وأبي الوليد الباجي وأبي محمد علي بن أحمد وأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي وغيرهم مناظرة القاضي أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم إمام دار الهجرة مالك بن أنس حين حج مع الرشيد في الصاع والمد فاستدعى مالك رحمه الله ابناء المهاجرين والأنصار من أهل المدينة فجاءوا بمكاييل آبائهم التي توارثوهما عن أجدادهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المتداولة من عهد النبي صلى الله عليه وسلم فاتفقت كلها وكل من أتى بمد زعم أنه أخذه عن أبيه أو جده أو عن عمه أو عن جاره مع إشارة الجمهور إليه واتفاقهم عليه اتفاقا يوجب العلم ويقطع العذر قال علي بن خلف بعد ان كان أخرج له مالك رحمه الله تعالى صاعا وقال له هذا صاع النبي صلى الله عليه وسلم فقدره أبو يوسف فوجده خمسة أرطال وثلثا زاد أحمد بن نصر الداودي واجتمعت الأمداد كلها على رطل وثلث قالوا فنزع أبو يوسف عن رأيه أهل الكوفة في الصاع والمد ورجع إلى قول أهل المدينة لما تبين له الحق

المسألة الثالثة في ذكر فائدة لغوية في المشارق الصاع مكيال لأهل المدينة معلوم وفيه أربعة أمداد بمد النبي صلى الله عليه وسلم ويقال له صاع وصوع وصواع وجمعه أصوع وصيعان وجاء آصع والصواب ما تقدم انتهى

قال الجوهري وإن شئت أبدلت من الواو المضمومة همزة وفي الإثبات الصاع يذكر ويؤنث فمن ذكر قال أصواع مثل باب وأبواب ومن أنث قال أصوع مثل دار وأدور

ذكر الفرق وفيه ثلاث مسائل المسألة الأولى في استعماله قال ابن إسحاق في السير كان أبي بن خلف يلقى رسول الله صلى


623
الله عليه وسلم بمكة فيقول يا محمد إن عندي العود فرسا أعلفها كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليها فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أنا أقتلك إن شاء الله تعالى وذكر كيف طعنه النبي صلى الله عليه وسلم يوم احد طعنة مات منها وقد تقدم ذكر ذلك فقي باب السلاح من هذا الكتاب
المسألة الثانية في قدره في المشارق هو قدر ثلاثة أصوع وفي كتاب الحج في الفدية تصدق بفرق بين ستة مساكين وفي الحديث الآخر أطعم ثلاثة آصع وهو نحو ما تقدم لأن في كل صاع أربعة أمداد والمد على مذهب الحجازيين رطل وثلث فيأتي الفرق على هذا ستة عشر رطلا وفي الإثبات ذكر الحافظ أبو بكر البيهقي عن أبي داود سمعت أحمد بن حنبل يقول الفرق ستة عشر رطلا والصاع خمسة أرطال وثلث

المسألة الثالثة فيها فائدتان لغويتان الأولى العود قال البكري في المستوعب العود فرس لأبي بن خلف الجمحي وعليه كان إذ رماه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحربة فكانت منيته من تلك الضربة

تنبيه ذكر البكري العود هنا وأنثه ابن إسحاق حسبما تقدم في أول الفصل والله أعلم بالصواب في ذلك الفائدة الثانية في المشارق الفرق مكيال معروف بالمدينة وهو ستة عشر رطلا وقد يحرك قال من الرمل

يأخذون الأرش في إخوتهم
فرق السمن وشاة في الغنم

624

والجمع فرقان وهذا الجمع قد يكون لهما جميعا مثل بطن وبطنان وحمل وحملان

4 ذكر العرق وفيه ثلاث مسائل المسألة الأولى في استعماله روى البخاري رحمه الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن الآخر وقع على امرأته في رمضان فقال أتجد ما تحرر رقبة قال لا قال فتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين قال لا قال أفتجد ما تطعم ستين مسكينا قال لا فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر وهو الزبيل قال أطعم هذا عنك قال أعلى أحوج منا ما بين لا بتيها أهل بيت أحوج منا قال فأطعمه أهلك وفي رواية أخرى وأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيها تمر والعرق المكتل

المسالة الثانية في قدره في الموطأ قال يحيى قال مالك قال عطاء فسألت سعيد بن المسيب كم في ذلك العرق من التمر فقال ما بين الخمسة عشر صاعا إلى عشرين وفي المشارق في العرق وقد فسر في الحديث بالمكتل وهو نحو منه وقال العزفي في الإثبات في المكتل فسروه بالقفة والزبيل وهو نحو من العرق في مقداره

المسألة الثالثة في ذكر فوائد لغوية وهي ثلاث الفائدة الأولى في المنتقى العرق بفتح العين وهوالزبيل المضفور ويقال عرقة أيضا قاله الأصمعي وقال بعض رواة الموطأ العرق وهو عندي وهم وإنما العرق بإسكان الراء العظم الذي عليه لحم وفي المشارق العرق بفتح العين والراء هو الزبيل وضبطه بعضهم


625
بالسكون وصححه والأشهر الفتح جمع عرقة وهي الضفيرة التي تخاط منها القفة وفي الإثبات قال أبو محمد ابن السيد سمي بذلك لانه يعمل عرقة عرقة ثم يضم بعضها إلى بعض

الفائدة الثانية المكتل بكسر الميم والجمع مكاتل وفي المشارق وقيل هو الزبيل وقيل القفة وكلاهما بمعنى الثالثة في المحكم الزبيل القفة والجمع زبل وزبلان وفي الصحاح الزبيل معروف فإذا كسرته شددت فقلت زبيل وزنبيل لأنه ليس في الكلام فعليل بالفتح

5 ذكر الوسق وفيه ثلاث مسائل المسألة الأولى في استعماله روى مسلم رحمه الله تعالى عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليس في حب ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق ولا فيما دون خمس ذود صدقة ولا فيما دون خمس أواق صدقة

وروى مسلم رحمه الله تعالى أيضا عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر بشطر ما يخرج منها من تمر أو زرع فكان يعطي أزواجه كل سنة مائة وسق ثمانين وسقا من تمر وعشرين وسقا من شعير

المسالة الثانية في قدره في المنتقى الوسق ستون صاعا والصاع أربعة أمداد والمد رطل وثلث وفي المشارق الوسق ستون صاعا بصاع النبي صلى الله عليه وسلم وذلك ثلاثمائة رطل وعشرون رطلا عند الحجازيين وهو الصحيح

المسألة الثالثة في ذكر فائدة لغوية الفارابي الوسق بالفتح ستون صاعا وهو وقر بعير


626
الجوهري الوسق ستون صاعا وقال الخليل هو حمل البعير ابن سيده الوسق والوسق حمل بعير وقيل ستون صاعا بصاع النبي صلى الله عليه وسلم والجمع أوسق ووسوق قال أبو ذؤيب من الطويل
عليه الوسوق برها وشعيرها
ووسق البعير وأوسقه أوقره القزاز والجمع أوساق قلت وقد جاء فيش شعر سلامة بن جندل من الكامل
لا ينظرون إذا الكتيبة أحجمت
نظر الجمال كرين بالأوساق
ومعنى كرين عدون قال ابن طريف كريت بفتح الكاف كريا إذا عدوت عدوا شديدا

تنبيه قد تقدم الكلام على الوسق في باب الخرص وأعدته الآن للحاجة إليه هنا


627
الباب السابع في صاحب السكة ويقال أيضا صاحب دار الضرب هذه عمالة لم تكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلف الناس في أول من ضرب الدرهم فحكى أبو محمد حسن بن أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الملك المعروف بابن القطان رحمه الله تعالى في مقالته التي أملاها في الأكيال والأوزان سنة سبع وأربعين وستمائة في ذلك ثلاثة أقوال القول الأول أن أول من ضرب الدرهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وحكى الماوردي أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لما رأى اختلاف الدراهم وأن منها البغلي وهو ثمانية دوانق ومنها الطبري وهو أربعة دوانق ومنها المغربي وهو ثلاثة دوانق ومنها اليمنى وهو دانق قال أنظر الأغلب مما يتعامل الناس به من إعلاها وأدناها فكان الدرهم البغلي والدرهم الطبري فجمع بينهما وكانا اثنتي عشرة فأخذ نصفهما فكان ستة دوانق قال ابن القطان ففي هذا إشارة إلى أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ضرب الدرهم لكنه لم يغير نقشه والقول الثاني أن أول من ضربه مصعب بن الزبير عن أمر أخيه عبد الله بن الزبير سنة سبعين على
628
ضرب الأكاسرة وعليها بركة من جانب والله من جانب وقال الماوردي حكى يحيى بن النعمان الغفاري عن أبيه أن أول من ضرب الدرهم مصعب بن الزبير عن أمر أخيه عبد الله بن الزبير سنة سبعين على 2628 ضرب الأكاسرة وعليها بركة من جانب ثم غيرها الحجاج بعد سنة وكتب عليها باسم الله الحجاج والقول الثالث أن أول من ضرب الدراهم المنقوشة عبد الملك بن مروان وأن الدراهم كانت سكتين إحداهما عليها نقش فارس وهي البغلية هو السود والدرهم منها من ثمانية دوانق الثانية عليها نقش الروم وهي العتق وهي أيضا الطبرية والدرهم منها أربعة دوانق فاجتمع علماء ذلك العصر على أن جمعوا بين جرهم بغلي من ثمانية دوانق ودرهم طبري من أربعة دوانق فكانا اثني عشر دانقا فقسموها بنصفين وضربوا الدرهم من ستة دوانق قال أبو الزناد أمر عبد الملك الحجاج أن يضرب الدراهم بالعراق فضربها سنة أربع وسبعين وقال المدائني ضربها الحجاج في آخر سنة خمس وسبعين ثم أمر بضربها في النواحي سنة ست وسبعين وقيل إن الحجاج كتب عليها الله أحد الله الصمد

فائدتان لغويتان الأولى في الغريبين في الحديث نهى عن كسر سكة المسلمين إلا من بأس أراد بالسكة الدينار والدرهم المضروبين سمى كل واحد منهما سكة لأنه طبع بالحديدة المعلمة ويقال لها السك وكل مسمار عند العرب سك وفي الديوان في باب فعل بفتح الفاء وسكون العين السك المسمار وقال السكة بكسر السين سكة الدراهم

والثانية يقال هذا درهم ضرب الأمير أي مضروب الأمير قال الجوهري وصف بالمصدر كقولهم ماء غور وسكب


629
الباب الثامن
في اتخاذ الإبل وفيه فصلان
الفصل الأول في ذكر إبله صلى الله عليه وسلم ذكر ابن جماعة في مختصر السير له أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من النعم الناقة التي هاجر عليها من مكة إلى المدينة وتسمى بالعضباء ولم يكن يحمله إذا نزل عليه الوحي غيرها كما قال الحافظ محب الدين الطبري رحمه الله تعالى اشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه بأربعمائة درهم وهي القصواء والجدعاء ولم يكن بها عضب ولا جدع وإنما سميت بذلك وقيل كان بأذنها شيء فسميت به وكانت شهباء وقيل هن ثلاث وهي التي سبقت فشق على المسلمين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن حقا على الله ألا يرتفع شيء من هذه الدنيا إلا وضعه وقيل المسبوق غيرها

وعن قدامة بن عبد الله قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته يرمي على ناقة صهباء والصهباء الشقراء ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة في حجة الوداع على جمل أحمر وكان له صلى الله عليه وسلم جمل يقال له الثعلب بعث عليه صلى الله عليه وسلم خراش بن أمية إلى قريش بمكة يوم


630
الحديبية ليبلغهم ما جاء له فعقروا الجمل وأرادوا قتل خراش فمنعه الأحابيش وغنم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر جملا مهريا لأبي جهل لعنه الله في أنفه برة من فضة أهداه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ليغيظ بذلك المشركين وكانت له عشرون لقحة بالغابة والغابة على بريد من المدينة طريق الشام يراح إليه صلى الله عليه وسلم كل ليلة بقربتين من ألبانها وكانت له لقحة تدعى بردة أهداها له الضحاك بن سفيان كانت تحلب كما تحلب لقحتان غزيرتان وكانت له خمس عشرة لقحة غزارا كان يرعاها يسار مولى النبي صلى الله عليه وسلم بذي الجدر ناحية قباء قريبا من عير على ستة أميال من المدينة واستاقها العرنيون وقتلوا يسارا وقطعوا يديه وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات وباقي قصتهم مشهور في الصحاح وكانت له صلى الله عليه وسلم بذي الجدر أيضا سبع لقائح وكانت له لقحة أيضا تسمى الجعدة ومعنى الجعد السرعة وكانت له لقحة اسمها مروة وكانت له مهرية أرسل بها سعد بن عبادة من نعم بني عقيل

فوائد لغوية في ثماني مسائل المسألة الأولى في المشارق النعم بفتح النون والعين الإبل خاصة وإذا قيل الأنعام دخلت معها في ذلك البقر والغنم وقيل هما لفظان بمعنى واحد على الجميع

الثانية في المحكم العضباء ناقة للنبي صلى الله عليه وسلم اسم لها وليس من العضب الذي هو الشق في الأذن وفي المقصور والممدود لابن القوطية اسم لناقة النبي صلى الله عليه وسلم وناقة عضباء وجدعاء وقصواء مقطوعة الأذن والذكر أعضب وأجدع ومقصو

وفي المشارق قال الحربي في الحديث كانت للنبي صلى الله عليه وسلم ناقة تسمى العضباء لا تسبق وكذا رواه مالك في أكثر حديثه ومن رواية مصعب عن مالك كانت القصواء وذكر مثله وفي الحديث خطب النبي صلى الله عليه وسلم على ناقته الجدعاء ومثله في حديث الهجرة وفي حديث آخر على


631
ناقة خرماء وفي آخر مخضرمة قال الحربي والعضب والجدع والخرم والقصو والخضرمة كله في الأذن فقيل في الحديث الأول إنه اسمها فإن كانت عضباء الأذن فقد جعل اسمها قال القاضي رحمه الله تعالى إذا كانت الأحاديث جاءت بذلك باختلاف هذه الصفات فيها لا سيما في وقوفه عليها في موطن واحد في حجة الوداع وفي حديث المسابقة فدل أنها ناقة واحدة كما قيل اسمها العضباء وكانت معضوية الأذن ومقصوته ومجدوعته فوصفت مرة بعضباء ومرة بقصواء ومرة بجدعاء ولا تبقى حجة لمن زعم أنها نوق للنبي صلى الله عليه وسلم لكل واحدة منها اسم أو صفة بخلاف غيرها على ما ذهب إليه بعضهم إذ لم يكن صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع إلا على واحدة وقال الداودي إنما سميت بذلك لسبقها أي أن عندها أقصى السبق وغاية الجري قلت يعني تسميتها بالقصواء

الثالثة الجوهري مهرة بن حيدان أبو قبيلة تنسب إليها الإبل المهرية والجمع المهاري وإن شئت خففت الياء فقلت المهاري قال رؤبة من الرجز

لما تمطت غول كل ميله
بنا حراجيج المهارى النفه
وحكى فيه أبو حيان في الارتشاف فعالي بكسر اللام وفعالى بفتحها والفاء مفتوحة في اللغتين مهارى وبالفتح ضبطها أبو علي الغساني في كتابه بخطه الرابعة في المحكم البرة الحلقة من صفر أو غيره تجعل في لحم أنف البعير والجمع براة وبرى وبرين وبروت الناقة وأبريتها علت في أنفها برة

الخامسة في الغريبين ناقة لقحة ولقحة وقد لقحت لقاحا ولقحا وهي التي نتجت حديثا والجمع لقح ولقاح وناقة لقوح إذا كانت غزيرة والجمع لقح


632
السادسة ذو الجدر قال البكري في باب الجيم والدال المهلمة بفتح أوله وإسكان ثانية موضع بالمدينة وهي منازل بني ظفر وقيل إنه يتصل بالغابة قال الشاعر من الطويل
وهل أسمعن يوما بكاء حمامة
يجاوبها قمري غابة ذي الجدر

السابعة غير قال البكري بفتح العين المهملة والراء المهملة بينهما الياء أخت الواو جبل بناحية المدينة

الثامنة في الصحاح مريت الناقة مريا إذا مسحت ضرعها لتدر وأمرت الناقة أي در لبنها والمري على فعيل الناقة الكثيرة اللبن ويقال هي التي تدر على المسح

الفصل الثاني
في إبل الصدقة

روى مسلم رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن ناسا من عرينة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها ففعلوا فصحوا ثم مالوا على الرعاة فقتولهم وارتدوا عن الإسلام وساقوا ذود رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فبعث في أثرهم فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا

فائدتان لغويتان الأولى في المشارق اجتووا المدينة أي استوبلوها واستوخموها وكذا جاء في الحديث مفسرا في مسلم وهو صحيح ومعناه كرهوها لمرض لحقهم


633
بها ونحوه وفرق بعضهم بين الاجتواء والاستوبال فقال الاجتواء كراهة الموضع وإن وافق والاستوبال كراهته إذا لم يوافق

الثانية في المشارق سمل أعينهم قيل فقأها بالشوك وقيل هو أن يؤتى بحديدة محماة وتقرب من العين حتى يذهب نظرها وعلى هذا يتفق مع رواية من قاله سمر بالراء إذ قد تكون هذه الحديدة مسمارا وكذلك أيضا على الوجه الأول فقد يكون فقؤها بالمسمار وسملها به كما يفعل ذلك بالشوك


634
الباب التاسع
في اتخاذ الغنم وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول
في غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم في مختصر السير لابن جماعة رحمه الله تعالى وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة تدعى غوثة وقيل غيثة وشاة تسمى قمر وعنز تسمى قمر وعنز تسمى اليمن

وعن ابن عباس كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم سبع أعنز ترعاهن أم أيمن وفي كامل التاريخ كان له صلى الله عليه وسلم سبع من الغنم عجوة وزمزم وسقيا وبركة وورسة وأطلال وأطراف وسبع أغنز ترعاهن أم أيمن انتهى

وروى أبو داود رحمه الله تعالى عن لقيط بن صبرة قال كنت وافد بني المنتفق أو في وفد بني المنتفق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نصادفه في منزله وصادفنا عائشة أم المؤمنين قال فأمرت لنا بخزيرة فصنعت لنا قال وأتينا بقناع ولم يقل قتيبة القناع والقناع طبق فيه تمر ثم جاء


635
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هل أصبتم شيئا أو أمر لكم بشيء قال فقلنا نعم يا رسول الله قال فبينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس إذ دفع الراعي غنمه إلى المراح ومعه سخلة تيعر فقال ما ولدت يا فلان قال بهمة قال فاذبح لنا مكانها شاة ثم قال لا تحسبن ولم يقل لا تحسبن أنا من أجلك ذبحناها لنا غنم مائة لا نريد أن تزيد فإذا ولد الراعي بهمة ذبحنا مكانها شاة انتهى

فوائد لغوية في ثماني مسائل الأولى في ديوان الأدب الغيث المطر ابن القوطية غاث الله عباده غيثا سقاهم المطر وأغاثهم أجاب دعاءهم ابن سيده أغاثه وغاثه غوثا وغياثا والأول أعلى قلت وسمت العرب غوثا وغيثا

الثانية الجوهري عجت الأم ولدها عجوا إذا سقته اللبن

الثالثة تسمية الشاة زمزم وسقيا لغزر لبنها وتسميتها بركة كذلك وفي الصحاح البركة النماء والزيادة

الرابعة في الصحاح الورس نبت أصفر وورست الثوب توريسا صبغته بالورس قلت فيحتمل أن تسمى به الشاة للونها

الخامسة لا أعرف لتسمية الشاة أطلال أصلا وقد سمت العرب الفرس والبغلة والناقة كذلك

قال البكري في المستوعب أطلال فرس بكير بن عبد الله بن الشداخ الليثي قال الشماخ من الطويل


636
لقد غاب عن خيل بموقان أحجمت
بكير بن عبد الله فارس أطلال
قال وكانت بغلة زياد بن ابي سفيان تسمى أطلال قال الراجز من الرجز
كأن أطلال بجنبي خرمه
نعامة في رعلة مقدمه
تهوي بفياض رفيع الحكمه
قرن إذا زاحم قرنا زحمه
وأطلال أيضا اسم ناقة ذي الرمة وقد ذكرها في شعره فقال من الطويل
وهاجرة قنعت رأسي بحرها
يكاد الحصى من حميها يتصدع
نصبت لها وجهي وأطلال بعدها
أزى الظل واكتن اللياح المولع

السادسة في المحكم الطوف قرب تنفخ ويشد بعضها على بعض كهيئة سطح فوق الماء يحمل عليها الميرة والناس والجمع أطواف قلت فيحتمل أن تسمى الشاة بذلك لعظم ضرعها

السابعة في الصحاح أراح إبله أي ردها إلى المراح وكذلكم الترويح ولا يكون ذلك إلا بعد الزوال

الثامنة في الغريب المصنف أبو زيد يقال لأولاد الغنم ساعة تضعه أمه من الضأن والمعز جميعا ذكرا كان أو أنثى سخلة وجمعها سخال ثم هي البهمة للذكر والأنثى وجمعها بهم


637
الفصل الثاني
في ذكر غنم الصدقة

روى أبو داود رحمه الله تعالى قال حدثنا عمرو بن عون ومسدد بسنديهما عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال اجتمعت غنيمة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مسدد غنيمة من الصدقة قال يا أبا ذر ابد بها فبدوت إلى الربذة وذكر الحديث بكماله في باب الجنب يتيمم انتهى

فائدة لغوية في الصحاح بدا القوم بدوا خردوا إلى باديتهم والبدو البادية والنسبة إليها بدوي والبداوة الإقامة بالبادية تفتح وتكسر وهي خلاف الحضارة والنسبة إليها بداوي

الفصل الثالث
في ذكر أبي ذر رضي الله تعالى عنه وذكر نبذ من أخباره

في الاستيعاب جندب بن جنادة أبو ذر الغفاري ويقال أبو الذر والأول أكثر وأشهر واختلف في اسمه اختلافا كثيرا والمشهور الأكثر الأصح جندب بن جنادة بن قيس بن عمرو بن مليل بن صعير بن حرام بن غفار وكان من كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم قديم الإسلام يقال أسلم بعد ثلاثة ويقال بعد أربعة ثم رجع إلى بلاد قومه فأقام بها حتى مضت بدر وأحد والخندق ثم قدم على النبي صلى الله عليه وسلم فصحبه إلى ان مات ثم خرج بعد وفاة أبي بكر إلى الشام فلم يزل بها حتى ولي عثمان ثم استقدمه عثمان لشكوى معاوية به واسكنه الربذة وكانت وفاته بالربذة سنة ثنتين وثلاثين وصلى عليه ابن مسعود صادفه وهو مقبل من الكوفة مع نفر فضلاء من أصحابه وقيل توفى سنة أربع وعشرين والأول أصح


638
وروى أبو عمر رحمه الله تعالى بسنده عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو ذر في أمتي على زهد عيسى بن مريم وبعضهم يرويه من سره أن ينظر إلى تواضع عيسى بن مريم فلينظر إلى أبي ذر

وقال علي رضي الله تعالى عنهما وعى أبو ذر علما عجز الناس عنه ثم أوكى عليه فلم يخرج منه شيئا

وقال أبو ذر لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يحرك طائر جناحيه إلا ذكرنا منه علما انتهى

فوائد لغوية في ثلاث مسائل الأولى في المشارق الربذة بفتح الراء والباء والذال المعجمة موضع خارج المدينة بينها وبين المدينة ثلاث مراحل وهي قريب من ذات عرق وفي المعجم هي التي جعلها عمر رضي الله تعالى عنه حمى لإبل الصدقة وبها مات أبو ذر رضي الله تعالى عنه

الثانية في الصحاح اللهجة اللسان وقد يحرك فيقال فصيح اللهجة واللهجة الثالثة في الصحاح الوكاء الذي يشد به رأس القربة يقال أوكى على ما في ميقائه إذا شده بالوكاء


639
الباب العاشر
في الوسام وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول
في ذكر وسم الإبل ترجم البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه باب وسم الإمام إبل الصدقة بيده وخرج فيه عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم بعبد الله بن أبي طلحة ليحنكه فوافيته في يده الميسم يسم إبل الصدقة انتهى

وروى مسلم رحمه الله تعالى عن أنس رضي الله تعالى عنه قال لما ولدت أم سليم قالت لي يا أنس انظر هذا الغلام فلا يصيبن شيئا حتى تغدو به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم يحنكه فغدوت فإذا هو في الحائط وعليه خميصة جونية وهو يسم الظهر الذي قدم علية في الفتح انتهى

الفصل الثاني
في ذكر وسم الغنم

روى مسلم رحمه الله تعالى عن هشام بن زيد قال سمعت أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه يحدث أن أمه حين ولدت انطلقت بالصبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم يحنكه قال فإذا النبي صلى الله عليه وسلم في مربد يسم غنما قال شعبة وأكثر علمي أنه قال في آذانها انتهى


640
الفصل الثالث
في ذكر وسم الدواب

روى مسلم رحمه الله تعالى عن جابر رضي الله تعالى عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضرب في الوجه وعن الوسم في الوجه

وروى مسلم رحمه الله تعالى أيضا عن جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي A مر عليهم حمار قد وسم في وجهه فقال لعن الله الذي وسمه وروى مسلم رحمه الله تعالى أيضا أن ناعما أبا عبد الله مولى أم سلمة رضي الله تعالى عنها حدث أنه سمع ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم حمارا موسوم الوجه فأنكر ذلك قال فوالله لا أسمه إلا في أقصى شيء من الوجه فأمر بحمار له فكوي في جاعرتيه فهو أول من الجاعرتين انتهى

فوائد لغوية في ست مسائل

الأولى في الصحاح وسمه وسما وسمة إذا أثر فيه بسمة وكي والهاء عوض من الواو والميسم المكواة وأصل الياء واو فإن شئت قلت في جمعه مياسم على اللفظ وإن شئت مواسم على الأصل

الثانية في الصحاح حنكت الصبي وحنكته إذا مضغت تمرا أو غيرة ثم دلكته بحنكه والصبي محنوك أو محنك

الثالثة الخميصة في المشارق قال الأصمعي هي كساء من صوف أو خز معلمة وقال غيره كساء مربع له علمان وقال الجوهري كساء رقيق أصفر أو أحمر أو أسود وفي الحديث ما يفسر قول الأصمعي قوله خميصة لها أعلام


641

الرابعة قوله جونية حكى القاضي رحمه الله في المشارق و الإكمال في ضبطها ثمانية أوجه نقلت منها هنا ثلاثة لظهور معانيها وتركت خمسة ومن أحب الوقوف عليها ينظرها هنالك

الوجه الأول جونية بفتح الجيم كأنها منسوبة إلى بني الجون من الأزد وإليهم ينسب الجونيون كذا لابن الحذاء منسوبة إلى بني الجون أو إلى لونها من السواد أو البياض أو الحمرة والعرب تسمي كل واحد من هذه الألوان جونا

الوجه الثاني حريثية بضم الحاء المهملة بعدها راء قيل هي منسوبة إلى حريث رجل من قضاعة آخره ثاء مثلثة

الوجه الثالث في رواية العذري حوتنية بفتح الحاء المهملة وواو ساكنة بعدها ثم تاء باثنتين فوقها مفتوحة ثم بعدها نون مكسورة ثم ياء مشددة قيل معناها مكفوفة الهدب انتهى

الخامسة في المحكم المربد محبس الإبل ومربد التمر جرينه الذي يوضع فيه بعد الجداد لييبس

السادسة في الصحاح الجاعرتان موضع الرقمتين من است الحمار قال الأصمعي وهما حرفان الوركين المشرفان على الفخذين قال كعب بن زهير يصف الحمار والأتن من المتقارب

إذا ما انتجاهن شؤبوبه
رأيت لجاعرتيه غضونا

642
الباب الحادي عشر
في الحمى يحميه الإمام وفي فصلان الفصل
الأول
في حمى النبي صلى الله عليه وسلم

روى البخاري رحمه الله تعالى عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة رضي الله تعالى عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا حمى إلا لله ولرسوله وقال بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم حمى النقيع وأن عمر رضي الله تعالى عنه حمى السرف والربذة انتهى

وروى أبو داود عن ابن شهاب عن عبيد الله عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا حمى إلا الله ولرسوله قال ابن شهاب وبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حمى النقيع انتهى

وروى أبو داود أيضا عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حمى النقيع وقال لا حمى إلا الله عز وجل انتهى

وروى أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى في كتاب الأموال عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم النقيع لخيل المسلمين انتهى


643

فائدتان لغويتان

الأولى الجوهري أحميت المكان جعلته حمى وهذا شيء حمى على فعل أي محظور لا يقرب وفي الحديث لا حمى إلا لله ولرسوله وسمع الكسائي في تثنية الحمى حموان قال والوجه حميان

وفي المشارق الحمى بكسر الحاء مقصور المكان الممنوع من الرعي تقول حميت الحمى فإذا امتنع منه قلت أحميته

الثانية في المشارق أما الحمى الذي حماه النبي صلى الله عليه وسلم ثم عمر بعده وهو الذي يضاف إليه في الحديث غور البقيع وحمى البقيع وهو على عشرين فرسخا من المدينة وهو صدر وادي العقيق وهو أخصب واد هنالك وهو ميل في بريد وفيه شجر ويستجم حتى يغيب فيه الراكب فاختلف الرواة وأهل المعرفة في ضبطه وبالنون قيده النسفي وأبو ذر والقابسي والهروي والخطابي وغير واحد وبالباء سمع من أبي بحر وكذا روي عن ابن ماهان قال الخطابي وقد صحفه أصحاب الحديث فيروونه بالباء وإنما الذي بالباء بقيع المدينة موضع قبورها وأما أبو عبيد البكري فقال إنما هذا بالباء مثل بقيع الغرقد قال ومتى ذكر البقيع بالباء دون إضافة فهو هذا قال القاضي أبو الفضل والأشهر في هذا النون والنقيع كل موضع يستنقع فيه الماء وبه سمي هذا انتهى نقلته مختصرا


644
الفصل الثاني
في حمى عمر رضي الله تعالى عنه

قد تقدم في الفصل الذي قبل هذا في الحديث الذي خرجه البخاري رحمه الله تعالى أن عمر رضي الله تعالى عنه حمى السرف والربذة وذكر البكري حمى ضرية وقال إن عمر رضي الله تعالى عنه حماه وأنه أول من أحماه وفي الموطأ عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر رضي الله تعالى عنه استعمل مولى له يدعى هنيا على الحمى فقال يا هني اضمم جناحك عن الناس واتق دعوة المظلوم فإن دعوة المظلوم مجابة وأدخل رب الصريمة والغنيمة وإياك ونعم ابن عفان وابن عوف فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى المدينة إلى زرع ونخل وإن رب الصريمة والغنيمة إن تهلك ماشيته يأتيني ببنيه فيقول يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين أفتاركهم أنا لا أبالك فالماء والكلأ أيسر علي من الذهب والورق وايم الله إنهم ليرون أني قد ظلمتهم إنها لبلادهم ومياههم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرا انتهى

وذكر أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال عن زيد بن أسلم عن أبيه نحوه وزاد أبو عبيد قال مالك بلغني أنه كان يحمل في كل عام على أربعين ألفا من الظهر انتهى

فوائد لغوية في ست مسائل

الأولى في المشارق في البخاري أن عمر رضي الله تعالى عنه حمى السرف والربذة بسين مهملة وراء مكسورة وفي موطأ ابن وهب الشرف بالشين المعجمة وفتح الراء وكذا رواه بعض رواة البخاري أو أصلحه


645
وهو الصواب وقال البكري الشرف بفتح الشين المعجمة والراء وبعده فاء وينبئك أن الشرف من الحمى ما روى الحربي وذكر بسنده عن سعيد ما أحب أن أنفخ في الصلاة وأن لي حمر الشرف والشرف موضع وهو هذا المذكور وخصه لجودة نعمه

الثانية ذكر البكري حمى ضرية وقال أول من حمى هذا الحمى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لإبل الصدقة وظهر الغزاة وهو أكبر الأحماء وهو من ضرية إلى المدينة وكان حماه ستة أميال من كل ناحية من نواحي ضرية وضرية في أوسط الحمى وهو بضاد معجمة مفتوحة وراء مهملة مكسورة والياء أخت الواو المشددة

الثالثة قد تقدم ذكر الربذة وقال البكري عند ذكر حمى ضرية وحمى الربذة غليظ الموطئ كثير الخلة وقال الأصمعي قال جعفر بن سليمان إذا عقد البعير شحما بالربذة سوفر عليه سفرتان لا تنقصان شحمه

الرابعة في الغريب المصنف الصرمة من الإبل ما بين العشرة إلى الأربعين

الخامسة في الصحاح الكلأ العشب وسواء رطبه ويابسه وفي أدب الكاتب الكلأ هو الرطب والحشيش هو اليابس ولا يقال له رطبا حشيش

السادسة في فقه اللغة الشبر ما بين طرف الخنصر إلى طرف الإبهام والفتر ما بين طرف الإبهام وطرف السبابة


646

647
الباب الثامن
في سائر العمالات

وفيه عشرة أبواب


648

649
الباب الأول
في ذكر المنفق

في مختصر السير لابن جماعة رحمه الله تعالى كان بلال المؤذن على نفقات النبي صلى الله عليه وسلم انتهى

وروى أبو داود عن عبد الله الهوزني رحمهما الله تعالى قال لقيت بلالا مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلب فقلت يا بلال حدثني كيف كانت نفقه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما كان له شيء كنت أنا الذي ألي ذلك منه مذ بعثه الله عز وجل حتى توفي وكان صلى الله عليه وسلم إذا أتاه الإنسان مسلما فرآه عاريا يأمرني فأنطلق فاستقرض فأشتري له البردة فأكسوه وأطعمه وساق الحديث

وروى البخاري ( 3 133 ) رحمه الله تعالى عن أبى سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني فقال له النبي صلى الله عليه وسلم من أين هذا قال بلال كان عندنا تمر رديء فبعت منه صاعين بصاع لنطعم النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك أوه أوه عين الربا عين الربا لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتر به انتهى

وروى ابن المنذر في الإشراف في كتاب النفقات بسنده عن مسروق عن


650
عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا انتهى

فوائد لغوية في أربع مسائل

الأولى في المحكم ( 6 275 ) أنفق المال صرفه والنفقة ما أنفق وجمعها نفاق ونفقات حكى اللحياني نفدت نفاق القوم ونفقاتهم وفي الصحاح رجل منفاق كثير النفقة

الثانية الجوهري ( 3 1102 ) القرض ما تعطيه من المال لتقاضاه والقرض بالكسر لغة فيه حكاها الكسائي واستقرضت من فلان أي طلبت منه القرض فأقرضني واقترضت منه أي أخذت منه القرض

الثالثة في المشارق ( 1 85 ) البرني بفتح الباء وسكون الراء وآخره نون ضرب من التمر قبل أصله نسب إلى قرية باليمامة وفي المعجم ( 246 ) برن بفتح الباء وإسكان الراء وبالنون قرية البحرين إليها ينسب التمر البرني

الرابعة في المشارق ( 1 52 ) قوله صلى الله عليه وسلم أوه عين الربا رويناه بالقصر وتشديد الواو وسكون الهاء وقيل بمد الهمزة قالوا ولا موضع لمدها إلا لبعد الصوت وفي الصحاح ( 6 225 ) قولهم عند الشكاية أوه من كذا ساكنة الواو وإنما هو توجع قال الشاعر [ من الطويل ]

فأوه لذاكرها إذا ما ذكرتها
ومن بعد أرض بيننا وسماء

وربما قلبوا الواو ألفا فقالوا آه من كذا وربما شددوا الواو وكسروها وسكنوا الهاء فقالوا أوه من كذا وربما حذفوا مع التشديد فقالوا أو من كذا بلا مد وبعضهم يقول أوه بالمد والتشديد وفتح الواو ساكنة الهاء لتطويل الصوت بالشكاية وربما أدخلوا فيه التاء فقالوا أوتاه يمد ولا يمد وقد أوه الرجل تأويها وتأوه تأوها إذا قال أوه والاسم الآهة بالمد قال المثقب العبدي [ من الوافر ]

إذا ما قمت أرحلها بليل
تأوه آهة الرجل الحزين

651
الباب الثاني
في الوكيل يوكله الامام في الأمور المالية

روى أبو داود ( 2 282 ) رحمه الله تعالى عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال أردت الخروج إلى خيبر فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه وقلت له إني أريد الخروج إلى خيبر فقال إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته

وقال ابن فتحون في كتاب الذيل له مروان بن الجذع بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم الأنصاري قال أسلم وهو شيخ كبير وأسلم ابنه مرداس وشهد الحديبية وكان أمين رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهمان خيبر قاله الكلبي

وفي جماهر ابن حزم ( 358 359 ) مروان بن الجذع بن زيد بن الحارث بن حرام بن كعب بن غنم أسلم وهو شيخ كبير وابنه مرداس بن مروان شهد الحديبية وكان أمين رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهمان خيبر فزاد في نسبه الحارث بين زيد وابن حرام

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

الأولى في الصحاح الآية العلامة والجمع آي وأياء وآيات وأنشد أبو زيد [ من الرجز ]

لم يبق هذا الدهر من آيائه
غير أثافيه وأرمدائه

652

الثانية في خلق الإنسان للأصمعي وفي الصدر الترقوتان وهما العظمان المشرفان في أعلى الصدر وفي خلق الإنسان لقطرب وبعض عكل يقول الترقؤة فيهمز وفي المخصص ( 2 20 ) السيرافي هي من رقي يرقى

الثالثة في الصحاح ( 5 1956 ) السهم النصيب والجمع السهمان قلت ويجمع أيضا على أسهم وسهام

تنبيه

قد تقدم معنى الوكالة وتصريف الفعل منها في الجزء الرابع من هذا الكتاب فأغنى ذلك عن إعادته هنا


653
الباب الثالث
في الرجل يبعثه الإمام بالمال لينفذ فيما يأمره به من وجوه مصارف المال في غير الحضرة

في السيرة ( 2482 430 ) لابن إسحاق عن أبي جعفر قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد حين افتتح مكة داعيا ولم يبعثه مقاتلا ومعه قبائل من العرب سليم بن منصور ومدلج بن مرة فوطئوا بني جذيمة بن عامر بن عبدمناة بن كنانة فلما رآه القوم أخذوا السلاح فقال خالد ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا قال فلما وضعوا أمر بهم خالد فكتفوا ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل منهم فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يده الى السماء ثم قال اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب فقال يا علي اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في امرهم واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك فخرج علي رضي الله تعالى عنه حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم فودى لهم الدماء وما أصيب لهم من الأموال حتى أنه ليدي لهم ميلغة الكلب حتى إذا لم يبق شيء من دم ولا مال إلا وداه بقيت معه بقية من المال فقال لهم علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه حين فرغ منهم هل بقي لكم دم أو مال لم يؤد لكم قالوا لا قال فأني أعطيكم هذه البقية من هذا المال احتياطا لرسول الله


654
صلى الله عليه وسلم مما لا نعلم ولا تعلمون ففعل ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر فقال أحسنت وأصبت انتهى

وروى أبو داود ( 2 564 ) رحمه الله تعالى بسنده عن عبد الله بن عمرو بن الفغواء الخزاعي عن أبيه رضي الله تعالى عنه قال دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أراد أن يبعثني بمال إلى أبي سفيان يقسمه في قريش بمكة بعد الفتح فقال التمس صاحبا فجاءني عمرو بن أمية الضمري فقال لي بلغني أنك تريد الخروج وتلتمس صاحبا قال فقلت أجل قال فأنا لك صاحب فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت قد وجدت صاحبا قال فقال من قلت عمرو بن أمية الضمري قال إذا هبطت بلاد قومه فاحذره فإنه قد قال القائل أخوك الكبرى ولا تأمنه فخرجت حتى إذا كانت بالأبواء قال إني أريد حاجة إلى قومي بودان فتلبث لي قلت راشدا فلما ولى ذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فشددت على بعيري حتى أخرجت أوضعه حتى إذا كنت بالأصافر إذا هو يعارضني في رهط قال وأوضعت فسبقته فلما رآني قد فته انصرفوا وجاءني فقال كانت لي إلى قومي حاجة قال قلت أجل ومضينا حتى قدمنا مكة فدفعت المال إلى أبي سفيان انتهى

تنبيه

ذكر أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب ( ) عمرو بن الفغواء فقال عمرو بن الغفواء بن عبيد بن عمرو بن مازن الخزاعي أخو علقمة بن الفغواء وذكر حديث حمله المال إلى أبي سفيان بنحو مما ذكره أبو داود إلى قوله أخوك والبكري ولا تأمنه ولم يذكر تكملة الحديث انتهى

فوائد لغوية في خمس مسائل

الأولى في الصحاح ( 6 2521 ) الدية واحدة الديات والهاء عوض من الواو


655

تقول وديت القتل أديه دية إذا أعطيت ديته واتديت أي أخذت ديته وإذا أمرت قلت دفلانا وللاثنين ديا وللجماعة دوا فلانا

الثانية في الأفعال لابن طريف ولغ الكلب والسبع ولغا وفي الصحاح ( 4 1329 ) يلغ ولوغا أي شرب بأطراف لسانه ويولغ إذا أولغه صاحبه والميلغ الإناء الذي يبلغ فيه في الدم

الثالثة في الصحاح ( 3 1121 ) حاطه يحوطه حوطا وحيطة وحياطة أي كلأه ومع فلان حيطة لك ولا تقل عليك أي تحنن وتعطف واحتاط الرجل لنفسه أي أخذ بالثقة

الرابعة الأبواء والأصافر موضعان في طريق المار من المدينة إلى مكة وودان موضع قريب من العقيق ذكرها البكري ( 102 162 1374 )

الخامسة في الصحاح ( 3 1300 ) وضع البعير وغيره أبي أسرع في سيره وأوضعه راكبه


656
الباب الرابع
في إنزال الوفد
وفيه خمسة فضول
الفصل الأول
في اتخاذ الدار لنزول الوفد في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم

ذكر أبو ربيع ابن سالم في كتاب الاكتفاء عن الواقدي رحمه الله تعالى أن حبيب بن عمرو السلاماني رضي الله تعالى عنه كان يحدث قال قدمنا وفد سلامان على رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن سبعة نفر فانتهينا إلى باب المسجد فصادفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خارجا منه إلى جنازة دعي إليها فلما رأيناه قلنا يا رسول الله السلام عليك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليكم السلام من أنتم قلنا قوم من سلامان قدمنا عليك لنبايعك على الإسلام ونحن على من وراءنا من قومنا فالتفت إلى ثوبان غلامه فقال أنزل هؤلاء حيث ينزل الوفد فخرج بنا ثوبان حتى انتهى بنا إلى دار واسعة فيها نخل وفيها وفود من العرب وإذا هي دار رملة بنت الحارث النجارية وساق الحديث

تنبيه

رملة بنت الحارث هذه لم يذكرها أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب


657

وذكر ابن إسحاق في خبر بني قريظة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حبسهم في دار بنت الحارث النجارية

وذكرها ابن فتحون في الذيل فقال رملة بنت الحارث نزل عليها وفد تميم عيينه بن حصن وأخوه خارجة بن حصن وابن أخيهما الجد بن قيس بن حصن حين قدموا المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمين ذكره الواقدي و الطبري وزاد الطبري وفد بني كلاب وهم ثلاثة عشر منهم لبيد بن ربيعة إذ وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلوا عليها أيضا

فائدة تاريخية روى مالك رحمه الله تعالى في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه قال كان إبراهيم عليه السلام أول الناس ضيف الضيف

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

الأولى ابن القوطية ( 222 3 ) أنزلت الجيش و الضيف أقمت نزلهم وهم ما يصلحهم وفي الصحاح ( 1828 5 ) النزل ما يهيأ للنزيل والجمع الإنزال قال والنزيل الضيف وأنشد [ من الوافر ]

نزيل القوم أعظمهم حقوقا
وحق الله في حق النزيل
وفي المحكم والنزل والنزل ما يهيأ للضيف إن ينزل عليه
658

الثانية في شرح ابن السيد لسقط الزند ضفت الرجل إذا نزلت عليه ضيفا وتضيفته إذا سألته أن يضيفك وأضنقته إذا أنزلته على نفسك ضيفا وضيفته إذا أنزلته منزلة الضيف قلت و إذا سألك أن تضيفه قلت استضافني و إذا سألته أن يضيفك قلت استضفته قال ابن القوطية في المقصور و الممدود الاستفعال في كلامهم استجلاب

الثالثة في الصحاح ( 1 550 ) وفد فلان على الأمير أي ورد رسولا فهو وافد والجمع وفد مثل صاحب وصحب وجمع الوفد أوفاد ووفود والاسم الوفادة وأوفدته أنا إلى الأمير أي أرسلته

الفصل الثاني

في إنزال الوفد في قبة ضربت لهم في زمن رسول صلى الله عليه وسلم

قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى في السير ( 2 540 ) قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من تبوك في رمضان وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف وذكر حديث قدومهم وفيه ولما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب عليهم قبة في ناحية مسجده كما يزعمون فكان خالد بن سعيد بن العاصي رضي الله تعالى عنه هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله A حتى اكتتبوا كتابهم وكان خالد هو الذي كتب كتابهم بيده وكانوا لا يطعمون طعاما حتى يأتيهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يأكل منه خالد حتى أسلموا وفرغوا من كتابهم

قال ابن إسحاق ( 2 540 541 ) وحدثني عيسى بن عبد الله عن بعض وفدهم قال كان بلال رضي الله تعالى عنه يأتينا حين أسلمنا وصمنا مع رسول الله صلى


659
الله صلى عليه وسلم ما بقي من رمضان بفطرنا وسحورنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأتينا بالسحور وإنا لنقول إنا نرى الفجر قد طلع فيقول قد تركت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسحر لتأخير السحور ويأتينا بفطرنا وإنا لنقول ما نرى الشمس ذهبت كلها بعد فيقول ما جئتكم حتى أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يضع يده في الجفنة يلتقم منها انتهى

فائدة لغوية في معنى القبة وذكر أبنية العرب

في المخصص ( 6 33 ) عن ابن الكلبي بيوت العرب ستة قبة من أدم وفي المحكم ( 6 33 ) قب الشيء وقببه جمع أطرافه والقبة البناء من الأدم مشتق من ذلك ومظلة من شعر وفي الصحاح ( 5 1756 ) المظلة بالكسر البيت الكبير [ من الشعر ] وقال

سكن توقد في مظله

وخباء من صوف وفي الصحاح ( 6 2325 ) الخباء واحد الأخبية وهو من وبر أو صوف ولا يكون من شعر واستخبينا الخباء أي نصبناه وأخبيت الخباء وتخبيته إذا عملته وكذلك التخبية وبجاد من وبر وفي فقه اللغة للثعالبي عن حمزة عن ابن سكيت مثله قلت والمشهور في البجاد أنه الكساء في قول كثير من اللغويين وخيمة من شجر وفي المحكم ( 5 165 ) الخيمة بيت من بيوت الأعراب مستدير وقيل هي ثلاثة أعواد أو أربعة يلقى عليها الثمام ويستظل بها في الحر والجمع خيمات وخيام وخيم وخيم وفي الصحاح ( 5 191 ) الخيم مثل الخيمة


660

والجمع مثل فرخ وفراخ وأقنة من حجر وفي الصحاح ( 5 2071 ) الأقنة بيت يبني من حجر والجمع أقن مثل ركبه وركب قال الطرماح [ من الميد ]

في شناظي أقن بينها
عرة الطير كصوم النعام

وفي المخصص ( 6 77 ) أيضا عن أبي حاتم المضرب الفسطاط العظيم

الفصل الثالث
في إنزال الوفد عند بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

روى قاسم رحمه الله تعالى في الدلائل عن أوس بن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد ثقيف فنزل الأحلاف على المغيرة بن شعبة وأنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بني مالك في قبة فكان بأتينا كل لليلة وخرج أبو داود نحوه

الفصل الرابع
في ذكر من ولي النظر في أمر الوفد
في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم

قد تقدم في الفصول التي تقدمت قبل هذا أن خالد بن سعيد بن العاصي كان يمشي بين وفد ثقيف وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اكتتبوا كتابهم وبلال رضي الله تعالى عنه كان يجيء إليهم بفطورهم وسحورهم في الأيام التي صاموها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من رمضان وأن النبي الله صلى الله عليه وسلم أمر ثوبان غلامه بإنزال وفد بني سلامان في الدار التي ينزلها الوفد


661
الفصل الخامس
في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم

1 خالد بن سعيد بن العاصي تقدم ذكره في باب العامل على الزكاة

2 بلال رضي الله تعالى عنه تقدم ذكره في باب الأذان بما أغنى عن إعاذته الآن

3 ثوبان رضي الله تعالى عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستيعاب ( 218 ) ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو عبد الله وقيل أبو عبد الرحمن وأبو عبد الله أصح هو ثوبان بن يجدد من أهل السراة والسراة موضع بين مكة واليمن وقيل أنه من حمير وقيل إنه حكمي من حكم بن سعد العشيرة أصابه سباء فاشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه ولم يزل يكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إلى الشام فنزل الرملة ثم انتقل إلى حمص فابتنى بها دارا وتوفي سنة أربع وخمسين وكان ثوبان ممن حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدى ما وعى انتهى

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

الأولى في الاشتقاق لأبي بكر محمد بن أبان بن سيد ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلان من الثوب والثوب من ثاب يثوب إذا رجع

الثانية يجدد والده على وزن يخرج بفتح الياء وضم الدال ضبطه أبو علي الغساني رحمه الله تعالى في نسخته التي بخطه من الاستيعاب وكتب عليه في الطرة قال أحمد بن محمد بن عيسى في تاريخه ثوبان بن جحدر ويقال يجدد فضبطه بضم الياء وكسر الدال


662

الثالث في معجم البكري الطود الجبل المشرف على عرفة ينقاد إلى صنعاء يقال له السراة بفتح السين المهملة وبعده راء مهملة والسراة أعظم جبال بلاد العرب وإياه عنى العرجي بقوله [ من السرج ]

لو أن ما بي من حبكم عدلت
به جبال السراة ما اعتدلا

لأنه يجمع جبالا كثيرة مسماة


663
الباب الخامس
في المارستان وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول في معناهوانحاذه وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك

قال الجوهري رحمه الله تعالى في الصحاح قال يعقوب المارستان بفتح الراء دار المرضى وهو معرب انتهى

وروى مسلم ( 2 184 ) رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت أصيب سعد يوم الخندق رماه رجل من قريش ابن العرفة رماه الأكحل فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد يعوده من قريب انتهى

وقال ابن إسحاق رحمه الله تعالى في السير ( 2 239 ) كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة من أسلم يقال لها رفيدة في مسجده صلى الله عليه وسلم كانت تداوي الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق اجعلوه في بيت رفيدة حتى أعوده من قريب انتهى


664

وفي الكتاب المظفري وفي سنة ثمن و ثمانين أمر الوليد بن عبد الملك بعمل المارستان لعلاج المرضى وهو أول من فعل ذلك وجعل فيها الأطباء وأجرى فيها الأنفاق وأمر بحبس المجذومين لئلا يخرجوا وأجرى عليهم الأرزاق وعلى العميان انتهى

تنبيه

لم يذكر أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى رفيدة هذه في كتاب الاستيعاب وقال ابن فتحون ذكرها ابن هشام عن ابن إسحاق قال وذكرها الطبري أيضا إلا أنه قال من المسلمين مكان قوله من أسلم والباقي بنصه انتهى

فائدة لغوية

في الصحاح ( 5 1884 ) الجذام داء وقد جذم الرجل بضم الجيم فهو مجذوم ولا يقال أجذم

الفصل الثاني
في الأمر بالمداواة

روى البخاري ( 7 158 ) رحمه الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما أنزل االله داء إلا أنزل له شفاء انتهى

وروى مسلم ( 2 184 ) رحمه الله تعالى عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكل داء دواء فإذ أصيب دواء الداء برأ بإذن الله تعالى انتهى

وروى أبو داود ( 2 335 ) رحمه الله تعالى عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تداووا بحرام انتهى


665

فوائد لغوية في أربع مسائل

الأولى في المحكم داويت السقم عانيته والدواء والدواء والدواء ما داويته به وقال الجوهري ( 6 2342 ) يقال في الدواء إنما هو مصدر داويته مداواة ودواء ودووي الشيء أي عولج ولا يدغم فرقا بين فوعل وفعل قال العجاج [ من الرجز ]

بفاحم دووي حتى اعلنكسا

الثانية في المحكم الداء المرض والجمع أدواء داء يداء داء واداء يداء الأخيرة عن أبي زيد

الثالثة في الصحاح ( 6 2394 ) شفاه الله تعالى من مرضه شفاء ممدود واستشفى طلب الشفاء وأشفيتك الشيء أعطيتكه تستشفي به ويقال أشفاه الله عسلا إذا جعله له شفاء

الرابعة في المحكم برأ المريض يبرأ ويبرؤ وبرئ وبرؤ برءا وبروءا نقه

الفصل الثالث في طرق المداواة

قال أبو بكر ابن العربي رحمه الله تعالى في سراج المريدين طرق التطبب أربعة

الرقية وشرطة محجم وشربة عسل ولذعة نار انتهى

وروى الترمذي ( 3 270 ) رحمه الله تعالى عن أبي خزامة بن يعمر عن أبيه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله أرأيت رقى


666
نسترقيها ودواء نتداوى به وتقى نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا قال هي من قدر الله انتهى

وروى مسلم ( 2 183 ) رحمه الله تعالى عن عوف بن مالك رحمه الله تعالى ورضي عنه قال كنا نرقي في الجاهلية فقلنا يا رسول الله كيف ترى في ذلك فقال اعرضوا علي رقاكم لا بأس بالرقي ما لم يكن فيه شرك انتهى

وروى البخاري ( 7 159 ) رحمه الله تعالى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الشفاء في ثلاثة في شرطة محجم أو شربة عسل أو كية نار وأنا أنهي أمتي عن الكي انتهى

فائدة لغوية

في الصحاح ( 3 1278 ) لذعته النار أحرقته و لذعه بلسانه أي أوجعه بكلامه يقال نعوذ بالله من لواذعه والتذاع القرحة احتراقها وجعا


667
الباب السادس
في الطبيب وفيه فضلان
الفصل الأول في ذكر من كان يعلم الطب في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم

ذكر الجوزي رحمه الله تعالى في صفوة الصفوة ( 2 16 ) عن هشام بن عروة قال كان عروة يقول لعائشة رضي الله تعالى عنها يا أمتاه لا أعجب من فقهك أقول زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وابنه أبي بكر ولا أعجب من علمك بالشعر وأيام الناس أقول ابنه أبي بكر وكان أعلم الناس أو من أعلم الناس ولكن أعجب من علمك بالطب قال فضربت على منكبه أي عريه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسقم عند آخر عمره أو في آخر عمر فكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه فتنعت له الأنعات فكنت أعالجها فمن ثم

وروى أبو داود ( 2 335 ) رحمه الله تعالى عن سعد رضي الله تعالى عنه قال مرضت مرضا فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني فوضع يده بين ثديي حتى وجدت بردها على فؤادي فقال إنك رجل مفؤود ائت الحارث بن كلدة أخا ثقيف فإنه رجل يتطبب فليأخذ سبع تمرات من عجوة المدينة فليأجهن بنواهن ثم ليدلك بهن انتهى


668

وفي سراج المريدين لابن العربي رحمه الله تعالى روي عن أبي رمثة رفاعة بن يثربي أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم إني رجل طبيب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إنه لا طبيب لنا إلا الله بل أنت رفيق انتهى

وفي الطبقات لابن جلجل وذكر ابن رمثة وقال كان طبيبا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عالما بصناعة اليد انتهى

وفي الموطأ ( 673674 ) عن زيد ابن أسلم أن رجلا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابه جرح فاحتقن الجرح بالدم وأن الرجل دعا رجلين من بني أنمار فنظرا إليه فزعما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما أيكما أطب فقالا أو في الطب خير يا رسول الله فزعم زيد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أنزل الدواء الذي أنزل الأدواء

وروى ابو داود ( 2 333 ) رحمه الله عن جابر رضي الله تعالى عنه قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي طبيبا فقطع منه عرقا انتهى

وقد تقدم قول ابن إسحاق في رفيدة الأسلمية وأنها كانت تداوي الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة ما كانت به ضيعة من المسلمين

فوائد لغوية في ستة مسائل

الأولى في المحكم الطب علاج الجسم والنفس ورجل طب وطبيب وقالوا إن كنت ذا طب وطب فطب وطب لعينيك وفي الصحاح وجمع القلة أطبة والكثير أطباء تقول ما كنت طبيبا ولقد طببت بالكسر والمتطبب الذي يتعاطى علم الطب وفلان يستطب لوجعه أي يستوصف الدواء بما يصلح لدائه وفي المحكم والطب والطبيب الحاذق من الرجال الماهر بعلمه


669

الثانية ابن طريف عاد المريض عيادة تعهده قلت وهو عائد والجمع عود وعواد قاله ابن سيده

الثالثة في الصحاح ( 514 1 ) الفؤاد القلب والجمع الأفئدة وفألاته فهو مفؤود أصبت وكذلك إذا أصابه داء في فؤاده

الرابعة قوله صلى الله عليه وسلم فليجأهن أي يدقهن وفي الصحاح ( 80 1 ) الوجيئة التمر يدق حتى يخرج نواه ثم يبل بلبن وسمن حتى يتدن ويلزم بعضه بعضا فيؤكل

الخامسة في المشارق ( 1 356357 ) اللدود بفتح اللام الدواء الذي يصب في أحد جانبي فم المريض وهما لديداه وفي المحكم اللدود ما يصب بالمسعط من السقى والدواف في أحد شقي الفم فيمر على اللديد وجمعه ألدة قال ابن أحمر [ من الطويل ]

شربت الشكاعي والتددت ألدة
وأقبلت أفواه العروق والمكاويا

وقد لده به لدا ولدودا بضم اللام إياه

السادسة في المحكم ( 233 6 ) رفق بالأمر وله وعليه رفقا ورفق يرفق ورفق لطف وهو به رفيق لطيف وفي الصحاح ( 4 1482 ) الرفق ضد العنف والرفيق ضد الأخرق

الفصل الثني
في ذكر أنسابهم وأخبارهم

1 الحارث بن كلدة

في جماهر أبي عبيد القاسم بن سلام ( 27 ) من بني غيرة بن عوف بن ثقيف الحارث بن كلدة طبيب العرب وله كانت سمية أم زياد وإليه ينسب أبو بكرة ونافع يعني ابنيها أخوي زياد


670

وفي الجماهر ( 268 ) لابن حزم الحارث بن كلدة بن عمرو بن علاج بن أبي سلمة بن عبد العزي بن غيرة بن عوف بن ثقيف

فائدة لغوية

الفارابي ( 1 236 ) في باب فعل بفتح الفاء والعين الكلدة قطعة من الأرض غليظة وبها سمي الرجل

واختلف في إسلامه ففي الاستيعاب ( 283 ) لابن عبد البر الحارث بن الحارث بن كلدة الثقفي كان أبوه طبيبا في العرب حكيما وهو من المؤلفة قلوبهم معدود فيهم وكان من أشراف قومه و أما أبوه الحارث بن كلدة فمات في أول الإسلام ولم يصح إسلامه روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر سعد بن أبي وقاص أن يأتيه يستوصفه في مرض نزل به فدل على أنه جائز أن يشاور أهل الكفر في الطب إذا كانوا من أهله والله أعلم انتهى

وفي المعارف ( 288 ) لابن قتيبة كان الحارث بن كلدة طبيب العرب وكان عقيما لا يولد له وأسلم الحارث ومات في خلافه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وكان كسرى وهب سمية وهي من أهل زندورد لأبي الخير ملك من ملوك اليمن فلما رجع إلى اليمن مرض بالطائف فداواه الحارث فوهبها له فلما حاضر رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائف قال أيما عبد نزل إلي فهو حر فنزل أبو بكرة واسمه نفيع وأراد أخوه نافع أن يدلي نفسه فقال له الحارث أنت ابني فأقام وأقام ونسبا جميعا إليه وأمهما سمية وهي أم زياد ابن أبي سفيان ولما أسلم أبو بكرة وحسن إسلامه ترك الانتساب إلى الحارث وكان يقول أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفي الحارث فلم يقبض أبو بكرة ميراثه وكان زوج سمية يسمى مسروحا انتهى

قلت واختلف في وقت موته قال ابو عمر في الاستيعاب حسبما تقدم إنه مات في أول الإسلام وقال أبو فرج الجوزي في مختصر الحلية ( 1 100 ) عن ابن شهاب إن أبا بكر رضي الله تعالى عنه والحارث بن كلدة كانا يأكلان


671
خزيرة أهديت إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه فقال الحارث لأبي بكر ارفع يدك با خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم والله إن فيها لسم سنة وأنا وأنت نموت في يوم واحد فرفع يده فما زالا عليلين حتى ماتا في يوم واحد عند انقضاء السنة

وفي كتاب طب العرب لابن حبيب بسنده من طريق مطرف بن الشخير عن سعيد بن أبي حبيب قال كان معيقيب بن أبي فاطمة الأزدي وكان خازنا لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عنه وكاتبا قد أصابه الجذام فدعا له عمر الحارث بن كلدة الثقفي وقال له عالجه قال يا أمير المؤمنين أما أن يبرأ فلا ولكني أداويه حال يقف مرضه فلا يزيد قال عمر فذاك فكان يأمر بالحنظل الرطب فيدلك به قدميه ولا يزيده على ذلك فوقف مرضه حتى مات

وفي الطبقات ( 47 ) لصاعد كان من الأطباء على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من العرب الحارث بن كلدة الثقفي تعلم الطب بفارس واليمن كان يضرب العود وبقي إلى أيام معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه

وفي الطبقات ( 54 ) لابن جلجل مثله وزاد أن معاوية قال له ما الطب يا حارث قال الأزم يا أمير المؤمنين يعني الجوع انتهى

تنبيه قد تقدم في صدر هذا الفصل قول ابن قتيبة إن الحارث بن كلدة كان عقيما لا يولد له وتقدم أيضا ذكر أبي عمر ابن عبد البر ولده الحارث بن الحارث وتعداده في الصحابة وهو خلاف ما ذكره ابن قتيبة من أنه كان عقيما وأبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى أعرف منه بأخبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم

2 أبو رمثة رفاعة بن يثربي رضي الله تعالى عنه

في الاستيعاب ( 1685 ) رفاعة بن يثربي أبو رمثة التميمي وقيل اسم


672
أبي رمثة حبيب بن حيان وقيل ابن حيان بن حبيب قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وابنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا معك قال ابني فقال أما أنك لا تجني عليه ولا يجنى عليك انتهى
فائدة لغوية

أبو رمثة بكسر الراء وسكون الميم وثاؤه مثله كذا ضبطه الحافظ أبو علي الغساني بخطه في الاستيعاب في باب رفاعة والرمث بكسر الراء والثاء المثلثة أيضا ضرب من الشجر مما بنيت في السهل كذلك قيده الفارابي ( 1 178 )

الأنماريان لم أقف على اسميهما في شيء مما طالعته من الكتب وإن يسر الله تعالى في معرفتهما ألحقهما إن شاء الله تعالى


673
الباب السابع
في الراقي وفيه أربعة فصول
الفصل الأول
في ذكر رقية جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم

روى مسلم ( 180 2 ) رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت كان إذا اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم رقاه جبريل عليه السلام قال بسم الله يبريك ومن كل داء يشفيك ومن شر حاسد إذا حسد وشر كل ذي عين انتهى

وروى مسلم ( 180 2 ) رحمه الله تعالى أيضا عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد اشتكيت نعم قال بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك بسم الله أرقيك

فائدة لغوية

ابن طريف رقى المريض رقية عوذة وفي الصحاح الرقية معروفة والجمع رقى تقول منه استرقيته رقية فهو راق

الفصل الثاني
في ذكر ما كان يرقي به النبي صلى الله عليه وسلم

ما كان يرقي به نفسه صلى الله عليه وسلم

روى مسلم ( 181 2 ) رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن


674
النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث فلما اشتد وجعه كنت أقرا عليه وأمسح عنه بيده رجاء بركتها

ما كان يرقي به الناس صلى الله عليه وسلم روى مسلم ( 181 2 ) رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى منا إنسان مسحه بيمينه ثم قال أذهب البأس رب الناس واشف أنت الشافي لا شقاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما فلما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وثقل أخذت بيده لأصنع به نحو ما كان يصنع فانتزع يده من يدي ثم قال اللهم اغفر لي واجعلني مع الرفيق الأعلى قالت فذهبت أنظر فإذا هو قد قضى انتهى

وروى مسلم ( 181 2 ) رحمه الله تعالى أيضا عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه أو كانت به قرحة أو جرح قال النبي صلى الله عليه وسلم بإصبعه هكذا ووضع سفيان سبابته بالأرض ثم رفعها بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا يشفى به سقيمنا بإذن ربنا انتهى

وروى أبو داود ( 338 2 ) رحمه الله تعالى عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من اشتكى منكم شيئا أو اشتكاه أخ له فليقل ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك أمرك في السماء والأرض أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع فيبرأ انتهى

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

الأولى في المشارق ( 75 1 ) أذهب البأس رب الناس البأس شدة المرض

الثانية في الصحاح ( 1949 5 ) السقام المرض وكذلك السقم والسقم


675
وهما لغتان كحزن وحزن وقد سقم بالكسر يسقم سقما فهو سقيم وأسقمه الله والمسقام الكثير السقم

الثالثة في المشارق ( 190 2 ) وكان ابن لبعض بنات النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنهن يقضي أو ينازع الموت ويقضي أجله

الفصل الثالث
في ذكر من كان يرقى في زمانه صلى الله عليه وسلم

ذكر من رقى من الرجال

روى البجاري ( 170 7 ) رحمه الله تعالى عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتوا على حي من أحياء العرب فلم يقروهم فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك فقالوا هل معكم من دواء أو راق فقالوا إنكم لم تقرونا ولم نفعل حتى تجعلوا لنا جعلا فجعلوا لهم قطيعا من الشاء فجعل يقرأ بأم القرآن ويجمع بزاقة ويتقل فبرأ فأتوا بالشاء فقالوا لا نأخذه حتى نسأل النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه فضحك وقال وما أدراك أنها رقية خذوها واضربوا لي بسهم انتهى

وروى أبو داود ( 340 2341 ) رحمه الله تعالى عن خارجة بن الصلت عن عمه قال أقبلنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتينا على حي من العرب فقالوا إنا أنبئنا أنكم قد جئتم من عند هذا الرجل بخير فهل عندكم من دواء أو رقية فإن عندنا معتوها في القيود قال فقلنا نعم قال فجاءوا بالمعتوه في القيود فقرأت عليه فاتحة الكتاب ثلاثة أيام غدوة وعشية أجمع بزاقي ثم أتقل قال فكأنما أنشط من عقال فأعطوني جعلا فقلت لا حتى أسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال كل فلعمري من أكل برقية باطل لقد أكلت برقية حق انتهى

ذكر من رقى من النساء

روى أبو داود ( 337 2 ) رحمه الله تعالى عن الشفاء بنت عبد الله رضي الله


676
تعالى عنها قالت دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا عند حفصة رضي الله تعالى عنها فقال ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتها الكتابة انتهى

فوائد لغوية في أربع مسائل

الأولى في الصحاح ( 6 2461 ) قريت الضيف قرى مثل قليته قلى وقراء إذا أحسنت إليه إذا كسرت القاف قصرت وإذا فتحت مددت والمقرى إناء يقرى فيه الضيف والجفنة مقراة

الثانية في الصحاح ( 6 2439 ) المعتوه الناقص العقل وقد عته

الثالثة في الديوان ( 1 276 ) الأنشوطة بضم الهمزة وسكون النون عقدة يسهل انحلالها وفي الصحاح ( 3 1164 ) نشطت الحبل أنشطه نشطا عقدته أنشوطة وأنشطته حللته ويقال كأنما أنشط من عقال

الرابعة في الديوان ( 1 145 ) النملة بفتح النون وسكون الميم واحدة النمل وهي قروح وفي الصحاح ( 5 1836 ) النمل بثور صغار مع ورم يسير ثم تتقرح فتسعى وتتسع ويسميها الأطباء الذباب

الفصل الرابع
في ذكر رقية بعض العربيات نقلتها من خط الحافظ أبي علي الغساني

حدثنا أبو عمر أحمد بن محمد قال حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أبو عبد الله محمد بن مسلم بن قتيبة قال سمعت أعرابية بالحجاز فصيحة ترقي رجلا من العين فقالت أعيذك بكلمات الله التامة التي لا تجوز عليها هامة من شر الجن ومن شر الإنس عامة وشر النظرة اللامة أعيذك بمطلع الشمس من شر ذي مشي همس وشر ذي نظر خلس وشر ذي قول دس ومن شر الحاسدين والحاسدات والنافسين والنافسات والكائدين والكائدات نشرت عليك بنشرة نشار على رأسك ذي الأشعار وعن عينيك


677
ذواتي الأشفار وعن فيك ذي المحار وظهرك ذي الفقار وبطنك ذي الأسرار وفرجك ذي الأستار ويديك ذواتي الأظفار ورجليك ذواتي الآثار وذيلك ذي الغبار وعنك فضلا وذا إزار وعن بيتك فرجا وذا أستار رششت بماء بارد نارا وعينين وأشفارا وكان الله لك جارا

قال ابن قتيبة المشي الهمس الوطء الخفي والنظر الخلس هو الذي يختلس ساعة بعد ساعة والقول الدس هوالذي يدس ويحتال فيه حتى يذيع القبيح النافسون والنافسات هم العائنون والمحار جمع محارة الحنك والفقار خرز الظهر واحدتها فقارة وهي الفقر أيضا الواحدة فقرة والفضل الذي عليه ثوب واحد يقال امرأة فضل إذا لم يكن عليها إلا ثوب واحد وامرأة حسنة الفضلة والأسرار في البطن التكسر وأسرار الجبهة الخطوط فيها وكذلك أسرار الوجه وجمعها أسرة والبيت الفرج المفتوح الذي لا ستر عليه ولا باب مغلق يقال باب فتح وفرج ومنه قيل رجل فرج إذا كان لا يكتم سره كأنه منفرج عن السر غير منضم عليه وقال الحربي هامة واحدة الهوام نحو الحية والعقرب وقال غيره النظرة اللامة إنما هذا على الاتباع لما قبله ووجهه الملمة كما قيل سكة مأبورة ومهرة مأمورة ومأزورات غير مأجورات وقيل هو على النسب أي ذات لمم كما قالوا هم ناصب انتهى

تنبيه

أبو عمر أحمد بن محمد الذي روى عنه أبو علي الغساني هو ابن الحذاء أحد شيوخه وهو الذي ألف في التعريف برجال الموطأ


678
الباب الثامن
في القاطع للعروق

قد تقدم في الباب السادس من هذا الجزء الحديث الذي رواه أبو داود رحمه الله تعالى عن جابر رضي الله تعالى عنه قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي طبيبا فقطع منه عرقا وقول ابن جلج في الطبقات وذكر أبا رمثة فقال كان طبيبا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عالما بصناعة اليد وتقدم هناك التعريف بأبي رمثة


679
الباب التاسع
في ذكر الكواء

روى مسلم رحمه الله تعالى بسنده إلى الأعمش عن أبي سفيان عن جابر رضي الله تعالى عنه قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بن كعب طبيبا فقطع منه عرقا ثم كواه عليه

وروي أبو داود رحمه الله تعالى عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كوى سعد بن معاذ من رمية

وروى مسلم رحمه الله تعالى عن جابر رضي الله تعالى عنه قال رمي سعد بن معاذ في أكحله قال فحسمه النبي صلى الله عليه وسلم بمشقص ثم ورمت فحسمه الثانية

وروى مسلم أيضا بسنده عن سليمان قال سمعت أبا سفيان قال سمعت جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال رمي أبي يوم الأحزاب على أكحله قال فكواه رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى

فوائد لغوية في أربع مسائل

الأولى في المحكم الكي إحراق الجلد بحديدة ونحوها كواه كيا والمكواة الحديدة أو الرضفة التي يكوى بها والكية موضع الكي واكتوى الرجل استعمل الكي واستكوى طلب أن يكوى وفي الصحاح


680
يقال آخر الدواء الكي ولا تقل آخر الداء الكي وفي المقصور والممدود لابن القوطية الكواء صفة كالشواء وفي المحكم رجل كواء خبيث اللسان شتام وأراه على التشبيه

الثانية في المشارق في حديث سعد فحسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص أي كواه يحسم ويحسم بكسر السين وضمها

الثالثة في المشارق المشقص بكسر الميم نصل السهم الطويل غير العريض وقال ابن دريد وهو الطويل العريض وجمعه مشاقص

الرابعة في المشارق ثم ورمت أي صارت ورما وانتفخت وفي المحكم الورم النتوء والانتفاخ وقد ورم يرم نادر وقياسه يورم ولم نسمع به


681
الباب العاشر
في المكان الذي اتخذ للفقراء الذين لا يأوون على أهل ولا مال ويتخرج من اتخاذ هذه الزوايا التي تتخذ للفقراء

روى البخاري رحمه الله تعالى عن مجاهد أن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه كان يقول والله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه فمر أبو بكر رضي الله تعالى عنه فسألته عن آية من كتاب الله تعالى ما سألته إلا ليشبعني فمر فلم يفعل ثم مر بي عمر رضي الله تعالى عنه فسألته عن آية من كتاب الله تعالى ما سألته إلا ليشبعني فمر فلم يفعل ثم مر بي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما وفي وجهي فقال أبا هر قلت لبيك يا رسول الله قال الحق ومضى فاتبعته فدخل فاستأذن فأذن لي فدخل فوجد لبنا في قدح فقال من أين هذا اللبن قالوا أهداه لك فلان أو فلانة قال أبا هر قلت لبيك يا رسول الله قال الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي قال وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئا وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها فساءني ذلك فقلت وما هذا اللبن في أهل الصفة كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها فإذا جاء أمرني فكنت أنا أعطيهم وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بد فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم وأخذوا مجالسهم من


682
البيت قال أبا هر قلت لبيك يا رسول الله قال خذ فأعطهم فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرد علي القدح فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرد علي القدح ( ثبت في أصلين تولى تصحيح أحدهما الفقيه أبو محمد عبد المهيمن الحضرمي وتولى تصحيح الثاني شيخنا أبو عبد الله ابن رشيد وكتب أبو محمد عبد المهيمن في الطرة الرجل وكتب عليها خ يريد رواية أخرى ) حتى انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد روي القوم كلهم فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إلي فتبسم فقال أبا هر قلت لبيك يا رسول الله قال بقيت أنا وأنت قلت صدقت يا رسول الله قال اقعد فأشرب فقعدت فشربت فقال اشرب فشربت فما زال يقول اشرب حتى قلت لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكا قال فأرني فأعطيته القدح فحمد الله وسمى وشرب الفضلة

ورواه الترمذي رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أيضا باختلاف بعض الألفاظ فقال فيه ليستتبعني مكان ليشبعني وقال فيه فأخذت القدح فجعلت أناوله الرجل فيشرب حتى يروى ولم يرزؤه ثم يرده فأناوله الآخر حتى انتهيت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد روي القوم كلهم وساق الحديث

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

الأولى في المحكم روي من الماء ومن اللبن ريا وروى وتروى وارتوى والاسم الري أيضا وقد أرواني ورجل ريان وامرأة ريا من قوم رواء

الثانية في المحكم رزأه ماله ورزئه يرزؤه فيهما رزءا أصاب من ماله شيئا

الثالثة في المحكم زاوية البيت ركنه والجمع الزوايا وتزوى صار فيها


683
الجزء التاسع
في ذكر حرف وصناعات كانت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وذكر من عملها من الصحابة رضي الله تعالى عنهم
وفيه أربعة وثلاثون بابا
دون ما مر منها فيما تقدم من الكتاب في مواضيع هي أليق بها
684

685
الباب الأول
في التجارة في الأسواق
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول
في معنى التجارة وتصريف الفعل منها

في المحكم تجر [ يتجر ] تجارة باع وشرى قال الفارابي بفتح الجيم في الماضي وضمها في المستقبل وفي الصحاح تجر يتجر تجرا وكذلك اتجر وهو افتعل فهو تاجر والجمع تجر كصاحب وصحب وفي المحكم رجل تاجر والجمع تجار وتجار وتجر وقيل إن التجر اسم للجمع وفي الصحاح أرض متجرة يتجر فيها

الفصل الثاني
في احتراف قريش بالتجارة وشهرتهم بها في الجاهلية والإسلام

ذكر أبو عمر ابن عبد البر في بهجة المجالس أن عبد الملك بن مروان قال يوما لبنيه يا بني لو عداكم ما أنتم فيه ما كنتم تعولون عليه قال الوليد أما أنا ففارس حرب وقال سليمان أما أنا فكاتب سلطان فقال ليزيد فأنت فقال والله يأمير المؤمنين ما تركا حظا لمختار فقال عبد الملك فأين أنتم يا بني عن التجارة التي هي أصلكم ونسبكم قالوا تلك صناعة لا يفارقها ذل


686
الرغبة والرهبة ولا ينجو صاحبها من الدخول في جملة الدهماء والرعية قال فعليكم إذا بطلب الأدب فإن كنتم ملوكا سدتم وإن كنتم وسطا رأستم وإن أعوزتكم المعيشة عشتم انتهى

وقال ابن إسحاق في السير كان في حجر باليمن فيما يزعمون كتاب بالزبور كتب في الزمان الأول لمن ملك ذمار لحمير الأحرار لمن ملك ذمار للحبشة الأشرار لمن ملك ذمار لفارس الأحرار لمن ملك ذمار لقريش التجار انتهى

وقال السهيلي في الروض الأنف وهذا الكلام الذي زعموا أنه وجد مكتوبا بالحجر هو فيما زعموا من كلام هود عليه السلام وجد مكتوبا في منبره وعند قبره حين كشفت الريح العاصف عن منبره الرمل حتى ظهر وذلك قبل ملك بلقيس بيسير وكان خطه بالمسند

فوائد لغوية في خمس مسائل

الأولى في الديوان الدهماء جماعات الناس وكثرتهم

الثانية في الصحاح أعوزه الشيء إذا احتاج إليه فلم يقدر عليه وعوز الشيء عوزا إذا لم يوجد وعوز الرجل واعوز افتقر والإعواز الفقر والمعوز الفقير وأعوزه الدهر أي أحوجه

الثالثة قال السهيلي حكى ابن هشام عن يونس ذمار بفتح الذال فدل على أن رواية ابن إسحاق بكسر الذال فإذا كان بكسر الذال فهو غير مصروف لأنه اسم لمدينة والغالب عليه التأنيث ويجوز صرفه أيضا لأنه اسم بلد وإذا فتحت الذال فهو مبني مثل رقاش وحذام


687
الرابعة في الصحاح عصفت الريح أي اشتدت فهي عاصف وعصوف وفي لغة بني أسد أعصفت الريح فهي معصف ومعصفة

الخامسة في ديوان الأدب المسند كتاب بالحميرية بضم الميم وفتح النون وقال الجوهري خط لحمير مخالف لخطنا هذا

الفصل الثالث
في ذكر من كان يتجر في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من كبار الصحابة رضوان الله تعالى عليهم

1 فمنهم خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ذكر أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب وابن قتيبة في المعارف رحمهما الله تعالى والنص لأبي عمر روى رحمه الله تعالى بسنده من طريق الزهري يبلغ به أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت خرج أبو بكر رضي الله تعالى عنه في تجارة إلى بصرى قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم ومعه نعيمان وسويبط بن حرملة وكانا رضي الله تعالى عنهما قد شهدا بدرا وكان نعيمان على الزاد فقال له سويبط وكان [ رجلا ] مزاحا أطعمني فقال لا حتى يجيء أبو بكر فقال أما والله لأغيظنك فمروا بقوم فقال لهم سويبط تشترون مني عبدا قالوا نعم قال إنه عبد له كلام وهو قائل لكم إني حر فإن كنتم إذا قال لكم هذه المقالة تركتموه فلا تفسدوا علي عبدي قالوا بل نشتريه منك فاشتروه منه بعشر قلائص قال فجاءوا فوضعوا في عنقه عمامة أو حبلا فقال نعيمان إن هذا يستهزئ بكم وإني حر لست بمملوك قالوا قد أخبرنا خبرك فانطلقوا به فجاء أبو بكر فأخبره سويبط فأتبعهم فرد عليهم القلائص وأخذه فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عليها حولا

2 ومنهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه روى البخاري رحمه الله تعالى عن عبيد بن عمير أن أبا موسى الأشعري استأذن


688
على عمر بن الخطاب فلم يؤذن له وكأنه كان مشغولا فرجع أبو موسى ففرغ عمر فقال ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس ايذنوا له قيل قد رجع فدعاه فقال كنا نؤمر بذلك قال تأتيني على ذلك بالبينة فانطلق إلى مجلس الأنصار فسألهم فقالوا لا يشهد لك على هذا إلا أصغرنا أبو سعيد الخدري فذهب بأبي سعيد الخدري فقال عمر أخفي علي من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ألهاني الصفق بالأسواق يعني الخروج إلى تجارة

تنبيه

الشيء الذي قاله أبو موسى كنا نؤمر بذلك يبينه حديثه الآخر الذي رواه البخاري رحمه الله تعالى أيضا عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور قال استأذنت على عمر ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت قال ما منعك قلت استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع قال فوالله لتقيمن عليه بينة أمنكم أحد سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم قال أبي بن كعب والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم فكنت أصغر القوم فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك انتهى

3 ومنهم الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه قال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في الاستيعاب كان الزبير بن العوام تاجرا مجدودا في التجارة وقيل له يوما بم أدركت في التجارة ما أدركت قال لأني لم أشتر معيبا ولم أرد ربحا والله يبارك لمن يشاء

وذكر البخاري في حديث هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة عن ابن شهاب قال أخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي الزبير في ركب من المسلمين كانواتجارا قافلين من الشام فكسا الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثياب بياض


689

وذكر أبو عمر ابن عبد البر عن الأوزاعي كان للزبير ألف مملوك يؤدون إليه الخراج فما يدخل بيته منها درهما واحدا إنه كان يتصدق بذلك كله

4 ومنهم عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه روى البخاري رحمه الله تعالى عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه قال لما قدمنا المدينة آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبين سعد بن الربيع فقال سعد بن الربيع إني أكثر الأنصار مالا فأقسم لك نصف مالي وانظر أي زوجتي هويت نزلت لك عنها فإذا حلت تزوجتها فقال له عبد الرحمن لا حاجة لي في ذلك هل من سوق فيه تجارة قال سوق قينقاع قال فغذا إليه عبد الرحمن فأتى بأقط وسمن وفي رواية أخرى للبخاري أيضا فما رجع حتى استفضل أقطا وسمنا قال ثم تابع الغدو فما لبث أن جاء عبد الرحمن عليه أثر صفرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجت قال نعم قال ومن قال امرأة من الأنصار قال كم سقت لها قال زنة نواة من ذهب أو نواة من ذهب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أولم ولو بشاة انتهى

وقال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى كان عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه تاجرا مجدودا في التجارة وكسب مالا كثيرا وصولحت امرأته التي طلقها في مرضه من ثلث الثمن بثلاثة وثمانين ألفا وروى ابن عيينة أنها صولحت عن ربع الثمن من ميراثه انتهى

فوائد لغوية في خمس مسائل

الأولى الجوهري القلوص من النوق الشابة وهي بمنزلة الجارية من النساء والجمع قلص وقلائص وجمع القلص قلاص


690
الثانية في المشارق ألهاني الصفق بالأسواق بسكون الفاء وفتح الصاد التصرف في التجارة والصفق أيضا عقد البيع وفي الصحاح التصفيق باليد التصويت بها وصفقت له بالبيع والبيعة صفقا أي ضربت بيدي على يده ويقال ربحت صفقتك للشراء وصفقة رابحة وصفقة خاسرة

الثالثة الجوهري الجد الحظ والبخت والجمع الجدود ورجل مجدود محظوظ

الرابعة الجوهري السوق تذكر وتؤنث قال الشاعر [ من الطويل ]

ألم يعظ الفتيان ما صار لمتي
بسوق كثير ريحه وأعاصره

وتسوق القوم إذا باعوا واشتروا والسوقة خلاف الملك قال نهشل بن حري [ من الطويل ]

ولم تر عيني سوقة مثل مالك
ولا ملكا تجبي إليه مرازبه

ويستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث

الخامسة في المشارق سوق بني قينقاع بكسر النون ويروى بضمها وفتحها وبنو قينقاع شعب من يهود المدينة أضيفت السوق إليهم

تنبيه

قد تقدم ذكر هؤلاء السادة الأربعة رضي الله تعالى عنهم وذكر أنسابهم ونبذ من أخبارهم فيما مر من الكتاب فأغنى ذلك عن الإعادة


691
الباب الثاني
في ذكر من كان بزازا في زمان النبي صلى الله عليه وسلم من كبار الصحابة رضوان الله تعالى عليهم

1 فمنهم أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال ابن قتيبة رحمه الله تعالى في المعارف في صنائع الأشراف كان عثمان بن عفان رضي الله تعالى في المعارف في صنائع الأشراف كان عثمان بن عفان رضي الله تعالى ع نه بزازا وقال ابن عبد البر في الاستيعاب جهز عثمان رضي الله تعالى عنه جيش العسرة بتسعمائة وخمسين بعيرا وأتم الألف بخمسين فرسا وكان جيش العسرة في غزاة تبوك وعن قتادة قال حمل عثمان رضي الله تعالى عنه على ألف بعير وسبعين فرسا انتهى

تنبيه ذكرت هذه القصة هنا إشعارا بكثرة ما اكتسب أمير المؤمنين عثمان رضي الله تعالى عنه من المال بحرفته البزازة إذ لم يكن رضي الله تعالى عنه يحترف بغيرها

2 ومنهم طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنه ذكر ابن قتيبة رحمه الله تعالى في المعارف في صنائع الأشراف كان طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنه بزازا وذكر ابن عبد البر عن موسى بن عقبة وابن إسحاق عن ابن شهاب لم يشهد طلحة بدرا وقدم من الشام بعد رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في سهمه فقال له


692
رسول الله صلى الله عليه وسلم لك سهمك قال وأجري يا رسول الله قال وأجرك

قال أبو عمر وقال الزبير بن بكار كان طلحة بن عبيد الله بالشام في تجارة حيث كانت وقعة بدر وكان في المهاجرين الأولين فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه فلما قدم قال وأجري يا رسول الله قال وأجرك

وذكر الزبير أنه سمع سفيان بن عيينة يقول كانت غلة طلحة بن عبيد الله ألفا وافيا كل يوم قال والوافي وزنه وزن الدينار وعلى ذلك وزن دراهم فارس التي تعرف بالبغلية انتهى

فائدة لغوية

في المحكم البز الثياب والبزاز بائع البز وحرفته البزازة وقال الجوهري البز من الثياب امتعة البزاز وفي ديوان الأدب البز بفتح الباء متاع البزاز

تنبيه قد تقدم ذكر أمير المؤمنين عثمان وذكر طلحة رضي الله عنهما فيما تقدم من الكتاب فأغنى عن إعادة ذلك هنا


693
الباب الثالث
في العطار

روى القاضي محمد بن سلامة القاضعي رحمه الله تعالى في الشهاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الجليس الصالح مثل الداري إن لم يثحذك من عطره علقك من ريحه ومثل الجليس السوء مثل صاحب الكير إن لم يحرقك من شرره علقك من نتنه

وترجم البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه باب في العطار وبيع المسك وخرج فيه عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل صاحب المسك وكير الحداد لا يعدمك من صاحب المسك إما تشتريه أو تجد ريحه وكير الحداد يحرق بيتك أو ثوبك أو تجد منه ريحا خبيثة

وذكر الثعالبي في كتاب التمثيل والمحاضرة عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال لو كنت تاجرا ما اخترت على العطر شيئا إن فاتني ربحه لم يفتني ريحه

فائدتان لغويتان

الأولى في الصحاح والدراي العطار وهو منسوب إلى دارين فرضة بالبحرين فيها سوق وكان يحمل إليها مسك من ناحية الهند وفي الحديث مثل الجليس الصالح مثل الداري إن لم يحذك من عطره علقك من ريحه

الثانية في المشارق أحذيت الرجل أعطيته وحذوته أيضا والاسم الحذيا [ والحذيا ] والحذية والحذية

وقال ابن سيده وحذياي من هذا الشيء أي أعطني


694
الباب الرابع
في الصراف
وفيه فصلان
الفصل الأول
في من كان يتجر في الصرف في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم

روى البخاري رحمه الله تعالى عن أبي المنهال رضي الله تعالى عنه قال كنت أتجر في الصرف فسألت زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه فقال قال النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبي المنهال أيضا قال سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم رضي الله تعالى عنهما عن الصرف فقالا كنا تاجرين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصرف فقال إن كان يدا بيد فلا بأس وإن كان نسيئا فلا يصلح

فائدتان لغويتان

الأولى في المحكم الصرف بيع الذهب بالفضة وفي الديوان صرف الدراهم بفتح الراء يصرفها بكسرها وفي المحكم الصراف والصيرف والصيرفي النقاد والجمع صيارف وصيارفة فأما قول الفرزدق

تنفي يداها الحصى في كل هاجرة
نفي الدراهم تنقاد الصياريف
فعلى الضرورة

الثانية في المحكم نسأ الشيء ينسأ نسأ أخره فانتسأ والاسم النسيئة والسيء


695
الفصل الثاني
في ذكر أنسابهم وأخبارهم رضي الله تعالى عنهم

1 زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه في الاستيعاب زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك الأغر بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي من بني الحارث بن الخزرج وروينا عنه من وجوه أنه قال غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع عشرة غزوة غزوت منها معه سبع عشرة ويقال إن أول مشاهده المريسيع يعد في الوفيين نزل الكوفة وسكنها وابتنى بها دارا في كندة وبالكوفة كانت وفاته رحمه الله تعالى سنة ثمان وستين وهو الذي رفع إلى رسول الله صلى اله عليه وسلم عن عبد الله بن أبي بن سلول قوله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فأكذبه عبد الله بن أبي وحلف فأنزل الله تعالى تصديق زيد بن أرقم فبادر أبو بكر وعمر إلى زيد رضي الله تعالى عنهم ليبشراه فسبق أبو بكر فأقسم عمر ألا يبادره بعدها إلى شيء قيل كان ذلك في غزوة بني المصطلق وقيل في تبوك وشهد زيد بن أرقم مع علي رضي الله تعالى عنه صفين وهو معدود في خاصة أصحابه

2 البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال أبو عمر في الاستيعاب البراء بن عازب بن حارث بن عدي بن جشم بن مجذمة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج وذكر له عدة كنى وقال الأشهر أبو عمارة وهو أصح إن شاء الله تعالى وسمع البراء يقول استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر وذكر الدولابي عن الواقدي قال أول غزوة شهدها ابن عمر والبراء بن عازب الخندق قال أبو عمر وهذا اصح

وقال أبو عمرو الشيباني افتتح البراء بن عازب الري سنة أربع وعشرين صلحا أو عنوة وشهد البراء بن عازب مع علي رضي الله تعالى عنه الجمل وصفين والنهروان ثم نزل الكوفة ومات بها أيام مصعب بن الزبير رضي الله تعالى عنهما


696
الباب الخامس
في بائع الرماح

في الاستيعاب نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي يكنى أبا الحارث كان أسن من سائر من أسلم من بني هاشم أسر يوم بدر وفداه العباس رضي الله تعالى عنهما وهاجر أيام الخندق وقيل فدى نفسه برماحه وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين العباس بن عبد المطلب وكانا رضي الله تعالى عنهما شريكين في الجاهلية متفاوضين في المال متحابين وروى ولده عبد الله بن نوفل بن الحارث قال لما أسر نوفل بن الحارث يوم بدر قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم افد نفسك قال مالي شيء أفتدي به قال افد نفسك برماحك التي بجدة قال والله ما علم أحد أن لي رماحا بجدة غيري بعد الله أشهد أنك رسول الله ففدى نفسه بها وكانت ألف رمح

قال أبو عمر وشهد نوفل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة وشهد حنينا والطائف وكان ممن ثبت يوم حنين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين بثلاثة آلاف رمح فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم كأني أنظر إلى رماحك يا أبا الحارث تقصف أصلاب المشكرين

قال أبو عمر توفي رحمه الله تعالى ورضي عنه بالمدينة سنة خمس


697
عشرة في خلافة عمر رضي الله تعالى عنهما وصلى عليه عمر بعد أن مشى معه إلى البقيع ووقف على قبره حتى دفن انتهى

تنبيه

قول النبي صلى الله عليه وسلم لنوفل بن الحارث كأني أنظر إلى رماحك يا أبا الحارث تقصف أصلاب المشركين من معجزاته بإخباره بالغيب صلى الله عليه وسلم فقد نصره الله تعالى يوم حنين وقتل المشركين حتى قتل منهم أبو طلحة الأنصاري رضي الله تعالى عنه عشرين رجلا وحده وأخذ أسلابهم وروى أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في الإستيعاب عن أنس بن مالك أن رسول الله A قال يوم حنين من قتل كافرا فله سلبه فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا واخذ أسلابهم

فوائد لغوية في أربع مسائل

الأولى في المحكم الرمح من السلاك معروف وجمعه أرماح والكثير رماح ورجل رماح صانع الرماح ومتخذها وحرفته الرماحة

الثانية في المحكم شركة المفاوضة الشركة العامة في كل شيء يقال متاعهم فوضى بينهم إذا كانوا فيه شركاء ويقال فوضى فضا قال [ من الطويل ]

طعامهم فوضى فضا في رحالهم
ولا يحسنون الشر إلا تناديا

وفي المشارق الشركة بفتح الشين وكسر الراء والشرك مكسور الشين في البيع وغيره معلوم انتهى

الثالثة جدة بضم الجيم ساحل مكة قاله البكري وفي رحلة ابن جبير أن بينها وبين مكة يومين


698

الرابعة قال ابن طريف قصفت الشيء بفتح الصاد كسرته انتهى قلت ويستعمل في الأصلاب كثيرا كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم هنا ومن مليح ما جاء في ذلك ما أنشده الحصري في زهر الآداب قال مات رجل من العرب يعول اثني عشر ألفا فلما حمل على سريره صر فقال بعض من حضره [ من الطويل ]

وليس صرير النعش ما تسمعونه
ولكنه أصلاب قوم تقصف
وليس فتيق المسك نشر حنوطه
ولكنه ذاك الثناء المخلف

699
الباب السادس
في بائع الطعام

روى مسلم رحمه الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يكتاله

وروي مسلم رحمه الله تعالى أيضا عن سالم بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن أباه قال قد رأيت الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ابتاعوا الطعام جزافا يضربون أن يبيعوه في مكانهم ذلك حتى يؤووه إلى رحالهم

فائدة لغوية

في المحكم الطعام اسم جامع لكل ما يؤكل والجمع أطعمة وأطعمات جمع الجمع وفي الصحاح وربما خص بالطعام البر والطعم ما يؤديه الذوق يقال طعمه مر والطعم أيضا ما يشتهى منه يقال ليس له طعم والطعم بالضم الطعام قال أبو خراش [ من الطويل ]

أرد شجاع البطن قد تعلمينه
وأوثر غيري من عيالك بالطعم
وأغتبق الماء القراح فأنتهي
إذا الزاد أضحى للمزلج ذا طعم

أراد بالأول الطعام وبالثاني ما شاتهي منه وقد طعم يطعم فهو طاعم إذا أكل أو ذاق مثل غنم يغنم غنما فهو غانم وفي المحكم طعمه طعما وأصاب طعما كلاهما بضم أوله


700
الباب السابع
في التمار

ذكر ابن فتحون في كتابه في الصحابة رضي الله تعالى عنهم نبهان التمار وقال هو الذي جاءته امرأة تشتري منه تمرا فغمزها ثم جاء ثانيا فحضر الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت فيه والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم الآية قاله عطاء وكناه أبا عقيل وذكره الثعالبي وقاله مقاتل بن سليمان وحكاه الماوردي عنه وذكره أيضا الهروي ومكي وروى ابن بشكوال في كتابه تفسير ما استعجم من غوامض الأسماء بسنده عن عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قول الله عز وجل والذين إذا فعلوا فاحشة قال يريد نبهان التمار وكنيته أبو مقبل أتته امرأة حسناء جميلة تبتاع تمرا فضرب على عجزها فقالت والله ما حفظت غيبة أخيك ولا نلت حاجتك فأسقط في يده فذهب إلى أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه فقال إياك أن تكون امرأة غاز ثم ذهب إلى عمر رضي الله تعالى عنه فقال إياك أن تكون امرأة غاز ثم ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إياك أن تكون امرأة غاز فولى وهو يبكي فأقام ثلاثة أيام النهار صائما والليل قائما حزينا فلما كان اليوم الرابع أنزل الله تعالى والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم الآية يريد مثل الذي فعل نبهان التمار فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه فأخبره بما نزل فحمد الله تعالى وشكره فقال يا رسول الله هذه توبتي قد قبلها الله مني


701
فكيف بي حتى يقبل شكوتي فأنزل الله تعالى وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل

فائدتان لغويتان

الأولى في المحكم الغمز الإشارة بالعين والحاجب غمزه يغمزه غمزا والغمز العصر باليد قلت وهو المراد هنا بدليل قوله في رواية ابن بشكوال فضرب على عجزها

الثانية في المحكم أسقط في يد الرجل زل وأخطأ قال الزجاج يقال للرجل النادم على ما فعل الحسير على ما فرط منه قد سقط في يده وأسقط


702
الباب الثامن
في بائع الدباغ

في الاستيعاب سعد بن عائذ المؤذن مولى عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنهما المعروف بسعد القرظ له صحبة وإنما قيل له سعد القرظ لأنه كان كلما تجر في شيء وضع فيه فتجر في القرظ فربح فيه فلزم التجارة فيه

وقد ذكر سعد القرظ في باب المؤذن من هذا الكتاب وقد تقدم أيضا هنالك أن القرظ شجر يدبغ به وقول القاضي في المشارق إن سعدا سمي به لأنه كان يتجر فيه


703
الباب التاسع
في الحطاب

روى البخاري رحمه الله تعالى عن أبي عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحدا فيعطيه أو يدعه

وقال ابن رشد في البيان والتحصيل روي أن رجلا من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم فشكا إليه الفاقة ثم عاد فقال يا رسول الله لقد جئت من عند أهل بيت ما أرى أن أرجع إليهم حتى يموت بعضهم قال انطلق حتى تجد من شيء فانطلق فجاء بحلس وقدح فقال يا رسول الله هذا الحلس كانوا يفترشون بعضه ويلتفون ببعضه وهذا القدح كانوا يشربون فيه فقال من يأخذهما مني بدرهم فقال رجل أنا فقال من يزيد على درهم فقال رجل آخر آخذهما بدرهمين فقال هما لك فدعا بالرجل فقال اشتر بدرهم طعاما لأهلك وبدرهم فأسا ثم ائتني ففعل ثم جاء فقال انطلق إلى هذا الوادي فلا تدعن شوكا ولا حطبا ولا تأتني إلا بعد عشر ففعل ثم أتاه فقال بورك فيما أمرتني به فقال هذا خير لك من أن تأتي يوم القيامة في وجهك نكت من المسألة أو خموش من المسألة الشك من بعض الرواة ذكره في باب النكاح دليلا على جواز خطبة المرأة على خطبة الغير وسوم السلعة على سوم الغير ما لم يقع التراكن

وخرجه الترمذي والنسائي مختصرا في كتاب البيوع في ما جاء في بيع من


704
يزيد فقال النسائي عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم باع قدحا وحلسا في من يزيد وقال الترمذي عن أنس بن مالك أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم باع حلسا وقدحا وقال من يشتري هذا الحلس والقدح فقال رجل أخذتهما بدرهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يزيد على درهم فأعطاه رجل درهمين فباعهما منه

قال أبو عيسى هذا حديث حسن فاختصرا منه قصة الرجل واقتصرا على مناط الحكم فيما ترجما له من البيع في من يزيد

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

الأولى حلس البيت ما يبسط تحت حر المتاع من مسح أو نحوه قاله ابن سيده وقد تقدم ذكره في باب المشرف

الثانية في المحكم النكتة كالنقطة وكل نقط في شيء خالف لونه فهو نكت

الثالثة في المحكم الخمش الخدش في الوجه وقد يستعمل في سائر الجسد خمشه يخمشه ويخمشه خمشا وخموشا وخمشه والخموش الخدوش خدش جلده يخدشه خدشا مزقه والخدوش الآثار وهو من ذلك


705
الباب العاشر
في الدلال وهو السمسار

روى مسلم بسنده عن طاووس رحمهما الله تعالى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتلقى الركبان وأن يبيع حاضر لباد

وروى البخاري قريبا منه وقال فقلت يا ابن عباس ما قوله لا يبيع حاضر لباد قال لا يكون له سمسارا ( في باب أجر السمسار )

فائدتان لغويتان

الأولى في المشارق قوله لا يكون سمسارا أي دلالا وأصل السمسار القيم بالأمر الحافظ له ثم استعمل في متولي البيع والشراء لغيره قال ابن سيده وأصله فارسي وهي السمسرة وأنشد الجوهري في الصحاح للراجز [ من الرجز ]

قد وكلتني طلتي بالسمسره
وايقظتني لطلوع الزهره

قال وقال أبو عبيد السفسير بالفارسية السمسار قال النابغة [ من البسيط ]

وقارفت وهي لم تجرب وباع لها
من الفصافص بالنمي سفسير

706

وقال الأعلم النمي دراهم رصاص أو زيوف ونحوها

الثانية في المحكم الدلال الذي يجمع بين البيعين والاسم الدلالة والدلالة ما جعلته للدليل أو الدلال وقال ابن دريد الدلالة بالفتح حرفة الدلال

تنبيه

جعل الجاحظ سماسرة زمانه في كتابه الذي سماه ب المراتب والأخطار بعد آخر طبقة من طبقات المحترفين ختم بها كتابه فقال فيهم وأما السماسرة والدلالون وأصحاب النداء فقوم أجراء لا في عداد التجار ولا في من لهم الحرف والصناعات لا قيم لهم ولا أقدار ولم نسمع لهم ذكرا في أشعار انتهى


707
الباب الحادي عشر
في النساج

روى البخاري رحمه الله تعالى عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه قال جاءت امرأة ببردة ( قال أتدرون ما البردة فقيل له نعم هي الشملة منسوج في حاشيتها ) قالت يا رسول الله إني نسجت هذه بيدي أكسوكها فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجا إليها فخرج إلينا وإنها إزاره فقال رجل من القوم يا رسول الله اكسنيها فقال نعم فجلس رسول اله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله في المجلس ثم رجع فطواها ثم أرسل بها إليه فقال له القوم ما أحسنت سألتها إياه لقد عرفت أنه لا يرد سائلا فقال الرجل والله ما سألته إلا لتكون كفني يوم أموت قال سهيل فكانت كفنه

فوائد لغوية في أربع مسائل

الأولى في الصحاح نسج الثوب ينسجه وينسجه نسجا والصنعة نساجة والموضع منسج ومنسج والمنسج بكسر الميم الأداة التي يمد عليها الثوب لينسج وفي المحكم أصل النسج ضم الشيء إلى الشيء نسجت الريح التراب فانتسجت بعضه على بعض والورق والهشيم جمعت بعضه إلى بعض والماء ضربته فانتجت فيه طرائق ونسج الحائك الثوب من ذلك لأنه ضم السدى إلى اللحمة وهو النساج وحرفته النساجة

الثانية في المشارق البردة بضم الباء كساء مخطط وجمعه برد بضم الباء وفتح الراء وقيل هي الشملة والنمرة وقال أبو عبيد هو كساء مربع أسود فيه صغر وفسره في حديث البخاري هي الشملة منسوج في حاشيتها


708
والبرد بغير هاء ثوب من عصب اليمن ووشيه وجمعه برود بزيادة واو على جمع الأولى انتهى

الثالثة في الصحاح الكسوة والكسوة واحدة الكسا وكسوته ثوبا فاكتسى

الرابعة في الصحاح طويت الشيء طيا فانطوى والطية مثل الجلسة والركبة وفي المحكم الطي نقيض النشر وأنشد الجوهري لذي الرمة [ من البسيط ]

كما تنشر بعد الطية الكتب

709
الباب الثاني عشر
في الخياط

في المعارف لابن قتيبة كان عثمان بن طلحة الذي دفع إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة خياطا وذكره ابن دريد في الوشاح

تنبيه

قد تقدم ذكر عثمان بن طلحة رضي الله تعالى عنه في باب حاجب البيت بما أغنى عن إعادته هنا وبالله تعالى التوفيق

وروى البخاري رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن خياطا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه قال أنس فذهبت مع رسول الله A إلى ذلك الطعام فقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خبزا من شعير ومرقا فيه دباء وقديد فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء من حول الصحفة فلم أزل أحب الدباء من يومئذ

فوائد لغوية في خمس مسائل

الأولى في المحكم الخيط السلك والجمع أخياط وخيوط وخيوطة وخاط الثوب خيطا وخياطة والخياط والمخيط الإبرة وفي الصحاح والثوب مخيط ومخيوط وفي المحكم رجل خائط وخياط والخياطة صناعة الخائط

الثانية في المحكم المرق الذي يؤتدم به واحدته مرقة وفي الديوان بفتح الميم والراء وفي المحكم ومرق القدر يمرقها ويمرقها مرقا وأمرقها أكثر من مرقها


710

الثالثة في ديوان الأدب الدباء بضم الدال وتشديد الباء والمد القرع والواحدة دباءة قال امرؤ القيس يصف فرسا أنشده الأعلم في أشعار الستة [ من المتقارب ]

إذا أقبلت قلت دباءة
من الخضر مغموسة في الغدر

الرابعة في الصحاح القد الشق طولا يقال قددت السير وغيره أقده وفي المحكم القديد ما قطع من اللحم طوالا وفي المشارق بتخفيف الدال يقطع طوالا وييبس ويدخر

الخامسة في المشارق القصعة بفتح القاف الصحفة وزاد في الديوان تشبع العشرة وفي الصحاح والجمع قصع وقصاع


711
الباب الثالث عشر
في النجار

قد تقدم في باب الإمام في صلاة الفريضة عند ذكر المنبر الخلاف في اسم من صنعه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل صنعه غلام امرأة من الأنصار قال ابن بشكوال اسمه مينا قال ويقال صنعه بأقول مولى العاص بن أمية قال ويقال صنعه ميمون النجار قال وقيل صنعه صباح غلام العباس بن عبد المطلب وقال ابن فتحون إن الذي عمله غلام قبيصة المخزومي وقال ابن رشد عمله غلام لسعد بن عبادة وقيل لامرأة من الأنصار وقيل غلام للعباس قال فلعلهم كلهم اجتمعوا على عمله انتهى

وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى أهل الطائف بالمنجنيق وأن نفرا من أصحابه صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم زحفوا إلى جدار الطائف ليخرقوه تحت دبابة وأن ذلك المنجنيق أول منجنيق رمي به في الإسلام وأن تلك الدبابة أول دبابة صنعت في الإسلام

فائدة لغوية

في المحكم النجر نحت الخشبة نجرها ينجرها نجرا ونجارة العود ما انتحت منه عند النجر والنجار صاحب النجر وحرفته النجارة


712
الباب الرابع عشر
في ناحت الأقداح

ذكر ابن إسحاق رحمه الله تعالى في السير عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنه قال كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت فأسلم العباس واسلمت أم الفضل وأسلمت أنا وكان العباس يهاب قومه ويكره خلافهم فكان يكتم إسلامه وكان ذا مال كثير متفرق في قومه وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر فبعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة وكذلك [ كانوا ] صنعوا لم يتخلف رجل إلا بعث مكانه فلما جاء الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش كبته الله وأخزاه ووجدنا في أنفسنا قوة وعزا قال وكنت رجلا ضعيفا وكنت أعمل الأقداح أنحتها في حجرة زمزم فوالله إني لجالس فيها أنحت أقداحي وعندي أم الفضل جالسة وقد سرنا ما جاءنا من الخبر إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه حتى جلس على طنب الحجرة فكان ظهره إلى ظهري فبينما هو جالس إذ قال الناس هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم قال فقال أبو لهب هلم إلي فعندك لعمري الخبر قال فجلس إليه والناس قيام عليه فقال يا ابن أخير أخبرني كيف كان أمر الناس قال والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاءوا ويأسروننا كيف شاءوا وأيم الله مع ذلك ما لمت الناس لقينا رجال بيض على خيل بلق بين السماء والأرض والله ما تليق شيئا ولا يقوم لها شيء قال


713
أبو رافع فرفعت طنب الحجرة بيدي ثم قلت تلك والله الملائكة قال فرفع أبو لهب يده فضرب بها وجهي ضربة شديدة قال وثاورته فاحتملني فضرب بي الأرض ثم برك علي يضربني وكنت رجلا ضعيفا قال فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فضربته به ضربة فلغت في رأسه شجة منكرة وقالت استضعفته أن غاب عنه سيده فقام موليا ذليلا فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتله

تنبيه

قد تقدم ذكر أبي رافع في باب الثقل من هذا الكتاب

فوائد لغوية في خمس مسائل

الأولى في الصحاح كبت الله العدو أي صرفه واذله انتهى وفي الديوان كبته يكبته بفتح الباء في الماضي وكسرها في المستقبل

الثانية الجوهري القدح بالتحريك واحد الأقداح التي للشرب وفي الديوان القدح بفتح القاف والدال معا وفيه أيضا نحت الخشبة أي براها بفتح الحاء بنحتها بكسرها وقال ابن طريف نحت الخشبة نحتا سواها

الثالثة ابن طريف ما ألاق شيئا أي ما أبقاه وما ألاق السيف شيئا إلا قطعه كذلك

الرابعة ابن طريف فلغ رأسه بالحجر فلغا شقة

الخامسة في الديوان العدسة داء من الأدواء بفتح العين والدال وفي الصحاح العدسة بثرة تخرج بالإنسان وربما قتلت


714
الباب الخامس عشر
في الصواغ

ترجم البخاري رحمه الله تعالى في كتابة الجامع الصحيح باب ما قيل في الصواغ وخرج فيه عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال كانت لي شارف من نصيبي من المغنم وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعطاني شارفا من الخمس فلما أردت أن ابتني بفاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم واعدت رجلا صواغا من بني قينقاع أن يرتحل معي فنأتي بإذخر أردت أن أبيعه من الصواغين واستعين به في وليمة عرسي

وخرج فيه أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله حرم مكة ولم تحل لأحد قبلي ولا لأحد بعدي وإنما حلت لي ساعة من نهار لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها ولا تلتقط لقطتها إلا لمعرف وقال العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه إلا الإذخر لصاغتنا ولسقف بيوتنا فقال إلا الأذخر

تنبيه

يحتمل أن تكون الصياغة في أول الإسلام حرفة اليهود ولم يكن أحد من المسلمين يحترف بها فلينظر هذا

فائدتان لغويتان

الأولى في المحكم صاغ الشيء يصوعه صوغا وصياغة سبكه ورجل صائغ وصواغ وصياغ والصوغ ما صيغ

الثانية في المشارق بنو قينقاع شعب من يهود المدينة بكسر النون وفتحها وضمها


715
الباب السادس عشر
في الحداد
وفيه فصلان
الفصل الأول
في ذكر من كان حدادا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم

روى البخاري رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف القين وكان ظئرا لإبراهيم فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم فقبله وشمه

وقال أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب قال أنس في حديث موت إبراهيم قال فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وانطلقت معه فصادفنا أبا سيف ينفخ في كيره وقد امتلأ البيت دخانا فأسرعت في المشي بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم حتى انتهيت إلى أبي سيف فقلت يا أبا سيف أمسك جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمسك فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبي فضمه إليه وقال ما شاء الله ان يقول فلقد رأيته يكيد بنفسه قال فدمعت عينا النبي صلى الله عليه وسلم فقال تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

الأولى في الصحاح القين الحداد والجمع القيون ابن السكيت يقال للحداد ما كان قينا ولقد قان يقين قينا


716

الثانية في الصحاح قال أبو عمرو والكير كير الحداد وهو زق أو جلد غليظ ذو حافات فأما المبني من الطين فهو الكور

قلت الكير الذي هو الزق بكاف مكسورة بعدها الياء أخت الواو ساكنة وأنشد غير واحد لبشر بن أبي خازم في وصف فرس [ من الوافر ]

كان حفيف منخره إذا ما
كتمن الربو كير مستعار

والكور المبني من الطين بضم الكاف والواو ساكنة أيضا والكور بفتح الكاف والواو ساكنة إدارة العمامة على الرأس والكثير من الإبل والزيادة وأن يجمع القصار ثيابا كثيرة في ثوب كل ذلك من مثلث ابن السيد

الثالثة ابن طريف كاد بنفسه عند الموت إذا كان في السوق

الفصل الثاني
في ذكر نسب أبي سيف

قال ابن فتحون أبو سيف القين ظئر إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه البراء بن أوس وقد ذكره أبو عمر مسمى وهو بكنيته أشهر وقال أبو عمر البراء بن أوس بن خالد بن الجعد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار هو أبو إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاع لأن زوجته أم بردة أرضعته بلبنه


717
الباب السابع عشر
في البناء
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول
فيما بناه رسول الله صلى الله عليه وسلم

1 مسجد قباء

قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى في السير نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول على كلثوم بن الهدم أخي بني عمرو بن عوف ثم أحد بني عبيد وأقام بقباء في بني عمرو بن عوف يوم الأثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس وأسس مسجده ثم أخرجه الله تعالى من بين أظهرهم يوم الجمعة وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه مكث فيهم أكثر من ذلك فالله أعلم انتهى

وقال أبو القاسم السهيلي رحمه الله تعالى في الروض الأنف ذكر ابن أبي خيثمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسس مسجد قباء كان هو أول من وضع حجرا في قبلته ثم جاء أبو بكر بحجر فوضعه ثم جاء عمر بحجر فوضعه إلى حجر أبي بكر ثم أخذ الناس في البنيان انتهى

قلت فيتخرج من هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من بنى مسجدا في الإسلام

2 مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ومساكنه بدار بني النجار

روى ابن البخاري رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه


718
قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة نزل في علو المدينة في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف قال فأقام فيهم أربع عشرة ليلة ثم أرسل إلى ملأ بني النجار فجاءوا متقلدي سيوفهم وكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته وأبو بكر رضي الله تعالى عنه ردفه وملأ بني النجار حوله حتى ألقى بفناء أبي أيوب قال وكان يصلي حيث أدركته الصلاة ويصلي في مرابض الغنم قال ثم إنه أمر ببناء المسجد فأرسل إلى ملا بني النجار فجاءوا فقال يا بني النجار ثامنوني حائطكم هذا فقالوا لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله قال فكان فيه ما أقول لكم كانت فيه قبور المشكرين وكانت فيه خرب وكان فيه نخل فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت وبالخرب فسويت وبالنخل فقطع قال فصفوا النخل قبلة المسجد قال وجعلوا عضادتيه حجارة قالوا وجعلوا ينقلون ذلك الصخر وهم يرتجزون ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم ويقولون
اللهم لا خبر إلا الآخرة
فانصر الأنصار والمهاجرة

قال ابن إسحاق فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرغب المسلمين في العمل فعمل فيه المهاجرون والأنصار

قال وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيت أبي أيوب حتى بني له مسجده ومساكنه ثم انتقل إلى مساكنه من بيت أبي أيوب رضي الله تعالى عنه انتهى

تنبيه

حديث البخاري رحمه الله تعالى عن أنس يصحح ما كان يذكره بنو عمرو بن عوف من إقامة النبي صلى الله عليه وسلم فيهم أكثر من أربعة أيام حسبما ذكر ذلك ابن إسحاق انتهى


719

وذكر ابن جماعة رحمه الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ببناء المسجد فبني باللبن وجعلت عضادتاه بالحجارة وسواريه جذوع النخل وسقفه الجريد وجعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع وفي الجانبين الآخرين مثل ذلك فهو مربع ويقال كأن أقل من المائة وجعل الأساس قريبا من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة ثم بنوه باللبن ثم بني النبي صلى الله عليه وسلم مساكنه إلى جنب المسجد باللبن وسقفها بجذوع النخل والجريد انتهى

وقد تقدم في باب إمام صلاة الفريضة قول السهيلي في الروض الأنف أن بيوت النبي صلى الله عليه وسلم كانت تسعة بعضها من جريد مطين بالطين وسقفها جريد وبعضها من حجارة مرضومة بعضها على بعض مسقفة بالجريد أيضا وكان لكل بيت حجرة وكانت حجرة النبي صلى الله عليه وسلم أكسية من شعر مربوطة بخشب عرعر انتهى

الدكان لجلوسه صلى الله عليه وسلم

ذكر أبو محمد ابن حيان رحمه الله تعالى في كتاب أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة وأبي ذر رضي الله تعالى عنهما قالا كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس بين ظهراني أصحابه فيجيء الغريب ولا يدري أيهم هو حتى يسأل فطلبنا إليه أن يجعل له مجلسا يعرفه الغريب إذا أتاه فبنينا له دكانا من طين فكان يجلس عليه ونجلس بجانبيه

فوائد لغوية في ثمان مسائل

الأولى في المحكم البناء نقيض الهدم بناه بنيا وبناء وبنيانا وابتناه والبناء المبني والجمع أبنيه وأبنيات جمع الجمع والبناء مدبر البنيان وصانعه والبنية والبنية ما بنيته وفي الجامع البنية والبنية اسم الشيء


720
المبني والبنى بكسر الأول مقصود جمع بنية ومنهم من يضم أوله ويقصر أيضا فيكون هو البنى جمع بنية أيضا

الثانية في المعجم قباء بضم القاف ممدود من العرب من يذكره ويصرفه ومنهم من يؤنثه ولا يصرفه

الثالثة في الصحاح المكث الليث والانتظار وقد مكث ومكث والاسم المكث والمكث بضم الميم وكسرها وتمكث تلبث وصار متمكثا أي متلوما

الرابعة في المشارق قوله في موضع المسجد خرب ضبطوه بفتح الخاء وكسر الراء [ وبكسر الخاء وفتح الراء وكلاهما صحيح ] قال في المشرع الروي هو بقايا الأطلال والجدرات وفي الصحاح الخراب ضد العمارة وقد خرب الموضع بالكسر فهو خرب ودار خربة وأخربها صاحبها وخربوا بيوتهم شدد لفشو الفعل أو للمبالغة

الخامسة في الصحاح أعضاد كل شيء ما يشد عواليه من البناء وغيره كأعضاد الحوض وهي حجارة تنصب حول شفيره وكذلك عضادتا الباب وهما جنبتاه وفي المحكم عضادتا الباب ناحيتاه

السادسة الجوهري اللبنة يبنى بها والجمع لبن مثل كلمة وكلم قال الراجز [ من الرجز ]

ولا يزال قائل أبن أبن
دلوك عن حد الضروس واللبن

721

من العرب من يقول لبنة ولبن مثل لبدة ولبد ولبن الرجل تلبينا إذا اتخذه والملبن قالب اللبن

السابعة الجوهري الرضم والرضام صخور عظام يرضم بعضها فوق بعض في الأبنية الواحدة رضمة يقال رضم عليه الصخر يرضم بالكسر رضما ورضم فلان بيته بالحجارة والرضيم البناء بالصخر

الثامنة في الصحاح الدكة والدكان الذي يقعد عليه وقال الشاعر يصف ناقته [ من الوافر ]

فأبقى باطلي والجد منها
كدكان الدرابنة المطين

والدرابنة البوابون فارسي معرب قال وبعضهم يجعل نون الدكان أصلية وفي المحكم ودكن الدكان عمله

الفصل الثاني
في ذكر أول بناء كان في الإسلام

في كتاب نفحة الحدائق والخمائل في ذكر الابتداع والاختراع للأوائل أول بناء كان في الإسلام عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه انتهى وقد تقدم من نسبه وأخباره رضي الله تعالى عنه ما أغنى عن إعادته

الفصل الثالث
في الرجل يحسن الشيء من أعمال البناء فيوكل بعمله

قال أبو بكر ابن فتحون في كتاب ذيل الاستيعاب وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم قيس بن طلق الحنفي وهو صلى الله عليه وسلم يبنى


722
مسجده فشهده معه فوكله النبي صلى الله عليه وسلم بعمل الطين لأنه رآه محسنا فيه

فائدة لغوية

في المشارق وكل بلالا أن يوقظهم للصلاة رويناه بتخفيف الكاف وتشديدها أي استكفاه ذلك وكفله إياه وكذلك قوله وقد وكلهم بتسوية الصفوف


723
الباب الثامن عشر
في الدباغ

ذكر أبو بكر ابن دريد رحمه الله تعالى في كتاب الوشاح له في باب الصناعات ثم في باب من كان دباغا الحارث بن صبيرة وقال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في الاستيعاب أبو وداعة الحارث بن صبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم أسلم يوم الفتح هو وابنه انتهى

وضبطه الحافظ أبو علي الغساني رحمه الله تعالى في نسخته التي بخطه من الاستيعاب سعيد بن سعد جد أبي وداعة بضم السين وفتح العين على لفظ التصغير

فائدة لغوية

الجوهري دبغ فلان إهابه يدبغه دبغا ودباغة ودباغا فاندبغ والدباغ أيضا ما يدبغ به الجلد وكذلك الدبغ والدبغة بالكسر والدبغة بالفتح المرة الواحدة


724
الباب التاسع عشر
في الخواص

في الاستيعاب لابن عبد البر ذكر ابن وهب وابن نافع عن مالك رحمهم الله تعالى قال كان سلمان رضي الله تعالى عنه يعمل الخوص بيده فيعيش منه ولا يقبل من أحد شيئا وذكر معمر عن رجل من أصحابه قال دخل قوم على سلمان وهو أمير على المدائن وهو يعمل هذا الخوص فقيل له لم تعمل هذا وأنت أمير ويجرى عليك رزق فقال إني أحب أن آكل من عمل يدي

تنبيه

قد تقدم ذكر سلمان رضي الله تعالى عنه وأخباره في باب المفتي فأغنى ذلك عن الإعادة هنا

تكملة فائدة

تقدم في الباب المذكور أيضا أن الخوص ورق النخل الواحدة خوصة وقد أخوصت النخل ومعنى عمله هو صنع ما يصنع منه من قفاف وما أشبه ذلك


725
الباب الموفي عشرين
في الصياد في البر
وفي سبعة فصول
الفصل الأول
في ذكر من كان يتصيد بالكلاب

روى البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى والنص للبخاري عن عدي رضي الله تعالى عنه سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت إنا قوم نتصيد بهذه الكلاب فقال إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله فكل مما أمسكن عليك إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه وإن خالطها كلب من غيرها فلا تأكل انتهى

تنبيه

عدي هذا هو ابن حاتم الطائي رضي الله تعالى عنه وقد تقدم ذكره في باب عمال الزكاة من هذا الكتاب فأغنى ذلك عن إعادته هنا

الفصل الثاني
في ذكر من كان يتصيد بالبزاة

روى الترمذي رحمه الله تعالى عن عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال ما أمسك عليك فكل

قال أبو عيسى هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث مجالد عن الشعبي والعمل على هذا عند أهل العلم لا يروى بصيد البزاة والصقور بأسا


726

فائدة لغوية

في الجامع للقزاز البأز بالهمز هذا الطائر المعروف والجمع أبؤز ويقال باز مثل قاض والجمع بزاة مثل قضاة ويقال باز مثل نار والجمع بيزان مثل نيران وفي المحكم الباز لغة في البازي والجمع أبواز وبيزان وكان بعضهم يهمز الباز قال ابن جني هو مما همز من الألفات التي لا حظ لها في الهمز انتهى

وأنشد كشاجم في كتاب المصائد والطرائد [ من الوافر ]

لقيت بها بوازي صائدات
وطيرك في مكامنها لبود

فجمع البازي على بوازي

الفصل الثالث
في ذكر من صاد بالرمح

روى مسلم رحمه الله تعالى عن نافع مولى أبي قتادة عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان ببعض طريق مكة تخلف عن أصحاب له محرمين وهو غير محرم فرأى حمارا وحشيا فاستوى على فرسه فسأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا عليه فسألهم رمحه فأبوا عليه فأخذه ثم شد على الحمار فقتله فأكل منه بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأبى بعضهم فأدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عن ذلك فقال إنما هي طعمة أطعمكموها الله

وروى مسلم رحمه الله أيضا عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه رضي الله تعالى عنه أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم محرمون وأبو قتادة محل وساق الحديث وفيه فقال هل معكم منه شيء قالوا نعم رجله فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلها


727

نسب أبي قتادة رضي الله تعالى عنه وأخباره

قال أبو عمر أبن عبد البر رحمه الله تعالى في الاستيعاب الحارث بن ربعي بن بلدمة أبو قتادة الأنصاري السلمي من بني غنم بن كعب بن سلمة بن زيد بن جشم بن الخزرج هكذا يقول ابن شهاب وجماعة أهل الحديث أن اسم أبي قتادة الحارث بن ربعي وقال ابن إسحاق وأهله يقولون إن اسمه النعمان بن عمرو بن بلدمة قال أبو عمر يقولون بلدمة وبلدمة بالضم وبلذمة بالذال المنقوطة والضم أيضا يقال لأبي قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال خير فرساننا أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة بن الأكوع

وقال الشعبي كان بدريا ولم يذكره ابن عقبة ولا ابن إسحاق في البدريين وشهد أحدا وما بعدها من المشاهد كلها واختلف في وقت وفاته فقال الحسن بن عثمان مات أبو قتادة سنة أربعين وقيل مات بالمدينة سنة أربع وخمسين وقيل بل مات في خلافة علي رضي الله تعالى عنهما بالكوفة وهو ابن سبعين سنة وصلى عليه علي رضي الله تعالى عنه وكبر عليه سبعا قال أبو عمر شهد أبو قتادة رضي الله تعالى عنه مع علي رضي الله تعالى عنه مشاهده كلها في خلافته انتهى من الكلام على اسمه وعلى كنيته

تنبيه

قول رسول الله صلى الله عليه وسلم خير فرساننا أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة بن الأكوع كان ذلك يوم غزوة ذي قرد وهو يوم أغارت فيه بنو فزارة على سرح رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقال يوم الغابة أيضا وفي السير أن الذي أغار يومئذ عيينة بن حصن وفي صحيح مسلم أن الذي أغار عبد الرحمن الفزاري فغنموا ما وجدوه من لقاح وظهر فذهبوا به وتبعهم المسلمون وأبلى يومئذ أبو قتادة وسلمة بن الاكوع بلاء حسنا فقتل أبو قتادة فارسا منهم اسمه على ما ذكره أبو عمر ابن عبد البر مسعدة وعلى ما ثبت في صحيح مسلم عبد الرحمن


728
ورماهم سلمة بالنبل وتبعهم حتى لحقت به فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم وتدخلوا بينه وبين ما غنموا وألقوا أكثر من ثلاثين بردة وثلاثين رمحا يتخففون فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير فرساننا أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة بن الأكوع
فوائد لغوية في ثلاث مسائل

الأولى البلدمة لحم الصدر وهي أيضا الرجل الثقيل قاله ابن سيد في الاشتقاق وفي الصحاح بلدم الفرس ما اضطرب من حلقومه بالدال والذال جميعا انتهى

وهو بفتح الباء والدال عن الفارابي وقد تقدم ما حكاه أبو عمر ابن عبد البر من لغتي الفتح والضم فيه

الثانية ذو قرد في المشارق بفتح القاف والراء ماء على نحو يوم من المدينة مما يلي بلاد غطفان والغابة بالغين المعجمة والباء بواحدة مال من أموال عوالي المدينة قال القاضي وإنما كانت الغارة والسرح بالغابة قرب المدينة وإنما ذو قرد حيث انتهى المسلمون آخر النهار في طلب العدو وبه باتوا ومنه انصرفوا فسميت به الغزوة

وقال ابن جماعة في سيره وفي سنة ست من الهجرة كانت غزوة الغابة وهي ذو قرد قال ابن إسحاق في ذي القعدة

الثالثة قال الجوهري الراجل خلاف الفارس والجمع الرجالة

الفصل الرابع
في الصيد بالسهم

روى مسلم رحمه الله تعالى عن عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصيد قال إذا رميت سهمك


729
فاذكر اسم الله تعالى فإن وجدته قد قتل فكل إلا أن تجده قد وقع في ماء فإنك لا تدري الماء قتله أم سهمك
الفصل الخامس
في الصيد بالمعراض

روى مسلم رحمه الله تعالى عن عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المعراض فقال إذا أصاب بحده فكل وإذا أصاب بعرضه فقتل فإنه وقيذ فلا تأكل

فائدتان لغويتان

الأولى قال القاضي أبو الفضل عياض رحمه الله تعالى في المشارق المعراض خشبة محددة الطرف وقيل في طرفها حديدة يرمى بها الصيد وقيل سهم لا ريش له يرمى به عرضا إن أصاب بحده وطوله أكل لأنه جرح وقطع وما أصاب بعرضه لم يؤكل لأنه رض كما قال في الحديث فهو وقيذ

الثانية قال القاضي عياض في المشارق أيضا قوله صلى الله عليه وسلم فإنه وقيذ أي ميتة قيل دون ذكاة من قوله عز وجل والموقوذة وهي المقتولة بعصا او حجر أو ما لا حد له يقال وقذته إذا أثخنته ضربا

فائدة فقهية إذا أصاب المعراض بعرضه لا بحده ولم يقتل ولم ينفذ المقاتل ذكى وأكل بحكم الذكاة كالمصيد بالجوارح والرمح والسهم

الفصل السادس
في الصيد باليد

روى مسلم رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه مررنا فاستنفجنا أرنبا يمر الظهران فسعوا عليه فلغبوا قال فسعيت حتى أدركتها


730
فأتيت بها أبا طلحة رضي الله تعالى عنهما فذبحها فبعث بوركها وفخذيها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبلها

وروى القاضي أبو الفضل عياض رحمه الله تعالى في الشفا بسند بلغ فيه عائشة رضي الله تعالى عنها قالت كان عندنا داجن فإذا كان عندنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قر وثبت مكانه ولم يجئ ولم يذهب فإذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء وذهب

فوائد لغوية في أربع مسائل

الأولى في المشارق استنفجنا أرنبا وأنفجنا بالجيم أي أثرناها فنفجت أي وثبت

الثانية في المشارق في حرف الظاء المعجمة مر الظهران بفتح الميم وتشديد الراء وتصريفها بوجوه الإعراب وفتح الظاء وسكون الهاء والظهران مفردا دون مر هو على بريد من مكة

وقال ابن وضاح على أحد وعشرين ميلا وقيل على ستة عشر ميلا انتهى

الثالثة ابن طريف لغب بفتح الغين لغوبا أعيا ولغب بكسرها لغة فيه انتهى وفي ديوان الأدب لغب بفتح الغين يلغب بضمها ولغب بكسر الغين يلغب بفتحها

الرابعة قال الهروي دواجن البيوت ما ألفها من الطير والشاء وغير ذلك الواحد داجن وداجنة

قال في الديوان دجن يدجن دجونا بالفتح في الماضي والضم في المستقبل


731
الفصل السابع
في الصيد بالآلات

قال أبو محمد ابن عطية رحمه الله تعالى في قول الله عز وجل

يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم الظاهر أن الله عز وجل خص الأيدي بالذكر لأنها معظم التصرف في الاصطياد وفيها تدخل الحبالات وما عمل باليد من فخاخ وشباك انتهى

وقال أبو الفتح كشاجم رحمه الله تعالى في كتابه المصايد والطرائد في باب المكايد التي يتوصل بها إلى الصيد والآلات المتخذة لذلك الصيد على ضروب من الحيل وبآلات مختلفات فمنها الشباك الظاهرة والأشراك المستورة والفخاخ ومنها ما يدس في أماكن مفترقة تحت التراب من الحديد للبقر والحمير مما إذا تخطت فيه حصلت فيه ارجلها ولذعها فرمحت فيقطع عصبها حتى لا يكون بها حراك وإياه عني الشاعر بقوله [ من الطويل ]

فإن كنت لا أرمي الظباء فإنني
أدس لها تحت التراب الدواهيا

ومنها الزبى والأكر وهي الحفر

فوائد لغوية في ست مسائل

الأولى قول ابن عطية رحمه الله تعالى الحبالات هو جمع حبالة بكسر الحاء وتجمع أيضا على حبائل كرسالة ورسائل

الزبيدي الحبالة المصيدة وحبلت الصيد واحتبلته إذا أخذته


732
ابن طريف حبلت الصيد بفتح الباء صدته بالحبالة

الثانية الشباك جمع شبكة بفتح الشين والباء قال الفارابي وهي التي يصاد بها انتهى

الثالثة الأشراك جمع شركة بفتح الشين والراء قال الفارابي وهي التي يصاد بها انتهى وفي الصحاح الشرك بالتحريك حبالة الصيد الواحدة شركة

الرابعة في الصحاح الفخ المصيدة والجمع فخاخ وفخوخ

الخامسة قال الجوهري الزبية الرابية لا يعلوها الماء وفي المثل قد بلغ السيل الزبى والزبية الحفرة تحفر للأسد سميت بذلك لأنهم كانوا يحفرونها في موضع عال يقال تزبيت زبية انتهى وقال ابن سيده قد زباها وتزباها وأنشد [ من الرجز ]

فكان والأمر الذي قد كيدا
كاللذ تزبى زبية فاصطيادا

انتهى وزايها مضمومة قاله الفارابي

السادسة في الصحاح الأكرة بالضم الحفرة يقال تأكرت أكرا أي حفرت الحفر وفي المحكم أكر يأكر أكرا وتأكر حفر حفرة وأنشد العجاج [ من الرجز ]

من سهله ويتأكرن الأكر

ابن طريف أكر بفتح الكاف


733
الباب الحادي والعشرون
في الصياد في البحر
وفيه فصلان
الفصل الأول
في ما جاء في صيد البحر في كتاب الله تعالى

قال الله عز وجل أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وقال عز وجل وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية لتبسونها قال أبو محمد ابن عطية رحمه الله تعالى هذا حكم بتحليل صيد البحر وهو كل ما صيد من حيتانه والصيد هنا يراد به المصيد والبحر الماء الكثير ملحا كان أو عذبا وطعامه قال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما وجماعة من الصحابة والتابعين من بعدهم رضي الله تعالى عن جميعهم هو ما قذف به وطفا عليه لأن ذلك طعام لا صيد وهذا التأويل ينظر إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الطهور ماؤه الحل ميتته والماء الفرات الشديد العذوبة والأجاج الشديد الملوحة الذي يميل إلى المرارة من ملوحته قال الزجاجي هو من أججت النار كأنه يحرق من حرارته

الفصل الثاني
في ما صيد من البحر في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم

روى مسلم رحمه الله تعالى عن جابر رضي الله تعالى عنه قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرعلينا أبا عبيدة نتلقى عيرا لقريش وزودنا


734
جرابا من تمر لم يجد لنا غيره فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة قال فقلت كيف كنتم تصنعون بها قال نمصها كما يمص الصبي ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل وكنا نضرب بعضيان الخيط ثم نبله بالماء فنأكله قال وانطلقنا على ساحل البحر فرفع لنا على ساحل البحر كالكثيب الضخم فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر

قال قال أبو عبيدة ميتة ثم قال لا بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله وقد اضطررتم فكلوا قال فأقمنا عليها شهرا ونحن ثلاثمائة حتى سمنا ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينيه بالقلال الدهن ونقتطع منه الفدر كالثور او كقدر الثور فلقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في وقب عينه وأخذ ضلعا من أضلاعه فأقامها ثم رحل أعظم بعير معنا فمر تحتها وتزودنا من لحمه وشائق فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له فقال هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله

فوائد لغوية في عشر مسائل

الأولى في المشارق العير بكسر العين وهي القافلة والإبل والدواب التي تحمل الأحمال والطعام والتجارة ولا تسمى عيرا إلا إذا كانت كذلك

الثانية في المشارق الجراب وعاء من جلد كالمزود ونحوه بكسر الجيم عند الخليل وغيره وقال القزاز هو بفتحها قال القاضي وجمعه جرب بضم الجيم والراء

الثالث في الصحاح مصصت الشيء بالكسر أمصه مصا انتهى وقال ابن طريف في باب فعل بفتح العين مصصت الشيء ومصصته مصا شربته شربا رقيقا

الرابعة في المشارق الخبط بفتح الخاء والباء ورق السمر واختبط ضرب بالعصا ليسقط واختبطناه فعلنا ذلك به


735

الخامسة في المشارق الكثيب من الرمل شبه الربوة من التراب وجمعها كثب بالضم انتهى ويجمع أيضا على كبان قاله غير واحد

السادسة في المشارق وقب عينه بفتح الواو وسكون القاف حفرة العين في عظم الوجه

السابعة في المشارق والقلال جمع قلة وهي حب الماء سميت بذلك لأنها تقل بالأيدي أي ترفع

الثامنة في المشارق الفدر بكسر الفاء وفتح الدال هي القطع منه واحدتها فدرة وفي الديوان الفدرة بكسر الفاء القطعة من اللحم إذا كانت مجتمعة

التاسعة في المشارق رحلت البعير شددت عليه الرحل والرحل الرحالة وهي من مراكب الرجال وجمعها رحال

العاشرة في المشارق وشائق شرائح ميبسة كالقديد وقيل بل الذي أغلي إغلاءة ثم رفع


736
الباب الثاني والعشرون
في العامل في الحوائط

في صحيح مسلم رحمه الله تعالى قال ابن المسيب إن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه علنه قال يقولون إن أبا هريرة قد أكثر والله الموعد ويقولون ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثون بمثل أحاديثه وسأخبركم عن ذلك إن إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أرضيهم وإن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق وكنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني وأشهد إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما أيكم يبسط ثوبه فيأخذ من حديثي هذا ثم يجمعه إلى صدره فإنه لن ينسى شيئا سمعه فبسطت فبسطت بردة علي حتى فرغ من حديثه ثم جمعتها إلى صدري فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئا حدثني به ولولا آيتان أنزلهما الله عز وجل ما حدثت شيئا أبدا إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى إلى آخر الآيتين

فائدتان لغويتان

الأولى ابن طريف عمل بكسر الميم عملا يستعمل في كل شيء وفي المحكم العمل المهنة والفعل والجمع أعمال عمل عملا وأعمله واستعمله واعتمل عمل بنفسه أنشد سيبويه [ من الرجز ]


737
إن الكريم وأبيك يعتمل
إن لم يجد يوما على من يتكل
ويكتسي من بعدها ويكتحل

تنبيه

قول ابن سيده العمل المهنة يريد الخدمة قال الجوهري المهنة بالفتح الخدمة وحكى أبو زيد والكسائي المهنة بالكسر وأنكره الأصمعي

فيكون معنى قول أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عمل أرضيهم خدمة أرضيهم

الثانية في المحكم الأرض التي عليها الناس أنثى والجمع أراض وأروض وأرضون بفتح الراء وفي الصحاح والجمع أرضات والأراضي أيضا على غير قياس


738
الباب الثالث والعشرون
في السقاء الذي يحمل الماء على ظهره

قال أبو عمر في الاستيعاب أبو عقيل صاحب الصاع الذي لمزه المنافقون اسمه جثجاث

وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى الذين يلمزون المطوعين الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حض على الصدقة يوما فجاء عبد الرحمن بن عوف بنصف ماله أربعة آلاف درهم أو أربعمائة دينار وأتى عاصم بن عدي بمائة وسق تمر فلمزها المنافقون وقالوا هذا رياء فنزلت الآية الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم أبو عقيل جاء بصاع من تمر فقال ما لي غير صاعين نقلت فيهما الماء على ظهري حبست أحدهما لعيالي وجئت بالآخر فقال المنافقون إن الله لغني عن صاع هذا

فائدتان لغويتان

الأولى في ديوان الأدب الجثجاث نبت طيب الرائحة انتهى قلت ولم يذكره ابن سيد في كتابه في الاشتقاق ويحتمل أن يكون سمي بهذا النبت كما سمي حنظلة وأرطاة

الثانية في المشارق لمزه يلمزه بكسر الميم وضمها واللمز العيب والغض من الناس والهمز مثله قال الله تعالى ويل لكل همزة لمزة وقيل اللمز العيب في الوجه والهمز في الظهر وقيل كلاهما في الظهر كالغيبة وقيل إنما اللمز إذا كان بغير التصريح بإشارة الشفتين والعينين والرأس ونحوه


739
الباب الرابع والعشرون
في الحمل على الظهر

روى النسائي رحمه الله تعالى عن أبي مسعود رضي الله تعالى عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالصدقة فما يجد أحدنا شيئا يتصدق به حتى ينطلق إلى السوق فيحمل على ظهره فيجيء بالمد فيعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأعرف اليوم رجلا له مائة ألف لم يكن له يومئذ درهم

فائدة لغوية

في الإصلاح الحمل ما كان في بطن أو على رأس شجرة قلت يعني بالفتح والحمل بالكسر ما كان على ظهر أو رأس انتهى

وفي الصحاح ذكر ابن دريد أن حمل الشجر فيه لغتان الفتح والكسر وفي المحكم حمل الشيء يحمله حملا وحملانا فهو محمول والحمل ما حمل وجمعه أحمال والحمال حامل الأحمال وحرفته الحمالة وحملت المرأة تحمل حملا علقت وامرأة حامل وحاملة وجمع الحمل حمال

وفي الحديث

هذا الحمال لا حمال خيبر

يعني ثمر الجنة أنه لا ينفد انتهى

قلت وهذا كحبل وحبال ورحل ورحال


740
الباب الخامس والعشرون
في الحجام

1 أبو هند في السير لابن إسحاق رحمه الله تعالى ولقي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قفل من غزوة بدر أبو هند مولى فروة بن عمرو البياضي بحميت مملوء حيسا وقد كان تخلف عن بدر وشهد المشاهد كلها وهو كان حجام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أبو هند امرؤ من الأنصار فأنكحوه وانكحوا إليه ففعلوا

2 أبو طيبة روى مالك رحمه الله تعالى في الموطأ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم حجمه أبو طيبة فأمر له بصاع من تمر وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه

وفي الاستيعاب قيل اسم أبي هند عبد الله واسم أبي طيبة دينار وقيل نافع وقيل ميسرة انتهى

فوائد لغوية في أربع مسائل

الأولى في المحكم الحجم المص والحجام المصاص وقد حجم يحجم ويحجم حجما والمحجم والمحجمة ما يحتجم به وحرفته الحجامة واحتجم طلب الحجامة

الثانية في الصحاح الحميت الزق الذي لا شعر عليه وهو للسمن

الثالثة في المشارق الحيس خلط الأقط بالتمر


741
والسمن قال بعضهم وربما جعلت فيه خميرة وقال ابن وضاح هو التمر ينزع نواه ويخلط بالسويق والمعروف الأول والسويق هو القمح المقلو يطحن وربما ثري بالسمن

الرابعة في المشارق في حرف الطاء المهملة أبو طيبة بفتح الطاء بعدها ياء باثنتين تحتها ساكنة بعدها باء بواحدة مفتوحة حجام النبي صلى الله عليه وسلم


742
الباب السادس والعشرون
في اللحام وهو الجزار والقصاب أيضا

من صحيح البخاري رحمه الله تعالى باب ما قيل في اللحام والجزار بسنده عن أبي مسعود رضي الله تعالى عنه قال جاء رجل من الأنصار يكنى أبا شعيب فقال لغلام له قصاب اجعل لي طعاما يكفي خمسة فإني أريد أن أدعو النبي صلى الله عليه وسلم خامس خمسة فإني قد عرفت في وجهه الجوع فدعاهم فجاء معهم رجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن هذا قد تبعنا فإن شئت أن تأذن له وإن شئت أن يرجع رجع فقال لا بل أذنت له

وروى البخاري رحمه الله تعالى بسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عليا رضي الله تعالى عنه أخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يقوم على بدنه وأن يقسم بدنه كلها لحومها وجلودها وجلالها ولا يعطي في جزارتها شيئا

وروى النسائي رحمه الله تعالى بسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي رضي الله تعالى عنه قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه وأن أتصدق بلحومها وجلودها وأجلتها وألا أعطي أجر الجازر منها وقال نحن نعطيه من عندنا

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

الأولى في المحكم جزر الناقة يجزرها جزرا نحرها وقطعها والجزور


743
الناقة المجزورة والجمع جزائر وجزر وجزرات جمع الجمع كطرق وطرقات والجزار والجزير الذي يجزر الجزور وحرفته الجزارة والمجزر موضع الجزر والجزارة اليدان والرجلان والعنق لأنها لا تدخل في أنصباء الميسر وإنما يأخذها الجزار فخرج عن بناء العمالة وهي أجر العامل

الثانية العزيزي البدن جمع بدنة وهي ما جعل في الأضحى للنحر وللنذر وأشباه ذلك وقد تقدم تفسير ذلك

الثالثة في المحكم جل الدابة وجلها الذي تلبسه لتصان به الفتح عن ابن دريد قال وهي لغة تميمية معروفة والجمع جلال وأجلال وجلال كل شيء غطاؤه وفي المشارق جلال البدن وأجلتها وهي الثياب التي تلبسها


744
الباب السابع والعشرون
في الطباخ

في الشمائل للترمذي رحمه الله تعالى عن أبي عبيد رضي الله تعالى عنه قال طبخت للنبي صلى الله عليه وسلم قدرا وكان يعجبه الذراع فناولته الذراع ثم قال ناولني الذراع فناولته ثم قال ناولني الذراع فقلت يا رسول الله وكم للشاة من ذراع فقال والذي نفسي بيده لو سكت لناولتني الذراع ما دعوت انتهى

وخرج النسائي رحمه الله تعالى في كتاب الوليمة في سننه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال ذبحت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة قال ناولني الذراع فناولته الذراع قال ناولني الذراع فناولته الذراع قال ناولني الذراع قلت يا رسول الله إنما للشاة ذراعان قال لو التمسته وجدته انتهى

تنبيه

يحتمل أن يكون ما رواه هذان الإمامان قصتين وقعتا في وقتين مختلفين أو يكون من وهم الرواة فنسبها أحدهم لأبي عبيد ونسبها الآخر لأبي هريرة

وفي الاستيعاب لأبي عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى أبو عبيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقال خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أقف على اسمه من حديثه أنه كان يطبخ لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال له ناولني الذراع وكان يعجبه لحم الذراع الحديث

قلت قال أبو عمر رحمه الله تعالى الحديث ولم يكمله وفي هذا تقوية لرواية الترمذي رحمه الله تعالى


745
فائدتان لغويتان

الأولى في الصحاح طبخت القدر واللحم فانطبخ والموضع مطبخ وفي الديوان بفتح الباء في الماضي وضمها في المستقبل

الثانية في الصحاح ذراع اليد يذكر ويؤنث


746
الباب الثامن والعشرون
في الشواء

روى النسائي رحمه الله تعالى عن أبي رافع رضي الله تعالى عنه قال كنت أشوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم بطن الشاة وقد توضأ للصلاة فيأكل منه ثم يخرج إلى الصلاة ولا يتوضأ

فائدة لغوية

في الصحاح شويت اللحم شيا والاسم الشواء والقطعة منه شواة واشتويت اتخذت شواء وقد انشوى اللحم ولا تقل اشتوى وأشويت القوم أطعمتهم شواء

تنبيه

قد تقدم ذكر أبي رافع رضي الله تعالى عنه في باب صاحب الثقل بما أغنى عن الإعادة


747
الباب التاسع والعشرون
في الماشطة

قال ابن فتحون في الذيل أم زفر ماشطة خديجة أم المؤمنين وسيدة نساء العالمين رضي الله تعالى عنها كانت تأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك فيكرمها ويقول إنها كانت تأتينا أيام خديجة وقال ابن إسحاق رحمه الله تعالى في السير لما أعرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفية بنت حيي بن أخطب بخيبر أو ببعض الطريق كانت التي جملتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومشطتها وأصلحت من أمرها أم سليم بنت ملحان أم أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهم فبات بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة له انتهى

وفي الاستيعاب أم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار اختلف في اسمها فقيل سهلة وقيل رملة وقيل رميثة وقيل مليكة ويقال الغميصاء والرميصاء كانت تحت مالك بن النضر أبي أنس بن مالك في الجاهلية فولدت له أنس بن مالك فلما جاء الله بالإسلام أسلمت مع قومها وعرضت الإسلام على زوجها فغضب عليها وخرج إلى الشام فهلك هنالك ثم خلف عليها بعده أبو طلحة الأنصاري رضي الله تعالى عنه خطبها مشركا فلما علم أنه لا سبيل إليها إلا بالإسلام أسلم وتزوجها وحسن إسلامه فولد له منها غلام كان قد اعجب به فمات صغيرا فأسف عليه


748
ويقال إنه أبو عمير صاحب النغير ثم ولدت له عبد الله بن أبي طلحة فبورك فيه وهو والد إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الفقيه وإخوته كانوا عشرة كلهم حمل عنه العلم وروت أم سليم عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث وكانت من عقلاء النساء انتهى

فائدتان لغويتان

الأولى في الصحاح أعرس بأهله إذا بنى بها وكذلك إذا غشيها ولا تقل عرس والعامة تقوله والعروس نعت يستوي فيه الرجل والمرأة ما داما في إعراسهما يقال رجل عروس في رجال عرس وامرأة عروس في نساء عرائس والعرس بالكسر امرأة الرجل

الثانية في الصحاح امتشطت المرأة ومشطتها الماشطة تمشطها مشطا ولمة مشيط أي ممشوطة والمشطة نوع من المشط كالركبة والجلسة والمشط بالضم واحد الأمشاط


749
الباب الثلاثون
في القابلة

قال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في الاستيعاب عند ذكر إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الزبير عن أشياخه أن أم إبراهيم مارية ولدته بالعالية في المال الذي يقال له اليوم مشربة إبراهيم بالقف وكانت قابلتها سلمى مولاة النبي صلى الله عليه وسلم امرأة أبي رافع فبشر أبو رافع به النبي صلى الله عليه وسلم فوهب له عبدا

قال أبو عمر ولدته مارية القبطية في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة انتهى

وقال أبو عمر أيضا في الاستيعاب في كتاب النساء في باب سلمى خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي مولاة صفية بنت عبد المطلب يقال لها مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي امرة أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأم بنيه وسلمى هذه هي التي قبلت إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت قابلة بني فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي التي غسلت فاطمة رضي الله تعالى عنها مع زوجها علي ومع أسماء بنت عميس رضي الله تعالى عنهم وشهدت سلمى هذه خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

الأولى في الأفعال لابن طريف قبل الشيء على فعل بكسر الباء أخذه


750
وفي الغريبين في الحديث رأيت عقيلا يقبل غرب زمزم أي يتلقاها فيأخذها يقال قبلت الدلو أقبلها وفي المحكم والقابل الذي يقبل الدلو قال زهير من [ البسيط ]
وقابل يتغنى كلما قدرت
على العراقي يداه قابلا دفقا

وقبلت القابلة الولد قبالة كما يقبل المستقي الغرب وهي قابلة المراة وقبيلها قال الشاعر [ من الطويل ]

كصرخة سلمى أسلمتها قبيلها

الثانية في المشارق العالية وعوالي المدينة كل ما كان من جهة نجد من المدينة من قراها وعمائرها فهي العالية وما كان دون ذلك من جهة تهامة فهي السافلة والعوالي من المدينة على أربعة أميال وقيل ثلاثة هذا حد أدناها وأبعدها ثمانية أميال

الثالثة في المشارق القف بضم القاف واد من أودية المدينة عليه مال


751
الباب الحادي والثلاثون
في الخافضة
وفيه فصلان
الفصل الأول
في ذكر الخاتنة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم

في المنتقى لأبي الوليد الباجي رحمه الله تعالى روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأم عطية وكانت تخفض أشمي ولا تنهكي فإنه أسرى للوجه وأحظى عند الزوج

قال الشيخ أبو محمد في مختصره أكثر لماء الوجه ودمه وأحسن في جماعها

وفي الروض الأنف أول من ثقبت أذناها وأول من خفض من النساء هاجر ام إسماعيل على نبينا وعليه الصلاة والسام وذلك أن سارة غضبت فحلفت أن تقطع ثلاثة أعضاء من أعضائها فأمرها إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام أن تبر قسمها بثقب أذنيها وخفاضها فصارت سنة في النساء وقد ذكر هذا الخبر ابن أبي زيد في نوادره

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

الأولى في الغريبين الختان القطع من ذكر الغلام ونواة الجارية وفي


752
المحكم ختن الغلام والجارية يختنها ويختنها ختنا وأنشد ابن طريف للراجز
لتوية الخاتن أير المعذر

وللشاعر [ من الطويل ]

فإن تكن الموسى جرت فوق بظرها
فما ختنت إلا ومضان قاعد

الثانية في الغريبين في حديث أم عطية إذا خفضت فأشمى يقال للخاتن الخافض والختان والمعذر والعاذر وفي المحكم خفض الجارية يخفضها خفضا وهو كالختان للغلام وقيل خفض الصبي خفضا ختنه فاستعمل في الرجل والأعرف أن الخفض للمرأة والختان للصبي

الثالثة في الغريبين في حديث أم عطية أشمي ولا تنهكي قوله أشمي يقول لا تستقصي ولا تستأصلي وقوله لا تنهكي أي ولا تبالغي في إسحاته وفي المحكم النهك المبالغة في كل شيء وفي الديوان نهك بفتح الهاء وكسرها ينهك بفتحها وفي المحكم سحت الحجام الختان وأسحته استأصله

الفصل الثاني
في ذكر أم عطية رضي الله تعالى عنها

قال أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب أم عطية الأنصارية اسمها نسيبة بنت الحارث وقيل نسيبة بنت كعب قال أحمد بن زهير سمعت يحيى بن معين وأحمد بن حنبل يقولان أم عطية الأنصارية نسيبة بنت كعب قال أبو عمر وفي هذا نظر لأن أم عمارة نسيبة بنت كعب


753

قال أبو عمر تعد أم عطية في أهل البصرة وكانت رضي الله تعالى عنها من كبار نساء الصحابة وكانت تغزو كثيرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تمرض المرضى وتداوي الجرحى وشهدت غسل بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحكمت ذلك وأتقنت وحديثها أصل في غسل الميت ولها عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث انتهى

قلت ولم يذكر أبو عمر في الصحابيات أم عطية غير هذه ولم يستدرك ابن فتحون في الذيل أحدا فيحتمل أن تكون هي صاحبة حديث الخفاض والله أعلم


754
الباب الثاني والثلاثون
في المرضعة

قال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في الاستيعاب أم بردة بنت المنذر بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار هي التي أرضعت إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم دفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها ساعة وضعته أمه فلم تزل ترضعه حتى مات عندها قال وهي زوج البراء بن أوس بن خالد بن الجعد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار قال وهو أبو إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاع لأن زوجته أم بردة أرضعته بلبنه انتهى

قلت ويقال لها أيضا أم سيف ولزوجها أبو سيف قال أبو عمر عند ذكره إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم قال الزبير دفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أم سيف امرأة قين بالمدينة يقال له أبو سيف انتهى

وروى البخاري رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف وكان ظئرا لإبراهيم فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم فقبله وشمه انتهى

وقال ابن فتحون أبو سيف القين ظئر إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم واسمه البراء بن أوس وقد ذكره أبو عمر وهو بكنيته أشهر

قال وأم سيف ظئر إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم يقال لها أم بردة


755
وبه كناها أبو عمر في كتابه وقال الطبري هي خولة بنت المنذر بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار

قال ابن فتحون وهذه الكنية يعني أم سيف أشهر لها انتهى

فائدتان لغويتان

الأولى في الصحاح رضع الصبي أمه يرضعها رضاعا مثل سمع يسمع سماعا وأهل نجد يقولون رضع يرضع رضعا مثل ضرب يضرب ضربا وأرضعته أمه وامرأة مرضع أي لها ولد ترضعه فإن وصفتها بإرضاع الولد قلت مرضعة وفي المشارق إنما الرضاعة من المجاعة أي حرمتها في التحليل والتحريم في حال الصغر وجوع اللبن وتغذيته ويقال في هذا رضاعة ورضاعة ورضاع ورضاع وأنكر الأصمعي الكسر مع الهاء

الثانية في المشارق الظئر التي ترضع الصبي لغيرها وتربيه وقال الخليل الظئر يقع للمذكر والمؤنث وفي الصحاح الظئر مهموز والجمع ظؤار على فعال بالضم وظؤور وأظآر أبو زيد مظاءرة مظاءة إذا اتخذت ظئرا


756
الباب الثالث والثلاثون
في المغنين
وفيه خمسة فصول
الفصل الأول
في المغنين في الأعياد

روى مسلم رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت جاء حبش يزفنون في يوم عيد في المسجد فدعاني النبي صلى الله عليه وسلم فوضعت رأسي على منكبه فجعلت أنظر إلى لعبهم حتى كنت أنا التي أنصرف عن النظر إليهم

وروى مسلم رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تغنيان وتضربان بالدف ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى بثوبه فانتهرهما أبو بكر رضي الله تعالى عنه فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فقال دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد

وروى أيضا رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت دخل علي أبو بكر وجاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث قالت وليستا بمغنيتين فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك في يوم عيد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا انتهى

وفي طريق آخر لمسلم في هذا الحديث قال مزمار الشيطان عند


757
رسول الله صلى اله عليه وسلم وخرجه البخاري رحمه الله تعالى وفيه فقال مزمارة الشيطان عند النبي صلى الله عليه وسلم

فوائد لغوية في ست مسائل

الأولى قال ابن القوطية في كتابه في المقصور والممدود الغناء ما طرب له وقال أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى كل من رفع صوته بشيء ووالى به مرة بعد أخرى فهو غناء عند العرب وأكثره فيما شاق من صوت أو شجا من نغمة ولحن فلذلك قيل غنت الحمامة وتغنى الطائر قال المجنون [ من الطويل ]

ألا قاتل الله الحمامة غدوة
على الغصن ماذا هيجت حين غنت

وقال القالي في كتابه المقصور والممدود الغناء المسموع ممدود وأنشد الفراء [ من البسيط ]

تغن بالشعر إما كنت قائله
إن الغناء لهذا الشعر مضمار

وفي الصحاح الغناء بالكسر من السماع وفي المحكم وقد غنى به وبينهم أغنية يتغنون بها أي نوع من الغناء وفي المشارق قوله جاريتان تغنيان بما تقاولتا به الأنصار قال وليستا بمغنيتين الغناء الأول من الإنشاد والثاني من الصفة اللازمة أي ليستا ممن اتصف بهذا واتخذه صناعة إلا كما ينشد الجواري وغيرهن من الرجال في خلواتهم ويترنمون به من الأشعار في شؤونهم ويحتمل أن يكون ليستا بمغنيتين هذا الغناء المصنوع الخارج عن إنشاد العرب


758

الثانية في المشارق قوله في الحبشة يزفنون بفتح الياء أي يرقصون والزفن الرقص وهو لعبهم وقفزهم بحرابهم للمثاقفة وذهب أبو عبيد إلى أنه من الزفر بالدف والأول هو الصواب لأن ما ذكره لا يصح في المسجد وهذا من باب التدرب في الحرب وكان فيما قيل قبل تنزيه المساجد عن مثله

الثالثة في الصحاح الدف الذي يضرب به النساء بالضم وحكى أبو عبيدة عن بعضهم أن الفتح فيه ثابت لغة وفي الإكمال هو الدف العربي المدور بوجه واحد المسمى بالغربال انتهى وجمعه دفوف وقال محمد بن عمر بن محمد السبتي المعروف بالدراج في كتابه الذي سماه بالكافية والغناء في أحكام الغناء ويسميه الناس الطار وأنشد لابن حمديس الصقلي [ من المتقارب ]

وراقصة لقطت رجلها
حساب يد نقرت طارها
انتهى

قلت وهو المستعمل الآن عند المغنين في الأعراس في عصرنا هذا وفيه قطع من الصفر مستديرة مركبة في جوانب دوره يسمع لها عند تحريكه وقرع بعضها بعضا تصويت وجلجلة وقد كانت العرب تعمل في دفوفها جلاجل قال أبو النجم العجلي يصف فرسا أنشده أبو عبيدة في كتابه في الخيل [ من الراجز ]

راحوا ورحنا بشديد زجله
كأن في الصوت الذي يفصله
زمار دف ستغنى جلجله

وانشد الأصمعي في كتابه في الخيل أيضا للفرزدق يخاطب الحارث بن


759
عبد الله بن ربيعة المعروف بالقباع وكان أمر صاحب شرطته عباد بن حصين بهدم داره مرتين وكان عباد يلعب في الأعراص [ من الطويل ]
أحارث داري مرتين هدمتها
وأنت ابن أخت لا تخاف غوائله
أتحسب قلبي خارجا من حجابه
إذا دف عباد تغنت جلاجله

وقد ذكر ذلك الإمام أبو حامد الغزالي رضي الله تعالى عنه في كتاب آداب السماع من كتاب الإحياء عند ذكر الآلات التي يباح استعمالها في الغناء فعد فيها الدف قال وإن كان فيه الجلاجل

تنبيه

ولم أقف في شيء مما طالعته من الكتب ما أستدل به على الدفوف التي كانت الجواري يضربن بها في بيت النبي صلى الله عليه وسلم هل كان فيها جلاجل أم لا ولكن يحتمل إجازة أبي حامد استعمال ما فيه الجلاجل من الدفوف ثبوت استعمالها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك أباح استعمالها

الرابعة في المشارق قوله مسجى بثوبه هو المغطى بثوبه كله رأسه ورجلاه وقد تقدم

الخامسة في الإكمال يوم بعاث يوم معلوم كان بين الخزرج والأوس كان الظهور فيه للأوس وفي المشارق بضم أوله لا غير وعين مهملة كذا عند أكثر أهل اللغة والرواة وحكى أبو عبيدة عن الخليل فيه المعجمة وآخره ثاء مثلثة موضع على ليلتين من المدينة

السادسة في المشارق مزمور الشيطان بضم أوله بمعنى مزمار كما جاء في الحديث الآخر وأصله الصوت الحسن والزمر الغناء ومنه لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود أي صوتا حسنا انتهى


760
الفصل الثاني
في ذكر من غنى في وليمة النكاح

روى البخاري رحمه الله تعالى عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا عائشة ما كان معكم لهو فإن الأنصار يعجبهم اللهو انتهى

وروى النسائي رحمه الله تعالى عن جابر رضي الله تعالى عنه قال أنكحت عائشة رضي الله تعالى عنها ذات قرابة لها رجلا من الأنصار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أهديتم الفتاة ألا بعثتم معها من يقول [ من الهزج ]

أتيانكم أتيناكم
فحيانا وحياكم

وروى النسائي أيضا رحمه الله تعالى عن محمد بن حاطب رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فصل ما بين الحلال والحرام الدف في النكاح انتهى

وأخرجه الترمذي وقال هو حديث حسن وقال أبو محمد عبد الحق في الأحكام وغير الترمذي يقول صحيح

وقال الإمام أبو الفضل المقدسي في صفوة التصوف وألزم الدارقطني مسلما رحمهما الله تعالى إخراج أحاديث محمد بن حاطب رضي الله تعالى عنه

وروى النسائي أيضا عن عامر بن سعد قال دخلت على قرظة بن كعب وأبي مسعود الأنصاري في عرس وإذا حوار يتغنين فقلت أنتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بدر يفعل هذا عندكم قالا اجلس فإن شئت فاستمع معنا وإن شئت فاذهب فإنه قد رخص لنا في اللهو عند العرس


761

فوائد لغوية في أربع مسائل

الأولى ابن طريف زففت العروس بفتح الفاء إلى زوجها زفافا وأزفتها أهديتها

الثانية في الصحاح لهوت بالشيء ألهو لهوا إذا لعبت به وتلهيت به مثله

الثالثة ابن طريف هديت المرأة إلى زوجها هداء وأهديتها لغة ذكرها أبو زيد وأبو عبيدة

الرابعة ألا حرف تحضيض مثل هلا انتهى

الفصل الثالث
في ذكر من غنى عند تلقي النبي صلى الله عليه وسلم حين قدومه من السفر

ذكر أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى في كتاب آداب السماع من الإحياء قول الذين أباحوا الغناء وحججهم قال ويدل على هذا من النقل إنشادهم بالدف والألحان عند قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم [ من الرمل المجزوء ]

طلع البدر علينا
من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا
ما دعا لله داعي

وذكر المطرز في اليواقيت عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال لما قدم المصطفى صلى الله عليه وسلم المدينة استقبلته فتيات الأنصار بأيديهن الدفوف يضربن بها ويقلن

نحن جوار من بني النجار
يا حبذا محمد من جار

وروى الترمذي رحمه الله تعالى عن عبد الله بن بريدة قال سمعت بريدة يقول خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه فلما انصرف جاءته جارية سوداء فقالت يا رسول الله إني كنت نذرت إن ردك الله صالحا أن


762
أضرب بين يديك بالدف وأتغنى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كنت نذرت فاضربي وإلا فلا فجعلت تضرب فدخل أبو بكر رضي الله تعالى عنه وهي تضرب ثم دخل علي وهي تضرب ثم دخل عثمان وهي تضرب ثم دخل عمر رضي الله تعالى عنهم فألقت الدف تحت استها فقعدت عليه فقال رسو الله صلى الله عليه وسلم إن الشيطان ليخاف منك يا عمر إني كنت جالسا وهي تضرب فدخل أبو بكر وهي تضرب ثم دخل علي وهي تضرب ثم دخل عثمان وهي تضرب فلما دخلت أنت يا عمر ألقت الدف قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح [ غريب ]

فوائد لغوية في أربع مسائل

الأولى في الصحاح اللحن واحد الألحان واللحون وقد لحن في قراءته إذا طرب فيها وغرد قال والتطريب في الصوت مده وتحسينه قال والتغريد التطريب في الصوت والغناء

الثانية في المشارق ثنية الوداع موضع بالمدينة على غير طريق مكة سمي بذلك لأن الخارج منها يودعه فيه مشيعه وقيل بل لوداع النبي صلى الله عليه وسلم فيه بعض المسلمين المقيمين بالمدينة في بعض خرجاته وقيل ودع فيه صلى الله عليه وسلم بعض أمراء سراياه وقيل الوداع واد بمكة قاله المظفر في كتابه وحكى أن إماء أهل مكة قلنه في رجوعهن عند لقاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح خلاف ما قاله غيره من أن نساء أهل المدينة قلنه عند دخول المدينة والأول أصح لذكر نساء الأنصار ذلك مقدم النبي صلى الله عليه وسلم فدل على أنه اسم قديم لها وبينها وبين الحفياء ستة أميال أو سبعة عند ابن عقبة وخمسة أو ستة عند سفيان

الثالثة في المحكم الثنية الطريقة في الجبل كالنقب وقيل الطريقة إلى الجبل وقيل هي العقبة وقيل هي الجبل نفسه


763

الرابعة المطرز في اليواقيت الجارية الحديثة السن من الفتيات وفي المحكم الجارية الفتية من النساء بينة الجراية والجراية والجراء والجراء

الفصل الرابع
في ذكر من غنى قوما اجتمعوا عند صاحب لهم وسمع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فأقرهم عليه ولم ينكره عليهم

ذكر أبو عمر ابن عبد ربه في العقد حديث عبد الله بن أبي أويس ابن عم مالك رحمه الله تعالى قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بجارية في ظل فارع وهي تغني وتقول [ من المقتضب ]

هل علي ويحكما
إن لهوت من حرج

فقال صلى الله عليه وسلم لا حرج إن شاء الله قال أبو عمر كان عبد الله من أفضل رجال الزهري انتهى

وروى أبو الفرج الأصبهاني هذا الخبر بأتم من هذا في كتاب آداب السماع فقال حدثنا عبد الله بن شبيب أبو سعيد قال حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني أبي عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحسان بن ثابت وهو بفناء أطمه فارع ومعه سماطان من أصحابه وجاريته تغنيهم فانتهى إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول

هلي علي ويحكما
إن لهوت من حرج

فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لا حرج

وذكر الإمام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري رحمه الله تعالى هذا البيت في رسالته وزاد معه بيتين وقال إن رجلا أنشد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم [ من المقتضب ]


764
أقبلت فلاح لها
عارضان كالسبج
أدبرت فقلت لها
والفؤاد في وهج
هل علي ويحكما
إن لهوت من حرج

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا انتهى

فوائد لغوية في سبع مسائل

الأولى فارع اسم أطم حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه سمي بذلك لعلوه وارتفاعه والأطم بضم الهمزة والطاء معا الحصن قاله الفارابي

الثانية اللهو قد تقدم معناه في الفصل الثاني من هذا الباب

الثالثة في الصحاح الحرج الإثم ومكان حرج وحرج أي ضيق كالدنف والدنف بمعنى واحد

الرابعة في جامع اللغات أنشدت الشعر إنشادا والنشيد الشعر وفي المحكم فعيل بمعنى مفعل وهم يتناشدون ينشد بعضهم بعضا وفي الصحاح استنشدت فلانا شعره فأنشدنيه

ا لخامسة في المخصص و المحكم العارضان شقا الفم وقيل هما الخدان وقيل جانبا اللحية وفي الصحاح وقولهم فلان خفيف العارضين يراد به خفة شعر عارضيه

السادسة وفي الصحاح السبج هو الخرز الأسود فارسي معرب

السابعة في الصحاح العشق فرط الحب وقد عشقه عشقا مثل علمه علما والتعشق تكلف العشق قال الفراء يقولون امرأة محب لزوجها وعاشق

تنبيه في توجيه هذا التشبيه

وله وجهان الوجه الأول أن يكون أراد عارضي نفسه وأن المرأة لما رأت


765
سوادهما استقبحته وشنئته فأدبرت وقد أوضح هذا المعنى وشرحه أبو الحسين بن يلمش التركي أحد شعراء الخريدة فقال [ من الخفيف ]
قالت أسود عارضاك بشعر
وبه تقبح الوجوه الحسان
قلت أضرمت في فؤادي نارا
فعلى عارضي منه دخان

وبين أبو تمام حبيب بن أوس الطائي العلة في ذلك بقوله [ من الكامل ]

أحلى الرجال من النساء مواقعا
من كان أشبههم بهن خدودا

والوجه الثاني أن يكون أراد ما أرسلته هذه المرأة على عارضيها من شعر صدغيها فذكر العارضين وإنما يريد ما عليهما من شعر كما قالوا فلان خفيف العارضين وإنما يريدون خفيف ما عليهما من الشعر ووصف ما يرسله النساء من شعر أصداغهن على عوارضهن بالسواد أمر معروف ومسلك مألوف ولذلك تشبهه الشعراء بالسبج والعقارب فمما جاء في تشبيهه بالسبج قول يوسف بن هارون الرمادي من شعراء الفرائد في التشبيهات تأليف الكاتب علي بن محمد بن أبي الحسين الأصبحي الأندلسي وذكر العارضين والصدغين فصرح وأوضح [ من البسيط ]

وجه كلعبة عاج صورت فجرى
على عوارضها صدغان من سبج

وأعاد هذا المعنى فأحسن وذكر الخدين عوض العارضين فقال [ من الوافر ]

أجل عينيك في خد رقيق
تجل عينيك في روض أنيق
ترى صدغين في سبج نفيس
مجالهما على خدي عقيق

766
وقول بعض شعراء الأندلس أنشدهما الكاتب أبو بكر الصابوني في كتابه مسامرة الأمراء ولم يسمه [ من الكامل ]
في خدها ماء الشبيبة جائل
مترقرق في وجنة من نور
وكأن صدغيها على صفحاتها
نونان من سبج على بلور

وأشار بتشبيههما بالنونين إلى تعقيفهما وقد يفعل ذلك فيهما كثيرا

وقول القاضي يحيى بن صاعد بن يسار من شعراء الحريدة [ من الطويل ]

ولما التقى الياقوت والدر والسبج
من الخد والأسنان والصدغ ذي العوج
أتاح لها الباري زمرد عينها
فتم به عقد الملاحة وازدوج

وقد أشار بوصفهما بالعوج إلى تعقيفهما كما أشار إليه الذي قبله حسبما نبهت عليه وإنما جعل عينها من الزمرد لأنها كانت زرقاء وقد صرح بذلك في قوله ايضا بمدح الزرقة في العينين [ من الكامل ]

ما شانها والله زرقة عينها
بل صار ذاك زيادة في زينها
كادت أساود شعرها تسطو على
عشاقها لولا زمرد عينها

واشار هنا إلى قول أصحاب الخواص إنا الحية إذا نظرت إلى الزمرد الفائق انفقأت عيناها

ومما جاء من تشبيهها بالعقارب قول أبي حفص عمر بن إبراهيم التجاني أنشدهما الفقيه أبو محمد عبد المهيمن الحضرمي في الاستعارات [ من الكامل ]

أخذت لآرام الفلاة نفورها
وخصورها والطول من أعناقها
ويود قلبي لدغ عقرب صدغها
علما بأن الريق من درياقها

767

وقول الطغرائي من شعراء الخريدة [ من الطويل ]

وغناية لم تبق من جسدي سوى
ذماء ولا يبقى الذماء لما أرى
على وجنتيها عقربان 2 تقابلا
وفي مقلتيها ساحران تظاهرا

وقول ابن جاح أنشده أبو الحسن علي بن أحمد الحراني في كتابه بغية الأديب وأحسن ما شاء رحمه الله تعالى [ من المتقارب ]

ولما التقينا غداة النوى
وقد أسقط البين ما في يدي
رأيت الهوادج فيها البدور
عليها براقع من عسجد
وتحت البراقع مقلوبها
تدب على ورد خد ندي
تسالم من وطئت خده
وتلدغ خد الشجي الأبعد
وتحمي عن الورد أن يجتنى
فقد أمن الورد من معتدي

وهذا البيت الخامس زاده ابن عبد الملك في صلته معها زيادة في الإفادة ووقع في الابيات المستشهد بها على تشبيه الأصداغ بالسبج والعقارب كلمات وجب التنبيه على ضبط ما فيها وشرح معانيها وهي أربع

الأولى في البلور لغتان فتح الباء وضم اللام المشددة بعدها واو مجتلبة على وزن خروب وكسر الباء وفتح اللام مشددة أيضا وبعدها واو ساكنة على وزن سنور قاله ابن ظفر في شرح المقامات والفارابي في الديوان قال وهو حجر معروف

الثانية في جامع اللغات والزمرد بفتح الراء وإعجام الذال هو الجوهر الأخضر وفي الصحاح الزمرذ بالضم والذال المعجمة الزبرجد وهو معرب والراء مضمومة مشددة


768

الثالثة الجوهري الذماء ممدود بقية الروح في المذبوح وذاله معجمة وقال الزبيدي الذماء حشاشة النفس

قول ابن جاخ وتحت البراقع مقلوبها يريد عقارب مقلوب براقع انتهى

الفصل الخامس
في ذكر قينة غنت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إذنه لتسمع عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها غناءها

روى النسائي رحمه الله تعالى عن السائب بن يزيد رضي الله تعالى عنه أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا عائشة تعرفين هذه فقالت لا يا نبي الله قال هذه قينة بني فلان تحبين أن تغنيك فغنتها

فائدة لغوية

قال القاضي أبو الفضل عياض في المشارق القينة المغنية والقينة الأمة أيضا

وفي الصحاح القينة الأمة مغنية كانت أو غير مغنية والجمع القيان قال زهير [ من البسيط ]

رد القيان جمال الحي فاحتملوا
إلى الظهيرة أمر بينهم لبك

769
الباب الرابع والثلاثون
في الحفار للقبور

ذكر ابن إسحاق رحمه الله تعالى في السير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو عبيدة ابن الجراح يضرح لحفر أهل مكة وكان أبو طلحة زيد بن سهل هو الذي كان يحفر لأهل المدينة فكان يلحد فدعا العباس رضي الله تعالى عنه رجلين فقال لأحدهما اذهب إلى أبي عبيدة ابن الجراح وقال للآخر اذهب إلى أبي طلحة اللهم اختر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة فجاء به فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى

تنبيه

قد تقدم التعريف بأبي عبيدة ابن الجراح وأما أبو طلحة هذا رضي الله تعالى عنه فقال أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار أبو طلحة الأنصاري النجاري وهو مشهور بكنيته شهد العقبة ثم شهد بدرا وما بعدها من المشاهد وهو القائل [ من الرجز ]

أنا أبو طلحة واسمي زيد
وكل يوم في سلاحي صيد

وابو طلحة هذا هو ربيب أنس بن مالك خلف بعد أبيه مالك بن النضر على أمه أم سليم بنت ملحان وعن أنس أن أبا طلحة رضي الله تعالى عنهما قرأ سورة براءة فأتى على قوله عز وجل انفروا خفافا وثقالا قال لا أرى ربنا إلا يستنفرنا شبابا وشيوخا يا بني جهزوني جهزوني فقالوا له يرحمك الله قد غزوت مع


770
رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات ومع أبي بكر حتى مات ومع عمر حتى مات فقال بل جهزوني فغزا في البحر فمات في البحر فلم يجدوا جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام فدفنوه بها وهو لم يتغير وكان من الرماة المذكورين من الصحابة رضي الله تعالى عن الجميع

وعن أنس بن مالك قال كان أبو طلحة يجثو بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول نفسي لنفسك الفداء ووجهي لوجهك الوقاء ثم ينثر كنانته بين يديه فقال النبي صلى الله عليه وسلم صوت أبي طلحة في الجيش خير من فئة وعن أنس أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم حنين من قتل كافرا فله سلبه فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم

واختلف في وقت وفاته فقيل سنة إحدى وثلاثين وقيل سنة أربع وثلاثين وهو ابن سبعين سنة وصلى عليه عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهم وقال المدائني مات أبو طلحة سنة إحدى وخمسين انتهى مختصرا من ترجمة اسمه وترجمة كنيته

تنبيه

قد تقدم قول أنس إنه توفي رضي الله تعالى عنه في البحر وهذا خلاف قول من قال إنه لما توفي صلى عيه عثمان رضي الله تعالى عنه

فوائد لغوية في أربع مسائل

في الصحاح حفرت الأرض واحتفرتها والحفير القبر وفي الديوان حفرت بفتح الماضي وكسر المستقبل وفي المحكم القبر مدفن الإنسان وجمعه قبور وفي الصحاح قبرت الميت أقبره وأقبره قبرا أي دفنته وأقبرته أي أمرت بأن يقبر وقال ابن السكيت أقبرته أي صيرت له قبرا يدفن فيه والمقبرة والمقبرة بضم الباء وفتحها واحد المقابر والضرح


771
الشق في وسط القبر واللحد في الجانب واللحد بالضم لغة فيه وقد ضرحت ضرحا إذا حفرته وفي المحكم ضرح للميت يضرح له ضرحا حفر له ضريحا ولحد القبر يلحده لحدا وألحده عمل له لحدا والجمع ألحاد ولحود وكذلك لحد الميت وألحده ولحد له وألحد له

الثانية قوله وأبو طلحة هذا هو ربيب أنس بن مالك خلف بعد أبيه مالك بن النضر على أمه أم سليم بنت ملحان فجعل زوج الأم ربيب ولدها من غيره والصواب إن شاء الله تعالى راب أنس بن مالك وفي الغريبين في حديث مجاهد كان يكره أن يتزوج الرجل زوجة رابه قال أبو عبيد هو زوج الأم وهو الذي تسميه العامة الربيب وإنما الربيب ابن امرأة الرجل فهو ربيب لزوجها وزوجها الراب وإنما قيل له راب لأنه يربه ويربيه بالغذاء والتربية وابن المرأة هو المربوب فلهذا قيل له ربيب كما قيل قتيل وجريح انتهى وفي ديوان الأدب للفارابي الراب زوج الأم والربيب ابن امرأة الرجل وأنشد هو والهروي لمعن بن أوس المزني قال الهروي يصف ضيعة [ من الطويل ]

فإن لها جارين لن يغدرا بها
ربيب النبي وابن خير الخلائق

قال الفارابي يريد عمر بن أبي سلمة وعاصم بن عمر بن الخطاب قال الهروي وغير واحد كان عمر بن أبي سلمة ربيب النبي صلى الله عليه وسلم

الثالثة ابن طريف جثا جثوا وجثوا توكأ على ركبتيه وفي الصحاح جثا على ركبتيه يجثو ويجثي ويجثى جثوا وجثيا على فعول فيهما وأجثاه غيره وقوم جثي أيضا مثل جلس جلوسا وقوم جلوس وتجاثوا على الركب

الرابعة قال ابن سيده نثل كنانته نثلا استخرج ما فيها من النبل انتهى


772
وروي غيره نثر الرجل كنانته إذا ألقى جميع ما فيها ليسهل عليه أخذ السهام وقت الرمي أو ليتخير فيها أجودها ليرمي به قال الراجز
بصرت ثم جامعا قد هرا
ونثر الجعبة وازمهرا
وكان مثل النار أو أحرا

ولا أذكر الآن من أين حفظته


773
الجزء العاشر
وبه كما التأليف في معنى الحرفة والعمالة والصناعة والنهي عن استعمال غير المسلمين من الكفار من أهل الكتاب وغيرهم وعن الاستعانة بهم وفي ما جاء في أرزاق العمال وذكر الكتب التي استخرج منها ما تضمن هذا الكتاب وفيه أربعة فصول
774

775
الباب الأول
في معنى الحرفة والصناعة والعمالة
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول
في الحرفة

في المحكم حرف لأهله يحرف كسب وطلب واحتال والاسم الحرفة وفي الصحاح والحرفة بالكسر وقال الأصمعي هو يحرف لعياله يكسب من ها هنا وها هنا مثل يغرف وفي المحكم الاحتراف الاكتساب أيا كان وفي الصحاح المحترف الصانع وفي المحكم حرفة الرجل ضيعته أو صنعته وفي الصحاح أحرف الرجل فهو محرف إذا نمى ماله وصلح يقال جاء بالحلق والإحراف إذا جاء بالمال الكثير وفلان حريفي أي معاملي وفي جامع القزاز حارفت فلانا إذا بايعته وفلان حريف فلان إذا كان لا يبايع غيره وهو فعيل بمعنى مفاعل

فوائد لغوية في ثلاث مسائل

الأولى قول الأصمعي يحرف مثل يغرف يعني بكسر الراء قال الفارابي في باب فعل بفتح العين يفعل بكسرها غرف الماء يغرفه


776

الثانية الحلق بكسر الحاء وسكون اللام المال الكثير قاله الفارابي

الثالثة قول القزاز في الحريف هو فعيل بمعنى مفاعل يريد بكسر الراء أما المحارف بفتحها فهو المحروم قال الجوهري رجل محارف بفتح الراء محروم محدود منقوص الحظ لا ينمو له مال وقد حرف فلان إذا شدد عليه في معاشه كأنه ميل برزقه عنه حرفت الشيء عن وجهه ومالي عنه منحرف ومالي عنه مصرف أي متنحى والحرف بالضم الاسم من قولك رجل محارف وكذلك الحرفة بالكسر

تنبيه

فالحرفة على هذا من الأضداد تكون الاكتساب وتكون الحرمان

الفصل الثاني
في الصناعة

الجوهري الصناعة حرفة الصانع وعمله الصنعة ابن سيده صنعه يصنعه فهو مصنوع وصنيع عمله انتهى والصنيع ها هنا فعيل بمعنى مفعول أي مصنوع القزاز صنعت الشيء أصنعه صنعا وصنعا والصانع عامل الشيء والصناعة حرفته وجمع صانع صناع الجوهري ورجل صنيع اليدين وصنع اليدين أيضا بكسر الصاد أي صانع حاذق كذلك صنع اليدين بالتحريك وامرأة صناع اليدين أي حاذقة ماهرة بعمل اليدين وامرأتان صناعتان ونسوة صنع مثل قذال وقذل انتهى والصنيع ها هنا في قول الجوهري فعيل بمعنى فاعل أي صانع ابن سيده رجل صناع اليد وامرأة صناع اليد ويفرد في المرأة من نسوة صنع الأيدي وفي المثل لا تعدم صناع ثلة الثلة الصوف والشعر والوبر ولا يفرد صناع اليد في المذكر انتهى يريد أنه يقال امرأة صناع


777
فيفرد ولا يضاف إلى اليد ولا يقال رجل صناع فيفرد ولا يضاف إلى اليد وشاهد إفراد صناع في المؤنث قول حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه [ من الطويل ]
صناع بإشفاها

أنشده ابن إسحاق في السير

الفصل الثالث
في العمالة وما في معناها وفيه أربع مسائل

المسألة الأولى في العمالة العمالة بفتح العين والعمل بفتح الميم مصدران من عمل الشيء بكسرها من المصادر الشاذة عن القياس وهما بمعنى الولاية والإمارة والخطة فأما العمل فقد نص عليه غير واحد من النحويين واللغويين وأما العمالة فلم أقف عليها في شيء مما طالعته من كتبهم لكنها مشهورة ومستعملة في كلام الناس

وقد قال القاضي أبو الفضل عياض رحمه الله تعالى في المشارق وقوله بقدر عمالته كذا وقع للأصيلي في البخاري بضم العين ولغيره عمالته بفتحها وهو أصوب هنا وأوجه لأنه هنا العمل وبالضم إنما هي ما يأخذ العامل على عمله انتهى كلام القاضي وكفى بما نقله هذا الإمام حجة في هذا رحمه الله تعالى وقد جاءت لها نظائر قالوا سئمت الشيء أسأمه سأما وسآمة ومللته أمله مللا وملالة ذكرها الجوهري وفي المحكم عمل فلان على القوم أمر والعملة حالة العمل وفي الصحاح التعميل تولية العمل يقال عملت فلانا على البصرة وفي الفصيح استعمل على الشام وما أخذ إخذه وفي الصحاح عملت العامل أعطيته عمالته


778

وفي المشارق قوله في الحديث فعملني وعملنا مشدد الميم جعل لنا عمالة على عملنا قال الفارابي هي رزق العامل

المسألة الثانية في المحكم ولي الشيء وولي عليه ولاية قال الفارابي هما لغتان قال ابن سيده وقيل الولاية الخطة كالإمارة والولاية المصدر وقد أوليته الأمر وليته إياه وفي الصحاح أوليته الشيء فوليه وكذلك ولي الوالي البلد ولاية وتولى العمل أي تقلده قال سيبويه الولاية بالفتح المصدر والولاية بالكسر الاسم مثل الإمارة والنقابة لأنه اسم لما توليته وقمت به فإذا أرادوا المصدر فتحوا

المسألة الثالثة في المحكم الأمر نقيض النهي وأمره به وآمره الأخيرة عن كراع يأمره أمرا وإمارا والأمير الآمر والأمير الملك لنفاذ أمره بين الإمارة والإمارة والجمع أمراء وأمر علينا يأمر أمرا وأمر وأمر كولي وأنشد

قد أمر المهلب

وفي الصحاح والتامير تولية الإمارة يقال هو أمير مؤمر وتأمر عليهم [ أي تسلط ] وفي المحكم أمير مؤمر مملك وأولو الأمر الرؤساء وأهل العلم وفي الصحاح آمزته في أمري مؤمرة أي شاورته والعامة تقول وأمرته وقال القزاز تقول العرب لك علي امرة مطاعة معناه لك أمرة وأطيعك فيها أو هي المرة الواحدة من الأمر ولا تقل إمرة بالكسر لأن الإمرة من الولاية وائتمر الأمر أي امتثله وجمع الأمر أوامر

المسألة الرابعة في المثلث لابن السيد الخطة بضم الخاء المنزلة والمرتبة ينزلها الرجل قال زهير [ من البسيط ]

هذا وليس كمن يعيا بخطته
وسط الندي إذا ما ناطق نطقا

ومن الشائع المستعمل عند الناس قد ولي فلان خطة كذا كالوزارة والقضاء وما أشبه ذلك وقد تقدم قول ابن سيده في المسألة الثانية من هذا الفصل الولاية الخطة انتهى


779
الباب الثاني
في النهي عن استعمال غير المسلمين من الكفار من أهل الكتاب وغيرهم وعن الاستعانة بهم وفيه فصلان
الفصل الأول
في ما جاء من ذلك في كتاب الله عز وجل

فمن ذلك قول الله عز وجل لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء قال ابن العربي في الأحكام هذا عموم في أن المؤمن لا يتخذ الكافر وليا في نصرة على عدو ولا أمانة وقد نهى عمر بن الخطاب أبا موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهما عن ذمي كان استكتبه وأمره بعزله

وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا قال ابن العربي في الأحكام أيضا لا خلاف بين علمائنا أن المراد بها النهي عن مصاحبة أهل الكتاب حتى نهى عن التشبه بهم قال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تستضيئوا بنار أهل الشرك ولا تنقشوا في خواتمكم عربيا فلم يدر ما قال حتى جاء الحسن فقال معنى لا تستضيئوا لا تشاوروهم في شيء من أموركم ومعنى لا تنقشوا عربيا لا تنقشوا محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الحسن وتصديق ذلك في كتاب الله يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم الآية

قال ابن عطية في التفسير نهى الله تعالى المؤمنين بهذه الآية أن


780
يتخذوا من الكفار واليهود أخلاء يأنسون بهم في الباطن من أمرهم ويفاوضونهم في الآراء ويستنيمون إليهم وقوله من دونكم يعني دون المؤمنين قال ويدخل في هذه الآية الكريمة استكتاب أهل الكتاب وتصريفهم في البيع والشراء والاستنامة إليهم وروي أن أبا موسى الأشعري استكتب ذميا فكتب إليه عمر يعنفه وتلا عليه هذه الآية وقيل لعمر إن ها هنا رجلا من نصارى الحيرة لا أحد أكتب منه ولا أخط بقلم أفلا يكتب عنك فقال إذا أتخذ بطانة من دون المؤمنين

وقال الزمخشري في الكشاف هذا تغليظ من الله تعالى وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين واعتزاله بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

لا تراءى نارهما ومنه قول عمر لأبي موسى رضي الله تعالى عنهما في كاتبه النصراني لا تكرموهم إذا هانهم الله ولا تؤمنوهم إذ خونهم الله ولا تدنوهم إذ أقصاهم الله وروي أنه قال له أبو موسى لا قوام للبصرة إلا به فقال مات النصراني والسلام يعني أنه مات فما كنت صانعا حينئذ فاصنعه الساعة واستغن عنه بغيره

وقال ابن شاس في الجواهر قال عمر بن عبد العزيز كان المسلمون إذا افتتحوا البلاد لم يكن لهم علم بأمر الخراج حتى استعانوا عليه بالعجم ثم إن المسلمين عرفوا من ذلك ما يحتاجون إليه وكثروا فلا ينبغي أن يستعملوا في شيء من أمور المسلمين

تنبيه

اتفق ابن العربي وابن عطية والزمخشري على أن عمر بن الخطاب نهى أبا موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهما عن استعمال كاتبه الذمي وأمره بعزله واختلف ابن العربي وابن عطية في الآية التي كتب له بها فقال ابن العربي في الأحكام كتب له بقوله عز وجل يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى


781
أولياء بعضهم أولياء بعض وقال ابن عطية كتب له بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم الآية ويحتمل أن يكون عمر رضي الله تعالى عنه كتب له بالآيتين معا وذكر كل واحد منهما ما بلغه من ذلك

فائدة لغوية

قول ابن عطية ويستنيمون إليهم يعني المؤمنين لمن دونهم والاستنامة السكون والاطمئنان قال الجوهري استنام إليه أي سكن إليه واطمأن انتهى

ومنه قوله عز وجل يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض إلى قوله الظالمين قال ابن عطية في التفسير نهى الله تعالى المؤمنين بهذه الآية عن اتخاذ اليهود والنصارى في النصرة والخلطة المؤدية إلى الامتزاج والتعاضد وحكم هذه الآية باق وكل من أكثر مخالطة هذين الصنفين فله حظ من هذا المقت الذي تضمنه قوله تعالى فإنه منهم وأما معاملة اليهود والنصارى من غير مخالطة وملابسة فلا يدخل في النهي وقد عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم يهوديا ورهن عنده درعه

وقال ابن العربي في الأحكام بلغ عمر بن الخطاب أن أبا موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهما اتخذ باليمن كاتبا ذميا فكتب إليه هذه الآية وأمره بعزله وذلك أنه لا ينبغي لأحد من المسلمين ولي ولاية أن يتخذ من أهل الذمة وليا فيها لنهي الله تعالى عن ذلك وذلك لأنهم لا يخلصون النصيحة ولا يؤدون الأمانة بعضهم أولياء بعض

الفصل الثاني
في ما جاء في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

روى مسلم رحمه الله تعالى عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بدر فلما كان بحرة


782
الوبرة أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة ففرح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأوه فلما أدركه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم جئت لأتبعك وأصيب معك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم تؤمن بالله ورسوله قال لا قال ارجع فلن أستعين بمشرك قالت ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل فقال له كما قال أول مرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال أول مرة قال لا قال ارجع فلن أستعين بمشرك قالت ثم رجع فأدركه بالبيداء فقال له كما قال أول مرة تؤمن بالله ورسوله قال نعم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق

قال القاضي أبو الفضل عياض في الإكمال كافة العلماء على الأخذ بهذا الحديث والتمسك بهذه السنة وهو قول مالك وغيره قال مالك واصحابه لا بأس أن يكونوا نواتية أو خداما قال ابن حبيب ويستعملون في رمي المجانيق وكره رميهم بالمجانيق غيره من أصحابنا وأجاز ابن حبيب أن يستعمل من سالمه منهم في قتال من حاربه منهم ويكونوا ناحية من عسكره لا في داخله وقال بعض علمائنا إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا في وقت مخصوص لا على العموم واختلف بعد إذا استعين بهم ما يكون لهم فذهب الكافة مالك والشافعي وأبو حنيفة وأبو ثور إلى أنه لا يسهم لهم وذهب الزهري والأوزاعي إلى أن لهم كسهام المسلمين وهو قول سحنون إذا كان جيش المسلمين إنما قوي بهم وإلا فلا شيء لهم وقال الشافعي مرة لا يعطون من الفيء شيئا ويعطون من سهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال قتادة لهم ما صولحوا عليه في ذلك

فائدة لغوية

حرة الوبرة بفتح الواو والباء معا وتروى بسكون الباء قاله القاضي في الإكمال والشجرة والبيداء كلها أسماء مواضع


783
الباب الثالث
في ما جاء في أرزاق الخلفاء والأمراء والعمال
وفيه خمسة فصول
الفصل الأول
في أن لكل من شغل بشيء من أعمال المسلمين أخذ الرزق على شغله ذلك

روى البخاري رحمه الله تعالى عن عبد الله بن السعدي أنه قدم على عمر في خلافته فقال له عمر ألم أحدث أنك تلي من أعمال الناس أعمالا فإذا أعطيت العمالة كرهتها فقلت بلى فقال عمر فما تريد إلى ذلك فقلت إن لي أفراسا وأعبدا وأنا بخير وأريد أن تكون عمالتي صدقة على المسلمين قال عمر لا تفعل فإني كنت أردت الذي أردت فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء فأقول أعطه أفقر إليه مني حتى أعطاني مرة ثانية فقلت أعطه أفقر إليه مني فقال النبي صلى الله عليه وسلم خذه فتموله وتصدق به فما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وإلا فلا تتبعه نفسك انتهى

قال ابن بطال قال الطبري في هذا الحديث الدليل الواضح على أن لمن شغل بشيء من أعمال المسلمين أخذ الرزق على عمله ذلك وذلك كالولاة والقضاة وجباة الفيء وعمال الصدقة وشبههم لإعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر العمالة على عمله الذي استعمله عليه فكذلك سبيل كل مشغول


784
بشيء من أعمالهم له من الرزق على قدر استحقاقه عليه سبيل عمر رضي الله تعالى عنه في ذلك انتهى

وفي التهذيب ولا بأس بإرزاق القضاة والعمال إذا عملوا على حق وكل عامل للمسلمين على حق وما بعث فيه الإمام من أمور المسلمين فالرزق فيه من بيت المال وأكره لقسام القاضي والمغنم أن يأخذوا على أنفسهم أجرا لأنه إنما يعرض لهم من أموال اليتامى وسائر الناس كما أكره ارتزاق صاحب السوق من أموال الناس فإن كانت أرزاق القسام من بيت المال جاز انتهى

فوائد لغوية في أربع مسائل

الأولى في الصحاح الرزق ما ينتفع به وفي المحكم رزقه الله يرزقه رزقا نعشه والرزق على لفظ المصدر ما رزقه إياه وارتزقه واسترزقه طلب منه الرزق وفي المشارق والرزق المذكور في الكتب والآثار ما منحه الله من حلال أو حرام عند أهل السنة وغيرهم يخصه بالحلال واللغة لا تقتضيه وأرزاق المسلمين بفتح الهمزة جمع رزق أقوات من عندهم من جند المسلمين لما جرت به عادة أهل كل موضع

الثانية في الفصيح لثعلب استعمل على الشام وما أخذ إخذه

وفي الصحاح التعميل تولية العمل يقال عملت فلانا على البصرة انتهى

قلت والاستعمال تولية العمل أيضا كالتعميل

الثالثة قوله صلى الله عليه وسلم فرزقناه رزقا الرزق هنا ما يعطاه العامل من أجرة على عمله وهو العمالة أيضا قال الفارابي في ديوان الأدب العمالة رزق العامل بضم العين

الرابعة قوله في حديث عمر الذي خرجه البخاري غير مشرف ولا سائل ترجم البخاري لهذا الحديث باب من أعطاه الله شيئا من غير مسألة ولا إشراف


785
نفس وقال القاضي في المشارق من أخذه بإشراف نفس قال الحربي بطلب لذلك وارتفاع له وتعرض إليه
الفصل الثاني
في أن ما يأخذه العامل
زيادة على ما يرزقه الإمام فهو غلول

روى أبو داود رحمه الله تعالى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذه بعد ذلك فهو غلول

الفصل الثالث
كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل في نفقته ونفقة أهله

قال البخاري رحمه الله تعالى ويذكر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم جعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري

وروى مسلم رحمه الله تعالى عن عمر رضي الله تعالى عنه قال كانت أموال بني النضير مما افاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة فكان ينفق على أهله نفقة سنة وما بقي جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله عز وجل

وخرجه البخاري رحمه الله تعالى مختصرا عن عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبيع نخل بني النضير ويحبس لأهله قوت سنتهم

وقال القاضي عياض في الإكمال قال الطبري كان مما أفاء الله على رسوله طعمة من الله له صلى الله عليه وسلم على أن يأكل منه وأهله ما احتاجوا ويصرف ما فضل عن ذلك في تقوية المسلمين


786
الفصل الرابع
في أرزاق الخلفاء بعده صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم

1 أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه

اختلف في ذلك فذكر أبو الفرج الجوزي في صفوة الصفوة عن عطاء بن السائب قال لما استخلف أبو بكر أصبح غاديا إلى السوق وعلى رقبته أثواب يتجر بها فلقيه عمر وأبو عبيدة ابن الجراح رضي الله تعالى عنهم فقالا أنى تريد يا خليفة رسول الله قال السوق قالا أتصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين قال فمن أين أطعم عيالي قالا انطلق حتى نفرض لك شيئا فانطلق معهما ففرضا له كل يوم شطر شاة وما كسوه في الرأس والبطن

وذكر عن حميد بن هلال قال لما ولي أبو بكر قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم افرضوا لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يغنيه قالوا نعم بردان إذا أخلقهما وضعهما وأخذ مثلهما وظهره إذا سافر ونفقته على أهله كما كان ينفق قبل أن يستخلف قال أبو بكر رضيت

وذكر ابن هشام في البهجة وابن الأثير في تاريخه أن الذي فرض له رضي الله تعالى عنه ستة آلاف درهم في السنة قال ابن هشام ولما حضرته الوفاة قال ردوا ما عندنا من مال المسلمين فدفع إلى عمر بن الخطاب لقوح وعبد وقطيفة ما تساوي خمسة دراهم فقال عمر رضي الله تعالى عنهما لقد أتعبت من بعدك وقال ابن الأثير ولما حضرته الوفاة أوصى أن تباع أرض له ويصرف ثمنها عوض ما أخذه من مال المسلمين

2 عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه

ذكر ابن الأثير في تاريخه أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال للمسلمين إني كنت امرءا تاجرا يغني الله عيالي بتجارتي وقد شغلتموني بأمركم هذا فما ترون أنه يحل لي في هذا المال وعلي رضي الله تعالى عنه ساكت


787
فأكثر القوم فقال ما تقول يا علي قال ما أصلحك وأصلح عيالك بالمعروف ليس لك غيره فقال القوم القول ما قاله علي فأخذ قوته

3 معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه

ذكر أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب عن سليمان بن موسى عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رزق معاوية على عمله بالشام عشرة آلاف دينار في كل سنة

وذكر أيضا في الكتاب المذكور عن صالح بن الوجيه قال في سنة تسع عشرة كتب عمر رضي الله تعالى عنه إلى يزيد بن أبي سفيان يأمره بغزو قيسارية فغزاها وبها بطارقة الروم فحاصرهم أياما وكان بها معاوية أخوه فتخلفه عليها وسار يزيد يريد دمشق فأقام معاوية على قيسارية حتى فتحها في شوال سنة تسع عشرة وتوفي يزيد في ذي الحجة من ذلك العام في دمشق واستخلف أخاه معاوية على ما كان يزيد يلي من عمل الشام ورزقه ألف دينار في كل شهر كذا قال صالح بن الوجيه انتهى

الفصل الخامس
في الأموال التي يرزق منها ولاة الناس

ورى أبو داود رحمه الله تعالى عن عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه الفيء قسمه في يومه فأعطى الآهل حظين وأعطى الأعزب حظا فدعينا وكنت أدعى قبل عمار فدعيت فأعطاني حظين وكان لي أهل ثم دعي بعدي عمار بن ياسر فأعطي حظا واحدا قال القاضي أبو الفضل عياض رحمه الله تعالى في المشارق فيء المسلمين ما أفاء الله عليهم أي رد عليهم من مال عدوهم وفي الجواهر لابن شاس الفيء هو كل مال فاء للمسلمين من الكفار من خمس وجزية أهل العنوة


788
وأهل الصلح وخراج أرضهم وما صولح عليه الحربيون من هدنة وما يؤخذ من تجار الحربيين وتجار أهل الذمة وخمس الركاز وخمس الغنائم

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال وهو الذي يعم المسلمين غنيهم وفقيرهم فيكون في أعطية المقاتلة وأرزاق الذرية وما ينوب الإمام من أمور [ الناس ] بحسن النظر للإسلام [ وأهله ]