3
3
الفرق الرابع عشر والمائة بين قاعدة ما يصح اجتماع العوضين فيه لشخص واحد وبين قاعدة ما لا يصح أن يجتمع فيه العوضان لشخص واحد اعلم أن القاعدة الشرعية الأكثرية أنه لا يجوز أن يجتمع العوضان لشخص واحد فإنه يؤدي إلى أكل المال بالباطل وإنما يأكله بالسبب الحق إذا خرج من يده ما أخذ العوض بإزائه فيرتفع الغبن والضرر على المتعاوضين فلذلك لا يجوز أن يكون للبائع الثمر والسلعة معا ولا للمؤجر الأجرة والمنفعة معا وكذلك بقية الصور غير أنه قد استثنيت مسائل من هذه القاعدة للضرورة وأنواع من المصالح
هامش أنوار البروق
قال الفرق الرابع عشر والمائة بين قاعدة ما يصح اجتماع العوضين فيه لشخص واحد وبين قاعدة ما لا يصح أن يجتمع فيه العوضان لشخص واحد قلت في هذا الفرق نظر يفتقر إلى بسط وما ذكره من المسائل الثلاث لقائل أن يقول ليس المبذول فيها عوضا عن الثواب بل هو معونة على القيام بتلك الأمور فللقائم بها ثوابه ولمن تولى المعونة ثوابه فلم يجتمع العوضان لشخص واحد بوجه والله تعالى أعلم وما قاله في الفروق الخمسة التي بعده صحيح وكذلك ما قاله في الفرق العشرين والمائة ما عدا قوله كما أن المشترك الذي هو مفهوم أحدها متعلق الوجوب فإن المشترك ليس هو مفهوم أحدها ولا هو متعلق الوجوب كما سلف التنبيه على مثله غير مرة
هامش إدرار الشروق
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين الحمد لله الملهم للصواب والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله والأصحاب الفرق الرابع عشر والمائة بين قاعدة ما يصح اجتماع العوضين فيه لشخص واحد وبين قاعدة ما لا يصح أن يجتمع فيه العوضان لشخص واحد إنما يتم الفرق بينهما بناء على تسليم ما قاله الأصل من أن قاعدة أنه لا يجوز أن يجتمع العوضان لشخص واحد لأنه يؤدي إلى أكل المال بالباطل وإنما يأكله بالسبب الحق إذا خرج من يده ما أخذ العوض بإزائه فيرتفع الغبن والضرر على المتعاوضين فلذلك لا يجوز أن يكون للبائع الثمن والسلعة معا ولا للمؤجر الأجرة والمنفعة معا أكثرية لا كلية فيستثنى منها مسائل المسألة الأولى الإجارة على الصلاة فيها ثلاثة أقوال الأول الجواز لأن الأجرة بإزاء الملازمة في المكان المعين وهو غير الصلاة والثاني المنع لأن ثواب صلاته له فلو حصلت له الأجرة أيضا لحصل له اجتماع العوض والمعوض وهو غير جائز الثالث التفرقة بين أن يضم إليها الأذان فتصح أو لا يضم
4
4
المسألة الأولى الإجارة على الصلاة فيها ثلاثة أقوال الجواز والمنع والثالث التفرقة بين أن يضم إليها الأذان فتصح أو لا يضم إليها فلا تصح وجه المنع أن ثواب صلاته له فلو حصلت له الأجرة أيضا لحصل العوض والمعوض وهو غير جائز وحجة الجواز أن الأجرة بإزاء الملازمة في المكان المعين وهو غير الصلاة ووجه التفرقة أن الأذان لا يلزمه فيصح أخذ الأجرة عليه فإذا ضم إلى الصلاة قرب العقد من الصحة وهو المشهور المسألة الثانية أخذ الخارج في الجهاد من القاعد من أهل ديوانه جعلا على ذلك ومنع من ذلك الشافعي وأبو حنيفة وأجازه مالك رحمهم الله وقال مالك لا يجعل لغير من في ديوانه لعدم الضرورة لذلك وثواب الجهاد حاصل للخارج فلا يجتمع له العوض والمعوض لأن حكمة المعاوضة انتفاع كل واحد من المتعاوضين بما بذل له حجة مالك عمل الناس في ذلك ولأنه باب ضرورة أن ينوب بعضهم عن بعض إذا كانوا أهل ديوان واحد فإن تعددت الدواوين فلا ضرورة تخالف لأجلها القاعدة المجمع عليها المسألة الثالثة مسألة المسابقة بين الخيل فقلنا السابق لا يأخذ ما جعل للسابق لأن السابق له أجر التسبب للجهاد فلا يأخذ الذي جعل في المسابقة لئلا يجتمع له العوض والمعوض فلهذه الحكمة وبسبب هذه القاعدة اشترط بعض العلماء الثالث المحلل لأخذ العوض
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
إليها فلا تصح لأن الأذان لا يلزمه فيصح أخذ الأجرة عليه فإذا ضم إلى الصلاة قرب العقد من الصحة وهو المشهور وفي بداية المجتهد لابن رشد وأما إجارة المؤذن فإن قوما لم يروا في ذلك بأسا قياسا على الأفعال غير الواجبة وقوما كرهوا ذلك وحرموه محتجين بما روي عن عثمان بن أبي العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرة وسبب الاختلاف هل هو واجب أم ليس بواجب
ا ه بتصرف
المسألة الثانية
أخذ الخارج في الجهاد من القاعد من أهل ديوانه جعلا على ذلك أجازه مالك رحمه الله تعالى لعمل الناس في ذلك ولأنه باب ضرورة أن ينوب بعضهم عن بعض إذا كانوا أهل ديوان واحد وإلا فلا ضرورة تخالف لأجلها القاعدة المجمع عليها فيقال بالجواز مع اجتماع ثواب الجهاد والجعل للخارج ومنع من ذلك الشافعي وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى ولو كان الخارج من أهل ديوانه لا من أهل ديوان آخر عملا بالقاعدة المسألة الثالثة المسابقة بجعل أي مال يجعل بين المتسابقين ليأخذه السابق أو من حضر في الخيل من الجانبين والإبل كذلك والخيل من جانب والإبل من جانب جائزة بمعنى الإذن الصادق بالوجوب إن توقف أصل الجهاد عليها لأن الوسائل تعطى حكم المقاصد ولأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وبالندب إن توقفت البراعة فيه عليها وبالإباحة إن لم يتوقف عليها شيء أن يصح تبع الجعل وإخراجه غير المتسابقين ليأخذه من سبق منهما أو أخرجه أحدهما فإن سبق غيره أخذه السابق وإن سبق هو فلمن حضر كما في مختصر خليل وشراحه فاشترطوا الثالث المحلل لأخذ العوض وفي المنح عن الأصل وهي مستثناة
5
5
الفرق الخامس عشر والمائة بين قاعدة الأرزاق وبين قاعدة الإجارات
كلاهما بذل مال بإزاء المنافع من الغير غير أن باب الأرزاق أدخل في باب الإحسان وأبعد عن باب المعاوضة وباب الإجارة أبعد من باب المسامحة وأدخل في باب المكايسة ويظهر تحقيق ذلك بست مسائل المسألة الأولى القضاة يجوز أن يكون لهم أرزاق من بيت المال على القضاء إجماعا ولا يجوز أن يستأجروا على القضاء إجماعا بسبب أن الأرزاق إعانة من الإمام لهم على القيام بالمصالح لا أنه عوض وجب عليهم من تنفيذ الأحكام عند قيام الحجاج ونهوضها ولو استؤجروا على ذلك لدخلت التهمة في الحكم بمعاوضة صاحب العوض ولذلك تجوز الوكالة بعوض ويكون الوكيل عاضدا وناصرا لمن بذل له العوض ويجوز في الأرزاق التي تطلق للقاضي الدفع والقطع والتقليل والتكثير والتغيير ولو كان إجارة لوجب تسليمه بعينه من غير زيادة ولا نقص لأن الإجارة عقد والوفاء بالعقود واجب والأرزاق معروف وصرف بحسب المصلحة وقد تعرض مصلحة أعظم من مصلحة القضاء فيتعين على الإمام الصرف فيها والأجرة في الإجارات تورث ويستحقها الوارث ويطالب بها والأرزاق لا يستحقها الوارث ولا يطالب بها لأنها معروف غير لازم لجهة معينة المسألة الثانية أرزاق المساجد والجوامع يجوز أن تنقل عن جهاتها إذا تعطلت أو
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
من ثلاث قواعد للمنع القمار وتعذيب الحيوان لغير أكله وحصول العوض والمعوض لشخص واحد في بعض الصور وهي ما إذا أخرج الجعل غير المتسابقين ليأخذه السابق مع أن له أجر التسبب للجهاد لكن قال ابن الشاط لا يسلم أن المبذول في هذه المسائل الثلاث عوض عن الثواب بل هو معونة على القيام بتلك الأمور فللقائم بها ثواب ولمن يؤتي المعونة ثواب فلم يجتمع العوضان لشخص واحد بوجه على أن في هذا الفرق نظرا يفتقر إلى بسط
ا ه ولم يظهر لي وجه النظر فتأمل والله أعلم
الفرق الخامس عشر والمائة بين قاعدة الأرزاق وبين قاعدة الإجارات
الأرزاق والإجارات وإن اشتركا في أن كليهما بذل مال بإزاء المنافع من الغير إلا أنهما افترقا من جهة أن باب الأرزاق دخل في باب الإحسان وأبعد عن باب المعاوضة وباب الإجارة أبعد عن باب الإحسان والمسامحة وأدخل في باب المعاوضة والمكايسة والمغابنة وذلك أن الإجارة عقد والوفاء بالعقود واجب والأرزاق معروف وصرف بحسب المصلحة فإذا عرضت مصلحة أخرى أعظم من تلك المصلحة تعين على الإمام الصرف فيها وترك الأولى فلذلك اختص كل واحد منهما بأحكام لا تثبت للآخر يظهر لك تحقيقها بست مسائل المسألة الأولى القيام بالقضاء من تنفيذ الأحكام عند قيام الحجاج ونهوضها من حيث إنه يجب على القضاة أن يكون لهم عليه أرزاق من بيت المال إجماعا إعانة لهم على القيام بالواجب من بيت المال لأن
6
6
وجدت جهة هي أولى بمصلحة المسلمين من الجهة الأولى ولو كانت وقفا أو إجارة لتعذر ذلك فيها لأن الوقف لا يجوز تغييره والوفاء بعقد الإجارة واجب وهو عقد لازم ويجوز أن يجعل الإمام لمتولي المسجد أن يستنيب دائما ويكون له تلك الأرزاق وتلك الرزقة من الخراج والطين على النظر لا على القيام بالوظيفة وإن كان ذلك لمن تقدمه على القيام بالوظيفة بسبب أن الأرزاق معروف يتبع المصالح فكيفما دارت دار معها ويتعذر مثل ذلك في الأوقاف من الحوانيت والدور وغيرها بسبب أن الوقف لا يجوز تغييره ولا تغيير شرط من شروطه فإذا وقف الواقف على من يقوم بوظيفة الإمامة أو الأذان أو الخطابة أو التدريس لا يجوز لأحد أن يتناول من ريع ذلك الوقف شيئا إلا إذا قام بذلك الشرط على مقتضى شرط الواقف فإن استناب عنه غيره في هذه الحالة دائما في غير أوقات الأعذار لا يستحق واحد منهما شيئا من ريع ذلك الوقف أما النائب فلأنه من شرط استحقاقه صحة ولايته وصحة ولايته مشروطة بأن تكون ممن له النظر وهذا المستنيب ليس له نظر إنما هو إمام أو مؤذن أو مؤذن أو مدرس فلا تصح النيابة الصادرة عنه وأما المستنيب فلا يستحق شيئا أيضا بسبب أنه لم يقم بشرط الواقف فإن استناب في أيام الأعذار جاز له أن يتناول ريع الوقف وأن يطلق لنائبه ما أحب من ذلك الريع
وإن كان المطلق له أرزاقا على وظيفة من تدريس أو غيره من الإمامة أو الأذان أو الحكم بين الناس أو الحسبة ولم يقم بتلك الوظيفة لا يجوز له أن يتناول ذلك القدر لأن الإمام إنما أطلقه له من بيت المال على وظيفة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الأرزاق من حيث إنها معروف لا معاوضة كما علمت بجواز دفعها وقطعها وتقليلها وتكثيرها وتغييرها بل يتعين على الإمام إذا عرضت مصلحة أعظم أن يصرف الأرزاق فيها ويقدمها على مصلحة القضاء وورثتهم لا يستحقونها ولا يطالبون بها ولا يشترط فيها مقدار من العمل ولا أجل تنتهي إليه والإجارة من حيث إنها معاوضة لا معروف كما علمت تخالف ذلك فيشترط فيها الأجل ومقدار المنفعة ونوعها ويستحق الأجرة فيها الوارث ويتعين نفعها للأخذ بعينها من غير زيادة ولا نقص ولا تجوز في القيام بالقضاء إجماعا بل ولا في كل ما يجب على الأجير القيام به لئلا يجتمع للأجير العوض والمعوض ولئلا تدخل التهمة في الحكم بمعاوضة صاحب العوض فيكون القاضي كالوكيل يأخذ على الوكالة عوضا ليكون عاضدا وناصرا لمن بذل له العوض
المسألة الثانية
ما يدفعه الإمام من الخراج والطين لمن يتولى المساجد والجوامع بالقيام فيها بوظيفة إمامة أو أذان أو خطابة أو تدريس أو نحو ذلك وإن شارك ما يدفع لهم أجرة أو وقفا للقيام بتلك الوظائف في حكمين أحدهما عدم جواز التناول إذا لم يقوموا بتلك الوظائف بأنفسهم على مقتضى شرط الإمام والواقف وما وقع عليه عقد الإجارة لأنه كما لا يجوز عدم الوفاء بعقد الإجارة وشرط الواقف كذلك لا يجوز استباحة أموال بيت المال بدون أذان الإمام فافهم ثامنهما جواز كل من الأرزاق والوقف في المدارس إلا أنه يخالفهما في أحكام منهما أنه يجوز للإمام أن ينقل ما يدفعه لهم إذا تعطلت المساجد أو وجدت جهة هي أولى بمصلحة المسلمين من جهتها بخلاف المجعول لهم أجرة أو وقفا فإنه لا ينقل إلى جهة أخرى غير
7
7
ولم يقم بها واستباحة أموال بيت المال بغير إذن الإمام لا يجوز وأخذ هذا المطلق بغير هذا الشرط لم يأذن فيه الإمام فلا يجوز له أخذه وللإمام أن يطلقه له بعد اطلاعه على عدم قيامه بالوظيفة لمصلحة أخرى غير تلك الوظيفة فيستحقه بالإطلاق الثاني لا بالتقدير الأول ولو كان وقفا ولم يقم بشرطه لم يجز للإمام إطلاقه لمن لم يقم بشرط الواقف في استحقاقه فهذا أيضا يميز لك الأرزاق من باب الأوقاف والإجارات ويجوز في المدارس الأرزاق والوقف والإجارة ولا يجوز في إمامة الصلاة الإجارة على المشهور من مذهب مالك رحمه الله ويجوز الأرزاق والوقف وكثير من الفقهاء يغلظ في هذه المسألة فيقول إنما يجوز تناول الرزق على الإمامة بناء على القول بجواز الإجارة على الإمامة في الصلاة ويتورع عن تناول الرزق بناء على الخلاف في جواز الإجارة وليس الأمر كما ظنه بل الأرزاق مجمع على جوازها لأنها إحسان ومعروف وإعانة لا إجارة وإنما وقع الخلاف في الإجارة لأنه عقد مكايسة ومغابنة فهو من باب المعاوضات التي لا يجوز أن يحصل العوضان فيها لشخص واحد فإن المعاوضة إنما شرعت لينتفع كل واحد من المتعاوضين بما بذل له وأجرا الصلاة له فلو أخذ العوض عنها لاجتمع له العوضان والأرزاق ليس بمعاوضة ألبتة لجوازه في أضيق المواضع المانعة من المعاوضة وهو القضاء والحكم بين الناس فلا ورع حينئذ في تناول الرزق والأرزاق على الإمامة من هذا الوجه وإنما يقع الورع
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
جهة المساجد وإن كانت أولى من جهتها لوجوب الوفاء بعقد الإجارة وشرط الواقف فإذا وقف الواقف حوانيت أو دورا أو غيرها على من يقوم بوظيفة من الوظائف المذكورة في المساجد والجوامع لم يجز للإمام ولا غيره إطلاقه لمن لم يقم بشرط الواقف في استحقاقه
ومنها أنه لا يجوز لأحد أن يتناول من ريع ذلك الوقف شيئا إلا إذا قام بذلك الشرط على مقتضاه بنفسه فإن استناب عنه غيره في هذه الحالة بلا عذر يمنعه من القيام به بنفسه لم يستحق هو ولا نائبه شيئا من ريع ذلك الوقف وإن أذن له الإمام أو غيره في ذلك أما النائب فلأن صحة ولايته مشروطة بأن تكون ممن له النظر وهذا المستنيب ليس له نظر إنما هو إمام أو مؤذن أو مدرس أو نحو ذلك فلا تصح النيابة الصادرة عنه وإن كانت بإذن لأنه على خلاف شرط الواقف وأما المستنيب فلأنه لم يقم بشرط الواقف وإن استناب في هذه الحالة لعذر أيامه فقط جاز له أن يتناول ريع الوقف وأن يطلق لنائبه ما أحب من ذلك الريع نعم في شرح الشيخ منصور بن إدريس الحنبلي كشاف القناع على متن الإقناع في مذهب ابن حنبل رحمه الله تعالى ما نصه مع المتن قال الشيخ والنيابة في مثل هذه الأعمال المشروطة من تدريس وإمامة وخطابة وأذان وغلق باب ونحوها جائزة ولو عينه الواقف وفي عبارة أخرى له ولو نهى الواقف عنه إذا كان النائب مثل مستنيبه في كونه أهلا لمن استنيب فيه وقد يكون هكذا في الفروع والاختيارات قال ابن عقيل صوابه إذا لم يكن في ذلك مفسدة راجحة هكذا هو في فتاوى الشيخ ا ه وكذا ذكر معناه في تصحيح الفروع وجواز النيابة به في هذه الأعمال كالأعمال المشروطة في الإجارة على عمل في
8
8
من جهة قيامه بالوظيفة خاصة فإن الأرزاق لا يجوز تناولها إلا لمن قام بذلك الوجه الذي صرح به الإمام في إطلاقه لتلك الأرزاق المسألة الثالثة الإقطاعات التي تجعل للأمراء والأجناد من الأراضي الخراجية وغيرها من الرباع والعقار وهي أرزاق من بيت المال وليست إجارة لهم ولذلك لا يشترط فيها مقدار من العمل ولا أجل تنتهي إليه الإجارة وليس الإقطاع مقدرا كل شهر بكذا وكل سنة بكذا حتى تكون إجارة بل هو إعانة على الإطلاق نعم لا يجوز تناوله إلا بما قاله الإمام من الشرط من التهيؤ للحرب ولقاء الأعداء والمناضلة على الدين ونصرة كلمة الإسلام والمسلمين والاستعداد بالخيل والسلاح والأعوان على ذلك
ومن لم يفعل ما شرطه عليه الإمام من ذلك لم يجز له التناول لأن مال بيت المال لا يستحق إلا بإطلاق الإمام على ذلك الوجه الذي أطلقه وهو لو أطلق له من بيت المال فوق ما يستحقه على تلك الوظيفة إما غلطا من الإمام وإما جورا منه فإن ذلك الزائد لا يستحقه المطلق له بل يبقى في يده أمانة شرعية يجب ردها لبيت المال وللإمام بعد ذلك أن ينزعه منه ولمن ظفر به ممن له في بيت المال حق أن يتناوله بإذن الإمام إن كان عدلا أو بغير إذنه إن كان جائرا ولو كان إجارة لم يزل ملك الأول لأن الإجارة تنعقد بأجرة المثل وبأكثر منها
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الذمة كخياطة الثوب وبناء الحائط
ا ه بلفظه وهو فسحة في الدين وسيأتي في الفرق السادس عشر والمائتين بزيادة بيان في هذه المسألة بالنسبة لمذهبنا فترقب ويجوز للإمام فيما يدفعه لمتوليها من الخراج والطين أن يجعل له أن يستنيب دائما ويكون له ذلك على النظر لا على القيام بالوظيفة وإن كان ذلك لمن تقدمه على القيام بالوظيفة لمصلحة أخرى رآها
ومنها أن تناول الأجرة على إمامة الصلاة قد وقع الخلاف في جوازه ومنعه وهو مشهور مذهب مالك لأن الإجارة عقد مكايسة ومغابنة ومن باب المعاوضات التي لا يجوز أن يحصل العوضان فيها لشخص واحد لأن المعاوضة إنما شرعت لينتفع كل واحد من المتعاوضين بما بذل له وأجر الصلاة للإمام فلو أخذ العوض عنها لاجتمع له العوضان وتناول الأرزاق على الإمامة مجمع على جوازه لأنها من باب المعروف كما مر لا من باب الإجارة كما ظنه كثير من الفقهاء فقال إنما يجوز تناول الرزق على الإمامة في الصلاة بناء على القول بجواز الإجارة عليها وتورع عن تناوله بناء على الخلاف في جواز الإجارة عليها ولم يفهم أن جواز الأرزاق عليها كجواز الوقف عليها بدون أدنى خلاف إذ الرزق ليس بمعاوضة ألبتة وكيف يكون كذلك وقد أجازوا تناوله في أضيق المواضع الذي تمتنع فيه المعاوضة قطعا وهو القضاء والحكم بين الناس فحينئذ لا ورع في تناول الأرزاق على الإمامة من هذا الوجه وإنما الورع في أنه لا يجوز أن يتناول الرزق أو الوقف إلا إذا قام بذلك الوجه الذي صرح به الإمام في إطلاقه لتلك الأرزاق أو الواقف في شرطه قلت ومنها إلى آخر ما مر في الأرزاق على القضاء كما هو الظاهر فانظر ذلك وحرر
المسألة الثالثة الإقطاعات التي يجعلها الإمام للأمراء والأجناد من الأراضي الخراجية وغيرها من
9
9
وإذا عقدت بأكثر منها استحقها المعقود له ولا يجوز للإمام انتزاع الزائد على أجرة المثل إذا كان الحال والاجتهاد اقتضى ذلك ولا يجوز لأحد ممن له حق في بيت المال أن يتناول ذلك الزائد من الأجرة لكونه مستحقا بعقد الإجارة لمن عقد له وكأن يشترط فيها الأجل ومقدار المنفعة ونوعها على قواعد الإجارة فهذا أيضا يوضح لك الفرق بين الأرزاق والإجارات
وإذا قطع الأمير أو الجندي أرضا خراجية أو غير خراجية فآجرها ثم مات في أثناء العقد قبل انقضاء مدة الإجارة فللإمام أن يقر ورثته على تلك الأجرة ويمضي لهم تلك الإجارة إلى حل أجلها وله دفع جميع تلك الأجرة للمقطع الثاني إذا كانت المصلحة للمسلمين في ذلك ولا تستقر الأجرة الأولى للأول إلا بمضي العقد وانقضاء أجل الإجارة وهو باق على ذلك الإقطاع ولو كانت إجارة من الإمام له بذلك الإقطاع لاستحقها ورثته ولتعذر على الإمام انتزاعها منهم في مدة عقد الإجارة ويمكن تخريج هذه الإجارة من المقطع على قاعدة الوقف إذا آجر البطن الأول زمان استحقاقه وغير زمان استحقاقه فإنه هل يبطل في غير زمان استحقاقه أم لا خلاف بين العلماء وهذا المقطع إنما يستحق الزمان الذي هو فيه مقطع لتلك الأرض فإذا مات أو حول عنها لغيرها فقد آل الاستحقاق لغيره كالبطن الثاني إذا طرأ بعد الأول وهذا أيضا
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الرباع والعقار أرزاق من بيت المال وإعانة على الإطلاق فهي وإن شاركت الإجارة في أنه لا يجوز تناولها بما قاله الإمام من اشتراط التهيؤ للحرب ولقاء الأعداء والمناضلة على الدين ونصرة كلمة الإسلام والمسلمين والاستعداد بالخيل والسلاح والأعوان على ذلك فمن لم يفعل ما شرطه عليه الإمام من ذلك لم يجز له التناول كما أنه لا يجوز تناول الأجرة لمن لم يقم بما تضمنه عقد الإجارة إذ كما أن الأجرة لا تستحق إلا بالوفاء بعقد الإجارة لوجوبه كذلك مال بيت المال لا يستحق إلا بالوفاء بما صرح به الإمام في إطلاقه لتلك الأرزاق إلا أنها تخالف الإجارة في أحكام
أحدها
أنها إذا كانت فوق ما يستحقه المقتطع له على تلك الوظيفة غلطا أو جورا من الإمام فلا يستحق المقتطع له ذلك الزائد بل يبقى في يده أمانة شرعية يجب رده لبيت المال وللإمام بعد ذلك أن ينزعه منه ولمن ظفر به ممن له في بيت المال حق أن يتناوله بإذن الإمام إن كان عدلا أو بغير إذنه إن كان جائرا والإجارة تنعقد بأجرة المثل وبأكثر منها ويستحق المعقود له الزائد ولا يجوز للإمام انتزاعه منه إذا كان الحال والاجتهاد اقتضى ذلك ولا يجوز لأحد ممن له حق في بيت المال أن يتناول ذلك الزائد من الأجرة لكونه مستحقا بعقد الإجارة لمن عقد له
الثاني أنه لا يشترط في هذه الإقطاعات مقدار من العمل ولا أجل تنتهي إليه وقواعد الإجارة اشتراط الأجل ومقدار المنفعة ونوعها الثالث أنه يجوز للإمام أن يحول هذه الإقطاعات عمن اقتطعها له إلى غيره على حسب ما تقتضيه المصلحة ولو كانت عقد إجارة لامتنع نقلها منه إلى غيره

10
10
يوضح لك الفرق بين الإجارة والوقف والأرزاق والإقطاع ومما يوضح لك الفرق أيضا أن الإمام إذا قطع أميرا أو جنديا إقطاعا يجوز له أن يحوله عنه إلى غيره على حسب ما تقتضيه المصلحة ولو كان عقد إجارة لامتنع نقله منه إلى غيره المسألة الرابعة وقع في كتاب البيان والتحصيل لأبي الوليد بن رشد من أصحابنا رحمه الله ما ظاهره أن للإمام أن يوقف وقفا على جهة من الجهات ووقع للشافعية رحمهم الله مثل ذلك ومقتضى ذلك أن أوقافهم أعني الملوك والخلفاء إذا وقعت على وجه الصحة والأوضاع الشرعية لمصالح المسلمين أنها تنفذ ولا يجوز لأحد أن يتناول منها شيئا إلا إذا قام بشرط الواقف ولا يجوز للإمام أن يطلق ذلك الوقف بعد ذلك لمن لم يقم بذلك الوقف فقد صار ذلك الشرط لازما للناس وللإمام كسائر الأوقاف فليس للإمام تحويله عن تلك الجهة وإطلاقه لمن لم يقم بتلك الوظيفة فإن وقفوا على أولادهم أو جهات أقاربهم لهواهم وحرصهم على حوز الدنيا لهم وذراريهم واتباعا لغير الأوضاع الشرعية لم ينفذ هذا الوقف وحرم على من وقف عليه تناوله بهذا الوقف وللإمام انتزاعه منه وصرفه له ولغيره على حسب ما تقتضيه مصالح المسلمين
وأما الوقف الأول فهو باطل ومن تناول منه شيئا بهذا الوقف كان للإمام أخذه منه وله وقف هذه الجهة على جهة أخرى على الأوضاع الشرعية ولو صح الوقف الأول لمصادفته للأوضاع الشرعية لم يكن للإمام تحويله
فإن قلت فإن وقف على ولد بنص أراضي المسلمين وقراهم أو أحد من أقاربه واشترى
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الرابع
أن الأمير أو الجندي إذا آجر ما جعله الإمام له من الإقطاعات ثم مات في أثناء العقد قبل انقضاء مدة الإجارة فللإمام أن يقر ورثته على تلك الأجرة ويمضي لهم تلك الإجارة إلى حلول أجلها وله دفع جميع تلك الأجرة للمقطع الثاني إذا كانت المصلحة للمسلمين في ذلك ولا تستقر الأجرة الأولى للأول إلا بمضي العقد وانقضاء أجل الإجارة وهو باق على ذلك الإقطاع ويمكن تخريج هذه الإجارة من المقطع له على قاعدة الوقف إذا آجره البطن الأول زمان استحقاقه وغير زمان استحقاقه ففي بطلانه في غير زمان استحقاقه وعدم بطلانه خلاف بين العلماء فإن هذا المقطع له إنما يستحق الزمان الذي هو فيه مقطع لتلك الأرض فإذا مات أو حول عنها لغيرها فقد آل الاستحقاق لغيره كالبطن الثاني إذا طرأ بعد الأول ولو كانت الإجارة له من الإمام بذلك الإقطاع لاستحقها ورثته ولتعذر على الإمام انتزاعها منهم في مدة عقد الإجارة
المسألة الرابعة قال الأصل وقع في كتاب البيان والتحصيل لأبي الوليد بن رشد من أصحابنا رحمه الله تعالى ما ظاهره أن للإمام أن يوقف وقفا على جهة من الجهات ووقع للشافعية رحمهم الله تعالى مثل ذلك ومقتضى ذلك أن أوقاف الملوك إذا وقعت على وجه الصحة والأوضاع الشرعية لمصالح المسلمين كأن يقفوا وقفا على جهات البر والمصالح العامة معتقدين أن المال للمسلمين والوقف للمسلمين فإنها تنفذ ولا يجوز لأحد أن يتناول منها شيئا إلا إذا قام بشرط الواقف ولا يجوز للإمام أن يطلق ذلك الوقف بعد ذلك لمن لم يقم بتلك الوظيفة وإذا لم تقع على وجه الصحة والأوضاع الشرعية لمصالح المسلمين يقول كأن وقفوا على
11
11
ذلك من ماله الذي اكتسبه في زمن مملكته هل يصح ذلك الوقف أم لا قلت الملوك فقراء مدينون بسبب ما جنوه على المسلمين من تصرفاتهم في أموال بيت المال بالهواء في أبنية الدور العالية المزخرفة والمراكب النفيسة والأطعمة الطيبة وإعطاء الأصدقاء والمزاح بالباطل من أموال وغير ذلك من التصرفات المنهي عنها شرعا فهذه كلها ديون عليهم فتكثر من تطاول الأيام فيتعذر بسببها أمران أحدهما الأوقاف والتبرعات والبيوعات على مذهب مالك رحمه الله ومن وافقه فإن تبرعات المديون المتأخرة عن تقرر الدين باطلة فيتخرج ذلك على هذا الخلاف وثانيهما الإرث لأنه لا ميراث مع الدين إجماعا فلا يورث عنهم شيء وما تركوه من المماليك لا ينفذ عتق الوارث فيهم بل هم أموال بيت المال مستحقون بسبب ما عليهم من الدين فلا ينفذ فيهم إلا عتق متولي بيت المال على الوجه الشرعي وإعتاقهم لغير مصلحة المسلمين لا يجوز فإن وقفوا وقفا على جهات البر والمصالح العامة ونسبوه لأنفسهم بناء على أن المال الذي في بيت المال لهم كما يعتقده جهلة الملوك بطل الوقف بل لا يصح إلا أن يوقفوا معتقدين أن المال للمسلمين والوقف للمسلمين أما إن المال لهم والوقف لهم فلا كمن وقف مال غيره على أنه له فلا يصح الوقف فكذلك ها هنا المسألة الخامسة المصروف من الزكاة للمجاهدين ليس أجرة وإجارة بل أرزاق خاص من مال خاص وهل يتعين صرفه لهذه الجهة فيتخرج على الخلاف بين الشافعية والمالكية
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
أولادهم أو جهات أقاربهم لهواهم وحرصهم على حوز الدنيا لهم ولذراريهم واتباعا لغير الأوضاع الشرعية أو وقفوا على جهات البر والمصالح العامة معتقدين أن المال لهم وأن الوقف لهم بناء على ما يعتقده جهلة الملوك أن المال الذي في بيت المال لهم فكان من قبيل من وقف مال غيره على أنه له لم ينفذ هذا الوقف بل هو باطل يحرم على من وقف عليه أن يتناول منه شيئا بهذا الوقف فإذا تناوله كان للإمام أخذه منه وصرفه له ولغيره على حسب ما تقتضيه مصالح المسلمين وللإمام وقف هذه الجهة على جهة أخرى على الأوضاع الشرعية
وأما إذا اشتروا بعض أراضي المسلمين وقراهم من مالهم الذي يكتسبونه في زمن مملكتهم ووقفوا ذلك على أولادهم أو أحد من أقاربهم فإنه يتخرج على الخلاف في بطلان تبرعات المديون المتأخرة عن تقرر الدين عليه كما هو مذهب مالك ومن وافقه وعدم بطلانها كما هو مذهب غيرهم وذلك لأن الملوك بسبب استغراق ذممهم بالديون التي تترتب عليهم بسبب ما يجنونه على المسلمين من تصرفاتهم في أموال بيت المال بالهوى في أبنية الدور العالية المزخرفة والمراكب النفيسة والأطعمة الطيبة وإعطاء الأصدقاء والمزاح بالباطل من أموال وغير ذلك من التصرفات المنهي عنها شرعا فتكون ديونا عليهم وتكثر بتطاول الأيام يتعذر في حقهم أمران أحدهما الأوقاف والتبرعات والبيوعات على مذهب مالك رحمه الله تعالى ومن وافقه فإن تبرعات المديون المتأخرة عن تقرر الدين عليه باطلة وثانيهما الإرث لأنه لا ميراث مع الدين إجماعا فلا يورث عنه شيء وما تركوه من المماليك لا
12
12
رحمهم الله هل اللام للملك أم لا وليس هو إجارة وإلا لاشترط فيه مقدار العمل والمدة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
ينفذ عتق الوارث فيهم بل هم أموال بيت المال مستحقون بسبب ما عليهم من الدين فلا ينفذ فيهم إلا عتق متولي بيت المال على الوجه الشرعي لمصلحة المسلمين ا ه بتصرف للإصلاح
وفي حاشية العلامة ابن عابدين الحنفي على الدر أن أوقاف الملوك والأمراء إن علم ملكهم لها بالشراء صح وقفهم لها وروعي فيه شرط الوقف وإن لم يعلم شراؤهم لها ولا عدمه فالظاهر أنه لا يحكم بصحة وقفها لأنه لا يلزم من وقفهم لها ملكهم لها بل يحكم بأن ذلك السلطان الذي وقفها أخرجها من بيت المال وعينها لمستحقيها من العلماء والطلبة ونحوهم عونا لهم على وصولهم إلى بعض حقهم من بيت المال فهو إرصاد لا وقف حقيقة فلهذا أفتى علامة الوجود المولى أبو السعود مفتي السلطنة السليمانية بأن أوقاف الملوك والأمراء لا يراعى شرطها لأنها من بيت المال أو ترجع إليه وإذا كان كذلك لا يجوز الإحداث إذا كان المقرر في الوظيفة أو المرتب من مصاريف بيت المال
ا ه ولا يخفى أن المولى أبا السعود أدرى بحال أوقاف الملوك ومثله في المبسوط ولذا لما أراد السلطان نظام المملكة برقوق في عام نيف وثمانين وسبعمائة أن ينقض هذه الأوقاف لكونها أخذت من بيت المال وعقد لذلك مجلسا حافلا حضره الشيخ سراج الدين البلقيني والبرهان بن جماعة وشيخ الحنفية الشيخ أكمل الدين شارح الهداية فقال البلقيني ما وقف على العلماء والطلبة لا سبيل إلى نقضه لأن لهم في الخمس أكثر من ذلك وما وقف على فاطمة وخديجة وعائشة ينقض ووافقه على ذلك الحاضرون كما ذكره السيوطي في النقل المستور في جواز قبض معلوم الوظائف بلا حضور ورأيت نحوه في شرح الملتقى ففي هذا تصريح بأن أوقاف السلاطين من بيت المال إرصادات لا أوقاف حقيقة وأن ما كان منها على مصارف بيت المال لا ينقض بخلاف ما وقفه السلطان على أولاده أو عتقائه مثلا وأنه حيث كانت إرصادا لا يلزم مراعاة شروطها لعدم كونها وقفا صحيحا فإن شرط صحته ملك الواقف والسلطان بدون الشراء من بيت المال لا يملكه وما في التحفة المرضية عن العلامة قاسم من أن وقف السلطان لأرض بيت المال صحيح لعل مراده أنه لازم لا يغير إذا كان على مصلحة عامة كما نقل الطرسوسي عن قاضي خان من أن السلطان لو وقف أرضا من بيت مال المسلمين على مصلحة عامة للمسلمين جاز قال ابن وهب لأنه إذا أبده على مصرفه الشرعي فقد منع من يصرفه من أمراء الجور في غير مصرفه
ا ه فقد أفاد أن المراد من هذا الوقف تأبيد صرفه على هذه الجهة المعينة التي عينها السلطان مما هو مصلحة عامة وهو معنى الإرصاد السابق فلا ينافي ما تقدم والله أعلم
ا ه بتصرف قلت وهو يخالف ما للأصل من جهتين جهة أن كلام الأصل يفيد أن مقتضى ظاهر ما وقع في كتاب ابن رشد وما للشافعية من جواز وقف من الإمام على جهة من الجهات صحة وقفه ومراعاة شرطه وكلام ابن عابدين يفيد أن صريح ما للشافعية والأحناف عدم صحة الوقف وأنه لا يراعى شرطه وكلام الأصل ظاهر بالنسبة لمذهبنا مبني على أن السلطان وإن لم يكن مالكا ما وقفه من بيت المال إلا أنه وكيل على المسلمين فهو كوكيل الواقف يصح وقفه كما في البناني على عبق فلذا قال الشيخ علي المسناوي رحمه الله تعالى في القول الكاشف وحاصل ما لأئمتنا في أوقاف مستغرقي الذمة من الملوك وغيرهم كالقرافي في الفروق ومن تبعه من المحققين أنها إن كانت على بعض وجوه البر والمصالح العامة كالمساجد والمساكين واعتقدوا أن المال للمسلمين والوقف لهم وأيديهم في ذلك أيدي نيابة فقط فإنه يصح وتعتبر شروطهم في ذلك إذا كانت على وفق ضياع الشرعية
13
13
الموجبة لتعيين العمل وغير ذلك من شروط الإجارة ولما لم يكن كذلك كان أرزاقا خاصا
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
وتجري عليه أحكام أوقاف غيرهم من أنه لا يجوز أن يتناول شيئا منها إلا من قام بشرط الوقف وأنه لا يجوز للإمام إن كان هو الواقف أن يطلق ذلك الوقف بعد ذلك لمن لم يقم بذلك الشرط ولا أن يحوله على تلك الجهة إلى جهة أخرى للزوم ذلك له ولغيره كسائر الأوقاف وعلى هذا يحمل ما في سماع محمد بن خالد المذكور في العتبية وسلم ابن رشد في البيان وأشار إليه ابن عرفة بقوله يصح الحبس من الإمام لسماع ابن خالد من ابن القاسم صحة تحبيسه الخيل في الجهاد وأنكر بعض المفتين ببلدنا حين إشهاد إمامها بتحبيس بعض رباعها على بناء سورها فأوقفته على السماع أي سماع ابن خالد من ابن القاسم المذكور فشهد فيه معنا
ا ه أي فشهد ذلك البعض في إشهاد ذلك والإمام بالتحبيس للرباع المذكورة معنا قال كنون وانظر كتاب الحبس من تكميل غ ولا فرق في جميع ما ذكر أي في الأقسام الثلاثة أعني كون أوقافهم على ما يرجع إلى مصالحهم الخاصة أو على وجوه البر والمصالح العامة معتقدين أن أموال بيت المال وما بأيديهم منها لهم وأن الوقف لهم أو على وجوه البر والمصالح العامة معتقدين أن المال والوقف للمسلمين لا لهم بل أيديهم في ذلك أيدي نيابة فقط بين أن يكون ما وقفوه مشترى من مال بيت المال أو من مالهم الذي اكتسبوه في زمن الإمارة إذ هو لبيت المال حكما لعمارة ذمتهم بما جنوه على المسلمين من تصرفهم في أموال بيت المال على غير الوجه الشرعي فيستغرق ما بأيدهم مما اكتسبوه بعد الولاية بل وقبلها فيبطل وقف المشتري بالقبلي أيضا في القسمين الأولين إذا تأخر إلى استغراق الذمة ومما تفارق به أيضا أوقاف الملوك ونحوهم غيرها من الأوقاف إن وفرها أي ما فضل منها عما سموه من المصرف فضلا بينا لا خلاف في جواز صرفه في مصلحة غير ما عينوه ولا يدخله الخلاف المعروف في أوقاف الأحباس كما في جوابي العلامة أبي عثمان العقباني والمحصل المفتي أبي عبد الله القوري المذكورين في المعيار
ا ه وقال عبق وفي تت عند قوله إن كان على محجوره عند الذخيرة إن وقفوا على مدرسة أكثر مما تحتاج إليه بطل فيما زاد فقط لأنهم معزولون عن التصرف إلا على وجه المصلحة والزائد لا مصلحة فيه فهو من غير متول ولا ينفذ
ا ه ولابن وهبان في منظومته ولو وقف السلطان من بيت مالنا بالمصلحة عمت يجوز ويؤجر ويؤخذ من كلام عبق على مختصر خليل مع البناني عليه عند قوله صح وقف مملوك وإن بأجرة
الفرق بين أرصاد الإمام المعبر عنه في كتبنا بالخلو وبين وقفه نيابة عن المسلمين على جهة من المصالح العامة بما حاصله أن منفعة الخلو مملوكة لم يتعلق الحبس بها وإنما تعلق الحبس بأصلها فمالكها كمالك المنفعة لمدة معينة بأجرة فكما يجوز تحبيس مالك المنفعة بأجرة للمدة المعينة لقول المدونة في الإجارات ولا بأس أن يكري أرضه على أن تتخذ مسجدا عشر سنين فإذا انقضت كان النقض للذي بناه
ا ه لأن الوقف لا يشترط فيه التأبيد عندنا كذلك يجوز بالأحرى لمالك منفعة الخلو تحبيسها لكونه يملكها على التأبيد على ما جرى به العمل بمصر فلذا أفتى بصحته جمع منهم شيخ عج والشيخ أحمد السنهوري وأفتى الناصر بجواز بيع الخلو في الدين وارثه ورجوعه لبيت المال حيث لا وارث وما أبداه عج من الفروق بين منفعة الخلو ومنفعة الإجارة بمسائل فجميعها لا يصح وما وقفه الإمام على جهة من المصالح العامة ليست مملوكة لتلك الجهة بل تعلق الحبس بها كأصلها فتجرى عليه أحكام أوقاف غير الإمام لا تراعى شروطه التي على وفق الأوضاع الشرعية كما علمت وأما بالنسبة لمذهب الشافعية فليس بظاهر لأن ما وقع من أن الإمام أن
14
14
من جهة خاصة ويقع الفرق بينه وبين أصل الأرزاق بأن أصل الأرزاق يصح أن يبقى في
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
يوقف وقفا على جهة من الجهات لا يقتضي صحته فقط بل كما يحتملها كذلك يحتمل عدمها وقد نقل الشيخ أبو بكر الزرعة المكي في رسالته بساط الكرم في القول على أوقاف الحرم عن العلامة السيوطي أنه قال في الينبوع ذكر أصحابنا الفقهاء يعني الشافعية أن الوظائف المتعلقة بالأوقاف أوقاف الأمراء والسلاطين كلها إن كان لها أصل من بيت المال أو ترجع إليه فيجوز لمن كان بصفة الاستحقاق من عالم بالعلوم الشرعية وطالب علم كذلك وصوفي على طريقة الصوفية أهل السنة أن يأكل مما وقفوه غير متقيد بما شرطوه إلى آخر ما ذكره ثم قال بعد وإذا وقف السلطان من بيت المال أرضا لمصلحة العامة فذكر قاضي خان في فتاويه جوازه ولا يراعي ما شرطه دائما ا ه أي بل يراعي في الجملة وذكر العلامة ابن حجر الهيتمي في شرح المنهاج أن شروط السلاطين في أوقافهم من بيت المال لا يعمل بشيء منها كما قاله أجلاء المتأخرين فإنه لا يجب مراعاة شروطهم فيها لبقائها على ملك بيت المال
ا ه فأنت ترى أن الشافعية مع قولهم بجواز أوقافهم الجارية على الأوضاع الشرعية قالوا بعدم صحتها وعدم مراعاة شروطها فمذهبهم كمذهب الأحناف مبني على أن الأئمة لا يملكون في بيت المال شيئا وشرط صحة الوقف ملك الواقف فما وقفوه ليس بوقف حقيقة بل صورة من قبيل الأرصاد عينه واقفه من الأئمة والأمراء وأبده على مصرفه ومستحقه الشرعي من العلماء والطلبة ونحوهم عونا على وصولهم إلى بعض حقهم في بيت المال ومنعا لمن يصرفه من أمراء الجور في غير مصرفه قال في بساط الكرم جوز العلماء والحكام لضرورات الناس ما جرت به العادة المستمرة في الأوقاف السلطانية من الفراغ كما نص عليه العلامة العيني رحمه الله تعالى وكيف وله أصل في الجملة عن علمائنا رحمهم الله تعالى والعادة محكمة أي هي المرجع عند النزاع لأنه دليل يبتنى عليه الحكم كما نص عليه العلامة البيري وأصلها قوله صلى الله عليه وسلم ما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المؤمنون قبيحا فهو عند الله قبيح رواه أحمد في كتاب السنة وهو موقوف حسن أفاده العلامة السيد الحموي وقد أجاب مفتي مكة العلامة السيد عبد الله ابن المرحوم السيد محمد ميرغني لما سأله قاضيها يومئذ بما صورته ما قولكم في خلوات المدارس التي بناها واقفها لطلبة العلم ثم استولى عليها وسكنها غير المشروطة لهم ويفرغون سكناها بعوض دراهم بينهم فهل هذا الفراغ صحيح ويستحق سكناها غير طلبة العلم أم تنزع من أيديهم وتعطى لمن شرط لهم أم كيف الحكم بما نصه نعم هو صحيح على ما عليه العمل من جواز فراغ ما ذكر مما الفراغ جاز فيه وقد جرت به العادة المستمرة حيث كان الاستيلاء بالطريق المعتبر ممن يملك التصرف فلا ينزع من يد من هو في يده بل ولا يتكلف بإثبات ما بيده كما نصوا عليه فليراجع مظانه والله أعلم
فقد أفاد سلمه الله ما جرت به العادة واستمر عليه العرف أخذا من كلامهم وأخذ الشيخ أبو بكر يسوق في رسالته بساط الكرم نصوص علماء مذهبه ومذهب الشافعية في ذلك فانظرها إن شئت وفي شرح العلامة الشيخ منصور بن إدريس الحنبلي كشاف القناع على متن الإقناع في مذهب ابن حنبل رضي الله تعالى عنه ما نصه فإن كان الوقف من بيت المال كأوقاف السلاطين من بيت المال فليس بوقف حقيقي بل كل من جاز له الأكل من بيت المال جاز له الأكل منها كما أفتى به صاحب
15
15
بيت المال ولا يصرف في الوقف وهذا يجب صرفه إما في جهة المجاهدين أو غيرهم
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
المنتهى موافقة للشيخ الرملي وغيره في وقف جامع طولون ونحوه
ا ه فتحصل أن أوقاف السلاطين عندنا أوقاف حقيقة لا أرصاد فمنفعتها ليست مملوكة لمن وقفت عليه فلا يجوز له بيعها ويراعى فيها شرط الواقف بخلاف الأرصاد المعبر عنه بالخلو وعند الأئمة الثلاثة أرصاد لا أوقاف حقيقة فمنفعتها مملوكة لمن وقفت عليه يجوز له بيعها ولا يراعى فيها شرط الواقف فاحفظ ذلك ومن جهة أن كلام الأصل يفيد عدم صحة وقف الأئمة والأمراء ما ملكوه بالشراء من بيت المال أو غيره لاستغراق ذممهم بالديون التي تترتب عليهم بتعديهم على أموال بيت المال وكلام ابن عابدين يفيد صحته والظاهر التفصيل بتقييد الصحة بمن لم يتعد على بيت المال أو على من وقف قبل تقرر الديون عليه أو بعد تقررها عند من يقول بعدم بطلان تبرعاته وتقييد عدم صحة بمن سوى ذلك كما يشهد لذلك قول خليل في جامعه ولا تجوز وصايا المتسلطين بالظلم المستغرقي الذمة ولا عتقهم ولا تورث أموالهم ويسلك بها سبيل ما أفاء الله
ا ه قال كنون ومثله لابن الحاجب وابن شاس وفي الذخيرة وصية السلاطين الظلمة غير جائزة وعتقهم مردود ا ه فتأمل بإنصاف
المسألة الخامسة
المصروف من الزكاة للمجاهدين رزق خاص من مال خاص لا أجرة ولا إجارة وفي تعين صرفه لهذه الجهة فلا يجوز أن يختص غيرها من الأصناف الثمانية بالصرف لأن الأصناف الثمانية شركة في الصدقة أو لا يتعين صرفه لها بل يجوز أن تصرف جميع الصدقة إلى واحد من الأصناف الثمانية خلاف بين الشافعية وبين المالكية والأحناف رحمهم الله تعالى مبني على الخلاف بينهم في اللام في إنما الصدقات للفقراء الآية هل هي لام التمليك كقولك هذا المال لزيد وبه قال الشافعي أو لام الأصل كقولك هذا السرج للدابة والباب للدار وبه قال مالك وأبو حنيفة قال ابن العربي في الأحكام واتفقوا على أنه لا يعطى جميعها للعاملين عليها واعتمد هذا أصحاب الشافعي على أن الله أضاف الصدقة فاللام التمليك إلى مستحق حتى يصح منه الملك على وجه التشريك فكان ذلك بيانا للمستحقين وهذا كما لو أوصى لأصناف معينين أو لقوم معينين وتعلق علماؤنا بقوله تعالى إن تبدوا الصدقات الآية والصدقة متى أطلقت في القرآن فهي صدقة الفرض
وقال النبي صلى الله عليه وسلم أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها على فقرائكم وهذا نص في ذكر أحد الأصناف الثمانية قرآنا وسنة وحقق علماؤنا المعنى فقالوا إن المستحق هو الله تعالى ولكنه أحال بحقه لمن ضمن لهم رزقهم بقوله تعالى وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها فكان كما لو قال زيد لعمرو إن لي حقا على خالد يماثل حقك يا عمرو أو يخالفه فخذه منه مكان حقك فإنه يكون بيانا لمصرف حق المستحق لا للمستحق والصنف الواحد في جهة المصرف والحلية كالأصناف الثمانية وقد كنا نقول إن الزكاة تصرف إلى الذمي فخصصنا هذا العموم بما خصصه صاحب الشريعة المبين للناس ما نزل إليهم بقوله صلى الله عليه وسلم أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها على فقرائكم وما فهم المقصود أحد فهم الطبري فإنه قال الصدقة لسد خلة المسلمين أو لسد خلة الإسلام وذلك مفهوم من مأخذ القرآن في بيان الأصناف وتعديدهم والذي جعلناه فصلا بيننا وبينهم أن الأمة اتفقت على أنه لو أعطي كل صنف حظه لم يجب تعميمه فكذلك تعميم الأصناف مثله
ا ه بتصرف ما وفي بداية المجتهد لابن رشد فسبب اختلافهم معارضة اللفظ للمعنى فإن
16
16
من الجهات الثمانية لأن جهة هذا المال عينها الله عز وجل في كتابه العزيز فيجب على
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
اللفظ يقتضي القسمة بين جميعهم والمعنى يقتضي أن يؤثر بها أهل الحاجة إذا كان المقصود به سد الخلة فكان تعديدهم في الآية عند هؤلاء إنما ورد لتمييز الجنس أعني أهل الصدقات لا تشريكهم في الصدقة فالأول أظهر من جهة اللفظ وهذا أظهر من جهة المعنى ومن الحجة للشافعي ما رواه أبو داود عن الصدائي أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطيه من الصدقة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم هو فيها فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك
ا ه وفي أحكام ابن العربي أن النخعي قال إن كان المال كثيرا قسمه على الأصناف وإلا وضعه في صنف وقال أبو ثور إن أخرجه صاحبه جاز له أن يضعه في قسم وإن قسم الإمام استوعب الأصناف وذلك فيما قالوا إنه إن كان كثيرا فليعمهم وإن كان قليلا كان قسمه ضررا عليهم وكذلك إن قسمه صاحبه لم يقدر على النظر في جميع الأصناف فأما الإمام فحق كل واحد من الخلق متعلق به من بيت المال وغيره فيبحث عن الناس ويمكنه تحصيلهم والنظر في أمرهم والذي صار إليه مالك من أنه يجتهد الإمام ويتحرى موضع الحاجة هو الأقوى ثم قال ما معناه وينبني على الخلاف في اللام أيضا أنه على قول مالك وجماعة بعدم بقاء المؤلفة قلوبهم إلى اليوم إما أن يعود سهمهم إلى سائر الأصناف كلها أو ما يراه الإمام حسبما تقدم بيانه في أهل الخلاف
وقال الزهري يعطى نصف سهمهم لعمار المساجد ولا دليل عليه والأول أي عوده للأصناف على الخلاف هو الأصح وهذا مما يدلك على أن الأصناف الثمانية محل لا مستحقون إذ لو كانوا مستحقين لسقط سهمهم بسقوطه عن أرباب الأموال ولم يرجع إلى غيرهم كما لو أوصى لقوم معينين فمات أحدهم لم يرجع نصيبه إلى من بقي منهم
وقال الشافعي وأبو حنيفة بل حق المؤلفة باق إلى اليوم لأن الإمام ربما احتاج أن يستألف على الإسلام وقد قطعهم عمر لما رأى من إعزاز الدين والذي عندي أنه إن قوي الإسلام زالوا وإن احتيج إليهم أعطوا سهمهم كما كان يعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الصحيح قد روي فيه بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ ا ه
وإنما لم يكن المصروف منها للمجاهدين إجارة مع أن المصروف منها للقائلين كذلك قال ابن العربي في أحكامه يدل قوله تعالى والعاملين عليها وهم الذين يقومون لتحصيلها ويوكلون على جمعها على مسألة بديعة وهي أن ما كان من فروض الكفاية فالقائم به يجوز له أخذ الأجرة عليه ومن ذلك الإمامة فإن الصلاة وإن كانت متوجهة على جميع الخلق فإن تقدم بعضهم بهم من فروض الكفاية فلا جرم يجوز أخذ الأجرة عليها وهذا أصل الباب وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ما تركت بعد نفقة عيالي ومؤنة عاملي فهو صدقة قال والدليل على أنها أن الله سبحانه ملكها له وإن كان غنيا وليس له وصف يأخذ به منها سوى الخدمة في جمعها
ا ه قال الأصيل لأنه لا يشترط فيما يصرف منها للمجاهدين شروط الإجارة من مقدار العمل والمدة الموجبة لتعين العمل وغير ذلك نعم يفرق بينه وبين أصل الأرزاق بأن أصل الأرزاق يصح أن يبقى في بيت المال ولا يصرف في هذه الجهة ونحوها وإنما يصرف في المصالح التي تعرض له وهذا يجب صرفه أما في جهة المجاهدين أو غيرهم من الجهات الثمان لأن جهة هذا المال عينها الله عز وجل في كتابه العزيز فيجب على الإمام إخراجها فيها إلا أن يمنع
17
17
الإمام إخراجها فيها إلا أن يمنع مانع وكذلك كل جهة عينها الله تعالى كالخمس يتعين المبادرة إلى صرفه بحسب المصلحة وأما ما يورث عن الموتى من أموال بيت المال أو يحاز عن الغائب المنقطع خبره فهذا لا جهة له إلا ما يعرض من المصالح فهذا هو الفرق بين هذه الأرزاق الخاصة وبقية الأرزاقات المسألة السادسة ما يصرف للقسام للعقار بين الخصوم من جهة الحكام والترجمان الذي يترجم الكتب عند الحكام وكاتب الحاكم وأمناء الحكام على الأيتام ونحو ذلك فذلك كله أرزاق لا إجارة تجري عليه أحكام الأرزاق دون أحكام الإجارات كما تقدم بيانه وكذلك ما يتناوله الخراص على خرص الأموال الزكوية من الدوالي والنخل وسعاة المواشي والعمال على الزكاة كل ذلك أرزاق لا إجارة ونحو هذه المسائل مما هو في سلكها يتخرج عليها فقد اتضح لك بهذه المسائل الفرق بين قاعدة الأرزاق وقاعدة الإجارة وقاعدة وقف الملوك وأحكام ذلك المختلفة الأوضاع الفرق السادس عشر والمائة بين قاعدة استحقاق السلب في الجهاد وبين قاعدة الإقطاع وغيره من تصرفات الأئمة وإن كان الجميع من تصرفات الإمام وليس بإجارة واعلم أن السلب عند مالك رحمه الله إنما يستحق بقول الإمام من قتل قتيلا فله سلبه وأنه لا يستحق بمجرد القتل وقاله أبو حنيفة رحمه الله وقال الشافعي وابن حنبل رضي
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
مانع وكذلك كل جهة عينها الله تعالى كالخمس يتعين المبادرة إلى صرفه في جهة بحسب المصلحة
ا ه وقد مر عن الأصل أن الإجارة لا تجوز على القضاء وإمامة الصلاة ونحوهما وأن ما يأخذه القاضي والإمام من بيت المال رزق لا أجرة وقال بعض العلماء العامل في الصدقة يستحق يعني منها كفايته بالمعروف بسبب العمل وإن لم يكن بدلا عن العمل حتى لم يحل للهاشمي والأجرة تحل له وسيأتي مثله للأصل نعم أجاب عنه ابن العربي في الأحكام بأن الهاشمي إنما لم يدخل فيها مع أنها أجرة صحيحة تحريا لكرامته وتباعدا عن الزريعة وذلك مبين في شرح الحديث
ا ه فتأمل بإمعان
المسألة السادسة
ما يصرف من جهة الحكام لقسام العقار بين الخصوم ولمترجم الكتب عند الحكام ولكاتب الحاكم ولأمناء الحكام على الأيتام وللخراص على خرص الأموال الزكوية من الدوالي أو النخل ولسعاة المواشي والعمال على الزكاة ونحو ذلك من المسائل رزق يجري عليه أحكام الأرزاق دون أحكام الإجارات أي على خلاف ما مر عن ابن العربي في أحكامه من أن ما يدفع للعاملين منها أجرة صحيحة لا رزق والله سبحانه وتعالى أعلم الفرق السادس عشر والمائة بين قاعدة استحقاق السلب في الجهاد وبين قاعدة الإقطاع وغيره من تصرفات الأئمة وإن كان الجميع من تصرفات الإمام وليس بإجارة وهو أن الإقطاع يجوز بغير سبب يوجب استحقاقه وتمليكه فله في التمليك حالة متوسطة هي الإعانة على أحوال تقع في مستقبل الزمان لا تمليك حقيقي فلذلك كان للإمام نزعه في أي وقت شاء وله تبديله
18
18
الله عنهما يستحق بمجرد القتل وأنه يستحق بفتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك لا بتصرفه بطريق الإمامة وقد تقدم في الفرق بين تصرفاته صلى الله عليه وسلم أن ما وقع منها على أنه بالإمامة لا بد فيه من إذن الإمام وما وقع منها بتصرفه صلى الله عليه وسلم بطريق القضاء لا بد فيه من قضاء القاضي وما وقع منها بطريق الفتيا والتبليغ يستحق بدون قضاء قاض وإذن إمام قال مالك رحمه الله في المدونة لم يبلغني أن السلب كان للقاتل إلا يوم حنين وهو موكول إلى اجتهاد الإمام فإن قلنا إنه من باب التبليغ والفتيا فقد حصل السلب من باب آخر غير تصرفات الأئمة فلا يحتاج إلى الفرق كما قاله الشافعي رضي الله عنه فليس للإمام نزعه ممن وجد في حوزه بشرطه لأن القتل حينئذ سبب الاستحقاق فلا يجوز للإمام أن يأخذ ما هو مستحق بسببه وإن قلنا إنه من باب تصرفات الأئمة كما قاله مالك رحمه الله فللإمام نزعه ممن وجد معه لأن سبب استحقاقه تصرف الإمام ولم يوجد فبقي من الغنيمة
وأما الإقطاع فإنه يجوز بغير سبب يوجب استحقاقه وتمليكه وإنما هو إعانة على أحوال تقع في مستقبل الزمان وليس تمليكا حقيقيا فلذلك كان للإمام نزعه في أي وقت شاء وتبديله بغيره بخلاف السلب وإنما ساوى السلب ما حازه الأجناد والأمراء من إقطاعاتهم من خراج وغيره فإنه لا يجوز للإمام نزعه منهم لتقرر ملكهم عليه
وأما السلب فقبل حصول سببه لا يكون للقاتل به تعلق ألبتة وبعد حصول سببه يصير مملوكا بالكلية فالحالة المتوسطة القابلة للانتزاع لا تحصل للسلب
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
بغيره
وأما السلب فلا يجوز بغير سبب يوجب استحقاقه وتمليكه فقبل حصول سببه لا يكون للقائل به تعلق ألبتة وبعد حصول سببه يصير مملوكا فلا تحصل له في التمليك الحالة المتوسطة القابلة للانتزاع والإبدال بغيره ألبتة فهو نظير ما حازه الأجناد والأمراء من إقطاعاتهم من خراج أو غيره لتقرر ملكهم عليه نعم وقع في سببه خلاف بين الأئمة الأربعة فعند مالك وأبي حنيفة رحمهما الله تعالى إنما يستحق بقول الإمام من قتل قتيلا فله سلبه لا بمجرد القتل وعند الشافعي وابن حنبل رحمهما الله تعالى يستحق بمجرد القتل وسبب اختلافهم ما تقدم في الفرق بين تصرفاته صلى الله عليه وسلم من أن ما وقع منها على أنه بالأمانة لا بد فيه من إذن الإمام وما وقع منها بتصرفه صلى الله عليه وسلم بطريق القضاء لا بد فيه من قضاء القاضي وما وقع منها بطريق الفتيا والتبليغ يستحق بدون قضاء قاض وإذن إمام فمستند قول الشافعي وابن حنبل أنه يستحق بفتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك لا بتصرفه بطريق الإمامة فهو من باب التبليغ لأنه الغالب على تصرفاته صلى الله عليه وسلم لأنه صلى الله عليه وسلم رسول والتبليغ شأن الرسالة وحمل تصرفاته صلى الله عليه وسلم على الغالب طريق حسن وبذلك استندا كمالك في حمل قوله عليه الصلاة والسلام من أحيا أرضا ميتة فهي له وقالوا إذن الإمام ليس شرطا في الملك بالإحياء ومشى أبو حنيفة رحمه الله تعالى في السلب والإحياء على قاعدته فجعلهما من باب التصرف بالإمامة وأما مالك رحمه الله تعالى فهو وإن مشى في الإحياء على أصله في الحمل على الغالب في الفتيا والتبليغ دون الإمامة إلا أنه خالف في السلب أصله المذكور فجعله من باب التصرف بالإمامة بسبب أمور
19
19
ألبتة والإقطاع يحصل لها هذه الحالة المتوسطة القابلة للانتزاع وإبداله بغيره ويدل على صحة قول الشافعي وابن حنبل رحمهما الله أنه من باب الفتيا والتبليغ أنه الغالب على تصرفاته صلى الله عليه وسلم لأنه صلى الله عليه وسلم رسول وهذا شأن الرسالة أعني التبليغ وحمل تصرفاته صلى الله عليه وسلم على الغالب طريق حسن وهو مستند مالك رحمه الله في حمل قوله عليه الصلاة والسلام من أحيا أرضا ميتة فهي له وقال إذن الإمام ليس شرطا في الملك بالإحياء وأبو حنيفة رحمه الله مشى على قاعدته فيهما وجعلهما من باب التصرف بالإمامة
وأما مالك رحمه الله فقد نقض أصله والشافعي رضي الله عنه مشى على أصله في الحمل على الغالب في الفتيا دون الإمامة وسبب نقض مالك لأصله أمور أحدها أن أصل الغنيمة مستحق للغانمين لقوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ومفهومه أن الأربعة الأخماس للغانمين كما قال تعالى وورثه أبواه فلأمه الثلث معناه والثلثان للأب ولما كان ذكر الضد المقابل يدل على مقابله اكتفى بذكره عن ذكره في الآيتين ولما كانت الأربعة الأخماس مستحقة للغانمين فلو جعلنا قوله صلى الله عليه وسلم من قتل قتيلا فله سلبه فتيا لكان ذلك أبلغ في منافاة الظاهر المتقدم مما إذا جعلناه من باب التصرف بالإمامة وأنه لا يستحق حتى يقول الإمام تلك المقالة فإن التوقف على شرط أبعد عن التخصيص من الإخراج بغير شرط فكان تقليل التخصيص وإبعاده أولى وثانيها أنه يؤدي
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
أحدهما أن حمل قوله صلى الله عليه وسلم من قتل قتيلا فله سلبه على التصرف بالإمامة وأنه لا يستحق حتى يقول الإمام تلك المقالة أبلغ وأولى من حمله على الفتيا والتبليغ وأنه يستحق بمجرد القتل في منافاته لظاهر قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه فإن المفهوم منه أن الأربعة الأخماس للغانمين كما أن المفهوم من قوله تعالى وورثه أبواه فلأمه الثلث أن الثلثين للأب فاكتفى بذكر الضد المقابل عن ذكره في الآيتين بسبب أن ذكر الضد المقابل يدل على مقابلة ووجه الأبلغية أن التوقف على شرط كما في الحمل على باب التصرف بالإمامة أبعد عن التخصيص من الإخراج بغير شرط كما في الحمل على باب الفتيا والتبليغ وما كان أبعد عن التخصيص فهو أبلغ وأولى وثانيهما أن حمل الحديث المذكور على الفتيا والتبليغ وإن كان حملا على الغالب على تصرفاته صلى الله عليه وسلم كما علمت إلا أنه من حيث إنه يؤدي إلى مفسدتين عظيمتين يكون بعيدا عن قواعد الدين أحدهما إفساد النيات وأن يقاتل الإنسان من عليه سلب طمعا في سلبه لا نصرة لدين الله تعالى وربما أوقع ذلك خللا عظيما في الجيش فيما إذا كان العجزة والجبناء هم المتزينون باللباس والمتحصنون بأنواع الأسلحة دون الشجعان فيشتغل الناس بالجبناء عن الشجعان رغبة في لباسهم وأسلحتهم فيستولي شجعان الأعداء على أبطال المسلمين وجيشهم فيهلكون والمفسدة الثانية ضياع ثواب الآخرة واكتساب العقاب الأليم بسبب المقاصد الرديئة وأما إذا حمل على التصرف بالإمامة وصار موقوفا على قول الإمام فلا مفسدة لأن الإمام إنما يقول ذلك بحسب المصلحة
20
20
إلى إفساد النيات وأن يقاتل الإنسان من عليه سلب طمعا في سلبه لا نصرة لدين الله تعالى وربما أوقع ذلك خللا عظيما في الجيش فكان ذلك سببا للهزيمة واستئصال المسلمين بأن يكون الشجعان قليلين في التزين واللباس والعجزة والجبناء هم المتحصنون بأنواع الأسلحة فيشتغل الناس بهم عن الشجعان رغبة في لباسهم فيستولي شجعان الأعداء على أبطال المسلمين وجيشهم فيهلكون ثم إنه يؤدي إلى ضياع ثواب الآخرة وهو أعظم المفاسد بل العقاب الأليم بسبب المقاصد الردية
وهذا بعيد عن قواعد الدين فلا يستكثر منه فإذا جعل ذلك موقوفا على قول الإمام اندفعت هذه المفاسد بسبب أنه إنما يتصرف بحسب المصلحة فإذا كان القوم الذين في الجيش بعيدين عن ذلك القول وإلا لم يقل فتدفع المفاسد وإنما يأتي إذا جعلناه فتيا عامة في جميع الأحوال كما قاله الشافعي رضي الله عنه وثالثها أن ظاهر القرآن متواتر مقطوع به والحديث خبر واحد وليس أخص من الآية حتى يخصصها لتناول لفظ الآية وهو قوله تعالى ما غنمتم الغنيمة في الجهاد وغيره وهو مقتضى اللفظ لغة الغنيمة صادقة لغة عن الغارات المحرمة ونحوها وقوله عليه الصلاة والسلام من قتل قتيلا فله سلبه يتناول لغة الغنيمة وغيرها حتى لو قتله غيلة في بيته تناوله اللفظ غير أن الإجماع منعقد على تخصيصه بالجهاد المأمور به فحينئذ كل واحد منهما أعم من الآخر وأخص من وجه والتخصيص والعموم إنما يكون بحسب ما يقتضيه اللفظ لغة والعام والخاص من وجه لا يخص أحدهما الآخر لحصول التعارض فيصار للترجيح ولفظ القرآن متواتر فيكون أرجح فيقدم على الخبر بحسب الإمكان وقد أجمعنا على أن الإمام إذا قال ذلك يستحق فيبقى فيما عداه على مقتضى الأصل ورابعها أن أبا بكر الصديق وعمر رضي الله عنهما تركا ذلك في خلافتهما ولو كان ذلك فتيا لما تركاها بل علما أن ذلك تصرف بطريق الإمامة بحسب المصلحة
ولم يريا أن المصلحة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
وثالثها إن بين لفظ حديث من قتل قتيلا فله سلبه ولفظ ما غنمتم في الآية عموما وخصوصا من وجه بسبب أن الأول يتناول لغة الغنيمة وغيرها كما لو قتله غيلة في بيته والثاني يتناول الغنيمة الصادقة لغة حتى على الغارات المحرمة ونحوها غير أن الإجماع انعقد على تخصيصها بالجهاد المأمور به والخصوص والعموم إنما يكون بحسب ما يتناوله اللفظ لغة والعام والخاص من وجه لا يخصص أحدهما الآخر لحصول التعارض فيصار للترجيح ولفظ القرآن متواتر فيكون أرجح فيقدم على الخبر بحسب الإمكان وقد أجمعنا على أن الإمام إذا قال ذلك يستحق فيبقى فيما عداه على مقتضى الأصل ورابعها أن الحديث المذكور لو كان فتيا لانصرفا بطريق الإمامة لما تركها أبو بكر الصديق وعمر رضي الله تعالى عنهما في خلافتهما لكنهما تركاها علما منهما أن ذلك تصرف بطريق الإمامة بحسب المصلحة ولم يريا أن المصلحة حينئذ تقتضي ذلك فلم يقولا به فهذه وجوه ظاهرة فيما قاله مالك رحمه الله تعالى وموجبة لأن يخالف أصله لها والله سبحانه وتعالى أعلم

21
21
حينئذ تقتضي ذلك فلم يقولا به فهذه وجوه ظاهرة فيما قاله مالك رحمه الله تعالى وأنها موجبة لأن يخالف أصله لها الفرق السابع عشر والمائة بين قاعدة أخذ الجزية على التمادي على الكفر فيجوز وبين قاعدة أخذ الأعواض على التمادي على الزنا وغيره من المفاسد فإنه لا يجوز إجماعا وقد أورده بعض الطاعنين في الدين سؤالا في الجزية فقال شأن الشرائع دفع أعظم المفسدتين بإيقاع أدناهما وتفويت المصلحة الدنيا بدفع المفسدة العليا ومفسدة الكفر تربى على مصلحة المأخوذ من الجزية من أموال الكفار بل على جملة الدنيا وما فيها فضلا عن هذا النزر اليسير فلم وردت الشريعة المحمدية بذلك ولم لا حتم القتل درءا لمفسدة الكفر وجواب هذا السؤال هو سر الفرق بين القاعدتين وذلك أن قاعدة الجزية من باب التزام المفسدة الدنيا لدفع المفسدة العليا وتوقع المصلحة العليا وذلك هو شأن القواعد الشرعية بيانه أن الكافر إذا قتل انسد عليه باب الإيمان وباب مقام سعادة الجنان وتحتم عليه الكفر والخلود في النيران وغضب الديان فشرع الله تعالى الجزية رجاء أن يسلم في مستقبل الأزمان لا سيما مع اطلاعه على محاسن الإسلام والإلجاء إليه بالذل والصغار في أخذ الجزية
فإذا أسلم لزم من إسلامه إسلام ذريته فاتصلت سلسلة الإسلام من قبله بدلا
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الفرق السابع عشر والمائة بين قاعدة إن أخذ الجزية على التمادي على الكفر يجوز وبين قاعدة إن أخذ الأعواض على التمادي على الزنا وغيره من المفاسد لا يجوز إجماعا
وهو أن قاعدة أخذ المال على مداومة الزنا أو غيره من المفاسد مفسدة صرفة لأنه من باب ترجيح المصلحة الحقيرة التي هي أخذ الدراهم على المفسدة العظيمة التي هي معصية الله تعالى وهو لم يقع في الشريعة بل الشريعة تحرمه ولا تبيحه وإنما الذي من الشرائع الواقعة وتبيحه القواعد الشرعية هو عكس ذلك وهو ترجيح المصلحة العظيمة التي هي إزالة منكر من المنكرات العظيمة على المفسدة الحقيرة التي هي دفع الدراهم لمن يأكلها حراما كما في دفع المال في فداء الأسارى الكفار وهم من حيث كونهم مخاطبين بفروع الشريعة يحرم عليهم أكل ذلك المال ليتوصل بذلك المحرم لتخليص الأسير من أيدي العدو
وكما في دفع المال اليسير كالثوب ونحوه للمحارب ليسلم دفع ذلك المال من المقاتلة معه فيموت أحدهما أو كلاهما ومن ذلك أخذ الجزية فهو مصلحة صرفة لأنه من باب التزام المفسدة الدنيا التي هي الإقرار على الكفر بأخذها لدفع مفسدة العليا التي هي انسداد باب الإيمان وباب مقام سعادة الجنان على الكافر إذا قتل ليتحتم الكفر عليه والخلود في النيران وغضب الديان حينئذ ولتوقع المصلحة العليا التي هي إما رجاء الإسلام في مستقبل الأزمان من المقر على الكفر بأخذ الجزية منه سيما مع اطلاعه على محاسن الإسلام والإلجاء إليه بالذل والصغار في أخذ الجزية فيلزم من إسلامه إسلام ذريته فتتصل سلسلة الإسلام
22
22
عن ذلك الكفر وإن مات على كفره ولم يسلم فنحن نتوقع إسلام ذريته المخلفين من بعده وكذلك يحصل التوقع من ذرية ذريته إلى يوم القيامة وساعة من إيمان تعدل دهرا من كفر وكذلك خلق الله تعالى آدم على وفق الحكمة وأكثر ذريته كفار وعد النبي صلى الله عليه وسلم خلقه من جملة البركات الموجبة لتعظيم يوم الجمعة فقال في تعظيم يوم الجمعة لما ساق تعظيمه والثناء عليه في الحديث الصحيح أفضل يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه تاب عليه وفيه تقوم الساعة فجعل خلق آدم عليه السلام من جملة فضائله لأن خلقه سبب وجود الأنبياء عليهم السلام والصالحين وأهل الطاعة والمؤمنين
وإن كان مع كل رجل مسلم المئون من الكفار فلا عبرة بهم لأجل ذلك المسلم الواحد ولذلك جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يقول لآدم عليه السلام ابعث بعث النار فيخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون فيبقى من كل ألف واحد والبقية كفار فجاز أهل النار والمعاصي والفجور ومع ذلك كان ذلك الواحد تربى مصلحة إسلامه على مفسدة أولئك وأنهم كالعدم الصرف بالنسبة إلى نور الإيمان وعبادة الرحمن فتأمل ذلك فكذلك هاهنا إيمان يتوقع من الأصل أو من آحاد الذراري لا يعادله شيء من ذلك الكفر الواقع من غيره فعقد الجزية من آثار رحمة الله تعالى ومن الشرائع الواقعة على وفق
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
من قبله بدلا عن ذلك الكفر المقر عليه وإما رجاء إسلام ذريته المخلفين من بعده أو من ذرية ذريته إلى يوم القيامة وساعة من إيمان تعدل دهرا من كفر ألا ترى أن الله تعالى خلق آدم على وفق الحكمة وعد النبي صلى الله عليه وسلم خلقه في يوم الجمعة من جملة البركات الموجبة لتعظيمه فقال في الحديث الصحيح أفضل يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه تاب عليه وفيه تقوم الساعة لأن خلقه سبب وجود الأنبياء عليهم السلام والصالحين وأهل الطاعة والمؤمنين
وإن كان أكثر ذريته كفارا ففي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يقول لآدم عليه السلام ابعث بعث النار فيخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون فيبقى من كل ألف واحد والبقية كفار فجار أهل النار والمعاصي والفجور إذ لا عبرة بكثرة الكفار لأجل ذلك المسلم الواحد لأن ذلك الواحد تربو مصلحة إسلامه على مفسدة أولئك الكفار وأنهم كالعدم الصرف بالنسبة إلى نور الإيمان وعبادة الرحمن فتأمل ذلك وبالجملة فعقد الجزية لما كانت ثمرته توقع الإيمان من الأصل أو من أحد الذراري الذي لا يعادله شيء من ذلك الكفر الواقع من غيره لا مجرد تحصيل مصلحة تلك الدراهم المأخوذة منه كان من آثار رحمة الله تعالى ومن الشرائع الواقعة على وفق الحكمة الإلهية فلذا أباحته القواعد الشرعية ولم يلتفت إلى قول بعض الطاعنين في الدين في إيراده سؤالا في الجزية إن شأن الشرائع دفع أعظم المفسدتين بإيقاع أدناها وتفويت المصلحة الدنيا بدفع المفسدة العليا ومفسدة الكفر تربوا على مصلحة المأخوذ من الجزية من أموال الكفار بل على جملة الدنيا وما فيها فضلا عن هذا النزر اليسير فلم وردت الشريعة المحمدية بذلك ولم لم تحتم القتل
23
23
الحكمة
ولم تؤخذ الجزية من الكفار لتحصيل مصلحة تلك الدراهم المأخوذة منه بل لتوقع هذه المصلحة أو المصالح العظيمة بالتزام تلك المفسدة الحقيرة بخلاف أخذ المال على مداومة الزنا أو غيره من المفاسد فإن ذلك ترجيح للمصلحة الحقيرة التي هي الدراهم على المفسدة العظيمة التي هي معصية الله تعالى نعم لو عجزنا عن إزالة منكر من هذه المنكرات إلا بدفع دراهم دفعناها لمن يأكلها حراما حتى يترك ذلك المنكر العظيم كما يدفع المال في فداء الأسارى والكفار مخاطبون بفروع الشريعة يحرم عليهم أكل ذلك المال ليتوصل بذلك المحرم لتخليص الأسير من أيدي العدو ولذلك يعطى المحارب المال اليسير كالثوب ونحوه ليسلم صاحبه من المقاتلة معه فيموت أحدهما أو كلاهما أو يكون المأخوذ من المال على وجه التحريم والمعصية أكثر
وأما دفع المال لغرض المداومة على المعصية ليس إلا فهذا لم يقع في الشريعة بل الشريعة تحرمه ولا تبيحه فهذه القاعدة مفسدة صرفة فلم تشرع وقاعدة الجزية مشتملة على التزام المفسدة القليلة لدفع المفسدة العظيمة وتوقع المصلحة العظيمة فشرعت فهذا هو الفرق بين القاعدتين
الفرق الثامن عشر والمائة بين قاعدة ما يوجب نقض الجزية وبين قاعدة ما لا يوجب نقضها
اعلم أن عقد الجزية موجب لعصمة الدماء وصيانة الأموال والأعراض إلى غير ذلك مما يترتب عليه وحقيقة عقد الجزية هو التزامنا لهم ذلك بشروط نشترطها عليهم مضت سنة الخلفاء الراشدين بها وهي أيضا مستفادة من قوله تعالى حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون قال ابن حزم في مراتب الإجماع الشروط المشترطة عليهم أن
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
درءا لمفسدة الكفر ا ه
ولم كان أخذ المال على مداومة الزنا أو غيره من المفاسد ثمرته مجرد أخذ الدراهم الذي هو مصلحة حقيرة لا تعادل المداومة على المفسدة العظيمة التي هي معصية الله تعالى لم يقع في الشريعة بل منعته من حيث إنه مفسدة صرفة فهذا هو الفرق بين القاعدتين والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الثامن عشر والمائة بين قاعدة ما يوجب نقض الجزية وبين قاعدة ما لا يوجب نقضها
عقد الجزية هو التزامنا للكفار صيانة أموالهم وأعراضهم إلى غير ذلك بشروط نشترطها عليهم بها سنة الخلفاء الراشدين واستفيدت من قوله تعالى حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون قال ابن حزم في مراتب الإجماع وهي أن يعطوا أربعة مثاقيل ذهبا في انقضاء كل عام قمري صرف كل دينار اثنا عشر درهما وأن لا يحدثوا كنيسة ولا بيعة ولا ديرا ولا صومعة ولا يجددوا ما خرب منها ولا يمنعوا المسلمين من النزول في كنائسهم وبيعهم ليلا ونهارا ويوسعوا أبوابها للنازلين ويضيفوا من مر
24
24
يعطوا أربعة مثاقيل ذهبا في انقضاء كل عام قمري صرف كل دينار اثنا عشر درهما وأن لا يحدثوا كنيسة ولا بيعة ولا ديرا ولا صومعة ولا يجددوا ما خرب منها ولا يمنعوا المسلمين من النزول في كنائسهم وبيعهم ليلا ونهارا ويوسعوا أبوابها للنازلين ويضيفوا من مر بهم من المسلمين ثلاثة وأن لا يأووا جاسوسا ولا يكتموا غشا للمسلمين ولا يعلموا أولادهم القرآن ولا يمنعوا أحدا منهم الدخول في الإسلام ويوقروا المسلمين ويقوموا لهم من المجالس ولا يتشبهوا بهم في شيء من لباسهم ولا فرق شعرهم ولا يتكلمون بكلامهم ولا يتكنوا بكناهم ولا يركبوا على السروج ولا يتقلدوا شيئا من السلاح ولا يحملوه مع أنفسهم ولا يتخذوه ولا ينقشوا خواتيمهم بالعربية ولا يبيعوا الخمر من مسلم ويجزوا مقادم رءوسهم ويشدوا الزنانير ولا يظهروا الصليب ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم ولا يطرحوا في طريق المسلمين نجاسة ويخفوا النواقيس وأصواتهم ولا يظهروا شيئا من شعائرهم ولا يتخذوا من الرقيق ما جرت عليه سهام المسلمين ويرشدوا المسلمين ولا يطلعوا عليهم عدوا ولا يضربوا مسلما ولا يسبوه ولا يستخدموه ولا يسمعوا مسلما شيئا من كفرهم ولا يسبوا أحدا من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ولا يظهروا خمرا ولا نكاح ذات محرم وأن يسكنوا المسلمين بينهم فمتى أخلوا بواحدة من هذه الشروط اختلف في نقض عهدهم وقتلهم وسبيهم وأخذ أموالهم
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
بهم من المسلمين ثلاثا وأن لا يأووا جاسوسا ولا يكتموا غشا للمسلمين ولا يعلموا أولادهم القرآن ولا يمنعوا أحدا منهم الدخول في الإسلام ويوقروا المسلمين ويقوموا لهم من المجالس ولا يتشبهوا بهم في شيء من لباسهم ولا فرق شعرهم ولا يتكلموا بكلامهم ولا يتكنوا بكناهم ولا يركبوا على السروج ولا يتقلدوا شيئا من السلاح ولا يحملوه مع أنفسهم ولا يتخذوه ولا ينقشوا خواتيمهم بالعربية ولا يبيعوا الخمر من مسلم ويجزوا مقادم رءوسهم ويشدوا الزنانير ولا يظهروا الصليب ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم ولا يطرحوا في طريق المسلمين نجاسة ويخفوا النواقيس وأصواتهم ولا يظهروا شيئا من شعائرهم ولا يتخذوا من الرقيق ما جرت عليهم سهام المسلمين ويرشدوا المسلمين ولا يطلعوا عليهم عدوا ولا يضربوا مسلما ولا يسبوه ولا يستخدموه ولا يسمعوا مسلما شيئا من كفرهم ولا يسبوا أحدا من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ولا يظهروا خمرا ولا نكاح ذات محرم وأن يسكنوا المسلمين بينهم
ا ه وقد ذهب علماء المذاهب الأربعة في إخلال الذمي بشرط من هذه الشروط إلى طريقتين الطريقة الأولى لبعضهم نقض العهد بإخلاله بأي شرط منها ولو لم يكن منافيا لما هو المقصود من عقد الذمة من الأمان والتأمين والطريقة الثانية لجمهورهم نقض العهد بإخلاله بما ينافي الأمان والتأمين فقط وهذه هي الصواب لأمرين
25
25
واعلم أن الجادة من مذاهب العلماء كمالك والشافعي وأبي حنيفة وابن حنبل رضي الله عنهم لا يروا النقض بالإخلال بأحد هذه الشروط كيف كان بل بعضها يوجب النقض وبعضها لا يوجب وقد سبق إلى خاطر الفقيه أن المشروط شأنه الانتفاء عند انتفاء أحد الشروط ولو كان ألف شرط إذا عدم واحد منها لا يفيد حضور ما عداه كما يجده في شرائط الصلاة والزكاة وغيرهما إن عدم شرط واحد عدم جميع الشروط فلذلك يخطر لضعفه الفقهاء أن شروط الجزية ينبغي أن تكون كذلك وليس الأمر كذلك بل مذهب الجمهور هو الصواب وأن قاعدة ما يوجب النقض مخالفة لقاعدة ما لا يوجبه فإن عقد الذمة عاصم للدماء كالإسلام
وقد ألزم الله تعالى المسلم جميع التكاليف في عقد إسلامه كما ألزم الذمي جملة هذه الشروط في عقد أمانة فكما انقسم رفض التكاليف في الإسلام إلى ما ينافي الإسلام ويبيح الدماء والأموال كرمي المصحف في القاذورات وانتهاك حرمة النبوات وإلى ما ليس منافيا للإسلام وهو ضربان كبائر توجب التغليظ بالعقوبة ورد الشهادات وسلب أهلية الولاية وصغائر توجب التأديب دون التغليظ
فكذلك عقد الجزية تنقسم شروطه إلى ما ينافيه كالقتل والخروج عن أحكام السلطان فإن ذلك مناف للأمان والتأمين وهما مقصود العقد وإلى ما
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
أحدهما أن عقد الجزية كعقد الإسلام فكما أن عقد الإسلام عاصم للدماء ونحوها كذلك عقد الذمة عاصم للدماء وكما أن الله تعالى ألزم المسلم جميع التكاليف في عقد إسلامه كذلك ألزم الذمي جملة هذه الشروط في عقد أمانه وكما أن رفض التكاليف في الإسلام ينقسم إلى ما ينافي الإسلام ويبيح الدماء والأموال كرمي المصحف في القاذورات وانتهاك حرمة النبوات وإلى ما ليس منافيا للإسلام وهو ضربان كبائر توجب التغليظ بالعقوبة ورد الشهادات وسلب أهلية الولاية وصغائر توجب التأديب دون التغليظ فكذلك رفض هذه الشروط في الذمة ينقسم إلى ما ينافي ما هو المقصود من عقد الذمة من الأمان والتأمين كالقتل والخروج عن أحكام السلطان وإلى ما ليس بمناف للأمان والتأمين وهو ضربان ما هو عظيم المفسدة كالكبيرة بالنسبة إلى الإسلام كالحرابة والسرقة وما هو خفيف المفسدة كالصغيرة بالنسبة إلى الإسلام كسب المسلم وإظهار الترفع عليه فكما أن ضربي ما ليس بمناف لعقد الإسلام من الصغيرة والكبيرة لا يبطلان عصمة دم ومال المسلم المرتكب لأحدهما كذلك ضربا ما ليس بمناف للأمن والأمان المقصودين من عقد الجزية مما يشبه واحدا من الصغيرة والكبيرة لا يبطلان عصمة دم ومال الذمي الناقض لأحدهما الأمر الثاني أن القاعدة الشرعية المشهورة في أبواب العقود الشرعية أننا لا نبطل عقدا من العقود إلا بما ينافي مقصود ذلك العقد دون ما لا ينافي مقصوده وإن كان منهيا عن مقارنته معه وبالجملة فهذه الشروط على هذه الطريقة التي هي طريقة الجمهور تنقسم إلى ثلاثة أقسام
26
26
ليس بمناف للأمان والتأمين وهو عظيم المفسدة فهو كالكبيرة بالنسبة إلى الإسلام كالحرابة والسرقة وإلى ما هو كالصغيرة بالنسبة إلى الإسلام كسب المسلم وإظهار الترفع عليه فكما أن هذين القسمين لا ينافيان الإسلام ولا يبطلان عصمة الدماء والأموال فكذلك لا يبطلان عقد الجزية لعدم منافاتهما له من جهة الأمن والأمان المقصودين من عقد الجزية والقاعدة الشرعية المشهورة في أبواب العقود الشرعية أنها لا تبطل عقدا من العقود إلا بما ينافي مقصود ذلك العقد دون ما لا ينافي مقصوده وإن كان منهيا عن مقارنته معه فكذلك هنا ينبغي أن لا يبطل عقد الجزية إلا بما تقدم ونحوه وانقسمت هذه الشروط على هذه الطريقة التي هي طريقة الجمهور إلى ثلاثة أقسام منها ما اتفقوا على أنه موجب لمنافاة عقد الذمة كالخروج على السلطان ونبذ العهد والقتل والقتال بمفردهم أو مع الأعداء ونحو ذلك ومنها ما اتفقوا على أنه لا ينافيه كترك الزناد وركوب الخيل وترك ضيافة المسلمين ونقش خواتمهم بالعربية ونحو ذلك مما تخف مفسدته والقسم الثالث اختلف فيه هل يلحق بالقسم الأول فينتقض عقد الجزية أو بالقسم الثاني فلا ينتقض وها أنا أسرد لك مسائل توضح لك هذه الأقسام قال الأصحاب إذا أظهروا معتقدهم في المسيح عليه السلام أو غيره أدبناهم ولا ينقض به العهد وإنما ينقض بالقتال ومنع الجزية والتمرد على الأحكام وإكراه المسلمة على الزنا فإن أسلم لم يقتل لأن قتله لنقض العهد وكذلك
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
القسم الأول
ما اتفقوا على أنه موجب لمنافاة عقد الذمة كالخروج على السلطان ونبذ العهد والقتل والقتال بمفردهم أو مع الأعداء ونحو ذلك قال في المدونة فإن خرجوا نقضا للعهد والإمام عادل فهم فيء كما فعل عمرو بن العاص بالإسكندرية لما عصت عليه بعد الفتح قال ابن القاسم إن كان خروجهم وامتناعهم من الجزية الظلم من الإمام أو غيره ردوا إلى ذمتهم
وقال الداودي إن كان خروجهم من ظلم فهو نقض لأنهم لم يعاهدوا على أن يظلموا من ظلمهم وروي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه أخبر أن ذميا نخس بغلا عليه مسلمة فوقعت فانكشفت عورتها فأمر بصلبه في في ذلك الموضع وقال إنما عاهدناهم على إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون قال ابن القاسم إذا حارب أهل الذمة وظفر بهم والإمام عدل قتلوا وتسبى نساؤهم ولا نتعرض لمن يظن أنه مغلوب معهم كالشيخ الكبير والضعيف ولو ذهبوا لبلد الحرب وتركوا أولادهم نقضا للعهد لم يسبوا بخلاف ما إذا ذهبوا بهم إلا أن يكون ذلك لظلم أصابهم إلا أن يعينوا علينا المشركين فهم كالمحاربين وقال أيضا إذا حاربوا والإمام عدل استحل سبيهم وذراريهم إلا من يظن به أنه مغلوب كالضعفاء ولم يستثن أصبغ رحمه الله أحدا وألحق الضعفاء بالأقوياء في النقض كما اندرجوا معهم في النقد ولأنه صلى الله عليه وسلم سبى ذراري قريظة ونساءهم بعد نقض العهد قال ابن القاسم إذا استولى العدو على مدينة للمسلمين فيها ذمة فغزوا معهم ثم اعتذروا لنا بالقهر الذي لا يعلم إلا بقولهم فمن قتل منهم مسلما قتل وإلا أطيل سجنه
27
27
التطلع على عورات المسلمين وأما قطع الطريق والقتل الموجب للقصاص فحكمهم فيه حكم المسلمين وتعرضهم له صلى الله عليه وسلم ولغيره من الأنبياء صلوات الله عليهم موجب للقتل إلا أن يسلموا وروي يوجع أدبا ويشدد به
فإن رجع عن ذلك قبل منه قال اللخمي إن زنى بالمسلمة طوعا لم ينتقض عهده عند مالك رضي الله عنه وانتقض عند ربيعة وابن وهب
وإن غرها بأنه مسلم فتزوجها فهو نقض عند ابن نافع وإن علمت به لم يكن نقضا وإن طاوعته الأمة لم يكن نقضا وإن اغتصبها قال محمد ليس بنقض وقيل نقض
قال فإن عوهد على أنه متى أتى بشيء من ذلك فهو نقض انتقض عهده بذلك قلت وهذه الفروع بعضها أقرب من بعض للقاعدة في النقض فإكراه المرأة المسلمة على الزنا وجعله ناقضا دون الحرابة مشكل بل ينبغي أن يلحق بالحرابة فلا ينتقض أو تلحق الحرابة به فينتقض بطريق الأولى لعموم مفسدة الحرابة في النفوس والأبضاع والأموال وعدم اختصاص ذلك بواحد من الناس قال في الكتاب فإن خرجوا نقضا للعهد والإمام عادل فهم فيء كما فعل عمرو بن العاص بالإسكندرية لما عصت عليه بعد الفتح قال التونسي من أصحابنا لم يجعل مالك رحمه الله القتل في الحرابة نقضا وهو يقول غصب المسلمة على الوطء نقض قال وهو مشكل إلا أن يكون العهد اقتضاه قال ابن القاسم إن كان خروجهم وامتناعهم من الجزية لظلم من الإمام أو غيره ردوا إلى
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
قال المازري رحمه الله وينتقض عهدهم إذا صاروا عونا للحربيين علينا
القسم الثاني
ما اتفقوا على أنه لا ينافي عقد الذمة كترك الزنا وركوب الخيل وترك ضيافة المسلمين ونقش خواتيمهم بالعربية ونحو ذلك مما تخف مفسدته ففي الأصل عن الأصحاب إذا أظهروا معتقدهم في المسيح عليه السلام أو غيره أدبناهم ولا ينقض به العهد وإن حكمهم في القتل الموجب للقصاص القسم الثالث ما اختلفوا في كونه هل يلحق بالقسم الأول فينتقض به عقد الجزية أو بالقسم الثاني فلا ينتقض به عقد الجزية كإكراه المسلمة على الزنا وقطع الطريق وتعرضهم له صلى الله عليه وسلم ولغيره من الأنبياء صلوات الله عليهم ونحو ذلك مما عظمت مفسدته ففي الأصل عن الأصحاب وإنما ينقض بالقتال ومنع الجزية والتمرد على الأحكام والتطلع على عورات المسلمين وإكراه المسلمة على الزنا
وأما قطع الطريق فحكمهم فيه حكم المسلمين وتعرضهم له صلى الله عليه وسلم ولغيره من الأنبياء صلوات الله عليهم موجب للقتل إلا أن يسلموا وروي يوجع أدبا ويشد ذنبه فإن رجع عن ذلك قبل منه وقال اللخمي إن زنى بالمسلمة طوعا لم ينتقض عهده عند مالك رضي الله عنه وانتقض عند ربيعة وابن وهب وإن غرها بأنه مسلم فتزوجها فهو نقض عند ابن نافع وإن علمت به لم يكن نقضا وإن طاوعته الأمة لم يكن نقضا وإن اغتصبها قال محمد ليس بنقض وقيل نقض قال فإن عوهد على أنه متى أتى بشيء من ذلك فهو نقض انتقض عهده بذلك قال الأصل وهذه
28
28
ذمتهم
وقال محمد بن مسلمة حرابة الذمي نقض للعهد ولا يؤخذ ولده لبقاء العهد في حقه بخلاف ماله إلا أن يكون من الحرابة وقال الداودي إن كان خروجهم من ظلم فهو نقض لأنهم لم يعاهدوا على أن يظلموا من ظلمهم وروي عن عمر رضي الله عنه أنه أخبر أن ذميا نخس بغلا عليه مسلمة فوقعت فانكشفت عورتها فأمر بصلبه في ذلك الموضع وقال إنما عاهدناهم على إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون وروي عن عمر رضي الله عنه نقض العهد بغصب المسلمة قال ابن القاسم إذا حارب أهل الذمة وظفر بهم والإمام عدل قتلوا وتسبى نساؤهم ولا تعرض لمن يظن أنه مغلوب معهم كالشيخ الكبير والضعيف ولو ذهبوا لبلد الحرب وتركوا أولادهم نقضا للعهد لم يسبوا بخلاف إذا ذهبوا بهم وإلا أن يكون ذلك لظلم أصابهم إلا أن يعينوا علينا المشركين فهم كالمحاربين وقال أيضا إذا حاربوا والإمام عدل استحل سبيهم وذراريهم إلا من يظن به أنه مغلوب كالضعفاء
ولم يستثن أصبغ رحمه الله أحدا وألحق الضعفاء بالأقوياء في النقض كما أندرجوا معهم في العقد ولأنه صلى الله عليه وسلم سبى ذراري قريظة ونساءهم بعد نقض العهد قال ابن القاسم إذا استولى العدو على مدينة المسلمين فيها ذمة فغزوا معهم ثم اعتذروا لنا بالقهر الذي لا يعلم إلا بقولهم فمن قتل منهم مسلما قتل وإلا أطيل سجنه قال المازري رحمه الله وينتقض عهدهم إذا صاروا عينا للحربيين علينا فهذه المسائل توضح لك الأقسام الثلاثة في نقض العهد وما اختلف في كونه ناقضا وما لم يختلف فيه وما هو قريب من النقض وما هو بعيد وتحرر لك بذلك الفرق بين قاعدة ما يوجب النقض وقاعدة ما لا يوجب النقض فتعتبر ما يقع لك من غير المنصوص بالمنصوص
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الفروع بعضها أقرب من بعض للقاعدة في النقض فإكراه المرأة المسلمة على الزنا وجعله ناقضا دون الحرابة مشكل بل ينبغي أن يلحق بالحرابة فلا ينتقض أو تلحق الحرابة فيه فينتقض بطريق الأولى لعموم مفسدة الحرابة في النفوس والأبضاع والأموال وعدم اختصاص ذلك بواحد من الناس
ا ه فإذا علمت هذه الأقسام الثلاثة وتوضحت عندك مسائلها ظهر لك تحرير الفرق بين قاعدة ما يوجب النقض وقاعدة ما لا يوجبه فتعتبر ما يقع لك من غير المنصوص بالمنصوص والله سبحانه وتعالى أعلم

29
29
الفرق التاسع عشر والمائة بين قاعدة بر أهل الذمة وبين قاعدة التودد لهم
اعلم أن الله تعالى منع من التودد لأهل الذمة بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق الآية فمنع الموالاة والتودد وقال في الآية الأخرى لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم الآية وقال في حق الفريق الآخر إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين الآية
وقال صلى الله عليه وسلم استوصوا بأهل الذمة خيرا وقال في حديث آخر استوصوا بالقبط خيرا فلا بد من الجمع بين هذه النصوص وإن الإحسان لأهل الذمة مطلوب وأن التودد والموالاة منهي عنهما والبابان ملتبسان فيحتاجان إلى الفرق وسر الفرق أن عقد الذمة يوجب حقوقا علينا لهم لأنهم في جوارنا وفي خفارتنا وذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم ودين الإسلام فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة في عرض أحدهم أو نوع من أنواع الأذية أو أعان على ذلك فقد ضيع ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم وذمة دين الإسلام
وكذلك حكى ابن حزم في مراتب الإجماع له أن من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح ونموت دون ذلك صونا لمن
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الفرق التاسع عشر والمائة بين قاعدة بر أهل الذمة وبين قاعدة التودد لهم
من حيث إن برهم والإحسان إليهم مأمور به لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم الآية وقال صلى الله عليه وسلم استوصوا بأهل الذمة خيرا وقال في حديث آخر استوصوا بالقبط خيرا وودهم وتوليهم منهي عنه قال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق الآية
وقال عز من قائل إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين الآية حتى احتيج للجمع بين هذه النصوص بما هو من الفرق بين قاعدتي برهم والتودد لهم من أن عقد الذمة لما كان عقدا عظيما فيوجب علينا حقوقا لهم منها ما حكى ابن حزم في مراتب الإجماع ونجعلهم في جوارنا وفي حق ربنا وفي ذمة الله تعالى وذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذمة دين الإسلام ا ه
والذي إجماع الأمة عليه أن من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح ونموت دون ذلك صونا لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة ومنها أن من اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة في عرض أحدهم أو نوع من أنواع الأذية أو أعان على ذلك فقد ضيع ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم وذمة دين الإسلام تعين علينا أن نبرهم بكل أمر لا يؤدي إلى أحد الأمرين أحدهما ما يدل ظاهره على مودات القلوب وثانيهما ما يدل ظاهره على تعظيم شعائر الكفر وذلك كالرفق بضعيفهم وسد
30
30
هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة وحكى في ذلك إجماع الأمة فقد يؤدي إلى إتلاف النفوس والأموال صونا لمقتضاه عن الضياع إنه لعظيم وإذا كان عقد الذمة بهذه المثابة وتعين علينا أن نبرهم بكل أمر لا يكون ظاهره يدل على مودات القلوب ولا تعظيم شعائر الكفر فمتى أدى إلى أحد هذين امتنع وصار من قبل ما نهي عنه في الآية وغيرها ويتضح ذلك بالمثل فإخلاء المجالس لهم عند قدومهم علينا والقيام لهم حينئذ ونداؤهم بالأسماء العظيمة الموجبة لرفع شأن المنادى بها هذا كله حرام وكذلك إذا تلاقينا معهم في الطريق وأخلينا لهم واسعها ورحبها والسهل منها وتركنا أنفسنا في خسيسها وحزنها وضيقها كما جرت العادة أن يفعل ذلك المرء مع الرئيس والولد مع الوالد والحقير مع الشريف فإن هذا ممنوع لما فيه من تعظيم شعائر الكفر وتحقير شعائر الله تعالى وشعائر دينه واحتقار أهله
ومن ذلك تمكينهم من الولايات والتصرف في الأمور الموجبة لقهر من هي عليه أو ظهور العلو وسلطان المطالبة فذلك كله ممنوع وإن كان في غاية الرفق والأناة أيضا لأن الرفق والأناة في هذا الباب نوع من الرئاسة والسيادة وعلو المنزلة في المكارم فهي درجة رفيعة أوصلناهم إليها وعظمناهم بسببها ورفعنا قدرهم بإيثارها وذلك كله منهي عنه
وكذلك لا يكون المسلم عندهم خادما ولا أجيرا يؤمر عليه وينهى ولا يكون أحد منهم وكيلا في المحاكمات على المسلمين عند ولاة الأمور فإن
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
خلة فقيرهم وإطعام جائعهم وإكساء عاريهم ولين القول لهم على سبيل اللطف لهم والرحمة لا على سبيل الخوف والذلة واحتمال أذيتهم في الجوار مع القدرة على إزالته لطفا منا بهم لا خوفا وتعظيما والدعاء لهم بالهداية وأن يجعلوا من أهل السعادة ونصيحتهم في جميع أمورهم في دينهم ودنياهم وحفظ غيبتهم إذا تعرض أحد لأذيتهم وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم ومصالحهم وأن يعانوا على دفع الظلم عنهم وإيصالهم لجميع حقوقهم وكل خير يحسن من الأعلى مع الأسفل أن يفعله ومن العدو أن يفعله مع عدوه فإن ذلك من مكارم الأخلاق
إلا أنه ينبغي أن يكون لا على وجه التعظيم لهم وتحقير أنفسنا بذلك الصنيع لهم بل امتثالا منا لأمر ربنا عز وجل وأمر نبينا صلى الله عليه وسلم مع كوننا نستحضر في قلوبنا ما جبلوا عليه من بغضنا وتكذيب نبينا صلى الله عليه وسلم وأنهم لو قدروا علينا لاستأصلوا شأفتنا واستولوا على دمائنا وأموالنا وأنهم من أشد العصاة لربنا ومالكنا عز وجل ليمنعنا ذلك الاستحضار من الود الباطن لهم المحرم علينا خاصة لا لأن نظهر آثار تلك الأمور التي نستحضرها في قلوبنا من صفاتهم الذميمة لأن عقد العهد يمنعنا من ذلك كما هو محمل الآية الأولى والحديثين
أما برنا لهم بما يؤدي إلى أحد الأمرين المذكورين كإخلاء المجالس لهم عند قدومهم علينا والقيام لهم حينئذ وندائهم بالأسماء العظيمة الموجبة لرفع شأن المنادى بها وكإخلائنا لهم أوسع الطرق إذا تلاقينا معهم ورحبها والسهل منها وتركنا أنفسنا في خسيسها وحزنها وضيقها ونحو ذلك مما جرت العادة أن يفعله المرء مع الرئيس والولد مع الوالد والحقير مع الشريف وكتمكينهم من الولايات والتصرف في الأمور الموجبة لقهر من هي عليه أو ظهور العلو وسلطان المطالبة وإن كانوا في غاية الأناة والرفق لأن الرفق والأناة في هذا الباب نوع من الرئاسة والسيادة وعلو
31
31
ذلك أيضا إثبات لسلطانهم على ذلك المسلم
وأما ما أمر به من برهم ومن غير مودة باطنية فالرفق بضعيفهم وسد خلة فقيرهم وإطعام جائعهم وإكساء عاريهم ولين القول لهم على سبيل اللطف لهم والرحمة لا على سبيل الخوف والذلة واحتمال إذايتهم في الجوار مع القدرة على إزالته لطفا منا بهم لا خوفا وتعظيما والدعاء لهم بالهداية وأن يجعلوا من أهل السعادة ونصيحتهم في جميع أمورهم في دينهم ودنياهم وحفظ غيبتهم إذا تعرض أحد لأذيتهم وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم ومصالحهم وأن يعانوا على دفع الظلم عنهم وإيصالهم لجميع حقوقهم وكل خير يحسن من الأعلى مع الأسفل أن يفعله ومن العدو أن يفعله مع عدوه فإن ذلك من مكارم الأخلاق فجميع ما نفعله معهم من ذلك ينبغي أن يكون من هذا القبيل لا على وجه العزة والجلالة منا ولا على وجه التعظيم لهم وتحقير أنفسنا بذلك الصنيع لهم وينبغي لنا أن نستحضر في قلوبنا ما جبلوا عليه من بغضنا وتكذيب نبينا صلى الله عليه وسلم وأنهم لو قدروا علينا لاستأصلوا شأفتنا واستولوا على دمائنا وأموالنا وأنهم من أشد العصاة لربنا ومالكنا عز وجل ثم نعاملهم بعد ذلك بما تقدم ذكره امتثالا لأمر ربنا عز وجل وأمر نبينا صلى الله عليه وسلم لا محبة فيهم ولا تعظيما لهم ولا نظهر آثار تلك الأمور التي نستحضرها في قلوبنا من صفاتهم الذميمة لأن عقد العهد يمنعنا من ذلك فنستحضرها حتى يمنعنا من الود الباطن لهم والمحرم علينا خاصة ولما أتى الشيخ أبو
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
المنزلة من المكارم فهي درجة رفيعة أوصلناهم إليها وعظمناهم بسببها ورفعنا قدرهم بإيثارهم بها وكأن يكون المسلم خادما عندهم أو أجيرا يؤمر عليه وينهى أو يكون أحد منهم وكيلا في المحاكمات على المسلمين عند ولاة الأمور فإن ذلك أيضا إثبات لسلطانهم على ذلك المسلم فهذا كله حرام وهو محمل النهي في الآية الثانية والثالثة وغيرهما
فلذا لما أتى الشيخ أبو بكر الطرطوشي رحمه الله الخليفة بمصر ووجد عنده وزيرا راهبا قد سلم إليه قياده وأخذ يسمع رأيه وينفذ كلماته المسمومة في المسلمين وكان الشيخ ممن يسمع الخليفة قوله في مثل هذا دخل عليه في صورة المغضب والوزير الراهب جالس بإزائه وأنشده يا أيها الملك الذي جوده يطلبه القاصد والراغب إن الذي شرفت من أجله يزعم هذا أنه كاذب
فاشتد غضب الخليفة عند سماع الأبيات وأمر بالراهب فسحب وضرب وقتل وأقبل على الشيخ أبي بكر فأكرمه وعظمه بعد عزمه على إيذائه لكنه لما استحضر تكذيب الراهب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو سبب شرفه وشرف آبائه وأهل السماوات والأرضين بعثه ذلك على البعد عن السكون إليه والمودة له وأبعده عن منازل العز إلى ما يليق به من الذل والصغار ويروى عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول في أهل الذمة أهينوهم ولا تظلموهم وكتب إليه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أن رجلا نصرانيا بالبصرة لا يحسن ضبط خراجها إلا هو وقصد ولايته على جباية الخراج لضرورة تعذر غيره فكتب إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينهاه عن ذلك وقال له في الكتاب مات النصراني والسلام قال صاحب الكشاف يعني هب أنه قد مات فما كنت صانعا فأصنعه الساعة واستغن عنه واصرف ا ه
قيل يفيد أن قول عمر رضي الله عنه مات
32
32
الوليد الطرطوشي رحمه الله الخليفة بمصر وجد عنده وزيرا راهبا وسلم إليه قياده وأخذ يسمع رأيه وينفذ كلماته المسمومة في المسلمين
وكان هو ممن يسمع قوله فيه فلما دخل عليه في صورة المغضب والوزير الراهب بإزائه جالس أنشده يا أيها الملك الذي جوده يطلبه القاصد والراغب إن الذي شرفت من أجله يزعم هذا أنه كاذب فاشتد غضب الخليفة عند سماع الأبيات وأمر بالراهب فسحب وضرب وقتل وأقبل على الشيخ أبي الوليد فأكرمه وعظمه بعد عزمه على إيذائه فلما استحضر الخليفة تكذيب الراهب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سبب شرفه وشرف آبائه وأهل السموات والأرضين بعثه ذلك على البعد عن السكون إليه والمودة له وأبعده عن منازل العز إلى ما يليق به من الذل والصغار ويروى عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول في أهل الذمة أهينوهم ولا تظلموهم وكتب إليه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أن رجلا نصرانيا بالبصرة لا يحسن ضبط خراجها إلا هو وقصد ولايته على جباية الخراج لضرورة تعذر غيره فكتب إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينهاه عن ذلك وقال له في الكتاب مات النصراني والسلام أي افرضه مات ماذا كنت تصنع حينئذ فاصنعه الآن وبالجملة فبرهم والإحسان إليهم مأمور به وودهم وتوليهم منهي عنه فهما قاعدتان
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
خبر استعمل في إنشاء فيكون من المجاز المركب وقال الشهاب الخفاجي يفيد إن في قوله رضي الله عنه مات استعارة في الفعل غير ما عرف فيها بتشبيه الحدث المفروض في الماضي بالحدث المحقق فيه فاتحدا حدثا وزمانا ونسبة واختلفا تحققا وتقديرا فاستعير الحدث المحقق للحدث المفروض واشتق منه مات بمعنى فرض موته أو فسرى التشبيه لما في ضمني الفعلين واستعير الفعل الدال على الحدث المحقق للمفروض وفائدة ذلك أن يترتب على أحدهما ما يرتب على الآخر فيعزل الكاتب المفروض موته ويستغني عنه كما يفعل فيمن تحقق موته وهذا من قضايا عمر العجيبة كما في بيانه الصبان والأنبابي عليها قال الأنبابي وهذا صريح في أن استعمال الألفاظ في معانيها الفرضية مجازي وهو إنما يظهر على القول بأن مدلولات الألفاظ الأمور الخارجية إما على القول بأن مدلولها الأمور الذهنية فلا يظهر إلا إن قلنا إن مراده أن استعمال مات في الموت الفرضي مجاز بالاستعارة من جهة أنه لم يستعمل فيه من حيث إنه موضوع له بل من حيث ملاحظة علاقة بينه وبين الموت المحقق ليرتب على الأول ما يرتب على الثاني فلا ينافي أنه لو استعمل في الموت الفرضي من حيث إنه موضوع له لتحقق الماهية الذهنية فيه فيكون استعمالا حقيقيا نظير ما قاله حفيد السعد في استعمال المشترك اللفظي في أحد معانيه وإن كان ما هنا من قبيل المشترك المعنوي لوضعه للحقيقة الذهنية المتحققة في الأفراد الحاصلة بالفعل في الخارج وفي الأفراد الفرضية ا ه بتصرف
قلت وعلى القول بأن مدلول الألفاظ الأمور الذهنية لا يظهر كونه في الموت الفرضي مجازا بالاستعارة نظير ما لحفيد السعد في المشترك اللفظي إلا على القول بأن المشترك المعنوي في أفراده حقيقة مطلقا أما على ما قال ابن الهمام إنه مذهب الأصوليين الذي لا يعرفون خلافه من أن المشترك المعنوي في أفراده من حيث خصوصها
33
33
إحداهما محرمة والأخرى مأمور بها وقد أوضحت لك الفرق بينهما بالبيان والمثل فتأمل ذلك
الفرق العشرون والمائة بين قاعدة تخيير المكلفين في الكفارة وبين قاعدة تخيير الأئمة في الأسارى والتعزير وحد المحارب ونحو ذلك
اعلم أن إطلاق الفقهاء رحمهم الله تعالى شائع في كتبهم بأن الأسارى أمرهم موكول إلى خيرة الإمام وتولية القضاء موكول إلى خيرة الإمام وليس ذلك كقولهم تعيين خصلة في كفارة اليمين موكول إلى خيرة الحانث وليس كذلك بل هما قاعدتان متباينتان فالتخيير في الكفارة في خصالها معناه أن له أن ينتقل عن أي خصلة شاء إلى الخصلة الأخرى بشهوته وما يجده يميل إليه طبعه أو ما هو أسهل عليه فإن الله تعالى ما خيره بينها إلا لطفا به وليفعل ذلك ولو شاء لحتم عليه خصوص كل خصلة كما فعله في خصال الظهار المرتبة بل له الخيرة بهواه بين الخصوصيات لأنها متعلق الوجوب ولا تخيير فيه فلا جرم ليس له العدول عنه بهواه وشهوته بل يتحتم عليه فعله
وأما الخصوصيات فله ذلك فيها فهذا هو معنى التخيير بين خصال الكفارة في حق الحانث وأما التخيير بين الخصال الخمس في حق الأسارى عند مالك رحمه الله ومن وافقه وهي القتل والاسترقاق والمن والفداء
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
مجاز ومن حيث كونها أفراد حقيقة فلا يظهر إلا أن كونه في الموت الفرضي مجاز مرسل علاقته الإطلاق فتأمل بإنصاف هذا وبالجملة فبر الكفار والإحسان إليهم مأمور به وودهم وتوليهم منهي عنه فهما قاعدتان إحداهما محرمة والأخرى مأمور بها وقد اتضح لك الفرق بينهما بالبيان والمثل والله أعلم
الفرق العشرون والمائة بين قاعدة تخيير المكلفين في الكفارة وبين قاعدة تخيير الأئمة في الأسارى والتعزير وحد المحارب ونحو ذلك
اعلم رحمك الله تعالى أن التخيير في الشريعة يطلق على ثلاثة أقسام الأول تخيير بين شيئين يتصفان بالوجوب من جهة خصوصهما وعمومهما معا وهذا هو الغالب في تخيير الأئمة وله مثل منها تخيير الإمام بين الخصال الخمس في حق الأسارى عند مالك رحمه الله ومن وافقه وهي القتل والاسترقاق والمن والفداء والجزية فإن كل واحد يفعله منها يقع واجبا بخصوصه وهو كونه قتلا أو فداء مثلا وبعمومه من جهة أنه أحد الخصال الخمسة وذلك أن الإمام ليس له فعل أحدها بهواه بل يجب عليه بذل الجهد فيما هو أصلح للمسلمين فإذا فكر واستوعب فكره في وجوه المصالح ووجد بعد ذلك مصلحة هي أرجح للمسلمين وجب عليه فعلها فمن كان من الأسارى شديد الدهاء كثير التأليب على المسلمين برأيه ودهائه فالواجب على الإمام فيه القتل إذا ظهر له ذلك منه في اجتهاده بالسؤال عن أخباره وأحواله وما يتصل به من سيرته ومن كان منهم ليس من هذا القبيل بل هو مأمون الغائلة فإن ظهر له منه أنه بإطلاقه تتألف طائفة كثيرة على الإسلام أو يحصل إطلاق خلق كثير من أسارى المسلمين
34
34
والجزية فهذه الخصال الخمس ليس له فعل أحدها بهواه ولا لأنها أخف عليه وإنما يجب عليه بذل الجهد فيما هو أصلح للمسلمين فإذا فكر واستوعب فكره في وجوه المصالح ووجد بعد ذلك مصلحة هي أرجح للمسلمين وجب عليه فعلها وتحتمت عليه ويأثم بتركها فهو لا يوجد في حقه الإباحة والتخيير المقرر في خصال كفارة الحنث أبدا لا قبل الاجتهاد ولا بعد الاجتهاد أما قبل الاجتهاد فالواجب عليه الاجتهاد وبذل الجهد في وجوه المصالح ولا تخيير هاهنا في هذا المقام ولا إباحة بل الوجوب الصرف
وأما بعد الاجتهاد فيجب عليه العمل بالراجح من المصالح ولا خيرة له فيه ومتى تركه أثم فالوجوب قبل والوجوب بعد والوجوب حالة الفكرة فلا تخيير ألبتة وإنما هو وجوب صرف في جميع الأحوال وتسمية الفقهاء رحمهم الله ذلك خيرة إنما يريدون به أنه لا يتحتم عليه قبل الفكر فعل خصلة من هذه الخصال الخمس بل يجتهد حتى يتحصل له الأصلح فيفعله حينئذ بخلاف رد الغصوب وإقامة الحدود فإنها تتحتم عليه ابتداء من غير أن يجعل له في ذلك اجتهاد ولا خيرة له بهذا التفسير فهذا هو وجه تسمية الفقهاء ذلك خيرة وإن هذه الخصال موكولة إلى اجتهاد الإمام وخيرته ووجه ما يعتمده في الأسارى أن من كان منهم شديد الدهاء كثير التأليب على المسلمين برأيه ودهائه فالواجب على الإمام فيه القتل إذا ظهر له ذلك منه في اجتهاده بالسؤال عن أخباره وأحواله وما يتصل به من
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
كان الواجب على الإمام فيه المن وإن ظهر له منه أنه لا يرتجى من إطلاقه ذلك والإمام محتاج للمال لمصالح الغزو وغيره وجب عليه الفداء بالمال أو المسلمون محتاجون إلى من يخدمهم وجب عليه استرقاقهم
وإن رأى انتفاء هذه الوجوه كلها ولم يجد في اجتهاده شيئا من ذلك مصلحة بل رأى المصلحة في ضرب الجزية لما يتوقع من إسلامهم وأنهم قريبون من الإسلام إذا اطلعوا على محاسن الإسلام وشعائره بمخالطة أهله وجب عليه حينئذ ضرب الجزية عليهم ولا يجوز له العدول عنها إلى غيرها فهو في جميع هذه الوجوه إنما يفعل ما يجب عليه من غير إباحة ولا خيرة في ذلك لا قبل الاجتهاد ولا بعده ولا حالة الاجتهاد فهو أبدا ينتقل من واجب إلى واجب ولا ينفك عنه فقبل الاجتهاد يجب عليه الاجتهاد وبذل الجهد في وجوه المصالح وحالة الاجتهاد هو ساع في أداء الواجب ففعله حينئذ واجب وبعد الاجتهاد يجب عليه فعل ما أدى إليه اجتهاده فلا تخيير ألبتة وإنما هو وجوب صرف في جميع الأحوال وتسمية الفقهاء رحمهم الله تعالى ذلك خيرة إنما هو على سبيل المجاز يريدون به أنه لا يتحتم عليه قبل الفكر قبل خصلة من هذه الخصال الخمس بل يجتهد حتى يتحصل له الأصلح فيفعله حينئذ ومنها تخيير الإمام في حد المحاربين بين الخصال الأربع وهي القتل والصلب والقطع من خلاف والنفي فيجب عليه بذل الجهد فيما هو الأصلح للمسلمين فإذا تعين له الأصلح وجب عليه
ولا يجوز له العدول عنه إلى غيره فإن كان المحارب صاحب رأي وجب عليه قتله وإن ظهر له في اجتهاده أنه لا رأي له بل له قوة وبطش قطعه من خلاف لتزول مفسدته عن المسلمين بذلك وإن عرف من حاله العفاف وأنه إنما وقع ذلك منه على وجه الفلتة والموافقة لغيره مع توقع الندم منه وجب عليه نفيه ولا يجوز له قتله ولا قطعه فهو أبدا ينتقل من واجب إلى واجب
35
35
سيرته وإن كان الأسير قد ظهر له منه أنه ليس من هذا القبيل بل هو مأمون الغائلة وتتألف بإطلاقه طائفة كثيرة على الإسلام أو إطلاق خلق كثير من أسارى المسلمين إذا من عليه قوبل على ذلك بمثله ونحو ذلك من المصالح التي تعرض في النظر والفكر المستقيم بعد بذل الجهد فإنه يمن عليه حينئذ من غير شيء وإن كان لا يرتجى منه ذلك والإمام محتاج للمال لمصالح الغزو وغيره فإنه يفديه بالمال
وإن رأى المسلمين محتاجين إلى من يخدمهم واسترقهم إن انتفت هذه الوجوه كلها ولم يجد في اجتهاده شيئا من ذلك مصلحة ورأى أن ضرب الجزية مصلحة لما يتوقع من إسلامهم وأنهم قريبون من الإسلام إذا اطلعوا على محاسن الإسلام بمخالطة أهله ورؤيتهم لشعائره فحينئذ يجب عليه ضرب الجزية عليهم ولا يجوز له العدول عنها إلى غيرها فهو في جميع الوجوه إنما يفعل ما يجب عليه من غير إباحة ولا خيرة في ذلك بهذا التفسير وكذلك تخييره في حد الحرابة معناه أنه يجب عليه بذل الجهد فيما هو الأصلح للمسلمين فإذا تعين له الأصلح وجب عليه ولا يجوز له العدول عنه إلى غيره فإن كان المحارب صاحب رأي وجب عليه قتله
وإن ظهر له في اجتهاده أنه لا رأي له بل له قوة وبطش قطعه من خلاف فتزول مفسدته عن المسلمين بذلك
وإن كان يعرف من حاله العفاف وإنما وقع ذلك منه على وجه الفلتة والموافقة لغيره مع توقع الندم منه على ذلك فهذا يجب نفيه ولا يجوز له قتله ولا قطعه
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
فلا ينفك فعله عن الوجوب في جميع أحواله وإنما تخييره مفسر بأنه لم يتحتم عليه ذلك ابتداء وله النظر وفعل ما ظهر رجحانه بعد الاجتهاد نظير ما تقدم بخلاف ما عينه الله تعالى وحتمه ولم يجعل لأحد فيه اجتهادا من الحدود وغيرها كالصلاة وصوم رمضان وأخذ الزكاة وتعيين مصرفها في الوجوه الثمانية ورجم الزاني وقطع السارق وأن لا يحد في الزنا إلا بأربعة وفي الأموال والدماء بشاهدين وغير ذلك ومنها قولهم إن تفرقة أموال بيت المال موكولة إلى خيرته فإنه يجب عليه أن ينظر في مصالح الصرف ويجب عليه تقديم أهمها فأهمها ويحرم عليه العدول عن ذلك ولا خيرة له إلا بمعنى أنه لا يتحتم عليه ذلك ابتداء بل له النظر في المصلحة الراجحة والخالصة وفعل ما ظهر رجحانه بعد الاجتهاد وليس له أن يتصرف في أموال بيت المال بهواه وشهوته ومنها غير ذلك مما هو أكثر تصرفات الأئمة القسم الثاني تخيير بين شيئين لا يتصفان بالوجوب لا من جهة خصوصهما ولا عمومهما كالتخيير بين المباحات من المطاعم والملابس ونحوهما مثلا التمر والزبيب يخير بينهما وكل منهما ليس بواجب لا بخصوصه من جهة أنه تمر أو زبيب ولا بعمومه من جهة أنه أحد المتناولات والتخيير في هذا صرف حقيقة بخلافه في الأول فمجاز كما علمت
القسم الثالث
تخيير بين شيئين يتصفان بالوجوب من جهة عمومهما لا من جهة خصوصهما وهذا نوعان الأول تخيير المكلفين في خصوص أنواع المطلق الواجب عليهم وله مثل منها التخيير بين خصال كفارة اليمين في حق الحانث فإن له أن ينتقل من أي خصلة شاء إلى الخصلة الأخرى بشهوته مما يميل طبعه
36
36
بل يفعل ما هو الأصلح للمسلمين فهو أبدا ينتقل من واجب إلى واجب والوجوب دائما عليه في جميع أحواله قبل الاجتهاد يجب عليه الاجتهاد وحالة الاجتهاد هو ساع في أداء الواجب ففعله حينئذ واجب وبعد الاجتهاد يجب عليه فعل ما أدى إليه اجتهاده فلا ينفك عن الوجوب أبدا وذلك هو ضد التخيير والإباحة وإنما خيرته مفسرة بما تقدم من أنه لم يتحتم عليه ذلك ابتداء وله النظر وفعل ما ظهر رجحانه بعد الاجتهاد بخلاف الحدود وغيرها مما عينه الله تعالى ولم يجعل لأحد فيه اجتهادا كالصلاة وصوم رمضان وأخذ الزكاة وتعيين مصرفها في الوجوه الثمانية ورجم الزاني وقطع السارق وأن لا يحد في الزنا إلا بأربعة وفي الأموال والدماء بشاهدين وغير ذلك من المتحتمات فهذا معنى التخيير في هذه الأمور وكذلك قولهم إن تفرقة أموال بيت المال موكولة إلى خيرته معناه أنه يجب عليه أن ينظر في مصالح الصرف يجب عليه تقديم أهمها فأهمها ويحرم عليه العدول عن ذلك ولا خيرة له في ذلك وليس له أن يتصرف في أموال بيت المال بهواه وشهوته بل بحسب المصلحة الراجحة والخالصة بخلاف تخيير المكلف بين خصال الكفارة كما تقدم وتخييره في إخراج شاة من أربعين أو دينار من أربعين فله أن يعين شاة بشهوته وكذلك دينار من الأربعين بهواه وله أن يعين مقدارا من مياه الدنيا للوضوء ولم يتحتم عليه ماء دون ماء وكذلك خيرته في ثياب السترة للصلاة فإذا اجتمعت ثياب فله تعيين
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
إليه أو ما هو أسهل عليه فإن كل خصلة كالعتق وإن كانت واجبة من جهة عمومها وأنها أحد الخصال إلا أنها ليست بواجبة من جهة خصوصها وأنها خصوص العتق فإن الله تعالى ما خير الحانث بين خصال الكفارة إلا لطفا به وليفعل ذلك ولو شاء لحتم عليه خصوص كل خصلة كما حتم خصوص كل خصلة في خصال الظهار المرتبة لكنه لم يحتم عليه هنا إلا واحدا مبهما من الخصال وخيره في خصوصها ومنها التخيير في إخراج شاة من أربعين أو دينار من أربعين فإن له أن يعين بهواه وشهوته شاة أو دينارا من الأربعين ومنها التخيير في مياه الدنيا للوضوء وفي ثياب السترة للصلاة فله أن يعين بهواه وشهوته مقدارا من مياه الدنيا ولا يتحتم عليه ماء دون ماء وأن يعين واحدا من الثياب المجتمعة عنده ولا يتحتم عليه ثوب بخصوصه دون ثوب ومنها التخيير في أي بقعة من بقاع الدنيا يصلي فيها الصلوات الخمس ويصوم فيها رمضان فله أن يعين بقعة منها إذا استوت بهواه وشهوته والنوع الثاني أمور قليلة جدا من تخيير الأئمة في أنواع المطلق الواجب إذا استوت وله مثل منها قول الفقهاء رحمهم الله إن الإمام مخير بين أربع حقائق وخمس بنات لبون يأخذ أيها شاء من صاحب الماشية إذا وجد إبله مائتين فإن في كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون وقد وجد الأمران فإن المائتين أربع خمسينات وخمس أربعينات فيخير هاهنا إذا استوى الأمران أما إذا كان أحدهما أرجح للفقراء فمقتضى القاعدة أنه يجب عليه ما هو الأرجح لقوله صلى الله عليه وسلم من ولي من أمر أمتي شيئا فلم يجتهد لهم ولم ينصح فالجنة عليه حرام فهذا الحديث يقتضي وجوب الأرجح للفقراء ومنها بيع مال اليتيم من أحد مشتريين مستويين أو تزويج اليتيمة من كفوين مستويين أو تولية القضاء لأحد مستويين ونحوهما فإن الأئمة في هذه
37
37
واحد منها لسترته بهواه وشهوته
وكذلك خير الله تعالى في بقعة من بقاع الدنيا يصلي فيها الصلوات الخمس فله أن يعين بقعة منها إذا استوت بهواه وشهوته وكذلك خير الله تعالى في صوم رمضان في أي بقعة شاء من ولده فله أن يصوم في أي دار شاء من ذلك البلد بهواه وهذا جميعه تخيير صرف حقيقة لا مجازا بخلاف تخيير الأئمة في جميع ما تقدم وأكثر تصرفات الأئمة كما تقدم تحريره في الأسارى وغيرهم غير أمور قليلة جدا أطلق فيها التخيير ومرادهم التخيير على بابه كما هو في حق المكلف ومن ذلك قول الفقهاء رحمهم الله تعالى إنه مخير في أربع حقائق وخمس بنات لبون يأخذ أيها شاء من صاحب الماشية إذا وجد إبله مائتين فإن في كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون وقد وجد الأمران فإن المائتين أربع خمسينات وخمس أربعينات فيخير هاهنا إذا استوى الأمران فإن كان أحدهما أرجح للفقراء فمقتضى القاعدة أنه يجب عليه ما هو الأرجح لقوله صلى الله عليه وسلم من ولي من أمر أمتي شيئا فلم يجتهد لهم ولم ينصح فالجنة عليه حرام فظاهر هذا الحديث يقتضي وجوب الأرجح للفقراء وكذلك بيع مال اليتيم من أحد مشتريين مستويين أو تزويج اليتيمة من كفوين مستويين أو تولية القضاء لأحد رجلين مستويين ونحو هذا فإن الأئمة في هذه الصور مساوون لغيرهم من المكلفين في الخيرة المختصة ولا وجوب هاهنا ألبتة بل لهم الترجيح بمجرد إرادتهم من غير ضميمة إليها كالمكلف في إخراج شاة من أربعين سواء بسواء وإطلاق الخيرة في هذه الصور حقيقة وفي تلك الصور فهي وجوب محض بل بمعنى عدم التحتم ابتداء وكون الاجتهاد له مدخل في ذلك القسم المحتم بخلاف غيره من التخييرات فظهر الفرق بين قاعدة تخيير الأئمة وقاعدة تخيير آحاد المكلفين وأن الثاني خيرة حقيقة والأول أكثره مجاز ووجوب صرف كما تقدم مفصلا ممثلا
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الصور مساوون لغيرهم من المكلفين في الخيرة المختصة ولا وجوب هاهنا ألبتة بل لهم الترجيح بمجرد إرادتهم من غير ضميمة إليها كالمكلف في إخراج شاة من أربعين سواء بسواء والتخيير في هذا القسم بنوعيه صرف حقيقة لا مجاز كهو في القسم الثاني بخلافه في القسم الأول فإنه مجاز لا حقيقة بل هو وجوب محض أطلق عليه التخيير بمعنى عدم التحتم ابتداء وكون الاجتهاد له مدخل في ذلك القسم المحتم فظهر الفرق بين قاعدة تخيير الأئمة وقاعدة تخيير آحاد المكلفين وأن الثاني خيرة حقيقة والأول أكثره مجاز ووجوب صرف كما علمته مفصلا ممثلا وبقي من أقسام التخيير
قسم رابع وهو التخيير بين شيئين يتصفان بالوجوب من جهة الخصوص دون العموم لكن هذا محال شرعا وعقلا بخلاف الثالث بناء على أن الخصوص يتوقف على العموم وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب بخلاف العكس فإن العموم لا يتوقف على الخصوص وهو الفرق بينهما فتأمل هذه المباحث والفروق فإنها كلها واقعة في الشريعة وقوعا كثيرا والله سبحانه وتعالى أعلم

38
38
فائدة
يطلق التخيير في الشريعة على ثلاثة أقسام مختلفة فيطلق التخير بين الشيئين وكل واحد منهما واجب بخصوصه وعمومه كما تقدم في تخيير الأئمة في الأسارى وغيرهم فإن كل شيء فعلوه من ذلك يقع واجبا بخصوصه وهو كونه قتلا أو فداء مثلا وبعمومه من جهة أنه أحد الخصال الخمسة ويكون التخيير بين الشيئين وكل واحد منهما غير واجب بخصوصه ولا بعمومه كالتخيير بين المباحات من المطاعم والملابس ونحوهما فالتخيير بين التمر والزبيب مثلا فالتمر ليس بواجب لا بخصوصه من جهة أنه تمر ولا بعمومه من جهة أنه أحد المتناولات ويكون التخيير بين الشيئين وكلاهما واجب من جهة عمومه دون خصوصه كالتخيير في كفارة الحنث فإن العتق مثلا واجب من جهة أنه أحد الخصال وغير واجب من جهة أنه عتق وكذلك القول في الخصلتين الأخريين من الكسوة والإطعام فقد ظهر لك أن المخير بينهما قد يتصفان بالوجوب من جهة خصوصهما وعمومهما وقد لا يتصفان به لا من جهة خصوصهما ولا عمومهما وقد يتصفان به من جهة عمومها دون خصوصهما وأما الاتصاف بالوجوب من جهة الخصوص دون العموم فمحال شرعا وعقلا بناء على أن الخصوص يتوقف على العموم وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب بخلاف العكس فإن العموم لا يتوقف على الخصوص وهو الفرق بينهما فتأمل هذه المباحث والفروق فإنها كلها واقعة في الشريعة وقوعا كثيرا والله أعلم
الفرق الحادي والعشرون والمائة بين قاعدة من ملك أن يملك هل يعد مالكا أم لا وبين قاعدة من انعقد له سبب المطالبة بالملك هل يعد مالكا أم لا اعلم أن جماعة من مشايخ المذهب رضي الله عنهم أطلقوا عبارتهم بقولهم من ملك
هامش أنوار البروق
قال الفرق الحادي والعشرون والمائة بين قاعدة من ملك أن يملك هل يعد مالكا أم لا وبين قاعدة من انعقد له سبب المطالبة بالملك هل يعد مالكا أم لا قلت ما نسبه إلى مشايخ من أهل المذهب واعتقده فيهم من أنهم أرادوا مقتضى عبارتهم المطلقة ليس بصحيح وما اختاره من عدم إرادة مقتضى الإطلاق هو الصحيح والظن بهم أنهم إنما أرادوا ذلك والله تعالى أعلم وما قاله في الفرقين بعد هذا صحيح
هامش إدرار الشروق
الفرق الحادي والعشرون والمائة بين قاعدة من ملك أن يملك هل يعد مالكا أم لا وبين قاعدة من انعقد له سبب المطالبة بالملك هل يعد مالكا أم لا القاعدة الأولى وإن أطلقها جماعة من مشايخ المذهب رضي الله عنهم بقولهم من ملك أن يملك هل يعد مالكا أم لا قولان وخرجوا عليها فروعا كثيرة في المذهب

39
39
أن يملك هل يعد مالكا أم لا قولان ويخرجون على ذلك فروعا كثيرة في المذهب منها إذا وهب له الماء في التيمم هل يبطل تيممه بناء على أنه يعد مالكا أم لا يبطل بناء على أنه لا يعد مالكا ومن عنده ثمن رقبة هل يجوز له الانتقال للصوم في كفارة الظهار أم لا قولان مبنيان على أن من ملك أن يملك هل يعد مالكا أم لا ومن قدر على المداواة في السلس أو التزويج هل يجب عليه الوضوء أم لا قولان بناء على أن من ملك أن يملك هل يعد مالكا أم لا وكثير من هذه الفروع زعموا أنها مخرجة على هذه القاعدة وليس الأمر كذلك بل هذه القاعدة باطلة وتلك الفروع لها مدارك غير ما ذكروه
وبيان بطلانها أن الإنسان يملك أن يملك أربعين شاة فهل يتخيل أحد أنه يعد مالكا الآن قبل شرائها حتى تجب الزكاة عليه على أحد القولين
وإذا كان الآن قادرا على أن يتزوج فهل يجري في وجوب الصداق والنفقة عليه قولان قبل أن يخطب المرأة لأنه ملك أن يملك عصمتها والإنسان مالك أن يملك خادما أو دابة فهل يقول أحد إنه يعد الآن مالكا لهما فيجب عليه كلفتهما ومئونتهما على قول من الأقوال الشاذة أو الجادة بل هذا لا يتخيله من عنده أدنى مسكة من العقل والفقه وكذلك الإنسان يملك أن يشتري أقاربه فهل يعده أحد من الفقهاء مالكا لقريبه فيعتقه عليه قبل شرائه على أحد القولين في هذه القاعدة على زعم من اعتقدها بل هذا كله باطل
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
منها إذا وهب له الماء في التيمم هل يبطل تيممه بناء على أنه يعد مالكا أم لا يبطل بناء على أنه لا يعد مالكا ومنها من عنده ثمن رقبة هل يجوز له الانتقال للصوم في كفارة الظهار بناء على أنه لا يعد مالكا أم لا يجوز له بناء على أنه يعد مالكا ومنها من قدر على المداواة في السلس أو التزويج هل يجب عليه الوضوء بناء على أنه يعد مالكا أم لا يجب عليه الوضوء بناء على أنه لا يعد مالكا إلا أنها باطلة إذ لا يمكن جعل مجرد الإمكان والقبول للملك بدون أن يشتمل على موجب الاعتبار قاعدة شرعية ألا ترى أن أحدا لا يتخيل أن الإنسان إذا كان قادرا على أن يملك أربعين شاة هل يعد قبل شرائها مالكا لها فتجب الزكاة عليه على القولين أو قادرا على أن يتزوج هل يعد قبل أن يخطب المرأة مالكا عصمتها أم لا فيجب عليه الصداق والنفقة أم لا على القولين أو قادرا على أن يملك خادما أو دابة هل يعد قبل شرائهما مالكا لهما أم لا فيجب عليه كلفتهما ومؤنتها أم لا على القولين أو قادرا على أن يشتري أقاربه هل يعده أحد من الفقهاء مالكا لقريبه فيعتقه عليه قبل شرائه على أحد القولين في هذه القاعدة على زعم من اعتقدها بل هذا كله باطل بالضرورة لا يتخيله من عنده أدنى مسكة من العقل والفقه والظن بالمشايخ من أهل المذهب أنهم لم يريدوا مقتضى عبارتهم المطلقة وأن من ملك أن يملك مطلقا من غير جريان سبب يقتضي مطالبته بالتمليك ولا غير ذلك من القيود لأن جعل هذه القاعدة شرعية ظاهر البطلان لضعف المناسبة جدا أو لعدمها ألبتة وإنما أرادوا أن من ملك أن يملك مع جريان سبب يقتضي مطالبته بالتمليك أي من انعقد له سبب المطالبة بالملك فيرجع بذلك إلى القاعدة الثانية حتى يكون مناسبا لأن يعد مالكا من حيث الجملة تنزيلا لسبب السبب منزلة السبب وإقامة للسبب البعيد مقام السبب القريب فيمكن أن يتخيل وقوعه قاعدة
40
40
بالضرورة ونظائر هذه الفروع كثيرة لا تعد ولا تحصى ولا يمكن أن نجعل هذه من قواعد الشريعة ألبتة بل القاعدة التي يمكن أن تجعل قاعدة شرعية ويجري فيها الخلاف في بعض فروعها لا في كلها أن من جرى له سبب يقتضي المطالبة بالتمليك هل يعطى حكم من ملك وملك قد يختلف في هذا الأصل في بعض الفروع ولذلك مسائل المسألة الأولى إذا حيزت الغنيمة فقد انعقد للمجاهدين سبب المطالبة بالقسمة والتمليك فهل يعدون مالكين لذلك أم لا قولان فقيل يملكون بالحوز والأخذ وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه وقيل لا يملكون إلا بالقسمة وهو مذهب مالك رحمه الله المسألة الثانية العامل في القراض وجد في حقه سبب يقتضي المطالبة بالقيمة وإعطاء نصيبه من الربح فهل يعد مالكا بالظهور أو لا يملك إلا بالقسمة وهو المشهور قولان في المذهب المسألة الثالثة العامل في المساقاة وجد في حقه من العمل ما يقتضي المطالبة بالقسمة وتمليك نصيبه من الثمن فهل لا يملك إلا بالقسمة أو يملك بالظهور
وهو المشهور على عكس القراض قولان في المذهب
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
من الشريعة على أن في تمشية القاعدة الثانية مع ما فيها من القوة عسرا من جهة قولنا جرى له سبب التمليك لأجل كثرة النقوض عليها فلذا لم يختلف قول مالك وغيره رحمهم الله تعالى إلا في بعض فروعها كما يتضح لك ذلك بمسائل
المسألة الأولى
إذا حيزت الغنيمة وانعقد للمجاهدين سبب المطالبة بالقسمة والتمليك فقيل يملكون بمجرد الحوز والأخذ وهو مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه وقيل لا يملكون إلا بالقسمة وهو مذهب مالك رحمه الله تعالى المسألة الثانية إذا وجد الظهور بالعمل في حق عامل القراض وانعقد له سبب المطالبة بالقسمة وإعطاء نصيبه من الربح فهل يعد مالكا بمجرد الظهور أم لا يملك إلا بالقسمة قولان في المذهب والمشهور الثاني المسألة الثالثة إذا وجد ظهور عامل المساقاة بالعمل وانعقد له سبب المطالبة بالقسمة وتمليك نصيبه من الثمن فهل يعد مالكا بمجرد الظهور أو لا يملك إلا بالقسمة قولان في المذهب المشهور الأول على عكس القراض المسألة الرابعة قال الأصل لم أر خلافا في أن الشريك إذا باع شريكه شقصه على الغير وتحقق له ما يقتضي سبب المطالبة بأن يملك الشقص المبيع بالشفعة لا يكون مالكا إلا بأخذه بالشفعة بالفعل المسألة الخامسة من له من المسلمين سبب يقتضي أن يملك به من بيت المال بأن يتصف بصفة من الصفات الموجبة للاستحقاق منه كالفقر والجهاد والقضاء والفتيا والقسمة بين الناس أملاكهم وغير ذلك مما
41
41
المسألة الرابعة الشريك في الشفعة إذا باع شريكه تحقق له سبب يقتضي المطالبة بأن يملك الشقص المبيع بالشفعة
ولم أر خلافا في أنه غير مالك المسألة الخامسة الفقير وغيره من المسلمين له سبب يقتضي أن يملك من بيت المال ما يستحقه بصفة فقره أو غير ذلك من الصفات الموجبة للاستحقاق كالجهاد والقضاء والفتيا والقسمة بين الناس أملاكهم وغير ذلك مما شأن الإنسان أن يعطى لأجله فإذا سرق هل يعد كالمالك فلا يجب عليه الحد لوجود سبب المطالبة بالتمليك أو يجب عليه القطع لأنه لا يعد مالكا وهو المشهور قولان فهذه القاعدة على ما فيها من القوة من جهة قولنا جرى له سبب التمليك في تمشيتها عسر لأجل كثرة النقوض عليها أما هذا المفهوم وهو قولنا من ملك أن يملك مطلقا من غير جريان سبب يقتضي مطالبته بالتمليك ولا غير ذلك من القيود فهذا جعله قاعدة شرعية ظاهر البطلان لضعف المناسبة جدا أو لعدمها ألبتة
أما إذا قلنا انعقد له سبب يقتضي المطالبة بالتمليك فهو مناسب لأن يعد مالكا من حيث الجملة تنزيلا لسبب السبب منزلة السبب وإقامة للسبب البعيد مقام السبب القريب فهذا يمكن أن يتخيل وقوعه قاعدة في الشريعة أما مجرد ما ذكروه فليس فيه إلا مجرد الإمكان والقبول للملك وذلك في غاية البعد عن المناسبة فلا يمكن جعله قاعدة وتتخرج تلك الفروع بغير هذه القاعدة ففي الثوب للسترة يلاحظ فيها قوة المالية فلا يلزمه أو أنه أعانه على دين الله عز وجل ليس من باب تحصيل الأموال فيلزمه ويكافئ عنه إن شاء
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
شأن الإنسان أن يعطى لأجله فإذا سرق هل يعد كالمالك فلا يجب عليه الحد لوجود سبب المطالبة بالتمليك أو يجب عليه القطع لأنه لا يعد مالكا وهو المشهور قولان
وأما الفروع المخرجة على القاعدة الأولى فلها مدارك غير ذلك التخريج بأن يلاحظ في الثوب للسترة قوة المالية فلا يلزمه أو أنه إعانة على دين الله تعالى عز وجل ليس من باب تحصيل الأموال فيلزمه ويكافئ عنه إن شاء وفي الماء يوهب له إما يسارته فلا منة وإما المالية المؤدية للمنة وهي ضرر والضرر منفي عن المكلف لقوله صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار ولقوله عز وجل وما جعل عليكم في الدين من حرج وفي واجد ثمن الرقبة في كفارة الظهار إما تنزيل وجود الثمن الذي هو وسيلة ملكها منزلته وإما عدم تنزيله منزلته وفي القادر على التداوي من السلس أو التزويج إما أن تنزل قدرته على ذلك التي هي وسيلة التداوي بالفعل منزلته أم لا أو يلاحظ غير ذلك من النصوص وإلا فيه والمناسبات التي اشتهر في الشرع اعتبارها من حيث اشتمالها على موجب الاعتبار لا ما لا يمكن اعتباره شرعا مما لا يشتمل على موجب الاعتبار فتقدم مناسبته وتكثر النقوض عليه ويكون اعتباره من غير ضرورة خلاف المعلوم من نمط الشريعة إلا أن يضاف إليه ما يوجب اشتماله على موجب الاعتبار من القيود الموجبة للمناسبة فتظهر مناسبته وتقل النقوض عليه ويكون اعتبار مثله بلا
42
42
وكذلك القول في الماء يوهب له هل ينظر إلى يسارته فلا منة أو يلاحظ المالية
وهي ضرر والضرر منفي عن المكلف لقوله صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار ولقوله عز وجل وما جعل عليكم في الدين من حرج وواجد الثمن يخرج على تنزيل وسيلته منزلته أم لا وكذلك القادر على التداوي إلى غير ذلك من النصوص والأقيسة والمناسبات التي اشتهرت في الشرع اعتبارها وهي مشتملة على موجب الاعتبار أما ما لا يشتمل على موجب الاعتبار فلا يمكن جعله قاعدة شرعية بل ينبغي أن يضاف إليه من القيود الموجبة للمناسبة كما تقدم ما يوجب اشتماله على موجب الاعتبار ونقل النقوض عليه وتظهر مناسبته أما عدم المناسبة وكثرة النقوض فاعتبار مثل هذا من غير ضرورة خلاف المعلوم من نمط الشريعة فتأمل ذلك فإنه قد كثر بين المتأخرين خصوصا الشيخ أبا الطاهر بن بشير فإنه اعتمد عليه في كتابه المعروف بالتنبيه كثيرا
الفرق الثاني والعشرون والمائة بين قاعدة الرياء في العبادات وبين قاعدة التشريك في العبادات
اعلم أن الرياء في العبادات شرك وتشريك مع الله تعالى في طاعته وهو موجب للمعصية والإثم والبطلان في تلك العبادة كما نص عليه الإمام المحاسبي وغيره ويعضده ما في الحديث الصحيح أخرجه مسلم وغيره أن الله تعالى يقول أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك فيه غيري تركته له أو تركته لشريكي فهذا ظاهر في عدم الاعتداد بذلك العمل عند الله تعالى وكذلك قوله تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
ضرورة وهو المعلوم من نمط الشريعة فتأمل ذلك فإنه قد كثر بين المتأخرين خصوصا الشيخ الطاهر بن بشير فإنه اعتمد عليه في كتابه المعروف بالتنبيه كثيرا والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الثاني والعشرون والمائة بين قاعدة الرياء في العبادات وبين قاعدة التشريك في العبادات
من حيث إن التشريك فيها لا يحرم بالإجماع بخلاف الرياء فيها فيحرم هو أن التشريك فيها لما كان بما جعله الله تعالى للمكلف في هذه العبادة مما لا يرى ولا يبصر كمن جاهد ليحصل طاعة الله بالجهاد وليحصل السبايا والكراع والسلاح من جهة أموال العدو وكمن حج وشرك في حجه غرض المتجر بأن يكون جل مقصوده أو كله السفر للتجارة خاصة ويكون الحج إما مقصودا مع ذلك أو غير مقصود وإنما يقع تابعا اتفاقا وكمن صام ليصح جسده أو ليحصل زوال مرض من الأمراض التي تداوى بالصوم بحيث يكون التداوي هو مقصوده أو بعض مقصوده والصوم مقصود مع ذلك وكمن يتوضأ بقصد التبرد أو التنظيف لم يضره في عبادته ولم يحرم عليه بالإجماع لأن جميع هذه الأغراض لا يدخل فيها تعظيم
43
43
مخلصين له الدين يدل على أن غير المخلصين لله تعالى ليسوا مأمورين به وما هو غير مأمور به لا يجزى عن المأمور به فلا يعتد بهذه العبادة وهو المطلوب وتحقيق هذه القاعدة وسرها وضابطها أن يعمل العمل المأمور به والمتقرب به إلى الله تعالى ويقصد به وجه الله تعالى وأن يعظمه الناس أو يعظم في قلوبهم فيصل إليه نفعهم أو يندفع عنه ضررهم فهذا هو قاعدة أحد قسمي الرياء والقسم الآخر أن يعمل العمل لا يريد به وجه الله تعالى ألبتة بل الناس فقط ويسمى هذا القسم رياء الإخلاص والقسم الأول رياء الشرك لأن هذا لا تشريك فيه بل خالص للخلق والأول للخلق ولله تعالى وأغراض الرياء ثلاثة التعظيم وجلب المصالح الدنيوية ودفع المضار الدنيوية والأخيران يتفرعان عن الأول فإنه إذا عظم انجلبت إليه المصالح واندفعت عنه المفاسد فهو الغرض
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الخلق بل هي تشريك أمور من المصالح ليس لها إدراك ولا تصلح للإدراك ولا للتعظيم فلا تقدح في العبادات إذ كيف تقدح وصاحب الشرع قد أمر بها في قوله صلى الله عليه وسلم يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء أي قاطع نعم إذا تجردت العبادة عن هذه الأغراض زاد الأجر وعظم الثواب وإذا لم تجرد العبادة عنها نقص الأجر وإن كان لا سبيل إلى الإثم والبطلان
وأما الرياء فيها فإنه لما كان شركا وتشريكا مع الله تعالى في طاعته لمن يرى ويبصر من الخلق لأحد أغراض ثلاثة التعظيم وجلب المصالح الدنيوية ودفع المضار الدنيوية والأخيران يتفرعان عن الأول فإنه إذا عظم انجلبت إليه المصالح واندفعت عنه المفاسد فهو الغرض الكلي في الحقيقة فيقتضي رؤية النفع أو الضر لغيره تعالى فينافي ما أشار له سيدي علي وفا بقوله وعلمك أن كل الأمر أمري هو المعنى المسمى باتحادي قال العلامة الأمير ولا بد عند كل مسلم من حظ في هذا المقام وإن تفاوتوا أهو ذلك إما بأن يعمل العمل المأمور به والمتقرب به إلى الله تعالى ويقصد به وجه الله تعالى وأن يعظمه الناس أو يعظم في قلوبهم فيصل إليه نفعهم أو يندفع عنه ضررهم فيسمى رياء الشرك لأنه للخلق ولله تعالى وإما بأن يعمل العمل لا يريد به وجه الله تعالى ألبتة بل الناس فقط فيسمى رياء الإخلاص لأنه لا تشريك فيه بل خالص للخلق كان مضرا بالعبادة ومحرما على المكلف لأنه موجب للمعصية والإثم والبطلان في تلك العبادة كما نص عليه الإمام المحاسبي وغيره ويعضده ما أخرجه مسلم وغيره أن الله تعالى يقول أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك فيه غيري تركته له أو تركته لشريكي وقوله تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين فإن الحديث ظاهر في عدم الاعتداد بذلك العمل عند الله تعالى والآية تدل على أن غير المخلصين لله تعالى ليسوا مأمورين به وما هو غير مأمور به لا يجزئ عن المأمور به فلا يعتد بهذه العبادة وهو المطلوب وبالجملة ففرق بين من يجاهد ليقول الناس إنه شجاع أو ليعظمه الإمام فيكثر عطاءه من بيت المال فيكون رياء حراما وبين من يجاهد ليحصل السبايا والكراع والسلاح من جهة أموال العدو فلا يضره ولا يحرم عليه إجماعا ولا يقال لفعله رياء مع أنه قد شرك فيه بسبب أن الرياء العمل ليراه غير الله تعالى من خلقه والرؤية لا تصح إلا من الخلق وأما العمل لمن يرى ولا يبصر كالمال المأخوذ في الغنيمة ونحوه فلا يقال فيه رياء والله سبحانه وتعالى أعلم

44
44
الكلي في الحقيقة فهذه قاعدة الرياء المبطلة للأعمال المحرمة بالإجماع
وأما مطلق التشريك كمن جاهد ليحصل طاعة الله بالجهاد وليحصل المال من الغنيمة فهذا لا يضره ولا يحرم عليه بالإجماع لأن الله تعالى جعل له هذا في هذه العبادة ففرق بين جهاده ليقول الناس إنه شجاع أو ليعظمه الإمام فيكثر إعطاءه من بيت المال فهذا ونحوه رياء حرام وبين أن يجاهد ليحصل السبايا والكراع والسلاح من جهة أموال العدو فهذا لا يضره مع أنه قد أشرك ولا يقال لهذا رياء بسبب أن الرياء ليعمل أن يراه غير الله تعالى من خلقه والرؤية لا تصح إلا من الخلق فمن لا يرى ولا يبصر لا يقال في العمل بالنسبة إليه رياء والمال المأخوذ في الغنيمة ونحوه لا يقال إنه يرى أو يبصر فلا يصدق على هذه الأغراض لفظ الرياء لعدم الرؤية فيها وكذلك من حج وشرك في حجه غرض المتجر بأن يكون جل مقصوده أو كله السفر للتجارة خاصة ويكون الحج إما مقصودا مع ذلك أو غير مقصود ويقع تابعا اتفاقا فهذا أيضا لا يقدح في صحة الحج ولا يوجب إثما ولا معصية وكذلك من صام ليصح جسده أو ليحصل له زوال مرض من الأمراض التي ينافيها الصيام ويكون التداوي هو مقصوده أو بعض مقصوده والصوم مقصوده مع ذلك وأوقع الصوم مع هذه المقاصد لا تقدح هذه المقاصد في صومه بل أمر بها صاحب الشرع في قوله صلى الله عليه وسلم يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء أي قاطع فأمر بالصوم لهذا الغرض فلو كان ذلك قادحا لم يأمر به عليه الصلاة والسلام في العبادات وما معها ومن ذلك أن يجدد وضوءه وينوي التبرد أو التنظيف وجميع هذه الأغراض لا يدخل فيها تعظيم الخلق بل هي تشريك أمور من المصالح ليس لها إدراك ولا تصلح للإدراك ولا للتعظيم فلا تقدح في العبادات فظهر الفرق بين قاعدة الرياء في العبادات وبين قاعدة التشريك في العبادات غرضا آخر غير الخلق مع أن الجميع تشريك نعم لا يمنع أن هذه الأغراض المخالطة للعبادة قد تنقص الأجر وأن العبادة إذا تجردت عنها زاد الأجر وعظم الثواب أما الإثم والبطلان فلا سبيل إليه ومن جهته حصل الفرق لا من جهة كثرة الثواب وقلته
الفرق الثالث والعشرون والمائة بين قاعدة عقد الجزية وبين قاعدة غيرها مما يوجب التأمين
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الفرق الثالث والعشرون والمائة بين قاعدة عقد الجزية وبين قاعدة غيرها مما يوجب التأمين من عقدي المصالحة والتأمين وذلك أن القاعدتين وإن اشتركا في وجوب الأمان والتأمين إلا أنهما افترقا من وجوه
45
45
وهو إما المصلحة أو الأمان والجميع يوجب الأمان والتأمين غير أن عقد الجزية يكون لضرورة ولغير ضرورة لأن الله تعالى إنما أوجب القتال عند عدم موافقتهم على أداء الجزية بقوله حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فجعل القتال مغيا إلى وقت موافقتهم على أداء الجزية ولا يعقده إلا الإمام ويدوم للمعقود لهم ولذراريهم إلى قيام الساعة إلا أن يحصل للعقد ناقض كما تقدم تفصيل النواقض وأنه ليس رخصة على خلاف القواعد بل على وفق القواعد كما تقدم بيان ذلك وأما التأمين فيصح من آحاد الناس بخلاف عقد الجزية يشترط أن يكون في عدد محصور كالواحد ونحوه
وأما الجيش الكثير فالعقد في تأمينه للأمير على وجه المصلحة ولا يجوز إلا لضرورة تقتضي ذلك وكذلك عقد المصالحة لا يجوز إلا لضرورة ولا يعقده إلا الإمام ويكون إلى مدة معينة بخلاف الجزية ويجوز بغير مال يعطونه بخلاف الجزية لا بد فيها من المال وهو رخصة على خلاف قاعدة القتال وطلب الإسلام منهم ولذلك لا يكون إلا عند العجز عن قتالهم أو إلجائهم إلى الإسلام أو الجزية وشروط الجزية كثيرة معلومة متقررة في الشرع وشروط المصالحة بحسب ما يحصل الإنفاق عليها ما لم يكن في الشروط فساد المسلمين وكذلك التأمين ليس له شروط بل بحسب الواقع واللازم فيه مطلق الأمان والتأمين وعقد الجزية يوجب على المسلمين حقوقا متأكدة من الصون لهم والذب عنهم كما تقدم بيانه
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الوجه الأول
أن عقد الجزية يكون لضرورة ولغير ضرورة لأن الله تعالى إنما أوجب القتال عند عدم موافقتهم على أداء الجزية بقوله تعالى حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فجعل القتل مغيا إلى وقت موافقتهم على أداء الجزية وعقد المصالحة لا يجوز إلا لضرورة وكذلك عقد الأمير تأمين الجيش الكبير لا يجوز إلا لضرورة تقتضيه
والوجه الثاني أن عقد الجزية لا يعقده إلا الإمام كعقد المصالحة
وأما التأمين فيصح من آحاد الناس بشرط أن يكون في عدد محصور كالواحد ونحوه وأما الجيش الكبير فعقد تأمينه للأمير على وجه المصلحة والوجه الثالث أن عقد الجزية يدوم للمعقود لهم ولذراريهم إلى قيام الساعة إلا أن يحصل للعقد ناقض من النواقض المتقدم تفصيلها وعقد المصالحة إنما يكون إلى مدة معينة
والوجه الرابع أن عقد الجزية ليس رخصة على خلاف القواعد بل على وفق القواعد كما تقدم بيان ذلك وعقد المصالحة رخصة على خلاف قاعدة القتال وطلب الإسلام منهم ولذلك لا يكون إلا عند العجز وقتالهم أو إلجائهم إلى الإسلام أو الجزية والوجه الخامس أن شروط عقد الجزية كثيرة معلومة مقررة في الشرع وشروط عقد المصالحة بحسب ما يحصل الاتفاق عليها ما لم يكن في الشروط فساد على المسلمين وكذلك التأمين ليس له شروط بل بحسب الواقع والوجه السادس أن عقد الجزية لا بد فيه من المال وعقد المصالحة يجوز بغير مال يعطونه والوجه السابع أن عقد الجزية يوجب على المسلمين زيادة على الأمن والتأمين حقوقا متأكدة من
46
46
والمصالحة لا توجب مثل تلك الحقوق بل يكونون أجانب منا لا يتعين علينا برهم ولا الإحسان إليهم لأنهم ليسوا في ذمتنا غير أنا لا نغدر بهم ولا نتعرض لهم فقط ونقوم بما التزمنا لهم في العقد ومن الشروط واتفقنا عليها من غير أن نواسي فقيرهم وننصر مظلومهم بل نتركهم ينفصلون بأنفسهم بخلاف عقد الجزية يجب علينا فيه دفع التظالم بينهم وغير ذلك مما هو مقرر في الفقه مبسوطا هنالك فهذا هو الفرق بين هذه القواعد
الفرق الرابع والعشرون والمائة بين قاعدة ما يجب توحيد الله تعالى به من التعظيم وبين قاعدة ما لا يجب توحيده به اعلم أن توحيد الله تعالى بالتعظيم ثلاثة أقسام واجب إجماعا وغير واجب إجماعا ومختلف فيه هل يجب توحيد الله تعالى به أم لا القسم الأول الذي يجب توحيد الله تعالى به من التعظيم بالإجماع فذلك كالصلوات على اختلاف أنواعها والصوم على اختلاف رتبه في الفرض والنفل والنذر فلا يجوز أن يفعل شيء من ذلك لغير الله تعالى وكذلك الحج ونحو ذلك وكذلك الخلق والرزق والأمانة والإحياء والبعث والنشر والسعادة والشقاء
هامش أنوار البروق
قال الفرق الرابع والعشرون والمائة بين قاعدة ما يجب توحيد الله تعالى به من التعظيم وبين قاعدة ما لا يجب توحيده تعالى به إلى آخر ما قاله في القسم الأول قلت ما قاله في ذلك صحيح قال القسم الثاني وهو المتفق على عدم التوحيد فيه والتوحد كتوحيده تعالى بالوجود والعلم ونحوهما إلى آخر ما قاله في هذا القسم
هامش إدرار الشروق
الصون والذب عنهم ودفع التظالم بينهم وغير ذلك مما هو مقرر ومبسوط في كتب الفقه وتقدم بيانه والمصالحة لا توجب مثل تلك الحقوق بل يكونون أجانب منا لا يتعين علينا برهم ولا الإحسان إليهم لأنهم ليسوا في ذمتنا غير أنا لا نغدر بهم ولا نتعرض لهم فقط بل نقوم بما التزمنا لهم في العقد من الشروط التي اتفقنا عليها ونتركهم ينفصلون بأنفسهم من غير أن ننصر مظلومهم ولا أن نواسي فقيرهم واللازم في عقد التأمين مطلق الأمان والتأمين والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الرابع والعشرون والمائة بين قاعدة ما يجب توحيد الله تعالى به من التعظيم وبين قاعدة ما لا يجب توحيده به توحيد الله تعالى بالتعظيم ثلاثة أقسام القسم الأول واجب إجماعا وهو أربعة أنواع النوع الأول عبادة كالصلوات على اختلاف أنواعها والصوم على اختلاف رتبه في الفرض والنفل والنذر والحج فلا يجوز أن يفعل شيء من ذلك لغير الله تعالى
47
47
والهداية والإضلال والطاعة والمعصية والقبض والبسط فيجب على كل أحد أن يعتقد توحيد الله تعالى وتوحده بهذه الأمور على سبيل الحقيقة وإن أضيف شيء منها لغيره تعالى فإنما ذلك على سبيل الربط العادي لا أن ذلك المشار إليه فعل شيئا حقيقة كقولنا قتله السم وأحرقته النار ورواه الماء فليس شيء من ذلك يفعل شيئا مما ذكر حقيقة بل الله تعالى ربط هذه المسببات بهذه الأسباب كما شاء وأراد ولو شاء لم يربطها وهو الخالق لمسبباتها عند وجودها لا أن تلك الأسباب هذه الموجدة
وكذلك إخبار الله تعالى عن عيسى عليه الصلاة والسلام أنه كان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص معناه أن الله تعالى كان يحيي الموتى ويبرئ عند إرادة عيسى عليه السلام لذلك لا أن عيسى عليه السلام هو الفاعل لذلك حقيقة بل الله تعالى هو الخالق لذلك ومعجزة عيسى عليه السلام في ذلك ربط وقوع ذلك الإحياء وذلك الإبراء بإرادته فإن غيره يريد ذلك ولا يلزم إرادته ذلك فاللزوم بإرادته هو معجزته عليه السلام وكذلك جميع ما يظهر على أيدي الأنبياء والأولياء من المعجزات والكرامات الله تعالى هو خالقها وكذلك يجب توحيده تعالى
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله في ذلك غير صحيح فإنه لا يخلو أن تقول إن الوجود هو عين الموجود أو غيره فإن قلت بالأول لم يصح القول بعدم التوحيد والتوحد من حيث إن وجود الباري تعالى عين ذاته ووجود غيره عين ذاته والغيران كل واحد منهما منفرد بذاته غير مشارك فيها فلا يصح على ذلك القول بعدم التوحيد والتوحد على هذا باعتبار الوجود الخارج عن الذهن
وأما باعتبار الأمر الذهني فلا يصح على ذلك الاتفاق على القول بعدم التوحيد والتوحد للخلاف في الأمر الذهني وإن قلنا بالأمر الثاني فلا يصح أيضا القول بعدم التوحيد والتوحد من حيث إن وجود كل واحد من الغيرين يختص به هذا على القول بإنكار الحال وأما على القول بالحال فلا يخلو أن يقال إن الحال هي الأمر
هامش إدرار الشروق
والنوع الثاني صفات الأفعال كالخلق والرزق والإحياء والإماتة والبعث والنشور والسعادة والشقاء والهداية والإضلال والطاعة والمعصية والقبض والبسط فيجب على كل أحد أن يعتقد توحيد الله وتوحده بهذه الأمور على سبيل الحقيقة وأن ما أضيف منها لغيره تعالى سواء كان في كلامه تعالى كإخباره تعالى عن عيسى عليه السلام أنه كان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص أو في كلامنا كقولنا قتله السم وأحرقته النار وأرواه الماء ليس معناه أن غيره تعالى فعل شيئا من ذلك حقيقة بل معناه أن الله تعالى ربط المسببات بأسبابها كما شاء وأراد سواء كانت الأسباب أسبابا عادية لمسبباتها كما في سببية السم للقتل والنار للإحراق والماء للإرواء أو أسبابا غير عادية لمسبباتها كما في إرادة عيسى عليه السلام لإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص
وكذلك جميع ما يظهر على أيدي الأنبياء والأولياء من المعجزات والكرامات عند إرادة ذلك النبي أو الولي ولو شاء تعالى لم يربطها وهو الخالق حقيقة لمسبباتها عند وجودها لا أن تلك الأسباب هي الموجدة حقيقة قلت وذكر شيخ شيوخنا خاتمة المحققين السيد أحمد دخلان رحمه الله تعالى في رسالة له فيما يتعلق بقوله تعالى يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم الآية أن لربط الله تعالى المسببات بأسبابها حكما ومصالح كثيرة منها أن المكلفين إذا تحملوا المشقة في الحرث
48
48
باستحقاق العبادة والإلهية وعموم تعلق صفاته تعالى فيتعلق علمه بجميع المعلومات وإرادته بجميع الكائنات وبصره بجميع الموجودات الباقيات والفانيات وسمعه بجميع الأصوات وخبره بجميع المخبرات فهذا ونحوه توحيد واجب بالإجماع من أهل الحق لا مشاركة لأحد فيه
القسم الثاني وهو المتفق على عدم التوحيد فيه والتوحد كتوحيده بالوجود والعلم ونحوهما فمفهوم الوجود مشترك فيه سواء قلنا هو عين الموجود أو غيره فإن قلنا الوجود زائد على الموجود فهو مشترك فيه في الخارج وإن قلنا وجود كل شيء نفس ماهيته فنريد نفس ماهيته في الخارج وأما في الذهن فنحن نتصور من معنى الوجود معنى عاما يشمل الواجب والممكن فتلك الصورة الذهنية وقعت الشركة فيها فعلمنا أن التوحيد في أصل الوجود غير واقع على التقديرين وكذلك مفهوم العلم من حيث هو علم وقعت الشركة فيه بين الواجب والممكن وكذلك مفهوم الحياة والسمع والبصر والإرادة والكلام النفساني
هامش أنوار البروق
الذهني أو لا فإن قلنا بالأول لم يصح الاتفاق على عدم التوحيد والتوحد للخلاف في الأمر الذهني وإن قلنا بالثاني لم يصح القول بعدم التوحيد والتوحد لاختصاص كل واحد من الغيرين بحاله كما سبق في الوجود وما قاله من أنه لولا الشركة في أصول هذه المفهومات لتعذر علينا قياس الغائب على الشاهد ليس بصحيح من حيث إن الشركة في أصول هذه المفهومات لم تثبت فيتعذر قياس الغائب على الشاهد وما ذكر من أن بعض الفضلاء أورده وارد وجوابه بالتزام بطلان قياس الغائب على الشاهد وعدم تعذر إثبات الصفات لذلك لأنه لا يتعين لإثباتها قياس الغائب على الشاهد وما أجاب هو به عن ذلك السؤال لا يصح إلا على القول بالأحوال ولا حاجة إلى ذلك لعدم تعين قياس الغائب على الشاهد للدلالة على الصفات والله تعالى أعلم وما قاله في القسم بعده صحيح
هامش إدرار الشروق
والغرس طلبا للثمرات وكدوا أنفسهم في ذلك حالا بعد حال علموا أنهم لما احتاجوا إلى تحمل هذه المشاق لطلب هذه المنافع الدنيوية فلأن يحتاجوا إلى تحمل مشاق الطاعة التي هي أقل من مشاق المنافع الدنيوية من باب أولى لأن مشاق الطاعة تثمر المنافع الأخروية التي هي أعظم من الدنيوية
ومنها أنه تعالى أجرى عادته بتوقف الشفاء على الدواء في بعض الأحيان ليعلم الإنسان أنه إذا تحمل مرارة الأدوية دفعا لضرر المرض فلأن يتحمل مشاق التكليف دفعا لضرر العقاب من باب أولى ومنها أنه سبحانه وتعالى لو خلق المسببات دفعة واحدة من غير وسائط أسبابها لحصل العلم الضروري باستنادها إلى القادر الحكيم وذلك كالمنافي للتكليف والابتلاء لأنه لا يبقى كافر ولا جاحد حينئذ فلما خلقها بهذه الوسائط ظهرت حكمة التكليف والابتلاء وتميزت الفرقة الموصوفة بالشقاء عن الفرقة الموصوفة بالشقاء لأن المهتدي يفتقر في استنادها إلى القادر المختار إلى نظر دقيق وفكر غامض فيستوجب الثواب ولهذا قيل لولا الأسباب لما ارتاب مرتاب ومنها أنه يظهر للملائكة وأولي الاستبصار عبر في ذلك وأفكار صائبة إلى غير ذلك من الحكم التي لا يحيط بها إلا الواحد القهار
ولما كان المقصود من الاستدلال بهذه الآية على وجود الصانع واتصافه بالكمالات واستحقاقه لأنواع إنما هو العلم وكان علم الإنسان بأحوال نفسه أظهر من علمه
49
49
وأنواعه من الطلب في الأمر والنهي والخبر وغير ذلك من أنواع الكلام النفساني ولولا الشركة في أصول هذه المفهومات لتعذر علينا قياس الغائب على الشاهد فإن القياس بغير مشترك متعذر وقياس المباين على مباينه لا يصح
وقد أورد بعض الفضلاء هذا السؤال فقال إن كان القياس صحيحا لمعنى مشترك بين الشاهد والغائب فقد وقعت المشابهة بين صفات الله تعالى وصفات البشر والله سبحانه وتعالى لا تشبه ذاته ذاتا ولا صفة من صفاته صفة من صفات غيره ليس كمثله شيء وهو السميع البصير والسلب الذي في هذه الآية عام في الذات والصفات وإن لم يكن القياس صحيحا تعذر إثبات الصفات فإن مستندها قياس الغائب على الشاهد
والجواب عن هذا السؤال أن السلب للمثلية المستفاد من الآية صحيح والقياس أيضا صحيح ووجه الجمع بينهما أن المعاني لها صفات نفسية تقع الشركة فيها فبها يقع القياس وتلك الصفات النفيسة حكم لذلك المعنى وحال من أحواله النفسية وهي حالة غير معللة وذلك كما نقول كون السواد سوادا وكون البياض بياضا حالة للسواد والبياض وهي حالة غير معللة وهذه الحال لا موجودة ولا معدومة فليس خصوص السواد الذي امتاز به على جميع الأعراض صفة وجودية قائمة بالسواد وكذلك كونه عرضا ليس بصفة وجودية قائمة بالسواد بل السواد في نفسه بسيط لا تركيب فيه وحقيقة واحدة في الخارج ليس لها صفة بل يوصف بها ولا
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
بأحوال غيره قدم سبحانه وتعالى فيها دلائل الأنفس على دلائل الآفاق ومن دلائل الأنفس نفس الإنسان ثم ذكر آبائه وأمهاته بقوله والذين من قبلكم
ومن دلائل الآفاق الأرض لأنها أقرب إلى الإنسان من السماء ومعرفته بحالها أكثر من معرفته بحال السماء وقدم ذكر السماء على ذكر الماء وخروج الثمرات بسبب الماء لأن ذلك كالأثر المتولد من السماء والأرض والأثر متأثر عن المؤثر وروي أن بعض الزنادقة أنكر الصانع عند جعفر الصادق رضي الله عنه فقال له جعفر هل ركبت البحر قال نعم قال هل رأيت أهواله قال نعم هاجت يوما رياح هائلة فكسرت السفن وأغرقت الملاحين فتعلقت ببعض ألواحها ثم ذهب عني ذلك اللوح فإذا أنا مدفوع في تلاطم الأمواج حتى دفعت إلى الساحل فقال جعفر قد كان اعتمادك من قبل على السفينة والملاح واللوح بأنه ينجيك فلما ذهبت هذه الأشياء عنك هل أسلمت نفسك للهلاك أم كنت ترجو السلامة بعده قال بل رجوت السلامة قال ممن ترجوها فسكت الرجل فقال جعفر إن الصانع هو الذي ترجوه ذلك الوقت وهو الذي أنجاك من الغرق فأسلم الرجل على يده وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمران بن حصين رضي الله عنهما كم لك من آلة قال عشرة قال فمن نعمك وكرمك ورفع الأمر العظيم إذا نزل بك من جملتهم قال الله تعالى فقال عليه السلام ما لك من إله إلا الله
وكان الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه سيفا على الدهرية وكانوا ينتهزون الفرصة ليقتلوه فبينما هو قاعد في مسجده إذ هجم عليه جماعة منهم بأيديهم سيوف مسلولة وهموا بقتله فقال لهم أجيبوني على مسألة ثم افعلوا ما شئتم فقالوا له هات فقال ما تقولون في رجل يقول لكم إني رأيت سفينة مشحونة بالأحمال مملوءة بالأثقال قد
50
50
توصف بصفة وجودية حقيقة تقوم بها وكذلك القول في بقية المعاني
فكذلك كون العلم علما صفة نفسية وحالة له ليست صفة موجودة في الخارج قائمة بالعلم فالقياس وقع بهذه الحالة النفسية والحكم النفسي لا بصفة وجودية وكذلك القول في الإرادة والحياة وغيرهما من بقية الصفات وإذا كان القياس إنما هو باعتبار أمر مشترك بين الشاهد والغائب وهو حكم نفسي وحالة ذاتية ليست بموجودة في الخارج فالسلب الذي في الآية معناه أن المثلية منفية بين الذات وجميع الذوات
وكل صفة له تعالى وبين جميع صفات المخلوقات في أمر وجودي فإنه لا صفة وجودية مشتركة بين الله وخلقه ألبتة بل الشركة إنما وقعت في أمور ليست موجودة في الخارج كالأحوال والأحكام والنسب والإضافات كالتقدم والتأخر والقبلية والبعدية والمعية وغير ذلك من النسب والإضافات أما في صفة وجودية فلا فهذا وجه الجمع بين قياس الشاهد على الغائب وبين نفي المشابهة وبسط هذا في كتب أصول الدين وقد بسطته في شرح الأربعين وأوردت هذا السؤال وأجبت عنه هنالك مبسوطا فهذا القسم ونحوه لا يجب التوحيد فيه على هذا التفسير إجماعا فيجوز أن يوصف المخلوق بأنه عالم ومريد وحي وموجود ومخبر وسميع وبصير ونحو ذلك من غير اشتراك في اللفظ بل باعتبار معنى عام على ما تقدم تفسيره
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
احتوشتها في لجة البحر أمواج متلاطمة ورياح مختلفة وهي من بينها تجري مستوية ليس لها ملاح يجريها ولا مدبر يدبر أمرها هل يجوز ذلك في العقل قالوا لا هذا شيء لا يقبله العقل فقال أبو حنيفة يا سبحان الله إذا لم يجوز العقل سفينة تجري من غير ملاح يديرها في جريانها فكيف يجوز قيام هذه الدنيا على اختلاف أحوالها وتغير أعمالها وسعة أطرافها من غير صانع وحافظ فبكوا جميعا وقالوا صدقت وأغمدوا سيوفهم وتابوا
وروي أن بعض الدهرية سأل الإمام الشافعي رضي الله عنه ما الدليل على الصانع فقال ورقة الفرصاد أي التوت طعمها واحد ولونها واحد وريحها واحد وطبعها واحد عندكم قالوا نعم قال فتأكلها دودة القز فيخرج منها الإبريسم وتأكلها النحل فيخرج منها العسل وتأكلها الشاة فيخرج منها البعر وتأكلها الظبية فينعقد في نوافجها المسك فمن الذي جعلها كذلك مع أن الطبع واحد فاستحسنوا ذلك وآمنوا على يده وكانوا سبعة عشر ا ه
المراد فالله تعالى هو الخالق للممكنات وللعباد وأفعالهم جميعا قال العلامة الأمير علي عبد السلام على جوهرة التوحيد وليس لقدرة العبد إلا مجرد المقارنة كالأسباب العادية معها لا بها وليس خلق الله تعالى بآلة خلافا لقول ابن عربي للعبد آلة والعبد آلة لفعل الرب ذكره في وما رميت أي إيجابا إذ رميت كسبا فلا تناقض ومع أن الفعل له تعالى فالأدب أن لا ينسب له إلا الحسن بإشارة ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وإن كان معناه كسبا بدليل الأخرى قل كل من عند الله أي خلقا وانظر لقول الخضر فأردت أن أعيبها مع قوله فأراد ربك أن يبلغا أشدهما

51
51
القسم الثالث الذي اختلف فيه هل يجب توحيد الله تعالى به أم لا فهذا هو التعظيم بالقسم فهل يجوز أن يقسم بغير الله تعالى فلا يكون من التعظيم الذي وجب التوحيد فيه أو لا يجوز فيكون من التعظيم الذي وجب التوحيد فيه وهذا القسم هو الذي سيق الفرق لأجله لأنه المتعلق بالقواعد الفقهية وقد اختلف العلماء فيه فقال الشيخ الفقيه أبو الوليد بن رشد في المقدمات هو مباح كالحلف بالله تعالى وبأسمائه الحسنى وبصفاته العلا ومحرم كالحلف باللات والعزى وما يعبد من دون الله تعالى لأن الحلف تعظيم وتعظيم هذه الأشياء قد يكون كفرا وأقله التحريم ومكروه وهو الحلف بما عدا ذلك
وقاله الشافعي رضي الله تعالى عنه لما في مسلم قال صلى الله عليه وسلم ألا إن الله تعالى نهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ومن المكروه الحلف بالرسول صلى الله عليه وسلم أو بالكعبة وقال أبو الحسن اللخمي بالمخلوقات كالنبي صلى الله عليه وسلم ممنوع فمن فعل ذلك استغفر الله تعالى واختلف في جواز الحلف بصفات الله تعالى كالقدرة والإرادة والعلم ونحوها من الصفات السبعة فالمشهور الجواز ولزوم الكفارة في ذلك إذا حنث وقاله أبو حنيفة والشافعي وابن حنبل رضي الله تعالى عنهم أجمعين وروي عن مالك رحمه الله الكراهة في لعمر الله وأمانة الله وإن حلف بالقرآن والمصحف ليس بيمين ولا كفارة فيه
وقال الشيخ جلال الدين في الجواهر لا يجوز الحلف بصفات الله الفعلية كالرزق
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
والنوع الثالث استحقاق العبادة والآلهية وعموم تعلق صفاته تعالى فيتعلق علمه بجميع المعلومات وإرادته بجميع الممكنات وبصره بجميع الموجودات الباقيات والفانيات وسمعه بجميع الأصوات وخبره بجميع المخبرات فتوحيده تعالى في هذا ونحوه واجب بالإجماع من أهل الحق لا مشاركة لأحد فيه والنوع الرابع كل لفظ أشهر استعماله في حق الله تعالى خاصة كلفظ الله والرحمن ولفظ تبارك فلا يجوز إطلاقه على غيره تعالى فلا يسمى بالله والرحمن غيره تعالى وتقول تبارك الله أحسن الخالقين ولا تقول تبارك زيد قلت وإطلاق بني حنيفة على مسيلمة رحمن اليمامة وقال شاعرهم علوت بالمجد يا ابن الأكرمين أبا وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا قال الصبان في رسالته البيانية أجاب الزمخشري عنه بأنه من تفننهم في كفرهم قال المحقق المحلي إلا أن هذا الاستعمال غير صحيح دعاهم إليه لجاجهم في كفرهم بزعمهم نبوة مسيلمة دون النبي صلى الله عليه وسلم كما لو استعمل كافر لفظة الله في في غير الباري من آلهتهم
ا ه قال شيخ الإسلام أي فخرجوا بمبالغتهم في كفرهم عن منهج اللغة حيث استعملوا المختص بالله تعالى في غيره
ا ه قال الأنبابي وقد عارض شاعرهم ابن جماعة بقوله علوت بالكذب يا ابن الأخبثين أبا وأنت مغوي الورى لا زلت شيطانا قال وهؤلاء الأئمة الأعلام لم يقولوا ما ذكر كما لا يخفى إلا بالوقوف على ما يدل على الاختصاص
52
52
والخلق ولا يجب فيه كفارة ويدل على جواز الحلف بصفات الله تعالى القديمة ما في البخاري أن أيوب عليه الصلاة والسلام قال بلى وعزتك لا غنى لي عن بركتك فإن قلت فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الأعرابي السائل عما يجب عليه أفلح وأبيه إن صدق فقد حلف عليه الصلاة والسلام بأبي الأعرابي وهو مخلوق قلت قد اختلف في صحة هذه اللفظة في الحديث فإنها ليست في الموطإ بل أفلح إن صدق فلنا منعها على الخلاف في زيادة العدل في روايته أو نجيب بأنه منسوخ بالحديث المتقدم قاله صاحب الاستذكار ابن عبد البر أو نقول هذا خرج مخرج توطئة الكلام لا الحلف نحو قولهم قاتله الله تعالى ما أشجعه ولا يريدون الدعاء عليه بل توطئة الكلام ومنه قوله عليه الصلاة والسلام لعائشة رضي الله عنها تربت يداك ومن أين يكون الشبه ولم يرد الدعاء عليها بالفقر الذي يكنى بالإلصاق بالتراب تقول العرب التصقت يده بالأرض وبالتراب إذا افتقر بل أراد عليه الصلاة والسلام توطئة الكلام
فإذا تقرر القسم المختلف في توحيد الله تعالى به في الحلف فهل يجوز أن يشرك معه غيره بأن يقسم عليه ببعض مخلوقاته بأن يقول بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم عليك أو بحرمة الأنبياء والصالحين إلا غفرت لنا أو بحق الملائكة المقربين إلا سترت علينا أو بحرمة البيت الحرام والطائفين والقائمين والركع السجود إلا هديتنا هديهم وسلكت بنا سبيلهم
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
لغة وهو لا يكون إلا باشتراط الوضع عدم استعماله في غيره تعالى إذ من المعلوم أن اختصاص المشتق بشيء بحيث يكون إطلاقه على غيره فاسدا لغة وإن قام مبدأ الاشتقاق بذلك الغير لا يتأتى إلا باشتراط الواضع أن هذا المشتق لا يستعمل في غيره وهو وإن كان بعيدا في ذاته لكن حيث نقل الأئمة الموثوق بهم اختصاصه وجب قبول قولهم ولا عبرة بالبعد كما لا يخفى ودعوى سم عدم الدليل على الاشتراط لا تسمع وأي مانع من كون هؤلاء الأئمة أخذوا عن العرب مشافهة أو بواسطة أنه لا يصح استعمال الرحمن في غيره تعالى وهو دليل اشتراط الوضع فإن ما يحكم به العربي فيما يتعلق باللغة بمقتضى ما يعلمه إنما يكون بسبب حكم الواضع كما لا يخفى وكون العربي يخرج بتعنته عن اللغة ويكابر فيها مما لا يشك فيه
فالحق هو الجزم بخطأ بني حنيفة في إطلاق الرحمن على غيره تعالى وما أفاده قول الجلال المحلي كما لو استعمل كافر لفظة الله إلخ مع أنه لا يصح ذلك الاستعمال لغة لا حقيقة ولا مجازا مسلم لا يرد عليه أن الصحيح جواز التجوز في الأعلام لأن سبيل هذا أيضا نقل الأئمة الموثوق بهم فلفظ الجلالة مستثنى بلا شبهة فلا محل لهذا الإشكال ولا لدعوى عدم الدليل على اشتراط الواضع أنه لا يستعمل في غيره تعالى ولا لدعوى أنه يصح جواز إطلاقه على غيره تعالى مجازا بعلة أن الصحيح جواز التجوز في الأعلام
وكذا لا محل لدعوى أن المختص به تعالى المعرف بأل دون غيره على أن سهيل بن عمرو لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم عليا كرم الله تعالى وجهه في صلح الحديبية بكتابة بسم الله الرحمن الرحيم قال لا نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة وهذا صريح في أنهم كانوا يطلقونه معرفا ومنكرا فلا تنفع هذه الدعوى وكذا
53
53
فقد ورد ذلك في بعض الأحاديث أو يمتنع لأنه قسم وتعظيم القسم بغير الله تعالى وقد توقف في هذا بعض العلماء ورجح عنده التسوية بين الحلف بغير الله وبين الحلف على الله تعالى بغيره وقال الكل قسم وتعظيم فإن قلت قد حلف الله تعالى بالشمس وضحاها والتين والزيتون والسماء والطارق وغير ذلك من المخلوقات فكيف يختلف في الجواز مع وروده في القرآن متكررا
قلت اختلف العلماء في الواقع في القرآن من ذلك فمنهم من قال فيه كله مضاف محذوف تقديره أقسم برب الشمس أقسم برب التين والزيتون وكذا البواقي فما وقع الحلف إلا بالله تعالى دون خلقه ومنهم من قال إنما أقسم الله تعالى بها تنبيها لعباده على عظمتها عنده فيعظمونها ولا يلزم من الحجر على الخلق في شيء أن يثبت ذلك الحجر في حقه تعالى فإنه الملك المالك على الإطلاق يأمر بما يشاء ويحكم بما يريد من غير اعتراض ولا نكير فيحرم على عباده ما يشاء ولا يحرم شيء من ذلك عليه فإن قلت إذا قلنا بالحلف بصفات الله تعالى المعنوية كالعلم والكلام ونحوهما فهل القرآن من هذا القبيل وكذلك التوراة والإنجيل والزبور وسائر الكتب المنزلة أم ليس كذلك قلت قال أبو حنيفة هذه الأشياء ليست منها وإن كان كلام الله تعالى النفسي منها لاشتهار لفظ القرآن في الأصوات المسموعة عرفا وأنه لا يفهم من إطلاق لفظ القرآن إلا هذه الأصوات
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
لا محل لدعوى أن الاختصاص شرعي لا لغوي ودعوى أنه لا إشكال على القول بأنه شرعي دون القول بأنه لغوي علمت ما فيها وأن الواقع عكس ذلك وعلمت أن دعوى أن علة اختصاصه هي كون معناه المنعم الحقيقي البالغ من الإنعام غايته أو المنعم بجلائل النعم وذلك لا يصدق على غيره تعالى المقتضي أن الاختصاص شرعي لا لغوي لا تصح إذ لا وجه لرد كلام الأئمة الأعلام بمجرد عدم الاطلاع على دليلهم فالحق أن منع إطلاق الرحمن على غيره تعالى لغوي وشرعي وأنه مجاز لا حقيقة له ا ه
أي لأن حقيقة الرحمة وهي ورقة القلب مستحيلة في حقه تعالى فالمراد منها لازمها وهو إرادة الإحسان أو الإحسان
القسم الثاني
قال الأصل ما لا يجب التوحيد والتوحد به كتوحيده بالوجود لأنه إما عين الموجود أو غيره ومفهومه على الثاني مشترك فيه خارجا وعلى الأول مشترك فيه ذهنا لا خارجا لأن المراد بقولنا وجود كل شيء نفس ماهيته أنه نفسها في الخارج وأما في الذهن فنتصور من معناه معنى عاما يشمل الوجود الواجب والوجود الممكن فوقعت الشركة في تلك الصورة الذهنية فلم يقع التوحيد في أصل الوجود على التقديرين وكتوحيده بالعلم والحياة والسمع والبصر والإرادة والكلام النفساني وأنواعه من الطلب في الأمر والنهي والخبر وغير ذلك لثبوت الشركة في أصول هذه المفهومات وإلا فقياس الغائب على الشاهد بغير مشترك متعذر إذ لا يصح قياس المباين على مباينه وإذا لم يصح قياس للغائب على الشاهد
54
54
والحروف والأصوات والحروف مخلوقة فعند الإطلاق ينصرف اللفظ إليها والحلف بالمخلوق منهي عنه
والمنهي عنه لا يوجب كفارة فلا يجب بالحلف بالقرآن كفارة وكذلك بقية الكتب
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
تعذر إثبات الصفات فإنه مستندها وكون السلب في قوله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير عاما في الذات والصفات وإن أورده الفضلاء لا يرد لإمكان الجمع بين صحة سلب المثلية المستفاد من الآية وبين صحة القياس بكون السلب باعتبار معاني تلك الصفات والقياس باعتبار أحوال معانيها النفسانية التي هي غير معللة ولا موجودة ولا معدومة
فكما نقول كون السواد سوادا وكون البياض بياضا حالة للسواد والبياض غير معللة ولا موجودة ولا معدومة فليس خصوص السواد بالذي امتاز به على جميع الأعراض صفة وجودية قائمة بالسواد بل السواد في نفسه بسيط لا تركيب فيه وحقيقة واحدة في الخارج ليس لها صفة بل يوصف بها ولا توصف بصفة وجودية حقيقة تقوم بها وكذلك القول في بقية المعاني كذلك تقول كون العلم علما صفة نفسية وحالة له ليست صفة موجودة في الخارج قائمة بالعلم وكذلك القول في الإرادة والحياة وغيرهما من بقية الصفات فالقياس إنما هو باعتبار أمر مشترك بين الشاهد والغائب هو حكم نفسي وحالة ذاتية ليست بموجودة في الخارج ومعنى السلب في الآية أن المثلية منفية بين الذات وجميع الذوات وبين كل صفة له تعالى وجميع صفات المخلوقات في أمر وجودي إذ لا صفة وجودية مشتركة بين الله تعالى وخلقه ألبتة بل الشركة إنما وقعت في أمور ليست موجودة في الخارج كالأحوال والأحكام والنسب والإضافات كالتقدم والتأخر والقبلية والبعدية والمعية وغير ذلك من النسب والإضافات ا ه ملخصا
وتعقبه ابن الشاط أولا بأن عدم التوحيد والتوحد إجماعا لا يصح لا على أن الوجود عين الموجود لأنه إما باعتبار الوجود الخارجي فيختص كل من الباري تعالى وغيره بوجود منفرد بذاته غير مشارك فيه وإما باعتبار الوجود الذهني فيجري الخلاف في وجوده ضمن أفراده كما مر ولا على أن الوجود غير الموجود لأنه إما على إنكار الحال فيختص كل من الباري تعالى وغيره بوجوده وإما على القول بالحال فإما على أن الحال هو الأمر الذهني فيجري الخلاف في وجوده ضمن إفراده كما مر
وأما على أن الحال هو الأمر الذي له ثبوت في نفسه وفي محله فيختص كل من الباري تعالى وغيره بحاله كما سبق في الوجود وثانيا بأن الشركة في أصول مفهومات العلم وما معه من صفات المعاني كنطق العلم مثلا بين علمه تعالى وعلم غيره لم يثبت فيتعذر قياس الغائب على الشاهد بل على فرض ثبوتها وعدم التعذر نلتزم بطلان قياس الغائب على الشاهد بمنع اللزوم في نحو قولنا لو لم يتصف بالكلام مثلا لزم النقص لإمكان أنه نقص في الشاهد عندنا فقط كعدم الزوجية والولد فيندفع ما أورده بعض الفضلاء بناء على تسليم صحة القياس ولا نسلم تعذر إثبات الصفات ببطلانه إذ لا يتعين مستندا لإثباتها فلا حاجة للجواب عن الإيراد المذكور بما لا يصح إلا على القول بالأحوال والحق خلافه ا ه بتلخيص وتوضيح للمراد
قلت وقوله إذ لا يتعين مستندا لإثباتها أي فإنها قد تثبت بورود إطلاق مشتقاتها عليه تعالى والأصل في الإطلاق الحقيقة مع إجماع أهل الملل والأديان وجميع العقلاء على الإطلاق المذكور نعم في الأمير على عبد السلام على جوهرة التوحيد وفي الخيالي على الاستدلال بالمشتق يقتضي ثبوت المأخذ في السعد إن أرادوا اقتضاء ثبوت
55
55
وقال مالك يجب عليه الكفارة إذا حلف بالقرآن لانصرافه عنده للكلام القديم النفسي والظاهر ما قاله أبو حنيفة رضي الله عنه فإنا لا نفهم من قبول القائل القرآن وهو يحفظ القرآن وكتب القرآن إلا هذه الأصوات والرقوم المكتوبة بين الدفتين وهو الذي يفهم من
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
المأخذ في نفسه بحسب الخارج فمنقوض بمثل الواجب والموجود أي مما لا يقتضي الغيرية وإن أرادوا ثبوته لموصوفه بمعنى إنصافه به فلا يتم ذلك غرضهم
قال الأمير وقول عبد الحكيم في دفع النقض قيل فرق لأن المأخذ أي في صفات المعاني تثبت غيريته مدفوع بأن الغيرية لم تثبت في حقه تعالى عند الخصم وفي الخيالي قال صاحب المواقف لا تثبت في غير الإضافة وفي عبد الحكم عليه ما نصه بالحرف قال صاحب المواقف إلا حجة على ثبوت أمر سوى الإضافة التي يصير بها العالم عالما والمعلوم معلوما قال المحقق الدواني في شرح العقائد العضدية اعلم أن مسألة زيادة الصفات وعدم زيادتها ليست من الأصول التي يتعلق بها تكفير أحد الطرفين وقد سمعت بعض الأصفياء أنه قال عندي إن زيادة الصفات وعدمها وأمثالهما لا يدرك إلا بكشف حقيقي للعارفين وأما من تمرن في الاستدلال فإن اتفق له كشف فإنما يرى ما كان غالبا على اعتقاده بحسب النظر الفكري ولا أرى بأسا في اعتقاد أحد طرفي النفي والإثبات في هذه المسألة ا ه
قال الأمير ولو اختير الوقف لكان أنسب وأسلم من افتراء الكذب على الله تعالى وماذا على الشخص إذا لقي ربه جازما بأنه على كل شيء قدير مقتصرا عليه مفوضا علم ما وراء ذلك إليه لكن اشتهر عند الناس كلام الجماعة على حد قول الشاعر وهل أنا إلا من غزية إن غوت
غويت وإن ترشد غزية أرشد قال وقال الشعراني في اليواقيت يتلخص من جميع كلام الشيخ الأكبر رحمه الله أنه قائل بأن الصفات عين لا غين كشفا ويقينا وبه قال جماعة من المتكلمين وما عليه أهل السنة والجماعة أولى والله تعالى أعلم بالصواب ا ه
ثم قال الأمير بعد أوراق قال الشمس السمرقندي في الصحائف والخلاف في كون صفات المعاني ليست بغير الذات كما للجمهور أو غيرها نظرا للمفهوم وزيادة الوجود وإن لم تنفك كما لبعضهم خلاف لفظي ولكون الصفات ليست غير أوقع في بعض العبارات التسمح بإضافة ما للذات لها نحو تواضع كل شيء لقدرته وفي الحقيقة اللام للأجل أي تواضع كل شيء لذاته لأجل قدرته وإلا فعبادة مجرد الصفات من الإشراك كما أن عبادة مجرد الذات فسق وتعطيل عند الجماعة وإنما الذات المتصفة بالصفات وفي الحقيقة الذات من حيث هي ذات لا سبيل لها وإنما حضرتها وحدة محضة حتى قالوا إن في قولهم في الذات تسمحا لأن بتجليها يتلاشى ما سواها وإنما الآثار ممسوكة بالصفات فكيف تنفى وإذا وصل العارف لوحدة الوجود في الكون فلا يتوقف في التوحيد مع ثبوت الصفات ولا يعقل افتقار في ذات اتصفت بالكمالات فلا تغتر بما سبق عن الشيخ الأكبر يعني قوله في باب الأسرار بناء على ميله لنفي زيادة الصفات من الأدب أن تسمى الصفات أسماء لأن الله تعالى قال ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وما قال فصفوه بها فمن عرفه حق المعرفة الممكنة للعالم سماه ولم يصفه قال ولم يرد لنا خبر في الصفات إلى أن قال وقد قال تعالى سبحان ربك رب العزة عما يصفون فنزه نفسه في
56
56
نهيه عليه الصلاة والسلام عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو فإن المسافرة متعذرة بالقديم وروي عن مالك مثل ما قاله أبو حنيفة رضي الله تعالى عنهم أجمعين ومن الألفاظ التي نص العلماء على توحيد الله تعالى بها لفظ الله والرحمن فلا يجوز إطلاقهما
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
هذه الآية عن الصفة لا عن الاسم فهو المعروف بالاسم لا بالصفة كما في يواقيت الشعراني أواخر المبحث الحادي عشر فتأمل بتدقيق فهو غاية التحقيق
القسم الثالث
ما اختلف في وجوب توحيد الله تعالى به وعدم وجوبه من التعظيم بالقسم أو الإقسام وهذا القسم هو المتعلق بالقواعد الفقهية فلأجله سيق الفرق أما القسم ففي بداية المجتهد لحفيد بن رشد مع زيادته من الأصل اتفق الجمهور على أن الأشياء منها ما يجوز في الشرع أن يقسم به ومنها ما لا يجوز أن يقسم به واختلفوا أي الأشياء هي المتصفة بالجواز والمتصفة بعدمه فقال قوم إن الحلف المباح في الشرع هو الحلف بالله وأن الحالف بغير الله عاص وعليه قول أبي الحسن اللخمي الحلف بالمخلوقات كالنبي صلى الله عليه وسلم ممنوع فمن فعل ذلك استغفر الله تعالى ا ه
وقال قوم بل يجوز الحلف بكل معظم بالشرع وعليه قول أبي الوليد بن رشد في المقدمات الحلف باللات والعزى وما يعبد من دون الله تعالى محرم لأنه تعظيم وتعظيم هذه الأشياء قد يكون كفرا وأقله التحريم وبما عدا ذلك من المخلوقات كالرسول صلى الله عليه وسلم والكعبة والآباء مكروه ا ه
وقاله الشافعي رضي الله عنه والذين قالوا إن الأيمان المباحة هي الأيمان بالله تعالى اتفقوا على إباحة الأيمان بأسمائه واختلفوا في الأيمان التي بصفاته وأفعاله وسبب اختلافهم في الحلف بغير الله من الأشياء المعظمة بالشرع أن ظاهر الكتاب حيث حلف الله تعالى في الكتاب بالشمس وضحاها والتين والزيتون والسماء والطارق وغير ذلك من المخلوقات وظاهر قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الأعرابي السائل عما يجب عليه أفلح وأبيه إن صدق فقد حلف عليه الصلاة والسلام بأبي الأعرابي وهو مخلوق معارضان لما في مسلم قال صلى الله عليه وسلم ألا إن الله تعالى نهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت فمن جمع بين حديث مسلم وبين الكتاب وحديث الأعرابي بقوله في الكتاب إما مضاف محذوف تقديره ورب النجم ورب السماء والطارق
وكذا البواقي فما وقع الحلف إلا بالله تعالى دون خلقه وإما أن إقسامه تعالى بها تنبيه لعباده على عظمتها عنده فيعظمونها ولا يلزم من الحجر على الخلق في شيء أن يثبت ذلك الحجر في حقه تعالى فإنه الملك على الإطلاق يأمر بما يشاء ويحكم بما يريد من غير اعتراض ولا نكير فيحرم على عباده ما يشاء دون أن يحرمه على نفسه وحديث الأعرابي إما أنه منسوخ بحديث مسلم وإما أن لفظة وأبيه فيه لم يقصد بها الحلف بل التوطئة على حد قولهم قاتله الله تعالى ما أشجعه وقوله عليه الصلاة والسلام لعائشة رضي الله عنها تربت يداك ومن أين يكون الشبه فإن النبي صلى الله عليه وسلم والعرب لم يريدوا الدعاء بالقتل ولا بالفقر الذي يكني عنه بالإلصاق بالتراب تقول العرب التصقت يده بالأرض وبالتراب إذا افتقر وإنما أرادوا توطئة الكلام أو إنها ليست في الموطإ وإنما فيه أفلح إن صدق وزيادة العدل في روايته اختلف في قبولها قال الأيمان المباحة هي الحلف بالله تعالى ومن جمع بينهما بقوله المقصود بحديث مسلم إنما هو أن لا يعظم من لم يعظم الشرع بدليل قوله فيه ألا إن الله نهاكم أن تحلفوا بآبائكم وأن هذا من باب الخاص أريد به
57
57
على غيره ولا يسمى بهما غيره ومن ذلك لفظ تبارك فتقول تبارك الله أحسن الخالقين ولا تقول تبارك زيد وكذلك كل لفظ اشتهر استعماله في حق الله تعالى خاصة لا يجوز إطلاقه على غيره وهذه الأمور من القرآن وتبارك ونحوها مما يقبل الحكم فيها التغير إذا
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
العام أجاز الحلف بكل معظم في الشرع في سبب اختلافهم هو اختلافهم في بناء الآية وحديث مسلم ا ه
وعلى الجمع الأول اقتصر العلامة الأمير حيث قال في ضوء الشموع عند قوله في المجموع وحرم حلف بغير الله ما نصه وإقسام الله تعالى بالنجم ونحوه لأن له أن يقسم بما شاء وبأسراره التي يعلمها في أفعاله تنبيها على عظمتها ولسريان سر الحق فيها من غير حلول ولا اتحاد فإنها مظاهره مع تنزهه كما يعلم ونحن لوقوفنا على ظاهرها وحبسنا مع غيريتها نهينا ولما ذاق من ذاق شيئا من وحدة الوجود فأطلق لسانه حصل له ما حصل ولذلك يشير فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم أي لو تعلمون سريان سر الحق فيها وأنها مظاهره ولما كان هو العالم بذلك أقسم تارة بها وتارة بفاعليته لها فقال والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر والأنثى وتارة جمع الأمرين فقال والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها
ولله در الجزولي حيث قال في الأقسام الاستعطافية في دلائل الخيرات وبالاسم الذي وضعته على الليل فأظلم وعلى النهار فاستنار إلى ما آخر ما قال فالوضع معنوي أي إن هذه مظاهر تجليه ونكتة أخرى إنما نهينا عن الحلف بغيره لما فيه من مشابهة المشركين في حلفهم بأسماء آلهتهم وهذا في إقسام الله تعالى لا يكون على أن بعضهم يقدر مضافا أي ورب النجم وللزمخشري أن ذلك خرج عن حقيقة القسم إلى مجرد توكيد الكلام وحمل القرافي على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي سأله عما يجب عليه ثم قال لا أنقص ولا أزيد أفلح إن صدق وأبيه نظير قوله لعائشة تربت يمينك وقولهم قاتله الله ما أكرمه انظر ح ا ه
وأما سبب اختلافهم في منع الحلف بصفات الله وبأفعاله فهو كما في بداية المجتهد اختلافهم في أنه هل يقتصر بحديث مسلم على ما جاء من تعليق الحكم فيه بالاسم فلا يتعداه إلى الصفات والأفعال أو يتعداه إليهما لكن تعليق الحكم في الحديث بالاسم فقط جمود كثير وهو أشبه بمذهب أهل الظاهر وإن كان مرويا في المذهب حكاه اللخمي عن محمد بن المواز فالقول بمنع الحلف بصفات الله وبأفعاله ضعيف والقول بجوازه بصفات المعاني السبعة كالقدرة والإرادة والعلم ولزوم الكفارة بالحنث هو المشهور في المذهب وقول أبي حنيفة والشافعي وابن حنبل رضي الله عنهم أجمعين ويدل له أيضا ما في البخاري أن أيوب عليه السلام قال بلى وعزتك لا غنى لي عن بركتك ا ه
وأما الحلف بصفات الأفعال ففي المجموع وشرحه وحاشيته ما حاصله أن اليمين لا ينعقد بنحو الإماتة والإحياء اللهم إلا أن يلاحظ المذهب الماتريدي وهو أن صفات الأفعال قديمة ترجع إلى صفة التكوين أو يريد مصدرها ومنشأها وهو القدرة أو الاقتدار الراجع للصفة المعنوية أي كونه قادرا إذ المعنوية ينعقد بها جزما ولا عبرة بتنظير ابن عرفة فيها فقد رده تلميذه الأبي كما في الرماصي والبناني ولا نظر إلى كونها ليست معاني موجودة خلافا للبناني تبعا لابن عاشر في عدم الانعقاد بالسلوب لذلك فإنها تنعقد بالصفة النفسية وليست معنى موجودا عند المحققين على أن وجود صفات المعاني أعني كونها معنى موجودا فيه خلاف طويل في كتب الكلام وقد تقدم في القسم الثاني من هذا الفرق وإن قال به المحققون نعم نظر عج في غير القدم والوحدانية من صفات السلوب لكن استظهر شيخنا الانعقاد أي
58
58
تغير العرف فإذا جاء عرف بكون أهله لا يريدون بلفظ القرآن إلا الكلام القديم تعين لزوم الكفارة به وجوز الحلف به فإن الأحكام المرتبة على العوائد تتبع العوائد وتتغير عند تغيرها فتأمل ذلك فهذا تلخيص الفرق بين قاعدة ما يجب توحيد الله تعالى به وتوحده وبين ما لا يجب
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
لأن من أنكرها يكفر وظاهره ولو بمخالفته للحوادث لا بمخالفة الحوادث له على الظاهر وإن تلازما لأن الملاحظ في الأول ارتفاع مجده وتقدسه عن مشابهتهم وهو صفة له وفي الثاني انحطاطهم عن مشابهته وقصورهم عنها وهو ليس صفة ا ه
وما في الجواهر للشيخ جلال الدين من أنه لا يجوز الحلف بصفة الفعل ولا يجب فيه كفارة مبني على أن صفات الأفعال أمور اعتبارية تتجدد بتجدد المقدور وأنها حادثة كما يقول الأشاعرة وبالجملة فصفات الله وأسماؤه نوعان نوع ينعقد القسم بذاته من غير توقف على إرادة ونوع لا ينعقد القسم بذاته بل يتوقف على إرادة وسيأتي في الفرق الذي بعد هذا الفرق توضيح النوعين فترقب
وأما الإقسام أي الحلف عليه تعالى بغيره من بعض مخلوقاته بأن يقال بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم عليك أو بحرمة الأنبياء والصالحين إلا غفرت لنا أو بحق الملائكة المقربين إلا سترت علينا أو بحرمة البيت الحرام والطائفين والقائمين والركع السجود إلا هديتنا هديهم وسلكت بنا سبيلهم فقد اختلفوا في جوازه لوروده في بعض الأحاديث ومنعه لأنه قسم وتعظيم بالقسم بغير الله تعالى وقد توقف في هذا بعض العلماء ورجح عنده التسوية بين الحلف بغير الله وبين الحلف على الله تعالى بغيره وقال الكل قسم وتعظيم قلت وفي حاشية الشيخ علي العدوي على الخرشي في باب اليمين
وأما التوسل ببعض مخلوقاته فجائزة وأما الإقسام على الله تعالى في الدعاء ببعض مخلوقاته كقوله يعني الداعي بحق محمد اغفر لنا فخاص به صلى الله عليه وسلم ا ه
يعني إذا لاحظ الداعي جعل الباء للقسم وإلا كان توسلا لا إقساما يشهد لذلك أمران الأول قوله وأما الإقسام إلى آخره الثاني ما ذكره العلامة الشيخ علي الأجهوري في فتاويه من أن العز بن عبد السلام قال إن صح ما جاء في بعض الأحاديث من أن النبي صلى الله عليه وسلم علم بعض الناس الدعاء فقال له في أوله قل اللهم إني أقسم عليك بنبيك محمد نبي الرحمة فينبغي أن يكون مقصورا عليه صلى الله عليه وسلم لأنه سيد ولد آدم وأن لا يقسم على الله بغيره من الأنبياء وغيرهم لأنهم ليسوا في درجته صلى الله عليه وسلم ا ه
وخالفه ابن عرفة واستدل بما يدل له بل إنما يدل لجواز التوسل ببعض المخلوقات وهو غير الإقسام وقد نبه على ذلك الحطاب ا ه
كلام الأجهوري وتبع ابن عرفة في قوله بجواز الإقسام بغيره صلى الله عليه وسلم العلامة ابن حجر في شرح العباب كما يعلم بالوقوف عليه وعلى ما نقل عن فقهاء الأحناف من تحريم قول الداعي بحق محمد وبحق فلان ا ه
فمحمول إما على ملاحظة الداعي الإقسام أو قصده الحق بمعنى الواجب كما هو ظاهر تعليلهم بقولهم لأنه لا حق لأحد على الله أما إذا لاحظ به التوسل أو قصد الحق بمعنى الرتبة والمنزلة لديه تعالى أو الحق الذي جعله الله له على الخلق وعليه بفضله للخلق كما في الحديث الصحيح قال فما حق العباد على الله فلا يحرم عليه ذلك القول كما هو مقتضى الأدلة الواردة في جواز التوسل
وما رواه زروق عن مالك من كراهة التوسل فإنما يصح بحمل الكراهة على التحريمية والتوسل على الإقسام إذ لو لم يحمل على ذلك
59
59
الفرق الخامس والعشرون والمائة بين قاعدة ما مدلوله قديم من الألفاظ فيجوز الحلف به وبين قاعدة ما مدلوله حادث فلا يجوز الحلف به ولا تجب به كفارة اعلم أن الألفاظ انقسمت باعتبار هذا المطلب ثلاثة أقسام قسم علم أن مدلوله قديم
هامش أنوار البروق
قال الفرق الخامس والعشرون والمائة بين قاعدة ما مدلوله قديم من الألفاظ فيجوز الحلف به وبين قاعدة ما مدلوله حادث فلا يجوز الحلف به ولا تجب به كفارة إلى قوله فهذان القسمان لا يقصدان بهذا الفرق لوضوحهم
هامش إدرار الشروق
لعارضه ما نقله القاضي عياض في الشفاء عن الإمام مالك رضي الله تعالى عنه أنه لما سأله جعفر المنصور عن استقبال القبر حين الدعاء أو استقبال القبلة قال له ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم قبلك بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله فيك قال الله تعالى ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم الآية قال العلامة ابن حجر في الجوهر المنظم رواية ذلك عن الإمام مالك جاءت بالسند الصحيح الذي لا مطعن فيه وقال العلامة الزرقاني في شرح المواهب ورواها ابن فهد بإسناد جيد ورواها القاضي عياض في الشفاء بإسناد صحيح رجاله ثقات ليس في إسنادها وضاع ولا كذاب على أنها قد عضدت بجريان العمل وبالأحاديث الصحيحة الصريحة في جواز التوسل التي يعضد بعضها بعضا وبظاهر استسقاء عمر بالعباس رضي الله عنهما بل مما يعين حمل رواية زروق المذكورة على ما ذكروا وبطلانها رأسا أن زروقا نفسه في شرحه لحزب البحر قال بعد ذكر كثير من الأخيار اللهم إنا نتوسل إليك بهم فإنهم أحبوك وما أحبوك حتى أحببتهم فيك إياهم وصلوا إلى حبك ونحن لم نصل إلى حبهم فيك فتمم لنا ذلك مع العافية الكاملة الشاملة حتى نلقاك يا أرحم الراحمين وله في التوسل قصيدة مشهورة فمن هنا قال العلامة الزرقاني على المواهب وقول ابن تيمية ومالك من أعظم الأئمة كراهية لذلك خطأ قبيح فإن كتب المالكية طافحة باستحباب الدعاء عند القبر مستقبلا له مستدبرا للقبلة وممن نص على ذلك أبو الحسن القابسي وأبو بكر بن عبد الرحمن والعلامة خليل في منسكه ونقله في الشفاء عن ابن وهب عن مالك قال إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة ويدنو ويسلم ولا يمس القبر بيده ا ه
فتأمل ذلك فهذا تحقيق الفرق بين قاعدة ما يجب توحيد الله تعالى به وتوحده وبين قاعدة ما لا يجب والله أعلم
الفرق الخامس والعشرون والمائة بين قاعدة ما مدلوله قديم من الألفاظ فيجوز الحلف به وبين قاعدة ما مدلوله حادث فلا يجوز الحلف به ولا تجب به كفارة الألفاظ باعتبار جواز الحلف بها وعدم جوازه ثلاثة أقسام القسم الأول ما علم أن مدلوله قديم فيجوز وينعقد القسم بذاته من غير توقف على إرادة وتلزم الكفارة بالحنث كلفظ الله ونحوه من الأسماء الحسنى وإن قالت المعتزلة إنها ألفاظ وهي حادثة وقسمها
60
60
كلفظ الله ونحوه وقسم علم أن مدلوله حادث كلفظ الكعبة ونحوها فهذان القسمان لا يقصدان بهذا الفرق لوضوحهما وقسم مشكل على أكثر الطلبة فهو المقصود بهذا الفرق وهو سبعة ألفاظ اللفظ الأول أمانة الله تعالى من حلف بها جاز ولزمته الكفارة بها إذا حنث لأن أمانته تعالى تكليفه وهو أمره ونهيه بالكلام النفسي وهو قديم ويدل على ذلك قوله تعالى إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال إلى قوله ظلوما جهولا قال العلماء معناه أن الله تعالى عرض التكاليف على السموات والأرض والجبال وقال لهن إن حملتن التكاليف وأطعتن فلكن الثواب الجزيل وإن عصيتن فعليكن العذاب الوبيل فقلن لا نعدل بالسلامة شيئا ثم عرضت على الإنسان فالتزم ذلك فأخبر الله تعالى أنه كان ظلوما لنفسه جهولا بالعواقب فلا جرم هلك من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون وسلم من كل ألف واحد كما جاء في الحديث الصحيح والكلام القديم صفة الله تعالى وهذا أيضا يتبع العرف والعادة فإذا جاء عرف آخر يشتهر فيه هذا اللفظ في الأمانة المأمور بها التي هي فعلنا في حفظ الودائع وغيرها من
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله في ذلك صحيح قال وقسم مشكل على أكثر الطلبة قلت ما قاله في ذلك إلى قوله وتلزم به الكفارة صحيح قال فإن قلت البقاء والعمر ونحوهما من الألفاظ لاستمرار الوجود مع الأزمنة كما تقدم إلى آخر ما أجاب به عن هذا السؤال قلت كيف يقول متى أراد الحالف تلك النسبة التي هي مدلول اللفظ امتنع وسقطت الكفارة بناء على تسليم أن المقصود بذلك اللفظ أمر عدمي لأنه نسبة والنسبة عدمية وقد قال بعد هذا في الفرق السادس والعشرين وفي القسم الثالث من الصفات إن الوحدانية سلب الشريك واختار انعقاد اليمين
هامش إدرار الشروق
الشمس السمرقندي في الصحائف إلى قديم وحادث والحادث إلى مشتق من فعله تعالى كالخلاق الرزاق المحيي المميت ومشتق من فعلنا كالمعبود والمشكور لأن معنى قدمها ما نقله العلامة الملوي عن سيدي محمد بن عبد الله المغربي من أن كلام الله تعالى القديم أسماء له هي المحكوم عليها بالقدم كما أن منه أمرا ونهيا إلخ والمراد بالتسمية القديمة دلالة الكلام أزلا على معاني الأسماء وذلك من غير تبعيض ولا تجزئة في نفس الكلام مع تفويض كنه ذلك له تعالى واقتصروا في أقسام الكلام الاعتبارية على الأهم باعتبار ما ظهر لهم إذ ذاك فلا يرد عدم ذكرهم أسماء منها كيف ومدلوله لا يدخل تحت الحصر وليس معنى القدم هنا عدم الأولية كما تقول المعتزلة بل معناه إنها موضوعة قبل الخلق أي إن الله تعالى وضعها لنفسه قبل إيجادنا ثم ألهمها للنور المحمدي ثم للملائكة ثم للخلق كما في الأمير على عبد السلام على جوهرة التوحيد فافهم وكالوجود ونحو القدرة والاقتدار أي الكون قادرا والقدم من صفاته تعالى النفيسة والمعاني والمعنوية والسلبية كما مر عن العلامة الأمير
القسم الثاني
ما علم أن مدلوله حادث كلفظ الكعبة ونحوها فلا يجوز ولا ينعقد القسم به أصلا قال العلامة الأمير في ضوء الشموع
وأما الألفاظ الأجنبية بالمرة نحو والحيوان فلا ينعقد على الصحيح
61
61
الأمانات كقوله تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ويكون ذلك عرف قطر من الأقطار الآن فإن الحلف حينئذ بها من غير نية تصرف اللفظ للأمانة القديمة لا يجوز أو يكره على الخلاف
وإذا كانت مشتهرة في القديم وصرفها الحالف بالنية إلى الحادث امتنع الحلف وسقطت الكفارة فهذا معنى هذا اللفظ وضابطه اللفظ الثاني قولنا عمر الله ولعمر الله معنى هذين اللفظين البقاء فبقاء الله عز وجل استمرار وجوده مع الأزمان فوجوده ذاته تعالى فهو قديم يجوز الحلف به وتلزم به الكفارة فإن قلت البقاء والعمر ونحوهما من الألفاظ لاستمرار الوجود مع الأزمنة كما تقدم واستمرار وجود الشيء مع الأزمنة نسبة بين وجود الشيء والزمان والنسبة أمر عدمي فإذا قلنا بجواز الحلف بعمر الله وهو بقاؤه ولزوم الكفارة به لزمنا أن نقول بجواز الحلف بقبلية الله تعالى وبعديته ومعيته فإن الله تعالى قبل كل حادث ومع كل حادث وبعد كل حادث إذا فني ذلك الحادث وما هو قابل للتجدد كالبعدية والمعية أو الفناء كالقبلية كيف يجوز الحلف به وكيف تلزم به كفارة وكذلك القول في بقية النسب والإضافات التي تعرض
هامش أنوار البروق
بها وكذلك اختاره في تسبيح الله تعالى وتقديسه وعلل ذلك بكونها سلوبا قديمة فكان حقه أن يلتزم مثل ذلك في القبلية والمعية والبعدية لكونها أيضا سلوبا قديمة لأنها نسب والنسب سلوب فما قاله هنا ليس بالقوي عندي ولا بالصحيح والصحيح أن هذه الأمور المضافة إلى الله تعالى متى عني بها أمر قديم سواء كانت إثباتا أو سلبا فاليمين بها منعقدة والله تعالى أعلم ومتى عني بها أمر حادث فاليمين غير منعقدة بها وقصد الأمر القديم بها هو عرف الشرع ولم يحدث عرف يناقضه فيتغير الحكم لذلك
قال اللفظ الثالث عهد الله تعالى إلى قوله ولا كفارة فيه حينئذ قلت ما قاله في ذلك صحيح
هامش إدرار الشروق
ولو نوى به معنى قديما ولا يجوز ذلك فليس كالطلاق إن نوى بأي لفظ لزم نعم إن جعله على حذف مضاف أي ورب الحيوان ولا ينعقد اليمين بالنية ولا بالكلام النفسي بالأولى من الطلاق ا ه بلفظه
القسم الثالث
ما لم يعلم قدم مدلوله ولا حدوثه فلا ينعقد الحلف بذاته بل يتوقف على الإرادة للمعنى القديم أو لم ينو شيئا كما في ضوء الشموع فافهم وهذا القسم لعدم وضوحه هو المقصود بهذا الفرق دون الأولين والذي ذكره الأصل من ألفاظ هذا القسم تسعة اللفظ الأول أمانة الله فإنه كما يطلق على القديم وهو أمره ونهيه بالكلام النفسي الذي هو صفة الله تعالى لقوله تعالى إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال إلى قوله ظلوما جهولا قال العلماء معناه أن الله تعالى عرض التكاليف على السماوات والأرض والجبال وقال لهن إن حملتن التكاليف وأطعتن فلكن الثواب الجزيل وإن عصيتن فلكن العذاب الوبيل فقلن لا نعدل بالسلامة شيئا ثم عرضت على الإنسان فالتزم ذلك فأخبر الله تعالى أنه كان ظلوما لنفسه جهولا بالعواقب فلا جرم هلك من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون وسلم من كل ألف واحد كما جاء في الحديث الصحيح كذلك يطلق على الحادث وهو فعلنا في حفظ الودائع وغيرها من الأمانات في قوله تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا
62
62
لذات الله تعالى وتزول كالتعلقات في الصفات وغيرها قلت سؤال حسن صحيح وأنا أقول متى أراد الحالف تلك النسبة التي هي مدلول اللفظ لغة امتنع وسقطت الكفارة ومتى نقلها العرف إلى أمر وجودي قديم جاز ولزمته الكفارة
وعليه العرف اليوم وهو الذي أفتى به مالك أن المراد بالعمر والبقاء الباقي فهو مجاز لغوي حقيقة عرفية فإن تغير العرف تغير الحكم كما تقدم قبل هذا
اللفظ الثالث عهد الله قال مالك يجوز الحلف به وتلزم به الكفارة وأصل هذا اللفظ في اللغة الالتزام والإلزام قال الله تعالى وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم معناه أوفوا بتكاليفي أوف لكم بثوابي الموعود به على الطاعة ومنه العهدة في البيع أي ما يلزم من الرد بالعيب ورد الثمن في الاستحقاق ومنه قوله تعالى والموفون بعهدهم إذا عاهدوا أي بما التزموا ومنه عهدة الرقيق أي ما يلزم فيه وهو كثير في مواد الاستعمال فعهد الله تعالى إلزامه لخلقه تكاليفه وإلزامه أمره ونهيه وأمره ونهيه كلامه القديم وكلامه القديم صفته وصفته القديمة يجوز الحلف بها كما تقدم على الخلاف في ذلك
هامش أنوار البروق
قال فإن قلت إلى قوله وهذا القسم هو المنقول عن مالك في المدونة قلت ما قاله في ذلك صحيح قال وأما لك علي عهد الله إلى قوله لأن الأصل عدم النقل وبراءة الذمة قلت فيما قاله في ذلك نظر فإن قول القائل لك علي عهد الله وأعطيك عهد الله يحتمل أن يجري هذان اللفظان مجرى علي عهد الله لقرينة الحال المشعرة بتأكيد الالتزام باليمين ويحتمل أن يجري مجرى أعاهد الله فعلى الاحتمال الأول تنعقد اليمين وتلزم الكفارة عند الحنث وعلى الاحتمال الثاني يقع التردد وأما القول بعدم انعقاد اليمين بذينك اللفظين فذلك ضعيف والله تعالى أعلم
هامش إدرار الشروق
الأمانات إلى أهلها
فيتبع الحلف به العرف والعادة وقد جرى بإطلاقه على القديم العرف فيجوز الحلف به وتلزم الكفارة بالحنث إلا أن ينوي الحالف به المعنى الحادث فحينئذ يمنع الحلف به وتسقط الكفارة كما إذا تغير العرف وجرى بإطلاقه على الحادث في قطر من الأقطار فلا يجوز الحلف به أو يكره على الخلاف وتسقط الكفارة إلا أن ينوي به الحالف القديم فيجوز حينئذ الحلف به وتلزم بالحنث الكفارة وفي مجموع الأمير وشرحه انعقاد اليمين بالله إن لم ينو معنى حادثا أي ما جعله بين عباده بأن نوى قديما أو لم ينو شيئا ا ه
اللفظ الثاني قولنا عمر الله أو لعمر الله أفتى مالك رحمه الله تعالى بانعقاد اليمين به ولزوم الكفارة بالحنث نظرا لجريان العرف بإطلاقه على القديم وهو بقاء الله تعالى الذي هو من صفات السلوب القديمة فإن تغير العرف وجرى بإطلاقه على أمر حادث في قطر من الأقطار لم ينعقد اليمين به بل قال ابن الشاط
63
63
فإن أريد بعهد الله تعالى العهد الحادث الذي شرعه نحو قوله تعالى إلا الذين عاهدتم من المشركين ونحوه من العهود التي بين خلقه اندرج في الحلف الممنوع وسقطت الكفارة
وكذلك إذا اشتهر اللفظ فيه عادة وعرفا امتنع ولا كفارة فيه حينئذ فإن قلت الإضافة تكفي فيها أدنى ملابسة كما نص عليها النحاة ويكون اللفظ حقيقة ومثله بقول أحد حاملي الخشبة شل طرفك فجعل طرف الخشبة طرفا للحامل بسبب الملابسة زمن الحمل وتقول حج البيت وصوم رمضان وتكون الإضافة حقيقة وهذا متفق عليه وإذا كانت الإضافة حقيقية والعهد بأدنى ملابسة صدقت في قولنا على عهد الله بأدنى ملابسة وذلك قدر مشترك بين إضافة العهد القديم والعهد الحادث والدال على الأعم غير دال على الأخص فلا يدل قولنا عهد الله على خصوص القديم فلا يتعين المعنى المقتضي للجواز وللزوم الكفارة فلم قضيتم بالجواز ولزوم الكفارة بمجرد الإطلاق من غير نية قلت سؤال حسن قوي غير أن هذه الإضافة الخاصة لم نستفدها من مجرد اللغة بل
هامش أنوار البروق
قال وبقي قسم خامس لم أره لأصحابنا إلى منتهى ما قاله في هذا القسم قلت ما قاله في ذلك صحيح
قال اللفظ الرابع علي ذمة الله إلى آخر ما قاله قلت والأظهر في هذا اللفظ وشبهه أنه إنشاء للقسم عرفا ولذلك رأى مالك فيه الكفارة والله تعالى أعلم قال اللفظ الخامس كفالة الله قلت وهذا اللفظ أيضا كلفظ الذمة وما اشتغل به من ذكر مرادفاته واشتقاقها لا حاجة إليه في الفقه والله تعالى أعلم
هامش إدرار الشروق
ومثل ذلك يقال في قبلية الله تعالى ومعيته وبعديته فإن الله تعالى قبل كل حادث ومع كل حادث وبعد كل حادث إذا فني الحادث فهي نسب وإضافات والنسب سلوب والصحيح أن الأسرار المضافة إلى الله تعالى متى عني بها أمر قديم سواء كانت إثباتا أو سلبا فاليمين بها منعقدة ومتى عني بها أمر حادث فاليمين غير منعقدة بها وقصد الأمر القديم بها هو عرف الشرع ولم يحدث عرف يناقضه فيتغير الحكم لذلك والله تعالى أعلم
قلت وانظر قوله وقصد الأمر القديم به هو عرف الشرع إلخ مع ما سيأتي له من أن العرف الشرعي لا يتغير حكمه وإن تغير العرف بخلاف العرف الزماني وحرر
اللفظ الثالث عهد الله قال الشيخ أبو الحسن اللخمي العهد أربعة أقسام تلزم الكفارة في واحد وهو علي عهد الله كما أفتى بذلك مالك رحمه الله تعالى وتسقط في اثنين وهما لك علي عهد الله وأعطيك عهد الله ويختلف في الرابع وهو أعاهدك الله اعتبره ابن حبيب وأسقطه ابن شعبان قال وهو أحسن ا ه
قال الأصل وبقي خامس وهو قوله وعهد الله لقد كان كذا بواو القسم فهذا وإن لم أره لأصحابنا وكان مشاركا للأول الذي أفتى مالك بلزوم الكفارة به في أن عهد الله فيها لم يدل على
64
64
باشتهار عرفي في العهد القديم وعلى هذا ينبغي أن يعتبر العرف في كل وقت هل هو كذلك فتجب الكفارة
ويتحقق الجواز أو ليس كذلك فلا يتحقق الجواز ولا الكفارة ولأجل هذا التردد قال الشيخ أبو الحسن اللخمي العهد أربعة أقسام تلزم الكفارة في واحد وتسقط في اثنين ويختلف في الرابع فالأول علي عهد الله والاثنان لك علي عهد الله وأعطيك عهد الله والرابع أعاهدك الله اعتبره ابن حبيب وأسقطه ابن شعبان قال وهو أحسن وسبب هذا التقسيم اختلاف القرائن اللفظية والمعنوية المقترنة بهذا اللفظ فالأول لما قال علي عهد الله فأشعرت لفظة علي بتكليف الله تعالى وإلزامه وأن تكليف الله تعالى واقع عليه أو موظف عليه فناسب اللزوم كما لو قال علي الطلاق أي يلزمني تحريم الطلاق فإن علي معناها اللزوم لما فيها من الإشعار بالضرر ولذلك تقول شهد عليه إذا أضر به وشهد له إذا نفعه وهذا القسم هو المنقول عن مالك رضي الله عنه في المدونة وأما لك علي عهد الله فلم يلتزمه لله ولكن للمحلوف له فلا يلزمه شيء وأعطيك عهد الله فهو وعد منه للمخاطب بأنه يعاهده في المستقبل فهذا القسم أبعد عن اللزوم
وأما الرابع وهو
هامش أنوار البروق
قال وهنا أربع تنبيهات إلى آخر ما قاله فيها قلت ما قاله في ذلك صحيح والذي يظهر من مالك رحمه الله أنه كان يرى ذلك عرفا في زمانه أو عرفا شرعيا فأما إن كان عرفا زمانيا فإنه إذا تغير تغير الحكم وأما إن كان عرفا شرعيا فلا يتغير الحكم وإن تغير العرف والله تعالى أعلم قال اللفظ السادس الميثاق إلى آخر ما قاله فيه قلت ما قاله صحيح غير قوله والقسم أيضا يرجع إلى الكلام لأنه خبر عن تعظيم المقسم به فإن المقسم ليس خبرا عن تعظيم المقسم به بل هو نوع من أنواع الإنشاء
هامش إدرار الشروق
خصوص العهد القديم بل إنما يدل على القدر المشترك بين العهد القديم وهو إلزامه تعالى لخلقه أمره ونهيه بكلامه النفسي القديم الذي هو صفته تعالى كما في قوله تعالى وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم فإن معناه أوفوا بتكليفي أوف لكم بثوابي الموعود به على الطاعة وبين العهد الحادث وهو الذي شرعه لخلقه كما في قوله تعالى والموفون بعهدهم إذا عاهدوا أي بما التزموه وقوله تعالى إلا الذين عاهدتم من المشركين ونحوه من العهود التي بين خلقه كالعهدة في البيع أي ما يلزم من الرد بالعيب ورد الثمن في الاستحقاق وعهدة الرقيق أي ما يلزم فيه وهو كثير في مورد الاستعمال أضيف إليه تعالى لأدنى ملابسة وهي ملابسة تشريعه لعباده وقد اتفق النحاة على أنها إضافة حقيقية إلا أنه عندي قسم صريح بصفة من صفات الله تعالى فينبغي أن تلزم به الكفارة كما لو قال وأمانة الله وكفالته بل هذا عندي بسبب حرف القسم الذي هو حقيقة لغوية صريحة في إنشاء القسم ا ه
أصرح في الدلالة على العهد القديم من القسم الأول الذي نص مالك على لزوم الكفارة به أعني قوله علي عهد الله لأنه إخبار بالتزام ما لا ينذر من العهد القديم والإخبار بذلك كذب فلا يصير موجبا للكفارة إلا بإنشاء عرفي ونقل عادي ألا ترى إلى اختلاف العلماء في قوله علي الطلاق أو الطلاق يلزمني هل هو
65
65
أعاهدك الله فيحتمل أن يكون خبرا معناه إنشاء المعاهدة والإلزام كإنشاء الشهادة بلفظ المضارعة نحو أشهد عندك بكذا وإنشاء القسم بالمضارع أيضا نحو أقسم بالله لقد كان كذا ويحتمل أن يكون خبرا وعدا على بابه فلا يلزم به شيء كما لو أخبر عن الطلاق بغير إنشاء فإنه يلزمه طلاق فمن لاحظ الإنشاء ألزم ومن لاحظ الخبر لم يلزم قال أبو الحسن اللخمي وهو أحسن لأن الأصل عدم النقل وبراءة الذمة
وبقي قسم خامس لم أره لأصحابنا وهو أن يقول وعهد الله لقد كان كذا بواو القسم فهذا قسم صريح بصفة من صفات الله تعالى فينبغي أن تلزم به الكفارة كما لو قال وأمانة الله وكفالته وبقي فيه إشكال الإضافة الذي تقدم ذكره وهل المضاف العهد القديم أو الحادث فيحتاج إلى نقل عرفي وهذا القسم عندي أصرح مما نص عليه مالك من قوله علي عهد الله فإن أداة القسم مفقودة فيه وإنما فيه إشارة إلى أنه التزم عهد الله وليس هو مما ينذر حتى يلتزم كقوله لله علي صوم كذا وقد اختلف العلماء في قوله علي الطلاق أو الطلاق يلزمني هل هو صريح أو كناية بسبب أن الطلاق لا يلزم أحدا فالإخبار عن لزومه كذب فلا يصير
هامش أنوار البروق
قال اللفظ السابع أيمن الله قلت ما حكاه من الاشتقاق وغيره لا كلام فيه لأنه نقل وما قاله من أنه إذا قال أيمان المسلمين تلزمني أنه حالف بمحدث لأن أيمان المسلمين حلفهم وهو محدث ليس بصحيح فإن القائل ذلك إنما يقوله في حال يقتضي تأكيد خبره الذي يحلف عليه وذلك قرينة تصرف قوله ذلك إلى قصده إلى ما يؤكد به الخبر شرعا أو إلى ما يلزم مقتضاه شرعا فعلى التقدير الأول يلزمه جمع يمين بالله تعالى إذ هو اليمين الشرعي وأقل ذلك ثلاثة أيمان فإذا حنث يلزمه ثلاث كفارات وقد قيل بذلك وعلى التقدير الثاني يلزمه كل ما يلزمه شرعا من يمين ونذر وطلاق وعتق
هامش إدرار الشروق
صريح أو كناية نظرا لكون الطلاق لا يلزم أحدا فالإخبار عن لزومه كذب فلا يصير موجبا إلا بإنشاء عرفي ونقل عادي ا ه ملخصا
وفي المجموع وشرحه انعقاد اليمين بعهد الله إن لم ينو معنى حادثا أي ما عاهد به إبراهيم من تطهير البيت بأن نوى قديما أو لم ينو شيئا قال ابن الشاط وقول اللخمي بعدم انعقاد اليمين وسقوط الكفارة بقول القائل لك علي عهد الله وأعطيك عهد الله ضعيف والراجح أن هذين اللفظين يحتمل أن يجريا مجرى علي عهد الله لقرينة الحال المشعرة بتأكيد الالتزام باليمين ويحتمل أن يجريا مجرى أعاهدك الله فعلى الاحتمال الأول تنعقد اليمين وتلزم الكفارة عند الحنث وعلى الاحتمال الثاني يقع التردد ا ه
قال اللفظ الرابع علي ذمة الله إلى آخر ما قاله قلت والأظهر في هذا اللفظ وشبهه أنه إنشاء للقسم عرفا ولذلك رأى مالك فيه الكفارة والله تعالى أعلم اللفظ الرابع قوله علي ذمة الله قال ابن الشاط رأى مالك فيه الكفارة نظرا لكونه وشبهه أي كعلي علم الله أو علي إرادة الله أو علي بصر الله أو علي سمع الله إنشاء للقسم عرفا ا ه
قال الأصل وكذا تلزم الكفارة بقوله وذمة الله بواو القسم بل هذا وإن شارك قوله علي ذمة الله في عدم دلالة ذمة الله فيهما على خصوص الذمة القديمة بل على القدر المشترك بين الذمة القديمة والذمة الحادثة وذلك أن الذمة لغة الالتزام
والالتزام إما قديم وهو إخباره تعالى بكلامه النفسي القديم بحفظ عبده
66
66
موجبا للزوم إلا بإنشاء عرفي ونقل عادي وأما حرف القسم فحقيقة لغوية صريحة في القسم بقديم أو حادث وإشكال الإضافة مشترك بين القسمين وامتاز هذا بصراحة القسم اللفظ الرابع قولنا علي ذمة الله قال مالك تلزم به الكفارة ومعنى ذمة الله تعالى التزامه لأن معنى الذمة في اللغة هو هذا ومنه عقد الذمة للكفار أي التزامنا لهم عصمة النفوس والأموال والأعراض وما معها ومنه الذمام إذا وعده والتزم له أن لا يخذله وأن ينصره على من يقصده بسوء ومنه قول الفقهاء له في ذمته دينار والعقد وارد على الذمة فإن الذمة في الشريعة معنى مقدر في المكلف يقبل الإلزام والالتزام ولذلك إذا اتصف بعد الرشد بالسفه يقال خربت ذمته وذهبت ذمته وإذا مات خربت ذمته أي المعنى الذي كان يقدر لم يبق مقدرا وتقول العرب فلان يفي بذمته أي بما التزمه وخفر ذمة فلان إذا خانها وهذا كله راجع للإخبار عن الالتزام أو معناه
وجاء في الحديث من قال كذا وكذا كان في ذمة الله أي أن الله تعالى التزم له عند هذا القول حفظه من المكاره
هامش أنوار البروق
وصدقة وقد قيل بذلك وما قاله من أن ذلك من باب لزوم الأحكام بدون أسبابها ليس بصحيح بل ذلك من باب لزوم الأحكام بأسبابها عند القائلين بلزوم الكفارات على التقدير الأول أو القائلين بلزوم جميع ما يلزم شرعا بالتزامه على التقدير الثاني وغاية ما في ذلك أن قائل أيمان المسلمين تلزمني لم يصرح فيه بلفظ اليمين الشرعي ولا بالملتزم الشرعي ولكنه يفهم من القرائن أنه عني اليمين الشرعي أو الملتزم الشرعي ومذهب مالك عدم اشتراط معينات الألفاظ فلزوم بمقتضى اليمين الشرعي أو الملتزمات الشرعية جار على مذهبه والله أعلم
هامش إدرار الشروق
من المكاره الذي عناه في حديث من قال كذا وكذا كان في ذمة الله أي أن الله التزم له عند هذا القول حفظه من المكاره فإن التزام الله تعالى راجع إلى خبره فهو نوع آخر من الكلام غير نوع العهد فإن العهد يرجع إلى الأمر والنهي كما علمت وإما حادث وهو الذي شرعه الله تعالى لخلقه كعقد الذمة للكفار أي التزامنا لهم عصمة النفوس والأموال والأعراض وما معها مما أمر به وجوبا في بعض الصور وكالتزام أنواع البر والإحسان مما يؤمر به وجوبا بل ندبا وكالتزام الإنسان الأثمان في البياعات والأجر في الإجارات مما يرجع للإخبار عن الالتزام أو معناه من غير وجوب فيه ولا ندب ومنه الذمام إذا وعده والتزم له أن لا يخذله وأن ينصره على من يقصده بسوء ومنه قول الفقهاء له في ذمته دينار والعقد وارد على الذمة فإن الذمة في الشريعة معنى مقدر في المكلف يقبل الإلزام والالتزام ولذلك إذا اتصف بعد الرشد بالسفه يقال خربت ذمته وذهبت ذمته وإذا مات خربت ذمته أي المعنى الذي كان يقدر لم يبق مقدرا أضيف إليه تعالى لأدنى ملابسة وهي ملابسة تشريعه لعباده
وقد اتفق النحاة على أنها إضافة حقيقية إلا أن هذا بسبب أداة القسم التي هي حقيقة لغوية صريحة في إنشاء القسم أصرح عندي في الدلالة على إنشاء القسم بالذمة القديمة من قوله علي ذمة الله الذي رأى مالك فيه الكفارة لأنه إخبار بالتزام ما لا ينذر من الذمة القديمة والإخبار بذلك كذب فلا يصير موجبا للكفارة لولا ثبوت نقله وما أشبهه من نحو علي
67
67
والتزام الله تعالى راجع إلى خبره فهو نوع آخر من الكلام غير نوع العهد فإن العهد يرجع إلى الأمر والنهي والذمة إلى الخبر والكل كلام نفسي فهما نوعان منه فافهم ذلك غير أن هذا المعنى يقتضي أن يكون القسم به وذمة الله بواو القسم فيكون صريحا في القسم لغة
ويبقى إشكال الإضافة فيه من جهة أن ذمة الله تعالى تصدق المعنى القديم كما تقدم وتصدق أيضا بإضافة المعنى المحدث إليه تعالى باعتبار أنه شرعه لأن الذمة تارة تكون مأمورا بها وجوبا كعقد الجزية في بعض الصور وتارة لا يؤمر بها وجوبا بل ندبا كالتزام أنواع البر والإحسان وقد يخبرنا فيها من غير وجوب ولا ندب من قبله كالتزام الأثمان في البياعات والإجارة في الإجارات وعلى التقادير الثلاثة فهي مشروعة من قبله تعالى فتضاف إليه إضافة المشروعية كقولنا عبادة الله وطاعة الله وإذا احتملت الإضافة المعنيين لم يقض بأحدهما إلا بدليل منفصل وهذا الإشكال قائم فيما قاله مالك أيضا من قوله علي ذمة الله مضافا لعدم وجود أداة القسم
وأما علي فإيجابها للكفارة مشكل إلا أن يكون هناك نقل عرفي من
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
علم الله عرفا من الإخبار بالالتزام إلى إنشاء القسم وذلك لأن هذه الصيغ ليست قسما وإنما هي خبر والخبر ليس بقسم إجماعا والحمل على إنشاء القسم يتوقف على نقل الصيغة عن الخبر إليه وإلا فلا يتجه إلزام الكفارة واعتقاد أن هذا يمين ألبتة ا ه
اللفظ الخامس قوله علي كفالة الله أو علي ضمانة الله أو حمالة الله أو أذانة الله أو زعامة الله أو قبالة الله أو صبر الله أو عذارة الله أو كدانة الله فإن هذه الألفاظ التسعة مترادفة لغة على الخبر الدال على الضمان قال صاحب المقدمات الحميل والزعيم والكفيل والقبيل والأذين والصبير والضامن سبعة ألفاظ مترادفة يقال حمل يحمل حمالة فهو حميل وزعم يزعم زعامة فهو زعيم وكفل يكفل كفالة فهو كفيل وقبل يقبل قبالة فهو قبيل وأذن يأذن أذانة فهو أذين وصبر يصبر صبرا فهو صبير وضمن يضمن ضمانة فهو ضامن قال الله تعالى وقد جعلتم الله عليكم كفيلا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تكفل الله لمن جاهد في سبيله وابتغاء مرضاته لا يخرجه من بيته إلا الجهاد وابتغاء مرضاته أن يدخله الجنة أو يرده إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر وغنيمة والأذانة في قوله تعالى وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب أي التزم ذلك وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم وأصل الأذانة والأذان والأذين والإذن وما تصرف من هذا الباب الإعلام والكفيل معلم بأن الحق في جهته قال الله تعالى في الحمالة وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ا ه
وقال الله تعالى في القبالة أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أي ضامنا وقال تعالى في الزعامة حكاية عن منادي يوسف عليه السلام ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم وقال القاضي عياض في التنبيهات ومثل حميل عذير وكدين قال وأصل ذلك كله من الحفظ والحياطة قال والكفالة اشتقاقها من الكفل وهو الكساء الذي يحزم حول سنام البعير ليحفظ به الراكب والكفيل
68
68
الإخبار إلى القسم ألا ترى أنه لو قال علي علم الله أو علي إرادة الله أو علي بصر الله أو علي سمع الله لم يتجه إيجاب الكفارة لأن هذه الصيغ ليست قسما وإنما هي خبر والخبر ليس بقسم إجماعا والإنشاء العرفي بغير القسم لا يوجب كفارة فلا بد من النقل عن الخبر إلى إنشاء القسم وإلا فلا يتجه إلزام الكفارة واعتقاد أن هذا يمين ألبتة فتأمل هذه التنبيهات فالفقيه يحتاج إليها حاجة شديدة في الفقه والفتاوى والفروق وتحرير معاني الألفاظ اللفظ الخامس كفالة الله تعالى قال مالك إذا قال علي كفالة الله تعالى وحنث لزمته الكفارة ومعنى الكفالة لغة الخبر الدال على الضمان وهي القبالة ومنه قوله تعالى أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أي ضامنا والحمالة والأذانة والزعامة ومنه قوله تعالى عن منادي يوسف عليه السلام ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم أي ضامن والصبير قال صاحب المقدمات هي سبعة ألفاظ مترادفة الحميل والزعيم والكفيل والقبيل والأذين والصبير والضامن حمل يحمل حمالة فهو حميل وزعم يزعم زعامة فهو زعيم وكفل يكفل كفالة فهو كفيل وقبل يقبل قبالة فهو قبيل وأذن يأذن أذانة فهو أذين
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
حافظ لما التزمه والضامن من الضمن وهو الحرز وكل شيء أحرزته في شيء فقد ضمنته إياه والقبالة القوة ومنه قولهم مالي بهذا الأمر قبل ولا طاقة والقبيل قوة في استيفاء الحق والزعامة السيادة فكأنه لما تكفل به صار له عليه سيادة وحكم عليه والصبير من الصبر وهو الثبات والحبس ومنه المصبورة وهي المحبوسة للرمي بالسهام ومنه قتله صبرا أي حبسه حتى مات جوعا وعطشا والضامن حبس نفسه لأداء الحق والكدين من كدنت لك بكذا وكذا وقالوا عذيرك أي كفيلك وقال بعض الفضلاء الكفالة أصلها الضم ومنه سميت الخشبة التي تعمل في الحائط كفلا ومنه قوله تعالى وكفلها زكريا أي ضمها لنفسه والكفالة هي ضم ذمة إلى ذمة أخرى فصدق المعنى ا ه قال ابن الشاط والذي يظهر من مالك رحمه الله تعالى حيث قال إذا قال علي كفالة الله تعالى وحنث لزمته الكفارة ا ه
أنه كان يرى ذلك عرفا في زمانه أو عرفا شرعيا فإما إن كان عرفا زمانيا فإنه إذا تغير الحكم وإما إن كان عرفا شرعيا فلا يتغير الحكم وإن تغير العرف فلفظ الكفالة كلفظ الذمة والله تعالى أعلم ا ه
يعني أن قوله علي كفالة الله في الأصل خبر بالتزام ما لا ينذر من القدر المشترك بين الكفالة القديمة وهي وعده تعالى بكلامه النفسي القديم وبين الحادثة وهي أمران أحدهما وعده تعالى بالكلام اللفظي الحادث المنزل في القرآن وغيره من الكتب الدال على الكلام القديم فهو كفالة حادثة دالة على تلك الكفاية القديمة كما أن أمر الله تعالى اللفظي الذي هو وأقيموا الصلاة دليل أمره النفسي القائم بذاته وكذلك جميع الأحكام والأخبار وثانيهما التي ندبها صاحب الشرع لخلقه من ضمان بعضهم لبعض التي هي من فعلهم وقولهم أضيفت إليه تعالى لأدنى ملابسة وهي ملابسة تشريعية لعباده إذ الإنسان إنما يلتزم فعلا من كسبه وقدرته والقدر المشترك بين القديم والحادثين ليس كذلك بل لو نوى خصوص القديم لكان من قبيل قوله علي علم الله تعالى أو نحو ذلك وقد تقدم أنه يبعد في الفقه أن يجب عليه بهذا كفارة إذ كفارة اليمين بغير يمين ولا حنث لا تلزم المكلف لأن
69
69
وصبر يصبر صبرا فهو صبير وضمن يضمن ضمانة فهو ضامن قال الله تعالى وقد جعلتم الله عليكم كفيلا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تكفل الله لمن جاهد في سبيله وابتغاء مرضاته لا يخرجه من بيته إلا الجهاد وابتغاء مرضاته أن يدخله الجنة أو يرده إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر وغنيمة والأذانة في قوله تعالى وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب أي التزم ذلك وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم وأصل الأذانة والإذن والأذين والإذن وما تصرف من هذا الباب الإعلام والتكفيل معلم بأن الحق في جهته قال الله تعالى في الحمالة وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء
قال القاضي عياض في التنبيهات ومثل حميل عذير وكدين قال وأصل ذلك كله من الحفظ والحياطة قال والكفالة اشتقاقها من الكفل وهو الكساء الذي يحزم حول سنام البعير ليحفظ به الراكب والكفيل حافظا التزمه والضامن
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
لزوم المسبب بدون سببه غير واقع شرعا وجعله من قبيل ما إذا قال علي عشر كفارات أو مواثيق أو نذور وفي المدونة إذا قال ذلك لزمه عدد ما ذكر كفارات ا ه
غايته تصحيح كونه من باب الكفارة مجازا لا تصحيح كونه من باب الحلف والأيمان في شيء الذي كلامنا فيه ولا يصح كونه من باب الحلف إلا إذا جرى العرف الزماني بنقله من ذلك الأصل إلى إنشاء القسم بالكفالة القديمة بحيث يغلب الاستعمال عليه حتى يصير اللفظ يفهم منه المنقول إليه بغير قرينة نعم ذلك وإن وجد في زمان الإمام رحمه الله تعالى لم يوجد في زماننا فحينئذ لا تتجه الفتيا فيه بلزوم الكفارة على الإطلاق ضرورة تغير الحكم بتغير العرف الزماني فتعين أن الإمام كان يرى جريان العرف الشرعي بنقله من ذلك الأصل إلى الإنشاء المذكور وفي العرف الشرعي لا يتغير الحكم وإن تغير العرف فحينئذ تتجه الفتيا فيه بلزوم الكفارة على الإطلاق ويجري مثل ذلك في علي ضمان الله ونحوه من سائر المرادفات المذكورة قال الأصل ويلزمه الكفارة بقوله وكفالة الله أو أقسم بكفالة الله أو نحو ذلك من الصيغ الموضوعة للقسم بلا توقف على نية الحالف النقل إلى إنشاء القسم مجازا أو عليه الاستعمال عرفا في الإنشاء المذكور كما يتوقف على ذلك قوله علي كفالة الله كما علمت فهو أصرح منه من جهة أنه قسم مستغن عما ذكر وإن اشتركا في احتمال الكفالة الحادثة وكون إضافتها إليه تعالى لأدنى ملابسة ا ه
وفي المجموع وشرحه انعقاد اليمين بكفالة الله أي التزامه إن لم ينو معنى حادثا أي التزامه ما التزمه من الثواب بأن نوى قديما أو لم ينو شيئا ا ه
ويجري مثل ذلك في قوله وضمان الله أو أقسم بضمان الله ونحوه من الصيغ الموضوعة في سائر المترادفات المذكورة فافهم
قال اللفظ السادس الميثاق إلى آخر ما قاله فيه قلت ما قاله صحيح غير قوله والقسم أيضا يرجع إلى الكلام لأنه خبر عن تعظيم المقسم به فإن المقسم ليس خبرا عن تعظيم المقسم به بل هو نوع من أنواع الإنشاء اللفظ السادس قوله علي ميثاق الله قال مالك وأبو حنيفة وابن حنبل رحمهم الله تعالى يلزمه الكفارة به إذا حنث كعلي عهد الله وعلي كفالة الله ولا يتجه إلا إذا جرى بنقله من الإخبار بالالتزام المؤكد إلى إنشاء القسم إما عرف زماني وحينئذ فيتغير الحكم بتغير العرف وإما عرف شرعي وحينئذ لا يتغير الحكم وإن
70
70
من الضمن وهو الحرز وكل شيء أحرزته في شيء فقد ضمنته إياه والقبالة القوة ومنه قولهم ما لي بهذا الأمر قبل ولا طاقة والقبيل قوة في استيفاء الحق والزعامة السيادة فكأنه لما تكفل به صار له عليه سيادة وحكم عليه والصبير من الصبر وهو الثبات
والحبس ومنه المصبورة وهي المحبوسة المرمى بالسهام ومنه قتله صبرا أي حبسه حتى مات جوعا وعطشا والضامن حبس نفسه لأداء الحق والكدين من كدنت لك بكذا وكذا وقالوا عذيرك أي كفيلك وقال بعض الفضلاء الكفالة أصلها الضم ومنه سميت الخشبة التي تعمل في الحائط كفلا ومنه قوله تعالى وكفلها زكريا أي ضمها لنفسه والكفالة هي ضم ذمة إلى ذمة أخرى فصدق المعنى فتحرر أن الألفاظ المترادفة في هذا الباب تسعة وتكون كفالة الله تعالى وعده بما التزمه ووعده خبره وخبره كلامه النفسي فيكون الحالف قد حلف بكلامه النفساني فتلزمه الكفارة إذا حنث وهنا أربع تنبيهات الأول أن قوله علي يشعر بالالتزام وخبر الله تعالى كيف يصح التزامه وقد تقدم أنه لو قال علي علم الله تعالى وإرادته أو نحو ذلك بعد في الفقه أن يجب عليه بهذا كفارة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
تغير العرف وذلك لأن الميثاق لغة العهد الموثق باليمين الذي هو نوع من أنواع الإنشاء مأخوذ من التوثق وهو التقوية وهو أن العهد لغة الالتزام فميثاق الله بالإضافة عبارة عن التزامه تعالى المقوى بالقسم فيصدق بالقدر المشترك بين القديم وهو كلامه تعالى النفسي القديم الذي دلت عليه ألفاظ المواثيق القرآنية الأتية وبين الحادثين أحدهما ألفاظ المواثيق القرآنية نحو قوله تعالى قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير وقوله تعالى والشمس وضحاها إلى قوله قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها من الالتزامات القرآنية الكثيرة المؤكدة بالحلف فإن الأول التزام لفظي مؤكد بالحلف أي قوله وربي والثاني التزام لفظي مؤكد بالحلف أي قوله السابق والشمس وضحاها إلى قوله ونفس وما سواها دل على أن الله التزم التزاما مؤكدا بأن من زكى نفسه فإنه يجد عنده تعالى فلاحا وأن من دسا لها أي دسسها بالمعاصي فأبدلت إحدى السينين ألفا فإنه يجد عنده تعالى خيبة وثانيهما ما شرعه الله تعالى لنا بأن من أمره لنا تلتزم الحقوق الواجبة علينا للعباد وأن نزيل الريبة من صدور المؤمنين الذين هم أصحاب تلك الحقوق بتأكيد ذلك بالإيمان النافي لتلك الريبة أضيف إليه تعالى لأدنى ملابسة وهي ملابسة المشروعية كما في قوله تعالى ولا نكتم شهادة الله كما مر فلفظ علي ميثاق الله دائر بين ما هو موجب للكفارة وهو الميثاق القديم وبين ما هو ليس بموجب لها وهما الميثاقان الحادثان أعني اللفظي والمشروع في حقنا وهو حقيقة في أي واحد منها وقع أو كان مرادا والدائر بين الموجب وغير الموجب غير موجب لأن الأصل براءة الذمة حتى يتحقق الموجب كما هو القاعدة الشرعية المجمع عليها فمن هنا قال الشافعي رضي الله عنه العهد والكفالة والميثاق كنايات لا صرائح لترددها بين المعاني
71
71
ووجب أيضا أن يفهم لهذا الكلام معنى صحيح فإن التزام القديم الذي هو واجب الوجود كيف يصح وإنما يلتزم الإنسان فعلا من كسبه وقدرته فإن قلت الالتزام إنما جاء من جهة أن الحانث في هذه الأمور تجب عليه الكفارة والكفارة مقدورة يمكن التزامها ولذلك قال مالك في المدونة إذا قال على عشر كفارات أو مواثيق أو نذور لزمه عدد ما ذكر كفارات وهذا التزام صحيح
قلت كفارة اليمين غير يمين ولا حنث لا تلزم المكلف لأن لزوم المسبب بدون سببه غير واقع شرعا وحينئذ لا تكون هذه الكفارات لازمة له من حيث هي كفارات بل من حيث هي نذور وكأنه نذر والتزم بطريق النذر عشر كفارات فهذا صحيح غير أن هذا ليس من باب الحلف والأيمان في شيء ولا يكون اللفظ يعطي ذلك حقيقة بل مجازا فإن استعمال لفظ الكفالة فيما يلزم عنها إذا حلف بها وحنث مجاز والمجاز لا بد فيه من أحد أمرين إما نية المتكلم أو عرف اقتضى نقلا لهذا المجاز فأغنى عن النية فإن كان الواقع هو القسم الأول فينبغي أن لا يلزم شيء بهذه الصيغ وبهذا
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
القديمة وبين المحدثات فإن نوى القديمة وجبت الكفارة وإلا فلا ا ه
وقد مر عن المجموع وشرحه انعقاد اليمين بكفالة الله وعهد الله إن لم ينو معنى حادثا بأن نوى قديما أو لم ينو شيئا ا ه
ويجري في هذه الألفاظ مجموعة كعلي عهود الله أو علي كفالات الله أو علي مواثيق الله ما جرى فيها مفردة
اللفظ السابع قولنا وحق الله وحق الرحمن وحق الرحيم وحق العليم والجبار قال الشافعي من الكنايات لا الصرائح لأن لفظ الحق قد يطلق ويراد به حق الله تعالى على عباده من الطاعة والأفعال المطلوبة منهم وهي حادثة كالصلاة والصوم فلا يجب به كفارة حتى ينوي القديم وهو حق الله تعالى الذي هو أمره ونهيه النفساني الموظف على عباده وفي مجموع الأمير وشرحه انعقاد اليمين بحق الله أي استحقاقه إن لم ينو معنى حادثا أي الحقوق التي على العباد من العبادات التي أمر بها بأن نوى قديما أو لم ينو شيئا ا ه
وفي كنون على عبق وحق الله قدرته وعظمته وجلاله قاله في البيان وقال أبو زيد القابسي رحمه الله تعالى ما نصه في جواب للونشريسي لا يلزم الحالف بحق الله تعالى كفارة لأن حق الله أمره ونهيه أي أن يطيعوه ولا يخالفوه وأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا إلا أن يريد به اليمين فيجري على الخلاف في انعقاد اليمين بالنية ا ه
اللفظ الثامن ايمن الله بلغاته الأربع عشرة التي في قول ابن مالك همز أيم أيمن فافتح واكسرا وأم قل أو قل أو من بالتثليث قد شكلا وأيمن اختم به والله كلا أضف إليه في قسم تسوف ما نقلا وايمن الأخير بفتح الميم وكسر الهمزة في الرهوني على عبق ولابن رشد في رسم أوصى من سماع عيسى من كتاب الأيمان والنذور ما نصه أما ايم الله فلا إشكال في أنها يمين لأن ايم الله أو ايمن الله أو من الله كلها جاءت للعرب في القسم فمن النحاة من ذهب إلى أن الأصل فيها عندهم أيمن جمع يمين ثم
72
72
اللفظ وما تقدم البحث فيه قبل هذا إلا بالنية ولا يتحرر الذي يلزم المتكلم بها في الكفارة بل يحسب ما ينويه من كفارة أو كفارات أو بعض كفارة أو شيء آخر من باب المعروف المندوب إليه شرعا مما يمكن استعمال الكفالة فيه مجازا فالقول بأن اللازم الكفارة وتعيين ذلك اللزوم لا يصح إلا في بعض الصور وإن كان الواقع القسم الثاني وهو النقل العرفي فيلزم أن لا يلزم به في زماننا شيء فإنا لا نجد هذا النقل فيه فإن النقل إنما يحصل بغلبة الاستعمال عليه حتى يصير اللفظ يفهم منه المنقول إليه بغير قرينة
ونحن لا نجد ذلك في زماننا ويلزم أيضا إذا وجد هذا العرف وهذا النقل أن يراقب فيه اختلاف الأزمنة واختلاف الأقاليم والبلدان فكل زمان تغير فيه هذا العرف بطل فيه هذا الحكم وكل بلد لا يكون فيه هذا العرف لا يلزم فيه هذا الحكم فتأمل هذا فهو أمر لازم في قواعد الفقه أما الفتيا بلزوم الكفارة على الإطلاق فغير متجه أصلا ولعل مالكا رحمه الله أفتى بذلك لمن سأل أنه كان نواه أو كان عرف زمانه يتقاضى ذلك وهو الأقرب فإن الفتيا
لو كانت
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
حذفوا على عادتهم في الحذف لأكثر استعمالهم فقالوا ايم الله لا فعلت أو لأفعلن كما قالوا يمين الله لا فعلت أو لأفعلن قال الشاعر فقلت يمين الله أبرح قاعدا ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي ومنهم من ذهب إلى أن ألف ايمن الله ألف وصل وإنما فتحت لدخولها على اسم غير متمكن واشتقاقه من اليمن والبركة ا ه
بلفظه وقول عبق وارد بالبركة المعنى القديم قال ح هو إرادة البركة ا ه
وفي مجموع الأمير وشرحه انعقاد اليمين بايم الله أي بركته وبقية لغاتها كذلك إن لم ينو حادثا أي بركة الذرة بأن نوى قديما أو لم ينو شيئا ا ه
وفي الأصل قال سيبويه رحمه الله تعالى من اليمن والبركة فيتردد بين المحدث من تسمية الأرزاق والأخلاق وبين القديم الذي هو جلال الله تعالى وعظمته ومنه قوله تعالى تبارك الله أحسن الخالقين و تبارك الذي بيده الملك أي كثر جلاله وعلاه وصفاته العلى ولذلك قال الشافعي رضي الله عنه هو كناية لتردده بين المحدث وبين القديم أي فإن نوى القديم وحنث لزمت الكفارة وإلا فلا وقال الفراء هو جمع يمين فالكلام فيه كالكلام في أيمان المسلمين ا ه
قال ابن الشاط والشخص إنما يقول أيمان المسلمين تلزمني أو علي أيمان المسلمين في حال يقتضي تأكيد خبره الذي يحلف عليه وذلك قرينة تصرف قوله ذلك إما إلى ما يؤكد به الخبر شرعا فيلزمه جمع يمين بالله تعالى إذ هو اليمين الشرعي وأقل ذلك ثلاثة أيمان فإذا حنث يلزمه ثلاث كفارات وقد قيل بذلك
وأما إلى ما يلزم مقتضاه شرعا فيلزمه كل ما يلزمه شرعا من يمين ونذر وطلاق وعتق وصدقة وقد قيل بذلك فهو على كل من باب لزوم الأحكام بأسبابها لا من باب لزومها بدون أسبابها كما قيل نعم لزوم ما ذكر بمجرد أن القرائن تفهم أن قائل ذلك عني اليمين الشرعي أو الملتزم الشرعي إنما يجري على مذهب مالك رحمه الله تعالى من عدم اشتراط معينات الألفاظ والله أعلم ا ه
اللفظ التاسع المصحف أو القرآن أو كلمة منه تخصه ك الم لا نحو قال قال كنون حاصل ما لعبق والبناني أن
73
73
مبنية على نية لذكرت مع الحكم في الفتيا
التنبيه الثاني أن قوله كفالة الله تعالى كفالة مضافة إلى الله تعالى وقد تقدم أن الإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة حقيقة لغوية كقول أحد حاملي الخشبة شل طرفك وقولنا حج البيت وصوم رمضان وهذه الكفالة المضافة تحتمل ثلاثة أنواع من الكفالة أحدها الكلام القديم والوعد الذي هو الكلام النفسي وثانيها كفالة الله تعالى التي هي التزامه اللفظي المنزل في القرآن وغيره من الكتب الدال على الكلام القديم فهو كفالة حادثة دالة على تلك الكفالة القديمة كما أن أمر الله تعالى اللفظي الذي هو أقيموا الصلاة دليل أمره النفسي القائم بذاته وكذلك جميع الأحكام والأخبار وهذه الكفالة الحادثة لا يوجب الحلف بها كفارة وثالثها كفالة خلقه التي هي ضمان بعضهم لبعض التي هي من فعلنا وقولنا وهي مندوبة من قبل صاحب الشرع فهي تضاف إليه تعالى إضافة المشروعية كما قال تعالى ولا نكتم شهادة الله تعالى أي التي شرعها وأوجب علينا أداءها فأضافها إليه تعالى إضافة المشروعية لأنه تعالى شاهد ولا شهود عليه فكذلك
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
القرآن يطلق على المعنى النفسي الأزلي القائم بذاته تعالى وعلى العبارات الدالة عليه المسموعة لنا وعلى نقوش الكتابة الدالة عليه وبقي أنه يطلق على المحفوظ في الصدور من الألفاظ المتخيلة كما يقال حفظت القرآن فكلام الله يطلق بالاعتبارات الأربعة والقديم من ذلك إنما هو الأول قال العزيز قراءة الخلق صفات لهم فواجب حدوثها مثلهم
وقوله المعدود من صفاته فواجب قدمه كذاته وهذه الحروف والأصوات دلائل عليه موضوعات وإيضاح قوله دلائل عليه بالمثال أن ينزل كلامه منزلة رجل فيكتب الرجل ويذكر باللسان ويستحضر في الذهن وهو بنفسه غير حال في ذلك فكذلك كلامه تعالى القديم يلفظ ويسمع بالنظم الدال عليه ويحفظ بالألفاظ المتخيلة في الذهن ويكتب بأشكال الحروف الدالة عليه وهو غير حال في ذلك وكما يقال النار جوهر محرق فيذكر باللفظ ويسمع بالآذان ويعرف بالقلب ويكتب بالقلم ولا يلزم كون حقيقة النار حالة في شيء من ذلك وتحقيقه أن للشيء وجودا في الأعيان ووجودا في الأذهان ووجودا في العبارة ووجودا في الكتابة فالكتابة تدل على العبارة وهي على ما في الأذهان وهو على ما في الأعيان فحيث يوصف بما هو من لوازم القديم كقولنا القرآن أو كلام الله غير مخلوق فالمراد حقيقته الموجودة في الخارج أعني المعنى النفسي القائم بالذات العلية وحديث يوصف بما هو من لوازم المخلوقات والمحدثات يراد به الألفاظ المنطوقة المسموعة كما في حديث ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي حسن الترنم يتغنى بالقرآن أو المخيلة كما في قوله تعالى بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وكحديث أحمد وغيره من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال أو الأشكال المنقوشة كحديث الطبراني في الكبير لا يمس القرآن إلا طاهر
وقد ذكر السعد عن المشايخ أنه ينبغي أن يقال القرآن كلام الله غير
74
74
هذه الكفالة المندوب إليها تصح إضافتها إليه تعالى إضافة المشروعية إذا كانت الكفالة التي يمكن إضافتها إليه تعالى ثلاثة أنواع متباينة قديمة وحادثتان
ومطلق الإضافة هو الموجود وهو الذي دل عليه اللفظ والدال على الأعم غير دال على الأخص فلا يكون لقول القائل علي كفالة الله إشعار بالكفالة القديمة ألبتة لأن نوعها أخص مما دل عليه مطلق الإضافة فلا يكون هذا اللفظ موجبا للكفارة من جهة أن المتكلم حلف بصفة من صفات الله تعالى ألبتة بل إما بجهة النذر أو بجهة أخرى كما تقدم بيانه فتأمل ذلك التنبيه الثالث أن المتكلم إذا لم يقل علي كفالة الله وكفالة الله أو أقسم بكفالة الله وغير ذلك من صيغ القسم اللغوي الذي هو القسم بوضعه مستغن عن النية والعرف والنقل يلزمه به الكفارة ويكون أصرح من قول القائل علي كفالة الله من جهة أنه قسم مستغن عن نية المجاز والنقل العرفي وإن كان احتمال الإضافة للحادث والقديم موجودا فيه غير أنه احتمال مشترك بين علي كفالة الله وأقسم بكفالة الله
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
مخلوق ولا يقال القرآن غير مخلوق لئلا يسبق إلى الفهم أن المؤلف من الأصوات والحروف قديم وكان السلف يمنعون أن يقال القرآن مخلوق ولو أريد به اللفظ إلخ دفعا لإيهام خلق المعنى القائم للذات العلية فلا يجوز ذلك إلا في مقام البيان واختلفوا هل يجوز أن يقال لفظي بالقرآن مخلوق وعليه البخاري والأكثر أو لا وعليه الإمام أحمد وفي حاشية الرسالة للح قال في رسم أوصى من سماع عيسى من كتاب النذور إن من حلف بالمصحف وأراد المصحف نفسه دون المفهوم منه أن ذلك لا يجوز لقوله صلى الله عليه وسلم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ا ه
وفي المجموع وشرحه انعقاد اليمين بالمصحف وأولى القرآن أو كلمة منه تخصه عرفا ك الم لا نحو قال إن لم ينو معنى حادثا أي المكتوب أو اللفظ المنزل من غير ملاحظة دلالته على المعنى القديم بأن نوى قديما أو لم ينو شيئا ا ه
وفي الأصل في الفرق الذي قبل هذا وهل تجب عليه الكفارة إذا حلف بالقرآن أو التوراة أو الإنجيل أو الزبور وسائر الكتب المنزلة وحنث وهو لمالك رضي الله عنه لانصرافه عنده للكلام القديم النفسي أم لا تجب عليه الكفارة إذا حلف بذلك وحنث وهو ما لأبي حنيفة رضي الله عنه وروي أيضا عن مالك أنه قال إن الحلف بالقرآن والمصحف ليس بيمين ولا كفارة فيه وهو الظاهر فإنا لا نفهم من قول القائل القرآن وهو يحفظ القرآن أو يكتب القرآن إلا هذه الأصوات والرقوم المكتوبة بين الدفتين وهو الذي يفهم من نهيه عليه الصلاة والسلام عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو فإن المسافرة متعذرة بالقديم ا ه وزاد العلامة الأمير في ضوء الشموع ستة ألفاظ اللفظ العاشر قوله والاسم الأعظم قال الأمير ينعقد اليمين به إلا أن ينوي به الأعظم من اسمين لشخص اللفظ الحادي عشر قوله ودين الإسلام قال الأمير إن أراد به الأحكام الإلهية انعقد لأنها ترجع لكلامه وخطابه وإن أراد تدين العباد وطاعتهم لم يلزم
75
75
التنبيه الرابع أن تلك الكلمات السبع ينبغي أن تستوي في لزوم الكفارة وعدم لزومها لأنها مترادفة وشأن أحد الألفاظ المترادفة أن يقوم مقام الآخر في لزوم الحكم وسقوطه فلا فرق حينئذ بين علي كفالة الله تعالى وبين أذانته وزعامته وضمانه وقبالته وجميع ما تقدم في ذلك وكذلك إذا أتى بصيغة القسم تشمل جميع تلك الألفاظ ويكون الحكم في الجميع واحدا لأنها مترادفة فتأمل هذه التنبيهات فهي يحتاج إليها في هذه الكلمات اللفظ السادس الميثاق قال مالك رحمه الله إذا قال علي ميثاق الله تعالى وحنث لزمته الكفارة والميثاق مأخوذ من التوثق وهو التقوية والفرق بينه وبين العهد واليمين أما اليمين فهو القسم وأما العهد فقد تقدم أنه الالتزام والميثاق هو العهد الموثق باليمين فيكون الميثاق مركبا من العهد واليمين معا كذا كان الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله ينقله عن اللغة وإذا كان هذا معنى الميثاق والعهد وقد تقدم أنه يرجع إلى الكلام النفسي والقسم أيضا يرجع إلى الكلام لأنه خبر عن تعظيم المقسم به وإذا كانا معا يرجعان إلى معنى الكلام فالمركب منهما يرجع إلى معنى الكلام قطعا لأن المركبات تابعة للمفردات إذا تقرر أن معنى الميثاق يرجع إلى معنى الكلام ورد عليه الإشكال الوارد من لفظ علي وكيف يصح التزام ميثاق الله تعالى كما تقدم في العهد والكفالة ويرد عليه أيضا أن إيجاب الكفارة به ليس من باب صريح اللغة بل ذلك إما بالنية أو العرف أو النقل وأن الإضافة محتملة لميثاق الله تعالى الذي هو كلام نفسي وميثاق الله تعالى الذي هو كلام لفظي لساني حادث كقوله تعالى قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير فإن هذا التزام لفظي مؤكد بالقسم بقوله وربي فيكون ميثاقا وكقوله تعالى والشمس وضحاها إلى قوله قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها التزم الله تعالى أن من زكى نفسه فإنه يجد عنده تعالى فلاحا وأن من دساها أي دسها بالمعاصي فأبدلت إحدى السينين ألفا فإنه يجد عنده تعالى خيبة
وأكد هذا الالتزام بالقسم السابق وهو قوله تعالى والشمس وضحاها
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
اللفظ الثاني عشر قوله وخاتم الصوم الذي على فم العباد قال الأمير لا يلزم به اليمين إلا أن يريد الحكم الآلهي به فيلزم كما إذا قال والذي خاتمه على فمي وأراد به الله اللفظ الثالث عشر قوله والعلم الشريف قال الأمير المتبادر منه العلوم المدونة فلا يلزم إلا أن يريد علم الله تعالى أو أحكامه على ما سبق اللفظ الرابع عشر والموجود والشيء قال الأمير وينعقد بالموجود وبالشيء إذا أريد به الله تعالى كما
76
76
إلى قوله ونفس وما سواها فهذا كله قسم مؤكد لذلك الالتزام ونحو ذلك في القرآن الكريم كثير من الالتزامات لتوكدة بالحلف ويحتمل أيضا ميثاق الله تعالى الذي شرعه لنا فقد أمرنا الله تعالى أن نلتزم الحقوق الواجبة علينا للعباد وأن نزيل الريبة من صدور المؤمنين الذين هم أصحاب تلك الحقوق بالأيمان والتأكيد في ذلك النافي لتلك الريبة فهذا الميثاق يضاف إلى الله تعالى إضافة المشروعية كما تقدم في الكفالة والشهادة في ولا نكتم شهادة الله
وإذا احتمل الميثاق المضاف إليه تعالى هذه المواثيق الثلاثة ويكون اللفظ حقيقة في أي ذلك وقع أو كان مرادا صار اللفظ دائرا بين ما هو موجب وبين ما هو ليس بموجب وهما القسمان الآخران الحادثان الميثاق اللفظي الدال على كلام الله القديم والميثاق المشروع في حقنا لم يكن موجبا حينئذ لأن المحتمل الموجب وغير الموجب غير موجب لأن الأصل براءة الذمة حتى يتحقق الموجب هذا هو القاعدة الشرعية المجمع عليها وإذا كانت هذه الأسئلة واردة على هذه الألفاظ حالة كونها مفردة فإذا جمعت وقيل كفالات الله تعالى أو مواثيقه فالأسئلة باقية بحالها
ويرد على الجمع ما يرد على المفردات ووافق مالكا أبو حنيفة وابن حنبل في هذه المسائل وقال الشافعي رضي الله عنه العهد والكفالة والميثاق وقولنا وحق الله الرحمن وحق الرحيم وحق العليم والجبار كنايات لا صرائح لترددها بين المعاني القديمة وبين المحدثات فإن نوى القديمة وجبت الكفارة وإلا فلا لأن لفظ الحق قد يطلق ويراد به حق الله تعالى على عباده من الطاعة والأفعال المطلوبة منهم وهي حادثة كالصلاة والصوم فلا يجب بها كفارة حتى ينوي القديم وهو حق الله تعالى الذي هو أمره ونهيه النفساني الموظف على عباده وكذلك العهد والكفالة والميثاق قد يراد بها الحوادث كما تقدم تقريره والذي قاله الشافعي رضي الله عنه متجه بما تقدم من الأسئلة والتقارير
اللفظ السابع ايمن الله قال سيبويه رحمه الله هو من اليمن والبركة ولذلك قال الشافعي رضي الله عنه هو
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
في ابن شاس وفي القرآن قل أي شيء أكبر شهادة قل الله وما في عبق من عدم الانعقاد بالموجود لأنه ليس مما يندرج في الأسماء التي بذاتها للقسم من غير توقف على إرادة فالنفسية تنعقد بها لا بالاسم المشتق منها عكس الفعلية وذلك لأنه إذا قيل ووجود الله كان صريحا في القديم وقد قيل إن الوجود عين الموجود والظاهر أنه إذا قيل والوجود معرفا بأل من غير إضافة جرى فيه ما جرى في الموجود بالميم
77
77
كناية لتردده بين المحدث من تنمية الأرزاق والأخلاق وبين القديم الذي هو من جلال الله تعالى وعظمته ومنه قوله تعالى فتبارك الله أحسن الخالقين و تبارك الذي بيده الملك أي كثر جلاله وعلاه وصفاته العلا
وقال الفراء وهو جمع يمين فيكون الكلام فيه كالكلام في أيمان المسلمين من هذا الوجه من جهة أنه صريح أو كناية ويقال ايمن الله وأيم الله ومن الله وم الله ثم عليه إذا قلنا إنه جمع يمين إشكال أيضا بسبب أن القائل إذا قال وأيمان المسلمين فحلف بالحلف يكون قد حلف بمحدث أيضا فإن حلف الخلق محدث فلا يلزم به كفارة وكذلك يرد الإشكال على متأخري المالكية القائلين بلزوم أيمان المسلمين على من قال وأيمان المسلمين تلزمني أنه إن أراد القسم فقد حلف بمحدث فلا يلزمه شيء وإن أراد أن يلزم نفسه موجبات الأيمان فإن أراد ذلك أنها تلزمه من جهة أنها مسببات لأسبابها وأسبابها لم توجد فلا يلزمه شيء لأن لزوم الأحكام بدون أسبابها غير معهود في الشريعة بل الشريعة تنكره وإن أراد أنها تلزمه على سبيل النذر فيفتقر ذلك إلى نية النذر والقصد إليه فإن هذه الصيغة ليست موضوعة في الفقه المنذور بل هي أخبار وقسم وهؤلاء القائلون بلزوم هذه الأمور لم يصرحوا بأنها من باب النذور بل ظاهر كلامهم أنها من باب القسم والحلف
الفرق السادس والعشرون والمائة بين قاعدة ما يوجب الكفارة بالحلف من صفات الله تعالى إذا حنث وبين قاعدة ما لا يوجب كفارة إذا حلف به من ذلك صفات الله تعالى خمسة أقسام معنوية وذاتية وسلبية وفعلية وما يشمل الجميع فأما القسم الأول وهي الصفات المعنوية فهي سبعة العلم والكلام القديم والإرادة
هامش أنوار البروق
قال الفرق السادس والعشرون والمائة بين قاعدة ما يوجب الكفارة بالحلف من صفات الله تعالى إذا حنث وبين قاعدة ما لا يوجب كفارة إذا حلف به من ذلك إلى قوله وفي هذا القسم مسائل قلت ما قاله في ذلك صحيح
هامش إدرار الشروق
اللفظ الخامس عشر ما تقدم في الفرق الذي قبل هذا عن العلامة الأمير من صفات الأفعال فجملة ما ذكروه من ألفاظ هذا القسم أعني ما لم يعلم قدم مدلوله ولا حدوثه خمسة عشر وسيأتي في الفرق الذي عقب هذا الفرق عن الأصل ألفاظ أخر فترقب والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق السادس والعشرون والمائة بين قاعدة ما يوجب الكفارة بالحلف من صفات الله تعالى إذا حنث وبين قاعدة ما لا يوجب كفارة إذا حلف به من ذلك صفات الله تعالى خمسة لأنها إما ذاتية لا تدل على معنى موجود قائم بالذات ولا على سلب نقيصة ولا
78
78
والقدرة والسمع والبصر والحياة فهذه كلها يوجب الحلف بها مع الحنث الكفارة فيجوز الحلف بها ابتداء هذا هو مشهور المذهب وقيل لا توجب كفارة لقوله صلى الله عليه وسلم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ولفظ الله مخصوص بالذات فاندرجت الصفات في المأمور بالصمت به ومستند المشهور ما تقدم مما حكاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أيوب عليه السلام أنه قال بلى وعزتك ولكن لا غنى لي عن بركتك وفي هذا القسم مسائل المسألة الأولى الحلف بالقرآن إذا حلف به قلنا نحن تجب به الكفارة لأنه منصرف للكلام القديم وقال أبو حنيفة لا تجب به الكفارة لأنه ظاهر في الكلام المخلوق الذي هو الأصوات فالكلام في تحقيق مناط هل فيه عرف أم لا ولما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو لم يفهم أحد إلا القرآن الذي هو الأصوات وإذا قيل في مجرى العادة القرآن إنما يسبق إلى الفهم الكلام العربي المعجز والعربي المعجز محدث وهو مروي عن مالك رحمه الله كما قاله أبو حنيفة رضي الله عنه والأول المشهور عن مالك حملا للقرآن على القديم
هامش أنوار البروق
قال
المسألة الأولى الحلف بالقرآن إلى آخر كلامه في هذه المسألة
قلت ما قاله من أن خلاف مالك وأبي حنيفة إنما هو في تحقيق مناط وهو هل في لفظ القرآن عرف أن المراد به الصفة القديمة أم لا ليس الأمر عندي كما زعم بل العرف في الاستعمال أن المراد به الحادث وذلك مستند أبي حنيفة ولكن قرينة القسم صرفت اللفظ إلى أن المراد به الأمر القديم وذلك مستند مالك والله تعالى أعلم
فخلافهما في تحقيق مناط لكن من غير الوجه الذي ذكر ومما يدل على ذلك تسوية مالك بين لفظ القرآن والمصحف والتنزيل والتوراة والإنجيل مع أن العرف فيها أن المراد بها المحدث
هامش إدرار الشروق
على فعل الذات وإما معنوية تدل على معنى موجود قديم قائم بالذات لا ينفك عنها وإما سلبية تدل على سلب نقيصة عن الذات وإما فعلية تدل على فعل الذات وإما أن تشمل الجميع فالقسم الأول منها أعني الصفات الذاتية هي كونه تعالى أزليا أبديا واجب الوجود سماها العلماء بذلك لأنها أحكام للذات لا معان قائمة بالذات نظير جمع البصر في السواد وتفريقه في البياض كذا قال الأصل وهو إنما يظهر على القول بالأحوال وأنها أحوال نفسية لا معنوية أما على إنكار الأحوال وهو الصحيح فهي بجملتها صفات سلبية لا ثبوتية وعلى كلا القولين لا وجود في الأعيان لمعنى واحد منها
فالظاهر من قول مالك بوجوب الكفارة مع الحنث إذا قال الحالف عمر الله يميني مع أن العمر هو البقاء والبقاء كالقدم من صفات السلوب معناه نفي لحوق العدم للذات وكون النفي على طريقة الامتناع مأخوذ من كون بقاء الذات واجبا كما أن معنى القدم امتناع سبقية العدم للذات فلا وجود لمعنى كل منهما في
79
79
قال صاحب الخصال ابن زرب الأندلسي ويلحق بالقرآن عند مالك إذا حلف بالمصحف أو بما أنزل الله أو بالتوراة أو بالإنجيل واعلم أن هذه أيضا ظاهرة في العرف المحدث فإن الناس لا يفهمون من المصحف إلا الأوراق المرقومة المجلدة بالجلد وهذه محدثة وكذلك التنزيل والإنزال إنما يتصور في الحادث فإن الصفات القديمة لا تفارق موصوفها وما يستحيل مفارقته يستحيل نزوله وطلوعه ومطلق الحركة عليه
وأما التوراة والإنجيل فهما كلفظ القرآن لا يفهم منهما إلا الكلمات الخاصة التي نزلت باللغة العبرانية وما يوصف باللغة العربية أو العبرانية فهو محدث بالصورة وكذلك قلنا القرآن لكونه موصوفا بكونه عربيا في قوله تعالى إنا أنزلناه قرآنا عربيا محدث فإن العربية والعجمية من عوارض الألفاظ والكلام النفسي كان قديما أو محدثا لا يوصف بكونه عربيا ولا عجميا المسألة الثانية قال الشيخ الإمام أبو الوليد بن رشد في البيان والتحصيل إذا قال علم الله لا فعلت استحب له مالك الكفارة احتياطا تنزيلا للفظ علم الذي هو فعل ماض منزلة علم الله فكأنه قال وعلم الله لا فعلت
وقال سحنون إن أراد الحلف وحنث وجبت الكفارة وإلا فلا كفارة عليه لأن حروف القسم قد تحذف فهو كناية تحتمل القسم بعلم الله
هامش أنوار البروق
قال المسألة الثانية قال الشيخ الإمام أبو الوليد بن رشد في البيان والتحصيل إذا قال علم الله لا فعلت استحب له مالك الكفارة احتياطا إلى آخر ما قاله في هذه المسألة قلت الأظهر نظرا قول سحنون ولذلك والله أعلم
استحب مالك الكفارة ولم يوجبها قال المسألة الثالثة الألف واللام في اللغة أصلها العموم على مذهب جمهور الفقهاء القائلين بالعموم إلى آخر ما قاله في هذه المسألة
قلت الصحيح عندي في قول القائل والعلم وقوله وعلم الله وما أشبهه ذلك أن قرينة القسم عينت أن المراد القديم دون غيره مع أن لفظ العلم سواء كان بالألف واللام أم مضافا ليس اشتماله
هامش إدرار الشروق
الأعيان أنه كذلك يوجب الكفارة مع الحنث إذا قال الحالف وأزلية الله تعالى ووجوب وجوده وأبديته إذ لا فرق سيما وقد جعل بعضهم القدم نفسيا زاعما أنه الوجود الأزلي وكذا البقاء أي الوجود المستمر كما في حاشية الأمير على عبد السلام على الجوهرة نعم قد جعل بعضهم القدم والبقاء من المعاني ورد بأنهما ثابتان لصفاته أيضا فيلزم قيام المعنى بالمعنى من الدور أو التسلسل فيهما كما في الأمير أيضا هذا تحقيق المقام فليتأمل
والقسم الثاني منها أعني المعنوية نسبة للمعاني الوجودية القائمة بالذات على حد قوله والواحد اذكر ناسبا للجمع ما لم يوافق واحدا في الوضع نعم الظاهر أنه هنا وافق واحدا في الوضع فإذا عبر علماء الكلام عن هذا القسم بصفات المعاني وقال السنوسي في شرح الوسطى الإضافة في صفات المعاني للبيان وأن المراد الصفات التي هي نفس المعاني
80
80
مع حذف أداة القسم والتعبير عن الصفة القديمة بصيغة الفعل فإن أراده وجبت الكفارة وإن أراد الإخبار عن علم الله تعالى بعدم فعله فليس بحلف تجب به كفارة وهو متجه في قواعد الفقه وقد وقع لبعض النحاة جواز فتح إن بعد القسم وعلل ذلك بأن القسم قد يقع بصيغة الفعل المتعدي فتكون أن معمولة لذلك الفعل المتعدي نحو علم الله وشهد الله أن زيدا لمنطلق فلما كانت مظنة وجود الفعل المتعدي فتحت تنزيلا للمظنون منزلة المحقق والظاهر أنه نقلها لغة عن العرب في فتح أن بعد القسم والجادة على كسرها بعد القسم
المسألة الثالثة
الألف واللام في اللغة أصلها للعموم على مذهب جمهور الفقهاء وقد تكون للعهد مجازا عندهم كقوله تعالى كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول فهذه اللام للعهد أي عصى الرسول المعهود ذكره الآن فهذا مجاز لأنها استعملت في غير موضوعها لأنها موضوعة للعموم وقد استعملت في الخصوص الذي هو العهد فيكون مجازا فإذا تقررت هذه القاعدة وقال القائل والعلم والقدرة فأصلها في الوضع اللغوي أنها للعموم فتشمل كل علم كان قديما أو حادثا فيجتمع في أفراد هذا العموم العلم القديم وهو موجب والعلم المحدث وهو غير موجب
هامش أنوار البروق
في القول الصحيح على القديم والحادث من باب العموم الذي يقول به المعممون بل اشتماله على القديم والحادث من باب تعميم اللفظ المشترك والقول به مردود وكل ما قاله في هذه المسألة مبني على أن اشتمال اللفظ على القديم والحادث من باب العموم فما قاله ليس بصحيح والله أعلم قال
القسم الثاني من الصفات الصفات الذاتية وهي كونه تعالى أزليا أبديا واجب الوجود إلى قوله فهذا هو تحقيقها
قلت ليس ما قاله في ذلك بصحيح فإن الأزلية إنما معناها أن وجوده لم يسبقه عدم والأبدية
هامش إدرار الشروق
يعنون بها المعاني الوجودية كالعلم مثلا ويصح أن تكون الإضافة أنه بتقدير من كثوب خز ا ه
ولم يعبروا بالصفات المعنوية فهي سبعة العلم والكلام القديم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والحياة ومشهور المذهب جواز الحلف بها ابتداء وأن الحلف بها مع الحنث يوجب الكفارة لما في البخاري أن أيوب عليه الصلاة والسلام قال بلى وعزتك لا غنى لي عن بركتك كما مر وقيل لا يوجب كفارة لقوله صلى الله عليه وسلم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ولفظ الله مخصوص بالذات فاندرجت الصفات في المأمور بالصمت به لكن قد مر عن حفيد بن رشد قال في بداية المجتهد وتعليق الحكم في الحديث بالاسم فقط أي دون أن يعدى إلى الصفات والأفعال جمود كثير وهو أشبه بمذهب أهل الظاهر وإن كان مرويا في المذهب حكاه اللخمي عن محمد بن المواز ا ه
وفي هذا القسم ثلاث مسائل
المسألة الأولى
مذهب مالك رضي الله تعالى عنه أن الحلف بالقرآن تجب به مع الحنث الكفارة وقال أبو
81
81
وإذا اجتمع الموجب وغير الموجب ترتب الإيجاب على الموجب ووجود غير الموجب لا يقدح ولا يعارض الموجب كمن وجد منه شرب الخمر وشرب الماء وجب عليه الحد لأجل الموجب
والقاعدة أن الأصل اعتبار الموجب بحسب الإمكان فيعتبر العلم القديم في إيجاب الكفارة نعم يتجه أن يقال إنه حينئذ اندرج في كلامه ما يسوغ الحلف به وهو العلم القديم وما ينهى عن الحلف به تحريما أو كراهة وهو العلم المحدث والمركب من المأذون فيه والمنهي عنه منهي عنه فتكون يمينه هذه منهيا عنها وإن كانت موجبة للكفارة هذا إذا استعملنا الألف واللام للعموم وإن قلنا إنها للعهد أو قرينة الحلف تصرفها للعهد لأنه الغالب من أحوال المؤمنين كان المراد ما عهد الحلف به وهو العلم القديم فتجب الكفارة من غير نهي وهذا هو الظاهر من أحوال الحالفين هذا ما يتعلق بتلخيص الألف واللام في الصفة إذا حلف بها فإن أضيفت وقال الحالف وعلم الله وقدرة الله ونحو ذلك اندرج في المضاف العلم القديم والمحدث وكذلك كل صفة تضاف لأن اسم الجنس إذا أضيف عم كقوله عليه السلام هو الطهور ماؤه الحل ميتته فعم جميع مياه البحر وميتاته ولأنه
هامش أنوار البروق
أنه لا يلحقه عدم ووجود الوجود نفي تبدله فهذه الصفات بجملتها سلبية لا ثبوتية هذا على إنكار الأحوال أو إما على إثباتها فذلك متجه على أنها أحوال نفسية لا معنوية قال وأما حكمها في الشريعة إذا حلف بها فالظاهر من قول مالك رحمه الله أنه إذا قال عمر الله يميني يكفر مع أن العمر هو البقاء والبقاء يرجع إلى مقارنة الوجود في الأزمنة إلى قوله من التخريج قلت ما قاله في ذلك صحيح غير ما قاله في البقاء أنه يرجع إلى مقارنة الوجود في الأزمنة فإنه ليس كذلك فإنه تعالى متصف بالبقاء سواء وجد زمان أو لم يوجد فإن الزمان من جملة الحوادث قال فإن قلت الأبدية لا تكون في الأزل
هامش إدرار الشروق
حنيفة رضي الله تعالى عنه لا تجب به الكفارة ومستند أبي حنيفة أن المراد به في عرف الاستعمال الحادث ومستند مالك أنه وإن كان المراد به في العرف الحادث إلا أن قرينة القسم صرفت اللفظ إلى أن المراد به الأمر القديم ومما يدل على ذلك تسوية مالك بين لفظ القرآن والمصحف والتنزيل والتوراة والإنجيل مع أن العرف فيها أن المراد بها المحدث أفاده ابن الشاط
المسألة الثانية
قال الشيخ الإمام أبو الوليد بن رشد في البيان والتحصيل إذا قال علم الله لا فعلت استحب له مالك الكفارة احتياطا تنزيلا للفظ علم الله الذي هو فعل ماض منزلة علم الله فكأنه قال وعلم الله لا فعلت وقال سحنون إن أراد الحلف بعلم الله مع حذف أداة القسم والتعبير عن الصفة القديمة بصيغة الفعل وحنث وجبت الكفارة وإن أراد الإخبار عن علم الله تعالى بعدم فعله فليس بحلف تجب به كفارة فلفظ علم الله لا فعلت كناية تحتمل القسم والإخبار ا ه بتصرف قال ابن
82
82
المنقول عن الأصوليين والإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة كما تقدم بيانه والمحدثات من الصفات والموصوفات تضاف إلى الله تعالى لأنه خلقها وغير ذلك من النسب والإضافات التي بين المخلوق والخالق
ولذلك قال كعب الأحبار في قوله تعالى فنفخنا فيه من روحنا إنه تعالى نفخ فيه روحا من أرواحه إشارة إلى أن أرواح الخلائق كلها مخلوقة وأن روح عيسى عليه السلام من جملتها فأضافها الله تعالى إليه إضافة الخلق إلى الخالق فإذا وضح أن هذه الإضافة تقتضي العموم في القديم والحادث فإن أبقيناها على عمومها شملت الموجب وغير الموجب والمأذون فيه والمنهي عنه فيكون الكلام حينئذ في الإضافة كما تقدم في عموم الألف واللام وإن لم نحملها على عمومها وقلنا بالعهد فهو في الإضافة قليل وإنما هو مسطور للنحاة في الألف واللام وينبغي أن نقول هاهنا إن قرينة حال الحالف والحلف أن هذا العام أريد به الخاص وهو الصفة القديمة خاصة فيقوم هذا التخصيص مقام العهد في لام التعريف ويحصل المقصود وتكون اليمين ملزمة للكفارة من غير نهي وقد نقل عبد الحق في تهذيب الطالب عن أشهب أنه قال إن أراد الحالف بقوله وعزة الله وأمانته المعنى القديم وجبت الكفارة أو المحدث لم تجب
وقد قال تعالى سبحان ربك رب العزة و إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها والقديم لا يكون مربوبا
هامش أنوار البروق
كما أن الأزلية لا تكون في المستقبل إلى قوله فمع الفرق لا يصح التخريج قلت السؤال غير صحيح وجوابه كذلك أما عدم صحة السؤال فمن جهة أن وجود الباري تعالى وجميع صفاته لا يلحقها الزمان والأزلية والأبدية قد تقدم تفسيرهما بالسلب فكيف يقول السائل إنهما لا يكون أحدهما في الزمن الذي يكون فيه الآخر وهل الكون إلا من لواحق الوجود أو هو هو فما ألزم من أن الأبد لا يكون إلا متجددا لا يلزم وما قاله هو في الجواب من أن البقاء في المحدثات لا يعقل إلا بعد الحدوث مسلم ولا يلزم من ذلك ما بني عليه من أن مالكا اعتبر البقاء من غير ملاحظة كونه ثانيا عن الحدوث ومتى يصح في حقه تعالى أن يكون بقاؤه بتلك
هامش إدرار الشروق
الشاط الأظهر نظرا قول سحنون ولذلك والله أعلم استحب مالك الكفارة ولم يوجبها ا ه
وقال الأصل وقول سحنون متجه في قواعد الفقه وقد وقع لبعض النحاة جواز فتح أن بعد القسم وعلل ذلك بأن القسم قد يقع بصيغة الفعل المتعدي فتكون أن معمولة له نحو علم الله وشهد الله أن زيدا لمنطلق فلما كانت مظنة وجود الفعل المتعدي فتجب تنزيلا للمظنون منزلة المحقق والظاهر أنه نقلها لغة عن العرب في فتح أن بعد القسم والجادة على كسرها بعد القسم ا ه
المسألة الثالثة
الصحيح أن قرينة القسم في قول القائل والعلم بالألف واللام وقوله وعلم الله بالإضافة وما أشبه ذلك تعين أن مراده العلم القديم دون غيره على أن لفظ العلم سواء كان مضافا أم بالألف واللام ليس اشتماله على القديم والحادث في القول الصحيح الذي عليه جمهور الفقهاء من أن أصل الألف واللام وكذا الإضافة في اللغة للعموم وقد تكون للعهد مجازا مرسلا من إطلاق العام وإرادة الخاص
83
83
ولا مأمورا به إشارة منه إلى أن الإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة ويكون اللفظ حقيقة وأن العزة الحادثة للعباد يمكن أن تضاف إليه إضافة الخلق للخالق ولأجل هذه الاحتمالات والترددات خالفنا جمهور الحنفية في الصفات فقالوا إن تعارف الناس الحلف بها كانت يمينا وإن لم تتعارف الناس بها لم تكن يمينا وسواء كانت الصفات من صفات الذات أو صفات الفعل فاشترطوا الشهرة دوننا وسووا بين الصفات الفعلية والذاتية وسبب اشتراطهم الشهرة أن الشهرة تصير ذلك اللفظ المشهور موضوعا لخصوص القديم الذي يحلف به فتجب به الكفارة وقبل النقل والشهرة يكون اللفظ مترددا بين القديم والمحدث والأصل براءة الذمة ومما يعضد هذا التردد أن النكرات قسمان منهما ما يصدق على القليل والكثير من ذلك الجنس كقولنا ماء ومال وذهب وفضة فيقال للكثير من جميع ذلك ماء وذهب وفضة وكذلك القليل ومن النكرات ما لا يصدق إلا على الواحد من ذلك الجنس ولا يصدق على الكثير منه كقولنا رجل وعبد ودرهم ودينار فلا يقال للرجال الكثيرة رجل وللعبيد عبد ولا للفضة والدراهم الكثيرة درهم ولا للذهب الكثير والدنانير دينار
وإن قيل له الذهب بل لا تصدق هذه النكرات إلا على هذا الجنس بقيد الوحدة
هامش أنوار البروق
المثابة حتى يلزم أن مالكا لم يعتبر ذلك فيخرج على قوله في مسألة الأبدية مع تسليم تجددها هذا كله تخليط فاحش لا يفوه بمثله من حصل شيئا من علم الكلام وما قاله بعد ذلك صحيح أو حكاية خلاف ولا كلام فيه
قال
القسم الثالث من صفات الله تعالى الصفات السلبية إلى آخر ما قاله في هذا القسم
قلت ما قاله صحيح غير ما قاله في الحلم إنه تأخير العقوبة فإن هذا عندي فيه نظر والأقرب أن الحلم ترك المحاسبة والمعاقبة والعفو ترك المعاقبة والله أعلم
قال القسم الرابع من صفات الله تعالى الصفات الفعلية كقوله وخلق الله ورزق الله وعطاء الله وإحسان الله ونحو ذلك إلى قوله وهاهنا خمس مسائل
هامش إدرار الشروق
كقوله تعالى كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول أي عصى الرسول المعهود ذكره الآن من باب العموم الذي يقول به المعممون بل اشتماله على القديم والحادث فيه من باب تعميم اللفظ المشترك والقول به مردود فكل ما قاله الأصل في هذه المسألة مبني على أن اشتمال اللفظ على القديم والحادث من باب العموم كما زعم ليس بصحيح والله أعلم قاله ابن الشاط
قال
القسم الثالث من صفات الله تعالى الصفات السلبية إلى آخر ما قاله في هذا القسم
قلت ما قاله صحيح غير ما قاله في الحلم إنه تأخير العقوبة فإن هذا عندي فيه نظر والأقرب أن الحلم ترك المحاسبة والمعاقبة والعفو ترك المعاقبة والله أعلم
والقسم الثالث منها أعني السلبية قال الأمير على عبد السلام والحق أن الخلاف في كونها منحصرة أولا لفظي وأن الأصول الكلية كالمخالفة للحوادث تحته أمور كثيرة من أنه ليس جوهرا ولا عرضا إلخ منحصرة وأن الجزئيات غير متناهية ا ه
وهي كقولنا إن الله تعالى ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا في حيز ولا في جهة ولا يشبه شيئا من خلقه في ذاته ولا في صفة من صفاته ليس كمثله شيء وهو السميع البصير فهذه الصفات هي نسبته بين الله تعالى وأمور مستحيلة عليه سبحانه وتعالى واعلم أن السلب
84
84
فصارت أسماء الأجناس منها ما يصلح للقليل والكثير ومنها ما لا يصلح فأمكن أن يقال إنا وإن قلنا بأن الإضافة تقتضي التعميم إنما نقوله في أسماء الأجناس التي تصدق على الكثير أما التي لا تصدق إلا على الجنس بقيد الوحدة فإن إضافتها لا توجب تعميما ولذلك يفهم العموم من قول القائل مالي صدقة ولا يفهم من قوله عبدي حر ولا امرأتي طالق بل لا يفهم مع الإضافة إلا فرد واحد من ذلك الجنس وهو عبد واحد وامرأة واحدة فيحمل قول الأصوليين إن اسم الجنس إذا أضيف عم على اسم الجنس إذا كان يصدق على الكثير بدليل موارد الاستعمال وهو متجه غاية الاتجاه غير أني لم أره منقولا وقد نبهت عليه في شرح المحصول وإذا كان هذا معنى صحيحا يمكن مراعاته فقولنا وعزة الله وأمانة الله من الألفاظ التي لا تصدق على الكثير أمانة بل أمانات ولا أنواع العزة المختلفة أنها عزة بل عزات وكذلك القدرة الكثيرة ولا يقال لها قدرة بل قدرات لأن الأصل فيما هو بهاء التأنيث أن يكون للواحد نحو تمرة وبرمة وضربة وجرحة وإقامة وإذا لم تكن حالة الإضافة تتناول إلا الواحد كما كانت قبل الإضافة وذلك الواحد لا عموم فيه حتى يشمل القديم والمحدث فيبقى مترددا بين الموجب الذي هو القديم وبين
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله في ذلك صحيح قال
المسألة الأولى
قال ابن يونس قال أصحابنا معاد الله ليست يمينا إلا أن يريد اليمين وقيل معاد الله وحاشا الله ليستا بيمين مطلقا لأن المعاد من العود ومحاشاة الله التبرئة إليه فهما فعلان محدثان يريد إلا أن يريد اليمين إلى آخر المسألة قلت ما قاله فيه نظر قال المسألة الثانية هاهنا ألفاظ اختلف في مدلولها هل هو قديم فيجوز الحلف به وتلزم به الكفارة أو هو محدث فلا يجوز الحلف به ولا تلزم به الكفارة تخريجا على قواعدهم وهذه الألفاظ هي غضب الله
هامش إدرار الشروق
في حق الله تعالى سلبان سلب نقيصة نحو سلب الجهة والجسمية وغيرهما وسلب المشارك في الكمال وهو سلب الشريك وهو الوحدانية قال الأصل ولم أجد في هذه المواطن نقلا أعتمد عليه في انعقاد اليمين بالسلبية وعدم انعقاده غير أني حركت من وجوه النظر والتخريج ما يمكن أن يعتمد الفقيه عليه نفيا أو إثباتا وهو أن هذه السلوب منها سلوب قديمة نحو سلب الشريك وهو الوحدانية وسلب الجسمية والعرضية والجوهرية والأينية وسلب جميع المستحيلات عليه تعالى فهذه من حيث إنها قديمة متعلقة بالله تعالى أقرب لانعقاد اليمين بها لا سيما إذا كانت بإضافة اللفظ إلى الله تعالى نحو قولنا ووحدانية الله تعالى وتسبيح الله تعالى وتقديس الله تعالى ونحو ذلك بخلاف ما إذا كانت بإضافة اللفظ لغير الله تعالى نحو قولنا وسلب الجسم وسلب الشريك فإن انعقاد اليمين بها يبعد حينئذ من حيث كونها سلوبا ومنها سلوب حادثة نحو عفو الله تعالى وحلمه تعالى فإن العفو ترك المعاقبة بعد تحقق الجناية والحلم ترك المحاسبة والمعاقبة بعد
85
85
غير الموجب الذي هو المحدث والأصل براءة الذمة حتى تحصل شهرة ونقل عرفي في القديم فتجب الكفارة حينئذ وهذا حسن متجه غير أنه لا يطرد في علم الله تعالى إذا قال وعلم الله فإن العلم الكثير يسمى علما بخلاف الإرادة وكذلك السمع والبصر بخلاف الحياة وهذه كلها مباحث حسنة يمكن الجنوح إليها في مجال النظر وتحقيق الفقه
القسم الثاني
من الصفات الصفات الذاتية وهي كونه تعالى أزليا أبديا واجب الوجود فهذه الصفات ليست معانيها موجودة قائمة بالذات ولا هي سلب نقيصة كقولنا ليس بجسم بل صفات ذات واجب الوجود بمعنى أنها أحكام لتلك الذات كما نقول في السواد إنه جامع للبصر والبياض إنه مفرق للبصر وتصفه بذلك لا بمعنى أن جمع البصر في السواد وتفريقه في البياض صفة قائمة بالسواد والبياض بل بمعنى أنها أحكام ثابتة لتلك الحقائق فكذلك هاهنا من صفات الله تعالى ما تقدم ذكره على هذا التفسير ولما لم تكن صفة معنوية زائدة على الذات سماها العلماء صفات ذاتية فهذا هو تحقيقها
وأما حكمها في الشريعة إذا حلف بها فالظاهر من قول مالك رحمه الله أنه إذا قال عمر الله يميني يكفر مع أن العمر هو البقاء والبقاء يرجع إلى مقارنة الوجود في الأزمنة والمقارنة نسبة لا وجود لها في الأعيان فقد اعتبر النسبة وجعل حكمها حكم الصفة
هامش أنوار البروق
تعالى ورحمته ورضاه ومحبته ومقته إلى قوله ونحو ذلك من هذه الألفاظ التي تمتنع حقائقها على الله تعالى ويتعين حملها على المجاز فاختلف العلماء في المجاز المراد بها قلت ما قاله من امتناع حقائقها على الله تعالى إنما ذلك بناء على تفسيرها بما يمتنع عليه كتفسيرهم الرحمة بالرقة والمحبة بالميل وفي ذلك نظر للكلام فيه مجال لكن على تسليم امتناع تلك الحقائق لا بد من الصرف إلى المجاز كما قال العلماء والله تعالى أعلم قال فقال الشيخ أبو الحسن الأشعري المراد بهذه الأمور إرادة الإحسان لمن وصف بذلك من
هامش إدرار الشروق
تحقق الجناية والجناية من العباد حادثة والمتأخر عن الحادث حادث فهي أبعد عن انعقاد اليمين من انعقاده بالسلوب القديمة لاجتماع الحدوث فيها مع السلب وانفراد السلب في السلوب القديمة فالذي يقول لا تنعقد اليمين بالصفات الوجودية يقول ها هنا بعدم الانعقاد بطريق الأولى والذي يقول تنعقد اليمين بالصفات الوجودية كالعلم والقدرة أمكن أن يقول بعدم الانعقاد ها هنا لأجل السلب فهذا موضع يحتمل الإطلاق بانعقاد اليمين وبعدم انعقادها ويحتمل التفصيل بين القديم والمحدث ا ه
وقال ابن الشاط والصحيح الأمور المضافة إلى الله تعالى سواء كانت إثباتا أو سلبا مثل قبلية الله ومعيته وبعديته متى عني بها أمر قديم فاليمين بها منعقدة ومتى عني بها أمر حادث فاليمين بها غير منعقدة وقصد الأمر القديم بها هو عرف الشرع ولم يحدث عرف يناقضه فيتغير الحكم لذلك ا ه وقد علمت ما في قوله ولم يحدث عرف يناقضه إلخ فلا تغفل
والقسم الرابع منها أعني الصفات الفعلية كقوله وخلق الله ورزق الله وعطاء الله وإحسان الله من كل
86
86
الوجودية فلعله يقول في هذه الصفات كذلك ويوجب بها الكفارة إذا قال الحالف وأزلية الله تعالى ووجوب وجوده وأبديته ولم أر فيه نقلا غير ما ذكرته لك من التخريج فإن قلت الأبدية لا تكون في الأزل كما أن الأزلية لا تكون في المستقبل بل الأبدية اقتران الوجود بجميع الأزمنة المستقبلة والأزلية اقتران الوجود بجميع الأزمنة المتوهمة إلى غير نهاية من جهة الأزل فالأزل والأبد متنافيان لا يجتمعان
ولا يكون أحدهما في الزمن الذي يكون فيه الآخر فعلى هذا لا يكون الأبد إلا متجددا بعد الأزل فإن جعلتم الحلف لا يكون إلا بقديم لم ينعقد الحلف بأبدية الله تعالى لتجددها بعد الأزل ثم إن جعلتم الحلف بالقديم كيف كان وجودا أو عدما يلزمكم أن من حلف بعدم العام أن يكون تلزمه الكفارة وليس كذلك قلت مسلم أن الأبدية لا تكون أزلية وهي متجددة بعد الأزلية غير أن أبدية الله تعالى ترجع إلى وجوده من حيث الجملة كالبقاء وعمر الله تعالى كما تقدم بيانه مع أن البقاء لا
هامش أنوار البروق
الخلق في صفة الرحمة ونحوها إلى قوله وبقية هذه الألفاظ تتخرج على هذين المذهبين قلت ما قاله وحكاه صحيح قال وقد رد القاضي بمعنى ثالث يرجع إلى الكلام القديم كقوله تعالى ولا يرضى لعباده الكفر أي لا يشرعه تعالى دينا للعباد وشرعه تعالى كلامه قلت ليس شرع الله تعالى كلامه بل شرعه مقتضى كلامه وهو الأحكام وهي التي يلحقها النسخ إلى بدل وإلى غير بدل وكلام الله تعالى الذي هو صفة ذاته لا يصح نسخه لا لبدل ولا لغير بدل فالأظهر أن قوله تعالى ولا يرضى لعباده الكفر ليس راجعا إلى الكلام القديم والله أعلم
قال وفي القرآن مواضع يتعين فيها مذهب الشيخ ومواضع يتعين فيها مذهب القاضي ومواضع تحتمل المذهبين فالأول كقوله تعالى ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فهذا ظاهره في الإرادة لأن الوسع
هامش إدرار الشروق
ما يصدر عن قدرة الله تعالى قال الأصل فينهى عن الحلف بها ولا يوجب كفارة إذا حنث ا ه
وقد تقدم عن العلامة الأمير أنه مبني على أن الصفات الفعلية أمور اعتبارية تتجدد بتجدد المقدور وأنها حادثة كما يقول الأشاعرة أما إن لوحظ المذهب الماتريدي من أنها قديمة ترجع إلى صفة التكوين أو أريد مصدرها ومنشؤها وهو القدرة أو الاقتدار الراجع للصفة المعنوية أي كونه قادرا فتنعقد بها اليمين وتجب الكفارة مع الحنث فلا تغفل وها هنا أربع مسائل
المسألة الأولى
المعنى الحقيقي لمعاد الله وحاشا الله هو هو المعاد الحقيقي للعباد وبراءة الله أي براءة منا لله وهما فعلان محدثان فلذا قال ابن يونس قال أصحابنا معاد الله ليس يمينا إلا أن يريد اليمين وقيل معاد الله وحاشا الله ليستا بيمين مطلقا لأن المعاد من العود ومحاشاة الله تعالى التبرئة إليه فهما فعلان محدثان
ا ه قال الأصل يريد إلا أن يريد اليمين
ا ه
أي بأن يريد بمعاد الله ذات الله تعالى وصفاته تعالى مجازا
87
87
يعقل في المحدثات إلا بعد الحدوث فهو قرينة تقتضي التأخير من حيث الجملة عن أصل الوجود ومع ذلك فقد اعتبره ولم يلاحظ هذا المعنى ومقتضى ذلك اعتبار الأبدية والمقصود التخريج على المذهب لا إقامة الدليل على صحته وهذا التخريج صحيح في ظاهر الحال ولك أن تقول الأبدية لا تكون في الأزل وما لا يكون في الأزل يكون حادثا قطعا وأما البقاء فواقع في الأزل لأن اقتران الوجود كما حصل بالأزمنة المستقبلة حصل بالأزل وفيه لم يتعين له حدوث فمع الفرق لا يصح التخريج وأما عدم العالم فالجواب عنه أن لا نعتبر القديم كيف كان فإن عدم العالم بل عدم كل حادث قديم
ولا يصح الحلف به بل يعتبر القدم المتعلق بذات الله ووجوده وصفاته العلا وعدم العالم والحوادث ليس متعلقا بوجود الله تعالى وصفاته فلذلك لم تلزم به كفارة ولم تشرع به يمين
فائدة
اختلف في القدم هل هو صفة ثبوتية وأنه تعالى قديم بقدم كالعلم وغيره أو هو صفة نسبية لا زائدة على ذاته تعالى بل قدمه استمرار وجوده مع جميع الأزمنة الماضية المحققة والمتوهمة الاستمرار نسبة بين الوجود والذات وكذلك جرى الخلاف في البقاء هل هو وجودي أم لا
القسم الثالث من صفات الله تعالى الصفات السلبية وهي كقولنا إن الله تعالى ليس
هامش أنوار البروق
عبارة عن عموم التعلق ويدل أيضا على ذلك اقترانها بالعلم وإن وسع الرحمة كوسع العلم وهذا ظاهر في الإرادة قلت ليس كلامه هنا بصحيح فإنه قال هذا من المواضع التي يتعين فيها مذهب الشيخ أبي الحسن وقال إنه ظاهر في الإرادة والظاهر لا يتعين إلا حيث يسوغ استعمال الظواهر وذلك في الأحكام الشرعية وليس هذا منها وقال إن وسع الرحمة كوسع العلم بعد تفسير الوسع بعموم التعلق وليس تعلق الإرادة كتعلق العلم فإن العلم يتعلق بالواجب والجائز والمحال والإرادة لا تتعلق إلا بالجائز قال وأما ما يتعين فيه مذهب القاضي
هامش إدرار الشروق
وذلك لأن معادا اسم مكان من العود والله تعالى يعود إليه الأمر كله لقوله تعالى وإليه يرجع الأمر كله فأطلق اسم المكان على الله تعالى مجازا فلفظ معاد الله كناية يحتمل أن يريد به المعاد المجازي فيكون حلفا بقديم وهو وجوده تعالى وتلزم الكفارة بالحنث ويحتمل أن يريد به المعاد الحقيقي فيكون حلفا بمحدث فلا يلزم به شيء كما إذا لم تكن له نية أصلا لانصرافه لحقيقته حينئذ وهو المعاد الحقيقي وبأن يريد بحاشا الله الكلام القديم فإن الله تعالى ينزه نفسه بكلامه النفساني فتصح إضافته إليه تعالى باللام فلفظ حاشا الله كلفظ معاد الله إن أريد به المعنى الحادث لم يكن يمينا ولا يلزم به شيء كما إذا لم يرد به شيء أصلا وإن أريد به المعنى القديم كان يمينا يوجب الكفارة عند الحنث هذا هو الموافق لقول ابن الشاط المتقدم في الفرق الذي قبل هذا الفرق متى عني بالأمور المضافة أمر قديم فاليمين بها منعقدة أو أمر حادث فاليمين بها غير منعقدة
88
88
بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا في حيز ولا في جهة ولا يشبه شيئا من خلقه في ذاته ولا في صفة من صفاته ليس كمثله شيء وهو السميع البصير فهذه الصفات هي نسبة بين الله تعالى وأمور مستحيلة عليه سبحانه وتعالى فإذا قال القائل وسلب الشريك عن الله تعالى أو وسلب الجهة والمكان والجسمية وغير ذلك من هذه السلوب نحو وحدانية الله تعالى وعفوه وحلمه وتسبيحه وتقديسه فلم أر فيها نقلا فالوحدانية سلب الشريك والعفو إسقاط العقوبة والحلم تأخيرها فهذه السلوب منها قديم نحو سلب الشريك وهو الوحدانية وسلب الجسمية والعرضية والجوهرية والأينية وسلب جميع المستحيلات عليه تعالى فهذه السلوب قديمة هي أقرب لانعقاد اليمين بها لأنها قديمة متعلقة بالله تعالى لا سيما إذا كانت الإضافة في اللفظ إلى الله تعالى نحو قولنا ووحدانية الله تعالى وتسبيح الله تعالى وتقديس الله تعالى ونحو ذلك بخلاف أن يقول وسلب الجسم وسلب الشريك فإن الإضافة لغير الله تعالى تبعد انعقاد اليمين ومنها سلوب محدثة نحو عفو الله تعالى بعد تحقق الجناية
وكذلك حلمه تعالى فإنه تأخير العقوبة بعد تحقق الجناية والجناية من العباد حادثة
هامش أنوار البروق
فقوله تعالى هذا رحمة من ربي إشارة إلى السد وهو الإحسان من الله تعالى لا إرادة الله تعالى القديمة قلت وكلامه هنا أيضا ليس بالجيد فإن الموضع محتمل وإن كان ظاهرا فيما قاله فأين تعين مذهب القاضي مع قيام الاحتمال
قال وأما ما يحتمل الأمرين فقوله تعالى الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم إلى آخر ما قاله في المسألة قلت ما قاله في ذلك صحيح وما رجح به مذهب الشيخ أبي الحسن ظاهر والله تعالى أعلم
وما
هامش إدرار الشروق
إلخ فمن هنا نظر ابن الشاط هنا في قول الأصل أنه لا بد مع نية المعنى القديم فيهما من نية أخرى للقسم بواحد منهما أو عرف يقوم مقامها وذلك لأن لفظ كل منها إن نصب فعلى تقدير ألزم نفسي معاد الله وحاشا الله فيكون إلزاما حقيقيا لموجب اليمين وهو الكفارة ولا بد في ذلك من نية أو عرف وإن رفع فعلى تقدير معاد الله أو حاشا الله قسمي فيكون جملة اسمية خبرية استعملت في إنشاء القسم بها إما بالنية أو بالعرف الموجب لنقل الخبر من أصله اللغوي إلى الإنشاء وإن خفض فعلى حذف حرف القسم الجار كقولهم الله بالخفض ولا بد أيضا من نية الإنشاء أو عرف يقتضي ذلك ا ه
ملخصا قلت ووجه النظر أن واو القسم وجميع حروفه ولفظه بأي صيغة لا تستعمل إلا لإنشاء القسم وقد تقدم التصريح بذلك أول الكتاب ولذلك الزم لا يستعمل إلا لإنشاء الالتزام والتزام القديم التزام لليمين فيوجب الكفارة ولو لم تكن نية لإنشاء القسم فتأمل بإنصاف والله أعلم
المسألة الثانية
رحمة الله ورضاه ومحبته وغضبه ومقته في قوله تعالى كبر مقتا عند الله أن تقولوا
89
89
فالمتأخر عن الحادث حادث فهي سلوب حادثة فهي أبعد عن انعقاد اليمين من السلوب القديمة لاجتماع السلب والحدوث فيها فبعدت من وجهين بخلاف السلوب القديمة إنما بعدت من حيث السلب فالذي يقول لا تنعقد اليمين بالصفات المعنوية الثبوتية يقول هاهنا بعدم الانعقاد بطريق الأولى والذي يقول تنعقد اليمين بالصفات الثبوتية كالعلم والقدرة أمكن أن يقول بعدم الانعقاد هاهنا لأجل السلب فهذا موضع يحتمل الإطلاق بانعقاد اليمين وبعدم انعقادها ويحتمل التفصيل بين القديم والمحدث ولم أجد في هذه المواطن نقلا أعتمد عليه غير أني حركت من وجوه النظر والتخريج ما يمكن أن يعتمد الفقيه عليه نفيا أو إثباتا
فائدة
السلب في حق الله تعالى سلبان سلب نقيصة نحو سلب الجهة والجسمية وغيرهما وسلب المشارك في الكمال وهو سلب الشريك وهو الوحدانية فاعلم الفرق بينهما
القسم الرابع من صفات الله تعالى الصفات الفعلية كقوله وخلق الله ورزق الله وعطاء الله وإحسان الله ونحو ذلك مما يصدر عن قدرة الله تعالى فالحلف بهذه الصفات منهي عنه ولا يوجب كفارة إذا حنث وهاهنا خمس مسائل
هامش أنوار البروق
قاله في أول المسألة الثالثة إلى قوله والأول هو المشهور في المذهب ظاهر أيضا قال واعلم أن الفتيا بإلزام الكفارة في هذه الألفاظ على ما نقله ابن يونس إن لم يقيد بأنه نوى إرادة الله تعالى فهو مشكل فإن اللفظ حقيقة في أمور محدثة لا توجب كفارة إلى آخر المسألة قلت لا إشكال في ذلك فإن اللفظ وإن سلم أنه حقيقة في أمور محدثة مجاز غير غالب في الصفة القديمة فقرينة الحلف به كافية في حمله على المجاز والله تعالى أعلم
قال المسألة الرابعة إلى آخرها قلت ليس ما قاله فيما إذا وقع التخريج على مذهب الشيخ أبي الحسن بمستقيم لقوله تقول قائما
هامش إدرار الشروق
ما لا تفعلون وبغضه في قوله عليه الصلاة والسلام أبغض المباح إلى الله الطلاق وإن الله ليبغض الحبر السمين ورأفته في قوله تعالى الرءوف الرحيم ونحو ذلك من الألفاظ التي قيل إن حقائقها لا تتصور إلا في البشر والأمزجة والمخلوقات بناء على تفسيرها بما يمتنع عليه تعالى كتفسيرهم الرحمة بالرقة والمحبة بالميل ونحو ذلك فعلى تسليم امتناع تلك الحقائق لا بد من الصرف إلى المجاز فاختلف العلماء في المجاز المراد بها فقال الشيخ أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه المراد في لفظ الرحمة ونحوها إرادة الإحسان لمن وصف بذلك من الخلق وفي لفظ الغضب ونحوه إرادة العقوبة لمن وصف بذلك من الخلق وقال القاضي أبو بكر الباقلاني رضي الله عنه المراد بذلك أن الله تعالى يعاملهم معاملة الراحم والغضبان فيكون المراد في الأول أي لفظ الرحمة ونحوها الإحسان نفسه وفي الثاني أي لفظ الغضب
90
90
المسألة الأولى
قال ابن يونس قال أصحابنا معاد الله ليست يمينا إلا أن يريد اليمين وقيل معاد الله وحاشا الله ليستا بيمين مطلقا لأن المعاد من العود ومحاشاة الله تعالى التبرئة إليه فهما فعلان محدثان يريد إلا أن يريد اليمين وقيل إن لفظ معاد الله كناية يحتمل أن يريد بها ذات الله تعالى وصفاته العلى فإن معادا من العود وهو اسم مكان العود والله تعالى يعود إليه الأمر كله كقوله تعالى وإليه يرجع الأمر كله فإطلاق لفظ المكان على الله تعالى من المعاد والمرجع مجاز والمجاز يفتقر إلى نية فهي كناية إذا أريد بها المجاز كان حلفا بقديم وهو وجود الله تعالى وإن لم تكن له نية كان منصرفا لحقيقته وهو المعاد الحقيقي فيكون حلفا بمحدث فلا يلزم به شيء ثم إذا أراد به الحلف فلا يخلو إما أن ينصبه أو يرفعه أو يخفضه
فإن نصبه كان التقدير ألزم نفسي معاد الله ويكون الإلزام هاهنا إلزاما حقيقيا لموجب اليمين وهو الكفارة ولا بد في ذلك من نية أو عرف كما تقدم في قوله علي عهد الله وكفالة الله ونحوه فلا بد من هاتين النيتين وأما إن رفع فتقديره معاد الله قسمي فيكون جملة اسمية خبرية استعملت في الإنشاء للقسم بها إما بالنية أو بالعرف الموجب لنقل الخبر من أصله اللغوي إلى الإنشاء وإن لم ينو لم يلزم به شيء فإن كل قسم لا بد فيه من الإنشاء فمتى عدم الإنشاء لم يكن قسما لأن الخبر بما هو خبر لا يوجب كفارة ولا هو قسم وكذلك إذا قلت أقسم بالله لقد قام زيد هو
هامش أنوار البروق
بذاته واجبا الوجود أزليان لأن الرحمة على مذهب الشيخ أبي الحسن إرادة الثواب والغضب إرادة العقاب والإرادة واحدة لا تتعدد بتعدد متعلقها كإرادتنا والله أعلم قال
المسألة الخامسة مقتضى ما قاله مالك رحمه الله تعالى في قوله علي ميثاق الله وكفالته أنه يوجب الكفارة أنه إذا قال هاهنا علي رزق الله تعالى أو خلقه أن تجب عليه الكفارة قلت ليس ما قاله عندي بصواب لأنه إذا قال علي ميثاق الله فمقتضاه علي يمين فتلزمه كفارة يمين وإذا قال علي رزق الله فلا شيء عليه إلا أن ينوي بذلك الكفارة والفرق بينهما أن الميثاق ونحوه جرى العرف بأن المراد به اليمين ورزق الله ونحوه لم يجر عرف بذلك وليس قول القائل علي
هامش إدرار الشروق
ونحوه العقاب نفسه وذلك أن الرحمة التي وضع اللفظ بإزائها
وهو حقيقة فيها هي رقة الطبع وهذه الرقة في القلب يلزمها أمران أحدهما إرادة الإحسان إليه والثاني الإحسان نفسه فهما لازمان للرقة التي هي حقيقة اللفظ والتعبير بلفظ الملزوم عن اللازم مجاز عرفي شائع غير أن إرادة الإحسان ألزم للرقة فإن كل من رحمته وأحسنت إليه فقد أردت الإحسان إليه وقد تريد الإحسان إليه وتقصر قدرتك عن ذلك فالإرادة أكثر لزوما للرقة وإذا قويت العلاقة كان مجازها أرجح فمجاز الشيخ أبي الحسن أرجح من مجاز القاضي فعلى مذهب الشيخ يجوز الحلف بهذه الأمور ويلزم بها الكفارة لكون مدلولها قديما وعلى مذهب القاضي لا يلزم بها كفارة وينهى عن الحلف بها لأن مدلولها محدث إلا أن يلاحظ الحالف المذهب الماتريدي أو مصدرها على ما مر عن العلامة الأمير في صفة الفصل فلا تغفل
وإذا قيل لك رحمة الله وغضبه هل هما قائمان بذاته تعالى أم لا وهل هما واجبا الوجود أم لا وهل كانا في الأزل أم لا ونحو ذلك من الأسئلة فقل على مذهب الشيخ هما
91
91
جملة إنشائية ولذلك لا تحتمل التصديق والتكذيب وإن خفض كان على حذف حرف الجر من القسم كقولهم الله بالخفض ولا بد أيضا من نية الإنشاء أو عرف يقتضي ذلك
وأما حاشا لله فمعناه براءة لله أي براءة منا لله ويحتمل هذا أيضا أن يكون كناية وأن يراد به الكلام القديم وتصح إضافته إليه تعالى باللام فإن الله تعالى ينزه نفسه بكلامه النفساني وذلك التبرؤ قديم وهو لله تعالى فتمكن إضافته إليه تعالى باللام فإن وجدت نية لذلك رتبة أخرى في القسم به أو عرف يقوم مقامها وجبت الكفارة وإن لم يوجب ذلك لم تجب الكفارة فهو كناية كما مر في مثل معاد الله مع أن أبي يونس لم ينقل إيجاب الكفارة مع النية إلا في معاد الله خاصة المسألة الثانية هاهنا ألفاظ اختلف في مدلولها هل هو قديم فيجوز الحلف به وتلزم به الكفارة أو هو محدث فلا يجوز الحلف به ولا تلزم به الكفارة تخريجا على قواعدهم وهذه الألفاظ هي غضب الله ورحمته ورضاه ومحبته ومقته كقوله تعالى كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون وكذلك بغضه في قوله عليه الصلاة والسلام أبغض المباح إلى الله الطلاق وإن الله ليبغض الحبر السمين وكذلك رأفته في قوله تعالى
هامش أنوار البروق
رزق الله كقوله علي صوم يوم لأن رزق الله ليس اسما لطاعته فيلزم نذرها وصوم يوم اسم قال فإن المدرك هنالك إن كان هو أن العرف نقلها لنذر الكفارة في زمان فصار النطق بهذه العبارة نذرا للكفارة فتلزمه بالنذر لا بالحلف إلى قوله ونحو ذلك قلت ما تأوله من أن قول القائل علي ميثاق الله جرى فيه عرف بنذر الكفارة مجرد توهم لا حجة عليه وليس عندي كما توهم بل قول القائل علي ميثاق الله جرى فيه العرف بأن المراد بها اليمين التي شرعها الله تعالى وجعلها ميثاقا بين عباده فلزوم الكفارة ليس بنذر الكفارة بل بالتزام اليمين
قال فكذلك يلزمه هنا إذا وجد عرفه في رزق الله وخلقه وأنه صار قوله علي رزق الله أنه نذر
هامش إدرار الشروق
عبارة عن الإرادة وهي صفة واحدة قائمة بذاته تعالى واجبة الوجود أزلية وقل على مذهب القاضي ليسا قائمين بذاته بل ممكنان مخلوقان ليسا بأزليين والحق أن الأصل في الإطلاق الحقيقة ولا يصار إلى المجاز إلا عند التعذر ولا تعذر ضرورة أن الرحمة التي هي من الأعراض النفسانية هي القائمة بنا ولا يلزم من ذلك أن يكون مطلق الرحمة كذلك حتى يلزم كون الرحمة في حقه تعالى مجازا ألا ترى أن العلم القائم بنا من الأعراض النفسانية وقد وصف الحق تعالى بالعلم ولم يقل أحد إنه في حقه تعالى مجاز وكذا القدرة وغيرها فلم لا يجوز أن تكون الرحمة حقيقة واحدة هي العطف وتختلف أنواعه باختلاف الموصوفين به فإذا نسبت إلينا كانت كيفية نفسانية وإلى الله كانت حقيقة فيما يليق بجلاله من الإحسان أو إرادته وكون الرحمة منحصرة وضعا في الكيفية النفسانية دونه خرط القتاد كما قاله العارف المحقق الملا إبراهيم الكوراني في كتابه قصد السبيل أفاده العلامة ابن عابدين على المنار
92
92
لرءوف رحيم ونحو ذلك من هذه الألفاظ التي حقائقها لا تتصور إلا في البشر والأمزجة والمخلوقات ولما استحالت حقائقها على الله تعالى وتعين حملها على المجاز فاختلف العلماء في المجاز المراد بها فقال الشيخ أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه المراد بهذه الأمور إرادة الإحسان لمن وصف بذلك من الخلق في صفة الرحمة ونحوها وإرادة العقوبة لمن وصف بذلك من الخلق في لفظ الغضب ونحوه وقال القاضي أبو بكر الباقلاني رضي الله عنه المراد بذلك أن الله تعالى يعاملهم معاملة الراحم والغضبان فيكون المراد في الأول الإحسان نفسه وفي الثاني العقاب نفسه فغضب الله تعالى عند الشيخ إرادته العقاب وعند القاضي العقاب وكذلك الرحمة هل هي إرادة الإحسان أو الإحسان نفسه ورضاه تعالى إرادة الإحسان أو يعاملهم معاملة الراضي فيحسن إليهم أي يفعل بهم ذلك ومحبته إرادة الإحسان في قوله تعالى يحبهم ويحبونه والإحسان نفسه وكذلك بقية هذه الألفاظ تتخرج على هذين المذهبين وقد ورد الرضى بمعنى ثالث يرجع إلى الكلام القديم كقوله تعالى ولا يرضى لعباده الكفر أي لا يشرعه
هامش أنوار البروق
أن يتصدق بشيء من رزق الله إلى قوله بل يدور مع العرف كيفما دار قلت صدر كلامه بالعرف في نذر الكفارة ثم خرج إلى العرف في نذر شيء من رزق الله وهذا الذي خرج إليه أجنبي عن مسألة مالك رحمه الله فإنه أوجب الكفارة في قول القائل علي ميثاق الله ونحوه وما قال من أنه يدور مع العرف كيفما دار صحيح إذا ثبت عرف
قال وإن كان المدرك النية فتصح أيضا في خلق الله ورزقه إلى قوله إن كان نوى بعض المنذورات من الأفعال قلت ما قاله هنا صحيح قال وعلى كل تقدير فالمسألتان سواء
هامش إدرار الشروق
الأصولي وإليه والله أعلم يشير العلامة ابن الشاط بقوله وما قاله من امتناع حقائقها على الله تعالى إنما ذلك بناء على تفسيرها بما يمتنع عليه تعالى كتفسيرهم الرحمة بالرقة والمحبة بالميل وفي ذلك نظر للكلام فيه مجال ا ه
على أن الخادمي نقل عن بعض أن من معاني الرحمة اللغوية إرادة الخير وعن بعض آخر أن منها الإحسان فعلى هذين لا تجوز أصلا فاحفظه أفاده العلامة الأنباصني على بيانية الصبان والله أعلم
المسألة الثالثة
قال ابن يونس الحالف برضى الله تعالى ورحمته وسخطه عليه كفارة واحدة ا ه
يعني لأنه كرر الحلف بصفة واحدة وهي الإرادة وهذا يدل على أن الفتيا بطريقة الشيخ أبي الحسن في حمل هذه الأمور على الإرادة وأنه إذا جمع بين عشرة أو أكثر من هذه الأمور لا تجب إلا كفارة واحدة بخلاف قوله وعلم الله وقدرة الله وإرادة الله وعزة الله فإنه يختلف فيه هل تتعدد عليه الكفارة لتغاير الصفات المحلوف بها أو تتحد الكفارة بناء على أن قاعدة الأيمان التأكيد حتى يريد الإنشاء بخلاف تكرير الطلاق الأصل
93
93
دينا للعباد وشرعه تعالى كلامه القديم وفي القرآن مواضع يتعين فيها مذهب الشيخ ومواضع يتعين فيها مذهب القاضي ومواضع تحتمل المذهبين فالأول كقوله تعالى ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فهذا ظاهر في الإرادة لأن الوسع عبارة عن عموم التعلق ويدل على ذلك أيضا اقترانها بالعلم وإن وسع الرحمة كوسع العلم وهذا ظاهر في الإرادة
وأما ما يتعين فيه مذهب القاضي فقوله تعالى هذا رحمة من ربي إشارة إلى السد وهو إحسان من الله تعالى لا إرادة الله تعالى القديمة وأما ما يحتمل الأمرين فقوله تعالى الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم يحتمل في الرحمن الرحيم أنه يريد الإحسان أو الإحسان نفسه يحتمل المذهبين لعدم القرينة ومذهب الشيخ أقرب من مذهب القاضي رضي الله عنهما وسبب ذلك أن الرحمة التي وضع اللفظ بإزائها وهو حقيقة فيها هي رقة الطبع
وإذا رق طبعك على إنسان فإن هذه الرقة في القلب يلزمها أمران أحدهما إرادة الإحسان إليه والثاني الإحسان نفسه فهما لازمان للرقة التي هي حقيقة اللفظ والتعبير بلفظ اللزوم عن اللازم مجاز عرفي شائع فلذلك تجوز العلماء إليها غير أن إرادة الإحسان ألزم للرقة
هامش أنوار البروق
قلت قد تقدم أنهما ليستا سواء قال واعلم أنه إذا كان المدرك العرف الناقل فلا بد من النقل في لفظ علي إلى القسم فتكون بمعنى الباء والواو وحروف القسم فتجب الكفارة وتكون يمينا قلت وما المانع أن تكون يمينا من غير نقل في لفظ علي بل يبقى لفظ علي معناه من غير نقل ويكون قائله حالفا فإن الميثاق معناه يمين ما فكأنه قال علي يمين فلزمه الكفارة إذا حنث
قال أو يقع النقل في أمانة الله وميثاقه ويكون قد عبر بهما عما يلزم بسبب الحنث فيهما وهو الكفارة إلى منتهى قوله فإن الكفارة مسببة عن الحلف بهذه الألفاظ قلت بنى كلامه في هذه المسألة على أن الميثاق ونحوه ليس بيمين ثم إنه هنا بنى على أنه يمين
هامش إدرار الشروق
فيه الإنشاء حتى يريد التأكيد أو قاعدة الجميع الإنشاء حتى يريد التأكيد وهذا هو الأنظر والأول هو المشهور في المذهب قال الأصل وما نقله ابن يونس من إلزام الكفارة في هذه الألفاظ إن لم يقيد بأنه نوى إرادة الله تعالى فهو مشكل لأنه خلاف القواعد وذلك أن هذه الألفاظ حقيقة في أمور محدثة لا توجب كفارة وإنما دل الدليل عند الشيخ أبي الحسن على أن المراد بها الإرادة القديمة مجازا خفيا لعدم اشتهارها في الإرادة حتى صارت حقيقة عرفية والقاعدة أن الألفاظ لا تنصرف لمجازاتها الخفية إلا بالنية وأن اللفظ لا يزال منصرفا إلى الحقيقة اللغوية دون مجازه المرجوح حتى تصرفه نية المجاز المرجوح فكان ينبغي أن يقال إن أراد بهذه الألفاظ صفة قديمة لزمته الكفارة وإلا فلا ا ه
قال ابن الشاط لا إشكال في ذلك فإن اللفظ وإن سلم أنه
94
94
فإن كل من رحمته وأحسنت إليه فقد أردت الإحسان إليه وقد تريد الإحسان وتقصر قدرتك عن الإحسان إليه فالإرادة أكثر لزوما للرقة وإذا قويت العلاقة كان مجازها أرجح فمجاز الشيخ أرجح لأنه الإرادة فإن قلنا بمذهب الشيخ كانت هذه الأمور قديمة يجوز الحلف بها ويلزم بها الكفارة أو على مذهب القاضي كانت محدثة لا يلزم بها كفارة وينهى عن الحلف بها
المسألة الثالثة
قال ابن يونس الحالف برضى الله تعالى ورحمته وسخطه عليه كفارة واحدة يعني لأنه كرر الحلف بصفة واحدة وهي الإرادة فتجب كفارة واحدة وهذا يدل على أن الفتيا بطريقة الشيخ أبي الحسن في حمل هذه الأمور على الإرادة وأنه إذا جمع بين عشرة أو أكثر من هذه الأمور لا تجب إلا كفارة واحدة بخلاف قوله وعلم الله وقدرة الله وإرادة الله وعزة الله فإنه يختلف فيه هل تتعدد عليه الكفارة لتغاير الصفات المحلوف بها أو تتحد الكفارة بناء على أن قاعدة الأيمان التأكيد حتى يريد الإنشاء بخلاف تكرير الطلاق الأصل فيه الإنشاء حتى يريد التأكيد أو قاعدة الجميع الإنشاء حتى يريد التأكيد وهذا هو الأنظر والأول هو المشهور في المذهب واعلم أن الفتيا بإلزام الكفارة في هذه الألفاظ على ما يقله ابن يونس إن لم يقيد بأنه نوى إرادة الله تعالى فهو مشكل فإن اللفظ حقيقة في أمور محدثة لا توجب كفارة
وإنما حملت على هذه الإرادة القديمة مجازا ولم تشتهر في الإرادة حتى صارت حقيقة عرفية في الإرادة بل مجاز خفي دل الدليل عند
هامش أنوار البروق
تلزم فيه الكفارة وإذا كان يمينا تلزم فيه الكفارة فما المحوج إلى النقل فيه وادعاء المجاز الراجح فيه هذا كلام ساقط لا خفاء بسقوطه قال فلا بد من أحد هذين النقلين إلى آخر ما قاله في المسألة قلت قد تبين أن من ذلك بدا واقتضى كلامه حيث قال فإن الكفارة مسببة عن الحلف بهذه الألفاظ أنه لا يحتاج فيها إلى نقل ولا نية والله أعلم
قال القسم الخامس من صفات الله تعالى الصفات الجامعة لجميع ما تقدم من الأقسام الأربعة
هامش إدرار الشروق
حقيقة في أمور محدثة مجاز غير غالب في الصفة القديمة فقرينة الحلف به كافية في حمله على المجاز والله تعالى أعلم
ا ه المسألة الرابعة لا يقتضي قول مالك بوجوب كفارة في قوله علي ميثاق الله وكفالته أنه يوجبها إذا قال ها هنا علي رزق الله أو خلقه وإن قال الأصل ذلك لظهور الفرق بينهما بأن الميثاق ونحوه جرى العرف بأن المراد به اليمين فإذا قال علي ميثاق الله فمقتضاه علي يمين فتلزمه كفارة يمين ورزق الله ونحوه لم يجر عرف بذلك فإذا قال علي رزق الله فلا شيء عليه إلا أن ينوي بذلك الكفارة وليس قول القائل علي رزق الله كقوله علي صوم يوم لأن رزق الله ليس اسما لطاعته فيلزم نذرها وصوم يوم اسم لطاعته ولا مانع من أن يكون علي ميثاق الله يمينا ويكون قائله حالفا مع بقاء لفظ علي فيه على معناه من غير نقل له إلى القسم وجعله من جملة حروفه كالباء والواو فإن الميثاق معناه يمين ما فكأنه قال علي يمين فتلزمه الكفارة إذا حنث كما علمت أفاده ابن الشاط

95
95
الشيخ أبي الحسن على أنه المراد باللفظ والقاعدة أن الألفاظ لا تنصرف لمجازاتها الخفية إلا بالنية وأن اللفظ لا يزال منصرفا إلى الحقيقة اللغوية دون مجازه المرجوح حتى تصرفه نية المجاز المرجوح فإلزام الكفارة بمجرد هذه الألفاظ من غير نية خلاف القواعد بل ينبغي أن يقال إن أراد بهذه الألفاظ صفة قديمة لزمته الكفارة وإلا فلا
المسألة الرابعة
إذا قيل لك رحمة الله وغضبه قائمان بذاته أم لا وهل هما واجبا الوجود أم لا وهل كانا في الأزل أم لا ونحو ذلك من الأسئلة فخرج جوابك في جميع هذه الأسئلة في جميع هذه الألفاظ على مذهب الشيخ أبي الحسن وعلى مذهب القاضي فعلى مذهب الشيخ تقول قائمان بذاته واجبا الوجود أزليان صفتان لله تعالى وعلى مذهب القاضي تقول ليسا قائمين بذاته بل ممكنان مخلوقان حادثان ليسا بأزليين
وكذلك جميع ما يرد من هذه الأسئلة في جميع هذه الألفاظ المسألة الخامسة مقتضى ما قاله مالك رحمه الله في قوله علي ميثاق الله وكفالته أنه يوجب الكفارة أنه إذا قال هاهنا علي رزق الله أو خلقه أن تجب عليه الكفارة فإن المدرك هناك إن كان هو أن العرف نقلها لنذر الكفارة في زمانه رضي الله عنه فصار النطق بهذه العبارة نذرا للكفارة فتلزمه بالنذر لا بالحلف لأنه هو مقتضى لفظ علي
هامش أنوار البروق
وهي عز الله وجلاله وعلاه وعظمته وكبرياؤه ونحو ذلك من هذا المعنى فإنك تقول جل بكذا وجل عن كذا فتندرج في الأول الصفات الثبوتية كلها قديمة ومحدثة قلت هذا لفظ مستنكر فإنه يوهم اتصافه بالحوادث فلا يجوز إطلاق مثله فإن أراد مقتضى ظاهره فهو كفر وإن أراد بذلك الصفات المسميات بصفات الأفعال فالمعنى صحيح واللفظ قبيح قال فكما جل الله تعالى بعلمه وصفاته السبعة التي هي صفات ذاته تعالى جل أيضا ببدائع مصنعاته وغرائب مخترعاته
قلت هذا الكلام أقبح وفي الكفر أوضح فإنه يقتضي افتقار الباري تعالى إلى بدائع مصنوعاته
هامش إدرار الشروق
والقسم الخامس منها أعني صفات الله تعالى الجامعة لجميع ما تقدم من الأقسام الأربعة وهي عزة الله وجلاله وعلاه وعظمته وكبرياؤه ونحو ذلك من هذا المعنى فإن لفظ الجلالة والعظمة يحتمل جل بكذا وجل عن كذا وعظم بكذا وعظم عن كذا فتندرج في الأولى الصفات الثبوتية كلها نفسية كانت أو معنوية أو فعلية وتندرج في الثانية جميع السلوب للنقائص فيصدق أن الله تعالى جل وعظم عن الشريك وعن الحيز والجهة وغير ذلك مما يستحيل عليه سبحانه وتعالى فيندرج في اللفظ عند الإطلاق جميع الصفات السلبية والثبوتية نفسية كانت أو معنوية أو فعلية فيكون الحلف بها يوجب الكفارة لاشتمالها على الموجب لها وهو ما عدا الفعلية من الصفات القديمة وغير الموجب وهو صفة الفعل وإذا اجتمع الموجب وغير الموجب كان اللازم الإيجاب لا يمنع الموجب للكفارة من إيجابه للكفارة وها هنا ثلاث مسائل
المسألة الأولى هل يجوز قول قائل سبحان من تواضع كل شيء لعظمته أم لا
96
96
فإنها لا تستعمل إلا في النذر ونحوه وليست من حروف القسم إجماعا بل من حروف اللزوم والنذر كقوله لله علي صوم يوم وصدقة دينار ونحو ذلك فكذلك يلزمه هنا إذا وجد عرف في رزق الله وخلقه وأنه صار قوله علي رزق الله أنه نذر أن يتصدق بشيء من رزق الله تعالى أو ببعض خلقه من نبات أو جماد أو حيوان مما يسوغ التصدق به كالبقرة والغنم ونحوهما وأن يسوي بين المسألتين إن وجد في العرف الموجب لنقلهما للنذر لزم وإن لم يوجد العرف الناقل للنذر لم يلزم وكذلك إذا وجد عرف يوجب النقل لنذر غير الكفارة يجب ذلك المعنى الذي نقل العرف اللفظ إليه فيجب ولا تجب الكفارة بل يدور مع العرف كيفما دار وإن كان المدرك النية فتصح أيضا في خلق الله تعالى ورزقه أن ينوي بهما إرادة الخلق وإرادة الرزق الإرادة القديمة فتجب الكفارة إن كان نوى الحلف أو النذر إن كان نوى بعض المندوبات من الأفعال
وعلى كل تقدير فالمسألتان سواء واعلم أنه إذا كان المدرك العرف الناقل فلا بد من النقل في لفظة علي إلى القسم فتكون بمعنى الباء والواو وحروف القسم فتجب الكفارة وتكون يمينا أو يقع النقل في أمانة الله وميثاقه ويكون قد عبر بهما عما يلزمه بسبب الحنث فيهما وهو الكفارة فيكون نذرا للكفارة بلفظ الموجب لها نقلا عرفيا ويكون مجازا رابحا من باب التعبير بالسبب عن المسبب فإن الكفارة مسببة على الحلف بهذه الألفاظ فلا بد من أحد هذين النقلين فيما
هامش أنوار البروق
وغرائب مخترعاته فيزداد كمالا بوجودها وذلك باطل قطعا بل هو الغني على الإطلاق وحائز غاية الكمال بالاستحقاق قبل ابتداع المبتدعات واختراع المخترعات حتى أنه لو لم يبتدع المبتدعات ولم يخترع المخترعات لما كان ذلك نقصا في كماله ولا غضا من جلاله ولا حطا عن رتبة انفراده بالعظمة والكبرياء واستقلاله وما ذلك الكلام إلا كلام من لم يحصل علم الكلام بل علم الاعتقاد على وجه الصواب والسداد ولله الحمد على ما من به من الهدى والإرشاد قال ويندرج في الثاني جميع السلوب للنقائص إلى قوله وهاهنا ثلاث مسائل قلت ما قاله في ذلك صحيح إلا ما في قوله القديمة والمحدثة كما تقدم
هامش إدرار الشروق
قال قوم من الفقهاء يجوز وهو الصحيح لأن العظمة كما سبق عبارة جامعة لصفات الكمال والتواضع التصاغر والتضاؤل ولا شك أن كل شيء ما عدا الذات الكريمة والصفات العظيمة متصاغر متضائل بالنسبة إلى تلك الصفات وقول بعضهم بعدم الجواز بناء على زعمه أن التواضع عبادة وعظمة الله تعالى صفته وعبادة الصفة كفر ليس بصحيح بل هو دعوى عرية عن الحق فلا اعتبار بقوله أفاده ابن الشاط وفي حاشية العلامة الأمير على الجوهرة وتكون صفات المعاني ليست غيرا وقع في بعض العبارات التسمح بإضافة ما للذات بها نحو تواضع كل شيء لقدرته وفي الحقيقة اللام للأجل أي تواضع كل شيء لذاته لأجل قدرته وإلا فعبادة مجرد الصفات من الإشراك كما أن عبادة مجرد الذات فسق وتعطيل عند الجماعة وإنما الذات المتصفة بالصفات ا ه فقد حمل التواضع على العبادة مجازا لا على معناه الحقيقي وجعل اللام للأجل لتكون العبادة للذات المتصفة فاستقامت العبادة واندفع عنها كل إشكال فتأمل
97
97
قاله مالك في قوله علي عهد الله وميثاقه ومتى فقد النقل فلا بد من النية الصارفة للنذر أو الحلف بالصفة القديمة واستعمال علي مجاز ومتى فقد العرف والنية تعين أن لا يجب بجميع هذه الألفاظ شيء ألبتة كما لو قال علي علم الله وعلي سمع الله وبصره فإن هذه الألفاظ لا توجب شيئا إلا بالنية ونقل عرفي ولعل الإمام حمل ذلك على ذلك فتأمل
القسم الخامس من صفات الله تعالى
الصفات الجامعة لجميع ما تقدم من الأقسام الأربعة وهي عزة الله وجلاله وعلاه وعظمته وكبرياؤه ونحو ذلك من هذا المعنى فإنك تقول جل بكذا أو جل عن كذا فتندرج في الأولى الصفات الثبوتية كلها قديمة أو حادثة فكما جل الله تعالى بعلمه وصفاته السبعة التي هي صفات ذاته تعالى جل أيضا ببدائع مصنوعاته وغرائب مخترعاته ويندرج في الثاني جميع السلوب للنقائص فيصدق أن الله تعالى جل عن الشريك وعن الحيز والجهة وغير ذلك مما يستحيل عليه سبحانه وتعالى ولما كان لفظ الجلال والعظمة يحتمل جل بكذا وجل عن كذا وعظم بكذا وعظم عن كذا اندرج الجميع في اللفظ عند الإطلاق فكانت هذه الصفات شاملة لجميع الصفات الثبوتية والسلبية والقديمة والمحدثة فيكون الحلف بها يوجب الكفارة لاشتمالها على الموجب للكفارة وهو الصفات القديمة وغير الموجب وهو الصفات المحدثة وإذا
هامش أنوار البروق
قال إذا قال القائل سبحان من تواضع كل شيء لعظمته هل يجوز هذا الإطلاق أم لا فقال بعض فقهاء العصر لا يجوز هذا الإطلاق إلى قوله وقال قوم يجوز هذا الإطلاق وهو الصحيح قلت ما صحح هو الصحيح لأن العظمة كما سبق جامعة لصفات الكمال والتواضع التصاغر والتضاؤل ولا شك أن كل شيء ما عدا الذات الكريمة والصفات العظيمة متصاغر متضائل بالنسبة إلى تلك الصفات وقول ذلك الفقيه العصري إن التواضع عبادة ليس بصحيح وهو دعوى عرية عن الحجة فلا اعتبار بقوله
هامش إدرار الشروق
المسألة الثانية
قال عبد الحق في تهذيب الطالب الحالف بعزة الله تعالى وعظمته وجلال الله عليه كفارة واحدة وهو متجه في إيجاب الكفارة واتحادها بل وفي الجواز وعدم النهي خلافا للأصل أما لزوم الكفارة فلما تقدم من أن هذه الألفاظ مشتملة على الموجب وعلى غير الموجب فتجب عملا بالموجب وأما اتحادها فلأن العزة والعظمة والجلال ونحو ذلك هو المجموع والمجموع واحد فتعددت الألفاظ واتحد المعنى فاتحدت الكفارة وأما الجواز وعدم النهي فلأنا لا نسلم اندراج حادث تحت لفظ العزة ونحوه حتى يكون في اليمين بذلك محذور فيحق لعبد الحق أن يعرض عن النهي والله أعلم أفاده ابن الشاط فتأمل بدقة
المسألة الثالثة هذه الألفاظ وإن كانت تارة بلفظ التذكير كقولنا وجلال الله وعلاء الله وتارة بلفظ التأنيث كقولنا وعزة الله وعظمة الله إلا أنه لا فرق بين ما هو بلفظ التذكير وما هو بلفظ التأنيث في جواز الحلف وانعقاد اليمين ولزوم الكفارة عند الحنث أما ما هو بلفظ التذكير فظاهر وأما ما هو بلفظ التأنيث فلأن التاء في نحو عظمة الله ليست للوحدة بل للتأنيث فإن العرب تقول عظم زيد عظمة في
98
98
اجتمع الموجب وغير الموجب كان اللازم الإيجاب عملا بالموجب والقسم الآخر كما أنه لا يقتضي كفارة لا يمنع الموجب للكفارة من إيجابه للكفارة وهاهنا ثلاث مسائل
المسألة الأولى
إذا قال القائل سبحان من تواضع كل شيء لعظمته هل يجوز هذا الإطلاق أم لا فقال بعض فقهاء العصر لا يجوز هذا الإطلاق لأن عظمة الله تعالى صفته والتواضع للصفة عبادة لها وعبادة الصفة كفر بل لا يعبد إلا الله تعالى ولو عبد عابد علم الله تعالى أو إرادته وغير ذلك من صفاته كفر بل المعبود واحد وهو ذات الله تعالى وهو الذات الموصوفة بصفات الجلال ونعوت الكمال والمراد بالعبارتين واحد
وقال قوم يجوز هذا الإطلاق وهو الصحيح وعظمة الله تعالى هي المجموع من الذات والصفات وهذا المجموع هو المعبود وهو الإله وهو الذي يجب توحيده وتوحده ولا ثاني له وهو الذي يجب التواضع له كما تقول عظمة الملك جيشه وأمواله وأقاليمه التي استولى عليها وسطوته وغير ذلك مما وقعت به العظمة في دولته كذلك عظمة الله تعالى هي هذه الأمور كلها مع ذاته تعالى فهي أيضا من موجبات عظمته فإن أراد هذا المطلق هذا المعنى أو لم تكن له نية فلا شيء عليه وإن أراد صفة
هامش أنوار البروق
قال شهاب الدين وعظمة الله تعالى هي المجموع من الذات والصفات وهذا المجموع هو المعبود إلى قوله وهو الذي يجب التواضع له قلت ليس ما قاله هنا بصحيح فإن العظمة ليست مجموع الذات والصفات بل هي مجموع الصفات على ما سبق من تقريره هو ذلك قبل هذا وعلى تسليم أن تكون العظمة مجموع الذات والصفات فليس المجموع هو المعبود بل المعبود الموصوف بتلك الصفات لا الصفات ولا مجموع الموصوف والصفات والقول بأن المعبود مجموع الموصوف والصفات مضاه لقول النصارى في الأقاليم وهو باطل لا شك في بطلانه وكلامه هنا كلام من لم يحقق مباحث هذا العلم على وجه الصواب
هامش إدرار الشروق
غالب استعمالهم فكأنه هو المصدر المتعين دون عظما بغير تاء التأنيث فحينئذ لم يكن محدودا فيقيد بالألف واللام أو الإضافة العموم لصفات الكمال والتاء في نحو عزة الله وإن أفادت الوحدة نظرا لكون العرب تفرق بين قول القائل عز زيد عزا وعز عزة فالأول يحتمل جميع أنواع العز مفردة ومجموعة فإذا وجدت الإضافة أو الألف واللام الموجبتين للعموم كان العموم في جميع أفراد ذلك النوع وإن فقدت الإضافة والألف واللام بقي مطلقا وأما اللفظ الثاني وهو عز زيد عزة فإنه لا يتناول لغة إلا فردا واحدا من العزة ولا تفيده الألف واللام تعميما لأنه محدود بالتاء وقد قال الغزالي في المستصفى إن لام التعريف إنما تفيد تعميما فيما ليس محدودا بالتاء نحو الرجل والبيع ا ه فكذلك لا تفيده الإضافة عموما لأن الإضافة تأتي لما تأتي له الألف واللام لأنهما أداتا تعريف إلا أن الصحيح أن لفظ العزة ونحوه لا يتناول محدثا كما قال ابن الشاط لأنه إنما يتناول صفة كمال قديمة
99
99
واحدة من صفات الله تعالى وأنها حصل التواضع لها وهو العبادة امتنع وربما كان كفرا وهو الظاهر وإن أراد بالتواضع غير العبادة وهو القهر والانقياد لإرادة الله تعالى وقضائه وقدره وقدرته فهذا أيضا معنى صحيح فإن جميع العالم مقهور بقدرة الله تعالى وقدره فالتواضع بهذا التفسير أيضا سائغ لا محذور فيه بل يجب اعتقاده فهذا تلخيص الحق في هذه المسألة والفتيا فيها
المسألة الثانية
قال عبد الحق في تهذيب الطالب الحالف بعزة الله تعالى وعظمته وجلال الله عليه كفارة واحدة
وهو متجه في إيجاب الكفارة واتحادها لا في الجواز وعدم النهي مع أنه لم يتعرض له لعدم النهي بل للزوم كفارة أما لزوم الكفارة فلما تقدم من أن هذه الألفاظ مشتملة على الموجب وعلى غير الموجب فتجب وأما اتحادهما فلأن العظمة والجلال والعلا ونحو ذلك هو المجموع والمجموع واحد فتعددت الألفاظ واتحد المعنى فاتحدت الكفارة وأما أنه دخل فيه النهي فلاندراج المحدثات فيه كما تقدم بيانه فيكون قد حلف بقديم ومحدث ففعل مأمورا به ومنهيا عنه ومن فعل مأمورا به ومنهيا عنه فقد ارتكب المنهي عنه وهذا ظاهر إلا أن ينوي الحالف بهذه الألفاظ القديم وحده فلا نهي حينئذ أو يكون هناك عرف اقتضى تخصيص
هامش أنوار البروق
قال كما تقول عظمة الملك جيشه وأمواله إلى قوله في دولته قلت لا يسوغ مثل هذا التمثيل فإن الملك مفتقر على الإطلاق والله تعالى مستغن على الإطلاق فكيف يصح التمثيل
قال كذلك عظمة الله تعالى هي هذه الأمور كلها مع ذاته تعالى فهي أيضا من موجبات عظمته قلت هذا كلام غث لا يصدر إلا عن جهل بهذا العلم وكيف يصح أن تكون الذات من موجبات العظمة والعظمة مجموع الذات والصفات فالذات على هذا موجبة للذات وكيف يكون الشيء الواحد موجبا وموجبا هذا كله تخليط فاحش
قال فإن أراد المطلق هذا المعنى أو لم تكن له نية فلا شيء عليه قلت بل عليه شيء وهو أنه مخطئ في ذلك حيث اعتقد أن الذات من مقتضيات العظمة قال وإن أراد صفة واحدة من صفات الله تعالى إلى قوله وهو الظاهر قلت ما حكم بأنه ظاهر هو كما قال
قال وإن أراد بالتواضع غير العبادة إلى قوله بل يجب اعتقاده قلت ما قاله في ذلك صحيح
هامش إدرار الشروق
وشموله صفة الفعل على ما مر إنما هو باعتبار مصدرها الذي هو القدرة أو التقدير لا باعتبار حدوثها لاستحالة اتصافه تعالى بها فضلا عن أن تكون صفة كمال يتناولها لفظ العزة وليس المدرك فيما نقله
100
100
هذه الألفاظ بالقديم خاصة فلا نهي حينئذ أما مجرد اللفظ اللغوي فموجب لاندراج المحدث مع القديم
المسألة الثالثة
أن هذه الصفات تارة تكون بلفظ التذكير كقولنا وجلال الله وعلاء الله وتارة تكون بلفظ التأنيث كقولنا وعزة الله وعظمة الله فأما لفظ التذكير فلا كلام فيه هاهنا وأما لفظ التأنيث بالهاء فإنه مشعر بشيء واحد مما يصدق عليه ولذلك تفرق العرب بين قول القائل عز زيد عزا وعز عزة فالأول يحتمل جميع أنواع العز مفردة ومجموعة فإذا وجدت الإضافة أو الألف واللام الموجبتين العموم كان العموم في جميع أفراد ذلك النوع وإن فقدت الإضافة والألف واللام بقي مطلقا وأما اللفظ الثاني وهو عز زيد عزة فإنه لا يتناول لغة إلا فردا واحدا من العزة إما بماله أو بجاهه أو بسطوته أو بغير ذلك من أسباب العزة وإن كان موضوعه لغة فردا واحدا من العزة وأضيفت إلى الله تعالى لم يتعين العموم فيه فاحتمل المحدث فإن العزة تصدق بالمحدث أيضا من جهة أن العزيز هو الذي امتنع من نيل المكاره والعزيز أيضا هو الذي لا نظير له وقد ذكر العلماء المعنيين في تفسير اسمه تعالى العزيز ولا شك أنه تعالى لا نظير له في مبتدعاته ومخلوقاته
فإن كانت العزة من هذه الجهة كان فيها إشارة إلى المخلوقات المحدثات فلا تجب الكفارة ولهذه الإشارة نقل صاحب اللباب في شرح الجلاب عن مالك في الحلف بعزة الله تعالى هل توجب كفارة أم لا فيه روايتان لأجل التردد في لفظ العزة وأما لفظ العظمة فإن بينه وبين لفظ العزة فرقا فإن العرب تقول عظم زيد عظمة في غالب استعمالهم فكأنه هو المصدر المتعين دون عظما بغير تاء التأنيث وأما عز عزا فمشهور ولا ينطق بهاء التأنيث إلا إذا قصدت الوحدة نحو ضرب ضربة فلا يتناول إلا ضربة واحدة كذلك عزة لا يتناول إلا عزة واحدة فإذا أضيف لا يكون المضاف عاما بل فردا واحدا غير معين وقد قال الغزالي في المستصفى إن اللام في هذا الجنس لا تفيد تعميما بل إنما تفيد اللام التعريف تعميما فيما ليس محدودا بالتاء نحو الرجل والبيع فكذلك لا تفيده الإضافة عموما اعتبارا فاللام التعريف والجامع بينهما أنهما أداتا تعريف فهذا بحث يمكن أن يلاحظ في هذا الموضع والله أعلم
هامش أنوار البروق
قال فهذا تلخيص الحق في هذه المسألة والفتيا فيها
هامش إدرار الشروق
صاحب اللباب في شرح الجلاب عن مالك في الحلف بعزة الله تعالى هل يوجب كفارة أم لا فيه روايتان ا ه هو تردد العزة بين القديم والمحدث كما زعم الأصل بل المدرك كما قال ابن الشاط هو احتمال لفظ
101
101
الفرق السابع والعشرون والمائة بين قاعدة ما يوجب الكفارة إذا حلف به من أسماء الله تعالى وبين قاعدة ما لا يوجب اعلم أن أسماء الله تعالى تسعة وتسعون اسما مائة إلا واحدا خرجه الترمذي وهي إما لمجرد الذات كقولنا الله فإنه اسم للذات على الصحيح وكذلك إن اختار صاحب الكشاف أنه
هامش أنوار البروق
قلت قد تبين تلخيص الحق في المسألة على غير الوجه الذي زعم والله أعلم قال
المسألة الثانية قال عبد الحق في تهذيب الطالب الحالف بعزة الله تعالى وعظمته وجلاله عليه كفارة واحدة إلى آخر المسألة
قلت لا يندرج حادث تحت لفظ العزة ونحوه فما أشعر به كلامه بأن عبد الحق أغفل التنبيه عليه ليس الأمر كذلك فلا محذور في اليمين بعزة الله تعالى ونحو ذلك فبحق إن أعرض عن ذلك عبد الحق والله أعلم
قال المسألة الثالثة أن هذه الصفات تارة تكون بلفظ التذكير وتارة تكون بلفظ التأنيث إلى آخرها قلت الصحيح على ما سبق أن لفظ العزة ونحوها لا يتناول محدثا فلا يصح ما قاله في لفظ العزة من احتماله المحدث وما حكاه عن صاحب اللباب من نقله عن مالك رحمه الله تعالى في لزوم الكفارة للحالف بذلك روايتين ليس مدرك اختلاف قوله عندي ما ذكره الشهاب من احتمال المحدث بل المدرك عندي احتمال لفظ العزة أن يكون مدلوله أمرا ثبوتيا وأمرا سلبيا فإنه عز بصفات كماله الثبوتية كما عز بصفات تنزيهه السلبية والله أعلم
قال الفرق السابع والعشرون والمائة قلت جميع ما قاله في هذا الفرق لا بأس به إلا ما قاله في المسألة الثانية من أنه إذا قال باسم الله لأفعلن يحتمل أن يكون إضافة مخلوق إلى الله تعالى على كلا التقديرين في اسم من أن يكون المراد به
هامش إدرار الشروق
العزة أن يكون مدلوله أمرا ثبوتيا أو أمرا سلبيا فإنه عز بصفاته الثبوتية كما عز بصفات تنزيهه السلبية فافهمه والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق السابع والعشرون والمائة بين قاعدة ما يوجب الكفارة إذا حلف به من أسماء الله تعالى وبين قاعدة ما لا يوجب أسماء الله تعالى تسعة وتسعون اسما مائة إلا واحدا كما خرجه الترمذي وهي تنقسم تقسيمين التقسيم الأول إلى خمسة أقسام القسم الأول ما اختلف في كونه موضوعا لمجرد الذات أو للذات مع جملة صفات الكمال كقولنا الله والقول الأول هو الصحيح الذي اختاره صاحب الكشاف مستدلا على ذلك بجريان النعوت عليه تقول
102
102
اسم للذات من حيث هي هي وهو علم عليها واستدل على ذلك بجريان النعوت عليه فتقول الله الرحمن الرحيم وقيل هو اسم للذات مع جملة الصفات فإذا قلنا الله فقد ذكرنا جملة صفات الله تعالى وقلنا الذات الموصوفة بالصفات الخاصة وهذا المفهوم الإله المعبود وهو الذات الموصوفة بصفات الكمال ونعوت الجلال وهذا المعلوم هو الذي ندعي توحده وتنزهه عن الشريك والمماثلة أي هذا المجموع يستحيل أن يكون له مثل وقد يكون الاسم موضوعا للذات مع مفهوم زائد وجودي قائم بذات الله سبحانه وتعالى نحو قولنا عليم فإنه اسم للذات مع العلم القائم بذاته تعالى أو وجودي منفصل عن الذات نحو خالق فإنه اسم للذات مع اعتبار الخلق في التسمية وهو مفهوم وجودي منفصل عن الذات أو موضوعا للذات مع مفهوم عدمي نحو قدوس فإنه اسم للذات مع القدس الذي هو التطهير عن النقائص والبيت المقدس أي طهر من فيه من الأنبياء والأولياء عن المعاصي والمخالفات أو يكون موضوعا للذات مع نسبة وإضافة كالباقي فإنه اسم للذات مع وصف البقاء وهو نسبة بين الوجود والأزمنة فإن البقاء استمرار الوجود في الأزمنة وهو أعم من الأبدي لصدق الباقي
هامش أنوار البروق
الاسم الذي هو اللفظ أو المسمى الذي هو المعنى فلا يتعين لما يوجب الكفارة إلا بعرف أو نية فإن في ذلك نظرا فإن لقائل أن يقول فيه عرف بأن المراد ما يوجب الكفارة والله أعلم وما قاله في الفرقين بعد هذا صحيح
هامش إدرار الشروق
الله الرحمن الرحيم ومفهومه على القول الثاني الإله المعبود بحق أي الذات الموصوفة بصفات الكمال ونعوت الجلال وهذا المفهوم هو الذي ندعي توحده وتفرده عن الشريك والمماثلة أي هذا المجموع يستحيل أن يكون له مثل
القسم الثاني
ما كان موضوعا للذات مع مفهوم زائد وجودي قائم بذات الله سبحانه وتعالى نحو قولنا عليم فإنه اسم للذات مع العلم القائم بذاته تعالى القسم الثالث ما كان موضوعا للذات مع مفهوم وجودي منفصل عن الذات نحو خالق فإنه اسم للذات مع اعتبار الخلق في التسمية وهو مفهوم وجودي منفصل عن الذات القسم الرابع ما كان موضوعا للذات مع مفهوم عدمي نحو قدوس فإنه اسم للذات مع القدس الذي هو التطهير عن النقائص والبيت المقدس أي الذي طهر من فيه من الأنبياء والأولياء عن المعاصي والمخالفات القسم الخامس ما كان موضوعا للذات مع نسبة وإضافة كالباقي فإنه اسم للذات مع وصف البقاء وهو نسبة بين الوجود والأزمنة فإن البقاء استمرار الوجود في الأزمنة وهو أعم من الأبدي لصدقه على الباقي في زمانين فأكثر وأما الأبدي فلا بد من استمراره مع جملة الأزمنة المستقبلة كما أن الأزلي هو الذي
103
103
في زمانين فأكثر وأما الأبدي فلا بد من استمراره مع جملة الأزمنة المستقبلة كما أن الأزلي هو الذي قارن وجوده جميع الأزمنة الماضية متوهمة أو محققة فهذه خمسة أقسام ثم هي تنقسم بحسب ما يجوز إطلاقه وبحسب ما لا يجوز إطلاقه إلى أربعة أقسام ما ورد السمع به ولا يوهم نقصا نحو العليم فيجوز إطلاقه إجماعا في مورد النص وفي غيره وما لم يرد السمع به وهو يوهم نقصا فيمتنع إطلاقه إجماعا نحو متواضع ودار وعلامة فإن التواضع يوهم الذلة والمهانة والدراية لا تكون إلا بعد تقدم شك كذا نقله أبو علي والعلامة من كثرت معلوماته والله تعالى كذلك غير أن هاء التأنيث توهم تأنيث المسمى والتأنيث نقص فلا يجوز إطلاق شيء من هذه الألفاظ ونحوها ألبتة
القسم الثالث
ما ورد السمع به وهو يوهم نقصا فيقتصر به على محله نحو ماكر ومستهزئ فإن المكر والاستهزاء في مجرى العادة سوء خلق وقد ورد السمع به في قوله تعالى والله خير الماكرين الله يستهزئ بهم والمحسن لذلك المقابلة كقوله تعالى ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين قالوا إنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم فحصلت المقابلة بين المكرين والاستهزاءين ن فكان ذلك حسنا لأنه اللائق بفصاحة القرآن وبلاغته فيقتصر بمثل هذه الألفاظ على موارد السمع ولا يذكر
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
قارن وجوده جميع الأزمنة الماضية متوهمة أو محققة كذا قال الأصل وهو إنما يظهر على قول الأشعري وهو الحق أن الزمان متوهم كالمكان ويجعل عليه علامات معلومة تتبدل باختلاف الأحوال فتارة تقول يجيء زيد إذا صلينا العصر وتارة يقال نصلي العصر إذا جاء زيد فهو مجرد اعتبار ويعرف بعلامة تسمحا فيقال متجدد معلوم يقارنه متجدد موهوم إزالة للإيهام وتارة بنفس المقارنة ويوصف بالطول والقصر تبعا لما يتخيل أنه وقع فيه أو على فرض وجوده نظير ما قيل في المكان وفي الحقيقة ليس شيء متحقق يقال له زمان وإلى ذلك يشير صحيح الحديث القدسي يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر أي ليس هناك شيء يقال له الدهر وإنما أنا خالق الأشياء
وعلى هذا إذا قيل الزمن حادث فمعناه متجدد بعد عدم لا موجود لما أنه اعتباري وذلك لأنه على هذا القول لا مانع من دخول الزمن في وجوده تعالى ألا ترى أنه موجود قبل كل شيء وبعد كل شيء ومع كل شيء وهذا الأخير يلزم منه البقاء بالمعنى المذكور ولم يختر اللقاني في الجوهرة أن حقيقة البقاء نفي لحوق العدم لوجوده سبحانه وتعالى وكون النفي على طريقة الامتناع مأخوذ من أنه بقاء واجب محترزا عن البقاء بالمعنى المذكور بقوله كذا بقاء لا يشاب بالعدم إلا لكون البقاء بالمعنى المذكور غير كاف لا لاستحالته كما زعم الشيخ عبد السلام نعم يمتنع دخول الزمان على سبيل الحصر بأن يكون وجوده تعالى ليس إلا في زمان وهذا لا تقتضيه المقارنة ومن هنا اندفعت شبهة ذكرها إمام الحرمين في الإرشاد ونقلها السنوسي في شرح الكبرى والكمال في المسامرة على المسايرة وهو أن إثبات القدم لله تعالى محصلة وجوده في مدد لا أول لها إذ لا وجود إلا في زمن فيلزم إثبات أزمنة قديمة فجوابها منع أنه لا وجود إلا في زمن فإن الزمن على القول بتحققه يخرج عن حادث
104
104
في غير هذه التلاوة فلا نقول اللهم امكر بفلان ولا مكر الله به ولا اللهم استهزئ بفلان ولا استهزأ الله به وكذلك بقية هذا الباب فهذه ثلاثة أقسام لم أعلم فيها خلافا وحكي في هذه الأحكام الإجماع
القسم الرابع
ما لم يرد السمع به وهو غير موهم فلا يجوز إطلاقه عند الشيخ أبي الحسن الأشعري وهو مذهب مالك وجمهور الفقهاء ويجوز إطلاقه عند القاضي أبي بكر الباقلاني نحو قولنا يا سيدنا هل يجوز أن ينادى الله تعالى بهذا الاسم أم لا قولان ومدرك الخلاف هل يلاحظ انتفاء المانع وهو الإيهام ولم يوجد فيجوز أو يقول الأصل في أسماء الله تعالى المنع إلا ما ورد السمع به ولم يرد السمع فيمتنع وهو الصحيح عند العلماء فإن مخاطبة أدنى الملوك تفتقر إلى معرفة ما أذنوا فيه من تسميتهم ومعاملتهم حتى يعلم إذنهم في ذلك فالله تعالى أولى بذلك ولأنها قاعدة الأدب والأدب مع الله تعالى متعين لا سيما في مخاطباته بل ليس لأحد أن يوقع في صلاة من الصلوات ولا عبادة من العبادات إلا ما علم إذن الله تعالى فيه فمخاطبة الله تعالى وتسميته أولى بذلك
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
صاحبه غيره ولا يشترط في وجود الشيء مصاحبة غيره وإن اتفقا كيف وقد ظهر أرجحية عدمه
وقد قال الشهرستاني إن تقدم الصانع سبحانه وتعالى ذاتي لا في زمن وتقريبه إن تقدم أمس على اليوم كذلك إذ ليس زمن ثالث يقع فيه التقدم وإن عبر عنه بقبل اكتفاء بالاعتبار فالزمن حادث ووجود الصانع ووجوبه ذاتي لا يتقيد به كما في حاشية العلامة الأمير على عبد السلام على الجوهرة نعم كان على الأصل أن يقتصر على المتوهمة في قوله جميع الأزمنة الماضية متوهمة أو محققة فتأمل والله أعلم التقسيم الثاني بحسب ما يجوز إطلاقه وما لا إلى أربعة أقسام القسم الأول ما ورد السمع به ولا يوهم نقصا نحو العليم فيجوز إطلاقه إجماعا في مورد النص وفي غيره القسم الثاني ما لم يرد السمع به وهو يوهم نقصا فيمتنع إطلاقه إجماعا نحو متواضع ودار وعلامة لأن التواضع يوهم الذلة والمهانة والدراية لا تكون إلا بعد تقدم شك كما نقله أبو علي والعلامة وإن كان معناه من كثرت معلوماته والله تعالى كذلك إلا أن هاء التأنيث توهم تأنيث المسمى والتأنيث نقص كما قال الأصل فتأمل القسم الثالث ما ورد السمع به وهو يوهم نقصا وهذا نوعان الأول ما لم يرد مع المشاكلة كالصبور والحليم والشكور فالأول يوهم وصول مشقة له وفسره في المواقف بالحليم وفسر الحليم قبل بالذي لا يعجل العقاب وهو يوهم تأثرا وانفعالا بالغضب فيكتم والثالث قال في المواقف المجازي على الشكر وقيل يثبت على القليل الكثير
وقيل المثني على من أطاعه وهو يوهم وصول إحسان له وقد قال ابن عطاء الله في آخر الحكم أنت الغني بذاتك عن أن يصل إليك النفع منك فكيف لا تكون غنيا عني وهذا النوع يقبل ويؤول ويقتصر به على محله ولا يجوز في غير
105
105
وقد كان الشيخ زكي الدين عبد العظيم المحدث رحمه الله يقول قد ورد حديث في لفظ السيد فعلى هذا يجوز إطلاقه على المذهبين إجماعا وقس على هذا المثل ما أشبهها قال الشيخ أبو الطاهر بن بشير فكل ما جاز إطلاقه جاز الحلف به وأوجب الكفارة وما لا يجوز إطلاقه لا يجوز الحلف به ولا يوجب الحلف به كفارة فتنزل الأقسام الأربعة المتقدمة على هذه الفتيا وها هنا ثلاث مسائل
المسألة الأولى
قال أصحابنا من حلف باسم من أسماء الله تعالى التي يجوز إطلاقها عليه تعالى وحنث لزمته الكفارة وقال الشافعية والحنابلة أسماء الله تعالى قسمان منها ما هو مختص به تعالى فهو صريح في الحلف كقولنا والله والرحمن فهذا ينعقد به اليمين بغير نية ومنها ما لا يختص به تعالى كالحكيم والعزيز والرشيد والقادر والمريد والعالم فهي كنايات لا تكون يمينا إلا بالنية لأجل التردد بين الموجب وغير الموجب وهذا التردد أجمعنا عليه في الطلاق وغيره وأن التردد لا ينصرف للطلاق ولا لمعنى يقع التردد فيه إلا بالنية فكذلك ها هنا ووجه التردد في هذه الأسماء المذكورة بين إرادة الله تعالى بها وبين المخلوق واضح وأن البشر يسمى بهذه الأسماء حقيقة وأن هذا اللفظ يطلق على الموضعين بالتواطؤ ولا يتعين
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
مورده إجماعا لإيهام الحقيقة وإنما ورد تنزلا وتلطفا في خطابنا مجازا قال ابن عربي ونخجل إذ سمعنا ذلك وأنشد إن الملوك وإن جلت مراتبهم لهم مع السوقة الأسرار والسمر النوع الثاني ما ورد مع المشاكلة والمقابلة نحو ماكر ومستهزئ فإن المكر والاستهزاء في مجرى العادة سوء خلق وقد ورد السمع به مع المشاكلة والمقابلة في نحو قوله تعالى ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين أي وجازاهم الله على مكرهم والله خير المجازين وقوله تعالى قالوا إنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم أي الله يجازيهم على استهزائهم وهذا النوع لكون المشاكلة حسنته على ما هو اللائق بفصاحة القرآن وبلاغته وصارت قرينة على المجاز بحيث لا تتوهم الحقيقة التي لا تليق به تعالى يجوز في غير مورده مع المشاكلة لا بدونها هذا ما يفيده كلام العلامة الأمير في حاشيته على عبد السلام على الجوهرة وهو الحق لا ما يفيده كلام الأصل من عدم جواز هذا القسم في غير مورده مطلقا ولو مع المشاكلة فتأمل القسم الرابع ما لم يرد السمع به وهو غير موهم نحو قولنا يا سيدنا فلا يجوز إطلاقه عند الشيخ أبي الحسن الأشعري وهو مذهب مالك وجمهور الفقهاء ويجوز إطلاقه عند القاضي أبي بكر الباقلاني ومدرك الخلاف هل يلاحظ ابتغاء المانع وهو الإيهام ولم يوجد فيجوز أو لا يلاحظ إلا أن الأصل في أسماء الله تعالى المنع إلا ما ورد السمع به ولم يرد السمع فيمتنع وهو الصحيح عند العلماء فإن مخاطبة أدنى الملوك تفتقر إلى معرفة ما أذنوا فيه من تسميتهم ومعاملتهم حتى يعلم إذنهم في ذلك فالله تعالى أولى بذلك ولأنها قاعدة الأدب والأدب مع الله تعالى متعين لا سيما في مخاطباته بل ليس لأحد أن يوقع في صلاة من
106
106
اللفظ المتواطئ إلا بالنية وكفى بهذا في بيان التردد والاحتياج للنية وهذا كلام حسن قوي معتبر في كثير من أبواب الفقه كالظهار والعتق وغيرهما ولنا عنه جواب حسن
وهو أن القاعدة أن الألفاظ المفردة تبقى على معناها اللغوي وينقل أهل العرف المركب من المفردين لبعض أنواع ذلك الجنس كما قلنا في لفظ الرءوس تصدق على رءوس جميع الحيوانات ولفظ الأكل يصدق على كل فرد من أفراد الأكل في أي مأكول كان وإذا ركبنا هاتين اللفظتين فقلنا والله لا أكلت رءوسا أو أكلت رءوسا لا يفهم أحد إلا رءوس الأنعام دون غيرها بسبب أن أهل العرف نقلوا هذا المركب لهذه الرءوس الخاصة دون بقية الرءوس فكذلك لفظ العليم والقادر والمريد يصدق على كل عالم وقادر ومريد ومع ذلك فقد نقل أهل العرف قولنا وحق العليم وغير ذلك من الأسماء مع الحالف إلى خصوص أسماء الله تعالى فهو من المركبات المنقولة فلا يفهم أحد عند سماعه الحلف بهذه الأسماء إلا أسماء الله تعالى خاصة وإذا صارت الكناية منقولة في العرف إلى معنى آخر صارت صريحة فيه فلذلك ألحقنا كنايات كثيرة في باب الطلاق فكذلك بصريحه لما اشتهرت في الطلاق بسبب نقل العرف أياها للطلاق فكذلك ها هنا
وهذا الجواب حسن من حيث الجملة غير أنه لا يطرد في جميع
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الصلوات ولا في عبادة من العبادات إلا ما علم إذن الله تعالى فيه فمخاطبة الله تعالى وتسميته أولى بذلك نعم قال الشيخ زكي الدين عبد العظيم المحدث رحمه الله تعالى قد ورد حديث في لفظ السيد فعليه يجوز إطلاقه على المذهبين إجماعا وقس على هذه المثل لهذه الأقسام الأربعة ما أشبهها وهذه الأقسام الأربعة تنزل على فتوى الشيخ أبي الطاهر بن بشير حيث قال فكل ما جاز إطلاقه جاز الحلف به وأوجب الكفارة وما لا يجوز إطلاقه لا يجوز الحلف به ولا يوجب الحلف به كفارة ا ه
فظهر الفرق وها هنا ثلاث مسائل
المسألة الأولى
قال الشافعية والحنابلة أسماء الله تعالى قسمان قسم مختص به تعالى كالله والرحمن فيكون صريحا في الحلف
وينعقد به اليمين بغير نية وقسم لا يختص به تعالى كالحكيم والعزيز والرشيد فيكون بسبب تردده بين إرادة الله تعالى وإرادة المخلوق لأن البشر يسمى بذلك حقيقة غير صريح بل من الكنايات لا يكون يمينا إلا بالنية إذ كما أن اللفظ مع التردد لا ينصرف للطلاق ولا للمعنى الذي وقع التردد فيه إلا بالنية فكذلك ها هنا
وهذا كلام حسن قوي معتبر في كثير من أبواب الفقه كالظهار والعتق وغيرهما وقال أصحابنا من حلف باسم من أسماء الله تعالى التي يجوز إطلاقها عليه تعالى وحنث لزمته الكفارة قال الأصل ووجهه أن لفظ العليم والقادر والمريد وإن كان يصدق على كل عالم وقادر ومريد إلا أن أهل العرف نقلوا قولنا والعليم وحق العليم والقادر وحق القادر والمريد وحق المريد ونحو ذلك من الأسماء مع الحلف إلى خصوص أسماء الله تعالى حتى نفى النقل العرفي الاحتمال اللغوي وصارت الكناية مشتهرة باسم الله تعالى فألحقت بالصريح كما ألحقوا كنايات كثيرة في باب الطلاق بصريحه لما اشتهرت في الطلاق بسبب نقل العرف إياها للطلاق والقاعدة أن الألفاظ المفردة تبقى على معناها اللغوي حتى إذا ركب أحدهما مع مفرد آخر منها نقل أهل العرف المركب من المفردين لبعض أنواع ذلك
107
107
الأسماء وإنما يستقيم في الأسماء التي جرت العادة بالحلف بها فينفي النقل العرفي الاحتمال اللغوي وأما ما لم تجر العادة بالحلف به كالحكيم والرشيد ونحوهما فلعل كثيرا من الناس لا يعلمها أسماء لله تعالى فلم يشتهر الحلف بها ولم أعلم أني رأيت من أسماء الله تعالى الرشيد إلا في الترمذي حيث عدد أسماء الله الحسنى مائة إلا واحدا وأصحابنا عمموا الحكم في الجميع ولم يفصلوا وهو مشكل ولا يمكن أن يقال إن عادة المسلمين لا يحلفون بغير الله تعالى وأسمائه فتنصرف جميع الأسماء لله تعالى بقرينة الحلف لأنا نقول إنا نجدهم يحلفون بآبائهم وملوكهم ويقولون ونعمة السلطان وحياتك يا زيد ولعمري لقد قام زيد فيحلف بعمره وحياة مخاطبه طول النهار فليس ظاهر حالهم الانضباط ولا حصل في الأسماء القليلة الاستعمال عرف ولا نقل يعتمد عليه فيستصحب فيها حكم اللغة وأن اللفظ صالح للقديم هذا هو الفقه
المسألة الثانية
قال صاحب الخصال الأندلسي يجوز الحلف ويوجب الكفارة قولك باسم الله لأفعلن وهذه المسألة فيها غور بعيد بسبب أن الاسم ها هنا إن أريد به المسمى استقام الحكم وإن لم يرد به المسمى فقد حكى ابن السيد البطليوسي أن العلماء اختلفوا في لفظ الاسم هل هو موضوع للقدر المشترك بين أسماء الذوات فلا يتناول إلا لفظا هو
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الجنس مثلا لفظ الرءوس تصدق على رءوس جميع الحيوان ولفظ الأكل يصدق على كل فرد من أفراد الأكل في أي مأكول كان وإذا ركبنا هاتين اللفظتين فقلنا والله لا أكلت رءوسا أو أكلت رءوسا لا يفهم أحد إلا رءوس الأنعام دون غيرها بسبب أن أهل العرف نقلوا هذا المركب لهذه الرءوس الخاصة دون بقية الرءوس فكذلك لفظ العليم ونحوه كان قبل التركيب مع حرف القسم يصدق على كل عالم وبعد التركيب معه نقله أهل العرف لخصوص اسم الله تعالى حتى صار صريحا لا كناية نعم لا ينفع هذا فيما لا تجري العادة بالحلف به كالحكيم والرشيد فلم يشتهر الحلف بها ونحوهما إذ لعل كثيرا من الناس لا يعلمها أسماء لله تعالى بل لم أعلم أني رأيت من أسماء الله تعالى الرشيد إلا في الترمذي حيث عدد أسماء الله الحسنى مائة إلا واحدا وأصحابنا عمموا الحكم في الجميع ولم يفصلوا وهو مشكل ولا يمكن أن يقال إن عادة المسلمين لا يحلفون بغير الله تعالى وأسمائه فتنصرف جميع الأسماء لله تعالى بقرينة الحلف لأنا نقول إنا نجدهم يحلفون بآبائهم وملوكهم ويقولون ونعمة السلطان وحياتك يا زيد ولعمري لقد قام زيد فيحلف بعمره وحياة مخاطبه طول النهار فليس ظاهر حالهم الانضباط
ولا حصل في الأسماء القليلة الاستعمال عرف ولا نقل يعتمد عليه فيستصحب فيها حكم اللغة وأن اللفظ صالح للقديم والمحدث هذا هو الفقه ا ه
المسألة الثانية
قولك باسم الله لأفعلن قال صاحب الخصال الأندلسي يجوز الحلف به ويوجب الكفارة قال ابن الشاط ووجهه أن لفظ اسم وإن جرى فيه بخصوصه خلاف العلماء في أنه هو المسمى أو لا فقد حكى ابن السيد البطليوسي أن العلماء اختلفوا في لفظ الاسم هل هو موضوع للقدر المشترك بين أسماء الذوات فلا يتناول إلا لفظا هو اسم أو وضع في لغة العرب للقدر المشترك بين المسميات فلا يتناول إلا مسمى
108
108
اسم أو وضع في لغة العرب للقدر المشترك بين المسميات فلا يتناول إلا مسمى قال وهذا هو تحقيق خلاف العلماء في أن الاسم هو المسمى أم لا وأن الخلاف إنما هو في لفظ اسم الذي هو ألف سين ميم وأما لفظ نار وذهب فلا يصح أن يقول عاقل إن لفظ نار هو عين النار حتى يحترق فم من نطق بهذا اللفظ ولا لفظ ذهب هو عين الذهب المعدني حتى يحصل الذهب المعدني في فم من نطق بلفظ الذهب وإنما الخلاف في لفظ الاسم خاصة وإذا فرعنا على هذا وقلنا الاسم موضوع للقدر المشترك بين الأسماء وأن مسماه لفظ حينئذ فينبغي أن لا تلزم به كفارة ولا يجوز الحلف به كما لو قلنا ورزق الله وعطاء الله فإن إضافة المحدث إلى الله تعالى لا تصيره مما يجوز الحلف به ولا يوجب الكفارة كذلك إذا أضيف الاسم إلى الله تعالى يكون على هذا التقدير إضافة لفظ مخلوق لله عز وجل فلا يوجب كفارة
وإن قلنا هو موضوع للقدر المشترك بين المسميات والقاعدة أن الدال على الأعم غير دال على الأخص فاللفظ الدال على القدر المشترك بين جميع المسميات لا يكون دالا على خصوص واجب الوجود سبحانه وتعالى وما لا يكون دالا عليه لغة لا ينصرف إليه إلا بنية أو عرف ناقل ولا واحد منهما فلا تجب الكفارة ولا يتعين صرف اللفظ لله تعالى فهذا تحرير هذه المسألة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
قال وهذا هو تحقيق خلاف العلماء في أن الاسم هو المسمى أم لا وأن الخلاف إنما هو في لفظ اسم خاصة الذي هو ألف سين ميم وأما لفظ نار وذهب فلا يصح أن يقول عاقل إن لفظ نار هو عين النار حتى يحترق فم من نطق بهذا اللفظ ولا لفظ ذهب هو عين الذهب المعدني حتى يحصل الذهب المعدني في فم من نطق بلفظ الذهب ا ه إلا أن فيه عرفا بأن المراد ما يوجب الكفارة والله أعلم ا ه
نعم في حاشية العلامة الأمير على عبد السلام على الجوهرة أن الخلاف فيما صدقات الاسم ولفظ اسم منها فإنه اسم من الأسماء ولا يلزم اندراج الشيء تحت نفسه وهو تناقض في الجزئية والكلية بل اندراج اللفظ تحت معناه وهو كثير كموجود وشيء ومفرد والتحقيق أنه إن أريد من الاسم اللفظ فهو غير مسماه قطعا أو أريد به ما يفهم منه فهو عين المسمى ولا فرق في ذلك بين جامد ومشتق فيما يقضي به التأمل ا ه ووجود المسمى فيما يفهم من الاسم ظلي كالصورة في المرآة فلا يلزم من كونه عينه احتراق فم من يقول نارا ولا أن الذهب المعدني يحصل في فم من ينطق بلفظ ذهب فتأمل والله أعلم
المسألة الثالثة
قال اللخمي قال ابن عبد الحكم ها الله يمين توجب الكفارة مثل قوله تالله فإنه يجوز حذف حرف القسم وإقامة ها التنبيه مقامه وقد نص النحاة على ذلك فائدة الألف واللام في أسماء الله تعالى للكمال قال سيبويه تكون لام التعريف للكمال تقول زيد الرجل تريد الكامل في الرجولية وكذلك هي في أسماء الله تعالى فإذا قلت الرحمن أي الكامل في معنى الرحمة أو العليم أي الكامل في معنى العلم وكذلك بقية الأسماء فهي لا للعموم ولا للعهد ولكن للكمال ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم

109
109
المسألة الثالثة
قال اللخمي قال ابن عبد الحكم ها الله يمين توجب الكفارة مثل قوله تالله فإنه يجوز حذف حرف القسم وإقامة ها التنبيه مقامه وقد نص النحاة على ذلك فائدة الألف واللام في أسماء الله تعالى للكمال قال سيبويه تكون لام التعريف للكمال تقول زيد الرجل تريد الكامل في الرجولية وكذلك هي في أسماء الله تعالى فإذا قلت الرحمن أي الكامل في معنى الرحمة أو العليم أي الكامل في معنى العلم وكذلك بقية الأسماء فهي لا للعموم ولا للعهد ولكن للكمال
الفرق الثامن والعشرون والمائة بين قاعدة ما يدخله المجاز في الأيمان والتخصيص وقاعدة ما لا يدخله المجاز والتخصيص اعلم أن الألفاظ على قسمين نصوص وظواهر فالنصوص هي التي لا تقبل المجاز ولا التخصيص والظواهر هي التي تقبلها فالنصوص التي هي كذلك قسمان أسماء للأعداد نحو الخمسة والعشرة وغير ذلك من أسماء الأعداد أولها الاثنان وآخرها الألف ولم تصنع العرب بعد ذلك لفظا آخر للعدد بل عادت إلى رتب الأعداد
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الفرق الثامن والعشرون والمائة بين قاعدة ما يدخله المجاز والتخصيص في الأيمان وقاعدة ما لا يدخله المجاز والتخصيص
الألفاظ على قسمين نصوص وهي التي لا تقبل المجاز ولا التخصيص وظواهر وهي التي تقبلهما والنصوص نوعان النوع الأول ما كان الامتناع فيه من المجاز والتخصيص لغويا وهي أسماء الأعداد التي أولها الاثنان وآخرها الألف ولم تضع العرب بعد ذلك لفظا للعدد بل عادت إلى رتب الأعداد فقالت ألفان بالتثنية ومراتب الأعداد أربعة وهي الآحاد إلى العشرة والعشرات إلى المائة والمئات إلى الألف والألوف فالآحاد والعشرات والمئات والألوف هي رتب الأعداد الأربعة وهذه الألفاظ تكررها العرب في مراتب الأعداد إلى غير النهاية مكتفية بها من غير النهاية فنحو الخمسة والعشرة من ألفاظ العدد عند العرب نصوص لا يدخلها المجاز ولا التخصيص والتخصيص أن تريد بالعشرة بعضها والمجاز أن تريد بالعشرة مسمى العشر أو بالخمسة مسمى الخمس لأن العشرة نسبة العشر لأنها عشر المائة والخمسة نسبة الخمس لأنها خمس الخمسة والعشرين فهذا أجنبي عنها بالكلية فإن التخصيص استعمال اللفظ في بعض معناه مجاز القرينة والمجاز استعمال اللفظ في غير معناه لعلاقة وقرينة سواء كان ذلك الغير هو بعض المعنى أو غيره مما بينه وبين المعنى مناسبة خاصة فالمجاز أعم من التخصيص فكل تخصيص مجاز وليس كل مجاز تخصيصا النوع الثاني ما كان الامتناع فيه من المجاز والتخصيص شرعيا لا لغويا مثل لفظ الجلالة الله ولفظ الرحمن مما هو مختص بالله تعالى فلا يجوز استعمالهما في غير الله تعالى بإجماع الأمة وما عدا هذين النوعين
110
110
فقالت ألفان وهذا هو التثنية فتكرر مراتب الأعداد وهي أربعة الآحاد إلى العشرة والعشرات إلى المائة والمئات إلى الألف ثم الألوف فهذه الأربعة هي رتب الأعداد وهي آحاد وعشرات ومئات وألوف وتكرر هذه الألفاظ في مراتب الأعداد إلى غير النهاية مكتفية بها من غير النهاية فهذه عند العرب نصوص لا يدخلها المجاز ولا التخصيص فلا يجوز أن تطلق العشرة وتريد بها التسعة ولا غيرها من مراتب الأعداد فهذا هو المجاز وأما التخصيص فلا يجوز أن تقول رأيت عشرة ثم تبين بعد ذلك مرادك بها وتقول أردت خمسة فإن التخصيص مجاز أيضا لكنه يختص ببقاء بعض المسمى والمجاز قد لا يبقى معه من المسمى شيء كما تقول رأيت إخوتك ثم تقول بعد ذلك أردت بإخوتك نصفهم وهم فلان وفلان فهذا تخصيص وقد بقي اللفظ مستعملا في بعض الإخوة والمجاز الذي ليس بتخصيص أن تقول أردت بإخوتك مساكنهم أو دوابهم ووجه العلاقة ما بين الإخوة وهذه الأمور من الملابسة وليس المساكن ولا الدواب بعض الإخوة فلم يبق من المسمى شيء فالمجاز أعم من التخصيص فكل تخصيص مجاز وليس كل مجاز تخصيصا فالأعداد لا يدخلها المجاز
ولا التخصيص فالتخصيص أن تريد بالعشرة بعضها والمجاز أن تريد بالعشرة مسمى العشر أو بالخمسة مسمى الخمس لأن العشرة نسبة العشر لأنها
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
من العمومات نحو المشركين وأسماء الأجناس من الجماد والنبات أو الحيوان نحو الأسد أو من قبيل الأعراض نحو العلم والظن والألوان والطعوم والروائح فهي الظواهر فيجوز إطلاق العلم ويراد به الظن مجازا كقوله تعالى فإن علمتموهن مؤمنات أي ظننتموهن فإن الإيمان أمر باطن لا يعلم ولكن تدل عليه ظواهر الأحوال فيظن وإطلاق الظن ويراد به العلم كقوله تعالى وظنوا أنهم مواقعوها أي قطعوا وعلموا هذا هو المقرر في أصول الفقه وفي أبواب الأيمان والطلاق وغيرهما من كتب الفقه عند الفقهاء وعليه سؤال وهو أن العرب قد تستعمل اسم العدد مجازا كقوله تعالى إن تستغفر لهم سبعين مرة قال العلماء المراد الكثرة كيف كانت وقوله تعالى سبعون ذراعا أي طويلة جدا فالمراد الكثرة جدا لا خصوص السبعين
وقول أهل العرف سألتك ألف مرة فما قضيت لي حاجة وقولهم زرتك مائة مرة فلم ترع لي ذلك لا يريدون خصوص الألف والمائة بل الكثرة فهذا مجاز قد دخل في السبعين والمائة والألف من ألفاظ العدد وكذا دخل فيما هو بمعنى أسماء العدد كلفظ كرتين في قوله تعالى فارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير قال المفسرون المراد بكرتين المراجعة الكثيرة من غير حصر فعبر بلفظ التثنية عن أصل الكثرة مجازا وإذا انفتح الباب في بعض ألفاظ العدد ونحوها انخرم الجزم في بقيتها فلم يبق لنا نصوص ألبتة في أسماء الأعداد غير أن الفقهاء مطبقون على ما تقدم والواقع كما ترى فتأمله وعلى ما تقدم من صحة القاعدتين والفرق بينهما تتخرج أربع مسائل
المسألة الأولى
إذا حلف ليعتقن ثلاثة عبيد اليوم فأعتق عبدين وقال أردت بلفظ ثلاثة الاثنين حنث إن خرج اليوم ولم يعتق الثالث ولم تفده نيته لأن استعمال لفظ الثلاثة في الاثنين مجاز في لفظ من أسماء
111
111
عشر المائة والخمسة نسبة الخمس لأنها خمس الخمسة والعشرين فهذا أجنبي عنها بالكلية
القسم الثاني
من النصوص الألفاظ التي هي مختصة بالله تعالى نحو لفظ الجلالة ولفظ الرحمن فإنه لا يجوز استعمالها في غير الله تعالى بإجماع الأمة فهذا الامتناع شرعي والامتناع في الإعداد لغوي وأما الظواهر فهي ما عدا هذين القسمين من العمومات نحو المشركين وأسماء الأجناس نحو الأسد وغيره مما وضع لجنس من الجماد أو النبات أو الحيوان أو جنس من قبيل الإعراض نحو العلم والظن والألوان والطعوم والروائح فيجوز المجاز فيها كما يجوز إطلاق العلم ويراد به الظن مجازا كقوله تعالى فإن علمتموهن مؤمنات أي ظننتموهن فإن الأيمان أمر باطن لا يعلم ولكن تدل عليه ظواهر الأحوال وكقوله تعالى فظنوا أنهم مواقعوها أي قطعوا وعلموا هذا هو المقرر في أصول الفقه وفي أبواب الفقه عند الفقهاء في أبواب الأيمان والطلاق وغيرهما وعليه سؤال وذلك أن العرب قد تستعمل اسم العدد مجازا كقوله تعالى إن تستغفر لهم سبعين مرة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
العدد وهو لا يدخل في أسماء الأعداد فلا تفيد فيها النية لا في الأيمان ولا في الطلاق ولا في غيرهما
المسألة الثانية
إذا قال والله لأعتقن عبيدي وقال أردت بعضهم على سبيل التخصيص أو أردت بعبيدي دوابي وبالعتق بيعها أفاده ذلك لأن لفظ العبيد ولفظ العتق من الظواهر فيدخلها المجاز وتفيد فيها النية وعلاقة استعمال العبيد في البعض إطلاق العام وإرادة الخاص وفي الدواب المجاورة في الملك وعلاقة استعمال العتق في البيع المشابهة في بطلان الملك بكل المسألة الثالثة إذا قال والله لأعتقن ثلاثة عبيد ونوى أنه يبيع ثلاث دواب من دوابه صح وأفادته نيته لأن لفظ ثلاثة لم يدخله مجاز وإنما دخل المجاز في لفظي العبيد والعتق لكونهما من الظواهر كما تقدم تنبيه إذا قال أنت طالق ثلاثا ثم قال أردت اثنتين أو واحدة لا يفيده ذلك وأما إن قال أردت أنك طلقت ثلاث مرات من الولد فإنه يفيده ذلك ولم يلزمه طلاق لا في الفتيا ولا في القضاء حيث كان هناك من القرائن ما يعضده ولو قامت عليه بينة وإلا لزمه الطلاق الثلاث في القضاء دون الفتيا وذلك لأن التغيير والمجاز لم يدخل في اسم العدد الذي هو الثلاث وإنما دخل التغيير والمجاز في معدوده الذي هو الطلاق لكونه اسم جنس من الظواهر فتغير من الطلاق الذي هو إزالة العصمة إلى جنس آخر وهو طلق الولد فسقط استشكال بعض الفقهاء بأنه كيف أثرت النية في الكل ولم تؤثر في البعض وذلك خلاف القواعد فإن النية أبطلت الطلقات الثلاث كلها إذا نوى طلق الولد وهذا هو جملة مدلول اللفظ فأولى أن تبطل بعض مدلول اللفظ إذا نوى بالثلاث اثنتين أو واحدة فتأمل المسألة الرابعة إذا قال والله أو والرحمن لا فعلت كذا وقال أردت بلفظ الجلالة أو بلفظ الرحمن غير
112
112
قال العلماء المراد الكثرة كيف كانت وكذلك قوله سبعون زراعا أي طويلة جدا وخصوص السبعين ليس مرادا بل المراد الكثرة جدا وهذا مجاز قد دخل في السبعين وهم اسم العدد وكذلك قوله تعالى فارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير
قال المفسرون المراد بكرتين المراجعة الكثيرة من غير حصر وعبر بلفظ التثنية عن أصل الكثرة وهذا مجاز قد دخل في لفظ كرتين غير أنه ليس من أسماء العدد واسم العدد إنما هو اثنان لكن كرتين في معناها ويقول أهل العرف سألتك ألف مرة فما قضيت لي حاجة وكذلك زرتك مائة مرة فلم ترع لي ذلك ولا يريدون خصوص الألف والمائة بل الكثرة وهذا مجاز قد دخل في المائة والألف وإذا انفتح الباب في هذه الألفاظ في بعضها انخرم الجزم في بقيتها فلم يبق لنا نصوص ألبتة في أسماء الأعداد غير أن الفقهاء مطبقون على ما تقدم والواقع كما ترى فتأمله وعلى ما تقدم من صحة القاعدتين والفرق بينهما تتخرج ثلاث مسائل
المسألة الأولى
إذا حلف ليعتقن ثلاثة عبيد اليوم فأعتق عبدين وقال أردت بلفظ ثلاثة الاثنين لم تفده نيته وحنث إن خرج اليوم ولم يعتق الثالث لأن استعمال لفظ الثلاثة في الاثنين مجاز وهو لا يدخل في أسماء الأعداد وكذلك بقية أسماء الأعداد لا تفيد فيها النية في الأيمان ولا في الطلاق ولا في غيرهما المسألة الثانية إذا قال والله لأعتقن عبيدي قال أردت بعضهم على سبيل التخصيص أو أردت بعبيدي دوابي وأردت بالعتق بيعها أفاده ذلك لأنه يجوز استعمال العبيد مجازا في الدواب والعلاقة الملك في الجميع واستعمال العتق مجاز في البيع والعلاقة بطلان الملك فهذا تفيده فيه النية والمجاز المسألة الثالثة إذا قال والله لأعتقن ثلاثة عبيد ونوى أنه يبيع ثلاث دواب من دوابه صح لأن لفظ ثلاثة لم يدخله مجاز وإنما دخل المجاز في المعدود وهو اسم جنس أعني العبيد فعبر بجنس العبيد عن جنس الدواب وذلك جائز ولم يعبر بلفظ الثلاث عن غير الثلاث فهو على بابه ونظيره من الطلاق أن يقول أنت طالق ثلاثا ويريد بالثلاث اثنتين أو واحدة لا يفيده ذلك وإن قال أردت أنك طلقت ثلاث مرات من الولد أفاده ذلك ولم يلزمه طلاق في الفتيا ولا في القضاء إن لم تقم عليه بينة أو قامت
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الله تعالى وعبرت بهذا اللفظ عن بعض المخلوقات لله من باب إطلاق الفاعل على أثره لما بينهما من العلاقة والحلف بالمخلوق لا تلزم به كفارة فظاهر كلام العلماء أن هذا تلزمه الكفارة إذا حنث وأن هذين اللفظين لا يجوز استعمالهما لغير الله تعالى وما امتنع شرعا فهو كالمعدوم حسا وهذا بخلاف ما لو قال أردت
113
113
لكن هناك من القرائن ما يعضده وإلا لزمه الطلاق الثلاث في القضاء دون الفتيا
وقد أشكل ذلك على بعض الفقهاء فقال أثرت النية في الكل ولم تؤثر في البعض وذلك خلاف القواعد فإن النية أبطلت الطلقات الثلاث كلها إذا نوى طلق الولد وهذا هو جملة مدلول اللفظ فأولى أن يبطل بعض مدلول اللفظ وهو أن يريد بالثلاث اثنتين وجوابه أن النية إنما أثرت في لفظ المعدود فقط وهو الطلاق وأما اسم العدد فباق على حاله ثلاثا غير أنه لما تغير المعدود وانتقل انتقل العدد معه على حاله وهو ثلاث من غير تغيير لمفهوم الثلاث فدخل التغيير والمجاز في اسم الجنس الذي هو الطلاق لأن الطلاق اسم جنس دون الثلاث لأنه اسم عدد فلم يدخل فيه مجاز ألبتة غير أن معدوده تغير من الطلاق الذي هو إزالة العصمة إلى جنس آخر وهو طلق الولد أو غيره من الأجناس فلا إشكال حينئذ فإن قلت لو قال والله أو والرحمن لا فعلت كذا وقال أردت بلفظ الجلالة أو بلفظ الرحمن غير الله تعالى وعبرت بهذا اللفظ عن بعض المخلوقات لله من باب إطلاق الفاعل على أثره لما بينهما من العلاقة والحلف بالمخلوق لا تلزم به كفارة فلا تلزمني كفارة هل تسقط عنه الكفارة بناء على هذا المجاز قلت ظاهر كلام العلماء أن هذا تلزمه الكفارة إذا حنث وأن هذين اللفظين لا يجوز استعمالهما لغير الله تعالى
وما امتنع شرعا فهو كالمعدوم حسا فتلزمه الكفارة وهذا بخلاف لو قال أردت بقولي والعليم والعزيز وغير ذلك من أسماء الله تعالى أو كفالة الله وعهد الله وعلم الله وغير ذلك من صفاته التي تقدم بسطها بعض مخلوقاته ممن هو عليم أو عزيز أو بعض صفات البشر من العلم والكفالة والعهد وغير ذلك فأضفته إلى الله تعالى إضافة الخلق للخالق فإنا نسمع هذه النية وتفيده في إسقاط الكفارة لأن هذه الألفاظ ليست نصوصا بل أسماء أجناس وقد قال جماعة من العلماء إنها كنايات لا تكون يمينا إلا بالنية لقوة التردد عندهم والاحتمال وقد حكيته فيما مضى عن الشافعية والحنابلة والحنفية وقالوا ذلك أيضا في الصفات واشترطوا فيها الشهرة العرفية ونحن وإن لم نوافقهم على ذلك فنحن نلزمه الكفارة بناء على الظهور والصراحة لا بناء على النصوصية التي لا تقبل المجاز فتأمل هذه المواطن وما تفيد فيه نية المجاز وما لا تفيد فإنه فرق محتاج إليه في
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
بقولي والعليم والعزيز وغير ذلك من أسماء الله تعالى أو بقولي كفالة الله وعهد الله وعلم الله وغير ذلك من صفاته التي تقدم بسطها بعض مخلوقاته ممن هو عليم أو عزيز أو بعض صفات البشر من العلم والكفالة والعهد فأضفته إلى الله تعالى إضافة الخلق للخالق فإنا نسمع هذه النية وتفيده في إسقاط الكفارة لأن هذه الألفاظ ليست نصوصا بل أسماء أجناس وقد قال جماعة من العلماء إنها كنايات لا تكون يمينا إلا
114
114
الفتيا والقضاء حاجة شديدة وقد اتضح إيضاحا حسنا من فضل الله عز وجل
الفرق التاسع والعشرون والمائة بين قاعدة الاستثناء وقاعدة المجاز في الأيمان والطلاق وغيرهما
اعلم أن الاستثناء هو ما كان بإلا وحاشا وخلا وعدا ولا يكون وليس وبقية أخواتها وهي إحدى عشرة أداة مستوعبة في كتب النحو والمجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة بينهما وإذا علمت حقيقتهما فاعلم أنهما بحسب مواردهما التي يردان عليها كل واحد أعم من الآخر من وجه وأخص من وجه وضابط الأعم من وجه والأخص من وجه أن يكون كل واحد منهما يوجد منفردا ومع الآخر فينفرد كل واحد منهما بصورة ويجتمعان في صورة كالحيوان والأبيض يوجد الأبيض بدون الحيوان في الجير والثلج والحيوان بدون الأبيض في الزنج والجاموس ويجتمعان معا في كل حيوان أبيض كذلك الاستثناء والمجاز يوجد كل واحد منهما في صورة لا يجوز وجود الآخر فيها ويجوز أن يجتمعا في صورة يجوز دخولهما فيها وتكون قابلة لهما وأبين ذلك بالمثل مثال الصورة التي يدخلها الاستثناء دون المجاز ويمتنع استعمال المجاز فيها أسماء الأعداد فلا يجوز إطلاق العشرة ويراد بها تسعة
وقد تقدم تقريره وما عليه في الفرق الذي قبل هذا قال صاحب المقدمات الشيخ أبو الوليد بن رشد لا يجوز الاستثناء بإلا من الأعداد وإن اتصل ما لم يبن كلامه عليه نحو والله لأعطينك ثلاثة دراهم إلا درهما وكذلك أنت
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
بالنية لقوة التردد والاحتمال عندهم وقد حكي فيما مضى عن الشافعية والحنابلة والحنفية وقالوا ذلك أيضا في الصفات واشترطوا فيها الشهرة العرفية ونحن وإن لم نوافقهم على ذلك إلا أنا ألزمناه الكفارة بناء على الظهور والصراحة لا بناء على النصوصية التي لا تقبل المجاز فتأمل هذه المواطن واضبط ما تفيد فيه نية المجاز وما لا تفيد فيه فإنه فرق محتاج إليه في الفتيا والقضاء حاجة شديدة وقد اتضح أيضا حسنا من فضل الله عز وجل والله أعلم
الفرق التاسع والعشرون والمائة بين قاعدة الاستثناء وقاعدة المجاز في الأيمان والطلاق وغيرهما
الاستثناء هو إخراج ما دخل لغة لا قصدا في مفهوم اللفظ العام بإلا أو إحدى أخواتها وهي إحدى عشرة أداة مستوعبة في كتب النحو والمجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له في اصطلاح به التخاطب لعلاقة بينهما وقرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي والنسبة بينهما بحسب مواردهما التي يردان عليها العموم والخصوص الوجهي بحيث يجتمعان في صورة يجوز دخولهما معا فيها كالعمومات والظواهر كلها تقول في العموم رأيت إخوتك إلا زيدا ورأيت إخوتك تريد دار إخوته أو أمير إخوته لما بين الدار والأمير وبين الإخوة من الملابسة وتقول في الظواهر التي ليست بعموم كلفظ الأسد والفرس رأيت أسدا
115
115
طالق ثلاثا إلا واحدة بخلاف العموم وبخلاف الاستثناء بمشيئة الله فإنه يكفي فيه الاتصال وإن لم يبن الكلام عليه ومثال الصورة التي يدخلها المجاز دون الاستثناء المعطوفات فإذا قلت رأيت زيدا وعمرا إلا عمرا لم يجز لغة لما فيه من إبطال حكم عمرو وهو منصوص عليه فأنت مستثن لجملة ما نطقت به في المعطوفات واستثناء جملة كلام منطوق به ممنوع وكذلك أعط زيدا درهما ودرهما إلا درهما ممتنع لاستثناء جملة منطوق بها بخلاف أعطه ثلاثة دراهم إلا درهما ويجوز المجاز في المعطوفات وأن يريد بالثاني غير الأول في الصورتين إحداهما الأسماء المترادفة كقوله تعالى إنما أشكو بثي وحزني إلى الله
والحزن هو البث وقد أريد به الأول ولو قلت أشكو بثي وحزني إلا حزني لم يجز وكذلك يجوز أن تقول أعطه برا وحنطة وتعطف الشيء على نفسه إذا اختلف اللفظ كذلك نص عليه النحاة ولو قلت رأيت برا وحنطة إلا حنطة لم يجز لأن الاستثناء إنما جعل لإخراج ما التف في الكلام وهو غير مراد وما قصد بالعطف لا بد أن يكون مرادا فالجمع بينهما يقتضي أن يكون مرادا وغير مراد وهو جمع بين النقيضين الصورة الثانية أن تكون الألفاظ متباينة غير مترادفة ويريد بالثاني الأول على سبيل المجاز كقولك رأيت زيدا والأسد وتريد بالأسد زيدا لشجاعته فهذا يجوز ولا يجوز دخول الاستثناء فيه لأنك أتيت باللفظ الثاني لقصد المبالغة بالمعنى المجازي فإن قولك لزيد أسد
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
إلا يده أو فرسا إلا رأسه ورأيت أسدا في الحمام تريد رجلا شجاعا وركبت فرسك تريد حماره الفاره الشبيه بالفرس في سرعة الجري والفرق بين المجاز والاستثناء في هذا القسم الحاصل فيه اجتماعهما هو أن المجاز يجوز فيه التجوز بجملة الاسم عن جميع المسمى إلى غيره كما عدلت عن الأسد بجملته إلى الرجل الشجاع والاستثناء لا يجوز فيه استثناء جملة الأسد بل بعضه لأنه يشترط فيه أن يبقى بعده شيء مما دخل عليه الاستثناء وينفرد الاستثناء عن المجاز في صورة لا يدخلها إلا هو دون المجاز كأسماء الأعداد فقد تقدم في الفرق الذي قبل هذا تقرير أنه لا يجوز إطلاق العشرة مرادا بها التسعة ولا مرادا بها العشر بضم العين مجازا وتقرير ما عليه
وأما الاستثناء منها فقال صاحب المقدمات الشيخ أبو الوليد ابن رشد لا يجوز الاستثناء بإلا من الأعداد وإن اتصل ما لم يبن كلامه عليه نحو والله لأعطينك ثلاثة دراهم إلا درهما وكذلك أنت طالق ثلاثا إلا واحدة بخلاف العموم وبخلاف الاستثناء بمشيئة الله تعالى فإنه يكفي فيه الاتصال وإن لم يبن الكلام عليه ا ه وينفرد المجاز عن الاستثناء في صورة لا يدخلها إلا هو دون الاستثناء كالمعطوفات فإنه لا يجوز فيها لغة الاستثناء بأن تقول رأيت عمرا وزيدا إلا زيدا لما فيه من استثناء جملة ما نطقت به واستثناء جملة ما نطقت به ممنوع ولأن ما قصد بالعطف لا بد أن يكون مرادا والاستثناء إنما جعل لإخراج ما التف في الكلام وهو غير مراد فالجمع بينهما في المعطوف يقتضي أن يكون مرادا وغير مراد وهو جمع بين النقيضين ويجوز في المعطوفات المجاز إما في نفس حرف العطف بأن تعطف به الشيء
116
116
أبلغ من قولك شجاع
وإذا كان هذا المعنى مقصودا للعقلاء في مخاطباتهم لا يجوز إبطاله بالاستثناء فهذان مثالان لما ينفرد به كل واحد منهما عن صاحبه ومثال اجتماعهما في صحة الدخول فيه والاستعمال العمومات والظواهر كلها يجوز دخول الاستثناء فيها والمجاز فتقول في العموم رأيت إخوتك إلا زيدا فهذا استثناء وتقول رأيت إخوتك وتريد دار إخوته أو أمير إخوته لما بين الدار والأمير من الملابسة هذا في العموم وأما الظواهر التي ليست بعموم نحو لفظ الأسد والفرس وجميع أسماء الأجناس يجوز دخول المجاز فيها إذا وجدت العلاقة ودخول الاستثناء فتقول رأيت أسدا إلا يده وإلا رأسه بشرط أن لا يستوعبه
وكذلك رأيت فرسا إلا رأسه ويجوز دخول المجاز فتريد بالأسد زيدا الشجاع وبالفرس حماره الفاره لشبهه بالفرس في سرعة جريه وقس على ذلك بقية أسماء الأجناس فهذا القسم يدخل فيه المجاز والاستثناء غير أن المجاز لك أن تتجوز بجملة الاسم عن جميع المسمى إلى غيره كما عدلت عن الأسد بجملته إلى الرجل الشجاع وليس لك استثناء جملة الأسد لأنه يشترط في الاستثناء أن يبقى بعده شيء مما دخل عليه الاستثناء فهذا الوجه يقع به الفرق في هذا القسم لا في جواز الدخول فقد ظهر لك أن الاستثناء يوجد في صورة لا يوجد فيها المجاز ويوجد المجاز في صورة لا يوجد فيها الاستثناء ويجتمعان في صورة فيكون كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه وأخص من وجه وهو المطلوب وبه ظهر الفرق بين قاعدتيهما حتى يعلم في أي صورة يجوز استعمال كل واحد منهما وفي أي صورة يمتنع ويفيد ذلك نفعا عظيما في الأيمان والطلاق وغيرهما
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
على نفسه اكتفاء باختلاف اللفظ كما في المترادفين في نحو قوله تعالى إنما أشكو بثي وحزني إلى الله والحزن هو البث وقولك أعطه برا وحنطة نص على ذلك النحاة وإما في نفس المعطوف مع حرف العطف بأن تعطف الألفاظ المتباينة مريدا بالثاني الأول مجازا كقولك رأيت زيدا والأسد تريد بالأسد زيدا لشجاعته فأتيت باللفظ لقصد المبالغة بالمعنى المجازي فإن قولك لزيد أسد أبلغ من قولك له شجاع لأن المجاز أبلغ من الحقيقة وإذا كان هذا المعنى مقصودا للعقلاء في مخاطباتهم فلا يجوز إبطاله بالاستثناء وإذ قد ظهر لك أن الاستثناء يوجد في صورة لا يوجد فيها المجاز وأن المجاز يوجد في صورة لا يوجد فيها الاستثناء وأنهما يجتمعان في صورة فكان كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه وأخص من وجه وهو المطلوب وعلمت في أي صورة يجوز استعمال كل واحد منهما وفي أي صورة يمتنع ظهر لك الفرق بين قاعدتيهما وأفادك ذلك نفعا عظيما في الأيمان والطلاق وغيرهما فإن من استعمل واحدا منهما في مكان لا يجوز استعماله فيه بطل استعماله له ولزمه أصل الكلام الأول بمقتضى وضع اللغة فاعلم ذلك فهي قاعدة الفقه والله أعلم

117
117
فإن من استعمل واحدا منهما في مكان لا يجوز استعماله فيه بطل استعماله له ولزمه أصل الكلام الأول بمقتضى وضع اللغة فاعلم ذلك فهي قاعدة الفقه
الفرق الثلاثون والمائة بين قاعدة ما تكفي فيه النية في الأيمان وقاعدة ما لا تكفي فيه النية
اعلم أن النية تكفي في تقييد المطلقات وتخصيص العمومات وتعميم المطلقات وتعيين أحد مسميات الألفاظ المشتركات وصرف اللفظ عن الحقائق إلى المجازات ولا تكفي عن الألفاظ التي هي أسباب ولا عن لفظ مقصود وإن لم يكن سببا شرعيا ويتضح ذلك بذكر عشر مسائل المسألة الأولى تقييد المطلقات إذا حلف ليكرمن رجلا ونوى به زيدا فلا يبرأ بإكرام غيره لأن رجلا مطلق وقد قيده بخصوص زيد فصار معنى اليمين لأكرمن زيدا وكذلك إذا قيده بصفة في نيته ولم يلفظ بها كقوله والله لأكرمن رجلا وينوي به فقيها أو زاهدا فلا يبرأ بإكرام غير الموصوف بهذه الصفة فهذه صورة تقييد المطلقات
المسألة الثانية تخصيص العمومات كقوله والله لا لبست ثوبا وينوي إخراج الكتان من
هامش أنوار البروق
قال الفرق الثلاثون والمائة بين قاعدة ما تكفي فيه النية في الأيمان وقاعدة ما لا تكتفي فيه النية إلى آخر المسألة الأولى قلت ما قاله في ذلك صحيح
قال المسألة الثانية تخصيص العمومات كقوله والله لا لبست ثوبا وينوي إخراج الكتان من يمينه
هامش إدرار الشروق
117
الفرق الثلاثون والمائة بين قاعدة ما تكفي فيه النية في الأيمان وقاعدة ما لا تكفي فيه النية
النية تكفي في تقييد المطلقات وتخصيص العمومات وتعميم المطلقات وتعيين أحد مسميات الألفاظ المشتركات وصرف اللفظ عن الحقائق إلى المجازات ولا تكفي عن الألفاظ التي هي أسباب ارتفاع حكم اليمين شرعا كالاستثناء بمشيئة الله تعالى ولا عن لفظ مقصود للحالف وإن لم يكن سببا شرعيا كلفظ الاستثناء فتكفي في خمسة أنواع وتؤثر فيها ولا تكفي في نوعين ولا تؤثر فيهما وتتضح هذه السبعة بذكر عشر مسائل لتقييد المطلقات بلا خلاف مسألة ولتخصيص العمومات بلا خلاف مسألة وللتقييد والتخصيص على الخلاف هل يؤثر بالنية أم لا مسألة ولتعميم المطلقات مسألة ولتعيين مسميات الألفاظ المشتركات مسألة ولصرف اللفظ عن الحقائق إلى المجازات مسألة ولعدم كفايتها عن اللفظ الذي هو سبب شرعي مسألة ولعدم كفايتها عن لفظ مقصود للحالف وليس هو بسبب شرعي ثلاث مسائل
المسألة الأولى
إذا حلف ليكرمن رجلا ونوى به زيدا لم يبر بإكرام غيره لأن رجلا مطلق وقد قيده
118
118
يمينه فيصير هذا العموم مخصوصا بهذه النية ولا يحنث إذا لبس الكتان لأنه قد أخرجه بنيته وقد تقدم الفرق بين قاعدة النية المخصصة والنية المؤكدة أن القصد للكتان دون غيره لا يفيد وأن هنالك فرقا جليلا جميلا فليطالع من هنالك
المسألة الثالثة
المحاشاة كما قال مالك إذا قال كل حلال علي حرام يلزمه الطلاق إلا أن يحاشي زوجته وقال الأصحاب يكفي في المحاشاة مجرد النية والسبب في ذلك أنها تخصيص بعينه من غير زيادة ولا نقصان والتخصيص يكفي فيه إرادة المتكلم فكفى في المحاشاة مجرد إرادة المتكلم فليست المحاشاة شيئا غير التخصيص فاعلم ذلك فهذه هي مواطن الاكتفاء بالنية إجماعا المسألة الرابعة في المواطن التي اختلف العلماء في الاكتفاء فيها بالنية وهو ما دل اللفظ عليه التزاما قالت الحنفية لا تؤثر النية فيه تقييدا ولا تخصيصا وقالت بقية الفرق تؤثر النية في المدلول التزاما كالمطابقة من غير فرق ومثلوا هذه المسألة بقول القائل والله لا أكلت فقالت الفرق المالكية والشافعية يجوز أن ينوي مأكولا معينا فلا يحنث بأكل غيره
هامش أنوار البروق
فيصير هذا العموم مخصوصا بهذه النية ولا يحنث إذا لبس الكتان لأنه قد أخرجه بنيته قلت ليس هذا تخصيص العموم بل هو الاستثناء بالنية وهو محل خلاف وأما التخصيص بالنية فهو أن يقصد ما عدا الكتان خاصة ولا أراه إلا محل وفاق قال وقد تقدم الفرق بين قاعدة النية المخصصة والنية المؤكدة إلى آخر المسألة قلت وقد تقدم الكلام معه هناك بما يقتضي أن الصحيح خلاف قوله في ذلك
المسألة الثانية إذا قال والله لا لبست ثوبا ونوى به ما عدا الكتان خاصة لم يحنث إذا لبس الكتان وإنما يحنث إذا لبس غير الكتان لأن نيته خصصت الثوب المحلوف بعدم لبسه بما عدا الكتان وهو محل وفاق كما قال ابن الشاط قال المسألة الثالثة المحاشاة
هامش إدرار الشروق
بخصوص زيد حتى صار معنى اليمين لأكرمن زيدا وكذلك إذا قال لأكرمن رجلا ونوى به فقيها أو زاهدا لم يبر بإكرام غير الموصوف بهذه الصفة وهذا موطن إجماع كما قال الأصل وابن الشاط
المسألة الثانية
إذا قال والله لا لبست ثوبا ونوى به ما عدا الكتان خاصة لم يحنث إذا لبس الكتان وإنما يحنث إذا لبس غير الكتان لأن نيته خصصت الثوب المحلوف بعدم لبسه بما عدا الكتان وهو محل وفاق كما قال ابن الشاط المسألة الثالثة اختلف العلماء في الاكتفاء بالنية في تقييد المطلقات وتخصيص العمومات المدلول عليهما بغير الدلالة الوضعية المطابقية فقالت الحنفية ولا تؤثر النية في ذلك تقييدا ولا تخصيصا وقالت بقية الفرق تؤثر النية في المدلول التزاما وتضمنا تقييدا وتخصيصا كالمطابقة من غير فرق ومثلوا هذه المسألة بقول القائل والله لا أكلت فقالت الفرق المالكية والشافعية والحنابلة يجوز أن ينوي مأكولا معينا فلا يحنث بأكل غيره وقالت الحنفية لا يجوز دخول النية ها هنا وإن نوى بطلت نيته وحنث بأي مأكول أكله لأن لفظ الفعل المتعدي لا يدل على المفعول الذي هو المأكول بل ولا على الفاعل بالمطابقة بل إنما يدل على ذلك إما
119
119
وقالت الحنفية لا يجوز دخول النية ها هنا وإن نوى بطلت نيته وحنث بأي مأكول أكله فإن اللفظ إنما دل مطابقة على نفي الأكل الذي هو المصدر ومن لوازم مصدر الأكل مأكول ما وذلك المأكول لم يلفظ به فلا يجوز دخول النية فيه لأنه مدلول التزامي واحتجوا على ذلك بأمور
أحدها
أن الأصل اعتبار اللفظ المنطوق به بحسب الإمكان خالفنا ذلك فيما دل اللفظ عليه مطابقة وبقي فيما عداه على الأصل ووجه المناسبة أن تحكيم النية في اللفظ باعتبار معناه فرع تناول ذلك اللفظ لذلك المعنى والتناول إنما هو محقق في المطابقة والتضمن أما الالتزام فتبع جاء من جهة العقل فتقرر اللفظ فيه ضعيف فتصرف النية فيه كذلك فلا يترك ما أجمعنا عليه لهذا الضعيف المختلف فيه وثانيها أن الاستقراء دل على أن النية لا تدخل إلا فيما دل اللفظ عليه مطابقة واعتبار النيات في الألفاظ أمر يتبع اللغة ألا ترى أن اللغة لما لم تجوز النية في صرف أسماء الأعداد إلى المجازات امتنع فلا يجوز أن تطلق العشرة وتريد بها التسعة وثالثها أنه لو صح دخول النية في المدلول الالتزامي لصح المجاز في كل لازم المسمى بالنية والقصد إليه وليس كذلك لأن الأسد يلزمه أوصاف كثيرة من البخر والحمى
هامش أنوار البروق
كما قال مالك رحمه الله إذا قال كل حلال علي حرام يلزمه الطلاق إلا أن يحاشي زوجته وقال الأصحاب يكفي في المحاشاة مجرد النية قلت المحاشاة هي الاستثناء بعينه قال والسبب في ذلك أنها تخصيص بعينه من غير زيادة ولا نقصان إلى قوله فاعلم ذلك قلت الصحيح أن المحاشاة هي الاستثناء بعينه لا التخصيص ولكن لما سبق له توهم أن إخراج بعض متناول اللفظ العام هو التخصيص قال إن المحاشاة هي التخصيص وذلك غير صحيح
هامش إدرار الشروق
بالتضمن وإما بالالتزام على الخلاف في كون النسبة لكل منهما داخلة في مفهوم الفعل وهو ما جزم به ابن الشاط وبه صرح غير واحد من المحققين كالعضد والعصام والسيد والفتري وشيخ الإسلام الهروي وإليه يشير تأييد التفتازاني قول العضد باستعارة الفعل باعتبار النسبة المبني على دخولها فيه أو غير داخلة فيه وهو مفاد ابن مالك في الخلاصة حيث قال فيها المصدر اسم ما سوى الزمان من مدلولي الفعل إلخ وعزاه الفناري في فصول البدائع إلى ابن الحاجب والصبان في حواشي الأشموني للجمهور كما في بيانية الصبان والأنبابي عليها وقال الصبان في بيانيته في شرح شيخنا إن الحق عدم دخولها فيه نعم الفعل ملحوظ فيه النسبة إلى الفاعل أو نائبه مطلقا سواء قلنا إنها داخلة في مفهومه أو خارجة عنه كما ذكره شيخنا وغيره ا ه المراد وحيث لم يدل على المأكول إلا بالتضمن أو الالتزام ولم يلفظ به فلا يجوز دخول النية محتجين على ذلك بأمور
أحدها
أن الأصل اعتبار اللفظ المنطوق به بحسب الإمكان وخالفنا ذلك فيما دل اللفظ عليه مطابقة
120
120
والوبر وكبر الرأس وغير ذلك ولا يصح التجوز عنه إلا باعتبار الشجاعة خاصة ولا يصح دخول النية في غيرها حتى تصرف للمجاز لأنا نشترط في مثل هذا المجاز وهو مجاز المشابهة أن تكون الصفة التي وقعت فيها المشابهة أظهر صفات المحل المتجوز عنه وحجة المالكية والشافعية من وجوه
أحدها
أنا أجمعنا على ما إذا قال والله لا أكلت أكلا أنه يصح أن ينوي بعض المآكل ويخرج البعض بنيته مع أن أكلا مصدر وأجمع النحاة على أن التصريح به بعد الفعل إنما هو للتأكيد نحو ضربت ضربا فإن الفعل دل عليه فذكره بعد ذلك يكون تكرارا لذكره فيكون تأكيدا لأنه حينئذ مذكور مرتين والتأكيد حقيقته تقوية المعنى الأول من غير زيادة وإلا لكان إنشاء لا تأكيدا وإذا لم يكن التأكيد منشئا كانت الأحكام الثابتة معه ثابتة قبله لكن الثابت معه اعتبار النية فالثابت قبله اعتبار النية وهو المطلوب وثانيها أن النية اعتبرت في المطابقة إجماعا مع قوة المعارض فأولى أن تعتبر مع
هامش أنوار البروق
وتوهمه ذلك هو الذي أوجب غلطه حيث جزم بأن نية التخصيص لا تفيد مع توهمه أنه يشترط في التخصيص في النية ما يشترط في التخصيص باللفظ وقد تقدم ذلك والكلام معه فيه في الفرق التاسع والعشرين قال فهذه هي مواطن الاكتفاء بالنية إجماعا قلت ذلك صحيح إلا في المحاشاة فإن الخلاف فيها معلوم
قال المسألة الرابعة في المواطن التي اختلف العلماء في الاكتفاء فيها بالنية وهو ما دل اللفظ عليه التزاما قلت في قوله ما دل اللفظ عليه التزاما عندي نظر فإن المصدر هو الذي يدل على معناه وهو
هامش إدرار الشروق
وبقي فيما عداه على الأصل ووجه ذلك أن تحكيم النية في اللفظ باعتبار معناه فرع تناول ذلك اللفظ لذلك المعنى والتناول إنما هو محقق في المطابقة وأما التضمن والالتزام فتبع جاء من جهة العقل وذلك لأن دلالة الألفاظ وضعية لا عقلية ولم يوضع لفظ المسجد مثلا إلا لجملته لا لجملته وبعضه الذي هو السقف مثلا ولازمه الذي هو أداء العبادة فيه مثلا وإلا لكان ذلك اللفظ مشتركا واللازم باطل فلا دلالة للفظ المسجد على السقف ولا على أداء العبادة أصلا نعم هنا أمر وهو أن من يذكر له لفظا يدل على مجموع أشياء بالوضع فإنه يتذكر ما تركب منه ذلك المجموع فمن اعتقد هذا القدر وسمى هذا التذكر دلالة فلا حجر عليه لكنه يدخل اللبس في كلامه على سامع ذلك منه حين يذكر هاتين الدلالتين اللتين معناهما تذكر الشيء عند ذكر الشيء مع ذكره الدلالة الوضعية من جهة أن لفظ الدلالة لم يوقعه على الوضعية والتذكر بالتواطؤ بل بالاشتراك وذلك مما يوقع الغلط كثيرا وإذا كانت دلالة اللفظ على الجزء واللازم تبعا لدلالته على الكل والملزوم جاء من جهة العقل لا من جهة الوضع والألفاظ إنما تدل وضعا لا عقلا كان تقرير
121
121
ضعف المعارض في دلالة الالتزام بطريق الأولى وإنما قلنا إن المطابقة أقوى معارضة للنية لأن المطابقة هي الأصل المقصود بوضع اللغة وغيرها إنما يفيده اللفظ تبعا لها والأصل أقوى من التابع ومع ذلك إذا عارضت النية المطابقة وصرفت اللفظ عن مدلوله المطابقي للمجاز صح إجماعا مع أن اللفظ يمنعها من ذلك ويقتضي مسماه بطريق الحقيقة فقد قدمت النية على اللفظ المطابقي وهو أقوى في المعارضة من دلالة الالتزام فأولى أن تعتبر النية في دلالة الالتزام ويصرف عموم اللازم إلى خصوصه وتقييد مطلقه وجميع ما أجمعنا عليه في المدلول المطابقي بطريق الأولى وهو المطلوب وثالثها أنا وجدنا الاستثناءات في لسان العرب دخلت على العوارض الخارجة عن المدلول المطابقي واللوازم ولفظ الاستثناء إنما هو فرع عن إرادة المعنى الذي قصد لأجله الاستثناء فإن اللفظ تابع لإرادة المعنى فإنه يقصد به إفهام السامع ما في نفس المتكلم فمتى دخل الاستثناء في المدلول التزاما دل ذلك على دخول النية قبله في المدلول الالتزامي وبيان دخول الاستثناء في المدلول التزاما أو بطريق العرض من وجوه أحدها قوله تعالى حكاية عن يعقوب عليه السلام لتأتنني به إلا أن يحاط بكم هذا استثناء من الأحوال العارضة أو اللازمة لمعنى الإتيان وتقدير الكلام
هامش أنوار البروق
القيام مثلا والضرب فأما القيام فيدل بالالتزام على فاعله وأما الضرب فيدل بالالتزام أيضا على فاعله ومفعوله وأما الفعل فهو مبني لوقوع المصدر من فاعله إن كان غير متعد أو من فاعله بمفعوله إن كان متعديا وما بني اللفظ له أو ما تقيد به كيف يقال دل عليه اللفظ التزاما بل الأقرب أن يدل عليه تضمنا والله أعلم
قال قالت الحنفية لا تؤثر النية فيه تقييدا ولا تخصيصا إلى آخر احتجاجهم الأول قلت ما قالوه في أثناء احتجاجهم من أن تناول اللفظ إنما هو محقق في المطابقة والتضمن ليس
هامش إدرار الشروق
اللفظ في الجزء واللازم ضعيفا فيكون تصرف النية فيه كذلك فلا يترك ما أجمعنا عليه لهذا الضعيف المختلف فيه وثانيها أن الاستقراء دال على أن النية لا تدخل إلا فيما دل اللفظ عليه مطابقة واعتبار النيات في الألفاظ أمر يتبع اللغة ألا ترى أن اللغة لما لم تجوز النية في صرف أسماء الأعداد إلى المجازات امتنع فلا يجوز أن تطلق العشرة وتريد بها التسعة وثالثها أنه لو صح دخول النية في المدلول الالتزامي والتضمن لصح المجاز في كل لازم أو جزء المسمى بالنية والقصد إليه وليس كذلك ألا ترى أن الأسد يلزمه أوصاف كثيرة من البخر والحمى والوبر وكبر الرأس وغير ذلك ولا يصح التجوز عنه إلا باعتبار الشجاعة خاصة ولا يصح دخول النية في غيرها حتى تصرف للمجاز لأنا نشترط في مثل هذا المجاز وهو مجاز المشابهة أن تكون الصفة التي وقعت فيها المشابهة أظهر صفات المحل المتجوز عنه فافهم وحجة المالكية والشافعية والحنابلة من وجوه أحدها أنا أجمعنا على ما إذا قال والله لا أكلت أكلا أنه يصح أن ينوي بعض المآكل ويخرج البعض
122
122
لتأتنني به في كل حالة من الحالات إلا في حال الإحاطة بكم فإني لا ألزمكم الإتيان به فيها لقيام العذر حينئذ وثانيها قوله تعالى وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين وفي الآية الأخرى إلا استمعوه وهم يلعبون أي لا يأتيهم في حالة من الأحوال إلا في هذه الحالة من لهوهم وإعراضهم فقد قصد إلى حالة اللهو والإعراض بالإثبات ولغيرها من الأحوال بالنفي والأحوال أمور خارجة عن المدلول المطابقي وإذا كانت خارجة فإن كانت الأحوال اللازمة فقد دخلت النية في المدلول التزاما وإن كانت عارضة فقد دخلت النية في العوارض وإذا دخلت في العوارض دخلت في اللوازم بطريق الأولى فإن العارض أبعد عن مدلول اللفظ مطابقة من اللازم ضرورة فإذا تصرفت النية في البعيد أولى أن تتصرف في القريب لأنه أشبه بالمطابقة المجمع عليها من العارض لبعده عن المطابقة وثالثها أنه قصد إلى المدلول التزاما من غير استثناء بل بالنية المجردة ودل الدليل الخارجي على ذلك وهو عين صورة النزاع ويدل عليه وجوه أحدها قوله تعالى حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير
هامش أنوار البروق
بصحيح لأن دلالة الألفاظ ليست عقلية بل هي وضعية ولم يوضع لفظ المسجد مثلا إلا لجملته لا لجملته وبعضه وهو السقف مثلا وإلا لكان ذلك اللفظ مشتركا وليس الكلام المفروض إلا على تقدير أن لفظ المسجد لم يوضع للسقف وإذا كان الأمر كذلك فلا دلالة للفظ المسجد على السقف أصلا لأن الألفاظ لا تدل عقلا وإنما تدل وضعا وقد عدم الوضع فلا دلالة له ألبتة نعم هنا أمر وهو أن من يذكر له لفظ يدل على مجموع أشياء بالوضع فإنه يتذكر ما تركب منه ذلك المجموع أو
هامش إدرار الشروق
بنيته مع أن أكلا مصدر وأجمع النحاة على أن التصريح به بعد الفعل إنما هو للتأكيد نحو ضربت ضربا فإن الفعل دل عليه فذكره بعد ذلك يكون تكرارا لذكره فيكون تأكيدا وحقيقة التأكيد تقوية المعنى الأول من غير زيادة وإلا لكان إنشاء لا تأكيدا وإذا لم يكن التأكيد منشأ كانت الأحكام الثابتة معه ثابتة قبله لكن الثابت معه اعتبار النية فالثابت قبله اعتبار النية وهو المطلوب وثانيها أن النية حيث اعتبرت مع قوة المعارض لها في المطابقة إجماعا فلأن تعتبر مع ضعف المعارض لها في دلالتي التضمن والالتزام بطريق الأولى وكون المطابقة أقوى معارض للنية من غيرها ظاهر من كونها هي الأصل المقصود بوضع اللغة وغيرها إنما يفيده اللفظ تبعا لها والأصل أقوى من التابع وثالثها أنا وجدنا الاستثناءات في لسان العرب دخلت على اللوازم والعوارض الخارجة عن المدلول المطابقي ولفظ الاستثناء إنما هو فرع عن إرادة المعنى الذي قصد لأجله الاستثناء لأن اللفظ تابع لإرادة المعنى فإنه يقصد به إفهام السامع ما في نفس المتكلم فمتى دخل الاستثناء في المدلول التزاما دل ذلك على دخول النية قبله في المدلول الالتزامي وبيان دخول الاستثناء في المدلول التزاما أو بطريق العرض من وجهين
123
123
والمدلول مطابقة في هذه الآية غير مراد فإن الأعيان لا تحرم بل الأفعال المتعلقة بها وهي الأكل والتناول فقد قصدت بالتحريم من غير لفظ يدل على ذلك مقارن بل الأدلة الخارجة أفادتنا ذلك وهذه الأفعال إن كانت لازمة حصل المقصود لوجوه تصرف النية فيها بإضافة التحريم إليها دون غيرها ولا سيما أن النية تعين في كل عين الفعل المناسب لها فتعين في الخمر الشرب وفي الميتة الأكل وكذلك جميع الأعيان الواردة في النصوص وإن كانت هذه الأفعال المقصودة عارضة وقد تصرفت النية فيها فالأولى أن تتصرف في اللازم لأن اللازم أقرب للمطابقة من العارض وثانيها قوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم والمراد الاستمتاع المتعلق بهن دون أعيانهن المذكورة في الآية ووجه التقدير ما تقدم في الخمر والخنزير وثالثها قوله تعالى ما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته ولا يكون إلا ما أريد قال العلماء التردد على الله تعالى محال غير أنه لما جرت العادة أن كل شخص أنت تعظمه وتهتم به فإنك تتردد في مساءته نحو ولدك وصديقك ومن لا تعظمه كالعقرب
هامش أنوار البروق
لازم ذلك المجموع فمن اعتبر هذا القدر وسمى هذا التذكر دلالة فلا حجر عليه لكنه يدخل اللبس في كلامه على سامع ذلك منه حين يذكر هاتين الدلالتين اللتين معناهما تذكر الشيء عند ذكر الشيء مع ذكره الدلالة الوضعية من جهة أن لفظ الدلالة لم يوقعه على الوضعية والتذكر بالتواطؤ بل بالاشتراك وذلك مما يوقع الغلط كثيرا والله أعلم ولا كلام فيه قال وثانيها إلى آخر احتجاجهم قلت ذلك نقل ولا كلام فيه
هامش إدرار الشروق
أحدهما قوله تعالى حكاية عن يعقوب عليه السلام لتأتنني به إلا أن يحاط بكم فإن تقدير الكلام لتأتنني به في كل حالة من الحالات إلا في حالة الإحاطة بكم فإني لا ألزمكم الإتيان به فيها لقيام العذر حينئذ فهذا استثناء من الأحوال العارضة أو اللازمة لمعنى الإتيان وثانيها قوله تعالى وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين وفي الآية الأخرى إلا استمعوه وهم يلعبون أي لا يأتيهم في حالة من الأحوال إلا في هذه الحالة من لهوهم وإعراضهم فقد قصد إلى حالة اللهو والإعراض بالإثبات ولغيرها من الأحوال بالنفي والأحوال أمور خارجة عن المدلول المطابقي وإذا كانت الأحوال خارجة فإن كانت لازمة فقد دخلت النية في المدلول التزاما وإن كانت عارضة فقد دخلت النية في العوارض وإذا دخلت في العوارض دخلت في اللوازم بطريق الأولى فإن العارض أبعد عن مدلول اللفظ مطابقة من اللازم ضرورة وإذا تصرفت النية في البعيد فأولى أن تتصرف في القريب لأنه أشبه بالمطابقة المجمع عليها من العارض لبعده من المطابقة
124
124
والحية وعدوك فإنك إذا خطر بقلبك إيلامه ومساءته لا تتردد في ذلك بل تبادر إليه فصار التردد لا يقع إلا في موطن التعظيم وعدمه في موطن الحقارة وإن كان التردد في الإحسان انعكس الحال فيحصل في حق الحقير دون العظيم إذا تقرر هذا قال العلماء المتحدثون على هذا الحديث المراد بذكر التردد في هذا الحديث الدلالة على عظم منزلة المؤمن عند الله تعالى وعبر باللفظ المركب عما يلزمه وهو نفسه ليس مرادا فيصير معنى الحديث منزلة المؤمن عندي عظيمة وجميع ما وقع في مدلول هذا المركب ليس مرادا فقد قصد إلى لازم اللفظ وأضيف إليه الحكم وهذا بعينه هو تصرف النية فإن النية هي القصد بعينه وإذا صح القصد صحت النية في اللازم وهو المطلوب فهذه وجوه واضحة في دخول النيات والمقاصد في المدلول التزاما في مقتضى اللغة وبها يظهر الجواب عما اعتمدوا عليه أما الأول وهو قولهم نفيناه فيما عدا المطابقة على مقتضى الأصل فجوابه أن ما ذكرناه من الأدلة والاستعمالات دل على مخالفة الأصل وأن العرب أجازت النية في الالتزام كما
هامش أنوار البروق
قال وحجة المالكية والشافعية من وجوه إلى آخر الوجه الثالث قلت هذه الوجوه الثلاثة صحيحة جيدة قال وثالثها أنه قصد إلى المدلول التزاما إلى قوله ووجه التقدير ما تقدم في الخمر والخنزير قلت ليس ما قاله هنا من أن دلالة اللفظ في قوله تعالى حرمت عليكم الميتة دلالة التزام بصحيح بل هي دلالة مطابقة عرفا وكانت الدلالة قبل العرف بلفظ الميتة دلالة مطابقة على الميتة نفسها ثم صارت بعد العرف دلالة مطابقة على أكلها وكذلك كل دلالة عرفية إنما هي دلالة مطابقة على ما صارت فيه عرفا قال وثالثها قوله تعالى ما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره
هامش إدرار الشروق
ورابعها أنا وجدنا النية المجردة تصرفت في المدلول التزاما وهو عين صورة النزاع في قوله تعالى في الحديث القدسي ما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته ولا يكون إلا ما أريد قال العلماء المراد بذكر التردد في هذا الحديث الدلالة على عظم منزلة المؤمن عند الله تعالى لأن العادة جرت أن كل شخص أنت تعظمه وتهتم به كولدك وصديقك فإنك تتردد في مساءته وأن من لا تعظمه كالعقرب والحية وعدوك فإنك إذا خطر بقلبك إيلامه ومساءته لا تتردد في ذلك بل تبادر إليه فصار التردد لا يقع إلا في موطن التعظيم وعدمه في موطن الحقارة فإن كان التردد في الإحسان انعكس الحال فيحصل في حق الحقير دون العظيم فيصير معنى الحديث منزلة المؤمن عندي عظيمة وجميع ما وقع في مدلول هذا المركب ليس مرادا فقد قصد إلى لازم اللفظ وأضيف إليه الحكم وهذا بعينه هو تصرف النية فإن النية هي القصد بعينه فإذا صح القصد في اللازم صحت النية فيه وهو المطلوب فهذه وجوه أربعة واضحة في دخول النيات والمقاصد في المدلول التزاما وكذا تضمنا في مقتضى اللغة وبها يظهر الجواب على ما اعتمدوا عليه
125
125
أجازتها في المطابقة ثم إن الأصل معارض بأن الأصل عدم الحجر علينا
وأما الثاني وهو قولهم إن الاستقراء دل على عدم دخول النية في المدلول التزاما فما ذكرناه من النصوص والاستعمالات يبطل استقراءهم والمثبت مقدم على النافي
وأما الثالث وهو قولهم لو صح دخول النية في المدلول التزاما لصح المجاز في كل شيء هو لازم قلنا وإنه كذلك فإنه يصح عندنا التجوز لكل لازم لأن العلاقة عندنا الملازمة وهي حاصلة بل يصح عندنا المجاز في غير اللازم كالتعبير بلفظ الجزء عن الكل مع أن الكل غير لازم للجزء وأما ما ذكرتموه من المثال فذلك المنع إنما جاء من خصوص كونه مجاز تشبيه لا من عموم كونه مجازا فإنا نشترط في مجاز التشبيه أظهر صفات المتجوز عنه ولا يصح التشبيه بالمعاني الخفية فهذا بحث خاص بالاستعارة التي هي مجاز تشبيه وما عدا ذلك من أنواع المجاز فهذا الشرط فيها ساقط ولا يلزم من امتناع أمر في الأخص أن يمتنع في الأعم منه فلا يلزم إذا حرم قتل الإنسان أن يحرم قتل مطلق الحيوان ولا من تحريم شرب الخمر أن يحرم مطلق المائع ولا من تحريم لحم الخنزير أن يحرم مطلق اللحم فلا يلزم من امتناع خاص في مجاز التشبيه أن يحصل الامتناع في أصل المجاز بل الذي نعتقده أن التجوز يصح في كل
هامش أنوار البروق
الموت وأنا أكره مساءته ولا يكون إلا ما أريد إلى قوله في اللازم وهو المطلوب قلت ما قاله في ذلك صحيح
قال فهذه وجوه واضحة في دخول النيات والمقاصد في المدلول التزاما في مقتضى اللغة قلت هو كما قال إلا ما وقع التنبيه عليه من مثل قوله تعالى حرمت عليكم الميتة قال وبها يظهر الجواب عما اعتمدوا عليه إلى آخر ما قاله في هذه المسألة قلت ما قاله في ذلك صحيح مع أنه لا شك أن الأصل إنما هو النيات والمقاصد والألفاظ
هامش إدرار الشروق
أما الأول وهو قولهم نفيناه فيما عدا المطابقة على مقتضى الأصل فجوابه أن ما ذكرناه من الأدلة والاستعمالات دل على مخالفة الأصل وأن العرب أجازت النية في الالتزام كما أجازتها في المطابقة ثم إن الأصل معارض بأن الأصل عدم الحجر علينا على أنه لا شك أن الأصل إنما هو النيات والمقاصد وإنما الألفاظ وصلة إلى تعريفها وتعرفها فإذا صرفت النيات الألفاظ إلى شيء أي شيء كان انصرفت إليه وأما الثاني وهو قولهم إن الاستقراء دل على عدم دخول النية في المدلول التزاما أو تضمنا فجوابه أن ما ذكرناه من النصوص والاستعمالات يبطل استقراءهم إذ المثبت مقدم على النافي وأما الثالث وهو قولهم لو صح دخول النية في المدلول التزاما أو تضمنا لصح المجاز في كل شيء هو لازم أو جزء فجوابه أنه لا مانع عندنا من صحة المجاز في كل لازم أو جزء لأن العلاقة عندنا الملازمة لا خصوص المشابهة بل يصح عندنا المجاز في غير اللازم كالتعبير بلفظ الجزء عن الكل كما في قوله تعالى فك رقبة مع أن الجزء غير لازم للكل حتى أنهم لذلك اشترطوا في هذه العلاقة أن يكون الكل مركبا تركيبا حقيقيا وأن يستلزم انتفاء الجزء انتفاءه عرفا كالرأس والرقبة بخلاف
126
126
لازم إلا ما تقدم من مجاز التشبيه خاصة فهذا تلخيص هذه المسألة والحجاج فيها
المسألة الخامسة
دخول النية في تعميم المطلقات وصورته أن تقول والله لأكرمن أخاك وتنوي بذلك جميع إخوتك فإن قولك أخاك مطلق فإذا أراد جميع إخوتك فقد عمم المطلق ومثله قوله تعالى ثم نخرجكم طفلا فإن طفلا مطلق مفرد لا يتناول إلا فردا واحدا وهو القدر المشترك بين جميع الأطفال ومع ذلك فالمراد به جميع الأطفال على سبيل العموم فإن جميعنا لا يخرج طفلا واحدا بل أطفالا فمعنى الطفولية مضافة لكل بشر منا فيحصل العموم في الأطفال كما أنا نحن غير متناهين وتوزيع الحقيقة الحاصلة من الطفولية على ما لا يتناهى يوجب أن يحصل منها أفراد غير متناهية فقد ورد هذا المطلق في كتاب الله تعالى والمراد به العموم فإذا أراد الحالف تعميم حكم اليمين بالنية كما إذا صرح بالعموم فإن كان في سياق الثبوت فلا يبرأ إلا بحصول الفعل في جميع أفراد ذلك العموم وإن كان في سياق النفي حنث بواحد من ذلك العموم وانحلت اليمين بأي فرد حنث فيه مع أن سياق النفي اللفظ فيه عام فإن النكرة في سياق النفي تعم وإنما يظهر أثر ذلك وتأثير النية في سياق الثبوت خاصة
هامش أنوار البروق
وصلت إلى تعريفها وتعرفها فإذا صرفت النيات الألفاظ إلى شيء أي شيء كان انصرفت إليه والله أعلم
قال المسألة الخامسة دخول النية في تعميم المطلقات وصورته أن تقول والله لأكرمن أخاك وتنوي بذلك جميع إخوتك فإن قولك أخاك مطلق فإذا أراد جميع إخوتك فقد عمم المطلق قلت ليس ما قاله هنا بصحيح فإن أخاك معرفة وليست المعرفة مطلقة في عرف الأصوليين وإنما المطلق في عرفهم النكرة في سياق الإثبات فكان حقه أن يقول والله لأكرمن أخاك وما أشبه
هامش إدرار الشروق
الأرض للسماء والأرض والظفر والأذن للإنسان ا ه
أي واليد كما في المطول قال فيه وأما إطلاق العين على الربيئة فليس من حيث إنه إنسان بل من حيث إنه رقيب وهذا المعنى مما لا يتحقق بدون العين ا ه كذا في بيانية الصبان وما ذكروه من منع استعمال الأسد في غير الشجاعة من لوازمه فهو إنما جاء من خصوص كونه مجاز تشبيه يشترط فيه أظهر صفات المتجوز عنه فلا يصح بالمعاني الخفية لا من عموم كونه مجازا ولا يلزم من امتناع أمر في الأخص أن يمتنع في الأعم منه ألا ترى أن تحريم قتل الإنسان لم يلزم منه تحريم قتل مطلق حيوان ولا من تحريم شرب الخمر تحريم مطلق مائع ولا من تحريم لحم الخنزير تحريم مطلق اللحم فالذي نعتقده أن المجاز يصح في كل لازم إلا ما تقدم من مجاز التشبيه خاصة هذا تلخيص هذه المسألة والحجاج فيها
المسألة الرابعة
إذا قال والله لأكرمن أخا لك أو والله لا أكرمن أخاك ونوى بذلك جميع إخوتك لم يبر في الأول إلا بإكرام جميع إخوة المخاطب ولم يحنث في الثاني إلا بإكرام جميع إخوة المخاطب لأن أخا في الأول وإن كان مطلقا لكونه نكرة في الإثبات إلا أن النية صرفته للعموم
127
127
المسألة السادسة
تعيين فرد من أفراد اللفظ المشترك بالنية فإنه يؤثر في تعيين ذلك الفرد لليمين كقوله والله لأنظرن إلى عين ويريد بهذا اللفظ المشترك أحد مسمياته وهو العين الباصرة مثلا دون عين الماء وعين الشمس وعين الركبة فلا يبرأ إلا أن ينظر إلى الباصرة بسبب تعيينها بالنية فهذا قسم يستقل بنفسه دون تخصيص العمومات وتقييد المطلقات والصرف إلى المجازات لأن اللفظ ينطبق على ما عينه حقيقة من غير زيادة ولا نقصان وفي بقية الصور ليس كذلك
المسألة السابعة تصرف النية بالصرف إلى المجازات وترك حقيقة اللفظ بالكلية كقوله والله لأضربن أسدا ويريد رجلا شجاعا فلا يبرأ إلا بضرب رجل شجاع ولو ضرب الأسد الحقيقي ما بر وكذلك بقية أنواع المجازات من استعمال لفظ الكل في الجزء ولفظ الجزء في الكل ولفظ السبب في المسبب ولفظ المسبب في السبب ولفظ الملزوم في اللازم ولفظ اللازم في الملزوم إلى غير ذلك من أنواع المجازات المذكورة في أصول الفقه وهي نحو خمسة عشر نوعا فهذه المسائل السبعة هي تفصيل ما يؤثر فيه النية مستوعبة بحيث لم يبق بعدها موطن آخر للنية ألبتة في الأيمان والطلاق ونحوها
المسألة الثامنة وهي من المسائل التي لا تؤثر فيها النية وهي مسألة الاستثناء بمشيئة
هامش أنوار البروق
ذلك وإنما أوجب غلطه في ذلك شبهة الاشتراك في لفظ المطلق باعتبار اصطلاح الأصوليين والمنطقيين فإن اصطلاح الأصوليين في المطلق أنه الواحد المبهم وفي اصطلاح المنطقيين الكلي وقد يكون نكرة كما في قولهم تمرة خير من جرادة ومعرفة بالألف واللام كقولهم الرجل خير من المرأة ومعرفة بالإضافة كقولهم أخاك أخاك إن من لا أخا له كساع إلى الهيجا بغير سلاح فإنه لم يرد أخا معينا ولا أخا واحدا مبهما وإنما أراد هذا النوع على الجملة
هامش إدرار الشروق
وأخاك في الثاني وإن كان مطلقا لكونه معرفة في سياق النفي إلا أن النية صرفته للعموم
وكذلك ما قال في المسألة السادسة إلا عبارته بفرد عن أحد مسميات اللفظ المشترك فإن الأولى كان أن يقول تعين أحد مسميات اللفظ المشترك لأن الفرد في الاستعمال الغالب إنما يراد به الواحد الشخصي لا الواحد النوعي
المسألة الخامسة
إذا قال والله لأنظرن إلى عين ونوى بهذا اللفظ المشترك أحد مسمياته وهو العين الباصرة مثلا دون عين الماء وعين الشمس وعين الركبة فلا يبر إلا أن ينظر إلى الباصرة بسبب تأثير النية في تعيين أحد مسميات اللفظ المشترك فهذا قسم يستقل بنفسه دون تخصيص العمومات وتقييد المطلقات والصرف إلى المجازات لأن اللفظ ينطبق على ما عينته النية حقيقة من غير زيادة ولا نقصان بخلاف بقية الصور وجميع ما قال في المسألة السابعة صحيح المسألة السادسة إذا قال والله لأضربن أسدا ونوى به رجلا شجاعا لا الأسد الحقيقي الذي هو الحيوان المفترس لم يبر إلا بضرب رجل شجاع فلو ضرب الأسد الحقيقي ما بر وكذلك بقية أنواع المجاز المرسل العشرين من استعمال لفظ الكل في الجزء ولفظ الجزء في الكل ولفظ السبب في المسبب ولفظ المسبب في السبب ولفظ الملزوم في اللازم ولفظ اللازم في الملزوم إلى آخر العشرين المذكورة في كتب أصول الفقه وكتب البيان فهذه المسائل الستة هي تفصيل ما تؤثر النية في الأيمان أو الطلاق ونحوهما
قال المسألة الثامنة وهي من المسائل التي لا تؤثر فيها النية وهي مسألة الاستثناء بمشيئة الله تعالى إلى آخرها قلت ما قاله في هذه المسألة فيه نظر من جهة أن الاستثناء بمشيئة الله تعالى لا تأثير له إلا إن كان مقصودا به رفع اليمين أو حلها فهو أعني الاستثناء بمشيئة الله تعالى دليل على قصد رفع اليمين وإذا كان الأمر كذلك فما المانع من الاكتفاء بقصد رفع اليمين الذي لفظ الاستثناء بمشيئة الله تعالى دليل عليه إلا أن يكون في بعض روايات حديث الاستثناء بمشيئة الله تعالى ما يدل على اشتراط اللفظ بذلك دون القصد فقط ولا أعلم ذلك الآن فلينظر فإن المسألة لا ينبني التحقيق فيها إلا على ذلك وما نظر به من أن القصد إلى الصلاة لا ينوب منابها وكذلك ما عداها من الأعمال إنما كان فيها ذلك كذلك لأنه فهم من مقتضى الشرع أن المراد أعيان تلك الأعمال فإن ورد دليل واضح على أن المراد عين استثناء المشيئة لفظا استوى الأمر في الاستثناء وسائر الأعمال وإلا فلا وما حكاه عن اللخمي متجه ولقائل أن يقول إذا ثبت اشتراط اللفظ في الاستثناء بمشيئة الله تعالى فلا بد منه وإن انعقدت اليمين على نية القول بذلك والله أعلم
128
128
الله تعالى وسبب عدم تأثيرها في هذه المسألة أن قوله صلى الله عليه وسلم من حلف واستثنى عاد كمن لم يحلف يقتضي أن الاستثناء بالمشيئة سبب رافع لحكم اليمين لأن القاعدة أن ترتب الحكم على الوصف يقتضي علية ذلك الوصف لذلك الحكم وسببيته وها هنا قد رتب صاحب الشريعة حكم ارتفاع اليمين على وصف الاستثناء بمشيئة الله تعالى فيكون الاستثناء بمشيئة الله تعالى هو سبب ارتفاع حكم اليمين لقوله عليه الصلاة والسلام عاد كمن لم يحلف وهذا إشارة إلى ارتفاع حكم اليمين فإذا كان الاستثناء هو سبب ارتفاع حكم اليمين والقاعدة أن الأسباب الشرعية يتوقف حصول مسبباتها على حصولها وأن القصد إليها لا يقوم مقامها فإن القصد إلى الصلاة لا يقوم مقام الصلاة حتى يكون سبب براءة الذمة منها والقصد إلى السرقة لا يقوم مقام السرقة فيجب القطع بمجرد القصد بل لا يترتب الحكم إلا على وجود سببه فلذلك لم تقم النية مقام الاستثناء بمشيئة الله تعالى في حل اليمين بل لا بد من النطق به على شروطه وحينئذ يترتب رفع اليمين فهذا وجه عدم تأثيرها في مسألة المشيئة
هامش أنوار البروق
قال ومثله قوله تعالى ثم نخرجكم طفلا فإن طفلا مطلق مفرد لا يتناول إلا فردا واحدا وهو القدر المشترك بين الأطفال قلت هذا كلام فاسد وقول غير صحيح فإن القدر المشترك وهو الكلي ليس فردا واحدا عند مثبتيه وإنما الفرد الواحد واحد مبهم غير معين مما فيه المعنى المشترك وهو أشهر نوعي النكرة وأكثرهما استعمالا في لغة العرب فإن النكرة في لغة العرب على نوعين أحدهما يراد به الفرد المبهم في مثل قول القائل أكرم رجلا وثانيهما يراد به هذا الجنس لا فرد منه مبهم في مثل قول القائل رجل خير من امرأة
هامش إدرار الشروق
المسألة السابعة
إذا قال والله لأضربن غلامي ونوى إن شاء الله أو إلا أن يشاء الله لم تؤثر نيته في ارتفاع حكم اليمين بسبب أن قوله صلى الله عليه وسلم من حلف واستثنى عاد كمن لم يحلف يقتضي أن الاستثناء بالمشيئة سبب رافع لحكم اليمين لأن القاعدة أن ترتب الحكم على الوصف يقتضي علية ذلك الوصف لذلك الحكم وسببيته وها هنا قد رتب صاحب الشريعة حكم ارتفاع اليمين على وصف الاستثناء بمشيئة الله تعالى فيكون الاستثناء بمشيئة الله تعالى هو سبب ارتفاع حكم اليمين لقوله عليه الصلاة والسلام عاد كمن لم يحلف وهذا إشارة إلى ارتفاع حكم اليمين فإذا كان الاستثناء هو سبب ارتفاع حكم اليمين والقاعدة أن الأسباب الشرعية يتوقف حصول مسبباتها على حصولها وأن القصد إليها لا يقوم مقامها بدليل أن القصد إلى الصلاة لا يقوم مقام الصلاة حتى يكون سبب براءة الذمة منها وأن القصد إلى السرقة لا يقوم مقام السرقة فيجب القطع بمجرد القصد بل لا يترتب الحكم إلا على وجود سببه بالفعل فلذلك لم تقم النية مقام الاستثناء بمشيئة الله تعالى في حل اليمين بل لا بد من النطق به على شروطه وحينئذ يترتب رفع اليمين نعم قال اللخمي وعلى القول بانعقاد اليمين بالنية يصح الاستثناء بالنية من غير لفظ المشيئة قاله الأصل قال ابن الشاط وفيه نظر من جهة أن الاستثناء بمشيئة الله تعالى لا تأثير له إلا إن كان مقصودا به رفع
129
129
قال اللخمي وعلى القول بانعقاد اليمين بالنية يصح الاستثناء بالنية من غير لفظ المشيئة
المسألة التاسعة
التي لا تؤثر فيها النية الاستثناء من النصوص نحو أنت طالق ثلاثا إلا واحدة ووالله لأعطينك ثلاثة دراهم إلا درهما فلو نوى بالطلاق الثلاث طلقتين وبالدراهم الثلاث درهمين فهذا لا يصح إلا بالاستثناء ولا تكفي هذه النية لأنها لو كفته لدخل المجاز في النصوص وهو لا يدخل فيها ولا معنى للمجاز إلا استعمال الثلاث في الاثنين وإنما يصح المجاز في الظواهر وقد تقدم بيانه فلا يمكن أن تقوم النية ها هنا مقام الاستثناء ألبتة المسألة العاشرة التي لا تنوب فيها النية ولا تؤثر قال اللخمي قال محمد إذا قال والله لقيت القوم ونوى في نفسه إلا فلانا لا تجزئ فيه النية عن قوله إلا فلانا ويحنث لأنه لم يلقه وسبب ذلك أنه لو قصد التخصيص والمحاشاة نفعه لأنه مجاز في الظاهر والمجاز في الظاهر تكفي فيه النية ولكنه قصد إلى الإخراج باللفظ ولم يقصد الإخراج بالنية والنية شأنها أن تؤثر لا أنها تقوم مقام مؤثر آخر ويضاف التأثير لذلك المؤثر الآخر وهو قصد أن يكون الإخراج للاستثناء لا للنية
هامش أنوار البروق
قال ومع ذلك فالمراد به جميع الأطفال على سبيل العموم فإن جميعنا لا يخرج طفلا واحدا بل أطفالا إلى قوله فقد ورد هذا المطلق في كتاب الله تعالى والمراد به العموم قلت لا يصح أن يكون المراد به في الآية العموم فإن العموم لا بد أن يكون متناولا لجميع الآحاد الممكنة ولا يتجه ذلك في الآية إذ لو قال ونخرجكم جميع الأطفال الممكنة لم يكن كلاما صحيحا وإنما العموم في الآية مستفاد من ضمير الجمع المتصل بنخرج وهو عموم في المخرجين لا في كل ممكن ثم جاء لفظ طفل مبينا للحالة التي يكون الإخراج فيها وهي حالة الطفولية إما على تقدير ونخرج كل
هامش إدرار الشروق
اليمين أو حلها فهو أعني الاستثناء بمشيئة الله تعالى دليل على قصد رفع اليمين وإذا كان الأمر كذلك فما المانع من الاكتفاء بقصد رفع اليمين الذي لفظ الاستثناء بمشيئة الله تعالى دليل عليه اللهم إلا أن يكون في بعض روايات حديث الاستثناء بمشيئة الله تعالى ما يدل على اشتراط اللفظ بذلك فقط دون القصد ولا أعلم ذلك الآن فلينظر فإن المسألة لا ينبني التحقيق فيها إلا على ذلك وما نظر به من أن القصد إلى الصلاة لا ينوب منابها وكذلك ما عداها من الأعمال إنما كان فيها ذلك كذلك لأنه فهم من مقتضى الشرع أن المراد أعيان تلك الأعمال فإن ورد دليل واضح على أن المراد عين استثناء المشيئة لفظا استوى الأمر في الاستثناء وسائر الأعمال وإلا فلا وما حكاه عن اللخمي متجه ولقائل أن يقول إذا ثبت اشتراط اللفظ في الاستثناء بمشيئة الله تعالى فلا بد منه وإن انعقدت اليمين على نية القول بذلك والله أعلم ا ه
وما قاله في المسألة التاسعة والعاشرة صحيح ظاهر والله أعلم
المسألة الثامنة
إذ قال أنت طالق ثلاثا إلا واحدة ووالله لأعطينك ثلاثة دراهم إلا درهما لم يلزمه إلا طلقتان في الأول ويبر بإعطاء المخاطب درهمين في الثاني فلو ترك التصريح بقوله إلا واحدة في الأول وإلا درهما في الثاني واكتفى بنية ذلك لم تكفه هذه النية لأنها لو كفته لدخل المجاز في النصوص وهو لا يدخل
130
130
ونوى الاستثناء فمن ها هنا هو سبب عدم تأثيرها وعدم اعتبارها ولو قصد الإخراج بها هي نفعه لكن قصد بها لفظا مخرجا لا الإخراج قال وقيل تنفعه النية وتنوب مناب الاستثناء لحصول المقصود منهما على حد سواء
هامش أنوار البروق
واحد منكم لأن ونخرجكم في معناه وإما على أن طفلا اسم جنس فناب مناب اسم الجمع كناس ونفر والله أعلم قال فإذا أراد الحالف تعميم حكم اليمين بالنية كما إذا صرح بالعموم إلى آخر المسألة قلت ما قاله في ذلك صحيح
وكذلك ما قال في المسألة السادسة إلا عبارته بفرد عن أحد مسميات اللفظ المشترك فإن الأولى كان أن يقول تعين أحد مسميات اللفظ المشترك لأن الفرد في الاستعمال الغالب إنما يراد به الواحد الشخصي لا الواحد النوعي المسألة الخامسة إذا قال والله لأنظرن إلى عين ونوى بهذا اللفظ المشترك أحد مسمياته وهو العين الباصرة مثلا دون عين الماء وعين الشمس وعين الركبة فلا يبر إلا أن ينظر إلى الباصرة بسبب تأثير النية في تعيين أحد مسميات اللفظ المشترك فهذا قسم يستقل بنفسه دون تخصيص العمومات وتقييد المطلقات والصرف إلى المجازات لأن اللفظ ينطبق على ما عينته النية حقيقة من غير زيادة ولا نقصان بخلاف بقية الصور وجميع ما قال في المسألة السابعة صحيح المسألة السادسة إذا قال والله لأضربن أسدا ونوى به رجلا شجاعا لا الأسد الحقيقي الذي هو الحيوان المفترس لم يبر إلا بضرب رجل شجاع فلو ضرب الأسد الحقيقي ما بر وكذلك بقية أنواع المجاز المرسل العشرين من استعمال لفظ الكل في الجزء ولفظ الجزء في الكل ولفظ السبب في المسبب ولفظ المسبب في السبب ولفظ الملزوم في اللازم ولفظ اللازم في الملزوم إلى آخر العشرين المذكورة في كتب أصول الفقه وكتب البيان فهذه المسائل الستة هي تفصيل ما تؤثر النية في الأيمان أو الطلاق ونحوهما
قال المسألة الثامنة وهي من المسائل التي لا تؤثر فيها النية وهي مسألة الاستثناء بمشيئة الله تعالى إلى آخرها قلت ما قاله في هذه المسألة فيه نظر من جهة أن الاستثناء بمشيئة الله تعالى لا تأثير له إلا إن كان مقصودا به رفع اليمين أو حلها فهو أعني الاستثناء بمشيئة الله تعالى دليل على قصد رفع اليمين وإذا كان الأمر كذلك فما المانع من الاكتفاء بقصد رفع اليمين الذي لفظ الاستثناء بمشيئة الله تعالى دليل عليه إلا أن يكون في بعض روايات حديث الاستثناء بمشيئة الله تعالى ما يدل على اشتراط اللفظ بذلك دون القصد فقط ولا أعلم ذلك الآن فلينظر فإن المسألة لا ينبني التحقيق فيها إلا على ذلك وما نظر به من أن القصد إلى الصلاة لا ينوب منابها وكذلك ما عداها من الأعمال إنما كان فيها ذلك كذلك لأنه فهم من مقتضى الشرع أن المراد أعيان تلك الأعمال فإن ورد دليل واضح على أن المراد عين استثناء المشيئة لفظا استوى الأمر في الاستثناء وسائر الأعمال وإلا فلا وما حكاه عن اللخمي متجه ولقائل أن يقول إذا ثبت اشتراط اللفظ في الاستثناء بمشيئة الله تعالى فلا بد منه وإن انعقدت اليمين على نية القول بذلك والله أعلم وما قاله في المسألة التاسعة والعاشرة صحيح ظاهر والله أعلم
هامش إدرار الشروق
فيها ولا معنى للمجاز إلا استعمال الثلاث في الاثنين وإنما يصح المجاز في الظواهر وقد تقدم بيانه فلا يمكن أن تقوم النية ها هنا مقام الاستثناء ألبتة
المسألة التاسعة
إذا قال كل حلال علي حرام وحاشى زوجته أي نوى إخراجها من مفهوم الحلال جرى في ذلك خلاف أهل المذهب في الاستثناء بالنية هل يجزئ فلا يلزمه الطلاق أو لا فيلزمه الطلاق وقد تقدم في الفرق التاسع والعشرين عن صاحب الجواهر أن منشأ هذا الخلاف النظر إلى أنه من باب تخصيص العموم فيجزئ بالنية أو النظر إلى حقيقة الاستثناء فلا يجزئ إلا نطقا ا ه
المسألة العاشرة قال اللخمي قال محمد إذا قال والله لقيت القوم ونوى في نفسه إلا فلانا لا تجزئ فيه النية عن قوله إلا فلانا ويحنث لأنه لم يلقه وسبب ذلك أنه قصد بالنية اللفظ المخرج أعني قوله إلا فلانا ولم يقصد بها الإخراج والنية شأنها أن تؤثر لا أنها تقوم مقام مؤثر آخر ويضاف التأثير لذلك المؤثر الآخر وهو قصد أن يكون الإخراج للاستثناء لا للنية ونوى الاستثناء فهذا هو سبب عدم تأثيرها وعدم
131
131
والمحل قابل لهما بخلاف ما لو أقامها مقام الاستثناء في النصوص نحو الإخراج من العشرة فإنه لا ينفعه ذلك لأن المحل ليس قابلا للمجاز ألبتة فلا تؤثر فيه النية بمفردها فلا تقوم مقام الاستثناء فيه بخلاف الألفاظ الظواهر فتأمل هذه الفروق فهذه عشر مسائل اتضح بها الفرق بين قاعدة ما تؤثر فيه النية وقاعدة ما لا تؤثر فيه النية سبعة منها تؤثر فيها النية وثلاثة لا تؤثر فيها فهذا بيان الفرق تفصيلا وقد تقدم أول الفرق تحريره على سبيل الإجمال والتحديد
الفرق الحادي والثلاثون والمائة بين قاعدة الانتقال من الحرمة إلى الإباحة يشترط فيها أعلى الرتب وبين قاعدة الانتقال من الإباحة إلى الحرمة يكفي فيها أيسر الأسباب وقعت في الشريعة صور كثيرة تقتضي الفرق بين هاتين القاعدتين أحدها أن العقد على الأجنبية مباح فترتفع هذه الإباحة بعقد الأب عليها من غير وطء والمبتوتة لا يذهب تحريمها إلا بعقد المحلل ووطئه وعقد الأول بعد العدة وهذه رتبة فوق تلك الرتبة الناقلة عن الإباحة بكثير
هامش أنوار البروق
قال الفرق الحادي والثلاثون والمائة بين قاعدة الانتقال من الحرمة إلى الإباحة يشترط فيها أعلى الرتب وبين قاعدة الانتقال من الإباحة إلى الحرمة يكفي فيها أيسر الأسباب إلى قوله لا بد من بيانه قلت ما قاله في ذلك ظاهر
هامش إدرار الشروق
اعتبارها أما لو قصد الإخراج بها هي فإنه ينفعه قصده ذلك على الخلاف المتقدم قال أي اللخمي وقيل تنفعه النية وتنوب مناب الاستثناء لحصول المقصود منهما على حد سواء والمحل قابل لهما بخلاف ما لو أقامها مقام الاستثناء في النصوص نحو الإخراج من العشرة فإنه لا ينفعه ذلك لأن المحل ليس قابلا للمجاز ألبتة فلا تؤثر فيه النية بمفردها فلا تقوم مقام الاستثناء فيه فتأمل فهذا بيان الفرق إجمالا وتفصيلا والله أعلم الفرق الحادي والثلاثون والمائة بين قاعدة الانتقال من الحرمة إلى الإباحة يشترط فيها أعلى الرتب وبين قاعدة الانتقال من الإباحة إلى الحرمة يكفي فيها أيسر الأسباب يقتضي الفرق بين هاتين القاعدتين صورا كثيرة وقعت في الشريعة منها أن عقدك على الأجنبية مباح ترتفع إباحته لك بمجرد عقد أبيها نكاحها لغيرك ومجرد العقد من أيسر الأسباب والمبتوتة لا يذهب تحريمها إلا بعقد المحلل ووطئه ثم عقد البات بعد العدة وهذه رتبة فوق تلك الرتبة الناقلة عن الإباحة بكثير
132
132
وثانيها المسلم محرم الدم لا تذهب هذه الحرمة إلا بالردة أو زنى بعد إحصان أو قتل نفسا عمدا عدوانا وهي أسباب عظيمة فإذا أبيح دمه بالردة حرم بالتوبة وفي القصاص بالعفو وفي الزنى بالتوبة على خلاف بين العلماء أما عند مالك فلا بد من رجمه ولو تاب ووقع الاتفاق فيما علمت على المحارب إذا تاب من قبل أن يقدر عليه أنه يسقط عنه الحد وتزول إباحة دمه والتوبة أيسر من الردة والقتل وأقل تحتيما على العبد وثالثها الأجنبية لا يزول تحريم وطئها إلا بالعقد المتوقف على إذنها ووليها وصداق وشهود وإباحتها بعد العقد يكفي فيها الطلاق فترتفع تلك الإباحة بالطلاق الذي يستقل الزوج به من غير زيادة ورابعها الحربي مباح الدم تزول إباحته بالتأمين وهو سبب لطيف وإذا حرم دمه بالتأمين لا يباح إلا بسبب قوي يزيل تلك الإباحة من خروج علينا أو قصد لقتلنا حرابة وخروجنا على الإمام العدل وكذلك تزول إباحة دمه بعقد الجزية فإذا حرم دمه بعقد الجزية لا يباح دمه بكل المخالفات لعقد الجزية بل لا بد من مخالفة قوية كالتمرد على الإمام ونبذ العهد مجاهرة وغير ذلك من الأمور المحتاجة إلى قوة شديدة ومناقشة عظيمة
هامش أنوار البروق
قال وخرج بعض الأصحاب هذه المسألة على قاعدة الأمر والنهي إلى قوله بل الأربع واجبة قلت ما قاله في ذلك ليس بصحيح فإنه كما أن الأمر بالشيء أمر بأجزائه لضرورة تحصيله ولا يتأتى تحصيله إلا بتحصيل أجزائه كذلك النهي عن الشيء نهي عن أجزائه لضرورة تفويته ولا يتأتى تفويته إلا بتفويت أجزائه فإن أجزاء الشيء لا تكون أجزاء له حقيقة إلا بتقدير اجتماعها وأما قبل اجتماعها فليست بأجزاء له حقيقة بل بضرب من المجاز وهو أنها صالحة لأن تكون أجزاء له إذا اجتمعت وكثيرا ما يجري هذا الوهم على كثير من الناس في مثل هذه المسألة فيعتقد أن جزء الشيء
هامش إدرار الشروق
ومنها المسلم محرم الدم ولا تذهب هذه الحرمة إلا بالردة أو زنى بعد إحصان أو قتل نفس عمدا عدوانا أو حرابة وهي أسباب عظيمة فإذا أبيح دمه بالردة حرم بالتوبة أو أبيح بقتل النفس عمدا فوجب عليه القصاص حرم بالعفو أو أبيح بزنى بعد الإحصان حرم بالتوبة على خلاف بين العلماء أما عند مالك فلا بد من رجمه ولو تاب أو أبيح بالحرابة حرم بتوبته من قبل أن يقدر عليه اتفاقا لقول الأصل وقع الاتفاق فيما علمت على أنه يسقط عن المحارب الحد وتزول إباحة دمه إذا تاب قبل أن يقدر عليه والتوبة أيسر من القتل ومنها الأجنبية لا يزول تحريم وطئها إلا بالعقد المتوقف على إذنها ووليها وصداق وشهود ويكفي في إباحتها بعد العقد الطلاق فترتفع تلك الإباحة بالطلاق الذي يستقل الزوج به من غير زيادة ومنها الحربي مباح الدم وتزول إباحته بالتأمين وهو سبب لطيف وإذا حرم دمه بالتأمين لا يباح إلا بسبب قوي يزيل تلك الإباحة من خروج علينا أو قصد لقتلنا حرابة وخروجا على الإمام العدل وكذلك تزول إباحة دمه بعقد الجزية فإذا حرم دمه بعقد الجزية لا يباح دمه بكل المخالفات لعقد الجزية بل لا بد من
133
133
ونظائر هذه القاعدة في الشريعة كثيرة وهذا الفرق واقع فيها بين القاعدتين الخروج من الإباحة إلى التحريم والخروج من التحريم إلى الإباحة وقد رام الأصحاب تخريج الحنث ببعض المحلوف عليه على هذه القاعدة فإن الحنث خروج من الإباحة إلى التحريم فيكفي فيه أيسر سبب فيحنث بجزء المحلوف عليه إذا حلف لا يأكل هذا الرغيف فأكل منه لبابه لأنه على بر وإباحة حتى يحنث ولا يبرأ إذا كان على حنث إلا بفعل الجميع إذا حلف ليأكلنه فلا يبرأ إلا بأكل جميعه لأنه على حنث حتى يبر فهو خارج من حرمة إلى إباحة وهذا التخريج ضعيف فإنهم إن ادعوا هذه القاعدة المتقدمة كلية في الشريعة منعناها لاندراج صورة النزاع فيها فللخصم منعها وهو الشافعي رضي الله عنه ولأن هذه الصورة المتقدمة صورة قليلة ولو كانت كثيرة وضموا إليها أمثالها فالقاعدة أن الدعوة العامة الكلية لا تثبت بالمثل الجزئية فإنها لو انتهت إلى الألف احتمل أنها جزئية لا كلية فكم من جزئية مشتملة على أفراد كثيرة ألا ترى إلى قولنا كل عدد زوج كلية باطلة بل إنما تصدق جزئية في بعض الأعداد وتلك الأعداد التي هي زوج كثيرة جدا لا يحصى عددها ومع ذلك فالكلية كاذبة لا صادقة
وإن ادعوا أنها جزئية فيحتاجون إلى
هامش أنوار البروق
لا يزال جزءا له في حال اتصاله بالجزء الآخر وفي حال انفصاله عن الجزء الآخر ولا يشعر أن الجزء في حال الاتصال بالآخر ليس عين الجزء في حال الانفصال من الآخر فإذا حضر بين يديه الزاج وحده مثلا قال هذا جزء من المداد وإذا حضر مع العفص وقد امتزجا قال هذا الزاج الممتزج بالعفص جزء من المداد ويخيل له أنه قال القولين على جزء واحد وليس الأمر كما تخيل فإن معنى القول الأول هذا الزاج جزء من المداد أي يصير جزءا من المداد إذا مزج بالعفص ومعنى القول الثاني أنه جزء من
هامش إدرار الشروق
مخالفة قوية كالتمرد على الإمام ونبذ العهد مجاهرة وغير ذلك من الأمور المحتاجة إلى قوة شديدة ومناقشة عظيمة ونظائر هاتين القاعدتين أعني الخروج من الإباحة إلى التحريم والخروج من التحريم إلى الإباحة كثيرة في الشريعة لكن عد الأصحاب منها الحنث ببعض المحلوف عليه في صيغة البر وعدم البر إلا بجميع المحلوف عليه في صيغة الحنث وتخريجه على قاعدتيها بجعل الحنث خروجا من الإباحة إلى التحريم فيكفي فيه أيسر سبب فيحنث بجزء المحلوف عليه إذا حلف لا يأكل هذا الرغيف فأكل منه لبابه لأنه على بر وإباحة حتى يحنث فهو خارج من إباحة إلى حرمة ولا يبر إذا كان على حنث إلا بفعل الجميع فإذا حلف ليأكلنه فلا يبر إلا بأكل جميعه لأنه على حنث حتى يبر فهو خارج من حرمة إلى إباحة
قال الأصل هذا التخريج ضعيف فإن هاتين القاعدتين إن ادعوا لكثرة نظائرهما في الشريعة أنهما كليتان في الشريعة منعنا تلك الدعوى لاندراج صورة النزاع فيها فللخصم وهو الشافعي رضي الله عنه القائل بعدم الحنث ببعض المحلوف عليه أن يمنع تلك الدعوى لأن هذه الصورة المتقدمة قليلة ولو كانت كثيرة وضموا إليها أمثالها فالقاعدة أن الدعوة العامة الكلية لا تثبت بالمثل الجزئية فإنها ولو انتهت إلى الألف
134
134
دليل آخر يوجب كون صورة النزاع كذلك فإن كان ذلك القياس فأين الجامع المناسب لخصوص الحكم السالم عن الفوارق أو الدليل غير القياس فأين هو لا بد من بيانه وخرج بعض الأصحاب هذه المسألة على قاعدة الأمر والنهي فقال إذا حلف ليفعلن فهو كالأمر أو لا يفعل فهو كالنهي والنهي عن الشيء نهي عن أجزائه فيكون فاعل الجزء مخالفا والمخالف حانث فيكون فاعل الجزء حانثا وهو المطلوب وهذه الطريقة أيضا ضعيفة لأن هذه القضية التي ادعاها هذا المخرج منعكسة بل الأمر بالشيء أمر بأجزائه كإيجاب أربع ركعات فإنه إيجاب لكل ركعة منها والنهي عن الشيء ليس نهيا عن أجزائه كالنهي عن خمس ركعات في الظهر ليس نهيا عن الأربع بل الأربع واجبة نعم النهي عن الشيء نهي عن جزيئاته فإن النهي عن مفهوم الخنزير نهي عن كل خنزير الخنزير الطويل والقصير والسمين والهزيل وجميع جزيئات الخنزير والأمر بالماهية الكلية ليس أمرا بجزيئاتها فالأمر بإعتاق رقبة ليس أمرا بإعتاق هذه الرقبة وتلك وجميع الرقاب بل يكفي في حصول ماهية الرقبة شخص منها واحد معين فشتان ما بين الأجزاء والجزيئات الحكم منعكس بينهما فهذا التخريج باطل قطعا فلا يفتي به فقيه وأحسن ما رأيت للأصحاب في هذه المسألة طريقة الفرض والبناء وهي أن الشيخ أبا عمرو
هامش أنوار البروق
المداد في الحال وكيف يصح أن يكون المشروط بالانفصال عين المشروط بالاتصال وفي مثل هذا كان بعض من لقيناه يقول اختلط ما بالقوة مع ما بالفعل وما مثل به شهاب الدين من النهي عن خمس ركعات في الظهر وأنه لا يستلزم النهي عن الأربع وهم مبني على اعتقاد أن الأربع المتصلة بخامسة هي عين الأربع غير المتصلة بخامسة وهو خطأ ظاهر لا شك فيه وقد سبق له مثل ذلك وسبق الرد عليه
قال نعم النهي عن الشيء نهي عن جزيئاته إلى قوله وجميع جزئيات الخنزير
هامش إدرار الشروق
احتمل أنها جزئية لا كلية فكم من جزئية مشتملة على أفراد كثيرة ألا ترى إلى قولنا كل عدد زوج كلية باطلة بل إنما تصدق جزئية في بعض الأعداد وتلك الأعداد التي هي زوج كثيرة جدا لا يحصى عددها ومع ذلك فالكلية كاذبة لا صادقة وإن ادعوا أنها جزئية احتاجوا في تخريج صور النزاع عليهما إلى دليل آخر أنهما جزئيتان يوجب كون صورة النزاع كذلك فإن كان ذلك الدليل القياس فأين الجامع المناسب لخصوص الحكم السالم عن الفوارق وإن كان غيره فأين هو لا بد من بيانه
وأما تخريج بعض الأصحاب مسألة الحنث ببعض المحلوف عليه في صيغة البر وعدم البر إلا بجميع المحلوف عليه في صيغة الحنث على قاعدة الأمر والنهي حيث قال إذا حلف ليفعلن فهو كالأمر أو لا يفعل فهو كالنهي والنهي عن الشيء نهي عن أجزائه فيكون فاعل الجزء مخالفا والمخالف حانث فيكون فاعل الجزء حانثا وهو المطلوب فقال ابن الشاط إنه تخريج ليس بصحيح فإنه كما أن الأمر بالشيء أمر بأجزائه لضرورة تحصيله ولا يتأتى تحصيله إلا بتحصيل أجزائه كذلك النهي عن الشيء نهي عن أجزائه لضرورة تفويته ولا يتأتى تفويته إلا بتفويت أجزائه فإن أجزاء الشيء لا تكون أجزاء له حقيقة إلا بتقدير اجتماعها وأما قبل اجتماعها فليست بأجزاء
135
135
بن الحاجب رحمه الله كان يقول هذه المسألة ثلاثة أقسام المعطوفات نحو
والله لا كلمت زيدا وعمرا والجموع والتثنيات نحو لا أكلت الأرغفة أو الرغيفين وأسماء الحقيقة الواحدة المفردة كالرغيف فهذه الأقسام الثلاثة الخلاف فيها واحد فعند الشافعي رضي الله عنه لا يحنث إلا بالجميع وعندنا بالبعض في المسائل الثلاثة فنقول أجمعنا على ما إذا قال الحالف والله لا كلمت زيدا ولا عمرا بصيغة لا النافية أنه يحنث بأحدهما واتفق النحاة على أن لا إذا أعيدت في العطف أنها مؤكدة للنفي لا منشئة نفيا وكذلك قال الله تعالى وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور فذكر لا في البعض دون البعض مع أن الكل منفي فحيث تركت لا كان المعنى مثل الموضع الذي ذكرت فيه لا سواء بسواء غير التوكيد وشأن التوكيد أن تكون الأحكام الثابتة معه ثابتة قبله وإلا كان منشئا لا مؤكدا ولما أجمعنا على أن الحكم التحنيث مع لا المؤكدة وجب أن يكون الحكم قبلها التحنيث تحقيقا لحقيقة التأكيد
وإذا اتضح الحنث في هذه الصورة بمدرك صحيح مجمع
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله هنا صحيح قال والأمر بالماهية الكلية ليس أمرا بجزئياتها قلت ليس ما قاله بصحيح بل الأمر بالماهية الكلية أمر بجزئياتها لكنه بما لا يصح التكليف به لتعذره فإن الماهية الكلية بما هي كلية لا يصح وجودها في الأعيان عند القائلين بها وإدخال جميع جزئياتها الممكنة في الوجود حتى لا يشذ منها شيء لا يصح أيضا قال فالأمر بإعتاق رقبة ليس أمرا بإعتاق هذه الرقبة وتلك وجميع الرقاب إلى قوله فلا يفتي به فقيه
هامش إدرار الشروق
له حقيقة بل بضرب من المجاز وهو أنها صالحة لأن تكون أجزاء له إذا اجتمعت ا ه
فافهم قال الأصل وأحسن ما رأيت للأصحاب في مسألة الحنث ببعض المحلوف عليه في صيغة البر طريقة الفرض والبناء وضابطها أن يكون الإنسان يساعده الدليل في بعض صور النزاع دون بعضها فيفرض الاستدلال في تلك الصورة التي يساعده الدليل عليها
فإذا تم له فيها الدليل بنى الباقي من الصور عليها فإن الشيخ أبا عمرو بن الحاجب رحمه الله تعالى كان يقول هذه المسألة ثلاثة أقسام المعطوفات نحو والله لا كلمت زيدا وعمرا والجموع والمثنيات نحو لا أكلت الأرغفة أو الرغيفين وأسماء الحقيقة الواحدة المفردة كالرغيف فهذه الأقسام الثلاثة الخلاف فيها واحد فعند الشافعي رضي الله عنه لا يحنث إلا بالجميع وعندنا بالبعض في المسائل الثلاثة فنقول أجمعنا على ما إذا قال الحالف والله لا كلمت زيدا ولا عمرا بصيغة لا النافية أنه يحنث بأحدهما واتفق النحاة على أن لا إذا أعيدت في العطف أنها مؤكدة للنفي لا منشئة نفيا وكذلك قال الله تعالى وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور فذكر لا في البعض دون البعض مع أن الكل منفي فحيث تركت لا كان معنى الموضع الذي
136
136
عليه وجب أن يكون الواقع في الصورتين الأخيرتين الحنث لأنه لا قائل بالفرق إذ لو ثبت الحنث في بعضها دون بعض لزم خلاف الإجماع فإن القائل قائلان قائل بالحنث في الجميع وهو مالك وأتباعه وقائل بعدم الحنث في الجميع وهو الشافعي رضي الله عنه وأصحابه فلو قلنا بأنه في صورة العطف دون غيرها كان قولا خارقا للإجماع ولا سبيل إليه وهذه طريقة الفرض والبناء عند الخلافيين وضابطها أن يكون الإنسان يساعده الدليل في بعض صور النزاع دون بعضها فيفرض الاستدلال في تلك الصورة التي يساعده الدليل عليها فإذا تم له فيها الدليل بنى الباقي من الصور عليها فسمي ذلك طريقة الفرض والبناء وهي ضعيفة بسبب أن المناظر قائم مقام إمامه المجتهد والمجتهد لا يجوز له الاعتماد على قولنا لا قائل بالفرق فإن هذه المقدمة إنما جاءتنا بعد فتياه هو في المسألة ومدركه في المسألة متقدم على فتياه فيها فلما أفتى خصمه وهو المجتهد الآخر وبقي هو لم يفت بعد فله أن يقول ما ظهر بالدليل أي شيء كان لأنه ليس قبل قوله إجماع إنما هو قول خصمه فقط فله هو إذا قال خصمه لا يحنث عندي في الجميع له هو أن يقول يحنث عندي في البعض دون
هامش أنوار البروق
قلت الأمر بإعتاق رقبة ليس أمرا بكلي بل بمطلق وهو واحد غير معين من آحاد الكلي ولم يزل به توهم أن المطلق هو الكلي يوقعه في الخطأ الفاحش وقد تبين خلاف ما قاله من أن الأمر بالكلي ليس أمرا بجزئياته وتبين أنه لا فرق بين الأجزاء والجزئيات
قال وأحسن ما رأيت للأصحاب في هذه المسألة طريقة الفرض والبناء وهي أن الشيخ أبا عمرو بن الحاجب كان يقول هذه المسألة ثلاثة أقسام إلى قوله بصيغة لا النافية أنه يحنث بأحدهما قلت ما حكاه لا كلام فيه
هامش إدرار الشروق
تركت فيه مساويا لمعنى الموضع الذي ذكرت فيه غير التوكيد وشأن التوكيد أن تكون الأحكام الثابتة معه ثابتة قبله وإلا كان منشئا لا مؤكدا ولما أجمعنا على أن الحكم التحنيث مع لا المؤكدة وجب أن يكون الحكم قبل التحنيث تحقيقا لحقيقة التأكيد
وإذا اتضح الحنث في هذه الصورة بمدرك صحيح مجمع عليه وجب أن يكون الواقع في الصورتين الأخيرتين الحنث لأنه لا قائل بالفرق إذ لو ثبت الحنث في بعضها دون بعض لزم خلاف الإجماع فإن القائل قائلان قائل بالحنث في الجميع وهو مالك رضي الله عنه وأتباعه وقائل بعدم الحنث في الجميع وهو الشافعي رضي الله عنه وأصحابه فلو قلنا بأنه يحنث في صورة العطف دون غيرها كان قولا خارقا للإجماع ولا سبيل إليه قال الأصل ولكن طريقة الفرض والبناء ضعيفة لا تتم إلا في المناظرة جدلا بعد تقرر المذاهب أما والمجتهد يجتهد فلا يصح له الاعتماد على ما انبنت عليه هذه الطريقة من قول المناظر الآن لا قائل بالفرق فإن هذه المقدمة إنما جاءتنا بعد فتياه هو في المسألة ومدركه في المسألة متقدم على فتياه فيها وبعد إفتاء خصمه وهو المجتهد الآخر فيها فله أن يقول ما ظهر له بالدليل أي شيء كان لأنه ليس قبل قوله إجماع إنما هو قول خصمه فقط فإذا قال خصمه لا يحنث عندي في الجميع
137
137
البعض والإجماع يصده حينئذ عن ذلك ولو اعتمد على ما قاله المناظر الآن من قوله لا قائل بالفرق لم يتأت له ذلك ومتى كان مدرك المناظر لا يصح أن يكون مدرك المجتهد
هامش أنوار البروق
قال واتفق النحاة على أن لا إذا أعيدت في العطف أنها مؤكدة للنفي لا منشئة نفيا إلى قوله وإلا كان منشئا لا مؤكدا قلت لا على تقدير صحة هذا الإجماع وتسليم كون إجماع النحاة حجة لا يلزم عن كونها مؤكدة للنفي لا منشئة له أن لا يفيد تكرارها فائدة غير النفي بل يفيد رفع احتمال ثابت عند عدم تكرارها وهو أن القائل إذا قال والله لا كلمت زيدا ولا عمرا احتمل وجهين أحدهما الامتناع من أن يكلمهما لا من أن يكلم أحدهما وثانيهما الامتناع من أن يكلم كل واحد منهما ومن لازم ذلك الامتناع من أن يكلمهما فإذا تكررت لا يتعين الوجه الثاني ولا يتناول إجماع النحاة على أنها مؤكدة للنفي لا منشئة له المنع من إفادتها رفع الاحتمال الأول وتعين الثاني وقوله وشأن التوكيد أن تكون الأحكام الثابتة معه ثابتة قبله وإلا كان منشئا لا مؤكدا نقول بموجبه ولا يلزم عن ذلك مقصوده فإنه لم يحك عن النحاة أنهم قالوا إن لا إذا تكررت في العطف لا تفيد فائدة غير تأكيد النفي بل قالوا لا تفيد إنشاء النفي بل تأكيده ولا يستلزم كونها لا تفيد إنشاء النفي بل تأكيده أن لا تفيد شيئا غير تأكيد النفي مع تأكيد النفي هذا كله على تسليم إجماعهم وكونه حجة وكل ذلك غير مسلم قال ولما أجمعنا على أن الحكم التحنيث مع لا المؤكدة وجب أن يكون الحكم قبلها التحنيث إلى قوله أما المجتهد يجتهد فلا يصح له ذلك قلت ما قاله من استضعاف طريقة الفرض والبناء وقرره من تبين وجه ضعفها صحيح كما قال وبين
قال وبالجملة فالمسألة مشكلة إشكالا قويا فتأمله قلت الإشكال على المذهب كما قال بناء على ما قرر ولقائل أن يقول إن مدرك مالك رحمه الله الاحتياط للإيمان فأخذ بالأشد ومدرك الشافعي رحمه الله حملها على مقتضاها المتيقن فأخذ بالأخف فلا إشكال والله أعلم
هامش إدرار الشروق
فله هو أن يقول يحنث عندي في البعض دون البعض ولا إجماع يصده حينئذ عن ذلك فلو اعتمد على تلك المقدمة لم يتأت له ذلك ومتى كان المناظر الآن قائما مقام إمامه ومدرك المناظر الآن لا يصح أن يكون هو مدرك المجتهد لم يحز للمناظر الآن الاعتماد على تلك المقدمة التي انبنت عليها تلك الطريقة أيضا فافهم ا ه
قال ابن الشاط وما قرره في بيان وجه ضعف هذه الطريقة صحيح كما قال وبين علي أنا لو سلمنا عدم ضعفها وفرضنا صحة إجماع النحاة على ما ذكر وكون إجماعهم حجة وقلنا بموجب قوله
وشأن التوكيد أن تكون الأحكام الثابتة معه ثابتة قبله وإلا كان منشئا لا مؤكدا لا يلزم عن قولنا بقوله المذكور مقصوده فإنه لم يحك عن النحاة أنهم قالوا إن لا إذا تكررت في العطف لا تفيد فائدة غير تأكيد النفي بل قالوا لا تفيد إنشاء النفي بل تأكيده ولا يستلزم كونها لا تفيد إنشاء النفي بل تأكيده أن لا تفيد شيئا غير تأكيد النفي مع تأكيد النفي وهو رفع احتمال ثابت عند عدم تكرارها فإن القائل إذا قال والله لا كلمت زيدا وعمرا بلا
138
138
لم يصح
نعم هذه الطريقة تتم في المناظرة جدلا بعد تقرر المذاهب أما والمجتهد يجتهد فلا يصح له الاعتماد على ذلك وبالجملة فالمسألة عندنا مشكلة إشكالا قويا فتأمله الفرق الثاني والثلاثون والمائة بين قاعدة مخالفة النهي إذا تكررت يتكرر التأثيم وبين قاعدة مخالفة اليمين إذا تكررت لا تتكرر بتكررها الكفارة والجميع مخالفة بل تنحل اليمين بالمخالفة الأولى ويسقط حكم اليمين بخلاف النهي فإنه يبقى مستمرا وإن خولف ألف مرة ويتكرر الإثم بتكرره وهذا الفرق من المواضع الصعبة المشكلة فإن قوله والله لا فعلت نفي للفعل في جميع الأزمنة المستقبلة فإن لا من صيغ العموم نص عليه سيبويه مع لن
هامش أنوار البروق
قال الفرق الثاني والثلاثون والمائة بين قاعدة مخالفة النهي إذا تكررت يتكرر التأثيم وبين قاعدة مخالفة اليمين إذا تكررت لا يتكرر بتكررها الكفارة والجميع مخالفة قلت ما قاله إلى آخر الفرق صحيح غير قوله بل الشرط مطلق والمطلق إنما يقتضي مرة واحدة فإنه غير صحيح فإنه لو اقتضى المرة الواحدة لما كان مطلقا بل مقيدا باقتضاء المرة الواحدة دون غيرها وإنما وقع الاكتفاء بالمرة الواحدة لضرورة لزوم تحصيل مقتضى التعليق ولا أقل من المرة الواحدة في التحصيل وجميع ما قاله في الفرقين بعد هذا الفرق صحيح
هامش إدرار الشروق
تكرار لا احتمل وجهين أحدهما الامتناع من أن يكلمهما معا لا من أن يكلم أحدهما وثانيهما الامتناع من أن يكلم كل واحد منهما ومن لازم ذلك أن يكلمهما معا فإذا تكررت أفادت مع التأكيد تبين الوجه الثاني ورفع احتمال الوجه الأول على أنا لا نسلم إجماع النحاة ولا كونه حجة نعم مسألة الحنث ببعض المحلوف عليه عندنا وإن ضعف فيها التخريج الأول ولم يصح فيها التخريج الثاني ولا الطريقة المذكورة إلا أنه ليس فيها إشكال أصلا فضلا عن أن يكون فيها إشكال قوي إذ لقائل أن يقول أن مدرك مالك رحمه الله تعالى الاحتياط للإيمان فأخذ بالأشد ومدرك الشافعي رحمه الله تعالى جعلها على مقتضاها المتيقن فأخذ بالأخف فتأمل والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الثاني والثلاثون والمائة بين قاعدة مخالفة النهي إذا تكررت بتكرر التأثيم وبين قاعدة مخالفة اليمين إذا تكررت لا يتكرر بتكررها الكفارة بل تنحل اليمين بالمخالفة الأولى ويسقط حكم اليمين فيما عداها والجميع مخالفة مع عموم الصيغة في الموضعين فإن قوله في اليمين والله لا فعلت نفي للفعل في جميع الأزمنة المستقبلة فإن لا من صيغ العموم نص عليه سيبويه مع لن وقال لن أشد عموما وذلك هو المفهوم من قوله تعالى لا يموت فيها ولا يحيى أي في جميع الأزمنة المستقبلة لا يحصل له موت ولا حياة وكذلك النهي إذا قيل للمكلف لا تكذب أو لا تشرب الخمر هو عام في جميع الأزمنة المستقبلة فحيث كان الجامع بين القاعدتين
139
139
وقال لن أشد عموما وذلك هو المفهوم من قوله تعالى لا يموت فيها ولا يحيى أي في جميع الأزمنة المستقبلة لا يحصل له موت ولا حياة وكذلك النهي إذا قيل للمكلف لا تكذب أو لا تشرب الخمر هو عام في جميع الأزمنة المستقبلة فإذا خالف مرة وفعل المنهي عنه حصل له الإثم فإن تكررت منه تلك المخالفة تكرر الإثم فكذلك يلزم إذا تكررت مخالفة اليمين ينبغي أن تكرر الكفارة بتكرر المخالفة لأن المخالفة عندها أوجبت الكفارة ألا ترى أنه لو لم يخالف لم تلزمه كفارة وإذا تكررت المخالفة في اليمين يكون ذلك كتكرر المخالفة في النهي والجامع المخالفة وعموم الصيغة في الموضعين بصيغة لا في مستقبل الزمان وهذا الإشكال لا يلزم في مخالفة الشرط إذا قال إن دخلت الدار فعبد من عبيدي حر أو امرأته طالق فخالف ودخل الدار عتق عبد واحد وطلقت امرأته طلقة واحدة فإن عاد وخالف مقتضى التعليق لم يلزمه عتق عبد آخر ولا طلقة أخرى بسبب أن صيغة الشرط ليست عامة فلا توجب التكرر بل الشرط مطلق والمطلق إنما يقتضي مرة واحدة وقد لزم موجبها بخلاف الحلف فإن الصيغة عامة فبكل فرد من أفراد العموم تحصل المخالفة في ذلك الفرض بعدما حصلت في الذي قبله فيلزم أن يكون جانيا على اليمين في كل مرة يقدم على الفعل كما أنه جان على النهي في كل مرة يقدم على الفعل ومع ذلك لم أعلم أحدا قاله من الفقهاء فيحتاج إلى الفرق بين القاعدتين والفرق من وجوه
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
المخالفة وعموم صيغة لا في مستقبل الزمان كان ينبغي عدم الفرق بينهما وأن يلزم بتكرر الكفارة إذا تكررت مخالفة اليمين كما تكرر عليه الإثم بتكرر المخالفة في النهي لكن الأصل
قال لم أعلم أحدا من الفقهاء قال بعدم الفرق بل أجمع الفقهاء على الفرق بينهما وأنه إذا خالف مرة وفعل المنهي عنه حصل له الإثم فإن تكررت منه تلك المخالفة تكرر الإثم بخلاف ما إذا حلف بقوله والله لا أكلت لحما فخالف يمينه وأكل اللحم متكررا فإنهم أجمعوا على أن الكفارة لا تجب عليه إلا في المرة الأولى ولا تتكرر بتكرر أكل اللحم ومخالفة يمينه حينئذ مشكل يحتاج إلى بيان سر الفرق بينهما وبيان سره من وجوه أحدها أن صيغة اليمين وإن سلمنا أنها سالبة كلية عامة في جميع الأزمنة المستقبلة لكن لا نسلم أن نفس هذه السالبة الكلية هي سبب الكفارة أو شرط وجوبها بل الكفارة ما وجبت إلا لمخالفة هذه السالبة الكلية
ومخالفتها عبارة عن نقيضها ونقيض السالبة الكلية هي الموجبة الجزئية فهذه الموجبة الجزئية هي سبب الكفارة أو شرط وجوبها على الخلاف بين الفقهاء في الحنث هل هو شرط الكفارة أو سببها ويدل على أن سبب الكفارة إنما هو نقيض ذلك السلب الكلي لا ذلك السلب الكلي إن الشارع قال ذلك كفارة أيمانكم فجعل الكفارة لليمين لا للسلب الكلي الذي هو المحلوف عليه وتوضيح ذلك أن في قول الحالف والله لا أكلت لحما مثلا أمورا ثلاثة السلب العام المحلوف عليه واليمين المؤكدة له ومخالفة هذا السلب العام
والكفارة من الأمور الوضعية الشرعية فصاحب الشرع له أن يجعل مطلق الملابسة للفعل المحلوف عليه
140
140
أحدها
أنا نسلم أن الصيغة عامة في نفي الفعل ولكن الكفارة ما وجبت إلا لمخالفة هذه السالبة الكلية العامة في جميع هذه الأزمنة المستقبلة ونقيض السالبة الكلية الموجبة الجزئية وهذه الموجبة الجزئية هي سبب الكفارة أو شرط وجوب الكفارة على الخلاف بين الفقهاء في الحنث هل هو شرط للكفارة أو سببها ويدل على أن سبب الكفارة إنما هو نقيض ذلك السلب الكلي أن الشارع قال ذلك كفارة أيمانكم فجعل الكفارة لليمين لا للسلب الكلي الذي هو المحلوف عليه فها هنا أمور ثلاثة السلب العام المحلوف عليه واليمين المؤكدة له ومخالفة هذا السلب العام
والكفارة من الأمور الوضعية الشرعية فصاحب الشرع له أن يجعل مطلق الملابسة للفعل المحلوف عليه سبب الكفارة وعلى هذا التقدير تتكرر الكفارة بتكرر المخالفة وملابسة الفعل ولم يفعل ذلك بل جعل سبب الكفارة مخالفة هذا السلب العام لا هذا السلب العام ومخالفة هذا السلب العام إنما هو مطلق الثبوت فمطلق الثبوت هو سبب الكفارة فيصير معنى وضع الشرع الكفارة أنه قال جعلت نقيض السلب الكلي سبب الكفارة ولو قال صاحب الشرع من أتى بنقيض السلب الكلي في يمينه وحنث عليه الكفارة لم يكن هنالك عموم يفهم ألبتة بل يكون مثل قول القائل من دخل داري فله درهم فإذا دخل الدار رجل مرة واحدة وأخذ درهما ثم دخل ثانيا لا يستحق شيئا لأن المعلق علق على مطلق الدخول لا على كل مرة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
سبب الكفارة وحينئذ تتكرر الكفارة بتكرر المخالفة وملابسة الفعل ولكنه لم يفعل ذلك بل جعل سبب الكفارة مخالفة هذا السلب العام لا هذا السلب العام ومخالفة هذا السلب العام إنما هو مطلق الثبوت فيصير معنى وضع صاحب الشرع الكفارة أنه قال جعلت نقيض السلب الكلي سبب الكفارة فكأنه قال من أتى بنقيض السلب الكلي في يمينه وحنث عليه الكفارة فليس في الكلام عموم يفهم ألبتة بل هو مثل قول القائل من دخل داري فله درهم وقوله إن دخلت الدار فأنت طلاق في كونه من باب تعليق مطلق على مطلق فيقتضي الاكتفاء بالمرة الواحدة لضرورة لزوم تحصيل مقتضى التعليق ولا أقل من المرة الواحدة في التحصيل وقد تقدم بسط هذه التعاليق أول الكتاب ونظير هذه الكفارة كفارة المفسد لصوم رمضان فإنه إن عاد فأكل أو جامع لم تلزمه كفارة على الأصح لأن الصوم في معنى السلب العام للأكل والشرب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس والكفارة مرتبة على نقيض هذا السلب العام وهو مطلق الثبوت فإذا حصل لزمته الكفارة فإذا عاد فتكرر لم يكن موجبا كدخول الدار فإن صاحب الشرع إنما جعل الثبوت بوصف الإطلاق لا بوصف العموم موجبا للكفارة والمطلق يخرج عن عهدته بصورة إجماعا كإعتاق رقبة وإخراج شاة من أربعين ونظير هذه الكفارة أيضا كفارة المظاهر فإنه إذا قال أنت علي كظهر أمي كان مقتضى هذا التشبيه التحريم الدائم لأن هذا هو شأن تحريم الأم المشبه بها فتكون هذه الزوجة محرمة دائما تحقيقا للتشبيه فإن عاد وعزم على إمساكها أو على وطئها على
141
141
منه حتى يتكرر الاستحقاق بتكرر الدخول وكذلك إن دخلت الدار فأنت طالق فدخلت مرة واحدة طلقت طلقة ثم دخلت مرة أخرى لم يلزمه طلاق وإن كانت في العدة الرجعية لأنه إنما التزم مطلق الطلاق إشارة إلى تقرير عدم لزوم تكرر الطلاق بتكرر المعلق عليه بمطلق الدخول ولم يأت بعموم يقتضي التكرر وهو من باب تعليق مطلق على مطلق وقد تقدم بسط هذه التعاليق أول الكتاب كذلك صاحب الشرع جعل سبب الكفارة مطلق الثبوت المناقض لموجب يمينه من السلب العام لا كل ثبوت ولا ثبوتين بل فردا واحدا فقط وغيره غير معتبر كالدخلة الثانية للدار من المطلقة
ونظير هذه الكفارة كفارة المفسد لصوم رمضان فإن عاد فأكل أو جامع لم تلزمه كفارة على الأصح لأن الصوم في معنى السلب العام للأكل والشرب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس فالكفارة مرتبة على نقيض هذا السلب العام وهو مطلق الثبوت فإذا حصل لزمته الكفارة فإذا عاد فتكرر لم يكن موجبا كدخول الدار فإن صاحب الشرع لم يجعل الثبوت بوصف العموم موجبا للكفارة بل بوصف الإطلاق والمطلق يخرج عن عهدته بصورة إجماعا كإعتاق رقبة وإخراج شاة من أربعين ونظيره أيضا المظاهر إذا قال أنت علي كظهر أمي فمقتضى هذا التشبيه التحريم الدائم لأن هذا هو شأن تحريم الأم المشبه بها فتكون هذه الزوجة محرمة دائما تحقيقا للتشبيه فإن عاد وعزم على إمساكها أو على وطئها على الخلاف في العود ما هو فقد أتى بنقيض ذلك السلب الكلي وهو مطلق الثبوت المناقض له فجعله صاحب
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الخلاف في العود ما هو فقد أتى بنقيض ذلك السلب الكلي وهو مطلق الثبوت المناقض له فصاحب الشرع جعل الكفارة تجب عنده كالحنث في اليمين فإذا كفر ثم عاد فعزم على إمساكها أو وطئها مرة أخرى لا تتكرر الكفارة بتكرر العود إجماعا فيما علمت لأنها مرتبة على الثبوت بوصف الإطلاق لا بوصف العموم فكذلك هاهنا كفارة اليمين مرتبة على الثبوت بوصف الإطلاق المناقض للسلب الكلي العام لا على الثبوت بوصف العموم كما تقدم
وأما مخالفة النهي فتقتضي تكرر الإثم والتعزير بسبب أن الإثم رتبه الشرع على تحقيق المفسدة في الوجود لأن النواهي تعتمد المفاسد كما أن الأوامر تعتمد المصالح فكل فرد يكرر تكرر المفسدة معه فيتكرر الإثم لأنه تابع لمطلق المفسدة في جميع صورها بوصف العموم فعم الإثم أيضا وهو مناسب لحسم مادة المفسدة إذ لو أثمناه في صورة واحدة وأبحنا له ما بعدها أدى ذلك لوقوع مفاسد لا نهاية لها فكانت الحكمة الشرعية تقتضي تعميم الإثم في جميع صور المفاسد وثانيها أن الكفارة لو كانت تتكرر بتكرر المخالفات لليمين لشق ذلك على المكلفين في الصور التي يحتاجون للمخالفات فيها وتكررها فتترتب على الإنسان كفارات كثيرة جدا لا يمكنه الخروج عنها إلا بفعلها وذلك حرج عظيم تأباه الشريعة الحنفية السمحة السهلة وأما الأثام إذا اجتمعت فإن الإنسان يخرج عن عهدتها بالتوبة والإنابة وهي متيسرة على المتقين وثالثها أن اليمين مباحة لأنها تعظيم للمقسم به والحنث أيضا مباح لقوله عليه الصلاة والسلام والله
142
142
الشرع تجب عنده الكفارة كالحنث في اليمين فإذا كفر ثم عاد فعزم على إمساكها أو وطئها مرة أخرى لا تتكرر الكفارة بتكرر العود إجماعا فيما علمت لأنها مرتبة على مطلق الثبوت بوصف الطلاق لا بوصف العموم فكذلك ها هنا كفارة اليمين مرتبة على مطلق الثبوت المناقض للسلب الكلي العام لا على مطلق الثبوت بوصف العموم كما تقدم
وأما مخالفة النهي فتقتضي تكرر الإثم والتعزير بسبب أن الإثم رتبه الشرع على تحقيق المفسدة في الوجود لأن النواهي تعتمد المفاسد كما أن الأوامر تعتمد المصالح فكل فرد يتكرر تتكرر المفسدة معه فيتكرر الإثم لأنه تابع لمطلق المفسدة في جميع صورها بوصف العموم فعم الإثم أيضا وهو مناسب لحسم مادة المفسدة إذ لو أثمناه في صورة واحدة وأبحنا له ما بعدها أدى ذلك لوقوع مفاسد لا نهاية لها فكانت الحكمة الشرعية تقتضي تعميم الإثم في جميع صور المفاسد وثانيها أن الكفارة لو كانت تتكرر بتكرر المخالفات لليمين لشق ذلك على المكلفين في الصور التي يحتاجون للمخالفة فيها وتكررها فتترتب على الإنسان كفارات كثيرة جدا لا يمكنه الخروج عنها إلا بفعلها وذلك حرج عظيم تأباه الشريعة الحنيفية السمحة السهلة وأما الآثام إذا اجتمعت فيخرج الإنسان عن عهدتها بالتوبة والإنابة وهي متيسرة على المتقين وثالثها أن اليمين مباحة لأنها تعظيم للمقسم به والحنث أيضا مباح لقوله عليه الصلاة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت وفعلت الذي هو خير ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقدم على المنهي عنه فضلا عن أن يحلف أنه لا بد أن يفعله وإذا كان الحلف والحنث مباحين ناسب ذلك التخفيف في إلزام الكفارة المتكررة بخلاف النهي فإنه للتحريم والمقدم على مخالفته أي النهي عاص بعيد من الله تعالى فناسب التغليظ بتكرر الآثام وتظافر أنواع الوعيد والتعاذير عليه حسما لمادة المعصية ورابعها أن القسم وقع على جملة خبرية فإن لا أفعل خبر عن عدم الفعل في الزمن المستقبل فإن صدق فيه وحقق السلب العام كما أخبر عنه فلا كفارة
وإن خالف هذا الخبر كانت مخالفته تكذيبا لذلك الخبر والصدق والكذب نقيضان ولذلك قال أرباب المعقول إن نقيض السالبة الكلية هي الموجبة الجزئية وبهما يقع التكاذب لمن يقصد تكذيب من ادعى الأخرى كما أن نقيض الموجبة الكلية السالبة الجزئية والصدق والكذب عندنا نقيضان لا ثالث لهما خلافا للمعتزلة فإن الخبر إن طابق الواقع فصدق وإن لم يطابق الواقع فكذب ولا واسطة بين المطابقة وعدم المطابقة فالكفارة وجبت لمخالفة الصدق وهو الكذب أي الخبر المناقض للصدق المانع مع تحققه ومتى ارتفع الصدق بصورة واحدة استحال ثبوته فقد تحققت مفسدة تعذر الصدق وهذا المعنى وهو تعذر الصدق لا يتكرر فلم تتكرر الكفارة ويدل على اعتبار هذا المعنى أن الحالف لو جعل يمينه خبرا عن موجبة كلية كقوله والله لأصومن الدهر فأفطر يوما واحدا فقد كذب خبره عن صوم الدهر وتلزمه الكفارة بإفطاره
143
143
والسلام والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت وفعلت الذي هو خير ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقدم على المنهي عنه فضلا عن أن يحلف أنه لا بد أن يفعله وإذا كان الحلف والحنث مباحين ناسب ذلك التخفيف في إلزام الكفارة المتكررة بخلاف النهي فإنه للتحريم والمقدم على مخالفته عاص بعيد من الله تعالى فناسب التغليظ بتكرر الآثام وتظافر أنواع الوعيد والتعازير عليه حسما لمادة المعصية ورابعها أن القسم وقع على جملة خبرية فإن لا أفعل خبر عن عدم الفعل في الزمن المستقبل وإذا كان خبرا فإن صدق فيه وحقق السلب العام كما أخبر عنه فلا كفارة وإن خالف هذا الخبر كانت مخالفته تكذيبا لذلك الخبر والصدق والكذب نقيضان ولذلك قال أرباب العقول إن نقيض السالبة الكلية الموجبة الجزئية وبهما يقع التكاذيب لمن يقصد تكذيب من ادعى الأخرى كما إن نقيض الموجبة الكلية السالبة الجزئية والصدق والكذب عندنا نقيضان لا ثالث لهما خلافا للمعتزلة فإن الخبر إن طابق فصدق وإن لم يطابق فكذب ولا واسطة بين المطابقة وعدم المطابقة فالكذب حينئذ نقيض الصدق فالكفارة وجبت لمخالفة الصدق وهو الكذب في ذلك الخبر المناقض للصدق المانع من تحققه ومتى ارتفع الصدق بصورة واحدة استحال ثبوته فقد تحققت مفسدة تعذر الصدق وهذا المعنى لا يتكرر وهو تعذر
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
ذلك اليوم الواحد ولا ينجيه من لزوم الكفارة صوم بقية الدهر وتضيع بقية الموجبة الكلية عن الاعتبار ولا فرق بين أن يتكرر منه الفطر في يومين مثلا أو يقتصر على فطر يوم واحد
وإذا تقرر هذا في جهة الثبوت وهو الموجبة الكلية وجب أن يثبت مثله في السالبة الكلية التي هي خبر عن النفي فيتحقق الكذب بفرد واحد من الثبوت بأن يفعل مرة واحدة ولا ينفعه بقية السالبة الكلية ولا فرق بين ثبوت واحد تقع به المخالفة وبين ثبوتين أو أكثر كما لم يكن فرق في الموجبة الكلية بين سلبين فأكثر تسوية بين طرفي الثبوت والسلب في الخبر عنها وإثبات نقيضها والاكتفاء بفرد في المناقضة لا يحتاج معه إلى ثان ويكون الثاني وجوده وعدمه سواء وأما النهي فليس كذلك بل لو اجتنب المنهي عنه مائة مرة لله تعالى أثيب على المائة
ثم إن خالف بعد ذلك استحق العقوبة بعدد المرات التي خالف فيها بالفعل والثبوت وتتكرر المثوبات بتكرر الاجتناب أو العقوبات بتكرر المخالفات فدل ذاك على أن المطلوب هو اجتناب مفسدة ذلك الفعل في كل زمان وأن كل زمان مطلوب لنفسه في الترك لتلك المفسدة ويؤكد الأمر المقتضي للتكرار أنه إذا فعل مائة مرة أثيب مائة مثوبة وإن تركه مائة مرة استحق مائة عقوبة لأن المطلوب حصول تلك المصلحة في كل زمان بعينه فكل زمان معين حقق فيه المصلحة استحق المثوبة وكل زمان معين ضيع فيه تلك المصلحة استحق العقوبة وتعتبر القلة في ذلك والكثرة فقد شهدت قاعدة الأمر لقاعدة النهي كما شهدت قاعدة خبر الثبوت في اليمين لقاعدة خبر النفي فيه فأوضح كل منهما الأخرى واتضح لك أن سر الفرق في هذا الوجه من جهة أن المعتبر في الخبر الصادق المحلوف عليه هو نقيضه الكاذب دون أفراد الفعل وأفراد الترك بشهادة النفي للإيجاب والإيجاب للنفي
144
144
الصدق فلم تتكرر الكفارة ويدل على اعتبار هذا المعنى أن الحالف لو جعل يمينه خبرا عن موجبة كلية كقوله والله لأصومن الدهر فأفطر يوما واحدا فقد كذب خبره عن صوم الدهر وتلزمه الكفارة بإفطاره ذلك اليوم الواحد ولا ينجيه من لزوم الكفارة صوم بقية الدهر وتضيع بقية الموجبة الكلية عن الاعتبار ولا فرق بين أن يتكرر منه الثبوت أو يقتصر على فطر يوم واحد وإذا تقرر هذا في جهة الثبوت وهو الموجبة الكلية وجب أن يثبت مثله في السالبة الكلية التي هي خبر عن النفي فيتحقق الكذب بفرد واحد من الثبوت بأن يفعل مرة واحدة ولا ينفعه بقية السالبة الكلية ولا فرق بين ثبوت واحد تقع به المخالفة وبين ثبوتين أو أكثر كما لم يكن فرق في الموجبة الكلية بين سلبين فأكثر تسوية بين طرفي الثبوت والسلب في الخبر عنهما وإثبات نقيضهما
والاكتفاء بفرد في المناقضة لا يحتاج معه إلى ثان ويكون الثاني وجوده وعدمه سواء تسوية بين الطرفين فظهر بهذا التقرير أن الموجب للكفارة إنما هو إثبات النقيض المكذب للخبر السابق بفرد زاد معه غيره أم لا كان الكلام نفيا أو إثباتا والنهي ليس كذلك بل لو اجتنب المنهي عنه مائة مرة لله تعالى أثيب على المائة ثم إن خالف بعد ذلك استحق العقوبة بعدد المرات التي خالف فيها بالفعل والثبوت وتتكرر المثوبات بتكرر الاجتناب والعقوبات بتكرر المخالفات
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
والمعتبر للنهي والأمر أفراد الأفعال والتروك دون النقيض بشهادة كل من الأمر والنهي للآخر تنبيهات الأول كون الحنث كذبا كما هو مقتضى ما تقرر في هذا الوجه الأخير ليس فيه تقوية لما ذهب إليه الحنفية من أن الحنث محرم وأن الكفارة وجبت ساترة لذنب تحريم المخالفة بسبب أن الحنث وإن كان كاذبا أنه ليس بكذب شرعي من جهة الإثم والنهي الشرعي حتى يقال إنه محرم بالإجماع فيتجه به مذهبهم بل إنما هو كذب من جهة مسمى الكذب لغة وذلك أن الخبر المحلوف عليه في اليمين خبر وعد وخبر الوعد لا يأثم حالفه وإلا لوجب الوفاء بكل وعد وليس قوله عليه الصلاة والسلام عدة المؤمن دين يريد مثل الدين ولذلك قيد الحكم بوصف الإيمان الحاث على مكارم الأخلاف ولو كان الوفاء بالوعد مطلقا واجبا لقال عليه الصلاة والسلام الوعد دين من غير تفصيل ويدل على أن مخالفة هذه الإخبارات في الوعد والحلف ليست بكذب محرم قوله عليه الصلاة والسلام من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر فلو كان ذلك الخبر يجب الوفاء به لما جاز تركه لمجرد الخيرية التي يكفي فيها مطلق المصلحة بل كانت مخالفة تتوقف على مصلحة عظيمة تساوي مفسدة التحريم كفوات أمر واجب عظيم فإن المحرم لا يعارض إلا بالواجب ولا يعارض بمطلق الخيرية التي هي تصدق بأدنى مراتب الندب فليس الحنث حينئذ بمحرم ويؤكده أنه عليه الصلاة والسلام حلف لأولئك النفر لا يحملهم ثم حملهم بعد ذلك فقيل له يا رسول الله إنك حلفت فقال والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا
145
145
فدل ذلك على أن المطلوب هو اجتناب مفسدة ذلك الفعل في كل زمان وأن كل زمان مطلوب لنفسه في الترك لتلك المفسدة ويؤكده الأمر المقتضي للتكرار أنه إذا فعل مائة مرة أثيب مائة مثوبة وإن تركه مائة مرة استحق مائة عقوبة لأن المطلوب حصول تلك المصلحة في كل زمان بعينه فكل زمان معين حقق فيه المصلحة استحق المثوبة وكل زمان ضيع فيه تلك المصلحة استحق العقوبة
وتعتبر القلة في ذلك والكثرة فقد صارت قاعدة الأمر تشهد لقاعدة النهي كما شهدت قاعدة خبر الثبوت في اليمين لقاعدة خبر النفي فأوضح كل منهما الأخرى واتضح لك الفرق بين مخالفة قاعدة النهي وبين مخالفة قاعدة اليمين ونشأ سر الفرق في هذا الوجه من جهة الخبر والصدق والكذب وتحقيق نقيض كل واحد منهما وأن النقيض هو المعتبر دون أفراد الفعل وأفراد الترك بشهادة النفي للإيجاب والإيجاب للنفي وأن الأمر والنهي كل واحد منهما يشهد للآخر وأن المعتبر فيهما إفراد الأفعال والتروك دون النقيض فإن قلت ما ذكرته من الصدق والكذب الواقعين في الخبر المحلوف عليه نفيا أو إثباتا يقوي مذهب الحنفية في قولهم إن الحنث محرم وإن الكفارة وجبت ساترة لذنب تحريم المخالفة ولا شك أن الكذب محرم بالإجماع وأنت قد حققته في اليمين فيتجه ما قالوه قلت لا متعلق لهم في هذا بسبب أن الكذب الواقع في اليمين هو كذب من جهة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
منها إلا كفرت وأتيت الذي هو خير فلو كان هذا كذبا محرما لما أقدم عليه الصلاة والسلام عليه فإن منصبه عليه الصلاة والسلام يأبى ذلك إباء شديدا فيقطع الفقيه حينئذ بأن هذه المخالفة في الأيمان ليست كذبا محرما بل يتناوله اللفظ الموضوع للكذب ولا يكون محرما كما أن الكذب الذي يقع من غير قصد كمن أخبر بالشيء على خلاف ما هو عليه معتقدا ما أخبر به والأمر بخلافه ليس بمحرم وإن صدق عليه أنه كذب لغة خلافا للمعتزلة في اشتراطهم القصد في حقيقة الكذب ويدل على صحة مذهب أهل السنة قوله عليه الصلاة والسلام كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع فجعله عليه السلام كذبا مع أنه يعتقد صدق ما سمعه وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار يدل على أن الكذب قد يقع على غير وجه العمد فظهر أن الكذب يكون لا مع الإثم وأن مخالفة الأيمان من هذا القبيل التنبيه الثاني اختلف العلماء فيما إذا خالف مقتضى اليمين حالة النسيان أو حالة الجهل أو حالة الإكراه فمذهب مالك اعتبار الحنث حالة النسيان والجهل دون الإكراه ومذهب الشافعي وأحمد عدم اعتبار الحنث في الأحوال الثلاثة ومذهب أبي حنيفة اعتبار الحنث في الأحوال الثلاثة فوافقنا الشافعي وأحمد بن حنبل على الإكراه وخالفانا في النسيان والجهل وأبو حنيفة بعكس ذلك وتلخيص مدرك الخلاف في هذه الحالات أن مقتضى اللغة حصول الحنث في هذه الأحوال الثلاثة لحصول مسمى المخالفة بمقتضى ما أخبر
146
146
مسمى الكذب لغة لا من جهة الإثم والنهي الشرعي وتقريره أن خبر الوعد خبر ولو خالفه لم يكن آثما فلو قال لزيد غدا أعطيك درهما ولم يعطه غدا شيئا لم يكن آثما ولو كان آثما لوجب الوفاء بكل وعد وليس كذلك وقوله عليه السلام عدة المؤمن دين أي مثل الدين ولذلك قيد الحكم بوصف الإيمان الحاث على مكارم الأخلاق ولو كان الوفاء بالوعد مطلقا واجبا لقال عليه السلام الوعد دين من غير تفصيل ويدل على أن هذه الإخبارات في الوعد والحلف ليس بكذب محرم قوله عليه السلام من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر
ولو كان ذلك الخير يجب الوفاء به لما جاز تركه لمجرد الخيرية التي يكفي فيها مطلق المصلحة بل إن كانت المخالفة تتوقف على مصلحة عظيمة تساوي مفسدة التحريم كفوات أمر واجب عظيم فإن المحرم لا يعارض إلا بالواجب ولا يعارض بمطلق الخيرية التي هي تصدق بأدنى مراتب الندب فليس الحنث حينئذ بمحرم ويؤكده أنه عليه السلام حلف لأولئك النفر لا يحملهم ثم حملهم بعد ذلك فقيل له يا رسول الله إنك حلفت فقال والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت وأتيت الذي هو خير فلو كان هذا كذبا محرما لما أقدم عليه السلام عليه فإن منصبه عليه السلام يأبى ذلك إباء شديدا فيقطع الفقيه حينئذ بأن هذه المخالفة في الأيمان ليست كذبا محرما بل يتناوله اللفظ الموضوع للكذب ولا يكون محرما
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
عن نفسه في الاستقبال لكن لما كانت اليمين إنما يقصد بها الناس حثهم على الإقدام أو الإحجام والحث إنما يقع في الأفعال الاختيارية فإن الإنسان إنما يحث نفسه على ما هو من اختياره وصنعه
وأما المعجوز عنه فلا يليق بالعاقل حث نفسه على الصعود إلى السماء ولا على أن يعمل لنفسه يدا زائدة أو عينا زائدة ولا يحث نفسه على أن يكون آدميا أو منتصب القامة لأن الأول متعذر عليه والثاني واقع بغير صنعه وإنما يحث نفسه على ما هو من صنعه كالصلاة والصوم حينئذ فتخرج حالة الإكراه على الحنث لأن الداعية حالة الإكراه ليست للفاعل على الحقيقة بل نشأت عن أسباب الإكراه فهي من غير صنعة في المعنى فلا جرم لم تندرج هذه الحالة في اليمين وأما الجهل والنسيان فالإنسان في الجهل يفعل المحلوف عليه جاهلا بأنه المحلوف عليه كمن يحلف أن لا يلبس ثوبا فيلتبس ذلك الثوب عليه بغيره فيلبسه وهو ذاكر لليمين جاهل بعين المحلوف عليه وفي النسيان على العكس من الجهل يفعل المحلوف عليه عالما بحقيقته ناسيا لليمين وفي الإكراه قد يكون ذاكرا لهما فهذا هو الفرق بين الحقائق الثلاث فالشافعي يقول إن الحنث المقصود من اليمين إنما يكون مع ذكر اليمين والمعرفة بعين المحلوف عليه بأن يقصد الحالف باليمين ترك المحلوف عليه لأجل اليمين وهذا لا يتصور إلا مع القصد إلى اليمين المحلوف عليه والمعرفة بهما فلما جهل اليمين في صورة النسيان والمحلوف عليه في صورة الجهل خرج هاتان الحالتان عما يقصده الناس بالإيمان وهو الترك لأجل اليمين لهذه القاعدة وإذا خرجا عن ذلك
147
147
كما أن الكذب الذي يقع من غير قصد كمن أخبر بالشيء على خلاف ما هو عليه معتقدا ما أخبر به والأمر بخلافه ليس بمحرم وإن صدق عليه أنه كذب لغة خلافا للمعتزلة في اشتراطهم القصد في حقيقة الكذب ويدل على صحة مذهب أهل السنة قوله عليه السلام كفى بالمرء كذبا إن يحدث بكل ما سمع فجعله عليه السلام كذبا مع أنه يعتقد صدق ما سمعه
وكذلك قوله عليه السلام من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار يدل على أن الكذب قد يقع على غير وجه العمد فظهر أن الكذب قد يكون لا مع الإثم ومخالفة الأيمان من هذا القبيل وظهر الفرق بين قاعدة مخالفة النواهي وبين قاعدة مخالفة الأيمان إذا تقرر أن قاعدة الإيمان عدم التكرار فقد وقعت صور اختلف العلماء في بعضها أو في كلها وهي إذا خالف مقتضى اليمين حالة النسيان أو حالة الجهل أو حالة الإكراه فمذهب مالك اعتبار الحنث حالة النسيان والجهل دون الإكراه ومذهب الشافعي عدم اعتبار الحنث في الأحوال الثلاثة ووافقنا الشافعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل على الإكراه على اليمين وخالفنا أبو حنيفة في الإكراه على الحنث ووافقنا في النسيان والجهل وتلخيص مدرك الخلاف في هذه الحالات أن مقتضى اللغة حصول الحنث في هذه الأحوال الثلاثة لحصول مسمى المخالفة بمقتضى ما أخبر عن نفسه في الاستقبال لكن لما كانت اليمين إنما يقصد بها الناس حثهم على الإقدام أو الإحجام والحث إنما يقع في الأفعال الاختيارية فإن الإنسان إنما يحث نفسه على ما هو من اختياره وصنعه
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
خرجا عن اليمين والخارج عن اليمين لا يقع فيه حنث وحالة الإكراه قد خرجت بقوله عليه الصلاة والسلام لا طلاق في إغلاق أي في إكراه فيقاس على الطلاق غيره فلا يلزم فخرجت الأحوال الثلاثة الإكراه والنسيان والجهل عند الشافعي فإذا خالف الحالف اليمين في حالة من هذه الحالات لا يلزمه بذلك كفارة بل لا بد في لزومها من المخالفة مرة أخرى في حالة الاختيار واستحضار اليمين والعلم بالمحلوف عليه
فاشترط الشافعي التكرر في الأحوال الثلاثة ومالك يقول الحلف وقع على الفعل المختار المكتسب ومقتضي ذلك أن يخرج الإكراه وحده
ويبقى النسيان والجهل لأن الناسي لليمين مختار للفعل غير أنه نسي اليمين والجاهل مختار للفعل غير أنه جهل أن هذا غير المحلوف عليه وإذا وجد الاختيار والفعل المكتسب فقد وجد ما حلف عليه ووجدت حقيقة المخالفة فتلزم الكفارة فإذا وقع الفعل في حالة النسيان أو حالة الجهل انحلت اليمين ولزمت الكفارة ولا يشترط التكرر مرة أخرى ورأى أبو حنيفة أن الإكراه على الحنث لا يؤثر فيحنث المكره كما يحنث الناسي والجاهل قال الأصل والظاهر من جهة النظر قول الشافعي وهو أحد الأقوال عندنا بسبب أن الباعث للحالف على الحلف إنما هو أن تكون اليمين حاثة له على الترك وإلا كان يكفيه العزم على عدم الفعل من غير يمين وكان يستريح من لزوم الكفارة وإنما أقدم على اليمين ليكون استحضارها في نفسه مانعا من الإقدام والإحجام فإذا نسيها لم يقصد بهذه الحالة حالة الحلف التي هي حالة حضورها في نفسه حتى
148
148
وأما المعجوز عنه فلا يليق بالعاقل حث نفسه عليه ألا ترى أنه لا يحث نفسه على الصعود إلى السماء ولا على أن يعمل لنفسه يدا زائدة أو عينا زائدة ولا يحث نفسه على أن يكون آدميا أو منتصب القامة لأن الأول متعذر عليه والثاني واقع بغير صنعه ويحث نفسه على الصلاة والصوم لأنهما من صنعه فإذا تقرر أن الحث إنما يقع من الإنسان فيما هو من صنعه واختياره اتضح بذلك خروج حالة الإكراه على الحث لأن الداعية حالة الإكراه ليست للفاعل على الحقيقة بل نشأت عن أسباب الإكراه فهي من غير صنعه في المعنى
فلا جرم لم تندرج هذه الحالة في اليمين وأما الجهل والنسيان فالإنسان في الجهل يفعل المحلوف عليه جاهلا بأنه المحلوف عليه كمن يحلف أن لا يلبس ثوبا فيلتبس ذلك الثوب عليه بغيره فيلبسه وهو ذاكر لليمين جاهل بعين المحلوف عليه وأما في النسيان فهو على العكس من الجهل يفعل المحلوف عليه عالما بحقيقته ناسيا لليمين وفي الإكراه قد يكون ذاكرا لهما فهذا هو الفرق بين هذه الحقائق الثلاث فالشافعي يقول إن الحث المقصود من اليمين إنما يكون مع ذكر اليمين والمعرفة بعين المحلوف عليه بأن يقصد الترك باليمين لأجل اليمين وهذا لا يتصور إلا مع القصد
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
تمنعه من الإقدام أو الإحجام وكذلك العلم بعين المحلوف عليه شرط في الحنث به فإذا جهله استحال مع الجهل الحنث على ما لم يعلمه فهاتان الحالتان يعلم خروجهما عن اليمين بقصد الحالفين فلا يلتزم فيهما حنث ويشترط التكرر
وأما الإكراه على اليمين فلقوله عليه السلام لا طلاق في إغلاق أي في إكراه فيقاس على الطلاق غيره فلا يلزم أ ه وسلمه ابن الشاط التنبيه الثالث إذا قلنا بأن الإكراه على الحنث يمنع من لزوم موجب اليمين فأكره على أول مرة من الفعل ثم فعله مختارا حنث
قاله ابن أبي زيد وهو مقتضى الفقه بسبب أن الإكراه لم يندرج في اليمين فالمرة الأولى من الفعل لكونها حصلت بالإكراه لا عبرة بها فلا تحصل بها مخالفة اليمين وما وقع بعدها من الفعل بالاختيار هو أول مرة صدرت مخالفة لليمين فهي المعتبرة دون ما قبلها فلم تتكرر المخالفة فتأمل ذلك وتقع هذه المسألة في الفتاوى كثيرا ويقع الغلط فيها للمفتين يقول السائل حلفت بالطلاق لا أخدم الأمير الفلاني في إقطاعه وقد أكرهت بالضرب الشديد على خدمته فيقول له المفتي لا حنث عليك مع أن ذلك الحالف مستمر على الخدمة مع زوال سبب الإكراه وإمكان الهروب منه والتغيب عن ذلك الأمير مع أنه يحنث بسبب أنه قد أتى عليه زمن يمكنه التغيب عن خدمة ذلك الأمير ولم يتغيب فقد خدمه مختارا فيحنث ومثل هذه المسألة إذا حلف بالطلاق لا يكلم زيدا فخالع امرأته وكلمه لم يلزمه بهذا الكلام فلو رد امرأته وكلمه حنث عند مالك رحمه الله بسبب أنه إنما قصد الحلف بالطلاق أن يحثه الطلاق على عدم كلامه بسبب أنه
149
149
إليهما والمعرفة بهما أعني اليمين والمحلوف عليه
فإذا جهل اليمين في صورة النسيان أو المحلوف عليه في صورة الجهل فلم يوجدا في نفسه معا فما وجد المقصود من اليمين وهو الترك لأجل اليمين فهاتان الحالتان لا يقصدهما الناس بالأيمان لهذه القاعدة فخرجا عن اليمين والخارج عن اليمين لا يقع فيه حنث فخرجت الأحوال الثلاثة عند الإكراه والنسيان والجهل فإذا خالف اليمين في حالة من هذه الحالات لا يلزم بذلك كفارة ولا بد من المخالفة مرة أخرى في حالة الاختيار واستحضار اليمين والعلم بالمحلوف عليه فاشترط التكرر في الأحوال الثلاثة وأما مالك رحمه الله تعالى فقال الحلف وقع على الفعل المختار المكتسب ومقتضى ذلك أن يخرج الإكراه وحده ويبقى النسيان والجهل لأن الناسي لليمين مختار للفعل غير أنه نسي اليمين والجاهل مختار للفعل غير أنه جهل أن هذا عين المحلوف عليه وإذا وجد الاختيار والفعل المكتسب فقد وجد ما حلف عليه ووجدت حقيقة المخالفة فتلزمه الكفارة فإذا وقع الفعل في حالة النسيان أو الجهل انحلت اليمين ولزمت الكفارة ولا يشترط التكرر مرة أخرى والظاهر من جهة النظر قول الشافعي وهو أحد الأقوال عندنا بسبب أن الباعث للحالف على الحلف إنما هو أن تكون اليمين حاثة له على الترك وإلا كان يكفيه العزم على عدم الفعل من غير يمين وكان يستريح من لزوم الكفارة وإنما أقدم على اليمين ليكون استحضارها في نفسه مانعا له من الإقدام أو الإحجام فإذا نسيها لم يقصد بهذه الحالة حالة الحلف بل مقصوده محصور في حالة حضورها في نفسه حتى تمنعه
وكذلك العلم بعين المحلوف عليه شرط في الحنث به فإذا جهله استحال مع الجهل الحث على ما لم يعلمه فهذه الحالة يعلم خروجها عن اليمين بقصد الحالفين فلا يلزم فيها حنث ويشترط التكرار وأما الإكراه على اليمين فلقوله عليه السلام لا طلاق في إغلاق أي في إكراه فيقاس على الطلاق غيره فلا يلزم ورأى أبو حنيفة أن الإكراه على الحنث لا يؤثر كما قاله مالك في الحنث حالة النسيان والجهل والظاهر خلافه لما تقدم من مقاصد الناس في أيمانهم تنبيه إذا قلنا بأن الإكراه على الحنث يمنع من لزوم موجب اليمين فأكره على أول مرة من الفعل ثم فعله مختارا حنث
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
يلزمه الطلاق حينئذ فما حلف إلا على نفي كلام يلزمه به الطلاق والكلام حالة الخلع لم يلزمه بالطلاق لعدم قبول المحل له فلا يكون من الكلام المحلوف عليه وأول كلام يقع بعد رد امرأته هو أول مخالفة
150
150
قاله ابن أبي زيد وهو مقتضى الفقه بسبب أن الإكراه لم يندرج في اليمين فالواقع بعد ذلك بالاختيار هو أول مرة صدرت مخالفة لليمين والأولى لا عبرة بها وتقع هذه المسألة في الفتاوى كثيرا ويقع الغلط فيها للمفتيين فيقول السائل حلفت بالطلاق لا أخدم الأمير الفلاني في إقطاعه وقد أكرهت بالضرب الشديد على خدمته فيقول له المفتي لا حنث عليك مع أن ذلك الحالف مستمر على الخدمة مع زوال سبب الإكراه وإمكان الهروب منه والتغيب عن ذلك الأمير وهذا يحنث بسبب أنه إذا مضى زمن يمكنه التغيب عن خدمة ذلك الأمير ولم يتغيب فقد خدمه مختارا فيحنث ولا يقال إن الخدمة السابقة حصل بها مخالفة اليمين والمخالفة لا تتكرر فلا يحنث بعد ذلك لأنا نقول الحالة السابقة لم تندرج في اليمين لأجل الإكراه والمرة الأخيرة التي هي أول الفعل الاختياري هي أول مخالفات اليمين فهي المعتبرة دون ما قبلها فتأمل ذلك ومثل هذه المسألة إذا حلف بالطلاق لا يكلم زيدا فخالع امرأته وكلمه لم يلزمه بهذا الكلام طلاق فلو رد امرأته وكلمه حنث عند مالك رحمه الله بسبب أنه إنما قصد الحلف بالطلاق أن يحثه الطلاق على عدم كلامه بسبب أنه يلزمه الطلاق حينئذ فما حلف إلا على نفي كلام يلزمه به الطلاق والكلام حالة الخلع لم يلزمه به طلاق لعدم قبول المحل له فلا يكون من الكلام المحلوف عليه وأول كلام يقع بعد رد امرأته هو أول مخالفة اليمين فيه فيلزم الطلاق به لا بما قبله لما قلناه في الإكراه حرفا بحرف فتأمل ذلك فهذه الصور الثلاثة المتقدمة يحصل فيها التكرر في صورة المخالفة لا في المخالفة المعتبرة بسبب ما تقدم تقريره
الفرق الثالث والثلاثون والمائة بين قاعدة النقل العرفي وبين قاعدة الاستعمال المتكرر في العرف
اعلم أن الاستعمال قد يتكرر في العرف ولا يكون اللفظ منقولا ألا ترى أن لفظ الأسد قد تكرر استعماله في الرجل الشجاع ولم يصر منقولا ونعني بالمنقول هو الذي يفهم عند الإطلاق بغير قرينة صارفة له عن الحقيقة ولفظ
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
اليمين فيه فيلزم الطلاق به لا بما قبله لما قلناه في الإكراه حرفا بحرف فتأمل ذلك وبالجملة فهذه الصور الثلاث المتقدمة يحصل فيها التكرر في صورة المخالفة مطلقا لا في المخالفة المعتبرة بسبب ما تقدم تقريره والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الثالث والثلاثون والمائة بين قاعدة النقل العرفي وبين قاعدة الاستعمال المتكرر في العرف
النسبة بين المنقول العرفي والمتكرر العرفي هي العموم والخصوص المطلق لأن المنقول العرفي هو الذي
151
151
الأسد لا ينصرف عن الحقيقة إلى المجاز الذي هو الرجل الشجاع إلا بقرينة صارفة إليه وكذلك تكرر لفظ الغزال في المرأة الجميلة ولفظ الشمس والبدر وكذلك تكرر لفظ الغيث والبحر والغمام في الرجل السخي ومع ذلك لم يصر اللفظ منقولا فظهر حينئذ أن النقل أخص من التكرر وأن التكرر لا يلزم منه النقل لأن الأعم لا يستلزم الأخص وإذا لم يصر اللفظ منقولا بمجرد التكرر لا يجوز حمل اللفظ على شيء تكرر اللفظ فيه ولم يكن اللفظ موضوعا له إلا بقرينة ولا يعتمد على مطلق التكرر وبهذا الفرق بين هاتين القاعدتين يظهر بطلان ما وقع في مذهبنا في المدونة أن من حلف لا يفعل شيئا حينا أو زمنا أو دهرا فذلك كله سنة وقال الشافعي يحمل على العرف في هذه الألفاظ
وقال أبو حنيفة وابن حنبل ذلك ستة أشهر لقوله تعالى تؤتي أكلها كل حين أي في ستة أشهر وليس الأمر كما قالاه بل النخلة من ابتداء حملها إلى نهايته تسعة أشهر وحينئذ تعطي ثمرها وهو أحد الوجوه التي وقعت المشابهة فيها بين النخلة وبين بنات آدم وقد ذكر ذلك في قوله عليه السلام أكرموا عمتكم النخلة قالوا لأنها خلقت من فضلة طينة آدم فهي عمة بهذا المعنى وقد حصلت المشابهة بينها وبين بني آدم من أربعة عشر وجها أحدها هذا الوجه وروى ابن وهب عن مالك ترددا في الدهر هل هو سنة أم لا وروي عن ابن عباس
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
يفهم عند الإطلاق بغير قرينة صارفة له عن الحقيقة والمتكرر العرفي هو ما استعمل في معناه وفي غير معناه سواء كان مع القرينة الصارفة له عن معناه أو كان بدونها فكل منقول متكرر وليس كل متكرر منقولا لصدق المتكرر بدون المنقول على الأسد في الرجل الشجاع وعلى لفظ الغزال والشمس والبدر في المرأة الجميلة ولفظ الغيث والبحر والغمام في الرجل السخي ونحو ذلك مما لا ينصرف عن حقيقته إلى المجاز إلا بقرينة صارفة إليه فالنقل أخص من التكرر ولا يلزم من التكرر النقل لأن الأعم لا يستلزم الأخص وإذا لم يصر اللفظ منقولا بمجرد التكرر لا يجوز حمل اللفظ على شيء تكرر اللفظ فيه ولم يكن اللفظ موضوعا له إلا بقرينة ولا يعتمد على مطلق التكرر فظهر الفرق بين هاتين القاعدتين وبه يظهر بطلان ما وقع في مذهبنا في المدونة أن من حلف لا أفعل شيئا حينا أو زمنا أو دهرا ولا نية له فذلك كله سنة وقال الشافعي يحمل على العرف في هذه الألفاظ
وقال أبو حنيفة وابن حنبل ذلك ستة أشهر لقوله تعالى تؤتي أكلها كل حين أي في ستة أشهر وليس الأمر كما قالاه بل النخلة من ابتداء حملها إلى نهايته تسعة أشهر تعطي ثمرها حينئذ وهو أحد الوجوه الأربعة عشر التي وقعت المشابهة فيها بين النخلة وبين بنات آدم وقد ذكر ذلك في قوله عليه الصلاة والسلام أكرموا عمتكم النخلة قالوا لأنها خلقت من فضلة طينة آدم فهي عمة بهذا المعنى وروى ابن وهب عن مالك ترددا في الدهر هل هو سنة أم لا وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سنة لقوله تعالى تؤتي أكلها كل حين إشارة إلى
152
152
رضي الله عنهما أنه سنة لقوله تعالى تؤتي أكلها كل حين إشارة إلى أن الثمرة إذا حملت في وقت لا تحمل بعد ذلك إلا في ذلك الوقت وهذه الإشارات كلها إلى أصل وجود الاستعمال ولا يلزم من حصول أصل الاستعمال أن يحمل اللفظ عليه من غير قرينة صارفة ولا يلزم من استعمال اللفظ المتواطئ في بعض أفراده مرة واحدة أو مرات أن يقال له شرعي ولا عرفي بل ذلك شأن استعمال اللفظ المتواطئ ينتقل في أفراده والمنقول في اللغة أن الحين اسم لجزء ما من الزمان وإن قل فهو يصدق على القليل والكثير فالمتجه ما قاله الشافعي رضي الله عنه فقد ظهر الفرق بين قاعدة كثرة الاستعمال وقاعدة النقل وظهر بظهوره الحق في هذه المسائل لأن الكلام فيها مع عدم النية
الفرق الرابع والثلاثون والمائة بين قاعدة تعذر المحلوف عليه عقلا وبين قاعدة تعذره عادة أو شرعا
اعلم أنه إذا حلف ليفعلن كذا وتعذر الفعل عقلا لم يحنث إذا لم يمكنه الفعل قبل ذلك فإن أمكنه ثم تعذر حنث والفرق بين التعذر العقلي وغيره أن الناس إنما يقصدون بأيمانهم الحنث على الفعل الممكن لهم أما المتعذر عقلا فلم يوضع اللفظ في القسم حاثا عليه فلذلك المتعذر عقلا لا يوجب حنثا لأن الحلف على الشيء مشروط بإمكانه وفوات الشرط يقتضي عدم المشروط فلا
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
أن النخلة إذا حملت بالثمرة في وقت لا تحمل بعد ذلك إلا في ذلك الوقت وهذه الإشارات كلها إلى أصل وجوه الاستعمال ولا يلزم من حصول أصل الاستعمال أن يحمل اللفظ عليه من غير قرينة صارفة والمنقول في اللغة أن الحين اسم لجزء ما من الزمان وإن قل فهو يصدق على القليل والكثير من قبيل صدق المتواطئ على أفراده ولا يلزم من استعمال اللفظ المتواطئ في بعض أفراده مرة واحدة أو مرات أن يقال له شرعي ولا عرفي بل ذلك شأن استعمال اللفظ المتواطئ ينتقل في أفراده فالمتجه ما قاله الشافعي رضي الله عنه فقد ظهر الفرق بين قاعدة كثرة الاستعمال وقاعدة النقل وظهر بظهوره الحق في هذه المسائل والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الرابع والثلاثون والمائة بين قاعدة تعذر المحلوف عليه عقلا وبين قاعدة تعذره عادة أو شرعا
وهو أن الناس إنما يقصدون بأيمانهم الحث على الفعل الممكن لهم فالحلف على الشيء مشروط بإمكانه والمتعذر عقلا ليس بممكن فلم يوضع اللفظ في القسم حاثا عليه فلا يوجب حنثا لأن فوات الشرط يوجب عدم المشروط فإذا حلف ليفعلن كذا وتعذر الفعل عقلا لم يحنث إلا إذا أمكنه الفعل قبل ذلك ثم تعذر فإنه يحنث والمراد بالمتعذر عقلا ما كان فعله من خوارق العادات فلذا قال ابن القاسم والشافعي إذا حلف ليذبحن الحمامة فقام مكانه فوجدها ميتة لا حنث عليه وقال مالك الحالف ليضربن امرأته إلى سنة
153
153
يبقى الفعل محلوفا عليه فلا يضره عدم فعله أما التعذر العادي أو الشرعي الذي يكون الفعل معه ممكنا عادة فهذا مندرج في اليمين عملا بظاهر اللفظ فإن الحلف اقتضى الفعل في جميع الأحوال إلا ما دل الدليل على إخراجه وقيل المتعذرات كلها سواء وفي الفرق عدة مسائل
المسألة الأولى
إذا حلف ليذبحن الحمامة فقام مكانه فوجدها ميتة قال ابن القاسم والشافعي لا حنث عليه بخلاف لو حلف ليبيعن أمته فيجدها حاملا عند ابن القاسم يحنث لأن المانع شرعي وسوى بينهما سحنون في عدم الحنث قال مالك الحالف ليضربن امرأته إلى سنة فتموت قبل السنة لم يحنث بموتها وهو على بر قال عبد الحق في تهذيب الطالب إن حلف ليركبن الدابة فتسرق يحنث عند ابن القاسم لأن الفعل ممكن عادة وإنما منعه السارق بخلاف موت الحمام وقال أشهب لا يحنث لأنه متعذر بسبب السرقة فإن ماتت قبل التمكن بر لتعذر الفعل عقلا ومنع الغاصب والمستحق كالسارق وإن حلف ليضربن عبده فكاتبه أو ليبيعن أمته فوجدها حاملا يحنث لأن المانع شرعي والفعل ممكن وقال سحنون لا يحنث لأنه متعذر وإن حلف ليطأها فوجدها حائضا يخرج الحنث على الخلاف
وقال أشهب إن حلف ليصومن رمضان وشوالا إن صام يوم الفطر بر وإلا حنث تنبيه ومعنى قول الأصحاب الفعل متعذر عقلا يريدون أن فعله من خوارق العادات وإلا فيمكن عقلا أن الله تعالى يحيي الحمام والحيوان حتى يتأتى فيه أفعال الأحياء لكن ذلك خارق للعادة بخلاف السارق ونحوه لا يقال إن الفعل مستحيل عادة فإن من
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
فتموت قبل السنة لم يحنث بموتها وهو على بر فجعلوا موت الحمام والحيوان من المتعذر عقلا مع أنه يمكن عقلا أن الله تعالى يحي الحمام والحيوان حتى يتأتى فيه أفعال الأحياء لكن ذلك خارق للعادة أما المتعذر عادة وهو ما يكون الفعل معه ممكنا شرعا وعقلا أو المتعذر شرعا وهو ما يكون الفعل معه ممكنا عادة وعقلا فهما مندرجان في اليمين عملا بظاهر اللفظ فإن الحلف اقتضى الفعل في جميع الأحوال إلا ما دل الدليل على إخراجه وقيل المتعذرات كلها سواء قال عبد الحق في تهذيب الطالب إن حلف ليركبن الدابة فتسرق يحنث عند ابن القاسم لأن الفعل أي في ذاته ممكن عادة وإنما منعه السارق بخلاف موت الحمام وقال أشهب لا يحنث لأنه متعذر أي عادة بسبب السرقة فإن ماتت قبل التمكن بر لتعذر الفعل عقلا ومنع الغاصب والمستحق كالسارق وإن حلف ليضربن عبده فكاتبه أو ليبيعن أمته فوجدها حاملا يحنث لأن المانع شرعي والفعل أي في ذاته ممكن أي عادة وعقلا
وقال سحنون لا يحنث لأنه متعذر أي شرعا وإن حلف ليطأها فوجدها حائضا يخرج الحنث على الخلاف وقال أشهب إن حلف ليصومن رمضان وشوالا إن صام يوم الفطر بر وإلا حنث وليس الفعل مع السارق ونحوه بمستحيل عادة لأن من الممكن عادة القدرة على السارق والغاصب
154
154
الممكن عادة القدرة على السارق والغاصب ويفعل ما حلف عليه فهذا تحرير القاعدتين والفرق بينهما
الفرق الخامس والثلاثون والمائة بين قاعدة المساجد الثلاثة يجب المشي إليها والصلاة فيها إذا نذرها وقاعدة غيرها من المساجد لا يجب المشي إليها إذا نذر الصلاة فيهما
هامش أنوار البروق
قال الفرق الخامس والثلاثون والمائة بين قاعدة المساجد الثلاثة يجب المشي إليها والصلاة فيها إذا نذرها وقاعدة غيرها من المساجد لا يجب المشي إليها إذا نذر الصلاة فيها قلت ما حكاه لا كلام فيه وما قاله من أن الحديث يقتضي عدم لزوم المشي إلى غيرها ليس كما
هامش إدرار الشروق
ويفعل ما حلف عليه كذا في الأصل وسلمه ابن الشاط وفي المجموع وشرحه وحاشيتيه ما حاصله وحنث بفوت ما حلف عليه حيث لا نية له إن قدر مثلا ولا بساط بذلك ولو لمانع شرعي مطلقا أي تأخر أم لا فرط أم لا أقت أم لا ومن المانع الشرعي أن يحلف ليصومن غدا فمرض فإنه دائر بين العادي حيث لم يطلقه والشرعي لحرمة ضرر نفسه وأما إن ظهر أنه عيد فنقل السيد عند قوله أن يكره عن عج عن ابن عرفة عدم الحنث لأن بساط يمينه إن كان يصام ومن المانع الشرعي أيضا حلفه ليبيعن الأمة فوجدها حملت منه أو ليطأنها الليلة فحاضت فيها فيحنث فيهما وأما ليطأنها وأطلق فينتظر طهرها وانظر لم لا يجعلونهما كمسألة يوم العيد السابقة
وكأنه لما كان الحمل والحيض من الأمور التي تطرأ أرجعوهما للموانع وأما العيدية فذاتية يوم العيد لا تنفك عنه على أن مسائل الأيمان خلافية جدا فربما وقع فيها تلفيق من قولين فلم تجر على وتيرة واحدة كعادي متأخر عن اليمين فرط أم لا أقت أم لا كسرقة الحمام في ليذبحنه كعقلي تشبيه بالعادي في الحنث مع التأخر وقوله إن فرط ولم يؤقت قيد في المشبه فإن بادر وأقت ولم يبادر فلا حنث قال البليدي ومن أمثلة ذلك ما إذا حلف ضيف على صاحب الدار لا يذبح فتبين أنه قد ذبح أو ليفتضن زوجته فوجد عذرتها سقطت فلا حنث أي لأن رفع الواقع وتحصيل الحاصل محال عقلا فهو مانع متقدم ومن حسن نظم عج إذا فات محلوف عليه لمانع إذا كان شرعيا فحنثه مطلقا كعقلي أو عاد إن يتأخر وفرط حتى فات دام لك البقا وإن وقت أو قد كان منه تبادر فحنثه بالعادي لا غير حققا وإن كان كل قد تقدم منهما فلا حنث في حال فخذه محققا ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الخامس والثلاثون والمائة بين قاعدة المساجد الثلاثة يجب المشي إليها والصلاة فيها إذا نذرها وبين قاعدة غيرها من المساجد لا يجب المشي إليها إذا نذر الصلاة فيها مع أن القاعدة في النذر أنه لا يجزئ فعل الأعلى عن فعل الأدنى إذا نذره فمن نذر أن يتصدق برغيف
155
155
قال مالك رحمه الله في المدونة إذا قال علي أن آتي إلى المدينة أو بيت المقدس أو المشي إليها فلا يأتي إليهما حتى ينوي الصلاة في مسجديهما أو ما يلازم ذلك وإلا فلا شيء عليه ولو نذر الصلاة في غيرها من المساجد صلى بموضعه وقاله الشافعي وأحمد بن حنبل وقال اللخمي قال القاضي إسماعيل ناذر الصلاة في المسجد الحرام لا يلزمه المشي إذا نذره قال والمشي في ذلك كله أفضل لأن المشي في القرب أفضل وهو قربة قال ومقتضى أصل مالك أن يأتي المكي المدينة لأنها أفضل فإتيانها من مكة قربة بخلاف الإتيان من المدينة إلى مكة وقدم الشافعي وأحمد بن حنبل المسجد الحرام عليها قال ابن يونس يمشي إلى غير الثلاثة المساجد من المساجد إن كان قريبا كالأميال اليسيرة ماشيا ويصلي فيه قال ابن حبيب إذا كان بموضعه مسجد جمعة لزمه المشي إليه وقال مالك وبه أفتى ابن عباس من بمسجد قباء وهو من المدينة على ثلاثة أميال وفي الجواهر الناذر
هامش أنوار البروق
قال بل يقتضي عدم إعمال المطي إلى غيرها
والمراد بذلك والله أعلم أن لا يتحمل مشقة السفر الذي يحوج إلى إعمال المطي إلا لهذه المساجد فيبقى السفر الذي لا يحوج إلى إعمال المطي وما دون ذلك مما ليس بسفر مسكوتا عنه في الحديث وما قاله من أن كل ما وجب المشي إليه وجب إعمال الركاب إليه وإلا فلا دعوى لا حجة فيما ذكر عليها والله أعلم
قال وسر الفرق أن النذر لا يؤثر إلا في مندوب إلى قوله فلا يجب الإتيان إلى شيء منها لعدم الرجحان
هامش إدرار الشروق
لا يجزئه أن يتصدق بثوب وإن كان أعظم منه وقعا عند الله تعالى وعند المسلمين ومن نذر أن يصوم يوما لم يجزه أن يصليه بدلا عن الصوم وإن كانت الصلاة أفضل في نظر الشرع ومن نذر أن يحج لم يجزه أن يتصدق بآلاف من الدنانير على الأولياء والضعفاء ولا أن يصلي الستين مع أن الصلاة أفضل من الحج ونظائر ذلك كثيرة وإنما لم يجز فعل الأعلى عن فعل الأدنى وإن كان الأعلى أعظم قدرا لأن في ترك الأدنى المنذور مخالفة النذر وإذا خولف المنذور حصل ارتكاب الممنوع وهو عدم الوفاء لله تعالى بما التزم لوجهه فما وجه مخالفة الفقهاء هذه القاعدة فيمن نذر الصلاة في غير مسجد من المساجد الثلاثة وفيمن نذر الصلاة في المسجد الأقصى وهو بمكة أو المدينة حيث قال مالك في المدونة إذا قال على أن آتي إلى المدينة أو بيت المقدس أو المشي إليهما فلا يأتي إليهما حتى ينوي الصلاة في مسجديهما أو ما يلازم ذلك وإلا فلا شيء عليه ولو نذر الصلاة في غيرهما من المساجد صلى بموضعه وقاله الشافعي وأحمد بن حنبل
وقال اللخمي قال القاضي إسماعيل ناذر الصلاة في المسجد الحرام لا يلزمه المشي إذا نذره قال والمشي في ذلك كله أفضل لأن المشي في القرب أفضل وهو قربة وهو مقتضى أصل مالك أن يأتي المكي المدينة لأنها أفضل فإتيانها من مكة قربة بخلاف الإتيان من المدينة إلى مكة وقدم الشافعي وأحمد بن حنبل المسجد الحرام عليها قال ابن يونس يمشي إلى غير الثلاثة المساجد من المساجد إن كان قريبا كالأميال
156
156
إن كان بمكة أو المدينة ونذر بيت المقدس يصلي في مسجد موضعه لأنه أفضل وإن كان بالأقصى مضى إليهما ويمشي المكي إلى المدينة والمدني إلى مكة للخروج من الخلاف وأصل الباب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تعمل المطي إلا لثلاثة مساجد مسجدي هذا ومسجد إيلياء والمسجد الحرام فاقتضى ذلك عدم لزوم المشي إلى غيرها فإن كل ما وجب المشي إليه وجب إعمال الركاب إليه وإلا فلا وسر الفرق أن النذر لا يؤثر إلا في مندوب فما لا رجحان في فعله في نظر الشرع لا يؤثر فيه النذر وسائر المساجد مستوية من جهة أنها بيوت القرب والتقرب إلى الله تعالى بالصلاة فيها فلا يجب الإتيان إلى شيء منها لعدم الرجحان فإن قلت إن المساجد أفضل من غيرها إجماعا
وبعضها أفضل من بعض إما لكثرة طاعة الله تعالى فيها وإما لقدم هجرته أو لكثرة جماعته أو غير ذلك من أسباب التفضيل ومقتضى ذلك وجوب الصلاة فيها إذا نذرت لأجل الرجحان في نظر الشرع قلت سؤال جليل والجواب عنه أن القاعدة الشرعية أن الفعل قد يكون راجحا في
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله من استواء المساجد وعدم الرجحان فيها دعوى لم يأت عليها بحجة
قال فإن قلت إن المساجد أفضل من غيرها إجماعا وبعضها أفضل من بعض إلى قوله بل ورد الحديث المتقدم بعدم ذلك قلت ما قرره من القاعدة صحيح نقول بموجبه ولا يلزم عنه مقصوده وما قاله من اعتقاد رجحان المساجد على غيرها أو رجحان بعضها على بعض لا يوجب اعتقاد ضم الصلاة إليها ليس
هامش إدرار الشروق
اليسيرة ماشيا ويصلي فيه قال ابن حبيب إذا كان بموضعه مسجد جمعة لزمه المشي إليه وقال مالك وبه أفتى ابن عباس من بمسجد قباء وهو من المدينة على ثلاثة أميال وفي الجواهر الناذر إن كان بمكة أو المدينة ونذر بيت المقدس يصلي في مسجد موضعه لأنه أفضل وإن كان بالأقصى مضى إليهما ويمشي المكي إلى المدينة والمدني إلى مكة للخروج من الخلاف
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تعمل المطي إلا لثلاثة مساجد مسجدي هذا ومسجد إيلياء والمسجد الحرام إنما ورد بعدم إعمال المطي لا بعدم المشي جملة وإعمال المطي أخص من المشي مطلقا ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم فالمراد بالحديث والله أعلم أن لا يتحمل مشقة السفر الذي يحوج إلى إعمال المطي إلا لهذه المساجد فيتبقى السفر الذي لا يحوج إلى إعمال المطي
وما دون ذلك مما ليس سفرا مسكوت عنه في الحديث قلت لم يخالف الفقهاء القاعدة المذكورة في مسألة ناذر الصلاة في المسجد الأقصى أو في غير مسجد من المساجد الثلاثة ضرورة أن القاعدة إنما اقتضت منع نيابة الجنس الأعلى من العبادات عن الجنس الأدنى منها وكذلك نيابة الجنس الأعلى من متعلق العبادات عن الجنس الأدنى منه لأن في ذلك مخالفة النذر فلم ينب القمح عن الشعير ولا الصلاة عن الصوم مثلا إلا أنه لم ينذر القمح ولا الصلاة فلو فعل التصدق بالقمح بدل الشعير أو فعل الصلاة بدل الصوم لكان قد خالف ما التزمه لله تعالى وليس للنذر
157
157
نفسه ولا يكون ضمه لراجح آخر في نفسه راجحا في نظر الشرع وقد يكون ضمه راجحا فمن الأول الصلاة والحج راجحان في نظر الشرع كل واحد منهما في نفسه وليس ضمهما راجحا في نظر الشرع والصوم والزكاة راجحان منفردين وليس ضمهما راجحا في نظر الشرع بل قد يكون الفعلان راجحين في نظر الشرع وضمهما مرجوح في نظر الشرع كالصوم والوقوف بعرفة والتنفل في المصلى مع صلاة العيد والركوع وقراءة القرآن لقوله عليه السلام نهيت أن أقرأ القرآن راكعا وساجدا والدعاء في بعض أجزاء الصلاة كما قبل التشهد ونحوه ومما رجح منفردا ومجتمعا الصوم والاعتكاف والتسبيح والركوع ونحو ذلك وقد تقدم بسط هذه القاعدة فاعتقاد رجحان المساجد على غيرهما أو رجحان بعضها على بعض لا يوجب اعتقاد ضم الصلاة إليها لأن اعتقاد الرجحان الشرعي يتوقف على مدرك شرعي ولم يرد بل ورد الحديث المتقدم بعد ذلك وليس لك أن تقول إن رجحانها إنما ثبت باعتبار الصلاة فيها فإني أمنع ذلك بل ما دل الدليل على رجحانها باعتبار الصلاة إلا باعتبار صلاة الفرض دون النفل من الصلاة لقوله عليه السلام خير
هامش أنوار البروق
بصحيح فإن المساجد لا معنى لفضلها على غيرها أو فضل بعضها على بعض إلا بالنسبة إلى الصلاة فيها لا باعتبارها في أنفسها وما قاله من أن الرجحان الشرعي يتوقف على مدرك شرعي صحيح والمدرك الشرعي في ذلك الأمر المعلوم من الدين ضرورة أن الصلاة المكتوبة في المسجد أفضل منها في غيره وقوله بل ورد الحديث المتقدم بعدم ذلك ليس بصحيح بل ورد بعدم إعمال المطي لا بعدم المشي جملة فإن إعمال المطي أخص من المشي مطلقا ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم
هامش إدرار الشروق
أثر إلا في تصيير المندوب من حيث هو مندوب خاصة واجبا وأما نيابة الصفة العليا من صفات متعلق العبادة عن الدنيا فلا تقتضي القاعدة منعه لأنه ليس فيه مخالفة للنذر فيجوز الفرق بين الأمرين أن جنس العبادة أو جنس متعلقها هو جنس مقصود من مقاصد الشرع وأما صفة متعلق العبادات فإنما هو صفة ليست مقصودا للشارع وعلى الصفة تتخرج المسألة المذكورة فلا إشكال أصلا قاله ابن الشاط
قال وتلخيص القول في المنذورات عندي أن الناذر عملا إذا نذر من أعمال البر فإنه لا يخلو من أن يكون منذوره ذلك معين الشخص كما إذا قال لله علي أن أعتق هذا العبد أو أتصدق بهذا الثوب أو لا يكون منذوره ذلك معين الشخص فإن كان منذوره ذلك معين الشخص فإنه لا يجزئه في الخروج عن عهدة ذلك النذر إلا ذلك المعين أو لم يكن منذوره ذلك معين الشخص فلا يخلو من أن يكون معين النوع كما إذا قال لله علي أن أصوم أو لا يكون كذلك فإن كان معين النوع فلا يخلو مع كونه معين النوع من أن يكون معين الصفة أو لا يكون كذلك فإن كان معين الصفة فلا يخلو من أن تكون الصفة مما يتعلق بها مقصد شرعي أو لا تكون كذلك
فإن كان معين النوع فقط فلا يجزئه إلا ذلك النوع بأي صفة كان وإن كان معين النوع والصفة والصفة متعلق المقصد الشرعي فلا يجزئه إلا كذلك وإن كان معين النوع والصفة مما لا يتعلق بها مقصد شرعي فلا يجزئه بأدنى من تلك الصفة ويجزئه بأعلى منها وعلى هذا القسم تتخرج المسألة المذكورة وإن كان غير معين النوع كما إذا قال لله علي أن أعمل عملا صالحا فإنه يجزئه أي
158
158
صلاة أحدكم في بيته إلا المكتوبة مع أن المساجد من حيث هي مساجد مستوية بالنسبة إلى المكتوبة أيضا حتى يرد دليل شرعي يقتضي رجحان بعضها على بعض باعتبار فرض أو نفل فإن الرجحان الشرعي حكم شرعي يتوقف على مدرك شرعي والحديث السابق اقتضى عكس ذلك فلا يجب السعي حينئذ إلى مسجد غير الثلاثة وإن نذره
وأما ما وقع من قوله يمشي إلى القريب فمراعاة لضرورة النذر على وجه الندب دون الإلزام وقول ابن حبيب يمشي إلى مسجد الجمعة مشكل يتوقف ذلك على دليل يدل عليه لما تقدم من القاعدة وكذلك قول الأصحاب يمشي إلى المسجد القريب استحسان من غير مدرك ظاهر والصواب ما تقدم فإن قلت القاعدة في النذر أنه لا يجزئ فعل الأعلى عن فعل الأدنى إذا نذره فمن نذر أن يتصدق برغيف لا يجزئه أن يتصدق بثوب وإن كان أعظم منه وقعا عند الله تعالى وعند المسلمين ومن نذر أن يصوم يوما لم يجزه أن يصليه بدلا عن الصوم وإن كانت الصلاة أفضل في نظر الشرع ومن نذر أن يحج لم يجزه أن
هامش أنوار البروق
قال وليس لك أن تقول إن رجحانها إنما ثبت باعتبار الصلاة إلى قوله فلا يجب السعي حينئذ إلى مسجد غير الثلاثة وإن نذره قلت ما قاله من أن المساجد مستوية بالنسبة إلى المكتوبة مع تسليمه قبل هذا أن بعضها أفضل من بعض لا يتبين لي معناه وإذا لم تكن الأعمال في بعض المساجد أفضل من الأعمال في غيره فما المراد بفضل بعضها على بعض وما قاله من أن الحكم الشرعي يتوقف على مدرك شرعي
هامش إدرار الشروق
عمل من أعمال البر عمله ا ه ومنه يتضح الفرق بين قاعدة وجوب المشي على من نذر الصلاة في أحد المساجد الثلاثة وهو بغيرها وبين قاعدة عدم وجوب المشي على من نذر المشي لمسجد من غير المساجد الثلاثة
وهو في أحدها لأن القاعدتين من قسم ما تعين فيه النوع المنذور وصفته التي هي زيادة مضاعفة ذلك النوع في أحد المساجد الثلاثة على مضاعفته في غيرها من المساجد مع كون تلك الصفة مما لا يتعلق بها مقصد شرعي والحكم في هذا القسم كما علمت أنه لا يجزئ بأدنى من تلك الصفة ويجزئ بأعلى منها فوجب المشي في القاعدة الأولى لكون النوع المعين المنذور فيها أعلى مضاعفة في المساجد الثلاثة من مضاعفته في غيرها من المساجد فيجزئ وقد علمت أن شأن النذر تصيير المندوب من حيث هو مندوب واجبا ووسيلة الواجب واجبة فلذا وجب المشي هنا ولم يجب في القاعدة الثانية لكون النوع المعين المنذور فيها أدنى مضاعفة في مسجد من غير المساجد الثلاثة من مضاعفته في واحد منها فلا يجزئ إلا فعله فيما هو فيه من المساجد الثلاثة لكونه فيه أعلى مضاعفة فلذا لم يجب المشي هنا فتأمل ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم تنبيه قال العلامة الشيخ منصور بن إدريس الحنبلي في شرحه كشاف القناع على متن الإقناع عند قوله وإذا فرغ من الحج استحب له زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه رضي الله عنهما ما نصه لحديث الدارقطني عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي
159
159
يتصدق بآلاف من الدنانير على الأولياء والضعفاء ولا أن يصلي السنين مع أن الصلاة أفضل من الحج ونظائر ذلك كثيرة
وإذا تقررت هذه القاعدة كيف صح في هذا الباب أن من نذر أن يصلي ببيت المقدس يصلي بالمدينة أو بمكة إذا كان مقيما بهما ولا يأتي بيت المقدس وغايته أنه ترك المفضول لفعل الفاضل والقاعدة منع ذلك فكيف ساغ ذلك هنا قلت ظاهر كلام الأصحاب أنه يصلي بالحرمين إذا كان مقيما بهما حالة النذر لأنه حينئذ نذر الخروج وترك الصلاة في الحرمين حتى يصليها ببيت المقدس فقد نذر المرجوح والنذر لا يؤثر في المرجوح بل في المندوب الراجح
هامش أنوار البروق
صحيح وما قاله من أن الحديث السابق يقتضي عكس ذلك ليس بصحيح وقد سبق بيانه قال وأما ما وقع من قوله يمشي إلى القريب فمراعاة لضرورة النذر على وجه الندب دون الإلزام قلت ما قاله في ذلك كلام ضعيف لا يصح إلا بحجة ولم يأت بها قال وقول ابن حبيب يمشي إلى مسجد الجمعة مشكل إلى قوله من القاعدة قلت إن ثبت له دليل فلا إشكال وإلا أشكل قال وكذلك قول الأصحاب يمشي إلى المسجد القريب استحسان من غير مدرك والصواب ما تقدم قلت كلامه هذا كلام متناقض وكيف يصح أن يكون قول الأصحاب استحسانا من غير مدرك وهل الاستحسان إلا مدرك عند القائلين به
قال فإن قلت القاعدة في النذر أنه لا يجزئ فعل الأعلى عن فعل الأدنى إلى قوله ونظائر ذلك كثيرة قلت إنما لم يجزه فعل الأعلى عن فعل الأدنى وإن كان الأعلى أعظم قدرا لأن في ترك الأدنى المنذور مخالفة النذر وإذا خولف المنذور حصل ارتكاب الممنوع وهو عدم الوفاء لله تعالى بما التزم لوجهه
قال وإذا تقررت هذه القاعدة كيف صح في هذا الباب أن من نذر أن يصلي بالبيت المقدس يصلي بالمدينة أو بمكة إلى قوله ينبغي أن يتعين عليه قلت نقول إذا كان الناذر مقيما بالحرمين كان في ضمن نذره الصلاة ببيت المقدس ترك الراجح وهو الصلاة بالمسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم وهذا الذي قاله ليس بالظاهر وإنما يكون الأمر كذلك لو لم يكن ترك التنفل بالمسجدين جائزا أما وترك التنفل بهما جائز فلا يلزم ذلك فالظاهر ورود السؤال
هامش إدرار الشروق
وفي رواية من زار قبري وجبت له شفاعتي رواه باللفظ الأول سعيد قال ابن نصر الله لازم استحباب زيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام استحباب شد الرحال إليها لأن زيارة الحاج بعد حجه لا تمكن بدون شد الرحل فهذا كالتصريح باستحباب شد الرحل لزيارته عليه الصلاة والسلام ا ه قلت ولعل إمامنا مالكا
160
160
أما لو كان بغير المواضع الثلاثة من أقطار الدنيا ونذر المشي إلى البيت المقدس ينبغي أن يتعين عليه أو يقال الصلاة من حيث هي صلاة حقيقة واحدة فالعدول فيها عن الصفة الدنيا إلى الصفة العليا لا يقدح في موجب النذر ألا ترى أنه لو نذر أن يتصدق بثوب خلق أو غليظ وغير ذلك من الصفات التي لا تتضمن مصلحة بل هي مرجوحة في الثياب فتصدق بثوب جديد أو غير ذلك من الثياب الموصوفة بالصفات الجيدة فإنه يجزئه فإن النذر لما ورد على الثوب الخلق ورد على شيئين أحدهما أصل الثوب والآخر صفته
هامش أنوار البروق
قال أو يقال الصلاة من حيث هي صلاة حقيقة واحدة إلى قوله فيجزئ ضده قلت كأنه في هذا الوجه من الجواب رام الفرق فيما بين الجنسين والصفتين ففي الجنسين لا ينوب الأعلى عن الأدنى بخلاف الصفتين مع اتحاد الجنس فإنه تنوب الصفة العليا عن الدنيا وهذا الوجه وإن كان أظهر من الأول من جهة أن الصفة الدنيا ليست راجحة في نظر الشرع فإنه لا يقوى أيضا من جهة أن فيه مخالفة النذر من حيث الجملة قال فكذلك ها هنا لما نذر الصلاة ببيت المقدس نذر أصل الصلاة موصوفة بخمسمائة صلاة كما ورد في الحديث قلت لا يخفى ما في كلامه هذا من المسامحة في قوله موصوفة بخمسمائة صلاة وهو وإن كان في معنى موصوفة بأنها تعدل خمسمائة صلاة ليس من أوصاف المنذور حقيقة كما في الثوبين الجديد والخلق بل هو من أوصاف المنذور إضافة باعتبار الجزاء عليه وتنظير الوصف الإضافي بالحقيقي فيه ما فيه
قال وهذه الخمسمائة هي بعينها في الحرمين مع زيادة خمسمائة أخرى لقوله عليه الصلاة والسلام صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام قلت ليس والخمسمائة التي في بيت المقدس هي بعينها التي في الحرمين مع الزيادة ولا يصح ذلك كيف والأفعال تختلف باختلاف المكان والزمان وغير ذلك من الأمور الموجبة لاختلاف كل فعلين داخلين تحت جنس واحد مع أن هذه الخمسمائة ليست أفعالا واقعة من المكلف بل هي جزاء على فعله صلاة واحدة في البيت المقدس فكل كلامه هذا غير محقق ولا محصل إلا أن يريد أن المجزى عليه بخمسمائة والمجزى عليه بألف جنس واحد وهو الصلاة فلذلك وجه إلا أن عبارته بعيدة عن احتمال ذلك جدا
قال فكل ما هو مطلوب للشرع في البيت المقدس هو موجود في الحرمين من أصل الصلاة وزيادة أجرها ولم يفترقا إلا في زيادة خمسمائة أخرى تحصل له في الحرمين قلت ما قاله من أن كل ما هو مطلوب للشرع من أصل الصلاة وزيادة أجرها غير صحيح فإن أجر الصلاة ليس بمطلوب وإنما هو موهوب وما قاله من أنهما لم يفترقا إلا في زيادة خمسمائة
هامش إدرار الشروق
رضي الله تعالى عنه يشير إلى هذا بقوله فيما تقدم من عبارة المدونة فلا يأتي إليهما حتى ينوي الصلاة في مسجديهما أو ما يلازم ذلك ا ه وإن مما يلازم الصلاة في مسجد المدينة المنورة زيارة قبره صلى الله عليه وسلم وأنه إذا قال
161
161
فأما التصدق بأصل الثوب فقربة فتجب
وأما التصدق بوصف الخلق فليس فيه ندب شرعي فلا يؤثر فيه النذر فيجزئ ضده فكذلك ها هنا لما نذر الصلاة ببيت المقدس فقد نذر الصلاة موصوفة بخمسمائة صلاة كما ورد في الحديث أن الصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة وهذه الخمسمائة هي بعينها في الحرمين مع زيادة خمسمائة أخر لقوله عليه الصلاة والسلام صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام فكل ما هو مطلوب للشرع في البيت المقدس هو موجود في الحرمين من أصل الصلاة وزيادة أجرها ولم يفترقا إلا في زيادة خمسمائة أخرى تحصل له في الحرمين وترك هذه الزيادة ليست مقصودة للشارع فلا جرم لم يتعلق بها نذر ويكون وزان ذلك من نذر أن يتصدق بثوب فتصدق بثوبين فإنه يجزئه إجماعا ولا يكون وزانه من نذر أن يصوم فصلى لأن خصوص الصوم من حيث هو صوم مطلوب لصاحب الشرع ولم يحصل هذا الخصوص في الصلاة كما حصل خصوص الخمسمائة في الألف من غير خلل ألبتة
هامش أنوار البروق
أخرى تحصل له في الحرمين غير صحيح أيضا فإنه ليس قدر ما يفضل به مسجد النبي صلى الله عليه وسلم مسجد المقدس مثل قدر ما يفضل به المسجد الحرام على حسب الخلاف في ذلك
قال وترك هذه الزيادة ليست مقصودة للشارع فلا جرم لم يتعلق بها نذر قلت تلك الزيادة ليست فعلا للمكلف أصلا فليست مقصودة للشارع على وجه الندب إليها ولا على غير وجه الندب أصلا وإنما هي جزاء قال ويكون وزان ذلك من نذر أن يتصدق بثوب فتصدق بثوبين قلت ليس وزانه ما ذكر وكيف ينظر بين جزاء فعل المكلف وبين متعلق فعله هذا خلل واضح
قال فإنه يجزئه إجماعا قلت لا يخلوا ناذر التصدق بثوب ثم يتصدق بثوبين من أن يقصد الخروج عن عهدة النذر بأحد الثوبين أو بهما معا فإن قصد الأول فذلك يجزئه بلا شك وإن قصد الخروج عن عهدة النذر بهما معا ففي ذلك نظر وما أرى دعوى الإجماع تصح في ذلك
قال ولا يكون وزانه من نذر أن يصوم فصلى قلت قد تبين أنه ليس وزانه ما ذكر قبل وأما أنه ليس هذا وزانه فظاهر قال لأن خصوص الصوم من حيث هو صوم مطلوب لصاحب الشرع ولم يحصل هذا الخصوص في الصلاة قلت ما قاله في هذا صحيح ظاهر
هامش إدرار الشروق
علي أن آتي إلى المدينة ونوى زيارة قبره صلى الله عليه وسلم يجب عليه الإتيان إليها لذلك لأن الزيارة مستحبة والمستحب يجب بالنذر فاحفظ ذلك
وما قاله في الفرق بعده وهو السادس والثلاثون والمائة صحيح إلا قوله وهي أن الله تعالى أمر عباده أن يتأدبوا معه كما يتأدبوا مع أماثلهم فإنه تشبيه لا أرتضيه وما قاله في الفرق بعده صحيح كله

162
162
فهذا هو سر الفرق بين قاعدة عدم إجزاء خمسمائة أخرى لقوله الراجح عن المرجوح في العبادات وقاعدة إجزاء الصلاة بالحرمين عن الصلاة ببيت المقدس والصلاة في كل مسجد عن الصلاة في مسجد آخر من مساجد الأقطار فتأمل ذلك تنبيه مقتضى ما تقرر في النذر لزوم ثلاثة إشكالات على قواعد الفقهاء الإشكال الأول على ما يقول الفقهاء إن النذر لا يؤثر إلا في مندوب ولا تأثير له في واجب لأنه لازم له قبل النذر ولا في مباح لأن صاحب الشرع لا يلزم أحدا بفعل المباح نذره أم لا والمحرم والمكروه بطريق الأولى وإذا كانت القاعدة أن النذر لا يؤثر إلا في راجح في نظر الشرع أشكل على ذلك إذا نذر أن يتصدق بهذا الشعير ليس له أن يخرج عنه قمحا مع أن هذا الشعير مشتمل على أمرين أحدهما المالية وهي موجودة في القمح والتصدق بها راجح في نظر الشرع والثاني كونه شعيرا وكونه شعيرا لم يؤمر بخصوصه في الصدقة ولا هو راجح في نظر الشرع فكان يلزم أن لا يلزمه خصوص الشعير وكذلك إذا نذر أن يتصدق بهذا الثوب فتصدق بألف دينار لا يجزئه أو نذر أن يصوم لا تجزئه الصلاة مع اشتراكهما في القربة وليس في خصوص الصوم وجه يترجح به على الصلاة حتى يؤثر فيه النذر ويمنع من إقامة الصلاة مقامه وكذلك القول في جميع الأجناس تتعين من الأموال والعبادات يلزم خصوصها بالنذر وإن لم يكن ذلك الخصوص راجحا في نظر الشرع بل القربة ما اشتمل عليه مما هو مشترك بينه وبين غيره فقد أثر النذر فيما ليس براجح في نظر الشرع
هامش أنوار البروق
قال كما حصل خصوص الخمسمائة في الألف قلت لو كانت الخمسمائة والألف من أفعال المكلف لما صح حصول الخمسمائة في الألف فإن الخمسمائة مقيدة بالاقتصار عليها والألف مقيدة بتمامها والقيدان لا يجتمعان قال من غير خلل ألبتة قلت وأي خلل أعظم من خلل يؤدي إلى الجمع بين النقيضين قال فهذا هو سر الفرق إلى قوله فتأمل ذلك قلت ليته لم يفسر هذا السر فإن مثله مما يجب كتمه
قال تنبيه مقتضى ما تقرر في النذر لزوم ثلاثة إشكالات على قواعد الفقهاء الإشكال الأول إلى آخر ما قاله في الإشكال الأول قلت ما قاله من أن النذر قد أثر فيما ليس براجح في نظر الشرع ليس بصحيح بل أثر في راجح في نظر الشرع من أجل أن كل ما ذكر مندوب إليه على الجملة لا من جهة أنه مندوب راجح وإنما لم ينب القمح عن الشعير والصلاة عن الصوم لأنه لم ينذر القمح ولا الصلاة فلو فعل التصدق بالقمح بدل الشعير أو فعل الصلاة بدل الصوم لكان قد خالف ما التزمه لله تعالى وليس للندب أثر إلا في تصيير المندوب من حيث هو مندوب واجبا خاصة وامتنعت نيابة الجنس الأعلى من العبادات
هامش إدرار الشروق

163
163
الإشكال الثاني على قاعدة من يقول النقدان لا يتعينان لعدم تعلق القصد بخصوصياتهم ا شرعا وعادة فيلزم هذا القائل أنه إذا نذر أن يتصدق بهذا الدرهم أن يتركه ويخرج غيره أو بهذا الدينار أن يتركه ويخرج غيره مع أن ظاهر كلامهم يقتضي تعيينه بالإخراج وذلك بمقتضى أن الخصوص يتعلق به قصد شرعي وعادي وهو خلاف قاعدتهم في عدم التعيين ويلزم إذا نذر أن يتصدق بهذا الدرهم أو بدراهم لم يعينها أن يخرج عوضها دنانير لأن التقرب في المالية لا في كونها دراهم أو دنانير بل قد يكون أحدهما أنفع للفقير وهو ما لم ينذر لراحته من الصرف في دفع الدراهم عن الدنانير المنذورة الإشكال الثالث مقتضى ما تقدم من تقديم المسجد الحرام على المسجد الأقصى لزيادة
هامش أنوار البروق
عن الجنس الأدنى منها وكذلك نيابة الجنس الأعلى من متعلق العبادات عن الجنس الأدنى منه لأن فيه مخالفة النذر وجازت نيابة الصفة العليا من صفات متعلق العبادة عن الدنيا لأنه ليس في ذلك مخالفة للنذر والفرق بين الأمرين أن الجنس أعني جنس العبادة أو متعلقها مما هو جنس مقصود من مقاصد الشرع وصفة متعلقها إنما هي صفة ليست مقصودة له وعلى الصفة تتخرج مسألة ناذر الصلاة في المسجد الأقصى فلا إشكال والله أعلم قال الإشكال الثاني على قاعدة من يقول النقدان لا يتعينان إلى آخر ما قاله فيه قلت ما قاله وألزمه من يقول إن النقدين لا يتعينان صحيح والله أعلم
قال الإشكال الثالث مقتضى ما تقدم من تقديم الحرام على الأقصى لزيادة فضيلته مع تحصيل أصل التقرب أن تكون أجناس المنذورات كلها كذلك يقدم فاضلها على مفضولها ويخرج القمح بدل الشعير فيطلب الفرق قلت ليس ما قاله في ذلك بصحيح فإن مسألة الحرام والأقصى ليست من نيابة الجنس عن الجنس بل من نيابة الصفة العليا عن الصفة الدنيا والله أعلم
قلت وتلخيص القول في المنذورات عندي أن الناذر إذا نذر عملا من أعمال البر فإنه لا يخلو من أن يكون منذوره ذلك معين الشخص كما إذا قال لله علي أن أعتق هذا العبد أو أتصدق بهذا الثوب أو لا يكون منذوره ذلك معين الشخص فإنه لا يجزئه في الخروج عن عهدة ذلك النذر إلا ذلك المعين وإن لم يكن منذوره ذلك معين الشخص فلا يخلو أن يكون معين النوع كما إذا قاله لله علي أن أصوم أو لا يكون كذلك فإن كان معين النوع فلا يخلو مع كونه معين النوع أن يكون معين الصفة أو لا يكون كذلك فإن كان معين الصفة فلا يخلو أن تكون الصفة مما يتعلق بها مقصد شرعي أو لا تكون كذلك فإن كان معين النوع فقط فلا يجزئه إلا ذلك النوع بأي صفة كان وإن كان معين النوع والصفة من متعلق المقصد الشرعي فلا يجزئه إلا كذلك وإن كان معين النوع والصفة مما لا يتعلق بها مقصد شرعي فلا يجزئه بأدنى من تلك الصفة ويجزئه بأعلى منها
هامش إدرار الشروق
فارغه
164
164
فضيلته مع تحصيل أصل التقرب أن تكون أجناس المنذورات كلها كذلك يقدم فاضلها على مفضولها ويخرج القمح بدل الشعير فيطلب الفرق
الفرق السادس والثلاثون والمائة بين قاعدة المنذورات وقاعدة غيرها من الواجبات الشرعية
اعلم أن الأوامر تتبع المصالح كما أن النواهي تتبع المفاسد والمصلحة إن كانت في أدنى الرتب كان المرتب عليها الندب
وإن كانت في أعلى الرتب كان المرتب عليها
هامش أنوار البروق
وعلى هذا القسم تخرج مسألة الأقصى والحرام وإن كان غير معين النوع كما إذا قال لله علي أن أعمل عملا صالحا فإنه يجزئه أي عمل من أعمال البر عمله والله أعلم
وما قاله في الفرق بعده وهو السادس والثلاثون والمائة صحيح إلا قوله وهي أن الله تعالى أمر عباده أن يتأدبوا معه كما يتأدبوا مع أماثلهم فإنه تشبيه لا أرتضيه وما قاله في الفرق بعده صحيح كله
وكذلك ما قال في الفرق بعدهما وهو التاسع والثلاثون والمائة ما عدا قوله في انحصار المبتدأ في الخبر وما عدا قوله أن قول الحنفية يلزم فيه التعارض دون قول المالكية والشافعية وقد تقدم التنبيه على الأمرين في الفرق الثالث والستين
هامش إدرار الشروق
الفرق السادس والثلاثون والمائة بين قاعدة المنذورات وقاعدة غيرها من الواجبات المتأصلة في الشريعة
وهو من وجهين أحدهما قصور مصلحة الواجب بالنذر عن مصلحة الواجب المتأصل في الشريعة لأن مصلحة الواجب بالنذر مصلحة المندوب والالتزام لا يغير المصالح وثانيهما إن سبب الواجب بالنذر لا يناسب الوجوب لكونه قد يعرى عن المصالح رأسا كطيران الغراب في نحو قوله إن طار الغراب فعلي صدقة درهم بخلاف الأسباب المقررة في أصل الشريعة يتضح لك هذا الفرق بأربع قواعد القاعدة الأولى إن الأوامر تتبع المصالح والنواهي تتبع المفاسد وكل من المصلحة والمفسدة إن كان في أدنى الرتب كان المرتب على المصلحة الندب وعلى المفسدة الكراهة وإن كان كل منهما في أعلى الرتب كان المرتب على المصلحة الوجوب وعلى المفسدة التحريم ثم أن كلا من مصلحة الندب ومفسدة الكراهة تترقى فيرتقي الندب بارتقاء مصلحته حتى يكون أعلى مراتب الندب يلي أدنى مراتب الوجوب ويرتقي المكروه بارتقاء مفسدته حتى يكون أعلى مراتب المكررة يلي أدنى مراتب التحريم فالمصلحة التي تصلح للندب لا تصلح للوجوب لا سيما إن كان الندب في الرتبة الدنيا فإن الشرع خصص المرتبة العليا من المصالح بالوجوب وحث عليها بالزواجر صونا لتلك المصلحة عن الضياع كما أن المفسدة التي تصلح للمكروه لا تصلح للتحريم لا سيما إن كان المكروه في الرتبة الدنيا فإن الشرع خصص المفاسد العظيمة
165
165
الوجوب ثم أن المصلحة تترقى ويرتقي الندب بارتقائها حتى يكون أعلى مراتب الندب يلي أدنى مراتب الوجوب وكذلك نقول في المفسدة التقسيم بجملته وترتقي الكراهة بارتقاء المفسدة حتى يكون أعلى مراتب المكروه يلي أدنى مراتب التحريم إذا تقرر ذلك علم حينئذ أن المصلحة التي تصلح للندب لا تصلح للوجوب لا سيما إن كان الندب في الرتبة الدنيا فإن الشرع خصص المرتبة العليا من المصالح بالوجوب وحث عليها بالزواجر صونا لتلك المصلحة عن الضياع كما خصص المفاسد العظيمة بالزجر والوعيد حسما لمادة الفساد عن الدخول في الوجود تفضلا منه تعالى عند أهل الحق لا وجوبا عقليا كما قالت المعتزلة ولو شاء الله تعالى لم يرتب ذلك هذا في الأحكام المقررة في أصل الشريعة وكذلك القول في الأسباب الشرعية لم يجعل صاحب الشرع شيئا سبب وجوب فعل على المكلف إلا وذلك السبب مشتمل على مصلحة تناسب الوجوب فإن قصرت عن ذلك جعلها سبب الندب وكذلك القول في أسباب التحريم والكراهة فبذل الرغيف للجوعان المشرف على الهلاك واجب
وسبب الوجوب الضرورة وهذا السبب مشتمل على حفظ حياته وهي مصلحة عظيمة تصلح للوجوب وبذل الرغيف لمن يتوسع به على
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
بالزجر والوعيد حسما لمادة الفساد عن الدخول في الوجود تفضلا منه تعالى عند أهل الحق لا وجوبا عقليا كما قالت المعتزلة ولو شاء الله تعالى لم يرتب ذلك
القاعدة الثانية
إن صاحب الشرع لم يجعل شيئا سبب وجوب فعل على المكلف إلا وذلك السبب مشتمل على مصلحة تناسب الوجوب فإن قصرت مصلحته عن ذلك جعله سبب الندب كما أنه لن يجعل شيئا سبب تحريم فعل على المكلف إلا وذلك السبب مشتمل على مفسدة تناسب التحريم فإن قصرت مفسدته عن ذلك جعله سبب الكراهة مثلا بذل الرغيف للجوعان المشرف على الهلاك واجب وسبب الوجوب الضرورة وهو مشتمل على حفظ حياته وهي مصلحة عظيمة تصلح للوجوب وبذل الرغيف لمن يتوسع به على عائلته من غير ضرورة مندوب إليه وسبب هذا الندب التوسعة فقط لا مع دفع ضرورة حتى تقتضي الوجوب وكذلك القول في بقية الأسباب الشرعية في بابي الأوامر والنواهي القاعدة الثالثة إن صاحب الشرع كما جعل الأحكام على قسمين قسم قرره في أصل شرعه ولم يكله إلى خيرة خلقه كوجوب الصلاة والصوم في رمضان وغير ذلك وقسم وكل وجوبه إلى خيرة خلقه فإن شاءوا أوجبوه على أنفسهم بإنشاء سببه وهو النذر وإن شاءوا لم يفعلوا ذلك كذلك جعل الأسباب على قسمين قسم قرره في أصل شرعه ولم يكله إلى خيرة المكلف كالزوال ورؤية الهلال وملك النصاب وغير ذلك وقسم وكله للعباد فإن شاءوا جعلوه سببا وإن شاءوا لم يجعلوه سببا وهو شرط النذور والطلاق والعتاق ونحوها فإنها أسباب من حيث إنها يلزم من وجودها الوجود ومن عدمها العدم كما هو حقيقة السبب
166
166
عائلته من غير ضرورة مندوب إليه وسبب هذا الندب التوسعة دون دفع ضرورة فلم تقتض التوسعة الوجوب لقصور مصلحتها وكذلك القول في بقية الأسباب الشرعية في باب الأوامر وفي باب النواهي إذا تقررت هذه القاعدة فاعلم أن صاحب الشرع جعل الأحكام على قسمين منها ما قرره في أصل شرعه ولم يكله إلى خيرة الخلق كوجوب الصلاة والصوم في رمضان وغير ذلك ومنها ما وكل وجوبه إلى خيرة الخلق فإن شاءوا أوجبوه على أنفسهم بإنشاء سببه وهو النذر وإن شاءوا لم يفعلوا ذلك وكما جعل الأحكام على قسمين جعل الأسباب أيضا على قسمين منها ما قرره في أصل شرعه ولم يكله إلى خيرة المكلف كالزوال ورؤية الهلال ومالك النصاب وغير ذلك ومنها ما وكله للعباد فإن شاءوا جعلوه سببا وإن شاءوا لم يجعلوه سببا وهو شرط النذور والطلاق والعتاق ونحوها فإنها أسباب لوجود حقيقة السبب فيها فإنها يلزم من وجودها الوجود ومن عدمها العدم ولم يحصر ذلك في المندوبات كما حصره في الأحكام المنذورات فلا يؤثر النذر إلا في نقل مندوب لواجب بطريق واحد وهو النذر بل عمم ذلك في سائر الممكنات المستقبلات من الواجبات والمحرمات وغيرها مما ليس
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
القاعدة الرابعة
إن صاحب الشرع حصر ما وكل وجوبه إلى خيرة الخلق من قسمي الأحكام وهو النذر في المندوبات فلا يؤثر النذر الوجوب إلا في نقل مندوب ولم يحصر ما وكل جعله سببا إلى خيرة المكلف من قسمي الأسباب في شيء بل عمم ذلك في سائر الممكنات المستقبلات من الواجبات والمحرمات وغيرها مما ليس من المكتسبات كهبوب الرياح ونزول الأمطار مما ليس فيه حكم شرعي ولا اكتساب اختياري فأي ذلك شاء المكلف جعله سببا لوجوب منذور عليه أو لزم طلاق أو عتاق له فهذه الأسباب الموكول جعلها سببا إلى خيرة المكلف أشد بعدا عن القواعد من الأحكام الموكول وجوبها لخيرة الخلق وهو النذر مع بعد الأحكام في أنفسها عن القواعد أيضا لأن الأحكام وإن انتقلت فيها المندوبات للواجبات والمندوبات فيها أصل المصلحة إلا أنها بعدت أيضا بإقامة مصلحة الندب للوجوب عن قاعدة أن الأحكام تتبع المصالح على اختلاف رتبها كما هو عادة الله تعالى في الشرائع وأما الأسباب فقد يجعل المكلف ما هو عري عن المصلحة ألبتة كطيران الغراب وصرير الباب سببا لنذره مثلا على خلاف قاعدة أن الأسباب لا بد من أن تشتمل على مصلحة مسبباتها كأن يقول إن طار الغراب فعلي صدقة درهم أو امرأته طالق أو غير ذلك فيلزمه جميع ما علقه على ذلك المعلق عليه إذا وجد وما اقتضت الحكمة الإلهية اعتبار ما لا مصلحة فيه من الأسباب وإقامة مصلحة الندب للوجوب في النذر وخروج مسألة النذور عن القواعد من ذينك الوجهين إلا لأنها رجعت إلى القواعد من جهة أخرى فإن الأسباب يخلف بعضها بعضا فعظم المصلحة الذي هو سبب الوجوب في عادة الشارع وإن فقد هاهنا مع فقد المصلحة في سببه رأسا إلا أنه خلفه سبب آخر وهو معنى عظيم متحقق بأمرين أحدهما أن مصلحة أدب العبد مع الرب سبحانه وتعالى بحسن الوفاء فيما وعد ربه به لا سيما وقد
167
167
من المكتسبات كهبوب الرياح ونزول الأمطار مما ليس فيه حكم شرعي ولا اكتساب اختياري فأي ذلك شاء المكلف جعله سببا لوجوب منذور عليه أو لزوم طلاق أو عتاق له إذا تقرر هذا حصل الفرق بين الواجب بالنذر والواجب المتأصل في الشريعة من وجهين أحدهما قصور مصلحته عن الوجوب لأن مصلحته مصلحة الندب والالتزام لا يغير المصالح ثانيهما أن سببه لا يناسب الوجوب كالأسباب المقررة في أصل الشريعة كما تقدم فكون المنذورات مستثنيات من القواعد من هذين الوجهين وهي الاستثناء عن قاعدة الأسباب أشد بعدا عن القواعد لأن الأحكام انتقلت فيها المندوبات للواجبات والمندوبات فيها أصل المصلحة وأما في الأسباب فقد يحصل ما هو قد عري عن المصلحة ألبتة كطيران الغراب وصرير الباب وعبور الناموس فلو قال إن طار الغراب فعلي صدقة درهم لزمه ذلك أو امرأته طالق أو غير ذلك لزمه جميع ما علقه إذا وجد المعلق عليه فصارت الأسباب أبعد عن القواعد من الأحكام مع بعد الأحكام في أنفسها فإن قلت كيف اقتضت الحكمة الإلهية اعتبار ما لا مصلحة فيه وإقامة مصلحة الندب للوجوب مع أن قاعدة عادة الله تعالى في الشرائع أن الأحكام تتبع المصالح على اختلاف رتبها قلت الأسباب يخلف بعضها بعضا فكما أن عظم المصلحة سبب الوجوب في عادة الشارع فكذلك ها هنا سبب آخر إذا فقدت هذه المصلحة وهي مصلحة أدب العبد مع الرب سبحانه وتعالى في أنه إذا وعد ربه بشيء لا يخلفه إياه لا سيما إذا التزمه وصمم عليه فأدب العبد مع الرب سبحانه وتعالى بحسن الوفاء وتلقي هذه الالتزامات بالقبول خلق كريم هو سبب خلف المصلحة التي في نفس الفعل فقد يستفاد من هيئة الفاعل وأحواله وأخلاقه مع خالقه ومعبوده مصالح عظيمة وأي مصلحة أعظم من الأدب حتى قال رويم لابنه يا بني اجعل عملك ملحا وأدبك دقيقا
أي استكثر من الأدب حتى تكون نسبته في الكثرة نسبة الدقيق إلى الملح وكثير من الأدب مع قليل من العمل الصالح خير من كثير من
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
التزمه وصمم عليه أعظم المصالح إذ لا مصلحة أعظم من الأدب حتى قال رويم لابنه يا بني اجعل عملك ملحا وأدبك دقيقا أي استكثر من الأدب حتى تكون نسبته في الكثرة نسبة الدقيق إلى الملح فإن كثير الأدب مع قليل من العمل الصالح خير من كثير من العمل مع قلة الأدب وما ذلك إلا لأن الله تعالى لما كان لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية كان الممكن في عبادته تعالى هو الأدب وثانيهما إن صدق الوعد والوفاء بالالتزام من محاسن الأخلاق بين العباد وفي معاملة الملوك فلعظم المعنى في هذين الأمرين صح جعلهما سبب الوجوب بدلا من المصالح في أنفس الأفعال ولم يعر الوجوب هاهنا عن مصلحة تناسبه فكان على وفق القواعد وبهذا التقرير يظهر الفرق بين المنذورات والشروط كما يظهر الفرق بينهما وبين الواجبات الأصلية من جهة أن مداركها غير مدارك الأسباب والواجبات الأصلية وهي مصالح غير مصالح نفس الأفعال فتأمل ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم

168
168
العمل مع قلة الأدب وهذه القاعدة قد تقدم التنبيه عليها وهي أن الله تعالى أمر عباده أن يتأدبوا معه كما يتأدبوا مع أماثلهم فإن ذلك هو الممكن في عبادة الله تعالى فإنه لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية ولما كان الأدب مع الملوك أعظم نفعا لفاعله وأجدى عليه من كثير الخدمة مع قلة الأدب كان الواقع مع الله تعالى ذلك وكذلك صدق الوعد والوفاء بالالتزام من محاسن الأخلاق بين العباد وفي معاملة الملوك ولما عظم هذا المعنى جعل هو سبب الوجود بدلا من المصالح في نفس الأفعال فتأمل ذلك وبهذا التقرير يظهر لك أن النذور وإن خرجت عن القواعد من زينك الوجهين فقد رجعت إلى القواعد من هذا الوجه وصارت على وفق القواعد من جهة أنه ما عرى الوجوب عن مصلحة تناسبه وعلى هذا التقرير أيضا حصل الفرق بين المنذورات والشروط من جهة أن مداركها غير مدارك الأسباب والواجبات الأصلية وهي مصالح غير مصالح أنفس الأفعال
الفرق السابع والثلاثون والمائة بين قاعدة ما يحرم لصفته وبين قاعدة ما يحرم لسببه
اعلم أن الله تعالى خلق المتناولات للبشر في هذا العالم على قسمين قسم يحرم لصفته وهو ما اشتمل على مفسدة تناسب التحريم فيحرم أو الكراهة فيكره فالأول كالسموم تحرم لعظم مفسدتها والثاني سباع الطير أو الضبع من الوحش على الخلاف في ذلك وقسم يباح لصفته إما لاشتماله على المصلحة كالبر واللحم الطيب من الأنعام وإما لعدم
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الفرق السابع والثلاثون والمائة بين قاعدة ما يحرم لصفته وبين قاعدة ما يحرم لسببه
وهو أن القاعدة أن كل ما حرم لصفته كالميتة حرمت لصفتها وهي اشتمالها على الفضلات المستقذرة والخمر حرم لصفته وهو الإسكار فلا يباح إلا بسببه كالإضرار ونحوه من الأسباب التي لا تباح الميتة إلا بها وكالغصة التي لا يباح الخمر إلا بها وما يباح لصفته كالبر ولحوم الأنعام وغير ذلك من المآكل والملابس والمساكن أبيحت لصفاتها من المنافع والمصالح فلا يحرم إلا بسببه كالغصب والسرقة والعقود الفاسدة ونحوها من أسباب تحريم المآكل والملابس والمساكن المباحة لصفاتها من المنافع والمصالح وذلك أن الله تعالى خلق متناولات البشر في هذا العالم على قسمين قسم يحرم لصفته وهو ما اشتمل على مفسدة
169
169
مفسدته ومصلحته وهو قليل في العالم فلا يكاد يوجد شيء إلا وفيه مصلحة أو مفسدة ويمكن تنظيره بأكل شعرة من قطن أو نحو ذلك مما لا يظهر له أثر في جسد ابن آدم وإذا كانت الموجودات في هذا العالم إما حرام لصفته أو مباح لصفته انبنى على هذا قاعدة أخرى وهو أن كل ما حرم لصفته لا يباح إلا بسببه وما يباح لصفته لا يحرم إلا بسببه فالقسم الأول كالميتة حرمت لصفتها وهي اشتمالها على الفضلات المستقذرة فلا تباح إلا بسببها وهو الاضطرار ونحوه من الأسباب وكذلك الخمر حرم لصفته وهو الإسكار فلا يباح إلا بسببه وهو الغصة والقسم الثاني كالبر ولحوم الأنعام وغير ذلك من المأكل والملابس والمساكن أبيحت لصفاتها من المنافع والمصالح فلا تحرم إلا بسببها وهو الغصب والسرقة والعقود الفاسدة ونحوها فهذه القاعدة في هذا الفرق مطردة في جميع المتناولات
الفرق الثامن والثلاثون والمائة بين قاعدة تحريم سباع الوحش وبين قاعدة تحريم سباع الطير اعلم أن النواهي تعتمد المفاسد فما حرم الله تعالى شيئا إلا لمفسدة تحصل من تناوله وقد أجرى الله عادته أن الأغذية تنقل الأخلاق لخلق الحيوان المتغذي به حتى يقال إن العرب لما أكلت من لحوم الإبل حصل عندها فرط الإيثار بأقواتها لأن ذلك شأن الإبل
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
تناسب التحريم فيحرم كالسموم تحرم لعظم مفسدتها والكراهة فيكره كسباع الطير أو الضبع من الوحش على الخلاف في ذلك وقسم يباح لصفته إما لاشتماله على المصلحة كالبر واللحم الطيب من الأنعام وإما لعدم مفسدته ومصلحته وهو قليل في العالم فلا يكاد يوجد شيء إلا وفيه مصلحة أو مفسدة نعم يمكن تنظيره بأكل شعرة من قطن أو نحو ذلك مما لا يظهر له أثر في جسد ابن آدم فالموجودات في هذا العالم إما حرام لصفته أو مباح لصفته والقاعدة المذكورة في الفرق انبنت على هذا والله أعلم
الفرق الثامن والثلاثون والمائة بين قاعدة تحريم سباع الوحش وبين قاعدة تحريم سباع الطير
من حيث إن الفقهاء جزموا جميعا بتحريم أكل سباع الوحش وترددوا في تحريم أكل سباع الطير فمنهم من قال بالتحريم ومنهم من قال بالكراهة وسر الفرق هو أن فرط الظلم وقلة الرحمة متوفر في سباع الوحش أكثر منه في سباع الطير إذ هو في الأسد أعظم منه في العقاب والصقر وفي النمر والفهد أعظم منه في الضبع والنسر وغيرهما من الحدآت والغربان ونحوها فلما عظمت المفسدة والظلم في سباع الوحش بحيث إنها تثب على الحيوانات وثبا شديدا فتأكلها وتهلكها وتفسد أبنيتها بتمزيق أعضائها ولا تكترث بهلاكها ولا فساد أبنيتها ولا ما تجده من الألم في تمزيق أعضائها من غير توقف في ذلك على الحاجة بل شأنها ذلك لحاجة ولغير حاجة وقد أجرى الله عادته أن الأغذية تنقل خلق الحيوانات المأكولة لخلق الحيوان المتغذي به حتى يقال إن أربعا أكلت أربعا فأفادتها أربعا أكلت السودان
170
170
فيجوع الجمع من الإبل الأيام ثم يوضع لها ما تأكله مجتمعة فيضع كل منها فمه فيتناول حاجته من غير مدافعة عن ذلك الحب ولا يطرد من يأكل معه ولا تزال الإبل تأكل علفها كذلك بالرفق حتى يفنى جميعه من غير مدافعة بعضها بعضا بل معرضة عن ذلك وعن مقدار ما أكله غيرها مما يجاورها بخلاف غيرها من الحيوانات تقاتل عند الاغتذاء على حوز الغذاء وتمنع من يأكل معها أن يتناول شيئا وذلك مشاهد في السباع والكلاب والأغنام وغيرها فانتقل ذلك لخلق الأعراب فحصل عندهم من الإيثار للضيف ما لم يحصل عند غيرهم من الأمم كما أنه حصل عندهم الحقد أيضا لأن الجمل يأخذ ثأره ممن آذاه بعد مدة طويلة ولا يزول ذلك عن خاطره حتى يقال إن أربعا أكلت أربعا فأفادتها أربعا أكلت العرب لحوم الإبل فأفادتها الحقد وأكلت السودان القرود فأفادتها الرقص وأكلت الفرنج الخنازير فأفادتها عدم الغيرة وأكلت الترك الخيل فأفادتها القساوة وإذا تقرر هذا فهذه السباع في غاية الظلم وقلة الرحمة تأكل الحيوانات من غير اكتراث بهلاك تلك الحيوانات ولا فساد أبنيتها ولا ما تجده من الألم في تمزيق أعضائها وتثب على ذلك وثوبا شديدا من غير توقف في ذلك لحاجة ولغير حاجة وذلك لفرط ظلمها وقلة رحمتها وذلك متوفر في سباع الوحش أكثر منه في سباع الطير فأين الأسد من العقاب والصقر وأين النمر والفهد من الضبع والنسر وغيرهما من الحدآت والغربان ونحوها فلما عظمت المفسدة والظلم في سباع الوحش حرمت لئلا يتناولها بنو آدم فتصير أخلاقهم كذلك ولما قصرت مفسدة سباع الطير عن ذلك فمن الفقهاء من نهض عنده ذلك للتحريم دفعا لمفسدة سوء الأخلاق وإن قلت ومنهم من لم ينهض عنده ذلك
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
القرود فأفادتها الرقص وأكلت الفرنج الخنازير فأفادتها عدم الغيرة وأكلت الترك الخيل فأفادتها القساوة وأكلت العرب لحوم الإبل فأفادتها الحقد أي والإيثار للضيف ما لم يحصل عند غيرهم من الأمم إذ كما أن شأن الجمل الحقد بحيث يأخذ ثأره ممن آذاه بعد مدة طويلة كذلك شأن الإبل الإيثار بأقواتها بحيث يجوع الجمع منها الأيام ثم يوضع لها ما تأكله مجتمعة فيضع كل منها فمه فيتناول حاجته من غير مدافعة بعضها بعضا بل معرضة عن ذلك وعن مقدار ما أكله غيرها مما يجاورها بخلاف غيرها من الحيوانات فإنها تقاتل عند الاعتداء على حوز الغذاء وتمنع من يأكل معها أن يتناول شيئا كما هو مشاهد في السباع والكلاب والأغنام وغيرها والقاعدة أن النواهي تعتمد المفاسد فما حرم الله تعالى شيئا إلا لمفسدة كما تقدم توضيح ذلك في الفرق السادس والثلاثين والمائة جزم الفقهاء بتحريم سباع الوحش لئلا يتناولها بنو آدم فتصير أخلاقهم مثل أخلاقهم فتعظم المفسدة ولما قصرت مفسدة سباع الطير عن ذلك تردد الفقهاء في تحريمها فمنهم من نهض عنده ذلك للتحريم دفعا لمفسدة سوء الأخلاق وإن قلت ومنهم من لم ينهض عنده ذلك للتحريم لخفة أمره فاقتصر به على الكراهة فهذا هو الفرق بين هاتين القاعدتين والله سبحانه وتعالى أعلم
وكذلك ما قال في الفرق بعدهما وهو التاسع والثلاثون والمائة ما عدا قوله في انحصار المبتدأ في الخبر وما عدا قوله أن قول الحنفية يلزم فيه التعارض دون قول المالكية والشافعية وقد تقدم التنبيه على الأمرين في الفرق الثالث والستين

171
171
للتحريم لخفة أمره فاقتصر به على الكراهة فهذا هو الفرق بين قاعدة سباع الوحش وسباع الطير
الفرق التاسع والثلاثون والمائة بين قاعدة ذكاة الحيات وقاعدة ذكاة غيرها من الحيوانات
قال مالك في المدونة لا بأس بأكل الحيات إذا ذكيت في موضع ذكاتها جاز أكلها لمن احتاج إلى ذلك وأشار صاحب الجواهر أنها تذكى كما يذكى الصيد ومقتضى ظاهر قوله إنها لأجل العجز عنها إذا جرحت في أي موضع كان من جسدها جاز تناولها عند الحاجة إليها وهو سبب لهلاك متناولها ولم يطلق مالك هذا الإطلاق بل قال إذا ذكيت في موضع ذكاتها ولم يقل إذا ذكيت مثل الصيد والسبب في ذلك أن ذكاة الحيات لا يحكمها إلا طبيب ماهر وصفة ذكاتها على ما اختاره المتأخرون من الأطباء إذا أرادوا استعمالها في الترياق الفاروق أو لمداواة الجذام والعياذ بالله تعالى أن تمسك برأسها وذنبها من غير
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الفرق التاسع والثلاثون والمائة بين قاعدة ذكاة الحيات وقاعدة ذكاة غيرها من الحيوانات
قال العلامة ابن رشد الحفيد في بداية المجتهد الحيوان في اشتراط الذكاة في أكله على قسمين القسم الأول حيوان لا يحل إلا بذكاة والقسم الثاني حيوان يحل بغير ذكاة واتفقوا على أن القسم الأول هو الحيوان البري ذو الدم الذي ليس بمحرم ولا منفوذ المقاتل ولا ميئوس منه بوقذ أو نطح أو ترد أو افتراس سبع أو مرض ومن القسم الثاني ما اتفقوا عليه وهو الحيوان البحري ومنه ما اختلفوا فيه وهو أربعة أنواع النوع الأول الحيوان الذي ليس بذي دم مما يجوز أكله مثل الجراد وغيره اختلفوا هل له ذكاة أم لا والنوع الثاني الحيوان ذو الدم الذي يكون تارة في البحر وتارة في البر مثل السلحفاة وغيره اختلفوا هل له ذكاة أم لا والنوع الثالث أصناف المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع التي نص عليها في آية التحريم اختلفوا في تأثير الذكاة فيها والنوع الرابع ما لا يحل أكله اختلفوا في تأثير الذكاة فيها أعني في تحليل الانتفاع بجلودها وسلب النجاسة عنها ا ه بتصرف وقاعدة تذكية الحيوان البري ذي الدم الذي ليس بمحرم إلخ أنها شرعت لقصد استخراج الفضلات المحرمات من أجسادها المحللة الأكل وهي الدماء والأخلاط كلها بأسهل الطرق على الحيوان كقطع الأوداج والحلقوم فإن قطع الأوداج خفيف على الحيوان في إخراج الفضلات المذكورة منها بالنسبة إلى التوسط أو ضرب العنق وقطع الحلقوم يوجب قطع النفس لأنه مجراه فيختنق الحيوان فيسرع إليه الموت وأما قاعدة تذكية الحيات التي في قول مالك في المدونة لا بأس بأكل الحيات إذا ذكيت في موضع ذكاتها جاز أكلها لمن احتاج إلى ذلك ا ه فتفارق القاعدة المذكورة من وجهين
172
172
عنف حذرا من أن يحصل لها غيظ فيدور السم في جسدها فإذا أخذت
كذلك ثنيت على مسمار مضروب في لوح ثم تضرب بآلة حادة كالقدوم الحاد مثل الموسى ونحوها من الآلات الحادة الرزينة وهي ممدودة على تلك الخشبة ويقصد بتلك الضربة آخر الرقبة من جهة رقبتها وذنبها فإن بين رأسها ووسطها مقدار رقيق وبين ذنبها ووسطها مقدار رقيق فيتجاوز ذلك الرقيق من الجهتين ويوصل المقدار الغليظ الذي في وسطها فلا يترك غيره ويحاز الرقيقان إلى جهة الرأس والذنب ويقطع جميع ذلك في فور واحد بضربة واحدة وجيزة فمتى بقيت جلدة يسيرة لم تقطع مع الجملة قتلت آكلها لأن السم حينئذ يجري من جهة الرأس والذنب في تلك الجلدة اليسيرة إلى بقية جسدها الذي هو الجزء الغليظ بسبب ما يحدث لها من الغضب عند الإحساس بألم الحديد وهذا معنى قول مالك رحمه الله موضع ذكاتها فهذا هو الفرق بين ذكاتها وذكاة غيرها من الحيوانات فهذا فرق من جهة صفة الذكاة وفيها فرق آخر من جهة المعنى وهو أن الذكاة شرعت فيها لأجل السلامة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الوجه الأول
في صفة الذكاة فإن معنى قول مالك رحمه الله موضع ذكاتها أن صفة ذكاة الحيات هو ما اختاره المتأخرون من الأطباء إذا أرادوا استعمالها في الترياق الفاروق أو لمداواة الجذام والعياذ بالله تعالى وهو أن تمسك الحية برأسها وذنبها من غير عنف حذرا من أن يحصل لها غيظ فيدور السم في جسدها فإذا أخذت كذلك ثنيت على مسمار مضروب في لوح ثم تضرب بآلة وزبنة حادة كالقدوم الذي مثل الموسى في الحدآت وهي ممدودة على تلك الخشبة ويقصد بتلك الضربة آخر الرقبة والذنب من جهة رقبتها فإن بين رأسها ووسطها مقدارا رقيقا وبين ذنبها ووسطها مقدارا رقيقا فيتجاوز ذلك الرقيق من الجهتين حتى يصل المقدار الغليظ الذي في وسطها فلا يترك غيره بل يحاز الرقيقان إلى جهة الرأس والذنب ويقطع جميع ذلك في فور واحد بضربة واحدة وجيزة لأنه متى بقيت جلدة يسيرة لم تقطع مع الجملة قتلت آكلها لأن السم حينئذ يجري من جهة الرأس والذنب في تلك الجلدة اليسيرة إلى بقية جسده الذي هو الجزء الغليظ بسبب ما يحدث لها من الغضب عند الإحساس بألم الحديد الوجه الثاني في معنى الذكاة فإن الذكاة شرعت في الحيات لأجل السلامة من سم رأسها وذنبها لا لإخراج الفضلات المحرمات فإن الحيات لا يكاد يخرج منها دم عند ذكاتها ألبتة ولذلك تذكى من وسطها لا بقطع الأوداج والحلقوم وصل يتعلق بباب الذكاة ست مسائل أصول المسألة الأولى في بيان تأثير الذكاة في الأصناف الخمسة التي نص عليها في الآية المسألة الثانية في بيان تأثير الذكاة في الحيوان المحرم الأكل المسألة الثالثة في بيان تأثير الذكاة في المريضة المسألة الرابعة في بيان هل ذكاة الجنين ذكاة أمه أم لا المسألة الخامسة في بيان هل للجراد ذكاة أم لا المسألة السادسة في بيان هل للحيوان الذي يأوي في البر تارة وفي البحر تارة ذكاة أم لا
173
173
من سمها ولا يكاد يخرج منها دم عند ذكاتها ألبتة وإنما المقصود السلامة من سم رأسها وذنبها ولذلك تذكى من وسطها وشرعت الذكاة في غيرها من الحيوانات لاستخراج الفضلات المحرمات من أجسادها بأسهل الطرق على الحيوان ولا بد من ملاحظة القيد الأخير فإنا لو وسطنا الحيوان أو ضربنا عنقه خرجت منه الفضلات لكن ذلك شاق على الحيوان بسبب كثرة ما يخرج فاختار الشرع قطع الأوداج والحلقوم لتخرج الفضلات وهي الدماء والأخلاط كلها من الأوداج وقطعها خفيف على الحيوان بالنسبة إلى التوسط لو ضرب العنق وقطع الحلقوم يوجب قطع النفس لأنه مجراه فيختنق الحيوان فيسرع إليه الموت ولما كانت هذه قاعدة تذكية الحيوان تعين أن يخرج عليها الخلاف في صورة الذكاة فمن لاحظ عدم الفضلات في الجراد وغيره مما ليس له نفس سائلة لم يشترط الذكاة فيها وجعل استخراج الفضلات أصلا وإراحة الحيوان تبعا وأجاز ميتة ذلك كله
وهو ظاهر الحديث في قوله عليه السلام أحلت لنا ميتتان ودمان فالدمان الكبد والطحال والميتتان السمك
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
المسألة الأولى
قال ابن رشد الحفيد في البداية أما المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع فإنهم اتفقوا فيما أعلم على أن الذكاة عاملة فيها إذا لم يصب لها مقتل وغلب على الظن أنها تعيش واختلفوا فيما إذا أصيب لها مقتل وغلب على الظن أنها لا تعيش فقال قوم تعمل الذكاة فيها وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور من قول الشافعي وقول الزهري وابن عباس وقال قوم لا تعمل الذكاة فيها
وعن مالك في ذلك الوجهان ولكن الأشهر أنها لا تعمل في الميئوس منها وبعضهم أول في المذهب أن الميئوس منها على ضربين ميئوسة مشكوك فيها وميئوسة مقطوع بموتها وهي المنفوذة المقاتل على اختلاف بينهم أيضا في المقاتل قال فأما الميئوسة المشكوك فيها ففي المذهب فيها روايتان مشهورتان وأما المنفوذة المقاتل فلا خلاف في المذهب المنقول أن الذكاة لا تعمل فيها وإن كان يتخرج فيها الجواز على وجه ضعيف وسبب اختلافهم اختلافهم في مفهوم قوله تعالى إلا ما ذكيتم هل هو استثناء متصل فيخرج من الجنس بعض ما يتناوله اللفظ وهو الأصناف الخمسة المذكورة على عادة الاستثناء المتصل أم هو استثناء منفصل لا تأثير في الجملة المتقدمة كما هو شأن الاستثناء المنقطع في كلام العرب فمن قال إنه متصل قال الذكاة تعمل في هذه الأصناف الخمسة محتجا بإجماعهم على أن الذكاة تعمل في المرجو منها فيدل على أن الاستثناء له تأثير فيها فهو متصل ومن قال إنه منفصل
قال الذكاة لا تعمل فيها محتجا بأن التحريم في قوله تعالى حرمت عليكم الميتة لم يتعلق بأعيان هذه الأصناف الخمسة وهي حية لأن لحم الحيوان محرم في حال الحياة بدليل اشتراط الذكاة فيها وبدليل قوله عليه الصلاة والسلام ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة وإنما يتعلق بها بعد الموت فمعنى الآية حرم عليكم لحم الميتة التي تموت من تلقاء نفسها فتسمى ميتة في أكثر كلام العرب أو بالحقيقة وكذلك لحم الميتة بهذه الأسباب المذكورة في
174
174
والجراد ومن لاحظ سرعة زهوق الروح وجعله أصلا في نفسه لم يجزها إلا بذكاة وهو مشهور مذهب مالك رحمه الله ومن لاحظ قاعدة أخرى وهو إلحاق النادر بالغالب في الشريعة أسقط ذكاة ما يعيش في البر من دواب البحر كالتمساح والترس وغيرهما نظرا لغالبه فإنه لا يعيش في البر وهو مشهور مذهب مالك رحمه الله ومن لاحظ القاعدة الأولى وجعل ميتة البحر على خلاف الأصل لم يسقط الذكاة في هذا النوع ويؤيده قوله تعالى حرمت عليكم الميتة وهذه ميتة أو يلاحظ قاعدة أخرى وهي حمل اللفظ العام على سببه دون عمومه فيختص بالميتة التي وردت الآية فيها وهي الميتة التي كانوا يأكلونها من الحيوان البري ويقولون تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله فهذه القواعد والأسرار هي الفرق بين هذه المواطن ولم يبقى منها إلا ذكاة الجنين في بعض أحواله قال أصحابنا إذا لم تجر فيه حياة لم تصح فيه ذكاة لا من قبله ولا من قبل أمه ولا يؤكل وإن جرت فيه الحياة وعلامة ذلك عندنا كمال الخلق ونبات الشعر فإن ذكيت الأم وخرج حيا ثم مات على
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الأصناف الخمسة قالوا فلما علم أن المقصود تعليق التحريم بأعيان هذه الأصناف بعد الموت لا في حال الحياة وجب أن يكون قوله تعالى إلا ما ذكيتم استثناء منفصلا لكن الحق في ذلك أن الواجب كيف ما كان الاستثناء أن تكون الذكاة تعمل فيها وذلك أنه إن علقنا التحريم بهذه الأصناف في الآية بعد الموت وجب أن تدخل الأصناف الخمسة في التذكية حال الحياة لأنها ما دامت حية مساوية لغيرها في ذلك لا فرق في وجوب دخولها حينئذ بين كون الاستثناء منفصلا أو متصلا إذ لا خفاء بوجوب ذلك إن قلنا إن الاستثناء متصل بل يحتمل أن يقال إن عموم التحريم يمكن أن يفهم منه تناول أعيان هذه الخمسة بعد الموت وقبله كالحال في الخنزير الذي لا تعمل فيه الذكاة فيكون الاستثناء على هذا رفعا لتحريم أعيانها بالتنصيص على عمل الذكاة فيها وإذا كان ذلك كذلك لم يلزم ما اعترض به ذلك المعترض من الاستدلال على كون الاستثناء منفصلا
وأما من فرق بين المنفوذة المقاتل والمشكوك فيها فيحتمل أن يقال إن مذهبه أن الاستثناء منفصل وأنه إنما جاز تأثير الذكاة في المرجوة بالإجماع وقاس المشكوكة على المرجوة ويحتمل أن يقال إنه استثناء متصل ولكن استثناء هذا الصنف أعني المنفوذة المقاتل بالقياس وذلك أن الذكاة إنما يجب أن تعمل في حين يقطع أنها سبب الموت فأما إذا شك هل كان موجب الموت الزكاة أو الوقذ أو النطح أو سائرها فلا يجب أن تعمل في ذلك وهذه هي حالة المنفوذة المقاتل وله أن يقول إن المنفوذة المقاتل في حكم الميتة والذكاة من شرطها أن ترفع الحياة الثابتة لا الحياة الذاهبة ا ه بتلخيص
المسألة الثانية
قال ابن رشد الحفيد في البداية أيضا وأما هل تعمل الذكاة في الحيوانات المحرمات الأكل حتى تطهر بالذكاة جلودها فإنهم اختلفوا في ذلك فقال مالك الذكاة تعمل في السباع وغيرها ما عدا الخنزير وبه قال أبو حنيفة إلا أنه اختلف المذهب في كون السباع فيه محرمة أو مكروهة وقال الشافعي الذكاة تعمل في كل حيوان محرم الأكل فيجوز بيع جميع أجزائه والانتفاع بها ما عدا اللحم وسبب
175
175
الفور كرهه ابن المواز ووقع في الجلاب تحريمه وإن استهل صارخا انفرد بحكم نفسه
وإن لم تذك الأم وألقته ميتا لم يؤكل وكذلك إن كان حيا حياة لا يعيش معها علم ذلك أو شك فيه وإن ذكيت الأم فخرج ميتا فذكاتها ذكاته وقاله الشافعي رضي الله عنه وقال أبو حنيفة لا بد له من ذكاة تخصه ولا يكفي فيه ذكاة أمه ومنشأ الخلاف أن ذكاة أمه تسرع زهوق نفسه بسهولة فإنه كالجزء منها فلا يحتاج إلى ذكاة أو يلاحظ أنه حيوان مستقل الأعضاء والفضلات فيحتاج إلى ذكاة تخصه وموته بموت أمه موت له بالغم والآفات الحاصلة له في محله والموت بذلك لا يبيح في غير صورة النزاع فكذلك في صورة النزاع فهذا منشأ الخلاف من حيث القواعد وأما من حيث النص فقوله عليه السلام ذكاة الجنين ذكاة أمه خرجه أبو داود يروى برفع الذكاة الثانية ونصبها فنحن والشافعية نعتمد على رواية الرفع ووجه الاعتماد عليها أن المبتدأ يجب انحصاره في الخبر والمبتدأ هنا ذكاة الجنين فتنحصر في زكاة أمه فلا يحتاج إلى ذكاة أخرى وإلا لما انحصرت في ذكاة أمه واعتمد الحنفية على رواية النصب والتقدير لوجه الحجة منها أن
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الخلاف هل جميع أجزاء الحيوان تابعة للحم في الحلية والحرمة أم ليست تابعة للحم فمن قال إنها تابعة للحم قال إذا لم تعمل الذكاة في اللحم لم تعمل فيما سواه ومن قال إنها ليست بتابعة
قال إنها تعمل في سائر أجزائه وإن لم تعمل في لحمه لأن الأصل أنها تعمل في جميع أجزائه فإذا ارتفع بالدليل المحرم للحم عملها في اللحم بقي عملها في سائر الأجزاء حتى يدل الدليل على ارتفاعه فيها أيضا ا ه
فرع
قال صاحب البيان قال ابن القاسم الدابة التي لا يؤكل لحمها إذا طال مرضها أو تعبت من السير في أرض لا علف فيها ذبحها أولى من بقائها لتحصل راحتها من العذاب وقيل تعقر لئلا يغري الناس ذبحها على أكلها وقال ابن وهب لا تذبح ولا تعقر لنهيه عليه السلام عن تعذيب الحيوان لغير مأكلة فإذا تركها صاحبها لذلك فعلفها غيره ثم وجدها قال مالك هو أحق بها لأنه مكره على تركها بالاضطرار لذلك ويدفع ما أنفق عليها وقيل هي لعالفها لإعراض المالك عنها أفاده الأصل المسألة الثالثة قال ابن رشد الحفيد في البداية وأما تأثير الذكاة في البهيمة التي أشرفت على الموت من شدة المرض فإنهم اختلفوا فيه بعد اتفاقهم على عمل الذكاة في التي لم تشرف على الموت فالجمهور على أن الذكاة تعمل فيها وهو المشهور عن مالك وروي عنه أن الذكاة لا تعمل فيها وسبب الخلاف معارضة القياس للأثر فأما الأثر فهو ما أخرجه البخاري ومسلم أن أمة لكعب بن مالك كانت ترعى غنما بسلع فأصيبت شاة منها فأدركتها فذكتها بحجر فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كلوها وأما القياس فلأن المعلوم من الذكاة أنها إنما تفعل في الحي وهذه في حكم الميت واتفق كل من أجاز ذبحها على أن الذكاة لا تعمل فيها إلا إذا كان فيها دليل على الحياة واختلفوا فيما هو الدليل المعتبر في ذلك فبعضهم اعتبر الحركة وبعضهم لم يعتبرها والأول مذهب أبي هريرة والثاني مذهب زيد بن ثابت وبعضهم اعتبر فيها ثلاث
176
176
هذا النصب لا بد له من عامل يقتضي النصب وتقديره عندهم ذكاة الجنين أن يذكى ذكاة مثل ذكاة أمه فحذف مثل الذي هو نعت للمصدر المحذوف وهو مضاف لذكاة أمه فأقيم المضاف إليه مقامه فأعرب كإعرابه بالنصب لأن القاعدة أن المضاف إليه متى أقيم مقام المضاف أعرب كإعرابه وحذف الناصب لهذا المصدر مع المصدر ونعته وبقي الكلام كما ترى فهذا تقرير مذهبهم
ووجه الحجة لهم من الحديث ولنا عنه جواب حسن وذلك أن نقول ما يتعين التقدير فيما ذكرتموه بل يصح النصب بتقدير آخر وهو قولنا ذكاة الجنين داخلة في ذكاة أمه فيكون ذكاة أمه منصوبا على أنه مفعول على السعة أو على الظرف بإسقاط حرف الجر وكان الأصل في ذكاة أمه فحذف حرف الجر فانتصب المجرور وهذا التقدير أولى لوجهين أحدهما أن المحذوف حينئذ يكون كلمة واحدة وهي قولنا داخلة وحرف الجر إن قلنا به وأما على تقديركم فيكون المحذوف أربع كلمات ولا خلاف أن قلة الحذف أولى فيكون ما ذكرناه أولى وثانيهما أن تقديرنا يؤدي إلى الجمع بين رواية النصب والرفع وعدم التعارض
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
حركات طرف العين وتحريك الذنب والركض بالرجل وهو مذهب سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وهو الذي اختاره محمد بن المواز وبعضهم شرط مع هذه التنفس وهو مذهب ابن حبيب ا ه
المسألة الرابعة
قال ابن رشد الحفيد أيضا وأما هل تعمل ذكاة الأم في جنينها أم لا تعمل فيه فإنهم اختلفوا في ذلك فذهب جمهور العلماء إلى أن ذكاة الأم ذكاة لجنينها وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة إن خرج حيا ذبح وأكل وإن خرج ميتا فهو ميتة وبعض من قال إن ذكاة الأم ذكاة له اشترط في ذلك تمام خلقته ونبات شعره وبه قال مالك وبعضهم لم يشترط ذلك وبه قال الشافعي وسبب اختلافهم في صحة الأثر الذي رواه أبو سعيد في ذلك فقال سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البقرة أو الناقة أو الشاة ينحرها أحدنا فنجد في بطنها جنينا أنأكله أم نلقيه فقال كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه وخرج مثله الترمذي وأبو داود عن جابر مع مخالفته للأصول فأما اختلافهم في صحته فبعضهم لم يصححه وبعضهم صححه ومنهم الترمذي وأما مخالفة الأصل في هذا الباب للأثر فهو أن الجنين إذا كان حيا ثم مات بموت أمه فإنما يموت خنقا فهو من المنخنقة التي ورد النص بتحريمها وإلى تحريمه ذهب أبو محمد ابن حزم ولم يرض سند الحديث وأما سبب اختلاف القائلين باشتراط نبات الشعر في حيته وعدم اشتراطه فمعارضة العموم للقياس
وذلك أن عموم قوله عليه السلام ذكاة الجنين ذكاة أمه يقتضي أن لا يقع هنالك تفصيل وكونه محلا للذكاة يقتضي أن يشترط فيه الحياة قياسا على الأشياء التي تعمل فيها التذكية والحياة لا توجد فيه إلا إذا نبت شعره وتم حلقه ويعضد هذا القياس أن هذا الشرط مروي عن ابن عمر وعن جماعة من الصحابة وروى معمر عن الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون إذا شعر الجنين فذكاته ذكاة أمه وروى ابن المبارك عن ابن أبي ليلى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكاة الجنين ذكاة أمه أشعر أو لم يشعر إلا أن ابن أبي ليلى سيئ الحفظ عندهم ولكن القياس يقتضي أن
177
177
وما ذكرتموه يفضي إلى التعارض وما أفضى إلى عدم التعارض كان أولى فما ذكرناه أولى
مسألة
قال صاحب البيان قال ابن القاسم الدابة التي لا يؤكل لحمها إذا طال مرضها أو تعبت من السير في أرض لا علف فيها ذبحها أولى من بقائها لتحصل راحتها من العذاب وقيل تعقر لئلا يغري الناس ذبحها على أكلها وقال ابن وهب لا تذبح ولا تعقر لنهيه عليه السلام عن تعذيب الحيوان لغير مأكلة فرع مرتب إذا تركها صاحبها فعلفها غيره ثم وجدها قال مالك هو أحق بها لأنه مكره على تركها بالاضطرار لذلك ويدفع ما أنفق عليها وقيل هي لعالفها لإعراض المالك عنها فهذا هو استيعاب هذا الباب بعلله ومقاصده إذا كان مقدورا عليه أما غير المقدور عليه وهو الصيد فلما كان المقصود في الحيوان المقدور عليه القصد إلى استخراج الدم الحرام المستخبث
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
تكون ذكاته في ذكاة أمه من قبل أنه جزء منها وإذا كان ذلك كذلك فلا معنى لاشتراط الحياة فيه فيضعف أن يخصص العموم الوارد في ذلك بالقياس الأول الذي تقدم ذكره عن أصحاب مالك ا ه
وقال الأصل قال أصحابنا إذا لم تجر في الجنسين حياة لم تصح فيه ذكاة لا من قبله ولا من قبل أمه ولا يؤكل وإن جرت فيه الحياة وعلامة ذلك عندنا كمال الخلق ونبات الشعر فإن ذكيت الأم وخرج حيا ثم مات على الفور كرهه ابن المواز ووقع في الجلاب تحريمه وإن استهل صارخا انفرد بحكم نفسه وإن لم تذك الأم وألقته ميتا أو حيا حياة لا يعيش معها علم ذلك أو شك فيه لم يؤكل
وإن ذكيت الأم فخرج ميتا فذكاتها ذكاته وقاله الشافعي رضي الله عنه وقال أبو حنيفة لا بد له من ذكاة تخصه ولا يكفي فيه ذكاة أمه ومنشأ الخلاف أما من حيث القواعد فلأن ذكاة أمه تسرع زهوق نفسه بسهولة فإنه كالجزء منها فلا يحتاج إلى ذكاة أو يلاحظ أنه حيوان مستقل الأعضاء والفضلات فيحتاج إلى ذكاة تخصه وموته بموت أمه موت له بالغم والآفات الحاصلة له في محله والموت بذلك لا يبيح في غير صورة النزاع فكذلك في صورة النزاع وأما من حيث النص فقوله عليه السلام ذكاة الجنين ذكاة أمه خرجه أبو داود وقد مر في الفرق الثالث والستين أنه روي برفع الذكاة الثانية وبها تمسك المالكية والشافعية في قولهم باستغناء الجنين عن الذكاة وأنه يؤكل بذكاة أمه من حيث إنها تقتضي حصر ذكاته في ذكاة أمه بمعنى أن ذكاة أمه تبيحه فيستغني بها عن الذكاة التي هي في العرف الشرعي عبارة عن الذبح الخاص في حلقه فبينه وبين أمه ملابسة تصح أن تكون ذكاة أمه هي عين ذكاته حقيقة لا مجازا بناء على قاعدة أن إضافة المصادر مخالفة لإسناد الأفعال في أنه يكفي في كونها حقيقة لغوية أدنى ملابسة كقولنا صوم رمضان وحج البيت بخلاف إسناد الأفعال فإنه يلزم لكونه حقيقة مراعاة الفاعل الحقيقي لا مطلق ملابس وروي بنصب الذكاة الثانية وبهذه الرواية تمسك الحنفية في قولهم باحتياج الجنين للذكاة
وأنه لا يؤكل بذكاة أمه
178
178
من اللحم الحلال الطيب بأسهل الطرق على تلك الحيوانات وهو فيها ممكن بآلة تصلح لذلك وهذا كله متيسر في الإنسي
وقد تعذر في الوحشي استخراج الدم وسهولة الطريق وبقي القصد والآلة ونزل السهم منزلة المدية لضرورة الفرار والتوحش فهو في الرتبة الثانية ويليه في الرتبة الثالثة الجارح لأنه له اختيار يبعد بسببه عن كونه آلة لأنه يجوز
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
بناء على أن التقدير ذكاة الجنين أن يذكى ذكاة مثل ذكاة أمه فحذف المضاف مع بقية الكلام وأقيم المضاف إليه مقامه فأعرب كإعرابه على قاعدة حذف المضاف مع أنه يمكن أن يكون التقدير على رواية النصب ذكاة الجنين داخلة في ذكاة أمه فخذف حرف الجر فانتصب الذكاة على أنه مفعول على حد دخلت الدار بل هذا التقدير أرجح مما قدره الحنفية بوجهين أحدهما قلة الحذف وثانيهما الجمع بين الروايتين ودفع التعارض بينهما ا ه بتلخيص وإصلاح قال ابن الشاط وما ذكره من أن الحديث يقتضي الحصر واستغناء الجنين عن الذكاة بذكاة أمه غير مسلم وما قاله من ترجيح التقدير على مذهب المالكية والشافعية بقلة الحذف وإن سلم إلا أنه يضعف بأنه ليس في مساق الكلام دليل على دخول ذكاة الجنين في ذكاة أمه كما أن التقدير على قول الحنفية وإن ضعف بكثرة الحذف إلا أنه يرجح بأنه من مقتضى مساق الكلام وما قاله من ترجيح التقدير على ما للمالكية والشافعية بالجمع لا يتم إلا إذا تعذر الجمع على ما للحنفية مع أن الجمع متجه على المذهبين معا والشأن إنما هو في ترجيح أحد الجمعين على الآخر وفي ذلك نظر وبسطه يطول فتأمل
المسألة الخامسة
قال ابن رشد الحفيد أيضا وأما هل للجراد ذكاة أم لا فقال مالك لا يؤكل من غير ذكاة وذكاته عنده هو أن يقتل إما بقطع رأسه أو بغير ذلك وقال عامة الفقهاء يجوز أكل ميتته وبه قال مطرف وذكاة ما ليس بذي دم عند مالك كذكاة الجراد وسبب اختلافهم في ميتة الجراد هو هل يتناوله اسم الميتة أم لا في قوله تعالى حرمت عليكم الميتة وللخلاف سبب آخر وهو هل نثرة حوت أو حيوان بري ا ه
وقال الأصل لم يشترط الذكاة في الجراد وغيره مما ليس له نفس سائلة من لاحظ عدم الفضلات فيها بل جعل استخراج الفضلات أصلا وإراحة الحيوان تبعا وأجاز ميتة ذلك كله وهو ظاهر حديث أنه عليه السلام قال أحلت لنا ميتتان ودمان فالدمان الكبد والطحال والميتتان السمك والجراد وأما من لاحظ سرعة زهوق الروح وجعله أصلا في نفسه فإنه لم يجزها إلا بذكاة وهو مشهور مذهب مالك رحمه الله تعالى
ا ه
المسألة السادسة قال ابن رشد الحفيد أيضا وأما هل للحيوان الذي يأوي في البر تارة وفي البحر تارة ذكاة أم لا فقد غلب قوم فيه حكم البر وآخرون حكم البحر واعتبر آخرون حيث يكون عيشه ومتصرفه منهما غالبا ا ه
وقال الأصل من لاحظ قاعدة إلحاق النادر بالغالب في الشريعة أسقط ذكاة ما يعيش في البر من دواب البحر كالتمساح والترس وغيرهما نظرا لغالبه فإنه لا يعيش في البر وهو مشهور مذهب مالك رحمه الله ومن لاحظ قاعدة تذكية الحيوان وجعل ميتة البحر على خلاف الأصل لم يسقط الذكاة في هذا النوع ويؤيده قوله تعالى حرمت عليكم الميتة وهذه ميتة إلا أن يلاحظ قاعدة حمل اللفظ العام على سببه دون عمومه فيختص بالميتة التي وردت الآية فيها وهي الميتة التي كانوا يأكلونها من الحيوان البري ويقولون
179
179
لنفسه لكن عارض كونه مختارا عدم العقل فيه فعدم عقله مخل باختياره مضافا إلى التعليم الحاصل فيه والأوهام التي حصلها فيه الآدمي بسبب التعليم والسياسة الخاصة فصار ذلك مقربا لكونه آلة له ولذلك لا يصلح أن يكون المجوسي آلة لعقله وكمال اختياره وإن كان الله تعالى جعل ذبيحته ميتة كافتراس الوحوش كما جعل نسائهم كالبهائم يحرم وطؤهن بسبب عدم تعظيمهم الكتب الإلهية والرسل الربانية فاهتضموا إلى حيث جعلوا كالبهائم وميز أهل الكتاب عليهم لتعظيمهم الرسل والرسائل من حيث الجملة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله ا ه تنبيهان الأول ما ذكر من أن المقصود في الذكاة القصد إلى استخراج الدم الحرام المستخبث من اللحم الحلال الطيب بأسهل الطرق على الحيوان إنما يتيسر في الحيوان الإنسي المقدور عليه أما الوحشي فقد تعذر فيه استخراج الدم وسهولة الطريق ولم يبق إلا القصد والآلة ونزل السهم منزلة المدية لضرورة الفرار والتوحش فهو أي السهم في الرتبة الثانية ويليه في الرتبة الثالثة الجارح لأن له اختيارا يبعد بسببه عن كونه آلة لأنه يجوز لنفسه لكن عارض كونه مختارا عدم العقل فيه فعدم عقله مخل باختياره مضافا إلى التعليم الحاصل فيه والأوهام التي حصلها فيه الآدمي بسبب التعليم والسياسة الخاصة فصار ذلك مقربا لكونه آلة له ولذلك لا يصلح أن يكون المجوسي آلة لعقله وكمال اختياره وإن كان الله تعالى جعل ذبيحته ميتة كافتراس الوحوش كما جعل نساءهم كالبهائم يحرم وطؤهن بسبب عدم تعظيمهم الكتب الآلهية والرسل الربانية فاهتضموا إلى حيث جعلوا كالبهائم وميز أهل الكتاب عليهم لتعظيمهم الرسل والرسائل من حيث الجملة التنبيه الثاني قال ابن رشد الحفيد في البداية اتفقوا على أن الذكاة في بهيمة الأنعام نحر وذبح وأن من سنة الغنم والطير الذبح وأن من سنة الإبل النحر وأن البقر يجوز فيها الذبح والنحر واختلفوا هل يجوز النحر في الغنم والطير والذبح في الإبل فذهب مالك إلى أنه لا يجوز النحر في الغنم والطير ولا الذبح في الإبل إلا في موضع الضرورة وقال قوم يجوز جميع ذلك من غير كراهة وبه قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وجماعة العلماء وقال أشهب إن نحر ما يذبح أو ذبح ما ينحر أكل ولكنه يكره وفرق ابن بكير بين الغنم والإبل فقال يؤكل البعير بالذبح ولا تؤكل الشاة بالنحر ولم يختلفوا في جواز ذلك في موضع الضرورة وسبب اختلافهم معارضة الفعل للعموم فأما العموم فقوله عليه الصلاة والسلام ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا وأما الفعل فإنه ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر الإبل والبقر وذبح الغنم وإنما اتفقوا على جواز ذبح البقر لقوله تعالى إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة وعلى ذبح الغنم لقوله تعالى في الكبش وفديناه بذبح عظيم ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم

180
180
الفرق الأربعون والمائة بين قاعدة أنكحة الصبيان تنعقد إذا كانوا مطيقين للوطء وللولي الإجازة والفسخ وبين قاعدة طلاقهم فإنه لا ينعقد ووجه الإشكال فيهما والجامع بينهما أن خطاب الوضع كما تقدم هو الخطاب بالأسباب والشروط والموانع والتقادير الشرعية وقد تقدم بسطها وإنها لا يشترط فيها التكليف ولا العلم ولذلك نوجب الضمان على الصبيان والمجانين ونطلق بالإعسار وإن كان معجوزا عنه وغير مشعور به وكذلك بالإضرار ونورث بالأنساب وإن لم يشعر به الوارث ولا هو من مقدوره لأن ذلك كله من باب خطاب الوضع الذي معناه أن صاحب الشرع قال إذا وقع هذا في الوجود فاعلموا أني قد حكمت بهذا بخلاف خطاب التكليف يشترط فيه القدرة على المكلف به والعلم به والطلاق سبب للبينونة والنكاح سبب للإباحة فينبغي أن ينعقد الجميع في حقه كما انعقد الإتلاف سبب الضمان والبيع بسبب العقد وغير ذلك من الأسباب الفعلية والقولية
هامش أنوار البروق
قال الفرق الأربعون والمائة بين قاعدة أنكحة الصبيان تنعقد إذا كانوا مطيقين للوطء وللولي الإجارة والفسخ وبين قاعدة طلاقهم فإنه لا ينعقد إلى آخر ما قاله في هذا الفرق قلت فيما فرق به هنا نظر وأما ما قاله في الفرقين بعده الحادي والأربعين والمائة والثاني والأربعين والمائة فصحيح
هامش إدرار الشروق
الفرق الأربعون والمائة بين قاعدة أنكحة الصبيان تنعقد إذا كانوا مطيقين للوطء وللولي الإجازة والفسخ وبين قاعدة طلاقهم فإنه لا ينعقد مع أن كلا من النكاح والطلاق سبب لشيء فالنكاح سبب للإباحة والطلاق سبب للبينونة فهما من خطاب الوضع لا من خطاب التكليف فقد تقدم أن خطاب الوضع هو الخطاب بالأسباب والشروط والموانع والتقادير الشرعية وتقدم بسطها وأنها لا يشترط فيها التكليف ولا العلم ولذلك نوجب الضمان على الصبيان والمجانين ونطلق بالإعسار وإن كان معجوزا عنه وغير مشعور به وكذلك بالإضرار بالأنساب وإن لم يشعر به الوارث ولا هو من مقدوره فإن معنى خطاب الوضع أن صاحب الشرع قال إذا وقع هذا في الوجود فاعلموا أني قد حكمت بهذا فكان لا ينبغي أن ينعقد طلاق الصبيان كما انعقدت أنكحتهم إذا كانوا مطيقين للوطء وللولي الإجازة والفسخ ولا يفرق بينهما كما أنهم لم يفرقوا بين كون إتلاف الصبي سببا لضمانه وعقد البيع سببا للزوم البيع ولا بين غير ذلك من الأسباب الفعلية والقولية إلا أن العلامة الأمير في ضوء الشموع ذكر سر الفرق بينهما بقوله إنما صح نكاح الصغير وتوقف على النظر ولم يصح طلاقه أصلا لأن الطلاق كما قال المشذالي من قبيل
181
181
فهذا وجه الجمع بينهما والفرق بين القاعدتين في أن الصبيان تنعقد أنكحتهم دون طلاقهم أن عقد الأنكحة سبب إباحة الوطء وهو أهل للخطاب بالإباحة والندب والكراهة دون الوجوب والتحريم لأنهما تكليف ومشقة من جهة لزوم استحقاق العقاب المحمول عن الصبيان لضعف عقولهم والطلاق سبب تحريم الوطء بإسقاط العصمة في الزوجة وهو ليس أهلا للتحريم فلم ينعقد سببا في حقه مع اشتراك السببين في أنهما خطاب وضع وانضاف إلى أحدهما تكليف فلا جرم انتفى انعقاده في حقه فإن قلت الإتلاف سبب وجوب الضمان والوجوب تكليف
وقد انعقد في حقه فيجب على الولي الإخراج من مال الصبي المتلف فإن تأخر ذلك للبلوغ وجب على الصبي في ماله وخوطب حينئذ فقد تأخر الوجوب الذي هو سبب الإتلاف إلى بعد البلوغ فلم لا ينعقد الطلاق في حقه ويتأخر التحريم إلى بعد البلوغ عند حصول أهلية التكليف كما قلتم ذلك في الإتلاف وكلاهما سبب وضعي يقتضي التكليف قلت الأصل ترتب المسببات على أسبابها وتأخرها عنها خلاف القواعد والإتلاف
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الحدود ولذلك تشطر على العبد وفي القرآن بعد ذكر الطلاق تلك حدود الله ولا حد على الصبي والنكاح من عقود المعاوضات فينظر الولي الأصلح
ا ه بلفظه وهو أولى مما قاله الأصل في سر الفرق هنا من أن عقد الأنكحة سبب إباحة الوطء وهو أصل للخطاب بالإباحة والندب والكراهة دون الوجوب والتحريم لأنهما تكليف ومشقة من جهة لزوم استحقاق العقاب المحمول عن الصبيان لضعف عقولهم والطلاق سبب تحريم الوطء بإسقاط العصمة في الزوجة والصبي ليس أهلا للتحريم فلذا لم ينعقد الطلاق سببا في حقه فهما وإن اشتركا في أنهما سببان وخطاب وضع إلا أن أحدهما وهو الطلاق لما انضاف إليه تكليف دون الآخر انتفى عنه دونه الانعقاد في حقه والإتلاف وإن انعقد في حقه سببا لوجوب الضمان والوجوب تكليف حتى أنه يجب على الولي الإخراج من مال الصبي المتلف فإن تأخر ذلك البلوغ وجب على الصبي في ماله وخوطب هو حينئذ إلا أن تأخير مسبب الإتلاف عنه إلى بعد البلوغ عند حصول أهلية التكليف على خلاف القواعد ولم يتعين لإمكان الإخراج حالة الإتلاف من مال الصبي أو ممن يتبرع به عنه بل هذا هو الغالب والعجز عن إخراج الضمان من ماله في الحال نادر فألحق بالغالب وانعقد الإتلاف سببا مطلقا وأما الطلاق فإنه لو انعقد في حقه لكان يتعين تأخير التحريم فيه الأمد الطويل والسنين الكثيرة إلى حين البلوغ على خلاف القواعد فلا جرم لم ينعقد في حقه ا ه
لقول العلامة ابن الشاط فيما فرق به هنا نظر
ا ه قلت ولعل وجهه ما قدمناه عنه في الفرق السادس والعشرين وغيره من أن التكليف بعينه مشقة لأنه منع الإنسان من الاسترسال مع دواعي نفسه وهو أمر نسبي وبهذا الاعتبار سمي تكليفا وهذا المعنى موجود في جميع أحكامه حتى الإباحة وذلك لأن القاعدة المقررة كما في الموافقات أن الشرائع إنما جيء بها لمصالح العباد فالأمر والنهي والتخيير جميعا راجعة إلى حظ المكلف ومصالحه لأن الله تعالى غني عن الحظوظ منزه عن الأعراض غير أن الحظ إن أخذه العبد من جهة الطلب
182
182
لم يتعين فيه تأخير مسببه عنه لإمكان الإخراج حالة الإتلاف من مال الصبي أو ممن يتبرع به عنه فلم يتعين أخر مسببه عنه وأما الطلاق فيتعين تأخير التحريم فيه الأمد الطويل والسنين الكثيرة إلى حين البلوغ فلا جرم لم ينعقد في حقه ولهذا الفرق أيضا انعقد سبب البيع في حقه لأنه سبب إباحة ترتب عليه مسببه في الحال وكذلك الإرث وغيره من الأسباب جميعها تترتب آثارها في حق الصبيان والتأخير في وجوب الضمان إنما وقع عارضا بسبب العز عن إخراجه من ماله في الحال وقد لا يتفق ذلك وهو الغالب فألحق النادر بالغالب وانعقد سببا مطلقا الفرق الحادي والأربعون والمائة بين قاعدة ذوي الأرحام لا يلون عقد الأنكحة وهم أخو الأم وعم الأم وجد الأم وبنو الأخوات والبنات والعمات ونحوهم ممن يدلي بأنثى وبين قاعدة العصبة فإنهم يلون العقد في النكاح وهم الآباء والأبناء والجدود والعمومة والإخوة الشقائق وإخوة الأب
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
فقط كالواجب والمحرم لم يكن ساعيا في حظه وإن لم يفته حظه وإن أخذه من حيث باعث نفسه فإما أن يطلبه مع ذلك من جهة كونه داخلا تحت الطلب أيضا كالمندوب والمكروه فيلحق بما قبله في التجرد عن الحظ ويسمى باسمه وإما أن يطلبه من جهة كونه غير داخل تحت الطلب كالمباح فلا يكون آخذا له إلا من جهة إرادته واختياره لأن الطلب مرفوع عنه بالفرض فلهذا يقال إن المباح هو العمل المأذون فيه المقصود به مجرد الحظ الدنيوي خاصة إلا أنه لم يتم فيه الحظ المذكور من جميع الوجوه بواسطة الحجر عن الاسترسال فيه وفي غيره إلا بمقتضى الإذن لم يخل عن كلفة ومشقة وقد تقدم في الفرق المذكور أيضا عن العلامة الأمير أن التكليف كما يفسر بإلزام ما فيه كلفة فلا يشمل الندب والكراهة كذلك يفسر بالطلب فيشملهما وعلى الأول يظهر ما رجحه المالكية من تعلق الندب والكراهة بالصبي كأمره بالصلاة لسبع من الشارع بناء على أن الأمر بالأمر أمر وأما الإباحة فليست تكليفا عليها وعدها في أحكامه إما تغليبا وإما لأنها لا تتعلق إلا بالمكلف لما صرح به في أصول الفقه من أن أفعال الصبي ونحوه كالبهائم مهملة ولا يقال إنها مباحة إذ المباحة ما لا إثم في فعلها ولا في تركها ولا ينفى الشيء إلا حيث يصح ثبوته
ا ه فافهم والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الحادي والأربعون والمائة بين قاعدة ذوي الأرحام لا يلون عقد الأنكحة وهم أخو الأم وعم الأم وجد الأم وبنو الأخوات والبنات والعمات ونحوهم ممن يدلي بأنثى وبين قاعدة العصبة فإنهم يلون العقد في النكاح وهم الآباء والأبناء والجدود والعمومة والإخوة الشقائق وإخوة الأب وهو أن الولاء شرع لحفظ النسب فلا يدخل فيه من لم يكن له نسب كذوي الأرحام وإنما يدخل فيه من يكون له نسب حتى تحصل الحكمة لمحافظته على مصلحة نفسه
183
183
والفرق بين الفرقين أن الولاء شرع لحفظ النسب فلا يدخل فيه إلا من يكون له نسب حتى تحصل الحكمة لمحافظته على مصلحة نفسه فذلك يكون أبلغ في اجتهاده في نظره في تحصيل الإكفاء ودرء العار عن النسب وخالف الشافعي رضي الله عنه في الابن فقال لا ولاية له واحتج على ذلك بوجوه
أحدها
قول النبي صلى الله عليه وسلم أيما امرأة أنكحت بغير إذن مواليها فنكاحها باطل والابن لا يسمى مولى وثانيها أنه يدلي بها فلا يزوجها كتزويجها لنفسها فإن الفرع لا يكون أقوى من الأصل ولما أدلى بها صار في معناها وثالثها أنه شخص لا تصح من أبيه الولاية فلا تصح منه كابن الخال مع الخال
والجواب عن الأول أنه روي بغير إذن وليها وهو وليها لأن الولاية من القرب لقول العرب هذا يلي هذا أي يقرب منه وابنها أقرب إليها من غيره لأنه جزؤها وجزء الشيء أقرب إليه من الأمور الخارجة عنه هذا على هذه الرواية وعلى الرواية الأخرى نقول
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
فذلك يكون أبلغ في اجتهاده في نظره في تحصيل الإكفاء ورده العار عن النسب وخالف الشافعي رضي الله تعالى عنه في الابن فقال لا ولاية له محتجا على ذلك بثلاثة وجوه
أحدها
قول النبي صلى الله عليه وسلم أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن مواليها فنكاحها باطل والابن لا يسمى مولى وثانيها أنه يدلي بها فلا يزوجها كتزويجها لنفسها فإن الفرع لا يكون أقوى من الأصل ولما أدلى بها صار في معناها وثالثها أنه شخص لا تصح من أبيه الولاية فلا تصح منه كابن الخال مع الخال والجواب عن الثلاثة الوجوه أما عن الأول فبوجهين الأول أن الحديث كما روي بغير إذن مواليها كذلك روي بغير إذن وليها والابن ولي أمه لأن الولاية من القرب لقول العرب هذا يلي هذا أي يقرب منه ولا شك أن ابنها أقرب إليها من غيره لأنه جزؤها وجزء الشيء أقرب إليه من الأمور الخارجة عنه الوجه الثاني أن المولى في الحديث على روايته بغير إذن مواليها لا نسلم أن المراد به خصوص السيد حتى يصح أن يقال لا يسمى الابن مولى بل المولى له معان كثيرة في لسان العرب فيحتمل أن يكون المراد به في الحديث منها الناصر بقوله تعالى فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين أي ناصره وقوله تعالى وأن الكافرين لا مولى لهم أي لا ناصر لهم وهو كثير والابن ناصر أمه فيكون هو مولاها بل هذا الاحتمال أولى لأن فيه جمعا بين الروايتين وأما عن الثاني فبالفرق بقوة عقله الناشئ عن الذكورية وضعف عقلها الناشئ عن الأنوثة وأما عن الثالث فبأنه جزء منها
184
184
المولى له معان كثيرة في لسان العرب منها الناصر لقوله تعالى فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين أي ناصره ومنه قوله تعالى وأن الكافرين لا مولى لهم أي لا ناصر لهم وهو كثير والابن ناصر أمه فيكون هو مولاه وهذا الاحتمال أولى لأن فيه جمعا بين الروايتين وعن الثاني الفرق بقوة عقله الناشئ عن الذكورية وضعف عقلها الناشئ عن الأنوثة وعن الثالث أنه جزء منها فيتعلق به عارها بخلاف أبيه وابن الخال فإن ابن الخال بعيد عنها لا تنكيه فضيحتها كما تنكي ابنها بل يجب أن يكون الابن مقدما على جميع الأولياء لأنه جزؤها وجزؤها أمس بها من الأمور الخارجة والقاعدة أنه يقدم في كل ولاية من هو أقوم بمصالحها ولذلك قدم في القضاء من هو أيقظ وأكثر تفطنا لوجوه الحجاج وسياسة الخصوم وأضبط للفقه ويقدم في الحروب من هو أعرف بمكايد الحروب وسياسة الجند والجيوش
ويقدم في الفتيا من هو أورع وأضبط لمنقولات الفقه وفي أمانة الحكم على الأيتام من هو أعرف بتنمية الأموال وأعرف بمقادير النفقات والكلف والجدال في الخصام ليناضل عن الأيتام
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
فيتعلق به عارها بخلاف أبيه وابن الخال فإن ابن الخال بعيد عنها لا تنكيه فضيحتها كما تنكي ابنها بل يجب أن يكون الابن مقدما على جميع الأولياء حتى الأب لأنه جزؤها وجزؤها أمس بها من الأمور الخارجة نعم في شب أن أب المجنونة مقدم في الجبر على ابنها والابن مقدم عليه في الولاية
ا ه لكنه غير المعقول إلا أن يؤول بأن في سببيته أي مقدم بسبب الجبر على ابن المجنونة والابن من زنى مثلا لأن الجبر ولاية وزيادة فلا يلزم أن الابن له جبر والابن مقدم في الولاية التي لا جبر فيها وهي الآتية في العصبات أفاده الأمير في شرح المجموع وضوء الشموع والقاعدة أنه يقدم في كل ولاية من هو أقوم بمصالحها ولذلك قدم في القضاء من هو أيقظ وأكثر تفطنا لوجوه الحجاج وسياسة الخصوم وأضبط للفقه وفي الحروب من هو أعرف بمكايدها وسياسة الجند أو الجيوش وفي الفتيا من هو أورع وأضبط لمنقولات الفقه وفي أمانة الحكم على الأيتام من هو أعرف بتنمية الأموال ومقادير النفقات والكلف والجدال في الخصام ليناضل عن الأيتام وفي سعاية الزكاة من هو أعرف بنصابها والواجب فيها وأحكام الزكاة من الاختلاط والافتراق وأقوى خرصا للثمار وربما كان المقدم في باب مؤخرا في باب آخر كما قدم الرجال في الحروب والإمامة وأخروا في الحضانة فإن مزيد إنفاقهم يمنعهم من تحصيل مصالح الأطفال وأخر النساء في الحروب والإمامة وقدمن في الحضانة عليهم فإنهن بسبب مزيد شفقتهن وصبرهن على الأطفال أكمل فيها منهم فلهذه القاعدة يقدم كل ولي تكون صفته أقرب على غيره من الأولياء لأن صفة أقربيته تكون حاثة على حسن النظر أكثر من غيره ونحن نعلم بالضرورة أن ابن الإنسان أشفق عليه من ابن عمه لا سيما إذا بعد وفي بداية المجتهد أن الشافعي اعتبر أن الولد ليس من عصبتها لحديث عمر لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها أو ذي الرأي من أهلها أو السلطان ولم يعتبره مالك في الابن لحديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ابنها أن ينكحها إياه ولأنهم اتفقوا أعني مالكا والشافعي على
185
185
ويقدم في سعاية الزكاة من هو أعرف بنصبها والواجب فيها وأحكام الزكاة من الاختلاط والافتراق وأقوى خرصا للثمار وربما كان المقدم في باب مؤخرا في باب آخر كما قدم الرجال في الحروب والإمامة وأخروا في الحضانة وقدم النساء عليهم بسبب مزيد شفقتهن وصبرهن على الأطفال فكن لذلك أكمل في الحضانة من الرجال فإن مزيد إنفاقهم يمنعهم من تحصيل مصالح الأطفال فلهذه القاعدة قدم الابن على غيره فإنا نعلم بالضرورة أن ابن الإنسان أشفق عليه من ابن عمه لا سيما إذا بعد ويقدم كل ولي على غيره من الأولياء إذا كانت صفته أقرب وحاله على حسن النظر أكثر من غيره فيقدم لذلك
الفرق الثاني والأربعون والمائة بين قاعدة الأجداد في المواريث يسوون بالإخوة وبين قاعدتهم في النكاح وميراث الولاء وصلاة الجنازة تقدم الإخوة عليهم وسر الفرق بين هذه المواطن والمواريث أن الجد في باب المواريث يقول أنا أبو أبيه والأخ يدلي بالبنوة فيقول أنا ابن أبيه والبنوة مقدمة على الأبوة فحجب الابن الأب عن
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
أن الابن يرث الولاء الواجب للأم والولاء للعصبة ا ه
فافهم والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الثاني والأربعون والمائة بين قاعدة الأجداد في المواريث يسوون بالإخوة وبين قاعدتهم في النكاح وميراث الولاء وصلاة الجنازة تقدم الإخوة عليهم مشهور المذهب أن ترتيب العصبة في غسل الميت وفيما إذا وصى لأقرب عصبة وفي ميراث الولاء وفي صلاة الجنازة وفي النكاح وفي تكميل عدد العاقلة هكذا ابن وإن سفل فأب فأخ فابنه فجد أدنى فعم أدنى فابنه فأبو الجد فعم الأب وهكذا يقدم الأصل على فرعه والفرع على أصل أصله وابن الأخ الشقيق على ابن الأخ للأب كما في المجموع ومقابل المشهور كما في ضوء الشموع قول المغيرة يقدم الجد على الأخ لأنه أب
ا ه وفي بداية المجتهد وروي عن مالك أن الأب أولى من الابن وهو أحسن وقال أيضا الجد أولى من الأخ وبه قال المغيرة وخالف الشافعي مالكا في ولاية البنوة فلم يجزها أصلا بل قال لا ولاية للابن وفي تقديم الإخوة على الجد ا ه
وترتيبهم في الحضانة أن يتوسط الأجداد بين الإخوة وأبنائهم وفي المواريث واستيفاء الدم من الجاني أن يسوى الأجداد بالإخوة بأن يقدم الأخ ثم الجد ثم ابن الأخ ثم العم ثم ابن العم وما أحسن قول عج رحمه الله تعالى بغسل وإيصاء ولاء جنازة نكاح أخا وابنا على الجد قدم وعقل ووسطه بباب حضانة وسوه مع الأباء في الإرث والدم ومراده بالآباء الإخوة دون أبنائهم قال الأصل وسر الفرق بين المواريث وبين الأبواب الثلاثة أعني النكاح وميراث الولاء ومنه الإيصاء وتكمل عدد العاقلة وصلاة الجنازة ومنه غسل الميت هو أنه وإن كانت العمدة في هذه الأبواب الأربعة من أن حجة الجد في باب المواريث أن يقول أنا أبو أبيه والأبوة
186
186
جملة المال إلى سدسه فهذه العمدة في الأبواب الأربعة كلها ويفترق الميراث من الثلاثة الأبواب الأخر بأن الجد تسقط الإخوة للأم به ولا نقدر الإخوة الأشقاء على ذلك ولا الإخوة للأب ويرث مع الابن بخلاف الإخوة فلما عارض بهذين الوجهين حجة الإخوة بالبنوة سوى بالإخوة في باب ميراث النسب لأنه هو الذي حصل فيه التعارض وهذا التعارض منفي في الأبواب الثلاثة بسبب أن الإخوة للأم لا مدخل لهم في ولاية النكاح ولا ميراث الولاء ولا في صلاة الجنازة حتى يقول الجد للإخوة أنتم عاجزون عن دفع هؤلاء وأنا لا أعجز عن دفعهم وإذا لم يمكن أن يعارضهم بذلك بقيت حجتهم بالبنوة وتقديمها على الأبوة سالمة عن المعارض فقدموا في الأبواب الثلاثة بخلاف ميراث النسب
الفرق الثالث والأربعون والمائة بين قاعدة الوكالة وبين قاعدة الولاية في النكاح
أن الرجل إذا وكل وكيلين في بيع سلعة فباعاها من رجلين كان النافذ من البيعين هو
هامش أنوار البروق
قال الفرق الثالث والأربعون والمائة بين قاعدة الوكالة وقاعدة الولاية في النكاح إلى قوله ثم يتبين عتق زوجها قبلها ردت إليه وقيل يفيتها قلت هذا الفرق عندي فاسد الوضع فإنه لا فرق بين البيع والنكاح من حيث إن السلعة إذا هلكت كان هلاكها فوتا ونفوذا للعقد الثاني وكذلك في النكاح في المسائل الثماني التي ذكر الفرق فيها
هامش إدرار الشروق
مقدمة على الأخوة قطعا ومن حجة الأخ في ذلك الباب أن يقول من حيث إنه يدلي بالبنوة عارضها في باب ابن أبيه والبنوة مقدمة على الأبوة قطعا فقد حجب الابن الأب عن جملة المال إلى سدسه إلا أن حجة الأخوة بالبنوة لما عارضها في باب ميراث النسب وجهان لم تحصل معارضتهما لهما في الثلاثة الأبواب الأخر أحدهما أن الجد يسقط الإخوة للأم به ولا تقدر الإخوة أشقاء كانوا أو لأب على ذلك وثانيهما أن الجد يرث مع الابن بخلاف الإخوة أما الثاني فظاهر وأما الأول فبسبب أن الإخوة للأم لا مدخل لهم في ولاية النكاح ولا في ميراث الولاء ولا في صلاة الجنائز لاختصاص هذه الأبواب بالعصبة وأخ الأم خارج عن العصبة وحينئذ لم يكن لقول الجد للإخوة أنتم عاجزون عن دفع هؤلاء وأنا لا أعجز عن دفعهم وإذا لم يمكن أن يعارضهم بذلك بقيت حجة الأخوة بالبنوة وتقديمها على الأبوة سالمة عن المعارض فقدموا في الأبواب الثلاثة بخلاف ميراث النسب
ا ه بتصرف وتوضيح للمراد وسلمه ابن الشاط قلت ويبقى سر الفرق بين باب الحضانة وبين الأبواب الأربعة مفتقرا للبيان ويخلق ما لا تعلمون فتأمل ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الثالث والأربعون والمائة بين قاعدة الوكالة وبين قاعدة الولاية في النكاح وذلك أن الأصل قال لم أجد لمالك ولا لأصحابه نصا في أن الوكيلين إذا باع أحدهما بعد الآخر سلعة
187
187
الأول وإذا جعلت المرأة أمرها لوليين فزوجاها من رجلين كفأين فالمعتبر أولهما إن عرف كالبيع إلا أن يدخل بها الأخير فهو أحق بها وهذه القاعدة فيها سبع مسائل يفيتهن الدخول مسألة الوليين وامرأة المفقود تتزوج بعد الأجل المضروب يفيتها الدخول فإن قدم قبل الدخول بها فهو أحق بها والمرأة تعلم بالطلاق دون الرجعة فتتزوج ثم تثبت رجعة الأول فإن دخل بها الزوج الثاني كان أحق بها وألغيت الرجعة
وقال مالك في المدونة إذا طلق زوج الأمة الأمة طلاقا رجعيا فراجعها في السفر فلم تعلم بذلك فوطئها السيد بعد انقضاء العدة مع علمه بالرجعة كان وطء السيد مفيتا لها كالوطء بالزوج وتكون هذه المسألة ثامنة لهذه المسائل وامرأة الرجل يرتد فيشك في كفره بالأرض البعيدة هل هو إكراه أو اختيار ثم يتبين أنه إكراه وقد تزوجت امرأته بناء على ظاهر كفره فإن دخل بها الثاني فهو أحق بها وإن لم يدخل بها فهي للأول والرجل يسلم على عشرة نسوة فاختار منهن أربعا فوجدهن ذوات محارم فإنه يرجع
هامش أنوار البروق
وإنما يحتاج إلى الفرق بين هذه المسائل والمسائل الأربع التي ذكر عدم الفوت فيها وأما الفرق بين تينك القاعدتين فليس بصحيح والله أعلم قال فالشافعي رحمه الله تعالى يسوي بين القاعدتين إلى قوله يصلح للترجيح لا للاستقلال قلت ما قاله من أن الشافعي يسوي بين القاعدتين يشعر بأن مالكا لا يسوي بينهما وليس الأمر كذلك بل مالك أيضا يسوي بينهما غير أنه فرق بين مسائل من فروع القاعدتين فيطلب وجه ذلك الفرق وما قاله من أن القياس قول الشافعي صحيح
هامش إدرار الشروق
واتصل بالثاني تسليم انعقد عقده وفات عقد الأول بل إنما قالوا النافذ من البيعين هو الأول مطلقا نعم وقع لمالك في المدونة والجلاب أن الوكيل والموكل خاصة إذا باع أحدهما بعد الآخر انعقد عقد السابق إلا أن يتصل بالثاني تسليم فقال الأصحاب هذا قياس على مسألة الوليين تجعل المرأة أمرها لهما فيزوجاها من رجلين كفأين فالمعتبر أولهما إن عرف إلا أن يدخل بها الأخير فهو أحق بها لقضاء عمر رضي الله عنه بذلك ومذهب مالك رحمه الله تعالى أن يقول الصحابي الواحد كما يصلح للترجيح كذلك يصلح للاستقلال فيكون حجة على غيره من غير الصحابة لحديث أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم رواه ابن ماجه وهو كذلك عند الشافعي في القديم وعلى قوله الجديد يصلح للترجيح لا للاستقلال فليس بحجة على غيره من الصحابة اتفاقا ولا على غيره من غير الصحابة كما في شرح الحطاب على ورقات إمام الحرمين في أصول الفقه مع المتن وقال ابن عبد الحكم لا عبرة بالتسليم بل إنما ينعقد عقد الأول والفرق بين مسألة الوليين في النكاح ومسألة الوكيل وموكله في البيع أن كشف النكاح مضرة عظيمة بخلاف البيع وهذا هو الصحيح والتخريج مع قيام الفارق باطل إجماعا فلو رام مخرج تخريج الوكيلين على الموكل والوكيل على ما لمالك في المدونة والجلاب لتعذر ذلك بسبب الفرق أيضا وهو أن الموكل له التصرف بطريق الأصالة والوكيل له التصرف بطريق النيابة فهو فرع فإن تأخر عقده
188
188
ويختار من البواقي ما لم يتزوجن ويدخل بهن أزواجهن فمن دخل بها فات الأمر فيها بالدخول ومن لم يدخل بها كان له أخذها وقيل لا يفيتهن الدخول والمرأة تطلق للغيبة ثم يقدم بحجة
فإن وجدها تزوجت ودخل بها فاتت عليه وإن لم يدخل بها لم تفت عليه والمرأة تسلم وزوجها كافر فيفرق بينهما ثم يبين تقدم إسلامه عليها وخولفت هذه القاعدة في أربع مسائل في المذهب أيضا المرأة ينعى لها زوجها ثم يتبين حياته وقد تزوجت فإنها لا يفيتها الدخول وقيل يفيتها الدخول والمطلقة بسبب الإعسار بالنفقة ثم يتبين أنها أسقطتها عنه قبل ذلك وقد تزوجت فإنها ترجع إليه وإن دخل بها الثاني والرجل يقول عائشة طالق وله امرأة حاضرة اسمها عائشة وقال لم أردها ولي امرأة أخرى تسمى عائشة ببلد آخر وهي التي أردت فإنها تطلق عليه هذه لأن الأصل عدم امرأة أخرى فإن تبين صدقه وقد تزوجت ودخل بها زوجها ردت إليه ولا يفتيها الدخول والأمة تختار نفسها تتزوج ويدخل بها زوجها ثم يتبين عتق زوجها قبلها ردت إليه وقيل يفيتها
هامش أنوار البروق
قال ووجه الحجة على الشافعي إلى ما ذكر في الفرق قلت ما قاله يحتاج إلى تأمل ونظر
هامش إدرار الشروق
ووقع التسليم في عقد الموكل أمكن أن يقول مالك ذلك عندي مضاف للتسليم وكونه متصرفا بطريق الأصالة والأصالة لها قوة وله أيضا قوة العزل والتصرف بنفسه وهو معنى مناسب مفقود في الوكيلين فإن كليهما فرع لا أصالة له فلا ينعقد عقد اللاحق منهما مطلقا اتصل به قبض أم لا ومهما وجدنا معنى يمكن أن يلاحظه الإمام امتنع التخريج على محل ذلك الفارق كما أن المجتهد إذ وجد معنى يمكن أن يكون فارقا امتنع عليه القياس فالمقلد مع المجتهد كالمجتهد مع الشارع والوليان في النكاح وإن كانا فرعين لا متأصل فيهما إلا أن المرأة في النكاح لما كان يتعذر عليها الاستقلال سقط اعتبار التأصل فيها بخلاف الموكل في البيع فإنه لما كان يمكن استقلاله أمكن أن يكون إمكان استقلاله فرقا يلاحظه الإمام فيتعذر التخريج والصواب عدم التخريج مطلقا في الموكل والوكيل والوكيلين أيضا فتكون قاعدة الوكيلين والموكل والوكيل عند مالك تخالف قاعدة مسألة الوليين والسبع المسائل نظائرها عنده في أن دخول الأخير بالمرأة فيها يفيتها على من قبله
المسألة الأولى
امرأة المفقود تتزوج بعد الأجل المضروب فإن قدم قبل الدخول بها فهو أحق بها وإلا فاتت عليه بالدخول المسألة الثانية المرأة تعلم بالطلاق دون الرجعة فتتزوج ثم ثبتت رجعة الأول فإن دخل بها الزوج الثاني كان أحق بها وألغيت الرجعة لقضاء معاوية بن أبي سفيان وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما بذلك وأفاتاها بالدخول المسألة الثالثة قال مالك في المدونة إذا طلق زوج الأمة الأمة طلاقا رجعيا فراجعها في السفر فلم
189
189
فالشافعي رضي الله عنه يسوي بين القاعدتين وجعل العقد السابق هو المعتبر وما بعده باطل حصل دخول أم لا فهذا هو القياس فإن من شرط عقد النكاح أن تكون خالية عن زوج وهذه ذات زوج فلا يصح العقد عليها واعتمد مالك رحمه الله تعالى على قضاء عمر رضي الله عنه في مسألة الوليين وقضاء معاوية بن أبي سفيان وعبد الله بن الزبير في مسألة الرجعة وأفاتوا المرأة بالدخول وهذا مدرك عند مالك وعند الشافعي رضي الله عنه ليس بمدرك لأن مذهبه أن قول الصحابي يصلح للترجيح لا للاستقلال ووجه الحجة على الشافعي وهو سر الفرق المقصود بين القاعدتين أنا أجمعنا على الأخذ بالشفعة وهو إبطال أثر العقد السابق وتسليط الشفيع على إبطاله لأجل الضرر الداخل على الشريك من توقع القسمة
وإذا قضى بتقديم الضرر على القعد هنالك وجب أن يقضي ههنا بتقديم الضرر على العقد السابق بطريق الأولى من وجهين
الأول
أن ضرر الشفعة متوقع فإن القسمة قد تحصل وقد لا تقع ألبتة وأما الضرر ههنا فناجز وتقريره أن الرجل إذا طلع على المرأة حصل له بها تعلق في الغالب وحصل لها هي أيضا تعلق فإن الرجل إنما يتزوج في الغالب من مالت نفسه إليها وإذا دخل عليها مع الميل المتقدم وجدت الرؤية والمباشرة فالغالب حصول الميل كذا هي أيضا إنما
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
تعلم بذلك فوطئها السيد بعد انقضاء العدة مع عدم علمه بالرجعة كان وطء السيد مفيتا لها كالوطء بالزوج
المسألة الرابعة
امرأة الرجل يرتد فيشك في كفره بالأرض البعيدة هل هو إكراه أو اختيار ثم تبين أنه إكراه وقد تزوجت امرأته بناء على ظاهر كفره فإن دخل بها الثاني فهو أحق بها وإن لم يدخل بها فهي للأول المسألة الخامسة الرجل يسلم على عشر نسوة فاختار منهن أربعا فوجدهن ذوات محارم فإنه يرجع ويختار من البواقي ما لم يتزوجن ويدخل بهن أزواجهن فمن دخل بها فات الأمر فيها بالدخول ومن لم يدخل بها كان له أخذها وقيل لا يفيتهن الدخول المسألة السادسة المرأة تطلق للغيبة ثم يقدم بحجة فإن وجدها تزوجت ودخل بها فاتت عليه وإن لم يدخل بها لم تفت عليه المسألة السابعة المرأة تسلم وزوجها كافر فيفرق بينهما ثم يبين تقدم إسلامه عليها فتفوت عليه إن تزوجت ودخل بها وإن لم يدخل بها لم تفت عليه وتخالف هذه القاعدة أعني قاعدة مسألة الوليين ونظائرها السبع أربع مسائل في المذهب أيضا الأولى المرأة ينعى لها زوجها ثم يتبين حياته وقد تزوجت فإنها لا يفيتها الدخول وقيل يفيتها الدخول الثانية المطلقة بسبب الإعسار للنفقة ثم يتبين أنها أسقطتها عنه قبل ذلك وقد تزوجت فإنها ترجع إليه وإن دخل بها الثاني الثالثة الرجل يقول عائشة
190
190
رضيت به بعد ميل نفسها إليه فإذا باشرته مع الميل المتقدم وحصول الإرب فالغالب حصول الميل وإذا كان الظاهر حصول الميل إما من الجانبين وإما من أحدهما فلو قضينا بالفراق بعد هذا الميل الناشئ من الدخول وقضاء الأوطار لحصل الضرر الناجز لمن حصل له الميل بألم الفراق فعلم أن ضرر الشفعة متوقع وضرر هذه المسائل واقع والواقع أقوى من المتوقع الوجه
الثاني
في موجب القياس بطريق الأولى أن الشريك الشفيع يأخذ بغير عقد أضيف إليه بل بمجرد الضرر وههنا الزوج الثاني معه عقد يقابل به العقد الأول فصار دفع ضرره معضودا بعقد ودفع ضرر الشريك غير معضود بعقد فكان المعضود أولى فإن قلت وجود هذا العقد كعدمه لأن المحل غير قابل له فلا يصح للترجيح قلت كون وجوده كعدمه هو محل النزاع نحن نقول ليس وجوده كعدمه بل اتفقنا على أن مثل هذه الصورة من العقد موجبة للعصمة في غير صورة النزاع فوجب أن يكون هنا كذلك عملا بوجود الصورة من الإيجاب والقبول ورضى الولي والمرأة وكون تقدم العقد مانعا صورة النزاع
وهذا وجه الترجيح فإن قلت ما الفرق بين مسألة الوليين ومسألة الوكيلين وكلا
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
طالق وله امرأة حاضرة اسمها عائشة وقال لم أردها ولي امرأة أخرى تسمى عائشة ببلد آخر وهي التي أردت فإنها تطلق عليه هذه الحاضرة لأن الأصل عدم امرأة أخرى فإن تبين صدقه وقد تزوجت ودخل بها زوجها ردت إليه ولا يفيتها الدخول
الرابعة
الأمة تعتق وتختار نفسها وتتزوج ويدخل بها زوجها ثم تبين عتق زوجها قبلها ردت إليه وقيل يفيتها الدخول وسوى الشافعي رضي الله عنه بين القاعدتين في اعتبار العقد السابق في بابي البيع كالنكاح في جميع مسائله والعقد الذي بعده باطل حصل دخول أم لا وهو القياس فإن من شرط عقد النكاح أن تكون خالية عن زوج وهذه ذات زوج فلا يصح العقد عليها إلا أن مالكا رحمه الله تعالى اعتمد على قضاء عمر رضي الله عنه في مسألة الوليين وقضاء معاوية بن أبي سفيان وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما في مسألة الرجعة وأفاتوا المرأة بالدخول وهذا مدرك عنده لا عند الشافعي كما تقدم فيحتاج على مذهب مالك لأمرين الأمر الأول بيان سر الفرق المقصود بين القاعدتين بأنا أجمعنا على الأخذ بالشفعة وهو إبطال أثر العقد السابق وتسليط الشفيع على إبطاله لأجل الضرر الداخل على الشريك من توقع القسمة وإذا قضي بتقديم مجرد الضرر المتوقع غير الناجز بدون أن ينضم إليه عقد على العقد هنالك وجب أن يقضى هاهنا بتقديم الضرر الناجز المنضم إليه عقد على العقد السابق بطريق الأولى أما كون ضرر الشريك في الشفعة متوقعا لا ناجزا فلأنها قد تحصل وقد لا تقع ألبتة وأما كون ضرر فراق الثاني إذا دخل هنا ناجزا لا متوقعا فلأن الرجل إنما يتزوج في الغالب من مالت نفسه إليها وإذا دخل عليها مع الميل المتقدم وجدت الرؤية والمباشرة فالغالب حصول الميل وكذلك هي أيضا إنما رضيت به بعد ميل نفسها إليه فإذا باشرته مع الميل المتقدم وحصول الأرب
191
191
على أن يزوج كل واحد منهما بامرأة فزوجاه بامرأتين فدخل بإحداهما فتبين أنها خامسة فإنها لا يفتيها الدخول إجماعا فكذلك ههنا والجامع بطلان العقد قلت بالفرق بينهما من عشر أوجه
أحدها
المانع من الصحة في الخامسة هو عقد الرابعة مع ما تقدمه من العقود والمانع في الوليين عقد واحد فهو أخف فسادا وأقل موانع ففاتت بالدخول بخلاف الخامسة الثاني أن الأولياء الغالب عليهم الكثرة دون الولاء فصورة الوليين مما يكثر وقوعها فالقول ببطلان العقد الثاني بعد الدخول يؤدي إلى كثرة الفساد والخامسة نادرة لأن الفساد فيها الناشئ عن الاطلاع والكشف قليل الثالث أن الزوج كالمشتري الذي هو صاحب الصداق الذي هو الثمن والمرأة كالبائع لأنها صاحبة السلعة والسلع مقاصد والأثمان وسائل ورتبتها أخفض من رتبة المقاصد فلذلك لم يبطل عقد الرابعة لأنه إبطال لمقصد وإبطال العقد الأول للزوج الأول إبطال لصاحب وسيلة التعارض إنما وقع بين الزوجين اللذين هما صاحبا وسيلة وبين الرابعة والخامسة في صاحبي مقصد فاجتمع في الرابعة كونه مقصدا وموافقة الأوضاع الشرعية فامتنع إبطاله لقوته بخلاف الزوج الأول
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
فالغالب حصول الميل وإذا كان الظاهر حصول الميل إما من الجانبين وإما من أحدهما فلو قضينا بالفراق بعد هذا الميل الناشئ من الدخول وقضاء الأوطار لحصل الضرر الناجز لمن حصل له الميل بألم الفراق فضرر هذه المسائل الثماني واقع وضرر الشفعة متوقع والواقع أقوى من المتوقع وأما كون الضرر هنا معضودا بعقد بخلافه في الشفعة فلأن الشريك الشفيع يأخذ بغير عقد أضيف إليه بل بمجرد الضرر وهاهنا الزوج الثاني معه عقد يقابل به العقد الأول وبالجملة فسير مخالفة قاعدة مسألة الوليين ونظائرها السبع عند مالك رحمه الله تعالى لقاعدة الوكيلين في البيع هو تحقق القياس الجلي على الأخذ بالشفعة في القاعدة الأولى دون الثانية
الأمر الثاني
بيان ما يرد على هذا الفرق من الأسئلة وما يجاب به عنها
فالسؤال الأول أن وجود العقد مع الزوج الثاني هنا لا يصلح مرجحا ضرورة أن المحل غير قابل له لأن عقد الزوج الأول مانع منه فهو معدوم شرعا والمعدوم شرعا كالمعدوم حسا وجوابه أنه لا نسلم ذلك لأنا لما اتفقنا على أن وجود مثل صورة هذا العقد من الإيجاب والقبول ورضى الولي والمرأة موجبة للعصمة في غير صورة النزاع وجب هنا العمل بالصورة أيضا في الترجيح وعدم الالتفات لما في صورة النزاع من كون عقد الزوج الأول مانعا من قبول المحل لهذا العقد حتى يقال إنه كعدمه والسؤال الثاني لم اعتبرتم في مسألة الوكيلين يوكلهما الرجل على أن يزوجه كل واحد منهما بامرأة فزوجاه بامرأتين فدخل بإحداهما فتبين أنها خامسة كون عقد ما قبل المدخول بها مانعا حيث قلتم لا يفيتها
192
192
الرابع
أن ولوع الرجال بالنساء وشغفهم بهن أكثر منهن بهم والعادة شاهدة بذلك فإن الرجال هم الباذلون والخاطبون إلى غير ذلك من الدلائل على فرط الميل ولم يوجد ذلك في النساء لضعف طبعهن وغلبة الحياء عليهن وإذا كان شغف الرجال بهن أعظم صعب التفريق في مسألة الوليين لأنه ضرر بالزوج الثاني الذي حصل له الشغف بالدخول والخامسة إنما يتوقع فيها داعية ضعيفة فكان الفساد أقل الخامس أن داعية الرجال في السؤال عن الواقع من أولياء المرأة ضعيف وعن الواقع من الوكلاء في التزويج قوي فكثر الأول دون الثاني فكان مخالفة القاعدة في الوليين أقل السادس أنه يتهم في الخامسة أن يكون عدل إليها عن الرابعة مع عمله بها لأنه المختار للدخول والمرأة محكوم عليها لا خيرة لها السابع أن الخامسة على خلاف القاعدة المعتبرة فعظمت أسباب إبطالها لأن الله تعالى جعل ثلاثا مستثنيات فتجوز الهجرة ثلاثا والإحداد ثلاثا وأيام الخيار ثلاثا والضرات ثلاثا ثم يلزم ويمكث الهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا وجعل المرأة تضر بثلاث من النساء والخامسة لو صححناها وقع الإضرار بأربع ولم يوجد في مسألة الوليين مخالفة قاعدة إلا ما اشتركا فيه
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الدخول إجماعا ولم تعتبروا في مسألة الوليين ونظائرها السبع كون عقد الأول مانعا حيث قلتم يفيتها دخول الثاني فما الفرق بينهما وجوابه أنه يفرق بينهما من عشرة أوجه أحدها أن المانع هنا عقد واحد وفي الخامسة عقد الرابع مع ما تقدمه من العقود الثاني أن الغالب على الأولياء الكثرة فيؤدي القول ببطلان العقد الثاني بعد الدخول في صورتهما إلى كثرة الفساد وعلى الوكلاء الندرة فلا يؤدي إلى كثرة الفساد القول بفساد الخامسة الناشئ عن الاطلاع والكشف النادر الثالث أن التعارض في الوليين وقع بين الزوجين اللذين هما صاحبا وسيلة ضرورة أن الزوج الذي هو صاحب الصداق كالمشتري الذي هو صاحب الثمن والأثمان وسائل وفي الوكيلين وقع بين الزوجتين الرابعة والخامسة اللتين كالبائع في كون كل منهما صاحبة سلعة والسلع مقاصد ورتبة الوسائل أخفض من رتبة المقاصد فلم يكن في إبطال عقد الزوج الأول إلا إبطال ما رافق الأوضاع الشرعية بخلاف عقد الرابعة فقد اجتمع في إبطاله ما هو مقصد وما هو موافق للأوضاع الشرعية فلذا امتنع إبطاله لقوته ولم يمتنع إبطال عقد الزوج الأول لضعفه الرابع أن العادة شاهدة بولوع الرجال بالنساء وشغفهم بهن أكثر منهن بهم ألا ترى أن الرجال هم الباذلون والخاطبون إلى غير ذلك من الدلائل على فرط الميل ولم يوجد ذلك في النساء لضعف طبعهن
193
193
الثامن إن شاء أولياء السؤال عن حال الزوج وليس شأن أولياء الرجل السؤال عن حال المرأة فضعفت الشبهة في الخامسة بكشف أوليائها التاسع أن عقد الوكالة ضعيف لأنه جاء من الطرفين ولأن المكلف ينشئه فيكون ضعيفا كالنذر مع الواجب المتأصل بخلاف الأولياء العاشر أن في الخامسة مفسدة اندفعت بالفسخ وهي أنها على ضرات أربع لها والفائت على ذات الوليين صحبة الزوج الأول ودرء المفاسد أولى من تحصيل المصالح فإن قلت في صورة الشفعة الشريك مخير وههنا الزوج الثاني ليس مخيرا بل أنتم تعينون المرأة له جزما فقد زادت صورة الفرع المقيس على صورة الأصل المقيس عليه بوصف اللزوم فليس الحكم مثل الحكم فلا يصح القياس لتباين الأحكام قلت الوجه الذي وقع فيه القياس لا اختلاف فيه لأن القياس إنما وقع من جهة تقديم المضرة على العقد السابق والصورتان من هذا الوجه مستويتان لا اختلاف فيهما وإنما جعل اللزوم في صورة النزاع دون صورة الشفعة لامتناع الخيار في النكاح لئلا تكون المخدرات بذلة بالخيار فلذلك حصل اللزوم والتعيين للزوج الثاني ولما كانت السلع والعقار قابلة للتخيير والخيار ثبت للشفيع الخيار من غير لزوم فإن قلت إنما أبطلنا العقد في الشفعة لضرر الشفيع لأن العقار مال ورتبة الأموال أخفض من
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
وغلبة الحياء عليهن وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله تعالى هن لباس لكم وأنتم لباس لهن حيث إنه قدم الجملة الأولى على الثانية تنبيها على ظهور احتياج الرجل للمرأة وعدم صبره عنها لأنه هو البادئ بطلب ذلك وكنى باللباس لشدة المخالطة كما في الجمل على الجلالين فيكون ضرر التفريق بالزوج الثاني الذي حصل له الشغف بالدخول في مسألة الوليين أصعب منه بالخامسة إذ لا يتوقع فيها إلا داعية ضعيفة
الخامس
أن مخالفة القاعدة في الوليين أقل من مخالفتها في الوكيلين إذ القاعدة أن السؤال عن الواقع من الوكلاء في التزويج قوي وعن الواقع من أولياء المرأة ضعيف السادس أن المرأة محكوم عليها ولا خيرة لها لا تتهم والرجل من حيث إنه المختار للدخول يتهم أن يكون عدل عن الرابعة إلى الخامسة مع علمه بها السابع أن دخول الثاني في مسألة الوليين وإن شارك دخول الزوج بالخامسة في مخالفة قاعدة منع العقد السابق إلا أن الدخول بالخامسة مع ذلك خالف القاعدة المعتبرة من أن الله تعالى جعل ثلاثا ومستثنيات فتجوز الهجرة ثلاثا والإحداد ثلاثا وأيام الخيار ثلاث والضرات ثلاث ثم يلزم فعظمت أسباب الإبطال في الخامسة دون مسألة الوليين الثامن أن شأن أولياء المرأة السؤال عن حال الزوج فتضعف الشبهة في الخامسة بكشف أوليائها وليس شأن أولياء الرجل السؤال عن حال المرأة فتقوى الشبهة في ذات الوليين ونحوها التاسع أن عقد الوكالة ضعيف كالنذر مع الواجب المتأصل لأمرين أحدهما أنه جاء من الطرفين
194
194
رتبة الإبضاع ولا يلزم من مخالفة العقد المقتضي لما هو أدنى مخالفة العقد المقتضي لما هو أعلى وهذا فرق يبطل القياس قلت هذا بعينه مستندنا في أولوية القياس وذلك أنكم إذا سلمتم أن الإبضاع أعلى رتبة من الأموال يكون الضرر بفوات مقاصدها أعظم من ضرر الشريك فيكون أولى بالمراعاة فإن قلت الزوج الثاني كما حصل له تعلق بالدخول في مسألة الوليين فالزوج الأول وقد حصل له أيضا تعلق في مسألة الرجعة والمفقود وغيرهما فلم كان دفع ضرر الثاني أولى من الأول لا سيما وصحبة الأول أطول ومعاهد قضاء الأوطار بينهما أكثر قال الشاعر ما الحب إلا للحبيب الأول قلت بل ضرر الثاني هو الأولى بالمراعاة وذلك لأن الأول أعرض بالطلاق وتوحش العصمة إما بالطلاق وإما بالفراق من غير طلاق وإما بحصول السآمة من طول المباشرة وقد جرت العادة أن طول صحبة المرأة توجب قلة وقعها في النفس وأن جدتها توجب شدة وقعها في النفس وبهذا يظهر أن ضرر الثاني أقوى وأولى بالمراعاة فهذا هو سر الفرق بين قاعدة الأنكحة في هذا الباب وبين قاعدة الوكالات في السلع والإجارات فإن قلت قد سردت ثنتي عشرة مسألة منها ثمانية من هذه القاعدة ومنها أربع تعارضها وهي
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
وثانيهما أن المكلف ينشئه بخلاف الأولياء العاشر أن في الخامسة مفسدة أنها على ضرات أربع لها اندفعت بالفسخ والفائت على ذوات الوليين صحبة الزوج الأول ودرء المفاسد أولى من تحصيل المصالح والسؤال الثالث أن قياس مسألة الوليين ونظائرها على مسألة الشفعة للشريك لا يصح لتباين الأحكام ضرورة أن الشريك في صورة الشفعة مخير والزوج الثاني هاهنا ليس مخيرا بل أنتم قد عينتم المرأة له جزما فقد زادت صورة الفرع المقيس على صورة الأصل المقيس عليه بوصف اللزوم وجوابه أن للأصل المقيس عليه جهتين إحداهما جهة التخيير وهي خاصة بالأصل المذكور لكون السلع والعقار قابلة للتخير والخيار فلذا ثبت للشفيع الخيار من غير لزوم وتمتنع في الفرع الذي هو صورة النزاع لامتناع الخيار في النكاح لئلا تكون المخدرات بذلة بالخيار فلذلك حصل اللزوم والتعيين للزوج الثاني ولم تلاحظ في القياس هذه الجهة الجهة الثانية جهة تقديم المضرة على العقد السابق وصورة النزاع التي هي الفرع مساوية لصورة الشفعة التي هي الأصل في هذه الجهة التي وقع القياس باعتبارها والسؤال الرابع أن ضرر الشفيع إنما أبطل العقدة في الشفعة المقتضي إباحة الأموال التي رتبتها أخفض من رتبة الإبضاع فلا يلزم أن يكون ضرر الزوج الثاني مبطلا للعقد في صورة النزاع المقتضي
195
195
نقض على ما ذكرته من الفرق والنقض موجب لعدم الاعتبار فيلغى ما ذكرته من الفرق ما لم تفرق بينهما قلت ما ذكرته سؤال حسن مسموع وبيان الفرق بين الأربعة والثمانية يتضح بأن تعين أقرب الثمانية للأربعة وتبين الفرق بين تلك الصورة وتلك الأربعة فيحصل الفرق بين الأربعة والثمانية أو تعين أقرب الصور الثمانية لعدم الفوات بالدخول وأقرب الأربعة للفوات بالدخول وتفرق بين هاتين الصورتين فيكون الفرق قد حصل بين الجميع بطريق الأولى فإنه إذا حصل باعتبار الأبعد حصل باعتبار الأقرب بطريق الأولى فنقول كل مسألة دخل فيها حكم حاكم من هذه الثماني فهي أقرب إلى التفويت بالدخول من الصورة التي لم يدخل فيها حكم حاكم بسبب أن حكم الحاكم يتنزل منزلة فسخ النكاح من حيث الجملة ألا ترى أن أبا حنيفة رضي الله عنه قال إن الحاكم إذا حكم بالطلاق بشهادة زور نفذ الطلاق في الظاهر والباطن وكذلك إذا حكم بالنكاح والزوجية بشهود زور ثبت النكاح في الظاهر والباطن وجاز لأحد تلك الشهود الزور أن يتزوج تلك المرأة التي شهد بطلاقها مع علمه بكذب نفسه وأبيحت الزوجة في المسألة الأخرى في نفس الأمر لأن حكم الحاكم في هذه المسائل وإن لم يصادف عقدا ولا طلاقا لكن حكمه نفسه يتنزل منزلة الطلاق والنكاح ولهذا المدرك عمم نفوذ الأحكام
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
إباحة الإبضاع التي هي أعلى رتبة فبطل القياس بهذا الفرق وجوابه أنكم إذا سلمتم أن الإبضاع أعلى رتبة من الأموال يكون الضرر بفوات مقاصدها أعظم من ضرر الشريك فيكون أولى بالمراعاة فكيف لا يلزم أن يكون مبطلا للعقد في صورة النزاع حتى يسلم بطلان القياس بهذا الفرق السؤال الخامس لم رجحتم ضرر الزوج الثاني في مسألة النزاع على ضرر الزوج الأول في مسألة الرجعية والمفقود وغيرهما مع أن الزوج الثاني كما حصل له تعلق بالدخول في مسألة الوليين كذا الزوج الأول قد حصل له أيضا تعلق في مسألة الرجعة والمفقود وغيرهما لا سيما وصحبة الأول أطول وأكثر ومعاهد قضاء الأوطار بينهما قال الشاعر ما الحب إلا للحبيب الأول وجوابه أنا رجحنا ضرر الثاني لكونه أولى بالمراعاة من ضر الأول لأن الأول أعرض بالطلاق وتوحش العصمة إما بالطلاق وإما الفراق من غير طلاق وإما بحصول السآمة من طول المباشرة وقد جرت العادة أن طول صحبة المرأة توجب قلة وقعها في النفس وأن جدتها توجب شدة وقعها في النفس وبهذا يظهر سر الفرق بين قاعدة الأنكحة في هذا الباب وبين قاعدة الوكالات في السلع والإجارات والسؤال السادس لم اعتبر ثم هذه القاعدة في مسألة الوليين ونظائرها السبع ولم تعتبروها في الأربع المسائل حيث قلتم فيها إن الزوجة لا يفيتها دخول الثاني وهذا نقض لما ذكر من الفرق موجب لعدم اعتباره وإلغائه ما لم يتبين الفرق بين الثمان المسائل التي اعتبرت فيها القاعدة والأربع المسائل التي لم تعتبر فيها وجوابه أن أبعد الثمانية عن الفوات بالدخول مسألة ذات الوليين إذ ليس فيها حكم حاكم ولا
196
196
بشهادة الزور في العقود والفسوخ دون الديون وغيرها من القضايا فإن الدين ونحوه لا يدخل حكم الحاكم فتستقل الذمة به والفسخ يمكن أن يستقل به الحاكم في صور مجمع عليها وكذلك الحاكم يستقل بالعقد ولا تستقل الذمم بالمال إلا أخذه بالفرض أو غيره فلذلك عمم في العقود والفسوخ ومنع غيرهما ونحن وإن لم نقل بهذا المدرك وقلنا لا ينفذ هذا الحكم غير أنه يبقى فارقا من حيث الجملة بين ما فيه حكم حاكم وبين ما ليس فيه حكم حاكم فيكون ما فيه حكم حاكم أقرب إلى الفوات بالدخول من حيث الجملة فأقول الذي دخل فيه حكم الحاكم منها مسألة المفقود ومسألة المرأة تطلق بسبب طول الغيبة ومسألة المرأة تسلم ثم يتبين تقدم إسلام زوجها فهذه الثلاث المسائل فيها حكم الحاكم يوجب الفرق بينها وبين غيرها والخمس المسائل الباقية منها ما بني فيها على ظاهر فانكشف خلافه ومنها ما لا يبنى فيها على ظاهر فالتي يبنى فيها على ظاهر انكشف خلافه المرأة فيها معذورة بسبب الظاهر مأذون لها في الإقدام على العقد الثاني بسبب الظاهر وكذلك وليها بخلاف ما لا ظاهر فيه يقتضي بطلان العقد الأول والتي فيها ظاهر هي المرأة الحرة تعلم بالطلاق دون الرجعة فإن ظاهر الطلاق يبيح العقد والأمة يطلقها زوجها كما تقدم وامرأة المرتد فإن ظاهر الكفر يبيح العقد والرجل يسلم على كثير نسوة فإن ظاهر حالهن يقتضي الاختيار وتزوجهن بناه على ظاهر الاختيار فهن معذورات فهذه
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
ظاهر يقتضي بطلان العقد الأول بخلاف ما فيها حكم حاكم من مسألة المفقود ومسألة المرأة تطلق بسبب طول الغيبة ومسألة تسلم ثم يتبين تقدم إسلام زوجها فإن حكم الحاكم ينزل منزلة فسخ النكاح من حيث الجملة وذلك أن أبا حنيفة رضي الله عنه قال إن الحاكم إذا حكم بالطلاق بشهادة زور نفذ الطلاق في الظاهر والباطن وكذلك إذا حكم بالنكاح والزوجية بشهود زور ثبت النكاح في الظاهر والباطن وجاز لأحد تلك الشهود الزور أن يتزوج تلك المرأة التي شهد بطلاقها مع علمه بكذب نفسه وأبيحت الزوجة في المسألة الأخرى في نفس الأمر فجعل حكمه في هذه المسائل وإن لم يصادف عقدا ولا طلاقا بمنزلة الطلاق والنكاح ولهذا المدرك عمم نفوذ الأحكام بشهادة الزور في كل ما يمكن للحاكم أن يستقل به في صور مجمع عليها من الفسوخ والعقود دون ما لا يدخله حكم الحاكم فتستقل به الذمة من الديون ونحوها ونحن وإن لم نقل بهذا المدرك بل قلنا لا ينفد هذا الحكم لا أنه لا أقل من أن نبقيه فارقا من حيث الجملة بين ما فيه حكم حاكم وبين ما ليس فيه حكم حاكم فيكون ما فيه أقرب إلى الفوات بالدخول مما ليس فيه من حيث الجملة
وبخلاف ما فيها ظاهر ينكشف خلافه من مسألة المرأة الحرة تعلم بالطلاق دون الرجعة فإن ظاهر الطلاق يبيح العقد ومن مسألة الأمة يطلقها زوجها كما تقدم فإن ظاهر الطلاق يبيح وطئا سيدها ومن مسألة امرأة المرتد فإن ظاهر الكفر يبيح العقد ومن مسألة الرجل يسلم على كثير نسوة فإن ظاهر حالهن يقتضين الاختيار وتزوجهن بناء على ظاهر الاختيار فيهن فالمرأة وكذلك وليها في هذه المسائل
197
197
أربع فيها عذر يبيح وفي مسألة الوليين ليس فيها حكم حاكم ولا ظاهر فهي أبعد المسائل عن الفوات بالدخول فنعينها للبحث والفرق وأما الأربع وهي المرأة ينعى لها زوجها فالفرق بينها وبين مسألة الوليين أن الموت شأنه الشهرة والظهور فالخطأ فيه نادر فيضعف العذر
فلا يفوت بالدخول وعقد الولي الأول على المرأة ليس اشتهاره في الوجود كاشتهار الموت ولا تتوفر الدواعي للإخبار به كتوفره على الإخبار بموت إنسان والتفجع عليه والعوائد شهادة بذلك ومسألة التطليق بالإعسار فالفرق بينها وبين مسألة الوليين أن المرأة هنا ظالمة قاصدة للفساد فناسب أن تعاقب بنقيض مقصودها في إبطال تصرفها بالزواج لأنها تعلم أنها أسقطت النفقة وأنها مبطلة في جميع تصرفها ودعواها بخلاف مسألة الوليين لم يكن عندها علم بالعقد الأول وأما مسألة الذي يقول عائشة طالق فإن الحكم هنا يبني على استصحاب الحال من جهة أن الأصل عدم زواجه لامرأة أخرى واستصحاب الولي بعدم العقد على موليته فإن العقود لأوليائها غالبا بخلاف عقود الرجال على النساء لا يشتهر عند الحاكم فإن قلت الطلاق بسبب الغيبة أيضا اعتمد الحاكم فيه على الأصل العدمي وهو أن الأصل عدم إيصال حقوقها إليها قلت الغيبة صورة ظاهرة تشهد بعدم زواج امرأة أخرى تسمى عائشة فإذا تقرر الفرق
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الأربع معذورة مأذون لها في الإقدام على العقد الثاني بسبب الظاهر فيكون ما فيه ظاهر أقرب إلى الفوات بالدخول مما ليس فيه وحيث كانت مسألة ذات الوليين أبعد المسائل الثمان التي اعتبرت فيها القاعدة عن الفوات بالدخول فلنعينها لبيان الفرق بينها وبين المسائل الأربع التي لم تعتبر فيها القاعدة ليحصل الفرق بين باقي الثمانية وبين الأربعة بطريق الأولى فنقول أما الفرق بين المرأة ينعى لها زوجها وبين مسألة الوليين فهو أن الموت شأنه الشهرة والظهور وليس اشتهار عقد الولي الأول على المرأة في الوجود كاشتهار الموت ولا تتوفر الدواعي على الإخبار به كتوفرها على الإخبار بموت إنسان والتفجع عليه كما تشهد العوائد بذلك ولا شك أن الخطأ فيما الشأن فيه الشهرة والظهور التام نادر فيضعف العذر فلا يفوت بالدخول
وأما الفرق بين مسألة التطليق بالإعسار وبين مسألة الوليين فهو أن المرأة في الأولى ظالمة قاصدة الفساد فناسب أن تعاقب بنقيض مقصودها في إبطال تصرفها بالزواج لأنها تعلم أنها أسقطت النفقة وأنها مبطلة في جميع تصرفها ودعواها بخلاف المرأة في مسألة الوليين إذ لم يكن عندها علم بالعقد الأول
وأما الفرق بين مسألة من يقول عائشة طالق وبين مسألة الوليين فهو من جهتين الأولى أن الحكم في الأولى يبنى على استصحاب أن الأصل عدم زواجه لامرأة أخرى واستصحاب الأصل أضعف من استصحاب عدم عقد الولي على موليته فإن العقود لأوليائها غالبا وعقود الرجال على النساء لا تشتهر عند الحاكم والحاكم وإن اعتمد في الطلاق بسبب الغيبة على الأصل العدمي وهو أن الأصل عدم إيصال حقوقها إليها إلا أن الغيبة هناك صورة ظاهرة شاهدة على الزوج بدعوى المرأة وليس هنا صورة ظاهرة
198
198
بين هذه وبين ما وقع فيه حكم فالفرق بينها وبين مسألة الوليين أن الولي العاقد للعقد الثاني ما دون له في العقد إجماعا وليس له معارض من حيث الظاهر والمرأة لما تزوجت ههنا مع قول الزوج لي امرأة أخرى تسمى عائشة قول ظاهره الصدق فإنه مسلم عاقل وقد أخبر عن أمر ممكن لا يعلم إلا من قبله فينبغي أن يصدق فيه كما تصدق المرأة في حيضها وطهرها وسقطها وانقضاء عدتها لأنها أمور لا تعلم إلا من قبلها فكذلك ههنا قول الزوج معارض بتصرف المرأة وتصرف وليها في العقد والولي الثاني في مسألة الوليين لا ظاهر يعارضه فكان بالنفوذ أولى
وأما الأمة تختار نفسها فالفرق بينها وبين مسألة الوليين أن زوجها متهافت عليها متعلق بها غاية التعلق بسبب أنها نزعت عصمتها منه قهرا والنفوس مجبولة على حب ما منعت منه فناسب ذلك الرد إليه بخلاف مسألة الوليين لم يحصل للزوج المعقود له أولا هذا التعلق بسبب أنه لم ير المرأة ولم يباشرها فكانت أولى بالفوات عليه فهذا هو الفرق الرافع للنقوض الأربعة وإذا اندفعت النقوض بالفرق صح المدرك وتبين الفرق بين قاعدة الوكالات في البياعات وقاعدة الوكالات في الأنكحة فاعلم ذلك فقد يسر الله فيه من الحجة ما لم أره قط لأحد فإن المكان في غاية العسر والقلق والبعد عن القواعد غير أنه إذا لوحظت هذه المباحث قربت من القواعد وظهر وجه الصواب فيها لا سيما وجمع
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
تشهد بعدم زواج امرأة أخرى تسمى عائشة
الجهة الثانية أن الولي العاقد للعقد الثاني مأذون له في العقد إجماعا وليس له معارض من حيث الظاهر فكان عقده بالنفوذ أولى بخلاف المرأة هاهنا فإنها لما تزوجت مع قول الزوج لي امرأة أخرى تسمى عائشة وهو قول ظاهره الصدق من حيث إنه مسلم عاقل وقد أخبر عن أمر ممكن لا يعلم إلا من قبله فينبغي أن يصدق فيه كما تصدق المرأة في حيضها وطهرها وسقطها وانقضاء عدتها لأنها أمور لا تعلم إلا من قبلها كان قول الزوج ما ذكر معارضا لتصرف المرأة وتصرف وليها في العقد
وأما الفرق بين الأمة تعتق فتختار نفسها وبين مسألة الوليين فهو أن زوج الأمة متهافت عليها متعلق بها غاية التعلق بسبب أنها نزعت عصمتها منه قهرا والنفوس مجبولة على حب ما منعت منه فناسب ذلك الرد إليه ولم يحصل في مسألة الوليين للزوج المعقود أولا هذا التعلق بسبب أنه لم ير المرأة ولم يباشرها فكانت أولى بالفوات عليه فهذا هو الفرق الدافع للنقوض الأربعة المذكورة
وبه يصح المدرك ويتبين ما قاله مالك من الفرق بين قاعدة الوكيلين في عقود البياعات والإجارات وغيرها من كون المعتبر هو الأول فقط التحق بالثاني تسليم أو لا وقاعدة الوكيلين في الأنكحة من كون المعتبر عقد الثاني إن حصل دخول وإلا فعقد الأول لا سيما وقد أفتى جمع كثير من الصحابة بذلك فلا بد لعقولهم الصافية من قواعد يلاحظونها ولعلهم لاحظوا ما ذكر من هذه المباحث فإن بملاحظتهما يقرب الفرق المذكور بين القاعدتين من القواعد ويظهر وجه الصواب فيه فإن الله قد يسر في هذه المباحث من الحجة ما لم أره قط لأحد حتى
199
199
كثير من الصحابة أفتوا بها فلا بد لعقولهم الصافية من قواعد يلاحظونها ولعلهم لاحظوا ما ذكرته وبهذا ظهر الفرق بين الوليين والوكيلين في عقود البياعات والإجارات وغيرها في أن المعتبر هو الأول فقط التحق بالثاني تسليم أم لا وقد وقع لمالك في المدونة والجلاب أن الوكيل والموكل إذا باع أحدهما بعد الآخر انعقد عقد السابق إلا أن يتصل بالثاني تسليم قال الأصحاب هذا قياس على مسألة الوليين وقال ابن عبد الحكم لا عبرة بالتسليم والفرق أن كشف النكاح مضرة عظيمة بخلاف البيع وهذا هو الصحيح والتخريج مع قيام الفارق باطل إجماعا ولم أجد لمالك ولا لأصحابه نصا في الوكيلين أن التسليم يفيت بل في الموكل
والوكيل خاصة فلو رام مخرج تخريج الوكيلين على الموكل والوكيل لتعذر ذلك بسبب الفرق أيضا وهو أن الموكل له التصرف بطريق الأصالة والوكيل له التصرف بطريق النيابة فهو فرع فإن تأخر عقده ووقع التسليم في عقد الموكل أمكن أن يقول مالك ذلك عندي مضاف للتسليم وكونه متصرفا بطريق الأصالة والأصالة لها قوة وله أيضا قوة العزل والتصرف بنفسه وهو معنى مناسب مفقود في الوكيلين فإن كليهما فرع لا أصالة له فلا ينعقد عقد اللاحق منهما مطلقا اتصل به قبض أم لا ومهما وجدنا معنى يمكن أن يلاحظه الإمام امتنع التخريج على محل ذلك الفارق كما أن المجتهد إذا وجد معنى يمكن أن يكون فارقا امتنع عليه القياس فالمقلد مع المجتهد كالمجتهد مع الشارع فإن قلت الوكيلان في النكاح فرعان لا متأصل فيهما فيسقط ما ذكرته من المناسبة قلت ما ذكرته مسلم غير أن المرأة يتعذر عليها الاستقلال
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
آل الفرق بها على هذه الحالة من القرب والظهور بعد أن كان في غاية العسر والقلق والبعد عن القواعد ا ه كلام الأصل بتنقيح وزيادة وتعقبه ابن الشاط بوجهين
الوجه الأول
أن ما ذكره في سر الفرق بين تلك القاعدتين ليس بصحيح بل يحتاج إلى تأمل ونظر الوجه الثاني أن ما يشعر به قوله إن الشافعي يسوي بين القاعدتين من أن مالكا لا يسوي بينهما ليس بشيء بل مالك رحمه الله تعالى يسوي بينهما أيضا إذ كما أن السلعة في البيع إذا هلكت كان هلاكها فوتا ونفوذا للعقد الثاني عنده كذلك المرأة في النكاح في المسائل الثماني التي ذكر الفرق فيها إذا دخل الثاني بها كان دخوله بها فوتا ونفوذا للعقد الثاني نعم يحتاج إلى الفرق بين هذه المسائل الثماني والمسائل الأربع التي ذكر عدم الفوت فيها فلذا كان ما قاله من أن القياس قول الشافعي صحيحا ا ه
بتوضيح والله سبحانه وتعالى أعلم

200
200
فسقط اعتبار التأصل وههنا يمكن الاستقلال فأمكن أن يكون إمكان الاستقلال فرقا يلاحظه الإمام فيتعذر التخريج والصواب عدم التخريج مطلقا في الموكل والوكيل والوكيلين أيضا والله أعلم
الفرق الرابع والأربعون والمائة بين قاعدة الإماء يجوز الجمع بين عدد أي عدد شاء منهن كثر أو قل وبين قاعدة الزوجات لا يجوز أن يزيد على أربع منهن وهو أن القاعدة أن الوسائل تتبع المقاصد في أحكامها فوسيلة المحرم محرمة ووسيلة الواجب واجبة وكذلك بقية الأحكام غير أنها أخفض رتبة منها ووسيلة أقبح المحرمات أقبح الوسائل ووسيلة أفضل الواجبات أفضل الوسائل وقد تقدمت هذه القاعدة مبسوطة ومضارة المرأة تجمعها مع امرأة أخرى في عصمة وسيلة للشحناء في العادة ومقتضى ذلك التحريم مطلقا وقد جعل ذلك في شريعة عيسى عليه السلام كما هو منقول عندهم فلا يتزوج الرجل إلا امرأة واحدة تقديما لمصلحة النساء على مصلحة الرجال بنفي المضارة والشحناء
هامش أنوار البروق
قال الفرق الرابع والأربعون والمائة بين قاعدة الإماء يجوز الجمع بين عدد أي عدد شاء منهن كثر أو قل وبين قاعدة الزوجات لا يجوز أن يزيد على أربع منهن إلى آخر الفرق قلت كل ما قاله في ذلك صحيح غير قوله إن القاعدة أن الوسائل تتبع المقاصد في الأحكام فإنه ليس ذلك فيها على الإطلاق أعني الوسائل العادية أما الوسائل الشرعية فذلك فيها على الإطلاق وغير قوله إن الوسائل أخفض رتبة من المقاصد فإنه إما أن يريد أنها أخفض رتبة من حيث هي وسائل وتلك مقاصد فهذا كلام ليس معنا إلا أن هذه وسائل وتلك مقاصد فلا فائدة فيه وإما أن يريد أن الوسائل المحرمة مثلا أخفض رتبة من مقاصدها فيما ترجع إلى العقاب عليها فذلك دعوى لم يأت عليها بحجة
هامش إدرار الشروق
الفرق الرابع والأربعون والمائة بين قاعدة الإماء يجوز الجمع بين عدد أي عدد شاء منهن كثر أو قل وبين قاعدة الزوجات لا يجوز أن يزيد على أربع منهن وذلك أن باب الزواج لما كان مبنيا على العز والاصطفاء وكان الأصل فيه التخصيص بالوطء ولا تقع الخدمة فيه إلا تبعا بعكس باب الإماء فإن الخدمة والهوان فيه أصل ولا يقع الوطء فيه إلا تبعا كانت الشحناء والمضارة التي هي موجودة في باب الزواج على خلاف الأصل فيه من الإعزاز والاصطفاء ليست كذلك في باب الإماء لأنها وإن وجدت فيه أيضا إلا أنها لما لم تكن على خلاف الأصل فيه بل على الأصل فيه من الهوان والخدمة كانت ضعيفة عن وجودها في باب الزواج فلما بعدت مناسبة الإماء فيما
201
201
ويقال إن ذلك شرع عكسه في التوراة لموسى عليه السلام يجوز للرجل زواج عدد غير محصور يجمع بينهن تغليبا لمصلحة الرجال في الاستمتاع على مصلحة النساء في الشحناء والمضارة ولما كانت شريعتنا أفضل الشرائع جمع فيها بين مصلحتي الفريقين فيجوز للرجل أن يجمع بين أربع نسوة فيحصل له بذلك قضاء إربه ويخرج به عن حيز الحجر ويضاف لذلك التسري بما شاء وروعيت أيضا مصالح النساء فلا تضار زوجة منهن بأكثر من ثلاث وسر الاقتصار في المضارة على ثلاث أن الثلاثة اغتفرت في مواطن كثيرة فتجوز الهجرة ثلاثة أيام والإحداد على غير الزوج ثلاثة أيام والخيار ثلاثة أيام فهذه الصور كلها الثلاث مستثناة على خلاف الأصول فكذلك لما كانت الشحناء والمضارة على خلاف الأصل استثنى ثلاث زوجات يضار بهن زوجة أخرى هذا في الأجنبيات والبعيد من القرابات وحافظ الشرع على القرابات القريبة وصونها عن التفرق والشحناء فلا يجمع بين المرأة وابنتها ولا أمها لأنها أعظم القرابات حفظا لبر الأمهات والبنات ويلي ذلك الجمع بين الأختين ويلي ذلك الجمع بين المرأة وخالتها لكونها من جهة الأم وبرها آكد من بر الأب يليه المرأة وعمتها لأنها من
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
ليس هو وصفهن بل وقوعه نادر فيهن من الوطء والاصطفاء كانت المهانة الغالبة فيهن من جهة ذل الرق تمنع من الإباء والأنفة والمنافسة في الحظوظ ولما بعدت مناسبة الزوجات فيما ليس هو وصفهن بل وقوعه نادر فيهن من المهانة والخدمة كان الوطء والاصطفاء الغالب فيهن من جهة عز الزواج يقتضي الإباء والأنفة والمنافسة في الحظوظ وكان التحريم مطلقا لجمع امرأة مع أخرى في عصمة هو مقتضي أن مضارة المرأة بذلك الجمع وسيلة للشحناء في العادة وقد جعل ذلك في شريعة عيسى عليه السلام كما هو منقول عندهم فلا يتزوج الرجل إلا امرأة واحدة
وإن كانت مصلحة الرجل في الاستمتاع بتعدد الزوجات تقديما لمصلحة النساء في نفي المضارة والشحناء على مصلحة الرجال في الاستمتاع ويقال إنه قد شرع عكس ذلك في التوراة لموسى عليه السلام وأنه يجوز للرجل زواج عدد غير محصور يجمع بينهن تغليبا لمصلحة الرجال في الاستمتاع على مصلحة النساء في نفي الشحناء والمضارة ولما كانت شريعتنا أفضل الشرائع جمع فيها بين مصلحتي الفريقين إذ كما أنه روعي فيها مصلحة الرجال فيجوز للرجل أن يجمع بين أربع نسوة فيحصل له بذلك قضاء إربه ويخرج به عن حيز الحجر ويضاف لذلك التسري بما شاء كذلك روعي فيها مصالح النساء فلا تضار زوجة منهن بأكثر من ثلاث وسر الاقتصار في جواز المضارة والشحناء على ثلاث هو أن المضارة والشحناء لما كانت على خلاف أصل والثلاثة على خلاف الأصول قد استثنيت في صور منها جواز الهجر ثلاثة أيام والإحداد على غير الزوج ثلاثة أيام والخيار ثلاثة أيام كما مر استثني كذلك ثلاث زوجات يضار بهن زوجة أخرى هذا في الأجنبيات والبعيد من القرابات

202
202
جهة الأب ثم خالة أمها ثم خالة أبيها ثم عمة أمها ثم عمة أبيها فهذا من باب تحريم الوسائل لا من باب تحريم المقاصد ولما كانت الأم أشد برا بابنتها من الابنة بأمها لم يكن العقد عليها كافيا في بعضها لابنتها إذا عقد عليها لضعف ميلها للزوج بمجرد العقد وعدم مخالطته فاشترط في التحريم إضافة الدخول إلى العقد وكان العقد كافيا في بغض البنت لضعف ودها فتحرم بالعقد لئلا تعق أمها فهذا تلخيص أمر الزوجات
وأما الإماء فلما كن في الغالب للخدمة والهوان لا للوطء والاصطفاء بعدت مناسبتهن في شيء ليس هو وصفهن ووقوعه نادر فيهن والمهانة من جهة ذل الرق تمنع من الإباء والأنفة والمنافسة في الحظوظ بخلاف الزواج مبني على العز والاصطفاء والإعزاز والتخصيص بالوطء والخدمة إنما تقع فيه تبعا عكس باب الإماء الخدمة أصل والوطء إنما يقع فيه تبعا فلذلك لم يقع العدد محصورا في جواز وطء الإماء لعدم المنافسة والشحناء التي هي موجودة في باب الزواج وإن وجدت كانت ضعيفة عن وجودها في باب الزواج فهذا هو تلخيص الفرق بين الفرقين وبيان السر في ذلك
فائدة
قال ابن مسعود يشترط في تحريم الأم الدخول كما اشترط في تحريم البنت لقوله تعالى وأمهات نسائكم ثم قال وربائبكم اللاتي في حجوركم
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
أما القرابات القريبة فقد حافظ الشرع على زيادة صونها عن التفرق والشحناء فمنع الجمع بين المرأة وابنتها وبين المرأة وأمها حفظا لبر الأمهات والبنات لأن قرابتهما أعظم القرابات وبين الأختين لأن قرابتهما تلي ذلك في القرب ثم بين المرأة وخالتها لكونها من جهة الأم التي برها آكد من بر الأب ثم بين المرأة وعمتها لأنها من جهة الأب ثم بين المرأة وخالة أمها ثم بينها وخالة أبيها ثم بينها وعمة أمها ثم بينها وعمة أبيها ولكن لما كانت الأم أشد برا ببنتها من البنت بأمها لم يجعل الشرع العقد على الأم كافيا في بغضها لبنتها إذا عقد عليها لضعف ميل الأم للزوج بمجرد العقد وعدم مخالطته بل اشترط في التحريم إضافة الدخول إلى العقد وجعل العقد على البنت كافيا في بغضها لأمها فحرم الأم على من عقد على البنت ولو لم يدخل بها لئلا تعق أمها نعم قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يشترط في تحريم الأم الدخول على البنت كما اشترط في تحريم البنت الدخول على الأم بقوله تعالى وأمهات نسائكم ثم قال وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فقوله تعالى اللاتي دخلتم بهن صفة تعقبت الجملتين فتعمهما كما أن الاستثناء والشرط إذا تعقبا الجمل عما
ولا يرد هذا على أبي حنيفة رحمه الله تعالى لأنه يرى ترجيح القريب في الجمل وهي الجملة الأخيرة فيخصها بالاستثناء والصفة لا سيما والقريب هاهنا هو موضع الإجماع فلا موجب للعدول باللفظ عن موضع الإجماع بل الموجب وهو القرب يصرف إلى موضع الإجماع فإن اللفظ صالح للأولى والثانية ورجحت الثانية التي هي موضع الإجماع بالقرب فلم يكن حمل اللفظ هاهنا على الجملة الأخيرة طلبا لمستند الإجماع فلا يرد أنه لا
203
203
من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فقوله اللاتي دخلتم بهن صفة تعقبت الجملتين فتعمهما كالاستثناء والشرط إذا تعقبا الجمل عما والعجب أن مذهب الشافعي رضي الله عنه أن الاستثناء والصفة إذا تعقبا جملا عمها وخالف أصله ههنا ولم يقل به ههنا فقد خالف أصله
وجوابه أنا نمنع العود ههنا على الجملتين وإن سلمنا أنه يعود في غير هذه الصورة بسبب أن النساء في الجملة الأولى مخفوض بالإضافة والنساء في الجملة الثانية مخفوض بحرف الجر الذي هو من والعامل في الصفة هو العامل في الموصوف على الأصح فلو كان صفة للجملتين لعمل في الصفة الواحدة عاملان وهو الإضافة وحرف الجر واجتماع عاملين على معمول واحد ممتنع على الأصح كما تقرر في علم النحو فهذا هو المانع للشافعي من إجراء صلة فإن قلت نعت المجرورين أو المنصوبين أو المرفوعين مع اختلاف العامل مسألة خلاف بين البصريين والكوفيين
ولو اجتمع بصري وكوفي في هذه المسألة يتناظران لم يمكن أن يحتج أحدهما على الآخر بمذهبه لأن مذهب أحد الخصمين لا يكون حجة على الآخر وهذا في بصري وكوفي فكيف يحتج بمذهب البصريين أو بأحد المذهبين على عبد الله بن مسعود وهو قوله حجة على غيره من جهة أنه عربي من أهل اللسان فإن قصد بهذا الكلام قيام الحجة على عبد الله بن مسعود لا يستقيم وإن قصد به الاعتذار عن مذهب من المذاهب فلا بد من إثبات أن ذلك الإمام
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
يلزمنا هاهنا طلب مستند الإجماع في اشتراط الدخول في تحريم البنت إذ لا يلزمنا طلب دليل للإجماع وإن كان لا بد له من مستند في نفس الأمر ضرورة أن الإجماع مستقل بنفسه وإنما الأوفق أن تحمل على فائدة زائدة بأن يجعل اللاتي دخلتم بهن نعتا عائدا للجملة الأولى وهو قوله تعالى وأمهات نسائكم دالا على اشتراط الدخول في تحريم الأم كما أن الدخول شرط في الجملة الثانية بالإجماع إذ لا نعلم خلافا في شرطية الدخول في تحريم البنت فيثبت الحكمان في الجملتين بالإجماع والآية وذلك أنه مهما أمكن تكثير فوائد كلام صاحب الشرع وجعل مدلول لكل دليل فهو أولى من الترادف والتأكيد ولا يرد أيضا أنه قد تقرر في أصول الفقه إذا ثبت حكم المجاز بالإجماع
وورد لفظ في ذلك الحكم حمل على حقيقته ولا يجعل ذلك اللفظ مستند الإجماع لأن الأصل حمل اللفظ على حقيقته مثلا قوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء حملوا النكاح فيه على حقيقته التي هي الوطء ولم يجعلوه مستند الإجماع على أن العقد يحرم على الابن نظرا لكون الأصل ما ذكر من الحمل على الحقيقة ومن عدم الترادف فعلى هذا إذا وطئها الأب وطئا حلالا أو حراما ما حرمت على الابن وتحرم بالعقد أيضا وذلك أن الإجماع فيما تقرر في أصول الفقه جاء في المجاز المرجوح على خلاف ظاهر اللفظ فعدلنا باللفظ إلى ظاهره الذي هو الحقيقة لأجل معارضة موضع الإجماع والإجماع هاهنا جاء في موضع الظاهر الذي هو القرب فلا موجب للعدول عنه فافهم وإنما يرد قول ابن مسعود رضي الله عنه فقوله تعالى اللاتي دخلتم بهن صفة تعقبت الجملتين إلخ على مالك والشافعي وأصحابهما رضي الله عنهم الذين يرون تعميم الاستثناء والصفة
204
204
كان يعتقد هذا المذهب في النحو حتى يقال أصله يمنعه من ذلك وإذا لم يثبت أن مذهبه في النحو كذلك بطل أيضا الاعتذار به عن صاحب ذلك المذهب
ومن أين لنا أن مذهب مالك والشافعي رضي الله عنهما كان في النحو لا يجتمع عاملان على معمول واحد وأن العامل في الصفة هو العامل في الموصوف فلعل مذهبهما أن النعت يرتفع بطريق التبعية للموصوف كما قاله جماعة من النحاة لا بالعامل في المنعوت وإنما يصح الكلام على هذه التقادير وهي متعذرة قلت كلام صحيح متجه فإن قلت أعيد النعت على الجملة الأولى وهو قوله وأمهات نسائكم فيكون الدخول شرطا في تحريم الأم بهذه الآية ويكون الدخول شرطا في الجملة الثانية بالإجماع فإنا لا نعلم خلافا في شرطية الدخول في تحريم البنت فيثبت الحكمان في الجملتين بالإجماع والآية ويكون هذا أولى لئلا يترادف الإجماع والآية على الجملة الأولى والأصل عدم الترادف ومهما أمكن تكثير فوائد كلام صاحب الشرع وجعل مدلول لكل دليل فهو أولى من الترادف والتأكيد وقد تقرر في أصول الفقه أنه إذا ثبت حكم المجاز بالإجماع وورد لفظ في ذلك الحكم حمل حقيقته ولا يجعل ذلك اللفظ مستند الإجماع لأن الأصل حمل اللفظ على حقيقته ولا يلزمنا أن نعين للإجماع مستندا بل هو مستقل بنفسه ولا يلزمنا طلب دليل للإجماع وإن كان لا بد له من مستند في نفس الأمر كذلك ههنا لا يلزمنا طلب
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
في الجمل ولا يرجحون جملة بالقرب فإن مقتضى مذهبهم الحمل على الجملتين الأولى والأخيرة
ولا يتأتى الجواب عنهم حتى يثبت أنهم لا يرون الجمع بين عاملين في النعت مع اتفاق الأعراب وأن العامل في النعت هو العامل المنعوت كما هو عند البصريين من النحاة خلافا لمن يرى منهم الجمع بين عاملين في النعت مع اتفاق الأعراب ولمن يرى أن العامل في النعت التبعية للموصوف فإذا ثبت هذا عنهم صح الجواب أيضا على قاعدتهم فإنهم حينئذ يتعين عليهم الحمل على إحدى الجملتين لا عليهما ولا سبيل إلى الحمل على الجملة الأولى فإنها هي البعيدة وكل من قال بالعود على جملة واحدة لم يقل هي البعيدة بل انفراد البعيدة بالحمل على خلاف الإجماع لأن القائل قائلان قائل بالتعميم في الجمل وقائل بالجملة القريبة وحدها ولم يقل أحد بالحمل على الجملة البعيدة وحدها ولكن تقدير ثبوت ذلك عنهم متعذر إذ من أين لنا أن مذهب مالك والشافعي وأصحابهما رضي الله عنهم كان في النحو لا يجتمع عاملان على معمول واحد وأن العامل في الصفة هو العامل في الموصوف فلعل مذهبهما أن عامل النعت هو التبعية للموصوف كما قاله جماعة من النحاة لا عامل المنعوت هذا خلاصة ما صححه العلامة ابن الشاط من كلام الأصل وفي كتاب أحكام القرآن للإمام أبي بكر بن العربي اختلف الناس في قوله تعالى وأمهات نسائكم في الصدر الأول فروي عن علي وجابر وابن الزبير وزيد بن ثابت ومجاهد أن العقد على البنت لا يحرم الأم حتى يدخل بها كما أن العقد على الأم لا يحرم البنت حتى يدخل بها وقال سائر العلماء والصحابة إن العقد على البنت يحرم الأم ولا تحرم البنت حتى يدخل بالأم واختلف النحاة في الوصف في قوله
205
205
مستند الإجماع في اشتراط الدخول في تحريم البنت ويحمل اللفظ على فائدة زائدة تكثيرا لفوائد صاحب الشرع وقد مثلوا ذلك بقوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء والنكاح حقيقة في الوطء مجاز في العقد وقد أجمع الناس على أن العقد يحرم على الابن فنحمل نحن الآية على الوطء فعلى هذا إذا وطئها حلالا أو حراما حرمت على الابن وتحرم بالعقد أيضا
ويكون هذا أولى لأن الأصل في الكلام الحقيقة والأصل أيضا عدم الترادف على مدلول واحد فكذلك ههنا قلت أما هذا السؤال فالجواب عنه أنا في آية الربائب نحمل اللفظ على الجملة الأخيرة طلبا لمستند الإجماع بل لأن القرب يوجب الرجحان فإن اللفظ صالح للأولى والثانية ورجحت الثانية بالقرب وبهذا يظهر الفرق بين هذا السؤال وبين القاعدة المذكورة في أصول الفقه المتقدم ذكرها فإن في تلك المسألة جاء الإجماع في المجاز المرجوح على خلاف ظاهر اللفظ فعدلنا باللفظ إلى ظاهره لأجل معارضة الظاهر الذي هو الحقيقة موضع الإجماع وأما ههنا فموضع الظاهر الذي هو القرب موضع الإجماع فلا موجب للعدول باللفظ عن موضع الإجماع بل الموجب يصرف إلى موضع الإجماع فافترقا
واعلم أن هذا الجواب إنما يستقيم على مذهب أبي حنيفة الذي يرى ترجيح القريب في الجمل وهي الجملة الأخيرة فيخصها بالاستثناء والصفة وأما على رأي مالك
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
اللاتي دخلتم بهن فقيل يرجع إلى الربائب والأمهات وهو اختيار أهل الكوفة وقيل يرجع إلى الربائب خاصة
وهو اختيار أهل البصرة وجعلوا رجوع الوصف إلى الموصوفين المختلفي العامل ممنوعا كالعطف على عاملين وجوز ذلك كله أهل الكوفة ورأوا أن عامل الإضافة غير عامل الخفض بحرف الجر وقد مهدنا القول في ذلك في كتاب ملجئة المتفقهين إلى معرفة غوامض النحويين وقد رد القاضي أبو إسحاق الرواية عن زيد بن ثابت والذي استقر أنه مذهب علي خاصة كما استقر اليوم في الأمصار والأقطار أن الربائب والأمهات في هذا الحكم مختلفات وأن الشرط إنما هو في الربائب وهذه المسألة من غوامض العلم وأخذها من طريق النحو يضعف فإن الصحابة العرب القرشيين الذين نزل القرآن بلغتهم أعرف من غيرهم بمقطع المقصود منهم وقد اختلفوا فيه وخصوصا على مقداره في العلمين ولو لم يسمع ذلك في اللغة العربية لكان فصاحتها بالأعجمية فينبغي أن يحاول ذلك بغير هذا القصد والمأخذ فيه يرجع إلى خمسة أوجه
الوجه الأول
أنه يحتمل أن يرجع الوصف إلى الربائب خاصة ويحتمل أن يرجع إليهما جميعا فيرد إلى أقرب مذكور تغليبا للتحريم على التحليل في باب الفروج وهكذا هو مقطوع السلف فيها عند تعارض الأدلة بالتحليل والتحريم عليها الوجه الثاني روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أيما رجل نكح امرأة فدخل بها أو لم يدخل فلا يحل له نكاح أمها وأيما رجل نكح امرأة فدخل بها فلا يحل له نكاح ابنتها فإن لم يدخل بها فلينكحها
وهذا إن صح حجة ظاهرة لكن رواية المثني بن الصباح تضعف
206
206
والشافعي وأصحابهما رضي الله عنهم الذين يرون تعميم الاستثناء والصفة في جملة الجمل ولا يرجحون بالقرب فلا يتأتى هذا الجواب بل مقتضى مذهبهم الحمل على الجملتين الأولى والأخيرة حتى يثبت أنهم لا يرون الجمع بين عاملين في النعت مع اتفاق الأعراب وأن العامل في النعت هو العامل في المنعوت فإذا ثبت هذا عنهم صح الجواب أيضا على قاعدتهم فإنهم حينئذ يتعين عليهم الحمل على إحدى الجملتين لا عليهما ولا سبيل إلى الحمل على الجملة الأولى فإنها هي البعيدة
وكل من قال بالعود على جملة واحدة لم يقل هي البعيدة بل انفراد البعيدة بالحمل على خلاف الإجماع لأن القائل قائلان قائل بالتعميم في الجمل وقائل بالجملة القريبة وحدها أما الحمل على الجملة البعيدة وحدها فلم يقل به أحد فهذا تلخيص هذا الموضوع وتحريك البحث فيه بحسب ما فتح الله تعالى به من فضله
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الوجه الثالث
أن قوله من نسائكم لفظة عربية لأنه جمع لا واحد له من لفظه بل واحده امرأة ولما كان قولك امرؤ وامرأة كقولك آدمي وآدمية كان قوله امرأتك كقوله آدميتك في احتمال أن يكون معناه التي تشبهك أو تجاورك أو تملكها أو تملكك أو تحل لها أو تحل لك والإضافة على معنى الشبه والجواز محال فلم نجد وجها إلا باب التحليل والتحريم الذي نحن فيه ويشهد له سياق الآية فهو المقصود بالبيان فإذا حلت له أو ملكها فقد تحققت الإضافة المقصودة فوجب في الأمهات ثبوت الحكم على الإطلاق وكذلك في البنات لولا التقييد بشرط الدخول ولم تحمل الأمهات على البنات في التقييد بذلك تغليبا لمعارضة من التحريم كما هو القاعدة في الفروج فلذا لما تعارض في الأختين من ملك اليمين التحليل والتحريم غلب علي كرم الله وجهه التحريم الوجه الرابع أنه قد قيل إن المراد بالدخول هاهنا النكاح فعلى هذا الربائب والأمهات سواء لكن الإجماع غلب على الربائب باشتراط الوطء في أمهاتهن لتحريمهن الوجه الخامس أن كل واحد من الموصوفين قد انقطع عن صاحبه بوصفه فإنه قال وأمهات نسائكم ثم قال بعده وربائبكم اللاتي في حجوركم فالوصف الذي يتلوه يتبعه ولا يرجع إلى الأول لبعده منه وانقطاعه عنه
ا ه بتصرف فائدة مهمة قال الشيخ تاج الدين السبكي في كتابه توشيح الترشيح حكاية عن والده الإمام تقي الدين السبكي أن السر في إباحة نكاح أكثر من أربع نسوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله أراد نقل بواطن الشريعة وظواهرها وما يتحسى وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد الناس حياء فجعل الله له نسوة ينقلن من الشرع ما يرينه من أفعاله ويسمعن من أقواله التي قد يستحي من الإفصاح بها بحضرة الرجال فيكمل نقل الشريعة وكثر عدد النساء لتكثير الناقلين لهذا النوع ومنهن عرف غالب مسائل الغسل والحيض والعدة ونحوها قال ولم يكن ذلك منه لشهوة منه صلى الله عليه وسلم في النكاح ولا كان يحب الوطء للذة البشر معاذ الله بل إنما حبب إليه النساء لتظهر عنه ما يستحي هو من الإمعان في التلفظ به فأحبهن لما فيهن من الإعانة على نقل الشريعة في
207
207
الفرق الخامس والأربعون والمائة بين قاعدة تحريم المصاهرة في الرتبة الأولى وبين قاعدة لواحقها
اعلم أنه لما دلت النصوص على تحريم أمهات النساء والربائب ومن معهن في قوله تعالى وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم الآية حمل على العقد في الحرائر لأن المفهوم من نسائنا في غالب العادة الحرائر المنسوبون إلينا بمبيح الوطء وهو العقد وكذلك في قوله تعالى والذين يظاهرون من نسائهم وقوله تعالى يا نساء النبي لا يفهم في جميع ذلك إلا الزوجات الحرائر ولا يستلزم ذلك الدخول لقوله تعالى اللاتي دخلتم بهن فدل ذلك على أنهن قد يتحققن
هامش أنوار البروق
قال الفرق الخامس والأربعون والمائة بين قاعدة تحريم المصاهرة في الرتبة الأولى وبين قاعدة لواحقها إلى قوله لا يفهم في جميع ذلك إلا الزوجات الحرائر قلت لا أعرف ما قاله من أن المفهوم من نسائنا في غالب العادة الحرائر المنسوبون إلينا بمبيح الوطء وهو العقد بل لقائل أن يقول إن المراد بنسائنا جميع المنكوحات بعقد كان نكاحهن أو ملك
هامش إدرار الشروق
هذه الأبواب وأيضا فقد نقلن ما لم يكن ينقله غيرهن مما رأينه في منامه وحالة خلوته من الآيات البينات على نبوته ومن جده واجتهاده في العبادة ومن أمور يشهد كل ذي لب أنها لا تكون إلا لنبي وما كان يشاهده غيرهن فحصل بذلك خير عظيم أفاده العطار في حاشيته على محلي جمع الجوامع والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الخامس والأربعون والمائة بين قاعدة تحريم المصاهرة في الرتب الأولى وبين قاعدة لواحقها
المصاهرة في الرتبة الأولى عبارة عن المندرج في قوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء وقوله تعالى وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وقوله تعالى وأمهات نسائكم وقوله تعالى وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن قال ابن رشد الحفيد في بدايته فهؤلاء الأربع أي زوجات الآباء وزوجات الأبناء وأمهات النساء وبنات الزوجات اتفق المسلمون على تحريم اثنين منهن بنفس العقد وهما زوجات الآباء والأبناء أي لأن اتفاق الرجال وحمياتهم تنهض بالغضب والبغضاء بمجرد نسبة المرأة إليهم بذلك فيختل نظام ود الآباء للأبناء وود الأبناء للآباء وهو سياج عظيم قد جعل الشارع صلى الله عليه وسلم خرقه من الكبائر ألا ترى إلى قوله من أكبر الكبائر أن يسب الرجل أباه قالوا أو يسب الرجل أباه يا رسول الله قال يسب الرجل أبا الرجل فيسب الرجل أباه فإنه جعل التسبب لسب الأب بسب الأجنبي من أكبر الكبائر فكيف لو سبه مباشرة
208
208
مع عدم الدخول فإذا تقرر أن المندرج في الرتبة الأولى إنما هن الحرائر ألحق بهن المملوكات في الرتبة الثانية لاستوائهما في مبيح الوطء والفراش بشرطه ولحوق الولد بشرطه ولأن الأنفات تحصل من وطء الغير ما وطئه الإنسان بالملك ويشق عليه أن يطأ أمته غيره فكان وطؤها محرما كالوطء بالعقد وألحق بالإماء والحرائر شبهتيهما في التحريم لأن الوطء بالشبهة ألحق بالعقد والملك في لحوق الولد وسقوط الحد وغيرهما
وأما الزنى المحض قد ألحق بالشبهة في الرتبة الرابعة على مشهور مذهب مالك رحمه الله لكونه يوجب نسبة واختصاصا وربما أوجب ميلا شديدا يوجب وقع الشحناء بالمشاركة فيه كما يحصل ذلك في المشاركة بالوطء بالنكاح أو الملك وبالغ مالك في المدونة إذا التذ بها حراما كان كالوطء ووافقه أبو حنيفة وابن حنبل وقال مالك في الموطأ إنه لا يحرم وقاله الشافعي رضي الله عنه بسبب أن الزنى مطلوب العدم والإعدام فلو رتب عليه شيء من المقاصد لكان مطلوب الإيجاد فلا يثبت
هامش أنوار البروق
حرائر كن أو مملوكات ولقائل أن يقول المراد بهن المنكوحات بعقد وتدخل فيهن الإماء المتزوجات أما قيد كونهن حرائر فلا وجه له عندي وأما قوله المنسوبون فصوابه المنسوبات قال ولا يستلزم ذلك الدخول لقوله تعالى اللاتي دخلتم بهن فدل ذلك على أنهن قد يتحققن مع عدم الدخول قلت هذا استدلال بالمفهوم فهو يختص بمن يراه حجة
هامش إدرار الشروق
على تحريم واحدة بالدخول وهي ابنة الزوجة أي لما تقدم عن أحكام ابن العربي واختلفوا في أم الزوجة هل تحرم بالدخول أو بالعقد كما تقدم توضيحه ولواحق المصاهرة في الرتبة الأولى عبارة عن غير المندرج فيما ذكر ممن تحقق فيه إليه بالمندرج وقد اختلف الأصل والعلامة ابن الشاط في أمرين الأمر الأول المندرج فيما ذكر فزعم الأصل أن المندرج في ذلك إنما هن الحرائر مدعيا أن المفهوم من نسائنا في غالب العادة الحرائر المنسوبات إلينا بمبيح الوطء وهو العقد فلا يفهم من النساء فيما ذكر وفي قوله تعالى يا نساء النبي إلا الزوجات الحرائر ولا يستلزم ذلك الدخول لقوله تعالى اللاتي دخلتم بهن فدل ذلك على أنهن قد يتحققن مع عدم الدخول وعليه فيلحق بهن الإماء المنكوحات بملك اليمين في التحريم لاستوائهما في مبيح الوطء والفراش بشرطه ولحوق الولد بشرطه ولأن الأنفات تحصل من وطء الغير ما وطئه الإنسان بالملك ويشق عليه أن يطأ أمته غيره فكان وطؤها محرما كالوطء بالعقد وقال ابن الشاط لا أعرف صحة ما ادعاه من أن المفهوم من نسائنا في غالب العادة الحرائر المنسوبات إلينا بمبيح الوطء وهو العقد بل لقائل أن يقول إن المراد بنسائنا إما جميع المنكوحات بعقد كان نكاحهن أو بملك حرائر كن أو مملوكات وإما المنكوحات بخصوص العقد ولو كن غير حرائر ولا وجه لقيد كونهن حرائر عندي قال وقوله ولا يستلزم ذلك الدخول لقوله تعالى اللاتي دخلتم بهن إلخ استدلال بالمفهوم فيختص بمن يراه حجة فيتحصل أن الخلاف بينهما في الإماء المنكوحات بملك اليمين
209
209
له تحريم في أثر المصاهرة واتفق الأئمة الأربعة في الملك والعقد والشبهة ووافق أبو حنيفة في الملامسة بلذة والنظر إلى الفرج أنه لا يحرم إلا أن ينزل لعدم إفضائه إلى المقصد الذي هو الوطء وهو إنما حرم تحريم الوسائل والوسيلة إذا لم تفض لمقصده سقط اعتبارها ومنع الشافعي التحريم بالملامسة للذة والنظر مطلقا قال أبو الطاهر من أصحابنا اللمس بلذة من البالغ ينشر الحرمة ومن غير البالغ قولان وبغير لذة لا ينشر مطلقا وفي نظر البالغ للذة قولان المشهور ينشر الحرمة لأنه أحد الحواس والشاذ لا ينشر لأن النظر إلى الوجه لا يحرم اتفاقا وإنما الخلاف في باطن الجسد واكتفى في تحريم زوجات الآباء والأبناء بالعقد لأن اتفاق الرجال وحمياتهم تنهض بالغضب والبغضاء بمجرد نسبة المرأة إليهم بذلك فيختل نظام ود الآباء للأبناء وود الأبناء للآباء وهو سياج عظيم عند الشرع حتى جعل خرقه من الكبائر قال عليه الصلاة
هامش أنوار البروق
قال فإذا تقرر أن المندرج في الرتبة الأولى إلى قوله فكان وطؤها محرما كالوطء بالعقد قلت ألحق الإماء المنكوحات بملك اليمين بالمتزوجات بناء على ما قرره من أن لفظ نسائنا لا يتناولهن بل يختص بالمتزوجات وقد يحتمل به لسبق أن يتناولهن اللفظ إلا إن صح ما ادعاه من العرف ولا أعرف صحة ذلك
قال وألحق بالإماء والحرائر شبهتيهما في التحريم لأن الوطء بالشبهة ألحق بالعقد وذلك في لحوق الولد وسقوط الحد وغيرهما
هامش إدرار الشروق
وكذلك بعقد إلا أن المنكوحات بالعقد من المندرج لا من لواحقه على كلا الترددين في كلام ابن الشاط بخلاف المنكوحات بالملك فإنهن من المندرج على الترديد الأول في كلامه ومن اللواحق على الثاني فافهم الأمر الثاني الحقيقة في لفظ الأب ولفظ الأم ولفظ الابن ولفظ البنت في النصوص المتقدمة فقال الأصل أن حقائقها المباشر وأنه متى أريد بها غير المباشر كانت مجازات وأن الاندراجات في قول اللخمي تحرم امرأة الجد للأب والجد للأم لاندراجهما في لفظ الآباء كما تندرج جدات امرأته وجدات أمها من قبل أمها وأبيها في قوله تعالى وأمهات نسائكم وبنت بنت الزوجة وبنت ابنها وكل من ينسب إليها بالبنوة وإن سفل في قوله تعالى وربائبكم ا ه
ليس بمقتضى الوضع اللغوي وإلا لما صرح الكتاب العزيز بالثلث للأم ولم يعطه الصحابة رضي الله عنهم للجدة بل حرموها حتى روي لهم الحديث في السدس ولما صرح في الكتاب بالنصف للبنت وبالثلثين للبنتين على السوية ورثت بنت الابن مع البنت السدس بالسنة لا بالكتاب ولما كان ابن الابن كالابن في الحجب والجد ليس كالأب في الحجب ولما كانت الإخوة يحجبون الأم وبنوهم لا يحجبونها فحينئذ ينبغي أن يعتقد أن هذه الاندراجات في تحريم المصاهرة بالإجماع لا بالنص فإن الاستدلال بنفس اللفظ تعذر لأن الأصل عدم المجاز والاقتصار على الحقيقة فالفقيه الذي يعتقد ذلك ويستدل باللفظ غالط
ا ه وقال ابن الشاط لا أعرف صحة ما قاله من أن الحقيقة في لفظ الأب والأم والابن والبنت المباشر وأنه متى أريد به غير المباشر فهو مجاز لعل الأمر في ذلك بالعكس وأن الحقيقة في لفظ الأب مثلا كل من له ولادة والمجاز المباشر لكن
210
210
والسلام من أكبر الكبائر أن يسب الرجل أباه قالوا أو يسب الرجل أباه يا رسول الله قال يسب الرجل أبا الرجل فيسب الرجل أباه فجعل التسبب لسب الأب بسب الأجنبي أكبر الكبائر فكيف لو سبه مباشرة قال اللخمي تحرم امرأة الجد للأب والجد للأم لاندراجهما في لف الآباء كما تندرج جدات امرأته وجدات أمها من قبل أمها وأبيها في قوله تعالى وأمهات نسائكم وبنت بنت الزوجة وبنت ابنها وكل من ينسب إليها بالبنوة
وإن سفل في قوله تعالى وربائبكم تنبيه اعلم أن هذه الاندراجات ليست بمقتضى الوضع اللغوي ولذلك صرح الكتاب العزيز بالثلث لأم ولم يعطه الصحابة رضي الله عنهم للجدة بل حرموها حتى روي لهم الحديث في السدس وصرح بالنصف للبنت وللابنتين بالثلثين على السوية وورثت بنت الابن مع البنت السدس بالسنة لا بالكتاب وابن الابن كالابن في الحجب والجد ليس
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله في ذلك صحيح ظاهر وما قاله بعد ذلك أكثره حكاية أقوال وإشارة إلى توجيهها ولا كلام في ذلك قال قال اللخمي تحرم امرأة الجد للأب والجد للأم لاندراجهما في لفظ الآباء إلى قول الشهاب في تنبيهه فإن دل إجماع على اعتبار المجاز وإلا ألغي حتى يدل دليل عليه قلت لا أعرف صحة ما قال من أن الحقيقة في لفظ الأب وشبهه أن المراد به المباشر وأنه يغني
هامش إدرار الشروق
غلب هذا المجاز حتى صار عرفا فكان ذلك السبب في اقتصار الصحابة فيما اقتصروا به من الأحكام على المباشر والله أعلم
ا ه وعليه فتكون الاندراجات في تحريم المصاهرة بالنص لا بالإجماع فافهم وفي أحكام القرآن لابن العربي أن من علمائنا من قال إن لفظ الأولاد يتناول حقيقة كل ولد من صلب الرجل دنيا أو بعيدا قال الله تعالى يا بني آدم وقال النبي صلى الله عليه وسلم أنا سيد ولد آدم وقال تعالى ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فدخل فيه كل من كان لصلب الميت دانيا أو بعيدا ويقال بنو تميم فيعم الجميع فإن كان الصحيح هذا القول فقد غلب مجاز الاستعمال في ذلك إطلاقه على الأعيان الأدنين على تلك الحقيقة ومن علمائنا من قال ذلك حقيقة في الأدنين مجاز في الأبعدين وهذا هو الصحيح عندي بدليل أنه ينفي عنه فيقال ليس بولد ولو كان حقيقة لما ساغ فيه ألا ترى أن ولد الأعيان يسمى ولدا ولا يسمى ولد الولد وكيفما دارت الحال فقد اجتمعت الأمة هاهنا أي في قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم الآية على أنه يطلق على الجميع وقد قال مالك لو حبس رجل على ولده لا تنقل إلى أبنائهم واختلف قول علمائنا فيما لو قال صدقة هل تنقل إلى أولاد الأولاد على قولين وكذلك في الوصية واتفقوا على أنه لو حلف لا ولد له وله حفدة لم يحنث وإنما اختلف ذلك في أقوال المخلوقين في هذه المسائل لوجهين إحداهما أن الناس اختلفوا في حمل كلام المخلوقين هل يحمل على العموم كما يحمل كلام الباري أو لا يحمل كلام الناس على العموم بحال وإن حمل كلام الله سبحانه عليه
211
211
كالأب في الحجب والإخوة يحجبون الأم وبنوهم لا يحجبونها فتعلم من ذلك أن الأب حقيقة في الأب القريب مجازا في آبائه ولفظ الابن حقيقة في القريب مجازا في أبنائه فإن دل إجماع على اعتبار المجاز وإلا ألغي حتى يدل دليل عليه وينبغي أن يعتقد أن هذه الاندراجات في تحريم المصاهرة بالإجماع لا بالنص وأن الاستدلال بنفس اللفظ متعذر وأن الفقيه الذي يعتقد ذلك ويستدل باللفظ غالط لأن الأصل عدم المجاز والاقتصار
هامش أنوار البروق
أريد به غير المباشر فهو مجاز ولعل الأمر في ذلك بالعكس وأن الحقيقة في لفظ الأب كل من له ولادة والمجاز المباشر لكن غلب هذا المجاز حتى صار عرفا فكان ذلك السبب في اقتصار الصحابة فيما اقتصروا به من الأحكام على المباشر والله أعلم قال وينبغي أن يعتقد أن هذه الاندراجات في تحريم مصاهرة بإجماع لا بالنص وأن الاستدلال بنفس اللفظ متعذر قلت ما قال في ذلك يوافق عليه لكن لا لأن الحقيقة في المباشر بل لأن المجاز الصائر عرفا فيه قال سؤال المشهور من مذاهب العلماء في تحليل الزوجة بعد الطلقات الثلاث اشتراط الوطء الحلال إلى آخر الفرق قلت يحتاج ما قاله إلى نظر وما قال في الفرقين بعده صحيح
هامش إدرار الشروق
الثاني
أن كلام الناس يرتبط بالأغراض والمقاصد والمقصود من الحبس التعقيب فدخل فيه ولد الولد والمقصود من الصدقة التمليك فلم يدخل فيه غير الأدنى إلا بدليل والذي يحقق العموم هاهنا أي في الآية أنه قال بعده ولا يوليه لكل واحد منهما السدس فدخل فيه آباء فكذلك يدخل في الأولاد هاهنا أولاد الأولاد ثم قال في قوله تعالى ولأبويه لكل واحد منهما السدس هذا قول لم يدخل فيه من علا من الآباء دخول من سفل من الأبناء في قوله أولادكم لثلاثة أوجه الأول أن القول هاهنا مثنى والمثنى لا يحتمل العموم والجمع الثاني أنه قال فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث والأم العليا هي الجدة ولا يفرض لها الثلث بإجماع فخروج الجدة من هذا اللفظ مقطوع به وتناوله للأب مختلف فيه الثالث أنه إنما قصد في قوله أولادكم بيان العموم وقصد هنا بيان النوعين من الآباء وهما الذكر والأنثى وتفصيل فرضهما دون العموم فأما الجد فقد اختلفت فيه الصحابة فروي عن أبي بكر الصديق أنه جعله أبا وحجب به الإخوة أخذا بقوله تعالى ملة أبيكم إبراهيم وبقوله تعالى يا بني آدم وأما الجدة فقد صح أن الجدة أم الأم جاءت أبا بكر الصديق فقال لها لا أجد لك في كتاب الله شيئا وما أنا بزائد في الفرائض شيئا
ا ه المراد بتصرف وإصلاح فافهم وقد وافق ابن الشاط الأصل في مسائل قائلا ما قاله في الأولى صحيح ظاهر وما قاله بعد ذلك أكثره حكاية أقوال وإشارة إلى توجيهات ولا كلام في ذلك
ا ه المسألة الأولى شبهتا العقد والملك تلحق بهما في التحريم للحرائر والإماء بالعقد والملك لأن الوطء بالشبهة قد ألحق بالوطء بهما في لحوق الولد وسقوط الحد وغيرها
212
212
على الحقيقة سؤال المشهور من مذاهب العلماء في تحليل الزوجة بعد الطلاق الثلاث اشتراط الوطء الحلال وحمل آية التحليل عليه لأن القاعدة أن كل متكلم له عرف فإن لفظه عند الإطلاق يحمل على عرفه فحمل النكاح في الآية على النكاح الشرعي الذي يتناوله اللفظ حقيقة لا مجازا لأجل العرف وخولفت هذه القاعدة في قوله تعالى في أمهات الربائب اللاتي دخلتم بهن فاعتبر مالك مطلق الوطء كان حلالا أو حراما وهو خلاف القاعدة في حمل الدخول على العرف الشرعي وهو الدخول المباح وجوابه أنه احتاط في الصورتين فخولفت القاعدة لمعارض الاحتياط
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
المسألة الثانية
يلحق بالشبهة في الرتبة الرابعة على مشهور مذهب مالك رحمه الله تعالى الزنى المحض لكونه يوجب مسبة اختصاصا وربما أوجب ميلا شديدا يوجب وقوع الشحناء بالمشاركة فيه كما يحصل ذلك في المشاركة بالوطء بالنكاح والملك بل بالغ فقال في المدونة إذا التذ بها حراما كان كالوطء ووافقه أبو حنيفة وابن حنبل نعم قال مالك في الموطإ أنه لا يحرم وقاله الشافعي رضي الله عنه بسبب أن الزنى مطلوب العدم والإعدام فلو رتب عليه شيء من المقاصد لكان مطلوب الإيجاد فلا يثبت له تحريم في أثر المصاهرة المسألة الثانية اتفق الأئمة الأربعة على أن وطء الأم بالعقد أو الملك أو الشبهة يحرم بنتها لقوله تعالى اللاتي دخلتم بهن لأن الوطء هو الأصل في الدخول واختلفوا في التلذذ بما دون الوطء فقال مالك وأبو حنيفة ومثل الوطء اللمس للذة لأنه استمتاع مثله يحل بحله ويحرم بحرمته ويدخل تحت عمومه وقال أبو الطاهر من أصحابنا اللمس للذة من البالغ ينشر الحرمة ومن غير البالغ قولان وبغير لذة لا ينشر مطلقا وفي نظر البالغ ما عدا الوجه من باطن الجسد للذة قولان المشهور ينشر الحرمة لأنه أحد الحواس والشاذ لا ينشر ولا يحرم النظر إلى الوجه اتفاقا وفي الأحكام لابن العربي وأما النظر فعند ابن القاسم أنه يحرم وقال غيره لا يحرم لأنه في الدرجة الثانية شبهه في الزنى ذريعة الذريعة لكن الأموال تارة يغلب فيها التحليل وتارة يغلب فيها التحريم فأما الفروج فقد اتفقت الأمة فيها على تغليب التحريم فكما أن النظر لا يحل إلا إذا حل أصله اللمس والوطء بعقد نكاح أو شراء وكذلك يحرم إذا حرم أصله
ا ه وفي بداية المجتهد والنظر عند مالك كاللمس إذا كان نظر تلذذ إلى أي عضو كان وفيه عنه خلاف ووافقه أبو حنيفة في النظر إلى الفرج فقط وقال الأصل أنه لا يحرم عنده إلا أن ينزل لعدم إفضائه إلى المقصد الذي هو الوطء وهو إنما حرم تحريم الوسائل والوسيلة إذا لم تفض لمقصدها سقط اعتبارها ومنع الشافعي التحريم بالملامسة للذة والنظر مطلقا وفي بداية المجتهد وهو أحد قولين المختار عنده وقوله الثاني لم يوجب في النظر شيئا وواجب في اللمس
ا ه تنبيه قال الأصل اعتبر مالك قاعدة حمل اللفظ عند الإطلاق على عرف المتكلم به كغيره من العلماء في مشهور مذاهبهم في آية التحليل للزوجة بعد الطلاق الثلاث حيث حمل النكاح فيها على الوطء الحلال وجعله شرطا لموافقتها قاعدة الاحتياط في الفروج وخالفها في قوله تعالى في أمهات الربائب اللاتي دخلتم بهن حيث حمل الدخول فيها على خلاف العرف الشرعي من الدخول المباح فاعتبر
213
213
الفرق السادس والأربعون والمائة بين قاعدة ما يحرم بالنسب وبين قاعدة ما لا يحرم بالنسب
اعلم أن الإنسان تحرم عليه النسب أصوله وفصوله وفصول أول أصوله وأول فصل من كل أصل وإن علا فالأصول الآباء والأمهات وإن علوا والفصول الأبناء وأبناء الأبناء وإن سفلوا وفصول الأول أول الأصول الإخوة والأخوات وأولادهم وإن سفلوا احترازا من فصول ثاني الأصول وثالثها وإن علا ذلك فإنهم أولاد الأعمام والعمات والأخوال والخالات وهن مباحات لقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك وأول فصل من كل أصل يندرج فيه أولاد الأجداد والجدات وهم الأعمام والعمات والأخوال والخالات وقولنا أول فصل احترازا من ثاني فصل من أول الأصول فإن ثاني فصل فصل أولاد
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
مطلق الوطء ولو حراما لمعارض الاحتياط في الفروج ا ه
وقال ابن الشاط يحتاج ما قاله إلى نظر
ا ه قلت لعل وجهه أن النكاح في عرف الشرع حقيقة في وطء مطلقا لا في خصوص الوطء الحلال فقد قال أبو حنيفة في قوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء أي ما وطئوه لأن النكاح حقيقة في الوطء فيحرم على الشخص مزنية أبيه كما في المحلي على جمع الجوامع وقد تقدم نحوه عن الأصل في الفرق الرابع والأربعين والمائة فلا تغفل
وقال ابن العربي في كتاب الأحكام في قوله تعالى فإن طلقها فلا تحل له من بعد قال سعيد بن المسيب تحل المطلقة ثلاثا للأول بمجرد العقد من الثاني وإن لم يطأها الثاني لظاهر قوله تعالى فلا تحل له من بعد حتى تنكح والنكاح العقد وهذا لا يصح بل هو هنا الوطء لأنه صلى الله عليه وسلم شرط ذوق العسيلة وهي عبارة عن الوطء نعم يرد على مذهبنا أن من أصول الفقه أن الحكم هل يتعلق بأوائل الأسماء لزمنا مذهب سعيد بن المسيب وإن قلنا إن الحكم يتعلق بأواخر الأسماء لزمنا أن نشترط الإنزال مع مغيب الحشفة في الإحلال لأنه آخر ذوق العسيلة ولذا لا يجوز له أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها ولم يشترط عندنا في التحليل الإنزال فصارت المسألة في غاية الإشكال بل ما مر بي في الفقه أعسر منها
ا ه ملخصا والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق السادس والأربعون والمائة بين قاعدة ما يحرم بالنسب وبين قاعدة ما لا يحرم بالنسب
المحرم بالنسب على الإنسان ذكرا كان أو أنثى أربعة أنواع النوع الأول أصوله وهما الآباء والأمهات وإن علوا والنوع الثاني فصوله وهم الأبناء وأبناء الأبناء وإن سفلوا والنوع الثالث فصول أول أصوله وهم الإخوة والأخوات وأولادهم وإن سفلوا وأما فصول ثاني
214
214
الأعمام والعمات وأولاد الخال والخالات فإنهن مباحات فلذلك أطلق في الضابط في الآباء والأمهات والفصول مطلقا ليندرجوا هم وأولادهم وقيل في غير أول فصول أول فصل من كل أصل لهذا المعنى فانضبط المحرم على الرجال والنساء لهذا الضابط ودليله قوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأجمعت الأمة على أن المراد بهذا اللفظ القريب والبعيد من كل نوع واللفظ صالح له لقوله تعالى يا بني آدم يا بني إسرائيل ملة أبيكم إبراهيم
ثم قال وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم احترازا من زوجات أبناء التبني دون الرضاع ثم قال وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف وقال قبل ذلك ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف يريد في الجاهلية فإنه معفو عنه وحرم عليه السلام من الرضاع ما يحرم من النسب
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الأصول وثالثها وإن علا ذلك وهم أولاد الأعمام والعمات والأخوال والخالات فمباحات لقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك
النوع الرابع
أول فصل من كل أصل ويندرج فيه أولاد الأجداد والجدات وهم الأعمام والعمات والأخوال والخالات وأما ثاني فصل من أول الأصول وهم أولاد الأعمام والعمات والأخوال والخالات فمباحات كما علمت ودليل هذا الضابط قوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأجمعت الأمة على أن المراد بلفظ كل نوع من هذه الأنواع القريب والبعيد واللفظ صالح له لقوله تعالى يا بني آدم يا بني إسرائيل ملة أبيكم إبراهيم كما تقدم ثم قال فيما يحرم بالرضاع وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة قال ابن العربي في الأحكام ولم يذكر من المحرم بالرضاع في القرآن سواهما والأم أصل والأخت فرع فنبه بذلك على جميع الأصول والفروع وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة
ا ه قال في بداية المجتهد يعني أن المرضعة تنزل منزلة الأم فتحرم على المرضع هي وكل من يحرم على الابن من قبل أم النسب
ا ه وقال تعالى قبل ذلك فيما يحرم المصاهرة ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف يريد في الجاهلية فإنه معفو عنه ثم قال بعد ذلك وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم واحترز بقوله الذين من أصلابكم من زوجات أبناء التبني قال ابن العربي في أحكامه وابن التبني كان في صدر الإسلام إذ تبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ثم نسخ الله تبارك وتعالى ذلك بقوله ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله وهذه هي الفائدة في قوله تعالى من
215
215
تنبيه قال اللخمي كل أم حرمت بالنسب حرمت أختها وكل أخت حرمت لا تحرم أختها إذا لم تكن خالة فقد يتزوج الرجل المرأة ولكل واحد منهما ولد فالولد منهما تحل له ابنة المرأة من غير أبيه وكل عمة حرمت قد لا تحرم أختها لأنها قد لا تكون أخت أبيه ولا أخت جده
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
أصلابكم ليسقط ولد التبني ويذهب اعتراض الجاهل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في نكاح زينب زوج زيد وقد كان يدعى له فنهج الله سبحانه ذلك ببيانه ا ه ولم يحترز به من زوجات ابن الرضاع لجريانه مجرى ابن النسب في جملة من الأحكام معظمها التحريم لقوله صلى الله عليه وسلم يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ثم قال تعالى وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف وفي أحكام ابن العربي قال ابن عباس في قوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم إلى قوله تعالى وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما حرم الله تعالى في هذه الآية من النسب سبعا ومن الصهر سبعا وهذا صحيح وهو أصل المحرمات ووردت من جهة مبينة لجميعها بأخصر لفظ وأدل معنى فهمته الصحابة العرب وخبر به العلماء ونحن نفصل ذلك البيان فنقول أما الأصناف النسبية السبعة فالأم عبارة عن كل امرأة لها عليك ولادة ويرتفع نسبك إليها بالبنوة كانت على عمود الأب أو على عمود الأم وكذلك من فوقك والبنت عبارة عن كل امرأة لك عليها ولادة تنتسب إليك بواسطة أو بغير واسطة إذا كان مرجعها إليك والأخت عبارة عن كل امرأة شاركتك في أصليك أبيك وأمك ولا تحرم أخت الأخت إذا لم تكن لك أختا فقد يتزوج الرجل المرأة ولكل واحد منهما ولد ثم يقدر بينهما ولد قال سحنون هو أن يزوج الرجل ولده من غيرها بنتها من غيره وتصويرها أن يكون لرجل اسمه زيد زوجتان عمرة وخالدة وله من عمرة ولد اسمه عمر ومن خالدة بنت اسمها سعادة ولخالدة زوج اسمه بكر وله منها بنت اسمها حسناء فزوج زيد ولده عمر حسناء وهي أخت أخت عمرو فمن هنا قال اللخمي كل أم حرمت بالنسب حرمت أختها وكل أخت حرمت لا تحرم أختها إذا لم تكن خالة وكل عمة حرمت قد لا تحرم أختها لأنها قد لا تكون أخت أبيه ولا أخت جده
ا ه والعمة عبارة عن كل امرأة شاركت أباك في ما علا من أصله والخالة هي كل امرأة شاركت أمك فيما عليت من أصليها أو من أحدهما على تقدير تعلق الأمومة كما تقدم ومن تفصيله تحريم عمة الأب وخالته لأن عمة الأب أخت الجد والجد أب وأخته عمة وخالة الأب أخت جدته لأمه والجدة أم وأختها خالة وكذلك عمة الأم أخت جدها لأبيها وجدها أب وأخته عمة وخالة الأم أخت جدتها والجدة أم وأختها خالة وتتركب عليه عمة العمة لأنها عمة الأب كذلك وخالة العمة خالة الأم كذلك وخالة الخالة خالة الأم كذلك وعمة الخالة عمة الأم كذلك وقد تضمن هذا كله قوله تعالى وعماتكم وخالاتكم بالحجر في التحريم ولم يتضمنه آية الفرائض بالاشتراك في الموارث لسعة الحجر في التحريم وضيق الاشتراك في الأموال فعرق التحريم يسري حيث اطرد وسبب الميراث يقف أين ورد ولا تحرم أخت العمة ولا أخت الخالة وصورة ذلك كما قررنا لك في الأخت وبنت الأخ وبنت الأخت عبارة عن كل امرأة لأخيك أو لأختك عليها ولادة
216
216
فائدة
قول العلماء الآباء وإن علوا والأبناء وإن سفلوا مع أنه لو عكس لاستقام فإن الأبناء فروع والفرع شأنه أن يكون أعلى من أصله وفرع الفرع أعلى من الفرع في الشجرة والأصل أسفل وأصل الأصل أسفل من الأصل وهذا يناسب عكس ما قالوه
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
وترجع إليها بنسبة وأما الأصناف الصهرية السبعة فالأول والثاني أمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وهما محرمان بالقرآن وقد تقدم بعض الكلام عليهما هنا وإن أردت بسطه فعليك ببداية المجتهد وأحكام ابن العربي وغير ذلك والثالث أمهات نسائكم وقد تقدم الكلام عليها في الفرق الذي قبل هذا والرابع ربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن جمع ربيبة كفعيلة بمعنى مفعولة من ربها يربها إذا تولى أمرها وهي محرمة بإجماع الأمة كانت في حجر الرجل أو في حجر حاضنتها غير أمها فالاتي في حجوركم تأكيد للوصف وليس بشرط في الحكم وما رواه مالك بن أوس عن علي من أنها لا تحرم حتى تكون في حجره فباطل وكمال الكلام عليهما قد تقدم في الفرق قبل والخامس حلائل أبنائكم الذين من أصلابكم جمع حليلة كفعيلة بمعنى محلة والسادس أزواج آبائكم في قوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف فكما حرم الله على الآباء نكاح أزواج أبنائكم كذلك حرم على الأبناء نكاح أزواج آبائهم فكل فرج حل للابن حرم على الأب أبدا وبالعكس وقد تقدم بقية الكلام عليها في الفرق قبل السابع قوله تعالى وأن تجمعوا بين الأختين تعلق أبو حنيفة به في تحريم نكاح الأخت في عدة الأخت والخامسة في عدة الرابعة وقال إن هذا محرم بعموم القرآن لأنه إن لم يكن جمعا في حل فهو في حبس بحكم من أحكام الفرج وهو إذا تزوج أختها فقد حبس المتزوجة بحكم من أحكام النكاح وهو الحل والوطء وقد حبس أختها بحكم من أحكام النكاح وهو استبراء الرحم لحفظ النسب فحرم ذلك بالعموم وهي من مسائل الخلاف الطويلة وقد مهدنا الخلاف فيها هنالك والذي نجتزي به الآن أن الله سبحانه وتعالى نهاه أن يجمع وهذا ليس بجمع منه لأن النكاح اكتسبه والعدة إلزامية فالجامع بينهما هو الله سبحانه بحلمه وليس للعبد في هذا الجمع كسب يرجع النهي بالخطاب إليه وليس قوله تعالى هنا إلا ما قد سلف من مثل قوله إلا ما قد سلف في نكاح منكوحات الآباء لأن ذلك لم يكن قط بشرع وإنما كانت جاهلية جهلاء وفاحشة شائعة ونكاح الأختين كان شرعا لمن قبلنا فنسخه الله عز وجل فينا بقوله هنا إلا ما قد سلف
ا ه كلام ابن العربي بتصرف وحذف وزيادة فائدة وجه قول العلماء الآباء وإن علوا والأبناء وإن سفلوا مع أنه لو عكس لاستقام فإن الأبناء فروع وشأن الفرع أن يكون أعلى من صلبه وفرع الفرع أعلى من الفرع في شجرة النسب والأصل أسفل وأصل الأصل أسفل من الأصل وهو الإشارة إلى أن مبدأ الإنسان من نطفة والنطفة تنزل من الأب والنازل من الشيء يكون أسفل منه وابن الابن ينزل من الابن فلفظ الأبناء وإن سفلوا ولفظ الآباء وإن علوا مجاز اصطلحوا عليهما إشارة لهذا المعنى من التخيل ولا مشاحة فلي الاصطلاح فافهم والله سبحانه وتعالى أعلم
217
217
فما مستند قولهم والجواب أن قولهم إشارة إلى أن مبدأ الإنسان من نطفة أبيه
والنطفة تنزل من الأب والنازل من الشيء يكون أسفل منه وابن الابن من الابن ومقتضى هذا أن تقول الأبناء وإن سفلوا والآباء وإن علوا واللفظان مجازان إشارة لهذا المعنى من التخيل لما ذكره السائل وقد يلاحظ في اللفظ علاقة هي ضد علاقة أخرى ذلك لاختيار المتكلم المتجوز وهذه العبارة اصطلاح ولهم في اصطلاحهم ذلك
الفرق السابع والأربعون بين قاعدة الحصانة لا تعود بالعدالة وقاعدة الفسوق يعود بالجناية اعلم أن الإنسان إذا حكم له بالفسوق ثم تاب وأناب ذهب القضاء عليه بالفسوق فإذا جنى بعد ذلك كبيرة عاد الفسوق له وإذا كان محصنا بعدم مباشر الزنى ثم زنى ذهب الإحصان الذي هو شرط في حد القذف فمن قذف من ليس بمحصن فلا حد عليه فإذا صار بعد الزنى عدلا لم تعد الحصانة بالعدالة وفي القاعدتين قد ورد الضد بعد الضد المنافي لحكمه ظاهرا قال أصحابنا إذا قذفه بعد أن صار عدلا لم يحد نقله صاحب الجواهر وصاحب
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الفرق السابع والأربعون والمائة بين قاعدة الحصانة لا تعود بالعدالة وقاعدة الفسوق تعود بالجناية
وذلك أن عود الفسوق بعود الجناية إنما هو لأن الأمة مجمعة على أن سبب الفسوق هو ملابسة الكبيرة أو الإصرار على الصغيرة من حيث هو هذا المعنى من غير قيد ولا شرط معقول المعنى بحيث إن الإنسان إذا جنى بكبيرة أو بإصرار على صغيرة بعد أن زال القضاء عليه بالفسوق بتوبته وإنابته من ذلك وجب أن يعود القضاء عليه بالفسوق من غير استثناء صورة من صورة عملا بطرد العلة ووجود الموجب وأما المحصن بعدم مباشرة الزنى إذا زال إحصانه بمباشرته الزنى لم تعد حصانته بعدالته بعد مباشرته الزنى فلذا قال أصحابنا فإذا قذفه بعد إن صار عدلا لم يحد كما نقله صاحبا الجواهر والنوادر وجماعة من الأصحاب وفي الجواهر أيضا لو لاعن المرأة وأبانها ثم قذفها بتلك الزنية لم يحد ولم يلاعن لاستيفاء موجب اللعان قبل ذلك وقال ربيعة يحد وإن قذفها بزنية أخرى فإن كانت لم تلاعن وحدت لم يجب الحد لسقوط إحصانها الذي هو شرط في حد القذف بتلك الزنية بموجب لعانه وإن لاعنت وجب الحد أي للزوج القاذف فأولى بالحد الأجنبي إذا قذفها بها أي مطلقا لأن أثر لعان الزوج لا يتعدى لغيره ووقع في كتاب القذف إذا قذف من ثبت عليه الزنا وحسنت حاله بعد ذلك لا يحد لأن الحصانة لا تعود بالعدالة فمن ثبت فسقه بالزنا ذهبت حصانته وذلك إنما قالوه بناء على قاعدتين القاعدة الأولى أن الله تعالى إذا نصب سببا لحكمة فالصحيح عند العلماء أنه لا يجوز ترتب الحكم على تلك الحكمة لأن الله تعالى لم ينصبها سببا لذلك الحكم بل سبب وسببه وقد لا يصح سبب سببه سببا له لعدم المناسبة ألا ترى أن وجوب الزواج حكم سببه خوف الزنى والزواج سبب وجوب النفقة سبب
218
218
النوادر وجماعة من الأصحاب وفي الجواهر لو لاعن المرأة وأبانها ثم قذفها بتلك الزنية لم يحد ولم يلاعن لاستيفاء موجب اللعان قبل ذلك وقال ربيعة يحد وإن قذفها بزنية أخرى فإن كانت لم تلاعن وحدت لم يجب الحد لسقوط حصانتها بتلك الزينة بموجب لعانه
وإن لاعنت وجب الحد وإن قذفها أجنبي فأولى بالحد لأن أثر لعان الزوج لا يتعدى لغيره ووقع في كتاب القذف إذ قذف من ثبت عليه الزنى وحسنت حالته بعد ذلك لا يحد لأن الحصانة لا تعود بالعدالة فمن ثبت فسقه بالزنى ذهبت حصانته وهذا مقام تزلزلت فيه الفكر واضطربت فيه العبر وكيف يصير المقذوف من أهل الولاية والعدالة وجانبه مهتضم وعرضه مطرح والزنية الثانية التي رماه بها أو رمى المرأة بها لم يقم عليها مصدق للرمي وأي فرق بين هذه الأذية ههنا وبين أذية من لم يتقدم له زنى وهما مؤلمان مؤذيان للمرمي أذية ظاهرها الكذب أما إذا رماها بالزنية الأولى لهو صادق فلا يلحق بمحل الإجماع في الحد لقصوره عنه بل التعزير لمطلق الأذية بل القياس الجلي أن العرض إذا صار مثلوما بمعاودة الجناية أن
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
وجوب الزواج الذي هو خوف الزنى لا يناسب أن يكون سببا لوجوب النفقة ونظائر ذلك كثيرة منها أن الله تعالى نصب السرقة سببا للقطع لحكمة حفظ المال ولم يترتب القطع على من أخذ مالا بغير السرقة نظرا لتلك الحكمة بل منع لعدم تحقق سببه الذي هو السرقة ومنها أن الله تعالى نصب الزنى سببا للرجم لحكمة حفظ الأنساب لئلا تلتبس ولم يترتب الرجم على من سعى في التباس الأنساب بغير الزنى بأن يجمع الصبيان ويغيبهم صغارا أو يأتي بهم كبارا فلا يعرفهم آباؤهم نظرا لحكمة حفظ الأنساب بل منعوا رجمه لعدم تحقق سببه الذي هو الزنى ومنها أن الله تعالى شرع الرضاع سببا للتحريم بسبب أن جزء المرضعة وهو اللبن صار جزء الرضيع باغتذائه به وصيرورته من أعضائه فأشبه ذلك منيها ولحمتها في النسب لأنهما جزء الجنين
ولذلك قال عليه الصلاة والسلام الرضاع لحمة كلحمة النسب ولم يترتب ذلك التحريم على سبب سببه الذي هو صيرورة نحو دم المرأة أو قطعة من لحمها جزءا من أجزاء من شرب دمها أو أكل قطعة من لحمها إذ لم يقولوا بأنه يحرم عليها أو تحرم هي عليه بل قال مالك في المدونة لا تقع الحرمة باللبن إذا استهلك وعدم بحيث لا يسمي رضاعا ولبنا وتناوله الصبي إعراضا عن التعليل بالحكمة وقاله الشافعي أيضا وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنهم أجمعين اللبن المغلوب بالماء أو الدواء والمختلط بالطعام وإن كان اللبن غالبا لا يحرم لأن الطعام أصل واللبن تابع نعم قال مطرف من أصحابنا تقع الحرمة باللبن المستهلك بناء أنه على مقابل الصحيح أنه يجوز ترتيب الحكم على الحكمة ومنها أن الله تعالى شرع القذف سببا للجلد لحكمة حفظ الأعراض وصون القلوب عن الإذايات لكن اشترط فيه الإحصان ومن جملته عدم مباشرة الزنى فمن باشر فقد انتفى في حقه عدم مباشرة الزنى فإن النقيضين لا يصدقان والعدالة بعد ذلك لا تنافي كونه مباشرا فإن لاحظنا الحكمة بدون السبب حسن إعادة الحكم بحد قاذفه وإن اقتصرنا على خصوص السبب ولم نرتب الحكم على حكمته بدونه لم نقل بوجوب حد قاذفه ويؤكد ذلك أن الحدود يغلب عليها التعبد من جهة مقاديرها وإن كانت معقولة المعنى من جهة أصولها والتعبد لا يجوز
219
219
يصير معصوما بمعاودة العدالة والولاية والجواب وهو الفرق بين القاعدتين أن البحث ههنا يظهر بقاعدتين القاعدة الأولى أن الله تعالى إذا نصب سببا لحكمه اختلف العلماء هل يجوز ترتيب الحكم على تلك الحكمة حيث وجدت لأنها أصل في اعتبار ذلك السبب أو لا يجوز لأن الله تعالى لم ينصبها سببا لذلك الحكم بل سبب سببه وقد لا يصح سبب سبب الحكم سببا للحكم لعدم المناسبة ألا ترى أن خوف الزنى سبب وجوب الزواج والزواج سبب وجوب النفقة ولا يناسب أن يكون خوف الزنى سبب وجوب النفقة ونظائره كثيرة وهذا هو الصحيح عند العلماء كما نصب الله تعالى السرقة سببا للقطع لحكمة حفظ المال ومن أخذ مالا بغير السرقة لا يجوز قطعه ونصب الزنى سببا للرجم لحكمة حفظ الأنساب لئلا تلتبس فمن سعي في التباس الأنساب بغير الزنى بأن يجمع الصبيان ويغيبهم صغارا ويأتي بهم كبارا فلا يعرفهم آباؤهم لا يجوز رجمه لذلك وكذلك شرع الرضاع سببا للتحريم بسبب أن جزء المرضعة وهو اللبن صار جزء الرضيع باغتذائه به وصيرورته من أعضائه فأشبه ذلك منيها ولحمتها في النسب لأنهما جزء الجنين ولذلك قال عليه السلام الرضاع لحمة كلحمة النسب
فإذا أخذنا نعلل بهذا الحكمة لزمنا أن من شرب دم امرأة أو أو أكل قطعة من لحمها يحرم عليها وتحرم عليه وليس كذلك ولأجل ملاحظة التعليل بالحكمة إذا استهلك اللبن وعدم ما يسمى رضاعا ولبنا وتناوله الصبي فمن علل بالحكمة أوقع به الحرمة قاله مطرف من أصحابنا وقال مالك في المدونة لا تقع به الحرمة إعراضا عن التعليل بالحكمة وقاله الشافعي وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنهم أجمعين اللبن المغلوب
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
التصرف فيه فمن هنا ظهر أنه لا يلزم من الاستواء في الآفة الاستواء في الحد بل يعزر إن آذاه بالقذف على قاعدة السب والشتم فلا تضيع المصلحة ولا تستباح الأعراض بل تنعصم بالتعزير وقد يزيد التعزير على الحد على أصل مالك رحمه الله تعالى فلا يستنكر إسقاط الحد في هذه الصورة
وفي تبصرة ابن فرحون عن المازري في المعلم دليل ما ذهب إليه مالك من جواز زيادة العقوبات على الحد فعل سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه في ضرب الذي نقش خاتمه مائة ونقل ابن قيم الجوزية أنها ثلاثمائة في ثلاثة أيام وذكر القرافي أن صاحب القضية معن بن زياد زور كتابا على عمر ونقش خاتمه فجلده مائة فشفع فيه قوم فقال أذكرتموني الطعن وكنت ناسيا فجلده مائة أخرى ثم جلده بعد ذلك مائة أخرى ولم يخالفه أحد قال المازري فكان إجماعا وضرب عمر رضي الله تعالى عنه ضبيعا أكثر من الحد ا ه
القاعدة الثانية
أن ما ورد مطلقا يحمل على ما ورد مقيدا حيث كان القيد واحدا وإلا حمل ما ورد مقيدا على المطلق لئلا يحصل الترجيح بلا مرجح فنحو قوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة
220
220
بالماء والمختلط بالطعام وإن كان اللبن غالبا لا يحرم لأن الطعام أصل واللبن تابع والدواء كالماء عنده وههنا في باب القذف شرع سببا للجلد لحكمة حفظ الأعراض وصون القلوب عن الأذيات لكن اشترط فيه الإحصان ومن جملة عدم مباشرة الزنى فمن باشر فقد انتفى في حقه عدم المباشرة فإن النقيضين لا يصدقان والعدالة بعد ذلك لا ينافي كونه مباشرا فإن لاحظنا الحكمة دون السبب حسن إعادة الحد وإن اقتصرنا على خصوص السبب لا يجب الحد ويؤكد ذلك أن الحدود يغلب عليها التعبد من جهة مقاديرها وإن كانت معقولة المعنى من جهة أصولها والتعبد لا يجوز التصرف فيه فظهر أنه لا يلزم من الاستواء في الأذية الاستواء في الحد بل يعزر إن آذاه بالقذف على قاعدة السب والشتم فلا تضيع المصلحة ولا تستباح الأعراض وتنعصم بالتعزير وقد يزيد التعزير على الحد على أصل مالك رحمه الله فلا يستنكر إسقاط الحد في هذه الصورة
القاعدة الثانية
قاعدة حمل المطلق على المقيد وذلك أن الله تعالى قال والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة الآية وقال في الآية الأخرى إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة فالآية الأولى مطلقة وهذه مقيدة بوصف الغفلة فتحمل المطلقة على المقيدة على القاعدة في أصول الفقه والمباشر للزنى ليس بغافل عنه فلا يحد قاذفه لأنه لو حد لحصل معنى اللعن في الدنيا والآخرة وهو منفي بهذه الآية من جهة مفهومها الذي هو مفهوم الصفة لأن مفهومها أن من ليس بغافل لا يحد قاذفه ولا يلعن في الدنيا والآخرة وهو المطلوب وقد اتفقنا على أنه يلعن بالتعزير والعقوبة المؤلمة على حسب حال المقذوف فيبقى ما عداه على مقتضى الدليل أما عود الفسوق بعود الجناية فلأن الأمة مجمعة على أن سبب الفسوق هو ملابسة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة الآية من حيث إنه ورد غير مقيد بوصف الغفلة بخلاف قوله تعالى في الآية الأخرى إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة فإنه قيد بوصف الغفلة فيحمل المطلق على المقيد على القاعدة في أصول الفقه والمباشر للزنا ليس بغافل عنه فلا يحد قاذفه لأنه لو حد لحصل معنى اللعن في الدنيا والآخرة وهو منفي بهذه الآية من جهة مفهومها الذي هو مفهوم الصفة لأن مفهومها أن من ليس بغافل لا يحد قاذفه ولا يلعن في الدنيا والآخرة وهو المطلوب وقد اتفقنا على أنه يلعن بالتعزير والعقوبة المؤلمة على حسب حال المقذوف فيبقى ما عداه على مقتضى الدليل ونحو قوله صلى الله عليه وسلم كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله إلخ مقيد وكذا قوله صلى الله عليه وسلم كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله إلخ فيحملان على المطلق وهو قوله صلى الله عليه وسلم كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله إلخ على القاعدة في أصول الفقه من حمل المقيدين على المطلق الواحد لا العكس لئلا يلزم التحكم فافهم والله سبحانه وتعالى أعلم

221
221
الكبيرة أو الإصرار على الصغيرة من حيث هو هذا المعنى من غير قيد ولا شرط وهو معقول المعنى بحيث وجب القضاء بفسق ملابسه من غير استثناء صورة عن صورة عملا بطرد العلة ووجود الموجب فهذا هو الفرق بين القاعدتين
الفرق الثامن والأربعون والمائة بين قاعدة ما يلحق فيه الولد بالوطء وبين قاعدة ما لا يلحق فيه
اعلم أن العلماء قد أطلقوا القول بأن الولد لا يلحق بالوطء إلا لستة أشهر فصاعدا وهذا الكلام ليس على إطلاقه وإنما مرادهم إذا كان الولد قد ولد تاما فإنه لا يتم بعد الوطء إلا في هذه المدة أو أكثر منها أما أقل فلا وعلى هذا إذا لم تلده تاما نظرت نسبة تلك المدة لذلك التخلق إن كانت المدة تصلح له ألحقته بالوطء وإن كانت لا تصلح له لم يلحق فقد يلحق به لثلاثة أشهر إذا كانت ثلاثة أشهر تصلح لذلك التخلق وعلى هذا المنهاج يكون إلحاق الولد بنسبة المدة إلى صورة التخلق فقولهم حينئذ أن الولد لا يلحق دون ستة أشهر ليس على ظاهره بل مرادهم إذا كان كامل الخلق فإنه لا يكمل خلقه في أقل من هذه المدة وسببه ما ذكره ابن جميع وغيره في التحدث على الأجنة أن الجنين
هامش أنوار البروق
قال الفرق الثامن والأربعون والمائة بين قاعدة ما يلحق فيه الولد بالوطء وبين قاعدة ما لا يلحق فيه إلى قوله فإنه لا يكمل خلفه في أقل من هذه المدة قلت ما قاله في ذلك من أن كلام العلماء ليس على إطلاقه ليس عندي بصحيح بل كلامهم على إطلاقه في ذلك لأن ذلك هو مقتضى الآية في قوله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا قال وسببه ما قاله ابن جميع وغيره في التحدث على الأجنة
هامش إدرار الشروق
الفرق الثامن والأربعون والمائة بين قاعدة ما يلحق فيه الولد بالواطئ وبين قاعدة ما لا يلحق به
في أحكام القرآن لابن العربي قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أقل الحمل ستة أشهر لأن الله تعالى قال وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ثم قال تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة فإذا أسقطت حولين من ثلاثين شهرا بقيت منه ستة أشهر وهي مدة الحمل وهذا من بديع الاستنباط ا ه
فمن هنا أطلق العلماء القول بأن الولد لا يلحق بالواطئ إلا لستة أشهر فصاعدا وقال ابن الشاط وكلامهم هذا على إطلاقه كما هو مقتضى الآية في قوله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا قال ولا اعتبار عندي بما حكاه الشهاب عن الأطباء حيث قال ذكر ابن جميع وغيره من الأطباء في التحدث على الأجنة أن الجنين يتحرك لمثل ما يخلق فيه ويوضع لمثلي ما تحرك فيه قالوا وتخلقه في العادة تارة يكون لشهر وتارة يكون لشهر وخمسة أيام وتارة يكون لشهر
222
222
يتحرك لمثل ما يخلق فيه وبوضع لمثلي ما تحرك فيه قالوا وتخلقه في العادة تارة يكون لشهر وتارة يكون لشهر وخمسة أيام وتارة يكون لشهر ونصف فإذا تخلق في شهر بمعنى تصورت أعضاؤه تحرك في مثل ذلك فيتحرك في شهرين ويوضع لمثلي ما تحرك فيه ومثلا الشهرين أربع أشهر وأربعة مع شهرين ستة فيوضع لستة أشهر وإن تخلق لشهر وخمسة أم تحرك في مثل ذلك وهو شهران وعشرة أيام مثلا ذلك أربعة أشهر وعشرون يوما فإذا أضيف ذلك لمدة التحرك كان سبعة أشهر فيوضع الولد لسبعة أشهر وإن تخلق لشهر ونصف تحرك في ثلاثة أشهر ووضع لتسعة أشهر على التقدير المتقدم فلذلك لا يحصل الوضع الطبيعي إلا لستة أشهر أو سبعة أو تسعة قالوا ولهذا السبب يعيش الولد الذي يوضع لسبعة ولا يعيش الذي يوضع لثمانية
وإن كان أقرب للقوة ولمدة التسعة بسبب أن الذي يوضع لسبعة وضع من غير آفة سليما على قاعدة الولادة والذي وضع لثمانية يكون به آفة من مرض أو غيره قد عجله عن التسعة آفة أو أخرته
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله هنا حكاية أقوال وتقرير كلام الأطباء في تصرف أحوال فأما حكاية الأقوال فلا كلام فيه وأما ما حكاه عن الأطباء فلا اعتبار به عندي على تقدير أن يكون صحيحا لمخالفته لمقتضى الآية ولا تضر مخالفة الشرع لمقتضى الحسن والله أعلم قال تنبيه فعلى هذا يكون قوله عليه الصلاة والسلام يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما أو أربعين صباحا نطفة ثم أربعين علقة ثم أربعين مضغة ثم ينفخ فيه الروح إشارة إلى الأطوار الثلاثة تقريبا إلى قوله والحس مؤول لأجله ظاهر الحديث
هامش إدرار الشروق
ونصف فإذا تخلق في شهر بمعنى تصورت أعضاؤه تحرك في مثل ذلك فيتحرك في شهرين ويوضع لمثلي ما تحرك فيه ومثلا الشهرين أربعة أشهر وأربعة مع شهرين ستة فيوضع لستة أشهر وإن تخلق لشهر وخمسة أيام تحرك في مثلي ذلك وهو شهران وعشرة أيام ومثلا ذلك أربعة أشهر وعشرون يوما فإذا أضيف ذلك لمدة التحرك كان سبعة أشهر فيوضع الولد لسبعة أشهر وإن تخلق لشهر ونصف تحرك في ثلاثة أشهر ويوضع لتسعة أشهر على التقدير المتقدم فلذلك لا يحصل الوضع الطبيعي إلا لستة أشهر أو سبعة أو تسعة قالوا ولهذا السبب يعيش الولد الذي يوضع لسبعة ولا يعيش الذي يوضع لثمانية
وإن كان أقرب للقوة ولمدة التسعة وذلك أن الذي يوضع لسبعة وضع من غير آفة سليما على قاعدة الولادة والذي يوضع لثمانية يكون به آفة من مرض أو غيره قد عجلته تلك الآفة عن التسعة أو أخرته عن السبعة والذي به آفة لا يعيش فالمولود لثمانية لا يعيش هذا هو المنهج العام والعادة الغالبة قالوا وقد يحصل عارض إما من جهة المني في مزاجه وبرده ويبسه وإما من جهة الرحم في برده أو هيئة فيه تمنع من جريان هذه القاعدة فيقعد الولد إلى اثني عشر شهرا وقال الفقهاء والمؤرخون هذه الأسباب العارضة قد تؤخر الولد إلى سنتين فأكثر وهو قول الحنفية أو إلى أربع سنين وهو مشهور قول الشافعية أو إلى خمس سنين وهو مشهور المالكية ووقع في مذهب الشافعي ومالك رضي الله عنهما إلى سبعة قال صاحب الاستقصاء
223
223
عن السبعة آفة والذي به آفة لا يعيش فالمولود لثمانية لا يعيش فهذا هو السر في ذلك وهذا هو المهيع العام والعادة الغالبة قالوا وقد يحصل عارض من جهة المني في مزاجه وبرده أو يبسه أو من الرحم في برده أو هيئة فيه تمنع من جريان هذه القاعدة فيقعد الولد إلى اثنا عشر شهرا وقال الفقهاء والمتأخرون هذه الأسباب العارضة قد تؤخر الولد إلى سنتين فأكثر وهو قول الحنفية أو إلى أربع سنين وهو مشهور قول الشافعية أو إلى خمس سنين وهو مشهور المالكية
ووقع في مذهب الشافعي ومالك رضي الله عنهما إلى سبعة قال صاحب الاستقصاء ولدت امرأة بواسط لسبع سنين ولدا له وفرة من الشعر فجاء عند الولادة بجنبه طائر فقال له كش
وقال مالك إن امرأة العجلاني دائما لا تضع إلا
هامش أنوار البروق
قلت لا حاجة إلى تأويل الحديث فإن ما ذكره الأطباء من ذلك لا تتحقق صحته والأصح إبطال ما ذكر لمخالفته الحديث قال فإن قلت هم قوم كفار لا عبرة بقولهم في الشرائع والأحكام فلا ينبغي على أقوالهم لحوق الولد وعدم لحوقه قلت السؤال وارد وقول السائل عندي صحيح قال قلت قد اعتبرنا قول الكفار في الأمور الغائبة عنا من الطبيات إلى آخر ما قاله في هذا الفرق قلت ما ذكره من قبول قول الكفار في الموطن التي ذكرها صحيح ولكن ليس ذلك من باب
هامش إدرار الشروق
ولدت امرأة بواسط لسبع سنين ولدا له وفرة من الشعر فجاء عند الولادة بجنبه طائر فقال له كش وقال مالك إن امرأة العجلاني دائما لا تضع إلا لخمس سنين وهذا من العوارض النادرة الغريبة في هذه المحال والغالب هو الأول
ا ه كلام الشهاب ووجه عدم اعتبار ما حكاه عن الأطباء هو أنه على تقدير أن يكون صحيحا على مقتضى الحس مخالف لمقتضى الآية ومقتضى الشرع مقدم ولا تضر مخالفته لمقتضى الحس على أن الأصح إبطال ما ذكره الأطباء من ذلك لمخالفته لقوله عليه الصلاة والسلام يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما أو أربعين صباحا نطفة ثم أربعين علقة ثم أربعين مضغة ثم ينفخ فيه الروح فإن ظاهره أن الحركة في جميع الأجنة لأربعة أشهر والوضع لاثني عشر شهرا وهو يقتضي تكذيبهم فيما قالوه ولا حاجة إلى تأويله بأن يقال إنه إشارة إلى الأطوار الثلاثة تقريبا فإن الأربعين تقرب من الثلاثين والخمسة والثلاثين والخمسة والأربعين وهي بين هذه الأطوار متوسطة تكاد تشتمل على الجميع بتوسطها ودعوى أن كون الحركة في أربعة أشهر والوضع في اثني عشر شهرا وإن كان صورة واقعة صحيحة غير أنها نادرة
وحمل اللفظ على النادر خلاف الظاهر فيحمل على الغالب نظرا لأن المباشر لصور التخليق والتحرك والوضع المتقدم تقديره مشرحون كانوا يشرحون الحبالى ويشقون أجوافهم فيمن وجب عليه القتل ويطلعون على ذلك حسا وعيانا والحس يؤول لأجله ظاهر الحديث على أنه يمكن أن يقال إن قوله عليه السلام يجمع خلق أحدكم صيغة مطلقة لا عموم فيها فيتأدى بصورة وقد وقعت في
224
224
لخمس سنين وهذا من العوارض النادرة الغريبة في هذه الحال والغالب هو الأول فقد ظهر السر والفرق بين ما يلحق الولد فيه وبين ما لا يلحق فيه تنبيه فعلى هذا يكون قوله عليه السلام يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما أو أربعين صباحا نطفة ثم أربعين علقة ثم أربعين مضغة ثم ينفخ فيه الروح إشارة إلى الأطوار الثلاثة تقريبا فإن الأربعين تقرب من الثلاثين والخمسة والثلاثين والخمسة والأربعين وهي بين هذه الأطوار متوسطة تكاد تشتمل على الجميع بتوسطها فهذا هو معنى الحديث إلا أنه على ظاهره في جميع الأجنة ولو كان على ظاهره لكانت الحركة في أربعة أشهر ويكون الوضع في اثني عشر شهرا وهي صورة واقعة صحيحة غير أنها نادرة فلك أن تقول إن قوله عليه السلام يجمع خلق أحدكم صيغة مطلقة لا عموم فيها فيتأدى بصورة وقد وقعت في صور كثيرة وحصل الوضع في اثني عشر شهرا فحصل مقتضى الحديث وصدق الخبر فلا حاجة إلى العدول به عن ظاهره ولك أن تقول إن حمل اللفظ على
هامش أنوار البروق
الشهادة بل من باب الخبر وليس ذلك على الإطلاق بل في مواطن إلجاء الضرورة إلى قبول أقوالهم وليس ما نحن فيه من أمر لحوق الولد من تلك المواطن لأن الآية يقتضي ظاهرها تعيين المدة التي يلحق فيها الولد وهي ستة أشهر والحديث يقتضي ظاهره تكذيبهم فيما قالوه والله أعلم وما قاله في الفرق بعده صحيح
هامش إدرار الشروق
صور كثيرة وحصل الوضع في اثني عشر شهرا فحصل مقتضى الحديث وصدق الخبر فلا حاجة إلى العدول به عن ظاهره دعوى غير مسموعة فإن المشرحين المذكورين قوم كفار لا عبرة بقولهم في الشرائع والأحكام فلا ينبني على قولهم لحوق الولد وعدم لحوقه حتى يقال إن كان الولد قد ولد تاما فلا يتم بعد الوطء إلا في ستة أشهر فأكثر منها أما أقل فلا وإذا لم تلده تاما نظرت نسبة تلك المدة لذلك التخلق فإن كانت المدة تصلح له ألحقته بالواطئ
وإن كانت لا تصلح له لم يلحق فقد يلحق به لثلاثة أشهر مثلا إذا كانت ثلاثة أشهر تصلح لذلك التخلق وقبول قول الكافر في المواطن التي تقدم ذكرها في في الفرق الأول من الأمور الغائبة من الطبيات والجراحات وكل ما هو علمهم ودرايتهم وإن كان صحيحا على أنه من باب الخبر لا الشهادة إلا أنه ليس على إطلاقه بل في مواطن إلجاء الضرورة إلى قبول قولهم وليس ما نحن فيه من أمر لحوق الولد من تلك المواطن لأن الآية يقتضي ظاهرها تعيين المدة التي يلحق فيها الولد وهي ستة أشهر والحديث يقتضي ظاهره تكذيبهم فيما قالوه كما علمت
ا ه كلام ابن الشاط بتوضيح وبالجملة فالعلامة ابن الشاط اعتبر ظاهر الآية وظاهر الحديث وبنى على ذلك أن الولد لا يلحق الواطئ لأقل من ستة أشهر فصاعدا ولم يعتبر ما ذكره الأطباء لأمرين أحدهما أن مقتضى الحس على تقدير صحته لا يقدم على مقتضى ظاهر الشرع إذ لا تضر مخالفة الشرع لمقتضى الحس
الثاني
أن ما نحن فيه من أمر لحوق الولد ليس من مواطن إلجاء الضرورة إلى قبول أقوال الكفار حتى يقبل فيه قول المشرحين من الأطباء الكفار والعلامة الشهاب اعتبر ما ذكره الأطباء نظرا لكونهم وإن كانوا كفارا قد شرحوا من وجب عليه القتل من الحبالى وشقوا أجوافهم واطلعوا على ذلك حسا وعيانا وقول الفقهاء لا يقبل قول الكفار ولا شهادتهم إنما هو في الشهادة في استحقاق الأموال والدماء
225
225
النادر خلاف الظاهر فيحمل على الغالب ويكون ذلك إشارة إلى التوسط بين الأطوار كما تقدم وحملنا على ذلك أن المباشر لصور التخليق والتحرك والوضع المتقدم تقديره مشرحون كانوا يشرحون الحبالى ويشقون أجوافهم فيمن وجب عليه القتل ويطلعون على ذلك حسا وعيانا والحس يؤول لأجله ظاهر الحديث
فإن قلت هم قوم كفار لا عبرة بقولهم في الشرائع والأحكام فلا يبنى على قولهم لحوق الولد وعدم لحوقه
قلت قد اعتبرنا قول الكفار في الأمور الغائبة من الطبيات فلو شهدوا بعدم العيب قبلنا شهادتهم وقضينا بالرد على البائع حتى قال جماعة من العلماء يقبل في ذلك قول واحد بانفراده ولو شهدوا بأن المرض مخوف قضينا برد التصرفات والتبرعات وورثنا المطلقة الثلاث في ذلك المرض إذا مات المطلق فيه ولو شهدوا بأن هذا الدواء في هذا الوقت لا يصلح بهذا المرض وإن دافعه له مخطئ ضمناه بشهادتهم ولو شهدوا بغير ذلك مما يتوقف على الطبيات والجراحات والأمور التي هي علمهم ودرايتهم قبلناه فكذلك ههنا فقول الفقهاء لا يقبل قول الكافر ولا شهادته ليس على إطلاقه بل ذلك في الشهادة في استحقاق الأموال والدماء ونحو ذلك من قضايا الحكام أما في هذا الباب فلا وقد قال مالك يقبل قول الكافر في الذبيحة ويترتب على ذلك حكم شرعي وهو جواز التناول ونصوا أيضا على ذلك في قبول الهدية إذا جاءوا بها وأخبروا أن فلانا بعث بها معهم ويباح أكلها بذلك فظهر الفرق بين أقوال الكفارة في مواطنها
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
ونحو ذلك من قضايا الحكام أما ما يتوقف على الطبيات والجراحات والأمور التي هي علمهم ودرايتهم فقد لمالك وأصحابه قول على قول الكافر في ذلك ويثرب عليه الحكم الشرعي كما مر في الفرق الأول وبنى عليه أن الولد يلحق الواطئ لأقل من ستة أشهر حيث لم تلده تاما في مدة تصلح للتخلق الذي ولد عليه وأن ظاهر الآية محمول على صورة من الصور الغالبة التي ذكرها الأطباء وأما ظاهر الحديث فإما محمول على صورة من الصور غير الغالبة وإن كانت نادرة ليحصل مقتضاه وتصدق صيغة إطلاقه بصورة ما بلا احتياج إلى العدول به عن ظاهره وإما أن يكون إشارة إلى التوسط بين الأطوار كما تقدم فيكون محمولا على الغائب لا على النادر لأنه خلاف الظاهر ونظر في ذلك إلى أن الحس يؤول لأجله ظاهر الحديث فافهم والله سبحانه وتعالى أعلم

226
226
الفرق التاسع والأربعون بين قاعدة قيافته عليه السلام وبين قاعدة قيافة المدلجيين
اعلم أن مالكا والشافعي رضي الله عنهما قالا بالقافة في لحوق الأنساب وخصصه مالك في مشهور مذهبه بالإماء دون الحرائر
وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا يجوز الاعتماد على القافة أصلا في صورة من الصور لأنه حزر وتخمين فلا يجوز كالاعتماد على النجوم وعلى علم الرمل والفأل والزجر وغير ذلك من أنواع الحزر والتخمين فإن الاستدلال بالخلق على الأنساب من باب الحزر البعيد ومع طول الأيام يولد للشخص من لا يشبههما في خلق ولا في خلق وقد قال عليه السلام للذي أنكر ولده من لونه لعله عرق نزع بعد أن قال له هل لك من إبل قال نعم قال فما ألوانها قال بيض قال هل فيها من أورق قال نعم قال فمن أين ذلك الأورق قال لعله عرق نزع قال له عليه السلام لعله عرق نزع يشير إلى أن صفات الأجداد وأجداد الأجداد والجدات قد تظهر في الأبناء فيأتي الولد يشبه غير أبويه وقد يأتي يشبه أبويه وليس منهم لأن الواطئ الزاني بأمه كان يشبه أباه أو جدا من أجداده أو خالا من أخواله يشبه أباه الذي ألحقته به القافة وليس باب له في نفس الأمر وإذا لم
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الفرق التاسع والأربعون والمائة بين قاعدة قيافته عليه السلام وبين قاعدة قيافة المدلجين
وذلك أنه جاء في البخاري وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث اللعان المشهور لما لاعن بين عويمر العجلاني وامرأته وكانت حاملا إن جاءت به أحمر قصيرا كأنه وحرة فلا أراها إلا قد صدقت وكذب عليها وإن جاءت به أسود أعين ذا أليتين فلا أراه إلا قد صدق عليها فجاءت به على المكروه من ذلك وفي بعض الروايات في البخاري كان ذلك الرجل مصفرا قليل اللحم سبط الشعر وكان الذي ادعى عليه أنه وجده عند أهله خدلا آدم كثير اللحم جعدا قططا فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم بين فجاءت به شبيها بالرجل الذي ذكر زوجها أنه وجده عندها والوحرة بالحاء المهملة دويبة حمراء تلصق بالأرض
والأعين الواسع العينين والآدم الشديد الأدمة وهي سمرة بحمرة
والخدل الكثير اللحم في الساقين يقال رجل خدل وامرأة خدلاء
والقطط الشديد الجعودة كشعور السودان فهذا الحديث كالحديث الذي جاء في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة رضي الله عنها لما قالت أو تجد المرأة ما يجد الرجل يعني من إنزال المني واللذة الموجبة للغسل فقال لها عليه السلام تربت يداك ومن أين يكون الشبه يقتضي أن مني المرأة ومني الرجل يحدث شبها في الولد بالأبوين فيأتي في الخلقة والأعضاء والمحاسن ما يدل على الأنساب فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى على خلقة مخصوصة أنها توجب أنه من واطئ مخصوص وأنه يوجب النسب إن جاءت به يشبه صاحب الفراش وجاء في مسلم أن عائشة رضي الله عنها قالت دخل علي
227
227
يطرد ولم ينعكس لم يجز الاعتماد عليه لأنه من باب الحزر والتخمين البعيد واحتج مالك والشافعي رضي الله عنهما بما في مسلم قالت عائشة رضي الله عنها دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم مسرورا فقال يا عائشة ألم تري أن مجززا المدلجي دخل علي فرأى أسامة وزيدا وعليهما قطيفة قد غطيا رؤسهما وبدت أقدامهما فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض فقال أبو داود كان أسامة شديد السواد وأبوه شديد البياض فطعنت الجاهلية على زيد بذلك فسر عليه السلام لعلمه بترك الطعن عند ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسر إلا بسبب حق فتكون القيافة حقا وهو المطلوب
أجاب الحنفية عن هذا الحديث بوجهين
الأول
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتعين أن يكون سر لكون القيافة حقا بل جاز أن يسر لقيام الحجة على الجاهلية بما كانوا يعتقدونه وإن كان باطلا والحجة قد تقوم على الخصم بما يعتقده وإن كان باطلا وقد يؤيد الله الحق بالرجل الفاجر وبما شاء فإخمال الباطل ودحضه يوجب السرور بأي طريق كان الثاني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سر بوجوده آية الرجم في التوراة وهو لا يعتقد صحتها بل لقيام الحجة على الكفار وظهور كذبهم وافترائهم فلم لا يكون هنا كذلك
أجاب الفقهاء
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم مسرورا فقال يا عائشة ألم تري أن مجززا المدلجي دخل علي فرأى أسامة وزيدا وعليهما قطيفة قد غطيا رءوسهما وبدت أقدامهما فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض وسبب سروره صلى الله عليه وسلم كما قال أبو داود وهو علمه بذلك صلى الله عليه وسلم بترك الجاهلية عند ذلك الطعن على زيد بسبب أنه كان شديد البياض وابنه أسامة كان شديد السواد ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسر إلا بسبب حق فتكون القيافة حقا فالقافة كما تثبت بحديث مجزز المدلجي كذلك تثبت بحديث اللعان وحديث عائشة بل ثبوتها بهذين الحديثين كما قال بعض الفضلاء أولى ضرورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين الحديثين قد صرح بالقيافة وصدرت عنه صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا وفي حديث المدلجي إنما صدر منه صلى الله عليه وسلم الإقرار على ما قاله المدلجي وأين إقرار النبي صلى الله عليه وسلم على قول رجل من آحاد الناس معرض للصواب والخطأ مما فعله هو بنفسه وتكرر منه صلى الله عليه وسلم وهو معصوم من الخطأ ومع هذا فمالك والشافعي رضي الله عنهما لما قالا بالقافة في لحوق الأنساب وخصصه مالك في مشهور مذهبه بالإماء دون الحرائر مخالفين لقول أبي حنيفة رضي الله عنه لا يجوز الاعتماد على القافة أصلا في صورة من الصور لأنه حزر وتخمين والحزر والتخمين كالاعتماد على النجوم وعلى علم الرمل والفأل والزجر وغير ذلك من أنواع الحزر والتخمين لا يجوز والكبرى لا شك في ظهورها
ودليل الصغرى أن الاستدلال بالخلق على الأنساب استدلال بما لم يطرد ولم ينعكس إذ مع طول الأيام قد يولد للشخصين من لا يشبههما في خلق ولا في خلق ألا ترى إلى قوله عليه السلام للذي أنكر ولده من لونه لعله عرق نزع بعد أن قال له هل لك من إبل قال نعم قال فما ألوانها قال بيض قال هل فيها من
228
228
عن الأول بما جاء في البخاري وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث اللعان المشهور لما لاعن بين عويمر العجلاني وامرأته وكانت حاملا إن جاءت به أحمر قصيرا كأنه وحرة فلا أراها إلا قد صدقت وكذب عليها وإن جاءت به أسود أعين ذا أليتين فلا أراه إلا قد صدق عليها فجاءت به على المكروه من ذلك وفي بعض الروايات في البخاري كان ذلك الرجل مصفرا قليل اللحم سبط الشعر
وكان الذي ادعى عليه أنه وجده عند أهله خدلا آدم كثير اللحم جعدا قططا فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم بين فجاءت شبيها بالرجل الذي ذكر زوجها أنه وجده عندها
فائدة
الوحرة بالحاء المهملة دويبة حمراء تلصق بالأرض والأعين الواسع العينين والآدم الشديد الأدمة وهي سمرة بحمرة والخدل الكثير اللحم في الساقين يقال رجل خدل وامرأة خدلاء والقطط الشديد الجعودة كشور السودان وبما جاء في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة رضي الله عنها لما قالت أو تجد المرأة ما يجد الرجل يعني من إنزال المني واللذة الموجبة للغسل فقال لها عليه السلام تربت يداك ومن أين يكون الشبه فدل هذا الحديث على أن مني المرأة ومني الرجل يحدث شبها في
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
أورق قال نعم قال فمن أين ذلك الأورق قال لعله عرق نزع قال له عليه السلام لعله عرق نزع يشير إلى أن صفات الأجداد وأجداد الأجداد والجدات قد تظهر في الأبناء فيأتي الولد يشبه غير أبويه وقد يأتي الولد يشبه أبويه وليس هو منهما لأن الواطئ الزاني بأمه كان يشبه أباه وجدا من أجداده أو خالا من أخواله يشبه أباه الذي ألحقته القافة به وليس هو بأب له في نفس الأمر والاستدلال بما لم يطرد ولم ينعكس من باب الحزر والتخمين البعيد فلا يجوز الاعتماد عليه لم يحتجا على أبي حنيفة في ثبوت القافة بحديث اللعان وحديث عائشة بل إنما احتجا بحديث مجزز المدلجي فعدلا عن مدرك في غاية القوة والشهرة إلى ما هو أضعف بكثير بل لم يعرج أحد من الفقهاء القائلين بصحة القيافة على الاستدلال بالقوي ألبتة وما ذلك إلا لموجب حسن هو سر الفرق بين القاعدتين المذكورتين وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه الله تعالى من وفور العقل وصفاء الذهن وجودة الفراسة أمرا عظيما بينه وبين غيره من أمته في ذلك فرق لا يدانى ولا يقارب وكذلك في حواسه وقوى جسده وجميع أحواله فكان يرى من وراء ظهره ويرى في الثريا أحد عشر كوكبا ونحن لا نرى فيها إلا ستة فلو استدل الفقهاء على أبي حنيفة بقيافته عليه السلام لم تقم الحجة على أبي حنيفة إذ كان له أن يقول إذا صحت القيافة من تلك الفراسة النبوية القوية المعصومة عن الخطأ فمن أين لكم أن فراسة الخلق الضعيفة تدرك من الخلق ما يستدل به على الأنساب ولعلها عمياء عن ذلك بالكلية لقصورها ولم يبق فيها إلا حزر وتخمين باطل كما أنا عمينا في بقية كواكب الثريا لا ندركها ألبتة لضعفنا والبصر
229
229
الولد بالأبوين فيأتي في الخلقة والأعضاء والمحاسن ما يدل على الأنساب وحديث اللعان أيضا يقتضي ذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى على خلقة مخصوصة أنها توجب أنه من واطئ مخصوص وأنه يوجب النسب إن جاءت به يشبه صاحب الفراش وإذا استدل عليه السلام بالخلق التي لم توجد على الأنساب فالأولى ثبوت الدليل بالخلق المشاهد فإن الحس أقوى من القياس وإذا ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أثبت هذا من قبل نفسه في صورة ليس فيها غرض للمشركين دل ذلك على أن هذه القاعدة حق في نفسها وأن سروره عليه السلام لم يكن إلا بحق لا لأجل إقامة الحجة على المشركين
وعن الثاني أن رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهوديين إنما كان بوحي وصل إليه صلى الله عليه وسلم لعدم صحة التوراة في آية الرجم وتجويز أنها من المحرفات ولا يلزم من إخبار عبد الله بن سلام أن في التوراة آية الرجم أن يكون ذلك صحيحا لأن عبد الله بن سلام إنما أخبر بأنه رآها مكتوبة في نسخ التوراة ولم يخبر أنها مروية عنده بالطريق الصحيح إلى موسى بن عمران عليه السلام ولا يلزم من أن يكون في النسخ شيء مكتوبا أن يكون صحيحا فإن الإنسان منا يقطع بأنه وجد في كتب التواريخ حكايات وأمورا كثيرة ولا يقضي بصحتها فكذلك هنا وإذا كان عليه السلام حكم بالوحي فلا يكون ذلك حجة علينا ههنا فإن هذه الصورة ليس فيها ما يدل على الوحي بل ظاهر الأمر خلافه فظهر بهذه الأحاديث أن هذا مدرك صحيح يعتمد عليه وليس من باب الحزر
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
وكيف يتأتى لكم ما تقصدونه بهذا الاستدلال من ثبوت حكم القيافة إلى يوم القيامة
وإذا قال أبو حنيفة ذلك تعذر جوابه وبطل الاستدلال عليه ألبتة أما إذا استدل الفقهاء عليه بقضية مجزز المدلجي فقد استدلوا بشيء يمكن وجوده إلى يوم القيامة فإن الأمة يمكن فيها ذلك لا سيما في هذه القبيلة فكان الاستدلال بذلك على ثبوت الحكم في القيافة إلى يوم القيامة استدلالا صحيحا بخلاف الأول لتعذر مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومثل فراسته القوية نعم بحث الحنفية في الاستدلال بحديث مجزز المدلجي بوجهين
الأول
أنه يجوز أن يكون سروره صلى الله عليه وسلم لقيام الحجة على الجاهلية بما كانوا يعتقدونه وإن كان باطلا وقد يؤيد الله الحق بالرجل الفاجر وبما شاء فإخمال الباطل ودحضه يوجب السرور بأي طريق كان الثاني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سر بوجود آية الرجم في التوراة وهو يعتقد صحتها بل لقيام الحجة على الكفار وظهور كذبهم وافترائهم فلم لا يكون سروره صلى الله عليه وسلم بقضية مجزز المدلجي كذلك وأجاب الفقهاء عن الأول بحديث اللعان وحديث عائشة رضي الله تعالى عنها لدلالتها على أنه صلى الله عليه وسلم قد استدل الخلق التي لم توجد على الأنساب فيكون ثبوت الاستدلال بالخلق المشاهد أولى ضرورة أن الحس أقوى من القياس وإذا ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أثبت هذا من قبل نفسه في صورة ليس فيها غرض للمشركين دل ذلك على أن القاعدة حق في نفسها وأن سروره عليه السلام لم يكن إلا بحق لا لأجل إقامة الحجة على المشركين وعن الثاني بأن رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهوديين بين إنما كان بوحي وصل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعدم صحة
230
230
الباطل كما قاله أبو حنيفة سؤال قال بعض الفضلاء العجب من مالك والشافعي رضي الله عنهما كونهما لم يستدلا على أبي حنيفة في ثبوت القيافة إلا بحديث مجزز المدلجي وهو رجل من آحاد الناس معرض للصواب والخطأ ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد صرح بالقيافة في هذه الأحاديث المتقدمة فكان الاعتماد على ما صدر عنه عليه السلام قولا وفعلا وهو معصوم من الخطأ أولى مما أقر عليه فإن حديث المدلجي إنما وجه الاستدلال منه بطريق الإقرار على ما قاله وأين إقرار النبي صلى الله عليه وسلم مما فعله هو بنفسه صلى الله عليه وسلم وتكرر منه مع أنه لم يوجد لأحد من الفقهاء استدلال بشيء من هذه الأحاديث على صحة القيافة وهذا عجب عظيم في عدولهم عن مدرك في غاية القوة والشهرة إلى ما هو أضعف منه بكثير ولم يعرج أحد منهم على القوي ألبتة جوابه أن لذلك موجبا حسنا وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه الله تعالى من وفور العقل وصفاء الذهن وجودة الفراسة أمرا عظيما بينه وبين غيره من أمته في ذلك فرق لا يدانى ولا يقارب وكذلك في حواسه وقوى جسده وجميع أحواله فكان يرى من وراء ظهره ويرى في الثريا أحد عشر كوكبا ونحن لا نرى فيها إلا ستة فلو استدل الفقهاء على أبي حنيفة بقيافته عليه السلام لم تقم الحجة على أبي حنيفة إذ كان له أن يقول إذا صحت القيافة من تلك الفراسة
النبوية القوية المعصومة عن الخطأ فمن أين لكم أن فراسة الخلق الضعيفة تدرك من الخلق ما يستدل به على الأنساب ولعلها عمياء عن ذلك بالكلية لقصورها ولم يبق فيها إلا حزر وتخمين باطل كما أنا عمينا في بقية كواكب الثريا لا ندركها ألبتة لضعفنا والبصر كالبصر وأنتم تقصدون بهذا الاستدلال ثبوت حكم القيافة إلى يوم القيامة فلا يتأتى لكم ذلك وإذا قال أبو حنيفة ذلك تعذر جوابه وبطل الاستدلال عليه ألبتة أما إذا استدل الفقهاء عليه بقضية مجزز المدلجي فقد استولوا بشيء يمكن وجوده إلى يوم القيامة فإن الأمة يمكن فيها ذلك لا سيما في هذه القبيلة فكان الاستدلال بذلك على ثبوت الحكم في القيافة إلى يوم القيامة استلالا صحيحا بخلاف الأول لتعذر وجود مثل
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
التوراة في آية الرجم وتجويز أنها من المحرفات ولا يلزم من إخبار عبد الله بن سلام أن في التوراة آية الرجم أن يكون ذلك صحيحا لأن عبد الله بن سلام إنما أخبر بأنه رآها مكتوبة في نسخ التوراة ولم يخبر أنها مروية عنده بالطريق الصحيح إلى موسى بن عمران عليه السلام ولا يلزم من أن يكون في النسخ شيء مكتوب أن يكون صحيحا فإن الإنسان منا يقطع بأنه وجد في كتب التواريخ حكايات وأمورا كثيرة ولا يقضي بصحتها فكذلك هنا وإذا كان عليه السلام حكم بالوحي فلا يكون ذلك حجة علينا هاهنا فإن هذه الصورة ليس فيها ما يدل على الوحي بل ظاهر الأمر خلافه فظهر بهذه الأحاديث أن هذا مدرك صحيح يعتمد عليه وليس من باب الحزر الباطل كما قاله أبو حنيفة والله سبحانه وتعالى أعلم

231
231
رسول الله صلى الله عليه وسلم ومثل فراسته القوية وهذا سبب عظيم يوجب العدول عن قيافة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قيافة غيره من الآحاد وهذا الموضع سؤالا وجوابا هو المقصود بذكر هذا الفرق لأجل ما اشتمل عليه من الغرابة وصعوبة الجواب فذكرته للتنبيه عليه سؤالا وجوابا
الفرق الخمسون والمائة بين قاعدة ما يحرم الجمع بينهن من النساء وقاعدة ما يجوز الجمع بينهن
وهو أن كل امرأتين بينهما من النسب أو الرضاع ما يمنع تناكحهما لو قدر إحداهما رجلا والأخرى أنثى لا يجوز بينهما في الوطء بعقد ولا ملك قاله مالك والشافعي وأبو حنيفة وابن حنبل رضي الله عنهم أجمعين وقد خرج بقيدي النسب والرضاع المرأة وابنة زوجها والمرأة وأم زوجها فإنه لو فرض إحداهما رجلا والأخرى امرأة لم يجز أن يتزوج أحدهما الآخر بسبب أن المرأة حينئذ إما أم امرأة الرجل أو ربيبته فتحرم على ذلك الرجل ومع ذلك يجوز الجمع بينهما فإذا قلنا من النسب أو الرضاع ما يمنع التناكح خرجا من الضابط وبقي جيدا وقبل
هامش أنوار البروق
قال
الفرق الخمسون والمائة بين قاعدة ما يحرم الجمع بينهن من النساء وقاعدة ما يجوز الجمع بينهن
قلت ما قاله فيه صحيح غير ما علل به من قوله بسبب أن المرأة حينئذ إما أم امرأة الرجل أو ربيبته فإن قوله إما أم امرأة الرجل لا يصح إلا على تقدير أن المرأة رجل وأن أم زوجها أم زوجته فيتعين المعرف وهو المضاف إليه وحقه أن لا يتعين لأنه إذا تعين بتعين فرض المسألة وهذا الاعتراض مختص بالمسألة الثانية وأما الأولى فيسقط عنها مثل هذا الاعتراض للاشتراك في لفظ ربيبته فإنه يقال على زوجة الأب في العرف الجاري الآن وعلى بنت الزوج والزوجة وما قاله في الفرق بعده صحيح غير ما قاله في
هامش إدرار الشروق
الفرق الخمسون والمائة بين قاعدة ما يحرم الجمع بينهن من النساء وقاعدة ما يجوز الجمع بينهن
في بداية المجتهد لابن رشد الحفيد اتفقوا على أنه لا يجمع بين الأختين بعقد نكاح لقوله تعالى وأن تجمعوا بين الأختين وكذلك اتفقوا فيما أعلم على تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها لثبوت ذلك عنه عليه الصلاة والسلام من حديث أبي هريرة وتواتره عنه عليه الصلاة والسلام من أنه قال عليه الصلاة والسلام لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها واتفقوا على أن العمة هاهنا هي كل أنثى هي أخت لذكر له عليك ولادة إما بنفسه وإما بواسطة ذكر آخر وأن الخالة هي كل أنثى هي أخت لكل أنثى لها عليك ولادة إما بنفسها وإما بتوسط أنثى غيرها وهن الحرات من قبل الأم واختلفوا أولا
232
232
خروجهما كان الضابط غير مانع لاندراجهما فيه فيكون باطلا وفي الضابط مسألتان
المسألة الأولى
من أبان امرأته حلت له أختها في عدتها وحلت له الخامسة لانقطاع الموارثة بينهما والعصمة وإنما العدة لحفظ الأنساب ووافقنا الشافعي رضي الله عنه وقال أبو حنيفة وابن حنبل رضي الله عنهما تحرم الأخت والخامسة حتى تنقضي العدة لأن العدة من آثار النكاح ولقوله صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمع ماءه في رحم أختين والجواب عن الأول أن لحوق الولد بعد أربع سنين من آثار النكاح ولا قائل بالتحريم إلى تلك الغاية إنما المعتبر الاختصاص بالزوج حتى تحصل القطيعة بين الأقارب بسبب الجمع وهو في هذه الصورة منفي والجواب عن الحديث أنه وإن كان عاما في الرجال والأختين غير أنه مطلق في الزمان فنحمله على زمان الاختصاص قبل البينونة ويحرم الجمع في عدة الرجعية اتفاقا لأنها زوجة والاختصاص بالمواريث وغيرها
هامش أنوار البروق
الفرق بين الإباحة المطلقة ومطلق الإباحة فإنه ليس عندي بصحيح وقد تقدم الكلام معه فيه وجميع ما قاله في الفروق السبعة بعد هذا صحيح
هامش إدرار الشروق
في الجمع بين الأختين بملك اليمين فالفقهاء على منعه وذهبت طائفة إلى إباحة ذلك وسبب اختلافهم أن عموم قوله تعالى وأن تجمعوا بين الأختين معارض لعموم الاستثناء في آخر الآية وهو قوله تعالى إلا ما ملكت أيمانكم وذلك أن هذا الاستثناء يحتمل أن يعود لجميع ما تضمنته الآية من التحريم إلا ما وقع الإجماع على أنه لا تأثير له فيه أي من المحرم بالمصاهرة فيخرج من عموم قوله تعالى وأن تجمعوا بين الأختين ملك اليمين ويحتمل أن لا يعود إلا إلى أقرب مذكور فيبقى قوله تعالى وأن تجمعوا بين الأختين على عمومه ولا سيما إن عللنا ذلك بعلة الأخوة أو بسبب موجود فيهما واختلف القائلون بهذا القول أعني منع الجمع في ملك اليمين وبقاء وأن تجمعوا بين الأختين على عمومه فيما إذا كانت إحدى الأختين بنكاح والأخرى بملك يمين فمنعه مالك وأبو حنيفة وأجازه الشافعي
واختلفوا ثانيا في لفظ الحديث المذكور هل هو خاص أريد به الخصوص فقط وهو قول الأكثر وعليه الجمهور من فقهاء الأمصار وعليه فالتحريم لا يتعدى إلى من نص عليه أو هو خاص والمراد به العموم واختلف القائلون بهذا في تفسير العموم فقال قوم يفسر العموم بالجمع بين كل امرأتين بينهما رحم محرمة أو غير محرمة فعند هؤلاء لا يجوز الجمع بين ابنتي عم أو عمة ولا بين ابنتي خال أو خالة ولا بين المرأة وبنت عمها أو بنت عمتها ولا بينها وبين بنت خالتها وقال قوم يفسر العموم بالجمع بين كل امرأتين بينهما قرابة محرمة أعني لو كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى لم يجز لهما أن يتناكحا واختلف القائلون بهذا المعنى فقيل باعتباره ولو لم يكن من الطرفين جميعا بل كان من أحدهما فقط وعليه فيمنع الجمع بين امرأة الرجل وابنته من غيرها المعنى اختاره أصحاب مالك أن المعنى المذكور لا يعتبر إلا إذا كان من الطرفين
233
233
المسألة الثانية
الأختان بملك اليمين حرم الجمع بينهما قوله تعالى وأن تجمعوا بين الأختين وأحل الجمع بينهما قوله تعالى أو ما ملكت أيمانكم وليست إحداهما أخص من الأخرى حتى يقدم الخاص على العام لأن الأولى تتناول المملوكتين والحرتين فهي أعم من الثانية والثانية تتناول الأختين وغيرهما فتكون كل واحدة منهما أعم من الأخرى من وجه وأخص من وجه فتستويان ولذلك قال عثمان رضي الله عنه أحلتهما آية وحرمتهما آية ووجه الترجيح للتحريم كما قاله جمهور الفقهاء من ثلاثة أوجه أحدها أن الأولى سيقت للتحريم والثانية سيقت للمدح بحفظ الفروج والقاعدة أن الكلام إذا سيق لمعنى لا يستدل به في غيره فلا تعارض الأولى الثانية فتكون آية التحريم سالمة عن المعارض فتقدم وثانيها أن الأولى لم يجمع على تخصيصها والثانية أجمع على تخصيصها بما لا يقبل الوطء من المملوكات وبما يقبله لكنه محرم إجماعا كالذكور وأخوات الرضاع وموطوآت الآباء من الإماء وغير المخصوص أرجح مما أجمع على تخصيصه
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
جميعا بحيث إنه إذا جعل كل واحد منهما ذكرا والآخر أنثى لم يجز لهما أن يتناكحا فيجوز عندهم الجمع بين امرأة الرجل وابنته من غيرها لأنه إن وضعنا البنت ذكرا لم يحل نكاح المرأة منه لأنها زوج أبيه وإن جعلنا المرأة ذكرا حل لها نكاح ابنة الزوج لأنها تكون ابنة الأجنبي
ا ه بتصرف وتوضيح وقال الأصل لا يكون ضابط ما يحرم الجمع بينهن مانعا من اندراج ما يجوز الجمع بينهن كالمرأة وابنة زوجها والمرأة وأم زوجها إلا إذا قيل كل امرأتين بينهما من النسب والرضاع ما يمنع تناكحهما لو قدر إحداهما رجلا والأخرى أنثى لا يجوز الجمع بينهما في الوطء بعقد ولا ملك عند مالك والشافعي وأبي حنيفة وابن حنبل رضي الله عنهم أجمعين إذ لولا قيد النسب والرضاع لاندرج فيه المرأة وابنة زوجها والمرأة وأم زوجها فإنه لو فرض إحداهما رجلا والأخرى امرأة لم يجز أن يتزوج أحدهما الآخر بسبب أن المرأة حينئذ إما أم امرأة الرجل أو ربيبته فتحرم على ذلك الرجل ومع ذلك يجوز الجمع بينهما فيكون الضابط باطلا فإذا قلنا من النسب والرضاع ما يمنع التناكح خرجا من الضابط وبقي جيدا
ا ه قال ابن الشاط وما علل به من قوله بسبب أن المرأة حينئذ إما امرأة الرجل أو ربيبته فباعتبار قوله أما أم امرأة الرجل لا يصح إلا على تقدير أن المرأة رجل وأن أم زوجها زوجته فيتعين المعرف وهو المضاف إليه وحقه أن لا يتعين لأنه إذا تعين بتغير فرض المسألة وأما باعتبار قوله أو ربيبته فيصح نظرا للاشتراك في لفظ ربيبته فإنه يقال على زوجة الأب في العرف الجاري الآن وعلى بنت الزوج والزوجة
ا ه قلت وخلاصته أن تقدير أحد الطرقين أنثى والآخر ذكرا بدون تعيين لذلك الأحد كما هو الشرط لا يتأتى في مسألة المرأة وأم زوجها وإنما يتأتى في مسألة المرأة وابنة زوجها نظرا للاشتراك في لفظ الربيبة في العرف الجاري الآن وقد علمت من كلام ابن رشد الحفيد عدم تأتي ذلك في مسألة المرأة وابنة زوجها أيضا ثم لا يخفاك أن قيدي النسب والرضاع في الضابط الذي
234
234
وثالثها أن الأصل في الفروج التحريم حتى يتيقن الحل فتكون الأولى على وفق الأصل ولم يتعين رجحان الثانية عليها فيعمل بمقتضاها موافقة للأصل فهاتان المسألتان هما اللتان تحتاجان إلى تدقيق في البحث فلذلك أفردتهما عن سائر المسائل التي في الباب
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
قاله الأصل يغني عنهما في إخراج المسألتين المذكورتين قوله لو قدر أحدهما رجلا إلخ حيث جعل من تتمة الضابط على أنه بالقدرين المذكورين لا يمنع اندراج مسألة ما إذا كانت إحدى الأختين بنكاح والأخرى بملك يمين مع أنها خارجة عند الشافعي كما علمت من كلام ابن رشد والأصل قد صرح بأنه ضابط لما يحرم الجمع بينهن في المذاهب الأربعة فتأمل ذلك بإنصاف هذا ويتعلق بمنع الجمع بين الأختين الذي أدرجه الأصل في ضابط ما يحرم الجمع بينهن في المذاهب الأربعة مسألتان تحتاجان إلى تدقيق في البحث قال الأصل فلذلك أفردتهما عن سائر المسائل التي في الباب
المسألة الأولى
اختلف الأئمة الأربعة فيما إذا أبان الرجل امرأته هل تحل له في عدتها أختها والخامسة نظرا لانقطاع العصمة والمواريث بينهما وإنما العدة لحفظ الأنساب وهو مذهب مالك والشافعي رضي الله عنهما أو لا تحل حتى تنقضي العدة لأمرين أحدهما أن العدة من آثار النكاح وثانيهما قوله صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمع ماءه في رحم أختين وهو مذهب أبي حنيفة وابن حنبل رضي الله عنهما وأجاب المالكية والشافعية عن الأمرين بأن لحوق الولد بعد أربع سنين من آثار النكاح ولا قائل بالتحريم إلى تلك الغاية وإنما المعتبر الاختصاص بالزوج حتى تحصل القطيعة بين الأقارب بسبب الجمع وهو في هذه الصورة منفي المسألة الثانية قال عثمان رضي الله عنه أحلت الأختين بملك اليمين آية وهي قوله تعالى أو ما ملكت أيمانكم وذلك لأن كل واحدة من الآيتين أعم من الأخرى من وجه وأخص من وجه فتستويان لتناول الأولى المملوكتين والحرتين وتتناول الثانية الأختين وغيرهما ولكن ترجيح جمهور الفقهاء التحريم من ثلاثة أوجه أحدها أن الأولى سيقت للتحريم فيستدل بها فيه والثانية سيقت للمدح بحفظ الفروج فلا يستدل بها في التحريم لأن القاعدة أن الكلام إذا سيق لمعنى لا يستدل به في غيره فتكون آية التحريم سالمة عن المعارضة بالآية الثانية فتقدم وقد مر في كلام ابن رشد الحفيد ما يتعلق بمعارضة الاستثناء في قوله تعالى إلا ما ملكت أيمانكم للآية الأولى فلا تغفل وثانيهما أن الأولى لم يجمع على تخصيصها والثانية أجمع على تخصيصها مما لا يقبل الوطء من المملوكات وبما يقبله لكنه محرم إجماعا كالذكور وأخوات الرضاعة وموطوءات الآباء من الإماء وغير المخصوص أرجح مما أجمع على تخصيصه وثالثها أن الأصل في الفروج التحريم حتى يتيقن الحل فتكون الأولى على وفق الأصل ولم يتعين رجحان الثانية عليها فيعمل بمقتضى الأولى موافقة للأصل والله سبحانه وتعالى أعلم

235
235
الفرق الحادي والخمسون والمائة بين قاعدة الإباحة المطلقة وبين قاعدة الإباحة المنسوبة إلى سبب مخصوص
اعلم أن الإباحة قد تثبت مطلقا فلا يكون على المكلف حرج في الإقدام على الفعل مطلقا وقد تثبت باعتبار سبب معين فلا يكون على المكلف حرج في الإقدام على ذلك الفعل من جهة ذلك السبب ويكون عليه حرج في الإقدام باعتبار سبب آخر فالتحريم يجتمع مع هذه الإباحة ولا يجتمع مع الإباحة الأولى وسر ذلك أن أسباب التحريم قد تجتمع وقد تفترق فإن اجتمع اجتمع سببان فأكثر لتحريم فارتفع أحدهما ثبتت الإباحة باعتبار ذلك السبب خاصة وبقي الفعل محرما باعتبار السبب الآخر وكذلك إذا كان له سبب واحد للتحريم فزال وخلفه سبب آخر صدقت الإباحة باعتبار السبب الأول وصدق التحريم باعتبار السبب المتجدد ولذلك نظائر كثيرة في الشريعة وبمعرفة هذا الفرق تحصل أجوبة عن أسئلة كثيرة في الفقه والنصوص وأذكر من ذلك ثلاث مسائل
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الفرق الحادي والخمسون والمائة بين قاعدة الإباحة المطلقة وبين قاعدة الإباحة المنسوبة إلى سبب مخصوص
اعلم أن الأسباب إذا تعلق بها حكم شرعي من إباحة أو ندب أو منع أو غيرها من أحكام التكليف فلا يلزم أن تتعلق تلك الأحكام بمسبباتها بحيث إن الأمر بالسبب لا يستلزم الأمر بالمسبب والنهي عن السبب لا يستلزم النهي عن المسبب والتخيير في السبب لا يستلزم التخيير في المسبب مثلا الأمر بإباحة الانتفاع بالمبيع والأمر بالنكاح لا يستلزم الأمر بحلية البضع والأمر بالقتل في القصاص لا يستلزم الأمر بإزهاق الروح والنهي عن القتل العدوان لا يستلزم النهي عن الإزهاق والنهي عن التردي في البئر لا يستلزم النهي عن تهتك المردي فيها والنهي عن جعل الثبوت في النار لا يستلزم النهي عن نفس الإحراق والإباحة للأجنبية بالعقد لا يستلزم إباحة وطئها والدليل على ذلك أمران الأول عقلي وهو ما ثبت في الكلام من أن الذي للمكلف تعاطي الأسباب لا المسببات لأنها من فعل الله تعالى وحكمه ولا كسب فيه للمكلف والثاني سمعي وهو أن استقراء هذا المعنى من الكتاب والسنة مقطوع به أما الكتاب فمنه ما هو عام كقوله تعالى والله خلقكم وما تعملون الله خالق كل شيء ومنه ما هو خاص كقوله تعالى وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك وقوله تعالى وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها وقوله تعالى وفي السماء رزقكم وما توعدون إلى آخر الآية وقوله تعالى ومن يتق الله يجعل له مخرجا
236
236
المسألة الأولى
قوله تعالى فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره قال بعض الفضلاء مقتضى حتى التي هي حرف غاية أن يكون ما قبلها مخالفا لما بعدها ويكون ما بعدها نقيض ما قبلها ويظهر من هذه القاعدة أن تكون المرأة حلالا إذا عقد عليها زوج آخر ووطئها وليس الأمر كذلك إجماعا بل هي حرام على حالها حتى يطلقها هذا الزوج وإذا طلقها لا تحل حتى يعقد عليها الزوج الأول وإذا عقد عليها الزوج الأول لا تحل حتى تنفى موانع الوطء من الحيض والصيام والإحرام وغير ذلك من الموانع فلم يحصل مقتضى الغاية فهل هذه هي الغاية باقية على بابها مقتضية لثبوت النقيض أو هي مستثناة عن قاعدة الغايات بالإجماع والجواب أنها باقية على بابها وتقريره أنها كانت محرمة بكونها أجنبية وبكونها مطلقة ثلاثا فلما تزوجها الزوج الثاني صارت مباحة من جهة الطلاق الثلاث وزال التحريم الناشئ عنه وبقي التحريم بكونها أجنبية وتجدد سبب آخر للتحريم وهو كونها زوجة لغيره فقد خلف السبب الزائل سبب آخر وزال التحريم الكائن بسبب الطلاق الثلاث وثبت مقتضى الغاية وإذا طلقها الزوج الثاني بقيت محرمة بالعدة وهو سبب متجدد وبكونها أجنبية
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الآية وقوله تعالى أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون أفرأيتم ما تحرثون أفرأيتم الماء الذي تشربون أفرأيتم النار التي تورون وأما السنة فكقوله صلى الله عليه وسلم لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير الحديث وقوله صلى الله عليه وسلم قيدها وتوكل ولا يرد أن إباحة عقود البيوع والإجارات تستلزم إباحة الانتفاع الخاص بكل واحد منها وأنه إذا تعلق بها التحريم كبيع الربا والغرر والجهالة استلزم تحريم الانتفاع المسبب عنها وأن التعدي والغصب والسرقة ونحوها والذكاة في الحيوان إذا كانت على وفق المشروع تكون مباحة وتستلزم إباحة الانتفاع وإذا وقعت على غير المشروع كانت ممنوعة ومستلزمة منع الانتفاع إلى غير ذلك مما هو كثير من هذا النحو لأنا نقول ما ذكر في حكم الإنفاق لا على حكم الالتزام بدليل تخلفه في بعض تلك الأمثلة ألا ترى أن كلا من النفقة على المبيع إذا كان حيوانا وحفظ الأموال المتملكة واجب ومسبب عن عقد المبيع المباح وأن الذكاة إذا وقعت في غير المأكول كالخنزير والسباع العادية والكلب ونحوها لا توصف بالتحريم مع الانتفاع إما محرم جميعها وإما محرم في بعضها ومكروه في البعض الآخر هذا في الأسباب المشروعة وأسهل منها الأسباب الممنوعة لأن معنى تحريمها أنها في الشرع ليست بأسباب فلم تكن لها مسببات فبقي المسبب عنها على أصلها من المنع لا أن المنع تسبب عن وقوع أسباب ممنوعة فثبت اطراد هذه القاعدة وينبني عليها أنه لا يلزم في تعاطي الأسباب من جهة المكلف الالتفات إلى المسببات ولا القصد إليها بل المقصود منه الجريان تحت الأحكام الموضوعة لا غير أسبابا كانت أو غير أسباب معللة كانت أو غير معلة وللمكلف ترك القصد إلى المسبب وله القصد إليه باعتبار المصالح التي توجد عن السبب لأنه التفات إلى العادات الجارية وقد قال تعالى الله الذي سخر لكم البحر
237
237
فإذا عقد عليها الزوج الأول زال التحريم بسبب كونها أجنبية وبقيت محرمة بسبب ما تجدد من حيض أو صوم أو غيرهما فإذا زال ذلك ثبتت الإباحة المطلقة وكان الثابت قبل ذلك مطلق الإباحة المطلقة وقد تقدم الفرق بين مطلق الإباحة والإباحة المطلقة فظهر أن الغاية على بابها لم تخالف مقتضاها بل هي معمول بها واندفع الإشكال عن الآية
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله وقال تعالى ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات وأشباه ذلك وللالتفات إلى المسببات بالأسباب الذي هو القسم الثاني ثلاث مراتب إحداها أن يدخل فيها على أن السبب فاعل للمسبب أو مدلوله وهذا شرك أو مضاه له والعياذ بالله تعالى إذ السبب والعلة في الشرع غير فاعل بنفسه بل دليل وأمارة فلذا قال ابن العربي في الأحكام لا تمنع في الشرع أن تكون العلة عامة والحكم خاصا أو أريد من العلة
ا ه والثانية أن يدخل في السبب على أن المسبب يكون عنده عادة كما هو الجاري على مقتضى عادة الله في خلقه وهو غالب أحوال الخلق في الدخول في الأسباب والثالثة أن يدخل في السبب على أن المسبب من الله تعالى لأنه المسبب وهذا يرجع إلى عدم اعتبار السبب في المسبب من جهة نفسه واعتباره فيه من جهة أن الله مسبب وذلك صحيح ولترك الالتفات إلى المسبب الذي هو القسم الأول ثلاث مراتب أيضا إحداها أن يدخل في السبب من حيث هو ابتلاء للعباد وامتحان لهم فإنها طريق إلى السعادة والشقاوة والآخذ لها من هذه الجهة آخذ لها من حيث وضعت مع التحقق بذلك فيها وهذا صحيح وصاحب هذا القصد متعبد لله بما تسبب به منها حينئذ تسبب بالإذن فيما أذن فيه ليظهر عبوديته لله فيه لا ملتفتا إلى مسبباتها وإن انجرت معها فهو كالمتسبب بسائر العبادات المحضة والثانية أن يدخل فيه بحكم قصد التجرد عن الالتفات إلى المسببات بناء على أن تفريد المعبود بالعبادة أن لا يشرك معه في قصده سواه واعتمادا على أن التشريك خروج عن خالص التوحيد بالعبادة لأن بقاء الالتفات إلى ذلك كله بقاء من المحدثات وركون إلى الأعيان وهو تدقيق في نفي الشركة وهذا أيضا في موضعه صحيح والثالثة أن يدخل فيه بحكم الإذن الشرعي مجردا عن النظر في غير ذلك وإنما توجهه إلى السبب تلبية للآمر لتحقيقه بمقام العبودية وهذا شامل لجميع ما تقدم لأنه لما علم قصد الشارع في تلك الأمور توخى قصده من غير نظير في غيره فحصل له كل ما في ضمن ذلك المتسبب مما علم ومما لم يعلم فهو طالب للمسبب من طريق السبب وعالم أن الله هو المسبب وهو المبتلي به ومتحقق في صدق التوجه به إليه فقصده مطلق وإن دخل فيه قصد المسبب لكن ذلك كله منزه عن الأغيار مصفى من الأكدار على ما ذكر من أن المسببات مرتبة على فعل الأسباب شرعا وأن الشارع يعتبر المسببات في الخطاب بالأسباب ويترتب بالنسبة إلى المكلف إذا اعتبره أمور منها أن الله عز وجل جعل المسببات في العادة تجري على وزان الأسباب في الاستقامة أو الاعوجاج فإذا كان السبب تاما والتسبب على ما ينبغي كان المسبب كذلك وبالضد
238
238
المسألة الثانية
إذا ترك الصلاة وزنى وهو محصن وارتد عن الإسلام وقتل النفس التي حرم الله فهذا قد أبيح دمه بكل واحد من هذه الأسباب فإذا عفا الأولياء عن القصاص ذهبت الإباحة الناشئة عن القتل وثبتت الإباحة الناشئة عن غير ذلك من الأسباب المذكورة فالإباحة المرتفعة ههنا نظير الإباحة الحاصلة في المسألة المتقدمة وهي مطلق الإباحة المنسوبة إلى سبب معين غير أنها في المسألة الأولى حاصلة وههنا ذاهبة فتأمل ذلك
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
ومنها أن المسببات قد تكون خاصة بمعنى أن تكون بحسب وقوع السبب كالبيع المتسبب به إلى إباحة الانتفاع بالمبيع والنكاح الذي يحصل به حلية الاستماع والذكاة التي بها يحصل حل الأكل وكالسكر الناشئ عن شرب الخمر وإزهاق الروح المسبب عن حز الرقبة وقد تكون عامة كالطاعة التي هي سبب بالفوز في النعيم والمعاصي التي هي سبب في دخول الجحيم وبالجملة فالمسبب إن كان من شأن الالتفات إليه التقوية للسبب والتكملة له والتحريض في المبالغة في إكماله فهو الذي يجلب المصلحة وإن كان من شأن الالتفات إليه أن يكر على السبب بالإبطال أو بالإضعاف أو بالتهاون به فهو الذي يجلب المفسدة وهذان القسمان على ضربين أحدهما ما شأنه ذلك بإطلاق بمعنى أنه يقوي السبب أو يضعفه بالنسبة إلى كل مكلف وبالنسبة إلى كل زمان وبالنسبة إلى كل حال يكون عليها المكلف والثاني ما شأنه ذلك لا بإطلاق بل بالنسبة إلى بعض المكلفين دون بعض أو بالنسبة إلى بعض الأزمنة دون بعض أو بالنسبة إلى بعض أحوال المكلف دون بعض فإنه ينقسم من جهة أخرى قسمين أحدهما ما يكون في التقوية والتضعيف مقطوعا به والثاني ما يكون في ذلك مظنونا أو مشكوكا فيه موضع نظر وتأمل فيحكم بمقتضى الظن ويوقف عند تعارض الظنون انظر الموافقات للإمام أبي إسحاق الشاطبي فإذا علمت هذا فاعلم أن الإباحة إن كانت منسوبة إلى سبب تام وتسببها عنه على ما ينبغي ثبتت به مطلقة أي من جميع الوجوه بحيث لا يجتمع معها التحريم أصلا فلا يكون على المكلف حرج في الإقدام على الفعل مطلقا وإن كانت منسوبة إلى سبب معين غير تام وسببها عنه ليس على ما ينبغي ثبتت باعتبار ذلك السبب المعين بحيث لا يكون عليه حرج في الإقدام على ذلك الفعل من جهة ذلك السبب ويكون عليه حرج في الإقدام باعتبار سبب آخر فيجتمع التحريم معها وسر ذلك أن أسباب التحريم قد يجتمع
وقد تفترق وإن اجتمعت ولم يرتفع منها واحد ثبت التحريم مطلقا وإن ارتفعت ولم يبق منها واحد ثبتت الإباحة المطلقة وإن ارتفع من سببي التحريم أو أسبابه واحد ثبتت الإباحة باعتبار ذلك السبب المرتفع خاصة وبقي الفعل محرما باعتبار ما بقي من السببين والأسباب وكذلك إذا كان للتحريم سبب واحد فزال وخلفه سبب آخر صدقت الإباحة باعتبار زوال ذلك السبب الأول وصدق التحريم باعتبار المتجدد ولذلك نظائر كثيرة في الشريعة وبمعرفة هذا الفرق والالتفات إلى المسببات مع أسبابها تندفع إشكالات ترد في الشريعة على الفقه وعلى النصوص بسبب تعارض أحكام أسباب تقدمت مع أسباب أخر حاضرة منها أن مقتضى حتى التي هي حرف غاية أن يكون ما قبلها مخالفا لما بعدها ويكون ما بعدها نقيض ما قبلها ويظهر من هذه القاعدة أن قوله تعالى فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره يقتضي أن تكون المرأة حلالا إذا عقد عليها زوج آخر ووطئها مع أن الأمر ليس كذلك إجماعا بل
239
239
المسألة الثالثة
في تصوير اجتماع التحريم مضاعفا في أئمة وتعلقات الخطاب فيه وذلك أن الزنى محرم وبالبنت أشد وبها في الصوم أشد ومع الإحرام أشد وفي الكعبة أشد فهذه أربعة أسباب من التحريم اجتمعت فيكون هذا الفعل محرما من أربعة أوجه
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
هي حرام على حالها حتى يطلقها هذا الزوج
وإذا طلقها لا تحل للأول حتى تنقضي عدتها وإذا انقضت عدتها لا تحل للأول حتى يعقد عليها وإذا عقد عليها أي الزوج الأول لا تحل حتى تنتفي موانع الوطء من الحيض والصيام والإحرام وغير ذلك فلم يحصل مقتضى الغاية وحاصل دفعه أن مقتضى الغاية قد حصل من حيث إنها قد زال تحريمها الحاصل بكونها مطلقة ثلاثا لما تزوجها الزوج الثاني إلا أنه بقي تحريمها الناشئ عن كونها أجنبية وتجدد معه سبب آخر للتحريم صار خلفا عن السبب الزائل وهو كونها زوجة لغيره وإذا طلقها الزوج الثاني زال السبب المتجدد وخلفه سبب آخر متجدد مع سبب كونها أجنبية وهو كونها في العدة وإذا كملت العدة وعقد عليها الزوج الأول زال سببا التحريم وبقيت محرمة بسبب ما تجدد من حيض أو صوم أو إحرام أو غيرها فإذا زال ذلك أيضا ثبتت الإباحة المطلقة وكان الثابت قبل ذلك الإباحة المنسوبة إلى سبب مخصوص فظهر أن الغاية على بابها لم تخالف مقتضاها بل هي معمول بها واندفع الإشكال عن الآية ومنها أنه قد اجتمع على المكلف الامتثال مع بقاء العصيان إما في الفعل الواحد وإما في فعل متعدد فكان عاصيا ممتثلا في حالة واحدة ومأمورا منهيا من جهة واحدة وذلك تكليف بالمحال لا يمكنه وقد قال تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها فلا بد أن يكون مكلفا بالخروج والتوبة في وجه يمكنه ولا يمكن مع بقاء حكم النهي في نفس الخروج فلا بد أن يرتفع حكم النهي في الخروج وذلك في مسائل
المسألة الأولى
من توسط أرضا مغصوبة به ثم تاب وأراد الخروج منها قال أبو هاشم هو على حكم المعصية ولا يخرج عن ذلك إلا بانفصاله عن الأرض المغصوبة ورد الناس عليه قديما وحديثا المسألة الثانية من تاب عن القتل بعد رمي السهم عن القوس وقبل وصوله إلى الرمية المسألة الثالثة من تاب من بدعته بعدما بثها في الناس وقبل أخذهم بها أو بعد ذلك وقبل رجوعهم عنها المسألة الرابعة من رجع عن شهادته بعد الحكم بها وقبل الاستيفاء وبالجملة بعد تعاطي السبب على كماله وقبل تأثيره ووجود مفسدته أو بعد وجودها وقبل ارتفاعها إن أمكن ارتفاعها فقد اجتمع على المكلف هنا الامتثال مع بقاء العصيان وقد أشار الإمام في البرهان إلى تصوير هذا الاجتماع وصحته باعتبار أصل السبب الذي هو عصيان فانسحب عليه حكم التسبب وإن ارتفع بالتوبة لأن أصل التسبب أنتج مسببات خارجة عن نظره فهو وإن كان عاصيا ممتثلا هنا إلا أن الأمر والنهي لا يتواردان عليه في هذا التصوير لأنه من جهة العصيان غير مكلف به لأنه مسبب غير داخل تحت قدرته فلا نهي إذ ذاك ومن جهة الامتثال مكلف لأنه قادر عليه فهو مأمور بالخروج وممتثل به فلو نظر الجمهور إلى أن المسبب خارج عن نظر المكلف لم يستبعدوا اجتماع الامتثال مع استصحاب حكم المعصية إلى الانفصال عن الأرض المغصوبة بل وجدوا نفس الخروج ذا وجهين أحدهما وجه كونه سببا في الخلوص عن التعدي بالدخول في الأرض وهو من كسبه
240
240
ويكون الإثم مضاعفا أربع مرات ويكون خطاب التحريم قد حصل في هذه الصور أربع تعليقات فإذا تصورت اجتماع التحريمات تصورت ارتفاع بعضها وحصول مطلق الإباحة بالنسبة إلى ذلك السبب المرتفع وتصورت أيضا اجتماع الوجوبات بتظافر أسبابها على الفعل وكذا بقية الأحكام تارة تثبت مطلقة وتارة بالنسبة إلى سبب معين فتأمل ذلك
الفرق الثاني والخمسون والمائة بين قاعدة ما يقر من أنكحة الكفار وقاعدة ما لا يقر منها
قال ابن يونس أنكحتهم عندنا فاسدة وإنما الإسلام يصححها وقال صاحب الجواهر لا يقرهم على ما هو فاسد عندهم إلا أن يكون صحيحا عندنا ولو اعتقدوا غصب امرأة أو رضاها بالإقامة مع الرجل بغير عقد أقررناهم عليه قاله الشافعي رضي الله عنه ترغيبا في الإسلام كما سقط عنهم القصاص والغصوب وما جنوه على المسلمين في نفوسهم وأموالهم وأعراضهم ويثبت ما اكتسبوه بعقود الربا وغيره من ثمن الخمر والخنزير كل ذلك ترغيبا في الإسلام لأنهم لو فهموا المؤاخذة بذلك لنفروا عن الإسلام وضابط مذهب مالك رحمه الله أن كل مفسدة تدوم كالجمع بين الأختين أو لا تدوم لكن أدركه الإسلام
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
والثاني كونه نتيجة دخوله ابتداء وليس من كسبه بهذا الاعتبار إذ ليس له قدرة على الكف عنه فاتضح حينئذ معنى ما أراده الإمام وأبو هاشم وأن ما اعترض به عليهما لا يرد مع هذه الطريقة إذا تأملها أفاده الإمام أبو إسحاق الشاطبي في الموافقات ومنها أن المكلف إذا ترك الصلاة وزنى وهو محصن وارتد عن الإسلام وقتل النفس التي حرم الله فقد أبيح دمه بكل واحد من هذه الأسباب فإذا عفا الأولياء عن القصاص ذهبت الإباحة الناشئة عن القتل وثبتت الإباحة الناشئة عن غير ذلك من الأسباب المذكورة فصار مباح الدم وغير مباحه لكن باعتبارين فتأمل ومنها اجتماع التحريم مضاعفا في أئمة وتعلقات الخطاب فيه بتصور من حيث إن الزنى محرم وبالبنت أشد وبها في الصوم أشد ومع الإحرام أشد وفي الكعبة أشد فيكون هذا الفعل محرما من أربعة أوجه وأنه مضاعف أربع مرات وخطاب التحريم قد حصل في هذه الصور أربع تعليقات فإذا تصورت اجتماع التحريمات تصورت ارتفاع بعضها وحصول الإباحة بالنسبة إلى ذلك السبب المرتفع مع التحريم بالنسبة لباقي الأسباب وتصورت أيضا اجتماع الوجوبات بتظافر أسبابها على الفعل وأنه قد يرتفع بعضها فيحصل عدم الوجوب بالنسبة إلى ذلك السبب المرتفع والوجوب بالنسبة لما عداه من الأسباب وكذا بقية الأحكام تارة تثبت مطلقة وتارة بالنسبة إلى سبب معين فتأمل ذلك والله أعلم
الفرق الثاني والخمسون والمائة بين قاعدة ما يقر من أنكحة الكفار وقاعدة ما لا يقر منها في بداية المجتهد لابن رشد الحفيد اتفق الفقهاء على أن الإسلام إذا كان من الزوج والزوجة وقد كان انعقد النكاح على من يصح ابتداء العقد عليها في الإسلام أن الإسلام يصحح ذلك واختلفوا فيما إذا انعقد
241
241
كالزواج في العدة فيسلم فيها فهو يبطل وإن عرى نكاحهم عن هذين القسمين صح بالإسلام وقال الشافعي وابن حنبل رضي الله عنهما عقودهم صحيحة واعلم أن قولنا أيها المالكية إن أنكحتهم فاسدة مشكل فإن ولاية الكافر للكافر صحيحة والشهادة عندنا ليست شرطا في العقد حتى نقول لا تصح شهادتهم لكفرهم فلو قلنا إنها شرط فأشهد أهل الذمة المسلمين ينبغي أن تصح والمسلم إذا تزوج بغير شهود له أن يشهد بعد العقد ويستقر عقده فينبغي التفصيل في عقودهم بين ما يكون مختل الشرط وبين ما لا يكون كذلك
وأما الفضاء بالبطلان مطلقا فمشكل غاية ما في الباب أن صداقهم قد يقع بما لا يحل من الخمر والخنزير وقد يقع ذلك للمسلمين فتختل بعض الشروط أو كلها في بعض العقود فكما لا نقضي بفساد أنكحة عوام المسلمين وجهالهم من أهل البادية على الإطلاق بل نفصل ونقول ما صادف الأوضاع الشرعية واجتمعت شرائطه فهو صحيح سواء أسلموا أم لا وما لم يصادف فهو باطل قبل الإسلام وقد يصح بالإسلام كما نقدم
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
النكاح على أكثر من أربع كعشر أو خمس أو على من لا يجوز الجمع بينهما في الإسلام كالأختين فقال مالك والشافعي وأحمد وداود يختار منهن أربعا ومن الأختين واحدة أيتهما شاء وقال أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى يختار الأوائل منهم في العقد فإن تزوجهن في عقد واحد فرق بينه وبينهن وقال ابن الماجشون من أصحاب مالك إذا أسلم وعنده أختان فارقهما جميعا ثم استأنف نكاح أيتهما شاء لم يقل بذلك أحد من أصحاب مالك غيره وسبب اختلافهم معارضة القياس للأثر وذلك أنه ورد في ذلك أثران أحدهما مرسل مالك أن غيلان بن سلامة أسلم وعنده عشر نسوة أسلمن معه فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يختار منهم أربعا الحديث الثاني حديث قيس بن الحارث أنه أسلم على الأختين فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اختر أيتهما شئت وأما القياس المخالف للأثرين المذكورين فتشبيه العقد على الأواخر قبل الإسلام بالعقد عليهن بعد الإسلام أعني أنه كما أن العقد عليهن فاسد في الإسلام كذلك قبل الإسلام وفيه ضعف
ا ه بتصرف ووجه الضعف يتضح مما سيأتي فتنبه واختلف القائلون بأنه يختار أربعا من العشرة مطلقا وأي واحدة شاء من الأختين في وجهه فقال الشافعي وابن حنبل لأنا نحمل عقودهم على الصحة مطلقا ترغيبا لهم في الإسلام كما سقط عنهم القصاص والغصوب وما جنوه على المسلمين في نفوسهم وأموالهم وأعراضهم ويثبت ما اكتسبوه بعقود الربا وغيره من الخمر والخنزير ترغيبا في الإسلام لأنهم لو فهموا المؤاخذة بذلك لنفروا عن الإسلام وقال ابن يونس من أصحابنا أنكحتهم عندهم فاسدة وإنما الإسلام يصححها أي بمعنى أن كل مفسدة تدوم كالجمع بين الأختين أو لا تدوم لكن أدركه الإسلام كالزواج في العدة فيسلم فيها أي في العدة فهو يبطل وإن عرى نكاحهم عن هذين القسمين صح بالإسلام وقال صاحب الجواهر من أصحابنا لا نقهرهم على ما هو فاسد عند هم إلا أن يكون صحيحا عندنا ولو
242
242
رضاهم بالغصب ونحوه ترغيبا في الإسلام وعلى هذا القانون كان ينبغي أن لا يخير بين الأم وابنتها إذا أسلم عليهما بل يقول إن تقدم عقد البنت صحيحا تعينت من غير تخيير وإذا أسلم على عشر نسوة لا نقضي بالتخيير مطلقا بل نفرق كما قال أبو حنيفة إن وقع منها أربع أولا على وجه الصحة تعينت دون ما بعدها وإن عقد على العشر جملة واحدة خير بينهن لشمول البطلان لهن وكان يليق إذا حكمنا بفسادها مطلقا أن لا نفرق بين الموانع الماضية وما بقي بعد الإسلام لأن الكل فاسد إن كان المقصود هو الترغيب في الإسلام بسبب تقرير فاسد عقودهم لأن الزواج في العقد لا يزيد على قتل النفس في المفسدة وإن كان السبب أن الإسلام ينزل منزلة تجديد العقد فناسب التفرقة بين الماضي من الموانع والمقارن وينبغي إذا وطء في الكفر في نكاح صحيح مجتمع الشروط أن ذلك يوجب الإحصان إذا اتصل به الإسلام قال قلت قوله صلى الله عليه وسلم لغيلان لما أسلم عن عشر نسوة اختر أربعا وفارق سائرهن
وفي أبي داود قال أنس بن الحارث أسلمت وتحتي ثمان نسوة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له ذلك فقال اختر أربعا منهن فهذه الأحاديث تقتضي أن عقودهن فاسدة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
اعتقدوا غصب امرأة أو رضاها بالإقامة مع الرجل بغير عقد أقررناهم
ا ه قال الأصل سلمه ابن الشاط والقضاء ببطلان أنكحتهم مطلقا مشكل من وجوه
الوجه الأول
ولاية الكافر للكافرة صحيحة والشهادة عندنا ليست شرطا في العقد حتى نقول لا تصح شهادتهم لكفرهم على أنا لو قلنا إنها شرط وأشهد أهل الذمة المسلمين ينبغي أن تصح والمسلم إذا تزوج بغير شهود له أن يشهد بعد العقد ويستقر عقده وإنما غاية ما في الباب أن صداقهم قد يقع بما لا يحل من الخمر وهذا قد يقع في أنكحة عوام المسلمين وجهالهم من أهل البادية بحيث تحمل بعض الشروط أو كلها فكما لا نقضي بفساد أنكحتهم على الإطلاق بل نفصل ونقول ما صادف الأوضاع الشرعية واجتمعت شرائطه فهو صحيح وإلا فلا كذلك كان ينبغي أن لا نقضي بفساد أنكحتهم على الإطلاق بل نفصل بالتفصيل المذكور بأن نقول بصحة ما صادف سواء أسلموا أم لا وما لم يصادف فهو باطل قبل الإسلام وقد يصح بالإسلام كما تقدم أن المذهب تقرير رضاهم بالغصب ونحوه ترغيبا في الإسلام الوجه الثاني أنه كان ينبغي على هذا القانون أن لا يخير بين الأم وابنتها إذا أسلم عليهما بل نقول إن تقدم عقد البنت صحيحا تعينت من غير تخيير وإذا أسلم على عشر نسوة لا نقضي بالتخبير مطلقا بل نفرق كما قال أبو حنيفة إن وقع منها أربع أولا على وجه الصحة تعينت دون ما بعدها وإن عقد على العشرة جملة واحدة خير بينهن لشمول الطلاق لهن الوجه الثالث أنا إذا حكمنا بفساد أنكحتهم مطلقا كان يليق أن لا يفرق بين الموانع الماضية وما بقي بعد الإسلام لأن السبب في تقرير فاسد عقودهم إن كان هو الترغيب في الإسلام لم يكن هناك وجه
243
243
إذ لو كانت صحيحة لكان السابق هو الصحيح والمتأخر هو المتعين للفساد الخامسة فما زاد عليها وكان الاختيار لا يكون إلا إذ عقد عقدا واحدا حتى لا يكون البعض أولى بالبقاء دون البعض الآخر لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خير مطلقا دل على أن الحكم كذلك سواء تقدم بعض العقود أو اتحدت العقود لأن هذه الأحاديث وردت في تأسيس قاعدة وتقرير أصل عام في الناس إلى يوم القيامة فلو كان يختلف الحال فيه لبينه صلى الله عليه وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة وهذا مستند ظاهر في فساد عقودهن وأن الأوائل في حكم الأواخر على السوية والأواخر المتأخرات العقود فاسدة العقود فكذلك الأوائل قلت إطلاق الخيار في هذه الأحاديث يحتمل وجهين أحدها أن تكون الأنكحة فاسدة كما قلت والثاني أن تكون المفسدات الواقعة في الكفر لا تعتبر كما تقدم من مذهبنا أنهم لو اعتقدوا غصب المرأة ومجرد رضاها بغير عقد ثم أسلموا على ذلك أقررناهم عليه فإن الإسلام يمنع من تأثير المفسدات المتقدمة من هذا النحو فهكذا كونها خامسة ونحو ذلك مفسدة في الإسلام وإذا قارن الكفر اعتبره صاحب الشرع ترغيبا في الإسلام وإذا احتمل
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
للتفريق إذ لا يزيد الزواج في العدة على قتل النفس في المفسدة وإن كان هو أن الإسلام ينزل منزلة تجديد العقد كان هناك وجه للتفرقة بين الماضي من الموانع والمقارن إلا أنه كان ينبغي إذا وطئ في الكفر في نكاح صحيح مجتمع الشروط أن ذلك يوجب الإحصان إذا اتصل به الإسلام
الوجه الرابع
أن إطلاق الخيار في حديث غيلان المتقدم وفيما في أبي داود عن أنس بن الحارث أنه قال أسلمت وتحتي ثمان نسوة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له ذلك فقال اختر أربعا بعامتهن كما يحتمل أن تكون الأنكحة فاسدة كما قلت كذلك يحتمل أن تكون المفسدات الواقعة في الكفر لا تعتبر كما تقدم من مذهبنا أنهم لو اعتقدوا غصب المرأة ومجرد رضاها بغير عقد ثم أسلموا على ذلك أقررناهم عليه فإن الإسلام يمنع تأثير المفسدات المتقدمة من هذا النحو فهكذا كونها خامسة مفسدة في الإسلام وإذا قارن الكفر اعتبره صاحب الشرع ترغيبا في الإسلام وإذا احتمل الأمرين لم يلزم ما ذكرته من فساد العقود بل ذلك يدل على التخيير فقط وهذا مجمل فيما ذكرته من الفساد والصحة والأصل عدم علمه صلى الله عليه وسلم بأن كلا من غيلان وأنس بن الحارث عقد عليهن عقدا واحدا أو أنهن عنده بطريق الغصب فأقره على الزوجية بالغصب لأن ذلك كان مذهبا لهم على أنه لو كان الأمر كذلك لبينه عليه السلام إني إنما حكمت في هذه القضية بهذا الحكم لأني أعلم من أمرها أمرا يقتضي هذا الحكم لأنه تقرير قاعدة فيتعين إيضاحها وإزالة اللبس عنها وزوال كل ما يوجب وهما فيها فلما لم يبين عليه السلام ذلك علمنا أن المدرك غير علمه بأمر يخصها بل الحكم عام في جميع صور من يسلم كيف كانت عقوده وهو معنى قول الشافعي رضي الله عنه ترك الاستفصال في حكايات الأحوال يقوم مقام العموم في المقال إذ معناه يقوم مقام التصريح بأن جميع الصور حكمها كذلك فظهر أن الحق الأبلج
244
244
الأمرين لم يلزم ما ذكرته من فساد العقول بل ذلك يدل على التخيير فقط وهذا مجمل فيما ذكرته من الفساد والصحة
وهذا جواب سديد وهو خير من قول جماعة من الفقهاء لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم أنه عقد عليهن عقدا واحدا فلذلك خيره أو وكان يعتقد أنهن عنده بطريق الغصب والتقرير على الزوجية بالغصب لأن ذلك كان مذهبا لهم فإن هذا فاسد لوجهين أحدهما أن الأصل عدم علمه عليه السلام الثاني لو كان الأمر كذلك لبينه عليه السلام لأنه تقرير قاعدة فيتعين إيضاحها وإزالة اللبس عنها وزوال كل ما يوجب وهما فيها ولما لم يبين عليه السلام أني إنما حكمت في هذه القضية بهذا الحكم لأني أعلم أن من أمرها أمرا يقتضي هذه للحكم علمنا أن المدرك غير علمه بأمر يخصها بل الحكم عام في جميع صور من يسلم كيف كانت عقوده وهو معنى قول الشافعي رضي الله عنه ترك الاستفصال في حكايات الأحوال يقوم مقام العموم في المقال معناه يقوم مقام التصريح بأن جميع الصور حكمها كذلك وإذا ظهر هذا الجواب ظهر أن الحق الأبلج القضاء على عقودهم بالصحة حتى يعلم فسادها كالمسلمين فإنه لم يدل دليل على أن الكفر مانع من عقد النكاح وقادح في صحته ولو أن امرأة كافرة لها أخوان كافر ومؤمن فأرادت الزواج منعنا المسلم من تزويجهما وقلنا لأخيها الكافر زوجها لأن المسلم لا ولاية له على الكافرة بل الكفار بعضهم أولى ببعض ولو أن نكاح الكافر فاسد لقلنا لهذه الكافرة لا سبيل لك إلى الزواج حتى تسلمي لأن الكفر أحد موانع صحة العقد عليك ولما لم يكن كذلك دل على صحة عقودهم
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
القضاء على عقودهم بالصحة حتى يعلم فسادها كالمسلمين فإنه لم يدل دليل على أن الكفر مانع من عقد النكاح وقادح في صحته إذ لو أن امرأة كافرة لها أخوان كافر ومؤمن فأرادت الزواج منعنا المسلم من تزويجها وقلنا لأخيها الكافر زوجها لأن المسلم لا ولاية له على الكافرة بل الكفار بعضهم أولى ببعض فلو أن نكاح الكافر فاسد لقلنا لهذه الكافرة لا سبيل لك إلى الزواج حتى تسلمي لأن الكفر أحد موانع صحة العقد عليك فلما لم يكن كذلك دل على صحة عقودهم
ا ه بتغيير وتوضيح والله سبحانه وتعالى أعلم

245
245
الفرق الثالث والخمسون والمائة بين قاعدة زواج الإماء في ملك غير الزوج وبين قاعدة زواج الإنسان لإمائه المملوكات له والمرأة لعبدها أو في غير ملكها فإن الأول يصح بشرطه والثاني باطل والفرق مبني على قواعد القاعدة الأولى أن كل تصرف لا يترتب عليه مقصوده لا يشرع ولذلك لا يحد المجنون بسبب الجناية في الصحة ولا السكران لأن مقصود الحد الزجر بما يشاهد المكلف من المؤلمات والمذلات والمهانات في نفسه وإنما يحصل ذلك بمرآة العقل وكذلك لا يشرع اللعان لنفي النسب في حق المجبوب ولا من لا يولد له لأنه لا يلحق به ذلك النسب ولا يفيد اللعان شيئا وكذلك لا يشرع عقد البيع مع الجهالة والغرر لأن مقصوده تنمية المال وتحصيل مقاصد العوضين وذلك بعيد الجهالة والغرر ويكفي أنه غير معلوم ولا مظنون فلا يشرع البيع ونظائر هذه القاعدة كثيرة فلهذه القاعدة لا يشرع نكاح الرجل أمته لأن مقاصد النكاح حاصلة قبل العقد بالملك فلم يحصل العقد له في أمته القاعدة الثانية من مقتضى الزوجية قيام الرجل على المرأة بالحفظ والصون والتأديب
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الفرق الثالث والخمسون والمائة بين قاعدة زواج الرجل الإماء في ملك غيره والمرأة العبد في ملك غيرها وقاعدة نكاح الرجل الإماء في ملكه والمرأة العبد في ملكها حيث إن الثاني باطل اتفاقا فيفسخ نكاح المرأة إذا ملكت زوجها والأول صحيح بشرطه وهو في الرجل عدم الطول وخوف العنت كما هو مشهور مذهب مالك ومذهب أبي حنيفة والشافعي وقال قوم يجوز بإطلاق وهو المشهور من مذهب ابن القاسم وهو في المرأة أن ترضى هي وأولياؤها بذلك ولا خلاف في هذا كما في بداية المجتهد لابن رشد الحفيد ولا بد من بيان أمرين أولهما مبنى الفرق بين القاعدتين بالصحة والبطلان وثانيهما السبب في اختلافهم في اشتراط الطول وخوف العنت إذا نكح الحر أمة وعدمه أما الأمر الأول أي مبنى الفرق بين القاعدتين بالصحة والبطلان فثلاث قواعد القاعدة الأولى أن كل تصرف لا يترتب عليه مقصوده لا يشرع ونظائر هذه القاعدة كثيرة منها أن الجاني في صحة عقله لا يحد حال جنونه أو سكره لأن مقصود الحد الزجر بما يشاهده المكلف من المؤلمات والمذلات والمهانات في نفسه وإنما يحصل ذلك بمرآة العقل ومنها أن اللعان لنفي النسب لا يشرع في حق المجبوب ومن لا يولد له لأن النسب لا يلحق به فلا يفيد اللعان شيئا ومنها أن عقد البيع لا يشرع مع الجهالة والغرر لأن مقصوده تنمية المال وتحصيل مقاصد العوضين وذلك مع الجهالة والغرر غير معلوم ولا مظنون بل هو بعيد ومنها ما هنا من أنه لا يشرع نكاح الرجل أمته لأن مقاصد النكاح حاصلة بالملك قبل العقد ولم يحصل العقد شيئا
246
246
لإصلاح الأخلاق لقوله تعالى الرجال قوامون على النساء والاسترقاق يقتضي قهر السادات والقيام على الرقيق للأعمال وإصلاح الأخلاق في جميع ذلك والاستيلاء بالاستهانة فيتعذر أن تكون أمة الإنسان زوجته وعبد المرأة زوجها لتناقض آثار الحقوق
القاعدة الثالثة
كل أمرين لا يجتمعان يقدم الشرع أقواهما على أضعفهما وكذلك العقل والعرف والرق أقوى من النكاح لكونه يوجب التمكن من المنافع التي بعضها حل النكاح مع صحة الإيجار والإخدام مع ملك الرقبة ولا يقتضي النكاح غير إباحة الوطء فيكون لذلك أقوى فيقدم على النكاح وبهذه القاعدة نجيب عن قول السائل إذا اشترى امرأته انفسخ النكاح السابق لطروء المنافي عليه فكذلك إذا تزوج أمته ينبغي أن يبطل الملك لورود المنافي عليه فنقول في الجواب إن المدرك ليس تقديم الطارئ على السابق بل المدرك أن الرق أقوى وهو مقدم في الحالتين إن تقدم قدم وإن تأخر قدم فإن سبق لا يبطل وإن طرأ أبطل وهذا هو أثر القوة والرجحان فاندفع السؤال وبهذه القواعد الثلاث
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
القاعدة الثانية
أن مقتضى الزوجية يناقض مقتضى الاسترقاق وذلك لأن مقتضى الزوجية قيام الرجل على المرأة بالحفظ والصون والتأديب لإصلاح الإحلال لقوله تعالى الرجال قوامون على النساء ومقتضى الاسترقاق قيام السادات على الرقيق بالقهر والاستيلاء والاستهانة للأعمال وإصلاح الأخلاق ومع تناقض آثار الحقوق يتعذر أن تكون أمة الإنسان زوجته وعبد المرأة زوجها القاعدة الثالثة أن كل أمرين لا يجتمعان يقدم الشرع أقواهما على أضعفهما فمن ذلك الرق من حيث إنه يقتضي مع ملك الرقبة صحة الإيجار والإخدام والتمكن من المنافع التي بعضها حل الوطء يكون أي الرق أقوى من النكاح فيقدم عليه بحيث يفسخ النكاح إن طرأ هو عليه كما إذا اشترى الزوج امرأته ولا يبطل إن طرأ النكاح عليه كما إذا تزوج الرجل أمته ليتحقق أثر قوته عليه فلا يقال كان ينبغي حيث فسخ النكاح بطروه عليه لورود المنافي أن يبطل الملك بطرو النكاح عليه لذلك فافهم وأما الأمر الثاني أي السبب في اختلافهم في كون نكاح الحر الأمة يشترط فيه ما ذكر أي من الطول وخوف العنت أم لا فهو كما في بداية المجتهد معارضة دليل الخطاب في قوله تعالى ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح الآية لعموم قوله تعالى وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين الآية الأولى يقتضي أن لا يحل نكاح الأمة إلا بشرطين أحدهما عدم الطول إلى الحرة والثاني خوف العنت وعموم الآية الثانية يقتضي عدم الاشتراط لكن دليل الخطاب أقوى هاهنا والله أعلم من العموم لأن هذا العموم لم يتعرض فيه إلى صفات الزوج المشترطة في نكاح الإماء وإنما المقصود به الأمر بإنكاحهن وهو أيضا محمول على الندب عند الجمهور مع ما في ذلك من إرقاق الرجل ولده
ا ه كلام ابن رشد الحفيد ملخصا قال واختلف الذين لم يجيزوا النكاح إلا بالشرطين المنصوص عليهما في فرعين مشهورين
247
247
ظهر الفرق بين اجتماع النكاح والرق الكائن لغير الزوجين وبين امتناع اجتماعهما إذا كان الرق للزوجين
الفرق الرابع والخمسون والمائة بين قاعدة الحجر على النسوان في الإبضاع وبين قاعدة الحجر عليهم في الأموال
اعلم أن النساء على الإطلاق لا يجوز لامرأة أن تزوج نفسها وتتصرف في بضعها كانت ثيبا أو بكرا رشيدة في مالها أم لا دنية عفيفة أم فاخرة وأما الأموال فيفرق فيها بين الرشيدة الثيب وغيرها فيجوز لها التصرف ولا يجوز للولي الاعتراض عليها وإن كان أباها الذي هو أعظم الأولياء لأن له ولاية الجبر والفرق من وجوه أحدها أن الإبضاع أشد خطرا وأعظم قدرا فناسب أن لا تفوض إلا لكامل العقل ينظر في مصالحها والأموال خسيسة بالنسبة إليها فجاز تفويضها لمالكها إذ الأصل أن لا يتصرف في المال إلا مالكه
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
أحدهما هل الحرة إذا كانت تحته طول أو ليست بطول قال أبو حنيفة هي طول وقال غيره ليست بطول وعن مالك في ذلك القولان والفرع الثاني هل يجوز لمن فيه هذان الشرطان نكاح أكثر من أمة واحدة والسبب في اختلافهم في الفرعين هو أن خوف العنت هل لا يعتبر إلا في العزب فمن لم يكن عزبا بل تحته حرة أو أمة واحدة لم يجز له نكاح الأمة لو أنه يعتبر مطلقا سواء كان عزبا أو متأهلا لأنه قد لا تكون الزوجة الأولى حرة كانت أو أمة مانعة من العنت وهو لا يقدر على حرة تمنعه من العنت فله أن ينكح على الأولى ولو حرة أمة لأن مع هذه الحرة في خوف العنت كحاله قبلها وبخاصة إذا خشي العنت من الأمة التي يريد نكاحها لكن اعتبار خوف العنت مطلقا فيه نظر وإذا قلنا إن له أن يتزوج على الحرة أمة فتزوجها بغير إذنها فهل لها الخيار في البقاء معه أو في فسخ النكاح قولان لمالك رحمه الله تعالى واختلف أصحاب مالك إذا وجد طولا بحرة هل يفارق الأمة أم لا ولم يختلفوا فيما إذا ارتفع عنه خوف العنت أنه لا يفارقها
ا ه ملخصا والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الرابع والخمسون والمائة بين قاعدة الحجر على النسوان في الإبضاع وبين قاعدة عدم الحجر عليهن في الأموال قال مالك والشافعي وابن حنبل رضي الله عنهم لا يجوز للمرأة أن تعقد لنفسها ولا لغيرها من النساء بكرا كانت أو ثيبا رشيدة في مالها أو سفيهة دنية عفيفة أو فاجرة أذن لها الولي أو لا ويجوز لها إن كانت رشيدة التصرف في مالها ولا يجوز للولي وإن كان أباها الذي له ولاية الجبر الاعتراض عليها إلا إذا كانت سفيهة قال ابن رشد الحفيد في بدايته وفرق بين البكر والثيب فقال باشتراط الولي في
248
248
وثانيها أن الإبضاع يعرض لها تنفيذ الأغراض في تحصيل الشهوات القوية التي يبذل لأجلها عظيم المال ومثل هذا الهوى يغطي على عقل المرأة وجوه المصالح لضعفه فتلقي نفسها لأجل هواها فيما يرديها في دنياها وأخراها فحجر عليها على الإطلاق لاحتمال توقع مثل هذا الهوى المفسد ولا يحصل في المال مثل هذا الهوى والشهوة القاهرة التي ربما حصل الجنون وذهاب العقل بسبب فواتها وثالثها أن المفسدة إذا حصلت في الإبضاع بسبب زواج غير الأكفاء حصل الضرر وتعدى للأولياء بالعار والفضيحة الشنعاء وإذا حصل الفساد في المال لا يكاد يتعدى المرأة وليس فيه من العار والفضيحة ما في الإبضاع والاستيلاء عليها من الأرذال الأخساء فهذه فروق عظيمة بين القاعدتين وقد سئل بعض الفضلاء عن المرأة تزوج نفسها فقال في الجواب المرأة محل الزلل والعار إذا وقع لم يزل وفي الفرق مسألتان المسألة الأولى قال مالك والشافعي وابن حنبل رضي الله عنهم لا يجوز عقد المرأة على نفسها ولا على غيرها من النساء بكرا كانت أو ثيبا رشيدة أو سفيهة أذن لها الولي أم
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
البكر وعدم اشتراطه في الثيب محتجا بحديث ابن عباس رضي الله عنهما المتفق على صحته وهو قوله عليه الصلاة والسلام الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها ا ه وقال أبو حنيفة رضي الله عنه يجوز للرشيدة أن تزوج نفسها محتجا على ذلك بوجوه خمسة
الوجه الأول
أن الأصل عدم الحجر على العاقل البالغ وهي عاقلة بالغة فيزول الحجر عنها مطلقا في نفسها الوجه الثاني أنه كما يكتفى بالرشد في التصرف في المال كذلك يكتفى به في عقد النكاح بل تصرفها في نفسها من حيث إنها أعلم بأغراضها من وليها أولى من تصرفها في مالها لأن مصلحة المال التي هي التنمية معلومة للولي كما هي معلومة للمرأة الوجه الثالث قوله تعالى فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف فإنه دليل على جواز تصرفها في العقد على نفسها الوجه الرابع أن الله تعالى قد أضاف إليهن في غير ما آية من الكتاب الفعل فقال أن ينكحن أزواجهن وقال حتى تنكح زوجا غيره ولم يضفه إلى الولي وهو ظاهر في إذن الشرع لهن في المباشرة الوجه الخامس أن ما رواه الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل وإذا دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له أخرجه الترمذي وقال فيه حديث حسن وإن استدل به الفقهاء على بطلان قول أبي حنيفة من جهة أنه يدل بمفهومه على أن الولي إذا أذن لها يجوز عقدها وهم لا يقولون بذلك إلا أنه يمكن أن يستدل به على صحة مذهب أبي حنيفة من جهة أن عقدها على نفسها إذا صح مع الإذن صح مطلقا لأنه لا قائل بالفرق والجواب عن الوجه الأول أن الدليل من الكتاب والسنة قد دل على مخالفة ذلك الأصل أما من
249
249
لا وقال أبو حنيفة رضي الله عنه يجوز للرشيدة أن تزوج نفسها واحتج على ذلك بوجوه أحدها قوله تعالى أن ينكحن أزواجهن وقوله تعالى حتى تنكح زوجا غيره فأضاف العقد إليها دون الولي وهو ظاهر في المباشرة وأذن الشرع لها في ذلك وثانيها أنها متصرفة في مالها ففي نفسها بطريق الأولى لأنها أعلم بأغراضها من وليها ومصلحة المال التي هي التنمية معلومة للولي كما هي معلومة للمرأة وثالثها أن الأصل عدم الحجر على العاقل والبالغ وهي عاقلة بالغة فيزول الحجر عنها مطلقا في نفسها ومالها ورابعها قوله عليه الصلاة والسلام أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل والفقهاء يستدلون به على بطلان قول أبي حنيفة وهو يدل بمفهومه على أن الولي إذا أذن لها يجوز عقدها وهم لا يقولون به ويمكن الاستدلال على صحة مذهب أبي حنيفة من جهة أن عقدها على نفسها إذا صح مع الإذن صح مطلقا لأنه قائل بالفرق
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الكتاب فقوله تعالى وأنكحوا الأيامى منكم فخاطب الأولياء بصيغة الأمر الدالة على الوجوب ولو كان ذلك للمرأة لتعذر ذلك كما أنه لا يصح أن يقال للأولياء بيعوا أموال النساء لأن التصرف في الأموال لهن قال ابن العربي في كتاب الأحكام واحتمال كونه خطابا للأزواج خلاف الصحيح لأنه قال أنكحوا بالهمزة ولو أراد الأزواج لقال ذلك بغير همزة وكانت الألف للوصل وإن كان بالهمز في الأزواج له وجه فالظاهر أولى فلا يعدل إلى غيره إلا بدليل
ا ه قوله تعالى ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا قال ابن العربي في الأحكام قال محمد بن علي بن حسين النكاح بولي في كتاب الله تعالى ثم قرأ ولا تنكحوا إلخ بضم التاء وهي مسألة بديعة ودلالة صحيحة ا ه ولعل وجهه أن كونه خطابا للأولياء أظهر من كونه خطابا لأولي الأمر لوجهين
الأول
أن ولي الأمر من جملة الأولياء إذ السلطان ولي من لا ولي له فلا وجه لتخصيصه الثاني أن الضرر بزواج غير الأكفاء إنما يتعدى بالعار والفضيحة الشنعاء للأولياء لا ولي الأمر منهم فهم أحق بخطاب الإرشاد منه فافهم وقوله تعالى فإذا بلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن لأنه وإن لم يكن فيه أكثر من نهي قرابة المرأة وعصبتها من أن يمنعوها النكاح إلا أنه يقتضي أن لهم حقا في منعها من النكاح على غير الأكفاء وإلا لم يكن لنهيهم من ذلك معنى وثبوت حق لهم في المنع المذكور يستلزم اشتراط إذنهم في صحة العقد فتأمل بإنصاف وأما من السنة فقوله عليه الصلاة والسلام لا تزوج المرأة المرأة ولا المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوج نفسها خرجه الدارقطني وقال إنه حديث حسن صحيح
وعن الوجه الثاني بأن بين قاعدة الإبضاع وقاعدة الأموال ثلاثة فروق
250
250
والجواب عن الأول أن النكاح حقيقة في الوطء ونحن نقول بموجبه فإن الوطء لها دون وليها فإن قلت الزوج هو الفاعل لذلك دون المرأة قلت مسلم فيحمل على التمكين من ذلك الفعل لأنه أقرب للحقيقة من العقد والمجاز الأقرب يجب المصير إليه عند تعذر الحقيقة ويوضحه قوله تعالى وأنكحوا الأيامى منكم فخاطب الأولياء بصيغة الأمر الدالة على الوجوب ولو كان ذلك للمرأة لتعذر ذلك كما أنه لا يصح أن يقال للأولياء بيعوا أموال النساء لأن التصرف في الأموال لهن وقوله عليه السلام لا تزوج المرأة المرأة ولا المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوج نفسها خرجه الدارقطني وقال إنه حديث حسن صحيح وعن الثاني الفرق بين الإبضاع والأموال ما تقدم وعن الثالث أن الدليل دل على مخالفة ذلك الأصل وهو الحديث والآيات السابقة وعن الرابع أن القاعدة المنصوص عليها في أصل الفقه أن الوصف إذا خرج مخرج الغالب لا يكون حجة إجماعا وضابط ذلك أن يكون الوصف المذكور غالبا على وقوع ذلك الحكم المذكور أو على تلك الحقيقة المحكوم عليها كقوله تعالى ولا تقتلوا
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الفرق الأول
أن الإبضاع أشد خطرا وأعظم قدرا فناسب أن لا تفوض إلا لكامل العقل ينظر في مصالحها والأموال لما كانت بالنسبة إليها خسيسة جاز أن نفوض لمالكها إذ الأصل أن لا يتصرف في المال إلى مالكه والفرق الثاني أن الإبضاع يعرض لها تنفيذ الأغراض في تحصيل الشهوات القوية التي يبذل لأجلها عظيم المال فيغطي مثل هذا الهوى على عقل المرأة لضعفه وجوه المصالح فتلقي نفسها لأجل هواها فيما يرديها في دنياها وأخراها فحجر عليها على الإطلاق لاحتمال توقع مثل هذا الهوى المفيد ولا يحصل في المال مثل ذلك الفرق الثالث أن المفسدة إذا حصلت في الإبضاع بسبب زواج غير الأكفاء وحصل الضرر للمرأة تعدى منها للأولياء بالعار والفضيحة الشنعاء وإذا حصل الفساد في الأموال وحصل الضرر على المرأة لا يكاد يتعداها وليس فيه من العار والفضيحة ما في الإبضاع والاستيلاء عليها من الأراذل الأخساء فهذه فروق عظيمة بين القاعدتين فمن هنا لما سئل بعض الفضلاء عن المرأة تزوج نفسها قال في الجواب المرأة محل الزلل والعار إذا وقع لم يزل وعن الوجه الثالث بأن المفهوم من قوله تعالى فلا جناح عليكم إلخ النهي عن التثريب عليهن فيما استبددن بفعله دون أوليائهن وليس هاهنا شيء يمكن أن تستبد به المرأة دون الولي إلا عقد النكاح فظاهر هذه الآية والله أعلم أن لها أن تعقد النكاح وللأولياء الفسخ إذا لم يكن بالمعروف وهو الظاهر من الشرع فالاحتجاج بها على أن لها العقد وليس لأوليائها فسخه مطلقا احتجاج ببعض ظاهر الآية دون بعضها الآخر وفيه ضعف وليس في إضافة النكاح إليهن دليل اختصاصهن نعم
251
251
أولادكم خشية إملاق فإن القتل الغالب عليه أن لا يقع في الأولاد إلا لتوقع ضرر كالإملاق الذي هو الفقر أو نحو ذلك من الفضيحة فلا تكون له دلالة على جواز القتل عند عدم خوف الإملاق وكذلك قوله عليه السلام في الغنم السائمة الزكاة والغالب على الغنم السوم لا سيما أغنام الحجاز فلا يكون مفهومه حجة على عدم وجوب الزكاة في المعلوفة وكذلك ههنا الغالب أن المرأة لا تقدم على زواج نفسها إلا خفية عن وليها وهو غير آذن لها في ذلك والعادة قاضية بذلك فإذا خرج مخرج الغالب فلا يكون حجة إجماعا قال صاحب الجواهر لا خلاف عندنا أنها لا تكون وليا على امرأة وروي عن ابن القاسم أنها تكون ولية على عبيدها ومن وصيت عليه من أصاغر الذكور دون الإناث والفرق من ثلاثة أوجه
أحدها
أن للصبي أهلية العقد بعد البلوغ وكذلك العبد بعد العتق وثانيها أنهما قادران على رفع العقد بعد البلوغ بالطلاق
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الأصل الاختصاص كما في بداية المجتهد إلا أن الدليل المتقدم وهو الحديث والآيات السابقة قد قام على خلاف ذلك الأصل فلا تغفل وعن الوجه الرابع بأنا لا نسلم أن النكاح حقيقة في العقد بل إنما يقول أنه حقيقة في الوطء ولا شك أن الوطء لها دون وليها وكون الفاعل لذلك هو الزوج دون المرأة مسلم إلا أن التمكين من ذلك الفعل لها والحمل عليه وإن كان مجازا كالحمل على العقد إلا أنه أقرب للحقيقة من العقد والأقرب يجب المصير إليه عند تعذر الحقيقة ويوضحه قوله تعالى وأنكحوا الأيامى منكم وحديث الدارقطني السابقان فافهم وعن الوجه الخامس أن القاعدة المنصوص عليها في أصول الفقه أن الوصف إذا خرج مخرج الغالب لا يكون حجة إجماعا وضابط ذلك أن يكون الوصف المذكور غالبا على وقوع ذلك الحكم المذكور كقوله تعالى وربائبكم اللاتي في حجوركم إلخ فإن كون بنت الزوجة المدخول بها في حجر زوج الأم غالب على وقوع تحريمها على زوج الأم فلا تكون له دلالة على جوازها له حيث لم تكن في حجره فافهم أو غالبا على تلك الحقيقة المحكوم عليها كقوله تعالى ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق فإن القتل الغالب عليه أن لا يقع في الأولاد إلا لتوقع ضرورة الإملاق الذي هو الفقر أو نحو ذلك من الفضيحة فلا تكون له دلالة على جواز القتل عند عدم خوف الإملاق ومن ذلك ما هنا من أن المرأة لا تقدم على زواج نفسها في الغالب لا خفية عن وليها وهو غير آذن لها في ذلك والعادة قاضية بذلك فلا يكون مفهوم قيد بغير إذن وليها في الحديث حجة إجماعا على أن الولي إذا أذن لها يجوز عقدها وأنه إذا صح مع الإذن صح مطلقا لأنه لا قائل بالفرق واحتجاج داود بحديث ابن عباس السابق المتفق على صحته لقوله بالفرق بين الثيب والبكر في المعنى المذكور إنما هو باعتبار ظاهره لأنه إذا كان كل واحد
252
252
وثالثها أن الولاية عليهما ليست لطلب الكفاءة المحتاجة لدقيق النظر بخلاف الأنثى في ذلك المسألة الثانية في العفو عن الصداق قال الله تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أي يعفو النساء عن النصف الذي وجب لهن فيسقط وهذا متفق عليه بين العلماء ثم قال أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح قال مالك الذي بيده عقدة النكاح المشار إليه هو الأب في ابنته والسيد في أمته وقال أبو حنيفة والشافعي وابن حنبل هو الزوج واحتجوا على ذلك بوجهين أحدهما أنه قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك صريحا وثانيهما أن الأصل يقتضي عدم تسليط الولي على مال موليته والجواب عن الأول أنه ضعيف لا تقوم به حجة سلمنا صحته لكن لا نسلم أنه تفسير للآية بل إخبار عن حال الزوج قبل الطلاق أن له أن يفعل ذلك
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
من الثيب والبكر يستأذن ويتولى العقد عليهما الولي فبماذا وليت شعري تكون الأيم أحق بنفسها من وليها لكن احتجاجه به مبني على مذهبه من التزام الظواهر إما على مذهب من لا يلتزمها فلا ينهض حجة على ذلك إذ يحتمل أن تكون التفرقة بينهما في السكوت والنطق فقط ويكون السكوت كافيا في العقد كما في بداية المجتهد لحفيد ابن رشد وفي المنتقى للباجي في شرح قوله في الحديث الأيم أحق إلخ الأيم هي التي لا زوج لها قط إلا أن العرف خصه بالثيب والأظهر الحمل عليه لوجهين أحدهما أن زياد بن سعد روى هذا الحديث عن عبد الله بن الفضل قال الثيب أحق بنفسها من وليها وثانيهما أن اللفظ عليه يحمل على عمومه بدون تخصيص بخلافه على المعنى الأصلي ومعنى كونها أحق بنفسها من وليها أنه ليس له إجبارها على النكاح ولا إنكاحها بغير إذن وليها وإنما له أن يزوجها بإذنه ممن ترضاه وليس لها هي أن تعقد لنفسها نكاحا ولا تباشره ولا أن تضع نفسها عند غير كفء ولا أن تولي ذلك غير وليها فلكل واحد منها حق في عقد النكاح ووجه كونها أحق به أنها إن كرهت النكاح لم ينعقد بوجه وإن كرهه الولي ورغبته الأيم عرض على الولي العقد فإن أبى عقده غيره من الأولياء أو السلطان فهذا وجه كونها أحق به من وليها وفي شرح قوله والبكر تستأمر إلخ قال ابن القاسم وابن وهب وعلي بن زياد عن مالك في المدونة المراد بها البكر التي لا أب لها لا التي لها أب وإن روى زياد هذا الحديث فقال فيه والبكر يستأذنها أبوها يؤيد ذلك وجوه الأول أن مالكا روى هذا الحديث بلفظ والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها وقد تابعه عليه سفيان الثوري وكل واحد منهما إمام إذا انفرد وقوله غلب قوله على قول زياد بن سعد فكيف إذا اتفقا على خلافه الثاني أن صالح بن كيسان رواه عن عبد الله بن الفضل فقال فيه واليتيمة تستأمر وهو أثبت من
253
253
وعن الثاني أن قاعدة الولاية تقتضي تصرف الولي بما هو أحسن للمولى عليه وقد يكون العفو أحسن للمرأة لاطلاع الولي على الترغيب فيها لهذا الزوج أو غيره وأن ذلك يفضي إلى تحصيل أضعاف المعفو عنه فيفعل ذلك لتحصيل المصلحة فمنعه من ذلك تفويت لمصلحة المرأة لا رفق بها ثم الآية تدل لنا من عشرة أوجه أحدها أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي والمتقدم قبل هذا الاستثناء إثبات النصف فعلى رأينا تعفو المرأة فيسقط فتطرد القاعدة وعلى رأيهم يعفو الزوج فيثبت مع هذا النصف الذي تشطر بالطلاق فلا تطرد القاعدة بوقوع الإثبات بعد الإثبات وثانيها أن الأصل في العطف بأو التشريك في المعنى فقوله تعالى إلا أن يعفون معناه الإسقاط وقوله تعالى أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح على رأينا الإسقاط فيحصل التشريك وعلى رأيهم الإثبات فلا يحصل التشريك فيكون قولنا أرجح وثالثها أن المفهوم من قولنا إلا أن يكون كذا وكذا تنويع لذلك الكائن إلى نوعين
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
زياد بن سعد وقوله أيضا أولى من جهة النظر ولعل عبد الله بن الفضل لعلمه بالمراد به كان مرة يقول والبكر تستأذن ومرة يقول واليتيمة تستأمر وقد روى هذا الحديث شعبة عن مالك فقال فيه واليتيمة تستأمر
الثالث
أنه قد روي عن زياد بن سعد والبكر تستأذن بمثل رواية مالك الرابع أنا لو سلمنا صحة رواية زياد لحملنا على البكر المعنس ويجوز أن يحمل على الاستئذان المندوب إليه
ا ه ملخصا والله سبحانه وتعالى أعلم
وصل في ثلاث مسائل تتعلق بقوله تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح مسألتان منها فقهيتان الأولى منهما هي التي تتعلق بهذا الفرق دون الثانية والثالثة نحوية المسألة الأولى قوله تعالى إلا أن يعفون أي يعفو النساء عن النصف الذي وجب لهن من الصداق المفروض لهن فيسقط وهذا متفق عليه بين العلماء ثم قال أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح فاختلفوا في المراد الذي بيده عقدة النكاح فقال مالك هو الأب في ابنته البكر والسيد في أمته وقال أبو حنيفة والشافعي وابن حنبل هو الزوج واحتجوا على ذلك بوجوه كثيرة لبابها أربعة الأول أن الله تعالى ذكر الصداق في هذه الآية ذكرا مجملا من الزوجين فحمل على المعسر في غيرها وقد قال الله تعالى وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا فأذن الله تعالى للزوج في قبول الصداق إذا طابت نفس المرأة بتركه وقال أيضا وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وأتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا إلى آخرها فنهى الله الزوج أن يأخذ مما آتى المرأة إن أراد طلاقها
254
254
والتنويع فرع الاشتراك في المعنى ولا مشترك بين النفي والإثبات والإسقاط والإعطاء حتى يحسن تنويعه وعلى رأينا المتنوع الإسقاط إلى إسقاط المرأة وإسقاط الولي فكان قولنا أرجح ورابعها أن العفو ظاهر في الإسقاط وهو ما ذكرناه وعلى رأيهم يكون التزام ما سقط بالطلاق والتزام ما لم يجب لا يسمى عفوا وخامسها أن إقامة الظاهر مقام المضمر خلاف الأصل فلو كان المراد الزوج لقيل إلا أن يعفون أو تعفو عما استحق لكم فلما عدل إلى الظاهر دل على أن المراد غير الزواج وسادسهما أن المفهوم من قولنا بيده كذا أي يتصرف فيه والزوج لا يتصرف في عقد النكاح بل كان يتصرف في الوطء بالحل والولي الآن هو المتصرف في العقد فيتناوله اللفظ دون الزوج وسابعها سلمنا أن الزوج بيده عقدة النكاح لكن باعتبار ما كان ومضى فهو مجاز والولي بيده عقدة النكاح الآن فهو حقيقة والحقيقة مقدمة على المجاز
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الثاني
أنه قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك صريحا الثالث أن الله تعالى قال ولا تنسوا الفضل بينكم وليس لأحد في هبة مال آخر فضل وإنما ذلك فيها يهبه المفضل من مال نفسه والأصل يقتضي عدم تسلط الولي على مال موليته الرابع أن عفا كما يقال بمعنى أسقط كذلك يقال بمعنى بذل واستعماله في معنييه أبلغ وأولى من استعماله في إحداهما لأن فيه حينئذ شبه استخدام ولأن حكمة ذلك أن المرأة إذا أسقطت ما وجب من نصف الصداق إبقاء للمروءة واتقاء في الديانة قائلة لم ينل مني شيئا ولا أدرك ما بذل فيه هذا المال كان من المناسب أن يقول الزوج أنا أترك المال لها لأني قد نلت الحل وابتذلتها بالطلاق فتركه أقرب للتقوى وأخلص من اللائمة والجواب عن الأول أن جعل الآيتين اللتين استشهدوا بهما تفسيرا لمجمل هذه الآية ضعيف يسقط حكم الولي بخلاف جعل الآيتين المذكورتين لبيان حكم الأزواج وهذه الآية لبيان حكم الولي بأن يقال إن الله تعالى أراد أن يميز الولي فيها عن الزوج بمعنى يخصه فكنى عنه كناية مستحسنة بقوله تعالى الذي بيده عقدة النكاح فإن ذلك أبلغ في الفصاحة وأتم في المعنى وأجمع للفوائد فإنه يقتضي مجيء الأحكام كلها مبينة والفوائد الثلاثة معتبرة وعن الثاني أنه ضعيف لا تقوم به حجة سلمنا صحته لكن لا نسلم أنه تفسير للآية بل إخبار عن حال الزوج قبل الطلاق أن له أن يفعل ذلك وعن الثالث أن قاعدة الولاية تقتضي تصرف الولي بما هو أحسن للمولى عليه وقد يكون العفو أحسن للمرأة لاطلاع الولي على الترغيب فيها لهذا الزوج أو غيره
255
255
وثامنها أن المراد بقوله إلا أن يعفون الرشيدات إجماعا إذا المحجور عليهن لا ينفذ الشرع تصرفهن فالذي يحسن مقابلتهن بهن المحجورات على أيدي الأولياء أما الأزواج فلا مناسبة فيهم للرشيدات وتاسعها أن الخطاب كان مع الأزواج بقوله تعالى وقد فرضتم لهن فريضة وهو خطاب مشافهة فلو كانوا مرادين في قوله تعالى الذي بيده عقدة النكاح لقال أو تعفو بلفظ تاء الخطاب فلما قال أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وهو خطاب غيبة لزم تغير الكلام من الخطاب إلى الغيبة وهو وإن كان جائزا لكنه خلاف الأصل وعاشرها أن وجوب الصداق أو بعضه قبل المسيس خلاف الأصل لأن استحقاق تسليم العوض يقتضي بقاء المعوض قابلا للتسليم أما مع تعذره فلا بشهادة البيع والإجارة كذلك إذا تعذر تسليم المبيع أو المنفعة لا يجب تسليم العوض في ذلك فإسقاط الأولياء النصف على وفق الأصل وتكميل الزوج على خلاف الأصل ولذلك قال مالك في المدونة لا يجوز ذلك للأب قبل الطلاق قال ابن القاسم إلا بوجه نظر من عسر الزوج أو غيره
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
وأن ذلك يفضي إلى تحصيل إضعاف المعفو عنه فيفعل ذلك لتحصيل المصلحة فمنعه من ذلك تفويت لمصلحة المرأة لا رفق بها والإفضال الذي لا يكون بمال أحد إنما هو بمعنى بذل ما تملكه يده أما الإفضال بمعنى الإسقاط ما يملك إسقاطه فهذا نافذ لأنه نظير تفضله على الزوج بأن يزوجه بأقل من مهر المثل وقد انعقد الإجماع على نفوذه وعن الرابع بأن مجيء العفو بمعنى واحد من الجهتين أبلغ في الفصاحة وأوفى في المعنى من مجيئه بمعنيين لأن فيه إسقاط أحد العافيين وهو الولي المستفاد إذا كان العفو بمعنى الإسقاط وأما ندب الزوج إلى إعطاء الصداق كله في الآيتين اللتين ذكروا فذلك معلوم من دليل آخر فإن قلت قد قال ابن رشد الحفيد في بدايته ما خلاصته أن في قوله تعالى أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح احتمالين على السواء أحدهما أن يعود الضمير على الزوج فيكون يعفو بمعنى يهب وثانيهما أن يعود على الولي ويكون يعفو بمعنى يسقط لكن من جعله الزوج فلم يوجب حكما زائدا في الآية أي شرعا زائدا لأن جواز ذلك معلوم من ضرورة الشرع ومن جعله الولي فقد زاد شرعا فلذلك يجب عليه أن يأتي بدليل يبين به أن الآية أظهر في الولي منها في الزوج وذلك شيء يعسر قلت قال الأصل الآية تدل لما قلنا من تسعة أوجه الوجه الأول أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي والمتقدم قبل هذا الاستثناء إثبات النصف فعلى رأينا تعفو المرأة ووليها فيسقط فتطرد القاعدة وعلى رأيهم يعفو الزوج فيثبت مع هذه النصف الذي تشطر بالطلاق فلا تطرد القاعدة بوقوع الإثبات بعد الإثبات
256
256
ولا يلحق الوصي بالأب لقصور نظره عنه وفي الجلاب لا يجوز للأب العفو قبل الطلاق ولا بعد الدخول بخلاف الطلاق قبل الدخول والفرق أن استحقاقه بعد الطلاق قبل الدخول خلاف الأصل فسلط الأب عليه إذا رآه نظرا بخلاف الدخول لتعين الاستحقاق فغلب حق الزوجة
فائدة
يروى أن بعض الأدباء دخل على بعض الخلفاء فأنشده هذه الأبيات من كان مسرورا بمصرع مالك فليأت نسوتنا بوجه نهار يجد النساء حواسرا يندبنه قد قمن قبل تبلج الأسحار قد كن يخبئان الوجوه تسترا والآن حين بدون للنظار فقال كيف تقول بدأن بالهمز أو بدين بالياء فقال يا أمير المؤمنين لا أقول بدين ولا بدأن بل بدون فقال له أصبت وقصد غرته من وجهين أحدهما أن صدر البيت بالهمز في قوله يخبئان الوجوه فقياسه أن يقول بدأن مثل يخبئان بالهمز فيهما فخطر له أنه يغتر بذلك فيخطأ فلم يفعل ذلك وثانيهما قصد التخطئة أن الواو تكون ضمير الفاعل المذكر فلا يجوز أن يقول
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
والوجه الثاني أن الأصل في العطف أو التشريك في المعنى فقوله تعالى إلا أن يعفون معناه الإسقاط وقوله تعالى أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح على رأينا الإسقاط فيحصل التشريك وعلى رأيهم الإثبات فلا يحصل التشريك فيكون قولنا أرجح والوجه الثالث أن المفهوم من قولنا إلا أن يكون كذا وكذا تنويع لذلك الكائن إلى نوعين والتنويع فرع الاشتراك في المعنى ولا مشترك بين النفي والإثبات والإسقاط والإعطاء حتى يحسن تنويعه وعلى رأينا المتنوع إلى إسقاط المرأة وإسقاط الولي هو مطلق الإسقاط فكان قولنا أرجح والوجه الرابع أن العفو ظاهر في الإسقاط وهو ما ذكرناه وعلى رأيهم يكون مع صدقة على التزام ما وجب بالطلاق أيضا صادقا على التزام ما سقط بالطلاق والتزام ما لم يجب لا يسمى عفوا والوجه الخامس أن إقامة الظاهر مقام المضمر خلاف الأصل فلو كان المراد الزوج لقيل إلا أن يعفون أو يعفو عما استحق لكم لأن الخطاب بقوله تعالى وقد فرضتم لهن فريضة كان مع الأزواج فلما عدل الظاهر دل على أن المراد غير الزوج لأنه وإن كان جائزا على طريق الالتفات إلا أنه خلاف الأصل كما علمت والوجه السادس أن المفهوم من قولنا بيده كذا أي يتصرف فيه والزوج لا يتصرف في عقد النكاح بل كان يتصرف في الوطء بالحل والولي الآن هو المتصرف في العقد فيتناوله اللفظ دون الزوج والوجه السابع سلمنا أن الزوج بيده عقدة النكاح لكن باعتبار ما كان ومضى فهو مجاز والولي بيده عقدة النكاح الآن فهو حقيقة والحقيقة مقدمة على المجاز والوجه الثامن أن المراد بقوله إلا أن يعفون الرشيدات إجماعا إذ المحجور عليهن لا ينفذ الشرع
257
257
بدون بالواو لأن ضمير النسوة لا يكون بالواو فما حمله ذلك على الخطأ بل نطق بالصواب وهو الواو وما ذكرت هذه الأبيات إلا لتعلقها بالآية لقوله تعالى في النساء إلا أن يعفون بالواو فضعفه بعض الفقهاء بقوله كيف يجيء ضمير المؤنث بالواو وليس كما خطر له وليس الواو هنا ضميرا بل من نفس الفعل لأنه من عفا يعفو بالواو وكذلك هي في الأبيات هو من بدا يبدو بالواو وشأن ضمير المؤنث الذي هو النون يحقق آخر الفعل فإن كان ياء بقي ياء وإن كان واوا بقي واوا وإن كان همزة بقي همزة وأي حرف كان بقي على حاله مثال الياء قولك رمي يرمي فنقول النسوة رمين بالياء والواو كقولك دعا يدعو والنسوة دعون والهمزة نحو قرأ يقرأ والنسوة قرأن فلذلك قال الله تعالى يعفون بالواو وقال الشاعر بدون للناظر ويروى أن بعض الأدباء المشهورين طرحت عليه هذه الأبيات فأخطأ فيها وقال بدأن للنظار فخطئ وفي الأبيات سؤال آخر مشكل من جهة المعنى وهو أن هذا القائل قصد شيئا وهو إخمال الشماتة وكلامه يقتضي تقويتها فإن قوله من كان مسرورا بوقعة مالك أو بمصرع مالك فليأت نسوتنا بوجه نهار وذكر من حال النسوة ما يقتضي زيادة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
تصرفهن فالذي يحسن مقابلتهن بالمحجورات على أيدي الأولياء إلا بالأزواج إذ لا مناسبة فيهم للرشيدات والوجه التاسع أن وجوب الصداق أو بعضه قبل المسيس خلاف الأصل لأن استحقاق تسليم العوض يقتضي بقاء العوض قابلا للتسليم أما مع تعذره فلا بشهادة البيع والإجارة فإنه إذا تعذر تسليم المبيع أو المتعة لا يجب تسليم العوض في ذلك فإسقاط الأولياء النصف على وفق الأصل وتكميل الزوج على خلاف الأصل ولذلك قال مالك في المدونة لا يجوز ذلك للأب قبل الطلاق قال ابن القاسم إلا بوجه نظر من عسر الزوج أو غيره ولا يلحق الوصي بالأب لقصور نظره عنه وفي الجلاب لا يجوز للأب العفو قبل الطلاق ولا يعد الدخول بخلاف الطلاق قبل الدخول والفرق أن استحقاقه بعد الطلاق قبل الدخول خلاف الأصل فسلط الأب عليه إذا رآه نظرا بخلاف الدخول لتعيين الاستحقاق فغلب حق الزوجية فالحكم هنا كما خص عموم في قوله تعالى إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح عند الجمهور بالصغيرة والمحجورة كذلك خص عندنا بالأب في ابنته البكر والسيد في أمته لكمال نظرهما قال ابن رشد الحفيد في بدايته والجمهور أن المرأة الصغيرة والمحجورة ليس لها أن تهب من صداقها النصف الواجب لها وشذ قوم فقالوا يجوز أن تهب معه لعموم قوله تعالى إلا أن يعفون
ا ه فافهم هذا خلاصة ما في الأصل وأحكام ابن العربي مع زيادة المسألة الثانية قال ابن العربي في أحكامه هذه الآية حجة على صحة هبة المشاع لأن الله تعالى أوجب
258
258
الشماتة وتحقق المصيبة وهتك العيال وتهتك الوجوه وهذا يزيد الشامت شماتة والجواب عنه أن عادة العرب أنها لا تقيم مأتما ولا تفعل النسوة هذا الفعل إلا بعد
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
للمرأة بالطلاق نصف الصداق فعفوها للرجل عن جميعه كعفو الرجل ولم يفصل بين مشاع ومقسوم وقال أبو حنيفة لا تصح هبة المشاع فورد عليه عموم الآية وأراد علماء ما وراء النهر الانفصال عنها بقولهم إن الله تعالى إنما بين تكميلا ثبت بنفس العفو دون شرط قبض ذلك في عفو المرأة فأما العين فلا يكمل العفو فيه إلا بقبض متصل به أو قبض قائم ينوب عن قبض الهبة ولئن حملنا الآية على عقد شرط زيادة القبض فنحن لا نشترط إلا تمامه وتمامه بالقسمة فآل الاختلاف إلى كيفية القبض لكن هذا الانفصال إنما يستمر على أصحاب الشافعي الذين يشترطون في الهبة القبض فأما نحن فلا نرى ذلك فلا يصح لهم هذا الانفصال معنا فإن نفس العفو ممن عفا يخلص ملكا لمن عفي له وأما أصحاب الشافعي فلا يصح لهم هذا معهم إلا من طريق أخرى وهي أن الآية بمطلقها تفيد صحة هبة المشاع من حيث كونه مشاعا وافتقار الهبة إلى القبض نظر آخر يؤخذ من دليل يخص تلك النازلة فمشترط القسمة مفتقر إلى دليل ولم يجدوه إلا من طريق المعنى المبني على اشتراط القبض ونحن لا نسلمه وليس التمييز من القبض أصلا في ورد ولا صدر فصح تعلقنا بالآية وعمومها وسلمت من تشغيلهم ا ه بتصرف
المسألة الثالثة
ضعف بعض الفقهاء قوله تعالى في النساء إلا أن يعفون بالواو بقوله كيف يجيء ضمير المؤنث بالواو وليس كما خطر له إذ الواو هنا ليس ضميرا وإلا لحذف الناصب النون بل الضمير النون والواو لام الفعل لأنه من عفا يعفو بالواو وشأن ضمير المؤنث الذي هو النون وكذا كل ضمير بارز أن يلحق آخر الفعل على حاله الأصلي أي حرف كان فيبقيه في نحو رمى يرمي ياء تقول النسوة رمين وأنا قضيت وفي نحو دعا يدعو واوا تقول النسوة دعون وأنا عفوت وفي نحو قرأ يقرأ همزة تقول النسوة قرأن وأنا أبرأت وهكذا فلذلك قال الله تعالى إلا أن يعفون بالواو وقال الشاعر من كان مسرورا بمصرع مالك فليأت نسوتنا بوجه نهار يجد النساء حواسرا يندبنه قد قمن قبل تبلج الأسحار قد كن يخبئن الوجوه تسترا والآن حين بدون للنظار فمن هنا روي أن بعض الأدباء لما دخل على بعض الخلفاء وأنشده هذه الأبيات قال له كيف تقول بدأن بالهمز وبدين بالياء مريدا غرته من وجهين أحدهما أن صدر البيت يخبئن الوجوه بالهمز فقياسه أن يقول بدأن مثل يخبئن بالهمز فيهما وثانيهما أن الواو تكون ضمير الفاعل على المذكر لا ضمير النسوة فما حمله ذلك على الخطأ بل نطق بالصواب فقال أمير المؤمنين لا أقول بدين ولا بدأن بل بدون فقال له أصبت ويروى أن بعض الأدباء المشهورين طرحت عليه هذه الأبيات فأخطأ فيها وقال بدأن للنظار فأخطأ وفي الأبيات سؤال آخر عن مشكل من جهة المعنى وهو أن هذا القائل كيف يقصد إخمال الشماتة وكلامه يقتضي تقويتها فإن قوله من كان مسرورا بوقعة مالك أو بمصرع مالك فليأت نسوتنا بوجه نهار وذكر من حال النسوة ما يقتضي زيادة
259
259
أخذ ثأر من يفعل ذلك في حقه ومن لا يؤخذ بثأره لا يستحق عندهما أن يقام له مأتم ولا يبكى عليه فلذلك قال أيها الشامت انظر كيف حال النسوة وذلك يدل على أنا أخذنا بثأره وذهبت شماتة الشامت به عندهم أو خفت فهذا وجه هذه الأبيات
الفرق الخامس والخمسون والمائة بين قاعدة الأثمان في البياعات تتقرر بالعقود وبين قاعدة الصدقات في الأنكحة لا يتقرر شيء منهما بالعقود على المشهور من مذهب مالك وفيها ثلاثة أقوال أحدها عدم التقرر مطلقا وهو المشهور وثانيها التقرر مطلقا والطلاق مشطر وثالثها النصف يتقرر بالعقد والنصف الآخر غير متقرر حتى يسقط بالطلاق أو يثبت بالدخول أو الموت وأما أثمان البيعان فلم أعلم فيها خلافا وسر الفرق أن الصداق
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الشماتة وتحقيق المصيبة وهتك العيال وتهتك الوجوه وهذا يزيد الشامت شماتة وجوابه أن عادة العرب أنها لا تقيم مأتما ولا تفعل النسوة هذا الفعل إلا بعد أخذ ثأر من يفعل ذلك في حقه ومن لا يؤخذ بثأره لا يستحق عندهم أن يقام له مأتم ولا يبكى عليه فلذلك قال أيها الشامت انظر كيف حال النسوة فذلك يدل على أنا أخذنا بثأره وذهبت شماتة الشامت به عندهم أو خفت فهذا وجه هذه الأبيات والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الخامس والخمسون والمائة بين قاعدة الأثمان في البياعات تتقرر بالعقود بلا خلاف وبين قاعدة الصدقات في الأنكحة لا يتقرر شيء منها بالعقود مطلقا على المشهور من مذهب مالك ومقابل المشهور قولان أحدهما التقرر مطلقا والطلاق مشطر وثانيهما النصف يتقرر بالعقد والنصف الآخر غير متقرر حتى يسقط بالطلاق أو يثبت بالدخول أو الموت فالنظر هنا في ثلاثة أمور الأمر الأول سر الفرق بين البابين على المشهور في الصداق والأمر الثاني سبب الخلاف والأمر الثالث ثمرة الخلاف أما الأمر الأول فهو أن المشهور لاحظ أن الصداق شرط في الإباحة لا عوض عن الوطأة الأولى لوجهين الأول أن الناس لا يقصدون به المعاوضة بل التحمل بشهادة العادة أن العقلاء لا يقصدون الوطأة الأولى بالصداق
260
260
في النكاح شرط في الإباحة وشأن الشرط أن يتعين ثبوته عند ثبوت المشروط وليس الناس يقصدون بالصداق المعاوضة بل التجمل وصاحب الشرع أيضا لم يرد المعاوضة بدليل أنه لم يشترط فيه شروط الإعراض من نفي الجهالة للمرأة بل يجوز العقد على المجهولة مطلقا ولا يتعرض لتحديد مدة الانتفاع أيضا وذلك وشبهه دليل على عدم القصد إلى المعاوضة بل شرط الإباحة فلا يتقرر شيء إلا عند الدخول أو الموت لأن الصداق إنما التزم إلى أقصر الزوجين عمرا وليس الوطأة الأولى هي مقابلة الصداق بالعوضية لأنها ليست مقصود العقلاء بالصداق بشهادة العادة وإنما الشرع جعله شرطا لأصل الإباحة فمن لاحظ هذه القاعدة قال بعدم التقرر مطلقا إلا بموت أو فراق أو دخول ومن لاحظ قاعدة أخرى وهي أن الأصل في الأعواض وجوبها بالعقود فإنها أسبابها والأصل ترتب المسببات على أسبابها فيجب الجميع بالعقد كثمن المبيع ومن لاحظ قاعدة أخرى وهي أن ترتيب الحكم على الوصف يدل على سببيته له وقد قال الله تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم فرتب النصف على الطلاق فيكون سببه فيجب النصف
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الوجه الثاني
أن صاحب الشرع أيضا لم يرد المعاوضة بدليل أنه لم يشترط فيه شروط الأعواض من نفي الجهالة للمرأة بل يجوز العقد على المجهولة مطلقا ولا نعرض لتحديد مدة الانتفاع أيضا وذلك وشبهه دليل على عدم قصد صاحب الشرع إلى المعاوضة وأنه إنما جعله شرطا لأصل الإباحة وقاعدة الشرط أن يتعين ثبوته عند ثبوت المشروط فلذا قال في المشهور بعدم التقرر مطلقا إلا بالدخول أو بالموت لأن الصداق إنما التزم إلى أقصر الزوجين عمرا أو بالفراق ولم يجعله كالثمن وأما الأمر الثاني فهو أن هذه القاعدة يعارضها قاعدتان أخريان القاعدة الأولى أن الأصل في الأعواض وجوبها بالعقود فإنها أسبابها والأصل ترتب المسببات على أسبابها فمن لاحظ هذه القاعدة قال يجب الجميع بالعقد كثمن المبيع والقاعدة الثانية أن ترتيب الحكم على الوصف يدل على سبيبته وقد قال الله تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم فرتب النصف على الطلاق فيكون سببه فمن لاحظ هذه القاعدة قال يجب النصف بالطلاق خاصة ويبقى التكميل موقوفا على سبب آخر وهو الموت أو الدخول كذا في الأصل وأما الأمر الثالث قال ابن رشد الحفيد في بدايته ما يعرض للصداق من التغييرات قبل الطلاق لا يخلو أن يكون من قبلها أو من قبل الله فما كان من قبل الله فلا يخلو من أربعة أوجه إما أن يكون تلفا للكل وإما أن يكون نقصا وإما أن يكون زيادة وإما أن يكون زيادة ونقصا معا وما كان من قبلها فلا يخلو أن يكون تصرفها فيه بتفويت مثل البيع والعتق والهبة أو يكون تصرفها فيه في
261
261
بالطلاق خاصة ويبقى التكميل موقوفا على سبب آخر وهو الموت أو الدخول فهذا تحرير الفرق بين البابين
الفرق السادس والخمسون والمائة بين قاعدة ما يجوز اجتماعه مع البيع وقاعدة ما لا يجوز اجتماعه معه
اعلم أن الفقهاء جمعوا أسماء العقود التي لا يجوز اجتماعها مع البيع في قولك جص مشنق فالجيم للجعالة والصاد للصرف والميم للمساقاة والشين للشركة والنون للنكاح
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
منافعها الخاصة بها أو فيما تتجهز به إلى زوجها فعند مالك أنهما في التلف وفي الزيادة وفي النقصان شريكان وعند الشافعي أنه يرجع في النقصان والتلف عليها بالنصف ولا يرجع بنصف الزيادة وسبب اختلافهم هل تملك المرأة الصداق قبل الدخول أو الموت ملكا مستقرا أو لا تملكه فمن قال إنها لا تملكه ملكا مستقرا قال هما فيه شريكان ما لم تتعد فتدخله في منافعها ومن قال تملكه ملكا مستقرا والتشطير حق واجب تعين عليها عند الطلاق وبعد استقرار الملك أوجب الرجوع عليها بجميع ما ذهب عندها ولم يختلفوا أنها إذا صرفته في منافعها ضامنة للنصف واختلفوا إذا اشترت به ما يصلحها للجهاز مما جرت به العادة هل يرجع عليها بنصف ما اشترته أم بنصف الصداق الذي هو الثمن فقال مالك يرجع عليها بنصف ما اشترته وقال أبو حنيفة والشافعي يرجع عليها بنصف الثمن الذي هو الصداق ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق السادس والخمسون والمائة بين قاعدة ما يجوز اجتماعه مع البيع من نحو الإجارة وقاعدة ما لا يجوز اجتماعه معه
من العقود الستة التي رمز الفقهاء لها بقولهم جص مشنق فالجيم للجعالة والصاد للصرف والميم للمساقاة والشين للشركة والنون للنكاح والقاف للقراض والسر في الفرق هو أن العقود أسباب لاشتمالها على تحصيل حكمتها في مسبباتها المتنافية بطريق المناسبة والشيء الواحد باعتبار الواحد لا يناسب المتضادين لأن تنافي اللوازم يدل على تنافي الملزومات وكل عقد من هذه العقود الستة يضاد البيع فلذا اختصت في المشهور بأنه لا يجوز أن يجمع واحدا منهما مع البيع عقد واحد بل قال الشيخ ميارة كما لا يجتمع البيع مع واحد من هذه السبع بزيادة القرض فكذلك لا يجتمع اثنان منها في عقد واحد لافتراق أحكامها قال وقد قلت في ذلك عقود منعنا اثنين منها بعقدة لكون معانيها معا تتفرق فجعل وصرف والمساقاة شركة نكاح قراض قرض بيع محقق وصرح بذلك أبو الحسن وابن ناجي ونقله الحطاب كذا في البناني على عبق وقال العلامة الدردير في شرح أقرب المسالك لك أن تزيد على هذين البيتين فهذي عقود سبعة قد علمتها ويجمعها في الرمز جبص مشنق
ا ه وأشار بالباء في جبص للبيع والصواب أن يبدلها بقاف بأن يقول جقص لتكون إشارة للقرض
262
262
والقاف للقراض والسر في الفرق أن العقود أسباب لاشتمالها على تحصيل حكمتها في مسبباتها بطريق المناسبة والشيء الواحد بالاعتبار الواحد لا يناسب المتضادين فكل عقدين بينهما تضاد لا يجمعهما عقد واحد
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
وتكون السبعة المرموز لها هي ما عدا البيع من العقود التي يمتنع جمعها في عقد واحد معه كما يمتنع اجتماع اثنين منها في عقد واحد لتضاد أحكامها أما تضاد الجعالة للبيع فمن جهة لزوم الجهالة في عملها ولزوم عدمها في عمله وأما تضاد النكاح له فمن جهة لزوم المسامحة في البيع دون النكاح فتجوز فيه المكايسة في العوض والمعوض بالمسامحة ويكون حاصل الصور العقلية أربعا وستين من ضرب ثمانية في مثلها المكرر منها ست وثلاثون والباقي ثمان وعشرون لأنك تأخذ كل واحد مع ما بعده يبلغ ذلك العدد فليفهم
وأما تضاد الصرف له فمن جهة بناء الصرف على التشديد وامتناع الخيار والتأخير وأمور كثيرة لا تشترط في البيع وأما تضاد المساقاة والقراض له فمن جهة أن فيهما الغرر والجهالة كالجعالة بخلاف البيع وأما تضاد الشركة له فمن جهة أنه على وفق الأصول وفي الشركة مخالفة الأصول وأما تضاد القراض له فلقول الخرشي الذي يفيده كلام الغرياني في حاشيته على المدونة أن الحكم في التصديق إذا وقع في القرض الفسخ على ظاهر المدونة وفي البيع لأجل عدم الفسخ على ظاهرها كما قال عبد الحق إنه الأشبه بظاهرها
ا ه يعني أن الأرجح في القرض الفسخ إذا وقع التصديق في المقرض بفتح الراء وفي البيع لأجل الأرجح عدمه إذا وقع التصديق في المبيع ومما ذكر يعلم وجه تضاد أحكام كل مما عدا البيع من العقود السبعة المذكورة لأحكام الآخر منها نعم القراض والمساقاة والجعالة وإن علم مما ذكر اتحادها في جواز الغرر والجهالة إلا أنه يعلم من أبوابها أن عقد المساقاة لازم ولا ينعقد عند ابن القاسم إلا بلفظ ساقيت وعند سحنون إلا به وبلفظ آجرت أو عاملت دون لفظ شركة أو بيع بخلافهما وأن لصحة القراض شروطا غير شروط صحة الجعالة فافهم وأما نحو الإجارة والهبة مما يماثل البيع في الأحكام والشروط ولا يضاده فيه بأنه يجوز اجتماعه مع البيع كما يجوز اجتماع أحدهما مع الآخر في عقد واحد لعدم التنافي فهذا وجه الفرق والله سبحانه وتعالى أعلم وصل في ثلاث مسائل تتعلق بهذا الفرق وتوضحه المسألة الأولى قال الرهوني ابن عرفة الصرف والبيع في جوازه ومنعه ثالثها بقيد التبعية لأشهب مع اللخمي عن رواية محمد جواز بيع مائة ثوب كل ثوب بدينار إلا ثلاثة دراهم وسماع عيسى رواية ابن القاسم لا يجوز صرف وبيع ولا نكاح وبيع والمشهور ثم قال ففي تبعية الصرف بكونه أقل من دينار أو دينارا فأقل المشهور وقول الصقلي عن غير واحد من أصحابنا عن ابن حبيب ا ه محل الحاجة منه بلفظه
ا ه وقدم قول أشهب بالجواز مطلقا على المشهور لقول ابن رشد وقول أشهب أظهر من جهة النظر وإن كان خلاف المشهور
ا ه أي لا نظر إلى أن العقد الذي جمعهما احتوى على أمرين كل منهما جائز على انفراده وأنكر أن يكون مالك حرمه قال وإنما الذي حرمه الذهب بالذهب مع كل منهما سلعة والورق بالورق مع كل منهما سلعة كما في حاشية الصاوي على شرح أقرب المسالك ثم قال الرهوني ولما ذكر في التحفة منع اجتماع
263
263
فلذلك اختصت العقود التي لا يجوز أجتماعها مع البيع كالإجارة بخلاف الجعالة للزوم الجهالة في عمل الجعالة وذلك ينافي البيع والإجازة مبنية على نفي الغرر والجهالة له
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الستة التي في المواق والحطاب عن المدونة مع البيع أي وفي الأصل وهي الرموز لها بقولهم جص مشنق قال
وأشهب الجواز عنه ماض قال قال التاودي في شرحها ما نصه ومفاد الناظم أن خلافه جار في الجميع وصرح به ابنه وفي الحطاب عن اللخمي وقد اختلف في جميع ذلك
ا ه منه بلفظه قلت وما نقله عن الحطاب هو كذلك فيه وهو يقتضي أن الخلاف في اجتماع البيع والمساقاة منصوص وهو خلاف ما في ابن ناجي عن المدونة ونصه وقد اختلف في جميعها إلا أن اجتماع البيع والمساقاة الخلاف بالتخريج خرجه اللخمي في بيع بت وخيار في عقدة واحدة ا ه بلفظه
ونص اللخمي وتقدم في كتاب النكاح الثاني ذكر الاختلاف في النكاح والبيع وفي كتاب الجعل ذكر الاختلاف في البيع والجعل وفي كتاب البيعين بالخيار الاختلاف في بيع بت وخيار في عقد واحد ويختلف في البيع والمساقاة على مثل ذلك منه بلفظه
ا ه كلام الرهوني وفي بداية المجتهد لحفيد ابن رشد واختلفوا أي الفقهاء إذا اقترن بالمهر بيع مثل أن تدفع إليه عبدا ويدفع ألف درهم عن الصداق وعن ثمن العبد ولا يسمي الثمن من الصداق فمنعه مالك وابن القاسم وبه قال أبو ثور وأجازه أشهب وهو قول أبي حنيفة وفرق عبد الله فقال إن كان الباقي بعد البيع ربع دينار فصاعدا بأمر فصاعدا بأمر لا يشك فيه جاز واختلف قول الشافعي فمرة قال ذلك جائز ومرة قال فيه مهر المثل وسبب اختلافهم هل النكاح في ذلك شبيه بالبيع أم ليس بشبيه فمن شبهه في ذلك بالبيع منعه ومن جوز في النكاح من الجهل ما لا يجوز في البيع قال يجوز ا ه بلفظها
المسألة الثانية
قال كنون وأولى من منع بيع وصرف منع بيع وبدل وكما استثنوا من الأول ما أشار له في المختصر بقوله إلا أن يكون الجميع دينارا أو يجتمعا فيه كذلك يستثنى من الثاني أن يكون الجميع درهما كما يأتي في قوله أي خليل وبخلاف درهم أي بنصف وفلوس أو غيره في بيع وسكا واتحدت وعرف الوزن وانتقد الجميع ا ه بتوضيح وقال عبق على خليل ومن الجعل المفارسة
ا ه المسألة الثالثة قال كنون وقول الزرقاني والهبة كالبيع أي فلا يجوز جمعها مع الصرف وأما مع البيع فيجوز وما في الشبرخيتي من المنع مردود عقلا ونقلا انظر الأصل أي الرهوني حيث قال أما نقلا فلقول اللخمي أجاز ابن القاسم سلم فسطاطية في فسطاطيتين مثلها إحداهما معجلة والأخرى مؤجلة جعل المعجلة في مقابلة المعجلة والمؤجلة هبة
ا ه ونقله المواق قبيل قوله ومؤخر فقها مسلما وفي المفيد أثناء كلامه على من باع دارا بالنفقة عليه حياته ما نصه قال عبد الحق ينبغي عندي إن أنفق عليه سرفا أن يرجع عليه بجميع ذلك لأن الزائد على النفقة المتوسطة إنما هو كهبة من أجل البيع جائزة فإذا انتقض البيع وجب الرجوع فيها وكذلك هنا
ا ه منه بلفظه
وأما معنى أي عقلا فإن الهبة المقارنة للبيع إنما هي مجرد تسمية فإذا قال شخص لآخر أشتري منك دارك بمائة على أن تهبني ثوبك ففعل فالدار والثوب مبيعان معا بمائة وإذا قال شخص لآخر أبيعك داري بمائة على أن تهبني ثوبك فالدار مبيعة بالمائة والثوب والتسمية لا أثر له وكلام المدونة في مواضع
264
264
وذلك موفق للبيع ولا يجتمع النكاح والبيع لتضادهما في المكايسة في العوض المعوض بالمسامحة في النكاح والمشاحة في البيع فحصل التضاد والصرف مبني على التشديد وامتناع الخيار والتأخير وأمور كثيرة لا تشترط في البيع فضاد البيع الصرف والمساقاة والقراض فيهما الغرر والجهالة كالجعالة وذلك مضاد للبيع والشركة فيها صرف أحد النقدين بالآخر من غير قبض فهو صرف غير ناجز وفي الشركة مخالفة الأصل والبيع على وفق الأصول فهما متضادان وما لا تضاد فيه يجوز جمعه مع البيع فهذا وجه الفرق
الفرق السابع والخمسون والمائة بين قاعدة البيع توسع العلماء فيه حتى جوز مالك البيع بالمعاطاة وهي الأفعال دون شيء من الأقوال وزاد على ذلك حتى قال كل ما عده الناس بيعا فهو بيع وقاعدة النكاح وقع التشديد فيها في اشتراط الصيغ حتى لا أعلم أنه وجد لمالك القول بالمعاطاة فيه ألبتة بل لا بد من لفظ قال صاحب الجواهر ينعقد بكل لفظ يقتضي التمليك على التأييد كالنكاح والتزويج والتمليك والبيع والهبة ونحوها قال القاضي أبو الحسن ولفظ الصدقة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
شاهد لذلك منها قولها في كتاب الغرر ومن قال أبيعك سكنى داري سنة فذلك غلط في اللفظ وهو كراء صحيح
ا ه ومنها قولها في كتاب الصرف ولو صرفت منه دينارا بدراهم على أن تأخذ بها منه سمنا أو زيتا نقدا ومؤجلا أو على أن تنضها ثم تشتري بها هذه السلعة فذلك جائز وإن ردت السلعة بعيب رجعت بدينارك لأن البيع إنما وقع بالسلعة واللفظ لغو وإنما ينظر مالك إلى فعلهما لا إلى قولهما وليس هذا من يتعين في بيعة ا ه منها بلفظها ومنها قولها فيه أيضا ولا بأس أن يبيع الرجل الثوب معجلا بدينار إلى شهر والدينار بكذا وكذا درهما إلى شهرين لأن البيع إنما وقع بالدراهم ولا ينظر إلى قبح كلامهما إذا صح العمل بينهما كما لا ينظر إلى حق كلامهما إذا قبح العمل بينهما
ا ه إلى غير ذلك من النصوص الموافقة لهذا في المدونة وغيرها وبهذا تعلم أن هذا الذي قلناه هو عين الحق والصواب ويكفي في رد ما قاله الشيخ إبراهيم الشبراخيتي كلام أهل المذهب على المحاباة انظر نصوصهم فيما يأتي آخر الحجر إن شاء والله الموفق
ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق السابع والخمسون والمائة بين قاعدة البيع توسع العلماء فيه حتى جوز مالك وأبو حنيفة وابن حنبل البيع بالمعاطاة وهي الأفعال دون شيء من الأقوال وزادوا على ذلك حتى قالوا كل ما عده الناس بيعا فهو بيع نعم قال الشافعي لا تكفي المعاطاة دون قول وقاعدة النكاح ووقع التشديد فيها فقد اتفقوا على اشتراط الصيغ فيه حتى لا يعلم أنه وجد لأحد منهم قول بالمعاطاة فيه ألبتة وإنما اختلفوا هل ينعقد بغير لفظ التزويج والنكاح أو لا ينعقد إلا بخصوص لفظهما فذهب أبو حنيفة إلى الأول قال ابن العربي في القبس جوزه أبو حنيفة بكل لفظ يقتضي التمليك على التأبيد قال الأصل ولم
265
265
وقال الأصحاب إن قصد بلفظ الإباحة النكاح صح ويضمن المهر فيكفي قول الزوج قبلت بعد الإيجاب من الولي ولا يشترط قبلت نكاحها ولو قال للأب في البكر أو بعد الإذن في الثيب زوجني فقال فعلت أو زوجتك فقال لا أرضى لزمه النكاح لاجتماع جزأي العقد فإن السؤال رضى في العادة أيضا وقال صاحب المقدمات لا ينعقد إلا بلفظ النكاح أو التزويج دون غيرهما من ألفاظ العقود وفي الهبة قولان المنع كمذهب الشافعي والجواز كمذهب أبي حنيفة لأن الطلاق يقع بالصريح والكناية فكذلك النكاح ويرد عليه أن الهبة لا تنعقد بلفظ النكاح فكذلك النكاح لا ينعقد بلفظ الهبة وأن النكاح مفتقر إلى الصريح ليقع الإشهاد عليه وقال صاحب الاستذكار ابن عبد البر أجمعوا على أنه لا ينعقد بلفظ الإحلال والإباحة فتقاس عليه الهبة وقال ابن العربي في القبس جوزه أبو حنيفة بكل لفظ يقتضي التمليك على التأبيد وجوزه مالك بكل لفظ يفهم المتناكحان مقصودهما وقال الشافعي لا ينعقد إلا بلفظ التزويج والنكاح لأنهما المذكوان في القرآن في قوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء وقوله تعالى فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ووافقه أحمد بن حنبل وأجابوا
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
يستثن غير الإجارة والوصية والإحلال وجوزه بالعجمية وإن قدر على العربية وجوز الجواب من الزوج بقوله فعلت وذهب الشافعي وابن حنبل إلى الثاني فقالا لا ينعقد إلا بلفظ التزويج والنكاح كما في القبس لابن العربي واختلف النقل عن مالك فقال ابن رشد في المقدمات لا ينعقد إلا بلفظ النكاح أو التزويج دون غيرهما من ألفاظ العقود وفي الهبة قولان المنع كمذهب أبي حنيفة لأن الطلاق يقع بالصريح والكناية فكذلك النكاح ويرد عليه أن الهبة لا تنعقد بلفظ النكاح فكذلك النكاح لا ينعقد بلفظ الهبة وأن النكاح مفتقر إلى الصريح ليقع الإشهاد عليه بل قال ابن عبد البر في الاستذكار أجمعوا على أنه لا ينعقد بلفظ الإحلال والإباحة فيقاس عليه الهبة وقال صاحب الجواهر ينعقد بكل لفظ يقتضي التمليك على التأبيد كالنكاح والتزويج والتمليك والبيع والهبة ونحوها قال القاضي أبو الحسن ولفظ الصدقة
وقال الأصحاب إن قصد بلفظ الإباحة النكاح صح ويضمن المهر فيكفي قول الزوج قبلت بعد الإيجاب من الولي ولا يشترط قبلت نكاحها ولو قال للأب في البكر أو بعد الإذن في الثيب زوجني فقال فعلت أو زوجتك فقال لا أرضى لزمه النكاح لاجتماع جزأي العقد فإن السؤال رضى في العادة أيضا وسبب اختلافهم أمران
الأول
تعارض الكتاب والسنة وذلك أن قوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء وقوله تعالى فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لم يذكر فيهما إلا لفظ التزويج والنكاح وقوله صلى الله عليه وسلم ملكتكها بما معك من القرآن وزد بلفظ التمليك فاحتج بالحديث من قال ينعقد بغير لفظهما وقال الشافعي وابن حنبل لم يذكر في القرآن إلا لفظهما والحديث ورد بألفاظ مختلفة والقصة واحدة فيستحيل اجتماعها بل الواقع أحدها والراوي روى بالمعنى فلا حجة فيه
266
266
عما احتج به مالك مما ورد في الحديث وهو قوله عليه السلام ملكتكها بما معك من القرآن أن الحديث ورد بألفاظ مختلفة والقصة واحدة فيستحيل اجتماعها بل الواقع أحدها والراوي روى بالمعنى فلا حجة فيه ولم يستثن أبو حنيفة غير الإجارة والوصية والإحلال وجوزه بالعجمية وإن قدر على العربية وجوز الجواب من الزوج بقوله فعلت فهذه نصوص العلماء على اختلافها لم يقل فيها أحد بالمعاطاة كما قالوه في البيع والفرق مبني على خمس قواعد
القاعدة الأولى
أن الشهادة شرط في النكاح إما مقارنة للعقد كما قال الشافعي أو قبل الدخول كما قال مالك وعلى التقديرين فلا بد من لفظ يشهد عليه أنه تزويج لا زنى وسفاح والبيع لما لم يكن الإشهاد فيه شرطا جوزوا فيه المناولة القاعدة الثانية أن قاعدة الشرع أن الشيء إذا عظم قدره شدد فيه وكثرت شروطه وبالغ إبعاده إلا لسبب قوي تعظيما لشأنه ورفعا لقدره وهو شأن الملوك في العوائد ولذلك إن المرأة النفيسة في مالها وجمالها ودينها ونسبها لا يوصل إليها إلا بالمهر الكثير والتوسل العظيم وكذلك المناصب الجليلة والرتب العلية في العادة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الأمر الثاني تعارض قاعدتين القاعدة الأولى كل حكم شرعي لا بد له من سبب شرعي وإباحة المرأة حكم فله سبب يجب تلقيه من السمع فما لم يسمع من الشرع لا يكون سببا القاعدة الثانية الشرع قد ينصب خصوص الشيء سببا كالزوال لوجوب الظهر ورؤية الهلال لوجوب الصوم والقتل العمد العدوان للقصاص وقد ينصب مشتركا بين أشياء سببا ويلغي خصوصاتها كألفاظ الطلاق فإن المنصوب منها سببا ما دل على انطلاق المرأة من عصمة الرجل وألفاظ القذف فإن المنصوب منها سببا ما دل على نسبة المقذوف إلى الزنى أو اللواط وألفاظ الدخول في السلام فإن المنصوب منها سببا ما دل على مقصود الرسالة النبوية فعلى القاعدة الأولى اعتمد الشافعي وابن حنبل والمغيرة من أصحابنا وهو ظاهر ما نقله ابن رشد في المقدمات عن المذهب والنكاح عند أبي حنيفة وعندنا على ما حكاه صاحب الجواهر من القاعدة الثانية ويدل على ذلك أنه ورد بألفاظ مختلفة في الكتاب والسنة والأصل فيها عدم اعتبار الخصوص فيتعين العموم وهو المطلوب ويفرق بين قاعدة البيع وقاعدة النكاح على هذا بأربعة وجوه مبنية على أربع قواعد الوجه الأول أن النكاح لا بد فيه من لفظ يشهد عليه أنه تزويج لا زنى وسفاح بخلاف البيع لأن القاعدة أن الشهادة شرط في النكاح إما مقارنة للعقد كما قال الثلاثة أو قبل الدخول كما قال مالك وعلى التقديرين لا بد من لفظ إلخ وليس الإشهاد شرطا في البيع فلذا جوزوا فيه المناولة الوجه الثاني أن النكاح عظيم الخطر جليل المقدار لأنه سبب بقاء النوع الإنساني المكرم المفضل على جميع المخلوقات قال تعالى ولقد كرمنا بني آدم وسبب للعفاف الحاسم لمادة الفساد واختلاط الأنساب وسبب للمودة والمواصلة والسكون وغير ذلك من المصالح بخلاف البيع والقاعدة أن
267
267
وأما في الشرع فالذهب والفضة لما كانا رءوس الأموال وقيم المتلفات شدد الشرع فيهما فاشترط المساواة والتناجز وغير ذلك من الشروط التي لم يشترطها في البيع في سائر العروض والطعام لما كان قوام بنية الإنسان منع بيعه نسيئة بعضه ببعض ومنع مالك بيعه قبل قبضه دون غيره من السلع فكذلك النكاح عظيم الخطر جليل المقدار لأنه سبب بقاء النوع الإنساني المكرم المفضل على جميع المخلوقات وسبب العفاف الحاسم لمادة الفساد واختلاط الأنساب وسبب المودة والمواصلة والسكون وغير ذلك من المصالح فلذلك شدد الشرع فيه فاشترط الصداق والشهادة والولي وخصوص الألفاظ دونه البيع
القاعدة الثالثة
كل حكم شرعي لا بد له من سبب شرعي وإباحة المرأة حكم فله سبب يجب تلقيه من السمع فما لم يسمع من الشرع لا يكون سببا وعلى هذه القاعدة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الشيء إذا عظم قدره شدد فيه وكثرت شروطه وبولغ في أبعاده إلا لسبب قوي تعظيما لشأنه ورفعا لقدره وهو شأن الملوك في العوائد ألا ترى أن المرأة النفيسة في مالها وجمالها ودينها ونسبها لا يوصل إليها إلا بالمهر الكثير والتوسل العظيم وأن المناصب الجليلة والرتب العلية كذلك في العادة وأن الذهب والفضة لما كان رءوس الأموال وقيم المتلفات شدد الشرع فيهما فاشتراط المساواة والتناجز وغير ذلك من الشروط التي لم يشترطها في البيع في سائر العروض وأن الطعام لما كان قوام بنية الإنسان منع الشرع بيعه نسيئة بعضه ببعض ومنع مالك بيعه قبل قبضه دون غيره من السلع فلذلك شدد الشرع في النكاح فاشترط الصداق والشهادة والولي وخصوص الألفاظ دون البيع والوجه الثالث أن الأصل في السلع الإباحة حتى تملك والأصل في النساء التحريم حتى يعقد عليهن بملك أو نكاح والقاعدة أن الشرع يحتاط في الخروج من الحرمة إلى الإباحة أكثر من الخروج من الإباحة إلى الحرمة لأن التحريم يعتمد المفاسد فيتعين الاحتياط له فلا يقدم على محل فيه المفسدة إلا بسبب قوي يدل على زوال تلك المفسدة أو يعارضها ويمنع الإباحة ما فيه مفسدة بأيسر الأسباب دفعا للمفسدة بحسب الإمكان ألا ترى أن المرأة حرمت بمجرد عقد الأب لأنه خروج عن إباحة إلى حرمة وأن المبتوتة لا تحل إلا بعقد ووطء حلال وطلاق وانقضاء عدة من عدد الأول لأنه خروج من حرمة إلى إباحة وأنا أوقعنا الطلاق بالكنايات وإن بعدت حتى أوقعه مالك بالتسبيح والتهليل وجميع الألفاظ إذا قصد بها الطلاق لأنه خروج من الحل إلى الحرمة فيكفي فيه أدنى سبب فلهذه القاعدة لم يجز النكاح بكل لفظ بل بما فيه قرب من مقصود النكاح لأنه خروج من الحرمة إلى الحل وجوزنا البيع بجميع الصيغ والأفعال الدالة على الرضى بنقل الملك في العوضين لأنه خروج من الحل إلى الحرمة فيكون موجبا لقصوره في الاحتياط عن الفروج الوجه الرابع عموم الحاجة إلى البيع لأنه لا غنى للإنسان عن مأكول ومشروب ولباس بحيث لا يخلو مكلف غالبا من بيع أو شراء بخلاف النكاح
268
268
اعتمد الشافعي والمغيرة من أصحابنا وهو ظاهر مما نقله ابن رشد في المقدمات عن المذهب
القاعدة الرابعة
الشرع قد ينصب خصوص الشيء سببا كالزوال ورؤية الهلال لوجوب الظهر ووجوب الصوم والقتل العمد والعدوان سبب القصاص وقد ينصب مشتركا بين أشياء سببا ويبغي خصوصاتها كألفاظ الطلاق فإن المنصوب منها سببا ما دل على انطلاق المرأة من عصمة الرجل وألفاظ القذف المنصوب منها سببا ما دل على نسبة المقذوف إلى الزنى أو اللواط وألفاظ الدخول في الإسلام المنصوب منها سببا ما دل على مقصود الرسالة النبوية والنكاح عندنا على ما حكاه صاحب الجواهر من هذه القاعدة ويدل على ذلك أنه ورد بألفاظ مختلفة في الكتاب والسنة والأصل فيها عدم اعتبار الخصوص فيتعين العموم وهو المطلوب القاعدة الخامسة يحتاط الشرع في الخروج من الحرمة إلى الإباحة أكثر من الخروج من الإباحة إلى الحرمة لأن التحريم يعتمد المفاسد فيتعين الاحتياط له فلا يقدم على محل فيه المفسدة إلا بسبب قوي يدل على زوال تلك المفسدة أو يعارضها ويمنع الإباحة ما فيه مفسدة بأيسر الأسباب دفعا للمفسدة بحسب الإمكان ولذلك حرمت المرأة بمجرد عقد الأب ولا تحل المبتوتة إلا بعقد ووطء حلال وطلاق وانقضاء عدة من عقد الأول لأنه خروج عن حرمة إلى إباحة فلهذه القاعدة أوقعنا الطلاق بالكنايات وإن بعدت حتى أوقعه مالك بالتسبيح والتهليل وجميع الألفاظ إذا قصد بها الطلاق لأنه خروج من الحل فيكفي فيه أدنى سبب ولم يجز النكاح بكل لفظ بل بما فيه قرب من مقصود النكاح لأنه خروج من الحرمة إلى الحل وجوزنا البيع بجميع الصيغ والأفعال الدالة على الرضى بنقل المالك في العرضين لأن الأصل في السلع الإباحة حتى تملك بخلاف النساء الأصل فيهن التحريم حتى يعقد عليهن بملك أو نكاح ولعموم الحاجة للبيع ولقصوره في الاحتياط عن الفروج فإذا أحطت بهذه القواعد ظهر لك سبب اختلاف موارد الشرع في هذه الأحكام وسبب اختلاف العلماء ونشأت لك الفروق والحكم والتعاليل
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
والقاعدة في الملة السمحة تخفيف في كل ما عمت به البلوى والتشديد فيما لم تعم البلوى به كما وضحت ذلك في رسالتي شمس الإشراق في حكم التعامل بالأوراق فإذا أحطت بهذه القواعد علما ظهر لك سبب اختلاف موارد الشرع في هذه الأحكام وسبب اختلاف العلماء ونشأت لك الفروق والحكم والتعاليل والله سبحانه وتعالى أعلم

269
269
الفرق الثامن والخمسون والمائة بين قاعدة المعسر بالدين ينظر وبين قاعدة المعسر بنفقات الزوجات لا ينظر
اعلم أن المعسر عندنا وعند الشافعي رضي الله عنه يفسخ عليه نكاحه بطلاق في حق من ثبت لها الإنفاق وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا تطلق عليه بالإعسار لأن الله تعالى أوجب إنظار المعسر بالدين في قوله تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة فههنا أولى لأن بقاء الزوجية مطلوب لصاحب الشرع وقياسا على النفقة في الزمان الماضي فإنه لا تطلق بها إجماعا ولأن عجزه عن نفقة أم ولده لا يوجب بيعها ولا خروجها عن ملكه فكذلك الزوجة والجواب عن الأول أنا لم نلزمه النفقة مع العسرة وهو نظير الإلزام بالدين وإنما أمرناه برفع ضرر يقدر عليه وهو إطلاقها لمن ينفق عليها وهو الجواب عن النفقة في الزمان الماضي
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الفرق الثامن والخمسون والمائة بين قاعدة المعسر بالدين ينظر وبين قاعدة المعسر بنفقات الزوجات لا ينظر
عندنا وعند الشافعي وأحمد وأبو ثور وأبو عبيد وجماعة بل يفسخ عليه نكاحه بطلاق في حق من ثبت لها الإنفاق وهو مروي عن أبي هريرة وسعيد بن المسيب وقال أبو حنيفة والثوري لا تطلق عليه بالإعسار وبه قال أهل الظاهر ودليل هذا القول أمور الأمر الأول استصحاب الحال وذلك أن العصمة ثبتت بالإجماع فلا تنحل إلا بإجماع أو بدليل من كتاب أو سنة لا بالقياس الأمر الثاني أن الله تعالى أوجب إنظار المعسر بالدين في قوله تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة فهاهنا أولى لأن بقاء الزوجية مطلوب لصاحب الشرع الأمر الثالث أن النفقة كما لا يطلق بها في الزمان الماضي إجماعا كذلك لا يطلق بها بها في الحال الأمر الرابع أن العجز عن النفقة في الحال كما أنه لا يوجب بيع أم الولد ولا خروجها عن ملكه كذلك لا يوجب تطليق الزوجة ودليل القول الأول أيضا أمور الأمر الأول أنا لم نقل بحل العصمة الثابتة بالإجماع عن المعسر بالإنفاق إلا بدليل وهو قوله تعالى فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وذلك أن الإمساك على الجوع والعري ليس من المعروف فيتعين التسريح بالإحسان وما خرجه البخاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الصدقة ما ترك غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول تقول المرأة إما أن تطعمني وإما أن تطلقني ويقول العبد أطعمني واستعملني ويقول الولد إلى من تدعني وفي كشاف القناع على الإقناع وقوله صلى الله عليه وسلم
270
270
والجواب عن الثالث إن وقع الضرر عن أم الولد له طريق آخر وهو تزويجها وهذا الطريق متعذر ههنا فيتعين الطلاق لأن القاعدة أن المقصد إذا كان له وسيلتان فأكثر لا يتعين أحدهما عينا بل يخير بينهما كالجامع إذا كان له طريقان مستويان يوم الجمعة لا يجب سلوك أحدهما عينا بل يخير بينهما وكذلك السفر إلى الحج في البر والبحر المتيسرين لا يتعين أحدهما وهو كثير في الشرعية وكذلك أم الولد تعدت أسباب زوال
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
امرأتك تقول أطعمني وإلا فارقني رواه أحمد والدارقطني والبيهقي بإسناد صحيح ورواه الشيخان من قول أبي هريرة وروى الشافعي وسعيد عن سفيان عن أبي الزناد قال سألت سعيد بن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته قال يفرق بينهما قال أبو الزناد لسعيد سنة قال سعيد سنة ا ه الأمر الثاني أنا إنما أمرناه برفع ضرر عليه وهو إطلاقها لمن ينفق عليها ولم تلزمه النفقة مع العسرة حتى يرد أن الله أوجب إنظار المعسر الأمر الثالث أن الضرر الواقع من ذلك شبهه بالضرر الواقع من العنة والتطليق على العنين قول الجمهور بل قال ابن المنذر إنه إجماع الأمر الرابع أن النفقة قالوا في مقابلة الاستمتاع بدليل أن الناشز لا نفقة لها عند الجمهور فإذا لم يجد النفقة سقط الاستمتاع فوجب الخيار الأمر الخامس القاعدة أن المفصد إذا اتحدت وسيلته أمر به عينا وإذا تعددت بأن كان له وسيلتان فأكثر خير بينهما ولا يتعين أحدهما عينا ولمتعدد الوسيلة في الشريعة فروع كثيرة منها رفع الضرر عن أم الولد غير بيعها طريق آخر وهو تزويجها ومنها الجامع يكون له طريقان مستويان لا يجب يوم الجمعة سلوك إحداهما عينا بل يخير بينهما ومنها السفر إلى الحج يتيسر فيه البر والبحر لا يتعين أحدهما ولمتحد الوسيلة في الشريعة أيضا فروع منها زوال الضرر عن الزوجات الواقع من ذلك اتحدت وسيلته أي سبب الخروج عن ضرر الجوع والعري وهو التطليق فأمر به عينا هذا خلاصة ما في الأصل وبداية المجتهد لابن رشد مع زيادة والله سبحانه وتعالى أعلم مسألة كما اختلف الفقهاء في الإعسار بنفقة الزوجة كذلك اختلفوا في الإعسار بالصداق ففي بداية المجتهد لحفيد ابن رشد ما نصه كان الشافعي يقول يخير إذا لم يدخل بها وبه قال مالك واختلف أصحابه في قدر التلوم له فقيل ليس له في ذلك حد وقيل سنة وقيل سنتين وقال أبو حنيفة هو غريم الغرماء لا يفرق بينهما ويؤخذ بالنفقة ولها أن تمنع نفسها حتى يعطيها المهر وسبب اختلافهم تغليب شبه النكاح في ذلك بالبيع أو تغليب الضرر اللاحق للمرأة في ذلك من عدم الوطء تشبيها بالإيلاء والعنة
ا ه بلفظه وقال الشيخ منصور بن إدريس الحنبلي في كشافه وإذا أعسر الزوج بالمهر بشرطه السابق في آخر الصداق خيرت على التراخي بين الفسخ من غير انتظار أي تأجيل ثلاثا خلافا لابن البناء وبين المقام معه على النكاح ا ه المراد والله أعلم

271
271
الضرر عنها فلم يتعين خروجها عن ملكه وفي الزوجات اتحدت الوسيلة وسبب الخروج عن الضرر فأمر به عينا ويؤيد ما قلناه ما خرجه البخاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الصدقة ما ترك غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول تقول المرأة إما أن تطعمني وإما أن تطلقني ويقول العبد أطعمني واستعملني ويقول الولد إلى من تدعني وقوله فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان والإمساك على الجوع والعري ليس من المعروف فيتعين التسريح بالإحسان
الفرق التاسع والخمسون والمائة بين قاعدة أولاد الصلب والأبوين في إيجاب النفقة لهم خاصة وبين قاعدة غيرهم من القرابات
اعلم أن مالكا أوجب النفقة لأولاد الصلب والأبوين خاصة وأوجبها الشافعي لكل من هو بعض من الآباء والأمهات وإن علوا والأولاد وإن سفلوا لقوله تعالى وبالوالدين
هامش أنوار البروق
قال الفرق التاسع والخمسون والمائة بين قاعدة أولاد الصلب والأبوين في إيجاب النفقة لهم خاصة وبين قاعدة غيرهم من القرابات إلى قوله ولقوله تعالى وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض قلت ما قاله حكاية أقوال ومستندها ولا كلام في ذلك قال والجواب عما قاله الشافعي أولا أنا لا نسلم أن لفظ الأب والأم والابن يتناول غير الأدنين إلى قوله بل يجب التمسك بالحقيقة والاقتصار عليها حتى يدل دليل على غيرها قلت لا دليل له فيما استدل به على مراده من أن لفظ الأب وما معه لا يتناول غير الأدنين إلا
هامش إدرار الشروق
الفرق التاسع والخمسون والمائة بين قاعدة أولاد الصلب والأبوين الأدنين في إيجاب النفقة لهم خاصة وبين قاعدة غيرهم من القرابات
لا تجب لهم النفقة عند مالك رحمه الله تعالى لا عند غيره من الأئمة فقد قال الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى بإيجابها لكل من هو بعض من الآباء والأمهات وإن علوا والأولاد وإن سفلوا لقوله تعالى وبالوالدين إحسانا ومن الإحسان الإنفاق عليهما عند حاجتهما إذ ليس من الإحسان تركهما بالجوع والعري ولقوله تعالى وصاحبهما في الدنيا معروفا ومن المعروف قيام بكفايتهما ولقوله عليه الصلاة والسلام إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم رواه أبو داود والترمذي وحسنه ولقوله عليه الصلاة والسلام في البخاري يقول لك ولدك إلى من تكلني الحديث وأب الأب أب وأم الأم أم وابن الابن ابن قال الشيخ منصور بن إدريس الحنبلي في كشافه من المتن تجب عليه نفقة والديه وإن علوا ونفقة ولده وإن سفل لقوله تعالى وعلى المولود له رزقهن
272
272
إحسانا ولقوله تعالى وصاحبهما في الدنيا معروفا وليس من الإحسان تركهما بالجوع والعري ولقوله عليه السلام في البخاري يقول لك ولدك إلى من تكلني الحديث وأب الأب أب وأم الأم أم وابن الابن ابن وقال أبو حنيفة رضي الله عنه تجب النفقة لكل ذي رحم محرم لقوله تعالى وآت ذا القربى حقه وأجمعنا على تخصيص من ليس بمحرم وبقي من عداه على العموم ولقوله تعالى وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض والجواب عما قاله الشافعي أولا أنا لا نسلم أن لفظ الأب والأم والابن يتناول غير الأدنين من هذه الفرق ويدل على ذلك أن الله تعالى فرض للأم الثلث ولم تسحقه الجدة وحجب الإخوة بالأب ولم يحجبهم بالجد وأن بنت الابن لها السدس مع بنت الصلب بخلاف بنت الصلب مع أختها فلو كانت هذه الألفاظ تتناول هذه الطبقات على اختلافها بطريق التواطؤ حقيقة لزم تعميم
هامش أنوار البروق
مجازا لاحتمال أن يكون الأمر في تلك الألفاظ بعكس دعواه وذلك أن يكون يتناول الأدنين وغيرهم لكن وقع التجوز بقصرها على الأدنين فيحتاج إذ ذاك إلى قرينة تخصها بالأدنين أو إلى دليل يدل على أن هذا المجاز انتهى إلى أن صار عرفا
قال ثم اللازم هنا الجمع بين الحقيقة والمجاز وهو مجاز مختلف فيه بين العلماء هل يجوز في لسان العرب أم لا إلى قوله وهذا هو الفرق وهو فرق جلي جدا قلت ما قاله مبني على دعوى أن تناول تلك الألفاظ لغير الأدنين مجاز وقد تبين احتمال عكس ذلك وما قاله من أن الجمع بين الحقيقة والمجاز مختلف فيه مسلم لكن لو سلم له أن تناول تلك الألفاظ لغير الأدنين مجاز وذلك غير مسلم وما قاله من الجواب عما قاله أبو حنيفة مسلم صحيح
هامش إدرار الشروق
وكسوتهن بالمعروف ولأن الإنسان يجب عليه أن ينفق على نفسه وزوجته فكذا على بعضه وأصله ويجب عليه إكمال ما عجزوا عن إكمالها حتى ذوي الأرحام من والديه وإن علوا وولده وإن سفلوا ولو حجبه معسر بالمعروف من حلال إذا كانوا أي الأصول والفروع فقراء ا ه محل الحاجة
وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى تجب النفقة لكل ذي رحم محرم لقوله تعالى وآت ذا القربى حقه وأجمعنا على تخصيص من ليس بمحرم وبقي من عداه على العموم ولقوله تعالى وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض
وسبب الاختلاف أما أولا فهو أنهم بعد أن أجمعوا على أن نفقة الوالدين الفقيرين اللذين لا كسب لهما ولا مال واجب في مال الولد كما حكاه في كشاف القناع عن ابن المنذر وكذا على أن نفقة الأولاد الفقراء الذين لا كسب لهم ولا مال واجب في مال الأب لما سبق اختلفوا في أن لفظ الأب والأم والابن فيما سبق من الأدلة هل تتناول غير الأدنين بالوضع الأصلي وحينئذ التجوز بقصرها عن الأدنين يحتاج إلى قرينة أو ما يدل على أن هذا المجاز انتهى إلى أن صار عرفا وإذا لم يتحقق ذلك وجب التمسك بالحقيقة والاقتصار عليها أو لا تتناول بالوضع الأصلي غير الأدنين بدليل أن الله تعالى فرض للأم الثلث ولم تستحقه الجدة وحجب الإخوة بالأب ولم يحجبهم بالجد وأن بنت الابن
273
273
الحكم فيها كلها على السواء وإلا لزم ترك العمل بالدليل وهو خلاف الأصل فدل ذلك على أن اللفظ إنما يتناول هذه الطوائف بطريق المجاز والأصل عدم المجاز حتى يدل دليل عليه بل يجب التمسك بالحقيقة والاقتصار عليها حتى يدل دليل على غيرها ثم اللازم هنا الجمع بين الحقيقة والمجاز وهو مجاز مختلف فيه بين العلماء هل يجوز في لسان العرب أم لا ونحن المجاز المجمع عليه في لسان العرب لا نعدل باللفظ إليه إلا بدليل والحمل عليه من غير دليل خطأ قطعا فههنا بطريق الأولى لكونه ضعيفا من جهة أنه مجاز وأنه مختلف في جوازه لغة وهذا هو الفرق
وهو فرق جلي جدا والجواب عما قاله أبو حنيفة رضي الله عنه عن الأول أن الله تعالى إنما أمر بما هو حق لذوي القربى والنزاع في النفقة هل هي حق لهم أم لا فلا نسلم تناول اللفظ لها حينئذ فلا دليل في الآية والجواب عن الثاني أنه عام في ذوي الأرحام مطلق فيما هم فيه أولى فإن لفظ أولى
هامش أنوار البروق
قال فظهر من هذه الاستدلالات وهذه الأجوبة صحة مذهب مالك وتفضيله على غيره في هذه المسألة وظهر الفرق أيضا من خلال ذلك ظهورا بينا قلت لم يظهر ما قاله لاحتمال أن تكون تلك الألفاظ تتناول غير الأدنين بالوضع الأصلي ووقع التجوز بقصرها على الأدنين والله أعلم
هامش إدرار الشروق
لها السدس مع بنت الصلب مع أختها فلو كانت هذه الألفاظ تتناول هذه الطبقات على اختلافها بطريق التواطؤ حقيقة لزم تعميم الحكم فيها كلها على السواء وإلا لزم ترك العمل بالدليل وهو خلاف الأصل فلم يبق إلا أن هذه الألفاظ إنما تتناول هذه الطوائف بطريق المجاز فيلزمه هنا الجمع بين الحقيقة والمجاز وهو مجاز مختلف فيه بين العلماء هل يجوز في لسان العرب أم لا ونحن في المجاز المجمع على جوازه في لسان العرب لا نعدل باللفظ إليه إلا بدليل والحمل عليه من غير دليل خطأ قطعا فهاهنا بطريق الأولى لكونه ضعيفا من جهة أنه مجاز وأنه مختلف في جوازه بلغة
وأما ثانيا فهو اختلافهم في أن النفقة هل هي حق لذوي القربى فيتناولها لفظ الحق في الآية أم لا فلا يتناولها قال ابن الشاط وهو الصحيح وأما ثالثا فهو اختلافهم في أن أولى في الآية وإن كان نكرة في سياق الإثبات لا عموم فيه بل هو مطلق فيما ذوو الأرحام فيه أولى من ولاية النكاح ومن المعاضدة والمناصرة المجمع عليها فإنهم أولى بالإحسان إلى بعضهم بعضا بالنصرة إجماعا فهل يمتنع جعله عاما بأن يعدى حكمه إلى صورة أخرى بغير دليل كما يمتنع جعل العام مطلقا بغير دليل قال ابن الشاط وهو الصحيح أو لا يمتنع
قال الأصل فظهر من هذه الاستدلالات أي لمالك وغيره صحة مذهب مالك وتفضيله على غيره في هذه المسألة وظهر الفرق أيضا من خلال ذلك ظهورا بينا لكن قال ابن الشاط لم يظهر ما قاله لاحتمال أن تكون تلك الألفاظ تتناول غير الأدنين أيضا بالوضع الأصلي لكن وقع التجوز بقصرها على الأدنين فيحتاج هذا المجاز إلى قرينة أو ما يدل على أنه انتهى إلى أن صار عرفا ولا دليل له فيما استدل به على أن لفظ الأب وما معه لا يتناول غير الأدنين إلا مجازا فافهم والله أعلم

274
274
نكرة في سياق الإثبات وذلك لا عموم فيه فنحمله على ولاية النكاح والمعاوضة والمناصرة المجمع عليها فإنهم أولى بنصر بعضهم بعضا والإحسان إلى بعضهم بعضا بالنصرة إجماعا وإذا أجمع على إعمال المطلق في صورة وأنها مرادة من النص سقط الاستدلال به إجماعا إذ لو عدي حكمه إلى صورة أخرى لكان عاما لا مطلقا والتقدير أنه مطلق وهذا خلف وكما يمتنع جعل العام مطلقا بغير دليل يمتنع جعل المطلق عاما بغير دليل فظهر من هذه الاستدلالات وهذه الأجوبة صحة مذهب مالك وتفضيله على غيره في هذه المسألة وظهر الفرق أيضا من خلال ذلك ظهورا بينا
الفرق الستون والمائة بين قاعدة المتداعيين شيئا لا يقدم أحدهما على الآخر إلا بحجة ظاهرة وبين قاعدة المتداعيين من الزوجين في متاع البيت يقدم كل واحد منهما فيما يشبه أن يكون له قال مالك في المدونة إذا اختلفا وهما زوجان أو عند الطلاق أو الورثة بعد الموت
هامش أنوار البروق
قال الفرق الستون والمائة بين قاعدة المتداعيين شيئا لا يقدم أحدهما على الآخر إلا بحجة ظاهرة وبين قاعدة المتداعيين من الزوجين في متاع البيت يقدم كل واحد معهما فيما يشبه أن يكون له إلى قوله هذا تقرير المنقولات قلت لا كلام في ذلك قال وأما وجه الجواب والفرق إلى آخر ما قاله في هذا الفرق قلت في ذلك نظر وتمسك الشافعي بالحديث ظاهر وجواب المالكية بتفسير المدعي والمدعى عليه بما فسروا لا بأس به وجعل المالكية اليد لهما أعني الزوجين مع قولهم إن الرجل جائز للمرأة فيه درك لا يخفى وبالجملة المسألة محل نظر
هامش إدرار الشروق
الفرق الستون والمائة بين قاعدة المتداعيين في غير الزوجين شيئا لا يقدم أحدهما على الآخر إلا بحجة ظاهرة وبين قاعدة المتداعيين من الزوجين في متاع البيت يقدم كل واحد منهما فيما يشبه أن يكون له عند مالك ووافقه أبو حنيفة وفقهاء المدينة السبعة رضي الله عنهم أجمعين نعم خالف أبو حنيفة مالكا في بعض فروع المسألة وسيأتي تقرير المنقولات فيها فترقب لا عند الشافعي فقد قال لا يقدم أحد الزوجين على الآخر إلا بحجة ظاهرة كسائر المدعين محتجا بثلاثة أمور الأمر الأول قوله صلى الله عليه وسلم البينة على من ادعى واليمين على من أنكر فكل من ادعى من الزوجين كان عليه البينة لظاهر الحديث
275
275
والزوجان حران أو عبدان أو أحدهما مسلمان أو أحدهما قضي للمرأة بما هو شأن النساء وللرجل بما هو شأن الرجال وما يصلح لهما قضي به للرجل لأن البيت بيته في مجرى العادة فهو تحت يده فيقدم لأجل اليد ووافق مالكا أبو حنيفة والفقهاء رضي الله عنهم أجمعين وقال الشافعي لا يقدم أحدهما على الآخر إلا بحجة ظاهرة كسائر المدعين وقياسا على الصباغ والعطار إذا تداعيا آلة العطر أو الصبغ فإنه لا يقدم أحدهما على الآخر إلا بحجة ظاهرة وإن شهدت العادة بأن آلة العطر للعطار وآلة الصبغ للصباغ فكذلك ههنا قال ابن يونس إذا فرعنا على مذهب مالك يحلف من قضي له
وقال سحنون ما عرف لأحدهما لا يحلف وقال ابن القاسم ما كان شأن الرجال وشأن النساء قسم بينهما بعد أيمانهما لاشتراكهما في اليد وما ولي الرجل شراءه من متاع البيت وشهدت له البينة أخذه بعد يمينه ما اشتراه إلا له وكذلك المرأة فإن اختلفا في البيت نفسه فهو للرجل لأنه ملكه في غالب العادة ولأن يده عليه قال ابن يونس الذي يختص بالرجل نحو العمامة فالقول
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الأمر الثاني القياس على الصباغ والعطار فكما أنهما إذا تداعيا آلة العطر والصبغ لا يقدم أحدهما على الآخر إلا بحجة ظاهرة وإن شهدت العادة بأن آلة العطر للعطار وآلة الصبغ للصباغ كذلك هاهنا الأمر الثالث أن حكم اليد كما لا يسقط بالصلاحية فيما إذا كان في يد ثالث غير المتداعيين كذلك لا يسقط بها في كل موضع يكون المتنازع فيه بيد أحد المتداعيين لا فرق بين كونهما امرأتين أو رجلين أو رجلا وامرأة ألا ترى أن الرجل لو كان بيده خلخال فادعته امرأة أجنبية فالقول قوله وإن كان الخلخال لا يصلح من لباسه لأجل أن يده عليه وأن المرأة لو كان بيدها سيف فادعاه رجل فالقول قولها وإن كان لا يصلح لها لأجل أن يدها عليه فالزوجان إذا كانا في الدار وفيها ما يصلح لأحدهما ويدهما عليه كذلك لا يسقط اعتبار اليد بصلاحيته لأحدهما دون الآخر
ووجه الجواب والفرق إما عن الحديث فهو أن القاعدة أن المدعي هو كل من كان قوله خلاف أصل أو عرف والمدعى عليه هو كل من كان قوله على وفق أصل أو عرف مثلا المدعي بالدين على خلاف الأصل لأن الأصل براء الذمة والمطلوب المنكر على وفق الأصل لما علمت والمدعي رد الوديعة وقد قبضها ببينة هو المدعي لأن قوله على خلاف الظاهر والعرف بسبب أن الغالب أن من قبض ببينة لا يرد إلا ببينة والمدعي عدم قبضها لكون قوله على وفق الظاهر والعرف على المدعى عليه وهذه القاعدة تقتضي أن المرأة إذا ادعت مقنعة وشبهها كان قولها على وفق الظاهر وقول الزوج على خلاف الظاهر فالزوج مدع فعليه البينة وهي مدعى عليها فالقول قولها تقول بموجب الحديث لا أنه حجة علينا قال ابن الشاط وتمسك الشافعي بالحديث ظاهر وجواب المالكية بتفسير المدعي والمدعى عليه بما فسروا به لا بأس به
ا ه وأما عن القياس على الصباغ والعطار فهو باطل أما على قول بعض أصحابنا بالتزام مساواة مسألة الصباغ والعطار لمسألة الزوجين في تقديم ما شهدت العادة له كما أشار إليه ابن القصار في عيون الأدلة لظاهر قوله تعالى خذ العفو وأمر بالعرف من أن كل ما شهدت به العادة قضي به
276
276
قوله فيه بغير يمين إلا أن تدعي المرأة إرثه فيحلف قال ابن حبيب ولا يكفي أحدهما أن يقول هذا لي لأنه متاع البيت حتى يقول هذا ملكي قال عبد الحق في تهذيب الطالب لو تنازعا في رداء فقال هو لها إلا الكتان بأن قال اشتريته فقال أصبغ له بقدر كتابه ولها بقدر عملها لأنه لو ادعاه صدق هذا تقرير المنقولات وأما وجه الجواب والفرق فنقول لنا قوله تعالى خذ العفو وأمر بالعرف فكل ما شهد به العادة قضي به لظاهر هذه الآية إلا أن يكون هناك بينة ولأن القول قول مدعي العادة في مواقع الإجماع
وأما ما أشار إليه الشافعي رضي الله عنه وهو القياس على العطار والصباغ فمن أصحابنا من التزم التسوية أيضا أشار إليه ابن القصار في عيون الأدلة وعلى هذا يبطل القياس وإن قلنا بعدم التسوية فالفرق أن الإشهاد بين الزوجين يتعذر لأنهما لو اعتمدا ذلك وإن من كان له شيء أشهد عليه أدى ذلك إلى المنافرة وعدم الوداد بينهما وربما أفضى ذلك إلى الطلاق والقطيعة فهما معذوران في عدم الإشهاد وملجآن إليه وإذا ألجئ لعدم إشهاد فلم يقض بينهما بالعادة لا نسد الباب عليهما بخلاف العطار والصباغ إذا كانا في حانوت واحد
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
إلا أن يكون هناك بينا ولأن القول قول مدعي العادة في مواقع الإجماع فظاهر وأما على القول بعدم التسوية بين المسألتين فلأن القياس لا يصح مع الفارق
والفرق بين المسألتين إما مع كون الصباغ والعطار في حانوتين أو تداعيا شيئا في يد ثالث فهو أن الضرورة تدعو للملابسة في حق الزوجين فسلك بهما أقرب الطرق في إثبات أموالهما ولا ضرورة تدعو لملابسة العطار والصباغ فجريا على قاعدة الدعاوى وأما مع كونهما في حانوت واحد فهو أن الإشهاد بين الزوجين يتعذر لأنهما لو اعتمدا ذلك وأن من كان له شيء أشهد عليه لأدى ذلك إلى المنافرة وعدم الوداد بينهما وربما أفضى ذلك إلى الطلاق والقطيعة فهما معذوران في عدم الإشهاد كالغفارة إلى ذلك فلو لم يقض بينهما مع ذلك الإلجاء بالعادة لاستد الباب عليهما بخلاف العطار والصباغ إذا كانا في حانوت واحد فإنه لا ضرورة تدعوهما لعدم الإشهاد لكونهما أجنبيين لا يتألمان من ضبط أموالهما بذلك وأما عن القياس على ما إذا كان المتنازع فيه بيد ثالث فهو أنه قياس مع الفارق
وذلك أن المستند عندنا في مسألتنا أمران اليد مع الصلاحية إذ لا فرق عندنا بين الرجل والمرأة وبين الرجلين وبين المرأتين وبين اليد الحكمية والمشاهدة فلو تعلق رجل وامرأة بخلخال وأيديهما جميعا يتجاذبانه به قضينا به للمرأة مع يمينها ولو تجاذبا سيفا كان للرجل مع يمينه والمستند فيما إذا كان بيد ثالث الصلاحية فقط إذ ليس لأحد المتداعيين عليه يد وقولنا ما يصلح للزوجين يكون للزوج مع أنه لا ظاهر يشهد له ويد كل واحد منها عليه ليس نقضا لا سلبا ولا ترجيحا بلا مرجح نظرا لكون اليد مشتركة بل هو جار على أصلنا من الترجيح بمرجح لأن يد الزوج أقوى وهو المرجح لأن المرأة في يده وتحت حوزه والدار له ألا ترى أن عليه أن يسكنها وأن يجبرها وأن يخدمها فالدار هي من قبله كحوز امرأته فلذلك قضي له مع يمينه كالمداعيين لأحدهما يد دون الآخر وكون ما ذكرناه من الظاهر إنما يشهد بالاستعمال فقط فإن السيف إنما يستعمله الرجال والحلي إنما يستعمله النساء والنزاع إنما هو في الملك لا في الاستعمال وقد تملك المرأة ما يصلح للرجال للتجارة أو بعارض من إرث أو
277
277
لا ضرورة تدعوهما لعدم الإشهاد فإنهما أجنبيان لا يتألمان من ضبط أموالهما بذلك وإن كانا في حانوتين أو تداعيا شيئا في يد ثالث فنقول الفرق أن الضرورة تدعو للملابسة في حق الزوجين فسلك بهما أقرب الطرق في إثبات أموالهما ولا ضرورة تدعو لملابسة العطار والصباغ فجريا على قاعدة الدعوى واستدل الشافعي أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم البينة على من ادعى واليمين على من أنكر فكل من ادعى من الزوجين كان عليه البينة لظاهر الحديث
وجوابه أن قاعدة المدعي هو كل من كان على خلاف أصل أو عرف والمدعى عليه هو كل من كان قوله على وفق أصل أو عرف فالمدعي بالدين على خلاف الأصل لأن الأصل براءة الذمة والمطلوب المنكر على وفق الأصل لأن الأصل براءة الذمة والمدعي رد الوديعة وقد قبضها ببينة قوله على خلاف الظاهر والعرف بسبب أن الغالب أن من قبض ببينة لا يرد إلا ببينة فدعوى الرد على خلاف الظاهر والمدعي عدم قبضها على وفق الظاهر وهو المدعى عليه وإذا كان هذا ضابط المدعي والمدعى عليه فإذا
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
غيره فقد أصدق علي رضي الله عنه فاطمة رضي الله عنها درعا من حديد وقد يملك الرجال ما يصلح للنساء للتجارة أو غير ذلك من أسباب التمليك مدفوع بأن الغالب فيما في يد الإنسان مما يصلح له أنه ملكه ويندر أنه لا يملكه وإذا دار الحكم بين النادر والغالب فالأولى حمله على الغالب ألا ترى أن من هو ساكن في دار ويده عليها يقضى له بالملك بناء على الغالب وظاهر الملك كذا في الأصل قال ابن الشاط وجعل المالكية اليد لهما أعني الزوجين مع قولهم إن الرجل حائز للمرأة فيه درك لا يخفى وبالجملة المسألة محل نظر ا ه بلفظ والله أعلم وصل في توضيح هذا الفرق بأربع مسائل المسألة الأولى قال مالك في المدونة إذا اختلفا وهما زوجان أو عند الطلاق أو الورثة بعد الموت والزوجان حران أو عبدان أو أحدهما مسلمان أو أحدهما قضي للمرأة بما هو شأن النساء وللرجل بما هو شأن الرجال وما يصلح لهما قضي به للرجل لأن البيت بيته في مجرى العادة فهو تحت يده فيقدم لأجل اليد قال ابن حبيب ولا يكفي أحدهما أن يقول هذا لي لأنه متاع البيت حتى يقول هذا ملكي قال عبد الحق في تهذيب الطالب لو تنازعا في رداء فقال هو لها إلا الكتان بأن قال اشتريته فقال أصبغ له بقدر كتانه ولها لأنه بقدر عملها لو ادعاه صدق وقد تقدم في الصباغ والعطار قولان لأصحاب مالك المسألة الثانية قال مالك ما يصلح للرجل أخذه مع يمينه وقال سحنون لا يمين على واحد منهما فيما يصلح له إنما اليمين على الرجل فيما يصلح لهما وقاله ابن القاسم في غير المدونة
وهو ظاهر قول مالك قال ابن يونس الذي يختص بالرجل نحو العمامة فالقول قوله فيه بغير يمين إلا أن تدعي المرأة إرثه فيحلف وقال ابن سحنون لا يقضى لواحد منهما بشيء إلا بعد يمينه وقال المغيرة ما يصلح لهما قسم بينهما بعد أيمانهما وسواء في هذا كله اختلفا قبل الطلاق أو بعده أو بعد خلع أو لعان أو فراق أو إيلاء أو غيره أو ماتا أو أحدهما واختلف الورثة والزوجان حران أو عبدان أو أحدهما حر والآخر عبد كانت الزوجة ذمية أم لا وسواء في هذا كله كانت لها عليه يد مشاهدة أو حكمية فاليد المشاهدة أن يكونا قابضين على الشيء فيتجاذبانه ويتنازعان والحكمية أن يكون في الدار التي يسكنانها وسواء في هذا كله
278
278
ادعت المرأة مقنعة وشبهها كان قولها على وفق الظاهر
وقول الزوج على خلاف الظاهر فالزوج مدع فعليه البينة وهي مدعى عليها فالقول قولها فنحن نقول بموجب الحديث لا أنه حجة علينا واحتجوا أيضا بأن كل موضع لو كان المتداعيان امرأتين أو رجلين لم يقدم أحدهما على الآخر فكذلك إذا كانا رجلا وامرأة لم يقدم أحدهما على الآخر بالصلاحية بالقياس على ما إذا كان في يد ثالث ويؤكد أن حكم اليد لا يسقط بالصلاحية أن من كان بيده خلخال فادعته امرأة أجنبية فالقول قوله وإن كان الخلخال لا يصلح من لباسه لأجل أن يده عليه وكذلك لو كان بيد المرأة سيف فادعاه رجل فالقول قولها وإن كان لا يصلح لها لأجل أن يدها عليه فكذلك ههنا إذا كانا في الدار وفيها ما يصلح لأحدهما فإن يدهما عليه فلا يسقط اعتبار اليد بصلاحيته لأحدهما دون الآخر والجواب أنه لا فرق عندنا بين الرجل والمرأة وبين الرجلين وبين المرأتين وبين اليد الحكمية والمشاهدة فلو تعلق رجل وامرأة بخلخال وأيديهما جميعا عليه يتجاذبانه قضينا به
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الزوجان والأجنبيان وذوات المحارم إذا سكن رجل وامرأة في دار وهذا الأصل لا مناقضة فيه على المذهب حتى قال أئمتنا لو اختلف عطار ودباغ في المسك والجلد واختلف القاضي والحداد في القلنسوة والكير وكانت لهما عليه يد حكمية في دار يسكنانها أو مشاهدة أو تنازع رجل وامرأة رمحا وهما يتجاذبانه فالقول في هذا كله قول من شهد له العرف والعادة فيحكم للرجل بالرمح مع يمينه وإن كان دملجا قضي به للمرأة مع يمينها ويقضى للعطار بالمسك مع يمينه وأما إن كان الزوجان في البيت فحاز أحدهما في يده وقبضته ما يصلح للآخر دونه قال فالذي يتبين لي فيه أن القول قول من حازه دون الآخر
المسألة الثالثة
قال الطرطوشي في تعليقه الذي تقدم فيه المرأة ويقضى لها به لأجل الصلاحية الحلي وثياب النساء وجميع الجهاز من الطست والمنارة والثياب والقبقاب والبسط والوسائد والمرافق والفرش ونحو ذلك والذي يقضى به للرجل السلاح والمنطقة والخاتم الفضية وثياب الرجل ونحو ذلك والذي يصلح لهما كالدار التي يسكنانها والرقيق
وأما أصناف الماشية فلمن حازه لأنها ليست من متاع البيت وكذلك ما في المرابط من خيل أو بغال أو حمير فلمن حازه قال مالك والحصر كالدار إلا أن يعرف للزوجة هذا تقرير المنقولات في مذهب مالك رحمه الله تعالى وتناقض قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى في هذه الفروع وإن كان من حيث الجملة موافقا لنا فقال ما يصلح لهما فهو للرجل إن كان حيا وإن كان ميتا فهو للمرأة وقال محمد بن الحسن من أصحابه هو لورثة الزوج كقولنا وقال أبو حنيفة إن تداعياه وهو في أيديهما مشاهد قسم بينهما
وقال أبو حنيفة أيضا إذا كانا أجنبيين يسكنان معا فتداعيا شيئا مما كان يصلح للرجل فهو له وما كان يصلح للمرأة فهو لها وما كان يصلح لهما قسم بينهما وإن اختلف العطار والدباغ في المسك والجلد فإنه يقسم بينهما واحتج أبو حنيفة فيما إذا مات الرجل أن سلطانه زال عن المرأة بالموت فكانت المرأة أرجح
279
279
للمرأة مع يمينها ولو تجاذبا سيفا كان للرجل مع يمينه وأما إذا كان بيد ثالث فليس لأحدهما عليه يد بخلاف مسألتنا فإن المستند عندنا اليد مع الصلاحية فإن قالوا ما ذكرتموه يبطل بأن ما يصلح لهما يكون للزوج مع أنه لا ظاهر يشهد له ويد كل واحد منهما عليه فقد نقضتم أصلكم ورجحتم من غير ترجيح فإن اليد مشتركة
والظاهر من جهة الصلاحية منفي في حق كل واحد منهما قلنا بل يد الزوج أقوى وهو المرجح لأن المرأة في يده وتحت حوزه والدار له ألا ترى أن عليه أن يسكنها وأن يجيرها وأن يخدمها فالدار هي من قبله كحوز امرأته فلذلك قضي له مع يمينه كالمتداعيين لأحدهما يد والآخر لا يد له قالوا ما ذكرتموه من الظاهر إنما يشهد بالاستعمال فقط فإن السيف إنما يستعمله الرجال والحلي إنما يستعمله النساء ونزاعنا إنما هو في الملك لا في الاستعمال وقد تملك المرأة ما يصلح للرجل للتجارة أو بعارض من إرث أو غيره فقد أصدق علي رضي الله عنه فاطمة رضي الله عنها درعا من حديد وقد يملك الرجال ما يصلح للنساء للتجارة أو غير ذلك من أسباب التمليك
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
فيما تدعيه
وجوابه أن الوارث شأنه أن ينتقل له ما كان لمورثه على الوجه الذي كان له بدليل الآخذ بالشفعة والرد بالعيب وخيار الشرط وأما الشافعي فطريقته واحدة وهي أن الزوجين إذا تداعيا شيئا فمن أقام البينة فهو له كما قلناه وإلا قسم بينهما نصفين بعد أيمانهما وكذلك الأجنبيان إذا سكنا دارا واحدة
المسألة الرابعة
قال عبق المسألة التي أشار لها المصنف بقوله وفي متاع البيت فللمرأة إلخ لم يثبت فيها كون الشيء لأحدهما وسواء كان التنازع بينهما أو بين ورثة أحدهما مع الآخر أو بين ورثتيهما وأما مسألة من حلى زوجته تزينا بحلي في ملكه ببينة ولم تقم هي بينة على هبته لها فإنه وإن تعلق بالنساء لم تختص به عن الورثة إذا مات ولا تأخذه إذا طلقها ولو طال تحليها به فيهما كما اقتصر عليه عج في باب الهبة عند قول المصنف لتحلية ولده وكثيرا ما يقع ذلك بمصر وإن كان المشاع على ألسنة الناس أن كل شيء تمتعت به المرأة فهو لها لثبوت ملك الحلي للرجل ولكن حلاها به كما مر وأولى من التحلية الفرش ونحوها ثم لا يعارض هذا قول المصنف في الهبة وهبة أحد الزوجين للآخر متاعا لأنه فيما يثبت أنه وهب أحدهما للآخر بصيغة أو مفهمها وما هنا لم يقع إلا التحلية أو التمتع بالفرش فقط
ا ه بتصرف قال الرهوني وما رجحه عج باقتصاره عليه هو الراجح من الأقوال الثلاثة في المسألة نقلا ومعنى أما نقلا فلقول صاحب الفائق وأفتى ابن الحاجب وابن رشد أن القول قول الزوج فيما اشتراه من الحلي والثياب وأعطاه لزوجته تلبسه وتتزين به أنه عارية لا هبة وتمليك وكذلك يكون القول قول ورثته في ذلك مع أيمانهم إلا أنهم يحلفون على العلم لا على البت ا ه
وفي نوازل النكاح من المعيار أن ابن سراج أجاب عن رجل اشترى لزوجه جملة حوائج من قصب ذهب وثوبي حرير وعقد جوهر وفرخة شرب وغير ذلك ودفع ذلك كله لزوجه المذكورة وألبسها إياها على وجه المتعة لا التمليك ثم بعد ذلك اشترى قطيفتين ومطرحين وغير ذلك وبقيت الزوجة تلبس ما ساق لها
280
280
قلنا الظاهر فيما في يد الإنسان مما يصلح له أنه ملكه وهذا هو الغالب وغيره نادر وإذا دار الحكم بين النادر والغالب فحمله على الغالب أولى ألا ترى أن من هو ساكن في دار ويده عليها يقضى له بالملك بناء على الغالب وظاهر اليد فكذلك ههنا ووافقنا أبو حنيفة في هذه المسألة من حيث الجملة لكنه قال ما يصلح لهما فهو للرجال إن كان حيا وإن كان ميتا فهو للمرأة وقال محمد بن الحسن من أصحابه هو لورثة الزوج كقولنا وقال أبو حنيفة إن تداعياه وهو في أيديهما مشاهدة قسم بينهما وقال أبو حنيفة أيضا إذا كانا أجنبيين يسكنان معا فتداعيا شيئا مما كان يصلح للرجل فهو له وما كان يصلح للمرأة فهو لها وما كان يصلح لهما قسم بينهما
وإن اختلف العطار والدباغ في المسك والجلد فإنه يقسم بينهما وتناقض قوله في هذه الفروع وإن كان من حيث الجملة موافقا لنا وأما الشافعي فطريقته واحدة وهي أن الزوجين إذا تداعيا شيئا فمن أقام بينة فهو له كما قلناه وإلا قسم بينهما نصفين بعد أيمانهما وكذلك الأجنبيان إذا سكنا دارا واحدة واحتج أبو حنيفة فيما إذا مات الرجل أن سلطانه زال عن المرأة بالموت فكانت المرأة أرجح فيما
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
وتتزين وتمتهن القطيفتين والمطرحين وغير ذلك مدة أزيد من ثمانية أعوام فلما توفي الزوج في هذه الأشهر القريبة قام بعض ورثته يطلب ميراثه في جملة ما ذكر ويدعيه ملكا لمورثه فهل يجب لذلك الطالب من ذلك شيء مع بقاء ذلك بيد الزوجة هذه المدة وسكوت الزوج مع علمه بامتهان ذلك كله ودفعه أولا على الوجه المذكور بما نصه إن يثبت أن الزوج ملك زوجه تلك الحوائج كانت لها وإلا حلف الورثة أنهم لا يعلمون أنه ملكها إياها ووقع فيها الميراث وأن أبا عثمان سعيد بن ضمير أجاب عن الرجل يتزوج المرأة ولا يعرف لها جهاز قليل ولا كثير وتدخل على جهاز امرأة كانت له قبل هذه ويشتري الزوج بعد ذلك أيضا مما يكون للنساء من الثياب والحلي ويقيم الزوج البينة أنه ابتاع ذلك كله بعد البناء بزمان ولم يذكر أنها عارية
وسكت عن ذكر ذلك إلا أنها تنتفع بذلك وتتزين به فينزل بينهما فراق أو موت فتدعي المرأة في ذلك كله بما نصه ليس لها مما ذكرت شيء إلا أن يعرف أنها خرجت به من بيتها أو تصدق به عليها وأفادت مالا وعرف ذلك واستبان واتضح وأنه يكون كما وصفت وما لم يعرف لها مال ولا تصدق عليها ولا أفادت فليس لها من ذلك شيء لأن الزوج يقول أردت جمال بيتي وجمال امرأتي وزينتها بذلك فالقول قوله وقول ورثته بعده وقيل لابن ضمير فما ترى إن قالت إني اكتسبته وجمعته فقال ليس يعرف الكسب للنساء إلا أن يكون ميراثا أو هبة أو صدقة ويعرف ذلك حينئذ يجوز ما تقول إذا كانت المرأة لا يعرف لها قليل ولا كثير من قبل دخولها عليه وأجاب ابن لبابة أما ما عرف مما ابتاعه الزوج بعد البناء لامرأته من حلي أو متاع يعرف للنساء ويزين امرأته السنة والسنتين وأكثر من ذلك ولم يشهد لها على عطية ولا هبة فهو أحق به أيضا ولا شيء للثانية فيه والورثة بمنزلة الميت إلا أن تكون لها بينة على ذلك وإلا فلا شيء لها
ا ه وفي نوازل المعاوضات من المعيار في جواب لأبي إسحاق الشاطبي ما نصه دعوى المرأة في الثياب أن زوجها ساقها لها لا تسمع إلا إذا قامت البينة على أن تلك الثياب بأعيانها من جملة السياقة أو أنه وهبها لها
281
281
تدعيه وجوابه أن الوارث شأنه أن ينتقل له ما كان لمورثه على الوجه الذي كان له بدليل الأخذ بالشفعة والرد بالعيب وخيار الشرط
تفريع
قال الطرطوشي في تعليقه الذي تقدم فيه المرأة ويقضى لها به لأجل الصلاحية الحلي وثياب النساء وجميع الجهاز من الطست والمنارة والثياب والقبقاب والبسط والوسائد والمرافق والعرش ونحو ذلك الذي يقضى به للرجل السلاح والمنطقة والخاتم الفضة وثياب الرجل ونحو ذلك والذي يصلح لهما كالدار التي يسكنانها والرقيق وأما أصناف الماشية فلمن حازه لأنها ليست من متاع البيت وكذلك ما في المرابط من خيل أو بغال أو حمير فلمن حازه قال مالك والحصر كالدار إلا أن يعرف للزوجة وقال مالك ما يصلح للرجل أخذه مع يمينه وقال سحنون لا يمين على واحد منهما فيما يصلح له إنما اليمين على الرجل فيما يصلح لهما وقاله ابن القاسم في غير المدونة وهو ظاهر قول مالك وقال ابن سحنون لا يقضى لواحد منهما بشيء إلا بعد يمينه
وقال المغيرة ما يصلح لهما قسم
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
على الخصوص فإن لم تقم على ذلك بينة فالقول قول ورثة الميت مع أيمانهم لا يعلمون تلك الثياب من مال المرأة ولا متاعها إلى آخر نص اليمين ولا تدخل هذه المسألة في مسألة الاختلاف في متاع البيت لكن يبقى النظر في لباسها تلك الثياب وامتهانها لها فهل تستحقها بذلك أم لا والصحيح في المذهب أن الرجل ليس له أن يرتجع كسوة المرأة عند فراقها إذا كانت مبتذلة فإن لم تبتذل كان له ارتجاعها فهذه الثياب مثلها إن كانت الزوجة قد ابتذلتها فهي لها وإلا صارت ميراثا ا ه
وأما معنى فلما قالوه من أن الإنسان أعرف بكيفية خروج ملكه من يده ولأن الأصل بقاء ما كان ولأن الزوج يجب أن يجمل زوجته ليستمتع بها ويخشى أن يملكها ذلك أن يقع بينهما ما يوجب الفراق أو يموت فتذهب بماله لزوج آخر فيجعل ذلك بيدها على وجه العارية فيحصل له ما أحب ويأمن مما يخشاه فتأمله بإنصاف وقيل القول قول الزوجة مطلقا وقيل بالتفصيل ففي الفائق ما نصه قال الداودي ما اشتراه الرجل لزوجته من الثياب فلبستها في غير البذلة ثم نزل بينهما فراق وادعى أن ذلك منه عارية وأنكرته نظر فإن كان الرجل مثله يشتري الثياب لزوجه على وجه العارية فالقول قوله مع يمينه وإن كان مثله في ملائه وشرفه لا يشتري ذلك للعارية فالقول قولها مع يمينها قال وسواء كان لباسها قليلا أو كثيرا قريبا أو بعيدا
ا ه وذكر ابن عات في طرره قول الداودي وزاد ما نصه قال ابن تليد وإن ابتاع الرجل لزوجته كسوة مثل ثوب أو فرو ثم تموت فيريد أخذها لم يكن ذلك له وهو موروث عنها وكذلك قال بعض الشيوخ في الموت والطلاق وبه العمل وهذا إذا كانت لغير البذلة ا ه وجريان العمل بهذا القول لا يقتضي تقديمه على الراجح لأن لتقديمه عليه شروطا منها استمرار العمل وهو منتف هنا إذ كثير من المحققين ممن بعد صاحب الطراز لم يعرجوا عليه وأفتوا بغيره سيدي عبد القادر الفاسي في أجوبته ولم يذكره ولده في نظم العمل ولا غيره من المتأخرين ممن تعرضوا لعد ما به
282
282
بينهما بعد أيمانهما وسواء في هذا كله اختلفا قبل الطلاق أو بعده أو بعد خلع أو لعان أو فراق أو إيلاء أو غيره أو ماتا أو أحدهما واختلف الورثة والزوجان حران أو عبدان أو أحدهما حر والآخر عبد كانت الزوجة ذمية أم لا وسواء في هذا كله كانت عليه يد مشاهدة أو حكمية
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
العمل والله أعلم وفي قول الإمام أبي إسحاق الشاطبي لكن يبقى النظر في لباسها تلك الثياب وامتهانها فهل تستحقها بذلك أم لا إلخ نظر ظاهر وإن سكت عنه الإمامان أبو العباس الونشريسي وسيدي عبد القادر الفاسي
ووجه ذلك أنه معترف بأنه إنما اعتمد في ذلك على القياس الذي ذكره وهو غير صحيح لأن مسألة الطلاق التي جعلها أصلا لهذه مباينة لهذه أشد المباينة لأن مسألتنا هذه قد سلم هو نفسه أن دفع الزوج لما ذكر هو على وجه العارية وعليها البينة أنه وهبها مثلا ولا خلاف في المذهب بل ولا خارجه فيما أعلم أن العارية لا تملك بطول الانتفاع بها ولا بامتهان المعار إياها ودفع الزوج الكسوة في مسألة الطلاق كان منه على وجه التمليك أداء لما وجب عليه لكن لما كان ذلك عليه في مقابلة الاستمتاع فرقوا بين أن يقع الطلاق عن قرب فترجع له أو بعد فلا وحدوا البعد بثلاثة أشهر كما أشار له المصنف فيما يأتي بقوله لا الكسوة بعد أشهر فيلزم على قياسه هذا أنها مهما أقامت بيدها العارية ثلاثة أشهر فهو لها والنصوص مصرحة برد ذلك فراجعها متأملا والله أعلم فتأمله بإنصاف
وعكس هذه المسألة مثلها وهي أن تكسو المرأة زوجها ففي الفائق ما نصه كتب إلى القاضي أبي الوليد بن رشد رحمه الله ما تقول فيما تخرجه المرأة أو وليها في شورتها باسم الزوج كالغفارة والمحشو والقميص والسراويلات وربما لبس ذلك الزوج بعد بنائه بالأيام اليسيرة أو الكثيرة وربما لم يلبسها ثم تذهب الزوجة ووليها إلى أخذ الثياب ويزعمون أنها كانت عارية وأنها جعلت ذلك على طريق التزين لا على طريق العطية فهل ترى ذلك للزوج أم لا فأجاب إن كان في هذه الثياب المخرجة في الشورة عرف البلد قد جرى به الأمر واستمر عليه العمل حكم به وإن لم يكن في ذلك عرف معلوم فالقول قول المرأة أو وليها فيما يدعيان من أنها عارية أو على سبيل التزيين وبالله التوفيق لا رب سواه
ا ه ونحوه في طرر ابن عات ونسبه لمختصر الخديرية ونحوه في الدر النثير ونسبه لمختصر الخديرية وأشار إليه المواق عند قوله قبل إلا أن يستحق شيء فيلزم وكلهم ساقوه كأنه المذهب ولم يحكوا غيره وهو ظاهر والله أعلم ا ه كلام الرهوني بتصرف والله سبحانه وتعالى أعلم خاتمة نسأل الله حسنها اعلم رحمك الله تعالى أن اعتبار العادة والعرف هنا عند بعض الأئمة تارة وعدم اعتبارها تارة كما علمت مبني على الفرق الذي فات الأصل ذكره في فروقه بين قاعدة العادة المحكمة والعادة الغير المحكمة وأنا أحرره لك هنا ليتضح لك المقام بحول الملك العلام فأقول قال الجلال السيوطي في كتابه الأشباه والنظائر الفقهية ما خلاصته إن العادة المحكمة ما تحقق فيها شرطان الشرط الأول الاطراد فلا تعتبر المطربة وفي اعتبار ما تعارضت في اعتبارها لظنون خلاف الشرط الثاني أن لا تتعارض مع شرع يتعلق به حكم والإقدام عليها قطعا مثلا إذا أوصى لأقاربه لم يدخل ورثته عملا بتخصيص الشرع إذ لا وصية لوارث قال وأصلها قال القاضي قوله صلى الله عليه وسلم ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن قال العلائي ولم أجده مرفوعا في شيء من كتب الحديث أصلا ولا
283
283
فاليد المشاهدة أن يكونا قابضين على الشيء فيتجاذبانه ويتنازعانه والحكمية أن يكون في الدار التي يسكنانها وسواء في هذا كله الزوجان والأجنبيان إذا سكن رجل وامرأة في دار وذوات المحارم الكل سواء وهذا أصل لا مناقضة فيه على المذهب حتى قال أئمتنا لو اختلف عطار ودباغ في المسك والجلد واختلف القاضي والحداد في القلنسوة والكير وكانت لهما عليه يد حكمية في دار يسكنانها أو مشاهدة أو تنازع رجل وامرأة رمحا وهما يتجاذبانه فالقول في هذا كله قول من شهد له العرف والعادة فيحكم للرجل بالرمح مع يمينه وإن كان دملجا قضي به للمرأة مع يمينها ويقضى للعطار بالمسك مع يمينه وأما إن كان الزوجان في البيت فجاز أحدهما في يده وقبضته ما يصلح للآخر دونه قال فالذي يتبين لي فيه أن القول قول من حازه دون الآخر
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
بسند ضعيف بعد طول البحث وكثرة الكشف والسؤال وإنما هو من قول عبد الله بن مسعود موقوفا عليه أخرجه أحمد في مسنده واعتبار العادة والعرف راجع إليه مسائل في الفقه لا تعد كثرة قال فتعتبر وتقدم حتى على الشرع الذي لم يتعلق به حكم كما لو حلف لا يأكل لحما لم يحنث بالسمك وإن سماه الله لحما أو لا يجلس على بساط أو تحت سقف أو في ضوء سراج لم يحنث بالجلوس على الأرض وإن سماها الله بساطا ولا تحت السماء وإن سماها الله سقفا ولا في الشمس وإن سماها الله سراجا أو لا يضع رأسه على وتد لم يحنث بوضعها على جبل وإن سماه الله وتدا أو لا يأكل ميتة أو دما لم يحنث بالسمك والجراد والكبد والطحال ففي جميع ذلك يقدم عرف الاستعمال على الشرع لأنها استعملت فيه تسمية بلا تعلق حكم وتكليف قال وفي تقديمه على اللغة إذا تعارض معها لأنه محكم في التصرفات سيما الأيمان أو تقديم اللغة عملا بالوضع خلاف في المذهب في حق العربي فقط أما العجمي فيعتبر عرفه قطعا إذ لا وضع يحمل عليه وأما العرف الخاص فإن كان محصورا لم تؤثر معارضته للعرف العام وإن كان غير محصور اعتبر ونزل منزلة العام في الأصح فافهم ا ه
ومنه تعلم أن العادة الغير المحكمة ما انتفى عنها أحد الشرطين المذكورين أما الأول فلأن المطربة لم تتقرر بين الناس حتى تعتبر وأما الثاني فلمعارضتها لأحكام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فيكون حكمها منكرا من بقايا الجاهلية في كفرهم بما جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعكوفهم على عوائدهم التي جاء الشرع بإبطالها فمن استحله من المسلمين مع العلم بتحريمه حكم بكفره وارتداده كما في بغية المسترشدين عن أحكام النوازل على مذهب الشافعي عن فتاوى بامخرمة والله أعلم

284
284
الفرق الحادي والستون والمائة بين قاعدة ما هو صريح في الطلاق وبين قاعدة ما ليس بصريح فيه
اعلم أن لفظ الصريح من قول العرب لبن صريح إذا لم يخالطه شيء ونسب صريح إذا لم يكن فيه شائبة من غيره فأما إذا كان اللفظ يدل على معنى لا يحتمل غيره إلا على وجه البعد فهو صريح وفي المقدمات للقاضي أبي الوليد في الصريح ثلاثة أقوال فعند القاضي عبد الوهاب لفظ الطلاق وما تصرف منه وقاله أبو حنيفة
وقال ابن القصار الصريح الطلاق وما اشتهر معه كالخلية والبرية ونحوهما وقيل ما ذكره الله تعالى في كتابه العزيز كالطلاق والسراح لقوله تعالى فطلقوهن لعدتهن وقوله تعالى أو تسريح بإحسان والفراق لقوله تعالى وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وقاله الشافعي وابن حنبل وبماذا يلزم هل بالنية فقط لمالك ويريد بالنية التطليق بالكلام النفساني وقيل باللفظ
هامش أنوار البروق
قال
الفرق الحادي والستون والمائة بين قاعدة ما هو صريح في الطلاق وبين قاعدة ما ليس بصريح فيه
قلت ما قاله هنا ذكر اشتقاق وحكاية أقوال ولا كلام في ذلك قال والكناية أصلها ما فيه خفاء ومنه الكن لإخفائه الأجسام وما يوضع فيه قلت هذا الذي أشار إليه هو المسمى عند النحاة بالاشتقاق الكبير وهو ضعيف عند محققيهم
هامش إدرار الشروق
الفرق الحادي والستون والمائة بين قاعدة ما هو صريح في الطلاق وبين قاعدة ما ليس بصريح فيه
وذلك أن الصريح لغة كما في المختار كل خالص أي لقول العرب لبن صريح إذا لم يخالطه شيء ونسب صريح إذا لم يكن فيه شائبة من غيره وعليه فاللفظ الصريح ما يدل على معنى لا يحتمل غيره إلا على وجه البعد وشرعا قال القاضي أبو الوليد بن رشد في المقدمات في الصريح ثلاثة أقوال فعند القاضي عبد الوهاب لفظ الطلاق وما تصرف منه وقاله أبو حنيفة
وقال ابن القصار الصريح الطلاق وما اشتهر معه كالخلية والبرية ونحوهما وقيل ما ذكره الله تعالى في كتابه العزيز كالطلاق والسراح والفراق لقوله تعالى فطلقوهن لعدتهن وقوله تعالى أو تسريح بإحسان وقوله تعالى وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وقاله الشافعي وابن حنبل وبماذا يلزم هل بالنية فقط لمالك ويريد بالنية التطليق بالكلام النفساني وقيل باللفظ فقط قال وهو موجود في المدونة وقيل لا بد من اجتماعهما هذا في الفتيا
285
285
فقط قال وهو موجود في المدونة وقيل لا بد من اجتماعهما هذا في الفتيا
وأما في القضاء فيحكم عليه بصريح الطلاق وكنايته ولا يصدق اتفاقا والكناية أصلها ما فيه خفاء ومنه كنيته أبا عبد الله كأنك أخفيت الاسم بالكنية تعظيما له ومنه الكن لإخفائه الأجسام وما يوضع فيه فالكناية هي اللفظ المستعمل في غير موضوعه لغة وفي الصحاح يقال كنيت وكنوت وكنية بضم الكاف وكسرها وضابط مشهور كلام الأصحاب أن اللفظ إن دل بالوضع اللغوي فهو صريح
وهذا هو الطلاق لأنه لإزالة مطلق القيد يقال لفظ مطلق ووجه طلق وحلال طلق وانطلقت بطنه وأطلق فلان من السجن قال صاحب الجواهر كيفما تصرفت هذه الصيغة نحو أنت طالق وأنت مطلقة وقد طلقتك أو الطلاق لازم أو قد أوقعت عليك الطلاق وأنا طالق منك والكناية ما ليس موضوعا له لغة لكن يحسن استعماله فيه مجازا لوجود العلاقة القريبة بينهما قال مالك في المدونة في الكنايات نحو أنت خلية أو برية أو بائن أو بتة أو بتلة أو حبلك على غاربك
هامش أنوار البروق
وما أرى هذه المسألة تصح عند من صححه منهم لأن الكناية ثالث حروفها ياء أو واو والكن ثالث حروفه نون إلا أن يدعي إبدال النون وفي ذلك بعد والله أعلم
قال فالكناية هي اللفظ المستعمل في غير موضوعه لغة إلى قوله من السجن قلت ما قاله في ذلك غير صحيح فإن الطلاق ليس في اللغة لإزالة مطلق القيد بل لإزالة قيد العصمة خاصة وما قاله من أنه يقال لفظ مطلق ووجه طلق إشارة إلى الاشتقاق الكبير وهو ضعيف كما سبق
قال قال صاحب الجواهر كيفما تصرفت هذه الصيغة إلى قوله وأنا طالق منك
هامش إدرار الشروق
وأما في القضاء فيحكم عليه بصريح الطلاق وكنايته ولا يصدق اتفاقا ا ه والقول الأول من الثلاثة في الصريح هو المشهور في المذهب ففي مختصر خليل ولفظة طلقت وأنا طالق أو أنت أو مطلقة أو الطلاق لي لازم لا منطلقة وتلزم واحدة إلا لنية أكثر ا ه قال البناني أي لفظ الصريح محصور في الألفاظ الأربعة دون غيرها من سائر الألفاظ وأشار بذلك إلى ما في ضج عن القرافي من أن كلام الفقهاء يقتضي أن الصريح هو ما كان فيه الحروف الثلاثة الطاء واللام والقاف وهو مشكل لشموله نحو منطلقة ومطلوقة فلذا عدل هنا عن ضبط الصريح بما ذكر إلى ضبطه بالألفاظ الأربعة ا ه بلفظه أي ونحو منطلقة ومطلوقة من الكنايات الخفية لا الظاهرة فضلا عن كونه من الصريح كما سيأتي فمن هنا قال الحنفية أنت مطلقة بسكون الطاء وتخفيف اللام لا تكون طلاقا إلا بالنية لأنه ليس مختصا بالنساء وهو متجه والقول الثاني من الثلاثة في الذي يلزم به الصريح هو المعتمد كما في حاشية الخرشي عند قول الخرشي قوله وفي لزومه بكلامه النفسي خلاف يعني أن الرجل إذا أنشأ الطلاق بقلبه بكلامه النفسي كما ينشئه بلسانه من غير لفظ بلسانه فهل يلزمه الطلاق بذلك أو لا يلزمه خلاف في التشهير وليس معنى
286
286
أو أنت حرام أو كالميتة أو الدم أو لحم الخنزير أو الفراق أو السراح أو اعتدي وهذه الألفاظ كلها من مجاز التشبيه فالخلية الفارغة والفراغ حقيقة في خلو جسم من جسم فشبه به خلو المرأة من عصمة النكاح والبرية من البراءة وهو مطلق السلب كيف كان المسلوب والبائن من البين وهو البعد بين الأجسام ويقال في المعاني بون لا بين شبه البعد من العصمة بالبعد بين الجسمين والبت القطع في جسم شبه به قطع العصمة وكذلك البتلة ومنه فاطمة البتول رضي الله عنها لانقطاعها في الشرف عن النساء وقيل لانقطاعها عن الأزواج إلا عليا رضي الله عنه ومنه حبلك على غاربك لأن عادة الدابة في الرعي إذا أمسك صاحبها حبلها لا تتهنى في الرعي لتوهمها أنه يجرها به
وإذا أراد تهنئتها بالرعي ألقى حبلها على كتفها وهو غاربها فتطمئن حينئذ فشبه به طلاق المرأة لأنها تبقى مخلاة لنفسها وكذلك البواقي وما ليس في علاقة قريبة لا يجوز استعماله مجازا ويسمى مجاز التعقيد إذا اعتمد فيه على العلاقة البعيدة اتفق الناس على منعه كقوله تزوجت بنت الأمير ويفسر ذلك برؤيته لوالد عاقد الأنكحة بالمدينة معتمدا على أن النكاح من لوازمه
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله صاحب الجواهر صحيح وهو الصريح وما قال شهاب الدين بعد صحيح قال وتحتاج هذه القاعدة إلى قاعدة أخرى وهي أن اللغات هل هي توقيفية أو اصطلاحية إلى قوله قالا وإن فرعنا على أن اللغات اصطلاحية جاز جميع ذلك قلت لا أدري ما دليلهما على المنع من وضع لفظ اسقني الماء لإنشاء الطلاق على طريق الاستعارة وإن كان أصله لاستدعاء سقي الماء بوضع الله تعالى قال ولما كان مذهب المحققين عدم الجزم بالتوقيف والاصطلاح جوز مالك أن يعبر بلفظ التسبيح أو أي لفظ كان عن الطلاق إما وضعا للطلاق وإما تعبيرا من غير وضع
هامش إدرار الشروق
الكلام النفسي أن ينوي الطلاق ويصمم عليه ثم يبدو له ولا أن يعتقد الطلاق بقلبه من غير نطق بلسانه فإنه لا يلزمه في ذلك طلاق إجماعا ا ه بلفظه
والكناية لغة ما فيه خفاء ومنه كنيته أبا عبد الله كأنك أخفيت الاسم بالكنية تعظيما له وفي الصحاح يقال كنيت وكنوت وكنيته بضم الكاف وكسرها واصطلاحا هي اللفظ المستعمل في غير موضوعه لغة وسر الفرق إما على القول الأول المشهور من الثلاثة في الصريح فهو أن اللفظ إما أن يدل بالوضع اللغوي وإما أن لا يدل بالوضع العرفي فإن دل اللفظ بالوضع اللغوي وهو صيغة الطلاق كيفما تصرفت نحو أنت طالق وأنت مطلقة وقد طلقتك أو الطلاق لازم لي أو قد أوقعت عليك الطلاق وأنا طالق منك كما قاله صاحب الجواهر وتقدم مثله لخليل في مختصره فهو الصريح لأن لفظ الطلاق في اللغة موضوع لإزالة قيد العصمة خاصة على الصحيح لا لإزالة مطلق القيد وخصه العرف بإزالة قيد العصمة خاصة كما زعم الأصل قاله ابن الشاط وكون هذه الصيغ وقعت في الاستعمال اللغوي إخبارات لا يضر إما لأن الشرع يقدر وقوع مخبرها قبل النطق بها بالزمن الفرد لضرورة تصديقه وإذا صار صادقا لزمه ما نطق به من الطلاق كما للحنفية
287
287
العقد لأنه مبيحه والعقد من لوازمه العاقد لأنه فاعله والعاقد من لوازمه أبوه لأنه ولده فهذا القسم وما ليس فيه علاقة البتة لا قريبة ولا بعيدة هو ما ليس بصريح ولا كناية قال صاحب الجواهر هذا نحو قوله اسقني الماء فإن أراد به الطلاق فالمشهور لزومه خلافا للشافعي واختلف الأصحاب في تعليله فقيل هو الطلاق بمجرد النية لعدم صلاحية اللفظ وقيل بل باللفظ كأن المستعمل وضعه الآن للطلاق وهو بعيد لأن إنشاء الوضع لا نجده يخطر ببال الناس في العادة عند هذا الاستعمال وقيل لا يلزمه طلاق وهو مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة لأن الطلاق بالنية لا يلزم واللفظ لا يصلح وتحتاج هذه القاعدة إلى قاعدة أخرى وهي أن اللغات هل هي توقيفية أو اصطلاحية فعلى القول بالتوقيف وأن اللغات وضعها الله تعالى قال المازري في شرح البرهان والغزالي في البسيط لا يجوز لأحد أن يضع لفظا لمعنى ألبتة بل ذلك موكول إلى الله تعالى فلا يجوز أن يضع لفظ السقي أو الأكل أو غيرهما للطلاق ولا يجوز أن يصدق ألفا ويعبر عنه بألفين للتجمل بين الناس كذا نص عليه
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله من كون مالك إنما جوز التعبير بلفظ التسبيح عن الطلاق لأن المحققين مذهبهم عدم الجزم بأحد الأمرين ليس بالبين بل اللائق بتحري مالك واحتياطه في الأمور الدينية على تقدير بنائه على عدم الجزم أن لا يجوز التعبير بذلك لاحتمال أن يتوقف وأما أن يجوز بناءه على عدم الجزم بأحد الأمرين لا أراه صحيحا
والصحيح والله أعلم أن مالكا وإن لم يجزم بأحد الأمرين فلم يقم عنده دليل على المنع أو جزم بأنها اصطلاحية أو جزم بأنها توقيفية لكنه لم يقم عنده دليل المنع من استعمال اللفظ في غير ما وضعه الله إذ ليس معنى كونها توقيفية أن الله تعالى منع من وضعنا إياها لمعنى غير ما له وضعها ولا من استعمالها في ذلك بل معنى كونها توقيفية أن الله وضع الألفاظ كلها
هامش إدرار الشروق
وكذلك قالوا في صيغ العتق وجميع صيغ العقود من بعت واشتريت ونحو ذلك وإما لأنها كما وقعت فيه إخبارات كذلك وقعت فيه إنشاءات كما للمالكية والشافعية والحنابلة قال ابن الشاط فيبقى النظر في كونها مشتركة بين الخبر والإنشاء أو منقولة من الخبر إلى الإنشاء وكلاهما على خلاف الأصل والأظهر عندي أنها مشتركة والله أعلم ا ه
وإن لم يدل اللفظ بالوضع اللغوي لكنه إما أن يحسن استعماله فيه مجازا لوجود العلاقة القريبة بينهما كما في الكنايات الظاهرة التي قال فيها في المدونة نحو أنت خلية أو برية أو بائن أو بتة أو بتلة أو حبلك على غاربك أو أنت حرام أو كالميتة أو الدم أو لحم الخنزير أو الفراق أو السراح أو اعتدي فهذه الألفاظ كلها من مجاز التشبيه فالخلية الفارغة والفراغ حقيقة في خلو جسم من جسم فشبه به خلو المرأة من عصمة النكاح والبرية من البراءة وهو مطلق السلب كيف كان المسلوب والبائن من البين وهو البعد بين الأجسام ويقال في المعاني بون لا بين شبه البعد من العصمة بالبعد بين الجسمين والبت القطع في جسم شبه به قطع العصمة وكذلك البتلة ومنه فاطمة البتول رضي الله عنها لانقطاعها في الشرف عن النساء وقيل لانقطاعها عن الأزواج إلا عليا رضي الله عنه ومنه حبلك على غاربك لأن عادة الدابة في الرعي إذا أمسك صاحبها
288
288
الغزالي في مسألة الصداق في كتابه البسيط قال
وإن فرعنا على أن اللغات اصطلاحية جاز جميع ذلك ولما كان مذهب المحققين عدم الجزم بالتوقيف والاصطلاح جوز مالك أن يعبر بلفظ التسبيح أو أي لفظ كان عن الطلاق إما وضعا للطلاق وإما تعبيرا من غير وضع ولا يكون هذا التعبير حقيقة ولا مجازا وقد نص الأصوليون على أن اللفظ في استعماله قد يعرى عن الحقيقة والمجاز ومثلوه بالتعبير عن الأرض بالسماء وبالسماء عن الأرض ونحو ذلك فكذلك هاهنا أطلق المستعمل لفظ الأكل وأراد به الطلاق وغايته أن يقال أن هذا ليس كلاما عربيا ولا يلزم من كونه ليس عربيا أن لا يقع به الطلاق ألا ترى أنه لو قال أنت طالقا بالنصب أو الخفض لم يكن كلاما عربيا ومع ذلك يقع به الطلاق فكذلك هاهنا إذا تحرر هذا ظهر أن اللفظ قد يكون صريحا وقد يكون كناية وقد يعرى عنهما إذا فقدت العلاقة فيه وهو غير موضوع للطلاق ثم الكناية تنقسم إلى ما غلب استعماله في العرف في الطلاق فيلحقه بالصريح في استغنائه عن النية
هامش أنوار البروق
لمعانيها ولا يلزم من ذلك أنه منعنا من وضع كل لفظ منها لغير ما وضعه له أو استعماله فيه على طريق الاستعارة أو النقل والله أعلم
قال ولا يكون هذا التعبير حقيقة ولا مجازا إلى قوله وهو غير موضوع للطلاق قلت ما قاله في ذلك صحيح والله أعلم وكذلك ما قاله بعده صحيح أيضا قال تنبيه الطلاق لإزالة مطلق القيد كما تقدم إلى قوله ولأنا عند سماع طالق لا نفهم انتفاء كل قيد ألبتة بل قيدا مخصوصا لا لغة ولا عرفا قلت ما قاله في هذا التنبيه فاسد جدا بل لفظ طالق موضوع لإزالة قيد العصمة لغة وقد تقدم
هامش إدرار الشروق
حبلها لا تتهنى في الرعي لتوهمها أنه يجرها به وإذا أراد تهنئتها بالرعي ألقى حبلها على كتفها وهو غاربها فتطمئن حينئذ فشبه به طلاق المرأة لأنها تبقى مخلاة لنفسها وكذلك البواقي وإما أن لا يحسن استعماله فيه مجازا لعدم وجود العلاقة القريبة بل إما أن توجد بينهما العلاقة البعيدة فإذا اعتمد فيه عليها سمي مجاز التعقيد
واتفق الناس على منعه كقوله تزوجت بنت الأمير مريدا رأيت والد عاقد الأنكحة بالمدينة معتمدا على أن النكاح من لوازمه العاقد لأنه مبيحه والعاقد من لوازمه أبوه لأنه مولده
وأما أن لا توجد بينهما علاقة ألبتة لا قريبة ولا بعيدة وهذا القسم بنوعيه هو ما ليس بصريح ولا كناية أي ظاهرة بل هو الكناية الخفية قال صاحب الجواهر هذا نحو قوله اسقني الماء فإن أراد به الطلاق فالمشهور من مذهب مالك لزومه واختلف الأصحاب في تعليله فقيل هو طلاق بمجرد النية لعدم صلاحية اللفظ وقيل بل اللفظ كان المستعمل وضعه الآن للطلاق وهو بعيد لأن إنشاء الوضع لا تجده يخطر ببال
289
289
قال في الكتاب كالخلية والبرية وجملة ما تقدم إلى قوله لحم الخنزير لقيام الوضع العرفي مقام الوضع اللغوي والنية إنما يحتاج إليها لتمييز المراد من اللفظ عن غير المراد في اللفظ المتردد أما ما هو صريح بوضع لغوي أو عرفي فينصرف بصراحته لما وضع له من غير احتياج إلى نية وما لم يغلب استعماله من الكنايات فهو مجاز على أصله والمجاز يفتقر إلى النية الناقلة عن الحقيقة إليه لأنها الأصل ولم ينسخها عرف
واللفظ ينصرف إليها بصراحة ثم المنقول من الكنايات قد ينتقل لأصل الطلاق فقط فيصير في الوضع العرفي مثل أنت طالق في اللغة فيلزم بهذه الكناية طلقة واحدة رجعية وقد ينتقل لأصل الطلاق مع البينونة من غير عدد فيلزم به طلقة بائنة لأنها مسماه العرفي وقد ينتقل للطلاق والبينونة مع وصف العدد الثلاث ويصير النطق بذلك اللفظ عرفا كالنطق بقوله أنت طالق ثلاثا لغة ثم إنه قد يستعمل في غير الثلاث غالبا وفي الثلاث نادرا فمن الناس من يقصد الاحتياط فيحمل على الثلاث ومن الناس من يحمله على الغالب فيلزم به طلقة واحدة فحيث اختلف العلماء في هذه الصيغ فلاختلافهم في الضوابط هل وجدت أم لا وإلا
هامش أنوار البروق
الرد عليه قبل هذا في مثل هذا القول وكل ما ذكره في تقرير ذلك دعوى لا دليل عليها غير ما استروح من الاشتقاق الكبير وهو غير صحيح عند المحققين قال ولهذا المدرك لم يعتبر ابن القصار خصوص لفظ الطلاق إلى قوله واعتبر ما وضع في العرف لإزالة العصمة قلت لا دليل له على أن ابن القصار اعتبر ما وضع في العرف لإزالة العصمة بناء على ما زعم بل إنما اعتبر ذلك تسوية بين اللغة والعرف وذلك هو الشأن فإن اللفظ إذا كان موضوعا في اللغة لمعنى وكان لفظ آخر فيها موضوعا فيها لغير ذلك المعنى ثم صار في العرف منقولا له فلا فرق
هامش إدرار الشروق
الناس في العادة عند هذا الاستعمال وصحح ابن الشاط تعليل الأصل بأنه عبر بلفظ نحو اسقني عن الطلاق لا على وجه الحقيقة ولا على وجه المجاز على حد التعبير عن الأرض بالسماء وعن السماء بالأرض ونحوه مما نص الأصوليون على أنه مما عري في استعماله عن الحقيقة والمجاز لأن غايته ها هنا أن يقال إن لفظ نحو الأكل أو السقي إذا أطلقه المستعمل وأراد به الطلاق لم يكن كلاما عربيا ولا يلزمه من كونه ليس عربيا أن لا يقع به الطلاق ألا ترى أنه لو قال أنت طالقا بالنصب أو الخفض لم يكن كلاما عربيا ومع ذلك يقع به الطلاق قال الخطاب أي لأنه إن كان جاهلا فواضح وإن كان عالما فهازل وهزله جد أفاده عبق فكذلك ها هنا وقيل لا يلزمه طلاق
وهو مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة لأن الطلاق بالنية لا يلزم واللفظ لا يصلح إما على القول بالتوقيف وأن اللغات وضعها الله تعالى فلقول المازري في شرح البرهان والغزالي في البسيط لا يجوز أي على التوقيف لأحد أن يضع لفظا لمعنى ألبتة بل ذلك موكول إلى الله تعالى
قال في البسيط فلا يجوز أن يصدق ألفا أي يسلمه صداقا ويعبر عنه بألفين للتجمل بين الناس
290
290
فكل من سلم ضابطا سلم حكمه ويكون المذهب الحق من صادف الضابط في نفس الأمر والضعيف الفقه من توهم وجوده أو عدمه وليس كذلك وعلى الفقيه استيفاء النظر في ذلك ومن ذلك اختلافهم في مسألة الحرام فمن قائل لم يحصل فيها نقل ألبتة فهي كذب فلا يلزم بها شيء إلا بالنية ومن قائل يقول حصل فيها النقل ولكن الأصل الطلاق فيلزم بها طلقة واحدة رجعية ومن قائل يقول حصل فيها النقل للطلاق الثلاث وعلى هذا المنوال تتخرج جميع الصيغ هذا تلخيص ما عليه الفقهاء تنبيه الطلاق لإزالة مطلق القيد كما تقدم ومطلق القيد أعم من قيد النكاح والقاعدة أن الدال على إزالة الأعم دال على إزالة الأخص بالالتزام لا باللفظ فليس الطلاق موضوعا لإزالة خصوص قيد النكاح كما يفهم من كلام الفقهاء
بل التحقيق أن يقال إن الطلاق موضوع لإزالة مطلق القيد يعني أي قيد كان لأنه موضوع لإزالة كل قيد حتى يندرج فيه قيد النكاح وإذا كان موضوعا لأي قيد كان من غير عموم فيصدق أنها طالق باعتبار قيد الحديد وإن بقيت في العصمة لأن طالق اسم فاعل
هامش أنوار البروق
فإن النقل العرفي كالوضع الأصلي ويصير إذ ذاك كل واحد من اللفظين صريحا في ذلك المعنى وإن لم يصر اللفظ الثاني منقولا لذلك المعنى ولكنه يستعمل فيه على سبيل الاستعارة والتجوز فها هنا يكون بين اللفظين فرق يكون الأول صريحا والثاني كناية فيحتاج إلى النية المعينة له لذلك المعنى والله أعلم
قال وإليه جنح الشافعي رضي الله تعالى عنه لكن يرد على الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه لا يلزم من ورود شيء في كتاب الله تعالى أن يصير موضوعا لذلك المعنى في الشرع أو العرف قلت بل إذا ورد شيء في كتاب الله تعالى فإنه يحمل على أنه كذلك في الشرع أو العرف لأن ذلك هو الأصل
هامش إدرار الشروق
وإما على القول بالاصطلاح وأن اللغات وضعها أهل اللغة أو على مذهب المحققين من عدم الجزم بالتوقيف والاصطلاح فلعدم العلاقة القريبة المصححة للاستعمال والجواب عن هذا الشق الأخير يعلم مما تقدم من تعليل الأصل الذي صححه ابن الشاط
وأما عن الشق الأول فقال ابن الشاط ما أدري ما دليل أي المازري والغزالي على المنع من وضع لفظ اسقني الماء لإنشاء الطلاق على طريق الاستعارة وإن كان أصله لاستدعاء سقي الماء بوضع الله تعالى
وقال والصحيح والله أعلم أن مالكا وإن لم يجزم بأحد الأمرين أي التوقيف والاصطلاح فلم يقم عنده دليل على المنع أو جزم بأنها اصطلاحية أو جزم بأنها توقيفية لكنه لم يقم عنده دليل المنع من استعمال اللفظ في غير ما وضعه الله له إذ ليس معنى كونها توقيفية أن الله تعالى منع من وضعنا إياها لمعنى غير ما له وضعها ولا من استعمالها في ذلك بل معنى كونها توقيفية أن الله وضع الألفاظ كلها لمعانيها ولا يلزم من ذلك أنه منعنا من وضع كل لفظ منها لغير ما وضعه له أو استعماله فيه على طريق الاستعارة أو النقل والله أعلم ا ه بلفظه وهو ظاهر

291
291
واسم الفاعل يكفي فيه فرد واحد من المسمى الذي اشتق منه فلا يدل أنت طالق على إزالة العصمة مطابقة ولا التزاما بل لا إشعار له به من جهة اللغة ألبتة ووزان الطلاق الخروج لأن كليهما انتقال من إحاطة فكما أن الخروج يصدق عليها بأي فرد كان فيصدق أنها خارجة باعتبار حيز معين وإن بقيت في غيره كذلك يصدق عليها أنها طالق باعتبار قيد معين
وإن بقيت في غيره نعم لو كان طالق مفيد العموم لحصل مقصود الأصحاب أو يفيد إزالة القيد المشترك بين جميع القيود حتى يلزم منه انتفاء كل قيد حصل أيضا ولو كان الأمر كذلك لما صدق على المنطلقة من قيد الحديد أو من طلق الولد أنها طالق لأن العموم لم يحصل وإزالة المشترك الذي يستلزم نفي كل قيد لم يحصل لكنا نجد أهل اللغة وأهل العرف يستعملونه باعتبار قيد مخصوص وإن بقيت جميع القيود فيقال لمن طلقت من ولد طالق ومن قيد الحديد طالق لأن الأصل عدم المجاز ولأن عند سماع طالق لا نفهم انتفاء كل قيد ألبتة بل قيدا مخصوصا لا لغة ولا عرفا ولهذا المدرك لم يعتبر ابن القصار خصوص لفظ الطلاق بل أعرض عن الوضع اللغوي واعتبر
هامش أنوار البروق
قال فإن الكتاب العزيز يرد بالكنايات إلى قوله نعم يحصل الاستدلال بالورود على المشروعية أما الوضع فلا قلت لا يلزم من كون الكتاب العزيز يرد بالكنايات والمجازات أن لا يكون ذلك اللفظ موضوعا لذلك المعنى أصلا أو عرفا بل مجازا حتى لا يستدل بوروده على أنه كذلك في أصل اللغة أو عرفها أو عرف الشرع فإن الكتاب العزيز كما يرد بالكنايات والمجازات يرد أيضا بالحقائق وهي الأصل حتى يدل دليل على التجوز والله أعلم
قال فإذا فرعنا على أن المدرك هو الاشتهار العرفي فينبغي أن لا يكون الانطلاق صريحا وإن كان فيه الطاء واللام والقاف إلى قوله انطلقي مني وأنت منطلقة
هامش إدرار الشروق
وإن كان للبحث فيه مجال فتأمل بإمعان وبالجملة فلفظ الطلاق أو طالق أو مطلقة يفيد زوال العصمة إما لغة على المذهب الذي صححه ابن الشاط
وإما عرفا على مذهب الأصل ولفظ أنت طالق أو مطلقة أو الطلاق لازم لي يفيد إنشاء الطلاق عرفا أيضا عند المالكية والشافعية والحنابلة ولا يفيد ذلك عند الحنفية وإنما يفيد الخبر لغة والشرع يقدر وقوع مخبرها قبل النطق بها بالزمن الفرد لضرورة تصديقه وإذا صار صادقا لزمه ما نطق به من الطلاق وأما لفظ خلية على انفراده فلا يفيد زوال العصمة لا لغة ولا عرفا بل مجازا ومثله سائر الألفاظ والكنايات الظاهرة ولفظ أنت خلية وإن كان يفيد بجملته عرفا الإنشاء إلا أن لفظ خلية لما لم يكن بمفرده يفيد عرفا الطلاق وإزالة العصمة لم يكن بجملته يفيد عرفا إنشاء الطلاق وإزالة قيد العصمة بخصوصه وكذا سائر ألفاظ الكنايات الظاهرة
وإنما غلب في العرف استعماله في الطلاق وإزالة العصمة فألحق لذلك بالصريح في استغنائه عن النية لقيام الوضع العرفي مقام الوضع اللغوي في كون كل منهما ينصرف بصراحته لما وضع له من غير احتياج إلى نية إذ النية إنما يحتاج إليها في اللفظ المتردد في الدلالة
292
292
ما وضع في العرف لإزالة العصمة وإليه جنح الشافعي رضي الله عنه لكن يرد على الشافعي رضي الله عنه أنه لا يلزم من ورود شيء في كتاب الله تعالى أن يصير موضوعا لذلك المعنى في الشرع أو العرف فإن الكتاب العزيز يرد بالكنايات القريبة والبعيدة كما يرد بالحقائق والمجاز كثير في كتاب الله تعالى جدا ويعتمد في حكمه على القرائن والتصريح بالمراد وحينئذ لا يليق أن يجعل ما ورد في كتاب الله تعالى كيف كان موضوعا لذلك المعنى الذي ورد فيه ولا يحسن الاستدلال بمجرد الورود على الصراحة والوضع نعم يحسن الاستدلال بالورود على المشروعية
أما الوضع فلا فإذا فرعنا على أن المدرك هو الاشتهار العرفي فينبغي أن لا يكون الانطلاق صريحا
وإن كان فيه الطاء واللام والقاف وفيه معنى إزالة القيد لأن المشتهر هو الطلاق دون الانطلاق وكذلك أطلقتك وانطلقت منك وانطلقي مني وأنت منطلقة وقد خالفنا أبو حنيفة وأحمد بن حنبل رضي الله عنهما في أنا طالق منك لأنه ليس محبوسا بالنكاح بل هي المحبوسة وقياسا على قوله أنا طالق فلو كان محلا للطلاق لوقع كالمرأة ولأن الرجل لا يوصف به فلا
هامش أنوار البروق
قلت فيه إشارة إلى ذلك الاشتقاق وقد تقدم رده وما قاله من أنه لا يكون صريحا ولا كناية صحيح أيضا لأن الانطلاق ليس من الطلاق وإن كانا من مادة واحدة قال وقد خالف أبو حنيفة وأحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنهما في أنا طالق لأنه ليس محبوسا بالنكاح إلى آخر جوابه الأول ليس معنى الطلاق معنى الانطلاق حتى يلزم ما جاوب به بل الطلاق حل العصمة فقط وهو أمر يصدر من الرجل ويقع بالمرأة فإذا قال أنا طالق منك فقد عكس المعنى فالظاهر أن يكون مجازا والله أعلم
قال وعن الثاني إلى آخره قلت هو جواب ضعيف فإنه لا يكاد يخطر بالبال
هامش إدرار الشروق
على المراد وغيره لتمييز المراد منه عن غير المراد كما في نحو اسقني الماء مما لم يغلب من ألفاظ الكنايات الخفية استعماله في الطلاق وإنما استعمل فيه مجازا والمجاز يفتقر إلى النية الناقلة عن الحقيقة التي ينصرف إليها اللفظ بصراحته لأنها الأصل ولم ينسخها عرف فكناية الطلاق قسمان ظاهرة وهي ما غلب استعماله في العرف في الطلاق فألحق بالصريح في استغنائه عن النية وخفية وهي ما لم يغلب في العرف استعماله في الطلاق بل استعمل فيه مجازا فافتقر إلى النية الناقلة عن الحقيقة إليه فالقسم الأول منقول في العرف من معناه اللغوي للطلاق أي إزالة العصمة
والقسم الثاني مستعمل في الطلاق مجازا والمنقول إما أن ينقل لأصل الطلاق فقط فيصير في الوضع العرفي مثل أنت طالق في اللغة فيلزمه به طلقة واحدة رجعية وإما أن ينقل لأصل الطلاق مع البينونة من غير عدد فيلزم به طلقة بائنة لأنها مسماه العرفي وإما أن ينقل للطلاق والبينونة مع وصف العدد الثلاث فيلزمه به الطلاق الثلاث ويصير النطق بذلك اللفظ عرفا كالنطق بقوله أنت طالق ثلاثا لغة إلا أن هذا إذا استعمل في غير الثلاث غالبا وفي
293
293
يقال زيد مطلق ونقل الباجي في المنتقى عن أبي سعيد منا ذلك ووافق المشهور الشافعي والجواب عن الأول أنه محبوس عن عمتها وأختها والزيادة على الأربع والنفقة وغيرها مما هو لازم فيخرج عن لزومه وعن الثاني أن وصفه بطالق جائز أن يكون عن امرأة فلم يعينها اللفظ وإذا قال أنت طالق تعين أن يكون من عصمته لتعذر تعدد الأزواج دون الزوجات وعن الثالث أن مطلق اسم مفعول يقتضي أن يكون المقتضي لطلاقه غيره وهو متعذر
وقال الحنفية أنت مطلقة بسكون الطاء وتخفيف اللام لا يكون طلاقا إلا بالنية لأنه ليس مختصا بالنساء وهو متجه وقال بعض الشافعية أنت الطلاق كناية لأن التعبير بالمصدر عن اسم الفاعل مجاز فيفتقر إلى النية وجوابه أنه مجاز تعين بقرينة تعذر أنها عين الطلاق وإذا تعين لاسم الفاعل استغنى بذلك عن النية لأن التعيين مانع من التردد والنية إنما تصلح حالة التردد
هامش أنوار البروق
قال وعن الثالث إلى آخره قلت وهو وإن كان متعذرا حقيقة فليس بمتعذر مجازا قال وقال الحنفية أنت مطلقة بسكون الطاء وتخفيف اللام لا يكون طلاقا إلا بالنية لأنه ليس مختصا بالنساء وهو متجه قلت هو كما قال ثم قال وقال بعض الشافعية أنت الطلاق إلى آخر جوابه قلت الأظهر ما قاله بعض الشافعية قال تنبيه إلى قوله أو النقل كما قاله غيرهم
هامش إدرار الشروق
الثلاث نادرا فمن الناس من يقصد الاحتياط فيحمله على الثلاث ومن الناس من يحمله على الغالب فيلزمه به طلقة واحدة
فاختلاف العلماء في هذه الصيغ إنما هو لاختلافهم في الضوابط هل وجدت أم لا وإلا فكل من سلم ضابطا سلم حكمه ويكون المذهب الحق من صادف الضابط في نفس الأمر والضعيف الفقه من توهم وجوده أو عدمه وليس كذلك فعلى الفقيه استيفاء النظر في ذلك ومن ذلك اختلافهم في مسألة الحرام فمن قائل لم يحصل فيه نقل ألبتة فهي كذب فلا يلزم بها شيء إلا بالنية ومن قائل حصل فيها النقل لأصل الطلاق فيلزم بها طلقة واحدة رجعية
ومن قائل حصل فيها النقل للطلاق الثلاث فيلزم بها الطلاق الثلاث وعلى هذا المنوال تتخرج جميع الصور هذا تلخيص ما عليه الفقهاء فمن هنا في الخرشي وحاشية العدوي عليه وشرح أقرب المسالك والصاوي عليه ما حاصله أن ألفاظ الطلاق تنقسم إلى ثمانية أقسام
القسم الأول
ما يلزم به طلقة واحدة رجعية إلا لنية أكثر وهو لفظ التصريح كأنت طالق ونحو اعتدي من الكناية الظاهرة
294
294
تنبيه ينبغي أن يعلم أنه ليس في أصل اللغة ما يقتضي طلاق المرأة ألبتة ولا لفظة واحدة وهذا شيء لا يكاد يخطر بالبال وبيانه أنه إذا قال أنت طالق ثلاثا هذا أعظم ما يتوهم أنه صريح لغة وليس كذلك بل هذا لا يوجب طلاقا ألبتة بسبب أن اللغة إنما تقتضي أن هذه الصيغة وضعتها العرب للإخبار وهذا هو أصل الوضع ومقتضى ذلك أن يكون قوله أنت طالق ثلاثا كذبا لا عبرة به والطلاق لا يلزم بالخبر الكذب إجماعا ومن هاهنا افترق الناس فريقين أحدهما الحنفية قالت هي باقية إخبارات على حالها وإنما الشرع يقدر وقوع مخبرها قبل النطق بها بالزمن الفرد لضرورة تصديقه وإذا صار صادقا لزمه ما نطق به من الطلاق وكذلك قالوا في صيغ العتق وجميع صيغ العقود من بعت واشتريت ونحو ذلك والفريق الآخر وهو المالكية والشافعية يقولون هذه الصيغ انتقلت في العرف عن الخبر لإنشاء الطلاق ويلزم الطلاق بالإنشاء ومتى قصد الخبر وعدل عن الإنشاء الذي انتقل إليه
هامش أنوار البروق
قلت لا شك أن هذه الصيغ وقعت في الاستعمال اللغوي إخبارات ووقعت فيه إنشاءات وما قاله الحنفية ليس بصحيح ولكن يبقى النظر في كونها مشتركة بين الخبر والإنشاء أو منقولة من الخبر إلى الإنشاء وكلاهما على خلاف الأصل والأظهر عندي أنها مشتركة والله أعلم
قال وإذا تقرر هذا فيلزم على رأي الحنفية أن لا يكون لفظ الطلاق صريحا إلى قوله لم يقصد الإخبار عن زوال العصمة قلت إن قالت الحنفية مثل قوله من أن لفظ الطلاق لا يدل على زوال قيد العصمة بخصوصه لزمهم ما ألزمهم وإلا فلا قال ويلزم على رأينا القائلين بالإنشاء إلى قوله فلا مزية لبعضها على بعض إذا حصل فيها النقل
هامش إدرار الشروق
القسم الثاني
ما يلزم به الثلاث ولا ينوي مطلقا سواء كان مدخولا بها أم لا وهو نحو بتة وحبلك على غاربك لأن البت هو القطع فكأن الزوج قطع العصمة التي بينه وبين زوجته ولم يبق بيده منه شيء ولأن الحبل كناية عن العصمة التي بيد الزوج أي عبارة عن العصمة وكونها على غاربها أي كتفها كناية عن ملكها بالطلاق القسم الثالث ما يلزم فيه الثلاث في المدخول بها وواحدة في غيرها ما لم ينو أكثر وهو نحو واحدة بائنة نظرا لبائنة لأن البينونة بعد الدخول بغير عوض وبغير لفظ الخلع إنما تكون ثلاثا ولم ينظر والواحدة إما لكونه صفة لمرة محذوفا أي مرة واحدة بدليل قوله بعد بائنة وإما لأنه يحتاط في الفروج ما لا يحتاط في غيرها فاعتبر لفظ بائنة وألغي لفظ واحدة قال الصاوي لكن محل هذا إذا كان عرف التحالف أن معنى البائنة المنفصلة أما إذا كان معناها الظاهرة التي لا خفاء فيها وقصد ذلك المعنى فالظاهر لا يلزمه إلا طلقة واحدة وتكون بعد الدخول رجعية ا ه فتنبه

295
295
العرف لا يلزمه طلاق فهذه هي المذاهب الواقعة في هذه الصيغ كلها ويظهر من ذلك أنه ليس في اللغة لفظة واحدة تقتضي وقوع الطلاق من حيث هي لغوية بل لا بد من التقدير كما قاله الحنفية أو النقل كما قاله غيرهم
وإذا تقرر هذا فيلزم على رأي الحنفية أن يكون لفظ الطلاق صريحا مستغنيا عن النية لأنه قد تقدم أنه لا يدل لغة على الإخبار عن إزالة قيد النكاح بخصوصه بل على إزالة قيد كيف كان قيد النكاح أو قيد الحديد أو غيرهما فلا ينصرف لقيد النكاح إلا بالنية لأنه ليس إخبارا عنه بخصوصه فصار كناية وصارت الألفاظ بجملتها كناية فإن نوى بها الطلاق الذي هو إزالة قيد النكاح فحينئذ يلزم ما ذكروه من التصديق وإلا فلا يلزم تقدير صدقه لأنه لم يقصد الإخبار عن زوال العصمة ويلزم على رأينا القائلين بالإنشاء أن يكون ضابط الصريح ما نقل لإنشاء إزالة القيد وصار مستغنيا عن النية وما لم يصر بالنقل كذلك ويمكن استعماله في إزالة العصمة مجازا لعلاقة بينهما فهو كناية وما لا علاقة فيه كالأكل والشرب والتسبيح ونحوها يجري على الخلاف المتقدم أو يكون لا صريحا ولا كناية وهذا هو الذي يتجه ويكون لفظ الحرام والخلية
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله من التسوية بين تلك الألفاظ ليس بصحيح فإن لفظ طالق يفيد زوال العصمة إما لغة على مذهب غيره وإما عرفا على مذهبه ولفظ أنت طالق يفيد إنشاء الطلاق عرفا أيضا ولفظ الخلية لا يفيد ذلك عرفا بل مجازا ولفظ أنت خلية وإن كان عرفا في الإنشاء مع أن لفظ خلية ليس عرفا في الطلاق لا يفيد بجملته إنشاء الطلاق عرفا فبين لفظ أنت طالق وأنت خلية فرق ظاهر فيلزم أن يكون لفظ أنت طالق صريحا لأن لفظ طالق على انفراده ولفظ أنت طالق بجملته كلاهما منقول عرفا هذا لزوال قيد العصمة بخصوصه والآخر لإنشاء زوال ذلك القيد ولفظ خلية على انفراده لم ينقله العرف لزوال قيد العصمة وإن كان لفظ أنت قد نقله العرف للإنشاء فيكون كناية والله أعلم
قال ويلزم على هذا أيضا بحث آخر وهو أن النقل إنما هو من قبل العرف
هامش إدرار الشروق
القسم الرابع
ما يلزم فيه الثلاث في المدخول بها كغيرها إن لم ينو أقل وهو نحو أنت علي كالميتة أو الدم أو لحم الخنزير أو وهبتك لأهلك أو لا عصمة لي عليك أو أنت حرام أو أو خلية أي من الزوج أو برية أو خالصة أي مني أو بائنة أو أنا بائن منك أو خلي أو بريء أو خالص القسم الخامس ما يلزم فيه الثلاث مطلقا ما لم ينو أقل وهو خليت سبيلك القسم السادس ما يلزم فيه الثلاث في المدخول بها وينوي في غيرها وهو نحو وجهي من وجهك حرام أو وجهي على وجهك حرام أو لا نكاح بيني وبينك أو لا ملك لي عليك أو أنت سائبة أو ليس بيني وبينك حرام ولا حلال أو ما انقلب إليه من أهل حرام كقوله يا حرام إن نوى به الطلاق وكقوله الحلال حرام أو حرام علي أو جميع ما أملك حرام وقصد إدخال الزوجة القسم السابع ما يلزم فيه واحدة إلا لنية أكثر وهي رجعية في المدخول بها وهو فارقتك قال الدردير وكل ذلك ما لم يدل البساط والقرائن على عدم إرادة الطلاق وأن المخاطبة بلفظ مما ذكر ليست في معرض الطلاق بحال وإلا صدق في نفي الطلاق في جميع الكنايات الظاهرة كالصريح فإنه يصدق في نفيه عند
296
296
والبرية ونحوها مما ادعي فيه النقل صريحا فلا يقال فيه إنه كناية ألحقت بالصريح لأنه لا صريح إلا بالنقل حينئذ فأي لفظ نقل كان هو الصريح من غير امتياز لفظ عن لفظ في ذلك لاستواء الجميع في عدم إفادة زوال العصمة لغة
وفي إفادة زوالها بالنقل فلا مزية لبعضها على بعض إذا حصل فيها النقل ويلزم على هذا أيضا بحث آخر وهو أن النقل إنما هو من قبل العرف فإذا تحول العرف إلى الضد فصار المشتهر خفيا والخفي مشتهرا أن يكون ما قضينا بأنه صريح يصير كناية وما قضينا بأنه كناية يصير صريحا بحسب العرف الطارئ
وكذلك إذا لم ينتقل العرف للضد بل بطل فقط يلزم أن لا يصير شيء من هذه الألفاظ صريحا بل تحتاج جميع الألفاظ في لزوم الطلاق بها إلى النية ويلزم أمر ثالث وهو أن المفتي لا يحل له أن يفتي أحدا بالطلاق حتى يعلم أنه من أهل بلد ذلك العرف الذي رتبت الفتيا عليه فإن كان من أهل بلد آخر ليس فيه ذلك العرف أفتاه بحكم الله تعالى باعتبار حال عرف بلده من صريح أو كناية على الضابط المتقدم فإن العوائد لا يجب الاشتراك فيها بين البلاد خصوصا البعيدة الأقطار ويكون المفتي في كل زمان يتباعد عما قبله يتفقد
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله إلى آخر الفرق صحيح وكذلك ما قال في الفرق بعده إلا ما قاله في الإنشاءات ففيه نظر المسألة السابعة في حاشية العطار على محلى جمع الجوامع قال القرافي قلت يوما للشيخ عز الدين بن عبد السلام إن القراء التزموا قاعدة أن المعرف باللام للعموم في الأصول وخالفوها في الفروع حيث قالوا لو قال الطلاق يلزمني بغير نية لم يلزمه إلا طلقة واحدة فقال رحمه الله تعالى سبب المخالفة أن الأيمان تتبع المنقولات العرفية دون الأوضاع اللغوية إذا تعارضا وقد انتقل اللام في الحلف بالطلاق لحقيقة الجنس دون استغراق الجنس فلذا كان الحالف لا يلزمه إلا الماهية المشتركة فلا تزيد اللام له على الواحد ا ه محل الحاجة قال الشربيني لكنهم قالوا إن الذي يتبع العرف مطلقا هو الحلف بغير الطلاق أما به فيتبع اللغة متى اشتهرت وإن اشتهر العرف اللهم إلا أن يكون المعنى اللغوي هنا غير مشهور ا ه ولعل مراده فقهاء الشافعية وإلا فالمالكية على أن الحلف مطلقا يتبع العرف مطلقا والله سبحانه وتعالى أعلم
هامش إدرار الشروق
قيام القرائن كما لو أخذها الطلق عند ولادتها فقال أنت طالق إعلاما أو استعلاما أو كانت مربوطة فقالت له هي أو غيرها أطلقني فقال أنت طالق ونحو ذلك مما يقتضيه الحال أي استطلقي وإلا كان كاذبا فيقع الطلاق كما في العدوي على الخرشي قال الدردير والضابط في الظاهرة على ما يؤخذ من كلامهم في غير واحدة بائنة أن اللفظ إن دل على قطع العصمة بالمرة لزم فيه الطلاق الثلاث في المدخول بها وغيرها ولا ينوي وذلك مثل بتة وحبلك على غاربك من نحو قطعت العصمة بيني وبينك وعصمتك على كتفك أو على رأس جبل وإن لم يدل على ذلك بل دل على البينونة والبينونة لغير خلع ثلاث في المدخول بها وصادقة بواحدة في غيرها فإن كان اللفظ ظاهرا في البينونة ظهورا راجحا فثلاث في المدخول بها جزما كغيرها ما لم ينو الأقل كحرام وميتة وخلية وبرية ووهبتك لأهلك وما ذكر معها وإن كان اللفظ ظاهرا في البينونة ظهورا مساويا فثلاث مطلقا إلا لنية أقل كخليت سبيلك وإن كان اللفظ ظاهرا في البينونة ظهورا مرجوحا بأن كان ظهوره في غير البينونة راجحا لزمه الواحدة ما لم ينو أكثر كفارقتك
القسم الثامن
ما ينوي فيه وفي عدده وهو نحو اذهبي وانصرفي وانطلقي أو أنت مطلوقة أو منطلقة مما ليس من صريحه ولا من كناياته الظاهرة لاستعمالها في العرف في غير الطلاق بل من الكنايات الخفية إن قصد بها الطلاق لزمه وإلا فلا ا ه
فالانطلاق ليس من الطلاق وإن كانا من مادة واحدة هي الطاء واللام والقاف قيل وإن كانا في اللغة بمعنى إزالة مطلق القيد يقال لفظ مطلق ووجه طلق وحلال طلق وانطلقت بطنه وأطلق فلان من السجن لأن المشتهر عرفا في إزالة خصوص قيد العصمة هو الطلاق دون الانطلاق وما اشتق منه نحو أطلقتك وانطلقت منك وانطلقي مني وأنت
297
297
العرف هل هو باق أم لا فإن وجده باقيا أفتى به وإلا توقف عن الفتيا وهذا هو القاعدة في جميع الأحكام المبنية على العوائد كالنقود والسكك في المعاملات والمنافع في الإجارات والأيمان والوصايا والنذور في الإطلاقات فتأمل ذلك فقد غفل عنه كثير من
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
منطلقة قال ابن الشاط وهو مبني على أمرين أحدهما أن الطلاق في اللغة لإزالة مطلق القيد والصحيح أنه في اللغة لإزالة قيد العصمة خاصة كما علمت وثانيهما القول بصحة ما يسميه النحاة بالاشتقاق الكبير أي بصحة المناسبة الواقعة بين لفظين باشتراكهما في جميع الحروف الأصول من غير ترتيب مع اتحاد المعنى أو تناسبه كالحمد والمدح المسماة عند النحاة بالاشتقاق الكبير لكثرة أفراده بالنسبة للصغير الذي هو عبارة عن المناسبة الواقعة بين لفظين باشتراكهما في جميع الحروف الأصول والترتيب مع اتحاد المعنى الأصلي للمادة كالضارب والضرب لاختصاص هذا بالأفعال والصفات وهو المراد عند الإطلاق وإن قلت أفراد الكبير بالنسبة إلى الأكبر الذي هو عبارة عن المناسبة الواقعة بين لفظين باشتراكهما في أكثر الحروف الأصول فقط مع اتحاد المعنى أو تناسبه كالفلق والفلج بالجيم وهما الشق وزنا ومعنى والقول بصحة الاشتقاق الكبير ضعيف ا ه بتوضيح من الأبياري على حواشي المغني
قلت ومن الأكبر لا من الكبير قول الأصل ومن الكناية التي أصلها ما فيه خفاء لكن لإخفائه الأجسام وما يوضع فيه فسقط قول ابن الشاط وما أرى هذه المسألة تصح عند من صحح الاشتقاق الكبير من النحاة لأن الكناية ثالث حروفها ياء أو واو ولكن ثالث حروفه نون إلا أن يدعى إبدال النون وفي ذلك بعد والله أعلم ا ه فتأمل منصفا
وأما من قال لزوجته أنت طال ولم ينطق بالقاف فقال العلامة الرهوني إن قصد أن ينطق به كذلك من أول الأمر مريدا به الطلاق كان من الكنايات الخفية فيلزم بالنية كقوله لها أنت قالق بإبدال الطاء قافا أو مثناة فوقية حيث لم تكن لغته كذلك كما قاله عج وتبعه عبق وإن أراد أن ينطق به تاما ثم بدا له فترك النطق بالقاف كان على ما نقله الخطاب عن الرماح وسلمه من الجريان على الخلاف في الطلاق بالنية أي الكلام النفسي ا ه بتوضيح واختلف الأئمة فيما إذا قال لها أنا طالق منك أو أنت الطلاق هل هو من الصريح أو من الكنايات الخفية الأول في الصيغتين هو مشهور مذهب مالك وهو في الأولى مذهب الشافعي وأما ما في الثانية فمذهبه الثاني قال بعض الشافعية لأن التعبير بالمصدر عن اسم الفاعل مجاز فيفتقر إلى النية وأجاب الأصل بأنه مجاز تعين بقرينة تعذر أنها عين الطلاق وإذا تعين لاسم الفاعل استغنى بذلك عن النية لأن التعين مانع من التردد والنية إنما يفتقر إليها حالة التردد ا ه قال ابن الشاط والأظهر ما قاله بعض الشافعية ومذهب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل رضي الله عنهما في الأولى الثاني تمسكا بثلاثة أمور الأمر الأول أنه ليس محبوسا بالنكاح بل هي المحبوسة
298
298
الفقهاء ووجدوا الأئمة الأول قد أفتوا بفتاوى بناء على عوائد لهم وسطروها في كتبهم بناء على عوائدهم ثم المتأخرون وجدوا تلك الفتاوى فأفتوا بها
وقد زالت تلك العوائد فكانوا مخطئين خارقين للإجماع فإن الفتيا بالحكم المبني على مدرك بعد زوال مدركه خلاف الإجماع ومن ذلك لفظ الحرام والخلية والبرية ونحوها مما هو مسطور لمالك أنه
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الأمر الثاني القياس على قوله أنا طالق فلو كان محلا للطلاق لوقع كالمرأة الأمر الثالث أن الرجل لا يوصف به فلا يقال زيد مطلق ونقل الباجي في المنتقى ذلك عن أبي سعيد منه وأجاب الأصل عن الأمر الأول بأنه محبوس عن عمتها وأختها والزيادة على الأربع والنفقة وغيرها مما هو لازم بالنكاح فيخرج عن لزومه وعن الثاني بأن وصفه بطالق جائز أن يكون عن امرأة فلم يعينها اللفظ وإذا قال أنت طالق تعين أن يكون من عصمته لتعذر تعود الأزواج دون الزوجات أي فثبت الفارق فلا قياس وبطلت الملازمة بين طرفي الشرطية فافهم وعن الثالث بأن مطلق اسم مفعول يقتضي أن يكون المقتضي لطلاقه غيره وهو متعذر ا ه
وتعقب ابن الشاط جوابه الأول بأنه إنما يلزم لو كان معنى الطلاق معنى الانطلاق وليس كذلك بل الطلاق حل العصمة فقط وهو أمر يصدر من الرجل ويقع بالمرأة فإذا قال أنا طالق منك فقد عكس المعنى أي جعل صدور حل العصمة منها واقعا به فالظاهر أن يكون مجازا أي فيفتقر إلى النية وجوابه الثاني بأنه ضعيف فإنه لا يكاد يخطر بالبال أي جواز أن يكون وصفه بطالق عن امرأة لم يعينها اللفظ حتى يثبت الفارق وتبطل الملازمة المذكورة فافهم وجوابه الثالث بأن يكون المقتضي لطلاقه غيره وإن كان متعذرا حقيقة فليس بمتعذر مجازا ا ه
قال الأصل ويلزم على رأينا القائلين بأن ألفاظ كنايات الطلاق الظاهرة بجملتها كلفظ صريحه بجملته نقلت من الخبر إلى الإنشاء بخلاف ألفاظ كناياته الخفية والنقل إنما هو من العرف أمران الأمر الأول أن العرف إذا تحول إلى الضد تحولت تلك إلى الألفاظ بتحوله فصار المشتهر الظاهر خفيا والخفي مشتهرا ظاهرا وما قضينا بأنه صريح كناية ظاهرة أو بأنه كناية ظاهرة صريحا بحسب العرف الطارئ وإذا بطل العرف فقط ولم ينقل للضد لزم أن لا يصير شيء من هذه الألفاظ صريحا بل ولا كناية ظاهرة بل تحتاج جميع الألفاظ في لزوم الطلاق بها إلى النية الأمر الثاني أن المفتي لا يحل له أن يفتي أحدا بالطلاق حتى يعلم أنه من أهل بلد ذلك العرف الذي رتبت الفتيا عليه فإن علم أنه من أهل بلد آخر ليس فيه ذلك العرف وجب عليه أن يفتيه بحكم الله تعالى باعتبار حال عرف بلده من صريح أو كناية على الضابط المتقدم فإن العوائد لا يجب الاشتراك فيها بين البلاد البعيدة الأقطار كما أنه يجب على المفتي في كل زمان يتباعد عما قبله أن يتفقد العرف هل هو باق أم لا فإن وجده باقيا أفتى به وإلا توقف عن الفتيا وهذا هو القاعدة في جميع الأحكام المبنية على العوائد كالنقود والسكك في المعاملات والمنافع في الإجارات والأيمان والوصايا والنذور في الإطلاقات فتأمل ذلك يظهر لك أن المتأخرين إذا وجدوا الأئمة الأول قد أفتوا بفتاوى وسطروها في كتبهم بناء على عوائد لهم قد زالت لا يجوز لهم أن يفتوا بتلك الفتاوى فإن فتواهم بها وقد زالت تلك العوائد خطأ ضرورة أنها فتيا بالحكم المبني على مدرك بعد زوال مدركه والفتيا بذلك الحكم خلاف الإجماع ومن ذلك
299
299
يلزم به الطلاق الثلاث بناء على عادة كانت في زمانه فأكثر المالكية اليوم يفتي بلزوم الطلاق الثلاث بناء على المنقول في الكتب عن مالك وتلك العوائد قد زالت فلا نجد اليوم أحدا يطلق امرأته بالخلية ولا بالبرية ولا بحبلك على غاربك ولا بوهبتك لأهلك ولو وجدناه المرة بعد المرة مرات كثيرة لم يكن ذلك نقلا يوجب لزوم الطلاق الثلاث من غير نية ألا ترى أن لفظ الأسد كثير الاستعمال في الرجل الشجاع ولا يقول أحد إنه منقول إليه وكذلك لفظ الشمس والبدر في ذوات الجمال والبحر والغيث والندى ونحوها في الكرام الباذلين للمال ومع ذلك لم تصر هذه الألفاظ منقولة لهذه المعاني بل ضابط المنقول أن يصير اللفظ يفهم منه المعنى بغير قرينة وهذه الألفاظ لا تفهم منها هذه المعاني إلا بالقرينة فلذلك لم تصر منقولة فتأمل ذلك ويظهر لك ما عليه هؤلاء المتأخرون من الفتاوى الفاسدة في هذه الألفاظ ويظهر لك بهذه
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
فتوى أكثر المالكية اليوم بلزوم الطلاق الثلاث في لفظ الحرام والخلية والبرية ونحوها بناء على عادة كانت في زمانه رضي الله عنه وتلك العادة قد زالت فإنا لا نجد اليوم أحدا يطلق امرأته بالخلية ولا بالبرية ولا بحبلك على غاربك ولا بوهبتك لأهلك ولو وجدناه المرة بعد المرة مرات كثيرة لم يكن ذلك نقلا عرفيا يوجب لزوم الطلاق الثلاث من غير نية ألا ترى أن لفظ الأسد كثير الاستعمال في الرجل الشجاع ولفظ الشمس والبدر كثير الاستعمال في ذوات الجمال ولفظ البحر والغيث والندى كثيرة الاستعمال في الكرام الباذلين المال ومع ذلك لم تصر هذه الألفاظ منقولة لهذه المعاني إذ لم يصدق عليها ضابط المنقول وهو أن يصير اللفظ يفهم منه المعنى بغير قرينة فإن هذه الألفاظ مع كثرة استعمالها في هذه المعاني لا تفهم منها هذه المعاني إلا بالقرينة ا ه قال ابن الشاط ما قاله صحيح ا ه
وأما على القول الثالث والثاني المقابلين للمشهور في صريح الطلاق فالفرق بين ما هو صريح فيه وما ليس بصريح فيه هو أن ابن القصار القائل بالثاني والشافعي القائل بالثالث قد أعرضا عن الوضع اللغوي واعتبرا ما وضع في العرف لإزالة العصمة بناء على أن الشأن التسوية بين اللغة والعرف فإن اللفظ إذا كان موضوعا في اللغة لمعنى وكان لفظ آخر موضوعا فيها لغير ذلك المعنى ثم صار في العرف منقولا له فلا فرق فإن النقل العرفي كالوضع الأصلي ويصير إذ ذاك كل واحد من اللفظين صريحا في ذلك المعنى فإن لم يصر اللفظ الثاني منقولا لذلك المعنى ولكنه يستعمل فيه على سبيل المجاز والاستعارة فها هنا يكون بين اللفظين فرق وأن الأول صريح والثاني كناية فيحتاج إلى النية المعينة لذلك المعنى وإيراد الأصل على الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه لا يلزم من ورود شيء في كتاب الله تعالى أن يصير موضوعا لذلك المعنى في الشرع أو العرف فإن الكتاب العزيز كما يرد بالحقائق كذلك يرد بالمجازات وبالكنايات القريبة والبعيدة كثيرا جدا ويعتمد في حكمه على القرائن والتصريح بالمراد فلا يليق أن يجعل ما ورد فيه كيف كان موضوعا لذلك المعنى الذي ورد فيه ولا يحسن الاستدلال بمجرد الورود على الصراحة والوضع وإنما يحسن الاستدلال به على المشروعية ا ه
رده ابن الشاط بأن كتاب الله تعالى إذا ورد فيه شيء حمل على
300
300
المباحث الفرق بين قاعدة الصريح وقاعدة ما ليس بصريح على القواعد الصحيحة
الفرق الثاني والستون والمائة بين قاعدة ما يشترط في الطلاق من النية وبين قاعدة ما لا يشترط
اعلم أن النية شرط في الصريح إجماعا وليست شرطا فيه إجماعا وفي اشتراطها قولان وهذا هو متحصل الكلام الذي في كتب الفقهاء وهو ظاهر التناقض ولا تناقض فيه فحيث قال الفقهاء إن النية شرط في الصريح فيريدون القصد لإنشاء الصيغة احترازا من سبق اللسان لما لم يقصد مثل أن يكون اسمها طارقا فيناديها فيسبق لسانه فيقول لها يا طالق فلا يلزمه شيء لأنه لم يقصد اللفظ وحيث قالوا النية ليست شرطا في الصريح فمرادهم القصد لاستعمال الصيغة في معنى الطلاق فإنها لا تشترط في الصريح إجماعا وإنما ذلك من خصائص الكنايات أن يقصد بها معنى الطلاق
وأما الصريح فلا وحيث قالوا في اشتراط النية في الصريح قولان فيريدون بالنية هاهنا الكلام النفسي وأنهم يطلقون
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
أنه كذلك في الشرع أو العرف لأن ذلك هو الأصل ولا يلزم من وروده بالكنايات والمجازات أن لا يكون ذلك اللفظ موضوعا لذلك المعنى أصلا أو عرفا بل مجازا حتى لا يستدل بوروده على أنه كذلك في أصل اللغة أو عرفها أو عرف الشرع فإن الكتاب العزيز كما يرد بالكنايات والمجازات يرد أيضا بالحقائق وهي الأصل حتى يدل دليل على التجوز والله أعلم ا ه
الفرق الثاني والستون والمائة بين قاعدة ما يشترط في الطلاق من النية وبين قاعدة ما لا يشترط
للنية في كلام الفقهاء في صريح الطلاق والكناية الظاهرة ثلاث إطلاقات الإطلاق الأول بمعنى القصد لإنشاء الصيغة في قولهم إن النية شرط في الصريح إجماعا احترازا من سبق اللسان لما لم يقصد مثل أن يكون اسمها طارقا فيناديها فيسبق لسانه فيقول لها يا طالق فلا يلزمه شيء لأنه لم يقصد اللفظ ومثل الصريح الكنايات الظاهرة ففي الخرشي وحاشية العدوي عليه عند قوله في المختصر وركنه أهل وقصد إلخ المراد بالقصد قصد النطق باللفظ الدال عليه في الصريح والكناية الظاهرة وإن لم يقصد مدلوله وهو حل العصمة بدليل قوله ولزم ولو هزل وقصد حلها في الكناية الخفية ا ه الإطلاق الثاني بمعنى القصد لاستعمال الصيغة في قولهم النية ليست شرطا في الصريح إجماعا ومثله الكناية الظاهرة كما علمت فقول الأصل وإنما من خصائص الكنايات أن يقصد بها معنى الطلاق أي وهو حل العصمة يريد الخفية لا الظاهرة الإطلاق الثالث بمعنى الكلام النفسي في قولهم في لزوم الطلاق بالنية قولان فأطلقوا النية ها هنا على الكلام النفسي يريدون هل يلزم إذا أنشأ طلاقها بكلامه النفسي كما ينشئه بكلامه اللساني أم لا يلزم وهو
301
301
النية ويريدون الكلام النفسي وإلا فمن قصد وعزم على طلاق امرأته ثم بدا له لا يلزم بذلك طلاق إجماعا وإنما المراد إذا أنشأ طلاقها بكلامه النفسي كما ينشئه بكلامه اللساني فيعبرون عنه بالنية وعبر عنه ابن الجلاب باعتقاد بقلبه فقال ومن اعتقد الطلاق بقلبه ولم يلفظ بلسانه ففي لزوم الطلاق له قولان والاعتقاد لا يلزم به طلاق إجماعا فلو اعتقد الإنسان أنه طلق امرأته
ثم تبين له بطلان اعتقاده بقيت له زوجة إجماعا وإنما المراد الكلام النفسي فالمشهور اشتراطه كما قاله أبو الوليد في المقدمات وأنه إذا طلق بلسانه لا بد أن يطلق أيضا بقلبه فظهر أنه لا تناقض في كلامهم وأنها أحوال مختلفة وفي الفرق أربع مسائل توضحه
المسألة الأولى
قال مالك في المدونة لو أراد التلفظ بالطلاق فقال اشربي أو نحوه لا شيء عليه حتى ينوي طلاقها بما تلفظ به فيجتمع اللفظ والنية ولو قال أنت طالق ألبتة ونيته واحدة فسبق لسانه للبتة لزمه الثلاث قال سحنون إذا كان عليه بينة فلذلك لم ينوه يريد أن اللفظ وحده لا يلزم به الطلاق وهو لم يوجد منه نية مع لفظ الثلاث فلذلك لا يلزمه ثلاث في الفتيا ويلزمه الثلاث في القضاء بناء على الظاهر المسألة الثانية إذا قال أنت طالق ونوى من وثاق ولايته وجاء مستفتيا طلقت عليه
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
المشهور كما قاله أبو الوليد قولان فيعبرون عنه بالنية وإلا فمن قصد وعزم على طلاق امرأته ثم بدا له عدمه لا يلزمه بذلك طلاق إجماعا وقد عبر ابن الجلاب عن الكلام النفسي بالاعتقاد بقلبه فقال ومن اعتقد الطلاق بقلبه ولم يلفظ بلسانه ففي لزوم الطلاق له قولان ولم يرد حقيقة الاعتقاد إذ لا يلزم به طلاق إجماعا فمن اعتقد أنه طلق امرأته ثم تبين له بطلان اعتقاده بقيت له زوجة اتفاقا فظهر أنه لا تناقض في كلامهم وأنها أحوال مختلفة هكذا ينبغي تقرير هذه الإطلاقات
وأما قول الأصل في الإطلاق الثالث وحيث قالوا في اشتراط النية في الصريح قولان فيريدون بالنية ها هنا الكلام النفسي وأنهم يطلقون النية ها هنا ومرادهم أنه إذا أنشأ طلاقها بكلامه اللساني ففي اشتراط إنشائه أيضا بكلامه النفسي قولان والمشهور اشتراطه كما قاله أبو الوليد في المقدمات وأنه إذا طلق بلسانه لا بد أن يطلق بقلبه ا ه بتوضيح للمراد فقد نظر فيه ابن الشاط بقوله ما قاله في الإنشاءات فيه نظر ا ه ووجهه أنه يفيد أن القولين إنما هما في لزوم الطلاق إذا أنشأه بكلامه اللساني فقط وعدم لزومه وهو المشهور كما قاله أبو الوليد في المقدمات وهو خلاف ما صرحوا به من أن القولين إنما هما في لزومه إذا أنشأه بكلامه النفسي فقط وعدم لزومه وهو المشهور كما قاله أبو الوليد في المقدمات ففي مختصر خليل وفي لزومه بكلامه النفسي خلاف قال البناني توضيح الخلاف إنما هو إذا أنشأ الطلاق بقلبه بكلامه النفساني والقول بعدم اللزوم لمالك في الموازية وهو اختيار ابن عبد الحكم وهو الذي ينصره أهل المذهب القرافي وهو المشهور والقول باللزوم لمالك في العتبية قال في البيان والمقدمات وهو الصحيح
وقال ابن رشد وهو الأشهر ابن عبد السلام والأول أظهر لأن الطلاق حل العصمة المنعقدة بالنية والقول
302
302
كقوله أنت برية ولم ينو به طلاقا ويؤخذ الناس بألفاظهم ولا تنفعهم نيتهم إلا أن تكون قرينة مصدقة قال صاحب التنبيهات في التحدث على هذه المسألة قيل يدين وقيل لا إلا أن يكون جوابا وهو مذهب الكتاب قال ويتخرج من هذه المسألة إلزام الطلاق بمجرد اللفظ ومن قوله في الذي أراد واحدة فسبق لسانه للبتة ومن هزل الطلاق أيضا ويؤخذ اشتراط النية مع اللفظ من غير مسألة في الكتاب يعني من قوله أنت طالق وأراد تعليقه
ثم بدا له فلا شيء عليه وله نظائر في المذهب ووافق صاحب التنبيهات اللخمي على أن مسألة الوثاق طلاق بمجرد اللفظ وإلزام الطلاق بمجرد اللفظ إنما هو إذا طلق بلسانه غير مطلق بكلامه النفسي كما قال في مسألة ألبتة أما إذا صرف اللفظ بقصده عن إزالة العصمة إلى غيره نحو مسألة الوثاق فإلزام الطلاق به لو قيل إنه خلاف الإجماع لم يبعد لأنه نظير من طلق امرأته فقيل له ما صنعت فقال هي طالق وأراد الإخبار قال أبو الطاهر لا يلزمه في الفتيا إجماعا ونظيره أيضا من له أمة وزوجة اسم كل واحدة منهما حكمة وقال حكمة طالق وقال نويت الأمة لا يلزمه طلاق في الفتيا اتفاقا فينبغي أن يحمل في مسألة الوثاق على اللزوم في القضاء دون الفتيا
وأما قوله وجاء مستفتيا وإن أوهم اللزوم في الفتيا فمعارض بقوله يؤخذ الناس
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
فوجب أن يكون حلها كذلك إنما يكفي بالنية في التكاليف المتعلقة بالنية لا فيما بين الآدميين ا ه انتهى كلام البناني بلفظه بل يشعر بذلك أيضا قول الأصل نفسه وإنما المراد إذا أنشأ طلاقها بكلامه النفسي كما ينشئه بكلامه اللساني فيعبرون عنه بالنية وعبر عنه ابن الجلاب بالاعتقاد بقلبه فقال ومن اعتقد على أن لقائل أن يقول إن إنشاء الطلاق بالكلام اللساني فقط لا يتأتى كما يشهد له أولا قول الأخطل إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا بخلاف العكس وثانيا تعليل ابن عبد السلام أظهرية القول بعدم لزومه بالكلام النفسي فقط بما تقدم في عبارة البناني وإن كان الظاهر أن التعليل المذكور هو منشأ تعبير الأصل في الإطلاق الثالث بما ذكر أو يقول سيأتي للأصل نقله على أن إلزام الطلاق بمجرد اللفظ إنما هو إذا نطق بلسانه غير مطلق بكلامه النفسي كما قال أي مالك في مسألة البتة أي الآتية فتأمل بإنصاف وصل في توضيح هذا الفرق والذي قيل بمسائل المسألة الأولى قال مالك في المدونة لو أراد التلفظ بالطلاق فقال اشربي أو نحوها لا شيء عليه حتى ينوي طلاقها بما تلفظ به فيجتمع اللفظ والنية ا ه يعني أن الرجل إذا قصد أن يتلفظ بطلاق زوجته فسبق لسانه بلفظ لا يحتمل الطلاق بأن قال اسقني الماء أو ادخلي أو اخرجي فإنه لا يلزمه شيء لأنه لم يوقع الطلاق بلفظ يراد الطلاق به وهو أنت طالق ولا بنية اسقني أي باسقني المصاحب لنية حصول الطلاق حتى يلزم الطلاق به وإن لم يكن مدلوله الالتزامي الطلاق والكناية اصطلاحا استعمل اللفظ في لازم معناه لأنه من باب الطلاق بالنية واللفظ معا لا من باب الطلاق بالنية المجردة عن اللفظ حتى يقال لا يلزم بها طلاق إجماعا ا ه
خرشي بتوضيح على أنه تقدمت الإشارة إلى أن المراد بالكناية اللغوية وهي
303
303
بألفاظهم ولا تنفعهم نيتهم والأخذ إنما يكون للحاكم دون المفتي وكذلك اشتراطه القرينة فإن المفتي يتبع الأسباب والمقاصد دون القرائن وإلا فيلزم مخالفة القواعد ويتعذر الفرق بين ما ذكر من النظائر
المسألة الثالثة
إذا قال أنت طالق أو طلقتك ونوى عددا لزمه ووافقنا الشافعي
وقال أبو حنيفة رضي الله عنهما إذا نوى الثلاث لزمه واحدة رجعية لأن اسم الفاعل لا يفيد إلا أصل المعنى فالزائد يكون بمجرد النية والنية لا توجب طلاقا وجوابه أن لفظ ثلاثا إذا لفظ بها تبين المراد باللفظ نحو قوله قبضت عشرين درهما فقوله درهما يفيد اختصاص العدد بالدراهم وإن كان لا يدل عليه لغة فكذلك ثلاثا يخصص اللفظ بالبينونة وكل ما كان يحصل مع المفسر وجب أن يحصل قبله لأن المفسر إنما جعل لفهم السامع لا لثبوت ذلك الحكم في نفس الأمر كقوله تعالى أقيموا الصلاة الشرعية لكن لما ورد البيان من السنة في خصوصياتها وهيئاتها وأحوالها عد ذلك ثابتا بلفظ القرآن وأجمع المسلمون على أن الصلاة والزكاة مشروعة بالقرآن والقاعدة أن كل بيان لمجمل يعد منطوقا به في ذلك المجمل كذلك هاهنا وإن كان أبو حنيفة رحمه الله وافقنا على قوله أنت بائن وأنت طالق طلاقا وطلقتك
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
استعمال اللفظ في معنى غير ما وضع له اللفظ فليست حقيقة ولا مجازا ولا كناية فافهم
المسألة الثانية
قال مالك لو قال أنت طالق ألبتة ونيته واحدة فسبق لسانه للبتة لزمه الثلاث قال سحنون إذا كان عليه بينة فلذلك لم ينوه قال الأصل يريد أي سحنون أن اللفظ وحده لا يلزم به الطلاق وهو لم يوجد منه نية مع لفظ الثلاث فلذلك لا يلزمه ثلاث في الفتيا ويلزمه الثلاث في القضاء بناء على الظاهر
المسألة الثالثة قال صاحب التنبيهات يؤخذ اشتراط النية مع اللفظ من غير مسألة في الكتاب أي المدونة من قوله أنت طالق وأراد تعليقه ثم بدا له أي عدم التعليق فلا شيء عليه وله نظائر قال ويتخرج من قوله أي مالك في الذي أراد واحدة فسبق لسانه للبتة ومن هزل الطلاق أيضا إلزام الطلاق بمجرد اللفظ وكذا مسألة ما إذا قال أنت طالق ونوى من وثاق ولايته وجاء مستفتيا طلقت عليه كقوله أنت برية ولم ينو به طلاقا ولا يدين إذ يؤخذ الناس بألفاظهم ولا تنفعهم نيتهم إلا أن تكون قرينة مصدقة كأن يكون جوابا وهذا مذهب الكتاب وقيل يدين مطلقا ا ه بتصرف
قال الأصل ووافق صاحب التنبيهات على أن مسألة الوثاق طلاق بمجرد اللفظ اللخمي مع أن إلزام الطلاق بمجرد اللفظ إنما هو إذا نطق بلسانه غير مطلق بكلامه النفسي كما قال أي مالك في مسألة البتة أما إذا صرف اللفظ بقصده عن إزالة العصمة إلى غيره نحو مسألة الوثاق فإلزام الطلاق به لو قيل إنه خلاف الإجماع لم يبعد لأنه نظير من طلق امرأته فقيل له ما صنعت فقال هي طالق وأراد الإخبار وقد قال أبو الطاهر لا يلزمه في الفتيا إجماعا ونظيره أيضا من له أمة وزوجة اسم كل واحدة منهما حكمة وقال حكمة طالق وقال نويت
304
304
وطلقي نفسك أنه إذا نوى بها الثلاث لزمته فكذلك هاهنا المسألة الرابعة حكى صاحب كتاب مجالس العلماء أن الرشيد كتب إلى قاضيه أبي يوسف هذه الأبيات وبعث بها إليه يمتحنه بها فإن ترفقي يا هند فالرفق أيمن وإن تخرقي يا هند فالخرق أشأم فأنت طالق والطلاق عزيمة ثلاثا ومن يخرق أعق وأظلم
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الأمة لا يلزمه طلاق في الفتيا اتفاقا فينبغي أن يحمل في مسألة الوثاق على اللزوم في القضاء دون الفتيا وقوله وجاء مستفتيا وإن أوهم اللزوم في الفتيا معارض أولا بقوله يؤخذ الناس بألفاظهم ولا تنفعهم نيتهم إذ الأخذ إنما يكون للحاكم دون المفتي وثانيا باشتراطه القرينة فإن المفتي يتبع الأسباب والمقاصد دون القرائن وإلا فيلزم مخالفة القواعد ويتعذر الفرق بين هذه أي مسألة الوثاق وبين ما ذكر من النظائر فافهم
المسألة الرابعة
ذهب إمامنا والشافعي إلى أنه إذا قال أنت طالق أو طلقتك ونوى عددا لزمه ما نواه وقال أبو حنيفة إذا نوى الثلاث لزمه واحدة رجعية محتجا بأن اسم الفاعل لا يفيد إلا أصل المعنى فالزائد يكون بمجرد النية والنية لا توجب طلاقا واحتجاجه هذا مدفوع بوجهين الوجه الأول أن لفظ ثلاثا مع صريح الطلاق كلفظ درهما مع نحو عشرين من ألفاظ العدد فكما أن لفظ درهما في نحو قوله عندي عشرين درهما يفيد اختصاص العدد بالدراهم وإن كان لا يدل عليه لغة كذلك لفظ ثلاثا في نحو قوله أنت طالق ثلاثا يخصص اللفظ بالبينونة وكل ما كان يحصل مع المفسر كتخصيص صريح الطلاق بالبينونة مع لفظ ثلاثا وجب أن يحصل قبله لأن المفسر إنما جعل لفهم السامع لا لثبوت ذلك الحكم في نفس الأمر ووجب أن يعد منطوقا به فيه إذ القاعدة أن كل بيان لمجمل يعد منطوقا به في ذلك المجمل ألا ترى أن قوله تعالى وأقيموا الصلاة لا يدل على خصوص الصلوات الشرعية لكن لما ورد البيان من السنة في خصوصياتها وهيئتها وأحوالها عد ذلك ثابتا بلفظ القرآن وأجمع المسلمون على أن الصلاة مشروعة بالقرآن الوجه الثاني أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى وافقنا على أنه إذا قال أنت بائن أو أنت طالق طلاقا أو طلقتك أو طلقي نفسك ونوى الثلاث لزمته فكذلك ها هنا وإلا فما الفارق المسألة الخامسة حكى صاحب كتاب مجالس العلماء وصاحب المغني أن الرشيد كتب ليلة إلى قاضيه أبي يوسف يسأله عن قول القائل فإن ترفقي يا هند فالرفق أيمن وإن تخرقي يا هند فالخرق أشأم فأنت طلاق والطلاق عزيمة ثلاثا ومن يخرق أعق وأظلم فبيني بها أن كنت غير رفيقة وما لامرئ بعد الثلاث مقدم فقال ماذا يلزمه إذا رفع الثلاث وإذا نصبها قال أبو يوسف فقلت هذه مسألة نحوية فقهية ولا آمن الخطأ فيها إن قلت فيها برأيي فأتيت الكسائي وهو في فراشه فسألته فقال إن رفع ثلاث طلقت واحدة لأنه قال أنت طلاق وأخبر أن الطلاق التام ثلاث وإن نصبها طلقت ثلاثا لأن معناه أنت طالق ثلاثا وما بينهما جملة معترضة فكتبت بذلك إلى الرشيد أول الليل إثر إرساله بالسؤال فأرسل إلي آخر الليل بغالا
305
305
فبيني بها أن كنت غير رفيقة وما لامرئ بعد الثلاثة مقدم
وقال له إذا نصبنا ثلاثا كم يلزمه وإذا رفعنا كم يلزمه فأشكل عليه ذلك وحمل الرقعة للكسائي وكان معه في الدرب فقال له الكسائي اكتب له في الجواب يلزمه بالرفع واحدة وبالنصب ثلاث يعني أن الرفع يقتضي أنه خبر عن المبتدأ الذي هو الطلاق الثاني
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
موسقة قماشا وتحفا جائزة على الجواب فوجهت بها إلى الكسائي بسبب أنه أعانني على الجواب ا ه
قال الأمير على المغني والأبياري عليه تخرقي من باب فتح وكرم وأيمن تفضيل من اليمن البركة ضد أشأم والخرق العنف وزنا ومعنى هنا اسم لا غير وبفتح الخاء والراء مصدر واسم كما يعلم من القاموس ويأتي بمعنى الدهش لخوف أو حياء وعدم إتقان العمل باليد أيضا ومن يخرق جعلها ابن يعيش شرطية حذف صدر جوابها أي فهو أعق وقال الدماميني موصولة خبرها أعق وتسكين يخرق للتخفيف كقراءة أبي عمرو في نحو يأمركم فأصله الرفع وقوله أن كنت بفتح الهمزة ولام العلة مقدرة معها فالمعنى بيني أي ابعدي عني وفارقيني بهذه التطليقات لأجل أن كنت غير رفيقة أي لم يكن فيك رفق ولين بل شؤم وعنف ومقدم اسم مفعول بمعنى التقدم أي المصدر فهو من قدم بمعنى تقدم فالمعنى ليس لأحد تقدم إلى الخمسة مثلا بعد إيقاع الثلاث لأنها نهاية الطلاق ا ه وبحث في هذه الرواية بوجوه
الوجه الأول
لصاحب المغني أنه لا يخلو إما أن ينظر لما أراده هذا الشاعر المعين فيقال هو إنما أراد الثلاث لقوله بعد فبيني بها البيت وإما أن ينظر إلى ما يقتضيه معنى هذا اللفظ مع قطع النظر عن شيء آخر من قواعد الفقهاء واستحساناته م فيقال الصواب أن كلا من الرفع والنصب محتمل لوقوع الثلاث ولوقوع الواحدة أما الرفع فلأن ال في الطلاق إما لمجاز الجنس كما تقول الرجل المعتد به وإما للعهد الذكري مثلها في فعصى فرعون الرسول أي وهذا الطلاق المذكور عزيمة ثلاث ولا تكون للجنس الحقيقي لئلا يلزم الإخبار عن العام بالخاص كما يقال الحيوان إنسان وذلك باطل إذ ليس كل حيوان إنسان ولا كل طلاق عزيمة ولا ثلاث فعلى الجنسية المجازية تقع واحدة كما قال الكسائي وعلى العهدية تقع الثلاث وهذا مما فات الكسائي
وأما النصب فلأنه محتمل لأن يكون على المفعول المطلق فيقتضي وقوع الطلاق الثلاث حيث جعل معمولا لطلاق الأول كما هو المتبادر إذ المعنى فأنت طالق ثلاثا واعترض بينهما بقوله والطلاق عزيمة أو جعل معمولا للطلاق الثاني واللام للعهد أما إذا جعل مفعولا لطلاق الثاني واللام للجنس فلا يقتضي وقوع الثلاث بل واحدة ولأن يكون حالا من الضمير المستتر في عزيمة لأنها وإن كانت مصدرا مؤولة باسم المفعول كما أن طلاق مؤول بطالق فلا يلزم وقوع الثلاث وإن احتملها بجعل ال للعهد الذكري لأن المعنى والطلاق عزيمة إذا كان ثلاثا بمعنى أن الفراق به حال كونه ثلاثا فإنما يقع ما نواه ا ه بتصرف وتوضيح قال البناني قال ابن غازي وهو تحرير عجيب ا ه
وبقي أنه إما أن ينظر إلى ما يقتضيه اللفظ مع النظر إلى قواعد الفقهاء واستحساناته م وغير ذلك فيقال إن من الفقهاء من يقول إذا احتمل اللفظ الواحدة وغيرها لم يلزمه إلا واحدة وحينئذ فلا يلزمه إلا واحدة رفع أو نصب ومنهم من يقول بوقوع الثلاث إذا احتمل اللفظ ذلك مراعاة للاحتياط وحينئذ فلا يلزمه إلا الثلاث رفع أو نصب
306
306
ويكون منقطعا عن الأول فلم يبق إلا قوله أنت طالق فتلزمه واحدة وبالنصب يكون تمييزا لقوله فأنت طالق فيلزمه الثلاث فإن قلت إذا نصبناه أمكن أن يكون تمييزا عن الأول كما قلت وأمكن أن يكون منصوبا على الحال من الثاني أي الطلاق معزوم عليه
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
كما يؤخذ من حواشي المغني للأمير والأبياري قال عبق على خليل مقتضى مذهبنا لزوم الثلاث في الرفع والنصب احتياطا ا ه أي ولا يلتفت لمطابقة النحو ولذا قال الشيخ العمادي مجيبا للشيخ أحمد الدمنهوري حين سأله عن هذا ومذهبنا المفتى به عند مالك وقوع ثلاث مطلقا وهو أسلم إلى أن قال وقد قال في المغني خلاف الذي جرى كما للدماميني بنص يترجم وإن انتصابا وارتفاعا كلاهما يفيد احتماليه بذلك صمموا فيحتمل التوحيد دون ثلاثة ويحتمل التوقيف والوقف أفخم ا ه كنون
وأجاب ابن الصائغ عن الاحتمال مع الرفع باختيار الشق الأول واعتماد القول بأنه إذا احتمل الواحدة وغيرها لم يلزمه إلا واحدة فصح أنه على الرفع طلقت واحدة كما في حواشي الأمير على المغني وأيده في القصر بأمرين الأول أن اختياره الشق الأول دون الثاني كما زعم الشمني هو المتبادر من تعبير المغني بالصواب المقتضي أن ما فعله الكسائي خطأ الثاني أن السائل له أجل فقيه فلا يحسن قطع النظر عن قواعد الفقهاء في جوابه والكسائي لم يكن غرا في تلك القواعد وإنما كانت العربية والقراءة أغلب عليه ا ه
وأجاب الأصل عن الاحتمال مع النصب بأن المرجح لجعله معمولا لطلاق الأول على أنه مفعول مطلق أو تمييز هو أنه منكر يحتمل سبب تنكره جميع مراتب الجنس وأعداده وأنواعه من غير تنصيص على شيء من ذلك لأجل التنكير فاحتاج للتمييز ليحصل المراد من ذلك المنكر المجهول وأما الطلاق الثاني فبتعريفه واستغراقه الناشئ عن لام التعريف يستغنى عن البيان ا ه والظاهر أن مراده الاستغراق المجازي الحقيقي لما علمته في كلام المغني المتقدم فلا تغفل نعم قال ابن الضائع يمكن على إرادة الكل المجموعي أي لا كل فرد فرد فيصير المعنى أن مجموع أفراد الطلاق ثلاث والمجموع خاص فيكون إخبارا عن خاص بخاص ورده الشمني بأن الاستغراق عندهم من باب الكلية أي الحكم على كل فرد ولهذا امتنع وصف المفرد الداخل عليه حرف الاستغراق بنعت الجمع عند الجمهور وإن حكاه الأخفش في نحو الدينار الصفر والدراهم البيض أمير بتوضيح
الوجه الثاني
قال الأمير في حواشي المغني شنع الكمال بن الهمام على المصنف يعني ابن هشام بأنه جهل بمقام الاجتهاد فإنه يستلزم معرفة أساليب الكلام فلا يحتاج أبو يوسف إلى مراجعة الكسائي قلنا أي في الجواب عن ذلك هذا من تعاون العلماء ومشاركتهم خصوصا أهل دولة واحدة بل هو عين إمامية أبي يوسف وكماله حيث لم يستقل برأيه مع عدم احتياجه وهكذا شأن السلف ولعمري الكسائي أحد القراء السبعة وإمام العربية يتكلم معه في مثل هذه ا ه بلفظ الوجه الثالث قال الأمير أيضا قيل الصواب أن السؤال من الكسائي لمحمد قلنا أي في الجواب عن ذلك تعدد الواقعة ممكن ا ه بلفظه والله أعلم

307
307
في حال كونه ثلاثا أو تمييزا له فلم خصصته بالأول قلت الطلاق الأول منكر يحتمل بسبب تنكيره جميع مراتب الجنس وأعداده وأنواعه من غير تنصيص على شيء من ذلك لأجل التنكير فاحتاج للتمييز ليحصل المراد من ذلك المنكر المجهول
وأما الثاني فمعرفها استغنى بتعريفه واستغراقه الناشئ عن لام التعريف عن البيان فهذا هو المرجح ويحكى أن الرشيد بعث له بهذه الرقعة أول الليل وبعث أبو يوسف الجواب بها أول الليل على حاله وجاءه من آخر الليل بغال موسقة قماشا وتحفا جائزة على جوابه فبعث بها أبو يوسف إلى الكسائي ولم يأخذ منها شيئا بسبب أنه هو الذي أعانه على الجواب فيها
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
المسألة السادسة
في بداية ابن رشد الحفيد لا يقبل عند مالك ما يدعيه من دون الثلاث في الكنايات الظاهرة مثل قولهم حبلك على غاربك ومثل البتة ومثل قولهم أنت خلية أو برية حيث قال ذلك في المدخول بها إلا أن يكون قاله في الخلع
وأما في غير المدخول بها فيصدقه فيما يدعيه من دون الثلاث فيها لأن طلاق غير المدخول بها بائن ويقبل ما يدعيه من دون الثلاث فيها مطلقا عند الشافعي وكذا عند أبي حنيفة إلا أن يكون في مذاكرة الطلاق فإنه يطلق عليه بالكنايات كلها مع هذه القرينة إلا بأربع حبلك على غاربك واعتدي واستبري وتقنعي لأنها عنده من المحتملة غير الظاهرة والمحتملة عند جمهور العلماء ليس فيها شيء وإن نوى طلاقا خلافا لمالك والشافعي في قولهما إنه يعتبر في المحتملة نية ا ه ملخصا ولا يخفاك أن إطلاقه الحكم المذكور فيما ذكره من ألفاظ الكنايات الظاهرة يخالف ما تقدم في تقسيمها من أن بتة وحبلك على غاربك مما يلزم به ثلاث ولا ينوي مطلقا مثل وأنت خلية أو برية مما يلزم فيه الثلاث في المدخول بها كغيرها إن لم ينو أقل نعم قد مر عن الأصل أن المدار في تلك الألفاظ العرف فلعل ما تقدم مبني على عرف وهذا مبني على عرف آخر والله أعلم المسألة السابعة في حاشية العطار على محلى جمع الجوامع قال القرافي قلت يوما للشيخ عز الدين بن عبد السلام إن القراء التزموا قاعدة أن المعرف باللام للعموم في الأصول وخالفوها في الفروع حيث قالوا لو قال الطلاق يلزمني بغير نية لم يلزمه إلا طلقة واحدة فقال رحمه الله تعالى سبب المخالفة أن الأيمان تتبع المنقولات العرفية دون الأوضاع اللغوية إذا تعارضا وقد انتقل اللام في الحلف بالطلاق لحقيقة الجنس دون استغراق الجنس فلذا كان الحالف لا يلزمه إلا الماهية المشتركة فلا تزيد اللام له على الواحد ا ه محل الحاجة قال الشربيني لكنهم قالوا إن الذي يتبع العرف مطلقا هو الحلف بغير الطلاق أما به فيتبع اللغة متى اشتهرت وإن اشتهر العرف اللهم إلا أن يكون المعنى اللغوي هنا غير مشهور ا ه ولعل مراده فقهاء الشافعية وإلا فالمالكية على أن الحلف مطلقا يتبع العرف مطلقا والله سبحانه وتعالى أعلم

308
308
الفرق الثالث والستون والمائة بين قاعدة الاستثناء من الذوات وبين قاعدة الاستثناء من الصفات
اعلم أن البابين وإن استويا في صحة الاستثناء غير أن الاستثناء من الصفات يجوز أن يؤتى فيه بلفظ دال على استثناء الكل من الكل في الظاهر بخلاف الاستثناء من الذوات وبيان ذلك بمسألتين المسألة الأولى نقل صاحب الجواهر وقاله ابن أبي زيد في النوادر إن القائل إذا قال أنت طالق واحدة إلا واحدة إن كان مستفتيا
وقال نويت ذلك وفي موضع لو سكت لم يكن طلاقا لم يلزمه شيء لأنه طلاق بغير نية وإن كان عليه بينة فيختلف فيه لأنه آت بما لا يشبه كما لو قال إن شاء هذا الحجر ويختلف إذا قال أنت طالق أمس إلا واحدة لأنه ليس مستثنيا للأول وإن قال طالق واحدة وواحدة إلا واحدة وأعاد الاستثناء على الواحدة يقع عليه اثنتان وكذلك إذا قال أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلا واحدة فإنه يلزمه طلقتان إن أعاده على طلقة أو ثلاث إن أعاده على الواحدة
هامش أنوار البروق
قال
الفرق الثالث والستون والمائة بين قاعدة الاستثناء من الذوات وبين قاعدة الاستثناء من الصفات
قلت هذا الفرق يحتاج إلى تأمل ونظر وكذلك الفرقان اللذان بعده
هامش إدرار الشروق
308
الفرق الثالث والستون والمائة بين قاعدة الاستثناء من الذوات وبين قاعدة الاستثناء من الصفات
وذلك أن البابين وإن استويا في صحة الاستثناء إلا أنهما افترقا في أن الاستثناء من الذوات لا يجوز أن يؤتى فيه بلفظ دال على استثناء الكل من الكل بأن يستغرق المستثنى للمستثنى منه بخلاف الاستثناء من الصفات فإنه يجوز أن يؤتى فيه بلفظ دال على استثناء الكل من الكل في الظاهر وذلك أن الاستثناء من الصفات ثلاثة أقسام لأنه إما أن يقع في جملة الصفة كأن تقول مررت بالساكن إلا الساكن أو مررت بالمتحرك إلا المتحرك فتستثني الصفة من الصفة وهو السكون فقط في الأول والحركة فقط في الثاني وتترك الموصوف فتتعين له الحركة في الأول فيكون مرورك بالمتحرك ويتعين السكون في الثاني فيكون مرورك بالساكن وإما أن يقع أي الاستثناء في بعض أنواع الصفة كقوله تعالى أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى فقوله بميتين لفظ يشملهم بصفة الموت ولم يستثنوا من أنفسهم أحدا بل بعض أنواع الصفة
وإما أن يقع أي الاستثناء في بعض متعلقات الصفة كقول الشاعر قاتل ابن البتول إلا عليا فمعناه كما قال الأدباء قاتل ابن فاطمة البتول أي المنقطعة عن الأزواج إلا عن علي فاستثنى من صفتها
309
309
وهذه المسألة من مشكلات المسائل عند الفقهاء وتقريرها وإيضاحها أن تقول قوله أنت طالق واحدة معناه طلقة واحدة والطلاق مصدر قد وصفه بالوحدة فهاهنا حينئذ صفة وموصوف في كلامه فإن قصد رفع الصفة دون الموصوف فقد رفع بعض ما نطق به فيصح ولنا قاعدة عقلية أن كل ضدين لا ثالث لهما إذا رفع أحدهما تعين ثبوت الآخر كقولك هذا العدد ليس بزوج يتعين أن يكون فردا
وليس بفرد يتعين أن يكون زوجا لأنه لا واسطة بين الزوج والفرد في العدد وكذلك هاهنا لا واسطة بين الوحدة والكثرة في حقيقة المصدر فإذا رفع الوحدة من مصدر الطلاق تعين ضدها وهو الكثرة وأقل مراتب الكثرة اثنان فيلزمه طلقتان لأن الأصل براءة الذمة من الزائد عليهما وهذه المسألة لها ست حالات الحالة الأولى ما تقدم الحالة الثانية أن يقصد بقوله واحدة قبل الاستثناء الصفة وحدها
ثم يستثنيها فاستثناؤه باطل لأنه رفع جملة ما وضعه أولا
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
ولم يستثنها غير أنه لم يستثن جملة الصفة ولا نوعا من أنواعها بل استثنى متعلقا من متعلقاتها فإن التبتل الذي هو الانقطاع قال تعالى وتبتل إليه تبتيلا أي انقطع عليها انقطاعا لما كان يمكن أن يكون عن الأزواج كلها استثنى من متعلق التبتل عليا رضي الله عنه ومن القسم الأول ما قاله ابن أبي زيد في النوادر ونقله صاحب الجواهر من أن القائل إذا قال أنت طالق واحدة إلا واحدة فإن كان مستفتيا وقال نويت ذلك لم يلزمه شيء وفي موضع لو سكت لم يكن طلاقا لأنه طلاق بغير نية وإن كان عليه بينة فيختلف فيه لأنه آت بما لا يشبه كما لو قال إن شاء هذا الحجر ويختلف إذا قال أنت طالق أمس إلا واحدة لأنه ليس مستثنيا للأول وإن قال طالق واحدة وواحدة إلا واحدة وأعاد الاستثناء على الواحدة يقع عليه اثنان
وإذا قال أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلا واحدة لزمه طلقتان أيضا إن أعاده على طلقة وثلاث إن أعاده على الواحدة وهذه المسألة من مشكلات المسائل عند الفقهاء وتقريرها وإيضاحها أن تقول قوله أنت طالق واحدة معناه طلقة واحدة والطلاق مصدر قد وصفه بالوحدة فصار في كلامه حينئذ صفة وموصوف فإذا عقبه بقوله إلا واحدة كان ذلك محتملا ست حالات الحالة الأولى أن يقصد بقوله واحدة الصفة والموصوف معا ثم يقصد رفع الصفة دون الموصوف فيكون قد رفع مصدر الطلاق الوحدة فيتعين ضدها وهو الكثرة إذ لا واسطة بينهما والقاعدة العقلية أن كل ضدين لا ثالث لهما إذا رفع أحدهما تعين ثبوت الآخر ألا ترى أنك تقول هذا العدد ليس بزوج فيتعين أن يكون فردا أو ليس بفرد فيتعين أن يكون زوجا لأنه لا واسطة بين الزوج والفرد وأقل مراتب الكثرة اثنان فيلزمه طلقتان لأن الأصل براءة الذمة من الزائد الحالة الثانية أن يقصد بقوله واحدة قبل الاستثناء الصفة وحدها ثم يستثنيها فاستثناؤه باطل لأنه رفع جملة ما وضعه أولا الحالة الثالثة أن يقصد بقوله واحدة نفس الطلاق من حيث هو طلاق ولا يأخذه بقيد الوحدة
310
310
الحالة الثالثة أن يقصد بقوله واحدة نفس الطلاق من حيث هو طلاق ولا يأخذه بقيد الوحدة ولا بقيد الكثرة ثم يورد الاستثناء أيضا على هذا المعنى بعينه فلا ينفعه الاستثناء لأنه رفع عين ما وضعه الحالة الرابعة أن يقصد بقوله أولا المصدر الموصوف بالوحدة ويقصد بقوله إلا واحدة الطلاق الموصوف بالوحدة فلا ينفعه أيضا استثناؤه لأنه رفع جملة ما وضعه الحالة الخامسة أن يريد بلفظ الأول الطلاق الموصوف بالوحدة ويقصد بالاستثناء الموصوف وهو مفهوم الطلاق دون الوحدة فهذا مستثنى لبعض ما نطق به مطابقة غير أنه يلزم من نفي أصل الطلاق نفي صفاته من الوحدة والكثرة فتنتفي الصفة أيضا مع الموصوف فيبطل استثناؤه ويلزمه طلقة لأنه لم يبق شيء بالمطابقة والالتزام الحالة السادسة أن يستعمل قوله الأول أنت طالق واحدة في الطلاق بوصف الثلاث لأنه يجوز إطلاق الجنس وإرادة عدد معين منه فإذا قال بعد ذلك إلا واحدة يريد بها بعض ذلك العدد الذي كان يقصده لزمه طلقتان وهما اللتان بقيتا في الأولى وخرجت واحدة من الثلاث بالاستثناء فهذا تقرير هذه المسألة وبها ظهر قوله أنت طالق واحدة إلا واحدة كيف تلزمه اثنتان وكذلك إذا قال واحدة وواحدة وواحدة إلا واحدة إن أراد بالاستثناء أحد هذه الثلاث لزمه اثنتان
وإن أراد استثناء الصفة وهي الوحدة عن طلقة من هذه الطلقات الثلاث المتقدمة فمقتضى ذلك أن يلزمه أربع تطليقات لأنه رفع صفة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
ولا بقيد الكثرة ثم يورد الاستثناء أيضا على هذا المعنى بعينه فلا ينفعه الاستثناء لأنه رفع عين ما وضعه الحالة الرابعة أن يقصد بقوله أولا المصدر الموصوف بالوحدة ويقصد بقوله إلا واحدة الطلاق الموصوف بالوحدة فلا ينفعه أيضا استثناؤه لأنه رفع جملة ما وضعه الحالة الخامسة أن يريد بلفظ الأول الطلاق الموصوف بالوحدة ويقصد بالاستثناء الموصوف وهو مفهوم الطلاق دون الوحدة فهذا مستثنى لبعض ما نطق به مطابقة غير أنه يلزم من نفي أصل الطلاق نفي صفاته من الوحدة والكثرة فتنتفي الصفة أيضا مع الموصوف فيبطل استثناؤه ويلزمه طلقة لأنه لم يبق شيء بالمطابقة والالتزام الحالة السادسة أن يستعمل قوله أنت طالق واحدة في الطلاق بوصف الثلاث لأنه يجوز إطلاق الجنس وإرادة عدد معين منه فإذا قال بعد ذلك إلا واحدة يريد بها بعض ذلك العدد الذي كان يقصده لزمه طلقتان وهما اللتان بقيتا من الثلاث التي أرادها بقوله الأول بعد إخراج واحدة منها بالاستثناء فظهر بهذا التقرير كيف تلزمه اثنتان بقوله أنت طالق واحدة إلا واحدة وكذلك إذا قال واحدة وواحدة وواحدة إلا واحدة إن أراد بالاستثناء إحدى هذه الثلاث لزمه اثنتان وإن أراد استثناء الصفة وهي الوحدة عن طلقة من
311
311
الوحدة عن طلقة من الثلاث فيقع فيها الكثرة فتصير تلك الطلقة طلقتين كما تقدم تقريره لكن لما لم يكن سبيل إلى لزوم أربع بالإجماع اقتصرنا على ثلاث كما لو قال أنت طالق أربع تطليقات ومن الاستثناء في الصفات قول الشاعر قاتل ابن البتول إلا عليا قال الأدباء معناه قاتل ابن فاطمة البتول أي المنقطعة عن الأزواج إلا عن علي فاستثنى من صفتها ولم يستثنها غير أنه في هذا الكلام لم يستثن جملة الصفات كما تقدم في مسألة الطلاق بل من متعلقها فإن الانقطاع الذي هو التبتل يمكن أن يكون عن الأزواج كلها فلذلك استثنى من متعلق التبتل عليا رضي الله عنه ومن التبتل قوله عز وجل وتبتل إليه تبتيلا أي انقطع إليه انقطاعا
المسألة الثانية قوله تعالى أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى فهذا استثناء نوع من الصفة وهي المونة الأولى وقوله بميتين لفظ يشملهم بصفة الموت ولم يستثنوا من أنفسهم أحدا بل بعض أنواع الصفة فصار الاستثناء تارة يقطع في جملة الصفة كمسألة الطلاق وفي بعض أنواعها كالآية وفي بعض متعلقاتها كالشعر المتقدم فتأمل ذلك وعلى هذه القاعدة تقول مررت بالساكن إلا الساكن فتستثني الصفة من الصفة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
هذه الطلقات الثلاث المتقدمة فمقتضى ذلك أن يلزمه أربع تطليقات لأنه رفع صفة الوحدة عن طلقة من الثلاث فيقع فيها الكثرة فتصير تلك الطلقة طلقتين كما تقدم تقريره لكن لما لم يكن سبيل إلى لزوم أربع بالإجماع اقتصرنا على ثلاث كما لو قال أنت طالق أربع تطليقات فتأمل ذلك كذا قال الأصل قال وقد بسطت هذه المسائل في كتاب الاستغناء في أحكام الاستثناء وهو مجلد كبير أحد وخمسون بابا وأربعمائة مسألة ليس في جميع ذلك إلا الاستثناء والاستثناء من الصفة من أغرب أبوابه وقد بسطته لك ها هنا بهذه المسائل وظهر لك معنى هذه المسائل في الطلاق بسببه ولولاه لم يفهم أصلا ألبتة فنفائس القواعد لنوادر المسائل وجميع ذلك من فضل الله تعالى على خلقه هدانا الله سواء السبيل في القول والعمل ا ه بلفظه قال ابن الشاط هذا الفرق يحتاج إلى تأمل ا ه بلفظه
ولعل وجهه أن مسألة الطلاق التي بنى هذا الفرق عليها نظير ما نقله القرافي عن المدخل لابن طلحة المالكي فيمن قال لامرأته أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا أنه لا يقع عليه طلاق كما في محلى جمع الجوامع في اعتبار الاستثناء المستغرق وقد قال شيخ الإسلام ونقل هذا القول القرافي وأنكره فقال الأقرب أن هذا الخلاف باطل لأنه مسبوق بالإجماع كما في العطار على محلى جمع الجوامع يعني الإجماع الذي حكاه الإمام الرازي والآمدي وغير واحد كالقرافي على أنه لا أثر في الحكم للاستثناء المستغرق مطلقا كان في الصفات أو في الذوات فلو قال له عشرة إلا عشرة لزمه عشرة ولو قال لامرأته أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا وقع عليه الطلاق الثلاث إلا أن يعقب باستثناء آخر غير مستغرق نحو له علي عشرة إلا عشرة إلا أربعة
312
312
وهو السكون فقط وتترك الموصوف فتتعين له الحركة فيكون مرورك بالمتحرك وكذلك مررت بالمتحرك إلا المتحرك فيتعين أنك مررت بالساكن كما تقدم التقرير وقد بسطت هذه المسائل في كتاب الاستغناء في أحكام الاستثناء
وهو مجلد كبير واحد وخمسون بابا وأربعمائة مسألة ليس في جميع ذلك إلا الاستثناء والاستثناء من الصفة من أغرب أبوابه وقد بسطته لك هاهنا بهذه المسائل وظهر لك معنى هذه المسائل في الطلاق بسببه ولولاه لم يفهم أصلا ألبتة فنفائس القواعد لنوادر المسائل وجميع ذلك من فضل الله تعالى على خلقه هدانا الله سواء السبيل في القول والعمل
الفرق الرابع والستون والمائة بين قاعدة استثناء الكل من الكل وبين قاعدة استثناء الوحدات من الطلاق
اعلم أن العلماء نصوا على أنه إذا قال قام زيد وعمرو وخالد إلا خالدا لا يجوز لأنه استثناء جملة منطوق به في المعطوف والاستثناء إنما جعل لإخراج ما كان معرضا للنسيان فيندرج في الكلام سهوا فيخرج بالاستثناء وإذا قصد إلى شيء في المعطوف لا
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
ففي جوازه وأن له أثرا في الحكم إما اعتبار الاستثناء الثاني من الأول فيلزمه أربعة وإما اعتبار الثاني دون الأول فيلزمه ستة وعدم جوازه وأنه لا أثر له فيلزمه عشرة لبطلان الأول والثاني خلاف كما في محلى جمع الجوامع نعم صرح السيوطي في الأشباه والنظائر بأن له في الوصية أثرا في الحكم وهو الرجوع عنها فلو قال أوصيت له بعشرة إلا عشرة كان رجوعا عن الوصية كما في حاشية العطار على محلى جمع الجوامع فتأمل والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الرابع والستون والمائة بين قاعدة استثناء الكل من الكل وبين قاعدة استثناء الوحدات من الطلاق
قاعدة أن الاستثناء إنما جعل لإخراج ما كان معرضا للنسيان فيندرج في الكلام سهوا فيخرج بالاستثناء تقتضي أن العطف في المستثنى منه ظاهر في منع الاستثناء مطلقا سواء كان خصوص المعطوف مقصودا للعقلاء نحو قام زيد وعمرو وخالد إلا خالدا أو غير مقصود للعقلاء نحو أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلا واحدة ونحو لله علي درهم ودرهم ودرهم إلا درهما ضرورة اشتراكهما في مطلق القصد إلى شيء في المعطوف وإذا قصد إلى شيء في المعطوف لا يصح استثناؤه بعد ذلك لأنه مثل الكلام المستقل المقصود غير أن الأصحاب جوزوا أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلا واحدة قال الأصل وما علمت فيه خلافا وعللوه بأن الثلاث لها عبارتان أنت طالق ثلاثا وأنت طالق واحدة وواحدة وواحدة فكما صح الاستثناء من الثلاث يصح من هذه العبارة الأخرى والفرض أيضا أن خصوص الوحدات ليس مقصودا للعقلاء بخلاف زيد وعمرو فإن لكل واحد منهما خصوصا ليس للآخر والوحدات مستوية من حيث هي وحدات فصار إجمالها وتفصيلها سواء لكن كان مقتضى قاعدة أن العلة تدور مع المعلول وجودا وعدما أن يقولوا بجواز له علي درهم ودرهم ودرهم إلا درهما وأنه إذا قال ذلك لا يلزمه إلا
313
313
يصح استثناؤه بعد ذلك لأنه مثل الكلام المستقل المقصود وعلى سياق هذه القاعدة يمتنع أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلا واحدة لأنه استثناء جملة منطوق به وهو المعطوف كما تقدم غير أن الأصحاب جوزوه وما علمت فيه خلافا ويعللونه بأن الثلاث لها عبارتان أنت طالق ثلاثا وأنت طالق واحدة وواحدة وواحدة فكما صح الاستثناء من الثلاث يصح من هذه العبارة الأخرى والفرض أيضا أن خصوص الوحدات ليس مقصودا للعقلاء بخلاف زيد وعمرو فلكل واحد منهما خصوص ليس للآخر
وأما الوحدات فمستوية من حيث هي وحدات فصار إجمالها وتفصيلها سواء ويلزم على سياق هذا التعليل إذا قال لله علي درهم ودرهم ودرهم إلا درهما لا يلزمه إلا درهمان لأن الدراهم والدنانير عندهم لا تتعين وإن عينت فإن خصوص درهم لا مزية له على خصوص درهم آخر ولم أر لهم في هذا نقلا فإن طردوا أصلهم فهو أقرب من حيث الجملة
وإن كان العطف ظاهرا في منع الاستثناء مطلقا وحكى ابن أبي زيد في النوادر المنع ولم يحك خلافا
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
درهمان لأن الدراهم والدنانير عندهم لا تتعين وإن عينت فإن خصوص درهم لا مزية له على خصوص درهم آخر قال الأصل ولم أر لهم في هذا أي القول بجواز ذلك نقلا بل حكى ابن أبي زيد في النوادر المنع ولم يحك خلافا
ا ه
فمن هنا قال الإمام ابن الشاط هذا الفرق يحتاج إلى تأمل ونظر ا ه وفي حاشية العطار على محلى جمع الجوامع قال القرافي قلت يوما للشيخ عز الدين بن عبد السلام إن الفقهاء التزموا في الأصول قاعدة أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي وخالفوها في الفروع حيث قالوا لو قال والله لا لبست ثوبا إلا الكتان فقعد عريانا لم يلزمه شيء مع أن مقتضى قاعدة الاستثناء أنه حلف على نفي ما عدا الكتان وعلى لبس الكتان وما لبس الكتان فيحنث فقال رحمه الله تعالى سبب المخالفة أن الأيمان تتبع المنقولات العرفية دون الأوضاع اللغوية إذا تعارضا وقد انتقل إلا في الحلف لمعنى الصفة مثل سوى وغير فمعنى حلفه والله لا لبست ثوبا سوى الكتان أو غير الكتان فالمحلوف عليه هو المغاير للكتان والكتان ليس محلوفا عليه فلا يضر لبسه ولا تركه ثم توفي رحمه الله واتفق البحث مع قاضي القضاة تاج الدين فالتزم أن مذهب الشافعي رضي الله عنه أنه يحنث إذا قعد عريانا وأن إلا على بابها والاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات وأرانا نقلا في ذلك ا ه كلام القرافي
قال سم ما قاله تاج الدين من جهة الحكم ممنوع مع أنا نبقي إلا على بابها ونلتزم أن الاستثناء بها في المثال المذكور إثبات على القاعدة ولا ينافي ذلك منع ما ذكره وذلك لأن الإثبات بحسب المقصود من النفي والمقصود هنا من النفي هو منع نفسه من لبس الثياب فيكون المقصود من الإثبات هو إباحة لبس الكتان لا التزام لبسه فلا يحنث بالترك فتأمله فإنه حسن دقيق تركه الشيخ لنا ثم رأيت في بعض حواشي التلويح ما يوافق هذا الجواب فلله الحمد ا ه قال العطار وفي التمهيد للإسنوي إذا قال والله لا أعطيك إلا درهما أو لا آكل إلا هذا الرغيف أو لا أطأ في
314
314
الفرق الخامس والستون والمائة بين قاعدة التصرف في المعدوم الذي يمكن أن يتقرر في الذمة وبين قاعدة التصرف في المعدوم الذي لا يمكن أن يتقرر في الذمة اعلم أن مالكا وأبا حنيفة رضي الله عنهما اتفقا على جواز التعليق في الطلاق والعتاق قبل النكاح وكذلك العتق قبل الملك فيقول للأجنبية إن تزوجتك فأنت طالق وللعبد إن اشتريتك فأنت حر فيلزمه الطلاق والعتاق إذا تزوج واشترى وقال الشافعي رضي الله عنه لا يلزمه شيء من ذلك ووافقنا على جواز التصرف بالنذر قبل الملك فيقول إن ملكت دينارا فهو صدقة وكذلك جميع ما يمكن أن يتصدق به المسلم في الذمة في باب المعاملات فتمسك الأصحاب بوجوه أحدها القياس على النذر في غير المملوك بجامع الالتزام بالمعدوم
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
السنة إلا مرة ونحو ذلك فلم يفعل بالكلية ففي حنثه وجهان حكاهما الرافعي في كتاب الإيلاء من غير ترجيح أحدهما نعم لاقتضاء اللفظ ذلك وهو كون الاستثناء من النفي إثباتا والثاني لا لأن المقصود منع الزيادة وقياس مذهبنا هو الأول لكن صحح النووي من زوائده الثاني ا ه
وقد سنح لي من قول الشيخ عز الدين سبب المخالفة إلخ أنه لا مانع هنا من أن يقال سبب مخالفة قاعدة الاستثناء المذكورة هنا في الحلف دون الالتزام أن الأيمان لما كانت تتبع المنقولات العرفية دون الأوضاع اللغوية إذا تعارضا وقد نقل العرف المعطوفان في أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلى معنى أنت طالق ثلاثا خالفوا فيها القاعدة المذكورة فأعطوها حكمه من جواز الاستثناء وأنه إذا قال بعدها إلا واحدة يلزمه طلقتان كما لو قال ذلك بعد أنت طالق ثلاثا والالتزامات لما كانت تتبع الأوضاع اللغوية لم يخالفوا فيها القاعدة المذكورة فلم يعطوا لله علي درهم ودرهم ودرهم حكم لله علي دراهم من جواز الاستثناء وأنه إذا قال بعده إلا درهما يلزمه درهمان فتأمل بإنصاف والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الخامس والستون والمائة بين قاعدة التصرف في المعدوم الذي يمكن أن يتقرر في الذمة وبين قاعدة التصرف في المعدوم الذي لا يمكن أن يتقرر في الذمة اتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد رضي الله تعالى عنهم على أن النقدين والعروض قبل ملكها هو المعدوم الذي يمكن أن يتقرر في الذمة وعلى جواز التصرف فيها قبل الملك بالنذر بأن يقول إن ملكت دينارا فهو صدقة ونحو ذلك مما يمكن أن يتصدق به المسلم في الذمة في باب المعاملات من النقدين والعروض واختلفوا في الطلاق والعتاق قبل الملك بأن تقول للأجنبية إن تزوجتك فأنت طالق وللعبد المملوك لغيره إن اشتريتك فأنت حر هل هما من المعدوم الذي لا يمكن أن يتقرر في الذمة فلا يلزمه شيء بقوله للأجنبية إن تزوجتك فأنت طالق وللعبد المملوك لغيره إن اشتريتك فأنت حر أو ومن المعدوم الذي يمكن أن يتقرر في الذمة فيلزم الطلاق لمن قال للأجنبية إن تزوجتك فأنت طالق والعتاق لمن قال للعبد
315
315
وثانيها قوله تعالى أوفوا بالعقود والطلاق والعتاق عقدان عقدهما على نفسه فيجب الوفاء بهما وثالثها قوله عليه الصلاة والسلام المؤمنون عند شروطهم وهذان شرطان فوجب الوقوف معهما وأجاب الشافعية عن الأول بأن النقدين والعروض يمكن أن يثبت في الذمم فوقع الالتزام بناء على ما في الذمة والطلاق والعتاق لا يثبتان في الذمم والتصرف يعتمد الموجود المعين أو ما في الذمة وإذا انتفيا معا بطل التصرف ألا ترى أن البيع إذا لم يكن على معين ولا في الذمة فإنه يبطل كذلك هاهنا وعن الثاني أن قوله تعالى أوفوا بالعقود أمر بالوفاء بالعقود والأوامر لا تتعلق إلا بمعدوم مستقبل والعقد قد وقع وصار ماضيا فلا يصح أن يتعلق إلا بالوفاء به فيتعين أن الأمر متعلق بالوفاء بمقتضاه ويكون التقدير أوفوا بمقتضيات العقود ونحن نقول بموجبه ويوفى بمقتضاه ولكن النزاع في مقتضاه ما هو هل لزوم الطلاق أم لا فلا يحصل
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
المملوك لغيره إن اشتريتك فأنت حر قياسا على النذر في غير المملوك بجامع الالتزام بالمعدوم الذي يمكن أن يتقرر في الذمة ذهب إلى الأول الشافعي وأحمد وإلى الثاني مالك وأبو حنيفة وسبب الخلاف قال الأصل هو الخلاف في مقتضى العقود في قوله تعالى أوفوا بالعقود والشروط في
قوله عليه الصلاة والسلام المؤمنون عند شروطهم وذلك لأن الأمر بالوفاء بالعقود يتعين أن يكون أمرا بمقتضياتها ضرورة أن الأوامر لا تتعلق إلا بمعدوم مستقبل والعقد قد وقع وصار ماضيا فلا يصح أن يتعلق الأمر بالوفاء به وكذلك الكون عند الشروط يتعين أنه هو الوفاء بمقتضاها والطلاق والعتاق عقدان عقدهما على نفسه فيجب الوفاء بمقتضاهما والوفاء بمقتضى شروطهما والنزاع في مقتضاهما ما هو هل هو لزوم الطلاق والعتاق فيحصل المقصود بالآية والحديث أم لا فلا يحصل المقصود من الآية والحديث ذهب الشافعي وأحمد تمسكا بأمرين أحدهما أن الطلاق والعتاق حل والنكاح والشراء عقد ولا يكون الحل قبل العقد وثانيهما ما خرجه الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا نذر فيما لا يملك ابن آدم ولا طلاق فيما لا يملك ولا عتاق فيما لا يملك وذهب إلى الأول مالك وأبو حنيفة تمسكا بأمرين أيضا أحدهما أن مقتضى العقد الشرط إجماعا هو المقتضى اللغوي فيها وأما المقتضى الشرعي فهو صورة النزاع والمقتضى اللغوي فيهما هو لزوم الطلاق والعتاق فوجب أن يكون هو متعلق الأمر في الآية والحديث وهو المطلوب وثانيهما أنه لو حمل على المقتضى الشرعي لكان التقدير أوفوا بما يجب عليكم شرعا الوفاء به ونحن لا نعلم الوجوب إلا من هذا الأمر فيلزم الدور لتوقف كل واحد منهما على الآخر وأما إذا حمل على
316
316
المقصود من الآية وهذا هو الجواب عن الحديث فإن الكون عند الشروط إنما هو الوفاء بمقتضاها وكون الطلاق من مقتضاها هو محل النزاع وللمالكية أن يجيبوا عن هذين الجوابين بأن مقتضى العقد ومقتضى الشرط هو ما دل عليه لغة لأنه مقتضاه إجماعا
وأما المقتضى الشرعي فهو صورة النزاع ونحن إنما نتمسك بالمقتضى اللغوي ولا شك أن المقتضى اللغوي في العقد والشرط هو لزوم الطلاق فوجب أن يكون متعلق الأمر في الآية والحديث وهو المطلوب ولو حمل على المقتضى الشرعي لكان التقدير أوفوا بما يجب عليكم شرعا الوفاء به ونحن لا نعلم الوجوب إلا من هذا الأمر فيلزم الدور لتوقف كل واحد منهما على الآخر أما إذا حمل على المقتضى اللغوي لا يلزم الدور لعدم توقف اللغة على الشرائع وهاهنا قاعدة يشكل مذهب مالك وأبي حنيفة باعتبارها وهو أن كل سبب شرعه الله تعالى لحكمة لا يشرعه عند عدم تلك الحكمة كما شرع التعزيرات والحدود للزجر ولم يشرعها في حق المجانين وإن تقدمت الجناية منهم حالة التكليف لعدم شعورهم بمقادير انخراق الحرمة والذمة والمهانة في حالة الغفلة فلا يحصل الزجر وشرع البيع للاختصاص بالمنافع في
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
المقتضى اللغوي فلا يلزم الدور لعدم توقف اللغة على الشرائع والجواب عما تمسكا به من الأمرين أن الطلاق لم نقل به في غير عقد بل إنما قلنا بلزومه بعد حصول العقد لا قبله فما قلنا بالحل إلا بعد العقد فطلاق ابن آدم وعتقه إنما وقعا فيما ملكه والمتقدم إنما هو التعليق وربط الطلاق والعتاق بالملك إلا نفس الطلاق والعتاق ا ه
وقال حفيد ابن رشد في بدايته سبب الخلاف هل من شرط وقوع الطلاق أي والعتاق وجود الملك متقدما بالزمان على الطلاق أي والعتاق أم ليس ذلك من شرطه فمن قال هو من شرطه قال لا يتعلق الطلاق بالأجنبية أي ولا العتاق بغير المملوك بالفعل ومن قال ليس من شرطه إلا وجود الملك فقط قال يقع أي الطلاق بالأجنبية أي والعتاق بغير المملوك ا ه
قال الأصل وبكثرة اعتبار الشرع قاعدة أن كل سبب شرعه الله تعالى لحكمة لا يشرعه عند عدم الحكمة وبعبارة أن كل سبب لا يحصل مقصوده لا يشرع كما شرع التعذيرات والحدود للزجر ولم يشرعها في حق المجانين وإن تقدمت الجناية منهم حالة التكليف لعدم شعورهم بمقادير انخراق الحرمة والذلة والمهانة في حالة الغفلة فلا يحصل الزجر وشرع البيع للاختصاص بالمنافع في العوضين ولم يشرعه فيما لا ينتفع به ولا فيما كثر غرره أو جهالته لعدم انضباط الانتفاع مع الغرر والجهالة المخلين بالأرباح وحصول الأعيان وشرع اللعان لنفي النسب ولم يشرعه للمجبوب والخصي لانتفاء النسب بغير لعان يشكل مذهب مالك وأبي حنيفة وذلك أن النكاح سبب شرع للتناسل والمكارمة والمودة فمن قال بشرعيته أي النكاح في صورة تعليق طلاق الأجنبية قبل الملك فقد التزم شرعيته أي النكاح مع انتفاء حكمته إذ لا يتأتى حصولها مع ترتب الطلاق على حصول عقده صحيحا شرعا فكان يلزم أن لا يصح على الأجنبية حينئذ عقد نكاح ألبتة لكن العقد صحيح إجماعا فدل ذلك على عدم لزوم الطلاق تحصيلا لحكمة عقد النكاح المقصودة منه
وليس من المقصود منه وجوب نصف الصداق وتبعيض الطلاق وغيرهما مما يتوقف على هذا العقد بل من الأمور
317
317
الغرضين ولم يشرعه فيما لا ينتفع به ولا فيما كثر غرره أو جهالته لعدم انضباط الانتفاع مع الغرر والجهالة المخلين بالأرباح وحصول الأعيان وشرع اللعان لنفي النسب ولم يشرعه للمجبوب والخصي لانتفاء النسب بغير لعان وذلك كثير في الشريعة وضابطه أن كل سبب لا يحصل مقصوده لا يشرع والنكاح سبب شرع للتناسل والمكارمة والمودة فمن قال بشرعيته في صورة التعليق قبل الملك فقد التزم شرعيته مع انتفاء حكمته فكان يلزم أن لا يصح عليها العقد ألبتة لكن العقد صحيح إجماعا فدل ذلك على عدم لزوم الطلاق تحصيلا لحكمة العقد
وأما وجوب نصف الصداق وتبعيض الطلاق وغيرهما مما يتوقف على هذا العقد فأمور تابعة لمقصود العقد لا أنها مقصود العقد فلا يشرع العقد لأجلها فحيث أجمعنا على شرعيته دل ذلك على بقاء حكمته وهو بقاء النكاح المشتمل على مقاصده وهذا موضع مشكل على أصحابنا فتأمله وقد ظهر لك أيضا بما تقدم من البحث الفرق بين ما يترتب في الذمم وبين ما لا يترتب وأما تهويل الشافعية بقولهم الطلاق حل والنكاح عقد والحل لا يكون قبل العقد وبما يروونه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما خرجه الترمذي لا نذر فيما لا يملك ابن آدم ولا طلاق فيما لا يملك ولا عتاق فيما لا يملك فالجواب أن الطلاق لم نقل به في غير عقد لأنا لم نقل بلزوم الطلاق إلا بعد حصول العقد لا قبله فما قلنا بالحل إلا بعد العقد وهو
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
التابعة للمقصود منه فلا يشرع العقد لأجلها فحيث أجمعنا على شرعيته دل ذلك على بقاء حكمته وهو بقاء النكاح المشتمل على مقاصده وعدم لزوم الطلاق على وقوعه صحيحا فتأمل ذلك ولعل الإمام ابن الشاط لهذا قال ويكون تمام الفرق مبينا على أن مقتضى الطلاق والعتاق هو مقتضاهما الشرعي لا اللغوي وقد علمت ما فيه قال هذا الفرق يحتاج إلى تأمل ونظر ا ه بلفظه
مسألة
وقوع الطلاق على الأجنبيات بشرط التزويج وإن وافق مالك فيه أبا حنيفة إلا أنه خالفه فيما إذا عمم المطلق جميع النساء مثل أن يقول كل امرأة أتزوجها فهي طالق فاستحسن هو وأصحابه أنه لا يقع عليه طلاق حينئذ بناء على المصلحة وهي أنه إذا عمم فأوجبوا عليه التعميم لم يجد سبيلا إلى النكاح الحلال فكان ذلك عنتا به وحرجا وكأنه من باب نذر المعصية وأما أبو حنيفة وجماعة فقالوا يقع عليه الطلاق مطلقا عمم جميع النساء أو خصص مثل أن يقول كل امرأة أتزوجها من بني فلان أو من بلد كذا أو في وقت كذا فهي طالق كما في بداية المجتهد لابن رشد الحفيد والله أعلم

318
318
الجواب عن الحديث فإن طلاق ابن آدم وعتقه إنما وقعا فيما ملكه وإنما تقدم التعليق وربط الطلاق والعتاق بالملك لا نفس الطلاق والعتاق
الفرق السادس والستون والمائة بين قاعدة الإيجابات التي يتقدمها سبب تام وبين قاعدة الإيجابات التي هي أجزاء الأسباب
اعلم أن الإيجابات ثلاثة أقسام قسم اتفق على أن السبب التام تقدمه وقسم اتفق على أنه جزء السبب وقسم مختلف فيه هل هو من القسم الأول أو من القسم الثاني فأما القسم الأول وهو ما تقدمه سبب تام فيجوز تأخيره إجماعا عن السبب كالخيار في عيوب النكاح وعيوب السلع في البيع ومضاء خيار الشرط ونحو ذلك كخيار الأمة إذا أعتقت تحت عبد
وأما القسم الثاني الذي هو جزء السبب فهذا لا يجوز تأخيره كالقبول بعد الإيجاب في البيع والهبة والإجارة فلا يجوز تأخير هذا القسم إلى ما يدل على الإعراض منهما عن العقد لئلا يؤدي إلى التشاجر والخصومات بإنشاء عقد آخر مع
هامش أنوار البروق
قال
الفرق السادس والستون والمائة بين قاعدة الإيجابات التي يتقدمها سبب تام وبين قاعدة الإيجابات التي هي أجزاء الأسباب
قلت ما قاله فيه صحيح وما قاله في الفرق بعده فيه نظر
هامش إدرار الشروق
الفرق السادس والستون والمائة بين قاعدة الإيجابات التي يتقدمها سبب تام وبين قاعدة الإيجابات التي هي أجزاء الأسباب
هو أن الإيجابات الأولى يجوز تأخيرها إجماعا فلا يقدح فيها التأخير كالخيار في عيوب النكاح وعيوب السلع في البيع والإيجابات الثانية لا يجوز تأخيرها فيقدح فيها التأخير كالقبول بعد الإيجاب في البيع والهبة والإجارة وذلك أن الإيجابات ثلاثة أقسام القسم الأول ما اتفق على أن السبب التام تقدمه وعلى أنه يجوز تأخيره عنه فلا يقدح فيه التأخير كخيار الأمة إذا أعتقت تحت عبد وإمضاء خيار الشرط ونحو ذلك مما تقدم وغيره القسم الثاني ما اتفق على أنه جزء السبب وعلى أنه لا يجوز تأخيره فيقدح فيه التأخير كالقبول بعد الإيجاب في نحو النكاح وما قدمناه من البيع إلخ القسم الثالث ما اختلف في كونه من القسم الأول فلا يقدح فيه التأخير أو من القسم الثاني فيقدح وهو الجواب في التخيير والتمليك المطلقين ففيهما عن مالك روايتان قال الشيخ أبو الوليد بن رشد في المقدمات كان مالك يقول للمملكة والمخيرة الخيار في المجلس فقط كالمبايعة ثم رجع إلى أن ذلك
319
319
شخص آخر والقسم الثالث المختلف فيه الجواب في التمليك اختلف فيه هل هو من القسم الأول فلا يقدح فيه التأخر أو من الثاني فيقدح روايتان عن مالك قال اللخمي وأرى إمهال المرأة ثلاثة أيام كالمصراة والشفعة لما في الفرق من الصعوبة قال الشيخ أبو الوليد بن رشد في المقدمات كان مالك يقول للمملكة والمخيرة الخيار في المجلس فقط كالمبايعة ثم رجع إلى أن ذلك لها وإن افترقا لاحتياجها للمشاورة وهذا إذا باشرها أو وكيله فإن كتب إليها أو أرسل رسولا أو علق على شرط لم يختلف قوله في تمادي ذلك ما لم يطل طولا يدل على الرضى بالإسقاط نحو أكثر من شهرين لأن كلام الزوج سؤال يتصل به جوابه وجوابه للرسالة مع مرسله
الفرق السابع والستون والمائة بين قاعدة خيار التمليك في الزوجات وبين قاعدة تخيير الإماء في العتق
أنه يجوز في الأول أن يقول الزوج لامرأته إذا غبت عنك فأمرك بيدك فتقول المرأة
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
لها وإن افترقا لاحتياجها للمشاورة
وهذا إذا باشرها أو وكيله فإن كتب إليها أو أرسل رسولا أو علق على شرط لم يختلف قوله في تمادي ذلك ما لم يطل طولا يدل على الرضا بالإسقاط بأن يطول نحو أكثر من شهرين لأن كلام الزوج سؤال يتصل به جوابه وجوابه للرسالة مع مرسله قال الخرشي إذا ملكها تمليكا مطلقا أو خيرها تخييرا مطلقا أي عاريا عن التقييد بالزمان والمكان فلمالك قولان مرويان عنه قول رجع إليه أنهما بيدها ما لم توقف عند حاكم أو توطأ أي تمكن من ذلك طائعة قالت في المجلس قبلت أم لا والذي رجع عنه أنهما بيدها في المجلس فقط وإن تفرقا بعد إمكان القضاء فلا شيء لها وإن وثب أي قام حين ملكها يريد قطع ذلك عنها لم ينفعه وحد ذلك إذا قعد معها قدر ما يرى الناس أنها تختار في مثله ولم يقم فرارا وإن ذهب عامة النهار وعلم أنهما قد تركا ذلك وخرجا إلى غيره فلا خيار لها والمدار على الخروج من ذلك إلى غيره وأخذ ابن القاسم بهذا القول المرجوع عنه المتيطي وبه العمل وعليه جمهور أصحابنا وقد رجع مالك آخرا إلى هذا القول المرجوع عنه واستمر عليه إلى أن مات ا ه بتصرف قال اللخمي وأرى إمهال المرأة ثلاثة أيام كالمصراة والشفعة لما في الفراق من الصعوبة وسيأتي الفرق بين التخيير والتمليك فترقب والله أعلم
الفرق السابع والستون والمائة بين قاعدة خيار التمليك في الزوجات وبين قاعدة تخيير الإماء في العتق
من حيث إنه يجوز في الأول أن يقول الزوج لامرأته إذا غبت عنك فأمرك بيدك فتقول المرأة متى غبت عني فقد اخترت نفسي فيلزمه ذلك ولا يجوز في الثاني أن يحلف سيد الأمة بحريتها بأن يقول إن لم أصم فأنت حرة أو إن زنيت فتقول إن فعلت فقد اخترت نفسي فإذا قالت ذلك لا يلزمه وذلك أن القاعدة التي تقدمت مبسوطة هي أن كل حكم وقع قبل سببه وشرطه لا ينعقد إجماعا وبعدهما ينعقد إجماعا وبينهما
320
320
متى غبت عني فقد اخترت نفسي فإن ذلك يلزمه بخلاف الأمة يحلف سيدها بحريتها فتقول إن فعلت فقد اخترت نفسي فإن ذلك لا يلزمه وسأل عبد الملك بن الماجشون مالكا عن الفرق بين البابين فقال له مالك أتعرف دار قدامة ودار قدامة يلعب فيها بالحمام بالمدينة فشق ذلك على عبد الملك والفرق أن الزوج أذن للحرة في القضاء الآن على ذلك التقدير والحلف بحرية الأمة لم يأذن وإنما قصد حث نفسه باليمين على الفعل أو زجرها عنه وإنما يستويان إذا قالت الحرة إن ملكتني فقد اخترت نفسي ويرد عليه أن الله تعالى قد أذن للأمة في القضاء على ذلك التقدير وهو العتق كما أذن للزوج وجوابه إذن الله تعالى على التقادير لا يترتب عليه صحة التصرف قبل وجود التقادير بدليل إسقاط الشفعة قبل البيع والإذن من الوارث في التصرف قبل مرض الموت وصرف الزكاة قبل ملك النصاب والتكفير قبل الحنث في اليمين فإن هذه التصرفات حينئذ كلها باطلة وإن كان الشارع رتبها وأذن فيها على تلك التقادير لأن القاعدة أن كل حكم وقع قبل سببه وشرطه لا ينعقد إجماعا وبعدهما ينعقد إجماعا وبينهما في النفوذ قولان وقد تقدمت هذه القاعدة مبسوطة فالحرة وجد في حقها سبب وهو قول الزوج مع إذن الشرع المقدر والأمة انفرد في حقها الإذن المقدر فقط ولأن القاعدة أيضا أن حقوق العباد إنما تسقط بإذن العباد
وقد تقدمت أيضا هذه القاعدة ونظرت الوديعة والعارية إذا هلكت بإذن ربها لا يضمن وبإذن صاحب الشرع يضمن ومسائل معها قال اللخمي وسوى أصبغ الإماء بالزوجات وسوى أشهب الزوجات بالإماء لعدم ما يترتب عليه الإخبار
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
في النفوذ قولان والحرة وجد في حقها سبب وهو قول الزوج المقتضي إذنها في القضاء الآن على ذلك التقدير مع إذن الشرع المقدر فلم يقع قضاؤها إلا بعد سببه وشرطه والأمة انفرد في حقها الإذن المقدر فقط فإن الله قد أذن لها في القضاء على ذلك التقدير وهو العتق المتوقف على حصول المعلق عليه ولم يحصل فوقع قضاؤها بعد شرطه وقبل سببه ضرورة أن الحالف بحريتها لم يأذن وإنما قصد حث نفسه باليمين على الفعل أو زجرها عنه
وأما الزوج فأذن للحرة القضاء الآن على ذلك التقدير وهو غيبته عنها والقاعدة التي تقدمت أيضا أن حقوق العباد إنما تسقط بإذن العباد فلذا جرى الخلاف في نفوذ قضائها كالزوجات قال اللخمي وسوى أصبغ الإماء بالزوجات وعدم نفوذه وهو قول مالك المبني عليه الفرق وقد سأل عبد الملك بن الماجشون مالكا عن الفرق بين البابين فقال له مالك أتعرف دار قدامة ودار قدامة يلعب فيها بالحمام بالمدينة فشق ذلك على عبد الملك نعم سوى أشهب الزوجات بالإماء لعدم ما يترتب عليه الاختيار فافهم ولا يستويان عند مالك إلا إذا قالت الحرة إن ملكتني فقد اخترت نفسي هذا تهذيب ما في الأصل قال ابن الشاط وما قاله في هذا الفرق فيه نظر ا ه
ووجهه ما علل به أشهب قوله بتسوية الزوجات بالإماء فافهم والله سبحانه وتعالى أعلم

321
321
الفرق الثامن والستون والمائة بين قاعدة التمليك وقاعدة التخيير
اعلم أن موضوع التمليك عند مالك أصل الطلاق من غير إشعار بالبينونة ولا بالعدد فلها أن تقضي بأي ذلك شاءت وموضوع التخيير عندنا الثلاث قبل البناء وبعده ومقصوده البينونة فلذلك تقبل نية الزوج فيما دون الثلاث قبل البناء لحصول المقصود وهو البينونة بالواحدة حينئذ دون ما بعد البناء لأنه صريح في البينونة لا يقبل المجاز كالثلاث إذا نطق بها قال القاضي عياض في كتاب التنبيهات في التخيير سبعة أقوال المشهور هو الثلاث نوتها المرأة أم لا فإن قضت بدونها فهل يسقط خيارها خلاف والثلاث
وإن نوت دونها قال عبد الملك وواحدة بائنة وللزوج المناكرة في الثلاث وطلقة واحدة بائنة عند ابن
هامش أنوار البروق
قال
الفرق الثامن والستون بعد المائة بين قاعدة التمليك وقاعدة التخيير
قلت أكثر ما قاله فيه حكاية خلاف وتوجيه ولا كلام في ذلك وما قاله من أن مالكا رضي الله تعالى عنه إنما بنى على عرف زمانه هو الظاهر وما قاله من لزوم تغير الفتوى عند تغير العرف صحيح والله أعلم
هامش إدرار الشروق
الفرق الثامن والستون والمائة بين قاعدة التمليك وقاعدة التخيير
على مشهور مذهب مالك رحمه الله تعالى من أن التمليك جعل الزوج المسلم المكلف إنشاء الطلاق حقا للزوجة وكذا لغيرها راجحا في الثلاث يخص بما دونها بنية والتخيير جعله إنشاء الطلاق ثلاثا حكما أو نصا عليها حقا لها وكذا لغيرها كما لابن عرفة فموضوع التمليك على هذا أصل الطلاق من غير إشعار بالبينونة ولا بالعدد فلها أن تقضي بأي ذلك شاءت وموضوع التخيير على هذا الثلاث قبل البناء وبعده ومقصوده البينونة فلذلك تقبل نية الزوج فيما دون الثلاث قبل البناء لحصول المقصود وهو البينونة بالواحدة حينئذ دون ما بعد البناء لأنه أي التخيير حينئذ صريح في البينونة لا يقبل المجاز كالثلاث إذا نطق بها وليس له عزلها فيهما لأنه جعل لها ما كان بيده من العصمة
وأخرجه عنه بخلاف الوكالة قال الحطاب لأن الوكيل يفعل ذلك على سبيل الوكالة عمن وكله والمملك والمخير إنما يفعلان ذلك عن نفسهما لأنهما ملكا ما كان يملكه الزوج ا ه
قال حفيد ابن رشد في بدايته فرأي مالك أن قوله لها اختاريني أو اختاري نفسك أنه ظاهر بعرف الشرع في معنى البينونة بتخيير رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه لأن المفهوم منه إنما كان البينونة ورأى أنه لا
322
322
الجهم وعمر وعلي رضي الله عنهما وثلاث إن قالت اخترت نفسي وواحدة بائنة إن اختارت زوجها أو ردت الخيار عليه مروي عن مالك وطلقة رجعية عند أبي يوسف وأسقط أبو حنيفة حكمه مطلقا واتفق الشافعي وأبو حنيفة وابن حنبل على أنه كناية لا يلزم به شيء إلا بالنية لأن لفظ التخيير يحتمل التخيير في الطلاق وغيره فإن أراد الطلاق فيحتمل الوحدة والكثرة والأصل بقاء العصمة حتى ينوي وقد اعتمد الأصحاب على مدارك
أحدها
قوله تعالى يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها الآية قالوا هذه الآية تدل على البيونة بالثلاث وقد أجاب اللخمي من أصحابنا عنها بأربعة أوجه أحدها أنه عليه السلام كان المطلق لا النساء لقوله تعالى وأسرحكن سراحا
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
يقبل قول الزوج في التمليك أنه لم يرد به طلاقا إذا زعم ذلك لأنه لفظ ظاهر في معنى جعل الطلاق بيدها قال وصار جمهور الفقهاء إلى أن التخيير والتمليك واحد في الحكم لأن من عرف دلالة اللغة أن من ملك إنسانا أمرا من الأمور إن شاء أن يفعله أو لا يفعله فإنه قد خيره ا ه
محل الحاجة منه واختلفوا في الحكم الواحد الذي وقع اشتراكهما فيه فقال الشافعي اختاري وأمرك بيدك سواء ولا يكون ذلك طلاقا إلا أن ينويه وإن نواه فهو ما أراد إن واحدة فواحدة رجعية وإن ثلاثا فثلاث فله عنده أن يناكرها في الطلاق نفسه وفي العدد في الخيار أو التمليك نعم التمليك عنده إذا أراد به الطلاق كالوكالة وله أن يرجع في ذلك متى أحب ذلك ما لم يوقع الطلاق وقال الثوري الخيار والتمليك واحد لا فرق بينهما وقد قيل القول قولها في أعداد الطلاق في التمليك وليس للزوج مناكرتها وهذا القول مروي عن علي وابن المسيب وبه قال الزهري وعطاء
وقد قيل إنه ليس للمرأة في التمليك إلا أن تطلق نفسها تطليقة واحدة رجعية وذلك مروي عن ابن مسعود وعمر رضي الله عنهما روي أنه جاء ابن مسعود رجل فقال كان بيني وبين امرأتي بعض ما يكون بين الناس فقالت لو أن الذي بيدك من أمري بيدي لعلمت كيف أصنع قال فإن الذي بيدي من أمرك بيدك قالت فأنت طالق ثلاثا قال أراها واحدة وأنت أحق بها ما دامت في عدتها وسألقى أمير المؤمنين عمر ثم لقيه فقص عليه القصة فقال صنع الله بالرجال وفعل يعمدون إلى ما جعل الله في أيديهم فيجعلونه بأيدي النساء بفيها التراب ماذا قلت فيها قال قلت أراها واحدة وهو أحق بها قال وأنا أرى ذلك ولو رأيت غير ذلك علمت أنك لم تصب وقد قيل ليس التمليك بشيء لأن ما جعل الشرع بيد الرجل ليس يجوز أن يرجع إلى يد المرأة بجعل جاعل وكذلك التخيير وهو قول ابن محمد بن حزم قال ومعنى ما ثبت من تخيير رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه أنهن لو اخترن أنفسهن طلقهن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أنهن كن يطلقن بنفس اختيار الطلاق كما في بداية المجتهد لحفيد ابن رشد وخلاصته أن الحكم الذي قيل باشتراكهما فيه إما عدم لزوم شيء إلا ما أراده إن واحدة فواحدة رجعية وإن ثلاثا فثلاث فله مناكرتها في الطلاق نفسه وفي العدد وإما ما قالته من العدد وليس له مناكرتها وإما لزوم طلقة رجعية ولو أوقعت أكثر وإما أنه لغو لا يلزم به شيء مطلقا وفرق
323
323
جميلا وثانيها سلمنا أن الأزواج كن اللائي طلقن لكن السراح لا يوجب إلا واحدة كما لو قال سرحتك وثالثها سلمنا أنه الثلاث لكنه مختص به عليه السلام لأن تحريم الطلاق الثلاث معلل بالندم وهو عليه السلام أملك لنفسه منا ورابعها أن التخيير إنما كان بين الحياة الدنيا والدار الآخرة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
أبو حنيفة وأصحابه بينهما بغير ما فرق به بينهما مشهور مالك فقالوا الخيار ليس بطلاق أي لا صريح ولا ظاهر بل كناية خفية لا يلزم به شيء إلا بالنية لما سيأتي وأما التمليك فإن طلقت نفسها واحدة فهي بائنة كما في بداية المجتهد وفرق ابن حنبل بينهما بغير ما ذكر قال الشيخ منصور بن إدريس الحنبلي في كشاف القناع على الإقناع مع المتن
وإذا قال لامرأته أمرك بيدك فهو توكيل منه لها في الطلاق لأنه أذن لها فيه ولا يتقيد ذلك بالمجلس بل هو على التراخي ما لم يفسخ أو يطأ لقول علي ولم يعرف له مخالف في الصحابة فكان كالإجماع ولأنه نوع تملك في الطلاق فملكه المفوض إليه في المجلس وبعده كما لو جعله لأجنبي ولها أن تطلق نفسها ثلاثا أفتى به أحمد مرارا ورواه البخاري في تاريخه عن عثمان
وقال علي وابن عمر وابن عباس وفضالة ونضرة في الشرح لما روى أبو داود والترمذي بإسناد رجاله ثقات عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هو ثلاث قال البخاري هو موقوف على أبي هريرة ولأنه يقتضي العموم في جميع أمرها لأنه اسم جنس مضاف فيتناول الطلقات الثلاث كقوله طلقي نفسك ما شئت ولا يقبل قوله أردت واحدة ولا يدين لأنه خلاف مقتضى اللفظ وكذلك الحكم إن جعل أمرها في يد غيرها أي الزوجة بأن جعل أمرها بيد زيد مثلا فله أن يطلقها ثلاثا ما لم يفسخ أو يطأ
وإن قال لها اختاري نفسك لم يكن لها أن تطلق نفسها أكثر من واحدة وتقع رجعية حكاه أحمد عن ابن عمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وعائشة وغيرهم ولأن اختاري تفويض معين فيتناول أقل ما يقع عليه الاسم وهو طلقة رجعية لأنها بغير عوض بخلاف أمرك بيدك فإنه أمر مضاف فيتناول جميع أمرها إلا أن يجعل إليها أكثر من ذلك أي من واحدة سواء جعله بلفظه بأن يقول اختاري ما شئت أو اختاري الطلقات إن شئت أو جعله بنية بأن ينوي بقوله اختاري عددا اثنين أو ثلاثا لأنه كناية خفية فيرجع فيما يقع بها إلى نيته كسائر الكنايات الخفية وإن نوى الزوج ثلاثا فطلقت أقل منها أي من ثلاث كاثنين أو واحدة وقع ما طلقته دون ما نواه لأن النية لا يقع بها الطلاق وإنما يقع بتطليقها ولذا لو لم تطلق لم يقع شيء ا ه محل الحاجة منه ومقابل المشهور عندنا قولان أحدهما ما قاله عبد الملك من التفرق بينهما وأن التخيير ثلاث وإن نوت دونها وثانيهما ما روي عن مالك من التفرقة بينهما وأن التخيير ثلاث إن قالت اخترت نفسي وواحدة بائنة إن اختارت زوجها أو ردت الخيار عليه حكاها الأصل عن عياض في كتاب التنبيهات وأما التمليك فعلى ما مر عن مالك فالتشهير فيما تقدم إنما هو باعتبار التخيير لا التمليك فإن موضوعه عندنا أصل الطلاق فقط كما علمت فهو كناية ظاهرة يلزم به طلقة رجعية إن لم توقع أكثر وعند الشافعي هو كناية خفية كالتخيير يرجع فيما يقع بكل منهما إلى نية وقد قيل هو على ما تقوله من إعداد الطلاق وليس للزوج مناكرتها كالتخيير وقيل هو كالتخيير طلقة رجعية ولو أوقعت أكثر وقيل هو
324
324
وثانيها أن إحدى نسائه عليه السلام اختارت نفسها فكانت ألبتة فكان ذلك أصلا في الخيار قال اللخمي وهو غير صحيح والذي في الصحيحين أن عائشة رضي الله عنها قالت إني أريد الله ورسوله والدار الآخرة ثم فعل أزواجه مثل ذلك وثالثها أن المفهوم من هذا اللفظ عادة إنما هو التخيير في الكون في العصمة أو مفارقتها هذا هو السابق للفهم من قول القائل لزوجته خيرتك والأئمة الثلاثة ينازعون في
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
كالتخيير لغوا لا يلزم به شيء أصلا
وقيل هو خلاف التخيير كناية خفية لا يلزم به إلا ما نواه وقيل هو غير التخيير يلزم به ما قالته من إعداد الطلاق فإن أوقعت واحدة فبائنة فالأقوال فيه سبعة شارك التخيير في أربعة وخالفه في ثلاثة وحكي الأصل في التخيير عن القاضي عياض في كتاب التنبيهات سبعة أقوال أيضا
الأول
وهو المشهور عندنا الثلاث نوتها المرأة أم لا فإن قضت بدونها فهل يسقط خيارها خلاف القول الثاني لعبد الملك من أصحابنا الثلاث وإن نوت دونها القول الثالث وهو مروي عن مالك الثلاث إن قالت اخترت نفسي وواحدة بائنة إن اختارت زوجها أو أرادت الخيار عليه وهذان القولان مقابلا المشهور عندنا وعلى كل من هذه الثلاثة التخيير خلاف التمليك فإن موضوع التمليك أصل الطلاق كما علمت القول الرابع أنه واحدة بائنة وللزوج المناكرة في الثلاث ولم ينسبه عياض لأحد ولم يظهر عليه إلا كون التمليك بخلافه فقط إذ لم يقل أحد بهذا القول فيه فافهم القول الخامس لابن الجهم وعمر وعلي رضي الله عنهما أنه طلقة واحدة بائنة والذي يظهر أنه على هذا ليس للزوج المناكرة في الثلاث كما مر عن حفيد ابن رشد في التمليك من أن المروي عن علي وابن المسيب فيه وبه قال الزهري وعطاء هو أن القول قولها في أعداد الطلاق وليس للزوج مناكرتها فتأمل القول السادس أنه طلقة رجعية ولو أوقعت أكثر وهو إما أن ينسب لأبي يوسف كما قال عياض وعليه فهو إما بخلاف التمليك فإنه طلقة بائنة كما مر عن أبي حنيفة وإما كالتمليك كما مر عن حفيد ابن رشد أنه روى عن ابن مسعود وعمر أنه لا يلزم التمليك إلا طلقة واحدة رجعية ولو أوقعت ثلاثا وإما أن ينسب لابن حنبل فيكون خلاف التمليك لأنه عنده كالتوكيل يلزم به ما قالته فإن أوقعت واحدة فبائنة كما مر عن الشيخ منصور بن إدريس الحنبلي فتنبه القول السابع أنه كناية خفية لا يلزم به شيء إلا بالنية وحكي الأصل عن عياض أنه اتفق عليه الشافعي وأبو حنيفة وابن حنبل وأنهم عللوا ذلك بأن لفظ التخيير يحتمل التخيير في الطلاق وغيره فإن أراد الطلاق فيحتمل الوحدة والكثرة والأصل بقاء العصمة حتى ينوي ا ه
والذي يؤخذ مما تقدم أن معتمد مذهب ابن حنبل أنه طلقة رجعية ولو أوقعت أكثر لما تقدم عن الشيخ منصور الحنبلي وأنه خلاف التمليك إذ التمليك كالتوكيل القول قولها فيما توقعه فإن أوقعت واحدة فبائنة وأن الذي اتفق على هذا إنما هو الشافعي وأبو حنيفة على أنهما اختلفا مع ذلك في التمليك فقال الشافعي هو كالتخيير في هذا الحكم وقال أبو حنيفة هو بخلاف لأنها إن طلقت نفسها واحدة فيه
325
325
أن هذا هو المفهوم عادة والصحيح الذي يظهر لي أن قول الأئمة هو مقتضى اللفظ لغة لا مرية في ذلك وإن مالكا رحمه الله أفتى بالثلاث والبيونة كما تقدم بناء على عادة كانت في زمانه أوجبت نقل اللفظ عن مسماه اللغوي إلى هذا المفهوم فصار صريحا فيه وهذا هو الذي يتجه وهو سر الفرق بين قاعدة التخيير والتمليك غير أنه يلزم عليه أن هذا الحكم قد بطل وتغيرت الفتيا ويجب الرجوع إلى اللغة كما قاله الأئمة وتصير كناية محضة
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
فهي بائنة كما تقدم عن حفيد ابن رشد فتأمل ذلك واعتمد أصحابنا في الاستدلال لمشهور مالك المتقدم على ثلاثة مدارك المدرك الأول قوله تعالى يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها
الآية
قالوا هذه الآية تدل على البينونة بالثلاث المدرك الثاني أن إحدى نسائه عليه السلام اختارت نفسها فكانت ألبتة فكان ذلك أصلا في الخيار المدرك الثالث أن المفهوم من هذا اللفظ عادة إنما هو التخيير في الكون في العصمة أو مفارقتها هذا هو السابق للفهم من قول القائل لزوجته خيرتك وتعقب اللخمي المدرك الأول بأربعة أوجه الأول أنه عليه السلام كان المطلق لا النساء لقوله تعالى وأسرحكن سراحا جميلا الوجه الثاني سلمنا أن الأزواج كن اللاتي طلقن لكن السراح لا يوجب إلا واحدة كما لو قال سرحتك الوجه الثالث سلمنا أنه الثلاث لكنه مختص به عليه السلام لأن تحريم الطلاق الثلاث معلل بالندم وهو عليه السلام أملك لنفسه منا الوجه الرابع أن التخيير إنما كان بين الحياة الدنيا والدار الآخرة وتعقب المدرك الثاني بأنه غير صحيح والذي في الصحيحين أن عائشة رضي الله عنها قالت إني أريد الله ورسوله والدار الآخرة ثم فعل أزواجه مثل ذلك والأئمة الثلاثة ينازعون في أن هذا أي التخيير في الكون في العصمة أو مفارقتها هو المفهوم عادة لكن في شرح الحطاب على المختصر كما في البناني على ابن عبق أن الفرق بين التخيير والتمليك قيل أمر عرفي لا مشاركة للغة فيه فقولهم في المشهور إن للزوج أن يناكر المملكة دون المخيرة إنما هو أمر مستفاد من العرف وعلى هذا ينعكس الحكم بانعكاس العرف وقيل هو وإن كان تابعا للعرف إلا أن العرف تابع للغة أو قريب منها لأن التمليك إعطاء ما لم يكن حاصلا فلذلك قلنا إن للزوج أن يناكرها لأن الأصل بقاء ملكه بيده فلا يلزمه إلا ما اعترف أنه إعطاء
وأما التخيير فقال أهل اللغة خير فلان بين الشيئين إذا جعل له الخيار فيكون تخيير الزوجة معناه أن الزوج فوض إليها البقاء على العصمة والذهاب عنها وذلك إنما يتأتى لها إذا حصلت على حال لا يبقى للزوج عليها حكم وإنما يكون ذلك بعد الدخول في إيقاع الثلاث نظر ضيح وابن عبد السلام ا ه
وقال الأصل والصحيح الذي يظهر لي أن قول الأئمة هو مقتضى اللفظ لغة لا مرية في ذلك وأن مالكا رحمه الله أفتى بالثلاث والبينونة كما تقدم بناء على عادة كانت في زمانه أوجبت نقل اللفظ عن مسماه اللغوي إلى هذا المفهوم فصار صريحا فيه وهذا هو الذي يتجه وهو سر الفرق بين قاعدة التخيير
326
326
بسبب أن العرف قد تغير حتى لم يصر أحد يستعمل هذا اللفظ إلا في غاية الندرة فضلا عن كثرة الاستعمال التي تصيره منقولا والقاعدة أن اللفظ متى كان الحكم فيه مضافا لنقل عادي بطل ذلك الحكم عند بطلان تلك العادة وتغير إلى حكم آخر إن شهدت له عادة أخرى فهذا هو الفقه المتجه
الفرق التاسع والستون والمائة بين قاعدة ضم الشهادتين في الأقوال وبين قاعدة عدم ضمها في الأفعال
هامش أنوار البروق
قال
الفرق التاسع والستون والمائة بين قاعدة ضم الشهادة في الأقوال وبين قاعدة عدم ضمها في الأفعال
هامش إدرار الشروق
وقاعدة التمليك غير أنه يلزم عليه بطلان هذا الحكم اليوم ووجوب الرجوع إلى اللغة ويكون كناية محضة كما قاله الأئمة بسبب أن العرف قد تغير حتى لم يصر أحد يستعمل هذا اللفظ إلا في غاية الندرة فضلا عن كثرة الاستعمال التي تصيره منقولا والقاعدة أن اللفظ متى كان الحكم فيه مضافا لحكم عادي بطل ذلك الحكم عند بطلان تلك العادة وتغير إلى حكم آخر إن شهدت له عادة أخرى فهذا هو الفقه المتجه ا ه وكتب عليه ابن الشاط ما نصه ما قاله من أن مالكا رضي الله تعالى عنه إنما بنى على عرف زمانه هو الظاهر وما قاله من لزوم تغير الفتوى عند تغير العرف صحيح ا ه منه والله أعلم
مسألة
قال الخرشي عند قول خليل في جواز التخيير قولان أي وكراهته وهذا يجري في المدخول بها وغيرها لأن موضعه الثلاث
وأما كونه يناكر غير المدخول بها فهذا شيء آخر ولم يتفقوا على كراهته مع أن موضعه الثلاث نظرا لمقصوده إذ هو البينونة التي قد تكون بواحدة كما في الخلع والطلاق قبل الدخول وإن كانت بحسب ما هنا إنما تكون بالثلاث وينبغي جري الخلاف في التمليك إذا قيد بالثلاث وإلا فهو مباح وانظر التوكيل إذا قيد بالثلاث والظاهر الكراهة قطعا ا ه
قال العدوي عليه ووجهه إما أن الموكل داخل على الثلاث بخلاف المخير وكذا الملك إذا قيد بالثلاث فلا يلزم من تخييرها أو تمليكها كونها توقع الطلاق لأن الشأن أن النساء لا يرين الفراق فلذا كان الراجح فيهما الإباحة ويكره في حقها قطعا وقوع الثلاث كما أفاده بعض الشيوخ وإما أن الموكل لما كان له العزل في التوكيل صار كأنه الموقع للثلاث فلذا كره قطعا بخلاف التمليك فإنها الموقعة لها ا ه ببعض تصرف والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق التاسع والستون والمائة بين قاعدة ضم الشهادة في الأقوال وبين قاعدة عدم ضمها في الأفعال على مشهور مذهب مالك رحمه الله تعالى فقد قال إذا شهد أحد الشاهدين أنه حلف أن لا يدخل الدار
327
327
اعلم أن مالكا رحمه الله قال إذا شهد أحدهما أنه حلف أن لا يدخل الدار وأنه دخل وشهد الآخر أنه لا يكلم زيدا وأنه كلمه حلف المشهود عليه فإن نكل سجن لأن الشاهدين لم يتفقا على متعلق واحد
وكذلك إذا اختلفا في العتق على هذه الصورة وقال إذا شهد أحدهما أنه طلقها بمكة في رمضان وشهد الآخر أنه طلقها بمصر في صفر طلقت وكذلك العتق قال ابن يونس ويشترط أن يكون بين البلدين مسافة يمكن قطعها في الأجل الذي بين الشهادتين وتضبط عدتها من يوم شهادة الأخير قلت وينبغي حمل كلامه على العدة في القضاء أما في الحكم فما تعتقده الزوجة في تاريخ الطلاق
وقال اللخمي قيل تضم الشهادتان في الأقوال والأفعال أو إحداهما قول والأخرى فعل ويقضي بها وقيل لا يضمان مطلقا وقيل يضمان في الأقوال
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله هنا حكاية أقوال ونحو ذلك ولا كلام فيه قال واعتمد الأصحاب في الفرق بين الأقوال والأفعال أن الأقوال يمكن تكررها ويكون الثاني خبرا عن الأول والأفعال لا يمكن تكررها إلا مع التعدد إلى قوله والحمل على الأصل أولى قلت ما قاله صحيح بناء على ما أصل إلا ما قاله من أن أصل قوله أنت طالق وأنت حر الخبر عن وقوع الطلاق والعتاق قبل زمان النطق فإنه ليس بصحيح فإن الخبر باسم الفاعل المطلق لا يكون إلا للحال
هامش إدرار الشروق
وأنه دخل وشهد الآخر أنه لا يكلم زيدا وأنه كلمه حلف المشهود عليه فإن نكل سجن لأن الشاهدين لم يتفقا على متعلق واحد وكذلك إذا اختلفا في العتق على هذه الصورة
وقال إذا شهد أحدهما أنه طلقها بمكة في رمضان وشهد الآخر أنه طلقها بمصر في صفر طلقت وكذلك العتق قال ابن يونس ويشترط أن يكون بين البلدين مسافة يمكن قطعها في الأجل الذي بين الشهادتين وتضبط عدتها من يوم شهادة الأخير ا ه
قال الأصل وينبغي حمل كلامه أي ابن يونس على العدة في القضاء أما في الحكم فما تعتقده الزوجة تاريخ الطلاق ا ه
وقال اللخمي لو شهد أحدهما بالثلاث قبل أمس والثاني باثنتين أمس والثالث بواحدة اليوم لزم الثلاث لأن ضم الثاني للأول يوجب اثنتين قبل سماع الثالث فلما سمعه الثالث ضم للباقي من الأول وكذلك لو شهد الثاني بواحدة والأخير باثنتين لأن الثاني مع الأول طلقتان يضم إليهما طلقة أخرى وكذلك لو شهد الأول باثنتين والثاني بثلاث والأخير بواحدة هذا إذا علمت التواريخ فإن جهلت يختلف في لزوم الثلاث أو اثنتين لأن الزائد عليهما من باب الطلاق بالشك
وقال أبو حنيفة رحمه الله إذا شهد أحدهما بطلقة والآخر باثنتين لم يحكم بشيء لعدم حصول النصاب في شهادة منهما فلو شهد أحدهما ببائنة والآخر برجعية ضمت الشهادتان لأن الاختلاف ها هنا إنما هو في الصفة قال الأصل واعتمد الأصحاب في الفرق المذكور بين الأقوال والأفعال على أن الأقوال يمكن تكررها ويكون الثاني خبرا عن الأول والأفعال لا يمكن تكررها إلا مع التعدد وقاعدة أن الأصل في الاستعمال الإنشاء وتجديد المعاني بتجدد الاستعمالات لأنه مقصود الوضع حتى يدل دليل على التأكيد وإن كانت مقتضى عدم ضم الأقوال
328
328
فقط وقيل يضمان إذا كانتا على فعل فإن كانت إحداهما على قول والأخرى على فعل لم يضما والأقوال كلها لمالك رحمه الله واعتمد الأصحاب في الفرق بين الأقوال والأفعال أن الأقوال يمكن تكررها ويكون الثاني خبرا عن الأول والأفعال لا يمكن تكررها إلا مع التعدد وهذا الفرق فيه بحث وذلك أن الأصل في الاستعمال الإنشاء وتجديد المعاني بتجدد الاستعمالات والتأسيس حتى يدل دليل على التأكيد لأنه مقصود الوضع ومقتضى هذه القاعدة عدم ضم الأقوال والأفعال لعدم وجود النصاب في لفظ واحد منها لكن عارض هذه القاعدة قاعدة أخرى وهي أن أصل قولنا أنت طالق وأنت حر الخبر عن وقوع الطلاق والعتاق قبل زمن من النطق وكذلك بعت واشتريت وسائر صيغ العقود وإنما ينصرف لاستحداث هذه المعاني بالقرائن أو النقل العرفي
وإنما الأصل
هامش أنوار البروق
قال ولذلك شبه الأصحاب بما لو أقر بمال في مجالس فإنه لا يتعدد عليه ما أقر به قلت إنما لم يتعدد عليه ما أقر به لاحتمال تكرر الإقرار بمال واحد مع أن الأصل براءة الذمة من الزائد وكذلك ما نحن فيه من قوله عبدي فلان حر ثم كرر ذلك القول فإنه يحمل على أن الثاني خبر عن الأول بناء على ما أصل من أن الأصل الخبر فيكون حينئذ الشاهدان شهدا على شيء واحد وهو إنشاء العتق في العبد الذي سمي قلت لا أدري ما الحامل على تكلف تقديره كون القول الثاني خبرا عن الأول مع أنه لو بين بقرينة مقاله أو بقرينة حاله أنه يريد بالقول الثاني تأكيد الإنشاء لعتق
هامش إدرار الشروق
والأفعال لعدم وجود نصاب الشهادة في لفظ واحد منهما إلا أنه قد عارض هذه القاعدة قاعدة أخرى وهي أن أصل قولنا أنت طالق وأنت حر الخبر عن وقوع الطلاق والعتق قبل زمن النطق وكذلك بعت واشتريت وسائر صيغ العقود فإذا أجمعنا على أن القول الأول في المرة الأولى الذي في شهادة الشاهد الأول محمول على الإنشاء لا على الخبر ضرورة القضاء فيه بالطلاق والعتاق ولو كان المعتبر فيه الخبر دون الإنشاء أو أنه متردد بينهما على السواء لم يقض بطلاق ولا بعتاق ألبتة كما نفعله في جميع الألفاظ المترددة كان القول الثاني في المرة الثانية الذي في شهادة الشاهد الآخر صالحا للإخبار والإنشاء لأنه إنما ينصرف عن أصله الذي هو الخبر إلى إنشاء هذه المعاني واستحداثها بالقرائن أو النقل العرفي وشهادتهما بالقرائن شهادة بقول يصلح لهما فيحمل على الإخبار عملا بقاعدة ترجيح الأصل الذي هو الخبر والحمل على الأصل أولى ولذلك شبهه الأصحاب بما لو أقر بمال في مجالس فإنه لا يتعدد عليه ما أقر به أي لاحتمال تكرر الإقرار بمال واحد مع أن الأصل براءة الذمة من الزائد
وكذلك ما نحن فيه من قوله عبدي فلان حر ثم كرر ذلك القول فإنه يحمل على أن الثاني خبر عن الأول بناء على أن الأصل الخبر فيكون حينئذ الشاهدان شهدا على شيء واحد وهو إنشاء العتق في العبد الذي سمي كما قاله ابن الشاط ولما كان لفظ الإنشاء ولفظ الخبر صورتهما واحدة شرع ضم الثاني إلى الأول فيجتمع نصاب الشهادة في شيء واحد فيلزم الطلاق والعتاق
وأما الفعل الثاني فلا يمكن أن يكون عين الأول لأنه لا يصلح أن يكون خبرا عنه فإن الخبر من
329
329
الخبر فشهادتهما بالقرائن شهادة بقول يصلح للإخبار والإنشاء فيحمل القول الثاني على الإخبار في المرة الثانية عملا بقاعدة ترجيح الأصل الذي هو الخبر والحمل على الأصل أولى ولذلك شبه الأصحاب بما لو أقر بمال في مجالس فإنه لا يتعدد عليه ما أقر به أما لو فرضنا كل واحد من الشاهدين صمم على الإنشاء فيما سمعه كانت الأقوال كالأفعال في مقتضى كلام الأصحاب ومقتضى القواعد فيكون سر الفرق على المشهور أنه أنشأ أولا وأخبر ثانيا عن ذلك الإنشاء ولما كان لفظ الإنشاء ولفظ الخبر صورتهما واحدة شرع ضم الثاني إلى الأول فيجتمع النصاب في شيء واحد فيلزم الطلاق والعتاق وأما الفعل الثاني فلا يمكن أن يكون عين الأول لأنه لا يصلح أن يكون خبرا عنه فإن الخبر من خصائص الأقوال فصار مشهودا به آخر يحتاج إلى نصاب كامل في
هامش أنوار البروق
ذلك العبد لكملت شهادة الشاهدين بذلك العتق
وكذلك لو تبين بالقرائن أن القول الأول خبر عن أنه كان عقد عتقه والقول الثاني أيضا كذلك لحصلت شهادة شاهدين على إقراره بعتقه فلا فرق إذا بين ما إذا كان القولان إنشاء أو كانا خبرا أو كان أحدهما خبرا والآخر إنشاء من حيث إن المقصود وهو وقوع عتقه إياه قد حصل على كل تقدير من تلك التقادير نعم إذا تبين بالقرائن أو احتمل أن القول الثاني تأسيس إنشاء كالأول فها هنا لا يصح ضم الشهادتين المختلفتي التاريخ لأنه لا يكون على عقد العتق إلا شاهد واحد وهو الأول
هامش إدرار الشروق
خصائص الأقوال فصار مشهودا به غير الأول فيحتاج إلى نصاب كامل في نفسه هذا هو سر الفرق نعم لو فرضنا كل واحد من الشاهدين صمم على الإنشاء فيما سمعه كانت الأقوال كالأفعال في مقتضى كلام الأصحاب ومقتضى القواعد ا ه كلام الأصل بتهذيب وتعقبه الإمام ابن الشاط بوجوه
الوجه الأول
أن ما قاله من أن أصل قوله أنت طالق وأنت حر الخبر عن وقوع الطلاق والعتاق قبل زمان النطق ليس بصحيح فإن الخبر باسم الفاعل المطلق لا يكون إلا للحال ا ه بلفظه وفيه أنه إن أراد اتفاقا فغير مسلم لقول العلامة الخفاجي في طراز المجالس ذهب قوم إلى أنه لا دلالة أي لاسم الفاعل على زمان أصلا وآخرون إلى أنه حقيقة في الحال والماضي مجاز في غير ذلك وآخرون إلى أنه حقيقة في الحال والمستقبل وقوم إلى أنه حقيقة في الحال فقط وهو المشهور
ثم إنه هل هو كذلك مطلقا أم إذا ركب مع غيره أم إذا كان محمولا ذهب آخرون إلى أنه كذلك إذا عمل النصب فقط وآخرون فرقوا بين الأعراض السيالة والقارة وفرق قوم بين صفات الله وغيرها ا ه كما في حاشية كنون على عبق قال وعلى قوله أم إذا كان محمولا يأتي ما ذكره ابن الخطيب في الإحالة والسوداني في نيل الابتهاج والمقري في نفح الطيب عن أبي عبد الله المقري قال شهدت مجلسا بين يدي السلطان ابن تاشفين عبد الرحمن بن موسى بن حمو سلطان تلمسان الذي استولى على ملكه أبو الحسن المريني بعد قتله قرأ على أبي زيد ابن الإمام حديث مسلم لقنوا موتاكم إلخ فقال له الأستاذ أبو إسحاق بن حكم السلوى هذا الملقن محتضر حقيقة ميت مجازا فما وجه ترك محتضريكم إلى موتاكم والأصل
330
330
نفسه فهذا هو سر الفرق ومن لاحظ قاعدة الإنشاء قال بعدم الضم فيهما وهو ظاهر لإجماعنا على أن اللفظ الأول محمول على الإنشاء لا على الخبر وما يقضي إلا به
ولو كان المعتبر فيه الخبر دون الإنشاء أو هو متردد بينهما على السواء لم يقض بالطلاق ولا بالعتاق ألبتة كما نفعله في جميع الألفاظ المترددة وأما ضم الأفعال مع تعذر الإخبار فيها فملاحظة للمعنى دون خصوص السبب فإن كل شاهد شهد بأنها مطلقة وبأي سبب كان ذلك لا يعرج عليه ولو صرحا بالطلاق هكذا انضمت الشهادات
وأما عدم الضم إذا كانت إحداهما على قول والأخرى على فعل فلأن ذلك مختلف الجنس والضم إنما يكون في الجنس الواحد وضم الشيء إلى جنسه أقرب من ضمه إلى غير جنسه وإذا شهد بتعليقين على شيء واحد في زمانين كرمضان وصفر كما قال فإنه يجعل التعليق الثاني
هامش أنوار البروق
وأما الثاني فإنما شهد بما لا يصح عقد العتق به لأن العقد لا ينعقد فيمن تقدم عتقه
قال أما لو فرضنا كل واحد من الشاهدين صمم على الإنشاء فيما سمعه كانت الأقوال كالأفعال إلى قوله كالقول في ألفاظ الإنشاءات حرفا بحرف قلت لا أحسب ما بني عليه الفرق من كون القول الثاني خبرا عن الأول صحيحا بل الذي ينبغي أن يكون أصلا في هذه المسائل سواء كانت قولا أو فعلا أم كيفما كان أن ينظر إليها فإن قبلت الضم ضمت وإلا فلا ففي القول كمسألة الإقرار بمال كمن يقول في رمضان لفلان عندي دينار
هامش إدرار الشروق
الحقيقة فأجابه أبو زيد بجواب لم يقنعه وكنت قرأت على الأستاذ بعض التنقيح فقلت زعم القرافي أنه إنما يكون حقيقة في الحال مجازا في الاستقبال مختلفا فيه في الماضي إذا كان محكوما به أما إذا كان متعلق الحكم كما هنا فهو حقيقة مطلقا إجماعا وعلى هذا لا مجاز فلا سؤال لا يقال إنه احتج على ذلك بما فيه نظر لأنا نقول إنه نقل الإجماع وهو أحد الأربعة التي لا يطالب مدعيها بالدليل كما ذكره أيضا بل نقول إنه أساء حيث احتج في موضع الوفاق كما أساء اللخمي وغيره في الاستدلال على وجوب الطهارة ونحوها بل هذا أشنع لكونه مما علم من الدين بالضرورة
ثم إنا لو سلمنا نفي الإجماع فلنا أن نقول إن ذلك إشارة إلى ظهور العلامات التي يعقبها الموت عادة لأن تلقينه قبل ذلك إن لم يدهش فهو يوحش فهو تنبيه على وقت التلقين أي لقنوا من تحكمون بأنه ميت أو نقول إنما عدل عن الاحتضار لما فيه من الإبهام ألا ترى إلى اختلافهم فيه هل أخذ من حضور الملائكة ولا شك أن هذه حالة خفية نحتاج في نصبها دليل الحكم إلى وصف ظاهر يضبطها وهو ما ذكرناه أو من حضور الموت وهو أيضا مما لا يعرف بنفسه بل بالعلامات فلما وجب اعتبارها وجب كون تلك التسمية إشارة إليها والله أعلم ا ه
وذكر هذه الحكاية أيضا في نوازل الجنائز من المعيار وزاد ما نصه وقال سيدي أبو عبد الله مق لعله من الإيماء إلى علة الحكم والإشارة إلى وقت نفع تلك الكلمة النفع التام وهو الموت عليها لا حال الحياة من احتضار أو غيره أي لقنوهم إياها ليموتوا عليها وتنفع ومثله ولا تموتون إلا وأنتم مسلمون أي دوموا عليه لتموتوا عليه فيتم نفعه والله تعالى أعلم ا ه
انتهى كلام كنون بلفظه وإن أراد عند الجمهور ورد أن المراد حال التلبس لا حال النطق كما زعم القرافي ففي جمع الجوامع والجمهور على اشتراط بقاء المشتق منه في كون المشتق حقيقة إن أمكن وإلا فآخر جزء
331
331
خبرا عن التعليق الأول لا إنشاء للربط بل إخبارا عن ارتباط الطلاق بذلك المعنى وفي الأول أنشأ الربط به فالقول في ألفاظ التعاليق كالقول في ألفاظ الإنشاءات حرفا بحرف
تفريع
قال اللخمي لو شهد أحدهما بالثلاث قبل أمس والثاني باثنتين أمس والثالث بواحدة اليوم لزم الثلاث لأن ضم الثاني للأول يوجب اثنتين قبل سماع الثالث فلما سمعه الثالث ضم للباقي من الأول وكذلك لو شهد الثاني بواحدة والأخير باثنتين لأن الثاني مع الأول طلقتان يضم إليهما طلقة أخرى
وكذلك لو شهد الأول باثنتين والثاني بثلاث والأخير بواحدة هذا إذا علمت التواريخ فإن جهلت يختلف في لزوم الثلاث أو اثنتين لأن الزائد عليهما من باب الطلاق بالشك
وقال أبو حنيفة رحمه الله إذا شهد أحدهما بطلقة والآخر بأكثر لم يحكم بشيء لعدم حصول النصاب في شهادة منهما فلو
هامش أنوار البروق
فسمعه شاهد ثم يقول في شوال لفلان عندي دينار فسمعه آخر فلا شك أن هذا الموضع يقبل الضم فتكمل الشهادة ويقضى عليه بالدينار وفي الفعل كمن يشرب الخمر في شوال فيشاهده شاهد
ثم يشربها في ذي القعدة فيشاهده آخر فلا شك أن هذا الموضع يقبل الضم فإن الشاهدين معا قد اجتمعا معا على مشاهدتهما إياه يشرب الخمر فتكمل الشهادة فيلزمه الحد
وأما القول الذي لا يقبل الضم فكما إذا قال في رمضان عبدي فلان حر على قصد تأسيس الإنشاء لعتقه فشهد عليه بذلك شاهد ثم قال في شوال عبدي فلان حر على ذلك القصد بعينه فيشهد عليه بذلك شاهد
هامش إدرار الشروق
وثالثها الوقف ومن ثم كان اسم الفاعل حقيقة في الحال أي حال التلبس لا النطق خلافا للقرافي ا ه
كما في حاشية كنون على عبق ولا شك أن حال تلبسها بالطلاق والحرية هو الزمن الماضي الذي أنشأ القول الأول فيه فتأمل بإنصاف
الوجه الثاني
أنه لا يدري ما الحامل على تكلف تقديره كون القول الثاني خبرا عن الأول مع أنه لو بين بقرينة حاله أنه يريد بالقول الثاني تأكيد الإنشاء لعتق ذلك العبد لكملت شهادة الشاهدين بذلك العتق وكذلك لو تبين بالقرائن أن القول الأول خبر عن أنه كان عقد عتقه والقول الثاني أيضا كذلك لحصلت شهادة شاهدين على إقراره بعتقه فلا فرق إذا بين ما إذا كان القولان إنشاء أو كانا خبرا أو كان أحدهما خبرا والآخر إنشاء من حيث إن المقصود وهو وقوع عتقه إياه قد حصل على كل تقدير من تلك التقادير نعم إذا تبين بالقرائن أو احتمل أن القول الثاني تأسيس إنشاء كالأول فها هنا لا يصح ضم الشهادتين المختلفتي التاريخ لأنه لا يكون على عقد العتق إلا شاهد وهو الأول وأما الثاني فإنما شهد بما لا يصح عقد العتق به لأن العتق لا ينعقد فيمن تقدم عتقه ا ه
وفيه أن قوله أو كان أحدهما خبرا والآخر إنشاء يصدق بما إذا كان القول الأول خبرا عن أنه كان عقد عتقه والقول الثاني إنشاء لعتق ذلك العبد كما يصدق بالعكس مع أن كمال نصاب الشهادة إنما يظهر على صدقه على الثاني أما على الأول فلا لاحتمال أن يكون القول الثاني عليه تأسيس إنشاء فتكون الشهادة به شهادة بما لا يصح عقد العتق به لأن العتق إلخ نعم لو قامت قرينة مقاله أو حاله على أنه يريد بالقول الثاني تأكيد الإنشاء لعتق ذلك العبد الذي شهد الشاهد الأول بإقراره به لكملت شهادة الشاهدين بذلك
332
332
شهد أحدهما ببائنة والآخر برجعية ضمت الشهادتان لأن الاختلاف هاهنا إنما هو في الصفة قال مالك في المدونة إذا شهد أحدهما أنه قال في محرم إن فعلت كذا فامرأتي طالق وشهد الآخر أنه قال ذلك في صفر وشهدا عليه أو غيرهما بالفعل بعد صفر طلقت لاتفاقهما على التعليق والمعلق عليه كما لو اتفقا على المقر به ولو اختلفا في زمن
هامش أنوار البروق
آخر وتعذر قبول الضم هنا من قبل أن عقد العتق لا يتعدد وأما الفعل الذي لا يقبل الضم فكما إذا شهد شاهد أنه شاهد زيدا قتل عمرا في شوال وشهد شاهد آخر أنه شاهد قتله في ذي القعدة وتعذر قبول الضم هنا من قبل أن القتل لا يتعدد وعلى ما تقرر تشكل المسألة التي نقل عن مالك رحمه الله من أنه إذا شهد أحد الشاهدين أنه طلقها بمكة في رمضان وشهد الآخر أنه طلقها بمصر
هامش إدرار الشروق
العتق على الأول ولك أن تقول إن قوله نعم إن تبين بالقرائن أو احتمل أن القول الثاني تأسيس إلخ يشمل احتمال التأسيس على هذا الأول أيضا فتأمل بإمعان وإنصاف
الوجه الثالث
أن ما بني عليه الفرق من كون القول الثاني خبرا عن الأول لا أحسبه صحيحا بل الذي ينبغي أن يكون أصلا في هذه المسائل سواء كانت قولا أو فعلا أم كيفما كان أن ينظر إليها فإن قبلت الضم ضمت وإلا فلا فبقي القول كمسألة الإقرار بمال كمن يقول في رمضان لفلان عندي دينار فسمعه شاهد ثم يقول في شوال لفلان عندي دينار فسمعه آخر فلا شك أن هذا الموضع يقبل الضم فتكمل الشهادة ويقضى عليه بالدينار وفي الفعل كمن يشرب الخمر في شوال فيشاهده شاهد ثم يشربها في ذي القعدة فيشاهده آخر فلا شك أن هذا الموضع يقبل الضم فإن الشاهدين معا قد اجتمعا على مشاهدتهما إياه يشرب الخمر فتمكن الشهادة فيلزمه الحد
وأما القول الذي لا يقبل الضم فكما إذا قال في رمضان عبدي فلان حر على قصد تأسيس الإنشاء لعقده فشهد عليه بذلك شاهد ثم قال في شوال عبدي فلان حر على ذلك القصد بعينه فيشهد عليه بذلك شاهد آخر وتعذر قبول الضم هنا من قبل أن عقد العتق لا يتعدد وأما الفعل الذي لا يقبل الضم فكما إذا شهد شاهد أنه شاهد زيدا قتل عمرا في شوال وشهد شاهد آخر أنه شاهد قتله في ذي القعدة وتعذر قبول الضم هنا من قبل أن القتل لا يتعدد الوجه الرابع أن المسألة التي نقلها عن مالك رحمه الله تعالى من أنه إذا شهد أحد الشاهدين أنه طلقها بمكة في رمضان وشهد الآخر أنه طلقها بمصر في صفر طلقت تشكل على ما تقرر من حيث إن المدة التي بين رمضان وصفر أكثر من مدة العدة فعلى تقدير قصده تأسيس الإنشاء فالقول الثاني لا ينعقد به طلاق لأنها قد انحلت عصمته عنها قبل هذا التاريخ بمقتضى شهادة الأول وعلى تقدير قصد الخبر فالقول الثاني يبعد اطلاع الشاهد على هذا القصد لاحتمال القول الثاني قصد تأسيس الإنشاء وقصد تأكيده وقصد الخبر وترجيح قصد الخبر بأنه الأصل لا يخفى ضعفه والله أعلم ا ه بلفظه
هذا ومقابل المشهور المذكور أربعة أقوال كلها لمالك رحمه الله حكاها اللخمي قال قيل تضم الشهادتان في الأقوال والأفعال أو أحدهما قول والآخر فعل ويقضي بها وقيل لا يضمان مطلقا وقيل يضمان في الأقوال فقط وقيل يضمان إذا كانتا على فعل فإن كان إحداهما على قول والأخرى على فعل لم يضما ا ه قال الأصل والقول من الأربعة المذكورة لاحظ قاعدة الإنشاء وهو ظاهر لإجماعنا على أن اللفظ الأول محمول على الإنشاء لا على الخبر وأنه لا يقضي إلا به ولو كان المعتبر فيه الخبر دون الإنشاء أو هو متردد بينهما على السواء لم يقض
333
333
الإقرار وإن شهدا في مجلس التعليق وشهد أحدهما أنه فعل يوم الجمعة الشرط والآخر أنه فعله يوم السبت طلقت لاتفاقهما على التعليق ووقوع الشرط وكذلك لو نسبا قوله لمكانين واعلم أن هذه الإطلاقات إنما تصح إذا حمل الثاني على الخبر أما لو صمم كل واحد على الإنشاء فلا يوجد في هذه المسألة على هذا التقدير الضم في الشهادات وإنما وجد في الإطلاقات المحتملة على ما تقدم بيانه على تلك القواعد المتقدمة
هامش أنوار البروق
في صفر طلقت من حيث إن المدة التي بين رمضان وصفر أكثر من مدة العدة فعلى تقدير قصده تأسيس الإنشاء فالقول الثاني لا ينعقد به طلاق لأنها قد انحلت عصمته عنها قبل هذا التاريخ بمقتضى شهادة الأول وعلى تقدير قصد الخبر فالقول الثاني يبعد إطلاع الشاهد على هذا القصد لاحتمال القول الثاني قصد تأسيس الإنشاء وقصد تأكيده وقصد الخبر وترجيح قصد الخبر بأنه الأصل لا يخفى ضعفه والله أعلم وما قاله بعد حكاية أقوال ولا كلام فيها وما قاله من الحمل على الخبر فهو بناء على أصله وما قاله فيما إذا شهد له الإنشاء صحيح والله أعلم
وما ذكره في الفرق بعده صحيح أيضا
هامش إدرار الشروق
بالطلاق ولا بالعتاق ألبتة كما نفعله في جميع الألفاظ المترددة وضم الأفعال على القول الأول والرابع مع تعذر الإخبار فيها ملاحظة للمعنى دون حصول السبب فإن كل شاهد شهد بأنها مطلقة وبأي سبب كان ذلك لا يعرج عليه ولو صرحا بالطلاق هكذا انضمت الشهادات
وأما عدم الضم الذي صرح به الرابع إذا كانت إحداهما على قول والأخرى على فعل فلان ذلك مختلف الجنس والضم إنما يكون في الجنس الواحد وضم الشيء إلى جنسه أقرب من ضمه إلى غير جنسه فافهم تنبيه قال مالك في المدونة إذا شهد أحدهما أنه قال في محرم إن فعلت فامرأتي طالق وشهد الآخر أنه قال ذلك في صفر وشهدا عليه أو غيرهما بالفعل بعد صفر طلقت لاتفاقهما على التعليق والمعلق عليه كما لو اتفقا على المقر به وله واختلفا في زمن الإقرار وإن شهدا في مجلس على التعليق وشهد أحدهما أنه فعل يوم الجمعة الشرط والآخر أنه فعله يوم السبت طلقت لاتفاقهما على التعليق ووقوع الشرط وكذلك لو نسبا قوله لمكانين ا ه قال الأصل وإنما تصح هذه الإطلاقات إذا حمل الثاني على الخبر أما لو صمم كل واحد على الإنشاء فلا يوجد في هذا التقدير الضم في الشهادات وإنما وجد في الإطلاقات المحتملة على ما تقدم بيانه على تلك القواعد المتقدمة قال فالقول في ألفاظ التعاليق كالقول في ألفاظ الإنشاءات حرفا بحرف فإذا شهدا بتعليقين على شيء واحد في زمانين كرمضان وصفر كما قال يعني مالكا في ألفاظ الإنشاءات فإنه يجعل التعليق الثاني خبرا عن التعليق الأول أي عن ارتباط الطلاق بذلك المعنى لا إنشاء للربط وفي الأول إنشاء الربط بذلك المعنى ا ه قال ابن الشاط ما قاله من الحمل على الخبر أي حمل التعليق الثاني على الخبر فهو بناء على أصله أي وقد تقدم ما فيه وما قاله فيما إذا شهد له الإنشاء صحيح والله أعلم ا ه بلفظه والله سبحانه وتعالى أعلم

334
334
الفرق السبعون والمائة بين قاعدة ما يلزم الكافر إذا أسلم وقاعدة ما لا يلزمه
اعلم أن أحوال الكافر مختلفة إذا أسلم فيلزمه ثمن البياعات وأجر الإجارات ودفع الديون التي اقترضها ونحو ذلك ولا يلزمه من حقوق الآدميين القصاص ولا الغصب والنهب إن كان حربيا وأما الذمي فيلزمه جميع المظالم وردها لأنه عقد الذمة وهو راض بمقتضى عقد الذمة
وأما الحربي فلم يرض بشيء فلذلك أسقطا عنه الغصوب والنهوب والغارات ونحوها وأما حقوق الله تعالى فلا تلزمه وإن كان ذميا مما تقدم في كفره لا ظهار ولا نذر ولا يمين من الأيمان ولا قضاء الصلوات ولا الزكوات ولا شيء فرط فيه من حقوق الله تعالى لقوله عليه الصلاة والسلام الإسلام يجب ما قبله وضابط الفرق أن حقوق العباد قسمان منها ما رضي به حالة كفره واطمأنت نفسه بدفعه لمستحقه فهذا لا يسقط بالإسلام لأن إلزامه إياه ليس منفرا له عن الإسلام لرضاه وما لم يرض بدفعه
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
الفرق السبعون والمائة بين قاعدة ما يلزم الكافر إذا أسلم وقاعدة ما لا يلزمه
من حقوق الله تعالى وحقوق العباد وضابط الفرق وسره أن حقوق الله لا تلزمه مطلقا كانت مما رضي به كالنذور والأيمان أو مما لم يرض به كالصلوات والصيام كان هو حربيا أو ذميا كما لم يرض الحربي حالة كفره بدفعه لمستحقه من العباد كالقتل والغصب ونحو ذلك مما هو من حقوق العباد التي دخل في الإسلام معتمدا على أنه لا يوفيها أهلها فهذا كله يسقط عن الكافر بإسلامه أما حقوق الله فلأمرين الأمر الأول قوله صلى الله عليه وسلم الإسلام يجب ما قبله الأمر الثاني الفرق بين حقوق الله وحقوق الآدميين من وجهين أحدهما أن الإسلام ونحو العبادات لما كانا حقين لجهة واحدة وهي جهة الله تعالى وكان الإسلام أصلا للعبادات ونحوها بحيث تتوقف صحتها عليه ناسب أن يقدم عليها بالترغيب فيه بإسقاطها نظرا لكونه حقا حاصلا لجهة الحق الساقط فتقدم مصلحته على مصلحة ما اتحد معه في الجهة لأصالته لا على ما خالفه فيها كحق الآدميين إذ المناسب أن لا يسقط حقهم بتحصيل حق غيرهم وثانيهما أن الله تعالى كريم جواد تناسب رحمته المسامحة وسقوط حقوقه مطلقا بخلاف العبد فإنه بخيل ضعيف يناسب التمسك بحقه مطلقا إلا أنه جرى فيه التفصيل الآتي لما ستعرفه
وأما ما لم يرض الحربي حالة كفره بدفعه لمستحقه من العباد كالغصوب والنهوب والغارات ونحوها من حقوق العباد التي دخل إلخ فلأن في إلزامه ما لم يعتقد لزومه تنفيرا له عن الإسلام فقدمت مصلحة الإسلام على مصلحة ذوي الحقوق وأما حقوق الآدميين التي رضي حالة كفره بدفعها لمستحقها من العباد واطمأنت نفسه بذلك فهذا
335
335
لمستحقه كالقتل والغصب ونحوه فإن هذه الأمور إنما دخل عليها معتمدا على أنه لا يوفيها أهلها فهذا كله يسقط لأن في إلزامه ما لم يعتقد لزومه تنفيرا له عن الإسلام فقدمت مصلحة الإسلام على مصلحة ذوي الحقوق وأما حقوق الله تعالى فتسقط مطلقا رضي بها أم لا والفرق بينها وبين حقوق الآدميين من وجهين أحدهما أن الإسلام حق الله تعالى والعبادات ونحوها حق لله تعالى فلما كان الحقان لجهة واحدة ناسب أن يقدم أحدهما على الآخر ويسقط أحدهما الآخر لحصول الحق الثاني لجهة الحق الساقط
وأما حق الآدميين فجهة الآدميين والإسلام ليس حقا لهم بل لجهة الله تعالى فناسب أن لا يسقط حقهم بتحصيل حق غيرهم وثانيهما أن الله تعالى كريم جواد تناسب رحمته المسامحة والعبد بخيل ضعيف فناسب ذلك التمسك بحقه فسقطت حقوق الله تعالى مطلقا وإن رضي بها كالنذور والأيمان أو لم يرض بها كالصلوات والصيام ولا يسقط من حقوق العباد إلا ما تقدم الرضى به فهذا هو الفرق بين القاعدتين
الفرق الحادي والسبعون والمائة بين قاعدة ما يجزئ فيه فعل غير المكلف عنه وبين قاعدة ما لا يجزئ فيه فعل الغير عنه
هامش أنوار البروق
قال الفرق الحادي والسبعون والمائة بين قاعدة ما يجزئ فيه فعل غير المكلف عنه وبين قاعدة ما لا يجزئ فيه فعل الغير عنه قلت قد ذكر قبل هذا الفرق العاشر والمائة بين قاعدة ما تصح فيه النيابة وقاعدة ما لا تصح
هامش إدرار الشروق
يلزم ولا يسقط عنه بالإسلام لأن إلزامه إياه ليس منفرا له عن الإسلام لرضاه به لكن هذا يختلف بالنسبة للحربي والذمي فالذمي كما يلزمه ثمن البياعات وأجر الإجارات ودفع الديون التي اقترضها ونحو ذلك كذلك يلزمه جميع المظالم وردها كالغصوب والنهوب والغارات ونحوها لأنه عقد الذمة وهو راض بمقتضى عقد الذمة والحربي إنما يلزمه ثمن البياعات وأجر الإجارات ودفع الديون التي اقترضها ونحو ذلك مما رضي به حالة كفره واطمأنت نفسه به وأما الغصوب والنهوب والغارات ونحوها مما لم يرض به حالة كفره فلا يلزمه بل يسقط عنه بإسلامه لما علمت أفاده الأصل وقال ابن الشاط إنه صحيح والله أعلم
الفرق الحادي والسبعون والمائة بين قاعدة ما يجزئ فيه فعل غير مكلف عنه وبين قاعدة ما لا يجزئ فيه فعل الغير عنه قال الإمام ابن الشاط الفرق العاشر والمائة بين قاعدة ما تصح فيه النيابة وقاعدة ما لا تصح النيابة فيه
336
336
اعلم أن الأفعال المأمور بها ثلاثة أقسام قسم اتفق الناس على صحة فعل غير المأمور به عن المأمور وذلك كدفع المغصوب للمغصوب منه وإن لم يشعر الغاصب فإن ذلك يسد المسد ويزيل التكليف ودفع النفقات للزوجات والأقارب والدواب فإن دفعها غير من وجب عليه لمن وجبت له أجزأت وإن لم يشعر المأمور بها من زوج أو قربت وكذلك دفع اللقطة لمستحقها وإن لم يشعر ملتقطها وهذا النحو وقسم اتفق الناس على عدم إجزاء فعل غير المأمور به فيه وهو الإيمان والتوحيد والإجلال والتعظيم لله سبحانه وتعالى
هامش أنوار البروق
النيابة فيه وهو هذا بعينه غير أنه ذكر هنا مسائل لم يذكرها هناك وقد ذكر بعد هذا في الفرق السادس عشر والمائتين بين قاعدة ما يجوز التوكيل فيه وقاعدة ما لا يجوز التوكيل فيه وهو قريب منه أو هو هو وما قاله بعد إلى آخر القواعد نقل لا كلام فيه وصحيح ظاهر إلا قوله بتقدير ملك المقتول خطأ للدية فإن الصحيح فيها عندي أنه يملكها بإنفاذ المقاتل لا بالزهوق ولكن لا يجب أداؤها إلا بالزهوق كثمن المبيع إلى أجل يدخل في ملك البائع بالعقد ثم لا يجب الأداء إلا عند تمام الأجل والله أعلم
وإلا قوله يقدر انتقال ملكه عنه للمعتق عنه قبل صدور العتق بالزمن الفرد فإنه لا حاجة إلى ذلك التقدير بناء على قاعدة صحة النيابة في الأمور المالية قال فهذه القواعد هي سر هذه المسألة وهي مشكلة وأشكل منها ما نص عليه عبد الحق أنه
هامش إدرار الشروق
الذي ذكره الأصل قبل هذا الفرق هو هذا الفرق بعينه غير أنه ذكر هنا مسائل لم يذكرها هناك ا ه فلنقتصر هنا على المسائل التي لم يذكرها هناك لتكون توضيحا للفرق السابق ونخلص من وصمة التكرار
المسألة الأولى
الزكاة إن أخرجها أحد بغير علم من هي عليه أو غير إذنه في ذلك فعلى ما قاله بعض أصحابنا من عدم اشتراط النية فيها تمسكا بقياسها على الديون ويأخذ الإمام لها كرها والإكراه مع النية متنافيان ينبغي أن يجزئ فعل الغير فيها مطلقا كالدين الوديعة ونحوهما مما تقدم في القسم المجمع على صحة فعل غير المأمور به عن المأمور وعلى ما قاله مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم من اشتراط النية فيها لما فيها من شائبة التعبد من جهة مقاديرها في نصبها والواجب فيها وغير ذلك فإن كان المخرج غير الإمام فمقتضى قول أصحابنا في الأضحية يذبحها غير ربها بغير علمه وإذنه أنها تجزئه إن كان الفاعل لذلك صديقه ومن شأنه أن يفعل ذلك له بغير إذنه لأنه بمنزلة نفسه عنده لتمكن الصداقة بينهما أن يجري مثله هنا فيقال إن الزكاة تجزئه إن كان مخرجها من هذا القبيل ضرورة أن كلا منهما عبادة مأمور بها مفتقرة للنية وإن كان الفاعل ليس من هذا القبيل لا يجزئ عن ربها لافتقارها للنية على الصحيح من المذهب
وإن أخذها الإمام كرها وهو عدل أجزأت عند مالك والشافعي رحمهما الله تعالى اعتمادا على فعل الصديق وتمسكا بظاهر قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم فإن ظاهر الأمر الوجوب الذي أقل مراتبه الإذن والإجزاء ولأن الإمام وكيل الفقراء فله أخذ حقهم قهرا
337
337
وكذلك حكي في الصلاة الإجماع ونقل الخلاف في مذهب الشافعي في الصلاة عن الشيخ أبي إسحاق ويقال إنه مسبوق بالإجماع وقسم مختلف فيه هل يجزئ فعل غير المأمور عن المأمور به ويسد المسد أم لا وفيه أربع مسائل المسألة الأولى الزكاة إن أخرجها أحد بغير علم من هي عليه أو غير إذنه في ذلك فإن كان غير الإمام فمقتضى قول أصحابنا في الأضحية يذبحها غير ربها بغير علمه وإذنه إن كان الفاعل لذلك صديقه ومن شأنه أن يفعل ذلك بغير إذنه لأنه بمنزلة نفسه عنده لتمكن الصداقة بينهما أجزأته الأضحية إن كان مخرج الزكاة من هذا القبيل فمقتضى قولهم في الأضحية أن الزكاة تجزئه لأن كليهما عبادة مأمور بها مفتقرة للنية وإن كان ليس من
هامش أنوار البروق
يجوز العتق عن الغير تطوعا بغير إذنه وهذا أشكل من الواجب لأن الواجب فيه دلالة الحال دون المقال إلى آخر الفرق قلت لا إشكال في ذلك بناء على قاعدة جواز النيابة في الأمور المالية عبادة كانت أو غيرها ولا يحتاج فيها إلى الإذن ولا إلى تقدير الملك والوكالة والله أعلم وما قاله في الفرق بعد صحيح
هامش إدرار الشروق
كسائر الحقوق وقال أبو حنيفة لا يأخذها الإمام كرها لكن يلجئه إلى دفعها بالحبس وغيره لافتقارها للنية والإكراه مع النية متنافيان
المسألة الثانية
الصوم عن الميت إذا فرط فيه جوزه أحمد بن حنبل وروى الشافعية ذلك في مذهبهم أيضا لقوله عليه الصلاة والسلام من لم يصم صام عنه وليه ولم يجوزه مالك رحمه الله تعالى لقوله تعالى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وقياسا على الصلاة ومن هذا الباب الحج عن الميت أيضا وسيأتي زيادة تحقيق لهذا فترقب المسألة الثالثة قال صاحب الجواهر في العتق عن الغير ثلاثة أقوال الإجزاء لابن القاسم وهو المشهور وعدم الإجزاء لأشهب وقال عبد الملك إن أذن في العتق أجزأ عنه وإلا فلا وقاله الشافعي رضي الله عنه ا ه
وفي المدونة قال مالك من أعتق عبده عن ظهار غيره على جعل جعله له فالولاء للمعتق عنه وعليه الجعل ولا يجزئه أي عن ظهاره كالمشتري بشرط العتق أي في عدم إجزاء عتقه عن الظهار قال ابن القصار وإذا لم يكن في الجعل وضيعة عن الثمن جاز أي عتقه عن الظهار لأنه إذا جاز هبته أي هبة من يعتق في الظهار فبيعه أولى وقال اللخمي يجزئ العتق عن ظهار الغير عند ابن القاسم وإن كان أبا للمعتق وفرق بعض الأصحاب بين عتق الإنسان عن غيره وبين دفع الزكاة عنه فلا يجزئ في الثاني لأن الزكاة ليست في الذمة ويجزئ في الأول لأن الكفارة في الذمة قال اللخمي والحق الإجزاء فيهما لأنهما كالدين وهذه المسألة دائرة بين أربع قواعد القاعدة الأولى قاعدة التقادير الشرعية التي تقدمت في خطاب الوضع وهي إما إعطاء الموجود حكم المعدوم كالغرر والجهالة إذا قلا أو تعذر الاحتراز عنهما كأساس الدار وقطن الجبة ورداءة بواطن الفواكه ودم البراغيث ونجاسة ثوب المرضع والوارث الكافر أو العبد يقدر عتقه فلا يحجب
338
338
هذا القبيل لا تجزئ عن ربها لافتقارها للنية على الصحيح من المذهب لأجل شائبة العبادة وعلى القول بعدم اشتراط النية فيها ينبغي أن يجزئ فعل الغير فيها مطلقا كالدين الوديعة ونحوهما مما تقدم في القسم المجمع عليه وهذا القول أعني عدم اشتراط النية قاله بعض أصحابنا وقاسها على الديون واستدل بأخذ الإمام لها كرها على عدم اشتراط النية وباشتراطها قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل رضي الله عنهما لما فيها من شائبة التعبد من جهة مقاديرها في نصبها والواجب فيها وغير ذلك وإن أخذها الإمام كرها وهو عدل أجزأت عند مالك وعند الشافعي رحمهما الله تعالى اعتمادا على فعل الصديق رضي الله عنه ولظاهر القرآن وهو قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وظاهر الأمر الوجوب الذي أقل مراتبه الإذن والإجزاء لأن الإمام وكيل الفقراء فله أخذ حقهم قهرا كسائر الحقوق
وقال أبو حنيفة لا يأخذها الإمام كرها لكن يلجئه إلى دفعها بالحبس وغيره لافتقارها للنية وإلا كره مع النية متنافيان
المسألة الثانية
الحج عن الغير منعه مالك وجوزه الشافعي رضي الله عنهما بناء على شائبة المال والعبادات المالية يدخلها النيابات ومالك يلاحظ أن المال فيه عارض بدليل
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
وأما إعطاء المعدوم حكم الموجود كتقدير الإيمان في حق المسلم النائم والغافل حتى ينعصم الدم والمال وتقدير الكفر في الكافر النائم والغافل حتى تصح إباحة الدم والمال والذرية
القاعدة الثانية
أن الكفارات عبادة فيشترط فيها النية وهو المشهور عندنا وقيل لا تجب فيها النية القاعدة الثالثة أن الهبة إذا لم يتصل بها قبض بطلت القاعدة الرابعة قاعدة مذهب مالك التي نص عليها ابن أبي زيد في النوادر وصاحب الجواهر في كتاب الإجارات وهي أن كل من عمل عملا أو أوصل نفعا لغيره من مال أو غيره بأمره أو بغير أمره نفذ ذلك فإن كان متبرعا لم يرجع به أو غير متبرع وهو منفعة فله أجرة مثله أو مال فله أخذه ممن دفعه عنه كان ذلك مما يجب على المدفوع عنه كالدين أو مما لا يجب كغسل الثوب وخياطته ورمي التراب من الدار ونحو ذلك والقول قول العامل في عدم التبرع لكن شرط الغرم أن يكون المعمول له لا بد له من عمله بالاستئجار أو إنفاق المال أما إن كان شأنه فعله إياه بغير استئجار بنفسه أو بغلامه وتحصل تلك المصلحة بغير مال فلا غرم عليه فمالك يجعل لسان الحال قائما مقام لسان المقال فكأنه أذن له في ذلك بلسان مقاله وخالفنا الشافعي في هذه القاعدة وجعل الأصل في فعل الغير التبرع وأنه لا يرجع عليه بشيء إذا لم يأذن له المدفوع عنه بلسان المقال فمالك وابن القاسم لما لاحظا هذه القاعدة قالا المعتق قام عن المعتق عنه بواجب من شأنه أن يفعله إما بناء على قاعدة صحة النيابة في الأمور المالية عبادة كانت أو غيرها فلا يحتاج فيها حينئذ إلى الإذن ولا إلى تقدير الملك والوكالة ولا يكون في هذه المسألة ولا فيما نص عليه عبد الحق من أنه يجوز العتق عن
339
339
المكي يحج بغير مال بل عروض المال في الحج كعروض المال في صلاة الجمعة لمن داره بعيدة عن المسجد فيكتري دابة يصل عليها للمسجد ولما لم تجز صلاة الجمعة عن الغير فكذلك الحج وللشافعي الفرق بأن عروض المال في الحج أكثر ولما ورد في الأحاديث من الحج عن الصبيان والمرضى يحرم عنهم غيرهم ويفعل أفعال الحج والعبادات أمر متبع
المسألة الثالثة
الصوم عن الميت إذا فرط فيه جوزه أحمد بن حنبل وروى الشافعية ذلك أيضا في مذهبهم لقوله عليه الصلاة والسلام من لم يصم صام عنه وليه ولم يجوزه مالك رحمه الله تعالى لقوله تعالى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وقياسا على الصلاة ومن هذا الباب الحج عن الميت أيضا المسألة الرابعة عتق الإنسان عن غيره قال مالك في المدونة من أعتق عبده عن ظهار غيره على جعل جعله له فالولاء للمعتق عنه وعليه الجعل ولا يجزئه كالمشتري بشرط العتق قال ابن القصار وإذا لم يكن في الجعل وضيعة عن الثمن جاز لأنه إذا جاز هبته فبيعه أولى
وقال صاحب الجواهر في العتق عن الغير ثلاثة أقوال الإجزاء وهو المشهور قاله ابن القاسم ولأشهب عدم الإجزاء وقال عبد الملك إن أذن في العتق أجزأ عنه وإلا فلا وقاله الشافعي رضي الله عنه قال اللخمي يجزئ العتق عن ظهار الغير عند ابن القاسم وإن كان أبا للمعتق وفرق بعض الأصحاب بين عتق الإنسان عن غيره وبين دفع الزكاة عنه فلا يجزئ في الثاني لأنها ليست في الذمة والكفارة في الذمة قال اللخمي والحق الإجزاء فيهما لأنهما كالدين وهذه المسألة دائرة بين قواعد القاعدة الأولى قاعدة التقادير الشرعية وهي إعطاء الموجود حكم المعدوم والمعدوم حكم الموجود فالأول كالغرر والجهالة في العقود إذا قلا أو تعذر الاحتراز عنهما نحو أساس الدار وقطن الجبة ورداءة بواطن الفواكه ودم البراغيث ونجاسة ثوب المرضع والوارث الكافر أو العبد يقدر عدمه فلا يحجب
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الغير تطوعا بغير إذنه إشكال أصلا كما قال ابن الشاط ويؤيده قول الرهوني والصواب في الفرق بين مسألتي المدونة يعني قولي ابن القاسم ومالك المتقدمين ما قاله أبو الوليد الباجي في المنتقى ونصه قول ابن القاسم إنه معنى يجوز فيه النيابة لأن طريقه المال ولذلك يجوز أن يعتق عن الميت وسلمه ابن الماجشون ووجه قول ابن الماجشون أنه لو باعه منه على أن يعتقه هو لم يجز له ذلك
ولو وهبه إياه على أن يعتقه عن ظهاره لم يجزه فكذلك إذا أعتقه عنه والفرق بينهما على قول ابن القاسم أنه قد ملك الواهب أو البائع العتق في ذلك العبد قبل وقوعه ولزم الموهب له إيقاعه بالشرط
340
340
والثاني كتقدير الملك في الدية مقدما قبل زهوق الروح في المقتول خطأ حتى يصح فيها الإرث فإنها لا تجب إلا بالزهوق وحينئذ لا يقبل المحل الملك والميراث فرع ملك الموروث فيقدر الشارع الملك متقدما قبل الزهوق بالزمن الفرد حتى يصح الإرث وكتقدير النية في أول العبادات ممتدة إلى آخرها وكتقدير الإيمان في حق النائم الغافل حتى تنعصم دماؤهم وأموالهم وتقدير الكفر في الكافر الغافل حتى تصح إباحة الدم والمال والذرية وقاعدة التقادير قد تقدمت في خطاب الوضع
القاعدة الثانية
أن الهبة إذا لم يتصل بها قبض بطلت القاعدة الثالثة الكفارات عبادة فيشترط فيها النية وهو المشهور عندنا وقيل لا تجب النية القاعدة الرابعة كل من عمل لغيره من مال أو غيره بأمره أو بغير أمره نفذ ذلك فإن كان متبرعا لم يرجع به أو غير متبرع وهو منفعة فله أجرة مثله أو مال فله أخذه ممن دفعه عنه بشرط أن يكون المعمول له لا بد له من عمل ذلك بالاستئجار أو إنفاق ذلك المال أما إن كان شأنه فعله إياه بغير استئجار لنفسه أو لغلامه وتحصل تلك المصلحة بغير مال فلا غرم عليه والقول قول العامل في عدم التبرع وهذه قاعدة مذهب مالك نص عليها ابن أبي زيد في النوادر وصاحب الجواهر في كتاب الإجارات ولا تختص هذه القاعدة بما يجب على المدفوع عنه كالدين بل يندرج فيها غسل الثوب وخياطته ورمي التراب من الدار ونحو ذلك على الشروط المتقدمة ويجعل مالك لسان الحال قائما مقام لسان المقال فكأنه أذن له في ذلك بلسان مقاله وخالفنا الشافعي في هذه القاعدة وجعل الأصل في فعل الغير التبرع
وإذا لم يأذن له المدفوع عنه بلسان المقال لا يرجع عليه بشيء فمن لاحظ هذه القاعدة وهو مالك وابن القاسم فيقول المعتق قام عن المعتق عنه بواجب من شأنه أن يفعله ويقدر انتقال ملكه عنه للمعتق عنه قبل صدور العتق بالزمن الفرد حتى يثبت الولاء وتبرأ ذمته من الكفارة ويشكل
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
فلذلك لم يجزه ألا ترى أنه لو باعه من ورثة الميت بشرط عتقه عنه أو وهبهم إياها بذلك الشرط لم يجزه الذي أنفذ عتقه عن المعتق عنه أعتقه ولذلك أن يعتقه عن الميت وقد روى في العتبية أبو زيد عن ابن القاسم في المرأة تعطي زوجها الرقبة يعتقها عن ظهاره أو عن الوجه إن كان بشرط العتق لم يجزه وإن كان بغير شرط أجزاه وذلك لما ذكرناه
ورواه في المدينة عيسى بن دينار وعبد الرحمن بن دينار عن ابن كنانة ا ه منه بلفظه وهو حسن وقد أغفله الجم الغفير والتوفيق بيد العلي الكبير ا ه محل الحاجة منه بلفظه وإما بناء على قاعدة التقادير فيقدر انتقال ملكه عنه للمعتق عنه قبل صدور العتق بالزمن الفرد حتى
341
341
عليه بقاعدة النية فإنه يشترطها وهي متعذرة مع الغفلة ونجيب بالقياس على العتق عن الميت ويرد عليه الفرق بأن الحي متمكن من العتق عن نفسه بخلاف الميت وقد تعذر عليه باب التقرب فناسب أن يوسع الشرع له في ذلك وله القياس على أخذ الزكاة كرها مع اشتراط النية فيها ويفرق أيضا بأنها حالة ضرورة لأجل امتناع المالك وهاهنا المعتق عنه غير ممتنع وبأن مصلحة الزكاة عامة فيوسع فيها لعموم الضرورة بخلاف الكفارات فإنها قليلة وهي خاصة فلا يخالف فيها قاعدة النية والشافعي يعتبر قاعدة النية وهي منفية حالة عدم الإذن وأشهب يقول الإذن من باب الكلام والإباحة والنية من باب المقاصد والإرادة فلا يقوم أحدهما مقام الآخر ولا يستقيم قصد الإنسان لعتق ملك غيره
وقال أبو حنيفة رضي الله عنه إن دفع له جعلا أجزأ وإلا فلا للقاعدة الثانية فتخرج بالجعل عن الهبة فلا تحتاج إلى قصد فهذه القواعد هي سر هذه المسألة وهي مشكلة وأشكل منها ما نص عليه عبد الحق أنه يجوز العتق عن الغير تطوعا بغير إذنه وهذا أشكل من الواجب لأن الواجب فيه دلالة الحال دون المقال وهاهنا لا دلالة حال ولا يقال فلا يتجه ويكون أبعد من العتق عن الواجب
ومن يشترط الإذن يقول الإذن تضمن الوكالة في نقل ملكه للآذن وعتقه عنه بعد انتقال الملك ويكون المأذون له وكيلا في الأمرين ومتوليا لطرفي العقد والموجب لهذه التقادير كلها أنه لا يصح هذا التصرف إلا بها وما تعذر تصحيح الكلام إلا به وجب المصير إليه صونا للكلام عن الإلغاء فهذا تحرير هذا الفرق وتحرير مسائله
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
يثبت الولاء وتبرأ ذمته من الكفارة فيرد الإشكال بقاعدة النية فإن مالكا وابن القاسم يشترطانها
وهي متعذرة مع الغفلة ولا يدفعه الجواب بالقياس على العتق عن الميت للفرق بأن الحي متمكن من العتق عن نفسه بخلاف الميت فإنه قد تعذر عليه باب التقرب فناسب أن يوسع الشرع له في ذلك ولا بالقياس على أخذ الزكاة كرها مع اشتراط النية فيها للفرق أيضا بأنها حالة ضرورة لأجل امتناع المالك وها هنا المعتق عنه غير ممتنع وبأن مصلحة الزكاة عامة فيوسع فيها لعموم الضرورة بخلاف الكفارات فإنها قليلة وهي خاصة فلا يخالف فيها قاعدة النية فتبقى المسألة مشكلة على قولهما لا على قول الشافعي لأنه يعتبر قاعدة النية وهي منتفية حالة عدم الإذن ولا على قول أشهب لأنه يقول الإذن من باب الكلام والإباحة والنية من باب المقاصد والإرادة فلا يقوم أحدهما مقام الآخر ولا يستقيم قصد الإنسان لعتق ملك غيره ولا على مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه لأنه يقول إن دفع له جعلا أجزأ وإلا فلا للقاعدة الثالثة فتخرج بالجعل عن الهبة فلا تحتاج إلى قصد وأشكل منها على قولهما ما نص عليه عبد الحق من أنه يجوز العتق عن الغير تطوعا لأن الواجب فيه دلالة الحال دون المقال وها هنا لا دلالة حال ولا مقال فلا يتجه ويكون أبعد من العتق عن الواجب ومن يشترط الإذن يقول الإذن تضمن الوكالة في نقل ملكه للآذن وعتق عنه بعد انتقال الملك ويكون المأذون له وكيلا في الأمرين ومتوليا لطرفي العقد كما قال الأصل قال والموجب بهذه
342
342
الفرق الثاني والسبعون والمائة بين قاعدة ما يصل إلى الميت وقاعدة ما لا يصل إليه
القربات ثلاثة أقسام قسم حجر الله تعالى على عباده في ثوابه ولم يجعل لهم نقله لغيرهم كالإيمان فلو أراد أحد أن يهب قريبه الكافر إيمانه ليدخل الجنة دونه لم يكن له ذلك بل إن كفر الحي هلكا معا أما هبة الثواب مع بقاء الأصل فلا سبيل إليه وقيل الإجماع في الصلاة أيضا وقيل الإجماع فيها وقسم اتفق الناس على أن الله تعالى أذن في نقل ثوابه للميت وهو القربات المالية كالصدقة والعتق وقسم اختلف فيه هل فيه حجر أم لا وهو الصيام والحج وقراءة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
التقادير كلها أنه لا يصح هذا التصرف إلا بها وما تعذر تصحيح الكلام إلا به وجب المصير إليه صونا للكلام عن الإلغاء ا ه وقد علمت أن المسألة إذا بنيت على قاعدة جواز النيابة في الأمور المالية لا يحتاج فيها إلى تقدير ولا غيره كما لابن الشاط فهذا تحرير مسائل هذا الفرق الذي سبق تحريره في الفرق العاشر والمائة والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الثاني والسبعون والمائة بين قاعدة ما يصل ثوابه إلى الميت وقاعدة ما لا يصل ثوابه إليه
القربات باعتبار وصول ثوابها للغير اتفاقا وعدم وصول ثوابها للغير اتفاقا والخلاف في وصوله له وعدم وصوله ثلاثة أقسام القسم الأول ما اتفق الناس على أن الله حجر على عباده في ثوابه ولم يجعل لهم نقله لغيرهم كالإيمان والتوحيد والإجلال والتعظيم لله سبحانه وتعالى وكذلك حكي في الصلاة الإجماع نظرا في الخلاف الذي نقل في مذهب الشافعي فيها عن الشيخ أبي إسحاق قد يقال إنه مسبوق بالإجماع كما تقدم القسم الثاني ما اتفق الناس على أن الله تعالى أذن في نقل ثوابه للميت وهو الدعاء والقربات المالية كالصدقة والعتق القسم الثالث ما اختلف فيه هل فيه حجر أم لا كالصيام والحج وقراءة القرآن فقيل لا يصل ثواب شيء من ذلك لمن أهدى له وهو المعروف من مذهب مالك وكذا هو مشهور مذهب الشافعي في القراءة فقط وقيل يصل وبه قال أحمد بن حنبل وأبو حنيفة وهو الأصح عند الشافعي في الحج عن الميت حجة الإسلام
وكذا حج تطوع أوصى به وهو الراجح عنده في الصوم عمن مات وعليه صوم وقال به غير واحد من المالكية وجماعة من أصحاب الشافعي في القراءة فقط قال كنون قال أبو زيد الفاسي ولعل قول الشيخ عبد الله الورياجلي
وأما الإجارة على القراءة فلا تجوز وذلك جرحة في آكلها إلا أن يقرأ القارئ على وجه التطوع ويعطيه ولي الميت على وجه الصلة والعطية لا على وجه الإجارة ا ه مبني على عدم النفع كما حكاه عن معروف مذهب مالك وفي جواب للعبديني الميت ينتفع بقراءة القرآن هذا هو الصحيح والخلاف فيه مشهور
343
343
القرآن فلا يحصل شيء من ذلك للميت عند مالك والشافعي رضي الله عنهما
وقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل ثواب القراءة للميت فمالك والشافعي رضي الله عنهما يحتجان بالقياس على الصلاة ونحوها مما هو فعل بدني والأصل في الأفعال البدنية أن لا ينوب أحد فيها عن الآخر ولظاهر قوله تعالى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
والأجرة عليه جائزة ا ه
وحجة القول بعدم الوصول القياس على الصلاة ونحوها مما هو عمل بدني والأصل فيه أن لا ينوب فيه أحد عن أحد وظاهر قوله تعالى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وحديث إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث علم ينتفع به وصدقة جارية وولد صالح يدعو له وحجة القول بالوصول أولا القياس على الدعاء المجمع على وصله للنصوص الواردة في ذلك التي منها حديث إذا مات ابن آدم إلخ إذ الكل عمل بدني وثانيا قوله عليه السلام صل لهما مع صلاتك وصم لهما مع صيامك يعني أبويه وقوله أيضا من مات وعليه صوم صام عنه وليه ونص السنة أيضا على أن الحج المفروض يسقط عن الميت بحج وليه وكذا الحج المنذور يسقط عن الميت بعمل غيره وظاهر حديث كعب بن عجرة كما في المواهب وغيرها قلت يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي قال ما شئت قلت الربع قال ما شئت وإن زدت فهو خير لك
قلت النصف قال ما شئت وإن زدت فهو خير لك قلت أجعل صلاتي كلها لك قال إذا تكفى همك ويغفر ذنبك ويؤيده ما في العهود المحمدية عن أبي المواهب الشاذلي من أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم في المنام عن معناه فقال له أن تصلي علي وتهدي ثواب ذلك إلي لا إلى نفسك وثالثا دخول أولاد المؤمنين الجنة بعمل آبائهم وانتفاع الغلامين اليتيمين اللذين قال الله في قصتهما وكان أبوهما صالحا بصلاح أبيهما والنفع بالجار الصالح في المحيا والممات كما في الأثر ورحمة جليس أهل الذكر وهو لم يكن منهم ولم يجلس لذلك بل لحاجة عرضت له والأعمال بالنيات وقوله تعالى لنبيه وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وقوله تعالى ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات وقوله تعالى ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض فقد رفع الله العذاب عن بعض الناس بسبب بعض وما ذلك إلا لانتفاعهم بأعمال غيرهم الصالحة وأجاب أصحاب هذا القول عن القياس على الصلاة بأنه معارض بهذه الأدلة وغيرها مما يدل على انتفاع الإنسان بعمل غيره وعن الآية إما بأنها عامة قد خصصت بأمور كثيرة وإما أن المراد بالإنسان الكافر والمعنى ليس له من الخير إلا ما عمل هو فيثاب عليه في الدنيا بأن يوسع عليه في رزقه ويعافى في بدنه حتى لا يبقى له في الآخرة خير وإلا بأن قوله وأن ليس للإنسان إلا ما سعى من باب العدل وأما من باب الفضل فجائز أن يزيده الله ما يشاء من فضله وأما بغير ذلك الجمل على الجلالين وعن حديث إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلخ ونحوه مما ورد في ذلك بأنه صلى الله عليه وسلم لم يقل انقطع انتفاعه
وإنما أخبر عن انقطاع عمله وأما عمل غيره فهو لعامله فإن وهبه له فقد وصل إليه ثواب عمل العامل لا ثواب عمله هو فالمنقطع شيء والواصل إليه شيء آخر وكذلك الحديث الآخر وهو قوله عليه السلام إن مما يلحق الميت من حسناته وعمله بعد موته عملا
344
344
ولقوله عليه السلام إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث علم ينتفع به وصدقة جارية وولد صالح يدعو له واحتج أبو حنيفة وابن حنبل بالقياس على الدعاء فإنا أجمعنا على أن الدعاء يصل للميت فكذلك القراءة والكل عمل بدني ولظاهر قوله عليه السلام للسائل صل لهما مع صلاتك وصم لهما مع صومك يعني أبويه والجواب عن الأول أن القياس
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
عمله ونشره أو ولدا صالحا تركه أو مصحفا ورثه أو مسجدا بناه أو بيتا لابن السبيل بناه أو نهرا أكراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته فإنه لم ينف أن يلحقه غير ذلك من عمل غيره وحسناته قاله ابن القيم في كتاب الروح وأجاب أصحاب القول الأول عن القياس على الدعاء بأنه غير صحيح لأن في الدعاء أمرين أحدهما متعلقه كالمغفرة في قولك اللهم اغفر له وهذا هو الذي يرجى حصوله للمدعو له إذ له طلب لا للداعي وإن ورد أن الملك يقول له ولك مثله والأمر الثاني ثوابه وهو للداعي فقط وعما ورد من الأحاديث بالانتفاع بعمل الغير البدني من الصوم والحج والصلاة بأنها مع احتمالها التأويل معارضة بما تقدم من الأدلة المعضودة بأنها على وفق الأصل الذي هو عدم الانتقال فتقدم وعن الأحاديث والآيات الدالة على دخول الجنة وحصول الرحمة ورفع العذاب بعمل الغير الصالح بأن الحاصل في نحو هذا بركة المؤمنين لا ثواب أعمالهم وبركة صلاح الأب لا ثواب عمله وبركة أهل الذكر لا ثواب عملهم وبركة الرسول لا ثواب عمله وهكذا والبركات لعدم توقفها على الأمر والنهي لا ينكر حصولها للغير حتى للبهائم التي لا يتأتى فيها أمر ولا نهي فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تحصل بركته للخيل والحمير وغيرها من البهائم كما روي أنه ضرب فرسا بسوط فكان بعد ذلك لا يسبق
وقد كان قبل ذلك بطيء الحركة وروي أن حماره صلى الله عليه وسلم كان يذهب إلى بيوت أصحابه عليه السلام فينطح برأسه الباب يستدعيهم إليه إلى غير ذلك مما هو مروي في معجزاته وكراماته عليه السلام من ذلك وأما الثواب فقد انعقد الإجماع بأنه يتبع الأمر والنهي بدليل المباحات وأهل الفترات لا يحصل إلا لمن توجه له الأمر والنهي فمن هنا يتضح عدم صحة قول بعض الفقهاء يعني أحمد بن حنبل وأبا حنيفة كما في المعيار إذا قرئ عند القبر حصل للميت أجر المستمع إذ الموتى قد انقطعت عنها الأوامر والنواهي فكما أن البهائم تسمع أصواتنا بالقراءة ولا ثواب لها لعدم الأمر لها بالاستماع كذلك الموتى لا يكون لهم ثواب وإن كانوا مستمعين لعدم الأمر لهم بالاستماع والذي يتجه أن يقال ولا يقع فيه خلاف أنه يحصل لهم بركة القراءة لا ثوابها كما تحصل لهم بركة الرجل الصالح يدفن عندهم أو يدفنون عنده فإن البركة لا تتوقف على الأمر والنهي بخلاف الثواب كما علمت لكن الذي ينبغي للإنسان أن لا يهمل هذه المسألة فلعل الحق هو الوصول إلى الموتى فإن هذه أمور مغيبة عنا وليس فيها اختلاف في حكم شرعي وإنما هو في أمر واقع هل هو كذلك أم لا وكذلك التهليل الذي جرت عادة الناس يعملونه اليوم ينبغي أن يعمل ويعتمد في ذلك على فضل الله تعالى وما ييسره ويلتمس فضل الله بكل سبب ممكن ومن الله الجود والإحسان ا ه
قال الرهوني وكنون ونقل هذا عن القرافي صاحب المعيار وابن الفرات والشيخ مصطفى الرماصي قال كنون ونقل أبو زيد الفاسي في باب الحج من جواب للفقيه المحدث أبي القاسم
345
345
على الدعاء لا يستقيم فإن الدعاء فيه أمران أحدهما متعلقه الذي هو مدلوله نحو المغفرة في قولهم اللهم اغفر له والآخر ثوابه فالأول هو الذي يرجى حصوله للميت ولا يحصل إلا له فإنه لم يدع لنفسه وإنما دعا للميت بالمغفرة والثاني وهو الثواب على الدعاء فهو الداعي فقط وليس للميت من الثواب على الدعاء شيء فالقياس على الدعاء
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
العبدوسي وأما القراءة على القبر فقد نص ابن رشد في الأجوبة وابن العربي في أحكام القرآن والقرطبي في التذكرة على أن الميت ينتفع بالقراءة قرئت على القبر أو في البيت أو في بلاد إلى بلاد ووهب الثواب ا ه محل الحاجة منه
وقال ابن الشاط وما قاله في هذا الفرق صحيح نعم قال ابن الحاج في المدخل من أراد وصول قراءته بلا خلاف فليجعل ذلك دعاء بأن يقول اللهم أوصل ثواب ما أقرأ إلى فلان ا ه كما في حاشية الرهوني وكنون قال الرهوني والتهليل الذي قال فيه القرافي ينبغي أن يعمل هو فدية لا إله إلا الله سبعين ألف مرة حسبما ذكره السنوسي وغيره هذا الذي فهمه منه الأئمة انظر الحطاب هنا أي في باب الجنائز ومصطفى الرماصي في باب الإجارة وأما ما يفعله الناس اليوم من التهليل عند حمل الميت وتوجههم به إلى الدفن فجزم في المعيار في الفصل الذي عقده في البدع قبيل نوازل النكاح أنه بدعة ونقل في غير ذلك المحل من المعيار من كلام شيخ الشيوخ أبي سعيد بن لب وأبي محمد سيدي عبد الله العبدوسي ما هو شاهد لما جزم به في الفصل المذكور وانظر تقييده المسمى بالتحصن والمنعة ممن اعتقد أن السنة بدعة والله سبحانه الموفق
ا ه
فائدة
قال الرهوني وكنون في المعيار عن الإمام المنثوري ما نصه حدثني الأستاذ ابن عمر عن الأستاذ أبي الحسن القرطبي عن الراوية أبي عمر بن حوط الله عن القاضي أبي الخطاب عن أبي القاسم بن بشكوال عن أبي محمد بن يربوع عن أبي محمد الخزرجي قال أخبرنا أبو عبد الله القروي في المسجد الجامع بقرطبة قال كنت بمصر فأتاني نعي أبي فوجدت عليه وجدا شديدا فبلغ ذلك الشيخ أبا الطيب بن غلبون المقري فوجه لي فأتيته فجعل يصبرني ويذكر ثواب الصبر عن المصيبة والرزية ثم قال لي ارجع إلى ما هو أعود عليك وعلى الميت من أفعال البر والخير مثل الصدقة وما شاكلها وأمرني أن أقرأ عنه قل هو الله أحد عشر مرات كل ليلة
ثم قال لي أحدثك في ذلك بحديث قال كان رجل معروف بالخير والفضل فرأى في منامه كأنه في مقبرة مصر وكأن الناس نشروا من مقابرهم وكأنه مشى خلفهم ليسألهم عما أوجب نهوضهم إلى الجهة التي توجهوا إليها فوجد رجلا على حفرته قد تخلف عن جماعتهم فسأله عن القوم إلى أين يريدون فقال إلى رحمة جاءتهم يقتسمونها فقال له فهلا مضيت معهم فقال إني قد قنعت بما يأتيني من ولدي عن أن أقاسم فيما يأتيهم من المسلمين فقلت له وما الذي يأتيك من ولدك فقال يقرأ قل هو الله أحد في كل يوم عشر مرات ويهدي إلي ثوابها فذكر الشيخ ابن غلبون لي أنه منذ سمع هذه الحكاية كان يقرأ عن والديه قل هو الله أحد في كل يوم عشر مرات عن كل واحد منهما ولم يزل بهذه الحالة إلى أن مات أبو العباس الخياط فجعل يقرأ عنه كل ليلة قل هو الله أحد عشر مرات ويهدي إليه ثوابها قال الشيخ ابن غلبون فمكثت على هذه النية مدة ثم عرض لي فتور قطعني عن ذلك فرأيت أبا العباس في النوم فقال لي يا أبا الطيب لم قطعت عنا ذلك الشكر الخالص الذي كنت توجه به إلينا فانتبهت من منامي وقلت الخالص كلام الله عز وجل وإنما كنت أوجه إليه ثواب قل هو الله أحد فرجعت أقرؤها عنه رحمه الله
346
346
غلط وخروج من باب إلى باب وأما الحديث فإما أن نجعله خاصا بذلك الشخص أو نعارضه بما تقدم من الأدلة ونعضدها بأنها على وفق الأصل فإن الأصل عدم الانتقال ومن الفقهاء من يقول إذا قرئ عند القبر حصل للميت أجر المستمع وهو لا يصح أيضا لانعقاد الإجماع على أن الثواب يتبع الأمر والنهي فما لا أمر فيه ولا نهي لا ثواب فيه بدليل المباحات وأرباب الفترات والموتى انقطع عنهم الأوامر والنواهي
وإذا لم يكونوا مأمورين لا يكون لهم ثواب وإن كانوا مستمعين ألا ترى أن البهائم تسمع أصواتنا بالقراءة ولا ثواب لها لعدم الأمر لها بالاستماع فكذلك الموتى والذي يتجه أن يقال ولا يقع فيه خلاف أنه يحصل لهم بركة القراءة لا ثوابها كما تحصل لهم بركة الرجل الصالح يدفن عندهم أو يدفنون عنده فإن البركة لا تتوقف على الأمر فإن البهيمة يحصل لها بركة راكبها أو مجاورها وأمر البركات لا ينكر فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تحصل بركته للبهائم من الخيل والحمير وغيرهما كما روي أنه ضرب فرسا بسوط فكان لا يسبق بعد ذلك بعد أن كان بطيء الحركة وحماره عليه السلام كان يذهب إلى بيوت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يستدعيهم إليه بنطح رأسه الباب وغير ذلك من بركاته عليه السلام كما هو مروي في معجزاته وكراماته عليه السلام وهذه المسألة وإن كانت مختلفا فيها فينبغي للإنسان أن لا يهملها فلعل الحق هو الوصول إلى الموتى فإن هذه أمور مغيبة عنا وليس الخلاف في حكم شرعي إنما هو في أمر واقع هل هو كذلك أم لا وكذلك التهليل الذي عادة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
ا ه
ولا يخفاك أن تمسك مثل الشيخ ابن غلبون بالرؤيا التي سمعها من الرجل المعروف بالخير والفضل وبرؤياه التي رآها بعد إنما هو على وجه التأييد والاستئناس للأدلة التي استدل بها من قال بوصول ثواب قراءة القرآن أو شيء من القرب للنبي صلى الله عليه وسلم أو غيره من الأموات فهو من قبيل ما وقع لابن ذكري بل أولى من أنه اعترض على قول الحطاب في شرحه مختصر خليل عند قوله في باب الحج وتطوع وليه عنه ما نصه وجلهم أي العلماء أجاب بالمنع أي منع إهداء ثواب قراءة القرآن للنبي صلى الله عليه وسلم أو شيء من القرب لأنه لم يرد فيه أثر ولا شيء عمن يقتدى به من السلف انظره بأنه ورد فيه حديث كعب بن عجرة المتقدم استند إلى ما نقله عن العهود المحمدية عن أبي المواهب الشاذلي من أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم في المنام عن معناه إلى آخر ما تقدم
وقال ولفظ الحديث يدل لكلام العهود فهو أقوى وأظهر من قول الشيخ زروق وغير واحد كالحافظ المنذري في الترغيب والترهيب إن معنى الحديث أكثر الدعاء فكم أجعل لك من دعائي صلاة عليك إذ لو أريد لقيل فكم أصرف لك من وقت دعائي مثلا قال الشيخ كنون بعد أن ذكر كلامه في باب الحج عند قوله في المختصر وتطوع عنه وليه ما نصه فأنت تراه إنما ذكر رؤيا أبي المواهب وغيره على وجه التأييد والاستئناس لظاهر لفظ الحديث لا على وجه الاحتجاج حتى يرد عليه أن رؤيته صلى الله عليه وسلم وإن كانت حقا ولا سيما من مثل أبي المواهب لكن الأحكام الشرعية لا تثبت بالرؤيا فلذلك قبل كلامه المذكور تلميذه جسوس وغيره فتأمل والله أعلم انظره والله أعلم

347
347
الناس يعملونه اليوم ينبغي أن يعمل ويعتمد في ذلك على فضل الله تعالى وما ييسره ويلتمس فضل الله بكل سبب ممكن ومن الله الجود والإحسان هذا هو اللائق بالعبد
الفرق الثالث والسبعون والمائة بين قاعدة ما يبطل التتابع في صوم الكفارات والنذور وغير ذلك وبين قاعدة ما لا يبطل التتابع اعلم أن هذه من المواضع المشكلة فإن مالكا رحمه الله تعالى قال في المدونة إذا أكل في صوم الظهار أو القتل أو النذر المتتابع ناسيا أو مجتهدا أو مكرها أو وطئ نهارا غير المظاهر منها ناسيا قضى يوما متصلا بصومه فإن لم يفعل ابتدأ الصوم من أوله فإن وطئ المظاهر منها ليلا أو نهارا أول صومه أو آخره ناسيا أو عامدا ابتدأ الصوم وقال الشافعي رحمه الله إن وطئها ليلا لم يبطل صومه ووافقنا أبو حنيفة في هذه المسألة وقال الشافعي وأبو حنيفة الفطر يبطل التتابع مطلقا وخالفهما أحمد بن حنبل وعللا
هامش أنوار البروق
قال الفرق الثالث والسبعون والمائة بين قاعدة ما يبطل التتابع في صوم الكفارات والنذور وغير ذلك وبين قاعدة ما لا يبطل التتابع قلت جميع ما قاله فيه صحيح إلا قوله فالمفهوم من قوله تعالى من قبل أن يتماسا أنه يصوم شهرين متتابعين ليس قبلهما وطء ولا في أثنائها وطء فإنه ظهر منه بحسب مساق كلامه أن الآية تقتضي عدم تقدم الوطء مطلقا
وهذا لا يصح أن تقتضيه الآية لاشتمال الآية على من تقدم وطؤها وإنما المراد بالآية أن لا يتقدم الصوم وطء بعد الظهار والله أعلم وجميع ما قاله بعده في الفروق الستة صحيح
هامش إدرار الشروق
الفرق الثالث والسبعون والمائة بين قاعدة ما يبطل التتابع في صوم الكفارات والنذر وغير ذلك وبين قاعدة ما لا يبطل التتابع وذلك أن ما يبطله ثلاثة أنواع الأول وطء المظاهر منها على خلاف فيه بين الأئمة فقال مالك رحمه الله تعالى في المدونة إذا حصل منه ابتدأ الصوم مطلقا ليلا كان أو نهارا أول صومه أو آخره ناسيا كان لظهاره أو عامدا ووافقه في ذلك أحمد بن حنبل قال في الإقناع وإن أصاب المظاهر منها ليلا أو نهارا ولو ناسيا أو مع عذر يبيح الفطر أي كمرض وسفر انقطع أي التتابع ا ه
وكذلك أبو حنيفة إلا أنه اشترط في ذلك العمد
وقال الشافعي لا يستأنف على حال كما في بداية المجتهد لحفيد ابن رشد وسبب الخلاف تشبيه كفارة الظهار بكفارة اليمين والشرط الذي ورد في كفارة الظهار أعني أن تكون قبل المسيس في قوله تعالى من قبل أن يتماسا فإن المفهوم من قول القائل افعل كذا قبل كذا أن التقدم شرط ولذلك يصدق لنا استأذن المرأة في النكاح وأحضر الولي قبل العقد أن هذين شرطان
348
348
ذلك بأن الفطر باختياره بخلاف المرض والإغماء عند الشافعي كالمرض خلافا لأبي حنيفة وكذلك الحامل والمرضع كالمريض عنده
وقال أبو الطاهر من أصحابنا إن أفطر جاهلا فقولان نظرا إلى أن الجاهل هل يلحق بالعامد أم لا وفي السهو والخطأ ثلاثة أقوال ثالثها التفرقة بين السهو فيجزئ والخطأ فلا يجزئ ويبتدي لأن معه تمييزه بخلاف السهو وسبب الخلاف هل التتابع مأمور به فيقدح فيه النسيان أو التفريق محرم فلا تضر ملابسته سهوا فإن المحرمات لا يأثم الإنسان بملابستها مع عدم القصد كشرب الخمر ساهيا أو وطئ أجنبية جاهلا بأنها أجنبية أو أكل طعاما نجسا أو حراما مغصوبا غير عالم به فإن الإجماع منعقد في هذه الصور كلها على عدم الإثم قلت وهذه الفتاوى كلها مشكلة من جهة أن لفظ الكتاب العزيز أمر متعلق بطلب وهو قوله تعالى فصيام شهرين متتابعين ومعناه ليصم شهرين متتابعين فيكون خبرا معناه الأمر أو يكون التقدير فالواجب عليه صيام شهرين متتابعين
وهذا هو الأظهر لأنه أقرب لموافقته الظاهر من بقاء الخبر خبرا على حاله ونستفيد
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
وكذلك قولنا استتر قبل الصلاة وتطهر وانو أن هذه الأمور شروط فمن اعتبر هذا الشرط قال يستأنف الصوم إذ المراد بالآية أن يتقدم الصوم وطء المظاهر منها بعد الظهار ومن شبهه بكفارة اليمين قال لا يستأنف لأن الكفارة في اليمين ترفع الحنث بعد وقوعه باتفاق ا ه بتوضيح
النوع الثاني
الاستمتاع بالمظاهر منها بما دون الوطء على خلاف فيه أيضا قال حفيد ابن رشد في بدايته فذهب مالك إلى أنه كما يحرم الجماع يحرم ما دونه من الوطء فيما دون الفرج واللمس والتقبيل والنظر للذة ما عدا وجهها وكفيها ويديها من سائر بدنها ومحاسنها وبه قال أبو حنيفة إلا أنه إنما كره النظر للفرج فقط قال الشافعي إنما يحرم الظهار لوطء في الفرج فقط المجمع عليه لا ما عد بذلك ا ه
ومذهب أحمد ما في الإقناع وشرحه من أنه إن لمس المظاهر منها أو باشرها دون الفرج على وجه يفطر به بأن أنزل قطع التتابع لفساد صومه وإلا بأن لم يكن على وجه يفطر به بأن لم ينزل فلا يقطع التتابع لعدم فساد الصوم ا ه قال حفيد ابن رشد في بدايته ودليل قول مالك أن ظاهر لفظ التماس في قوله تعالى من قبل أن يتماسا يقتضي المباشرة فما فوقها ولأنه أي الظهار لفظ حرمت عليه به فأشبه لفظ الطلاق ودليل قول الشافعي أولا أن المباشرة وإن كانت تدل على ما فوق الجماع إلا أنها دلالة مجازية لأنهم قد اتفقوا على أنها تدل على الجماع فيكون هو الحقيقة التي تنتفي بها الدلالة المجازية إذ لا يدل لفظ واحد دلالتين حقيقة ومجازا نعم لا يبعد عند من يرى أن اللفظ المشترك له عموم أن يكون اللفظ الواحد يتضمن المعنيين جميعا أعني الحقيقة والمجاز وإن كان لم يجر به عادة للعرب حتى عد القول به لذلك في غاية الضعف لكن لو علم أن للشرع فيه تصرفا لجاز وثانيا أن الظهار مشبه عندهم بالإيلاء فوجب أن يختص عندهم بالفرج ا ه ملخصا
قلت ودليل قول أحمد أن الجماع يطلق شرعا على موجب الغسل وفساد الصوم فتأمل بإمعان النوع الثالث وطء غير المظاهر منها والأكل نهارا على خلاف فيه أيضا فقال مالك في المدونة إذا تعمد الأكل في صوم الظهار أو القتل أو النذر المتتابع نهارا أو تعمد وطء غير المظاهر منها نهارا ابتدأه ا ه
349
349
الوجوب من قوله تعالى فالواجب عليه واللفظ على كل تقدير متعلق بطلب لا يدفع فكيف يتخيل أنه من باب النهي على أحد الاحتمالين اللذين ذكرهما ابن بشير ولا يمكن الاعتماد في ذلك على أن التتابع إذا كان واجبا كان تركه محرما فإن كل واجب تركه محرم وكل محرم تركه واجب فالوجوب من لوازم التحريم والتحريم من لوازم الوجوب في النقيض المقابل فالذي يصح في الآية أن التتابع ليس من باب المحرم وأنه يرجع إلى تحريم التفريق هذا بعيد وإذا تقرر أنه ليس من المحرمات بقي الإشكال من جهة أن المطلوب صوم شهرين متتابعين ولم يأت بهما المكلف في تلك الصور كلها الناسي والمجتهد والمكره وكل هؤلاء فرقوا ولم يقع فعلهم مطابقا لمقتضى الطلب فوجب البقاء في العهدة كما أن الله تعالى طلب الصلاة بالنية والطهارة والستارة ونحوها من الشروط فمن نسي أحد هذه الأشياء أو اجتهد فأخطأ فيها أو أكره على عدمها بطلت الصلاة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
بالمعنى وقال أبو الطاهر من أصحابنا وفي إلحاق الجاهل أي بالعامد قولان وفي السهو والخطأ ثلاثة أقوال ثالثها التفرقة بين السهو فيجزئ والخطأ فلا يجزئ ويبتدئ لأن معه تمييزه بخلاف السهو ومثل ما لمالك في الجملة لأحمد بن حنبل كما يفيده كلام الإقناع الآتي وقال الشافعي وأبو حنيفة الفطر يبطل التتابع مطلقا أي ناسيا أو جاهلا لأنه باختياره بخلاف المرض فقط عند أبي حنيفة وبخلاف المرض ونحوه كالإغماء والحامل والمرضع عند الشافعي قال الأصل وسبب الخلاف هل التتابع مأمور به فيقدح فيه النسيان أو التفريق محرم فلا تضر ملابسته سهوا فإن المحرمات لا يأثم الإنسان بملابستها مع عدم القصد كشرب الخمر ساهيا أو وطئ أجنبية جاهلا بأنها أجنبية أوأكل طعاما نجسا أو حراما مغصوبا غير عالم به فإن الإجماع منعقد في هذه الصور كلها على عدم الإثم ا ه
منه بلفظه يعني أن سبب الخلاف هذان الاحتمالان اللذان ذكرهما ابن بشير وسيأتي ما في الاحتمال الثاني فترقب وأن ما لا يبطله فأنواع أيضا على الخلاف المتقدم فقال مالك رحمه الله تعالى في المدونة إذا أكل نهارا في صوم الظهار أو القتل أو النذر المتتابع ناسيا أو مجتهدا أو مكرها أو وطئ نهارا غير المظاهر منها ناسيا قضى يوما متصلا بصومه فإن لم يفعل ابتدأ الصوم من أوله
ا ه فأولى إذا أفطر لعذر كمرض وقد تقدم حكاية الخلاف في الجهل والسهو والخطأ عن أبي الطاهر من أصحابنا ومثل ما لمالك في الجملة لأحمد بن حنبل قال في الإقناع وإن تخلل صومهما أي الشهرين صوم رمضان أو فطر واجب كفطر العيدين وأيام التشريق أو الحيض أو نفاس أو جنون أو إغماء أو مرض ولو غير مخوف أو لسفر مبيحان أي المرض والسفر الفطر أو فطر الحامل أو المرضع لخوفهما على أنفسهما أو ولديهما أو فطر لإكراه أو نسيان أو لخطأ لا لجهل أو وطئ غير المظاهر منها ليلا ولو عمدا أو نهارا ناسيا للصوم أو لعذر يبيح الفطر لم ينقطع التتابع أي بجميع ذلك فيبنى على ما قدمه ويتمه ا ه محل الحاجة منه
وقال أبو حنيفة الفطر لمرض لا يبطله وبه قال الشافعي إلا أنه قال الإغماء كالمرض والحامل والمرضع كالمريض وقد تقدم عن حفيد ابن رشد في البداية عن الشافعي أنه قال إن وطئ المظاهر منها لا يستأنف على حال نظرا لكون كفارة الظهار ككفارة اليمين ترفع الحنث بعد وقوعه باتفاق وحكى الأصل عنه أنه قال إن وطئ المظاهر
350
350
وكذلك إذا أكره على الأكل والشرب في رمضان أو نسي أو اجتهد فأخطأ فإن صومه يبطل ونظائره كثيرة في الشريعة فما بال التتابع خرج عن هذا النمط في الكفارات والمنذورات هذا وجه الإشكال
وكذلك ما قاله الشافعي أيضا في الإغماء فينبغي أن يبطل التتابع كما تبطل الصلاة والصوم بالإغماء وكذلك المرض عند الشافعي وأبو حنيفة مثله فالكل مشكل والذي يظهر في بادي الرأي أن التفريق متى حصل بأي طريق كأن وجب ابتداء الصوم كما قلناه في جميع النظائر المتقدمة لأن الصوم بوصف التتابع لم يحصل ومتى لم يحصل المطلوب الشرعي مع إمكان الإتيان به وجب الإتيان به هذا هو القاعدة والجواب عن هذا الإشكال ببيان قاعدة وهي أن الأحكام الشرعية على قسمين خطاب وضع وخطاب تكليف فخطاب الوضع هو نصب الأسباب والشروط والموانع والتقديرات الشرعية وخطاب التكليف هو الأحكام الخمسة الوجوب والتحريم والندب
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
منها ليلا لم يبطل صومه
ا ه
فحرر هذا توضيح الفتاوى على المذاهب الأربعة والفرق بين القاعدتين حاصل على كل فتوى مذهب منها إلا أن سره لا يظهر إلا على الفتوى من مذهبي مالك وأحمد بن حنبل رحمهما الله وذلك أنهما جعلا وطء المظاهر منها مطلقا ليلا أو نهارا أول الصوم أو آخره ناسيا أو عامدا موجبا لابتداء الصوم ووطء غير المظاهر منها والأكل نهارا عمدا فقط موجبا لابتدائه وأما الشافعي وأبو حنيفة رحمهما الله فعلى عكس ذلك فقد جعلا وطء غير المظاهر منها والأكل نهارا مطلقا أي ناسيا أو جاهلا موجبا لابتداء الصوم وأبو حنيفة وطء المظاهر منها عمدا فقط لابتدائه والشافعي وطؤها إما لا يوجب الابتداء على حال وأما ليلا فقط لا يوجبه كما توضح وسر الفرق هو أن التتابع صفة الصوم المكلف بوجوبه وصفة المكلف بوجوبه مكلف بوجوبها وعدم وطء المظاهر منها قبل التكفير عن الظاهر شرط لقوله تعالى من قبل أن يتماسا فإن المفهوم من قول القائل افعل كذا أن التقدم شرط كما تقدم والقاعدة التي تقدمت مبسوطة أن الوجوب كسائر الأحكام الخمسة من قبيل خطاب التكليف يشترط فيه علم المكلف وقدرته وإرادته فما لا قدرة له عليه لا يكلف لك وكذبه ما لم يبلغه لا يلزمه حتى يعلم به
غير أن التمكن من العلم يقوم مقام العلم في التكليف فيسقط بالنسيان والإكراه والمرض والإغماء ونحوها لمنافاتها التكليف بمنافاتها لشرطه لطفا من الله بالعباد وأن الشرط كالسبب والمانع ونحوهما من قبيل خطاب الوضع لا يشترط فيه علم ولا قدرة ولا إرادة كالتوريث بالأنساب والإنسان لا يعلم بذلك ولا هو من قدرته ولا إرادته فيقدح فيه النسيان وغيره لأن ما لا يشترط فيه العلم والقدرة يثبت مطلقا وما يثبت مطلقا اعتبر مطلقا فيكون شرطا في جميع الحالات وعلى هذه القاعدة فالمفهوم من قوله تعالى فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا أنه بعد الظهار يجب عليه أن يصوم شهرين ليس قبلهما وطء ولا في أثنائهما وطء لأن الآية إما خبر معناه الأمر أي ليصم شهرين متتابعين وإما خبر باق على حقيقته حذف منه
351
351
والكراهة والإباحة فأما خطاب الوضع فلا يشترط فيه علم المكلف ولا قدرته ولا إرادته كالتوريث بالأنساب والإنسان لا يعلم بذلك ولا هو من قدرته ولا إرادته فيدخل الميراث في ملكه وإن لم يشعر به ولذلك نوجب الضمان على الصبيان والمجانين والغافلين ونطلق بالإضرار ونوجب الظهر بالزوال والصوم برؤية الهلال إلى غير ذلك مما هو من خطاب الوضع وخطاب التكليف يشترط فيه العلم والقدرة والإرادة فما لا قدرة له عليه لا يكلف به وكذلك ما لم يبلغه لا يلزمه حتى يعلم به غير أن التمكن من العلم يقوم مقام العلم في التكليف
وقد تقدمت هذه القاعدة مبسوطة فإذا وضحت فنقول المتابعة من باب خطاب التكليف لأن الصوم مكلف به وصفة المكلف به مكلف بها والتتابع صفة الصوم فتكون مكلفا بها فيكون من باب التكليف فلذلك يسقط التكليف بها في تلك الأحوال لمنافاة النسيان والإكراه والمرض والإغماء ونحوها التكليف لطفا من الله تعالى بالعباد وعدم وطء المظاهر منها قبل التكفير شرط لقوله تعالى من قبل أن يتماسا المجادلة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
وإما المبتدأ أي فالواجب عليه صيام شهرين متتابعين وإما الخبر أي فصيام شهرين متتابعين واجب عليه وكونهما ليس قبلهما وطء ولا في أثنائهما وطء أمران قد يتغير أحدهما بتقدم الوطء فيستحل بعد ذلك أي بعد تغير أحدهما بتقدم الوطء أن يصدق أنه يصوم شهرين متتابعين ليس قبلهما وطء ويبقى الآخر وهو أن يصوم شهرين متتابعين ليس في خلالهما وطء والقاعدة أن المتعذر يسقط اعتباره والممكن يستصحب فيه التكليف لقوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم ولقوله عليه السلام إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم فلذلك قلنا نحن وأحمد بن حنبل يبتدئ الصوم متتابعين إذا وطئها قبله مطلقا وأبو حنيفة عمدا فقط
وإن كان وصف تقدم عدم الوطء قد تعذر لأنه أي التتابع هو الممكن الباقي وأما في فطره ناسيا النذر المتتابع ونحوه من أنواع الصوم المتتابع فيأتي بيوم غير اليوم الذي أفطر فيه ناسيا يصله بآخر صيامه تكملة للعدة لا لتحصيل وصف التتابع في جميع الصوم بل في آخره فقط لأن تحصيله في أثناء الصوم قد تعذر وبقي تحصيله في آخره ممكنا فوجب الممكن وسقط المتعذر على القاعدة المتقدمة وبهذا يندفع الإشكال الوارد هنا على الفتاوى المذكورة كلها من جهة أن قوله تعالى فصيام شهرين متتابعين على كل تقدير من التقادير المتقدمة أعني كونه خبرا بمعنى الأمر أو على حقيقته حذف منه المبتدأ أو الخبر هو متعلق بطلب لا يدفع فكيف يتخيل أنه من باب النهي عن التفريق فيكون محرما
والمحرم لا يأثم الإنسان بملابسته مع عدم القصد كما هو على أحد الاحتمالين المتقدمين عن ابن بشير ويبعد الاعتماد في ذلك على أن التتابع إذا كان واجبا كان تركه محرما فإن كل واجب تركه محرم وكل محرم تركه واجب فالوجوب من لوازم التحريم والتحريم من لوازم الوجوب في النقيض المقابل فالذي يصح في الآية أن التتابع من باب الواجب وأن المطلوب طلبا أكيدا صوم شهرين متتابعين والمكلف الناسي والمجتهد والمكروه كل واحد منهم قد فرق ولم يقع فعله مطابقا لمقتضى الطلب فوجب البقاء في العهدة كما أن الله تعالى طلب الصلاة بالنية والطهارة والستارة ونحوها من الشروط فمن نسي أحد هذه الأشياء أو اجتهد فأخطأ فيها أو أكره على عدمها بطلت الصلاة
352
352
4 والمفهوم من قول القائل افعل كذا قبل كذا أن التقدم شرط ولذلك يصدق قولنا استأذن المرأة في النكاح وأحضر الولي قبل العقد أن هذين شرطان وكذلك استتر قبل الصلاة وتطهر وانو أن هذه الأمور شروط وإذا كان هذا الكلام يفيد الشرطية كان تقدم العدم شرطا فلذلك قدح فيه النسيان وغيره فإن ما لا يشترط فيه العلم والقدرة يثبت مطلقا وما يثبت مطلقا اعتبر مطلقا فيكون شرطا في جميع الحالات فيؤثر فقده والتكليف لما كان العلم والقدرة شرطين فيه فقد التكليف عند عدمهما فإذا علمت ذلك فالمفهوم من قوله تعالى من قبل أن يتماسا أنه يصوم شهرين متتابعين ليس قبلهما وطء ولا في أثنائهما وطء فهذان أمران قد يتغير أحدهما بتقدم الوطء فاستحال بعد ذلك أن يصدق أنه يصوم شهرين متتابعين ليس قبلهما وطء لأجل تقدم الوطء وبقي الآخر وهو أنه يصوم شهرين متتابعين ليس في خلالهما وطء والقاعدة أن المتعذر يسقط اعتباره والممكن يستصحب فيه التكليف لقوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم ولقوله عليه السلام إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم فلذلك قلنا يبتدي الصوم في الظهار متتابعا إذا وطئها قبله وإن كان وصف تقدم عدم الوطء قد تعذر لأنه الممكن الباقي
وأما في النذر ونحوه فيأتي بيوم غير اليوم الذي أفطر فيه ناسيا يصله بآخر صيامه تكملة للعدة لا لتحصيل وصف التتابع في جميع الصوم بل في آخره فقط لأن تحصيله في أثناء الصوم قد تعذر فأفطر ناسيا وبقي تحصيله في آخره
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
وكذلك إذا أكره على الأكل أو الشرب في رمضان أو نسي أو اجتهد فأخطأ فإن صومه يبطل ونظائره كثيرة في الشريعة فما بال التتابع خرج عند مالك وأحمد بن حنبل عن هذا النمط في الكفارات والمنذورات وكذلك عند الشافعي في قوله في الإغماء فينبغي أن يبطل التتابع كما تبطل الصلاة والصوم بالإغماء وكذلك عنده في الحامل والمرضع فينبغي أن يبطلا التتابع كما تبطل الصلاة والصوم بهما وكذلك عنده وعند أبي حنيفة في قولهما في المرض والذي يظهر في بادئ الرأي أن التفريق متى حصل أي طريق كان وجب ابتداء الصوم كما قلنا في جميع النظائر المتقدمة لأن الصوم بوصف التتابع لم يحصل ومتى لم يحصل المطلوب الشرعي مع إمكان الإتيان به وجب الإتيان به هذه هي القاعدة وحاصل الدفع أن النظائر المذكورة شروط من قبيل خطاب الوضع الذي لا يشترط فيه علم المكلف ولا قدرته ولا إرادته فهي شروط في جميع الحالات فيؤثر فقدها والتتابع المذكور ليس كذلك لأنه صفة الصوم المكلف بوجوبه وصفة المكلف بوجوبه مكلف بوجوبها فهو من قبيل خطاب التكليف الذي يشترط فيه علم المكلف وقدرته وإرادته
والقاعدة أن المتعذر منه يسقط اعتباره والممكن منه يستصحب فيه التكليف لما تقدم والله سبحانه وتعالى أعلم
مسألة
قال
353
353
ممكنا فوجب الممكن وسقط المتعذر على القاعدة المتقدمة وكذلك في جميع الكفارات وأنواع الصوم المتتابع فاندفع الإشكال بهذه القاعدة بفضل الله تعالى
مسألة
قال مالك رحمه الله إذا تطوع بالصوم أو بالصلاة ونحوهما مما يجب بالشروع وعرض عارض يقتضي فساده ناسيا أو مجتهدا لم يجب قضاء الصوم والصلاة وإن أفطر متعمدا أو أبطل الصلاة وجب القضاء على قاعدة الوجوب بالشروع مع أن قاعدة الوجوب بالشروع تقتضي القضاء مطلقا ألا ترى أن الصلوات الخمس وصوم رمضان يقضيهما إذا فسدا بأي طريق كان فكان يلزمه هنا كذلك وهو إشكال كبير فإن الواجب ينبغي أن لا يختلف حاله والجواب عنه أن وجوب التطوعات عنده مأخوذ من قوله تعالى ولا تبطلوا أعمالكم نهى سبحانه وتعالى عن الإبطال فيكون الإكمال واجبا مكلفا به والتكليف يشترط فيه القدرة والعلم على القاعدة المتقدمة فلا يجب الإتمام حالة عدم
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
مالك رحمه الله إذا تطوع بالصوم أو بالصلاة ونحوهما مما يجب بالشروع أي من النوافل السبع المجموعة في قول ابن كمال باشامن النوافل سبع تلزم الشارع أخذا لذلك مما قاله الشارع صوم صلاة عكوف حجه الرابع طوافه عمرة إحرامه السابع
وأراد بقوله إحرامه السابع الائتمام في قول ابن عرفة السابق صلاة وصوم ثم حج وعمرة طواف عكوف وائتمام تحتما وفي غير ذا كالوقف والطهر خيرن فمن شاء فليقطع ومن شاء تمما وعرض عارض يقتضي فساده ناسيا أو مجتهدا لم يجب قضاء الصوم والصلاة وإن أفطر متعمدا أو أبطل الصلاة وجب القضاء ا ه
وهذا وإن توجه عليه إشكال كبير هو أن قاعدة الوجوب بالشروع تقتضي أن يكون ما يجب بالشروع نظير الواجب المتصل كالصلوات الخمس وصوم رمضان في كون ما فسد من كل يقضي بأي طريق كان فإن الواجب ينبغي أن لا يختلف حاله إلا أن وجهه هو أن وجوب التطوعات عنده مأخوذ من قوله تعالى ولا تبطلوا أعمالكم حيث نهى سبحانه وتعالى عن الإبطال فيكون الإكمال واجبا مكلفا به والتكليف يشترط فيه القدرة والعلم على القاعدة المتقدمة فلا يجب الإتمام حالة عدم القدرة والعلم
وإذا لم يجب الإتمام حالة القدرة والعلم فإذا تعمد الإفساد ولم يحصل الإتمام حالة القدرة والعلم وجب القضاء لاندراج هذه الحالة في التكليف نعم لما كان المشهور في علم الأصول أن القضاء إنما يجب بأمر جديد فيتبع ذلك الأمر على حسب وروده وقد ورد الأمر بالقضاء مع العذر وعدمه في الواجب المتصل كالصوم في رمضان لقوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر فإنه أوجب القضاء مع المرض وهو عذر ولم يرد لنا في التطوعات التي تجب بالشروع مثل ذلك بل إنما ورد فيها الأمر بالقضاء في صورة عدم العذر خاصة لقوله عليه السلام في الحديث الصحيح لعائشة وحفصة رضي الله عنهما في صوم التطوع اقضيا يوما مكانه وكانتا عامدتين لإفساد ذلك
354
354
القدرة والعلم فلا يجب القضاء كذلك
وإذا تعمد الإفساد اندرجت هذه الحالة في التكليف لحصول القدرة والعلم فوجب القضاء لقوله عليه السلام في الحديث الصحيح لعائشة وحفصة رضي الله عنهما في صوم التطوع اقضيا يوما مكانه وكانتا عامدتين لإفساد ذلك اليوم في حالة يثبت فيها التكليف فبقيت الحالة التي لا يثبت فيها التكليف على مقتضى الأصل لأن القضاء إنما يجب بأمر جديد فيقتصر به حيث ورد فإن قلت الصوم في رمضان والصلوات الخمس يقضيان مطلقا فلم لا أقضي هذا مطلقا قلت المشهور في علم الأصول أن القضاء إنما يجب بأمر جديد فيتبع ذلك الأمر على حسب وروده وقد ورد الأمر بالقضاء في الواجب المتصل مع العذر وعدمه لقوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر والمرض عذر وقد وجب معه القضاء فلذلك أوجبنا القضاء مطلقا ولم يرد لنا في التطوعات مثل ذلك بل في صورة عدم العذر خاصة فاقتصر عليها لأن وجوب القضاء تبع للأمر به كما تقدم فهذا هو تلخيص الفرق بين قاعدة ما يبطل التتابع وقاعدة ما لا يبطله وشرط قاعدة خطاب الوضع وقاعدة خطاب التكليف
الفرق الرابع والسبعون والمائة بين قاعدة المطلقات يقضي قبل علمهن بالطلاق وأمد العدة فلا يلزمهن استئنافها ويكتفين بما تقدم قبل علمهن وبين قاعدة المرتابات يتأخر الحيض ولا يعلم لتأخره سبب فإنهن يمكثن عند مالك رحمه الله تسعة أشهر غالب مدة الحمل استبراء فإن حضن في خلالها احتسبن بذلك الحيض وانتظرن بقية الأقراء إلى تسعة أشهر ولا يزلن كذلك حتى
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
اليوم في حالة يثبت فيها التكليف على مقتضى الأصل أوجبنا القضاء في الواجب المتصل مطلقا واقتصرنا على القضاء بصورة عدم العذر خاصة في التطوعات التي تجب بالشروع فهذا هو تلخيص الفرق بين قاعدة ما يبطل التتابع وقاعدة ما لا يبطله وشرط قاعدة خطاب الوضع وقاعدة خطاب التكليف مع تنقيح كلام الأصل في ذلك على ما قاله ابن الشاط وما في بداية المجتهد وما في الإقناع وشرحه والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الرابع والسبعون والمائة بين قاعدة المطلقات يقضي بالطلاق وأمد العدة قبل علمهن بذلك فيكتفين بما تقدم على علمهن من أمدها ولا يلزمهن استئنافه وبين قاعدة المرتابات يتأخر الحيض ولا يعلم لتأخيره سبب فيمكثن عند مالك وأحمد رحمهما الله تسعة أشهر غالب مدة الحمل استبراء فإن حضن في خلالها احتسبن بذلك الحيض وانتظرن بقية الأقراء إلى تسعة أشهر ولا يزلن كذلك حتى يكمل لهن ثلاثة قروء أو تسعة أشهر فإذا انقضت تسعة أشهر ليس في خلالها حيض استأنفن ثلاثة
355
355
يكمل لهن ثلاثة قروء أو تسعة أشهر فإذا انقضت تسعة أشهر ليس في خلالها حيض استأنفن ثلاثة أشهر كمال السنة فإن حضن قبل السنة بلحظة استأنفن الأقراء حتى تمضي سنة لا حيض فيها ووافقه أحمد بن حنبل رضي الله عنه
وقال الشافعي وأبو حنيفة رضي الله عنهما تنتظر الحيض إلى سن الإياس حجة مالك رحمه الله قول عمر رضي الله عنه أيما امرأة طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين ثم رفعت عنها حيضتها فإنها تنتظر تسعة أشهر فإن بان بها حمل فذاك وإلا اعتدت بعد التسعة بثلاثة أشهر ولأنهن بعد التسعة يئسن من المحيض إذ لو كان لظهر غالبا فيندرجن في قوله تعالى واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إذا تقرر هذا بقي السؤال المحوج للفرق بين هذه القاعدة وقاعدة تقدم العدد قبل العلم فإنهن إذا مضى لهن تسعة أشهر لا حيض فيها فقد مضى لهن ثلاثة أشهر في خلالها فلا حاجة إلى إعادة ثلاثة أشهر أخر وما الفرق بين هذه الثلاثة وبين الثلاثة تمضي قبل العلم والمقصود براءة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
أشهر كمال السنة فإن حضن قبل السنة ولو بلحظة استأنفن الأقراء حتى ينقضي الأقراء أو سنة لا حيض فيها قال حفيد ابن رشد في بدايته واختلف عن مالك من متى تعتد بتسعة الأشهر فقيل من يوم طلقت وهو قوله في الموطإ وروى ابن القاسم عنه من يوم رفعتها حيضتها ا ه بلفظه وقال الشافعي وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى تنتظر الحيض إلى سن الإياس وقول مالك وأحمد رحمهما الله وإن كانت حجتهما عليه بأمرين أحدهما قول عمر رضي الله عنه أيما امرأة طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين ثم رفعت عنها حيضتها فإنها تنتظر تسعة أشهر فإن بان بها حمل فذاك وإلا اعتدت بعد التسعة بثلاثة أشهر وثانيهما أنهن بعد التسعة يئسن من المحيض إذ لو كان لظهر غالبا بدليل أن الحامل قد تحيض فحيث لم تحض في مدة الحمل كانت مدة الحمل كافية في العلم ببراءة الرحم المقصود بالعدة بل هي قاطعة على ذلك فيندرجن في واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إلا أنه يقال عليه ما الفرق بين هذه الثلاثة وبين الثلاثة تمضي قبل العلم والمقصود براءة الرحم بمضي ثلاثة أشهر لم يظهر فيها حمل وقد حصلت في كلا البابين وجوابه أن هذه النسوة المرتابات وإن انكشف الغيب عن إياسهن إلا أن العدة لما كانت لا تحصل بمجرد العلم بحصول براءة الرحم وإلا لحصلت لامرأة من غاب عشر سنين ثم طلقها بعد العشرة وهو غائب عنها حيث إن تلك المدة قد دلت على براءة الرحم وليس كذلك إجماعا بل إنما تحصل بالعلم بحصول براءة الرحم بعد سببها لا قبل سببها إذ الواقع قبل السبب من جميع الأحكام لا يعتد به كالصلاة قبل الزوال والصوم قبل رؤية الهلال وإخراج الزكاة قبل ملك النصاب فإذا انعقد الإجماع على أن امرأة من غاب عشر سنين ثم طلقها بعد العشر وهو غائب عنها تستأنف العدة بعد تلك المدة المتقدمة وإن دلت على براءة الرحم إلا أنها وقعت قبل سبب العدة الذي هو الطلاق
356
356
الرحم بمضي ثلاثة أشهر لم يظهر فيها حمل
وقد حصلت فالموضع في غاية الإشكال وجوابه أن هذه النسوة وإن انكشف الغيب عن إياسهن إلا أن العدة لا بد وأن تكون بعد سببها وإن علم حصول براءة الرحم قبل السبب فإن من غاب عن امرأة عشر سنين ثم طلقها بعد العشر وهو غائب عنها فإنها تستأنف العدة إجماعا لأن تلك المدة المتقدمة وهي العشر سنين وإن دلت على براءة الرحم غير أن تلك المدة وقعت قبل السبب والواقع قبل السبب من جميع الأحكام لا يعتد به كالصلاة قبل الزوال والصوم قبل رؤية الهلال وإخراج الزكاة قبل ملك النصاب والله سبحانه وتعالى جعل الإياس سببا للعدة ثلاثة أشهر لأنه تعالى رتبه عليها بصيغة الفاء لقوله تعالى واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر فتدل هذه الآية على السببية في الإياس من وجهين أحدهما أن ترتيب الحكم على الوصف يدل على علية ذلك الوصف لذلك الحكم
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
كان الواقع للمرتابات من الأشهر قبل كمال التسعة واقعا قبل إياسنا وإياسهن من الحيض والله سبحانه وتعالى جعل الإياس سببا للعدة ثلاثة أشهر فإن قوله تعالى واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر يدل على السببية في الإياس من وجهين أحدهما أنه تعالى رتبه على عدة ثلاثة الأشهر بفاء الجزاء وثانيهما أن الموصول مع صلته في قوة المشتق وقد ترتب عليه حكم عدة ثلاثة الأشهر والقاعدة أن ترتب الحكم على المشتق عليه مأمنة يدل على الاشتقاق وهو المصدر لذلك الحكم فنحو اقطعوا السارق واجلدوا الزاني يدل على علية السرقة للقطع والزنا للجلد فكذلك الآية تدل على علية الإياس لعدة ثلاثة الأشهر فيكون الواقع من الأشهر قبل كمال التسعة للمرتابات وإن كان دالا على براءة الرحم لا يعتد به في عدة ثلاثة الأشهر لوقوعه قبل سببها فيتعين استئناف ثلاثة بعد تحقق السبب الذي هو الإياس
وأما المطلقات تمضي لهن ثلاثة أشهر بعد الطلاق وقبل العلم به والمتوفى عنهن أزواجهن يمضي لهن أربعة أشهر وعشر بعد الوفاة وقبل علمهن بها فإنهن وإن لم يعلمن بأن تلك الآجال عدد وقعت بعد أسبابها التي هي الوفاة والطلاق إلا إنهن يعتددن بتلك الآجال في عددهن لأن العلم ليس بسبب إجماعا والسبب إنما هو الوفاة والطلاق وقد وقعت تلك الآجال بعده فظهر سر الفرق بين البابين والتباين بين القاعدتين على مذهبي مالك وأحمد بن حنبل رحمهما الله وأما أبو حنيفة والشافعي والجمهور فقال حفيد ابن رشد في بدايته إنهم صاروا إلى ظاهر قوله تعالى واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر والتي هي ليست
357
357
كقولنا اقطعوا السارق واجلدوا الزاني وغير ذلك فإن هذه الأوصاف المتقدمة أسباب لهذه الأحكام المترتبة عليها كذلك هاهنا يكون الإياس سببا للاعتداد بثلاثة أشهر والواقع من الأشهر قبل كمال التسعة واقع قبل إياسنا وإياسهن من الحيض فيكون واقعا قبل سببه فلا يعتد به ويتعين استئناف ثلاثة بعد تحقق السبب
وأما المطلقات تمضي لهن ثلاثة أشهر بعد الطلاق وقبل العلم به والمتوفى عنهن أزواجهن يمضي لهن أربعة أشهر وعشر بعد الوفاة وقبل علمهن بأن تلك الآجال عدد وقعت بعد أسبابها وهي الوفاة والطلاق والعلم في تلك الصور ليس سببا إجماعا والإياس هنا سبب فلا بد أن يتحقق كما تحققت الوفاة والطلاق فلذلك لم تحصل العدة قبله كما لا تعتد قبل الوفاة والطلاق فظهر الفرق بين البابين والتباين بين القاعدتين الفرق الخامس والسبعون والمائة بين قاعدة الدائر بين النادر والغالب يلحق بالغالب من جنسه وبين قاعدة إلحاق الأولاد بالأزواج إلى خمس سنين وقيل إلى أربع وهو قول الشافعي رحمه الله وقيل إلى سبع سنين وكلها روايات عن مالك
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
من أهل الحيض ليست بيائسة
وهذا الرأي فيه عسر وحرج ولو قيل إنها تعتد بثلاثة أشهر لكان جيدا إذا فهم من اليائسة التي لا يقطع بانقطاع حيضتها وكان قوله إن ارتبتم راجعا إلى الحكم لا إلى الحيض على ما تأوله مالك عليه فكأن مالكا لم يطابق مذهبه تأويله الآية فإنه فهم من اليائسة هنا من انقطع على أنها ليست من أهل الحيض وهذا لا يكون إلا من قبل السن ولذلك جعل قوله تعالى إن ارتبتم راجعا إلى الحكم لا إلى الحيض أي إن شككتم في حكمهن ثم قال في التي تبقى تسعة لا تحيض وهي في سن من تحيض إنها تعتد بالأشهر وأما إسماعيل وابن بكير من أصحابه أي مالك فذهبوا إلى أن الريبة ها هنا في الحيض وأن اليائس في كلام العرب هو ما لم يحكم عليه بما يئس منه بالقطع فطابقوا بتأويل الآية مذهبهم الذي هو مذهب مالك ونعم ما فعلوا لأنه فهم ها هنا من اليائس القطع فقد يجب أن تنتظر الدم وتعتد به حتى تكون في هذا السن أعني سن اليائس وإن فهم من اليائس ما لا يقطع بذلك فقد يجب أن تعتد التي قطع دمها عن العادة وهي في سن من تحيض بالأشهر وهو قياس قول أهل الظاهر لأن اليائسة في الطرفين ليست هي عندهم من أهل العدة لا بالأقراء ولا بالشهور وأما الفرق في ذلك بين ما قبل التسعة وما بعدها فاستحسان ا ه والله أعلم
الفرق الخامس والسبعون والمائة بين قاعدة الدائر بين النادر والغالب يلحق بالغالب من جنسه وبين قاعدة إلحاق الأولاد بالأزواج إلى خمس سنين وقيل إلى أربع سنين وهو قول الشافعي رحمه الله وقيل إلى تسع سنين وكلها روايات عن مالك وقال
358
358
وقال أبو حنيفة رضي الله عنه إلى سنتين فإن هذا الحمل الآتي بعد خمس سنين دائر بين أن يكون من الوطء السابق من الزوج وبين أن يكون من الزنى ووقوع الزنى في الوجود أكثر وأغلب من تأخر الحمل هذه المدة فقدم الشارع ها هنا النادر على الغالب وكان مقتضى تلك القاعدة أن يجعل زنى لا يلحق بالزوج عملا بالغالب لكن الله سبحانه وتعالى شرع لحوقه بالزوج لطفا بعباده وسترا عليهم وحفظا للأنساب وسدا لباب ثبوت الزنى كما اشترط تعالى في ثبوته أربعة مجتمعين سدا لبابه حتى يبعد ثبوته وأمرنا أن لا نتعرض لتحمل الشهادة فبه وإذا تحملناها أمرنا بأن لا نؤدي بها وأن نبالغ في الستر على الزاني ما استطعنا بخلاف جميع الحقوق كل ذلك شرع طلبا للستر على العباد ومنة عليهم فهذا هو سبب استثناء هذه القاعدة من تلك القواعد وإلا فهي على خلاف الإلحاق بالغالب دون النادر فاعلم ذلك واعلم الفرق بين القاعدتين وهو طلب الستر وما تقدم معه
الفرق السادس والسبعون والمائة بين قاعدة العدد وقاعدة الاستبراء
إن العدة تجب وإن علمت براءة الرحم كمن طلقها زوجها غائبا عنها بعد عشر سنين وكذلك إذا توفي عنها والاستبراء ليس كذلك قال في الجواهر لا يجري الاستبراء قبل البيع إلا فيمن كانت تحت يده للاستبراء أو وديعة وسيدها لا يدخل عليها أو اشتراها من
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
أبو حنيفة رضي الله عنه أي سنتين حيث إن الشارع هاهنا قدم النادر على الغالب دون العكس وإلا لما لحق هذا الحمل الآتي بعد خمس سنين بالأزواج وهو دائر بين أن يكون من الوطء السابق وبين أن يكون من الزنا ووقوع الزنى في الوجود أكثر وأغلب من تأخر الحمل هذه المدة بل كان مقتضى تلك القاعدة أن يجعل زنى عملا بالغالب لكن الله سبحانه وتعالى شرع لحوقه بالزوج لطفا بعباده وسترا عليهم وحفظا للأنساب وسد الباب ثبوت الزنى كما أنه تعالى اشترط مع ثبوته أربعة مجتمعين سدا لبابه حتى يبعد ثبوته وأمرنا أن لا نتعرض لتحمل الشهادة فيه وأمرنا إذا تحملناها أن لا نؤديها وأن نبالغ في الستر على الزاني ما استطعنا فإنه تعالى كما شرع كل ذلك طلبا للستر على العباد ومنة عليهم كذلك شرع لحوق الحمل الآتي بعد تلك المدة بالأزواج وهو نادر لذلك بخلاف جميع الحقوق فطلب الستر وما تقدم معه هو سبب استثناء هذه القاعدة من قاعدة جميع الحقوق وجعلها على خلاف قاعدة الإلحاق بالغالب دون النادر والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق السادس والسبعون والمائة بين قاعدة العدد وقاعدة الاستبراء
من حيث إن العدة تجب وإن علمت البراءة للرحم كبنت المهد يتوفى عنها زوجها وكمن طلقها أو توفي عنها زوجها الغائب عنها بعد عشر سنين والاستبراء لا يجب حيث علمت البراءة للرحم قال في الجواهر لا يجري الاستبراء قبل البيع إلا فيمن كانت تحت يده للاستبراء أو وديعة وسيدها لا يدخل عليها أو اشتراها من امرأته أو ولده الصغير الذي في عياله وسكنه أو اشتراها من سيدها عند قدومه من الغيبة
359
359
امرأته أو ولده الصغير الذي في عياله وسكنه أو اشتراها من سيدها عند قدومه من الغيبة قبل أن تخرج إليه أو خرجت حائضا أو الشريك يشتري من شريكه وهي تحت يدي المشتري
وقال الإمام أبو عبد الله كل من أمن عليها الحمل فلا استبراء فيها ومن غلب على الظن حملها أو شك فيها استبرئت وإن غلب على الظن براءتها مع جواز الحمل فقولان كالصغيرة والآيسة تستبرآن لسوء الظن والوخش من الرقيق ومن باعها مجبوب أو امرأة أو ذو محرم منها والمشهور إيجابه وأشهب ينفيه ويجوز اتفاق البائع والمشتري على استبراء واحد لحصول المقصود به فهذه فروع في الاستبراء لا يجوز في العدد مثلها فلو علمت براءة المعتدة قبل الإطلاق أو الوفاء لا بد لها من العدة والفرق بين البابين أن العدة يغلب عليها شائبة التعبد من حيث الجملة وإن كانت معقولة المعنى من حيث الجملة لأنها شرعت لبراءة الرحم وعدم اختلاط الأنساب فمن هذا الوجه هي معقولة المعنى ومن جهة أن العدة تجب في الوفاة على بنت المهد وتجب في الطلاق والوفاة على الكبيرة المعلوم براءتها بسبب الغيبة وغيرها هذه شائبة التعبد فلما كان في العدة شائبة التعبد وجب فعلها بعد سببها مطلقا في جميع الصور علمت البراءة أم لا توفية لشائبة التعبد والاستبراء لم ترد فيه هذه الشائبة بل هو معقول المعنى لبراءة الرحم وعدم اختلاط الأنساب فلذلك حيث حصل المعنى وهو البراءة سقطت الوسيلة إليه وهي الاستبراء لحصول المقصود فهذا هو الفرق وهو الموجب لخروج تلك الصور عن الحاجة للاستبراء ولم يخرج مثلها في قاعدة العدد
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
قبل أن تخرج إليه أو أخرجت حائضا أو الشريك يشتري من شريكه وهي تحت يد المشتري
وقال الإمام أبو عبد الله كل من أمن عليها الحمل فلا استبراء فيها ومن غلب على الظن حملها أو شك فيها استبرأت وإن غلب على الظن براءتها مع جواز الحمل فقولان كالصغيرة والآيسة تستبرآن لسوء الظن والوحش من الرقيق ومن باعها مجبوب أو امرأة أو ذو محرم منها والمشهور إيجابه وأشهب ينفيه ويجوز اتفاق البائع والمشتري على استبراء واحد لحصول المقصود به ا ه
وسر الفرق هو أن العدة وإن كانت من جهة أنها شرعت لبراءة الرحم وعدم اختلاط الأنساب هي معقولة المعنى إلا إنها لما كان فيها شائبة التعبد من جهة أنها تجب في الوفاة على بنت المهد وفي الطلاق والوفاة على الكبيرة المعلوم براءتها بسبب وغيرها وجب فعلها بعد سببها مطلقا في جميع الصور علمت البراءة أم لا توفية لشائبة التعبد والاستبراء لما لم ترد فيه هذه الشائبة بل إنما شرع لبراءة الرحم وعدم اختلاط الأنساب بحيث لم يكن إلا معقول المعنى لم يجب حيث حصل المعنى وهو البراءة ضرورة أنه وسيلة لذلك المعنى فتسقط حيث حصل لحصول المقصود وبدونها هذا هو الموجب لخروج تلك الصور عن الحاجة للاستبراء وعدم خروج مثلها في قاعدة العدد والله سبحانه وتعالى أعلم

360
360
الفرق السابع والسبعون والمائة بين قاعدة الاستبراء بالأقراء يكفي قرء واحد وبين قاعدة الاستبراء بالشهور لا يكفي شهر
مع أن غالب النساء يحصل لهن في كل شهر قرء كأن يكتفى بشهر كما اكتفي بقرء والفرق بين البابين أن القرء الواحد وهو الحيض دال عادة على براءة الرحم فإن الحيض لا يجتمع مع الحمل غالبا فكان القرء الواحد من الحيض دالا على براءة الرحم وعدم الحمل والشهر الواحد وإن كان يحصل قرءا واحدا في حق من تحيض لكنه في حق من لا تحيض لا يحصل به براءة الرحم لأن المني يمكث منيا في الرحم نحو الشهر ثم يصير مضغة بعد أن صار علقة فلا يظهر الحمل في الغالب إلا في ثلاثة أشهر فتكبر الجوف وتحصل مبادئ الحركة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
360
الفرق السابع والسبعون والمائة بين قاعدة الاستبراء بالأقراء يكفي قرء واحد وبين قاعدة الاستبراء بالشهور
لا يكفي شهر واحد وهو أن الشهر الواحد وإن كان يحصل قرء واحد في حق من يحيض فيقتضي الاكتفاء به كما اكتفى بقرء واحد نظرا لكون غالب النساء ذوات حيض إلا أنه لما كان في حق من لا تحيض لا يحصل به براءة الرحم وعدم الحمل بل جوف الحامل فيه مساو في الظاهر لغير الحامل لأن المني يمكث منيا في الرحم نحو الشهر ثم يصير مضغة بعد أن صار علقة فلا يظهر الحمل في الغالب إلا في ثلاثة أشهر فتكبر الجوف وتحصل مبادئ الحركة لم يعتبر الشهر الواحد واعتبر القرء الواحد من الحيض لأنه دال على براءة الرحم وعدم الحمل عادة إذ لا يجتمع الحيض مع الحمل غالبا والله سبحانه وتعالى أعلم
مسألة
في بداية المجتهد لحفيد ابن رشد اختلف في أم الولد يتوفى عنها سيدها الذي أولدها فقال مالك والشافعي وأحمد والليث وأبو ثور وجماعة عدتها حيضة وبه قال ابن عمر وقال مالك وإن كانت ممن لا تحيض اعتدت بثلاثة أشهر ولها السكنى
وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري عدتها ثلاث حيض وهو قول علي وابن مسعود وقال قوم عدتها نصف عدة الحرة المتوفى عنها زوجها وقال قوم عدتها عدة الحرة أربعة أشهر وعشر وحجة مالك أنها ليست زوجة فتعتد عدة الوفاة ولا مطلقة فتعتد ثلاث حيض فلم تبق إلا استبراء رحمها وذلك يكون بحيضة تشبيها بالأمة يموت عنها سيدها وذلك ما لا خلاف فيه وحجة أبي حنيفة أن العدة إنما وجبت عليها وهي حرة وليست بزوجة فتعتد عدة الوفاة ولا بأمة فتعتد عدة أمة فوجب أن تستبرأ رحمها بعدة الأحرار
وأما الذين أوجبوا لها عدة الوفاة فاحتجوا بحديث روي عن عمرو بن العاص قال لا تلبسوا علينا سنة نبينا عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشر وضعف أحمد هذا الحديث ولم يأخذ به
361
361
أما الشهر الواحد فجوف الحامل فيه مساو في الظاهر لغير الحامل فلذلك لم يعتبر الشهر الواحد واعتبر القرء الواحد
الفرق الثامن والسبعون والمائة بين قاعدة الحضانة يقدم فيها النساء على الرجال بخلاف جميع الولايات يقدم فيها الرجال على النساء
وهو أن قاعدة الشرع أنه يقدم في كل موطن وكل ولاية من هو أقوم بمصالحها فيقدم في ولاية الحرب من هو أقوم بمصالح الحروب من سياسة الجيوش ومكائد العدو ويقدم في القضاء من هو أكثر تفطنا لحجاج الخصوم وقواعد الأحكام ووجوه الخدع من الناس ويقدم في الفتوى من هو أنقل للأحكام وأشفق على الأمة وأحرصهم على إرشادها لحدود الشريعة ويقدم في سعاية الماشية وجباية الزكاة والعمل عليها من هو أعرف بنصب الزكوات ومقادير الواجب فيها وأحكام اختلاطها وافتراقها وضم أجناسها ويقدم في أمانة الحكم من هو أعرف بمقادير النفقات وأهليات الكفالات وتنمية أموال الأيتام والمناضلة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
وأما من أوجب عليها نصف عدة الحرة فشبهها بالزوجة الأمة فسبب الخلاف إنها مسكوت عنها وهي مترددة الشبه بين الأمة والحرة وأما من شبهها بالزوجة الأمة فضعيف وأضعف منه من شبهها بعدة الحرة المطلقة وهو مذهب أبو حنيفة ا ه
الفرق الثامن والسبعون والمائة بين قاعدة الحضانة يقدم فيها النساء على الرجال بخلاف جميع الولايات يقدم فيها الرجال على النساء
وهو أن الله سبحانه وتعالى لما اقتضت حكمته التامة البالغة كثرة بكاء الأطفال منفعة لهم أما أولا فلأن في أدمغتهم رطوبات لو بقيت فيها لأحدثت أحداثا عظيمة والبكاء يسيل ذلك ويحدره من أدمغتهم فتقوى أدمغتهم وتصح
وأما ثانيا فلأن البكاء والعياط يوسع عليهم مجاري النفس ويفتح العروق ويصلبها ويقوي الأعصاب واقتضت أيضا أن تكون هذه الدار الدنيا ممزوجة عافيتها ببلائها وراحتها بعنائها ولذتها بآلامها وصحتها بسقمها وفرحها بغمها وأنها دار ابتلاء تدفع بعض آفاتها ببعض كما قال القائل أصبحت في دار بليات أدفع آفات بآفات حتى صارت آلام الأطفال كآلام البالغين من لوازم النشأة الإنسانية التي لا ينفك عنها الإنسان ولا الحيوان كالحر والبرد والجوع والعطش والتعب والنصب والهم والغم والضعف والعجز بحيث إن الإنسان لو تجرد عنها لم يكن إنسانا بل كان ملكا أو خلقا آخر إلا أن البالغين لما صارت لهم عادة سهل موقعها عندهم بخلاف الأطفال كما في مفتاح السعادة لابن قيم الجوزية افتقرت حضانتهم إلى وفور الصبر عليهم في كثرة بكائهم وتضجرهم من الهيئات العارضة لهم وإلى مزيد الشفقة والرقة الباعثة على الرفق بالضعفاء والرفق بهم ولما كانت النسوة أتم من الرجال في ذلك لأن أنفات الرجال وإباية نفوسهم وعلو هممهم تمنعهم من الانسلاك في أطوار الصبيان وما يليق بهم من اللطف والمعاملات وملابسة
362
362
عنهم وكذلك بقية الولايات ويقدم في الخلافة من هو كامل العلم والدين وافر العقل والرأي قوي النفس شديد الشجاعة عارف بأهليات الولايات حريص على مصالح الأمة قرشي من قبيلة النبوة المعظمة كامل الحرمة والهيبة في نفوس الناس ولما كانت الحضانة تفتقر إلى وفور الصبر على الأطفال في كثرة البكاء والتضجر من الهيئات العارضة للصبيان ومزيد الشفقة والرقة الباعثة على الرفق بالضعفاء والرفق بهم وكانت النسوة أتم من الرجال في ذلك كله قد من عليهم لأن أنفات الرجال وإباءة نفوسهم وعلو هممهم تمنعهم من الانسلاك في أطوار الصبيان وما يليق بهم من اللطف والمعاملات وملابسة القاذورات وتحمل الدناءات فهذا هو الفرق بين قاعدة الحضانات وغيرها من قواعد الولايات
الفرق التاسع والسبعون والمائة بين قاعدة معاملة أهل الكفر وقاعدة معاملة المسلمين
أما مالك رحمه الله فرجح معاملة المسلمين وقال أكره الصيرفي من صيارفة أهل الذمة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
القاذورات وتحمل الدناءات وقاعدة الشرع في كل موطن وكل ولاية تقديم من هو أقوم بمصالحها قدمهن الشرع على الرجال في الحضانة كما قدم الرجال عليهن في غيرها من جميع الولايات على حسب أحوالهم المناسبة لأي ولاية من الولايات فقدم في الخلافة من الرجال من هو كامل العلم والدين وافر العقل والرأي قوي النفس شديد الشجاعة عارف بأهليات الولايات حريص على مصالح الأمة قرشي من قبيلة النبوءة المعظمة كامل الحرمة والهيبة في نفوس الناس وقدم في ولاية الحرب من هو أقوم بمصالح الحروب من سياسة الجيوش ومكائدة العدو وقدم في القضاء من هو أكثر تفطنا لحجاج الخصوم وقواعد الأحكام ووجود الخدع من الناس وقدم في الفتوى من هو أنقل للأحكام وأشفق على الأمة وأحرصهم على إرشادها لحدود الشريعة وقدم في سعاية الماشية وجباية الزكاة والعمل عليها من هو أعرف بنصب الزكوات ومقادير الواجب فيها وأحكام اختلاطها وافتراقها وضم أجناسها وقدم في أمانة الحكم من هو أعرف بمقادير النفقات وأهليات الكفارات وتنمية أموال الأيتام والمناضلة عنهم وهكذا بقية الولايات فهذا هو الفرق بين قاعدة الحضانات وقاعدة غيرها من الولايات والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق التاسع والسبعون والمائة بين قاعدة معاملة أهل الكفر وقاعدة معاملة المسلمين
وذلك إن لمعاملة المسلمين حالتين الحالة الأولى ما إذ لم يظهر الربا بينهم
363
363
لقوله تعالى وأخذهم الربا وقد نهوا عنه
وقال وأكره معاملة المسلم بأرض الحرب للحربي بالربا وجوز أبو حنيفة الربا مع الحربي لقوله عليه السلام لا ربا بين مسلم وحربي لا ربا إلا بين المسلمين
والحربي ليس بمسلم ووافقنا الشافعي وابن حنبل رضي الله عنهم أجمعين لأن الربا مفسدة في نفسه فيمتنع من الجميع ولأنهم مخاطبون بفروع الشريعة لقوله تعالى وحرم الربا وعموم نصوص الكتاب والسنة يتناول الحربي قال اللخمي وغيره إذا ظهر الربا بين المسلمين فمعاملة أهل الذمة أولى لوجهين
الأول
أنهم ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة على أحد القولين للعلماء فلا يكون ما أخذوه بالربا محرما على هذا القول بخلاف المسلم مخاطب قولا واحدا فكانت معاملته إذا كان يتعاطى الربا وهو غير متحذر أشد من الذمي الثاني أن الكافر إذا أسلم ثبت ملكه على ما اكتسبه بالربا والغصب وغيره وإذا تاب المسلم لا يثبت ملكه على شيء من ذلك لقوله تعالى فإن تبتم فلكم رءوس أموالكم وما هو بصدد الثبوت المستمر وقابل للثبوت أولى مما لا يقبل ثبوت الملك عليه بحال ولذلك اعتمد جماعة من المتورعين على معاملة أهل الكفر أكثر ملاحظة لهذين الوجهين وهما الفرق بين القاعدتين والفريقين
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
والحالة الثانية ما إذا ظهر الربا بينهم في الحالة الأولى رجح مالك والشافعي وابن حنبل معاملتهم على معاملة أهل الكفر قال مالك أكره الصيرفي من صيارفة أهل الذمة لقوله تعالى وأخذهم الربا وقد نهوا عنه
وقال وأكره معاملة المسلم بأرض الحرب للحربي بالربا أي لأن الربا مفسدة في نفسه فيمتنع من الجميع ولأنهم مخاطبون بفروع الشريعة لقوله تعالى وحرم الربا وعموم نصوص الكتاب والسنة يتناول الحربي وفي الحالة الثانية قال اللخمي وغيره من أصحابنا معاملة أهل الذمة أولى لوجهين الأول أنهم ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة على أحد القولين للعلماء فلا يكون ما أخذه الربا محرما على هذا القول بخلاف المسلم فإنه مخاطب بفرع الشريعة قولا واحدا فكانت معاملته إذا كان يتعاطى الربا وهو غير متحذر أشد من الذمي الوجه الثاني أن الكافر إذا أسلم ثبت ملكه على ما اكتسبه بالربا والغصب وغير ذلك وإذا تاب المسلم لا يثبت ملكه على شيء من ذلك لقوله تعالى فإن تبتم فلكم رءوس أموالكم وما هو بصدد الثبوت المستمر وقابل للثبوت أولى مما لا يقبل ثبوت الملك عليه بحال ولملاحظة هذين الوجهين وهما الفرق بين القاعدتين اعتمد جماعة من المتورعين على معاملة أهل الكفر أكثر وجوز أبو حنيفة الربا مع الحربي أي مطلقا ظهر الربا بين المسلمين أم لا لقوله عليه السلام لا ربا بين مسلم وحربي لا ربا إلا بين المسلمين والحربي ليس بمسلم والله سبحانه وتعالى أعلم

364
364
الفرق الثمانون والمائة بين قاعدة الملك وقاعدة التصرف
اعلم أن الملك أشكل ضبطه على كثير من الفقهاء فإنه عام يترتب على أسباب مختلفة البيع والهبة والصدقة والإرث وغير ذلك فهو غيرها ولا يمكن أن يقال هو التصرف لأن المحجور عليه يملك ولا يتصرف فهو حينئذ غير التصرف فالتصرف والملك كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه وأخص من وجه فقد يوجد التصرف بدون الملك كالوصي والوكيل والحاكم وغيرهم يتصرفون ولا ملك لهم ويوجد الملك بدون التصرف كالصبيان والمجانين وغيرهم يملكون ولا يتصرفون ويجتمع الملك والتصرف في حق البالغين الراشدين النافذين للكلمة الكاملين الأوصاف وهذا هو حقيقة الأعم من وجه والأخص من وجه أن يجتمعا في صورة وينفرد كل واحد منهما بنفسه في صورة كالحيوان والأبيض والعبارة الكاشفة عن حقيقة الملك أنه حكم شرعي مقدر في العين أو المنفعة يقتضي يمكن من يضاف إليه من انتفاعه بالملوك والعوض عنه من حيث هو كذلك أما قولنا حكم شرعي فبالإجماع ولأنه يتبع الأسباب الشرعية وأما إنه مقدر فلأنه يرجع إلى
هامش أنوار البروق
قال
الفرق الثمانون والمائة بين قاعدة الملك وقاعدة التصرف إلى قوله كالحيوان والأبيض
قلت ما قاله في ذلك صحيح قال والعبارة الكاشفة عن حقيقة الملك أنه حكم شرعي مقدر في العين أو المنفعة يقتضي تمكن من يضاف إليه من انتفاعه بالمملوك والعرض عنه من حيث هو كذلك قلت هذا الحد فاسد من وجوه أحدها أن الملك من أوصاف المالك لا المملوك لكنه وصف متعلق والمملوك هو متعلقه وثانيها أنه ليس مقتضيا للتمكين من الانتفاع بل المقتضي لذلك كلام الشارع ثالثها أنه لا يقتضي الانتفاع بالمملوك وبالعرض بل بأحدهما
هامش إدرار الشروق
364
الفرق الثمانون والمائة بين قاعدة الملك وقاعدة التصرف
الملك سبب عام يترتب على أسباب مختلفة البيع والهبة والصدقة والإرث وغير ذلك فهو غيرها وبينه وبين التصرف عموم وخصوص وجهي بحيث يجتمعان في صورة وينفرد كل واحد منهما بنفسه في صورة كالحيوان والأبيض فيجتمعان في البالغين الراشدين النافذين للكلمة الكاملين الأوصاف وينفرد الملك عن التصرف في الصبيان والمجانين وغيرهم من المحجور عليهم فإنهم يملكون ولا يتصرفون وينفرد التصرف عن الملك في الوصي والوكيل والحاكم وغيرهم فإنهم يتصرفون ولا ملك لهم
365
365
تعلق إذن الشرع والتعلق عدمي ليس وصفا حقيقيا بل يقدر في العين أو المنفعة عند تحقق الأسباب المفيدة للملك وقولنا في العين أو المنفعة فإن الأعيان تملك كالبيع والمنافع كالإجارات وقولنا يقتضي انتفاعه بالمملوك ليخرج التصرف بالوصية والوكالة وتصرف القضاة في أموال الغائبين والمجانين فإن هذه الطوائف لهم التصرف بغير ملك وقولنا والعوض عنه ليخرج عنه الإباحات في الضيافات فإن الضيافة مأذون فيها وليست مملوكة على الصحيح ويخرج أيضا الاختصاصات بالمساجد والربط والخوانق ومواضع المطاف والسكك ومقاعد الأسواق فإن هذه الأمور لا ملك فيها مع المكنة الشرعية من التصرف في هذه الأمور وقولنا من حيث هو كذلك إشارة إلى أنه يقتضي ذلك من حيث هو وقد يتخلف عنه ذلك لمانع يعرض كالمحجور عليهم لهم الملك وليس لهم المكنة من التصرف في تلك الأعيان المملوكة لكن تلك الأملاك في تلك الصور لوجود النظر إليها اقتضت مكنة التصرف وإنما جاء المنع من أمور خارجة ولا تنافي بين القبول الذاتي والاستحالة لأمر خارجي ولذلك نقول إن جميع أجزاء العالم لها القبول للوجود والعدم بالنظر إلى
هامش أنوار البروق
رابعها
أن المملوك مشتق من الملك فلا يعرف إلا بعد معرفته فيلزم الدور والصحيح في حد الملك أنه تمكن الإنسان شرعا بنفسه أو بنيابة من الانتفاع بالعين أو المنفعة ومن أخذ العوض عن العين أو المنفعة هذا إن قلنا إن الضيافة ونحوها لا يملكها من سوغت له وإن قلنا إنه يملكها زدنا في الحد فقلنا إنه تمكن الإنسان شرعا بنفسه أو بنيابة من الانتفاع بالعين أو المنفعة ومن أخذ العوض أو تمكنه من الانتفاع خاصة ولا حاجة بنا إلى بيان صحة هذا الحد فإنه لا يخفى ذلك على المتأمل المنصف قال أما قولنا حكم شرعي فبالإجماع ولأنه يتبع الأسباب الشرعية قلت ما قاله من أنه حكم شرعي إن أراد أنه أحد الأحكام الخمسة ففيه نظر وإن أراد أنه أمر شرعي على الجملة فذلك صحيح قال
وأما أنه مقدور فلأنه يرجع إلى تعلق إذن الشرع إلى قوله عند تحقق الأسباب المفيدة للملك قلت قوله إنه عدمي بناء على أن النسب أمور عدمية وفيه نظر
هامش إدرار الشروق
واختلف في أن الملك صفة للمملوك أو صفة للمالك وفي أنه من خطاب التكليف أو من خطاب الوضع فذهب إلى الأول منهما الأصل وإلى الثاني منهما ابن الشاط وخلاصة كلام الأصل أن الملك في اصطلاح الفقهاء حكم شرعي مقدر في العين أو المنفعة يقتضي تمكين من يضاف إليه من انتفاعه بالمملوك والعوض عنه من حيث هو كذلك وأن دليل كونه حكما شرعيا أمران أحدهما الإجماع وثانيهما أنه يتبع الأسباب الشرعية وكل ما يتبعها فهو حكم شرعي قال والذي يظهر لي أن ذلك الحكم من أحد الأحكام الخمسة وهو الإباحة الخاصة في التصرفات الخاصة وأخذ العوض عن
366
366
ذواتها وهي إما واجبة لغيرها إن علم الله تعالى وجودها أو مستحيلة لغيرها إن علم الله تعالى عدمها وكذلك ها هنا بالنظر إلى الملك يجوز التصرف المذكور وبالنظر لما عرض من الأسباب الخارجة يقتضي المنع من التصرف وكذلك إذا قلنا الأوقاف على ملك الواقفين مع أنه لا يجوز لهم البيع وملك العوض عنها بسبب ما عرض من الوقف المانع من البيع كالحجر المانع من البيع فقد انطبق هذا الحد على الملك فإن قلت قد قالت الشافعية إن الضيافة تملك وهل بالمضغ أو بالبلع أو غير ذلك على خلاف عندهم فهذا ملك مع أن الضيف لا يتمكن من أخذ العوض على ما قدم له ولا يمكن من إطعامه لغيره ولذلك قال المالكية إن الإنسان قد يملك أن يملك وهل يعد مالكا أو لا قولان فمن ملك أن يملك لا يتمكن من التصرف ولا أخذ العوض من ذلك الشيء الذي ملك أن يملكه مع أنهم قد صرحوا بحقيقة الملك من حيث الجملة وكذلك قال المالكية وغيرهم إن الإنسان قد يملك المنفعة وقد يملك الانتفاع فقط كبيوت الدارس والأوقاف والربط ونحوها مع أنه في هذه الصور لا يملك أخذ العوض عن تلك المنافع قلت أما السؤال الأول فإن الصحيح في الضيافات أنها إباحات لا
هامش أنوار البروق
وأما قوله أنه مقدر في العين أو المنفعة فقد سبق أنه وصف للمالك متعلق بالعين أو المنفعة
قال وقولنا في العين أو المنفعة فإن الأعيان تملك بالبيع والمنافع كالإجارات قلت ما قاله صحيح على ما في قوله فإن الأعيان تملك من المسامحة على ما يذكره هو بعد هذا عن المازري قال وقولنا يقتضي انتفاعه بالمملوك إلى قوله فإن هذه الطوائف لهم التصرف بغير ملك قلت هذا التحرز صحيح على تقدير صحة حده
قال وقولنا والعوض عنه إلى قوله مع المكنة الشرعية من التصرف في هذه الأمور قلت جعل التصرف بدل الانتفاع وهو أعم منه بدليل ما ذكره هو قبل هذا من تصرف الأوصياء والحاكم حيث لهم التصرف دون الانتفاع وكل من ذكر هنا من ضيف وشبهه ليس له مطلق التصرف بل له التصرف بالانتفاع خاصة قال وقولنا من حيث هو كذلك إشارة إلى أنه يقتضي ذلك من حيث هو هو وقد يتخلف عنه
هامش إدرار الشروق
ذلك المملوك على وجه خاص كما تقررت قواعد المعاوضات في الشريعة وشروطها وأركانها وخصوصيات هذه الأيام هي الموجبة للفرق بين الملك وغيره من جميع الحقائق وأما إنه مقدر فلأنه يرجع إلى تعلق إذن الشرع الذي هو الإباحة والتعلق عدمي من باب النسب والإضافات التي لا وجود لها في الأعيان بل في الأذهان فهي أمر يفرضه العقل كسائر النسب والإضافات كالأبوة والبنوة والتقدم والتأخر وغير ذلك ولأجل ذلك لنا أن نغير عبارة الحد فنقول إن الملك إباحة شرعية في عين أو منفعة تقتضي تمكن صاحبها من الانتفاع بذلك العين أو المنفعة أو أخذ العوض عنهما من حيث هي كذلك ويستقيم الحد بهذا اللفظ أيضا ويكون الملك من خطاب التكليف
367
367
تمليك كما أباح الله السمك في الماء والطير في الهواء والحشيش والصيد في الفلاة لمن أراد تناوله ولا يقال إن هذه الأمور مملوكة للناس كذلك الضيف جعل له أن يأكل إن أراد أو يترك والقول بأنه يملك مشكل فإن الملك لا بد فيه من سلطان التصرف من حيث الجملة وبعد إن بلع الطعام كيف يبقى سلطان بعد ذلك على الانتفاع بتلك الأعيان لأنها فسدت عادة ولم تبق مقصودة التصرف ألبتة فالحق إذا أنها إباحات لا تمليكات وأما السؤال الثاني فقول المالكية إن من ملك أن يملك هل يعد مالكا أو لا قولان قد تقدم أن هذه العبارة رديئة جدا وأنها لا حقيقة لها فلا يصح إيراد النقض بها على الحد لأنا نمنع الحكم فيها وأما السؤال الثالث وهو مالك الانتفاع دون المنفعة فهو يرجع إلى الإذن والإباحة كما في الضيافة فتلك المساكن مأذون فيها لمن قام بشرط الواقف إلا أنها فيها ملك لغير الواقف بخلاف ما يطلق من الجامكيات فإن المالك فيها يحصل لمن حصل له شرط الواقف فلا جرم صح أخذ العرض بها أو عنها فإن قلت إذا اتضح حد
هامش أنوار البروق
ذلك لمانع يعرض إلى قوله وبالنظر لما عرض من الأسباب الخارجة يقتضي المنع من التصرف قلت كلامه هذا يشعر بأن التصرف هو موجب الملك وليس الأمر كذلك بل موجبه الانتفاع ثم الانتفاع يكون بوجهين انتفاع يتولاه المالك بنفسه وانتفاع يتولاه النائب عنه ثم النائب قد يكون باستنابة المالك وقد يكون بغير استنابته فغير المحجور عليه يتوصل إلى الانتفاع بملكه بنفسه ونيابته والمحجور عليه لا يتوصل إلى الانتفاع بملكه إلا بنيابته ونائبه لا يكون إلا باستنابته قال وكذلك إذا قلنا الأوقاف على ملك الواقفين إلى قوله فقد انطبق هذا الحد على الملك قلت قد سبق أنه ليس بحد صحيح قال فإن قلت قد قالت الشافعية إلى قوله مع إنه في هذه الصور لا يملك أخذ العوض عن تلك المنافع قلت ذلك حكاية سؤالات ولا كلام في ذلك قال قلت أما السؤال الأول فإن الصحيح في الضيافات أنها إباحات لا تمليك قلت ما قاله غير صحيح بل الصحيح أنها تمليك للانتفاع بالأكل خاصة سواء أوقع البناء على الحد الذي ارتضيته أو على الحد الذي ارتضاه هو
هامش إدرار الشروق
لأن الاصطلاح إن خطاب التكليف هو الأحكام الخمسة المشهورة وخطاب الوضع هو نصب الأسباب والشروط والموانع والتقادير الشرعية وليس هذا منها بل هو إباحة خاصة وقول بعضهم إنه من خطاب الوضع لأنه سبب الانتفاع بعيد ضرورة أن كل حكم شرعي سبب لمسببات تترتب عليه من مثوبات وتعزيرات ومؤاخذات وكفارات وغيرها
وليس المراد بخطاب الوضع مطلق الترتيب ألا ترى أن وجوب الظهر مع كونه مسببا على الزوال هو سبب لأن يكون فعله سبب الثواب وتركه سبب العقاب ووجوبه سببا لتقديمه على غيره من المندوبات ومع ذلك وهو لا يسمى سببا ولا يقال إنه من خطاب الوضع بل الضابط للبابين أن الخطاب متى كان متعلقا بفعل مكلف على وجه الاقتضاء
368
368
الملك فهل هو من خطاب الوضع أو من خطاب التكليف الذي هو الأحكام الخمسة قلت الذي يظهر لي أنه من أحد الأحكام الخمسة وهو إباحة خاصة في تصرفات خاصة وأخذ العوض عن ذلك المملوك على وجه خاص كما تقررت قواعد المعاوضات في الشريعة وشروطها وأركانها وخصوصيات هذه الإباحة هي الموجبة للفرق بين المالك وغيره من جميع الحقائق ولذلك قلنا إنه معنى شرعي مقدر يريد أنه متعلق الإباحة
والتعليق عدمي من باب النسب والإضافات التي لا وجود لها في الأعيان بل في الأذهان فهي أمر يفرضه العقل كسائر النسب والإضافات كالأبوة والبنوة والتقدم والتأخر وغير ذلك ولأجل ذلك لنا أن نغير عبارة الحد فنقول إن الملك إباحة شرعية في عين أو منفعة تقتضي تمكن صاحبها من الانتفاع بتلك العين أو المنفعة أو أخذ العوض عنهما من حيث هي كذلك ويستقيم الحد بهذا اللفظ أيضا ويكون الملك من خطاب التكليف لأن الاصطلاح أن خطاب التكليف هو الأحكام الخمسة المشهورة وخطاب الوضع هو نصب الأسباب والشروط والموانع والتقادير الشرعية وليس هذا منها بل هو إباحة خاصة ومنهم من قال إنه من خطاب الوضع وهو بعيد فإن
هامش أنوار البروق
أما على الحد الذي ارتضيته فلأن مقدم الضيافة قد مكنه من الانتفاع بأكلها وأما على الحد الذي ارتضاه هو فلأنه قال حكم مقدر في العين أو المنفعة يقتضي تمكين من يضاف إليه من انتفاعه بالمملوك وبالعوض عنه وقد بينا أنه لا يقتضي الانتفاع بهما فيبقى الانتفاع مطلقا
قال كما أباح الله تعالى السمك في الماء إلى قوله ولا يقال إن هذه الأمور مملوكة للناس قلت هي مملوكة بعد التناول وإباحة التناول سبب ملكها قال كذلك الضيف جعل له أن يأكل إن أراد أو يترك قلت إباحة صاحب الطعام للضيف أن يأكل سبب ملكه أن يأكل وملكه أن يأكل هو تمكنه شرعا من ذلك
قال والقول بأنه يملك مشكل فإن المالك لا بد فيه من سلطان التصرف من حيث الجملة إلى قوله فالحق إذا أنها إباحات لا تمليكات قلت ما قاله من أن الملك مشكل لا إشكال فيه وتعليله بأن الملك لا بد فيه من سلطان
هامش إدرار الشروق
أو التخيير فهو من خطاب التكليف ومتى لم يكن كذلك وهو من أحد الأمور المتقدمة فهو من خطاب الوضع وقد يجتمع خطاب الوضع وخطاب التكليف وقد تقدم بسط ذلك فيما تقدم من الفروق وإن معنى قولنا في العين أو المنفعة في منافع العين مع عدم رد العين أو في المنفعة مع رد العين لما قاله المازري رحمه الله في شرح التلقين من أن تحقيق الملك أنه إن ورد على المنافع مع عدم رد العين بل يبذلها لغيره بعوض أو بغير عوض فهو البيع والهبة وإن ورد على المنافع مع رد العين فهو الإجارة وفروعها من المساقات والمجاعلة والقراض ونحو ذلك والعقد في الجميع إنما يتناول المنفعة دون الأعيان لأنها لا يملكها إلا الله تعالى بالإيجاد والإعدام والإماتة والإحياء ونحو ذلك وتصرف الخلق إنما هو في المنافع فقط
369
369
قلت الملك سبب الانتفاع فيكون سببا فيكون من باب خطاب الوضع قلت وكذلك كل حكم شرعي سبب لمسببات تترتب عليه من مثوبات وتعزيرات ومؤاخذات وكفارات وغيرها أو ليس المراد بخطاب الوضع مطلق الترتب
هامش أنوار البروق
التصرف ليس كما
قال بل لا بد فيه من سلطان الانتفاع لا التصرف والسلطان هو التمكن بعينه وقد بين هو قبل هذا أن المحجور عليهم لا يتصرفون مع أنهم يملكون فكيف يقول لا بد في الملك من سلطان التصرف هذا غير صحيح وما قاله من أنه إذا بلع الطعام كيف يبقى سلطان بعد ذلك إنما هو استبعاد لقول من يقول يملك البلع وهو بعيد كما قال بل الصحيح أنه يملك الطعام بالتناول حتى إذا تناول لقمة لا يجوز لغيره انتزاعها من يده فإن قال ابتلعها فقد كان سبق ملكه لها قبل البلع وإن لم يبتلعها ونبذها من يده فقد عادت إلى ملك
هامش إدرار الشروق
بأفعالهم من الأكل والشرب والمحاولات والحركات والسكتات ا ه
محل الحاجة منه وإن قيد يقتضي انتفاعه بالمملوك لإخراج التصرف بالوصية والوكالة وتصرف القضاة في أموال الغائبين والمجانين فإن هذه الطوائف لهم التصرف بغير ملك وقيد والعوض عنه لإخراج الإباحات في الضيافات فإن الضيافة مأذون فيها
وليست مملوكة على الصحيح ولإخراج الاختصاصات بالمساجد والربط والخوانق ومواضع المطاف والسكك ومقاعد الأسواق فإن هذه الأمور لا ملك فيها مع المكنة الشرعية من الانتفاع بهذه الأمور وقيد من حيث هو كذلك لإدخال المحجور عليهم فإنهم وإن كان لهم الملك وليس لهم المكنة من التصرف في تلك الأعيان المملوكة إلا أن الأملاك في تلك الصور بالنظر لذاتها وقطع النظر عما عرض لها من الأسباب الخارجة عنها تقتضي مكنة التصرف المذكور ولا تنافي بين القبول الذاتي والاستحالة لأمر خارجي ألا ترى أن جميع أجزاء العالم لها القبول للوجود والعدم بالنظر إلى ذواتها مع أنها إن علم الله تعالى وجودها كانت واجبة لغيرها وإن علم الله عدمها كانت مستحيلة لغيرها وكذلك لإدخال الأوقاف إذا قلنا إنها على ملك الواقفين فإنهم وإن كان لا يجوز لهم البيع وملك العوض عنها بسبب ما عرض من الوقف الذي هو كالحجر في المنع من البيع إلا أن ملكهم بالنظر لذاته وقطع النظر عن ذلك المانع يجوز لهم البيع وملك العوض عنها فقد انطبق هذا الحد على جميع أفراد الملك ومنع غيرها والحق أن الضيافات ليست بتمليكات لا بالمضغ ولا بالبلع ولا بغير ذلك خلافا للشافعية
بل هي إباحات كما أباح الله السمك في الماء والطير في الهواء والحشيش والصيد في الفلاة لمن أراد تناوله فكما لا يقال إن هذه الأمور مملوكة للناس كذلك لا يقال إن الضيافات مملوكة للضيوف وإنما الضيف أبيح له أن يأكل منها إن أراد أو يترك والقول بأنه يملك لا سيما بعد البلع مشكل فإن الملك لا بد فيه من سلطان التصرف من حيث الجملة وبعد إن بلع الطعام كيف يبقى سلطان بعد ذلك على الانتفاع بتلك الأعيان لأنها فسدت عادة ولم تبق مقصودة التصرف ألبتة وقول المالكية من ملك أن يملك هل يعد مالكا أم لا قولان قد تقدم أنها عبارة رديئة جدا أو أنها لا حقيقة لها فلا يصح إيراد النقض بها على الحد بأنه كيف يصح تصريحهم بحقيقة ملك من ملك أن يملك من حيث الجملة مع أنه لا يتمكن من التصرف ولا أخذ العوض من ذلك الشيء الذي ملك أن يملكه وذلك لأنا نمنع الحكم فيها والملك في قول المالكية وغيرهم أن بيوت المدارس والأوقاف والربط
370
370
بل نقول الزوال سبب لوجوب الظهر ووجوب الظهر سبب لأن يكون فعله سبب الثواب وتركه سبب العقاب ووجوبه سبب لتقديمه على غيره من المندوبات وغير ذلك
هامش أنوار البروق
صاحبها وجاز لغيره تناولها لأن صاحبها لم يمكنه منها إلا ليأكلها فلما لم يأكلها بقيت على ملك صاحبها وإن كان تناولها عادت إلى ملك صاحبها هذا هو الصحيح والله تعالى أعلم وما قال من إنها إباحات لا تمليكات ليس بصحيح بل الإباحات هي التمليكات أو أسباب للتمليكات
قال وأما السؤال الثاني فقول المالكية إن من ملك أن يملك هل يعد مالكا أو لا قولان إلى قوله لأنا نمنع الحكم فيها قلت قد تقدم الكلام على ذلك قال وأما السؤال الثالث وهو ملك الانتفاع دون المنفعة إلى قوله لمن قام بشرط الواقف
هامش إدرار الشروق
ونحوها يملك من قام به شرط واقفيها الانتفاع دون المنفعة ويرجع إلى الإذن والإباحة كما في الضيافة فتلك المساكن مأذون فيها لمن قام به شرط الواقف لا إنها فيها لغير الواقف بخلاف ما يطلق من الجامكيات فإن الملك فيها يحصل لمن حصل له شرط الواقف فلا جرم صح أخذ العوض بها أو عنها ا ه
وخلاصة كلام ابن الشاط أن حد الأصل فاسد من وجوه
أحدها
أن الملك من أوصاف المالك لا المملوك لكنه وصف متعلق والمملوك هو متعلقه وثانيها أن الملك وإن صح أنه أمر شرعي على الجملة لا يصح أنه الإباحة التي هي حكم الله تعالى إلخ كما هو معنى سائر الأحكام الخمسة لأن الحكم عند أهل الأصول خطاب الله تعالى وخطابه كلامه فكيف يكون الملك الذي هو صفة المالك على ما ارتضيته أو صفة المملوك على ما ارتضاه هو كلام الله تعالى هذا ما لا يصح بوجه أصلا فالصحيح أن مسبب الإباحة هو التمكن والإباحة هي التمكين من الانتفاع والانتفاع متعلق الملك والملك سبب الإباحة فهو من خطاب الوضع لا من خطاب التكليف وثالثها إن في قوله مقدر لأنه يرجع إلى تعلق إذن الشرع والتعلق عدمي إلخ بناء على قول المتكلمين أن النسب والإضافات السبع وهي ما عدا الجوهر والكم والكيف من المقولات العشر أمور عدمية نظرا يريد أن وجهه هو أن مسائل التعاريف اصطلاح للفلاسفة لا للمتكلمين فالواجب بناؤها على قول الفلاسفة أن النسب والإضافات السبع المذكورة أعراض موجودة فافهم ورابعها أنه ليس مقتضيا للتمكن من الانتفاع بل المقتضي لذلك كلام الشارع وخامسها أنه لا يقتضي الانتفاع بالمملوك وبالعوض بل بأحدهما وسادسها أن المملوك مشتق من الملك فلا يعرف إلا بعد معرفته أي لأنه مصدر ومعرفة المشتق فرع معرفة ما منه الاشتقاق وهو المصدر على الصحيح فيلزم الدور أي توقف الملك على المملوك لأنه من أجزاء تعريفه وبالعكس لما ذكر نعم قد يقال المراد بالمملوك الذات فافهم والصحيح في حد الملك أنه تمكن الإنسان شرعا بنفسه أو بنيابته من الانتفاع بالعين أو المنفعة ومن أخذ العوض عن العين أو المنفعة هذا إن قلنا إن الضيافة ونحوها من السمك في الماء والطير في الهواء والحشيش والصيد في الفلاة وبيوت المدارس والأوقاف والربط وكل ما فيه الإذن بالانتفاع فقط لا يملكها من سوغت له

371
371
مما ترتب على الوجوب مع أنه لا يسمى سببا ولا يقال إنه من خطاب الوضع بل الضابط للبابين أن الخطاب متى كان متعلقا بفعل مكلف على وجه الاقتضاء أو التخيير فهو من خطاب التكليف ومتى لم يكن كذلك وهو من أحد الأمور المتقدمة فهو خطاب الوضع
هامش أنوار البروق
قلت وإذا كانت مأذونا فيها فمن أذن فتمكن من الانتفاع فهو مالك للانتفاع قال لا أنها فيها ملك لغير الواقف قلت أما الانتفاع ففيه الملك لغير الواقف وهو من توفرت فيه شروط الوقف وأما عين الموقوف فالصحيح أنه لا مالك عليه لا للواقف ولا لغيره لأنه لا يتمكن أحد من الانتفاع بتلك العين ولا من التصرف فيها ولا من أخذ العوض عنها وإذ لم يكن شيء من ذلك فلا ملك إذ لا معنى للملك إلا التمكن من الانتفاع ومن أخذ العوض أو من الانتفاع خاصة
هامش إدرار الشروق
وأما إن قلنا إنه يملكها بالتناول وهو الصحيح لأن إباحة التناول هو تمكنه شرعا من التناول فهو سبب ملكها إذ الملك لا بد فيه من سلطان الانتفاع لا التصرف والسلطان هو التمكن بعينه فإذا تناول الضيف مثلا لقمة من الضيافة لا يجوز لغيره انتزاعها من يده فإن ابتلعها فقد كان سبق ملكه لها قبل البلع وإن لم يبتلعها ونبذها من يده فقد عادت إلى ملك صاحبها وجاز لغيره تناولها لأن صاحبها لم يمكنه منها إلا ليأكلها فلما لم يأكلها بقيت على ملك صاحبها والانتفاع الموقوف فيه الملك لغير الواقف وهو من توفرت فيه شروط الوقف
وأما عين الموقوف فلا ملك عليه إلا للواقف ولا لغيره على الصحيح لأنه لا يتمكن أحد من الانتفاع بتلك العين ولا من التصرف فيها ولا من أخذ العوض عنها وإذا لم يكن شيء من ذلك فلا ملك إذ لا معنى للملك إلا التمكن من الانتفاع ومن أخذ العوض نعم إن أو من الانتفاع خاصة من كان مقتضى الوقف سكنى الموقوف عليه الموضع الموقوف فلا يتعدى الموقوف عليه السكنى لأنه لم يسوغ له غيره وإن كان الاستغلال فالعلة مسوغة بعينها فيصح أخذ العوض عنها فافهم فإنا حينئذ نزيد في الحد ونقول أنه يمكن الإنسان شرعا بنفسه أو بنيابته من الانتفاع بالعين أو المنفعة ومن أخذ العوض أو تمكنه من الانتفاع خاصة ولا حاجة بنا إلى بيان صحة هذا الحد فإنه لا يخفى ذلك على المتأمل المنصف وقد تقدم الكلام على قول المالكية أن من ملك أن يملك هل يعد مالكا أو لا قولان فلا تغفل وبالجملة فموجب الملك الانتفاع والانتفاع يكون بوجهين انتفاع يتولاه المالك بنفسه وانتفاع يتولاه النائب عنه والنائب قد يكون باستنابة المالك وقد يكون بغير استنابته فغير المحجور عليه يتوصل إلى الانتفاع بملكه بنفسه ونيابته والمحجور عليه لا يتوصل إلى الانتفاع بملكه إلا بنيابته ونائبه لا يكون إلا باستنابته والانتفاع إما مع أخذ العوض أو بدونه وإما مع رد العين أو بدونه ا ه والسيد الجرجاني قدس سره جعل الملك صفة مشتركة بين المالك والمملوك فقال في تعريفاته والملك في اصطلاح الفقهاء اتصال شرعي بين الإنسان وبين شيء يكون مطلقا ليتصرفه فيه وحاجزا عن تصرف غيره فيه ا ه
ولكن هذا الحد لا يكون جامعا إلا بأمرين الأول النعيم في قوله لتصرفه فيه بأن يقال بالانتفاع أما مع أخذ العوض أو بدونه وأما مع رد العين أو بدونه بنفسه أو نائبه والثاني التقييد في قوله عن تصرف غيره فيه بأن يقال بدون استنابته فتأمل وقال عقب الحد
372
372
وقد يجتمع خطاب الوضع وخطاب التكليف وقد تقدم بسط ذلك فيما تقدم من الفروق فإن قلت الملك حيث وجد هل يتصور في الجواهر والأجسام أم لا يتصور إلا في المنافع خاصة
قلت قال المازري رحمه الله في شرح التلقين قول الفقهاء الملك في المبيع يحصل في الأعيان وفي الإجارات يحصل في المنافع ليس على ظاهره بل الأعيان لا يملكها إلا الله تعالى لأن الملك هو التصرف ولا يتصرف في الأعيان إلا الله تعالى بالإيجاد والإعدام والأمانة والإحياء ونحو ذلك وتصرف الخلق إنما هو في المنافع فقط بأفعالهم من الأكل والشرب والمحاولات والحركات والسكنات قال وتحقيق الملك أنه إن ورد على المنافع مع رد العين فهو الإجارة وفروعها من المساقاة والمجاعلة والقراض ونحو ذلك وإن ورد على المنافع مع أنه لا يرد العين بل يبذلها لغيره بعوض أو بغير
هامش أنوار البروق
قال بخلاف ما يطلق من الجامكيات إلى قوله صح أخذ العوض بها أو عنها قلت إنما كان ذلك لأن مقتضى الوقف إن كان سكنى الموضع الموقوف فلا يتعدى الموقوف عليه السكنى لأنه لم يسوغ له غيره وإن كان الاستغلال فالعلة مسوغة بعينها فيصح أخذ العوض عنها
قال فإن قلت إذا اتضح حد الملك فهل هو من خطاب الوضع أو من خطاب التكليف الذي هو الأحكام الخمسة إلى قوله ومنهم من قال إنه من خطاب الوضع وهو بعيد قلت ما قاله من إنه إباحة ليس عندي بصحيح فإن الإباحة هي حكم الله تعالى والحكم عند أهل الأصول خطاب الله تعالى وخطابه كلامه فكيف يكون الملك الذي هو صفة للمالك على ما ارتضيته أو صفة للمملوك على ما ارتضاه هو كلام الله تعالى هذا ما لا يصح بوجه أصلا فالصحيح أن مسبب الإباحة هو التمكن والإباحة هي التمكين والله أعلم
قال فإن قلت الملك سبب الانتفاع إلى قوله وكفارات وغيرها قلت لما فسر الملك بالإباحة مسلم أنه سبب الانتفاع وليس الأمر كذلك بل الملك سبب الإباحة وهو التمكين من الانتفاع والانتفاع متعلق الملك ولا يقال في المتعلق أنه سبب المتعلق إلا على وجه التوسع في العبارات لا على المتقرر في الاصطلاح قال وليس المراد بخطاب الوضع مطلق الترتب إلى قوله وقد تقدم بسط ذلك فيما تقدم من الفروق قلت ما قاله في ذلك صحيح وكذلك ما قاله بعد عن المازري ما عدا قوله إن الملك هو التصرف فإنه غير صحيح على ما قرره المؤلف قبل هذا
هامش إدرار الشروق
المذكور فالشيء يكون مملوكا ولا يكون مرفوقا ولكن لا يكون مرفوقا إلا ويكون مملوكا ا ه يريد أن المملوك أعم مطلقا من المرفوق وقال قبل ذلك الحد والملك في إصلاح المتكلمين حالة تعرض للشيء بسبب ما يحيط به وينتقل بانتقاله كالتعميم والتقمص فإن كلا منهما حالة لشيء بسبب إحاطة العمامة برأسه والقميص ببدنه ا ه
والله أعلم

373
373
عوض فهو البيع والهبة والعقد في الجميع إنما يتناول المنفعة فقد ظهر بهذه المباحث وهذه الأسئلة حقيقة الملك والفرق بينه وبين التصرفات وما يتوهم التباسه به
الفرق الحادي والثمانون والمائة بين قاعدة الأسباب العقلية وبين قاعدة الأسباب الشرعية نحو بعت واشتريت وأنت طالق وأعتقت ونحوه من الأسباب قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني رحمه الله يثبت مسبب هذا القسم مع آخر حرف منه تشبيها للأسباب الشرعية بالعلل العقلية
هامش أنوار البروق
قال
الفرق الحادي والثمانون والمائة بين قاعدة الأسباب العقلية وبين قاعدة الأسباب الشرعية إلى قوله فالفرق مبني على هذه الطريقة
قلت هو فرق لا طائل وراءه والكلام فيه تعمق في الدين وتكلف ولا يتوصل فيه إلى اليقين قال ومن وجه آخر يحصل الفرق لأن هذه الأسباب الشرعية تنقسم إلى ما يوجب مسببه إنشاء إلى قوله ولبراءة ذمته من الكفارات المعتق عنها قلت ما قاله من تقدير الملك قبل النطق بالصيغة بالزمن الفرد لا حاجة إليه ولا دليل عليه بل الدليل على خلافه وهو صحة العتق عن الميت وهو لا يصح أن يملك ثم إن العتق عن غيره لم يقصد إلى ذلك المقدر ولو قصد إليه لما صح عتقه إياه لأنه كأن يكون حينئذ معتقا ملك غيره بغير إذنه
وذلك لا يصح وما ذكره هو وغيره في ذلك من تقدم توكيل المعتق عنه إنما يتجه إذا كان العتق بإذنه أما إذا كان بغير إذنه فلا يتجه وبالجملة القول بتلك التقديرات في هذا الموضع لا يصح
هامش إدرار الشروق
الفرق الحادي والثمانون والمائة بين قاعدة الأسباب العقلية وبين قاعدة الأسباب الشرعية نحو بعت واشتريت وأنت طالق وأعتقت ونحوه من الأسباب وهو مبني على طريقة غير الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني من إبطال الشبه بين البابين وأنه ينبغي أن لا يكون تقدير مسببات الأسباب الشرعية إلا عقيب آخر حرف وإن عدمت جملة الصيغة لأن السبب إنما يتحقق عادة حينئذ بخلاف الأسباب العقلية فإن العلل العقلية لا توجب معلولها إلا حالة وجودها وإذا عدمت لا يوجد معلولها كالعلم مع العالمية والإرادة مع المريدية من العقليات والنار مع الإحراق والماء مع الإرواء من العاديات
وأما على طريقة الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني رحمه الله من أنه لا بد من تحقق حصول الشبه بين البابين وأنه لا ينبغي أن توجد الأسباب الشرعية حكما إذا عدم آخر جزء منها حتى عدمت جملتها بل تقدر مسببات هذه الأسباب الشرعية مع آخر حروفها حتى يتحقق المسبب حالة وجود سببه لا حالة عدمه لأن وجود آخر حرف هو الوجود الممكن في الصيغ لأنها مصادر سيالة يستحيل وجودها بجملتها فيكتفى
374
374
لأن العلل العقلية لا توجب معلولها إلا حالة وجودها
وإذا عدمت لا يوجد معلولها كالعلم مع العالمية والإرادة مع المريدية من العقليات والنار مع الإحراق والماء مع الإرواء من العاديات فكذلك هذه الأسباب الشرعيات إذا عدم آخر جزء منها عدمت جملتها فلا ينبغي أن توجب حينئذ حكما بل تقدر مسببات هذه الأسباب مع آخر حروفها حتى يتحقق المسبب حالة وجود سببه لا حالة عدمه لأن وجود آخر حرف هو الوجود الممكن في الصيغ لأنها مصادر سيالة يستحيل وجودها بجملتها فيكتفى بوجود آخر حرف منها لأنه القدرة الممكن فيها فيحصل به الشبه بين العقليات والشرعيات
وقال غيره من العلماء بل ينبغي أن لا يكون تقدير مسببات هذه الأسباب إلا عقيب حرف وإن عدمت جملة الصيغة لأن السبب إنما يتحقق عادة حينئذ فالفرق مبني على هذه الطريقة ومن وجه آخر يحصل الفرق لأن هذه الأسباب الشرعية تنقسم إلى ما يوجب مسببه إنشاء نحو عتق الإنسان عن نفسه والبيع الناجز والطلاق الناجز وإلى ما يوجب استلزاما كالعتق عن الغير فإنه يوجب الملك للمعتق عنه بطريق الالتزام بأن يقدر الملك قبل النطق بالصيغة بالزمن من الفرد لضرورة ثبوت الولاء له ولبراءة ذمته من الكفارة المعتق عنها ومثله العتق في زمن الخيار إذا كان الخيار للمشتري فإن الملك ينتقل إليه حينئذ بسبب عتقه التزاما لأن الملك في زمن الخيار للبائع على الأصح والأشهر حتى ينتقل بالتصريح من المشتري نحو قوله قبلت أو اخترت الإمضاء فهذه مطابقة أو يعتق أو يطأ الأمة أو نحوه بما يقتضي التزام الملك ونقله له فقال جماعة من العلماء يقدر ثبوت الملك قبل العتق حتى يقع العتق عن الغير وهو في ملكه وقال بعض الشافعية يثبت معه لأن التقدم على خلاف الأصل والضرورة دعت لوقوع العتق في تلك الحالة
هامش أنوار البروق
قال ومثله العتق في زمن الخيار إلى قوله مما يقتضي التزام الملك ونقله له قلت ما قاله من استلزام العتق والوطء إمضاء البيع المحصل للملك صحيح وحصول الملك هنا محقق لا مقدر قال فقال جماعة من العلماء يقدر ثبوت الملك قبل العتق حتى يقع العتق وهو في ملكه قلت إن أرادوا بالعتق إنشاء الصيغة التي هي سبب حصول العتق فقولهم غير صحيح وإن أرادوا به حصول العتق بنفسه فقولهم صحيح لأن إنشاء الصيغة بعينه هو المستلزم لإمضاء البيع الذي
هامش إدرار الشروق
بوجود آخر حرف منها لأنه القدر الممكن فيها فيحصل به الشبه بين العقليات والشرعيات فلا يكون بين القاعدتين فرق على هذه الطريقة قال ابن الشاط والفرق بينهما لا طائل وراءه والكلام فيه تعمق في الدين وتكلف ولا يتوصل فيه إلى اليقين نعم يحصل الفرق بينهما من وجه آخر وهو أن هذه الأسباب الشرعية تنقسم أولا إلى ما يوجب مسببه إنشاء نحو عتق الإنسان عن نفسه والبيع الناجز والطلاق الناجز وإلى ما يوجب استلزاما كالعتق أو الوطء في زمن الخيار إذا كان الخيار للمشتري فإن الملك ينتقل إليه حينئذ بسبب عتقه أو وطئه الأمة التزاما لأن الملك في زمن الخيار للبائع على الأصح والأشهر حتى ينتقل
375
375
والمقارنة تكفي في دفع تلك الضرورة وهذا المذهب غير متجه لأن العتق مضاد للملك واجتماع الضدين محال وتنقسم أيضا الأسباب الشرعية إلى ما يقتضي ثبوتا كالبيع والهبة والصدقة وإلى ما يقتضي إبطالا لمسبب سبب آخر كفوات المبيع قبل القبض يقتضي إبطال مسبب السبب السابق وهو المبيع وكذلك الطلاق والعتاق يقتضيان إبطال العصمة السابقة المترتبة على النكاح والملك المرتب في الرقيق على سببه وإذا قلنا بأن الفوات يوجب الفسخ فهل يقتضيه معه لأن الأصل عدم التقدم على السبب أو قبله لأن الانقلاب والفسخ يقتضي تحقق ما يحكم عليه بذلك خلاف بين العلماء فهذه الوجوه تحصل الفرق
هامش أنوار البروق
به يحصل الملك إذا لم يصدر من المشتري غير ذلك فالملك لا يحصل قبل ذلك أصلا لأنه لا موجب لحصوله قال وقال بعض الشافعية يثبت معه إلى قوله واجتماع الضدين محال قلت ما قاله بعض الشافعية صحيح وقوله هو أن العتق مضاد الملك إن أراد بالعتق دخول الحرية في العبد فلذلك صحيح ولا يلزم عنه مقصوده وإن أراد بالعتق إنشاء الصيغة التي هي سبب حصول حرية العبد فذلك غير صحيح كيف وقد قال هو قبيل هذا حاكيا عن جماعة من العلماء أنه يقدر ثبوت الملك قبل العتق حتى يقع العتق وهو في ملكه وصوب هو قولهم في الله ما أسرع ما نسي
قال وتنقسم أيضا الأسباب الشرعية إلى ما يقتضي ثبوتا كالبيع والهبة والصدقة وإلى ما يقتضي إبطالا لمسبب سبب آخر كفوات المبيع قبل القبض قلت ما قاله صحيح وبما سلف من القول يتبين أي مذهبي العلماء في المعية أو القبلية أصح والله تعالى أعلم
هامش إدرار الشروق
بالتصريح من المشتري بنحو قوله قبلت أو اخترت الإمضاء مما يقتضي الملك مطابقة أو يعتق أو يطأ أو نحو ذلك مما يقتضي الملك التزاما وفي كون الملك في هذا يقدر ثبوته قبل العتق حتى يقع العتق عن الغير وهو في ملكه أو يثبت معه لأن التقدم على خلاف الأصل خلاف بين جماعة من العلماء وبعض الشافعية والظاهر أنه لفظي لا حقيقي
وذلك لأنه يتعين أن يكون المراد بالعتق على الأول دخول الحرية في الرقيق لا إنشاء الصيغة لأن إنشاء الصيغة بعينه هو المستلزم لإمضاء البيع الذي به يحصل الملك إذ لم يصدر من المشتري غير ذلك فالملك لا يحصل قبل ذلك أصلا لأنه لا موجب لحصوله وأن يكون المراد على الثاني نفس إنشاء الصيغة لا دخول الحرية في الرقيق لأنه مضاد الملك واجتماع الضدين محال فعليك بتأمل المنصف وثانيا إلى ما يقتضي ثبوتا كالبيع والهبة والصدقة وإلى ما يقتضي إبطالا لمسبب سبب آخر كفوات المبيع قبل القبض يقتضي إبطال مسبب السبب السابق وهو البيع وكالطلاق يقتضي إبطال العصمة السابقة المترتبة على النكاح وكالعتاق يقتضي إبطال الملك المترتب في الرقيق على سببه وإذا قلنا بأن الفوات يوجب الفسخ فهل يقتضيه معه وهو الأصح لأن الأصل عدم التقدم على السبب أو قبله لأن الانقلاب والفسخ يقتضي تحقق ما يحكم عليه بذلك خلاف بين العلماء والعلل العقلية لا تنقسم كذلك فتأمل والله سبحانه وتعالى أعلم

376
376
بين الأسباب الشرعية والعلل العقلية على بعض المذاهب فبطل الشبه بين البابين وعلى المذهب الآخر يحصل الشبه بينهما
الفرق الثاني والثمانون والمائة بين قاعدة ما يتقدم مسببه عليه من الأسباب الشرعية وبين قاعدة ما لا يتقدم عليه مسببه
اعلم أن أزمنة ثبوت الأحكام أربعة أقسام ما يتقدم وما يتأخر وما يقارن وما يختلف فيه
هامش أنوار البروق
قال الفرق الثاني والثمانون والمائة بين قاعدة ما يتقدم مسببه عليه من الأسباب الشرعية وبين قاعدة ما لا يتقدم مسببه إلى آخر هذا القسم قلت ما قاله فيه صحيح قال وأما ما تتقدم أحكامه عليه فكإتلاف المبيع قبل القبض إلى قوله على الخلاف الذي تقدم في الفرق الذي قبل هذا الفرق قلت لا يصح تقدير الانفساخ في المبيع قبل تلفه ولا حاجة إليه أما عدم صحته فلأن الصحيح في الأسباب المطرد فيها أن تعقبها مسبباتها أو تقارنها
وأما عدم الحاجة إليه فلأن انقلاب المبيع إلى ملك البائع لا حاجة إليه لأن الداعي إلى ادعاء الحاجة إلى انقلابه إلى ملكه إنما هو كون ضمانه منه وكون ضمانه منه لا يستلزم كونه على ملكه للزوم الضمان بدون
هامش إدرار الشروق
376
الفرق الثاني والثمانون والمائة بين قاعدة ما يتقدم مسببه عليه من الأسباب الشرعية وبين قاعدة ما لا يتقدم عليه مسببه
وهو مبني على ما للأصل من وقوع ما يتقدم مسببه عليه من الأسباب الشرعية وتمثيله بمثالين المثال الأول إتلاف المبيع قبل القبض بناء على القول بأنه يوجب الفسخ قبله بأن تقدر الانفساخ في المبيع قبل تلفه ليكون المحل قابلا للانفساخ لأن المعدوم الصرف لا يقبل انقلابه لملك البائع كما تقدم في الفرق الذي قبل هذا الفرق والمثال الثاني القتل خطأ بالنسبة لوجوب الدية لا لوجوب الكفارة بناء على أن الدية إنما تجب بالزهوق لا بإنفاذ المقاتل وأن الزهوق سبب استحقاقها من جهة كونها موروثة والإرث إنما يكون فيما تقدم فيه ملك الميت فتدعو الضرورة إلى أن يقدر تقدير ملكه لها في حالة تقبل الملك وهي حالة حياته لأن الميت لا يقبله ولا ضرورة تدعو لتقديم لزوم الكفارة على القتل الخطأ وأن ما لا يتقدم عليه مسببه من الأسباب الشرعية ثلاثة أقسام لأنه إما سبب فعلي تام فيقارنه مسببه كالأسباب في حيازة المباح كالحشيش والصيد والسلب في الجهاد حيث سوغناه بإذن الإمام على رأينا أو مطلقا على رأي الشافعية وكشرب الخمر والزنى والسرقة للحدود وكالتعاليق اللغوية فإنها كلها أسباب شرعية فإذا علق على شرط
377
377
فأما ما يقارن فكالأسباب الفعلية في حيازة المباح كالحشيش والصيد والسلب في الجهاد حيث سوغناه بإذن الإمام على رأينا أو مطلقا على رأي الشافعية وشرب الخمر والزنى والسرقة للحدود ومن ذلك التعاليق اللغوية فإنها كلها أسباب فإذا علق على شرط الطلاق أو غيره وأما ما يتقدم أحكامه عليه فكإتلاف المبيع قبل القبض فإنك تقدر الانفساخ في المبيع قبل تلفه ليكون المحل قابلا للانفساخ لأن المعدوم الصرف لا يقبل انقلابه لملك البائع على الخلاف الذي تقدم في الفرق الذي قبل هذا الفرق وكمثل الخطأ فإن له حكمين
هامش أنوار البروق
الملك كما في المعتدي وإنما كان ضمانه من البائع وإن لم يكن على ملكه لأنه بقي عليه فيه حق التوفية
قال وكقتل الخطأ فإن له حكمين إحداهما يتقدم عليه وهو وجوب الدية فإنها لا تجب إلا بالزهوق لأنه سبب استحقاقها قلت ما قاله غير مسلم بل تجب بإنفاذ المقاتل الذي يئول إلى الزهوق قال ومن جهة أنها موروثة إلى قوله لأن الميت لا يقبله قلت لا حاجة إلى تقدير ملك الدية بل هو محقق بناء على أن السبب هو الإنفاذ لا الزهوق قال وثانيهما يقترن به وهو وجوب الكفارة فإنه لا ضرورة لتقديمها على القتل كما تقدم في الدية قلت قد تبين أنه لا ضرورة فيهما قال وأما ما تتأخر عنه أحكامه فكبيع الخيار يتأخر فيه نقل الملك عن العقد إلى الإمضاء على الصحيح
هامش إدرار الشروق
الطلاق أو غيره قارن لزوم المعلق وقوع ذلك الشرط المعلق عليه قال الشافعي رضي الله عنه إذا قال لامرأته إن أعطيتني ألفا فأنت طالق ففعلت طلقت لكن هذه الصورة تشكل جدا على أصل الشافعي وقاعدته من أن المعطاة والفعل والمناولة لا يوجب شيء من ذلك انتقال ملك فإنه إن أراد بالإعطاء الإقباض فينبغي أن تطلق ولا يستحق شيئا كما لو قال إن أقبضتني وهو بعيد وإن أراد بالإعطاء التمليك وهو الظاهر كان تمليكا بمجرد المناولة فيعضد المالكية في بيع المعاطاة بالقياس على هذه الصورة ويكون نقضا على أصله
ولا يمكن أن يقال اللفظ السابق في التعليق حصل به انتقال الملك لأن لفظ التعليق إنما اقتضى ربط الطلاق بالإعطاء ولم يقتض حصول الملك في المعطي ولعلها لا تعطيه شيئا فإن اللفظ الدال على الملك لم يوجد ألبتة فلا يمكن الاعتماد عليه إلا أن يريد الشافعي بقوله ففعلت أي ملكته الألف بشرط التمليك الذي هو التلفظ بما يقتضيه فيندفع الإلزام عنه
وأما سبب فعلي غير تام فيتأخر مسببه إلى تمامه كبيع الخيار يتأخر فيه نقل الملك عن العقد إلى الإمضاء على الصحيح لأن البيع إنما ثبت من أحد الطرفين دون الآخر فهو عقد غير تام فتأخر مسببه إلى تمامه وكالطلاق الرجعي مع البينونة فإنها تتأخر إلى خروج المطلقة من العدة وكالوصية يتأخر نقل الملك في الموصى به بعد الموت وكالسلم والبيع إلى أجل يتأخر عنه بوجه المطالبة إلى انقضاء الأجل

378
378
أحدهما يتقدم عليه وهو وجوب الدية فإنها إنما تجب بالزهوق لأنه سبب استحقاقها من جهة أنها موروثة والإرث إنما يكون فيما تقدم فيه ملك الميت فيجب أن يقدر ملكه لها حالة حياته في حالة تقبل الملك لأن الميت لا يقبله وثانيهما يقترن به وهو وجوب الكفارة فإنه لا ضرورة لتقديمها على القتل كما تقدم في الدية وأما ما تتأخر عنه أحكامه فكبيع الخيار يتأخر فيه نقل الملك عن العقد إلى الإمضاء على الصحيح وكالطلاق الرجعي مع البينونة بخلاف تحريم الوطء وتنصيص العدد فإنها تقارن وكالوصية يتأخر نقلها للملك في الموصى به بعد الموت وكذلك السلم والبيع إلى أجل يتأخر عنه توجه المطالبة إلى انقضاء الأجل وأما ما اختلف فيه فكالأسباب القولية نحو العتق والبيع والإبراء والطلاق والأمر والنهي والشهادات فهل تقع مسبباتها مع آخر حرف منها وهو مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري فإنه كان من الفقهاء الأجلة كما كان شيخ المتكلمين هذا مذهبه في الفقه في هذه المسألة أو تقع مسبباتها عقيب آخر حرف وهو مذهب جماعة من الفقهاء خلاف تنبيه قال الشافعي رضي الله عنه إذا قال لامرأته إن أعطيتني ألفا فأنت طالق ففعلت طلقت وهو مشكل على أصله جدا فإنه إن أراد بالإعطاء الإقباض فينبغي أن تطلق ولا يستحق شيئا كما لو قال إن أقبضتني وإن أراد بالإعطاء التمليك فكيف يصح التمليك على
هامش أنوار البروق
قلت إنما تأخر نقل الملك في بيع الخيار لأن البيع إنما ثبت من أحد الطرفين دون الآخر فهو عقد غير تام فتأخر مسببه إلى تمامه
قال وكالطلاق الرجعي إلى قوله يتأخر عنه توجه المطالبة إلى انقضاء الأجل قلت جميع ما ذكره أسباب لم تتم فلم تترتب عليها مسبباتها حتى تمت واستوفت شروطها فلم يأت بمثال صحيح لما يتأخر عن سببه قال وأما ما اختلف فيه فكالأسباب القولية نحو العتق والبيع إلى قوله وهو مذهب جماعة من الفقهاء خلاف
هامش إدرار الشروق
وأما سبب قولي تام كالعتق والبيع والإبراء وتحريم الوطء وتنصيص العدد في الطلاق وكالأمر والنهي والشهادات فيجري فيه الخلاف السابق بين الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني وجماعة من الفقهاء هل تقع مسبباته مع آخر حرف منه أو عقيب آخر حرف منه وذهب إلى الأول أيضا الشيخ أبو الحسن الأشعري فإنه كان من الفقهاء الأجلة كما كان شيخ المتكلمين هذا خلاصة كلام الأصل مع تنقيح وزيادة وكتب عليه ابن الشاط ما حاصله أن الصحيح في الأسباب الشرعية المطرد فيها أن تعقبها مسبباتها أو تقارنها فلا يصح تقدير الانفساخ في المبيع قبل تلفه ولا تقدير ملك الدية قبل الموت على أنه لا حاجة إلى تقدير الانفساخ في المبيع قبل تلفه لأن انقلاب المبيع إلى ملك البائع لا حاجة لأن الداعي إلى ادعاء الحاجة إلى انقلابه إلى ملكه إنما هو كون ضمانه منه
379
379
أصله بمجرد المناولة وقاعدته أن المعاطاة والفعل والمناولة لا يوجب شيء من ذلك انتقال ملك فهذه الصورة تعضد المالكية في بيع المعاطاة بالقياس عليها ويكون نقضا على أصله ولا يمكن أن يقال اللفظ السابق في التعليق حصل به انتقال الملك لأن لفظ التعليق إنما اقتضى ربط الطلاق بالإعطاء ولم يقتض حصول الملك في المعطي ولعلها لا تعطيه شيئا فإن اللفظ الدال على الملك لم يوجد ألبتة فلا يمكن الاعتماد عليه
الفرق الثالث والثمانون والمائة بين قاعدة الذمة وبين قاعدة أهلية المعاملة
اعلم أن الذمة قد أشكلت معرفتها على كثير من الفقهاء وجماعة يعتقدون أنها أهلية المعاملة فإذا قلنا زيد له ذمة معناه أنه أهل لأن يعامل وهما حقيقتان متباينتان بمعنى أنهما متغايرتان وتحقيق التغاير بينهما أن كل واحدة من هاتين الحقيقتين أعم من الأخرى من وجه وأخص من وجه فإن التصرف يوجد بدون الذمة والذمة توجد بدون أهلية التصرف ويجتمعان معا كالحيوان والأبيض يوجد الحيوان ولا أبيض كالأسودان والأبيض
هامش أنوار البروق
قلت الأمر في ذلك الخلاف قريب ولا أراه يئول إلى طائل
قال تنبيه قال الشافعي رضي الله عنه إلى آخر الفرق قلت الظاهر أن ما قاله وألزمه الشافعي صحيح إلا أن يريد الشافعي بقوله ففعلت أي ملكته الألف بشرط التمليك الذي هو التلفظ بما يقتضيه فيندفع الإلزام عنه والله أعلم
قال الفرق الثالث والثمانون والمائة بين قاعدة الذمة وقاعدة أهلية المعاملة إلى قوله وهذا هو ضابط الأعم والأخص من وجه قلت ما قاله في ذلك صحيح وما قاله بعد من حكاية أقوال لا كلام فيه وما قاله من أن الصبي لا ذمة له فيه نظر فإن كانت الذمة كون الإنسان قابلا للزوم الحقوق والتزامها شرعا فالصبي لا ذمة له وإن كانت الذمة كونه قابلا للزوم الحقوق دون التزامها فالصبي له ذمة للزوم أروش الجنايات وقيم المتلفات له والله أعلم
هامش إدرار الشروق
وكون ضمانه منه لا يستلزم كونه على ملكه للزوم الضمان بدون الملك كما في المتعدي
وإنما كان ضمانه من البائع وإن لم يكن على ملكه لأنه بقي عليه فيه حق التوفية ولا إلى تقديم ملك الدية بل هو محقق بناء على أن السبب هو الإنفاذ لا الزهوق فلا ضرورة لتقديمها كما لا ضرورة لتقديم الكفارة قال والأمر في الخلاف في الأسباب القولية قريب ولا أراه يئول إلى طائل والله سبحانه وتعالى أعلم
قال تنبيه قال الشافعي رضي الله عنه إلى آخر الفرق قلت الظاهر أن ما قاله وألزمه الشافعي صحيح إلا أن يريد الشافعي بقوله ففعلت أي ملكته الألف بشرط التمليك الذي هو التلفظ بما يقتضيه فيندفع الإلزام عنه والله أعلم
الفرق الثالث والثمانون والمائة بين قاعدة الذمة وبين قاعدة أهلية المعاملة وهو أنهما وإن اشتركا في جهتين جهة كونهما تعلقا ونسبة خاصة في المحل وجهة كونهما من باب خطاب الوضع لا من باب خطاب التكليف من حيث إن كلا منهما سبب في شيء كما سيفتح لا من
380
380
ولا حيوان كالجير والثلج ويجتمعان معا كالصقالبة والطيور البيض وهذا هو ضابط الأعم والأخص من وجه فالصبيان عندنا المميزون يصح بيعهم وشراؤهم ويقف اللزوم على إجازة الولي وقال الشافعي رحمه الله لا ينعقد أصلا وإن أذن له الولي وجوزه أبو حنيفة بإذن الولي فإن عقد بغير إذن الولي وقف على إجازته وقال ابن حنبل إن عقده بإذن صح وإلا فلا واتفق الجميع على عدم الذمة في حقه فهذا القسم حصل فيه أهلية التصرف عندنا وعند أبي حنيفة وابن حنبل من غير ذمة له عند الجميع وتوجد الذمة بدون أهلية التصرف كالعبيد فإنهم محجور عليهم لحق السادات
وإن قلنا إنهم يملكون فلا يجوز لهم التصرف إلا بإذن السادات سدا لذريعة إفساد ما لهم وحق السادات متعلق به ولو جنوا جناية ولم يقع الحديث فيها ولا الحكم كانت متعلقة بذمته إذا عتق طولب بها بخلاف الصبي إذا بلغ لا يطالب بما تقرر في ذمته قبل البلوغ لكن بما تقدم سببه قبل البلوغ ويطالب به الآن
وأما العبد يطالب بما تعلق بذمته قبل العتق فيكون قد تقدم في حق العبد السبب والملزوم وفي حق الصبي السبب دون اللزوم وكذلك إذا تزوج بغير إذن سيده وفسخ نكاحه بقي الصداق في ذمته يطالب به بعد العتق فاللزوم سابق والمطالبة متأخرة وكلاهما متأخر في حق الصبي لعدم الذمة في حق الصبي ووجودها في حق العبد وتوجد أهلية التصرف والذمة معا في حق الحر البالغ الرشيد فإن له أهلية التصرف وله ذمة فقد ظهر أن الذمة وأهلية التصرف كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه وأخص
هامش أنوار البروق
قال فإن قلت الحكم على الشيء بالرد والقبول فرع عن كونه معقولا ومعنى الذمة غير تعبد معقول إلى قوله فهذا هو حقيقة الذمة وبسطها والعبارة الكاشفة عنها والسبب الشرعي الذي يقدر الشرع عنده ذلك المعنى الذي هو الذمة قلت الأولى عندي أن يقال إن الذمة قبول الإنسان شرعا للزوم الحقوق دون التزامها وعلى هذا تكون للصبي ذمة أو يقال قبولي الإنسان شرعا للزوم الحقوق والتزامها فعلى هذا لا تكون للصبي ذمة
هامش إدرار الشروق
حيث إنهما تعلق ونسبة خاصة والتعلقات أمور عدمية فيقدرها صاحب الشرع في المحل عند سببها موجودة وتكون من قبيل التقادير الشرعية التي هي إعطاء الموجود حكم المعدوم والمعدوم حكم الموجود خلافا للأصل لكنهما يفترقان من جهتين أيضا إحداهما أن الذمة أما كون الإنسان قابلا للزوم الحقوق والتزامها شرعا فيكون الصبي لازمة له وأما كونه قابلا شرعا للزوم الحقوق دون التزامها فيكون الصبي له ذمة للزوم أروش الجنايات وقيم المتلفات وأهلية المعاملة والتصرفات قبول خاص ليس فيه إلزام ولا التزام والجهة الثانية أن الذمة قال الأصل يشترط فيها التكليف من غير خلاف أعلمه بخلاف أهلية التصرف فاشترط الشافعي فيهما أيضا التمييز والتكليف ومالك وأبو حنيفة التمييز فقط وابن حنبل التمييز مع إذن الولي
381
381
من وجه فهما متغايران ويؤكد ذلك أن المفلس محجور عليه في ماله الذي حازه الحاكم ليس له أن يتصرف فيه وله أهلية التصرف في مال يستدينه من قوم آخرين أو يرثه أو يوهب له فقد اختصت أهلية التصرف ببعض الأموال وأما ذمته فثابتة بالنسبة إلى الجميع في المالين فقد صارت الذمة في هذه الصور أعم من أهلية التصرف وأهلية التصرف أخص من الذمة لحصولها في البعض من الأموال دون البعض فإن قلت الحكم على الشيء بالرد والقبول فرع عن كونه معقولا ومعنى الذمة تعبد غير معقول فكيف يقضى عليها بالعموم أو الخصوص أو غيرهما فلا بد من بيان الحقيقتين وإلا فلا يتحصل من هذه العمومات والخصوصات مقصود قلت العبارة الكاشفة عن الذمة أنها معنى شرعي مقدر في المكلف قابل للالتزام واللزوم وهذا المعنى جعله الشرع مسببا على أشياء خاصة منها البلوغ ومنها الرشد فمن بلغ سفيها لا ذمة له ومنها ترك الحجر كما تقدم في المفلس فمن اجتمعت له هذه الشروط رتب الشرع عليها تقدير معنى فيه يقبل إلزامه أرش الجنايات وأجر الإجارات وأثمان المعاملات ونحو ذلك من التصرفات ويقبل التزامه إذا التزم أشياء اختيارا من قبل نفسه لزمه وإذا فقد شرط من هذه الشروط لم يقدر الشرع هذا المعنى القابل للإلزام والالتزام وهذا المعنى المقدر هو الذي تقدر فيه الأجناس المسلم فيها مستقرة حتى يصح مقابلتها بالأعواض المقبوضة ناجزا في ثمنها وفيه تقدر أثمان البياعات بثمن إلى آجال بعيدة أو
هامش أنوار البروق
قال وأما أهلية التصرف إلى قوله فهذا هو نفس الفرق بينهما مع أن كليهما معنى مقدر في المحل قلت ما قاله في ذلك ظاهر قال ووقع الفرق أيضا من حيث السبب فإن الذمة يشترط فيها التكليف من غير خلاف أعلمه بخلاف أهلية التصرف فقد وضع الفرق بينهما قلت إذا صح الاتفاق على اشتراط التكليف في الذمة فلا ذمة للصبي ويتعين حد الذمة أو رسمها بأنها قبول الإنسان شرعا للزوم الحقوق دون التزامها والله أعلم
هامش إدرار الشروق
فلا يصح عنده تصرفه بدون إذنه
وقال ابن الشاط إذا صح الاتفاق على اشتراط التكليف في الذمة فلا ذمة للصبي ويتعين حد الذمة أو رسمها بأنها قبول الإنسان شرعا للزوم الحقوق دون التزامها ا ه
أي حتى تكون للصبي ذمة للزوم أروش الجنايات وقيم المتلفات له كما علمت فبين الذمة وأهلية التصرف عموم وخصوص وجهي يجتمعان معا في حق الحر البالغ الرشيد فإن له أهلية التصرف وله ذمة كما لا يخفى وتنفرد الذمة عن أهلية التصرف في العبيد فإنهم محجور عليهم لحق السادات سدا لذريعة إفساد ما لهم وحق السادات متعلق به ولو جنى العبد جناية ولم يقع الحديث فيها ولا الحكم كانت متعلقة بذمته إذا عتق طولب بها فيكون قد تقدم في حقه السبب واللزوم وتأخرت المطالبة
وإذا تزوج بغير إذن سيده وفسخ نكاحه بقي الصداق في ذمته يطالب به بعد العتق فاللزوم سابق والمطالبة متأخرة في حقه وتنفرد
382
382
قريبة وصدقات الأنكحة والديون في الحوالات والحقوق في الضمانات وغير ذلك ولا جرم من لا يكون هذا المعنى مقدرا في حقه لا يصح في حقه شيء من هذه الأمور فلا ينعقد في حقه سلم ولا ثمن إلى أجل ولا حوالة ولا حمالة ولا شيء من ذلك فهذا هو حقيقة الذمة وبسطها والعبارة الكاشفة عنها والسبب الشرعي الذي يقدر الشرع عنده المعنى الذي هو الذمة وأما أهلية التصرف فحقيقتها عندنا قبول يقدره صاحب الشرع في المحل وسبب هذا القبول المقدر التمييز عندنا وعند الشافعي التميز مع التكليف
وهذا القبول الذي هو أهلية التصرف لا يشترط فيه عندنا الإباحة فإن الفضولي عندنا له أهلية التصرف وتصرفه حرام وللمالك عندنا إمضاء ذلك التصرف من غير تجديد عقد آخر ينفذ ذلك التصرف فدل ذلك على أن العقد المتقدم قابل للاعتبار وإنما تعلق به حق آدمي كتصرف العبد بغير إذن سيده ثم إن أهلية التصرف قد توجد في النكاح الذي لا يثبت في الذمم
هامش أنوار البروق
قال فإن قلت هل هما من باب خطاب الوضع قلت ما قاله من أنهما من خطاب الوضع هو الظاهر وكذلك الملك عندي بخلاف قوله فيه وما قاله من أنها من التقادير الشرعية فيه نظر وكذلك ما قاله من أن النسب أمور سلبية فيه نظر وقوله كما تقدر الملك في العتق وهو معدوم إن كان يشير بذلك إلى العتق عن الغير فقد تقدم أن الصحيح خلاف ذلك والله أعلم
هامش إدرار الشروق
أهلية التصرف عن الذمة في الصبيان المميزين فإن في الصبي المميز أهلية التصرف عندنا وعند أبي حنيفة وابن حنبل فقط من غير ذمة له عند الجميع بناء على صحة الاتفاق على اشتراط التكليف في الذمة كما تقدم قلت ولا ينافي هذا قول السيد الجرجاني في تعريفاته الذمة لغة العهد لأن نقضه يوجب الذم ومنهم من جعلها وصفا فعرفها بأنها وصف يصير الشخص به أهلا للإيجاب له وعليه ومنهم من جعلها ذاتا فعرفها بأنها نفس لها عهد فإن الإنسان يولد وله ذمة صالحة للوجوب له وعليه عند جميع الفقهاء بخلاف سائر الحيوانات ا ه
بلفظ كما أنه لا منافاة بين قوله فإن الإنسان يولد وله ذمة
وقوله صالحة للوجوب له وعليه لأن مراده أنها من الطبائع الملازمة للإنسان كالناطقية بمعنى مبدئية النطق والإدراك وإن منع من تحققها في بعض أفراده مانع كما يشهد لذلك قوله بخلاف سائر الحيوانات فتأمل بإمعان وبالجملة فسبب القبول الذي هو الذمة عند الجميع التمييز مع التكليف وسبب القبول الذي هو أهلية التصرف عندنا وعند أبي حنيفة التمييز دون الإجازة والتكليف ودون الإباحة أيضا عندنا فإن الفضولي عندنا له أهلية التصرف وتصرفه حرام وللمالك عندنا إمضاء ذلك التصرف من غير تجديد عقد آخر ينفذ ذلك التصرف فدل على أن العقد المتقدم قابل للاعتبار وإنما تعلق به حق آدمي كتصرف العبد بغير إذن سيده والصبي المميز بغير إذن الولي فإن تصرفه صحيح يتوقف لزومه على إجازة السيد والولي عندنا وعند أبي حنيفة وعند ابن حنبل التمييز مع الإجازة دون التكليف فإنه عقد الصبي المميز بإذن الولي صح وإلا فلا وعند الشافعي التمييز مع التكليف فلا ينعقد عقد الصبي المميز أصلا وإن أذن له الولي والله سبحانه وتعالى أعلم

383
383
كتصرف الأولياء في الموليات له وتوجد في الأحكام فيما لا يثبت في الذمم وأنواع التصرفات كثير فيما لا يثبت في الذمة فأهلية التصرفات أهلية وقبول خاص كما تقدم ليس فيه إلزام ولا التزام والذمة معنى مقدر في المحل قابل لهما فهذا هو نفس الفرق بينهما مع أن كليهما معنى مقدر في المحل ووقع الفرق أيضا من حيث السبب فإن الذمة يشترط فيها التكليف من غير خلاف أعلمه بخلاف أهلية التصرف فقد وضح الفرق بينهما فإن قلت هل هما من باب خطاب الوضع الذي هو وضع الأسباب والشروط والموانع والتقادير الشرعية أو من باب خطاب التكليف الذي هو الوجوب والتحريم والندب والكراهة والإباحة كما قلته في الملك إنه من باب خطاب التكليف وأنه يرجع إلى الإذن والإباحة عند أسباب خاصة وإباحة خاصة كما تقدم بيانه في ذلك
قلت الذي يظهر لي وأجزم به أن الذمة وأهلية التصرف من باب خطاب الوضع دون خطاب التكليف وأنهما يرجعان إلى التقادير الشرعية والتقادير الشرعية هي إعطاء الموجود حكم المعدوم والمعدوم حكم الموجود وقد تقدم بسطها في الفرق بين الخطابين والذمة وأهلية التصرف من القسم الثاني وهو إعطاء المعدوم حكم الموجود فإنه لا شيء في المحل من الصفات الموجودة كالألوان والطعوم ونحوهما من الصفات الموجودة وإنما هو نسبة خاصة يقدرها صاحب الشرع عند سببها موجودة وهي لا وجود لها بل هذا المعنى من التقدير فقط كما يقدر الملك في العتق وهو معدوم وكذلك هذه التقادير تذهب عند ذهاب أسبابها وتثبت عند تثبيت أسبابها كمتعلقات الخطاب في التحريم والإباحة وغيرهما والتعلقات أمور عدمية تقدر في المحال موجودة فهذا هو تلخيص معنى الذمة وأهلية التصرف والفرق بينهما فتأمله
الفرق الرابع والثمانون والمائة بين قاعدة ما يقبل الملك من الأعيان والمنافع وبين قاعدة ما لا يقبله
اعلم أن الأعيان منها ما لا يقبل الملك إما لعدم اشتماله على منفعة كالخشاش أو
هامش أنوار البروق
قال
الفرق الرابع والثمانون والمائة بين قاعدة ما يقبل المالك وقاعدة ما لا يقبله
هامش إدرار الشروق
383
الفرق الرابع والثمانون والمائة بين قاعدة ما يقبل الملك من الأعيان والمنافع وبين قاعدة ما لا يقبله منهما
يحصل الفرق بينهما أمران
384
384
منفعة محرمة كالخمر والمطربات المحرمة أو منفعة تعلق بها حق آدمي كالحر فإنه لا يقبل الملك لغيره لأنه أحق بنفسه من غيره أو تعلق بها حق الله تعالى كالمساجد والبيت الحرام
وقد تقدم أن الملك إذن شرعي خاص والإذن في غير منتفع به عبث وفي المحرم متناقض وفيما هو حق للغير مبطل لذلك الحق فيمتنع المالك في هذه الأقسام ومنها ما فيه منفعة فيقبل المالك لأجل منفعة وهو قسمان ما يمتنع بيعه إما صونا لمكارم الأخلاق عن الفساد ككلب الصيد وإجارة الأرض إذا قلنا بأنها لا يؤجر مطلقا لأن ذلك كان قديما من الأمور المنافية لمكارم الأخلاق ولذلك قال عليه السلام من كانت له أرض فليزرعها أو يمنحها أخاه فإن الحسن والقبح في هذه الأمور عادي وإما لتعلق حق الغير كأم الولد لتعلق حقها بالعتق والحر لتعلق حقه بنفسه والوقف لتعلق حق الموقوف عليه به
وأما ما سلم من هذه الموانع فهو القابل للملك والتصرف بأسباب الملك على اختلافها ونظائره كثيرة معروفة كالبر والأنعام وغيرهما فهذا تلخيص الفرق بين القاعدتين وها هنا قاعدة أخرى تلاحظ في هذا الفرق وهي إن كل تصرف كان من العقود كالبيع أو غير العقود كالتعزيرات وهو لا يحصل مقصوده فإنه لا يشرع ويبطل إن وقع فلذلك امتنع بيع الحر وأم الولد ونكاح المحرم وذوات المحرم فإن مقاصد هذه العقود لا تحصل بها
وكذلك الإجارة على الأفعال المحرمة وتعزير من يعقل الزجر كالسكران والمجنون ونحوهما فإن الزجر لا يحصل بذلك والمقصود من البيع ونحوه إنما هو انتفاع كل واحد من المتعاوضين بما يصير إليه فإذا كان عديم المنفعة أو محرما لم يحصل مقصوده فيبطل عقده والمعاوضة عليه لهذه القاعدة فهذه القاعدة أيضا تحصل فرقا بين القاعدتين
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله صحيح على ما في قوله من الأعيان من المسامحة على ما سبق
هامش إدرار الشروق
الأمر الأول ما تقدم من أن الملك إذن شرعي خاص وأن الأعيان لا تقبله إلا باعتبار منافعها فما لا منفعة له كالخشاش وما له منفعة محرمة كالخمر والمطربات المحرمة وما له منفعة تعلق بها حق آدمي كالحر لتعلق حقه بنفسه وكأم الولد لتعلق حقها بالعتق وكالوقف لتعلق حق الموقوف عليه به فلا يقبل واحد من هذه الأنواع الثلاثة الملك أما الأول فلأن الإذن فيه عبث وأما الثاني فلأن الإذن فيه متناقض وأما الثالث فلأن الإذن فيه مبطل لذلك الحق وبقي النوع الرابع وهو ما فيه منفعة ليست محرمة ولا تعلق بها حق آدمي فيقبل الملك لأجل منفعته إلا أنه قسمان قسم يمتنع صونا لمكارم الأخلاق عن الفساد ككلب الصيد وإجارة الأرض إذا قلنا بإنها لا تؤجر مطلقا لأن ذلك كان قديما من الأمور المنافية لمكارم الأخلاق ولذلك قال عليه السلام من كانت له أرض فليزرعها أو يمنحها أخاه فإن الحسن والقبح في هذه الأمور عادي وقسم سلم من هذه الموانع فهو القابل للملك والتصرف بأسباب الملك عن اختلافها ونظائره كثيرة معروفة كالبر والأنعام وغيرهما الأمر الثاني قاعدة إن كل تصرف كان من العقود كالبيع أو غير العقود كالتعزيرات وهو لا يحصل
385
385
الفرق الخامس والثمانون والمائة بين قاعدة ما يجوز بيعه وقاعدة ما لا يجوز بيعه
فقاعدة ما يجوز بيعه ما اجتمع فيه شروط خمسة وقاعدة ما لا يجوز بيعه ما فقد منه أحد هذه الشروط الخمسة فالشروط الخمسة هي الفرق بينهما وهي الطهارة لقوله عليه السلام في الصحيحين إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل له يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها يطلى بها السفن ويستصبح بها فقال لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها الشرط الثاني أن يكون منتفعا به ليصح مقابلة الثمن له الشرط الثالث أن يكون مقدورا على تسليمه حذرا من الطير في الهواء والسمك في الماء ونحوها لنهيه عليه السلام عن بيع الغرر
هامش أنوار البروق
قال
الفرق الخامس والثمانون والمائة بين قاعدة ما يجوز بيعه وقاعدة ما لا يجوز بيعه إلى قوله وفي الشروط مسألتان
قلت ما قاله في ذلك صحيح قال المسألة الأولى إلى آخرها قلت ما قاله من أن فرق الحنفية يندفع بما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها أرضعت كبيرا فحرم عليها لقائل أن يقول لا يندفع بذلك لجعل رضاع الكبير لقصد ثبوت التحريم داخلا فيما استثني للضرورة وما قال في المسألة الثانية إلى آخر الفرق حكاية أقوال وتوجيه وترجيح لا كلام فيه معه وجميع ما قاله في الفروق الثلاثة بعد هذا صحيح
هامش إدرار الشروق
مقصوده لا يشرع ويبطل إن وقع والمقصود من البيع ونحوه إنما هو انتفاع كل واحد من المتعارضين بما يصير إليه فإذا كان عديم المنفعة أو محرمها أو تعلق بمنفعته حق الغير لم يحصل مقصوده فيبطل عقده والمعارضة عليه لهذه القاعدة كما يمتنع نكاح ذوات المحرم لأن مقاصد عقده لا تحصل بها ويمتنع تعزير من لا يعقل الزجر كالسكران والمجنون ونحوهما لأن الزجر لا يحصل بذلك والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الخامس والثمانون والمائة بين قاعدة ما يجوز بيعه وقاعدة ما لا يجوز بيعه
وهو أن ما يجوز بيعه عبارة عما اجتمع فيه شروط خمسة أربعة منها في صحته وجوازه ولزومه معا الأول الطهارة لقوله عليه السلام في الصحيحين إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل له يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها يطلى بها السفن ويستصبح بها فقال لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها
386
386
الشرط الرابع
أن يكون معلوما للمتعاقدين لنهيه عليه السلام عن أكل المال بالباطل الشرط الخامس أن يكون الثمن والمبيع مملوكين للعاقد والمعقود له أو من أقيما مقامه فهذه شروط في جواز البيع دون الصحة لأن بيع الفضول وشراءه محرم وفي الشروط مسألتان المسألة الأولى في الشرط الثاني قال صاحب الجواهر يكفي أصل المنفعة وإن قلت وقلت قيمتهما فيصح بيع التراب والماء ولبن الآدميات وقاله الشافعي وابن حنبل قياسا على لبن الغنم وقال أبو حنيفة رضي الله عنهم أجمعين لا يجوز بيعه ولا أكله لأنه جزء حيوان منفصل عنه في حياته فيحرم أكله فيمتنع بيعه وجوابه القياس المتقدم وفرق هو بشرف الآدمي وإباحة لبنه هو أنه استثني منه الرضاع للضرورة وبقي ما عداه على الأصل بخلاف الأنعام بدليل تحريم لحمه تشريفا له ويندفع الفرق بما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها أرضعت كبيرا فحرم عليها فلو كان حراما لما فعلت ذلك ولم ينكر عليها أحد من الصحابة فكان ذلك إجماعا على إلغاء هذا الفرق المسألة الثانية بيع الفضول في الشرط الخامس
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
386
الشرط
الثاني
أن يكون منتفعا به انتفاعا شرعيا حالا أو مآلا ليصح مقابلة الثمن له الشرط الثالث أن يكون مقدورا على تسليمه حذرا من الطير في الهواء والسمك في الماء ونحوهما لنهيه عليه السلام عن بيع الغرر الشرط الرابع أن يكون معلوما للعاقدين لنهيه عليه السلام عن أكل المال بالباطل والشرط الخامس وهو أن يكون الثمن والمبيع مملوكين للعاقد والمعقود له أو من أقيما مقامه شرط في الجواز واللزوم معا دون الصحة لأن بيع الفضولي وشراءه وإن كان صحيحا علم المشتري أنه فضولي أم لا كما في المختصر إلا أنه محرم على المشهور وغير لازم يتوقف لزومه على رضا المالك كما في المختصر وغيره وبقي شرط سادس أخذه عبق من قول خليل في المختصر ووقف مرهون على رضا مرتهنه ا ه
وعده من شروط الصحة وهو أن لا يكون لغير العاقد والمعقود له أو من أقيما مقامه حق في المعقود عليه ثمنا أو مثمنا وتعقبه الشيخ مصطفى الرماصي كما في البناني بأنه شرط في اللزوم فقط أي دون الصحبة وكذا دون الجواز كما هو ظاهر قال والظاهر أن المصنف أي خليلا لذلك لم يجر فيه على أسلوب ما قبله فلم يدرجه في شروط الصحة ا ه
يعني الأربعة الأول فافهم وما لا يجوز بيعه عبارة عما فقد منه أحد شروط الجواز الخمسة الأول فتحقق الشروط الخمسة وعدم تحققها هو الفرق بين القاعدتين المذكورتين والله أعلم وصل في ثلاث مسائل تتعلق بالشروط المذكورة المسألة الأولى في الشرط الأول قال حفيد بن رشد في بدايته النجاسات على ضربين الضرب الأول ما لا تدعوا الضرورة إلى استعماله فاتفق المسلمون على تحريم بيعها وهي أنواع
387
387
قال صاحب الجواهر مقتضى ما حكاه الشيخ أبو إسحاق أن هذا الشرط شرط في الصحة وقاله الشافعي وابن حنبل رضي الله عنهما وقال أبو حنيفة رضي الله عنه هو شرط في الشراء دون البيع وقال ابن يونس يمتنع أن يشتري من رجل سلعة ليست في ملكه ويوجب على نفسه تحصيل ثمنها لأنه غرر
وقال سحنون إن نزل ذلك فلربها إمضاء البيع كمن غصب سلعة والمشتري يعلم بالغصب ومنع أشهب ذلك في الغاصب لدخولهما على الفساد والغرر قال ابن يونس وهو القياس في المسألتين قلت فظاهر هذا النقل يقتضي أن إطلاق الأصحاب محمول على ما إذا كان المشتري غير عالم بعدم الملك فالمشهور أن له الإمضاء أما إذا علم فلا على هذا الخلاف احتج الشافعية والحنابلة بقوله عليه السلام لا بيع ولا طلاق ولا عتاق فيما لا يملك ابن آدم ولأن وجود السبب بكماله بدون آثاره يدل على فساده وقياسا على الطلاق والفرق عند أبي حنيفة أن الشراء يقع للمباشر فيفتقر نقل الملك إلى عقد آخر وكذلك الوكيل عنده يقع العقد له ثم ينتقل بخلاف البائع فإنه مخرج للسلعة لا جالب لها والجواب عن الأول القول بالموجب أو نحمله على ما قبل الإجازة لأن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال سلمنا عمومه في الأحوال لكنه معارض بأنه
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الأول
الخمر ولذا اتفقوا على أنها نجسة إلا خلافا شاذا الثاني الميتة بجميع أجزائها التي تقبل الحياة الثالث الخنزير بجميع أجزائه التي تقبل الحياة واختلف في الانتفاع بشعره فأجازه ابن القاسم ومنعه أصبغ الضرب الثاني ما تدعو الضرورة إلى استعماله كالترجيع والزبل الذي يتخذ في البساتين فاختلف في بيعه في المذهب فقيل بمنعه مطلقا وقيل بالفرق بين العذرة والزبل أعني إباحة الزبل ومنع العذرة واختلفوا فيما يتخذ من أنياب الفيل لاختلافهم هل هو نجس أم لا فمن رأى أنه ناب جعله ميتة ومن رأى أنه قرن معكوس جعل حكمه حكم القرن والخلاف فيه في المذهب ا ه بتصرف
قال البناني وقد حصل الحطاب في بيع العذرة أربعة أقوال المنع لمالك على فهم الأكثر للمدونة والكراهة على ظاهر المدونة وفهم أبي الحسن لها والجواز لابن الماجشون والفرق بين الاضطرار لها فيجوز وعدمه فيمنع لأشهب في كتاب محمد
وأما الزبل فذكر ابن عرفة فيه ثلاثة أقوال قياسه على العذرة في المنع عند مالك وقول ابن القاسم بجوازه وقول أشهب في المدونة المشتري أعذر من البائع وتزاد الكراهة على ظاهر المدونة في العذرة وفهم أبي الحسن انظر الحطاب رحمه الله وفي التحفة ونجس صفقته محظورة ورخصوا في الزبل للضرورة وهو يفيد أن العمل على بيع الزبل دون العذرة وصرح به ابن لب كما نقله عنه في المعيار أول نوازل المعاوضات وهو الذي به العمل عندنا للضرورة ا ه
منه بلفظه وفي حاشية كنون قال الحطاب والدليل على منع بيع النجس نهيه تعالى عن أكل المال بالباطل لأنه لا تحصل به منفعة للمسلم أصلا أو حكما
388
388
عليه السلام دفع لعروة البارقي دينارا ليشتري له به أضحية فاشترى به أضحيتين ثم باع أحدهما بدينار وجاء بدينار وأضحية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بارك الله لك في صفقة يمينك فكان إذا اشترى التراب ربح فيه خرجه أبو داود ولأنه تعاون على البر فيكون
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
ودليله من السنة حديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال إن الله ورسوله حرم بيع الخمر الحديث الذي أخرجه البخاري باللفظ المذكور ومسلم بلفظ إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها فقال لا هو حرام ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوها ثم باعوه فأكلوا ثمنه ومعنى أجملوه أذابوه وقوله حرم قال القرطبي صحت الرواية بإسناده إلى ضمير الواحد تأدبا منه عليه الصلاة والسلام أن يجمع بينه وبين اسم الله في ضمير الاثنين كما رد على الخطيب قوله ومن يعصهما فقال له بئس خطيب القوم قل ومن يعص الله انظره والله أعلم ا ه
وفي الإكمال ما نصه
وأما شحم الميتة فالجمهور على أنه لا ينتفع من الميتة بشيء ألبتة لأنها نجسة العين ولعموم النهي عن الانتفاع بالميتة إلا ما خصصته السنة من الجلد وأجاز عطاء الاستصباح بشحمها وأن يطلى به السفن ا ه
وفي النوادر عن ابن الجهم والأبهري لا بأس بوقيده إذا تحفظ منه ا ه
ولا يلزم من ذلك جواز البيع والحديث يرد عليهم راجع ما تقدم عند قوله وينتفع بمتنجس إلخ ومن شحم الميتة ما يجلب من بلاد الروم من الصابون والشمع المصنوعين من شحم غير الحيوان البحري والله أعلم ا ه
المسألة الثانية
في الشرط الثاني قال صاحب الجواهر يكفي أصل المنفعة وإن قلت وقلت قيمتها فيصح بيع التراب والماء ا ه
أي بمكانها المعد لهما وهو التل والبحر وقيد المحلي والرملي وابن حجر صحة بيعهما فيه بأن يجوز الماء في قربة مثلا أو يكوم التراب فصورة المسألة أنه باع قربة ماء مثلا على شط البحر كما في حاشية البجيرمي على شرح شيخ الإسلام على المنهج قال شيخ الإسلام ولا يقدح فيه إمكان تحصيل مثلهما بلا تعب ولا مؤنة وما لا منفعة فيه كالحشرات التي لا تنفع وهي صغار دواب الأرض كحية وعقرب وفأرة وخنفساء لا يصح تملكه ولا بيعه إذ لا نفع في الحشرات المذكورة يقابل بالمال وإن ذكر لها منافع في الخواص بخلاف ما ينفع كضب لمنفعة أكله وعلق لمنفعة امتصاص الدم كما في شرح شيخ الإسلام على المنهج قال البناني ذكر المازري وابن رشد وغيرهما إن مثل ما لا منفعة فيه ما منافعه كلها محرمة كالدم أو جل المقصود منها محرم كالزيت النجس بخلاف ما منافعه كلها أو جلها محللة كالزبيب فإن كانت المنافع المقصودة منها محلل ومنها محرم ككلب الصيد أشكل الأمر وينبغي أن يلحق بالممنوع ا ه
ولعل المصنف يعني خليلا رحمه الله لإشكال هذا لم يقنع بأخذه من شرط الانتفاع لخفائه وهو واضح ا ه
أي فاحتاج إلى زيادة شرط الإباحة لكون أخذه منه ظاهرا لا خفاء فيه وفي حاشية كنون وقول البناني ما منافعه كلها محرمة أي فلا يصح تملكه ولا بيعه ومثله التداوي بالخمر والخنزير وآلة اللهو وقال الحطاب مثله القرافي بالخمر والمطربات وقال في المتيطية ومن اشترى من آلة اللهو شيئا كبوق وغيره فسخ بيعه وأدب أهله وفي المسائل الملقوطة لا يجوز بيع أشياء منها الصور والقرد وآلة الملاهي ا ه
وقال ابن جزي
389
389
مشروعا لقوله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى وعن الثاني أنه ينتقض ببيع الخيار وعن الثالث الفرق بأن الطلاق والعتاق لا يقبلان الخيار فكذلك لا يقبلان الإيقاف والبيع يقبل الخيار فيقبل الإيقاف
فرع مرتب
إذ قلنا إن بيع الفضول يصح ويتوقف على الإجازة فهل يجوز الإقدام ابتداء قال القاضي في التنبيهات ما يقتضي تحريمه لعده إياه مع ما يقتضي الفساد لأمر خارجي
وقال ذلك كبيع الأم دون ولدها
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
في قوانينه ما نصه وإن كانت المنفعة لا تجوز فهي كالعدم كآلات اللهو ا ه
وفي بداية المجتهد لحفيد ابن رشد ومن مسائلهم المشهورة في هذا الباب اختلافهم في جواز بيع لبن الآدمية إذا حلب فمالك والشافعي يجوزانه وأبو حنيفة لا يجوزه وسبب اختلافهم تعارض أقيسة الشبه وذلك أن عمدة المجيز أنه لبن أبيح شربه فأبيح بيعه قياسا على لبن سائر الأنعام وعمدة المانع أن الإنسان حيوان لا يؤكل لحمه فلا يجوز بيع لبنه قياسا على لبن الخنزير والأتان وإنه إنما أبيح شربه لمكان ضرورة الطفل إليه ا ه ملخصا
وقال صاحب الجواهر إثر ما تقدم عنه أو يصح بيع لبن الآدميات أي في مذهبنا وقاله الشافعي وابن حنبل قياسا على لبن الغنم وقال أبو حنيفة رضي الله عنهم أجمعين لا يجوز بيعه ولا أكله لأنه جزء حيوان منفصل عنه في حياته فيحرم أكله فيمتنع بيعه ويفرق بينه وبين لبن الغنم بشرف الآدمي أي فلا يتم القياس المتقدم ولا يرد إباحة لبنه لأنه استثني منه من الرضاع للضرورة وبقي ما عداه على الأصل بخلاف الأنعام بدليل تحريم لحمه تشريفا له نعم يندفع الفرق بما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها أرضعت كبيرا فحرم عليها فلو كان حراما لما فعلت ذلك ولم ينكر عليها أحد من الصحابة فكان ذلك إجماعا على إلغاء هذا الفرق ا ه
قال ابن الشاط لقائل أن يقول لا يندفع بذلك لجعل رضاع الكبير لقصد ثبوت التحريم داخلا فيما استثني للضرورة ا ه
المسألة الثالثة
في الشرط الخامس قال صاحب الجواهر مقتضى ما حكاه الشيخ أبو إسحاق إن هذا الشرط شرط في الصحة أي للبيع والشراء وقاله الشافعي وابن حنبل رضي الله عنهما وقال أبو حنيفة هو شرط في الشراء في صحته دون البيع ا ه
وأطلق الأصحاب صحة بيع الفضولي وشرائه والأصل بعد قول صاحب الجواهر إثر ما تقدم عنه وقال ابن يونس يمتنع أن يشتري من رجل سلعة ليست في ملكه ويوجب على نفسه تحصيل ثمنها لأنه غرر وقال سحنون إن نزل ذلك فلربها إمضاء البيع كمن غصب سلعة والمشتري يعلم بالغصب ومنع أشهب ذلك في الغصب لدخولهما على الفساد والغرر وقال ابن يونس وهو أي المنع القياس في المسألتين أي مسألتي الفضولي والغصب ا ه
قال ظاهر وهذا النقل يقتضي أن إطلاق الأصحاب محمول على ما إذا كان المشتري غير عالم بعدم الملك فالمشهور أن له الإمضاء أما إذا علم أي بعدم الملك فلا على هذا الخلاف أي فليس له الإمضاء ا ه
وفي مختصر خليل وملك غير على رضاه ولو علم المشتري قال عبق ما حاصله أي وتصرف ملك غير أي فيه أوله فيشمل البيع والشراء لأن حكمهما واحد كما في الإرشاد قاله التتائي والمعتمد حرمة بيعه وشرائه كما قال القرافي إنه المشهور لا جوازه ولا بد به كما للطراز قاله الحطاب والحق أنه يختلف بحسب المقاصد وما يعلم من حال المالك إنه الأصلح له فإذا تصرف في ملك غير فهو لازم من جهته منحل من جهة المالك فله إجازته ولو علم المشتري بأنه فضولي ويطالب الفضولي فقط بالثمن لأنه بإجازته بيعه صار وكيلا ويأتي في
390
390
وبيع يوم الجمعة وبيع مال الغير بغير أمره وظاهر كلام صاحب الطراز الجواز لقوله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى وقال الأبهري قال مالك يحرم بيع السلع أيام الخيار حتى يختار لنهيه عليه السلام عن بيع ما لم يضمن قال الأبهري يحرم
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الوكالة وطولب بثمن ومثمن ما لم يصرح بالبراءة ولا طلب له على المشتري وله رده لكن بالقرب فإن سكت مع العلم عاما فلا رد له وليس له إلا طلب الثمن فإن سكت مدة الحيازة لم يكن له شيء انظر الحطاب وقيد المصنف بثلاثة قيود
أحدها
أن لا يكون المالك حاضرا بيع الفضولي فإن حضره وسكت لزمه البيع فإن سكت بعد انقضاء المجلس الحاضر له حتى مضى عام ونحوه ولم يطالب بالثمن فلا شيء له على البائع ثانيها في غير الصرف وأما فيه فيفسخ كما سيأتي في قوله إن لم يخبر المصطرف ثالثها في غير الوقف
وأما فيه فباطل لا يتوقف على رضا واقفه وإن كان الملك له كما سيذكره المصنف لأن الملك له في شيء خاص وهو ما أشار له بقوله فإنه ولوارثه منع من يريد إصلاحه وإن تصرف لملك غير أي اشترى لغيره ولم يجزه لزم الشراء للمشتري ولا يرجع رب المال على البائع بماله إلا أن يكون المشتري أشهد أن الشراء لفلان بماله والبائع يعلم ذلك أو صدق المشتري فيه أو تقوم بينة أن الشيء الذي اشترى به ملك للمشتري له فإن أخذ المشتري له ماله ولم يجز الشراء انتقض البيع فيما إذا صدق البائع أنه اشترى لغيره أو قامت بينة أن البائع يعلم ذلك ولم ينتقض مع قيام البينة أن المال للمشتري له بل يرجع على المشتري بجميع الثمن ويلزمه البيع هذا قول ابن القاسم وأصبغ ا ه
وسلمه البناني والتاودي والرهوني وكنون فهو المذهب وأصل قوله والمعتمد حرمة بيعه وشرائه إلخ قول الأصل ظاهر كلام الطراز الجواز لحديث عروة البارقي الآتي والمراد بالجواز الندب لقوله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى لكن قول القاضي أي عياض في التنبيهات أن ما يقتضي الفساد لأمر خارجي كبيع الأم دون ولدها وبيع يوم الجمعة وبيع مال الغير بغير أمره ا ه
يقتضي تحريمه بل قد وقع التصريح بالتحريم من مالك والأبهري في قول الأبهري قال مالك يحرم بيع السلع أيام الخيار حتى يختار لنهيه عليه السلام عن بيع ما لم يضمن قال الأبهري يحرم ذلك عليه حتى يتقرر ملكه عليها قال ومعنى نهيه عليه السلام عن بيع ما لم يضمن بيع الإنسان لملك غيره ا ه
ويجاب عن حديث عروة البارقي بأن حالة الصحبة أوجبت الإذن بلسان الحال الذي يقوم مقام التوكيل بلسان المقال الموجب للإباحة ونفي الإثم بخلاف الأجنبي مطلقا ا ه
وحجة الشافعية والحنابلة ثلاثة أمور الأول قوله عليه السلام لا بيع ولا طلاق ولا عتاق فيما لا يملك ابن آدم الأمر الثاني قاعدة أن وجود السبب بكماله بدون آثاره يدل على فساده الأمر الثالث القياس على الطلاق والعتاق ووجه الفرق عند أبي حنيفة بين الشراء والبيع أن الشراء يقع للمباشرة فيفتقر نقل الملك إلى عقد آخر وكذلك الوكيل عنده يقع العقد له ثم ينتقل بخلاف البائع فإنه مخرج للسلعة لا جالب لها وأجاب المالكية عن الحديث بأنه إن أريد لا شيء من الثلاثة لازم فيما إلخ قلنا بموجبه وإن أريد لا شيء منها صحيح فيما إلخ حملناه على ما قبل الإجازة لأن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال سلمنا عمومه في
391
391
ذلك عليه حتى يتقرر ملكه عليها قال ومعنى نهيه عليه السلام عن بيع ما لم يضمن بيع الإنسان لملك غيره وهذا تصريح من مالك والأبهري بالتحريم ويجاب عن حديث عروة البارقي بأن حالة الصحبة أوجبت الإذن بلسان الحال الذي يقوم مقام التوكيل بلسان المقال الموجب لنفي الإثم والإباحة بخلاف الأجنبي مطلقا
الفرق السادس والثمانون والمائة بين قاعدة ما يجوز بيعه جزافا وقاعدة ما لا يجوز بيعه جزافا
فقاعدة ما يجوز بيعه جزافا ما اجتمع فيه شرائط ستة أن يكون معينا للحس حتى يستدل بظاهره على باطنه
الشرط الثاني أن يكون المشتري والبائع جاهلين بالكيل خلافا للشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما لأنه غش لأن عدولهما عن الكيل يشعر بطلب المغابنة ولقوله عليه السلام من علم كيل طعام فلا يبعه جزافا حتى يبينه الشرط الثالث أن يكونا اعتادا الحزر في ذلك فإن لم يعتادا أو اعتاد أحدهما لم يجز خلافا للشافعي رضي الله عنه في اكتفائه بالرؤية وجوابه أن الرؤية لا تنفي الغرر في المقدار
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الأحوال لكنه معارض بأنه عليه السلام دفع لعروة البارقي دينارا ليشتري له به أضحية فاشترى به أضحيتين ثم باع إحداهما بدينار وجاء بدينار وأضحية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بارك الله لك في صفقة يمينك فكان إذا اشترى التراب ربح فيه خرجه أبو داود ولأنه تعاون على البر فيكون مشروعا لقوله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى وعن القاعدة بأنها تنتقض ببيع الخيار وعن القياس بالفرق بأن الطلاق والعتاق لا يقبلان الخيار فكذلك لا يقبلان الإيقاف والبيع يقبل الخيار فيقبل الإيقاف والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق السادس والثمانون والمائة بين قاعدة ما يجوز بيعه جزافا وقاعدة ما لا يجوز بيعه جزافا
في حاشية البناني على عبق قال في المسائل الملقوطة الجزاف مثلث الجيم فارسي معرب وهو بيع الشيء بلا كيل ولا وزن ولا عدد ا ه
وحد ابن عرفة بيع الجزاف بأنه بيع ما يمكن علم قدره دون أن يعلم والأصل منعه وخفف فيما شق علمه أو قل جهله ا ه
فقوله شق علمه يريد في المعدود وقل جهله في المكيل والموزون إذ لا تشترط المشقة فيهما كما يأتي ا ه
منها بلفظها وما يجوز بيعه جزافا عبارة عما اجتمع فيه شروط جوازه وصحته معا سواء كان المبيع مما يكال أو يوزن أو كان مما يعد فلا يعد من شروط الجواز كونه مما يكال أو يوزن خلافا للخمي حيث عده من شروط الجواز
وقال لا يجوز في المعدود غير أن مالكا أجاز بيع صغار الحيتان والعصافير جزافا إذا ذبحت لأن الحية يدخل بعضها تحت
392
392
الشرط الرابع
قال اللخمي أن يكون المبيع مما يكال أو يوزن ولا يجوز في المعدود غير أن مالكا أجاز بيع صغار الحيتان والعصافير جزافا إذا ذبحت لأن الحية يدخل بعضها
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
بعض والمكيل والموزون يقصد كثرته وقلته والمحصل لهما الحزر وما يقصد آحاد جنسه لا يجوز بيعه جزافا كالثياب فإن الغرض يتعلق بثوب دون ثوب ولا يتعلق الغرض بقمحة دون قمحة بل المطلوب الجنس والمقدار دون الآحاد بخصوصياتها ا ه
وإن اقتصر الأصل على كلامه نعم يختص جواز بيع المعدود وكذا صحته كما صرح بذلك عبق وسلمه البناني وغيره بشرطين ذكرهما خليل في مختصره بقوله ولم يعد بلا مشقة ولم تقصد إفراده إلا أن يقل ثمنه ا ه
قال عبق منطوق قوله ولم يعد بلا مشقة أن يعد بمشقة ا ه
قال البناني جرى على قولهم قاعدة النفيين إن تكررا حذفهما منطوق قول قد جرى وحذف واحد فقط مفهوم فافهم فذا القول هو المعلوم لكن هذه القاعدة ليست على إطلاقها بل هي مقصورة على سلب السلب نحو ليس زيد ليس هو بعالم وليست عبارة المصنف إلا من قبيل السالبة المعدولة وهي التي جعل فيها السلب جزأه من مدخولها وقد صرحوا أنها لا تقتضي وجودا لموضوع فمنطوقها أعم مما ذكره لصدقه به ويكون المبيع مما لا يعد أصلا وهو صحيح ا ه
ثم قال قال القباب في شرح بيوع ابن جماعة ما نصه قيدوا الجواز في المعدود بما تلحق المشقة في عده لكثرته وتساوي أفراده كالجوز والبيض أو يكون المقصود مبلغه لا آحاده كالبطيخ فإنه يجوز الجزاف فيه وإن اختلفت آحاده والنصوص بذلك في العتبية والموازية ا ه
وفي العتبية من قول سحنون ما نصه قال سحنون عن ابن وهب عن مالك لا يباع الجوز جزافا إذا باعه وقد عرف عدده ولا بأس بأن يباع القثاء جزافا لأنه مختلف فيه صغير وكبير ويكون العدل الذي هو أقل عدد أكبر من العدل الذي هو أكثر عددا ا ه
ابن رشد معرفة عدد القثاء لا تأثير له في المنع من بيعه جزافا إذ لا يعرف قدر وزنه بمعرفة عدده لاختلافه في الصغر والكبر بخلاف الجوز الذي يقرب بعضه من بعض وهذا أهون
قال وعلى ظاهر ابن بشير يكون المراد بقوله إلا أن يقل ثمنه فله جملة ثمنه لا قلة ثمن تفاوت الأفراد فيما بينها ونصه المعدودات إن قلت جاز بيعها جزافا ا ه
وهو أيضا ظاهر قول ابن عبد السلام فيما يتعلق الغرض بعدده يمتنع بيعه جزافا إلا أن يقل ثمن هذا النوع فقد وقع في المذهب ما يدل على جواز بيعه جزافا ا ه
قلت بل مآل قول اللخمي غير أن مالكا أجاز إلخ يرجع لما ذكر من جواب بيع المعدود جزافا بزيادة الشرطين المذكورين فتأمل بإنصاف وبالجملة فما يباع جزافا من المعدود إما أن يعد بمشقة أم لا وفي كل إما أن يقصد أفراده أم لا وفي كل إما أن يقل ثمنها أم لا فمتى عد بلا مشقة لم يجز جزافا قصدت أفراده أم لا قل ثمنها أم لا ومتى عد بمشقة فإن لم نقصد أفراده جاز بيعه جزافا قل ثمنها أم لا وإن قصدت جاز جزافا إن قل ثمنها ومنع إن لم يقل فالمنع في خمسة والجواز في ثلاثة كما في عبق وشروط الجواز والصحة معا في المبيع جزافا مطلقا معدودا كان أو مكيلا أو موزونا سبعة وافق خليل في مختصره الأصل في ثلاثة ووافقه عبق في الرابع وزاد الأصل عليهما الخامس وزاد خليل على الأصل السادس والسابع
393
393
تحت بعض والمكيل والموزون يقصد كثرته وقلته والمحصل لهما الحزر وما يقصد آحاد جنسه لا يجوز بيعه جزافا كالثياب فإن الغرض يتعلق بثوب دون ثوب ولا يتعلق
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الشرط الأول
الرؤية لمبيع الجزء في حين العقد كما في رواية ابن القاسم عن مالك في المدينة
واعتمده الحطاب وحمل عليه قول خليل إن رأى فقال مرادهم المرئي الحاضر كما يفيده كلام ضيح ويلزم من حضوره رؤيته أو رؤية بعضه لأن الحاضر لا يكتفى فيه بالصفة على المشهور إلا لعسر الرؤية كقلال الخل المختومة إذا كان في فتحها مشقة وفساد فيجوز بيعها دون فتح ا ه
وسلمه البناني وغيره وهو معنى قول الأصل أن يكون معينا للحس حتى يستدل بظاهره على باطنه لا مطلق الرؤية فلا تكفي الرؤية السابقة على العقد خلافا لما لابن رشد عن الواضحة نعم اختلف كلام الأصحاب في بيع الزرع القائم والثمار في رءوس الأشجار لا على الكيل بناء على قبول غير واحد قول مالك وكذلك حوائط الثمر الغائبة يباع ثمرها كيلا أو جزافا وهي على خمسة أيام لا يجوز النقد فيها بشرط ا ه
المقتضي جواز بيعها غائبة جزافا قال ابن عرفة ويلزم مثله في الزرع الغائب هل هو من بيع الجزاف الحقيقي الذي شرط له أئمتنا الشروط المعروفة المذكورة في المختصر وشروحه أو هو أصل مستقل خارج عن الجزاف الحقيقي وإنما يطلق عليه بالحقيقة اللغوية والمجاز العرفي وردت به السنة وهو كبيع العروض والحيوان وبهذا الثاني جزم الرهوني لوجهين الوجه الأول أنه يتضح به ما
رواه ابن القاسم عن الإمام في المدينة وسلمه ويظهر وجهه ولا يرد عليه شيء أصلا بخلافه على الأول فإنه يرد عليه أولا اعتراض ابن رشد على الإمام بأن تفرقته بين حوائط الثمر الغائبة يجوز بيع ثمرها جزافا
وكذا الزرع الغائب وبين غيرهما من المكيل والموزون والمعدود لا يجوز بيعه جزافا إلا بشرط الرؤية حين العقد تفرقة لا حظ لها من النظر وثانيا اعتراض ابن عرفة على أهل المذهب بأن في اشتراطهم الرؤية للجزاف حين العقد مع قبولهم قول الإمام يجوز بيع الزرع القائم والثمر في رءوس الشجر وذلك غائب تنافيا قال الرهوني وجواب الحطاب عن الأول بأن الذي يظهر من كلام المدينة أنه يغتفر عدم حضور الزرع والثمار حالة العقد عليها جزافا لظهور التغير فيهما إن حصل بعد الرؤية المتقدمة إلخ فيه نظر وإن سلمه غير واحد لأن المقصود من الرؤية حين العقد عند من اشترطها حصول المعرفة بالمبيع وانتفاء الجهالة عنه حين حصول العقد وانبرامه وهذا يستوي فيه الصبرة والزرع القائم والثمرة في رءوس الأشجار وكون الزرع والثمرة إذا أخذ منهما شيء بعد العقد يدرك بخلاف الصبرة شيء آخر لا يلزم من إدراك النقص في الزرع والثمرة بعد العقد إن وقع فيهما معرفة قدرهما وقت العقد وغاية ما يدرك إذ ذاك إن هذا المبيع الآن نقص عن حاله عند الرؤية السابقة على العقد وهل الأخذ منهما وقع قبل العقد أو بعده وهل نقص منهما قدر وسق مثلا أو ما أقل أو أكثر لا دليل يدل عليه ثم لو سلمنا تسليما جدليا أنه يدرك بذلك قد كانا رما عليه حال العقد معرفة حادثة متأخرة عن العقد وهي لا تفيد قطعا ولا يرتفع بها الفساد للجهالة الواقعة حين العقد وهذا أمر بديهي عند من له في الإنصاف أدنى نصيب ا ه قال كنون وفي نظره نظر تأمله والله أعلم
قال الرهوني وجواب من كتب على طرة ابن عرفة عن اعتراضه بما نصه لا منافاة لأنها تباع على رؤية تقدمت إذ لا يجوز بيع الجزاف على صفته قاله عياش آخر الجعل من تنبيهاته ا ه
وجواب
394
394
الغرض بقمحة دون قمحة بل المطلوب الجنس والمقدار دون الآحاد بخصوصياتها
الشرط الخامس
نفي ما يتوقع معه الربا فلا يباع أحد النقدين بالآخر جزافا ولا طعام بطعام من جنسه جزافا
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
شيخنا حيث قال بعد ما ذكر كلام المدونة ما نصه وهو محمول على أنه رآها قبل العقد عليها كما لابن رشد في التحصيل والبيان وفي موضع آخر من المدونة فاعتراض ابن عرفة مدفوع ا ه
وقول بعضهم يرد ما قاله ابن عرفة ما لأبي الحسن ونصه انظر إن كان حبا فيجوز على الكيل إذا كان على رؤية متقدمة أو صفة وإن كان جزافا لا يجوز إلا على رؤية متقدمة انظر تمامه ا ه
كلها ترجع في المعنى إلى شيء واحد ومبنية على ما تقدم لابن رشد عن الواضحة من أن الرؤية السابقة على العقد كافية في بيع الجزاف وبحث ابن عرفة مبني على مختاره من أنه لا بد من الرؤية حين العقد لأن لذلك تأثيرا وهي رواية ابن القاسم عن الإمام في المدينة وعلى هذا اعتمد الحطاب وسلمه البناني وشيخنا ج ولا خفاء أن البحث المبني على أن المراد بالرؤية الواقعة حين العقد لا يندفع بأن المراد بها الرؤية مطلقا فالمنافاة حاصلة قطعا لا تندفع بها فكيف يحمل بمن سلم ما للحطاب تبعا لابن عرفة أن يقبل الجواب المذكور ا ه
وسلمه كنون
الوجه الثاني
أنه يشهد لما قاله كلام ابن عرفة وكلام المدونة وغيرهما أما ابن عرفة فإن حده للجزاف لا يصدق على ما ذكر لقوله في حده بيع ما يمكن علم قدره إلخ إذ لا يمكن علم قدر ما ذكر حين البيع وإن أمكن في ثاني حال ويأتي التصريح بذلك في نقل التوضيح فأما المدونة ففيها إلخ وأما كلام غيرهما ففي ضيح إلخ وساق النصوص على الترتيب فانظره الشرط الثاني أن يكون المشتري والبائع جاهلين بقدره خلافا للشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما لأنه غش إذ عدولهما عن الكيل أي مع علمها به يشعر بطلب المغابنة ولقوله عليه السلام من علم كيل طعام فلا يبعه جزافا حتى يبينه قال الرهوني إنما احترز بهذا الشرط عن علم أحدهما فقط بقرينتين إحداهما معنوية وهي أن هذا الشرط كغيره من بقية الشروط في الصحة فلا يصح الاحتراز به عن علمها معا به حين العقد لأنه يقتضي فساد البيع فيها ولا وجه له حتى على حد غير ابن عرفة للجزاف وثانيهما لفظية وهي قول خليل في محترزه فإن علم أحدهما فقط بعلم الآخر بقدرة خير وإن أعلمه أولا فسد كالمغنية ا ه
الشرط الثالث أن يعتاد الحزر في ذلك وأن يحذرا بالفعل فإن لم يعتد أو اعتاد أحدهما لم يجز خلافا للشافعي رضي الله عنه في اكتفائه بالرؤية فإن الرؤية لا تنفي الغرر في المقدار نعم قال عبق إن اختلفت عادتهما في حزر قدر كيله ووكلا من يحزره بالفعل جاز كذا يظهر ا ه
وسلمه محشوه الشرط الرابع عدم المزابنة المنهي عنها وهي بيع المعلوم بالمجهول من جنسه كبيع صبرة جير أو جبس بمكيلة من ذلك الجنس الشرط الخامس نفي ما يتوقع معه الربا فلا يباع أحد النقدين بالآخر جزافا ولا طعام بطعام من جنسه جزافا الشرط السادس أن يكون كثيرا لا جدا فإن كثر جدا بحيث يتعذر حزره أو قل جدا بحيث يسهل عدده لم يجز بيعه جزافا
395
395
الشرط السادس
عدم المزابنة كبيع صبرة جير أو جبس بمكيلة من ذلك الجنس لأنه بيع للمعلوم بالمجهول من جنسه وذلك هو المزابنة المنهي عنها وإذا اجتمعت هذه الشروط جاز البيع جزافا ومتى فقد واحد منها امتنع البيع جزافا
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
وأما ما قل جدا بحيث يسهل كيله أو وزنه فيجوز جزافا لأن المشقة لا تعتبر في جواز بيع المكيل والموزون جزافا كما تقدم
الشرط السابع
أن تستوي أرضه فإذا علما أولا عدم الاستواء فسد وإذا دخلا على الاستواء فظهر عدمه فالخيار كما في الحطاب والمواق أفاده البناني وسلمه الرهوني وكنون وما لا يجوز بيعه جزافا عبارة عما فقد واحدا من الشروط السبعة من المكيل والموزون ومن الشروط التسعة من المعدود فتحقق هذه الشروط وعدم تحققها هو الفرق بين القاعدتين والله سبحانه وتعالى أعلم
مسألة في الشرط الأول قال البناني أحوال الزرع خمسة قائم وغير قائم وغير القائم إما قت وإما منفوش وإما في تبن وإما مخلص والمبيع إما الحب وحده وإما السنبل بما فيه من الحب فإن كان المبيع لحب وحده جاز جزافا في المخلص فقط دون غيره لأنه غير معين للحس حتى يستدل بظاهره على باطنه فيمكن حزره وإن كان المبيع السنبل بما فيه من الحب جاز بيعه جزافا في القت والقائم دون المنفوش وما في تبنه الباجي لا خلاف أنه لا يجوز أن يفرد الحنطة في سنبلها بالشراء دون السنبل وكذلك الجوز واللوز والباقلا لا يجوز أن يفرد بالبيع دون قشره على الجزاف ما دام فيه
وأما شراء السنبل إذا يبس ولم ينقعه الماء فجائز وكذلك الجوز واللوز والباقلا ا ه
نقله المواق عند قوله في التداخل وصح بيع ثمر ونحوه بعد إصلاحه أهو في حاشية الرهوني والمنفوش قال أبو علي هو المخلوط بحيث لا يبقى سنبله لناحية كما هو محقق في كلام ابن عبد السلام وغيره ثم قال ومن خدم الزرع ومارس خدمته علم أن ما أشار إليه ابن عبد السلام حق لا مرية فيه وذلك أن الزرع إذا خلط في الأندر وهو القاعة في لغتنا لا يمكن حزره والقت في لغتنا إنما يطلق على القليل فإذا جمع بعضه إلى بعض في محله سمي مطا فإذا جعل في القاعة سمي نادرا والحزر إنما يكون في القت كما لا يخفى فافهمه ا ه منه ملخصا بلفظه وهو حق لا شك فيه فنقل ابن عرفة عن ابن رشد أن الصواب جواز بيع القمح في أندره قبل درسه لأنه يحزر ويرى سنبله ويعرف قدره قال وهو نقل الجلاب عن المذهب ا ه
إنما هو فيما يرى سنبله وهو ما كان فرشة واحدة أو حزما أو قبضا بدليل تعليله بقوله لأنه يحزر إلخ وهو الذي يفيده أيضا نقل ابن عرفة عن عياض ونصه والحب إذا اختلط في أندره وكدس بعضه على بعض قال عياض لا يجوز بيعه وإن كان حزما أو قبضا يأخذها الحزر فقولان وسمع ابن القاسم لا يباع القمح في أندره بعد ما يحصد في تبنه وهو غرر ابن رشد يريد في تبنه بعد درسه وأما قبل درسه فجائز لأنه يحزر ويرى سنبله ويعرف قدره وقيل لا يجوز
وقاله التونسي وحمل غير السماع عليه والصواب الأول وهو نقل الجلاب عن المذهب ا ه منه بلفظه
فإن قوله وأما قبل درسه فجائز إلخ وقوله وقيل لا يجوز وقاله التونسي يدل على ذلك أيضا لأنهما القولان في كلام عياض فيما كان حزما أو قبضا يأخذها الحزر ولنسبة مقابل الجواز للتونسي وهو يقول بالمنع فيما كان حزما أو قبضا كما في ضيح عند قول ابن الحاجب وبخلاف الزرع قائما
396
396
الفرق السابع والثمانون والمائة بين قاعدة ما يجوز بيعه على الصفة وبين قاعدة ما لا يجوز بيعه على الصفة
فقاعدة ما لا يجوز بيعه على الصفة ما اجتمع فيه ثلاثة شروط أن لا يكون قريبا جدا تمكن رؤيته من غير مشقة فإنه عدول عن اليقين إلى توقع الغرر وأن لا يكون بعيدا جدا لتوقع تغيره قبل التسليم أو يتعذر تسليمه
الشرط الثالث أن يصفه بصفاته التي تتعلق الأغراض بها وهي شروط التسليم ليكون مقصود المالية حاصلا فإن لم يذكر الجنس بأن يقول ثوب أو عبد امتنع إجماعا وإن ذكر الجنس جوزه أبو حنيفة إذا عينه بمكانه فقط فيقول بعتك ثوبا في مخزني بالبصرة أو بعتك ما في كمي وللمشتري الخيار عند الرؤية ومنع بيع ثوب من أربعة وأجازه من ثلاثة أثواب لاشتمالهما على الجيد والرديء والوسط
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
وكذا محصودا على الأشهر ونصه والأشهر في المحصود الجواز قياسا على القائم وقيل بالمنع قياسا على ما كان منه حال الدرس وهو قول التونسي وظاهر كلامه أن الجواز أعم من أن يكون حزما أم لا وينبغي أن يقيد بما إذا كان حزما فقد قال صاحب الإكمال لا خلاف أنه لا يجوز بيعه إذا خلط في الأندر ا ه
والصواب الأول وهو نقل الجلاب عن المذهب ومراده بالأول القول بالجواز لأن محله إذا كان حزما ونحوها مما يأخذه الحزر بدليل عزوه للجلاب ونص الجلاب ولا بأس ببيع الزرع إذا يبس واشتد ولا بأس ببيعه بعد جزازه إذا كان حزما ا ه
منه بلفظه ا ه
كلام الرهوني ملخصا والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق السابع والثمانون والمائة بين قاعدة ما يجوز بيعه على الصفة وبين قاعدة ما لا يجوز بيعه على الصفة
وهو أن ما يجوز بيعه وهو غائب عن مجلس العقد على الصفة قال إلا الأصل عبارة عما اجتمع فيه ثلاثة شروط الأول أن لا يكون قريبا جدا تمكن الرؤية من غير مشقة كأن يكون ببلد العقد لأنه عدول عن اليقين إلى توقع الغرر الشرط الثاني أن لا يكون بعيدا جدا لتوقع تغيره قبل التسليم أو يتعذر تسليمه الشرط الثالث أن يصفه بصفاته التي تتعلق الأغراض بها وهي شروط التسليم ليكون مقصود المالية حاصلا ا ه
وسلمه ابن الشاط لكن الذي يفيده قول خليل في مختصره أو وصفه غير بائعه إن لم يعد كخراسان من إفريقية ولم تمكن رؤيته بلا مشقة ا ه
أن شروط الجواز المعتمدة اثنان الأول والثاني في كلام الأصل وإن اشتراط أن يكون الواصف له غير بائعه ضعيف فقد قال عبق والرهوني في حله قوله أو وصفه غير بائعه هو مصدر مجرور بالعطف على المصدر قبله فهو مدخول للنفي أي وجاز بيع غائب ولو بلا وصفه غير بائعه بأن وصفه بائعه وما
397
397
والرابع إذا انضاف إليها غرر ضرورة وكذلك أجاز خيار ثلاثة أيام فقط منع الاقتصار على الجنس فقط مالك والشافعي وابن حنبل رضي الله عنهم لبعد العقد عن اللزوم بسبب توقع مخالفة الغرض عند الرؤية وأبو حنيفة يقول لا ضرر عليه لأن له الخيار فإن أضاف للجنس صفات السلم جوزه مالك وابن حنبل ووافقاه على الجواز وألزما البيع إذ رآه موافقا ومنع الشافعي الصحة للغرر وأثبت له الخيار أبو حنيفة عند الرؤية وإن وافق الصفة ومنع بيع الحيوان على الصفة لعدم انضباطه بالصفة وهي سبب نفاسته وخساسته فالصفة عنده في غير الحيوان توجب الصحة دون اللزوم وعند الشافعي لا توجبهما وعندنا توجبهما حجة أبي حنيفة رضي الله عنه أن الجهل إنما وقع في الصفات دون الذوات ونهيه عليه السلام عن بيع المجهول إنما هو فيما جهلت ذاته لأن الجهل بالذوات أقوى لأن الصفة تبع للذات ولقوله عليه السلام من اشترى ما لم يره فهو بالخيار إذا رآه ولأنه عقد معاوضة فلا يشترط فيه الصفة كالنكاح وباطن الصبرة والفواكه في قشرها وقياسا على الأخذ بالشفعة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
ذهب عليه المصنف قال في ضيح هو ظاهر المذهب وأخذ جماعة من المدونة ابن العطار وبه العمل وفي الموازية والعتبية اشتراط ذلك لأن البائع لا يوثق بصفته إذ قد يقصد الزيادة في الصفة لتنفق سلعته ا ه
محل الحاجة منه بلفظه ا ه
فالمصنف رد بلو على من قال بالمنع لأنه قد يتجاوز في وصفه لنفاق سلعته ا ه
وتعقبه عبق والرهوني في قوله ولم تمكن رؤيته بلا مشقة فقال الرهوني تبع المصنف ما في الموازية مع قبوله في ضيح قول ابن عبد السلام فالأشهر الجواز أي جواز بيع غير حاضر مجلس العقد بالصفة ولو بالبلد وإن لم يكن في إحضاره مشقة عليه لأنه منصوص عليه في المدونة في خمسة مواضع وإنما منعه في كتاب ابن المواز ا ه
وما كان ينبغي له ذلك وقد بين في التوضيح المواضع الخمسة وكلها تقيد ما قالوه إلا الأول منها في كلامه وهو قوله ففي آخر السلم الثالث وإن بعت من رجل رطل حديد بعينه في بيتك ثم افترقتما قبل قبضه وزنته جاز ذلك ا ه فإنه لم يظهر لي وجه الدليل منه إذ يحتمل أن يكون البيع وقع على رطل معين سبقت رؤيته فتأمله ا ه
كلام الرهوني بتوضيح
وأما حاضر مجلس العقد فلا بد من رؤيته إلا ما في فتحه ضررا وفسادا كما مر ا ه
عبق وأما شرط أن يصفه بصفاته التي تتعلق الأغراض بها فلم يعدوه من شروط الجواز كما فعل الأصل بل قال ابن عرفة يشترط في لزوم بيع الغائب وصفه بما تختلف الأغراض فيه لأنه المعتبر في السلم المقيس هذا عليه ا ه
كما في البناني عن الرماصي
وقد قال حفيد بن رشد في بدايته وينبغي أن تعلم أن التقدير في السلم يكون بالوزن فيما يمكن فيه الوزن وبالكيل فيما يمكن فيه الكيل وبالذرع فيما يمكن فيه الذرع وبالعدد فيما يمكن فيه العدد وإن لم يمكن فيه أحد هذه التقديرات انضبط بالصفات المقصودة من الجنس من ذكر الجنس إن كان أنواعا مختلفة أو مع تركه إن كان واحدا ا ه
محل الحاجة منه بلفظه ولا يلزم من كونه شرطا في اللزوم أن يكون شرطا في الجواز فافهم وقد قال الأصل فإن لم يذكر الجنس أي مع صفات المقصودة فيما كان أنواعا مختلة بأن يقول ثوب أو عبد امتنع إجماعا واختلف فيما إذا اقتصر على
398
398
فإنه لا يشترط معرفة أوصافه والجواب عن الأول أن تفاوت المالية إنما هو بتفاوت الصفات دون الذوات ومقصود الشرع حفظ المال عن الضياع وعن الثاني قال الدارقطني هو موضوع وعن الثالث إنا نقلبه عليهم فنقول عقد معاوضة فلا يثبت فيه خيار الرؤية كالنكاح وكل من قال بانتفاء خيار الرؤية قال باشتراط الصفة فتشترط ثم الفرق سترة المخدرات عن الكشف لكل خاطب لئلا يتسلط عليهن السفهاء وباطن الصبرة مساو لظاهرها وليست صفات المبيع مساوية لجنسه والعلم بأحد المتساويين علم بالآخر وعن الرابع أن الأخذ بالشفعة دفع للضرر فلا يلحق به ما لا ضرر فيه حجة الشافعي رضي الله عنه القياس على السلم في المعين وإن وصف ونهيه عليه السلام عن بيع المجهول والجواب عن الأول الفرق بأن من شرط السلم أن يكون في الذمة والمعين لا يكون في الذمة بدليل لو رآه وأسلم فيه لم يصح وعن الثاني أن الصفة تنفي الجهالة لقوله تعالى فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين فأخبر تعالى أن رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم كان معروفا عندهم لأجل الإحاطة بصفته في كتبهم
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
ذكر الجنس فجوزه أبو حنيفة إذا عينه بمكانه فقط فيقول بعتك ثوبا في مخزني بالبصرة أو بعتك ما في كمي وللمشتري الخيار عند الرؤية فلا ضرر عليه ومنع بيع ثوب من أربعة وأجازه من ثلاثة أثواب لاشتمالها على الجيد والرديء والوسط والرابع إذا انضاف إليها غرر لغير ضرورة وكذلك أجاز خيار ثلاثة أيام فقط ومنع مالك والشافعي وابن حنبل رضي الله عنهم الاقتصار على الجنس فقط لبعد العقد عن اللزوم بسبب توقع مخالفة الغرض عند الرؤية ووافق مالك وابن حنبل أبا حنيفة على الجواز إذا أضاف للجنس صفات السلم إلا أنهما ألزما البيع إذا رآه موافقا وأثبت أبو حنيفة له الخيار عند الرؤية وإن وافق الصفة ومنع بيع الحيوان على الصفة لعدم انضباطه بالصفة وهي سبب نفاسته وخساسته ومنع الشافعي صحة بيع الغائب بالصفة مطلقا وبالجملة فالصفة عند أبي حنيفة رضي الله عنه في غير الحيوان توجب الصحة دون اللزوم
وعند الشافعي لا توجبها مطلقا وعندنا توجبهما مطلقا ا ه وقال حفيد بن رشد في بدايته واختلف العلماء في مبيع غائب أو متعذر الرؤية فقال قوم بيع الغائب لا يجوز بحال من الأحوال لا وصف ولا لم يوصف وهذا أشهر قولي الشافعي وهو المنصوص عند أصحابه أعني أن بيع الغائب على الصفة لا يجوز وقال مالك وأكثر أهل المدينة يجوز بيع الغائب على الصفة إذا كانت غيبته مما يؤمن أن تتغير فيه قبل قبض صفته
وقال أبو حنيفة يجوز بيع العين الغائبة من غير صفة ثم له إذا رآها الخيار فإن شاء أنفذ البيع وإن شاء رده وكذلك المبيع على الصفة من شرطه عندهم خيار الرؤية وإن جاء على الصفة وعند مالك إذا جاء على الصفة فهو لازم وعند الشافعي لا ينعقد البيع أصلا في الموضعين أي على الصفة وعلى غير الصفة وقد قيل في المذهب يجوز بيع الغائب من غير صفة على شرط الخيار خيار الرؤية وقع ذلك في المدونة وأنكره عبد الوهاب وقال هو مخالف لأصولنا ا ه
لكن قال عبق أو أباعه على خياره بالرؤية من غير وصف ولا تقدم رؤية فلا يجوز ولو بعد جدا انظر الحطاب ا ه
وفي حاشية الرهوني قال الحطاب بعد نقله كلام ابن عبد السلام وضيح ما نصه ويفهم من كلامهما إن ذلك مع الصفة

399
399
وقياسا على السلم فهذا هو الفرق فمتى فقد شرط من هذه الشروط فهو مما لا يجوز بيعه على الصفة
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
وأما مع عدم الوصف إذا بيع بالخيار فلا والظاهر أنه كذلك ا ه
وتبعه أبو علي قائلا ما نصه وعليه يدل كلام المقدمات الذي قدمناه ا ه
والذي قدمه هو قوله وقال ابن رشد في مقدماته وبيع الغائب على مذهب ابن القاسم جائز ما لم يتفاحش بعده ا ه
ولم يزد على هذا شيئا ا ه
كلام أبي علي بلفظه فانظر كيف يكون كلام المقدمات هذا دليلا على ما زعمه والظاهر أنه يشترط ذلك أي عدم البعد جدا لأنه إذا كان شرطا في بيع الخيار الحقيقي مع أنه مجمع على جوازه فكيف بهذا الخيار الذي منعه الشافعي رضي الله عنه وفيه في المذهب ما قد علمت من ظهور وجه منعه لأنه خروج بالأوضاع الشرعية عن محالها وعبث وأفعال العقلاء تصان عنه وقياس ذلك على بيع الحاضر بخيار لهما لا يصح وإن كان الشيخ محمد البناني أشار إلى صحته بقوله على أن ذلك لا يخرجه عن بيع الخيار بمنزلة جعله لهما لوضوح الفرق بينهما وذلك أن مسألة الخيار المجعول لهما معا ليس فيها غرر والتأخير فيها لإمضاء البيع باختيارهما فعلاه لمصلحة التروي وهما حين العقد قادران على بته وإمضائه وما من لحظة تمضي بعد العقد إلا وهما قادران فيها على إبرامه وإمضائه فالتأخير حق لهما لا حق لله فيه بخلاف مسألتنا فهما ممنوعان لحق الله من إمضائه حال العقد وبعده إلا إذا حصلت الرؤية فافترقا فتأمله بإنصاف والله أعلم ا ه
فظهر أن ما وقع في المدونة هو المذهب بشرط عدم البعد جدا ولا عبرة بإنكار عبد الوهاب المذكور وإن وصفه بصفاته المقصودة شرط في اللزوم لا في الجواز فتنبه قال الأصل وحجة أبو حنيفة رضي الله عنه أربعة أمور الأمر الأول إن الجهل إنما وقع في الصفات دون الذوات ونهيه عليه السلام عن بيع المجهول إنما هو فيما جهلت ذاته لأن الجهل بالذات أقوى لأن الصفة تبع للذات وجوابه إن تفاوت المالية إنما هو بتفاوت الصفات دون الذوات ومقصود الشرع حفظ المال عن الضياع الأمر الثاني قوله عليه السلام من اشترى ما لم يره فهو بالخيار إذا رآه وجوابه الدارقطني هو موضوع الأمر الثالث إنه عقد معاوضة فلا يشترط فيه الصفة كالنكاح وباطن الصبرة والفواكه في قشرها وجوابه إنا نقلبه عليهم فنقول عقد معاوضة فلا يثبت فيه خيار الرؤية كالنكاح وكل من قال بانتفاء خيار الرؤية قال باشتراط الصفة فنشترط ثم الفرق سترة المخدرات عن الكشف لكل خاطب لئلا يتسلط عليهن السفهاء وباطن الصبرة مساو لظاهرها والعلم بأحد المتساويين علم بالآخر وليست صفات المبيع مساوية لجنسه الأمر الرابع القياس على الأخذ بالشفعة لا يشترط معرفة أوصافه وجوابه أن الأخذ بالشفعة دفع للضرر فلا يلحق به ما لا ضرر فيه وحجة الشافعي رضي الله عنه أمران الأمر الأول القياس على السلم في المعين وإن وصف وجوابه الفرق بأن من شرط السلم أن يكون في الذمة والمعين لا يكون في الذمة بدليل أنه لو رآه وأسلم فيه لم يصح
400
400
تنبيه حيث اشترطنا الصفات في الغائب أو السلم فينزل كل وصف على أدنى رتبة وصدق مسماه لغة لعدم انضباط مراتب الأوصاف في الزيادة والنقص فيؤدي ذلك للخصام والقتال والجهالة بالمبيع
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الأمر الثاني نهيه عليه السلام بيع المجهول وجوابه بوجهين الأول أن الصفة تنفي الجهالة لقوله تعالى فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين فأخبر تعالى أن رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم كان معروفا عندهم لأجل الإحاطة بصفته في كتبهم الوجه الثاني القياس على السلم ا ه
أي في أن المعتبر في السلم فيه أن يصفه بصفاته التي تتعلق الأغراض بها كما يفيده كلام ابن عرفة المتقدم وقال حفيد ابن رشد في بدايته وسبب الخلاف أي المذكور بين الأئمة هل نقصان العلم المتعلق بالصفة عن العلم المتعلق بالحس هو جهل مؤثر في بيع الشيء فيكون من الغرر الكثير أم ليس بمؤثر وأنه من الغرر اليسير المعفو عنه الشافعي رآه من الغرر الكثير ومالك رآه من الغرر اليسير
وأما أبو حنيفة فإنه رأى أنه إذا كان له خيار الرؤية أنه لا غرر هناك وإن لم تكن له رؤية وأما مالك فرأى أن الجهل المقترن بعدم الصفة مؤثر في انعقاد المبيع ولا خلاف عند مالك أن الصفة إنما تنوب عن المعاينة لمكان غيبة المبيع أو لمكان المشقة التي في نشره وما يخاف أن يلحقه من الفساد بتكرار النشر عليه ولهذا أجاز البيع على البرنامج على الصفة ولم يجز عنده بيع السلاح في جرابه ولا الثوب المطوي في طيه حتى ينشر أو ينظر إلى ما في جرابها واحتج أبو حنيفة بما روي عن ابن المسيب أنه قال قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وددنا أن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف تبايعا حتى نعلم أيهما أعظم جدا في التجارة فاشترى عبد الرحمن من عثمان بن عفان فرسا بأرض له أخرى بأربعين ألفا أو أربعة آلاف فذكر تمام الخبر وفيه بيع الغائب مطلقا ولا بد عند أبي حنيفة من اشتراط الجنس ويدخل البيع على الصفة أو على خيار الرؤية من جهة ما هو غائب غرر آخر وهو هل هو موجود وقت العقد أو معدوم ولذلك اشترطوا فيه أن يكون قريب الغيبة إلا أن يكون مأمونا كالعقار ومن هاهنا أجاز مالك بيع الشيء برؤية متقدمة أعني إذا كان من القرب بحيث يؤمن أن تتغير فيه صفته فأعلمه ا ه
وما لا يجوز بيعه وهو غائب عن مجلس العقد على الصفة عبارة عما فقد واحدا من الشروط الثلاثة على ما للأصل وابن الشاط وعما فقد شرطا أن لا يكون بعيدا جدا كخراسان من إفريقية بأن يكون قريب الغيبة بحيث يؤمن أن تتغير فيه صفته على ما حققته وعليه يدل كلام حفيد ابن رشد الذي قدمته فتحقق الثلاثة الشروط التي في كلام الأصل أو هذا الشرط فقط وعدم تحقق ذلك هو الفرق بين القاعدتين تنبيه قال الأصل حيث اشترطنا الصفات في الغائب والسلم كان المعتبر أن ينزل كل وصف على أدنى رتبة يصدق مسماه لغة عليها لعدم انضباط مراتب الأوصاف في الزيادة والنقص فيؤدي ذلك للخصام والقتال والجهالة بالمبيع والله أعلم
401
401
الفرق الثامن والثمانون والمائة بين قاعدة تحريم بيع الربوي بجنسه وبين قاعدة عدم تحريم بيعه بجنسه
متى اتحد جنس الربوي من الطرفين وكان معهما أو مع أحدهما جنس آخر امتنع البيع عند مالك والشافعي وابن حنبل رضي الله عنهم وجاز عند أبي حنيفة رضي الله عنه وتسمى هذه القاعدة بمد عجوة ودرهم بدرهمين وشنع على أبي حنيفة رضي الله عنه فإنه على أصله ينبغي أن يجوز بيع دينار بدينارين في قرطاس لاحتمال مقابلة الدينار الزائد بالقرطاس وهو قد جوزه وهو شنيع لنا أن المضاف يحتمل أن يقابله من الآخر ما لا يبقى بعد المقابلة إلا أقل من مساوي المضاف إليه والمماثلة شرط والجهل بالشرط يوجب الجهل بالمشروط فلا يقضي بالصحة ولأنه ذريعة للتفاضل واتفق الجميع على المنع إذا كان الربويان مستويين في المقدار ومع أحدهما عين أخرى لأنها تقابل من أحدهما جزءا فيبقى أحدهما أكثر من الآخر بالضرورة فيذهب ما يعتمد عليه أبو حنيفة من حسن الظن بالمسلمين وفي مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتي بقلادة وهو بخيبر فيها ذهب
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الفرق الثامن والثمانون والمائة بين قاعدة تحريم بيع الربوي بجنسه وبين قاعدة عدم تحريم بيعه بجنسه
واتفق الأئمة الأربعة على جواز بيع الربوي بجنسه إذا كان الربويان مستويين في المقدار ولم يكن معهما ولا مع أحدهما عين أخرى ولا جنس آخر واتفق الجميع على المنع إذا كان الربويان مستويين في المقدار ومع أحدهما عين أخرى لأنها تقابل من أحدهما جزءا فيبقى أحدهما أكثر من الآخر بالضرورة فيذهب ما يعتمد عليه أبو حنيفة من حسن الظن بالمسلمين واختلفوا فيما إذا اتحد جنس الربوي من الطرفين وكان معهما أو مع أحدهما جنس آخر يمتنع حينئذ البيع أو يجوز فذهب إلى الأول مالك والشافعي وابن حنبل رضي الله عنهم محتجين بثلاثة وجوه الوجه الأول أن المضاف يحتمل أن يقابله من الآخر ما لا يبقى بعد المقابلة إلا أقل من مساوي المضاف إليه والمماثلة إليه والمماثلة شرط والجهل بالشرط يوجب الجهل بالمشروط فلا يقضي بالصحة الوجه الثاني أنه ذريعة إلى التفاضل فيجب سدها لا سيما وقد قال صلى الله عليه وسلم لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة إلا مثلا بمثل فجعل الجميع على المنع إلا في حالة المماثلة وهذه الحالة غير معلومة في صورة النزاع فوجب بقاؤها على المنع الوجه الثالث في مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتي بقلادة وهو بخيبر فيها ذهب وخرز فمنع بيعها حتى تفصل وذهب إلى الثاني أبو حنيفة رضي الله عنه بناء على أمرين الأول أن ظاهر حال المسلمين يقتضي الظن بحصول المماثلة والظن كاف في ذلك كالطهارات وغيرها وأجاب الحنفية
402
402
وخرز فمنع بيعها حتى تفصل وهو يبطل مذهب الحنفية مضافا إلى الوجهين السابقين وأجابوا بأن قضية القلادة واقعة عين لم يتعين المنع فيها لما ذكرناه بل لأن الحلي الذي كان فيها كان مجهول الزنة ونحن لا نجيزه مع الجهل بالزنة فإذا فصلت القلادة ووزنت علم وزنها فجاز بيعها فلم قلتم إن المنع ما كان لذلك والعمدة قوله صلى الله عليه وسلم لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة إلا مثلا بمثل فجعل الجميع على المنع إلا في حالة المماثلة وهذه الحالة غير معلومة في صورة النزاع فوجب بقاؤها من المنع فإن قلت ظاهر حال المسلمين يقتضي الظن بحصول المماثلة والظن كاف في ذلك كالطهارات وغيرها قلت لا نسلم أن الظن يكفي في المماثلة في باب الربا بل لا بد من العلم
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الأمر الثاني أن قضية القلادة واقعة عين لم يتعين المنع فيها لما ذكر أي من أن المضاف يحتمل أن يقابله من الآخر ما لا يبقى بعد المقابلة إلا أقل من مساوي المضاف إليه إلخ بل لأن الحلي الذي كان فيها كان مجهول الزنة ونحن لا نجيزه مع الجهل بالزنة فإذا فصلت القلادة ووزنت علم وزنها فجاز بيعها فلم قلتم أن المنع ما كان لذلك والجواب عن الأول إنا لا نسلم أن الظن يكفي في المماثلة في باب الربا بل لا بد من العلم بشهادة الميزان والمكيال وباب الربا أضيق من باب الطهارة فلا يقاس عليه وعن الأمر الثاني بأنا لم نقل إن المنع في قضية القلادة كان لأن الحلي الذي كان فيها كان مجهول الزنة بل قلنا إن المنع فيها كان لما ذكرناه اعتمادا على حديث لا تبيعوا الذهب بالذهب إلخ لأن حالة المماثلة الذي مفاد الحديث اشتراطها في جواز البيع غير معلومة في صورة النزاع فوجب بقاؤها على المنع كما تقدم على أنه يلزم على أصل أبي حنيفة أن يجوز بيع دينار في قرطاس بدينارين لاحتمال مقابلة الدينار الزائد بالقرطاس وهو قد جوزه وهو شنيع فتأمل وهذه القاعدة تسمى بمد عجوة ودرهم بدرهمين والله سبحانه وتعالى أعلم
مسألة قال حفيد بن رشد في بدايته اختلف العلماء في السيف والمصحف المحلى يباع بالفضة وفيه حلية فضة أو بالذهب وفيه حلية ذهب فقال الشافعي لا يجوز ذلك لجهل المماثلة المشترطة في بيع الفضة بالفضة في ذلك والذهب بالذهب وقال مالك إن كان قيمة ما فيه من الذهب أو الفضة الثلث فأقل جاز بيعه أعني بالفضة إن كانت حليته فضة أو بالذهب إن كانت حليته ذهبا وإلا لم يجز وكأنه رأى أنه إذا كانت الفضة قليلة لم تكن مقصودة في البيع وصارت كلها هبة
وقال أبو حنيفة وأصحابه لا بأس ببيع السيف المحلى بالفضة إذا كانت الفضة أكثر من الفضة التي في السيف وكذلك الأمر في بيع السيف المحلى بالذهب لأنهم رأوا أن الفضة فيه أو الذهب يقابل مثله من الذهب أو الفضة المشتراة به ويبقى الفضل قيمة السيف وحجة الشافعي عموم الأحاديث والنص الوارد في ذلك من حديث فضالة بن عبد الله الأنصاري أنه قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بقلادة فيها ذهب وخرز وهي من المغانم تباع فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذهب الذي في القلادة ينزع وحده ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذهب بالذهب وزنا بوزن خرجه مسلم ا ه
محل الحاجة منه بلفظه والله سبحانه وتعالى أعلم

403
403
بشهادة الميزان والمكيال وباب الربا أضيق من باب الطهارة فلا يقاس عليه
الفرق التاسع والثمانون والمائة بين قاعدة ما يتعين من الأشياء وقاعدة ما لا يتعين في البيع ونحوه
اعلم أن العقود ثلاثة أقسام القسم الأول يرد على الذمم فيكون متعلقه الأجناس الكلية دون أشخاصها فيحصل الوفاء بمقتضاها بأي فرد كان من ذلك الجنس فإن دفع فردا منه فظهر مخالفته للعقد رجع بفرد غيره وتبينا أن المعقود عليه باق في الذمة إلى الآن حتى يقبض من ذلك الجنس فرد مطابق للعقد هذا متفق عليه
هامش أنوار البروق
قال
الفرق التاسع والثمانون والمائة بين قاعدة ما يتعين من الأشياء وقاعدة ما لا يتعين في البيع ونحوه إلى آخر القسم
ما قاله في ذلك صحيح إلا قوله فيكون متعلقه الأجناس الكلية دون أشخاصها فإنه إن أراد ظاهر لفظه فليس بصحيح بل متعلقه أشخاص غير معينة مما يدخل تحت الكلي ولذلك صح الوفاء بأي فرد كان إذا وافق الصفات المشترطة قال القسم الثاني مبيع مشخص الجنس إلى قوله وفي الفرق ثلاث مسائل
هامش إدرار الشروق
الفرق التاسع والثمانون بين قاعدة ما يتعين من الأشياء وقاعدة ما لا يتعين في البيع ونحوه
قال القاضي عبد الوهاب المبيع على ثلاثة أقسام سلم في الذمة وغائب على الصفة وحاضر معين ا ه
أي متعلق العقود بيعها أو نحوه لا يخرج عن هذه الأقسام الثلاثة المعين وغيره والذي فيه شبه منهما فالسلم في الذمة هو المتعلق الغير المعين إذ هو أشخاص غير معينة مما يدخل تحت الكلي ولذلك صح الوفاء بأي فرد كان من ذلك الجنس إذا وافق الصفات المشروطة في العقد والأرجح بفرد غيره وتبينا أن المعقود عليه باق في الذمة إلى الآن حتى يقبض من ذلك الجنس فرد مطابق للصفات في العقد هذا متفق عليه والغائب على الصفة هو المتعلق الذي فيه شبه بالمعين وغير المعين وذلك أنه من جهة أنه غير مرئي أشبه ما في الذمة ولذلك قيل ضمانه من البائع ومن جهة أن العقد لم يقع على جنس بل على مشخص معين أشبه المعين ولذلك قيل ضمانه من المشتري قاله الأصل وهو ضعيف والراجح أن الغائب المبيع معين وأما كون ضمانه من البائع أو من المبتاع فلأمور غير كونه معينا أو غير معين كما قال ابن الشاط والحاضر المعين هو المتعلق المعين أي مشخص الجنس وخاصته أنه إذا فات ذلك المشخص قبل
404
404
القسم الثاني
مبيع مشخص الجنس فهذا معين وخاصته أنه إذا فات ذلك المشخص قبل القبض انفسخ العقد اتفاقا واستثني من المشخصات صورتان الصورة الأولى النقود إذا شخصت وتعينت للجنس هل تتعين أم لا ثلاثة أقوال أحدهما تتعين بالشخص على قاعدة المشخصات وقاله الشافعي وابن حنبل وثانيها أنها لا تتعين وهو مشهور مذهب مالك وقاله أبو حنيفة رضي الله عنهم أجمعين وثالثها تتعين إن شاء بائعها لأنه أملك بها ولا مشيئة لقابضها فإن اختص النقد بصفة نحو الحلي أو رواج السكة ونحوهما تعينت اتفاقا احتج الشافعي رضي الله عنه بأمور
هامش أنوار البروق
قلت الذي يقوى عندي مذهب الشافعي وأقوى حججه قياس النقدين على ذوات الأمثال وما أجيب به من أن ذوات الأمثال مقاصد والنقدين وسائل ليس بفرق يقدح مثله في مثل ذلك القياس قال
المسألة الأولى إلى قوله إذا كان الدينار الذي يعطيه الغاصب حلالا مساويا في السكة والمقاصد في الدينار والمغصوب
قلت ما قاله في ذلك ضعيف والصحيح في النظر لزوم رد الدينار المغصوب بعينه ما دام قائما أما إذا فات فله رد غيره قال ولذلك إذا قال له في بيع المعاطاة بعني بهذا الدرهم إلى آخر المسألة
هامش إدرار الشروق
القبض انفسخ العقد اتفاقا لكن وقع الخلاف في صورتين استثنيتا من قاعدة المشخصات الصورة الأولى أن يكون لك دين على أحد فتأخذ فيه سكنى دار أو خدمة عبد أو ثمرة يتأخر قبضها فقال ابن القاسم في المدونة لا يجوز إن كان المفسوخ فيه معينا يتأخر قبضه أو منافع معين وأجراه مجرى فسخ الدين في الدين لأجل صورة التأخير في القبض أي إما في الكل وإما في الأجزاء وإن عين محل المعاوضة أي وهذا هو الراجح
وقال أشهب يجوز ذلك إذا كان المفسوخ فيه معينا أو منافع معين لأن المعين لا يكون في الذمة وما لا يكون في الذمة لا يكون فليس هاهنا فسخ الدين وهو أوجه كما في الأصل ووافقه ابن الشاط قال عبق ولأن المنافع إذا أسندت لمعين أشبهت المعينات المقبوضة وصححه المتأخرون لأنها لو كانت كالدين يمنع فسخ الدين فيها لامتنع اكتراؤها بدين والمذهب جوازه وكذا شراؤها به اتفاقا كما في المواق ا ه
قال الدسوقي وقد كان عج يعمل به فكانت له حانوت ساكن فيها مجلد يجلد الكتب فكان إذا ترتب له جرة في ذمته يستأجره بها على تسفير كتب وكان يقول هذا قول أشهب وصححه المتأخرون وأفتى به ابن رشد ا ه
على أن البناني قال قال ابن رشد إنما يمنع ابن القاسم فسخ الدين في منافع المعين في الاختيار
405
405
أحدها
أن غرضه متعلق بها عند الفلس والنقد المعين آكد من الذي في الذمة لتشخصه فإذا تعين النقدان في الذمة وجب أن يتعينا إذا شخصا بطريق الأولى وثانيها أن الدين يتعين فلا يجوز نقله إلى ذمة أخرى فوجب أن يتعين النقدان بالقياس على الدين وثالثها أن ذوات الأمثال كأرطال الزيت من خابية واحدة وأقفزة القمح من صبرة واحدة لا يتعلق بخصوصياتها غرض بل كل قفيز منها يسد مسد الآخر عند العقلاء ومع ذلك فلو باعه قفيزا من أقفزة كيلت من صبرة واحدة أو رطلا من أرطال زيت من جرة واحدة وجعله مورد العقد وعينه لم يكن له إبداله بغيره بل يتعين بالتعيين مع عدم الغرض فكذلك النقدان
هامش أنوار البروق
قلت ذلك كله عندي غير صحيح أو القول بأن الدينار الذي في يد الإنسان بميراثه من أبيه أو بأخذه عوضا عن سلعة معينة كانت ملكه ليس مالكا له من أشنع قول يسمع وأفحش مذهب ببطلانه يقطع قال
المسألة الثانية إلى آخرها
قلت المسألة مبنية على عدم تعيين النقدين بالتعيين فلذلك أشكل الفرق بين مسألتي الصرف والكراء والصحيح أن ذلك الأصل غير صحيح فلا إشكال والله أعلم
قال المسألة الثالثة إلى آخرها قلت قول أشهب في سكنى الدار المأخوذة في الدين أوجه كما قال الشهاب وما قاله في بيع الغائب أنه أخذ شبها مما في الذمة ضعيف بل هو معين وأما كون ضمانه من البائع أو من المبتاع
هامش إدرار الشروق
وأما في الضرورة فهو عنده جائز مثل أن يكون في صحراء ولا يجد كراء ويخشى على نفسه الهلاك فيجوز له أخذ منافع دابة عن دينه قاله في رسم السلم من سماع عيسى من البيوع ا ه
منه بلفظه قال عبق وظاهر قول مالك وابن القاسم في المدونة أنه لا فرق في المنع بين كون الدين حالا أو مؤجلا وإذ كان مؤجلا فلا فرق بين كون المنافع تستوفى من المعين قبل حلوله أو معه أو بعده بقرب الأجل أو بعده وأجازه أشهب بل في المواق إن ابن سراج قال لم يجعل في المدونة اليوم واليومين أجلا فيجوز فسخ الدين في خدمة المعين اليوم واليومين ولا إشكال في ذلك على قول أشهب وقد رشحه أي رجحه ابن يونس ومنه يستفاد جواز من له عند شخص دين فيقول له احرث معي اليوم أو تنسج معي اليوم وأعطيك مما عليك من الدين في نظير هذا درهما وكذا إذا استعمله في زمن كثير من غير شرط أن يقتطع له أجرة مما عليه فله أن يقاصه مما ترتب له في ذمته من الأجرة من الدين الذي له عليه على قول أشهب وبه أفتى ابن رشد لكنه مخالف لابن القاسم ولم يكن يخفى على ابن رشد قول ابن القاسم
وما خالفه إلا لظهوره أي قول أشهب عنده ا ه باختصار وبعض إيضاح قلت وبهذا يخرج عن حرمة تقليد الضعيف لما رجحه الأشياخ وصححه المتأخرون وأفتى ابن رشد ولعل وجه ظهوره أنه ليس في هذا فسخ دين في دين
406
406
والجواب عن الأول أن الفلس نادر والنادر ملحق بالغالب في الشرع وعن الثاني أن الدين إنما تعين ولم يجز أن ينقله إلى ذمة أخرى لأن الذمم تختلف باللدد وقرب الإعسار فلذلك تعين الدين ولو حصل في النقدين اختلاف لتعينت أيضا اتفاقا وإنما الكلام عند عدم الاختلاف وعن الثالث أن السلع وإن كانت ذوات أمثال فإنها مقاصد والنقدان وسيلتان لتحصيل المثمنات والمقاصد أشرف من الوسائل إجماعا فلشرفها اعتبر تشخيصها وعين النقد وإن قام غيره مقامه فأثر بشرفه في تعيين تشخيصه بخلاف الوسائل ضعيفة فلم تؤثر في تعيين تشخيصها إذا قام غيرها مقامها ولم يختص بمعنى فيها فظهر الفرق بينهما وفي الفرق ثلاث مسائل
هامش أنوار البروق
فلأمور غير كونه معينا أو غير معين والله أعلم وما قاله في الفروق الستة بعده صحيح كله
هامش إدرار الشروق
وإنما فيه المقاصة كما أشار له بقوله يقاصه بل الظاهر أن ابن القاسم لا يخالف في هذه حيث لا شرط ولا عرف ولا نوى الاقتطاع ولكن المتبادر من فتوى ابن رشد جوازه مع نية الاقتطاع أيضا حيث لم يشترطه ا ه كلام عبق بتصرف ما
وتعقب البناني قوله لكنه مخالف لابن القاسم إلخ غير صحيح وليس ذلك في المواق بل هو تحريف لكلامه ونصه وكان ابن سراج يقول إذ خدم معك من لك عليه دين بغير شرط فإنه يجوز لك أن تقاصه عند الفراغ من الدين الذي عليه قال وبهذا أفتى ابن رشد في نوازله لظهوره عنده إذ ما كان ابن رشد يخفى عليه قول ابن القاسم ا ه
فهذا يدل على موافقته لابن القاسم لا مخالفته له تأمله ا ه
وسلمه الرهوني وكنون ولم يسلما تعقبه على قوله وظاهر قول مالك وابن القاسم في المدونة إلخ بأن الذي في المواق من نقل ابن يونس عن مالك أن استعمال المدين في اليسير والدين لم يحل جائز وإن حل فلا يجوز في يسير ولا كثير ا ه
بل قالا ليس في نقل المواق عن ابن يونس ولا في كلام ابن يونس ما ذكره البناني عنه والله أعلم ا ه
قال عبق واتفق ابن القاسم وأشهب على منع فسخ الدين في منافع مضمونة كركوب دابة غير معينة وسكنى دار كذلك قاله الشارح واعترض بأن الدار والحانوت لا بد من تعينها في الكراء ولو اكتريا بالنقد ا ه
من عج تبعا لبعض الشارحين أي فكيف يتأتى أن تكون مضمونة وقد يقال لا مانع كما يفيده ما مر في الحج من قوله فالمضمونة كغيره وما يأتي في قوله وإن ضمنت فجنس ا ه
لكن قال البناني أن ما تقدم في الحج وما سيأتي كلاهما في غير الرباع وسيقول وعين متعلم ورضيع ودار وحانوت فلا يصح قوله وقد يقال لا مانع إلخ ا ه
وسلمه الرهوني وكنون الصورة الثانية النقود إذا شخصت وتعينت للحس بدون أن تختص بصفة الحلي أو رواج السكة أو نحوهما ففي تعينها وعدم تعينها أقوال ثالثها إن شاء بائعها لأنه أملك بها لقابضها الأول نسبه الأصل للشافعي وابن حنبل والثاني نسبه لمشهور مذهب مالك وقول أبي حنيفة رضي الله عنهم أجمعين والثالث لم ينسبه لأحد قال وأما إذا اختص النقد بصفة نحو الحلي أو رواج السكة فإنها تتعين اتفاقا واحتج الشافعي رضي الله عنه للقول الأول بثلاثة أمور
407
407
المسألة الأولى
مقتضى مذهب مالك وأبي حنيفة رضي الله عنهما أن خصوص النقدين لا يملكان ألبتة بخلاف خصوصيات المثليات فإذا غصب غاصب من شخص دينارا لا يتمكن من طلب خصوصه بل يستحق الزنة والجنس دون الخصوص فالغاصب أن يعطيه دينارا غيره وإن كره ربه إذا كان الدينار والذي يعطيه الغاصب حلالا مساويا للسكة والمقاصد في الدينار المغصوب ولذلك إذا قال له في بيع المعاطاة بعني بهذا الدرهم هذه السلعة فباعه إياها به له يمتنع من دفعه ويعطيه غيره ولأن الخصوص في أفراد النقدين لا يتعلق به ملك ولا يتناوله عقد بل المستحق هو الجنس والمقدار فقط دون خصوص ذلك الفرد وعلى هذا أيضا لا تكون العقود في النقدين تتناول إلا الذمم خاصة ولا فرق عند الإمامين ومن وافقهما بين قول القائل بعني بدرهم وبين قوله بعني بهذا الدرهم ويعينه والعقد في الصورتين إنما يرد على الذمة دون ما عين ونصوص المذهب تتقاضى ذلك من مالك والأصحاب غير أنهم إذا قيل لهم إن خصوص النقدين في الشخص لا تملكه وإن خصوص كل دينار لا يملك قد يستشنع ذلك وينكر وهو لازم على المذهب وإذا كانت الخصوصيات لا تملك كانت المعاملات بين الناس بالجنس والمقدار فقط فاعلم ذلك
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الأمر الأول إن غرضه متعلق بها عند الفلس والنقد المعين آكد من الذي في الذمة لتشخصه فإذا تعين النقدان في الذمة وجب أن يتعينا إذا شخصا بطريق الأولى وجوابه أن المفلس نادر والنادر ملحق بالغالب في الشرع
الأمر الثاني أن الدين يتعين فلا يجوز نقله إلى ذمة أخرى فوجب أن يتعين النقدان بالقياس على الدين وجوابه أن الدين إنما تعين ولم يجز أن ينقله إلى ذمة أخرى لأن الذمم تختلف باللدد وقرب الإعسار فلذلك تعين الدين ولو حصل في النقد اختلاف لتعينت أيضا اتفاقا وإنما الكلام عند عدم الاختلاف أي فالقياس على الدين قياس مع الفارق فلا يصح الأمر الثالث أن ذوات الأمثال كأرطال الزيت من خابية واحدة وأقفزة القمح من صبرة واحدة لا يتعلق بخصوصياتها غرض بل كل قفيز منها يسد مسد الآخر عند العقلاء ومع ذلك فلو باعه قفيزا من أقفزة كيلت من صبرة واحدة أو رطلا من أرطال زيت وزنت من جرة واحدة وجعله مورد العقد وعينه لم يكن له إبداله بغيره بل يتعين بالتعيين مع عدم الغرض فكذلك النقدان وجوابه أن السلع وإن كانت ذوات أمثال فإنها مقاصد والنقدان وسيلتان لتحصيل المثمنات والمقاصد أشرف من الوسائل إجماعا فلشرفها اعتبر تشخيصها فأثرت بشرفها في تعيين تشخيصها بخلاف الوسائل فإنها لضعفها لم يعتبر تشخيصها فلم تؤثر بضعفها في تعيين تشخيصها إذا قام غيرها مقامها ولم يختص بمعنى فيها فظهر الفرق بين ذوات الأمثال من السلع وبين النقدين ولا قياس مع الفارق ويتضح الفرق بينهما بثلاث مسائل المسألة الأولى مقتضى مذهب مالك وأبي حنيفة رضي الله عنهما أن خصوص النقدين لا يملك ألبتة
408
408
لمسألة الثانية
قال العبدلي لا تتعين الدنانير والدراهم في مذهب مالك إلا في مسألتين الصرف والكراء وقال الشيخ أبو الوليد في المقدمات النقدان يتعينان بالتعيين في الصرف عند مالك وجمهور أصحابه وإن لم تعين تعينت بالقبض وبالمفارقة ولذلك جاز الرضى بالزائف في الصرف
وقال سند في الطراز إذا لم يتعين النقدان فالعقد إنما يتناول التسليم فإذا قبض في الصرف رديئا وقد افترقا قبل القبض لا يتناوله العقد فيفسد فإن قلنا بأن القبض يبرئ الذمة وتعين صح العقد والطارئ بعد ذلك استحقاق أو عيب أو حكم متجدد لنفي الظلامة كعقد النكاح مبرم مفيد للميراث وحل الوطء وإذا ظهر بعد الموت عيب بأحد الزوجين يوجب الرد فإذا رضي بالعيب بقي العقد على حاله وإن كره الآخر وإن أراد البدل منعه مالك إلا أن يدلس بائعه وفي المسألة خلاف في كتب الفروع واعلم أن استثناء هاتين المسألتين يحوج إلى ذكر الفرق بينهما وبين سائر المسائل أما الصرف فيمكن أن يقال إنما قال فيه مالك بالتعيين فلضيق بابه وأمر الشرع بسرعة القبض ناجزا للتعيين وذلك مناسب للتضييق لأن التعيين يحصل مقصود القبض ناجزا بخلاف إذا قلنا إن الصرف إنما ورد على الذمة فاحتمل أن يكون هذا القبض مبرئا لما
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
ولا يتناوله عقد وإنما المعاملات بين الناس بالجنس والمقدار فقط بخلاف خصوصيات المثليات وقد انبنى على ذلك فروع
منها أنه إذا غصب غاصب دينارا لا يتمكن المغصوب منه من طلب خصوصه لأنه إنما يستحق الزنة والجنس دون الخصوص فللغاصب أن يعطيه دينارا غيره وإن كره ربه إذا كان الدينار الذي يعطيه الغاصب حلالا مساويا للسكة وللمقاصد في الدينار المغصوب ومنها أنه إذا قال المشتري للبائع في بيع المعاطاة بعني بهذا الدرهم هذه السلعة فباعه إياها به كان له أن يمتنع من دفعه ويعطيه غيره ومنها أن العقود في النقدين لا تتناول إلا الذمة خاصة عند الإمامين ومن وافقهما فلا فرق عندهما بين قول القائل بعني بدرهم وبين قوله بعني بهذا الدرهم ويعينه إذ العقد في الصورتين إنما يرد على الذمة دون ما عين نعم مالك وأصحابه وإن كانت نصوصهم تقتضي ذلك إلا أنهم إذا قيل لهم إن خصوص النقدين لا تملكه وإن خصوص كل دينار لا يملك قد يستشنعون ذلك وينكرونه وهو لازم مذهبهم بناء على أن لازم المذهب ليس بمذهب المسألة الثانية قال الشيخ أبو الوليد في المقدمات النقدان يتعينان باليقين في الصرف عند مالك وجمهور أصحابه وإن لم تعين تعينت بالقبض وبالمفارقة ولذلك جاز الرضى بالزائف بالصرف ا ه
وقال سند في الطراز إذا لم يتعين النقدان فالعقد إنما يتناول التسليم والقبض وإذا صرف رديئا وقد افترقا قبل القبض لا يتناوله العقد فيفسد فإن قلنا بأن القبض يبرئ الذمة وتعين صح العقد والطارئ بعد ذلك من استحقاق أو عيب فهو حكم متجدد لنفي الظلامة كعقد النكاح مبرم للميراث وحل الوطء
وإذا ظهر بعد الموت عيب بأحد الزوجين يوجب الرد فإذا رضي بالعيب بقي العقد على حاله وإن كره الآخر وإن أراد البدل منعه مالك إلا أن يدلس بائعه وفي
409
409
في الذمة إن كان موافقا وأن لا يكون فبالتعيين يحصل الجزم بالقبض والتناجز
وأما الكراء فيصعب الفرق بينه وبين غيره وغايته أن يقال فيه إن الكراء يرد على المنافع المعدومة فلو كان النقدان لا يتعينان لكان الكراء أيضا في الذمة فيشبه بيع الدين بالدين وهو حرام بخلاف جميع الأعيان فإنها تتعين غير أن هذا الفرق يشكل فإنه يجوز الكراء على الذمة تصريحا ويعينه بعد ذلك فيطلب له فرق يليق به
المسألة الثالثة
إذا جرى غير النقدين مجراهما في المعاملة كالفلوس أو غيرها قال سند من أجرى الفلوس مجرى النقدين في تحريم الربا جعلها كالنقدين ومنع البدل في الصرف إذا وجد بعضها رديئا قال مالك في المدونة إذا اشتريت فلوسا بدراهم فوجدت بعد التفرق بعض الفلوس رديئا استحق البدل للخلاف فيها وهذا على مذهبه أن الفلوس يكره الربا فيها من غير تحريم وفيها ثلاثة أقوال التحريم والإباحة والكراهة والصورة الثانية المستثناة المشخصات ما قاله ابن القاسم في المدونة إذا كان لك دين على أحد لا يجوز أن تأخذ فيه سكنى دار أو خدمة عبد أو ثمرة يتأخر قبضها وإن عينت جميع ذلك وأجراه مجرى فسخ الدين في الدين لأجل صورة التأخر في
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
المسألة خلاف في كتب الفروع
وقال العبدلي لا تتعين الدنانير والدراهم في مذهب مالك إلا في مسألتين الصرف والكراء ا ه واستثناء هاتين المسألتين يحوج إلى ذكر الفرق بينهما وبين سائر المسائل وهو أن يصعب في الصرف إذ يمكن أن يقال إنما قال فيه مالك بالتعيين لضيق بابه من حيث إن الشرع أمر فيه بسرعة القبض ناجزا والتعيين من حيث إنه يحصل الجزم بالقبض والتناجز فيحصل مقصود القبض ناجزا يناسب الضيق بخلاف ما إذا قلنا إن الصرف إنما ورد على الذمة فإنه يحتمل أن يكون موافقا فيكون هذا القبض مبرئ لما في الذمة وأن لا يكون موافقا فلا يكون مبرئ لكن الفرق يصعب في الكراء إذ غاية ما يقال فيه إن الكراء يرد على المنافع المعدومة فلو لم يكن النقدان معينين فيه بل كانا في الذمة والكراء أيضا في الذمة لكان يشبه بيع الدين بالدين وهو حرام بخلاف جميع الأعيان فإنها تتعين ولا شك أن هذا الفرق مشكل فإن الكراء يجوز على الذمة تصريحا ويعينه بعد ذلك فليطلب له فرق يليق به
المسألة الثالثة
إذا جرى غير النقدين من العروض مجراهما في المعاملة كالفلوس أو غيرهما كالنوط قال سند من أجرى الفلوس مجرى النقدين في تحريم الربا جعلها كالنقدين ومنع البدل في الصرف إذا وجد بعضها رديئا وقول مالك في المدونة إذا اشتريت فلوسا بدراهم فوجدت بعد التفرق بعض الفلوس رديئا استحق البدل للخلاف فيها مبني على مذهبه أن الفلوس يكره الربا فيها من غير تحريم وفيها ثلاثة أقوال التحريم والإباحة والكراهة ا ه
كلام الأصل بتصرف وهذه الأقوال الثلاثة مبنية على أن كل عرض جرى مجرى النقدين في المعاملة كالفلوس النحاس وورق النوط يتحقق فيه وجهان وجه كونه كالعرض فقط في كونه غير ربوي قال الدسوقي على الدردير على مختصر خليل
وهو المعتمد وعليه يقال في بيع الفلوس السحاتيت المتعامل بها بالفلوس الديوانية إن تماثلا عددا فأجز وإن جهل عدد كل فإن زاد أحدهما
410
410
القبض وإن عين محل المعاوضة فمن هذا الوجه أشبه الدين وقال أشهب يجوز ذلك لأجل التعيين والتعين لا يكون إلا في الذمة وما لا يكون في الذمة لا يكون دينا فليس ها هنا فسخ الدين في الدين وهو أوجه
هامش أنوار