3
3
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وسلم الفرق السادس والأربعون بين قاعدة ما يطلب جمعه وافتراقه وبين قاعدة ما يطلب افتراقه دون جمعه وبين قاعدة ما يطلب جمعه دون افتراقه المطلوبات في الشريعة ثلاثة أقسام القسم الأول ما يطلب وحده ومع غيره كالإيمان بالله تعالى ورسله فإنه مطلوب في نفسه وهو شرط في كل عبادة والشرط مطلوب الحصول مع المشروط فالإيمان مطلوب الجمع مع كل عبادة غير أنه قد يكتفى منه بالإيمان الحكمي تخفيفا على العبد فإن استحضاره في كل عبادة وفي جميع أجزائها بما يشق على المكلف فيكتفى بتقديمه فعلا ثم يستصحب حكما وكالدعاء مطلوب في نفسه والسجود في الصلاة مطلوب في نفسه والجمع بينهما مطلوب وكالتسبيح والتهليل والتعظيم والإجلال كل منهما مطلوب في نفسه والركوع في الصلاة مطلوب في نفسه أيضا والجمع بينهما أيضا مطلوب في نفسه ونحو هذه النظائر
القسم الثاني وهو ما يطلب منفردا دون جمعه مع غيره فاعلم أن المطلوبين في الشريعة قد يكون الجمع بينهما غير مطلوب وربما كان منهيا عنه وقد يكون الجمع بينهما مطلوبا كما تقدم مثال هذا القسم قراءة القرآن مطلوبة والركوع والسجود مطلوبان ومع
هامش إدرار الشروق
بسم الله الرحمن الرحيم وبحمده والصلاة والسلام على من لا نبي من بعده وآله الطاهرين وأصحابه الذين شادوا الدين
الفرق السادس والأربعون بين قاعدة ما يطلب جمعه وافتراقه وبين قاعدة ما يطلب افتراقه دون جمعه وبين قاعدة ما يطلب جمعه دون افتراقه أما أمثلة قاعدة ما يطلب جمعه وافتراقه فمنها الإيمان بالله تعالى ورسله فإنه مطلوب في نفسه وهو شرط في كل عبادة لأنه هو الأصل في كل تقرب فإن التقرب بالعبادة فرع التصديق بالأمر بها والأصل شرط في تحقق الفرع فالإيمان شرط في كل عبادة والشرط مطلوب الحصول مع المشروط فالإيمان مطلوب الجمع مع كل عبادة غير أنه قد يكتفى منه بالإيمان الحكمي تخفيفا على العبد فإن استحضاره في كل عبادة وفي جميع أجزائها ربما يشق على المكلف فيكتفى بتقدمه عن العبادة فعلا ثم يستصحب حكما ومنها الدعاء والسجود فإن كل واحد منهما مطلوب في نفسه وقد ورد طلب الجمع بينهما في قوله عليه السلام أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فعسى أن يستجاب لكم ومنها الثناء والتمجيد له تعالى بالتسبيح والتهليل والتعظيم والإجلال فإنه مطلوب في نفسه والركوع في الصلاة مطلوب في نفسه أيضا وقد ورد طلب الجمع بينهما في نفسه في الحديث المذكور أيضا وذلك لوجهين
4
4
ذلك فقد ورد النهي عن الجمع بينهما بقوله عليه السلام نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا عكس ما ورد في الدعاء مع السجود وقوله عليه السلام أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فعسى أن يستجاب لكم
القسم الثالث ما يطلب جمعه دون افتراقه فكالركوع مع سجدتين في الصلاة فإن ذلك مطلوب الجمع ولم يشرع التقرب بأحدهما منفردا وكالوقوف بعرفة مع رمي الجمار كل واحد منهما مطلوب مع الآخر وليس مطلوبا منفردا وكالحلاق مع الحج أو العمرة ليس قربة على انفراده والجمع بينهما قربة ونحو ذلك مما يدل الاستقراء عليه فهذا تمثيل هذه الأقسام وأما وجه المناسبة في هذه المواطن باعتبار هذه الأحكام فقد يحصل وقد لا يحصل فيكون ذلك تعبدا لا يطلع على حكمته فالإيمان لما كان الأصل في كل تقرب اشترط جمعه ليتحقق التقرب فإن التقرب بالعبادة فرع التصديق بالآمر بها والجمع بين الفرع وأصله مناسب وأما الدعاء مع السجود والثناء مع الركوع فمبني على قاعدة وهي أن الله تعالى أمر عباده أن يتقربوا إليه على حسب ما جرت العادة به مع الأماثل والملوك والأكابر فإن الطاعات كلها والمعاصي كلها نسبتها إلى الله تعالى نسبة واحدة لا تزيده الطاعات ولا تنقصه المعاصي وإنما أمر عباده لتظهر منهم الطاعة على حسب ما جرت العادة به مع الأكابر ولذلك لما كان السجود في العبادة أبلغ من الركوع قال عليه السلام أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجدا وكان بذل الدينار أفضل من بذل الدرهم في
هامش إدرار الشروق
الأول أن القاعدة لما تقررت بأن الله تعالى أمر عباده أن يتقربوا إليه على حسب ما جرت العادة به مع الأماثل والملوك والأكابر إذ نسبة كل من الطاعات والمعاصي إلى الله تعالى واحدة لا تزيده الطاعات ولا تنقصه المعاصي وقد جرت عادة الناس مع من ذكر أن يقدموا الثناء عليهم قبل الطلب منهم تطييبا لقلوبهم واستعطافا لأنفسهم ناسب جعل الله سبحانه وتعالى الثناء والتمجيد له في الركوع وجعل الدعاء في السجود بعد الثناء
والوجه الثاني أنه لما كان السجود في العبادة أبلغ شرعا من الركوع كما أن بذل الدينار صدقة أبلغ في العادة من بذل الدرهم وأبلغية السجود لأمرين أحدهما الإفراط في القرب من الرب تعالى قال عليه السلام أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجدا
وثانيهما أنه أشق من الركوع لما سيأتي وارتكاب الأشق في تحصيل المأمور به يدل على المبالغة في الطواعية فيكون موجبا لمزيد الأجور قال عليه السلام أفضل العبادة أحمزها أي أشقها وكان الدعاء مخ العبادة وهو الأصل في الطلب والثناء وسيلة إليه حتى سمي دعاء في قوله صلى الله عليه وسلم أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله فقد سئل عنه سفيان بن عيينة فقيل له هذا الثناء فأين الدعاء فأنشد أبيات أمية بن أبي الصلت الثقفي وهي أأطلب حاجتي أم قد كفاني حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يوما كفاء من تعرضك الثناء
5
5
الصدقة لأنه في العادة أبلغ وارتكاب المشاق في تحصيل المأمور يكون موجبا لمزيد الأجر لأنه في العادة يدل على المبالغة في الطواعية فقال عليه السلام أفضل العبادة أحمزها أي أشقها
ولما جرت عادة الناس مع الملوك أن يقدموا الثناء عليهم قبل الطلب منهم تطييبا لقلوبهم واستعطافا لأنفسهم جعل الله سبحانه وتعالى الثناء والتمجيد له في الركوع وجعل الدعاء في السجود بعد الثناء ولهذا المعنى لما سئل سفيان بن عيينة عن قوله عليه السلام أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله فقيل له هذا الثناء فأين الدعاء فأنشد أبيات أمية بن أبي الصلت الثقفي أأطلب حاجتي أم قد كفاني حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يوما كفاه من تعرضك الثناء كريم لا يغيره صباح عن الخلق الجميل ولا مساء وعلمك بالحقوق وأنت قدما لك الحسب المهذب والوفاء
يعني فلما كان الثناء يحصل من الكريم ما يحصله الدعاء سمي الثناء على الله تعالى دعاء لأنه سبحانه أكرم الأكرمين وقد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى أنه قال من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين فهذا هو وجه المناسبة في الثناء في الركوع والدعاء في السجود وأما المنع من الجمع بين القراءة والركوع فلأن القراءة جعل لها الشرع موطنا وهو القيام لأنه حالة استقرار يتمكن فيه الفكر
هامش إدرار الشروق
كريم لا يغيره صباح عن الخلق الجميل ولا مساء وعلمك بالحقوق وأنت قدما لك الحسب المهذب والوفاء يعني فلما كان الثناء يحصل من الكريم ما لا يحصله الدعاء سمي الثناء على الله تعالى دعاء لأنه سبحانه أكرم الأكرمين وقد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى أنه قال من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ناسب تقديم الوسيلة في الركوع وتأخير الدعاء في السجود الذي هو أبلغ وأشق وأفرط في القرب من الرب سبحانه وتعالى وأما أمثلة قاعدة ما يطلب افتراقه دون جمعه فمنها قراءة القرآن مطلوبة في الشريعة كما أن الركوع والسجود مطلوبان كذلك والجمع بينهما وبين كل واحد منهما غير مطلوب بل قد ورد النهي عنه بقوله عليه السلام نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا عكس ما ورد في الدعاء مع السجود في الحديث المتقدم وذلك لوجهين الأول أن الشرع لما عين الركوع للثناء المحض والسجود للدعاء المحض ناسب أن يعين القيام موطنا للقراءة لأنها قد لا تكون ثناء ولا دعاء لتشمل الصلاة على جميع أنواع القربات ولا تختص بنوع معين فتكون حينئذ أفضل الأعمال كما جاء في الحديث أفضل أعمالكم الصلاة
الوجه الثاني أن الشرع إنما جعل القيام موطنا للقراءة لأنه حالة استقرار يتمكن فيه الفكر من التأمل لمعاني القراءة والاتعاظ بوعيدها ووعدها والتفكر في معانيها على اختلافها مع حسن الإقبال على الله تعالى بالمناجاة بخلاف الركوع والسجود لما في الأول من ضيق النفس وضجرها في حالة الانحناء
6
6
من التأمل لمعاني القراءة والاتعاظ بوعيدها ووعدها والتفكير في معانيها على اختلافها مع حسن الإقبال على الله تعالى بالمناجاة وهذه الأحوال لا تناسب الركوع والسجود لضيق النفس وضجرها في حالة الانحناء وانحصار الأعضاء وحبس النفس فتناسب المنع من القراءة في هذين الموطنين ولأن القراءة لما عين لها موطن ناسب أن تعين بقية المواطن لغيرها من الثناء المحض والدعاء المحض فإن القراءة قد لا تكون ثناء ولا دعاء فتشتمل الصلاة على جميع أنواع القربات ولا تختص بنوع معين فتكون حينئذ أفضل الأعمال كما جاء في الحديث أفضل أعمالكم الصلاة وهذه المواطن الثلاث مناسبة كل واحد منها لما وضع فيه فالقراءة في القيام للتمكن والدعاء في السجود لفرط القرب والثناء عليه لأنه عادة الملوك وأما كون الركوع لا يتقرب به وحده بخلاف السجدة الواحدة فإنها شرعت قربة في التلاوة وشكر النعم عند من يرى سجدة الشكر فإن الشافعي رضي الله عنه يراها دون مالك فوجه المناسبة في المنع من التقرب بالركوع وحده لم أقف فيه على شيء ولا يبعد أنه تعبد وكذلك أركان الحج التي لا يتقرب بها منفردة الغالب عليها التعبد بخلاف الطواف فإنه شرع قربة وحده دون السعي فإنه لا يشرع قربة وحده وإن كان قد اشترط مع الطواف صلاة ركعتين
هامش إدرار الشروق
والثاني من انحصار الأعضاء وحبس النفس وذلك لا يناسب أحوال القراءة كما أنه إنما جعل الدعاء في السجود لما فيه من فرط القرب والثناء في الركوع لأنه وسيلة للدعاء ولجريانه على عادة الطلب من الملوك كما علمت ومنها الصوم والصلاة كل واحد منهما طلب التقرب منه منفردا ولم يطلب الجمع بينهما لقاعدتين الأول أنه إذا نذر أن يصلي صائما لم يلزمه ذلك والقاعدة الثانية أن النذر لا يؤثر إلا في مندوب فلما لم يؤثر النذر في وجوب الصوم مع الصلاة كما أثر في وجوبه مع الاعتكاف إذا نذره دل ذلك على أنه ليس بمطلوب مع الصلاة
وإن كان كل واحدة منهما مطلوبا في نفسه وأنه مطلوب مع الاعتكاف فمن هنا ظهر صحة قول القائل لو لم يكن الصوم شرطا في الاعتكاف لما كان شرطا له بالنذر كالصلاة لكنه إذا نذر أن يعتكف صائما لزمه ذلك ووجب الصوم فافهم وأما أمثلة قاعدة ما يطلب جمعه دون افتراقه فمنها الركوع مع سجدتين في الصلاة فإن ذلك مطلوب الجمع ولم يشرع التقرب بأحدهما منفردا قال الأصل ما معناه لأنه لم يشرع قربة إلا السجدة الواحدة في التلاوة وكذا في شكر النعم عند الشافعي دون مالك ولم أقف على وجه المناسبة في المنع من التقرب بالركوع وحده ولا يبعد أنه تعبد ومنها الوقوف بعرفة مع رمي الجمار كل واحد مطلوب مع الآخر وليس مطلوبا منفردا ومنها السعي مع الطواف في حج أو عمرة قربة وليس هو بانفراده قربة ومنها الحلاق مع الحج أو العمرة قربة وليس هو بانفراده قربة
قال الأصل والغالب على أركان الحج التي لا يتقرب بها منفردة أي كالوقوف بعرفة والسعي وكذا الحلاق على القول بركنيته التعبد بخلاف الطواف فإنه شرع قربة وحده وإن كان قد اشترط معه صلاة ركعتين
7
7
وعلى هذه القواعد والفروق انبنى قول القائل لو لم يكن الصوم شرطا في الاعتكاف لما صار شرطا له بالنذر كالصلاة لكنه إذا نذر أن يعتكف صائما لزمه ذلك ووجب الصوم وصحة هذا الكلام مبني على قاعدتين القاعدة الأولى أن النذر لا يؤثر إلا في مندوب ولما أثر النذر في وجوب الصوم مع الاعتكاف إذا نذره دل ذلك على أنه مطلوب أن يجمع بينهما
والقاعدة الثانية أنه إذا نذر أن يصلي صائما لم يلزمه ذلك لأن الجمع بين الصلاة والصوم غير مطلوب وإن كان كل واحد منهما مطلوبا في نفسه فلذلك لم يؤثر النذر في الجمع بين الصلاة والصوم
الفرق السابع والأربعون بين قاعدة المأمور به يصح مع التخيير وقاعدة المنهي عنه لا يصح مع التخيير
وسر الفرق بين هاتين القاعدتين أن المأمور به مع التخيير كخصال الكفارة يكون الأمر فيه متعلقا بمفهوم أحدها الذي هو قدر مشترك بينها لصدقه على كل واحد منها فيكون المشترك متعلق الأمر ولا تخيير فيه والخصوصيات هي متعلق التخيير ولا وجوب فيها فمفهوم أحدها الذي هو قدر مشترك بينها لا يجوز تركه ألبتة لأن تركه بترك الجميع وهو خلاف الإجماع والخصوصيات متعلق التخيير ولا وجوب فيها لأنه لا يجب عليه عين العتق ولا عين الكسوة ولا عين الإطعام بل له ترك كل واحد من هذه الخصوصيات بفعل الآخر ويخرج عن العهدة بفعل المشترك في أيها شاء فإن أعتق حصل مفهوم
هامش أنوار البروق
قال الفرق السابع والأربعون بين قاعدة المأمور به يصح مع التخيير وقاعدة المنهي عنه لا يصح مع التخيير وسر الفرق بين هاتين القاعدتين أن المأمور به مع التخيير كخصال الكفارة يكون الأمر فيه متعلقا بمفهوم أحدها الذي هو قدر مشترك بينها لصدقه على كل واحد منها قلت قوله إن الأمر في خصال الكفارة متعلق بأحدها صحيح وقوله الذي هو قدر مشترك
هامش إدرار الشروق
ومنها غير ذلك مما يدل الاستقراء عليه والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق السابع والأربعون بين قاعدة المأمور به يصح مع التخيير وقاعدة المنهي عنه لا يصح مع التخيير
على ما زعم الأصل أنه فرق بينهما المعتزلة دون الأصحاب وأن مذهب المعتزلة هو الحق وبين سره بما قال ابن الشاط أنه هو المحال عقلا وإن ما حكاه عن المعتزلة باطل والصحيح ما حكاه سيف الدين عن الأصحاب فانظرهما والصواب عدم الفرق بينهما أصلا لا عند المعتزلة ولا عند الأصحاب
أما المعتزلة فإنهم وإن اختلفوا في أن الأمر أو النهي بواحد مبهم من أشياء معينة هل يوجب أو يحرم الكل فيثاب بفعل الكل أو تركه ثواب فعل واجبات وترك محرمات ويعاقب بترك الكل أو فعله عقاب ترك
8
8
أحدها الذي هو قدر مشترك بينها وكذلك إن كسا أو أطعم وأما النهي عن المشترك الذي هو مفهوم أحدها فالقاعدة تقتضي أن النهي متى تعلق بمشترك حرمت أفراده كلها فإذا حرم الله تعالى مفهوم الخنزير حرم كل خنزير أو مفهوم الخمر حرم كل خمر والسبب في ذلك أنه لو دخل فرد في الوجود لدخل في ضمنه المشترك فيلزم المحذور وكذلك يلزم من تحريم المشترك تحريم جميع الأفراد ولا يلزم من إيجاب المشترك إيجاب كل فرد بسبب
هامش أنوار البروق
بينها ليس بصحيح فإنه ليس مفهوم أحد الأمور إلا واحد منها مبهما غير معين لا الحقيقة المشترك فيها ولو تعلق الوجوب بالحقيقة من حيث هي تلك الحقيقة للزم شمول الوجوب لكل شخص مما فيه تلك الحقيقة وليس الأمر كذلك وقوله لصدقه على كل واحد منها قلت لا يلزم من صدقه على كل واحد منها أن يراد به الحقيقة المشترك فيها
قال فيكون المشترك متعلق الأمر ولا تخيير فيه قلت قد تبين أن متعلق الأمر ليس المشترك قال والخصوصيات هي متعلق التخيير ولا وجوب فيها قلت ذلك صحيح إن أراد من حيث تعين كل واحد منها وإن أراد أنها متعلق التخيير من حيث دخولها تحت المشترك فلا وذلك أنه لا يخلو أن تعتبر الحقيقة الشاملة لأنواع الكفارة وشبهها من حيث تلك الحقيقة أولا فإن اعتبرت من حيث هي تلك الحقيقة فلا تعلق للوجوب بها وإن لم تعتبر من حيث هي تلك الحقيقة فلا يخلو أن تعتبر الأنواع من حيث هي تلك الأنواع أولا فإن اعتبرت من حيث هي تلك الأنواع فلا تعلق للوجوب بها وإن لم تعتبر من حيث هي تلك الأنواع بل من حيث كل واحد منها قسط من تلك الحقيقة فلا يخلو أن تعتبر من حيث مجموعها أولا فإن اعتبرت من حيث مجموعها فلا تعلق للوجوب بها وإن لم تعتبر من حيث مجموعها بل من حيث آحادها فلا يخلو أن تعتبر من حيث تعينها أولا فإن اعتبرت من حيث تعينها فلا تعلق للوجوب بها وإن لم تعتبر من حيث تعينها لكن اعتبرت من حيث إبهامها فهي متعلق الوجوب من هذا الوجه لا غير
قال فمفهوم أحدها الذي هو قدر مشترك بينها لا يجوز تركه ألبتة لأن تركه بترك الجميع وهو خلاف الإجماع إلى قوله بل له ترك كل واحد من هذه الخصوصيات بفعل الآخر
هامش إدرار الشروق
واجبات وفعل محرمات ويسقط فعل الكل الواجب أو تركه بفعل أو ترك واحد منهما أو الواجب في ذلك أو المحرم في ذلك واحد منهما معين عند الله تعالى ويسقط طلب الفعل أو الترك في الواجب أو المحرم بفعله أو فعل غيره منها أو بتركه أو ترك غيره منها أو الواجب أو المحرم في ذلك ما يختاره المكلف للفعل أو للترك منها بأن يفعله أو يتركه دون غيره وإن اختلف باختلاف اختيار المكلفين إلا أنهم اتفقوا على نفي إيجاب أو تحريم واحد لا بعينه لما قالوا من أن تحريم الشيء أو إيجابه لما في فعله أو تركه من المفسدة التي يدركها الفعل وإنما يدركها في المعين وأما الأصحاب فإنهم اتفقوا على أن الأمر أو النهي بواحد مبهم من أشياء معينة يوجب أو يحرم واحدا منها لا بعينه وهو القدر المشترك بينهما في ضمن أي معين منها لأنه المأمور به أو المنهي عنه وتعرف المسألة على جميع الأقوال بالواجب المخير والمحرم المخير لتخيير المكلف في الخروج عن عهدة
9
9
أن المطلوب هو تحصيل تلك الماهية المشتركة وإذا حصل فرد منها حصلت في ضمنه واستغني عن غيره فلذلك لا يلزم من إيجاب المشترك إيجاب أفراده كلها فصح التخيير مع الأمر بالمشترك ولم يصح التخيير مع النهي عن المشترك فهذا هو سر الفرق
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله هنا صحيح غير قوله فمفهوم أحدها الذي هو مشترك فإن مفهوم أحدها ليس المشترك بل واحد غير معين مما في المشترك
قال ويخرج عن العهدة بفعل المشترك في أيها شاء قلت هذا صحيح
قال فإن أعتق حصل مفهوم أحدها الذي هو قدر مشترك بينها وكذلك إن كسا أو أطعم قلت ليس أحدها هو القدر المشترك بل مبهم غير معين مما فيه المشترك
قال وأما النهي عن المشترك الذي هو مفهوم أحدها قلت قد تقدم مرارا أن مفهوم أحدها ليس المشترك
قال فالقاعدة تقتضي أن النهي متى تعلق بمشترك حرمت أفراده كلها ولذلك يلزم من تحريم المشترك تحريم جميع الأفراد قلت ذلك صحيح قال ولا يلزم من إيجاب المشترك إيجاب كل فرد بسبب أن المطلوب هو تحصيل تلك الماهية المشتركة إلى قوله فهذا هو سر الفرق قلت ما قاله هنا غير مسلم ولا صحيح بل يلزم من إيجاب المشترك إيجاب كل فرد مما فيه المشترك إذا كان المقصود تحصيل تلك الماهية المشتركة وإنما لا يلزم إيجاب كل فرد مما فيه المشترك إذا كان المقصود تحصيل شيء مما فيه المشترك
قال فإن قلت إلى قوله فهذه صور كلها تدل على الجمع بين النهي وبين التخيير
قلت ما أورد عليه من السؤال وارد
قال قلت هذا محال عقلا ومن المحال عقلا أن يفعل الإنسان فردا من جنس أو نوع أو كلي مشترك من حيث الجملة ولا يفعل ذلك المشترك إلى قوله والتخيير مع النهي عن المشترك محال عقلا
هامش إدرار الشروق
الواجب أو المحرم بأي من الأشياء يفعله أو يتركه وإن لم يكن من حيث خصومه واجبا أو محرما عند الأصحاب بل واحد لا بعينه هذا خلاصة ما في جمع الجوامع مع شرح المحلى ومفاد ذلك أن الخلاف بين قول الأصحاب وبين القول الأول من أقوال المعتزلة المذكورة معنوي وعليه جماعة من الأصوليين كالآمدي وابن الحاجب والعضد قال السعد وهو مذهب بعض المعتزلة فيثاب ويعاقب على كل واحد ولو أتى بواحد سقط عنه الباقي بناء على أن الواجب قد يسقط بدون الأداء
ا ه
وذلك لأن الأمر تعلق بكل منها بخصوصه على وجه الاكتفاء بواحد منها قلنا إن سلم ذلك لا يلزم منه وجوب الكل المرتب عليه ما ذكر وذهب الإمام الرازي وإمام الحرمين وجماعة إلى أنه لفظي بناء على تفسير أبي الحسين للقول الأول من أقوال المعتزلة المذكورة بأنه لا يجوز الإخلال بجميعها ولا يجب الإتيان به وللمكلف أن يختار أياما كان فهو بعينه مذهب أهل السنة والخلف لفظي لأنهم إنما قالوا بوجوب الكل بهذا المعنى فرارا من القول
10
10
فإن قلت قد وقع النهي مع التخيير في الأختين فإن الله تعالى حرم عليه إحداهما لا بعينها ولا نعني بتحريم المشترك إلا ذلك وحرم الأم وابنتها من غير تعيين وأوجب إحدى الخصال في الكفارة وإذا وجبت واحدة لا بعينها حرمت واحدة لا بعينها فهذه صور كلها تدل على الجمع بين النهي وبين التخيير
هامش أنوار البروق
قلت إن أراد بقوله ولا يفعل ذلك المشترك الحقيقة من حيث هي تلك الحقيقة فليس بصحيح فكيف ومن قاعدة من يثبت ذلك أنه لا وجود له في الأعيان وإن أراد بقوله لا يفعل ذلك المشترك أن لا يفعل شيئا مما فيه الحقيقة فقوله صحيح ولا يتناول محل النزاع
قال وأما ما ذكرتموه من الصور فوهم أما الأختان والأم وابنتها فلأن ذلك التحريم إنما تعلق بالمجموع عينا لا بالمشترك بين الأفراد ولما كان المطلوب أن لا تدخل ماهية المجموع الوجود والقاعدة العقلية أن عدم الماهية يتحقق بأي جزء كان من أجزائها لا بعينه فلا جرم أي أخت تركها خرج عن عهدة النهي عن المجموع قلت ما قاله هنا ليس بصحيح فإنه لا يخلو أن يريد بالنهي عن المجموع النهي عن الجمع أو يريد بذلك النهي عن الجملة فإن أراد الثاني فقوله ليس بصحيح فإنه يلزم من النهي عن الجملة النهي عن آحادها وإن أراد الأول وهو النهي عن الجمع فإنه يلزم منه النهي عن كل واحد مبهم وهو قول خصمه فقد لزمه ما أنكر
قال لا لأنه نهي عن المشترك قلت لو كان نهيا عن المشترك لزم منه النهي عن كل واحد
قال بل لأن الخروج عن عهدة المجموع يكفي فيه فرد من أفراد ذلك المجموع قلت إنما يكفي ذلك إذا كان المراد بالمجموع الجمع لا إذا كان المراد بالمجموع الجملة
قال فهذا هو السبب لا لأن التحريم تعلق بواحدة لا بعينها بل تعلق بالمجموع ويخرج عن العهدة بواحدة لا بعينها قلت قد سبق أنه لا يخرج عن العهدة بواحدة لا بعينها إلا إذا كان المراد تحريم الجمع لا إذا كان المراد بالمجموع تحريم الجملة
هامش إدرار الشروق
بوجوب واحد مبهم لأن العقل لا يدرك فيه مصلحة بناء على عقيدتهم من التحسين والتقبيح وأن العقل يدرك الأحكام قبل الشرع وإلى هذا يشير العلامة أبو إسحاق في الموافقات حيث قال وكل مسألة في أصول الفقه ينبني عليها فقه إلا أنه لا يحصل من الخلاف فيها خلاف في فرع من فروع الفقه كالخلاف مع المعتزلة في الواجب المخير والمحرم المخير فإن كل فرقة موافقة للأخرى في نفس العمل وإنما اختلفوا في الاعتقاد بناء على أصل محرر في علم الكلام وفي أصول الفقه له تقرير أيضا وهو هل الوجوب أو التحريم أو غيرهما راجعة إلى صفات الأعيان أو إلى خطاب الشارع
ا ه
المراد قال الشربيني وأشار المحلي بقوله وهو القدر المشترك بينها إلى الإبهام في الواجب أي والمحرم وبقوله في ضمن أي معين إلى التعيين في المخير فيه ثم إن القدر المشترك بينها أعني ذلك المفهوم من حيث تعين المشترك فيه معين فالواجب معين فاندفع القول بأنه كلف بغير معين وأما خصوصية كل واحد فهو مخير فيه لا واجب فلا يلزم فيه
11
11
قلت هذا محال عقلا ومن المحال عقلا أن يفعل الإنسان فردا من جنس أو نوع أو كلي مشترك من حيث الجملة ولا يفعل ذلك المشترك المنهي عنه لأن الجزئي فيه الكلي بالضرورة وفاعل الأخص فاعل الأعم فلا سبيل إلى الخروج عن العهدة في النهي إلا بترك كل فرد والتخيير مع النهي عن المشترك محال عقلا وأما ما ذكرتموه من الصور فوهم أما الأختان والأم وابنتها فلأن ذلك التحريم إنما تعلق بالمجموع عينا لا بالمشترك بين الأفراد ولما كان المطلوب أن لا تدخل ماهية المجموع الوجود والقاعدة العقلية أن عدم الماهية يتحقق بأي جزء كان من أجزائها لا بعينه فلا جرم أي أخت تركها خرج عن عهدة النهي عن المجموع لا لأنه نهي عن المشترك بل لأن الخروج عن عهدة المجموع يكفي فيه فرد من أفراد ذلك المجموع فهذا هو السبب لا لأن التحريم تعلق بواحدة لا بعينها بل تعلق بالمجموع فيخرج عن العهدة بواحدة لا بعينها فتأمل هذا الفرق فخلافه محال عقلا والشرع لا يرد بخلاف العقل ولا بالمستحيلات
وكذلك نقول في خصال
هامش أنوار البروق
قال فتأمل الفرق فخلافه محال عقلا قلت ما اختاره هو المحال عقلا وما خالفه هو الجائز عقلا
قال والشرع لا يرد بخلاف العقل ولا بالمستحيلات قلت ذلك صحيح ولا يلزم منه مقصوده
قال وكذلك نقول في خصال الكفارة لما أوجب الله تعالى المشترك حرم ترك الجميع لأنه يستلزم ترك المشترك
هامش إدرار الشروق
التكليف بغير معين هذا هو الحق في الحل الذي بينه العضد بما توضيحه أن الذي وجب وهو الواحد المبهم أعني هذا المفهوم الكلي لم يخير فيه إذ لا يجوز تركه ألبتة والتخيير إنما هو في كل واحد من المعينات وإن كان كل واحد منها يتأدى به الواجب لتضمن كل واحد منها الواجب الذي هو مفهوم أحدها مبهما فليس معنى الواجب المخير أنه خير في نفس ذلك الواجب كما يتبادر إلى الفهم من هذه العبارة بل معناه الواجب الذي خير في أفراده وتعدد ما صدق عليه أحدها إذا تعلق به الوجوب والتخيير يأبى كون متعلق الوجوب والتخيير واحدا كما لو حرم واحدا من الأمرين وأوجب واحدا فإن معناه أيهما فعلت حرم الآخر وأيهما تركت وجب الآخر والتخيير بين واجب أو غير واجب بهذا المعنى جائز وإنما الممتنع التخيير بين واجب بعينه وغير واجب بعينه كالصلاة وأكل الخبز ا ه كلام الشربيني
وكذلك يمتنع التخيير بين أفراد المشترك لا فرق بين كونه المأمور به أو المنهي عنه كمفهوم الخنزير أو مفهوم الخمر وكمفهوم صوم رمضان خلافا للأصل لأنه كما يلزم من تحريم المشترك تحريم جميع أفراده ككل خنزير وكل خمر كذلك يلزم من إيجاب المشترك إيجاب جميع أفراده ككل صوم رمضان بعام من الأعوام قال ابن الشاط وإذا كان المقصود تحصيل تلك الماهية المشتركة لزم من إيجاب المشترك إيجاب كل فرد مما فيه المشترك وإنما لا يلزم إيجاب كل فرد مما فيه المشترك إذا كان المقصود تحصيل شيء مما فيه المشترك ا ه
أي كإيجاب واحد مبهم من خصال كفارة اليمين فإن في آيتها الأمر بذلك تقديرا أي معنى إذ هي خبر بمعنى الأمر لما علمت من
12
12
الكفارة لما أوجب الله تعالى المشترك حرم ترك الجميع لأنه يستلزم ترك المشترك فالمحرم ترك الجميع لا واحدة بعينها من الخصال فلا نجد نهيا على هذه الصورة إلا وهو متعلق بالمجموع لا بالمشترك فتأمل ذلك فلذلك صح التخيير في المأمور به ولم يصح في المنهي عنه وإنما يقع في الخروج عن عهدته لا في أصل النهي فتأمل ذلك
هامش أنوار البروق
قلت لو أوجب الله تعالى المشترك لما جاز ترك شيء مما فيه المشترك
قال فالمحرم ترك الجميع لا واحدة بعينها من الخصال قلت إذا كان المحرم ترك الجميع لزم منه تحريم ترك واحدة لا بعينها
قال فلا تجد شيئا على هذه الصورة إلا وهو متعلق بالمجموع لا بالمشترك قلت قد سبق أنه إذا كان متعلقا بالمجموع أي بالجملة فإن كان الوجوب فلا بد من فعل كل واحد من آحادها وإن كان التحريم فلا بد من ترك كل واحد من آحادها
قال فتأمل ذلك فلذلك صح التخيير في المأمور به ولم يصح في المنهي عنه وإنما يقع في الخروج عن عهدته لا في أصل النهي
هامش إدرار الشروق
أن كل فرد مما فيه المشترك هو متعلق التخيير فلا يتعلق به الإيجاب بل إنما يتعلق الإيجاب بواحد مبهم منها وهو المفهوم الكلي المشترك بينها وإن كان كل واحد منها يتأدى به الواجب من حيث إنه يتضمن الواجب الذي هو مفهوم أحدها مبهما فكون المقصود تحصيل شيء مما فيه المشترك إنما هو من حيث إنه لا يتأدى الواجب إلا به لا من حيث إنه هو نفس الواجب لوجهين الأول أنه كيف يكون هو نفس الواجب وهو متعلق التخيير
الثاني أنه لو كان هو نفس الواجب لكان هو بعينه مذهب بعض المعتزلة من أن الواجب في ذلك ما يختاره المكلف للفعل من أي واحد منها بأن يفعله دون غيره وإن اختلف باختلاف اختيار المكلفين للاتفاق على الخروج عن عهدة الواجب بأي منها يفعل فيرد عليه حينئذ قول المحلي أن الخروج به عن عهدة الواجب لكونه أحدها لا لخصوصه أي كونه مختار المكلف للقطع باستواء المكلفين في الواجب عليهم انتهى على أن القول بمراعاة الخصوصية نظر التأدي الواجب وهو المشترك بها المبني عليه الخلاف بين أهل السنة في أن محل ثواب الواجب الذي هو المشترك بينها هل هو الأعلى أو الأول أو الأحد ومحل العقاب هل هو الأدنى أو الأحد خلاف التحقيق والتحقيق المأخوذ من أن الواجب لا يختلف باختلاف المكلفين أن محل ثواب الواجب والعقاب أحدها من حيث إنه أحدها ولا نظر إلى خصوصية ما وقع لأنه حتى بعد الوقوع لم يزل من حيث تلك الخصوصية مخيرا وإلا لاختلف الواجب باختلاف المكلفين ولا قائل به على الأصح الذي التفريع عليه وكذا يقال في كل من الزائد على من يتأدى به الواجب منها أنه يثاب عليه ثواب المندوب من حيث إنه أحدها لا من حيث خصوصه لأن الكلام في مقتضى الأمر بواحد مبهم ومقتضاه الثواب على القدر المشترك
وأما خصيصية المتعلق وما فيه من الزيادة فيثاب عليها من حيث دخولها في الأمر بفعل الخير ثواب المندوب كما في المحلي والشربيني وكما لا يلزم إيجاب كل فرد مما فيه المشترك إذا كان المقصود تحصيل شيء مما فيه المشترك بناء على القول بمراعاة الخصوصية نظرا لتأدي الواجب وهو المشترك بها أو تحصيل المشترك الذي هو أحدها من حيث إنه أحدها بناء على التحقيق
13
13
مع أن الشيخ سيف الدين في الأحكام له الموضوع في أصول الفقه حكى عن أصحابنا صحة النهي مع التخيير كالأمر وحكى عن المعتزلة منعه والحق مع المعتزلة في هذه المسألة دون أصحابنا إلا أن يريدوا التخيير في الخروج عن العهدة كما تقدم فلا يبقى خلاف بين الفريقين
هامش أنوار البروق
قلت قد تأملت ذلك وصح ذلك التخيير في النهي كما صح في الأمر ووقع في الخروج عن العهدة في أصل النهي
قال فتأمل ذلك مع أن الشيخ سيف الدين في الأحكام له في أصول الفقه يحكي عن أصحابنا صحة النهي مع التخيير كالأمر وحكى عن المعتزلة منعه قلت ما حكاه سيف الدين صحيح وقول الأصحاب صحيح وقول المعتزلة باطل
قال والحق مع المعتزلة في هذه المسألة إلى آخر ما قاله في ذلك قلت قد سبق أن الأمر بعكس ما قال وأن الصواب مع الأصحاب
هامش إدرار الشروق
كذلك لا يلزم تحريم كل فرد مما فيه المشترك كما في نحو لا تتناول السمك أو اللبن أو البيض إذا كان المقصود ترك شيء مما فيه المشترك بناء على القول بمراعاة الخصوصية نظرا لتأدي ترك المحرم وهو المشترك بها أو ترك المشترك الذي هو أحدها من حيث إنه أحدها في ضمن أي معين منها بناء على التحقيق فعلى المكلف تركه في أي معين منها وله فعله في غيره إذ لا مانع من فعل الغير لأن المحرم واحد فتحريم واحد لا بعينه ليس من باب عموم السلب بل من باب سلب العموم فيتحقق في واحد فليس النهي كالنفي ويقاس على التحريم الكراهة إلا في العقاب كما في المحلي والشربيني
وبالجملة فلا فرق بين كون الأمر بواحد مبهم من أشياء معينة يوجب واحدا منها لا بعينه عند الأصحاب ولا يوجبه عند المعتزلة بل إنما يوجب الكل ويسقط بواحد أو واحدا منها معينا عند الله أو ما يختاره المكلف للفعل على الخلاف المتقدم وبين كون النهي بواحد مبهم من أشياء معينة يحرم واحدا منها لا بعينه عند الأصحاب ولا يحرمه عند المعتزلة بل إنما يحرم الكل ويسقط بترك واحد أو واحدا منها معينا عند الله أو ما يختاره المكلف للترك على الخلاف المتقدم نعم فرق بعض المعتزلة بينهما بأن اللغة لم ترد بصيغة من النهي عن واحد مبهم من أشياء معينة كما وردت بالأمر بواحد مبهم من أشياء معينة
قال وقوله تعالى ولا تطع منهم آثما أو كفورا نهي عن طاعتهما إجماعا أي وليس نهيا عن طاعة واحد مبهم منهما حتى يقال إنه صيغة من النهي عن واحد مبهم من أشياء معينة وردت بها اللغة لكن رد المحلي هذا الجواب بما حاصله أن هذه الصيغة يفهم منها النهي عن واحد مبهم فهي طريق لذلك ولا ينافي ذلك صرفها عن ظاهرها بالإجماع فقد ثبت ورود اللغة بذلك الطريق غاية الأمر أنه منع من حملها على معناها الأصلي مانع فافهم هكذا ينبغي تحقيق هذا المقام وإن أردت زيادة توضيحه فعليك بشرح المحلي على جمع الجوامع وحواشيه والله سبحانه وتعالى أعلم

14
14
الفرق الثامن والأربعون بين قاعدة التخيير الذي يقتضي التسوية وبين قاعدة التخيير الذي لا يقتضي التسوية بين الأشياء المخير بينها
جمهور الفقهاء يعتقدون أن صاحب الشرع أو غيره إذا خير بين أشياء يكون حكم تلك
هامش أنوار البروق
قال الفرق الثامن والأربعون بين قاعدة التخيير الذي يقتضي التسوية بين الأشياء المخير فيها وبين قاعدة التخيير الذي لا يقتضي التسوية إلى قوله وتخيير لا يقتضيه قلت الصحيح ما اعتقده جمهور الفقهاء وسطر في كتب الفقه وأصوله دون ما اختاره هو وارتضاه
قال وتحرير الفرق بين القاعدتين إلى قوله بذكر أربع مسائل قلت ما قاله هنا مجرد دعوى
قال المسألة الأولى تخييره تعالى بين خصال الكفارة في الحنث اقتضى ذلك التسوية في الحكم وهو الوجوب في المشترك بينها وهو مفهوم أحدها قلت قد سبق ما فيه
قال والتخيير في الخصوصيات وهو العتق والكسوة والإطعام قلت ذلك صحيح
قال فالمشترك متعلق الوجوب من غير تخيير قلت لو كان المشترك متعلق الوجوب لوجب الجميع بل متعلق الوجوب واحد غير معين
قال والخصوصيات متعلق التخيير من غير إيجاب وعلى كل تقدير فحكم كل خصلة من الخصال حكم الخصلة الأخرى لأنها أمور متباينة قلت ما قاله من أن الخصوصيات متعلق التخيير وأن حكم كل خصلة حكم الأخرى صحيح لا ما قاله من أن ذلك لكونها أمورا متباينة
هامش إدرار الشروق
الفرق الثامن والأربعون بين قاعدة التخيير الذي يقتضي التسوية وبين قاعدة التخيير الذي لا يقتضي التسوية بين الأشياء المخير بينها
على ما اختاره الأصل وارتضاه من تحقق هاتين القاعدتين خلافا لما هو مسطور في كتب الفقه وأصوله واعتقده جمهور الفقهاء من أن صاحب الشرع أو غيره إذا خير بين أشياء يكون حكم تلك الأشياء واحدا وأنه لا يقع التخيير إلا بين واجب وواجب أو مندوب ومندوب أو مباح ومباح
قال وتحرير الفرق بينهما أن التخيير متى وقع بين الأشياء المتباينة كما في تخييره تعالى بين خصال الكفارة في الحنث اقتضى ذلك التسوية في الحكم وهو الوجوب في المشترك الذي هو مفهوم أحدها والتخيير في الخصوصيات التي هي العتق والكسوة والإطعام لأنها أمور متباينة فالمشترك متعلق الوجوب من غير
15
15
الأشياء واحدا وأن لا يقع التخيير إلا بين واجب وواجب أو مندوب ومندوب أو مباح ومباح وكذلك هو مسطور في كتب أصول الفقه وكتب الفقه وليس الأمر كذلك بل هنالك تخيير يقتضي التسوية وتخيير لا يقتضيها وتحرير الفرق بين القاعدتين أن التخيير متى وقع بين الأشياء المتباينة وقعت التسوية أو بين الجزء والكل أو أقل أو أكثر لم تقع التسوية ويتضح لك هذا الفرق بذكر أربع مسائل
المسألة الأولى
تخييره تعالى بين خصال الكفارة في الحنث اقتضى ذلك التسوية في الحكم وهو الوجوب في المشترك بينها وهو مفهوم أحدها والتخيير في الخصوصيات وهو العتق والكسوة والإطعام فالمشترك متعلق الوجوب من غير تخيير والخصوصيات متعلق التخيير من غير إيجاب وعلى كل تقدير فحكم كل خصلة من الخصال حكم الخصلة الأخرى لأنها أمور متباينة
هامش أنوار البروق
قال
المسألة الثانية
قوله تعالى يا أيها المزمل إلى قوله ومع ذلك فالثلث واجب لا بد منه والنصف والثلثان مندوبان يجوز تركهما وفعلهما أولى قلت ليس الثلث واجبا من حيث هو ثلث ولو كان ذلك لكان واجبا معينا وليس النصف والثلثان مندوبين ولو كان ذلك لجاز تركهما مطلقا وليس كذلك بل لا يجوز تركهما إلا عند قيام الثلث
قال فقد وقع التخيير بين الواجب والمندوب بسبب أن التخيير وقع بين أقل وأكثر قلت لم يقع التخيير بين الواجب والمندوب وليس كون التخيير وقع بين أقل وأكثر سببا في ذلك
قال فهذا مفارق للتخيير بين خصال الكفارة قلت ليس مفارقا للتخيير بين خصال الكفارة بل هما سواء إلا عند من اعتراه الغلط فتوهم أن الجزء المنفرد المنفصل هو الجزء المجتمع المتصل
هامش إدرار الشروق
تخيير والخصوصيات متعلق التخيير من غير إيجاب ومتى وقع أي التخيير بين الجزء والكل كما في قوله تعالى فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة الآية فإن التخيير فيها وقع بين جزء وهما ركعتان وكل وهي أربع ركعات أو بين الأقل والأكثر كما في قوله تعالى يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا فإن التخيير فيها وقع بين الأقل والأكثر قال بعض العلماء خيره الله تعالى بين الثلث والنصف والثلثين لأن قوله تعالى أو انقص منه قليلا أي انقص من النصف
والمراد الثلث أو زد عليه أي على النصف السدس فيكون المراد الثلثين وكما في التخيير الذي أجمعت الأمة عليه لصاحب الدين على المعسر بين النظرة والإبراء فإن الإبراء لما كان يتضمن النظرة وترك المطالبة صار التخيير بينه وبين النظرة من باب التخيير بين الأقل والأكثر اقتضى ذلك عدم التسوية في الحكم ألا ترى أن الله تعالى خير المسافر في الآية الأولى بين ركعتين وهما واجبتان جزما لأنه لا يجوز تركهما إجماعا وبين الزائد عليهما وهو ليس بواجب لأنه يجوز تركه وما يجوز تركه لا يكون واجبا فوقع التخيير بين الواجب وما ليس بواجب على خلاف
16
16
المسألة الثانية
قوله تعالى يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا قال بعض العلماء خيره الله تعالى بين الثلث والنصف والثلثين لأن قوله تعالى أو انقص منه قليلا أي انقص من النصف والمراد الثلث أو زد عليه أي على النصف والمراد بالزيادة على النصف السدس فيكون المراد الثلثين كذا وقع في تفسير هذه الآية وهذا تخيير وقع بين ثلاثة أشياء كخصال الكفارة ومع ذلك فالثلث واجب لا بد منه والنصف والثلثان مندوبان يجوز تركها وفعلهما أولى فقد وقع التخيير بين الواجب والمندوب بسبب أن التخيير وقع بين أقل وأكثر والأقل جزء فهذا مفارق للتخيير بين خصال الكفارة فتأمله فهو لا يكاد يخطر بالبال إلا أن التخيير يقتضي التسوية مطلقا
المسألة الثالثة قوله تعالى فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة
هامش أنوار البروق
قال فتأمله فهو لا يكاد يخطر بالبال إلا أن التخيير يقتضي التسوية مطلقا قلت يحق أن لا يخطر غير ذلك بالبال فإنه الأمر الذي لا ريب فيه
قال المسألة الثالثة قوله تعالى فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة الآية خير الله تعالى المسافر بين ركعتين أو أربع والركعتان واجبتان جزما والزائد ليس بواجب لأنه يجوز تركه وما يجوز تركه لا يكون واجبا وأما الركعتان فلا يجوز تركهما إجماعا قلت ما قاله من أن الركعتين واجبتان جزما ليس بصحيح كيف وله تركهما وإبدالهما بأربع وما قاله من أن الزائد يجوز تركه وما يجوز تركه لا يكون واجبا ليس بصحيح أيضا فإن ما ليس بواجب يجوز تركه مطلقا وهذا لا يجوز تركه مطلقا بل يجوز عند فعل بدله وما قاله من أن الركعتين لا يجوز تركهما إجماعا ليس بصحيح بل يجوز تركهما عند فعل بدلهما وهو الأربع وإنما أوجب غلطه توهمه أن الركعتين المنفردتين هما المجتمعتان مع الركعتين الأخريين من الأربع
هامش إدرار الشروق
المتعارف المعهود من قاعدة أن التخيير يقتضي التسوية مطلقا لأنه بين جزء وكل لا بين أشياء متباينة وأن الله تعالى خيره صلى الله عليه وسلم في الآية الثانية بين الثلث وهو واجب لا بد منه وبين النصف والثلثين وهما مندوبان يجوز تركهما وفعلهما أولى فوقع التخيير بين الواجب والمندوب على خلاف القاعدة المذكورة لأنه بين أقل وأكثر والأقل جزء وأن إجماع الأمة وقع بتخيير صاحب الدين على المعسر بين النظرة أي ترك المطالبة وهو واجب حتما وبين الإبراء المتضمن للنظرة وترك المطالبة وهو ليس بواجب إلا أنه أفضل في حقه على خلاف قاعدتين إحداهما قاعدة التخيير كما تقدم والثانية قاعدة أن الواجب أفضل من المندوب لأنه تخيير فيما هو باب الأقل والأكثر كما علمت ا ه وقال العلامة ابن الشاط والصحيح ما اعتقده جمهور الفقهاء وسطر في كتب الفقه وأصوله دون ما اختاره القرافي وارتضاه وما قاله من كون التخيير الواقع بين المتباينات يوجب التسوية وبين الأقل والأكثر والجزء والكل لا يوجبها باطل
أما أولا فلأن خصوصيات الكفارة وإن صح أنها متعلق التخيير وأن حكم كل خصلة منها حكم
17
17
الآية خير الله تعالى المسافر بين ركعتين أو أربع والركعتان واجبتان جزما والزائد ليس بواجب لأنه يجوز تركه وما يجوز تركه لا يكون واجبا وأما الركعتان فلا يجوز تركهما إجماعا فقد وقع التخيير بين الواجب وما ليس بواجب وهذا خلاف المتعارف المعهود من القاعدة وسببه أن التخيير وقع بين جزء وكل لا بين أشياء متباينة
هامش أنوار البروق
قال فقد وقع التخيير بين الواجب وما ليس بواجب وهذا خلاف المتعارف المعهود من القاعدة قلت لم يقع التخيير بين واجب وغير واجب فيحق أن يكون ما ادعاه وتوهمه خلاف المتعارف من القاعدة
قال وسببه أن التخيير قد وقع بين جزء وكل لا بين أشياء متباينة قلت ليس وقوع التخيير بين جزء وكل سببا فيما ذكر وقد سبق القول في مثل ذلك
قال المسألة الرابعة اجتمعت الأمة على أن صاحب الدين على المعسر مخير بين النظرة والإبراء وأن الإبراء أفضل في حقه قلت ما قاله ليس بصحيح ولا أجمعت الأمة على التخيير هنا بوجه أصلا بل النظرة للمعسر متعين وجوبها بنص الكتاب العزيز
قال تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ولكنه لما كان لرب الدين إبراء غريمه منه وإسقاطه موسرا كان أو معسرا عنه توهم أنه مخير بين الأمرين في حق المعسر وليس الأمر كذلك ولو كان كذلك لكان تسويغ الإبراء من الدين مختصا بالمعسر
هامش إدرار الشروق
الأخرى لم يصح ما قاله من أن ذلك لكونها أمورا متباينة ولا ما قاله من أن المشترك متعلق الوجوب وإلا لوجب الجميع بل إنما صح كون متعلق التخيير الخصوصيات وأن حكم إلخ لأن متعلق الوجوب واحد غير معين وهو مفهوم أحد الخصال كما علمت وأما ثانيا فلأنه لا يصح ما قاله من وجوب الركعتين جزما على المسافر لأنه يجوز تركهما إجماعا كيف والمسافر يجوز له تركهما وإبدالها بالأربع والذي أوجب غلطه توهمه أن الركعتين المنفردتين هما المجتمعتان مع الركعتين الأخريين من الأربع ولا ما قاله من أن الزائد يجوز تركه وما يجوز تركه لا يكون واجبا فإن ما ليس بواجب يجوز تركه مطلقا والزائد لا يجوز تركه مطلقا بل عند فعل بدله فلم يقع التخيير بين واجب وغير واجب ولم يكن سببه وقوع التخيير بين جزء وكل فما ادعاه وتوهمه خلاف المتعارف من القاعدة
وأما ثالثا فلأن الثلث ليس بواجب من حيث هو ثلث وإلا لكان واجبا معينا ولا يجوز ترك النصف والثلثين مطلقا حتى يكونا مندوبين بل عند قيام الثلث فلم يقع التخيير بين الواجب والمندوب ولا سببه وقوع التخيير بين أقل وأكثر بل التخيير هنا مساو للتخيير بين خصال الكفارة لا مفارق له إلا عند من اعتراه الغلط فتوهم أن الجزء المنفرد المنفصل هو الجزء المجتمع المتصل وأما رابعا فلأن الأمة لم تجمع على التخيير بين النظرة للمعسر وإبرائه بل النظرة له متعين وجوبها بنص الكتاب العزيز قال تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ولكنه لما كان لرب الدين إبراء غريمه منه وإسقاطه موسرا كان أو معسرا عنه توهم أنه مخير بين الأمرين في حق المعسر وليس كذلك وإلا لاختص تسويغ الإبراء من الدين بالمعسر واللازم باطل فكذا الملزوم على أنه ليس التخيير في هذه
18
18
المسألة الرابعة
أجمعت الأمة على أن صاحب الدين على المعسر مخير بين النظرة والإبراء وأن الإبراء أفضل في حقه وأحدهما واجب حتما وهو ترك المطالبة والإبراء
هامش أنوار البروق
قال وأحدهما واجب حتما وهو ترك المطالبة قلت ذلك صحيح وهو معنى النظرة ولكن لا يلزم منه مقصوده
قال فصار من باب الأقل والأكثر قلت ليس من باب الأقل والأكثر ولكنه من باب الأخذ عند الميسرة أو الترك جملة ولا يقال في مثل هذا إنه أقل أو أكثر إلا بنوع من المجاز
قال وهذه المسألة مستثناة من قاعدتين إحداهما قاعدة التخيير كما تقدم والثانية قاعدة أن الواجب أفضل من المندوب فإن المندوب في هذه الصورة وهو الإبراء أفضل من الواجب الذي هو الإنظار قلت قد تقدم أن هذه المسألة ليست من قاعدة التخيير وما قاله من أن المندوب في هذه الصورة أفضل من الواجب لم يأت عليه بحجة ولعل الأمر في ذلك على خلاف ما زعم وغايته أو غاية من يحتج لقوله ذلك أن يقول النظرة إراحة للغريم من مؤنة الدين ما بينه وبين الميسرة والإبراء إراحة للغريم من مؤنة الدين بالكلية ولا شك أن الإراحة الكلية أعظم قدرا من الإراحة غير الكلية فتكون أعظم أجرا وما يحتج به المحتج من ذلك صحيح غير أن هذا المقام قاعدة وهو أن المعتبر في تفاضل الأعمال المتحدة تفاضل أحوال عامليها أولا ثم تفاضل الأعمال أنفسها ثانيا ثم تفاضل أحوال المنتفع بها إن كانت متعدية النفع ثالثا
والدليل على صحة هذا الترتيب قوله صلى الله عليه وسلم سبق درهم مائة ألف درهم
فلو كان المعتبر أولا تفاضل أحوال المنتفع لسبقت مائة الألف الدرهم لأنها
هامش إدرار الشروق
المسألة لا من باب الأخذ عند الميسرة أو الترك جملة ولا يقال في مثل هذا أنه أقل أو أكثر إلا بنوع من المجاز
فهذه المسألة ليست من قاعدة التخيير أصلا وما زعمه من أن المندوب فيها أفضل من الواجب وإن أمكن توجيهه بأن النظرة إراحة للغريم من مؤنة الدين ما بينه وبين الميسرة والإبراء إراحة للغريم من مؤنة الدين بالكلية ولا شك أن الإراحة الكلية أعظم قدرا من الإراحة غير الكلية فتكون أعظم أجرا إلا أن القاعدة هنا أن المعتبر في تفاضل الأعمال المتحدة تفاضل أحوال عامليها أولا ثم تفاضل الأعمال أنفسها ثانيا ثم تفاضل أحوال المنتفع بها إن كانت متعدية النفع ثالثا ودليل صحة هذا الترتيب قوله صلى الله تعالى عليه وسلم سبق درهم مائة ألف درهم فلو كان المعتبر أولا تفاضل أحوال المنتفع لسبقت مائة الألف الدرهم لأنها أعظم نفعا بالمشاهدة وإذا ثبت أن المعتبر أولا حال العامل فلا ريب أن تحمل وظيفة الإنظار التي حمل عليها بإيجابها عليه إليها أشق عليه من وظيفة الإبراء الموكولة إلى اختياره وهذا المعنى والله أعلم هو السبب الأعظم في أفضلية الفرائض على غيرها فلم تنخرم قاعدة أفضلية الواجبات على المندوبات ا ه
قلت وعلى ما قاله ابن الشاط فالصواب إبدال هذا الفرق بالفرق بين قاعدة المباح بالجزء المطلوب الفعل بالكل وبين قاعدة المباح بالجزء المطلوب الترك بالكل بمعنى أن المداومة عليه منهي عنها
قال العلامة أبو إسحاق في موافقاته اعلم أن المباح باعتباره في نفسه لا بالأمور الخارجة عنه هو المسمى بالمباح بالجزء وباعتباره بالأمور الخارجة عنه هو المسمى بالمطلوب بالكل والأول يطلق بإطلاقين الأول من حيث هو مخير فيه بين الفعل والترك والآخر من حيث يقال لا حرج فيه
19
19
ليس بواجب والسبب في هذا أن الإبراء يتضمن النظرة وترك المطالبة فصار من باب الأقل والأكثر وهذه المسألة مستثناة من قاعدتين إحداهما قاعدة التخيير كما تقدم والثانية قاعدة أن الواجب أفضل من المندوب فإن المندوب في هذه الصورة وهو الإبراء أفضل من الواجب الذي هو الإنظار فتحرر حينئذ الفرق بين القاعدتين وأن التخيير إذا وقع بين المتباينات اقتضى التسوية بين الأقل والأكثر والجزء والكل لا يقتضي التسوية بل يتحتم الأقل والجزء دون الزائد عليه
هامش أنوار البروق
أعظم نفعا بالمشاهدة وإذا ثبت أن المعتبر أولا حال العامل فلا ريب أن تحمل وظيفة الإنظار التي حمل عليها واضطر بإيجابها عليه إليها أشق عليه من وظيفة الإبراء الموكولة إلى اختياره وهذا المعنى والله أعلم هو السبب الأعظم في أفضلية الفرائض على غيرها وعلى هذا لا تنخرم قاعدة أفضلية الواجبات على المندوبات وما قال من كون التخيير الواقع بين المتباينات يوجب التسوية وبين الأقل والأكثر إلى آخره قد تبين بطلانه
هامش إدرار الشروق
والثاني على أربعة أقسام أحدها أن يكون خادما لأمر مطلوب الفعل والثاني أن يكون خادما لأمر مطلوب الترك والثالث أن يكون خادما لمخير فيه والرابع أن لا يكون فيه شيء من ذلك
فأما الأول فهو المباح بالجزء باعتباره في نفسه المطلوب الفعل بالكل باعتبار ما هو خادم له وأما الثاني فهو المباح بالجزء المطلوب الترك بالكل بالاعتبارين المذكورين بمعنى أن المداومة عليه منهي عنها وأما الثالث والرابع فراجعان إلى هذا القسم الثاني وذلك أن المباح إن كان خادما يعتبر بما يكون خادما له والخدمة إن كانت في طرق الترك كترك الدوام على التنزه في البساتين وسماع تغريد الحمام والغناء المباح كان ترك الدوام فيه هو المطلوب من حيث هو خادم لما يضاد الضروريات وهو الفراغ من الاشتغال بها وإن كانت في طرف الفعل كالاستمتاع بالحلال من الطيبات كان الدوام فيه بحسب الإمكان من غير سرف هو المطلوب من حيث هو خادم المطلوب وهو أصل الضروريات والخادم للمخير فيه على حكمه لأنه خادم له فصار مطلوب الترك أيضا لأنه صار خادما لقطع الزمان في غير مصلحة دين ولا دنيا فهو إذا خادم المطلوب الترك فصار مطلوب الترك بالكل
وأما الرابع فلما كان غير خادم لشيء يعتد به كان عبثا أو كالعبث عند العقلاء فصار مطلوب الترك أيضا لأنه صار خادما لقطع الزمان في غير مصلحة دين ولا دنيا فهو إذا خادم المطلوب الترك فصار مطلوب الترك بالكل وتلخص أن كل مباح ليس بمباح بإطلاق وإنما هو مباح بالجزء خاصة وأما بالكل فهو إما مطلوب الفعل أو مطلوب الترك مثلا هذا الثوب الحسن مباح اللبس قد استوى في نظر الشرع فعله وتركه فلا قصد له في أحد الأمرين وهذا معقول واقع بهذا الاعتبار المقتصر به على ذات المباح من حيث هو كذلك وهو من جهة ما هو وقاية للحر والبرد وموار للسوأة وجمال في النظر مطلوب الفعل وهذا النظر غير مختص بهذا الثوب المعين ولا بهذا الوقت المعين فهو نظر بالكل لا بالجزء ا ه بتغيير وتوضيح للمراد والله سبحانه وتعالى أعلم

20
20
الفرق التاسع والأربعون بين قاعدة التخيير بين الأجناس المتباينة وبين قاعدة التخيير بين أفراد الجنس الواحد
وتحرير الفرق بين هاتين القاعدتين يرجع إلى تحرير اصطلاح العلماء لا لمعنى يترتب عليه وذلك أنهم يسمون خصال الكفارة واجبا مخيرا ولا يسمون تخيير المكلف بين رقاب الدنيا في إعتاق الرقبة في كفارة الظهار وغيرها واجبا مخيرا وكذلك التخيير بين شياه الدنيا في إخراج شاة من أربعين شاة لا يسمونه واجبا مخيرا وكذلك دينار من أربعين دينارا والسترة بثوب من ذلك واجبا والوضوء بماء من مياه الدنيا وغير ذلك لا يسمون ذلك واجبا مخيرا بل يقصرون ذلك على خصال الكفارة ونحوها وضابط الفرق بين القاعدتين ما تقدم من أن التخيير متى وقع بين الأجناس المختلفة فهو الذي اصطلحوا على أنه واجب مخير ومتى وقع بين أفراد جنس واحد لا يكون هو المسمى بالواجب المخير فالعتق والإطعام والكسوة أجناس مختلفة والغنم كلها جنس واحد وكذلك الدنانير وغيرها من النظائر فهذا هو ضابط الفرق بين البابين
هامش أنوار البروق
قال الفرق التاسع والأربعون
والفرق الخمسون قلت ما قاله في هذين الفرقين صحيح والله أعلم
هامش إدرار الشروق
الفرق التاسع والأربعون بين قاعدة التخيير بين الأجناس المتباينة وبين قاعدة التخيير بين أفراد الجنس الواحد
وضابط الفرق بينهما أن التخيير متى وقع بين الأجناس المختلفة كخصال الكفارة من العتق والإطعام والكسوة فهو الذي اصطلحوا على أنه يسمى واجبا مخيرا ومتى وقع بين أفراد جنس واحد كتخيير المكلف بين رقاب الدنيا في إعتاق الرقبة في كفارة الظهار وغيرها وبين شياه الدنيا في إخراج شاة من أربعين شاة وبين دنانير الدنيا في إخراج دينار من أربعين دينار أو بين مياه الدنيا في الوضوء بماء منها وبين ثياب الدنيا في الاستتار بثوب من ذلك ونحو ذلك من النظائر فهو الذي اصطلحوا على أنه لا يسمى واجبا مخيرا والله سبحانه وتعالى أعلم
والفرق الخمسون قلت ما قاله في هذين الفرقين صحيح والله أعلم
21
21
الفرق الخمسون بين قاعدة التخيير بين شيئين وأحدهما يخشى من عقابه وبين قاعدة التخيير بين شيئين وأحدهما يخشى من عاقبته لا من عقابه هذا الموضع أشكل على جماعة من الفضلاء وتحريره وبسطه وتقرير الفرق بينهما بأن نقول أما القسم الأول فمتعذر الوقوع ولا يمكن أن يخير الله تعالى بين شيئين وأحدهما يخشى من عقابه ويقول الله تعالى إن فعلت هذا بعينه عافيتك فهذا لا يجتمع مع التخيير أبدا وأما ما يخشى من عاقبته فوقوع التخيير فيه ممكن واقع وقد وقع ذلك فمنها ما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء فجاءه جبريل عليه السلام بقدحين أحدهما لبن والآخر خمر فخيره بين شرب أيهما شاء فاختار اللبن فقال له جبريل عليه السلام اخترت الفطرة ولو اخترت الخمر لغوت أمتك فقال جماعة من الفضلاء المغوي حرام والفطرة مطلوبة فكيف يخير عليه السلام بين الحرام والمطلوب وجوده ومما يؤكد أنه حرام أن السبب للضلال حرام وشرب هذا القدح سبب ضلال الأمة كما قال جبريل عليه السلام فيكون حراما ومع ذلك فقد وقع التخيير بينه وبين اللبن
وهذا مشكل جدا فكيف يخير بين سبب
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
الفرق الخمسون بين قاعدة التخيير بين شيئين وأحدهما يخشى من عقابه وبين قاعدة التخيير بين شيئين وأحدهما يخشى من عاقبته لا من عقابه حيث قالوا يتعذر وقوع الأول وأنه لا يمكن أن يخير الله تعالى بين شيئين وأحدهما يخشى من عقابه إذ لا يجتمع العقاب على فعل المكلف أحد الأمور بعينه مع تخييره في فعل ما يختاره منها أبدا وقالوا يمكن وقوع الثاني بل قد وقع ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء فجاءه جبريل عليه السلام بقدحين أحدهما لبن والآخر خمر فخيره بين شرب أيهما شاء فاختار اللبن فقال له جبريل عليه السلام اخترت الفطرة ولو اخترت الخمر لغوت أمتك وقد استشكل هذا الحديث جماعة كثيرة من الفضلاء بأن شرب هذا القدح من الخمر سبب ضلال الأمة كما قال جبريل عليه السلام والسبب للضلال حرام فيكون حراما فكيف يقع التخيير له عليه الصلاة والسلام بينه وهو حرام وسبب الضلالة وبين اللبن الذي هو الفطرة المطلوبة الوجود وسبب الهداية وسر الفرق بين هاتين القاعدتين الذي يتضح به معنى الحديث المذكور ويندفع عنه الإشكال المذكور هو أن العقاب لما كان يرجع إلى المنع الناشئ عن الكلام النفساني كان تحريما لا يجتمع مع الإباحة التي هي عبارة عن الإذن الشرعي الناشئ عن الكلام النفساني لأنه ضدها وأن العاقبة لما كانت ترجع إلى أثر قدره الله تعالى وقدره في الحوادث لا بخطابه وكلامه لم تكن بينها وبين الإذن الشرعي الناشئ عن الكلام مضادة بدليل أن الأمة مجمعة على أن الإنسان يخير بين سكنى هاتين الدارين أو تزويج إحدى هاتين المرأتين أو شراء إحدى هاتين الفرسين فإذا اختار أحدهما بمقتضى أن الشرعي الناشئ عن الكلام النفساني أمكن أن يخبر المخبر عن الله تعالى أنك لو اخترت ما تركت من الدارين والمرأتين
22
22
الهداية وسبب الضلالة والجواب أن هذا من باب العاقبة لا من باب العقاب والممتنع هو الثاني دون الأول وبسطه أن العقاب يرجع إلى منع من الكلام النفساني فهو تحريم لا يجتمع مع الإباحة لأنه ضدها والعاقبة ترجع إلى أثر قدرة الله تعالى وقدره في الحوادث لا بخطابه وكلامه فلا مضادة بينهما وإنما يضاد الإذن من الكلام المنع من الكلام حتى يصير افعل لا تفعل أما أثر القدرة والقدر فلا يضاد الإذن بدليل أن الأمة مجمعة على أن الإنسان يخير بين سكنى هاتين الدارين مثلا أو تزوج إحدى هاتين المرأتين أو شراء إحدى هاتين الفرسين فإذا اختار أحدهما بمقتضى الإذن الشرعي الناشئ من الكلام النفساني أمكن أن يخبره المخبر عن الله تعالى أنك لو اخترت ما تركت من الدارين والمرأتين والفرسين لكان ذلك سبب ضلالك وهلاك مالك وذريتك وغير ذلك من سوء العاقبة كما جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما الشؤم في ثلاث المرأة والدار والفرس وقال بحمله على ظاهره جماعة من العلماء وكما جاء في الحديث الآخر أنه لما قيل له عليه السلام عن دار يا رسول الله سكناها والعدد وافر والمال كثير فذهب العدد والمال فقال عليه السلام دعوها ذميمة ولو لم ترد هذه الأحاديث فإنا نجوز أن يفعل الله تعالى ذلك في بعض الأشياء التي نلابسها ويجعل عاقبتها رديئة ومع ذلك لا ينافي ذلك التخيير الثابت بمقتضى الشرع الكائن في جميع هذه الصور وكذلك التخيير الواقع بين القدحين ليلة الإسراء وهو محقق ولم يكن شيء من ذلك محرما على رسول الله صلى الله عليه وسلم بل مأذون بإقدامه عليهما ولو أقدم على ذلك القدح من الخمر لم يكن إثما ولا عقاب فيه نعم فيه سوء العاقبة وقد تقدم أنها ترجع إلى أثر القدرة والقدر وما يخلقه الله تعالى في الحوادث من الضر والنفع لا للمنع النفسي المناقض للتخيير فظهر الفرق بين التخيير مع سوء العاقبة واتضح معنى الحديث الذي استشكله جماعة كثيرة من الفضلاء وأنه لموضع إشكال لولا هذا الفرق والله أعلم
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
والفرسين لكان ذلك سبب ضلالك وهلاك مالك وذريتك وغير ذلك من سوء العاقبة كما جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما الشؤم في ثلاث المرأة والدار والفرس
وقال بحمله على ظاهره جماعة من العلماء وكما جاء في الحديث الآخر أنه لما قيل له عليه السلام عن دار يا رسول الله سكناها والعدد وافر والمال كثير فذهب العدد والمال فقال عليه السلام دعوها ذميمة بل ولو لم ترد هذه الأحاديث فإنا نجوز أن يفعل الله تعالى ذلك في بعض الأشياء التي تلابسها ويجعل عاقبتها رديئة قال تعالى وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم وذلك لا ينافي التخيير الثابت بمقتضى الشرع الكائن في جميع هذه الصور فلذا وقع تخييره صلى الله تعالى عليه وسلم بين القدحين ليلة الإسراء وهو محقق ولم يكن شيء منهما محرما على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بل مأذون بإقدامه عليهما ولو أقدم على ذلك القدح من الخمر لم يكن فيه إثم ولا عقاب نعم فيه سوء العاقبة وقد تقدم أنها ترجع إلى أثر القدرة والقدر وما يخلقه الله تعالى في الحوادث من الضرر والنفع لا للمنع النفسي المناقض للتخيير والله سبحانه وتعالى أعلم

23
23
الفرق الحادي والخمسون بين قاعدة الأعم الذي لا يستلزم الأخص عينا وبين قاعدة الأعم الذي يستلزم الأخص عينا
اشتهر بين النظار والفضلاء في العقليات والفقهيات أن الأعم لا يستلزم أحد أنواعه عينا وإنما يستلزم الأعم مطلق الأخص لا أخص معينا وإنما يستلزم مطلق الأخص لضرورة وقوعه في الوجود فإن دخول الحقائق الكلية في الوجود مجردة محال فلا بد لها من شخص تدخل فيه ومعه فلذلك صار اللفظ الدال على وقوعها في الوجود يدل بطريق الالتزام على مطلق الأخص وهو أخص ما لا أخص معينا وهذا هو القول المطرد بين الفقهاء والنظار لا يكاد يختلف منهم في ذلك اثنان وليس الأمر كذلك بل الأمر في
هامش أنوار البروق
قال
الفرق الحادي والخمسون بين قاعدة الأعم الذي لا يستلزم الأخص عينا وبين قاعدة الأعم الذي يستلزم الأخص عينا
اشتهر بين النظار والفضلاء في العقليات والفقهيات أن الأعم لا يستلزم أحد أنواعه عينا وإنما يستلزم الأعم مطلق الأخص لا أخص معينا إلى قوله لا يكاد يختلف منهم في ذلك اثنان قلت ما اشتهر بين النظار هو القول الصحيح الذي لا يكاد يختلف فيه منهم اثنان ولا وجه هنا ليكاد
قال وليس الأمر كذلك بل الأمر في ذلك مختلف وهما قاعدتان مختلفتان قلت بل الأمر كذلك وليس الأمر في ذلك بمختلف وليس ها هنا قاعدتان بوجه بل هي قاعدة واحدة فهذا الفرق باطل
قال وتحرير ضبطهما والفرق بينهما أن الحقيقة العامة تارة تقع في رتب مترتبة بالأقل والأكثر والجزء والكل وتارة تقع في رتب متباينة
هامش إدرار الشروق
الفرق الحادي والخمسون بين قاعدة الأعم الذي لا يستلزم الأخص عينا وبين قاعدة الأعم الذي يستلزم الأخص عينا
على ما زعمه الأصل من أنهما قاعدتان مختلفتان لا قاعدة واحدة هي أن الأعم لا يستلزم أحد أنواعه عينا وإنما يستلزم الأعم مطلق الأخص ضرورة أن دخول الحقائق الكلية في الوجود مجردة محال فلا بد لها من مطلق شخص تدخل معه فيه وتكون ماهية مخلوطة وماهية بشرط لا شيء خلاف لما اشتهر بين النظار والفضلاء في العقليات والفقهيات بناء على توهمه أن الأقل من الفعل كالمرة في حال الانفراد هو عين نفسه في حال اجتماعه مع غيره ككون المرة مع أخرى أو آخر حتى صح أن يوصف بالكثير والأكثر وكذلك الجزء منفردا عين نفسه مع الكل فقال إن الأعم إذا وقع في رتب مترتبة بالأقل والأكثر
24
24
ذلك مختلف وهما قاعدتان مختلفتان وتحرير ضبطهما والفرق بينهما أن الحقيقة العامة تارة في رتب مترتبة بالأقل والأكثر والجزء والكل وتارة تقع في رتب متباينة فمثال الأول مطلق الفعل الأعم من المرة الواحدة والمرات فالمرة رتبة دنيا والمرات رتبة عليا لأنها فوق المرة ومع ذلك فلا بد في دخول الفعل في الوجود من المرة الواحدة عينا لأنه إن وقع في المرات وقعت المرة وإن وقع مرة واحدة وقعت المرة الواحدة فالمرة الواحدة لازمة لدخول ماهية الفعل بالضرورة والماهية العامة الكلية مستلزمة لهذا النوع الأخص عينا بالضرورة وكذلك إخراج مطلق المال يدل بالالتزام على إخراج الأقل عينا وكذلك كل أقل مع أكثر الماهية الكلية مشتركة بينهما فيلزم أحد نوعيها عينا وهو الأقل بالضرورة كما تقدم فهذا ضابط هذه القاعدة وأما مثال قاعدة الأعم الذي لا يستلزم أحد أنواعه عينا فهذا هو
هامش أنوار البروق
قلت ذلك مسلم
قال فمثال الأول مطلق الفعل الأعم من المرة الواحدة والمرات فالمرة رتبة دنيا والمرات رتبة عليا لأنها فوق المرة قلت وذلك مسلم
قال ومع ذلك فلا بد في دخول الفعل في الوجود من المرة الواحدة عينا إلى قوله فهذا ضابط هذه القاعدة قلت ما أبعد قائل هذا الكلام عن التحقيق والتحصيل وهل يستريب ذو عقل أنه إذا دخل فعل ما في الوجود مرات أنه لم يدخل فيه مرة واحدة وأنه إذا دخل فيه مرة واحدة لم يدخل فيه مرات وكيف يصح في الأفهام شيء إذا احتاج النهار إلى دليل وما حمله على ما قاله إلا توهمه أن المرة الواحدة من الفعل المنفردة هي بعينها المجتمعة مع أخرى أو آخر ليس الأمر كما توهم كيف والمرة الواحدة مقيدة بقيد الانفراد والمرة المقرونة بأخرى أو آخر مقيدة بقيد الاجتماع والقيدان واضح تناقضهما وضوحا لا ريب فيه
هامش إدرار الشروق
والكل استلزم نوعه الأقل والجزء جزما ضرورة أنه لا بد لدخوله في الوجود مع الأقل والجزء عينا لأنه إن وقع في الأكثر والكل فقد وقع الأقل والجزء عينا وإن وقع في الأقل والجزء فقد وقعا عينا أيضا وأما إذا وقع الأعم في رتب متباينة كالحيوان إن وقع في نوعين متباينين هما الناطق والبهيم فإنه لا يستلزم أحد نوعيه عينا وإن كان لا يوجد إلا في ناطق أو بهيم لتباين نوعيه
فإذا قلنا في الدار حيوان لا يعلم أهو ناطق أو بهيم بخلاف ما إذا قال الموكل لوكيله بع فإن لفظه هذا يشعر بالثمن البخس الذي هو مطلق الثمن لأنه أدنى الرتب فلا بد منه بالضرورة فكان اللفظ دالا عليه بطريق الالتزام وثمن المثل الزائد على ذلك إنما دلت عليه العادة لا اللفظ فظهر بطلان قول من يقول إن لفظ بع لا دلالة على شيء من أنواعه لا ثمن المثل ولا الفاحش ولا الناقص وإنما تعين ثمن المثل من العادة لا من اللفظ
ا ه
قال ابن الشاط وما اشتهر بين النظار هو القول الصحيح الذي لا يختلف فيه منهم اثنان وليس هاهنا قاعدتان بل هي قاعدة واحدة لا تتفرع ولا تنقسم من الوجه الذي ذكره القرافي بوجه وما ذكره من الفرق باطل إنما أوقعه فيه
25
25
المهيع العام والأكثر في الحقائق الذي لا يكاد يعتقد غيره كالحيوان فإنه لا يستلزم الناطق ولا البهيم عينا من أنواعه مع أنه لا يوجد إلا في ناطق أو بهيم ولا يوجد في غيرهما وسبب عدم التزامه لأحدهما عينا تباينهما
فإذا قلنا في الدار حيوان لا يعلم أهو ناطق أو بهيم وكذلك حقيقة العدد لها نوعان الزوج والفرد وهي لا تستلزم أحدها عينا فإذا قلنا مع زيد عدد من الدراهم لا يشعر هل هو زوج أو فرد لحصول التباين بين الزوج والفرد وكذلك إذا قلنا لون حقيقة كلية لا إشعار للفظها بسواد ولا بياض بخصوصه نعم لا بد من خصوص لكن لا يتعين بخلاف القسم الأول يتعين فيه أحد الأنواع وبهذا التحرير يظهر بطلان قول من يقول إن قول الموكل لوكيله بع لا دلالة له على شيء من أنواع هذا اللفظ لا ثمن المثل ولا الفاحش ولا الناقص وإنما تعين ثمن المثل من العادة لا من اللفظ فنقول
هامش أنوار البروق
قال وأما مثال قاعدة الأعم الذي لا يستلزم أحد أنواعه عينا فهذا هو المهيع العام والأكثر في الحقائق الذي لا يكاد يعتقد غيره كالحيوان فإنه لا يستلزم الناطق ولا البهيم عينا من أنواعه مع أنه لا يوجد إلا في ناطق أو بهيم ولا يوجد في غيرهما إلى قوله بخلاف القسم الأول فيتعين فيه أحد الأنواع قلت قوله فهذا هو المهيع العام الأكثر ليس كما قال بل هو المهيع الذي لا مهيع سواه
وقوله بخلاف القسم الأول قد تبين أنه ليس بخلافه
قال وبهذا التحرير يظهر بطلان قول من يقول أن قول الموكل لوكيله بع لا دلالة له على شيء من أنواع هذا اللفظ لا ثمن المثل ولا الفاحش ولا الناقص وإنما تعين ثمن المثل من العادة لا من اللفظ فنقول أما قولهم إن ثمن المثل إنما تعين من جهة العادة لا من جهة اللفظ فصحيح قلت تسليمه ما سلم صحيح
قال وأما قولهم إن اللفظ لا إشعار له بشيء من هذه الأنواع فليس كذلك بل يشعر بالثمن
هامش إدرار الشروق
توهمه أن الأقل المنفصل جزء من الأكثر المتصل وأن المرة الواحدة من الفعل مقيدة بقيد الانفراد هي عين نفسها مقرونة بأخرى أو آخر ومقيدة بقيد الاجتماع وهو واضح البطلان وضوحا لا ريب فيه ضرورة أن الشيء مع غيره غيره في نفسه وأن قيد الانفراد يناقض قيد الاجتماع بلا شبهة بل لا يمكن أن يفوه أحد بأشد فسادا مما بناه على هذا التوهم من قوله إن قول الموكل لوكيله بع يدل التزاما على الثمن البخس الذي هو مطلق الثمن لأنه أدنى الرتب فلا بد منه بالضرورة وثمن المثل الزائد على ذلك إنما دلت عليه العادة لا اللفظ إذ كيف يدل اللفظ على ما لا يقصده المتكلم به ولا جرت عادة ولا عرف باستعماله فيه وهل يريد عاقل بيع مبيعه بالبخس من غير ضرورة إلى ذلك ثم كيف يكون البخس هو مطلق الثمن وهو أحد أنواع مطلق الثمن وهل يمكن أن يكون النوع هو البخس بعينه وهل يمكن اجتماع الإطلاق والتقييد في شيء واحد هذا كله خطأ فاحش لا ريب فيه ا ه
قلت وحيث ثبت بطلان هذا الفرق فالصواب إبداله بالفرق بين قاعدة العموم في خصوص العين وقاعدة العموم في خصوص الحال قال الإمام ابن العربي في كتابه أحكام القرآن من غريب فنون الترجيح ترجيح العموم في خصوص العين على العموم
26
26
أما قولهم إن ثمن المثل إنما تعين من جهة العادة لا من جهة اللفظ فصحيح وأما قولهم إن اللفظ لا إشعار له بشيء من هذه الأنواع فليس كذلك بل يشعر بالثمن البخس الذي هو مطلق الثمن لأنه أدنى الرتب فلا بد منه بالضرورة فكان اللفظ دالا عليه بطريق الالتزام والزائد على ذلك دلت عليه العادة فظهر الفرق بين القاعدتين ويحصل من هذا الفرق والفرق المتقدم في التخيير أن ذوات الرتب مستثناة من قاعدتين قاعدة التخيير فيختلف الحكم مع التخيير وقاعدة أن الأعم لا يستلزم الأخص عينا فإن الأعم فيها يستلزم الأخص عينا فتأمل ذلك فهو من نوادر المباحث
هامش أنوار البروق
البخس الذي هو مطلق الثمن لأنه أدنى الرتب فلا بد منه بالضرورة فكان اللفظ دالا عليه بطريق الالتزام والزائد على ذلك دلت عليه العادة قلت لا يمكن أن يفوه أحد بأشد فسادا من هذا الكلام وكيف يدل اللفظ على ما لا يقصده المتكلم به ولا جرت له عادة ولا عرف باستعماله فيه وهل يريد عاقل بيع مبيعه بالبخس من غير ضرورة إلى ذلك ثم كيف يكون البخس هو مطلق الثمن وهو أحد أنواع مطلق الثمن وهل يمكن أن يكون النوع هو البخس بعينه وهل يمكن اجتماع الإطلاق والتقييد في شيء واحد وهما نقيضان هذا كله خطأ فاحش لا ريب فيه وإنما أوقعه في ذلك توهمه أن الأقل المنفصل جزء من الأكثر المتصل وهو باطل كما سبق القول فيه والتنبيه عليه
قال فظهر الفرق بين القاعدتين إلى قوله فإن الأعم فيها يستلزم الأخص عينا قلت لم يظهر فرق والأصح أنهما قاعدتان بل قاعدة واحدة لا تتفرع ولا تنقسم من الوجه الذي ذكره بوجه وكذلك قاعدة التخيير التي أشار إليها قد تبين أنه لا فرق فيها بين المختلفين المخير بينهما وإن كان اختلافهما بالأقل والأكثر والجزء والكل
قال فتأمل ذلك فهو من نوادر المباحث قلت في اقتضائه من الخطأ إلى أبعد الغايات
هامش إدرار الشروق
في خصوص الحال وذلك أن بعض علمائنا قال إن دم الحيض كسائر الدماء يعفى عن قليله تمسكا بعموم قوله تعالى أو دما مسفوحا فإنه يتناول الكثير دون القليل وهو عموم في خصوص حال الدم
وقال البعض الآخر قليله وكثيره سواء في التحريم رواه أبو ثابت عن ابن القاسم وابن وهب وابن سيرين عن مالك تمسكا بقوله تعالى بل هو أذى فإنه يعم القليل والكثير وهو عموم في خصوص عين الدم فيترجح على الآخر لأن حال العين أرجح من حال الحال قال وقد بيناه في أصول الفقه وهو ما لم نسبق إليه ولم نزاحم عليه انتهى بتصرف والله سبحانه وتعالى أعلم

27
27
الفرق الثاني والخمسون بين قاعدة خطاب غير المعين وقاعدة الخطاب بغير المعين
وتحرير الفرق بينهما أن الأول لم يقع في الشريعة والثاني واقع والسبب في ذلك والسر فيه أن خطاب المجهول يؤدي إلى ترك الأمر ويقول كل واحد من المكلفين ما تعين على الامتثال فإنه لم يقع الخطاب معي ولا نص علي فلا أفعل فتبطل مصلحة الأمر ولذلك لما كان خطاب فرض الكفاية يقتضي من حيث اللغة خطاب غير المعين كقوله تعالى ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وقوله فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ونحو ذلك مما يقتضي مخاطبا غير
هامش أنوار البروق
قال
الفرق الثاني والخمسون بين قاعدة خطاب غير المعين وقاعدة الخطاب بغير المعين إلى قوله فتبطل مصلحة الأمر
قلت ما قاله من إن خطاب غير المعين لم يقع في الشريعة إن أراد بالخطاب ما هو ظاهره من القصد للإفهام فما قاله صحيح وإن أراد بالخطاب التكليف والإلزام فما قاله غير صحيح فإنه لا مانع من أن يقول السيد لجماعة عبيده ليفعل أحدكم من غير تعيين الفاعل من قبلي ولا يفعله أحد غيره فمن فعله أثبته ومن شاركه فيه عاقبته وإن لم يفعل أحد منكم ذلك الفعل عاقبتكم أجمعين فالخطاب في هذا المثال متوجه إلى الجميع بأن يجتمعوا على تعيين أحدهم لذلك الفعل أو يعين من شاء منهم نفسه وهكذا هو فرض الكفاية الخطاب للجميع والتكليف لواحد غير معين منهم أو لجماعة غير معينة منهم وما قاله من أن السبب في ذلك والسر فيه أن خطاب المجهول يؤدي إلى ترك الأمر ليس كما قال فإنه يريد هنا على ما يقتضيه كلامه بعد بالخطاب التكليف ولا مانع منه من جهة العقل كما في
هامش إدرار الشروق
الفرق الثاني والخمسون بين قاعدة خطاب غير المعين وقاعدة الخطاب بغير المعين
على مذهب الأصل المبني على قول علماء الأصول أن طلب الكفاية متوجه على الجميع لكن إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين من أن خطاب غير المعين لم يقع في الشريعة إذ لو وقع لأدى إلى ترك الأمر ويقول كل واحد من المكلفين ما تعين على الامتثال فإنه لم يقع الخطاب معي ولا نص علي فلا أفعل فتبطل مصلحة الأمر ولذلك جعل صاحب الشرع الوجوب في فروض الكفايات متعلقا بالكل ابتداء على سبيل الجمع لتنبعث داعية كل واحد للفعل ليخلص عن العقاب فإذا فعل البعض سقط عن الكل وإن كان خطاب فرض الكفاية يقتضي من حيث اللغة خطاب غير المعين كقوله تعالى ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وقوله تعالى فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ونحو ذلك مما يقتضي مخاطبا غير معين وأما الخطاب بغير المعين
28
28
معين جعل صاحب الشرع الوجوب في فروض الكفايات متعلقا بالكل ابتداء على سبيل الجمع فإذا فعل البعض سقط عن الكل وسبب تعلقه بالكل ابتداء لئلا يتعلق الخطاب بغير معين مجهول فيؤدي ذلك إلى تعذر الامتثال فإذا وجب على الكل ابتداء انبعثت داعية كل واحد للفعل ليخلص عن العقاب فهذا هو خطاب غير المعين فعرف أنه غير واقع في الشريعة وأما الخطاب بغير المعين فهو واقع في الشريعة كثيرا جدا كالأمر بإخراج شاة غير معينة ودينار من أربعين والسترة بثوب ولم يعين الشرع في هذه المواطن شيئا من أشخاص ذلك المأمور به لتمكن المكلف من إيقاع غير المعين في ضمن معين من ذلك الجنس وقيام الحجة عليه بسبب ذلك فلا تتعذر مصلحة المأمور به بسبب عدم تعين المأمور به بخلاف عدم تعين المأمور الذي هو المكلف فظهر الفرق بين خطاب غير المعين وبين الخطاب بغير المعين ولنذكر من هذا الفرق مسألتين
هامش أنوار البروق
المثال السابق ولا من جهة الشرع كما في قوله تعالى ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وكما في قوله تعالى فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم وكما في قوله تعالى وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة إلى آخرها
وكل هذه الآيات وقع الخطاب فيها للجميع أو لمن يقوم مقام الجميع وهو النبي صلى الله عليه وسلم والتكليف لم يشمل الجميع ولا علق بمعين أما في الآيتين الأوليين فمطلقا وأما في آية
هامش إدرار الشروق
فهو واقع في الشريعة كثيرا جدا كالأمر بإخراج شاة غير معينة ودينار من أربعين والسترة بثوب ونحو ذلك مما لم يعين الشرع فيه شيئا من أشخاص المأمور به لتمكن المكلف من إيقاع غير المعين في ضمن معين من ذلك الجنس وقيام الحجة عليه بسبب ذلك فلا تتعذر مصلحة المأمور به بسبب عدم تعينه أي المأمور به بخلاف عدم تعين المأمور الذي هو المكلف كما علمت
قال ويؤخذ من القاعدة الإجماعية المتقدمة يعني قاعدة أن خطاب غير المعين لم يقع في الشريعة لما ذكر أن الأمر في قوله تعالى وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين متوجه على الجميع بالحضور عند حد الزناة حتى يفعل ذلك الحضور طائفة من المؤمنين فيسقط الأمر عن الباقين وإن اقتضى لفظ الآية أن المأمور بالحضور المذكور غير معين والقاعدة الثانية أعني قاعدة أن الخطاب بغير المعين واقع وجائز وإن اقتضت عدم توجه السؤال على قوله تعالى اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم من جهة عدم تعين الظن المحرم إلا أنه يتوجه عليه سؤالان من جهة أخرى أحدهما أن صاحب الشرع إذا حرم غير معين من جنس فإما أن يحرم الجميع ليجتنب ذلك المحرم وإما أن يدل بعد ذلك على نفسه فما الواقع ها هنا من هذين وجوابه أن الواقع ها هنا أما الأول بأن يحرم الجميع كما حرم في الأخت من الرضاع تختلط بأجنبيات والميتة تختلط بمذكيات
فإذا دل الدليل بعد ذلك على إباحة الظن عند أسبابه الشرعية كالظن المأذون فيه عند سماع البينات والمقومين والمفتين والرواة للأحاديث والأقيسة الشرعية وظاهر العمومات اعتبرناه تخصيصا لهذا العموم ولم نجتنبه بل لابسناه وأبقينا ما لا دليل على إباحته تحت نهي الآية وأما الثاني فهما دل الدليل على تحريم ظن حرمناه كالظن الناشئ عن قول الفاسق والنساء في الدماء وغيرها من المثيرات للظن التي حرم علينا اعتبار الظن الناشئ عنها وما لم يدل دليل على تحريمه
29
29
المسألة الأولى
قوله تعالى وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين يقتضي أن المأمور ها هنا غير معين وهو خلاف ما تقدم والجواب عنه أن الأمر متوجه على الجميع بالحضور عند حد الزناة حتى يفعل ذلك طائفة من المؤمنين فيسقط الأمر على الباقين وهذا ليس مأخوذا من اللفظ بل من القاعدة الاجتماعية التي تقدمت
المسألة الثانية قوله تعالى اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم إشارة إلى ظن غير معين بالتحريم والخطاب بغير المعين يجوز من حيث إنه غير معين أن ها هنا سؤالين من جهة أخرى
السؤال الأول ما ضابط هذا الظن فإن صاحب الشرع إذا حرم شيئا ولم يعينه من جنس له حالتان تارة يدل بعد ذلك على نفسه وتارة يحرم الجميع ليجتنب ذلك المحرم فما الواقع ها هنا من هذين القسمين
هامش أنوار البروق
الصلاة فلم يشمل الجميع التكليف بإقامتها في حالة واحدة بل توجه التكليف إلى بعضهم بالدخول في الصلاة وإلى الباقين في تلك الحال بالحراسة ثم توجه التكليف بالدخول في الصلاة إلى الحارسين أولا وبالحراسة إلى المصلين أولا وهذه الآية أوضح الآيات في أن التكليف في فرض الكفاية لا يشمل الجميع من جهة أن الحالة تقتضي انقسام الجميع إلى قسمين كل قسم يقوم بواجب
هامش إدرار الشروق
أبحناه عملا بالبراءة قال ابن الشاط والأول عندي أظهر وأقوى والسؤال الثاني كيف صح النهي عن الظن وهو ضروري لأنه يهجم على النفس عند حضور أسبابه والضروري لا ينهى عنه وجوابه أن النهي هنا محمول على آثار الظن وسببه الذي هو التحدث عن الإنسان بما ظن فيه أو أذيته بطريق من الطرق بل يكف عن ذلك حتى يوجد سبب شرعي يبيحه ففي الآية مجاز بالحذف أي اجتنبوا كثيرا من سبب الظن على قول من يجعل المحذوف مجازا مطلقا أو مرسلا علاقته المسببية وذلك لأن القاعدة أن الخطاب في التكليف لا يتعلق إلا بمقدور مكتسب لا بالضروري اللازم الوقوع أو اللازم الامتناع فإذا ورد ما ظاهره تعلقه بغير مقدور صرف إما لثمرته كقوله تعالى ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله فالرأفة أمر يهجم على القلب قهرا عند حصول أسبابها فالنهي عنها نهي عن ثمرتها التي هي نقص الحد فيصير معنى الآية لا تنقص من مجاز التعبير بالسبب عن المسبب
كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأما لسببه كقوله تعالى سارعوا إلى مغفرة من ربكم فالمغفرة مضافة إلى الله تعالى ليست مقدورة للعبد فالأمر بالمسارعة إليها أمر بالمسارعة لسببها والمعنى إما سارعوا إلى سبب مغفرة من باب الإضمار وإما أنه عبر بها عن سببها مجازا علاقته المسببية وهو كثير في الكتاب والسنة ولسان العرب هذا مذهب الأصل والحق خلافه وأن خطاب غير المعين بمعنى تكليفه وإلزامه وقع في الشريعة كما وقع بغير المعين بلا فرق
قال ابن الشاط إذ لا مانع منه وإن كان الخطاب بمعنى القصد للإفهام لم يقع في الشريعة إلا للجميع لا من جهة العقل بأن يقول السيد لجماعة عبيده ليفعل أحدكم من غير تعيين الفاعل من قبلي ولا يفعله أحد غيره فمن فعله أثبته ومن شاركه فيه عاقبته وإن لم يفعل أحد منكم ذلك الفعل عاقبتكم أجمعين فالخطاب في هذا المثال متوجه إلى الجميع بأن يجتمعوا على تعيين أحدهم لذلك الفعل أو يعين من
30
30
السؤال الثاني الظن يهجم على النفس عند حضور أسبابه والضروري لا ينهى عنه فكيف صح النهي عنه ها هنا والجواب عن الأول أن نقول لنا ها هنا طريقان أحدهما أن نقول المحرم الجميع حتى يدل الدليل على إباحة البعض فيخرج من العموم كما إذا حرم الله تعالى أخته من الرضاعة واختلطت بأجنبيات فإنهن يحرمن كلهن وكذلك الميتة مع المذكيات إذا اختلطن فإذا دل الدليل بعد ذلك على إباحة الظن عند أسبابه الشرعية لابسناه ولم نجتنبه وكان ذلك تخصيصا لهذا العموم وذلك كالظن المأذون فيه عند سماع البينات والمقومين والمفتين والرواة للأحاديث والأقيسة الشرعية وظاهر العمومات فإن هذه المواطن كلها تحصل الظنون المأذون في العمل بها فأي شيء من الظنون دل الدليل عليه اعتبرناه وما لا دليل عليه أبقيناه تحت نهي الآية
هامش أنوار البروق
يتعذر قيام القسم الآخر به في تلك الحال لقيامه فيها بالواجب الآخر وقول من يقول يتوجه التكليف بفرض الكفاية إلى الجميع ثم يسقط عن البعض بفعل البعض لا دليل ألبتة عليه ولا ضرورة من جهة العقل والنقل تدعو إليه ولم يحمل القائلين بذلك القول عليه إلا توهمهم أن الخطاب بمعنى الإفهام يلزم منه الخطاب بمعنى الإلزام أو توهمهم أن الخطابين بمعنى واحد وليس الأمر كما توهموه
قال ولذلك لما كان خطاب فرض الكفاية يقتضي من حيث اللغة غير المعين كقوله تعالى
هامش إدرار الشروق
شاء منهم نفسه وهكذا هو فرض الكفاية الخطاب للجميع والتكليف لواحد غير معين منهم أو لجماعة غير معينة منهم ولا من جهة الشرع كما في قوله تعالى ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وكما في قوله تعالى فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم وكما في قوله تعالى وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة إلى آخرها فكل هذه الآيات وقع الخطاب للجميع أو لمن يقوم مقام الجميع وهو النبي صلى الله عليه وسلم والتكليف لم يشمل الجميع ولا علق بمعين أما في الآيتين الأوليين فمطلقا وأما في آية الصلاة فلم يشمل الجميع التكليف بإقامتها في حالة واحدة بل توجه التكليف إلى بعضهم بالدخول في الصلاة وإلى الباقين في تلك الحال بالحرابة ثم توجه التكليف بالدخول في الصلاة إلى الحارسين أولا وبالحرابة إلى المصلين أولا وهذه الآية أوضح الآيات في أن التكليف في فرض الكفاية لا يشمل الجميع من جهة أن الحالة تقتضي انقسام الجميع إلى قسمين كل قسم يقوم بواجب يتعذر قيام القسم الآخر به في تلك الحال لقيامه فيها بالواجب الآخر فلم يظهر الفرق بين الخطاب لغير المعين والخطاب بغير المعين من الوجه الذي زعم انتهى
وصل وأما ما بنى عليه الأصل مذهبه من قول علماء الأصول أن طلب الكفاية متوجه على الجميع لكن إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين فقال ابن الشاط إنه قول لا دليل ألبتة عليه ولا ضرورة من جهة العقل والنقل تدعو إليه ولم يحمل القائلين به عليه إلا توهمهم أن الخطاب بمعنى الإفهام يلزم منه الخطاب بمعنى الإلزام أو توهمهم أن الخطابين لمعنى واحد ليس الأمر كما توهموه ا ه
وقال الشيخ أبو إسحاق في موافقاته وما قاله علماء الأصول صحيح من جهة كلي الطلب وأما من
31
31
الطريق الثاني في الجواب عن هذا السؤال أن نقول لا نقول بالعموم في تحريم جميع الظنون بل نقول هذا البعض المشار إليه بالتحريم من الظن بعينه في الأدلة الشرعية مهم دل الدليل على تحريم ظن حرمناه كالظن الناشئ عن قول الفاسق والنساء في الدماء وغيرها من المثيرات للظن التي حرم علينا اعتبار الظن الناشئ عنها وما لم يدل فيه دليل على تحريمه قلنا هو مباح عملا بالبراءة فهذا هو الجواب عن السؤال الأول وأما الجواب عن السؤال الثاني فنقول قاعدة وهي أن الخطاب في التكليف لا يتعلق إلا بمقدور مكتسب دون الضروري اللازم الوقوع أو اللازم الامتناع فإذا ورد خطاب وكان متعلقه مقدورا حمل عليه نحو أقيموا الصلاة أو غير مقدور صرف الخطاب لثمرته أو لسببه ومثال ما يحمل على ثمرته قوله تعالى ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله
هامش أنوار البروق
ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وقوله فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين الآية ونحو ذلك مما يقتضي مخاطبا غير معين جعل صاحب الشرع الوجوب في فروض الكفايات متعلقا بالكل ابتداء على سبيل الجمع فإذا فعل البعض سقط عن الكل قلت لم يجعل صاحب الشرع الوجوب في فروض الكفايات متعلقا بالكل بل بالبعض غير المعين ولا دليل على ما ذهب إليه ولا ضرورة تحمل عليه
هامش إدرار الشروق
جهة جزئيه ففيه تفصيل وينقسم أقساما وربما تشعب تشعبا طويلا ولكن الضابط للجملة من ذلك أن الطلب وارد على البعض ولا على البعض كيف كان ولكن على من فيه أهلية القيام بذلك الفعل المطلوب لا على الجميع عموما والدليل على ذلك أمور أحدها النصوص الدالة على ذلك كقوله تعالى وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة فورد التخصيص على طائفة لا على الجميع وقوله ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف الآية وقوله تعالى وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم الآية إلى آخرها وفي القرآن من هذا النحو أشياء كثيرة ورد الطلب فيها نصا على البعض لا على الجميع
والثاني ما ثبت من القواعد الشرعية القطعية في هذا المعنى كالإمامة الكبرى أو الصغرى فإنها إنما تتعين على من فيه أوصافها المرعية لا على كل الناس وسائر الولايات بتلك المنزلة إنما يطلب بها شرعا باتفاق من كان أهلا للقيام بها والغناء أي النفع فيها وكذلك الجهاد حيث يكون فرض كفاية إنما يتعين القيام به على من فيه نجدة وشجاعة وما أشبه ذلك من الخطط الشرعية إذ لا يصح أن يطلب بها من لا يبدي فيها ولا يعيد فإنه من باب تكليف ما لا يطاق بالنسبة إلى المكلف ومن باب العبث بالنسبة إلى المصلحة المجتلبة أو المفسدة المستدفعة وكلاهما باطل شرعا والثالث ما وقع من فتاوى العلماء وما وقع أيضا في الشريعة من هذا المعنى فمن ذلك ما روي عن محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقد قال لأبي ذر يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم وكلا الأمرين من فروض الكفاية ومع ذلك فقد نهاه عنهما فلو فرض إهمال الناس لهما لم يصح أن يقال بدخول أبي ذر في حرج الإهمال ولا من كان مثله وفي الحديث لا تسأل
32
32
فالرأفة أمر يهجم على القلب قهرا عند حصول أسبابها فيتعين الحمل على الثمرة والآثار وهو تنقيص الحد فيصير معنى الآية لا ننقص الحد قال ابن عباس ويكون من مجاز التعبير بالسبب عن المسبب
ومثال ما هو غير مقدور ويحمل على سببه قوله تعالى سارعوا إلى مغفرة من ربكم والمغفرة مضافة إلى الله تعالى ليس مقدورة للعبد فيتعين الحمل على سبب المغفرة فيصير معنى الكلام سارعوا إلى سبب مغفرة من ربكم فيكون ذلك من باب الإضمار أو عبر بالمغفرة عن سببها من مجاز التعبير بالمسبب عن السبب عكس الأول وقوله تعالى فطلقوهن لعدتهن والطلاق الذي هو التحريم غير مقدور للعبد لأنه كلام الله تعالى وصفته القديمة فيتعين حمله على سببه الذي هو قول الزوج أنت طالق ويكون ذلك من باب التعبير بالسبب عن المسبب وقوله تعالى ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون والموت لا ينهى عنه
هامش أنوار البروق
قال وسبب تعلقه بالكل ابتداء لئلا يتعلق الخطاب بغير معين مجهول فيؤدي ذلك إلى تعذر الامتثال قلت لا يتعلق الخطاب بمعنى الإفهام إلا بالكل والإلزام والتكليف للبعض ولا يتعذر الامتثال على هذا الوجه ولا يحتاج إلى تعلق التكليف بالكل ثم سقوطه عن البعض بفعل البعض
قال فإذا وجب على الكل ابتداء انبعثت داعية كل واحد للفعل ليخلص من العقاب قلت وإذا وجب على البعض غير المعين مع مخاطبة الكل على وجه أنهم متى أهملوا القيام بذلك
هامش إدرار الشروق
الإمارة
وهذا النهي يقتضي أنها غير عامة الوجوب ونهى أبو بكر رضي الله تعالى عنه بعض الناس عن الإمارة فلما مات رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وليها أبو بكر فجاءه الرجل فقال نهيتني عن الإمارة ثم وليت فقال له وأنا الآن أنهاك عنها واعتذر له عن ولايته هو بأنه لم يجد من ذلك بدا وروي أن تميما الداري استأذن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما في أن يقص فمنعه من ذلك وهذا النوع من القصص الذي طلبه تميم رضي الله تعالى عنه من مطلوبات الكفاية وروي نحوه عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وعلى هذا المهيع جرى العلماء في تقرير كثير من فروض الكفاية فقد جاء عن مالك أنه سئل عن طلب العلم أفرض هو فقال أما على كل الناس فلا يعني به الزائد على الفرض العيني
وقال أيضا أما من كان فيه موضع للإمامة فالاجتهاد في طلب العلم عليه واجب والأخذ في العناية بالعلم على قدر النية فيه فأنت تراه قسم فجعل من فيه قبولية للإمامة مما يتعين عليه ومن لا جعله مندوبا إليه وفي ذلك بيان أنه ليس على كل الناس وقال سحنون من كان أهلا للإمامة وتقليد العلوم ففرض عليه أن يطلبها لقوله تعالى ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ومن لا يعرف المعروف كيف يأمر به أو لا يعرف المنكر كيف ينهى عنه وبالجملة فالأمر في هذا المعنى واضح وباقي البحث في المسألة موكول إلى علم الأصول وبيان بعض تفاصيل هذه الجملة ليظهر وجهها ونتبين صحتها بحول الله هو أن الله عز وجل خلق الخلق غير عالمين بوجوه مصالحهم لا في الدنيا ولا في الآخرة ألا ترى إلى قوله تعالى والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ثم وضع فيهم العلم بذلك على التدريج والتربية تارة بالإلهام كما يلهم الطفل التقام الثدي ومصه وتارة بالتعليم فطلب الناس بالتعلم والتعليم لجميع ما يستجلب به المصالح أو كافة ما تدرأ به المفاسد إنهاضا لما جبل فيهم من تلك الغرائز
33
33
فيتعين حمله على سبب يقتضي حصول الموت في حالة الإسلام وهو تقديم الإسلام قبل ذلك والتصميم عليه فيأتي الموت حينئذ في حالة الإسلام وهو كثير في الكتاب والسنة ولسان العرب فكذلك هاهنا لما تعذر حمل الأمر على الظن نفسه فتعين حمله على آثاره من باب التعبير بالمسبب عن السبب وآثاره التحدث عن الإنسان بما ظن فيه أو أذيته بطريق من الطرق بل يكف عن ذلك حتى يوجد سبب شرعي يبيح ذلك
هامش أنوار البروق
الواجب كلهم لزمهم العقاب ومتى قام به بعضهم المعين بتعيينهم إياه أو بانبعاثه إلى ذلك وعلمهم بذلك إن كان محلا لإمكان العلم أو ظنهم ذلك إن كان محلا يتعذر فيه العلم خصه الثواب انبعثت داعية كل واحد للفعل أو العلم أو الظن بأن غيري انبعث لذلك
قال وأما الخطاب بغير المعين فهو كثير جدا إلى قوله ولنذكر من هذا الفرق مسألتين قلت ما قاله من أن الخطاب بغير المعين كثير جدا صحيح وما قاله من أنه بخلاف عدم تعيين المأمور الذي هو المكلف ليس بصحيح كما سبق فلم يظهر الفرق بين الخطابين من الوجه الذي زعم
قال المسألة الأولى إلى آخرها قلت ما قاله في هذه المسألة ليس بصحيح لما سبق بيانه
قال المسألة الثانية قوله تعالى اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم إشارة إلى ظن غير معين بالتحريم والخطاب بغير المعين يجوز من حيث إنه غير معين
هامش إدرار الشروق
الفطرية والمطالب الإلهامية لأن ذلك كالأصل للقيام بتفاصيل المصالح كان ذلك من قبيل الأفعال أو الأقوال أو العلوم والاعتقادات أو الآداب الشرعية أو العادية
وفي أثناء العناية بذلك يقوى في كل واحد من الخلق ما فطر عليه وما ألهم إليه من تفاصيل الأحوال والأعمال فيظهر فيه وعليه ويبرز فيه أقرانه ممن لم يهيأ تلك التهيئة فلا يأتي زمان التعقل إلا وقد نجم على ظاهره ما فطر عليه في أوليته فترى واحدا قد تهيأ لطلب العلم وآخر لطلب الرياسة وآخر للتصنع ببعض المهن المحتاج إليها وآخر للصراع والنطاح إلى سائر الأمور هذا وإن كان كل واحد قد غرز فيه التصرف الكلي فلا بد في غالب العادة من غلبة البعض عليه فيرد التكليف عليه معلما ومؤدبا في حالته التي هو عليها فعند ذلك ينهض الطلب على كل مكلف في نفسه من تلك المطلوبات بما هو ناهض فيه ويتعين على الناظرين فيهم الالتفات إلى تلك الجهات فيراعونهم بحسبها ويراعونها إلى أن تخرج في أيديهم على الصراط المستقيم ويعينونهم على القيام بها ويحرضونهم على الدوام فيها حتى يبرز كل واحد منهم فيما غلب عليه ومال إليه من تلك الخطط ثم يخلى بينهم وبين أهلها فيعاملونهم بما يليق بهم ليكونوا من أهلها إذا صارت لهم كالأوصاف الفطرية والمدركات الضرورية فعند ذلك يحصل الانتفاع وتظهر نتيجة تلك التربية
فإذا فرض مثلا واحد من الصبيان ظهر عليه حسن إدراك وجودة فهم ووفور حفظ لما يسمع وإن كان مشاركا في غير ذلك من الأوصاف ميل به نحو ذلك القصد وهذا واجب على الناظر فيه من حيث الجملة مراعاة لما يرجى فيه من القيام بمصلحة التعليم فطلب بالتعلم وأدب بالآداب المشتركة بجميع العلوم ولا بد أن يمال منها إلى بعض فيؤخذ به ويعان عليه ولكن على الترتيب الذي نص عليه ربانيو العلماء فإذا دخل في ذلك البعض فمال به طبعه إليه على الخصوص وأحبه أكثر من غيره ترك وما أحب وخص بأهله فوجب عليهم إنهاضه فيه حتى
34
34
فارغة
هامش أنوار البروق
قلت هكذا وقع هذا اللفظ ولعله فيه تصحيف أو فيه تغيير
قال غير أن ها هنا سؤالين من جهة أخرى الأول ما ضابط هذا الظن إلى قوله فهذا هو الجواب عن السؤال الأول قلت الطريقان اللذان ذكرهما محتملان غير أن الأول عندي أظهر وأقوى والله أعلم
قال وأما الجواب عن السؤال الثاني إلى آخره قلت ما قاله في ذلك صحيح ظاهر
هامش إدرار الشروق
يأخذ منه ما قدر له من غير إهمال له ولا ترك لمراعاته ثم إن وقف هنالك فحسن وإن طلب الأخذ في غيره أو طلب به فعل معه فيه ما فعل فيما قبله هكذا إلى أن ينتهي كما لو بدأ بعلم العربية مثلا فإنه الأحق بالتقديم فإنه يصرف إلى معلميها فصار من رعيتهم وصاروا هم رعاة له فوجب عليهم حفظه فيما طلب بحسب ما يليق به وبهم فإذا انتهض عزمه بعد إلى أن صار يحذق القرآن صار من رعية مفسريه وصاروا هم رعاة له كذلك
ومثله إن طلب الحديث أو التفقه في الدين إلى سائر ما يتعلق بالشريعة من العلوم وهكذا الترتيب فيمن ظهر عليه وصف الإقدام والشجاعة وتدبير الأمور فيمال به نحو ذلك ويعلم آدابه المشتركة ثم يصار به إلى ما هو الأولى فالأولى من صنائع التدبير كالعرافة أو النقابة أو الجندية أو الهداية أو الإمامة أو غير ذلك مما يليق به وما ظهر له فيه نجابة ونهوض وبذلك يتربى لكل فعل هو فرض كفاية قوم لأنه سير أولا في طريق مشترك فحيث وقف السائر وعجز عن السير فقد وقف في مرتبة محتاج إليها في الجملة وإن كان به قوة زاد في السير إلى أن يصل إلى أقصى الغايات في المفروضات الكفائية وهي التي يندر من يصل إليها كالاجتهاد في الشريعة والإمارة فبذلك تستقيم أحوال الدنيا وأعمال الآخرة فليس الترقي في طلب الكفاية على ترتيب واحد ولا هو على الكافة بإطلاق ولا على البعض بإطلاق ولا هو مطلوب من حيث المقاصد دون الوسائل ولا بالعكس بل لا يصح أن ينظر فيه نظر واحد حتى يفصل بنحو من هذا التفصيل ويوزع في أهل الإسلام بمثل هذا التوزيع وإلا لم ينضبط القول فيه بوجه من الوجوه من التجوز لأن القيام بذلك الفرض قيام بمصلحة عامة فهم مطلوبون بسدها على الجملة فبعضهم هو قادر عليها مباشرة وذلك من كان لها أهلا والباقون وإن لم يقدروا عليها قادرون على إقامة القادرين فمن كان قادرا على الولاية فهو مطلوب بإقامتها ومن لا يقدر عليها مطلوب بأمر آخر وهو إقامة ذلك القادر وإجباره على القيام بها فالقادر إذا مطلوب بإقامة الفرض وغير القادر مطلوب بتقديم ذلك القادر إذ لا يتوصل إلى قيام القادر إلا بالإقامة من باب ما لا يتم الواجب إلا به وبهذا الوجه يرتفع مناط الخلاف فلا يبقى للمخالفة وجه ظاهر ا ه كلام أبي إسحاق بتغيير ما والله أعلم

35
35
الفرق الثالث والخمسون بين قاعدة إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب وبين قاعدة تعين الواجب
أما إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب فهو خلاف الأصل فلو صلى الإنسان ألف ركعة ما أجزأت عن صلاة الصبح ودفع ألف دينار صدقة لا تجزئ عن دينار الزكاة وغير ذلك ووقع في المذهب في سبع مسائل الأولى إذا توضأ مجددا ثم تيقن أنه كان محدثا هل يجزئه أم لا قولان والمذهب عدم الإجزاء
الثانية إذا اغتسل لجمعته ناسيا لجنابته المذهب عدم الإجزاء وقيل تجزئ
الثالثة إذا نسي لمعة من الغسلة الأولى في وضوئه وكان غسلها بنية الفرض هل تجزئه إذا غسل الثانية بنية السنة قولان في المذهب ومقتضاه عدم الإجزاء كالتجديد
الرابعة إذا سلم من اثنين ساهيا ثم قام فصلى ركعتين بنية النافلة هل
هامش أنوار البروق
قال الفرق الثالث والخمسون بين قاعدة إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب وبين قاعدة تعين الواجب إلى قوله فهذا الذي رأيته وقع من هذه القاعدة في المذهب قلت إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب خلاف الأصل كما
قال وذكر ما وقع في المذهب من
هامش إدرار الشروق
الفرق الثالث والخمسون بين قاعدة إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب وبين قاعدة تعين الواجب المخير
والفرق بينهما من جهتين الأولى أن الواجب في القاعدة الأولى خصوص معين من قبل الآمر لا موكول تعينه إلى خيرة المأمور والواجب في القاعدة الثانية خصوص غير معين من قبل الآمر وإنما تعينه موكول إلى خيرة المأمور والجهة الثانية أن القاعدة الأولى لما تعين فيها الواجب من قبل الآمر كان الأصل عدم إجزاء غيره عنه وإنما جرى إجزاء غير الواجب عنه على خلاف الأصل في إحدى عشرة مسألة في المذهب أشار لها الشيخ أبو العباس أحمد بن عبد الله الزواوي كما في كبير ميارة على نظم ابن عاشر بقوله مسائل يجري نقلها عن فريضة شذوذا فلا تتبع سوى قول شهرة مجدد طهر ساهيا وهو محدث ولمعة عضو طهرت بفضيلة وآت بغسل ساهيا عن جنابة نوى جمعة واحكم لتارك سجدة من الفرض يأتي بالسجود لسهوه ومبطلها يأتي بخامس ركعة ومن لم يسلم ظن فيها سلامه وآت بنفل قبل ختم فريضة ومن لم يسلم أو يظن سلامه لثالثة قد قام فافهم بصورة ويجزئ في المشهور من طاف عندهم طواف وداع ذاهلا عن إفاضة وذو متعة قد ساق هدي تطوع فيجزئ قد قالوا لواجب متعة وقد قاله ابن الماجشون إذا رمى جمارا لسهو لا يعيد لجمرة
36
36
تجزئاه عن ركعتي الفرض أم لا قولان
الخامسة إذا ظن أنه سلم من فرضه فصلى بقية فرضه بنية النافلة هل يجزئه أم لا قولان السادسة إذا سها عن سجدة من الركعة الأولى وقام إلى خامسة ساهيا هل تجزئه عن الركعة التي نسي منها السجدة أم لا قولان
السابعة إذا نسي طواف الإفاضة وقد طاف طواف الوداع وراح إلى بلده أجزأه طواف الوداع عن طواف الإفاضة
فهذا هو الذي رأيته وقع من هذه القاعدة في المذهب وأما قاعدة تعين الواجب فليس على خلاف الأصل وتحريره أنه حينئذ يعتقد أن المرأة والعبد والمسافر ونحوهم لما لم تجب عليهم الجمعة فإذا حضروها أجزأت عنهم مع أنها غير واجبة فيكون من باب إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب وليس كذلك بل الواجب عليهم إحدى الصلاتين إما الظهر وإما الجمعة فالواجب هو القدر المشترك بين الصلاتين وهو مفهوم إحداهما كالواجب في خصال الكفارة إحدى الخصال فإذا أحرم العبد بالجمعة فقد أحرم بإحدى الصلاتين
هامش أنوار البروق
ذلك وفيه قولان مسألة المجدد والمغتسل للجمعة ناسيا للجنابة وناسي اللمعة من الغسلة الأولى وهذه الثلاث مسائل من الطهارة ويحتمل عندي أن لا يكون القائل بالإجزاء في هذه بنى قوله على هذا الأصل بل على أن كل واحد من الموقعين لهذه الطهارات إنما أراد بها إحراز كمالها والكمال في رأيه يتضمن الإجزاء بخلاف رأي غيره من أن الكمال لا يتضمن الإجزاء فيكون الخلاف في الإجزاء وعدمه مبنيا على الخلاف في ذلك فلا تكون ثلاث مسائل من إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب من هذا الوجه
ويحتمل أن لا يكون القائل أيضا بالإجزاء بنى قوله على ذلك الأصل بل على أن الطهارة لا يشترط فيها تعيين نية الفرض ولا نية النفل فلا يكون على هذا من إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب وأما مسألة المسلم من اثنتين والظان أنه سلم فمن ذلك أعني من إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب على أحد القولين وأما السادسة وهي مسألة الساهي عن سجدة من الأولى القائم إلى خامسة فيحتمل أيضا أن لا يكون من إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب من جهة أنه إنما قام في الخامسة لأداء بقية فرضه فيما يعتقد وأما السابعة وهي ناسي طواف الإفاضة فمن تلك لكنه لم
هامش إدرار الشروق
وبيانها أنها على ثلاثة أقسام
القسم الأول
محتو على ثلاث مسائل من الطهارة وقعت في المذهب على قولين بالإجزاء وعدمه مشهورهما الثاني وذكرها الأصل بقوله الأولى إذا توضأ مجددا ثم تيقن أنه كان محدثا هل يجزئه أم لا قولان والمذهب عدم الإجزاء
الثانية إذا اغتسل لجمعة ناسيا لجنابته المذهب عدم الإجزاء وقيل تجزئ الثالثة إذا نسي لمعة من الغسلة الأولى في وضوئه وكان غسلها بنية السنة قولان في المذهب ومقتضاه عدم الإجزاء كالتجديد ا ه
قال ابن الشاط ويحتمل عندي أن لا يكون القائل بالإجزاء في هذه بنى قوله على هذا الأصل أي إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب بل على أن كل واحد من الموقعين لهذه الطهارات إنما أراد بها إحراز كمالها والكمال في رأيه يتضمن الأجزاء بخلاف رأي غيره من أن الكمال لا يتضمن الإجزاء فيكون الخلاف في الإجزاء وعدمه مبنيا على الخلاف في ذلك فلا تكون هذه الثلاث المسائل من إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب من هذا الوجه ويحتمل أن لا يكون القائل أيضا بالإجزاء بنى قوله على ذلك
37
37
وعين ذلك المشترك في أحد معنييه كما يعين المكفر إحدى الخصال بالعتق فهو معين للواجب لا فاعل لغير الواجب من كل وجه فأجزأه عن الواجب بل غير الواجب ها هنا هو خصوص الجمعة لا مطلق إحدى الصلاتين فالجمعة مشتملة على أمرين خصوص غير واجب وهو كونها جمعة وعموم واجب وهو كونها إحدى الصلاتين فأجزأت عن الواجب من جهة عمومها الواجب لا من جهة خصوصها الذي ليس بواجب كما أن المكفر عن اليمين بالعتق في عتقه أمران خصوص وهو كونه عتقا وعموم وهو كونه إحدى الخصال الثلاث فيجزئ العتق عنه من جهة عمومه الواجب لا من جهة خصوصه الذي ليس بواجب وهذا ليس على خلاف الأصل بخلاف القاعدة الأولى في الامتناع ويتمهد الفرق بأربع مسائل أخر
المسألة الأولى
قالوا العبد لا يؤم في الجمعة لأن المذهب أن المفترض لا يأتم بالمتنفل
هامش أنوار البروق
يذكر فيها قولين وهي محل لاحتمال الخلاف والله أعلم
قال وأما قاعدة تعين الواجب فليس على خلاف الأصل إلى قوله ويتمهد الفرق بأربع مسائل
قلت ما قاله في ذلك صحيح إلا قوله فالواجب هو القدر المشترك بين الصلاتين وهو مفهوم إحداهما فإنه ليس القدر المشترك هو مفهوم إحداهما بل مفهوم إحداهما واحدة غير معينة من الصلاتين
قال المسألة الأولى قالوا العبد لا يؤم في الجمعة لأن المذهب أن المفترض لا يأتم بالمتنفل إلى آخر المسألة قلت ما قاله فيها غير صحيح فإنه جعلها من الواجب المخير وموقع نوعي الواجب المخير أو أنواعه لا يوقع إلا واجبا فالعبد إذا اختار إيقاع الجمعة لا تقع إلا واجبة فالحر إذا اقتدى به لم يكن مفترضا ائتم بمتنفل فينبغي أن يصح اقتداؤه به وما قاله من أن الخصوصات غير واجبة مسلم لكن من حيث هي خصوصات معينات لا من حيث هي داخلة تحت العموم فإن العموم على ما التزمه هو
هامش إدرار الشروق
الأصل بل على أن الطهارة لا يشترط فيها تعيين نية الفرض ولا نية النفل فلا يكون على هذا من إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب
ا ه
والقسم الثاني محتو على خمس مسائل من الصلاة وقعت في المذهب أيضا على قولين بالإجزاء وعدمه مشهورهما الثاني ذكر الأصل منها ثلاثة الأولى إذا سلم من اثنين ساهيا ثم قام فصلى ركعتين بنية النافلة هل تجزئاه عن ركعتي الفرض أم لا قولان
الثانية إذا ظن أنه سلم من فرضه فصلى بقية فرضه بنية النافلة هل يجزئه أم لا قولان
الثالثة إذا سها عن سجدة من الركعة الأولى وقام إلى خامسة ساهيا هل تجزئه عن الركعة التي نسي منها السجدة أم لا قولان
قال ابن الشاط ومسألة المسلم من اثنتين والظان أنه سلم من إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب على أحد القولين وأما مسألة الساهي عن سجدة من الأولى القائم إلى خامسة فيحتمل أيضا أن لا يكون من إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب من جهة أنه إنما قام في الخامسة لأداء بقية فرضه فيما يعتقد الرابعة أشار لها أبو العباس الزواوي بقوله
38
38
فقيل إذا حضرها صار من أهلها ووجبت عليه بالشروع فصار مفترضا فما ائتم الحر إلا بمفترض فإن قيل إنما تجب بالشروع فيكون الشروع غير واجب فيقع الائتمام به فيه وهو غير واجب قيل فإن كان الشروع غير واجب فقد أجزأه تكبيرة الإحرام وهي غير واجبة عليه فخصوص الجمعة غير واجب وغير الواجب لا يجزئ عن الواجب فكيف أجزأته تكبيرة إحرامه فقيل تكبيرة الإحرام أيضا فيها خصوص وهو كونها بالجمعة وعموم وهو كونها تكبيرة الإحرام فالواجب على العبد تكبيرة الإحرام أما بالجمعة وأما بالظهر فإذا أحرم بالجمعة فقد عين الواجب عليه في إحرام خاص وكذلك نقول إذا أحرم بالظهر الرباعية أيضا خصوص إحرامه غير واجب بل يعين الواجب وإذا عقلت ذلك في تكبيرة الإحرام فاعقله في بقية أركان الصلاة ففي الركوع خصوص غير واجب وعموم واجب وهو مطلق الركوع وفي السجود خصوص غير واجب وهو كونه في جمعة أو في ظهر وعموم
هامش أنوار البروق
واجب وهل يمكن إيقاع العام من حيث هو عام هذا لا سبيل إليه وإنما يقع من حيث الخصوص الشخصي خاصة لا يمكن غير ذلك بوجه فالعام على هذا لا يقع إلا في الخاص وهذا كله مجاراة له على تسليم أن الوجوب في الواجب المخير يتعلق بالمعنى العام من حيث هو عام وذلك عند التحقيق غير صحيح وإنما هو أعني الوجوب متعلق في الواجب المخير بواحد غير معين مما فيه المعنى العام الذي يقال له المشترك وعلى هذا لم يتعلق الوجوب في الواجب المخير إلا بخصوص لكنه خصوص غير معين من قبل الآمر وتعينه موكول إلى خيرة المأمور هذا هو الصحيح لا ما سواه
قال
المسألة الثانية
المسافر في رمضان يجب عليه أحد الشهرين إما شهر الأداء أو شهر القضاء قلت ذلك صحيح
قال فإذا اختار صوم رمضان فهو فاعل لخصوص غير واجب وهو كونه رمضان وعموم واجب وهو كونه أحد الشهرين فأجزأ عنه من جهة أنه أحد الشهرين لا من جهة كونه رمضان قلت ما قاله هنا ليس بصحيح بل إذا اختار صيام رمضان فهو فاعل لخصوص واجب وكيف لا
هامش إدرار الشروق
واحكم لتارك سجدة من الفرض يأتي بالسجود لسهوه يعني واحكم بالإجزاء على مقابل المشهور لتارك سجدة من صلاة الفرض في حال إتيانه بسجدة سهوه في الصلاة قبل السلام أو بعده
الخامسة أشار لها أبو العباس الزواوي بقوله ومن لم يسلم أو يظن سلامه لثالثة قد قام فافهم بصورة يعني ومن قام من ثانية فرض من غير أن يسلم أو يظن السلام لثالثة بنية النفل أيضا أما إن سلم أو ظن السلام فهما المسألة الأولى والمسألة الثانية من هذا القسم ولذا قال فافهم بصورة
والقسم الثالث محتو على ثلاث مسائل من الحج وقعت في المذهب أيضا على قولين بالإجزاء وعدمه لكن المشهور منهما هنا الإجزاء ذكر الأصل منها واحدة
الأولى إذا نسي طواف الإفاضة وقد طاف طواف الوداع وراح إلى بلده أجزأه طواف الوداع عن طواف الإفاضة كذا في الأصل قال ابن الشاط وهذه المسألة من إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب لكنه لم يذكر فيها قولين وهي محل لاحتمال الخلاف ا ه
قلت
39
39
واجب وهو مطلق السجود وكذلك بقية الأركان فيكون الحر إذا اقتدى به في الخصوصيات وهي عليه واجبة وعلى العبد غير واجبة تكون من باب اقتداء المفترض بالمتنفل فيمتنع ذلك على المذهب
واعلم أن مقتضى هذا البحث أن لا يقتدي الحر بالعبد في ظهر يوم الجمعة إذا صلاها أربعا أيضا فإنه غير مفترض بالخصوصيات بخلاف الاقتداء به في ظهر غير يوم الجمعة فإنه مفترض بالخصوصيات والعموم فاستوى الحر معه في ذلك فصح الاقتداء مع أني لم أذكر أني رأيت هذا الفرع منقولا غير أنه مقتضى المذهب ويلحق بالعبد في هذه المباحث المسافر والمرأة ونحوهما حرفا بحرف ولا حاجة إلى تعديد المسائل بذكرهم
المسألة الثانية
المسافر في رمضان يجب عليه أحد الشهرين إما شهر الأداء أو شهر القضاء فإذا اختار صوم رمضان فهو فاعل لخصوص غير واجب وهو كونه رمضان
هامش أنوار البروق
يكون واجبا وهو قد عينه لإيقاع الواجب كما فوض إليه تعيينه وقوله فأجزأ عنه من جهة أنه أحد الشهرين صحيح وقوله لا من جهة كونه رمضان غير صحيح وهل رمضان إلا أحد الشهرين وهل أحد الشهرين إلا رمضان
قال وكذلك إذا اختار شهر القضاء إلى قوله لأنه واجب بحكم الأصالة قلت ما قاله هنا صحيح
قال مفرق بين قضاء رمضان على المفرط الذي يتعين في حقه الأداء وبين القضاء في حق المسافر آخر المسألة قلت أما قوله إن القضاء على المفرط واجب بخصوصه وعمومه بسبب واحد فصحيح وأما قوله وعلى المسافر بسببين أحدهما رؤية الهلال فإنها أوجبت العموم الذي في القضاء وهو كونه أحد الشهرين فلم توجب الرؤية العموم فإن العموم من حيث هو عموم لا يتعلق به الوجوب وليس العموم هو كونه أحد الشهرين بل أحد الشهرين خصوص غير معين
هامش إدرار الشروق
وقد صرح بالخلاف فيها كغيرها وأن المشهور منهما الإجزاء قول أبي العباس الزواوي ويجزئ في المشهور من طاف عندهم طواف وداع ذاهلا عن إفاضة الثانية أشار إليها أبو العباس الزواوي بقوله وذو متعة قد ساق هدي تطوع فيجزئ قد قالوا لواجب متعة يعني أن المعتمر إذا ساق هدي التطوع في عمرته فلما حل منها وجب نحره إلا إن أخره ليوم النحر ثم بدا له وأحرم بالحج وحج من عامه ذلك وصار متمتعا فإن هدي التطوع يجزئه عن متعته ولو لم ينو عند سوقه أنه يجعله في متعته على تأويل سند وهو المذهب كما أجزأ عن قرانه كما في حاشية شيخنا على توضيح المناسك للوالد رحمه الله تعالى
الثالثة أشار لها أبو العباس الزواوي بقوله وقد قال ابن الماجشون إذا رمى جمار السهو لا يعيد لجمرة أي إذا نسي جمرة العقبة ثم رماها ساهيا كما وقع ذلك لعبد الملك أي ابن الماجشون كما في كبير ميارة على ابن عاشر قلت ويؤخذ من قول شيخنا في حاشيته كما أجزأ أي هدي التطوع عن قرانه زيادة
40
40
وعموم واجب وهو كونه أحد الشهرين فأجزأ عنه من جهة أنه أحد الشهرين لا من جهة كونه رمضان وكذلك إذا اختار شهر القضاء فخصوصه ليس واجبا عليه غير أنه يتعين عليه خصوص القضاء لتعذر غيره لا لأنه واجب بخصوصه كما يتعين آخر وقت الصلاة لتعذر ما قبله وتعذر غيره لا لأنه واجب بحكم الأصالة ففرق بين قضاء رمضان على المفرط الذي يتعين في حقة الأداء وبين القضاء في حق المسافر أن القضاء على المفرط واجب بخصوصه وعمومه بسبب واحد وهو الفطر في رمضان وعلى المسافر بسببين أحدهما رؤية الهلال فإنها أوجبت العموم الذي في القضاء وهو كونه أحد الشهرين وثانيهما خروج شهر الأداء ولم يصم فيه فإنه يوجب خصوص القضاء فتأمل الفرق
المسألة الثالثة
المريض إذا كان يقدر على الصوم لكن مع مشقة عظيمة لا يخشى معها على نفسه ولا عضو من أعضائه فهذا يسقط عنه الخطاب بخصوص رمضان لأجل
هامش أنوار البروق
قال
المسألة الثالثة
المريض إذا كان يقدر على الصوم لكن مع مشقة عظيمة لا يخشى معها على نفسه ولا عضو من أعضائه فهذا يسقط عنه الخطاب بخصوص رمضان لأجل المشقة ويبقى مخاطبا بأحد الشهرين إلى قوله إن بقي مستجمع الشرائط سالم الموانع في زمن القضاء قلت ما قاله من أن الواجب عليه أحد الشهرين وأنه يتعين القضاء عند تعذر الأداء صحيح
قال فإن أقدم وصام وفعل المحرم لا يمكن أن يقال إنه غير الواجب إلى قوله وهو تخريج حسن قلت ما قاله ظاهر قال المسألة الرابعة الصبي إذا صلى بعد الزوال ثم بلغ في القامة قال مالك يجب عليه أن يصلي مرة أخرى إلى آخر المسألة قلت ما قاله فيها صحيح
هامش إدرار الشروق
مسألة رابعة في هذا القسم ونظمتها في بيت يلحق بنظم أبي العباس المذكور بقولي وزد قارنا يجزئه هدي تطوع بواجب هدي للقران كمتعة ومن هنا اشتهر أن تطوعات الحج تجزئ عن واجب جنسها فتكون جملة النظائر اثني عشر مسألة أربعة من إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب شذوذا على احتمال وأربعة من ذلك شذوذا بدون احتمال وأربعة من ذلك على مشهور المذهب وما عدا هذه النظائر فهو جار على الأصل من عدم إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب اتفاقا فلو صلى الإنسان ألف ركعة ما أجزأت عن صلاة الصبح أو دفع ألف دينار صدقة ما أجزأت عن دينار الزكاة وغير ذلك فمن هنا قال مالك رحمه الله تعالى إذا صلى الصبي بعد الزوال ثم بلغ في القامة يجب عليه أن يصلي مرة أخرى لأن سبب الوجوب وجد في حقه وهو ما قارنه من أجزاء القامة في زمن بلوغه وما ليس بواجب وهو ما أوقعه أولا لا يجزئ عن الواجب الذي توجه عليه ثانيا وذلك أن كل جزء من أجزاء القامة ظرف للوجوب وسبب للوجوب كما تقدم فالجزء الأول الذي قارنه شرط الندب الذي هو الصبا في حق الصبي سبب الفعل ندبا لا وجوبا والجزء الذي قارنه بعد شرط الوجوب الذي هو البلوغ سبب للوجوب في صلاة أخرى فقول الشافعي رحمه الله تعالى لا تجب عليه الصلاة لأن
41
41
المشقة ويبقى مخاطبا بأحد الشهرين إما شهر الأداء أو شهر القضاء ويتعين القضاء في حقه بالسببين المتقدمين كما تقدم في مسألة العبد حرفا بحرف فإن كان يخشى على نفسه أو عضو من أعضائه أو منفعة من منافعه فهذا يحرم عليه الصوم ولا نقول إنه يجب عليه أحد الشهرين بل يتعين الأداء للتحريم والقضاء للوجوب إن بقي مستجمع الشرائط سالم الموانع في زمان القضاء فإن أقدم وصام وفعل المحرم لا يمكن أن يقال إنه غير الواجب بعد عمومه كما تقدم فهل يجزئ عنه قال الغزالي في المستصفى يحتمل عدم الإجزاء لأن المحرم لا يجزئ عن الواجب ويحتمل الإجزاء كالصلاة في الدار المغصوبة فإنه متقرب إلى الله تعالى بترك شهوتي فمه وفرجه جان على نفسه كما أن المصلي في الدار المغصوبة متقرب إلى الله بركوعه وسجوده وتعظيمه وإجلاله وجان على صاحب الدار وهو تخريج حسن
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
الزوال مثلا إنما جعله الله تعالى سببا لوجوب صلاة واحدة وقد فعلها فلو أوجبنا عليه صلاة أخرى لكان الزوال سببا لوجوب صلاتين وهو خلاف الإجماع لا يرد لأنه إما أن يدعي أن الزوال لا يكون سببا لصلاتين في كل صورة فيكون ذلك مصادرة على صورة النزاع وإما أن يدعي ذلك فيما عدا صورة النزاع فلا يمكنه إلحاق صورة النزاع بصورة الإجماع إلا بالقياس
فإذا قاس فرقنا بأن صورة النزاع وجد فيها حالتان تقتضيان الندب والوجوب وهما الصبا والبلوغ وليس في صورة الإجماع إلا حالة واحدة تقتضي الوجوب هي البلوغ فاتحدت الصلاة في صورة الإجماع لاتحاد الشرط الذي هو البلوغ وتعددت في صورة النزاع لتعدد الشرط واختلافه فلذا جاز فيها اختلاف المشروط الذي هو الصلاتان باختلاف الشرط الذي هو الصبا الشرط في توجه الندب والبلوغ الشرط في توجه الوجوب وأما القاعدة الثانية فإنه لما كان الواجب فيها خصوص غير معين من قبل الآمر لم يكن إجزاء الجمعة عن الظهر مثلا لنحو المرأة والعبد والمسافر إذا حضروها مع أنها غير واجبة عليهم بعينها على خلاف الأصل وأنه من باب إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب بل هو على الأصل من إتيان المأمور بما تعلق به الوجوب لا بغيره إذ الوجوب هنا متعلق بواحد غير معين من الصلاتين إما الظهر وإما الجمعة فإذا أحرم كل من المرأة والعبد والمسافر بالجمعة فقد أحرم بإحدى الصلاتين وعين ذلك الواحد المبهم الذي علق الآمر به الوجوب ووكل تعينه إلى خيرة المأمور فإذا اختار إيقاع الجمعة لا تقع إلا واجبة فالحر إذا اقتدى به لم يكن مفترض ائتم بمتنفل فينبغي أن يصح اقتداؤه به في الجمعة كما يصح اقتداؤه به في الظهر بيوم الجمعة وغيره كما هو مقتضى المذهب
وإن قال الأصل مع أني لم أذكر أني رأيت فرع صحة اقتداء الحر بالعبد في ظهر غير يوم الجمعة واقتداؤه به في ظهر يوم الجمعة كاقتدائه به في يوم الجمعة ولم يظهر قول أهل المذهب لا يؤم العبد في الجمعة حرا لأن المذهب أن المفترض لا يأتم بالمتنفل فافهم وبالجملة فالواجب نوعان مخير وواجب غير مخير والوجوب في غير المخير متعلق بواحد معين مما فيه المعنى العام الذي يقال له المشترك أي خصه به الآمر ولم يكل تعينه إلى خيرة المأمور فلذا كان الأصل عدم إجزاء غيره من أفراد جنسه عنه والقول بإجزائه عنه إنما وقع في المذهب على خلاف الأصل في اثنتي عشرة مسألة كما علمت
42
42
لمسألة الرابعة
الصبي إذا صلى بعد الزوال ثم بلغ في القامة قال مالك يجب عليه أن يصلي مرة أخرى لأن سبب الوجوب وجد في حقه وهو ما قارنه من إجزاء القامة في زمن بلوغه وما ليس بواجب وهو ما أوقعه أولا يجزئ عن الواجب الذي توجه عليه ثانيا وقال الشافعي لا تجب عليه الصلاة لأن الزوال مثلا إنما جعله الله تعالى سببا لوجوب صلاة واحدة وقد فعلها فلو أوجبنا عليه صلاة أخرى لكان الزوال سببا لوجوب صلاتين وهو خلاف الإجماع وجوابه أن القامة كلها أسباب فجميع أجزائها ظرف للوجوب وسبب للوجوب كما تقدم البحث في هذا الفرق فالجزء الأول من القامة في حق الصبي سبب للفعل والجزء الذي قارنه بعد البلوغ سبب للوجوب في صلاة أخرى ونحن نمنع أن الزوال لا يكون سببا لصلاتين لأنه إما أن يدعيه في كل صورة فيكون ذلك مصادرة على صورة النزاع وإن ادعاه فيما عدا صورة النزاع فلا يمكنه إلحاق صورة النزاع بصورة الإجماع إلا بالقياس فإذا قاس فرقنا بأن صورة النزاع وجد فيها حالتان تقتضيان الوجوب والندب وهما الصبا والبلوغ بخلاف صورة الإجماع ليس فيها إلا حالة واحدة فكانت الصلاة واحدة لاتحاد الشرط أما مع تعدد الشرط واختلافه جاز اختلاف
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
والوجوب في المخير متعلق بواحد غير معين مما فيه المعنى العام الذي يقال له المشترك أي لم يعينه الآمر بل وكل تعينه إلى خيرة المأمور فما اختاره المأمور من الواحد المبهم الذي تعلق به الوجوب كان هو الواجب عليه وأوضح لك قاعدة الواجب المخير بثلاث مسائل أخر
المسألة الأولى
أن الواجب على المكفر إحدى خصال الكفارة من العتق أو الإطعام أو الكسوة بلا تعيين من قبل الآمر بل التعيين موكول لخيرة المكفر فإذا اختار واحدة منها كان هو الواجب عليه على الأصل لا غيره حتى يكون على خلاف الأصل
والمسألة الثانية أن المسافر في رمضان يجب عليه أحد الشهرين إما شهر الأداء أو شهر القضاء بدون تعيين من قبل الآمر بل التعيين وكله لخيرة المسافر فإذا اختار صوم رمضان أو شهر القضاء وصامه كان قد صام ما هو الواجب عليه على الأصل لا غيره حتى يكون على خلاف الأصل وتعين خصوص شهر القضاء عليه إذا لم يختر صيام رمضان إنما كان لتعذر غيره لا لأنه واجب بخصوصه كما يتعين آخر وقت الصلاة لتعذر ما قبله وتعذر غيره لا لأنه واجب بحكم الأصالة فقضاء رمضان على المفرط الذي يتعين في حقه الأداء يفارق القضاء في حق المسافر من جهة أن الأول واجب بخصوصه وعمومه بسبب واحد وهو الفطر في رمضان والثاني لا يتعلق بعمومه وجوب أصلا وإنما يتعين في حقه خصوص شهر القضاء عند تعذر الأداء بسببين أحدهما رؤية الهلال وثانيهما خروج شهر الأداء ولم يصم فيه فافهم
والمسألة الثالثة أن المريض إذا كان يقدر على الصوم لكن مع مشقة عظيمة لا يخشى معها على نفسه ولا عضو من أعضائه فإنه يسقط عنه الخطاب بخصوص رمضان لأجل المشقة ويبقى مخاطبا بأحد الشهرين إما شهر الأداء أو شهر القضاء ويتعين القضاء في حقه عند تعذر الأداء بالسببين المتقدمين في مسألة المسافر فإن كان يخشى على نفسه أو عضو من أعضائه أو منفعة من منافعه تعين الأداء للتحريم
43
43
المشروط والصبا شرط في توجه الندب والبلوغ شرط في توجه الوجوب
الفرق الرابع والخمسون بين قاعدة ما ليس بواجب في الحال والمآل وبين قاعدة ما ليس بواجب في الحال وهو واجب في المآل فالأول لا يجزئ عن الواجب والثاني قد يجزئ عنه ويتضح الفرق بذكر ثلاث مسائل المسألة الأولى الزكاة إذا عجلت قبل الحول إما بالشهر ونحوه عندنا وإما في أول الحول عند الشافعي فهذا المعجل ليس بواجب فإن دوران الحول شرط في الوجوب والمشروط لا يوجد قبل شرطه فإذا دار الحول وتوجه الخطاب بوجوب الزكاة عليه أجزأ عنه ما تقدم مع أنه غير واجب فما الفرق بين هذا المخرج وبين ما إذا نوى بإخراجه صدقة
هامش أنوار البروق
قال الفرق الرابع والخمسون بين قاعدة ما ليس بواجب في الحال والمآل وبين قاعدة ما ليس بواجب في الحال وهو واجب في المآل إلى آخره قلت ما قاله من احتمال الخلاف ظاهر وما قاله من الجواب عن السؤال لا بأس به والأصح
هامش إدرار الشروق
كما يتعين القضاء للوجوب إن كان مستجمع الشرائط سالم الموانع زمنه فإن أقدم وهو في هذه الحالة وصام الأداء المحرم عليه احتمل كما قاله الغزالي في المستصفى عدم الإجزاء نظرا لكون المحرم لا يجزئ عن الواجب والإجزاء نظرا لكونه متقربا إلى الله تعالى بترك شهوتي فمه وفرجه إذ لا يمكن أن يقال أنه غير الواجب بعد عمومه كما تقدم جانيا على نفسه بعدم حفظها عن الإلقاء في التهلكة كما أن المصلي في الدار المغصوبة متقرب إلى الله تعالى بركوعه وسجوده وتعظيمه وإجلاله وجان على صاحب الدار والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الرابع والخمسون بين قاعدة ما ليس بواجب في الحال والمآل وبين قاعدة ما ليس بواجب في الحال وهو واجب في المآل ما ليس بواجب في الحال والمآل نحو ما يخرجه مالك النصاب مطلقا ناويا بإخراجه صدقة التطوع لا الزكاة فلا يجزئه عما يجب عليه في زكاة ما ملكه من النصاب على تقدير دوران الحول قطعا إذ الأصل عدم إجزاء ما ليس بواجب أصلا عن الواجب وما ليس بواجب في الحال وهو واجب في المآل نحو ما يخرجه مالك النصاب ناويا به الزكاة لا صدقة التطوع قبل الحول إما بالشهر ونحوه عندنا وإما في أول الحول عند الشافعي ففي إجزائه عما يجب عليه في زكاة ما ملكه من النصاب على تقدير دوران الحول نظر لأمرين أحدهما أنه قصد بالمخرج الواجب في المآل على تقدير دوران الحول لا التطوع فما أجزأ عن الواجب إلا واجب على الأصل
44
44
التطوع فإنه لا يجزئ عنه والفرق أن صدقة التطوع ليست بواجبة في الحال ولا في المآل فلم تجزئ عنه وأما المعجل للزكاة فهو قاصد بالمخرج الواجب على تقدير دوران الحول ولم يقصد التطوع وإذا قصد به الواجب في المآل فما أجزأ عن الواجب إلا واجب
المسألة الثانية
قال جماعة من الحنفية يتعلق الوجوب في الواجب الموسع بآخر الوقت وفعل المعجل قبل ذلك نفل يسد مسد الفرض على ما تقرر عندهم فقال الأصحاب لهم لو صح ما ذكرتموه لصح أن يصلي قبل الزوال ويجزئ عنه إذا زالت الشمس فيكون نفلا سد مسد الفرض وأجزأ عنه بعد طريانه وهو خلاف الإجماع فكذلك ما بعد الزوال لانحصار الوجوب عندكم في آخر القامة فما وقع بعد الزوال أو قبله سواء في كونه غير واجب فإذا أجزأ أحدهما عن الواجب وجب أن يجزئ الآخر عن
هامش أنوار البروق
نظر امتناع التقديم في الزكاة ولزوم عدم الإجزاء في مسألة الحنفية فيصادمهم الإجماع والله أعلم
هامش إدرار الشروق
وثانيهما قاعدة أن كل حق ولو بدنيا خلافا لجديد الشافعي تعلق بسببين أو بسبب وشرط لا يمتنع قطعا تقديمه على شرطه أو ثاني سببه بخلاف تقديمه عليها فإنه يمتنع قطعا وعدم إجزائه خلاف قال ابن الشاط والأصح نظرا امتناع التقديم في الزكاة قلت وذلك لأن تعليق وجوب الأداء بالشرط أو السبب الثاني يمنع تمام السببية ولا يتحقق الوجوب قبل تمام سببه والإجماع على عدم إجزاء نفل عن فرض فمن هنا قال في شرح التحرير الأصولي والأوجه قول الحنفية بعدم جواز تقديم كفارة اليمين قبل الحنث لعقلية سببية الحنث لها دون عقلية سببية اليمين لها لأن الكفارة في التحقيق لستر ما وقع من الإخلال بتوقير ما يجب لاسم الله تعالى وتلافيه وهذا إنما يكون عن الحنث لا عن اليمين من حيث هي وأيضا أقل ما في السبب أن يكون مفضيا إلى المسبب واليمين ليست كذلك لأنها مانعة من عدم المحلوف عليه فكيف تكون مفضية إليه على أنه لو سلم أن اليمين سببها فالحنث شرط وجوبها للقطع بأنها لا تجب قبله وإلا وجبت بمجرد اليمين والمشروط لا يوجد قبل شرطه فلا تقع واجبة قبله فلا يسقط الوجوب قبل ثبوته ولا عند ثبوته بفعل قبله لم يكن واجبا وما وقع من الشرع بخلافه كالزكاة يقتصر على مورده ولا يلحق به غيره
قال وما فرقوا به بين الحق المالي والبدني لقول الشافعي في الجديد بجواز تعجيل الكفارة المالية لليمين قبل الحنث دون البدنية وهي الصوم بأن الحنث شرط في الكفارة واليمين سببها والشرط عنده إنما يؤثر في تأخير وجوب الأداء لا في انعقاد السبب والحق المالي لله تعالى ينفصل وجوب أدائه عن نفس وجوبه لتغاير المال والفعل فجاز اتصاف المال بنفس الوجوب ولا يثبت وجوب الأداء الذي هو الفعل إلا بعد الحنث كما في الحق المالي للعبد بخلاف الحق البدني لله فإنه لا ينفصل وجوب أدائه عن نفس وجوبه بل نفس وجوبه وجوب أدائه فلو تأخر وجوب أدائه انتفى الوجوب فلا يجوز الأداء لأنه أداء قبل الوجوب حينئذ
ومن ثمة جاز تعجيل الزكاة قبل الحول ولم يجز تعجيل الصلاة قبل الوقت فهو ساقط لأن الحق الواجب لله تعالى على العباد هو العبادة وهو فعل يباشره المرء بخلاف هوى النفس ابتغاء مرضاة الله تعالى بإذنه والمال آلة يتأدى به الواجب كمنافع البدن فيكون المالي كالبدني في أن المقصود بالوجوب الأداء وأن تعلق وجوب الأداء بالشرط يمنع تمام السببية فيهما جميعا على أن وجوب الأداء بعد تمام السبب قد
45
45
الواجب فإذا قلتم قد قصد به الواجب عليه في المآل عند آخر الوقت ولم يقصد به التطوع قلنا وكذلك يقصد به قبل الزوال الواجب عليه في آخر الوقت ويجزئ ولم يقل به أحد
وهذا السؤال قوي جدا في بادئ الرأي غير أن الجواب عنه أن الصلاة قبل الزوال إذا قصد بها الواجب عليه في المآل عند آخر القامة إنما وزانه إخراج الزكاة قبل ملك النصاب وينوي بها ما يجب عليه في المآل عند ملك النصاب ودوران الحول وهذا لا يجزئ إجماعا لأنه إيقاع الفعل قبل سببه ووزان مسألتنا الإخراج بعد ملك النصاب وقبل الحول فإن النصاب سبب والزوال أيضا سبب للوجوب آخر القامة كما أن النصاب سبب الوجوب بعد الحول فالصلاة قبل الزوال إنما وزانها الإخراج قبل النصاب فظهر الفرق بين الصلاة قبل الزوال وينوي بها الواجب في المآل في أنه تقدم على الأسباب مطلقا وبين الصلاة بعد الزوال في أنه بعد السبب فلا يلزم أحدهما على الآخر فاندفع السؤال عن الحنفية ولم يكن ما أوقعه المصلي نفلا مطلقا لا يجب في الحال ولا في المآل بل ما يجب في المآل وبه يظهر الفرق أيضا بين صلاته هذه وبين أن يصلي بنية النافلة
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
ينفصل عن نفس الوجوب في البدني أيضا فإن المسافر إذا صام في رمضان جاز اتفاقا وإن تأخر وجوب الأداء إلى ما بعد الإقامة بالإجماع ا ه كلامه مع شيء من متن التحرير بتصرف وحذف ما فتأمل ذلك بإمعان وصل في زيادة توضيح هذا الفرق بذكر ثلاث مسائل
المسألة الأولى قال جماعة من الحنفية يتعلق الوجوب في الواجب الموسع بآخر الوقت وفعل المعجل قبل ذلك نفل يسد مسد الفرض على ما تقرر عندهم فقال الأصحاب لهم لو صح ما ذكرتموه لصح أن يصلي قبل الزوال ويجزئ عنه إذا زالت الشمس فيكون نفلا سد مسد الفرض وأجزأ عنه بعد جريانه وهو خلاف الإجماع فكذلك ما بعد الزوال لانحصار الوجوب عندكم في آخر القامة فما هو واقع بعد الزوال أو قبله سواء في كونه غير واجب فإذا أجزأ أحدهما عن الواجب وجب أن يجزئ الآخر عن الواجب فإذا قلتم قد قصد به الواجب عليه في المآل عند آخر الوقت ولم يقصد به التطوع
قلنا وكذلك يقصد به قبل الزوال الواجب عليه في آخر الوقت ويجزئ ولم يقل به أحد قلت وما فرق به الأصل لهم بين الصلاة قبل الزوال وينوي بها الواجب في المآل وبين الصلاة بعد الزوال وينوي بها الواجب في المآل أيضا بأن الصلاة قبل الزوال إذا قصد بها الواجب عليه في المآل عند آخر القامة إنما وزانها إخراج الزكاة قبل ملك النصاب وينوي بها ما يجب عليه في المآل عند ملك النصاب ودوران الحول وهذا لا يجزئ إجماعا لأنه إيقاع الفعل قبل سببه وشرطه والصلاة بعد الزوال إذا قصد بها الواجب عليه في المآل عند آخر القامة إنما وزانها إخراج الزكاة بعد ملك النصاب وقبل الحول إذا كما أن النصاب سبب للوجوب بعد الحول كذلك الزوال سبب للوجوب آخر القامة وهذا لم يجمع على عدم إجزائه لأنه إيقاع للفعل بين سببه وشرطه والحكم إذا توسط بين سببيه أو سببه وشرطه جرى فيه الخلاف بين العلماء بخلاف تقدمه عليهما فكان ما أوقعه المصلي قبل الزوال نفلا
46
46
المسألة الثالثة
زكاة الفطر يجوز تعجيلها قبل غروب الشمس بيوم أو ثلاثة عندنا وتجزئ عن الزكاة الواجبة إذا توجهت عليه عند سببها ولو أخرج صدقة التطوع لم تجزئ عنه والفرق أنه أخرجها بنية الواجب عليه في المآل عند طريان السبب بخلاف صدقة التطوع فإنها ليست واجبة عليه في الحال ولا في المآل فلم تجزئ عنه فإن قلت فهذا
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
مطلقا وإن نوى به الواجب عليه في المال بخلاف ما أوقعه بعد الزوال فإنه لا يكون نفلا مطلقا إذا لم ينو به الواجب عليه في المآل أما إذا نوى به ذلك فإنه وإن كان نفلا في الحال إلا أنه واجب في المآل فما أجزأ عن الواجب إلا واجب ا ه بتوضيح وإن كان أي ما فرق به الأصل بين الصلاة إلخ جوابا عن الحنفية لا بأس به كما قال ابن الشاط إلا أنه يعلم سقوطه مما قدمته عن شرح التحرير الأصولي فمن هنا قال ابن الشاط والأصح نظرا لزوم عدم الإجزاء في مسألة الحنفية فيصادمهم الإجماع ا ه فافهم
المسألة الثانية
تعجيل زكاة الفطر قبل غروب الشمس من آخر أيام رمضان بيوم أو ثلاثة يجوز عندنا وتجزئ عن الزكاة الواجبة إذا توجهت عليه عند سببها الذي هو غروب الشمس من آخر أيام رمضان أو طلوع الفجر على الخلاف في ذلك ونوى بها الواجب عليه في المآل عند جريان السبب لا صدقة التطوع وإلا لم تجز عنه وذلك لأن إخراجها بعد أحد أسبابها الذي هو الخلل الواقع في الصوم لأن زكاة الفطر جابرة لما عساه اختل عن صوم رمضان بالرفث وغيره من أسباب النقص كما أن سجود السهو جابر لما نقص من الصلاة ولذلك ورد في الحديث أنها طهرة للصائم وقد تقدم الصوم والحكم إذا توسط بين سببيه أو سببه وشرطه جرى فيه الخلاف بين العلماء كما علمت فتنبه
المسألة الثالثة قال الحطاب عند قول خليل ودم التمتع يجب بإحرام الحج أي وجوبا غير محتم لأنه معرض للسقوط بالموت والفوات فإذا رمى العقبة تحتم الوجوب كما نقول في كفارة الظهار أنها تجب بالعود وجوبا غير محتم بمعنى أنها تسقط بموت الزوجة وطلاقها فإن وطئ تحتم الوجوب نقله كنون في حاشيته على عبق وفي حاشية البناني على عبق إن الأبي في شرح مسلم على أحاديث الإشراك في الهدي على قول الراوي فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي نقل عن المازري أنه قال مذهبنا أن هدي التمتع إنما يجب بالإحرام بالحج
وفي وقت جواز نحره ثلاثة أوجه فالصحيح والذي عليه الجمهور أنه يجوز نحره بعد الفراغ من العمرة وقبل الإحرام بالحج والثاني لا يجوز حتى يحرم بالحج والثالث أنه يجوز بعد الإحرام بالعمرة ا ه
وعن عياض أنه قال وفي الحديث حجة لمن يجيز نحر الهدي للتمتع بعد التحلل بالعمرة وقبل الإحرام بالحج وهو إحدى الروايتين عندنا والأخرى أنه لا يجوز إلا بعد الإحرام بالحج لأنه بذلك يصير متمتعا والقول الأول جار على تقديم الكفارة على الحنث وعلى تقديم الزكاة على الحول وقد يفرق بين هذه الأصول والأول ظاهر الأحاديث لقوله إذا أحللنا أن نهدي
ا ه
قال وبكلام الأبي هذا تعلم أنه يتعين صحة حمل قول خليل وأجزأ قبله على ظاهره أي وأجزأ نحر دم التمتع قبل الإحرام بالحج وسقوط تعقب الشراح المعتد بهم عليه بأنه لم يصرح أحد من أهل المذهب بأن نحر الهدي قبل الإحرام بالحج مجزئ وتأولهم له بأن المراد وأجزأ دم التمتع بمعنى تقليده وإشعاره قبل الإحرام بالحج ولو عند إحرام العمرة بل ولو ساقه فيها ثم حج من عامه كما يأتي له من غير داع لذلك ا ه
بتوضيح للمراد
وقال الرهوني وكنون واللفظ له يتعين فيه ما قاله الشراح ولا دليل للبناني في كلام الأبي لأن قوله عن
47
47
واجب تقدم على سببه فإن سبب وجوب زكاة الفطر غروب الشمس من آخر أيام رمضان أو طلوع الفجر على الخلاف في ذلك فالإخراج قبل ذلك إخراج قبل السبب وهو الإخراج قبل ملك النصاب والإخراج قبل ملك النصاب لا يجزئ فيلزم أن لا تجزئ الزكاة المخرجة هنا
قلت سؤال حسن غير أن زكاة الفطر لها تعلق بصوم رمضان فهي جابرة لما عساه اختل عنه بالرفث وغيره من أسباب النقص كما أن السجود في السهو جابر لما نقص من الصلاة فتأمل ذلك ولذلك ورد في الحديث أنها طهرة للصائم وقد تقدم الصوم فيكون إخراجها بعد أحد سببيها الذي هو الخلل الواقع في الصوم والحكم إذا توسط بين سببيه أو سببه وشرطه جرى فيه الخلاف بين العلماء بخلاف تقدمه عليهما وفي الإخراج قبل ملك النصاب تقدم عليهما فلا جرم لم يجزئ وهاهنا توسط وهو سبب الإجزاء فظهر بهذه
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
المازري والجمهور إلخ يحتمل أن المراد به جمهور المجتهدين كما هو الشأن في هذه العبارة حيث أطلقها أهل الخلاف الكبير وإن كانت تشمل الإمام مالكا لكن لا تصريح فيها بنسبة ذلك إليه مع أن غير واحد من حفاظ المذهب أي كالباجي وأبي بكر بن العربي والقاضي عبد الوهاب وسند وابن الفرس والجنيد وغيرهم نسبوا له عكس ذلك نصا
وأما ما نقله عن عياض فليس فيه أن الرواية بالجواز هي المشهورة أو الراجحة أو مساوية للأخرى على أن قوله وفي الحديث حجة لمن يجيز نحر هدي التمتع إلخ وإن كان في الأبي كذلك مخالفا لما لعياض في الإكمال فإن الذي فيه تقليد هدي التمتع إلخ كذا في نسخة عتيقة مظنون بها الصحة ويؤيده أنه أي عياضا ذكر المسألة في موضع آخر فلم يذكر فيها جواز ذلك عن أحد أصلا وإنما ذكر جواز نحره بعد الإحرام بالحج لا قبله عن الشافعي فكيف يذكر في ذلك الروايتين عن مالك
ويؤيده أيضا أن اللخمي إنما ذكر الخلاف في التقليد لا في النحر فتعين أن لفظة نحر في نقل الأبي عن عياض تصحيف وإنما هي تقليد ويشهد لذلك كلام حفاظ المذهب انظره في الرهوني والحطاب ا ه
وخلاصة ما يفيده كلامهما أن كلام المازري وإن أفاد أن القول له بجواز نحر دم التمتع بعد الفراغ من العمرة وقبل الإحرام بالحج قول في المذهب إلا أنه ليس قول جمهور أهل المذهب حتى يكون هو المشهور بل هو قول جمهور المجتهدين كما هو الشأن في هذه العبارة حيث أطلقها أهل الخلاف الكبير وشمولها احتمالا للإمام مالك حينئذ لا يقتضي أنها المشهور في مذهبه كيف وقد نسب له غير واحد من حفاظ المذهب عكس ذلك نصا وأن كلام عياض على نقل الأبي ليس فيه أن الرواية بالجواز مشهورة أو راجحة أو مساوية للأخرى على أن في نسخة عتيقة مظنون بها الصحة من نسخ الإكمال مخالفة لما في نقل الأبي عنه حيث إنها بلفظ يجيز تقليد هدي التمتع إلخ لا بلفظ يجيز نحر هدي إلخ كما في نقل الأبي ويؤيدها أمران أحدهما ذكر عياض المسألة في موضع آخر بدون أن يذكر فيها جواز ذلك عن أحد بل إنما ذكر جواز النحر بعد الإحرام بالحج لا قبله عن الشافعي فقط فكيف يذكر في ذلك الروايتين عن مالك وثانيهما أن اللخمي إنما ذكر الخلاف في التقليد لا في النحر فتعين أن لفظة نحر في نقل الأبي عن عياض تصحيف وإنما هي تقليد كما يشهد لذلك كلام حفاظ المذهب نعم القول بجواز نحر هدي التمتع بعد الفراغ من العمرة وقبل الإحرام بالحج وإن ثبت بذلك أنه ضعيف في مذهبنا إلا أنه قوي
48
48
المسائل الفرق بين قاعدة ما ليس بواجب في الحال ولا في المآل وبين قاعدة ما ليس بواجب في الحال وهو واجب في المآل وأن الأول أبعد في الإجزاء عن الواجب من إجزاء الثاني عن الواجب
الفرق الخامس والخمسون بين قاعدة ملك القريب ملكا محققا يقتضي العتق على المالك وبين قاعدة ملك القريب ملكا مقدرا لا يقتضي العتق على المالك وذلك أن الملك المحقق هو أن يحقق تنافيه بإجلال الآباء واحترام الأبناء فيعتق
هامش أنوار البروق
قال شهاب الدين الفرق الخامس والخمسون بين قاعدة ملك القريب ملكا محققا يقتضي العتق على المالك وبين قاعدة ملك القريب ملكا مقدرا لا يقتضي العتق على المالك إلى آخره قلت هذا الفرق مبني على لزوم تقدير الملك فيما مثل به وقد تقدم أن تقدير الملك في ذلك ليس باللازم فلا مانع من إجزاء العتق عن المعتق عنه من غير تقدير ملكه لمن أعتقه عنه
هامش إدرار الشروق
عند الشافعي بناء على القاعدة المعتبرة عندهم من أن كل حق مالي تعلق بسببين جاز تقديمه على ثانيهما كما نقله الجمل على الجلالين عن شيخه ثم قال وأما صوم الثلاثة الأيام ممن فقد الهدي أو ثمنه فلا يجوز تقديمها على ثاني سببيها لأن الصوم عبادة بدنية لا مالية ا ه
قلت وقد ترتب الآن على إخراج الهدي من مكة إلى الحل وذبحه بمكة وعلى الإتيان به من عرفة إلى منى وذبحه بمنى إما إتلاف مال وإما عدم انتفاع الفقراء بالهدي كما لا يخفى على من حج وشاهد ذلك فالأسهل إما العمل بمقابل المشهور بناء على ما ذكره الحطاب عن ابن عمر من جواز العمل بالشاذ في خاصة النفس وأنه يقدم على العمل بمذهب الغير لأنه قول في المذهب وهو اختيار المغاربة وإما تقليد الشافعي في جواز نحره بعد الفراغ من العمرة وقبل الإحرام بالحج بناء على ما نقله الدسوقي عن أشياخه من عدم جواز العمل بالقول الضعيف في خاصة النفس بل يقدم العمل بقول الغير عليه إن كان راجحا لأن قول الغير قوي في مذهبه وتقليد الشافعي أو أبي حنيفة في عدم اشتراط الجمع في الهدي بين الحل والحرم بناء على الخلاف عندنا في أنه إذا لم يوجد نص لأهل المذهب في نازلة فالذي أفتى به بعض المتأخرين أنه يرجع لمذهب أبي حنيفة لأن مسائل الخلاف التي بين مالك وبينه اثنان وثلاثون مسألة فقط وظاهر كلام القرافي وعليه جرى عمل جد عج أنه ينتقل في تلك المنزلة لمذهب الشافعي لأنه تلميذ الإمام كما في حاشية الخرشي للشيخ علي العدوي وإذا قلد جاز له الأكل من الهدي بناء على جواز التلفيق في العبادة الواحدة من مذهبين لأنه فسحة في الدين ودين الله يسر كما قال الشيخ علي العدوي في حاشية الخرشي فافهم والله أعلم
الفرق الخامس والخمسون بين قاعدة ملك القريب ملكا محققا يقتضي العتق على المالك وبين قاعدة ملك القريب ملكا مقدرا لا يقتضي العتق على المالك بناء على ما زعمه الأصل من لزوم تقدير الملك للقريب كالأب إذا طلب قريبه كابنه من غيره أن يعتق عن كفارة عليه عبدا من عبيده فأعتق المطلوب عن الطالب أباه في الكفارة التي عليه وأن براءة ذمة الابن
49
49
الأبناء والآباء به وغيرهم فيه الخلاف فمن اشترى أباه أو وهب له فقبله ونحو ذلك فقد ملكه ملكا محققا فيعتق عليه
وأما إن قال لغيره أعتق عن كفارة علي عبدا من عبيدك فأعتق عنه أبا الطالب للعتق الذي عليه الكفارة فإن القاعدة أن العتق يصح وتبرأ ذمته من العتق ويكون الولاء للمعتق عنه فلأجل براءة الذمة وثبوت الولاء يتعين تقدير الملك للمعتق عنه قبل صدور العتق في الزمن الفرد حتى يكون العتق في ملك له فتبرأ ذمته من الكفارة ويصير الولاء له بمقتضى العتق في ملكه فهذا ملك مقدر من قبل صاحب الشرع لضرورة ثبوت الأحكام لا إنه ملك محقق فلا يلزم من هذا الملك المقدر هو أن بالمملوك من جهة من قدر الملك له فإن الواقع أنه لم يملكه وإنما الشرع أعطى هذا الملك المعدوم حكم الموجود والواقع المحقق عدم الملك فلا جرم لا يلزم بهذا الملك المقدر عتق بل يقع عتق والده عن كفارته وتجزئ عنه ولو قلنا إنه عتق عليه بالملك لم يجزئ عن الكفارة لأن المستحق عتقه بسبب غير العتاق عن الكفارة لا يجزئ عتقه عن الكفارة وهذا هو تحقيق الفرق بين القاعدتين
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
من الكفارة التي عليه وصيرورة ولاء أبيه له بعتق مالكه له عنه في كفارته يتوقفان على تقدير الملك للابن المعتق عنه قبل صدور العتق في الزمن الفرد من قبل صاحب الشرع لضرورة ثبوت الأحكام وأن هذا الملك المقدر بضرورة ثبوت الأحكام يفارق الملك المحقق الحاصل بنحو الشراء للآباء أو للأبناء أو لنحوهم في اقتضاء المحقق العتق دون المقدر لأنه لا يلزم من الملك المقدر هو أن بالمملوك من جهة من قدر الملك له حتى ينافي الإجلال للآباء والاحترام للأبناء ونحوهم المطلوب شرعا كما في المحقق فإن الواقع أنه لم يملكه وإنما الشرع أعطى هذا الملك المعدوم حكم الموجود لما ذكر والواقع المحقق عدم الملك فلا جرم لا يلزم بهذا الملك المقدر عتق بل يقع عتق والده عن كفارته وتجزئ عنه إذ لو قلنا إنه عتق عليه بالملك لم يجز عن الكفارة لأن المستحق عتقه بسبب غير العتاق عن الكفارة لا يجزئ عتقه عن الكفارة ا ه
والحق أن تقدير الملك في ذلك ليس باللازم بل لا حاجة إليه إذ لا مانع من إجزاء العتق عن المعتق عنه وثبوت الولاء له من غير تقدير ملكه لمن أعتق عنه ففي شرح المواق على خليل ابن رشد إذا قال لعبده أنت حر عن المسلمين وولاؤك لي لم يختلف المذهب أن ذلك جائز والولاء للمسلمين ا ه
ولا دليل يدل عليه بل الدليل على خلافه وهو صحة العتق عن الميت وهو لا يصح أن يملك ثم أن المعتق عن غيره لم يقصد إلى ذلك المقدر ولو قصد إليه لما صح عتقه إياه لأنه كأن يكون حينئذ معتقا ملك غيره بغير إذنه وذلك لا يصح وما ذكره هو وغيره في ذلك من تقدم توكيل المعتق عنه إنما يتجه إذا كان العتق بإذنه أما إذا كان بغير إذنه فلا يتجه على أنه لا يخلو إما أن يريد بالتقدير ما يرجع إلى الباري تعالى وهو محال عليه تعالى فإنه لا يقوم بذاته تعالى تقدير أمر من الأمور بالمعنى الذي يقال ذلك في حقنا بل لا يقوم بذاته إلا العلم بوجود ذلك الأمر أو بعدمه وإما أن يريد به ما يرجع إلينا وهو أيضا محال لأنه إذا كان سبب قيام الخبر ببراءة ذمة الابن من الكفارة وصيرورة ولاء أبيه له بعتق مالكه له عنه في كفارته بذاته تعالى تقديرنا نحن ذلك الأمر وتقديرنا حادث فيلزم حدوث ذلك الخبر لضرورة سبق السبب للمسبب أو معيته
50
50
الفرق السادس والخمسون بين قاعدة رفع الواقعات وبين قاعدة تقدير ارتفاعها
هاتان القاعدتان تلتبسان على كثير من الفقهاء الفضلاء مع أن القاعدة الأولى قاعدة امتناع واستحالة عقلية لا سبيل إلى أن يقع شيء منها في الشريعة والقاعدة الثانية واقعة في الشريعة في مواقع الإجماع ومواقع الخلاف ولقد حضرت يوما في مجلس فيه فاضلان كبيران من الشافعية فقال أحدهما للآخر ما معنى قول العلماء الرد بالعيب رفع للعقد من أصله أو من حينه قولان أما من حينه فمسلم معقول
وأما من أصله فغير معقول بسبب أن العقد واقع في نفسه وهو من جملة ما تضمنه الزمان الماضي والقاعدة العقلية أن رفع الواقع محال وإخراج ما تضمنه الزمان الماضي محال فما معنى قولهم إنه رفع للعقد من
هامش أنوار البروق
قال
الفرق السادس والخمسون بين قاعدة رفع الواقعات وبين قاعدة تقدير ارتفاعها إلى آخره
قلت جميع ما قاله في هذا الفرق صحيح غير قوله بتقدير الملك للمعتق عنه فإنه
وإن كان التقدير
هامش إدرار الشروق
وبالجملة القول بتلك التقديرات في هذا الموضع لا يصح كما يفيده كلام ابن الشاط في موضعين من حاشيته على الأصل وإن أمكن الجواب عن الترديد باختيار الشق الثاني وإرجاع سببية التقدير للمخبر به لا لقيام الخبر بذاته تعالى فافهم والله أعلم
الفرق السادس والخمسون بين قاعدة رفع الواقعات وبين قاعدة تقدير ارتفاعها
وهو أن رفع الواقعات مستحيل مطلقا وأن تقدير ارتفاعها ممكن مطلقا وقد ثبت الحكم للتقادير الشرعية بإعطاء الموجود حكم المعدوم أو المعدوم حكم الموجود في مواضع منها تقدير النجاسة في حكم العدم في صور الضرورات كدم البراغيث وموضع الحدث من المخرجين
ومنها تقدير رفع الإباحة بالرد بالعيب بعد ثبوتها قبل الرد ونقل ارتفع العقد من أصله لا من حينه على أحد القولين للعلماء وذلك لأن هذا العقد وإن كان واقعا إلا أن الشرع يعطيه الآن حكم عقد لم يوجد إلا أنه يرفع بعد وجوده حتى يقال القاعدة العقلية أن رفع الواقع محال وإخراج ما تضمنه الزمان الماضي محال وتظهر فائدة الخلاف في ولد الجارية والبهائم المبيعة لمن تكون وكذلك الغلات عند من يقول بذلك فإنها تكون في الزمان الماضي للبائع على القول بتقدير العقد معدوما من أصله وللمشتري على القول بتقديره معدوما من حينه ومنها تقدير ما أجمعوا عليه من إباحة وطء الزوجة التي قال لها إن قدم زيد آخر الشهر فأنت طالق من أوله إلى أن يقدم زيد في حكم العدم لا أننا نعتقد أنها ارتفعت من الزمن الماضي حتى يلزم المحال من رفع الواقع كما تقدم وذلك أنه إذا قدم زيد فهل تطلق من الآن أو من أول الشهر وهو الذي يراه ابن يونس من أصحابنا مقتضى المذهب فيقضي بوقوع الطلاق والتحريم في أول الشهر ويقدر الآن أن
51
51
أصله قال له الآخر معنى ذلك أنه يرجع إلى رفع آثاره دون نفس العقد فقال له الآثار والأحكام هي أيضا واقعة من جملة الواقعات وقد تضمنها أيضا الزمان الماضي فيستحيل رفعها كالعقد ويمتنع إخراجها من الزمان الماضي كسائر الماضيات فقال له الآخر هذا السؤال يرد على مثلي وأظهر الغضب والنفور لقلقه وقوة السؤال وافترقا عن غير جواب وما سبب ذلك إلا الجهل بهذا الفرق وها أنا أوضحه لك بذكر مسائل أربع
المسألة الأولى
الرد بالعيب المتقدم ذكرها والسؤال فيها فنقول العقد واقع ولا سبيل إلى رفعه لكن من قواعد الشرع التقديرات وهي إعطاء الموجود حكم المعدوم والمعدوم حكم الموجود فهذا العقد وإن كان واقعا لكن يقدره الشرع معدوما أي يعطيه الآن حكم عقد لم يوجد لا أنه يرفع بعد وجوده فاندفع الإشكال وفائدة الخلاف تظهر في ولد الجارية والبهائم المبيعة لمن تكون وكذلك الغلات عند من يقول بذلك هل تكون في الزمان الماضي للبائع إن قدرناه معدوما من أصله أو المشتري إن جعلناه مرفوعا من حينه
هامش أنوار البروق
مما ثبت له حكم في مواضع فلا حاجة في هذه المسألة إليه ولا دليل عليه وغير قوله بتقدير ملك الدية في قتل الخطأ فإنه ليس موضع تقدير الملك أعني بعد إنفاذ المقاتل وقبل زهوق الروح بل هو موضع تحقيق للملك والله تعالى أعلم
هامش إدرار الشروق
الإباحة الكائنة في أول الشهر ووسطه في حكم المرتفعة لا إننا نجزم بارتفاعها بالفعل وقد تقدمت هذه المسألة والبحث فيها مع الشافعي في باب فرق الشروط فلتطالع ثمة ومنها غير ذلك من مسائل التقدير التي لا يخلو باب من أبواب الفقه عنها نعم ليس منها تقدير الملك للمعتق عنه إذ لا حاجة إلى التقدير في هذه المسألة ولا دليل عليه والتقدير لا يصار إليه إلا بدليل والأصل عدمه كما تقدم ولا منها تقدير ملك الدية في قتل الخطأ بعد إنقاذ المقاتل وقبل زهوق الروح بل هو موضع تحقيق الملك كما أفاده ابن الشاط
قلت وليس منها أيضا مسألة تأثير رفض النية فيما عدا الحج والعمرة في الأثناء اتفاقا في الطواف والسعي والغسل والصلاة والصوم وعلى الخلاف في الوضوء والتيمم والاعتكاف ولا تأثير رفضها في الوضوء والتيمم والصلاة والصوم والاعتكاف والطواف والسعي بعد الفراغ على الخلاف أما بالنسبة للرفض في الأثناء فلأن الحق صحته في جميع العبادات بدون احتياج إلى التقدير لأن معناه أنه كان قاصدا بالعبادة امتثال الأمر ثم أتمها بنية أخرى ليست بعبادته التي شرع فيها كالمتطهر ينوي أولا رفع الحدث ثم ينسخ تلك النية ثانيا بنية التبرد أو التنظف من الأوساخ البدنية
وأما بالنسبة للرفض بعد الفراغ فلأن الأصل عدم صحته في جميع العبادات ضرورة أن صحته حينئذ متوقفة على رجوعه للتقدير لأن معناه بعد كمالها على مشروطها قصده أن لا تكون عبادة ولا يترتب عليها حكمها من إجزاء أو استباحة أو غير ذلك والواقع يستحيل رفعه والتقدير لا يصار إليه إلا بدليل والأصل عدمه فلزم أن لا يؤثر فيها بل تكون على حكمها لو لم يكن ذلك القصد
وخرج عن هذا الأصل خلاف الفقهاء في الصلاة والصوم والطواف والسعي والاعتكاف فمن هنا نقل صاحب الجمع عن ابن راشد أنه قال إن القول بعدم تأثير الرفض بعد الفراغ من العبادة عندي أصح لأن الفرض يرجع إلى التقدير لأن الواقع يستحيل رفضه والتقدير لا يصار إليه إلا بدليل والأصل عدمه ولأنه بنفس الفراغ من الفعل سقط التكليف به ومن ادعى أن التكليف
52
52
فهذا كله فقه مستقيم وليس فيه مخالفة قاعدة عقلية حتى يلزم ورود الشرع بخلاف العقل وهو من قاعدة تقدير رفع الواقعات لا من قاعدة رفع الواقعات
المسألة الثانية
رفض النيات في العبادات كالصلاة والصوم والحج والطهارة ورفع هذه العبادات بعد وقوعها في جميع ذلك قولان والمشهور في الحج والوضوء عدم الرفع وفي الصلاة والصوم صحة الرفض وذلك كله من المشكلات فإن النية وقعت وكذلك العبادة فكيف يصح رفع الواقع وكيف يصح القصد إلى المستحيل بل النية واقعة قطعا والعبادة محققة جزما فالقصد لرفض ذلك وإبطاله قصد للمستحيل ورفع الواقع وإخراج ما اندرج في الزمن الماضي منه وكل ذلك مستحيل كما تقدم ذلك في الرد بالعيب
والجواب عنه أن ذلك من باب التقديرات الشرعية بمعنى أن صاحب الشرع يقدر هذه النية أو هذه العبادة في حكم ما لم يوجد لا أنه يبطل وجودها المندرج في الزمن الماضي بل يجري عليها الآن حكم عبادة أخرى لم توجد قط وما لم يوجد قط يستأنف فعله فيستأنف فعل هذه فهي من قاعدة تقدير رفع الواقعات لا من قاعدة رفع الواقعات فإن قلت وأي دليل وجد في الشريعة يقتضي تمكن المكلف من هذا التقدير وأن هذا التقدير يتحقق ولو صح ذلك لتمكن المكلف من إسقاط جميع أعماله الحسنة والقبيحة في الزمان الماضي بطريق التقدير والقصد إليها فيقصد الإنسان إبطال ما مضى له من جهاد وهجرة وسعي في طلب العلم وغير ذلك من الأعمال بل يكون إذا قصد إلى إبطال ما تقدم له من الإيمان بمجرد القصد لعدم اعتباره من غير كفر ولا ردة ولا معنى من المعاني المنافية للإيمان أن يصير كافرا غير مؤمن في الزمان الماضي وأن حكم إيمانه المتقدم الآن حكم عدمه وحكم جميع أعماله الصالحة كلها كذلك
وكذلك يقصد إلى إبطال زناه وسرقته وحرابته وأكله الربا وأموال اليتامى وغير ذلك من المناحس والقبائح أن يصير حكمها الآن حكم المعدوم في الزمان الماضي فيستريح من مؤاخذتها لأن عدم المؤاخذة هي أثر هذا التقدير وجميع ذلك لم يقل به ولا قال فقيه بفتح هذا القياس ولم نجده إلا في هذه المسائل الأربع وجميع ما يمكن أن يقال فيه من التعليل أمكن وجوده في جميع تلك الصور أو
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
يرجع بعد سقوطه لأجل الرفض فعليه الدليل ا ه وجرى على هذا الأصل إجماع الفقهاء على عدم تأثير الرفض بعد فراغ الحج والعمرة والغسل
وأما خلافهم في رفض الوضوء والتيمم بعد الكمال فإنه غير خارج عن هذا الأصل من جهة أن الطهارة هنا لها وجهان في النظر فمن نظر إلى فعلها على ما ينبغي قال إن استباحة الصلاة بها لازم ومسبب عن ذلك الفعل فلا يصح رفعه إلا بناقض طارئ ومن نظر إلى حكمها أعني استباحة الصلاة مستصحبا إلى أن يصلي وذلك أمر مستقبل فيشترط فيه استصحاب النية الأولى المقارنة للطهارة وهي منسوخة بنية الرفض المنافية لها فلا يصح استباحة الصلاة الآتية بها لأن ذلك كالرفض المقارن للفعل وما قارن الفعل مؤثر فكذلك ما شابهه فلو انتفت المشابهة بأن رفض نية الطهارة بعد ما أدى
53
53
في بعضها ولم يرد في هذه الصور الأربع نص يخصصها بهذا الحكم ويمنع من القياس عليها بل المقرر في الشريعة أن عدم اعتبار ما وقع في الزمن الماضي يتوقف على أسباب غير الرفض كالإسلام يهدم ما قبله والهجرة تهدم ما قبلها وكذلك التوبة والحج وعكسها في الأعمال الصالحة لها ما يبطلها وهي الردة والنصوص دلت على اعتبار هذه الأسباب أما الرفض فما نعلم أحدا ذكر دليلا شرعيا يقتضي اعتباره وأن مجرد القصد مؤثر في الأعمال هذا التأثير قلت هذا سؤال حسن قوي متجه ولم أجد شيئا له اتجاه يقتضي اندفاعه على الوجه التام فالأحسن الاعتراف به
المسألة الثالثة
إذا قال لامرأته إن قدم زيد آخر الشهر فأنت طالق من أوله فإنها مباحة الوطء بالإجماع إلى قدوم زيد فإذا قدم زيد آخر الشهر هل تطلق من الآن أو من أول الشهر وهو الذي يراه ابن يونس من أصحابنا مقتضى المذهب فيقضي بوقوع الطلاق فيه والتحريم في أول الشهر فيرفع الإباحة الكائنة في وسط الشهر وهي كانت واقعة فيلزم رفع الواقع وهو محال كما تقدم
والجواب أنه من باب التقدير الشرعي بمعنى أنا نقدر أن تلك الإباحة في حكم العدم لا أنا نعتقد أنها ارتفعت من الزمن الماضي بل حكمها الآن حكم المرتفعة وقد تقدمت هذه المسألة في باب فرق الشروط والبحث فيها مع الشافعي فلتطالع من هناك فإنه مستوفى
المسألة الرابعة إذا أعتق عن غيره فإنا نقدر له الملك قبل العتق عنه مع أن الواقع عدم ملكه له قبل العتق وذلك العدم من جملة الواقعات والواقع من عدم أو وجود في الزمن الماضي يستحيل رفعه فكيف يرتفع عدم الملك ويثبت نقيضه وهو الملك والجواب عنه أنه من باب التقدير فيقدر ذلك العدم في حكم المرتفع لا لأنا نرفعه بل نعطيه الآن حكم الارتفاع من إجزاء العتق وثبوت الولاء وغير ذلك وكذلك تقدر ملك الدية في قتل الخطأ من قبل الموت بالزمن ليصح الإرث خاصة وهذه التقادير كثيرة في الشريعة وقد بينت ذلك كله مستوفى في كتاب الأمنية في إدراك النية وأنه لا يخلو باب من أبواب الفقه عن التقدير وهذه الفروع كلها تقتضي الفرق بين قاعدة ارتفاع الواقع وبين قاعدة تقدير ارتفاع الواقع وأن الأول مستحيل مطلقا والثاني ممكن مطلقا وبالله التوفيق
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
بها الصلاة وتم حكمها لم يصح أن يقال إنه يجب عليه استئناف الطهارة والصلاة فكذلك من صلى ثم رفض تلك الصلاة بعد السلام منها وقد كان أتى بها على ما أمر به
فإن قال من تكلم في الرفض في مثل هذا فالقاعدة ظاهرة في خلاف ما قال كما تقدم عن أبي إسحاق في موافقاته وقد مر أن اللزوم بين الوضوء والغسل مشروط بعدم طريان التناقض في أثناء الغسل فلذا لم يتأت فيه جريان الوجهين المذكورين في الوضوء والتيمم وأجمعوا على عدم تأثير الرفض بعد كماله فافهم والله أعلم

54
54
الفرق السابع والخمسون بين قاعدة تداخل الأسباب وبين قاعدة تساقطها
اعلم أن التداخل والتساقط بين الأسباب قد استويا في أن الحكم لا يترتب على السبب الذي دخل في غيره ولا على السبب الذي سقط بغيره فهذا هو وجه الجمع بين القاعدتين والفرق بينهما أن التداخل بين الأسباب معناه أن يوجد سببان مسببهما واحد فيترتب عليهما مسبب واحد مع أن كل واحد منهما يقتضي مسببا من ذلك النوع ومقتضى القياس أن يترتب من ذلك النوع مسببان وقد وقع الأول في كثير من الصور والثاني أيضا واقع في الشريعة وهو الأكثر أما التداخل الذي هو أقل فقد وقع في الشريعة في ستة أبواب الأول الطهارات كالوضوء والغسل إذا تكررت أسبابهما المختلفة كالحيض والجنابة أو المتماثلة كالجنابتين والملامستين في الوضوء فإنه يجزئ وضوء واحد وغسل واحد
هامش أنوار البروق
وما قاله في الفرق السابع والخمسين صحيح
هامش إدرار الشروق
الفرق السابع والخمسون بين قاعدة تداخل الأسباب وبين قاعدة تساقطها
التداخل والتساقط بين الأسباب وإن اتفقا في جهتين أحدهما أن الحكم لا يترتب على السبب الذي دخل في غيره ولا على السبب الذي سقط بغيره وثانيهما جريان كل منهما على خلاف الأصل إلا أنهما تفارقا في جهات الجهة الأولى أن تساقط الأسباب إنما يكون عند التعارض وتنافي المسببات بأن يكون أحد السببين يقتضي شيئا والآخر يقتضي ضده فيقدم صاحب الشرع الراجح منهما على المرجوح فيسقط المرجوح أو يستويان فيتساقطان معا وتداخلها إنما يكون عند اتحاد مسببها بأن يوجد سببان مسببهما واحد
الجهة الثانية أن التداخل جرى على خلاف الأصل في اتحاد المسبب والتساقط جرى على خلاف الأصل في تنافي المسببات إذ الأصل والقياس عدم التداخل مع تماثل الأسباب بأن يترتب على كل سبب مسببه
الجهة الثالثة أن التداخل وقع في الشريعة في ستة أبواب الأول الطهارة فمن التداخل فيه إجزاء غسل واحد مع تعدد أسبابه المختلفة كالحيض والجنابة أو المتماثلة كالجنابتين ومنه إجزاء وضوء واحد مع تعدد أسبابه المتماثلة كالملامستين أو المختلفة كالملامسة وإخراج الريح ومنه إجزاء الغسل عن الوضوء وإن تحقق سببه الذي هو الملامسة مع سبب الغسل الذي هو الجنابة لاندراج سببه في الجنابة فلم يترتب عليه وجوب وضوء
الثاني الصلوات فمن التداخل فيها تداخل تحية المسجد في صلاة الفرض مع تعدد سببيهما فيدخل دخول المسجد الذي هو سبب التحية في الزوال الذي هو سبب الظهر مثلا فيقوم سبب الزوال مقام سبب الدخول فيكتفى به
الثالث الصيام فمن التداخل فيه تداخل الصوم الذي سببه الاعتكاف في صوم رمضان الذي سببه رؤية الهلال فيقوم سبب الرؤية مقام سبب الاعتكاف فيكتفى به
الرابع الكفارات فمن التداخل فيه حمل الأيمان في المشهور على التكرار لا على الإنشاء فتكفيه كفارة واحدة ومنه تكرار الوطء في اليوم الواحد من رمضان عندنا على الخلاف وفي اليومين عند أبي حنيفة تكفيه كفارة واحدة وله قولان في الرمضانين
الخامس الحدود المتماثلة فمن التداخل فيه تداخل أسبابها المختلفة
55
55
ودخل أحد السببين في الآخر فلم يظهر له أثر وكالوضوء مع الغسل فإن سبب الوضوء الذي هو الملامسة اندرج في الجنابة فلم يترتب عليه وجوب وضوء وأجزأه الغسل الثاني الصلوات كتداخل تحية المسجد مع صلاة الفرض مع تعدد سببهما فيدخل دخول المسجد الذي هو سبب التحية في الزوال الذي هو سبب الظهر مثلا فيقوم سبب الزوال مقام سبب الدخول فيكتفى به الثالث الصيام كصيام رمضان مع صيام الاعتكاف فإن الاعتكاف سبب لتوجه الأمر بالصوم ورؤية هلال رمضان سبب توجه الأمر بصوم رمضان فيدخل سبب الاعتكاف في سبب رؤية الهلال ويتداخل الاعتكاف ورؤية الهلال
الرابع الكفارات في الأيمان على المشهور في حل الأيمان على التكرار دون الإنشاء بخلاف تكرار الطلاق يحمل على الإنشاء حتى يريد التكرار وفي كفارة إفساد رمضان إذا تكرر الوطء منه في اليوم الواحد عندنا على الخلاف وعند أبي حنيفة في اليومين وله قولان في الرمضانين الخامس الحدود المتماثلة وإن اختلفت أسبابها كالقذف وشرب الخمر أو تماثلت كالزنى مرارا والسرقة مرارا والشرب مرارا قبل إقامة الحد عليه وهي من أولى الأسباب بالتداخل لأن تكررها مهلك
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
كالقذف وشرب الخمر أو المتماثلة كالزنا مرارا والسرقة مرارا والشرب مرارا قبل إقامة الحد عليه وهي من أولى الأسباب بالتداخل لأن تكررها مهلك
السادس الأموال فمن التداخل فيها أنه لا يجب في تكرار وطء الشبهة المتحدة إلا صداق واحد من صداق المثل وإن كانت كل وطأة لو انفردت أوجبت مهرا تاما من صداق المثل ومنه اكتفاء صاحب الشرع فيما إذا قطع أطرافه وسرى ذلك لنفسه بدية واحدة للنفس وإن كان الواجب قبل السريان نحو عشر ديات بحسب تعدد العضو المجني عليه فدخل في هذه المسألة الكثير وهو دية الأطراف في القليل وهو دية النفس وقد يدخل القليل كدية الأصبع في الكثير كدية النفس تنبيه لا يتنافى عندنا في التداخل إلا أربع صور أحدها دخول القليل في الكثير
وثانيها دخول الكثير في القليل وقد مرت مثلهما
وثالثها دخول المتقدم في المتأخر كحدث الوضوء المتقدم مع الجنابة المتأخرة
ورابعها دخول المتأخر في المتقدم كالوطآت المتأخرة مع الوطأة المتقدمة الأولى وأسباب الوضوء أو الغسل المتأخرة في الموجب الأول منها وعند الشافعية تزيد صورة خامسة وهي دخول الطرفان في الوسط فيما إذا وطئت المرأة بالشبهة الواحدة أولا وهي مريضة الجسم عديمة المال وثانيا بعد أن صحت وورثت مالا عظيما وثالثا بعد سقم جسمها وذهاب مالها فإنها عندهم يجب لها صداق المثل في أعظم أحوالها وأعظم أحوالها في هذه الصورة الحالة الوسطى فيجب الصداق باعتبارها وتدخل فيها الحالة الأولى والحالة الأخيرة فيندرج الطرفان في الوسط ولا يعتبر على مذهب مالك في هذا المثال إلا الوطأة الأولى كيف كانت وكيف صادفت ويندرج ما بعدها فيها فهذه الصورة عنده من باب اندراج المتأخر في المتقدم لا من باب اندراج الطرفين في الوسط
وأما التساقط فإما أن يكون بسبب التنافي في جميع الوجوه وجميع الأحكام وله مثل منها الردة مع الإسلام ومنها القتل والكفر يقتضيان عدم الإرث
56
56
السادس الأموال كالواطئ بالشبهة المتحدة إذا تكرر الوطء فإن كل وطأة لو انفردت أوجبت مهرا تاما من صداق المثل ولا يجب في ذلك إلا صداق واحد وكدية الأطراف مع النفس فإنه إذا قطع أطرافه وسرى ذلك لنفسه اكتفى صاحب الشرع بدية واحدة للنفس مع أن الواجب قبل السريان نحو عشر ديات بحسب تعدد العضو المجني عليه ومع ذلك يسقط الجميع ولا يلزم إلا دية واحدة تفريع على هذا قد يدخل القليل مع الكثير كدية الأصبع مع النفس والكثير مع القليل كدية الأطراف مع النفس والمتقدم مع المتأخر كحدث الوضوء مع الجنابة والمتأخر مع المتقدم كالوطآت المتأخرة مع الوطأة المتقدمة الأولى
وموجبات أسباب الوضوء والغسل مع اندراجه في الموجب الأول والطرفان في وسط كاندراج الوطأة الأولى والآخرة في وطء الشبهة فإنها قد توطأ أولا وهي مريضة الجسم عديمة المال ثم تصح وترث مالا عظيما ثم تسقم في جسمها ويذهب مالها وهي توطأ في تلك الأحوال كلها بشبهة واحدة فإنها يجب لها عند الشافعي صداق المثل في أعظم أحوالها وأعظم أحوالها في هذه الصورة الحالة الوسطى فيجب الصداق باعتبارها وتدخل فيها الحالة الأولى والحالة الأخيرة فيندرج الطرفان في الوسط وهذا المثال إنما يجب على مذهب الشافعي وأما
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
والقرابة تقتضي الإرث ومنها الدين مسقط للزكاة وأسبابها توجبها ومنها تعارض البينتين ومنها تعارض الأصلين فيما إذا قطع رجل ملفوف في الثياب فتنازع القاطع والولي في كونه كان حيا حالة الجناية فالأصل بقاء الحياة والأصل أيضا عدم وجوب القصاص ومنها تعارض الغالبين الظاهرين في بحث اختلاف الزوجين في متاع البيت فإن اليد للرجل ظاهرة في الملك فإذا كان المدعي فيه من قماش النساء دون الرجال وكان ظاهرا في كونه للمرأة دون الرجل قدمنا نحن هذا الظاهر وسوى الشافعي بينهما بناء على أن لهما معا يدا وهي ظاهرة في الملك واليد عند مالك خاصة بالرجل لأنه صاحب المنزل وإذا كان يصلح لهما قدم ملك الرجل فيه بناء على اختصاصه باليد ونحو المنفردين برؤية الهلال والسماء مصحية والمصر كبير فمالك قدم ظاهر العدالة وسحنون قدم ظاهر الحال ولم يوجب الصوم بشهادتهما وقال الظاهر كذبهما لأن العدد العظيم مع ارتفاع الموانع يقتضي أن يراه جمع عظيم فانفراد هذين دليل كذبهما
ومنها تعارض الأصل والظاهر في نحو المقبرة المنبوشة فإن الأصل عدم النجاسة والظاهر وجودها بسبب النبش قلت ومنها ما قدمته عن كتاب الأحكام للإمام ابن العربي من تعارض العموم في خصوص العين في قوله تعالى في دم الحيض بل هو أذى والعموم في خصوص الحال في قوله تعالى أو دما مسفوحا فيترجح الأول ويكون قليل دم الحيض وكثيره سواء في التحريم كما رواه أبو ثابت عن ابن القاسم وابن وهب وابن سيرين عن مالك على الثاني الذي تمسك به بعض علمائنا فقال يعفى عن قليله كسائر الدماء لأن حال العين أرجح من حال الحال وإما أن يكون أي التساقط بسبب التنافي في بعض الوجوه وفي بعض الأحكام وله مسائل منها اقتضاء النكاح مع الملك إباحة الوطء فيغلب الأقوى وهو الملك لأنه مع كونه يوجب إباحة الوطء كالنكاح يوجب ملك الرقبة والمنافع وتكون
57
57
على مذهب مالك فإنما يعتبر الوطأة الأولى كيف كانت وكيف صادفت ويندرج ما بعدها فيها وتكون عنده من باب اندراج المتأخر في المتقدم لا من باب اندراج الطرفين في الوسط
وأما القسم الذي هو أكثر في الشريعة وهو عدم التداخل مع تماثل الأسباب فكالإتلافين يجب بهما ضمانان ولا يتداخلان وكالطلاقين يتعدد أثرهما ولا يتداخلان بل ينقص كل طلاق من العصمة طلقة إلا أن ينوي التأكيد أو الخبر عن الأول والزوالين فإنهما يوجبان ظهرين وكذلك بقية أوقات الصلوات وأسبابها وكالنذرين يتعدد منذورهما ولا يتداخل وكالوصيتين بلفظ واحد لشخص واحد فإنه يتعدد له الموصى به على الخلاف وكالسببين لرجل واحد أو رجلين بمعنى واحد أو مختلف فإنه يوجب تعدد التعزير والمؤاخذة وكما لو استأجر منه شهرا ثم استأجر منه شهرا ولم يعين فإنه يحمل على شهرين وكما لو اشترى منه صاعا من هذه الصبرة ثم اشترى منه صاعا من هذه الصبرة فإنه يحمل على صاعين وهو كثير جدا في الشريعة الأصل أن يترتب على كل سبب مسببه والتداخل على خلاف الأصل
وأما تساقط الأسباب فإنما يكون عند التعارض وتنافي المسببات بأن يكون أحد السببين يقتضي شيئا والآخر يقتضي ضده فيقدم صاحب الشرع الراجح منهما على المرجوح فيسقط المرجوح أو يستويان فيتساقطان معا هذا هو ضابط هذا القسم وهو قسمان تارة يقع الاختلاف في جميع الأحكام وتارة في البعض
أما القسم
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الإباحة الحاصلة مضافة له فقط ويسقط النكاح ولا يحصل تداخل فلا يقال الإباحة مضافة لهما ألبتة سواء تقدم الملك كما إذا عقد على أمته أو تأخر كما إذا اشترى زوجته وصيرها أمته ومنها علم الحاكم مع البينة إذا شهدت بما يعلمه فإن الحكم يضاف للبينة دون علمه فيسقط القضاء به عند مالك حذرا من القضاة السوء وسدا لذريعة الفساد على الحكام بالتهم وعلى الناس بالقضاء عليهم بالباطل
وعند الشافعي يقدم القضاء بعلمه على القضاء بالبينة لأن البينة لا تفيد إلا الظن والعلم أولى من الظن ويحتمل مذهبه أنه يجمع بينهما ويجعل الحكم مضافا إليهما لعدم التنافي بينهما ومنها من وجد في حقه سببا توريث بالفرض في أنكحة المجوس فإنه يرث بأقواهما ويسقط الآخر مع أن كليهما يقتضي الإرث كالابن إذا كان أخا لأم كما إذا تزوج أمه فولدها حينئذ ابنه وهو أخوه لأمه فيرث بالبنوة وتسقط الأخوة أما إن كانا سببين للتوريث بالفرض والتعصيب فإنه يرث بها كالزوج ابن عم يأخذ النصف بالزوجية والنصف الآخر بكونه ابن عم
تنبيه عدم تداخل الأسباب مع تماثلها الجاري على مقتضى القياس والأصل من أن يترتب على كل سبب مسببه هو الأكثر في الشريعة فمن مسائله الإتلافان يجب بهما ضمانان ولا يتداخلان ومنها الطلاقان ينقص كل طلاق منهما من العصمة طلقة ولا يتداخلان إلا أن ينوي التأكيد أو الخبر عن الأول ومنها الزوالان يوجبان ظهرين وكذلك بقية أوقات الصلوات وأسبابها ومنها النذران يتعدد منذورهما ولا يتداخل ومنها الوصيتان بلفظ واحد لشخص واحد فإنه يتعدد له الموصى به على الخلاف ومنها القذفات لرجل واحد أو رجلين بمعنى واحد أو مختلف فإنه يوجب تعدد التعزير والمؤاخذة ومنها ما إذا استأجر منه شهرا ثم استأجر منه شهرا ولم يعين فإنه يحمل على شهرين ومنها ما إذا
58
58
الأول وهو التنافي في جميع الأحكام فكالردة مع الإسلام والقتل والكفر مع القرابة الموجبة للميراث فإنهما يقتضيان عدم الإرث وكالدين مسقط للزكاة وأسبابها توجبها وكالبينتين إذا تعارضتا أو الأصلين إذا قطع رجل ملفوف في الثياب فتنازع هو والولي في كونه كان حيا حالة الجناية فالأصل بقاء الحياة والأصل أيضا عدم وجوب القصاص والغالبين وهما الظاهران كاختلاف الزوجين في متاع البيت فإن اليد للرجل ظاهرة في الملك وكون المدعي فيه من قماش النساء دون الرجال ظاهر في كونه للمرأة دون الرجل فقدمنا نحن هذا الظاهر وسوى الشافعي بينهما بناء على أن لهما معا يدا وهي ظاهرة في الملك ومالك يقول اليد خالصة بالرجل لأنه صاحب المنزل
وكذلك إذا كان المتاع يصلح لهما قدم ملك الرجل فيه بناء على اختصاصه باليد وكالمنفردي ن برؤية الهلال والسماء مصحية والمصر كبير قدم ملك ظاهر العدالة وقدم سحنون ظاهر الحال وقال الظاهر كذبهما لأن العدد العظيم مع ارتفاع الموانع يقتضي أن يراه جمع عظيم فانفراد هذين دليل كذبهما ولم يوجب الصوم بشهادتهما والأصل والظاهر كالمقبرة المنبوشة الأصل عدم النجاسة والظاهر عدم وجودها بسبب النبش فهذه الأقسام كلها متنافية من جميع الوجوه في مسبباتها
وأما التساقط بسبب التنافي في بعض الوجوه وفي بعض الأحكام كالنكاح مع الملك إذا عقد على أمته فإن النكاح يوجب إباحة الوطء والملك يوجب مع ذلك ملك الرقبة والمنافع فسقط النكاح تغليبا للملك بسبب قوته وتكون الإباحة الحاصلة مضافة للملك فقط ولا يحصل تداخل فلا يقال هي مضافة لهما ألبتة وكما إذا اشترى امرأته وصيرها أمته فإن النكاح السابق يقتضي الإباحة وكذلك الشراء اللاحق يقتضي الإباحة مع بقية آثار الملك فأسقط الشرع النكاح السابق بالملك اللاحق عكس القسم الأول فإن الأول قدم فيه السابق وهذا قدم فيه اللاحق
والفرق أن الملك أقوى من النكاح لاشتماله على إباحة الوطء وغيره فلما كان أقوى قدمه صاحب الشرع سابقا ولاحقا ولاحظنا أن السابق يقدم بحصوله في المحل وسبقه وإلا لاندفع الشراء عن الزوجة وبقيت زوجة وبطل البيع لكن السر ما ذكرته لك ومن ذلك علم الحاكم مع البينة إذا شهدت بما يعلمه فإن الحكم مضاف للبينة دون علمه عند مالك والقضاء بالعلم ساقط حذرا من القضاة السوء وسدا لذريعة الفساد على الحكم بالتهم وعلى الناس بالقضاء عليهم بالباطل وعند الشافعي علمه مقدم على البينة لأن البينة لا تفيد إلا الظن والعلم أولى من الظن ويحتمل مذهبه أنه يجمع بينهما ويجعل الحكم مضافا إليهما لعدم التنافي بينهما ومن ذلك من وجد في حقه سببان للتوريث بالفرض في أنكحة المجوس فإنه يرث بأقواهما ويسقط الآخر مع أن
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
اشترى منه صاعا من هذه الصبرة ثم اشترى منه صاعا من هذه الصبرة فإنه يحمل على صاعين ومنها غير ذلك مما هو كثير جدا في الشريعة والله أعلم

59
59
كليهما يقتضي الإرث كالابن إذا كان أخا لأم كما إذا تزوج أمه فولدها حينئذ ابنه وهو أخوه لأمه فإنه يرث بالبنوة وتسقط الأخوة أما إن كانا سببين الفرض والتعصيب فإنه يرث بهما كالزوج ابن عم يأخذ النصف بالزوجية والنصف الآخر بكونه ابن عم فهذه مثل ومسائل توجب الفرق بين قاعدة تداخل الأسباب وتساقطها على اختلاف التداخل والتساقط
الفرق الثامن والخمسون بين قاعدة المقاصد وقاعدة الوسائل
وربما عبر عن الوسائل بالذرائع وهو اصطلاح أصحابنا وهذا اللفظ المشهور في مذهبنا ولذلك يقولون سد الذرائع ومعناه حسم مادة وسائل الفساد دفعا لها فمتى كان الفعل السالم عن المفسدة وسيلة للمفسدة منع مالك من ذلك الفعل في كثير من الصور وليس سد الذرائع من خواص مذهب مالك كما يتوهمه كثير من المالكية بل الذرائع ثلاثة أقسام قسم أجمعت الأمة على سده ومنعه وحسمه كحفر الآبار في طرق المسلمين فإنه
هامش أنوار البروق
قال
الفرق الثامن والخمسون بين قاعدة المقاصد وقاعدة الوسائل
قلت جميع ما قاله في هذا الفرق صحيح غير ما قاله من أن حكم الوسائل حكم ما أفضت إليه من وجوب أو غيره فإن ذلك مبني على قاعدة أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب والصحيح أن ذلك غير لازم فيما لم يصرح الشرع بوجوبه والله تعالى أعلم
وما قال في الفرق التاسع والخمسين والفرق الستين والحادي والستين صحيح والله تعالى أعلم
هامش إدرار الشروق
الفرق الثامن والخمسون بين قاعدة المقاصد وقاعدة الوسائل
وكذا بين قاعدة كون المعاصي أسبابا للرخص وبين قاعدة مقارنة المعاصي لأسباب الرخص
أما الفرق بين المقاصد والوسائل فهو أن موارد الأحكام على قسمين الأولى المقاصد وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها قال الإمام أبو إسحاق في موافقاته وقول الرازي إن أحكام الله ليست معللة بعلة ألبتة كما أن أفعاله كذلك خلاف المعتمد وذلك لأنا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد استقراء لا ينازع فيه الرازي ولا غيره فإن الله تعالى يقول في بعثة الرسل وهي الأصل رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين وقال في أصل الخلقة وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا
وأما التعاليل لتفاصيل الأحكام في الكتاب والسنة فأكثر من أن تحصى كقوله بعد آية الوضوء ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم وقال في الصيام كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون وفي الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر
وقال في القبلة فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة وفي الجهاد أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وفي القصاص ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب وفي التقرير على التوحيد ب
60
60
وسيلة إلى إهلاكهم وكذلك إلقاء السم في أطعمتهم وسب الأصنام عند من يعلم من حاله أنه يسب الله تعالى عند سبها وقسم أجمعت الأمة على عدم منعه وأنه ذريعة لا تسد ووسيلة لا تحسم كالمنع من زراعة العنب خشية الخمر فإنه لم يقل به أحد وكالمنع من المجاورة في البيوت خشية الزنى
وقسم اختلف فيه العلماء هل يسد أم لا كبيوع الآجال عندنا كمن باع سلعة بعشرة دراهم إلى شهر ثم اشتراها بخمسة قبل الشهر فمالك يقول إنه أخرج من يده خمسة الآن وأخذ عشرة آخر الشهر فهذه وسيلة لسلف خمسة بعشرة إلى أجل توسلا بإظهار صورة البيع لذلك والشافعي يقول ينظر إلى صورة البيع ويحمل الأمر على ظاهره فيجوز ذلك وهذه البيوع يقال إنها تصل إلى ألف مسألة اختص بها مالك وخالفه فيها الشافعي وكذلك اختلف في النظر إلى النساء هل يحرم لأنه يؤدي إلى الزنى أو لا يحرم والحكم بالعلم هل يحرم لأنه وسيلة للقضاء بالباطل من القضاة السوء أو لا يحرم وكذلك اختلف في تضمين الصناع لأنهم يؤثرون في السلع بصنعتهم فتتغير السلع فلا يعرفها ربها إذا بيعت فيضمنون سدا لذريعة الأخذ أم لا يضمنون لأنهم أجراء وأصل الإجارة على الأمانة قولان وكذلك تضمين حملة الطعام لئلا تمتد أيديهم إليه وهو كثير في المسائل فنحن قلنا بسد هذه الذرائع ولم يقل بها الشافعي فليس سد الذرائع خاصا بمالك رحمه الله بل قال بها هو أكثر من غيره وأصل سدها مجمع عليه
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين والمقصود التنبيه وإذا دل الاستقراء على هذا وكان في مثل هذه القضية مفيدا للعلم فنحن نقطع بأن الأمر مستمر في جميع تفاصيل الشريعة ومن هذه الجملة ثبت القياس والاجتهاد فلنجر على مقتضاه ويبقى البحث في كون ذلك واجبا أو غير واجب موكولا إلى علمه ثم إنه قسم المقاصد وبين أقسامها بمسائل بديعة فانظره
القسم الثاني الوسائل والمشهور في الاصطلاح عند أصحابنا التعبير عنها بالذرائع وهي الطرق المفضية إلى المقاصد قيل وحكمها حكم ما أفضت إليه من وجوب أو غيره إلا أنها أخفض رتبة في حكمها مما أفضت إليه فليس كل ذريعة يجب سدها بل الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها وتكره وتندب وتباح بل قد تكون وسيلة المحرم غير محرمة إذا أفضت إلى مصلحة راجحة كالتوسل إلى فداء الأسارى بدفع المال للكفار الذي هو محرم عليهم الانتفاع به بناء على الصحيح عندنا من خطابهم بفروع الشريعة وكدفع مال لرجل يأكله حراما حتى لا يزني بامرأة إذا عجز عن دفعه عنها إلا بذلك وكدفع المال للمحارب حتى لا يقع القتل بينه وبين صاحب المال عند مالك رحمه الله تعالى ولكنه اشترط فيه أن يكون يسيرا ومما يدل على حسن الوسائل الحسنة قوله تعالى ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح فأثابهم الله على الظمأ والنصب وإن لم يكونا من فعلهم بسبب أنهم حصلا لهم بسبب التوسل إلى الجهاد الذي هو وسيلة لإعزاز الدين وصون المسلمين فيكون الاستعداد وسيلة الوسيلة فالذرائع المفضية إلى المحرم ثلاثة أقسام
والقسم الأول ما أجمعت الأمة على سده ومنعه وحسمه وله مثل منها حفر الآبار في طريق المسلمين
61
61
تنبيه اعلم أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها وتكره وتندب وتباح فإن الذريعة هي الوسيلة فكما أن وسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة كالسعي للجمعة والحج وموارد الأحكام على قسمين مقاصد وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها ووسائل وهي الطرق المفضية إليها وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحريم وتحليل غير أنها أخفض رتبة من المقاصد في حكمها والوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل وإلى ما يتوسط متوسطة ومما يدل على حسن الوسائل الحسنة قوله تعالى ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح فأثابهم الله على الظمأ والنصب وإن لم يكونا من فعلهم بسبب أنهما حصلا لهم بسبب التوسل إلى الجهاد الذي هو وسيلة لإعزاز الدين وصون المسلمين فيكون الاستعداد وسيلة الوسيلة
تنبيه القاعدة أنه كلما سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة فإنها تبع له في الحكم وقد خولفت هذه القاعدة في الحج في إمرار الموسى على رأس من لا شعر له مع أنه وسيلة إلى إزالة الشعر فيحتاج إلى دليل يدل على أنه مقصود في نفسه وإلا فهو مشكل على القاعدة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
فإنه وسيلة إلى إهلاكهم فيها ومنها إلقاء السم في أطعمتهم ومنها سب الأصنام عند من يعلم من حاله أنه يسب الله تعالى عند سبها
والقسم الثاني ما أجمعت الأمة على عدم منعه وأنه ذريعة لا تسد ووسيلة لا تحسم وله أمثلة منها زراعة العنب وسيلة إلى الخمر ولم يقل أحد بالمنع منها خشية الخمر ومنها المجاورة في البيوت وسيلة إلى الزنا ولم يقل أحد بمنعها خشية الزنا
والقسم الثالث ما اختلف فيه العلماء هل يسد أم لا وله أمثلة منها بيوع الآجال وهي كما قيل تصل إلى ألف مسألة كمن باع سلعة بعشرة دراهم إلى شهر ثم اشتراها بخمسة قبل الشهر فاختص مالك رحمه الله تعالى بالقول بوجوب سدها نظرا إلى أنه توسل بإظهار صورة البيع لسلف خمسة بعشرة إلى أجل مثلا لأنه أخرج من يده خمسة الآن وأخذ عشرة آخر الشهر في المسألة المذكورة
وقال الشافعي ينظر إلى صورة البيع ويحمل الأمر على ظاهره فيجوز ذلك ومنها النظر إلى النساء قيل يحرم لأنه يؤدي إلى الزنا وقيل لا يحرم ومنها حكم بعلمه قيل يحرم لأنه وسيلة للقضاء بالباطل من القضاة السوء وقيل لا يحرم ومنها صناع السلع قيل يضمنونها إذا ادعوا ضياعها سدا لذريعة الأخذ لأنهم يؤثرون فيها بصنعتهم فتتغير فلا يعرفها ربها إذا بيعت وقيل لا يضمنون لأنهم أجراء وأصل الإجارة على الأمانة ومنها حملة الطعام قيل يضمنونه إذا تلف لئلا تمتد أيديهم إليه وقيل لا يضمنونه قلت ومنها آلات الملاهي فإنها مجمع على تحريمها إن ترتب فسوق ومشهور المذاهب الأربعة التحريم مطلقا كما في مجموع الأمير والصاوي على أقرب المسالك بل قال العلامة ابن حجر في الزواجر وقد حكى الشيخان أنه لا خلاف في تحريم
62
62
تنبيه قد تكون وسيلة المحرم غير محرمة إذا أفضت إلى مصلحة راجحة كالتوسل إلى فداء الأسارى بدفع المال للكفار الذي هو محرم عليهم الانتفاع به بناء على أنهم مخاطبون بفروع الشريعة عندنا وكدفع مال لرجل يأكله حراما حتى لا يزني بامرأة إذا عجز عن دفعه عنها إلا بذلك وكدفع المال للمحارب حتى لا يقع القتل بينه وبين صاحب المال عند مالك رحمه الله تعالى ولكنه اشترط فيه أن يكون يسيرا فهذه الصور كلها الدفع وسيلة إلى المعصية بأكل المال ومع ذلك فهو مأمور به لرجحان ما يحصل من المصلحة على هذه المفسدة
تنبيه تفرع على هذا الفرق فرق آخر وهو الفرق بين كون المعاصي أسبابا للرخص وبين قاعدة مقارنة المعاصي لأسباب الرخص فإن الأسباب من جملة الوسائل وقد التبست هاهنا على كثير من الفقهاء فأما المعاصي فلا تكون أسبابا للرخص ولذلك العاصي بسفره لا يقصر ولا يفطر لأن سبب هذين السفر وهو في هذه الصورة معصية فلا يناسب الرخصة لأن ترتيب الترخص على المعصية سعي في تكثير تلك المعصية بالتوسعة على المكلف بسببها
وأما مقارنة المعاصي لأسباب الرخص فلا تمتنع إجماعا كما يجوز لأفسق الناس وأعصاهم التيمم إذا عدم الماء وهو رخصة وكذلك الفطر إذا أضر به الصوم والجلوس إذا أضر به القيام في الصلاة ويقارض ويساقي ونحو ذلك من
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
المزمار العراقي وما يضرب به من الأوتار ا ه
واختلف في كونه كبيرة أو صغيرة والأصح الثاني كما في الدسوقي على الدردير على خليل وفي الإحياء المنع من الأوتار كلها لثلاث علل كونها تدعو إلى شرب الخمر فإن اللذة الحاصلة تدعو إليها فلهذا حرم شرب قليلها وكونها في قريب العهد بشربها تذكره مجالس الشرب والذكر سبب انبعاث الفسوق وانبعاثه سبب الإقدام وكون الاجتماع على الأوتار صار من عادة أهل الفسق مع التشبه بهم ومن تشبه بقوم فهو منهم كما في الزواجر قال أي فالتشبه بهم حرام وفي شرح المجموع ولا يبعد ما في الإحياء وغيره من النظر لما يترتب ا ه
قال الشيخ حجازي لأن الحكم يدور مع العلة فمن حسن قصده وتطهر من حظوظ الشهوات ورذائل الشبهات فلا يصح أن يحكم على سماعه بالحرمة ا ه المراد
وفي ضوء الشموع لكن المشهور داعي درء المفاسد فلذا قال ولا يبعد إلخ ولم يجزم ا ه
بتغيير
ومنها غير ذلك من المسائل الكثيرة التي قلنا بسدها ولم يقل بسدها الشافعي فليس سد الذرائع خاصا بمالك كما يتوهمه كثير من المالكية بل قال بها هو أكثر من غيره وأصل سدها مجمع عليه ا ه
قال ابن الشاط وكون ما أفضى إلى الواجب واجبا مبني على قاعدة أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب والصحيح أن ذلك غير لازم فيما لم يصرح الشرع بوجوبه ا ه
تنبيهان الأول قال الإمام ابن العربي في كتاب الأحكام وقاعدة الذريعة التي يجب سدها شرعا هو ما يؤدي من الأفعال المباحة إلى محظور منصوص عليه لا مطلق محظور فمن هنا قال مالك وأبو حنيفة يشتري الولي في مشهور الأقوال من مال يتيمه إذا كان نظرا له وهو صحيح لأنه من باب الإصلاح المنصوص عليه في آية ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير إلخ فلا يقال لم ترك مالك أصله
63
63
الرخص ولا تمنع المعاصي من ذلك لأن أسباب هذه الأمور غير معصية بل هي عجزه عن الصوم ونحوه والعجز ليس معصية فالمعصية هاهنا مقارنة للسبب لا سبب وبهذا الفرق يبطل قول من قال إن العاصي بسفره لا يأكل الميتة إذا اضطر إليها لأن سبب أكله خوفه على نفسه لا سفره فالمعصية مقارنة لسبب الرخصة لا أنها هي السبب ويلزم هذا القائل أن لا يبيح للعاصي جميع ما تقدم ذكره وهو خلاف الإجماع فتأمل هذا الفرق فهو جليل حسن في الفقه ويلزم هذا القائل أن يجعل السفر هو سبب عدم الطعام المباح حتى احتاج إلى أكل الميتة أن من خرج ليسرق فوقع فانكسرت يده أن لا يمسح على الجبيرة ولا يفطر إذا خاف من الصوم ومن الكسر الهلاك وأن لا يتيمم إذا عجز عن استعمال الماء حتى يتوب كما قال في الأكل في السفر فيلزم بقاء المصر على معصيته بلا صلاة لعدم الطهارة وتتعطل عليه أمور كثيرة من الأحكام ولا قائل بها فتأمل ذلك
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
في التهمة والذرائع وجوز ذلك من نفسه مع يتيمته لأنا نقول قد أذن الله تعالى هاهنا في صورة المخالطة ووكل الحاضنين إلى أمانتهم بقوله تعالى والله يعلم المفسد من المصلح وكل أمر مخوف ووكل الله تعالى فيه المكلف إلى أمانته لا يقال فيه أنه يتذرع إلى محظور فمنع منه كما جعل الله سبحانه النساء مؤتمنات على فروجهن مع عظم ما يترتب على قولهن في ذلك من الأحكام ويرتبط به من الحل والحرمة والأنساب وإن جاز أن يكذبن وهذا فن بديع فتأملوه واتخذوه دستورا في الأحكام وأصلوه ا ه
التنبيه الثاني قال الأصل القاعدة أنه كلما سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة فإنها تبع له في الحكم وقد خولفت هذه القاعدة في الحج في إمرار الموسى على رأس من لا شعر له مع أنه وسيلة إلى إزالة الشعر فيحتاج إلى دليل يدل على أنه مقصود في نفسه وإلا فهو مشكل على القاعدة ا ه
قلت والصحيح أن هذه القاعدة أغلبية كقاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وكذا كون الوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل وإلى ما يتوسط متوسطة كما لا يخفى فافهم
وأما الفرق بين كون المعاصي أسبابا للرخص وبين مقارنة المعاصي لأسباب الرخص فهو أن المعاصي لا تكون أسبابا للرخص لأن ترتيب الترخص على المعصية سعي في تكثير تلك المعصية بالتوسعة على المكلف بسببها فالعاصي بسفره كالآبق وقاطع الطريق ولا يقصر ولا يفطر لأن سبب هذين الرخصتين السفر وهو في هذه الصورة معصية فلا يناسب الرخصة
وأما مقارنة المعاصي لأسباب الرخص فلا تمتنع إجماعا ومن مثله إذا عدم الماء أفسق الناس وأعصاهم جاز له التيمم وهو رخصة وإذا أضر الصوم بأفسق الناس جاز له الفطر وإذا أضر به القيام في الصلاة جاز له الجلوس ويقارض ويساقي ولا يمنعه عصيانه من فعل شيء من هذه الرخص ونحوها لأن أسباب هذه الرخص غير معصية وإنما
64
64
الفرق التاسع والخمسون بين قاعدة عدم علة الإذن أو التحريم وبين عدم علة غيرهما من العلل
اعلم أن عدم كل واحدة من هاتين العلتين علة للحكم الآخر بخلاف غيرهما من العلل فعدم علة الإذن علة التحريم وعدم علة التحريم علة الإذن
وأما عدم علة الوجوب فلا يلزم منه شيء فقد يكون غير الواجب محرما وقد يكون مباحا أو مندوبا أو مكروها وكذلك عدم علة الندب أو الكراهة قد يكون الفعل بعد ذلك واجبا أو محرما أو مباحا أو متى عدمت علة الإذن تعين التحريم ومتى عدمت علة التحريم تعين الإذن ويتضح ذلك بذكر ثلاث مسائل
المسألة الأولى علة النجاسة الاستقذار فمتى كانت العين ليست بمستقذرة فحكم الله تعالى في تلك العين عدم النجاسة وأن تكون طاهرة فعلة الطهارة عدم علة النجاسة فهذا هو شأن هذا المقام إلا أن يحدث معارض من جهة أخرى يعارضنا عند عدم العلة كما في الخمر فإن الخمر ليست بمستقذرة وإنما قضي بتنجيسها لأنها مطلوبة الإبعاد والقول بتنجيسها يفضي إلى إبعادها وما يفضي إلى المطلوب مطلوب فتنجيسها مطلوب فتكون نجسة فهذه علة أخرى غير الاستقذار وجدت عند عدمه فقامت مقامه وإلا
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
المعصية مقارنة للسبب الذي هو عدم الماء أو العجز عن الصوم أو عن القيام أو نحوهما مما ليس هو بمعصية لا أنها هي السبب حتى يصح قول من قال إن العاصي بسفره لا يأكل الميتة إذا اضطر إليها ويلزمه أن لا يبيح للعاصي جميع ما تقدم ذكره وهو خلاف الإجماع وذلك لأن ما قاله مساو لجميع ما تقدم ذكره ضرورة أن سبب أكله خوفه على نفسه لا سفره الذي هو معصية فالمعصية مقارنة لسبب الرخصة لا أنها هي السبب فافهم والله تعالى أعلم
وما قال في الفرق التاسع والخمسين والفرق الستين والحادي والستين صحيح والله تعالى أعلم
الفرق التاسع والخمسون بين قاعدة عدم علة الإذن أو التحريم وبين عدم علة غيرهما من العلل
وذلك أنه متى عدمت علة الإذن تعين التحريم ومتى عدمت علة التحريم تعين الإذن فعدم كل واحدة من هاتين العلتين علة للحكم الآخر أي عدم علة الإذن علة التحريم وعدم علة التحريم علة الإذن
وأما عدم علة كل من الوجوب أو الندب أو الكراهة فلا يلزم منه شيء فإن غير الواجب قد يكون محرما أو مباحا أو مندوبا أو مكروها وغير المندوب كذلك قد يكون واجبا أو محرما أو مباحا أو مكروها وغير المكروه كذلك قد يكون واجبا أو محرما أو مباحا أو مندوبا ويتضح ذلك بذكر أربع مسائل الثلاثة الأول توضح اطراد القاعدة الأولى والرابعة توضح عدم اطراد القاعدة الثانية
المسألة الأولى النجاسة ترجع إلى تحريم الملابسة في الصلوات والأغذية للاستقذار أو التوسل للإبعاد فقيد للاستقذار إلخ مخرج لما تحرم ملابسته في الأغذية لا لأجل ذلك بل لكونه مضرا كالسموم والأغذية والأشربة الموجبة للأسقام والأمراض فلا تكون نجسة ومدخل للخمر ونحوها مما قضي بتنجيسه لا لاستقذاره بل لأن القول بتنجيسه يفضي إلى إبعاد وإبعاده مطلوب شرعا فالقول بتنجيسه
65
65
فالحكم ما ذكر عند عدم المعارض وأكثر الفقهاء يمكنه أن يعلل النجاسة وإذا سألته عن علة الطهارة لا يعلمها وهي عدم علة النجاسة وإذا سئل أيضا أكثر الفقهاء عن النجاسة إلى أي الأحكام الخمسة ترجع ربما عسر عليه ذلك وظن أنها حكم آخر من أحكام الوضع أو غيرها وليس كذلك بل هي ترجع إلى أحد الأحكام الخمسة وهو التحريم وكذلك إذا قيل لهم ما الطهارة عسر عليهم ذلك حتى رأيت لبعض الأكابر أن الطهارة عبارة عن استعمال الماء الطهور في العين التي قضي عليها بالطهارة وهذا ليس بصحيح فإن بطون الجبال وتلال الرمال وبطون الأرض طاهرة مع عدم استعمال الماء فيها بل النجاسة ترجع إلى تحريم الملابسة في الصلوات والأغذية لأجل الاستقذار أو التوسل للإبعاد فقولي لأجل الاستقذار احترازا من السموم فإنها تحرم ملابستها في الأغذية وكذلك الأغذية والأشربة الموجبة للأسقام والأمراض تحرم ملابستها في الأغذية وليست نجسة وقولي أو التوسل للإبعاد احترازا من الخمر حتى تندرج في الحد ولو اقتصرت على قولي تحرم ملابستها في الصلوات لكان ذلك كافيا لكن أردت بذكر الأغذية زيادة البيان والطهارة عبارة عن إباحة الملابسة في الصلوات وبهذا التفسير تندرج بطون الجبال وسائر الأعيان فظهر أن النجاسة ترجع
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
يفضي إلى مطلوب شرعا وما يفضي إلى المطلوب مطلوب فتنجسه مطلوب فيكون نجسا للتوسل للإبعاد لا للاستقذار وزيادة والأغذية لا للاحتراز بل لزيادة البيان ولولا ذلك لكان قولنا تحريم الملابسة في الصلوات كافيا والطهارة ترجع إلى إباحة الملابسة في الصلوات لعدم علة النجاسة التي هي الاستقذار فمتى كانت العين ليست بمستقذرة فحكم الله فيها عدم النجاسة وأن تكون طاهرة ما لم تكن مطلوبة الإبعاد كالخمر وإلا قضى بتنجيسها مع عدم الاستقذار لقيام علة التوسل إلى الإبعاد مقام الاستقذار فظهر أن كلا من الطهارة والنجاسة لا يخرج عن أحكام التكليف الخمسة بل النجاسة ترجع للتحريم والطهارة ترجع للإباحة وأن عدم علة التنجيس علة الطهارة وأن عدم علة التحريم علة الإباحة
المسألة الثانية
علة تحريم الخمر الإسكار فمتى زال الإسكار بنحو تخليله أو تحجيره زال التحريم وثبت الإذن بجواز أكلها وشربها وعلة إباحة شرب العصير مسالمته للعقل وسلامته عن المفاسد فعدم هذه المسالمة والسلامة علة لتحريم العصير فظهر أيضا أن عدم علة التحريم علة الإذن وعدم علة الإذن علة التحريم
المسألة الثالثة الحدث كما يطلق على الأسباب الموجبة للوضوء فيقال أحدث إذا خرج منه خارج كذلك يطلق على المنع المرتب على هذا السبب وعليه قول العلماء ينوي رفع الحدث بفعله أي ينوي ارتفاع المنع المرتب على ذلك السبب المتقدم لا أنه ينوي ارتفاع أعيان تلك الأسباب المستقذرة بوضوئه لأنها صارت واقعة داخلة في الوجود والواقعات يستحيل رفعها والمنع وإن كان أيضا وقع وصار من جملة
66
66
للتحريم والطهارة ترجع للإباحة وأن عدم علة التنجيس علة الطهارة وأن عدم علة التحريم علة الإباحة
المسألة الثانية
تحريم الخمر معلل بالإسكار فمتى زال الإسكار زال التحريم وثبت الإذن وجاز أكلها وشربها وعلة إباحة شرب العصير مسالمته للعقل وسلامته عن المفاسد فعدم هذه المسالمة والسلامة علة لتحريمه فظهر أيضا في هذه المسألة أن عدم التحريم علة الإذن وعدم علة الإذن علة التحريم
المسألة الثالثة الحدث له معنيان أحدهما الأسباب الموجبة للوضوء فلذلك يقال أحدث إذا خرج منه خارج وثانيهما أنه المنع المرتب على هذا السبب وهو المراد بقول العلماء ينوي رفع الحدث بفعله أي ينوي ارتفاع المنع المرتب على ذلك السبب المتقدم ولا يمكن في نيته رفع الحدث إلا بهذا فإن تلك الأسباب الموجبة للوضوء يستحيل رفعها لأنها صارت واقعة داخلة في الوجود ولا يمكن لعاقل أن يقول إنه يرفع تلك الأعيان المستقذرة من غيرها بوضوء بل الذي ينوي برفعه هذا المنع المرتب على تلك الأسباب والمنع وإن كان أيضا وقع وصار من جملة الواقعات والواقعات يستحيل رفعها غير أن المقصود برفعه منع استمراره كما أن عقد النكاح يمنع استمرار منع الوطء في الأجنبية كذلك هاهنا وأكثر الفقهاء لا يعرف معنى الحدث أيضا وهو يرجع إلى تحريم ملابسة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الواقعات إلا أن المراد برفعه منع استمراره ألا ترى أن عقد النكاح إنما يمنع استمرار منع الوطء في الأجنبية لا نفس الوطء ولا منعه فالحدث عبارة عن المنع المستمر من ملابسة الصلاة ونحوها فهو أيضا يرجع إلى تحريم الملابسة المذكورة حتى يتطهر فيباح له الإقدام على العبادة
فالإباحة في هذه الحالة مضافة إلى عدم سبب يقتضي وجوب استعمال الماء في الطهارة فالسبب الذي هو الخارج المعتاد من المخرج المعتاد على سبيل الصحة والاعتياد مثلا هو علة الحدث الذي هو التحريم وعدمه علة الإباحة بعد التطهر واستعمال الماء سبب ارتفاع ذلك التحريم والمنع وحصول هذه الإباحة فحصل في هذا المثال أيضا أن علة الإباحة عدم علة التحريم وعدم سبب الإباحة علة التحريم نعم على تقدير أن الوضوء هو الموجب للإباحة في الإقدام على الصلوات ونحوها مما اشترط فيه الوضوء وتقول إن الطهارة سبب للإباحة المستمرة حتى يطرأ الحدث والحدث بمعنى الأسباب الموجبة للوضوء سبب المنع المستمر حتى تطرأ الطهارة ويحصل المقصود فيكون عدم الطهارة بالكلية بسبب المنع وعدم الحدث بالكلية سبب الإباحة فإذا فرض وقوع عدم خروج شيء من الإنسان ألبتة فلا مانع لا بنص ولا بإجماع ولا بقياس من التزامنا الإباحة في حقه
قلت ومما يقرب هذا الفرض ما حكاه السبكي في طبقاته من حديث رحمة بنت إبراهيم عن الحاكم عن أبي زكريا يحيى بن محمد العنبري عن أبي العباس عيسى بن محمد بن عيسى الطهماني المروزي أنه ورد في سنة ثمان وثلاثين ومائتين مدينة من مدائن خوارزم تدعى هزارنيف وهي في غربي وادي جيحون ومنها إلى المدينة العظمى مسافة نصف يوم قال وأخبرت أن بها امرأة من نساء الشهداء رأت رؤيا كأنها أطعمت في منامها شيئا فهي لا تأكل شيئا ولا تشرب منذ عهد أبي العباس بن طاهر والي
67
67
الصلاة حتى يتطهر وإذا كان الحدث عبارة عن التحريم فإذا تطهر الإنسان وصار يباح له الإقدام على العبادة فالإباحة في هذه الحالة مضافة إلى عدم سبب يقتضي وجوب استعمال الماء في الطهارة فعلة هذه الإباحة عدم علة التحريم التي هي علة الحدث الذي هو المنع فذلك الخارج مثلا هو علة التحريم وعدمه علة الإباحة بعد التطهر واستعمال الماء سبب ارتفاع ذلك المنع وحصول هذه الإباحة فحصل أيضا في هذا المثال أن علة الإباحة عدم علة التحريم وعدم سبب الإباحة علة التحريم فتأمل ذلك فإن قلت لم لا يكون الوضوء مثلا هو سبب الإباحة وعدمه هو علة التحريم ولا حاجة إلى اعتبار تلك الفضلات المستقذرة وغيرها من الملامسة ونحوها قلت لا خفاء أن الوضوء موجب للإباحة في الإقدام على الصلوات وما هو مشترط فيه الوضوء ونقول على هذا التقدير الطهارة سبب للإباحة المستمرة حتى يطرأ الحدث والحدث سبب المنع المستمر حتى تطرأ الطهارة ويحصل المقصود فإن عدم الطهارة بالكلية سبب المنع وعدم الحدث بالكلية سبب الإباحة فإن قلت فمن لم يحدث قط يلزمك أن تباح له الصلاة وإن لم يتطهر لأن سبب الإباحة موجود في حقه وهو عدم الحدث قلت التزمه مع أنه فرض محال فإن الإنسان لا بد له أن تخرج منه فضلات غذائه بعد الولادة وعند الولادة فإذا فرض وقوع هذا المحال وهو عدم خروج شيء منه ألبتة لا مانع لي من التزام الإباحة في حقه لا بنص ولا إجماع
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
خراسان وكان توفي قبل ذلك بثمان سنين رحمه الله تعالى
ثم مررت بتلك المدينة سنة اثنين وأربعين ومائتين فرأيتها وحدثتني بحديثها فلم أستقص عليها لحداثة سني ثم إني عدت إلى خوارزم في آخر سنة اثنين وخمسين ومائتين فرأيتها باقية ووجدت حديثها شائعا مستفيضا وهذه المدينة على مدرجة القوافل وكان الكثير ممن ينزلها إذا بلغهم قصتها أحبوا أن ينظروا إليها فلا يسألون عنها رجلا ولا امرأة ولا غلاما إلا عرفها ودل عليها فلما وافيت الناحية طلبتها فوجدتها غائبة على عدة فراسخ فمضيت في أثرها من قرية إلى أخرى فأدركتها بين قريتين تمشي مشية قوية وإذا هي امرأة نصف جيدة القامة ظاهرة الدم متوردة الخدين زكية الفؤاد فسايرتني وأنا راكب فعرضت عليها مركبا فلم تركبه وأقبلت تمشي معي بقوة وحضر مجلسي قوم من التجار والدهاقين وفيهم فقيه يسمى محمد بن حمدويه الحارثي وقد كتب عنه موسى بن هارون البزار بمكة وكهل له عبارة ورواية للحديث وشاب حسن يسمى عبد الله بن عبد الرحمن وكان يحلق أصحاب المظالم بناحيته فسألتهم عنها فأحسنوا الثناء عليها وقالوا عنها خيرا وقالوا إن أمرها ظاهر عندنا فليس فينا من يختلف فيها قال المسمى عبد الله بن عبد الرحمن أنا أسمع حديثها منذ أيام الحداثة ونشأت والناس يتفاوضون في خبرها وقد فرغت بالي لها وشغلت نفسي بالاستقصاء عليها فلم أر إلا سترا و عفافا ولم أعثر منها على كذب في دعواها ولا حيلة في التلبيس وذكر أن من كان يلي خوارزم من العمال كانوا فيما خلا يشخصونها ويحضرونها الشهر والشهرين والأكثر في بيت يغلقونه عليها ويوكلون عليها من يراعيها فلا يرونها تأكل ولا تشرب ولا يجدون لها أثر بول ولا غائط فيبرونها ويكسونها ويخلون سبيلها فلما تواطأ أهل الناحية على تصديقها قصصتها عن حديثها
68
68
ولا قياس
وكذلك أقول في الجنابة والحيض والنفاس في سبب المنع المستمر حتى تطرأ الطهارة والطهارة سبب الإباحة المستمرة حتى تطرأ هذه الأحداث وعدم هذه الأحداث سبب الإباحة من هذا الوجه فلولا اشتراط صاحب الشرع الوضوء لأبحنا الصلاة لمن عدمت في حقه هذه الأحداث الكبار وصح لنا حينئذ في الحدث الأكبر والأصغر والطهارة الكبرى والصغرى أن عدم سبب الإباحة سبب المنع وعدم سبب المنع سبب الإباحة واطردت القاعدة وهذا الخلاف سبب الوجوب وعلته
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
وسألتها عن اسمها وشأنها كله فذكرت أن اسمها رحمة بنت إبراهيم وأنه كان لها زوج نجار فقير معيشته من عمل يده يأتيه رزقه يوما ويوما لا فضل في كسبه عن قوت أهله وأنها ولدت منه عدة أولاد وجاء الأقطع ملك الترك إلى القرية وكان كافرا عاتيا كثير العداوة للمسلمين في زهاء ثلاثة آلاف فارس وعاث وأفسد وقتل ومثل وعجزت عنه خيول خوارزم فلما بلغ خبره أبا العباس عبد الله بن طاهر أنهض إليهم أربعة من القواد وشحن البلد بالعساكر والأسلحة ورتبهم في أرباع البلد كل في ربع فحموا الحريم بإذن الله تعالى
ثم إن وادي جيحون وهو الذي في أعلى نهر بلخ جمد لما اشتد البرد قالت المرأة فعبر الكافر في خيله إلى باب الحصن وقد تحصن الناس وضموا أمتعتهم فحضر أهل الناحية وأرادوا الخروج فمنعهم العامل عن الخروج إلا في عساكر السلطان فشد طائفة من شبان الناس وأحداثهم فتقاربوا من السور بما أطاقوا حمله من السلاح وحملوا على الكفرة فتهارج الكفرة واستحروهم من بين الأبنية والحيطان فلما أصحروا أكثر الترك عليهم وانقطع ما بينهم وبين الحصن وبعدت المؤنة عنهم فحاربوا كأشد حرب وثبتوا حتى تقطعت الأوتار والقسي وأدركهم التعب ومسهم الجوع والعطش وقتل عامتهم وأثخن الباقون بالجراحات ولما جن عليهم الليل تحاجز الفريقان قالت المرأة ورفعت النار على المناظر ساعة عبور الكافر فاتصلت بالجرجانية وهي مدينة عظيمة في قاصية خوارزم وكان ميكال مولى طاهر مرابطا بها في عسكر فخف في الطلب وركض إلى هزارنيف في يوم وليلة أربعين فرسخا بفراسخ خوارزم وفيها فضل كثير على فراسخ خراسان وعن للترك الفراغ من أمر أولئك النفر فبينما هم كذلك إذ ارتفعت لهم الأعلام السود سمعوا أصوات الطبول فأفرجوا عن القوم ووافى ميكال موضع المعركة فوارى القتلى وحمل الجرحى
قالت المرأة وأدخل الحصن ذلك اليوم زهاء أربعمائة جنازة فلم يبق دار إلا حمل إليها قتيل وعمت المصيبة وارتجت الناحية بالبكاء قالت ووضع زوجي بين يدي قتيلا فأدركني من الجزع والهلع عليه ما يدرك المرأة الشابة على الزوج أبي الأولاد وكانت لنا عيال قالت فاجتمع النساء من قراباتي والجيران يساعدنني على البكاء وجاء الصبيان وهم أطفال لا يعقلون من الأمور شيئا يطلبون الخبز وليس عندي ما أعطيهم فضقت صدرا بأمري
ثم إني سمعت أذان المغرب ففزعت إلى الصلاة فصليت ما قضى لي ربي ثم سجدت أدعو وأتضرع إلى الله تعالى وأسأله الصبر وأن يجبر يتم صبياني قالت فذهب بي النوم في سجودي فرأيت في منامي كأني في أرض خشناء ذات حجارة وأنا أطلب زوجي فناداني رجل إلى أين أيتها الحرة قلت أطلب زوجي فقال خذي ذات اليمين فرفع لي أرض سهلة طيبة الري ظاهرة العشب وإذا قصور وأبنية لا أحفظ أن أصفها ولم أر مثلها وإذا أنهار تجري على وجه الأرض غير أخاديد ليست لها حافات فانتهيت إلى قوم جلوس حلقا حلقا عليهم ثياب خضر قد
69
69
فإن سبب وجوب إراقة دم المرتد ردته فإذا فقدت الردة كان دمه حراما وسبب وجوب النفقة الزوجية أو القرابة فإذا عدم ذلك لا تحرم النفقة بل يندب إليها في الأجانب وسبب وجوب القراءة في الصلاة حضور محلها الذي هو القيام فإذا ركع وسجد وعدم القيام كرهت القراءة فلما كان عدم سبب الوجوب لا يستلزم من ذلك حكما معينا فارق بذلك ما تقدم من علة الإباحة والمنع فهذا هو الفرق بين هاتين القاعدتين
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
علاهم النور فإذا هم الذين قتلوا في المعركة يأكلون على موائد بين أيديهم فجعلت أتصفح وجوههم لألقى زوجي فناداني يا رحمة يا رحمة فيممت الصوت فإذا أنا به في مثل حال من رأيت من الشهداء وجهه مثل القمر ليلة البدر وهو يأكل مع رفقة له قتلوا يومئذ معه فقال لأصحابه إن هذه البائسة جائعة منذ اليوم أفتأذنوا لي أن أناولها شيئا تأكله فأذنوا لي فناولني كسرة خبز قالت وأنا أعلم حينئذ أنه خبز ولكن لا أدري كيف هو أشد بياضا من الثلج واللبن وأحلى من العسل وألين من الزبد فأكلته فلما استقر في جوفي قال اذهبي كفاك الله مؤنة الطعام والشراب ما حييت في الدنيا فانتبهت من نومي شبعى ريانة لا أحتاج إلى طعام ولا شراب وما ذقتهما منذ ذلك اليوم إلى يومي هذا ولا شيئا يأكله الناس
قال أبو العباس وكانت تحضرنا وكنا نأكل فتأخذ على أنفها تزعم أنها تتأذى من رائحة الطعام فسألتها تتغذي بشيء أو تشربي شيئا غير الماء فقالت لا فسألتها هل يخرج منها ريح أو أذى كما يخرج من الناس فقالت لا عهد لي بالأذى منذ ذلك الزمان قلت والحيض أظنها قالت انقطع بانقطاع الطعام قلت فهل تحتاجين حاجة النساء إلى الرجال قالت أما تستحي مني تسألني عن مثل هذا قلت إني لعلي أحدث الناس عنك ولا بد أن أستقصي قالت لا أحتاج قلت فتنامين قالت نعم أطيب نوم قلت فما ترين في منامك قالت مثل ما ترون قلت فتجدين لفقد الطعام وهنا في نفسك قالت ما أحسست بالجوع منذ طعمت ذلك الطعام وكانت تقبل الصدقة فقلت ما تصنعين بها قالت أكتسي وأكسو ولدي قلت فهل تجدين البرد وتتأذين بالحر قالت نعم قلت يدركك اللغوب والإعياء إذا مشيت قالت نعم ألست من البشر قلت فتتوضئين للصلاة قالت نعم قلت لم قالت أمرني بذلك الفقهاء فقلت إنهم أفتوها على حديث لا وضوء إلا من حدث أو نوم وذكرت لي أن بطنها لاصق بظهرها وأمرت امرأة من نسائنا فنظرت فإذا بطنها كما وصفت وإذا قد اتخذت كيسا مصمتا بالقطن وشدته على بطنها كي لا يقصف ظهرها إذا مشت
ثم لم أزل أختلف إلى هزارنيف بين السنتين والثلاث فتحضرني فأعيد مسألتها فلا تزيد ولا تنقص وعرضت كلامها على عبد الله بن عبد الرحمن الفقيه فقال أنا أسمع هذا الكلام منذ نشأت فلا أجد من يدفعه أو يزعم أنها تأكل أو تشرب أو تتغوط ا ه
المراد هذا والجنابة والحيض والنفاس مثل الحدث الأصغر في سبب المنع المستمر حتى تطرأ الطهارة والطهارة سبب الإباحة من هذا الوجه فلولا اشتراط صاحب الشرع الوضوء لأبحنا الصلاة لمن عدمت في حقه هذه الأحداث الكبار وصح لنا حينئذ في الحدث الأكبر والأصغر والطهارة الكبرى والصغرى أن عدم سبب الإباحة سبب المنع وعدم سبب المنع سبب الإباحة واطردت القاعدة الأولى
المسألة الرابعة
الردة والعياذ بالله تعالى علة وسبب لوجوب إراقة دم المرتد فإذا فقدت الردة كان
70
70
الفرق الستون بين قاعدة إثبات النقيض في المفهوم وبين قاعدة إثبات الضد فيه
اعلم أن مفهوم المخالفة يقتضي أن الحكم المنطوق غير ثابت للمسكوت عنه فهل القاعدة فيه عند القضاء بأن حكم المسكوت يقتضي إثبات ضد الحكم المنطوق به أو إثبات نقيضه والثاني هو الحق بأن يقتصر على عدم الحكم الثابت للمنطوق ولا يتعرض لإثبات حكم المسكوت ألبتة فهو ينقسم إلى عشرة أقسام كلها مستقيمة مع النقيض فقط مفهوم العلة نحو ما أسكر كثيره فهو حرام مفهومه ما لم يسكر كثيره فليس بحرام ومفهوم الصفة في الغنم السائمة الزكاة مفهومه ما ليس بسائمة لا زكاة فيه ومفهوم الشرط من تطهر صحت صلاته مفهومه من لم يتطهر لا تصح صلاته ومفهوم المانع لا يسقط الزكاة إلا الدين مفهومه أن من لا دين عليه لا تسقط عنه ومفهوم الزمان سافرت يوم الجمعة مفهومه أنه لم يسافر يوم الخميس ومفهوم المكان جلست أمامك مفهومه أنه لم يجلس عن يمينك ومفهوم الغاية أتموا الصيام إلى الليل مفهومه لا يجب بعد الليل ومفهوم الحصر إنما الماء من الماء مفهومه أنه لا يجب من غير الماء ومفهوم الاستثناء قام القوم إلا زيدا مفهومه أن زيدا لم يقم ومفهوم اللقب تعليق الحكم على أسماء الذوات نحو في الغنم الزكاة مفهومه لا تجب في غير الغنم عند من قال بهذا المفهوم وهو أضعفها فهذه
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
دمه حراما والزوجية والقرابة علة وسبب لوجوب النفقة على الزوجة والقريب فإذا عدمت الزوجية والقرابة لا تحرم والنفقة بل يندب إليها في الأجانب وحضور محل القراءة في الصلاة الذي هو القيام علة وسبب لوجوب القراءة في الصلاة فإذا ركع وسجد وعدم القيام كرهت القراءة فلم يستلزم عدم سبب الوجوب وعلته كما رأيت حكما معينا كما استلزم عدم سبب المنع وعلته الإباحة وعدم سبب الإباحة وعلتها المنع في المسائل قبل واتضح الفرق بين القاعدتين والله أعلم
الفرق الستون بين قاعدة إثبات النقيض في المفهوم بين قاعدة إثبات الضد فيه
مفهوم المخالفة أبدا يقتضي أن حكم المنطوق غير ثابت للمسكوت عنه قطعا وإنما الخلاف في أن المسكوت عنه هل يثبت له ضد الحكم الثابت للمنطوق به وإليه ذهب ابن أبي زيد من أصحابنا حيث استدل على وجوب صلاة الجنازة لقوله تعالى في حق المنافقين ولا تصل على أحد منهم مات أبدا فقال إن مفهومه يقتضي وجوب الصلاة على المسلمين أو يثبت له نقيض الحكم الثابت للمنطوق به ونقيض كل شيء رفعه أي يثبت له عدم الحكم الثابت للمنطوق به وهذا هو مذهب الجمهور وهو الحق في جميع مفاهيم المخالفة لا فرق بين مفهوم الصفة كما في الآية المذكورة فإن مفهوم منهم فيها عدم تحريم الصلاة على المؤمنين وهو صادق مع الوجوب والندب والكراهة والإباحة فلا يستلزم الوجوب لأن الأعم من الشيء لا يستلزمه وكما في قوله صلى الله عليه وسلم في الغنم السائمة الزكاة فإن مفهومه ما ليس بسائمة لا زكاة فيه
ومفهوم العلة كما في نحو ما أسكر كثيره فهو حرام فإن مفهومه أن ما لم يسكر كثيره فليس بحرام ومفهوم الشرط كما في نحو من تطهر صحت صلاته فإن مفهومه أن من لم يتطهر لا تصح صلاته
71
71
المفهومات جميعها أثبتنا فيها نقيض حكم المنطوق للمسكوت وحصل فيها معنى المفهوم فظهر أن مفهوم المخالفة إثبات نقيض حكم المنطوق للمسكوت وأن هذا هو قاعدته وليس قاعدته إثبات الضد
ويظهر التفاوت بينهما في قول ابن أبي زيد من أصحابنا حيث استدل على وجوب صلاة الجنازة بقوله تعالى في حق المنافقين ولا تصل على أحد منهم مات أبدا أن مفهومه يقتضي وجوب الصلاة على المسلمين وليس الأمر كما قاله بل مفهومه عدم تحريم الصلاة على المؤمنين وعدم التحريم صادق مع الوجوب والندب والكراهة والإباحة فلا يستلزم الوجوب لأن الأعم من الشيء لا يستلزم فلا يلزم الوجوب في هذه الصورة فكذلك يكون دأبك أبدا في مفهوم المخالفة إثبات النقيض فقط ولا تتعرض للضد ألبتة لما ظهر لك من الفرق بين القاعدتين
الفرق الحادي والستون بين قاعدة مفهوم اللقب وبين قاعدة غيره من المفهومات
فإن قاعدة مفهوم اللقب لم يقل بها إلا الدقاق وقاعدة مفهوم غير اللقب قال بها جمع
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
ومفهوم المانع كما في نحو لا يسقط الزكاة إلا الدين فإن مفهومه أن من لا دين عليه لا تسقط عنه الزكاة ومفهوم الزمان كما في نحو سافرت يوم الجمعة فإن مفهومه أنه لم يسافر يوم الخميس ومفهوم المكان كما في نحو جلست أمامك فإن مفهومه أنه لم يجلس عن يمينك ومفهوم الغاية كما في نحو أتموا الصيام إلى الليل فإن مفهومه أن الصوم لا يجب بعد الليل ومفهوم الحصر كما في إنما الماء من الماء فإن مفهومه أنه لا يجب الغسل من غير الماء ومفهوم الاستثناء كما في نحو قام القوم إلا زيدا فإن مفهومه أن زيدا لم يقم
واعلم أن جميع ما ذكر من المفاهيم التسعة ترجع إلى مفهوم الصفة ففي حاشية السعد على عضد ابن الحاجب ذكر الإمام في البرهان أن جميع جهات التخصيص ترجع إلى الصفة فإن المحدود والمعدود موصوفان بعددهما وحدهما والمخصص بالكون في زمان ومكان موصوف بالاستقرار فيهما ا ه
وكذا الباقي كما لا يخفى ومفهوم اللقب أي تعليق الحكم على أسماء الذوات كما في نحو في الغنم الزكاة فإن مفهومه أن الزكاة لا تجب في غير الغنم عند من قال بهذا المفهوم وهو الدقاق ومن معه كما سيأتي وهذا المفهوم أضعف المفاهيم العشرة المذكورة فقاعدة مفهوم المخالفة أبدا إثبات نقيض حكم المنطوق به فقط للمسكوت عنه على القول الحق وليس قاعدته إثبات ضد حكم المنطوق به للمسكوت عنه خلافا لابن أبي زيد من أصحابنا فليكن دأبك أبدا فيه إثبات النقيض فقط ولا تتعرض للضد ألبتة لما ظهر لك من الفرق بين القاعدتين والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الحادي والستون بين قاعدة مفهوم اللقب
لم يقل بها إلا الدقاق والصيرفي من الشافعية وابن خويز من المالكية وبعض الحنابلة كما في جمع الجوامع وبين قاعدة غيره من المفهومات قال بها جمع كثير كمالك والشافعي وغيرهما وذلك أن غير مفهوم اللقب من بقية المفاهيم كمفهوم الصفة والغاية والحصر فيه رائحة التعليل ضرورة أن الصفة والغاية
72
72
كثير كمالك والشافعي وغيرهما وسر الفرق بينهما أن مفهوم اللقب أصله كما قال التبريزي تعليق الحكم على أسماء الأعلام لأنها الأصل في قولنا لقب
وأما أسماء الأجناس نحو الغنم والبقر ونحوهما لا يقال لها لقب فالأصل حينئذ إنما هي الأعلام وما يجري مجراها قال ويلحق بها أسماء الأجناس وعلى التقديرين فالفرق أن العلم نحو قولنا أكرم زيدا أو اسم الجنس نحو زك عن الغنم لا إشعار فيه بالعلة لعدم المناسبة في هذين القسمين ومفهوم الصفة ونحوه فيه رائحة التعليل فإن الشروط اللغوية أسباب أيضا فمتى جعل الشيء شرطا أشعر ذلك بسببية ذلك الشرط عند المتعلق عليه أدركنا نحن ذلك أم لا وكذلك إذا حصر أو جعل غاية وإذا كانت هذه الأشياء تشعر بالتعليل عند المتكلم بها والقاعدة أن عدم العلة علة لعدم المعلول فيلزم في صورة المسكوت عنه عدم الحكم لعدم علة الثبوت فيه أما الأعلام والأجناس فلا إشعار لها بالعلية فلا جرم لا يكون عدمها من صورة السكوت علة لشيء لأنه ليس عدم علة فلا يلزم عدم الحكم في صورة المسكوت عنه فهذا هو سبب ضعفه وقلة القائلين به وينبغي لك أن تتفطن له فإن جماعة ممن لم يقل به وقع فيه عند الاستدلال وما شعر
وقال صاحب المهذب من الشافعية التيمم بغير التراب لا يجوز لقوله عليه السلام جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وفي أخرى وترابها طهورا ومفهوم قوله
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
والحصر والزمان والمكان والمانع والاستثناء والشرط شروط لغوية والشروط اللغوية أسباب شرعية كالعلة فمتى جعل الشيء شرطا أشعر بسببية ذلك الشرط للمعلق عليه سواء أدركنا نحن ذلك أم لا وإذا كانت هذه الأشياء تشعر بالتعليل عند المتكلم بها والقاعدة أن عدم العلة علة لعدم المعلول كان اللازم في صورة المسكوت عنه عدم الحكم لعدم علة الثبوت فيه وأما مفهوم اللقب فإنه وإن استدل له من احتج له بأنه لا فائدة لذكره إلا نفي الحكم عن غيره كالصفة ونحوها إلا أنه يفرق بينه وبين الصفة ونحوها من جهتين الأولى أن الكلام لا يستقيم بدون ذكره بخلاف الصفة ونحوها
والجهة الثانية أنه لما كان أصله كما قال التبريزي تعليق الحكم عن أسماء الأعلام لأنها الأصل في قولنا لقب وأما أسماء الأجناس نحو الغنم والبقر فلا يقال لها لقب إلا أنها تلحق بها فتجري مجراها جامدة كانت أو مشتقة غلبت عليه الاسمية فاستعلمت استعمال الأسماء كالطعام في حديث لا تبيعوا الطعام بالطعام كما مثل به الغزالي في المستصفى للقب ولم تكن للأعلام ولا للأجناس إشعار بالعلة لعدم المناسبة فيهما بخلاف الصفة ونحوها كما علمت كان عدمهما من صورة السكوت ليس علة لشيء لأنه ليس عدم علة فلا يلزم عدم الحكم في صورة المسكوت عنه فلذا قل القائلون به وحكم بضعفه ومن هنا تعلم صحة استدلال صاحب المهذب من الشافعية على مالك بأن التيمم لا يجوز بغير التراب بقوله عليه السلام جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وفي رواية أخرى وترابها طهورا حيث قال مفهوم قوله وترابها طهورا أن غير التراب لا يجوز التيمم به ا ه
وذلك لأن التراب اسم جنس فمفهومه مفهوم لقب ليس حجة عنده ولا عند
73
73
وترابها طهورا أن غير التراب لا يجوز التيمم به واستدلاله بذلك على مالك لا يصح لأنه لقب ليس حجة عنده ولا عند مالك لأن التراب اسم جنس فقد استدل بما ليس حجة عنده ولا عند خصمه وكذلك استدل على أبي حنيفة بأن الخل لا يزيل النجاسة بقوله عليه السلام حتيه ثم اقرضيه بالماء فمفهوم قوله عليه السلام يقتضي أنه لا يجوز أن يغسل بغيره من الخل وغيره وهذا أيضا غير مستقيم فإن الماء اسم جنس فمفهومه مفهوم لقب ليس بحجة عنده ولا عند أبي حنيفة بل أبو حنيفة لم يقل بالمفهوم مطلقا فضلا عن مفهوم اللقب فاستدلاله على أبي حنيفة أبعد من استدلاله على مالك بسبب أن مالكا قال بالمفهوم من حيث الجملة وأما أبو حنيفة فلا فهذا هو الفرق بين القاعدتين والتنبيه عليه بالمثل
الفرق الثاني والستون بين قاعدة المفهوم إذا خرج مخرج الغالب وبين ما إذا لم يخرج مخرج الغالب
هامش أنوار البروق
قال
الفرق الثاني والستون بين قاعدة المفهوم إذا خرج مخرج الغالب وبين ما إذا لم يخرج مخرج الغالب
هامش إدرار الشروق
مالك فقد استدل بما ليس حجة عنده ولا عند خصمه وكذا عدم صحة استدلاله على أبي حنيفة بأن الخل لا يزيل النجاسة بقوله عليه السلام لأسماء في دم الحيض يصيب الثوب حتيه ثم اقرضيه بالماء حيث قال مفهوم قوله عليه السلام بالماء يقتضي أنه لا يجوز أن يغسل بغيره من الخل وغيره ا ه
وذلك لأن الماء اسم جنس فمفهومه مفهوم لقب ليس بحجة عنده ولا عند أبي حنيفة بل أبو حنيفة لم يقل بالمفهوم مطلقا فضلا عن مفهوم اللقب فاستدلاله على أبي حنيفة أبعد من استدلاله على مالك بسبب أن مالكا قال بالمفهوم من حيث الجملة
وأما أبو حنيفة فلا كذا قال الأصل وفي حاشية العطار على محلى جمع الجوامع وأجيب بأن ذلك ليس من الاستدلال بمفهوم اللقب لأنه بالحديث الأول من جهة أن الأمر إذا تعلق بشيء بعينه لا يقع الامتثال إلا بذلك الشيء فلا يخرج عن العهدة بغيره سواء كان الذي تعلق به الأمر صفة أو لقبا ولأنه بالحديث الثاني من جهة أن قرينة الامتنان تدل على الحصر فيه وأن العدول عن أسلوب التعميم مع الإيجاز إلى التخصيص مع ترك الإيجاز لا بد له من نكتة ونكتته اختصاص الطهورية
وقد صرح الغزالي في المنخول بأن مفهوم اللقب حجة مع قرائن الأحوال وأشار ابن دقيق العيد أن التحقيق أن يقال اللقب ليس بحجة ما لم يوجد فيه رائحة التعليق فإن وجدت كان حجة فإنه قال في حديث الصحيحين إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها يحتج به على أن الزوج يمنع امرأته من الخروج إلا بإذنه لأجل تخصيص النهي بالخروج للمسجد فإنه مفهوم لقب لما في المسجد من المعنى المناسب وهو كونه محل العبادة فلا تمنع منه بخلاف غيره ا ه
فتأمل والله سبحانه وتعالى أعلم الفرق الثاني والستون بين قاعدة المفهوم إذا خرج مخرج الغالب قيل لا يكون حجة إجماعا وبين ما إذا لم يخرج مخرج الغالب قيل يكون حجة عند القائلين بالمفهوم
74
74
فإنه إن لم يخرج مخرج الغالب كان حجة عند القائلين بالمفهوم وإذا خرج مخرج الغالب لا يكون حجة إجماعا وضابطه أن يكون الوصف الذي وقع به التقييد غالبا على تلك الحقيقة وموجودا معها في أكثر صورها فإذا لم يكن موجودا معها في أكثر صورها فهو المفهوم الذي هو حجة وسر الفرق بينهما أن الوصف إذا كان غالبا على الحقيقة يصير بينها وبينه لزوم في الذهن
هامش أنوار البروق
فإنه إن لم يخرج مخرج الغالب كان حجة عند القائلين بالمفهوم وإذا خرج مخرج الغالب لا يكون حجة إجماعا وضابطه أن يكون الوصف الذي وقع به التقييد غالبا على تلك الحقيقة موجودا معها في أكثر صورها فإذا لم يكن موجودا معها في أكثر صورها فهو المفهوم الذي هو حجة وسر الفرق بينهما
هامش إدرار الشروق
والصحيح كما في شرح التحرير الأصولي أن الوصف الذي وقع به تقييد الحقيقة إذا خرج مخرج الغالب بأن وجد معها في أكثر صورها كوصف الربائب باللاتي في حجوركم في قوله تعالى وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن وهن جمع ربيبة بنت زوجة الرجل من آخر سميت به لأنه يربيها غالبا كما يربي ولده ثم اتسع فيه فسميت به وإن لم يربها وإنما لحقته الهاء مع أنه فعيل بمعنى مفعول لأنه صار اسما فكونهن في حجور أزواج الأمهات هو الغالب من حالهن فوصفهن به لكونه الغالب فلا يدل الكلام المفيد للحكم المتعلق بالحقيقة المقيدة به على نفي الحكم عند عدمه كالكلام المفيد لتحريمهن عليهم على عدم تحريمهن عليهم عند عدم كونهن في حجورهم عند الجمهور لا إجماعا
فقد روي عن علي رضي الله عنه جعله شرطا حتى إن البعيدة عن الزوج لا تحرم عليه كما نقله ابن عطية وغيره وأسنده إليه ابن أبي حاتم فقال حدثنا أبو زرعة حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام بن يوسف عن ابن جريج قال حدثني إبراهيم بن عبيد بن رفاعة قال أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان قال كانت عندي امرأة فتوفيت وقد ولدت لي فوجدت عليها فلقيني علي بن أبي طالب فقال ما لك فقلت توفيت المرأة فقال علي هل لها ابنة فقلت نعم وهي بالطائف قال كانت في حجرك قلت لا قال فانكحها قلت فأين قول الله تعالى وربائبكم اللاتي في حجوركم قال إنها لم تكن في حجرك إنما ذلك إذا كانت في حجرك قال الحافظ العماد بن كثير إسناده قوي ثابت إلى علي على شرط مسلم وهو غريب جدا ا ه بتوضيح وزيادة من العطار
نعم قد يقال المراد إجماع الأربعة الأئمة لا جميع المجتهدين لكن في المحلى على جمع الجوامع
وقد مشى في النهاية في آية الربيبة على ما نقله عن الشافعي من أن القيد فيها لموافقة الغالب لا مفهوم له بعد أن نقل عن مالك القول بمفهومه ومن أن الربيبة الكبيرة وقت التزوج بأنها لا تحرم على الزوج لأنها ليست في حجره وتربيته وهذا وإن لم يستمر عليه مالك فقد نقله الغزالي وغيره كالماوردي وابن الصباغ وغيرهما عن داود كما نقله ابن عطية عن علي كرم الله وجهه ورواه عنه ابن أبي حاتم وغيره ومرجع ما نقل عن داود وعلي رضي الله عنه إلى أن القيد ليس لموافقة الغالب أي بل لنفي الحكم عن المسكوت عنه ا ه فافهم
وأورد الإمام ابن عبد السلام أنه كيف يكون لغير الغالب مفهوما دون الغالب والقاعدة تقتضي العكس وهو أنه إذا خرج مخرج الغالب يكون له مفهوم لا إذا لم يكن غالبا لأن الغالب على الحقيقة تدل العادة على ثبوته لها فالمتكلم يكتفي بدلالتها على
75
75
فإذا استحضر المتكلم الحقيقة ليحكم عليها حضر معها ذلك الوصف الغالب لأنه من لوازمها فإذا حضر في ذهنه نطق به لأنه حاضر في ذهنه فعبر عن جميع ما وجده في ذهنه لا أنه قصد بالنطق به نفي الحكم عن صورة عدمه بل الحال تضطره للنطق به أما إذا لم يكن غالبا على الحقيقة لا يلزمها في الذهن فلا يلزم من استحضار الحقيقة المحكوم عليها
هامش أنوار البروق
أن الوصف إذا كان غالبا على الحقيقة يصير بينها وبينه لزوم في الذهن فإذا استحضر المتكلم الحقيقة ليحكم عليها حضر معها ذلك الوصف الغالب لأنه من لوازمها فإذا حضر في ذهنه نطق به لأنه حاضر في ذهنه فعبر عن جميع ما وجده في ذهنه لا أنه قصد بالنطق به نفي الحكم عن صورة عدمه بل الحال تضطره للنطق به أما إذا لم يكن غالبا على الحقيقة لا يلزمها في الذهن فلا يلزم من استحضار
هامش إدرار الشروق
ثبوته لها عن ذكره فإنما ذكره ليدل على نفي الحكم عما عداه بانحصار غرضه فيه فإذا لم يكن عادة فغرض المتكلم بتلك الصفة إفهام السامع بثبوتها للحقيقة
وأجاب بأن القول بالمفهوم لخلو القيد عن الفائدة لولاه وهو إذا كان الغالب يفهم من الظن باللفظ أولا لغلبته فذكره بعده يكون تأكيدا لثبوت الحكم للمتصف به وهذه فائدة أمكن اعتبار القيد فيها فلا حاجة إلى المفهوم بخلاف غير الغالب
وأجاب الأصل بأن الغالب ملازم للحقيقة في الذهن فذكره معها عند الحكم عليها لحضوره في ذهنه لأنه من لوازمها فيضطره الحال للنطق به لذلك لا لتخصيص الحكم به بخلاف غيره فإنه لا يلزم من استحضار الحقيقة المحكوم عليها حضوره معها فلا يضطره الحال لنطقه به معها فلا بد حينئذ من أن يكون للمتكلم غرض في نطقه به وإحضاره مع الحقيقة وسلب الحكم عن صورة عدمه يصلح أن يكون غرضه فيحمل عليه حتى يصرح بخلافه لأنه المتبادر إلى الذهن من التقييد وتعقبه ابن الشاط بأن ما أورده ابن عبد السلام وارد ودعوى الاضطرار باطلة إذ كيف يكون الشارع سواء قلنا الله تعالى أو الرسول صلى الله عليه وسلم مضطرا إلى النطق بما لا يقصده واضطرار الله تعالى إلى أمر ما محال وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم من حيث هو معصوم والحامل على هذا الحال إنما هو القول بالمفهوم والصحيح أنه باطل عند التجرد عن القرائن المفهمة لمقتضاه
قلت يعين أن الباطل هو ما للشافعي وأحمد والأشعري والإمام وكثير من القول بمفهوم المخالفة بأقسامه الراجعة إلى مفهوم الصفة كما مر عند التجرد عن القرائن المفهمة لمقتضاه إذا توفرت الشروط لتحققه وهي أمور أحرى أن لا تظهر أولوية المسكوت عنه في الحكم وإلا استلزم ثبوت الحكم في المسكوت عنه فكان مفهوم موافقة لا مخالفة كتحريم الضرب من قوله تعالى فلا تقل لهما أف وتأدية ما دون القنطار من قوله تعالى ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك
والثاني أن لا يكون قد خرج مخرج الغالب المعتاد مثل وربائبكم اللاتي في حجوركم فإن الغالب كون الربائب في الحجور ومن شأنهن ذلك فقيد به لذلك لا لأن حكم اللاتي لسن في الحجور بخلافة ومثل قوله تعالى فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به إذ الخلع غالبا إنما يكون عند خوف أن لا يقوم كل من الزوجين بما أمر الله تعالى فلا يفهم منه أن الخلع لا يجوز عند عدم الخوف ومثل قوله صلى الله عليه وسلم أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل إذ المرأة إنما تباشر نكاح نفسها عند منع الولي فلا يفهم منه أنها إذا نكحت نفسها بإذن وليها لم يكن باطلا
والثالث أن لا يكون لسؤال سائل عن
76
76
حضوره فيكون المتكلم حينئذ له غرض في النطق به وإحضاره مع الحقيقة ولم يكن مضطرا لذلك بسبب الحضور في الذهن وإذا كان له غرض فيه وسلب الحكم عن المسكوت عنه يصلح أن يكون غرضه فحملناه عليه حتى لا يصرح بخلافه لأنه المتبادر للذهن من التقييد وهذا هو الفرق بين القاعدتين وسر انعقاد الإجماع على عدم اعتباره
هامش أنوار البروق
حقيقة المحكوم عليها حضوره فيكون المتكلم حينئذ له غرض في النطق به وإحضاره مع الحقيقة ولم يكن مضطرا لذلك بسبب الحضور في الذهن وإذا كان له غرض فيه وسلب الحكم عن المسكوت عنه يصلح أن يكون غرضه فحملناه عليه حتى يصرح بخلافه لأنه المتبادر للذهن من التقييد وهذا هو الفرق بين القاعدتين وسر انعقاد الإجماع على عدم اعتباره
هامش إدرار الشروق
المذكور ولا لحادثة خاصة بالمذكور مثل أن يسأل هل في الغنم السائمة زكاة فيقول في الغنم السائمة زكاة أو يكون الغرض بيان ذلك له السائمة دون المعلوفة
والرابع أن لا يكون هناك تقدير جهالة بحكم المسكوت عنه وإلا ربما ترك التعرض له لعدم العلم بحاله ولا يكون خوف يمنع من ذكره كقول قريب العهد بالإسلام لعبده بحضور المسلمين تصدق بهذا على المسلمين يريد وغيرهم وتركه خوفا من أن يتهم بالنفاق أو غير ذلك مما يقتضي تخصيصه بالذكر كموافقة الواقع في نحو قوله تعالى لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين نزلت كما قال الواحدي وغيره في قوم من المؤمنين والوا اليهود دون المؤمنين
وأما إذا لم تتوفر هذه الشروط بانتفاء المذكورات بل ثبت واحد منها فلا يستند في العمل إلى المفهوم ضرورة أن هذه المذكورات فوائد ظاهرة والمفهوم فائدة خفيفة فيؤخر عنها ويكون العمل حينئذ على مقتضى الدليل ولو خالف المفهوم فإذا دل على إعطاء المسكوت عنه حكم المنطوق به عمل بمقتضاه كما في نحو آيتي الربيبة والموالاة وقول قريب العهد بالإسلام إلخ فإن إرادة قريب العهد وغيرهم كما علمت وتحقق علة حكم المنطوق به في المسكوت عنه في الآيتين من حيث إن الربيبة حرمت لئلا يقع بينها وبين أمها التباغض لو أبيحت بأن يتزوجها فيوجد نظرا للعادة في مثل ذلك سواء كانت في حجر الزوج أم لا ومن حيث إن موالاة المؤمن الكافر حرمت لعداوة الكافر له وهي موجودة سواء والى المؤمن أم لا وقد عم من والاه ومن يواليه قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم إلى قوله والكفار أولياء وقياس المسكوت المشتمل على علة الحكم على المنطوق لا يمتنع إذ كيف يمتنع وهناك من يقول إن المعروض للصفة ونحوها كالغنم في حديث في الغنم السائمة زكاة يعم المسكوت عنه كالمعلوفة في الحديث المذكور بدون قياس لأن عارضه من الصفة ونحوها بالنسبة إلى المسكوت المشتمل على العلة كأنه لم يذكر
نعم الحق عدم العموم لا سيما وقد ادعى بعضهم الإجماع عليه وقول إمامنا رحمه الله تعالى بأن المعلوفة فيها الزكاة لم يكن من حيث شمول الغنم للمعلوفة في الحكم كما قيل بل إما لكون حديث في كل أربعين شاة شاة منطوقا عارض مفهوم حديث في الغنم السائمة زكاة فيقدم عليه كما قالوا بالمنة من قتل من لم يجن جناية توجب القتل ولدا كان أو غير ولد للأدلة الدالة على ذلك المعارضة لمفهوم قوله تعالى ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق لا لكونه غالبا في مجرى العادة في ذلك الوقت فإنهم كانوا لا يقتلون إلا خوف الفقر والفضيحة في البنات وهو الوأد الذي صرح به الله تعالى بقوله في كتابه العزيز وإذا الموءودة سئلت والوأد القتل فإنهم كانوا يدفنونهن أحياء فيمتن من غم التراب وثقله
77
77
وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام من الشافعية رحمه الله يورد على هذا سؤالا فيقول الوصف الغالب أولى أن يكون حجة مما ليس بغالب
وما انعقد عليه الإجماع يقتضي الحال فيه العكس بسبب أن الوصف إذا خرج مخرج الغالب وكانت العادة شاهدة بثبوت ذلك
هامش أنوار البروق
قلت ما أبعد ما قاله أن يكون سرا وسببا لانعقاد الإجماع فكيف يكون الشارع مضطرا إلى النطق بما لا يقصده هذا محال فإنه إما أن يكون المراد بالشارع الله تعالى فاضطراره إلى أمر ما محال وإما أن يكون المراد بالشارع الرسول صلى الله عليه وسلم فكذلك هو من حيث هو معصوم والحامل على هذا الحال إنما هو القول بالمفهوم والصحيح أنه باطل عند التجرد عن القرائن المفهمة لمقتضاه والله أعلم
هامش إدرار الشروق
ومنه قوله تعالى ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم أي لا يثقله وإما لكونه عموما في خصوص عين الغنم فيترجح على حديث في الغنم إلخ لأنه عموم في خصوص حال الغنم لما مر عن الإمام ابن العربي في كتاب الأحكام من أن حال العين أرجح من حال الحال
وإذا دل الدليل على إعطاء المسكوت عنه نقيض حكم المنقوض به عمل بمقتضاه كما في نحو الغنم المعلوفة قال الشافعي وأبو حنيفة بعدم الزكاة فيها لأنه الأصل فتبقى المعلوفة التي لم ينص عليها الأصل كما سيأتي وإذا كان القول بمفهوم المخالفة باطلا كان الصحيح مقابله وهو ما أشار له في جمع الجوامع بقوله وأنكر أبو حنيفة الكل مطلقا قال المحلي أي لم يقل بشيء من مفاهيم المخالفة وإن قال في المسكوت بخلاف حكم المنطوق فلأمر آخر كما في انتفاء الزكاة عن المعلوفة قال إن الأصل عدم الزكاة ووردت في السائمة فبقيت المعلوفة على الأصل ا ه
ومحصله أنه لا يستند في العمل إلى المفهوم ولو توفرت شروط تحققه المذكورة بل إنما يستند إلى القرائن المفهمة لموافقته أو مخالفته لحكم المنطوق مطلقا في كلام الشارع أو كلام الناس
نعم قال العطار في حاشيته على محلي جمع الجوامع إن المصنف إنما نقل عن أبي حنيفة لا عن أصحابه فإنهم إنما ينكرون مفهوم المخالفة في كلام الشارع أما في كلام الناس فهو حجة عندهم عكس ما لوالد المصنف من إنكاره الكل في غير الشرع من كلام المصنفين والواقفين لغلبة الذهول عليهم بخلافه في الشرع من كلام الله ورسوله المبلغ عنه لأنه تعالى لا يغيب عنه شيء قال سم وحاصل كلام والد المصنف أن المفهوم معنى يقصد تبعا للمنطوق فلا يعتبر ممن غلب عليه الذهول إذ الأمور التابعة إنما يعتد بها ممن قصدها ولاحظها ومن غلب عليه الذهول ولا وثوق بقصده وملاحظته وليس في هذا المعنى توقف الدلالة على الإرادة بل الذي فيه توقف اعتبارها في المعاني التابعة لا مطلقا على من يوثق فيه بإرادته وشتان ما بين المقامين ا ه
ووجه بطلان القول بمفهوم المخالفة عند التجرد عن القرائن المفهمة لمقتضاه إذا توفرت شروط تحققه وإن قالوا إنه المذهب المختار أمران أحدهما أنه داع إلى دعوى الاضطرار إلى النطق بما لا يقصد واضطرار الله تعالى أو الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أمر ما محال كما علمت
الثاني أن وجوه الاستدلال عليه ضعيفة
أما الوجه الأول فإما أن يقرر بأنه لو لم يكن ظاهرا للحصر لزم اشتراك المسكوت عنه للمذكور في الحكم إذ لا واسطة بين الاختصاص والاشتراك فإنه يثبت الحكم في المذكور قطعا فإن لم يثبت في المسكوت عنه فهو الاختصاص وإن ثبت فهو الاشتراك وهذا ترديد بين النفي والإثبات فلا واسطة بينهما واللازم أعني الاشتراك المذكور منتف لاتفاقهم على أنه ليس للاشتراك غايته أنه محتمل وإما أن يقرر بأنه لو لم يفد الحصر لم يفد الاختصاص به دون غيره إذ لا معنى للحصر فيه إلا اختصاصه به دون غيره
78
78
الوصف لتلك الحقيقة يكون المتكلم مستغنيا عن ذكره للسامع بدليل أن العادة كافية في إفهام السامع ذلك فلو أخبره بثبوت ذلك الوصف لكان ذلك تحصيلا للحاصل أما إذا لم يكن غالبا فإنه لا دليل على ثبوته لتلك الحقيقة من جهة العادة فيتجه أن المتكلم بخبره به لعدم دليل يدل على ثبوته لتلك الحقيقة وهو حينئذ يفيده فائدة جديدة وغير مفيد له في الوصف الغالب الذي دلت عليه العادة وإذا كان في الغالب غير مفيد بإخباره عن ثبوته للحقيقة فيتعين أنه
هامش أنوار البروق
قال وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام من الشافعية رحمه الله يورد على هذا سؤالا إلى آخر السؤال
هامش إدرار الشروق
فإذا لم يحصل لم يحصل واللازم أعني انتفاء إفادته اختصاص الحكم بالمذكور دون غيره منتف للعلم الضروري بأنه يفيد اختصاص الحكم بالمذكور دون غيره
وأما ضعفه فمن جهتين الجهة الأولى أنه على التقرير الأول والثاني إن أراد باختصاص الحكم بالمذكور دون المسكوت أن الحكم النفسي المعبر عنه بالذكر اللفظي مختص به بمعنى أنا حكمنا على السائمة مثلا ولم نحكم على المعلوفة فلا نزاع فيه وإن أراد أن متعلق الحكم النفسي وهو النسبة الواقعة في نفس الأمر المعبر عنها بالحكم الخارجي مختص بالمذكور بمعنى أن الزكاة واجبة في السائمة ليست بواجبة في المعلوفة فممنوع إذ غاية الأمر عدم الحكم بالوجوب في المعلوفة وهو لا يستلزم الحكم بعدم الوجوب فيها لجواز أن تثبت نسبته ولا يحكم بثبوتها وحاصله تسليم اختصاص النسبة الذهنية دون الخارجية لكن لا يخفى أن هذا إنما يصح في الإخبار دون الإنشاء إذ ليس لنفسه متعلق هو الخارجي إلا أن يئول بالخبر أو يقال إن المراد بالمتعلق هاهنا هو طرف الحكم كالسائمة مثلا بناء على أن متعلق الذكر النفسي هو الطرفان ليصح في الإخبار والإنشاء جميعا
الجهة الثانية أن هذا الاستدلال بكلا تقريريه كما يجري هنا يجري في اللقب بأن يقال لو لم يكن للحصر لكان للاشتراك واللازم باطل أو يقال لو لم يفد الحصر لم يفد الاختصاص وأنه يفيده قطعا مع أن اللقب باطل اتفاقا وأما الوجه الثاني فهو أنه إذا قيل الفقهاء الحنفية فضلاء ولا مقتضى لتخصيص الحنفية بالفضل نفرت الشافعية ولولا فهمهم نفي الفضل عن غيرهم لما نفروا
وأما ضعفه فبمنع الملازمة بين النفرة وفهمهم نفي الفضل عن غيرهم لجواز أن تكون النفرة إما لتصريح بغيرهم وتركهم على الاحتمال كما ينفر من التقدير في الذكر لاحتمال أن يكون للتفضيل وإن جاز أن يكون لغيره وإما لتوهم المعتقدين لإفادة النفي عن الغير قصد تلك الإفادة في الصورة المذكورة إما بمعنى أنهم نفروا عن أن تذكر عبارة يتوهم منها بعض الناس نفي الفضل عنهم أو بمعنى أن النفرة إنما هو للمعتقدين تلك الإفادة بحسب اعتقادهم وأنه توهم
وأما الوجه الثالث فهو أنه صلى الله عليه وسلم عقب نزول قوله تعالى إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم قال كما في الحديث الصحيح الذي لا قدح في رواته لأزيدن على السبعين وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم فهم من الآية أن ما زاد على السبعين حكمه بخلاف السبعين وذلك مفهوم العدد وكل من قال به قال بمفهوم الصفة فيثبت مفهوم الصفة
وأما ضعفه فبمنع فهم ذلك لأن ذكر السبعين للمبالغة وما زاد على السبعين مثله في الحكم المشترك بين السبعين وما فوقها وهو ما يتبادر إلى الفهم من عدم المغفرة فلا يتبادر من ذكر السبعين أن ما فوقها بخلافها وأما قوله عليه الصلاة والسلام لأزيدن على السبعين فلعله من جهة علمه أن هذا
79
79
إنما نطق به لقصد آخر غير الإخبار عن ثبوته للحقيقة وهو سلب الحكم عن المسكوت عنه وهذا الغرض لا يتعين إذا لم يكن غالبا لأنه غرضه حينئذ يكون الإخبار عن ثبوته للحقيقة لا سلب الحكم عن المسكوت عنه فظهر أن الوصف الغالب على الحقيقة أولى أن يكون حجة وهو سؤال حسن متجه غير أنه عارضنا فيه ما تقدم من تقدير كونه حجة وهو أنه اضطر للنطق به بخلاف غير الغالب وأورد لك ثلاث مسائل توضح لك القاعدتين والفرق بينهما
المسألة الأولى
قوله عليه السلام في الغنم السائمة الزكاة أو زكوا عن الغنم السائمة
هامش أنوار البروق
قلت السؤال وارد قال وهو سؤال حسن غير أنه عارضنا فيه ما تقدم إلى آخر قوله والفرق بينهما قلت قد سبق ما ورد على دعوى الاضطرار
هامش إدرار الشروق
المعنى المشترك بين السبعين وما فوقها غير مراد في هذا المقام بخصوصه لا من جهة فهمه من هذا الكلام ولو سلم أنه فهمه من هذا الكلام فيجوز أن لا يكون من التقييد بالعدد بل من جهة أن الأصل قبول استغفار النبي عليه الصلاة والسلام وقد تحقق النفي في السبعين فبقي ما فوقها على الأصل
وأما الوجه الرابع فهو أن يعلى بن أمية وعمر بن الخطاب فهما من قوله تعالى فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم حيث قيد قصر الصلاة بحال الخوف أن عدم قصرها عند عدم الخوف وأقر الرسول عليه الصلاة والسلام عمر عليه فقال يعلى لعمر ما بالنا نقصر وقد أمنا وقد قال الله تعالى فليس عليكم جناح إلخ فقال عمر رضي الله عنه عجبت مما عجبت منه فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته إذ لولا إفادة تقييد القصر بالخوف في الآية لعدمه عند عدمه لغة ما فهماه ولما أقره الرسول عليه الصلاة والسلام
وأما ضعفه فبمنع فهمها منه لجواز أنهما حكما بذلك باستصحاب الحال في وجوب إتمام الصلاة من حيث إنه الأصل وخولف في الخوف بالآية ولذا ذكروا الآية عند التعجب يعنون أن القصر حال الخوف إنما يثبت بالآية فما بال حال الأمن لم يبق على ما هو الأصل من الإتمام بحيث لا يعدل عنه فيه إلا لدليل ولا دليل وإذا جاز ذلك لم يتعين أن يكون الفهم منه فلا تقوم به حجة فيه واعلم أن هذا مفهوم الشرط لا الصفة ولعل الغرض منه إلزام من لا يفصل بينهما
وأما الوجه الخامس فهو أن إفادته لتخصيص تفضي إلى تكثير الفائدة فإن إثبات المذكور ونفي غيره أكثر فائدة من إثبات المذكور وحده وكثرة فائدته ترجح المصير إليه لأنه ملائم لغرض العقلاء وأما ضعفه فمن جهة أن هذا لا يلزم إلا القائلين بأن تكثير الفائدة دال على الوضع كعباد الصيمري والجمهور على أن الدال على الوضع إنما هو النقل تواترا أو آحادا كما تقرر في محله وعليه فلا يلزم ذلك على أن دلالته على النفي عن الغير على القول بأن الدال على الوضع تكثير الفائدة تتوقف على تكثير الفائدة إذ به تثبت وتكثير الفائدة إنما يحصل بدلالته على النفي على الغير وذلك دور ظاهر
نعم قد يقال إن ما تتوقف عليه الدلالة تعقل كثرة الفائدة لا حصولها والموقوف على الدلالة حصول كثرة الفائدة لا تعقلها
وأما الوجه السادس فهو أنه لو لم يكن المسكوت عنه مخالفا للمذكور في الحكم ففي نحو قوله صلى الله عليه وسلم طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعا إحداهن بالتراب يلزم أن لا تكون السبع مطهرة
80
80
استدل به الشافعية على عدم وجوب الزكاة في المعلوفة ولا دليل فيه لوجهين الأول أنه خرج مخرج الغالب فيكون من المفهوم الذي ليس حجة إجماعا لأن السوم يغلب على الغنم في أقطار الدنيا لا سيما في الحجاز لعزة العلف هنالك والاستدلال بما ليس حجة إجماعا لا يستقيم الثاني أن هذا مفهوم وإن سلم أنه حجة فهو معارض بالمنطوق وهو قوله عليه السلام في كل أربعين شاة شاة فهذا الاستدلال باطل
هامش أنوار البروق
قال
المسألة الأولى
قوله عليه السلام في الغنم السائمة الزكاة إلى آخرها قلت ما قاله من أنه لا دليل فيه للشافعية لوجهين الأول أنه قد خرج مخرج الغالب قد سبق ما
هامش إدرار الشروق
لأن الطهارة إذا حصلت بدون السبع فلا تحصل بالسبع لأنه تحصيل الحاصل وأنه محال وكذلك في قوله عليه السلام خمس رضعات يحرمن يلزم أن لا يكون الخمس محرمة لأن الحرمة تحصل بدون الخمس فلا تحصل بالخمس لأنه تحصيل الحاصل وأنه محال
وأما ضعفه فبأنه لا يلزم من عدم دلالة السبع على نفي الطهارة فيما دونها حصول الطهارة قبل السابعة ولا من عدم دلالة الخمس على نفي تحريم المرضعة حصول التحريم قبل الخمس لجواز أن يثبت التحريم وأن تثبت النجاسة بدليل آخر
أما في الرضاع فظاهر بناء على أن الأصل عدم التحريم وأما في الإناء فلأنه وإن كان الأصل الطهارة ما لم يظهر دليل النجاسة والأصل عدمه إلا أن الإجماع على التنجس قائم هنا بوجود النجس وهو دليل قاطع فإذا لم يدل العدد على النفي فيما دونه بقي ما كان ثابتا من النجاسة وعدم التحريم حتى يظهر الدليل كذا في شرح العضد على مختصر ابن الحاجب وحاشية السعد عليه ولا يخفاك أن بطلان القول بمفهوم المخالفة لا ينتجه واحد من الأمرين المذكورين
أما الأول فلأنا لا نسلم أن القول بالمفهوم في غير الغالب لا في الغالب داع إلى الاضطرار المذكور في الغالب دون غيره كما قال الأصل بذلك في بيان سر الفرق بينهما ودفع ما أورده ابن عبد السلام لجواز أن يكون سر الفرق بينهما غير ذلك وهو ما مر عن عبد السلام في جوابه عما أورده من أن التقييد بالغالب لما كانت فائدته هي التأكيد لثبوت الحكم للمتصف به لأنه لغلبته على الحقيقة يفهم من النطق بلفظها أولا لم يحتج فيه إلى المفهوم ضرورة أن فائدة التأكيد فيه ظاهرة والمفهوم فائدة خفية لأن استفادته بواسطة أن التخصيص بالذكر لا بد له من فائدة وغير التخصيص بالحكم منتف فتعين التخصيص بخلاف غير الغالب فإنه لما لم يظهر للتقييد به فائدة غير التخصيص تعين فيه التخصيص ومن هنا يندفع قول إمام الحرمين أن المفهوم من مقتضيات اللفظ فلا تسقطه موافقة الغالب بل قال زكريا للشافعي رضي الله عنه في الرسالة كلام آخر يندفع به أيضا توجيه إمام الحرمين لما نفاه مخالفا للشافعي بما ذكر وحاصله أنه إذا ظهر لتخصيص المنطوق فائدة غير نفي الحكم بطريق الاحتمال إلى المفهوم فيصير الكلام مجملا حتى لا يقضي فيه بموافقة أو مخالفة ا ه فافهم
وأما الثاني فلأن ضعف دليل الشيء لا يقتضي بطلانه على أن وجوه الاستدلال على القول بإنكار المفهوم مطلقا قد ضعفت أيضا فما وجه إبطال مقابله دونه أما الوجه الأول فهو أنه لو ثبت المفهوم لثبت بدليل ولا دليل لأنه إما عقلي ولا مدخل له في مثله وإما نقلي إما متواتر فكان يجب أن لا يختلف فيه وإما آحاد وأنه لا يفيد في مثله
وأما ضعفه فيمنع اشتراط التواتر وعدم إفادة الآحاد في مثله وإلا امتنع العمل بأكثر أدلة الأحكام لعدم التواتر في مفرداتها وأيضا فإنا نقطع أن العلماء في الأعصار والأمصار كانوا يكتفون في فهم معاني الألفاظ بالآحاد كنقلهم عن
81
81
المسألة الثانية
قوله عليه السلام أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل مفهومه أنه إذا أذن لها وليها صح نكاحها وهذا المفهوم ملغي بسبب أن الغالب أنها لا تنكح نفسها في مجرى العادة إلا ووليها غير آذن بل غير عالم فصار عدم إذن الولي غالبا في العادة على تزويجها لنفسها فالتقييد به تقييد بما هو غالب فلا يكون حجة
هامش أنوار البروق
أورده عليه عز الدين وقوله الثاني أنه معارض بالمنطوق وهو قوله صلى الله عليه وسلم في كل أربعين شاة شاة لا بأس به
قال
المسألة الثانية
قوله عليه السلام أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل إلى آخره
هامش إدرار الشروق
الأصمعي والخليل وأبي عبيد وسيبويه
وأما الوجه الثاني فهو أنه لو ثبت المفهوم للزم ثبوته في الخبر لأن الذي به ثبت في الأمر وهو الحذر من عدم الفائدة قائم في الخبر والعلة تدور مع المعلول وجودا وعدما واللازم وهو ثبوته في الخبر باطل لأنه لو قال في الشام الغنم السائمة لم يدل على عدم المعلوفة بها وهو معلوم من اللغة والعرف قطعا
وأما ضعفه فيمنع انتفاء اللازم لقول السعد الحق عدم التفرقة بين الخبر والإنشاء كما في قولنا الفقهاء الحنفية أئمة فضلاء ومطل الغني ظلم عند قصد الإخبار إلى غير ذلك من المواضع ونفي المفهوم في بعض المواضع بمعونة القرائن كما في قولنا في الشام الغنم السائمة لا ينافي ذلك
وأما الوجه الثالث فهو أنه لو صح القول بالمفهوم للزم أن لا يصح أن يقال أد زكاة الغنم السائمة والمعلوفة مجتمعا أو أد زكاة الغنم السائمة أد زكاة الغنم المعلوفة متفرقا وتحقق التخصيص بالصفة في صورة الاجتماع من حيث إن الحكم علق بالسائمة تارة بالمعلوفة أخرى أما أولا فلأن وزان قولك في مفهوم المخالفة أد زكاة الغنم السائمة والمعلوفة مجتمعا أو متفرقا وزان قولك في مفهوم الموافقة لا تقل له أف واضربه في منافاة المفهوم للمنطوق فكما لا يجوز بلا شك أن يقال لا تقل له أف واضربه لأن مفهوم لا تقل له أف وهو حرمة الضرب يناقض منطوق اضربه وهو جواز الضرب ومفهوم اضربه وهو جواز أن يقال له أف يناقض منطوق لا تقل له أف وهو حرمة أن يقال له أف كذلك لا يجوز أن يقال أد زكاة الغنم السائمة والمعلوفة مجتمعا أو متفرقا
وأما ثانيا فلأن المنطوقين مع المفهومين متعارضان والمنطوق أقوى من المفهوم فيندفع المفهومان فلا يبقى لذكر القيدين فائدة إذ فائدة التقييد المفهومة ويكون بمثابة قولك أد زكاة الغنم فيضيع ذكر السائمة والمعلوفة بخصوصهما واللازم أعني صحة أن يقال أد زكاة الغنم السائمة والمعلوفة مجتمعا أو متفرقا ظاهر البطلان
وأما ضعفه فيمنع الملازمة بوجوه أحدها أن دلالة مفهوم الموافقة على ثبوت الحكم للمسكوت عنه قطعية ودلالة مفهوم المخالفة على نفي الحكم عن المسكوت عنه ظنية
وثانيها أنه لا تناقض في الظواهر مع إمكان الصرف عن معانيها لدليل ودفع التناقض أقوى دليل عليه
وثالثها أن الفائدة في ذكر القيدين السائمة والمعلوفة عدم تخصيص أحدهما عن العام فإن العام ظاهر في تناول الخاصين ويمكن إخراج أحدهما عنه تخصيصا له إذا ذكرهما بالنصوصية لم يمكن ذلك
وأما الوجه الرابع فهو أنه لو ثبت المفهوم للزم أن لا يثبت خلافه إذا لو ثبت خلافه مع ثبوته لثبت
82
82
المسألة الثالثة
قوله تعالى ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ومفهومه أنكم إذا لم تخشوا الإملاق لا يحرم عليكم القتل وهو مفهوم ملغي إجماعا بسبب أنه قد غلب في العادة أن الإنسان لا يقتل ولده إلا لضرورة وأمر قاهر لأن حنة الأبوة مانعة من قتله فتقييد القتل بخشية الإملاق تقييد له بوصف هو كان الغالب عليهم في القتل في ذلك الوقت فكانوا لا يقتلون إلا خوف الفقر أو الفضيحة في البنات وهو الوأد الذي صرح به في الكتاب العزيز في قوله وإذا الموءودة سئلت والوأد الثقل فإنهم كانوا يدفنونهن أحياء فيمتن من غم التراب وثقله ومنه قوله تعالى ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم أي لا يثقله وعلى هذا القانون اعتبر المفهوم الغالب من غيره الفرق الثالث والستون بين قاعدة حصر المبتدأ في خبره وهو معرفة أو ظرف أو مجرور وبين قاعدة حصر المبتدأ في خبره وهو نكرة
اعلم أن المبتدأ يجب انحصاره في خبره مطلقا كان معرفة أو نكرة بسبب أن خبر
هامش أنوار البروق
قلت يرد على ما قاله فيها سؤال عز الدين
قال
المسألة الثالثة
قوله تعالى ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق إلى آخرها قلت إنما ألغي هذا المفهوم لمعارضته الأدلة الدالة على المنع من قتل من لم يجن جناية توجب القتل ولدا كان أو غير ولد
قال الفرق الثالث والستون بين قاعدة حصر المبتدأ في خبره وهو معرفة أو ظرف أو مجرور وبين قاعدة حصر المبتدأ في خبره وهو نكرة اعلم أن المبتدأ يجب انحصاره في خبره مطلقا كان معرفة أو نكرة بسبب أن خبر المبتدأ لا يجوز أن يكون أخص بل مساويا أو أعم
هامش إدرار الشروق
التعارض بين دليل المفهوم ودليل خلافه والأصل عدم التعارض واللازم أعني عدم ثبوت خلاف المفهوم منتف لأن خلاف المفهوم قد ثبت في نحو لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة فإن قوله أضعافا مضاعفة في معنى الوصف ومفهومه عدم النهي عن القليل منه وقد تحقق التحريم في القليل مع انتفاء الوصف كما تحقق في الكثير لتحقق الوصف
وأما ضعفه فبوجهين أحدهما منع الملازمة في أصل الدليل لجواز أن يكون المفهوم حقا وثبت خلافه أحيانا بناء على دليل قطعي لا يعارضه دليل المفهوم لكونه ظنيا
وثانيهما منع انتفاء اللازم لجواز أن يثبت التعارض لقيام دليل عليه وإن كان الأصل عدمه ألا ترى أن الأصل البراءة ويخالفها بالدليل وهو أكثر من أن يحصى ا ه ملخصا من العضد والسعد بزيادة من المحلي والعطار فتأمل بإنصاف والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الثالث والستون بين قاعدة حصر المبتدأ في خبره وهو معرفة باللام الجنسية وبين قاعدة حصر المبتدأ في خبره وهو نكرة
83
83
المبتدأ لا يجوز أن يكون أخص بل مساويا أو أعم فالمساوي نحو الإنسان ناطق والأعم نحو الإنسان حيوان والعشرة عدد أو زوج هذا شأن الخبر ولو قلت الحيوان إنسان أو العدد عشرة لم يصح والمبتدأ على هذا يجب أن يكون مساويا إن كان الخبر مساويا أو أخص إن كان الخبر أعم وإذا وجب للمبتدأ أن يكون مساويا أو أخص في جميع الصور كان الحصر لازما في جميع الصور لأن المساوي منحصر في مساويه والأخص منحصر في الأعم فالإنسان كما هو منحصر في الناطق منحصر في الحيوان فلا يوجد في غيره فهذا برهان عقلي قطعي في وجوب انحصار المبتدأ في خبره ومع ذلك فقد فرق العلماء بين قولنا زيد قائم لم يجعلوه للحصر وبين قولنا زيد القائم فجعلوه للحصر فكيف صح من العلماء مخالفة الدليل القاطع في المبتدأ إذا كان خبره نكرة
والجواب عن هذا السؤال أن الحصر حصران حصر يقتضي نفي النقيض فقط وحصر يقتضي نفي النقيض والضد والخلاف وما عدا ذلك الوصف على الإطلاق فهذا الحصر الثاني هو الذي نفاه العلماء عن الخبر إذا
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله هنا من أن المبتدأ يجب انحصاره في الخبر مطلقا بمعنى أنه لا يوجد إلا فيه ومعه ليس بصحيح بل الصحيح أنه لا يجب ذلك لا مطلقا ولا مقيدا وقوله بسبب أن خبر المبتدأ لا يجوز أن يكون أخص بل مساويا أو أعم ليس بصحيح أيضا بل لا يجوز أن يكون الخبر إلا مساويا للمبتدأ لا أخص منه ولا أعم فإنه إذا أخبر بشيء عن شيء فليس المراد إلا أن الذي هو المبتدأ هو بعينه الخبر ولو صح ما قاله لكان قولنا الإنسان حيوان معناه أن الإنسان الخاص هو الحيوان العام له ولغيره من الحيوانات فيكون من مضمون ذلك أن الإنسان حمار وثور وكلب وغير ذلك من أصناف الحيوان وذلك غير صحيح بل معنى قولنا الإنسان حيوان الإنسان حيوان ما
قال فالمساوي نحو الإنسان ناطق والأعم نحو الإنسان حيوان إلى قوله هذا شأن الخبر
هامش إدرار الشروق
اعلم أن خبر المبتدأ لا يجوز إلا أن يكون مساويا للمبتدأ من حيث قصد الإخبار به وإن كان من حيث لفظه أعم من المبتدأ على الصحيح لأنه إذا أخبر بشيء عن شيء فليس المراد إلا أن الذي هو المبتدأ هو بعينه الخبر فمعنى قولنا الإنسان حيوان الإنسان حيوان ما وليس معناه الإنسان الخاص هو الحيوان العام له ولغيره وإلا لتضمن ذلك أن الإنسان حمار وثور وكلب وغير ذلك من أصناف الحيوان وذلك غير صحيح وحينئذ فلا فرق بين قول القائل الإنسان ناطق وقوله الإنسان حيوان من حيث القصد بالخبر وإنما بينهما فرق من حيث إن لفظ الناطق يختص بالإنسان لوضعه لما هو مختص به ولفظ الحيوان غير مختص به لوضعه لما هو غير مختص به فيصدق في غير هذا القول على غير الإنسان
وأما في هذا القول فلا يصح ألبتة أن يراد به إلا الإنسان لا غيره ولا هو وغيره وأن الحصر حصران حصر يقتضي نفي النقيض فقط وحصر يقتضي نفي النقيض والضد والخلاف وما عدا ذلك الوصف على الإطلاق والأول حاصل بمقتضى العقل لكل مبتدأ في خبره ولو لم يكن خبره معرفا باللام الجنسية ضرورة أن انتفاء نقيضه لازم لثبوته للمبتدأ فنحو قولك زيد قائم مخبرا عن ثبوت القيام لزيد يلزمه عقلا انتفاء عدم القيام عنه وإن لم يدل عليه اللفظ صريحا والثاني حاصل صريحا يدل عليه خصوص الخبر المعرف فاللام الجنس بمقتضى استقرار
84
84
كان نكرة وأما الحصر الأول فلم يتعرضوا له
وبيان ذلك أنك إذا قلت زيد قائم فزيد منحصر في مفهوم قائم لا يخرج عنه إلى نقيضه لكن قولنا قائم مطلق في القيام فهي موجبة جزئية في وقت واحد فنقيضه إنما هو السالبة الدائمة وهو أن لا يكون زيد قائما دائما لا في الماضي ولا في الحال ولا في الاستقبال ومعلوم أن هذا النقيض منفي إذا صدق قولنا زيد قائم في وقت كذا فكذلك جميع الأخبار التي هي نكرات فالحصر ثابت بحسب النقيض لا بحسب غيره فإذا صدق مفهوم الحصر باعتبار النقيض صدق الخبر ولم يخالف الدليل العقلي ولا يلزم من عدم الاتصاف بالنقيض عدم الاتصاف بالضد والخلاف فجاز أن يكون مع كونه قائما جالسا في وقت آخر ونحوه ومن الأضداد وحيا وفقيها وعابدا في جميع الأوقات وكذلك كل وصف هو خلاف أو ضد فجميع ذلك يجوز ثبوته
وأما النقيض فلا سبيل للاتصاف به ألبتة فالحصر باعتباره لا باعتبار غيره هذا في النكرات وأما غير النكرات فأذكر فيه سبع مسائل توضحه وتبين الفرق
المسألة الأولى
قوله عليه السلام في الصلاة تحريمها التكبير وتحليلها التسليم استدل
هامش أنوار البروق
قلت لا فرق بين قول القائل الإنسان ناطق والإنسان حيوان من حيث القصد بالخبر نعم بينهما الفرق في اللفظ من حيث إن لفظ الناطق يختص بالإنسان ولفظ الحيوان غير مختص به أي يصدق في غير هذا القول على غير الإنسان وأما في هذا القول فلا يصح ألبتة أن يراد به إلا الإنسان لا غيره ولا هو وغيره
قال ولو قلت الحيوان إنسان أو العدد عشرة لم يصح قلت إن أريد بالألف واللام اللتين في الحيوان والعدد العهد في الإنسان وفي العشرة صح وإن أريد العهد في الحقيقة أو العموم لم يصح للزوم مساواة المبتدأ للخبر وأنه هو بعينه
قال والمبتدأ على هذا يجب أن يكون مساويا إن كان الخبر مساويا أو أخص إن كان الخبر أعم
هامش إدرار الشروق
تراكيب البلغاء فهذا الحصر الثاني وهو مراد من فرق من العلماء بين قولنا زيد قائم وبين قولنا زيد القائم بجعله الثاني للحصر دون الأول فزيد في المثال الأول وإن كان بمقتضى العقل لا اللفظ منحصرا في مفهوم قائم بمعنى أنه لا يخرج عنه إلى نقيضه وهو أن لا يكون زيد قائما دائما لا في الماضي ولا في الحال ولا في الاستقبال ضرورة أن لفظ قائم مطلق في القيام
فقولنا زيد قائم موجبة جزئية في وقت واحد فنقيضه إنما هو السالبة الدائمة إلا أنه ليس بمنحصر في مفهومه بمعنى أنه لا يخرج عنه إلى ضده أو خلافه أيضا إذ لا يلزم من عدم الاتصاف بالنقيض عدم الاتصاف بالضد والخلاف إذ يجوز أن يكون مع كونه قائما جالسا في وقت آخر ونحوه مما لا يمكن اجتماعه معه من الأضداد وحيا وفقيها وعابدا ونحو ذلك مما يمكن اجتماعه معه من خلافه في جميع الأوقات
وأما زيد في المثال الثاني فكما أنه منحصر في مفهوم القائم بمعنى أنه لا يخرج عنه إلى نقيضه كذلك وهو منحصر فيه بمعنى أنه لا يخرج عنه إلى ضده أو خلافه أيضا ويوضح لك هذا مسألة وهي أن العلماء استدلوا بقوله عليه الصلاة والسلام في الصلاة تحريمها التكبير وتحليلها التسليم على انحصار سبب تحريمها أي الدخول في حرماتها بتحريم الكلام والأكل والشرب وغير ذلك مما يحرم فيها في التكبير وانحصار سبب تحليلها أي حلها بإباحة جميع ما حرم بها في التسليم فلا يدخل في
85
85
به العلماء على انحصار سبب تحريمها في التكبير وسبب تحليلها في التسليم فلا يدخل في حرمات الصلاة إلا بالتكبير ولا يخرج من حرماتها إلى حلها إلا بالتسليم فهذا خبر معرف بالألف واللام اقتضى الحصر في التكبير دون نقيضه الذي هو عدم التكبير وضده الذي هو الهزل واللعب والنوم والجنون وخلافه الذي هو الخشوع والتعظيم فأي شيء فعل من هذه الأضداد والخلافات ولم يفعل التكبير لم يدخل في حرمات الصلاة وكذلك تحليلها التسليم يقتضي الحصر في التسليم دون نقيضه الذي هو عدم التسليم وضده الذي هو النوم والإغماء وخلافه الذي هو الحدث وغير ذلك من التعظيم والإجلال وغيرهما فلا يخرج من حل الصلاة إلى حرماتها إلا بالتسليم فقط
ونعني بالحرمات تحريم الكلام والأكل والشرب وغير ذلك مما يحرم في الصلاة ونعني بحلها إباحة جميع ما حرم بالصلاة فإن قلت فهو يخرج من الصلاة بالضد الذي هو النوم والجنون والإغماء وبالخلاف الذي هو الحدث ونعني بالضد ما لا يمكن اجتماعه معه وبالخلاف ما يمكن اجتماعه معه قلت ليس مرادنا بالخروج من حرمات الصلاة إلى حلها
هامش أنوار البروق
قلت قوله يجب أن يكون مساويا إن كان الخبر مساويا كلام لا حاصل له فإنه يوهم أن يكون مساويا مع أن الخبر غير مساو وقوله وأخص قد تبين أنه لا يكون أخص بل مساويا من حيث القصد والمراد وإن كان أعم من جهة اللفظ قال وإذا وجب للمبتدأ أن يكون مساويا أو أخص في جميع الصور كان الحصر لازما في جميع الصور لأن المساوي منحصر في مساويه والأخص منحصر في الأعم فالإنسان كما هو منحصر في الناطق منحصر في الحيوان فلا يوجد في غيره فهذا برهان عقلي قطعي في وجوب انحصار المبتدأ في خبره قلت ما قاله من أن المبتدأ منحصر في الخبر إذا كان الخبر مساويا أو أعم غير مسلم كما سبق
هامش إدرار الشروق
حرمات الصلاة إلا بالتكبير ولا يخرج من حرماتها إلى حلها إلا بالتسليم فالتكبير في قوله صلى الله عليه وسلم تحريمها التكبير خبر معرف بالألف واللام اقتضى حصر المبتدأ وهو تحريمها فيه فيكون مفهومه أن تحريمها لا يثبت مع نقيضه الذي هو عدم التكبير ولا مع ضده الذي هو الهزل واللعب والنوم والجنون ولا مع خلافه الذي هو الخشوع والتعظيم بحيث إذا فعل أي شيء من هذه الأضداد والخلافات ولم يفعل التكبير لم يدخل في حرمات الصلاة عند من يقول بالمفهوم
وكذا التسليم في قوله صلى الله عليه وسلم تحليلها التسليم خبر معرف بالألف واللام اقتضى حصر المبتدأ وهو تحليلها فيه فيكون مفهومه أن تحليلها لا يثبت مع نقيضه الذي هو عدم التسليم ولا مع ضده الذي هو النوم والإغماء ولا مع خلافه الذي هو الحدث وغير ذلك من نحو التعظيم والإجلال بحيث إذا فعل أي شيء من هذه الأضداد والخلافات ولم يفعل التسليم لم يخرج من حرمات الصلاة إلى حلها أي إباحة جميع ما حرم بها عند من يقول بالمفهوم ومعنى قوله عليه السلام تحليلها التسليم أن من أراد أن يخرج عن عهدة حرمات الصلاة على وجه الإباحة الشرعية لا على وجه بطلانها كيف كان فلا سبب له إلا السلام المشروع المأذون فيه في آخر الصلاة أما سهو السلام وعمده في أثناء الصلاة فلم يرد ولا يفهم من قوله عليه السلام تحليلها التسليم لا سيما ولفظ السلام خبر معناه
86
86
بطلان الصلاة كيف كان إنما مرادنا بذلك الخروج على وجه الإباحة الشرعية والخروج عن العهدة فمن أراد أن يخرج على هذا الوجه فلا سبب له إلا السلام المشروع والخروج على غير هذا الوجه ليس مرادنا فإن قلت السلام إذا وقع في أثناء الصلاة يخرج من حرماتها ومع ذلك فلا إباحة ولا براءة ذمة قلت إنما أخرج السلام من حرمات الصلاة في أثنائها لأنه كلام ليس بمشروع كما لو تكلم في أثناء الصلاة فهو كسبق الحدث وغيره ومن المبطلات وإخراجه في أثناء الصلاة ليس من باب إخراجه في آخر الصلاة والحصر إنما تعرض له صاحب الشرع من الوجه الثاني دون الأول فاندفع السؤال وهذا الجواب على مذهب ابن نافع من أصحابنا فإنه يرى أن السلام على وجه السهو لا يبطل الصلاة ولا يحتاج في الرجوع إلى تكبير وهو مذهب الشافعي فجعل السلام في أثناء الصلاة كالكلام في أثناء الصلاة والكلام على وجه السهو في أثناء الصلاة لا يبطلها وكذلك السلام سهوا وهذا هو الذي يتجه ومن جهة النظر
وأما الحديث فإنه أريد به السلام المأذون
هامش أنوار البروق
قال ومع ذلك فقد فرق العلماء بين قولنا زيد قائم لم يجعلوه للحصر وبين قولنا زيد القائم فجعلوه للحصر فكيف صح من العلماء مخالفة الدليل القاطع في المبتدأ إذا كان خبره نكرة
والجواب عن هذا السؤال أن الحصر حصران حصر يقتضي نفي النقيض فقط وحصر يقتضي نفي النقيض والضد والخلاف وما عدا ذلك الوصف على الإطلاق فهذا الحصر الثاني هو الذي نفاه العلماء عن الخبر إذا كان نكرة وأما الحصر الأول فلم يتعرضوا له
قلت قوله يقتضي نفي النقيض فقط إن أراد يقتضي نفي النقيض نطقا وصريحا فليس قوله بصحيح وإن أراد يقتضي ذلك ضرورة فقوله صحيح فإن القائل إذا قال زيد قائم فقد أثبت له القيام ومن ضرورة ثبوت القيام انتفاء عدمه فالقائل زيد قائم إنما أخبر عن ثبوت القيام لزيد ولم يخبر عن انتفاء عدم القيام عنه ولكن ذلك لازم ضرورة
هامش إدرار الشروق
الدعاء بالسلامة والدعاء لا يقدح في الصلاة لا سهوا ولا عمدا أما نقول بأنه إذا وقع في أثناء الصلاة مخرج منها مطلقا ومحوج لتكبيرة الإحرام للدخول في الصلاة كما هو مشهور مذهب مالك مشكل والمتجه أنه في أثناء الصلاة كالكلام في أثنائها سهوا في كونه لا يبطلها ولا يحوج لتكبيرة الإحرام للدخول فيها كما هو مذهب الشافعي وابن نافع من أصحابنا والسلام في أثنائها قد يقع مع نية الخروج من الصلاة وقد لا يقع فإن المذهب على قولين في اشتراط النية فيه وليست النية إذا وقعت برفض حتى يقال إن رفض الصلاة يقتضي إبطالها فلذلك أحوج للتكبير لأن من نوى الخروج من الصلاة عند سلامه أثناءها لم يقصد إبطالها بل إنما اعتقد أن صلاته كملت فأتى بنية الخروج من الصلاة وهذا ليس رفضا وكون جنس السلام مبطلا للصلاة إجماعا فيلحق بذلك الفرد بقية صوره بالقياس مدفوع بأنه قياس بلا جامع ضرورة أن السلام دعاء والدعاء لا ينافي الصلاة فلم يكن جعله مخرجا من الصلاة بمعقول المعنى حتى يتأتى القياس عليه
والقياس بلا جامع لا يصح وكون عدم الصحة إنما هي في قياس المعنى وهذا قياس الشبه مدفوع بأن قياس الشبه ضعيف وقد منع القاضي شيخ الأصوليين من أنه حجة على أن السلام في أثناء الصلاة معارض بالمقتضى لإكمال الصلاة والمداومة عليها وفي آخر الصلاة هو سالم عن هذه
87
87
فيه في آخر الصلاة أما سهو السلام وعمده في أثناء الصلاة فلم يرد ولا يفهم من قوله عليه السلام مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم إلا التكبير الأول المشروع سببا للدخول في الصلاة والسلام الذي هو في آخرها المشروع سببا في الخروج منها لا سيما ولفظ السلام خبر معناه الدعاء بالسلامة والدعاء لا يقدح في الصلاة لا سهوا ولا عمدا فالقول بكونه إذا وقع في أثناء الصلاة محوج لتكبيرة الإحرام للدخول في الصلاة وأنه مخرج منها مطلقا مشكل فإن قلت النية المقترنة به تقتضي رفض الصلاة ورفض الصلاة يقتضي إبطالها فذلك أحوج للتكبير ولأن جنسه مبطل للصلاة إجماعا وقع في أجزائها ويلحق بذلك الفرد بقية صوره بالقياس أو نقول اللام فيه للعموم فيشمل صورة النزاع
قلت السلام قد يقع مع نية الخروج من الصلاة وقد لا يقع فإن المذهب على قولين في اشتراط النية فيه فإن لم تكن معه نية فلا كلام وإن وقعت فليست رفضا لأن الرفض
هامش أنوار البروق
قال وبيان ذلك أنك إذا قلت زيد قائم فزيد منحصر في مفهوم قائم لا يخرج عنه إلى نقيضه إلى منتهى قوله ولم يخالف الدليل العقلي قلت ما قاله هنا صحيح كما قال لكن من مقتضى العقل لا من مقتضى اللفظ
قال ولا يلزم من عدم الاتصاف بالضد والخلاف إلى قوله فاذكر فيه سبع مسائل توضحه وتبين الفرق قلت ما قاله في ذلك صحيح
قال المسألة الأولى قوله عليه السلام في الصلاة تحريمها التكبير وتحليلها التسليم إلى قوله وخلافه الذي هو الخشوع والتعظيم
هامش إدرار الشروق
المعارضة فافترقا ولا قياس مع الفارق وكون اللام في السلام في قوله عليه السلام تحليلها التسليم للعموم فيشمل السلام في أثناء الصلاة مدفوع بأن قرينة السياق تدل على أن اللام ها هنا إنما أريد بها حقيقة الجنس الذي هو القدر المشترك إلى العموم لأن ما ذكر معه في قوله عليه السلام مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم من الطهور والتكبير المحليين باللام إنما أريد بكل منهما الفرد المقارن لأول الصلاة فقط فلا يدخل فيها بفرد التكبير الذي في أثنائها فكذلك بحمل السلام على فرده المقارن لآخر الصلاة تسوية بينه وبين ما قرن معه ولأنه المتبادر للذهن ولو كان السلام في أثناء الصلاة يخرج من حرمات الصلاة ويحوج للتكبير لبطل ما مضى من الصلاة وابتدئت من أولها ولم يقل به مالك في السهو ألبتة فلما لم تعد الصلاة من أولها كان المصلي في حرمات الصلاة قال الأصل وبالجملة فما أجد مشهور مذهب مالك في أن السلام سهوا محوج للتكبير إلا مشكلا والمتجه مذهب الشافعي ا ه هذا حاصل ما اختاره ابن الشاط من كلام الأصل هنا
وأما قول الأصل إن قوله صلى الله عليه وسلم ذكاة الجنين ذكاة أمه وقد روي برفع الذكاة الثانية وبها تمسك المالكية والشافعية في قولهم باستغناء الجنين عن الذكاة وأنه يؤكل بذكاة أمه
88
88
هو قصد إبطال الصلاة ولم يقصد إبطالها إنما اعتقد أن صلاته كملت فأتى بنية الخروج من الصلاة وهذا ليس رفضا وعن الثاني أن السلام كونه مخرجا من الصلاة غير معقول المعنى ولا يناسب لفظ هو دعاء الخروج من الصلاة وإنما يناسب في ذلك ما ينافيها والدعاء لا ينافي الصلاة فإذا لم يكن معقول المعنى امتنع القياس لأن القياس بلا جامع لا يصح فإن قلت هو قياس الشبه لا قياس المعنى قلت قياس الشبه ضعيف وقد منع القاضي شيخ الأصوليين أنه حجة سلمنا صحته لكن الفرق أنه في أثناء الصلاة معارض فالمقتضى لا كمال الصلاة الذي يقتضي المداومة عليها وفي آخر الصلاة وهو سالم عن هذا المعارض فافترقا
وأما التمسك بالعموم فالجواب عنه أن قرينة السياق تدل على أن اللام ههنا إنما أريد بها حقيقة الجنس الذي هو القدر المشترك لا العموم لأن ما ذكر معه من الطهور المحلى باللام إنما أريد به الفرد المقارن للأول فقط فكذلك التكبير لا يدخل فيه إلا بالمقارن
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله نقل لا كلام فيه قال فأي شيء فعل من هذه الأضداد والخلافات ولم يفعل التكبير لم يدخل في حرمات الصلاة قلت إن أراد أن قوله صلى الله عليه وسلم تحريمها التكبير يقتضي صريحا المنع من الدخول في الصلاة بغير التكبير فذلك ممنوع وإن أراد أنه يقتضي المنع مفهوما فيجري على الخلاف في المفهوم فذلك مسلم
قال وكذلك تحليلها التسليم يقتضي الحصر في التسليم إلى منتهى قوله ومعنى تحليلها إباحة جميع ما حرم الله بالصلاة قلت الكلام فيه كما تقدم
هامش إدرار الشروق
حيث إنها تقتضي حصر ذكاته في ذكاة أمه بمعنى أن ذكاة أمه تبيحه فيستغنى بها عن الذكاة التي هي في العرف الشرعي عبارة عن الذبح الخاص في حلقه فبينه وبين أمه ملابسة تصحح أن تكون ذكاة أمه هي عين ذكاته حقيقة لا مجازا بناء على قاعدة أن إضافة المصادر مخالفة لإسناد الأفعال في أنه يكفي في كونها حقيقة لغوية أدنى ملابسة كقولنا صوم رمضان وحج البيت بخلاف إسناد الأفعال فإنه يلزم لكونه حقيقة مراعاة الفاعل الحقيقي لا مطلق ملابس
وروي بنصب الذكاة الثانية وبهذه الرواية تمسك الحنفية في قولهم باحتياج الجنين للذكاة وأنه لا يؤكل بذكاة أمه بناء على أن التقدير ذكاة الجنين أن يذكى ذكاة مثل ذكاة أمه فحذف المضاف مع بقية الكلام وأقيم المضاف إليه مقامه فأعرب كإعرابه على قاعدة حذف المضاف مع أنه يمكن أن يكون التقدير على رواية النصب ذكاة الجنين داخلة في ذكاة أمه فحذف حرف الجر فانتصبت الذكاة على أنها مفعول على حد دخلت الدار بل هذا التقدير أرجح مما قدره الحنفية بوجهين أحدهما قلة الحذف
وثانيهما الجمع بين الروايتين ودفع التعارض بينهما ا ه
فقال ابن الشاط وما ذكره من أن الحديث يقتضي
89
89
الأول والذي في أثناء الصلاة منه لا يدخل به في حرمات الصلاة فكذلك يحمل السلام على المقارن لآخر الصلاة تسوية بينه وبين ما قرن معه ولأنه المتبادر للذهن ولو كان السلام في أثناء الصلاة يحوج للتكبير ويخرج من حرمات الصلاة لبطل ما مضى من الصلاة وابتدئت من أولها ولم يقل به مالك في السهو ألبتة فلما لم تعد الصلاة من أولها دل على أن المصلي في حرمات الصلاة وبالجملة فما أجد مشهور مذهب مالك في أن السلام سهوا محوج للتكبير إلا مشكلا والمتجه مذهب الشافعي
المسألة الثانية
قوله عليه السلام ذكاة الجنين ذكاة أمه يقتضي حصر ذكاة الجنين في ذكاة أمه فلا يحوج إلى ذكاة أخرى ومعنى الكلام أن ذكاة الجنين تغني عنها ذكاة أمه فإن قلت فذكاة الجنين هي الذبح الخاص في حلقه هذا هو الحقيقة اللغوية فجعل هذه الذكاة عين ذكاة أمه إنما يصدق حينئذ على سبيل المجاز كقولنا أبو يوسف أبو حنيفة والأصل عدم المجاز وهو خلاف
هامش أنوار البروق
قال فإن قلت فهو يخرج من الصلاة والضد الذي هو النوم والجنون والإغماء إلى آخر الكلام في المسألة قلت ما قاله في ذلك صحيح وجواباته صحيحة واستشكاله لما استشكل من مشهور المذهب صحيح والله أعلم قال
المسألة الثانية قوله صلى الله عليه وسلم ذكاة الجنين ذكاة أمه يقتضي حصر ذكاة الجنين في ذكاة أمه فلا يحوج إلى ذكاة أخرى ومعنى الكلام أن ذكاة الجنين تغني عنها ذكاة أمه فإن قلت ذكاة الجنين هو الذبح الخاص في حلقه هذا هو الحقيقة اللغوية قلت ليس الذكاة حقيقة لغوية بل حقيقة عرفية شرعية
هامش إدرار الشروق
الحصر واستغنى الجنين عن الذكاة بذكاة أمه غير مسلم وما قاله من ترجيح التقدير على مذهب المالكية والشافعية بقلة الحذف وإن سلم إلا أنه يضعف بأنه ليس في مساق الكلام دليل على دخول ذكاة الجنين في ذكاة أمه كما أن التقدير على قول الحنفية وإن ضعف بكثرة الحذف إلا أنه يرجح بأنه من مقتضى مساق الكلام وما قاله من ترجيح التقدير على ما للمالكية والشافعية بالجمع لا يتم إلا إذا تعذر الجمع على ما للحنفية مع أن الجمع متجه على المذهبين معا والشأن إنما هو في ترجيح أحد الجمعين على الآخر وفي ذلك نظر وبسطه يطول ا ه
وأما قول الأصل أن قوله صلى الله عليه وسلم الشفعة فيما لم يقسم يقتضي حصر الشفعة في الذي هو قابل للقسمة ولم يقسم بعد والتقدير الشفعة مستحقة فيما لم يقسم وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم الأعمال بالنيات يقتضي حصر الأعمال المعتبرة في النيات والتقدير الأعمال معتبرة بالنيات فكما أن العمل لا يعتبر شرعا بغير نية كذلك طلب الشفعة لا يعتبر شرعا فيما لا يقبل القسمة ا ه
فقال ابن الشاط هو دعوى مبنية على المذهب ومثله في كونه دعوى لم يأت عليها بحجة قوله إن الحج قوله تعالى أشهر معلومات بتقدير زمان الحج أشهر معلومات يقتضي حصر وقت الحج في هذه الأشهر وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة وفي كونه باعتبار الأجزاء فلا يحرم بالحج قبله وهو مذهب الشافعي أو باعتبار
90
90
الظاهر فكيف يقال إن هذا اللفظ بوضعه يقتضي أن عين ذكاة الجنين هي عين ذكاة أمه قلت سؤال حسن والجواب عنه يحتاج إلى جودة ذهن وفكر في فهمه بسبب النظر في قاعدة وهي أن إضافة المصادر مخالفة لإسناد الأفعال فالإضافة تكفي فيها أدنى ملابسة ويكون ذلك حقيقة لغوية كقولنا صوم رمضان وحج البيت فنضيف الصوم لرمضان والحج للبيت فتكون إضافة حقيقة ولو أسندنا الفعل فقلنا صام رمضان بأن يجعل الشهر هو الفاعل أو البيت يحج لم يصدق ذلك حقيقة وينفر منه سمع السامع فكذلك ينبغي هاهنا أن يفرق بين ذكيت الجنين وبين ذكاة الجنين فذكيت الجنين لا يصدق إلا إذا قطع منه موضع الذكاة وذكاة الجنين تصدق بأيسر ملابسة وأحد طرق الملابسة أن ذكاة أمه تبيحه فمن هذا الوجه صار بينه وبين ذكاة أمه ملابسة تصدق أنها ذكاته فيكون على التقدير ذكاة أمه هي عين ذكاته حقيقة لا مجازا وهذا هو مقتضى قول النحاة عن العرب فإنهم قالوا يكفي في الإضافة أدنى ملابسة كقول أحد حاملي الخشبة للآخر شل طرفك فجعل طرف الخشبة طرفا له بسبب الملابسة وأنشدوا إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة
هامش أنوار البروق
قال فجعل هذه الذكاة عين ذكاة أمه إنما يصدق حينئذ على سبيل المجاز كقولنا أبو يوسف أبو حنيفة والأصل عدم المجاز وهو خلاف الظاهر فكيف يقال إن هذا اللفظ يقتضي بوضعه أن عين ذكاة الجنين هو عين ذكاة أمة قلت لم يقل أحد أن عين ذكاة الجنين هي عين ذكاة أمه ولا يصح أن يقال ذلك وإنما يقال هذا القول على سبيل المجاز لا غير لامتناع أن يكون المتحد متعددا
قال قلت سؤال حسن والجواب عنه يحتاج إلى جودة ذهن وفكر في فهمه بسبب النظر في قاعدة وهي أن إضافة المصادر مخالفة لإسناد الأفعال فالإضافة تكفي فيها أدنى ملابسة ويكون ذلك حقيقة لغوية كقولنا صوم رمضان وحج البيت إلى منتهى قوله واستغنى الجنين عن الذكاة بسبب ذكاة أمه
هامش إدرار الشروق
الفضيلة فيصح الإحرام قبله إذا وقع وهو مذهب مالك قولان
وكذا قوله إن مثل قولنا السفر يوم الجمعة يفهم منه الحصر للسفر في هذا الظرف وأنه لا يقع في يوم الخميس ولا في غيره من الأيام ومثله أيضا في كونه دعوى قول الغزالي إذا قلت صديقي زيد أو زيد صديقي اقتضى الأول حصر أصدقائك في زيد فلا تصادق أنت غيره وهو يجوز أن يصادق غيرك والثاني حصر زيد في صداقتك فلا يجوز أن يصادق غيرك وأنت يجوز أن تصادق غيره على عكس الأول ومثله في كونه دعوى أيضا قول الفخر الرازي في كتابه الإعجاز الألف واللام قد ترد لحصر الثاني في الأول على خلاف قاعدة الحصر من كون الأول أبدا منحصرا في الثاني كقولك زيد القائم تريد لا قائم إلا زيد بحصر وصف القيام في زيد وقولك أبو بكر الصديق الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم تريد أن الخلافة بعده عليه السلام منحصرة في أبي بكر ومن هذا القبيل زيد الناقل لهذا الخبر والمتسبب في هذه القضية ا ه كلام ابن الشاط
قلت ولا يخفاك أن في اختياره حصر المبتدأ في خبره المعرف باللام وأن قول الإمام الفخر بعكسه في نحو زيد القائم أو الناقل لهذا الخبر أو المتسبب في هذه القضية دعوى لا حجة لها وإن المسند النكرة لا يقتضي لغة الحصر ألبتة ولو عرف المسند إليه باللام وإنما يقتضي عقلا حصر المبتدأ فيه دون نقيضه
91
91
فأضاف الكوكب إليها لأنها كانت تقوم لشغلها عند طلوعه وإذا استقريت ذلك وجدته كثيرا على وجه الحقيقة فصح ما ذكرنا من إضافة الذكاة للجنين وأن الحديث يقتضي الحصر واستغنى الجنين عن الذكاة بسبب ذكاة أمه
واعلم أن هذا الحديث يروى بالرفع في الذكاة الثانية وبالنصب فتمسك المالكية والشافعية براوية الرفع على استغناء الجنين عن الذكاة وتمسك الحنفية برواية النصب على احتياجه للذكاة وأنه لا يؤكل بذكاة أمه والتقدير عندهم ذكاة الجنين أن يذكى ذكاة مثل ذكاة أمه فحذف المضاف مع بقية الكلام وأقيم المضاف إليه مقامه فأعرب كإعرابه وهو القاعدة في حذف المضاف
والجواب عما تمسك به الحنفية من هذه الرواية أن هاهنا تقديرا آخر وهو أن يكون التقدير ذكاة الجنين داخلة في ذكاة أمه فحذف حرف الجر فانتصبت الذكاة على أنها مفعول كقولك دخلت الدار ويكون المحذوف أقل مما قدره الحنفية ويكون في هذا التقدير جمع بين الروايتين فيكون أولى من التعارض والتنافي بينهما فيرجح بقلة المحذوف والجمع لا يبقى لهم فيه مستند على الروايتين ويكون حجة عليهم
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله من أن الإضافة تصح بأدنى ملابسة وهي حقيقة لغوية صحيح وما قاله من الفرق بين الإضافة والإسناد كذلك لأن الإسناد يلزم فيه مراعاة الفاعل وهل هو مما وقع في إسناد ذلك الفعل إليه فيكون ذلك حقيقة فيه أو لا فيكون مجازا وما ذكره من أن الحديث يقتضي الحصر واستغنى الجنين عن الذكاة بذكاة أمه غير مسلم
قال واعلم أن هذا الحديث يروى بالرفع في الذكاة الثانية وبالنصب فتمسك المالكية والشافعية براوية الرفع على استغناء الجنين عن الذكاة وتمسك الحنفية برواية النصب على احتياجه للذكاة إلى آخر المسألة قلت ما قاله ومن أن قول المالكية والشافعية يرجح بقلة الحذف مسلم إلا أنه يرجح أيضا قول
هامش إدرار الشروق
مخالفة لما قاله علماء المعاني في مبحث القصر مما حاصله كما في الدسوقي على مختصر السعد وابن يعقوب على التلخيص أن التعريف فاللام الجنس إن كان المسند إليه فهو المقصور على المسند سواء كان المسند معرفة نحو الأمير زيد أو نكرة نحو التوكل على الله أي لا على غيره وإن كان للمسند فهو المقصور على المسند إليه وهل ولو عرف المسند إليه فاللام الجنس أيضا نحو الكرم التقوى وبه صرح السعد في المطول أو إن عرف المسند إليه بها أيضا احتمل قصره على المسند أو قصر المسند عليه إلا أن الأظهر حينئذ قصر المسند إليه على المسند لأن القصر مبني على قصد الاستغراق وشمول جميع الأفراد وذلك أنسب بالمسند إليه لأن القصد فيه إلى الذات وفي المسند إلى الصفة وإلى هذا ذهب السيد أو إن عرف المسند إليه بها أيضا فالأعم مطلقا منهما سواء قدم وجعل مبتدأ أو أخر وجعل خبرا يقصر على الأخص نحو العلماء الناس أو الناس العلماء وإن كان بينهما عموم وخصوص وجهي فبحسب القرائن ففي نحو العلماء الخاشعون تارة يقصد قصر العلماء على الخاشعين وتارة يقصد عكسه فإن لم تكن قرينة فالأظهر قصر المسند إليه على المسند ومعنى تصور العموم في القصر جواز أن يكون أحدهما أعم مفهوما وإن تساويا ما صدقا وإلى هذا ذهب عبد الحكيم أقول والجنس في الخبر قد يبقى على إطلاقه وقد يقيد بوصف أو حال أو ظرف أو
92
92
المسألة الثالثة
قوله صلى الله عليه وسلم الشفعة فيما لم يقسم يقتضي حصر الشفعة الذي هو قابل للقسمة ولم يقسم بعد والخبر هاهنا ليس معرفة بل مجرورا وتقدير الخبر الشفعة مستحقة فيما لم يقسم وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم الأعمال بالنيات يقتضي حصر الأعمال المعتبرة في النيات وتقدير الكلام الأعمال معتبرة بالنيات فالعمل بغير نية لا يعتبر شرعا كما أن طلب الشفعة فيما لا يقبل القسمة لا يعتبر شرعا
المسألة الرابعة قوله تعالى الحج أشهر معلومات تقديره زمان الحج أشهر معلومات فيكون وقت الحج محصورا في هذه الأشهر وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة وهو الميقات الزماني وهل هذا الحصر باعتبار الأجزاء وهو مذهب الشافعي فلا يحرم بالحج قبله أو باعتبار الفضيلة وهو مذهب مالك فيكره الإحرام قبله فإن وقع صح قولان
المسألة الخامسة قال الغزالي إذا قلت صديقي زيد أو زيد صديقي اختلف الحكم في
هامش أنوار البروق
الحنفية بأن تقديرهم من مقتضى مساق الكلام وتقدير غيرهم ليس كذلك بل من مقتضى رأيه ومذهبه فإنه ليس في مساق الكلام دليل على دخول ذكاة الجنين في ذكاة أمه وما قاله ومن أن قول المالكية والشافعية يرجح بالجمع ممنوع فإنه مبني على تعذر الجمع على الحنفية وليس الأمر كذلك بل الجمع متجه على المذهبين معا والشأن إنما هو في ترجيح أحد الجمعين على الآخر وفي ذلك نظر وبسطه يطول قال
المسألة الثالثة
قوله عليه السلام الشفعة فيما لم يقسم يقتضي حصر الشفعة في الذي هو قابل للقسمة ولم يقسم بعد إلى آخر المسألة قلت ما قاله دعوى مبنية على المذهب
هامش إدرار الشروق
نحو ذلك نحو هو الرجل الكريم وهو السائر راكبا وهو الأمير في البلد وهو الواهب ألف قنطار وكون التعريف فاللام الجنس لإفادة الحصر وإن علم بالاستقراء وتصفح تراكيب البلغاء إلا أنه غير مطرد ألا ترى أن تعريف الخبر فاللام الجنس في قول الخنساء في مرثية أخيها صخر إذا قبح البكاء على قتيل رأيت بكاءك الحسن الجميلا لم يكن لإفادة الحصر وأن معناه أن بكاءك هو الحسن الجميل فقط دون بكاء غيره فإنه ليس بحسن كما توهم بل إنما هو لإفادة الإشارة إلى معلومية الحسن لذلك ادعاء وذلك لأن الحصر لا يلائمه إذا قبح البكاء على قتيل لإشعاره بأن الكلام للرد على من يتوهم أن البكاء على هذا المرثي قبيح كغيره والرد على ذلك المتوهم يحصل بمجرد إخراج بكائه من القبح إلى كونه حسنا ويتصور في تعريف كل من المسند إليه والمسند كل من قصر الأفراد وقصر القلب ولا يتصور في تعريف كل منهما فاللام العهد الخارجي قصر الأفراد لأنه إنما يتصور فيما فيه عموم كالجنس فيحصر في بعض الأفراد ولا عموم في المفهوم الخارجي وإنما يتصور فيه قصر القلب فيقال لمن اعتقد أن ذلك المنطلق المعهود هو عمرو المنطلق زيد أي لا عمرو كما تعتقد وهو ظاهر ا ه
وقد نظمت هذا الحاصل مذيلا لبيتي الشيخ علي الأجهوري بقولي
93
93
زيد فالأول يقتضي حصر أصدقائك في زيد فلا تصادق أنت غيره وهو يجوز أن يصادق غيرك والثاني يقتضي حصره في صداقتك فلا يجوز أن يصادق غيرك وأنت يجوز أن تصادق غيره على عكس الأول
المسألة السادسة
قال الإمام فخر الدين في كتاب الإعجاز له الألف واللام قد ترد لحصر الثاني في الأول كقولك زيد القائم أي لا قائم إلا زيد فيحصر وصف القيام وكذلك إذا قلت أبو بكر الصديق الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الخلافة بعده عليه السلام منحصرة في أبي بكر ومنه زيد الناقل لهذا الخبر والمتسبب في هذه القضية فالثاني أبدا منحصر في الأول بخلاف قاعدة الحصر أبدا الأول منحصر في الثاني
المسألة السابعة إذا قلت السفر يوم الجمعة فهم منه الحصر في هذا الظرف وأنه لا يقع في يوم الخميس ولا في غيره من الأيام وكذلك هذا النوع من الخبر فقد اتضح لك الحصر للمبتدأ في خبره مع التعريف والظرف والمجرور بخلاف قولنا زيد قائم وعمرو خارج
هامش أنوار البروق
قال
المسألة الرابعة
قوله تعالى الحج أشهر معلومات إلى آخرها قلت وما قاله في هذه المسألة دعوى أيضا
قال المسألة الخامسة قال الغزالي إذا قلت صديقي زيد وزيد صديقي إلى آخرها قلت قول الغزالي دعوى أيضا
قال المسألة السادسة قال الإمام فخر الدين في كتاب الإعجاز له الألف واللام قد ترد الحصر الثاني في الأول كقولك زيد القائم إلى آخرها قلت وقول الفخر دعوى أيضا
قال المسألة السابعة إذا قلت السفر يوم الجمعة فهم منه الحصر في هذا الظرف إلى آخرها قلت ما قاله له هنا أيضا دعوى لم يأت عليها بحجة
هامش إدرار الشروق
مبتدأ فاللام جنس عرفا منحصر في مخبر به وفا وإن خلا عنها وعرف الخبر باللام مطلقا فبالعكس استقر كذا إذا ما عرف الجزءان باللام عند السعد ذي الإتقان والسيد بأن ذا يحتمل أيضا لحصر المبتدأ بل أكمل والثالث الأعم منهما بنص حينئذ يحصر دوما ما في الأخص وإن أتى عمومه وجهيا حيل على قرائن مليا وحيث لا قرائن فالأظهر مبتدأ في خبر ينحصر وكل أقسام الحصر قد أتت فيما فاللام الجنس حصره ثبت وقد أتى معرف باللام لغير حصر فافهم كلامي وما فاللام العهد خارجا فلا حصر لإفراد به تحصلا وقد مر عن السعد في حاشيته على عضد ابن الحاجب أن الحق عدم التفرقة بين الخبر والإنشاء كما
94
94
الفرق الرابع والستون بين قاعدة التشبيه في الدعاء وبين قاعدة التشبيه في الخبر
والفرق بينهما أن التشبيه في الخبر يصح في الماضي والحال والمستقبل فتشبه ما
هامش أنوار البروق
قال الفرق الرابع والستون بين قاعدة التشبيه في الدعاء وبين قاعدة التشبيه في الخبر إلى قوله إنما يقع في أمرين مستقبلين معدومين لم يوجدا بعد
هامش إدرار الشروق
في قولنا الفقهاء الحنفية أئمة فضلاء ومطل الغني ظلم عند قصد الإخبار إلى غير ذلك من المواضع التي يثبت فيها مفهوم المخالفة ونفيه في بعض المواضع بمعونة القرائن كما في قولنا في الشام الغنم السائمة لا ينافي ذلك
ا ه
قال العلامة الشربيني في تقريراته على حواشي محلي جمع الجوامع ولعله مبني على أن الخلاف بين كون مدلول الخبر الإيقاع والانتزاع أو الوقوع واللا وقوع لفظي بناء على ما قاله عبد الحكيم في حاشية المطول من أن القائل بأن مدلوله الإيقاع أراد من حيث تعلقه بالوقوع والقائل بأن مدلوله الوقوع أراد من حيث إنه متعلق الإيقاع وليس مبنيا على أن الموضوع له الصورة الذهنية أو الخارجية بل ولو بنينا على أنه موضوع للصورة الذهنية أعني الحكم بالنسبة قلنا أن نقول هو وإن كان كذلك إلا أن المقصود بالإفادة هو المتعلق الذي هو النسبة بمعنى الوقوع أو اللا وقوع إذ هو الذي يقصده المتكلم ولهذا جزم السعد في حاشية العضد بأن هذا هو الموضوع له هذا وغير خاف عليك أن طريق حجة المفهوم سواء في الإنشاء والخبر هو أنه المفهوم لغة ا ه
وما مر عن الإمام الفخر جار على هذا الذي قاله علماء المعاني فكيف يكون دعوى لا حجة لها وإنما الصحيح أن يقال إن الأصل في الخبر مطلقا سواء غير المعرف باللام أو المعروف بها إذا كان المبتدأ معرفا بها أن يكون المبتدأ محصورا فيه بمعنى اتصافه به دون نقيضه وضده وخلافه على قاعدة حصر الأول في الثاني والأصل في الخبر المعرف فاللام الجنس إذا لم يعرف مبتدؤه باللام أن يكون محصورا في المبتدأ على خلاف قاعدة الحصر للأول في الثاني وقد يجيء على خلاف هذا الأصل فيجري على قاعدة الحصر للأول في الثاني كما في حديث مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم كما أنه قد يأتي لغير الحصر كما في وجدت بكاءك الحسن الجميلا وإذا كان هذا كذلك فالفرق بين الخبر المعرف فاللام الجنس وغيره إذا لم يعرف مبتدؤه من ثلاثة وجوه الوجه الأول أن الأصل فيه حصر الثاني في الأول وقد يجيء على خلاف هذا الأصل إما بحصر الأول في الثاني وإما بدون الحصر وغيره إنما يكون لحصر الأول في الثاني
والوجه الثاني أن حصره لغوي لا عقلي فقط وحصر غيره عقلي فقط
والوجه الثالث أن حصره الحقيقي يقتضي نفي النقيض والضد والخلاف جميعا وحصر غيره إنما يقتضي حصر النقيض فقط
هذا ما ظهر لي في تحقيق هذا المقام فتأمله بإنصاف فإنه نفيس جدا والله تعالى أعلم
الفرق الرابع والستون بين قاعدة التشبيه في الدعاء وبين قاعدة التشبيه في الخبر
بناء على ما زعمه الأصل من أن التشبيه في الدعاء ونحوه من الأمر والنهي والوعد والوعيد والترجي
95
95
وقع لك أمس بما وقع أمس لشخص آخر وتشبه ما وقع لك اليوم بما وقع لغيرك اليوم وتشبه ما يقع لك غدا بما يقع لغيرك غدا وكل ذلك حقيقة ولا يقع التشبيه في الدعاء إلا في المستقبل خاصة بسبب أن عشرة ألفاظ في كلام العرب لا تتعلق إلا بمستقبل وهي الأمر والنهي والدعاء والشرط والجزاء والوعد والوعيد والترجي والتمني والإباحة فلا يؤمر إلا بمعدوم مستقبل ولا ينهى إلا عن معدوم مستقبل ولا يدعى إلا بمعدوم مستقبل وكذلك البواقي وإذا كانت هذه الألفاظ لا تتناول إلا المعدوم المستقبل فمتى وقع التشبيه في باب من هذه الأبواب بين لفظين دعاء أو أمر أو نهي أو واحد مما ذكر معها إنما يقع في أمرين مستقبلين معدومين لم يوجدا بعد
وباعتبار الفرق بين هاتين القاعدتين ظهرت فائدة عظيمة ذلك أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام كان يورد سؤالا في
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله وأطلق قوله فيه من أن التشبيه لا يقع في الدعاء إلا بالمستقبل ليس بصحيح وما المانع من ذلك أما ما ذكره من أن عشرة ألفاظ لا يتعلق إلا بالمستقبل صحيح إلا في الشرط خاصة وقد سبق التنبيه على ذلك وما قاله من أن السبب في التشبيه في الدعاء لا يكون إلا بالمستقبل كون هذه الألفاظ لا تتعلق إلا بالمستقبل ليس كذلك فإن كون هذه الألفاظ لا تتعلق إلا بالمستقبل لا يمنع من تشبيه ما يتعلق به بغير المستقبل اللهم إلا أن يريد تشبيه دعاء بدعاء وأمر بأمر وما أشبه ذلك فما قاله صحيح
قال وباعتبار الفرق بين هاتين القاعدتين ظهرت فائدة عظيمة وذكر ما كان يورده عز الدين على قوله صلى الله عليه وسلم اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد إلى قوله فاندفع الإشكال قلت قد سبقت هذه المسألة ووقع التنبيه عليها
قال فجعل التشبيه في الدعاء كالتشبيه في الخبر وليس الأمر كذلك بل إنما وقع التشبيه بين
هامش إدرار الشروق
والتمني والإباحة لا يقع إلا في المستقبل خاصة بسبب أن هذه الألفاظ الثمانية لا تتعلق في كلام العرب إلا بمستقبل كما مر في الفرق الرابع بخلاف الخبر فإنه من حيث إنه يتعلق في كلام العرب بالماضي والحال والمستقبل يصح التشبيه فيه في الماضي والحال والمستقبل بأن تشبه ما وقع لك أمس بما وقع أمس لشخص آخر وتشبه ما وقع لك اليوم بما وقع لغيرك اليوم وتشبه ما يقع لك غدا بما يقع لغيرك غدا وكل ذلك حقيقة لكن تعقبه ابن الشاط بأن كون هذه الألفاظ الثمانية من الدعاء والأمر والنهي إلخ لا تتعلق في كلام العرب إلا بالمستقبل لا يمنع من تشبيه ما يتعلق به واحد منها بغير المستقبل ألا ترى أن قول القائل أعط زيدا كما أعطيت عمرا كما يحتمل أن يكون مراده سو بينهما في مطلق العطية من غير تعرض لقصد التسوية لا في مقدار العطية ولا في صفتها أو مراده سو بينهما في مقدار العطية وصفتها من غير محاسبة زيد بما أعطيته قبل هذا كذلك يحتمل أن يكون مراده سو بينهما في مقدار العطية وصفتها مع محاسبة زيد بما أعطيته قبل هذا فيكون قد شبه ما أعطى لزيد أمس أو في الحال بما أعطى لعمرو أمس أو في الحال اللهم إلا أن يريد تشبيه دعاء بدعاء وأمر بأمر وما أشبه ذلك ا ه
وقد مر عن ابن الشاط في
96
96
قوله عليه السلام قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد فيقول كيف وقع التشبيه بين الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة على إبراهيم عليه السلام مع أن الصلاة من الله تعالى هي إعطاؤه وإحسانه وعطية النبي صلى الله عليه وسلم كانت أعظم من عطية الله لإبراهيم عليه السلام والتشبيه يقتضي أن يكون المشبه أدنى رتبة من المشبه به أو مساويا فكيف وقع هذا التشبيه وكان يجيب عن هذا السؤال بأن آل إبراهيم عليه السلام أنبياء وآل النبي عليه السلام ليسوا أنبياء والتشبيه إنما وقع بين المجموع الحاصل للنبي عليه السلام وآله والمجموع الحاصل لإبراهيم عليه السلام وآله فيحصل لآل إبراهيم عليه السلام من تلك العطية أكثر مما يحصل لآل النبي عليه السلام من هذه العطية فيكون الفاضل للنبي عليه السلام بعد أخذ آله من هذه العطية أكثر من الفاضل لإبراهيم عليه السلام من تلك العطية وإذا كانت عطية النبي عليه السلام أعظم كان أفضل فاندفع السؤال فجعل التشبيه في
هامش أنوار البروق
عطية تحصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن حصلت له قبل الدعاء فإن الدعاء إنما يتعلق بالمعدوم المستقبل إلى قوله فإن التشبيه وقع في دعاء لا في خبر قلت ما قاله هنا صحيح لكنه مبني على أن المراد بالدعاء أن يكون المطلوب به عطاء مساويا لعطاء المشبه به زائدا على ما ثبت للمدعو له من العطاء قبل الدعاء وعلى ذلك لا يرد السؤال من أصله كما قال قال نعم لو قيل إن العطية التي حصلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مثل العطية التي حصلت لإبراهيم عليه السلام لزم الإشكال لكون التشبيه وقع في الخبر إلى آخر كلامه في هذا الفرق
قلت قوله لكون التشبيه وقع في الخبر ليس بلازم فإنه يحتمل أن يكون مراد الداعي أن يكون المطلوب بالدعاء تسوية المدعو له ومع الشبه بعطائه فإن كان المدعو له قد أعطي قبل الدعاء عطاء فيكون المطلوب بالدعاء زيادة تقتضي التسوية وعلى هذا الاحتمال يتجه ورود السؤال ويتضح ذلك بمثال وهو أن القائل إذا قال أعط زيدا كما أعطيت عمرا يحتمل أن يريد سو بينهما في مطلق العطاء من غير تعرض لقصد التسوية في مقدار العطية ولا صفتها ويحتمل أن يريد سو بينهما في مقدار
هامش إدرار الشروق
الفرق الرابع أن هذه الاحتمالات الثلاث كذلك تأتي في حديث أنه صلى الله عليه وسلم لما قيل له كيف نصلي عليك قال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد وأن ما أورده العز بن عبد السلام عليه من أن قاعدة العرب تقتضي أن المشبه بالشيء يكون أخفض رتبة منه وأعظم أحواله أن يكون مثله وها هنا صلاة الله سبحانه وتعالى معناها الإحسان مجاز أو نحن نعلم أن إحسان الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أعظم من إحسانه لإبراهيم عليه السلام على خلاف ما يقتضيه التشبيه فما وجه التشبيه إنما يصح وروده على الاحتمال الثالث لا على الاحتمالين الأولين فليس بلازم أن يقال إن الإشكال المذكور إنما يتوجه على التشبيه لو وقع في الخبر بأن قيل إن العطية التي حصلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مثل العطية التي حصلت لإبراهيم عليه السلام فافهم والله سبحانه وتعالى أعلم

97
97
الدعاء كالتشبيه في الخبر وليس الأمر كذلك بل إنما وقع التشبيه بين عطية تحصل للنبي عليه السلام لم تكن حصلت له قبل الدعاء فإن الدعاء إنما يتعلق بالمعدوم المستقبل وحينئذ يكون الذي حصل للنبي عليه السلام قبل الدعاء لم يدخل في التشبيه وهو الذي فضل به إبراهيم عليه السلام فهما صلوات الله عليهما كرجلين أعطي لأحدهما ألف وللآخر ألفان ثم طلب لصاحب الألفين مثل ما أعطي لصاحب الألف فيحصل له ثلاثة آلاف والآخر ألف فقط فلا يرد السؤال من أصله لأن التشبيه وقع في دعاء لا في خبر نعم لو قيل إن العطية التي حصلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مثل العطية التي حصلت لإبراهيم عليه السلام لزم الإشكال لكون التشبيه وقع في الخبر لكن التشبيه ما وقع إلا في الدعاء فتأمل الفرق بين ذلك واضبط القاعدة والفرق يندفع لك بهما أسئلة كثيرة وإشكالات عظيمة الفرق الخامس والستون بين قاعدة ما يثاب عليه من الواجبات وبين قاعدة ما لا يثاب عليه منها وإن وقع ذلك واجبا اعلم أن المأمورات قسمان ما صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته كأداء الديون ورد
هامش أنوار البروق
العطية وصفتها ومن غير محاسبة زيد بما أعطيته قبل هذا ويحتمل أن يريد سو بينهما في مقدار العطية وصفتها مع محاسبة زيد بما أعطيته قبل هذا وسؤال عز الدين لا يصح وروده على الاحتمالين الأولين ويصح وروده على الاحتمال الثالث والله أعلم
قال الفرق الخامس والستون بين قاعدة ما يثاب عليه من الواجبات وبين قاعدة ما لا يثاب عليه منها وإن وقع واجبا اعلم أن المأمورات قسمان ما صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته كأداء الديون ورد المغصوب ودفع الودائع ونفقات الزوجات والأقارب والدواب وغير ذلك إلى منتهى قوله وكذلك النظر الأول المفضي إلى العلم بثبوت الصانع لا يثاب عليه لأنه لا يقصد به التقرب قلت ما قاله في أداء الديون وشبهه ومن أنه لا ثواب فيه حتى ينوي به امتثال أمر الله تعالى إن أراد أنه لا بد من استحضار نية الامتثال ولا يكتفي بنية أداء الديون ففي ذلك نظر فإن الذي يؤدي دينه لا
هامش إدرار الشروق
الفرق الخامس والستون بين قاعدة ما يثاب عليه من الواجبات وبين قاعدة ما لا يثاب عليه منها وإن وقع ذلك واجبا اعلم أن الفرق بين هاتين القاعدتين مبني على ما للأصل من أن القبول غير الإجزاء وغير الفعل الصحيح وأن بعض الواجبات يثاب عليها ويكون مقبولا دون بعض لأن الله تعالى قد يبرئ الذمة بالفعل ولا يثيب عليه وإن كان مستكملا لشروطه بناء على أن شرط تحقيق القبول والثواب أمران
98
98
الغصوب ودفع الودائع ونفقات الزوجات والأقارب والدواب ونحو ذلك صورة هذا الفعل تحصل مقصودة وإن لم يحصل به التقرب فإذا فعل ذلك من غير قصد ولا نية وقع ذلك واجبا مجزئا ولا يلزم فيه الإعادة ولا ثواب فيه حتى ينوي به امتثال أمر الله تعالى فإن فعله غير قاصد امتثال أمر الله تعالى ولا عالم به لم يحصل له ثواب وإن سد الفعل مسده ووقع واجبا ومن هذا الباب النية لا يقصد بها التقرب وتقع واجبة ولا تفتقر إلى نية أخرى وكذلك النظر الأول أفضى إلى العلم بإثبات الصانع لا يثاب عليه لأنه لا يقصد به التقرب والقسم الآخر لا يقع واجبا إلا مع النية والقصد كالصلاة والصيام والحج والطهارات وجميع أنواع العبادات التي يشترط فيها النيات فهذا القسم إذا وقع بغير نية لا يعتد به ولا يقع واجبا ولا يثاب عليه وإذا وقع منويا على الوجه المشروع كان قابلا للثواب وهو سبب شرعي له من حيث الجملة غير أن هاهنا قاعدة وهي أن القبول غير الإجزاء وغير الفعل الصحيح فالمجزئ من
هامش أنوار البروق
يخلو أن ينوي بأدائه امتثال أمر الله تعالى بذلك أو لا فإن نوى ذلك فلا نزاع في الثواب وإن لم ينو امتثال أمر الله تعالى فلا يخلو من أن ينوي سببا للأداء غير الامتثال كتخوفه أن لا يداينه أحد إذا عرف بالامتناع من الأداء وما أشبه ذلك أو لا فإن نوى بالأداء شيئا غير الامتثال فلا نزاع أيضا في عدم الثواب
وإن عرى عن نية الامتثال ونية سبب غيره ولم ينو إلا مجرد أداء دينه فلقائل أن يقول لا يحرم صاحب هذه الحالة الثواب استدلالا بسعة بابه والله أعلم وما قاله من أن النية والنظر الأول لا ينوي بهما التقرب صحيح في النظر الأول لعدم العلم بالمتقرب إليه وغيره صحيح في النية فإن نية الظهر مثلا يمكن فيه التقرب بها لأن الشارع جعلها شرطا في صحة الصلاة والشرط كالركن فكما ينوي
هامش إدرار الشروق
أحدهما قصد الامتثال بالعمل وثانيهما التقوى العرفية وذلك أن المأمورات قسمان الأول ما صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته كأداء الديون ورد الغصوب ودفع الودائع ونفقات الزوجات والأقارب والدواب ونحو ذلك فيسد فعله مسده ويقع واجبا مجزئا لا يلزم فيه الإعادة وإن لم يكن قصد به امتثال أمر الله تعالى ولا عالما به إلا أنه لا يثاب عليه ولا يكون مقبولا إلا إذا نوى به امتثال أمر الله تعالى ومن هذا الباب النية لا يقصد بها التقرب وتقع واجبة ولا تفتقر إلى نية أخرى لئلا يلزم التسلسل وكذلك النظر الأول المفضي إلى العلم بإثبات الصانع لا يثاب عليه لأنه لا يقصد به التقرب لما مر في الفرق الثامن عشر والقسم الثاني ما لا تكون صورة فعله كافية في تحصيل مصلحته كالصلاة والصيام والحج والطهارات وجميع أنواع العبادات التي يشترط فيها النيات فلا يقع واجبا مجزئا بحيث لا تلزم فيه الإعادة إلا إذا وقع منويا على الوجه المشروع غير أن ها هنا قاعدة وهي أن الثواب والقبول غير لازم لصحة الفعل وإجزائه كما عليه المحققون ويدل على ذلك أمور أحدها أن ابني آدم لما قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر مع أن قربانه كان على وفق الأمر بدليل أن أخاه علل عدم القبول بعدم التقوى كما حكاه الله تعالى عنه في كتابه العزيز بقوله تعالى إنما يتقبل الله من المتقين إذ لو لم يكن على وفق الأمر بل كان مختلا
99
99
الأفعال هو ما اجتمعت شرائطه وأركانه وانتفت موانعه فهذا يبرئ الذمة بغير خلاف ويكون فاعله مطيعا بريء الذمة فهذا أمر لازم مجمع عليه وأما الثواب عليه فالمحققون على عدم لزومه وأن الله تعالى قد يبرئ الذمة بالفعل ولا يثيب عليه في بعض الصور وهذا هو معنى القبول ويدل على ذلك أمور أحدها قوله تعالى حكاية عن ابني آدم إنما يتقبل الله من المتقين لما قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر مع أن قربانه كان على وفق الأمر ويدل عليه أن أخاه علل عدم القبول بعدم التقوى ولو أن الفعل مختل في نفسه لقال له إنما يتقبل الله العمل الصحيح الصالح لأن هذا هو السبب القريب لعدم القبول فحيث عدل عنه دل ذلك على أن الفعل كان صحيحا مجزئا وإنما انتفى القبول لأجل انتفاء التقوى فدل ذلك على أن العمل المجزئ قد لا يقبل وإن برئت الذمة به وصح في نفسه وثانيها قوله تعالى حكاية عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم فسؤالهما القبول في
هامش أنوار البروق
الركن ينوي الشرط ولا مانع من ذلك لا في النية ولا في غيرها وما ذكر من التسلسل لا يلزم لأنه لم يشرع فيه نية التقرب بالنية فلا تسلسل والله تعالى أعلم وما قاله من أنه لا ثواب فيهما فيه نظر لأن الدليل على اشتراط النية في الأعمال إنما هو حديث إنما الأعمال بالنيات وما في معناه ومطلقه مقيد بإمكان النيات فبقي محل امتناعها غير متناول له دليل اشتراطها فيستدل على إثبات الثواب في النية والنظر الأول بقاعدة سعة باب الثواب إذ لا معارض لذلك والله أعلم
قال شهاب الدين والقسم الآخر لا يقع واجبا إلا مع النية والقصد كالصلاة والصيام والحج إلى قوله وهو سبب شرعي له من حيث الجملة
هامش إدرار الشروق
في نفسه لقال له إنما يتقبل الله العمل الصحيح الصالح لأن هذا هو السبب القريب لعدم القبول فدل عدوله عنه على أن الفعل كان صحيحا مجزئا وإنما انتفى عنه القبول لأجل انتفاء شرطه الذي هو التقوى في عرف الشرع وأن العمل المجزئ قد لا يقبل وإن برأت الذمة به وصح في نفسه
وثانيها أن سؤال إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام القبول في فعلهما كما حكاه الله تعالى عنهما بقوله وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وهما لا يفعلان إلا فعلا صحيحا يدل على أن القبول غير لازم للفعل الصحيح بل المحل قابل له لحصول شرطه الذي هو التقوى في عرف الشرع إذ لا يلزم من حصول الشرط حصول المشروط
وثالثها أن اشتراطه صلى الله عليه وسلم في الجزاء الذي هو الثواب أن يحسن في الإسلام بقوله صلى الله عليه وسلم فيما خرجه مسلم أما من أسلم وأحسن في إسلامه فإنه يجزى بعمله في الجاهلية والإسلام يدل على أن الإحسان في الإسلام هو التقوى في عرف الشرع التي هي المبالغة في اجتناب المحرمات وفعل الواجبات لا بالمعنى اللغوي الذي هو مجرد الاتقاء للمكروه من حيث الجملة حتى يصح قول من قال المراد بالمتقين في قوله تعالى إنما يتقبل الله من المتقين المؤمنون لأنه عليه السلام صرح بالإسلام ثم
100
100
فعلهما مع أنهما صلوات الله عليهما وسلامه لا يفعلان إلا فعلا صحيحا يدل على أن القبول غير لازم من الفعل الصحيح ولذلك دعوا به لأنفسهما
وثالثها الحديث الصحيح خرجه مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أما من أسلم وأحسن في إسلامه فإنه يجزى بعمله في الجاهلية والإسلام فاشترط في الجزاء الذي هو الثواب أن يحسن في الإسلام والإحسان في الإسلام هو التقوى وهو يرد على من قال في قوله تعالى إنما يتقبل الله من المتقين أن المراد المؤمنون لأنه عليه السلام صرح بالإسلام ثم ذكر الإحسان فيه
ورابعها قوله عليه السلام في الأضحية لما ذبحها اللهم تقبل من محمد وآل محمد فسأل عليه السلام القبول مع أن فعله في الأضحية كان على وفق الشريعة فدل ذلك على أن القبول وراء براءة الذمة والإجزاء وإلا لما سأله عليه السلام فإن سؤال تحصيل الحاصل لا يجوز
وخامسها أنه لم يزل صلحاء الأمة وخيارها يسألون الله تعالى القبول في العمل ولو كان ذلك طلبا للصحة والإجزاء لكان هذا الدعاء إنما يحسن قبل الشروع في العمل فيسأل الله تعالى تيسير الأركان والشرائط وانتفاء الموانع أما بعد الجزم بوقوعها فلا يحسن ذلك
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله في هذا الفصل صحيح
قال غير أن هاهنا قاعدة وهي أن القبول غير الإجزاء وغير الفعل الصحيح فالمجزئ من الأفعال هو ما اجتمعت شرائطه وأركانه وانتفت موانعه وهذا يبرئ الذمة بغير خلاف ويكون فاعله مطيعا بريء الذمة فهذا أمر لازم مجمع عليه
وأما الثواب عليه فالمحققون على عدم لزومه وأن الله تعالى قد يبرئ الذمة بالفعل ولا يثيب عليه في بعض الصور وهذا هو معنى القبول ويدل على ذلك أمور أحدهما قوله تعالى حكاية عن ابني آدم إنما يتقبل الله من المتقين إلى منتهى قوله فدل ذلك على أن العمل المجزئ قد لا يقبل وإن برئت الذمة به وصح في نفسه قلت المسألة قطعية لا يكفي فيها مثل هذا الدليل وعلى تسليم أنها ظنية لقائل أن يقول ليس المعنى الذي تأوله من الآية بظاهر لاحتمال الآية أن يريد بالتقوى الإيمان على الإطلاق والإيمان الموافي عليه
هامش إدرار الشروق
100
ذكر الإحسان فيه
ورابعها أن سؤاله صلى الله عليه وسلم القبول في الأضحية لما ذبحها بقوله صلى الله عليه وسلم
اللهم تقبل من محمد وآل محمد مع أن فعله صلى الله عليه وسلم في الأضحية كان على وفق الشريعة قطعا يدل على أن القبول وراء براءة الذمة والإجزاء وأنه لم يحصل وإن حصل شرطه الذي هو التقوى في عرف الشرع لأنه سيد المتقين وإلا لما سأله عليه السلام فإن سؤال تحصيل الحاصل لا يجوز
وخامسها أن صلحاء الأمة وخيارها لم يزالوا يسألون الله تعالى القبول في العمل بعد فعله وفي أثنائه ولو كان ذلك طلبا للصحة والإجزاء لكان إنما يحسن قبل الشروع في العمل فيسأل الله تعالى تيسير الأركان والشرائط وانتفاء الموانع وأما بعد الجزم بوقوعها فإنما يحسن إذا كان القبول غير الإجزاء وغير الصحة وأنه الثواب
وسادسها أن حمل الصوفية وقليل من الفقهاء قوله صلى الله عليه وسلم إن من الصلاة لما يقبل الله نصفها وثلثها وربعها وأن منها لما يلف كما يلف
101
101
فدلت هذه الوجوه على أن القبول غير الإجزاء وغير الصحة وأنه الثواب
وسادسها قوله عليه السلام إن من الصلاة لما يقبل نصفها وثلثها وربعها وإن منها لما يلف كما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجه صاحبها فحمله الصوفية وقليل من الفقهاء على عدم الإجزاء وأنه تجب الإعادة إذا غفل عن صلاته لقوله صلى الله عليه وسلم ليس للمؤمن من صلاته إلا ما
هامش أنوار البروق
وعلى تسليم ظهور تأويله لعله كان شرعا لهم اشتراط عدم العصيان في القبول ثم جميع الآيات والأحاديث المتضمنة لوعد المطيع بالثواب معارضة لذلك الظاهر إن قلنا إن شرع من قبلنا شرع لنا
قال ثانيها قوله جل جلاله حكاية عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم فسؤالهما القبول في فعلهما مع أنهما صلوات الله عليهما وسلامه لا يفعلان إلا فعلا صحيحا يدل على أن القبول غير لازم في الفعل في الصحيح ولذلك دعوا به لأنفسهما قلت يحتمل أن يكون سؤالهما ذلك على تقدير علمهما بعاقبة أمرهما ليقتدي بهما من لا يعلم عاقبة أمره من أتباعهما وهذا الاحتمال حال لا مقالي والاحتمالات الحالية لا تفاوت فيها حتى يكون بعضها أظهر من بعض فيستدل بالظاهر منها بخلاف الحالات المقالية فإنه تكون مستوية في المحتملات وغيره مستوية في الظاهر والمؤولات
قال وثالثها الحديث الصحيح خرجه مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أما من أسلم وأحسن في إسلامه فإنه يجزى بعمله في الجاهلية والإسلام فاشترط في الجزاء الذي هو الثواب أن يحسن في إسلامه والإحسان في الإسلام هو التقوى وهو يرد على من قال في قوله تعالى إنما يتقبل الله من المتقين إن المراد المؤمنون لأنه عليه السلام صرح بالإسلام ثم ذكر الإحسان فيه قلت يحتمل أن يريد بالإحسان الموافاة على الإيمان لا اجتناب العصيان والموافاة على الإيمان هو
هامش إدرار الشروق
الثوب الخلق فيضرب بها وجه صاحبها على أن المراد عدم الإجزاء وأنه تجب الإعادة إذا غفل عن صلاته لقوله صلى الله عليه وسلم ليس للمؤمن من صلاته إلا ما عقل منها مع حكاية الغزالي الإجماع في إجزائها إذا علم عدد ركعاتها وأركانها وشرائطها وإن كان غير مشتغل بالخشوع والإقبال عليها
وقال أكثر الفقهاء إن المراد بالثلث وبالربع ونحوه الثواب والإجزاء لا الصحة ظاهر في أن القبول غير الإجزاء وأن بعض الواجبات يثاب عليها دون بعض وهو المقصود من الفرق وكون ما ذكر من المدارك والتقارير يقتضي أن المثوبات لا تحصل إلا بالتقوى في عرف الشرع وإن عارضه ظواهر نحو قوله تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وقوله صلى الله عليه وسلم صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام وقوله صلى الله عليه وسلم صلاة في المسجد الحرام خير من ألف ألف صلاة في غيره وصلاة في بيت المقدس بستمائة صلاة وقوله تعالى والله يضاعف لمن يشاء وقوله صلى الله عليه وسلم صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس أو سبع وعشرين درجة من حيث إن هذه الظواهر تقتضي حصول المثوبات مطلقا فإن أمثال العشر حسنات والألف صلاة والزائد عليها والستمائة صلاة والمضاعفة لمن يشاء تعالى والخمس أو السبع والعشرين درجة هي عبارة عن مثوبات تتضاعف إلا أنه يتعين رد أحد الظاهرين إلى الآخر وأن يجمع بينهما على الوجه الأسد بحمل هذه الظواهر على ما تقتضيه تلك المدارك والتقارير من اشتراط التقوى في الجميع هذا ما للأصل وحاصله أن ترتب الثواب على الأعمال المستوفية لشروطها
102
102
عقل منها وحكى الغزالي الإجماع في إجزائها إذا علم عدد ركعاتها وأركانها وشرائطها وإن كان غير مشتغل بالخشوع والإقبال عليها
وقال أكثر الفقهاء إن المراد بالثلث وبالربع ونحوه الثواب لا الإجزاء والصحة فظهر حينئذ أن القبول غير الإجزاء وأن بعض الواجبات يثاب عليها دون بعض وهو المقصود من الفرق إذا تقرر الفرق فالظاهر أن وصف التقوى شرط في القبول بعد الإجزاء والتقوى هاهنا ليس محمولا على
هامش أنوار البروق
شرط ثبوت الأعمال الذي لا شرط لثبوت الأعمال سواه فكل ما ورد من الآيات والأخبار ومما يقتضي اشتراط أمر زائد على صحة العمل وبراءة الذمة فهو متأول بأنه المراد هذا إن سلم ظهور آية أو حديث في غيره وذلك غير مسلم
قال ورابعهما قوله صلى الله عليه وسلم في الأضحية لما ذبحها صلى الله عليه وسلم اللهم تقبل من محمد وآل محمد فسأل عليه الصلاة والسلام القبول إلى قوله فإن سؤال تحصيل الحاصل لا يجوز قلت الاحتمال في قوله صلى الله عليه وسلم ذلك كالاحتمال في قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام
قال وخامسها أنه لم يزل صلحاء الأمة وخيارها يسألون الله تعالى القبول في العمل إلى آخره قلت يحتمل أنهم طلبوا حصول الشرط الذي هو الموافاة على الإيمان لعدم علمهم بذلك أو طلبوا المسامحة في إغفال بعض شروط الأعمال لعدم علمهم بتحصيل ذلك على الكمال
قال وسادسها قوله عليه الصلاة والسلام أن من الصلاة لما يقبل نصفها وثلثها وربعها وأن منها لما يلف كما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجه صاحبها إلى آخر قوله وهو المقصود من الفرق قلت قوله وقول من قال مثله أن المراد بهذا الحديث الثواب مع تقدير كمال شروط الصلاة وجميع أوصافها خلاف ظاهر الحديث بدليل قوله صلى الله عليه وسلم وأن منها لما يلف كما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجه صاحبها إذ لو كانت مستوفية لشروطها وأوصافها لم يكن لتشبيهها بالثوب الخلق وجه ولا ريب
هامش إدرار الشروق
وأركانها مشروط كما هو مقتضى تلك المدارك والتقارير بالتقوى العرفية التي هي المبالغة في اجتناب المحرمات وفعل الواجبات وإجزائه حيث قال الصحيح عندي خلافه وإن قال إنه رأى عليه جماعة من المحققين أو لعلهم محققون في غير هذه المسألة أما في هذه فلا وذلك لأن الدليل على القطع فتتعارض ظواهر الأدلة المتكاثرة المتظافرة بترتب الثواب على الأعمال الصحيحة بدون اشتراط التقوى العرفية ويتعين حمل هذه الظواهر على اشتراط التقوى العرفية جريا على قاعدة حمل المطلق على المقيد
لكن تعقبه ابن الشاط أولا في قوله بعدم ترتيب الثواب على صحة العمل بلزوم ترتب الثواب على الأعمال المستوفية لشروطها وأركانها هو أن ما تقتضيه تلك المدارك والتقارير من اشتراط التقوى العرفية لا يقاوم تلك الظواهر على تسليم أنها لم تبلغ القطع حتى يتعين دفع التعارض والجمع بينهما على قاعدة حمل المطلق على المقيد على أن الصحيح أن الظواهر المذكورة قد بلغت القطع فإنها قد تظافرت وتكاثرت ولم يعارضها سواها وليس ما ذكر أنه معارض بمعارض لاستواء احتمالاته أما قوله تعالى حكايته عن ابني آدم إنما يتقبل الله من المتقين فليس المعنى الذي تأوله به بظاهر لاحتمال الآية أن يكون المراد بالتقوى الإيمان على الإطلاق والإيمان الموافي عليه وعلى تسليم ظهور تأويله لعله كان شرعا لهم اشتراط عدم العصيان في القبول وكون شرع من قبلنا شرع لنا محله إذا لم يعارض وجميع
103
103
المعنى اللغوي وهو مجرد الاتقاء للمكروه من حيث الجملة فإن الفسقة في عرف الشرع لا يسمون أتقياء ولا من المتقين ولو اعتبرنا المعنى اللغوي لقيل لهم ذلك بل التقوى في عرف الشرع المبالغة في اجتناب المحرمات وفعل الواجبات حتى يكون ذلك الغالب على الشخص هذا هو الظاهر وإذا حصل هذا الوصف ينبغي أن يعتقد أيضا أن القبول غير
هامش أنوار البروق
أن هذا الحديث إنما هو مغزاه التحذير من التهاون بشروطها والتحريض على مراعاة أحوالها فلا دليل له ولا لغيره في هذا الحديث على ما أراد لا بظاهر ولا بنص ألبتة
قال وإذا تقرر الفرق فالظاهر أن وصف التقوى شرط في القبول بعد الإجزاء إلى منتهى قوله حتى يكون ذلك الغالب على الشخص هذا هو الظاهر قلت ما قاله من أن الظاهر في أن التقوى شرط في القبول مسلم وما قاله من أن وصف التقوى في العرف الشرعي المبالغة في اجتناب المنهيات وفعل المأمورات مسلم أيضا إلا أنه ليس المراد بالتقوى المشترطة في القبول التقوى العرفية المذكورة لمعارضة تلك الأدلة المتكاثرة المتظافرة بترتب الثواب على الأعمال الصحيحة وليس كون التقوى عرفا ما فسرها به بالمقاوم في الظهور لتلك الأدلة هذا إن لم تقل بانتهاء تلك الأدلة إلى القطع بلزوم ترتب الثواب على الأعمال المستوفية لشروطها وأركانها والقطع بذلك هو الصحيح عندي ومن تتبع الآيات والأحاديث الواردة في ذلك وتأمل مساق الكلام فيه علم صحة ما ذهب إليه والله أعلم
قال وإذا حصل هذا الوصف ينبغي أن يعتقد أيضا أن القبول غير لازم إلى منتهى قوله فتعين أن يكون الثواب يمكن حصوله وعدم حصوله قلت ما قاله من أنه لا يلزم من حصول الشرط حصول المشروط صحيح ولكن لا يلزم من ذلك عدم حصول الثواب بل يلزم حصوله لا لمجرد حصول الشرط بل للأدلة الدالة على حصوله وما استدل به من كون الرسول عليه السلام دعا بالقبول قد تقدم تأويله وما قاله من أن المدعو به لا بد
هامش إدرار الشروق
الآيات والأحاديث المتضمنة لوعد المطيع بالثواب معارضة لذلك
وأما قوله تعالى حكاية عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم فيحتمل أن يكون سؤالهما ذلك على تقدير علمهما بعاقبة أمرهما ليقتدي بهما من لا يعلم عاقبة أمره فيتبعهما في ذلك وهذا الاحتمال حالي لا مقالي والاحتمالات الحالية لا تفاوت فيها حتى يكون بعضها أظهر من بعض فيستدل بالظاهر منها بخلاف الحالات المقالية فإنه تكون مستوية في المحتملات وغير مستوية في الظاهر والمؤولات وأما ما خرجه مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم أما من أسلم وأحسن في إسلامه فإنه يجزى بعمله في الجاهلية والإسلام فيحتمل أن يريد بالإحسان الموافاة على الإيمان الذي لا شرط لثبوت الأعمال سواه بل لو سلم ظهور آية أو حديث في اشتراط غيره لكان كل ما ورد من الآيات والأخبار مما يقتضي اشتراط أمر زائد على صحة العمل وبراءة الذمة متأولا بأنه المراد لاجتناب المعاصي مع أن ذلك غير مسلم
وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الأضحية لما ذبحها اللهم تقبل من محمد وآل محمد فالاحتمال فيه كالاحتمال في قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأما كون صلحاء الأمة وخيارها لم يزالوا يسألون الله تعالى القبول في العمل فيحتمل أنهم طلبوا حصول الشرط الذي هو الموافاة
104
104
لازم بل المحل قابل له لحصول الشرط وأن القبول مشروط بالتقوى ولا يلزم من حصول الشرط حصول المشروط ويدل على أن المحل يبقى قابلا للقبول من غير لزومه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا بالقبول مع أنه سيد المتقين وكذلك إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام والمدعو به لا بد وأن يكون بصدد الوقوع وعدمه إذ لو تعين وقوعه لكان ذلك طلبا لتحصيل الحاصل وهو غير جائز فتعين أن يكون الثواب يمكن حصوله وعدم
هامش أنوار البروق
أن يكون بصدد الوقوع وعدمه إن أراد باعتبار علمنا فمسلم وإن أراد مطلقا فغير مسلم لأن علم الله تعالى قد تعلق أزلا بما يكون وما لا يكون وما قاله من أنه لو تعين وقوعه لكان ذلك طلبا لتحصيل الحاصل فكلام ليس له حاصل فإن الدعاء مشروع لا شك فيه والمدعو به مستقر في علم الله تعالى حصوله أو عدم حصوله فعلى تقدير تعلق علم الله تعالى بحصوله يكون الدعاء طلبا لتحصيل الحاصل وعلى تقدير تعلق علم الله تعالى بعدم حصوله يكون الدعاء طلبا لتحصيل الممتنع وكلا الأمرين في بادي الرأي محال
وذلك ليس بصحيح بل الصحيح أنه لا يستلزم الطلب عقلا جواز المطلوب بل يجوز طلب الجائز وغير الجائز فلا فرق في العقل بين طلب تحصيل الواقع الحاصل وبين طلب تحصيل غيره فإن ثبت في ذلك فرق شرعي فذاك وإلا فلا فرق بوجه
قال وعلى هذه المدارك وهذه التقادير يكون قوله تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها مشروطا بالتقوى إلى منتهى قوله صلى الله عليه وسلم صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس أو سبع وعشرين درجة قلت ما قاله من أن ذلك كله مشروط بالتقوى مسلم لكن بمعنى الموافاة على الإيمان لا بمعنى مجانبة العصيان
قال فتأمل ذلك فإن هذه الظواهر كلها تقتضي المثوبات مطلقا وما تقدم ومن التقرير يقتضي أنها لا تحصل إلا بالتقوى
هامش إدرار الشروق
على الإيمان لعدم علمهم بذلك أو طلبوا المسامحة في إغفال بعض شروط الأعمال لعدم علمهم لتحصيل ذلك على الكمال
وأما قول صلى الله عليه وسلم إن من الصلاة لما يقبل نصفها وثلثها وربعها وإن منها لما يلف كما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجه صاحبها فلا دليل له ولا لغيره فيه على ما أورد لا بظاهر ولا بباطن وذلك لأن ظاهره أن الصلاة لم تكن مستوفية لشروطها وأوصافها بدليل قوله صلى الله عليه وسلم وإن منها لما يلف كما تلف إلخ إذ لو كانت مستوفية لشروطها وأوصافها لم يكن لشبهها بالثوب الخلق وجه
ولا ريب أن مغزى هذا الحديث إنما هو التحذير من التهاون بشروطها والتحريض على مراعاة أحوالها فالقول بأن المراد به الثواب مع تقدير كمال شروط الصلاة وجميع أوصافها خلاف ظاهر الحديث كما علمت ينافي قوله إن أداء الديون وشبهه لا ثواب فيه حتى ينوي به امتثال أمر الله تعالى حيث قال إن أراد به لا بد من استحضار نية الامتثال ولا يكتفي بمجرد نية أداء الديون فغير مسلم بل لقائل أن يقول لا يحرم صاحب هذه الحالة الثواب استدلالا بقاعدة سعة باب الثواب وإن أراد أنه لا ثواب له إذا نوى سببا للأداء غير الامتثال كتخوفه أن لا يداينه أحد إذا عرف بالامتناع من الأداء وما أشبه ذلك فمسلم إذ لا نزاع في عدم الثواب حينئذ لكنه
105
105
حصوله وعلى هذه المدارك وهذه التقادير يكون قوله تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها مشروطا بالتقوى فإن أمثال العشر هي المثوبات ولا تحصل إلا للمتقين وكذلك قوله عليه السلام صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام فإن هذه الألف والزائد عليها هي مثوبات تتضاعف وقوله عليه السلام صلاة في المسجد الحرام خير من ألف صلاة في غيره وصلاة في بيت المقدس بستمائة صلاة وقوله تعالى والله يضاعف لمن يشاء يقتضي ما تقدم من التقرير أن يكون هذا كله مشروطا بالتقوى وقوله عليه السلام صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس أو سبع وعشرين درجة
هامش أنوار البروق
قلت لا يقاوم ما تقدم من التقرير تلك الظواهر على تسليم أنها لم تبلغ القطع على أن الصحيح أنها قد بلغته فإن الظواهر إذا تظاهرت وتكاثرت ولم يعارضها سواها حصل القطع بمعناها وهذه الظواهر وقد تظاهرت وتكاثرت ولم يعارضها سواها فإن ما ذكره معارضا ليس بمعارض لاستواء احتمالاته على ما سبق بيانه
قال فيتعين رد أحد الظاهرين إلى الآخر والجمع بينهما على الوجه الأسد قلت إن سلم عدم القطع فليس الوجه الأسد ما ذكره واختاره وإن لم يسلم فلا وجه لقوله الأسد
هامش إدرار الشروق
لا ينفعه وثالثا في قوله إن النية والنظر الأول ولا ينوي بهما التقرب حيث قال هذا صحيح في النظر الأول لعدم العلم بالمتقرب إليه وغير صحيح في النية فإن نية الظهر مثلا يمكن فيه التقرب بها لأن الشارع جعلها شرطا في صحة الصلاة والشرط كالركن فكما ينوي الركن ينوي الشرط ولا مانع من ذلك لا في النية ولا في غيرها ولا يلزم التسلسل إلا لو شرع نية التقرب بالنية من حيث ذاتها لا من حيث كونها شرطا فافهم
ورابعا في قوله إن النية والنظر لا ثواب فيهما حيث قال يدل على إثبات الثواب فيهما قاعدة سعة باب الثواب إذ لا يعارضها حديث إنما الأعمال بالنيات وما في معناه لأن مطلقه مقيد بإمكان النيات فبقي محل امتناعها غير متناول له دليل اشتراطها فافهم ا ه
قلت وقاعدة إن الأعمال لا تكون معتبرة حتى تقرن بها المقاصد مستمرة في باب خطاب التكليف خاصة لا في باب خطاب الوضع قال الإمام أبو إسحاق في موافقاته وإذا عريت الأفعال والتروك عن المقاصد لم يتعلق بها الأحكام الخمسة والدليل عن ذلك أمور أحدها ما ثبت من أن الأعمال بالنيات وهو أصل متفق عليه في الجملة والأدلة عليه لا تقصر عن مبلغ القطع ومعناه أن مجرد الأعمال من حيث هي محسوسة فقط غير معتبرة شرعا على حال إلا ما قام الدليل على اعتباره في باب خطاب الوضع خاصة أما في غير ذلك فالقاعدة مستمرة وإذا لم تكن معتبرة حتى تقترن بها المقاصد كان مجردها في الشرع بمثابة حركات العجماوات والجمادات والأحكام الخمسة لا تتعلق بها عقلا ولا سمعا فكذلك ما كان مثلها
والثاني ما ثبت من عدم اعتبار الأفعال الصادرة من المجنون والنائم والصبي والمغمى عليه وأنها لا حكم لها في الشرع فلا يقال فيها جائز أو ممنوع أو واجب أو غير ذلك كما لا اعتبار بها من البهائم وفي القرآن وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وقال ربنا لا تؤاخذنا إن
106
106
فتأمل ذلك فإن هذه الظواهر كلها تقتضي المثوبات مطلقا وما تقدم من التقدير يقتضي أنها لا تحصل إلا بالتقوى فيتعين رد أحد الظاهرين إلى الآخر وأن يجمع بينهما على الوجه الأسد وقد بينت لك وجه التعارض ووجه الجمع فتأمل ذلك فهو موضع صعب مشكل والذي رأيت عليه جماعة من المحققين هو ما ذكرته لك فتأمله
هامش أنوار البروق
قال وقد بينت لك وجه التعارض ووجه الجمع فتأمل ذلك فهو موضع صعب مشكل قلت قد تبين ما قال لكنه ليس بصحيح وتأملته كما أمر ولم أجد ما وجد من الصعوبة والإشكال ولله الحمد ذي المنة والإفضال
هامش إدرار الشروق
نسينا أو أخطأنا قال قد فعلت وفي معناه روي الحديث أيضا رفع القلم عن ثلاث فذكر الصبي حتى يحتلم والمغمى عليه حتى يفيق فجميع هؤلاء لا قصد لهم وهي العلة في رفع أحكام التكليف عنهم
والثالث الإجماع على أن تكليف ما لا يطاق غير واقع في الشريعة وتكليف من لا قصد له تكليف ما لا يطاق والمباح وإن كان لا تكليف فيه إلا تعليق التخيير ومتى صح تعلق التخيير صح تعلق الطلب وذلك يستلزم قصد المخبر وقد فرضناه غير قاصد هذا خلف
وأما تعلق الغرامات والزكاة بالأطفال والمجانين وغير ذلك فإنه من قبيل خطاب الوضع لا خطاب التكليف الذي كلامنا فيه وأما تعلق خطاب التكليف بالسكران كما في قوله تعالى لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى فإما لأنه لما أدخل السكر على نفسه كان كالقاصد لرفع الأحكام التكليفية فعومل بنقيض المقصود ولم يكن محجورا عليه كما حجر على الصبي والمجنون إلا في خصوص عقوده وبيوعه وإما لأن الشرب سبب لمفاسد كثيرة فصار استعماله تسببا في تلك المفاسد فيؤاخذه الشرع بها وإن لم يقصدها كما وقعت مؤاخذة أحد ابني آدم بكل نفس تقتل ظلما وكما يؤاخذ الزاني بمقتضى المفسدة في اختلاط الأنساب وإن لم يقع منه غير الإيلاج المحرم ونظائر ذلك كثيرة ا ه بتصرف فافهم
وحاصل ما لابن الشاط أنه لم يكن في الشرع واجب صحيح مجزئ إلا وهو مقبول مثاب عليه كما هو مقتضى قاعدة سعة باب الثواب والآيات والأحاديث المتضمنة لوعد المطيع بالثواب بدون أدنى معارض صحيح سالم من الاحتمال وبالجملة ففي لزوم الثواب والقبول للعمل الصحيح المجزئ بناء على أن الشرط في الثواب والقبول هو التقوى بمعنى الإيمان الموافي عليه وعدم لزوم الثواب والقبول للعمل المذكور بناء على أن شرط الثواب والقبول أمر إن قصد الامتثال والتقوى العرفية التي هي المبالغة في اجتناب المحرمات وفعل الواجبات قولا ابن الشاط والشهاب وعلى الثاني تتحقق القاعدتان المذكورتان والفرق بينهما وعلى الأول لا تتحقق إلا قاعدة واحدة وهي أن كل عمل صحيح مجزئ يثاب عليه وهذا هو الظاهر فتأمل والله سبحانه وتعالى أعلم
فائدتان الأولى ما ذكر من المضاعفة صرح العلماء بأنه فيما يرجع إلى الثواب فقط ولا يتعدى ذلك إلى الإجزاء عن الفوائت حتى لو كان عليه صلاتان فصلى في مسجد مكة أو المسجد النبوي أو المسجد الأقصى صلاة لم تجزه عنهما قطعا خلافا لما يغتر به بعض الجهلة أفاده شيخنا نقلا عن الوالد في حاشيته على كتابه توضيح المناسك ونقل الصاوي في مناسكه عن الحسن البصري في رسالته أن المضاعفة المذكورة في الحرم لا يختص بالصلوات بل كل حسنة يعملها العبد فيه بمائة ألف فمن صام فيه يوما كتب
107
107
الفرق السادس والستون بين قاعدة ما تعين وقته فيوصف فيه بالأداء وبعده بالقضاء وبين قاعدة ما تعين وقته ولا يوصف فيه بالأداء ولا بعده بالقضاء والتعيين في القسمين شرعي
هامش أنوار البروق
قال والذي رأيت عليه جماعة من المحققين هو ما ذكرته فتأمله قلت لعلهم محققون في غير هذه المسألة أما في هذه فلا الفائدة الثانية قال الباجي والذي تقتضيه الأحاديث الواردة في فضل المسجدين مسجد مكة ومسجد المدينة مخالفة حكم مسجد مكة لسائر المساجد وكذا مسجد الرسول ولا يعلم منها حكم مكة والمدينة في التفاضل إلا أن حديث حسنات الحرم بمائة ألف إذ أثيب صريح في أن نفس مكة أفضل من نفس المدينة كما في حاشية الوالد على كتابه توضيح المناسك قلت على أنا لا نسلم أن حديث حسنات الحرم إلخ صريح في ذلك لقول مالك رحمه الله تعالى إن أسباب التفضيل لا تنحصر في مزيد المضاعفة ألا ترى أن الصلوات الخمس بمنى عند التوجه بعرفة أفضل منها بمسجد مكة وإن انتفت عنها نعم إن ثبت حديث خير بلد على وجه الأرض وأحبها إلى الله تعالى مكة كما في مناسك الصاوي عن الحسن البصري في رسالته لأخيه كان صريحا في ذلك فتأمل والله سبحانه وتعالى أعلم
وما قاله في الفرق السادس والستين صحيح
قال
هامش إدرار الشروق
الله له صوم مائة ألف يوم ومن تصدق فيه بدرهم كتب الله له مائة ألف درهم صدقة ومن ختم القرآن فيه مرة واحدة كتب الله له مائة ألف ختمة بغيره ومن سبح الله تعالى فيه مرة كتب الله له مائة ألف مرة بغيره إلى غير ذلك من أعمال البر ا ه
الفائدة الثانية قال الباجي والذي تقتضيه الأحاديث الواردة في فضل المسجدين مسجد مكة ومسجد المدينة مخالفة حكم مسجد مكة لسائر المساجد وكذا مسجد الرسول ولا يعلم منها حكم مكة والمدينة في التفاضل إلا أن حديث حسنات الحرم بمائة ألف إذ أثيب صريح في أن نفس مكة أفضل من نفس المدينة كما في حاشية الوالد على كتابه توضيح المناسك قلت على أنا لا نسلم أن حديث حسنات الحرم إلخ صريح في ذلك لقول مالك رحمه الله تعالى إن أسباب التفضيل لا تنحصر في مزيد المضاعفة ألا ترى أن الصلوات الخمس بمنى عند التوجه بعرفة أفضل منها بمسجد مكة وإن انتفت عنها نعم إن ثبت حديث خير بلد على وجه الأرض وأحبها إلى الله تعالى مكة كما في مناسك الصاوي عن الحسن البصري في رسالته لأخيه كان صريحا في ذلك فتأمل والله سبحانه وتعالى أعلم
وما قاله في الفرق السادس والستين صحيح
الفرق السادس والستون بين قاعدة ما تعين وقته فيوصف فيه بالأداء وبعده بالقضاء وبين قاعدة ما تعين وقته ولا يوصف فيه بالأداء ولا بعده بالقضاء والتعين في القسمين شرعي اعلم وفقني الله وإياك لما فيه رضاه أن تحرير الفرق بين هاتين القاعدتين يتوقف على بيان أمور أحدها أن الواجب قسمان القسم الأول الواجب الموسع وهو ما جعل الشارع لأدائه وقضائه من العبادات وقتا حدد طرفاه لمصلحة فيه معينا في حق كل مكلف بحيث لا يختلف وقت أدائه ولا وقت قضائه باختلاف الناس كالصوم عين الشارع لأدائه بالأمر الأول شهر رمضان في كل مكلف لمصلحة فيه ولقضائه ما بعده إلى شعبان بالأمر الثاني في حق كل مكلف أيضا بحيث لا يختلف واحد منهما باختلاف الناس
والقسم الثاني الواجب على الفور وهو ما جعل الشارع له من الفوريات وقتا مرتبا على ثبوت أمر يختلف باختلاف الناس لا لمصلحة فيه كالحج إذا قلنا إنه على الفور ولم يعين له الشارع إلا ما كان عقيب الاستطاعة وهي تختلف باختلاف الناس بحيث لو تأخرت الاستطاعة تأخرت السنة أو تقدمت تقدمت السنة فصار تعيين الوقت تابعا للاستطاعة لا لمصلحة فيه فحينئذ تعين أوقات العبادات لمصالح فيها بحيث إنا نعتقد أن الله تعالى إنما عين شهر رمضان للصوم مثلا لمصلحة يشتمل عليها دون غيره طردا لقاعدة الشرع
108
108
اعلم أن هذا الموضع وهذا الفرق لم أره لأحد من العلماء فيم رأيته ولم يقع التصريح به فيما وجدته ولا التعريض بل التصريح في حد الأداء والقضاء بضده في كتب الأصول والفروع فيقولون في حد الأداء هو إيقاع الواجب في وقته المحدود له شرعا وفي حد القضاء هو إيقاع الواجب خارج وقته المحدود له شرعا وهذان التفسيران باطلان بسبب أن الواجبات الفورية كرد الغصوب والودائع إذا طلبت والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأقضية الحكام إذا نهضت الحجاج كل ذلك واجب على الفور ومع ذلك لا يقال لها إنها أداء إذا وقعت في وقتها المحدود لها شرعا ولا قضاء إذا وقعت بعده فإن الشرع حدد لها زمانا وهو زمان الوقوع فأوله أول زمان التكليف وآخره الفراغ منها بحسبها في طولها وقصرها فزمانها محدود شرعا مع انتفاء الأداء والقضاء عنها في الوقت وبعده
وكذلك إنقاذ الغريق حدد له الشرع الزمان فأوله ما يلي زمن السقوط وآخره الفراغ من علاجه بحسب حاله ولا يوصف بأنه أداء في الوقت ولا قضاء بعده مع التحديد الشرعي ومن ذلك الحج إذا قلنا إنه على الفور فإن الشارع حدد له زمانا من هذه السنة ولا يوصف بأنه قضاء بعد هذه السنة إذا أخرت هذه الحجة ولا يلزم معها هدي القضاء
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
في رعاية المصالح على سبيل التفضل فإنا إذا لاحظنا الشرائع وجدناها مصالح في الأغلب أدركنا ذلك وخفي علينا في الأقل فقلنا ذلك الأقل من جنس ذلك الأكثر كما لو جرت عادة ملك بأن لا يخلع الأخضر إلا على الفقهاء فإذا رأينا من خلع عليه الأخضر ولا نعلم قلنا هو فقيه طردا لقاعدة ذلك الملك
وهكذا لما كانت قاعدة الشرع رعاية المصالح في جانب الأوامر والمفاسد في جانب النواهي على سبيل التفضيل لا على سبيل الوجوب العقلي كما تقوله المعتزلة لزم أن نعتقد فيما لم نطلع فيه على مفسدة ولا مصلحة إن كان في جانب الأوامر أن فيه مصلحة وإن كان في جانب النواهي أن فيه مفسدة كأن نقول في أوقات الصلوات إنها مشتملة على مصالح لا نعلمها وكذلك كل تعبدي معناه أن فيه مصلحة لا نعلمها
وأما تعين أوقات الفوريات كرد المغصوب والودائع إذا طلبت والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأقضية الحكام إذا نهضت الحجاج وإنقاذ الغريق وامتثال الأمر إذا قلنا إنه على الفور فإن القاضي أبا بكر رحمه الله تعالى قال لا بد من زمان للسماع وزمان للتأمل وتعرف معنى الخطاب وفي الزمن الثالث يكون الفعل زمانيا وبالتأخير عنه يوصف المكلف بالمخالفة فليس كذلك بل تبع للمأمورات وطريان الأسباب فتعين وقت إنقاذ الغريق تابع لسقوطه في البحر فلو تأخر سقوطه في البحر تأخر الزمان أو تعجل تعجل الزمان
وتعين وقت امتثال الأمر إذا قلنا إنه على الفور تابع لورود الصيغة فإن تقدمت تقدم الوقت أو تأخرت تأخر الوقت وتعين وقت أقضية الأحكام تابع لنهوض الحجاج لا لمصلحة في نفس الوقت وهكذا يقال في الباقي
والأمر الثاني أن الواجبات الفورية وإن حد الشارع لها زمانا وهو زمان الوقوع الذي أوله أول
109
109
وكذلك إذا قلنا الأمر للفور فإن القاضي أبا بكر رحمه الله قال لا بد من زمان للسماع وزمان للتأمل وتعرف معنى الخطاب وفي الزمن الثالث يكون الفعل زمانيا وبالتأخير عنه يوصف المكلف بالمخالفة
وقد حدد الشرع الزمان حينئذ أوله الزمن الثالث من زمن السماع وآخره الفراغ من الفعل بحسبه وهذه النقوض كلها تبطل حد الأداء فإن حده يتناولها وليست أداء فيكون غير مانع وإيقاعها بعد وقتها يتناوله حد القضاء وليست قضاء فيكون غير جامع فحينئذ تتعين العناية بتحرير الفرق وتحرير هذه الضوابط والحدود حتى يتضح الحق في ذلك وهو أن نقول الأداء هو إيقاع الواجب في وقته المحدود له شرعا لمصلحة اشتمل عليها الوقت بالأمر الأول والقضاء إيقاع الواجب خارج وقته المحدود له شرعا لأجل مصلحة فيه بالأمر الثاني فقوله في وقته احتراز من القضاء وقولنا المحدود له احتراز من المغيا بجميع العمر وقولنا شرعا احتراز مما يحده أهل العرف وقولنا لمصلحة اشتمل عليها الوقت احتراز من تلك النقوض كلها وتحريره أنا نعتقد أن الله تعالى إنما عين شهر رمضان لمصلحة يشتمل عليها دون غيره طردا لقاعدة الشرع في رعاية المصالح على سبيل التفضل فإنا إذا لاحظنا الشرائع وجدناها مصالح في الأغلب أدركنا ذلك وخفي علينا في الأقل فقلنا ذلك الأقل من جنس ذلك الأكثر كما لو جرت عادة ملك بأن لا يخلع الأخضر إلا على الفقهاء فإذا رأينا من خلع عليه الأخضر ولا نعلم قلنا هو فقيه طردا لقاعدة ذلك الملك وكذلك نعتقد فيما لم نطلع فيه على مفسدة ولا مصلحة أنه مصلحة إن كان في جانب الأمر وفيه مفسدة إن كان في جانب النواهي
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
زمان التكليف وآخره الفراغ منها بحسبها في طولها وقصرها إلا أنه لما كان تابعا لما يختلف باختلاف الناس لا لمصلحة فيه ولم يكن محدود الطرفين بخلاف زمان العبادات لم يقل للواجبات الفورية إذا وقعت في وقتها المحدود لها شرعا أداء ولا إذا وقعت بعده قضاء بخلاف العبادات
والأمر الثالث أن الأداء هو إيقاع الواجب في وقته المحدود له شرعا لمصلحة اشتمل عليها الوقت بالأمر الأول فقيد في وقته يخرج القضاء وقيد المحدود له يخرج الواجب المغيا بجميع العمر كالإيمان بالله تعالى وقيد شرعا يخرج المحدود عرفا وقيد لمصلحة اشتمل عليها الوقت يخرج الواجبات الفورية المذكورة كلها لأن تحديد وقتها شرعا تابع لحصول أمر لا لمصلحة في الوقت كما علمت فلا يوصف الفعل بالأداء إلا إذا وقع في وقته المحدود لمصلحة فيه فوقت الأداء عندنا وعند الشافعية هو الكل لا جزء منه لا بعينه يتعين بالوقوع فيه سواء وقع في الكل أو البعض وعند الحنفية هو الجزاء الذي وقع فيه الفعل بمعنى أن وقت وجوب الأداء جزء من تلك الأجزاء لا بعينه وهو القدر المشترك بينهما يتعين بالوقوع فيه إن فعل في الوقت وإلا تعين بنفسه وهو الآخر فالوجوب للأداء عندهم إنما يتعلق مع الشروع في الفعل كما نص على ذلك السعد في شرح
110
110
طردا لقاعدة الشرع في رعاية المصالح والمفاسد على سبيل التفضل لا على سبيل الوجوب العقلي كما تقوله المعتزلة وكذا نقول في أوقات الصلوات إنها مشتملة على مصالح لا نعلمها وكذلك كل تعبدي ومعناه أن فيه مصلحة لا نعلمها فحينئذ تتعين أوقات العبادات لمصالح فيها وتعيين الفوريات ليس كذلك بل تبع للمأمورات وطريان الأسباب فالغريق لو تأخر سقوطه في البحر تأخر الزمان أو تعجل تعجل الزمان فتأمل ذلك
وكذلك الحج تابع للاستطاعة فلو تأخرت تأخرت السنة أو تقدمت تقدمت السنة فصار تعيين الوقت تابعا للاستطاعة لا لمصلحة فيه وكذلك نقول إن الفور تعين الوقت إذا قلنا الأمر على الفور تابع لورود الصيغة فإن تقدمت تقدم الوقت أو تأخرت تأخر الوقت وكذلك أقضية الحكام الوقت تابع لنهوض الحجاج فتتعين حينئذ وكذلك رد المغصوب وبقية النقوض قد اتضح لك التخريج في ذلك وظهر الفرق بينهما وبين أوقات العبادات فإنها متعينة لمصالح فيها ولولاها لما تعين بعد الزوال دون ما قبله ولا رمضان دون بقية شهور السنة إذا اتضح لك الفرق فقوله في الحد لمصلحة اشتمل عليها الوقت احتراز من تعيين الوقت لمصلحة المأمور والتبعية لطريان الأسباب
واتجه أيضا حد القضاء بذلك لما قلنا إنه إيقاع الواجب خارج وقته المحدود له شرعا لمصلحة اشتمل عليها الوقت فلا يكون الفعل موصوفا بالقضاء إلا إذا وقع خارج وقته المحدود لمصلحة فيه وقولنا في القضاء بالأمر الثاني احتراز من نقض وهو أن الله تعالى جعل لقضاء رمضان جملة السنة كلها التي تلي شهر الأداء فهو واجب
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
التوضيح أفاده الشربيني على حواشي محلي جمع الجوامع
وأما القضاء فهو في اللغة فعل الشيء كيف كان وعليه قوله تعالى فإذا قضيت الصلاة أي فإذا فعلت وفي الاصطلاح له أربعة معان أحدها ما يقابل الأداء المذكور وهو إيقاع الواجب خارج وقته المحدود له شرعا لمصلحة اشتمل عليها الوقت بالأمر الثاني فقيد خارج وقته يخرج الأداء وقيد المحدود له شرعا يخرج المحدود وقته عرفا وقيد لمصلحة اشتمل عليها الوقت يخرج الواجبات الفورية لأن تحديد وقتها شرعا تابع لحصول أمر لا لمصلحة كما علمت فلا يوصف الفعل بالقضاء إلا إذا وقع خارج وقته المحدود لمصلحة فيه وقيد بالأمر الثاني لدفع نقض وهو أن الله تعالى جعل لقضاء رمضان جملة السنة كلها التي تلي شهر الأداء فهو واجب وقع في وقته المحدود له شرعا وليس أداء وحاصل الدفع أن قضاء رمضان وإن دخل في حد الأداء باعتبار أن الله تعالى عين له السنة تعيينا لا كسنة الحج لخصوص كونها تابعة للاستطاعة غير محدودة الطرفين بل إنما عينها له محدودة الطرفين لمصلحة يختص بها لا نعلمها لا لخصوص كونها تابعة لترك الصوم إلا أنه خرج عن حد الأداء بقيد بالأمر الأول وفيه ودخل في حد القضاء ولم يخرج منه بقيد بالأمر الثاني فيه فافهم
وثانيها إيقاع الواجب تعيينه بالشروع وعليه قول مالك وأبي حنيفة بقضاء ما شرع فيه من الطاعات
111
111
وقع في وقته المحدود له شرعا وليس أداء فخرج بقولنا بالأمر الأول أن القضاء وجب بأمر جديد ودخل في حد القضاء ولم يخرج منه بقولنا بالأمر الثاني وسبب اندراجه في حد الأداء أن الله تعالى عين السنة لمصلحة تختص بها لا نعلمها فالسنة كأوقات الصلوات ليست تابعة لغيرها بخلاف سنة الحج تابعة للاستطاعة فإن قلت وسنة القضاء أيضا تابعة لترك الصوم قلت مسلم لكن هذا وقت حدد طرفاه وجعل واجبا موسعا بخلاف الحج
ولما ترتب رمضان من بين سائر الشهور للأداء رتب ما بعده للقضاء إلى شعبان في أصل الشريعة معينا في حق كل مكلف بخلاف الحج لم يعين له إلا ما كان عقيب الاستطاعة وهي تختلف باختلاف الناس وسنة القضاء لا تختلف باختلاف الناس فهذا هو الفرق فإن قلت ما ذكرته لا يتم لاتفاق الناس على أن الحج يوصف بالقضاء مع خروجه عما ذكرته من التحديد فيقولون في الحج بعد الحجة الفاسدة قضاء ويقولون إن النوافل تقضى وليس لها وقت محدود بالتفسير الذي ذكرته فعند الشافعي يقضى ما له سبب وعند مالك وأبي حنيفة ما شرع فيه من الطاعات وأبطله على تفصيل عند الإمامين مذكور في كتب الفروع للفريقين فقد اتفقوا على القضاء في النوافل ويقولون المأموم فيما فاته هل يكون قاضيا أم بانيا خلاف بين العلماء في تعيين القضاء لا في أنه يسمى قضاء لو وقع فاتفق الكل على أنه لو فعل ما فاته من المغرب جهرا لكان قضاء اتفاقا إنما الخلاف هل حكم الله تعالى ذلك أم لا قال الله تعالى فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض مع أن صلاة المأموم وقضاء صلاة الجمعة في الوقت فبطل بهذه الأنواع حد الأداء وحد القضاء قلت القضاء في اصطلاح حملة الشريعة لفظ مشترك يطلق على ثلاث معان أحدهما إيقاع
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
وأبطله لوجوبها بالشروع على تفصيل عند الإمامين مذكور في كتب الفروع للفريقين ومنه حجة القضاء في الحج بعد الحجة الفاسدة
وثالثها ما وقع على خلاف وضعه في الشريعة مع قطع النظر عن الوقت والتعيين بالشروع ومنه قضاء المأموم المسبوق ما فاته مع الإمام فإن صلاته الركعتين اللتين فاتتاه مع الإمام من المغرب أو العشاء جهرا تسمى قضاء اتفاقا لأنهما لما صليتا جهرا وقد صارا أخيرين كانا على خلاف الوضع الشرعي من تقدم الجهر على السر وقولهم المأمور فيما فاته هل يكون قاضيا أو بانيا إنما هو خلاف بين العلماء في تعيين القضاء أي هل حكم الله تعالى ذلك أولا لا في أنه يسمى قضاء لو وقع كذلك فافهم
ورابعها إيقاع الفعل بعد تقدم سببه وعليه قول الشافعي ومن قال بقوله إن السنن تقضى لتقدم
112
112
الواجب خارج وقته على ما تقدم تحديده وثانيها إيقاع الواجب بعد تعيينه بالشروع ومنه حجة القضاء ومنه قضاء النوافل إذا شرع فيها وهذا مغاير للقسم الأول لأن مفهوم قولنا خارج وقته مخالف لقولنا بعد تعينه بالشروع فإن بعدية الوقت غير بعدية الشروع وثالثها ما وقع على خلاف وضعه في الشريعة مع قطع النظر عن الوقت والتعيين بالشروع ومنه قضاء المأموم لأن الركعتين الأخيرتين من العشاء إذا صليتا جهرا فهذا خلاف الوضع الشرعي فإن وضع الشريعة تقدم الجهر على السر فتأخيره خلاف الوضع الشرعي فهذه ثلاثة معان في الاصطلاح ويلحق بها قسم رابع عند الشافعي ومن قال بقوله إن السنن تقضى لتقدم أسبابها لا للشروع فيها فيكون مفسرا عنده أيضا بإيقاع الفعل بعد تقدم سببه فهذه أربعة اصطلاحية
وأما قوله تعالى فإذا قضيت الصلاة فذلك وضع لغوي لا اصطلاحي فيقال قضي الفعل إذا فعل كيف كان فقضى بمعنى فعل وهذا غير ما نحن فيه وحينئذ يصير لفظ القضاء يطلق باعتبار اللغة والاصطلاح على خمسة معان مختلفة أربعة منها اصطلاحية وواحد لغوي واللفظ إذا كان مشتركا بين معان مختلفة وحددنا بعض تلك المعاني لا يرد علينا غيره من تلك المعاني نقضا ولا سؤالا كما إذا حددنا العين بمعنى الحدقة بأنها عضو يتأتى به الإبصار فيقول السائل ينتقض عليك بعين الماء وبالذهب وغير ذلك مما يسمى عينا فلا يسمع هذا السؤال فإن الحقائق المختلفة أن تكون حدودها مختلفة فحينئذ لا يرد علينا حقيقة من تلك الحقائق الأربعة على تحديدنا القضاء بالموقع خارج الوقت لأنها معان مختلفة فاندفعت الأسئلة التي وردت من هذا الباب واستقام حد القضاء وحد الأداء وظهر حينئذ الفرق بين قاعدة ما تعين وقته فيوصف بالأداء والقضاء وبين قاعدة ما لا يتعين وقته فلا يوصف لا بالأداء ولا بالقضاء
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
أسبابها لا للشروع فيها وبالجملة فمعاني لفظ القضاء خمسة مختلفة أربعة اصطلاحية وواحد لغوي فلا يرد صدقه باعتبار أحد معانيه على غير ما يصدق عليه حدنا له باعتبار معناه الآخر لا نقضا ولا سؤالا ألا ترى أنا إذا حددنا العين بمعنى الحدقة بأنها عضو يتأتى به الإبصار لا نلتفت للقول بنقضه بعين الماء وبالذهب وغير ذلك ضرورة أن المعاني المختلفة يجب أن تكون حدودها مختلفة فحينئذ استقام ما ذكر من حد القضاء وحد الأداء وظهر الفرق بين قاعدة ما تعين وقته بتحديد طرفيه لمصلحة فيه فيوصف بالأداء والقضاء وبين قاعدة ما تعين وقته بغير تحديد طرفيه لانتفاء المصلحة فيه بل تعيينا تابعا لتحقق أمر يختلف باختلاف الناس فلا يوصف لا بالأداء ولا بالقضاء
وظهر أيضا أن المكلف إذا ما غلب على ظنه أنه لا يعيش إلى آخر الوقت ثم عاش أن الفعل يكون منه أداء لأن تعيين الوقت لم تكن المصلحة فيه بل تبع للظن الكاذب وهل هو قضاء قولان للقاضي والغزالي رحمهما الله تعالى وسيأتي عن ابن الشاط أن قول الغزالي بأنه قضاء دعوى لا حجة عليها ألبتة ثم اعلم أن العبادات باعتبار الاتصاف بالأداء والقضاء ثلاثة أقسام الأول ما يوصف بهما بالمعنى الأول الاصطلاحي كالصلوات الخمس ورمضان

113
113
فائدة
العبادات ثلاثة أقسام منها ما يوصف بالأداء والقضاء كالصلوات الخمس ورمضان ومنها ما لا يوصف بهما كالنوافل إلا بذلك التفسير الآخر الذي تقدم تحريره ومنها ما يوصف بالأداء فقط كالجمعة
فائدة اتضح بما تحرر أن المكلف إذا غلب على ظنه أنه لا يعيش إلى آخر الوقت ثم عاش أن الفعل يكون منه أداء لأن تعيين الوقت لم تكن المصلحة فيه بل تبع للظن الكاذب وقيل هو قضاء قولان للقاضي والغزالي رحمهما الله
الفرق السابع والستون بين قاعدة الأداء الذي يثبت معه الإثم وبين قاعدة الأداء الذي لا يثبت معه الإثم اعلم أن هذا الفرق قد أشكل على جماعة من الفقهاء واستشكلوا كيف تكون العبادة أداء وفاعلها آثم وسر الفرق في ذلك أن الله سبحانه وتعالى جعل أرباب الأعذار يدركون الظهر والعصر عند غروب الشمس بإدراك وقت يسع خمس ركعات بعد الطهارة واتفق الناس
هامش أنوار البروق
الفرق السابع والستون بين قاعدة الأداء الذي يثبت معه الإثم وبين قاعدة الأداء الذي لا يثبت معه الإثم إلى قوله فيأثم الأول بتعديها إلى غير وقتها قلت ما قاله صحيح على تقدير أن اصطلاح الفقهاء موافق لتحديده الأداء وإلا فهو اصطلاح اخترعه وما قاله صحيح أيضا على تسليم اصطلاحه ولا مشاحة في الاصطلاح
قال ألا ترى أن القامة وقت أداء بلا خلاف لصلاة الظهر من حيث الجملة ومع ذلك لو غلب
هامش إدرار الشروق
والثاني ما لا يوصف بهما بالمعنى الأول الاصطلاحي وإنما يوصف بهما بالمعنى الثاني الاصطلاحي عند المالكية والأحناف أو بالمعنى الرابع عند الشافعية كالنوافل فافهم
والثالث ما يوصف بالأداء بالمعنى المتقدم فقط كالجمعة والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق السابع والستون بين قاعدة الأداء الذي يثبت معه الإثم وبين قاعدة الأداء الذي لا يثبت معه الإثم
وذلك أن ما ذكر من حد الأداء وحد القضاء لما لم يتعرض فيهما لأحوال المكلف بل للعبادة فقط وكان حد الأداء يصدق على أن وقت أداء الظهر من أول الزوال إلى غروب الشمس ووقت أداء المغرب من غروب الشمس إلى طلوع الفجر بسبب أن أرباب الأعذار يدركون الظهرين بزوال عذرهم في مقدار ما يسع خمس ركعات قبل غروب الشمس ويدركون صلاتي الليل بزواله في مقدار ما يسع أربع ركعات قبل طلوع الفجر الإجماع منعقد على أن ما خرج وقته لا يلزم أرباب الأعذار ألا ترى أنهم لا يلزمهم صلاة النهار إذا لم يزل عذرهم إلا بعد غروب الشمس ولا صلاة الليل إذا لم يزل إلا بعد طلوع الفجر إلا أن الشرع لما منع المكلف الذي لا عذر له من تأخير العبادات إلى آخر الوقت مطلقا وحد وقت الاختيار في
114
114
على أن ما خرج وقته قبل زوال العذر لا يلزم أرباب الأعذار فدل لزوم الصلاتين لهم عند غروب الشمس على بقاء وقتها ولما كان الأداء كما تقدم إيقاع الواجب في وقته المحدود له شرعا كما تقدم تحريره لزم أن يكون الظهر والعصر أداء في حق كل أحد إلى غروب الشمس لأنا لما حددنا الأداء لم نحده بالنسبة للفاعلين وإنما حددناه بالنسبة إلى العبادة خاصة مع قطع النظر عن الفاعل من هو هل هو ذو عذر أم لا
ولم يتعرض أحد في حد الأداء والقضاء لأحوال المكلف في حدهما بل للعبادة فقط فصار الأداء والقضاء تابعا لكون العبادة في وقتها أم لا فكان الظهر أداء إلى غروب الشمس بناء على صدق حد الأداء عليه ولما كان الشرع قد منع المكلف الذي لا عذر له من تأخير العبادات إلى آخر الوقت مطلقا بل عليه أن يوقع في آخر فسمي الوقت وهو من أول الزوال إلى آخر القامة ويبقى من آخر القامة إلى غروب الشمس هو من الوقت باعتبار حد الأداء وغير المعذور ممنوع منه فإذا أخر الفعل إليه وأوقعه فيه كان مؤديا آثما أما أداؤه فلصدق حد
هامش أنوار البروق
على ظن طائفة أنها لا تعيش إلى آخر القامة بل لنصفها جعل صاحب الشرع نصف القامة وقتا لهؤلاء خاصة دون غيرهم والنصف الآخر من القامة ليس وقتا لهم قلت ما قاله من أن صاحب الشرع جعل نصف القامة وقتا لمن غلب على ظنه أنه لا يعيش إلى نصفها باطل لا شك فيه وإن كان ذهب إلى ذلك طائفة فهو مذهب ذاهب ودعوى لا حجة عليها ألبتة ومن غلب على ظنه ذلك فلا يخلو أن يقع الأمر كما ظنه أو لا فإن وقع الأمر كما ظنه فلا يخلو أن يكون قد أوقع الصلاة قبل موته أو لا فإن كان قد أوقعها فقد أوقع الواجب وفاز بأجره وإن لم يكن أوقعها فلا مؤاخذة عليه فإنه مات في أثناء الوقت فلا يعد مفرطا بوجه وإن لم يقع الأمر كما ظنه فلا يخلو أن يوقع الصلاة في بقية القامة أو لا فإن أوقعها فقد فعل ما أمر به ولم تلحقه مؤاخذة ولم يعد مفرطا وإن لم يوقعها إلا بعد القامة فهو مفرط أثم والله أعلم
هامش إدرار الشروق
الظهر بآخر القامة وفي العصر بالاصفرار وفي المغرب على زاوية اتحاده
قال ابن الحاجب وهي الأشهر وقال في الاستذكار الاتحاد هو المشهور بقدر ما يسع فعلها بعد شروطها وعلى رواية امتداده
قال ابن العربي في عارضته القول بالامتداد هو الصحيح وقال في أحكامه إنه هو المشهور من مذهب مالك وقوله الذي في موطئه الذي قرأه طول عمره وأملاه حياته ا ه
بغياب الشفق الأحمر كما في الحطاب على خليل وفي العشاء أما بثلث الليل الأول
وأما بنصفه على الخلاف وحد وقت الاضطرار في الظهر من بعد القامة والعصر من بعد الاصفرار إلى غروب الشمس فيهما وفي المغرب إما من بعد ما يسعها بشروطها أو من بعد غياب الشفق الأحمر على الروايتين وفي العشاء إما من بعد الثلث أو النصف إلى طلوع الفجر فيهما بحيث إن صاحب الشرع حجر على المختارين من إيقاع الظهر مثلا فيما بعد القامة إلى غروب الشمس ومن إيقاع المغرب مثلا فيما بعد ما يسعها بشروطها أو فيما بعد غياب الشفق الأحمر إلى طلوع الفجر وإن كان كل من الوقتين المذكورين يصدق عليه حد الأداء المار كان إيقاع المختارين الظهر بعد القامة والعصر بعد الاصفرار والمغرب بعد ما يسعها بشروطها أو بعد غياب الشفق الأحمر والعشاء بعد الثلث أو النصف أداء
115
115
الأداء
وأما ثمة فلتأخيره عن الحد الذي حدد له من الوقت ولصاحب الشرع أن يحدد للعبادة وقتا ويجعل نصفه الأول لطائفة ونصفه الآخر لطائفة أخرى فتأثم الأولى بتعديها لغير وقتها ألا ترى أن القامة وقت أداء بلا خلاف لصلاة الظهر من حيث الجملة ومع ذلك لو غلب على ظن طائفة أنها لا تعيش إلى آخر القامة بل لنصفها جعل صاحب الشرع نصف القامة وقتا لهؤلاء خاصة دون غيرهم والنصف الآخر من القامة ليس وقتا لهم كذلك هاهنا وقت الظهر إلى غروب الشمس وحجر صاحب الشرع على المختارين الوصول إليه وحدد لهم آخر القامة فإذا تعدوا القامة كانوا مؤدين آثمين فكذلك القول في المغرب أداء إلى طلوع الفجر بسبب أن أرباب الأعذار يدركون صلاتي الليل إلى طلوع الفجر والإجماع منعقد على أن ما خرج وقته لا يلزم أرباب الأعذار ألا ترى أنهم يدركون المغرب والعشاء بإدراك أربع ركعات قبل الفجر ولا يلزم بذلك
هامش أنوار البروق
قال فكذلك هاهنا وقت الظهر إلى غروب الشمس إلى منتهى قوله فإن الله تعالى خصه بقطعة من الوقت فتعداها لنصيب غيره منه قلت ما قاله في هذا الفصل صحيح على تسليم اصطلاحه وتصحيح حده بخلاف ما نظر به ومن مسألة الذي يظن أنه لا يعيش إلى تمام الوقت والفرق بين الأمرين أن تحديد وقت الاختيار بالقامة ثابت من الشرع متفق عليه وتحديد الوقت بالظن المذكور غير ثابت من الشرع ولا متفق عليه لا بدليل ظني ولا قطعي بوجه
قال وإنما كان يلزم الإشكال إلى قوله فمذهب ابن القاسم اجتماعهما ومذهب غيره عدم اجتماعهما
هامش إدرار الشروق
معه الإثم لتعديهم ما حدده لهم صاحب الشرع وإيقاعهم الظهر في القامة والمغرب فيما يسعها بشروطها أداء ليس معه إثم لعدم تعديهم ما حدده لهم صاحب الشرع إذ لصاحب الشرع أن يحدد للعبادة وقتا ويجعل نصفه الأول لطائفة ونصفه الآخر لطائفة أخرى فتأثم الأولى بتعديها لغير وقتها ألا ترى أن القامة وقت أداء بلا خلاف لصلاة الظهر من حيث الجملة ومع ذلك لو غلب على ظن طائفة أنها لا تعيش إلى آخر القامة بل لنصفها لجعل صاحب الشرع نصف القامة وقتا لهؤلاء خاصة دون غيرهم والنصف الآخر من القامة ليس وقتا لهم فكذلك ها هنا جعل صاحب الشرع وقت الظهر إلى غروب الشمس ووقت المغرب إلى طلوع الفجر وحجر على المختارين الوصول إليه وجعلهم بتعدي القامة وغياب الشفق الأحمر مؤدين آثمين وجعل لأرباب الأعذار إدراك الظهر والعصر أداء بلا إثم فيما يسع خمس ركعات قبل الغروب وإدراك المغرب والعشاء أداء بلا إثم فيما يسع أربع ركعات قبل الفجر
فظهر بهذا تحرير الفرق وزال ما استشكله الشافعية علينا من الجمع بين الأداء والإثم على أنهم قائلون به فيمن ظن ما ذكر فكذلك يلزمهم أن يقولوا به في المختارين بالأولى هذا خلاصة ما قاله الأصل قال ابن الشاط وما قاله صحيح على تقدير أن اصطلاح الفقهاء موافق لتحديده الأداء أو على تسليم
116
116
صلاة النهار المتقدم بسبب أن وقته خرج بغروب الشمس
فإذا أخر أيضا المكلف المختار المغرب أو العشاء إلى طلوع الفجر كان مؤديا آثما أما أداؤه فلوجود الأداء في حقه
وأما إثمه فلأن الله تعالى خصصه بقطعة من الوقت فتعداها لنصيب غيره منه وإنما كان يلزم الإشكال في الجمع بين الأداء والإثم أن لو كان حد الأداء إيقاع الواجب في وقته الاختياري له فكان حينئذ إيقاعه في غير الاختياري قضاء لكن حد الأداء إيقاع الواجب في وقته مطلقا والقضاء إيقاعه خارج وقته مطلقا ولم نقل إنه خارج وقته الاختياري وكتب أصول الفقه مجمعة على ذلك ومصرحة به فظهر إمكان اجتماع الأداء والإثم في حق من حجر عليه في بعض الوقت وعدم اجتماع الإثم مع الأداء في حق من لم يحجر عليه في شيء من الوقت كما يجتمع الأداء والإثم فيمن أخر إلى آخر القامة وهو كان يعتقد أنه لا يتمكن من إيقاع الفعل آخر القامة فقدر وأخر وصلى فإنه مؤد آثم ويجتمع في حقه الأداء على الخلاف والإثم إجماعا وإنما وقع الخلاف في اجتماعهما آخر النهار وعند طلوع الفجر فمذهب ابن القاسم
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله من أنه إنما كان يلزم الإشكال لو كان حد الأداء إيقاع الواجب في وقته الاختياري صحيح وما قاله من أن كتب الأصول مجمعة على ذلك ومصرحة به إن أراد أنها مجمعة على إطلاق لفظ أن الإجزاء فعل الواجب في وقته المحدود له هكذا فذلك صحيح وإن أراد أن كتب الأصول مصرحة بلفظ الإطلاق بأن يكون اللفظ مثلا لأداء فعل الواجب في وقته المحدود له مطلقا أو على الإطلاق فلا أعرف أني وقفت لهم على ذلك وما ذكره من أن من كان يعتقد أنه لا يتمكن من إيقاع الفعل آخر القامة فقدر تمكنه وصلى مدا آثم إجماعا غير صحيح وإنما هو رأي لبعض الناس وهو باطل لا شك في بطلانه
قال فعلى هذا يجتمع الأداء والإثم في حق فريقين من الناس أحدهما المختارون الذين لا عذر لهم إذا أخروا إلى غروب الشمس أو بعد القامة من حيث الجملة إلى آخر قوله وهل تؤخر المغرب إلى الشفق أم لا
هامش إدرار الشروق
اصطلاحه ولا مشاحة في الاصطلاح وتصحيح تحديده إلا أن دعواه أن صاحب الشرع جعل نصف القامة وقتا لمن غلب على ظنه أنه لا يعيش إلى نصفها باطلة بلا شك وإن كان ذهب إلى ذلك طائفة فهو مذهب ذاهب ودعوى لا حجة عليها ألبتة فلا يصح التنظير به ضرورة أن تحديد وقت الاختيار بالقامة مثلا ثابت من الشرع متفق عليه وتحديد الوقت بالظن المذكور غير ثابت من الشرع ولا متفق عليه لا بدليل ظني ولا قطعي بوجه بل الحق أن من غلب على ظنه ذلك إن وقع الأمر لما ظنه فأما أن يوقع الصلاة قبل موته فيكون قد أوقع الواجب عليه وفاز بأجره
وأما أن لا يوقعها فلا يؤاخذ لأنه مات في أثناء الوقت فلا يعد مفرطا بوجه وإن لم يقع الأمر كما ظنه فأما أن يوقع الصلاة في بقية القامة فيكون قد فعل ما أمر به فلا يلحقه مؤاخذة ولا يعد مفرطا وأما أن لا يوقعها إلا بعد القامة فيكون مفرطا آثما وأن من قال من الشافعية بالجمع بين الأداء والإثم في حق من ظن ما ذكر إذا صلى في النصف
117
117
اجتماعهما ومذهب غيره عدم اجتماعهما فعلى هذا يجتمع الإثم والأداء في حق فريقين من الناس أحدهما المختارون الذين لا عذر لهم إذا أخروا إلى غروب الشمس أو بعد القامة ومن حيث الجملة أو أخروا المغرب والعشاء إلى بعد ثلث الليل أو نصفه على الخلاف في آخر وقت العشاء هل هو ثلث الليل أو نصفه وهل تؤخر المغرب إلى الشفق أم لا وثانيهما الفرق الذي يغلب على ظنهم عدم المكنة في آخر الوقت الاختياري فيؤخرون إلى آخره فإنهم آثمون مع الأداء إذا فعلوا آخر الوقت الاختياري في القامة للظهر مثلا ونحوه من الأوقات الاختيارية وتحرر بهذا الفرق زوال ما استشكله الشافعية علينا من الجمع بين الأداء والإثم فإنهم قائلون به في الفريق الثاني فكذلك يلزمهم في الفريق الأول ويتضح مذهبنا اتضاحا جيدا وأنا لم نخالف قاعدة بل مشينا على القواعد ويلزم الشافعية إشكال لا جواب لهم عنه وهو أن يكون حدهم الأداء والقضاء في كتبهم الأصولية باطلا لأنهم أطلقوا القول فيها وليس مطلقا على ما زعموا بل يتعين أن يكون الأداء في كتبهم إيقاع العبادة في وقتها الاختياري والقضاء إيقاع العبادة خارج وقتها الاختياري أصل لكنهم في كتب الأصول لم يصنعوا ذلك
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله في هذا الفرق صحيح بناء على تسليم الاصطلاح المتقدم وتصحيح حده
قال وثانيهما الفريق الذي يغلب على ظنهم عدم المكنة في آخر الوقت الاختياري فيؤخرون إلى آخره فإنهم آثمون مع الأداء إذا فعلوا آخر الوقت الاختياري في القامة للظهر مثلا ونحوه من الأوقات الاختيارية قلت قد تقدم أن ذلك ليس بصحيح
قال وتحرر بهذا الفرق زوال ما استشكله الشافعية علينا من الجمع بين الأداء والإثم فإنهم قائلون به في الفريق الثاني فكذلك يلزمهم في الفريق الأول قلت يلزم ذلك كما ذكر لمن
قال به من الشافعية وذلك إذا قال إنه أداء أما إذا قال إنه قضاء فلا يلزمه
قال ويتضح مذهبنا اتضاحا جيدا فإنا لم نخالف قاعدة بل مشينا على القواعد قلت ما قاله هنا صحيح بناء على ما قرر
قال ويلزم الشافعية إشكال لا جواب لهم عنه وهو أن يكون حدهم الأداء والقضاء في كتبهم الأصولية باطلا فإنهم أطلقوا القول فيها إلى قوله لكنهم في كتب الأصول لم يصنعوا ذلك قلت ولا صنعه غيرهم من المالكية وغيرهم فيما علمت وليس بنكير أن يطلق القول والمراد التقييد وغايته أن تقول تجنب ذلك في الحدود أكيد
هامش إدرار الشروق
الأخير من القامة لا يلزمه أن يقول به في المختارين بالأولى إلا إذا قال إنه أداء هو إنما قال أنه قضاء ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم

118
118
الفرق الثامن والستون بين قاعدة الواجب الموسع وبين قاعدة ما قيل به من وجوب الصوم على الحائض
قد اختلف العلماء رضي الله عنهم في وجوب الصوم على الحائض في زمن الحيض مع اتفاقهم على عدم صحة الصوم ولو أوقعته حينئذ وعلى أنها آثمة إذا فعلت فقال القاضي عبد الوهاب من المالكية ووافقه جماعة إن الحيض يمنع من صحة الصوم دون وجوبه ويمنع من صحة الصلاة ووجوبها وقالت الحنفية يجب عليها الصوم وجوبا موسعا يشيرون بهذه التوسعة إلى عدم تحتم الصوم في زمن الحيض حتى لا يجتمع الوجوب والإثم في الفعل فإن الواجب لا يمنع وهذه تمنع من فعله فلا يتصور الوجوب في حقها واحتج الحنفية ومن قال بقولهم بوجوب الصوم عليها بوجوه أحدها قوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه وهي شهدت الشهر فيلزمها الصوم لعموم النص وثانيها أنها تنوي رمضان ولولا تقدم الوجوب لما كان لهذا الصوم برمضان تعلق وثالثها
هامش أنوار البروق
قال الفرق الثامن والستون بين قاعدة الواجب الموسع وبين قاعدة ما قيل فيه من وجوب الصوم على الحائض إلى قوله ويمنع من صحة الصلاة ووجوبها قلت ليس مراد من قال بوجوب الصوم على الحائض أنها مكلفة بإيقاع الصوم في حال الحيض كيف وقد اتفقوا على عدم صحته إن أوقعته وعلى أنها آثمة بذلك ولكن مرادهم أنها مكلفة بالتعويض ومن أيام الحيض التي هي من رمضان ولا يصح أن يقال أن تكليفها بذلك لم يقع في أيام الحيض بل
هامش إدرار الشروق
الفرق الثامن والستون بين قاعدة الواجب الموسع وبين قاعدة ما قيل به من وجوب الصوم على الحائض
وذلك هو أن الواجب الموسع لقضاء رمضان يجب موسعا من شوال إلى آخر شعبان من السنة المستقبلة شرطه أن يمكن فعله في أول أزمنة التوسعة ولا يجب على الحائض الصوم إلا بعد زوال العذر فقط بالإجماع فقد اتفق العلماء رضي الله عنهم على عدم صحة الصوم لو أوقعته زمن الحيض وعلى أنها آثمة إذا فعلت فمراد القاضي عبد الوهاب من المالكية وكل من قال إن الحيض يمنع من صحة الصوم دون وجوبه ويمنع من صحة الصلاة ووجوبها أن الحائض مكلفة زمن الحيض بالتعويض من أيام الحيض التي هي من رمضان ولا يصح أن يقال إن تكليفها بذلك لم يقع في أيام الحيض بل في أيام التعويض إذ لا يلزم أن لا يكون زمن التكليف غير زمن إيقاع الفعل المكلف به وإلا للزم أن لا يكون أحد مكلفا بجملة عبادة مترتبة الأجزاء بل بكل جزء في زمنه وذلك معلوم البطلان
وقد مر في الفرق الحادي والأربعين أن زمن التكليف يكون غير زمن إيقاع الفعل المكلف به فظهر لزوم تقدم زمن التكليف على زمن الإيقاع في العبادات ذوات
119
119
أن القضاء يقدر بقدر الأداء الفائت فأشبه قيم المتلفات القائمة مقام الأعيان المتلفة فكذلك هذا القضاء يقوم مقام الواجب الذي فات فلو لم يجب شيء متقدم لم يكن شيء يقوم هذا القضاء مقامه
والجواب عن الأول أن عموم النص يجب تخصيصه بالدليل الضروري فإن حقيقة الواجب ما لا يمنع من فعله وهذه ممنوعة من الفعل ولما كانت ممنوعة من ذلك دل ذلك على عدم الوجوب عليها بالضرورة وكيف يمكن أن يقال إن صاحب الشرع أوجب على مكلف شيئا ويعاقبه إن لم يفعله ومع ذلك فهو يعاقبه إذا فعل أو لم يفعل
وهذا لم يعهد في الشريعة أصلا ونحن وإن جوزناه على الله تعالى من باب تكليف ما لا يطاق فنحن نقطع بأن الشريعة لم ترد بهذا الجائز بل بالرحمة وترك المشاق والتيسير والإحسان ولذلك قال عليه السلام بعثت بالحنيفية السمحة وإذا كان هذا معلوم النفي بالضرورة من الشريعة المحمدية كان ذلك من أعظم أدلة التخصيص فيتخصص به عموم الآية بالضرورة فلا يستقيم التمسك بها وعن الثاني أنها إنما تنوي رمضان بسبب أن هذا الصوم ليس تطوعا ولا واجبا ابتداء ولا بسبب حدث الآن ولا نذرا ولا كفارة بل من نوع آخر من الصوم غير الأنواع المعهودة في الشريعة فيحتاج إلى نية تميزه عن بقية الأنواع لأن النية إنما شرعت لتمييز العبادات عن العادات ولتمييز مراتب العبادات وسبب هذا الصوم هو الترك في رمضان
هامش أنوار البروق
في أيام التعويض لأنه ليس بلازم أن يكون زمن التكليف غير زمن إيقاع الفعل المكلف به ولو لزم ذلك للزم أن لا يكون أحد مكلفا بجملة عبادة مترتبة الأجزاء بل بكل جزء زمنه وذلك معلوم البطلان قطعا وقد تقدم له تقرير أن زمن التكليف يكون غير زمن إيقاع الفعل المكلف به في الفرق الحادي والأربعين ومن لزوم تقدم زمن التكليف على زمن إيقاع الفعل في العبادات ذوات الأجزاء المترتبة ظهرت صحة قول من يقول بترتب العبادات في الذمم كالديون وظهر بطلان قول من يقول بعدم ترتبها في الذمم بخلاف الديون
قال وقالت الحنفية يجب عليها الصوم وجوبا موسعا يشيرون بهذه التوسعة إلى عدم تحتم الصوم في زمن الحيض حتى لا يجتمع عليها الوجوب والإثم في الفعل فإن الواجب لا يمنع من فعله وهذه تمنع فلا يتصور الوجوب في حقها قلت إن سلم الحنفية منعها من الصوم فكيف يقولون بوجوبه عليها وذلك متناقض إلا أن يعنوا بذلك أن التعويض من أيام رمضان موسع الوقت فذلك صحيح أما أن يعنوا بذلك التوسعة في إيقاع الصوم في أيام الحيض أو غيرها فذلك لا يصح بوجه
هامش إدرار الشروق
الأجزاء المترتبة ومنه تظهر صحة قول من يقول بترتب العبادات في الذمم كالديون وبطلان قول من يقول بعدم ترتبها في الذمم بخلاف الديون وأما قول الأحناف ومن قال بقولهم يجب عليها الصوم وجوبا موسعا محتجين بثلاثة وجوه أحدها قوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه وهي شهدت الشهر فيلزمها الصوم لعموم النص

120
120
فأضيف لسببه ليتميز عن غيره لا لأن الوجوب تقدم بل جعل صاحب الشرع رؤية هلال رمضان سببا لوجوب الصوم على المختارين الذين لا مانع في حقهم وسببا لجعل ترك كل يوم سببا لوجوب فعل يوم آخر بعد رمضان فرؤية الهلال سبب لسببية ترك الصوم ونصب الترك سببا لا يقتضي وجوب الإيقاع فيه بل لو صرح الشارع هكذا
وقال جعلت ترك رمضان عند رؤية الهلال سببا لوجوب مثله خارج رمضان ولا يجب الفعل في رمضان لم يكن ذلك متناقضا ألا ترى أن الصبي والمجنون إذا ترك إخراج قيم المتلفات من أموالهم في زمن الصبا والجنون يكون ذلك الترك سببا لوجوب دفع القيم بعد زوال الصبا والجنون ويكلفون ح بالغرامات من أموالهم في ذممهم مع أنه لم يتقدم عليهم وجوب قبل ذلك وصار الترك سببا للتكليف بعد زوال العذر كذلك هاهنا جعل الترك سببا للوجوب بعد زوال العذر مع عدم التكليف في زمان الترك ويضاف هذا الصوم لذلك الترك ليتميز عن غيره كما تضاف القيمة للإتلاف في زمان الصبا أو الجنون ليتميز هذا المال المدفوع عن غيره من الديون والواجبات ومن النفقات
هامش أنوار البروق
قال واحتج الحنفية ومن قال بقولهم بوجوب الصوم عليها بوجوه أحدها قوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه وهي شهدت الشهر فيلزمها الصوم لعموم النص وثانيها أنها تنوي رمضان ولولا تقدم الوجوب لما كان لهذا الصوم برمضان تعلق وثالثها أن القضاء يقدر بقدر الأداء الفائت فأشبه قيم المتلفات القائمة مقام الأعيان المتلفة فكذلك هذا القضاء يقوم مقام الواجب الذي فات فلو لم يجب شيء متقدم لم يكن شيء يقوم هذا القضاء مقامه والجواب عن الأول أن عموم النص يجب تخصيصه بالدليل الضروري فإن حقيقة الواجب ما لا يمنع من فعله وهذه ممنوعة من الفعل إلى قوله فيتخصص به عموم الآية بالضرورة فلا يستقيم التمسك بها قلت إن أراد بقوله إن حقيقة الواجب ما لا يمنع من فعله ألبتة وإن منع على وجه ما فذلك مسلم ولا يتناول محل النزاع فإنها لم تمنع منه ألبتة في أيام الحيض فقط وإن أراد ما لا يمنع بوجه من الوجوه فذلك ممنوع
قال وعن الثاني أنها إنما نوت رمضان بسبب أن هذا الصوم ليس تطوعا ولا واجبا ابتداء ولا بسبب حدث الآن ولا نذرا ولا كفارة بل هو نوع آخر من الصوم غير هذه الأنواع المعهودة قلت إن أراد بالأنواع المعهودة الأنواع التي سماها فذلك أمر لا يجهله أحد ولا فائدة في ذلك وإن أراد أنه نوع من الصوم غير معهود في الشرع فذلك باطل فإنه صوم معهود في الشرع كسائر أنواعه
هامش إدرار الشروق
وثانيها أنها تنوي رمضان ولولا تقدم الوجوب لما كان لهذا الصوم برمضان تعلق
وثالثها القضاء يقدر بقدر الأداء الفائت فأشبه قيم المتلفات القائمة مقام الأعيان المتلفة فكذلك هذا القضاء يقوم مقام الواجب الذي فات فلو لم يجب شيء متقدم لم يكن شيء يقوم هذا القضاء مقامه فيتعين حيث سلم الأحناف منعها من الصوم في زمن الحيض أن يحمل على أن مرادهم أن التعويض من
121
121
وغيرها من الأموال المتنوعة في الدفع وعن الثالث أن القضاء إنما قدر بقدر المتروك من الصوم لأن صاحب الشرع جعل ترك كل يوم سببا لوجوب صوم يوم بعد رمضان كما قدرت قيم المتلفات بعد البلوغ لزوال الجنون بحسب قدر المتلفات مع انعقاد الإجماع على عدم الوجوب في زمان الصبا والجنون وكذلك هاهنا والحق أنه لا يجب على الحائض شيء من الصوم لأن أقل رتب الواجب أن يؤذن في فعله وهذا لم يؤذن لها في فعله فلا يجب عليها ما لم يؤذن لها فيه وأما قول الحنفية إنه واجب موسع فهو في بادي الرأي يظهر أنه لا يلزمهم محذور لعدم التضييق وعند التحقيق يبطل ما قالوه بسبب أن الواجب الموسع من شرطه إمكان وقوعه في أول أزمنة التوسعة وهذه ممنوعة إجماعا إلى زمن الطهر في جميع زمن الحيض فلا يصح في حقها أنه واجب موسع
ولو صح ما قالوه لصح أن يقال إن الظهر يجب من طلوع الشمس وجوبا موسعا فإنها تفعل بعد الزوال كما تفعل في الصوم بعد زوال العذر ويصح أن يقال إن رمضان يجب من رجب وجوبا موسعا ويفعل بعد انسلاخ
هامش أنوار البروق
قال فيحتاج إلى نية تميزه عن بقية الأنواع لأن النية إنما شرعت لتمييز العبادات عن العادات ولتمييز مراتب العبادات قلت لم تشرع النيات لذلك ولكن شرعت للتقرب بالعبادات لمن أمر بالعبادات وهو أهل لذلك ومن لازم التقرب بها للمعبود الواجب الطاعة أن يتقرب بها على الوجه الذي أمر وللسبب الذي نصب فالتمييز ليس بسبب لشرع النيات بل هو لازم لما شرعت له النيات
قال وسبب هذا الصوم هو الترك في رمضان فأضيف لسببه ليتميز عن غيره لا لأن الوجوب تقدم قلت ولم كان تركها للصوم في رمضان سببا في وجوب الصوم في غيره بنية التعويض منه وكيف يجب التعويض من غير واجب هذا مما لا خفاء ببطلانه بل الصحيح أنه وجب عليها في رمضان لكن تعذر عليها فعل هذا الواجب تعذرا شرعيا وحكم العذر الشرعي كحكم العذر الحسي أما الحسي فكالنوم المستغرق لوقت الصلاة
وأما الشرعي فكمزاحمة واجب تفوت مصلحته إن أخر كما في إنقاذ غريق يستغرق وقت الصلاة وكلا المكلفين بذلك يقضيان بعد الوقت وقد كان الوجوب تعلق بهما عند دخول الوقت واستقر في ذمتهما إلى حين القضاء وليس يشكل وجوب واجب من العبادات في وقت يمتنع إيقاعه فيه على كل من يرى ترتب العبادات في الذمم كالديون وإنما يشكل ذلك على من يفرق بين العبادة والديون
هامش إدرار الشروق
أيام رمضان موسع الوقت لا أن التوسعة في إيقاع الصوم في أيام الحيض أو غيرها لعدم صحة ذلك بوجه إذ كيف يصح قولهم بأنها مكلفة بإيقاع الصوم في حال الحيض وهم يقولون بعدم صحته إن أوقعته وبأنها آثمة بذلك وهل يجامع الوجوب الإثم والواجب لا يمتنع إذ لم يعهد في الشريعة أن صاحب الشرع يعاتب المكلف إذا فعل أو لم يفعل وذلك لأنا وإن جوزنا على الله تعالى ذلك من باب تكليف ما لا يطاق
122
122
شعبان كما يفعل الصوم بعد زوال العذر ولكن هذا كله خلاف الإجماع فلا يصح ما قالوه من الواجب الموسع ويتضح حينئذ الفرق بين الواجب الموسع وبين صوم
هامش أنوار البروق
قال بل جعل صاحب الشرع رؤية الهلال سببا لوجوب الصوم على المختارين الذين لا مانع في حقهم وسببا لجعل ترك كل يوم سببا لوجوب فعل يوم آخر بعد رمضان فرؤية الهلال سبب لسببية ترك اليوم ونصب الترك سببا لا يقتضي وجوب الإيقاع فيه قلت إيقاع صومها في أيام رمضان مسلم أنه ليس بواجب بل هو ممنوع وجعل رؤية الهلال سببا لسببية الترك دعوى وقوله إن نصب الترك سببا لا يقتضي وجوب الإيقاع في اليوم المتروك دعوى أيضا وبالجملة لا حاجة إلى هذه الدعاوى التي لا حجة عليها
قال بل لو صرح الشارع هكذا وقال جعلت ترك رمضان عند رؤية الهلال سببا لوجوب مثله خارج رمضان ولا يجب الفعل في رمضان لم يكن ذلك متناقضا ألا ترى أن الصبي والمجنون إذا ترك إخراج قيم المتلفات من أموالهم في زمن الصبا والجنون يكون ذلك الترك سببا لوجوب دفع القيم بعذر زوال الصبا والجنون ويكلفون ح بالغرامات من أموالهم في ذممهم مع أنه لم يتقدم عليهم وجوب قبل ذلك وصار الترك سببا للتكليف بعد زوال العذر كذلك هاهنا جعل الترك سببا للوجوب بعد زوال العذر مع عدم التكليف في زمن الترك ويضاف هذا الصوم لذلك الترك ليتميز عن غيره كما تضاف القيم للإتلاف في زمن الصبا أو الجنون ليتميز هذا المال المدفوع عن غيره من الديون والواجبات من النفقات وغيرها من الأموال المتنوعة في الدفع قلت إضافة وجوب الصوم بعد رمضان إلى تركه في رمضان مشعر بتعلق الوجوب بالمكلفة بذلك في رمضان وإلا فلا معنى لتلك الإضافة لأنها إن كانت إنما تركت غير واجب فلا شيء عليها وهل عهد في الشرع أن ترك غير الواجب يكون سببا في الوجوب وما سبب هذا الارتباك الموجب لمثل هذا الكلام الواضح الضعف إلا الغفلة عن تقرر العبادات في الذمم عند وجود أسبابها كالديون والغرامات أو التغافل عن ذلك والصبي والحائض وإن كان حالهما مستويا من حيث إنها لا تكلف عند وجود السبب الذي هو رمضان بإيقاع الصوم فيه والصبي أيضا لا يطلب عند وجود السبب الذي هو الإتلاف بإيقاع الغرامة يوم الإتلاف بينهما فرق من جهة أن الصبي خال عن شرط التكليف بخلافها فيصح أن يقال فيها إنها مكلفة باعتبار اتصافها بشرط التكليف ولا يصح أن يقال فيه إنه مكلف بذلك الاعتبار ويصح فيهما معا أن يقال ترتب العوض في ذمتهما يوم وجود السبب والموجب لصحة القول بترتب العوض في ذمتهما وصحة القول بتكليفها دونه أن لفظ التكليف ولفظ الترتيب في الذمة وما أشبه ذلك اختلاف عبارات مبني على اعتبارات والاعتبارات أمور وضعية تتبع المقاصد والله أعلم
قال وعن الثالث أن القضاء إنما قدر بقدر المتروك من الصوم لأن صاحب الشرع جعل ترك يوم سببا لوجوب صوم يوم بعد رمضان إلى قوله فلا يجب عليها ما لم يؤذن لها فيه
هامش إدرار الشروق
إلا أنا نقطع بأن الشريعة لم ترد بهذا الجائز بل بالرحمة وترك المشاق والتيسير والإحسان ولذلك قال عليه الصلاة والسلام
123
123
الحائض أن الواجب الموسع يمكن فعله في أول أزمنة التوسعة وهذه لا يمكن أن تفعل في أول زمن الحيض ولا يكون زمن الحيض من أزمنة التوسعة لها فإن أرادوا بأنه واجب وجوبا موسعا إنه يجب بعد زوال العذر فقط فهذا مجمع عليه فلا يصرحون بالخلاف في المسألة ويقولون إن هذا مذهب يختصون به فظهر الحق واتضح الفرق بفضل الله تعالى
الفرق التاسع والستون بين قاعدة الواجب الكلي وبين قاعدة الكلي الواجب فيه وبه وعليه وعنده ومنه ومثله وإليه
فهذه عشر قواعد في الكلي الذي يتعلق به الوجوب خاصة وهي عشر قواعد كلها
هامش أنوار البروق
قلت إن أراد أنها لم يجب عليها إيقاع الصوم في زمن الحيض فذلك صحيح وقد حكى هو الإجماع على ذلك وإن كان يريد أن الوجوب لم يتعلق بذمتها عند وجود سببه وهو رمضان فهو محل النزاع وقد سبق بيان لزوم تقرر العبادات في الذمم بدليل أوائل إجزاء العبادات ذوات الأجزاء المرتبة مع أواخر أجزائها فإنه لا قائل بأن الوجوب إنما توجه على المكلف عند الشروع في العبادات بأول جزء منها دون سائر أجزائها ثم عند الفراغ من الجزء الأول توجه الوجوب عليه بالجزء الثاني ثم كذلك إلى آخر الأجزاء
قال وأما قول الحنفية إنه واجب موسع فهو في بادئ الرأي يظهر أنه لا يلزمهم محذور إلى آخر الفرق قلت ما قاله في ذلك صحيح
قال الفرق التاسع والستون بين قاعدة الواجب الكلي وبين قاعدة الكلي الواجب فيه وبه وعليه وعنده ومنه وعنه ومثله وإليه إلى آخر قوله فاذكر كل قاعدة على حيالها قلت ما قاله من أن الوجوب في هذه القواعد يتعلق بالكلي لا بالجزئي إن أراد ظاهر لفظه فليس ذلك بصحيح وكيف يتعلق التكليف بالكلي وهو مما لا يدخل في الوجود العيني وإنما يدخل في الوجود الذهني والتكليف إنما يتعلق بالوجود العيني وإن أراد أن الوجوب يتعلق بالكلي أي بإيقاع
هامش إدرار الشروق
بعثت بالحنيفية السمحة وحينئذ فيرجع خلافهم في المسألة لفظيا بل لا وجه لتصريحهم بالخلاف فيها واحتجاجهم لما قالوه بتلك الأوجه الثلاثة فلا داعي إلى الإطالة بالجواب عن تلك الوجوه بتكلف الدعاوى التي لا حجة عليها كما قاله ابن الشاط فافهم والله أعلم
الفرق التاسع والستون بين قاعدة الواجب الكلي وبين قاعدة الكلي الواجب فيه وبه وعليه وعنده ومنه وعنه ومثله وإليه
اعلم أن متعلق خطاب الشرع نوعان
124
124
يتعلق فيها الوجوب بالكلي دون الجزئي وهي متباينة الحقائق مختلفة المثل والأحكام فأذكر كل قاعدة على حيالها ليظهر الفرق بينهما وبين غيرها
اعلم أن خطاب الشرع قد يتعلق بجزئي كوجوب التوجه إلى خصوص الكعبة الحرام والإيمان بالنبي المعين والتصديق بالرسالة المخصوصة كالقرآن وقد لا يعين متعلق التكليف بل يجعله دائرا بين أفراد جنس ويكون متعلق الخطاب هو القدر المشترك بين أفراد ذلك الجنس دون خصوص كل واحد من تلك الأفراد وهو المقصود في هذا الفرق وهو المنقسم إلى عشرة أجناس كما يأتي إن بيانه شاء الله عز وجل
هامش أنوار البروق
ما فيه الكلي بمعنى ما هو داخل تحت الكلي من غير تعرض لتعيين ما وقع به التكليف فذلك صحيح
قال اعلم أن خطاب الشرع قد يتعلق بجزئي كوجوب التوجه إلى خصوص الكعبة إلى قوله وهو المنقسم إلى عشرة أجناس كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى قلت قوله في أثناء هذا الفصل قد لا يعين متعلق التكليف بل يجعله دائرا بين أفراد جنس يشعر بأن مراده بتعلق الوجوب بالكلي أن تعلقه به لا من حيث هو كلي بل من حيث يكون الفعل الموقع من أفراد ذلك الكلي
قال القاعدة الأولى الواجب الكلي هذا هو الواجب المخير إلى قوله والصادق على أشياء مشترك بينها قلت قد سبق أنه يريد أن تعلق التكليف بالمشترك الكلي إنما معناه أن التكليف تعلق بإيقاع شيء مما فيه المشترك الكلي لا بالكلي من حيث هو كلي
قال وهذا القدر المشترك هو متعلق خمسة أحكام إلى قوله فالواجب واجب من غير تخيير والمخير فيه مخير فيه من غير إيجاب قلت ما قاله صحيح غير قوله بل مفهوم أحدها الذي هو قدر مشترك فإنه ليس بصحيح فإن القدر المشترك عنده هو الكلي واحد الأشياء ليس هو المشترك الذي هو الكلي لتلك الأشياء بل أحد الأشياء واحد منها غير معين من الآحاد الصادق عليها ذلك المشترك وقد سبق التنبيه على مثل هذا في مواضع غير هذا
هامش إدرار الشروق
أحدهما جزئي معين كوجوب التوجه إلى خصوص الكعبة الحرام والإيمان بالنبي المعين والتصديق بالرسالة المخصوصة كالقرآن
وثانيهما جزئي غير معين من الجزئيات الداخلة تحت المشترك الكلي فيتعلق حينئذ الخطاب بالكلي لكن لا من حيث إنه كلي ضرورة أن التكليف إنما يتعلق بالوجود العيني والكلي لا يدخل في الوجود العيني وإنما يدخل في الوجود الذهني بل من حيث إن الفعل الموقع من أفراد ذلك الكلي وهذا النوع هو المقصود في هذا الفرق وهو المنقسم إلى عشرة أجناس متباينة الحقائق مختلفة المثل والأحكام يذكر كل جنس منها قاعدة على حيالها ليظهر الفرق بينها وبين غيرها

125
125
القاعدة الأولى الواجب الكلي هذا هو الواجب المخير في خصال الكفارة في اليمين وحيث قيل به فالواجب هو أحد الخصال وهو مفهوم مشترك بينها لصدقه على كل واحد منهما والصادق على أشياء مشترك بينها وهذا القدر المشترك هو متعلق خمسة أحكام الحكم الأول الوجوب فلا وجوب إلا فيه والخصوصات التي هي العتق والكسوة والإطعام متعلق التخيير من غير إيجاب والمشترك هو متعلق الوجوب ولا تخيير فيه فلم يخير الله المكلف بين فعل أحدها وبين ترك هذا المفهوم فإن ترك هذا المفهوم إنما هو بترك جميعها ولم يقل به أحد بل مفهوم أحدها الذي هو قدر مشترك بينهما متعين للفعل متحتم الإيقاع فالمشترك متعلق الوجوب ولا تخيير فيه
هامش أنوار البروق
قال الحكم الثاني المتعلق بهذا المشترك الثواب على تقدير الفعل فإذا فعل الجميع أو بعضه لا يثاب ثواب الواجب إلا على القدر المشترك وما وقع معه يثاب عليه ثواب الندب أو لا يثاب عليه قلت ما قاله من أنه لا يثاب إلا على القدر المشترك ليس بصحيح فإن الثواب إنما يكون على الفعل الذي وقع من المكلف وهذا لم يوقع القدر المشترك ولا يصح منه إيقاعه وإنما أوقع ما كلف أن يوقعه ويصح منه إيقاعه وهو فرد مما يدخل تحت المشترك وتعلق التكليف به على الإبهام ولكن الوجود عينه فإنه لا يتحقق الوجود إلا في المعين وما قاله من أن ما أوقعه مع ذلك يثاب عليه ثواب الندب أو لا يثاب عليه ليس بمسلم فإنه دعوى لم يأت عليها بحجة ولقائل أن يقول يثاب على الزائد ثواب الواجب من حيث إنه إنما يفعله استظهارا وتأكيدا لبراءة ذمته من ذلك الواجب فإن اتفق أن يفعله لغير ذلك القصد فيحتمل أن لا يثاب لأنه إن لم يفعله لذلك لم يفعله لوجه مشروع وما لم يفعل لوجه مشروع فلا دليل على ثبوت الثواب عليه
قال وبحسب ما يختاره إن اختار أفضلها حصل له ثواب الندب على ذلك الخصوص وإن اختار أدناها إن كان بينها تفاوت أو إحداها وليس بينها تفاوت فلا ثواب في الخصوص قلت ما قاله هنا ليس بصحيح بل إنما يثاب ثواب الواجب لا ثواب الندب بعد اختيار أفضلها أو أدناها ولكن يكون ثواب أفضلها ثواب واجب أفضل وثواب أدناها ثواب واجب أدون ولا وجه لدخول الندب هنا وقوله فلا ثواب في الخصوص ليس بصحيح فإن الثواب إنما يكون على ما أوقع ولم يوقع إلا الخصوص
هامش إدرار الشروق
القاعدة الأولى
الواجب الكلي هو الواجب المخير في خصال الكفارة في اليمين المتعلق بالكلي المشترك بينها من حيث صدقه بواحد منها غير معين الذي هو متعلق خمسة أحكام
الحكم الأول الوجوب فلا وجوب إلا في ذلك الواحد المبهم منها فمفهوم أحدها متعين للفعل متحتم الإيقاع لا تخيير فيه وإنما متعلق التخيير الخصوصيات التي هي العتق والكسوة والإطعام فكل واحد منها بخصوصه لا إيجاب فيه نعم لما كان وجود متعلق الوجوب الذي هو الواحد المبهم لا يتحقق إلا في معين كان تعلق التكليف به لكن على الإبهام لا على التعيين الذي اقتضاه تحقق الوجود فلم يكن التعيين الزائد الذي هو متعلق التخيير واجبا فافهم

126
126
والخصوصات متعلق التخيير ولا وجوب فيها فالواجب واجب من غير تخيير والمخير فيه مخير فيه من غير إيجاب الحكم الثاني المتعلق بهذا القدر المشترك الثواب على تقدير الفعل فإذا فعل الجميع أو بعضه لا يثاب ثواب الواجب إلا على القدر المشترك وما وقع معه يثاب عليه ثواب الندب أو لا يثاب عليه بحسب ما يختاره إن اختار أفضلها حصل له ثواب الندب على ذلك الخصوص
وإن اختار أدناها إن كان بينها تفاوت أو إحداها وليس بينها تفاوت فلا ثواب في الخصوص أما ثواب الوجوب فلا يتعلق إلا بالمشترك خاصة فإن القاعدة أن متعلق الوجوب ومتعلق ثوابه يجب أن يتحدا أما إنه يجب شيء ويفعل ويثاب ثواب الواجب على غيره فلا
هامش أنوار البروق
قال أما ثواب الوجوب فلا يتعلق إلا بالمشترك خاصة فإن القاعدة أن متعلق الوجوب ومتعلق ثوابه يجب أن يتحدا أما أنه يجب شيء ويفعل ويثاب ثواب الواجب على غيره فلا قلت ما قاله هنا من أن ثواب الوجوب لا يتعلق إلا بالمشترك ليس بصحيح وقد تقدم بيان ذلك وما قاله من لزوم توارد الوجوب وثوابه على شيء متحد صحيح لكن ذلك إنما هو الفعل الذي أوقعه وليس هو القدر المشترك ولا تعلق الوجوب بالقدر المشترك بل بفرد غير معين مما فيه المعنى المشترك والإيقاع إفادة التعيين
قال الحكم الثالث العقاب على تقدير الترك يجب أن يكون على القدر المشترك الذي هو مفهوم أحدها قلت قد تقدم مرارا أن القدر المشترك ليس مفهوم أحدها
قال فإذا تركه فقد ترك الجميع وتركه لا يتأتى إلا بترك الجميع فإنه إذا ترك البعض وفعل البعض فقد فعل المشترك وهو مفهوم أحدها لأنه في ضمن المعين فيستحق حينئذ العقاب على تركه إذا تركه بترك الجميع لأن متعلق الوجوب يجب أن يكون متعلق العقاب على تقدير الترك ومتعلق الثواب على تقدير الفعل قلت ما قاله من أن ترك الواجب لا يتأتى إلا بترك الجميع صحيح وما قاله من أنه إذا فعل البعض فقد فعل المشترك إنما يعني فعل ما فيه المعنى المشترك لا الكلي وما قاله من أنه مفهوم أحدها
هامش إدرار الشروق
الحكم الثاني ثواب الواجب فلا يتعلق إلا بفعل واحد مبهم مما يدخل تحت المشترك الكلي لكن لما كان لا يتحقق وجوده إلا في المعين كان ثواب الواجب متعلقا بفعل المعين على الإبهام لا على تعيينه الذي اقتضاه تحقق الوجود لكونه زائدا على الإبهام الذي هو متعلق الوجوب وثوابه
نعم لقائل أن يقول يثاب على التعيين الزائد ثواب الواجب من حيث إنه إنما يفعله استظهارا وتأكيدا لبراءة ذمته من ذلك الواجب حتى إنه إذا اختار أفضل الخصال أثيب ثواب واجب أفضل أو أدناها أثيب ثواب واجب أدون فإن اتفق أن يفعله لغير ذلك القصد فيحتمل أن لا يثاب لأنه إن لم يفعله لذلك لم يفعله لوجه مشروع فلا دليل على ثبوت الثواب عليه فافهم
الحكم الثالث العقاب على تقدير ترك ذلك الواجب الذي هو فعل واحد مبهم مما يدخل تحت المشترك
127
127
الحكم الثالث العقاب على تقدير الترك يجب أن يكون على القدر المشترك الذي هو مفهوم أحدها فإذا تركه فقد ترك الجميع وتركه لا يتأتى إلا بترك الجميع فإنه إذا ترك البعض وفعل البعض فقد فعل المشترك وهو مفهوم أحدها لأنه في ضمن المعين فيستحق حينئذ العقاب على تركه إذا تركه ترك الجميع لأن متعلق الوجوب يجب أن يكون متعلق العقاب على تقدير الترك ومتعلق الثواب على تقدير الفعل ولا وجه لمن قال إنه إذا فعل الجميع أثيب ثواب الواجب على أكثرها ثوابا وإذا ترك الجميع عوقب على ترك أدونها عقابا فإن أكثرها ثوابا لو أثيب عليه ثواب الواجب لكان هو الواجب ولتعين الواجب ولم يكن الواجب أحدها لا بعينه فكان يبطل معنى التخيير والتقدير ثبوته
وأما أدونها عقابا فهو قريب من قولنا إنه يعاقب على القدر المشترك لأنه لا أقل من المشترك ولكن
هامش أنوار البروق
فقد تقدم ما فيه وأنه إن كان يعني ما فيه المشترك أو يحويه المشترك فذلك صحيح وإلا فلا وما قاله من أنه يستحق العقاب حينئذ على تركه إذا تركه بترك الجميع صحيح وما قاله من أن متعلق الوجوب يجب أن يكون متعلق العقاب على تقدير الترك ومتعلق الثواب على تقدير الفعل ليس كما
قال فإن متعلق الثواب في الواجب المخير فعل إحدى الخصال المخير فيها ومتعلق العقاب ترك جميعها فليس متعلق الوجوب هو بعينه متعلق الثواب ومتعلق العقاب معا من هذا الوجه إلا أن يريد أن متعلق الوجوب هو متعلق الثواب والعقاب على الجملة فلذلك وجه والله أعلم
قال ولا وجه لمن قال إنه إذا فعل الجميع أثيب ثواب الواجب على أكثرها ثوابا وإذا ترك الجميع عوقب على ترك أدونها عقابا قلت لقائل أن يقول بل لقول قائل ذلك وجه ثبت تقديره في الشريعة من سعة باب الثواب بدليل تضعيف الحسنات وضيق العقاب بدليل عدم تضعيف السيئات فالثواب عن الأكثر ثوابا والعقاب على الأدون عقابا مناسب لتلك القاعدة
قال فإن أكثرها ثوابا لو أثبت عليه ثواب الواجب لكان هو الواجب ولتعين الواجب ولم يكن الواجب أحدها لا بعينه فكان يبطل معنى التخيير والتقدير ثبوته قلت إن أراد بقوله ولتعين الواجب باعتبار تعلق الوجوب فذلك ممنوع وكيف يتعين باعتبار تعلق الوجوب وقد فرض غير متعين هذا ما لا يصح بوجه وإن أراد ولتعين الواجب باعتبار الوجود
هامش إدرار الشروق
الكلي لا يتأتى إلا بترك الجميع إذ بفعل البعض يتحقق متعلق الوجوب وثوابه الذي هو الواحد المبهم في ضمن المعين فإذا ترك الجميع عوقب على ترك أدونها عقابا بخلاف ما إذا فعل الجميع فإنه يثاب ثواب الواجب على أكثرها ثوابا نظرا لقاعدة سعة الثواب بدليل تضعيف الحسنات وقاعدة ضيق باب العقاب بدليل عدم تضعيف السيئات فالثواب على الأكثر ثوابا والعقاب على الأدون عقابا هو المناسب لقاعدتيهما المذكورتين فافهم
الحكم الرابع براءة الذمة من الواجب الذي متعلقه واحد مبهم مما يدخل تحت المشترك الكلي فإنما تحصل بما أوقعه مما فيه المشترك سواء كان الموقع جميع الخصال أو شيئا منها من حيث إن الواحد المبهم
128
128
تشخيصه في خصلة معينة له فيقال هذا أقلها عقابا له وهي متعلق العقاب على تقدير الترك يقتضي أنها هي بعينها متعلق الوجوب فيبطل معنى التخيير والتقدير ثبوته هذا خلف بل التصريح بالقدر المشترك في ذلك هو الصواب الحكم الرابع المتعلق بالقدر المشترك براءة الذمة فلا تبرأ إلا بالقدر المشترك الذي هو مفهوم أحدها فإذا فعل الجميع أو شيئا معينا منها إنما تبرأ ذمته من ذلك بالقدر المشترك لأن الواجب هو سبب براءة الذمة من الواجب إذا وقع بعينه ولا تبرأ الذمة من الواجب بشيء غيره ألبتة ولذلك نقول فيمن صلى الظهر إنما برأت ذمته بالقدر المشترك بين صلاته هذه وجميع صلوات الناس وهو مفهوم الظهر من حيث هو ظهر أما خصوص هذا
هامش أنوار البروق
فذلك مسلم ولا بد منه فإن الوجود يستلزم التعيين بخلاف الوجوب فإنه لا يستلزم ذلك والسبب في ذلك أن الوجوب أمر إضافي والوجود أمر حقيقي والثواب والعقاب أمران حقيقان لا يترتبان إلا على الأمر الحقيقي فهما يستلزمان ما يترتبان عليه وتعيينه وإنما أوقع شهاب الدين في هذا الإشكال ذهاب وهمه إلى أن التعيين في الوجود يستلزم التعيين في الوجوب وليس الأمر كذلك على ما بينته آنفا
قال وأما أدونها عقابا فهو قريب من قولنا إنه يعاقب على القدر المشترك لأنه لا أقل من المشترك قلت ما قاله من أن قول القائل إنه يعاقب على أدونها عقابا قريب من قول القائل إنه يعاقب على القدر المشترك لأنه لا أقل من المشترك ليس بصحيح لأن المشترك الذي هو الكلي لا يلحقه وصف القلة والكثرة ولا ما أشبههما من الأوصاف
قال ولكن تشخيصه في خصلة معينة له فيقال هذه أقلها عقابا وهي متعلق العقاب على تقدير الترك يقتضي أنها هي بعينها متعلق الوجوب فيبطل معنى التخيير والتقدير ثبوته هذا خلف قلت ما قاله من أن تشخيصه خصلة يقال إنها أقلها عقابا يقتضي أنها بعينها متعلق الوجوب ليس بصحيح بل لا يقتضي تشخيصها ذلك ولا يستلزمه
قال بل التصريح بالقدر المشترك في ذلك هو الصواب قلت ليس ما صوبه بصواب وقد سبق بيان ذلك قال الحكم الرابع المتعلق بالقدر المشترك براءة الذمة فلا تبرأ إلا بالقدر المشترك الذي هو مفهوم أحدها
هامش إدرار الشروق
هو متعلق الوجوب متحقق به لا من حيث تعينه إذ لا مدخل للمعين في براءة الذمة من الواجب إلا من حيث إن به تعيين وجود الواجب لا من حيث إن به تعيين الوجوب فافهم
الحكم الخامس النية فإنما تتعلق بما يختار إيقاعه من حيث إن به يحصل مقتضى التكليف بالمطلق الذي هو الواحد المبهم لا من حيث خصوصه فإذا أعتق في الواجب المخير لا ينوي براءة ذمته ولا فعل الواجب بالعتق من حيث هو عتق بل من حيث إن العتق أحد خصال كفارة اليمين فقط وإذا جمع بين العتق والكسوة والإطعام لا ينوي بالمجموع براءة الذمة ولا فعل الواجب إلا من حيث إن في المجموع أحد الخصال لا من حيث الخصوصيات وبالجملة فهذه الأحكام إنما تتعلق بالمطلق الذي هو واحد مبهم من
129
129
الظهر وهو كونه واقعا في البقعة المعينة وعلى الهيئة المعينة فلا مدخل له في براءة الذمة لأنه لم يدخل في الوجوب وكذلك من صام رمضان إنما تبرأ ذمته من صوم رمضان بما في صومه من القدر المشترك بين صومه هذا وبين صوم عامة الناس وهو مفهوم شهر رمضان
أما خصوص هذا الشهر فلا مدخل له في البراءة كما أنه لا مدخل له في الوجوب فكونه صامه المكلف في البلد المعين أو وهو يأكل الغذاء المعين وغير ذلك من خصوصات ساقط عن الاعتبار في البراءة والوجوب والثواب والعقاب على تقدير الترك وكذلك جميع هذا الباب إنما المعتبر فيه القدر المشترك
هامش أنوار البروق
قلت قد تقدم بيان أن القدر المشترك ليس مفهوم أحدها مرارا عديدة
قال فإذا فعل الجميع أو شيئا معينا منها فلا تبرأ الذمة إلا بالقدر المشترك قلت لا تبرأ الذمة بالقدر المشترك لأنه لا يمكن إيقاعه ولا دخوله في الوجود العيني وإنما تبرأ الذمة بما أوقعه مما فيه المشترك أي قسط منه على ما قرره أهل هذا العلم
قال لأن الواجب هو سبب البراءة من الواجب إذا وقع بعينه ولا تبرأ الذمة من الواجب بشيء غيره ألبتة قلت إن أراد بقوله إذا وقع بعينه إذا وقع وتعين بالوقوع فذلك صحيح وإن أراد بقوله إذا وقع بعينه إذا وقع على حسب ما تعلق به الوجوب فذلك ليس بصحيح فإنه لا يمكن وقوعه كذلك لأن تعلق الوجوب به على سبيل الإبهام وليس تعلق الوجود به على ذلك الوجه بل على التعيين
قال ولذلك تقول فيمن صلى الظهر إنما برئت ذمته بالقدر المشترك بين صلاته هذه وجميع صلوات الناس وهو مفهوم الظهر من حيث هو ظهر قلت إن أراد ظاهر لفظه وهو أن براءة ذمة مصلي الظهر إنما تقع بصلاته وصلاة غيره فذلك واضح البطلان وذلك يستلزم أن لا تبرأ ذمة زيد حتى يصلي عمرو وغيره من سائر الناس وهذا خطأ فاحش وإن أراد أن براءة ذمة مصلي الظهر إنما تقع بالكلي من حيث هو كلي فهو خطأ أيضا وإن أراد أن براءة ذمة المصلي إنما تقع بصلاته لا من جهة خصوصها بل من جهة أن فيها معنى المشترك فذلك صحيح ولكن هذا الاحتمال بعيد من لفظه ومساق كلامه
هامش إدرار الشروق
خصال كفارة اليمين لا نفس المشترك الكلي كما قيل لكن لما كان الإطلاق عبارة عن الإبهام والإبهام لا يتأتى تحققه في الخارج بل إنما يتأتى فيه عتق رقبة معينة أو إطعام طعام معين أو إعطاء كسوة معينة كان حصول الواجب والثواب عليه وبراءة الذمة منه بنية فعل ذلك الخاص من حيث حصول مقتضى التكليف بالمطلقة به لا من حيث تحقق الإطلاق الذي هو متعلق الأحكام المذكورة فيه كما قيل
إذ كيف يجتمع الإبهام والتعيين فيه وهما نقيضان وليست المطلقات هي الكليات حتى يقال إن المناطقة قد نوعوا الكلي إلى منطقي وعقلي وطبيعي وقالوا المنطقي هو مفهوم الكلي أعني ما لا يمنع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه والطبيعي هو معروضه كمفهوم الإنسان أي حيوان ناطق والعقلي عبارة عن المركب
130
130
الحكم الخامس النية فلا ينوي المكلف إيقاعه بنية الوجوب وأداء الفرض إلا القدر المشترك فهو المنوي فقط دون الخصوصات فإذا أعتق في الواجب المخير لا ينوي براءة ذمته ولا فعل الواجب بالعتق من حيث هو عتق بل لكون العتق أحد الخصال فقط وكذلك إذا جمع بين العتق والكسوة والإطعام لا ينوي فعل الواجب إلا بما في المجموع من القدر المشترك الذي هو أحد الخصال دون الخصوصيات وكذلك إذا فعل واجبا مطلقا في ضمن معين إنما ينوي ذلك المطلق الذي هو في ضمن المعين فمن صلى الظهر مثلا ينوي مفهوم صلاة الظهر الذي هو قدر مشترك بين صلاته وصلاة غيره فيه تبرأ ذمته وهو الذي يتعين عليه نيته فهذه الأحكام الخمسة هي متعلقة بالقدر المشترك دون الخصوصات وهذا هو الحق الذي يندفع به جميع الشكوك
هامش أنوار البروق
قال أما خصوص هذا الظهر وهو كونه واقعا في البقعة المعينة وعلى الهيئة المعينة فلا مدخل له في براءة الذمة لأنه لم يدخل في الوجوب قلت كون الصلاة واقعة في بقعة معينة وعلى هيئة معينة وإن لم يكن له مدخل في الوجوب أي لم تشترط تلك البقعة ولا تلك الهيئة في الوجوب فلم تقع براءة الذمة إلا بتلك الصلاة المقيدة بتلك القيود وذلك لتعيين الوجود لا لتعيين الوجوب
قال وكذلك من صام رمضان إنما تبرأ ذمته من صوم رمضان بما في صومه من القدر المشترك بين صومه هذا وبين صوم عامة الناس وهو مفهوم شهر رمضان أما خصوص هذا الشهر فلا مدخل له في البراءة كما أنه لا مدخل له في الوجوب قلت لو اقتصر على قوله بما في صومه من القدر المشترك كان كلامه كافيا صحيحا لكنه زاد ما أفسده به وهو باقي كلامه وقوله أما خصوص هذا الشهر فلا مدخل له في البراءة كما أنه لا مدخل له في الوجوب من أشد الكلام فسادا وأوضحه بطلانا فإنه يلزم عنه أن شهر رمضان المعين من السنة المعينة لا يتعلق الوجوب بصومه وذلك باطل قطعا
قال فكونه صامه المكلف في البلد المعين أو وهو يأكل الغذاء المعين وغير ذلك من خصوصات ساقط عن الاعتبار في البراءة والوجوب والثواب والعقاب على تقدير الترك وكذلك جميع هذا الباب إنما المعتبر فيه القدر المشترك
هامش إدرار الشروق
من هذين المفهومين واتفق المتقدمون والمتأخرون منهم على أن الماهية مع اتصافها بالكلية واعتبار عروضها لها لا وجود لها في الخارج قال الشيخ ابن سينا إذ لا دليل على وجودها فيه بل بديهية العقل حاكمة بأن الكلية تنافي الوجود الخارجي ا ه
واختلفوا هل يوجد الكلي الطبيعي خارجا بوجود أشخاصه حيث كان من غير ممتنع الوجود في الخارج كشريك الباري ومن غير المعدوم الممكن كالعنقاء أو هو من الأمور الانتزاعية وتحققه في الفرد بالذهن فقط والثاني للمتأخرين والأول للمتقدمين وهو الحق ضرورة أن حقيقة الإنسان مثلا حال اقتران العوارض التي هي خارجة عنها موجودة في الخارج فتكون تلك الحقيقة من حيث هي هي وذاتياتها التي هي متحدة معها موجودة في الخارج وذلك أن الحقيقة لا بشرط شيء ليست
131
131
والأسئلة عن هذه المسألة
فإن قلت القدر المشترك كلي والكلي لا يمكن دخوله في الوجود الخارجي إنما يقع الكلي في الذهن دون الخارج وجميع ما يقع في الخارج إنما هو جزئي أما الكلي فلا يوجد إلا في الذهن وما لا يقع في الخارج لا يجب فعله في الخارج وإلا لزم تكليف ما لا يطاق وإذا لم يكن متعلق الوجوب بطل كونه متعلق الثواب أو العقاب أو البراءة أو النية قلت المشتركات والكليات لا تقع في الأعيان مجردة عن المشخصات والمعينات بل ذلك إنما يوجد في الأذهان
وأما وقوعها في ضمن المعينات فحق فمن أعتق الرقبة المعينة فقد أعتق رقبة مطلقة ومن أخرج الشاة المعينة في الزكاة فقد أخرج شاة مطلقة في ضمن تلك المعينة
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله من أن تلك الخصوصات ساقطة عن الاعتبار إن أراد أن البراءة لم تقع بالمقيد بتلك الخصوصات وكذلك الثواب والعقاب لكون الوجوب لم يتعلق بالمقيد بها فذلك غير صحيح وإن أراد أن البراءة والثواب والعقاب لم يكن كل منها مرتبا على الواجب المفعول أو المتروك مشروطا بتلك الخصوصات بل مرتب على ما عرض له من جهة ضرورة الوجود من تلك الخصوصات وإن لم يقع في تعلق الوجوب اشتراطها فذلك صحيح
قال الحكم الخامس النية فلا ينوي المكلف إيقاعه بنية الوجوب وأداء الفرض إلا القدر المشترك فهو المنوي فقط دون الخصوصات قلت ما قاله من تعلق النية بالقدر المشترك ليس بصحيح بل يتعلق بالخصوص المعين الذي يختار إيقاعه لما فيه من المشترك أو لكونه من المشترك لا بخصوصه
قال فإذا أعتق في الواجب المخير لا ينوي براءة ذمته ولا فعل الواجب بالعتق من حيث هو عتق بل لكون العتق أحد الخصال فقط قلت ما قاله هنا صحيح
قال وكذلك إذا جمع بين العتق والكسوة والإطعام لا ينوي فهل الواجب إلا بما في المجموع من القدر المشترك الذي هو أحد الخصال دون الخصوصات قلت وما قاله هنا صحيح أيضا غير قوله الذي هو أحد الخصال فإن القدر المشترك ليس أحد الخصال
قال وكذلك إذا فعل واجبا مطلقا في ضمن معين إنما ينوي ذلك المطلق الذي هو في ضمن المعين
هامش إدرار الشروق
معينة في حد ذاتها لأن تعينها ليس عينها ولا جزأها بل يمكن أن نلاحظها بشرط لا شيء فتعرض لها الكلية ويكون كليا طبيعيا ويمكن أن تلاحظها بشرط شيء فتعرض لها الجزئية ويكون فردا وحصة فالماهية مع قطع النظر عن الأعراض المخصوصة موجودة وليست بمحسوسة انظر رسالتي السوانح الجازمة في التعاريف اللازمة على أن الإطلاق نظير الكلية في كون بديهية العقل حاكمة بمنافاتها للوجود الخارجي فافهم
القاعدة الثانية
الواجب فيه هو الواجب الموسع كإيجاب الله تعالى الظهر من أول القامة إلى آخرها
132
132
ويدل من حيث العقل على وجود المطلقات في الخارج في ضمن المعينات إن الله تعالى خلق مفهوم الإنسان بالضرورة في الخارج فهو في الخارج إما وحده فقد وجد مطلق الإنسان في الخارج وإما أن يكون في الخارج مع قيد ومتى وجد مع قيد فقد وجد لأن الموجود مع غيره موجود بالضرورة فمطلق الإنسان في الخارج بالضرورة وكذلك القول في جميع الأجناس التي نجزم بأن الله تعالى خلقها ومن قال بأن الله تعالى ما خلق الأجناس من الجماد والنبات والحيوان فقد خالف الضرورة وكذلك أيضا يصح أن يقال إن زيد إنسان في الخارج بالضرورة ونجد الفرق بين هذا الخبر وبين قولنا زيد في الخارج بالضرورة وأن الأول مفيد دون الثاني وكذلك نقول هذا السواد المعين سواد وندرك الفرق بينه وبين قولنا المعين معين
هامش أنوار البروق
قلت هذا هو سبب ارتباكه واختلال أقواله في هذه المسألة وشبهها وهو اعتقاده أن المطلق هو القدر المشترك وذلك ليس بصحيح فإن القدر المشترك هو الحقيقة الكلية والمطلق هو الواحد غير المعين مما فيه الحقيقة قال فمن صلى الظهر مثلا ينوي مفهوم صلاة الظهر الذي هو قدر مشترك بين صلاته وصلاة غيره فبه تبرأ ذمته وهو الذي تعين عليه نيته إلى آخر قوله في هذا الحكم قلت إن أراد ظاهر لفظه وهو أن ينوي إيقاع المشترك من حيث هو مشترك فذلك غير صحيح وإن أراد أن ينوي إيقاع المعين لما فيه من المشترك فذلك صحيح
قال فإن قلت القدر المشترك كلي والكلي لا يمكن دخوله في الوجود الخارجي إلى قوله وأما وقوعها في ضمن المعينات فحق قلت ما قاله هنا من أن وقوعه ضمن المعينات حق وإن أراد وقوعها كليات فليس بصحيح وإن أراد وقوع ما فيه قسط من الكلي أوما هو داخل تحت الكلي فذلك صحيح
قال فمن أعتق الرقبة المعينة فقد أعتق رقبة مطلقة ومن أخرج الشاة المعينة في الزكاة فقد أخرج شاة مطلقة فمن ضمن تلك المعينة قلت إن أراد أنه أعتق الرقبة المطلقة من حيث هي مطلقة فذلك ليس بصحيح فإن الإطلاق هو الإبهام وهو مناقض للتعيين فكيف يجتمع النقيضان وإن أراد أنه أعتق الرقبة المعينة فحصل بها مقتضى التكليف بالمطلقة فذلك صحيح
هامش إدرار الشروق
وقد اختلف الفقهاء في القول به وبجحده وعلى الأول إذا قصد التأخير لوسط الوقت أو آخره فهل يجوز له ذلك بغير بدل هو العزم لعدم دليل عليه إذ الدليل إنما هو على الصلاة فوجب نفيه أو لا بد من العزم على الفعل في بقية الوقت لأن من أمره سيده فلم يفعل ولم يعزم على الفعل في مستقبل الزمان يعد معرضا عن أمر سيده والإعراض عن الأمر حرام وما يندفع به الحرام واجب فالعزم واجب قولان ثالثها للغزالي وجوب العزم على من خطر بباله الفعل والترك لأنه إن لم يعزم على الفعل عزم على الترك بالضرورة بخلاف الغافل عن الفعل والترك قال ابن الشاط والصحيح أن لا حاجة إلى بدل أصلا وعلى الثاني ففي متعلق الوجوب خمسة مذاهب
133
133
ويدرك الإنسان من نفسه أنه ثبت له مفهوم الجسم ومفهوم الحيوان ومفهوم الإنسان ومفهوم الممكن ومفهوم المخلوق وجميع هذه الكليات المشتركة يجزم كل عاقل بثبوتها له بالضرورة من غير عكس فجحد كون الكليات والمشتركات موجودة في الخارج في ضمن المعينات خلاف الضرورة فهذا هو تلخيص قاعدة الكلي الواجب وبه يظهر الفرق بينه وبين ما بعده من الكليات
القاعدة الثانية
الواجب فيه وهذا هو الواجب الموسع فإذا أوجب الله تعالى الظهر من أول القامة إلى آخرها فقد اختلف العلماء فيه على سبعة مذاهب وتحريرها أن القائل قائلان قائل بالوجوب الموسع وقائل بجحده والأولون لهم قولان أحدهما أنه يفتقر إلى العزم إذا تأخر والآخر أنه لا يفتقر ولا يجب العزم فهذان قولان والقائلون بجحده منهم
هامش أنوار البروق
قال ويدل من حيث العقل على وجود المطلقات في الخارج في ضمن المعينات أن الله تعالى خلق مفهوم الإنسان بالضرورة في الخارج قلت قوله هذا جار على فاسد اعتقاده الذي لم يزل يرده وهو أن الكليات هي المطلقات وقد وقع التنبيه على ذلك مرارا وقوله إن الله تعالى خلق مفهوم الإنسان بالضرورة في الخارج غير صحيح عند جمهور مثبتي الكلي وصحيح عند بعضهم فإن جمهور القائلين بالكلي مطبقون على أنه لا وجود له في الخارج وقد نوع بعضهم الكلي إلى منطقي وعقلي وطبيعي وجزم بأن المنطقي لا وجود له في الخارج وأن الطبيعي له وجود في الخارج وأن العقلي مختلف فيه
قال فهو في الخارج إما وحده فقد وجد مطلق الإنسان في الخارج وأما أن يكون في الخارج مع قيد ومتى وجد مع قيد فقد وجد قلت لا كلام أشد فسادا من هذا الكلام فإنه إن حمل قوله بأن المطلق موجود في المقيد على أنه يريد المطلق حقيقة والمقيد حقيقة فذلك بين البطلان والفساد فإنه كيف يجتمعان معا في الوجود الخارجي وهما نقيضان وإن حمل قوله ذلك على أنه يريد بالمطلق الكلي فذلك باطل أيضا فإنه كيف يجتمع الكلي بما هو كلي والجزئي بما هو جزئي معا في شيء واحد في الوجود الخارجي وهما نقيضان أيضا هذا كله كلام من لم يحصل هذه العلوم ولا أشرف على هذه المباحث بوجه أصلا
قال لأن الموجود مع غيره موجود بالضرورة
هامش إدرار الشروق
المذهب الأول لبعض الشافعية أن متعلقه أول الوقت مستندا إلى أن الوجوب ينافي جواز التأخير وأن الزوال سبب الوجوب والأصل ترتب المسبب على سببه فيكون الوجوب أول الوقت وما يقع بعد ذلك قضاء يسد مسد الأداء ويرد عليه أن الإذن في تفويت الأداء لفعل القضاء من غير ضرورة خلاف قواعد الشرع وإنما المعهود في قواعد الشريعة أن الإذن في ذلك إنما يكون لأجل العذر كضرورة السفر أو المرض في رمضان أو غيره من العبادات
المذهب الثاني لبعض الحنفية أن متعلقه آخر الوقت مستند إلى أن ثبوت خصيصة الشيء يستدل به على عدم ثبوته وعدم خصيصته يستدل به على عدمه والعقاب على تقدير الترك من خصائص الوجوب وهو
134
134
بعض الشافعية قال يتعلق الوجوب بأول الوقت معتمدا على أن الوجوب مع جواز التأخير متنافيان والأصل ترتب المسبب على سببه والزوال سبب فيكون الوجوب الذي هو مسببه أول الوقت وما يقع بعد ذلك قضاء يسد مسد الأداء فهذا مستنده ويرد عليه أن الإذن في تفويت الأداء لفعل القضاء من غير ضرورة خلاف قواعد الشرع نعم يجوز الإذن في تفويت الأداء لفعل القضاء لضرورة السفر أو المرض كما في رمضان أو غيره من العبادات التي يجوز ترك أدائها للقضاء لأجل العذر أما لغير عذر فغير معهود في الشريعة وأخفق الناس كلهم على جواز تأخير الصلاة عن أول الوقت فهذا مستند هذا المذهب وما عليه من القول المذهب الثاني لبعض الحنفية أن الوجوب متعلق بآخر الوقت ومستنده أنا نستدل بثبوت خصيصة الشيء على ثبوته وبعدم
هامش أنوار البروق
قلت ذلك صحيح لكن وجود المطلق بما هو مطلق مع المقيد ووجود الكلي بما هو كلي مع الجزئي في الوجود الخارجي ممتنع فدليله لا يتناول محل النزاع
قال فمطلق الإنسان في الخارج بالضرورة قلت قد تبين أن دليله لم ينتج مقصوده
قال وكذلك القول في جميع الأجناس التي تجزم بأن الله تعالى خلقها ومن قال بأن الله تعالى ما خلق الأجناس من الجماد والنبات والحيوان فقد خالف الضرورة قلت ذلك مبني على اختلاف المذاهب فمن أنكر الكليات أنكر تلك الضرورة وكذلك من أثبتها في الخارج أيضا قال وكذلك يصح أيضا أن يقال إن زيدا إنسان في الخارج بالضرورة ونجد الفرق بين هذا الخبر وبين قولنا زيد في الخارج بالضرورة وأن الأول مفيد دون الثاني قلت ذلك غير صحيح بل هما مفيدان لكن الأول أفاد ما ليس بمعلوم ولا صدق والثاني أفاد ما هو معلوم وصدق
قال وكذلك نقول هذا السواد المعين سواد وندرك الفرق بينه وبين قولنا المعين معين قلت لا فرق بينهما في عدم الفائدة
قال ويدرك الإنسان من نفسه أنه ثبت له مفهوم الجسم ومفهوم الحيوان ومفهوم الإنسان ومفهوم
هامش إدرار الشروق
منتف في غير آخر الوقت وثابت في آخره فيستدل بثبوته آخر الوقت على ثبوت الوجوب آخر الوقت وبنفيه في غير آخر الوقت على نفي الوجوب في غير آخر الوقت فإذا وقع الفعل قبل آخر الوقت كان نفلا يسد مسد الفرض ويرد عليه أن إجراء ما ليس بواجب عن الواجب خلاف القواعد
المذهب الثالث للكرخي أن متعلقه آخر الوقت أيضا إلا أنه بطريقة أخرى وهي أن المكلف إذا عجل الفعل فإن جاء آخر الوقت وهو موصوف بصفات المكلفين كان فعله واجبا فما أجزأ عن الواجب إلا واجب وإن جاء آخر الوقت وهو غير موصوف بها كان نفلا لأنه وقع قبل وقت الوجوب وسبب اختياره هذه الطريقة الخروج من عهدة ما أورد على من قال من الحنفية بتعلق الوجوب بآخر الوقت من
135
135
خصيصة الشيء على عدمه
ومن خصائص الوجوب العقاب على تقدير الترك ووجدنا هذه الخصيصة منتفية في غير آخر الوقت فقلنا بنفي الوجوب في غير آخر الوقت ووجدناها آخر الوقت فقلنا بالوجوب في آخر الوقت وإن وقع الفعل قبل ذلك كان نفلا يسد مسد الفرض ويرد عليه أن إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب خلاف القواعد والمذهب الثالث مذهب الكرخي أن الفعل موقوف إذا عجله المكلف فإن جاء آخر الوقت وفاعله موصوف بصفات المكلفين كان فعله هذا واجبا فما أجزأ عن الواجب إلا واجب وإن لم يكن موصوفا بصفات المكلفين كان نفلا لأنه وقع قبل وقت الوجوب وسبب هذا المذهب عند الكرخي أن من الحنفية من يقول يتعلق الوجوب بآخر الوقت ورأى ما ورد على الحنفية من إجزاء النفل عن الفرض فاختار هذه الطريقة ويرد عليه أن يكون الفعل
هامش أنوار البروق
الممكن ومفهوم المخلوق وجميع هذه الكليات المشتركة يجزم كل عاقل بثبوتها له بالضرورة من غير عكس قلت لم يجزم كل عاقل بذلك بل من العقلاء من جزم بنفيها جملة عن الوجودين معا وزعم أن الشركة لم تقع إلا في مجرد الألفاظ لا في المعاني ومنهم من جزم بإثباتها في الأذهان وهم جمهور المثبتين ومحققوهم ومنهم من أثبتها في الأعيان وقوله من غير عكس إن أراد أن هذا العاقل الذي جزم بثبوت هذه الكليات له لم يثبت لها فذلك غير صحيح لأن الفرض خلاف ذلك فإنه قد فرض ثابتا وإن أراد أنه لا يلزم ثبوت كل جزئي في الإمكان لكل كلي ويكون ثبوته في الخارج أي لا يلزم حصول جميع الممكنات في الوجود فذلك صحيح
قال فجحد كون الكليات والمشتركات موجودة في الخارج في ضمن المعينات خلاف الضرورة إلى آخر كلامه في هذه القاعدة قلت قد تبين ما في ذلك من الخلاف وتبين على قول الجمهور بإثبات الكليات في الأذهان أن وجودها في الجزئيات ليس على أنها على حقيقتها من كونها كلية بل على أن في الجزئيات قسطا من الكليات يختص كل جزئي بقسط لا يصح أن يختص به جزئي سواه
قال القاعدة الثانية الواجب فيه وهذا هو الواجب الموسع إلى آخر ما قال فيه
قلت ما قاله من حكاية المذاهب ورد ما رده منها صحيح وما مال إلى تحسينه من قول الغزالي ليس
هامش إدرار الشروق
إجزاء النفل عن الفرض كما علمت مع أنه يرد عليه أن كون الفعل حالة الإيقاع لا يوصف بكونه فرضا ولا نفلا ولا تتعين فيه نية لأحدهما خلاف المعهود في القواعد
المذهب الرابع لبعض الحنفية أيضا أن متعلقه آخر الوقت حيث لم يعجل المكلف الفعل بعد فعله آخر الوقت فصار آخر الوقت موصوفا بالوجوب فإن عجل المكلف الفعل لم يكن آخر الوقت موصوفا بصفة الوجوب فالتعجيل مانع من تعليق الوجوب بآخر الوقت فلم يجز نفل عن فرض ولم يكن الفعل المعجل موقوفا بل ينوي به النفل نعم يرد عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم لم يطيعوا الله تعالى بصلاة واجبة ولا أثيبوا ثواب الواجب على شيء منها وذلك حظ عظيم يفوت عليهم لا سيما وقد قال عليه الصلاة
136
136
حالة الإيقاع لا يوصف بكونه فرضا ولا نفلا ولا تتعين فيه نية لأحدهما خلاف المعهود في القواعد
والمذهب الرابع للحنفية أيضا أن المكلف إن عجل الفعل منع تعجيله من تعليق الوجوب بآخر الوقت فلا يجزئ نفل عن فرض ولا يكون موقوفا بل ينوي به النفل وإن لم يعجله كان آخر الوقت واجبا موصوفا بصفة الوجوب فلا يرد عليه ما ورد على الكرخي ويرد عليه أن النبي عليه السلام وأصحابه رضي الله عنهم لم يطيعوا الله تعالى بصلاة واجبة ولا أثيبوا ثواب الواجب على شيء منها وذلك حظ عظيم يفوت عليهم لا سيما مع قوله عليه السلام عن ربه عز وجل ما تقرب إلي عبد أو أحد بمثل أداء ما افترضته عليه ولا يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه الحديث المشهور فثواب الواجبات هو أفضل المثوبات فالقول بفواته عليهم محذور كبير
المذهب الخامس حكاه سيف الدين في الأحكام أن الوجوب متعلق بوقت الإيقاع أي وقت كان أوله أو وسطه أو آخره فلا يلزم شيء من الإشكالات المتقدمة ويرد عليه أن شأن الوجوب أن يكون متقدما على الفعل ويكون الفعل متأخرا عن الوجوب وتابعا أما كون الوجوب تابعا للفعل فغير معهود في الشريعة وعنده الوجوب في هذا الوقت وتحتم الإيقاع فيه تابع للفعل فكان ذلك على خلاف القواعد فهذا هو مستند كل واحد منها وما فيه من المخالفات للقواعد فلم يبق إلا القولان اللذان في التوسعة والقول فيهما أن الوجوب في الخارج متعلق بالقدر المشترك بين أجزاء القامة الكائنة بين طرفي القامة كالواجب المخير ومعنى ذلك أن صاحب الشرع قال صل إما في أول الوقت أو في وسطه أو في آخره فالواجب الصلاة في أحد هذه الأزمنة وهو قدر مشترك بينهما كما أن الواجب في الموسع هو أحد الخصال فيكون الوجوب مرتبا على الزوال في القدر المشترك ويجوز التأخير لبقاء المشترك
هامش أنوار البروق
بصحيح إنما الصحيح أن لا حاجة إلى بدل أصلا وما قاله من تعلق الوجوب بالقدر المشترك إن أراد
هامش إدرار الشروق
والسلام عن ربه عز وجل ما تقرب إلي عبد أو أحد بمثل أداء ما افترضته عليه ولا يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه الحديث المشهور وبالجملة فثواب الواجبات هو أفضل المثوبات والقول بفواته عليهم محذور كبير
المذهب الخامس حكاه سيف الدين في الأحكام أن متعلقه وقت الإيقاع أي وقت كان أوله أو وسطه أو آخره فلا يلزم شيء من الإشكالات المتقدمة لكن يرد عليه أن القواعد تقتضي أن يكون الوجوب متقدما على الفعل والفعل متأخرا عنه وتابعا له وهذا المذهب جعل تحتم الإيقاع في الوقت تابعا للفعل على خلاف القواعد فظهر أن في كل من الأقوال الخمسة المبنية على جحد التوسعة مخالفات للقواعد ولم يبق غير مخالف لقاعدة ما بل تجتمع أسباب القواعد كلها فيه إلا الأقوال الثلاثة المبنية على التوسعة وأن الوجوب متعلق بالمطلق أعني جزءا مبهما من الأجزاء الكائنة بين طرفي القامة كالواجب المخير ومعنى
137
137
ويبرأ بالفعل أول الوقت لوجود المشترك فيه وأي وقت فعل فيه صادف المشترك فلا يلزم تأخير المسبب عن سببه ولا أن الفعل بعد أول الوقت قضاء وأوله نفل ينوب مناب الفرض ولا يلزم مخالفة قاعدة من تلك القواعد التي لزمت الأقوال الأول بل تجتمع أسباب تلك القواعد كلها
وهذا هو الحق غير أن أرباب هذا المذهب اختلفوا إذا قصد التأخير لوسط الوقت أو آخره هل يجوز ذلك لغير بدل هو العزم لأن الأمر ما دل إلا على الصلاة أما هذا العزم فلم يدل عليه دليل فوجب نفيه أو لا بد من العزم على الفعل في بقية الوقت لأن من أمره سيده فلم يفعل ولم يعزم على الفعل في مستقبل الزمان يعد معرضا عن أمر سيده والإعراض عن الأمر حرام وما يندفع به الحرام واجب فالعزم واجب واختار الغزالي طريقة وسطى وهي الفرق بين الغافل عن الفعل والترك لا يجب عليه العزم وبين من خطر بباله الفعل والترك فهذا إن لم يعزم على الفعل عزم على الترك بالضرورة فيجب عليه العزم على الفعل وهي طريقة حسنة
فرع
مرتب إذا قلنا بالتوسعة فهل ذلك مشروط بسلامة العاقبة فإن مات قبل الفعل فقد أخر مختارا يأثم وهو قول الشافعية أو لا يأثم لأن صاحب الشرع أذن له في التأخير فهو فعل ما أذن له فيه وفعل المأذون فيه لا إثم فيه والأصل عدم اشتراط سلامة العاقبة وهو مذهب المالكية وهو الصحيح من جهة النظر فهذا هو قاعدة الواجب فيه وهو القدر المشترك وهو كلي لا جزئي على المذهبين الأخيرين
القاعدة الثالثة الواجب به وهو سبب وتقديره أن الله تعالى جعل مطلق زوال الشمس سبب وجوب الظهر متى وجد في أي يوم كان وكذلك بقية أوقات الصلوات وجعل مطلق الإتلاف سببا لوجوب الضمان ومطلق ملك النصاب موجبا لوجوب الزكاة أما خصوص كونها هذه الدنانير أو تلك الدنانير فلا مدخل له في وجوب الزكاة فلو
هامش أنوار البروق
الكلي فليس ذلك بصحيح وإن أراد تعلق الوجوب بفرد مما فيه المشترك فذلك صحيح وما اختاره وصححه ونسبه إلى المالكية في مسألة المؤخر الذي يموت قبل الفعل صحيح
هامش إدرار الشروق
ذلك أن صاحب الشرع قال صل إما في أول الوقت أو في وسطه أو في آخره فالواجب الصلاة في أحد هذه الأزمنة غير معين كما أن الواجب المخير في كفارة اليمين هو أحد الخصال غير معين فيكون الوجوب مرتبا على الزوال في جزء مبهم مما بين طرفي القامة فأي جزء صلى فيه صادف المطلق الذي تعلق به الوجوب ولم يلزم تأخير المسبب عن سببه ولا أن الفعل بعد أول الوقت قضاء ولا أنه في أوله نفل ينوب مناب الفرض حتى يكون مخالفا لقاعدة من تلك القواعد التي لزمت مخالفتها للأقوال الخمسة المارة فالقول بالتوسعة هو الحق وقد مر عن ابن الشاط أن الصحيح من الأقوال الثلاثة فيما إذا قصد المكلف التأخير لوسط الوقت أو آخره القول بأنه لا حاجة إلى بدل أصلا وبقي أنه على القول بالتوسعة هل يشترط سلامة العاقبة فإن مات قبل الفعل وقد أخر مختارا يأثم أو لا يشترط سلامة العاقبة فلا يأثم
138
138
قدر نصاب مكان نصاب في ملك المزكي لم يختلف الحكم وكذلك إتلاف بدل إتلاف فالمنصوب سببا إنما هو المطلق الذي هو قدر مشترك بين النصب والخصوصات ساقطة عن الاعتبار في وجوب الزكاة وكذلك كل سبب يقتضي ثبوته الثبوت فهذا كله مشترك وهو واجب به أي بسببه
القاعدة الرابعة والواجب به وهو أداة يفعل بها فإن الباء كما تكون سببية تكون للاستعانة نحو كتبت بالقلم ونجرت بالقدوم فالواجب به الذي هو أداة في الشريعة له مثل أحدها الماء الذي يتوضأ به ويغتسل فإنه ليس سببا للوجوب بل هو أداة يعمل بها الفعل وسبب الطهارة إنما هو الحدث وكذلك التراب في التيمم أداة وليس سببا وثانيها الثوب للسترة في الصلاة لم يوجب الله تعالى السترة بثوب معين بل بمطلق الثوب الذي هو قدر مشترك بين جميع الثياب كما لم يوجب الطهارة بماء معين بل بالقدر المشترك بين جميع المياه وكذلك نجيب عن مغلطة عادتها تلقى على الطلبة فيقال الوضوء واجب ومن هذه الفسقية المعينة لأن الوضوء واجب بالإجماع وهو لا يجب من غيرها بالإجماع فتعينت هي وإلا لبطل الوجوب وكذلك يقال السترة واجبة بهذا الثوب المعين لأن السترة واجبة بالإجماع وهي لا تجب بغير هذا الثوب المعين بالإجماع لجواز الاقتصار على هذا الثوب فتعين هذا الثوب
وعلى هذا المنوال تورد هذه الشبهات والجواب عنها واحد وهو أن الوجوب إنما يتعلق بالقدر المشترك بين هذه الفسقية وغيرها فإذا لم يكن غيرها واجبا بالإجماع لا تتعين هي بل القدر المشترك بينها وبين غيرها لا هي ولا غيرها وكذلك إذا لم تجب السترة بغير هذا الثوب لا يتعين هذا الثوب بل القدر المشترك بينه وبين غيره لا هو ولا غيره بل الخصوصات كلها ساقطة عن الاعتبار وثالثها الجمار في النسك أداة يعمل بها الواجب لا أنها سبب الوجوب بل سبب الوجوب
هامش أنوار البروق
قال
القاعدة الثالثة الواجب به وهو سبب
قلت ما قاله من أن الله تعالى جعل زوال الشمس سببا لصلاة الظهر وجعل مطلق الإتلاف سببا
هامش إدرار الشروق
إذا مات قبل الفعل وقد أخر مختارا قولان الأول للشافعية والثاني للمالكية وهو الصحيح من جهة النظر لأن صاحب الشرع أذن له في التأخير وقد فعل ما أذن له فيه وفعل المأذون فيه لا إثم فيه والأصل عدم اشتراط سلامة العاقبة
القاعدة الثالثة
الواجب به أي بسببه كمطلق زوال الشمس جعله الله تعالى سبب وجوب الظهر متى وجد في أي يوم كان وكذلك بقية أوقات الصلوات وكمطلق الإتلاف جعل سببا لوجوب الضمان وكمطلق ملك النصاب جعل سببا لوجوب الزكاة ولا مدخل لخصوص كونها هذه الدنانير أو تلك الدنانير في وجوب الزكاة فلو قدر نصاب مكان نصاب في ملك المزكي لم يختلف الحكم إذ المنصوب سببا إنما هو المطلق الذي هو واحد مبهم من أفراد النصب وكذلك كل سبب وجوب يقتضي بثبوته الثبوت إنما هو المطلق أي فرد مبهم من أفراده وخصوصات أفراده ساقطة عن الاعتبار في ذلك الوجوب فلو
139
139
هو تعظيم البيت لقوله تعالى ولله على الناس حج البيت ولتذكر قصة إبراهيم عليه السلام في ذبح ولده وفدائه بالكبش وأنه هرب منه فلحقه ورماه بالحجارة هناك فشرع رمي الجمار لتذكر تلك الأحوال السنية والطواعية التامة والإنابة الجميلة ليقتدى بهما في ذلك وعلى التقديرين فالجمار ليست سببا بل أداة يفعل بها الواجب ولم يوجب الله تعالى منها شيئا معينا بل القدر المشترك بينها فأي حصاة أخذها أجزأت وسدت المسد وخصوص كل واحدة منها ساقط عن الاعتبار والوجوب متعلق بالقدر المشترك بينهما دون خصوصاتها ورابعها الضحايا والهدايا أدوات يفعل بها الواجب وسبب الوجوب هو أيام النحر في الضحايا والتمتع ونحوه من أسباب الهدي
وأما هذه الأنعام فليست أسبابا للوجوب بل أدوات يفعل بها الواجب ولم يوجب الله تعالى خصوص بدنة دون أخرى بل القدر المشترك بينهما هو المطلوب فأيها فعل سد المسد ولا يفوت بفوات الخصوص مقصد شرعي مع الاستواء في الصفات كما تقدم في الثواب والماء حرفا بحرف وخامسها الرقاب في العتق ليست أسبابا للحكم بل السبب الظهار مثلا أو اليمين أو إفساد صوم رمضان عمدا أو القتل فهذه هي الأسباب وأما الرقاب فهي أدوات يفعل بها الواجب كالماء والسترة ولم يوجب الله تعالى خصوص رقبة دون أخرى مع الاستواء في الصفات بل القدر المشترك بينهما هو متعلق الوجوب وهو واجب به أداة لا واجب به سببا
القاعدة الخامسة الواجب عليه وهو المكلف في فرض الكفاية فإن مقتضى الخطاب فيه التعلق بطائفة غير معينة بل هو بمطلق الطائفة الصالحة لا إيقاع ذلك على الوجه الشرعي وإنما يتعلق الوجوب بالكل حتى لا يضيع الواجب وإلا فالمقصود إنما هو طائفة غير
هامش أنوار البروق
لوجوب الضمان ومطلق النصاب سببا لوجوب الزكاة صحيح وما قاله من أن المطلق هو القدر المشترك ليس بصحيح وقد سبق له هذا مرارا عديدة وقد كان يحتمل أن يحمل ذلك على أن مراده بالقدر
هامش إدرار الشروق
قدر إتلاف بدل إتلاف لم يختلف الحكم بوجوب الضمان
القاعدة الرابعة
الواجب الذي هو أداة يفعل بها الواجب لا سبب للوجوب فإن الباء كما تكون سببية كذلك تكون للاستعانة ككتبت بالقلم ونجرت بالقدوم ولهذا الواجب مثل أحدها مطلق الماء الطهور في الطهارة وضوء كانت أو غسلا أداة يعمل بها الطهارة لا سبب للطهارة لأن سببها إنما هو الحدث وكذلك التراب في التيمم أداة وليس سببا ولا مدخل لعين الماء في وجوب الطهارة ولا لتعين التراب في وجوب التيمم إذ لم يوجب الله تعالى الطهارة بماء معين بل بفرد مبهم من أفراد الماء ولا التيمم بتراب معين بل بفرد مبهم من أفراد التراب
وثانيها مطلق الثواب الذي هو فرد مبهم من أفراد الثياب أداة للسترة الواجبة في الصلاة ولا مدخل للثوب المعين في وجوب السترة إذ لم يوجب الله تعالى السترة بثوب معين بل بمطلق الثوب الذي هو فرد
140
140
معينة وأي طائفة فعلت سدت المسد كالثوب في السترة والماء في الطهارة فالقدر المشترك في الطوائف واجب عليه لأنه المكلف والمكلف يجب عليه لا به ولا فيه فإذا فعلت طائفة سقط عن البقية لتحقق الفعل المشترك بينها وإذا ترك الجميع أثموا لتعطيل المشترك بينها عن الفعل وإذا لم يوجد إلا من يقوم بذلك الواجب تعين الفعل عينا لانحصار المشترك فيه كآخر الوقت في الصلاة وتعذر غير الثوب الموجود في السترة حرفا بحرف
القاعدة السادسة الواجب عنده وله مثل في الشريعة أحدها الشرط فإن الحول إذا دار بعد ملك النصاب وجبت الزكاة لا بالشرط الذي هو دوران الحول بل بالسبب الذي هو ملك النصاب ولكن أثر السبب إنما يظهر عند دوران الحول فدوران الحول واجب عنده لا به ولم يختص حول معين بالوجوب عنده بل مطلق الحول وهذه هي الحقيقة اللغوية من الحول فمتى وجدت بعد ملك النصاب حصل الوجوب عندها لا بها لا لخصوص ذلك الحول بل لمطلق الحول الموجب لحصول التمكن من التنمية في النصاب فالمحصل لمقصود الشرع هو مطلق الحول لا خصوص هذا الحول فالقدر المشترك بين جميع هذه الأحوال هو الواجب عنده كما أن القدر المشترك بين النصب هو الواجب به وثانيها عدم المانع نحو عدم الدين في الزكاة والحيض في الصلاة تجب الزكاة عنده بالسبب الذي هو ملك النصاب أو زوال الشمس في الصلاة لا لعدم الدين ولا لعدم الحيض فعدم الدين والحيض واجب عنده ولم يعتبر صاحب الشرع عدم خصوص دين دون دين ولا خصوص حيض دون حيض بل مطلق الدين ومطلق الحيض فهذا المشترك واجب عنده وثالثها وجوب التيمم عند عدم الماء فإن عدم الماء يجب عنده التيمم وليس هو سبب
هامش أنوار البروق
المشترك واحد غير معين مما فيه المشترك وأن مراده بالمطلق ذلك أيضا لولا أن كثيرا من المواضع التي
هامش إدرار الشروق
مبهم من أفراد الثياب ومن هنا يظهر لك جواب المغالطة التي تلقى عادة على الطلبة فيقال السترة واجبة بهذا الثوب المعين لأن السترة واجبة بالإجماع وهي لا تجب بغير هذا الثوب بالإجماع فتعين هو وإلا لبطل الوجوب أو يقال الوضوء واجب من هذه الفسقية المعينة لأن الوضوء واجب بالإجماع وهو لا يجب من غيرها بالإجماع فتعينت هي وإلا لبطل الوجوب وهكذا إذا أوردت هذه الشبهات على هذا المنوال كان الجواب عنها واحدا وهو أن الوجوب لكل من الوضوء والسترة إنما يتعلق بفرد مبهم داخل تحت القدر المشترك بين هذه الفسقية وغيرها وبين هذا الثوب المعين وغيره فإذا لم يكن غيرها ولا غيره واجبا بالإجماع لا تتعين هي ولا هو فالخصوصات كلها ساقطة عن الاعتبار
وثالثها مطلق الجمار في النسك أداة يعمل بها الواجب لا سبب للوجوب بل سبب الوجوب إما تعظيم البيت لقوله تعالى ولله على الناس حج البيت وإما تذكر قصة إبراهيم عليه
141
141
الوجوب لأن سبب الوجوب للصلاة أوقاتها وأسباب الطهارات الأحداث أما عدم الماء فليس سببا لوجوب التيمم بل الحدث اقتضى إحدى الطهارتين على الترتيب فإن عدمت طهارة الماء تعينت طهارة التراب فعدم الماء واجب عنده لا به ولم يلاحظ صاحب الشرع عدم ماء معين بل عدم الماء الطهور الكافي للطهارة دون خصوص ماء فالقدر المشترك هاهنا واجب عنده
ورابعها وجوب أكل الميتة عند عدم الطعام المباح إذا خاف الهلاك فيجب عليه أكل الميتة لا لأن السبب عدم الطعام المباح بل السبب إحياء النفس وعدم الطعام المباح واجب عنده لأن إحياء النفس اقتضى أحد الغذاءين إما المباح أو الميتة على الترتيب فإذا تعذر المباح تعينت الميتة كاقتضاء الحدث إحدى الطهارتين سواء بسواء ولم يلاحظ صاحب الشرع عدم طعام مباح بعينه بل مطلق الطعام المباح الذي يصلح لإقامة البنية وخامسها عدم الخصلة الأولى من الخصال المرتبة في الكفارة نحو كفارة الظهار فإن تعذر العتق يوجب الصيام وعدم العتق ليس هو سبب الوجوب لأن سبب الوجوب هو الظهار وعدم العتق واجب عنده لا به ولم يلاحظ الشرع عدم رقبة معينة بل عدم مطلق الرقبة الصالحة لبراءة الذمة من الظهار فهذه الأقسام كلها كلي مشترك ليس بجزئي والوجوب فيها متعلق بالقدر المشترك من أفراده وهو كله واجب عنده
القاعدة السابعة الكلي المشترك الواجب منه وله مثل في الشريعة أحدها الجنس المخرج منه زكاة الإبل غنما في الخمس والعشرين إبلا فيما فوقها فإن ذلك جنس كلي يجب الإخراج منه ولم يلاحظ الشرع شاة معينة ولا حقة معينة مع استواء الصفات في الجنس المجزئ بل القدر المشترك الكلي هو متعلق الحكم فقط
هامش أنوار البروق
وقع له فيها ذلك القول يصرح فيها بأن القدر المشترك هو الكلي وهذا يمنع من صحة تأويل كلامه بذلك
هامش إدرار الشروق
السلام في ذبح ابنه وفدائه بالكبش قيل لأن منها أنه هرب منه فلحقه ورماه بالحجارة هناك قلت ولا يخفى ما فيه من المخالفة لقوله تعالى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين فالصواب ما في حاشية شيخنا على توضيح المناسك أن في القصة هو أن الشيطان تعرض للذبيح عليه السلام لما ذهب مع أبيه للذبح وقال له إن أباك يريد أن يذبحك فأمره إبراهيم عليه السلام أن يرجمه بسبع حصيات ا ه فشرع رمي الجمار لتذكر تلك الأحوال السنية والطواعية التامة والإنابة الجميلة ليقتدى بهما في ذلك ولا مدخل لتعين الجمار في وجوب الرمي بل أي حصاة أخذها أجزأت وسدت المسد وخصوص كل واحدة منها ساقط عن الاعتبار
ورابعها مطلق الضحايا والهدايا أدوات يفعل بها الواجب لا سبب للوجوب بل سببه في الضحايا أيام النحر وفي الهدايا التمتع ونحوه من أسباب الهدي ولا مدخل للبدنة المعينة في الوجوب إذ لم يوجب الله تعالى خصوص بدنة دون أخرى بل
142
142
وثانيها الجنس المخرج منه زكاة النقدين وهو النقدان أيضا يجب أن يخرج منهما مقدار ربع العشر زكاة عما يملكه ولم يلاحظ الشرع خصوص دينار ولا درهم وثالثها الجنس المخرج منه زكاة الفطر وهو الحب الذي غالب قوت أهل البلد منه يجب أن يخرج منه صاع عن كل آدمي إلا من استثني في كتب الفقه ورابعها الجنس المخرج منه الكفارات في الإطعام وهو الجنس الذي تخرج منه زكاة الفطر بعينه وخامسها الجنس المخرج منه زكاة الحبوب والثمار يجب أن يخرج من ذلك الجنس مما في الملك أو غيره بأن يحصله بشراء أو غيره ويخرج منه العشر عما ملكه من الحب أو الثمن فهذه الخمسة كلها أجناس كلية ليست معينة يجب الإخراج منها ولم يلاحظ الشارع فيها معينا بل الحكم الذي هو الوجوب متعلق بالقدر المشترك بين تلك المعينات
القاعدة الثامنة الواجب عنه وهو جنس المولى عليه يجب أن يخرج عن كل فرد منه صاع في زكاة الفطر ولم يلاحظ الشارع خصوص شخص دون شخص بل مفهوم الإنسان الموصوف بالصفات التي لأجلها تجب عنه زكاة الفطر كان ذلك المخرج عنه من المحجور عليه بوصية أو حاكم أو ولي بقرابة أو زوجية أو رقيق فتعلق الحكم هو القدر المشترك بين هذه الأجناس دون خصوص عبد معين أو زوجة معينة
القاعدة التاسعة الواجب مثله وله مثالان أحدهما جزاء الصيد في الحج فإنه يجب إخراج مثل الصيد المقتول في الإحرام أو الحرم والمعتبر في ذلك مطلق الغزال ومطلق بقر الوحش دون خصوص ظبي معين أو بقرة معينة بل الواجب منوط بمطلق ذلك
هامش أنوار البروق
قال
القاعدة الرابعة الواجب به وهو أداة يفعل بها فإن الباء كما تكون سببية تكون للاستعانة إلى آخر كلامه في القاعدة
هامش إدرار الشروق
المطلوب فرد مبهم من أفراد القدر المشترك بين هذه البدنة المعينة وغيرها من البدن فأيها فعل سد المسد ولا يفوت بفوات الخصوص مقصد شرعي مع الاستواء في الصفات كما تقدم في الثوب والماء حرفا بحرف
وخامسها مطلق الرقاب في العتق أدوات يفعل بها الواجب لا أسباب للوجوب بل السبب الظهار أو اليمين أو إفساد صوم رمضان عمدا أو القتل ولا مدخل لتعين الرقبة في الوجوب إذ لم يوجب الله تعالى خصوص رقبة دون أخرى مع الاستواء في الصفات بل فرد مبهم من أفراد القدر المشترك بين هذه الرقبة المعينة وغيرها فأي رقبة عتقها سدت المسد كما علمت
القاعدة الخامسة الواجب عليه هو المكلف في فرض الكفاية فإن مقتضى الخطاب فيه التعلق بطائفة
143
143
الجنس الكلي وخصوص كل صيد من كل جنس ساقط عن الاعتبار في الجزاء فهذا الجنس الكلي هو الواجب مثله وثانيهما المتلف المثلي من المكيلات والموزونات تجب غرامة مثله كمن أتلف قفيز قمح يجب عليه غرامة قفيز مثله أو رطل زيت يجب عليه إخراج رطل زيت مثله مع قطع النظر عن خصوص ذلك الرطل الزيت وتعينه بل المعتبر كونه زيتا موصوفا بصفة هي متعلق الأغراض نحو كونه زيتا اتفاقا وزيت بزر كتان ونحو ذلك فهذا هو المعتبر في وجوب إخراج مثله حتى إن أفراد الأرطال من الغلة الواحدة من الزيت سواء في الحكم والمعتبر القدر المشترك بينهما دون خصوص رطل دون رطل وكذلك المثليات المعتبر في الحكم أجناسها وصفاتها العامة دون خصوص المعينات فهذا جنس كلي هو الواجب مثله
القاعدة العاشرة الواجب إليه وله مثل في الشريعة أحدها غروب الشمس في الصوم يجب الصوم إليه والمعتبر من ذلك جنس الغروب من كل يوم أما كونه غروب الشمس من يوم الجمعة أو غيرها فساقط عن الاعتبار في نظر الشرع بل متى تحقق الغروب في أي يوم كأن سقط وجوب الصوم في نظر الشرع وانتقل المكلف إلى تحريم الصوم لوجود مفهوم الغروب في أي يوم كان ولا عبرة بخصوص الأيام فهذا جنس عام كلي يجب الفعل إليه وهو ملابسة ضد الأكل والجماع
وثانيها هلال شوال يجب تتابع الصوم في الأيام إليه كما يجب إيصال الصوم في كل يوم إلى غروب الشمس فمتعلق الحكم هو كونه هلال شوال أما كونه هذا الهلال أو ذلك أو كونه من سنة ستين أو من سنة سبعين فلا عبرة به في هذا الحكم بل مطلق هلال شوال كيف كان من أي سنة كان
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله فيها صحيح غير ما في قوله القدر المشترك على ما سبق
قال
القاعدة الخامسة الواجب عليه وهو المكلف في فرض الكفاية إلى آخر كلامه فيها
هامش إدرار الشروق
غير معينة أي بمطلق طائفة صالحة لإيقاع ذلك على الوجه الشرعي فأي طائفة من الطوائف الصالحة لإيقاع ذلك على وجهه الشرعي الداخلة تحت القدر المشترك بينها وبين غيرها هي المكلفة والمكلف يجب عليه لا به ولا فيه فإذا فعلت سدت المسد كالثوب في السترة والماء في الطهارة وسقط بفعلها الطلب عن بقية الطوائف لتحقق الفعل المشترك بينها وإذا ترك الجميع أثموا لتعطيل المشترك بينها عن الفعل وإذا لم يوجد إلا من يقوم بذلك الواجب تعين الفعل عليه عينا لانحصار المشترك فيه كآخر الوقت في الصلاة وتعذر غير الثوب الموجود في السترة حرفا بحرف
قال
القاعدة السادسة الواجب عنده إلى آخر ما قاله فيها
قلت ما قاله صحيح غير ما قاله من تعلق الوجوب بالكلي المشترك على ما سبق
القاعدة السادسة الواجب عنده له أمثلة في الشريعة أحدها الشرط كدوران مطلق الحول تجب عنده الزكاة بسببها الذي هو ملك النصاب فأثر السبب إنما يظهر عند دوران مطلق الحول الموجب لحصول التمكن من التنمية في النصاب فمطلق الحول هو الواجب عنده لأنه المحصل لمقصود الشرع ولا مدخل
144
144
وثالثها أواخر العدة والاستبراء والإحداد في عدة الوفاة يجب إيصال العدة والاستبراء إلى تلك الغايات وكذلك الإحداد مع قطع النظر عن كون تلك الغاية من سنة معينة بل متعلق الحكم كونه كمال ثلاثة أشهر في عدة الطلاق أو أربعة أشهر وعشرا في عدة الوفاة هذا هو المعتبر وما عداه لغو في هذا الحكم فهذه أجناس عشرة اشتركت
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله صحيح غير ما قاله من تعلق الوجوب بالكل فإنه ليس بصحيح قال
القاعدة السادسة الواجب عنده إلى آخر ما قاله فيها
قلت ما قاله صحيح غير ما قاله من تعلق الوجوب بالكلي المشترك على ما سبق
هامش إدرار الشروق
لخصوص الحول المعين في حصول مقصود الشرع كما أن مطلق نصاب داخل تحت القدر المشترك بين النصب هو الواجب به لا خصوص النصاب المعين
وثانيها عدم المانع كعدم مطلق الدين في الزكاة وعدم مطلق الحيض في الصلاة فتجب الزكاة عند عدم مطلق الدين بسببها الذي هو ملك النصاب والصلاة عند عدم مطلق الحيض بسببها الذي هو زوال الشمس مثلا ولم يعتبر صاحب الشرع في الوجوب عنده عدم خصوص دين دون دين ولا عدم خصوص حيض دون حيض
وثالثها عدم مطلق الماء الطهور يجب التيمم عنده لا به لأن سبب الوجوب للصلاة أوقاتها وأسباب الطهارات الأحداث فالحدث اقتضى إحدى الطهارتين على الترتيب فإن عدمت طهارة الماء تعينت طهارة التراب فعدم مطلق الماء الطهور الكافي للطهارة هو الواجب عنده التيمم لا عدم خصوص ماء لأن صاحب الشرع لم يلاحظ عدم ماء معين
ورابعها عدم مطلق الطعام المباح يجب على المكلف عنده أكل الميتة إذا خاف الهلاك ولا يجب عليه ذلك به بل بخوف الهلاك لوجوب إحياء النفس بدليل ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة فإحياء النفس اقتضى أحد الغذاءين إما المباح وإما الميتة على الترتيب فإذا تعذر المباح تعينت الميتة كاقتضاء الحدث إحدى الطهارتين بلا فرق ولم يلاحظ صاحب الشرع عدم طعام مباح بعينه بل مطلق الطعام المباح الذي يصلح لإقامة البنية وخامسها عدم الخصلة الأولى من الخصال المرتبة في نحو كفارة الظهار كعدم مطلق الرقبة الصالحة لبراءة الذمة من كفارة الظهار يجب عنده الصيام لا به لأن سبب الوجوب الظهار لأن الظهار اقتضى أحد الخصال على الترتيب فإذا تعذرت الأولى تعينت الثانية نظير ما مر ولم يلاحظ صاحب الشرع عدم رقبة معينة
القاعدة السابعة الواجب منه له أمثلة في الشريعة أحدها الجنس المخرج منه زكاة الإبل كانت غنما كما في الخمس والعشرين أو إبلا مطلقا كما فيما فوقها يتعلق وجوب الإخراج منه بمطلق شاة من الغنم في الخمس والعشرين من جنس الإبل ومطلق حقه فيما فوق الخمس والعشرين من جنس الإبل إذ لم يلاحظ الشرع شاة معينة ولا حقة معينة مع استواء الصفات في الجنس المجزئ فافهم
وثانيها الجنس المخرج منه زكاة ما يملكه من النقدين بشرطه يتعلق وجوب الإخراج منه بمطلق النقد ذهبا أو فضة إذ لم يلاحظ الشرع خصوص دينار لا درهم
وثالثها الجنس المخرج منه زكاة الفطر وهو ما كان غالب قوت أهل البلد منه كالحب يتعلق وجوب الإخراج منه بمطلق مكيل صاع عن كل آدمي إلا من استثني في كتب الفقه ورابعها الجنس المخرج منه الكفارات في الإطعام وهو ما تخرج منه زكاة الفطر بعينه
145
145
كلها في تعلق الوجوب بمعنى كلي واختص كل واحد منها بخصوص كما تقدم ككونه فيه وبه وعنه ومنه وإليه وعليه وعنده وبه نجيب عن قول القائل إذا كان الحكم في الأبواب كلها متعلقا بالقدر المشترك فليكن الكل واجبا مخيرا فلم اختلفت الأسماء
هامش أنوار البروق
قال
القاعدة السابعة الكلي المشترك الواجب منه إلى آخر ما قاله فيها
قلت ما قاله في ذلك صحيح غير ما قاله من أن متعلق الحكم هو القدر المشترك الكلي وكذلك ما قال في القاعدة الثامنة والتاسعة والعاشرة غير ما يشعر كلامه من متعلق الحكم بالكلي فإنه ليس بصحيح على ما تقرر مرارا بل الصحيح تعلق الحكم بفرد غير معين مما فيه المعين المشترك فإن عنى ذلك فمراده صحيح
القاعدة الثامنة الواجب عنه هو المولى عليه يجب أن يخرج صاع في زكاة الفطر عن كل فرد مبهم داخل تحت مفهوم الإنسان الموصوف بالصفات التي لأجلها تجب عنه زكاة الفطر من المحجور عليه بوصية أو حاكم أو ولي بقرابة أو زوجية أو رق فمتعلق الوجوب هو الفرد المبهم من أفراد القدر المشترك بين هذه الأجناس دون خصوص عبد معين أو زوجة معينة لأن الشارع لم يلاحظ خصوص شخص دون شخص
القاعدة التاسعة الواجب مثله له مثالان في الشريعة أحدهما جزاء الصيد المقتول في الإحرام أو الحرم أي جزاء مطلق الغزال ومطلق بقر الوحش دون خصوص ظبي معين أو بقرة معينة فالواجب مثله منوط بمطلق ذلك الجنس الكلي وخصوص كل صيد من كل جنس ساقط عن الاعتبار في الجزاء
وثانيهما غرامة مثل مطلق المتلف المثلي من المكيلات والموزونات فمن أتلف قفيز قمح وجب عليه غرامة قفيز مثله من مطلق قمح موصوف بصفة عامة هي متعلق الأغراض ومن أتلف رطل زيت وجب عليه إخراج رطل من مطلق زيت موصوف بصفة هي متعلق الأغراض ككونه زيتا اتفاقا وزيت بزر الكتان ونحو ذلك حتى إن أفراد الأرطال من الغلة الواحدة من الزيت سواء في الحكم والمعتبر الفرد المبهم الداخل تحت القدر المشترك بين سائر الأفراد دون خصوص رطل دون رطل وبالجملة فالمعتبر في الحكم فرد مبهم من أجناس المثليات موصوف بصفاتها العامة دون خصوص المعينات
هامش إدرار الشروق
وخامسها الجنس المخرج منه زكاة الحبوب والثمار يتعلق وجوب الإخراج منه بمطلق عشره سواء كان مما في ملكه أو مما يحصله بشراء أو غيره
القاعدة الثامنة الواجب عنه هو المولى عليه يجب أن يخرج صاع في زكاة الفطر عن كل فرد مبهم داخل تحت مفهوم الإنسان الموصوف بالصفات التي لأجلها تجب عنه زكاة الفطر من المحجور عليه بوصية أو حاكم أو ولي بقرابة أو زوجية أو رق فمتعلق الوجوب هو الفرد المبهم من أفراد القدر المشترك بين هذه الأجناس دون خصوص عبد معين أو زوجة معينة لأن الشارع لم يلاحظ خصوص شخص دون شخص
القاعدة التاسعة الواجب مثله له مثالان في الشريعة أحدهما جزاء الصيد المقتول في الإحرام أو الحرم أي جزاء مطلق الغزال ومطلق بقر الوحش دون خصوص ظبي معين أو بقرة معينة فالواجب مثله منوط بمطلق ذلك الجنس الكلي وخصوص كل صيد من كل جنس ساقط عن الاعتبار في الجزاء
وثانيهما غرامة مثل مطلق المتلف المثلي من المكيلات والموزونات فمن أتلف قفيز قمح وجب عليه غرامة قفيز مثله من مطلق قمح موصوف بصفة عامة هي متعلق الأغراض ومن أتلف رطل زيت وجب عليه إخراج رطل من مطلق زيت موصوف بصفة هي متعلق الأغراض ككونه زيتا اتفاقا وزيت بزر الكتان ونحو ذلك حتى إن أفراد الأرطال من الغلة الواحدة من الزيت سواء في الحكم والمعتبر الفرد المبهم الداخل تحت القدر المشترك بين سائر الأفراد دون خصوص رطل دون رطل وبالجملة فالمعتبر في الحكم فرد مبهم من أجناس المثليات موصوف بصفاتها العامة دون خصوص المعينات
القاعدة العاشرة الواجب إليه له ثلاثة أمثلة في الشريعة أحدها غروب الشمس في الصوم يجب الصوم إلى فرد غير معين من أفراد الغروب من كل يوم فمتى تحقق الغروب في أي يوم كان سقط وجوب الصوم في نظر الشرع وانتقل المكلف إلى تحريم الصوم لوجود مفهوم الغروب في أي يوم كان ولا عبرة بخصوص الأيام في الغروب ككونه غروب شمس يوم الجمعة أو غيرها فهو ساقط الاعتبار في نظر الشرع
وثانيها مطلق هلال شوال كيف كان يجب تتابع الصوم في أيام رمضان إليه كما يجب إيصال الصوم في كل يوم إلى غروب الشمس ولا دخل للحكم في كونه خصوص هذا الهلال أو ذلك أو كونه من سنة ستين أو من سنة تسعين فلا عبرة به في هذا الحكم
وثالثها مطلق غايات العدة والاستبراء والإحداد الموصوف بالصفة العامة ككونه كمال ثلاثة أشهر في عدة الطلاق أو كمال أربعة أشهر وعشر
146
146
فنجيب أن هذا القدر العام الذي هو تعلق بالقدر المشترك قد حصل تحته أيضا أجناس كلية مشتركة بين أفرادها ولكل جنس من هذه الأجناس خصوص عام مشترك فيه بين أفراد ذلك الجنس والأصل إذا اختلفت الحقائق الكلية أو الجزئية أن تختلف الأسماء لغة واصطلاحا حتى تحصل فائدة التعبير عن خصوص كل حقيقة كانت جنسا أو شخصا فهذا تقرير هذا الفرق بين قواعده العشرة
الفرق السبعون بين قاعدة اقتضاء النهي الفساد في نفس الماهية وبين قاعدة اقتضاء النهي الفساد في أمر خارج عنها
هذا الفرق بالغ أبو حنيفة في اعتباره حتى أثبت عقود الربا وإفادتها الملك في أصل
هامش أنوار البروق
قال شهاب الدين الفرق السبعون بين قاعدة اقتضاء النهي الفساد في نفس الماهية وبين قاعدة اقتضاء النهي الفساد في أمر خارج إلى قوله وهذا فقه حسن قلت ما قاله حكاية مذهب وتقريره وذلك صحيح غير ما قاله من أن الماهية المركبة كما تعدم لعدم كل أجزائها تعدم بعدم بعض أجزائها فإن ذلك ليس بصحيح فإنه إذا عدم بعض الأجزاء لم تتركب
هامش إدرار الشروق
في عدة الوفاة هو المتعلق المعتبر في الشريعة لوجوب إيصال العدة والاستبراء والإحداد إليه مع قطع النظر عن كون تلك الغاية من سنة معينة فهذه أجناس عشرة تشترك كلها في تعلق الوجوب بفرد غير معين مما فيه المعنى الكلي المشترك ويختص كل واحد منها بخصوص ككونه فيه وبه وعنه ومنه وعليه وعنده وإليه كما تقدم وبهذا الاختصاص نجيب عن قول القائل إذا كان الحكم في أبواب هذه الأجناس العشرة كلها متعلقا بفرد غير معين مما فيه المعنى المشترك فليكن الكل واجبا مخيرا فلم اختلفت الأسماء فنقول إن هذا القدر العام الذي هو التعلق بفرد غير معين مما فيه المعنى المشترك قد حصل تحته أيضا أجناس كلية مشتركة بين أفراد ذلك الجنس والأصل اختلاف الأسماء لغة واصطلاحا إذا اختلفت الحقائق الكلية أو الجزئية لتحصل فائدة التعبير عن خصوص كل حقيقة كانت جنسا أو شخصا فهذا تقرير هذا الفرق بين قواعده العشرة والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق السبعون بين قاعدة اقتضاء النهي الفساد في نفس الماهية وبين قاعدة اقتضاء النهي الفساد في أمر خارج عنها
مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن النهي إذا كان في ركن من أركان ماهية البيع مثلا التي هي العاقدان والعوضان كالنهي عن بيع الخنزير والميتة وبيع السفيه وتحريره كانت المفسدة في نفس الماهية لأن النهي إنما يعتمد المفاسد كما أن الأمر إنما يعتمد المصالح والمتضمن للمفسدة فاسد وإذا كان أي النهي إنما هو في خارج عنها كالنهي عن بيع نقد بنقد أكثر منه فإن متعلق النهي وصف أحد العوضين بالكثرة لا نفس أحد العوضين كان أصل الماهية سالما عن المفسدة النهي إنما هو في الخارج عنها فلا يقتضي فساد الماهية كما اقتضاه تعلق النهي بركن من أركانها الأربعة قال إذ لو قلنا بالفساد مطلقا لسوينا
147
147
المال الربوي ورد الزائد فإذا باع درهما بدرهمين أوجب العقد درهما من الدرهمين ويرد الدرهم الزائد وكذلك بقية الربويات وبالغ قبالته أحمد بن حنبل في إلغاء هذا الفرق حتى أبطل الصلاة بالثوب المغصوب والوضوء بالماء المسروق والذبح بالسكين المغصوبة وسوى فيه بين موارد النهي وتوسط مالك والشافعي بين المذهبين فأوجبا الفساد في بعض الفروع دون بعض وأنا أذكر حجج الفريقين ثم أذيل بمسائل توضح الفرق
احتج أبو حنيفة رحمه الله بأن النهي إذا كان في نفس الماهية كانت المفسدة في نفس الماهية والمتضمن للمفسدة فاسد فإن النهي إنما يعتمد المفاسد كما أن الأمر إنما يعتمد المصالح كالنهي عن بيع الخنزير والميتة وبيع السفيه وتحريره أن أركان العقد أربعة عوضان وعاقدان فمتى وجدت الأربعة من حيث الجملة سالمة عن النهي فقد وجدت الماهية المعتبرة شرعا سالمة عن النهي فيكون النهي إنما تعلق بأمر خارج عنها ومتى انخرم واحد من الأربعة فقد عدمت الماهية لأن الماهية المركبة كما تعدم لعدم كل أجزائها تعدم لعدم بعض أجزائها فإذا باع سفيه من سفيه خمرا بخنزير فجميع الأركان معدومة
هامش أنوار البروق
تلك الماهية فلا يكون ذلك الجزء المعدوم جزءا منها إلا بالتوهم وبتقدير أن يكون جزءا في غير هذا الفرض أما في هذا فلا وغير ما قاله من أن ذلك الذي قرره عن أبي حنيفة فقه حسن وهو قوله
قال أبو حنيفة أصل الماهية سالم عن المفسدة والنهي إنما هو في الخارج عنها فلو قلنا بالفساد مطلقا لسوينا بين الماهية المتضمنة للفساد وبين السالمة عن الفساد ولو قلنا بالصحة مطلقا لسوينا بين الماهية السالمة في ذاتها وصفاتها وبين المتضمنة للفساد في صفاتها وذلك غير جائز فإن التسوية بين مواطن
هامش إدرار الشروق
بين الماهية المتضمنة للفساد وبين السالمة عن الفساد كما أنا لو قلنا بالصحة مطلقا لسوينا بين الماهية السالمة في ذاتها وصفاتها وبين المتضمنة للفساد في صفاتها وذلك غير جائز فإن التسوية بين مواطن الفساد وبين السالم عن الفساد خلاف القواعد فتعين حينئذ أن يقابل الأصل بالأصل والوصف بالوصف فنقول أصل الماهية سالم عن النهي والأصل في تصرفات المسلمين وعقودهم الصحة حتى يرد نهي فيثبت لأصل الماهية الأصل الذي هو الصحة ويثبت للوصف الذي هو الزيادة المتضمنة للمفسدة الوصف العارض وهو النهي فيفسد الوصف دون الأصل وهو المطلوب ا ه
قال ابن الشاط لقائل أن يقول ليس الأمر كذلك فإن الوصف إذا نهي عنه سرى النهي إلى الموصوف لأن الوصف لا وجود له مفارقا للموصوف فيئول الأمر إلى أن النهي يتسلط على الماهية الموصوفة بذلك الوصف فتكون الماهية على ضربين عار عن ذلك الوصف فلا يتسلط النهي عليه ومتصف بذلك الوصف فيتسلط النهي عليه ا ه
ومذهب الإمام أحمد بن حنبل التسوية بين الأصل والوصف في جميع موارد النهي حتى أبطل الصلاة بالثوب المغصوب والوضوء بالماء المسروق والذبح بالسكين المغصوبة محتجا بأن النهي يعتمد المفاسد ومتى ورد نهي أبطلنا ذلك العقد وذلك التصرف بجملته فإن ذلك العقد إنما اقتضى تلك الماهية بذلك الوصف أما بدونه فلم يتعرض له المتعاقدان فيبقى
148
148
فالماهية معدومة والنهي والفساد في نفس الماهية وإذا باع رشيد من رشيد ثوبا بخنزير فقد فقد ركن من الأربعة وهو أحد العوضين فتكون الماهية معدومة شرعا ولا فرق في ذلك بين واحد من الأربعة أو اثنين أو أكثر
فإذا باع رشيد من رشيد فضة بفضة فالأركان الأربعة موجودة سالمة عن النهي الشرعي فإذا كانت إحدى الفضتين أكثر فالكثرة وصف حصل لأحد العوضين فالوصف متعلق النهي دون الماهية فهذا هو تحرير كون النهي في الماهية أو في أمر خارج عنها وخرج على ذلك جميع عقود الربا وجميع ما هو من هذا الضابط على ما ذكرته في المثال فمتى وجدت الأركان كلها وأجزاء الماهية فالنهي في الخارج ومتى كان النهي في جزء من أجزاء الماهية أو في جميع أجزائها فالنهي في الماهية إذا تقرر هذا قال أبو حنيفة أصل الماهية سالم عن المفسدة والنهي إنما هو في الخارج عنها فلو قلنا بالفساد مطلقا لسوينا بين الماهية المتضمنة للفساد وبين السالمة عن الفساد ولو قلنا بالصحة مطلقا لسوينا بين الماهية السالمة في ذاتها وصفاتها وبين المتضمنة للفساد في صفاتها وذلك غير جائز فإن التسوية بين مواطن الفساد وبين السالم عن الفساد خلاف
هامش أنوار البروق
الفساد وبين السالم عن الفساد خلاف القواعد فتعين حينئذ أن يقابل الأصل بالأصل والوصف بالوصف فنقول أصل الماهية سالم عن النهي والأصل في تصرفات المسلمين وعقودهم الصحة حتى يرد نهي فيثبت لأصل الماهية الأصل الذي هو الصحة ويثبت للوصف الذي هو الزيادة المتضمنة للمفسدة الوصف العارض وهو النهي فيفسد الوصف دون الأصل وهو المطلوب قلت لقائل أن يقول ليس الأمر كذلك فإن الوصف إذا نهى عنه سرى النهي إلى الموصوف لأن
هامش إدرار الشروق
على الأصل غير معقود عليه فيرد من يد قابضه بغير عقد
وكذلك الوضوء بالماء المغصوب معدوم شرعا والمعدوم شرعا كالمعدوم حسا ومن صلى بغير وضوء حسا فصلاته باطلة فكذلك صلاة المتوضئ بالماء المغصوب باطلة وكذلك الصلاة في الثوب المغصوب والمسروق والذبح بالسكين المغصوبة والمسروقة فهي كلها معدومة شرعا فتكون معدومة حسا ومن فرى الأوداج بغير أداة حسا لم تؤكل ذبيحته فكذلك ذبيحة الذابح بسكين مغصوبة وعلى هذا المنوال قال ابن الشاط وفي تسويته بين الوضوء بالماء المغصوب وما أشبهه وبين مسألة الربا نظر فإن هذه الأمور لم يتسلط النهي فيها على الماهية ولا على وصفها بل الغصب من غير تعرض لكونه في وضوء أو غير وضوء بخلاف مسألة الربا فإنه وإن كان النهي في الآية ظاهره التسلط على الربا من غير تعرض لكونه في البيع أو لا فإن الحديث قد بين ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل فسلط النهي على البيع المشتمل على الزيادة ولم يأت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تتوضأ بالماء المغصوب فبين الموضعين فرق من هذا الوجه لا خفاء فيه ا ه
وبالجملة فمذهب الإمام أبي حنيفة المبالغة في اعتبار الفرق بين هاتين القاعدتين حتى أثبت عقود الربا وإفادتها الملك في أصل المال الربوي ورد الزائد فإذا باع درهما بدرهمين أوجب العقد درهما من الدرهمين ويرد الدرهم الزائد وكذلك بقية الربويات ومذهب الإمام أحمد المبالغة في إلغاء هذا الفرق حتى أبطل
149
149
القواعد فتعين حينئذ أن يقابل الأصل بالأصل والوصف بالوصف فنقول أصل الماهية سالم عن النهي
والأصل في تصرفات المسلمين وعقودهم الصحة حتى يرد نهي فيثبت لأصل الماهية الأصل الذي هو الصحة ويثبت للوصف الذي هو الزيادة المتضمنة للمفسدة الوصف العارض وهو النهي فيفسد الوصف دون الأصل وهو المطلوب وهو فقه حسن واحتج أحمد بن حنبل رضي الله عنه بأن النهي يعتمد المفاسد ومتى ورد نهي أبطلنا ذلك العقد وذلك التصرف بجملته فإن ذلك العقد إنما اقتضى تلك الماهية بذلك الوصف أما بدونه فلم يتعرض له المتعاقدان فيبقى على الأصل غير معقود عليه فيرد من يد قابضه بغير عقد وكذلك الوضوء بالماء المغصوب معدوم شرعا والمعدوم شرعا كالمعدوم حسا ومن صلى بغير وضوء حسا فصلاته باطلة فكذلك صلاة المتوضئ بالماء المغصوب باطلة وكذلك الصلاة في الثوب المغصوب والمسروق والذبح بالسكين المغصوبة والمسروقة فهي كلها معدومة شرعا فتكون معدومة حسا ومن فرى الأوداج بغير أداة حسا لم تؤكل ذبيحته فكذلك ذبيحة الذابح بسكين مغصوبة وعلى هذا المنوال
وأما نحن فتوسطنا بين المذهبين فقلنا بالفساد لأجل النهي عن الوصف في مسائل دون مسائل ولنذكر من ذلك ثلاث مسائل
هامش أنوار البروق
الوصف لا وجود له مفارقا للموصوف فيئول الأمر إلى أن النهي يتسلط على الماهية الموصوفة بذلك الوصف فتكون الماهية على ضربين عار عن ذلك الوصف فلا يتسلط النهي عليه ومتصف بذلك الوصف فيتسلط النهي عليه
قال واحتج أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه بأن النهي يعتمد المفاسد إلى قوله ولنذكر من ذلك ثلاث مسائل قلت فيما قاله أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه في الوضوء بالماء المغصوب وما أشبهه ومن تسويته
هامش إدرار الشروق
الصلاة بالثوب المغصوب وما أشبه ذلك وفي كل منهما نظر قد علمته وتوسط مالك والشافعي بين المذهبين وفي الفرق بين هاتين القاعدتين وخلاصة ما فرقا به بينهما أن النهي إذا كان في حقيقة المأمور به بأن كان في ركن من أركانه أي في نفس الركن أو صفته كالنهي عن بيع الخنزير وكالنهي عن لبس الخف في الإحرام وكالنهي عن بيع درهم بدرهمين كان مقتضيا لفساد المأمور به ضرورة عدم حصول الحقيقة المأمور به بكماله حينئذ لأن النهي إنما يعتمد المفاسد كما أن الأمر إنما يعتمد المصالح
وإذا كان أي النهي لا في حقيقة المأمور به بل في المجاور كالنهي عن الغصب والسرقة كان مقتضيا لفساد المجاور لا لفساد المأمور به فطهارة غاصب الخف إذا مسح عليه مع نهيه عن الغصب فإن طهارته صحيحة عندنا لكونه محصلا لها بكمالها على الوجه المطلوب شرعا وإنما هو جان على حق صاحب الخف بخلاف طهارة المحرم إذا مسح على الخف فإنه لم يحصلها بكمالها مع نهيه عن لبس الخف لكونه مخاطبا في طهارته بالغسل ولم يأت به فلم تحصل حقيقة الطهارة المأمور بها بكمالها مع النهي عن لبس الخف لكونه في نفس الحقيقة لا في مجاورها فبكل من الغاصب والمحرم وإن اشتركا في العصيان بلبس الخف بسبب نهيه عنه إلا أن النهي
150
150
المسألة الأولى
الصلاة المغضوبة في الدار المغصوبة قلنا نحن والشافعية والحنفية بصحتها وقال الحنابلة ببطلانها فنحن نلاحظ أن متعلق الأمر قد وجد فيها بكماله مع متعلق النهي فالصلاة من حيث هي صلاة حاصلة غير أن المصلي جنى على حق صاحب الدار فالنهي في المجاور والحنابلة مشوا على أصلهم في التسوية بين الأصل والوصف
المسألة الثانية غاصب الخف إذا مسح عليه عندنا صحت طهارته وصلاته وعند الحنابلة تبطل والمدرك عندنا أنه محصل للطهارة بكمالها على الوجه المطلوب شرعا وإنما هو جان على حق صاحب الخف كالصلاة في الدار المغصوبة وبهذه القاعدة يظهر الفرق بين هذا الفرع وبين المحرم إذا مسح على الخف أن المحرم مخاطب في طهارته بالغسل ولم يأت به فلم تحصل به حقيقة المأمور به بكماله بخلاف الغاصب حصل حقيقة المأمور به بكماله مع حقيقة النهي فكان النهي في المجاور وكثيرا ما يسأل عن الفرق بين هاتين المسألتين فيفرق بينهما بأمور وعبارات ليس فيها إبانة عن المقصود وسر الفرق ما ذكرته لك من وجود كمال حقيقة المأمور به في الغاصب وعدم وجودها في المحرم ففي صورة الغاصب نهي عن مجاور وفي صورة المحرم عدم المأمور به فبقيت
هامش أنوار البروق
بينه وبين مسألة الربا نظر فإن هذه الأمور لم يتسلط النهي فيها على الماهية ولا على وصفها بل تسلط على الغصب من غير تعرض لكونه في وضوء أو غير وضوء بخلاف مسألة الربا فإنه وإن كان النهي في الآية ظاهره التسلط على الربا من غير تعرض لكونه في البيع أو لا فإن الحديث قد بين ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل فسلط النهي على البيع المشتمل على الزيادة ولم
هامش إدرار الشروق
في الغاصب لما تعلق بالمجاور للمأمور به لا بنفس حقيقة المأمور به اقتضى فساد المجاور لا فساد المأمور به فلم تبق الذمة مشغولة بالمأمور به والنهي في المحرم لما تعلق بنفس حقيقة المأمور به لا بمجاوره اقتضى فساد المأمور به فبقيت الذمة مشغولة بالمأمور به
وصل في زيادة توضيح المقام بمسألتين المسألة الأولى الصلاة في الدار المغصوبة أو في ثوب مغصوب والوضوء بماء مغصوب والحج بمال حرام سواء في الصحة عندنا وعند الشافعية والحنفية خلافا لأحمد وذلك لأنا نلاحظ أن متعلق الأمر في هذه المسائل قد وجد فيها بكماله مع متعلق النهي فحقيقة المأمور به من المكان الطاهر والسترة الكاملة وصورة التطهير والحج قد وجدت من حيث المصلحة لا من حيث الإذن الشرعي وإذا حصلت حقيقة المأمور به من حيث المصلحة كان النهي في مجاور وهي الجناية على الغير والإمام أحمد مشى على أصله في التسوية بين الأصل والوصف نظرا لعدم وجود حقيقة المأمور به في المسائل المذكورة من المكان والسترة وصورة التطهر لأن المعدوم شرعا كالمعدوم حسا فيكون المكان والسترة وصورة التطهير معدومة حسا مع العمد وذلك مبطل للصلاة والطهارة ولا يخفاك أن هذا النظر إنما يتم لو سلم أن الله تعالى أمر بالطهارة والسترة والمكان الطاهر واشترط في ذلك أن تكون الأداة مباحة ونحن لا نسلم
151
151
الذمة مشغولة بالمأمور فالبابان مختلفان من هذا الوجه وإن اشتركا في أن كل واحد منهما عاص باللبس
المسألة الثالثة
الذي يصلي في ثوب مغصوب أو يتوضأ بماء مغصوب أو يحج بمال حرام كل هذه المسائل عندنا سواء في الصحة خلافا لأحمد والعلة وما تقدم أن حقيقة المأمور به من الحج والسترة وصورة التطهر قد وجدت من حيث المصلحة لا من حيث الإذن الشرعي وإذا حصلت حقيقة المأمور به من حيث المصلحة كان النهي مجاورا وهي الجناية على الغير كما في الدار المغصوبة فإن قلت لا نسلم وجود حقيقة المأمور به لأن المعدوم شرعا كالمعدوم حسا فتكون السترة معدومة حسا مع العمد وذلك مبطل للصلاة وكذلك الوضوء بعين هذا التقرير ولا يمكنني أن أقول ذلك في الحج فإن النفقة لا تعلق لها بالحج لأنها ليست ركنا ولا صرفت في ركن بل نفقة الطريق لحفظ حياة المسافر بخلاف المحرم هاهنا صرف فيما هو شرط فكان الشرط معدوما قلت نمنع أن الله تعالى أمر بالطهارة والسترة واشترط فيهما أن تكون الأداة مباحة بل حرم الغصب مطلقا وأوجب الطهارة مطلقا ولم يقيد واحدا منهما ألبتة فكما يتحقق الغصب وإن قارن مأمورا يتحقق المأمور وإن قارن تحريما فما أمر الله تعالى إلا بالصلاة ولم يشترط فيها بقعة مباحة بل أوجب الصلاة مطلقا وحرم الغصب ولا يلزم من تحريم الشيء أن يكون عدمه شرطا كما أنه لو سرق في صلاته لم تبطل صلاته
وكذلك لو عزم في صلاته على قتل إنسان لم تبطل صلاته مع مقارنة المحرم فكذلك في هذه المواطن فإن قلت فما الفرق بين هذه المسائل وبين مسائل الربا ولم لا وافقت الحنفية في تصحيح العقد فيها كما صحت العبادة مع ثبوت النهي في الوصف وفي الجميع النهي في الوصف دون الأصل والحنفية طردت أصلها وأنت لم تطرد أصلك وكذلك الشافعية قلت السر في ذلك أن تلك الحقائق متعلقات العقود والرضا لم يحصل إلا بمقابلة
هامش أنوار البروق
يأت عنه صلى الله عليه وسلم أنه
قال لا تتوضأ بالماء المغصوب فبين الموضعين فرق من هذا الوجه لا خفاء فيه والله أعلم
قال
المسألة الأولى الصلاة في الدار المغصوبة إلى آخرها
قلت لم يزد على حكاية المذاهب ومستندها ولا كلام في ذلك
هامش إدرار الشروق
ذلك بل نقول إن الله تعالى أوجب الصلاة مطلقا وحرم الغصب ولا يلزم من تحريم الشيء أن يكون عدمه شرطا
ألا ترى أنه لو سرق في صلاته لم تبطل صلاته مع مقارنة المحرم فكذلك في هذه المواطن على أن هذا النظر لا يتأتى في الحج فإن النفقة لا تعلق لها بالحج لأنها ليست ركنا ولا صرفت في
152
152
الواحد بالاثنين فلو صححنا العقد في البعض لنقلنا ملك البائع بغير رضاه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه وهذا لم تطب نفسه إلا بما تعلق العقد به فكان الدرهم الباقي بعد إسقاط الدرهم الزائد باقيا على ملك باذله لعدم تناول العقد مقابلته بمثله بل بمثليه وأما في هذه الصور حيث قلت بالصحة فالموجود كمال متعلق الأمر فقلت بالصحة لكمال وجود المتعلق وهناك لم يوجد كمال المتعلق وهذا فرق جلي جليل فإن قلت من رضي بأن يكون درهمان من عنده بإزاء درهم فقد رضي بأن يكون درهم واحد من قبله بإزاء درهم واحد بطريق الأولى فقوله لم يحصل الرضا ممنوع بل الرضا حاصل
قلت الجواب عن هذا السؤال من وجهين الأول هب أن باذل الدرهمين راض فباذل الدرهم غير راض ببذله بإزاء درهم واحد وإنما رضي ببذله بإزاء درهمين سلمنا حصول الرضا لكن الرضا لا يكفي وحده في نقل الأملاك فإنه لو رضي بنقل ملكه وهو ساكت من غير قول ولا فعل ولم ينتقل ملكه فيما علمته إجماعا بل لا بد من عقد أو ما يقوم مقامه أما الرضا وحده فليس هو سببا شرعيا بل السبب الشرعي هو الدال على الرضا وهذا السبب له متعلق ولم يوجد فوجب أن لا يقضى باللزوم حينئذ فهذا هو سر الفرق بين الربويات والعبادات فتأمل ذلك فهو حسن
هامش أنوار البروق
قال
المسألة الثانية غاصب الخف إذا مسح عليه صحت طهارته وصلاته عندنا وعند الحنابلة تبطل إلى آخرها
قلت ما قاله في ذلك صحيح إلى منتهى المسألة
هامش إدرار الشروق
ركن بل نفقة الطريق لحفظ حياة المسافر بخلاف المحرم في مسألة المكان والسترة وصورة التطهير فإنه صرف فيما هو شرط فكان الشرط معدوما فافهم
المسألة الثانية
النهي عن بيع درهم بدرهمين ونحوه من الربويات وإن تعلق بالوصف الذي هو الزيادة لا بنفس حقيقة البيع كما في مسألة المكان والسترة وصورة التطهير والحج إلا أن الوصف هنا أي في مسألة بيع درهم بدرهمين لما كان من متعلقات العقد من حيث إن رضا البائع لم يحصل إلا بمقابلة الواحد بالاثنين وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه وهذا البائع لم تطب نفسه إلا بما تعلق العقد به لم تحصل حقيقة العقد المأمور به بكماله بل كان الدرهم الباقي بعد إسقاط الدرهم الزائد باقيا على ملك باذله
وأما الوصف في مسائل العبادات المارة فلما لم يتعلق بالمأمور به بحيث تتوقف صحته على صحته كان متعلق الأمر موجودا بكماله فقولنا بالصحة في مسائل العبادات وعدمها في مسألة الربا إنما هو بالنظر لكمال وجود متعلق الأمر في الأولى دون الثانية باذل الدرهمين من عنده بإزاء درهم واحد وإن رضي بمقابلة الدرهم بمثله بطريق الأولى إلا أن باذل الدرهم غير راض ببذله بإزاء درهم واحد وإنما يرضى بما وقع عليه العقد من بذله بإزاء درهمين على أنه لو رضي بذلك أيضا لا يكفي حصول الرضا وحده في نقل الأملاك فإنه لو رضي بنقل ملكه وهو ساكت من غير قول ولا فعل لم
153
153
الفرق الحادي والسبعون الفرق بين قاعدة حكاية الحال إذا تطرق إليها الاحتمال سقط بها الاستدلال وبين قاعدة حكاية الحال إذا ترك فيها الاستفصال تقوم مقام العموم في المقال ويحسن بها الاستدلال هذا موضع نقل عن الشافعي فيه هذان الأمران على هذه الصورة واختلفت أجوبة الفضلاء في ذلك فمنهم من يقول هذا مشكل ومنهم من يقول هما قولان للشافعي والذي ظهر لي أنهما ليستا قاعدة واحدة فيها قولان بل هما قاعدتان متباينتان ولم يختلف قول الشافعي ولا تناقض وتحرير الفرق بينهما ينبني على قواعد
هامش أنوار البروق
قال الفرق الحادي والسبعون بين قاعدة حكاية الحال إذا تطرق إليها الاحتمال سقط بها الاستدلال وبين قاعدة حكاية الحال إذا ترك فيها الاستفصال تقوم مقام العموم في المقال ويحسن بها الاستدلال إلى قوله وتحرير الفرق بينهما ينبني على قواعد قلت قوله بل هما قاعدتان متساويتان إن أراد بذلك أن معناهما واحد فليس قوله بصحيح وإن أراد بذلك أنهما متساويتان في كون كل واحدة منها قاعدة مستقلة مساوية للأخرى في الاستقلال فقوله صحيح
قال القاعدة الأولى أن الاحتمال المرجوح لا يقدح في دلالة اللفظ وإلا لسقطت دلالة العمومات كلها لتطرق احتمال التخصيص إليها قلت ما قاله في ذلك صحيح
هامش إدرار الشروق
ينتقل ملكه إجماعا بل لا بد من عقد أو ما يقوم مقامه مما يدل على الرضا لأنه هو السبب الشرعي لا الرضا وحده فوجب أن لا يقضي باللزوم حينئذ هذا هو سر الفرق بين الربويات والعبادات فتأمله فإنه حسن والله سبحانه وتعالى أعلم الفرق الحادي والسبعون بين قاعدة حكاية الحال إذا تطرق إليها الاحتمال سقط بها الاستدلال وبين قاعدة حكاية الحال إذا ترك فيها الاستفصال تقوم مقام العموم في المقال ويحسن بها الاستدلال هاتان قاعدتان متباينتان نقلتا عن الشافعي رضي الله تعالى عنه لا قاعدة واحدة فيها قولان له وذلك أن مراده بقوله إن حكاية الحال إذا تطرق إلخ أن الدليل من كلام صاحب الشرع إذا استوت فيه الاحتمالات ولم يترجح أحدها سقط به الاستدلال لقاعدتين القاعدة الأولى أن الاحتمال الذي يوجب الإجمال إنما هو الاحتمال المساوي أما المرجوح فلا وإلا لسقطت
154
154
القاعدة الأولى أن الاحتمال المرجوح لا يقدح في دلالة اللفظ وإلا لسقطت دلالة العمومات كلها لتطرق احتمال التخصيص إليها بل تسقط دلالة جميع الأدلة السمعية لتطرق احتمال المجاز والاشتراك إلى جميع الألفاظ لكن ذلك باطل فتعين حينئذ أن الاحتمال الذي يوجب الإجمال إنما هو الاحتمال المساوي أو المقارب أما المرجوح فلا
القاعدة الثانية أن كلام صاحب الشرع إذا كان محتملا احتمالين على السواء صار مجملا وليس حمله على أحدهما أولى من الآخر القاعدة الثالثة أن لفظ صاحب الشرع إذا كان ظاهرا أو نصا في جنس وذلك الجنس متردد بين أنواعه وأفراده لا يقدح ذلك في الدلالة كقوله تعالى فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا اللفظ ظاهر في إعتاق جنس الرقبة وهي مترددة بين الذكر والأنثى والطويلة والقصيرة وغير ذلك من الأوصاف ولم يقدح ذلك في دلالة اللفظ على إيجاب الرقبة وكذلك الأمر بجميع المطلقات الكليات وقد تقدم أنها عشرة ولم يظهر في شيء من مثلها قدح ولا إجمال إذا تحررت هذه القواعد فنقول الاحتمالات تارة تكون في كلام صاحب الشرع على السواء فتقدح وتارة تكون في محل مدلول اللفظ فلا تقدح فحيث قال الشافعي رضي الله عنه إن حكاية الحال إذا تطرق إليها الاحتمال سقط بها الاستدلال مراده إذا استوت الاحتمالات في كلام صاحب الشرع ومراده أن حكاية الحال إذا ترك
هامش أنوار البروق
قال بل تسقط دلالة جميع الأدلة السمعية لتطرق احتمال المجاز والاشتراك إلى جميع الألفاظ قلت ما قاله هنا ليس بصحيح فإن من الألفاظ ما لا يلحقه ذلك وقد سبق له من هذا أن أسماء الأعداد لا يدخلها المجاز
هامش إدرار الشروق
دلالة العمومات كلها لتطرق احتمال التخصيص إليها وذلك باطل
القاعدة الثانية
أن كلام صاحب الشرع إذا كان محتملا احتمالين على السواء صار مجملا وليس حمله على أحدهما أولى من الآخر وإن مراده بقوله إن حكاية الحال إذا ترك فيها إلخ أن الاحتمالات إذا كانت في محل مدلول اللفظ من كلام صاحب الشرع دون الدليل تقوم مقام العموم في المقال ويحسن بها الاستدلال بمعنى أن الشارع إذا ترك الاستفصال في قضايا الأعيان وهي محتملة الوقوع على أحد وجهين أو وجوه دل ذلك على أن الحكم فيها متحد في الوجهين أو الوجوه
قاعدة وهي أن لفظ صاحب الشرع لا يقدح الاستدلال به إذا كان ظاهرا أو نصا في فرد غير معين من أفراد الجنس كقوله تعالى فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا فإن اللفظ ظاهر في إعتاق مطلق رقبة مترددة بين الذكر والأنثى والطويلة والقصيرة وغير ذلك من الأوصاف ولم يقدح ذلك في دلالة اللفظ على إيجاب الرقبة وكذلك الأمر بجميع المطلقات وقد تقدم في الفرق التاسع والستين أنها عشرة ولم يظهر في شيء من مثلها قدح ولا إجمال وصل في توضيح هذا الفرق بثلاث مسائل
قال المسألة الثانية استدلت المعتزلة على أن الشر من العبد لا من الله تعالى بقوله عليه السلام في الحج الخير كله بيدك والشر ليس إليك إلى آخره ما قاله في المسألة قلت الأظهر أن ما قدرته المعتزلة أظهر ولكن المسألة قطعية لا يكتفى فيها بالظواهر مع أن الدليل العقلي القطعي قد ثبت أن الشر بقدرته كما أن الخير كذلك فبطل مقتضى ذلك الظاهر وتعين التأويل وما ذكره في المسألة الثالثة والرابعة والخامسة صحيح ظاهر والله أعلم
المسألة الأولى استدلال الشافعية بقوله صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي وقصت به ناقته لا تمسوه بطيب فإنه
155
155
فيها الاستفصال قامت مقام العموم في المقال إذا كانت الاحتمالات في محل المدلول دون الدليل ولنوضح ذلك بذكر ثمان مسائل
المسألة الأولى
قوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الوضوء بنبيذ التمر قال تمرة طيبة وماء طهور ليس في اللفظ إلا أن التمرة طاهرة طيبة والماء طهور فيبقى إذا جمع بين التمرة والماء الطهور كيف يكون الحال هل يسلب الطهورية أم لا لم يتعرض لذلك فيحتمل أن يريد أن كل واحد منهما بقي على حاله لم يتغير عن وصفه فلذلك وصفهما بما كانا عليه قبل الاجتماع ويحتمل أنهما تغيرا عن حالتهما الأولى فتفتتت التمرة واحمر الماء وحلا ومع ذلك فالماء طهور على حاله وهو مراد الحنفية وليس في اللفظ إشعار بالتفتت ولا بعدمه فقوله عليه الصلاة والسلام تمرة طيبة وماء طهور لم يتعرض في ذلك لما قبل التغير ولا لما بعده فإن قلت لو لم يتعرض لما بعد التغير لم يكن الجواب حاصلا فإنه عليه السلام إنما سئل عنهما بعد اجتماعهما قلت مسلم إنه سئل عنهما بعد اجتماعهما ولكنه لم يقل للسائل توضأ ولا لا تتوضأ بل اقتصر على ذكر وصفي المجتمعين ولم يتعرض للتغير ولا لعدمه فلا جرم لما تساوت الاحتمالات في ذلك سقط الاستدلال بالحديث على الجواز بعد التغير فإن الدال على الأعم غير دال على الأخص وحالة التغير أخص مما فهم من اللفظ من وصفي المجتمعين
هامش أنوار البروق
قال لكن ذلك باطل فتعين حينئذ أن الاحتمال الذي يوجب الإجمال إنما هو الاحتمال المساوي أو المقارب أما المرجوح فلا
هامش إدرار الشروق
يبعث يوم القيامة ملبيا على أن المحرم إذا مات لا يغسل ساقط لأنه صلى الله عليه وسلم لم يرتب الحكم على وصف يقتضي أنه علة له فيعم جميع الصور لعموم علته بل علل حكم الشخص المعين فقط ولو أراد عليه السلام الترتيب على الوصف لقال فإن المحرم يبعث يوم القيامة ملبيا ولم يقل فإنه ولقال لا تمسوا المحرم ولم يقل لا تمسوه فلما عدل فيهما عن الوصف إلى الضمير الجامد دل ذلك ظاهرا على عدم إرادته لترتيب الحكم على الوصف فبقيت الاحتمالات بالنسبة إلى بقية المحرمين مستوية وهو المطلوب
المسألة الثانية
لا يحصل بنهيه عليه الصلاة والسلام عن البتراء استدلال للحنفية على أن الركعة المنفردة لا تجزئ فلا يجوز أن يوتر بركعة واحدة بل بثلاث بتسليمة واحدة إذ ليس الأبتر في اللغة هو المنفرد وحده حتى يحصل الاستدلال بذلك بل الأبتر في اللغة هو الذي لا يتبعه غيره ويضاف إليه من ذنب أو عقب وحينئذ فالبتراء يحتمل أن يريد بها ركعة ليس قبلها شيء ويحتمل أن يريد بها ركعة منفردة والاحتمالان مستويان ونحن نقول الركعتان متقدمتان تابعتان للوتر وتوطئة له فلا حجة للحنفية في ذلك على ما قالوا فالاحتمالات وقعت في هاتين المسألتين في نفس الدليلين وتساوت فيسقط الاستدلال بهما
156
156
المسألة الثانية
استدلت المعتزلة على أن الشر من العبد لا من الله بقوله عليه السلام في الحج الخير كله بيديك والشر ليس إليك وهذا سلب عام تقوم به الحجة على الأشعرية فجوابه أن قوله عليه السلام ليس إليك هذا الجار والمجرور لا بد له من عامل يتعلق به فالمعتزلة يقدرونه والشر ليس منسوبا إليك حتى يكون من العبد على زعمهم ونحن نقدره والشر ليس قربة إليك لأن الملوك كلهم يتقرب إليهم بالشر إلا الله تعالى لا يتقرب إليه إلا بالخير وهذا معنى حسن جميل يحمل اللفظ عليه وعليه هذا يكون لفظ صاحب الشرع محتملا لما قلناه ولما قالوه وليس اللفظ ظاهرا في أحدهما من حيث الوضع بل الاحتمالان مستويان فيسقط استدلال المعتزلة به لحصول الإجمال فيه المسألة الثالثة قوله عليه السلام في المحرم الذي وقصت به ناقته لا تمسوه بطيب فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا هذه واقعة عين في هذا المحرم وليس في اللفظ ما يقتضي أن هذا الحكم ثابت لكل محرم أو ليس بثابت وإذا تساوت الاحتمالات بالنسبة إلى بقية المحرمين سقط استدلال الشافعية به على أن المحرم إذا مات لا يغسل ولم يقل عليه السلام والمحرم يبعث يوم القيامة ملبيا حتى يكون فيه عموم ولا رتب الحكم على وصف يقتضي أنه علة له فيعم جميع الصور لعموم علته بل علل حكم الشخص المعين فقط فكان اللفظ مجملا بالنسبة إلى غيره ولو أراد عليه السلام الترتيب على الوصف لقال فإن المحرم يبعث يوم القيامة ملبيا ولم يقل فإنه ولقال لا تقربوا المحرم و لم يقل لا تقربوه
هامش أنوار البروق
قلت إيجاب الاحتمال المساوي الإجمال مسلم وأما إيجاب المقارب فلا فإنه إن كان متحقق المقاربة فهو متحقق عدم المساواة وإن كان متحقق عدم المساواة فهو متحقق المرجوحية فلا إجمال
هامش إدرار الشروق
وكذا يسقط في كل واقعة عين وقع فيها مثل هذا وهي التي أفتى فيها الشافعي بالإجمال وعدم الدلالة
المسألة الثالثة
اللفظ في قوله صلى الله عليه وسلم لغيلان لما أسلم على عشر نسوة أمسك أربعا وفارق سائرهن ظاهر ظهورا قويا في الإذن والتخيير في الحالين حال ما إذا عقد عليهن عقودا مرتبة عقدا بعد عقد وحال ما إذا عقد عليهن عقدا واحدا فالاحتمالات المستوية بين هذين الحالين ليست في الدليل الدال على الحكم حتى يقدح في الدلالة بل هي في محل الحكم والاحتمالات المستوية في محل الحكم لا تقدح في الدلالة فمن هنا قال مالك والشافعي رضي الله عنهما له الخيار في الحالين بلا فرق خلافا لأبي حنيفة في قوله لا يجوز له أن يختار في الحالة الأولى من المؤخرات لفساد عقودهن بعد أربع عقود فإن عقد الخامسة وما فوقها باطل والخيار في الباطل لا يجوز وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام لو أراد أحد الحالين دون الأخرى لاستفصل غيلان عن ذلك وحيث لم يستفصل والأصل عدم علمه صلى الله عليه وسلم بحالة غيلان وهو في مقام تقرير قاعدة كلية لجميع الخلق ومن كان في مثل هذا المقام شأنه البيان والإيضاح كان أبين دليل على أن الحالين سواء في الحكم
تنبيهات الأول ليس في جوابه صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الوضوء بنبيذ التمر فقال تمرة طيبة وماء طهور احتمال ما في محل الحكم بل ولا فيه احتمالات متساوية كما قيل في نفس الدليل حتى يدعي سقوط
157
157
فلما عدل عن هذين المقامين إلى الضمائر الجامدة دل ذلك ظاهرا على عدم إرادته لترتيب الحكم على الوصف فبقيت الاحتمالات مستوية وهو المطلوب
المسألة الرابعة
قال الحنفية لا يجوز أن يوتر بركعة واحدة بل بثلاث بتسليمة واحدة لنهيه عليه السلام عن البتراء وهي الركعة المنفردة قلنا ليس في لفظ البتراء ما يقتضي ذلك بل الأبتر في اللغة هو الذي لا ذنب ولا عقب له ومنه قوله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام إن شانئك هو الأبتر أي لا عقب له فالبتراء يحتمل أن يريد بها ركعة ليس قبلها شيء ويحتمل أن يريد بها ركعة منفردة والاحتمالان متقاربان فلا يحصل الاستدلال به على أن الركعة المنفردة لا تجزي نعم لو كان الأبتر في اللغة هو المنفرد وحده صح ذلك بل هو الذي لا يتبعه غيره ويضاف إليه من ذنب أو عقب ونحن نقول الركعتان متقدمتان تابعتان للوتر وتوطئة له فلا حجة فيه فهذه المسائل كلها الاحتمالات فيها في نفس الدليل وقد تقاربت فيسقط الاستدلال بها فمتى وقعت واقعة عين ووقع فيها مثل هذا سقط بها الاستدلال وهي التي أفتى فيها الشافعي بالإجمال وعدم الدلالة وأشرع الآن في المسائل التي تجري مجرى العموم بسبب عدم الاستفصال
المسألة الخامسة قوله عليه السلام لغيلان لما أسلم على عشر نسوة أمسك أربعا وفارق سائرهن قال أبو حنيفة إن عقد عليهن عقودا مرتبة عقدا بعد عقد لم يجز له أن
هامش أنوار البروق
قال القاعدة الثانية إن كلام صاحب الشرع إذا كان محتملا احتمالين على السواء صار مجملا وليس حمله على أحدهما أولى من الآخر
هامش إدرار الشروق
استدلال الحنفية به على جواز الوضوء بالماء بعد تغيره بالتمر إذ لا شك كما قال ابن الشاط أن ظاهر الحديث أنه أراد صلى الله عليه وسلم أن أصل النبيذ تمرة طيبة وماء طهور وأنه باق على حكم الأصل من الطيب والطهورية لأنه صلى الله عليه وسلم إنما سئل عن الوضوء بالنبيذ والنبيذ اسم للماء المستنقع فيه التمر حتى يتغير حقيقة أما قبل التغير فلا يسمى نبيذا إلا مجازا بمعنى أنه يئول إلى ذلك ولا يجوز على الشارع صلوات الله وسلامه عليه أن يسأل عن شيء ثم لا يجيب عنه ولا أن يخبر بما لا فائدة فيه فالواجب حينئذ أن يقال إنه صلى الله عليه وسلم قال توضأ بالنبيذ الذي ليس هو إلا المتغير لكن لا باللفظ بل باقتضاء المساق وضرورة حمل كلامه صلى الله عليه وسلم على الفائدة وعلى جواب وليس الأمر كما قيل إنه صلى الله عليه وسلم لم يتعرض للتغير ولا لعدمه بل اقتصر على ذكر وصفي المجتمعين ا ه
التنبيه الثاني ليس الاحتمالان في تقدير متعلق إليك في قوله صلى الله عليه وسلم في الحج الخير كله بيديك والشر ليس إليك أعني تقدير المعتزلة والشر ليس منسوبا إليك وتقدير الأشعرية والشر ليس قربة إليك بمستويين حتى يقال بسقوط استدلال المعتزلة به على زعمهم من أن الشر من العبد لحصول الإجمال في نفس الدليل بل ما قدرته المعتزلة هو الأظهر ولكن المسألة قطعية لا يكتفى فيها بالظواهر مع أن الدليل العقلي القطعي قد ثبت أن الشر بقدرته تعالى كما أن الخير كذلك فبطل مقتضى ذلك الظاهر وتعين التأويل قاله ابن الشاط

158
158
يختار من المؤخرات لفساد عقودهن بعد أربع عقود فإن الخامسة وما فوقها باطل والخيار في الباطل لا يجوز وإن كان عقد عليهن عقدا واحدا جاز أن يختار لعدم التفاوت بينهن
وقال الشافعي ومالك رضي الله عنهما الحكم في ذلك سواء وله الخيار في الحالين لأنه عليه السلام أطلق القول في هذه القضية ولم يستفصل فكان ذلك كالتصريح بالعموم في جميع هذه الأحوال فيجوز التخيير مطلقا ولو أراد عليه السلام أحد القسمين دون الآخر لاستفصل غيلان عن ذلك وحيث لم يستفصل دل ذلك على التسوية في الحكم فإن قيل لعله على أن الواقع اتحاد العقد فلذلك أطلق القول قلت الجواب عن هذا من وجهين الأول أن الأصل عدم العلم بحالة غيلان الثاني أن هذه القضية من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تقرير قاعدة كلية لجميع الخلق ومثل هذا شأنه البيان والإيضاح فلو كان في نفسه عليه السلام علم ينبني عليه الحكم لبينه للناس وحيث لم يبينه وأطلق القول دل ذلك على أن الحالين سواء فهذا الحديث ليس في لفظه إجمال والاحتمالات مستوية بل اللفظ ظاهر ظهورا قويا في الإذن والتخيير وإنما الاحتمالات المستوية في محل الحكم وهذه النسوة وعقودهن يحتمل أن يكون عقدا واحدا أو عقودا والاحتمالات في محل الحكم لا تقدح وإنما يقدح في الدلالة الاستواء في الاحتمالات في الدليل الدال على الحكم أما إذا كان الدليل ظاهرا ومحل الحكم فيه احتمالات لا يقدح ذلك
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله في ذلك صحيح
قال القاعدة الثالثة إن لفظ صاحب الشرع إذا كان ظاهرا أو نصا في جنس وذلك الجنس متردد بين أنواعه وأفراده لا يقدح ذلك في الدلالة كقوله تعالى فتحرير رقبة إلى قوله ولم يظهر في شيء من مثلها قدح ولا إجمال
هامش إدرار الشروق
التنبيه الثالث قوله صلى الله عليه وسلم للمفطر في رمضان أعتق رقبة وإن احتمل على السواء في محل الحكم لا في دليله أن تكون الرقبة سوداء أو بيضاء أو ذكرا أو أنثى أو طويلة أو قصيرة أو نحو ذلك
وقوله صلى الله عليه وسلم إذا شهد عدلان فصوموا وأفطروا وانسكوا وإن احتمل على السواء في محل الحكم لا في دليله أن يكون العدلان عربيين أو عجميين شيخين أو كهلين أبيضين أو أسودين ونحو ذلك
وقوله تعالى فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم وإن احتمل على السواء في محل الحكم لا في دليله أن يكون الموضع الذي يرجع إليه غربا أو شرقا أو شمالا أو جنوبا أو مدينة أو برية أو قرية ليست من مسائل ما يجري مجرى العموم لترك الاستفصال كما قيل بل هي من مسائل الإطلاق المقتضي تخيير المكلف في مختلفات الأشخاص والصفات والأحوال فافهم قاله ابن الشاط فظهر أن قول الشافعي حكاية الحال إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال وسقط بها الاستدلال إنما هو في الاحتمالات الثابتة في نفس دليل الحكم لا في محل الحكم عكس قوله إن ترك الاستفصال في حكاية الحال تقوم مقام العموم في المقال فإنه
159
159
المسألة السادسة
قوله عليه السلام للمفطر في رمضان أعتق رقبة ظاهر في وجوب الإعتاق لا إجمال فيه مع احتمال أن تكون الرقبة المأمور بها سوداء أو بيضاء أو ذكرا أو أنثى أو طويلة أو قصيرة ومن هذا التنويع كثير في الرقبة ولا تقدح هذه الاحتمالات وإن استوت في دلالة الدليل على وجوب إعتاق رقبة لأن الاحتمالات في محل الحكم لا في دليله المسألة السابعة قوله عليه السلام إذا شهد عدلان فصوموا وأفطروا وانسكوا لفظ ظاهر في ربط هذه الأحكام بشهادة العدلين مع احتمال أن يكون العدلان عربيين أو عجميين شيخين أو كهلين أبيضين أو أسودين ونحو ذلك فيعم الحكم الجميع لأن الاحتمالات في محل الحكم لا في دليله ونقول جميع هذه الاحتمالات تندرج في محل الحكم وهو معنى قول الشافعي أنه يقوم مقام العموم في المقال
المسألة الثامنة قوله تعالى فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم اللفظ نص قطعي في السبعة والثلاثة لا احتمال في الدليل من هذا الوجه أصلا والاحتمالات في الموضع الذي يرجع إليه فيحتمل أن يكون غربا أو شرقا أو شمالا أو جنوبا أو مدينة أو برية أو قرية وجميع هذه الاحتمالات في محل الحكم فلا جرم أن يعم الحكم جميعها ويستوي فيما حكم به صاحب الشرع فهذا مثال الدليل يكون نصا والاحتمالات مستوية في محل الحكم فلو كانت هذه الاحتمالات المستوية في الدليل سقط به الاستدلال وصار مجملا كما قاله الشافعي رضي الله عنه فقد ظهر بهذه القواعد وهذه المسائل الفرق بين حكاية الحال إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال وسقط بها الاستدلال وبين قاعدة إن ترك الاستفصال في حكاية الحال تقوم مقام العموم في المقال ولم يتناقض قول الشافعي رضي الله عنه ولا اختلف بل كل قول له موضع يخصه
هامش أنوار البروق
قلت ليس ما مثل به الجنس بصحيح فإنه ليس لفظ رقبة في هذا الموضع جنسا ولكنه واحد غير معين من الجنس وكذلك قوله وكذلك الأمر بجميع المطلقات الكليات فإن المطلقات ليست الكليات وقد تقدم التنبيه على ذلك مرارا
قال إذا تحررت هذه القواعد فنقول الاحتمالات تارة تكون في كلام صاحب الشرع على السواء فتقدح وتارة تكون في محل مدلول اللفظ فلا تقدح قلت ما قاله هنا صحيح
قال فحيث قال الشافعي رضي الله عنه إن حكاية الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال سقط بها الاستدلال مراده إذا استوت الاحتمالات في كلام صاحب الشرع
هامش إدرار الشروق
في الاحتمالات الثابتة في محل الحكم لا في دليله فكلا قوليه لم يتناقضا ولم يختلفا بل كل قول له موضع يخصه والله سبحانه وتعالى أعلم
160
160
الفرق الثاني والسبعون بين قاعدة الاستثناء من النفي إثبات في غير الأيمان وبين قاعدة الاستثناء من النفي ليس بإثبات في الأيمان اعلم أن مذهب مالك رحمه الله أن الاستثناء من النفي إثبات في غير الأيمان هذه قاعدته في الأقارير وقاعدته في الأيمان أن الاستثناء من النفي ليس بإثبات وعند الشافعي في ذلك قولان فمنهم من طرد أن الجميع إثبات في الأيمان وغيرها ومنهم من وافقنا ويظهر ذلك بذكر ثلاث مسائل
المسألة الأولى
إذا حلف لا يلبس ثوبا إلا كتانا في هذا اليوم وقعد عريانا فالكتان قد استثني من النفي السابق فيكون إثباتا فيكون كلامه جملتين جملة سلبية وجملة ثبوتية بعد الاستثناء وقبله وقد دخل القسم عليهما فيحنث إذا قعد عريانا نحنثه في الجملة الثبوتية ويكون قد حلف أن لا يلبس غير الكتان وليلبس الكتان وما لبس الكتان فيحنث هذا هو مقتضى قاعدة اللغة من جهة أن الاستثناء من النفي إثبات والشافعية مشوا على ذلك على أحد القولين فحنثوه ووافقونا في القول الآخر فلم يحنثوه لنا وجوه الأول أن
هامش أنوار البروق
قلت الأظهر أن ذلك ليس مراده وإن مراده أن قضايا الأعيان إذا نقلت إلينا ونقل حكم الشارع فيها واحتمل عندنا وقوعها على أحد وجهين أو وجوه ولم ينقل إلينا على أي الوجهين أو الوجوه وقع الأمر فيها فإن مثل هذا يثبت فيه الإجمال ويسقط به الاستدلال ودليل ظهور ما قلته دون ما قاله أن ما قلته يطلق عليه حكاية حال حقيقة وما قاله يطلق عليه حكاية حال مجازا والله أعلم
قال ومراده أن حكاية الحال إذا ترك فيها الاستفصال قامت مقام العموم في المقال إذا كانت الاحتمالات في محل المدلول دون الدليل
هامش إدرار الشروق
الفرق الثاني والسبعون بين قاعدة الاستثناء من النفي إثبات في غير الأيمان وبين قاعدة الاستثناء من النفي ليس بإثبات في الأيمان مذهب بعض الشافعية أنه لا فرق بين هاتين القاعدتين جريا على القاعدة الأصولية أن الاستثناء من النفي إثبات كما أنه من الإثبات نفي مذهب بعض الشافعية أنه لا فرق بين هاتين القاعدتين جريا على القاعدة الأصولية أن الاستثناء من النفي إثبات كما أنه من الإثبات نفي في الأيمان وغيرها ومذهب مالك رحمه الله تعالى وبعض الشافعية أن قاعدة أن الاستثناء من النفي إثبات إنما هي في غير الأيمان كالأقارير
وأما الاستثناء في الأيمان فقاعدته أنه ليس بإثبات لا إثبات أيضا كما في الأصول لوجوه الوجه الأول أن إلا كما تستعمل للإخراج كذلك تستعمل صفة ومنه قوله تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فإنه لم يرد به الاستثناء وإلا لوجب النصب استثناء من موجب بل معناه لو كان فيهما آلهة غير الله لفسدتا والأيمان مبنية على العرف وأهل العرف قد جعلوا إلا في الأيمان بمعنى غير صفة للمستثنى منه لا للإخراج الوجه الثاني سلمنا أن أهل العرف لم ينقلوها عن الإخراج لمعنى غير وسوى وهو الوصفية لكن
161
161
إلا تستعمل للإخراج وتستعمل صفة ومنه قوله تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا معناه لو كان فيهما آلهة غير الله لفسدتا ولو أراد الاستثناء به لنصب فقال إلا الله لأنه استثناء من موجب وهي في العرف قد جعلوها في الأيمان بمعنى غير فلا يفهم من قول القائل والله لا لبست ثوبا إلا الكتان أنه حلف على لبس الكتان بل يفهم لا لبست ثوبا غير الكتان وأن غير الكتان هو المحلوف عليه أما الكتان فلا يفهم أهل العرف ذلك فيه وإذا كان الكتان غير محلوف عليه لم يحنث إذا قعد عريانا الثاني سلمنا أن أهل العرف لم ينقلوها لمعنى غير وسوى ولكن القسم يحتاج في جوابه إلى جملة واحدة وقد أجمعنا على أن جوابه حصل بقوله لا لبست ثوبا وإنه لو سكت هنالك كان كلاما عربيا والأصل عدم تعلقه بالجملة الثانية التي بعد إلا وإذا لم يتعلق بها القسم كان لبس الكتان غير محلوف عليه فلا يحنث إذا جلس عريانا وهو المطلوب الثالث سلمنا أنه تناول الجملتين لكن الاستثناء في هذه الصور عندنا من إثبات فيكون نفيا بيان أن معنى الكلام أن جميع الثياب محلوف عليها إلا الكتان فكأنه قال أحلف على عدم لبس كل ثوب إلا الكتان فلا أحلف عليه لأن استثناءه من الحلف الذي هو ثبوتي وإذا كان الكتان غير مقسم عليه لا يحنث بتركه وهو المطلوب فهذه الوجوه هي الفروق بين قاعدة الاستثناء من النفي إثبات في غير الأيمان وبين قاعدة الاستثناء في الأيمان
هامش أنوار البروق
قلت إن أراد بمحل المدلول أن قضايا الأعيان إذا عرضت على الشارع وهي محتملة الوقوع على أحد وجهين أو وجوه وترك الاستفصال فيها فتركه الاستفصال فيها دليل أن الحكم فيها متحد في الوجهين أو الوجوه فقوله فيها صحيح وهو مراد الشافعي بلا شك والله أعلم قال ولنوضح ذلك بذكر ثمان مسائل
هامش إدرار الشروق
القسم إنما يحتاج في جوابه إلى جملة واحدة لا إلى جملتين ولذا قد أجمعنا على أن جواب القسم في نحو قول القائل والله لا لبست ثوبا إلا الكتان على أن جوابه حصل بقوله لا لبست ثوبا وإنه لو سكت هنالك كان كلاما عربيا والأصل عدم تعلقه بالجملة الثانية التي بعد إلا وإذا لم يتعلق بها القسم كان لبس الكتان غير محلوف عليه فلا يحنث إذا جلس عريانا وهو المطلوب
الوجه الثالث سلمنا أن القسم تناول الجملتين لكن الاستثناء في هذه الصورة عندنا من الحلف الذي هو ثبوتي فكأنه قال احلف على عدم لبس كل ثوب إلا الكتان ويكون معنى الكلام أن جميع الثياب أحلف عليها إلا الكتان فلا أحلف عليه ضرورة أن الاستثناء من الإثبات نفي وإذا كان الكتان غير مقسم عليه لا يحنث بتركه وهو المطلوب وصل في زيادة توضيح الخلاف بين المالكية والشافعية في الفرق بين هاتين القاعدتين وعدمه بثلاث مسائل المسألة الأولى إذا حلف لا يلبس ثوبا إلا كتانا في هذا اليوم وقعد عريانا فإن جعلت إلا لاستثناء
162
162
المسألة الثانية
حكى صاحب القبس أبو بكر بن العربي أنه جلس رجلان ببيت المقدس يلعبان بالشطرنج فتعارضا في الكلام فحلف أحدهما لا لعب مع صاحبه غير هذا الدست فجاء رجل ونقض الرقعة وخلطها وجهل ترتيبها كيف كان وامتنع تكميل ذلك الدست فسأل الفقهاء عن تحنيثه بذلك فاختلفوا في تحنيثه على قولين قال ثم اجتمعت بشيخنا أبي الوليد الطرطوشي فأخبرته بالمسألة فاختار عدم الحنث
هامش أنوار البروق
162
المسألة الأولى قوله عليه السلام
لما سئل عن الوضوء بنبيذ التمر قال تمرة طيبة وماء طهور ليس في اللفظ إلا أن التمرة طاهرة طيبة والماء طهور فيبقى إذا جمع بين التمرة والماء الطهور كيف يكون الحال هل يسلب الطهورية أم لا لم يتعرض لذلك فيحتمل أن يريد أن كل واحد منهما بقي على حاله لم يتغير عن وصفه فلذلك وصفهما بما كانا عليه قبل الاجتماع ويحتمل أنهما تغيرا عن حالتهما الأولى فتفتتت التمرة واحمر الماء وحلا ومع ذلك فالماء طهور على حاله وهو مراد الحنفية وليس في اللفظ إشعار بالتفتت ولا بعدمه فقوله عليه السلام تمرة طيبة وماء طهور لم يتعرض في ذلك لما قبل التغير ولا لما بعده قلت لا يجوز على الشارع صلوات الله وسلامه عليه أن يسأل عن شيء ثم لا يجيب عنه ولا يجوز عليه أن يخبر بما لا فائدة فيه وهو صلى الله عليه وسلم إنما سئل عن الوضوء بالنبيذ والنبيذ اسم الماء المستنقع
هامش إدرار الشروق
الكتان من النفي السابق ويكون قد حلف أن لا يلبس غير الكتان وليلبس الكتان كما هو مقتضى قاعدة اللغة أن الاستثناء من النفي إثبات حنث بقعوده عريانا لأنه لم يلبس الكتان ومشى على هذا بعض الشافعية وإن جعلت إلا لاستثناء الكتان من الحلف الذي هو ثبوتي لا من النفي السابق ويكون قد حلف على عدم لبس كل ثوب إلا الكتان أو جعلت أي إلا لاستثناء الكتان من النفي السابق إلا أن الحلف لم يتعلق بالاستثناء بل بما قبله ويكون قد حلف على عدم لبس كل ثوب فقط أو جعلت أي إلا بمعنى غير عرف صفة للثوب لا للاستثناء أصلا ويكون قد حلف على عدم لبس ثوب غير كتان لم يحنث بقعوده عريانا في الجميع كما مر توضيحه ومشى على هذا المالكية وبعض الشافعية
المسألة الثانية
حكى صاحب القبس أبو بكر بن العربي أنه جلس رجلان ببيت المقدس يلعبان بالشطرنج فتعارضا في الكلام فحلف أحدهما لا لعب مع صاحبه غير هذا الدست فجاء رجل ونقض الرقعة وخلطها وجهل ترتيبها كيف كان وامتنع تكميل ذلك الدست فسأل الفقهاء عن تحنيثه بذلك فاختلفوا في تحنيثه وعدم تحنيثه أي بناء على جعل غير لاستثناء هذا الدست من النفي السابق والحلف متعلق به وبالمستثنى معا أو بالنفي السابق فقط أو من الحلف الذي هو ثبوت أو صفة لمحذوف على ما مر بيانه قال ثم اجتمعت بشيخنا أبي بكر الطرطوشي فأخبرته بالمسألة فاختار عدم الحنث
المسألة الثالثة لو قال والله لأعطينك في كل يوم درهما من دينك إلا في يوم الجمعة فأعطاه يوم الجمعة مع سائر الأيام جرى الخلاف المتقدم أيضا في تحنيثه وعمد تحنيثه وإن كان استثناء من إثبات مطلقا وذلك لأن إلا إن جعلت للإخراج على الأصل كان الكلام مفهما الحلف على منع نفسه من الإعطاء في يوم الجمعة مع عدم الإخلال بالإعطاء في سائر الأيام فيحنث وإن جعلت بمعنى سوى نظرا لكون أهل العرف نقلوها من الإخراج إليه في الأيمان حتى لا يفهمون من قول القائل ذلك أنه منع
163
163
المسألة الثالثة
لو قال والله لأعطينك في كل يوم درهما من دينك إلا في يوم الجمعة فأعطاه يوم الجمعة مع سائر الأيام فإن الخلاف المتقدم يجري فيه وإن كان استثناء من إثبات لأن إلا بمعنى سوى في الأيمان عند أهل العرف ولا يفهمون من قول القائل أنه منع نفسه من الإعطاء في يوم الجمعة بل استثناء توسعة وأن المقصود أنه لو أعطى فيه لم يضر وإنما المقصود من اليمين أن لا يخل بالإعطاء في غير يوم الجمعة فغير يوم الجمعة هو المقصود باليمين لا يوم الجمعة فتأمل ذلك
هامش أنوار البروق
فيه التمر حتى يتغير حقيقة أما قبل التغير فلا يسمى بنبيذ إلا مجازا بمعنى أنه يئول إلى ذلك فلا شك أن ظاهر الحديث أنه أراد صلى الله عليه وسلم أن أصل النبيذ تمرة طيبة وماء طهور وأنه باق على حكم الأصل من الطيب والطهورية
قال فإن قلت لو لم يتعرض لما قبل التغير لم يكن الجواب حاصلا فإنه عليه الصلاة والسلام إنما سئل عنهما بعد اجتماعهما قلت مسلم أنه سئل عنهما بعد اجتماعهما ولكنه لم يقل للسائل توضأ ولا لا تتوضأ بل اقتصر على ذكر وصفي المجتمعين ولم يتعرض للتغير ولا لعدمه فلا جرم لما تساوت الاحتمالات في ذلك سقط الاستدلال بالحديث على الجواز بعد التغير فإن الدال على الأعم غير دال على الأخص وحالة التغير أخص مما فهم من اللفظ من وصفي المجتمعين قلت السؤال وارد لازم وما قاله من أنه صلى الله عليه وسلم لم يقل للسائل توضأ ولا لا توضأ ليس بصحيح بل قال توضأ لكن لا باللفظ ولكن باقتضاء المساق وضرورة حمل كلامه صلى الله عليه وسلم على الفائدة وعلى الجواب وما قاله من أنه صلى الله عليه وسلم اقتصر على ذكر وصفي المجتمعين ليس كذلك بل لم يقتصر لضرورة المساق وحمل كلامه صلى الله عليه وسلم على الجواب وعلى الفائدة وما قاله من أنه صلى الله عليه وسلم لم يتعرض للتغير ولا لعدمه ليس كما قال بل تعرض لذلك لأنه عن النبيذ سئل وهو المتغير على ما سبق بيانه وما قاله من أنه لما تساوت الاحتمالات سقط الاستدلال على الجواز بعد التغير ليس كما قال بل لم تتساو الاحتمالات ولا سقط الاستدلال وما قاله من أن الدال على الأعم غير دال على الأخص إلى آخر كلامه صحيح لكن ليس الأمر في المسألة من ذلك بل من الدال على الأخص بل من جهة أنه إنما سئل عن النبيذ وليس النبيذ إلا المتغير
قال المسألة الثانية استدلت المعتزلة على أن الشر من العبد لا من الله تعالى بقوله عليه السلام في الحج الخير كله بيدك والشر ليس إليك إلى آخره ما قاله في المسألة قلت الأظهر أن ما قدرته المعتزلة أظهر ولكن المسألة قطعية لا يكتفى فيها بالظواهر مع أن الدليل العقلي القطعي قد ثبت أن الشر بقدرته كما أن الخير كذلك فبطل مقتضى ذلك الظاهر وتعين التأويل وما ذكره في المسألة الثالثة والرابعة والخامسة صحيح ظاهر والله أعلم
المسألة الثالثة اللفظ في قوله صلى الله عليه وسلم لغيلان لما أسلم على عشر نسوة أمسك أربعا وفارق سائرهن ظاهر ظهورا قويا في الإذن والتخيير في الحالين حال ما إذا عقد عليهن عقودا مرتبة عقدا بعد عقد وحال ما إذا عقد عليهن عقدا واحدا فالاحتمالات المستوية بين هذين الحالين ليست في الدليل الدال على الحكم حتى يقدح في الدلالة بل هي في محل الحكم والاحتمالات المستوية في محل الحكم لا تقدح في الدلالة فمن هنا قال مالك والشافعي رضي الله عنهما له الخيار في الحالين بلا فرق خلافا لأبي حنيفة في قوله لا يجوز له أن يختار في الحالة الأولى من المؤخرات لفساد عقودهن بعد أربع عقود فإن عقد الخامسة وما فوقها باطل والخيار في الباطل لا يجوز وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام لو أراد أحد الحالين دون الأخرى لاستفصل غيلان عن ذلك وحيث لم يستفصل والأصل عدم علمه صلى الله عليه وسلم بحالة غيلان وهو في مقام تقرير قاعدة كلية لجميع الخلق ومن كان في مثل هذا المقام شأنه البيان والإيضاح كان أبين دليل على أن الحالين سواء في الحكم
التنبيه الثاني ليس الاحتمالان في تقدير متعلق إليك في قوله صلى الله عليه وسلم في الحج الخير كله بيديك والشر ليس إليك أعني تقدير المعتزلة والشر ليس منسوبا إليك وتقدير الأشعرية والشر ليس قربة إليك بمستويين حتى يقال بسقوط استدلال المعتزلة به على زعمهم من أن الشر من العبد لحصول الإجمال في نفس الدليل بل ما قدرته المعتزلة هو الأظهر ولكن المسألة قطعية لا يكتفى فيها بالظواهر مع أن الدليل العقلي القطعي قد ثبت أن الشر بقدرته تعالى كما أن الخير كذلك فبطل مقتضى ذلك الظاهر وتعين التأويل قاله ابن الشاط
هامش إدرار الشروق
نفسه من الإعطاء في يوم الجمعة بل إن مقصوده من اليمين إنما هو غير يوم الجمعة لا يوم الجمعة بمعنى أنه لا يخل بالإعطاء في غير يوم الجمعة وإن استثناءه يوم الجمعة استثناء توسعة لو أعطى فيه لم يضر فتأمل ذلك وبالجملة فالفقهاء خالفوا ما في الأصول من قاعدة الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي ولم يقولوا بذلك في الأيمان على ما تقدم من الخلاف والسبب ما علمته والله سبحانه وتعالى أعلم
164
164
الفرق الثالث والسبعون بين قاعدة المفرد المعرف بالألف واللام يفيد العموم في غير الطلاق نحو
أحل الله البيع ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق وبين قاعدة المعرف بالألف واللام في الطلاق لا يفيد العموم فلو قال الطلاق يلزمني لم يلزمه مع عدم النية إلا طلقة واحدة ومقتضى اللغة أن يلزمه الثلاث لأن قاعدة المعرف فاللام التعريف أنه عام في جميع أفراد الجنس الذي دخل عليه وقد دخل على مفهوم الطلاق فيعم أفراده إلى غير النهاية ومقتضى ذلك أن يلزمه من الطلاق عدد غير متناه إلا أن المحل لا يقبل إلا ثلاثا فيقتصر عليها كما لو قال أنت طالق مائة فإنه يلزمه الثلاث فقط لعدم قبول المحل الزيادة على ذلك لكن الفقهاء اليوم على
هامش أنوار البروق
قال
المسألة السادسة
قوله عليه الصلاة والسلام للمفطر في رمضان أعتق رقبة إلى آخر ما قاله في هذا الفرق قلت هذه المسألة والمسألتان بعدها ليست من مسائل ما يجري مجرى العموم لترك الاستفصال بل هي مسائل الإطلاق المقتضي تخيير المكلف في مختلفات الأشخاص والصفات والأحوال فليس ما أورده من هذه المسائل الثلاث لما وقع تصديق الكلام به بمثال والحمد لله الكبير المتعال وما قاله في الفرق الثاني والسبعين أكثره نقل لا كلام فيه
وقوله صلى الله عليه وسلم إذا شهد عدلان فصوموا وأفطروا وانسكوا وإن احتمل على السواء في محل الحكم لا في دليله أن يكون العدلان عربيين أو عجميين شيخين أو كهلين أبيضين أو أسودين ونحو ذلك
المسألة الثانية حكى صاحب القبس أبو بكر بن العربي أنه جلس رجلان ببيت المقدس يلعبان بالشطرنج فتعارضا في الكلام فحلف أحدهما لا لعب مع صاحبه غير هذا الدست فجاء رجل ونقض الرقعة وخلطها وجهل ترتيبها كيف كان وامتنع تكميل ذلك الدست فسأل الفقهاء عن تحنيثه بذلك فاختلفوا في تحنيثه وعدم تحنيثه أي بناء على جعل غير لاستثناء هذا الدست من النفي السابق والحلف متعلق به وبالمستثنى معا أو بالنفي السابق فقط أو من الحلف الذي هو ثبوت أو صفة لمحذوف على ما مر بيانه قال ثم اجتمعت بشيخنا أبي بكر الطرطوشي فأخبرته بالمسألة فاختار عدم الحنث
قال الفرق الثالث والسبعون بين قاعدة المفرد المعرف بالألف واللام يفيد العموم في غير الطلاق نحو أحل الله البيع ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق
وبين قاعدة المعرف بالألف واللام في الطلاق لا يفيد العموم فلو قال الطلاق يلزمني لم يلزمه مع عدم النية إلا طلقة واحدة ومقتضى اللغة أن يلزمه الثلاث إلى قوله فهذه اللام للمعهود الذي تقدم ذكره قلت ما قاله صحيح إلا في قوله وأحل الله البيع ولا تقتلوا النفس إنه للجنس فإنه إن كان يعني الحقيقة فذلك صحيح وإن كان يعني أنه للاستغراق فلا
هامش إدرار الشروق
الفرق الثالث والسبعون بين قاعدة المفرد المعرف بالألف واللام يفيد العموم في غير الطلاق نحو
أحل الله البيع ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق وبين قاعدة المعرف بالألف واللام في الطلاق لا يفيد العموم اعلم أن الذي رجحه السيد الصفوي أن لام التعريف قد تستعمل للمعهود من أفراد الجنس خارجا نحو قوله تعالى كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول ونحو وليس الذكر كالأنثى ونحو اليوم أكملت لكم دينكم أو للجنس أما من حيث هو أي للماهية من حيث حضورها
165
165
خلافه ولا يلزمون به إلا واحدة بسبب أن لام التعريف قد تستعمل لاستغراق الجنس نحو أحل الله البيع وللمعهود من الجنس نحو قوله تعالى كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول فهذه اللام للمعهود الذي تقدم ذكره ولحقيقة الجنس كقول السيد لعبده اذهب إلى السوق فاشتر لنا الخبز واللحم يريد إثبات هاتين الحقيقتين ولا يريد العموم بأن يأتي بجميع أفراد الجنس وليس بينهما معهود ينصرف الكلام إليه بل المراد به حقيقة الجنس أي الماهية الكلية التي تصدق بفرد إذا تقرر أن لام التعريف تستعمل في أحد هذه الأمور الثلاثة فاعلم أن أهل العرف قد نقلوها وخصصوها بحقيقة الجنس دون استغراق الجنس فيصير معنى كلام المطلق أن حقيقة جنس الطلاق يلزمني وإذا لزمته هذه الحقيقة وهذه الحقيقة تصدق بفرد لم يلزمه إلا فرد وهو طلقة واحدة لأن الأيمان مبنية على العرف في اليمين بالله تعالى والطلاق وغيره فإذا حدث عرف بعد اللغة قدم عليها لأنه ناسخ لها والناسخ مقدم على المنسوخ وهاتان قاعدتان في الأصول خالفهما الفقهاء في الفروع وهما قاعدة الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي ولم يقولوا بذلك في الأيمان على
هامش أنوار البروق
قال ولحقيقة الجنس كقول السيد لعبده اذهب إلى السوق فاشتر لنا الخبز واللحم يريد إثبات هاتين الحقيقتين ولا يريد العموم إلى قوله أي الماهية الكلية التي تصدق بفرد قلت لا يصح أن يكون المراد بقوله اشتر الخبز وما أشبهه الماهية الكلية فإنه من المحال عند مثبتيها وجودها في الخارج وما اشترى لا بد من وجوده في الخارج
قال إذا تقرر أن لام التعريف تستعمل في أحد هذه الأمور الثلاثة فاعلم أن أهل العرف قد نقلوها وخصصوها بحقيقة الجنس دون استغراق الجنس قلت إذا كان من جملة ما يطلق عليه اللفظ حقيقة الجنس فلا نقل أما التخصيص فنعم
هامش إدرار الشروق
الذهني بقطع النظر عن الأفراد فتسمى لام الحقيقة نحو الرجل خير من المرأة والإنسان حيوان ناطق والحيوان جنس والناطق فصل
وأما من حيث وجوده في بعض مبهم مع قرينة ذلك البعض فتسمى لام العهد الذهني نحو قوله تعالى حكاية عن سيدنا يعقوب عليه السلام وأخاف أن يأكله الذئب لعهدية الحقيقة التي لذلك البعض وإن كان ذلك البعض مبهما فمدخولها وإن جرت عليه أحكام المعارف بالنظر لوضعه للحقيقة المعينة ذهنا فيجيء مبتدأ وذا حال بلا مسوغ ووصفا للمعرفة إلا أنه في المعنى كالنكرة نظرا لقرينة ذلك البعض المبهم كالأكل في الآية
وأما من حيث وجوده في جميع الأفراد فتسمى لام الاستغراق كقوله تعالى أحل الله البيع ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق إذ لا عهد مع تحقق قرينة إرادة الفرد دون البعضية المبهمة ودون الحقيقة وهي في الآية تعلق الحكم الشرعي المقتضي للوجود الخارجي ولا وجود للحقيقة في الخارج وقاعدة المعرف فاللام التعريف في الأصول حينئذ أن يحمل على الكلية فيعم جميع أفراد الجنس الذي دخل عليه وإن لم توجد قرينة الكلية كالاستثناء فعلى هذا إذا قال الشخص الطلاق يلزمني مع عدم النية يحتمل أن يكون مقصوده الاستغراق أو العهد وعلى قاعدة الاحتياط في الفروج كان ينبغي أن تلزمه الثلاث كمن طلق ولا يدري أواحدة أم ثلاثا تلزمه الثلاث
166
166
ما تقدم من الخلاف وقاعدة المعرف فاللام التعريف قالوا بأنه للعموم ولم يقولوا به في الطلاق والسبب ما تقدم بيانه
الفرق الرابع والسبعون الفرق بين قاعدة الاستثناء من النفي إثبات في غير الشروط وبين قاعدة الاستثناء من النفي ليس بإثبات في الشروط خاصة دون بقية أبواب الاستثناء هذا الفرق مبني على قاعدة وهي أن السبب يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم والشرط يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم والمانع يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم وقد تقدم بسط هذه الحقائق وتحريرها وتعليلها والفرق بينها فلا حاجة لإعادتها غير أن المقصود ها هنا أن تعلم أن الشرط لا يلزم من وجوده شيء إنما المؤثر عدمه فإذا قلنا الحياة شرط في العلم فمذهب مالك رحمه الله يلزم من عدم الحياة عدم العلم به ولا يلزم من وجود الحياة العلم به ولا عدم العلم به فكم من حي لا يعلم مذهب مالك وكذلك يلزم من عدم الطهارة الجزم بعدم صحة الصلاة ولا يلزم من وجود الطهارة الجزم بصحة الصلاة لاحتمال أن لا يصلي أو يصلي ولكن بغير نية أو ستارة أو ركوع أو غير ذلك وكذا يلزم من عدم الحول
هامش أنوار البروق
قال فيصير معنى كلام المطلق أن حقيقة جنس الطلاق يلزمني وإذا لزمته هذه الحقيقة وهذه الحقيقة تصدق بفرد لم يلزمه إلا فرد وهو طلقة واحدة لأن الأيمان مبنية على العرف إلى قوله والناسخ مقدم على المنسوخ
هامش إدرار الشروق
احتياطا وذلك أن مقتضى اللغة والاحتياط أن يلزمه من الطلاق عدد غير متناه إلا أن المحل لا يقبل إلا ثلاثا فيقتصر عليها كما لو قال أنت طالق مائة فإنه يلزمه الثلاث فقط لعدم قبول المحل لزيادة على ذلك لكن الفقهاء خالفوا هذه القاعدة الأصولية في الطلاق كما خالفوا قاعدة الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي في الأيمان على ما تقدم من الخلاف بسبب أن مبنى الطلاق والأيمان على العرف والعرف صرف ذلك اللفظ لمطلق الطلاق أي واحد غير معين من أفراده قال ابن الشاط لا أعلم أحدا ألزم الطلاق الثلاث بذلك اللفظ فهو عرف في مطلق الطلاق ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الرابع والسبعون بين قاعدة الاستثناء من النفي إثبات في غير الشروط وبين قاعدة الاستثناء من النفي ليس بإثبات في الشروط خاصة دون بقية أبواب الاستثناء وذلك لأن الشروط لما كان وجودها غير مؤثر في وجود المشروط ولا في عدمه وإنما المؤثر عدمها في عدمه لأن الشرط كما مر ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم كان من الضروري استثناء الشروط من إطلاق العلماء قاعدة الاستثناء من النفي إثبات وإلا لاتجه ما يورده الحنفية علينا من قولهم لو كان الاستثناء من النفي إثباتا للزم القضاء بصحة الصلاة عند الطهور لقوله صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صلاة إلا بطهور والقضاء بصحة النكاح عند الولي لقوله صلى الله عليه وسلم لا نكاح إلا بولي واللازم
167
167
عدم وجوب الزكاة أما إذا دار الحول فقد تجب الزكاة
وقد لا تجب لكونه فقيرا أو مديانا فوجود الشرط لا يلزم منه شيء إنما اللزوم عند عدمه إذا تقررت هذه القاعدة فقوله عليه السلام لا يقبل الله صلاة إلا بطهور لا يلزم من القضاء قبل إلا بعدم القبول لعدم الطهارة القضاء بالقبول بعد إلا لوجود الطهارة التي هي شرط لأنه لا يلزم من وجود الشرط شيء فكذلك قوله عليه السلام لا نكاح إلا بولي لا يلزم من القضاء بنفي النكاح قبل إلا لأجل عدم الشرط الذي هو الولي القضاء بصحة النكاح بعد إلا لأجل وجود الشرط الذي هو الولي لأنه لا يلزم من وجود الشرط شيء إنما المؤثر عدمه لا وجوده وكذلك قوله عليه السلام لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد لا يقتضي أنه تحصل له صحة الصلاة أو الفضيلة إذا صلى في المسجد لجواز أن يصليها في المسجد وتكون صلاته باطلة والسر في جميع ذلك واحد وهو أن الشرط لا يلزم من وجوده شيء فيكون الاستثناء من النفي إثباتا مطردا فيما عدا الشرط وتكون الشروط مستثناة من إطلاق العلماء هذه القاعدة وإن مرادهم غير الشروط
وأما الشروط فلا وهذا التخصيص من هذه القاعدة غريب قل من يتفطن له وبسبب التفطن له يبطل ما يورده الحنفية علينا في مسألة أن الاستثناء من النفي إثبات فيقولون لو كان الاستثناء من النفي إثباتا للزم القضاء بصحة الصلاة عند الطهور وبصحة النكاح عند الولي الوارد في الأحاديث ولما لم يلزم ذلك دل على أن الاستثناء من النفي ليس بإثبات وإلا لزم تخلف المدلول عن الدليل وهو خلاف الأصل فنجيب بما تقدم أن هذه الاستثناءات من باب الشروط ونحن إنما ندعي ذلك في غير الشروط فلا يرد علينا الشروط فاندفع السؤال فهذا هو حقيقة الفرق بين القاعدتين فتأمله وخرج عليه الاستثناءات الواقعة في الكتاب والسنة وكلام العرب والحالفين وغيرهم
هامش أنوار البروق
قلت قد تبين أن الحقيقة الكلية لا وجود لها في الخارج فلا يمكن أن تكون هي المقصودة في قوله الطلاق يلزمني ولكن يمكن أن يكون المقصود الاستغراق أو العهد فعلى هذا كان ينبغي أن تلزمه الثلاث احتياطا كمن طلق ولا يدري أواحدة أم ثلاثا تلزمه الثلاث احتياطا ولكن لا أعلم أحدا ألزم الطلاق الثلاث بذلك اللفظ فهو عرف في مطلق الطلاق والله تعالى أعلم وما قاله إلى آخر الفرق ظاهر وكذلك الفرق بعده
هامش إدرار الشروق
ضرورة أن كلا من الطهور والولي شرط لا يلزم من وجوده شيء فلا يلزم من القضاء بعدم قبول الصلاة قبل إلا ولا من القضاء بنفي النكاح قبل إلا لأجل عدم الشرط فيهما القضاء بالقبول للصلاة بعد إلا لوجود الطهارة والقضاء بصحة النكاح بعد إلا لوجود الولي ولما لم يلزم ذلك دل على أن الاستثناء من النفي ليس بإثبات وإلا لزم تخلف المدلول عن الدليل وهو خلاف الأصل فلزم أن نقول في دفعه أن هذا الاستثناء الوارد في الحديثين المذكورين ونحوهما من باب الشروط ونحن إنما ندعي أن ذلك في غير الشروط فلا يرد علينا الشروط هذا هو حقيقة الفرق بين القاعدتين المذكورتين فتأمله وخرج عليه الاستثناءات الواقعة في الكتاب والسنة وكلام العرب والحالفين وغيرهم والله سبحانه وتعالى أعلم

168
168
الفرق الخامس والسبعون الفرق بين قاعدة إن وقاعدة إذا وإن كان كلاهما للشرط
لكن الفرق بينهما من وجوه أحدها إن تدل على الزمان بالالتزام وعلى الشرط بالمطابقة وإذا على العكس في ذلك
فإذا قلت إن جاء زيد فأكرمه فلفظك يدل على أن إن شرط والإكرام يتوقف على المجيء مطابقة ويدل بالالتزام على أن المجيء لا بد أن يكون في زمان وإذا قلت إذا جاء زيد فأكرمه فإذا تدل على الزمان بالمطابقة وعلى الشرط بالالتزام في بعض الصور فإنها قد يلزمها الشرط في بعض الصور نحو إذا جاء نصر الله إلى قوله فسبح وقد لا يلزمها وتكون ظرفا محضا نحو قوله تعالى والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى أي أقسم بالليل في حالة غشيانه وبالنهار في حال تجليه لأنهما أكمل أحوال الليل والنهار والقسم تعظيم والتعظيم يناسب أعظم الأحوال فإذا في مثل هذا ظرف محض في موضع نصب على الحال فصارت إذا الظرفية قد يلزمها الشرط فتدل عليه في بعض الصور وقد لا يلزمها في بعض الصور فلا تدل عليه
هامش أنوار البروق
قال الفرق الخامس والسبعون بين قاعدة إن وقاعدة إذا وإن كان كلاهما للشرط إلى قوله وقد لا يلزمها في بعض الصور فلا تدل عليه التزاما قلت ما قاله في ذلك صحيح إلا قوله في إن أنها تدل على الزمان التزاما فإنه إن أراد أنها تدل على
هامش إدرار الشروق
الفرق الخامس والسبعون بين قاعدة إن وقاعدة إذا وإن اشتركا في كون كل منهما للشرط أي لمطلق الربط بين جملتين وفي الدلالة على مطلق الزمان أي زمن غير معين لا عموم الأزمان لكن بينهما فرق من وجهين الوجه الأول أن إن تدل على الزمان التزاما من جهة أنها من الحروف التي تلازم الدخول على الفعل والفعل يدل على الزمان وعلى الشرط بالمطابقة بعكس إذا ففي قولك إن جاء زيد فأكرمه تدل على إن بالمطابقة على أن الإكرام يتوقف على المجيء وبالالتزام من الجهة المذكورة على أن المجيء لا بد له من أن يكون في زمان فافهم وفي نحو قولك إذا جاء زيد فأكرمه تدل إذا بالمطابقة على الزمان وبالالتزام على الشرط أي توقف الإكرام على المجيء كما في قوله تعالى إذا جاء نصر الله إلى قوله فسبح وقد تكون ظرفا محضا كما في قوله تعالى والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى أي أقسم بالليل في حالة غشيانه وبالنهار في حالة تجليه لأنهما أكمل أحوال الليل والنهار والقسم تعظيم والتعظيم يناسب أعظم الأحوال فلا تدل إذا الظرفية على الشرط التزاما إلا في بعض صورها وهو ما إذا دخلت على شرط ومشروط بخلاف إن فلا تفارق الدلالة على الشرط
169
169
التزاما وثانيها أن إن وإذا وإن كانا مطلقين في الدلالة على الزمان لا عموم فيهما غير أن إن لا توسعة فيها وإذا ظرف والظرف يجوز أن يكون أوسع من المظروف
وبذلك يظهر الفرق بين قوله إن مت فأنت طالق وبين قوله إذا مت فأنت طالق أنه لا يلزمه طلاق في الأول لأنه لا طلاق بعد الموت ويلزمه في الثاني لأن الظرف يجوز أن يكون أوسع من المظروف فظرف الموت يحتمل دخول زمن من أزمنة الحياة فيه فيقع في ذلك الزمن الطلاق في زمن الحياة فيلزمه وفي ذلك خلاف بين العلماء مبني على ملاحظة هذا الوجه من الفروق ويدل على أن الظرف قد يكون أوسع من المظروف أن تقول ولد النبي عليه السلام عام الفيل وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة ستين من عام الفيل وهو لم يولد في جملة عام الفيل بل في جزء من ذلك العام مع أنك جعلته بجملته ظرفا فتعين أن يكون هذا الظرف أوسع من مظروفه الذي هو الولادة وكذلك جعلت جملة سنة ستين ظرفا للموت
هامش أنوار البروق
الزمان التزاما بنفسها وعلى ما شرطوه في دلالة الالتزام من أنها يسبق ذلك فهم السامع فليس ذلك بصحيح وإن أراد أنها تدل على الزمان التزاما بمعنى أنها من الحروف التي تلازم الدخول على الفعل والفعل يدل على الزمان فهي تدل على الزمان التزاما من هذا الوجه فذلك صحيح
قال وثانيها أن إن وإذا وإن كانا مطلقين في الدلالة على الزمان لا عموم فيهما غير أن إن لا توسعة فيها وإذا ظرف والظرف يجوز أن يكون أوسع من المظروف وبذلك يظهر الفرق بين قوله إن مت فأنت طالق وبين قوله إذا مت فأنت طالق إلى قوله فيكون هذا الظرف أوسع من المظروف قلت ما قاله من أن الظرف يجوز أن يكون أوسع من المظروف بمعنى أنه يجاء بلفظ اليوم مثلا فيقال أكلت يوم الخميس وإن كان الأكل لم يقع في جميعه بل في بعضه صحيح ظاهر لكنه لا يلزم
هامش إدرار الشروق
والوجه الثاني أن إن لا يجوز أن يكون ما تدل عليه من الزمان بالجهة المذكورة أوسع من المظروف فإذا قال إن مت فأنت طالق لم يلزمه طلاق قطعا إذ لا طلاق بعد الموت
وأما إذا فالصحيح كما قال ابن الشاط أنها إن لم تدخل على شرط ومشروط يجوز أن يكون زمانها أوسع من المظروف إذ لا إشكال في أن الظرف يجوز فيه ذلك بمعنى أنه يجاء بلفظ اليوم مثلا فيقال أكلت يوم الخميس وإن كان الأكل لم يقع في جميعه كما يقال ولد النبي صلى الله عليه وسلم عام الفيل وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة ستين من عام الفيل وهو لم يولد إلا في جزء من عام الفيل ولم يقع موته إلا في جزء من السنة المذكورة وإن دخلت على شرط ومشروط فإما أن يكون وقوع ذلك المشروط بعد وقوع الشرط ممكنا أو لا فإن كان غير ممكن كقوله إذا مت فأنت طالق لم يقع الطلاق إذ ليس معناه إيقاع الطلاق في زمن الموت بعينه حتى يقال يلزمه الطلاق لأن ظرف الموت يجوز أن يكون أوسع من المظروف الذي هو الطلاق فيدخل فيه زمن من أزمنة الحياة يقع فيه الطلاق فيلزمه على خلاف بين العلماء مبني على ملاحظة هذا الوجه بل معناه إيقاع الطلاق في الزمن الذي يلي زمن الموت لما سيتضح ولا طلاق بعد الموت وإن كان ممكنا كقوله إذا دخلت الدار فأنت طالق لزمه الطلاق إذ ليس معناه إيقاع الطلاق في زمن الدخول بعينه بل معناه إيقاعه في الزمن الذي يلي زمن الدخول لضرورة مقتضى الفاء التي للتعقيب وإن لزم عن ذلك أمران أحدهما أن إذا ظرف للدخول لا ظرف للطلاق بل ظرف الطلاق غير مصرح به والثاني تعلقها بدخلت الذي هو
170
170
مع أنه لم يقع في جميع السنة بل في جزء منها فيكون هذا الظرف أوسع من المظروف وكذلك قوله تعالى واذكر ربك إذا نسيت
أورد بعض الفضلاء فيه سؤالا فقال الشرط وجوابه إذا جعل الشرط ظرفا لا بد وأن يكونا معا واقعين فيه نحو إذا جاء زيد فأكرمه فالمجيء والإكرام في زمن واحد وهو المعبر عنه بإذا وكذلك إذا جاء نصر الله والفتح إلى قوله فسبح بحمد ربك الآية كلاهما واقع في إذا المجيء والتسبيح ولذلك جوزوا أن يعمل في إذا كلا الفعلين واختاروا فعل الجواب للعمل لأنه ليس مضافا إليه بخلاف الشرط فإنه مضاف إلى مخفوض والمضاف إليه لا يعمل في المضاف وإذا جوزوا عمل كل واحد من الفعلين في هذا الظرف دل ذلك على وقوعهما فيه لأن من شرط العامل في الظرف أن يكون واقعا فيه حتى يصير مظروفه إذا تقرر هذا فالذكر ضد النسيان وقد دلت الآية على وقوعهما في إذا والضدان لا يجتمعان فكيف أمر بالذكر في زمن
هامش أنوار البروق
من جواز ذلك أن يكون كل ظرف كذلك وإذا لم يلزم أن يكون كل ظرف كذلك فالصحيح في إذا أنها لا تخلو أن تدخل على شرط ومشروط أو لا فإن لم تدخل على شرط ومشروط فلا إشكال وإن دخلت على شرط ومشروط فلا يخلو أن يكون وقوع ذلك المشروط بعد وقوع الشرط ممكنا أو لا فإن كان ممكنا كقوله إذا دخلت الدار فأنت طالق لزمه الطلاق وإن كان وقوع ذلك المشروط غير ممكن لم يقع الطلاق كقوله إذا مت فأنت طالق هذا هو الصحيح لأن قوله إذا دخلت الدار فأنت طالق ليس معناه إيقاع الطلاق في زمن الدخول بعينه بل معناه إيقاعه في الزمن الذي يلي زمن الدخول لضرورة مقتضى الفاء فإنها للتعقيب ويلزم عن ذلك أن تكون إذا يراد بها ظرف الدخول لا ظرف الطلاق وظرف الطلاق غير مصرح به ويلزم عن ذلك تعلق إذا بدخلت الذي هو فعل الشرط ولا يعترض
هامش إدرار الشروق
فعل الشرط لا بطالق وإن كان هو مقتضى قول النحويين المضاف إليه لا يعمل في المضاف لأن قولهم هذا قاعدة لا يسلم فيها الإطلاق ا ه كلام ابن الشاط بتصرف وتوضيح
قلت ويقر به قول النحويين العامل في أسماء الشروط فعل الشرط لا الجواب لأن رتبة الجواب مع متعلقاته التأخير عن الشرط فلا يعمل في متقدم عليه ولأنه قد يقترن بالفاء وإذا الفجائية وما بعدهما لا يعمل فيما قبلهما وهاتان العلتان متحققتان أيضا في إذا والعلة تدور مع المعلول فلذا اضطروا في إذا ونحوها على تسليم إطلاق القاعدة المذكورة إلى تكلفات منها أن عاملها محذوف يدل عليه الجواب لا الجواب لما علمت ومنها أن عاملها هو الجواب وتقييد القاعدتين المذكورتين أعني قاعدة ما رتبته لا يعمل فيما تقدم عليه وقاعدة ما بعد الفاء وإذا الفجائية إلخ بغير الظروف لتوسعهم في الظروف وإن لم تستحق التصدير فما ظنك بما يستحقه ومنها قول العلامة الخضري على ابن عقيل على الألفية ومن جعل شرطها هو العامل كسائر الشروط قال إنها غير مضافة إليه مثلها كما يقول الجميع فيها إذا جزمت كما في المغني وحينئذ فالفرق بينها وبين إذ وحيث أنها يحصل الربط فيها بين جملتي الجواب والشرط بكونها شرطا كما في أين ومتى وأما إذ وحيث فلولا الإضافة ما حصل بهما ربط وعند تجردها عن الشرط تكون مضافة للجملة بعدها بلا خلاف فيما يظهر ليحصل بها الربط فتدبر ا ه
ومنها قول العلامة الأمير على المغني كل كلمتين فأكثر كانتا بمنزلة كلمة واحدة بمعنى وقوعهما معا جزء كلام يجوز أن تعمل أولاهما في الثانية
171
171
النسيان
والجواب عنه من هذه القاعدة أن الظرف قد يكون أوسع من المظروف فيفضل من زمان إذا زمان ليس فيه نسيان يقع فيه الذكر فلا يجتمع الضدان وكذلك وقع الإشكال في قوله تعالى ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون فإعراب اليوم ظرف وإذ ظرف أيضا وهو بدل من اليوم والبدل هنا غير المبدل منه فيكون يوم القيامة هو عين زمن الظلم لكن زمن الظلم في الدنيا والدنيا ليست هي عين الآخرة ولا يوم القيامة فكيف صحت البدلية أورد ابن جني هذا السؤال فقال الظرف يجوز أن يكون أوسع من المظروف وزمن الظلم يجوز أن يكون أوسع منه حتى يمتد ليوم القيامة فيطلق عليه ويقبل يوم القيامة الامتداد حتى يطلق على يوم الظلم فيتحدان فتحسن البدلية
وهذا الموضع في الاتساع أبعد من آية الذكر والنسيان بطول البعد وإفراطه وبعده عن أكثر الاستعمالات وبالجملة قد ظهر لك بهذه الآيات وهذا التقرير أن الظرف
هامش أنوار البروق
ذلك بقولهم المضاف إليه لا يعمل في المضاف لأنها قاعدة لا يسلم فيها الإطلاق والله أعلم
قال وكذلك قوله تعالى واذكر ربك إذا نسيت إلى آخر السؤال والجواب قلت إنما يلزم السؤال على تقدير أن يكون ظرف النسيان هو بعينه ظرف الذكر أما إذا قلنا إن ظرف الذكر غير ظرف النسيان لكنه يعقبه فتكون إذا في قوله تعالى واذكر ربك إذا نسيت ظرفا للنسيان خاصة فظرف الذكر غير مصرح به فلا يلزم السؤال وجوابه بأن الظرف يكون أوسع من المظروف فيفضل من إذا زمن لا نسيان فيه وهو جواب رافع للسؤال من أصله لا جواب مترتب على صحة السؤال
هامش إدرار الشروق
كالمضاف إليه ولا يجوز العكس إذ لم تعهد كلمة واحدة بعض أجزائها مقدم من وجه مؤخر من آخر فكذلك ما هو بمنزلتها في المعنى فمن ثم لم تعمل صلة في موصول ولا تابع في متبوع ولا مضاف إليه في مضاف
وأما كلمة الشرط والشرط فليستا ككلمة واحدة إذ لا يقعان موقع المفرد كالفاعل والمفعول والمبتدأ فيجوز عمل كل واحد منهما في الآخر نحو متى تذهب أذهب و أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى نعم إن لم يعمل الشرط في كلمته نحو من قام قمت جاز وقوعها موقع المبتدأ على ما هو مذهب بعضهم ا ه
قال الشيخ الأبياري في القصر المبني أي فإن من هنا غير ظرف فهي تعمل في الشرط وهو لا يعمل فيها لكن هذا المذهب ضعيف ا ه إذ لا معنى لجعل كلمة إذا مع الشرط إذا جزمت ككلمة واحدة وجعلها معه إذا لم تجزم ليست ككلمة واحدة وأهل العربية قد جعلوهما كسائر كلمات الشرط مع شروطها مطلقا قيدا لجملة الجزاء
وأما عدم تسليم إطلاق القاعدة المذكورة كما لابن الشاط فلا يحتاجون لشيء من هذه التكلفات فتأمل بإنصاف بل قال ابن الشاط رحمه الله تعالى على الجزم بعدم تسليم إطلاقها وجعل إذا في قوله تعالى واذكر ربك إذا نسيت ظرفا للنسيان
ولم يصرح بظرف الذكر يندفع من أصله ما أورده بعض الفضلاء على جعل إذا ظرفا لا ذكر الذي هو الجواب لأنه ليس مضافا إليه لا لنسيت الذي هو الشرط وإن جاز بالنظر لذاته لكونه مضافا إليه والمضاف إليه لا يعمل في المضاف من أن الذكر ضد النسيان وقد دلت الآية على وقوعهما في إذا والضدان لا يجتمعان فكيف أمر بالذكر في زمن النسيان ولم نحتج للجواب عنه المبني على صحته بأن الظرف قد يكون أوسع من المظروف فيفضل من زمان إذا زمان
172
172
من حيث هو يقبل السعة أكثر من مظروفه فيكون أوسع منه وقد لا يسع أكثر منه نحو صمت رمضان وصمت يوم الخميس فإن الظرف في هذه الصور مساو للمظروف فتلخص الفرق أيضا بين إن وإذا من هذا الوجه وثالثها أن إن لا يعلق عليها إلا مشكوك فيه فلا تقول إن غربت الشمس فأت وإذا تقبل المعلوم والمشكوك فيه فتقول إذا غربت
هامش أنوار البروق
قال وكذلك وقع الإشكال في قوله تعالى ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون إلى قوله وبعده عن أكثر الاستعمالات قلت إنما وقع الإشكال في الآية بناء على أن إذ بدل من اليوم وليس ذلك بصحيح بلا إشكال وما المانع من أن يكون معنى الكلام ولن ينفعكم اليوم اشتراككم في العذاب بسبب ظلمكم إذ ظلمتم هذا لا مانع منه ألبتة
قال وبالجملة قد ظهر لك بهذه الآيات وهذا التقرير أن الظرف من حيث هو يقبل السعة أكثر من مظروفه فيكون أوسع إلى قوله فتلخص الفرق أيضا بين إن وإذا من هذا الوجه قلت لم يظهر ما ذكره من تلك الآيات بوجه ولا يصح تقرير ما قرره ولا يصح أن يكون الظرف أوسع من المظروف على الحقيقة وإنما معنى كون الظرف يجوز أن يكون أوسع من المظروف أنه يطلق
هامش إدرار الشروق
ليس فيه نسيان يقع فيه الذكر فلا يجتمع الضدان على أن لا يصح أن يكون الظرف أوسع من المظروف على الحقيقة وإنما معنى كون الظرف يجوز أن يكون أوسع من المظروف كما مر أنه يطلق لفظ اليوم مثلا في فعل يقع في بعضه لا في جميعه وذلك الإطلاق حقيقة لغوية للإطراد وليس ذلك حقيقة معنوية بمعنى أن ظرف الفعل يكون أوسع منه في المعنى فإن ذلك شيء لا يصح بوجه ولم يزل الإشكال يقع عند كثير من الناس بين الحقائق المعنوية والحقائق اللفظية فيظنها شيئا واحدا وليس الأمر كذلك قال ومعنى قوله تعالى ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون ولن ينفعكم اليوم اشتراككم في العذاب بسبب ظلمكم إذ ظلمتم يعني أن إذ ظلمتم تعليل لنفي النفع المأخوذ من لن أي أنهم لعظم ما هم فيه لا يهون عليهم اشتراكهم في العذاب كما كان في الدنيا كما في المغني وحواشيه نعم ظاهر قوله بسبب ظلمكم إذ ظلمتم الجري على القول بأن إذا التعليلية ظرف والتعليل مستفاد من قوة الكلام لا من اللفظ فإنه إذا قيل ضربته إذ أساء وأريد بإذ الوقت اقتضى ظاهر الحال أن الإساءة سبب الضرب لأن تعليق الحكم بوصف يشعر بعليته لا على القول بأنها حرف بمنزلة لام العلة وذلك لقوله في المغني والجمهور لا يثبتون هذا القسم أي كون إذ حرفا بمنزلة لام العلة ولذا قال الرضي في قوله تعالى وإذ لم يهتدوا به الآية وقوله وإذ اعتزلتموهم الآية
وقوله فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم الآية أن الفاء لإجراء الظرف مجرى كلمة الشرط كما ذكره سيبويه في نحو زيد حين لقيته فأنا أكرمه وهو في إذ مطرد ويجوز أن يكون من باب والرجز فاهجر أي مما أضمر فيه وإنما جاز إعمال المستقبل الذي هو سيقولون وآووا وأقيموا في الظروف الماضية التي هي إذ لم يهتدوا وما معه وإن كان وقوع المستقبل في الزمن الماضي محالا لما ذكر في نحو أما زيد فمنطلق من أن الغرض المعنوي هو قصد الملازمة حتى كان هذه الأفعال المستقبلة وقعت في الأزمنة الماضية وصارت لازمة لها كل ذلك لقصد المبالغة ا ه نقله الأبياري في القصر لكن أورد في المغني على القول بأن إذ التعليلة ظرف إشكالين
173
173
الشمس فأت وإذا دخل العبد الدار فهو حر فهذه فروق من جهة المعاني وأما الفرق من جهة الصناعة النحوية فإن إن حرف وإذا اسم وظرف وإن لا يخفض ما بعدها بل يكون ما بعدها في موضع جزم بالشرط وإذا ما بعدها في موضع خفض بالظرف
وإذا عرض لها البناء لأن البناء في الأسماء عارض والبناء في إن أصل لأن الأصل في الحروف البناء فكلها مبنية وغير ذلك من الفروق النحوية التي ليس هذا موضعها
هامش أنوار البروق
لفظ اليوم مثلا في فعل يقع في بعضه لا في جميعه وذلك الإطلاق حقيقة لغوية للإطراد وليس ذلك حقيقة معنوية بمعنى أن ظرف الفعل يكون أوسع منه في المعنى فإن ذلك شيء لا يصح بوجه ولم يزل الإشكال يقع عند كثير من الناس بين الحقائق المعنوية والحقائق اللفظية فيظنها شيئا واحدا وليس الأمر كذلك
قال وثالثها أن إن لا يعلق عليها إلا مشكوك إلى قوله فهذه فروق من جهة المعاني قلت قد تقدم أنه ليس بلازم دخول إن على المشكوك وأنها لمطلق الربط فقط
قال وأما الفرق من جهة الصناعة النحوية إلى آخر الفرق قلت ما قاله في ذلك ظاهر لا نزاع فيه
هامش إدرار الشروق
أحدهما أنه لو استفيد التعليل من قوة الكلام لكان إذا حذفت إذ وحل محلها وقت استفيد التعليل مع أنه ليس كذلك لاختلاف زمن الفعلين فإن ينفع مستقبل لاقترانه بلن وظلم ماض وكذا إذ ولا بد في التعليل من اتحاد الزمانين في المثال
وثانيهما أن إذ لا تبدل من اليوم لاختلاف الزمانين أي الدنيا والآخرة فهما متباينان ولا يصح إبدال أحد المتباينين من الآخر ولا تكون ظرفا لينفع لأنه لا يعمل في ظرفين زمانيين ليس أحدهما تابعا للآخر ولا مندرجا فيه مع أن النفع ليس واقعا في وقت الظلم ولا تكون ظرفا لمشتركون لأن معمول خبر الأحرف الستة يعني إن وأخواتها لا يتقدم عليها
ولأن معمول الصلة لا يتقدم على الموصول ولأن اشتراكهم في الآخرة لا في زمن ظلمهم وأجاب عن هذا الثاني بأربعة أجوبة أشار لأولها وثانيها بقوله
وقال أبو الفتح راجعت أبا علي مرارا في قوله تعالى ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم الآية مستشكلا إبدال إذ من اليوم فآخر ما تحصل منه أن الدنيا والآخرة متصلتان وأنهما في حكم الله تعالى سواء فكان اليوم ماض أو كان إذ مستقبلة ا ه
ولثالثها ورابعها بقوله وقيل المعنى إذ ثبت ظلمكم وقيل التقدير بعد إذ ظلمتم وعليهما أيضا فإذ بدل من اليوم ومعنى إن بعد وقبل غير صالحين للاستغناء عنهما عند إضافتهما إلى إذ أنه لا بد من ملاحظة معناهما وإن كان يجوز حذفهما لدليل وهو هنا توقف صحة الكلام على تقدير بعد فهي دلالة اقتضائية قال وإذا لم تقدر إذ تعليلا أي بل جعلت بدلا على أحد الأوجه المتقدمة فيجوز أن تكون إن وصلتها تعليلا أي على تقدير حرف التعليل والفاعل مستتر راجع إلى قولهم يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين أو إلى القرين ويشهد له قراءة بعضهم إنكم بالكسر على الاستئناف ويجوز أن تكون هي وصلتها فاعل ينفع ا ه
بتوضيح من الأبياري هذا وزاد الأصل في الفرق بين إن وإذا وجها ثالثا وهو أن إن لا يعلق عليها إلا مشكوك فيه فلا تقول إن غربت الشمس فأت بخلاف إذا فإنها تقبل المعلوم والمشكوك فيه فتقول إذا غربت الشمس فأت وإذا دخل العبد الدار فهو حر وهذا الوجه وإن صرح به البيانيون إلا
174
174
الفرق السادس والسبعون بين قاعدة المسائل الفروعية يجوز التقليد فيها من أحد المجتهدين فيها للآخر وبين قاعدة مسائل الأواني والنسيان والكعبة ونحوها لا يجوز لأحد المجتهدين فيها أن يقلد الآخر هذه المسألة نقل أن الشافعي سئل عنها فقيل له أيجوز أن يصلي الشافعي خلف المالكي وإن خالفه في مسح الرأس وغيره من الفروع ولا يجوز لأحد من المجتهدين في الكعبة والأواني أن يصلي خلف المجتهد الآخر فسكت عن الجواب عن ذلك وكان الشيخ ابن عبد السلام يحكي ذلك عن الشافعي وكان هو رحمه الله يفرق بأن الجماعة في الصلاة مطلوبة لصاحب الشرع فلو قلنا بالمنع من الائتمام لمن يخالف في المذهب وأن لا يصلي المالكي إلا خلف المالكي ولا شافعي إلا خلف شافعي لقلت الجماعات وإذا
هامش أنوار البروق
قال الفرق السادس والسبعون بين قاعدة المسائل الفروعية يجوز التقليد فيها من أحد المجتهدين فيها للآخر وبين قاعدة مسائل الأواني والثياب والكعبة ونحوها لا يجوز لأحد المجتهدين فيها أن يقلد الآخر إلى قوله فسكت عن الجواب عن ذلك قلت قوله يجوز التقليد قول موهم وكان حقه أن يقول يجوز الاقتداء وهو مراده بلا شك
قال وكان الشيخ عز الدين رحمه الله يحكي ذلك عن الشافعي وكان هو رحمه الله تعالى يفرق بأن الجماعة في الصلاة مطلوبة لصاحب الشرع فلو قلنا بالمنع من الائتمام لمن يخالف في المذهب وأن لا
هامش إدرار الشروق
أن ابن الشاط جزم بأن إن لا يلزم دخولها على المشكوك بل هي لمطلق الربط فقط وكما يفرق بينهما من جهة المعنى بما ذكر كذلك يفرق بينهما أيضا من جهة الصناعة النحوية بأن إن حرف وإذا اسم وظرف وبأن ما بعد إن يكون في موضع جزم بها وما بعد إذا في موضع خفض بها وبأن البناء في إن أصل وفي إذا عارض لأن البناء في الأسماء عارض وفي الحروف أصل إلى غير ذلك من الفروق النحوية التي ليس هذا موضعها فافهم والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق السادس والسبعون بين قاعدة المسائل الفروعية يجوز الاقتداء فيها من أحد المجتهدين فيها بالآخر وبين قاعدة مسائل الأواني والثياب والكعبة ونحوها لا يجوز لأحد المجتهدين فيها أن يقتدي بالآخر قد وقع الفرق بينهما بثلاثة فروق الأول لابن الشاط رحمه الله تعالى قال الفرق الصحيح أن مسألة اقتداء المالكي بالشافعي مع أنه لا يتدلك لا يمكن الخطأ فيها على القول بتصويب المجتهدين أو لا يمكن تعيين الخطأ فيها على القول بعدم التصويب ومسألة الأواني ونحوها لا بد من الخطأ فيها ويمكن تعيينه في بعض الأحوال قلت وإليه يشير قول المازري حكى المذهب الإجماع على صحة الاقتداء بالمخالف في الفروع الظنية وإنما يمنع فيما
175
175
منعنا من ذلك في القبلة ونحوها لم يخل لنا ذلك بالجماعات كبير خلل لندرة وقوع مثل هذه المسائل وكثرة وقوع الخلاف في مسائل الفروع وهذا جوابه رحمه الله وقد ظهر لي في ذلك جواب هو أقوى من هذا وهو أن القاعدة أن قضاء القاضي متى خالف إجماعا أو نصا أو قياسا جليا أو القواعد نقضناه
وإذا كنا لا نقر حكما تأكد بقضاء القاضي فأولى أن لا نقره إذا لم يتأكد فعلى هذا لا يجوز التقليد في حكم هو بهذه المثابة لأنا لا نقره شرعا وما ليس بشرع لا يجوز التقليد فيه فعلى هذه القاعدة كل من اعتقدنا أنه خالف الإجماع لا يجوز تقليده وبهذه القاعدة يحصل الفرق في غاية الجودة وبيانه بذكر أربع مسائل
المسألة الأولى
المجتهدون في الكعبة إذا اختلفوا لا يجوز أن يقلد واحد منهم الآخر لأن كل واحد منهم يعتقد أنه ترك أمرا مجمعا عليه وهو الكعبة وتارك المجمع عليه لا يقلد أما المختلفان في مسح جميع الرأس فإنما يعتقد كل واحد منهم في صاحبه أنه خالف ظاهرا من نص أو منطوق به أو مفهوم لفظ وذلك ليس مجمعا على اعتباره ولا وصل
هامش أنوار البروق
يصلي المالكي إلا خلف المالكي ولا شافعي إلا خلف شافعي لقلت الجماعات وإذا منعنا من ذلك في القبلة ونحوها لم يخل ذلك بالجماعات كبير خلل لندرة وقوع مثل هذه المسائل وكثرة وقوع الخلاف في مسائل الفروع قلت ذلك فرق ضعيف وليس ذلك عندي بالفرق بل الفرق الصحيح أن مسألة اقتداء المالكي بالشافعي مع أنه لا يتدلك لا يمكن الخطأ فيها على القول بتصويب المجتهدين أو لا يمكن تعيين الخطأ فيها على القول بعدم التصويب ومسألة الأواني ونحوها لا بد من الخطأ فيها ويمكن تعيينه في بعض الأحوال والله أعلم
هامش إدرار الشروق
علم خطؤه كنقض قضاء القاضي قال ويدل على ذلك تفرقة أشهب بين القبلة ومس الذكر ا ه
أي حيث قال عند ابن سحنون من صلى خلف من لا يرى الوضوء من مس الذكر لا شيء عليه بخلاف القبلة يعيد أبدا
وقال سحنون يعيد فيهما في الوقت كذا في الحطاب عن الذخيرة بتوضيح ما من المواق والفرق الثاني للعز بن عبد السلام بأن الجماعة في الصلاة مطلوبة لصاحب الشرع وكل مطلوب له يغتفر فيه ما يؤدي لقلته ولا يغتفر فيه ما لا يؤدي لقلته فلكثرة وقوع الخلاف في مسائل الفروع لو قلنا بالمنع من الائتمام لمن يخالف في المذهب وأن لا يصلي المالكي إلا خلف المالكي ولا الشافعي إلا خلف الشافعي لقلت الجماعات ولندرة وقوع مثل مسألة الأواني والقبلة لو قلنا بالمنع من الائتمام لمن يخالف في الاجتهاد فيها لم يخل ذلك بالجماعات كبير خلل قال ابن الشاط وهذا فرق ضعيف وليس ذلك عندي بالفرق أي لأن الفرق إنما ينبغي أن يكون من أحد الأمرين اللذين يقع الفرق بينهما لا من غيرهما فافهم
والفرق الثالث للأصل بأن مخالفة الإجماع لتعين المناط في مسألة الأواني ونحوها دون مخالفته لعدم تعين المناط في مسألة البسملة ونحوها اقتضى أن لا يجوز التقليد في الأولى دون الثانية وذلك لأن القاعدة أن قضاء القاضي متى خالف إجماعا أو نصا أو قياسا جليا أو القواعد نقضناه ولا نقره شرعا وإن تأكد
176
176
إلى حد القطع بل هو في محل الاجتهاد فجاز له الصلاة خلفه وتقليده بخلاف اعتقاده أنه خالف الكعبة المجمع عليها المقطوع باعتبارها وهذا الفرق في غاية الجلاء فأين المقطوع من المظنون وأين المجمع عليه من المختلف فيه
المسألة الثانية
المجتهدون في الأواني التي اختلط طاهرها بنجسها إذا اختلفوا وهم يعتقدون أن النجاسة مبطلة للصلاة إما باجتهادهم وصلوا إلى ذلك أو قلدوا من وصل إلى ذلك باجتهاده فإن حكم الله تعالى في حقهم بالإجماع ما أدى إليه اجتهادهم أو اجتهاد إمامهم الذي قلدوه وإذا كان حكم الله في حقهم ذلك بالإجماع فكل واحد منهم يعتقد أن صاحبه لابس في صلاته ما هو مبطل لصلاته بالإجماع فقد خالف مجمعا عليه ومقطوعا
هامش أنوار البروق
قال وقد ظهر لي في ذلك جواب هو أقوى من هذا وهو أن القاعدة أن قضاء القاضي متى خالف إجماعا أو نصا أو قياسا جليا أو القواعد قضاه وإذا كنا لا نقر حكما تأكد بقضاء القاضي فأولى أن لا تقره إذا لم يتأكد فعلى هذا لا يجوز التقليد في حكم هو بهذه المثابة لأنا لا نقره شرعا وما ليس بشرع لا يجوز التقليد فيه فعلى هذه القاعدة كل من اعتقدنا أنه خالف الإجماع لا يجوز تقليده وبهذه القاعدة يحصل الفرق في غاية الجودة وبيانه بذكر أربع مسائل قلت ما ذكره فرقا ليس بفرق لأن الفرق إنما ينبغي أن يكون من أحد الأمرين اللذين يقع الفرق بينهما وذلك موجود فيما ذكرته لا فيما ذكره والله أعلم
قال المسألة الأولى إلى آخر الفرق
هامش إدرار الشروق
بقضاء القاضي فأولى أن لا نقره شرعا إذا لم يتأكد كما هنا فكل من اعتقد أنه خالف الإجماع لا نقره شرعا وما ليس بشرع فلا يجوز التقليد فيه ويوضح لك هذا الفرق الأخير مسألتان
المسألة الأولى
اللذان اختلف اجتهادهما في الكعبة من حيث إن أحدهما يعتقد أن الآخر قد خالف الكعبة المجمع عليها المقطوع باعتبارها لا يجوز له أن يقتدي به لأن تارك المجمع عليه المقطوع باعتباره لا يقتدى به والمختلفان في مسح جميع الرأس من حيث إن كل واحد منهما إنما يعتقد في صاحبه أنه خالف ظاهرا من نص أو منطوق به أو مفهوم لفظ لا مجمعا على اعتباره ولا واصلا إلى حد القطع بل هو في محل اجتهاد يجوز لكل منهما أن يصلي خلف صاحبه
المسألة الثانية اللذان اختلف اجتهادهما في الأواني أو في الثياب التي اختلط طاهرها بنجسها من حيث إن حكم الله في حق كل واحد منهما وفي حق من قلده في اجتهاده بالإجماع هو ما أدى إليه اجتهاده لا ما أدى إليه اجتهاد غيره يعتقد هو ومن قلده أن غيره لابس في صلاته ما هو مبطل لصلاته بالإجماع وخالف مجمعا عليه ومقطوعا به فلا يجوز له ولا لمن قلده الاقتداء بذلك الغير على القاعدة المتقدمة ومن لم يتدلك في غسله أو لم يبسمل في صلاته
أو توضأ بإناء وقع فيه روث عصفور أو صلى بثوب فيه روث عصفور مجتهدا كان أو مقلدا في ذلك المجتهد من حيث إن حكم الله في حقه وحق من قلده صحة صلاته بما أدى إليه اجتهاده أو اجتهاد مقلده وأنه لم يخالف مجمعا عليه ولا مقطوعا به بل خالف ظاهرا محتملا للتأويل يجوز لغيره أن يقتدي به قال ابن الشاط وهذا الذي ذكره فرقا ليس بفرق لأن الفرق إنما ينبغي أن يكون من أحد الأمرين اللذين يقع الفرق بينهما وذلك موجود فيما ذكرته لا فيما ذكره ا ه
قلت
177
177
به فلا يجوز تقليده على القاعدة المتقدمة بخلاف من لا يتدلك في غسله أو لم يبسمل لم يخالف مجمعا عليه ولا مقطوعا به بل ظاهرا محتمل التأويل فأين أحدهما من الآخر
المسألة الثالثة
المجتهدون في الثياب التي اختلط طاهرها بنجسها إذا اختلفوا وهم يعتقدون أن النجاسة مبطلة للصلاة إما باجتهادهم أو باجتهاد إمام قلدوه لا يقلد بعضهم بعضا كما تقدم في مسألة الأواني بعينه حرفا بحرف
المسألة الرابعة إناء وقع فيه روث عصفور وتوضأ به مالكي وصلى يجوز للشافعي أن يصلي خلفه ولا يضر ذلك الشافعي كما لا يضره ترك المالكي البسملة وغيرها مما يعتقده الشافعي ولو اختلط هذا الإناء بإناء طاهر فاجتهد فيه هذا الشافعي مع شافعي آخر لا يجوز لأحدهما أن يقتدي بالآخر إذا اختلفا في الاجتهاد ولو اجتمع مالك والشافعي رضي الله عنهما واجتهدا في روث العصفور فحكم مالك بطهارته والشافعي بنجاسته جاز للشافعي أن يصلي خلف مالك إذا توضأ بالماء الذي هو فيه مع تعين روث العصفور في جهة الإمام وفي المسألة الأولى يجوز المأموم أن يكون ذلك في إناء الإمام من غير تعيين فهو أولى بالجواز من أن يعين ومع ذلك فالإجماع منعقد على امتناع التقليد في الإناءين إذا اجتهدا في الطاهر منهما دون أن يتعين في جهة الإمام
وهذا أيضا من أشكل المسائل وجوابه أن للشافعيين إذا اجتهدا في الإناءين فهما مقلدان لمن يعتقد نجاسة روث العصفور
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله في المسائل صحيح بناء على ما قرر وهو أن الفرق مخالفة الإجماع في أحد الطرفين
هامش إدرار الشروق
وذلك لأن مخالفة الإجماع وعدم مخالفته وصفان للمجتهد لا للمسألتين المفروق بينهما بخلاف القطع بالخطأ وإمكان تعيينه وعدم إمكان الخطأ ولا إمكان تعيينه فإنهما وصفان للمسألتين المفروق بينهما فافهم وصل الظاهر أن ما ذكر في هذا الفرق ليس مبنيا على قاعدة العوفي التي في قول العلامة الأمير في مجموعه وشرحه والعبرة في شرط صحة الصلاة بمذهبه أي الإمام وفي شرط صحة الاقتداء بمذهب المأموم على ما قاله العوفي وارتضوه قال الرماصي يصح اقتداء مالكي بشافعي في ظهر بعد العصر لاتحاد عين الصلاة والمأموم يراها أداء كما في كبير الخرشي ا ه
قال الشيخ حجازي فشرط الاقتداء موجود على مذهب المأموم بل كذلك لو التفتنا إلى مذهب الإمام جدلا فإنهما قضاء عنده ولا موجب للتلفيق ا ه
قال العلامة الأمير عقب ما ذكر بقي أن قاعدة العوفي هل تجري في الأركان حتى يصح خلف حنفي لا يرفع من الركوع وبه صرح شيخنا في حاشية الخرشي أو تقتصر على ما صرح به من الشرط كمسح رأس ونقض وضوء لأن الركن أعظم
ويؤيد هذا الاحتمال ما في الذخيرة عن ابن القاسم لو علمت أن رجلا ترك القراءة في الأخيرتين لم أصل خلفه نقله الحطاب يحرر ا ه بتوضيح ما وبالاحتمال الثاني جزم العلامة الدسوقي حيث قال
وأما ما كان ركنا داخلا في ماهيتها فالعبرة فيه بمذهب المأموم مثل
178
178
والإجماع منعقد على أن حكم الله تعالى في حق الشافعي وحق من قلده ما ظهر في اجتهاده فالشافعي يعتقد أن الشافعي الآخر قد أصاب في صلاته ما هو مبطل لصلاته بالإجماع ومن اعتقدنا فيه مخالفة الإجماع لا نقلده بخلاف صلاة هذا الشافعي خلف المالكي حكم الله تعالى في حق مالك والمالكي صحة صلاته بروث العصفور إجماعا وأنه لم يخالف إجماعا بل خالف قياسا مظنونا أو ظاهر نص غير مقطوع به وكذلك الشافعي إذا صلى خلف مالك وعليه روث عصفور أو في مائه الذي توضأ به فإن الشافعي يعتقد أن مالكا لم يخالف إجماعا ولا مقطوعا به بل ظاهر قياس أو ضربا من ضروب الاجتهاد فجاز له الصلاة خلفه بخلاف أن يكون إمامه يعتقد ما يعتقده من إبطال روث العصفور للصلاة فتأمل هذه المسائل وهذه المباحث فهي كلها دائرة على حرف واحد وهو أن من اعتقدنا فيه أنه خالف مقطوعا به لم يجز لنا تقليده وإن لم نعتقد فيه ذلك جاز لنا تقليده والصلاة خلفه وهو روح الفرق وهو فرق جيد جدا ولكن بعد التأمل فهذا هو الفرق بين هاتين القاعدتين وهو أجلى من قولنا إن ذلك يؤدي إلى قلة الجماعات أو كثرتها
هامش أنوار البروق
دون الآخر لتعين المناط في مسألة الأواني ونحوها وعدم تعينه في مسألة البسملة ونحوها والله أعلم
المسألة الأولى
اللذان اختلف اجتهادهما في الكعبة من حيث إن أحدهما يعتقد أن الآخر قد خالف الكعبة المجمع عليها المقطوع باعتبارها لا يجوز له أن يقتدي به لأن تارك المجمع عليه المقطوع باعتباره لا يقتدى به والمختلفان في مسح جميع الرأس من حيث إن كل واحد منهما إنما يعتقد في صاحبه أنه خالف ظاهرا من نص أو منطوق به أو مفهوم لفظ لا مجمعا على اعتباره ولا واصلا إلى حد القطع بل هو في محل اجتهاد يجوز لكل منهما أن يصلي خلف صاحبه
المسألة الثانية اللذان اختلف اجتهادهما في الأواني أو في الثياب التي اختلط طاهرها بنجسها من حيث إن حكم الله في حق كل واحد منهما وفي حق من قلده في اجتهاده بالإجماع هو ما أدى إليه اجتهاده لا ما أدى إليه اجتهاد غيره يعتقد هو ومن قلده أن غيره لابس في صلاته ما هو مبطل لصلاته بالإجماع وخالف مجمعا عليه ومقطوعا به فلا يجوز له ولا لمن قلده الاقتداء بذلك الغير على القاعدة المتقدمة ومن لم يتدلك في غسله أو لم يبسمل في صلاته
هامش إدرار الشروق
شرط الاقتداء فلو اقتدى مالكي بحنفي لا يرى ركنية السلام ولا الرفع من الركوع فإن أتى بهما صحت صلاة مأمومه المالكي وإن ترك الإمام الحنفي الرفع من الركوع أو خرج من الصلاة بأجنبي كانت صلاة مأمومه المالكي باطلة ولو فعل ذلك المأموم المذكور كذا قرر شيخنا العدوي ا ه
وليس مبنيا أيضا على القاعدة التي يقتضيها قول صاحب الطراز أن الإمام المخالف في الفروع الظنية متى تحقق فعله للشرائط جاز الاقتداء به وإن كان لا يعتقد وجوبها وإلا لم يجز فالشافعي مسح جميع رأسه سنة فلا يضر اعتقاده بخلاف ما لو أم في الفريضة بنية النافلة أو مسح رجليه نقله الخطاب عن الذخيرة وفي المواق قال عياض إن أبا المعالي الجويني قدم عبد الحق الصقلي صلى به وقال له البعض يدخل في الكل يعرض له بمسح الرأس إذ كان أبو المعالي شافعيا ا ه
وهي أن العبرة بمذهب المأموم مطلقا وإنما ينبغي ما ذكر في هذا الفرق على القاعدة التي حكاها الشيخ حجازي على المجموع بقيل من أن العبرة بمذهب الإمام مطلقا قال الحطاب أجاز القرافي في الفرق السادس والسبعين الصلاة خلف المخالف وإن رآه يفعل ما يخالف مذهبه ا ه فتأمل ذلك وحرر والله سبحانه وتعالى أعلم

179
179
الفرق السابع والسبعون بين قاعدة الخلاف يتقرر في مسائل الاجتهاد قبل حكم الحاكم وبين قاعدة مسائل الاجتهاد يبطل الخلاف فيها ويتعين قول واحد بعد حكم الحاكم وذلك القول هو ما حكم به الحاكم على الأوضاع الشرعية اعلم أن حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد يرفع الخلاف ويرجع المخالف عن مذهبه لمذهب الحاكم وتتغير فتياه بعد الحكم عما كانت عليه على القول الصحيح من مذاهب العلماء فمن لا يرى وقف المشاع إذا حكم حاكم بصحة وقفه ثم رفعت الواقعة لمن كان يفتي ببطلانه نفذه وأمضاه ولا يحل له بعد ذلك أن يفتي ببطلانه وكذلك إذا قال إن تزوجتك فأنت طالق فتزوجها وحكم حاكم بصحة هذا النكاح فالذي كان يرى لزوم الطلاق له ينفذ هذا النكاح ولا يحل له بعد ذلك أن يفتي بالطلاق هذا هو مذهب الجمهور وهو مذهب
هامش أنوار البروق
قال الفرق السابع والسبعون بين قاعدة الخلاف يتقرر في مسائل الاجتهاد قبل حكم الحاكم وبين قاعدة مسائل الاجتهاد يبطل الخلاف فيها ويتعين قول واحد بعد حكم الحاكم وذلك القول هو ما حكم به الحاكم على الأوضاع الشرعية قلت ما قاله يوهم أن الخلاف يبطل مطلقا في المسألة التي تعلق بها حكم الحاكم وليس الأمر كذلك بل الخلاف يبقى على حاله إلا أنه إذا استفتى المخالف في عين تلك المسألة التي وقع حكم فيها لا تسوغ الفتوى فيها بعينها لأنه قد نفذ فيها الحكم بقولة قائل ومضى العمل بها فإذا استفتى في
هامش إدرار الشروق
الفرق السابع والسبعون بين قاعدة الخلاف يتقرر في مسائل الاجتهاد قبل حكم الحاكم وبين قاعدة مسائل الاجتهاد يبطل الخلاف فيها ويتعين قول واحد بعد حكم الحاكم وهو ما حكم به الحاكم على الأوضاع الشرعية بمعنى أن المفتي المخالف إذا استفتى في عين تلك المسألة التي وقع الحكم فيها لا تسوغ له الفتوى فيها بعينها لأنه قد نفذ فيها الحكم بقوله قائل ومضى العمل بها أما إذا استفتى في مثل تلك المسألة قبل أن يقع الحكم فيها فإنه يفتي بمذهبه على أصله فالخلاف إنما يبطل بالنظر إلى المسألة المعينة خاصة مثلا وقف المشاع إذا حكم حاكم بصحته ثم رفعت الواقعة عينها لمن لا يرى صحته وكان يفتي ببطلانه فهو لا يرده ولا ينقضه ونكاح من قال لها إن تزوجتك فأنت طالق إذا حكم حاكم بصحته ثم رفعت مسألته عينها لمن كان يرى لزوم الطلاق له كان عليه أن لا يرد هذا النكاح ولا ينقضه هذا هو مذهب الجمهور وهو مذهب مالك رحمه الله تعالى ولذلك وقع له في كتاب الزكاة وغيره أن حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد لا يرد ولا ينقض وأفتى مالك في الساعي الشافعي إذا أخذ من الأربعين شاة لرجلين خليطين في الغنم شاة بأنهما يقتسمانها بينهما ولا يختص بها من أخذت منه كما قاله الشافعي وأبطل ما كان يفتي به ويعتقده
180
180
مالك ولذلك وقع له في كتاب الزكاة وغيره أن حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد لا يرد ولا ينقض وأفتى مالك في الساعي إذا أخذ من الأربعين شاة لرجلين خليطين في الغنم شاة أنهما يقتسمانها بينهما ولا يختص بها من أخذت منه كما قاله الشافعي مع أنه يفتي إذا أخذها الساعي المالكي أنها تكون مظلمة ممن أخذت منه وعلل مالك ذلك بأنه حكم حاكم فأبطل ما كان يفتي به عند حكم الحاكم بخلاف ما يعتقده مالك ووقع له ذلك في عدة مسائل في العقود والفسوخ وصلاة الجمعة إذا حكم الإمام فيها أنها لا تصلى إلا بإذن من الإمام وغير ذلك ووقع للشافعية في كتبهم عن بعض أصحابهم أن الحكم إذا رفع لمن لا يعتقده لا ينفذ ولا ينقضه ويتركه على حاله والجمهور على التنفيذ لوجهين وهما الفرق المقصود في هذا الموضع أحدهما أنه لولا ذلك لما استقرت للحكام قاعدة ولبقيت الخصومات على حالها بعد الحكم وذلك يوجب دوام التشاجر والتنازع وانتشار الفساد ودوام العناد وهو مناف للحكمة التي لأجلها نصب الحكام وثانيهما وهو أجلهما أن الله تعالى جعل للحاكم أن ينشئ الحكم في مواضع الاجتهاد بحسب ما يقتضيه الدليل عنده أو عند إمامه الذي قلده فهو منشئ لحكم الإلزام فيما
هامش أنوار البروق
مثلها قبل أن يقع الحكم فيها أفتى بمذهبه على أصله فكيف يقول يبطل الخلاف ولو بطل الخلاف لما ساغ ذلك نعم يبطل الخلاف بالنظر إلى المسألة المعينة خاصة
قال اعلم أن حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد يرفع الخلاف إلى قوله ولذلك وقع له في كتاب الزكاة وغيره أن حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد لا يرد ولا ينقض
هامش إدرار الشروق
من أن الشاة تكون مظلمة ممن أخذت منه معللا بأنه قد حكم الحاكم بخلافه فلا يتعرض لحكمه برد ولا نقض ووقع له ذلك في عدة مسائل في العقود والفسوخ وإن صلاة الجماعة إذا حكم الإمام فيها لا تصلى إلا بإذن من الإمام وغير ذلك بل قال في جمع الجوامع لا ينقض الحكم في الاجتهاديات وفاقا قال المحلي لا من الحاكم به ولا من غيره بأن اختلف الاجتهاد ا ه
لكن قال الأصل ووقع للشافعية في كتبهم عن بعض أصحابهم أن الحكم إذا رفع لمن لا يعتقده لا ينفذه أي لا يقره على حكم ذلك الحاكم بل يمكن من الخصومة فيه على خلاف ما عليه الجمهور ومالك من أنه يقره على حكم ذلك الحاكم
ولا ينقضه بل يزجر عن الخصومة فيه نظرا لوجهين هما سر الفرق بين القاعدتين المذكورتين أحدهما أنه لولا ذلك لما استقرت للحكام قاعدة ولبقيت الخصومات على حالها بعد الحكم وذلك يوجب دوام التشاجر والتنازع وانتشار الفساد ودوام العناد وهو مناف للحكمة التي لأجلها نصب الحكام وعلى هذا الوجه اقتصر المحلي حيث قال إذ لو جاز نقضه لجاز نقض النقض وهلم فتفوت مصلحة نصب الحاكم من فصل الحكومات وثانيهما أن الله تعالى جعل للحاكم أن ينشئ الحكم في مواضع الاجتهاد بحسب ما يقتضي الدليل عنده أو عند إمامه الذي قلده فهو منشئ لحكم الإلزام فيما يلزم والإباحة فيما يباح كالقضاء بأن الموات الذي ذهب إحياؤه صار مباحا مطلقا كما كان قبل الإحياء والإنشاء بمعنى
181
181
يلزم والإباحة فيما يباح كالقضاء بأن الموات الذي ذهب إحياؤه صار مباحا مطلقا كما كان قبل الإحياء والإنشاء والفرق بينه وبين المفتي بأن المفتي مخبر كالمترجم مع الحاكم والحاكم مع الله تعالى كنائب الحاكم معه يحكم بغير ما تقدم الحكم فيه من جهة مستنيبه بل ينشئ بحسب ما يقتضيه رأيه والمترجم لا يتعدى صورة ما وقع فينقله
وقد بسطت هذا المعنى بشروطه وما يتعلق به في كتاب الإحكام في الفرق بين الفتاوى والأحكام وتصرف القاضي والإمام وهو كتاب جليل في هذا المعنى وإذا كان معنى حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد إنشاء الحكم فهو مخبر عن الله تعالى بذلك الحكم والله تعالى قد جعل له أن ما حكم به فهو حكمه وهو كالنص الوارد من قبل الله تعالى في خصوص تلك الواقعة فيصير الحال إلى تعارض الخاص والعام فيقدم الخاص على العام على القاعدة في أصول الفقه وتقريبه بالمثال أن مالكا رحمه الله تعالى دل الدليل عنده على أن تعليق الطلاق قبل الملك يلزم وهذا الدليل يشمل صورا لا نهاية لها فإذا رفعت صورة من تلك الصور إلى حاكم شافعي وحكم بصحة النكاح واستمرار العصمة وإبطال الطلاق المعلق كان حكم الشافعي نصا من الله تعالى ورد في خصوص تلك الصورة
ولو أن الله تعالى قال التعليق قبل الملك
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله من أنه إذا حكم حاكم بصحة وقف المشاع ثم رفعت الواقعة لمن كان يفتي ببطلانه نفذه وأمضاه لقائل أن يقول لا ينفذه ولا يمضيه ولكنه لا يرده ولا ينقضه وفرق بين كونه ينفذه ويمضيه وكونه لا يرده ولا ينقضه
قال وأفتى مالك في الساعي إذا أخذ من أربعين شاة لرجلين خليطين في الغنم شاة أنهما
هامش إدرار الشروق
أنه منفذ لحكم الله تعالى على وجه الإلزام بل إن الله تعالى قد جعل له أن ما حكم به فهو إما نفس حكمه تعالى بناء على القول بتصويب المجتهدين وإما أنه كالنص الوارد من قبل الله تعالى في خصوص تلك الواقعة من جهة منعه تعالى من نقض أحكام المجتهدين لما في ذلك من المفسدة بناء على القول بعدم التصويب فيئول الحال فيها إلى ما يشبه تعارض الخاص والعام بوجه ما فيقدم الخاص على القاعدة في أصول الفقه مثلا دل الدليل عند مالك رحمه الله تعالى على أن تعليق الطلاق قبل ملك العصمة يلزم وهذا الدليل يشمل صورا لا نهاية لها فإذا رفعت صورة من تلك الصور إلى حاكم شافعي وحكم بصحة النكاح واستمرار العصمة وإبطال الطلاق المعلق على ذلك النكاح كان حكم الشافعي كالنص من الله تعالى الوارد من خصوص تلك الصورة من الجهة المذكورة فيكون الحال في هذه الصورة بمنزلة ما لو قال الله تعالى التعليق قبل الملك لازم وقال التعليق قبل الملك في حق هذه المرأة غير لازم والعصمة فيها تستمر فقلنا هذان نصان خاص وعام فنقدم الخاص على العام على القاعدة الأصولية فكما أن مالكا رحمه الله تعالى يقول فيما لو قال الله تعالى اقتلوا المشركين
وقال لا تقتلوا الرهبان إنا نقتل المشركين ونترك الرهبان جمعا بين نصي الخاص والعام كذلك يقول مالك رحمه الله تعالى هنا أعمل هذا الحكم في هذه الصورة فتبقى بقية الصورة عندي يصح فيها التعليق قبل النكاح جمعا بين ما هو كنصي الخاص والعام وليس المفتي
182
182
لازم وقال التعليق قبل الملك في حق هذه المرأة غير لازم والعصمة فيها تستمر لقلنا هذان نصان خاص وعام فنقدم الخاص على العام كما لو قال اقتلوا المشركين لا تقتلوا الرهبان فإنا نقتل المشركين ونترك الرهبان كذلك يقول مالك أعمل هذا الحكم في هذه الصورة فتبقى بقية الصور عندي لا يصح فيها التعليق قبل النكاح جمعا بين نصي الخاص والعام ومن فهم الفرق بين المفتي
هامش أنوار البروق
يقتسمانها بينهما ولا يختص بها من أخذت منه كما قاله الشافعي رضي الله تعالى عنه مع أنه يفتي إذا أخذها للساعي المالكي أنها تكون مظلمة ممن أخذت منه وعلل مالك ذلك بأنه حكم حاكم إلى قوله وهو مناف للحكمة التي لأجلها نصب الحكام قلت ما قاله من أن الجمهور على التنفيذ إن أراد به إبقاء الحكم على حاله وإقراره من غير تعرض له برد ولا نقض فذلك صحيح وإن أراد أن الحاكم الثاني الذي يخالف رأيه ذلك الحكم ينشئ تنفيذه الآن على خلاف رأيه موافقة لرأي من قد حكم به قبله ونفذه فليس ذلك عندي بصحيح وكيف يصح ذلك وفيه تحصيل الحاصل والحكم بما يخالف رأي الحاكم
هامش إدرار الشروق
كالحاكم فيما ذكر بل هو ناقل ومخبر ومعرف بالحكم انظر كتاب الإحكام في الفرق بين الفتاوى والأحكام للأصل والله سبحانه وتعالى أعلم تنبيه الشرط في كون حكم الاجتهاديات لا ينقض أن يكون ما حكم به على الأوضاع الشرعية كما علمت وإلا نقض قال في جمع الجوامع وشرحه للمحلي
فإن خالف الحكم نصا أو ظاهرا جليا ولو قياسا وهو القياس الجلي نقض لمخالفته للدليل المذكور قال في الأشباه وما ذكرناه من النقض عند مخالفة القياس الجلي ذكره الفقهاء وعزاه الغزالي في المستصفى إليهم ثم قال فإن أرادوا به ما هو في معنى الأصل مما نقطع به فهو صحيح وإن أرادوا به قياسا مظنونا مع كونه جليا فلا وجه إذ لا فرق بين ظن وظن ا ه
أو حكم حاكم بخلاف اجتهاده قلد غيره فيه أو لا نقض حكمه لمخالفته لاجتهاده وامتناع تقليده فيما اجتهد فيه أو حكم حاكم بخلاف نص إمامه غير مقلد غيره من الأئمة حيث يجوز لمقلد إمام تقليد غيره بأن لم يقلد في حكمه أحدا لاستقلاله فيه برأيه أو قلد فيه غير إمامه حيث يمتنع تقليده نقض حكمه لمخالفته لنص إمامه الذي هو في حقه لالتزامه تقليده كالدليل في حق المجتهد أما إذا قلد في حكمه غير إمامه حيث يجوز تقليده فلا ينقض حكمه لأنه لعدالته إنما حكم به لرجحانه عنده ا ه
بزيادة من حاشية العطار قال العطار قال الإسنوي في التمهيد نقلا عن الغزالي إذا تولى مقلد للضرورة فحكم بمذهب غير مقلده فإن قلنا لا يجوز للمقلد تقليد من شاء بل عليه إتباع مقلده نقض حكمه وإن قلنا له تقليد من شاء لم ينقض ا ه
ونقل ابن الرفعة في الكفاية أن الدامغاني قاضي بغداد الحنفي في أيام المعتضد ولى ابن سريج القضاء وشرط عليه أن لا يحكم إلا بمذهب أبي حنيفة فالتزم ذلك ا ه
183
183
والحاكم وإن حكم الحاكم نص من الله تعالى خاص في تلك الصورة المعينة لم يسعه إلا ما قال مالك والجمهور ولكن لما كان الفرق بينهما خفيا جدا حتى إني لم أجد أحدا يحققه خالف في ذلك من خالف ولم يوجب تنفيذ أقضية الحكام في مواقع الخلاف فهذا هو الفرق بين قاعدة الخلاف قبل الحكم وبين قاعدته بعد الحكم ومن أراد استيعابه فليقف على كتاب الإحكام في الفرق بين الفتاوى والأحكام فليس في ذلك الكتاب إلا هذا الفرق لكنه مبسوط في أربعين مسألة منوعة حتى صار المعنى في غاية الضبط والجلاء
الفرق الثامن والسبعون الفرق بين قاعدة من يجوز له أن يفتي وبين قاعدة من لا يجوز له أن يفتي
اعلم أن طالب العلم له أحوال الحالة الأولى أن يشتغل بمختصر من مختصرات مذهبه فيه مطلقات مقيدة في غيره وعمومات مخصوصة في غيره ومتى كان الكتاب المعين حفظه وفهمه كذلك أو جوز عليه أن يكون كذلك حرم عليه أن يفتي بما فيه وإن أجاده حفظا وفهما إلا في مسألة يقطع فيها أنها مستوعبة التقييد وأنها لا تحتاج إلى معنى آخر من كتاب آخر فيجوز له أن ينقلها لمن يحتاجها على وجهها من غير زيادة ولا نقصان
هامش أنوار البروق
أما إذا كان المراد بتنفيذه إقراره وعدم نقضه والزجر عن الخصومة فيه لأنه حكم قد نفذه حاكم فذلك صحيح أو يحمل ذلك على قول من قال من الشافعية إنه إذا رفع لمن لا يعتقده لا ينفذه ولا ينقضه على أن يكون مرادهم بذلك أن لا يقره على حكم ذلك الحاكم ويزجر عن الخصومة فيه ولا ينقضه أيضا ابتداء بل يمكن من الخصومة فيه والله أعلم
هامش إدرار الشروق
والمراد بالنص ما يقابل الظاهر فيدخل فيه الإجماع القطعي وفي الظاهر الظني ومحل ذلك في النص الموجود قبل الاجتهاد فإن حدث بعده وهو إنما يتصور في عصره صلى الله عليه وسلم لم ينقض صرح به الماوردي وهو ظاهر ويقاس بالنص الإجماع والقياس ا ه زكريا والله أعلم
الفرق الثامن والسبعون بين قاعدة من يجوز له أن يفتي وبين قاعدة من لا يجوز له أن يفتي
اعلم أن المفتي في اصطلاح الأصوليين كما في تحرير الكمال هو المجتهد المطلق وهو الفقيه قال الصيرفي موضوع لمن قام للناس بأمر دينهم وعلم جمل عموم القرآن وخصوصه وناسخه ومنسوخه وكذلك في السنن والاستنباط ولم يوضع لمن علم مسألة وأدرك حقيقتها وقال ابن السمعاني هو من استكمل فيه ثلاثة شرائط الاجتهاد والعدالة والكف عن الترخيص والتساهل وللمتساهل حالتان إحداهما أن يتساهل في طلب الأدلة وطرق الأحكام ويأخذ ببادئ النظر وأوائل الفكر وهذا مقصر في حق الاجتهاد ولا يحل له أن يفتي ولا يجوز والثانية أن يتساهل في طلب الرخص وتأول السنة فهذا متجوز في دينه وهو آثم من الأول ا ه
لكن قال من وصفه الشيخ تاج الدين السبكي في توشيح الترشيح بالمجتهد المطلق الإمام تقي الدين بن دقيق العيد توقيف الفتيا على حصول المجتهد يفضي إلى حرج عظيم واسترسال الخلق في أهوائهم فالمختار أن
184
184
وتكون هي عين الواقعة المسئول عنها لا أنها تشبهها ولا تخرج عليها بل هي هي حرفا بحرف لأنه قد يكون هنالك فروق تمنع من الإلحاق أو تخصيص أو تقييد يمنع من الفتيا بالمحفوظ فيجب الوقف
الحالة الثانية أن يتسع تحصيله في المذهب بحيث يطلع من تفاصيل الشروحات والمطولات على تقييد المطلقات وتخصيص العمومات ولكنه مع ذلك لم يضبط مدارك إمامه ومسنداته في فروعه ضبطا متقنا بل سمعها من حيث الجملة من أفواه الطلبة والمشايخ فهذا يجوز له أن يفتي بجميع ما ينقله ويحفظه في مذهبه اتباعا لمشهور ذلك المذهب بشروط الفتيا ولكنه إذا وقعت له واقعة ليست في حفظه لا يخرجها على محفوظاته ولا يقول هذه تشبه المسألة الفلانية لأن ذلك إنما يصح ممن أحاط بمدارك إمامه وأدلته وأقيسته وعلله التي اعتمد عليها مفصلة ومعرفة رتب تلك العلل ونسبتها إلى المصالح الشرعية وهل هي من باب المصالح الضرورية أو الحاجية أو التتميمية وهل هي من باب المناسب الذي اعتبر نوعه في نوع الحكم أو جنسه في جنس الحكم وهل هي من باب المصلحة المرسلة التي هي أدنى رتب المصالح أو من قبيل ما شهدت لها أصول الشرع بالاعتبار أو هي من باب قياس الشبه أو المناسب أو قياس الدلالة
هامش أنوار البروق
قال وثانيهما وهو أجلهما أن الله سبحانه جعل للحاكم أن ينشئ الحكم في مواضع الاجتهاد بحسب ما يقتضيه الدليل عنده أو عند إمامه الذي قلده إلى قوله وهو كتاب جليل في هذا المعنى قلت ما قاله من أن الحاكم منشئ للحكم وأن المفتي مخبر بالحكم كالمترجم صحيح وما قاله من أن الحاكم مع الله تعالى كنائب الحاكم معه يحكم بغير ما تقدم الحكم فيه من جهة مستنيبه بل ينشئ
هامش إدرار الشروق
الراوي عن الأئمة المتقدمين إذا كان عدلا متمكنا من فهم كلام الإمام ثم حكى للمقلد قوله فإنه يكتفي به لأن ذلك مما يغلب على ظن العامي أنه حكم الله عنده وقد انعقد الإجماع في زماننا على هذا النوع من الفتيا هذا مع العلم الضروري بأن نساء الصحابة كن يرجعن في أحكام الحيض وغيره إلى ما يخبر به أزواجهن عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك فعل علي رضي الله عنه حين أرسل المقداد في قصة المذي وفي مسألتنا أظهر فإن مراجعة النبي صلى الله عليه وسلم إذ ذاك ممكنة ومراجعة المقلد الآن للأئمة السابقين متعذرة وقد أطبق الناس على تنفيذ أحكام القضاة مع عدم شرائط الاجتهاد اليوم أي لطول المدة بيننا وبين زمن الأئمة المجتهدين مع ضعف العلم وغلبة الجهل سيما وقد ادعى الإمام محمد بن جرير الطبري وكان إماما جليلا متضلعا من العلوم المنطوق والمفهوم ومن أهل القرن الرابع بلوغه رتبة الاجتهاد المطلق فلم يسلموا له فما بالك بغيره ممن هو في هذه الأعصار البعيدة كما في رسالة كيفية الرد على أهل الزيغ لشيخ شيوخنا السيد أحمد دخلان وفي الحطاب عن ابن عرفة أن استعاذة الفخر في المحصول وتبعه السراج في تحصيله والتاج في حاصله في قولهم في كتاب الاجتهاد ما نصه ولو بقي من المجتهدين والعياذ بالله
185
185
أو قياس الإحالة أو المناسب القريب إلى غير ذلك من تفاصيل الأقيسة ورتب العلل في نظر الشرع عند المجتهدين وسبب ذلك أن الناظر في مذهبه والمخرج على أصول إمامه نسبته إلى مذهبه وإمامه كنسبة إمامه إلى صاحب الشرع في اتباع نصوصه والتخريج على مقاصده فكما أن إمامه لا يجوز له أن يقيس مع قيام الفارق لأن الفارق مبطل للقياس
هامش أنوار البروق
بحسب ما يقتضيه رأيه كلام يوهم بحسب التشبيه أن الحاكم يحكم بغير ما هو حكم الله تعالى وليس ذلك بصحيح ولا هو مراده بل لفظه لم يساعده على المراد على الوجه المختار ومراده على الجملة أن
هامش إدرار الشروق
واحد كان قوله حجة ا ه
وإن بنى على بقاء الاجتهاد في عصرهم والفخر توفي سنة ست وستمائة لكنهم قالوا في كتاب الاستفتاء انعقد الإجماع في زماننا على تقليد الميت إذ لا مجتهد فيه ا ه وإذا انعقد الإجماع على أنه لا مجتهد في القرن السابع فكيف لا ينعقد بالأولى في القرن الرابع عشر وقد قال العطار وفي عصرنا وهو القرن الثالث عشر ضعف الطالب والمطلوب بتراكم عظائم الخطوب نسأل السلامة ا ه
ثم قال السبكي لمن لم يبلغ درجة الاجتهاد المطلق مراتب إحداها أن يصل إلى رتبة الاجتهاد المقيد فيستقل بتقرير مذهب إمام معين ونصوصه أصولا يستنبط منها نحو ما يفعله بنصوص الشارع وهذه صفة أصحاب الوجوه والذي أظنه قيام الإجماع على جواز فتيا هؤلاء وأنت ترى علماء المذهب ممن وصل إلى هذه الرتبة هل منعهم أحد الفتوى أو منعوا هم أنفسهم عنها الثانية من لم يبلغ رتبة أصحاب الوجوه لكنه فقيه النفس حافظ للمذهب قائم بتقريره غير أنه لم يرتض في التخريج والاستنباط كارتياض أولئك وقد كانوا يفتون ويخرجون كأولئك ا ه وفي جواز إفتاء من في هذه الرتبة وهو الأصح وثالثها عند عدم المجتهد كما حكاه شافعي متأخر عنه الثالثة من لم يبلغ هذا المقدار ولكنه حافظ لواضحات المسائل غير أن عنده ضعفا في تقرير أدلتها فعلى هذا الإمساك فيما يغمض فهمه فيما لا نقل عنده فيه وليس هذا الذي حكينا فيه الخلاف فإنه لا اطلاع له على المأخذ وكل هؤلاء غير عوام ا ه وهذا يشير إلى أن له الإفتاء فيما لا يغمض فهمه قال متأخر شافعي وينبغي أن يكون هذا راجعا لمحل الضرورة لا سيما في هذه الأزمان ا ه
وثاني الأقوال فيه المنع مطلقا وثالثها الجواز عند عدم المجتهد وعدم الجواز عند وجود المجتهد وقيل الصواب إن كان السائل يمكنه التوصل إلى عالم يهديه السبيل لم يحل له استفتاء مثل هذا ولا يحل لهذا أن ينصب نفسه للفتوى مع وجود هذا العالم وإن لم يكن في بلده أو ناحيته غيره فلا ريب أن رجوعه إليه أولى من أن يقدم على العمل بلا علم أو يبقى مرتبكا في حيرته مترددا في عماه وجهالته بل هذا هو المستطاع من تقواه المأمور بها وهو حسن إن شاء الله تعالى
أما العامي إذا عرف حكم حادثة بدليلها فهل له أن يفتي به ويسوغ لغيره تقليده ففيه أوجه للشافعية وغيرهم أحدها لا مطلقا لعدم أهليته للاستدلال وعدم علمه بشروطه وما يعارضه ولعله يظن ما ليس بدليل دليلا وهذا في بحر الزركشي الأصح ثانيها نعم مطلقا لأنه قد حصل له العلم به كما للعالم وتميز العالم عنه لقوة يتمكن بها من تقرير الدليل ودفع المعارض له أمر زائد على معرفة الحق بدليله ثالثها إن كان الدليل كتابا أو سنة جاز وإلا لم يجز لأنهما خطاب لجميع المكلفين فيجب على المكلف العمل بما وصل إليه منهما وإرشاد غيره إليه رابعها إن كان نقليا جاز وإلا فلا قال السبكي وأما العامي الذي عرف من المجتهد حكم مسألة ولم يدر دليلها كمن حفظ مختصرا من مختصرات
186
186
والقياس الباطل لا يجوز الاعتماد عليه فكذلك هو أيضا لا يجوز له أن يخرج على مقاصد إمامه فرعا على فرع نص عليه إمامه مع قيام الفارق بينهما لكن الفروق إنما تنشأ عن رتب العلل وتفاصيل أحوال الأقيسة فإذا كان إمامه أفتى في فرع بني على علة اعتبر فرعها في نوع الحكم لا يجوز له هو أن يخرج على أصل إمامه فرعا مثل ذلك الفرع لكن علته من
هامش أنوار البروق
المفتي ناقل ومخبر ومعرف بالحكم والحاكم ليس كذلك بل هو ملزم للحكم ومنفذ له وذلك بين والله تعالى أعلم
هامش إدرار الشروق
الفقه فليس له أن يفتي ورجوع العامي إليه إذا لم يكن سواه أولى من الارتباك في الحيرة
وكل هذا في من لم ينقل عن غيره أما الناقل فلا يمنع فإذا ذكر العامي أن فلانا المفتي أفتاني بكذا لم يمنع من نقل هذا القدر
ا ه
لكن ليس للمذكور له العمل به على ما في الزركشي لا يجوز للعامي أن يعمل بفتوى مفت لعامي مثله أفاد جميع هذا أمير الحاج في موضعين من شرحه على التحرير الأصولي مع زيادة وتوضيح المقام على ما يرام أن الإفتاء كان في القرون الثلاثة التي شهد لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم من خواص المجتهد المطلق ضرورة أن الاجتهاد استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم والفقيه هو المجتهد المطلق وتحقق ماهية المجتهد المطلق لا يوجد إلا بشروط منها ما هي صفة فيه وهي ما ذكره في جمع الجوامع بقوله مع توضيح من شرح المحلي وغيره هو البالغ العاقل أي ذو الملكة التي يدرك بها المعلوم أي ما من شأنه أن يعلم فقيه النفس أي شديد الفهم بالطبع لمقاصد الكلام وإن أنكر القياس العارف بالدليل العقلي أي البراءة الأصلية والتكليف به في الحجية بأن يعلم أنا مكلفون بالتمسك باستصحاب العدم الأصلي إلى أن يصرف عنه دليل شرعي من نص أو إجماع أو قياس ذو الدرجة الوسطى أو الكاملة لغة وعربية من نحو وتصريف وأصولا بأن يكون عارفا بالقواعد الأصولية وبلاغة من معان وبيان وما تتعلق الأحكام به بدلالته عليها من كتاب وسنة وإن لم يحفظ المتون ليتأتى له الاستنباط المقصود بالاجتهاد أما علمه بآيات الأحكام وأحاديثها أي مواقعها
وإن لم يحفظها فلأنها المستنبط منه وأما علمه بأصول الفقه فلأنه يعرف به كيفية الاستنباط وغيرها لما يحتاج إليه وأما علمه بالباقي فلأنه لا يفهم المراد من المستنبط منه إلا به لأنه عربي بليغ ومنها ما هو شرط في الاجتهاد لا صفة في المجتهد وهي ما نقله ابن السبكي عن والده في جمع الجوامع من كونه خبيرا بمواقع الإجماع كي لا يخرقه وبالناسخ والمنسوخ ليقدم الأول على الثاني وبأسباب النزول لترشده إلى فهم المراد وبشرط المتواتر والآحاد المحقق لهما ليقدم الأول على الثاني وبالصحيح والضعيف من الحديث أي ماصدقات الأحاديث الصحيحة والحسنة والضعيفة لا مفاهيمها فإن ذلك اصطلاح حادث ليقدم ماصدق الصحيحة والحسنة على ماصدق الضعيفة وبحال الرواة في القبول والرد ليقدم المقبول على المردود ويشترط لاعتماد قوله لا لاجتهاده العدالة واختلفوا في كون البحث عن المعارض كالمخصص والمقيد والناسخ
وعن اللفظ هل معه قرينة تصرفه عن ظاهره ليسلم ما يستنبطه عن تطرق الخدش إليه لو لم يبحث واجبا أو أولى فيجوز له أن يتمسك بالعام قبل البحث عن المخصص على الأصح ا ه وهذه الشروط قد اتفقوا على تسليم تحققها في علماء تلك القرون ولم يعارضوا من ادعى الاجتهاد
187
187
قبيل ما شهد جنسه لجنس الحكم فإن النوع على النوع مقدم على الجنس في النوع ولا يلزم من اعتبار الأقوى اعتبار الأضعف وكذلك إذا كان إمامه قد اعتبر مصلحة سالمة عن المعارض لقاعدة أخرى فوقع له هو فرع فيه عين تلك المصلحة لكنها معارضة بقاعدة أخرى أو بقواعد فيحرم عليه التخريج حينئذ لقيام الفارق أو تكون مصلحة إمامه التي
هامش أنوار البروق
قال وإذا كان معنى حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد إنشاء الحكم فهو مخبر عن الله تعالى بذلك الحكم
هامش إدرار الشروق
المطلق منهم
وأما علماء القرن الرابع وعلماء من بعده من القرون إلى هذا القرن فوقع الاختلاف في تسليم تحقق تلك الشروط في بعضهم وعدم تسليم ذلك فادعى جماعة من علماء القرن الرابع فما بعده تحقق تلك الشروط فيه وأنه بلغ درجة الاجتهاد المطلق بناء على أمور أحدها قول ابن السبكي في جمع الجوامع مع توضيح من المحلي ويكفي الخبرة بحال الرواة في زماننا الرجوع إلى أئمة ذلك من المحدثين كالإمام أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم فيعتمد عليهم في التعديل والتجريح لتعذرهما في زماننا إلا بواسطة وهم أولى من غيرهم
وثانيها قول العلامة المحقق الشيخ جلال الدين بن عبد الرحمن السيوطي رحمه الله تعالى في رسالته الرد على من أخلد إلى الأرض أن الاجتهاد المطلق قسمان مستقل وغير مستقل والمستقل هو الذي استقل بقواعده لنفسه يبني عليها الفقه خارجا عن قواعد المذاهب المقررة كمالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وداود وغيرهم من مجتهدي القرون الثلاثة المشهود لهم بالخيرية قال السيوطي
وهذا القسم قد فقد من دهر بل لو أراده الإنسان اليوم لامتنع عليه ولم يجز له نص عليه غير واحد قال ابن برهان في كتابه في الأصول أصول المذاهب وقواعد الأدلة منقولة عن السلف فلا يجوز أن يحدث في الأعصار خلافها ا ه كلام ابن برهان وهو من أصحابنا الشافعية
وقال ابن المنير وهو من أئمة المالكية اتباع الأئمة الآن الذين حازوا شروط الاجتهاد مجتهدون ملتزمون أن لا يحدثوا مذهبا أما كونهم مجتهدين فلأن الأوصاف قائمة بهم
وأما كونهم ملتزمين أن لا يحدثوا مذهبا فلأن إحداث مذهب زائد بحيث يكون لفروعه أصول وقواعد مباينة لسائر قواعد المتقدمين متعذر الوجود لاستيعاب المتقدمين سائر الأساليب ا ه كلامه وذكر نحوه ابن الحاج في المدخل وهو مالكي أيضا والمجتهد غير المستقل هو الذي وجدت فيه شروط الاجتهاد المذكورة التي اتصف بها المجتهد المستقل إلا أنه لم يبتكر لنفسه قواعد بل سلك طريقة إمام من أئمة المذاهب في الاجتهاد قال النووي في شرح المهذب تبعا لابن الصلاح في كتابه آداب الفتيا وهذا لا يكون مقلد الإمامة لا في المذهب ولا في دليله لاتصافه بصفة المستقل وإنما ينسب إليه لسلوكه طريقه في الاجتهاد وادعى الأستاذ أبو إسحاق هذه الصفة لأصحابنا فحكى عن أصحاب مالك وأحمد وداود وأكثر الحنفية أنهم صاروا إلى مذهب أئمتهم تقليدا لهم ثم قال والصحيح الذي عليه المحققون ما ذهب إليه أصحابنا وهو أنهم صاروا إلى مذهب الشافعي لا تقليدا له بل لما وجدوا طريقه في الاجتهاد والقياس أسد الطرق ولم يكن لهم بد من الاجتهاد سلكوا طريقه فطلبوا معرفة الأحكام بطريق الشافعي وذكر أبو علي السنجي نحو هذا فقال اتبعنا الشافعي دون غيره لأنا وجدنا قوله أرجح الأقوال وأعدلها لا أنا قلدناه
188
188
اعتمد عليها من باب الضروريات فيفتي هو بمثلها ولكنها من باب الحاجات أو التتمات وهاتان ضعيفتان مرجوحتان بالنسبة إلى الأولى ولعل إمامه راعى خصوص تلك القوية والخصوص فائت هنا ومتى حصل التردد في ذلك والشك
وجب التوقف كما أن إمامه لو وجد صاحب الشرع قد نص على حكم ومصلحة من باب الضروريات حرم عليه أن يقيس
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله هنا من أن الحاكم مخبر عن الله بذلك الحكم ليس بصحيح فإن الحاكم ليس بمخبر
هامش إدرار الشروق
قال النووي
هذا الذي ذكره موافق لما أمرهم به الشافعي ثم المزني في أول مختصره وغيره بقوله مع إعلامه بنهيه عن تقليد غيره قال ثم فتوى المفتي في هذا النوع كفتوى المستقل في العمل بها والاعتداد بها في الإجماع والخلاف ا ه كلام النووي قال السيوطي فالمطلق أعم مطلقا من المستقل فكل مستقل مطلق وليس كل مطلق مستقلا والذي ادعيناه هو الاجتهاد المطلق لا الاستقلال بل نحن تابعون للإمام الشافعي رضي الله عنه وسالكون طريقه في الاجتهاد امتثالا لأمره ومعدودون من أصحابه وكيف يظن أن اجتهادنا مقيد والمجتهد المقيد إنما ينقص عن المطلق بإخلاله بالحديث والعربية وليس على وجه الأرض من مشرقها إلى مغربها أعلم بالحديث والعربية مني إلا أن يكون الخضر أو القطب أو أولياء الله فإن هؤلاء لم أقصد دخولهم في عبارتي والله أعلم ا ه كلام السيوطي الأمر الثالث أن الاجتهاد المطلق فرض كفاية فكيف يدعي خلو الأرض عمن يقوم به فيأثم جميع الأمة المحمدية كما في رسالة السيوطي المذكورة وفي حاشية الباجوري على ابن قاسم وادعى الجلال السيوطي بقاءه إلى آخر الزمان واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم يبعث الله على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها ومنع الاستدلال بأن المراد بمن يجدد أمر الدين من يقرر الشرائع والأحكام لا المجتهد المطلق ا ه
والجمهور على أن شروط الاجتهاد المطلق المذكورة لم تتحقق في شخص من علماء القرن الرابع فما بعده وأن من ادعى بلوغها منهم لا تسلم له دعواه ضرورة أن بلوغها لا يثبت بمجرد الدعوى وأن فرض الكفاية لا يجب على المكلفين به تحصيله وإنما يجب عليهم الاجتهاد في تحصيل شروطه بقدر ما في طاقاتهم البشرية فإذا تعذر عليهم تحصيلها كيف يدعي تأثيم جميعهم قال ابن أبي الدم عالم الأقطار الشامية بعد سرده شروط الاجتهاد المطلق هذه الشروط يعز وجودها في زماننا في شخص من العلماء بل لا يوجد في البسيطة اليوم مجتهد مطلق
وقال حجة الإسلام الغزالي في كتابه الوسيط
وأما شروط الاجتهاد المعتبرة في القاضي فقد تعذرت في وقتنا وفي الإنصاف من كتب السادة الحنابلة أنه من زمن طويل عدم المجتهد المطلق وقال الفخر الرازي والرافعي والنووي إن الناس كالمجمعين اليوم على أنه لا مجتهد وقد تقدم عن شيخ شيوخنا في رسالته كيفية الرد على أهل الزيغ أن الإمام محمد بن جرير الطبري قد ادعى بلوغه رتبة الاجتهاد المطلق فلم يسلموا له وهو إمام جليل متضلع من العلوم المنطوق والمفهوم ومن أهل القرن الرابع فما بالك بغيره ممن هو في هذه الأعصار البعيدة وعلى أن المجتهد المطلق لا يكون إلا مستقلا وأن من له أن يفتي عبارة عن غير العامي ومن ليس له أن يفتي عبارة عن العامي وأن غير العامي إما مجتهد غير مستقل وله مرتبتان المرتبة الأولى أشار لها في جمع الجوامع بقوله مع الشرح ودونه أي دون المجتهد المطلق المتقدم مجتهد المذهب وهو المتمكن من تخريج الوجوه التي يبديها على نصوص إمامه في المسائل ا ه
وقال النووي في شرح المهذب تبعا لابن الصلاح أيضا وهو ما يكون مستقلا بتقرير أصوله بالدليل غير أنه لا يتجاوز في أدلته أصول
189
189
عليه ما هو من باب الحاجات أو التتمات لأجل قيام الفارق فكذلك هذا المقلد له لأن نسبته إليه في التخريج كنسبة إمامه لصاحب الشرع والضابط له ولإمامه في القياس والتخريج أنهما متى جوزا فارقا يجوز أن يكون معتبرا حرم القياس ولا يجوز القياس إلا بعد الفحص المنتهي إلى غاية أنه لا فارق هناك ولا معارض ولا مانع يمنع من القياس
هامش أنوار البروق
بالحكم بل هو ملزم للحكم وقوله هذا نقيض لقوله آنفا إن الحاكم منشئ لحكم الإلزام فيما يلزم وأن المفتي مخبر فسبحان الله العظيم ما أسرع ما نسي
هامش إدرار الشروق
إمامه وقواعده وشرطه كونه عالما بالفقه وأصوله وأدلة الأحكام تفصيلا بصيرا بمسالك الأقيسة والمعاني تام الارتياض في التخريج والاستنباط قيما بإلحاق ما ليس منصوصا عليه لإمامه بأصوله ولا يعرى عن شوب تقليد له لإخلاله ببعض أدوات المستقل بأن يخل بالحديث أو العربية وكثيرا ما أخل بهما المقيد ثم يتخذ نصوص إمامه أصولا يستنبط منها كفعل المستقل بنصوص الشرع وربما اكتفى في الحكم بدليل إمامه ولا يبحث عن معارض كفعل المستقل في النصوص وهذه صفة أصحابنا أصحاب الوجوه والعامل بفتوى هذا مقلد لإمامه لا له ثم ظاهر كلام الأصحاب أن من هذا حاله لا يتأدى به فرض الكفاية قال ابن الصلاح ويظهر تأدي الفرض به في الفتوى وإن لم يتأد في إحياء العلوم التي منها استمداد للفتوى ا ه
ومراده بقوله وهذه صفة أصحابنا إلخ مثل المزني والبويطي صاحبي الشافعي وابن القاسم وأشهب صاحبي مالك وأبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة والإمام الخلال وإبراهيم الحربي والشيخ حنبل وصالح بن الإمام أحمد من أصحاب الإمام أحمد بن حنبل ولا خلاف في جواز إفتاء من في هذه المرتبة والأصل لم يتعرض لمن في هذه المرتبة ولعله لعدم وجوده سيما في هذه الأعصار قال شيخ شيوخنا في رسالته المذكورة لا يجوز لأهل هذه الأعصار الاستنباط في شيء من الآيات والأحاديث بل يجب عليهم الأخذ بأقوال أئمة الدين واتباعهم في كل ما يقولون من الأحكام الفقهية وتفسير الآيات القرآنية والأحاديث النبوية
ولو لم نقل ذلك لزم الزيغ والضلال والإلحاد في الدين لأن كثيرا من الآيات والأحاديث يعارضها مثلها من الآيات والأحاديث ولا إطلاع لغير المجتهدين على ذلك إلا بالنقل عنهم وبعضها منسوخ وبعضها مخصوص وبعضها مجمل وبعضها متشابه إلى غير ذلك من الأقسام ا ه المراد وهو مبني على قول الأكثرين من جواز خلو الزمان حتى عن مجتهد المذهب ففي العطار على محلي جمع الجوامع قال الصفي الهندي المختار عند الأكثرين أنه يجوز خلو عصر من الأعصار عن الذي يمكن تفويض الفتوى إليه سواء كان مجتهدا مطلقا أو كان مجتهدا في مذهب المجتهدين المطلق ومنع منه الأقلون كالحنابلة ا ه سم سيما ونحن الآن في القرن الرابع عشر وقد قال الشيخ الأخضري في سلمه المنورق لا سيما في عاشر القرون ذي الجهل والفساد والفتون المرتبة الثانية أشار لها في جمع الجوامع بقوله مع الشرح ودونه إلخ أي دون مجتهد المذهب مجتهد الفتيا وهو المتبحر في مذهب إمامه المتمكن من ترجيح قول له على آخر أطلقهما ا ه
وسماه العلامة السيوطي في رسالته المذكورة مجتهد الترجيح وقال النووي في شرح المهذب تبعا لابن الصلاح أيضا وهو من لم يبلغ رتبة أصحاب الوجوه لكنه فقيه النفس حافظ لمذهب إمامه عارف بأدلته قائم بتقريرها
190
190
وهذا قدر مشترك بين المجتهدين والمقلدين للأئمة المجتهدين فمهما جوز المقلد في معنى ظفر به في فحصه واجتهاده أن يكون إمامه قصده أو يراعيه حرم عليه التخريج فلا يجوز التخريج حينئذ إلا لمن هو عالم بتفاصيل أحوال الأقيسة والعلل ورتب المصالح وشروط القواعد وما يصلح أن يكون معارضا وما لا يصلح وهذا لا يعرفه
هامش أنوار البروق
قال والله تعالى قد جعل له أن ما حكم به فهو حكمه قلت أما على قول من يقول بتصويب المجتهدين فقوله ذلك صحيح وأما على قول من لا
هامش إدرار الشروق
يصور ويحرر ويقرر ويمهد ويزيف ويرجح لكنه قصر عن أولئك لقصوره عنهم في حفظ المذهب أو الارتياض في الاستنباط ومعرفة الأصول ونحوها من أدلتها ا ه
وقال شيخ شيوخنا في رسالته ومجتهدو الفتوى من كملوا في العلم والمعرفة من أرباب المذهب حتى وصلوا لرتبة الترجيح للأقوال وهم كثيرون كالرافعي والنووي وابن حجر والرملي في مذهب الشافعي ا ه بتوضيح
وقال شيخ والدي الشيخ إبراهيم الباجوري على ابن قاسم إن الرملي وابن حجر لم يبلغا مرتبة الترجيح بل هما مقلدان فقط نعم قال بعضهم بل لهما ترجيح في بعض المسائل بل والشبراملسي أيضا ا ه وكالمازري وابن رشد واللخمي وابن العربي والقرافي في مذهب الإمام مالك وكابن نجيم والسرخسي والكمال بن الهمام والطحاوي في مذهب أبي حنيفة وكأبي يعلى وابن قدامة وأبي الخطاب والقاضي علاء الدين في مذهب الإمام أحمد بن حنبل وقال الأصل وحال من في هذه المرتبة أن يحيط بتقييد جميع مطلقات المذهب وتخصيص جميع عموماته وبمدارك إمامه ومستنداته وحكمه أنه يفتي بما يحفظه ويخرج ويقيس بشروط القياس ما لا يحفظه على ما يحفظه ا ه
وهذا أصح الأقوال الثلاثة المتقدمة وأما عالم غير مجتهد بأن لم يبلغ درجة مجتهد الفتوى ولا ينزل إلى درجة العامي وسماه العلامة السيوطي في رسالته المذكورة مجتهد الفتيا نظرا لما تقدم عن ابن دقيق العيد وعن شارح التحرير الأصولي من أنه رتبة ثالثة لغير المجتهد المطلق من العلماء المقلدين إلا أن كلام شارح التحرير المار وكلام ابن رشد الآتي على أنه ليس بمجتهد فتيا بل مجتهد الفتيا هو مجتهد الترجيح فتأمل قال النووي في شرح المهذب تبعا لابن الصلاح أيضا وهو من يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه في الواضحات والمشكلات ولكن عنده ضعف في تقرير أدلته وتحرير أقيسته فهذا يعتمد نقله وفتواه فيما يحكيه من مسطورات مذهبه وما لا يجده منقولا إن وجد في المنقولات معناه بحيث يدرك بغير كبير فكر أنه لا فرق بينهما جاز إلحاقه به والفتوى به وكذا ما يعلم اندراجه تحت ضابط مجتهد في المذهب وما ليس كذلك يجب إمساكه عن الفتوى فيه ا ه
وهذا هو الراجح من الأقوال الأربعة المتقدمة وهو مثل قول الأصل وحال هذا أن يتسع إطلاعه بحيث يعلم بتقييد المطلقات وتخصيص العمومات لكنه لم يضبط مدارك إمامه ومستنداته وحكمه أنه يفتي بما يحفظه وينقله من مذهبه اتباعا لمشهور ذلك المذهب بشروط الفتيا لا بكل قول فيه إذ لا يعرى مذهب من المذاهب عن قول خالف فيه المجتهد الإجماع أو القواعد أو النص أو القياس الجلي السالم عن المعارض الراجح لكنه قد يقل وقد يكثر
وهذا النوع لا يجوز للمقلد أن ينقله للناس ولا يفتي به في دين الله تعالى وذلك لأنه لو حكم به حاكم لنقضناه ولا نقره شرعا وإن تأكد بحكمه فأولى أن نقره شرعا إذا لم يتأكد ولا يعلم في مذهبه إلا من عرف القواعد الشرعية والقياس الجلي والنص الصريح وعدم المعارض لذلك بالمبالغة في تحصيل مسائل الفقه بأصولها مع معرفة علم أصول الفقه معرفة
191
191
إلا من يعرف أصول الفقه معرفة حسنة فإذا كان موصوفا بهذه الصفة وحصل له هذا المقام تعين عليه مقام آخر وهو النظر وبذل الجهد في تصفح تلك القواعد الشرعية وتلك المصالح وأنواع الأقيسة وتفاصيلها فإذا بذل جهده فيما يعرفه ووجد ما يجوز أن يعتبره إمامه فارقا أو مانعا أو شرطا وهو ليس في الحادثة التي يروم تخريجها حرم عليه
هامش أنوار البروق
يصوب فليس ذلك بصحيح بل ربما صادف حكم الله تعالى فيكون حكمه حكم الله تعالى وربما لم يصادف حكمه حكم الله تعالى فلا يكون حكمه حكمه لكنه معذور ومأجور والله أعلم
هامش إدرار الشروق
حسنة لا بمجرد معرفة أصول الفقه فإن القواعد ليست مستوعبة في أصول الفقه بل للشريعة قواعد كثيرة جدا عند أئمة الفتوى والفقهاء لا توجد في كتب أصول الفقه أصلا وذلك هو الباعث على وضع هذا الكتاب المسمى كتاب الأنوار والقواعد السنية لأضبط تلك القواعد حسب طاقتي ولاعتبار هذا الشرط يحرم على أكثر الناس الفتوى فتأمل ذلك فهو أمر لازم وكذلك كان السلف رضي الله عنهم متوقفين في الفتيا توقفا شديدا
وقال مالك لا ينبغي للعالم أن يفتي حتى يراه الناس أهلا لذلك ويرى هو نفسه أهلا لذلك يريد تثبت أهليته عند العلماء ويكون هو بيقين مطلعا على ما قاله العلماء في حقه من الأهلية لأنه قد يظهر من الإنسان أمر على ضد ما هو عليه إذا كان مطلعا على ما وصفه به الناس حصل اليقين في ذلك وما أفتى مالك حتى أجازه أربعون محنكا لأن التحنيك وهو اللثام بالعمائم تحت الحنك شعار العلماء حتى إن مالكا سئل عن الصلاة بغير تحنيك فقال لا بأس بذلك وهو إشارة إلى تأكد التحنيك وهذا هو شأن الفتيا في الزمن القديم
وأما اليوم فقد انخرق هذا السياج وسهل على الناس أمر دينهم فتحدثوا فيه بما يصلح وما لا يصلح وعسر عليهم اعترافهم بجهلهم وأن يقول أحدهم لا يدري فلا جرم آل الحال للناس إلى هذه الغاية بالاقتداء بالجهال والمتجرئين على دين الله تعالى ا ه
قال الحطاب في شرحه على المختصر والظاهر أن قوله بحيث يعلم تقييد المطلقات وتخصيص العمومات يعني يغلب على ظنه ذلك وأما القطع بأن هذه الرواية ليست مقيدة فبعيد ويكفي الآن في ذلك وجود المسألة في التوضيح أو في ابن عبد السلام قال ابن فرحون قال المازري في كتاب الأقضية الذي يفتي في هذا الزمان أقل مراتبه في نقل المذهب أن يكون قد استبحر في الاطلاع على روايات المذهب وتأويل الشيوخ لها وتوجيههم لما وقع فيها من اختلاف ظواهر واختلاف مذاهب وتشبيههم مسائل بمسائل قد يسبق إلى النفس تباعدها وتفريقهم بين مسائل ومسائل قد يقع في النفس تقاربها وتشابهها إلى غير ذلك مما بسطه المتأخرون في كتبهم وأشار إليه المتقدمون من أصحاب مالك في كثير من رواياتهم فهذا لعدم النظار يقتصر على نقله عن المذهب ا ه
وفي آخر خطبة البيان والتحصيل لابن رشد قال إذا جمع الطالب المقدمات إلى هذا الكتاب يعني البيان والتحصيل حصل على معرفة ما لا يسع جهله من أصول الديانات وأصول الفقه وعرف العلم من طريقه وأخذه من بابه وسبيله وأحكم رد الفرع إلى الأصل واستغنى بمعرفة ذلك كله عن الشيوخ في المشكلات وحصل مرتبة من يجب تقليده في النوازل المعضلات ودخل في زمرة العلماء الذين أثنى الله عليهم في غير ما آية من كتابه ووعدهم فيه بترفيع الدرجات ا ه كلام الحطاب بتغيير ما
قال وجعل القرافي أن ما خالف فيه الإمام النص نظير ما خالف فيه الإجماع في عدم جواز نقله للناس وإفتائهم به ليس بشيء لنص مالك في كتاب الجامع من العتبية وغيره
192
192
التخريج وإن لم يجد شيئا بعد بذل الجهد وتمام المعرفة جاز له التخريج حينئذ
وكذلك القول في إمامه مع صاحب الشرع لا بد أن يكون إمامه موصوفا بصفات الاجتهاد التي بعضها ما تقدم اشتراطه في حق المقلد المخرج ثم بعد اتصافه بصفات الاجتهاد ينتقل إلى مقام بذل الجهد فيما علمه من القواعد وتفاصيل المدارك فإذا بذل جهده ووجد حينئذ
هامش أنوار البروق
قال وهو كالنص الوارد من قبل الله تعالى في خصوص تلك الواقعة فيصير الحال إلى تعارض الخاص والعام فيقدم الخاص على العام على القاعدة في أصول الفقه
هامش إدرار الشروق
على مخالفة نص الحديث الصحيح إذا كان العمل بخلافه ا ه وهو مبني على جعل قوله السالم عن المعارض الراجح وصفا لخصوص القياس الجلي لا له وللنص وإلا لم يرد عليه ذلك فتأمل بإنصاف
هذا وقال الأصل وما ليس محفوظا من روايات المذهب لمن في هذه المرتبة لا يجوز له تخريجه على ما هو محفوظ له منها وإن كثرت منقولاته جدا إلا إذا حصلت له شروط التخريج من حفظه قواعد الشريعة بالمبالغة في تحصيل مسائل الفقه بأصولها ومعرفته علم أصول الفقه وكتاب القياس وأحكامه وترجيحاته وشرائطه وموانعه معرفة حسنة وعلمه بأن قول إمامه المخرج عليه ليس مخالفا للإجماع ولا للقواعد ولا لنص ولا لقياس جلي سالم عن معارض راجح وكثير من الناس يقدمون على التخريج دون هذه الشروط بل صار يفتي من لم يحط بالتقييدات ولا بالتخصيصات من منقول إمامه وذلك فسق ولعب في دين الله تعالى ممن يتعمده ا ه ويتعين جعل قوله سالم عن معارض راجح وصفا لكل من القياس الجلي والنص لا لخصوص القياس الجلي حتى يتوجه عليه إيراد الحطاب فافهم
وأما العامي فله مرتبتان المرتبة الأولى أن يعرف من المجتهد حكم حادثة بدليلها وفي جواز إفتائه بما عرفه مطلقا وأن يقلده غيره فيه ثالثها إن كان الدليل كتابا أو سنة رابعها إن كان نقليا والأصح منها كما في بحر الزركشي الثاني أي المنع مطلقا المرتبة الثانية أن يعرف من المجتهد حكم مسألة ولم يدر دليلها أو يحفظ مختصرا من مختصرات الفقه فلا يجوز له أن يفتي بما عرفه نعم رجوع العامي إليه إذا لم يكن سواه أولى من الارتباك في الحيرة ويجوز له أن ينقل ما أفتاه به المجتهد لغيره نعم في بحر الزركشي لا يجوز للعامي أن يعمل بفتوى مفت لعامي مثله وإلى حال من في هذه المرتبة الثانية وحكم فتواه أشار الأصل بقوله أن يحفظ كتابا فيه عمومات مخصصة في غيره ومطلقات مقيدة في غيره فهذا يحرم عليه أن يفتي بما فيه إلا في مسألة يقطع أنها مستوفية للقيود وتكون هي الواقعة بعينها ا ه
وإلى حكم فتوى من في المرتبة الأولى يشير قوله إلا في مسألة يقطع أنها مستوفية إلخ فتأمل بدقة إذا علمت هذا علمت أن كلام الأصل في هذا الفرق وجواب ابن رشد لما سئل عن الفتوى وصفة المفتي قد حصراه في مجتهد الفتوى والترجيح والعالم الذي لم يبلغ درجته وصاحب المرتبة الثانية من مرتبتي العامي المارتين مع إدماج صاحب المرتبة الأولى منهما مع صاحب الثانية وحاصل كلام الأصل كما في الحطاب على متن سيدي خليل أن لطالب العلم ثلاث حالات الأولى أن يحفظ كتابا فيه عمومات مخصصة في غيره ومطلقات مقيدة في غيره فهذا يحرم عليه أن يفتي بما فيه إلا في مسألة يقطع أنها مستوفية القيود وتكون هي الواقعة بعينها
193
193
ما يصلح أن يكون فارقا أو مانعا أو شرطا قائما في الفرع الذي يروم قياسه على كلام صاحب الشرع حرم عليه القياس ووجب التوقف
وإن غلب على ظنه عدم جميع ذلك وأن الفرع مساو للصورة التي نص عليها صاحب الشرع وجب عليه الإلحاق حينئذ وكذلك مقلده وحينئذ بهذا التقرير يتعين على من لا يشتغل بأصول الفقه أن لا يخرج
هامش أنوار البروق
قلت إن أراد أنه من باب الخاص والعام المتعارضين على التحقيق فليس كذلك وإن أراد أنه يشبه العام والخاص المتعارضين بوجه ما فذلك صحيح
هامش إدرار الشروق
الثانية أن يتسع اطلاعه بحيث يعلم بتقييد المطلقات وتخصيص العمومات لكنه لم يضبط مدارك إمامه ومستنداته فهذا يفتي بما يحفظه وينقله من المشهور في ذلك المذهب ولا يخرج مسألة ليست منصوصة على ما يشبهها الثالثة أن يحيط بذلك وبمدارك إمامه ومستنداته وهذا يفتي بما يحفظه ويخرج ويقيس بشروط القياس ما لا يحفظه على ما يحفظه ا ه
وجواب ابن رشد كما في شرح الحطاب على خليل نقلا عن وثائق ابن سلمون أن الجماعة التي تنسب إلى العلوم وتتميز عن جملة العوام في المحفوظ والمفهوم تنقسم على ثلاثة طوائف طائفة منهم اعتقدت صحة مذهب مالك تقليدا بغير دليل فأخذت أنفسها بحفظ مجرد أقواله وأقوال أصحابه في مسائل الفقه دون التفقه في معانيها بتمييز الصحيح منها والسقيم فهذه لا يصح لها الفتوى بما علمته وحفظته من قول مالك وقول أحد من أصحابه إذ لا علم عندها بصحة شيء من ذلك إذ لا يصح الفتوى بمجرد التقليد من غير علم ويصح لها في خاصتها إن لم تجد من يصح لها أن تستفتيه أن تقلد مالكا أو غيره من أصحابه فيما حفظته من أقوالهم وإن لم يعلم من نزلت به نازلة من يقلده فيها من قول مالك وأصحابه فيجوز للذي نزلت به النازلة أن يقلده فيما حكاه له من قول مالك في نازلته ويقلد مالكا في الأخذ بقوله فيها وذلك أيضا إذا لم يجد في عصره من يستفتيه في نازلته فيقلده فيها
وإن كانت النازلة قد علم فيها اختلافا من قول مالك وغيره فأعلمه بذلك كان حكمه في ذلك حكم العامي إذا استفتى العلماء في نازلته فاختلفوا عليه فيها وقد اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال أحدها أن يأخذ بما شاء من ذلك الثاني أن يجتهد من ذلك فيأخذ من ذلك بقول أعلمهم الثالث أن يأخذ بأغلظ الأقوال والطائفة الثانية منهم اعتقدت صحة مذهب مالك بما بان لها من صحة أصوله التي بناه عليها فأخذت أنفسها بحفظ مجرد أقواله وأقوال أصحابه في مسائل الفقه وتفقهت في معانيها فعلمت الصحيح منها الجاري على أصوله من السقيم الخارج إلا أنها لم تبلغ درجة التحقيق بمعرفة قياس الفروع على الأصول وهذه يصلح لها إذا استفتيت أن تفتي بما علمته من قول مالك وقول غيره من أصحابه إذا كانت قد بانت لها صحته كما يجوز لها في خاصتها الأخذ بقوله إذا بانت لها صحته ولا يجوز لها أن تفتي بالاجتهاد فيما لا تعلم فيه نصا من قول مالك أو قول غيره من أصحابه وإن كانت قد بانت لها صحته إذ ليست ممن كمل لها آلات الاجتهاد الذي يصح لها بها قياس من الفروع على الأصول والطائفة الثالثة منهم اعتقدت صحة مذهبه بما بان لها أيضا من صحة أصوله لكونها عالمة أحكام القرآن عارفة للناسخ والمنسوخ والمفصل والمجمل والخاص من العام عالمة بالسنن الواردة في
194
194
فرعا أو نازلة على أصول مذهبه ومنقولاته وإن كثرت منقولاته جدا فلا تفيد كثرة المنقولات مع الجهل بما تقدم كما أن إمامه لو كثرت محفوظاته لنصوص الشريعة من الكتاب والسنة وأقضية الصحابة رضي الله عنهم ولم يكن عالما بأصول الفقه حرم عليه القياس والتخريج على المنصوصات من قبل صاحب الشرع بل حرم عليه الاستنباط من
هامش أنوار البروق
قال وتقريبه بالمثال أن مالكا رحمه الله تعالى دل الدليل عنده على أن تعليق الطلاق قبل الملك يلزم إلى قوله جمعا بين نصي الخاص والعام
هامش إدرار الشروق
الأحكام مميزة بين صحيحها من معلولها عالمة بأقوال العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من فقهاء الأمصار وبما اتفقوا عليه واختلفوا فيه عالمة من علم اللسان بما يفهم به معاني الكلام عالمة بوضع الأدلة في مواضعيها وهذه هي التي يصح لها الفتوى عموما بالاجتهاد والقياس على الأصول التي هي الكتاب والسنة وإجماع الأمة بالمعنى الجامع بينها وبين النازلة وعلى ما قيس عليها إن قدم القياس عليها ومن القياس جلي وخفي لأن المعنى الذي يجمع بين الأصل والفرع قد يعلم قطعا بدليل قاطع لا يحتمل التأويل وقد يعلم بالاستدلال فلا يوجب إلا غلبة الظن ولا يرجع إلى القياس الخفي إلا بعد القياس الجلي وهذا كله يتفاوت العلماء في التحقيق بالمعرفة به تفاوتا بعيدا وتفترق أحوالهم أيضا في جودة الفهم لذلك وجودة الذهن فيه افتراقا بعيدا إذ ليس العلم الذي هو الفقه في الدين بكثرة الرواية والحفظ وإنما هو نور يضعه الله حيث يشاء فمن اعتقد في نفسه أنه ممن تصح له الفتوى بما آتاه الله عز وجل من ذلك النور المركب على المحفوظ المعلوم جاز له أن يفتي وإذا اعتقد الناس فيه ذلك جاز له أن يفتي فمن الحق للرجل أن لا يفتي حتى يرى نفسه أهلا لذلك على ما حكى مالك عن ابن هرمز أشار بذلك على من استشاره السلطان فاستشاره في ذلك ا ه
تنبيهات الأول الاستنباط لغة استخراج الماء من العين من قولهم نبط الماء إذا خرج من منبعه واصطلاحا استخراج المعاني من النصوص بفرط الذهن وقوة القريحة كما في تعريفات الجرجاني قال المحلي على جمع الجوامع أن يستنبط الحكم بأن الجمع المعرف بأل عام مما نقل أن هذا الجمع يصح الاستثناء منه حيث لا حصر فيه أي إخراج بعضه بإلا أو إحدى أخواتها بأن يضم إليه كبرى مأخوذة من قولهم معيارا لعموم الاستثناء وهي كل ما صح الاستثناء منه مما لا حصر فيه فهو عام لينتج مطلوب وهو أن هذا الجمع عام ا ه بتوضيح للمراد
وفي حاشيتي الشربيني والعطار على محلي جمع الجوامع الاستنباط استنتاج الأحكام من الأدلة قال الشافعي رضي الله عنه إذا رفعت إلى المجتهد واقعة فليعرضها على نصوص الكتاب فإن أعوزه فعلى الأخبار المتواترة ثم على الآحاد فإن أعوزه لم يخض في القياس بل يلتفت إلى ظواهر القرآن فإن وجد ظاهرا نظر في المخصصات من قياس أو خبر فإن لم يجد تخصيصا حكم به وإن لم يعثر على لفظ من كتاب ولا سنة نظر إلى المذاهب فإن وجدها مجمعا عليها اتبع الإجماع
فإن لم يجد إجماعا خاض في القياس ويلاحظ القواعد الكلية أولا ويقدمها على الجزئيات كما في القتل بالمثقل يقدم قاعدة الردع والزجر على مراعاة الآلة فإن عدم قاعدة كلية نظر في النصوص ومواقع الإجماع فإن وجدها في معنى واحد ألحق به وإلا انحدر إلى قياس مخيل فإن أعوزه تمسك بالشبه ولا يعود على طرد إن كان يؤمن بالله ويعرف مأخذ الشرع هذا تدريج النظر على ما قاله الشافعي رحمه الله تعالى ولقد أخر الإجماع
195
195
نصوص الشارع لأن الاستنباط فرع معرفة أصول الفقه فهذا الباب المجتهدون والمقلدون فيه سواء في امتناع التخريج بل يفتي كل مقلد وصل إلى هذه الحالة التي هي ضبط مطلقات إمامه بالتقييد وضبط عمومات مذهبه بمنقولات مذهبه خاصة من غير تخريج إذا فاته شرط التخريج كما أن إمامه لو فاته شرط أصول الفقه وحفظ النصوص واستوعبها
هامش أنوار البروق
قلت هو مثال صحيح غير أنه إن أراد أنه من الخاص والعام حقيقة فليس الأمر كذلك وإن أراد أنه يشبهه بوجه ما فذلك صحيح
هامش إدرار الشروق
عن الإخبار وذلك تأخير مرتبة لا تأخير عمل إذ الفعل به مقدم لكن الخبر يتقدم في المرتبة عليه فإنه مستند قبول الإجماع قاله الغزالي في المنخول ا ه
التنبيه الثاني القياس لغة عبارة عن رد الشيء إلى نظيره وعند أهل الأصول إبانة مثل حكم المذكور بمثل علته في الآخر أي إظهار مثل حكم المذكور في النص بمثل علته في آخر لم ينص عليه لا إثباته لأن القياس غير مثبت للحكم بل مظهر له واحترز بمثل الحكم ومثل العلة عن لزوم القول بانتقال الأوصاف واختيار لفظ المذكور ليشمل القياس بين المعدومين أيضا وأركانه
أربعة مقيس عليه ومقيس ومعنى مشترك بينهما وحكم المقيس عليه يتعدى بواسطة المشترك إلى المقيس وفي التعبير بالأصل والفرع عن الأولين وهو الأقرب أو عن غيرهما كحكم المقيس عليه أو الأصل دليل حكم المقيس عليه خلاف وينقسم إلى جلي وهو ما تسبق إليه الأفهام وإلى خفي وهو ما يكون بخلافه ويسمى في الأغلب بالاستحسان وإن كان الاستحسان أعم مطلقا منه لأنه قد يطلق على ما ثبت بالنص والإجماع والضرورة كما في تعريفات الجرجاني ومحلي جمع الجوامع ولكل واحد من أركانه الأربعة شروط تطلب من كتب الأصول قال الحطاب في شرح ورقات إمام الحرمين مع المتن
وينقسم القياس إلى ثلاثة أقسام قياس علة وقياس دلالة وقياس شبه فقياس العلة ما كانت العلة فيه موجبة للحكم بحيث لا يحسن عقلا تخلف الحكم عنها ولو تخلف عنها لم يلزم منه محال كما هو شأن العلل الشرعية كقياس تحريم ضرب الوالدين على التأفيف بجامع الإيذاء فإنه لا يحسن في العقل إباحة الضرب مع تحريم التأفيف بناء على القول بأن الدلالة فيه على الحكم قياسية والقول الثاني أن الدلالة فيه من دلالة اللفظ على الحكم وقياس الدلالة ما كانت العلة فيه دالة على الحكم غير موجبة له أي ما يكون الحكم فيه لعلة مستنبطة يجوز أن يترتب الحكم عليها في الفرع ويجوز أن يتخلف وهذا أضعف من الأول وهو غالب أنواع الأقيسة كقياس مال الصبي على مال البالغ في وجوب الزكاة فيه بجامع أنه مال نام ويجوز أن يقال لا يجب في مال الصبي كما قال أبو حنيفة وقياس الشبه ما كان الفرع فيه مترددا بين أصلين وهو أكثر شبها بأحدهما فيلحق به كالعبد المقتول فإنه متردد في الضمان بين الإنسان الحر من حيث إنه آدمي وبين البهيمة من حيث إنه مال وهو بالمال أكثر شبها من الحر بدليل أنه يباع ويورث ويوقف وتضمن أجزاؤه بما نقص من قيمته فيلحق به وتضمن قيمته وإن زادت على دية الحر وهذا أضعف مما قبله فلا يصار إليه مع إمكان ما قبله ا ه
بتصرف قلت والأول هو المراد بالجلي والثاني والثالث هو المراد بالخفي نعم قال الرازي كما في حاشية الجمل على الجلالين إن قوله تعالى في سورة العنكبوت ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم
196
196
يصير محدثا ناقلا فقط لا إماما مجتهدا كذلك هذا المقلد فتأمل ذلك فالناس مهملون له إهمالا شديدا ويقتحمون على الفتيا في دين الله تعالى والتخريج على قواعد الأئمة من غير شروط التخريج والإحاطة بها فصار يفتي من لم يحط بالتقييدات ولا بالتخصيصات من منقولات إمامه وذلك لعب في دين الله تعالى وفسوق ممن يتعمده أو ما علموا أن
هامش أنوار البروق
قال ومن فهم الفرق بين المفتي والحاكم وإن حكم الحاكم نص من الله تعالى خاص في تلك الصورة المعينة لم يسعه إلا ما قال مالك والجمهور ولكن لما كان الفرق بينهما خفيا جدا حتى أني لم
هامش إدرار الشروق
بها من أحد من العالمين دال على وجوب الحد في اللواطة لأنها اشتركت مع الزنا في كونها فاحشة وهذا وإن كان قياسا أي من أمثلة قياس الدلالة الظني إلا أن الجامع مستفاد من الآية ا ه
أي من النص وكل ما استفيد من النص فهو قطعي الدلالة لا ظنيها فتأمل بإمعان وقد اقتصرت في المقدمة تبعا لابن رشد الحفيد في بدايته على القول بأن دلالة نحو تحريم التأفيف في الآية على تحريم الضرب لفظية لا قياسية وهو الذي اعتمده ابن السبكي في جمع الجوامع فافهم
قال الأصل ولا يجوز القياس للمقلد ولا لإمامه إلا بعد الفحص المنتهي إلى غاية أنه لا فارق هناك ولا معارض ولا مانع يمنع من القياس ولا يتأتى الفحص المذكور من المقلد إلا بعد إحاطته بمدارك إمامه وأدلته وأقيسته وعلله التي اعتمد عليها مفصلة ومعرفته رتب تلك العلل ونسبتها إلى المصالح الشرعية وهل هي من باب المصالح الضرورية أو الحاجية أو التتمية وهل هي من باب المناسب الذي اعتبر نوعه في نوع الحكم أو جنسه في جنس الحكم وهل هي من باب المصلحة المرسلة التي هي أدنى رتب المصالح أو من قبيل ما شهدت لها أصول الشرع بالاعتبار أو هي من باب قياس الشبه أو المناسب أو قياس الدلالة أو قياس الإحالة أو المناسب القريب إلى غير ذلك من تفاصيل الأقيسة ورتب العلل في نظر الشرع عند المجتهدين الموضحة في كتب أصول الفقه وذلك لأن نسبة هذا المقلد إلى إمامه في القياس على أصول مذهبه كنسبة إمامه لصاحب الشرع في القياس على مقاصده فكما أن إمامه لا يجوز له أن يقيس مع قيام الفارق لأن الفارق مبطل للقياس والقياس الباطل لا يجوز الاعتماد عليه مثلا لو وجد إمامه صاحب الشرع قد نص على حكم ومصلحة من باب الضروريات حرم عليه أن يقيس عليه ما هو من باب الحاجات أو التتمات لكون هاتين ضعيفتين ومرجوحتين بالنسبة إلى الأولى ولا يلزم من اعتبار الأقوى اعتبار الأضعف كذلك هذا المقلد لا يجوز له أن يقيس فرعا على فرع نص إمامه عليه مع قيام الفارق بينهما مثلا إمامه أفتى في فرع بني على علة اعتبر فرعها في نوع الحكم لا يجوز له هو أن يقيس على أصل إمامه فرعا مثل ذلك الفرع لكن علته من قبيل ما شهد جنسه لجنس الحكم لقوة النوع ولا يلزم من اعتبار الأقوى اعتبار الأضعف أو وجد إمامه اعتمد على مصلحة من باب الضروريات لا يجوز له هو أن يقيس عليها مثلها لكنها من باب الحاجات أو التتمات إذ لعل إمامه راعى خصوص تلك القوة وذلك لخصوص منتف هنا أو وجد إمامه اعتبر مصلحة سالمة عن المعارض لقاعدة أخرى حرم عليه أن يفتي فيما فيه عن تلك المصلحة لكنها معارضة لقاعدة أخرى أو بقواعد لقيام الفارق
التنبيه الثالث التخريج في اصطلاح العلماء تعرف أحكام جزئيات موضوع القاعدة من القاعدة المشتملة على تلك الأحكام بالقوة القريبة من الفعل بإبرازها من القوة إلى الفعل بأن تجعل القاعدة نحو
197
197
المفتي مخبر عن الله تعالى وأن من كذب على الله تعالى أو أخبر عنه مع ضبط ذلك الخبر فهو عند الله تعالى بمنزلة الكاذب على الله فليتق الله تعالى امرؤ في نفسه ولا يقدم على قول أو فعل بغير شرطه
تنبيه كل شيء أفتى فيه المجتهد فخرجت فتياه فيه على خلاف الإجماع أو القواعد
هامش أنوار البروق
أجد أحدا يحققه خالف في ذلك من خالف ولم يوجب تنفيذ أقضية الحكام في مواقع الخلاف إلى آخر كلامه في الفرق
هامش إدرار الشروق
الأمر للوجوب حقيقة كبرى قياس من الشكل الأول لصغرى سهلة الحصول لأن محمولها موضوع الكبرى وموضوعها هو الجزئي الذي قصد تعرف حكمه فيقال أقيموا الصلاة أمر والأمر للوجوب حقيقة تنتج أقيموا الصلاة للوجوب حقيقة فلذا عرفوا القاعدة بقضية كلية يتعرف منها أحكام جزئيات موضوعها وفي صيغة التفعل إشارة إلى أن تلك المعرفة بالكلفة والمشقة فخرج من التعريف القضية التي تكون فروعها بديهية غير محتاجة إلى التخريج فيكون ذكرها في الفن من قبيل المبادي لمسائل أخر ويقال للإبراز المذكور تفريع كما في العطار والشربيني على محلي جمع الجوامع وأطلق الأصل التخريج على معنى القياس فلذا قال لا يجوز إلا لمن ضبط مدارك إمامه ومستنداته بخلافه بالمعنى الأول فإنه يجوز لمن يتسع اطلاعه بحيث يعلم بتقييد المطلقات وتخصيص العمومات ولو لم يضبط مدارك إمامه ومستنداته
قال الشيخ محمد عليش في فتاويه فتح العلي المالك في جواب بعض معاصريه لما سئل عن رجلين اشتركا في بهيمة اشترياها والتزم أحدهما للآخر نفقتها ثم بعد انفصال الشركة أراد الملتزم محاسبة شريكه بما أنفقه على حصته في البهيمة المذكورة فهل لا يجاب لذلك بقوله حيث التزم أحد الشريكين الإنفاق فلا رجوع له على شريكه لأن ذلك معروف لازم لمن أوجبه على نفسه عند مالك وأصحابه ما لم يفلس أو يمت كما نص عليه ابن رشد فيما نقله عنه العلامة الحطاب ونص مسألة من التزم الإنفاق على شخص مدة معينة أو مدة حياة المنفق أو المنفق عليه أو حتى يقدم زيد أو إلى أجل مجهول لزمه ذلك ما لم يفلس أو يمت لأنه تقدم في كلام ابن رشد أن المعروف على مذهب مالك وأصحابه لازم لمن أوجبه على نفسه ما لم يفلس أو يمت ا ه
فالمنفق على البهيمة في تلك النازلة لا محاسبة له للمنفق له وهذا هو الحق واتباعه أسلم ما نصه الجواب المذكور صحيح في غاية الحسن والنص الذي فيه هو كذلك في التزامات الحطاب وليس فيه قياس على من التزم الإنفاق على رجل إلخ وإنما فيه تخريج حكم الجزئي من القاعدة التي تشمله وغيره فالمنفي به يستحق أن يشكر عليه ويدعى له بخير والاعتراض عليه من التغيير في الوجوه الحسان سببه فساد التصور والحسد وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسدا وبغضا إنه لدميم ا ه
قلت ومنه تخرجي في رسالتي شمس الإشراق في حكم التعامل بالأوراق حكم الأنواط مما في المدونة قال لي مالك في الفلوس لا خير فيها نظرة بالذهب ولا بالورق ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى تكون لها سكة وعين لكراهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة وقال مالك لا يجوز فلس بفلسين ا ه كما وضحته في تلك الرسالة وأنه ليس هو من قبيل قياسه على الفلوس النحاس فراجعها إن شئت
التنبيه الرابع قال الإمام أبو إسحاق في موافقاته ما حاصله إن الاجتهاد على ثلاثة أضرب الأول ما يسمى تنقيح المناط وذلك أن يكون الوصف المعتبر في الحكم مذكورا مع غيره
198
198
أو النص أو القياس الجلي السالم عن المعارض الراجح لا يجوز لمقلده أن ينقله للناس ولا يفتي به في دين الله تعالى فإن هذا الحكم لو حكم به حاكم لنقضناه وما لا نقره شرعا بعد تقرره بحكم الحاكم أولى أن لا نقره شرعا إذا لم يتأكد وهذا لم يتأكد فلا نقره شرعا والفتيا بغير شرع حرام فالفتيا بهذا الحكم حرام وإن كان الإمام المجتهد غير عاص
هامش أنوار البروق
قلت قد سبق أنه إن أراد أنه خاص وعام تعارضا حقيقة فليس كذلك وإن أراد أنه يشبه العام والخاص من وجه ما فهو كذلك قلت وما قاله من أن الفرق بين المفتي والحاكم خفي جدا ليس كما
هامش إدرار الشروق
في النص فينقح بالاجتهاد حتى يميز ما هو معتبر مما هو ملغى كما جاء في حديث الأعرابي الذي جاء ينتف شعره ويضرب صدره وقد قسمه الغزالي إلى أقسام ذكرها في شفاء العليل وهو مبسوط في كتب الأصول قالوا وهو خارج عن باب القياس ولذلك قال به أبو حنيفة مع إنكاره القياس في الكفارات وإنما هو راجع إلى نوع من تأويل الظواهر
الضرب الثاني ما يسمى بتخريج المناط وهو راجع إلى أن النص الدال على الحكم لم يتعرض للمناط فكأنه أخرجه بالبحث وهو الاجتهاد القياسي وهو معلوم
الضرب الثالث ما يسمى بتحقق المناط وهو نوعان عام وخاص فتحقيق المناط العام نظر في تعيين المناط من حيث هو لمكلف ما مثلا إذا نظر المجتهد في العدالة ووجد هذا الشخص متصفا بها على حسب ما ظهر له أوقع عليه ما يقتضيه النص من التكاليف المشروطة بالعدول من الشهادات والانتصاب للولايات العامة أو الخاصة وإذا نظر في الأوامر والنواهي الندبية والأمور الإباحية ووجد المكلفين والمخاطبين على الجملة أوقع عليهم أحكام تلك النصوص كما يوقع عليهم نصوص الواجبات والمحرمات من غير التفات إلى شيء غير القبول المشروط بالتهيئة الظاهرة فالمكلفون كلهم في أحكام تلك النصوص على سواء في النظر وتحقيق المناط الخاص نظر في تعيين المناط في حق كل مكلف بالنسبة إلى ما وقع عليه من الدلائل التكليفية بحيث يتعرف منه مداخل الشيطان ومداخل الهوى والحظوظ العاجلة حتى يلقيها هذا المجتهد على ذلك المكلف مقيدة بقيود التحرر من تلك المداخل وهذا بالنسبة إلى التكليف المتحتم وغيره ويختص غير المتحتم بوجه آخر وهو النظر فيما يصلح بكل مكلف في نفسه بحسب وقت دون وقت وحال دون حال وشخص دون شخص إذ النفوس ليست في قبول الأعمال الخاصة على وزان واحد كما أنها في العلوم والصنائع كذلك فرب عمل صالح يدخل بسببه على رجل ضرر أو فترة ولا يكون كذلك بالنسبة إلى آخر ورب عمل يكون حظ النفس والشيطان فيه بالنسبة إلى العامل أقوى منه في عمل آخر ويكون بريئا في بعض الأعمال دون بعض فصاحب هذا التحقيق الخاص هو الذي رزق نورا يعرف به النصوص ومراميها وتفاوت إدراكها وقوة تحملها للتكليف وصبرها على حمل أعبائها أو ضعفها ويصرف التفاتها إلى الحظوظ العاجلة وعدم التفاتها فهذا النوع أعلى وأدق من النوع الأول ومنشؤه في الحقيقة عن نتيجة التقوى المذكورة في قوله تعالى إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا وقد يعبر عنه بالحكمة قال تعالى يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا قال مالك من شأن ابن آدم أن لا يعلم ثم يعلم أما سمعت قول الله تعالى إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا
وقال أيضا إن الحكمة مسحة ملك على قلب العبد وقال الحكمة نور يقذفه الله في قلب العبد وقال أيضا
199
199
به بل مثابا عليه لأنه بذل جهده على حسب ما أمر به وقد قال النبي عليه السلام إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإن أصاب فله أجران فعلى هذا يجب على أهل العصر تفقد مذاهبهم فكل ما وجدوه من هذا النوع يحرم عليهم الفتيا به ولا يعرى مذهب من المذاهب عنه لكنه قد يقل وقد يكثر غير أنه لا يقدر أن يعلم هذا في مذهبه إلا من عرف
هامش أنوار البروق
قال وكذلك ما قاله من أن حكم الحاكم نص من الله تعالى في القضية المعينة فليس كما قال بل منع الله تعالى من نقض أحكام المجتهدين لما في ذلك من المفسدة والله تعالى أعلم وما قاله في الفرق
هامش إدرار الشروق
يقع بقلبي أن الحكمة الفقه في دين الله وأمر يدخله الله القلوب من رحمته وفضله وهذا النوع من تحقيق المناط هو الاجتهاد الذي لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع أصل التكليف وذلك عند قيام الساعة بخلاف النوع الأول من تحقيق المناط وبخلاف تخريج المناط وتنقيح المناط فإنها من أفراد الاجتهاد الذي يمكن أن ينقطع قبل فناء الدنيا وذلك لأن هذا النوع الخاص من تحقيق المناط كلي في كل زمان عام في جميع الوقائع أو أكثرها فلو فرض ارتفاعه لارتفع معظم التكليف الشرعي أو جميعه وذلك غير صحيح لأنه إن فرض في زمان ارتفعت الشريعة ضربة لازب بخلاف غيره فإن الوقائع المتجددة التي لا عهد بها في الزمان المتقدم قليلة بالنسبة إلى ما تقدم لاتساع النظر والاجتهاد من المتقدمين فيمكن تقليدهم فيه لأنه معظم الشريعة فلا تتعطل الشريعة بتعطل بعض الجزئيات كما لو فرض العجز عن تحقيق المناط في بعض الجزئيات دون السائر فإنه لا ضرر على الشريعة في ذلك فوضح أنهما ليسا سواء انظر الموافقات إن شئت التنبيه الخامس الفتوى من المفتي كما تحصل من جهة القول كما مر بيانه وهو الأمر المشهور كذلك تحصل من جهة الفعل والإقرار كما في موافقات أبي إسحاق الشاطبي قال أما بالفعل فمن وجهين أحدهما ما يقصد به الإفهام في معهود الاستعمال فهو قائم مقام القول المصرح به كقوله عليه السلام الشهر هكذا وهكذا وهكذا وأشار بيديه وسئل عليه السلام في حجته فقال ذبحت قبل أن أرمي فأومأ بيده قال لا حرج
وقال يقبض العلم ويظهر الجهل والفتن ويكثر الهرج قيل يا رسول الله وما الهرج فقال هكذا بيده فحرفها كأنه يريد القتل وحديث عائشة في صلاة الكسوف حين أشارت إلى السماء قلت آية فأشارت برأسها أي نعم وحين سئل عليه السلام عن أوقات الصلوات قال للسائل صل معنا هذين اليومين ثم صلى ثم قال له الوقت ما بين هذين أو كما قال وهو كثير جدا والثاني ما يقتضيه كونه أسوة يقتدى به ومبعوثا لذلك قصدا وأصله قول الله تعالى فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج الآية وقال قبل ذلك لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة الآية
وقال في إبراهيم قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم إلى آخر القصة والتأسي إيقاع الفعل على الوجه الذي فعله وشرع من قبلنا شرع لنا وقال عليه السلام لأم سلمة ألا أخبرته أني أقبل وأنا صائم وقال صلوا كما رأيتموني أصلي وخذوا عني مناسككم وحديث ابن عمر وغيره في الاقتداء بأفعاله أشهر من أن يخفى ولذلك جعل الأصوليون أفعاله في بيان الأحكام كأقواله وإذا كان كذلك وثبت للمفتي أنه قائم مقام النبي ونائب منابه لزم من ذلك أن أفعاله محل للاقتداء أيضا فما قصد به البيان والإعلام فظاهر وما لم يقصد به ذلك فالحكم فيه كذلك أيضا من وجهين أحدهما أنه وارث
200
200
القواعد والقياس الجلي والنص الصريح وعدم المعارض لذلك وذلك يعتمد تحصيل أصول الفقه والتبحر في الفقه فإن القواعد ليست مستوعبة في أصول الفقه بل للشريعة قواعد كثيرة جدا عند أئمة الفتوى والفقهاء لا توجد في كتب أصول الفقه أصلا وذلك هو الباعث لي على وضع هذا الكتاب لأضبط تلك القواعد بحسب طاقتي ولاعتبار هذا الشرط يحرم على أكثر الناس الفتوى فتأمل ذلك فهو أمر لازم وكذلك كان السلف رضي الله عنهم متوقفين في الفتيا توقفا شديدا وقال مالك لا ينبغي للعالم أن يفتي حتى يراه الناس أهلا لذلك ويرى هو نفسه أهلا لذلك يريد تثبت أهليته عند العلماء
ويكون هو بيقين مطلعا على ما قاله العلماء في حقه من الأهلية لأنه قد يظهر من الإنسان أمر على ضد ما هو عليه فإذا كان مطلعا على ما وصفه به الناس حصل اليقين في ذلك وما أفتى مالك حتى أجازه أربعون محنكا لأن التحنك وهو اللثام بالعمائم تحت الحنك شعار العلماء حتى إن مالكا سئل عن الصلاة بغير تحنك فقال لا بأس بذلك وهو إشارة إلى تأكد التحنيك وهذا هو شأن الفتيا في الزمن القديم وأما اليوم فقد انخرق هذا السياج وسهل على الناس أمر دينهم فتحدثوا فيه بما يصلح وبما لا يصلح وعسر عليهم اعترافهم بجهلهم وأن يقول أحدهم لا يدري فلا جرم آل الحال للناس إلى هذه الغاية بالاقتداء بالجهال
الحالة الثالثة أن يصير طالب العلم إلى ما ذكرناه من الشروط مع الديانة الوازعة
هامش أنوار البروق
الثامن والسبعين صحيح وكذلك ما قال في الفرق التاسع والسبعين إلا ما ذكره في آخره مما أحال فيه على الفرق بين تحريم المشترك وثبوت الحكم في المشترك فإنه قد تقدم ما فيه وكذلك ما بعده من
هامش إدرار الشروق
وقد كان المورث بقوله وفعله مطلقا فكذلك الوارث وإلا لم يكن وارثا على الحقيقة والثاني أن التأسي بالأفعال بالنسبة إلى من يعظم في الناس سر مبثوث في طباع البشر لا يقدرون على الانفكاك عنه بوجه ولا بحال لا سيما عند الاعتياد والتكرار وإذا صادف محبة وميلا إلى المتأسي به وإمكان الخطأ والنسيان والكذب عمدا وسهوا من حيث إنه ليس بمعصوم لما لم تعتبر في الأقوال كان إمكان الخطأ والنسيان والمعصية والكفر من حيث ذلك غير معتبر في الأفعال ولأجل هذا تستعظم شرعا زلة العالم فلا بد لمن ينتصب للفتوى بفعله وقوله من المحافظة على أفعاله حتى تجري على قانون الشرع ليتخذ فيها أسوة
وأما الإقرار فراجع إلى الفعل لأن الكف فعل وكف المفتي عن الإنكار إذا رأى فعلا من الأفعال كتصريحه بجوازه وقد أثبت الأصوليون ذلك دليلا شرعيا بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكذلك يكون بالنسبة إلى المنتصب للفتوى وما تقدم من الأدلة في الفتوى الفعلية جاز هنا بلا إشكال ومن هنا ثابر السلف على القيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولم يبالوا في ذلك بما ينشأ عنه من عود المضرات عليهم بالقتل فما دونه ومن أخذ بالرخصة في ترك الإنكار فر بدينه واستخفى بنفسه ما لم يكن ذلك سببا للإخلال بما هو أعظم من ترك الإنكار فإن ارتكاب خير الشرين أولى من ارتكاب شرهما وهو راجع في الحقيقة إلى
201
201
والعدالة المتمكنة فهذا يجوز له أن يفتي في مذهبه نقلا وتخريجا ويعتمد على ما يقوله في جميع ذلك
الفرق التاسع والسبعون الفرق بين قاعدة النقل وقاعدة الإسقاط
اعلم أن الحقوق والأملاك ينقسم التصرف فيها إلى نقل وإسقاط فالنقل ينقسم إلى ما هو بعوض في الأعيان كالبيع والقرض وإلى ما هو في المنافع كالإجارة والمساقاة
هامش أنوار البروق
الفروق إلى الفرق الثالث والثمانين إلا ما قال في الفرق الثاني والثمانين من نسبة قول النبي صلى الله عليه وسلم أصليت بأصحابك وأنت جنب لحسان فإنه إنما كان لعمار
المسألة الثالثة
المشهور في العتق أنه إذا أعتق أحد عبيده يختار وقيل يعم العتق الجميع وفي الطلاق إذا طلق أحد نسائه يعم الطلاق النسوة وقيل يختار وقد مر آخر الفرق الخامس والعشرين بين قاعدة ثبوت الحكم في المشترك وقاعدة النهي عن المشترك أنه لا فرق بين الطلاق والعتق في أن كلا رافع وحال لما يبيح الزوجة والمملوكة فيستلزم التحريم إلا أن الوجه في نظر مالك في الطلاق للاحتياط للفروج وإن لزمه فخالفه الإجماع في ثبوت الحكم بغير مقتض وفي العتق لما اقتضاه الإجماع من عدم ثبوت الحكم بغير مقتضى وإن لزمه مخالفة الاحتياط للفروج هو أن استلزام الطلاق للتحريم لخصوص الوطء مطرد إذ لا يكون غير مستلزم له بخلاف العتق فافهم والله سبحانه وتعالى أعلم
هامش إدرار الشروق
إهمال القاعدة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمراتب الثلاث في هذا الوجه مذكورة شواهدها في مواضعها من الكتب المصنفة فيه وبالجملة فمن حقيقة نيل كل منتصب للفتيا بقوله وفعله وإقراره لرتبة الوراثة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام ظهور فعله على مصداق قوله هذا بالنسبة لصحة الانتصاب والانتفاع في الوقوع وإلا فالواجب على العالم المجتهد الانتصاب والفتوى على الإطلاق طابق قوله فعله أم لا فإن كان موافقا قوله لفعله حصل الانتفاع والاقتداء به في القول والفعل معا أو كان مظنة للحصول لأن الفعل يصدق القول أو يكذبه
وإن خالف فعله قوله فإما أن تؤديه المخالفة إلى الانحطاط عن رتبة العدالة إلى الفسق أو لا فإن كان الأول فلا إشكال في عدم صحة الاقتداء وعدم صحة الانتصاب شرعا وعادة ومن اقتدى به كان مخالفا مثله فلا فتوى في الحقيقة ولا حكم وإن كان الثاني صح الاقتداء به واستفتاؤه وفتواه فيما وافق دون ما خالف فإذا أفتى بترك الزنا والخمر وبالمحافظة على الواجبات وهو في فعله على حسب قوله حصل تصديق قوله بفعله وإذا أفتاك بالزهد في الدنيا أو ترك مخالطة المترفين أو نحو ذلك مما لا يقدح في أصل العدالة ثم رأيته يحرض على الدنيا ويخالط من نهاك عن مخالطتهم فلم يصدق القول الفعل فهذا وإن نصبه الشارع أيضا ليؤخذ بقوله وفعله لأنه وارث النبي إلا أنه لا يصح الاقتداء ولا الفتوى على كمالها في الصحة إلا مع مطابقة القول الفعل على الإطلاق وقد قال أبو الأسود الدؤلي ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يسمع ما تقول ويقتدى بالرأي منك وينفع التعليم لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم وهو معنى موافق للنقل والعقل لا خلاف فيه بين العلماء ا ه كلام الشاطبي ملخصا والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق التاسع والسبعون بين قاعدة النقل وقاعدة الإسقاط
التصرف في الحقوق والأملاك ينقسم إلى قسمين الأول النقل وهو تصرف يفتقر إلى القبول وينقسم إلى ما هو بعوض في الأعيان كالبيع والقرض وإلى ما هو بعوض في المنافع كالإجارة والمساقاة والمزارعة والقراض والجعالة وإلى ما هو بغير عوض كالهدايا والوصايا والعمرى والوقف والهبات والصدقات والكفارات والزكاة والمسروق من
202
202
والمزارعة والقراض والجعالة وإلى ما هو بغير عوض كالهدايا والوصايا والعمرى والوقف والهبات والصدقات والكفارات والزكاة والمسروق من أموال الكفار والغنيمة في الجهاد فإن ذلك كله نقل ملك في أعيان بغير عوض
وأما الإسقاط فهو إما بعوض كالخلع والعفو على مال والكتابة وبيع العبد من نفسه والصلح على الدين والتعزير فجميع هذه الصور يسقط فيها الثابت ولا ينتقل إلى الباذل ما كان يملكه المبذول له من العصمة وبيع العبد ونحوهما وإما بغير عوض كالإبراء من الديون والقصاص والتعزير وحد القذف والطلاق والعتاق وإيقاف المساجد وغيرها فجميع هذه الصور يسقط فيها الثابت ولا ينتقل لغير الأول ويخرج على هذا الفرق ثلاث مسائل
المسألة الأولى
الإبراء من الدين هل يفتقر إلى القبول فلا يبرأ من الديون حتى يقبل أو يبرأ من الديون إذا أبرأه وإن لم يقبل خلاف بين العلماء فظاهر المذهب اشتراط القبول ومنشأ الخلاف هل الإبراء إسقاط والإسقاط لا يحتاج إلى القبول كالطلاق والعتاق فإنهما لا يفتقران إلى قبول المرأة والعبد ولذلك ينفذ الطلاق والعتق وإن كرهت المرأة والعبد أو هو تمليك لما في ذمة المدين فيفتقر إلى القبول كما لو ملكه عينا بالهبة أو غيرها لا بد من رضاه وقبوله وكذلك ها هنا يتأكد ذلك بأن المنة قد تعظم في الإبراء وذوو المروآت والأنفات يضر ذلك بهم لا سيما من السفلة فجعل صاحب الشرع لهم قبول ذلك أو رده نفيا للضرر الحاصل من المنن من غير أهلها أو من غير حاجة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
أموال الكفار والغنيمة في الجهاد فإن ذلك كله نقل ملك في أعيان بغير عوض والقسم الثاني الإسقاط وهو تصرف لا يفتقر إلى القبول وهو إما بعوض كالخلع والعفو على مال والكتابة وبيع العبد من نفسه والصلح على الدين وعلى التعزير فجميع هذه الصور يسقط فيها الثابت ولا ينتقل إلى الباذل ما كان يملكه المبذول من العصمة وبيع العبد ونحوهما وإما بغير عوض كالإبراء من الديون والقصاص والتعزير وحد القذف والطلاق والعتاق وإيقاف المساجد وغيرها فجميع هذه الصور يسقط فيها الثابت ولا ينتقل لغير الأول ويخرج على هذا الفرق ثلاث مسائل
المسألة الأولى
في افتقار الإبراء من الدين إلى القبول فلا يبرأ من الدين إذا أبرأه منه حتى يقبل وهو ظاهر المذهب وعدم افتقاره إلى القبول فيبرأ من الدين إذا أبرأه منه وإن لم يقبل خلاف بين العلماء منشؤه هل الإبراء إسقاط فلا يفتقر إلى القبول كالطلاق والعتاق فإنهما لا يفتقران إلى قبول المرأة والعبد ولذلك ينفذ الطلاق والعتق وإن كرهت المرأة والعبد أو هو نقل وتمليك لما في ذمة المدين فيفتقر إلى القبول كما لو ملكه عينا بالهبة أو غيرها على أن المنة في الإبراء قد تعظم وهي تضر بذوي المروآت والأنفات لا سيما من السفلة فجعل صاحب الشرع لهم قبول ذلك أو رده نفيا للضرر الحاصل من المنن من غير أهلها أو من غير حاجة
المسألة الثانية في افتقار الوقف على معين إلى القبول أو لا خلاف في المذهب وبين العلماء منشؤه هل الواقف أسقط حقه من منافع العين الموقوفة فيكون كالعتق أو أنه نقل ملكه لمنافع العين الموقوفة
203
203
المسألة الثانية
الوقف هل يفتقر إلى القبول أو لا خلاف في المذهب وبين العلماء ومنشأ الخلاف هل الواقف أسقط حقه من المنافع في الموقوف فيكون ذلك كالعتق أو هو تمليك لمنافع العين الموقوفة للموقوف عليه فيفتقر إلى القبول كالبيع والهبة وهذا إذا كان الموقوف عليه معينا أما غير المعين فلا يشترط قبوله لتعذره هذا في منافع الموقوف أما أصل ملكه فهل يسقط أو هو باق على ملك الواقف وهو ظاهر المذهب لأن مالكا رحمه الله أوجب الزكاة في الحائط الموقوف على غير المعين نحو الفقراء والمساكين إذا كان خمسة أوسق بناء على أنه ملك الواقف فيزكي على ملكه
وأما الحائط على المعينين فيشترط في حصة كل واحد منهم خمسة أوسق واتفق العلماء في المساجد أنها من باب الإسقاط والعتق لا ملك لأحد فيها وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ولأنها تقام فيها الجماعات والجمعة والجمعة لا تقام في المملوكات لا سيما على أصل مالك فإنها لا يصليها أرباب الحوانيت في حوانيتهم لأجل الملك والحجر فلا يجري في المساجد القولان
المسألة الثالثة إذا أعتق أحد عبيده يختار على المشهور وقيل يعم العتق الجميع وإذا طلق أحد نساؤه يعم الطلاق النسوة على المشهور وقيل يختار والفرق على المشهور أن الطلاق إسقاط للعصمة والإباحة والعتق قربة لا إسقاط وإن لزمها الإسقاط وتمام هذا الفرق قد تقدم في الفرق بين تحريم المشترك وثبوت الحكم في المشترك فليطالع من هناك ولا حاجة للإعادة وإنما ذكرت الفرعين ها هنا لأجل تعلقهما بالنقل والإسقاط فقط
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
وملكها للموقوف عليه المعين فيفتقر إلى القبول كالبيع والهبة أما غير المعين فلا يشترط قبوله لتعذره
وأما أصل ملك الواقف فاتفق العلماء في المساجد أنها من باب الإسقاط والعتق لا ملك لأحد فيها وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ولأنها تقام فيها الجماعات والجمعة والجمعة لا تقام في المملوكات لا سيما على أصل مالك فإنها لا يصليها أرباب الحوانيت في حوانيتهم لأجل الملك والحجر واختلفوا في غير المساجد فقيل يسقط أصل ملكه فيها وظاهر المذهب أنها باقية على ملك الواقف لأن مالكا رحمه الله تعالى أوجب الزكاة في الحائط الموقوف على غير المعين كالفقراء والمساكين إذا كان خمسة أوسق بناء على أنه ملك الواقف فيزكي على ملكه وأما الحائط على المعينين فيشترط في حصة كل واحد منهم خمسة أوسق
المسألة الثالثة
المشهور في العتق أنه إذا أعتق أحد عبيده يختار وقيل يعم العتق الجميع وفي الطلاق إذا طلق أحد نسائه يعم الطلاق النسوة وقيل يختار وقد مر آخر الفرق الخامس والعشرين بين قاعدة ثبوت الحكم في المشترك وقاعدة النهي عن المشترك أنه لا فرق بين الطلاق والعتق في أن كلا رافع وحال لما يبيح الزوجة والمملوكة فيستلزم التحريم إلا أن الوجه في نظر مالك في الطلاق للاحتياط للفروج وإن لزمه فخالفه الإجماع في ثبوت الحكم بغير مقتض وفي العتق لما اقتضاه الإجماع من عدم ثبوت الحكم بغير مقتضى وإن لزمه مخالفة الاحتياط للفروج هو أن استلزام الطلاق للتحريم لخصوص الوطء مطرد إذ لا يكون غير مستلزم له بخلاف العتق فافهم والله سبحانه وتعالى أعلم

204
204
الفرق الثمانون الفرق بين قاعدة الإزالة في النجاسة وبين قاعدة الإحالة فيها
اعلم أن إزالة النجاسة في الشريعة تقع على ثلاث أقسام إزالة وإحالة وهما معا ولكل قاعدة من هذه القواعد خاصية تمتاز بها أما الإزالة فبالماء في الثوب والجسد والمكان
وأما الإحالة ففي الخمر تصير خلا وأما هما معا ففي الدباغ فإنه إزالة للفضلات المتنجسة التي توجب العصر فيخرج ما في الجلود من ذلك وأما الإحالة فلأن صفة الجلود تتغير عن هيئتها إلى هيئة أخرى أما الخواص فخاصية الإزالة الماء الطهور والنية على الخلاف ووصول الغسل حدا ينفصل الماء غير متغير وأن السبب الاستقذار وخاصية الإحالة عدم النية والماء والاستقذار فلا تحتاج للماء بل قد توجد مع عدمه وقد يلقي في الخمر ماء فيكون ذلك سببا لإحالتها للخلية غير أن الماء غير محتاج إليه في الإحالة ويحتاج إليه في الإزالة وأما النية فمانعة من تطهيرها على الخلاف في القصد إلى تخليل الخمر والمذهب أن القصد مانع وليس شرطا إجماعا وهو شرط في الإزالة على الخلاف وحيث قال الفقهاء في كتبهم النية شرط في إزالة النجاسة إنما يريدون أحد أقسامها وهي الإزالة ومن خواصها عدم الاستقذار بل سبب تنجيسها طلب إبعادها فهذه ثلاث خواص للإحالة تمتاز بها عن الإزالة
وأما الصورة التي يجتمعان فيها وهو الدباغ فمن خواصه عدم اشتراط الماء وعدم اشتراط النية إجماعا وليس القصد مانعا إجماعا
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الفرق الثمانون بين قاعدة الإزالة للنجاسة وبين قاعدة الإحالة فيها
تقع إزالة النجاسة في الشريعة على ثلاثة أقسام إزالة فقط وإحالة فقط وإزالة وإحالة معا فالإزالة فقط بالماء في الثوب والجسد والمكان وخاصيتها التي تمتاز بها أربع أحدها اشتراط الماء الطهور وثانيها اشتراط النية على الخلاف وثالثها وصول الغسل إلى حد أن ينفصل الماء غير متغير ورابعها أن السبب الاستقذار والإحالة فقط في الخمر تصير خلا وخاصيتها التي تمتاز بها ثلاث أحدها عدم اشتراط النية إجماعا وفي كون القصد إلى تخليل الخمر مانعا من تطهيرها وهو المذهب أو غير مانع من تطهيرها خلاف فقول الفقهاء في كتبهم النية شرط في إزالة النجاسة إنما يريدون أحد أقسامها وهي الإزالة فقط وثانيها أن الماء غير محتاج إليه فيها بل قد توجد مع عدمه وقد يلقي في الخمر ماء فيكون ذلك سببا لإحالتها بخلاف الإزالة وثالثها عدم الاستقذار بل سبب تنجيسها طلب إبعادها والإزالة والإحالة معا في الدباغ فإنه إزالة للفضلات المتنجسة التي توجب العصر فيخرج ما في الجلود من ذلك وإحالة لصفة الجلود بتغير هيئتها إلى هيئة أخرى وخاصيتها التي تمتاز بها ثلاث أيضا أحدها عدم اشتراط الماء وثانيها عدم اشتراط النية إجماعا وليس القصد إلى الدبغ مانعا من تطهير الجلد إجماعا بخلاف الإحالة فقط وثالثها أن الاستقذار والاستحباب سبب التنجيس وصل قد وقع في هذه القواعد الثلاث والفرق بينها قاعدة تعرف عند الأصوليين بجمع الفروق
205
205
بخلاف الإحالة المنفردة والاستقذار والاستخباث سبب التنجيس لأجل ما فيها من النجاسة فخواصها أيضا ثلاثة فهذه خواص هذه القواعد وبها يحصل الفرق بينها وقد وقع في هذه القواعد والفرق بينها قاعدة تعرف بجمع الفرق وهو أن المعنى الواحد يوجب الضدين المتنافيين وهذا النوع قليل في الشريعة وفيها مثل أحدها هذه المسألة فإن القصد مناسب للتطهير فاشترطه من اشترط المناسب في الإزالة وجعله مانعا في الإحالة سدا للذريعة فإنه إذا جوزنا القصد للتخليل جوزنا إبقاءها في الملك ففي ذلك الزمان ربما انبعثت الدواعي لشربها فمنع من القصد لتخليلها سدا للذريعة فصار القصد يقتضي ها هنا المنع وفي الإزالة الإباحة في الصلاة بذلك الثوب المزال عنه النجاسة وقد رتب على المعنى الواحد الضدان وهما المنع والإباحة فناسب الضدين وهذا هو المسمى عند الأصوليين بجمع الفرق أي جمع المتفرقات من الأضداد
المثال الثاني لجمع الفرق قال العلماء ترد تصرفات السفيه في حالة الحياة صونا لماله على مصالحه لئلا يضيع ماله بتصرفات ردية فصون ماله على مصالحه هو سبب رد تصرفاته وتنفذ تصرفاته في الوصايا عند الموت صونا لماله على مصالحه فإنا لو رددنا وصاياه لأخذ ماله وارثه ولم يحصل له من ماله مصلحة فصون ماله على مصالحه اقتضى رد تصرفاته حال الحياة وتنفيذ
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
أي جمع من الأضداد في معنى واحد وهو قليل في الشريعة وله مثل أحدها ما هنا فإن القصد مناسب للتطهير فاشترطه من اشترط المناسب في الإزالة وجعله مانعا في الإحالة سدا للذريعة فإنا إذا جوزنا القصد للتخليل فقد جوزنا إبقاءها في الملك زمانا وفي ذلك الزمان ربما انبعثت الدواعي لشربها فقد رتب على المعنى الواحد كون القصد إليه يقتضي في الإحالة المنع وفي الإزالة الإباحة في الصلاة بذلك الثوب المزال عنه النجاسة والمعنى الواحد هو التطهير والضدان هما المنع والإباحة المثال الثاني قال العلماء ترد تصرفات السفيه في حالة الحياة صونا لماله على مصالحه لئلا يضيع ماله بتصرفات رديئة وتنفذ تصرفاته في الوصايا عند الموت صونا لماله على مصالحه فإنا لو رددنا وصاياه لأخذ ماله وارثه ولم يحصل له من ماله مصلحة فصون ماله على مصالحه وصف واحد ناسب الضدين المتنافيين اللذين هما رد تصرفاته حال الحياة وتنفيذ تصرفاته عند الممات وترتبا عليه في الشريعة
المثال الثالث الجهالة مانعة من صحة عقد البيع والإجارة ونحوهما وهي شرط في صحة عقد الجعالة والعارية والقراض فمصلحة هذه العقود اقتضت أن يكون الأجل مجهولا وأن لا يجوز تحديده بيوم معلوم لأن المطلوب قد لا يحصل في ذلك الأجل ولذلك لا يجوز تحديد يوم معلوم لخياطة الثوب وغيره من الإجارات التي من قبيل الجعالة لأنه يوجب الغرر فتفوت المصلحة فقد اقتضت الجهالة الضدين

206
206
تصرفاته عند الممات فقد ناسب الوصف الواحد الضدين المنافيين وترتبا عليه في الشريعة وهذا هو جمع الفرق أيضا لأنه جمع المتفرقات من الأضداد المثال الثالث الجهالة مانعة من عقد البيع والإجارة ونحوهما وهي شرط في الجعالة والعارية والقراض فلا يجوز إلى يوم معلوم لأن المطلوب قد لا يحصل في ذلك الأجل فاقتضت مصلحة هذه العقود أن يكون الأجل مجهولا ولذلك لا يجوز أن يحدد لخياطة الثوب وغيره من الإجارات يوما معلوما لأنه يوجب الغرر وتفوت المصلحة بل المصلحة تقتضي بقاء الأجل مجهولا
المثال الرابع الأنوثة اقتضى ضعفها التأخر عن الولايات واقتضى ضعفها ولاية الحضانة والتقدمة فيها على الذكور فقد اقتضت الضدين كما اقتضته الجهالة المثال الخامس قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتضى تعظيمها بذل المال للأقارب والمبادرة إلى سد الخلات في حقهم واقتضى منع المال منهم في الزكاة فقد ترتب عليها البذل والمنع وهما ضدان وإنما قلت هذه النظائر لأن الأصل في المناسب أن ينافي ضد ما يناسبه
الفرق الحادي والثمانون الفرق بين قاعدة الرخصة وبين قاعدة إزالة النجاسة وذلك أن جماعة من العلماء قالوا إزالة النجاسة رخصة بسبب أن السبب في تنجيس الطاهر ملاقاته للنجس إجماعا فإذا صببنا الماء على النجاسة لنزيلها من الإبريق مثلا
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
المثال الرابع الأنوثة اقتضى ضعفها التأخر عن الولايات واقتضى ضعفها ولاية الحضانة والتقدمة فيها على الذكور فقد اقتضت الضدين كالجهالة المثال الخامس قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتضى تعظيمها بذل المال للأقارب والمبادرة إلى سد الخلات في حقهم واقتضى منع المال منهم في الزكاة فقد ترتب عليها البذل والمنع وهما ضدان وإنما قلت هذه النظائر لأن الأصل في المناسب أن ينافي ضد ما يناسبه والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الحادي والثمانون بين قاعدة الرخصة وبين قاعدة إزالة النجاسة
اعلم أن الرخصة كما في موافقات الشاطبي لها في الشرع إطلاقات أربعة الإطلاق الأول على ما شرع من الأحكام لعذر شاق استثناء من أصل كلي يقتضي المنع مع الاقتصار على مواضع الحاجة فيه فقيد لعذر شاق مخرج لما كان من أصل الحاجيات الكليات مستثنى من أصل مشروع لعذر مجرد الحاجة من غير مشقة موجودة كشرعية القراض فإنه لعذر في الأصل وهو عجز صاحب المال عن الضرب في الأرض ويجوز حيث لا عذر ولا عجز وكذلك القرض والمساقاة والسلم ونحوها مما شرع في الأصل لعذر مجرد الحاجة وإن جاز بعد زوال العذر فيجوز للإنسان أن يقترض وإن لم يكن به حاجة إلى الاقتراض وأن يساقي حائطه
وإن كان قادرا على عمله بنفسه أو بالاستئجار عليه وهكذا فلا يسمى هذا كله عند العلماء باسم الرخصة ومخرج أيضا لما كان من أصل التكميلات مستثنى من أصل
207
207
فالجزء الواصل إلى النجاسة المتصل بها تنجس لملاقاته النجاسة كما تقدم حكاية الإجماع في القاعدة وإذا تنجس الجزء الملاقي للنجاسة تنجس ذلك الجزء الذي يليه وتنجس الجزء الثاني للثالث والثالث للرابع والرابع للخامس وكذلك حتى ينجس الماء الذي داخل الإبريق بل ينجس ماء البحر المالح إذا وضعنا النجاسة في طرفه والسر في ذلك كله ملاقاة النجس للطاهر وحيث قضى الشرع بأن النجاسة تزول وأن الماء لم يفسد مطلقا كان ذلك على خلاف هذه القاعدة فكان رخصة من صاحب الشرع وهذا كلام متين قوي لم أر أحدا تعرض للجواب عنه
والجواب عنه أن إزالة النجاسة ليس من باب الرخصة وذلك أن الله تعالى لم يقض على الأعيان بأنها نجسة ولا متنجسة بمجرد كونها جواهر ولا أجساما إجماعا بل لأجل أعراض خاصة قامت بتلك الأجسام من لون خاص وكيفية خاصة معلومة في العادة فإذا انتفت تلك الكيفية وتلك الأعراض انتفى الحكم لانتفاء موجبه وانتفاء الحكم الشرعي لانتفاء سببه ليس من باب الرخص إجماعا وعلى هذه القاعدة يبطل السؤال بسبب أنا نعلم بالضرورة أن الأعراض الخاصة والكيفية الخاصة اللتين قضى الشرع لأجلها بالتنجيس ليسا موجودين في جميع أجزاء ماء الإبريق ولا في
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
مشروع لعذر مجرد التكميل من غير مشقة موجودة كشرعية صلاة المأمومين جلوسا لعذر مجرد طلب الموافقة لإمامهم الذي لا يقدر على الصلاة قائما أو يقدر بمشقة حتى شرع في حقه الانتقال إلى الجلوس وإن كان مخلا بركن من أركان الصلاة لأنه بسبب المشقة صار الجلوس رخصة في حقه ففي الحديث إنما جعل الإمام ليؤتم به ثم قال وإن صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعين فلا يسمى مثل هذا رخصة وإن كان مستثنى لعذر وقيد استثناء من أصل كلي يقضي المنع مدخل لما عرض لها من الرخص أن تكون كليات في الحكم بعد استقرار أصلها الكلي الذي استثنيت منه للعذر كجواز القصر والفطر للمسافر فإنه إنما كان بعد استقرار أحكام الصلاة والصوم وهذا وإن كانت آيات الصوم نزلت دفعة واحدة إلا أن الاستثناء ثان عن استقرار حكم المستثنى منه على الجملة وكذلك أكل الميتة للمضطر في قوله تعالى فمن اضطر الآية ومخرج لباقي أنواع العزيمة مما شرع ابتداء لا استثناء من أصل إلخ وقيد مع الاقتصار على مواضع الحاجة فيه مدخل لباقي أنواع الرخص وموضح للفرق بين ما شرع من الرخص وما شرع من الحاجيات الكلية بأن الرخص جزئية يقتصر فيها على موضع الحاجة فإن المصلي إذا انقطع سفره وجب عليه الرجوع إلى الأصل من إتمام الصلاة وإلزام الصوم والمريض إذا قدر على القيام في الصلاة لم يصل قاعدا وإذا قدر على مس الماء لم يتيمم وكذلك سائر الرخص بخلاف القرض والقراض والمساقاة ونحو ذلك من الحاجيات الكلية التي تشبه الرخصة فإنه مشروع أيضا وإن زال العذر كما علمت
الإطلاق الثاني على ما استثنى من أصل كلي يقتضي المنع مطلقا ولو لم يكن لعذر شاق فيدخل فيه ما استند إلى أصل الحاجيات من القرض والقراض والمساقاة ورد الصاع من الطعام في مسألة المصراة وبيع
208
208
جميع أجزاء ماء البحر إذا وضعنا النجاسة في طرفه بل الأجزاء بعيدة من محل النجاسة ليس فيها شيء من ذلك قطعا فلا يكون القضاء بتطهير الأجزاء البعيدة رخصة بل قضاء
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
العرية بخرصها ثمرا وضرب الدية على العاقلة وما أشبه ذلك كما يدل عليه قوله نهى عن بيع ما ليس عندك وأرخص في السلم فيجري عليها في التسمية كما جرى عليها حكمها في الاستثناء من أصل مشروع ويدخل فيه أيضا ما استند إلى أصل التكميلات من صلاة المأمومين جلوسا اتباعا للإمام المعذور وصلاة الخوف المشروعة بالإمام كذلك أيضا ونحو ذلك فيطلق على ذلك لفظ الرخصة وإن لم يجتمع معها في أصل واحد كما أنه قد يطلق لفظ الرخصة على ما استمد من الرخص من أصل الضروريات كالمصلي لا يقدر على القيام فإن الرخصة في حقه ضرورية وإنما تكون حاجية إذا كان قادرا على القيام لكن بمشقة تلحقه فيه أو بسببه الإطلاق الثالث على ما وضع عن هذه الأمة من التكاليف الغليظة والأعمال الشاقة التي دل عليها قوله تعالى ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا وقوله تعالى ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فإن الرخصة في اللغة راجعة إلى معنى اللين وعلى هذا يحمل ما جاء في بعض الأحاديث أنه عليه السلام صنع شيئا ترخص فيه ويمكن أن يرجع إليه معنى الحديث الآخر إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه كما يمكن أن يحمل على أن الرخص التي هي محبوبة ما ثبت الطلب فيه أو ما أدى تركه إلى المشقة الفادحة التي قال في مثلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس من البر الصيام في السفر فيوافق قوله تعالى يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وقوله تعالى يريد الله أن يخفف عنكم بعد ما قال في الأولى وأن تصوموا خير لكم
وفي الثانية وأن تصبروا خير لكن فليتفطن فكان ما جاء في هذه الملة السمحة من المسامحة واللين رخصة بالنسبة إلى ما حمله الأمم السابقة من العزائم الشاقة الإطلاق الرابع على ما كان من المشروعات توسعة على العباد مطلقا مما هو راجع إلى نيل حظوظهم وقضاء أوطارهم فالرخصة على هذا عبارة عن الإذن في نيل الحظ الملحوظ من جهة العبد فيدخل عليه كل ما كان تخفيفا وتوسعة على المكلف وإن العزيمة كذلك لها في الشرع أربع إطلاقات تقابل إطلاقات الرخصة الأربعة المذكورة
فإطلاقها المقابل لهذا الإطلاق الرابع هو ما نبه عليه قوله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون وقوله تعالى وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا الآية ونحو ذلك مما دل على أن العبادة ملك لله على الجملة والتفصيل فحق عليهم التوجه إليه وبذل المجهود في عبادته لأنهم عباده وليس لهم حق لديه ولا حجة عليه فإذا وهب لهم حظا ينالونه فذلك كالرخصة لهم لأنه توجه إلى غير المعبود واعتناء بغير ما اقتضته العبودية وذلك المعنى المنبه عليه بذلك هو امتثال الأوامر واجتناب النواهي على الإطلاق والعموم كانت الأوامر وجوبا أو ندبا والنواهي كراهة أو تحريما وترك كل ما يشغل عن ذلك من المباحات فضلا عن غيرها لأن الأمر من الآمر مقصود أن يمتثل على الجملة وبالجملة فالعزائم ثم على هذا الإطلاق حق الله على العباد والرخص حظ العباد من لطف الله فتشترك المباحات مع الرخص على هذا الترتيب من حيث كانا معا توسعة على العبد ورفع حرج عنه وإثباتا لحظه وتصير المباحات عند هذا النظر تتعارض مع المندوبات على
209
209
بالحكم لانتفاء سببه وليس هو من باب الرخص وكذلك إذا توالى الصب والغسل على الثوب المتنجس فقطع بعدم تلك الصفات الموجبة لكون العين نجسة أو متنجسة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الأوقات فيؤثر حظه في الأخرى على حظه في الدنيا أو يؤثر حق ربه على حظ نفسه فيكون رافعا للمباح من عمله رأسا أو آخذا له حقا لربه فيصير حظه مندرجا تابعا لحق الله وحق الله هو المقدم هو المقصود فإن العبد بذل المجهود والرب يحكم ما يريد وهذا الوجه يعتبره الأوليات من أصحاب الأحوال وكذا غيرهم ممن رقى عن الأحوال وعليه يربون التلاميذ ألا ترى أن من مذاهبهم الأخذ بعزائم العلم واجتناب الرخص جملة حتى آل الحال بهم أن عدوا أصل الحاجيات كلها أو جلها
وهو ما يرجع إلى حظ العبد منها حسبما بان لك في هذا الإطلاق الأخير من الرخص وإطلاق العزيمة المقابل للإطلاق الثالث هو التكاليف الغليظة والأعمال الشاقة التي كانت على الذين من قبلنا ووضعت عن هذه الأمة رخصة في حقها كرامة لنبيها صلى الله عليه وسلم وإطلاقها المقابل للإطلاق الثاني هو ما لا يكون من الأحكام الكلية المشروعة ابتداء مستثنى من أصل كلي يقتضي المنع فلا تشمل على هذا ما استند من الأحكام إلى أصل الحاجيات ولا ما استند منها إلى أصل التكميلات كما لا تشمل ما كان منها مستند إلى أصل الضروريات وإطلاقها المقابل للإطلاق الأول هو ما شرع من الأحكام الكلية ابتداء ومعنى كونها كلية أنها لا تختص ببعض المكلفين دون بعض فيدخل تحتها جميع كليات الشريعة لا فرق بين ما كان منها من العبادات كالصلاة والصوم والزكاة والحج والجهاد فإنها مشروعة على الإطلاق والعموم في كل شخص وفي كل حال وما كان منها مشروعا للتوصل إلى إقامة مصالح الدارين من البيع والإجارة وسائر عقود المعاوضات من القصاص والضمان وسائر أحكام الجنايات ومعنى شرعيتها ابتداء أن يكون قصد الشارع بها إنشاء الأحكام التكليفية على العبادتين من أول الأمر فلا يسبقها حكم شرعي قبل ذلك ولو حكما كالحكم الشرعي الأخير الناسخ لما قبله فإنه كالحكم الابتدائي تمهيدا للمصالح الكلية العامة وكذلك ما كان من الكليات واردا على سبب فإن الأسباب قد تكون مفقودة قبل ذلك فإذا وجدت اقتضت أحكاما كقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقوله تعالى ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله وقوله تعالى ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم وقوله تعالى علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم الآية وقوله تعالى فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه
ونحو ذلك مما كان تمهيدا لأحكام وردت شيئا بعد شيء بحسب الحاجة إلى ذلك وكذلك المستثنيات من العمومات وسائر المخصوصات كقوله تعالى ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله وقوله تعالى ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وقوله تعالى فاقتلوا المشركين ونهى عليه السلام عن قتل النساء والصبيان فهذا وما أشبهه من العزائم لأنه راجع إلى أحكام كلية ابتدائية وهذه الإطلاقات الأربعة للرخصة وما يقابلها للعزيمة منها ما هو خاص ببعض الناس وهو الرابع ومنها ما هو عام للناس كلهم وهو ما عدا الرابع كما هو ظاهر مما تقرر وهذا واختلف في إزالة النجاسة فقال جماعة من العلماء إنها رخصة لا عزيمة بناء على أنها حكم مستثنى من أصل كلي يقتضي المنع مطلقا وذلك الأصل هو أن القاعدة من أن السبب في
210
210
فوجب أن يزول حكم التنجيس لزوال سببه كما يزول وجوب الزكاة لعدم النصاب ويزول وجوب الصوم في رمضان لزوال رمضان وغير ذلك من الأحكام في الشريعة التي لا يسمى شيء منها رخصة فكذلك ها هنا فظهر أن ما قالوه من أن إزالة النجاسة من باب الرخص لا حقيقة له بل هي من باب العزائم على وفق القواعد لا على خلافها الفرق الثاني والثمانون الفرق بين قاعدة إزالة الوضوء للجنابة بالنسبة إلى النوم خاصة وبين قاعدة إزالة الحدث عن الرجل خاصة بالنسبة إلى الخف اعلم أنه قد وقع في مذهب مالك رحمه الله وفي غيره من المذاهب فتاوى مشكلة في الأحداث وأحكامها وقد ورد الحديث الصحيح في الجنب يريد النوم أنه يتوضأ للنوم
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
تنجيس الطاهر ملاقاته للنجس إجماعا تقتضي أنا إذا صببنا الماء من الإبريق مثلا على النجاسة لنزيلها تنجس الجزء الواصل إلى النجاسة المتصل بها لملاقاته النجاسة فيتنجس الذي يليه لملاقاته له
وهكذا حتى يتنجس الماء الذي داخل الإبريق بل ينجس ماء البحر المالح إذا وضعنا النجاسة في طرفه فلما قضى الشرع بأن النجاسة تزول وأن الماء لم يفسد مطلقا على ما تقتضيه هذه القاعدة كان ذلك رخصة من صاحب الشرع استثناها من تلك القاعدة والحق أن ما قالوه من أنها من باب الرخص لا حقيقة له بل هي من باب العزائم على وفق القواعد لا على خلافها وذلك أن الله تعالى لم يقض على الأعيان بأنها نجسة ولا متنجسة بمجرد كونها جواهر ولا أجساما إجماعا بل لأجل أعراض خاصة قامت بتلك الأجسام من لون خاص وكيفية خاصة معلومة في العادة فإذا انتفت تلك الكيفية وتلك الأعراض انتفى الحكم لانتفاء موجبه وانتفاء الحكم الشرعي لانتفاء سببه ليس من باب الرخص إجماعا ولا شك أن الأعراض الخاصة والكيفية الخاصة اللذين قضى الشرع لأجلها بالتنجيس ليسا موجودين في جميع أجزاء ماء الإبريق ولا في جميع أجزاء ماء البحر إذا وضعنا النجاسة في طرفه بل الأجزاء بعيدة من محل النجاسة ليس فيها شيء من ذلك قطعا فوجب أن يزول حكم التنجيس لزوال سببه كما يزول وجوب الزكاة لعدم النصاب ويزول وجوب الصوم في رمضان لزوال رمضان ونحو ذلك من الأحكام في الشريعة التي لا يسمى شيء من زوالها لزوال سببها رخصة فافهم والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الثاني والثمانون بين قاعدة إزالة الوضوء للجنابة بالنسبة إلى النوم خاصة وقاعدة إزالة الحدث عن الرجل خاصة بالنسبة إلى الخف أما قاعدة إزالة الوضوء للجنابة بالنسبة إلى النوم خاصة فقد ورد فيها الحديث الصحيح أن الجنب الذي يريد النوم يتوضأ للنوم خاصة لا للصلاة ولا لغيرها
وقال الفقهاء هذا وضوء يرفع حدث الجنابة بالنسبة إلى شيء خاص وهو النوم ولا يزيله الحدث الأصغر لأنه لم يجعل رافعا للحدث الأصغر وإنما يزيله الحدث الأكبر وهو الجنابة فقط ولبعضهم إذا سئلت وضوءا ليس ينقضه إلا الجماع وضوء النوم للجنب ويلقون هذا الوضوء لغزا على الطلبة فيقولون لهم هل تعلمون وضوءا لا يزيله البول ونحوه ويريدون هذا الوضوء فهذه قاعدة ورد بها النص وتقررت في المذهب
وأما قاعدة إزالة الحدث عن الرجل
211
211
خاصة لا للصلاة ولا لغيرها فقال الفقهاء هذا وضوء يرفع حدث الجنابة بالنسبة إلى النوم خاصة فهذا حدث قد ارتفع بالنسبة إلى شيء خاص وهذا وضوء لا يزيله الحدث الأصغر لأنه لم يجعل رافعا للحدث الأصغر وإنما يزيله الحدث الأكبر وهو الجنابة فقط فهذه قاعدة مقررة في الحدث في المذهب ويلقون هذا الوضوء لغزا على الطلبة فيقولون هل تعلمون وضوءا لا يزيله البول ونحوه فيشكل ذلك على المسئول ويريدون هذا الوضوء هذه قاعدة قد تقررت ثم قالوا إذا غسل إحدى رجليه ثم أدخلها في الخف قبل غسل الأخرى هل يجوز له أن يمسح على الخف قولان مبنيان على أن الحدث هل يرتفع عن كل عضو على حياله أو لا يرتفع إلا بعد غسل الجميع فعلى القول الأول يجوز له المسح على هذا الخف لأنه لبسه بعد رفع الحدث عن محله وعلى القول الآخر لا يجوز له المسح فقيل لهم إن الحدث له معنيان أحدهما الأسباب الموجبة له كالخارج من السبيلين ونحوه فيقال أحدث إذا وجد منه شيء من ذلك وكذلك يقول الفقهاء النوم هل هو حدث أو سبب للحدث قولان وللخارج من السبيلين على وجه العادة حدث قولا واحدا وثانيهما المنع المرتب على هذه الأسباب يسمى حدثا وهو حكم شرعي يرجع إلى
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
خاصة بالنسبة إلى الخف فهي وإن قال بها بعض الفقهاء فأجاز لمن غسل إحدى رجليه في وضوئه ثم أدخلها في الخف قبل غسل الأخرى أن يمسح على هذا الخف في الوضوء الذي بعد بناء على القول بأن الحدث يرتفع عن كل عضو على حياله إلا أن الراجح القول بأنه لا يجوز لمن ذكر أن يمسح على هذا الخف لأن الصحيح أن الحدث لا يرتفع إلا بعد غسل جميع أعضاء الوضوء ضرورة أن الحدث إما أن يراد به الأسباب الموجبة له كالخارج من السبيلين على وجه العادة ونحوه فيقال أحدث إذا وجد منه شيء من ذلك ويقول الفقهاء النوم هل هو حدث أو سبب للحدث قولان وإما أن يراد به المنع المرتب على هذه الأسباب
وهو حكم شرعي يرجع إلى التحريم المتعلق بالمكلف لا بعضوه الخاص بالإقدام على الصلاة ومس المصحف ونحو ذلك وهذا المنع هو الذي يقول الفقهاء فيه إن المتطهر ينوي رفع الحدث أي ينوي بفعله ارتفاع ذلك المنع لأنه هو الذي يقبل الرفع كما يرتفع تحريم الأجنبية بالعقد عليها وتحريم المطلقة بالرجعة وتحريم الميتة بالاضطرار وأما رفع تلك الفضلات الخارجة من السبيلين بالوضوء فمتعذر بالضرورة فالحدث الذي أجمع الناس على رفعه بالطهارة هو المنع من الإقدام على الصلاة ومس المصحف ونحو ذلك والممنوع من الصلاة ونحوها هو المكلف لا أن العضو هو الممنوع من الصلاة ونحوها والمنع في حق المكلف باق ولو غسل جميع الأعضاء إلا لمعة واحدة فالقول بأن الحدث يرتفع عن كل عضو بانفراده غير معقول وتخريج مسألة الخف على هذه القاعدة لا يصح وقياس ارتفاع المنع بغسل الرجل عن المكلف باعتبار لبس الخف خاصة ويبقى المكلف ممنوعا من الصلاة على ارتفاع الجنابة
212
212
التحريم الخاص بالإقدام على الصلوات ونحوها فهذا المنع يسمى حدثا أيضا وهو الذي يقول الفقهاء فيه إن المتطهر ينوي رفع الحدث أي ينوي بفعله ارتفاع ذلك المنع والمنع قابل للرفع كما يرتفع تحريم الأجنبية بالعقد عليها وتحريم المطلقة بالرجعة وتحريم الميتة بالاضطرار
وأما رفع تلك الفضلات الخارجة من السبيلين بالوضوء فمتعذر بالضرورة ولما أجمع الناس على أن الحدث يرتفع بالطهارة دل على أنه المنع من الإقدام على الصلاة ومس المصحف ونحو ذلك فتحرر حينئذ أن الحدث له معنيان الأسباب الموجبة والمنع المرتب عليها وإذا كان كذلك فقولهم إن الحدث يرتفع عن كل عضو على حياله مشكل بسبب أن هذا المنع يتعلق بالمكلف لا بالعضو فالمكلف هو الممنوع من الصلاة لا إن العضو هو الممنوع من الصلاة والمنع في حق المكلف باق ولو غسل جميع الأعضاء إلا لمعة واحدة فقولهم الحدث يرتفع عن العضو بانفراده غير معقول وإنما يعقل أن لو كان ذلك العضو ممنوعا في نفسه من الصلاة فإذن له وحده دون غيره من الأعضاء فحينئذ نقول إن الحدث ارتفع عنه وحده لكن الممنوع هو المكلف والمنع باق ولم يتغير حكم القول بأن الحدث يرتفع عن كل عضو بانفراده غير معقول وتخريج مسألة الخف على هذه القاعدة لا يصح فإن قلت لم لا يجوز أن يكون غسل الرجل يرتفع المنع به عن المكلف باعتبار لبس الخف خاصة ويبقى المكلف ممنوعا من الصلاة كما قلنا في الوضوء يرفع الجنابة باعتبار النوم خاصة ويبقى المكلف ممنوعا من الصلاة فتكون هذه القاعدة مثل هذه القاعدة سواء ويندفع الإشكال عن هذه المقالة قلت هذا الجواب لا يصح لأن قولهم الحدث يرتفع عن عضو وحده لم يخصصوا به
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
بوضوء النوم للجنب باعتبار النوم خاصة ويبقى المكلف ممنوعا من الصلاة لا يصح بوجوه
الوجه الأول أن قولهم الحدث يرتفع عن عضو وحده لم يخصصوا به الرجل بل عمموه في جميع الأعضاء واتفقوا على أن غسل الوجه لا يرفع الحدث باعتبار خف ولا غيره وكذا اليدان والرأس لا يرفع الحدث باعتبار شيء
الوجه الثاني أن الوضوء إنما قلنا إنه يرفع الجنابة باعتبار اليوم خاصة لورود النص فيه ورفع الحدث عن كل عضو وحده ليس فيه نص والظاهر أن هذه الأمور تعبدية ومع التعبد لا يصح القياس
الوجه الثالث أن الأمور التي عللوا بها رفع وضوء النوم للجنابة بالنسبة إلى النوم خاصة كلها لا تصح وعلى فرض صحتها فليست موجودة في كل عضو وحده
الوجه الرابع أن الوضوء إنما رفع الجنابة باعتبار النوم عن المكلف لا عن أعضاء الوضوء فظهر أن
213
213
الرجل بل عمموه في جميع الأعضاء واتفقنا على أن غسل الوجه لا يرفع الحدث باعتبار خف ولا غيره
وكذا اليدان والرأس لا يرفع الحدث باعتبار شيء ولا المكلف تباح له الصلاة به وحده فصارت هذه المقالة غير معقولة ولأن الوضوء إنما قلنا إنه يرفع الجنابة باعتبار النوم خاصة لورود النص فيه وفي رفع الحدث عن كل عضو وحده ليس فيه نص ولا قياس فإن هذه الأمور تعبدية وقد علل الوضوء هناك بأمور كلها باطلة والظاهر أنه تعبد ومع التعبد لا يصح القياس ولو صحت تلك المعاني فليست موجودة في كل عضو وحده فإن مسح الرأس وحده ليس من جملة الوضوء حتى يصح القياس عليه فظهر أن القول برفع الحدث عن كل عضو بانفراده قول باطل وإنما يصح أن لو ثبتت الإباحة عقيبه لكن المنع باق إجماعا فالحدث باق وينبغي أن يعلم أن قولنا إن الحدث يرتفع عن كل عضو وحده قول باطل وإن القول بثبوت الحدث في الأعضاء وفي كل عضو وحده أيضا قول باطل لأن الحدث هو المنع الشرعي عن ملابسة الصلاة والعضو ليس ممنوعا من الصلاة إنما الممنوع هو المكلف فلا معنى لثبوت المنع على العضو وحده وهذا يؤكد أن الحدث لا يرتفع عن العضو وحده لأن الارتفاع عنه فرع الثبوت فيه فما لا منع فيه كيف يتصور رفع المنع منه وهذا ضروري وهو يوضح عندك بطلان تلك المقالة برفع الحدث عن العضو وحده وأنها مقالة باطلة ويتضح لك أيضا أن الوضوء إنما رفع الجنابة هنالك باعتبار النوم على المكلف لا عن أعضاء الوضوء يستفاد من هذا البحث أيضا بطلان قولهم إن التيمم لا يرفع الحدث وهو عكس المسألة الأولى بسبب أن الحدث هو المنع الشرعي من الصلاة وهذا الحدث الذي هو المنع متعلق بالمكلف وهو بالتيمم قد أبيحت له الصلاة إجماعا وارتفع المنع إجماعا لأنه لا منع مع الإباحة فإنهما ضدان
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
القول يرفع الحدث عن كل عضو بانفراده قول باطل وإنما يصح أن لو ثبتت الإباحة عقيبه لكن المنع باق إجماعا فالحدث باق وإن القول بثبوت الحدث في الأعضاء وفي كل عضو وحده قول باطل أيضا لأن الحدث هو المنع الشرعي عن ملابسة الصلاة والعضو ليس ممنوعا من الصلاة الممنوع هو المكلف فلا معنى لثبوت المنع على العضو وحده
وصل يستفاد من البحث المذكور أن القول بأن التيمم لا يرفع الحدث باطل قطعا وذلك أن الحدث هو المنع الشرعي من الصلاة وهذا الحدث الذي هو المنع متعلق بالمكلف وهو بالتيمم قد أبيحت له الصلاة إجماعا وارتفع المنع إجماعا لأنه لا منع مع الإباحة فإنهما ضدان والضدان لا يجتمعان إجماعا وإذا كانت الإباحة ثابتة قطعا والمنع مرتفع قطعا كان التيمم رافعا للحدث قطعا وقوله صلى الله عليه وسلم لحسان لما تيمم وصلى بالناس أصليت بأصحابك وأنت جنب لا يدل على أنه لا يرفع الحدث لأنه وإن سماه جنبا مع
214
214
والضدان لا يجتمعان وإذا كانت الإباحة ثابتة قطعا والمنع مرتفع قطعا كان التيمم رافعا للحدث قطعا فالقول بأنه لا يرفع الحدث باطل قطعا
فإن قلت يدل على أنه لا يرفع الحدث النص والمعقول أما النص فقوله عليه السلام لحسان لما تيمم وصلى بالناس أصليت بأصحابك وأنت جنب فسماه جنبا مع التيمم ولا نعني بعدم رفع الحدث إلا الجنابة ونحوها وأما المعقول فلأنه يجب عليه استعمال الماء في غسل الجنابة إذا وجد الماء فلو كان الحدث ارتفع لكانت الجنابة ارتفعت بالتيمم ولما احتاج للغسل عند وجود الماء فهذا ظاهر في بقاء الحدث وصحة القول به ثم هذه المقالة قال بها أكثر الفقهاء والقائلون بأنه يرفع الحدث قليلون جدا والحق لا يفوت الجمهور غالبا قلت الجواب عن الأول أن قوله عليه السلام خرج مخرج الاستفهام للاستطلاع على ما عند المسئول من الفقه في التيمم وبماذا يجيب فيظهر فقهه لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما سأل معاذا لما بعثه عليه السلام إلى اليمن بم تحكم فقال بكتاب الله تعالى الحديث إلى آخره لا أنه عليه السلام أصدر هذا الكلام مصدر الخبر الجازم حتى يلزم الحجة منه ولو كان قد خرج مخرج الخبر لوجب تأويله وحمله على المجاز لأن ما ذكرناه نكتة عقلية قطعية فمتى عارضها نص وجب تأويله هذا هو قاعدة تعارض القطعيات مع الألفاظ وعن الثاني أن وجوب استعمال الماء عند وجوده ليس متفقا عليه فلنا منعه على ذلك القول سلمناه لكنا نقول التيمم يرفع الحدث ارتفاعا مغيا بأحد ثلاثة أشياء إما طريان الحدث بأن يطأ امرأته أو يباشر حدثا من الأحداث أو يفرغ من الصلاة الواحدة وتوابعها من النوافل فيصير محدثا حينئذ ممنوعا من الصلاة أو يجد الماء فيصير محدثا عند وجود
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
التيمم إلا أنه خرج مخرج الاستفهام للاستطلاع على ما عند المسئول من الفقه في التيمم وبماذا يجيب فيظهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما سأل معاذا لما بعثه عليه السلام إلى اليمن بم تحكم فقال بكتاب الله تعالى الحديث إلى آخره لا أنه عليه السلام أصدر هذا الكلام مصدر الخبر الجازم حتى يلزم الحجة منه على أنه لو كان قد خرج مخرج الخبر لوجب تأويله وحمله على المجاز لأن ما ذكرناه نكتة عقلية قطعية عارضها نص فمتى عارضها نص وجب تأويله كما هو القاعدة في تعارض القطعيات مع الألفاظ
وأما أن المتيمم يجب عليه استعمال الماء في غسل الجنابة إذا وجد الماء فلا يظهر في بقاء الحدث وصحة القول به من حيث إنه لو كان الحدث ارتفع لكانت الجنابة ارتفعت بالتيمم ولما احتاج للغسل عند وجود الماء أما أولا فلأن وجوب استعمال الماء عند وجوده ليس متفقا عليه فلنا منعه على ذلك القول وأما ثانيا فلأنا لو سلمناه لكنا نقول التيمم يرفع الحدث ارتفاعا مغيا بأحد ثلاثة أشياء إما أن يطرأ عليه الحدث بأن يطأ امرأته أو يباشر حدثا من الأحداث وإما أن يفرغ الصلاة الواحدة وتوابعها من النوافل فيصير محدثا حينئذ ممنوعا من الصلاة وإما
215
215
الماء ويكون الحكم ثابتا إلى آخر غايات كثيرة أو قليلة فهو معقول وأما ثبوت المنع مع الإباحة واجتماع الضدين فغير معقول وإذا تعارض المستحيل والممكن وجب العدول إلى القول بما هو ممكن
وقد رفع استعمال الماء الحدث إلى غاية وهي طريان الحدث فجاز أن يرفع التيمم الحدث إلى غايات وكذلك نقول الأجنبية ممنوعة محرمة والعقد عليها رافع لهذا المنع ارتفاعا مغيا بغايات أحدها الطلاق وثانيها الحيض وثالثها الصوم ورابعها الإحرام وخامسها الظهار فقد وجدنا المنع يرتفع ارتفاعا مغيا بغايات فكذلك ها هنا يرتفع الحدث مغيا بأحد ثلاث غايات وهذا أمر معقول وواقع في الشريعة وما ذكرتموه مستحيل فأين أحدهما من الآخر وعن الثالث أن كون الجمهور على شيء يقتضي القطع بصحته بل القطع إنما يحصل في الإجماع لأن مجموع الأمة معصوم أما جمهورهم فلا فالظاهر أن الحق معهم والظاهر إذا عارضه القطع قطعنا ببطلان ذلك الظهور وها هنا كذلك لأن اجتماع الضدين مستحيل مقطوع به فيندفع به الظهور والناشئ عن قول الجمهور فظهر لك بهذه المباحث بطلان هذين القولين وظهر الفرق بين قاعدة رفع الوضوء للجنابة باعتبار النوم وقاعدة رفع غسل الرجل للحدث باعتبار لبس الخف
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
أن يجد الماء فيصير محدثا عند وجود الماء وكون الحكم ثابتا إلى آخر غايات كثيرة أو قليلة ممكن معقول وثبوت المنع مع الإباحة مستحيل وغير معقول لأنه اجتماع الضدين وإذا تعارض المستحيل والممكن وجب العدول إلى القول بما هو ممكن سيما وقد وجدنا مثل هذا الممكن واقعا في الشريعة ألا ترى أن رفع استعمال الماء الحدث إلى غاية وهي طريان الحدث وأن الأجنبية ممنوعة محرمة والعقد عليها رافع لهذا المنع ارتفاعا مغيا بغايات أحدهما الطلاق وثانيها الحيض وثالثها الصوم ورابعها الإحرام وخامسها الظهار فما المانع هاهنا أن يكون رفع الحدث مغيا بإحدى ثلاث غايات وكون القائلين بأن التيمم يرفع الحدث قليلين جدا وأما القائلون بأنه لا يرفعه فأكثر الفقهاء والحق لا يفوت الجمهور غالبا لا يقتضي القطع بصحة ما قاله الجمهور بل القطع إنما يحصل في الإجماع لأن مجموع الأمة معصوم أما جمهورهم فلا
وإنما الظاهر أن الحق معهم وهو معارض هنا بمستحيل مقطوع به وهو اجتماع الضدين والظاهر يقطع ببطلانه إذا عارضه القطع فوجب أن يقطع ببطلان الظهور الناشئ عن قول الجمهور كما قطع ببطلان القول برفع الحدث عن كل عضو بانفراده والله أعلم

216
216
الفرق الثالث والثمانون الفرق بين قاعدة الماء المطلق وبين قاعدة الماء المستعمل لا يجوز استعماله أو يكره على الخلاف
اعلم أن الماء المطلق هو الباقي على أصل خلقته أو تغير بما هو ضروري له كالجاري على الكبريت وغيره مما يلازم الماء في مقره وكان الأصل في هذا القسم أن لا يسمى مطلقا لأنه قد تقيد بإضافة عين أخرى إليه لكنه استثني للضرورة فجعل مطلقا توسعة على المكلف واختير هذا اللفظ لهذا الماء وهو قولنا مطلق لأن اللفظ يفرد فيه إذا عبر عنه فيقال ماء وشربت ماء
وهذا ماء وخلق الله الماء رحمة للعالمين ونحو ذلك من العبارات فأما غيره فلا يفرد اللفظ فيه بل يقال ماء الورد ماء الرياحين ماء البطيخ ونحو ذلك فلا يذكر اللفظ إلا مقيدا بإضافة أو معنى آخر
وأما في هذا الماء فيقتصر على لفظ مفرد مطلق غير مقيد وإن وقعت الإضافة فيه كقولنا ماء البحر وماء البئر ونحوهما فهي غير محتاج إليها بخلاف ماء الورد ونحوه لا بد من ذلك القيد وتلك الإضافة فمن هنا حصل الفرق من جهة التعيين واللزوم وعدمه أما جواز الإطلاق من حيث الجملة فمشترك فيه بين البابين فهذا هو ضابط المطلق وأما الماء المستعمل فهو الذي أديت به طهارة وانفصل من الأعضاء لأن الماء ما دام في الأعضاء فلا خلاف أنه طهور مطلق ما دام مترددا
فإذا انفصل عن العضو اختلف فيه هل هو صالح للتطهير أم لا وهل هو نجس أم لا وهل ينجس الثوب إذا لاقاه أم لا هذه أقوال للحنفية ولغيرها واختلف القائلون بخروجه عن صلاحيته للتطهير هل ذلك معلل بإزالة المانع أو بأنه أديت به قربة ويتخرج على القولين مسائل فإن قلنا
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الفرق الثالث والثمانون بين قاعدة الماء المطلق وبين قاعدة الماء المستعمل لا يجوز استعماله أو يكره على الخلاف
الماء المطلق ما صدق عليه اسم ماء بلا قيد لازم فيقال هذا ماء وشربت ماء وخلق الله الماء رحمة للعالمين ونحو ذلك لكونه إما باقيا على أصل خلقته أو متغيرا بما هو ضروري له كالجاري على الكبريت وغيره مما يلازم الماء في مقره وإضافته في نحو ماء البحر وماء البئر وإن كانت قيدا إلا أنها غير محتاج إليها ويقابل الماء المطلق الماء المقيد وهو ما لا يصدق عليه اسم الماء إلا بقيد لازم من إضافة أو وصف كماء الورد وماء الشيشة وله حكم قيده من طهارة وخلافها ومنه الماء المستعمل وهو الذي أديت به طهارة بأن انفصل عن الأعضاء وجمع في إناء إذ لا خلاف في أن الماء ما دام مترددا في الأعضاء طهور ومطلق فإذا انفصل عنها اختلف الحنفية وغيرهم في كونه صالحا للتطهير أم لا وفي كونه نجسا أم لا وفي كون ملاقيه ينجس أم لا وفي كون عدم صلاحيته للتطهير معللا بإزالة المانع أو بأنه أديت به قربة وثمرة
217
217
إن العلة إزالة المانع لم يندرج في الماء المستعمل الغسل في المرة الثانية والثالثة في الوضوء إذا نوى في الأولى الوجوب ولا الماء المستعمل في تجديد الوضوء ونحو ذلك مما لا يزيل المانع ويندرج فيه الماء المستعمل في غسل الذمية لأنه أزال المانع من الوطء وإن قلنا إن سبب ذلك كونه أديت به قربة اندرج فيه الماء المستعمل في المرة الثانية والثالثة وفي تجديد الوضوء ولا يندرج الماء المستعمل في غسل الذمية لأنه لم تحصل به قربة عكس ما تقدم وللقائلين بالمنع وخروجه عن كونه صالحا للتطهير مدارك أحسنها أن قوله تعالى وأنزلنا من السماء ماء طهورا وقوله تعالى ليطهركم به
مطلق في التطهير لا عام فيه بل عام في المكلفين فإذا قال السيد لعبيده أخرجت هذا الثوب لأغطيكم به لا يدل ذلك على أنه يغطيهم به مرات ولا مرتين بل يدل على أصل التغطية في جميعهم فإذا غطاهم به مرة حصل موجب اللفظ وكذلك هنا إذا تطهرنا بالماء مرة حصل موجب اللفظ فبقيت المرة الثانية فيه غير منطوق بها فتبقى على الأصل غير معتبرة فإن الأصل في الأشياء عدم الاعتبار في التطهير إذ الأصل أن لا يعتبر في التطهير وغيره إلا ما وردت الشريعة به وهذا وجه قوي حسن ومدرك جميل واحتجوا مع هذا الوجه بقولهم إنه ماء أديت به عبادة فلا تؤدى به عبادة أخرى كالرقبة في العتق وبقولهم إنه ماء الذنوب فيكون نجسا
وإنما قلنا إنه ماء الذنوب لما ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا توضأ المؤمن فغسل يديه خرجت الخطايا من بين أنامله وإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من أطراف أذنيه الحديث
فدل ذلك على أن هذا الماء تخرج معه الذنوب وإنما قلنا إنه إذا كان ماء الذنوب يكون نجسا لأن الذنوب ممنوع من ملابستها شرعا والنجاسة هي منع شرعي فإذا حصل المنع حصلت النجاسة
والجواب عن الأول أنكم تجوزون عتق الرقبة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
هذين القولين أنه على القول بكون العلة إزالة المانع لا يندرج في الماء المستعمل الماء المنفصل عن الأعضاء في المرة الثانية والثالثة إذا نوى في الأولى الوجوب ولا الماء المنفصل عن الأعضاء في تجديد الوضوء ونحو ذلك مما لا يزيل المانع ويندرج فيه الماء المستعمل في غسل الذمية لأنه أزال المنع من الوطء
وعلى القول بأن علة ذلك أنه أديت به قربة بالعكس فيندرج فيه الماء المنفصل عن الأعضاء في المرة الثانية والثالثة وفي تجديد الوضوء ولا يندرج فيه الماء المستعمل في غسل الذمية لأنه لم تحصل به قربة وأحسن مدارك القائلين بإزالته المنع وخروجه عن صلاحيته للتطهير أن قوله تعالى وأنزلنا من السماء ماء طهورا وقوله تعالى ليطهركم به مطلق في التطهير لا عام فيه بل عام في المكلفين فلا يدل إلا على أصل التطهير فإذا تطهرنا بالماء مرة حصل موجب اللفظ فبقيت المرة الثانية فيه غير منطوق بها فتبقى على الأصل غير معتبرة في التطهير وغيره إلا ما وردت الشريعة به ألا ترى أن السيد إذا قال لعبيده أخرجت هذا الثوب لأغطيكم لا يدل على أنه يغطيهم به مرات ولا مرتين بل يدل على أصل التغطية في جميعهم فإذا غطاهم به مرة حصل موجب اللفظ واحتجوا مع هذا المدرك الحسن بثلاثة أمور الأمر الأول قولهم إنه ماء أديت به عبادة فلا تؤدى
218
218
الكافرة في الكفارات الواجبات ولو أعتق عبدا كافرا ذميا ثم خرج إلى أهل الحرب ناقضا للعهد ثم غنمناه عاد رقيقا وجاز عتقه في الواجب مرة أخرى عندكم فما قستم عليه لا يتم على أصولكم سلمنا صحة القياس لكنه معارض بأنه عين أديت به عبادة فيجوز أن تؤدى به عبادة أخرى كالثوب في سترة الصلاة واستقبال الكعبة
وكذلك المال في الزكاة لو اشتراه ممن انتقل إليه من الفقراء جاز أن يخرجه في الزكاة مرة أخرى وكذلك السيف في الجهاد يجاهد به مرارا والفرس وغيره من آلات الحرب وكم من شيء في الشريعة تؤدى به العبادات مرارا كثيرة نعارضكم به في هذا القياس وعن الثاني أن الذنوب ليست أجراما توجب تنجيس الماء والنجاسة في الشرع إنما تكون في الأجرام عند اتصافها بأعراض أخر وهذه ليست أجراما فلا تكون توجب التنجيس وأما قولهم إن ملابسة الذنوب حرام فليس من هذا القبيل وإنما الذنوب التي تحرم ملابستها في الشريعة هي أفعال خاصة للمكلف اختيارية مكتسبة متعلقة بأشياء مخصوصة
وأما هذه الذنوب فمعناها استحقاق المؤاخذة وذلك حكم من الله تعالى لا فعل للمكلف ومما يتعلق بالله تعالى ويختص به لا اختيار للمكلف فيه ولا كسب وحينئذ لا يوصف بتحريم ولا تحليل فظهر أن هذا إيهام لا حقيقة له واحتجوا أيضا بأن السلف رضي الله عنهم كانوا يباشرون الأسفار مع قلة الماء فيها ولم ينقل عن أحد منهم أنه جمع ماء طهارته ليستعمله بعد ذلك فكان ذلك إجماعا على أن الماء المستعمل لا يتطهر به والجواب عنه أن الغالب في ذلك الماء التغير لا سيما في زمن الصيف وشعث السفر فلا ينفصل إلا متغيرا بالأعراق وغيرها والمتغير لا يصلح للتطهير إنما النزاع في الماء
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
عبادة أخرى كالرقبة في العتق وفيه أن القياس على الرقبة في العتق لا يتم على أصولهم لأنهم يجوزون عتق الرقبة الكافرة في الكفارات الواجبات وأنه إذا أعتق عبدا كافرا ذميا ثم خرج إلى أهل الحرب ناقصا للعهد ثم غنمناه وعاد رقيقا جاز عتقه في الواجب مرة أخرى سلمنا صحة القياس لكنه معارض بأنه كم من عين في الشريعة تؤدى به الكثيرة من ذلك المال في الزكاة لو اشتراه ممن انتقل إليه من الفقراء جاز أن يخرجه في الزكاة مرة أخرى والسيف والفرس وغيرهما من آلات الحرب يجاهد مرارا وللثوب يستتر به والكعبة تستقبل في الصلاة مرارا
الأمر الثاني قولهم إنه ماء الذنوب لقوله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ المؤمن فغسل يديه خرجت الخطايا من بين أنامله وإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من أطراف أذنيه الحديث وإذا كان ماء الذنوب يكون نجسا لأن الذنوب ممنوع من ملابستها شرعا والنجاسة هي منع شرعي فإذا حصل المنع حصلت النجاسة وفيه أن النجاسة في الشرع إنما تكون في الأجرام عند اتصافها بأعراض أخر والذنوب ليست أجراما حتى توجب التنجيس والذنوب في قولهم إن ملابسة الذنوب حرام في الشريعة معناها أفعال خاصة للمكلف اختيارية مكتسبة متعلقة بأشياء مخصوصة والذنوب هنا معناها استحقاق المؤاخذة وذلك حكم من الله تعالى لا فعل للمكلف ومما يتعلق بالله تعالى ويختص به لا اختيار للمكلف فيه
219
219
المستعمل إذا لم يتغير أما هذا فمانع آخر غير كونه مستعملا فظهر الفرق بين الماء المستعمل والماء المطلق
الفرق الرابع والثمانون الفرق بين قاعدة النجاسات في الباطن من الحيوان وبين قاعدة النجاسات ترد على باطن الحيوان
اعلم أن باطن الحيوان مشتمل على رطوبات كالدم والمذي والمني والبول وغير ذلك من الرطوبات وكذلك أثفال الغذاء والأخلاط الأربعة وهي الدم والصفراء والسوداء والبلغم وجميع ذلك في باطن الحيوان كله لا يقضي عليه بنجاسة فمن حمل حيوانا في صلاته لا تبطل صلاته فإذا انفصلت هذه الرطوبات والأثفال من باطن الحيوان فحينئذ يقبل أن يقضي عليها بالنجاسة فالدم لم أر أحدا قضى عليه بالطهارة
وأما البول والعذرة فهما نجسان من بني آدم ومن كل حيوان يحرم أكله وأما ما يؤكل لحمه فهما منه عند مالك طاهران وعند الشافعي نجسان ومن الحيوان المكروه الأكل قيل مكروهان كاللحم وقيل نجسان تغليبا للاستقذار وأما الدم والسوداء فهما عند المالكية وغيرهم نجسان والبلغم والصفراء
عند المالكية طاهران من الآدمي وغيره
وأما المني فنجس عند مالك وطاهر عند الشافعي والمذي نجس عندهما وكذا الودي والمعدة
هامش أنوار البروق
قال الفرق الرابع والثمانون بين قاعدة النجاسات في الباطن من الحيوان وبين قاعدة النجاسات ترد على باطن الحيوان إلى قوله هذا حكم الحيوان وما في باطنه قبل انفصاله قلت ما قاله في ذلك وحكاه صحيح
هامش إدرار الشروق
ولا كسب وحينئذ لا يوصف بتحريم ولا تحليل فظهر أنه لا حقيقة لدعوى أن الذنوب ممنوع من ملابستها شرعا بل هو محض إيهام
الأمر الثالث أنه لم ينقل عن أحد من السلف رضي الله عنهم وهم يباشرون الأسفار مع قلة الماء فيها أنه جمع ماء طهارته ليستعمله بعد ذلك فكان ذلك إجماعا على أن الماء المستعمل لا يتطهر به وفيه أن النزاع إنما هو في الماء المستعمل إذا لم يتغير وماء طهارة السلف في أسفارهم ففيه مانع آخر غير كونه مستعملا إذ الغالب فيه التغير لا سيما في زمن الصيف وشعث السفر فلا ينفصل إلا متغيرا بالإعراق وغيرها والمتغير لا يصلح للتطهير والله أعلم
الفرق الرابع والثمانون بين قاعدة النجاسات في الباطن من الحيوان وبين قاعدة النجاسات ترد على باطن الحيوان
اعلم أن الفرق بينهما إما أن يبني على أن عين ما في الباطن هو عين ما في الخارج من العذرة والبول وغيرهما وأنه إذا حكم لما في الباطن من ذلك بالطهارة لزم أن يحكم لما في الخارج بها أيضا وأنه لما لم يحكم لما في الخارج بالطهارة إجماعا عادل ذلك على أنه لم يحكم لما في الباطن بالطهارة بل هو نجس فيكون
220
220
طاهرة عند مالك نجسة عند الشافعي هذا حكم الحيوان وما في باطنه قبل انفصاله
وأما ما حصل في باطنه من خارج من النجاسات بعد أن قضى عليه بالتنجيس فهو نجس وينجس ما ورد عليه من المعدة وغيرها فمن شرب خمرا أو أكل ميتة أو شرب بولا أو غيره من الأعيان النجسة بطلت صلاته لأنه ملابس في صلاته ما قضى الله عليه بالنجاسة وقولنا ما في باطن الحيوان لا يقضى عليه بشيء إنما يريد العلماء بذلك الذي لم يقض عليه قبل ذلك بالتنجيس أما ما قضي عليه بالتنجيس قبل ذلك فلا فرق بينه في ظاهر الجسد وفي باطنه تبطل به الصلاة فإن حدث عنه عرق يختلف في نجاسة ذلك العرق بناء على الخلاف في رماد الميتة ونحوه من النجاسات التي طرأت عليها التغيرات والاستحالات فإذا صار غذاء وأجزاء من الأعضاء لحما وعظما وغيرهما من الأعضاء فقد صار طاهرا بعد الاستحالة فكذلك نقول في البقرة الجلالة والشاة تشرب لبن خنزير ونحو ذلك إذا بعدت الاستحالة طهر كما أن الدم إذا صار منيا ثم آدميا قضي بطهارته بعد
هامش أنوار البروق
قال أما ما حصل في باطنه من خارج من النجاسات بعد أن قضى عليه بالتنجيس فينجس ما ورد عليه من المعدة وغيرها فمن شرب خمرا أو أكل ميتة أو شرب بولا أو غيره من الأعيان النجسة بطلت صلاته لأنه ملابس في صلاته ما قضى الله عليه بالنجاسة إلى قوله فلا فرق بينه في ظاهر الجسد وفي باطنه تبطل به الصلاة قلت لم أقف لأحد غيره على ما قاله هنا من بطلان صلاة من في جوفه نجاسة وردت عليه ولا أراه صحيحا
قال فإن حدث عنه عرق يختلف في نجاسة ذلك العرق إلى قوله لأنها عنده نجسة قلت ما قاله هنا وحكاه صحيح
قال وعرض ها هنا فرع وهو جبن الروم إلى قوله والذي رأيت عليه فتاوى العلماء في العصر تحريمه وتنجيسه بناء على هذا
هامش إدرار الشروق
سره أنه عفي عما في الباطن لتعذر الوصول إلى إزالته ضرورة أن العفو عما تعذرت فيه الإزالة أحرى من عفوهم عما على المخرج وقد أمكنت إزالته مع المشقة دفعا للمشقة فافهم وأما أن يبني على أن عين ما في الباطن وإن كان عين ما في الخارج إلا أنه يحتمل أن يقال بطهارته في الباطن دون الظاهر فيكون سره هو أن استصحاب الحال فيهما أوجب الحكمين المختلفين وذلك أن الذي نشأ في باطن الحيوان أصله الطهارة فاستصحب والوارد على باطنه قد قضي عليه بالنجاسة قبل أن يرد فكان الأصل فيه النجاسة فاستصحبت وتفصيل ذلك أن جميع ما اشتمل عليه باطن الحيوان من الرطوبات كالدم والمذي والمني والبول وغير ذلك وكذلك أثفال الغذاء والأخلاط الأربعة التي هي الدم والصفراء والسوداء والبلغم لا يقضي عليه كله ما دام في الباطن بنجاسة فلا تبطل صلاة من حمل حيوانا فيها فإذا انفصلت هذه الرطوبات والأثفال من باطن الحيوان قبلت أن يقضي عليها بالنجاسة فالدم والسوداء لم يقض أحد بطهارتهما وقضى بنجاسة البول والعذرة من بني آدم ومن كل حيوان يحرم أكله وبطهارتهما مما يباح أكله كالنعم عند مالك فقط خلافا للأئمة
وأما من مكروه الأكل كالسبع والهرة فقيل مكروهان كاللحم وقيل نجسان تغليبا للاستقذار وبطهارة البلغم والصفراء من الآدمي وغيره عند المالكية كالمني عند الشافعي
221
221
الاستحالة وما طرح من الأغذية الطاهرة في معدة الحيوان كان طاهرا عند مالك حتى يتغير إلى صفة العذرة أو يختلط بنجاسة من عرق ينشر في باطن الجسد ونحوه وعند الشافعي كل ما يصل إلى المعدة يتنجس بها لأنها عنده نجسة وعرض ها هنا فرع وهو جبن الروم فإنهم يعملونه بالإنفحة وهم لا يذكون بل الإنفحة ميتة قال المالكية المحققون هو نجس لذلك وقال بعض الفقهاء هو طاهر لأن المعدة طاهرة واللبن الذي يشربه فيها طاهر فيكون الجبن طاهرا وهذا ليس بجيد لأن بالموت صار جرم المعدة نجسا فينجس اللبن الكائن فيه فيصير الجبن نجسا والذي رأيت عليه فتاوى العلماء في العصر تحريمه وتنجيسه بناء على هذا إذا تقررت هذه المباحث فيكون سر الفرق بين ما ينشأ في باطن الحيوان من النجاسات وبين ما ورد عليه من النجاسات أن الذي نشأ فيه أصله الطهارة فاستصحبت والوارد قد قضى عليه بالنجاسة قبل أن يرد فكان الأصل فيه النجاسة فاستصحبت فاستصحاب الحال فيهما أوجب الحكمين المختلفين
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله من أن الروم لا يذكون قد حكى بعض الناس أن منهم من يذكي وعلى تقدير أنهم لا يذكون ليست الإنفحة متعينة لعقد الجبن فإنه قد يعقد بغيرها مما هو طاهر كبعض الأعشاب فإذا ثبت أن الروم لا يذكون وأن الطائفة الذين يكون الجبن المعين جبنهم لا يذكون وأنهم لا يعقدون بغير الإنفحة فلا شك أن القول ما ارتضاه وحكاه وإذا لم يثبت شيء من ذلك ووقع الاحتمال فهو موضع خلاف العلماء والأقوى نقلا ونظرا الجواز وعدم التنجيس والله أعلم
قال إذا تقررت هذه المباحث فيكون سر الفرق بين ما ينشأ في باطن الحيوان من النجاسات وبين ما ورد عليه من النجاسات أن الذي نشأ فيه أصله الطهارة فاستصحبت والوارد قد قضى عليه بالنجاسة قبل أن يرد فكان الأصل فيه النجاسة فاستصحبت فاستصحاب الحال فيهما أوجب الحكمين المختلفين
هامش إدرار الشروق
فقط خلافا للأئمة وبنجاسة المذي والودي وبطهارة المعدة عند مالك وبنجاستها عند الشافعي فعنده كل ما يصل إليها من الأغذية الطاهرة يتنجس بها وعند مالك لا يتنجس حتى يتغير إلى صفة العذرة أو يختلط بما في باطن الجسد من نجاسة وكل ما قضى عليه بالتنجيس قبل وروده على باطن الحيوان قضى عليه بذلك بعد وروده عليه إذ لا فرق حينئذ بينه في ظاهر الجسد وفي باطنه فإن حدث عن ذلك عرق ففي نجاسة ذلك العرق وطهارته خلاف مبني على الخلاف في رماد الميتة ونحوه من النجاسات التي طرأت عليها التغيرات والاستحالات
وأما إذا صار ما ورد على باطن الحيوان غذاء من النجاسة لحما وعظما وغيرهما من الأعضاء فإنه يصير طاهرا يبعد الاستحالة كما أن الدم إذا صار منيا ثم آدميا فإنه يكون يبعد هذه الاستحالة ظاهرا وكذا ما تغذت به البقرة الجلالة من النجاسة ولبن الخنزير تشربه الشاة يطهر إذا بعدت الاستحالة قال ابن الشاط وقول الأصل ببطلان صلاة من في جوفه نجاسة وردت عليه قبل استحالتها لحما وعظما لم أقف عليه لأحد غيره ولا أراه صحيحا
قال وقوله إن الروم لا يذكون فينجس جبنهم ويحرم لأنهم يعلمون بالإنفحة كما قاله محققو المالكية وهو الذي رأيت عليه فتاوى العلماء في العصر غير ظاهر على إطلاقه فقد حكى بعض الناس أن منهم من يذكي وعلى تقدير أنهم لا يذكون ليست
222
222
الفرق الخامس والثمانون الفرق بين قاعدة المندوب الذي لا يقدم على الواجب وقاعدة المندوب الذي يقدم على الواجب
اعلم أن القاعدة والغالب أن الواجب يكون أفضل من المندوب وإليه الإشارة بقوله عليه السلام حكاية عن الله تعالى ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها الحديث في مسلم وغيره قد صرح الحديث بأن
هامش أنوار البروق
قلت لا شك أن عين ما في الباطن هو عين ما في الخارج من العذرة والبول وغيرهما فإذا حكم لما في الباطن من ذلك بالطهارة فيلزم أن يحكم لما في الخارج بالطهارة لأنه عين ما كان في الباطن ولما لم يحكم لما في الخارج بالطهارة إجماعا دل ذلك على أنه لم يحكم لما في الباطن بالطهارة لأن أصله الطهارة بل لأمر آخر هذا إن سلم أن حكم ما في الباطن الطهارة لكنه لقائل أن يقول ليس ما في الباطن من ذلك بطاهر بل هو نجس لكنه عفي عنه لتعذر الوصول إلى إزالته وإذا كان ما على المخرج معفوا عنه مع إمكان الإزالة دفعا لمشقة الإزالة مع إمكانها فأحرى أن يعفى عما تعذرت فيه الإزالة والداعي إلى هذا الكلام واختياره دون ما اختاره أن عين ما في الخارج هو عين ما في الباطن مع أنه يحتمل أن يقال بطهارته في الباطن دون الظاهر وبالجملة فكلامه ليس بالقوي ولا الظاهر والله أعلم
قال الفرق الخامس والثمانون بين قاعدة المندوب الذي لا يقدم على الواجب وقاعدة المندوب الذي يقدم على الواجب إلى قوله فتفوت مصلحة الوقت قلت ما ذكره وقرره هنا صحيح كما قرر
قال وتأخير الصلاة إلى وقتها واجب فضاع الواجب بالجمع فلو حفظ هذا الواجب ضاع المندوب
هامش إدرار الشروق
الإنفحة متعينة لعقد الجبن فإنه قد يعقد بغيرها مما هو طاهر كبعض الأعشاب وحينئذ فلا يظهر ما ارتضاه وحكاه بلا شك إلا إذا ثبت أن الطائفة الذين يكون الجبن المعين جبنهم لا يذكون وإنهم لا يعقدون بغير الإنفحة أما إذا لم يثبت شيء من ذلك ووقع الاحتمال فهو موضع خلاف العلماء والأقوى نقلا ونظرا الجواز وعدم التنجيس والله أعلم
الفرق الخامس والثمانون بين قاعدة المندوب الذي لا يقدم على الواجب وقاعدة المندوب الذي يقدم على الواجب
المندوب الذي لا يقدم على الواجب هو ما لم تعرض ضرورة لا تندفع إلا بتقديمه عليه فيقدم الواجب حينئذ عليه جريا على القاعدة الأغلبية من تقديمه عليه لأنه أفضل منه ففي مسلم وغيره أنه صلى الله عليه وسلم قال حكاية عن الله تعالى ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى
223
223
الواجب أفضل من غيره ومتى تعارض الواجب والمندوب قدم الواجب على المندوب وباعتبار هذه القاعدة ورد سؤال مشكل وهو أن السنة وردت بالجمع بين الصلاتين للظلام والمطر والطين وهذا الجمع يلزم منه تقديم المندوب على الواجب وذلك أن الجماعة يلحقهم ضرر بخروجهم من المسجد إلى بيوتهم وعودهم لصلاة العشاء وكذلك إذا قيل لهم أقيموا في المسجد حتى يدخل وقت العشاء حتى تصلوها وهذا الضرر يندفع بأحد أمرين إما بتفويت فضيلة الجماعة بأن يخرجوا الآن ويصلوا في بيوتهم أفذاذا وإما بأن يصلوا الآن الصلاتين على سبيل الجمع فتفوت مصلحة الوقت وتأخير الصلاة إلى وقتها واجب فضاع الواجب بالجمع فلو حفظ هذا الواجب ضاع المندوب الذي فضيلة الجماعة فقد تعارض واجب ومندوب في دفع هذه الضرورة عن المكلف فقدم المندوب على الواجب فحصل وترك الواجب فذهب وهو خلاف القاعدة والمعهود في الشريعة دفع الضرر بترك الواجب إذا تعين طريقا لدفع الضرر كالفطر في رمضان وترك ركعتين من الصلاة لدفع ضرورة السفر وكذلك يستعمل المحرم لدفع الضرر كأكل الميتة
هامش أنوار البروق
الذي هو فضيلة الجماعة فقد تعارض واجب ومندوب في دفع هذه الضرورة عن المكلف فقدم المندوب على الواجب فحصل وترك الواجب فذهب وهو خلاف القاعدة قلت ما قاله هنا ليس بصحيح فإن تأخير الصلاة إلى وقتها في الحال التي شرع فيها الجمع وتقديم الصلاة الثانية إلى وقت الأولى ليس بواجب أصلا بل هو جائز والتقديم أولى لتحصيل فضل الجماعة فلم يضع واجب بالجمع ولا تعارض واجب ومندوب ولا قدم مندوب على واجب ولا خولفت في ذلك القاعدة وإنما حمله على ما قاله ذهاب وهمه إلى أن تأخير الصلاة إلى وقتها واجب على الإطلاق وليس الأمر كذلك بل تأخير الصلاة إلى وقتها ليس واجبا على الإطلاق بل هو واجب فيما عدا الحال التي شرع فيها الجمع فإنه ليس تأخيرها إلى وقتها من الواجب بل هو جائز قال والمعهود في الشريعة دفع الضرر بترك الواجب إذا تعين طريقا لدفع الضرر كالفطر في رمضان وترك ركعتين من الصلاة لدفع ضرورة السفر قلت ومتى كان ترك الصوم في السفر طريقا متعينا لدفع ضرر السفر في مذهبنا والمختار عند
هامش إدرار الشروق
أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها الحديث فقد صرح بأن الواجب أفضل من غيره والمندوب الذي يقدم على الواجب هو ما دعت الضرورة التي لا تندفع إلا بتقديمه على الواجب إلى تقديمه عليه على خلاف القاعدة المذكورة وله مثل منها الجمع للمسافر وكذا للمريض إذا خاف الغلبة على عقله آخر الوقت فهو متعين لرفع الضرر ومنها الظهر والعصر عند الزوال يوم عرفة فإنه مندوب قدم على واجبين أحدهما تأخير الصلاة لوقتها وهي العصر ترك لأن الجمع لضرورة الحجاج في ذلك اليوم للإقبال على الدعاء والابتهال والتقرب اللائق بعرفة وهو يوم لا يكاد يحصل في العمر إلا مرة بعد ضنك الأسفار وقطع البراري والقفار وإنفاق الأموال من الأقطار البعيدة والأوطان النائية ناسب أن يقدم على مصلحة وقت العصر لأن فوات الزمان هنا للضرورة المذكورة أعظم من فوات الزمان بجمع التقديم بين
224
224
لدفع ضرر التلف وتساغ الغصة بشرب الخمر كذلك وذلك كله لتعين الواجب أو المحرم طريقا لدفع الضرر أما إذا أمكن تحصيل الواجب أو ترك المحرم مع دفع الضرر بطريق آخر من المندوبات أو المكروهات لا يتعين ترك الواجب ولا فعل المحرم ولذلك لا يترك الغسل بالماء ولا القيام في الصلاة ولا السجود لدفع الضرر والألم والمرض إلا لتعينه طريقا لدفع ذلك الضرر وهذا كله قياس مطرد وقد خولف هذا القياس بالجمع المتقدم ذكره وترك الواجب وفعل المندوب في دفع الضرر وكذلك الجمع بعرفة ترك فيه واجبان أحدهما تأخير الصلاة لوقتها وهي العصر فتقدم وتصلى مع الظهر مع إمكان الجمع في تحصيل مصلحة الوقت ودفع الضرر وثانيهما ترك الجمعة إذا جاءت يوم عرفة ويصلى الظهر أربعا فترك الواجب أيضا لا لدفع الضرر لأنه يندفع بالجمع بين العصر والجمعة كما يندفع بالجمع بين الظهر والعصر ولذلك لما حج هارون الرشيد ومعه أبو يوسف واجتمعا بمالك في المدينة على
هامش أنوار البروق
إمامنا الصوم والفطر جائز ومتى كان ترك الركعتين أيضا طريقا متعينا والإتمام سائغ بل ضرر السفر جائز الدفع بذلك وإذا كان الدفع بذلك جائزا فالمكلف مخير في إيقاع الصوم في حال السفر وتأخيره إلى وقت آخر مع اختيار الصوم وكذلك هو مخير في القصر والإتمام مع اختيار القصر فإذا أفطر لم يترك واجبا وإذا قصر كذلك ومن زعم أن المسافر إذا أفطر ترك واجبا لزمه إنكار الواجب الموسع ومن زعم أن المسافر إذا قصر ترك واجبا لزمه إنكار الواجب المخير
قال وكذلك يستعمل المحرم لدفع الضرر كأكل الميتة لدفع ضرر التلف وتساغ الغصة بشرب الخمر كذلك وذلك كله لتعين الواجب أو المحرم طريقا لدفع الضرر قلت إذا أكل المضطر الميتة أو شرب الغاص الخمر فلم يفعل واحد منهما محرما بل فعل واجبا وما هذا الكلام كله إلا كلام من ذهب وهمه إلى أن الحكم الشرعي وصف حقيقي فالتحريم لا يفارق الميتة والخمر بحال وذلك وهم باطل وغلط واضح لا شك فيه
هامش إدرار الشروق
الصلاتين للمسافر لضرورة السفر لأن الإنسان يمكنه أن لا يسافر أو يسافر معه رفقة موافقون على النزول في أوقات الصلوات فهو ضرر يمكن التحرز منه من حيث الجملة بخلاف ضرورة مصالح الحج فإنها أمر لازم للعبد لا خروج له عنها ولا يمكنه العدول عنها إلى غيرها
وثانيها ترك الجمعة إذا جاءت يوم عرفة لأنها وإن كانت أفضل وواجبة قبل الظهر مع الإمكان كما قال أبو يوسف للإمام مالك لما اجتمع به في المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام عام حجه مع هارون الرشيد إلا أن مالكا قال له إن ذلك خلاف السنة فقال له أبو يوسف من أين لك ذلك وأنه خلاف السنة وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس ركعتين قبلهما خطبة
وهذه هي صلاة الجمعة فقال له مالك جهر فيهما أو أسر فسكت أبو يوسف وظهرت الحجة لمالك رضي الله تعالى عنهم أجمعين بسبب الإسرار لأن الجمعة جهرية فلما صلى عليه السلام ركعتين سرا دل ذلك على أنه صلى الظهر سفرية وترك الجمعة
225
225
ساكنها أفضل الصلاة والسلام وقع البحث في ذلك فقال أبو يوسف إذا اجتمع الجمعة والظهر يوم عرفة قدمت الجمعة لأنها أفضل وواجبة قبل الظهر مع الإمكان قال له مالك إن ذلك خلاف السنة فقال له أبو يوسف من أين لك ذلك وأنه خلاف السنة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بالناس ركعتين قبلهما خطبة وهذه هي صلاة الجمعة فقال له مالك جهر فيهما أو أسر فسكت أبو يوسف فظهرت الحجة لمالك رضي الله عنهم أجمعين بسبب الإسرار لأن الجمعة جهرية فلما صلى عليه السلام ركعتين سرا دل ذلك على أنه صلى الظهر سفرية وترك الجمعة والخطبة ليوم عرفة لا ليوم الجمعة لأن عرفة إنما خطبته لتعليم الناس مناسك الحج كانت في يوم الجمعة أم لا والجواب عن الجمع وترك الجمعة بعرفة أيسر من الجواب عن الجمع ليلة المطر
أما الجواب عن عرفة وترك الجمعة فلأن الغالب على الحجيج السفر وفرض المسافر الظهر دون الجمعة فجعل النادر تبعا للغالب فمن هو مقيم بعرفة أو منزله قريب من عرفة فترك الجمعة على هذا التقدير ليس ترك الواجب
وأما ترك تأخير الصلاة إلى وقتها وهي
هامش أنوار البروق
قال أما إذا أمكن تحصيل الواجب أو ترك المحرم مع دفع الضرر بطريق آخر من المندوبات أو المكروهات لا يتعين ترك الواجب ولا فعل المحرم قلت لا يتعين ترك واجب ولا فعل محرم إلا بمعنى ما كان واجبا في غير هذه الحال ومحرما كذلك ثم قال ولذلك لا يترك الغسل بالماء ولا القيام في الصلاة ولا السجود لدفع الضرر والألم والمرض إلا لتعينه طريقا لدفع الضرر وهذا كله قياس مطرد قلت إذا تعين ترك ما ذكره طريقا لدفع الضرر صارت تلك الواجبات غير واجبة وهذا كله قياس مطرد قال وقد خولف هذا القياس بالجمع المتقدم ذكره وترك الواجب وفعل المندوب في دفع الضرر قلت إن أراد ترك الواجب في غير هذه الحال فذلك صحيح ولا يفيده ذلك مقصوده وإن أراد
هامش إدرار الشروق
وإن الخطبة ليوم عرفة ولو لم يكن يوم الجمعة لتعليم الناس مناسك الحج لا ليوم الجمعة وذلك لأن الغالب على الحجيج السفر وفرض المسافر الظهر دون الجمعة فجعل النادر وهو المقيم بعرفة ومن منزلته قريب منها تبعا للغالب في ترك الجمعة فترك الجمعة على هذا التقدير ليس ترك الواجب وليس من مثله الجمع بين المغرب والعشاء للظلام والمطر والطين الذي وردت به السنة أما أولا فلأن تأخير الصلاة إلى وقتها ليس واجبا على الإطلاق بل هو واجب فيما عدا الحال التي شرع فيها الجمع أما في الحال التي شرع فيها الجمع كما هنا فليس تأخير صلاة العشاء مثلا إلى وقتها من الواجب بل هو جائز كما أن تقديمها إلى وقت الأولى ليس بواجب أصلا بل هو جائز إلا أن تقديمها لتحصيل فضل الجماعة أولى من تأخيرها إلى وقتها فلم يضع واجب بالجمع ولا قدم مندوب على واجب ولا خولفت في ذلك القاعدة المذكورة
وأما ثانيا فلأنا لو سلمنا أن تأخير العشاء إلى وقتها واجب هنا أيضا وأن هذا الواجب إنما
226
226
العصر فلضرورة الحجاج في ذلك اليوم للإقبال على الدعاء والابتهال والتقرب اللائق بعرفة وهو يوم لا يكاد يحصل في العمر إلا مرة بعد ضنك الأسفار وقطع البراري والقفار وإنفاق الأموال من الأقطار البعيدة والأوطان النائية فناسب أن يقدم هذا على مصلحة وقت العصر ويكون هذا ضررا يوجب التقديم كما يوجب فوات الزمان التقديم في حق المسافر يجمع بين الصلاتين بل هذا أعظم من فوات الزمان لأن الإنسان يمكنه أن لا يسافر أو يسافر معه رفقة موافقين على النزول في أوقات الصلوات فهو ضرر يمكن التحرز منه من حيث الجملة أما مصالح الحج فأمر لازم للعبد ولا خروج له عنها ولا يمكن العدول عنها إلى غيرها فهذا جواب يمكن أن يقال في جمع عرفة دون جمع ليلة المطر
وأما جمع المسافر والمريض إذا خاف الغلبة على عقله آخر الوقت فهو متعين لدفع الضرر بخلاف جمع المطر لم يتعين ترك الواجب لدفع الضرر ولو لم يجمع المسافر والمريض ضاع الواجب آخر الوقت وهو الصلاة الأخيرة بغيبة العقل وضرورة المرض أو دخل الضرر بفوات الرفاق والجمع ليلة المطر لو ترك إنما يفوت المندوب الذي هو الجماعة
وأما
هامش أنوار البروق
ترك الواجب في حال شرعية الجمع فليس تأخير الصلاة إلى وقتها بواجب فلم يترك واجبا بل صارت الأخيرة في هذه الحال من الواجب الموسع بالنسبة إلى وقتها ووقت الأولى ومن فعل الواجب الموسع في أول أجزاء وقته الموسع لم يترك واجبا أصلا وإنما السبب فيما ارتكبه ذهاب الوهم إلى أن تأخير الصلاة إلى وقتها واجب على الإطلاق وأن تأخير الصلاة هو بعينه الواجب وليس تأخير الصلاة إلى وقتها واجبا على الإطلاق ولا هو بعينه الواجب أما كونه ليس واجبا على الإطلاق فلما قد سبق بيانه
وأما كونه ليس هو بعينه الواجب فلأن الواجب إنما هو الصلاة والتأخير والتقديم أمران إضافيان فمتى نسب الوجوب إلى التأخير أو إلى التقديم فليس على ظاهره بل المقصود بوجوب التأخير وجوب فعل الصلاة مؤخرة وبوجوب التقديم وجوب فعلها مقدمة وإذا كان الأمر كذلك فلا يخفى على من فهم شيئا من مقاصد الشرع أن المكلف في حال المطر مخير بين إيقاع صلاة العشاء مقدمة قبل وقتها المحدود لها في غير هذه الحال إيثارا لإحراز فضيلة الجماعة وبين إيقاعها فذا في
هامش إدرار الشروق
ضاع بالمندوب الذي هو وصف الجماعة لما يلحق الجماعة من الضرر الحاصل إما بخروجهم من المسجد إلى بيوتهم وعودهم لصلاة العشاء وإما بإقامتهم في المسجد حتى يدخل وقت العشاء ويصلوها لا نسلم أن هذا الضرر لا يندفع إلا بالجمع لجواز دفعه بغيره أيضا وهو تفويت فضيلة الجماعة بأن يخرجوا الآن ويصلوا في بيوتهم أفذاذا فقد تعارض واجب ومندوب في دفع هذه الضرورة عن المكلف والمعهود في الشريعة أن محل دفع الضرر بترك الواجب وتقديم المندوب عليه إذا تعين ذلك طريقا لدفع الضرر وإلا وجب تقديم الواجب وترك المندوب على القاعدة
وأما ثالثا فلأنا ولو سلمنا أنه مع هذا التعارض وعدم تعين ترك الواجب طريقا لدفع الضرر ولا يجب تقديم الواجب مطلقا لأن المندوبات قسمان قسم تقصر مصلحته عن مصلحة الواجب
وهذا هو الغالب فإن أوامر الشرع تتبع المصالح الخالصة أو الراجحة ونواهيه تتبع المفاسد الخالصة أو الراجحة حتى يكون أدنى رتب المصالح والندب يترتب عليه الثواب ثم
227
227
الصلوات فتصلى على أفضل الأحوال في البيوت عند دخول الأوقات فهذا جمع يختص بهذا السؤال القوي والجواب عنه إذا حصل يقوي الجواب يوم عرفة فنشرع في الجواب عنه فإنه من الأسئلة المشكلة فنقول إن المندوبات قسمان قسم تقصر مصلحته عن مصلحة الواجب وهذا هو الغالب فإن أوامر الشرع تتبع المصالح الخالصة أو الراجحة ونواهيه تتبع المفاسد الخالصة أو الراجحة حتى يكون أدنى المصالح يترتب عليه الثواب ثم تترقى المصلحة والندب وتعظم رتبته حتى يكون أعلى رتب المندوبات تليه أدنى رتب الواجبات وأدنى رتب المفاسد يترتب عليها أدنى رتب المكروهات ثم تترقى المفاسد والكراهة في العظم حتى يكون أعلى رتب المكروهات يليه أدنى رتب المحرمات هذا هو القاعدة العامة ثم إنه قد وجد في الشريعة مندوبات أفضل من الواجبات وثوابها أعظم من ثواب الواجبات وذلك يدل على أن مصالحها أعظم من مصالح الواجبات لأن الأصل في كثرة الثواب وقلته كثرة المصالح وقلتها ألا ترى أن ثواب التصدق بدينار أعظم من ثواب التصدق بدرهم لأنه أعظم مصلحة وسد خلة الوالي الصالح أعظم من سد خلة الفاسق الطالح لأن مصلحة بقاء الولي والعالم في الوجود
هامش أنوار البروق
وقتها المذكور ولا غرو في التخيير بين أمر راجح ومرجوح وفاضل ومفضول كما في خصال الكفارة فإن العتق أرجحها لرجحان قيمة الرقبة على قيمة الكسوة والإطعام في غالب العادة بل كما في رقبة قيمتها ألف ورقبة قيمتها مائة وكما في التخيير بين إطالة سجود الصلاة وتقصيره وذلك لا يحصى كثرة في الشريعة
قال وكذلك الجمع بعرفة ترك فيه واجبان إلى منتهى قوله فنشرع في الجواب عنه فإنه من الأسئلة المشكلة قلت ما قاله ذلك صحيح لا بأس به
قال فنقول إن المندوبات قسمان قسم تقصر مصلحته عن مصلحة الواجب وهذا هو الغالب فإن أوامر الشرع تتبع المصالح الخالصة أو الراجحة ونواهيه تتبع المفاسد الخالصة أو الراجحة إلى قوله هذا هو القاعدة العامة
هامش إدرار الشروق
تترقى المصلحة والندب وتعظم رتبته حتى يكون أعلى رتب المندوبات تليه أدنى رتب الواجبات وأدنى رتب المفاسد يترتب عليها أدنى رتب المكروهات ثم تترقى المفاسد والكراهة في العظم حتى يكون أعلى رتب المكروهات يليه أدنى المحرمات وقسم من المندوبات لا تقصر مصلحته عن مصلحة الواجب بل تارة يساوي الواجب وتارة يفضله فيها فما ورد في الشريعة من تقديم المندوبات على الواجب كما هنا فإن المندوب الذي هو أداء العشاء في جماعة يجمعها مع العشاء قدم على الواجب الذي هو أداؤها في وقتها يجب حمله على هذا القسم سواء أعلمنا أن مصلحة ذلك المندوب أعظم ثوابا من مصلحة ذلك الواجب أو أنهما متساويان فيها أو لم نعلم ذلك أما إذا علمنا أن مصلحته أكثر كما في المندوبات التي وجد في الشريعة أنها أعظم من الواجبات وأن ثوابها أعظم من ثواب الواجبات فدلنا ذلك على أن مصالحها أعظم من مصالح الواجبات فلا كلام كما إذا علمنا التساوي لأن لله تعالى أن يفضل
228
228
لنفسه وللخلق أعظم من مصلحة الفاسق وعلى هذا القانون هذه هي القاعدة العامة في غالب موارد الشريعة مع أنه قد وقع في الشريعة مواضع مستوية في المصلحة وأحدها أكثر ثوابا كقراءة الفاتحة داخل الصلاة أكثر ثوابا من قراءتها خارج الصلاة لوجوبها داخل الصلاة وشاة الزكاة الواجبة أعظم ثوابا من شاة صدقة التطوع مع مساواتها لنفسها ودينار الزكاة أكثر ثوابا من دينار صدقة التطوع
وهو في الشريعة قليل ولله تعالى أن يفضل أحد المتساويين على الآخر بإرادته مع أنه يجوز أن يكون في أحد هذين المتساويين مصلحة لم يطلع عليها أحد بسبب قصد الوجوب فيه أو وقوعه في حيز الواجب إذا ظهر أن كثرة الثواب تدل على كثرة المصلحة غالبا أو مطلقا فأذكر من المندوبات التي فضلها الشرع على الواجبات سبع صور الصورة الأولى إنظار المعسر بالدين واجب وإبراؤه منه مندوب إليه وهو أعظم أجرا من الإنظار لقوله تعالى وأن تصدقوا خير لكم فجعله أفضل من الإنظار وسبب ذلك أن مصلحته أعظم لاشتماله على الواجب الذي هو الإنظار فمن أبرئ مما عليه فقد حصل له الإنظار وهو عدم المطالبة في الحال
هامش أنوار البروق
قلت ما قال صحيح على تسليم أن الأوامر تتبع المصالح والنواهي تتبع المفاسد ولقائل أن يقول إن الأمر بالعكس وهو أن المصالح تتبع الأوامر والمفاسد تتبع النواهي أما في المصالح والمفاسد الأخروية فلا خفاء به فإن المصالح هي المنافع ولا منفعة أعظم من النعيم المقيم والمفاسد هي المضار ولا ضرر أعظم من العذاب المقيم
وأما في المصالح والمفاسد الدنيوية فعلى ذلك دلائل من الظواهر الشرعية كقوله تعالى إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وكقوله تعالى واتقوا الله ويعلمكم الله وكقوله صلى الله عليه وسلم من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه إلى أمثال ذلك مما لا يكاد ينحصر وبالجملة فهذا الموضع محل نظر هذا إن كان يريد بالتبعية حصول هذه بعد حصول هذه وإن أراد بذلك أن الأوامر وردت لتحصل عند امتثالها المصالح وأن النواهي وردت لترتفع عند امتثالها المفاسد فذلك صحيح
قال ثم إنه قد وجد في الشريعة مندوبات أفضل من الواجبات وثوابها أعظم من ثواب الواجبات وذلك يدل على أن مصالحها أعظم من مصالح الواجبات
هامش إدرار الشروق
أحد المتساويين على الآخر بإرادته على أنه يجوز أن يكون في أحد المتساويين مصلحة لم يطلع عليها أحد بسبب قصد الوجوب فيه أو وقوعه في حيز الواجب
وأما إذا لم نعلم ذلك فلأنا نستدل بالأثر على المؤثر ونقول ما قدم صاحب الشرع هذا المندوب على هذا الواجب إلا لكون مصلحته أعظم من مصلحة الواجب وذلك لأنا استقرينا الشريعة فوجدناها مصالح على وجه التفضل من الله تعالى
ولذلك قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إذا سمعتم قراءة كتاب الله تعالى فاستمعوا فإنه إنما يأمركم بخير وينهاكم عن شر هذا كلام الأصل ملخصا إلا أنا نقول قوله إن أوامر الشرع تتبع المصالح ونواهيه تتبع المفاسد محل نظر ولقائل أن يقول إن الأمر بالعكس وهو أن المصالح تتبع الأوامر والمفاسد تتبع النواهي أما في المصالح والمفاسد الأخروية فلا خفاء به فإن المصالح هي المنافع ولا منفعة أعظم من النعيم المقيم والمفاسد هي المضار ولا ضرر أعظم من العذاب المقيم
وأما في المصالح والمفاسد الدنيوية
229
229
الصورة الثانية صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين صلاة أي بسبع وعشرين مثوبة مثل مثوبة صلاة المنفرد كذلك خرجه مسلم في صحيحه وهذه السبع والعشرون مثوبة هي مضافة لوصف صلاة الجماعة خاصة ألا ترى أن من صلى وحده ثم صلى في جماعة حصلت له مع أن الإعادة في جماعة غير واجبة عليه فصار وصف الجماعة المندوب أكثر ثوابا من ثواب الصلاة الواجبة وهو مندوب فضل واجبا فدل ذلك على أن مصلحته عند الله تعالى أكثر من مصلحة الواجب
الصورة الثالثة للصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من ألف صلاة في غيره بألف مثوبة مع أن الصلاة فيه غير واجبة فقد فضل المندوب الذي هو الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم الواجب الذي هو أصل الصلاة وذلك يدل على أن الصلاة في هذا المكان أعظم مصلحة عند الله تعالى وإن كنا لا نعلم ذلك
الصورة الرابعة الصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة في غيره كما
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله في ذلك ليس بمسلم ولا صحيح
قال لأن الأصل في كثرة الثواب وقلته كثرة المصالح وقلتها ألا ترى أن ثواب التصدق بدينار أعظم من ثواب التصدق بدرهم لأنه أعظم مصلحة وسد خلة الولي الصالح أعظم من سد خلة الفاسق الطالح إلى قوله هذه هي القاعدة العامة في غالب موارد الشرع قلت ما ذكره من أن ثواب التصدق بدينار أكثر ثوابا من التصدق بدرهم مسلم صحيح لكن على شرط الاستواء في حال المتصدق والمتصدق عليه من كل وجه أما عند تفاوت حال المتصدق والمتصدق عليه فلا لما في قوله صلى الله عليه وسلم سبق درهم مائة ألف وقد تقدم الكلام فيه
قال مع أنه قد وقع في الشريعة مواضع مستوية في المصالح وأحدها أكثر ثوبا كقراءة الفاتحة داخل الصلاة إلى قوله إذا ظهر أن كثرة الثواب تدل على كثرة المصلحة غالبا أو مطلقا فاذكر من المندوبات التي فضلها الشرع على الواجبات سبع صور قلت ما قاله من استواء مصلحة فاتحة الكتاب داخل الصلاة وخارجها غير مسلم ولم يأت على
هامش إدرار الشروق
فعلى ذلك دلائل من الظواهر الشرعية كقوله تعالى إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وكقوله تعالى واتقوا الله ويعلمكم الله وكقوله صلى الله عليه وسلم من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه إلى أمثال ذلك مما لا يكاد ينحصر نعم إن أراد بذلك أن الأوامر وردت لتحصل عند امتثالها المصالح وإن النواهي وردت لترتفع عند امتثالها المفاسد فذلك صحيح وقوله إنه وجد في الشريعة مندوبات أفضل من الواجبات وثوابها أعظم من ثواب الواجبات فدلنا ذلك على أن مصالحها أعظم من مصالح الواجبات فليس بمسلم ولا صحيح فإن القاعدة أن الواجب أعظم من المندوب بدليل الحديث المتقدم ولا معارض له
وما استدل به من قوله تعالى وأن تصوموا خير لكم نقول بموجبه ولا يلزم منه مقصوده والمناسب للبناء على رعاية المصالح أن يكون الأعظم مصلحة بحيث يبلغ إلى حد مصالح الواجبات واجبا والأدنى مصلحة مندوبا أما أن
230
230
خرجه الثقات ابن عبد البر وغيره مع أن الصلاة فيه غير واجبة فقد فضل المندوب الواجب الذي هو أصل الصلاة من حيث هي صلاة
الصورة الخامسة الصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة مع أن الصلاة فيه غير واجبة فقد فضل المندوب الواجب الذي هو أصل الصلاة
هامش أنوار البروق
ذلك بحجة وما قاله من أن لله تعالى أن يفضل أحد المتساويين على الآخر بإرادته صحيح وكذلك ما قاله من أنه يجوز أن يكون في أحد هذين المتساويين مصلحة لم يطلع عليها أحد بسبب قصد الوجوب فيه أو وقوعه في حيز الواجب
قال الصورة الأولى إنظار المعسر بالدين واجب وإبراؤه منه مندوب إليه إلى آخرها قلت ما قاله في ذلك ليس بمسلم ولا بصحيح بل الإنظار أعظم أجرا من جهة أنه واجب والقاعدة أن الواجب أعظم أجرا من المندوب بدليل الحديث المتقدم ولا معارض له وما استدل به من قوله تعالى وأن تصدقوا خير لكم نقول بموجبه ولا يلزم منه مقصوده وما قاله من أن مصلحة الإبراء أعظم لاشتماله على الواجب الذي هو الإنظار ليس بصحيح لأن الإنظار تأخير الطلب بالدين وهو مستلزم لطلب الدين بعد والإبراء إسقاط بالكلية وهو مستلزم لعدم طلبه بعد فكيف يصح أن يكون ما يستلزم عدم الطلب متضمنا لما يستلزم الطلب
قال الصورة الثانية صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين صلاة إلى آخرها قلت ليست الجماعة متفضلة عن الصلاة بل الجماعة وصف للصلاة فضلت به على وصف الانفراد فصلاة المكلف إذا فعلها في جماعة وقعت واجبة وإذا فعلها وحده وقعت كذلك غير أنه أحد الواجبين أعظم أجرا من الآخر ولا ينكر مثل ذلك وأما أن يقال إن صلاة الظهر مثلا إذا أوقعها المكلف في جماعة فكونها صلاة ظهر هو الواجب وكونها في جماعة هو المندوب فذلك ليس بصحيح بوجه لأن كونها في جماعة ليس منفصلا من كونها ظهرا بل هي ظهر وهي في جماعة
قال الصورة الثالثة الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من ألف صلاة في غيره إلى آخرها قلت إن كانت الصلاة التي تصلى في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم واجبة فهي تفضل تلك الصلاة بنفسها إذا صليت في غيره وإن كانت نافلة فهي تفضل تلك الصلاة بنفسها إذا صليت في غيره
قال الصورة الرابعة الصلاة في المسجد الحرام إلى آخرها قلت الكلام في هذه الصورة كالكلام في التي قبلها
قال الصورة الخامسة الصلاة في بيت المقدس إلى آخرها قلت وهذه الكلام فيها أيضا كالكلام فيما قبلها وحقيقته أن إيقاع الصلاة في مكان ما ليس غير
هامش إدرار الشروق
يكون الأعظم مصلحة مندوبا والأدنى مصلحة واجبا فليس بمناسب لرعاية المصالح بوجه وما مثل به من الصور السبع على أنه من تلك المندوبات فلا يصح شيء منه
أما الصورة الأولى فإن الأعظم فيها أجرا إنما هو إنظار المعسر بالدين من جهة أنه واجب لا كما قال من أن الأعظم أجرا هو إبراؤه منه من جهة اشتماله على الواجب الذي هو الإنظار إذ كيف يصح أن يكون الإبراء الذي هو إسقاط للطلب
231
231
الصورة السادسة روي أن صلاة بسواك خير من سبعين صلاة بغير سواك مع أن وصف السواك مندوب إليه ليس بواجب فقد فضل المندوب الواجب الذي هو أصل الصلاة ويؤكد ذلك قوله عليه السلام في الحديث الآخر لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة قال بعض العلماء هذا يدل على أن مصلحته تصلح للإيجاب ولكن ترك الإيجاب رفقا بالعباد
هامش أنوار البروق
الصلاة حتى يصح أن يقال إن إيقاعها في ذلك المكان مندوب وهي في نفسها واجبة ولكن إيقاع الصلاة في المكان هو نفس الصلاة وتوهم الانفصال أوجب الغلط في مثل هذه الصورة
قال الصورة السادسة روي أن صلاة بسواك خير من سبعين صلاة بغير سواك إلى آخر الصورة قلت ما قاله من أن وصف السواك مندوب صحيح ولكن جعل الشارع الصلاة مع السواك بسبعين صلاة بغير سواك أي فيها ثواب سبعين صلاة بدون سواك فالسواك وإن كان مندوبا سبب في تضعيف ثواب الواجب ولا يلزم من ذلك أن هذا المندوب خير من أصل الصلاة لأجل كونه سببا في تضعيف ثوابها وبيان ذلك أن نص الشارع لا يقتضي أن هذا التضعيف ثواب للسواك وإنما يقتضي أن التضعيف ثواب للصلاة المصاحبة للسواك وما ذهب إليه من أن المندوب الذي هو السواك خير من أصل الصلاة لا دليل عليه من الحديث ولا من غيره
قال الصورة السابعة الخشوع في الصلاة مندوب إليه لا يأثم تاركه فهو غير واجب مع أنه ورد في الصحيح قوله عليه الصلاة والسلام إذا نودي للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا وروي وما فاتكم فاقضوا قال بعض العلماء إنما أمر بعدم الإفراط في السعي لأنه إذا قدم على الصلاة عقيب شدة السعي يكون عنده انبهار وقلق يمنعه من الخشوع اللائق بالصلاة فأمره عليه السلام بالسكينة والوقار واجتناب ما يؤدي إلى فوات الخشوع وإن فاتته الجمعة والجماعات إلى قوله في الحديث ولا يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه الحديث قلت لا يتعين ما قاله ذلك العالم من كون عدم السكينة موجبا لعدم الخشوع سببا للأمر بالسكينة حتى يلزم عن ذلك ترك الواجب الذي هو صلاة الجمعة للمندوب الذي هو الخشوع بل لقائل أن يقول إن الأمر بالسكينة إنما كان لأن ضدها المنهي عنه الذي هو شدة السعي شاغل للبال مناف للحضور الذي هو شرط في صحة الصلاة بحسب الوسع فإذا كانت شدة السعي من كسبه فعدم الحضور المسبب عن الشغل بآثار شدة السعي من الانبهار والقلق من كسبه فليس في الحديث على هذا الوجه ما يدل على تقديم مندوب ولا تفضيله على واجب بل فيه النهي عن التسبب إلى الإخلال
هامش إدرار الشروق
بالكلية ومستلزم لعدم طلبه بعد متضمنا للإنظار الذي هو تأخير الطلب بالدين ومستلزم لطلبه بعد وأما الصورة الثانية فلأن صلاة المكلف نحو الظهر إذا فعلها في جماعة وقعت واجبة
وإذا فعلها وحده وقعت كذلك فليس فيها إلا أن أحد الواجبين أعظم أجرا من الآخر وكونها في جماعة ليس منفصلا من كونها ظهرا حتى إنه هو المندوب بل هي ظهر وهي في جماعة وأما الصورة الثالثة والرابعة والخامسة فلأن الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم أو في المسجد الحرام أو في بيت المقدس إن كانت واجبة فهي
232
232
الصورة السابعة الخشوع في الصلاة مندوب إليه لا يأثم تاركه فهو غير واجب مع أنه قد ورد في الصحيح قوله عليه السلام إذا نودي للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا وروي وما فاتكم فاقضوا قال بعض العلماء إنما أمر بعدم الإفراط في السعي لأنه إذا قدم على الصلاة عقيب شدة السعي يكون عنده انبهار وقلق يمنعه من الخشوع اللائق بالصلاة فأمره عليه السلام بالسكينة والوقار واجتناب ما يؤدي إلى فوات الخشوع وإن فاتته الجمعة
هامش أنوار البروق
بشرط الواجب مع أن منافاة القلق والانبهار للخشوع ليس بالأمر الواضح وإن ثبتت المنافاة بينهما فإنما ذلك من منافاة الحضور إذ الحضور شرط في الخشوع والله أعلم
قال إذا تقرر هذا وظهر أن بعض المندوبات قد تفضل الواجبات في المصلحة إلى قوله طرد القاعدة الشرع في رعاية المصالح قلت لم يتقرر ما قال ولا أقام عليه حجة ولا يصح بناء على قاعدة رعاية المصالح فإنه إذا كانت المصلحة في أمر ما أعظم منها في أمر آخر وبلغ إلى حد مصالح الواجبات فالذي يناسب رعاية المصالح أن يكون الأعظم مصلحة على الوجه المذكور واجبا والأدنى مصلحة مندوبا أما أن يكون الأعظم مصلحة مندوبا ويكون الأدنى مصلحة واجبا فليس بمناسب لرعاية المصالح بوجه
قال ولما وردت السنة الصحيحة بالجمع بين الصلاتين وقدم فيه المندوب الذي هو وصف الجماعة على الواجب الذي هو الوقت قلنا هذا المندوب أعظم مصلحة من ذلك الواجب إلى آخر ما قاله في هذا الفرق قلت لم يقدم المندوب على الواجب ولا يصح على قاعدة مراعاة المصالح أن يكون أعظم مصلحة من الواجب والله أعلم
هامش إدرار الشروق
تفضل على نفسها إذا صليت في غيره وإن كانت نافلة فهي تفضل على نفسها إذا صليت في غيره فليس في هذه الصورة إلا أن أحد الواجبين أو أحد المندوبين أعظم من الآخر
وأما الصورة السادسة فلأن ما روي من أن صلاة بسواك خير من سبعين صلاة بغير سواك لا يقتضي أن هذا التضعيف ثواب السواك الذي هو مندوب وإنما يقتضي أن التضعيف ثواب الصلاة المصاحبة للسواك فلا دليل لا من الحديث ولا من غيره على أن المندوب الذي هو السواك خير من أصل الصلاة
وأما الصورة السابعة فلأن قوله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح إذا نودي للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا وروي وما فاتكم فاقضوا ليس فيه ما يدل على تقديم مندوب وتفضيله على واجب إلا على احتمال أن الأمر بالسكينة والوقار واجتناب الإفراط في السعي الذي يكون عند المكلف عقيبه انبهار وقلق يمنعه من الخشوع اللائق بالصلاة
وإن فاتته الجمعة والجماعات وأما على احتمال أن الأمر بالسكينة إنما كان لأن ضده المنهي عنه الذي هو شدة السعي شاغل للبال مناف للحضور الذي هو شرط في صحة الصلاة بحسب الوسع فيكون عدم الحضور من كسبه لكونه مسببا عما هو من كسبه الذي هو الشغل بآثار شدة السعي من الانبهار والقلق فليس فيه ما يدل على ذلك بل فيه النهي عن التسبب إلى الإخلال بشرط الواجب ولا دلالة مع الاحتمال على أن منافاة القلق والانبهار للخشوع ليس بالأمر الواضح إذ ثبوتها بينهما إنما هو عن
233
233
والجماعات وذلك يدل على أن مصلحة الخشوع أعظم من مصلحة وصف الجمعة والجماعات مع أن الجمعة واجبة فقد فضل المندوب الواجب في هذه الصورة فهي على خلاف القاعدة العامة التي تقدم تقريرها التي شهد لها الحديث في قوله تعالى ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه الحديث
إذا تقرر هذا وظهر أن بعض المندوبات قد تفضل الواجبات في المصلحة فنقول إنا حيث قلنا إن الواجب يقدم على المندوب والمندوب لا يقدم على الواجب حيث كانت مصلحة الواجب أعظم من مصلحة المندوب أما إذا كانت مصلحة المندوب أعظم ثوابا فإنا نقدم المندوب على الواجب كما تقدم في الخشوع وغيره فإذا وجدنا الشرع قدم مندوبا على واجب فإن علمنا أن مصلحة ذلك المندوب أكثر فلا كلام حينئذ وإن لم نعلمها استدللنا بالأثر على المؤثر وقلنا ما قدم صاحب الشرع هذا المندوب على هذا الواجب إلا لمصلحة ومصلحته أعظم من مصلحة الواجب لأنا استقرينا الشرائع فوجدناها مصالح على وجه التفضل من الله تعالى ولذلك قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إذا سمعتم قراءة كتاب الله تعالى فاستمعوا فإنه إنما يأمركم بخير وينهاكم عن شر فحيث لم نعلم ذلك قلنا هو كذلك طرد القاعدة الشرع في رعاية المصالح ولما وردت السنة الصحيحة بالجمع بين الصلاتين وقدم فيه المندوب الذي هو وصف الجماعة على الواجب الذي هو الوقت قلنا هذا المندوب أعظم مصلحة من ذلك الواجب أو مساو للواجب فخير الشرع بينهما وجعل له اختيار أحدهما فاندفع السؤال حينئذ
الفرق السادس والثمانون الفرق بين قاعدة ما يكثر الثواب فيه والعقاب وبين قاعدة ما يقل الثواب فيه والعقاب
اعلم أن الأصل في كثرة الثواب وقلته وكثرة العقاب وقلته أن يتبعا كثرة المصلحة
هامش أنوار البروق
قال الفرق السادس والثمانون بين قاعدة ما يكثر الثواب فيه والعقاب وبين قاعدة ما يقل الثواب فيه والعقاب اعلم أن الأصل في كثرة الثواب وقلته وكثرة العقاب وقلته أن يتبعا كثرة المصلحة في الفعل وقلتها كتفضيل التصدق بالدينار على التصدق بالدرهم إلى قوله وهذا هو غالب الشريعة
هامش إدرار الشروق
منافاة الحضور الذي هو شرط في الخشوع فافهم أفاده ابن الشاط والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق السادس والثمانون بين قاعدة ما يكثر الثواب فيه والعقاب وبين قاعدة ما يقل الثواب فيه والعقاب
يكثر الثواب أو العقاب غالبا في أحد فعلين وقعت المساواة بينهما من كل وجه فيما عدا المصلحة
234
234
في الفعل وقلتها كتفضيل التصدق بالدينار على التصدق بالدرهم وإنقاذ الغريق من بني آدم مع إنقاذ الغريق من الحيوان البهيمي وإثم الأذية في الأعراض والنفوس أعظم من الأذية في الأموال وهذا هو غالب الشريعة وقد يستوي الفعلان في المصلحة والمفسدة من كل وجه ويوجب الله تعالى أحدهما دون الآخر كتكبيرة الإحرام مع غيرها من التكبيرات وسجدة التلاوة مع سجدة الصلاة وسجدة النافلة مع سجدة الفريضة وكذلك الركوع فيهما بل قد تترك هذه القاعدة وتعكس بأن يصير الأقل أكثر ثوابا كتفضيل القصر على الإتمام مع اشتمال الإتمام على مزيد الخشوع والإجلال وأنواع التقرب وكتفضيل
هامش أنوار البروق
قلت إن أراد أن ذلك أمر يدرك بالعقل ويلزم فيه فليس ما قاله بصحيح فإن ترتب الثواب والعقاب على الأعمال لا مجال للعقل فيه فإنه من باب وقوع أحد الجائزين وإن أراد أن ذلك أمر يدرك شرعا ويلزم فيه فما قاله صحيح لكن ليس ذلك على الإطلاق بل ذلك إذا وقعت المساواة من كل وجه ولم يقل التفاوت إلا في المصلحة خاصة
قال وقد يستوي الفعلان في المصلحة والمفسدة من كل وجه ويوجب الله تعالى أحدهما دون الآخر كتكبيرة الإحرام مع غيرها من التكبيرات وسجدة التلاوة مع سجدة الصلاة وسجدة النافلة مع سجدة الفريضة وكذلك الركوع فيهما قلت ما قاله لا يصح على قاعدة مراعاة المصالح وأنها إذا بلغت إلى حدها في الكثيرة لزم الوجوب وإذا لم تبلغ فلا بد من الثواب وعلى ذلك يلزم إذا تساوت أن يلزم الوجوب في المتساويين إن بلغت مصلحتهما إلى رتبة الواجبات أو الندب فيهما وإن لم تبلغ إلى تلك الرتبة وما أورده من الأمثلة لا نسلم فيها المساواة لم يأت على دعوة المساواة فيها بحجة غير ما سبق إلى الوهم بذلك بسبب المساواة في الصورة والمقدار وذلك لا دليل فيه
هامش إدرار الشروق
خاصة أو المفسدة خاصة على حسب ما يدرك فيه شرعا من كثرة المصلحة أو المفسدة مثلا ثواب التصدق بدينار أكثر من ثواب التصدق بدرهم لأن مصلحة الدينار أعظم من مصلحة الدرهم عند استواء حال المتصدق والمتصدق عليه من كل وجه أما عند تفاوت حال المتصدق والمتصدق عليه فلا لقوله صلى الله عليه وسلم سبق درهم مائة ألف وسد خلة الولي الصالح أعظم من سد خلة الفاسق الطالح لأن مصلحة بقاء الولي والعالم في الوجود لنفسه وللخلق أعظم من مصلحة بقاء الفاسق وإنقاذ الغريق من بني آدم لعظيم مصلحة بقائه أعظم من إنقاء الغريق من الحيوان البهيمي وإثم الأذية في الأعراض والنفوس لعظم مفسدتها أعظم من إثم الأذية في الأموال وعلى هذا القانون في غالب الشريعة وقد يكثر الثواب أو العقاب في أحد الفعلين المذكورين على خلاف هذا القانون بأن يصير الأقل مفسدة أكثر عقابا والأقل مصلحة أكثر ثوابا كتفصيل القصر على الإتمام مع اشتمال الإتمام على مزيد الخشوع والإجلال وأنواع التقرب وكتفضيل الصبح على سائر الصلوات عندنا بناء على أنها الصلاة الوسطى وكتفضيل العصر على رأي أبي حنيفة بناء على أنها الصلاة الوسطى مع تقصير القراءة فيها بالنسبة إلى الظهر وكتفضيل ركعة الوتر على ركعتي الفجر ومن ذلك ما ورد في الحديث الصحيح أن النبي عليه السلام قال من قتل الوزغة في الضربة الأولى فله مائة حسنة
235
235
الصبح على سائر الصلوات عندنا بناء على أنها الصلاة الوسطى وكتفضيل العصر على رأي أبي حنيفة مع تقصير القراءة فيها بالنسبة إلى الظهر وكتفضيل ركعة الوتر على ركعتي الفجر ومن ذلك ما ورد في الحديث الصحيح أن النبي عليه السلام قال من قتل الوزغة في الضربة الأولى فله مائة حسنة ومن قتلها في الثانية فله سبعون حسنة فكلما كثر الفعل كان الثواب أقل وسبب ذلك أن تكرار الفعل والضربات في القتل يدل على قلة اهتمام الفاعل بأمر صاحب الشرع إذ لو قوي عزمه واشتدت حميته لقتلها في الضربة الأولى فإنه حيوان لطيف لا يحتاج إلى كثرة متونة في الضرب فحيث لم يقتلها في الضربة الأولى دل ذلك على ضعف عزمه فلذلك ينقص أجره عن المائة إلى السبعين والأصل هو ما تقدم أن قاعدة كثرة الثواب كثرة الفعل وقاعدة قلة الثواب قلة الفعل فإن كثرة الأفعال في القربات تستلزم كثرة المصالح غالبا ولله تعالى أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا راد لحكمه ولا معقب لصنعه
هامش أنوار البروق
قال بل قد تترك هذه القاعدة وتعكس بأن يصير الأقل أكثر ثوابا كتفضيل القصر على الإتمام مع اشتمال الإتمام على مزيد الخضوع والإجلال وأنواع التقرب وكتفضيل الصبح على سائر الصلوات عندنا بناء على أنها الصلاة الوسطى وكتفضيل العصر على رأي أبي حنيفة مع تقصير القراءة فيها بالنسبة إلى الظهر وكتفضيل ركعة الوتر على ركعتي الفجر إلى آخر الفرق قلت قد اعترف بأنها قاعدة غير مطردة وأن الأمر في ذلك إلى الله تعالى يفضل ما شاء على ما شاء وهذا هو الصحيح لا ما سواه والله أعلم
هامش إدرار الشروق
ومن قتلها في الثانية فله سبعون حسنة فدل على أنه كلما كثر الفعل كان الثواب أقل وما ذلك إلا لأنه لما لم يقتلها في الضربة وهي حيوان لطيف لا يحتاج إلى كثرة متونة في الضرب دل على ضعف عزمه وقلة اهتمامه بأمر صاحب الشرع فنقص أجره عن المائة إلى السبعين وإن كثر فعله على خلاف القاعدة إذ لله تعالى أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا راد لحكمه ولا معقب لصنعه قلت ومن ذلك أيضا ما ذهب إليه الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى من تفضيل المدينة على مكة إذ لا معنى لتفضيل مكة عليها عند غيره من الأئمة إلا أن ثواب العمل في مكة أكثر من ثواب العمل فيها
وقد قال مالك إن أسباب التفضيل لا تنحصر في مزيد المضاعفة فالصلوات الخمس بمنى عند التوجه لعرفة أفضل منها بمسجد مكة وإن انتفت عنها المضاعفة فافهم قال ابن الشاط ما حاصله ولم يثبت في الشريعة ما يصلح أن يكون دليلا على تفضيل الله تعالى أحد الفعلين المتساويين في المصلحة على الآخر وقاعدة مراعاة المصالح وإنها إذا بلغت إلى حدها في الكثرة لزم الوجوب وإذا لم تبلغ فلا بد من الثواب والندب تقتضي لزوم الوجوب في المتساويين معا إن بلغت مصلحتهما إلى رتبة الواجبات أو الندب فيهما معا وإن لم تبلغ مصلحتهما إلى تلك الرتبة فوجب حمل المتساويين في المصلحة حينئذ على ما تقتضيه هذه القاعدة فتأمل ا ه والله أعلم

236
236
الفرق السابع والثمانون الفرق بين قاعدة ما يثبت في الذمم وبين قاعدة ما لا يثبت فيها
اعلم أن المعينات المشخصات في الخارج المرئية بالحس لا تثبت في الذمم ولذلك أن من اشترى سلعة معينة فاستحقت انفسخ العقد ولو ورد العقد على ما في الذمة كما في السلم فأعطاه ذلك وعينه فظهر ذلك المعين مستحقا رجع إلى غيره لأنه تبين أن ما في الذمة لم يخرج منها وكذلك إذا استأجر دابة معينة للحمل أو غيره فاستحقت أو ماتت انفسخ العقد ولو استأجر منه حمل هذا المتاع من غير تعيين دابة أو على أن يركبه إلى مكة من غير تعيين مركوب معين فعين له لجميع ذلك دابة للحمل أو لركوبه فعطبت أو استحقت رجع فطالبه بغيرها لأن المعقود عليه غير معين بل في الذمة فيجب عليه الخروج منه بكل معين شاء ويظهر أثر ذلك في قاعدة أخرى فإن المطلوب متى كان في
هامش أنوار البروق
قال الفرق السابع والثمانون بين قاعدة ما يثبت في الذمم وبين قاعدة ما لا يثبت فيها إلى قوله فيقبل ما لا يتعلق منها البدل والمعين لا يقبل البدل والجمع بينهما محال قلت ما قاله في ذلك صحيح ما عدا قوله بل يتعلق الحكم فيه بالأمور الكلية والأجناس المشتركة فإنه إن أراد أن الحكم يتعلق بالأمور الكلية من حيث هي كلية فليس ذلك بصحيح وإن أراد أن الحكم يتعلق بالأمور الكلية أي بواحد غير معين منها فذلك صحيح وقد سبق التنبيه على مثل هذا
قال وهذا الفرق بين هاتين القاعدتين يظهر أثره في المعاملات والصلوات والزكوات فلا ينتقل
هامش إدرار الشروق
الفرق السابع والثمانون بين قاعدة ما يثبت في الذمم وبين قاعدة ما لا يثبت فيها
الذي لا يثبت في الذمم هو المعينات المشخصات في الخارج المرئية بالحس والذي يثبت فيها هو ما عداها ويظهر أثر ذلك في المعاملات وفي الصلوات والزكوات أما في المعاملات ففي قاعدتين إحداهما قاعدة الاستحقاق أو الموت لما وقع العقد عليه يوجب في المعين انفساخ العقد وفي غير المعين لا يوجبه فإذا اشترى سلعة معينة فاستحقت انفسخ العقد أو ما في الذمة كما في السلم فأعطاه ذلك وعينه ثم استحق لم ينفسخ العقد بل يرجع إلى غير ما استحق لأنه تبين أن ما في الذمة لم يخرج منها وإذا استأجر دابة معينة للحمل أو غيره كالركوب فاستحقت أو ماتت انفسخ العقد أو غير معينة لذلك فعطبت أو استحقت لم ينفسخ العقد بل يطالبه بغيرها لأن المعقود عليه غير معين بل في الذمة فيجب الخروج منه بكل معين شاء القاعدة الثانية قاعدة التخيير في تسليم المعقود عليه وعدمه فمتى كان في الذمة كان لمن هو عليه أن يتخير بين الأمثال ويعطي أي مثل شاء ومتى كان معينا من تلك الأمثال لم يكن له الانتقال عنه إلى غيره
237
237
الذمة فإن لمن هو عليه أن يتخير بين الأمثال ويعطي أي مثل شاء ولو عقد على معين من تلك الأمثال لم يكن له الانتقال عنه إلى غيره فلو اكتال رطل زيت من خابية وعقد عليه لم يكن له أن يعطي غيره من الخابية
وكذلك إذا فرق صبرته صيعانا فعقد على صاع منها بعينه لم يكن له الانتقال عنه إلى غيره من تلك الأمثال ولو كان في الذمة لكان له الخروج عنه بأي مثل شاء من تلك الأمثال فهذا أيضا يوضح لك أن المعينات لا تثبت في الذمم وأن ما في الذمم لا يكون معينا بل يتعلق الحكم فيه بالأمور الكلية والأجناس المشتركة فيقبل ما لا يتعين منها البدل والمعين لا يقبل البدل والجمع بينهما محال وهذا الفرق بين هاتين القاعدتين يظهر أثره في المعاملات والصلوات والزكوات فلا ينتقل الأداء إلى الذمة إلا إذا خرج وقته لأنه معين بوقته والقضاء ليس له وقت معين يتعين حده بخروجه فهو في الذمة والقاعدة أن من شرط الانتقال إلى الذمة تعذر المعين كالزكاة مثلا ما دامت معينة بوجود نصابها لا تكون في الذمة فإذا تلف النصاب بعذر لا يضمن
هامش أنوار البروق
الأداء إلى الذمة إلا إذا خرج وقته لأنه معين بوقته والقضاء ليس له وقت معين يتعين حده بخروجه فهو في الذمة قلت ما قاله هنا ليس بصحيح فإنه لا فرق بين الأداء والقضاء في كون كل واحد منهما في الذمة فإن الأفعال لا تتعين إلا بالوقوع وكل فعل لم يقع لا يصح أن يكون معينا وما قاله من أن الفعل الموقت معين بوقته لا يفيده المقصود فإنه وإن كان معينا بوقته أي وقته معين فهو غير معين بمكانه وسائر أحواله
قال والقاعدة أن من شرط الانتقال إلى الذمة تعذر المعين كالزكاة مثلا ما دامت معينة بوجود نصابها لا تكون في الذمة فإذا تلف النصاب بعذر لا يضمن نصيب الفقراء ولا ينتقل الواجب إلى الذمة
هامش إدرار الشروق
فلو اكتال رطل زيت من خابية وعقد عليه لم يكن له أن يعطي غيره من الخابية وإذا فرق صبرته صيعانا فعقد على صاع منها بعينه لم يكن له الانتقال عنه إلى غيره من تلك الأمثال
وأما إذا عقد على صاع غير معين من جنس هذه الصبرة أو على رطل غير معين من جنس هذا الزيت فإن المعقود عليه لعدم تعينه يكون في الذمة فله الخروج عنه بأي مثل شاء من تلك الأمثال وبالجملة فالمعينات لا تثبت في الذمم وما في الذمم لا يكون معينا بل يتعلق الحكم فيه بواحد غير معين من الأمور الكلية والأجناس المشتركة فيقبل ما لا يتعين منها البدل والمعين لا يقبل البدل والجمع بينهما محال
وأما في الصلوات والزكوات ففي قاعدة أن من شرط الانتقال إلى الذمة تعذر المعين والصلاة من حيث إنها فعل لا تعين لها ما لم تقع من أداء الصلوات التي لم تقع مع بقاء وقتها وقضاء الصلوات التي لم تقع مع خروج وقتها يكون في الذمة إذ لا يصح في الفعل الذي لم يقع وإن تعين بتعين وقته أن يكون معينا لأن تعينه بتعين وقته لا يقتضي جعله معينا بمكانه وسائر أحواله والزكاة من حيث إنها حق واجب في المال المعين لا تكون إلا حقا معينا بمعنى أنه جزء لمعين فلا تكون في الذمة ما وجد نصابها فإذا تلف بعذر لم ينتقل الحق الواجب لتعينه إلى الذمة فلا يضمن مالك النصاب حينئذ نصيب الفقراء وإذا تلف بغير عذر ترتب الحق الواجب
238
238
نصيب الفقراء ولا ينتقل الواجب إلى الذمة وكذلك الصلاة إذا تعذر فيها الأداء بخروج وقتيها لعذر لا يجب القضاء وإن خرج لغير عذر ترتبت في الذمة ووجب القضاء ولا يعتبر في القضاء التمكن من الإيقاع أول الوقت خلافا للشافعي رحمه الله كما لا يعتبر في ضمان الزكاة تأخر الجائحة عن الزرع أو الثمرة بعد زمن الوجوب وكما لو باع صاعا من صبرة وتمكن من كيلها ثم تلفت الصبرة من غير البائع فإنه لا يخاطب بالتوفية من جهة أخرى ولا ينتقل الصاع للذمة ولذلك أجمعنا في المسافر يقيم والمقيم يسافر على اعتبار آخر الوقت وهذا الفرق قد خالفناه أيها المالكية في صورتين إحداهما في النقدين عندنا لا يتعين بالتعيين وإنما تقع المعاملة بهما على الذمم
وإن عينت إلا أن تخص بأمر يتعلق به الغرض كشبهة في أحدهما أو سكة رائجة دون النقد الآخر ولو غصب غاصب دينارا معينا فله أن يعطي غيره مثله في المحل ويمنع ربه من أخذ ذلك المعين المغصوب وعلل ذلك أصحابنا بأن خصوصات الدنانير والدراهم لا تتعلق بها الأغراض فسقط
هامش أنوار البروق
وكذلك الصلاة إذ تعذر فيها الأداء بخروج وقتها لعذر لا يجب القضاء وإن خرج لغير عذر ترتبت في الذمة ووجب القضاء قلت تسويته بين الصلاة والزكاة ليست بصحيحة فإن الزكاة حق واجب في المال المعين فالحق متعين بمعنى أنه جزء لمعين وأما الصلاة فليست كذلك فإنها فعل والأفعال لا تعين لها ما لم تقع
قال ولا يعتبر في القضاء التمكن من الإيقاع أول الوقت خلافا للشافعي رحمه الله كما لا يعتبر في ضمان الزكاة تأخر الجائحة عن الزرع أو الثمرة إلى قوله ولذلك أجمعنا في المسافر يقيم والمقيم يسافر على اعتبار الوقت قال وهذا الفرق قد خالفناه أيها المالكية في صورتين إحداها في النقدين عندنا لا يتعين بالتعيين وإنما تقع المعاملة بهما على الذمم وإن عينت إلا أن تختص بأمر يتعلق به
هامش إدرار الشروق
في الذمة فيضمن مالك النصاب حينئذ نصيب الفقراء ولا يعتبر في الضمان تأخر الجائحة عن زمن الوجوب في الزرع أو الثمرة مثلا فافهم والله أعلم وصل هذا الفرق غير مطرد عند المالكية بل خالفوه في صورتين
الصورة الأولى قولهم لا يتعين النقدان بالتعيين وإنما تقع المعاملة بهما على الذمم وإن عينت النقود إلا أن تختص بأمر يتعلق به الغرض كشبهة في أحدهما أو سكة رائجة دون النقد الآخر وأنه إذا غصب غاصب دينارا معينا فله أن يعطي غيره مثله في المحل ويمنع ربه من أخذ ذلك المعين المغصوب معللين بأن خصوصات الدنانير والدراهم لا تتعلق بها الأغراض فسقط اعتبارها في نظر الشرع إذ لا يعتبر صاحب الشرع إلا ما فيه نظره صحيح ويرد عليه سؤالان أحدهما أنه يلزمه أن لا تكون أعيان الدراهم والدنانير مملوكة أيضا إذ لو كانت الخصوصات مملوكة لكان لصاحب المعين المطالبة بملكه وأخذه المعين من الغاصب والمشتري واللازم باطل لأنهم يقولون إن للغاصب المنع من المعين وكذلك المشتري في العقود وإذا لم تملك أعيان الدنانير والدراهم عندهم لم يكن المملوك إلا الجنس الكلي والجنس الكلي لا يصح أن يملك أما على قول نافيه فظاهر
وأما على قول مثبته فلأنه ذهني صرف والذهني الصرف لا يتأتى ملكه فيلزم على هذا القول أن من ملك
239
239
اعتبارها في نظر الشرع فإن صاحب الشرع إنما يعتبر ما فيه نظر صحيح ولزمهم على ذلك سؤالان أحدهما يلزم أن أعيان الدنانير والدراهم لا تملك أيضا لأجل أن للغاصب المنع من المعين وكذلك المشتري في العقود ولو كانت الخصوصات مملوكة لكان لصاحب المعين المطالبة بملكه وأخذه المعين من الغاصب والمشتري فلا يكون المملوك عندهم إلا الجنس الكلي دون الشخصي ومتى شخص من الجنس شيء لا يملك خصوصه ألبتة وهو أمر شنيع وثانيهما أنا اتفقنا على أن الصيعان المستوية والأرطال المستوية من الزيت تملك أعيانها وإنما تعين بالتعيين مع أن الأغراض مستوية في تلك الأفراد فهي نقض كبير عليهم ولهم الجواب عن الأول بالتزامه والشناعة لا عبرة بها من غير دليل شرعي
وقد تمسكوا بدليل صحيح وهو أن الشرع لا يعتبر ما لا غرض فيه وهذا كلام حق وعن الثاني الفرق بين النقدين وغيرهما فإنهما وسائل لتحصيل الأغراض من السلع والمقاصد إنما هي السلع وإذا كانت السلع مقاصد وقعت المشاحنة من تعييناتها بخلاف الوسائل اجتمع فيها أمران أحدهما أنها وسائل والثاني عدم تعلق الأغراض بخلاف المقاصد فيها حيثية واحدة فظهر الفرق واندفع النقض
هامش أنوار البروق
الغرض كشبهة في أحدهما أو سكة رائجة دون النقد الآخر إلى قوله فظهر الفرق واندفع النقض
هامش إدرار الشروق
دينارا أو غيره من النقود إما أن نقطع بأنه لم يملك شيئا عند من ينفي الأجناس أو يقع الشك في أنه ملكه أو لم يملكه عند من يشك في الأجناس وهذا كله خروج عن المعقول ولا شك في شناعته فلا وجه لالتزامه وعدم الالتفات لشناعته وكيف يسوغ لعاقل التزام ما لا يصح ولا يعقل قاله ابن الشاط
قلت وأنت خبير بأنه على ما حققه الجلال الدواني وغيره من المحققين من أن الجنس قد يعتبر لا بشرط شيء من تشخص أو كلية فيتحقق أفراده وهو الحق كما مر التنبيه عليه لا يظهر أنه يلزم على هذا القول أن من ملك دينارا أو غيره من النقود لم يملك شيئا أو يقع الشك في ملكه وعدمه بل إنما يلزم عليه أنه مالك الجنس المتحقق في فرد ما فتأمل بإنصاف السؤال الثاني أنهم وافقوا الجمهور على أن الصيعان المستوية من الصبرة والأرطال المستوية من الزيت تملك أعيانها وإنما تعين بالتعيين مع أن الأغراض مستوية في تلك الأفراد استواءها في أعيان النقود وقول الأصل إن الصيعان والأرطال المستوية وسائل لتحصيل الأغراض من السلع والمقاصد إنما هي السلع فتقع المشاحنة من تعييناتها من حيث إنها مقاصد والسلع وإن لم تتعلق الأغراض بأفرادها كأعيان النقود إلا أن أعيان النقود تفارقها في أنها وسائل لتحصيل الأغراض من السلع فاجتمع فيها أمران كونها وسائل وعدم تعلق الأغراض بخلاف السلع فلم يوجد إلا الثاني فقط قال ابن الشاط إنه فرق لا أثر له لاحتمال أن يكون لصاحب ذلك المعين غرض فيه فإن لم يكن ذلك الغرض من الأغراض المعتادة فالصحيح تعين النقدين بالتعين ولزوم رد المغصوب منهما بعينه إلا أن يفوت فيلزم البدل والله أعلم ا ه فتأمل
الصورة الثانية قول ابن القاسم لا يجوز لمن
240
240
الصورة الثانية التي خالف فيها المالكية الفرق إذا كان له على رجل دين فأخذ منه ما يتأخر قبضه كدار يسكنها أو ثمرة يتأخر جذاذها أو عبد يستخدمه ونحو ذلك قال ابن القاسم لا يجوز ذلك لأنه فسخ دين من دين لأن هذه الأمور لما كانت يتأخر قبضها أشبهت الدين وفيها مفسدة الدين من جهة أن فيها المطالبة وقال أشهب يجوز ذلك وليس هذا فسخ دين في دين بل دين معين في معين وعلى هذا المذهب يطرد الفرق إنما مخالفته في القول الأول الفرق الثامن والثمانون الفرق بين قاعدة وجود السبب الشرعي سالما عن المعارض من غير تخيير فيترتب عليه مسببه وبين قاعدة وجود السبب الشرعي سالما عن المعارض مع التخيير فلا يترتب عليه مسببه ولم يميز أحدهما عن الآخر إلا بالتخيير وعدمه مع اشتراكهما في الوجود والسلامة عن المعارض
هامش أنوار البروق
قلت السؤالان واردان والجواب عنهما ليس بصحيح أما الأول فلا خفاء ببطلانه وكيف يسوغ لعاقل التزام ما لا يصح ولا يعقل وما يشك أحد من أن من ملك دينارا ملك عينه وكيف يصح أن يملك الجنس الكلي وهو ذهني عند مثبتيه ثم على قول نافيه يلزم أن من ملك دينارا لم يملك عينه ولا جنسه لبطلان القول به فيلزم أن من ملك دينارا أو غيره من النقود لم يملك شيئا على هذا القول أو يقع للشك في أنه ملكه أو لم يملكه عند من يشك في الأجناس وهذا كله خروج عن المعقول لا شك فيه وأما الثاني فلا أثر للفرق لاحتمال أن يكون لصاحب ذلك المعين غرض فيه فإن لم يكن ذلك الغرض من الأغراض المعتادة فالصحيح تعين النقدين بالتعيين ولزوم رد المغصوب منهما بعينه إلا أن يفوت فيلزم البدل والله أعلم
هامش إدرار الشروق
له دين على رجل أن يأخذ منه ما يتأخر قبضه كدار يسكنها أو ثمرة يتأخر جذاذها أو عبد يستخدمه ونحو ذلك لأنه فسخ دين في دين لأن هذه الأمور لما كانت يتأخر قبضها أشبهت الدين وفيها مفسدة الدين من جهة أن فيها المطالبة ففيه مخالفة لما في هذا الفرق من أن المعين لا يكون في الذمة فلا يكون دينا
وأما على قول أشهب يجوز ذلك وليس هذا فسخ دين في دين بل دين معين في معين فلا مخالفة فمن هنا جرى عمل الشيخ علي الأجهوري على قول أشهب فكانت له حانوت ساكن فيها مجلد الكتب وكان إذا ترتب له أجرة في ذمته يستأجره بها على تجليد كتبه ويقول هذا على قول أشهب وصححه المتأخرون وأفتى به ابن رشد كما في حاشية الصاوي على شرح أقرب المسالك والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الثامن والثمانون بين قاعدة وجود السبب الشرعي سالما عن المعارض من غير تخيير فيترتب عليه مسببه وبين قاعدة وجود السبب الشرعي سالما عن المعارض مع التخيير فلا يترتب عليه مسببه ولم يميز أحدهما عن الآخر إلا بالتخيير وعدمه مع اشتراكهما في الوجود والسلامة عن المعارض وذلك أن أجزاء الوقت كالذي بين الزوال إلى آخر القامة إنما يجب منها لأداء الظهر جزء واحد فقط
241
241
وهذا الفرق بين هاتين القاعدتين فيه صعوبة وغموض ويظهر لك الغموض والصعوبة بما ورد على المالكية لما خالفوا الشافعية فقالوا المعتبر من الأوقات في الصلوات أواخرها دون أوائلها فإن وجد العذر المسقط للصلاة آخر الوقت سقطت الصلاة التي لم تكن فعلت قبل طريان العذر
ولا عبرة بما وجد من الوقت في أوله أو وسطه سالما من العذر وكذلك إذا ذهب العذر آخر الوقت فطهرت الحائض حينئذ وجبت الصلاة ولا عبرة بوجود العذر أول الوقت أو وسطه والشافعية سلموا القسم الثاني وإنما نازعوا في الأول فقالوا أجمعتم معنا على أن الوجوب في الصلاة وجوب موسع متعلق بالقدر المشترك بين أجزاء القامة وإذا وجد أول الوقت فقد وجد القدر المشترك في ضمنه وهو متعلق الوجوب وسببه فإذا لم يكن عذر في أول الوقت كالحيض وغيره وقد وجد السبب الموجب للصلاة أول الوقت سالما عن المعارض فيترتب عليه الوجوب فإذا حاضت بعد ذلك حاضت بعد ترتب الوجوب عليها فتقضى بعد زوال العذر وانقضاء مدة الحيض وأنتم إذا قلتم لا يجب عليها بذلك شيء بل إنما يعتبر آخر الوقت في طريان العذر وزواله فهذا من مالك رحمه الله يقتضي أنه يعتقد أن الوجوب متعلق بآخر
هامش أنوار البروق
قال الصورة الثانية التي خالف فيها المالكية الفرق إذا كان له على رجل دين فأخذ منه ما تأخر
هامش إدرار الشروق
فإذا تصرفت المرأة في ضياع ما عدا الآخر منها بالإتلاف ثم طرأ عليها عذر الحيض في ذلك الجزء الآخر قام وجود ذلك العذر فيه مقام وجوده في جميع أجزاء الوقت فكما أن وجوده في جميعها يسقط الصلاة كذلك وجوده في الجزء الآخر يسقطها إذ من حجة المرأة أن تقول إن تسلطي على أول الوقت بالتخيير بين أجزاء القامة في إيقاع الصلاة ينفي عني وجوب الصلاة فإني جعل لي أن أؤخر وأعين مطلق جزء من القدر المشترك بين أجزاء القامة في الجزء الأخير فلما عينه تلف بالحيض وما سر ذلك إلا التخيير هنا بخلاف رؤية الهلال فإنه سبب لوجوب الصوم يترتب عليه إذا وجد سالما عن المعارض الوجوب بلا تخيير فمن هنا يظهر قول المالكية المعتبرة من الأوقات في الصلوات أواخرها دون أوائلها
فإن وجد العذر المسقط للصلاة آخر الوقت سقطت الصلاة التي لم تكن فعلت قبل طريان العذر ولا عبرة بما وجد من الوقت في أوله أو وسطه سالما من العذر وكذلك إذا ذهب العذر آخر الوقت فظهرت الحائض حينئذ وجبت الصلاة ولا عبرة بوجود العذر أول الوقت أو وسطه ويسقط ما أورده الشافعية عليهم حيث وافقوهم في الشق الثاني وخالفوهم في الشق الأول وقالوا إنكم معاشر المالكية أجمعتم معنا على أن الوجوب في الصلاة وجوب موسع متعلق بمطلق من القدر المشترك بين أجزاء القامة وإذا وجد أول الوقت فقد وجد القدر المشترك في ضمنه وهو متعلق الوجوب وسببه فإذا لم يكن عذر في أول الوقت كالحيض وغيره وقد وجد السبب الموجب للصلاة أول الوقت سالما عن المعارض فيترتب عليه الوجوب فإذا حاضت بعد ذلك حاضت بعد ترتب الوجوب عليها فتقضى بعذر وانقضاء مدة الحيض وأنتم إذا قلتم لا يجب عليها بذلك شيء بل إنما يعتبر آخر الوقت في طريان العذر وزوله فهذا من مالك رحمه الله يقتضي أنه يعتقد أن الوجوب متعلق بآخر الوقت كما قاله الحنفية مع أن المالكية لا تساعد على ذلك فيكون مذهب مالك من جهة عدم اعتبار السبب الموجب السالم عن المعارض وعدم جريه على
242
242
الوقت كما قاله الحنفية والمالكية لا تساعد على ذلك فيبقى مذهب مالك مشكلا جدا أما مذهب الشافعية في اعتبار السبب الموجب السالم عن المعارض فهو القياس وجرى على أصله في الواجب الموسع أما مالك فلا والجواب عن هذا السؤال مبني على معرفة الفرق بين هاتين القاعدتين وذلك أن السبب السالم عن المعارض إذا لم يكن فيه تخيير هو الذي يلزم فيه ما قاله الشافعي
أما مع التخيير فلا لسبب ما نذكره من الفروق ونوضحه بذكر نظائر من الشريعة أحدها أنه إذا باع صاعا من صبرة فله بيع بقية الصيعان وبقيتها من غير المشتري فلو فعل ذلك وبقي صاع وتلف بآفة سماوية انفسخ العقد ولم ينقل الصاع للذمة كما لو تلفت الصبرة كلها بآفة سماوية والسبب في ذلك أن العقد تعلق بالقدر المشترك بين صيعان الصبرة وهو مطلق الصاع فتصرف بمقتضى التخيير فيما عدا الصاع الواحد وأتت الجائحة على ذلك الصاع فكان التخيير في غيره مع أن الآفة فيه كالآفة في الجميع كذلك أجزاء الوقت كالصيعان يجب منها واحد فقط فإذا تصرفت المرأة في ضياع ما عدا الآخر منها بالإتلاف ثم طرأ العذر في آخرها قام ذلك مقام وجود العذر في جميعها ولو وجد العذر في جميعها سقطت الصلاة وكذلك إذا وجد ما يقوم مقامه ومر التخيير مع العذر في الأخير وبالتخيير حصل الفرق بين سبب الوجوب الذي هو القدر المشترك بين أجزاء
هامش أنوار البروق
قبضه كدار يسكنها أو ثمرة يتأخر جذاذها أو عبد يستخدمه ونحو ذلك قال ابن القاسم لا يجوز
هامش إدرار الشروق
أصله في الواجب الموسع مشكلا جدا ومذهب الشافعية من جهة اعتبار السبب الموجب السالم عن المعارض والجري على أصله في الواجب الموسع سالما عن الإشكال وبيان سقوطه أنا لا نسلم أن مالكا لم يعتبر السبب الموجب السالم من المعارض وخالف أصله في الواجب الموسع إذ ليس كل سبب كذلك يترتب عليه مسببه بل إنما يترتب عليه مسببه حيث كان من غير تخيير كرؤية الهلال أما حيث كان مع التخيير كما هنا فلا يترتب عليه مسببه إلا إذا تعين الجزء الأخير من بين أجزاء القدر المشترك المخير فيها بفوات ما عداه
فالفرق في الشرع واقع بين وجود السبب سالما عن المعارض مع عدم التخيير بين أفراده فيترتب عليه مسببه لتحقق شرط الترتب الذي هو عدم التخيير كما قلناه في رؤية الهلال وغيره وبين وجوده مع التخيير فلا يترتب عليه مسببه لعدم تحقق شرط الترتب الذي هو عدم التخيير كما قلناه في أوقات الصلوات وله نظائر في الشريعة الحنيفية السمحة أحدها إذا باع صاعا واحدا من صبرة فتصرف بمقتضى التخيير فيما عدا الصاع الواحد ببيع من غير مشتري الصاع أو نحوه وتلف الصاع الباقي بآفة سماوية انفسخ العقد ولم ينقل الصاع للذمة كما لو تلفت الصبرة كلها بآفة سماوية ضرورة أن العقد لما تعلق بمطلق صاع من القدر المشترك بين صيعان الصبرة وكان له أن يتصرف مقتضى التخيير فيما عدا الصاع الواحد كانت الآفة في الصاع الواحد حينئذ كالآفة في الجميع إذ من حجة البائع أن يقول إن تسلطي بالتخيير بين صيعان الصبرة في توفيته ينفي عني العدوان فيما تعديت فيه فلا أضمن
والسر
243
243
القامة فإذا وجد أولا سالما عن المعارض فأتلفه المكلف بالضياع لا يضمن الصلاة وبين رؤية الهلال فإنه سبب للوجوب فإذا وجد سالما عن المعارض ترتب عليه الوجوب والسر في ذلك التخيير وعدمه ولولا التخيير لكان للمشتري في الصيعان أن يقول العقد اقتضى مطلق الصاع وقد وجد في صاع من الصيعان التي تعديت عليها أيها البائع ومن تعدى على المبيع ضمنه فيلزمك أيها البائع الضمان ولما كان من حجته أن يقول إن تسلطي بالتخيير بين صيعان الصبرة في توفيته ينفي عني العدوان فيما تعديت فيه فلا أضمن كان للمرأة أيضا أن تقول إن تسلطي على أول الوقت بالتخيير بين أجزاء القامة في إيقاع الصلاة ينفي عني وجوب الصلاة فإني جعل لي أن أؤخر وأعين المشترك في الجزء الأخير فلما عينته تلف بالحيض كما تلف الصاع بالآفة وما سر ذلك إلا التخيير وثانيها لو وجب عليه عتق رقبة في الكفارة وعنده رقاب فله أن يتصرف فيما عدا الواحد بالعتق وغيره فإذا فعل ذلك ولم يبق إلا رقبة ماتت أو تعيبت سقط عنه الأمر بالعتق وجاز له الانتقال إلى الصيام ولا نقول تعينت عليه رقبة وثبتت في ذمته لا بد منها بل يسقط التكليف بالرقبة بالكلية فيكون التخيير مع الآفة السماوية في الأخير يقوم مقام حصول الآفة في جميع الرقاب ابتداء
وثالثها لو كان له عدة ثياب للسترة في الصلاة فله أن يتصرف فيما عدا الواحد منها فإذا وهب أو باع وخلى واحدا منها فطرأت عليه الآفة المانعة له من أن يصلي فيه صلى عريانا من غير إثم ويسقط التكليف بالكلية فظهر بذلك
هامش أنوار البروق
ذلك لأنه فسخ دين في دين لأن هذه الأمور لما كانت يتأخر قبضها أشبهت الدين وفيها مفسدة الدين
هامش إدرار الشروق
في ذلك هو التخيير إذ لولا التخيير لكان للمشتري أن يقول العقد اقتضى مطلق الصاع وقد وجد في صاع من الصيعان التي تعديت عليها أيها البائع ومن تعدى على المبيع ضمنه فيلزمك أيها البائع الضمان وثانيها إذا وجب عليه عتق رقبة في الكفارة وعنده رقاب فله أن يتصرف بالعتق وغيره فيما عدا الواحد فإذا تصرف ولم يبق إلا رقبة فماتت أو تعيبت سقط عنه الأمر بالعتق وجاز له الانتقال إلى الصيام ضرورة التصرف بالتخيير مع الآفة السماوية في الأخير يقوم مقام حصول الآفة في جميع الرقاب ابتداء فلذا لم نقل تتعين عليه رقبة لا بد منها تثبت في ذمته وثالثها إذا كان له عدة ثياب للسترة في الصلاة فله أن يتصرف بهبة أو بيع أو نحوهما فيما عدا واحدا منها فإذا تصرف وأبقى واحدا فطرأت عليه الآفة المانعة له من أن يصلي فيه صلى عريانا غير آثم ويسقط التكليف بالكلية ضرورة أن التصرف بالتخيير مع العذر في الأخير يقوم مقام العذر في الجميع ورابعها إذا كان عنده قدر كفايته من الماء لطهارته مرارا فله هبة ما عدا كفايته من القدر المشترك بين تلك المقادير فإذا وهبه وأبقى كفايته منه فتلف ما أبقاه سقط التكليف بالوضوء بالكلية من غير إثم وقام التصرف بالتخيير مع الآفة في الأخير مقام حصول العذر في الجميع في عدم الإثم وسقوط التكليف وخامسها إذا كان عنده صاعان فأكثر من الطعام لزكاة الفطر فله التصرف ببيع أو هبة فيما عدا الصاع الواحد فإذا باعه أو وهبه وترك صاعا واحدا فلم يتمكن من إخراجه حتى تلف من غير سبب من قبله سقط عنه زكاة الفطر إذا قلنا إن وجوبها موسع من غروب
244
244
أن التصرف بالتخيير مع العذر في الأخير يقوم مقام العذر في الجميع فكذلك آخر الوقت ورابعها لو كان عنده قدر كفايته من الماء لطهارته مرارا فالواجب عليه القدر المشترك بين تلك المقادير كما تقدم أن الواجب القدر المشترك بين الثياب والرقاب فله هبة ما عدا كفايته فإذا تصرف فيه بالهبة بمقتضى التخيير ثم تلف الماء الآخر الذي استبقاه سقط التكليف بالوضوء بالكلية من غي إثم وقام التصرف بالتخيير مع الآفة في الأخير مقام حصول العذر في الجميع في عدم الإثم وسقوط التكليف كذلك ها هنا يقوم التصرف في الأوقات الأول بالتخيير مع حصول العذر في الأخير مقام حصول العذر في جميعها
وخامسها لو كان عنده صاعان من الطعام لزكاة الفطر فإن الواجب عليه القدر المشترك بينهما وهو مطلق الصاع وهو مخير بينهما فله التصرف فيما عدا الصاع الواحد فإذا باعه أو وهبه وترك صاعا واحدا فلم يتمكن من إخراجه حتى تلف من غير سبب من قبله فإنه تسقط عنه زكاة الفطر إذا قلنا بأنها تجب وجوبا موسعا من غروب الشمس من رمضان إلى غروبها من يوم الفطر وأشبه من جاءه وقت الوجوب وليس عنده طعام ألبتة وبالجملة فإذا استقريت الشريعة تجد فيها صورا كثيرة الخطاب فيها متعلق بالقدر المشترك بين أفراد ذلك الجنس ويقوم التخيير بين تلك الأفراد والتصرف في البعض بالإتلاف بمقتضى التخيير في الجميع مقام التلف في الجميع فكذلك صورة النزاع فعلم بهذه النظائر أن الفرق في الشرع واقع بين وجود السبب سالما عن المعارض مع التخيير وبين وجوده مع عدم التخيير فلا يعتقد أن سبب الوجوب متى وجد سالما عن المعارض ترتب عليه الوجوب بل ذلك مشروط بعدم التخيير
هامش أنوار البروق
من جهة أن فيها المطالبة وقال أشهب يجوز ذلك وليس هذا فسخ دين في دين بل دين معين في معين وعلى هذا المذهب يطرد الفرق إنما مخالفته في القول الأول قلت ما قاله صحيح وكذا ما قاله في الفرق بعده
هامش إدرار الشروق
الشمس من رمضان إلى غروبها من يوم الفطر وصار بمنزلة من جاء وقت الوجوب وليس عنده طعام ألبتة
وبالجملة فالتصرف بالتخيير بين أفراد الجنس مع الآفة في الأخير كما يقوم مقام حصول العذر في الجميع في هذه النظائر ونحوها من الصور الكثيرة التي تجدها في الشريعة إذا استقريتها كذلك يقوم تفويت غير الجزء الأخير من أجزاء القامة مثلا بمقتضى التخيير مع حصول العذر كالحيض في الجزء الأخير مقام حصول العذر في جميع الأجزاء إذ كما أنه لا فرق بين قيام المعارض في جميع صور السبب وبين قيامه في بعض صوره إذا كان التخيير في البعض الآخر في جميع صوره هذه النظائر ونحوها مما هو كثير في الشريعة كذلك لا فرق بينهما في صورة النزاع فتأمل هذا الفرق فهو دقيق وهو عمدة المذهب في هذه المواضع والله سبحانه وتعالى أعلم

245
245
بين أفراده كما قلناه في رؤية الهلال وغيره وظهر أنه لا فرق بين قيام المعارض في جميع صور السبب وبين قيامه في بعض صوره إذا كان التخيير في البعض الآخر فتأمل هذا الفرق فهو دقيق وهو عمدة المذهب في هذه المواضع
الفرق التاسع والثمانون بين قاعدة استلزام إيجاب المجموع لوجوب كل واحد من أجزائه وبين قاعدة الأمر الأول لا يوجب القضاء وإن كان الفعل في القضاء جزء الوقت الأول والجزء الآخر خصوص الوقت هاتان القاعدتان ملتبستان جدا بسبب أن الأمر بالعبادة في وقت معين أمر بالعبادة
هامش أنوار البروق
قال الفرق التاسع والثمانون بين قاعدة استلزام إيجاب المجموع لوجوب كل واحد من أجزائه وبين قاعدة الأمر الأول لا يوجب القضاء وإن كان الفعل في القضاء جزء الواجب الأول والجزء الآخر خصوص الوقت
هاتان القاعدتان ملتبستان جدا بسبب أن الأمر بالعبادة في وقت معين أمر بالعبادة وبكونها في وقت معين وهو أمر بمجموع الفعل وتخصيصه بالزمان فإذا ذهب أحد الجزأين وهو تخصيصه بعين ذلك الزمان ينبغي أن يبقى الفعل واجبا بالأمر الأول لأن القاعدة أن إيجاب المركب يقتضي إيجاب مفرداته قلت ما قاله من استلزام إيجاب المجموع لوجوب كل واحد من أجزائه إن أراد أن إيجاب المجموع
هامش إدرار الشروق
الفرق التاسع والثمانون بين قاعدة استلزام إيجاب المجموع لوجوب كل واحد من أجزائه وبين قاعدة الأمر الأول لا يوجب القضاء وإن كان الفعل في القضاء جزء الأول والجزء الآخر خصوص الوقت قال الأصل أنهما وإن اشتركتا في أن الأمر مركب فيهما بسبب أن الأمر بالعبادة في وقت معين أمر بالعبادة وبكونها في وقت معين وهو أمر بمجموع الفعل وتخصيصه بالزمان إلا أنه يفرق بينهما بأن تخصيص صاحب الشرع بعض الأوقات بأفعال معينة دون بقية الأوقات لما كان يقتضي اختصاص ذلك الوقت المعين بمصلحة وكان الأصل عدم مصلحة الفعل في غير الوقت الذي عين له كان لفظ تخصيصه دالا على عدم مصلحة ذلك الفعل في غيره فلا تفعل تلك العبادة ألبتة فإن ورد الأمر بالقضاء دل الأمر الثاني على أن ما بعد ذلك الوقت مما يقارب الوقت الأول في مصلحة الوجوب وإن لم يصل إلى مثل مصلحته إذ لو وصل إليها لسوى بينهما في الأمر الأول وحيث لم يسو بينهما دل ذلك على التفاوت بينهما وبني هذا الفرق على أمرين الأمر الأول أن المراد بقاعدة استلزام إيجاب المجموع لوجوب كل واحد من أجزائه هو أن إيجاب المجموع يستلزم إيجاب كل جزء مطلقا كان مجموعا مع غيره أم غير مجموع فإذا كان الأمر بالعبادة في وقت معين أمرا بالعبادة وبكونها في وقت وذهب الجزء الثاني وهو تخصيصه
246
246
وبكونها في وقت معين وهو أمر بمجموع الفعل وتخصيصه بالزمان فإذا ذهب أحد الجزأين وهو تخصيصه بعين ذلك الزمان ينبغي أن يبقى الفعل واجبا بالأمر الأول لأن القاعدة أن إيجاب المركب يقتضي إيجاب مفرداته فلا بد من الفرق بين هذه القاعد وقاعدة أن الأمر الأول لا يقتضي القضاء فإنه المشهور من مذهب العلماء وسر الفرق بين القاعدتين بعد اشتراكهما في أن الأمر مركب فيهما أن تخصيص صاحب الشرع بعض الأوقات بأفعال معينة دون بقية الأوقات يقتضي اختصاص ذلك الوقت المعين بمصلحة لا توجد في غير ذلك الوقت ولولا ذلك لكان الفعل عاما في جميع الأوقات ولا بد لما بعد الزوال من معنى لاحظه صاحب الشرع لم يكن موجودا قبل الزوال طردا لقاعدة صاحب الشرع في رعاية المصالح وهكذا كل أمر تعبدي معناه أن فيه معنى لم نعلمه لا أنه ليس فيه معنى وإذا كانت الأوقات المعينة إنما خصصت بالعبادة لأجل مصالح فيها دون
هامش أنوار البروق
يستلزم إيجاب كل واحد من الأجزاء مجموعا مع غيره منها فذلك صحيح وإن أراد أن إيجاب المجموع يستلزم إيجاب كل جزء مطلقا مجموعا مع غيره وغير مجموع فذلك غير مسلم وغير صحيح وما قاله من أن الأمر بالعبادة في وقت معين أمر بالعبادة وبكونها في وقت معين وأنه إذا ذهب أحد الجزأين وهو تخصيصه بعين ذلك الزمان يبقى الفعل واجبا ليس بصحيح فإن الفعل المعين زمانه لا يصح انفكاكه عن ذلك الزمان ومتى قدر انفكاكه عنه فليس هو ذلك الفعل وليس الزمان بالنسبة إلى الفعل الموقع فيه كالركعة الأولى مع الثانية في تصور انفكاك إحدى الركعتين من الأخرى عن صلاة الصبح مثلا مع أنه إذا فعلت ركعة منفردة لا تكون جزءا من صلاة الصبح أصلا وإنما تكون جزءا منها إذا فعلت مع أخرى بشرط استيفاء شروط صلاة الصبح من نية وغيرها وبالجملة في كلامه هذا في هذا الفرق ضروب من الفساد لا يفوه بمثلها محصل
هامش إدرار الشروق
بعين ذلك الزمان يبقى الفعل واجبا
الأمر الثاني اطراد قاعدة صاحب الشرع في رعاية المصالح لوجوب رعايتها عقلا في كل فعل ولو تعبديا ومعنى كونه تعبديا أن فيه معنى لم نعلمه لا أنه ليس فيه معنى
وقال وقاعدة أن الأمر الأول لا يقتضي القضاء بل القضاء إنما يجب بأمر جديد هو القول المشهور من مذهب العلماء الملاحظين هذا الفرق بين القاعدتين والقول بأن القضاء بالأمر الأول قول من لاحظ التسوية والمشترك بين القاعدتين هذا خلاصة كلامه
قال ابن الشاط وفي كلامه هذا في هذا الفرق ضروب من الفساد لا يفوه بمثلها محصل الضرب الأول أنه لا يصح أن يراد بالقاعدة الأولى أن إيجاب المجموع يستلزم إيجاب كل جزء مطلقا بل إنما يصح أن يراد بها أن إيجاب المجموع يستلزم إيجاب كل واحد من الأجزاء مجموعا مع غيره منها
الضرب الثاني أن الفعل المعين زمانه لا يصح انفكاكه عن ذلك الزمان ومتى قدر انفكاكه عنه فليس هو ذلك الفعل كما أنه ليس هو ذلك الزمان بالنسبة إلى الفعل الموقع فيه ألا ترى أنه إذا فعلت ركعة مفردة من صلاة الصبح مثلا لا تكون جزءا من صلاة الصبح أصلا وإنما تكون جزءا منها إذا فعلت مع أخرى بشرط استيفاء شروط صلاة الصبح من نية وغيرها
الضرب الثالث أنه لا يصح اطراد قاعدة صاحب الشرع في رعاية المصالح
247
247
غيرها كان مقتضى هذا الدليل أن لا يشرع الفعل في غيرها لعدم المصلحة في غير ذلك الوقت لأن الأمر الأول دل بالالتزام على عدم المصلحة بدليل التخصيص فإذا لم يوجد أمر
هامش أنوار البروق
قال فلا بد من الفرق بين هذه القاعدة وقاعدة إن الأمر الأول لا يقتضي القضاء فإنه المشهور من مذهب العلماء
قلت لا يحتاج إلى الفرق في مثل هذه الأمور فإنه شيء لا يلتبس على محصل ويحق إن كان المشهور من مذهب العلماء قال وسر الفرق بين القاعدتين بعد اشتراكهما في أن الأمر مركب فيهما أن تخصيص صاحب الشرع بعض الأوقات بأفعال معينة دون بقية الأوقات يقتضي اختصاص ذلك الوقت المعين بمصلحة لا توجد في غيره ولولا ذلك لكان الفعل عاما في جميع الأوقات ولا بد لما بعد الزوال من معنى لاحظه صاحب الشرع لم يكن موجودا قبل الزوال طردا لقاعدة صاحب الشرع في رعاية المصالح وهكذا كل أمر تعبدي معناه أن فيه معنى لم نعلمه لا أنه ليس فيه معنى
قلت رعاية المصالح ليست واجبة عقلا فيجوز عقلا شرع أمر ما لغير مصلحة فيه إلا ما يترتب عليه من الثواب فإن أراد بالمصالح المنافع على الإطلاق دنيوية كانت أو أخروية فذلك صحيح وإن أراد
هامش إدرار الشروق
بمعنى المنافع الدنيوية خاصة لأن رعايتها بهذا المعنى من مجوزات العقل لا من موجباته والدلائل الشرعية القطعية وإن دلت على رعاية مصالح أمور كثيرة من المأمورات والمنهيات إلا أنها لم تدل على رعايتها في جميع المأمورات والمنهيات إذ لا نعلم قاطعا في ذلك وليست رعاية الشارع المصالح بحكم منه شرعي فيكفي فيه الظن بل ذلك أمر وجودي لا بد فيه من القطع وبالجملة فيجوز عقلا شرع أمر ما لغير مصلحة فيه إلا ما يترتب عليه من الثواب فلا يصح أن تكون قاعدة رعاية المصالح مطردة إلا إذا أريد بالمصالح المنافع على الإطلاق دنيوية أو أخروية فافهم
الضرب الرابع أن قوله في الفرق أن تخصيص الشارع بعض الأوقات بأفعال معينة من حيث إنه يقتضي اختصاص ذلك الوقت المعين بمصلحة والأصل عدم وجودها في غيره يدل لفظ تخصيص ذلك الوقت على عدم مصلحة ذلك الفعل في غيره وقوله فيه فإن ورد الأمر بالقضاء دل الأمر الثاني إلخ ليس بصحيحين إلا على تسليم دعوى عموم رعاية المصالح وقد علمت أنه لم يثبت ذلك بقاطع
الضرب الخامس أن من قال القضاء بأمر جديد لم يلاحظ ذلك الفرق بل لاحظ أن الأمر المؤقت لا يقتضي القضاء فلا بد في شرع القضاء من أمر جديد وأن من قال القضاء بالأمر الأول لا يقول إنه من مقتضاه لفظا بل يقول إنه من مقتضاه قياسا على الحقوق المترتبة في الذمم ا ه
كلام ابن الشاط وفي جمع الجوامع مع شرح المحلي مسألة قال أبو بكر الرازي من الحنفية وعبد الجبار من المعتزلة الأمر بشيء مؤقت يستلزم القضاء له إذا لم يفعل في وقته لإشعار الأمر بطلب استدراكه أي الفعل إن لم يقع في وقته لأن القصد منه الفعل أي مطلقا سواء كان في الوقت أو خارجه
وقال الأكثر القضاء بأمر جديد كالأمر في حديث الصحيحين من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها وفي حديث مسلم إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها والقصد من الأمر الفعل في الوقت لا مطلقا ا ه
وشرح ذلك أنه لا خفاء في أنا إذا تعقلنا صوما مخصوصا وقلنا صم صوم يوم الخميس فقد تعقلنا أمرين وتلفظنا بلفظين وأما أن المأمور به هو هذان الأمران أو شيء واحد يصدقان
248
248
دال على القضاء
قلنا الأصل عدم مصلحة الفعل في غير الوقت الذي عين له ومع الأصل لفظ التخصيص يدل على عدمه فلا تفعل تلك العبادة ألبتة فإن ورد الأمر بالقضاء دل الأمر الثاني على أن ما بعد ذلك الوقت مما يقارب الوقت الأول في مصلحة الوجوب وإن
هامش أنوار البروق
بها المنافع الدنيوية خاصة فذلك من مجوزات العقل لا من موجباته وقد دلت الدلائل الشرعية القطعية على رعاية مصالح أمور كثيرة من المأمورات والمنهيات فأما رعايتها في جميع المأمورات والمنهيات فلا أعلم قاطعا في ذلك وليست رعاية الشارع المصالح بحكم منه شرعي فيكفي فيه الظن بل ذلك أمر وجودي لا بد فيه من القطع
قال وإذا كانت الأوقات المعينة إنما خصصت بالعبادات لأجل مصالح فيها دون غيرها كان مقتضى هذا الدليل أن لا يشرع الفعل في غيرها لعدم المصلحة في غير ذلك الوقت لأن الأمر الأول دال بالالتزام على عدم المصلحة بدليل التخصيص
قلت ما قاله هنا ليس بمسلم لعدم القاطع في رعاية المصالح في كل تعبدي قال فإذا لم يوجد أمر دال على القضاء قلنا الأصل عدم مصلحة الفعل في غير الوقت الذي عين له ومع الأصل لفظ التخصيص يدل على عدمه فلا تفعل تلك العبادة ألبتة قلت ما قاله هنا مبني على دعواه عموم رعاية المصالح ولم يثبت ذلك بقاطع فما قاله ليس بصحيح
هامش إدرار الشروق
عليه ويعبر عنه باللفظ المركب منهما مثل صوم يوم الخميس فمختلف فيه فمن ذهب إلى الأول جعل القضاء بالأمر الأول لأن المأمور به شيئان فإن انتفى أحدهما بقي الآخر ومن ذهب إلى الثاني جعل القضاء بأمر جديد لأنه ليس في الوجود إلا شيء واحد فإذا انتفى سقط المأمور به ثم اختلافهم في هذا الأصل وهو أن المطلق والقيد بحسب الوجود شيئان أو شيء واحد يصدق عليه المعنيان ناظرين إلى اختلاف في أصل آخر وهو أن تركب الماهية من الجنس والفصل وتمايزهما هل هو بحسب الخارج أو مجرد العقل فإن قلنا بالأول كان المطلق والقيد شيئين لأنهما بمنزلة الجنس والفصل وإن قلنا بالثاني وهو الحق كانا بحسب الوجود شيئا واحدا كذا ذكره المحقق التفتازاني في حاشية العضد وحاصل ما أشار إليه المحلي بقوله والقصد من الأمر الأول إلخ من رد قول الأول لأن القصد منه الفعل أنا سلمنا أن الكون في الوقت به كمال الفعل لأنه مصلحة له لكن لا نسلم بقاء الوجوب مع النقص لأنه إنما يبقى إذا انفرد به الطلب وليس كذلك بل المطلوب شيء واحد وقد انتفى بانتفاء جزئه أفاده الشربيني قال العطار ولم يذكر المحلي هذا الاستدلال قصدا بل على سبيل التبع والتتمة للاستدلال بالحديثين المذكورين الدالين على أن القضاء بأمر جديد فلا يقال إن هذا الاستدلال بمجرده لا يستلزم كون القضاء بأمر جديد ا ه
قلت ومنه يعلم أمور الأمر الأول الفرق بين القاعدتين بما يندفع عنه جميع ما أورده ابن الشاط من ضروب الفساد وهو أن القاعدة الأولى من استلزام المجموع لوجوب كل واحد من أجزائه مبنية كقول الرازي وعبد الجبار بأن الأمر الأول يوجب القضاء على أن المطلق والقيد بحسب الوجود الخارجي شيئان متمايزان تمايز الجنس والفصل بحسب الخارج على القول به
والقاعدة الثانية من أن الأمر الأول لا يوجب القضاء مبنية على أن المطلق والقيد شيء واحد يصدق عليه المعنيان ويتميزان فيه تميز الجنس والفصل بمجرد العقل به ويكون سر هذا الفرق هو ما ذكره الأصل
الأمر الثاني اندفاع الضرب الأول عن كلام الأصل إذ لا يتجه عدم صحة قاعدة أن إيجاب المجموع يستلزم إيجاب كل جزء مطلقا إلا إذا قلنا ببنائها على أن المطلق
249
249
لم يصل إلى مثل مصلحته إذ لو وصل إليها لسوى بينهما في الأمر الأول وحيث لم يسو بينهما دل ذلك على التفاوت بينهما فمن لاحظ هذا الفرق بين القاعدتين قال القضاء إنما يجب بأمر جديد ومن لاحظ التسوية والمشترك بينهما قال القضاء بالأمر الأول فتأمل ذلك
الفرق التسعون بين قاعدة أسباب الصلوات وشروطها يجب الفحص عنها وتفقدها وقاعدة أسباب الزكاة لا يجب الفحص عنها
هامش أنوار البروق
قال فإن ورد الأمر بالقضاء دل الأمر الثاني على أن ما بعد ذلك الوقت مما يقارب الوقت الأول في مصلحة الوجوب وإن لم يصل إلى مثل مصلحته إذ لو وصل إليها لسوى بينهما في الأمر الأول وحيث لم يسو بينهما دل ذلك على التفاوت بينهما
قلت ما قاله مبني أيضا على تلك الدعوى قال فمن لاحظ هذا الفرق بين القاعدتين قال القضاء إنما يجب بأمر جديد ومن لاحظ التسوية والمشترك بينهما قال القضاء بالأمر الأول
قلت ما أرى من قال القضاء بأمر جديد لاحظ ذلك الفرق بل لاحظ أن الأمر المؤقت لا يقتضي القضاء فلا بد في شرع القضاء من أمر جديد وأما من قال القضاء بالأمر الأول فلا أراه أيضا يقول إنه من مقتضاه لفظا بل قياسا على الحقوق المترتبة في الذمم
والله أعلم
قال الفرق التسعون بين قاعدة أسباب الصلوات وشروطها يجب الفحص عنها إلى آخر الفرق
هامش إدرار الشروق
والقيد شيء واحد أما إذا بنيناها على أنهما شيئان فلا يتجه ذلك
الأمر الثالث اندفاع الضرب الثاني أيضا حيث بنينا على أن المطلق والقيد شيئان لا شيء واحد إذ لا يتم قياس القاعدة المذكورة على كونها مفردة من صلاة الصبح مثلا لا يصح أن تكون هي نفس الصبح إلا إذا بنيت تلك القاعدة على أنهما شيء واحد فافهم
الأمر الرابع اندفاع الضرب الثالث والرابع إذ لا يتوجهان إلا إذا أريد مصلحة دنيوية غير الكون في الوقت أما إذا أريد مصلحة دنيوية هي الكون في الوقت بقطع النظر عن أن يكون للكون فيه مصلحة أم لا فلا يتوجهان لأن معنى اطراد قاعدة رعاية المصالح بمعنى المنافع الدنيوية خاصة حينئذ هو أنا نعتبر أن تخصيص جميع الأمور التعبدية بوقت ونحوه هو مصلحته الدنيوية لا أن لهذا التخصيص مصلحة لم نعلمها حتى يقال لم يرد بعموم رعاية المصالح قاطع نعم لا يساعد هذا الدفع كلام الأصل لأنه ظاهر في أن هذا التخصيص مصلحة لم نعلمها فافهم
الأمر الخامس اندفاع الضرب الخامس بمنع كون الخلاف في أن القضاء بأمر جديد أو بالأمر الأول ليس مبنيا على الفرق المذكور بين هاتين القاعدتين فتأمل بأنصاف والله أعلم
الفرق التسعون بين قاعدة أسباب الصلوات وشروطها يجب الفحص عنها وتفقدها وقاعدة أسباب الزكاة لا يجب الفحص عنها
250
250
اعلم أن أسباب التكليف وشروطه وانتفاء موانعه لا يجب تحصيلها إجماعا إنما الخلاف فيما يتوقف عليه إيقاع الواجب بعد وجوبه وفيه ثلاثة مذاهب ثالثها الفرق بين الأسباب فتجب دون غيرها فلا تجب أما ما يتوقف عليه الوجوب فلم يقل أحد بوجوب تحصيله فلا يجب على أحد أن يحصل نصابا حتى تجب عليه الزكاة لأنه سبب وجوبها ولا يوفي الدين لغرض أن تجب عليه الزكاة لأنه مانع منها ولا تجب عليه الإقامة حتى يجب عليه الصوم لأن الإقامة شرط في وجوبه هذا كله متفق عليه إنما الخلاف فيما يتوقف عليه إيقاع الواجب بعد وجوبه وتقتضي هذه القاعدة أن لا يجب علينا الفحص عن أسباب الصلوات ولا أسباب وجوب الصوم وجميع الواجبات غير أن الواجبات انقسمت قسمين قسم يجب فيه الفحص وقسم لا يجب ولكل واحد منهما قاعدة تخصه
وتحرير الفرق بينهما والضابط لهما أن الواجب تارة يقتضي الحال فيه أنه لا بد من طريان سببه وترتب التكاليف عليه جزما لا محيد عنه كالزوال ورؤية الهلال فإنه لا بد أن يكون في الوجود
ويترتب عليه وجود الفعل قطعا فهذا يجب الفحص عنه كان شرطا أو سببا بسبب أنه لو أهمل لوقع التكليف
والمكلف غافل عنه فيعصي بترك الواجب بسبب إهماله وهو قد علم أنه لا بد أن يكون ولا عذر عند الله تعالى فهذا هو ضابط ما يجب الفحص عنه كان شرطا أو سببا من أسباب الوجوب ومنه أوقات الصلوات كلها وهلال رمضان وهلال ذي الحجة على من تعين عليه الحج وهلال شوال لوجوب الفطر وإخراج زكاته وأيام الرمي والمبيت ومن
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله فيه صحيح غير أنه ذكر في آخره في القسم الثاني أشياء من فروض الكفايات وكان الأولى أن يقتصر على ما هو من فروض الأعيان لأن فروض الكفايات لا تخص كل مكلف ولا تتوجه على من لا علم عنده بخلاف فروض الأعيان
هامش إدرار الشروق
في أنه لا يجب تحصيل ما يتوقف عليه وجوب جميع الواجبات من أسباب التكليف بها وشروطه وانتفاء موانعه فلا يجب على أحد أن يحصل نصابا حتى تجب عليه الزكاة لأنه سبب وجوبها ولا أن يوفي الدين لغرض أن تجب عليه الزكاة لأنه منع منها ولا تجب عليه الإقامة حتى يجب عليه الصوم لأنها شرط في وجوبه وإنما الخلاف في وجوب تحصيل ما يتوقف عليه إيقاع الواجب بعد وجوبه وعدم وجوبه
ثالثها الفرق بين الأسباب فتجب دون غيرها فلا تجب إلا أن الواجبات باعتبار تعيين وقوع أسبابها أو شروطها وعدم تعيين وقوعها على قسمين القسم الأول ما لا بد من أن يكون في الوجود طريان ما يترتب عليه التكليف بها جزما لا محيد عنه كالزوال لوجوب الظهر ورؤية الهلال لرمضان لوجوب صومه ولشوال لوجوب فطره وإخراج زكاته ولذي الحجة لوجوب الحج على من تعين عليه وكأيام الرمي والمبيت لوجوب أدائهما فهذا القسم وإن لم يجب تحصيل ما يترتب عليه التكليف به لكنه يجب الفحص عنه كان شرطا أو سببا بسبب أنه لو أهمل لوقع التكليف والمكلف غافل عنه فيعصي بترك الواجب بسبب إهماله وهو قد علم أنه لا بد أن يكون ولا عذر له عند الله تعالى ومن ذلك قضاء رمضان يسد في
251
251
ذلك من نذر يوما معينا أو شهرا معينا فيجب عليه أن يفحص عن هلال ذلك الشهر وتحري ذلك اليوم حتى يوقع ذلك الواجب ولا يتعداه فيعصي بالإهمال مع إمكان الضبط له
ومن ذلك قضاء رمضان يسد في بقية العام إلى شعبان فيجب عليه إذا أخر أن يتفقد الأهلة لئلا يدخل شعبان وهو غير عالم به فيؤدي ذلك إلى ضياع القضاء عن وقته
أما ما لا يتعين وقوعه من الأسباب والشروط والظروف الواجبات فلا يجب الفحص عنه لعدم تعينه ويمكن أن يقال فيه الأصل عدم طريانه لأجل عدم التعيين ويمكن أن يكون ذلك حجة للمكلف وعذرا عند الله تعالى ومن ذلك إذا كان فقيرا وله أقارب أغنياء وهو في كل وقت يجوز أن يموت أحدهم فيرثه فينتقل المال إليه فيجب عليه الزكاة بإغفال ذلك وترك السؤال عنه إذا كانوا في بلاد بعيدة عنه يؤدي إلى ترك إخراج الزكاة مع وجوبها عليه ولو فحص لحاز المال ووجبت فيه الزكاة ومع ذلك لا يجب الفحص في هذه الصورة لعدم تعين هذا فقد يقع وقد لا يقع ومن ذلك تجويزه لأن يكون هناك جائع يجب سد خلته وعريان يجب ستر عورته وغريق يجب رفعه ونحو ذلك من المتوقعات
ومع ذلك لا يجب الفحص عن شيء من ذلك إلا أن تقوم عليه أمارة دالة على وقوعه لأن جميع ذلك غير متعين والأصل عدمه بخلاف القسم الأول فهذا هو ضابط ما يجب الفحص عنه من الأسباب والشروط وضابط ما لا يجب الفحص عنه من ذلك فاعلم ذلك واعتمد عليه
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
بقية العام إلى شعبان فيجب عليه إذا أخر أن يتفقد الأهلة لئلا يدخل شعبان وهو غير عالم به فيؤدي ذلك إلى ضياع القضاء عن وقته كما أنه يجب على من نذر يوما معينا أو شهرا معينا أن يفحص عن هلال ذلك الشهر ويتحرى ذلك اليوم حتى يوقع ذلك الواجب ولا يتعداه فيعصي بالإهمال مع إمكان الضبط له
القسم الثاني ما لا يتعين وقوع ما يترتب عليه التكليف بها من أسبابها وشروطها فقد يقع وقد لا يقع بل الأصل عدم وقوعه ومن أمثلته ما إذا كان المكلف فقيرا وله أقارب أغنياء في بلاد بعيدة عنه وهو في كل وقت يجوز أن يموت أحدهم فيرثه فينتقل المال إليه فيجب عليه الزكاة فهذا القسم كما لا يجب تحصيل ما يترتب عليه التكليف به كذلك لا يجب الفحص عنه وإن كان إغفال ذلك وترك السؤال عنه مع أنه لو فحص لحاز المال ووجبت فيه الزكاة يؤدي إلى ترك إخراج الزكاة مع وجوبها عليه لأن عدم التعيين وكون الأصل عدم وقوعه يمكن أن يكون حجة للمكلف وعذرا عند الله تعالى هذا هو ضابط ما يجب الفحص عنه من الأسباب والشروط وضابط ما لا يجب الفحص عنه من ذلك فاعلمه واعتمد عليه والله سبحانه وتعالى أعلم
252
252
الفرق الحادي والتسعون بين قاعدة الأفضلية وبين قاعدة المزية والخاصية
اعلم أنه لا يلزم من كون العبادة لها مزية تختص بها أن تكون أرجح مما ليس له تلك المزية فقد ورد في الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال إذا أذن المؤذن ولى الشيطان وله ضراط فإذا فرغ المؤذن من الأذان أقبل فإذا أقيمت الصلاة أدبر فإذا أحرم العبد بالصلاة جاءه الشيطان فيقول له اذكر كذا اذكر كذا حتى يضل الرجل فلا يدري كم صلى فحصل من ذلك أن الشيطان ينفر من الأذان والإقامة ولا ينفر من الصلاة وأنه لا يهابها
هامش أنوار البروق
قال
الفرق الحادي والتسعون بين قاعدة الأفضلية وبين قاعدة المزية والخاصية
قلت ما قاله في هذا الفرق صحيح
هامش إدرار الشروق
252
الفرق الحادي والتسعون بين قاعدة الأفضلية وبين قاعدة المزية والخاصية
وذلك أن القاعدة أن المفضول يجوز أن يختص بخصلة ليست في المجموع الحاصل للفاضل من الفضائل وحينئذ فقاعدة الأفضلية أن يكون المجموع الحاصل للفاضل من الفضائل دون المجموع الحاصل للمفضول وقاعدة المزية والخاصية أن يختص المفضول بخصلة لم تحصل في مجموع الفاضل ومن استقرى ذلك في المخلوقات وجد له أمثلة كثيرة منها ما ورد في الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال إذا أذن المؤذن ولى الشيطان وله ضراط فإذا فرغ المؤذن من الأذان أقبل فإذا أقيمت الصلاة أدبر فإذا أحرم العبد بالصلاة جاءه الشيطان فيقول له اذكر كذا اذكر كذا حتى يضل الرجل فلا يدري كم صلى فحصل من ذلك أن الشيطان ينفر من الأذان والإقامة ولا ينفر من الصلاة وأنه لا يهابها ويهابهما مع أنهما وسيلتان إليها والوسائل أخفض رتبة من المقاصد وأيضا أين هي منهما ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أفضل أعمالكم الصلاة وكتب عمر رضي الله عنه إلى عماله أن أهم أموركم عندي الصلاة كما جاء في الأثر ومنها ما ورد في الحديث الصحيح عن النبي عليه السلام أنه قال أقرؤكم أبي وأفرضكم زيد وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وأقضاكم علي إلى غير ذلك مما ورد في فضل الصحابة مع أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أفضل من الجميع وعلي بن أبي طالب أفضل من أبي وزيد ومع ذلك فقد فضلاه في الفرائض والقراءة وما سبب ذلك إلا أنه يجوز أن يحصل للمفضول ما لم يحصل للفاضل ومنها قوله عليه السلام لعمر ما سلك عمر واديا ولا فجا إلا سلك الشيطان فجا غيره فأخبره عليه السلام أن الشيطان ينفر من عمر ولا يلابسه وأخبر عن نفسه عليه السلام أنه قد تفلت علي الشيطان البارحة ليفسد علي صلاتي فلولا أني تذكرت دعوة أخي سليمان لربطته بسارية من سواري المسجد حتى يلعب به صبيان المدينة وفي حديث الإسراء أن شيطانا قصده عليه السلام بشعلة من نار فأمره جبريل عليه السلام بالتعوذ منه فلم ينفر الشيطان منه عليه السلام كما نفر من عمر وأين عمر منه عليه السلام غير أنه يجوز أن يحصل للمفضول ما لا يحصل للفاضل
ومنها أن الأنبياء صلوات الله عليهم أفضل من الملائكة على الصحيح
253
253
ويهابهما فيكونان أفضل منها وليس الأمر كذلك بل هما وسيلتان إليها والوسائل أخفض رتبة من المقاصد وأين الصلاة من الإقامة والأذان ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أفضل أعمالكم الصلاة وكتب عمر رضي الله عنه إلى عماله أن أهم أموركم عندي الصلاة كما جاء في الأثر ولنا هاهنا قاعدة وهي الفرق بين الأفضلية والمزية وهي أن المفضول يجوز أن يختص بما ليس للفاضل فيكون المجموع الحاصل للفاضل لم يحصل للمفضول إما أنه حصل للمفضول في المجموع الحاصل له خصلة ليست في مجموع الفاضل فقد يكون في المدينة فقير عنده ابنة حسناء أو تحفة غريبة ليست عند ملكها
ومجموع ما حصل للملك قدر ما حصل لذلك الفقير أضعافا مضاعفة من ذلك ما ورد في الحديث الصحيح عن النبي عليه السلام أنه قال أقرؤكم أبي وأفرضكم زيد وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وأقضاكم علي إلى غير ذلك مما ورد في فضل الصحابة مع أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أفضل من الجميع وعلي بن أبي طالب أفضل من أبي وزيد
ومع ذلك فقد فضلاه في الفرائض والقراءة وما سبب ذلك إلا أنه يجوز أن يحصل للمفضول ما لم يحصل للفاضل ومن ذلك قوله عليه السلام لعمر ما سلك عمر واديا ولا فجا إلا سلك الشيطان فجا غيره فأخبر عليه
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وقد حصل للملائكة المواظبة على العبادة مع جميع الأنفاس يلهم أحدهم التسبيح كما يلهم أحدنا النفس إلى غير ذلك من الفضائل والمزايا التي لم تحصل للبشر ومع ذلك فالأنبياء أفضل منهم لأن المجموع الحاصل للأنبياء من المزايا والمحاسن أعظم من المجموع الحاصل للملائكة ومنها ما مر عن الإمام مالك من أن المدينة أفضل من مكة وإن كان العمل في مكة أكثر من العمل فيها لأن أسباب التفضيل لا تنحصر في مزيد المضاعفة فالصلوات الخمس بمنى عند التوجه لعرفة أفضل منها بمسجد مكة وإن انتفت عنها المضاعفة ومنها أن في الشعير من الخواص الطيبة ما ليس في البر وفي الخواص النافعة بالحال وغيرها ما ليس في الذهب ومنها أنه قد يكون في المدينة فقير عنده ابنة حسناء أو تحفة غريبة ليست عند ملكها ومجموع ما حصل للملك قدر ما حصل لذلك الفقير أضعافا مضاعفة وبالجملة فبسبب قاعدة أن المفضول يجوز أن يختص بما ليس للفاضل ظهر الفرق بين القاعدتين واندفع التناقص في مثل كون الصلاة أفضل من الأذان والإقامة وقد جعل الله تعالى لهما أن الشيطان ينفر منهما دونهما والله أعلم
فائدة
ذكر الشيخ أحمد بن أحمد بابا التنبكتي في نيل الابتهاج آخر ترجمة الإمام عبد العزيز العبدوسي عن الشيخ أبي عبد الله الرصاع أن صاحب الترجمة كان يقول في مجلسه بجامع القصر من تونس مما جرب لتسهيل الرزق والأمان والتحصن من آفات الزمان أن تكتب في ورقة ويجعل على الرأس مناقب السادات الكرام من الصحابة جمعهم من كتب عديدة أثنى عليهم سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم قال الرصاع وقد قيدتها قديما ووجدت لها بركات في جميع الحالات
قال رضي الله عنه وهي قال صلى الله عليه وسلم من أحب أبا بكر فقد أقام الدين ومن أحب عمر بن الخطاب فقد أوضح السبيل ومن أحب عثمان بن عفان فقد استضاء
254
254
السلام أن الشيطان ينفر من عمر ولا يلابسه وأخبر عن نفسه عليه السلام أنه قد تفلت علي الشيطان البارحة ليفسد علي صلاتي فلولا أني تذكرت دعوة أخي سليمان لربطته بسارية من سواري المسجد حتى يلعب به صبيان المدينة فلم ينفر الشيطان من النبي عليه السلام كما نفر من عمر وفي حديث الإسراء أن شيطانا قصده عليه السلام بشعلة من نار فأمره جبريل عليه السلام بالتعوذ منه وأين عمر من النبي عليه السلام غير أنه يجوز أن يحصل للمفضول ما لا يحصل للفاضل ومن ذلك أن الأنبياء صلوات الله عليهم أفضل من الملائكة على الصحيح وقد حصل للملائكة المواظبة على العبادة مع جميع الأنفاس يلهم أحدهم التسبيح كما يلهم أحدنا النفس إلى غير ذلك من الفضائل والمزايا التي لم تحصل للبشر
ومع ذلك فالأنبياء أفضل منهم لأن المجموع الحاصل للأنبياء من المزايا والمحاسن أعظم من المجموع الحاصل للملائكة فمن استقرى هذا وجده كثيرا في المخلوقات فيجد في الشعير من الخواص الطيبة ما ليس في البر وفي النحاس ما ليس في الذهب من الخواص النافعة بالإكحال وغيرها فعلى هذه القاعدة تخرجت الإقامة والأذان وأن من خواصهما التي جعل الله تعالى لهما أن الشيطان ينفر منهما دون الصلاة وأن الصلاة أفضل منهما ولا تناقض في ذلك بسبب أن
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
بنور الله ومن أحب علي بن أبي طالب فقد استمسك بالعروة الوثقى ألا وإن أرأف أمتي بأمتي أبو بكر وإن أقواهم صلابة في دين الله عمر بن الخطاب وإن أشدهم حياء عثمان بن عفان وإن أقضاهم علي بن أبي طالب ولكل نبي حواري وحواريي الزبير ومن أراد أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد من أحباب الرحمن وسعد بن أبي وقاص يدور مع الحق وعبد الرحمن بن عوف تاجر الله وأبو عبيدة بن الجراح أمين الله وما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر
ومن أراد أن ينظر إلى زهد عيسى فلينظر إلى زهد أبي ذر وإن الله ليرضى لرضا سلمان ويسخط لسخط سلمان وإن الجنة لتشتاق إلى سلمان أشد من اشتياق سلمان إلى الجنة ولكل أمة حليم وحليم هذه الأمة أبو هريرة وحذيفة بن اليمان من أصفياء الرحمن وإن أعلم الناس بالحلال والحرام معاذ بن جبل وإن أعلم الناس بالفرائض زيد بن ثابت وإن أقرأ أمتي أبي بن كعب وحمزة أسد الله وأسد رسوله
وخالد بن الوليد سيف الله وسيف رسوله وجعفر بن أبي طالب ذو الجناحين في الجنة يطير بهما فيها حيث يشاء والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما والعباس عمي وصنو أبي ورضيت لأمتي ما رضي لها عبد الله بن مسعود وصوت أبي طلحة في الجيش خير من مائة أو خير من فئة ولكل نبي خادم وخادمي أنس بن مالك ولكل نبي خليل وخليلي سعد بن معاذ ولكل أمة فارس وفارس القرآن عبد الله بن العباس وأول من يقرع باب الجنة بلال وإن أول من يأكل من ثمارها أبو الدحداح وإن أول من تصافحه الملائكة أبو الدرداء وإن أول من يرد حوضي صهيب بن سنان والمقداد بن الأسود من المجتهدين وعمار بن ياسر من الصديقين وعبد الله بن عمر من وفود الرحمن وإن أفضل النساء آسية ومريم وخديجة وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام
255
255
المفضول يجوز أن يختص بما ليس للفاضل فظهر بما تقدم الفرق بين قاعدة الأفضلية وبين قاعدة المزية
الفرق الثاني والتسعون بين قاعدة الاستغفار من الذنوب المحرمات وبين قاعدة الاستغفار من ترك المندوبات
اعلم أن الاستغفار طلب المغفرة
وهذا إنما يحسن من أسباب العقوبات كترك الواجبات وفعل المحرمات لأنها هي التي فيها العقوبات أما المكروهات والمندوبات والمباحات فلا يحسن الاستغفار فيها لعدم العقوبات في فعلها وتركها وهذا أمر ظاهر لا خفاء فيه غير أنه وقع لمالك رحمه الله فيمن ترك الإقامة أنه يستغفر الله تعالى ووقع له
هامش أنوار البروق
قال
الفرق الثاني والتسعون بين قاعدة الاستغفار من الذنوب المحرمات وبين قاعدة الاستغفار من ترك المندوبات
قلت وما قاله في هذا الفرق صحيح
هامش إدرار الشروق
ونسائي خير نساء هذه الأمة وأحبهن إلي عائشة وأصحابي كلهم كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ومن أحب أصحابي فقد أحبني ومن أبغض أصحابي فقد أبغضني ألا وإن عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا
هذه وصية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في ساداتنا نفعنا الله بهم وحشرنا في زمرتهم ونرغب من حامل هذا الكتاب أن يعطي منه نسخا للمؤمنين والسلام من كاتبه محمد بن قاسم الرصاع ا ه
نقلته من خط والدي قائلا نقلته من خط عبد العزيز بن إبراهيم بن هلال قال نقلته من خط الرصاع وقد رأيت لعمي نزيل المدينة الحاج أبي بكر بن أحمد شرحا على هذه المناقب رحمه الله ا ه بلفظه
الفرق الثاني والتسعون بين قاعدة الاستغفار من الذنوب المحرمات وبين قاعدة الاستغفار من ترك المندوبات
لا خفاء في أن الاستغفار من حيث إنه طلب المغفرة لا يحسن فيما ليس في فعله أو تركه العقوبات من المكروهات والمندوبات والمباحات وإنما يحسن فيما في فعله أو تركه العقوبات من ترك الواجبات وفعل المحرمات إلا أنه تعالى لما كان يعاقب على الذنب بأحد ثلاثة أشياء ويثيب على الطاعة بأحد ثلاثة أشياء أيضا أما ثلاثة العقاب فأحدها المؤلمات كالنار وغيرها وهذا هو الغالب في ذلك وثانيها تيسير المعصية في شيء آخر فيجتمع على العاصي عقوبتان الأولى والثانية فقد جعل سبحانه العسرى مسببة عن المعاصي المتقدمة في قوله تعالى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى وجعل سبحانه الردة مسببة عن المعصية في قوله تعالى إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما أنزل الله الآية لأن قوله تعالى ذلك إشارة إلى الردة وقوله بأنهم قالوا الباء سببية وقال عليه السلام إن الرجل ليختم له بالكفر بسبب كثرة ذنوبه وثالثها تفويت الطاعات كما يدل على ذلك الآيات الدالة على سلب الفلاح والخير بسبب
256
256
أيضا ذلك في غير الإقامة من المندوبات وقد سبق الجلاب والتهذيب على نقل ذلك عنه ووجه ذلك أن الله تعالى يعاقب على الذنب بأحد ثلاثة أشياء أحدها المؤلمات كالنار وغيرها وهذا هو الأمر الغالب في ذلك
وثانيها تيسير المعصية في شيء آخر فيجتمع على العاصي عقوبتان الأولى والثانية كقوله تعالى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى فجعل العسرى مسببة عن المعاصي المتقدمة ومنه قوله تعالى إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما أنزل الله الآية فجعل سبحانه الردة مسببة عن المعصية المذكورة لأن قوله تعالى ذلك إشارة إلى الردة وقوله بأنهم قالوا الباء سببية ومنه قوله عليه السلام إن الرجل ليختم له بالكفر بسبب كثرة ذنوبه
وثالثها تفويت الطاعات لقوله تعالى سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وقوله تعالى والله لا يهدي القوم الفاسقين إنه لا يفلح الظالمون ونحو ذلك من الآيات الدالة على سلب الفلاح والخير بسبب الأوصاف المذمومة المذكورة في تلك الآيات وكما يعاقب الله تعالى بأحد ثلاثة أشياء يثيب أيضا بأحد ثلاثة أشياء أحدها الأمور المستلذة كما في الجنات من المأكول والمشروب وغيرهما
وثانيها تيسير الطاعات فيجتمع للعبد مثوبتان لقوله تعالى فسنيسره لليسرى
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الأوصاف المذمومة المذكورة فيها من نحو قوله تعالى سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وقوله تعالى والله لا يهدي القوم الفاسقين إنه لا يفلح الظالمون وأما ثلاثة الثواب فأحدها الأمور المستلذات كما في الجنات من المأكول والمشروب وغيرهما وثانيها تيسير الطاعات فيجتمع للعبد مثوبتان فقد جعل سبحانه اليسرى مسببة عن الإعطاء وما معه في قوله تعالى فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وقال تعالى والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ومن يتق الله يجعل له مخرجا يجعل لكم فرقانا إلى غير ذلك من الآيات وثالثها تعسير المعاصي عليه وصرفها عنه وكان نسيان الإنسان الأذان أو الإقامة أو غيرهما من المندوبات فيحرم ثوابها من أعظم المصائب سيما وكلمات الأذان طيبة مشتملة على الثناء على الله تعالى وتوجب لقائلها ثوابا سرمديا خيرا من الدنيا وما فيها ومصيبة فوات ثوابها مسببة عن معاص سابقة وقعت منه قال تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ظهر لك أن ما وقع لمالك رحمه الله فيمن ترك الإقامة أو غيرها من المندوبات أنه يستغفر الله وقد اتفق الجلاب والتهذيب على نقل ذلك عنه هو أنه يتعين على الإنسان الاستغفار لأجل ما دل عليه تركها من ذنوب سالفة لا أنه يعتقد أن الاستغفار يشرع في ترك المندوبات وظهر أن الفرق بين هاتين
257
257
فجعل اليسرى مسببة عن الإعطاء وما معه في الآية وقوله تعالى والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ومن يتق الله يجعل له مخرجا يجعل لكم فرقانا إلى غير ذلك من الآيات
وثالثها تعسير المعاصي عليه وصرفها عنه إذا تقررت هذه القاعدة فإذا نسي الإنسان الإقامة أو غيرها من المندوبات دل هذا الحرمان على أنه مسبب عن معاص سابقة لقوله تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير وفوات الطاعة مصيبتها أعظم المصائب فإن كلمات الأذان طيبة مشتملة على الثناء على الله تعالى وتوجب لقائلها ثوابا سرمديا خيرا من الدنيا وما فيها من إصابة شوكة أو غم يغمه في فلس يذهب له وإذا كان ترك الطاعات مسببا عن المعاصي المتقدمة فحينئذ إذا رأى المكلف ذلك سأل المغفرة من تلك المعاصي المتقدمة حتى لا يتكرر عليه مثل تلك المصيبة فالاستغفار عند ترك الإقامة لأجل غيرها لا أنه لها وكذلك بقية المندوبات إذا فاتت يتعين على الإنسان الاستغفار لأجل ما دل عليه الترك من ذنوب سالفة لأجل هذه التروك فهذا هو وجه أمر مالك رحمه الله تعالى بالاستغفار في ترك المندوبات لا أنه يعتقد أن الاستغفار من ترك المندوبات فقد ظهر الفرق بين قاعدة الاستغفار عن الذنوب المحرمات وبين قاعدة الاستغفار من ترك المندوبات وأنها في فعل المحرمات وترك الواجبات لأجلها مطابقة وفي ترك المندوبات لأجل ما دلت عليه بطريق الالتزام لا أنه لها مطابقة
وبهذا التقرير تحل مواضع كثيرة مما وقع للعلماء من ذكر الاستغفار عن ترك المندوبات فيشكل ذلك على كثير من الناس وليس فيها إشكال بسبب ما تقدم من الفرق والبيان
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
القاعدتين هو أن الاستغفار في ترك المحرمات وترك الواجبات لأجلها مطابقة وفي ترك المندوبات لأجل ما دلت عليه بطريق الالتزام لا أنه لها مطابقة وبه ينحل كل إشكال يرد على ما وقع للعلماء من ذكر الاستغفار عن ترك المندوبات والله سبحانه وتعالى أعلم
258
258
الفرق الثالث والتسعون بين قاعدة النسيان في العبادات لا يقدح وقاعدة الجهل يقدح وكلاهما غير عالم بما أقدم عليه
اعلم أن هذا الفرق بين هاتين القاعدتين مبني على قاعدة وهي أن الغزالي حكى الإجماع في إحياء علوم الدين والشافعي في رسالته حكاه أيضا في أن المكلف لا يجوز له أن يقدم على فعل حتى يعلم حكم الله فيه فمن باع وجب عليه أن يتعلم ما عينه الله وشرعه في البيع ومن آجر وجب عليه أن يتعلم ما شرعه الله تعالى في الإجارة ومن قارض وجب عليه أن يتعلم حكم الله تعالى في القراض ومن صلى وجب عليه أن يتعلم حكم الله تعالى في تلك الصلاة وكذلك الطهارة وجميع الأقوال والأعمال فمن تعلم وعمل بمقتضى ما علم أطاع الله تعالى طاعتين ومن لم يعلم ولم يعمل فقد عصى الله معصيتين ومن علم ولم يعمل بمقتضى علمه فقد أطاع الله تعالى طاعة وعصاه معصية
ويدل على هذه القاعدة أيضا من جهة القرآن قوله تعالى حكاية عن نوح عليه السلام إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم ومعناه ما ليس لي بجواز سؤاله علم فدل ذلك على أنه لا يجوز له أن يقدم على الدعاء والسؤال إلا بعد علمه بحكم الله تعالى
هامش أنوار البروق
قال
الفرق الثالث والتسعون بين قاعدة النسيان في العبادات لا يقدح وقاعدة الجهل يقدح
قلت وما قاله في هذا الفرق مما وقفت عليه منه صحيح ووقع فيه في النسخة التي رأيتها منه نقص دل عليه الكلام فلذلك قلت ما وقفت عليه
هامش إدرار الشروق
258
الفرق الثالث والتسعون بين قاعدة النسيان في العبادات لا يقدح وقاعدة الجهل يقدح وكلاهما غير عالم بما أقدم عليه
الجهل والنسيان وإن اشتركا في أن المتصف بواحد منهما غير عالم بما أقدم عليه إلا أنه يفرق بينهما من جهتين الجهة الأولى أن النسيان يهجم على العبد قهرا بحيث لا تكون له حيلة في دفعه عنه بخلاف الجهل فإن له حيلة في دفعه بالتعلم الجهة الثانية أن الأمة قد أجمعت على أن النسيان لا إثم فيه من حيث الجملة ودل قوله عليه السلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه على أن الناسي معفو عنه
وأما الجهل فليس كذلك لأن من القاعدة التي حكى الغزالي في إحياء علوم الدين والشافعي في رسالته الإجماع عليها من أن المكلف لا يجوز له أن يقدم على فعل حتى يعلم حكم الله تعالى فيه ويدل عليها من جهة القرآن قوله تعالى حكاية عن نوح عليه السلام إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم إذ معناه ما ليس لي بجواز سؤاله علم وذلك أنه عليه السلام لما عوتب على سؤال الله عز وجل لابنه أن يكون معه في السفينة لكونه سأل قبل العلم بحال الولد وأنه مما ينبغي طلبه أم لا
وأجاب بما ذكر كان كلا العتب والجواب يدل على أنه لا بد من تقديم العلم بما يريد الإنسان أن يشرع فيه وكذا قوله تعالى
259
259
في ذلك السؤال وأنه جائز وذلك سبب كونه عليه السلام عوتب على سؤال الله عز وجل لابنه أن يكون معه في السفينة لكونه سأل قبل العلم بحال الولد وأنه مما ينبغي طلبه أم لا فالعتب والجواب كلاهما يدل على أنه لا بد من تقديم العلم بما يريد الإنسان أن يشرع فيه إذا تقرر هذا فمثله أيضا قوله تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم نهى الله تعالى نبيه عليه السلام عن اتباع غير المعلوم فلا يجوز الشروع في شيء حتى يعلم فيكون طلب العلم واجبا في كل حالة ومنه قوله عليه السلام طلب العلم فريضة على كل مسلم قال الشافعي رحمه الله طلب العلم قسمان فرض عين وفرض كفاية ففرض العين علمك بحالتك التي أنت فيها
وفرض الكفاية ما عدا ذلك فإذا كان العلم بما يقدم الإنسان عليه واجبا كان الجاهل في الصلاة عاصيا بترك العلم فهو كالمتعمد الترك بعد العلم بما وجب عليه فهذا هو وجه قول مالك رحمه الله إن الجهل في الصلاة كالعمد والجاهل كالمتعمد لا كالناسي
وأما الناسي فمعفو عنه لقوله عليه السلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وأجمعت الأمة على أن النسيان لا إثم فيه من حيث الجملة فهذا فرق وفرق ثان وهو أن النسيان يهجم على العبد قهرا لا حيلة له في دفعه عنه والجهل له حيلة في دفعه بالتعلم وبهذين الفرقين ظهر الفرق بين قاعدة النسيان وقاعدة الجهل
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
ولا تقف ما ليس لك به علم حيث نهى الله تعالى نبيه عليه السلام عن اتباع غير المعلوم فدل على أنه لا يجوز الشروع في شيء حتى يعلم وكذا قوله عليه السلام طلب العلم فريضة على كل مسلم يعلم أن طلب العلم واجب عينا في كل حالة يقدم عليها الإنسان فمن باع يجب عليه أن يتعلم ما عينه الله وشرعه في البيع ومن آجر يجب عليه أن يتعلم حكم الله تعالى في الإجارة ومن قارض يجب عليه أن يتعلم حكم الله تعالى في القراض ومن صلى يجب عليه أن يتعلم حكم الله تعالى في تلك الصلاة وهكذا الطهارة وجميع الأقوال والأعمال فمن تعلم وعمل بمقتضى ما علم فقد أطاع الله تعالى طاعتين ومن لم يعمل فقد عصى الله معصيتين ومن علم ولم يعمل بمقتضى علمه فقد أطاع الله تعالى طاعة وعصاه معصية فمن هنا قال الشافعي رحمه الله تعالى طلب العلم قسمان فرض عين وفرض كفاية ففرض العين علمك بحالتك التي أنت فيها وفرض الكفاية ما عدا ذلك
وقال مالك رحمه الله إن الجهل في الصلاة كالعمد والجاهل كالمتعمد لا كالناسي بل قال العلامة الأمير في شرحه على نظم بهرام فيما لا يعذر فيها بالجهل للقاعدة أن الجاهل في العبادات كالعامد ا ه وذلك أنه بتركه الواجب عليه من العلم بما يقدم عليه من نحو الصلاة كان عاصيا كالمتعمد الترك بعد العلم بما وجب عليه
والله سبحانه وتعالى أعلم

260
260
الفرق الرابع والتسعون بين قاعدة ما لا يكون الجهل عذرا فيه وبين قاعدة ما يكون الجهل عذرا فيه
اعلم أن صاحب الشرع قد تسامح في جهالات في الشريعة فعفا عن مرتكبها وأخذ بجهالات فلم يعف عن مرتكبها وضابط ما يعفى عنه من الجهالات الجهل الذي يتعذر الاحتراز عنه عادة وما لا يتعذر الاحتراز عنه ولا يشق لم يعف عنه ولذلك صور أحدها من وطئ امرأة أجنبية بالليل يظنها امرأته أو جاريته عفي عنه لأن الفحص عن ذلك مما يشق على الناس وثانيها من أكل طعاما نجسا يظنه طاهرا فهذا جهل يعفى عنه لما في تكرر الفحص عن ذلك من المشقة والكلفة
وكذلك المياه النجسة والأشربة النجسة لا إثم على الجاهل بها وثالثها من شرب خمرا يظنه جلابا فإنه لا إثم عليه في جهله بذلك
هامش أنوار البروق
قال الفرق الرابع والتسعون بين قاعدة ما لا يكون الجهل عذرا فيه وبين قاعدة ما يكون الجهل عذرا فيه إلى آخره قلت ما قاله فيه صحيح غير إطلاقه لفظ الظن في وطء الأجنبية وما معه فإنه إن أراد حقيقة الظن الذي يخطر لصاحبه احتمال نقيضه فلا أرى ذلك صوابا وإن أراد بالظن الاعتقاد الجزمي الذي لا يخطر معه احتمال النقيض فذلك صواب وغير قوله تكليف المرأة البلهاء المفسودة المزاج فإنه إن
هامش إدرار الشروق
260
الفرق الرابع والتسعون بين قاعدة ما لا يكون الجهل عذرا فيه وبين قاعدة ما يكون الجهل عذرا فيه
اعلم أن الجهل نوعان النوع الأول جهل تسامح صاحب الشرع عنه في الشريعة فعفا عن مرتكبه وضابطه أن كل ما يتعذر الاحتراز عنه عادة فهو معفو عنه وله صور إحداها من وطئ امرأة أجنبية بالليل يظنها امرأته أو جاريته عفي عنه لأن الفحص عن ذلك مما يشق على الناس
الصورة الثانية الجهل بنجاسة الأطعمة والمياه والأشربة يعفى عنه لما في تكرر الفحص عن ذلك من المشقة والكلفة فالجاهل المستعمل لشيء منها لا إثم عليه بذلك
الصورة الثالثة لا إثم على من شرب خمرا يظنه جلابا في جهله به لمشقة فحصه عنه
الصورة الرابعة لا إثم على من قتل مسلما في صف الكفار يظنه حربيا في جهله به
261
261
ورابعها من قتل مسلما في صف الكفار يظنه حربيا فإنه لا إثم عليه في جهله به لتعذر الاحتراز عن ذلك في تلك الحالة ولو قتله في حالة السعة من غير كشف عن ذلك أثم
وخامسها الحاكم يقضي بشهود الزور مع جهله بحالهم لا إثم عليه في ذلك لتعذر الاحتراز من ذلك عليه وقس على ذلك ما ورد عليك من هذا النحو وما عداه فمكلف به ومن أقدم مع الجهل فقد أثم خصوصا في الاعتقادات فإن صاحب الشرع قد شدد في عقائد أصول الدين تشديدا عظيما بحيث إن الإنسان لو بذل جهده واستفرغ وسعه في رفع الجهل عنه في صفة من صفات الله تعالى أو في شيء يجب اعتقاده من أصول الديانات ولم يرتفع ذلك الجهل فإنه آثم كافر بترك ذلك الاعتقاد الذي هو من جملة الإيمان ويخلد في النيران على المشهور من المذاهب مع أنه قد أوصل الاجتهاد حده
وصار الجهل له ضروريا لا يمكنه دفعه عن نفسه ومع ذلك فلم يعذر به حتى صارت هذه
هامش أنوار البروق
أراد الفاسدة المزاج بحيث لا تفقه شيئا فلا أرى ذلك صوابا فإن مثل هذه لا تكليف عليها وإن أراد أنها تفقه ولكن بعد تعب ومشقة شديدة فذلك صواب مع أن قوله المفسودة المزاج فاسد وصوابه الفاسدة المزاج وغير ما أطلق القول فيه من أن أصول الفقه ملحقة بأصول الدين في أن المصيب واحد والمخطئ آثم فإن المسألة مختلف فيها والمتقدمون من الأصوليين على التخطئة والتأثيم والمتأخرون على خلاف ذلك
هامش إدرار الشروق
لتعذر الاحتراز عن ذلك في تلك الحالة
الصورة الخامسة لا إثم على الحاكم يقضي بشهود الزور جاهلا بحالهم لتعذر الاحتراز من ذلك عليه
الصورة السادسة قال الحطاب عند قوله عاطفا على ما يبطل الشهادة أو شهد وحلف ما نصه قال ابن عبد السلام إلا أن يكون الشاهد من جهلة العوام فإنهم يتسامحون في مثل ذلك فينبغي عندي أن يعذروا به ا ه
النوع الثاني جهل لم يتسامح صاحب الشرع عنه في الشريعة فلم يعف عن مرتكبه وضابطه أن كل ما لا يتعذر الاحتراز عنه ولا يشق لم يعف عنه وهذا النوع يطرد في أصول الدين وأصول الفقه وفي بعض أنواع من الفروع أما أصول الدين فلأن صاحب الشرع لما شدد في جميع الاعتقادات تشديدا عظيما بحيث إن الإنسان لو بذل جهده واستفرغ وسعه في رفع الجهل عنه في صفة من صفات الله أو في شيء يجب اعتقاده من أصول الديانات ولم يرتفع ذلك الجهل لكان بترك ذلك الاعتقاد آثما كافرا يخلد في النيران على المشهور من المذاهب مع أنه قد أوصل الاجتهاد حده وصار الجهل له ضروريا لا يمكنه رفعه عن نفسه حتى صارت هذه الصورة فيما يعتقد أنها من باب تكليف ما لا يطاق وبحيث إنه يكلف بأدلة الوحدانية ودقائق أصول الدين نحو المرأة البلهاء المفسودة المزاج الناشئة في الأقاليم المنحرفة عما يوجب استقامة العقل كأقاصي بلاد السودان وأقاصي بلاد الأتراك فإن هذه الأقاليم لا يكون للعقل فيها كبير رونق ولذلك قال الله تعالى في بلاد الأتراك عند يأجوج ومأجوج وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا حتى صار تكليف من لا يفهم القول وبعدت أهليته لهذه الغاية بذلك من
262
262
الصورة فيما يعتقد أنها من باب تكليف ما لا يطاق فإن تكليف المرأة البلهاء المفسودة المزاج الناشئة في الأقاليم المنحرفة عما يوجب استقامة العقل كأقاصي بلاد السودان
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
باب تكليف ما لا يطاق لما اختصه الشرع بثلاثة أحكام عن الفقه أحدها أن المصيب واحد وثانيها أن المخطئ فيه آثم وثالثها لا يجوز التقليد فيه
وأما أصول الفقه فقال العلماء يلحق بأصول الدين قال أبو الحسين في كتاب المعتمد في أصول الفقه إن أصول الفقه اختص بثلاثة أحكام عن الفقه أن المصيب فيه واحد والمخطئ فيه آثم ولا يجوز التقليد فيه وأما بعض أنواع الفروع فأحدها نوع العبادات لما مر عن العلامة الأمير من أن القاعدة أن الجاهل فيها كالعامد وذلك أنه قال عند قول بهرام وذاك كثير في الوضوء ومثله بفرض صلاة ثم حج تحصلا ما نصه أطلق في التوضيح الثلاث فلم يقيدها بالفرض والمشهور إطلاق العبادة فتشمل الصوم والعمرة
وقال عند قوله وواطئ رهين اعتكاف بالشريعة جاهلا من وطئ في اعتكافه جهلا فسد اعتكافه ولا يعذر بجهله وظاهره سواء جهل الحرمة أو جهل أنه مفسد ثم قال إن الاعتكاف من العبادات والقاعدة أن الجاهل فيها كالعامد ولا مفهوم للوطء بل كل ما يفسد به الاعتكاف كذلك كالخروج جهلا والفطر جهلا إلى غير ذلك وقال عند قوله وكل زكاة من دفعها لكافر وغير فقير ضامن تلك مسجلا
من دفع الزكاة لغير مستحق جهلا لم يعذر ولا مفهوم للكافر وغير الفقير كما هو مصرح به في المختصر وشروحه وهذا في اجتهاد بها أما بدفع الإمام أو نائبه فتجزئ ويأتي هنا ما سبق في الاعتكاف وهذا أسهل لشائبة المعاملة ا ه
وثانيها نوع العقود قال الأمير عند قوله ويفسخ بيع فاسد مطلقا ولا يسامح فيه من عن الحق عولا البيع الفاسد يفسخ ولا يعذر فيه بالجهل ولا خصوصية في البيع كما يظهر بل كذلك غيره كالنكاح مثلا لأن العبرة في صحة العقد بموافقة الشرع في الواقع ونفس الأمر لا في ظن العاقد فقط كما يفيده العلامة القاسمي علي المحلي وغيره
ا ه
ثالثها نوع مسقط للشفعة قال الأمير عند قوله ومن قام بعد العام يشفع حاضرا مع العلم بالمبتاع والبيع أولا
ما حاصله أنه لا شفعة لشريك علم البيع وسكت سنة لا أقل ولو كتب شهادته وما لابن رشد من أن الكتابة تسقط الشفعة بشهرين ضعيف وإن جنح له في المختصر بل في الخرشي وعبق عن المدونة أنه لا بد من شهرين زيادة على السنة وقرره شيخنا ولا يعذر بدعواه الجهل لا بأن ذلك مسقط للشفعة ولا بأن الشفعة واجبة وفي عبق والخرشي أن أبا الحسن والحطاب عن ابن كوثر والتتائي عن الذخيرة عن ابن عتاب ذكروا أن شراء الشفيع الشقص من المشتري يسقط الشفعة ولا يعذر بالجهل ولو كان امرأة بل مقتضى أن المذهب أن الشفعة لا يعذر فيها بالجهل جريان ذلك في بقية المسقطات من الاستئجار والمقاسمة وبيع حصة نفسه ثم فائدة سقوط الشفعة بالشراء يظهرها اختلاف الثمنين ا ه
ورابعها نوع العيب المانع من إجزاء عتق الرقبة في الكفارات قال الأمير عند قوله ومن يعتق الشخص الكفور لجهله فلا يجزي في كفارة وتبتلا في التوضيح قال أصبغ فيمن اشترى نصرانية فأعتقها في الكفارة أنها لا تجزيه ولا يعذر بجهل
ا ه وظاهره جهل الحكم أو أنها كافرة ثم لا مفهوم للكفر بل كذلك للعيوب المانعة من الإجزاء ولا يعذر
263
263
وأقاصي بلاد الأتراك فإن هذه الأقاليم لا يكون للعقل فيها كبير رونق ولذلك قال الله تعالى في بلاد الأتراك عند يأجوج ومأجوج وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
فيها بجهل كما يفيده قول الخرشي في الظهار إذا اطلع بعد العتق على عيب يمنع الإجزاء استعان بأرشه في رقبة أخرى وقوله وتبتلا أي ثم عتقه وإن لم يجز ا ه
وخامسها نوع بيع الخيار قال الأمير عند قوله وبائع عبد بالخيار يروم أن يرد وقد ولى الزمان به ولا بيع الخيار يلزم واضع اليد بمضي المدة فلا يعذر بالجهل ولا معنى لتخصيص العبد بذلك بل كل بيع بالخيار كما صرح به المختصر وشروحه ا ه
ولا يطرد هذا النوع من الجهل فيما عدا هذه الأنواع الخمس من الفروع بل هو في مسائل ذكرها العمدة الشيخ خليل في توضيحه ونظمها الشيخ بهرام في أربع وأربعين بيتا وشرحها العلامة الأمير ونقحها في
ثلاث وثلاثين مسألة المسألة الأولى صمت البكر وضحكها رضا بالنسبة للإذن في العقد وفي تعيين الصداق والزوج ولا تعذر بدعواها الجهل بأن ذلك يعد رضا ولو عرفت بالبله على المعتمد خلافا لعبد الحميد الصائغ وإن كان كلامه وجيها ولذلك روعي حقها ابتداء بندب إعلامها بأن ذلك يعد رضا ويكفي في الندب مرة ولابن شعبان ثلاثا وقال الأقل تعذر بالجهل والظاهر أنه مبني على وجوب الإعلام
قال في كتاب محمد والبكاء أيضا رضا لاحتمال أن تكون بكت على فقد أبيها وتقول في نفسها لو كان أبي حيا لما احتجت لذلك وانظر أيضا لو جهلت حكم أن ذلك رضا ا ه وأما الثيب وكذا السبعة الأبكار ففي قول خليل والثيب تعرب كبكر رشدت أو عضلت أو زوجت بعرض أي ممن لا يزوج به أو برق أو بذي عيب أو يتيمة أو أفتيت عليها ا ه
يعني أنهن في تعيين الزوج والصداق لا بد من نطقهن وأما الإذن للولي في العقد فهل كذلك إذا غبن عن مجلس العقد وهو مذهب ابن القاسم أو يكفي فيه الصمت ولو غبن وهو قول ابن حبيب وعليه اقتصر الأمير حيث قال الثيب تساوي البكر في أن الصمت رضا بالنسبة للإذن في العقد لا في تعيين الصداق والزوج فتعرب الثيب وانظر لو جهلت حكم الصمت هل يجري فيها ما جرى في البكر كما هو الظاهر ا ه انظر المختصر وشروحه
المسألة الثانية من عقد لها غير مجبرة بلا إذنها فلها إمضاؤه بالقول حيث قرب واليوم بعد وكان بالبلد ولم تره قبل ولم يجبر الولي بتعديه حال العقد ولم يفتت على الزوج أيضا ولها رد العقد ما لم تمكن من الجماع وإلا كان رضا ولا ينفعها دعوى الجهل بكون الجماع رضا فقولهم المفتات عليها لا بد من إذنها بصريح القول حصر إضافي بالنسبة لنحو الصمت وأما التمكين فهو أقوى من القول ولا فرق في هذا بين بكر وثيب فافهم
المسألة الثالثة من أكل مال يتيم جهلا ضمنه ولا يعذر بجهله كذا في التوضيح قال الأمير وانظر ما معنى تخصيص اليتيم فإن من أكل مال شخص مطلقا جاهلا ضمنه وذلك أولى من الخطأ الذي هو والعمد في أموال الناس سواء إلا أن يفرض في الغلة فإنها لذي الشبهة فيستثنى منه غلة مال اليتيم لكن الذي رأيناه استثناء غلة الوقف في بعض صوره فقط فيحرر ذلك
المسألة الرابعة من قذف حرا جاهلا بحريته حد ولا يعذر بالجهل سواء كان القذف في زنا أو نسب قال الأمير واقتصر على هذا الفرع في التوضيح ولم يذكر جهله بإسلامه أو بلوغه أو عتقه أو عقله والظاهر أنه كذلك ا ه

264
264
قولا ومن لا يفهم القول وبعدت أهليته لهذه الغاية مع أنه مكلف بأدلة الوحدانية ودقائق أصول الدين أنه تكليف ما لا يطاق فتكليف هذا الجنس كله من هذا
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
المسألة الخامسة إذا أطلق الزوج تمليك الزوجة أو تخييرها وانقضى مجلس يتروى في مثله فقول مالك الأول أنه يسقط ما بيدها ولا تعذر بجهل وقوله الآخر ببقاء ما بيدها ما لم توقف أو توطأ وذكره في المختصر وهو ضعيف لأن مالكا رجع للأول وأخذ به ابن القاسم وبه العمل فإن عين الزوج شيئا عمل به أو قال متى شئت لم يسقط بالمجلس أمير
المسألة السادسة الطبيب بحسب زعمه لا يعذر بجهله لكنه إن تعمد الضرر اقتص منه وإن قصد النفع فضر ضمن في ماله ولا شيء على عاقلته كما في عبق
المسألة السابعة المفتي لا يعذر بجهل في فتواه ويضمن ما أفسد بها المسألة الثامنة قال في التوضيح من أثبتت أن زوجها يضربها فتلوم لها الحاكم ثم أحضره ليطلق عليه فادعى أنه وطئها سقط حقها ولو ادعت الجهل أي صدقت على الوطء وجهلت أنه مسقط
المسألة التاسعة إذا زنى العبد أو شرب الخمر أو قذف جاهلا بالعتق حد كالحر
المسألة العاشرة أن يشتري من يعتق عليه وهو الأصل والفصل وقريب الحواشي جاهلا فيعتق عليه سواء جهل القرابة أو الحكم والظاهر أن مثل ذلك إن قال له إن اشتريتك فأنت حر فاشتراه جاهلا بأنه هو حيث أطلق في يمينه
المسألة الحادية عشرة من توجه له على أبيه أو أمه دنية حد أو يمين فاستوفى ما ذكر جاهلا بأن ذلك مفسق بطلت شهادته ولا يعذر بجهل أما لو فرض أنه جهل الأبوة فيعذر
المسألة الثانية عشرة في التوضيح من يقطع الدنانير والدراهم لا تجوز شهادته ولو كان جاهلا ا ه وقد صرحوا في باب الزكاة بحرمة كسر المسكوك لغير سبك أي ما لم يكن مغشوشا فيكسر
المسألة الثالثة عشرة في المختصر في محض حق الله تعالى تجب المبادرة أي بأداء الشهادة ورفعها للحاكم بالإمكان إن استديم تحريم كعتق وطلاق ووقف ورضاع فإن لم يفعلا ردت شهادتهما ولا عذر بجهل قال ابن رشد الشهادة بما يستدام تحريمه تبطل بترك رفعه إلى السلطان الأعلى ظاهر قول أشهب ا ه وضابط حق الله كما في شروح المختصر وقد مر كل ما ليس للمخلوق إسقاطه
قال ابن عبد السلام إن كان هناك غيره ممن يتم الحكم بشهادته فإنه يستحب له المبادرة تحصيلا لفرض الكفاية فإن أبى غيره أو منعه من ذلك مانع تعين عليه القيام وفي التوضيح قيد ابن شاس الوقف بأن يكون على غير معينين أي ويأكله غير الواقف وأطلق القول فيه الباجي وابن رشد ا ه
قال البناني وعلى ما لابن شاس اقتصر عبق وفصل بعض المحققين في الوقت لمعين قائلا إن كان الواقف بذله أولا ولكن جعله لمعين فالحق في هذا حق الله لأن ذلك المعين إذا لم يقبله رجع للفقراء والمساكين لا للواقف أو ورثته
وأما إذا كان من أول وهلة على معين من غير تبتيل له أولا كأن يجعله حبسا بشرط أن يكون على فلان فهو حق آدمي لأنه إذا لم يقبله هنا رد لمالكه أو لورثته ا ه
قال الخطاب وفي كون العتق وما عطف عليه من محض حق الله تعالى عندي نظر ا ه قال عبق أما عدم تمحض الثلاثة الأول فلأن العبد له حق في العتق بتخليص رقبته من الرق والمرأة في تخليص عصمتها من الزوج والموقوف عليهم في استحقاقهم فيه تتمحض هذه الثلاثة عن حق الآدمي كرضا العبد بخدمته كخدمة من يعتق والمرأة ببقائها تحته والموقوف عليه بتركه ما يستحقه من
265
265
النوع مع أنهم من أهل اليأس بسبب الكفران وقعوا للجهل
وأما الفروع دون الأصول فقد عفا صاحب الشرع عن ذلك ومن بذل جهده في الفروع فأخطأ فله أجر ومن أصاب فله أجران كما جاء في الحديث
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الوقف أي فيحرم ويجب الرفع وأما الرضاع فظاهر تمحضه لله قاله بعض المحشين
المسألة السابعة عشرة من سرق ثوبا لا يساوي ربع دينار وفيه ربع دينار كما في التوضيح قال الأمير وهذا فرض
مثال قال في المختصر أو ظن أي ربع الدينار أو ثلاثة الدراهم فلوسا أو الثوب فارغا وقيده بما إذا كان مثله يرفع فيه نصاب لا إن كان خلقا ولا إن سرق خشبة أو حجرا يظنه فارغا فإذا فيه نصاب فلا يقطع لأن ذلك لا يجعل فيه ذلك إلا أن تكون قيمة تلك الخشبة تساوي نصابا فيقطع في قيمتها دون ما فيها
قال والعصا المفضضة لا تساوي ذاتها نصابا إن سرقت ليلا أو من محل مظلم فلا قطع ا ه
المسألة الخامسة عشرة قال في التوضيح إذا وطئ المرتهن الأمة المرتهنة فإنه يحد ولا يعذر بجهالة قال الأمير أي لأن شبهة الارتهان ضعيفة فلا تمنع الحد
قال عبق أما إذا أذن له الراهن فلا حد لأنها صارت حينئذ أمة محللة وفي وطئها الأدب والظاهر أنه لا يعذر فيه أيضا ا ه
المسألة السادسة عشرة قال في التوضيح المرتهن يرد الرهن فتبطل الحيازة ولا يعذر بالجهل ا ه
قال الأمير أي إذا رده اختيارا وإلا فله أخذه متى قدر ومعنى بطلان الحيازة أن الرهن يبطل بمفوت كعتق أو قيام غرماء فإن لم يحصل مفوت فله رده بعد أن يحلف أنه جهل إبطال الجواز بذلك حيث أشبه كما نقله شراح المختصر عن اللخمي ا ه
المسألة السابعة عشرة قال في التوضيح البدوي يقر بالزنا والشرب ويقول فعلت ذلك جهلا ا ه قال الأمير والبدوي نص على المتوهم لأن شأنه الجهل ومثله حديث عهد بالإسلام ولا فرق بين جهل الحد والحرمة وأما جهل العين بأن يظنها امرأته والخمر عسلا فعذر حيث أشبه ذلك وفي المختصر عذره بجهل الحكم في الزنا غير الواضح إن جهل مثله وفرق عبق بينه وبين الشرب أولا بأن الشرب أكثر وقوعا من غيره وثانيا بأن مفاسده أشد من مفاسد الزنا إذ ربما حصل بالشرب زنا وسرقة وقتل ولذا ورد أنها أم الخبائث وثالثا بأن حرمة الزنا ووجوب الحد فيه من الواضح الذي لا يجهل بخلاف الزنا فإن فيه واضحا وغيره
قال لكنه خلاف ظاهر قول مالك وقد ظهر الإسلام وفشا فلا يعذر جاهل في شيء من الحدود ا ه وتناول قول مالك هذا القذف والسرقة ا ه
المسألة الثامنة عشرة قال الأمير الأمة المعتقة إذا وطئها بعد عتقها أو مكنته من المقدمات وأولى إن حاولت هي منه ذلك سقط خيارها ولا تعذر بدعواها الجهل بأصل التخيير أو بأن ذلك مسقط ومثل الجهل النسيان والمشهور ولو لم يشتهر الحكم عند الناس وعذر البغداديون حديثة العهد بالجهل واختاره بعض المتأخرين قال وإنما تكلم مالك على من اشتهر عندهم الحكم ولم يخف على أحد كأهل المدينة ومما لم تعذر فيه بالجهل أيضا قول ابن عرفة روى محمد أن بيع زوجها قبل عتقها بأرض غربة فظنت أن ذلك طلاق ثم عتقت ولم تختر نفسها حتى عتق زوجها فلا خيار لها ويدخل في قول المختصر في مسقطات الخيار أو عتق قبل الاختيار وتعذر بجهل العتق ولها على الزوج الأكثر من المسمى وصداق المثل حيث كان قبل البناء ويؤدب إن وطئها عالما بالعتق والحكم ولا تعذر بنسيان العتق
قال عبق لما عند الناس من زيادة التفريط على الجاهل ا ه بتصرف للإصلاح

266
266
قال العلماء ويلحق بأصول الدين أصول الفقه قال أبو الحسين في كتاب المعتمد في أصول الفقه إن أصول الفقه اختص بثلاثة أحكام
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
المسألة التاسعة عشرة قال في التوضيح المرأة يغيب عنها زوجها فتنفق من ماله ثم يأتي نعيه فترد ما أنفقت من يوم الوفاة
المسألة العشرون قال الأمير من رأى حمل زوجته فأخر اللعان بلا عذر فليس له نفيه ولا يعذر بجهل وليس من العذر تأخيره خيفة أن يكون انتفاخا فينفش وأما اللعان لرؤيتها تزني فلا يسقط بالتأخير نعم يسقطان بالوطء والظاهر أنه لا يعذر فيه بجهل وكلامهم يقتضي أن المقدمات لا تسقط
المسألة الحادية والعشرون قال في التوضيح المطلقة يراجعها زوجها فتسكت حتى يطأها زوجها ثم تدعي أن عدتها كانت انقضت وتدعي الجهل في سكوتها ا ه
وليس الوطء شرطا لما في المختصر إذا أشهد برجعتها فصمتت ثم قالت بعد يوم أو بعضه كما في عبق عن المدونة كانت انقضت لم يقبل قولها لأن سكوتها دليل كذبها ا ه أمير
المسألة الثانية والعشرون قال في التوضيح الرجل يباع عليه ماله ويقبضه المشتري وهو حاضر لا يغير ولا ينكر ثم يقوم ويدعي أنه لم يرض ويدعي الجهل ا ه
قال الأمير أي فيلزمه البيع وله الثمن ما لم تمض سنة والغائب له الرد ما لم تمض سنة فالثمن ما لم تمض ثلاث هذا حاصل ما قرره لنا شيخنا العلامة العدوي قال عبق والمعتمد حرمة بيع الفضولي وشرائه كما قال القرافي أنه المشهور لا جوازه ولا ندبه
قال الحطاب والحق أنه يختلف بحسب المقاصد وما يعلم من حال المالك أنه الأصلح ا ه كلام عبق
المسألة الثالثة والعشرون قال في التوضيح من حاز مال رجل مدة الحيازة التي تكون عاملة وادعى أنه ابتاعه منه فإنه يصدق مع يمينه ولا يعذر صاحب المال إن ادعى الجهل ا ه قال الأمير وتفصيل مدة الحوز مذكورة في المختصر وشروحه وليس التطويل له من مهمنا الآن
المسألة الرابعة والعشرون قال في التوضيح المظاهر يطلق امرأته في الصيام فيلزمه الابتداء ولا يعذر بجهل
ا ه
قال الأمير أي إذا وطئ المظاهر منها ليلا أو نهارا وكذلك النسيان والغلط لا عذر بهما وإذا وقع ذلك في الإطعام فكالصوم على المشهور كما في المختصر قال عبد الملك بن الماجشون الوطء لا يبطل الإطعام المتقدم مطلقا والاستئناف أحب إلى الله تعالى ومفهوم وطئ أن القبلة والمباشرة لا يقطعانه وشهره يوسف بن محمد وقيل يقطعانه وشهره الزناتي ا ه عبق واقتصر الخرشي على الثاني ا ه أمير
المسألة الخامسة والعشرون قال في التوضيح الرجل يجعل امرأته بيد غيرها فلا يقضي المملك حتى يطأ ثم تريد أن يقضي وتقول جهلت وظننت أن ذلك لا يقطع ما كان ا ه قال الأمير والمقدمات كالوطء فالمدار على التمكين طوعا وظاهره ولو بغير علم ذلك وصححه في الشامل انظر التتائي ونحوه للشيخ سالم والذي في المدونة وأبي الحسن عليها وابن عرفة أنه لا يسقط إلا بعلمه ورضاه ا ه عبق وكذلك إن ملكها هو أو خير ا ه
المسألة السادسة والعشرون قال في التوضيح الذي يملك امرأته أمرها فتقول قد قبلت ثم تصالحه بعد ذلك قبل أن تسأل ما قبلت ثم تقول كنت أردت ثلاثا لترجع فيما صالحت أنها لم ترجع على الزوج بشيء لأنها حين صالحت علمت أنها لم تطلق ثلاثا ولا تعذر بالجهل ا ه
المسألة السابعة والعشرون قال الأمير من ملك زوجته فقضت بالبتة وادعى الجهل بحكم التمليك
267
267
عن الفقه أن المصيب فيه واحد والمخطئ فيه آثم ولا يجوز التقليد فيه وهذه الثلاثة التي حكاها هي في أصول الدين بعينها فظهر لك الفرق بين قاعدة ما يكون الجهل فيه عذرا وبين قاعدة ما لا يكون الجهل فيه عذرا
الفرق الخامس والتسعون بين قاعدة استقبال الجهة في الصلاة وبين قاعدة استقبال السمت
اعلم أنه قد وقع في المذاهب عامة قولهم إن القاعدة أن استقبال الجهة يكفي وآخرون
هامش أنوار البروق
قال الفرق الخامس والتسعون بين قاعدة استقبال الجهة في الصلاة وبين قاعدة استقبال السمت إلى قوله وإذا كان الإجماع في الصورتين فأين يكون الخلاف قلت أما معاين الكعبة فلا خلاف في أن فرضه استقبال سمتها كما ذكر
وأما غير المعاين فنقل
هامش إدرار الشروق
فقيل يلزمك ما أوقعت فقال ما أردت إلا واحدة هكذا في التوضيح فجعل ادعاءه الجهل مكذبا له وإلا فله مناكرة المملكة إن نوى دون الثلاث كما في المختصر وشروحه ا ه
المسألة الثامنة والعشرون قال في التوضيح في الواضحة فيمن باع جاريته وقال كان لها زوج وطلقها أو مات عنها وقالت ذلك الجارية لم يجز للمشتري أن يطأ ولا يزوج حتى تشهد البينة على الطلاق أو الوفاة وإن أراد ردها وادعى أن قول البائع والجارية يقتضي ذلك لم يكن له ذلك وإن كان ممن يجهل معرفة ذلك ا ه
المسألة التاسعة والعشرون قال في التوضيح قال أصبغ في المظاهر يطأ قبل الكفارة أنه يعاقب ولا يعذر بجهل ا ه ومثل الوطء مقدماته كما في شروح المختصر
المسألة الثلاثون إذا أطلق الزوج في تخيير امرأته بعد البناء فقضت بواحدة بطل ما بيدها وليس لها أن تختار بعد ذلك وتقول جهلت وظننت أن لي أن أختار واحدة ومثل الواحدة الاثنان لأن التخيير ثلاث قال عبق فإن رضي الزوج بما أوقعت لزم أفاده الأمير
المسألة الحادية والثلاثون في التوضيح التي يقول لها زوجها إن غبت عنك أكثر من ستة أشهر فأمرك بيدك فيغيب عنها وتقيم بعد الستة المدة الطويلة من غير أن تشهد أنها على حقها ثم تريد أن تقضي وتقول جهلت وظننت أن الأمر بيدي متى شئت ا ه
المسألة الثانية والثلاثون قال الأمير عد في التوضيح منها الشاهد يخطئ في الأموال والحدود
المسألة الثالثة والثلاثون قال الأمير عد في التوضيح منها الغريم يعتق بحضرة غرمائه فيسكتون ولا ينكرون ثم يريدون القيام وبقي مسألة ذكرها الأصل وهي من قتل مسلما في حالة السعة يظنه حربيا من غير كشف عن ذلك أثم والله أعلم
الفرق الخامس والتسعون بين قاعدة استقبال الجهة في الصلاة وبين قاعدة استقبال السمت
لا خلاف في أن فرض من قرب من الكعبة وعاينها استقبال السمت أي عينها فإذا صف صف مع
268
268
يقولون بل القاعدة أن استقبال سمت الكعبة لا بد منه وهذه المقالات والإطلاقات في غاية الإشكال بسبب أمور أحدها أن الكلام في هذا إنما وقع فيمن بعد عن الكعبة أما من قرب فإن فرضه استقبال السمت قولا واحدا والذي بعد لا يقول أحد إن الله تعالى أوجب عليه استقبال عين الكعبة ومقابلتها ومعاينتها فإن ذلك تكليف ما لا يطاق بل الواجب عليه أن يبذل جهده في تعيين جهة يغلب على ظنه أن الكعبة وراءها وإذا غلب على ظنه بعد بذل الجهد في الأدلة الدالة على الكعبة أنها وراء الجهة التي عينتها أدلته وجب عليه استقبالها إجماعا فصارت الجهة مجمعا عليها والسمت الذي هو العين والمعاينة مجمع على عدم التكليف به وإذا كان الإجماع في الصورتين فأين يكون الخلاف وثانيها أن الصف الطويل أجمع الناس على صحة صلاته مع أنه خرج بعضه عن السمت قطعا فإن الكعبة عرضها عشرون ذراعا وطولها خمسة وعشرون ذراعا على ما قيل والصف الطويل مائة ذراع فأكثر فبعضه خارج عن السمت قطعا فقولهم إن القاعدة استقبال السمت مشكل
وثالثها أن البلدين المتقاربين يكون استقبالهما واحدا مع أنا نقطع بأنهما أطول من
هامش أنوار البروق
الخلاف فيه معروف هل فرضه استقبال السمت كالمعاين أم فرضه استقبال الجهة وظاهر المنقول عن القائلين بالسمت أنهم يريدون بذلك أن المستقبل للكعبة فرضه أن يكون بحيث لو قدر خروج خط مستقيم على زوايا قائمة من بين عينيه نافذا إلى غير نهاية لمر بالكعبة قاطعا لها لا أنهم يريدون أن فرضه استقبال عينها ومعاينتها فإن ذلك كما قال من تكليف ما لا يطاق ولا قائل به فالذي يظهر أنه مرادهم يلزم منه تكليف ما لا يطاق إذ فيه تكليف المعاينة مع عدمها والوجه الآخر ليس فيه ذلك فالخلاف معجم في الجهة هل هي المطلوب أم لا وفي السمت هل هو المطلوب أم لا لكن ترجيح
هامش إدرار الشروق
حائط الكعبة فصلاة الخارج عنها ببدنه أو ببعضه باطلة لأنه مأمور بأن يستقبل بجملته الكعبة فإن لم يحصل له ذلك استدار وكذلك الصف الطويل بقرب الكعبة يصلون دائرة وقوسا إن قصروا عن الدائرة قال ابن الحاجب أما لو خرج عن السمت بالمسجد الحرام لم يصح أي لكونه خالف ما أمر به وكذا من بمكة أي فتجب عليه المسامتة لقدرته على ذلك بأن يطلع على سطح أو غيره ويعرف سمت الكعبة بالمحل الذي هو فيه فإن لم يقدر استدل أي إن من كان في بيته ولم يقدر على الخروج أو كان بليل مظلم فإنه يستدل بأعلام البيت مثل جبل أبي قبيس ونحو ذلك أو يستدل بالمطالع أو المغارب إن كان له علم بذلك فإن قدر بمشقة أي على المسامتة كما لو كان يحتاج إلى صعود السطح وهو شيخ كبير أو مريض ففي الاجتهاد نظر أي تردد حكاه ابن شاس عن بعض المتأخرين
قال ابن رشد الصواب المنع ا ه بتوضيح من شرحي خليل وابن فرحون قال الحطاب هذا ما نعرفه لأصحابنا وما حكي عن مالك أنه قال الكعبة قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة أهل مكة والحرم قبلة أهل الدنيا فهذا النقل عنه غريب وما أخرجه البيهقي في سننه من حديث عمر بن حفص المكي عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى
269
269
سمت الكعبة ولم يقل أحد بأن صلاة أحدهما صحيحة والأخرى باطلة ولو قيل ذلك لكان ترجيحا من غير مرجح فإنه ليس إحداهما أولى من الأخرى بالبطلان فهذه أمور مجمع عليها كلها وجميعها يقتضي الإشكال على هاتين القاعدتين
الجواب عنه وهو سر الفرق ما كان يذكره الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى بعد أن كان يورد هذا الإشكال فلا يجيبه أحد عنه فكان يقول الشيء قد يجب إيجاب الوسائل وقد يجب إيجاب المقاصد فالأول كالنظر في أوصاف المياه فإنه واجب وجوب الوسائل فإنه يتوسل به إلى معرفة الطهورية وكالنظر في قيم المتلفات فإنه وسيلة إلى معرفة قيمة المتلف وكالسعي إلى الجمعة واجب لأنه وسيلة إلى إيقاعها في الجامع وكذلك السفر إلى الحج وهو كثير في الشريعة ومثال ما يجب وجوب المقاصد الصلوات الخمس وصوم رمضان والحج والعمرة والإيمان والتوحيد وغير ذلك مما هو واجب لأنه مقصد لنفسه لا لأنه وسيلة لغيره إذا تقررت هذه القاعدة فاختلف الناس في الجهة هل هي واجبة وجوب الوسائل وأن النظر فيها إنما هو لتحصيل عين الكعبة وهو مذهب الشافعي رحمه الله وإذا أخطأ في الجهة وجبت الإعادة لأن القاعدة أيضا أن الوسيلة إذا لم يحصل مقصدها سقط اعتبارها والنظر في الجهة واجب وجوب المقاصد
هامش أنوار البروق
القول بالجهة من الإجماع على صحة صلاة الصف المستقيم الطويل وما في معناه من الموضعين المتحاذيين أو المواضع ويرجح أيضا بأن التوصل إلى تحقيق الجهة متيسر على المكلفين أو أكثرهم بخلاف التوصل إلى تحقيق السمت والحنيفية سمحة ودين الله يسر قال وثانيها أن الصف الطويل أجمع الناس على صحة صلاته إلخ قلت هو أقوى حجج القائلين بالجهة
هامش إدرار الشروق
عنهما قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال البيت قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم والحرم قبلة لأهل الأرض فقال الترمذي تفرد به عمر بن حفص وهو ضعيف لا يحتج به والحمل فيه عليه ا ه
وإنما الخلاف فيمن بعد عن الكعبة بأن كان بغير مكة هل فرضه استقبال السمت كالمعاين أو فرضه استقبال الجهة قولان في المذهب وخارجه ويرجع للثاني أمران أحدهما أن الأول وإن كان ظاهر المنقول عن القائلين به أنهم لا يريدون بذلك أن المستقبل للكعبة فرضه استقبال عينها ومعاينتها حتى يقال إنه من تكليف ما لا يطاق ولا قائل به وإنما يريدون أن فرضه أن يكون بحيث لو قدر خروج خط مستقيم على زوايا قائمة من بين عينيه نافذا إلى غير نهاية لمر بالكعبة قاطعا لها إلا أنه يلزم من هذا الذي يظهر أنه مرادهم تكليف ما لا يطاق إذ فيه تكليف السمت والمعاينة مع عدمها بخلاف القول بالجهة فإنه ليس فيه ذلك وإنما فيه التكليف بتحقيق الجهة والتوصل إليه متيسر على جميع المكلفين أو أكثرهم
وثانيهما إجماع الناس على صحة صلاة الصف المستقيم الطويل الذي طوله مائة ذراع فأكثر وصحة صلاة ما في معناه من الموضعين المتحاذيين أو المواضع مع أن بعض الصف وأحد الموضعين أو المواضع
270
270
وأن الكعبة لما بعدت عن الأبصار جدا وتعذر الجزم بحصولها جعل الشرع الاجتهاد في الجهة هو الواجب نفسه وهو المقصود دون عين الكعبة فإذا اجتهد ثم تبين خطؤه لا تجب عليه الإعادة
وهو مذهب مالك رحمه الله تعالى فعلى هذا التقرير يصير الخلاف في السمت هل يجب وجوب المقاصد أو لا يجب ألبتة لا وجوب المقاصد ولا وجوب الوسائل لأنه ليس وسيلة لغيره قولان وهل تجب الجهة وجوب المقاصد أم وجوب الوسائل قولان هذا هو توجيه القولين في كل واحدة من القاعدتين فعلى هذا تكون الجهة واجبة بالإجماع إنما الخلاف في صورة وجوبها هل وجوب الوسائل أو المقاصد ويكون السمت ليس واجبا مطلقا إلا على أحد القولين فإنه واجب وجوب المقاصد فقول العلماء هل الواجب الجهة أو السمت قولان يصح فيه قيد لطيف فيكون معناه هل الواجب وجوب المقاصد السمت أو الجهة قولان فبهذا القيد استقام حكاية الخلاف واتضح أيضا به تخريج الخلاف هل تجب الإعادة على من أخطأ في اجتهاده أم لا قولان مبنيان على أن الجهة واجبة وجوب المقاصد وقد حصل الاجتهاد فيها وهو الواجب عليه فقط لا شيء وراءه أو واجبة وجوب الوسائل فتجب الإعادة لأن الوسيلة إذا
هامش أنوار البروق
قال والجواب عنه وهو سر الفرق ما كان يذكره الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى إلى قوله لا أنه وسيلة لغيره
قلت ما ذكره حاكيا له عن عز الدين من أن الواجب على ضربين واجب وجوب الوسائل وواجب وجوب المقاصد صحيح كما ذكر قال إذا تقررت هذه القاعدة فاختلف الناس في الجهة هل هي واجبة وجوب الوسائل وأن النظر
هامش إدرار الشروق
خارج عن السمت قطعا فإن الكعبة على ما قيل عرضها عشرون ذراعا وطولها خمسة وعشرون ذراعا والجواب عن الأمر الثاني بأن القول بالسمت مبني على قاعدة إن الله تعالى إنما أوجب علينا أن نستقبل الكعبة الاستقبال العادي لا الحقيقي والعادة أن الصف الطويل إذا قرب من الشيء القصير الذي يستقبل يكون أطول منه ويجد بعضهم نفسه خارجة عن ذلك الشيء المستقبل الذي هو قصير من الصف الطويل
وإذا بعد ذلك الصف الطويل بعدا كثيرا عن ذلك الشيء القصير بأن كان بمصر أو خراسان يجد كل واحد ممن في ذلك الصف الطويل نفسه مستقبلا لذلك الشيء القصير في نظر العين بسبب البعد ألا ترى أن النخلة البعيدة أو الشجرة إذا استقبلهما الركب العظيم الكثير العدد من البعد يجد كل واحد من أهل الركب نفسه قبالة تلك الشجرة أو النخلة ويقول الراكب بجملته نحن قبالة تلك الشجرة أو النخلة ونحن سايرون إليها
وإذا قربوا منها جدا لم يبق قبالتها إلا النفر اليسير من ذلك الركب وكذلك البلدان المتقاربان لو كشف الغطاء بين من فيهما وبين الكعبة لرأى كل واحد منهم نفسه قبالة الكعبة فيه نظر لأن القول بالسمت العادي دون الحقيقي مآله إلى القول بالجهة فهو على التحقيق تسليم لقول المخالف وتحرير الخلاف المذكور
271
271
لم تفض إلى مقصودها سقط اعتبارها واتضح الخلاف والتخريج واندفع الإشكال حينئذ بهذا القيد الزائد وبهذا التقرير وأما الجواب عن الصف الطويل فهو أن الله تعالى إنما أوجب علينا أن نستقبل الكعبة الاستقبال العادي لا الحقيقي والعادة أن الصف الطويل إذا قرب من الشيء القصير الذي يستقبل يكون أطول منه ويجد بعضهم نفسه خارجة عن ذلك الشيء المستقبل الذي هو أقصر من الصف الطويل وإذا بعد ذلك الصف الطويل بعدا كثيرا عن ذلك الشيء القصير يجد كل واحد ممن في ذلك الصف الطويل نفسه مستقبلا لذلك الشيء القصير في نظر العين بسبب البعد ألا ترى أن النخلة البعيدة أو الشجرة إذا استقبلها الركب العظيم الكثير العدد من البعد يجد كل واحد من أهل الركب أو القافلة نفسه قبالة تلك الشجرة ويقول الركب بجملته نحن قبالة تلك الشجرة ونحن سائرون إليها وإذا قربوا من الشجرة جدا لم يبق قبالتها إلا النفر اليسير من ذلك الركب فكذلك الصف الطويل بمصر أو بخراسان لو كشف الغطاء بينهم وبين الكعبة المعظمة بحيث كان كل واحد منهم يبصر الكعبة لرأى نفسه قبالة الكعبة بسبب البعد كما قلنا في
هامش أنوار البروق
فيها إنما هو لتحصيل عين الكعبة وهو مذهب الشافعي رحمه الله وإذا أخطأ في الجهة وجبت الإعادة لأن القاعدة أيضا أن الوسيلة إذا لم يحصل مقصدها سقط اعتبارها والنظر في الجهة واجب وجوب المقاصد وأن الكعبة لما بعدت من الأبصار جدا وتعذر الجزم بحصولها جعل الشرع الاجتهاد في الجهة هو الواجب نفسه وهو المقصود دون عين الكعبة فإذا اجتهد ثم تبين خطؤه لا تجب عليه الإعادة وهو مذهب مالك قلت ينبغي أن يكون مراده بالخطأ خطأ عين الكعبة لا خطأ الجهة فإن خطأ الجهة خطأ المقصود فتلزم الإعادة على المذهب كما تقدم في خطأ العين في مذهب الشافعي
هامش إدرار الشروق
وسر الفرق بين قاعدة إن استقبال الجهة يكفي عند القائلين بها وبين قاعدة إن استقبال السمت لا بد منه عند القائلين بها هو ما كان يذكره الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى جوابا عن استشكاله أن من بعد عن مكة لا يقول أحد إن الله تعالى أوجب عليه استقبال عين الكعبة ومقابلتها ومعاينتها فإن ذلك تكليف ما لا يطاق بل الواجب عليه أن يبذل جهده في تعيين جهة يغلب على ظنه أن الكعبة وراءها وإذا غلب على ظنه بعد ذلك أنها وراء الجهة التي عينتها أدلته وجب عليه استقبالها إجماعا فصارت الجهة مجمعا عليها والسمت الذي هو العين والمعاينة مجمع على عدم التكليف به وإذا كان الإجماع في الصورتين فأين يكون الخلاف بقوله الشيء قد يجب إيجاب الوسائل وهو كثير في الشريعة كالنظر في أوصاف المياه المتوسل به إلى معرفة الطهورية وفي قيم المتلفات المتوسل به إلى معرفة قيمة المتلف والسعي إلى الجمعة المتوسل به إلى إيقاعها في الجامع والسفر إلى الحج المتوسل به إلى إيقاعه بعرفة وحول الكعبة
وقد يجب إيجاب المقاصد وهو كثير في الشريعة أيضا كالصلوات الخمس وصوم رمضان والحج والعمرة وغير ذلك مما هو واجب لأنه مقصد لنفسه لا لأنه وسيلة لغيره فعلى قاعدة أن استقبال الجهة يكفي يكون
272
272
الركب مع الشجرة فقد حصل في حقهم الاستقبال العادي وهو المطلوب الشرعي وكذلك نقول في البلدين المتقاربين لو كشف الغطاء بينهما وبين الكعبة لرأى كل واحد منهم نفسه قبالة الكعبة فهما كالصف الطويل سواء والجميع مبني على هذه القاعدة وهي أن الله تعالى إنما أمر بالاستقبال العادي دون الحقيقي مع البعد ومع القرب الواجب
هامش أنوار البروق
قال فعلى هذا التقرير يصير الخلاف في السمت هل يجب وجوب المقاصد أو لا يجب ألبتة لا وجوب المقاصد ولا وجوب الوسائل لأنه ليس وسيلة لغيره قولان وهل تجب الجهة وجوب المقاصد أم وجوب الوسائل قولان هذا هو توجيه القولين في كل واحدة من القاعدتين فعلى هذا تكون الجهة واجبة بالإجماع إنما الخلاف في صورة وجوبها هل وجوب الوسائل أو المقاصد ويكون السمت ليس واجبا مطلقا إلا على أحد القولين فإنه واجب وجوب المقاصد فقول العلماء هل الواجب الجهة أو السمت قولان يظهر فيه قيد لطيف فيكون معناه هل الواجب وجوب المقاصد السمت أو الجهة قولان فبهذا القيد استقام حكاية الخلاف واتضح أيضا به تخريج الخلاف هل تجب الإعادة على من أخطأ في اجتهاده أم لا قولان مبنيان على أن الجهة واجبة وجوب المقاصد وقد حصل الاجتهاد فيها وهو الواجب عليه فقط لا شيء وراءه أو واجبة وجوب الوسائل فتجب الإعادة لأن الوسيلة إذا لم تفض إلى مقصودها سقط اعتبارها واتضح الخلاف والتخريج واندفع الإشكال حينئذ بهذا القيد الزائد وبهذا التقرير قلت جميع ما قاله في هذا الفصل تحرير خلاف ولا كلام فيه غير أن الصحيح من الأقوال أن الجهة واجبة وجوب المقاصد وأن الإعادة لازمة عند الخطأ والله أعلم قال وأما الجواب عن الصف الطويل إلى آخر ما قاله في هذا الفرق
قلت هذا الجواب إنما هو جواب القائلين بالسمت دفعا لاستدلال القائلين بالجهة عليهم بالصف الطويل وللقائلين بالجهة أن يقولوا سلمنا صحة هذا الجواب لأنه محصل لمقصودنا من القول بالجهة وغير محصل لمقصودكم من القول بالسمت الحقيقي الذي هو العين من غير شرط المعاينة لتعذر ذلك مع البعد ومآل قولكم بالسمت العادي غير الحقيقي إلى قولنا بالجهة فعلى التحقيق ذلك الجواب ليس بجواب بل تسليم لقول المخالف والله أعلم
هامش إدرار الشروق
النظر في الجهة واجبا وجوب المقاصد وذلك لأن الكعبة لما بعدت عن الإبصار جدا وتعذر الجزم بحصولها جعل الشرع الاجتهاد في الجهة هو الواجب نفسه وهو المقصود دون عين الكعبة فلا يجب ألبتة فإذا اجتهد ثم تبين أنه أخطأ عين الكعبة لا تجب عليه الإعادة أما إذا أخطأ الجهة فقد أخطأ المقصود فيلزم الإعادة وهو مذهب مالك رحمه الله تعالى وعلى قاعدة أن استقبال السمت لا بد منه يكون النظر في الجهة واجبا وجوب الوسائل وذلك لأنه إنما هو لتحصيل عين الكعبة الذي هو الواجب المقصود لنفسه فإذا أخطأ العين في اجتهاده في الجهة وجبت الإعادة لأن القاعدة أن الوسيلة إذا لم يحصل مقصدها سقط اعتبارها وهو مذهب الشافعي رحمه الله تعالى وبالجملة فالخلاف في كل من السمت والجهة أما في السمت فهو أنه هل يجب وجوب المقاصد أو لا يجب مطلقا لا وجوب المقاصد ولا وجوب الوسائل لأنه ليس وسيلة لغيره قولان وأما في الجهة فهو أنها هل تجب وجوب المقاصد أو
273
273
الاستقبال الحقيقي
حتى إنه إذا صف صف مع حائط الكعبة فصادف أحدهم نصفه قبالة الكعبة ونصفه خارجا عنها بطلت صلاته لأنه مأمور بأن يستقبل بجملته الكعبة فإذا لم يحصل ذلك استدار وكذلك الصف الطويل بقرب الكعبة يصلون دائرة أو قوسا إن قصروا عن الدائرة وفي البعد يصلون خطا مستقيما بسبب ما تقدم من التقرير وأنهم إذا كانوا خطا مع البعد يكونون مستقبلين عادة بخلافهم مع القرب فقد ظهر الفرق بين قاعدة استقبال السمت وبين قاعدة استقبال الجهة
وصح جريان الخلاف في ذلك واندفعت الإشكالات التي عليها وهو من المواطن الجليلة التي يحتاج إليها الفقهاء ولم أر أحدا حرره هذا التحرير إلا الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله وقدس روحه فلقد كان شديد التحرير لمواضع كثيرة في الشريعة معقولها ومنقولها وكان يفتح عليه بأشياء لا توجد لغيره رحمه الله رحمة واسعة
الفرق السادس والتسعون بين قاعدة من يتعين تقديمه وبين قاعدة من يتعين تأخيره في الولايات والمناصب والاستحقاقات الشرعية
اعلم أنه يجب أن يقدم في كل ولاية من هو أقوم بمصالحها على من هو دونه فيقدم في ولاية الحروب من هو أعرف بمكائد الحروب وسياسة الجيوش والصولة على
هامش أنوار البروق
قال الفرق السادس والتسعون بين قاعدة من يتعين تقديمه وبين قاعدة من يتعين تأخيره في الولايات والمناصب والاستحقاقات الشرعية اعلم أنه يجب أن يقدم في كل ولاية من هو أقوم بمصالحها على من هو دونه إلى قوله لأن الرجال أقوم بمصالح تلك الولايات منهن
هامش إدرار الشروق
وجوب الوسائل قولان فالجهة واجبة بالإجماع وإنما الخلاف في صورة وجوبها هل وجوب الوسائل أو المقاصد وفي السمت هل يجب وجوب المقاصد أو لا مطلقا
فقول العلماء هل الواجب الجهة أو السمت قولان فيه قيد محذوف تقديره هل الواجب وجوب المقاصد السمت أو الجهة قولان وبهذا القيد يتضح أن القولين في أنه هل تجب الإعادة على من أخطأ في اجتهاده أم لا مبنيان على الخلاف في أن الجهة هل تجب وجوب المقاصد فإذا حصل الاجتهاد فيها فلا إعادة وإن أخطأ العين لأنه قد أدى الواجب عليه أو تجب وجوب الوسائل فإذا حصل الاجتهاد فيها وأخطأ العين وجبت الإعادة لأن الوسيلة إذا لم تفض إلى مقصودها سقط اعتبارها والصحيح من الأقوال أن الجهة واجبة وجوب المقاصد وأن الإعادة لازمة عند تبين الخطأ فيها لا في العين فافهم والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق السادس والتسعون بين قاعدة من يتعين تقديمه وبين قاعدة من يتعين تأخيره في الولايات والمناصب والاستحقاقات الشرعية لا خفاء في أنه يجب تقديم من هو متصف بالأهلية لأي ولاية أو منصب أو استحقاق من الولاية
274
274
الأعداء والهيبة عليهم ويقدم في القضاء من هو أعرف بالأحكام الشرعية وأشد تفطنا لحجاج الخصوم وخدعهم وهو معنى قوله عليه السلام أقضاكم علي أي هو أشد تفطنا لحجاج الخصوم وخدع المتحاكمين
وبه يظهر الجمع بينه وبين قوله عليه السلام أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وإذا كان معاذ عرف بالحلال والحرام كان أقضى الناس غير أن القضاء لما كان يرجع إلى معرفة الحجاج والتفطن لها كان أمرا زائدا على معرفة الحلال والحرام فقد يكون الإنسان شديد المعرفة بالحلال والحرام
وهو يخدع بأيسر الشبهات فالقضاء عبارة عن هذا التفطن ولهذا قال عليه السلام إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع الحديث فدل ذلك على أن القضاء تبع الحجاج وأحوالها فمن كان لها أشد تفطنا كان أقضى من غيره ويقدم في القضاء ويقدم في أمانة اليتيم من هو أعلم بتنمية أموال اليتامى وتقدير أموال النفقات وأحوال الكوافل والمناظرات عند الحكام عن أموال الأيتام ويقدم في جباية الصدقات من هو أعرف بمقادير النصب وأحكام الزكاة من الخلطة وغيرها
ويقدم في الصلاة من هو أعرف بأحكامها وعوارض سهوها واستخلافها وغير ذلك من عوارضها ومصالحها حتى يكون المقدم في باب ربما أخر في باب آخر
هامش أنوار البروق
قلت إن أراد بقوله من هو أقوم بمصالحها من هو متصف بالأهلية لذلك وبمن هو دونه من ليس متصفا بالأهلية لذلك فلا خفاء أنه يجب تقديم المتصف دون غيره وإن أراد بمن هو أقوم بمصالحها من هو أتم قياما مع أن من هو دونه ممن له أهلية القيام بها ففي ذلك نظر والأظهر عند التأمل في ذلك أنه لا يجب وجوب حتم تقديم الأقوم بتلك المصالح بل يجوز تقديم غير الأقوم بها وتقديم الأقوم أولى ودليل ذلك أن المقصود من تلك المصالح حاصل بكل واحد منهما لأنه متصف بالأهلية لذلك فلا وجه لتعين الأقوم إلا على وجه الأولوية خاصة ولا يصح الاعتراض على هذا بتعيين تقديم النساء
هامش إدرار الشروق
والمناصب والاستحقاقات الشرعية وتأخير من ليس متصفا بالأهلية لذلك ضرورة أن المصلحة المقصودة من ذلك إنما تحصل ممن اتصف بالأهلية لا ممن ليس كذلك فيقدم في أمانة الأيتام من اتصف بأهلية تنمية أموالهم وتقدير أموال النفقات وأحوال الكوافل والمناظرات عند الحكام عن أموالهم على من لم يتصف بتلك الأهلية ويقدم في جباية الصدقات من فيه أهلية معرفة مقادير النصب وأحكام الزكاة من الخلطة وغيرها على من لم تكن فيه تلك الأهلية ويقدم في الصلاة من كان أهلا في معرفة أحكامها وعوارض سهوها واستخلافها وغير ذلك من عوارضها ومصالحها على من ليس أهلا في ذلك وإن كان أهلا في غير ذلك
وأما الأتم قياما بذلك فلا يجب حتم تقديمه على من هو دونه ممن له أهلية القيام بذلك بل يجوز تقديم غير الأتم على الأتم ضرورة أن المقصود من تلك المصالح حاصل بكل واحد منهما لأنه متصف بالأهلية لذلك فلا وجه لتعيين الأتم إلا على وجه الأولوية خاصة وقول العلماء إن الإمام إذا وجد من هو أصلح للقضاء ممن هو متول الآن وجب عليه عزل الأول وتولية الأصلح لئلا يفوت على المسلمين مصلحة الأفضل منهما ويحرم عليه أن يعزل الأعلى بالأدنى لئلا
275
275
كالنساء مقدمات في باب الحضانة على الرجال لأنهن أصبر على أخلاق الصبيان وأشد شفقة ورأفة وأقل أنفة عن قاذورات الأطفال والرجال على العكس من ذلك في هذه الأحوال فقدمن لذلك وأخر الرجال عنهن وأخرن في الإمامة والحروب وغيرهما من المناصب لأن الرجال أقوم بمصالح تلك الولايات منهن ويظهر لك باعتبار هذا التقرير أن التقديم في الصلاة لا يلزم منه من حيث هو تقديم في الصلاة التقديم في الإمامة العظمى لأن الإمامة العظمى مشتملة على سياسة الأمة ومعرفة معاقد الشريعة وضبط الجيوش وولاية الأكفاء وعزل الضعفاء ومكافحة الأضداد والأعداء وتصريف الأموال وأخذها من مظانها وصرفها في مستحقاتها إلى غير ذلك مما هو معروف بالإمامة الكبرى
وعلى هذا ورد سؤال عن قول عمر لأبي بكر رضي الله عنهما في أمر الإمامة رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا أفلا نرضاك لدنيانا إشارة لتقديمه في الصلاة فجعل عمر ذلك دليلا على تقديمه رضي الله عنه للإمامة وهذا في ظاهر الحال لا يستقيم لأنه لا يلزم من التقديم في الصلاة التقديم في الخلافة
والجواب عن هذا السؤال من وجوه الأول ما ذكره بعض العلماء وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم أن أبا بكر الصديق هو المتعين للخلافة ولم يمكن أن يفعل ذلك من قبل نفسه لأنه عليه السلام يتبع ما أنزل عليه من ربه وما أنزل عليه في ذلك شيء يعتمد عليه فعند ذلك وكل الأمر فيه إلى الاجتهاد
هامش أنوار البروق
على الرجال في باب الحضانة فإن الرجال ليسوا كالنساء في القيام بمصالح أمور الحضانة فتعين تقديمهن عليهم لذلك وليس الكلام فيما هذا سبيله وإنما الكلام في مثل رجلين لكل واحد منهما أهلية ولاية القضاء غير أن أحدهما أصلح لها مع أن الأدنى صالح لها أيضا
هامش إدرار الشروق
يفوت على المسلمين مصلحة الأعلى ولا ينفذ عزل الأعلى لأن الإمام الذي عزله معزول عن عزله وإنما ولاه الله تعالى على خلاف ذلك ا ه
يتعين أن يحمل على أن المتولي قاصر عن الأهلية لا على أنه أهل ولكن غيره أمس منه بالأهلية إذ لا وجه لعزله حينئذ والحال أن المصلحة المقصودة من القضاء كما تحصل من الفاضل المتصف بالأهلية كذلك تحصل من المفضول المتصف بها وتعيين تقديم النساء على الرجال في باب الحضانة إنما هو لأن الرجال ليسوا كالنساء في أهلية القيام بمصالح أمور الحضانة فإن النساء أصبر على أخلاق الصبيان وأشد شفقة ورأفة وأقل أنفة عن قاذورات الأطفال وأكثر إقامة بالمنزل والرجال على العكس من ذلك في هذه الأحوال فتعيين تقديم النساء عليهم لذلك لا لكونهن أمس منهم بالأهلية كما إن تقديم الرجال عليهن في الإمامة والحروب وغيرهما من المناصب لأنهن لسن كالرجال في أهلية القيام بمصالح تلك المناصب والولايات بل الأهلية فيها ليست بثابتة لجميع الرجال ألا ترى قوله صلى الله عليه وسلم أقضاكم علي مع قوله صلى الله عليه وسلم أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل فإنه صلى الله عليه وسلم لما علم أن القضاء تبع الحجاج وأحوالها وأن من كان لها أشد تفطنا كان أقضى من غيره ممن لم تكن له تلك الأهلية فيقدم في القضاء عليه
وإن كان ذلك
276
276
فكان عليه السلام يشير إلى خلافته بالإيماء وأنواع التكريم والثناء عليه بمحاسنه التي توجب تقديمه فمن ذلك تقديمه عليه السلام في الصلاة وقوله عليه السلام في مرض موته يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر مشيرا بذلك إلى أن من كان متعينا للخلافة كيف يتقدم عليه غيره للصلاة فمراد عمر رضي الله عنه أنك رضيك النبي عليه السلام لديننا الرضا الخاص الذي تقدم تفسيره فيتعين علينا أن نرضاك للخلافة
وليس المراد مطلق الرضا بحيث يقتصر على أهليته للإمامة في الصلاة خاصة الثاني أن عمر رضي الله عنه قصد بذلك تسكين الثائرة والفتنة وردع الأهواء بذكر حجة ظاهرة ليسكن لها أكثر الناس فيندفع الفساد
وثالثها أن يجعل قول عمر رضيك النبي عليه السلام لديننا على ظاهره وتجعل الإضافة على بابها موجبة للعموم كما تقرر أنه هو اللغة عند الأصوليين فجعلوها من صيغ العموم لغة ومنه قوله عليه السلام هو الطهور ماؤه الحل ميتته فكان ذلك عاما في جميع ماء البحر وميتته بسبب الإضافة ففهم عمر من إشارته عليه السلام أن الصديق مرضي لجميع حرمات الدين ومن جملة ذلك أحوال الأمة والنظر في مصالح الملة فإنه من أعم فروض الكفايات فهو من الدين ويكون قوله أفلا نرضاك لدنيانا أي هؤلاء إنما
هامش أنوار البروق
قال ويظهر لك باعتبار هذا التقرير أن التقديم في الصلاة لا يلزم منه من حيث هو تقديم في الصلاة التقديم في الإمامة العظمى إلى قوله إلى غير ذلك مما هو معروف بالإمامة الكبرى
قلت ما قاله من أن أهلية القيام بإمامة الصلاة لا يلزم أن يكون له أهلية القيام بإمامة الخلافة صحيح
قال وعلى هذا ورد سؤال عن قول عمر لأبي بكر رضي الله عنهما في أمر الإمامة رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا أفلا نرضاك لدنيانا إشارة لتقديمه رضي الله عنه في الصلاة فجعل عمر رضي الله عنه
هامش إدرار الشروق
الغير شديد المعرفة بالحلال والحرام إذ هو يخدع بأيسر الشبهات ولكون القضاء عبارة عن التفطن للحجاج قال عليه السلام إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فظهر الجمع بين حديثي علي ومعاذ وأن من له أهلية القيام بالفتيا من حيث إنه شديد المعرفة بالحلال والحرام لا يلزم أن يكون له أهلية القيام بالقضاء كما إن من له أهلية القيام بإمامة الصلاة لا يلزم أن يكون له أهلية القيام بإمامة الخلافة ضرورة أن إمامة الخلافة مشتملة على سياسة الأمة ومعرفة الشريعة وضبط الجيوش وولاية الأكفاء وعزل الضعفاء ومكافحة الأضداد والأعداء وتصريف الأموال وأخذها من مظانها وصرفها في مستحقاتها إلى غير ذلك مما هو معروف بالإمامة الكبرى ومن حيث إنه لا يلزم من التقديم في الصلاة التقديم في الخلافة كانت إشارة عمر بقوله لأبي بكر رضي الله عنهما في أمر الإمامة رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا أفلا نرضاك لدنيانا إلى أن تقديمه في الصلاة دليل على تقديمه رضي الله عنه للإمامة لا تستقيم في ظاهر الحال إلا أن يقال ليس مراد عمر رضي الله تعالى عنه أنك رضيك النبي عليه السلام لديننا مطلق الرضا بحيث يقتصر على أهليته للإمامة في
277
277
يتنازعون يعني الأنصار في أمور رئاسة وعلو وحصول الأمر والنهي من قبلهم وهذا أمر دنيوي لا ديني فيكون حسيسا بالنسبة إلى الدين الذي هو من جملة مصالح الأمة والملة وهذا كلام صحيح فإن المرضي لمعالي الأمور لا يقصر دون خسيسها فاندفع بهذه الوجوه هذا السؤال وكان الصديق رضي الله عنه أجل من هذا كله بين الصحابة رضي الله عنهم وإنما قام الأنصار في منازعته لطلب العلو والرئاسة ولهذا قال قائلهم منا أمير ومنكم أمير ومعلوم أن الشركة في الإمامة ليست من مصالح الدين فإن ذلك يفضي إلى المخالفة والمشاققة لكن لما لم يجد هذا القائل الأمر يصفو له وحده طلب الشركة تحصيلا لمقصده وإن كان ذلك ليس مصلحة للناس
وقد قال العلماء رحمهم الله إن قوله تعالى وإنه لذكر لك ولقومك إنه الخلافة وإنه كان صلى الله عليه وسلم يطوف على القبائل في أول أمره لينصروه فيقولون له ويكون لنا الأمر من بعدك فيقول صلى الله عليه وسلم إني قد منعت من ذلك وإنه قد أنزل علي وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون فلم يكن للأنصار في هذا الشأن شيء وهذا مستوعب في كتب الإمامة وموضعه من أصول الدين ليس هذا موضعه وقد سئل بعض علماء القيروان من كان مستحقا للخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سبحان الله إنا بالقيروان نعلم من هو أصلح منا بالقضاء ومن هو أصلح منا للفتيا ومن هو أصلح منا للإمامة أيخفى ذلك عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إنما يسأل عن هذه المسائل أهل العراق وصدق رضي الله تعالى عنه فيما قاله
هامش أنوار البروق
ذلك دليلا على تقديمه للإمامة وهذا في ظاهر الحال لا يستقيم لأنه لا يلزم من التقديم في الصلاة التقديم في الخلافة والجواب عن هذا السؤال من وجوه إلى منتهى قوله إنما يسأل عن هذا المسائل أهل العراق وصدق رضي الله تعالى عنه فيما قاله
قلت الجوابات لا بأس بها غير ما تضمنه الجواب الأخير من الحمل على الأنصار في قوله إنما
هامش إدرار الشروق
الصلاة خاصة بل الرضا الخاص المفسر باختصاصه بأنواع التكريم من نحو الثناء عليه بمحاسنه التي توجب تقديمه ومن تقديمه عليه السلام في الصلاة ومن قوله عليه السلام في مرض موته يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر فيتعين علينا أن نرضاك للخلافة وذلك لأنه إنما يشير باختصاصه بذلك إلى أن من كان متعينا للخلافة كيف يتقدم عليه غيره للصلاة فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم أنه رضي الله عنه هو المتعين للخلافة
ولا يمكن أن يفعل ذلك من قبل نفسه لأنه عليه السلام يتبع ما أنزل عليه من ربه وحيث لم ينزل عليه في ذلك شيء وكل الأمر فيه إلى الاجتهاد وإنه عليه السلام كان يشير ويومئ باختصاصه بأنواع التكريم إلى خلافته أو يقال قصد عمر رضي الله عنه بذلك تسكين الثائرة والفتنة وردع الأهواء بذكر حجة ظاهرة ليسكن لها أكثر الناس فيندفع الفساد أو يقال إن عمر رضي الله عنه فهم من إشارته عليه السلام أن الصديق مرضي لجميع حرمات الدين ومن جملة ذلك أحوال الأمة والنظر في مصالح الملة فإنه من أهم فروض الكفاية فهو من الدين بناء على جعل الإضافة في قوله لديننا على بابها موجب للعموم لكون الأصوليين جعلوها من صيغ العموم لغة في نحو قوله عليه السلام هو الطهور ماؤه
278
278
وبهذه المباحث أيضا يظهر ما قاله العلماء أن الإمام إذا وجد من هو أصلح للقضاء ممن هو متول الآن عزل الأول وولى الثاني وكان ذلك واجبا عليه لئلا يفوت على المسلمين مصلحة الأفضل منهما ويحرم عليه أن يعزل الأعلى بالأدنى لئلا يفوت على المسلمين مصلحة الأعلى ولا ينفذ عزل الأعلى لأن الإمام الذي عزله معزول عن عزله وإنما ولاه الله تعالى على خلاف ذلك لقوله تعالى ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن وإذا كان الوصي معزولا عن غير الأحسن في مال اليتيم فمصلحة جميع المسلمين أولى بذلك
فالإمام الأعظم معزول عن عزل الأصلح للناس ومما يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم من ولي من أمور أمتي شيئا ثم لم يجتهد لهم ولم ينصح فالجنة عليه حرام والمنهي عنه المحرم لا ينفذ في الشريعة لقوله صلى الله عليه وسلم من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد فقد تحرر الفرق بين من يصح تقديمه وبين من يصح تأخيره وذلك عام في الصلاة والقضاء والأوصياء والكفلاء في الحضانة وفي غيرها وولاية النكاح وصلاة
هامش أنوار البروق
قاموا في منازعته لطلب العلو والرئاسة وإنهم لما رأوا أن الأمر لا يصفو لهم طلبوا الشركة فإن ذلك كله أمر لا يليق بهم ولا تصح نسبة مثله إليهم وليس الظن بهم إلا أنهم طلبوا ذلك لتحصيل الأجور الحاصلة لمتولي أمر الإمامة على الوجه الشرعي فلما لم يساعدوا على ذلك طلبوا الشركة طمعا في تحصيل بعض تلك الأجور إذ تعذر تحصيل جميعها هذا هو اللائق بهم لا ما ذكره من إيثار الرئاسة الدنيوية التي لا تناسب أحوالهم في بذلهم في ذات الله تعالى أنفسهم وأموالهم
والله أعلم
قال وبهذه المباحث أيضا يظهر ما قاله العلماء أن الإمام إذا وجد من هو أصلح للقضاء ممن هو متول الآن عزل الأول وولى الثاني وكان ذلك واجبا عليه لئلا يفوت على المسلمين مصلحة الأفضل إلى آخر ما قاله في هذا الفرق
قلت ما حكاه عن العلماء من أن الإمام إذا وجد من هو أصلح للقضاء عزل المتولي ينبغي أن
هامش إدرار الشروق
الحل ميتته فكان ذلك عاما في جميع ماء البحر وميتته بسبب الإضافة ويكون قوله أفلا نرضاك لدنيانا أي من العلو والرئاسة فلا نقدم عليك من الأنصار من يطلب التقدم عليك فيه وإن كان لغرض شرعي من تحصيل الأجور الحاصلة لمتولي أمر الأمة على الوجه الشرعي ولا نشرك معك من يطلب منهم الشركة فيه طمعا لتحصيل بعض تلك الأجور كما هو المناسب لأحوال الأنصار في بذلهم في ذات الله تعالى أنفسهم وأموالهم فإن المرضي لمعالي الأمور لا يقصر دون خسيسها
ولأن المشاركة في الإمامة ليست من مصالح الدين فإن ذلك يفضي إلى المخالفة والمشاققة وقد قال العلماء رحمهم الله تعالى إن قوله تعالى وإنه لذكر لك ولقومك إنه الخلافة وإنه كان صلى الله عليه وسلم يطوف على القبائل في أول أمره لينصروه فيقولون له ويكون لنا الأمر من بعدك فيقول صلى الله عليه وسلم إني قد منعت من ذلك وإنه قد أنزل علي وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون فلم يكن للأنصار في هذا الشأن شيء كما هو مستوعب في موضعه من أصول الدين وقد سئل بعض علماء القيروان من كان مستحقا للخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سبحان الله إنا بالقيروان وإنا نعلم من هو أصلح منا بالقضاء
279
279
الجنازة وكثير من أبواب الفقه يحتاج فيه إلى معرفة هذا الفرق بين هاتين القاعدتين وتحرير ضابطهما وبالله العصمة
الفرق السابع والتسعون بين قاعدة الشك في طريان الإحداث بعد الطهارة يعتبر عند مالك رحمه الله تعالى وبين قاعدة الشك في طريان غيره من الأسباب والروافع للأسباب لا تعتبر اعلم أنه قد وقع في مذهب مالك رحمه الله فتاوى ظاهرها التناقض وفي التحقيق لا تناقض بينها لأن مالكا قال إذا شك في الحدث بعد الطهارة يجب الوضوء فاعتبر الشك وإن شك في الطهارة بعد الحدث فلا عبرة بالطهارة فألغي الشك وإن شك هل طلق ثلاثا أو واحدة لزمه الثلاث فاعتبر الشك وإن شك هل طلق أم لا لا شيء عليه فألغي الشك وإن حلف يمينا وشك في عينها هل هي طلاق أو عتاق أو غيرهما لزمه جميع ما شك فيه فاعتبر الشك وإن شك هل سها أم لا لا شيء عليه فألغي الشك وإن شك هل صلى ثلاثا أم أربعا جعلها ثلاثا وصلى وسجد بعد السلام لأجل الشك فاعتبر الشك فوقعت هذه الفروع متناقضة كما ترى في الظاهر وإذا حققت على القواعد لا يكون بينها تناقض بل القاعدة أن كل مشكوك فيه ملغى فكل سبب شككنا في طريانه لم
هامش أنوار البروق
يحمل على أن المتولي مقصر عن الأهلية لا على أنه أهل ولكن غيره أمس منه بالأهلية ودليل ذلك أن المصلحة المقصودة من القضاء تحصل من المفضول المتصف بالأهلية كما تحصل من الفاضل المتصف بها فلا وجه لعزله وقياسه على الوصي فيه واستدلاله بقوله صلى الله عليه وسلم من ولي من أمور أمتي شيئا ولم يجتهد لهم ولم ينصح فالجنة عليه حرام نقول بموجبه ولا يتناول محل النزاع فإن الكلام ليس فيمن لم يجتهد ولم ينصح وإنما الكلام فيمن يجتهد وينصح وهو أهل لذلك غير أن غيره أمس بالأهلية منه وما قاله فيما بعد ذلك من الفروق السبعة إلى تمام الفرق الثالث والمائة صحيح
هامش إدرار الشروق
ومن هو أصلح منا للفتيا ومن هو أصلح منا للإمامة أيخفى ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إنما يسأل عن هذه المسائل أهل العراق والله سبحانه وتعالى أعلم الفرق السابع والتسعون بين قاعدة الشك في طريان الإحداث بعد الطهارة يعتبر عند مالك رحمه الله تعالى وبين قاعدة الشك في طريان غيره من الأسباب والروافع للأسباب لا تعتبر القاعدة المجمع عليها من حيث الجملة هي أن كل مشكوك فيه سواء كان سببا أو شرطا أو مانعا ملغى فكل سبب شككنا في طريانه لم نرتب عليه مسببه وجعلنا ذلك السبب كالمعدوم والمجزوم بعدمه فلا نرتب الحكم وكل شرط شككنا في وجوده جعلناه كالمجزوم بعدمه فلا نرتب الحكم وكل مانع شككنا في وجوده جعلناه كالمجزوم بعدمه فيترتب الحكم إن وجد سببه إلا أنه لما تعذر الوفاء بهذه القاعدة
280
280
نرتب عليه مسببه وجعلنا ذلك السبب كالعدم المجزوم بعدمه فلا نرتب الحكم وكل شرط شككنا في وجوده جعلناه كالمجزوم بعدمه فلا نرتب الحكم وكل مانع شككنا في وجوده جعلناه ملغى كالمجزوم بعدمه فيترتب الحكم إن وجد سببه فهذه القاعدة مجمع عليها من حيث الجملة غير أنه قد تعذر الوفاء بها في
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
في الطهارات من جميع الوجوه جعل العلماء وإن أجمعوا على اعتبارها فيها أيضا يختلفون في الوجه الذي تلغى به والوجه الذي تعتبر به فيها
فقال الشافعي رضي الله عنه إذا شك في طريان الحدث جعلته كالمجزوم بعدمه لا يجب معه الوضوء فلا يجب على هذا الشاك الوضوء وقال مالك رحمه الله تعالى الشك في طريان الحدث يوجب الشك في بقاء الطهارة والشك في بقاء الطهارة يوجب الشك في الصلاة الواقعة هل هي سبب مبرئ أم لا
وبراءة الذمة تفتقر إلى سبب مبرئ معلوم الوجود أو مظنون الوجود لا مشكوك الوجود فوجب أن تكون هذا الصلاة كالمجزوم بعدمها والمجزوم بعدم الصلاة في حقه يجب عليه أن يصلي فيجب على هذا الشاك أن يصلي بصلاة مظنونة كما قال الشافعي رضي الله عنه حرفا بحرف فكلاهما يقول المشكوك فيه ملغى لكن إلغاء مالك في السبب المبرئ وإلغاء الشافعي في الحدث ومذهب مالك أرجح من جهة أن الصلاة مقصد والطهارات وسائل وطرح الشك تحقيقا للمقصد أولى من طرحه لتحقيق الوسائل فهذا هو الفرق بين قاعدة إلغاء الشك في طريان الإحداث بعد الطهارة عند مالك رحمه الله تعالى وعدم إلغائه في طريان غيرها من الأسباب وروافعها كالشك في طريان الطهارة بعد الحدث فيلغى المشكوك فيه على القاعدة ويجب عليه الطهارة أو في أنه هل طلق أم لا فلا شيء عليه لأنه شك في سبب حل العصمة فيلغى على القاعدة أو في أنه هل سها أم لا فلا شيء عليه لأنه شك في سبب سجود السهو فيلغى على القاعدة أما إذا شك في عين اليمين فيلزمه جميع الأيمان إذ لا يعلم السبب المبرئ إلا باستيعابها كما قلنا في الصلاة إذا شك في طريان الحدث على طهارتها أو شك في كون الطلاق ثلاثا واحدة فيلزمه الثلاث لأن الشك لم يقع في الطلاق بل في بقاء العصمة الذي هو شرط الرجعة فيلغى على القاعدة أو شك هل صلى ثلاثا أو أربعا فيأتي برابعة ويسجد إذ ليس هنا شك في السبب حتى يلغى على القاعدة بل سبب في الشك لأن الشك نصبه صاحب الشرع سببا للسجود لا للزيادة
وهو محقق ولا شك فيه تقدم في الفرق الرابع والأربعين بين الشك في السبب وبين السبب في الشك بسط مسائل الشك في السبب والسبب في الشك فلتطالع ثمة فظهر أنه لا تناقض بين اعتبار مالك رحمه الله تعالى الشك في الحدث بعد الطهارة وفي أنه هل طلق ثلاثا أو واحدة وفي أنه هل حلف بطلاق أو إعتاق أو غيرهما وفي أنه هل صلى ثلاثا أم أربعا حيث قال في الأول يجب الوضوء وفي الثاني يلزمه وفي الثالث يلزمه جميع الأيمان وفي الرابع يجعلها ثلاثا ويصلي الرابعة ويسجد بعد السلام لأجل الشك فاعتبره في جميع هذه الفروع ونحوها وبين عدم اعتباره الشك في الطهارة بعد الحدث وفي أنه هل طلق أم لا وفي أنه هل سها أم لا حيث قال في الأول لا عبرة بالطهارة وفي الثاني وفي الثالث لا شيء عليه لإلغاء الشك في جميع هذه الفروع ونحوها فافهم والله أعلم
وصل حد بعض الأصوليين السبب والعلة بالوصف الظاهر المنضبط المعرف للحكم فخرج بالظاهر
281
281
الطهارات وتعين إلغاؤها من وجه واختلفت العلماء رحمهم الله بأي وجه تلغى وإلا فهم مجمعون على اعتبارها فقال الشافعي رضي الله عنه إذا شك في طريان الحدث جعلته كالمجزوم بعدمه
والمجزوم بعدمه لا يجب معه الوضوء فلا يجب على هذا الشاك الوضوء وقال مالك
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الخفي كاللذة في نقض الوضوء والعلوق في وجوب العدة فإنهما لخفائهما تركا وجعل السبب في النقض اللمس وفي وجوب العدة الطلاق وخرج بالمنضبط نحو المشقة في السفر لم ينط بها الحكم الذي هو قصر الصلاة لعدم انضباطها لاختلافها باختلاف الأشخاص والأحوال وإنما أنيط بمسافة القصر ودخل بالمعرف للحكم بمعنى النسبة التامة لا خصوص الحكم الشرعي السبب المعرف لحكم غير شرعي كحل الشعر بالنكاح وحرمته بالطلاق جعل عند الشافعية علة لثبوت حياته كاليد وحد المانع المراد عند الإطلاق وهو مانع الحكم بالوصف الوجودي الظاهر المنضبط المعرف نقيض حكم السبب فقيد الوصف في حد المانع بالوجودي لإخراج عدم الشرط فإنه لا يسمى مانعا لا تسمحا كما وقع ذلك لبعض الفقهاء وأطلقه في حد السبب والعلة والفرق بينهما إما على عدم اعتبار الحكمة في السبب والعلة فهو أن المانع مانع لوجود حكم السبب بأن يتحقق كل معتبر في الحكم من السبب والشرط وإلا لما احتاج انتفاء الحكم للمانع وإذا كان المانع عدم شيء لزم أن يكون ذات الشيء سببا في الوجود أو بعض سبب وشرط فيه وقد فرض أن المانع إنما يتحقق بعد تحقق السبب والشرط وإنما قلنا لزم أن يكون ذلك الشيء سببا إلخ لأن المانع هو المعرف للنقيض أي العلامة عليه ونقيض الشيء رفعه فالأبوة مثلا نفت وجوب القصاص ممن قتل ابنه لا غير
وأما ثبوت حرمة القصاص منه فبالدليل المثبت لها كما قاله سم وهو الحق وإذا كان عدم الشيء يترتب عليه رفع الشيء بأن يقال انتفى كذا لعدم كذا كان وجوده يترتب عليه وجوده وأما السبب فإنه لما لم يترتب عليه رفع شيء لأن المعلل به ليس انتفاء الحكم المرتب على السبب بل المعلل به حكم مبتدأ ولو كان ذلك الحكم عدميا كما يعلل عدم نفاذ التصرف بعدم العقل فإن عدم نفاذ التصرف ليس مأخوذا من حيث إنه انتفاء لحكم السبب حتى يكون عدم العقل مانعا فلا يصح بل مأخوذ من حيث إنه حكم مبتدأ هو أنه لا ينفذ التصرف فيصح تعليله بانتفاء علة نفاذ التصرف جوزوا كون السبب والعلة عدما مضافا بخلاف المانع نعم في كون العلة عدمية مع وجود الحكم نزاع كبير
قال ابن الحاجب والعضد والمختار منعه وأما على اعتبار الحكمة في السبب والعلة فأمر الفرق بينهما ظاهر فإن المانع للحكم هو ما استلزم حكمة تقتضي نقيض الحكم كالأبوة في القصاص فإن كون الأب سببا لوجود الابن يقتضي أن لا يصير الابن أي من حيث قتله سببا لعدمه وأما العلة فهي ما يترتب عليها حكمة تقتضي الحكم لا نقيضه نعم ما ذكر من أن اعتبار المانع بعد تحقق ما يتوقف عليه الحكم إنما هو في المانع الاصطلاحي وقد يطلق المانع على ما يتحققه ينتفي الحكم فيشمل عدم الشرط فلذا قال العضد حقيقة الشرط أن عدمه مستلزم لعدم الحكم كما أن المانع وجوده مستلزم لعدم الحكم فبالحقيقة عدمه مانع وذلك لحكمة في عدمه تنافي حكمة الحكم أو السبب إلى آخر ما بينه وكما لا يصح في مانع الحكم أن يكون عدم شيء لما علمت كذلك لا يصح في مانع السبب أن يكون عدم شيء لأنه ما استلزم حكمة تخل بحكمة السبب كالدين في الزكاة إن قلنا إنه مانع من وجوبها فإن حكمة السبب وهو ملك
282
282
رحمه الله براءة الذمة تفتقر إلى سبب مبرئ معلوم الوجود أو مظنون الوجود والشك في طريان الحدث يوجب الشك في بقاء الطهارة والشك في بقاء الطهارة يوجب الشك في الصلاة الواقعة هل هي سبب مبرئ أم لا فوجب أن تكون هذه الصلاة كالمجزوم بعدمها والمجزوم بعدم الصلاة في حقه يجب عليه أن يصلي فيجب على هذا الشاك أن يصلي بطهارة مظنونة كما قال الشافعي رضي الله عنه حرفا بحرف وكلاهما يقول المشكوك فيه ملغى لكن ألغاه مالك في السبب المبرئ وإلغاء الشافعي في الحدث ومذهب مالك أرجح من جهة أن الصلاة مقصد والطهارات وسائل وطرح الشك تحقيقا للمقصد أولى من طرحه لتحقيق الوسائل فهذا هو الفرق بين الطهارات يشك فيها وبين غيرها إذا شك فيه وأما إذا شك في الطهارة بعد الحدث فالمشكوك فيه ملغى على القاعدة فتجب عليه الطهارة وإن شك هل طلق ثلاثا أو واحدة يلزمه الثلاث لأن الرجعة شرطها العصمة ونحن نشك في بقائها فيكون هذا الشرط ملغى على هذه القاعدة
وإن شك هل طلق أم لا لا شيء عليه لأن المشكوك فيه ملغى على القاعدة وإذا شك في عين اليمين لزمه الجميع لأنا نشك إذا اقتصر على بعضها في السبب المبرئ فلعله غير ما وقع فوجب استيعابها حتى يعلم السبب المبرئ كما قلنا في الصلاة إذا شك في طريان الحدث على طهارتها وإن شك هل سها أم لا فلا شيء عليه لأن المشكوك فيه ملغى على القاعدة وإن شك هل صلى ثلاثا أم أربعا سجد لأن الشك نصبه صاحب الشرع سببا للسجود لا للزيادة وقد تقدم بسط هذه المباحث في الفرق الرابع والأربعين بين الشك في السبب وبين السبب في الشك فليطالع من هناك وإنما المقصود هاهنا الفرق بين الشك في الطهارات وبين الشك في غيرها وقد أشرت إليه هاهنا وتكميله هناك
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
النصاب استغناء المالك وليس مع الدين استغناء فالفرض تحقق السبب والذي جعل عدمه مانعا لا يمكن أن يكون حينئذ إلا شرطا للسبب بأن يخل عدمه بحكمة السبب وعدم حكمة السبب عدم له والفرض تحققه وأن هناك حكمة تخل بحكمته وبهذا علم الفرق أيضا بين مانع السبب وعدم شرط السبب كما علم مما قبله الفرق أيضا بين مانع الحكم وعدم شرط الحكم وتحصل أن لنا سببا ومانعا للحكم ومانعا للسبب وشرطا للحكم وشرطا للسبب وعدم شرط للحكم وعدم شرط للسبب وأن مانع الحكم ما أخل بالحكم مع بقاء حكمة السبب فيكون عدمه كعدم الحيض شرطا لتأثير السبب في الحكم إما بمجرد الترتب عليه كما في الزوال لوجوب الظهر أو لما فيه من المناسبة كما في الزنا لوجوب الجلد والإسكار لحرمة الخمر لا شرطا لوجود الحكم حتى ينافي كون تحقق المانع بعد تحقق الشروط ومانع السبب ما استلزم حكمة تخل بحكمة السبب مع تحقق السبب وإنه لا يقال مانع إلا بعد تحقق الحكم أو السبب فلزم أن يكون وجوديا لما عرفت وشرط الحكم ما يقتضي عدمه نقيض حكم السبب مع بقاء حكمة السبب ما أخل عدمه بحكمة السبب فينتفي السبب بعدم حكمته فتأمل بدقة إمعان ا ه بتوضيح من الشربيني والعطار على محلي جمع الجوامع والله سبحانه وتعالى أعلم
283
283
الفرق الثامن والتسعون بين قاعدة البقاع جعلت المظان منها معتبرة في أداء الجمعات وقصر الصلوات وبين قاعدة الأزمان لم تجعل المظان منها معتبرة في رؤية الأهلة ولا دخول أوقات العبادات وترتيب أحكامها
اعلم أن الفرق بين هاتين القاعدتين مبني على قاعدة وهي أن الوصف الذي هو معتبر في الحكم إن أمكن انضباطه لا يعدل عنه إلى غيره كتعليل التحريم في الخمر بالسكر والربا بالقوت وغير ذلك من الأوصاف المعتبرة في الأحكام وإن كان غير منضبط أقيمت مظنته مقامه وعدم الانضباط إما لاختلاف مقاديره في رتبه كالمشقة لما كانت سببا للقصر وهي غير منضبطة المقادير فليس مشاق الناس سواء في ذلك وقد يدرك ظاهرا وقد يدرك خفيا
ومثل هذا يعسر ضبطه في محاله حتى تضاف إليه الأحكام فأقيمت مظنته مقامه وهي أربعة برد فإنها تظن عندها المشقة وكالإنزال لما كان غير منضبط في الناس بسبب أن من الناس من لا ينزل إلا بالدفق والإحساس باللذة الكبرى ومنهم من ينزل تقطيرا من غير اندفاق في أول الأمر ثم يندفق بعد ذلك كثيرا ولذلك يحصل الولد مع العزل والإنسان يعتقد أنه ما أنزل وهو قد أنزل على سبيل السيلان من غير دفق فيحصل الولد من ذلك وهو لا يشعر ولما كان الإنزال مختلفا في الناس أقيمت مظنته مقامه وهو التقاء الختانين فإن قلت مجرد الالتقاء لا يحصل به الإنزال فكيف جعل مظنة الإنزال وهو لا يظن عنده ومن شرط المظنة أن يظن عندها الوصف المطلوب لتعليق الحكم عليه
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الفرق الثامن والتسعون بين قاعدة البقاع جعلت المظان منها معتبرة في أداء الجمعات وقصر الصلوات وبين قاعدة الأزمان لم تجعل المظان منها معتبرة في رؤية الأهلة ولا دخول أوقات العبادات وترتيب أحكامها وذلك أن شهور العبادات كرمضان وشوال وذي الحجة ونحوها لما وجد القطع بحصولها وحصول المعنى المقصود منها شرعا من جهة الرؤية لأهلها وكمال العدة كانت وصفا ظاهرا منضبطا دائما أو في الأغلب غير محتاج في تعريفه للحكم إلى اعتبار مظنته معه كظننا أن الهلال يطلع في هذه الليلة بسبب قرائن تقدمت إما من جهة توالي تمام الشهر فنظن نقص هذا الشهر أو من جهة توالي النقص فنظن تمام هذا الشهر أو من جهة طلوع القمر ليلة البدر قبل غروب الشمس فنظن تمام هذا الشهر أو من جهة تأخره في الطلوع عند غروب الشمس فنظن نقصان هذا الشهر وغير ذلك من الأمارات الدالة عند أرباب المواقيت على أن هذه الليلة هي مظنة رؤية الأهلة إذ مع تيسر الوصول إلى الوصف المطلوب إما بالرؤية أو بكمال العدة لا نعتبر شيئا من تلك المظان وكذلك أوقات الصلوات لما كانت منضبطة في نفسها لحصول القطع بها في أكثر صورها لم تقم مظانها في الصور مقامها
وأما سماع نداء الجمعة الموجبة لأداء الجمعة في قوله صلى الله عليه وسلم الجمعة على من سمع النداء ومشقة السفر الموجبة لترخيص القصر والفطر فإنه لما كان كل واحد
284
284
قلت لا نسلم أنه لا يظن فمن الناس من ينزل بمجرد الملاقاة ومنهم من ينزل بالفكر ومنهم من ينزل بالنظر فقط فالتقاء الختانين أقوى من ذلك فجعل مظنة ومن ذلك العقل الذي هو مناط التكليف يختلف في الناس بسبب اعتدال المزاج وانحرافه فرب صبي لاعتدال مزاجه أعقل من رجل بالغ لانحراف مزاجه وذلك يختلف في الرجال والصبيان جدا فجعل البلوغ مظنته لأن البلوغ منضبط وهو غير منضبط هذا فيما لا ينضبط لاختلاف رتبه في مقاديره
أما ما ينضبط في مقاديره لكنه خفي لا يطلع عليه فذلك كالرضا في انتقال الأملاك لقوله صلى الله عليه وسلم لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه والرضا أمر خفي فجعلت الصيغ والأفعال في بيع المعاطاة قائمة مقامه لأنه يظن عندها وألغي الرضا إذا انفرد حتى لو اعترف بأنه رضي بانتقال الملك في الزمن الماضي من غير أن يكون صدر منه قول أو فعل لم يلزمه انتقال الملك وكذلك لو حصلت مشقة السفر بدون مسافة القصر لم ترتب عليها رخص المشقة من القصر والإفطار فإذا أقام الشرع مظنة الوصف مقامه أعرض عن اعتباره في نفسه نعم لا بد أن يكون متوقعا مع المظنة فلو قطعنا بعدمه عند المظنة فالقاعدة أنه لا يترتب على المظنة حكم كما لو قطعنا بعدم الرضا مع الإكراه على صدور الصيغة أو الفعل غير أن هذا المعنى مع أنه الأصل خولف في التقاء الختانين فإنا لو قطعنا بعدم الإنزال وجب الغسل وخولف أيضا في قولهم في شارب الخمر إنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى فيكون عليه حد المفتري فأقيم الشرب الذي هو مظنة القذف مقامه ونحن مع ذلك نقيم الحد في الشرب على من نقطع
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
منهما وصفا غير منضبط أنيط الحكم بمظنته فاعتبرت في الجمعات البقاع وهي ثلاثة أميال في الإتيان إليها لأنه من تلك المسافة يظن سماع أذانها إذا هدأت الأصوات وانتفت الموانع واعتبرت في ترخيص القصر والفطر البقاع التي على أربعة برد لأنها مظنة المشقة الموجبة للترخيص وبالجملة فالسماع لعدم انضباطه جعلت مظنته من البقاع مقامه والمشقة لعدم انضباطها جعلت مظنتها من البقاع مقامها وأوقات العبادات لما كانت منضبطة لم تجعل مظانها مقامها فالبقاع اعتبرت من حيث إنها سبب غير منضبط والأوقات اعتبرت من حيث إنها سبب منضبط فلم تعتبر مظانها فظهر الفرق بين قاعدتي البقاع والأزمان وصل مبنى هذا الفرق وسره قاعدة أن الوصف المعرف للحكم إن كان وصفا ظاهرا منضبطا لم يعدل عنه إلى غيره كالسكر في تحريم الخمر والقوت في الربا وإن كان وصفا خفيا أو غير منضبط أقيمت مظنته مقامه أما الخفي الذي لا يطلع عليه فكالرضا في انتقال الأملاك لقوله صلى الله عليه وسلم لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه فإن الرضا لما كان أمرا خفيا جعلت الصيغ والأفعال في بيع المعاطاة قائمة مقامه لأنه يظن عندها وألغي الرضا إذا انفرد عنها حتى لو اعترف بأنه رضي بانتقال الملك في الزمن الماضي من غير أن يكون صدر منه قول أو فعل لم يلزمه انتقال الملك
وأما غير المنضبط لاختلاف مقاديره في رتبه فكمشقة السفر في ترخيص القصر والإفطار فإنها لما كانت سببا لذلك الترخيص وهي غير منضبطة المقادير إذ ليس
285
285
بأنه لم يقذف
وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله يستشكل الأثر الوارد في الشرب في هذا المعنى بهذه العبارة ويقول كيف تقام المظنة مقام القذف ونحن نقطع بعدم القذف في حق بعض الناس لكن يمكن أن يجاب عن الأثر بما شهد له بالاعتبار من التقاء الختانين فإنه ورد فيه الحديث النبوي
وهذا قد نقطع فيه بعدم المظنون عند وجود مظنته في بعض الصور فإن قلت ما الفرق بين المظنة والحكمة التي اختلف في التعليل بها وما الفرق بين الثلاثة الوصف والمظنة والحكمة قلت الحكمة هي التي توجب كون الوصف علة معتبرة في الحكم فإذا ثبت كونه معتبرا في الحكم إن كان منضبطا اعتمد عليه من غير مظنة تقام مقامه وإن لم يكن منضبطا أقيمت مظنته مقامه فالحكمة في الرتبة الأولى والوصف في الرتبة الثانية والمظنة في الرتبة الثالثة ومثال الثلاثة في المبيع أن حاجة المكلف إلى ما في يده من الثمن أو المثمن هو المصلحة الموجبة لاعتبار الرضا وهي المصيرة له سببا للانتقال ومظنة الإيجاب والقبول فالحاجة هي في الرتبة الأولى لأنها هي الموجبة لاعتبار الرضا فاعتبار الرضا فرعها
واعتبار الإيجاب والقبول فرع اعتبار الرضا ومثال الثلاثة أيضا في السفر أن مصلحة المكلف في راحته وصلاح جسمه يوجب أن المشقة إذا عرضت توجب عنه تخفيف العبادة لئلا تعظم المشقة فتضيع مصالحه بإضعاف جسمه وإهلاك قوته فحفظ صحة الجسم وتوفير قوته هو المصلحة والحكمة الموجبة لاعتبار وصف المشقة بسبب الترخص فالمشقة في الرتبة الثانية منها لأن الأثر فرع المؤثر والمظنة المشقة واعتبارها
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
مشاق الناس سواء في ذلك أقيمت مظنته مقامه وهي أربعة برد فإن المشقة تظن عندها وكالإنزال في وجوب الغسل وحصول نسبة الولد فإنه لما كان غير منضبط في الناس بسبب أن منهم من لا ينزل إلا بالدفق والإحساس باللذة الكبرى ومنهم من ينزل تقطيرا على سبيل السيلان من غير اندفاق في أول الأمر ثم يندفق بعد ذلك كثيرا ولذلك يحصل الولد مع العزل والإنسان يعتقد أنه ما أنزل أقيمت مظنته مقامه وهي التقاء الختانين لأنه لما كان من الناس من ينزل بمجرد الملاقاة ومنهم من ينزل بالفكر ومنهم من ينزل بالنظر فقط وكان التقاء الختانين أقوى من ذلك جعل مظنة وكالعقل في التكليف فإنه لما كان غير منضبط بسبب اختلافه في الرجال والصبيان جدا بحسب اعتدال المزاج وانحرافه فرب صبي لاعتدال مزاجه أعقل من رجل بالغ لانحراف مزاجه جعل البلوغ مقامه لأنه مظنته وهو منضبط إذا أقام الشرع مظنة الوصف مقامه أعرض عن اعتباره في نفسه نعم لا بد أن يكون متوقعا مع المظنة فلو قطعنا بعدمه عند المظنة
فالقاعدة أنه لا يترتب على المظنة حكم كما لو قطعنا بعدم الرضا مع الإكراه على صدور الصيغة أو الفعل غير أن هذا المعنى وإن كان هو الأصل قد خولف في مواضع منها التقاء الختانين فإنا لو قطعنا بعدم الإنزال وجب الغسل ومنها قولهم في شارب الخمر إنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى فيكون عليه حد المفتري فأقيم الشرب الذي هو مظنة القذف مقامه ونحن مع ذلك نقيم الحد على من نقطع أنه لم
286
286
فرع اعتبار المشقة فهي في الرتبة الثالثة ومثال الحكمة والوصف من غير مظنة فيما هو منضبط الرضاع وصف موجب للتحريم وحكمته أنه يصير جزء المرأة الذي هو اللبن جزء الصبي الرضاع فناسب التحريم بذلك لمشابهته للنسب لأن منيها وطمثها جزء الصبي فلما كان الرضاع كذلك قال صلى الله عليه وسلم الرضاع لحمة كلحمة النسب فالجزئية هي الحكمة وهي في الرتبة الأولى والرضاع الذي هو الوصف في الرتبة الثانية ووصف الزنا موجب للحد وحكمته الموجبة لكونه كذلك اختلاط الأنساب فاختلاط الأنساب في الرتبة الأولى وهي الحكمة ووصف الزنا في الرتبة الثانية وكذلك ضياع المال هو الموجب لكون وصف السرقة سبب القطع فضياع المال في الرتبة الأولى ووصف السرقة في الرتبة الثانية ولما كان وصف الرضاع والزنا والسرقة منضبطا لم يحتج إلى مظنة تقوم مقام هذه الأوصاف فلم يحتج للمرتبة الثانية ويلزم من جواز التعليل بالحكمة أن يلزم أنه لو أكل صبي من لحم امرأة قطعة أن تحرم عليه لأن جزأها صار جزأه
ولم يقل به أحد ولو وجد إنسان يأخذ الصبيان من أمهاتهم صغارا ويأتي بهم كبارا بحيث لا يعرفون بعد ذلك أن يقام عليه حد الزنا بسبب أنه أوجب اختلاط الأنساب ولم يقل به أحد وأن من ضيع المال بالغصب والعدوان أن يجب عليه حد السرقة ولم يقل به أحد ولأجل هذه المعاني خالف الجمهور بالتعليل بالمظنة فقد ظهر الفرق بين المظنة والوصف والحكمة من هذا الوجه وبين الحكمة والمظنة فرق من وجه آخر وذلك أن الحكمة إذا قطعنا بعدمها لا يقدح ذلك في
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
يقذف حتى إن الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى كان يقول كيف تقام المظنة مقام القذف ونحن نقطع بعدم القذف في بعض الناس لكن يمكن أن يجاب عن الأثر بما شهد له بالاعتبار من التقاء الختانين فإنه ورد فيه الحديث النبوي مع أنا قد نقطع فيه بعدم المظنون عند وجود مظنته في بعض الصور والفرق بين الوصف والمظنة والحكمة هو أن الحكمة هي التي توجب كون الوصف علة معتبرة في الحكم فإذا ثبت كونه معتبرا في الحكم فإن كان خفيا أو غير منضبط أقيمت مظنته مقامه وحينئذ تجتمع الثلاثة ولذلك مثل منها البيع فإن حاجة المكلف إلى ما في يده من الثمن أو المثمن هو المصلحة والحكمة الموجبة لاعتبار الرضا وجعله سببا لانتقال الملك ومظنة الرضا الإيجاب والقبول فالحاجة في الرتبة الأولى لكونها الموجبة لاعتبار الرضا واعتبار الرضا في الرتبة الثانية لأنه فرعها واعتبار الإيجاب والقبول في الرتبة الثالثة لأنه مظنة اعتبار الرضا وفرعه ومنها السفر فإن راحة المكلف وصلاح جسمه مصلحة وحكمة توجب أن المشقة إذا عرضت أوجبت تخفيف العبادة عنه لئلا تعظم المشقة فتضيع مصالحه بإضعاف جسمه وإهلاك قوته
ومظنة المشقة أربعة البرد فحفظ صحة الجسم وتوفير قوته في الرتبة الأولى لكونه هو الموجب لاعتبار وصف المشقة والمشقة في الرتبة الثانية لأنها أثره والأثر فرع المؤثر وأربعة البرد في الرتبة الثالثة لأن اعتبارها فرع اعتبار المشقة وإن كان الوصف ظاهرا منضبطا اعتمد عليه من غير أن تقام مظنته مقامه تتحقق الحكمة والوصف من غير مظنة وله مثل منها أن الرضاع وصف ظاهر منضبط
287
287
ترتب الحكم كما إذا قطعنا بعدم اختلاط الأنساب من الزنا بأن تحيض المرأة ويظهر عدم حملها ومع ذلك نقيم الحد ونأخذ المال المسروق من السارق ونجزم بعدم ضياع المال ومع ذلك نقيم حد السرقة
وأما المظنة فيها بعدم المظنون فالغالب في في موارد الشريعة عدم اعتبار المظنة وذلك فيمن أكره على الكفر أو العقود الناقلة للأملاك أو الموجبة للطلاق والعتاق وغير ذلك فإن تلك المظان يسقط اعتبارها بالإكراه ولا يترتب عليها شيء ألبتة مما شأنه أن يترتب عليه عدم الإكراه فهذا فرق آخر بين المظنة والحكمة من جهة أن القطع بعدم الحكمة لا يقدح والقطع بعدم مظنون المظنة يقدح وينبغي أن يتفطن لهذه القاعدة وهذه التفاصيل فهي وإن انبنى عليها بيان هذا الفرق فهي يحتاج إليها الفقهاء رحمهم الله كثيرا في موارد الفقه والترجيح والتعليل إذا تقررت هذه القاعدة
فنقول إنما اعتبرت البقاع في الجمعات وهي ثلاثة أميال في الإتيان إليها لأنها مظنة أذانها وسماعه من تلك المسافة إذا هدأت الأصوات وانتفت الموانع لقوله صلى الله عليه وسلم الجمعة على من سمع النداء فجعل مظنة السماع مقام السماع ولذلك جعلت البقاع التي في مسافة القصر معتبرة في قصر الصلوات لأنها مظنة المشقة الموجبة للترخيص
وأما أهلة شهور العبادات كرمضان وشوال وذي الحجة ونحوها فلا حاجة فيها إلى مظنة من جهة الزمان بسبب أن القطع بحصولها موجود من جهة الرؤية أو إكمال العدة فيحصل القطع بالمعنى المقصود فلا حاجة إلى مظنة من جهة أن الزمان يقوم مقامه فإن المظنة إنما تعتبر عند عدم الانضباط أما معه فلا فإذا ظننا أن الهلال يطلع في هذه الليلة بسبب قرائن
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
موجب للتحريم وحكمته أنه يصير جزء المرأة الذي هو اللبن جزء الصبي الرضيع فناسب أن يكون إيجاب التحريم بالرضاع نظير إيجاب صيرورة مني المرأة وطمثها جزء الصبي للتحريم بالنسب
فلذا قال صلى الله عليه وسلم الرضاع لحمة كلحمة النسب فالجزئية في الرتبة الأولى وهي الحكمة ووصف الرضاع في الرتبة الثانية لأنه فرعها ومنها أن الزنا وصف كذلك موجب للحد واختلاط الأنساب حكمته الموجبة لكونه كذلك فالاختلاط في الرتبة الأولى ووصف الزنا الرتبة الثانية ومنها أن السرقة وصف كذلك موجب للقطع وضياع المال حكمته الموجبة لكونه كذلك فضياع المال في الرتبة الأولى ووصف السرقة في الرتبة الثانية فوصف كل من الرضاع والزنا والسرقة لما كان ظاهرا منضبطا لم يحتج لقيام مظنته مقامه فلم يحتج للرتبة الثالثة ولا يلزم من جواز التعليل بالحكمة أن يترتب الحكم على كل من تحققت فيه تلك الحكمة وإلا لحرمت المرأة على صبي أكل منها قطعة لحم لتحقق صيرورة جزئها جزءا منه ولوجب حد الزنا على من يأخذ الصبيان من أمهاتهم صغارا
ويأتي بهم كبارا بحيث لا يعرفون بعد ذلك بسبب أنه أوجب اختلاط الأنساب ولوجب حد السرقة على من ضيع المال بالغصب والعدوان ولم يقل بذلك كله أحد ويلزم ذلك جواز التعليل بالمظنة فلذا قال الجمهور بالتعليل بها ولم يقولوا بالتعليل بالحكمة فافهم ويفرق بين الحكمة والمظنة من وجه آخر وهو أنه لا يقدح في ترتب الحكم القطع بعدم الحكمة ألا ترى أنا نقيم حد الزنا وحد السرقة وإن قطعنا بعدم اختلاط الأنساب من الزنا بأن تحيض المرأة ويظهر
288
288
تقدمت إما من توالي تمام الشهور فنظن نقص هذا الشهر أو من جهة توالي النقص فنظن تمام هذا الشهر أو من جهة طلوع القمر ليلة البدر قبل غروب الشمس فنظن تمام هذا الشهر أو من جهة تأخره في الطلوع عند غروب الشمس فنظن نقصان هذا الشهر وغير ذلك من الأمارات الدالة عند أرباب المواقيت على رؤية الأهلة ويوجب أن هذه الليلة هي مظنة رؤية الهلال فإنا لا نعتبر شيئا من ذلك ولا نقيم المظنة مقام الرؤية لأن لنا طريقا للوصول إلى الوصف المطلوب إما بالرؤية أو بكمال العدة والقاعدة أنه لا يعدل إلى المظنة إلا عند عدم انضباط الوصف دائما أو في الأغلب وهاهنا ليس كذلك فلذلك سقط اعتبار المظان من الأزمنة وكذلك أوقات الصلوات لما كانت منضبطة في نفسها لحصول القطع بها في أكثر صورها لم تقم مظانها في الصور مقامها وبهذا ظهر الفرق بين قاعدة البقاع أقيمت مظانها مقامها وبين الأزمنة لم يقم مظانها في الصور المذكورة وسره ما تقدم من القاعدة الكلية التي تقدم تقريرها قبل
الفرق التاسع والتسعون بين قاعدة البقاع المعظمة من المساجد تعظم بالصلاة ويتأكد طلب الصلاة عند ملابستها وبين قاعدة الأزمنة المعظمة كالأشهر الحرم وغيرها لا تعظم بتأكد الصوم فيها مع أن نسبة الصلوات إلى البقاع كنسبة الصوم إلى الأزمان فالمكان يصلى فيه والزمان يصام فيه وليس لنا مكان يصام فيه إلا بطريق الغرض كثلاثة أيام في الحج بمكة جبرا لما
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
عدم حملها أو جزمنا بعدم ضياع المال بسبب أخذ المال المسروق والغالب في موارد الشريعة عدم اعتبار المظنة إذا قطعنا فيها بعدم المظنون ألا ترى أن نحو الكفر والعقود الناقلة للأملاك أو الموجبة للطلاق والعتاق من المظان يسقط اعتبارها بالإكراه لا يترتب عليها شيء ألبتة مما شأنه أن يترتب عليها عند عدم الإكراه فليتفطن لهذه القاعدة وهذه التفاصيل فإنها وإن ذكرت هنا لبناء الفرق المذكور عليها وكونها سره إلا أنها يحتاج إليها الفقهاء رحمهم الله كثيرا في موارد الفقه والترجيح والتعليل والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق التاسع والتسعون بين قاعدة البقاع المعظمة من المساجد تعظم بالصلاة ويتأكد طلب الصلاة عند ملابستها وبين قاعدة الأزمنة المعظمة كالأشهر الحرم لا تعظم بتأكد الصوم فيها البقاع المعظمة والأزمنة وإن اشتركتا من جهة أن نسبة الصلوات إلى مطلق البقاع كما أنه من حيث وقوعها فيها كذلك نسبة الصوم إلى مطلق الأزمنة من حيث وقوعه فيها ومن جهة أن بعض البقاع وهي المساجد كما اختصت بأنها بيوت الله تعالى وطلب الشارع تعظيمها بالتحيات ممن دخلها كذلك اختص بعض الأزمنة وهو الثلث الأخير من الليل به تعالى وطلب الشارع تعظيمه بما يناسبه من الدعاء والتضرع والاستغفار فقد ورد أن الثلث الأخير من الليل ينزل الرب تعالى فيه إلى السماء الدنيا فيقول هل من داع فأستجيب له هل من مستغفر فأغفر له إلا أنهما افترقتا من جهة أن مطلق البقاع لم يقع منها ما
289
289
عرض من النسك وصوم أيام الاعتكاف في المساجد لما عرض من الاعتكاف ويصام رمضان وغيره لعين ذلك الزمان لا لما عرض فيه فالصوم بوصفه خاص بالزمان والصلاة تكون للمكان كتحية المسجد وتكون للزمان كأوقات الصلوات والوتر وركعتي الفجر والضحى ونحوها والفرق من حيث الجملة في كون المساجد تعظم بالتحيات إذا دخل إليها والأشهر الحرم ونحوها لا تعظم بالصوم هو أن الله تعالى غني عن الخلق على الإطلاق لا تزيده طاعتهم ولا تنقصه معصيتهم والأدب معه تعالى اللائق بجلاله متعذر منا فأمرنا تعالى أن نتأدب معه كما نتأدب مع أكابرنا لأنه وسعنا ولذلك أمرنا تعالى بالركوع والسجود والمدح له وإكرام خاصته وعبيده ولما كان الواحد منا إذا أراد تعظيم عظيم منا فعل معه ذلك جعل الله تعالى ذلك تعظيما له ومن ذلك أن أحدنا إذا مر ببيوت الأكابر يسلم عليهم ويحيهم بالتحية اللائقة بهم والسلام في حقه تعالى محال لأنه دعاء بالسلامة وهو سالم لذاته عن جميع النقائص أو هو من المسالمة وهي التأمين من الضرر وهو تعالى يجير ولا يجار عليه فاستغنى عن ذلك لتعذر معانيه في حقه تعالى بل ورد أن نقول له تعالى أنت السلام ومنك السلام وإليك يعود السلام حينا ربنا بالسلام أي أنت السالم لذاتك ومنك يصدر السلام لعبادك
وإليك يرجع طلبها فاعطنا إياها ولما استحال السلام في حقه تعالى أقيمت الصلاة مقامه ليتميز بيت الرب عن غيره من البيوت بصورة التعظيم بما يليق بالربوبية ولذلك نابت الفريضة عن النافلة في ذلك لحصول التمييز بها ولما كان سبب التحيات في هذه البقاع المعظمة تمييزها اختص بالله
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
يصام فيه إلا بطريق العرض كثلاثة أيام بمكة جبرا لما عرض من النسك وصوم أيام الاعتكاف في المساجد لما عرض من الاعتكاف وإنما وقع منها ما يصلى فيه لعينه كالمساجد تصلى فيها النجية وأما مطلق الأزمنة فوقع منها ما يصام فيه لعينه لا لما عرض فيه كرمضان وغيره ووقع منها ما يصلى فيه لعينه لا لما عرض فيه كأوقات الصلوات ونحو الوتر وركعتي الفجر والضحى فالصوم بوصفه خاص بالزمان والصلاة كما تكون للمكان كتحية المسجد تكون للزمان كالصلوات ونحو الوتر وركعتي الفجر والضحى في أوقاتها
ومن جهة أن البقاع المعظمة وهي المساجد لما اختصت بالله واشتهرت باسم يناسب اختصاصها به تعالى وهو لفظ البيوت فإن شأن الرئيس والملك العظيم أن يكون في بيته ويختص به احتاجت إلى تمييز يختص به تعالى يناسب ربوبيته على قدر ما في وسعنا وذلك أن الله تعالى لما كان غنيا عن الخلق على الإطلاق لا تزيده طاعتهم ولا تنقصه معصيتهم وكان الأدب معه اللائق بجلاله متعذرا منا وقد أمرنا تعالى أن نتأدب معه كما نتأدب مع أكابرنا لأنه وسعنا وكان أحدنا إذا مر ببيوت الأكابر يسلم عليهم ويحييهم بالتحية اللائقة بهم
والسلام في حقه تعالى محال لأنه دعاء إما بالسلامة وهو تعالى سالم لذاته عن جميع النقائص وإما بالمسالمة وهي التأمين من الضرر وهو تعالى يجير ولا يجار عليه أمرنا تعالى بالركوع والسجود والمدح له وإكرام خاصته وعبيده وأن نقول له تعالى أنت السلام ومنك السلام وإليك يعود السلام حينا ربنا بالسلام أي أنت السالم لذاتك ومنك يصدر السلام لعبادك وإليك يرجع طلبها فاعطنا إياها فلما استحال السلام
290
290
تعالى واشتهر باسم اختصاصه به وهو لفظ البيوت فإن شأن الرئيس والملك العظيم أن يكون في بيته ويحل في بيته ويختص به ولم يوجد من الأزمنة ما اشتهر بالله تعالى هذه الشهرة حتى يحتاج إلى تمييز يختص به يناسب الربوبية فهذا هو الفرق بين الأزمنة والبقاع في هذا المعنى فإن قلت فقد ورد أن الثلث الأخير من الليل ينزل الرب تعالى فيه سماء الدنيا فيقول هل من داع فأستجيب له هل من مستغفر فأغفر له فقد اختص هذا الوقت من الزمان به تعالى كما اختصت المساجد بأنها بيوته فينبغي أن يشرع فيه ما يوجب التمييز كما شرع في المسجد
قلت الأزمنة التي جرت عادة الملوك بالقدوم فيها على الرعايا شأنها أن تعظم بالزينة في المدائن وغير الزينة من أسباب الاحتفال وكان يلزمنا مثل ذلك في هذا الزمان غير أن الليل لا يلازم الصوم شرعا فشرع فيه ما يناسبه من الدعاء والتضرع والاستغفار وإنما الفرق بين الصلاة والصوم والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق المائة بين قاعدة النواح حرام وبين قاعدة المراثي مباحة
اعلم أنه قد اشتهر بين الناس تحريم النواح وتفسيق النائحة دون تفسيق الشعراء الذين يرثون الموتى من الملوك والأعيان وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله يقول إن بعض المراثي حرام كالنواح وتحرير القول فيهما وضبطهما أن النوح إنما حرم لأنه يقتضي نسبة الرب سبحانه وتعالى إلى الجور في قضائه والتبرم بقدره وأن الواقع من
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
في حقه تعالى أقيمت الصلاة في المساجد مقامه ليتميز بيت الرب عن غيره من البيوت بصورة التعظيم بما يليق بالربوبية ولذلك نابت الفريضة عن النافلة في ذلك لحصول التمييز بها
وأما الأزمنة المعظمة وهي الأشهر الحرم ونحوها فلم يوجد منها ما اشتهر بالله تعالى شهرة البقاع المعظمة حتى يحتاج إلى تمييز يختص به يناسب الربوبية كما احتاجت المساجد لذلك بسبب اشتهارها بالله تعالى الشهرة المذكورة والثلث الأخير من الليل وإن اشتهر به تعالى اشتهار المساجد وشرع فيه ما يناسبه من الدعاء والتضرع والاستغفار كما علمت لما أنه يلزمنا ذلك فيه تعظيمه كما إن شأن الأزمنة التي جرت عادة الملوك بالقدوم فيها على الرعايا أن تعظم في المدائن بالزينة ونحوها من أسباب الاحتفال إلا أن تعظيمه لم يكن بالصوم لأن الليل لا يلائم الصوم والفرق إنما هو بين تعظيم البقاع المعظمة بالصلاة والأزمنة المعظمة بالصوم فافهم والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق المائة بين قاعدة النواح حرام وبين قاعدة المراثي مباحة
ليس الأمر على تحريم النواح وتفسيق النائحة مطلقا ولا على إباحة المراثي وعدم تفسيق الشعراء الذين يرثون الموتى من الملوك والأعيان مطلقا وإن اشتهر ذلك بين الناس بل الحق أن كلا من النواح والمراثي على أربعة أقسام حرام كبيرة وحرام صغيرة ومباح ومندوب أما ضابط ما هو حرام كبيرة من النواح والمراثي فكل كلام يقرر في النفوس ويوضح للأفهام نسبة الرب سبحانه وتعالى إلى الجور في قضائه
291
291
موت هذا الميت لم يكن مصلحة بل مفسدة عظيمة وتكون النائحة تذكر كلاما يقرر ذلك في النفوس وتوضحه للأفهام وتحمل السامعين على اعتقاد ذلك فكل لفظ تضمن ذلك كان حراما نظما كان أو نثرا مرثية أو نواحا وقد جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التصريح بتحريم النواح وورد في الحديث أن النائحة تكسى يوم القيامة قميصين قميص من جرب وقميص من قطران وسره أن الأجرب سريع الألم لتقرح جلده
والقطران يقوي شعلة النار فيكون عذابها بالنار بسبب هذين القميصين أشد العذاب وفي أبي داود لعن الله النائحة والمستمعة قال سند من أصحابنا هي التي تتخذ النواح صنعة قال وإلا فالمرة مكروهة لما في البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك نساء جعفر لم يسكتهن وفيه عن جابر رضي الله عنه جيء بأبي يوم أحد وقد مثل به وساق الحديث إلى أن قال فسمع صوت نائحة فقال من هذه فقالوا ابنة عمر فقال فلتبكي ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع وفيه عن أم عطية رضي الله عنها أخذ علينا النبي صلى الله عليه وسلم أن لا ننوح فما وفت منا امرأة غير خمس نسوة سمتهن والنواح من الكبائر
وصورته أن تقول النائحة لفظا يقتضي فرط جمال الميت وحسنه وكماله وشجاعته وبراعته وأبهته ورئاسته وتبالغ فيما كان يفعل من إكرام الضيف والضرب بالسيف والذب عن الحريم والجار إلى غير ذلك من صفات الميت التي يقتضي مثلها أن
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
والتبرم بقدره وأن الواقع من موت هذا الميت لم يكن مصلحة بل مفسدة عظيمة فيحمل السامعين على اعتقاد ذلك يكون حراما كبيرة نظما كان أو نثرا مرثية أو نواحا وذلك كأن تقول النائحة لفظا يقتضي فرط جمال الميت وحسنه وكماله وشجاعته وبراعته وأبهته ورئاسته وتبالغ فيما كان يفعل من إكرام الضيف والضرب بالسيف والذب عن الحريم والجار إلى غير ذلك من صفات الميت التي يقتضي مثلها أن لا يموت فإن بموته تنقطع هذه المصالح ويعز وجود مثل الموصوف بهذه الصفات ويعظم التفجع على فقد مثله وأن الحكمة كانت تقتضي بقاءه وتطويل عمره لتكثر تلك المصالح في العالم وكأن يقول الشاعر في رثائه مات من كان بعض أجناده الموت ومن كان يختشيه القضاء فيتضمن شعره من التعريض للقضاء بقوله من كان بعض أجناده الموت تعظيما لشأن هذا الميت وأن مثل هذا الميت ما كان ينبغي أن يخلو منه منصب الخلافة ومتى تأتي الأيام بمثل هذا ونحو ذلك ويشير قوله يختشيه القضاء إلى أن الله تعالى كان يخاف منه وهذا إذا لم يكن كفرا صريحا وهو الظاهر من لفظه فهو قريب منه فلذا لما حضر الشيخ عز الدين بن عبد السلام في المحفل الذي جمع فيه الملك الصالح الأكابر والأعيان والقراء والشعراء لعزاء الخليفة ببغداد وأنشد بعض الشعراء في مرثيته مات من كان بعض أجناده الموت وسمعه الشيخ أمر بتأديبه وحبسه وأغلظ الإنكار عليه وبالغ في تقبيح رثائه وأقام بعد التعزير في
292
292
لا يموت فإن بموته هذه تنقطع هذه المصالح ويعز وجود مثل الموصوف بهذه الصفات ويعظم التفجع على فقد مثله وأن الحكمة كانت تقتضي بقاءه وتطويل عمره لتكثير تلك المصالح في العلم فمتى كان لفظها مشتملا على هذا كان حراما وهذا أشر النواح وتارة لا تصل إلى هذه الغاية غير أنه تبعد السلوة عن أهل الميت وتهيج الأسف عليهم فيؤدي ذلك إلى تعذيب نفوسهم وقلة صبرهم وضجرهم وربما بعثهم ذلك على القنوط وشق الجيوب وضرب الخدود فهذا أيضا حرام ومتى كان لفظ النائحة ليس فيه شيء من ذلك بل ذكر دين الميت وأنه انتقل إلى جزاء أعماله الحسنة ومجاورة أهل السعادة وأنه أتى عليه ما قضى على عامة الناس وأن هذا سبيل لا بد منه وأنه موطن اشترك فيه جميع الخلائق وباب لا بد من دخوله فهذا ليس بحرام فإن زادت على ذلك بأن تأمر أهل الميت بالصبر وتحثهم على طلب الأجر والثواب وأنهم ينبغي لهم أن يحتسبوا ميتهم في سبيل الله
ويعتمدون في حسن الخلف على الله تعالى ونحو ذلك فهذا مندوب إليه مأمور به وعلى هذه القوانين تتخرج المراثي فتنقسم أيضا إلى المحرمة الكبيرة وإلى المحرمة الصغيرة وإلى المباح وإلى المندوب على قدر ما يتضمنه لفظ المرثية فمن المراثي المباحة الخالية عن التحريم ما رثى به ابن عمر أخاه عاصما لما مات فقال فإن تك أحزان وفائض دمعة جرين دما من داخل الجوف منقعا تجرعتها في عاصم واحتسبتها فأعظم منها ما احتسى وتجرعا فليت المنايا كن خلفن عاصما فعشنا جميعا أو ذهبن بنا معا
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الحبس زمانا طويلا ثم استتابه بعد شفاعة الأمراء والرؤساء فيه وأمره أن ينظم قصيدة يثني فيها على الله عز وجل تكون مكفرة لما تضمنه شعره من التعرض للقضاء والإشارة إلى أن الله تعالى كان يخاف من الميت والشعراء كثيرا ما يهجمون على أمور صعبة مثل ذلك رغبة في الإغراب والتمدح بأنه طرق معنى لم يطرق قبله فيقعون في هذا ومثله ولذلك وصفهم الله تعالى بقوله ألم تر أنهم في كل واد يهيمون قال المفسرون هذه الأودية هي أودية الهجاء المحرم ونحوه مما لا يحل قوله وهذا القسم شر النواح والمراثي وعليه يحمل حديث إن النائحة تكسى يوم القيامة قميصين قميص من جرب وقميص من قطران وسره أن الأجرب سريع الألم لتقرح جلده والقطران يقوي شعلة النار فيكون عذاب النائحة بالنار بسبب هذين القميصين أشد العذاب
وحديث أبي داود لعن الله النائحة والمستمعة
وأما ضابط ما هو حرام صغيرة فكل كلام نظما أو نثرا مرثية أو نواحا لم يصل إلى الغاية المذكورة في القسم الأول إلا أنه يبعد السلوة عن أهل الميت ويهيج الأسف عليهم حتى يؤدي إلى تعذيب نفوسهم وقلة صبرهم وضجرهم وربما بعثهم على القنوط وشق الجيوب وضرب الخدود يكون حراما صغيرة وعليه يحمل ما جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من التصريح بتحريم النواح نعم قال سند من أصحابنا إنما يحرم النواح من النائحة التي
293
293
دفعنا بك الأيام حتى إذا أتت تريدك لم نسطع لها عنك مدفعا فهذا رثاء مباح لا يحرم مثله
وليس فيه ما يشير إلى التجوير ولا تسفيه القضاء بل إنه حزين متألم لميته وكان يشتهي لو مات معه فهذا أمر قريب لا غرو فيه ومثال الرثاء المندوب ما روي أن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه لما مات عظم مصابه على ابنه عبد الله وكان عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عظيما عند الناس في نفسه لأنه كان ترجمان القرآن وافر العقل جميل المحاسن والجلالة والأوصاف الحميدة فأعظمه الناس على التعزية إجلالا له ومهابة بسبب عظمته في نفسه وعظمة من أصيب به فإن العباس رضي الله عنه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقي بعد وفاته صلى الله عليه وسلم مثل والده وكان يقال من أشجع الناس فيقال العباس ومن أعلم الناس فيقال العباس
ومن أكرم الناس فيقال العباس فلما مات عظم خطبه وجلت رزيته في صدور الناس وفي صدر ولده عبد الله رضي الله عنهما وأحجم الناس عن تعزيته فأقاموا على ذلك شهرا كما ذكره المؤرخون فبعد الشهر قدم أعرابي من البادية فسأل عن عبد الله بن عباس فقال له الناس ما تريد فقال أريد أن أعزي عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فقام الناس معه عساه أن يفتح لهم باب التعزية فلما رأى عبد الله بن عباس قال له سلام عليك يا أبا الفضل فقال له عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وعليك السلام ورحمة الله وبركاته فأنشده اصبر نكن بك صابرين فإنما صبر الرعية عند صبر الراس خير من العباس أجرك بعده والله خير منك للعباس
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
تتخذه صنعة قال وإلا فالمرة مكروهة لما في البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك نساء جعفر لم يسكتهن وفيه عن جابر رضي الله عنه جيء بأبي يوم أحد وقد مثل به وساق الحديث إلى أن قال فسمع صوت نائحة فقال من هذه فقالوا ابنة عمر فقال فلتبكي أو لا تبكي ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع وفيه عن أم عطية رضي الله عنها أخذ علينا النبي صلى الله عليه وسلم أن لا ننوح فما وفت منا امرأة غير خمس نسوة سمتهن وأما ضابط ما هو مباح من النواح والمراثي فكل كلام لم يكن فيه شيء مما في القسمين قبله بل ذكر فيه دين الميت وأنه انتقل إلى جزاء أعماله الحسنة ومجاورة أهل السعادة
وأنه أتى عليه ما قضى على عامة الناس وأن هذا سبيل لا بد منه وأنه موطن اشترك فيه جميع الخلائق وباب لا بد من دخوله يكون مباحا خاليا عن التحريم ومنه ما رثى به ابن عمر أخاه عاصما لما مات فقال فإن تك أحزان وفائض دمعة جرين دما من داخل الجوف منقعا تجرعتها في عاصم واحتسيتها فأعظم منها ما احتسى وتجرعا فليت المنايا كن خلفن عاصما فعشنا جميعا أو ذهبن بنا معا دفعنا بك الأيام حتى إذا أتت تريدك لم نسطع لها عنك مدفعا فهذا رثاء مباح لا يحرم مثله وليس فيه ما يشير إلى التجوير ولا تسفيه القضاء بل إنه حزين متألم لميته وكان يشتهي لو مات معه فهذا أمر قريب لا غرو فيه وأما ضابط المندوب من النواح والمراثي فكل
294
294
فلما سمع عبد الله بن عباس رثاءه واستوعب شعره سري عنه عظيم ما كان به
واسترسل الناس في تعزيته وهذا كلام في غاية الجودة من الرثاء مسهل للمصيبة مذهب للحزن محسن لتصرف القضاء مثن على الرب تعالى بإحسان وجميل العوارف فهذا حسن جميل ومثله ما ورد في الأخبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما توفي سمع أهل بيته قائلا يقول يسمعون صوته ولا يرون شخصه سلام عليكم أهل البيت إن في الله خلفا من كل فائت وعوضا من كل ذاهب فإياه فارجوا وبه فثقوا فإن المصاب من حرم الثواب فكانوا يرونه الخضر عليه السلام فهذا أيضا كلام من القربات ومندرج في سلك المندوبات ومن الرثاء المحرم الفظيع ما وقع في عصرنا في رثاء الخليفة ببغداد في أيام الصالح رحم الله الجميع فعمل له الملك الصالح عزاء جمع فيه الأكابر والأعيان والقراء والشعراء فأنشد بعض الشعراء في مرثيته مات من كان بعض أجناده الموت ومن كان يختشيه القضاء فسمعه الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله وهو جالس في المحفل فأمر بتأديبه وحبسه
وأغلظ الإنكار عليه وبالغ في تقبيح رثائه وأقام بعد التعزير في الحبس زمانا طويلا ثم استتابه بعد شفاعة الأمراء والرؤساء فيه وأمره أن ينظم قصيدة يثني فيها على الله عز وجل تكون مكفرة لما تضمنه شعره من التعرض للقضاء بقوله من كان بعض أجناده الموت تعظيما لشأن هذا الميت وأن مثل هذا الميت ما كان ينبغي أن يخلو منه منصب الخلافة ومتى تأتي الأيام بمثل هذا ونحو ذلك
وقوله يختشيه القضاء يشير إلى أن الله تعالى
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
كلام زاد على ما في قسم المباح من أمر أهل الميت بالصبر وحثهم على طلب الأجر والثواب وأنهم ينبغي لهم أن يحتسبوا ميتهم في سبيل الله تعالى ويعتمدون في حسن الخلف على الله تعالى ونحو ذلك يكون مندوبا إليه مأمورا به
ومنه ما روي أن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه لما مات عظم مصابه على ابنه عبد الله وعظم خطبه وجلت رزيته في صدور الناس فإنه رضي الله عنه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقي بعد وفاته صلى الله عليه وسلم مثل والده وكان يقال من أشجع الناس فيقال العباس ومن أعلم الناس فيقال العباس ومن أكرم الناس فيقال العباس وكان ابنه عبد الله رضي الله عنهما عظيما عند الناس في نفسه لأنه كان ترجمان القرآن وافر العقل جميل المحاسن والجلالة والأوصاف الحميدة فأحجموا عن تعزيته إجلالا له ومهابة بسبب عظمته في نفسه وأقاموا على ذلك شهرا كما ذكره المؤرخون فبعد الشهر قدم أعرابي من البادية فسأل عن عبد الله بن عباس فقال له الناس ما تريد فقال أريد أن أعزي عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فقام الناس معه عساه أن يفتح لهم باب التعزية فلما رأى عبد الله بن عباس قال له سلام عليك يا أبا الفضل فقال له عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وعليك السلام ورحمة الله وبركاته فأنشده اصبر نكن بك صابرين فإنما صبر الرعية عند صبر الراس خير من العباس أجرك بعده والله خير منك للعباس فلما سمع عبد الله بن العباس رثاءه واستوعب شعره سرى عنه عظيم ما كان به واسترسل الناس في
295
295
كان يخاف منه وهذا إما كفر صريح وهو الظاهر من لفظه أو قريب من الكفر فالشعراء في مراثيهم يهجمون على أمور صعبة رغبة في الإغراب والتمدح بأنه طرق معنى لم يطرق قبله فيقعون في هذا ومثله ولذلك وصفهم الله تعالى بقوله ألم تر أنهم في كل واد يهيمون قال المفسرون هذه الأودية هي أودية الهجاء المحرم ونحوه مما لا يحل قوله فظهر لك بهذا البسط والتقرير الفرق بين النواح المحرم والرثاء المحرم من غيره بتقرير القواعد المتقدمة فقس عليه ما يرد عليك من ذلك في البابين
الفرق الحادي والمائة بين قاعدة فعل غير المكلف لا يعذب به وبين قاعدة البكاء على الميت يعذب به الميت
ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه خرجه مالك في الموطإ وغيره من العلماء في الصحاح فأشكل ظاهر الحديث من جهة أن الإنسان لا يؤاخذ بفعل غيره وهي قاعدة صحيحة تعارض هذه القاعدة وحصل الفرق من وجوه أحدها أنه محمول على ما إذا أوصى بالنياحة كما قال طرفة إذا مت فانعيني بما أنا أهله وشقي علي الجيب يا ابنة معبد
وثانيها أنهم كانوا يذكرون في نوائحهم مفاخر هي مخاز عند الشرع كالغصب والفسوق فيعذب بها فيكون المعنى أن الميت يعذب بمدلول ما يقع في البكاء من الألفاظ
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
تعزيته وهذا كلام في غاية الجودة من الرثاء مسهل للمصيبة مذهب للحزن محسن لتصرف القضاء مثن على الرب بإحسان وجميل العوارف فهذا حسن جميل ومثله ما ورد في الأخبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما توفي سمع أهل بيته قائلا يقول يسمعون صوته ولا يرون شخصه سلام عليكم أهل البيت إن في الله خلفا من كل فائت وعوضا من كل ذاهب فإياه فارجوا وبه فثقوا فإن المصاب من حرم الثواب فكانوا يرونه الخضر عليه السلام فهذا أيضا كلام من القربات ومندرج في سلك المندوبات وعلى هذه القوانين يتخرج جميع ما يرد عليك من النواحات والمراثي والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الحادي والمائة بين قاعدة فعل غير المكلف لا يعذب به وبين قاعدة البكاء على الميت يعذب به الميت لما أشكل على القاعدة الصحيحة وهي أن الإنسان لا يؤاخذ بفعل غيره وعارضها ظاهر ما أخرجه مالك في الموطإ وغيره من العلماء في الصحاح من قوله صلى الله عليه وسلم إن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه ذهب بعض العلماء إلى رد البكاء فيه إلى فعل الميت إما بحمله على ما إذا أوصى الميت بالنياحة كما قال طرفة إذا مت فانعيني بما أنا أهله وشقي علي الجيب يا ابنة معبد
وإما بحمله على ما كان يباشره الميت حال حياته من الكفر ونحو الغضب والفسوق من المفاخر التي كانوا يذكرونها في نوائحهم وهي مجاز عند الشرع فيعذب بها فيكون المعنى أن الميت يعذب بمدلول ما
296
296
ولما كان بين البكاء وبين تلك الأمور ملازمة قد حصلت في الواقع عبر بالبكاء عنه مجازا والعلاقة هي هذه الملازمة لأن اللفظ يلازم مدلوله والبكاء يلازم هذا اللفظ فهذه الملازمة هي العلاقة
وثالثها ما قالته عائشة رضي الله عنها يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ إنما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهودية يبكي عليها أهلها فقال عليه السلام إنكم لتبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها واعلم أن هذه الوجوه الثلاثة تكون أجوبة عن الحديث ولا توجب فرقا بين القاعدتين وإنما هي ترد البكاء إلى فعل الميت بالوصية كما قاله أولا أو بالمباشرة كما قاله ثانيا وأما الثالث فهو من جنس الثاني لأن اليهودية إنما عذبت في قبرها بكفرها لا ببكاء أهلها
والفرق في التحقيق إن مشينا اللفظ على ظاهره ما وقع لبعض العلماء من أن امرأة من أهل العراق مات لها ولد فرحلت في بعض مقاصدها إلى المغرب فحضر يوم العيد وعادتها فيه في بلدها تخرج إلى المقابر فتبكي على ولدها فلما لم تكن في بلدها خطر لها أن تخرج إلى مقابر تلك البلدة التي حلت بها فتفعل فيها ما كانت تفعله في بلدها فخرجت إليها وفعلت ذلك وأكثرت البكاء والعويل والتفجيع على ولدها ثم نامت فرأت أهل المقبرة قد هاجوا يسأل بعضهم بعضا هل لهذه المرأة عندنا ولد فقالوا لا فقال السائل منهم للمسئول فكيف جاءت عندنا تؤذينا ببكائها وعويلها
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
يقع في البكاء من الألفاظ مجاز العلاقة الملزومية بواسطة لأن اللفظ يلازم مدلوله والبكاء يلازم هذا اللفظ فقول عائشة رضي الله عنها يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ إنما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهودية يبكي عليها أهلها فقال عليه السلام إنكم لتبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها معناه أن اليهودية إنما عذبت في قبرها بكفرها لا ببكاء أهلها وذهب الأصل إلى أنهما قاعدتان وأن الحديث باق على ظاهره وأنه يفرق بينهما بما وقع لبعض العلماء من أن امرأة من أهل العراق مات لها ولد فرحلت في بعض مقاصدها إلى المغرب فحضر يوم العيد وعادتها فيه في بلدها تخرج إلى المقابر فتبكي على ولدها فلما لم تكن في بلدها خطر لها أن تخرج إلى مقابر تلك البلدة التي حلت بها فتفعل فيها ما كانت تفعله في بلدها فخرجت إليها وفعلت ذلك وأكثرت البكاء والعويل والتفجع على ولدها ثم نامت فرأت أهل المقبرة قد هاجوا يسأل بعضهم بعضا هل لهذه المرأة عندنا ولد فقالوا لا فقال السائل منهم للمسئول فكيف جاءت عندنا تؤذينا ببكائها وعويلها من غير أن يكون لها عندنا ولد ثم ذهبوا إليها فضربوها ضربا وجيعا فاستيقظت فوجدت ألما عظيما من ذلك الضرب وتوضيح الفرق أن هذا يدل أن البكاء والعويل كما كانت الأرواح في حالة الحياة تتأذى به وتنقبض كذلك تتأذى به بعد الموت كان عليها أو على غيرها إلا أنه عليها أشد نكاية لأنها هي المصابة حينئذ
وقد ورد أن الموتى يعلمون أحوال الأحياء وما نزل بهم من شدة ورخاء وفقر واستغناء وغير ذلك مما يتجدد لأهليهم ويتألمون للمؤلمات
297
297
من غير أن يكون لها عندنا ولد ثم ذهبوا إليها فضربوها ضربا وجيعا فاستيقظت فوجدت ألما عظيما من ذلك الضرب فدل ذلك على أن الأرواح تتألم من المؤلمات وتفرح باللذات في البرزخ كما كانت في الدنيا وهو ظاهر وكذلك تعذب الكفار في قبورها كما قال عليه الصلاة والسلام إن اليهود لتعذب في قبورها فالأوضاع البشرية في الأرواح لم تتغير وإنما كانت في مسكن فارقته وبقيت على حالها في أوضاعها ولما كان البكاء والعويل في حالة الحياة تتأذى به الأرواح وتنقبض كانت بعد الموت تتأذى به كذلك كان عليها أو على غيرها وهو عليها أشد نكاية لأنها هي المصابة حينئذ وقد ورد أن الموتى يعلمون أحوال الأحياء وما نزل بهم من شدة ورخاء وفقر واستغناء وغير ذلك مما يتجدد لأهليهم ويتألمون للمؤلمات ويسرون باللذات وقد ورد أنهم يفتخرون بالزيارات ويتألمون بانقطاعها
وإذا كان الأمر كذلك كانوا يتألمون بالبكاء عليهم من أهليهم وغير أهليهم والألم عذاب فلذلك قال صلى الله عليه وسلم إن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه ويكون الفرق بين القاعدتين على هذا التقرير أن الإنسان لا يعذب بفعل غيره أي عذاب الآخرة الذي هو عذاب الذنوب والبكاء عذاب ليس عذاب الآخرة الذي هو عذاب الذنوب المتوعد به من قبل صاحب الشرع بل معناه الألم الجبلي الذي إذا وقع في الوجود قد يكون رحمة من الله تعالى كمن يبتليه الله تعالى بالألم لرفع درجاته ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم نحن الأنبياء أشد بلاء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على قدر دينه ومعلوم أن الأنبياء والصالحين يتألمون بالبلايا والرزايا وليس ذلك عذابا بالتفسير الأول بل رحمة من الله تعالى ولذلك قال بعض السلف على القرن الماضي أن كان أحدهم ليفرح بالبلايا كما يفرح أحدكم بالرخاء والعذاب يستعاذ منه ولا يفرح به فهذا الوجه عندي هو الفرق الصحيح ويبق اللفظ على ظاهره ويستغنى عن التأويل وتخطئة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
ويسرون باللذات وقد ورد أنهم يفتخرون بالزيارات ويتألمون بانقطاعها فالأوضاع البشرية للأرواح في البرزخ كما كانت لها في الدنيا لم تتغير وإنما كانت في مسكن فارقته فقط وبقيت على حالها في أوضاعها فالعذاب في القاعدة التي دل عليها حديث إن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه بمعنى الألم الجبلي الذي إذا وقع في الوجود قد يكون رحمة من الله تعالى كمن يبتليه الله تعالى بالألم لرفع درجاته ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم نحن الأنبياء أشدهم بلاء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على قدر دينه ومعلوم أن الأنبياء والصالحين يتألمون بالبلايا والرزايا وليس ذلك عذابا بمعنى عذاب الآخرة الذي هو عذاب الذنوب المتوعد به من قبل صاحب الشرع كما هو بهذا المعنى في قاعدة إن الإنسان لا يعذب بفعل غيره وإنما تألمهم بالبلايا والرزايا رحمة من الله تعالى ولذلك قال بعض السلف على القرن الماضي أن كان أحدهم ليفرح بالبلايا كما يفرح أحدكم بالرخاء والعذاب يستعاذ منه ولا يفرح به قال الأصل فهذا
298
298
الراوي وما ساعده الظاهر من الأجوبة كان أسعدها وأولاها وهذا كذلك فيعتمد عليه في الفرق
الفرق الثاني والمائة بين قاعدة أوقات الصلوات يجوز إثباتها بالحساب والآلات وكل ما دل عليها وبين قاعدة الأهلة في الرمضانات لا يجوز إثباتها بالحساب وفيه قولان عندنا وعند الشافعية رحمهم الله تعالى والمشهور في المذهبين عدم اعتبار الحساب فإذا دل حساب تسيير الكواكب على خروج الهلال من الشعاع من جهة علم الهيئة لا يجب الصوم قال سند من أصحابنا فلو كان الإمام يرى الحساب فأثبت الهلال به لم يتبع لإجماع السلف على خلافه مع أن حساب الأهلة والكسوفات والخسوفات قطعي فإن الله تعالى أجرى عادته بأن حركات الأفلاك وانتقالات الكواكب السبعة السيارة على نظام واحد طول الدهر بتقدير العزيز العليم
قال الله تعالى والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم وقال تعالى الشمس والقمر بحسبان أي هما ذوا حساب فلا ينخرم ذلك أبدا وكذلك الفصول الأربعة لا ينخرم حسابها والعوائد إذا استمرت أفادت القطع كما إذا رأينا شيخا نجزم بأنه لم يولد كذلك بل طفلا لأجل عادة الله تعالى بذلك وإلا فالعقل يجوز ولادته كذلك والقطع الحاصل فيه إنما هو لأجل العادة وإذا حصل القطع
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الوجه عندي هو الفرق الصحيح ويبقى لفظ الحديث على ظاهره ويستغنى عن التأويل وتخطئة الراوي وما ساعده الظاهر من الأجوبة كان أسعدها وأولاها وهذا كذلك فيعتمد عليه في الفرق والله أعلم
الفرق الثاني والمائة بين قاعدة أوقات الصلوات يجوز إثباتها بالحساب والآلات وكل ما دل عليها وبين قاعدة الأهلة في الرمضانات لا يجوز إثباتها بالحساب وذلك أن الله تعالى نصب زوال الشمس سببا لوجوب الظهر وبقية الأوقات سببا لوجوب بقية الصلوات كما يشهد لذلك أدلة الكتاب والسنة منها قوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس أي لأجله ومنها قوله تعالى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون قال المفسرون هذا خبر معناه الأمر بالصلوات الخمس في هذه الأوقات حين تمسون المغرب والعشاء وحين تصبحون الصبح وعشيا العصر وحين تظهرون الظهر والصلاة تسمى سبحة ومنه سبحة الضحى أي صلاتها فالآية أمر بإيقاع هذه الصلوات في هذه الأوقات فمن علم السبب بأي طريق كان لزمه حكمه فلذلك اعتبر الحساب المفيد للقطع في أوقات الصلوات
وأما الأهلة فقال الفقهاء رحمهم الله تعالى حساب تسيير الكواكب على خروج الهلال من الشعاع من جهة علم الهيئة وإن كان قطعيا منضبطا بسبب أن الله تعالى أجرى عادته بأن حركات الأفلاك وانتقالات الكواكب السبعة السيارة التي أشار إليها بعضهم بقوله
299
299
بالحساب ينبغي أن يعتمد عليه كأوقات الصلوات فإنه لا غاية بعد حصول القطع والفرق وهو المطلوب هاهنا وهو عمدة السلف والخلف أن الله تعالى نصب زوال الشمس سبب وجوب الظهر
وكذلك بقية الأوقات لقوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس أي لأجله وكذلك قوله تعالى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون قال المفسرون هذا خبر معناه الأمر بالصلوات الخمس في هذه الأوقات حين تمسون المغرب والعشاء وحين تصبحون الصبح وعشيا العصر وحين تظهرون الظهر والصلاة تسمى سبحة ومنه سبحة الضحى أي صلاتها فالآية أمر بإيقاع هذه الصلوات في هذه الأوقات وغير ذلك من الكتاب والسنة الدال على أن نفس الوقت سبب فمن علم السبب بأي طريق كان لزمه حكمه فلذلك اعتبر الحساب المفيد للقطع في أوقات الصلوات
وأما الأهلة فلم ينصب صاحب الشرع خروجها من الشعاع سببا للصوم بل رؤية الهلال خارجا من شعاع الشمس هو السبب فإذا لم تحصل الرؤية لم يحصل السبب الشرعي فلا يثبت الحكم ويدل على أن صاحب الشرع لم ينصب نفس خروج الهلال عن شعاع الشمس سببا للصوم قوله صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ولم يقل لخروجه عن شعاع الشمس كما قال تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس ثم قال فإن غم عليكم أي خفيت
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
زحل شرى مريخه من شمسه فتزاهرت لعطارد الأقمار على نظام واحد طول الدهر بتقدير العزيز العليم قال الله تعالى والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم
وقال تعالى الشمس والقمر بحسبان أي هما ذو حساب فلا ينخرم ذلك أبدا كما لا ينخرم حساب الفصول الأربعة التي هي الصيف والشتاء والربيع والخريف والعوائد إذا استمرت أفادت القطع كما إذا رأينا شيخا نجزم بأنه لم يولد كذلك بل طفلا لأجل عادة الله تعالى وإن جوز العقل ولادته كذلك إلا أنه يعتمد في خروج الأهلة من الشعاع على حصول القطع بالحساب كما اعتمد عليه في أوقات الصلوات لأنه لا غاية بعد حصول القطع بسبب أن صاحب الشرع لم ينصب خروج الأهلة من الشعاع سببا للصوم كما نصب أوقات الصلوات سببا لوجوبها نصب رؤية الهلال خارجا من شعاع الشمس أو إكمال العدة ثلاثين ولم يتعرض لخروج الهلال عن الشعاع فقد قال صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ولم يقل لخروجه عن شعاع الشمس كما قال تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس ثم قال صلى الله عليه وسلم فإن غم عليكم أي خفيت عليكم رؤيته فاقدروا له وفي رواية فأكملوا العدة ثلاثين
قال البناني على عبق وفي الحديثين ثلاثة أقوال الأول للإمام مالك أن الثاني تفسير للأول
والثاني للطحاوي أنه ناسخ وأن التقدير في الأول معناه أن ينظر إلى الهلال ليلة الواحد والثلاثين فإن سقط لستة أسباع ساعة فهو من تلك الليلة وإن سقط لضعفها فما قبلها والثالث
300
300
عليكم رؤيته فاقدروا له في رواية فأكملوا العدة ثلاثين فنصب رؤية الهلال أو إكمال العدة ثلاثين ولم يتعرض لخروج الهلال عن الشعاع
وأما قوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه فلا دلالة فيه على هذا المطلوب قال أبو علي لأن شهد لها ثلاث معان شهد بمعنى حضر ومنه شهدنا صلاة العيد وشهد بدرا وشهد بمعنى أخبر ومنه شهد عند الحاكم أي أخبره بما يعلمه وشهد بمعنى علم ومنه قوله تعالى والله على كل شيء شهيد أي عليم وهو في الآية بمعنى حضر قال وتقدير الآية فمن حضر منكم المصر في الشهر فليصمه أي حاضرا مقيما احترازا من المسافر فإنه لا يلزمه الصوم وإذا كان شهد بمعنى حضر لا بمعنى شاهد ورأى لم يكن فيه دلالة على اعتبار الرؤية ولا على اعتبار الحساب أيضا فإن الحضور في الشهر أعم من كونه ثبت بالرؤية أو بالحساب فلأجل هذا الفرق قال الفقهاء رحمهم الله تعالى إن كان هذا الحساب غير منضبط فلا عبرة به وإن كان منضبطا لكنه لم ينصبه صاحب الشرع سببا فلم يجب به صوم والحق من ترديد الفقهاء رحمهم الله هو القسم الثاني دون الأول غير أن هاهنا إشكالين أحدهما في أوقات الصلوات والآخر في رؤية الأهلة
الإشكال الأول في أوقات الصلوات وذلك أنه جرت عادة المؤذنين وأرباب المواقيت بتيسير درج الفلك فإذا شاهدوا المتوسط من درج الفلك أو غيرها من درج الفلك الذي يقتضي أن درجة الشمس قربت من الأفق قربا يقتضي أن الفجر طلع أمروا
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
لابن رشد بالجمع بينهما وأن التقدير في الأول أن ينظر في الشهور التي قبل شعبان فإن توالى ثلاثة على الكمال حمل على النقض وإلا حمل على الكمال وهو محمل الحديث الثاني قال الحطاب والأول هو الحق الذي لا غبار عليه ا ه
وقد تبع عج في قوله لا يتوالى النقص في أكثر من ثلاثة من الشهور يا فطن كذا توالي خمسة مكملة هذا الصواب وسواه أبطله لابن رشد إلا أن فيه بعض مخالفة له والظاهر أنه أشار بقوله هذا الصواب إلخ لكلام ابن رشد والطحاوي لا كما فهم عبق ومحل ثبوت رمضان بكمال شعبان إذا لم تكن السماء مصحية ليلة الحادي والثلاثين من شعبان وقد كان هلال شعبان ثبت برؤية عدلين ليلة ثلاثين من رجب وإلا فلا يثبت بكمال شعبان لتكذيب الشاهدين أولا كما في خش وهو صحيح ا ه بتصرف ولا دلالة في قوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه على هذا المطلوب لما مر أول الكتاب عن أبي علي من أن شهد فيه بمعنى حضر
قال والتقدير فمن حضر منكم المصر في الشهر فليصمه أي حاضرا مقيما احترازا من المسافر فإنه لا يلزمه الصوم وإذا كان شهد بمعنى حضر لا بمعنى شاهد ورأى لم يكن فيه دلالة على اعتبار الرؤية ولا على اعتبار الحساب أيضا فإن الحضور في الشهر أيضا أعم من كونه ثبت بالرؤية أو بالحساب فالحق من ترديد المالكية والشافعية رحمهم الله تعالى في اعتبار دلالة الحساب على خروج الهلال من الشعاع وعدم اعتباره ما هو المشهور في المذهبين من عدم اعتباره حتى قال سند من أصحابنا فلو كان الإمام يرى الحساب فأثبت الهلال به لم يتبع لإجماع السلف على خلافه
301
301
الناس بالصلاة والصوم مع أن الأفق يكون صاحيا لا يخفى فيه طلوع الفجر لو طلع ومع ذلك فلا يجد الإنسان للفجر أثرا ألبتة وهذا لا يجوز فإن الله تعالى إنما نصب سبب وجوب للصلاة ظهور الفجر فوق الأفق ولم يظهر فلا تجوز الصلاة حينئذ فإنه إيقاع للصلاة قبل وقتها وبدون سببها وكذلك القول في بقية إثبات أوقات الصلوات فإن قلت هذا جنوح منك إلى أنه لا بد من الرؤية وأنت قد فرقت بين البابين وميزت بين القاعدتين بالرؤية وعدمها وقلت السبب في الأهلة الرؤية وفي أوقات الصلوات تحقيق الوقت دون رؤيته فحيث اشترطت الرؤية فقد أبطلت ما ذكرته من الفرق
قلت سؤال حسن والجواب عنه أني لم أشترط الرؤية في أوقات الصلوات لكني جعلت عدم اطلاع الحس على عدم الفجر دليلا على عدمه وأنه في نفسه لم يتحقق لأن الرؤية هي السبب ونظيره في الأهلة لو كانت السماء مصحية والجمع ثير ولم ير الهلال جعلت ذلك دليلا على عدم خلوص الهلال من شعاع الشمس
وكذلك لو رأيت الظل عند الزوال مائل لجهة المغرب ولم أره مائلا إلى جهة المشرق بل متوسطا بين الجهتين جعلت ذلك دليلا على عدم دخول الوقت وعدم السبب ففرق بين كون الحس سببا وبين كونه دالا على عدم السبب فإني في الفجر جعلته دليلا على عدم السبب لا أني اشترطت الرؤية ولذلك أني لم أستشكل ذلك إلا والسماء مصحية والحس لا يجد شيئان من الفجر أما لو كان حسابهم يظهر معه الفجر مع الصحو طالعا من الأفق ويخفى مع الغيم لم أستشكله
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
وبالجملة فصاحب الشرع نصب تحقيق أوقات الصلوات سببا لوجوبها بحيث لا يكون الحس دالا على عدم دخول الوقت بأن يرى الإنسان الظل عند الزوال متوسطا بين جهتي المشرق والمغرب لا مائلا لجهة المشرق أو لا يجد الإنسان للفجر أثرا ألبتة مع كون الأفق صاحيا لا يخفى فيه طلوع الفجر لو طلع فما جرت به عادة المؤذنين وأرباب المواقيت من تسيير درج الفلك فإذا شاهدوا ما يقتضي من درج الفلك المتوسط أو غيره أن الفجر طلع أمروا الناس بالصلاة والصوم
وإن كان الإنسان لا يجد للفجر أثرا ألبتة والأفق صاح لا يخفى فيه طلوع الفجر لو طلع مشكل ونصب رؤية الهلال خارجا من شعاع الشمس أو إكمال العدة ثلاثين سببا لوجوب صوم رمضان ولم ينصب تحقيق الخروج بدون رؤيته كما في أوقات الصلوات سببا لذلك فاشترط في سببية أوقات الصلوات التحقيق دون الرؤية وفي سببية الهلال الرؤية دون مجرد التحقيق إلا أن جعل المالكية والأحناف والحنابلة رؤية الهلال في بلد من البلدان سببا لوجوب الصوم على جميع أقطار الأرض خلافا للشافعية في جعلهم لكل قوم رؤيتهم مع اتفاق الجميع على أن لكل قوم فجرهم وزوالهم وعصرهم ومغربهم وعشاءهم نظرا لسكون الفجر إذا طلع على قوم يكون عند آخرين نصف الليل وعند آخرين نصف النهار وعند آخرين غروب الشمس إلى غير ذلك من الأوقات مشكل إذ لا فارق بين أوقات الصلوات ورؤية الهلال ضرورة أن ما من درجة تطلع من الفلك أو تتوسط أو تغرب إلا وفيها جميع الأوقات بحسب آفاق مختلفة وأقطار متباينة حتى إن جماعة من الفقهاء أشكلت عليهم مسألة
302
302
وقلت إنما يخفى لأجل الغيم لا لأجل عدمه في نفسه لكن لما رأيت حسابهم في الصحو لا يظهر معه الفجر علمت أن حسابهم يقارن عدم السبب فإن الحس كما يدل على وجود الفجر يدل أيضا على عدمه باتساق الظلمة وعدم الضياء فهذا جواب هذا السؤال لا أني سويت بين الأهلة وأوقات الصلوات فتأمل ذلك الإشكال الثاني أن المالكية جعلوا رؤية الهلال في بلد من البلاد سببا لوجوب الصوم على جميع أقطار الأرض ووافقتهم الحنابلة رحمهم الله على ذلك
وقالت الشافعية رحمهم الله لكل قوم رؤيتهم واتفق الجميع على أن لكل قوم فجرهم وزوالهم وعصرهم ومغربهم وعشاءهم فإن الفجر إذا طلع على قوم يكون عند آخرين نصف الليل وعند آخرين نصف النهار وعند آخرين غروب الشمس إلى غير ذلك من الأوقات وما من درجة تطلع من الفلك أو تتوسط أو تغرب إلا فيها جميع الأوقات بحسب آفاق مختلفة وأقطار متباينة فإذا طلعت الشمس في أقصى المشرق كان نصف الليل عند البلاد المغربية منهم أو أقل من ذلك أو أكثر على حسب البعد عن ذلك الأفق غربت الشمس في أقصى المغرب كان نصف الليل عند البلاد المشرقية أو أقل أو أكثر بحسب قرب ذلك القطر من القطر الذي غربت فيه الشمس وكذلك بقية الأوقات تختلف هذا الاختلاف
وكذلك وقع في الفتاوى الفقهية مسألة أشكلت على جماعة من الفقهاء رحمهم الله في أخوين ماتا عند الزوال أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب أيهما يرث صاحبه فأفتى الفضلاء من الفقهاء بأن المغربي يرث المشرقي لأن زوال المشرق قبل زوال المغرب فالمشرقي مات أولا فيرثه المتأخر لبقائه بعده حيا متأخر الحياة فيرث المغربي المشرقي إذا تقرر الاتفاق على أن أوقات الصلوات تختلف باختلاف الآفاق وأن لكل قوم فجرهم وزوالهم وغير ذلك من الأوقات فيلزم ذلك في الأهلة بسبب أن البلاد المشرقية إذا كان الهلال فيها في الشعاع وبقيت الشمس تتحرك مع القمر إلى الجهة الغربية فما تصل الشمس إلى أفق المغرب إلا وقد خرج الهلال من الشعاع فيراه أهل المغرب ولا يراه أهل المشرق هذا أحد أسباب اختلاف رؤية الهلال وله أسباب أخر مذكورة في علم الهيئة لا يليق ذكرها هاهنا إنما ذكرت ما يقرب فهمه وإذا كان الهلال يختلف باختلاف الآفاق وجب أن يكون لكل قوم رؤيتهم في الأهلة كما أن لكل قوم فجرهم وغير ذلك من أوقات الصلوات وهذا حق ظاهر وصواب متعين أما وجوب الصوم على جميع الأقاليم برؤية الهلال بقطر منها فبعيد عن القواعد والأدلة لم تقتض ذلك فاعلمه
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
أخوين ماتا عند الزوال أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب أيهما يرث صاحبه فأفتى الفضلاء منهم بناء على هذا الاختلاف بأن المغربي يرث المشرقي لأن زوال المشرق قبل زوال المغرب فالمشرقي مات أولا
303
303
الفرق الثالث والمائة بين قاعدة الصلوات في الدور المغصوبة تنعقد قربة بخلاف الصيام في أيام الأعياد والجمع منهي عنه
أما الصلوات فمشهور المذهب ذلك وهو قول الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما وقال ابن حنبل وابن حبيب من أصحابنا رحمهما الله لا تنعقد قربة ويجب القضاء فسوى بين البابين فلا فرق على مذهبه لتسويته بين القاعدتين إنما الفرق على مذهب الجماعة وقال جماعة أحمد ومن وافقه مسبوق بالإجماع في الصحة في الصلوات في الدار المغصوبة وقد أجمع السلف رضي الله عنهم على عدم أمر الظلمة بالقضاء إذ صلوا بالدور المغصوبة
وأما الصوم أيام العيدين النحر والفطر ففي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم الفطر ويوم النحر ففي الجواهر لو قال أصوم هذه السنة لم يلزمه قضاء أيام العيدين والتشريق ورمضان إلا أن ينوي القضاء وروي أن ناذر ذي الحجة يقضي أيام النحر إلا أن ينوي عدم القضاء ولو نذر صوم يوم قدوم فلان فقدم في الأيام المحرم صومها فالمنصوص نفي القضاء لتعذره شرعا وناذر صوم يوم النحر أو الفطر أو الشك ملغى كنذر الصلوات في الأوقات المكروهة قاله مالك رحمه الله في المدونة وقاله الشافعي رضي الله عنه فظاهر مذهبنا ومذهب الشافعي أن الصوم لا ينعقد قربة في هذين
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
فيرثه المغربي المتأخر لبقائه بعده حيا متأخر الحياة نعم قدم هذا الإشكال في الفرق الأول موضحا ومر جوابه به بما فيه كفاية ومنقع لمن له قلب ومسمع والله أعلم
الفرق الثالث والمائة بين قاعدة الصلوات في الدور المغصوبة تنعقد قربة بخلاف الصيام في أيام الأعياد والجميع منهي عنه
اعلم رحمك الله تعالى أن الشارع وضع بعض أفعال المكلف لأحكام مقصودة كالصوم للثواب والبيع للملك وقد نهى عن ذلك في مواضع ففي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم الفطر ويوم النحر وعن بيع درهم بدرهمين فاختلف المجتهدون في بقاء ذلك الوضع الشرعي في المواضع المنهي عنها فيكون الصوم في يوم العيد مناطا للثواب وفي ارتفاعه فيها فلا يكون الصوم في يوم العيد مناطا للثواب فحكم بالارتفاع مالك والشافعي رحمهما الله تعالى نظرا لكون النهي عن العبادة الموصوفة بكونها في الزمان أو الحالة المعينة من بين سائر الأزمنة أو الحالات يدل على اختلاف الأصل لأنه يفهم منه على قواعدهما أن يكون عدم ذلك الوصف شرطا في صحة تلك العبادة فحيث وقعت موصوفة به وقعت فاسدة لعينها أي لذاتها وماهيتها لأنها حينئذ فقد شرطها والقاعدة أن ما فقد ما يتوقف عليه ذاتيا كالركن أو عرضيا كالشرط فهو باطل وفاسد وحكم بعدم الارتفاع أبو حنيفة رحمه الله تعالى نظرا لكون النهي عن العبادة الموصوفة بذلك لا يدل على قواعده على اختلال الأصل لأنه لا يفهم منه أن يكون عدم ذلك الوصف شرطا حتى يكون النهي عنه لعينه

304
304
اليومين بخلاف الصلاة
والصوم والصلاة عبادتان والنهي إنما جاء من جهة الظروف التي هي الزمان في الصوم والمكان في الصلاة والحكم مختلف بين القاعدتين كما ترى والفرق أن المنهي عنه تارة يكون العبادة الموصوفة بكونها في الزمان أو المكان أو الحالة المعينة من بين سائر الأزمنة أو البقاع أو الحالات فتفسد لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه على قواعدنا وقواعد الشافعي رضي الله عنه وتارة يكون المنهي عنه هو الصفة العارضة للعبادة فلا تفسد العبادة لتعلق النهي حينئذ بأمر خارج عن العبادة والمباشر بالنهي في الصوم إنما هو الموصوف بكونه في يوم الفطر أو النحر كما تقدم الحديث والمباشر بالنهي في الصلاة في الدار المغصوبة إنما هو الغصب ولم يرد نهي عن الصلاة في الدار المغصوبة إنما ورد في الغصب دون الصلاة المقارنة للغصب والقضاء على الصفة لا يلزم أن يتعدى إلى الموصوف وبالعكس فيصح أن يقال شرب الخمر مفسدة ولا يصح أن يقال شارب الخمر مفسدة ويصح أن يقال شارب الخمر ساقط العدالة ولا يصح أن يقال شرب الخمر ساقط العدالة فظهر أن أحكام الصفات لا تنتقل للموصوفات وأحكام الموصوفات لا تنتقل للصفات وظهر أن النهي في الصوم عن الموصوف وفي الصلاة في الدار المغصوبة عن الصفة وأن الأحكام على إحدى الجهتين لا تنتقل للأخرى فإن قلت لو نذر الصلاة في الدار المغصوبة لم ينعقد نذره كما في صوم يوم النحر فهما سواء
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
واعلم أيضا أن الفعل الشرعي المنهي عنه إن دل دليل على أن قبحه لعينه أي لفقد ما يتوقف عليه عينه وذاته وماهيته ذاتيا كالركن أو عرضيا كالشرط فهو باطل كما في الصلاة بدون بعض الشروط أو الأركان وكما في بيع الملاقيح وهي ما في البطون من الأجنة لانعدام ركن المبيع من البيع عند الجميع وكما في صوم يوم العيد لفقد شرطه الذي هو عدم الوقوع في ذلك اليوم لما فيه من الإعراض عن ضيافة الله تعالى للناس فيه وكما في بيع الدرهم بالدرهمين لفقد شرطه الذي هو عدم الزيادة عند مالك والشافعي رحمهما الله تعالى كما علمت وحينئذ يكون النهي مستعملا في معنى النفي مجازا لأن المنهي عنه يجب أن يكون متصور الوجود بحيث لو قدم عليه لوجد حتى يكون العبد مبتلى بين أن يقدم على الفعل فيعاقب وبين أن يكف عن الفعل فيثاب بامتناعه وإن دل دليل على أن قبحه لغيره فذلك الغير إن كان مجاورا كالصلوات في الدور المغصوبة فهو صحيح مكروه فينعقد قربة على مشهور مذهب مالك وقولي الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهم
وقال ابن حنبل وابن حبيب من أصحابنا رحمهما الله تعالى لا ينعقد قربة ويجب القضاء وإن كان وصفا كما في صوم يوم النحر نهي عن إيقاعه في يوم النحر للإعراض بصومه عن ضيافة الله تعالى للناس بلحوم الأضاحي التي شرعها فيه وكما في بيع الدرهم بالدرهمين لاشتماله على الزيادة فيأثم به فهو فاسد عند أبي حنيفة لا باطل لأنه لم يجعل فقد الوصف شرطا كما
305
305
قلت لا لأنهم قالوا إن الصلاة إذ وقعت في الدار المغصوبة تبرئ الذمة
وقالوا إذا وقع الصوم في يوم النحر ويوم الفطر لا ينعقد قربة وبراءة الذمة بالصلاة في الدار المغصوبة يقتضي أنها انعقدت قربة لأن الذمة لا تبرأ من الواجب بما ليس واجبا فضلا على أنه ليس بقربة فتكون الصلاة في الدار المغصوبة قربة واجبة من جهة أنها صلاة لا من جهة اشتمالها على الغصب فإن قلت الصوم والصلاة كلاهما قربة بالإجماع والنهي والمفسدة إنما جاء من جهة أمر خارجي وهو الزمان في الصوم والمكان في الصلاة فأنت إذن فرعت على مذهب من يرى أن النهي عن الوصف لا يتعدى إلى الأصل لزم ذلك فيما قاله أبو حنيفة رحمه الله في عقود الربا أن الوصف يبطل ويصح الأصل لسلامته عن النهي والمفسدة فيلزمك أن تلتزم مذهبه وإن فرعت على مذهب من يرى أن البابين واحد وهو مذهب أحمد فيلزمك أن تلتزم ما قاله في إبطال الصلاة في الدار المغصوبة وبالثوب المغصوب وإبطال الوضوء بالماء المغصوب ونحو ذلك من فروع الحنابلة وأنت لم تقل بهذا المذهب ولا بذاك فكان مذهبنا مشكلا فتحتاج الجواب لمالك والشافعي عن هذا الإشكال وإن تبطل الفرق الذي ذكرته بين الصلاة والصوم فإنك إن اعتبرت الأصل والوصف وفرقت بينهما كقول أبي حنيفة لزمك الصحة في الصلاة والصوم لأن النهي لأمر خارجي وهو الزمان والمكان وإن سويت كما قاله أحمد لزمك البطلان فيهما وعلى التقديرين بطل ما حاولته من الفرق
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
علمت فمن نذر عنده صوم يوم النحر بأن قال لله علي صوم يوم النحر أو نذر صوم غد فوافق يوم النحر صح نذره لأن المعصية في فعله دون نذره ويؤمر بفطره وقضائه ليتخلص عن المعصية ويفي بالنذر ولو صامه خرج عن عهدة نذره لأنه أدى الصوم كما التزمه ومن باع درهما بدرهمين فإن كان بالمجلس وجب عليه إما الفسخ أو رد الزيادة وعاد صحيحا وإن كان بعد تقرر الفساد بالقبض فلا يعود صحيحا برد الزيادة فقد اعتد بالصوم والبيع المذكورين لكونهما فاسدين باطلين إذ الباطل لا يعتد به اتفاقا وهو باطل عند مالك والشافعي لإرجاعهما ذلك إلى النهي عن الذات بأن يجعلا فقد الوصف شرطا كما علمت
قال صاحب الطريقة لأن النهي ورد عن الصوم فإرجاعه إلى غيره عدول عن الحقيقة وإن لم يدل دليل أن قبحه لعينه أو لغيره فباطل عند مالك والشافعي حتى لا يترتب عليه الأحكام لأن الأصل في النهي اقتضاء الفساد وعند أبي حنيفة يصح بأصله إذ لا قرينة على استعماله في النفي مجازا والنهي يقتضي الصحة ولا يفسد بوصفه لعدم الدليل على أن القبح لوصفه أفاده الشربيني عن التفتازاني مع توضيح وزيادة من الأصل ومحلي جمع الجوامع والعطار وبالجملة فالفرق بين القاعدتين بكون النهي عن العبادة لمجاورها لا يوجب البطلان على مشهور مالك وقولي الشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله تعالى خلافا لابن حنبل وابن حبيب من أصحابنا والنهي عنها لعينها يوجب البطلان اتفاقا وكذا لوصفها عند مالك والشافعي رحمهما الله تعالى لرجوعه إلى النهي عن الذات
306
306
قلت سؤالات حسنة والجواب عنها أني ألتزم الفرق بين الأصل والوصف ولا أسوي كما قالته الحنابلة
ولا يلزمني عقود الرب بسبب أن انتقال الإملاك في المعاوضات يعتمد الرضا لقوله عليه الصلاة والسلام لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه وصاحب الدرهم أو الصاع من البر ما رضي بإخراجه من ملكه إلا مقابلا بدرهمين أو صاعين فإذا أسقطنا أحد الدرهمين أو أحد الصاعين بطل ما حصل به الرضا ونقل الملك بغير رضا لا يجوز ويلزم أيضا نقل الملك بغير عقد فإن متعلق العقد ومقتضاه إنما هو هذا المجموع إما درهم بدرهم فلم يقتضه العقد بل اقتضى عدمه فإن مفهوم قول القائل بعتك درهما بدرهمين أنه لا يبيعه درهما بدرهم وإذا لم يوجد العقد يكون نقل الملك بغير رضا ولا عقد وهو خلاف الإجماع بخلاف الصلاة موجب الأمر بجملته وجد في الصلاة في الدار المغصوبة فإن الآمر بالصلاة لم يشترط فيها عدم الغصب بل حرم الله تعالى الغصب ولم يشترط فيه عدم الصلاة وأوجب الصلاة ولم يشترط فيه عدم الغصب فقد وجد مقتضى الأمر بجملته ومقتضى النهي بجملته فوجب اعتبارهما وأن يترتب على كل واحد منهم مقتضاه كما أن الله تعالى حرم السرقة ولم يشترط فيه عدم الصلاة وأوجب الصلاة ولم يشترط فيها عدم السرقة فإذا سرق في صلاته فقد وجد موجب الأمر بجملته وموجب النهي بجملته فوجب أن يترتب على كل واحد منهما مقتضاه فتبرأ ذمته بالصلاة ونقطعه للسرقة عملا بتحقق السببين فهذا هو الفرق بين العقود ومقتضياتها وبين الأوامر وموجباتها فتأمل ذلك فهو من النظر الجميل والبحث الدقيق
وأما ما ذكرته من
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
بجعل فقد الوصف شرطا خلافا لأبي حنيفة رحمه الله تعالى فلا فرق بينهما عند أبي حنيفة وابن حنبل وابن حبيب من أصحابنا
وإنما الفرق بينهما على مشهور مالك وقول الشافعي فعندهما نذر صوم يوم النحر لا ينعقد ونذر الصلاة في الدار المغصوبة ينعقد لأنهم قالوا إن الصلاة إذا وقعت في الدار المغصوبة تبرئ الذمة وبراءة الذمة بها يقتضي أنها انعقدت قربة لأن الذمة لا تبرأ من الواجب بما ليس واجبا فضلا على أنه ليس بقربة فتكون الصلاة في الدار المغصوبة قربة واجبة من جهة أنها صلاة لا من جهة اشتمالها على الغصب وذلك لأنهما التزما الفرق بين الوصف والمجاور بأن المأمور به المنهي عنه لمجاوره يوجد بفعله موجب الأمر بجملته فإن الأمر بالصلاة لم يشترط فيها عدم الغصب بل أوجبها ولم يشترط عدمه فيها والناهي عن الغصب لم يشترط فيه عدم الصلاة بل حرمه ولم يشترط عدمها فيه فكل من الأمر والنهي وجد مقتضاه بجملته فوجب اعتبارهما وأن يترتب على كل منهما مقتضاه وأن المأمور به المنهي عنه لوصفه لا يوجد بفعله موجب الأمر بجملته لفقد شرطه الذي يتوقف عليه وهو عدم الوصف فصوم يوم العيد مأمور به ومنهي عن إيقاعه في يوم العيد فيكون عدم إيقاعه في يوم العيد شرطا فيه لا يوجد بفعله موجب الأمر إلا بتحققه والتزم التسوية بين العين والوصف كما علمت
والتزم أحمد وابن حبيب التسوية بين الوصف والمجاور وأبو حنيفة الفرق بين العين والوصف فاتضح الفرق وظهر اندفاع ما أورد عليه من أنه إن اعتبر الأصل والوصف وفرق بينهما كما قاله أبو حنيفة لزم الصحة في الصلاة والصوم لأن النهي لأمر
307
307
سقوط الفرق بسبب أنهما قربتان في أنفسهما والنهي إنما جاء من أمر خارجي فأقول ورود النهي عن العبادة الموصوفة يدل على أن العبادة الموصوفة عرية عن المصلحة التي في العبادة التي ليست موصوفة بتلك الصفة والأوامر تتبع المصالح فإذا ذهبت المصلحة ذهب الطلب والأمر وإذا ذهب الطلب لم يبق للصوم قربة وفي الصلاة لم ينه عنها أصلا إنما ورد النهي عن الصفة خاصة التي هي الغصب فبقيت الصلاة على حالها مشتملة على مصلحة الأمر فكان الأمر ثابت فكانت قربة فظهر بهذا التقرير أن صوم يوم النحر والفطر ليس بقربة والصلاة في الدار المغصوبة قربة وبذلك ظهر الفرق بين القاعدتين واندفعت الإشكالات كلها
الفرق الرابع والمائة بين قاعدة أن الفعل متى دار بين الوجوب والندب فعل ومتى دار بين الندب والتحريم ترك تقديما للراجح على المرجوح وبين قاعدة يوم الشك هل هو من رمضان أم لا فإنه يحرم صومه مع أنه إن كان من شعبان فهو مندوب وإن كان من رمضان فهو
هامش أنوار البروق
قال الفرق الرابع والمائة بين قاعدة أن الفعل متى دار بين الوجوب والندب فعل ومتى دار بين التحريم والندب ترك تقديما للراجح على المرجوح وبين قاعدة يوم الشك هل هو من رمضان أو لا فإنه يحرم صومه مع أنه إن كان من شعبان فهو مندوب وإن كان من رمضان فهو واجب فكان ينبغي أن يتعين صومه إلى قوله ويحتاج إلى الفروق القادحة المعتبرة في الموضعين
قلت قوله مع أنه إن كان من شعبان فهو مندوب ليس بمسلم بل هو من شعبان لا على القطع بل
هامش إدرار الشروق
خارجي وهو الزمان والمكان وإن اعتبر الأصل والوصف وسوي بينهما كما قاله أحمد لزم البطلان فيهما وعلى التقديرين يبطل الفرق المذكور فافهم والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الرابع والمائة بين قاعدة أن الفعل متى دار بين الوجوب والندب فعل ومتى دار بين الندب والتحريم ترك تقديما للراجح على المرجوح وبين قاعدة يوم الشك هل هو من رمضان أم لا اعتبر المجتهدون كلا من قاعدة أن الفعل متى دار بين الوجوب والندب فعل وقاعدة أن الفعل متى دار بين الندب والتحريم ترك تقديما للراجح وهو درء المفاسد على المرجوح وهو تحصيل المصالح وذلك لأن التحريم يعتمد المفاسد والوجوب يعتمد المصالح وعناية صاحب الشرع والعقلاء بدرء المفاسد أشد من عنايتهم بتحصيل المصالح ولما لم يصح عند الحنابلة حديث من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم لقول ابن عابدين لا أصل لرفعه وإنما يروى موقوفا على عمار بن ياسر
وأورده البخاري معلقا
308
308
واجب فكان ينبغي أن يتعين صومه وبهذه القاعدة تمسك الحنابلة في صومه على وجه الاحتياط وهو ظاهر من هذه القاعدة ووافقنا الشافعي وأبو حنيفة رضي الله عنهما
وكان ابن عمر رضي الله عنهما يصومه احتياطا لهذه القاعدة ثم إنا ناقضنا قاعدتنا فقلنا من شك في الفجر لا يأكل ويصوم مع أنه شاك في طريان الصوم كما شك أول الشهر في طريان الصوم فيهما سواء فإن قلنا بالصوم في الثاني دون الأول فهو إشكال آخر ويحتاج إلى الفروق القادحة المعتبرة في الموضعين أما الأول فالجواب عنه وهو الفرق المقصود هاهنا أن صوم يوم الشك عندنا دائر بين التحريم والندب فتعين الترك إجماعا على هذا التقدير وإنما قلنا إنه دائر بين التحريم والندب لأن النية الجازمة شرط وهي هاهنا متعذرة وكل قربة بدون شرطها حرام فصوم هذا اليوم حرام فإن كان من رمضان فهو حرام لعدم شرطه وإن كان من شعبان فهو مندوب فقد تبين أنه دائر بين التحريم والندب لا بين الوجوب والندب وهذا هو الفرق
هامش أنوار البروق
على الشك وهو ممنوع الصوم للنهي عنه الوارد في الحديث وعلى هذا الإشكال في قولنا بالمنع من صومه أما على قول الحنابلة فصومه على وجه الاحتياط فجار على قاعدة الفرق المذكور وذلك والله أعلم لعدم صحة الحديث عندهم
هامش إدرار الشروق
بقوله وقال صلة عن عمار من صام إلخ تمسكوا في وجوب صوم يوم الشك احتياطا بأمرين الأول ما أخرجه الشيخان عن عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل هل صمت من سرر شعبان قال لا قال إذا أفطرت فصم يوما مكانه وسرر الشهر بفتح السين وكسرها آخره كذا قال أبو عبيد وجمهور أهل اللغة لاستمرار القمر فيه أي إخفائه وربما كان ليلة أو ليلتين كذا أفاده في حاشية الدرر ا ه من حاشية ابن عابدين
الأمر الثاني القاعدة الأولى لأنه إن كان من رمضان فهو واجب وإن كان من شعبان فهو مندوب ولا تشترط النية الجازمة إلا عند عدم تعذرها قال في الإقناع وشرحه كشاف القناع وإن حال دون منظره أي مطلع الهلال غيم أو قتر أو غيرهما كالدخان ليلة الثلاثين من شعبان لم يجب صومه قبل رؤية هلاله أو إكمال شعبان ثلاثين يوما نصا ولا يثبت بقية توابعه كصلاة التراويح ووجوب الإمساك على من أصبح مفطرا واختاره الشيخ وأصحابه وجمع منهم أبو الخطاب وابن عقيل وذكره في الفائق وصاحب التبصرة وصححه ابن رزين في شرحه والمذهب يجب صومه أي صوم يوم الثلاثين من شعبان إن حال دون مطلعه غيم أو قتر ونحوهما بنية رمضان حكما ظنيا بوجوبه احتياطا لا يقينا
اختاره الخرقي وأكثر شيوخ أصحابنا ونصوص أحمد عليه وهو مذهب عمر وابنه وعمرو بن العاص وأبي هريرة وأنس ومعاوية وعائشة وأسماء بنتي أبي بكر وقاله جمع من التابعين لما روى ابن عمر مرفوعا قال إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فاقدروا له متفق ومعنى فاقدروا له أي ضيقوا لقوله تعالى ومن قدر عليه رزقه أي ضيق وهو أن يجعل شعبان تسعا وعشرين يوما ويجوز أن يكون معناه اقدروا زمانا يطلع في مثله الهلال وهذا الزمان يصح وجوده فيه فاعلموا من طريق الحكم أنه تحت الغيم كقوله
309
309
ومما يدل على تحريمه ما ورد في الحديث من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم
وأما الثاني فالجواب عنه أن رمضان عبادة واحدة وإنما الأكل بالليل رخصة لقوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه والأمر ظاهر في صوم جميع الشهر فالأصل في الليل الصوم وكذلك كان في صدر الإسلام ثم رخص فيه فكان من نام لا يحل له بعد ذلك وطء امرأته حتى نزل قوله تعالى علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر فأباح الله تعالى المفطرات إلى هذه الغاية رخصة وإذا كان الأصل في الليل الصوم ثم استثني منه الليل المتيقن بقي المشكوك فيه على وفق الأصل فلذلك قلنا بوجوب صومه وشعبان الأصل فيه الفطر على عكس ليل رمضان فنفطره حتى نتيقن موجب الصوم فهو عكس ليل الصوم فظهر
هامش أنوار البروق
قال أما الأول فالجواب عنه وهو الفرق المقصود هاهنا إلى قوله فقد عصى أبا القاسم قلت ما قاله من أنه دائر بين التحريم لتعذر النية الجازمة وبين الندب ليس بمسلم من جهة أن
هامش إدرار الشروق
تعالى إلا امرأته قدرناها من الغابرين أي علمناها مع أن بعض المحققين قالوا الشهر أصله تسع وعشرون يؤيده ما رواه أحمد عن إسماعيل عن أيوب عن نافع قال كان عبد الله بن عمر إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يوما بعث من ينظر له فإن رآه فذاك وإن لم يره ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطرا وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائما ولا شك أنه راوي الخبر وأعلم بمعناه فيتعين المصير إليه كما رجع إليه في تفسير خيار المتبايعين يؤكده قول علي وأبي هريرة وعائشة لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان ولأنه يحتاط له ويجب بخبر الواحد ويجزيه صوم يوم الثلاثين حينئذ إن بان منه أي من رمضان بأن تثبت رؤيته بمكان آخر لأن صيامه وقع بنية رمضان قيل للقاضي لا يصح إلا بنية ومع الشك فيها لا يجزم بها فقال لا يمنع التردد فيها للحاجة كالأسير وصلاة من خمس وتصلى التراويح ليلتئذ احتياطا للسنة
قال أحمد القيام قبل الصيام وتثبت بقية توابعه أي الصوم من وجوب كفارة بوطء فيه ونحوه كوجوب الإمساك على من لم يبيت النية لتبعيتها للصوم ما لم يتحقق أنه من شعبان بأن لم ير مع الصحو هلال شوال بعد ثلاثين ليلة من الليلة التي غم فيها هلال رمضان فيتعين أنه لا كفارة بالوطء في ذلك اليوم ولا تثبت بقية الأحكام من حلول الآجال ووقوع المعلقات من طلاق أو عتق وغيرها كانقضاء العدة ومدة الإيلاء عملا بالأصل خولف للنص واحتياطا لعبادة عامة ا ه
ولما صح عند المالكية والأحناف والشافعية وما في الكتب الستة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجل كان يصوم صوما فليصمه وحديث من صام يوم الشك إلخ تمسكوا بذلك في منع صومه من رمضان
قال العلامة ابن عابدين الحنفي المراد من حديث التقدم هو التقدم بصوم رمضان حتى لا يزاد على صوم رمضان كما زاد أهل الكتاب على صومهم وإنما كره تحريما لصورة النهي في حديث
310
310
الجواب والفرق ومن هذا المنزع إذا شك هل صلى ثلاثا أو أربعا فإنه يصليها مع أنها دائرة بين الرابعة الواجبة والخامسة المحرمة وإذا تعارض الواجب والمحرم قدم المحرم لأن التحريم يعتمد المفاسد
والوجوب يعتمد المصالح وعناية صاحب الشرع والعقلاء بدرء
هامش أنوار البروق
لقائل أن يقول ليست النية الجازمة شرطا إلا مع عدم تعذرها وما ذكره لم يأت عليه بحجة فلا يبقى إلا الحديث إن صح
قال وأما الثاني فالجواب عنه أن رمضان عبادة واحدة وإنما الأكل بالليل رخصة إلى قوله فظهر الجواب والفرق
هامش إدرار الشروق
العصيان وهو وإن روي في البخاري موقوفا على عمار بن ياسر إلا أنه في مثله كالمرفوع كما قال الزيلعي وفي الفتح وأخرجه أصحاب السنن الأربعة وغيرهم وصححه الترمذي عن صلة بن زفر قال كنا عند عمار في اليوم الذي يشك فيه فأتى بشاة مصلية فتنحى بعض القوم فقال عمار من صام هذا اليوم فقد عصى أبا القاسم قال في الفتح وكأنه فهم من الرجل المتنحي أنه قصد صومه عن رمضان ا ه
وحديث السرار محمول على صومه استحبابا لا عن رمضان لأنه معارض بحديث التقدم توفيقا بين الأدلة ما أمكن كما أوضحه في الفتح ا ه وفي المختصر وإن غيمت ولم ير فصبيحته يوم شك وصيم عادة وتطوعا وقضاء ولنذر صادف لا احتياطا قال الحطاب يعني أن يوم الشك لا يصام لأجل الاحتياط للنهي عن ذلك وهو ما صححه الترمذي من حديث عمار بن ياسر من صام إلخ ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه ولم يبين المصنف كابن الحاجب هل النهي على الكراهة أو التحريم
قال في التوضيح وظاهر الحديث التحريم وهو ظاهر ما نسبه اللخمي لمالك لأنه قال ومنعه مالك وفي المدونة ولا ينبغي صيام يوم الشك وحملها أبو الحسن على المنع وفي الجلاب يكره صوم يوم الشك
وقال ابن عطاء الله الكافة مجمعون على كراهة صومه احتياطا ا ه ونحوه في ابن فرحون وقال ابن عبد السلام الظاهر أن النهي على التحريم لقوله عصى أبا القاسم ا ه وزاد أبو الحسن عن ابن يونس من الواضحة ومن صامه حوطة ثم علم أن ذلك لا يجوز فليفطر متى ما علم ا ه
ونقله ابن عرفة عن الشيخ بلفظ آخر النهار وقال ابن ناجي في شرح الرسالة وحمل أبو إسحاق المدونة على المنع ا ه وقال الفاكهاني في الرسالة صوم يوم الشك في الحياطة من رمضان مكروه ولا يكره صومه تطوعا وقال بعده فقول المصنف ولا يصام يوم الشك يريد على الكراهة لا على التحريم ا ه ثم قال وقيل يصام احتياطا ولا أعلمه في المذهب ا ه
وخرج اللخمي وجوب صوم يوم الشك من مسألة الشاك في الفجر ومن الحائض إذا جاوزت عادتها ورد عليه ذلك ابن بشير وغيره وبحث في ذلك ابن عرفة فلينظره من أراده ثم قال الفاكهاني وإنما هذا الخلاف إذا كان الغيم أما إذا كانت السماء مصحية فهم متفقون على كراهة صومه احتياطا إذ لا وجه للاحتياط في الصحو ا ه بحذف وتصرف ما
قال ابن الشاط ما معناه فتحريم المالكية ومن وافقهم صومه جار على قاعدة أن كل يوم شك منهي عن صيامه عن رمضان نهي تحريم كما يؤخذ من الحديث ولأن الأصل بقاء الشهر فلا ينتقل عنه بالشك لما روى أبو هريرة مرفوعا صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما متفق عليه وما قيل من أنه جار على قاعدة تعارض الندب والتحريم نظرا لندبه على احتمال كونه من شعبان وتحريمه على
311
311
المفاسد أشد من عنايتهم بتحصيل المصالح وكذلك إذا شك في وضوئه هل هي ثانية أو ثالثة فإنه يتوضأ ثالثة مع دورانها بين الثالثة المندوبة والرابعة المحرمة وهاهنا الترك أظهر من الشك في الصلاة لأن المندوب أخفض رتبة من الواجب
والجواب عن الأول أنه موضع اتفاق فيما علمت بخلاف الوضوء لأن التحريم في الخامسة مشروط بتيقن الرابعة أو ظنها ولم يحصل ذلك فلم يحصل التحريم بل
هامش أنوار البروق
قلت ليس ما قاله من أن الأصل في الليل الصوم بصحيح وإنما كان الممنوع بالليل الأكل والوطء بعد النوم خاصة أما غير ذلك وهو ما قبل فلا ثم إن جوابه معارض للنص في قوله تعالى وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر فنص على أن الغاية تبين الفجر وما رأى المالكية ومن قال بقولهم في وجوب إمساك جزء من الليل ذهبوا إلى مخالفة الآية عملا بالاحتياط بل حملوا الآية على المراقب للفجر وهو قليل في مجرى العادة فأطلقوا القول بناء
هامش إدرار الشروق
احتمال كونه من رمضان من حيث إن كل قربة بدون شرطها حرام والنية الجازمة شرط لصومه من رمضان وهي هاهنا متعذرة فليس بشيء لأن كونه من شعبان لا على القطع لا يقتضي ندبه بل تحريمه للحديث كما علمت والنية الجازمة ليست شرطا إلا مع عدم تعذرها ا ه بزيادة
وأطلق المالكية ومن وافقهم القول بوجوب إمساك جزء من الليل وأن من شك في الفجر لا يأكل ويصوم مع أن الشك في الفجر مساو للشك في أول الشهر بوجهيه ألا ترى أن كلا منهما شك في طريان الصوم وأن الأصل كما أنه هناك بقاء الشهر فلا ينتقل عنه بالشك كذلك هو هنا بقاء الليل فلا ينتقل عنه بالشك
وأما منع الأكل والوطء في صدر الإسلام فإنما كان بعد النوم خاصة أما قبله فلا على أنه قد رخص فيه بقوله تعالى علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر فأباح الله تعالى المفطرات إلى هذه الغاية كما أباحها إلى غاية رؤية الهلال أو إكمال شعبان ثلاثين يوما حتى إن اللخمي خرج وجوب صوم يوم الشك من مسألة الشاك في الفجر ومن الحائض إذا جاوزت عادتها كما في كلام الحطاب المتقدم إلا أنهم لم يذهبوا في مسألة الشاك في الفجر إلى مخالفة الآية عملا بالاحتياط حتى يصح تخريج اللخمي مسألة وجوب صوم يوم الشك منها بل إنما ذهبوا إلى حمل الآية على المراقب للفجر وهو قليل في مجرى العادة فبنوا قولهم بوجوب الصوم بجزء من الليل على الشاك في الفجر بناء على الغالب وهو عدم المراقبة كما قاله ابن الشاط ثم إن المالكية وإن قالوا في مسألة ما إذا شك هل صلى ثلاثا أو أربعا أنه يصليها مع أنها دائرة بين الرابعة الواجبة والخامسة المحرمة
والمحرم يقدم على الواجب عند تعارضهما كما يقدم على المندوب عند تعارضهما لاتحاد علة تقديمه على كل منهما ضرورة أن اعتماد المصالح مشترك بين المندوب والواجب نعم الترك للمندوب أظهر لكونه أخفض رتبة من الواجب وقالوا في مسألة ما إذا شك في وضوئه هل هي ثانية أو ثالثة أنه يتوضأ ثالثة مع دورانها بين الثالثة المندوبة والرابعة المحرمة إلا أنهم إنما قالوا بذلك في المسألتين لأن التحريم في الخامسة مشروط في الصلاة بتيقن الرابعة أو ظنها ولم يحصل ذلك فلم يحصل التحريم بل استصحب الوجوب من الدليل الدال على وجوب الأربع وهو الإجماع والنصوص والتحريم في الرابعة مشروط في الوضوء
312
312
استصحب الوجوب من الدليل الدال على وجوب الأربع وهو الإجماع والنصوص
وأما التحريم في الوضوء في الرابعة فمشروط أيضا بتيقن الثالثة أو ظنها ولم يحصل فاستصحب الندب الناشئ عن الدليل الدال على الثلاث وهو فعله صلى الله عليه وسلم وقوله في ذلك فهذه قواعد في العبادات ينبغي الإحاطة بها لئلا تضطرب القواعد وتظلم على طالب العلم
الفرق الخامس والمائة بين قاعدة صوم رمضان وست من شوال وبين قاعدة صومه وصوم خمس أو سبع من شوال
اعلم أنه قد ورد في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من صام رمضان
هامش أنوار البروق
على الغالب وهو عدم المراقبة والله أعلم
وما قاله في الجواب عن السؤال بعد هذا صحيح والله أعلم قال
الفرق الخامس والمائة بين قاعدة صوم رمضان وست من شوال وبين قاعدة صومه وصوم خمس أو سبع من شوال
قلت جميع ما قاله فيه صحيح إلا ما قاله في جواب السؤال الثاني من أن تخصيص شوال رفق بالمكلف وسد للذريعة فإن ذلك ليس بالقوي وإلا ما قاله في تأويل ذكر ستة أيام من أنه لكون الستة عددا تاما فإن ذلك ليس بالقوي أيضا والله أعلم وما قاله في الفرقين بعد هذا صحيح
هامش إدرار الشروق
أيضا بتيقن الثالثة أو ظنها ولم يحصل فاستصحب الندب الناشئ عن الدليل الدال على الثلاث وهو فعله صلى الله عليه وسلم وقوله في ذلك فلم يكن في قولهم بذلك فيهما مخالفة لقاعدة تعارض الوجوب أو الندب مع التحريم فافهم
فهذه قواعد في العبادات ينبغي الإحاطة بها لئلا تضطرب القواعد وتظلم على طالب العلم
والله سبحانه وتعالى أعلم
قال
الفرق الخامس والمائة بين قاعدة صوم رمضان وست من شوال وبين قاعدة صومه وصوم خمس أو سبع من شوال
قلت جميع ما قاله فيه صحيح إلا ما قاله في جواب السؤال الثاني من أن تخصيص شوال رفق بالمكلف وسد للذريعة فإن ذلك ليس بالقوي وإلا ما قاله في تأويل ذكر ستة أيام من أنه لكون الستة عددا تاما فإن ذلك ليس بالقوي أيضا والله أعلم وما قاله في الفرقين بعد هذا صحيح
الفرق الخامس والمائة بين قاعدة صوم رمضان وست من شوال وبين قاعدة صومه وصوم خمس أو سبع من شوال وذلك أن معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر هو أن من صام من هذه الأمة رمضان وستة أيام من شوال يشبه من صام سنة من غير هذه الأمة خمسة أسداسها فرض وسدسها نفل لقوله تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها فإن معناه أن من جاء من هذه الأمة بحسنة فله عشر أمثال المثوبة التي كانت تحصل لمن كان قبلها من الأمم فإن تضعيف الحسنات إلى عشرة من خصائص هذه الأمة وحينئذ فيصير صائم رمضان منهم كصائم عشرة أشهر من غيرهم وصائم ستة بعده منهم كصائم شهرين من غيرهم فيكون صائم المجموع منهم كصائم سنة من غيرهم سدسها فقط نفل وباقي أسداسها فرض فإذا تكرر ذلك من صائمه منهم كان كصائم جميع العمر من غيرهم خمسة أسداسه فرض وسدسه نفل فالمراد بالدهر عمره فبإتباع رمضان بستة
313
313
وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر فورد في هذا الحديث مباحث للفضلاء وإشكالات للنبهاء وقواعد فقهية ومعان شريفة عربية
الأول لم قال صلى الله عليه وسلم بست ولم يقل بستة والأصل في الصوم إنما هو الأيام دون الليالي واليوم مذكر والعرب إذا عدت المذكر أنثت عدده فكان اللازم في هذا اللفظ أن يكون مؤنثا لأنه عدد مذكر كما قال الله تعالى سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما أنث مع المذكر وذكر مع المؤنث
الثاني لم قال من شوال وهل لشوال مزية على غيره من الشهور أم لا
الثالث لم قال بست وهل للست مزية على الخمس أو السبع أم لا
الرابع قوله صلى الله عليه وسلم فكأنما صام الدهر شبه صوم شهر وستة أيام بصوم الدهر مع أن القاعدة العربية أن التشبيه يعتمد المساواة أو للتقريب وأين شهر وستة أيام من صوم الدهر بل أين هو من صوم سنة فإنه لم يصل إلى السدس ونحن نعلم بالضرورة من الشريعة أن من عمل عملا صالحا وعمل الآخر قدره مرتين لا يحسن التشبيه بينهما فضلا عن أن يعمل مثله ست مرات ولا يقال إن من صام يوما يشبه من صام يومين في الأجر ولا من تصدق بدرهم يشبه من تصدق بدرهمين في الأجر فضلا عمن تصدق بستة دراهم فإن ذلك يوهم التسوية بين ستة دراهم ودرهم ولا مساواة بينهما فيبعد التشبيه
الخامس هل لنا فرق بين قوله صلى الله عليه وسلم فكأنما صام الدهر وبين قوله فكأنه صام الدهر فإن ما هنا كافة لكأن عن العمل فدخلت لذلك على الفعل ولو لم تدخل ما لدخل كأن على الاسم فهل بين ذلك فرق أم لا
السادس أن التشبيه بين هذا الصوم وصوم الدهر كيف كان صوم الدهر أو على
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
أيام من شوال مع التضعيف في هذه الملة حسن التشبيه بصيام الدهر من غيرها لكن بنسبة أن خمسة أسداسه فرض وسدسه نفل فلا يحصل التشبيه الحقيقي بالمساواة بين الطرفين إلا بأحد أمرين الأول بالست لا بالسبع لأن السبع بالتضعيف سبعون يوما وهي زائدة عن الشهرين وتشبيه الأعلى بالأدنى باطل ولو زاد على السبع لكان أولى بالبطلان ولا بالخمس لأن الخمس بالتضعيف خمسون وهي ناقصة عن الشهرين وكذلك ما دون الخمس وتشبيه الأدنى بالأعلى وإن كان جائزا إجماعا إلا أنه مع المساواة أحسن منه مع عدمها فقاعدة الست مباينة لقاعدة السبع فما فوقها والخمس فما دونها
الأمر الثاني أن يكون صوم الدهر على حال مخصوصة بأن يكون نسبة الستة المقدرة في غير هذه الملة خمسة أسداسها فرض وسدسها وهو الشهران الناشئان عن الستة أيام نفل ومن التشبيه مع المساواة قوله صلى الله عليه وسلم لما آلمته رجله فمدها بين أصحابه فقال أي شيء تشبه هذه فأشكل ذلك على الصحابة رضوان الله عليهم أي شيء يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم فمد رجله الأخرى وقال هذه فكان ذلك من بسطه صلى الله عليه وسلم وتأنيسه مع أصحابه وكراهة أن يمد رجله بينهم إلا لعذر فأظهر هذا السؤال عذرا وذلك لأن التفاوت بين الرجلين بعيد جدا فظهر الفرق بين
314
314
حالة مخصوصة ووضع مخصوص
السابع هل بين هذه الستة الأيام الواقعة في الحديث وبين الستة الأيام الواقعة في الآية في قوله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام فرق أم لا فرق والحكمة في ذلك واحدة
والجواب عن الأول أنه صلى الله عليه وسلم إنما قال بست ولم يقل بستة لأن عادة العرب تغليب الليالي على الأيام فمتى أرادوا عد الأيام عدوا الليالي وتكون الأيام هي المرادة ولذلك قال تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ولم يقل وعشرة مع أنها عشرة أيام فذكرها بغير هاء التأنيث قال الزمخشري ولو قيل عشرة لكان لحنا ومنه قوله تعالى إن لبثتم إلا عشرا نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما قال العلماء يدل الكلام الأخير وهو قوله تعالى إلا يوما على أن المعدود الأول أيام فكذلك ههنا أتت العبارة بصيغة التذكير الذي هو شأن الليالي والمراد الأيام مثل هذه الآيات
وعن الثاني أنه صلى الله عليه وسلم إنما قال من شوال عند المالكية رفقا بالمكلف لأنه حديث عهد بالصوم فيكون عليه أسهل وتأخيرها عن رمضان أفضل عندهم لئلا يتطاول الزمان فيلحق برمضان عند الجهال قال لي الشيخ زكي الدين عبد العظيم المحدث رحمه الله تعالى إن الذي خشي منه مالك رحمه الله تعالى قد وقع بالعجم فصاروا يتركون المسحرين على عادتهم والقوانين وشعائر رمضان إلى آخر الستة الأيام فحينئذ يظهرون شعائر العيد ويؤيد سد هذه الذريعة ما رواه أبو داود أن رجلا دخل إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الفرض وقام ليتنفل عقب فرضه وهنالك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب رضي الله عنه فقام إليه عمر بن الخطاب
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
القاعدتين وبانت مزية الست على الخمس أو السبع وأن التشبيه في الحديث جار على قاعدة العرب في كون التشبيه يعتمد المساواة أو التقريب وقال صلى الله عليه وسلم بست ولم يقل بستة مع أن الأصل في الصوم إنما هو الأيام دون الليالي واليوم مذكر وقاعدة العرب ما في قوله في الخلاصة ثلاثة بالتاء قل للعشره في عد ما آحاده مذكره لأن عادة العرب تغليب الليالي على الأيام فمتى أرادوا عد الأيام عدوا الليالي ومرادهم الأيام ولذلك قال تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ولم يقل وعشرة مع أنها عشرة أيام قال الزمخشري ولو قيل عشرة لكان لحنا ومنه قوله تعالى إن لبثتم إلا عشرا نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما قال العلماء يدل الكلام الأخير وهو قوله تعالى إلا يوما على أن المعدود الأول أيام وللمالكية وغيرهم في قوله صلى الله عليه وسلم من شوال أقوال الأول لابن العربي في الأحكام أنه على جهة التمثيل والمراد أن صيام رمضان بعشرة أشهر وصيام ستة أيام بشهرين وذلك المذهب فلو كانت من غير شوال لكان الحكم فيها كذلك
315
315
رضي الله عنه فقال له اجلس حتى تفصل بين فرضك ونفلك فبهذا هلك من كان قبلنا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أصاب الله بك يا ابن الخطاب ومقصود عمر رضي الله عنه أن اتصال النفل بالفرض إذا حصل معه التمادي اعتقد الجهال أن ذلك النفل من ذلك الفرض ولذلك شاع عند عوام مصر أن الصبح ركعتان إلا في يوم الجمعة فإنه ثلاث ركعات لأنهم يرون الإمام يواظب على قراءة السجدة يوم الجمعة ويسجد فيعتقدون أن تلك ركعة أخرى واجبة وسد هذه الذرائع متعين في الدين وكان مالك رحمه الله شديد المبالغة فيها
وقال الشافعية رحمهم الله خصوص شوال مراد لما فيه من المبادرة للعبادة والاستباق إليها لقوله عز وجل فاستبقوا الخيرات و وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ولظاهر لفظ الحديث ومن ساعده الظاهر فهو أولى وجوابهم ما تقدم من سد الذريعة وعن الثالث أن مزية الست على السبع أو الخمس تظهر بتقرير معنى الستة وذلك أن شهرا بعشرة أشهر وستة أيام بستين يوما لأن الحسنة بعشرة والستون يوما بشهرين وشهران مع عشرة أشهر سنة كاملة فمن فعل ذلك في سنة هو بمنزلة من صام تلك السنة لتحصيله اثني عشر شهرا فإذا تكرر ذلك منه في جميع عمره كان كمن صام الدهر والمراد بالدهر عمره إلى آخره فلو قال سبعا لكان ذلك سبعين يوما وكان أزيد من شهرين فيكون أكثر من صيام الدهر وأعلى والأعلى لا يشبه بالأدنى فكان يبطل التشبيه ولو زاد على السبع لكان أولى بالبطلان ولو قال خمسا لكانت بخمسين يوما فينقص عن الشهرين فلا يحصل التشبيه الحقيقي وكذلك لو نقص أكثر من الخمس فظهر أن قاعدة الست مباينة للسبع فما فوقها وقاعدة الخمس فما دونها وهو كان المقصود بهذا الفرق وبقية الأسئلة تبع وزيادة في الفائدة والمنافاة في السبع فما فوقها أشد من المنافاة في الخمس فما دونها
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
قال وهذا من بديع النظر فاعلموه ا ه القول الثاني لابن المبارك واللخمي والشافعي أنه على جهة التعيين من أوله وأن خصوص شوال مراد لما فيه من المبادرة للعبادة والاستباق إليها لقوله عز وجل فاستبقوا الخيرات وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ولظاهر لفظ الحديث ومن ساعده الظاهر فهو أولى قال في العارضة ولست أراه لما سيأتي من سد الذريعة ولو علمت من يصومها أول الشهر وملكت الأمر آذيته وشددت عليه لأن أهل الكتاب غيروا دينهم ا ه القول الثالث لجمهور أصحابنا أنه على جهة التعيين أيضا إلا أن صومها بأول شوال متصلة متتابعة مكروه جدا لأن الناس صاروا يقولون تشييع رمضان وكما لا يتقدم لا يشيع فصومها من غيره أفضل من أوسطه ومن أوسطه أفضل من أوله وهذا بين وهو أحوط للشريعة وأذهب للبدعة كما في العارضة وفي الذخيرة استحب مالك صيام الست في غير شوال خوفا من إلحاقها برمضان عند الجهال وإنما عينه الشرع من شوال للتخفيف على المكلف لقربه من الصوم وإلا فالمقصود حاصل في غيره فيشرع للتأخير
316
316
لأن تشبيه الأعلى بالأدنى منكر مطلقا وأما الأدنى بالأعلى فجائز إجماعا
غير أنه مع المساواة أحسن كما قال صلى الله عليه وسلم لما آلمته رجله فمدها بين أصحابه فقال أي شيء تشبه هذه فأشكل ذلك على الصحابة رضوان الله عليهم أي شيء يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم فمد رجله الأخرى وقال هذه فكان ذلك من بسطه صلى الله عليه وسلم وتأنيسه مع أصحابه وكراهة أن يمد رجله بينهم إلا لعذر فأظهر هذا السؤال عذرا وذكر التشبيه مع المساواة فإن التفاوت بين الرجلين بعيد جدا
وعن الرابع أن صائم سنة لا يشبه عند الله تعالى من صام شهرا وستة أيام وإنما معنى هذا الحديث أن من صام رمضان من هذه الأمة وستة أيام من شوال يشبه من صام سنة من غير هذه الملة لأن معنى قوله تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها أي له عشر مثوبات أمثال المثوبة التي كانت تحصل لعامل من غير هذه الأمة فإن تضعيف الحسنات إلى عشر من خصائص هذه الأمة وإذا كان معنى قوله عشر أمثالها أمثال المثوبة التي كانت تحصل لمن كان قبلنا فيصير صائم رمضان كصائم عشرة أشهر من غير هذه الملة وصائم ستة بعده كصائم شهرين من غير هذه الملة فصائم المجموع كصائم سنة من غير هذه الملة فإذا تكرر ذلك منه كان كصائم جميع العمر من غير هذه الملة فهذا تشبيه حسن وما شبه إلا المثل بالمثل لا المخالف بالمخالف بل المثل المحقق من غير زيادة ولا نقصان فاندفع الإشكال
وعن الخامس أنه لو قال صلى الله عليه وسلم فكأنه صام الدهر لكان بعيدا عن المقصود فإن المقصود تشبيه الصيام في هذه الملة إذا وقع على الوضع المخصوص بالصيام في غير هذه الملة لا تشبيه الصائم بغيره فلو قال فكأنه لكانت أداة التشبيه داخلة على الصائم وكان يلزم أن يكون هو محل التشبيه لا الصوم
والمقصود تشبيه الفعل بالفعل لا الفاعل بالفاعل وإذا قال فكأنما وكفت ما دخلت أداة التشبيه على الفعل نفسه ووقع التشبيه بين الفعل والفعل باعتبار الملتين وهو المقصود بالتشبيه لتنبيه السامع
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
جمعا بين المصلحتين ا ه
وفي التوضيح عن الجواهر لو صامها في عشر ذي الحجة لكان أحسن لحصول المقصود مع حيازة فضل الأيام المذكورة والسلامة مما اتقاه مالك ا ه ومثله للشبيني ويوضحه قول الأصل إنما قال من شوال عند المالكية رفقا بالمكلف لأنه حديث عهد بالصوم فيكون عليه أسهل وتأخيرها عن رمضان أفضل عندهم لئلا يتطاول الزمان فيلحق برمضان عند الجهال قال لي الشيخ زكي الدين عبد العظيم المحدث رحمه الله تعالى إن الذي خشي منه مالك رحمه الله تعالى قد وقع بالعجم فصاروا يتركون المسحرين على عادتهم والقوانين وشعائر رمضان إلى آخر الستة أيام فحينئذ يظهرون شعائر العيد ويؤيد سد هذه الذريعة ما رواه أبو داود أن رجلا دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الفرض وقام ليتنفل عقب فرضه وهناك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب رضي الله عنه فقام إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال له اجلس حتى تفصل بين فرضك ونفلك فبهذا هلك من كان قبلنا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أصاب الله بك يا ابن الخطاب ومقصود عمر رضي الله عنه أن اتصال التنفل بالفرض إذا حصل معه التمادي اعتقد الجهال أن ذلك النفل من ذلك الفرض ولذلك شاع عند عوام مصر أن الصبح ركعتان
317
317
لقدر الفعل وعظمته فتتوفر رغبته فيه فهذا هو المرجح لقوله فكأنما على فكأنه
وعن السادس أن المراد صوم الدهر على حالة مخصوصة لا الدهر كيف كان وذلك أن صوم رمضان واجب وصوم الست مندوب فيكون نسبة الستة المقدرة في غير هذه الملة خمسة أسداسها فرض وسدسها وهو الشهران الناشئان عن الستة الأيام مندوبة ويكون معنى الكلام فكأنما صام الدهر خمسة أسداسه فرض وسدسه نفل وليس المراد صوم الدهر كله فرض ولا كله نفل ولا البعض فرض والبعض نفل على غير النسبة التي ذكرتها بل يتعين ما ذكرته تحقيقا للتشبيه ولما دل عليه الدليل من فرضية رمضان وندبية الست فلو كان الجميع مندوبا لقلنا المراد بالدهر صومه مندوبا ولو كان الجميع فرضا لقلنا المراد بالدهر جميعه فرضا ولو قال صلى الله عليه وسلم من صام ستة أيام بعد رمضان فكأنما صام شهرين لقلنا هما شهران مندوبان وكذلك نقول في قوله تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها أي من جاء بالمندوبات فله عشر أمثال هذا المندوب أن لو فعله أحد من غير هذه الملة ومن جاء بالفرض من هذه الملة فله مثوبات عشر كل واحدة منها مثوبة هذا الفرض أن لو فعله أحد من غير هذه الملة وكذلك نقول في جميع رتب الواجبات والمندوبات وإن علت فظهر أن التشبيه إنما وقع على وجه خاص
وعن السابع أن الست في هذا الحديث قد تقدمت حكمتها وهي كونها شهرين فتكمل السنة بها من غير زيادة ولا نقصان وأن هذا الحكم لا يحصل بما فوقها من العدد ولا بما دونها من العدد
وأما الستة في الآية فقال بعض الفضلاء الأعداد ثلاثة أقسام عدد تام وعدد زائد وعدد ناقص فالعدد التام هو الذي إذا جمعت أجزاؤه انقام منها ذلك العدد كالستة فإن أجزاءها النصف وهو ثلاثة والثلث اثنان والسدس واحد فلا جزء لها غير هذه ومجموعها ست وهو أصل العدد من غير زيادة ولا
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
إلا في يوم الجمعة فإنه ثلاث ركعات لأنهم يرون الإمام يواظب على قراءة السجدة يوم الجمعة ويسجد فيعتقدون أن تلك ركعة أخرى واجبة وسد هذه الذرائع متعين في الدين وكان مالك رحمه الله شديد المبالغة فيها ا ه وخلاصة هذا القول أن تخصيص شوال رفق بالمكلف فيشرع التأخير لسد الذريعة جمعا بين المصلحتين قال ابن الشاط وهذا ليس بالقوي ا ه
القول الرابع للمازري عن بعض الشيوخ أن خصوص شوال وإن كان مرادا للمبادرة للعبادة كما هو ظاهر الحديث إلا أن الحديث لعله لم يبلغ مالكا رحمه الله تعالى فكره صيامها من شوال ولما كان مقصوده صلى الله عليه وسلم تشبيه الصيام في هذه الملة إذا وقع على الوضع المخصوص بالصيام في غير هذه الملة لا تشبيه الصائم بغيره قال فكأنما ولم يقل فكأنه فأدخل كأن الدالة على التشبيه مكفوفة بما على الفعل نفسه وأوقع التشبيه بين الفعل والفعل باعتبار الملتين لتنبيه السامع لقدر الفعل وعظمته فتتوفر رغبته فيه قيل والفرق بين الستة أيام الواقعة في الحديث والستة أيام الواقعة في قوله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام هي كون الحكمة فيها في الحديث أمرين أحدهما كونها شهرين فتكمل الستة
318
318
نقصان والأربعة لها نصف وربع خاصة ومجموعها ثلاثة فلم يحصل ذلك العدد فالأربعة عدد ناقص والعشرة لها نصف وهو خمسة وخمس وهو اثنان وعشر وهو واحد ومجموعها ثمانية فهو عدد ناقص والاثنا عشر لها نصف وهو ستة وثلث وهو أربعة وسدس وهو اثنان ونصف سدس وهو واحد ومجموعها ثلاثة عشر فهو عدد زائد والمقصود من الأجزاء أن تكون بغير كسر في هذه الطريقة فالعدد الناقص عندهم كآدمي خلق بغير يد أو عضو من أعضائه فهو معيب والعدد الزائد أيضا معيب لأنه كإنسان خلق بإصبع زائدة والعدد التام كإنسان خلق خلقا سويا من غير زيادة ولا نقص وهو عندهم أفضل الأعداد كما أن الإنسان السوي أفضل الآدميين خلقا وإذا تقرر أن الستة عدد تام محمود فهو أول الأعداد التامة فلذلك ذكر لتمامه ولأنه أولها وذكره الله تعالى في قوله خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان المقصود تنبيه العباد على أن الإنسان مع القدرة على التعجيل ينبغي أن يكون فيه أناة فما دخل الرفق في شيء إلا زانه ولا فقد من شيء إلا شانه قال عليه الصلاة والسلام لأشج عبد القيس إن فيك لخصلتين يحبهما الله الحلم والأناة وهذا المعنى يحصل بذكر العدد كيف كان لكن يرجح هذا بأنه أول عدد يكون تاما ووقع في الحديث لغير هذا الغرض كما تقدم فالبابان مختلفان
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
بها من غير زيادة ولا نقصان بخلاف ما فوقها وما تحتها وثانيهما كونها أول الأعداد التامة فهو لتمامه ولأنه أولها عندهم أفضل الأعداد كما أن الإنسان السوي الذي لا زيادة في أعضائه ولا نقص أفضل الآدميين خلقا وذلك أن بعض الفضلاء قال الأعداد ثلاثة أقسام عدد تام وهو الذي إذا جمعت أجزاؤه المنطقة انقام منها ذلك العدد من غير زيادة ولا نقصان كالستة أجزاؤها النصف ثلاثة والثلث اثنان والسدس واحد ولا جزء لها غير هذه ومجموعها ست
وعدد ناقص وهو الذي إذا جمعت أجزاؤه المنطقة لم يحصل منها ذلك العدد بل أنقص منه كالأربعة أجزاؤها النصف اثنان والربع واحد ولا جزء لها غيرهما ومجموعهما ثلاثة أقل من الأربعة
وعدد زائد وهو الذي إذا جمعت أجزاؤه المنطقة حصل عدد زائد عنه كالاثني عشر أجزاؤها النصف ستة والثلث أربعة والسدس اثنان ونصف السدس واحد ومجموعها ثلاثة عشر وهو زائد على الاثني عشر بواحد والتام عندهم أفضل الأعداد كما أن الإنسان السوي أفضل الآدميين خلقا والناقص معيب لأنه كآدمي خلق بغير يد أو عضو من أعضائه والزائد معيب لأنه كآدمي خلق بأصبع زائدة وليس للستة في الآية إلا الأمر الثاني وهو أنها أول الأعداد التامة
وأما كون المقصود بذكرها التنبيه للعباد على أن الإنسان مع القدرة على التعجيل ينبغي أن يكون فيه أناة فما دخل الرفق في شيء إلا زانه ولا فقد من شيء إلا شانه قال عليه الصلاة والسلام لأشج عبد القيس إن فيك لخصلتين يحبهما الله الحلم والأناة فهذا المعنى يحصل بذكر العدد كيف كان ا ه قال ابن الشاط وهو ليس بالقوي ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم

319
319
الفرق السادس والمائة بين قاعدة العروض تحمل على القنية حتى ينوي التجارة وقاعدة ما كان أصله منها للتجارة
هاتان قاعدتان في المذهب مختلفتان ينبغي بيان الفرق بينهما والسر فيهما فوقع لمالك في المدونة إذا ابتاع عبدا للتجارة فكاتبه فعجز أو ارتجع من مفلس سلعة أو أخذ من غريمه عبدا في دينه أو دارا فأجرها سنين رجع جميع ذلك لحكم أصله من التجارة فإن كان للتجارة لا يبطل إلا بنية القنية والعبد المأخوذ ينزل منزلة أصله قال سند في شرح المدونة فلو ابتاع الدار بقصد الغلة ففي استئناف الحول بعد البيع لمالك روايتان ولو ابتاعها للتجارة والسكنى فلمالك أيضا قولان مراعاة لقصد التنمية بالغلة والتجارة أو التغليب للنية في القنية على نية التنمية لأنه الأصل في العروض فإن اشترى ولا نية له فهي للقنية لأنه الأصل فيها والفرق بين هاتين القاعدتين يقع ببيان قاعدة ثالثة شرعية عامة في هذا الموطن وغيره وهي أن كل ما له ظاهر فهو ينصرف إلى ظاهره إلا عند قيام المعارض أو الراجح لذلك الظاهر وكل ما ليس له ظاهر لا يترجح أحد محتملاته إلا بمرجح شرعي ولذلك انصرفت العقود المطلقة إلى النقود الغالبة في زمان ذلك العقد لأنها ظاهرة فيها وإذا وكل إنسان إنسانا فتصرف الوكيل بغير نية في تخصيص ذلك التصرف بالموكل فإن ذلك التصرف من بيع وغيره ينصرف للمتصرف الوكيل دون موكله لأن الغالب على تصرفاته أنها لنفسه وكذلك تصرفات المسلمين إذا أطلقت ولم تقيد بما يقتضي حلها ولا تحريمها فإنها تنصرف للتصرفات المباحة دون المحرمة لأنه ظاهر حال المسلمين ولذلك تنصرف العقود والأعواض إلى المنفعة المقصودة من العين عرفا لأنه ظاهرها ولا يحتاج إلى التصريح بها كمن استأجر قدوما فإنه
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الفرق السادس والمائة بين قاعدة العروض تحمل على القنية حتى ينوي التجارة وقاعدة ما كان أصله منها للتجارة
يتخرج الفرق بين قاعدتي عروض القنية وعروض التجارة على القاعدة الشرعية العامة في هذا الموطن وغيره وهي أن كل ما له ظاهر فهو ينصرف إلى ظاهره إلا عند قيام المعارض الراجح لذلك الظاهر وكل ما ليس له ظاهر لا يترجح أحد محتملاته إلا بمرجح شرعي وذلك أن العروض لما كان الأصل فيها والغالب أن تكون للقنية كانت ظاهرة في القنية فتصرف إليه إذا لم يقم معارض راجح لذلك الظاهر كما إذا اشترى عروضا كعبد أو دار ولا نية له فهي للقنية إذ لا معارض وتصرف إلى معارضه الراجح عند قيامه ففي المدونة إذا ابتاع عبدا للتجارة فكاتبه فعجز أو ارتجع من مفلس سلعة أو أخذ من غريمه عبدا في دينه أو دارا فأجرها سنين رجع جميع ذلك لحكم أصله من التجارة فإن ما كان للتجارة لا يبطل إلا بنية القنية فالعبد المأخوذ ونحوه ينزل منزلة أصله قال سند في شرح المدونة فلو ابتاع الدار
320
320
ينصرف إلى النجر لأنه ظاهر حاله دون العزاق وعجن الطين ومن استأجر عمامة فإنه ينصرف إلى الاستعمال في الرءوس دون الأوساط لأنه ظاهر حالها وكذلك القميص ينصرف إلى اللبس وكل آلة تنصرف إلى ظاهر حالها عند الإطلاق ولا يحتاج المتعاقدان
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
بقصد الغلة ففي استئناف الحول بعد البيع روايتان لمالك ولو ابتاعها للتجارة والسكنى فلمالك أيضا قولان أي بالاستئناف للحول بعد البيع مراعاة لقصد التنمية بالغلة والتجارة وعدم الاستئناف له بعده تغليبا للنية في القنية على نية التنمية لأنه الأصل في العروض وفي شرح المنتقى للباجي على الموطإ والأموال على ضربين أحدهما مال أصله التجارة كالذهب والفضة فهذا على حكم التجارة حتى ينتقل عنه إلى القنية ولا ينتقل عنه إليها إلا بالنية والعمل والعمل المؤثر في ذلك الصياغة
وثانيهما مال أصله القنية كالعروض والثياب وسائر الحيوان والأطعمة فهذا على حكم القنية حتى ينتقل عنه إلى التجارة ولا ينتقل عنه إليها إلا بالنية والعمل والعمل المؤثر في ذلك الابتياع ا ه بتصرف ثم قال ما معناه والابتياع نوعان أحدهما التقليب على وجه الادخار وانتظار الأسواق فهذا لا زكاة على رب المال فيه وإن أقام أعواما حتى يبيع فيزكي لعام واحد
الثاني التقليب في كل وقت من غير انتظار سوق كفعل أرباب الحوانيت المديرين فهذا فيه الزكاة على رب المال في كل عام على شروط أحدها أن يقوم العرض في رأس الحول من يوم كان زكى المال قبل أن يديره أو من يوم أفاده
والثاني أن يكون التقويم قيمة عدل بما تساوي العرض حين تقويمها
والثالث أن يكون على البيع المعروف دون بيع الضرورة
والرابع أن تبلغ قيمته مع ما يحسبه من عينه ونقده حيث كان بيعه في أكثر من عامه بالعين مما تجب فيه الزكاة فيزكيه بأن يخرج في العشرين دينارا نصف دينار وما زاد فبحسابه وإن لم يبلغ الجميع عشرين دينارا بأن نقص ولو قل من ثلث دينار فلا زكاة ا ه
وفي عبق مع المتن ما خلاصته وإنما يزكي عوض عرض أي قيمته في المدير حيث قوم وثمنه حيث باع كالمحتكر بستة شروط أشار
لأولها بقوله لا زكاة في عينه فخرج ما في عينه زكاة كماشية وحرث وحلي
ولثانيها بقوله ملك بمعاوضة عليه مالية فخرج نحو الموهوب ونحو المملوك بخلع
ولثالثها بقوله وكان مصحوبا بنية تجر منفردة أو مع نية غلة كنية كرائه عند شرائه وإن وجد ربحا باع أو مع نية قنية كنية انتفاع بوطء أو خدمة عند نية بيعه إن وجد ربحا وأو لمنع الخلو لأن انضمامهما لنية التجر كانضمام أحدهما له على المختار والمرجح بلا نية فلا زكاة لأن الأصل في العرض القنية أو مع نية قنية فقط فلا زكاة اتفاقا أو نية غلة فقط كشرائه بنية كرائه فلا زكاة كما رجع إليه مالك خلافا لاختيار اللخمي الزكاة فيه قائلا لا فرق بين التماس الربح من رقاب أو منافع أو نيتهما أي القنية والغلة فلا زكاة على مذهب من أسقط الزكاة من المغتل أما عند من يوجبها في المغتل فيجتمع ههنا موجب ومسقط فقد يختلف قوله إلا أن يراعى الخلاف

321
321
إلى التصريح بذلك بل يكفي ظاهر الحال وكذلك استئجار دواب الحمل ينصرف عقد الإجارة فيها للحمل دون الركوب وعكسه دواب الركوب ويكتفى في جميع ذلك بظاهر حال المعقود عليه واحتاجت العبادات للنيات لترددها بين العبادات والعادات وترددها أيضا بين رتبها الخاصة بها كالفريضة والتطوع والنذور والكفارات والقضاء والأداء وغير ذلك كما احتاجت الكنايات في باب الطلاق والعتاق والظهار وغير ذلك إلى النيات لترددها بين تلك المقاصد وغيرها بخلاف صريح كل باب فإنه ينصرف لذلك الباب بظاهره واستغني عن النية بظاهره فخرجت قاعدة عروض القنية وقاعدة عروض التجارة على هذه القاعدة وهي قاعدة حسنة يتخرج عليها كثير من فروع الشريعة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
ولرابعها بقوله وكان أصله عينا وإن قل أو كهو أي كأصله عرضا ملك بمعاوضة سواء كان عرض تجارة أو قنية فإذا كان عنده عرض تجر فباعه بعرض نوى به التجارة ثم باعه فإنه يزكي ثمنه لحول أصله اتفاقا أو كان عنده عرض قنية ملك بمعاوضة فباعه بعرض نوى به التجارة ثم باعه فإنه يزكي ثمنه لحول أصله على المشهور لإعطاء الثمن حكم أصله الثاني لا أصله الأول
وأما إذا كان عنده عرض قنية مفاد فباعه بعرض نوى به التجارة ثم باعه ففي ذلك طريقتان الأولى طريقة اللخمي في زكاته وعدمها قولان والثانية طريقة ابن الحارث إن كان أصل عرض القنية من شراء فالقولان لابن القاسم مع أحد قولي أشهب وقوله الآخر وإن كان بإرث فقنية اتفاقا كما في الحطاب عن ابن عرفة
ولخامسها بقوله وبيع بعين لكن لا بد في المحتكر أن يكون ما باع به من العين نصابا ولو في مرات وبعد كمال النصاب يزكي ما بيع به ولو قل والمدير لا يقوم إلا إن نض له شيء ما ولو أقل من درهم ويخرج عما قومه من العرض ثمنا على المشهور لا عرضا بقيمته سواء نض له أول الحول أو وسطه أو آخره بقي ما نض أو ذهب وإذا لم ينض له شيء آخر الحول لم يزك ولا فرق بين أن تكون المعاوضة اختيارية أو جبرية كأن يستهلك شخص لآخر سلعة فيأخذ في قيمتها عرضا ينوي به التجارة ولا بين أن يكون البيع اختياريا أو اضطرارا كمن استهلك عرض تجارة وأخذ منه قيمته
ولسادس الشروط بقوله وإن رصد به الأسواق أي انتظر به ربحا خاصا فكالدين أي زكاة وحولا وقبضا واقتضاء وضما واختلاطا وتلفا واتفاقا وفرارا وبقاء انظر الحطاب وإلا زكى عنه ولو حليا ويزكي وزنه تحقيقا أو تحريا كما إذا كان عرض تجارة مرصعا بذهب أو فضة ودينه أي عدده النقد الحال المرجو المعد للنماء وإلا يكن كذلك بأن كان عرضا أو مؤجلا مرجوين قومه ولو طعام سلم كسلعة أي المدير ولو بإرث لا إن لم يرجه أو كان قرضا ا ه
المراد بإصلاح من بن وبالجملة فمسألة العروض وكذا مسألة النقدين من مسائل ما له ظاهر ينصرف إليه عند عدم قيام معارض راجح له ومنها العقود المطلقة تصرف إلى ما هو الظاهر فيها من العقود الغالبة في زمان ذلك العقد فإذا وكل إنسان إنسانا فتصرف الوكيل بغير نية في تخصيص ذلك التصرف من بيع أو غيره بالوكيل فإن تصرفه ينصرف لنفسه دون موكله إذ غالب تصرفاته أن يكون لنفسه وإذا أطلقت تصرفات المسلمين ولم تقيد بما يقتضي حلها ولا تحريمها انصرفت للتصرفات المباحة دون المحرمة لأن الحل ظاهر حال المسلمين وإذا أطلق العقد على العين ولم يصرح فيه بمنفعة خاصة انصرف إلى المنفعة المقصودة عرفا منه فمن استأجر قاد وما انصرف إلى النجر
322
322
الفرق السابع والمائة بين قاعدة العمال في القراض فإن الزكاة متى سقطت عن رب المال سقطت عن العامل وقاعدة الشركاء لا يلزم أنه متى سقطت عن أحد الشريكين سقطت عن الآخر بل قد تجب الزكاة على أحد الشريكين لاجتماع شرائط الزكاة في حقه دون الآخر لاختلال بعض الشروط في حقه
وعمال القراض ليسوا كذلك على الخلاف فيهم بين العلماء وفي المذهب أيضا الخلاف والفرق بين القاعدتين ينبني على قاعدة وهي أنه متى كان الفرع مختصا بأصل واحد أجري عن ذلك الأصل من غير خلاف ومتى دار بين
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
دون العزاق وعجن الطين ومن استأجر عمامة انصرف إلى استعماله في الرءوس دون الأوساط أو قميصا انصرف إلى اللبس وكذا كل عقد على أي آلة عند الإطلاق ينصرف إلى ما هو الظاهر من حالها ولا يحتاج المتعاقدان إلى التصريح بذلك بل يكفي ظاهر الحال ومن استأجر دابة فإن كانت من دواب الحمل انصرف عقد الإجارة فيها للحمل دون الركوب أو من دواب الركوب انصرف لركوب دون الحمل فيكتفى في جميع ذلك بظاهر حال المعقود عليه ومنها صريح باب الطلاق والعتاق والظهار وغير ذلك فإنه يستغنى عن النية وينصرف لذلك الباب بظاهره ومن مسائل ما ليس لمحتملاته ظاهر فيحمل على أحدها بمرجح شرعي العبادات احتاجت للنيات لترددها إما بين العبادات والعادات وإما بين رتبها الخاصة بها كالفريضة والتطوع والنذور والكفارات والقضاء والأداء وغير ذلك ومنها الكنايات في باب الطلاق والعتاق والظهار وغير ذلك احتاجت إلى النيات لترددها بين تلك المقاصد وغيرها فالقاعدة المذكورة عامة حسنة يتخرج عليها كثير من فروع الشريعة والله أعلم
الفرق السابع والمائة بين قاعدة العمال في القراض فإن الزكاة متى سقطت عن رب المال سقطت عن العامل وقاعدة الشركاء لا يلزم أنه متى سقطت عن أحد الشريكين سقطت عن الآخر ينبني الفرق بينهما على قاعدة أنه متى كان الفرع مختصا بأصل واحد أجري على ذلك الأصل من غير خلاف ومتى دار بين أصلين أو أصول وقع الخلاف بين العلماء في تغليب أحد الأصلين أو الأصول على الآخر فقاعدة العمال في القراض لما كانت دائرة بين أن يكونوا شركاء لرب المال بأعمالهم وأرباب الأموال شركاء بأموالهم ويعضده أمور منها تساوي الفريقين في زيادة الربح ونقصانه كما هو حال الشركاء ومنها أن الذي يستحقه العامل ليس في ذمة رب المال كما هو شأن الشريك وبين أن يكونوا أجراء ويعضده أمور منها اختصاص رب المال بضياع المال وغرامته فلا يكون على العامل منه شيء ومنها أن ما يأخذه معاوضة على عمله كما هو شأن الأجراء وكان من مقتضى الشركة أن تملك بالظهور ومن مقتضى الإجارة أن لا تملك إلا بالقسمة والقبض اختلف العلماء في المذهب وخارجه في تغليب الشركة فتكمل الشروط للزكاة في حق كل واحد منهما أو تغليب الإجارة فيجعل المال وربحه لربه
فلا يعتبر العامل أصلا وابن القاسم رحمه الله تعالى صعب عليه إطراح أحدهما بالكلية فرأى أن العمل بكل واحد منهما من وجه أولى وهي القاعدة المقررة في أصول الفقه فاعتبر وجها من الإجارة ووجها من الشركة
323
323
أصلين أو أصول يقع الخلاف فيه لتغليب بعض العلماء بعض تلك الأصول وتغليب البعض الآخر أصلا آخر فيقع الخلاف لذلك ولذلك اختلف في أم الولد إذا قتلت هل تجب فيها قيمة أم لا لترددها بين الأرقاء من جهة أنها توطأ بملك اليمين وبين الأحرار لتحريم بيعها وإحرازها لنفسها ومالها وتردد إثبات هلال رمضان بين الشهادة والرواية وكذلك الترجمان عند الحاكم والنائب والمقوم وغيرهم جرى الخلاف فيهم هل يشترط فيهم العدد تغليبا للشهادة أو لا يشترط تغليبا للرواية وكتردد العقود الفاسدة من الأبواب المستثنيات كالقراض والمساقاة هل ترد إلى أصلها فيجب قراض المثل أو إلى أصل أصلها فيجب أجرة المثل وذلك المساقاة لتردد هذه الفاسدة بين أصلها وأصل أصلها فإن أصل أصلها أصلها أيضا فلذلك كل ما توسط غرره أو الجهالة فيه من العقود تختلف العلماء فيه لتوسطه بين الغرر الأعلى فيبطل أو الغرر الأدنى المجمع على جوازه واغتفاره في العقود فيجوز والمتوسط أخذ شبها من الطرفين فمن قربه من هذا منع
أو من الآخر أجاز وكذلك المشاق المتوسطة في العبادات دائر بين أدنى المشاق فلا توجب ترخصا وبين أعلاها فتوجب الترخص فتختلف العلماء في تأثيرها في الإسقاط لأجل ذلك وكذلك التهم في رد الشهادات إذا توسطت بين قاعدة ما أجمع عليه أنه موجب الرد كشهادة الإنسان لنفسه وبين قاعدة ما أجمع عليه أنه غير قادح في الشهادة كشهادة الرجل الآخر من قبيلته فيختلف العلماء أي التغليبين يعتبر وذلك كشهادة الأخ لأخيه ونحوه
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
فوقع التفريع هكذا متى كان العامل ورب المال كل واحد فيهما مخاطب بوجوب الزكاة منفردا فيما ينوبه وجبت عليهما ومتى لم يكن كل واحد فيهما مخاطبا بوجوب الزكاة لكونهما عبدين أو ذميين أو لقصور المال وربحه عن النصاب وليس لربه غيره سقطت عنهما ومتى كان أحدهما مخاطبا بوجوب الزكاة وحده دون الآخر فقال ابن القاسم متى سقطت عن أحدهما إما العامل أو رب المال سقطت عن العامل في الربح أما إن سقطت عنه فتغليبا لحال نفسه وتغليبا لحال الشركة وشائبتها
وأما إن سقطت عن رب المال فتسقط أيضا عن العامل في حصته من الربح تغليبا لشائبة الإجارة وهو كونه إذا استأجر أجيرا فقبض أجرته استأنف بها الحول فكذلك هذا العامل ورأى أشهب رحمه الله اعتبار رب المال فتجب في حصة الربح تبعا لوجوبها في الأصل لأنه يزكي ملكه وأن ربح المال مضموم إلى أصله على أصل مالك رحمه الله فيمن اتجر بدينار فصار في آخر الحول نصابا فإنه يزكي ويقدر الربح كامنا من أول الحول إلى آخره وفيما إذا كمل بأولاد المواشي نصابها فمتى خوطب رب المال وجبت على العامل وإن لم يكن أصلا تغليبا لهذا الأصل وهو ضم الربح إلى الأصل في الزكاة ووقع في الموازية يعتبر حال العامل في نفسه فإن كان أهلا بالنصاب وغيره زكى وإلا فلا تغليبا لشائبة الشركة وقول ابن القاسم هو المشهور ومذهب المدونة ومحصله أربعة أمور الأول أن العامل يزكي حصته من الربح وإن قصرت عن النصاب بناء على أنه أجير خلافا لما في الموازية من أنه لا زكاة فيما قل وقصر عن النصاب وخلافا لقول أشهب إن زكاته على رب المال لا على
324
324
فإنه اختلف فيه هل تقبل أو ترد وكذلك الثلث يتردد في مسائل بين القلة والكثرة فيختلف العلماء في إلحاقه بأيهما شاء ونظائره كثيرة في الشريعة من المترددات بين أصلين فأكثر والعمال في القراض دائرون بين أن يكونوا شركاء بأعمالهم ويكون أرباب الأموال شركاء بأموالهم ويعضد ذلك تساوي الفريقين في زيادة الربح ونقصانه وهذا هو حال الشركاء ويعضده أيضا أن الذي يستحقه العامل ليس في ذمة رب المال وهذا هو شأن الشريك وبين أن يكونوا أجراء ويعضده اختصاص رب المال بضياع المال وغرامته فلا يكون على العامل منه شيء ولأن ما يأخذه معاوضة على عمله وهذا هو شأن الأجراء ومقتضى الشركة أن تملك بالظهور ومقتضى الإجارة أن لا تملك إلا بالقسمة والقبض فاجتماع هذه الشوائب سبب الخلاف فمن غلب الشركة كمل الشروط في حق كل واحد منهما ومن غلب الإجارة جعل المال وربحه لربه فلا يعتبر العامل أصلا وابن القاسم رحمه الله صعب عليه إطراح أحدهما بالكلية فرأى أن العمل بكل واحد منهما من وجه أولى
وهي القاعدة المقررة في أصول الفقه فاعتبر وجها من الإجارة ووجها من الشركة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
العامل قال الحطاب العامل يزكي ربحه ولو كان دون النصاب هذا مذهب المدونة والقول بأن زكاته على رب المال ليس بالمشهور ا ه
الأمر الثاني أن شروط زكاة العامل حصته من الربح سنة ففي المواق ابن يونس إنما تجب الزكاة على العامل عند ابن القاسم باجتماع خمسة أوجه وهي أن يكونا حرين مسلمين بلا دين عليهما وأن يكون رأس المال وحصة ربه من الربح ما فيه الزكاة وأن يعمل العامل بالمال حولا فمتى سقط شرط من ذلك لم يزك العامل ا ه
قال عبق وبقي لزكاة العامل ربحه شرط سادس وهو أن ينض ويقبضه قال واشتراط الثلاثة الأول في رب المال بناء على أن العامل أجير وفي العامل بناء على أنه شريك كاشتراط الخامس
وأما اشتراط الرابع فبناء على أنه أجير وذلك لأنه لو نقص مناب رب المال عن النصاب لم يزك العامل وإن نابه نصاب فأكثر بل يستقبل حولا كالفائدة وأجرة الأجير فإذا كان رأس المال عشرة دنانير ودفعه للعامل على أن يكون لربه جزء من مائة جزء من الربح وربح المال مائة فإن ربه لا يزكي وكذا العامل ابن القاسم ولا يضم العامل ما ربح إلى مال له آخر فيزكي بخلاف رب المال ا ه أي فيضم فإذا كانت حصة ربه بربحه دون نصاب وعنده ما لو ضمه له لصار نصابا وقد حال حوله فإنه يزكي ويزكي العامل ربحه وإن قل في هذه أيضا ففي مفهوم الشرط الرابع تفصيل ا ه
الأمر الثالث قال عبق ومفاد نص المواق أن العامل يزكي ربحه مطلقا لعام واحد عند المفاصلة ولو مديرا أقام بيده أعواما وهو مدير وفي ابن عرفة أنه يلزم العامل زكاة حصته كل عام إذا كان هو ورب المال مديرين لكن إنما يزكيها لكل عام عند المفاصلة ا ه قال البناني وما لابن عرفة هو المعتمد لأنه الذي في المدونة وابن رشد ا ه وسلمه الرهوني وكنون

325
325
فوقع التفريع هكذا متى كان العامل ورب المال كل واحد فيهما مخاطب بوجوب الزكاة منفردا فيما ينوبه وجبت عليهما وإن لم يكن فيهما مخاطب بوجوب الزكاة لكونهما عبدين أو ذميين أو لقصور المال وربحه عن النصاب وليس لربه غيره سقطت عنهما وإن كان أحدهما مخاطبا بوجوب الزكاة وحده
وقال ابن القاسم متى سقطت عن أحدهما إما العامل أو رب المال سقطت عن العامل في الربح أما إن سقطت عنه فتغليبا لحال نفسه عليه وتغليبا لحال الشركة وشائبتها
وأما إن سقطت عن رب المال فتسقط أيضا عن العامل في حصته من الربح تغليبا لشائبة الإجارة وهو كونه استأجر أجيرا فقبض أجرته استأنف بها الحول فكذلك هذا العامل ورأى أشهب رحمه الله اعتبار رب المال فتجب في حصة الربح تبعا لوجوبها في الأصل لأنه يزكي ملكه وأن ربح المال مضموم إلى أصله على أصل مالك رحمه الله فيمن اتجر بدينار فصار في آخر الحول نصابا فإنه يزكي ويقدر الربح كامنا من أول الحول إلى آخره وكذلك أولاد المواشي إذا كمل بها نصابها فمتى خوطب رب المال وجبت على العامل وإن لم يكن أصلا تغليبا لهذا الأصل وهو ضم الربح إلى الأصل في الزكاة ووقع في الموازية يعتبر حال العامل في نفسه فإن كان أهلا بالنصاب وغيره زكى وإلا فلا تغليبا لشائبة الشركة فالفرق يتخرج بين هاتين القاعدتين
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الأمر الرابع قال المواق ابن يونس وقول ابن القاسم هذا استحسان رآه أي العامل مرة أن له حكم الشريك في وجوه يضمن حصته من الربح وإن اشترى من يعتق عليه عتق ورآه مرة أنه ليس كالشريك إذ ليس في أصل المال شرك وإن ربح المال منه وحوله حول أصله فلما ترجح ذلك عنده توسط أمره ا ه
فمن هنا بحث الناصر في قوله في التوضيح والمشهور مبني على أنه أجير ومقابله على أنه شريك ا ه بأن كونه أجيرا يقتضي استقباله لا زكاته وكونه شريكا يقتضي سقوط الزكاة أصلا عنه وعن رب المال في حصة العامل إذ لا زكاة على شريك حتى تبلغ حصته نصابا ا ه
نعم قال البناني الذي عناه في التوضيح والله أعلم أن أصل الزكاة في ربح العامل مع قطع النظر عن قلته مبني على أنه شريك ووجوبها في القابل أي بعد استقبال عام مع قطع النظر عن كونها على العامل مبني على أنه أجير فلا بحث ويدل على ذلك أن الزكاة كما علم مبنية على أنه شريك وبعض شروطها مبني على أنه أجير وما ذاك إلا لقطع النظر عن كونها على العامل تأمل ا ه
وقاعدة الشريك لما اختصت بأصل واحد وهو كونه شريكا ليس إلا اتفق العلماء على إجرائه على ذلك الأصل وأن الزكاة تجب على أحد الشريكين لاجتماع شرائط الزكاة في حقه دون الآخر لاختلال بعض الشروط في حقه هذا ولقاعدة العامل في التردد بين أصلين أو أكثر نظائر كثيرة في الشريعة منها أم الولد إذا قتلت اختلف في أنها هل تجب فيها قيمة أم لا لترددها بين الأرقاء من جهة أنها توطأ بملك اليمين وبين الأحرار لتحريم بيعها وإحرازها لنفسها ومالها ومنها المخبر عن رؤية هلال نحو رمضان والترجمان عند الحاكم والنائب والمقوم وغيرهم لما ترددوا بين الشهادة والرواية اختلف فيهم هل يشترط فيهم العدد تغليبا للشهادة أو لا يشترط تغليبا للرواية ومنها العقود الفاسدة من الأبواب المستثنيات كالقراض والمساقاة لما ترددت بين أصلها وأصل أصلها فإن أصل أصلها أصلها أيضا اختلف العلماء في أنها هل ترد إلى أصلها
326
326
الفرق الثامن والمائة بين قاعدة الأرباح تضم إلى أصولها في الزكاة فيكون حول الأصل حول الربح ولا يشترط في الربح حول يخصه كان الأصل نصابا أم لا عند مالك رحمه الله ووافقه أبو حنيفة رضي الله عنه إذا كان الأصل نصابا ومنع الشافعي رضي الله عنه مطلقا وبين قاعدة الفوائد التي لم يتقدم لها أصل عند المكلف كالميراث والهبة وأرش الجناية وصدقات الزوجات ونحو ذلك فهذا يعتبر فيه الحول بعد حوزه وقبضه والفرق عندنا عضده قول عمر رضي الله عنه للساعي عد عليهم السخلة يحملها الراعي
هامش أنوار البروق
قال الفرق الثامن والمائة بين قاعدة الأرباح تضم إلى أصولها في الزكاة فيكون حول الأصل حول الربح ولا يشترط في الربح حول يخصه كان الأصل نصابا أم لا عند مالك رحمه الله تعالى ووافقه أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه إذا كان الأصل نصابا ومنع الشافعي رضي الله تعالى عنه مطلقا وبين قاعدة الفوائد التي لم يتقدم لها أصل عند المكلف كالميراث والهبة وأرش الجناية وصدقات الزوجات ونحو ذلك فهذا يعتبر فيه الحول بعد حوزه وقبضه إلى قوله غير أنه غير ذكوي أعني الأصل قلت مسألة المالكية القياس على السخال كما ذكر وللشافعية فروق فيها نظر
هامش إدرار الشروق
فيجب قراض المثل أو إلى أصل أصلها فيجب أجرة المثل ومنها كل ما توسط غرره أو الجهالة فيه من العقود لما تردد بين الغرر الأعلى المجمع على بطلانه والأدنى المجمع على جوازه واغتفاره في العقود لأنه بتوسطه أخذ شبها من الطرفين اختلف فيه فمن قربه من الأعلى منع ومن قربه من الأدنى أجاز ومنها المشاق المتوسطة في العبادات لما دارت بين أدنى المشاق فلا توجب ترخصا وبين أعلاها فتوجب الترخص اختلف العلماء في تأثيرها في الإسقاط لأجل ذلك ومنها نحو شهادة الأخ لأخيه من التهم المتوسطة في رد الشهادة بين قاعدة ما أجمع على أنه موجب للرد كشهادة الإنسان لنفسه وبين قاعدة ما أجمع على أنه غير قادح في الشهادة كشهادة الرجل لآخر من قبيلته لما أخذ شبها منهما اختلف العلماء أي التغليبين يعتبر فتقبل أو ترد ومنها الثلث لما تردد بين القلة والكثرة في مسائل اختلف العلماء في إلحاقه بأيهما شاء وبالجملة فالفرق بين هاتين القاعدتين يتخرج على هذه القاعدة والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الثامن والمائة بين قاعدة الأرباح تضم إلى أصولها في الزكاة فيكون حول الأصل حول الربح ولا يشترط في الربح حول يخصه كان الأصل نصابا أم لا عند مالك رحمه الله ووافقه أبو حنيفة وأحمد رضي الله عنهما إذا كان الأصل نصابا وإلا فحوله من حين كمل النصاب ومنع الشافعي رضي الله عنه مطلقا وبين قاعدة الفوائد التي لم يتقدم لها أصل عند المكلف كالميراث والهبة وأرش الجناية وصدقات الزوجات ونحو ذلك فهذا يعتبر فيه الحول بعد حوزه وقبضه

327
327
ولا تأخذها والسخلة عين متمولة نشأت عن عين متمولة زكوية كما نشأ الربح وهو عين زكوية عن عين زكوية وهو أصله فكما ضم أحدهما إلى أصله وجعل حوله حولا له كذلك الآخر الذي هو الربح وقولنا زكوية احترازا من أجر العقار فإنه لا يزكى وإن كان متمولا نشأ عن متمول غير أنه غير زكوي أعني الأصل وههنا قاعدة وهي سر الفرق بين الأرباح والفوائد يحتاج إليها بعد تقرر الأحكام فيها وهي أن صاحب الشرع متى أثبت حكما حالة عدم سببه أو شرطه فإن أمكن تقديرهما معه فهو أقرب من إثباته دونهما فإن إثبات المسبب دون سببه والمشروط بدون شرطه خلاف القواعد فإن ألجأت الضرورة إلى ذلك وامتنع التقدير عد ذلك الحكم مستثنى من تلك القواعد كما أثبت الشارع الميراث في دية الخطأ
والميراث في الشريعة مشروط بتقدم ملك الميت على المال الموروث قدر العلماء رحمهم الله الملك في الدية متقدما على الموت بالزمن الفرد حتى يصح حكم التوريث فيها وكذلك إذا صححنا عتق الإنسان عن غيره في كفارة أو تطوع بإذنه أو
هامش أنوار البروق
قال وههنا قاعدة وهي سر الفرق بين الأرباح والفوائد يحتاج إليها بعد تقرر الأحكام فيها إلى قوله عد مستثنى من تلك القواعد
قلت فيما قاله من ذلك نظر قال كما أثبت الشارع الميراث في دية الخطأ والميراث في الشريعة مشروط بتقدم ملك الميت على المال الموروث قدر العلماء الملك في الدية متقدما على الموت بالزمن الفرد حتى يصح حكم التوريث فيها قلت ليس ملك المقتول خطأ للدية مقدرا عندي بل هو محقق وإنما المقدر ملك المقتول عمدا للدية وقد سبق التنبيه على ذلك
هامش إدرار الشروق
لا فرق بين الربح والفائدة عند الشافعي ولا على مقابل مشهور مالك فقد روي عنه مثل قول الشافعي رضي الله عنهما وإنما الفرق بينهما على مشهور مالك وقول أبي حنيفة وأحمد رضي الله عنهم وهو مبني على قاعدة التقادير وهي إعطاء الموجود حكم المعدوم وإعطاء المعدوم حكم الموجود وقد تقدم بسطها في قاعدة خطاب الوضع نعم التقدير من حيث إنه خلاف الأصل لا يجوز إلا إذا دعت الضرورة إليه بأن يدل الدليل على ثبوت الحكم مع عدم سببه أو شرطه أو قيام مانعه وههنا قد دعت الضرورة إليه فإن قول عمر اعتد عليهم بالسخلة ولا تأخذها منهم كما في الموطإ وقول علي عد عليهم الصغار والكبار ولم يعرف لهم مخالف في الصحابة كما في كشاف القناع والمنتقى للباجي يدل على وجوب الزكاة في الأرباح ضرورة أن ربح التجارة كذلك معنى إذ السخلة كما أنها عين متمولة نشأت عن عين متمولة زكوية كذلك الربح عين زكوية نشأت عن عين زكوية وهو أصله فوجب أن يكون مثله حكما فكما تضم السخال إلى أصلها ويجعل حوله حولا لها كذلك يضم الربح إلى أصله ويجعل حوله حولا له وشرط وجوب الزكاة دوران الحول وهو لم يدر على الربح والسخال فتعين تقدير الربح في التجارة
328
328
بغير إذنه خلافا للشافعي رضي الله عنه في اشتراط الإذن قدرنا ثبوت الملك قبل صدور صيغة العتق بالزمن الفرد حتى تبرأ ذمة المعتق عنه من الكفارة الواجبة عليه فإن الواجب من الكفارات لا يبرأ منه بعتق غير مملوكه حتى يثبت له الولاء أيضا فإن الولاء لا يثبت أصله عن غير مملوك للمعتق عنه أما غير أصالة بطريق الإذن فيحصل بغير تملك ههنا هو أصالة فتعين تقدير المالك للعتق عنه قبيل صدور صيغة العتق بالزمن الفرد لضرورة ثبوت هذه الأحكام فإذا قال له أعتق عبدك عني نقدر هذه الصيغة مشتملة على التوكيل في شراء عبد له من نفسه وأنه يتولى طرفي العقد ومشتملة أيضا على أنه وكله أن يعتقه عنه عن كفارته بعد استقرار الملك له فهي صيغة مشتملة على وكالتين وكالة المعاوضة ووكالة العتق فضرورة ثبوت حكم العتق عن الغير يحوج إلى هذه التقادير ونظائره كثيرة في الشريعة وهذه القاعدة تعرف بقاعدة التقديرات وهو إعطاء الموجود حكم المعدوم وإعطاء المعدوم حكم الموجود وقد تقدم بسطها في قاعدة خطاب الوضع وهي يحتاج إليها إذا دل دليل على ثبوت الحكم مع عدم سببه أو شرطه أو قيام مانعه
وإذا لم تدع
هامش أنوار البروق
قال وكذلك إذا صححنا عتق الإنسان عن غيره في كفارة أو تطوع بإذنه أو بغير إذنه خلافا للشافعي رضي الله عنه في اشتراط الإذن قدرنا ثبوت الملك قبل صدور صيغة العتق بالزمن الفرد حتى تبرأ ذمة المعتق عنه من الكفارة الواجبة عليه إلى قوله لضرورة ثبوت هذه الأحكام قلت لا حاجة إلى تقدير الملك للمعتق عنه ولا دليل عليه فإن مثل هذا من الأمور المالية تصح فيه النيابة اتفاقا وقد تقدم التنبيه على ذلك أيضا
قال فإذا قال له أعتق عبدك عني نقدر هذه الصيغة مشتملة على التوكيل في شراء عبد له من نفسه وأنه يتولى طرفي العقد
قلت لا يصح الشراء هنا بوجه فإنه لا عوض فلا وجه لتوكيله على الشراء
هامش إدرار الشروق
والسخال في الماشية في أول الحول تحقيقا للشرط في وجوب الزكاة ومحافظة على الشرط بحسب الإمكان وليست الفائدة كذلك إذ لا أصل لها يقدر حوله حولا لها
نعم في كون هذين التقديرين في يوم الشراء لأنه سبب الربح
والسبب يلازم مسببه وهو مذهب ابن القاسم أو في يوم الحصول لئلا يجمع بين تقديرين تقدير الشراء والأعيان التي حصلت في الربح
والتقدير على خلاف الأصل فيقتصر منه على ما تدعو الضرورة إليه وهو مذهب أشهب أو في يوم ملك أصل المال لأنه السبب وهو مذهب المغيرة خلاف تتخرج عليه مسألة المدونة إذا حال الحول على عشرة فأنفق منها خمسة واشترى سلعة بخمسة فباعها بخمسة عشر فقال ابن القاسم إن تقدم الشراء على الإنفاق وجبت الزكاة فإن التقدير حينئذ والمال عشرة وهذه عشرة ربح فيكمل النصاب حينئذ وإلا فلا تجب وأسقطها أشهب مطلقا لأن التقدير عنده يوم الحصول ويوم الحصول لم تكن إلا خمسة عشر وأوجبها المغيرة مطلقا لأنه يقدر يوم ملكه العشرة ولا عبرة بتقديم الإنفاق على الشراء وعدمه وفي الموطإ قال مالك إذا بلغت الغنم بأولادها ما تجب فيه الصدقة فعليه فيها الصدقة وذلك أن أولاد الغنم منها وذلك مخالف لما أفيد منها باشتراء أو هبة أو
329
329
الضرورة إليها لا يجوز التقدير حينئذ لأنه خلاف الأصل وههنا لما دل الأثر على وجوب الزكاة في الأرباح تعين تقدير الربح والسخال في الماشية في أول الحول تحقيقا للشرط في وجوب الزكاة وهو دوران الحول فإن الحول لم يدر عليهما فيفعل ذلك محافظة على الشرط بحسب الإمكان واختلف في هذين التقديرين ابن القاسم وأشهب رحمهما الله فابن القاسم يقدر حالة الشراء لأنه سبب الربح فقدره ابن القاسم عنده لملازمة السبب لمسببه وعند أشهب يقدر يوم الحصول لئلا يجمع بين تقديرين تقدير الشراء والأعيان التي حصلت في الربح والتقدير على خلاف الأصل فيقتصر منه على ما تدعو الضرورة إليه وعند المغيرة التقدير يوم ملك أصل المال لأنه السبب
وعلى هذه التقادير تتخرج مسألة المدونة إذا حال الحول على عشرة فأنفق منها خمسة واشترى سلعة بخمسة فباعها بخمسة عشر قال ابن القاسم تجب الزكاة إن تقدم الشراء على الإنفاق فإن التقدير حينئذ كان المال عشرة وهذه عشرة ربح فكمل النصاب حينئذ وإلا فلا تجب وأسقطها أشهب مطلقا لأن
هامش أنوار البروق
قال ومشتملة أيضا على أنه وكله أن يعتقه عنه عن كفارته بعد استقرار الملك له فهي صيغة مشتملة على وكالتين وكالة المعاوضة ووكالة العتق
قلت ولا تصح أيضا وكالته على العتق فإنه لم يسبقه ملك قال فضرورة ثبوت حكم العتق عن الغير يحوج إلى هذه التقادير ونظائره كثيرة في الشريعة
هامش إدرار الشروق
ميراث
ومثل ذلك العرض لا يبلغ ثمنه ما تجب فيه الصدقة فيصدق ربحه مع رأس المال ولو كان ربحه فائدة أو ميراثا لم تجب فيه الصدقة حتى يحول عليه الحول من يوم أفاده أو ورثه قال مالك فغذاء الغنم أي سخالها منها كما أن ربح المال منه قال مالك غير أن ذلك يختلف في وجه آخر أنه إذا كان للرجل من الذهب أو الورق ما تجب فيه الزكاة ثم أفاد إليه مالا ترك ماله الذي أفاد فلم يزكه مع ماله الأول حين يزكيه حتى يحول على الفائدة الحول من يوم أفادها ولو كانت لرجل غنم أو بقر أو إبل تجب في كل صنف منها الصدقة ثم أفاد إليها بعيرا أو بقرة أو شاة صدقها مع صنف ما أفاد من ذلك حين يصدقه إذا كان عنده من ذلك الصنف الذي أفاد نصاب ماشية قال مالك وهذا أحسن ما سمعت في هذا كله ا ه
قال الباجي يريد أن الفائدة لا يكمل بها النصاب ويكمل بالنسل وقاسه مالك على نماء العين منه فإذا بلغ الربح مع الأصل النصاب وجبت فيه الزكاة وإن لم يبلغه إلا بفائدة لم يزك حتى يحول الحول على الفائدة وهذا قياس صحيح لم يسلم له أن نصاب الحولين يتم بربحه وإنما سلمه الشافعي فيمن اشترى بمائة درهم سلعة قيمتها مائتا درهم ثم باعها بمائتي درهم بعد أن حال الحول من يوم اشتراها فإن الزكاة فيها وهذا أصل يصح قياسنا عليه ولا يخل بالقياس المذكور اختلاف حكم العين والماشية في الفوائد من جهة أن الماشية إذا أفاد منها شيئا وعنده نصاب من جنسها كان حكم الفائدة في الحول حكم أصل النصاب الذي كان عنده بخلاف العين فإنه يزكي الفائدة لحولها والنصاب الذي كان عنده لحوله وذلك لأنه ليس من شرط الفرع إذا قيس على الأصل لعلة جامعة بينهما في حكم من الأحكام أن يقاس عليه في سائر
330
330
التقدير عنده يوم الحصول ويوم الحصول لم تكن إلا خمسة عشر وأوجبها المغيرة مطلقا لأنه يقدر يوم ملكه العشرة ولا عبرة بتقديم الإنفاق وعدمه وعن مالك مثل قول الشافعي رضي الله عنهما فلا يحتاج إلى هذه القاعدة مطلقا فهذه القاعدة وهي قاعدة التقادير يحتاج إليها في الفرق بين قاعدة الأرباح وقاعدة الفوائد إن قلنا بالفرق بينهما وإلا فلا والله أعلم
الفرق التاسع والمائة بين قاعدة الواجبات والحقوق التي تقدم على الحج وبين قاعدة ما لا يقدم عليه
هامش أنوار البروق
قلت لا حاجة إلى شيء مما ذكره من التقادير في هذه المسألة أما في غيرها فربما احتيج إلى ذلك وكيف يقول إن الصيغة مشتملة على التوكيل وأي صيغة فيما إذا أعتق عنه بغير إذنه هذا كله لا يصح
قال وهذه القاعدة تعرف بقاعدة التقديرات وهو إعطاء الموجود حكم المعدوم وإعطاء المعدوم حكم الموجود إلى قوله محافظة على الشرط بحسب الإمكان
قلت ما قاله في ذلك صحيح وليست مسألة عتق الإنسان عن غيره من ذلك فإنها لم تدع فيها إلى ذلك ضرورة وما قاله بعد حكاية أقوال وتوجيهها ولا كلام في ذلك وما قاله في الفرق بعده صحيح
هامش إدرار الشروق
أحكامه
وإنما يلزم أن يدل الدليل على أن العلة التي جمعت بينهما في ذلك الحكم لها اختصاص بذلك الحكم دون غيره وإن فارق الأصل الفرع في أحكام غيرها لا تعلق لها بتلك العلة لأن ما من فرع إلا وهو يخالف الأصل الذي قيس عليه في عدة أحكام وفي مسألتنا قاس إتمام نصاب الماشية بنمائها الذي هو أولادها على إتمام نصاب العين بنمائه لعلة صحيحة وهي أن هذا أي الأولاد نماء حادث من العين التي تجب فيها الزكاة وهي الماشية وهو من جنسها فوجب أن يكمل بها نصابها كالعين وهذه علة تختص بالنماء دون الفوائد فاختلاف العين والماشية في الفوائد لا في النماء لا يمنع اجتماعهما في النماء الذي هو من جنس الأصل وإنما اختلف في الفوائد لأنها ليست من الأصل وزكاة الماشية لها تعلق بالساعي فإذا لم تجب زكاتها لزكاة الأصل لم يمكن تكرر الساعي ونعمت المعدلة بين أرباب الأموال والمساكين فإن الفائدة إذا أضيفت إلى أقل من النصاب زكيت بعد استكمال حول الفائدة وإذا أضيفت إلى النصاب زكيت لحول النصاب وليس كذلك العين فإن رب المال يخرج زكاته فيمكن إخراجه عند حلول حوله المختص به فلم تدع ضرورة إلى اعتباره لحول النصاب فتعجل قبل حلوله ولا أن يضاف إلى أقل من النصاب فيزكى إلى أكثر من حوله فلذلك افترقا والله أعلم وأحكم ا ه بتصرف ما
الفرق التاسع والمائة بين قاعدة الواجبات والحقوق التي تقدم على الحج وبين قاعدة ما لا يتقدم عليه
الفرق بين ما يقدم وما لا يقدم على الحج من الواجبات والحقوق مبني على قاعدة أنه إذا تعارضت الحقوق قدم منها أحد ثلاثة أنواع على ما يقابله النوع الأول ما جعله صاحب الشرع مضيقا من حيث إن
331
331
والفرق بينهما مبني على معرفة قاعدة في الترجيحات وضابط ما قدمه الله تعالى على غيره من المطلوبات وهي أنه إذا تعارضت الحقوق قدم منها المضيق على الموسع لأن التضييق يشعر بكثرة اهتمام صاحب الشرع بما جعله مضيقا وأن ما جوز له تأخيره وجعله موسعا عليه دون ذلك
ويقدم الفوري على المتراخي لأن الأمر بالتعجيل يقتضي الأرجحية على ما جعل له تأخيره ويقدم فرض الأعيان على الكفاية لأن طلب الفعل من جميع المكلفين يقتضي أرجحية ما طلب من البعض فقط ولأن فرض الكفاية يعتمد عدم تكرر المصلحة بتكرر الفعل والأعيان يعتمد تكرر المصلحة بتكرر الفعل والفعل الذي تتكرر مصلحته في جميع صوره أقوى في استلزام المصلحة من الذي لا توجد المصلحة معه إلا في بعض صوره ولذلك يقدم ما يخشى فواته على ما لا يخشى فواته وإن كان أعلى رتبة منه كما تقدم حكاية قول المؤذن على قراءة القرآن لأن قراءة القرآن لا تفوت
وحكاية قول المؤذن تفوت بالفراغ من الأذان وكذلك يقدم صون الأموال على العبادات إذا خرجت عن
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
التضييق يشعر بكثرة اهتمامه به يقدم على ما جوز للمكلف تأخيره وجعله موسعا عليه ومن ذلك تقديم ما يخشى فواته على ما لا يخشى فواته وإن كان أعلى رتبة منه وله نظائر كثيرة في الشريعة منها تقديم حكاية قول المؤذن على قراءة القرآن لأن قراءة القرآن لا تفوت وحكاية قول المؤذن تفوت بالفراغ من الأذان ومنها تقديم صون الأموال إذا خرجت عن العادة على العبادات فينتقل للتيمم عن الوضوء والغسل إذا خرج ثمن الماء في شرائه لهما عن العادة بأن كان له بال لا يلزمه بذله في شرائه إن ظن وجود الماء كما في ابن حمدون على صغير ميارة على ابن عاشر لا إن زاد على الثلث فقط لأن الثلث لا يكون كثيرا إلا إذا كان للماء كبير ثمن أما إذا لم يكن له ذلك كأن يكون بدرهم فهذا وإن زاد بأكثر من نصفه وأضعافه فلا ضرر عليه فيه كما يؤخذ من كلام الحطاب على منسك خليل في شراء نعل الإحرام فتنبه ولا يجب الحج إذا أفرطت الغرامات في الطرقات قال العدوي على الخرشي ولا يسقط الحج إذا أخذ ظالم شيئا لا يجحف به وإذا أخذ لا يرجع بل يقف عند قوله آخذ هذا القدر وعلم منه ذلك عادة كعشار فإن كان يعلم أنه يأخذ ما يجحف أو ينكث ولو قل المجموع ومثل النكوث تعدد الظالم فيسقط عنه الحج ا ه
قال الخرشي وكذا يسقط إن شك أنه ينكث على أحد القولين وهو المذهب ا ه أفاده شيخنا في حاشية توضيح المناسك ومنها تقديم صون النفوس والأعضاء والمنافع على العبادات فيقدم إنقاذ الغريق والحريق ونحوهما إذا تعين ذلك عليه على الصلاة ولو كان فيها أو خشي فوات وقتها ومنها تقديم صون مال الغير إذا خشي فواته على الصلاة عند من يقول حق العبد مقدم بدليل ترك الطهارات والعبادات إذا عارضها ضرر العبد لا عند من يقول حق الله يقدم لأن حق العبد يقبل الإسقاط بالمحاللة والمسامحة دون حق الله تعالى
النوع الثاني
الواجب على الفور يقدم على الواجب على التراخي لأن الأمر بالتعجيل يقتضي الأرجحية على ما جعل له تأخيره مثلا حق الوالدين واجب على الفور إجماعا فيقدم على الحج إذا قلنا إنه على التراخي وحق السيد
332
332
العادة كتقديم صون المال في شراء الماء للوضوء والغسل على الوضوء والغسل وينتقل للتيمم وكتقديمه على الحج إذا أفرطت الغرامات في الطرقات ويقدم صون النفوس والأعضاء والمنافع على العبادات فيقدم إنقاذ الغريق والحريق ونحوهما على الصلاة إذا كان فيها أو خارجا عنها وخشي فوات وقتها فيفوتها ويصون ما تعين صونه من ذلك وكذلك يقدم صون مال الغير على الصلاة إذا خشي فواته وهو من باب تقديم حق العبد على حق الله تعالى وهي مسألة خلاف فمنهم من يقول حق الله يقدم لأن حق العبد يقبل الإسقاط بالمحاللة والمسامحة دون حق الله تعالى ومنهم من يقول حق العبد مقدم بدليل ترك الطهارات والعبادات إذا عارضها ضرر العبد ونظائر هذه المسائل كثيرة في الشريعة فعلى هذه القاعدة يتضح لك ما يقدم على الحج مما لا يقدم عليه فيقدم حق الوالدين على الحج إذا قلنا إنه على التراخي لأن حق الوالدين على الفور إجماعا والفوري مقدم على المتراخي وكذلك يقدم حق السيد على الحج لأن الحج لا يلزم العبد وحق السيد واجب فوري وكذلك يقدم حق الزوج على الحج الفرض إن قلنا إنه على التراخي لأن
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
واجب فوري فيقدم على الحج إذا قلنا بذلك وحق الزوج فوري فيقدم على الحج إذا قلنا بذلك والدين الحال من حيث إنه فوري يمنع الخروج إلى الحج إذا قلنا بذلك ولا يمنع ذلك الدين المؤجل
النوع الثالث
فرض الأعيان يقدم على فرض الكفاية لأن طلب الفعل من جميع المكلفين يقتضي أرجحية ما طلب من البعض فقط ولأن فرض الكفاية يعتمد عدم تكرر المصلحة بتكرر الفعل وفرض الأعيان يعتمد تكرر المصلحة بتكرر الفعل والفعل الذي تتكرر مصلحته في جميع صوره أقوى في استلزام المصلحة من الذي لا توجد المصلحة معه إلا في بعض صوره قال مالك رحمه الله تعالى الحج أفضل من الغزو لأن الغزو فرض كفاية والحج فرض عين وكان ابن عمر رضي الله عنهما يكثر الحج ولا يحضر الغزو واختلف العلماء فيمن أتى مراهقا وعليه صلاة العشاء ولم يبق قبل الفجر إلا مقدار ركعة للعشاء والوقوف فخاف باشتغاله بأحدهما فوات الآخر هل يصلي مطلقا أو يدرك الوقوف مطلقا وإن كان حجازيا صلى وإلا أدرك الوقوف أو يصلي وهو ماش أو راكب كصلاة المسايفة فيدركهما معا أقوال أربعة رجح الأول خليل في مختصره حيث قال وصلى ولو فات وجعله الأصل مذهب مالك وما عداه أقوالا للشافعية وقال إنه الحق لأن الصلاة أفضل وهي فورية إجماعا ا ه وسلمه ابن الشاط وقال في المدخل اختلف علماؤنا فيه على أربعة أقوال وذكرها على الترتيب المذكور وقال والمشهور الأول ورجح الرابع ا ه
وقال العلامة الأمير في حاشيته على عبد السلام على الجوهرة ولا ينافي أفضلية الصلاة قول المالكية كجمع من غيرهم بتقديم الوقوف على الصلاة حيث
خاف فواته وتضعيفهم لقول الشيخ خليل وصلى ولو فات فإن ذلك لمزيد مشقة الحج وعدم إمكانه كل وقت ودين الله يسر وينبغي تقييد كلامهم كما هو ظاهر سياقهم بمن أحرم قبل وإلا صلى ولو فات وقد قالوا بعدم وجوب الحج في البحر حيث حصل له دوخة تمنعه القيام في الصلاة فليحرر ا ه
والله سبحانه وتعالى أعلم

333
333
حق الزوج فوري وكذلك يمنع الدين الحال الخروج إلى الحج لأنه فوري ولا يمنع الدين المؤجل
قال مالك رحمه الله الحج أفضل من الغزو لأن الغزو فرض كفاية والحج فرض عين وكان ابن عمر رضي الله عنهما يكثر الحج ولا يحضر الغزو وكذلك تقدم ركعة من العشاء على الحج إذا لم يبق قبل الفجر إلا مقدار ركعة للعشاء والوقوف قال أصحابنا رحمهم الله يفوت الحج ويصلي وللشافعية رحمهم الله أقوال يفوتها ويقدم الحج لعظم مشقته يصلي وهو يمشي كصلاة المسايفة والحق مذهب مالك لأن الصلاة أفضل وهي فورية إجماعا وبالله الإعانة
الفرق العاشر والمائة بين قاعدة ما تصح النيابة فيه وقاعدة ما لا تصح النيابة فيه عن المكلف
هذا الفرق مبني على قاعدة وهي أن الأفعال قسمان منها ما يشتمل فعله على مصلحة مع
هامش أنوار البروق
قال
الفرق العاشر والمائة بين قاعدة ما تصح النيابة فيه وقاعدة ما لا تصح النيابة فيه عن المكلف
قلت صحة النيابة في الأفعال كلها القلبية وغيرها جائزة عقلا لكن الشرع حكم بصحة النيابة في بعضها دون بعض فأما الأعمال القلبية فلا أعلم خلافا في عدم صحة النيابة فيها إلا ما كان من النية كإحجاج الصبي وفي سائر نيات الأعمال التي تصح النيابة فيها على حسب الخلاف في ذلك أيضا وغير القلبية فالمالية المحضة لا أعلم خلافا في صحة النيابة فيها
وأما غير المالية المحضة فقد حكى بعضهم الإجماع في عدم صحتها في الصلاة والخلاف فيما عداها وحكى بعضهم الخلاف في الصلاة
هامش إدرار الشروق
الفرق العاشر والمائة بين قاعدة ما تصح النيابة فيه وقاعدة ما لا تصح النيابة فيه
عن المكلف تصح النيابة عقلا في جميع الأفعال قلبية أو غيرها وأما الشرع فحكم بصحة النيابة في بعضها دون بعض وذلك أن الأعمال القلبية كالإيمان بالله تعالى لا خلاف في عدم صحة النيابة فيها إلا ما كان من النية كإحجاج الصبي وسائر نيات الأعمال التي تصح النيابة فيها على حسب الخلاف في ذلك أيضا وغير القلبية إن كانت مالية محضة كرد العواري والودائع والغصوبات وقضاء الديون وتفريق الزكوات والكفارات ولحوم الهدايا والضحايا وذبح النسك فلا خلاف في صحة النيابة فيها وإن كانت غير مالية محضة فبعضهم حكى الإجماع في عدم صحتها في الصلاة والخلاف فيما عداها وبعضهم حكى الخلاف في الصلاة أيضا
وجعل الأصل ضابطا للوفاق والخلاف كون الفعل المطلوب شرعا إن اشتمل على مصلحة منظور فيها لذات الفاعل بحيث لا تحصل إلا بمباشرته منعت فيه النيابة قطعا وذلك كاليمين مصلحته الدلالة على صدق المدعي فلا تحصل بحلف غيره عنه ولذا يقال ليس في السنة أن يحلف أحد
334
334
قطع النظر عن فاعله كرد الودائع وقضاء الديون ورد الغصوبات وتفريق الزكوات والكفارات ولحوم الهدايا والضحايا وذبح النسك ونحوها فيصح في جميع ذلك النيابة إجماعا لأن المقصود انتفاع أهلها بها وذلك حاصل ممن هي عليه لحصولها من نائبه ولذلك لم تشترط النيات في أكثرها ومنها ما لا يتضمن مصلحة في نفسه بل بالنظر إلى فاعله كالصلاة فإن مصلحتها الخشوع والخضوع وإجلال الرب سبحانه وتعالى وتعظيمه وذلك إنما يحصل فيها من جهة فاعلها فإذا فعلها غير الإنسان فاتت المصلحة التي طلبها صاحب الشرع ولا توصف حينئذ بكونها مشروعة في حقه فلا تجوز النيابة فيها إجماعا ومنها قسم متردد بين هذين القسمين فتختلف العلماء رحمهم الله في أي الشائبتين تغلب عليه كالحج فإن مصالحه تأديب النفس بمفارقة الأوطان
وتهذيبها بالخروج عن المعتاد من المخيط وغيره لتذكر المعاد والاندراج في الأكفان وتعظيم شعائر الله في تلك البقاع وإظهار الانقياد من العبد لما لم يعلم حقيقته كرمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة والوقوف على بقعة خاصة دون سائر البقاع وهذه مصالح لا
هامش أنوار البروق
أيضا وما قاله شهاب الدين وجعله ضابطا للوفاق والخلاف من مراعاة كون مصلحة ذلك الأمر يشترط فيها حصولها من النائب كحصولها من المنوب عنه وحينئذ تصح ينتقض بالصوم فقد صح الحديث بجواز النيابة فيه وما رجح به مذهب مالك في الحج ظاهر والله تعالى أعلم وما قاله في الفرقين بعد هذا صحيح
هامش إدرار الشروق
ويستحق غيره وكالدخول في الإسلام مصلحته إجلال الله وتعظيمه وإظهار العبودية فلا تحصل إلا بمباشرة الشخص نفسه وكوطء الزوجة مصلحته الإعفاف وتحصيل ولد ينسب إليه وذلك لا يحصل بفعل غيره وإن اشتمل على مصلحة منظور فيها لذات الفعل من حيث هو بحيث لا يتوقف حصول مصلحته على المباشرة صحت فيه النيابة قطعا وذلك كرد العواري والودائع والمغصوبات وقضاء الديون وتفريق الزكوات مما مصلحته إيصال الحقوق لأهلها سواء كان بنفسه أو بغيره فيبرأ من كانت عليه بالوفاء وإن لم يشعر وإن اشتمل على مصلحة منظور فيها لجهة الفعل ولجهة الفاعل وهو متردد بينهما اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في أي الشائبتين تغلب عليه وذلك كالحج فإن مصلحته كما أنها تأديب النفس بمفارقة الأوطان وتهذيبها بالخروج عن المعتاد من المخيط وغيره لتذكر المعاد والاندراج في الأكفان وتعظيم شعائر الله في تلك البقاع وإظهار الانقياد من العبد لما لم يعلم حقيقته كمرمى الجمار والسعي بين الصفا والمروة والوقوف على بقعة خاصة دون سائر البقاع وغير ذلك من المصالح التي لا تحصى ولا تحصل إلا للمباشر كالصلاة
كذلك مصلحته القربة المالية غالبا إذ لا يعرى عن الإنفاق في سفره غالبا فلما لاحظ غير مالك وموافقيه مصلحته الثانية قالوا تجوز النيابة في الحج ولما لاحظ مالك رضي الله تعالى عنه ومن وافقه مصلحته الأولى قالوا لا تجوز النيابة في الحج وهو أقوى ضرورة أن التي تحصل في الحج بالذات
وأما المالية فإنما حصلت فيه بطريق العرض بدليل أن المكي يحج بلا مال فكما أن المالية قد تعرض في الجمعات فيمن احتاج للركوب إليها فاكترى لذلك ولا
335
335
تحصى ولا تصلح إلا للمباشر كالصلاة في حكمها ومصالحها فمن لاحظ هذا المعنى وهو مالك رضي الله عنه ومن وافقه قالوا لا تجوز النيابة في الحج ومن لاحظ الفرق بين الحج والصلاة ومشابهة النسك في المالية فإن الحج لا يعرى عن القربة المالية غالبا في الإنفاق في الأسفار قال تجوز النيابة في الحج والشائبة الأولى أقوى وأظهر وهي التي تحصل في الحج بالذات والمالية إنما حصلت بطريق العرض كما تحصل فيمن احتاج للركوب إلى الجمعات فاكترى لذلك فإن المالية عارضة في الجمعات ولا تصح النيابة فيها إجماعا فكذلك ينبغي في الحج وهو الأظهر وبه يظهر رجحان مذهب مالك رحمه الله على غيره والله سبحانه أعلم
الفرق الحادي عشر والمائة بين قاعدة ما يضمن وبين قاعدة ما لا يضمن
اعلم أن أسباب الضمان في الشريعة ثلاثة لا رابع لها أحدها العدوان كالقتل والإحراق وهدم الدور وأكل الأطعمة وغير ذلك من أسباب إتلاف المتمولات فمن
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
تصح النيابة فيها إجماعا كذلك ينبغي في الحج نعم لغير مالك أن يفرق بأن عروض المال في الحج أكثر مع ما ورد في الأحاديث من الحج عن الصبيان والمرضى يحرم عنهم غيرهم ويفعل أفعال الحج والعبادات أمر متبع ا ه كلام الأصل
وتعقبه ابن الشاط بأن هذا الضابط ينتقض بالصوم فقد صح الحديث بجواز النيابة فيه ا ه ومراده بالحديث حديث الصحيحين عن عائشة مرفوعا من مات وعليه صيام صام عنه وليه
وأما حديثهما عن ابن عباس أتت امرأة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إن أمي ماتت وعليها صوم شهر فقال أرأيت لو كان عليها دين أكنت تقضيه قالت نعم قال فدين الله أحق بالقضاء فقال الزرقاني على الموطإ قد أعل بالاضطراب ففي رواية أن السائل امرأة أن أمها ماتت وعليها صوم شهر
وفي أخرى وعليها خمسة عشر يوما وأخرى أن أختي ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين وأخرى قال رجل ماتت أمي وعليها صوم شهر نعم أجيب بأنه ليس اضطرابا وإنما هو اختلاف يحمل على اختلاف الوقائع لكنه بعيد لاتحاد المخرج فالروايات كلها عن ابن عباس ا ه فتأمل وسيأتي في الفرق الحادي والسبعين والمائة بين قاعدة ما يجزئ فيه فعل غير المكلف عنه وبين قاعدة ما لا يجزئ فيه فعل الغير عن ابن الشاط أنه مكرر مع هذا وإنما ذكر فيه مسائل لتوضيح الفرق المذكور لم يذكرها هنا فترقب والله تعالى أعلم
الفرق الحادي عشر والمائة بين قاعدة ما يضمن
وبين قاعدة ما لا يضمن للضمان ثلاثة أركان الأول ما يجب فيه الضمان والثاني الموجب للضمان والثالث الواجب في
336
336
تعدى في شيء من ذلك وجب عليه الضمان إما المثل إن كان مثليا أو القيمة إن كان مقوما أو غير ذلك من الجوابر على ما تقدم في الفرق بين قاعدة الزواجر والجوابر وثانيها التسبب للإتلاف كحفر الآبار في طرق الحيوان في غير الأرض المملوكة للحافر أو في أرضه لكن حفرها لهذا الغرض وكوقيد النار قريبا من الزرع أو الأندر فتعدو فتحرق ما جاورها وكرمي ما يزلق الناس في الطرقات فيعطب بسبب ذلك حيوان أو غيره وكالكلمة الباطلة عند ظالم إغراء على مال إنسان فإن الظالم إذا أخذ المال بذلك السبب من الكلام ضمنه المتكلم وكتقطيع الوثيقة المتضمنة للحق وللشهادة به فيضيع الحق بسبب تقطيعها فيضمن عند مالك ذلك الحق لتسببه فيه وعند الشافعي يضمن ثمن الورقة خاصة فاعتبر الإتلاف دون السبب ومالك اعتبرهما معا ورأى أنه أتلف الحق بالمباشرة بالإتلاف وأتلف الحق بالتسبب فرتب على الوجهين مقتضاهما وكمن مر على حبالة فوجد فيها صيدا يمكنه تخليصه وحوزه لصاحبه فتركه حتى مات يضمنه عند مالك
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الضمان فأما ما يجب فيه الضمان فقال في بداية المجتهد كل مال أتلفت عينه أو تلف عند الغاصب أي أو غيره عينه بأمر من السماء أو سلطت اليد عليه وتملك وذلك فيما ينقل ويحول باتفاق واختلفوا فيما لا ينقل ولا يحول مثل العقار فقال الجمهور إنها تضمن بالغصب أعني أنها إن انهدمت الدار ضمن من قيمتها
وقال أبو حنيفة لا يضمن وسبب اختلافهم هل كون يد الغاصب على العقار مثل كون يده على ما ينقل ويحول فمن جعل حكم ذلك واحدا قال بالضمان ومن لم يجعل حكم ذلك واحدا قال لا ضمان ا ه
وأما الموجب للضمان في الشريعة فثلاثة أسباب لا رابع لها فمتى وجد واحد منها وجب الضمان ومتى لم يوجد واحد منها لم يجب الضمان أحدها العدوان كالقتل والطرق وهدم الدور وأكل الأطعمة وغير ذلك من أسباب إتلاف المتمولات قال في بداية المجتهد وهل يشترط في المباشرة أي مباشرة الإتلاف العمد أو لا يشترط فالأشهر أن الأموال تضمن عمدا وخطأ وإن كانوا قد اختلفوا في مسائل جزئية من هذا الباب وهل يشترط فيه أن يكون مختارا فالمعلوم عن الشافعي أنه يشترط أن يكون مختارا ولذلك رأى على المكره الضمان أعني المكره على الإتلاف ا ه وثانيها التسبب للإتلاف قال الأصل وللسبب الموجب للضمان نظائر كثيرة منها متفق عليه ومنها مختلف فيه لكن حصل الاتفاق من حيث الجملة على أن التسبب موجب للضمان وقال فيما يأتي له في الفرق السابع عشر والمائتين والسبب ما يقال عادة حصل الهلاك به من غير توسط والتسبب ما يحصل الهلاك عنده بعلة أخرى إذا كان السبب هو المقتضي لوقوع الفعل بتلك العلة ا ه
وقال في بداية المجتهد واختلفوا في السبب الذي يحصل بمباشرته الضمان إذا تناول التلف بواسطة سبب آخر هل يحصل به ضمان أم لا ولذلك نظائر منها أن يفتح قفصا فيه طائر فيطير بعد الفتح فقال مالك يضمنه هاجه على الطيران أو لا وقال الشافعي يضمن إن هاجه ولا يضمن إن لم يهجه يعني إن طار عقيب الفتح ضمن وإلا فلا
وقال أبو حنيفة لا يضمن على حال واحتج مالك بأن فتح القفص سبب الإتلاف عادة فيوجب
337
337
لأن صون مال المسلم واجب ومن ترك واجبا في الصون ضمن وكذلك إذا مر بلقطة يعلم أنه إذا تركها أخذها من يجحدها وجب عليه أخذها
وإن تركها حتى تلفت مع قدرته على أخذها ضمنها وللسبب الموجب للضمان نظائر كثيرة منها متفق عليه ومنها مختلف فيه لكن حصل الاتفاق من حيث الجملة على أن التسبب موجب للضمان
وثالثها وضع اليد التي ليست بمؤتمنة وقولي ليست بمؤتمنة خير من قولي اليد العادية فإن اليد العادية تختص بالسراق والغصاب ونحوهم وتبقى من الأيدي الموجبة للضمان قبض بغير عدوان بل بإذن المالك كقبض المبيع أو بقاء يد البائع فإنه من ضمان البائع قبل القبض ومن ضمان المشتري بعد القبض مع عدم العدوان وكقبض المبيع بيعا فاسدا فإنه من ضمان المشتري عندنا بالقيمة إذا تغير سوقه أو تغير في ذاته أو تعلق به حق الغير أو تلف بآفة سماوية أو أتلفه المشتري وهذا السبب الأخير متفق عليه بيننا وبين الشافعية دون ما قبله من حوالة الأسواق ونحوها وكقبض العواري والرهون التي يغاب عليها كالحلي والسلاح وأنواع العروض على الخلاف في ذلك بيننا وبين الشافعي وكقبض الأعيان التي تقترض فإن المقترض يضمنها اتفاقا مع عدم العدوان ونظائرها كثيرة وخرج بقولي التي ليست بمؤتمنة اليد المؤتمنة كوضع اليد في الودائع
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الضمان كسائر صور التسبب المجمع عليها كما إذا فتح مراحه فخرجت ماشيته فأفسدت الزرع فإنه يضمنه وقد أسقط لقوله تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم خصوص التسبب فبقي الغرم واحتجوا بأنه إذا اجتمع التسبب والمباشرة اعتبرت المباشرة دونه والطير مباشر باختياره لحركة نفسه كمن حفر بئرا عدوانا في محل فأردى فيها غيره إنسانا فإن المردي يضمن دون الحافر والحيوان قصده معتبر بدليل جوارح الصيد إن أمسكت لأنفسها لا يؤكل الصيد أو للصائد أكل والجواب بوجوه الوجه الأول أنا لا نسلم أن الطائر كان مختارا للطيران ولعله كان مختارا للإقامة لانتظار العلف أو خوف الجوارح الكواسر وإنما طار خوفا من الفاتح وإذا احتمل واحتمل والسبب معلوم فيضاف الضمان إليه كحافر البئر يقع فيها حيوان مع إمكان اختياره لنزولها لفزع خلفه أو غير ذلك
الوجه الثاني أنا لا نسلم أن الصيد لا يؤكل إذا أكل منه الجارح سلمناه لكن الضمان متعلق بالسبب الذي توصل به الطائر لمقصده كمن أرسل بازيا على طائر غيره فقتله البازي باختياره فإن المرسل يضمن وهذه المسألة تقتضي اختيار الحيوان
الوجه الثالث أنا لا نسلم أن الفتح سبب مجرد بل هو في معنى المباشرة لما في طبع الطائر من النفور من الآدمي
الوجه الرابع أنا نفرق بين حافر البئر يضمن من أردى إنسانا فيها دونه وبين فاتح القفص فيطير الطائر منه يضمن الفاتح ولم يعتبر قصد الطائر بأن قصد الطائر ونحوه ضعيف لقوله صلى الله عليه وسلم جرح العجماء
338
338
والقراض والمساقاة وأيدي الأجراء
ووضع الأيدي عند مالك في الإجارة تختلف فاستثنى منها صورتين الأجير الذي يؤثر في الأعيان بصنعته كالخياط والصباغ والقصار لأن السلعة إذا تغيرت بالصنعة لا يعرفها ربها إذا وجدها قد بيعت في الأسواق فكان الأصلح للناس تضمين الأجراء في ذلك وهو من باب الاستحسان ولم يره الشافعي رضي الله عنه بل طرد قاعدة الأمانة في الإجارة والأجير على حمل الطعام الذي تتوق النفس إلى تناوله كالفواكه والأشربة والأطعمة المطبوخة فإن الأجير يضمن سدا لذريعة التناول منها وطرد الشافعي القاعدة أيضا ههنا فلم يضمن أيضا وكأيدي الأوصياء على أموال اليتامى والحكام على ذلك وأموال الغائبين والمجانين فجميع ذلك لا ضمان فيه لأن الأيدي فيه مؤتمنة فهذه الأسباب الثلاثة هي أسباب الضمان فهي قاعدة ما يضمن وما عداها فهو قاعدة ما لا يضمن كما تقدم من النظائر وإذا اجتمع منها سببان كالمباشرة والتسبب من جهتين غلبت المباشرة على التسبب كمن حفر بئرا لإنسان ليقع فيه فجاءه آخر فألقاه فيه فهذا مباشر والأول متسبب فالضمان على الثاني دون الأول تقديما للمباشرة على التسبب لأن شأن الشريعة تقديم الراجح عند التعارض إلا أن تكون المباشرة مغمورة كقتل المكره فإن القصاص يجب عليهما ولا تغلب المباشرة لقوة التسبب وكتقديم السم لإنسان في طعامه فيأكله جاهلا به فإنه مباشر لقتل نفسه
وواضع السم متسبب والقصاص على
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
جبار والآدمي يضمن قصد أو لم يقصد فافهم ومنها من حفر بئرا فسقط فيه شيء فهلك فمالك والشافعي يقولان إن حفره بحيث أن يكون حفره تعديا ضمن ما تلف فيه وإلا لم يضمن ويجيء على أصل أبي حنيفة أنه لا يضمن كمسألة الطائر ومنها وقيد النار قريبا من الزرع أو الأندر فتعدو فتحرق ما جاورها ومنها رمي ما يزلق الناس في الطرقات فيعطب بسبب ذلك حيوان أو غيره ومنها الكلمة الباطلة عند ظالم إغراء على مال إنسان فيأخذه الظالم فإن المتسبب في جميعها يضمن ما تلف بسببه عند مالك والشافعي ويجيء على أصل أبي حنيفة أنه لا يضمنه كمسألة الطائر ومنها من قطع الوثيقة المتضمنة للحق والشهادة به يضمن عند مالك ذلك الحق لتسبب فيه كثمن الوثيقة وعند الشافعي يضمن ثمن الوثيقة خاصة فاعتبر الشافعي الإتلاف دون السبب ومالك اعتبرهما معا ورأى أنه أتلف الورقة بالمباشرة بالإتلاف وأتلف الحق بالتسبب فرتب على الوجهين مقتضاهما ومنها من مر على حبالة فوجد فيها صيدا يمكنه تخليصه وحوزه لصاحبه فتركه حتى مات يضمنه لصاحبه عند مالك لأن صون مال المسلم واجب ومن ترك واجبا في الصون ضمن ومنها من مر بلقطة وعلم أنه إذا تركها أخذها من يجحدها يضمنها عند مالك إذا تركها حتى تلفت مع قدرته على أخذها لأنه يجب عليه أخذها ا ه
كلام البداية بتصرف وزيادة مما يأتي للأصل في الفرق المذكور ومن غيره
وثالثها وضع اليد التي ليست بمؤتمنة سواء كانت عادية كيد السراق والغصاب ونحوهم أو ليست بعادية كما في المبيع بيعا صحيحا يبقى بيد البائع فيضمنه أو يقبضه المشتري فيضمنه أو بيعا فاسدا يقبضه المشتري فيضمنه عندنا فقط إذا تغير سوقه أو في ذاته أو تعلق به حق الغير أو تلف بآفة سماوية
339
339
المتسبب وحده وكشهود الزور أو الجهلة يشهدون بما يوجب ضياع المال على إنسان ثم يعترضون بالكذب أو الجهالة فإنهم يضمنون ما أتلفوه بشهادتهم ولا ينقض الحكم
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
وعندنا وعند الشافعية أيضا إذا أتلفه المشتري وكما في قبض العواري والرهون التي يغاب عليها كالحلي والسلاح وأنواع العروض على الخلاف في ذلك بيننا وبين الشافعي وكما في قبض المقترض الأعيان التي يقترضها فإنه يضمنها اتفاقا ونظائر ذلك كثيرة وخرج بقيد التي ليست بمؤتمنة اليد المؤتمنة كوضع اليد في الودائع والقراض والمساقاة وكأيدي الأوصياء على أموال اليتامى والحكام على ذلك وأموال الغائبين والمجانين وكذا أيدي الأجراء في الإجارة مطلقا عند الشافعي ولو كان الأجير صانعا يؤثر بصنعته في الأعيان أو على حمل الطعام الذي تتوق النفس إلى تناوله كالفواكه والأشربة والأطعمة المطبوخة طردا لقاعدة الأمانة في الإجارة واستثنى مالك من القاعدة المذكورة صورتين الأولى الأجير الذي يؤثر في الأعيان بصنعته كالخياط والقصار استحسن فيها أن الأصلح للناس تضمين الأجراء لأن السلعة إذا تغيرت بالصنعة لا يعرفها ربها إذا وجدها قد بيعت في الأسواق
والثانية الأجير على حمل الطعام الذي تتوق النفس إلى تناوله فإنه رحمه الله تعالى يضمن الأجير فيها سدا للذريعة إذا علمت هذا علمت أن جميع ما وضع الأيدي فيه مؤتمنة من النظائر لا ضمان فيه وهي قاعدة ما لا يضمن وأن جميع ما وضع الأيدي فيه غير مؤتمنة من النظائر فيه الضمان كما في مباشرة إتلاف المتمولات والتسبب للإتلاف وأن هذه الأسباب الثلاثة هي أسباب الضمان وهي قاعدة ما يضمن فهذا هو تقرير قاعدة ما يوجب الضمان وقاعدة ما لا يوجبه
وأما الواجب في الضمان فهو إما رد المال بعينه إن كان قائما عنده بعينه لم تدخله زيادة ولا نقصان وإما رد مثله إن استهلك وكان مثليا أما إن كان عروضا من حيوان وغيره فقال مالك لا يقضى فيه إلا بالقيمة يوم استهلك
وقال الشافعي وأبو حنيفة وداود الواجب في ذلك المثل ولا تلزم القيمة إلا عند عدم المثل وعمدة مالك حديث أبي هريرة المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم من أعتق شقصا له في عبد قوم عليه الباقي قيمة العدل الحديث
ووجه الدليل منه أنه لم يلزمه المثل وألزمه القيمة وعمدة الطائفة الثانية فجزاء مثل ما قتل من النعم ولأن منفعة الشيء قد تكون هي المقصودة عند المتعدى عليه ومن الحجة لهم ما خرج أبو داود من حديث أنس وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عنده بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين جارية بقصعة لها فيها طعام قال فضربت بيدها فكسرت القصعة فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الكسرتين فضم إحداهما إلى الأخرى وجعل فيها جميع الطعام ويقول غارت أمكم كلوا كلوا حتى جاءت قصعتها التي في بيتها وحبس رسول الله صلى الله عليه وسلم القصعة حتى فرغوا فدفع الصفحة الصحيحة إلى الرسول وحبس المكسورة في بيته وفي حديث آخر أن عائشة كانت هي التي غارت وكسرت الإناء وأنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما كفارة ما صنعت قال إناء مثل إناء وطعام مثل طعام كما في بداية المجتهد وأما غير ذلك من الجوابر على ما تقدم في الفرق التاسع والثلاثين بين قاعدتي الزواجر والجوابر
وصل إذا اجتمع من أسباب الضمان الثلاثة سببان كالمباشرة والتسبب من جهتين كمن حفر بئرا لإنسان ليقع فيه فجاءه آخر فألقاه فيه فهذا مباشر والأول متسبب فالغالب تقديم المباشرة على التسبب لأن شأن الشريعة تقديم الراجح عند التعارض فيقدم في المثال المذكور الملقي فيكون الضمان عليه دون
340
340
ولا يضمن الحاكم شيئا مع أنه المباشر والشاهد متسبب غير أن المصلحة العامة قد اقتضت عدم تضمين الحكام ما اخطئوا فيه لأن الضمان لو تطرق إليهم مع كثرة الحكومات وتردد الخصومات لزهد الأخيار في الولايات واشتد امتناعهم فيفسد حال الناس بعدم الحكام فكان الشاهد بالضمان أولى لأنه متسبب للحاكم في الإلزام والتنفيذ وكما قيل الحاكم أسير الشاهد ويقع في هذا الباب مسائل كثيرة مختلف فيها ولكن الأصل هو ما قدمته في أسباب الضمان وعدمه
الفرق الثاني عشر والمائة بين قاعدة تداخل الجوابر في الحج وقاعدة ما لا يتداخل الجوابر فيه في الحج
تقدم الفرق بين قاعدة الجوابر والزواجر من حيث الجملة والمقصود ههنا بيان قاعدة ذلك في الحج خاصة أما الصيد فيتعدد الجزاء فيه لأنه إتلاف على قاعدة الإتلاف وهو غير متوقف على الإثم بل يضمن الصيد عمدا وخطأ فأشبه إتلاف أموال الناس فإن الإجماع منعقد على تعدد الضمان فيما يتعدد الإتلاف فيه وأن العمد والخطأ في ذلك سواء وكذلك ههنا ويتحد الجزاء عند أبي حنيفة رحمه الله بالتأويل وعذره الشافعي رضي الله عنه بالتأويل والنسيان والجهل فلم يوجب عليه شيئا كالواطئ في رمضان
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الحافر وقد لا تقدم المباشرة على التسبب لضعفها عنه بل إما أن يجعل الضمان على المباشر والمتسبب معا إذا كانت المباشرة مغمورة كقتل المكره فإن القصاص يجب عليها ولا تغلب المباشرة لقوة التسبب وإما أن يجعل الضمان على المتسبب وحده إذا وقعت المباشرة من نفس المقتول جهلا كتقديم السم لإنسان في طعامه فيأكله جاهلا به فإنه مباشر لقتل نفسه وواضع السم متسبب فالقصاص على المتسبب وحده أو وقعت المباشرة من الحكام كما إذا شهد شهود الزور أو الجهلة بما يوجب ضياع المال على الإنسان ثم يعترفون بالكذب أو الجهالة فإنهم يضمنون ما أتلفوه بشهادتهم لأنهم متسببون كالمكره بكسر الراء بجامع مطلق التسبب ولا ينقض الحكم ولا يضمن الحاكم شيئا مع أنه المباشر والشاهد متسبب لأن المصلحة العامة قد اقتضت عدم تضمين الحكام ما أخطئوا فيه لأن الضمان لو تطرق إليهم مع كثرة الحكومات وتردد الخصومات لزهد الأخيار في الولايات واشتد امتناعهم فيفسد حال الناس بعدم الحكام فكان الشاهد بالضمان أولى لأنه متسبب للحاكم في الإلزام والتنفيذ وكما قيل الحاكم أسير الشاهد ويقع في هذا الباب مسائل كثيرة مختلف فيها ولكن الأصل هو ما تقدم في أسباب الضمان وعدمه والله أعلم
الفرق الثاني عشر والمائة بين قاعدة تداخل الجوابر في الحج وقاعدة ما لا يتداخل الجوابر فيه في الحج
تقدم الفرق بين قاعدتي الجوابر والزواجر مطلقا وأنه اختلف في بعض الكفارات هل هي زواجر لما فيها من مشاق تحمل الأموال وغيرها أو هي جوابر لأنها عبادات لا تصح إلا بنيات وليس التقرب إلى الله تعالى زاجرا بخلاف الحدود والتعزيرات فإنها ليست قربات لأنها ليست فعلا للمزجورين وذكر الشيخ منلا
341
341
ناسيا وألحق الجاهل بالناسي
وقد تقدم الفرق بين الجهل الذي هو عذر في الشريعة والجهل الذي ليس عذرا في الشريعة وبين العلم الذي هو فرض عين والعلم الذي هو فرض كفاية ومقتضى تلك القواعد أن يضمن الجاهل ههنا فإن الأصل وجوب تحصيل العلم وأن تارك التعلم عاص إلا ما يشق من ذلك فيعذر فيه بالجهل كمن أكل طعاما نجسا لا يعلم أو وطئ أجنبية يظنها امرأته أو شرب خمرا يظنه جلابا ونحوه فإن الاحتراز من الجهل في هذه الصور يشق على المكلف فعذره الشرع بهذا الجهل دون ما يمكن الاحتراز منه وقد تقدم بسط هذا فالحق حينئذ أن الضمان على الجاهل وغيره ولذلك أجرى مالك رحمه الله الجاهل في الصلاة مجرى العامد لا مجرى الناسي لاشتراكهما في العصيان هذا بعمده وهذا بترك تعلمه قال مالك رحمه الله من أفسد حجه فأصاب صيدا أو حلق أو تطيب مرة بعد مرة تعددت الفدية وجزاء الصيد إن أصابه واتحد هذا الوطء لأنه للإفساد وإفساد الفاسد محال فإن كان متأولا بسقوط إجزائه أو جاهلا بموجب إتمامه اتحدت الفدية لأنه لم يوجد منه الجرأة على محرم فعذره بالجهل وإن كانت القاعدة تقتضي عدم عذره به لأنه جهل يمكن دفعه بالتعلم كما قال في الصلاة غير أنه لاحظ ههنا
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
علي قاري في شرحه على المنسك المتوسط في كفارات الحج ثلاثة أقوال الأول للشافعية أنها كالحدود زواجر لا جوابر قال فقد ذكر ابن جماعة عن الأئمة الأربعة أنه إذا ارتكب محظور الإحرام عامدا يأثم ولا يخرجه الفدية والعزم عليها عن كونه عاصيا قال النووي وربما ارتكب بعض العامة شيئا من هذه المحرمات وقال أنا أفتدي متوهما أنه بالتزام الفدية يتخلص من وبال المعصية وذلك خطأ صريح وجهل قبيح فإنه يحرم عليه الفعل فإذا خالف أثم ولزمته الفدية وليست الفدية مبيحة للإقدام على فعل المحرم وجهالة هذا الفعل كجهالة من يقول أنا أشرب الخمر وأزني والحد يطهرني ومن فعل شيئا مما يحكم بتحريمه فقد أخرج حجه عن أن يكون مبرورا ا ه
الثاني والثالث لأصحابه الأحناف أنها وسائر الكفارات ليست كالحدود في كونها زواجر بل هي جوابر إما مطلقا أو لغير المصر قال وقد صرح أصحابنا بأن الحد لا يكون طهرة من الذنب ولا يعمل في سقوط الإثم بل لا بد من التوبة فإن تاب كان الحد طهرة له وسقطت عنه العقوبة الأخروية بالإجماع وإلا فلا
وأما الكفارة ففيها قولان الأول لصاحب الملتقط قال في باب الإيمان إن الكفارة ترفع الإثم وإن لم يوجد منه التوبة من تلك الجناية ا ه
والثاني للشيخ نجم الدين النسفي فقد ذكر في تفسير التيسير عند قوله تعالى فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم أي اصطاد بعد هذا الابتداء قيل هو العذاب في الآخرة مع الكفارة في الدنيا إذا لم يتب منه فإنها لا ترفع الذنب عن المصر ا ه وهذا تفصيل حسن وتقييد مستحسن يجمع به بين الأدلة والروايات والله أعلم بحقائق الحالات ا ه بتوضيح للمراد
وكفارات الحج ثلاث الكفارة الأولى جزاء الصيد وهو دم تخيير بين ما يعدله الحكمان يجب لقتل صيد بري في الإحرام
342
342
معنى مفقودا في الصلاة وهو كثرة مشاق الحج فناسب التخفيف غير أن ههنا إشكالا وهو أن النسيان في الحج لا يمنع الفدية وهو مسقط للإثم إجماعا وأسقط مالك بالجهل والتأويل الفاسد الذي يثبت الإثم معهما والإثم أنسب للزوم
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
أو الحرم مأكولا أو غيره وحشيا أو متأنسا مملوكا أو مباحا فيحكم قاتله حكمين عدلين عدالة شهادة فقيهين بأحكام الصيد ولما أشبه جزاء الصيد إتلاف أموال الناس وكان الإجماع منعقدا على تعدد الضمان فيما يتعدد الإتلاف فيه وأن العمد والخطأ في ذلك سواء قاله مالك رحمه الله تعالى يتعدد الجزاء بتعدد الصيد ولو خطأ على قاعدة الإتلاف بل الجاهل ههنا كالجاهل في الصلاة يجري مجرى العامد لا مجرى الناسي لاشتراكهما في العصيان هذا بعمده وهذا بترك تعلمه وبهذا أيضا قال الحنابلة ففي كشاف القناع على الإقناع مع المتن وتتعدد كفارة الصيد أي جزاؤه بتعدده أي الصيد ولو قتلت الصيود معا لقوله تعالى فجزاء مثل ما قتل من النعم قال
وقال أحمد إذا جامع أهله بطل حجه لأنه شيء لا يقدر على رده والصيد إذا قتله فقد ذهب لا يقدر على رده والشعر إذا حلقه فقد ذهب فهذه الثلاثة العمد والخطأ والنسيان فيها سواء قال ويلحق بالحلق التقليم بجامع الإتلاف ا ه
وعند أبي حنيفة يتحد الجزاء بالتأويل وعند الشافعي يعذر بالتأويل والنسيان والجهل فلا يجب عليه شيء كالوطء في رمضان ناسيا فألحق الجاهل بالناسي لا بالعامد وقد تقدم الفرق بين الجهل الذي هو عذر في الشريعة والجهل الذي ليس عذرا في الشريعة وبين العلم الذي هو فرض عين والعلم الذي هو فرض كفاية ومقتضى تلك القواعد أن يضمن الجاهل ههنا فإن الأصل وجوب تحصيل العلم وأن تارك التعلم عاص وليس الجهل ههنا مما يشق الاحتراز منه على المكلف حتى يعذره الشرع به كمن أكل طعاما نجسا لا يعلم أو وطئ أجنبية يظنها امرأته أو شرب خمرا يظنها جلابا ونحو ذلك ولذلك أجرى مالك رحمه الله تعالى الجاهل في الصلاة مجرى العامد لا مجرى الناسي لاشتراكهما في العصيان هذا بعمده وهذا بترك تعلمه
الكفارة الثانية الفدية وهي دم تخيير بين مقدر شرعا في قوله تعالى ففدية من صيام أو صدقة أو نسك يجب بفعل المتلبس بالإحرام ما فيه ترفه أو إزالة أذى من الممنوعات كأن يلبس مخيطا معمولا على قدر البدن أو بعضه على الوجه المعتاد أو يستعمل طيبا مؤنثا أو يدهن شعر رأسه أو لحيته أو سائر جسده ولو لم يكن في الدهن طيب ما لم يدهن باطن كفه وقدميه لشقوق ونحوها بما لا طيب فيه وإلا فلا فدية أو يزيل وسخا عن ظاهر بدنه أو يزيل ظفرا واحدا لإماطة أذى عنه أو ظفرين فأكثر للترفه لا ظفرا واحدا لكسر بقدره أو يزيل شعرا كثيرا زائدا على اثني عشر مطلقا أو شعرة واحدة لإماطة أذى عنه أو يقتل قملا كثيرا زائدا على اثني عشر ولا يوجبها اللبس إلا إذا انتفع به من حر أو برد أو دام عليه كاليوم كما في ابن شاس فقيد بقوله كاليوم لأنه انتفاع من حر أو برد في الجملة ويوجبها ما عدا اللبس بلا تفصيل لأنه لا يقع إلا منتفعا به كما في عبق وقاعدة الفدية أن النسيان والعذر في ارتكاب موجبها لا يسقطها وإنما يسقط الإثم كما في الأصل والمختصر وضابط قاعدة ما تتحد فيه وما تتعدد عند مالك وأبي حنيفة رحمهما الله تعالى أنه متى ارتكبت موجباتها لمستند محقق أو اتحدت النية أو الزمان بأن يكون الكل على الفور أو السبب بأن يقدم ما نفعه أعم على ما نفعه أخص عندنا أو يتحد المرض أو غيره عند أبي حنيفة اتحدت الفدية ويزاد عند أبي حنيفة أو اتحد الجنس قال في المنسك المتوسط المسمى بلباب المناسك

343
343
الجابر من عدم الإثم
وضابط قاعدة ما تتحد الفدية فيه وما تتعدد أنه متى اتحدت النية أو المرض الذي هو السبب أو الزمان بأن يكون الكل على الفور اتحدت الفدية ومتى وقع التعدد في النية أو السبب أو الزمان تعددت الفدية ويظهر ذلك بالفروع قال مالك
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
وما ذكر من اتحاد الجزاء في تعدد الجناية إنما هو فيما إذا اتحد جنس الجناية فاللبس جنس والطيب جنس والحلق جنس وقلم الأظفار جنس ا ه أي وقس على ذلك ومتى ارتكبت موجباتها جهلا محضا أو تعددت النية أو الزمان أو السبب بأن يقدم ما نفعه أخص على ما نفعه أعم عندنا وعند أبي حنيفة بأن يلبس في موضعين أحدهما لعذر والآخر لغير عذر أو لعذر آخر سواء يكون على وجه الاستمرار أو الانفصال بينهما بالخلع والاسترجاع كما في شرح القاري على المنسك المتوسط أو كفر للموجب الأول قبل فعل الثاني كأن لبس ثم كفر ودام على لبسه أو نزع ثم كفر ثم لبس تعددت الفدية ويزاد عند أبي حنيفة أو يجمع بين الأجناس المختلفة في مجلس واحد قال في المنسك المتوسط فإذا جمع بينهما في مجلس واحد لم يتحد الجزاء بل يتعدد لكل جنس موجبه بفتح الجيم أي الذي أوجبه الشارع بحسب اختلاف موجبه فمواضع اتحادها عند أصحابنا أربعة وعند الإمام أبي حنيفة رحمه الله خمسة الموضع الأول ظن إباحة أسبابها لمستند وصورة عندنا قال الحطاب ثلاثة الأولى قال سند من يطوف على غير وضوء في عمرته ثم يسعى ويحل أي فينعقد أنه خرج من إحرامه فيفعل سائر موجبات الفدية الثانية من يرفض إحرامه فيعتقد استباحة موانعه
الثالثة من أفسد إحرامه بالوطء ثم فعل موجبات الفدية متأولا بأن الإحرام تسقط حرمته بالفساد أو جاهلا بوجوب إتمامه ا ه بتوضيح للمراد
وفي الأصل قال مالك رحمه الله من أفسد حجه فأصاب صيدا أو حلق أو تطيب مرة بعد مرة تعددت الفدية وجزاء الصيد إن أصابه واتحد الهدي ولو تعدد الوطء لأنه للإفساد وإفساد الفاسد محال فإن كان متأولا بسقوط جزائه أو جاهلا بموجب إتمامه اتحدت الفدية لأنه لم يوجد منه الجرأة على محرم فعذره بالجهل وإن كانت القاعدة تقتضي عدم عذره به لأنه جهل يمكن دفعه بالتعلم كما قال في الصلاة غير أنه لاحظ ههنا معنى مفقودا في الصلاة وهو كثرة مشاق الحج فناسب التخفيف غير أن ههنا إشكالا وهو أن النسيان في الحج لا يمنع الفدية وهو مسقط للإثم إجماعا وأسقط مالك أي الجابر بالجهل والتأويل الفاسد الذي يثبت الإثم معهما والإثم أنسب للزوم الجابر من عدم الإثم قاله الأصل ولا يخفاك أنه لم يسقط بهما الجابر رأسا بل إنما أسقط تعدده بتعدد موجبه نظرا لكثرة مشاق الحج فتأمل بدقة وعند الأحناف قال في رد المحتار نقلا عن اللباب واعلم أن المحرم إذا نوى رفض الإحرام فجعل يصنع ما يصنعه الحلال من لبس الثياب والتطيب والحلق والجماع وقتل الصيد فإنه لا يخرج بذلك من الإحرام وعليه أن يعود كما كان محرما ويجب دم واحد لجميع ما ارتكب ولو كل المحظورات وإنما يتعدد الجزاء بتعدد الجنايات إذا لم ينو الرفض ثم نية الرفض إنما تعتبر ممن زعم أنه خرج منه بهذا القصد لجهله مسألة عدم الخروج وأما من علم أنه لا يخرج منه بهذا القصد فإنها لا تعتبر منه ا ه
قلت ولا يخفاك أن هذا تداخل لجميع المحظورات لا لخصوص موجبات الفدية وهو فسحة في الدين فاحفظه

344
344
في المدونة إذا لبس قلنسوة لوجع ثم نزعها وعاد إليه الوجع فلبسها إن نزعها معرضا عنها فعليه في اللبس الثاني والأول فديتان وإن كان نزعها ناويا ردها عند مراجعة المرض ففدية واحدة لأجل اتحاد النية والسبب ولو لبس الثياب مرة بعد مرة ناويا لبسها إلى برئه
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الموضع الثاني عندنا أن يتعدد موجبها بفور واحد ولو لم يكن من جنس واحد بأن يلبس ويتطيب ويحلق ويقلم سواء كان السبب واحدا أو متعددا بأن يلبس لعذر ويفعل الباقي لغير عذر لكن بشرط أن لا يخرج للأول قبل أن يفعل ما بعده وإلا تعددت وفي كون المراد بالفور حقيقته أي من غير فصل بأن تكون تلك الأفعال في وقت واحد وهو ما يفيده ظاهر المدونة وأقره ابن عرفة أو مجازه وأن اليوم فور والتراخي يوم وليلة لا أقل وهو ما اقتضاه كلام ابن الحاجب واقتصر عليه التتائي خلاف اعتمد عبق الأول وسلم البناني وغيره وعند الأحناف أن يتعدد موجبها بفور واحد بثلاثة شروط الأول أن يكون من جنس واحد لا من أجناس وإلا تعددت كما علمت الثاني أن لا يكفر للأول وإلا فكفارتان كما يعلم مما مر الثالث أن يتحد السبب في تعدد ذلك الموجب قال في لباب المناسك مع بعض من شرح القاري وهذا إذا اتحد سبب اللبس فإن تعدد السبب كما إذا اضطر إلى لبس ثوب فلبس ثوبين فإن لبسهما على موضع الضرورة نحو أن يحتاج إلى قميص فلبس قميصين أو قميصا وجبت أو يحتاج إلى قلنسوة فلبسها مع العمامة فعليه كفارة واحدة لأن محل الجناية متحد فلا نظر إلى الفعل المتعدد يتخير فيها لوقوع أصل الجناية لضرورة ما صرح به في المحيط وكذا إذا لبسهما على موضعين لضرورة بهما في مجلس واحد بأن لبس عمامة وخفا بعذر فيهما فعليه كفارة واحدة يتخير فيها لأن اللبس على وجه واحد وإن لبسهما على موضعين مختلفين موضع الضرورة وغير الضرورة كما إذا اضطر إلى لبس العمامة فلبسها مع القميص مثلا أو لبس قميصا للضرورة وخفين من غير ضرورة فعليه كفارتان كفارة الضرورة يتخير فيها وكفارة الاختيار لا يتخير فيها أي بل يتحتم الكفارة عنها وهذا الحكم في الحلق بأن حلق بعض أعضائه لعذر وبعضها لغير عذر ولو في مجلس يتعدد الجزاء وهذا في الطيب ا ه
واعتمدوا أن اليوم أي مقداره في اللباس كالمجلس في غيره قال القاري على اللباب عند قوله عطفا على ما يتحد فيه الجزاء مع تعدد اللبس وجمع اللباس كله في مجلس أو يوم ما نصه واعلم أنه ذكر بعضهم ما يفيد أن اليوم في اتحاد الجزاء في حكم اللبس كالمجلس في غيره من الطيب والحلق والقص والجماع كما سيأتي لأنه ذكر الفارسي والطرابلسي أنه إن لبس الثياب كلها معا ولبس خفين فعليه دم واحد وإن لبس قميصا بعض يومه ثم لبس في يومه سراويل ثم لبس خفين وقلنسوة فعليه كفارة واحدة فقيد باليوم لا بالمجلس وفي الكرماني ولو جمع اللباس كله في يوم واحد فعليه دم واحد لوقوعه على جهة واحدة وسبب واحد فصار لجناية واحدة ومثله ما ذكر بعضهم في حلق الرأس إذا حلق في أربع مجالس عليه دم واحد وقيل عليه أربع دماء وقد صرح في منية المناسك بتعدد الجزاء في تعدد الأيام حيث قال وإن لبس العمامة يوما ثم لبس القميص يوما آخر ثم الخفين يوما آخر ثم السراويل يوما آخر فعليه لكل لبس دم ثم قال والمعتبر مقدار اليوم لا عينه وبهذا صح قوله وحكم الليل كاليوم أي في جميع ما ذكر ا ه

345
345
من مرضه أو لم يكن به وجع وهو ينوي لبسها مرة جهلا أو نسيانا أو جرأة فكفارة واحدة لاتحاد النية وكذلك الطيب مع اتحاد النية وتعددها فإن داوى قرحة بدواء فيه طيب ففديتان لتعدد السبب والنية وإن احتاج في فور واحد لأصناف من المحظورات
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الموضع الثالث عندنا أن ينوي التكرار ولو بعد ما بين الأول والثاني بشرط أن يفعل الثاني قبل أن يخرج للأول قال عبق وصور نية التكرار ثلاث الأول أن ينوي فعل كل ما يحتاج إليه من موجبات الفدية
الثانية أن ينوي فعل موجب من موجبات الفدية ويفعل ذلك أو متعددا منه قال الحطاب بأن يلبس لعذر وينوي أنه إذا زال العذر تجرد فإن عاد إليه العذر عاد إلى اللبس أو يتداوى بدواء فيه طيب وينوي أنه كلما احتاج إلى الدواء فعل ومحل النية من حين لبسه الأول قاله سند وهو الذي يفهم من لفظ المدونة وأما من لبس ثوبا ثم نزعه ليلبس غيره أو نزعه عند النوم ليلبسه إذا استيقظ فقال هذا فعل واحد متصل في العرف ولا يضر تفرقته في الحس وقد صرح في المدونة بأن في ذلك فدية واحدة ا ه
الصورة الثالثة أن ينوي متعددا من موجبات الفدية معينا فلا تتعدد عليه الفدية في صورة من الصور الثلاث بفعل ما نواه أو بفعل بعضه وسواء كانت نيته في الصور الثلاث عند فعل موجب من موجبات الفدية أو عند إرادة فعله أو قبلهما وقول تت عقب قول خليل التكرار عند الفعل الأول ا ه مثله نية التكرار عند الإحرام كما يفيده الحطاب والمواق وغيرهما فإنما احترزا به عن نية التكرار بعد الفعل الأول ا ه كلام عبق بتصرف وزيادة
ومراده قول الحطاب فرع مما تتحد فيه الفدية إذا كانت نية فعل جميع ما يحتاج إليه من موجبات الفدية قاله اللخمي ونقله خليل في المناسك ا ه وفي المواق واللخمي إن لبس وتطيب وحلق وقلم فإن كانت بنية فعل جميعها فعليه فدية واحدة وإن بعد ما بين تلك الأفعال فذلك سواء وإن كانت نيته أحدها ثم حدثت نية ففعل أيضا كان لكل شيء من ذلك فدية إلا إن فعل في فور واحد ا ه نعم قد مر عن الحطاب في الصورة الثانية أن محل النية من حين لبسه الأول قاله سند وهو يفهم من لفظ المدونة ا ه وسيأتي لفظ المدونة الذي يفهم منه ذلك ويمكن أن يقال إنما احترز به عن نية التكرار بعد الفعل الأول فعلم ما في تنظير البناني على قوله مثله نية التكرار عند الإحرام فتأمل بإنصاف ولا تنظر لمن قال وسواء كانت نية التكرار للموجب الواحد أو المتعدد لعذر واحد أو متعدد أو جهلا أو نسيانا أو جرأة ففي عبق أن قول تت أما لو تداوى لقرحة أخرى لتعددت ا ه
يحمل على ما إذا لم ينو مداواة الثانية عند الأولى ا ه وسلمه البناني وغيره
وقال مالك في المدونة إذا لبس قلنسوة لوجع ثم نزعها وعاد إليه الوجع فلبسها إن نزعها معرضا عنها فعليه في اللبس الثاني والأول فديتان وإن كان نزعها ناويا ردها عند مراجعة المرض ففدية واحدة لأجل اتحاد النية والسبب ولو لبس الثياب مرة بعد مرة ناويا لبسها إلى برئه من مرضه أو لم يكن به وجع وهو ينوي لبسها مرة جهلا أو نسيانا أو جرأة فكفارة واحدة لاتحاد النية ا ه نقله الأصل وعند الأحناف عدم العزم على الترك عند النزع بثلاثة شروط تعلم مما مر أحدها أن لا يكفر عن الأول
الثاني اتحاد جنس الموجب
الثالث اتحاد السبب قال القاري على اللباب مع المتن ولو كان به حمى غب بكسر الغين المعجمة وتشديد الموحدة أو بأن تأتي يوما بعد يوم ونحو ذلك فجعل يلبس المخيط يوما أي للاحتياج إليه وينزعه
346
346
فلبس خفين وقميصا وقلنسوة وسراويل فكفارة واحدة وإن احتاج إلى خفين فلبسهما ثم احتاج إلى قميص فلبسه فعليه كفارتان لتعدد السبب وإن قلم اليوم ظفر يده وفي غد ظفر يده الأخرى ففديتان لتعدد الزمان وإن لبس وتطيب وحلق وقلم ظفره في فور واحد ففدية
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
يوما للاستغناء عنه فما دامت الحمى تأخذه فاللبس متحد وعليه كفارة واحدة وإن زالت هذه وحدثت أخرى اختلف حكم اللباس فعندهما عليه كفارتان كفر للأول أو لا وعنده كفارة واحدة إن لم يكفر وإن كفر فكفارة أخرى على ما في البدائع وغيره أو حصره عدو أي في حصن ونحوه فاحتاج إلى اللبس للقتال أياما أي مثلا يلبسها إذا خرج عليه أي على العدو أو بعكسه وينزعها إذا رجع أي هو أو عدوه أو لم ينزع أصلا أي ولو رجع العدو أو لم يرجع أي للعدو ولكن يلبس في وقت وينزع في وقت أي والعلة قائمة بأن لم يذهب هذا العدو فإن ذهب وجاء عدو غيره لزمه كفارة أخرى أو كان به أي وقع بالمحرم ضرورة أخرى أي غير ضرورة الإحصار لأجلها يلبس في النهار أي للاحتياج إليه وينزع في الليل للاستغناء عنه أو فعل بالعكس أي بأن لبس في الليل ونزع في النهار لبرد أو غيره من الضرورات أو لم ينزع ولو مع الاستغناء عنه والعلة لازمة لأن لزومها يقوم مقام دوامها فما دام العذر أي موجودا حقيقة وحكما فاللبس متحد في جميع ما ذكر من الصور وعليه كفارة واحدة أي للتداخل يتخير فيها أي لارتكابه معذورا فإن زال العذر الذي لأجله لبس أي بالكلية بيقين فنزع أو لم ينزع وحدث عذر آخر أي فلبس أو لم يحدث عذر ولكن دام على اللبس أي بلا عذر فعليه كفارة أخرى فإذا كان على شك من زوال العذر فاستمر أي على لبسه فعليه كفارة واحدة ما لم يتيقن زواله والأصل في جنس هذه المسائل أنه ينظر إلى اتحاد الجهة واختلافها لا إلى صورة اللبس لكن هنا دقيقة وهي أنه إذا كان بقاء العذر حكميا أو زواله حقيقيا فالظاهر أنه يجب عليه نزعه لئلا يكون عاصيا وإن سقط عنه الكفارة في هذه الصورة فلبقاء العلة في الجملة ا ه بتغير ما
الموضع الرابع أن يتحد السبب وقد مر أن صورته عند الأحناف أن يلبس في موضعين من الجسد كليهما بعذر أو كليهما بغير عذر وعند أصحابنا أن يقدم ما نفعه أعم على ما نفعه أخص كأن يلبس أولا الثوب ثم السراويل أو يقدم القلنسوة على العمامة أو القميص على الجبة إذا كان القميص أطول من الجبة والسراويل أما إذا طالت السراويل أو الجبة طولا له بال يحصل به انتفاع أو دفع حر أو برد فيتعدد كما إذا عكس فقدم السراويل على القميص ففي الجلاب إن احتاج إلى قميص فلبسه ثم احتاج إلى سراويل فلبسها فكفارة واحدة لحصول الستر من القميص لجميع الجسد فإن احتاج إلى سراويل ثم إلى قميص ففديتان لأنه استفاد بالقميص من الستر ما لم يستفده من السراويل نقله الأصل
فرع إذا تعدد موجب الحفنة بأن قتل قملا قليلا وأزال شعرا قليلا لا لإماطة أذى وقلم ظفرا واحدا لا لإماطة أذى أيضا وألقى قرادا كثيرا أو قليلا عن بعيره جرى فيه مثل ذلك أيضا فتتحد إن ظن الإباحة لمستند أو فعل ذلك في فور إذا لم يخرج للأول قتل الثاني وإلا تعددت الجفنة كما إذا تراخى ما بينهما كذا في عبق وحاشية شيخنا على توضيح المناسك
الموضع الخامس عند الأحناف خاصة أن يتحد الجنس كما مر توضيحه عن اللباب هذا وقول الأصل وضابط قاعدة ما تتحد الفدية فيه وما تتعدد أنه متى اتحدت النية أو المرض الذي هو السبب أو الزمان بأن
347
347
واحدة وإن تعددت المحال تعددت الفدية وقاله أبو حنيفة رحمه الله وقال الشافعي رضي الله عنه هذه أجناس لا تتداخل كالحدود المختلفة وحجة مالك رحمه الله أن المعتبر هو الترفه وهو مشترك بينهما فالموجب واحد
وموجب الجميع واحد وهو الفدية
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
يكون الكل على الفور اتحدت الفدية ومتى وقع التعدد في النية أو السبب أو الزمان تعددت الفدية ا ه فيه نظر بوجهين أحدهما أن فيه قصورا لا يخفى من الضابط المار
ثانيهما أن السبب لا ينحصر في المرض لا عندنا ولا عند أبي حنيفة أما عندنا فلأنه مطلق الانتفاع ولو لغير مرض وأما عند أبي حنيفة فلأنه كما علمت المرض أو غيره فتأمل بإنصاف ولا تنظر لمن قال وأما ضابط التداخل وعدمه عند الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى فهو أنه متى اتحد السبب أو الجنس ولو تعدد الزمان اتحدت الفدية وقيل إنه متى اتحد السبب فقط اتحدت ومتى تعدد السبب أو الجنس أو تعدد السبب فقط تعددت قال في كشاف القناع على الإقناع مع المتن وإن كرر محظورا من جنس غير قتل صيد مثل أن حلق ثم أعاد أو قلم ثم أعاد أو لبس مخيطا ثم أعاد أو تطيب ثم أعاد أو وطئ ثم أعاد أو فعل غيرها من المحظورات كأن باشر دون الفرج ثم أعاد ذلك ثانيا ولو غير الموطوء أولا أو كان تكريره للمحظور يلبس مخيطا في رأسه فعليه فدية واحدة قال في الشرح بأن لبس قميصا وسراويل وعمامة وخفين كفاه فدية واحدة لأن الجميع يلبس فأشبه الطيب في رأسه وبدنه أو بدواء فيه طيب ذكره في الإنصاف المذهب وأن عليه الأصحاب وبناه في المستوعب على رواية أن الحكم يختلف باختلاف الأسباب لا باختلاف الأوقات والأجناس وهو ظاهر إذ الطيب وتغطية الرأس جنسان كما تقدم ويمكن حمل كلامه على تكرار الطيب فقط بأن تطيب أولا ثم أعاده بدواء مطيب فهذا جنس واحد لا لبس معه ولا تغطية رأس بخلاف ما لو غطى رأسه ثم أعاده بدواء مطيب فإنه على مقتضى كلامه يلزمه فديتان لتغطية الرأس فدية وللطيب فدية وقوله قبل التكفير عن الأول متعلق بأعاد ف عليه كفارة واحدة تابع الفعل أو فرقه لأن الله تعالى أوجب في حلق الرأس فدية واحدة ولم يفرق بين ما وقع في دفعة أو دفعتان فلو قلم ثلاثة أظفار أو قطع ثلاث شعرات في أوقات قبل التكفير لزمه دم أو صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين ولم تلزمه ثانية لما تقدم وإن كفر عن الفعل الأول لزمه عن الثاني كفارة ثانية لأن السبب الموجب للكفارة الثانية غير عين السبب الموجب للكفارة الأولى أشبه ما لو حلف ثم حنث وكفر ثم حلف وحنث ا ه بحروفه
قال الأصل ومذهب الشافعي رحمه الله تعالى أن موجبات الفدية أجناس لا تتداخل كالحدود المختلفة وحجة مالك رحمه الله تعالى أن المعتبر هو الترفه وهو مشترك بينهما فالموجب بالكسر واحد وموجب الجميع بالفتح واحد وهو الفدية فتتداخل كحدود شرب الخمر المختلفة الأنواع
الكفارة الثالثة الهدي وهو دم مرتب بين مقدر شرعا في قوله تعالى فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة يجب لفساد إحرام أو تمتع أو قران أو نقص في إحرام كترك نحو واجب من واجباته أو فوات حج وكمذي أو مقدمات جماع بلا إنزال أو إنزال بمجرد النظر والفكر أو لنذر عين للمساكين أو أطلق أو يكون تطوعا ولا يتحد الهدي
348
348
فتتداخل كحدود شرب الخمر المختلفة الأنواع وفي الجلاب إن احتاج إلى قميص فلبسه ثم احتاج إلى سراويل فلبسه فكفارة واحدة لحصول الستر من القميص لجميع الجسد وإن احتاج إلى سراويل ثم إلى قميص ففديتان لأنه استفاد بالقميص من الستر ما لم يستفده من السراويل فهذا تحقيق الفرق بين ما يتداخل في الحج وما لا يتداخل
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
مع تعدد سببه إلا في خمس مسائل تصيدتها من كلام أصحابنا الآن ويخلق ما لا تعلمون المسألة الأولى تكرر الوطء المسألة الثانية ترك النزول بالمزدلفة ومبيت ليالي منى ورمي جميع الجمرات ولو عمدا على المعتمد ويدخل بالأولى ترك مبيت ليالي منى فقط وترك رمي جميع الجمرات فقط كما لا يخفى
المسألة الثالثة ترك ذي النفس طواف القدوم مع تأخير السعي للإفاضة المسألة الرابعة ترك الإتيان بالتلبية عقب الإحرام وعقب السعي معا
المسألة الخامسة ترك القادر المشي في الطواف والسعي معا وبالجملة فدماء الحج عندنا ثلاثة مجموعة في قولي ثلاثة دماء حج حصروا أحدها المرتب المقدر وذا هو الهدي لنقص أو فساد فوات حج أو تمتع يراد قران أو نذر لمسكين بدا أو مطلقا أو ذا تطوع غدا والثان جا مخيرا مقدرا وذا هو الفدية حيثما ترى والثالث المخير المعدل وذا جزاء الصيد حيث يحصل وجعل الشافعية في الوطء المفسد والحصر عن إتمام الشك دما مرتبا معدلا لا مقدرا فأوجبوا ذبح الشاة على القادر المحصور للتحلل وعلى العاجز العدول إلى الإطعام في محل الإحصار بقدر قيمة الشاة بتقويم عدلين من المسلمين وعلى العاجز عنه أيضا العدول إلى الصوم عن كل مد يوما حيث شاء وأوجبوا في الوطء المفسد ذبح بدنة فإن عجز عنها فبقرة فإن عجز عنها فسبع شياه من الغنم فإن عجز عنها قوم البدنة عدلان من المسلمين وأخرج بقيمتها طعاما فإن عجز صام بعدد الأمداد أياما فدماء الحج عندهم أربعة المرتب إما مقدر أو معدل والمخير إما مقدر أو معدل والذي يتداخل منها عند أصحابنا الفدية في أربعة مواضع والهدي في خمس مسائل وقد جمعتها في قولي تتحد الفدية مع تعدد لسبب بأربع لم تزد أحدها أن تفعل الأسباب في وقت ونحوه وثانيها قفي نية تكرار لفعل ما إليه أداه عذره الذي يطرا عليه ثالثها تقديم ما نفعا أعم على أخص لم يزد على الأعم رابعها ظن إباحة السبب لمقتض من نحو رفض ما ارتكب واتحد الهدي كذا بخمسة فأول تكرار وطء فاثبت والثان ترك لنزول جمع والرمي والمبيت رأسا فاوع
349
349
الفرق الثالث عشر والمائة بين قاعدة التفضيل بين المعلومات
وهي عشرون قاعدة القاعدة الأولى تفضيل المعلوم على غيره بذاته دون سبب يعرض له يوجب التفضيل له على غيره وله مثل أحدها الواجب لذاته المستغني في وجوده عن غيره كذات الله سبحانه وتعالى وصفاته المعنوية السبعة وهي العلم والقدرة والإرادة والحياة والكلام النفساني والسمع والبصر
وثانيهما العلم حسن لذاته وهو أفضل من الظن للقطع بعدم الجهل معه وتجويز الجهل مع الظن وذلك لذات العلم لا لصفة قامت به كما أن الجهل نقيصة لذاته لا لصفة قامت به أوجبت نقصه بخلاف الجاهل والعالم نقص الجاهل لصفة
هامش أنوار البروق
قال
الفرق الثالث عشر والمائة بين قاعدة التفضيل بين المعلومات وهي عشرون قاعدة
قلت الفضل كون معلوم ما منفردا بصفة مدح أو بمزية في صفة مدح والتفضيل على ضربين عقلي ووضعي ومعنى العقلي أن فضل المتصف بالفضل لمعقوله لا لغير ذلك ومعنى الوضعي أن فضل المتصف به ليس لمعقوله بل لموجب غيره أوجب له ذلك
هامش إدرار الشروق
وثالث تأخيره للسعي مع ترك قدوم لا لعذر قد وقع ورابع يا صاح ترك التلبيه من بعد إحرام وسعي فادريه والخامس الركوب في الطواف والسعي لا لحاجة توافي والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الثالث عشر والمائة بين قاعدة التفضيل بين المعلومات
الفضل كون معلوم ما منفردا بصفة مدح أو بمزية في صفة مدح والتفضيل على ضربين الأول عقلي بأن يكون الفضل لمعقول المتصف به لا لغير ذلك
والثاني وضعي بأن يكون الفضل لا لمعقول المتصف به بل لموجب غيره أوجب له ذلك وذلك أن التفضيل بين المعلومات إن كان بحسب الذات أو بحسب الصفة الحقيقية فهو عقلي وإن كان بغير ذلك كأن يكون بالطاعة أو بكثرة الثواب أو بشرف الموصوف أو الصدور أو لمدلول أو الدلالة أو التعلق أو المتعلق أو بكثرة التعلق أو بالمجاورة أو بالحلول أو بالإضافة أو بالأنساب والأسباب أو بالثمرة والجدوى أو بأكثرية الثمرة أو بالتأثير أو بجودة النية والتركيب أو باختيار الرب لمن يشاء على من يشاء ولما يشاء على ما يشاء فهو وضعي فقاعدة التفضيل ترجع إلى عشرين قاعدة بل قال ابن الشاط لا أعرف الآن دليل صحة حصر وجوه التفضيل في عشرين قاعدة ا ه
أي بل إنها
350
350
قامت به وهي الجهل وفضل العالم لصفة قامت به وهي العلم
وثالثها الحياة أفضل من الموت لذاتها لا لمعنى أوجب لها ذلك وسبب تفضيلها كونها يتأتى معها العلم والقدرة والإرادة وغير ذلك من التصرفات وصفات الكمال كالنبوءة والرسالة وغيرهما وتعذر جميع ذلك مع الموت
وتلك الحياة لذاتها لا لمعنى أوجب لها ذلك
القاعدة الثانية
التفضيل بالصفة الحقيقية القائمة بالمفضل وله مثل أحدها تفضيل العالم على الجاهل بالعلم
وثانيها تفضيل الفاعل المختار على الموجب بالذات بسبب الإرادة والاختيار القائم به
وثالثها تفضيل القادر على العاجز بسبب القدرة الوجودية القائمة به فهذا كله تفضيل بالصفات القائمة بالمفضل لا لذاته وبه خالف القاعدة الأولى
هامش أنوار البروق
قال شهاب الدين القاعدة الأولى تفضيل المعلوم على غيره بذاته دون سبب يعرض له يوجب التفضيل له على غيره وله مثل أحدها الواجب لذاته المستغني في وجوده عن غيره كذات الله سبحانه وتعالى وصفاته المعنوية السبعة وهي العلم والقدرة والإرادة والحياة والكلام النفساني والسمع والبصر قلت ما قاله من أن التفضيل بالذات له مثل ليس بصحيح بل لا مثال له إلا واحد وهو ذات الله تعالى وصفاته ولا يسوغ أن يقال إنها مثل باعتبار الذات والصفات لأنه لا يسوغ أن يقال إنها غيره
قال وثانيها العلم حسن لذاته قلت ما قاله في ذلك ليس بجار على مذهب الأشعرية في قولهم إن الحسن والقبح ليسا بذاتيين وإنما يجري ذلك على مذهب المعتزلة فقوله ليس بصحيح قال وهو أفضل من الظن للقطع بعدم الجهل معه وتجويز الجهل مع الظن قلت ما قاله هنا كلام ساقط عديم التحصيل كيف يكون العلم أفضل من الظن بسبب القطع
هامش إدرار الشروق
تزيد على ذلك وقال الأصل وأسباب التفضيل كثيرة لا أقدر على إحصائها خشية الإسهاب وإنما بعثني على الوصول فيها إلى هذه الغاية ما أنكره بعض فضلاء الشافعية على القاضي عياض رحمهما الله تعالى من قوله إن الأمة أجمعت على أن البقعة التي ضمت أعضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل البقاع فقال الثواب على العمل هو سبب التفضيل والعمل ههنا متعذر ضرورة أن العمل على قبره صلى الله عليه وسلم محرم فيه عقاب شديد فضلا عن أن يكون فيه أفضل المثوبات فكيف مع عدم الثواب يصح هذا الإجماع وشنع عليه كثيرا وما بلغني أيضا عن المأمون بن الرشيد الخليفة أنه قال أسباب التفضيل أربعة وكلها كملت في علي رضي الله عنه فهو أفضل الصحابة وأخذ يرد بذلك على أهل السنة فأردت ببيان تعدد الأسباب والوصول فيها إلى هذه الغاية أن أبطل ما ادعياه من الحصر من حيث إن أسبابه أعم من الثواب بل ومن الأربعة التي زعم المأمون الحصر فيها وإلا لما كان جلد المصحف بل ولا المصحف نفسه أفضل من غيره لتعذر العمل فيه ولعدم تحقق الأسباب الأربعة فيه وهو خلاف المعلوم من الدين بالضرورة ا ه بتصرف وزيادة
القاعدة الأولى
تفضيل المعلوم على غيره بذاته وليس له إلا مثال واحد وهو ذات الله سبحانه وتعالى وصفاته المعاني السبعة وهي العلم والإرادة والقدرة والحياة والكلام النفساني والسمع والبصر إذ لا يسوغ أن يقال في صفات المعاني إنها غير الذات كما لا يصح أن يقال إنها عين الذات لأنا لو قلنا هي هو لأدى
351
351
القاعدة الثالثة
التفضيل بطاعة الله تعالى وله مثل أحدها تفضيل المؤمن على الكافر
وثانيها تفضيل أهل الكتاب على عبدة الأوثان فأحل الله عز وجل طعامهم وأباح تزويجنا نساءهم دون عبدة الأوثان فإنه جعل ما ذكوه كالميتة وتصرفهم فيه بالذكاة كتصرف الحيوان البهيمي من السباع والكواسر في الأنعام لا أثر لذلك وجعل نساءهم كإناث الخيل والحمير محرمات الوطء كل ذلك اهتضام لهم لجحدهم الرسائل والرسل وأهل الكتاب عظموا الرسل والرسائل من حيث الجملة فقالوا بصحة نبوة موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وبصحة التوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب فحصل لهم هذا النوع من التعظيم والتمييز بحل
هامش أنوار البروق
بعدم الجهل معه وتجويز الجهل مع الظن وقد زعم أنه حسن لذاته والذاتي لا يعلل وكيف يجوز الجهل مع الظن والجهل والظن ضدان فكيف يجوز اجتماعهما هذا كله كلام من لم يحصل شيئا من علم الكلام ألبتة
قال وذلك لذات العلم لا لصفة قامت به كما أن الجهل نقيصة لذاته لا لصفة قامت به أوجبت نقصه
قلت قوله لا لصفة قامت به يشعر أنه يجوز قيام الصفة بالصفة وذلك محال عند أهل هذا العلم
قال بخلاف الجاهل والعالم نقص الجاهل لصفة قامت به وهي الجهل وفضل العالم لصفة قامت به وهي العلم قلت ما قاله هنا صحيح
قال وثالثها الحياة أفضل من الموت لذاتها لا لمعنى أوجب لها ذلك
هامش إدرار الشروق
إلى اتحاد الصفات والموصوف وهو لا يعقل ولو قلنا غيره لكانت إما محدثة فيكون محلا للحوادث وهو محال وإما قديمة فيلزم تعدد القدماء المتغايرة وهو محال وليس المراد بالغير هنا ما قابل العين بل المراد به المنفك فحاصل المعنى أنها ليست منفكة ولا عينا بل شيء ملازم بخلاف الوجود فقد قيل إنه عين الذات بناء على أنه وجه واعتبار وإنه غيرها بناء على أنه حال وهو ما له ثبوت في نفسه
وفي محله نعم قال السكتاني قولنا الله موجود حكم معنوي يعتقد ويبرهن عليه لا مجرد إخبار لفظي فالحق أن الصفة يكفي فيها مغايرة المفهوم وإن لم تكن زائدة في الخارج كيف وقد عدوا السلوب يعني القدم والبقاء ومخالفته تعالى للحوادث وقيامه تعالى بنفسه والوحدانية صفات وبالجملة فصفات الباري التي عدها المتكلمون وأوجبوا معرفتها تفصيلا إما أن تدل على معنى زائد على الذات وهي المعاني السبعة المذكورة وهذه وإن كانت ليست عين الذات إلا أنها ليست منفكة عنها بل ملازمة لها
وإما أن لا تدل على ذلك بل إما أن تكون عدمية عبارة عن سلبها نقصا عن الذات وهي صفات السلوب الخمس المذكورة وإما أن تكون وجها واعتبارا لا حالا لأن الحق نفيه وهي الصفة النفسية أعني الوجود والصفات المعنوية وهي الكون عالما ومريدا وقادرا ومتكلما وحيا وسميعا وبصيرا والاعتبار قد اختار العلامة الأمير في حاشيته على عبد السلام أن له من اسمه نصيبا فلا ثبوت له إلا في ذهن المعتبر وإنه أمر واحد فقط إن انتزع من خارج
352
352
طعامهم ونسائهم فجعل ذكاتهم كذكاتنا ونساءهم كنسائنا ولم يلحقهم بالبهائم بخلاف المجوس ونحوهم لما حصل لأهل الكتاب من الطاعة من حيث الجملة وإن كانت لا تفيد في الآخرة إلا تخفيف العذاب أما في ترك الخلود فلا
وثالثها تفضيل الولي على آحاد المؤمنين المقتصرين على أصل الدين بسبب ما اختص به الولي من كثرة طاعته لله تعالى وبذلك سمي وليا أي تولى الله بطاعته وقيل لأن الله تعالى تولاه بلطفه وكذلك أيضا تفاضل الأولياء فيما بينهم بكثرة الطاعة فمن كان أكثر تقربا إلى الله تعالى كانت رتبته في الولاية أعظم
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله في ذلك دعوى بغير حجة
قال وسبب تفضيلها كونها يتأتى معها العلم والقدرة والإرادة وغير ذلك من التصرفات وصفات الكمال كالنبوءة والرسالة وغيرهما وتعذر جميع ذلك مع الموت وتلك للحياة لذاتها لا لمعنى أوجب لها ذلك
قلت عاد إلى تعليل الذاتي ثم كر إلى عدم التعليل وذلك كله غير صحيح
قال القاعدة الثانية التفضيل بالصفة الحقيقية القائمة بالمفضل وله مثل أحدها تفضيل العالم على الجاهل بالعلم
قلت أطلق القول في التفضيل بالعلم وذلك غير صحيح فإنه ربما كان الجهل ببعض العلوم أفضل من ذلك العلم وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من علم لا ينفع
قال وثانيها تفضيل الفاعل المختار على الموجب بالذات بسبب الإرادة والاختيار القائم به
قلت ما قاله هنا مبني على تصحيح الإيجاب الذاتي وليس ذلك بصحيح عند أهل الحق من المتكلمين
هامش إدرار الشروق
موجود مشاهد كالكون أبيض كان صادقا لتأييد الخارج له وإن كان مجرد اعتبار كاعتبار الكريم بخيلا كان كاذبا لمعارضة الوجود الخارجي له لا أمران بحت لا ثبوت له إلا في الذهن وما له ثبوت في نفسه دون المحل بخلاف الحال وبين وجهه فانظره فالوجود والمعنوية وإن لم تكن زائدة في الخارج على الذات كصفات السلوب لأنها من حيث إنها صفات يحكم بها على الذات حكما معنويا يعتقد ويبرهن عليه كصفات السلوب يكفي في كونها غير الذات مغايرة مفهومها لمفهوم الذات بالأولى من صفات السلوب فافهم
القاعدة الثانية
التفضيل بالصفة الحقيقية القائمة بالمفضل وله مثل أحدها تفضيل العالم بعلم نافع على الجاهل به أما الذي لا ينفع فقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم منه فيكون الجاهل به أفضل من العالم به
وثانيها تفضيل القادر بالقدرة القديمة الوجودية القائمة به تعالى على العاجز الذي قدرته حادثة
وثالثها قيل تفضيل الفاعل المختار بسبب الإرادة والاختيار القائم به على الموجب بالذات وهو مبني كما قال ابن الشاط على القول بتصحيح الإيجاب الذاتي لكن أهل الحق من المتكلمين على أن ذلك ليس بصحيح ا ه
وفي حاشية الأمير على عبد السلام اتفق المسلمون على أنه مريد قادر ثم قالت المعتزلة بذاته لئلا يلزم تعدد القدماء
وقال جمهور
353
353
ورابعها تفضيل الشهيد على غيره من حيث الجملة لأنه أطاع الله تعالى ببذل نفسه وماله في نصرة دينه وأعظم بذلك من طاعة
وخامسها تفضيل العلماء على الشهداء كما جاء في الحديث ما جميع الأعمال في الجهاد إلا كنقطة من بحر وما الجهاد وجميع الأعمال في طلب العلم إلا كنقطة من بحر وفي حديث لو وزن مداد العلماء بدم الشهداء لرجح بسبب طاعة العلماء لله تعالى بضبط شرائعه وتعظيم شعائره التي من جملتها الجهاد وهداية الخلق إلى الحق وتوصيل معالم الأديان إلى يوم الدين ولولا سعيهم في ذلك من فضل الله عز وجل لا
هامش أنوار البروق
قال وثالثها تفضيل القادر على العاجز بسبب القدرة الوجودية القائمة به فهذا كله تفضيل بالصفات القائمة بالمفضل لا لذاته وبه خالف القاعدة الأولى
قلت أطلق القول في القدرة وكان حقه أن يفصل القدرة القديمة من الحادثة
قال القاعدة الثالثة التفضيل بطاعة الله تعالى وله مثل أحدها تفضيل المؤمن على الكافر إلى آخر القاعدة
قلت ما قاله فيها وفي القاعدة الرابعة صحيح وعلى الإطلاق إلا ما قاله في صلاة القصر فإن فضيلتها مختصة بالمذهب
قال القاعدة الخامسة التفضيل بشرف الموصوف وله مثل الأول الكلام النفسي القديم أشرف من سائر الكلام إلى آخر القاعدة قلت ما قاله من شرف الصفة بشرف موصوفها صحيح وما قاله من أن شرف الصفات المذكورات من وجوه لم يذكر من تلك الوجوه إلا شرف الموصوف ومنها والله تعالى أعلم قدمها وبقاؤها وذلك مختص بصفات الله تعالى وأما صفات الرسول صلى الله عليه وسلم فلمصاحبتها النبوة والله أعلم
هامش إدرار الشروق
أهل السنة بصفات وجودية زائدة على الذات قائمة بها يصح أن ترى وفسقوا من نفاها قالوا ولزوم تعدد القدماء إنما يظهر إذا كانت منفكة وألزموا أن تكون الذات غير مستقلة لأنها الصفات وأن العلم هو القدرة إلخ لأن الكل الذات الواحدة وحيث جاز عالم بلا علم لزم علم بلا عالم إذ لا فرق في التلازم على أنه نظير أسود بلا سواد وهو بديهي الفساد وكلها تقبل الدفع فإنهم مقرون بتغاير المفاهيم الإضافية وإن قال أليوسي إذا أرادوها للاعتبارات لزم نفيها إذ لا ثبوت للاعتبار إلا في الذهن ثم اختلف جمهور أهل السنة هل وجوبها وقدمها ذاتي لأن الإله الواحد الذات المتصفة بالصفات أو ممكنة في ذاتها على ما للفخر ومن تبعه واجبة لما ليس عينها ولا غيرها وإن لم نفهم له الآن محصولا فإن الصفة مجردة عن الموصوف مستحيلة إلا أن يريد بقطع النظر عن هذا الموصوف بخصوصه فلا ينافي موصوفا ما لكن فيه ما فيه ومما رد به أنه لو كان العلم مثلا ممكنا لكان الجهل ممكنا لأنه مقابله ولا يخفاك أن الإمكان الذاتي لا يضره إنما يضره لو كان إمكانه لله وهو يقول باستحالته عليه ضرورة وجوب العلم له فتدبر وقال قبل وعلى كلام غير الفخر لا نثبت إلا القدم الذاتي للواجب وحده أي الذي هو عبارة عن الاستغناء عن المؤثر وعلى كلام الفخر نثبت القدم العرضي أيضا للممكن الذاتي ولا يكون الإمكان إلا ذاتيا نعم يجوز البقاء في الممكنات اتفاقا لأنه يرجع لعدم وقوف مقدورات الله تعالى القادر المطلق عند حد بخلاف القدم
354
354
نقطع أمر الجهاد وغيره ولم يبق على وجه الأرض من يقول الله وكل ذلك من نعمة الله تعالى عليهم
القاعدة الرابعة
التفضيل بكثرة الثواب الواقع في العمل المفضل وله مثل أحدها الإيمان أفضل من جميع الأعمال بكثرة ثوابه فإن ثوابه الخلود في الجنان والخلوص من النيران وغضب الملك الديان
وثانيها صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين صلاة
وثالثها الصلاة في أحد الحرمين أفضل من غيرها بألف مرة من المثوبات
ورابعها صلاة القصر أفضل من صلاة الإتمام وإن كانت أكثر عملا
هامش أنوار البروق
قال القاعدة السادسة التفضيل بشرف الصدور كشرف ألفاظ القرآن على غيرها من الألفاظ لكون الرب تعالى هو المتولي لرصفه ونظامه في نفس جبريل عليه السلام إلى آخر القاعدة
قلت ما قاله من أن المزية للفظ القرآن انفراد إرادة الله تعالى بوضعه دون إرادة جبريل دعوى لا أراها تقوم عليها حجة ولعل جبريل أراد ذلك فليس ما قاله في ذلك بصحيح بل المزية التي امتاز بها لفظ القرآن على كلام الناس كونه دالا على كلام الله تعالى وعبارة عنه وامتيازه عن لفظ التوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب المنزلة على الرسل بالإعجاز وغيره من الأوصاف التي امتاز بها كما قال والله تعالى أعلم وما قاله في القاعدة السابعة والثامنة والتاسعة كله صحيح
قال القاعدة العاشرة التفضيل بشرف المتعلق كتفضيل العلم المتعلق بذات الله تعالى وصفاته على غيره من العلوم قلت ما قاله في هذه القاعدة من أن كل مدلول متعلق ليس بصحيح فإن المدلول غير المتعلق في
هامش إدرار الشروق
للممكنات فإنه يرجع لوجود الممكن أزلا وهو محال بالطبع لا تتعلق به القدرة ثم قال بعد قال الشعراني والذي يتلخص من كلام الشيخ ابن عربي رضي الله عنه ورحمه أنه قائل بأن الصفات عين لا غير كشفا ويقينا وبه قال جماعة من المتكلمين وما عليه أهل السنة والجماعة أولى والله تعالى أعلم بالصواب ا ه وأقول كما قال من قال اعتصام الورى بمغفرتك عجز الواصفون عن صفتك تب علينا فإننا بشر ما عرفناك حق معرفتك ا ه كلام الأمير بتصرف وحذف
قال
القاعدة الثالثة التفضيل بطاعة الله تعالى وله مثل أحدها تفضيل المؤمن على الكافر إلى آخر القاعدة
قلت ما قاله فيها وفي القاعدة الرابعة صحيح وعلى الإطلاق إلا ما قاله في صلاة القصر فإن فضيلتها مختصة بالمذهب
القاعدة الثالثة التفضيل بطاعة الله تعالى وله مثل أحدها تفضيل المؤمن على الكافر وثانيها تفضيل أهل الكتاب على عبدة الأوثان وذلك بسبب ما حصل لهم من الطاعة بتعظيمهم الرسل والرسائل من حيث الجملة فقالوا بصحة نبوة موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وبصحة التوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب وإن كانت لا تفيدهم في الآخرة عدم الخلود وإنما تفيد تخفيف العذاب وجحد عبدة الأوثان الرسائل فمن هذه الجهة فضلهم الله تعالى عليهم أحل الله عز وجل طعامهم وأباح تزويجنا نساءهم وجعل ذكاتهم كذكاتنا ونساءهم كنسائنا ولم يلحقهم بالبهائم تعظيما وتمييزا
355
355
القاعدة الخامسة
التفضيل بشرف الموصوف وله مثل الأول الكلام النفسي القديم أشرف من سائر الكلام لوجوه منها شرف موصوفه على كل موصوف
وثانيها إرادة الله تعالى وقدرته وجميع الصفات المنسوبة إلى الرب سبحانه وتعالى أفضل لوجوه منه شرف الموصوف
وثالثها صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم كشجاعته وكرمه وجميع ما هو صفة لنفسه الكريمة له الشرف على جميع صفاتنا من وجوه أحدها شرف الموصوف القاعدة السادسة التفضيل بشرف الصدور كشرف ألفاظ القرآن على غيرها من الألفاظ
هامش أنوار البروق
الاصطلاح المعهود إلا أن يريد أن كل مدلول يصح أن يكون متعلقا بوجه ما فذلك صحيح إلا أنه مخالف للاصطلاح وما قاله من أن الإرادة المتعلقة بالخيور أفضل من الإرادة المتعلقة بالشرور إن أراد بذلك إرادتنا فصحيح وإن أراد الإرادة مطلقا فليس ذلك بصحيح فإن إرادة الله تعالى لا يصح تنوعها إلى نوعين لاتحادها ولا يصح ذلك الإطلاق عليها باعتبارين لأنه لم يرد في ذلك من الشرع ما يقتضيه وما قاله في نية الصلاة والطهارة وما بنى ذلك عليه من أن المقاصد أفضل من الوسائل إن أراد بالأفضلية زيادة في الأجور فذلك دعوى لم يأت عليها بحجة وإن أراد بالأفضلية كون المقاصد مفضلة بكونها مقاصد فذلك صحيح وما قاله في القاعدة الحادية عشر والثانية عشر صحيح وكذلك ما قاله في الثالثة عشر إلا حصره لوجود التفضيل في عشرين قاعدة فإني لا أعرف الآن دليل صحة ذلك الحصر
هامش إدرار الشروق
بخلاف المجوس ونحوهم فإنه جعل ما ذكوه كالميتة وتصرفهم فيه بالذكاة كتصرف الحيوان البهيمي من السباع والكواسر في الأنعام لا أثر لذلك وجعل نساءهم كإناث الخيل والحمير محرمات الوطء اهتضاما لهم
وثالثها تفضيل الولي بسبب ما اختص به من كثرة طاعته لله تعالى حتى تولى الله بطاعته فعبادته تجري على التوالي من غير أن يتخللها عصيان فسمي وليا وقيل لأن الله تولاه بلطفه فلم يكله إلى نفسه ولا إلى غيره لحظة على آحاد المؤمنين المقتصرين على أصل الدين وكذلك أيضا تفاضل الأولياء فيما بينهم بكثرة الطاعة فمن كان أكثر تقربا إلى الله تعالى كانت رتبته في الولاية أعظم
ورابعها تفضيل الشهيد على غيره من حيث الجملة لأنه أطاع الله تعالى ببذل نفسه وماله في نصرة دينه وأعظم بذلك من طاعة
وخامسها تفضيل العلماء على الشهداء بسبب طاعة العلماء لله تعالى بضبط شرائعه وتعظيم شعائره التي من جملتها الجهاد وهداية الخلق إلى الحق وتوصيل معالم الأديان إلى يوم الدين ولولا سعيهم في ذلك من فضل الله عز وجل لانقطع أمر الجهاد وغيره ولم يبق على وجه الأرض من يقول الله وكل ذلك من نعمة الله تعالى عليهم فلذا قال صلى الله عليه وسلم ما جميع الأعمال في الجهاد إلا كنقطة من بحر وما الجهاد وجميع الأعمال في طلب العلم إلا كنقطة من بحر وقال صلى الله عليه وسلم لو وزن مداد العلماء بدم الشهداء لرجح
القاعدة الرابعة
التفضيل بكثرة الثواب الواقع في العمل المفضل وله مثل أحدها الإيمان بكثرة ثوابه من الخلود في الجنان والخلوص من النيران ومن غضب الملك الديان أفضل من جميع الأعمال
وثانيها
356
356
لكون الرب سبحانه وتعالى هو المتولي لرصفه ونظامه في نفس جبريل عليه السلام وبهذا نجيب عن قول القائل إن الله خالق لجميع ألفاظ الخلائق والمريد لترتيب وصفها فمن قال زيد قائم في الدار فالله تعالى هو الخالق لأصواته هذه والمريد لترتيب هذه الكلمات على هذا الوصف وتقديم قائم على المجرور وكون المجرور بفي دون غيرها من حروف الجر وإذا كان الله تعالى هو المتولي لرصف جميع كلام الناس وفي أنفسهم وهو المتولي لرصف القرآن في نفس جبريل عليه السلام بإرادته وهذه الحروف والألفاظ عندكم مخلوقة مثل ألفاظ الخالق لا فرق بينهما في ذلك فلم لا تقولون للجميع كلام الله وما المزية للفظ القرآن على غيره
فنقول الله تعالى هو المتولي لرصف القرآن في نفس
هامش أنوار البروق
قال
القاعدة الرابعة عشر التفضيل بسبب الإضافة كقوله تعالى
أولئك حزب الله إلى آخر القاعدة
قلت قوله فهذا كله تفضيل بالإضافة اللفظية إن أراد أنه ليس تشريف ما ذكر في هذه القاعدة أو إهانته إلا بمجرد الإضافة اللفظية فذلك غير صحيح وكيف يصح ذلك ولم يضف حزبه تعالى إليه إلا لطاعتهم ولم يضف حزب الشيطان إليه إلا لمعصيتهم وكذلك قوله تعالى وطهر بيتي ليست إضافة البيت إليه تعالى إلا لكونه جعله محلا لما قرن به من الطاعات في الصلاة والحج وكذلك قوله تعالى وما أنزلنا على عبدنا ليست إضافة العبد إليه تعالى إلا أنه جعله صفوة رسله وخاتمهم وكذلك قوله تعالى في الصوم ليست الإضافة إلا لأنه خصه بجزاء لم يطلعنا على قدره أو ما أشبه ذلك والله تعالى أعلم وإن أراد أن الإضافة نفسها هي التشريف وإن كانت تلك الأمور أسبابا لها فما قاله صحيح والله تعالى أعلم وما قاله في القاعدة الخامسة عشر صحيح وكذلك ما قاله في السادسة عشر إلا ما حكاه عن شيخه عز الدين من ملاحظته في النبوة جهة أخرى نفضلها به على الرسالة فإنه
هامش إدرار الشروق
صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين صلاة
وثالثها الصلاة في أحد الحرمين أفضل من غيرها بألف مرة من المثوبات قال الباجي والذي تقتضيه الأحاديث الواردة في فضل المسجدين مخالفة حكم مسجد مكة والمدينة لسائر المساجد ولا يعلم منها حكم مكة والمدينة في التفاضل إلا أن حديث حسنات الحرم بمائة ألف إذا ثبتت صريح في أن نفس مكة أفضل من نفس المدينة ا ه
نقله شيخنا في حاشية توضيح المناسك لكن في الرهوني عن سيدي أحمد بابا واستدل أي لتفضيل مسجد مكة بحديث صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة حديث صحيح على شرط الشيخين صححه ابن عبد البر قال وهو الحجة عند التنازع وهو صريح بدفع ما قيل في الحديث الصحيح إلا المسجد الحرام باحتمال أنه أفضل منه بدون ألف أو بتساويهما وسيأتي توضيح ذلك فترقب
ورابعها صلاة القصر أفضل في مذهبنا خاصة من صلاة الإتمام وإن كانت أكثر عملا
قال
القاعدة الخامسة التفضيل بشرف الموصوف وله مثل الأول الكلام النفسي القديم أشرف من سائر الكلام إلى آخر القاعدة
قلت ما قاله من شرف الصفة بشرف موصوفها صحيح وما قاله من أن شرف الصفات المذكورات من وجوه لم يذكر من تلك الوجوه إلا شرف الموصوف ومنها والله تعالى أعلم قدمها وبقاؤها وذلك مختص بصفات الله تعالى وأما صفات الرسول صلى الله عليه وسلم فلمصاحبتها النبوة والله أعلم
القاعدة الخامسة التفضيل بشرف الموصوف وله مثل أحدها الكلام النفسي القديم أشرف من سائر الكلام لوجوه منها شرف موصوفه على كل موصوف ومنها قدمه وبقاؤه
وثانيها إرادة الله تعالى وقدرته وسائر الصفات المنسوبة إلى الرب سبحانه وتعالى أفضل لوجوه منها شرف الموصوف ومنها قدمها وبقاؤها
357
357
جبريل عليه السلام على وفق إرادة الله تعالى دون إرادة جبريل والمتولي لرصف كلام الخلائق في أنفسهم على إرادتهم تبعا لإرادته تعالى فتفرده في هذا الوصف بالإرادة هو الفرق وامتاز القرآن الكريم بوجوه أخر من الإعجاز وغيره على جميع الكتب المنزلة التي هي كلام الله تعالى كالتوراة والإنجيل ويقال إنها مائة وأربعة وعشرون كتابا صحفا وكتبا أنزلت على آدم ومن بعده من الأنبياء إلى محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين
القاعدة السابعة
التفضيل بشرف المدلول وله مثل أحدها تفضيل الأذكار الدالة على ذات الله تعالى وصفاته العليا وأسمائه الحسنى
هامش أنوار البروق
إنما كان يصح ما قاله لو لم يكن الرسول نبيا وأما وكل رسول نبي فلا يصح ذلك إذ لا اختصاص للنبي على الرسول بمزية يقع بها التفضيل والله أعلم وما قاله في القاعدة السابعة عشر صحيح قال
القاعدة الثامنة عشر التفضيل بالتأثير وله أمثلة أحدها تفضيل قدرة الله تعالى على العلم والكلام
قلت فيما قاله في هذه القاعدة نظر
قال القاعدة التاسعة عشر التفضيل بجودة البنية والتركيب وله أمثلة أحدها تفضيل الملائكة الكرام صلوات الله عليهم على الجان بسبب جودة أبنيتهم وحسن تركيبهم قلت ما قاله في هذه القاعدة غير صحيح لأنه بنى جميع قوله فيها على نسبة تلك الآثار التي ذكرها إلى تأثير غير القدرة القديمة على ما ظهر من مساق كلامه والله تعالى أعلم وما قاله بعد ذلك في القاعدة العشرين وما بعده إلى منتهى قوله فهي من المفضلات التي علم تفضيلها صحيح كله
قال وأما تفضيل مكة على المدينة أو المدينة على مكة فبأمور نعلمها وأمور لا نعلمها وذكر أمورا مما تفضل بها المدينة قلت لم يزد على حكاية المذهبين وإيراد الحجج عليهما ولم يعين الراجح وفيه نظر وما قاله من أن أسباب التفضيل كثيرة هو كما قال وقول من ادعى حصر التفضيل في الثواب غير صحيح كما ذكر
هامش إدرار الشروق
وثالثها صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم من شجاعته وكرمه وجميع ما هو صفة لنفسه الكريمة أفضل من جميع صفاتنا لوجوه منها شرف الموصوف ومنها مصاحبتها النبوة
القاعدة السادسة
التفضيل بشرف الصدور قيل كشرف ألفاظ القرآن على غيرها من الألفاظ لأن الله تعالى وإن كان هو المتولي لوصف جميع كلام الناس في أنفسهم وأن من قال منهم زيد قائم في الدار فالله تعالى هو الخالق لأصواته هذه والمريد لترتيب هذه الكلمات على هذا الوصف وتقديم قائم على المجرور وكون المجرور بفي دون غيرها من حروف الجر كما أنه المتولي لرصف القرآن في نفس جبريل عليه السلام بإرادته إذ لا فرق بين ألفاظ الناس وألفاظ الخالق في كونها مخلوقة إلا أن المزية للفظ القرآن على غيره في أننا نقول للفظ القرآن كلام الله دون غيره هي أن الله تعالى هو المتولي لرصف القرآن في نفس جبريل عليه
358
358
وثانيها تفضيل آيات القرآن الكريم المتعلقة بالله على الآيات المتعلقة بأبي لهب وفرعون ونحوهما
وثالثها الآيات الدالة على الوجوب والتحريم أفضل من الآيات الدالة على الإباحة والكراهة والندب لاشتمالها على الحث على أعلى رتب المصالح والزجر عن أعظم المفاسد
القاعدة الثامنة
التفضيل بشرف الدلالة لا بشرف المدلول كشرف الحروف الدالة على الأوصاف الدالة على كلام الله تعالى فإن ذلك أوجب شرفها على جميع الحروف لهذه الدلالة
وأمر الشرع بتعظيمها فلا تمسك إلا على طهارة كاملة ويكفر من أصابها
هامش أنوار البروق
والله تعالى أعلم
وما قاله من قصده الاقتصار على ما يتعلق بالقواعد الفقهية إن أراد أنه لم يذكر إلا ما هو من الفقه فليس ما ذكره كذلك وإن أراد أنه ذكر ما هو من الفقه وما يتعلق به بوجه ما فذلك صحيح والله أعلم
هامش إدرار الشروق
السلام على وفق إرادة الله تعالى دون إرادة جبريل والمتولي لرصف كلام الخلائق في أنفسهم على إرادتهم تبعا لإرادته تعالى فتفرده في رصف القرآن بالإرادة هو الفرق ا ه
قال ابن الشاط ودعوى انفراد إرادة الله تعالى بوضع ألفاظ القرآن دون إرادة جبريل لا أراها تقوم عليها حجة ولعل جبريل أراد ذلك بل المزية التي امتاز بها لفظ القرآن على كلام الناس كونه دالا على كلام الله تعالى وعبارة عنه وامتيازه عن لفظ التوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب المنزلة على الرسل ويقال إنها مائة وأربعة وعشرون كتابا صحفا وكتبا أنزلت على آدم ومن بعده من الأنبياء إلى محمد صلوات الله عليه وسلامه عليهم أجمعين بالإعجاز وغيره من الأوصاف التي امتاز بها كما قال الشهاب
ا ه
قلت وعليه فلا يصح التمثيل به للتفضيل بشرف الصدور بل مثاله بشرف فعله صلى الله عليه وسلم على فعل غيره من الأمة فافهم
القاعدة السابعة
التفضيل بشرف المدلول وله مثل أحدها تفضيل الأذكار الدالة على ذات الله تعالى وصفاته العليا وأسمائه الحسنى
وثانيها تفضيل آيات القرآن الكريم المتعلقة بالله على الآيات المتعلقة بأبي لهب وفرعون ونحوهما
وثالثها الآيات الدالة على الوجوب والتحريم أفضل من الآيات الدالة على الإباحة والكراهة والندب لاشتمالها على الحث على أعلى رتب المصالح والزجر عن أعظم المفاسد
القاعدة الثامنة التفضيل بشرف الدلالة لا المدلول كشرف الحروف الدالة على الأوصاف الدالة على كلام الله تعالى على جميع الحروف التي لم تدل على ذلك بل على غيره فلذا أمر الشرع بتعظيم حروف القرآن فلا تمسك إلا على طهارة كاملة ويكفر من أصابها بالقاذورات وصار لها وقع عظيم في الدين فلا يجوز إخراجها من بلاد المسلمين إلى بلاد الكافرين خشية أن تنالها أيديهم
القاعدة التاسعة التفضيل بشرف التعلق كتفضيل الكلام النفسي لتعلقه بالمخبر عنه واختصاصه بأن له تعلق الاقتضاء والإباحة وغيرهما والعلم لتعلقه بالواجبات والممكنات والمستحيلات والإرادة لتعلقها بالممكنات والقدرة لتعلقها بالمحدثات من الموجودات والسمع لتعلقه بالأصوات والكلام النفسي والبصر لتعلقه بجميع الموجودات الواجبات والممكنات على الحياة فإنها لا تتعلق بشيء بل لها موصوف فقط بخلاف غيرها من صفات المعاني السبعة فإن له موصوفا ومتعلقا كما علمت

359
359
بالقاذورات وله وقع عظيم في الدين فلا يجوز إخراجها من بلاد المسلمين إلى بلاد الكافرين خشية أن تنالها أيديهم
القاعدة التاسعة
التفضيل بشرف التعلق كتفضيل العلم على الحياة فإن الحياة لا تتعلق بشيء بل لها موصوف فقط والعلم له موصوف ومتعلق فله مزية شرف بذلك وكذلك الإرادة متعلقة بالممكنات والقدرة بالمحدثات من الموجودات والسمع بالأصوات والكلام النفسي والبصر بجميع الموجودات الواجبات والممكنات وليس في صفات الله تعالى السبعة صفة غير متعلقة إلا الحياة القاعدة العاشرة التفضيل بشرف المتعلق كتفضيل العلم المتعلق بذات الله تعالى أو صفاته على غيره من العلوم وكتفضيل علم الفقه على الطب لتعلقه برسائل الله تعالى وأحكامه وهذا القسم عين المدلول فكل مدلول متعلق وليس كل متعلق مدلولا لأن الدلالة والمدلول من باب الألفاظ والحقائق الدالة كالصنعة على الصانع فإنها تدل عليه وأما العلم ونحوه فلا يقال له دال بل هو مدلول في نفسه وليس بدليل على غيره بل له متعلق خاص وهو معلومه وكذلك الإرادة المتعلقة بالخيور أفضل من الإرادة المتعلقة
هامش إدرار الشروق
القاعدة العاشرة
التفضيل بشرف المتعلق كتفضيل العلم المتعلق بذات الله تعالى أو صفاته على غيره من العلوم وكتفضيل علم الفقه على الطب لتعلقه برسائل الله تعالى وأحكامه وكتفضيل إرادتنا المتعلقة بالخيور على إرادتنا المتعلقة بالشرور وإرادة الله تعالى لاتحادها لا يصح تنوعها ولا أن يطلق عليها ذلك باعتبارين لأنه لم يرد في ذلك من الشرع ما يقتضيه وكتفضيل النية في الصلاة على النية في الطهارة لأن الصلاة مقصد والطهارة وسيلة والمقاصد بكونها مقاصد لا بزيادة في الأجور إذ لا حجة عليه أفضل من الوسائل وبالأفضل أفضل قال ابن الشاط والمدلول غير المتعلق في الاصطلاح المعهود وإن صح أن يكون كل مدلول متعلقا بوجه ما ا ه فافهم
القاعدة الحادية عشرة التفضيل بكثرة التعلق كتفضيل الكلام النفسي القديم على علمه تعالى لأن الخبر فيه وإن كان مسبوقا للعلم في التعلق وكل معلوم لله تعالى فهو مخبر عنه إلا أن للكلام اختصاصا بتعلق الاقتضاء والإباحة وغيرهما فهو أكثر تعلقا من العلم وكتفضيل علم الله تعالى على قدرته وإرادته وسمعه وبصره لكونه متعلقا بجميع الواجبات والممكنات والمستحيلات واختصاص الإرادة بالممكنات وجودها أو عدمها واختصاص القدرة بوجود الممكنات خاصة واختصاص السمع ببعض الموجودات وهي الأصوات والكلام النفسي واختصاص البصر ببعض الموجودات الممكنات والواجبات دون المستحيلات والمعدومات الممكنات وكتفضيل البصر على السمع لاختصاص السمع بالكلام والبصر يعم جميع الموجودات كانت كلاما أو غيره
القاعدة الثانية عشرة التفضيل بالمجاورة كتفضيل جلد المصحف وليس فيه شيء مكتوب على سائر الجلود فلا يمسه محدث ولا يجوز أن يلامس بقاذورة ولا بما يوجب الإهانة لمجاورته الورق المكتوب فيه القرآن

360
360
بالشرور
والنية في الصلاة أفضل من النية في الطهارة لأنها متعلقة بالمقاصد والثانية متعلقة بالوسائل والمقاصد أفضل من الوسائل والمتعلق بالأفضل أفضل
القاعدة الحادية عشر
التفضيل بكثرة التعلق كتفضيل علم الله على قدرته وإرادته وسمعه وبصره لكونه متعلقا بجميع الواجبات والممكنات والمستحيلات واختصاص الإرادة بالممكنات وجودها أو عدمها واختصاص القدرة بوجود الممكنات خاصة واختصاص السمع ببعض الموجودات وهي الأصوات والكلام النفسي واختصاص البصر ببعض الموجودات الممكنات والواجبات دون المستحيلات والمعدومات الممكنات
وأما الكلام النفسي فالخبر فيه مسبوق للعلم في التعلق وكل معلوم لله تعالى فهو مخبر عنه ويختص الكلام بأن له تعلق الاقتضاء والإباحة وغيرها فهو أكثر تعلقا من العلم فيكون له الشرف على العلم من هذا الوجه وكتفضيل البصر على السمع لاختصاص السمع بالكلام والبصر يعم جميع الموجودات كانت كلاما أو غيره
القاعدة الثانية عشر التفضيل بالمجاورة كتفضيل جلد المصحف على سائر الجلود فلا يمسه محدث ولا يجوز أن يلابس بقاذورة ولا بما يوجب الإهانة وليس فيه شيء مكتوب بل لمجاورته الورق المكتوب فيه القرآن الكريم
هامش إدرار الشروق
القاعدة الثالثة عشرة
التفضيل بالحلول كتفضيل قبره صلى الله عليه وسلم على جميع بقاع الأرض حكى القاضي عياض رحمه الله في ذلك الإجماع في كتابه الشفاء
وقال البكري جزم الجميع بأن خير الأرض ما قد حاط ذات المصطفى وحواها نعم لقد صدقوا بساكنها علت كالنفس حين زكت زكى مأواها وقد مر أنه لا يصح إنكار بعض فضلاء الشافعية انعقاد الإجماع على ذلك بناء على انحصار التفضيل في الثواب على العمل والعمل متعذر هنا
القاعدة الرابعة عشرة التفضيل اللفظي بسبب في الإضافة في نحو قوله تعالى أولئك حزب الله أضافهم إليه تعالى ليشرفهم بها كما أضاف العصاة إلى الشيطان في قوله تعالى أولئك حزب الشيطان ليهينهم بها ويحقرهم وقوله تعالى وطهر بيتي للطائفين الآية أضاف البيت إليه تعالى ليشرفه بها وقوله تعالى وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان وقوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به شرف الصوم بإضافته إليه نعم لا بد للتشريف أو التحقير بالإضافة من أسباب تقتضي ذلك ألا ترى أنه لم يضف حزبه تعالى إليه إلا لطاعتهم ولا حزب الشيطان إليه إلا لمعصيتهم ولا البيت إليه تعالى إلا لكونه جعله محلا لما قرن به من الطاعات في الصلاة والحج ولا العبد إليه تعالى إلا لأنه جعله صفوة رسله وخاتمهم ولا الصوم له
361
361
القاعدة الثالثة عشر
التفضيل بالحلول كتفضيل قبره صلى الله عليه وسلم على جميع بقاع الأرض حكى القاضي عياض رحمه الله في ذلك الإجماع في كتاب الشفاء ولما خفي هذا المعنى على بعض الفضلاء أنكر الإجماع في ذلك وقال التفضيل إنما هو بكثرة الثواب على الأعمال والعمل على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم محرم فيه عقاب شديد فضلا عن أن يكون فيه أفضل المثوبات فإذا تعذر الثواب هنالك على عمل العامل مع أن التفضيل إنما يكون باعتباره كيف يحكي الإجماع في أن تلك البقعة أفضل البقاع أوما علم أن أسباب التفضيل أعم من الثواب وأنها منتهية إلى عشرين قاعدة أنا ذاكرها إن شاء الله تعالى فالإجماع منعقد على التفضيل بهذا الوجه لا بكثرة الثواب على الأعمال ويلزمه أن لا يكون جلد المصحف بل ولا المصحف نفسه أفضل من غيره لتعذر العمل فيه وهو خلاف المعلوم من الدين بالضرورة بل هذا معنى ما حكاه القاضي عياض رحمه الله فتأمله القاعدة الرابعة عشر التفضيل بسبب الإضافة كقوله تعالى أولئك حزب الله أضافهم إليه تعالى ليشرفهم بالإضافة إليه كما أضاف العصاة إلى الشيطان ليهينهم بالإضافة إليه ويحقرهم في قوله تعالى أولئك حزب الشيطان
هامش إدرار الشروق
تعالى إلا لأنه خصه بجزاء لم يطلعنا على قدره أو ما أشبه ذلك مما مر بسط الخلاف فيه فلا تغفل
القاعدة الخامسة عشرة
التفضيل بالأنساب والأسباب كتفضيل ذريته عليه الصلاة والسلام على جميع الذراري بسبب نسبهم المتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم وكتفضيل نسائه صلى الله عليه وسلم على جميع النساء كما قال تعالى يا نساء النبي لستن كأحد من النساء وذلك بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم والاختصاص به
وإن كن في هذه النسبة متفاوتات وذلك أن نسبة من دخل بهن أقوى من نسبة من عقد ولم يدخل بهن ونسبة من دخل ولم يطلقهن أقوى ممن دخل وطلقهن ونسبة من دخل وطلقهن أقوى ممن فارقهن قبل الدخول ونسبة من فارقهن قبله أو بعده على الخلاف أقوى ممن فارقهن قبله باتفاق كما لا يخفى وفي الجمل عن المواهب جملة من عقد عليهن صلى الله عليه وسلم ثلاث وعشرون امرأة مات عن عشر واحدة لم يدخل بها وهي قتيلة بنت قيس وتسع دخل بهن جمعهن بعضهم في قوله توفي رسول الله عن تسع نسوة إليهن تعزى المكرمات وتنسب فعائشة ميمونة وصفية وحفصة تتلوهن هند وزينب جويرية مع رملة
ثم سودة ثلاث وست نظمهن مهذب ومات في حياته باتفاق أربع ثنتان بعد الدخول وهما خديجة وزينب أم المساكين وثنتان قبل الدخول وهما شراف بنت خليفة أخت دحية الكلبي وخولة بنت الهذيل وفارق على خلف في كونه بطلاق أو موت مع الاتفاق على عدم الدخول ثنتين مليكة بنت كعب وسبا بنت أسماء وطلق سبعا باتفاق بعد الدخول باتفاق ثنتين فاطمة بنت الضحاك وعالية بنت ظبيان وقبله باتفاق ثلاثا وهن عمرة بنت يزيد وأسماء بنت النعمان والتي من غفار وعلى خلف في كونه بعده أو قبله ثنتين وهما أم شريك القرشية
362
362
ومنه قوله تعالى وطهر بيتي للطائفين الآية أضاف البيت إليه تعالى ليشرفه بالإضافة إليه ومنه قوله تعالى وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان ومنه قوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به شرف الصوم بإضافته إليه
واختلف في سبب هذا التشريف الموجب لهذه الإضافة وقد تقدم بسطه ونقل المذاهب فيه فهذا كله تفضيل بالإضافة اللفظية
القاعدة الخامسة عشر
التفضيل بالأنساب والأسباب كتفضيل ذريته عليه الصلاة والسلام على جميع الذراري بسبب نسبهم المتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم وكتفضيل نسائه صلى الله عليه وسلم على جميع النساء كما قال تعالى يا نساء النبي لستن كأحد من النساء وذلك بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم والاختصاص به وإن كن في هذه النسبة متفاوتات
القاعدة السادسة عشر التفضيل بالثمرة والجدوى كتفضيل العالم على العابد لأن العلم يثمر صلاح الخلق وهدايتهم إلى الحق بالتعليم والإرشاد والعبادة قاصرة على محلها واجتمع يوما عالمان عظيمان أحدهما يعلم المعقولات والهندسيات والآخر عالم بالسمعيات والشرعيات فقال الأول للثاني الهندسة أفضل من الفقه لأنها قطعية والفقه مظنون والقطع أفضل من الظن فقال له الآخر صدقت من هذا الوجه هي أفضل غير أن
هامش إدرار الشروق
والمستقيلة التي جهل حالها وهي ليلى بنت الخطيم فجملة المتفق على دخوله بهن ولم يطلقهن إحدى عشرة امرأة ست من قريش خديجة وعائشة وحفصة وأم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب وأم سلمة بنت أبي أمية وسودة بنت زمعة وأربع عربيات زينب بنت جحش وميمونة بنت الحارث الهلالية وزينب بنت خزيمة الهلالية أم المساكين وجويرية بنت الحارث الخزاعية المصطلقية وواحدة غير عربية وهي صفية بنت حيي من بني النضير مات في حياته منهن ثنتان خديجة وزينب أم المساكين وتوفي صلى الله عليه وسلم عن الباقي والمتفق على من دخل وطلق بعده ثنتان فاطمة بنت الضحاك وعالية بنت ظبيان ا ه بتلخيص وتصرف وزيادة
وأما تفضيل خديجة وعائشة على باقيهن والخلاف في أفضلهما فليس من هذه الجهة بل إما من جهة الأحوال وكثرة الخصال الجميلة فيستحسن قول شيخ الإسلام في شرح البخاري الذي أختاره الآن أن الأفضلية محمولة على أحوال فعائشة أفضلهن من حيث العلم وخديجة من حيث تقدمها وإعانتها له صلى الله عليه وسلم ا ه
وأما من جهة كثرة الثواب فيكون الأقرب الوقف كما هو قول الأشعري كما في عبد السلام على الجوهرة قال وفي كلام البرهان الحلبي أن زينب بنت جحش تلي عائشة رضوان الله عليهما ولم يقف أستاذنا على نص في باقيهن ولا في مفاضلة بعض أبنائه الذكور على بعض ولا في المفاضلة بينهم وبين البنات الشريفات سوى ما شرف الله به الذكور على الإناث مطلقا ولا بينهن سوى فاطمة فإنها أفضل بناته الكريمات ولا بين باقي البنات سوى فاطمة مع الزوجات الطاهرات وإن جرت علة فاطمة بالبضعية في الجميع فالوقف أسلم ا ه
قال الأمير قال العلامة الملوي أولاده صلى الله عليه وسلم الذكور ثلاثة عبد الله ويلقب بالطيب وبالطاهر فله لقبان زيادة على الاسم والقاسم وإبراهيم والإناث أربعة زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة وينبغي حفظهم ومعرفتهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم سيدنا ويقبح على الإنسان أن لا يعرف أولاد سيده ا ه وكلهم من خديجة
363
363
الفقه أفضل منها لأنه يثمر سعادة الآخرة
ونعيم الجنان ورضوان الرحمن والهندسة لا تفيد ذلك فوافقه الآخر على ذلك وكانا متناصفين رحمهما الله تعالى ومن ثمرات العلم موضوعاته أي تآليفه فينتفع الأبناء بعد الآباء والأخلاف بعد الأسلاف والعبادة تنقطع من حينها وثمرة العلم وهدايته تبقى إلى يوم الدين وجاء من هذا الوجه الرسالة أفضل من النبوة فإن الرسالة مثمرة الهداية للأمة المرسل إليها والنبوة قاصرة على النبي فنسبتها إلى النبوة كنسبة العالم للعابد وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله يلاحظ في النبوة جهة أخرى يفضلها بها على الرسالة فكان يقول النبوة عبارة عن خطاب الله تعالى نبيه بإنشاء حكم يتعلق به كقوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم اقرأ باسم ربك فهذا وجوب متعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم والرسالة خطاب يتعلق بالأمة والرسول صلى الله عليه وسلم أفضل من الأمة والخطاب متعلق به فيكون أفضل من جهة شرف المتعلق فإن النبوة هو متعلقها والرسالة متعلقها الأمة وإنما حظه منها التبليغ فهذان وجهان متعارضان كما يقال في علم الله تعالى إنه أفضل من الحياة لأجل التعلق الذي له والحياة لا متعلق لها ويلاحظ في الحياة جهة أخرى هي بها أفضل لأنها شرط للعلم والعلم متوقف عليها وهي ليست متوقفة على العلم في ذاتها والعلم ليس شرطا فيها فهي
هامش إدرار الشروق
إلا إبراهيم فمن مارية القبطية أهداها له المقوقس من مصر ا ه
وقد جمعت أولاده صلى الله عليه وسلم في قولي ليسهل حفظهم أولاد طه سبعة أطهار ذكورهم ثلاثة أبرار القاسم إبراهيم عبد الله ذا بالطيب الطاهر تلقيبا خذا وأربع إناثهم فاطمة فأم كلثوم كذا رقية فزينب وأمهم خديجة لكن لإبراهيم مارية وفي الجمل عن المواهب وخطب صلى الله عليه وسلم ثماني نسوة ولم يعقد عليهن باتفاق وسراريه التي دخل عليهن بالملك أربع مارية القبطية وريحانة بنت شمعون من بني قريظة وقيل من بني النضير والثالثة وهبتها له زينب بنت جحش واسمها نفيسة والرابعة أصابها في بعض السبي ولم يعرف اسمها ا ه
القاعدة السادسة عشرة
التفضيل بالثمرة والجدوى كتفضيل العالم على العابد لأن العلم يثمر صلاح الخلق وهدايتهم إلى الحق بالتعليم والإرشاد والعبادة قاصرة على محلها ولأن ثمرات العلم من موضوعاته أي تآليفه وهدايته متعلميه تبقى إلى يوم الدين فينتفع بها الأبناء بعد الآباء والأخلاف بعد الأسلاف والعبادة تنقطع من حينها وكتفضيل الرسالة على النبوة لأن الرسالة تثمر الهداية للأمة المرسل إليها والنبوة قاصرة على النبي فنسبتها إلى النبوة كنسبة العالم للعابد وليس للنبوة جهة أخرى نفضلها بها على الرسالة وتكون معارضة لجهة تفضيل الرسالة عليها حتى يحتاج أن يقال لا مانع من أن يكون للحقيقة الواحدة شرف من وجه دون وجه
وأما ملاحظة العز بن عبد السلام في النبوة جهة أخرى وهي أنها عبارة عن خطاب الله تعالى نبيه بإنشاء حكم يتعلق به كقوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم اقرأ باسم ربك فهذا وجوب
364
364
أفضل من هذا الوجه ولا مانع من أن يكون للحقيقة الواحدة شرف من وجه دون وجه
القاعدة السابعة عشر
التفضيل بأكثرية الثمرة بأن تكون الحقيقتان كل واحدة منهما لها ثمرة وهي مثمرة غير أن إحدى الحقيقتين ثمرتها أعظم وجدواها أكثر فتكون أفضل وله أمثلة أحدها الفقه والهندسة كلاهما مثمر أحكاما شرعية لأن الهندسة يستعان بها في الحساب والمساحات والحساب يدخل في المواريث وغيرها والمساحات تدخل في الإجارات ونحوها ومن نوادر المسائل الفقهية التي يدخل فيها الحساب المسألة المحكية عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وذلك أن رجلين كان مع أحدهما خمسة أرغفة ومع الآخر ثلاثة فجلسا يأكلان فجلس معهما ثالث يأكل معهما
ثم بعد الفراغ من الأكل دفع لهما الذي أكل معهما ثمانية دراهم وقال اقسما هذه الدراهم على قدر ما أكلته لكما فقال صاحب الثلاثة إنه أكل نصف أكله من أرغفتي ونصف أكله من أرغفتك فأعطني النصف أربعة دراهم فقال له الآخر لا أعطيك إلا ثلاثة دراهم لأن لي خمسة أرغفة فآخذ خمسة دراهم ولك ثلاثة أرغفة تأخذ ثلاثة دراهم فحلف صاحب الثلاثة لا يأخذ إلا ما حكم به الشرع فترافعا إلى علي رضي الله عنه فحكم لصاحب الثلاثة بدرهم واحد ولصاحب الخمسة بسبعة دراهم فشكا
هامش إدرار الشروق
متعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم والرسالة عبارة عن خطاب الله تعالى المتعلق بالأمة وإنما حظ الرسول منها التبليغ فتكون أفضل بجهة شرف المتعلق من الرسالة فإنما تصح لو لم يكن الرسول نبيا وأما وكل رسول نبي فلا يصح ملاحظة ذلك إذ لا اختصاص للنبي على الرسول بمزية يقع بها التفضيل قاله ابن الشاط نعم وقع التعارض بين جهتين من جهات التفضيل في صفتي علمه تعالى وحياته وفي علمي الفقه والهندسة أما في العلمين فقد حكى الأصل أنه اجتمع يوما عالمان عظيمان أحدهما يعلم المعقولات والهندسيات والآخر عالم بالسمعيات والشرعيات فقال الأول للثاني الهندسة أفضل من الفقه لأنها قطعية والفقه مظنون والقطع أفضل من الظن فقال له الآخر صدقت من هذا الوجه هي أفضل غير أن الفقه أفضل منها لأنه يثمر سعادة الآخرة ونعيم الجنان ورضوان الرحمن والهندسة لا تفيد ذلك فوافقه الآخر على ذلك وكانا متناصفين رحمهما الله تعالى وأما في الوصفين فقال الأصل علمه تعالى أفضل من الحياة من جهة التعلق الذي له والحياة لا تعلق لها وحياته تعالى أفضل من العلم من جهة أنها شرط فيه وهو متوقف عليها وهي في ذاتها ليست متوقفة عليه لأنه ليس شرطا فيها ولا مانع من أن يكون للحقيقة الواحدة شرف من وجه دون وجه
القاعدة السابعة عشرة
التفضيل بأكثرية الثمرة بأن تكون لكل واحدة من الحقيقتين ثمرة إلا أن ثمرة إحداهما أعظم وجدواها أكثر فتكون وله أمثلة أحدها الفقه والهندسة كلاهما مثمر أحكاما شرعية أما الفقه فظاهر وأما الهندسة فلأنها يستعان بها في الحساب والمساحات
والحساب يدخل في المواريث وغيرها والمساحات تدخل في الإجارات ونحوها ومن نوادر المسائل الفقهية التي يحتاج إليها الفقيه المفتي والقاضي الملزم وهي لا تعلم إلا بدقيق
365
365
من ذلك صاحب الثلاثة فقال له علي رضي الله عنه الأرغفة ثمانية وأنتم ثلاثة أكل كل واحد منكم ثلاثة أرغفة إلا ثلثا بقي لك ثلث من أرغفتك أكله صاحب الدراهم وأكل صاحبك من أرغفته ثلاثة إلا ثلثا وهي خمسة يبقى له رغيفان وثلث وذلك سبعة أثلاث أكلها صاحب الدراهم فأكل لك ثلثا وله سبعة أثلاث فيكون لك درهم وله سبعة دراهم فهذه مسألة فقهية يحتاج إليها الفقيه المفتي والقاضي الملزم وهي لا تعلم إلا بدقيق الحساب كما ترى ومن مسائل المساحة الغريبة المتعلقة بالفقه رجل استأجر رجلا يحفر له بئرا عشرة في عشرة طولا وعرضا وعمقا جميع ذلك عشرة من كل وجه فحفر له بئرا خمسة في خمسة فاختلف فيما يستحقه من الأجرة فقال ضعفاء الفقهاء يستحق النصف لأنه عمل النصف
وقال المحققون يستحق الثمن لأنه عمل الثمن وبيانه أنه استأجره على عشرة في عشرة وذلك ألف ذراع بسبب أن الذراع الأول من العشرة لو عمل وبسط على الأرض ومسح كان حصيرا طوله عشرة وعرضه عشرة ومساحته عشرة في عشرة بمائة فالذراع الأول تحصل مساحته مائة وهي عشرة أذرع في عشرة ومائة في عشرة بألف وعمل خمسة في خمسة فالذراع الأول لو بسط على الأرض ترابا على وجهه لكان خمسة في خمسة وخمسة في خمسة بخمسة وعشرين فالذراع مساحته خمسة وعشرون
هامش إدرار الشروق
الحساب المسألة المحكية عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وهي أن رجلين كان مع أحدهما خمسة أرغفة ومع الآخر ثلاثة فجلسا يأكلان فجلس معهما ثالث يأكل معهما ثم بعد الفراغ من الأكل دفع الثالث لهما ثمانية دراهم وقال اقسما هذه الدراهم على قدر ما أكلته لكما فقال صاحب الثلاثة إنه أكل نصف أكله من أرغفتي ونصف أكله من أرغفتك فأعطني النصف أربعة دراهم فقال له الآخر لا أعطيك إلا ثلاثة دراهم لأن لي خمسة أرغفة فآخذ خمسة دراهم ولك ثلاثة أرغفة تأخذ ثلاثة دراهم فحلف صاحب الثلاثة لا يأخذ إلا ما حكم به الشرع فترافعا إلى علي رضي الله تعالى عنه فحكم لصاحب الثلاثة بدرهم واحد ولصاحب الخمسة بسبعة دراهم فشكا من ذلك صاحب الثلاثة فقال له علي رضي الله عنه الأرغفة ثمانية وأنتم ثلاثة أكل كل واحد منكم ثلاثة إلا ثلثا فبقي من أرغفتك بعد أكلك ثلث رغيف أكله صاحب الدراهم وبقي بعد أكل صاحب الخمسة رغيفان وثلث وذلك سبعة أثلاث أكلها صاحب الدراهم فيكون لك درهم واحد في مقابلة الثلث الذي أكله لك ولصاحب الخمسة سبعة دراهم في مقابلة سبعة إلا ثلاث التي أكلها له ومن غرائب المسائل المساحية المتعلقة بالفقه ويحتاج إليها الفقيه المفتي والقاضي الملزم مسألة رجل استأجر رجلا يحفر له بئرا عشرة أذرع طولا في عشرة عرضا في عشرة عمقا بأجرة معينة فحفر له بئرا خمسة في خمسة في خمسة فاختلف فيما يستحقه من الأجرة فقال ضعفاء الفقهاء يستحق النصف لأنه عمل النصف
وقال المحققون يستحق الثمن لأنه عمل الثمن وذلك أنه استأجره على ألف ذراع بسبب أن الذراع الأول من العشرة لو عمل وبسط على الأرض ومسح كان حصيرا طوله عشرة وعرضه عشرة ومساحته عشرة في عشرة بمائة فالذراع الأول تحصل مساحته مائة وهي عشرة أذرع في عشرة ومائة في عشرة بألف ولم يعمل إلا مائة وخمسة وعشرين بسبب أن
366
366
وهي خمسة أذرع وخمسة وعشرون في خمسة بمائة وخمسة وعشرين ونسبة مائة وخمسة وعشرين إلى الألف نسبة الثمن فيستحق الثمن من الأجرة لأنه إنما عمل ثمن ما استؤجر عليه وهذه الدقائق من هذه المسائل إنما تحصل من الهندسة فإن علم الهندسة يشمل الحساب والمساحة وغيرهما وهذه المسائل
وإن كانت كثيرة غير أنها بالنسبة إلى مسائل الفقه قليلة فثمرة الفقه أعظم من ثمرة الهندسة فيكون أفضل منها
وثانيها علم النحو وعلم المنطق كلاهما له ثمرة جليلة غير أن ثمرة النحو أعظم بسبب أنه يستعان به على كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام العرب في نطق اللسان وكتابة اليد فإن اللحن يقع في الكتابة وفي اللفظ ويستعان به في الفقه وفي أصول الفقه وغير ذلك مما علم في مواضعه
وأما المنطق إنما يحتاج إليه في ضبط المعاني المتعلقة بالبراهين والحدود خاصة وقد يكفي فيها الطبع السليم والعقل المستقيم ولا يهتدي العقل بمجرده لتقويم اللسان وسلامته من اللحن فإنها أمور سمعية ولا مجال للعقل فيها على سبيل الاستقلال فلا بد من النحو بالضرورة فيها والمنطق يستغنى عنه بصفاء العقل فصارت الحاجة للنحو أعظم وثمرته أكثر فيكون أفضل
هامش إدرار الشروق
الذراع الأول من الخمسة مساحته خمسة وعشرون وهي خمسة أذرع وخمسة وعشرون في خمسة بمائة وخمسة وعشرين ونسبة مائة وخمسة وعشرين إلى الألف نسبة الثمن فيستحق الثمن من الأجرة لأنه إنما عمل ثمن ما استؤجر عليه وأمثال هذه الدقائق من المسائل التي لا تحصل إلا من الهندسة فإن علم الهندسة يشمل الحساب والمساحة وغيرهما وإن كانت كثيرة غير أنها بالنسبة إلى مسائل الفقه قليلة فثمرة الفقه أعظم من ثمرة الهندسة فيكون أفضل منها
وثانيها علم النحو وعلم المنطق كلاهما له ثمرة جليلة غير أن ثمرة النحو أعظم بسبب أنه يستعان به على كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام العرب في نطق اللسان وكتابة اليد فإن اللحن كما يقع في اللفظ يقع في الكتابة ويستعان به في الفقه وغير ذلك مما علم في مواضعه ولا يحتاج إلى المنطق إلا في ضبط المعاني المتعلقة بالبراهين والحدود خاصة وأيضا العقل بمجرده لا يهتدي لتقويم اللسان وسلامته من اللحن لأنها أمور سمعية ولا مجال للعقل فيها على سبيل الاستقلال فلا بد من النحو بالضرورة فيها والمنطق يكفي في معرفة قواعده الطبع السليم والعقل المستقيم فيستغنى عنه بصفاء العقل فصارت الحاجة للنحو أعظم وثمرته أكثر فيكون أفضل وثالثها علم النحو مع علم أصول الفقه كلاهما مثمر غير أن أصول الفقه من حيث إن الشريعة من أولها إلى آخرها مبنية عليه فلا تؤخذ أحكامها إلا منه فهي ثمرته والنحو إنما أثره في تصحيح الألفاظ وبعض المعاني والألفاظ إنما هي وسائل والأحكام الشرعية مقاصد بالنسبة إلى الألفاظ والمقاصد أفضل من الوسائل قال
القاعدة الثامنة عشر التفضيل بالتأثير وله أمثلة أحدها تفضيل قدرة الله تعالى على العلم والكلام
قلت فيما قاله في هذه القاعدة نظر
القاعدة الثامنة عشرة التفضيل بالتأثير وله أمثلة
367
367
وثالثها علم النحو مع علم أصول الفقه كلاهما مثمر غير أن أصول الفقه يثمر الأحكام الشرعية فإنها منه تؤخذ فالشريعة من أولها إلى آخرها مبنية على أصول الفقه والنحو إنما أثره في تصحيح الألفاظ وبعض المعاني والألفاظ إنما هي وسائل والأحكام الشرعية مقاصد بالنسبة إلى الألفاظ والمقاصد أفضل من الوسائل
القاعدة الثامنة عشر
التفضيل بالتأثير وله أمثلة أحدها تفضيل قدرة الله تعالى على العلم والكلام فإنها مؤثرة في تحصيل وجود الممكنات والعلم والخبر تابعان ليسا بمؤثرين وكذلك السمع والبصر من قبيل العلم وما له التأثير أفضل مما لا تأثير له
وثانيها تفضيل الإرادة على الحياة فإنها مؤثرة للتخصيص في الممكنات بزمانها وصفاتها الجائزة عليها والحياة لا تؤثر إيجادا ولا تخصيصا وليس في صفات الله السبعة مؤثر إلا القدرة والإرادة فقط
وثالثها تفضيل صاحب الشرع الحياء على ضده وهو القحة فقال الحياء خير كله الحياء لا يأتي إلا بخير الحياء من الإيمان بسبب أن الحياء يؤثر الحث على الخيرات والزجر عن المنكرات والقحة لا ينزجر صاحبها عن مكروه ولا تحثه على معروف
هامش إدرار الشروق
أحدها تفضيل قدرة الله تعالى من حيث إنها مؤثرة في تحصيل وجود الممكنات وإرادته تعالى من حيث إنها مؤثرة للتخصيص في الممكنات بزمانها وصفاتها الجائزة عليها على سائر صفات المعاني السبعة إذ لا تأثير في غيرهما منها
وثانيها تفضيل صاحب الشرع الحياء على ضده وهو القحة فقال الحياء خير كله الحياء لا يأتي إلا بخير الحياء من الإيمان بسبب أن الحياء يؤثر الحث على الخيرات والزجر عن المنكرات والقحة لا ينزجر صاحبها عن مكروه ولا تحثه على معروف
وثالثها تفضيل صاحب الشرع الشجاعة على الجبن بسبب أن الشجاعة تحث على ردء الأعداء ونصرة الجار ودفع العار والجبن لا يأتي معه شيء من ذلك
ورابعها تفضيل صاحب الشرع السخاء على البخل كما ورد الكريم حبيب الله لأن السخاء يؤثر الحنانة والشفقة على المساكين فهو من مكارم الأخلاق وجلب القلوب بخلاف البخل فإنه من طباع اللئام كذا قال الأصل وقال ابن الشاط وفيما قاله في هذه القاعدة نظر ا ه
قلت ولعل وجهه أنه في المثال الأول نسب التأثير للقدرة والإرادة وهو لا ينسب حقيقة إلا للذات وقولهم القدرة فعالة مجاز لا كفر ما لم يرد الانفكاك والاستقلال كما في حاشية الأمير على عبد السلام على الجوهرة قال وقد أشار الشارح لذلك كغيره بقوله بها في تعريف القدرة عرفا بأنها صفة أزلية يتأتى بها إيجاد كل ممكن وإعدامه على وفق الإرادة ا ه
لكن لا يجوز أن يطلق لفظ واسطة أو يمثل بالآلة ولله المثل الأعلى وتعالى عما يقول الظالمون وسبحان ربك رب العزة عما يصفون ويقتصر للقاصرين على قولنا الله على كل شيء قدير وما وراء ذلك من فروض الكفاية وإلا جاء قول الشاعر
368
368
ولذلك فضل صاحب الشريعة الشجاعة على الجبن بسبب أن الشجاعة تحث على درء الأعداء ونصر الجار ودفع العار والجبن لا يأتي معه شيء من ذلك وكذلك فضل صاحب الشريعة السخاء على البخل لكونه من مكارم الأخلاق وجلب القلوب كما ورد الكريم حبيب الله لأن السخاء يؤثر الحنانة والشفقة على المساكين والبخل ليس فيه شيء من ذلك لأنه من طباع اللئام
القاعدة التاسعة عشر
التفضيل بجودة البنية والتركيب وله أمثلة أحدها تفضيل الملائكة الكرام صلوات الله عليهم على الجان بسبب جودة أبنيتهم وحسن تركيبهم فإنهم خلقوا من نور ويسير جبريل عليه السلام من العرش إلى الفرش سبعة آلاف سنة في لحظة واحدة ويحمل مدائن لوط الخمسة من تحت الأرض على جناحه لا يضطرب منها شيء بل يقتلعها من تحتها على هذا الوجه ويصعد بها إلى الجو ثم يقلبها وهذا عظيم
والملك الواحد من الملائكة يقهر الجمع العظيم من الجان ولذلك سأل سليمان عليه السلام ربه تعالى أن يولي على الجان الملائكة ففعل له ذلك فهم الزاجرون لهم اليوم عند العزائم وغيرها التي يتعاطاها أهل هذا العلم فيقسمون على الملائكة بتلك الأسماء التي تعظمها الملائكة فتفعل في الجان ما يريده المقسم عليهم بتلك
هامش إدرار الشروق
وكان مضلي من هديت برشده قال وفي اليواقيت عن ابن عربي في شرح ترجمان الأشواق أن تعلق القدرة بالمقدور من سر القدر وسر القدر لا يطلع عليه إلا أفراد لأن الله تعالى قد طوى علمه عن سائر الخلق ما عدا سيدنا محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ورثه فيه كأبي بكر الصديق رضي الله عنه فقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم سأله يوما أتدري يوم لا يوم فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه نعم ذلك يوم المقادير أو كما قال قال ابن عربي وقد أطلعنا الله تعالى عليه بحكم الوراثة المحمدية ولكن لا يسعنا الإفصاح عنه لغلبة منازعة المحجوبين فيه قال تعالى ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ا ه بتصرف
وفي بقية الأمثلة نسب التأثير للأسباب وهو إنما يصح على مذهب الحكماء القائلين بالإيجاب والتعليل والمذهب الحق أن لا تأثير إلا لله تعالى وأن الربط بين السبب كالنظر الصحيح ومسببه كالنتيجة إما بطريق اللزوم العقلي كالتلازم بين الجوهر والعرض فوجود أحدهما بدون الآخر مستحيل عقلي لا تتعلق به القدرة بل أن يوجدا معا أو يعدما معا وقيل عادي يقبل التخلف كالإحراق عند مس النار فقد تخلف في نحو إبراهيم وقالت المعتزلة بالتولد على أصلهم في الضرب الناشئ عنه القطع والتولد أن يوجب الفعل لفاعله شيئا آخر كما في حاشية العلامة الأمير على عبد السلام فتأمل والله أعلم
قال القاعدة التاسعة عشر التفضيل بجودة البنية والتركيب وله أمثلة أحدها تفضيل الملائكة الكرام صلوات الله عليهم على الجان بسبب جودة أبنيتهم وحسن تركيبهم قلت ما قاله في هذه القاعدة غير صحيح لأنه بنى جميع قوله فيها على نسبة تلك الآثار التي ذكرها إلى تأثير غير القدرة القديمة على ما ظهر من مساق كلامه والله تعالى أعلم وما قاله بعد ذلك في القاعدة العشرين وما بعده إلى منتهى قوله فهي من المفضلات التي علم تفضيلها صحيح كله
القاعدة التاسعة عشرة التفضيل بجودة البنية والتركيب وله أمثلة
أحدها تفضيل الملائكة الكرام صلوات الله عليهم على الجان بسبب ما جعله الله تعالى فيهم من جودة البنية وحسن التركيب فإنهم خلقوا من نور وجعل الله فيهم سرعة السير ووفور القوة بحيث إن جبريل عليه السلام يسير من العرش إلى الفرش سبعة آلاف سنة في لحظة واحدة ويحمل مدائن لوط الخمسة من
369
369
الأسماء المعظمة وكانوا قبل زمن سليمان عليه السلام يخالطون الناس في الأسواق ويعبثون بهم عبثا شديدا فلما رتب سليمان هذا الترتيب وسأله من ربه انحازوا إلى الفلوات والخراب من الأرض فقلت أذيتهم والملائكة تراقبهم في ذلك فمن عبث منهم وعثا ردوه أو قتلوه كما يفعل ولاة بني آدم مع سفهائهم وما سبب اقتدار الملائكة على الجان إلا فضل أبنيتهم ووفور قوتهم فهم مفضلون على الجان من هذا الوجه مضافا لبقية الوجوه وهذه النكتة ينتفع بها كثيرا في النصوص الدالة على تفضيل الملائكة على البشر فإن الصحيح أن البشر أفضل على تفصيل يذكر في موضعه فإذا قصد الجواب عن تلك النصوص حمل ذلك التفضيل والثناء على الأبنية وجودة التركيب إذا كان النص يحتمل ذلك فيندفع أكثر الأسئلة والنقوض عن المستدل على أفضلية الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ولا نزاع أن الملائكة أفضل في أبنيتهم وأن أبنية بني آدم خسيسة بالنسبة إلى أبنية الملائكة فتحمل آية التفضيل على ذلك
وثانيها تفضيل الجان على بني آدم في الأبنية وجودة التركيب من جهة أنهم يعيشون الآلاف من السنين فلا يعرض لهم الموت وكذلك لا تعرض لهم الأمراض والأسقام
هامش إدرار الشروق
تحت الأرض على جناحه لا يضطرب منها شيء بل يقلعها من تحتها على هذا الوجه ويصعد بها إلى الجو ثم يقلبها وبحيث إن الملك الواحد من الملائكة يقهر الجمع العظيم من الجان ولذلك سأل سليمان عليه السلام ربه تعالى أن يولي على الجان الملائكة ففعل له ذلك فهم الزاجرون لهم اليوم عند العزائم وغيرها التي يتعاطاها أهل العلم فيقسمون على الملائكة بتلك الأسماء التي تعظمها الملائكة فتفعل في الجان ما يريده الله تعالى عند ذلك الإقسام بتلك الأسماء المعظمة وكانوا قبل زمن سليمان عليه السلام يخالطون الناس في الأسواق ويعبثون بهم عبثا شديدا فلما رتب سليمان هذا الترتيب وسأله من ربه انحازوا إلى الفلوات والخراب من الأرض فقلت أذيتهم والملائكة تراقبهم في ذلك فمن عبث منهم وعثا ردوه أو قتلوه كما يفعل ولاة بني آدم مع سفهائهم وتفضيلهم على الجان من هذا الوجه يضاف لبقية الوجوه وعلى هذه النكتة من التفضيل تحمل النصوص الدالة على تفضيل الملائكة على البشر إذا احتمل النص ذلك إذ لا نزاع في أن أبنية بني آدم خسيسة بالنسبة إلى أبنية الملائكة فلا تعارض ما هو الصحيح من أن البشر أفضل على تفصيل يذكر في موضعه لأمور
أحدها أن الملائكة عقل محض والبهائم شهوة محضة والإنسان مركب منهما فكما أن غلبة الشهوة تنزل الإنسان عن البهائم بعذرها بالعدم كما قال تعالى أولئك كالأنعام بل هم أضل كذلك غلبة العقل ترفعه عن الملائكة إذ وجود الشهوات مع قمعها أتم من باب أفضل العبادة أحمزها بحاء مهملة فزاي أي أشقها
الأمر الثاني أن الملائكة مع قدرتهم على التشكل بأشكال مختلفة للطافة أجسامهم النورانية لا يتشكلون في صور بعضهم فلا يتشكل جبريل بصورة ميكائيل ولا العكس بخلاف أولياء البشر فيمكنهم ذلك كما في اليواقيت عن ابن العربي

370
370
التي تعرض لبني آدم بسبب أن أجسادهم ليست مشتملة على الرطوبات وأجرام الأغذية فلا يحصل العفن ولا آفات الرطوبات التي تعرض لبني آدم فلذلك كثر بقاؤهم وطال وأسرع لبني آدم الموت ومما ورد في ذلك قول الشاعر في الجان لما ورد عليه بالليل وهو يقيد النار أتوا ناري فقلت منون أنتم فقالوا الجن قلت عموا ظلاما فقلت إلى الطعام فقال منهم زعيم يحسد الإنس الطعاما لقد فضلتم بالأكل عنا ولكن ذاك يعقبكم سقاما فصرحوا في شعرهم بما تقدم
وقال جماعة من العلماء الغزالي رحمه الله في الإحياء وغيره إنهم يتغذون من الأعيان بروائحها ولذلك جاء في الحديث أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مر أمتك لا يستجمروا بروث ولا عظم فإنها طعامنا وطعام دوابنا مع أنا نجد العظم يمر عليه الدهر الطويل لا يتغير منه شيء فدل ذلك على أنهم يتغذون بالرائحة ورأيت في بعض الكتب عن وهب بن منبه أنهم طوائف منهم من يتغذى بالرائحة ومنهم من يتغذى بجرم الغذاء ومنهم طائر لا يأوي في الأرض ومنهم من يأوي في الأرض يرحلون وينزلون في البراري كالأعراب وإن أحوالهم مختلفة في ذلك وعلى الجملة فتراكيبهم
هامش إدرار الشروق
الأمر الثالث أن في اليواقيت عن الشيخ الأكبر أن مقام لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل الحديث من خصوصيات البشر وأما الملائكة فكل طاعاتهم محتمة عليهم فلا يفرغون من توظيف حتى يمكنهم التطوع نعم قال السعد لا قاطع في هذه المقامات كذا يؤخذ من الأمير على عبد السلام على الجوهرة وثانيها تفضيل الجان على بني آدم في الأبنية وجودة التركيب من جهة تقديره تعالى أنهم يعيشون الآلاف من السنين فلا يعرض لهم الموت وكذلك لا تعرض لهم الأمراض والأسقام التي تعرض لبني آدم بسبب أن أجسادهم لم يجعلها تعالى مشتملة على الرطوبات وأجرام الأغذية كما جعل أجساد بني آدم مشتملة على ذلك فصار يعرض لها العفن وآفات الرطوبات دون أجساد الجان فلذلك كثر بقاؤهم وطال وأسرع لبني آدم الموت على حسب تقدير العزيز العليم ومما ورد قول الشاعر في الجان لما ورد عليه وهو يقيد النار أتوا ناري فقلت منون أنتم فقالوا الجن قلت عموا ظلاما فقلت إلى الطعام فقال منهم زعيم يحسد الإنس الطعاما لقد فضلتم بالأكل عنا ولكن ذاك يعقبكم سقاما فصرحوا في شعرهم بما تقدم
وقال جماعة من العلماء منهم الغزالي رحمه الله تعالى في الإحياء إنهم يتغذون من الأعيان بروائحها ولذلك جاء في الحديث أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مر أمتك لا يستجمروا بروث ولا عظم فإنها طعامنا وطعام دوابنا مع أنا نجد العظم يمر عليه الدهر الطويل لا يتغير منه شيء فدل ذلك على أنهم يتغذون بالرائحة
قال الأصل ورأيت في بعض الكتب عن وهب بن منبه أنهم طوائف منهم من يتغذى بالرائحة ومنهم من يتغذى بجرم الغذاء ومنهم طائر لا يأوي في الأرض ومنهم من يأوي في الأرض يرحلون وينزلون في البراري كالأعراب وإن أحوالهم مختلفة في ذلك وعلى الجملة
371
371
أعظم وسيرهم في الأرض أيسر فيسيرون المسافة الطويلة في الزمن القصير ولذلك تؤخذ عنهم أخبار الوقائع والحوادث في البلاد البعيدة عنا بسبب سرعة حركتهم وتنقلهم على وجه الأرض واتخذهم سليمان عليه السلام لأعمال تعجز عنها البشر بسبب فرط قوتهم قال الله تعالى يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب ولهم قوة التنقل على التصور في كل حيوان أرادوا فتقبل بنيتهم التنقل إلى الحيات والكلاب والبهائم وصور بني آدم وهذا لا يتأتى إلا مع جودة البنية ولطافة التركيب وبنيتنا نحن لا تقبل شيئا من هذا لأنا خلقنا من تراب شأنه الثبوت والرصافة والدوام على حالة واحدة وخلقوا من نار شأنها التحرك وسرعة الانتقال واللطافة وهذا المعنى هو الذي غر إبليس فأوجب له الكبر على آدم صلوات الله عليه وترك أن الله يفضل من يشاء على من يشاء ويحكم ما يريد فجاء بالاعتراض في غير موضعه فهلك
وثالثها تفضيل الذهب على الفضة بجودة البنية فإن بنية الذهب ملتزة متداخلة وبنية الفضة متفشفشة رخوة وسبب ذلك من حيث العادة ما ذكره المتحدثون عن المعادن أن طبخ الذهب طال تحت الأرض بحر الشمس أربعة آلاف سنة والفضة لم يحصل لها ذلك فكان بنية الذهب أفضل من بنية الفضة
هامش إدرار الشروق
فتراكيبهم أعظم وسيرهم في الأرض أيسر فيسيرون المسافة الطويلة في الزمن القصير ولذلك تؤخذ عنهم أخبار الوقائع والحوادث في البلاد البعيدة عنا بسبب سرعة حركتهم وتنقلهم على وجه الأرض واتخذهم سليمان عليه السلام لأعمال تعجز عنها البشر بسبب فرط قوتهم قال الله تعالى يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب ولهم قوة التنقل على التصور في كل حيوان أرادوا فتقبل بنيتهم التنقل إلى الحيات والكلاب والبهائم وصور بني آدم وهذا لا يتأتى إلا مع جودة البنية ولطافة التركيب وبنيتنا نحن لا تقبل شيئا من هذا لأنا خلقنا من تراب شأنه الثبوت والرصافة والدوام على حالة واحدة وخلقوا من نار شأنها التحرك وسرعة الانتقال واللطافة وهذا المعنى هو الذي غر إبليس فأوجب له الكبر على آدم صلوات الله عليه وترك أن الله يفضل من يشاء على من يشاء ويحكم ما يريد فجاء بالاعتراض في غير موضعه فهلك ا ه
وفي كتاب مسامرة الأخيار للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي قدس سره خبر الحية الطائفة بالبيت عن أبي الطفيل قال كانت امرأة من الجن في الجاهلية تسكن ذا طوى وكان لها ابن ولم يكن لها ولد غيره وكانت تحبه حبا شديدا وكان شريفا في قومه فتزوج وأتى زوجته فلما كان يوم سابعه قال لأمه يا أمه إني أحب أن أطوف بالكعبة سبعا نهارا قالت له أمه أي بني إني أخاف عليك سفهاء قريش فقال أرجو السلامة فأذنت له فولى في صورة جان فلما أدبر جعلت تعوذه وتقول أعيذه بالكعبة المستوره ودعوات ابن أبي محذوره وما تلا محمد من سوره إني إلى حياته فقيره وإنني بعيشه مسروره
372
372
القاعدة العشرون
التفضيل باختيار الرب تعالى لمن يشاء على من يشاء ولما يشاء على ما يشاء فيفضل أحد المتساويين من كل وجه على الآخر كتفضيل شاة الزكاة على شاة التطوع وتفضيل فاتحة الكتاب داخل صلاة الفرض على الفاتحة خارج الصلاة فإن الواجب أفضل مما ليس بواجب وكذلك تفضيل حج الفرض على تطوعه والأذكار في الصلاة على مثلها خارج الصلاة إذا تقررت هذه القواعد في أسباب التفضيل
فاعلم أن هذه الأسباب الموجبة للتفضيل قد تتعارض فيكون الأفضل من حاز أكثرها وأفضلها والتفضيل إنما يقع بين المجموعات وقد يختص المفضول ببعض الصفات الفاضلة ولا يقدح ذلك في التفضيل عليه لقوله صلى الله عليه وسلم أقضاكم علي وأفرضكم زيد وأقرؤكم أبي وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل رضي الله عنهم مع أن أبا بكر رضي الله عنه أفضل الجميع وكاختصاص سليمان عليه السلام بالملك العظيم ونوح عليه السلام بإنذار المئين من السنين وآدم صلى الله عليه وسلم بكونه أبا البشر مع تفضيل محمد صلى الله عليه وسلم على الجميع فلولا هذه القاعدة وهي تجويز اختصاص المفضول بما ليس للفاضل للزم التناقض واعلم أن تفضيل الملائكة والأنبياء صلوات الله تعالى عليهم أجمعين إنما هو بالطاعات وكثرة المثوبات
هامش إدرار الشروق
فمضى الجان أي وهو في صورة حية نحو الطواف فطاف بالبيت سبعا وصلى خلف المقام ركعتين ثم أقبل منقلبا حتى إذا كان ببعض دور بني سهم عرض له شاب من بني سهم أحمر أكثف أزرق أحول أعسر فقتله فثارت بمكة غبرة حتى لم تبصر لها الجبال قال أبو الطفيل وبلغنا أنه إنما تثور تلك الغبرة عند موت عظيم من الجن قال فأصبح من بني سهم على فراشهم موتى كثير من قبل الجن فكان فيهم سبعون شيخا أصلع سوى الشباب قال فنهضت بنو سهم وحلفاؤها ومواليها وعبيدها فركبوا الجبال والشعاب بالثنية فما تركوا حية ولا عقربا وخنفساء ولا شيئا من الهوام يدب على وجه الأرض إلا قتلوه فأقاموا بذلك ثلاثا فسمعوا في الليلة الثالثة على أبي قبيس هاتفا يهتف بصوت له جهوري يسمع بين الجبلين يا معشر قريش الله الله فإن لكم أحلاما وعقولا أعذرونا أعذرونا من بني سهم فقد قتلوا منا أضعاف ما قتلنا منهم ادخلوا بيننا وبينهم بصلح نعطهم ويعطونا العهد والميثاق أن لا يعود بعضنا لبعض بسوء أبدا ففعلت ذلك قريش واستوثقوا لبعضهم من بعض فسميت بنو سهم العياطلة قتلة الجن ا ه
المراد منه فانظره
وثالثها تفضيل الذهب على الفضة بجودة البنية فإن بنية الذهب ملتززة متداخلة وبنية الفضة متفشفشة رخوة وسبب ذلك كما قيل إن طبخ الذهب طال تحت الأرض بحر الشمس أربعة آلاف سنة والفضة لم يحصل لها ذلك فكانت بنية الذهب أفضل من بنية الفضة
القاعدة العشرون التفضيل باختيار الرب تعالى لمن يشاء على من يشاء ولما يشاء على ما يشاء بأن يفضل أحد المتساويين من كل وجه على الآخر كتفضيل شاة الزكاة على شاة التطوع وتفضيل فاتحة الكتاب داخل صلاة الفرض على الفاتحة خارج الصلاة وحج الفرض على تطوعه فإن الواجب أفضل مما ليس بواجب وكتفضيل الأذكار في الصلاة على مثلها خارج الصلاة خاتمة نسأل الله حسنها
في مهمات
373
373
والأحوال السنيات وشرف الرسالات والدرجات العليات فمن كان فيها أتم فهو أفضل وكذلك التفضيل بين العبادات إنما هو بمجموع ما فيها فقد يختص المفضول بما ليس للفاضل كاختصاص الجهاد بثواب الشهادة والصلاة أفضل منه وليس فيها ذلك والحج أفضل من الغزو وكذلك الحج فيه تكفير الذنوب كبيرها وصغيرها وجاء في الحديث من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وهو يقتضي الذنوب كلها والتبعات لأنه يوم الولادة كان كذلك
وقد ورد في بعض الأحاديث أن الله تعالى تجاوز لهم عن الخطيئات وضمن عنهم التبعات والصلاة ليس فيها ذلك مع أنها أفضل من الحج وما ذلك إلا لأنه يجوز أن يختص المفضول بما ليس للفاضل وقد تقدم أن الشيطان يفر من الأذان والإقامة ولا يفر من الصلاة مع أنها أفضل منهما وقد تقدم تفضيله وأنه يخرج على هذه القاعدة ثم اعلم أن المفضولات منها ما يطلع على سبب تفضيله ومنها لا يعلم إلا بالسمع المنقول عن صاحب الشريعة كتفضيل مسجده صلى الله عليه وسلم وأن الصلاة فيه خير من ألف صلاة في غيره وفي المسجد الحرام بمائة ألف صلاة وفي بيت المقدس بخمسمائة صلاة وهذه أمور لا تعلم إلا بالسمعيات ومن تفضيل المدينة على مكة عند مالك رحمه الله ومكة على المدينة عند الشافعي رضي الله عنه لا يعلم ذلك
هامش إدرار الشروق
المهم الأول أن تفضيل الأزمان والبقاع قسمان الأول دنيوي كتفضيل الربيع على غيره وكتفضيل بعض البلدان بالثمار والأنهار وطيب الهواء وموافقة الأهواء
والثاني ديني كتفضيل الثلث الأخير من الليل على غيره من الأزمنة بإجابة الدعوات ومغفرة الزلات وإعطاء السؤال ونيل الآمال ورمضان على الشهور وعاشوراء ويوم عرفة وأيام البيض والجمعة والخميس والاثنين ونحو ذلك مما ورد الشرع بتفضيله وتعظيمه على ما عداه من الأزمنة وكتفضيل مكة والمدينة وبيت المقدس وعرفة والمطاف والمسعى ومزدلفة ومنى ومرمى الجمار ونحو ذلك من البقاع التي ورد الشرع بتفضيلها على غيرها ومن الأقاليم المفضلة شرعا اليمن لقوله صلى الله عليه وسلم الإيمان يماني والحكمة يمانية والمغرب لقوله صلى الله عليه وسلم لا تزال طائفة من أهل المغرب قائمين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك
المهم الثاني المفضلات ثلاثة أقسام الأول ما يطلع على سبب تفضيله كتفضيل الصلاة بعد الإيمان على سائر العبادات وذلك أنه قد مر أن أقسام تصرف العبادة أربعة أحدها حق الله تعالى فقط كالمعارف والإيمان بما يجب ويستحيل ويجوز عليه سبحانه وتعالى
وثانيها حق العباد فقط بمعنى أنهم متمكنون من إسقاطه وإلا فكل حق للعبد ففيه حق لله تعالى وهو أمره عز وجل بإيصاله إلى مستحقه كأداء الديون ورد الغصوب والودائع
وثالثها حق لله تعالى وحق للعباد والغالب مصلحة العباد كالزكوات والصدقات والكفارات والأموال المنذورات والضحايا والهدايا والوصايا والأوقاف
ورابعها حق لله تعالى وحق لرسوله صلى الله عليه وسلم وللعباد كالأذان فحقه تعالى التكبيرات والشهادة بالتوحيد وحق رسوله الشهادة له بالرسالة وحق العباد الإرشاد للأوقات في حق النساء والمنفردين والدعاء
374
374
إلا بالنصوص وقد ذكرت في مواضعها من الفقه وإنما المقصود ههنا تحرير القواعد الكلية والتنبيه عليها أما جزئيات المسائل ففي مواضعها تنبيه يطلع منه على تفضيل الصلاة على سائر العبادات فنقول تقرر أن تصرف العباد على أربعة أقسام أحدها حق الله تعالى فقط كالمعارف وكالإيمان بما يجب ويستحيل ويجوز عليه سبحانه وتعالى
وثانيها حق العباد فقط بمعنى أنهم متمكنون من إسقاطه وإلا فكل حق للعبد ففيه حق لله تعالى وهو أمره عز وجل بإيصاله إلى مستحقه كأداء الديون ورد الغصوب والودائع
وثالثها حق لله تعالى وحق للعباد والغالب مصلحة العباد كالزكوات والصدقات والكفارات وكالأموال المنذورات والضحايا والهدايا والوصايا والأوقاف
ورابعها حق لله تعالى وحق لرسوله صلى الله عليه وسلم وللعباد كالأذان فحقه تعالى التكبيرات والشهادة بالتوحيد وحق رسوله الشهادة له بالرسالة وحق العباد الإرشاد للأوقات في حق النساء والمنفردين والدعاء للجماعات في حق المقتدين والصلاة مشتملة على حق الله تعالى كالنية والتكبير والتسبيح والتشهد والركوع والسجود وما يصحبها من
هامش إدرار الشروق
للجماعات في حق المقتدين والصلاة مع كونها من المقاصد قد اشتملت على حق الله تعالى كالنية والتكبير والتسبيح والتشهد والركوع والسجود وما يصحبها من الحركات والتروك والكف عن الكلام وكثير الأفعال وعلى حقه صلى الله عليه وسلم كالصلاة عليه والتسليم عليه والشهادة له بالرسالة وعلى حق المكلف وهو دعاؤه لنفسه في القيام بالهداية والاستقامة على العبادة وغيرها والقنوت وفي السجود والجلوس لنفسه وقوله السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم والتسليم آخر الصلاة على الحاضرين فلذا قال صلى الله عليه وسلم أفضل أعمالكم الصلاة
القسم الثاني ما لا يعلم تفضيله إلا بالسمع المنقول عن صاحب الشريعة كتفضيل مسجده صلى الله عليه وسلم وأن الصلاة فيه خير من ألف صلاة في غيره وفي المسجد الحرام بمائة ألف صلاة وفي بيت المقدس بخمسمائة صلاة فإن هذه أمور لا تعلم إلا بالسمعيات
القسم الثالث ما تفضيله بأمور نعلمها وأمور لا نعلمها إلا بالسمع المنقول عن صاحب الشريعة كتفضيل المدينة على مكة في مشهور مذهبنا فمن جهة المعلوم بوجوه ككونها مهاجر سيد المرسلين وموطن استقرار الدين وظهور دعوة المؤمنين ومدفن سيد الأولين والآخرين وبها كمل الدين واتضح اليقين وحصل العز والتمكين وكان النقل عن أهلها أفضل النقول وأصح المعتمدات لأن الأبناء فيه ينقلون عن الآباء والأخلاف عن الأسلاف فيخرج النقل عن حيز الظن والتخمين إلى حيز العلم واليقين ومن جهة النصوص بوجوه
أحدها قوله صلى الله عليه وسلم المدينة خير من مكة
وثانيها دعاؤه صلى الله عليه وسلم بمثل ما دعا به إبراهيم صلى الله عليه وسلم لمكة ومثله معه
375
375
الحركات والتروك والكف عن الكلام وكثير الأفعال وعلى حقه صلى الله عليه وسلم كالصلاة عليه والتسليم عليه والشهادة له بالرسالة وعلى حق المكلف وهو دعاؤه لنفسه بالهداية والاستقامة على العبادة وغيرها والقنوت ودعاؤه في السجود والجلوس لنفسه وقوله السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم والتسليم آخر الصلاة على الحاضرين ولهذه الوجوه ونحوها كانت الصلاة أفضل الأعمال بعد الإيمان وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل أعمالكم الصلاة فهي من المفضلات التي علم سبب تفضيلها وأما تفضيل مكة على المدينة أو المدينة على مكة فبأمور نعلمها وأمور لا نعلمها فمن المعلوم كون المدينة مهاجر سيد المرسلين وموطن استقرار الدين وظهور دعوة المؤمنين ومدفن سيد الأولين والآخرين وبها كمل الدين واتضح اليقين وحصل العز والتمكين وكان النقل من أهلها أفضل النقول وأصح المعتمدات لأن الأبناء فيه ينقلون عن الآباء والأخلاف عن الأسلاف فيخرج النقل عن حيز الظن والتخمين إلى حيز العلم واليقين ومن جهة النصوص بوجوه
أحدها قوله صلى الله عليه وسلم المدينة خير من مكة وهو
هامش إدرار الشروق
وثالثها قوله صلى الله عليه وسلم اللهم إنهم أخرجوني من أحب البقاع إلي فأسكني أحب البقاع إليك وما هو أحب إلى الله يكون أفضل والظاهر استجابة دعائه صلى الله عليه وسلم وقد أسكنه المدينة فتكون أفضل البقاع وهو المطلوب
ورابعها قوله صلى الله عليه وسلم لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شفيعا وشهيدا يوم القيامة
وخامسها قوله صلى الله عليه وسلم إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها أي تأوي
وسادسها قوله صلى الله عليه وسلم إن المدينة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد
وسابعها قوله صلى الله عليه وسلم ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة وكتفضيل مكة على المدينة في مقابل مشهور مذهبنا فمن جهة المعلوم بوجوه أحدها وجوب الحج والعمرة على الخلاف في وجوب العمرة والإتيان للمدينة لا يجب وثانيها إقامة النبي صلى الله عليه وسلم بها ثلاث عشرة سنة وبالمدينة عشرا وثالثها ما من نبي إلا حجها آدم فمن سواه من الأنبياء والمرسلين وإنما كثرة الطارئين للمدينة من عباد الله الصالحين لا من الأنبياء
ورابعها وجوب استقبالها وخامسها تحريم استقبالها واستدبارها عند قضاء الحاجة وسادسها تحريمها يوم خلق السموات والأرض ولم تحرم المدينة إلا في زمانه صلى الله عليه وسلم وسابعها كونها مثوى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام
وثامنها كونها مولد سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم
وتاسعها كونها لا تدخل إلا بإحرام وعاشرها الاغتسال لدخولها دون المدينة ومن جهة النصوص بوجوه

376
376
نص في الباب ويرد عليه أنه وإن كان نصا في التفضيل غير أنه مطلق في المتعلق فيحتمل أنها خير من جهة سعة الرزق والمتاجر فما تعين محل النزاع
وثانيها دعاؤه صلى الله عليه وسلم بمثل ما دعا به إبراهيم صلى الله عليه وسلم لمكة ومثله معه ويرد عليه أنه مطلق في المدعو به فيحمل ما صرح به في الحديث وهو الصاع والمد
وثالثها قوله صلى الله عليه وسلم اللهم إنهم أخرجوني من أحب البقاع إلي فأسكني أحب البقاع إليك وما هو أحب إلى الله يكون أفضل والظاهر استجابة دعائه صلى الله عليه وسلم وقد أسكنه المدينة فتكون أفضل البقاع وهو المطلوب ويرد عليه أن السياق لا يأبى دخول مكة في المفضل عليه لإياسه صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت فيكون المعنى فأسكني أحب البقاع إليك مما عداها وإذا لم تدخل مكة في المفضل عليه احتمل أن تكون أفضل من المدينة فتسقط الحجة مع أنه لم يصح من جهة النقل ولو صح فهو من مجاز وصف المكان بصفة ما يقع فيه كما يقال بلد طيب أي هواها والأرض المقدسة أي قدس من فيها أو من دخلها من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لأنهم مقدسون من الذنوب والخطايا وكذلك الوادي المقدس أي قدس موسى عليه السلام فيه والملائكة الحالون فيه وكذلك وصفه عليه
هامش إدرار الشروق
376
أحدها قوله تعالى
إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وثانيها ثناء الله تعالى على البيت الحرام بقوله تعالى إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين وثالثها ما رواه ابن ماجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبل الحجر ثم وضع شفتيه عليه وبكى طويلا ثم التفت فإذا هو بعمر بن الخطاب يبكي فقال يا عمر ههنا تسكب العبرات وروى البخاري في صحيحه أن عمر بن الخطاب جاء إلى الحجر الأسود فقبله ثم قال إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك وروي أن أبيا قال له إنه يضر وينفع فإنه يأتي يوم القيامة وله لسان ذلق يشهد لمن قبله واستلمه وهذه منفعة وقيل إن عليا قال لعمر رضي الله عنهما بل يضر وينفع قال له وكيف ذلك قال إن الله تعالى لما أخذ الميثاق على الذرية كتب كتابا وألقمه هذا الحجر فهو يشهد للمؤمنين بالوفاء وعلى الكافرين بالجحود قال الأمير في مناسكه وإنما طلب التكبير عنده إشارة إلى أن تقبيله إنما هو امتثالا لأمر الله تعالى وتعظيما لما أمر الله بتعظيمه واقتداء بنبيه صلى الله عليه وسلم لا كما يصنع المشركون بأصنامهم فإن الله تعالى أكبر من أن يشرك معه غيره وههنا لطيفة وهي أن هذا الحجر مسه فم النبي صلى الله عليه وسلم فإنه قبله وعلى التبرك بذلك تبذل النفوس وأيضا ورد أنه يمين الله في أرضه من اليمن وهو البركة والناس تتعبد بتقبيله كما تقبل أيدي الملوك ا ه
ورابعها ما جاء في الحديث من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وهو يقتضي الذنوب كلها والتبعات لأنه يوم الولادة كان كذلك وقد ورد في بعض الأحاديث أن الله تعالى تجاوز لهم عن الخطيئات وضمن عنهم التبعات ولو كان لملك داران فأوجب على عباده أن يأتوا إحداهما ووعدهم على ذلك مغفرة سيئاتهم ورفع درجاتهم دون الأخرى لعلم أنها أفضل

377
377
الصلاة والسلام البقعة بالمحبة وهو وصف لها بما جعله الله تعالى فيها مما يحبه الله تعالى ورسوله وهي إقامته صلى الله عليه وسلم بها وإرشاد الخلق إلى الحق وقد اقتضى ذلك التبليغ وتلك القربات فبطل الوصف الموجب للتفضيل على هذا التقدير ورابعها قوله صلى الله عليه وسلم لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شفيعا وشهيدا يوم القيامة ويرد عليه سؤالان أحدهما أنه يدل على الأفضل لا على الأفضلية وثانيها أنه مطلق في الزمان فيحمل على زمانه صلى الله عليه وسلم والكون معه لنصرة الدين ويعضده خروج الصحابة رضوان الله عليهم بعد وفاته إلى الكوفة والبصرة والشام وغير ذلك من البلاد وخامسها قوله صلى الله عليه وسلم إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها أي تأوي ويرد عليه أن ذلك عبارة عن إتيان المؤمنين لها بسبب وجوده صلى الله عليه وسلم فيها حال حياته فلا عموم له في الأزمان ولا بقاء لهذه الفضيلة بعده لخروج الصحابة رضي الله عنهم إلى العراق وغيره وهم أهل الإيمان وخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم حق فيحمل على زمان يكون الواقع فيه ذلك تحقيقا لصدقه صلى الله عليه وسلم
وسادسها قوله صلى الله عليه وسلم إن المدينة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد ويرد عليه
هامش إدرار الشروق
وخامسها قد مر عن الباجي أن حديث حسنات الحرم بمائة ألف إذا ثبت صريحا في أن نفس مكة أفضل من نفس المدينة وفي الرهوني عن سيدي أحمد بابا وقد كثر الاحتجاج في كل من الفريقين بما أكثره خصائص وهي إنما تدل على الفضيلة لا الأفضلية لأن المفضول قد يختص بشيء عن الفاضل ولا يلزم منه تفضيله به فالأذان يفر منه الشيطان دون الصلاة تأمل نعم حديث المدينة خير من مكة نص في تفضيلها إلا أنه ضعيف ا ه بتصرف
المهم الثالث أن الأسباب الموجبة للتفضيل قد تتعارض فيكون الأفضل من حاز أكثرها وأفضلها والتفضيل إنما يقع بين المجموعات وقد يختص المفضول ببعض الصفات الفاضلة ولا يقدح ذلك في التفضيل عليه لقوله صلى الله عليه وسلم أقضاكم علي وأفرضكم زيد وأقرؤكم أبي وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل رضي الله عنهم مع أن أبا بكر رضي الله عنه أفضل الجميع وقد تقدم ذلك وأن الشيطان يفر من الأذان والإقامة ولا يفر من الصلاة مع أنها أفضل منهما وكاختصاص سليمان عليه السلام بالملك العظيم ونوح عليه السلام بإنذار المئين من السنين وآدم صلى الله عليه وسلم بكونه أبا البشر مع تفضيل محمد صلى الله عليه وسلم على الجميع وكاختصاص الجهاد بثواب الشهادة مع أن الصلاة والحج أفضل منه وليس فيهما ذلك وكاختصاص الحج بتكفير الذنوب كبيرها وصغيرها بل والتبعات كما علمت مع أن الصلاة أفضل منه وليس فيها ذلك وكاختصاص مكة بأن العمل فيها أكثر من العمل في المدينة مع أن المدينة في مشهور مذهب مالك أفضل لما رواه أحمد وابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة في مسجدي فيحمل الاستثناء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عنه عليه الصلاة والسلام صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام على ظاهره
378
378
أنه مطلق في الأزمان فيحمل على زمانه صلى الله عليه وسلم لخروج الصحابة بعده فيلزم أن يكونوا خبثا وليس كذلك
وسابعها قوله صلى الله عليه وسلم ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة ويرد عليه أنه يدل على فضل ذلك الموضع لا المدينة وأما مكة شرفها الله تعالى ففضلت بوجوه
أحدها وجوب الحج والعمرة على الخلاف في وجوب العمرة والمدينة يندب لإتيانها ولا يجب
وثانيها أن إقامة النبي صلى الله عليه وسلم كان بمكة بعد النبوة أكثر من المدينة فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة وبالمدينة عشرا غير أنه يرد على هذا الوجه أن تلك العشرة كان كماله صلى الله عليه وسلم وكمال الدين فيها أتم وأوفر فلعل ساعة بالمدينة كانت أفضل من سنة بمكة أو من جملة الإقامة بها وثالثها فضلت المدينة بكثرة الطارئين من عباد الله الصالحين وفضلت مكة بالطائفين من الأنبياء والمرسلين فما من نبي إلا حجها آدم فمن سواه ولو كان لملك داران فأوجب على عباده أن يأتوا إحداهما ووعدهم على ذلك بمغفرة سيئاتهم ورفع درجاتهم دون الأخرى لعلم أنها عنده أفضل
هامش إدرار الشروق
للزيادة وأن الصلاة في المسجد الحرام أفضل لأن حديث ابن الزبير منطوق وقع صريحا فلا يعارضه مفهوم حديث أبي هريرة
وإن كان صحيحا بناء على أن معناه كما قال ابن نافع وأشهب في روايته عن مالك وجماعة من أصحابه إن الصلاة في مسجده صلى الله عليه وسلم أفضل من الصلاة في سائر المساجد بألف صلاة إلا المسجد الحرام فإن الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بدون الألف أي بتسع مائة وعلى غيره بألف محتجين بما روي في مسند الحميدي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة فيما سواه على أنه لا يتم الاحتجاج به لأنه يدل على أن صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة في مسجد المدينة لأنه داخل فيما سواه من غير ذكر استثناء في مبناه وعليه جرى الأصل فيما مر عنه من أن الصلاة في مسجده صلى الله عليه وسلم خير من ألف صلاة في غيره وفي المسجد الحرام بألف ومائة بل قد مر عن الرهوني عن سيدي أحمد بابا أن حديث صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة قال ابن عبد البر حديث صحيح على شرط الشيخين وهو الحجة عند التنازع وهو صريح أي في تفضيل مسجد مكة يدفع ما قيل في الحديث الصحيح إلا المسجد الحرام باحتمال أنه أفضل منه بدون ألف أو بتأولهما فلذا قال مالك إن أسباب التفضيل لا تنحصر في مزيد المضاعفة فالصلوات الخمس بمنى عند التوجه لعرفة أفضل منها بمسجد مكة وإن انتفت عنها المضاعفة كما يؤخذ من حاشية شيخنا على توضيح
379
379
ورابعها أن التعظيم والاستلام نوع من الاحترام وهما خاصان بالكعبة وخامسها وجوب استقبالها يدل على تعظيمها وسادسها تحريم استقبالها واستدبارها عند قضاء الحاجة يدل على تعظيمها ولم يحصل ذلك لغيرها وسابعها تحريمها يوم خلق الله السموات والأرض ولم تحرم المدينة إلا في زمانه صلى الله عليه وسلم وذلك دليل فضلها وثامنها كونها مثوى إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام وتاسعها كونها مولد سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وعاشرها كونها لا تدخل إلا بإحرام وذلك يدل على تعظيمها وحادي عشرها قوله تعالى إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وثاني عشرها الاغتسال لدخولها دون المدينة وثالث عشرها ثناء الله تعالى على البيت الحرام إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين واعلم أن تفضيل
هامش إدرار الشروق
المناسك على أن في حاشية الرهوني على عبق عن سيدي أحمد بابا أن هذا تضعيف نوع من العبادة ولا يلزم منه طرده في جميع أنواعها مع أنه معارض بما في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم اللهم اجعل بالمدينة ضعف ما بمكة من البركة قال وأما احتجاج أبي الوليد بن رشد بأن الله سبحانه جعل في مكة قبلة وكعبة الحج وبأنه صلى الله عليه وسلم جعل لها مزية بتحريم الله سبحانه إياها بقوله إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس وإنه قد أجمع أهل العلم على وجوب الجزاء على من صاد بحرمها ولم يجمعوا على وجوبه على من صاد بحرم المدينة وبأن جماعة رأوا أن تغلظ الحدود في حرم مكة لحرمته ولا تقام فيه لقوله تعالى ومن دخله كان آمنا ولم يقل أحد بذلك في حرم المدينة فجوابه أن المدينة موطن إقامته صلى الله عليه وسلم ومهاجره وموطن ومهاجر أصحابه المجمع على أنهم أفضل هذه الأمة ومدفن جسده الشريف بعد موته صلى الله عليه وسلم وهو أشرف من الكعبة ومن جميع المخلوقات
وقد انعقد الإجماع على أن الروضة المشرفة أفضل بقاع الأرض والسماء فيكون ما قاربها وجاورها أفضل من غيره بجيرانها تغلو الديار وترخص فتأمله بإنصاف ا ه
قلت وفي الحطاب على المختصر عن الشيخ السمهودي في تاريخ المدينة نقل عياض وقبله أبو الوليد والباجي وغيرهما الإجماع على تفضيل ما ضم الأعضاء الشريفة على الكعبة بل نقل التاج السبكي عن ابن عقيل الحنبلي أنها أفضل من العرش وصرح التاج الفاكهي بتفضيلها على السموات قال بل الظاهر المتعين جميع الأرض على السموات لحلوله صلى الله عليه وسلم بها وحكاه بعضهم عن الأكثر بخلق الأنبياء منها ودفنهم فيها لكن قال النووي والجمهور على تفضيل السماء على الأرض أي ما عدا ما ضم الأعضاء الشريفة ا ه
فاندفع قول الأصل إن قوله صلى الله عليه وسلم ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة إنما يدل على
380
380
الأزمان والبقاع قسمان تفضيل دنيوي كتفضيل الربيع على غيره وكتفضيل بعض البلدان بالثمار والأنهار وطيب الهواء وموافقة الأهواء وديني كتفضيل رمضان على الشهور وعاشوراء على الأيام وكذلك يوم عرفة وأيام البيض وعشر المحرم والخميس والاثنين ونحو ذلك مما ورد الشرع بتفضيله وتعظيمه من الأزمنة والبقاع نحو مكة والمدينة وبيت المقدس وعرفة والمطاف والمسعى ومزدلفة ومنى ومرمى الجمار ومن الأقاليم اليمن لقوله صلى الله عليه وسلم الإيمان يمان والحكمة يمانية والمغرب لقوله عليه الصلاة والسلام لا تزال طائفة من أهل المغرب قائمين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ومن الأزمنة الثلث الأخير من الليل فضله الله تعالى بإجابة الدعوات ومغفرة الزلات وإعطاء السؤال ونيل الآمال وأسباب التفضيل كثيرة لا أقدر على إحصائها خشية الإسهاب وإنما بعثني على الوصول فيها إلى هذه الغاية ما أنكره بعض فضلاء الشافعية على القاضي عياض رحمهما الله تعالى من قوله إن الأمة أجمعت على أن البقعة التي ضمت أعضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل البقاع فقال الثواب هو سبب التفضيل والعمل ههنا متعذر فلا ثواب فكيف يصح هذا الإجماع وشنع عليه كثيرا فأردت أن أبين تعدد الأسباب في ذلك فبطل ما قاله من الرد على القاضي وبلغني أيضا عن المأمون بن الرشيد الخليفة أنه قال أسباب التفضيل أربعة وكلها كملت في علي رضي الله عنه
هامش إدرار الشروق
فضل ذلك الموضع لا المدينة ا ه على أن تحريم الله مكة والإجماع على وجوب جزاء صيدها ورؤية تغلظ الحدود في حرمها وأنها لا تقام فيه مزايا تقتضي الفضيلة لا الأفضلية
وأما الاحتجاج بأن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة ثلاث عشرة سنة وبالمدينة عشرا فجوابه كما قال الأصل أن تلك العشرة كان كماله صلى الله عليه وسلم وكمال الدين فيها أتم وأوفر فلعل ساعة بالمدينة كانت أفضل من سنة بمكة أو من جملة الإقامة بها قال الرهوني
وأما الاحتجاج بحديث الترمذي وصححه عبد الله بن عدي مرفوعا والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله فجوابه كما قال ابن العربي أن معنى قوله لخير أرض الله إما إنه قاله قبل علمه بتفضيل المدينة أو خيرها ما عداها ا ه
قلت على أنه قد مر في وجوه تفضيل المدينة قوله صلى الله عليه وسلم اللهم إنهم أخرجوني من أحب البقاع إلي فأسكني أحب البقاع إليك وقوله صلى الله عليه وسلم المدينة خير من مكة وهو نص في الباب وإن قال الأصل إن الثاني مطلق في المتعلق فيحتمل أنها خير من جهة سعة الرزق والمتاجر وأن سياق الأول يقتضي عدم دخول مكة في المفضل عليه لإياسه صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت فيكون المعنى فأسكني أحب البقاع إليك مما عداها ويحتمل أن تكون أفضل من المدينة على أنه لم يصح من جهة الفعل ولو صح فهو من مجاز وصف المكان بصفة ما يقع فيه والمعنى فأسكني أحب البقاع إليك بما جعلته فيها مما يحبه الله تعالى ورسوله من إقامته صلى الله عليه وسلم بها وإرشاد الخلق إلى الحق كما يقال بلد طيب أي هواها والأرض المقدسة أي قدس من فيها أو من دخلها من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لأنهم مقدسون من الذنوب والخطايا والوادي المقدس أي قدس موسى عليه السلام فيه والملائكة الحالون فيه ا ه
إذ يكفي كونهما ظاهرين في المطلوب لأن الاحتجاج بمجموع أسباب
381
381
فهو أفضل الصحابة وأخذ يرد بذلك على أهل السنة فأردت أيضا أن أبطل ما ادعاه من الحصر ومسائل التفضيل كثيرة بين الصحابة وبين الأنبياء والملائكة وهي أشبه بأصول الدين وهذا الكتاب إنما قصدت فيه ما يتعلق بالقواعد الفقهية خاصة فلذلك اقتصرت على تفضيل الصلاة ومكة والمدينة لأنها من المسائل الفقهية وأحلت ما عداها على موضعه والله الموفق
هامش إدرار الشروق
التفضيل لا بهما فقط حتى يسقطا بمجرد الاحتمال فافهم وأما قول أبي الوليد بن رشد ولا حجة في الأحاديث المرغبة في سكنى المدينة على تفضيلها أما دعاؤه صلى الله عليه وسلم بمثل ما دعا به إبراهيم صلى الله عليه وسلم لمكة ومثله معه فلأنه مطلق في المدعو به فيحمل على ما خرج به في الحديث من الصاع والمد ولا يلزم من أن يبارك لهم في مدينتهم وصاعهم ومدهم أن تكون بذلك أفضل من مكة
وأما قوله صلى الله عليه وسلم أمرت بقرية تأكل القرى فلأنه إنما أخبر أنه أمر بالهجرة إلى قرية تفتح منها البلاد وأما قوله صلى الله عليه وسلم إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها وقوله صلى الله عليه وسلم إن المدينة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد وقوله صلى الله عليه وسلم لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شفيعا وشهيدا يوم القيامة فلحملها على زمانه صلى الله عليه وسلم والكون معه لنصرة الدين قال الأصل ويعضده خروج الصحابة رضوان الله عليهم بعد وفاته إلى الكوفة والبصرة والشام وغير ذلك من البلاد على أن قوله صلى الله عليه وسلم لا يصبر إلخ يدل على الفضل لا على الأفضلية ا ه فلا يتم في جميعها كما
قال الرهوني لأنه يقتضي أن الترغيب في سكنى المدينة خاص بحياته صلى الله عليه وسلم مع أن الأحاديث الدالة على أن سكناها خير من غيرها بعد موته صلى الله عليه وسلم ثابتة في البخاري وغيره قال وقوله إن معنى حديث إن الإيمان ليأرز إلى المدينة أن الناس ينتابون إليها في حياته صلى الله عليه وسلم للدخول في الإسلام ليس نصا في الحديث ولا ظاهرا منه وقد فهم غيره على خلاف ذلك قال عياض في المشارق قوله إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها كذا لأكثرهم بكسر الراء وكذا قيدناه من شيوخنا في هذه الكتب وغيرها وكذا قيده الأصيلي بخطه وزاد في ابن سراج يأرز بالضم وقيده بعضهم عن كتاب القابسي يأرز بالفتح وحكي عنه أنه هكذا سمعه من المروزي ومعناه ينضم ويجتمع وقيل يرجع كما جاء في الحديث الآخر ليعودن كل إيمان إلى المدينة ا ه منها بلفظها وفي الصحاح ما نصه وأرز فلان يأرز أرزا وأروزا إذا تضام وتقبض من بخله فهو أروز
ثم قال وفي الحديث إن الإسلام ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها أي ينضم إليها فيجتمع بعضه إلى بعض فيها ا ه منه بلفظه ا ه
قلت وما ذكره الأصل من التعضيد مدفوع بما في الموطإ عن سفيان بن أبي زهير أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يفتح اليمن فتأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ويفتح الشام إلخ ويفتح العراق إلخ قال الباجي وقوله صلى الله عليه وسلم والمدينة خير إلخ لهم يريد والله أعلم أن ما يفوتهم من الأجر بالانتقال عنها أعظم وأفضل مما ينالونه من الخصب وسعة العيش حيث ينتقلون إليه من اليمن والشام والعراق ا ه
وما في الموطإ أيضا
وحدثني مالك أنه بلغه أن عمر بن عبد العزيز حين خرج من المدينة التفت إليها فبكى ثم قال يا مزاحم نخشى أن نكون مما نفت المدينة قال الباجي يريد عمر بن عبد العزيز والله أعلم ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها تنفي خبثها فخاف أن يكون ممن نفته المدينة لكونه من الخبث لمخالفة سنة أو ضلال عن هدى ومثله من أهل الفضل والدين يخاف على نفسه ا ه فافهم

382
382
صفحة فارغة
هامش إدرار الشروق
المهم الرابع مسائل التفضيل بين الصحابة والأنبياء والملائكة وإن كانت كثيرة إلا أنها ترجع إلى التفضيل بالطاعات وكثرة المثوبات والأحوال السنيات وشرف الرسالات والدرجات العليات فمن كان فيها أتم فهو أفضل قال الشيخ عبد السلام على الجوهرة وتلخيص ما أشار إليه الناظم أولا وآخرا أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل المخلوقات على العموم ويليه إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم نوح ثم بقية الرسل ثم الأنبياء غير الرسل ثم هم فيما بينهم متفاضلون أيضا عند الله ثم أرأس رسل الملائكة ثم من يليه منهم ثم بقية رسلهم ثم بقيتهم غير الرسل ثم هم متفاضلون أيضا فيما بينهم ثم قال وقد علم من النظم أن التفضيل إما باعتبار أفراد الصحابة فأبو بكر هو الأفضل ثم عمر ثم عثمان ثم علي وإما باعتبار الأصناف فأفضلهم الخلفاء الأربعة ثم الستة الباقية من العشرة ثم بقية البدريين ثم بقية أصحاب أحد ثم بقية أهل بيعة الرضوان بالحديبية وهو في كلام الشمس البرماوي ا ه وهذه المسائل وإن كانت أشبه بأصول الدين إلا أن لها تعلقا بالفقه بوجه ما سيما على قول من قال الحكم الشرعي ما أخذ من الكتاب أو السنة أو الإجماع ولا على طريق الاعتداد لا الاستقلال كأغلب مسائل التوحيد التي يستقل بها العقل وهذا الكتاب المقصود الاقتصار فيه على ما يتعلق بالقواعد الفقهية خاصة ولو بوجه ما والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم