3
3
الفرق الحادي والمائتان بين قاعدة القرض وقاعدة البيع
اعلم أن قاعدة القرض خولفت فيها ثلاث قواعد شرعية قاعدة الربا إن كان في الربويات كالنقدين والطعام وقاعدة المزابنة وهي بيع المعلوم بالمجهول من جنسه إن كان في الحيوان ونحوه من غير المثليات وقاعدة بيع ما ليس عندك في المثليات وسبب مخالفة هذه القواعد مصلحة المعروف للعباد فلذلك متى خرج عن باب المعروف امتنع إما لتحصيل منفعة المقرض أو لتردده بين الثمن والسلف لعدم تعين المعروف مع تعين المحذور وهو مخالفة القواعد
سؤال العارية معروف كالقرض وإذا وقعت إلى أجل بعوض جازت وإن خرجت بذلك عن المعروف فلم لا يكون القرض كذلك إذا خرج بالقصد إلى نفع المقرض عن المعروف يجوز
جوابه إذا وقعت العارية بعوض صارت إجارة والإجارة لا يتصور فيها الربا ولا تلك المفاسد الثلاث والقرض بالعوض بيع فيتصور فيه الربا وكذلك إذا وقع القرض في العروض هو ربا فيحرم للآية إلا ما خصه الدليل
هامش إدرار الشروق
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله على نعمائه المزهرة الرياض وآلائه المترعة الحياض والصلاة والسلام على سيدنا محمد الموضح محجة الدين بأبين حجة وعلى آله وأصحابه المهتدين إلى تشييد قواعد الحق وقمع كل لجة أما بعد فأسأل الله بوجاهة وجه نبيه الكريم أن يسهل لي تكميل هذا الجزء كما يسر لي تكميل ما قبله على أحسن تقويم
الفرق الحادي والمائتان بين قاعدة القرض وقاعدة البيع القرض في اللغة القطع وسمي المدلول الشرعي قرضا لأنه قطعة من مال المقرض أي ذو قطعة منه وفي الشرع قال المناوي تمليك شيء على أن يرد بدله وقال ابن عرفة دفع متمول في عوض غير مخالف له لا عاجلا تفضلا فقط لا يوجب إمكان عارية لا تحل متعلق بالذمة ا ه
قال الرهوني وكنون تبعا للشيخ على المسناوي الأولى أن يقول تمليك متمول إلخ لأن القرض يوجد قبل الدفع لأنه يلزم بالقول ا ه قال الخرشي وأخرج بقوله متمول ما ليس بمتمول أي كقطعة نار إذ دفعه ليس بقرض إذ لا يقرض مثل ذلك وقوله في عوض أخرج به دفعه هبة وقوله غير مخالف له أي لذلك المتمول وقوله لا عاجلا أخرج به المبادلة المثلية فإنه يصدق الحد عليها كما يصدق على القرض الفاسد لولا أن يخص الصحيح بزيادة قوله تفضلا فقط إلخ أي حال كون الدفع تفضلا بأن يقصد المسلف نفع المتسلف فقط لا نفعه ولا نفعهما ولا نفع أجنبي بأن يقصد بالدفع لزيد نفع عمرو ولكون عمرو يعود عليه منفعة من ذلك القرض كأن يكون لعمرو دين على زيد فيقرض زيدا لأجل أن يدفع
4
4
فارغة
هامش إدرار الشروق
لعمرو دينه لأن ذلك سلف فاسد فاندفع تنظير البناني في الحد بأنه لا يشمل الصور الفاسدة وشأن التعريف شمول الصحيح والفاسد ا ه
فافهم وقوله لا يوجب إلخ أي حال كون الدفع لا يوجب إمكان نفس العارية التي لا تحل احترازا من قرض يوجب إمكان العارية التي لا تحل فلا يجوز قرض جارية تحل للمستقرض لما في ذلك من عارية الفروج ا ه
بزيادة من العدوي عليه وفي الرهوني وكنون قال الحطاب ويستثنى من منع قرض جارية تحل إلخ ما لو أمرت شخصا يبتاع لك عبد فلان مثلا بجاريته هذه ويكون عليك مثلها وكذا لو أمرته أن يقضي عنك دينا بها ويكون عليك مثلها إذ لا يتأتى فيها غاية الفروج لأنها لا تصل ليد المستقرض قال أبو الحسن وربما ألغزت فيقال أين يجوز قرض الجارية من غير المحرم منها فيقال في مثل هذه الصورة أي الأولى أو تقضي عنه في الدين ا ه
أي التي هي الصورة الثانية قال البناني في التوضيح أجاز ابن عبد الحكم في الحمديسية قرضهن أي الجواري إذا اشترط عليه أن لا يرد عينها وإنما يرد مثلها ثم قال وعلى هذا وهو نفل الموثوق بهم لا تبعد موافقته للمشهور ا ه
ونحوه لابن عبد السلام ا ه
قال الخرشي وقوله متعلق بالذمة صفة لمتمول فيجوز جره ونصبه مراعاة للفظ متمول ولمحله ا ه قال العدوي عليه والأولى زور بما يقدم قوله متعلق على قوله لا عاجلا ويقرأ بالجر ا ه وبالجملة قال البناني على عبق إن كل ما يصح أن يسلم فيه إلا الجواري يصح أن يقرض وكل ما يصح أن يقرض يصح أن يسلم فيه غير أن هذا العكس لا يحتاج معه إلى استثناء شيء ولا يصح بكل اعتبار القول بأن جلد الميتة المدبوغ يصح قرضه ولا يصح أن يسلم فيه كما في التوضيح ويؤيده قول ابن عرفة دفع متمول إلخ
وأما مسألة قرض بمكيال مجهول على أن يرد مثله ومسألتنا قرض ويبات وحفنات فغير واردة لأن الطعام مثلا من حيث ذاته يجوز قرضه والسلم فيه والاختلاف من حيث الوصف لا يضر ا ه
قال كنون وقال البناني ويؤيده قول ابن عرفة إلخ لأنه جعله معاوضة وهذا هو الذي رجحه أبو علي قائلا والقرض نفس بيع كما ذكره غير واحد إلا أنه مبني على غير المكايسة فكيف يقرض ما لا يجوز بيعه ولا المبادلة فيه أي كلحم الأضحية ا ه
ولا يرد على قول خليل يجوز قرض ما يسلم فيه فقط إلا جارية تحل للمستقرض ا ه العين لأنه يسلم فيها عند عبد الوهاب وعياض والباجي خلافا لابن عرفة ا ه
وعلى هذا قول الأصل وسلمه ابن الشاط القرض وإن كان نفس بيع إلا أنه خولف فيه ثلاث قواعد شرعية
القاعدة الأولى
الربا إن كان في الربويات كالنقدين والطعام والقاعدة الثانية المزابنة وهي بيع المعلوم بالمجهول من جنسه إن كان في الحيوان ونحوه من غير المثليات والقاعدة الثالثة بيع ما ليس عندك في المثليات وسبب مخالفة هذه القواعد مصلحة المعروف ا ه
حتى قال صلى الله عليه وسلم كما أخرجه البيهقي عن أنس قرض شيء خير من صدقته وقال صلى الله عليه وسلم كما أخرجه ابن ماجه والبيهقي عن أنس أيضا رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوبا الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر وعزاه في الجامع الصغير للطبراني في الكبير عن أبي أمامة ولفظه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلت الجنة فوجدت على بابها الصدقة بعشر والقرض بثمانية عشر فقلت يا جبريل كيف صارت الصدقة بعشرة والقرض بثمانية عشر قال الصدقة في يد الغني والفقير والقرض لا يقع إلا في يد من يحتاج إليه قال المناوي في شرحه فيه أن درهم القرض بدرهمين صدقة
5
5
الفرق الثاني والمائتان بين قاعدة الصلح وغيره من العقود
اعلم أن الصلح في الأموال دائر بين خمسة أمور البيع إذا كانت المعاوضة عن أعيان والصرف إن كان فيه أحد النقدين عن الآخر والإجارة إن كان عن منافع ودفع الخصومة إن لم يتعين شيء من ذلك والإحسان وهو ما يعطيه المصالح من غير الجاني
فمتى تعين أحد هذه الأبواب روعيت فيه شروط ذلك الباب لقوله عليه السلام الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا ويجوز عندنا وعند أبي حنيفة رضي الله عنه على الإقرار والإنكار وقال الشافعي رضي الله عنه لا يجوز على الإنكار واحتج بوجوه الأول أنه أكل المال بالباطل لأنه ليس عن مال لعدم ثبوته ولا عن اليمين وإلا
هامش أنوار البروق
قال
الفرق الثاني و المائتان بين قاعدة الصلح و عيره من العقود
فلت ما قاله قيه غير صحيح لأنه لم يبد فرقا بين الصلح وغيره ولكنه تكلم على حكم الصلح وكلامه في ذلك صحيح
هامش إدرار الشروق
وذلك لأن فيه تنفيس كربة وإنظارا إلى قضاء حاجته ورده ففيه عبادتان فكان بمنزلة درهمين وهما بعشرين حسنة فالتضعيف ثمانية عشر وهو الباقي فقط لأن القرض يسترد ومن ثم لو أبرئ منه كان له عشرون ثواب الأصل والمضاعفة وتمسك به من فضل القرض على الصدقة ا ه
أفاده الرهوني قال الأصل فلذلك متى خرج عن باب المعروف امتنع إما لتحصيل منفعة المقرض أو لتردد بين الثمن والسلف لعدم تعين المعروف مع تعين المحذور وهو مخالفة القواعد أي الثلاثة المذكورة وكون العارية معروفا كالقرض إلا أنها تفارقه في أنها تجوز إذا وقعت إلى أجل بعوض بخلاف القرض وذلك أن العارية بعوض إجارة والإجارة لا يتصور فيها الربا ولا تلك المفاسد الثلاث والقرض بالعوض بيع فيتصور فيه الربا وكذلك إذا وقع القرض في العروض هو ربا فيحرم للآية إلا ما خصه الدليل ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الثاني والمائتان بين قاعدة الصلح وقاعدة غيره من العقود وهو كما يشير له كلام الأصل أن غيره من العقود إما معاوضة في أعيان فقط وهو البيع إن لم يكن فيه أحد النقدين عن الآخر أو الصرف إن كان فيه ذلك ولكل واحد منها شروط تخصه موضحة في كتب الفقه وإما معاوضة في منافع فقط معينة أو مضمونة وهو الإجارة ولها شروط تخصها موضحة كذلك في كتب الفقه وإما إحسان وهو الهبة ولها شروط تخصها موضحة
6
6
لجازت إقامة البينة بعده ولجاز أخذ العقار بالشفعة لأنه انتقل بغير مال ولا هو من الخصومة وإلا لجاز عن النكاح والقذف
الثاني
أنه عاوض عن ملكه فيمتنع كشراء ماله من وكيله
الثالث أنها معاوضة فلا تصح مع الجهل كالبيع
والجواب عن الأول أنه أخذ المال بحق ولا يلزم من عدم ثبوته عدمه
نعم من علم أنه على باطل حرم عليه أخذ ذلك المال وأما إقامة البينة بعدة فقال الشيخ أبو الوليد تتخرج على الخلاف فيمن حلف خصمه وله بينة فله إقامتها عند ابن القاسم مع العذر وعند أشهب مطلقا
وأما القذف فلا مدخل للمال فيه ولا يجوز فيه الصلح مع الإقرار فكذلك مع الإنكار ونلتزم الجواز في النكاح قال الشيخ أبو الوليد قال أصحابنا إذا أنكرت المرأة الزوجية أن من الناس من يوجب عليها اليمين فتفتدي بيمينها ونلتزم الشفعة وعن الثاني بالفرق بأنه مع وكيله متمكن من ماله بخلاف صورة النزاع فإنها لدرء مفسدة الخصومة وعن الثالث أن الضرورة هنا تدعوا
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
كذلك في كتب الفقه وهكذا وأما الصلح في الأموال فقد قال عياض هو معاوضة على دعوى ا ه قال كنون أي ثابتة أم لا ا ه
فالدعوى الثابتة كان ثبوتها بإقرار أو بسكوت بناء على المشهور وهو قول مالك وابن القاسم معا من أن حكم السكوت حكم الإقرار ورجحه عياض إما أن تكون المعاوضة عليها ببعض المدعى به فيكون الصلح حينئذ هبة وإما أن تكون بغيره وحينئذ فالمدعى به إما أعيان وإما منافع فإن كان أعيانا فغيره المصالح به إما أعيان فيكون الصلح بيعا إن لم يكن فيه أحد النقدين عن الآخر وصرفا إن كان فيه أحد النقدين عن الآخر وإما منافع فيكون إجارة وإن كان أي المدعى به منافع فإن وقع الصلح عليها بغيرها مطلقا قبل أن يستوفيها المدعى عليه فالصلح إجارة أيضا وإن وقع بعد أن استوفاها المدعى عليه كانت الدعوى في عوض المنافع وهو في الغالب عين فيكون الصلح بغيره بيعا إن لم يكن فيه أحد النقدين عن الآخر وصرفا إن كان فيه ذلك وببعضه هبة والدعوى الغير الثابتة لا تكون على المشهور إلا عن إنكار المدعى عليه ويدخل فيه الافتداء بمال عن يمين توجهت على المدعى عليه ولو علم براءة نفسه كما هو ظاهر المدونة ابن ناجي وهو المعروف خلافا لمن منعه حيث علم براءة نفسه قال البناني يجري في المعاوضة عليها بالنظر للمدعى به ما جرى على الصلح على الإقرار أي ولو حكما من كونه إما هبة وإما بيعا وإما صرفا وإما إجارة إلا أن المعاوضة على غير الثابتة تنفرد عن صلح الإقرار بشروط ثلاثة كما سيأتي ا ه
بزيادة قد سلمه الرهوني وكنون وعليه فلا يكون الصلح في الأموال على كل إلا دائرا بين أربعة أمور البيع إن كانت المعاوضة عن أعيان والصرف إن كان فيه أحد النقدين عن الآخر والإجارة إن كان عن منافع والإحسان إن كان عن بعض المدعى به وهو ما يسقطه المدعي عن المدعى عليه ويفهم من كلام الأصل وبه صرح عبق أن المعاوضة على غير الثابتة لا يتعين
7
7
للجهل بخلاف البيع قال أبو الوليد لو ادعى عليه ميراثا من جهة مورث صح الصلح فيه مع الجهل والعجب من الشافعي رضي الله عنه أنه يقول للمدعي أن يدخل دار المدعى عليه بالليل ويأخذ قدر حقه فكيف يمنع مع الموافقة من الخصم على الأخذ ويتأكد قولنا بقوله تعالى وأصلحوا ذات بينكم وغيره من الكتاب والسنة ولأنا أجمعنا على بذل المال بغير حق في فداء الأسارى والمخالعة والظلمة والمحاربين والشعراء فكذلك ها هنا لدرء الخصومة ولأنه قاطع للمطالبة فيكون مع الإقرار والإنكار كالإبراء ويجوز مع عدم المال من الجهتين كالصلح على دم العمد ولأنه يصح فيه مع الإنكار فصح الصلح عليه قياسا عليها
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
فيها شيء مما ذكر من بيع أو صرف أو إجارة أو هبة بل هو دفع عن الخصومة نظرا إلى أن مالكا رحمه الله تعالى خصه بثلاثة شروط
الأول
أن يكون الصلح جائزا على دعوى المدعي والثاني أن يكون جائزا على دعوى المدعى عليه أي على تقدير أن المنكر يقر والثالث أن يكون جائزا على ظاهر الحكم قال البناني أي على ظاهر ما يطرأ بينهما في المخاصمة ومجلس الفصل وسلمه الرهوني وكنون واعتبر ابن القاسم الشرطين الأولين فقط وأصبغ أمرا واحدا وهو أن لا تتفق دعواهما على فساد انظر شراح المختصر فلذا قال الأصل إن الصلح في الأموال دائر بين خمسة أمور البيع إن كانت المعاوضة عن أعيان والصرف إن كان فيه أحد النقدين عن الآخر والإجارة إن كان عن منافع ودفع الخصومة إن لم يتعين شيء من ذلك والإحسان وهو ما يعطيه المصالح من غير الجاني فمتى تعين أحد هذه الأبواب روعيت فيه شروط ذلك الباب لقوله عليه الصلاة والسلام الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا ا ه
منه بلفظه يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم ضبط شروط الصلح المختلفة بهذا الحديث قال العدوي على الخرشي والمراد بالجواز الإذن فلا ينافي قول ابن عرفة الصلح في حد ذاته مندوب ا ه
إذا علمت هذا علمت أنه لا يظهر وجه لقول الإمام ابن الشاط ما قاله أي الأصل فيه أي في هذا الفرق غير صحيح لأنه لم يبد فرقا بين الصلح وغيره ولكنه تكلم على حكم الصلح وكلامه في ذلك صحيح ا ه بلفظه فتأمله لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا وصل قال الحفيد في البداية اتفق المسلمون على جواز الصلح على الإقرار واختلفوا في جوازه على الإنكار فقال مالك وأبو حنيفة يجوز على الإنكار وقال الشافعي لا يجوز على الإنكار ا ه محل الحاجة منه واحتج الشافعي بوجوه ثلاثة الوجه الأول أن الصلح على الإنكار من أكل المال بالباطل لأنه ليس عن مال لعدم ثبوته ولا عن اليمين وإلا لجازت إقامة البينة بعده ولجاز أخذ العقار والمصالح به بالشفعة وقد انتقل بغير مال ولا هو عن الخصومة وإلا لجاز عن النكاح والقذف وجوابه إنا لا نسلم أنه ليس عن مال إذ لا يلزم من عدم ثبوته عدمه نعم من علم أنه على باطل حرم عليه أخذ ذلك المال سلمنا أنه ليس عن مال لكن لا نسلم أنه من أكل المال بالباطل حينئذ بل نقول هو عوض إما عن اندفاع اليمين عنه ونلتزم جواز إقامة البينة بعده قال الشيخ أبو الوليد تتخرج إقامة البينة بعده على الخلاف فيمن حلف خصمه وله بينة فله إقامتها عند ابن القاسم مع العذر وعند أشهب مطلقا ا ه
وإما عن سقوط الخصومة عنه ونلتزم الجواز في النكاح قال الشيخ أبو الوليد قال أصحابنا إذا أنكرت المرأة الزوجية أن من الناس من يوجب عليها اليمين فتفتدي بيمينها ا ه
ونلتزم الشفعة
8
8
فارغة
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
وأما القذف فلا مدخل للمال فيه ولا يجوز فيه الصلح مع الإقرار فكذلك مع الإنكار والوجه الثاني أنه عاوض عن ملكه فيمتنع كشراء ماله من وكيله وجوابه بالفرق بأنه مع وكيله متمكن من ماله بخلاف صورة النزاع فإنها لدرء مفسدة الخصومة
والوجه الثالث أنها معاوضة فلا تصح مع الجهل كالبيع وجوابه أن الضرورة هنا تدعو للجهل بخلاف البيع قال أبو الوليد لو ادعى عليه ميراثا من جهة مورث صح الصلح فيه مع الجهل ا ه
والعجب من الشافعي رضي الله عنه أنه يقول للمدعي أن يدخل دار المدعى عليه بالليل ويأخذ قدر حقه فكيف يمنع مع الموافقة من الخصم على الأخذ على أن قولنا يتأكد بوجوه الوجه الأول ما ورد من الكتاب والسنة في الصلح فمن الكتاب قوله تعالى والصلح خير وقوله تعالى وأصلحوا ذات بينكم وقوله تعالى لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن السنة حديث ألا أنبئكم بصدقة يسيرة يحبها الله تعالى قالوا بلى يا رسول الله قال إصلاح ذات البين إذا تقاطعوا وما روي عن الحسن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال أفضل الناس عند الله يوم القيامة المصلحون بين الناس وما رواه الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم قال ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصدقة قالوا بلى يا رسول الله قال إصلاح ذات البين وعن بعض الصحابة رضي الله عنهم أنه قال من أراد فضل العابدين فليصلح بين الناس وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال من أصلح بين اثنين أعطاه الله بكل كلمة عتق رقبة وما أحسن قول القائل إن الفضائل كلها لو جمعت رجعت بأجمعها إلى ثنتين تعظيم أمر الله جل جلاله والسعي في إصلاح ذات البين قال الشبرخيتي ومن أجل ما في الصلح من الصدقة على المتخاصمين لوقايتهما ما يترتب على الخصام من قبيح الأقوال والأفعال جاز الكذب فيه مبالغة في وقوع الألفة لئلا تدوم العداوة ا ه
وقال الفشني ويجوز الكذب في الصلح الجائز وهو ما لا يحل حراما ولا يحرم حلالا مبالغة في وقوع الألفة بين المسلمين قيل تمنى جبريل عليه السلام أن يكون في الأرض يسقي الماء ويصلح بين المسلمين ا ه كما في حاشية كنون على عبق
قلت فإذا جاز الكذب الذي قال الله تعالى فيه إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون للمصلح من أجل ما في الصلح من الصدقة إلخ فكيف لا يجوز فيه دفع أحد المتخاصمين للآخر المال بغير حق مع الجهل لدرء مفسدة الخصومة ولا يخفاك أنه يؤخذ من هنا فرق آخر غير ما مر بين الصلح وغيره من العقود وهو أن الصلح يجوز فيه دفع المال بغير حق مع الجهل بخلاف غيره من العقود فافهم
الوجه الثاني أنا أجمعنا على بذل المال بغير حق في فداء الأسارى والمخالعة والظلمة والمحاربين والشعراء فكذلك ها هنا لدرء الخصومة
الوجه الثالث أنه قاطع للمطالبة فيكون مع الإقرار والإنكار كالإبراء فكما يصبح الإبراء مع الإنكار كذلك يصح الصلح عليه قياسا ولا يرد أن الإبراء بغير مال من الجهتين إذ الصلح أيضا يجوز مع عدم المال من الجهتين كالصلح على دم العمد والله سبحانه وتعالى أعلم

9
9
الفرق الثالث والمائتان بين قاعدة ما يملك من المنفعة بالإجارات وبين قاعدة ما لا يملك منها بالإجارات
فأقول متى اجتمعت في المنفعة ثمانية شروط ملكت بالإجارة ومتى انخرم منها شرط لا تملك الأول الإباحة احترازا من الغناء وآلات الطرب ونحوهما
الثاني قبول المنفعة للمعاوضة احترازا من النكاح
الثالث كون المنفعة متقومة احترازا من التافه الحقير الذي لا يقابل بالعوض واختلف في استئجار الأشجار لتجفيف الثياب فمنعه ابن القاسم
الرابع أن تكون مملوكة احترازا من الأوقاف على السكنى كبيوت المدارس والخوانق
الخامس أن لا يتضمن استيفاء عين احترازا من إجارة الأشجار لثمارها أو الغنم لنتاجها واستثني من ذلك إجارة المرضع للبنها للضرورة في الحضانة
السادس أن يقدر
هامش أنوار البروق
قال الفرق الثالث والمائتان بين قاعدة ما يملك من المنفعة بالإجارات وبين قاعدة ما لا يملك منها بالإجارات إلى قوله نعم يختص ذلك بالقضاء بالملك والشفعة في الأرضين فإنها ثابتة قلت ما قاله في ذلك صحيح قال أو نقول قول مالك رحمه الله تعالى إن البلد الفلاني فتح عنوة هذا ليس بفتيا يقلد فيها إلى قوله أو أخبر عن وقوع ذلك السبب فهو شهادة قلت لا يتعين كونه شهادة بل يتعين أن يكون غير شهادة لأن الشهادة من شرطها أن تكون خبرا يقصد المخبر به أن يترتب عليه فصل قضاء وقول مالك إنها فتحت عنوة لا إشعار فيه بذلك القصد فهو نوع من الخبر غير الشهادة قال وإن المذهب الذي يقلد فيه الإمام خمسة إلى قوله فليس كل ما يقوله الإمام هو مذهب له بل تلك الخمسة خاصة قلت ما قاله في ذلك صحيح
هامش إدرار الشروق
الفرق الثالث والمائتان بين قاعدة ما يملك من المنفعة بالإجارات وبين قاعدة ما لا يملك منها بالإجارات
وهو أن المنفعة متى اجتمعت فيها ثمانية شروط ملكت بالإجارة ومتى انخرم منها شرط من الثمانية لا تملك والمنفعة قال ابن عرفة ما لا تمكن الإشارة إليه حسا دون إضافة يمكن استيفاؤه غير جزء مما أضيف إليه فتخرج الأعيان ونحو العلم والقدرة ونصف العبد ونصف الدابة مشاعا وهي ركن لأنها المشتراة ا ه
وباقي أركانها أربعة كما في شراح خليل المؤجر والمستأجر والعوض والصيغة
الشرط الأول إباحة المنفعة وذكر المنفعة احتراز من الغناء وآلات الطرب ونحوهما أي كالإجارة على إخراج الجان والدعاء وحل المربوط ونحو ذلك لعدم تحقيق المنفعة كما في الخرشي قال العدوي يفيد أنه لو تحقق المنفعة جاز فقد قال الأبي
10
10
على تسليمها احترازا من استئجار الأخرس للكلام
السابع أن تحصل للمستأجر احترازا من العبادات والإجارة عليها كالصوم ونحوه
الثامن كونها معلومة احترازا من المجهولات من المنافع كمن استأجر آلة لا يدري ما يعمل بها أو دارا مدة غير معلومة فهذه الشروط إذا اجتمعت جازت المعاوضة وإلا امتنعت
تنبيه قال الشيخ أبو الوليد ابن رشد في كراء دور مكة أربع روايات المنع وهو المشهور وقاله أبو حنيفة لأنها فتحت عنوة والجواز وقاله الشافعي لأنها عنده فتحت صلحا أو من بها على أهلها عندنا على هذه الرواية ولا خلاف عن مالك وأصحابه أنها فتحت عنوة والكراهة لتعارض الأدلة وتخصيصها بالموسم لكثرة الناس واحتياجهم للوقف لأن العنوة عندنا وقف واتفق مالك والشافعي وغيرهما رضي الله عن الجميع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة مجاهدا بالأسلحة ناشرا للألوية باذلا للأمان لمن دخل دار أبي سفيان وهذا لا يكون إلا في العنوة قطعا
هامش أنوار البروق
قال ولو قال إمام زيد زنى لم نوجب الرجم بل نقول هذه شهادة هو فيها أسوة جميع العدول إلى آخر قوله أو نقول هذه شهادة لا بد فيها من آخر مع الشافعي يشهد بالخلع فينبغي له أن يفعل هنا كذلك قلت ما قاله في ذلك كلام لا دليل عليه ولا حاجة إليه وما الحامل له على دعوى أن ذلك من مالك شهادة حتى يحتاج في ذلك إلى آخر معه هذا كلام مبني على توهم كون قول مالك شهادة وذلك لتوهم وهم لا شك فيه قال وقد بسطت هذه المسائل في كتاب الأحكام في الفرق بين الفتاوى والأحكام وتصرف القاضي والإمام وهو كتاب نفيس فيه أربعون مسألة من هذا النوع قلت إن كانت تلك المسائل من هذا النوع من كل وجه فليس ذلك الكتاب بنفيس
هامش إدرار الشروق
وأما ما يؤخذ على حل المعقود فإن كان يرقيه بالرقية العربية جاز وإن كان بالرقى العجمية لم يجز وفيه خلاف وكان الشيخ أي ابن عرفة يقول إن تكرر منه النفع جاز انتهى ا ه وقال خليل في المختصر عاطفا على ما لا يجوز من الإجارة ولا تعليم غناء أو دخول حائض لمسجد أي لخدمته أو دار لتتخذ كنيسة كبيعها لذلك ا ه
قال عبق ومثل تعليم الغناء تعليم آلات الطرب كالعود والمزمار لأن ثبوت الملك على العوض فرع ثبوته على ملك المعوض ولخبر أن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه ا ه
وقال العدوي على الخرشي قضية أن حكم الغناء المجرد عن مقتضى التحريم الكراهة أن تكون الإجارة على تعليم الغناء مكروهة لا حراما ا ه
وقال الحفيد في البداية أجمعوا على إبطال كل منفعة كانت لشيء محرم العين وكذلك كل منفعة كانت محرمة بالشرع مثل أجر النوائح وأجر المغنيات ا ه
أي ومثل الاستئجار على صنعة آنية من نقد كما في شراح المختصر
الشرط الثاني
قبول المنفعة للمعاوضة احترازا من النكاح كذا في الأصل وسلمه ابن الشاط ولا يظهر إلا إذا أراد نكاح المتعة ففي بداية الحفيد المجتهد ابن رشد أكثر الصحابة وجميع فقهاء الأمصار على تحريمها
11
11
وإنما روي أن خالد بن الوليد قتل قوما فوداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو دليل الصلح
وجوابه يجب أن يعتقد أنه أمن تلك الطائفة وعصم دماءهم جمعا بين الأدلة
سؤال اعلم أن مقتضى هذه المباحث والنقول أن يحرم كراء دور مصر وأراضيها لأن مالكا قد صرح في الكتاب وغيره أنها فتحت عنوة ويلزم على ذلك تخطئة القضاء في إثبات الأملاك وعقود الإجارات والأخذ بالشفعات ونحو ذلك
جوابه إن أراضي العنوة اختلف العلماء فيها هل تصير وقفا بمجرد الاستيلاء وهو الذي حكاه الطرطوشي في تعليقه عن مالك أو للإمام قسمتها كسائر الغنائم أو هو مخير في ذلك والقواعد المتفق عليها أن مسائل الخلاف إذا اتصل ببعض أقوالها قضاء حاكم تعين القول به وارتفع الخلاف فإذا ما حكم بثبوت ملك في أرض العنوة ثبت الملك وارتفع الخلاف ويتعين ما حكم به الحاكم وهذا التقرير يطرد في مكة ومصر وغيرهما والقول بأن الدور وقف إنما يتناول الدور التي صادفها الفتح
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
لأن الأخبار تواترت بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما اختلفت في الوقت الذي وقع فيه التحريم ففي بعض الروايات أنه حرمها يوم خيبر وفي بعضها يوم الفتح وفي بعضها في غزوة تبوك وفي بعضها في حجة الوداع وفي بعضها في عمرة القضاء وفي بعضها عام أوطاس ا ه محل الحاجة منه بتصرف
وأما إجارة الفحول من الإبل والبقر والدواب للنزو ففي البداية أيضا أجاز مالك أن يكري الرجل فحله على أن ينزو أكواما معلومة ولم يجز ذلك أبو حنيفة ولا الشافعي وحجة من لم يجز ذلك ما جاء من النهي عن عسيب الفحل ومن أجازه شبهه بسائر المنافع وهذا ضعيف لأنه تغليب القياس على السماع ا ه المحتاج منه
وأما الإجارة فيما حكى الله تعالى عن نبيه شعيب مع موسى عليهما الصلاة والسلام إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإنها وإن قلنا إن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ ولم يرد هنا ناسخ إلا أنها إجارة عين أجلها وسمى عوضها وهو عقده على إحدى ابنتيه وكثير من المفسرين أنها الصغرى التي أرسلها في طلبه وقيل الكبرى ولا يرد عدم تبعيض البضع إذ لا يلزم تبعيض العوض فلذا زاد ابن عرفة لفظة بعضه في تعريف الإجارة بقوله بيع منفعة ما أمكن نقله غير سفينة ولا حيوان لا يعقل بعوض غير ناشئ عنها بعضه يتبعض بتبعضها ا ه
ونمنع كون الانتفاع بالبضع ليس متمولا بدليل أن من غصب امرأة ووطئها يلزمه مهرها كما في الخرشي والعدوي عليه فتأمل بإمعان
الشرط الثالث
كون المنفعة متقومة احترازا من التافه الحقير الذي لا يقابل بالعوض أي بالمال في نظر الشرع كاستئجار نار ليوقد منها سراجا وقد نص ابن يونس أن من قال ارق هذا الجبل ولك كذا أنه لا شيء له كما في الحطاب قال وقد اختلف في فروع نظرا إلى أن المنفعة هل هي متقومة أم لا كالمصحف والأشجار للتجفيف كما في البناني على عبق قال الخرشي يجوز استئجار المصحف لمن يقرأ فيه لجواز بيعه خلافا لابن حبيب في منعه إجارته ا ه
قال العدوي عليه أي لأن إجارته كأنها ثمن القرآن
12
12
أما إذا انهدمت تلك الأبنية وبنى أهل الإسلام دورا غير دور الكفار فهذه الأبنية لا تكون وقفا إجماعا وحيث قال مالك لا تكرى دور مكة يريد ما كان في زمانه باقيا من دور الكفار التي صادفها الفتح واليوم قد ذهبت تلك الأبنية فلا يكون قضاء الحاكم بذلك
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
بخلاف بيعه فإنه ثمن للورق والخط فابن حبيب يوافق على جواز بيعه ويخالف في إجارته فقد بيعت المصاحف في أيام عثمان رضي الله عنه فلم ينكر أحد من الصحابة ذلك فكان إجماعا ا ه
وفي الأصل واختلف في استئجار الأشجار لتجفيف الثياب فمنعه ابن القاسم ا ه أي وأجزأه ابن عبد السلام نظرا إلى أن الانتفاع به على هذا الوجه مما يتأثر الشجر به وينقص منفعة كثيرة منه فهي منفعة تتقوم كما في عبق وفي الخرشي قال في التوضيح والخلاف فيها خلاف في حال هل هذه منفعة متقومة أم لا ا ه
الشرط الرابع
أو تكون أي المنفعة مملوكة احترازا من الأوقاف على السكنى كبيوت المدارس والخوانق وكذا كل بلاد فتحها المسلمون عنوة وقد وقع الخلاف في مكة فذهب الشافعي إلا أنها فتحت صلحا محتجا بما روي أن خالد بن الوليد قتل قوما فوداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو دليل الصلح ولا خلاف عن مالك وأصحابه أنها فتحت عنوة محتجين باتفاق الأئمة على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة مجاهدا بالأسلحة ناشرا للألوية باذلا للأمان لمن دخل دار أبي سفيان وهذا لا يكون إلا في العنوة قطعا قالوا ويجب أن يعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ودى الطائفة الذين قتلهم خالد بن الوليد لكونه صلى الله عليه وسلم أمنهم وعصم دماءهم جميعا بين الأدلة وكان مقتضى اتفاق المالكية على أن مكة فتحت عنوة أن لا يقولوا بجواز كراء دورها لا سيما ومشهور مذهب مالك أن أرض العنوة تصير وقفا بمجرد الاستيلاء عليها سواء كانت أرض زراعة أو أرض دور كما في تحفة المريد السالك للبناني المكي لكن قال الشيخ أبو الوليد ابن رشد في كراء دور مكة أربع روايات عن مالك
الأولى المنع وهو المشهور قال الشيخ محمد البناني المكي في رسالته تحفة المريد السالك وإليه ذهب جماعة من أهل المذهب وهو سماع ابن القاسم عن مالك ا ه
وقاله أبو حنيفة والثانية الجواز قال الشيخ محمد البناني المكي أيضا وفي مقدمات ابن رشد أن الظاهر من مذهب ابن القاسم إجازة ذلك وهو مروي عن مالك أيضا كما في تبصرة اللخمي ثم قال وهو أشهر الروايات وهو المعتمد الذي به الفتوى وعليه جرى العمل من أئمة الفتوى والقضاة بمكة المشرفة قال وبه قال عمرو بن دينار وطاوس والشافعي وأحمد وأبو يوسف وابن المنذر كما في شرح العيني على البخاري ا ه
والثالثة الكراهة قال البناني المكي في تحفة المريد السالك ومن أهل المذهب من ذهب إلى كراهة بيع دور مكة وكرائها وهو مروي عن مالك أيضا ثم قال فيها أيضا قال في الموازنة وقد سمعت أن مالكا ا يكره كراء بيوت مكة ثم قال فإن قصد بالكراء الآلات والأخشاب جاز وإن قصد فيه البقعة فلا خير فيه ا ه
قال الحطاب وظاهره أن الكراهة على بابها أي للتنزيه ا ه
والرابعة تخصيصها أي الكراهة بالموسم لكثرة الناس واحتياجهم للوقف قال البناني المكي أيضا قال ابن رشد في المقدمات وحكى الداودي عنه أي عن مالك أنه كره كراءها في أيام الموسم خاصة انتهى وهكذا حكاه اللخمي عنه أيضا ا ه
وذلك لأمرين
13
13
خطأ نعم يختص ذلك بالقضاء بالملك والشفعة في الأرضين فإنها باقية أو نقول قول مالك رحمه الله تعالى إن البلد الفلاني فتح عنوة ليس هذا بفتيا يقلد فيها ولا مذهبا له يجب على مقلديه اتباعه فيه بل هذه شهادة وكذا لو قال مالك فلان أخذ ماله غصبا أو
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الأمر الأول أنهم استثنوا في مشهورهم المذكور مكة نظرا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد من بها على أهلها بأنفسهم وأموالهم فلا يقاس عليها غيرها فتكون أرض مكة ودورها ملكا لأهلها قال السهيلي في شرح البردة إنها فتحت عنوة غير أنه صلى الله عليه وسلم من على أهلها أنفسهم وأموالهم ولا يقاس عليها غيرها فأرضها إذا ودورها لأهلها ولكن أوجب الله عليهم التوسيع على الحجاج إذا قدموها فلا يأخذوا منهم كراء في مساكنها فهذا حكمها فلا عليك بعد هذا فتحت عنوة أو صلحا وإن كانت ظواهر الأحاديث أنها فتحت عنوة انتهى كما في تحفة المريد للبناني المكي الأمر الثاني قال الأصل ومثله لسند في الذخيرة كما في تحفة المريد السالك للبناني المكي اختلف العلماء في أرض العنوة هل تصير وقفا بمجرد الاستيلاء عليها وهو الذي حكاه الطرطوشي في تعليقه عن مالك أو للإمام قسمها كسائر الغنائم أو هو مخير في ذلك والقاعدة المتفق عليها أن مسائل الخلاف إذا اتصل ببعض أقوالها قضاء حاكم تعين القول به وارتفع الخلاف وتعين ما حكم به الحاكم وبهذا يجاب أيضا عما قيل إن مقتضى أن أرض العنوة لا تملك أنه يحرم كراء دور مصر وأراضيها فإن مالكا رحمه الله صرح في الكتاب أي في كتاب المدونة وغيره بأنها فتحت عنوة ويلزم على ذلك تخطئة القضاة في إثبات الأملاك وعقود الإجارات والأخذ بالشفعاء ونحو ذلك فيها وكذا في كل ما قيل إنها فتحت عنوة كمكة زاد الأصل على أن القول بأن الدور وقف إنما يتناول الدور التي صادفها الفتح أما إذا انهدمت تلك الأبنية وبنى أهل الإسلام دورا غير دور الكفار فهذه الأبنية لا تكون وقفا إجماعا وحيث قال مالك لا تكرى دور مكة مثلا يريد ما كان في زمانه باقيا من دور الكفار التي صادفها الفتح واليوم قد ذهبت تلك الأبنية فلا يكون قضاء الحاكم بذلك خطأ نعم يختص ذلك أي تخطئة القضاء بالقضاء بالملك والشفعة في الأرضين فإنها باقية ثابتة ا ه
كلام الأصل قال ابن الشاط ما قاله في ذلك أي هذا الجواب صحيح وأما جوابه عن الإيراد المذكور بأنا لا نسلم أنه يلزم على قول مالك أنها فتحت عنوة تخطئة القضاة فيما ذكر إلا إذا سلمنا أن قوله ذلك فتيا يقلد فيها ومذهب له يجب على مقلده اتباعه فيه ونحن لا نقول إلا أن قوله ذلك شهادة منه رحمه الله بمنزلة قوله فلان أخذ ماله غصبا وخالع امرأته وذلك أن المذهب الذي يقلد فيه الإمام مشروط بشرطين الأول أن يكون أحد خمسة أمور لا سادس لها أحدها الأحكام كوجوب الوتر وثانيها الأسباب كالمعاطاة وثالثها الشروط كالنية في الوضوء ورابعها الموانع كالدين في الزكاة
14
14
خالع امرأته لم يكن ذلك فتيا بل شهادة والقاعدة أن كل إمام أخبر عن حكم بسبب اتبع فيه وكان فتيا ومذهبا أو أخبر عن وقوع ذلك السبب فهو شهادة وأن المذهب الذي يقلد فيه الإمام خمسة أمور لا سادس لها الأحكام كوجوب الوتر والأسباب كالمعاطاة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وخامسها الحجاج كشهادة الصبيان والثاني أن يختص بالقول بأحد هذه الخمسة ويخالفه غيره فيه إذ لا يفهم من مذهب الإنسان في العادة إلا ما اختص به كقولك هذه طريق زيد إذا اختص به أو هذه عادته إذا اختصت به أما إذا انتفى الاختصاص بأن اتفق الجميع على شيء منها فإنه لا يكون مذهبا لأحد فلا يقال إن وجوب رمضان مذهب مالك ولا غيره بل ذلك ثابت بالإجماع
وأما ما عدا هذه الخمسة فلا يقال إنها مذهب يقلد فيه بل هو إما رواية أو شهادة أو غيرهما بل هو بمنزلة قول إمام زيد زنى فكما لا نوجب الرجم بذلك بل نقول هذه شهادة هو فيها أسوة جميع العدول إن كمل النصاب بشروطه رجمناه وإلا فلا كذلك قول مالك فتحت مصر أو مكة عنوة شهادة وإذا كانت شهادة وهو لم يباشر الفتح تعين أحد أمرين الأول أن يقال إنه نقل هذه الشهادة عن غيره وحينئذ لا يدرى هل أذن له ذلك الغير في النقل عنه أم لا وإن سلمنا أنه أذن له فقد عارضت هذه البينة بينة أخرى وهي أن الليث بن سعد والشافعي وغيرهما قالوا الفتح وقع صلحا فهل يمكن أن يقال إن أحد البينتين أعدل فتقدم أو يقال هذا لا سبيل إليه إذ العلماء أجل من أن نفاوت نحن بين عدالتهم ولو سلمنا الهجوم عليهم في ذلك فالمذهب أنه لا يقضى بأعدل البينتين إلا في الأموال وليس العنوة والصلح من هذا الباب فلم قلتم إنه يقضى فيه بأعدل البينتين والأمر الثاني أن يقال إنه لم ينقل هذه الشهادة عن أحد بل هي استقلال وحينئذ لا يتأتى أن يقال مستندها السماع لأن الأصحاب عدوا المسائل التي تجوز فيها الشهادة بالسماع خمسا وعشرين ليست هذه منها وسلمنا أنها منها لكن حصل المعارض المانع من الحكم بهذه الشهادة وإذا ثبت بهذا أن قوله رحمه الله إنها فتحت عنوة شهادة لا مذهب له حتى يقلد فيه فتجري مجرى الشهادات ظهر تخطئة من أفتى بتحريم البيع والإجارة والشفعة في هذه البقاع بناء على قوله فيها ذلك وكذلك يظهر تخطئة من يفتي من الشافعية بإباحة البيع والإجارة والشفعة في هذه البقاع بناء على قول الشافعي إنها فتحت صلحا ويجعلون هذا مما يقلد فيه وإنما هو شهادة لا بد فيها من آخر مع الشافعي يشهد بذلك ألا ترى أن الشافعي رحمه الله لو جاء حاكما شافعيا فقال له إن فلانا صالح امرأته على ألف دينار نقدا وقد صارت خلعا منه هل يقضي بقوله وحده فيخرق الإجماع أو يقول هذه شهادة لا بد فيها من آخر مع الشافعي يشهد بالخلع فكما يقول في مثل هذا ذلك ينبغي أن يقوله هنا كذلك وقد بسطت هذه المسائل في كتاب الأحكام في الفرق بين الفتاوى والأحكام وتصرف القاضي والإمام وهو كتاب نفيس فيه أربعون مسألة من هذا النوع ا ه
بتصرف فقد تعقبه ابن الشاط بما ملخصه أن قول مالك إنها فتحت عنوة لا يتعين كونه
15
15
والشروط كالنية في الوضوء والموانع كالدين في الزكاة والحجاج كشهادة الصبيان والشاهد واليمين فهذه الخمسة إن اتفق على شيء منها فليس مذهبا لأحد بل ذلك للجميع فلا يقال إن وجوب رمضان مذهب مالك ولا غيره بل ذلك ثابت بالإجماع فإنه
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
شهادة إذ من شرط الشهادة أن تكون خبرا يقصد المخبر به أن يترتب عليه فصل قضاء ولا إشعار في قول مالك المذكور بذلك القصد فتعين أن يكون نوعا من الخبر غير الشهادة فما بسطه في كتاب الأحكام في الفرق بين الفتاوى والأحكام من المسائل إن كانت من نوع ما قاله هنا مما لا دليل عليه ولا حاجة إليه فليس ذلك الكتاب بنفيس ا ه
قلت وفي الحواشي الشربيني على محلى جمع الجوامع أن خبر الواحد مع القرائن المنفصلة يفيد العلم الضروري كالمتواتر إلا أن حصوله في المتواتر بواسطة ما لا ينفك التعريف عنه عادة من القرائن المتصلة فكأنه من نفس الخبر بخلاف الواحد المذكور فحصوله فيه بواسطة القرائن المنفصلة ا ه
ولا شك أن قول مالك أن مكة فتحت عنوة كذلك لما تقدم من أن مالكا والشافعي وغيرهما قد اتفقوا على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة مجاهدا بالأسلحة ناشرا للألوية باذلا للأمان لمن دخل دار أبي سفيان وهذا لا يكون إلا في العنوة قطعا على أن في جمع الجوامع أن خبر الواحد بدون تلك القرائن يجب العمل به إجماعا في سائر الأمور الدينية سمعا ا ه
قال المحلي أي لا عقلا بشرطه لأنه صلى الله عليه وسلم كان يبعث الآحاد إلى القبائل والنواحي لتبليغ الأحكام كما هو معروف فلولا أنه يجب العمل بخبرهم لم يكن لبعثهم فائدة ا ه
قال العطار عن زكريا وشروطه عدالة وسمع وبصر وغيره مما هو معروف في محله ا ه
فتعين الجواب الأول عن الإيراد المذكور فتأمل بدقة وسبب الخلاف في كراء دور مكة أمران
الأول
ما مر من الخلاف في أنها فتحت عنوة أو صلحا وعلى الأول فهل ينظر إلى أنه قد من على أهلها بأنفسهم وأموالهم مطلقا أم لا مطلقا أم ينظر إليه في غير أيام الموسم
والأمر الثاني تعارض الأدلة قال الشيخ محمد البناني المكي في رسالته تحفة المريد السالك فاستدل القائل بالمنع بالكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد قالوا المراد بالمسجد الحرام مكة لما روى ابن حاتم وغيره عن ابن عباس وابن عمر وعطاء ومجاهد أن المسجد الحرام في هذه الآية الحرم كله وقد وصفه الله تعالى بقوله الذي جعلناه للناس سواء أي المؤمنين جميعا ثم قال سواء العاكف فيه والباد أي سواء المقيم في الحرم ومن دخل مكة من غير أهلها أو المقيم فيه والغريب سواء فدلت هذه الآية على منع بيع دور مكة وإجارتها لأن الله عز وجل جعلها للناس سواء فلا يختص أحد بملك فيها دون أحد قال القسطلاني على البخاري في قوله تعالى والمسجد الحرام ما نصه وأوله أبو حنيفة بمكة واستشهد له بقوله تعالى الذي جعلناه للناس سواء على عدم جواز بيع دورها وإجارتها ثم قال في موضع آخر وذهب ابن عباس وابن جبير وقتادة وغيرهم إلى أن التسوية بين البادي والعاكف في منازل مكة وهو مذهب أبي حنيفة
وقال محمد بن الحسن فليس المقيم بها أحق بالمنزل من القادم عليها انتهى وقال العيني في شرحه على البخاري وممن ذهب إلى عدم جواز بيع دور مكة وإجارتها أبو حنيفة ومحمد والثوري
16
16
إنما يفهم من مذهب الإنسان في العادة ما اختص به كقولك هذا طريق زيد إذا اختص به أو هذه عادته إذا اختصت به وإذا اختلف في شيء من ذلك نسب إلى القائل به وما عدا هذه الخمسة لا يقال إنها مذهب يقلد فيه بل هو إما رواية أو شهادة أو غيرهما كما
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وعطاء بن أبي رباح ومجاهد ومالك وإسحاق انتهى وأما السنة فأحاديث منها ما أخرجه الطحاوي عن علقمة بن فضلة الكناني قال كانت الدور على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ما تباع ولا تكرى ولا تدعى إلا السواد لم تبع رباعها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أبي بكر ولا عمر فمن احتاج سكن ومن استغنى أسكن ومنها ما أخرجه الطحاوي من طريق مجاهد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يحل بيع بيوت مكة ولا إجارتها ومنها ما رواه عبد الرزاق عن منصور عن مجاهد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال يا أهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبوابا لينزل البادي حيث شاء ومنها ما رواه الطحاوي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر نهى أهل مكة أن يغلقوا أبواب دورهم دون الحجاج ومنها ما أخرجه الطحاوي أيضا عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال من أكل كراء بيوت أهل مكة فإنما يأكل نارا في بطنه واستدل القائل بالجواز بما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أنه قال يا رسول الله أين تنزل غدا في دارك بمكة فقال هل ترك لنا عقيل من رباع أو دور وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب لم يرثه جعفر ولا علي شيئا وكان عقيل وطالب كافرين فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يرث المؤمن الكافر قال الفاكهي هذه الدار كانت لهاشم بن عبد مناف ثم صارت لابنه عبد المطلب فقسمها بين ولده فمن ثم صار للنبي صلى الله عليه وسلم حق أبيه عبد الله وفيها ولد النبي صلى الله عليه وسلم ا ه
قال القسطلاني وظاهر قوله وهل ترك لنا عقيل من رباع أنها كانت ملكه فأضافها إلى نفسه ثم قال وكان قد استولى عليها طالب وعقيل على الدار كلها باعتبار ما ورثاه من أبيهما لكونهما كانا لم يسلما وباعتبار ترك النبي صلى الله عليه وسلم لحقه منها بالهجرة وفقد طالب ببدر فباع عقيل الدار كلها
وقال العيني كان أبو طالب أكبر ولد عبد المطلب احتوى على أملاكه وحده على عادة الجاهلية من تقديم الأسن فتسلط عليها عقيل بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم فباعها وقال الداودي باع عقيل ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم ولمن هاجر من بني عبد المطلب كما كانوا يفعلون بدور من هاجر من المؤمنين وإنما أمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم تصرفات عقيل إما كرما وجودا وإما استمالة لعقيل وإما تصحيحا لتصرفات الجاهلية كما أنه يصح أنكحة الكفار ا ه
حكى الفاكهي أن هذه الدار لم تزل بيد أولاد عقيل إلى أن باعوها لمحمد بن يوسف أخي الحجاج بمائة ألف دينار ا ه
كما في العيني والقسطلاني ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أجاز بيع عقيل الدور التي ورثها دل ذلك على جواز بيعها قال الخطابي احتج بهذا الحديث على جواز بيع دور مكة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز بيع عقيل الدور التي ورثها وكان عقيل وطالب ورثا أباهما لأنهما إذ ذاك كانا كافرين فورثاها ثم أسلم عقيل فباعها ا ه
وأما ما استدل به على المنع فقد أجابوا عنه فأما عن حديث عبد الله بن
17
17
لو قال مالك أنا جائع أو عطشان فليس كل ما يقوله الإمام هو مذهب له بل تلك الخمسة خاصة ولو قال إمام زيد زنى لم نوجب الرجم بقوله بل نقول هذه شهادة هو فيها أسوة جميع العدول إن كمل النصاب بشروطه رجمناه وإلا فلا فكذلك قول مالك
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
عمرو المار فهو لأنه يقاوم حديث أسامة هذا في صحته لأن في سنده إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر وضعفه يحيى والنسائي والأصل في باب المعارضة التساوي ولئن سلمنا المساواة على تقدير فرض صحة حديث عبد الله بن عمرو فلا يكتفى بها بل يكشف عن وجه ذلك من طريق النظر فوجدنا أن ما يقضي به حديث أسامة أولى وأصوب من حديث عبد الله بن عمرو وذاك أن المسجد الحرام وغيره من المساجد وجميع المواضع التي لا تدخل في ملك أحد لا يجوز لأحد أن يبني فيها بناء ولا يحجر موضعا منها ألا ترى أن موضع الوقوف بعرفة لا يجوز أن ينبني فيه بناء وكذلك منى لا يجوز لأحد أن يبني فيها دارا لحديث عائشة رضي الله عنها قالت قلت يا رسول الله ألا تتخذ لك بمنى بيتا أو بناء يظلك قال لا يا عائشة إنها مناخ لمن سبق فقال أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه والطحاوي ووجدنا مكة على خلاف ذلك لأنه قد أجيز فيها البناء وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم دخل مكة في غزوة الفتح من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن دخل داره فهو آمن فأثبت لأبي سفيان ملك داره
وأثبت لهم أملاكهم على دورهم حيث أضافا إليهم فهذا يدل على أن مكة مما يبنى فيها الدور ومما يغلق عليها الأبواب فإذا كان كذلك تكون صفتها صفة المواضع التي تجري عليها الأملاك وتقع فيها المواريث فحينئذ يجوز بيع الدور التي فيها وتجوز إجارتها قال ابن قدامة أضاف النبي صلى الله عليه وسلم الدار لأبي سفيان إضافة ملك بقوله من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ولأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانت لهم دور بمكة دار لأبي بكر وللزبير بن العوام وحكيم بن حزام وغيرهم مما يكثر تعدادهم فبعض بيع وبعض في يد أعقابهم إلى اليوم وإن عمر رضي الله عنه اشترى من صفوان بن أمية دارا بأربعة آلاف درهم واشترى معاوية من حكيم بن حزام دارين بمكة إحداهما بستين ألف درهم والأخرى بأربعين ألف درهم وهذه قصص اشتهرت فلم تنكر فصارت إجماعا ولأنها أرض حية لم ترد عليها صدقة محرمة فجاز بيعها كسائر الأراضي ا ه
كما في العيني قال الحطاب في حاشيته على منسك خليل قال القاضي تقي الدين الفاسي والقول بمنع ذلك فيه نظر لأن غير واحد من علماء الصحابة وخلفائهم عملوا بخلافه في أوقات مختلفة ثم ذكر وقائع من ذلك عن عمر وعثمان وابن الزبير ومعاوية رضي الله عنهم قال الحطاب وعلى القول بجواز البيع والكراء اقتصر ابن الحاج فإنه قال في مناسكه واختلف أهل العلم في كراء بيوت مكة وبيعها فذكر الخلاف بين العلماء ثم قال وأباحت طائفة من أهل العلم بيع رباع مكة وكراء منازلها منهم طاوس وعمرو بن دينار وهو قول مالك والشافعي ثم ذكر حجج كل قول وقال والدليل على صحة قول مالك ومن قال بقوله قول الله عز وجل الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم وقوله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن دخل داره فهو آمن فأثبت لأبي سفيان ملك داره وأثبت لهم أملاكهم على دورهم
وقوله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع هل ترك لنا عقيل منزلا يدل على أنها ملك لأربابها وأن عمر ابتاع دارا بأربعة آلاف درهم وأن دور أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بأيدي أعقابهم منهم أبو بكر والزبير بن العوام وحكيم بن حزام وعمرو بن العاص وغيرهم
18
18
فتحت مصر عنوة أو مكة شهادة وإذا كانت شهادة فهو لم يباشر الفتح فيتعين أنه نقل هذه الشهادة عن غيره ولا يدري هل أذن له ذلك الغير في النقل عنه أم لا وإن سلمنا أنه أذن له فقد عارضت هذه البينة بينة أخرى
وهي أن الليث وابن مسعود والشافعي وغيرهما قالوا الفتح وقع صلحا
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وقد بيع بعضها وتصدق ببعضها ولم يكونوا يفعلون ذلك إلا في أملاكهم وهم أعلم بالله ورسوله ممن بعدهم ا ه
وأما عن قوله تعالى والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس الآية فهو أن المراد بالمسجد المسجد الذي يكون فيه النسك والصلاة لا سائر دور مكة قال ابن خزيمة إذ لو كان المسجد الحرام واقعا على جميع الحرم لما جاز حفر بئر ولا قبر ولا التغوط ولا البول ولا إلقاء الجيف والنتن ولا دخول الجنب والحائض الحرم والجماع فيه ولا نعلم عالما منع من ذلك ولا كره لجنب وحائض دخول الحرم ولا الجماع فيه ولو كان كذلك لجاز الاعتكاف في دور مكة وحوانيتها ولا يقول بذلك أحد كما في القسطلاني وأما عن حديث علقمة بن فضلة الكناني الذي أخرجه الطحاوي والبيهقي فهو أنه منقطع لأن علقمة ليس بصحابي والمنقطع لا تقوم به حجة كما قامت بحديث أسامة المسند الصحيح وأما عن حديث عبد الله بن عمر فهو أنه موقوف على ابن عمر والموقوف لا يقاوم حديث أسامة المرفوع وأما عما رواه عبد الرزاق عن منصور عن مجاهد والطحاوي عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما فهو أن المراد منهما كراهة الكراء رفقا بالوفود ولا يلزم من ذلك منع البيع والشراء والإجارة فيها ألا ترى أن عمر رضي الله عنه اشترى من صفوان بن أمية داره بأربعة آلاف درهم كما تقدم فلو كان بيع دور مكة حراما لما اشتراها منه فدل شراؤه رضي الله عنه على الجواز ا ه
كلام الشيخ محمد البناني المكي في تحفة المريد بتصرف وزيادة ما تنبيه في المدونة قال مالك أكره البنيان الذي أحدثه الناس بمنى قال سند وجملة ذلك أن منى لا ملك لأحد فيها وليس لأحد أن يحجر فيها موضعا يحوزه له إلا أن ينزل منها منزلا فيختص به حتى يفرغ من منسكه ويخرج منها والأصل في ذلك ما روته عائشة رضي الله عنها قالت قلنا يا رسول الله ألا تبني لك موضعا يظلك بمنى قال لا منى مناخ لمن سبق خرجه الترمذي والنسائي وهذا يمنع أن يحجر أحد فيها بنيانا إلا أن يكون نازلا بالبنيان الذي بها ثم وإن كان بها كره له أيضا قال مالك في الموازية لأنه تضييق على الناس وكره إجارة البنيان الذي بها والله أعلم أفاده البناني المكي في تحفة المريد
الشرط الخامس أن لا يتضمن استيفاء عين احترازا عن إجارة الأشجار لثمارها والغنم لنتاجها قاله الأصل وسلمه ابن الشاط ومثله في مختصر خليل إلا أنه زاد قيد قصد حيث قال بلا استيفاء عين قصد فقال بهرام احترز به من إجارة الثياب ونحوها فإن بعضها وإن ذهب بالاستعمال لكن بحكم التبع ولم يقصد بخلاف الثمرة والشاة والحاصل أن محط الفائدة قوله قصد
19
19
فهل يمكن أن يقال إن أحد البينتين أعدل فتقدم أو يقال هذا لا سبيل إليه والعلماء أجل من أن نفاوت نحن بين عدالتهم ولو سلمنا الهجوم عليهم في ذلك فالمذهب أنه لا يقضى بأعدل البينتين إلا في الأموال والعنوة والصلح ليسا من هذا الباب فلم قلتم إنه يقضى فيه
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وذلك لأن في الإجارة استيفاء عين لكن لا قصدا أفاده العدوي على الخرشي
وقال تبعا لعبق لا يخفى أن إطلاق الإجارة عليهما أي على الأشجار والغنم لما ذكر مجاز لأنه ليس فيهما بيع منفعة وإنما فيهما بيع ذات كما علم من كلامه فلا يحتاج لذكرهما في محترز هذا الشرط نعم يصح جعلهما محترزه إن استأجر الشجر لأمرين التجفيف عليها وأخذ ثمرتها والشاة للانتفاع بها في شيء يجوز الانتفاع بها فيه ولأخذ لبنها ا ه
وسلمه محشوا عبق قال الأصل واستثني من ذلك أي من منع ما يتضمن استيفاء عين إجارة المرضع للبنها للضرورة في الحضانة ا ه
قال الخرشي ولنص القرآن سواء كانت أجرة الظئر نقدا أو طعاما ولا يكون من باب بيع الطعام بالطعام إلى أجل للعلة السابقة ولو كان الرضيع محرم الأكل أي كجحش صغير أو مهر صغير أو غيرهما فيجوز أن تكرى له حمارة ترضعه للضرورة ا ه
قال العدوي عليه فالولد الصغير إذا لم يجد امرأة ترضعه يرضع على الحمار قاله شيخنا عبد الله ا ه
الشرط السادس
أن يقدر على تسليمها احترازا من استئجار الأخرس للكلام والأعمى للخط قال الخرشي من شروط المنفعة التي تحصل للمستأجر أن يكون مقدورا على تسليمها للمستأجر حسا فلا تجوز إجارة الأعمى للخط والأخرس للكلام وشرعا فلا تجوز الإجارة على إخراج الجان والدعاء وحل المربوط ونحو ذلك لعدم تحقق المنفعة ولا على تعليم الغناء ودخول الحائض المسجد ا ه
وكتب العدوي على قوله وشرعا ما نصه قد يقال يستغنى عن ذلك بقول المصنف ولا حظر كما في عبق ا ه
الشرط السابع أن تحصل للمستأجر احترازا من العبادات كالصوم ونحوه أي مما لا يقبل النيابة سواء كان واجبا عينا كصلاة الفرض أو كفائيا كصلاة الجنازة أو كان سنة كصلاة الوتر أو رغيبة كركعتي الفجر أو نفلا كأربع قبل الظهر وبعده
وقبل العصر قال البناني وأما الصلاة والصوم من سائر المندوبات كقراءة القرآن وسائر الأذكار فتجوز الإجارة عليها قال ابن فرحون في شرح ابن الحاجب بعد ذكر قول ابن عبد السلام ولا يلزم من تعين العبادة وجوبها لأن أكثر مندوبات الصلاة أي والصوم متعينة كصلاة الفجر والوتر وصيام عاشوراء وعرفة فهذه يمنع الاستئجار عليها وإن لم تكن واجبة على المكلف ومعنى تعينها على المكلف أنه لا يصح وقوعها من غير من خوطب بها فلو أجيز الاستئجار عليها لأدى ذلك إلى أكل المال بالباطل ا ه
قالوا هذا حكم الصلاة والصوم الواجب من ذلك والمندوب وأما قراءة القرآن فالإجارة عليها مبنية على وصول ثواب القراءة للميت ثم استدل على أن الراجح وصول ذلك له بكلام ابن رشد وغيره انظر مصطفى الرماصي ا ه
كلام البناني قال وقد نص ابن عبد السلام وغيره على منع الاستئجار على صلاة الجنازة
20
20
بأعدل البينتين ولا يمكن أن يقال هذه الشهادة ليست نقلا عن أحد بل هي استقلال ومستندها السماع لأنا نمنع أن هذه المسألة مما تجوز فيه الشهادة بالسماع وقد عد الأصحاب مسائل السماع خمسة وعشرين مسألة ليست هذه منها ولو سلمنا أنها منها لكن
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
قال ابن فرحون فإن قلت صلاة الجنازة عبادة لا يتعين فعلها على أحد ولا يجوز الاستئجار عليها قلت لما كانت عبادة من جنس الصلاة المتميزة بصورتها للعبادة والصلاة لا تفعل لغير العبادة منع الاستئجار عليها
وأما الغسل فيكون للعبادة والنظافة وغير ذلك وكذا الحمل للميت شاركه في الصورة أشياء كثيرة فلم يتمحض بصورته للعبادة في جميع أنواعه بخلاف صلاة الجنازة فألحقت بما أشبهته ا ه
انظر مصطفى الرماصي
ا ه
قال العدوي على الخرشي وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يمكن الاستئجار فيه كما أفاده في حاشية اللقاني ا ه
أي لأن كلا منهما لما لم يفعل لغير العبادة منع الاستئجار عليه وفي بداية الحفيد واتفقوا على إبطال كل منفعة كانت فرض عين على الإنسان بالشرع مثل الصلاة وغيرها واختلفوا في إجارة المؤذن على الأذان فقوم لم يروا فيه بأسا وقوم كرهوا ذلك محتجين بما روي عن عثمان بن أبي العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذوا مؤذنا لا يتخذ على أذانه أجرا والمبيحون قاسوه على الأفعال غير الواجبة وهذا هو سبب الاختلاف في أنه هل هو واجب أم ليس بواجب واختلفوا أيضا في الاستئجار على تعليم القرآن فأجازه قوم محتجين بما روي عن خارجة بن الصامت عن عمه قال أقبلنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتينا على حي من أحياء العرب فقالوا إنكم جئتم من عند هذا الحبر فهل عندكم دواء أو رقية فإن عندنا معتوها في القيود فقلنا لهم نعم فجاءوا به فجعلت أقرأ عليه فاتحة الكتاب ثلاثة أيام غدوة وعشية أجمع بزاقي ثم أتفل عليه فكأنما نشط من عقال فأعطوني جعلا فقلت لا حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته فقال كل لعمري من أكل برقية باطل فلقد أكلت برقية حق وبما روي عن أبي سعيد الخدري أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا في غزاة فمروا بحي من أحياء العرب فقالوا هل عندكم من راق فإن سيد الحي قد لدغ أو قد عرض له قال فرقى رجل بفاتحة الكتاب فبرئ فأعطي قطيعا من الغنم فأبى أن يقبلها فسأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بم رقيته قال بفاتحة الكتاب قال وما يدريك أنها رقية قال ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خذوها واضربوا لي معكم فيها بسهم
وكرهوه أي حرمه قوم آخرون قائلين هو من باب الجعل على تعليم الصلاة قالوا ولم يكن الجعل المذكور في الإجارة على تعليم القرآن وإنما كان على الرقي والاستئجار والرقي عندنا جائز سواء كان بالقرآن أو غيره لأنه كالعلاجات وليس واجبا على الناس وأما تعليم القرآن فهو واجب على الناس ا ه بتصرف فافهم
الشرط الثامن
كونها معلومة احترازا من المجهولات من المنافع كمن استأجر آلة لا يدري ما يعمل بها أو دارا لمدة غير معلومة وذلك أن شرط الإجارة التي هي عقد من العقود أن تكون صادرة من عاقد كالعاقد الصادر منه البيع
21
21
حصل المعارض المانع من الحكم بهذه الشهادة وبهذا التقرير يظهر لك أن من أفتى بتحريم البيع والإجارة والشفعة في هذه البقاع بناء على قول مالك إنها فتحت عنوة خطأ وأن هذا ليس مذهبا لمالك بل هي شهادة لا يقلد فيها بل تجري مجرى الشهادات وكما
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
وأن تكون بأجر كالأجر الذي مراد به العوض الذي هو الثمن وأما المثمن وهو المنافع فلما كان من شأنها أن تكون وقت العقد معدومة كان في العقد عليها غرر وبيع لما لم يخلق حتى حكي عن الأصم وابن علية منع الإجارة لذلك إلا أن جميع فقهاء الأمصار والصدر الأول قالوا بجوازها نظرا إلى أنها وإن كانت معدومة لكنها مستوفاة في الغالب والشرع إنما لحظ من هذه المنافع ما يستوفى في الغالب أو يكون استيفاؤه وعدم استيفائه على السواء ولا يتحقق ما يستوفى إلا بتعينه واستدلوا على جوازها من الكتاب بقوله تعالى فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وقوله تعالى إني أريد أن أنكحك الآية ومن السنة الثابتة ما خرجه البخاري عن عائشة قالت استأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الديل هاديا خريتا وهو على دين كفار قريش فدفعا إليه راحلتيهما ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما وحديث جابر أنه باع من النبي صلى الله عليه وسلم بعيرا وشرط ظهره إلى المدينة وما جاز استيفاؤه بالشرط جاز استيفاؤه بالأجر كما في بداية الحفيد والله أعلم
تنبيه ما تقدم عن الأصل من أن الأصحاب عدوا المسائل التي تجوز فيها الشهادة بالسماع خمسا وعشرين هو بحسب ما عنده وحضره وإلا فهي تزيد على ذلك وفي حاشية الصاوي على شرح أقرب المسالك أنهى بعضهم مسائل ما تجوز فيه شهادة السماع لاثنتين وثلاثين مسألة وقد جمعت في أبيات ونصها أيا سائلي عما ينفذ حكمه ويثبت سمعا دون علم بأصله ففي العزل والتجريح والكفر بعده وفي سفه أو ضد ذلك كله وفي البيع والأحباس والصدقات والرضاع وخلع النكاح وحله وفي قسمة أو نسبة وولاية وموت وحمل والمضر بأهله ومنها الهبات والوصية فاعلمن وملك قديم قد يضن بمثله ومنها ولادات ومنها حرابة ومنها الإباق فليضم لشكله وقد زيد فيها الأسر والفقد والملا ولوث وعتق فاظفرن بنقله فصارت لدي عد ثلاثين اتبعت بسنتين فاطلب نصها في محله ا ه
وفي شرح التاودي على نظم ابن عاصم جملة ما ذكره الناظم من مسائل ما تجوز فيه شهادة السماع تسعة عشر وعدها ابن العربي إحدى وعشرين فقال أيا سائلي إلى آخر البيت الرابع وزاد ولده ستة فقال منها الهبات إلى قوله فليضم لشكله فدونكها عشرين من بعد سبعة تدل على حفظ الفقيه ونبله أبي نظم العشرين من بعد واحد فأتبعتها ستا تماما لفعله وزاد ابن عبد السلام خمسة ونظمها بعضهم فقال
22
22
يرد هذا السؤال على المالكية في العنوة يرد على الشافعية في قول الشافعي إنها فتحت صلحا ويبنون على ذلك الفتيا بالإباحة ويجعلون هذا مما يقلد فيه وإنما هو شهادة أيضا بالصلح وليت شعري لو أن حاكما شافعيا جاءه الشافعي فقال له إن فلانا صالح امرأته على ألف دينار نقدا وقد صارت خلعا منه هل يقضي بقوله وحده فيخرق الإجماع أو نقول هذه شهادة لا بد فيها من آخر مع الشافعي يشهد بالخلع فينبغي له أن يفعل هنا كذلك وقد بسطت هذه المسائل في كتاب الأحكام في الفرق بين الفتاوى والأحكام وتصرف القاضي والإمام
وهو كتاب نفيس فيه أربعون مسألة من هذا النوع
الفرق الرابع والمائتان بين قاعدة ما للمستأجر أخذه من ماله بعد انقضاء الإجارة وبين قاعدة ما ليس له أخذه
الفرق بين هاتين القاعدتين مبني على قاعدة وهي أن الشرع لا يعتبر من المقاصد إلا ما تعلق به غرض صحيح محصل لمصلحة أو دارئ لمفسدة لذلك لا يسمع الحاكم الدعوى في الأشياء التافهة الحقيرة التي لا يتشاح العقلاء فيها عادة كالسمسمة ونحوها فلهذه القاعدة أيضا لا يقبل قول المستأجر في قلع الأشياء التي لا قيمة لها بعد القلع وإن كانت
هامش أنوار البروق
قال
الفرق الرابع والمائتان بين قاعدة ما للمستأجر أخذه من ماله بعد انقضاء الإجارة وبين قاعدة ما ليس له أخذه
قلت فيه نقل أقوال ولكن في ذلك كله نظر فإن تقدير بناء أو شجر ونحو ذلك لا تكون له قيمة بعد القلع بخلافه
هامش إدرار الشروق
وقد زيد فيها إلى قوله فاطلب نصها في محله ونظمها أيضا العبدوسي وذيله ابن غازي بما زاده عليه إلى أن قال في آخره لولا التداخل بعد ذي في الزائد لبلغت عشرين دون واحد ا ه بإصلاح البيت الأخير والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الرابع والمائتان بين قاعدة ما للمستأجر أخذه من ماله بعد انقضاء الإجارة وبين قاعدة ما ليس له أخذه
وهو أن ما لا قيمة له من الزرع بعد القلع ومن البناء بعد الهدم وإن عظمت قيمته قبل القلع والهدم لا يقبل في قلعه أو هدمه قول المستأجر بل يتعين عليه إبقاؤه في الأرض المستأجرة ينتفع به صاحب الأرض ويحصل له بسببه تلك المالية العظيمة وكذلك المستحق منه والغاصب ونحوهما لأن قلعه أو هدمه بمجرد الفساد لا لحصول مصلحة تستحصل للقالع والهادم ولا لدرء مفسدة عنه والقاعدة أن الشرع لا يعتبر من المقاصد إلا ما تعلق به غرض صحيح محصل لمصلحة أو دارئ لمفسدة
23
23
عظيمة المالية قبل القلع وكذلك البناء العظيم الذي لا قيمة له بعد الهدم وإن عظمت قيمته قبل الهدم وكذلك المستحق منه والغاصب ونحوهما الجميع في ذلك سواء لأن قلعه لمجرد الفساد لا لحصول مصلحة تحصل للقالع ولا لدرء مفسدة عنه فيتعين بقاؤه في الأرض المستأجرة ينتفع به صاحب الأرض ويحصل له بسببه تلك المالية العظيمة ويعطيه له بغير شيء فإنه مستحق الإزالة شرعا وعلى تقدير الإزالة تبطل تلك المالية فهي مالية مستهلكة على واضعها شرعا والمستهلك شرعا لا يجب فيه قيمة ويؤيد ذلك نهيه عليه السلام عن إضاعة المال وهدم مثل هذا البناء
وقلع مثل هذا الشجر إضاعة للمال فوجب المنع منه فلهذه القاعدة أجمع الناس على أن العروض تتعين بالتعيين وكذلك الحيوان والطعام لأن لهذه الأشياء من الخصوصيات والأوصاف ما تتعلق به الأغراض الصحيحة وتميل إليه العقول السليمة والنفوس الخالصة لما في تلك المعنيات من الملاذ الخاصة في تلك الأعيان ومقتضى هذه القاعدة أنه إذا عين صاعا من صبرة وباعه أنه لا يتعين لأن
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
ولذلك لا يسمع الحاكم الدعوى في الأشياء التافهة الحقيرة التي لا يتشاح العقلاء فيها عادة كالسمسمة ونحوها وإذا أعطى المستأجر أو المستحق منه أو الغاصب ونحوهم لصاحب الأرض ما ذكر من الزرع أو البناء اللذين لا قيمة لهما بعد الإزالة بالقلع أو الهدم فهو يعطيه له بغير شيء ضرورة أنه مستحق الإزالة شرعا وعلى تقدير الإزالة تبطل تلك المالية فهي مالية مستهلكة على واضعها شرعا والمستهلك شرعا لا يجب فيه قيمة
ويؤيد ذلك نهيه عليه السلام عن إضاعة المال وهدم مثل هذا البناء وقلع مثل هذا الشجر إضاعة للمال فوجب المنع منه وأما ما له قيمة من الزرع بعد القلع ومن البناء بعد الهدم فيقبل في قلعه أو هدمه قول المستأجر وكذلك المستحق منه والغاصب ونحوهما لأن قلعه أو هدمه لحصول مصلحة تحصل للقالع والهادم لا لمجرد الفساد كذا قال الأصل وفي فصل الاستحقاق من مختصر خليل مع شرح عبق وإن زرع غاصب أرض أو منفعتها فاستحقت الأرض أي أقام مالكها فإن لم ينتفع بالزرع قبل ظهوره أو بعده أخذ بلا شيء في مقابلة بذره أو أجرة حرثه أو غيره أي قضي للمستحق بأخذه إن شاء مجانا ونص التوضيح إن أقام رب الأرض بعد الحرث وقبل الزراعة ففي اللخمي وغيره أنه يأخذه بغير شيء وإن كان قيامه بعد الزراعة وقبل ظهور الزرع أو بعد ظهوره وقبل أن ينتفع به فله أن يأمره بقلعه أو يأخذه ابن القاسم وأشهب بغير ثمن ولا ذريعة ا ه
وليس له إبقاؤه وأخذ كراء الأرض لأنه يؤدي إلى بيع الزرع قبل بدو صلاحه كما يأتي نحوه عن ابن يونس وإلا بأن بلغ أن ينتفع به ولو لرعي البهائم فله أي للمستحق به قلعه أي أمره بذلك وبتسوية الأرض وذكر شرطا في قوله أخذ بلا شيء وقوله فله قلعه فقال إن لم يفت أي إبان ما أي زرع تراد له مما زرع فيها كما حمل عبد الحق وغيره
24
24
الأغراض الصحيحة مستوية في أجزاء الصبرة غير أني لا أعلم أحدا قال بعدم التعين
واختلفوا في الدنانير والدراهم إذا عينت هل تتعين أم لا ثلاثة أقوال ثالثها إن عينها
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
المدونة عليه وهو الذي يدل عليه كلام التوضيح وابن عرفة ونص العتبية ومن تعدى فزرع أرض رجل فقام عليه بعد إبان الزرع وقد كبر الزرع واشتد فأراد قلع الزرع وقال أريد أكريها مقثأة أو أزرعها بقلا وهي أرض سقي يمكنه الانتفاع بها فليس له ذلك وليس له بعد إبان الزرع إلا كراؤه وإن كانت أرض سقي ينتفع بها لما ذكرت وإنما له ذلك إن لم يفت إبان الزرع الذي فيها ولا حجة له أنه يريد قلبها والكراء له عوض من ذلك ا ه
وأشار لقسيم قوله فله قلعه وهو الشق الثاني من التخيير بقوله وله أي لرب الأرض أخذه بقيمته على المختار مقلوعا تقديرا ويبقيه في الأرض ويسقط من قيمته مقلوعا عنه كلفة قلعه أن لو قلع حيث كان الغاصب شأنه أن لا يتولاها بنفسه أو خدمه على ما لابن المواز في بناء الغاصب وغرسة وهو المعول عليه هناك فينبغي أن يعول عليه هنا أيضا فإذا كان شأنه توليه بنفسه أو خدمه أخذه بقيمته مقلوعا من غير إسقاط كلفة قلعه لو قلع وكما له أخذه بقيمته مقلوعا له إبقاؤه لزارعه وأخذ كراء السنة منه في الفرض المذكور أي بلغ أن ينتفع به ولم يفت وقت ما ترد له دون القسم الأول في المصنف وهو ما إذا لم ينتفع به فليس له إبقاؤه وأخذ كرائها منه وفرق ابن يونس أي وابن المواز بأنه فيه يؤدي إلى بيع الزرع قبل بدو صلاحه لأن مالك الأرض لما مكنه الشرع من أخذه بلا شيء وإبقاء لزارعه بكراء فكان ذلك الكراء عوضا عنه في المعنى فهو بيع له على التبقية وهو مبني على أن من خير بين أمرين عد منتقلا كما قال المازري وإلا بأن فات وقت ما ترد له فكراء مثلها في السنة لازم للغاصب واعتمد المصنف في هذا على ما نقله في التوضيح عن اللخمي ونصه وإن كان قيامه بعد الإبان فقال مالك الزرع للغاصب وعليه كراء الأرض وليس لربه قلعه اللخمي وهو المعروف من قوله وذكر رواية أخرى أن للمستحق أن يقلعه ويأخذ أرضه بقوله صلى الله عليه وسلم ليس لعرق ظالم حق وروي عن مالك أيضا أن الزرع للمغصوب منه الأرض وإن طاب وحصد واختار هذه الرواية الثالثة غير واحد لما في الترمذي من زرع أرضا لقوم بغير إذنهم فالزرع لرب الأرض وعليه نفقته ا ه
وذكر ابن يونس في الرواية الثانية أنها أصح كما في المواق فظهر ترجيح كل من الروايات الثلاث لكن الثالثة شاذة عن الإمام وقد بحث ابن عرفة في الفتوى بها بذلك وأجيب كما في المعيار بأن التشديد على الظلمة والمحدثين من أهل البغي والفساد مألوف من الشرع وقواعد المذهب وهل فوات الإبان بالنظر إلى زمن الخصام أو إلى يوم الحكم والظاهر أنه يجري فيه القولان اللذان ذكرهما ابن عرفة في ذي الشبهة ومال إلى يوم الحكم إن كانت المخاصمة بما له وجه انظر الرهوني ا ه
مع اقتصار على ما عول عليه البناني والرهوني وكنون وزيادة منهم نعم انظر ابن الشاط في كلام الأصل بأن تقدير بناء أو شجر ونحو ذلك لا تكون له قيمة بعد القلع كفرض محال والله تعالى أعلم ا ه بلفظه

25
25
الدافع تعينت لأنه أملك بها وهو مالكها وإن عينها القابض لا تتعين إلا أن تختص بصفة حلي أو سكة رائجة أو غير ذلك تعينت اتفاقا وهذه الأقوال الثلاثة عندنا وبالتعيين قال الشافعي والمشهور عندنا عدم التعيين فبهذه القاعدة يظهر الفرق بين ما للمستأجر أن يأخذه من ماله وما لا يأخذه منه
الفرق الخامس والمائتان بين قاعدة ما يضمن بالطرح من السفن وبين قاعدة ما لا يضمن
قال مالك إذا طرح بعض الحمل للهول شارك أهل المطروح من لم يطرح لهم شيء في متاعهم وكان ما طرح وسلم لجميعهم في نمائه ونقصه بثمنه يوم الشراء إن اشتروا من موضع واحد بغير محاباة لأنهم صانوا بالمطروح ما لهم والعدل عدم اختصاص أحدهم بالمطروح إذ ليس أحدهم بأولى من الآخر وهو سبب سلامة جميعهم فإن اشتروا من مواضع أو اشترى بعض أو طال زمان الشراء حتى تغيرت الأسواق اشتركوا بالقيم يوم الركوب دون يوم الشراء لأنه وقت الاختلاط
وسواء طرح الرجل متاعه أو متاع غيره بإذنه أم لا قال ابن أبي زيد ولا يشارك من لم يرم بعضهم بعضا لأنه لم يطرأ سبب يوجب ذلك
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
فائدة
قال الأصل القاعدة أن الشرع لا يعتبر من المقاصد إلا ما تعلق به غرض صحيح إلخ أجمع الناس على أن العروض تتعين بالتعيين وكذلك الحيوان والطعام لأن لهذه الأشياء من الخصوصيات والأوصاف ما تتعلق به الأغراض الصحيحة وتميل إليه العقول السليمة والنفوس الخالصة لما في تلك المعينات من الملاذ الخاصة في تلك الأعيان ومقتضى هذه القاعدة أنه إذا عين صاعا من صبرة وباعه أنه لا يتعين لأن الأغراض الصحيحة مستوية في أجزاء الصبرة غير أني لا أعلم أحدا قال بعدم التعيين واختلفوا في الدنانير والدراهم إذا عينت هل تتعين أم لا ثلاثة أقوال ثالثها إن عينها الدافع تعينت لأنه أملك بها وهو مالكها وإن عينها القابض لا تتعين إلا أن تختص بصفة حلي أو سكة رائجة أو غير ذلك تعينت اتفاقا وهذه الأقوال الثلاثة عندنا وبالتعيين قال الشافعي والمشهور عندنا عدم التعيين ا ه
والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الخامس والمائتان بين قاعدة ما يضمن بالطرح من السفن وبين قاعدة ما لا يضمن وهو أنه يرجع بضمان ما يطرح منها للهول من أموال التجارة فيما سلم منها لا فيما سلم من غيرها ضرورة أن المقصود من ركوب البحر إنما هو مال التجارة لا نفس المركب ولا صاحبه ولا النواتية ولو عبيدا أو لا ما يراد للنفقة أو للقنية أما أولا فلأن هذه كلها وسائل ولا يرجع بالمقاصد إلا في المقاصد

26
26
بخلاف المطروح له مع غيره قال ابن حبيب وليس على صاحب المركب ولا النواتية ضمان كانوا أحرارا أو عبيدا إلا أن يكونوا للتجارة فتحسب قيمتهم ولا على من لا متاع له لأن هذه كلها وسائل والمقصود من ركوب البحر إنما هو مال التجارة ويرجع بالمقاصد في المقاصد ومن معه دنانير كثيرة يريد بها التجارة فكالتجارة بخلاف النفقة وما يراد للقنية وقال ابن بشير لا يلزم في العين شيء من المطروح لأنه لا يحصل الغرق بسببها لخفتها وقال سحنون يدخل المركب في قيمة المطروح لأنه مما سلم بسبب الطرح
وقال أبو محمد إن خيف عليه بصدم قاع البحر فطرح لذلك دخل في القيمة وقال أهل العراق يدخل المركب وما فيه للقنية أو التجارة من عبيد وغيرهم لأن أثر المطروح سلامة الجميع وجوابهم أن شأن المركب أن يصل برجاله سالما إلى البر وإنما يغرقه ما فيه عادة وإزالة السبب المهلك لا يوجب شركة بل فعل السبب المنجي وهو فرق حسن فتأمله فإن فاعل الضرر شأنه أن يضمن فإذا زال ضرره ناسب أن لا يضمن لعدم سبب
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وأما ثانيا فلأن شأن المركب أن يصل برجاله سالما إلى البر وإنما يغرقه ما فيه عادة وإزالة السبب المهلك لا يوجب شركة بل فعل السبب المنجي هو الذي يوجبه ألا ترى أن فاعل الضرر شأنه أن يضمن فإذا زال ضرره ناسب أن لا يضمن لعدم سبب الضمان وفاعل النفع محصل لعين المال فناسب أن يستحقه أو بعضه لأن موجد الشيء شأنه أن يكون له وهو فرق حسن
وعليه قال مالك إذا طرح بعض الحمل للهول شارك أهل المطروح من لم يطرح له شيء في متاعهم وما طرح وسلم لجميعهم في تمامه ونقصه بثمنه يوم الشراء إن اشتروا من موضع واحد بغير محاباة لأنهم صانوا بالمطروح ما لهم والعدل عدم اختصاص أحدهم بالمطروح إذ ليس أحدهم بأولى من الآخر وهو سبب سلامة جميعهم فإن اشتروا من مواضع أو اشترى بعض دون بعض أو طال زمان الشراء حتى تغيرت الأسواق اشتركوا بالقيم يوم الركوب دون يوم الشراء لأنه وقت الاختلاط وسواء طرح الرجل متاعه أو متاع غيره بإذنه أم لا قال ابن أبي زيد ولا يشارك من لم يرم بعضهم بعضا لأنه لم يطرأ سبب يوجب ذلك بخلاف المطروح له مع غيره ا ه قال ابن حبيب وليس على صاحب المركب ولا النواتية ضمان كانوا أحرارا أو عبيدا إلا أن يكونوا للتجارة فتحسب قيمتهم ولا على من لا متاع له لأن هذه كلها وسائل والمقصود من ركوب البحر إنما هو مال التجارة ويرجع بالمقاصد في المقاصد ومن معه دنانير كثيرة يريد بها التجارة فكالتجارة بخلاف النفقة وما يراد للقنية ا ه
قال الأصل فإن صالحوا صاحب المطروح بدنانير ولا يشاركهم جاز إذا عرفوا ما يلزمهم في القضاء ا ه
وبالفرق المذكور يجاب عن قول ابن بشير لا يلزم في العين شيء من المطروح لأنه لا يحصل الغرق بسببها لخفتها ا ه

27
27
الضمان وفاعل النفع محصل لعين المال فناسب أن يستحقه أو بعضه لأن موجد الشيء شأنه أن يكون له فإن صالحوا صاحب المطروح بدنانير ولا يشاركهم جاز إذا عرفوا ما يلزمهم في القضاء فإن خرج بعد الطرح من البحر سالما فهو له
وتزول الشركة أو خرج وقد نقص نصف قيمته انتقص نصف الصلح ويرد نصف ما أخذ
سؤال إذا وجدت الدابة المصالح عليها في التعدي أو العارية تكون لمن صالح عليها وها هنا المصالح عليه لصاحبه فما الفرق جوابه التعدي ينقل المتعدى عليه للذمة بالقيمة فيكون له لأن القيمة للمتعدى عليه فلا يجمع له بين العوض والمعوض عنه والبحر شيء توجبه الضرورة فلا يحصل الصلح فيه بيعا لا ينتقض وإن لم يكن في السفينة غير الآدميين لم يجز رمي واحد منهم لطلب نجاة الباقين وإن كان ذميا قال الطرطوشي في تعليقه ويبدأ بطرح الأمتعة ثم البهائم لشرف النفوس قال وهذا الطرح عند الحاجة واجب ولا يجري فيه القولان اللذان للعلماء في دفع الداخل عليك البيت لطلب النفس أو المال ولا من اضطر إلى أكل الميتة ففيهما قولان أحدهما يجب الدفع والأكل
وثانيهما لا يجبان لقصة ابني آدم ولقوله عليه السلام كن عبد الله المقتول ولا تكن
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وعن قول سحنون أيدخل المركب في قيمة المطروح لأنه مما سلم بسبب الطرح ا ه
وعن قول أبي محمد إن خيف عليه بصدم قاع البحر فطرح لذلك دخل في القيمة ا ه
وعن قول أهل العراق يدخل المركب وما فيه للقنية أو التجارة من عبيد وغيرهم لأن أثر المطروح سلامة الجميع ا ه
فتأمل بإمعان والله أعلم وصل في ثلاث مسائل تتعلق بهذا الفرق المسألة الأولى إن خرج المطروح بعد الطرح من البحر سالما فهو لمالكه وتزول شركته لمن لم يطرح لهم شيء أو خرج وقد نقص نصف قيمته انتقص نصف الصلح ويرد نصف ما أخذ والفرق بين المطروح المصالح عليه ها هنا إذا خرج يكون لصاحبه وبين الدابة المصالح عليها في التعدي والعارية إذا وجدت تكون لمن صالح عليها لا لصاحبها هو أن التعدي ينقل المتعدى عليه للذمة بالقيمة فيكون له لأن القيمة للمتعدى عليه فلا يجمع له بين العوض والمعوض عنه والطرح في البحر شيء توجبه الضرورة فلا يحصل الصلح فيه بيعا لا ينتقض المسألة الثانية إن لم يكن في السفينة غير الآدميين لم يجز رمي واحد منهم لطلب نجاة الباقين وإن كان ذميا قال الطرطوشي في تعليقه ويبدأ بطرح الأمتعة ثم البهائم لشرف النفوس قال وهذا الطرح عند الحاجة واجب ولا يجري القولان اللذان للعلماء في دفع الداخل عليك البيت لطلب النفس أو المال ولا من اضطر إلى أكل الميتة فإن فيهما قولين أحدهما يجب الدفع والأكل وثانيهما
28
28
عبد الله القاتل وعليه اعتمد عثمان رضي الله عنه في تسليم نفسه والفرق أن التارك للقتل والأكل هنالك تارك لئلا يفعل محرما وها هنا لبقاء المال
واقتناؤه ليس واجبا وأكل الميتة وسفك الدم محرم وما وضع المال إلا وسيلة لبناء النفس ولم يوضع قتل الغير وأكل الميتة وسيلة لذلك ولا يضمن الطارح هنا ما طرحه اتفاقا ولمالك في أكل مال الغير للمجاعة قولان بالضمان وعدمه ولا يضمن بدفع الفحل إذا قتله لأنه كان يجب على صاحبه قتله صونا للنفس فقد قام عن صاحبه بواجب
وقال أبو حنيفة والشافعي رضي الله عنهما لا يضمن أحد من أهل السفينة إلا الطارح إن طرح مال غيره وإن طرح مال نفسه فمصيبته منه ولو استدعى غيره منه ذلك ووافقونا إذا قال اقض عني ديني فقضاه وفي اقتراض المرأة على زوجها الغائب واقتراض الوصي لليتيم فإنه يأخذ من ماله نظرا له قلنا القياس على هذه الصورة بجامع السعي في القيام عن الغير بواجب لأنهم أجمعين يجب عليهم حفظ نفوسهم وأموالهم فمن بادر منهم قام بذلك الواجب احتجوا بأن السلامة بالطرح غير معلومة بخلاف الصائل وبالقياس على الآدميين وأموال القنية
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
لا يجبان لقصة ابني آدم لقوله عليه السلام كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل وعليه اعتمد عثمان رضي الله عنه في تسليم نفسه والفرق بينهما وبين ما هنا من وجهين الأول أن التارك للقتل والأكل فيهما تارك لئلا يفعل محرما وهو أكل الميتة وسفك الدم وليس طرح المال ها هنا إلا لبقاء المال واقتناؤه ليس واجبا فافهم
الوجه الثاني أن المال ما وضع إلا لبقاء النفس ولم يوضع قتل الغير وأكل الميتة وسيلة لذلك المسألة الثالثة لا يضمن الطارح هنا ما طرحه عند مالك اتفاقا كما لا يضمن إذا قتل الفحل بدفعه لأنه كان يجب على صاحبه قتله صونا للنفس فقد قام عن صاحبه بواجب وفي ضمان مال الغير إذا أكل للمجاعة وعدم ضمانه قولان عنده
وقال أبو حنيفة والشافعي رضي الله عنهما لا يضمن أحد من أهل السفينة إلا الطارح إن طرح مال غيره وإن طرح مال نفسه فمصيبة منه ولو استدعى غيره منه ذلك ووافقونا إذا قال اقض عني فقضاه وفي اقتراض المرأة على زوجها الغائب واقتراض الوصي لليتيم فإنه يأخذ من ماله نظرا له وحجتنا القياس على الصورة المذكورة كما تقدمت الإشارة إليه بجامع السعي في القيام عن الغير بواجب لأنهم أجمعين يجب عليهم حفظ نفوسهم وأموالهم فمن بادر منهم قام بذلك الواجب وحجتهم أمران الأمر الأول أن السلامة بالطرح غير معلومة بخلاف الصائل الأمر الثاني القياس على الآدميين وأموال القنية
والجواب عن الأول أنه ينتقض بطعام المضطر فإن المضطر يضمن مع احتمال هلاكه بما أكل بل يعتمد
29
29
الجواب عن الأول
أنه ينتقض بطعام المضطر فإن المضطر يضمن مع احتمال هلاكه بما أكل بل يعتمد في ذلك على العادة فقط وقد شهدت بأن ذلك سبب السلامة فيهما مع احتمال النقيض وعن الثاني ما تقدم أول المسألة من الفرق مع أن الطرطوشي قال القياس التسوية بين القنية والتجارة لأن العلة صون الأموال والكل يثقل السفينة الفرق السادس والمائتان بين قاعدة من عمل من الأجراء النصف مما استؤجر عليه يكون له النصف وبين قاعدة من عمل النصف لا يكون له النصف اعلم أنه قد وقع في الإجارات أن من استأجر رجلا على أن يخيط له ثوبين أو يبني له دارين أو نحو ذلك ففعل أحدهما وهو النصف استحق النصف وهو ظاهر ووقع فيها أيضا أن من استأجر رجلا على أن يحفر له بئرا عشرة في عشرة تكون مربعة من كل جهة عشرة ويكون عمقها عشرة فعمل خمسة في خمسة أو استؤجر على أن يعمل صندوقا عشرة في عشرة فعمل خمسة في خمسة مقتضى ما تقدم من القاعدة أن لهذين نصف
هامش أنوار البروق
قال الفرق السادس والمائتان بين قاعدة من عمل من الأجراء النصف مما استؤجر عليه أن يكون له النصف وبين قاعدة من عمل النصف لا يكون له النصف قلت هذا الفرق فاسد الوضع فاحش الخطأ فإنه قاعدة واحدة لا غير وكل من عمل النصف فله النصف لا محالة وإنما يجري الوهم على الأغبياء فيظنون أن من استؤجر على عشرة في عشرة فعمل ذلك فقد عمل جميع ما استؤجر عليه وذلك صحيح وأنه متى استؤجر على ذلك فعمل خمسة في خمسة أنه عمل النصف وذلك غير صحيح بل عمل الثمن مما استؤجر عليه كيف وقد بين المؤلف
هامش إدرار الشروق
في ذلك على العادة فقط وقد شهدت العادة بأن ذلك سبب السلامة فيهما مع احتمال النقيض
وعن الثاني ما تقدم من الفرق بين ما يضمن بالطرح من السفن وما لا يضمن مع أن الطرطوشي قال القياس التسوية بين القنية والتجارة لأن العلة صون الأموال والكل يثقل السفينة والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق السادس والمائتان بين قاعدة من عمل من الأجراء النصف مما استؤجر عليه يكون له النصف وبين قاعدة من عمل النصف لا يكون له النصف
قال العلامة ابن الشاط ما خلاصته هذا الفرق فاسد الوضع فاحش الخطأ بسبب بنائه على توهم الأغبياء أن من استؤجر على أن يحفر بئرا عشرة في عشرة تكون مربعة من كل جهة عشرة ويكون عمقها عشرة أو على أن يعمل صندوقا عشرة في عشرة فعمل فيهما خمسة في خمسة فقد عمل النصف وهو غير صحيح
30
30
الأجرة لأنهما قد عملا خمسة وهي نصف العشرة لكن قال الفضلاء له في مسألة البئر الثمن وفي مسألة الصندوق الربع فلم يجروا في ذلك على قاعدة الإجارة ولم يجروا أيضا في المخالفة على نمط واحد ووجه صحة ما قالوه أن البئر كلما نزل فيها ذراعا فقد شال من التراب بساطا مساحته عشرة في عشرة وذلك مائة فكل ذراع ينزله في البئر حينئذ مائة ذراع والأذرع عشرة وعشرة في مائة بألف فالمستأجر عليه ألف ذراع فلما عمل خمسة في خمسة شال في الذراع الأول تراب خمسة في خمسة وذلك خمسة وعشرون فكل ذراع من هذا المعمول خمسة وعشرون والأذرع المعمولة خمسة وخمسة في خمسة وعشرين بمائة وخمسة عشرين وذلك ما عمله ونسبته إلى الألف نسبة الثمن فيستحق الثمن
وأما الصندوق فليس فيه بقر وإلا استوت المسألتان بل ألواح يلفقها فهو استأجره على ستة ألواح كل منها عشرة وذلك دائره أربعة وقعره وغطاؤه فكل لوح عشرة في عشرة فهو مائة ذراع والألواح ستة فالمستأجر عليه ستمائة عمل ستة في خمسة فيكون كل لوح منها خمسة وعشرين المتحصلة من ضرب خمسة في ستة وعشرون في ستة بمائة وخمسين ونسبتها إلى ستمائة كنسبة الربع فله الربع فتأمل ذلك فإنها من أبدع ما يلقى في
هامش أنوار البروق
ذلك بعد هذا في أثناء الكلام في هذا الفرق والعجب منه كيف ظن أن الترجمة صحيحة مع علمه بأنه لم يعمل النصف ولكن الغفلة لازمة لمن لم يعصم من البشر ولكن هذه الغفلة لا يعذر صاحبها والله أعلم وما قاله في حكاية الفروق الخمسة صحيح
هامش إدرار الشروق
بل إنما عمل في المسألة الأولى أعني مسألة البئر الثمن وفي المسألة الثانية أعني مسألة الصندوق الربع وذلك أن البئر كلما نزل فيها ذراعا فقد شال من التراب بساطا مساحته عشرة في عشرة وذلك مائة فكل ذراع ينزله في البئر حينئذ مائة ذراع والأذرع عشرة وعشرة في مائة بألف فالمستأجر عليه ألف ذراع فلما عمل خمسة في خمسة شال في الذراع الأول تراب خمسة في خمسة وذلك خمسة وعشرون فكل ذراع من هذا المعمول خمسة وعشرون والأذرع المعمولة خمسة وخمسة في خمسة وعشرين بمائة وخمسة وعشرين وذلك ما عمله ونسبته إلى الألف نسبة الثمن فيستحق الثمن
وأما الصندوق فمن حيث إنه ليس فيه نقر يكون قد استؤجر على ستة ألواح وذلك دائره أربعة وقعره وغطاؤه وكل لوح منها عشرة في عشرة فهو مائة ذراع والألواح ستة فالمستأجر عليه ستمائة ذراع عمل ستة في خمسة فيكون كل لوح منها خمسة وعشرين المتحصلة من ضرب خمسة في خمسة وخمسة وعشرون في ستة بمائة وخمسين ونسبتها إلى ستمائة كنسبة الربع فيستحق الربع فظهر بهذا بطلان أن هناك قاعدة إن عمل النصف لا يكون له النصف وأنه لم يكن ثم إلا قاعدة واحدة وهي أن كل من عمل النصف فله النصف لا محالة ا ه
قال الأصل وهاتان المسألتان أعني مسألتي البئر والصندوق من أبدع ما يلقى في مسائل المطارحات على الفقهاء فتأملهما
31
31
مسائل المطارحات على الفقهاء وكم يخفى على الفقيه والحاكم الحق في المسائل الكثيرة بسبب الجهل بالحساب والطب والهندسة فينبغي لذوي الهمم العلية أن لا يتركوا الاطلاع على العلوم ما أمكنهم فلم أرى في عيوب الناس شيئا كنقص القادرين على التمام
الفرق السابع والمائتان بين قاعدة ما يضمنه الأجراء إذا هلك وبين قاعدة ما لا يضمنونه
اعلم أن الهلاك خمسة أقسام ما هلك بسبب حامله من عثار أو ضعف حبل لم يغرر به أو ذهاب دابة أو سفينة بما فيهما فلا ضمان ولا أجرة ولا عليه أن يأتي بمثله ليحمله
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
فكم يخفى على الفقيه والحاكم الحق في المسائل الكثيرة بسبب الجهل بالحساب والطب والهندسة فينبغي لذوي الهمم العلية أن لا يتركوا الاطلاع على العلوم ما أمكنهم فلم أر في عيوب الناس شيئا كنقص القادرين على التمام ا ه
والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق السابع والمائتان بين قاعدة ما يضمنه الأجراء إذا هلك وبين قاعدة ما لا يضمنونه
وهو أن الهلاك خمسة أقسام يضمن الأجراء المهلوك في قسمين أحدهما ما غرروا فيه بضعف حبل يضمنون قيمته بموضع الهلاك لأنه موضع أثر التفريط ولهم من الكراء بحسابه وقيل بموضع الحمل لأنه منه ابتداء التعدي وثانيهما ما هلك بقولهم من الطعام لا يصدقون فيه لقيام التهمة ولهم الكراء كله لأن شأن الطعام امتداد الأيدي إليه لأنهم استحقوه بالعقد ولا يضمنونه في ثلاث أقسام أحدها ما هلك بسبب حامله من عثار أو ضعف حبل لم يغرر به أو ذهاب دابة أو سفينة بما فيها فلا ضمان ولا أجرة ولا عليه أن يأتي بمثله ليحمله قاله مالك وقال غيره ما هلك بعثار كالهالك بأمر سماوي
وقال ابن نافع لرب السفينة بحساب ما بلغت وثانيها ما هلك بأمر سماوي بالبينة فله الكراء كله وعليه حمل مثله من موضع الهلاك لأن أجزاء المنفعة مضمونة عليه وثالثها ما هلك بأيديهم من العروض يصدقون فيه لعدم التهمة ولهم الكراء كله وعليهم حمل مثله من موضع الهلاك لأنهم لما صدقوا أشبه ما هلك بأمر سماوي
وقال ابن حبيب لهم من الكراء بحسب ما بلغوا ويفسخ الكراء لأنه لما كان لا يعلم إلا من قولهم أشبه ما هلك بعثار وفي بداية المجتهد لحفيد ابن رشد أن الضمان عند الفقهاء على وجهين أحدهما ما كان بالتعدي وهو أن مالكا جعل عثار الدابة لو كانت عثورا تعديا من صاحب الدابة يضمن بها الحمل وكذلك إن كانت الحبال رثة

32
32
قاله مالك وقال غيره ما هلك بعثار كالهالك بأمر سماوي وقال ابن نافع لرب السفينة بحساب ما بلغت
الثاني
ما غر فيه بضعف حبل يضمن القيمة بموضع الهلاك لأنه موضع التفريط وله من الكراء بحسابه وقيل بموضع الحمل لأنه منه ابتداء التعدي
الثالث ما هلك بأمر سماوي بالبينة فله الكراء كله وعليه حمل مثلهم من موضع الهلاك لأن أجزاء المنفعة مضمونة عليه
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وثانيهما ما كان لمكان المصلحة وحفظ الأموال وهو ضمان الصناع وذلك أنه لا خلاف عندهم أن الأجير ليس بضامن لما هلك عنده مما استؤجر عليه إلا أن يتعدى ما عدا حامل الطعام والطحان فإن مالكا ضمنه ما هلك عنده إلا أن تقوم له بينة على هلاكه من غير سببه ومشهور مالك في صاحب الحمام أنه لا يضمن
وقد قيل يضمن وشذ أشهب فضمن الصناع ما قامت البينة على هلاكه عندهم من غير تعد منهم ولا تفريط وأما ما ادعوا هلاكه من المصنوعات المدفوعة إليهم فإنهم اختلفوا في تضمينهم فقال مالك وابن أبي ليلى وأبو يوسف يضمنون ما هلك عندهم
وقال أبو حنيفة لا يضمن من عمل بغير أجر ولا الخاص ويضمن المشترك ومن عمل بأجر وللشافعي قولان في المشترك والخاص عندهم هو الذي يعمل في منزل المستأجر وقيل هو الذي لم ينتصب للناس وهو مذهب مالك في الخاص وهو عنده غير ضامن وتحصيل مذهب مالك على هذا أن الصانع المشترك يضمن سواء عمل بأجر أو بغير أجر وبتضمين الصناع قال علي وعمر وإن كان قد اختلف عن علي في ذلك وعمدة من لم ير الضمان عليهم أنه شبه الصانع بالمودع عنده والشريك والوكيل وأجير الغنم ومن ضمنه فلا دليل له إلا النظر إلى المصلحة وسد الذريعة
وأما من فرق بين أن يعملوا بأجر أو لا يعملوا بأجر فلأن العامل بغير أجر إنما قبض المعمول لمنفعة صاحبه فقط فأشبه المودع وإذا قبضها بأجر فالمنفعة لكليهما فغلبت منفعة القابض فأشبه القرض والعارية عند الشافعي وكذلك أيضا من ينصب نفسه لم يكن في تضمينه سد ذريعة ولا خلاف أن الصناع لا يضمنون ما لم يقبضوا في منازلهم واختلف أصحاب مالك إذا قامت البينة على هلاك المصنوع وسقط الضمان عنهم هل تجب لهم الأجرة أم لا إذا كان هلاكه بعد إتمام الصنعة أو بعد تمام بعضها فقال ابن القاسم لا أجرة لهم
وقال ابن المواز لهم الأجرة ووجه ما قال ابن المواز أن المصيبة إذا نزلت بالمستأجر فوجب أن لا يمضي عمل الصانع باطلا ووجه ما قال ابن القاسم أن الأجرة إنما استوجبت في مقابلة العمل فأشبه ذلك إذا هلك بتفريط من الأجير
وقول ابن المواز أقيس وقول ابن القاسم أكثر نظرا إلى المصلحة لأنه رأى أن يشتركوا في المصيبة ومن هذا الباب اختلافهم في ضمان صاحب السفينة فقال مالك لا ضمان عليه وقال أبو حنيفة عليه إلا من الموج
33
33
الرابع
ما هلك بقولهم من الطعام لا يصدقون فيه لقيام التهمة ولهم الكراء كله لأن شأن الطعام امتداد الأيدي إليه لأنهم استحقوه بالعقد
الخامس ما هلك بأيديهم من العروض يصدقون فيه لعدم التهمة ولهم الكراء كله وعليهم حمل مثله من موضع الهلاك لأنهم لما قصدوا أشبه ما هلك بأمر سماوي وقال ابن حبيب لهم من الكراء بحسب ما بلغوا ويفسخ الكراء لأنه لما كان لا يعلم إلا من قولهم أشبه ما هلك بعثار الفرق الثامن والمائتان بين قاعدة ما يمنع فيه الجهالة وبين قاعدة ما يشترط فيه الجهالة بحيث لو فقدت فيه الجهالة فسد أما ما تفسده الجهالة فهو البياعات كما تقدم وكثير من الإجارات ومن الإجارات قسم
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وأصل مذهب مالك أن الصناع يضمنون كل ما أتى على أيديهم من خرق أو كسر في المصنوع أو قطع إذا عمله في حانوته وإن كان صاحبه قاعدا معه إلا فيما كان فيه تغرير من الأعمال مثل ثقب الجوهر ونقش الفصوص وتقويم السيوف واحتراق الخبز عند الفران والطبيب يموت العليل من معالجته وكذلك البيطار إلا أن يعلم أنه تعدى فيضمن حينئذ
وأما الطبيب وما أشبهه إذا أخطأ في فعله وكان من أهل المعرفة فلا شيء عليه في النفس والدية على العاقلة فيما فوق الثلث وفي ماله فيما دون الثلث وإن لم يكن من أهل المعرفة فعليه الضرب والسجن والدية قيل في ماله وقيل على العاقلة ومسائل هذا الباب كثيرة ا ه
المحتاج إليه منه مع بعض إصلاح والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الثامن والمائتان بين قاعدة ما يمنع فيه الجهالة وبين قاعدة ما يشترط فيه الجهالة بحيث لو فقدت فيه الجهالة فسد اعلم أن الأصل في الشريعة أن الوصف يبعد اقتضاؤه للضدين أو النقيضين فإذا ناسب حكما نافى ضده وقد يناسب الوصف الإثبات والنفي أو الضدين ويترتبان عليه في الشريعة وهو وإن كان قليلا في الفقه إلا أنهم جعلوه قاعدة شرعية تعرف عندهم بجمع الفرق وضابطها أن كل معين يوجب مصلحة أو مفسدة في محل وباعتبار نسبة ويوجب نقيضها في محل آخر وباعتبار نسبة أخرى فإنه يوجب الضدين وسمي بجمع الفرق لأنه يجمع المفرقات وهي الأضداد وله نظائر منها الحجر فإنه عبارة عن صون مال المحجور عليه على مصالحه وهو يقتضي رد تصرفاته في حالة حياته وتنفيذها بوصاياه لأنا لو رددنا الوصايا لحصل المال للوارث ولم ينتفع به المحجور عليه ومنها القرابة للمكلف توجب برهم بدفع ماله لهم إذا كان غير زكاة وتوجب منعهم من دفع ماله إذا كان زكاة فيحرموا إياها وتعطى لغيرهم بسبب القرابة ومنها أقرباء رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب برهم بسد خلاتهم بالمال إذا كان غير زكاة ويحرم دفع المال إليهم إذا كان زكاة فصار قربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجب دفع المال ومنع المال باعتبار مالين ونسبتين ومنها الجهالة وجودها يوجب في البياعات
34
34
لا يجوز تعيين الزمان فيه بل يترك مجهولا وهو الأعمال في الأعيان كخياطة الثياب ونحوها لا يجوز أن يعين زمان الخياطة بأن يقول له اليوم مثلا فتفسد لأن ذلك يوجب الغرر بتوقع تعذر العمل في ذلك اليوم بل مصلحته ونفي الغرر عنه أن يبقى مطلقا وكذلك الجعالة لا يجوز أن يكون العمل فيها محددا معلوما لأن ذلك يوجب الغرر في العمل بأن لا يجد الآبق في ذلك الوقت ولا بذلك السفر المعلوم بل نفي الغرر عن الجعالة بحصول الجهالة فيها والجهالة في هذين القسمين شرط وإن كانت في غيرهما مانعا وها هنا قاعدة شرعية تعرف بجمع الفرق وهي أن يكون المعنى المناسب يناسب
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وأكثر أنواع الإجارات الإخلال بمصالح العقود فكانت في ذلك مانعة ويوجب في قسم من الإجارات وهو الأعمال في الأعيان كخياطة الثياب ونحوها
وفي الجعالة تحصيل مصلحة عقد ذلك القسم من الإجارات وعقد الجعالة فكانت في ذلك شرطا بحيث لو فقدت فيه فسد فلا يجوز أن يعين زمان الخياطة بأن يقول له اليوم مثلا بل يفسد العقد بذلك لأنه يوجب الغرر بتوقع تعذر العمل في ذلك اليوم بل مصلحته ونفي الغرر عنه أن يبقى مطلقا ولا يجوز أن يكون العمل في الجعالة محدودا معلوما لأن ذلك يوجب الغرر في العمل وذلك لأنا إذا قيدنا عليه العمل وقدرناه معلوما فإذا فعل ذلك العمل المعلوم ولم يجد الآبق في ذلك الوقت ولا بذلك السفر المعلوم ذهب عمله مجانا فضاعت مصلحة العقد فلذا كان نفي الغرر عن الجعالة بحصول الجهالة فيها وبالجملة فالجعالة في هذين القسمين شرط وإن كانت في غيرهما مانعا قال التسولي عند قول ابن عاصم في فصل ولا يحد بزمان لائق ما نصه أي لا يجوز أن يؤجل عمل الجعل بأجل ولا يقدر بزمن كيوم أو عشرة مثلا لأنه لا ينقضي الأجل قبل تمام العمل فيذهب سعيه باطلا قال خليل في مختصره بلا تقدير زمن إلا بشرط ترك متى شاء فيجوز حينئذ ضرب الأجل فيه كما مر وذلك لأنه مع عدم الشرط دخل على التمام فقوي الغرر بسبب ذلك مع ضرب الأجل بخلاف ما إذا شرط الترك متى شاء مع الأجل فقد دخل على التخيير فخف بذلك الغرر
وقال فيما مر فالجعالة تفارق الإجارة من وجوه فمنها إن ضرب الأجل يفسدها إلا أن يشترط المجهول الترك متى شاء بخلاف الإجارة فلا تصح بدون أجل ومنها أنها عقد غير لازم بخلاف الإجارة فإنها تلزم بالعقد ومنها أنه لا شيء له إلا بتمام العمل بخلاف الإجارة فإن له فيها بحساب ما عمل ا ه
المحتاج إليه منه
وقال عند قوله في فصل أحكام الإجارة العمل المعلوم من تعيينه يجوز فيه الأجر مع تبيينه وللأجير أجرة مكمله إن تم أو بقدر ما قد عمله إن العمل المعلوم من أجل تعين حده بالعمل أو بالأجل وذكر صفته فالأول كقوله أؤاجرك على صبغ هذا الثوب أو دبغ هذا الجلد أو خياطة هذا الثوب وبين له صفة الصبغ والدبغ والخياطة والثاني كقوله أؤاجرك على بناء يوم أو خياطة شهر أو حراثة يومين ونحو ذلك فالعمل الذي هو الدبغ والصبغ ونحوهما لا بد أن يكون معلوما لهما ولا بد أيضا أن يكون محدودا
35
35
الإثبات والنفي أو يناسب الضدين ويترتبان عليه في الشريعة وهو قليل في الفقه فإن الوصف إذا ناسب حكما نافى ضده أما اقتضاؤه لهما فبعيد كما تقدم بيانه في الجعالات والإجارات ومن ذلك أيضا الحجر يقتضي رد التصرفات وإطلاق التصرفات في حالة الحياة صونا لمال المحجور عليه على مصالحه وتنفذ وصاياه صونا لماله على مصالحه لأنا لو رددنا الوصايا لحصل المال للوارث ولم ينتفع به المحجور عليه فصار صون المال على المصالح يقتضي تنفيذ التصرفات ورد التصرفات وكذلك القرابة توجب البر بدفع المال وتوجب المنع من دفع المال إذا كان زكاة فيحرموا إياها وتعطى لغيرهم بسبب القرابة وكذلك أقرباء رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب برهم بسد خلاتهم بالمال ويحرم دفع المال إليهم إذا كان زكاة فصار قربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجب دفع المال ومنع المال باعتبار مالين ونسبتين وكذلك كل معنى يوجب مصلحة أو مفسدة ويوجب نقيضها في محل آخر وباعتبار نسبة أخرى فإنه يوجب الضدين وهو ضابط جمع الفرق وسمي بذلك لأنه يجمع المفرقات وهي الأضداد فكذلك الجهالة توجب الإخلال بمصالح العقود في البياعات وأكثر أنواع الإجارات فكانت مانعة ووجودها يوجب تحصيل مصلحة عقد الجعالة حتى يبقى المجعول له على طلبه فيجد الآبق فلا يذهب عمله المتقدم مجانا فإذا قيدنا عليه العمل وقدرناه معلوما فإذا فعل ذلك العمل المعلوم ولم يجد الآبق ذهب عمله مجانا فضاعت مصلحة العقد
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
إما بالفراغ منه كخياطة ثوب وطحن إردب وإما بضرب أجل كخياطة يوم أو صبغه أو دبغه أو طحنه فالمصنوعات إما أن تحدد بالفراغ أو بالأجل وغيرها كالرعاية والخدمة المعروفة ونحوهما يحد بضرب الأجل لا غير فإن جمع بين الأجل والعمل كقوله خط هذا الثوب في هذا اليوم بدرهم أو أكتري منك دابتك لتركبها إلى محل كذا في هذا اليوم أو أؤاجرك لتوصل الكتاب لمحل كذا في هذا اليوم أو الشهر بدرهم فهل تفسد مطلقا أو إنما تفسد إن كان الأجل مساويا للعمل أو أنقص منه لا إن كان الأجل أكثر من العمل فلا تفسد فيه خلاف خليل وهل تفسد إن جمعهما وتساوي أو مطلقا خلاف ومن ذلك الاستئجار على بيع ثوب مثلا لكن لما لم يكن البيع في مقدور الأجير كان جعالة إن حده بالعمل وهو تمام العمل وإجارة إن حده بالزمن ويستحق أجره بمضي الزمن حينئذ وإن لم يبع ا ه
المحتاج إليه منه والله سبحانه وتعالى أعلم

36
36
الفرق التاسع والمائتان بين قاعدة ما مصلحته من العقود في اللزوم وبين قاعدة ما مصلحته عدم اللزوم
اعلم أن الأصل في العقد اللزوم لأن العقد إنما شرع لتحصيل المقصود من المعقود به أو المعقود عليه ودفع الحاجات فيناسب ذلك اللزوم دفعا للحاجة وتحصيلا للمقصود غير أن مع هذا الأصل انقسمت العقود قسمين أحدهما كذلك كالبيع والإجارة والنكاح والهبة والصدقة وعقود الولايات فإن التصرف المقصود بالعقد يحصل عقيب العقد والقسم الآخر لا يستلزم مصلحته مع اللزوم بل مع الجواز وعدم اللزوم وهو خمسة عقود الجعالة والقراض والمغارسة والوكالة وتحكيم الحاكم ما لم يشرع في الحكومة وأن الجعالة لو شرعت لازمة مع أنه قد يطلع على فرط بعد مكان الآبق أو عدمه مع دخوله على الجهالة بمكانه فيؤدي ذلك لضرورة فجعلت جائزة لئلا تجتمع الجهالة بالمكان واللزوم وهما متنافيان وكذلك القراض حصول لربح فيه مجهول فقد يتصل به أن السلع متعذرة أو لا يحصل فيها ربح فإلزامه بالسفر مضرة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الفرق التاسع والمائتان بين قاعدة ما مصلحته من العقود في اللزوم وبين قاعدة ما مصلحته منها في عدم اللزوم
اعلم أن الأصل في العقد اللزوم لأنه إنما شرع لتحصيل المقصود من المعقود به أو المعقود عليه ودفع الحاجات والمناسب لذلك هو اللزوم إلا أن العقود مع هذا الأصل بالنسبة إلى لزومها بالقول وعدم لزومها به على ثلاثة أقسام ما يلزم اتفاقا أو على الراجح وهو أربعة النكاح والبيع والكراء والمساقاة وما لا يلزم به وهو أربعة الجعل والقراض والتوكيل والتحكيم وما هو مختلف فيه هل يلزم به أم لا وفي ذلك يقول ابن غازي أربعة بالقول عقدها فرا بيع نكاح وسقاء وكرا لا الجعل والقراض والتوكيل والحكم بالفعل بها كفيل لكن في الغراس والمزارعه والشركات بينهم منازعه وفرا آخر الشطر الأول بالفاء بمعنى قطع ومنه فرى الأوداج أي قطعها كما في شرح التاودي والتسولي على العاصمية فالقسم الأول جرى على الأصل المذكور اتفاقا كما في غير المساقاة من الأربعة المذكورة في نظم ابن غازي وعلى الراجح كما في المساقاة قال ابن عرفة وفيما يلزم به أربعة أقوال الأول العقد وهو نقل الأكثر عن المذهب ومذهب المدونة والثاني الشروع وهو قول أشهب والمتيطي والصقلي والثالث حوز المساقى فيه وهو ما حكاه الباجي عن بعض القرويين من أنه لو مات قبل الحوز بطلت المساقاة وليس كالعقود اللازمة
37
37
بغير حكمة ولا يحصل مقصود العقد الذي هو الربح وكذلك المغارسة مجهولة العاقبة في نبات الشجر وجودة الأرض ومئونات الأسباب على معاناة الشجر مع طول الأيام فقد يطلع على تعذر ذلك أو فرط بعده فإلزامه بالعمل ضرر من غير حصول المقصود وكذلك
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وإن لم تقبض ولعله تعلق بما روي في عين السقي تغور إن كان قبل العمل فلا شيء على رب الحائط وإن كان بعده لزمه أن ينفق بقدر ما يقع له من الثمرة قلت ظاهره إن غارت بعد العمل لزم رب الحائط أن ينفق بقدر حظه وهو خلاف قولها في أكرية الدور من أخذ نخلا مساقاة فغار ماؤها بعد أن سقى فله أن ينفق فيها بقدر حظ رب النخل من ثمرته تلك السنة وهذا إنما هو بالعمل لا بالجواز والرابع أولها لازم وآخرها كالجعل إذا عجز وترك قبل تمامها فلا شيء له وهو قول سحنون كما حكاه عنه اللخمي لكن هذا حكم العجز على القول الأول لا قول غير الأول وإن كان هو مقتضى كلام اللخمي ا ه
كلام ابن عرفة بتصرف قال الرهوني وكنون فالمسلم عنده إنما هو القول الأول والثاني ا ه
قال الأصل وهذا القسم كالبيع والإجارة والنكاح والهبة والصدقة وعقود الولايات فإن التصرف المقصود بالعقد عقيب العقد ا ه
والقسم الثاني قال الأصل لا يستلزم مصلحة مع اللزوم بل مع الجواز وعدم اللزوم وهو خمسة عقود الجعالة والقراض والمغارسة والوكالة وتحكيم الحاكم ما لم يشرع في الحكومة فاشترك الجميع في عدم انضباط العقد بحصول مقصوده فكان الجميع على الجواز
أما الجعالة فلأنها لو شرعت لازمة مع أنه قد يطلع على فرط بعد مكان الآبق أو عدمه مع دخوله على الجهالة بمكانه فيؤدي ذلك لضرورة فجعلت جائزة لئلا تجمع الجهالة بالمكان واللزوم وهما متنافيان
وأما القراض فلأن حصول الربح فيه مجهول فقد يتصل به أن السلع متعذرة أو لا يحصل فيه ربح فإلزامه بالسفر مضرة بغير حكمة ولا يحصل مقصود العقد الذي هو الربح وأما المغارسة وهي كما في التوضيح أن يعطي الرجل أرضه لمن يغرس فيها عددا من الأشجار فإذا بلغت كذا وكذا كانت الأرض والأشجار بينهما ا ه
فلأنها مجهولة العاقبة في ثبات الشجر وجودة الأرض ومؤنات الأسباب على مؤنات الشجر مع طول الأيام فقد يطلع على تعذر ذلك أو فرط بعده فإلزامه بالعمل ضرر من غير حصول المقصود وأما الوكالة فقد يطلع فيما وكل عليه على تعذر أو ضرر فجعلت على الجواز وأما تحكيم الحاكم فلأنه خطر على المحكوم عليه لما فيه من اللزوم إذا حكم وقد يطلع الخصمان على سوء العاقبة في ذلك فنفيا للضرر عنهما لم يشرع اللزوم في حقيهما ا ه
كلام الأصل بزيادة والقسم الثالث أهمله الأصل بل عد المغارسة التي جعلها ابن غازي منه وتبعه التاودي والتسولي من القسم الثاني وحصره في خمسة عقود المغارسة مع الأربعة التي في نظم ابن غازي ولم يحصر القسم الأول في الأربعة التي حصره فيها ابن غازي بل زاد عليها الهبة والصدقة وعقود الولايات وأدخل بالكاف المزارعة والشركات كما أدخل بها المساقاة وصحح العلامة ابن الشاط كلامه حتى صار مقتضى كلامهما أن الذي ترجح عندهما من المنازعة في المغارسة قول بعدم اللزوم بالقول وفي المزارعة والشركات القول باللزوم بالقول وكذلك في الهبة والصدقة وعقود الولايات فإن مفاد كلام
38
38
الوكالة قد يطلع فيما وكل عليه على تعذر أو ضرر فجعلت على الجواز وتحكيم الحاكم خطر على المحكوم عليه لما فيه من اللزوم إذا حكم فقد يطلع الخصمان على سوء العاقبة في ذلك فلا يشرع اللزوم في حقيهما نفيا للضرر عنهما واشترك الجميع في عدم انضباط العقد بحصول مقصوده فكان الجميع على الجواز الفرق العاشر والمائتان بين قاعدة ما يرد من القراض الفاسد إلى قراض المثل وبين قاعدة ما يرد منه إلى أجرة المثل اعلم أن الأصل الرد إلى قراض المثل كسائر أبواب الفقه ولأنه العمل الذي دخل عليه قال القاضي عياض في التنبيهات مذهب المدونة أن الفاسد من القراض يرد إلى أجرة مثله إلا في تسع مسائل القراض بالعروض وإلى أجل وعلى الضمان والمبهم وبدين يقتضيه من أجنبي وعلى شرك في المال وعلى أنه لا يشتري إلا بالدين فاشترى بالنقد وعلى أنه لا يشتري إلا سلعة معينة لما لا يكثر وجوده فاشترى غيرها وعلى أن يشتري عبد فلان بمال القراض ثم يبيعه ويتجر بثمنه وألحق بالتسعة عاشرة من غير
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
التاودي والتسولي أنها من القسم الثالث لتصريحهما بحصر الأول وكذا الثاني في أربعة دون الثالث فتأمل ذلك والله أعلم
الفرق العاشر والمائتان بين قاعدة ما يرد من القراض الفاسد إلى قراض المثل وبين قاعدة ما يرد منه إلى أجرة المثل القراض قال ابن عرفة هو تمكين مال لمن يتجر به بجزء من ربحه لا بلفظ إجارة قال ابن عاصم والنقد والحضور والتعيين من شرطه ويمنع التضمين ولا يسوغ جعله إلى أجل وفسخه مستوجب إذا نزل ولا يجوز شرط شيء ينفرد به من الربح وإن يقع يرد قال التسولي في شرحه عليه ذكر الناظم من شروط القراض ثلاثة النقد والحضور والتعيين ومن الموانع ثلاثة الضمان والأجل واشتراط شيء ينفرد به أحدهما والشرط ما يطلب وجوده والمانع ما يطلب عدمه
وقد بقي عليه شروط أخر وموانع أخر انظرها في خليل وغيره ا ه
والأصل في فاسده الرد إلى قراض المثل كسائر أبواب الفقه ولأنه العمل الذي دخل عليه إلا أن صاحب القبس حكى فيه خمسة أقوال الأول عن مالك الرد إلى قراض المثل مطلقا جريا على الأصل المذكور الثاني عن الشافعي وأبي حنيفة وعبد الملك الرد إلى الأجرة مطلقا نظرا لاستيفاء العمل بغير عقد صحيح وإلغاء الفاسد بالكلية والثالث عن ابن القاسم إن كان الفساد في العقد فقراض المثل أو لزيادة فأجرة المثل الرابع عن محمد بن المواز الأقل من قراض المثل والمسمى
والخامس تفصيل ابن القاسم الذي ذكره عياض في التنبيهات حيث قال مذهب المدونة إن الفاسد من القراض يرد إلى أجرة مثله إلا في تسع مسائل القراض بالعروض وإلى أجل وعلى الضمان والمبهم وبدين يقتضيه من أجنبي وعلى شرك في
39
39
الفاسد ففي الكتاب إذا اختلفا وأتيا بما لا يشبه له قراض المثل والضابط كل منفعة اشترطها أحدهما على صاحبه ليست خارجة عن المال ولا خالصة لمشترطها ومتى كانت خارجة عن المال أو كانت غررا حراما فأجرة المثل فعلى هذه الأمور الثلاثة تدور المسائل وعن مالك قراض المثل مطلقا
وقال الشافعي وأبو حنيفة وعبد الملك بالأجرة مطلقا نظرا لاستيفاء العمل بغير عقد صحيح وإلغاء الفاسد بالكلية قال صاحب القبس فيها خمسة أقوال ثالثها لابن القاسم إن كان الفساد في العقد فقراض المثل أو لزيادة فأجرة المثل ورابعها لمحمد الأقل من قراض المثل المسمى وخامسها تفصيل ابن القاسم وقد نظم بعضهم مسائل ابن القاسم فقال وأجرة مثل في القراض تعينت سوى تسعة قد خالف الشرع حكمه قراض عروض واشتراط ضمانه وتحديد وقت والتباس يعمه وإن شرطا في المال شركا لعامل وأن يشترى بالدين فاختل رسمه وأن يشترى غير المعين للشرا وأعط قراض المثل من حال غرمه وأن يقتضي الدين الذي عند غيره ويتجر فيه عاملا لا يذمه
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
المال وعلى أنه لا يشتري إلا بالدين فاشترى بالنقد وعلى أنه لا يشتري إلا سلعة معينة لما لا يكثر وجوده فاشترى غيرها وعلى أن يشتري عبد فلان بمال القراض ثم يبيعه ويتجر بثمنه قال الأصل ولحق بالتسعة عاشرة من غير الفاسد ففي الكتاب أي المدونة إذا اختلفا أي في الربح وأتيا بما لا يشبه له قراض المثل والضابط كل منفعة اشترطها أحدهما على صاحبه ليست خارجة عن المال ولا خالفته فهي لمشترطها ومتى كانت خارجة عن المال أو كانت غررا حراما فأجرة المثل فعلى هذه الأمور الثلاثة تدور المسائل قال وقال بعض الأصحاب وضابطها كل ما يشترط فيه رب المال على العامل أمرا قصره به على نظره أو يشترط زيادة لنفسه أو شرطها العامل لنفسه فأجرة المثل وإلا فقراض المثل
ومنشأ الخلاف أمران أحدهما أن المستثنيات من العقود إذا فسدت هل ترد إلى صحيح أنفسها وهو الأصل كفاسد البيع أو إلى صحيح أصلها لأن المستثنى إنما استثني لأجل مصلحته الشرعية المعتبرة في العقد الصحيح فإذا لم توجد تلك المصلحة بطل الاستثناء ولم يبق إلا الأصل فيرد إليه والشرع لم يستثن الفاسد فهو مبني على العدم وله أصل يرجع إليه وسر الفرق بينه وبين البيع أن البيع ليس له أصل آخر يرجع إليه بخلاف القراض الأمر الثاني أن أسباب الفساد إذا تأكدت في القراض أو غيره بطلت حقيقة المستثنى بالكلية فتتعين الإجارة وإذا لم تتأكد اعتبرنا القراض ثم بقي النظر بعد ذلك في المفسد هل هو متأكد أم لا نظرا في تحقيق المناط قال
وقد نظم بعضهم مسائل ابن القاسم فقال وأجرة مثل في القراض تعينت سوى تسعة قد خالف الشرع حكمه قراض عروض واشتراط ضمانه وتحديد وقت والتباس يعمه
40
40
وأن يشتري عبدا لزيد يبيعه ويتجر فيما ابتاعه ويلمه قال بعض الأصحاب وضابطها كل ما يشترط فيه رب المال على العامل أمرا قصره به على نظره أو يشترط زيادة لنفسه أو شرطها العامل لنفسه فأجرة المثل وإلا فقراض المثل
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وأن شرطا في المال شركا لعامل وأن يشتري بالدين فاختل رسمه وأن يشتري غير المعين للشرا وأعط قراض المثل من حال غرمه وأن يقتضي الدين الذي عند غيره ويتجر فيه عاملا لا يذمه وأن يشتري عبدا لزيد يبيعه ويتجر فيما ابتاعه ويلمه ا ه
كلام الأصل قال التاودي في شرحه على العاصمية وفيما يجب لعامل القراض عند فساده ثلاث روايات كما في ابن الحاجب عن مالك فروى عنه أشهب أن الواجب قراض المثل وروى غيره أجرة المثل والفرق بين أجرة المثل وقراض المثل من جهتين الأولى أجر المثل في الذمة وقراض المثل في الربح فإن لم يكن فلا شيء والثانية أجرة المثل يحاصص بها الغرماء وقراض المثل يقدم فيه عليهم والثالثة بالتفصيل بين ما يرد لأجرة المثل وما يرد لقراض المثل به ثم اختلف فقيل التفصيل بالحد وقيل بالعد وعليه اقتصر خليل في مختصره وفي القراض بالعروض أو من وكل على دين أو ليصرف ثم يعمل فأجرة مثله في توليه ثم قراض مثله في ربحه كلك شرك ولا عادة أو مبهم أو أجل أو اشتر سلعة فلان ثم اتجر في ثمنها أو بدين أو ما يقل كاختلافهما في الربح وادعيا ما لا يشبه وفيما فسد غيره أجرة مثله في الذمة ونظم ذلك بعضهم فقال لكل قراض فاسد أجر مثله سوى تسعة قد فصلت ببيان قراض بدين أو بعرض ومبهم وبالشرك والتأجيل أو بضمان ولا يشتري إلا بدين فيشتري بنقد وأن يبتاع عقد فلان ويتجر في أثمانه بعد بيعه فهذي إن عدت تمام ثمان ولا يشتري ما لا يقل وجوده فيشري سواه اسمع لحسن بيان كذا ذكر القاضي عياض وإنه خبير بما يروي فصيح لسان وزيدت عاشرة فقال ابن غازي والحق بها ترك الشراء لبلدة بقيد به أضحى مقود جران يشير به لقول مالك في المدونة أيعطيه المال ويقود كما يقود البعير ا ه
كلام التاودي ببعض تصرف ويتحصل من كلامه وكلام الأصل أمور
الأول
أن القول الأول الذي حكاه في القبس عن مالك هو رواية أشهب عنه والثاني الذي حكاه عن الشافعي وأبي حنيفة وعبد الملك هو مروي عن مالك أيضا وأن الثالث والخامس هما رواية ابن القاسم عن مالك التفصيل وإما بالحد أو بالعد وأن الربع لم يرو عن مالك بل حكاه في القبس عن محمد الأمر الثاني أن المعتمد في المذهب من الأقوال الخمسة المذكورة هو رواية ابن القاسم عن مالك التفصيل لكن بخصوص العد لأنه الذي اقتصر عليه خليل في مختصره وسلمه من كتب عليه من المحققين وإن اقتصر ابن عاصم على القولين الأولين حيث قال
41
41
ومنشأ الخلاف أمران أحدهما المستثنيات من العقود إذا فسدت هل ترد إلى صحيح أنفسها وهو الأصل كفاسد البيع أو إلى صحيح أصلها لأن المستثنى إنما استثني لأجل مصلحته الشرعية المعتبرة في العقد الصحيح فإذا لم توجد تلك المصلحة بطل الاستثناء ولم يبق إلا الأصل فيرد إليه والشرع لم يستثن الفاسد فهو مبني على العدم وله أصل يرجع إليه وسر الفرق بينه وبين البيع أن البيع ليس له أصل آخر يرجع إليه الأمر الثاني أن أسباب الفساد إذا تأكدت في القراض أو غيره بطلت حقيقة المستثنى بالكلية فتتعين الإجارة وإذا لم تتأكد اعتبرنا القراض ثم يبقى النظر بعد ذلك في المفسد هل هو متأكد أم لا نظرا في تحقيق المناط
الفرق الحادي عشر والمائتان بين قاعدة ما يرد إلى مساقات المثل في المساقات وبين ما يرد إلى أجرة المثل قال أبو الطاهر في كتاب النظائر يرد العامل إلى أجرة المثل إلا في خمس مسائل فله مساقات المثل إذا ساقاه على حائط فيه تمر قد أطعم وإذا شرط العمل معه واجتماعها مع
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وأجر مثل أو قراض مثل لعامل عند فساد الأصل الأمر الثالث أن المسألة العاشرة التي ألحقها الأصل بالتسعة غير العاشرة التي ألحقها ابن غازي بها فإن عاشرة الأصل من غير الفاسد وهي ما في قول خليل كاختلافهما في الربح وادعيا ما لا يشبه وعاشر ابن غازي من الفاسد وعليه فالملحق مسألتان وجملة المسائل التي يجب فيها للعامل قراض المثل إحدى عشرة وما عداها يجب فيه له أجرة المثل
وقد نظمت عاشرة الأصل بقولي والحق بهذي الاختلاف بربحه وما ادعيا شبها جرى بزمان وفي شرح التسولي على العاصمية نصه ما ذكر ابن مغيث وصاحب النهاية أن العمل جرى بقراض المثل في أربعة فقط وهي القراض بالعروض أو بالجزء المبهم أو إلى أجل أو بضمان ويجمعها قولك ضمن العروض إلى أجل مبهم وما عدا هذه لأربع فيه أجرة المثل وذكر البرزلي عن ابن يونس أن كل ما يرجع لقراض المثل يفسخ ما لم يشرع في العمل فيمضي وكذا المساقاة وكل ما يرجع إلى أجر المثل بفسخ أبدا ا ه
بلفظه والله سبحانه وتعالى أعلم الفرق الحادي عشر والمائتان بين قاعدة ما يرد من المساقاة الفاسدة إلى قراض المثل وبين ما يرد منها إلى أجرة المثل المساقاة قال ابن عرفة هي عقد على عمل مؤنة النبات بقدر لا غير غلته لا بلفظ بيع أو إجارة أو جعل فيدخل قولها لا بأس بالمساقاة على أن كل الثمرة للعامل ومساقاة البعل ا ه
وهي مستثناة من المخابرة أي كراء الأرض بما يخرج منها عياض ولا تنعقد عند ابن القاسم إلا بلفظها خليل بساقيتك سحنون بما يدل ا ه
تاودي على العاصمية وفي التسولي على العاصمية قال أبو الحسن المساقاة تجوز بثمانية شروط أولها أنها لا تصح إلا في أصل بثمر أو ما في معناه من ذوات الأزهار والأوراق المنتفع بها كالورد والآس يعني الريحان ثانيها
42
42
البيع ومساقاة سنتين على جزأين مختلفين وإذا اختلفا وأتيا بما لا يشبه فحلفا على دعواهما أو نكلا وقد نظمها بعضهم فقال وأجرة مثل في المساقاة عينت سوى خمسة قد خالف الشرع حكمها
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
أن تكون قبل طيب الثمرة وجواز بيعها وثالثها أن تكون إلى مدة معلومة ما لم تطل جدا أو إلى الجذاذ إذا لم يؤجلا رابعها أن تكون بلفظ المساقاة لأن الرخص تفتقر إلى ألفاظ تختص بها خامسها أن تكون بجزء مشاع لا على عدد من آصع أو أوسق سادسها أن يكون العمل كله على العامل سابعها أن لا يشترط أحدهما من الثمرة ولا من غيرها شيئا معينا خاصا بنفسه ثامنها أن لا يشترط على العامل أشياء خارجة عن الثمار أو متعلقة بالثمرة ولكن تبقى بعد الثمرة مما له قدر وبال ا ه
وزاد بعضهم تاسعا وهو أن يكون الشجر مما لا يخلف ا ه
وقد تقدم عن التاودي ما في الشرط الرابع من الخلاف والأصل في فاسدها الرد إلى مساقاة المثل كما مر في القراض إلا أنهم خصوا هذا الأصل بمسائل قال أبو الطاهر في كتاب النظائر يرد العامل إلى أجرة المثل إلا في خمس مسائل فله مساقاة المثل إذا ساقاه على حائط فيه ثمر قد أطعم وإذا شرط العمل معه واجتماعها مع البيع ومساقاة سنتين على جزأين مختلفين وإذا اختلفا وأتيا بما لا يشبه فحلفا على دعواهما أو نكلا وقد نظمها بعضهم فقال وأجرة مثل في المساقاة عينت سوى خمسة قد خالف الشرع حكمها مساقاة إبان بدو صلاحها وجزءان في عامين شرط يعمها وإن شرط الساقي على مالك له مساعدة والبيع معها يضمها وإن حلفا في الخلف من غير شبهة أو اجتنبا الأيمان والجزم ذمها كما في الأصل ونص خليل في مختصره وفسخت فاسدة بلا عمل أو في أثنائه أو بعد سنة من أكثر إن وجبت أجرة المثل وبعده أجرة المثل إن خرجا عنها كأن ازداد عينا أو عرضا وإلا فمساقاة المثل ا ه
يعني أن المساقاة إذا وقعت فاسدة لأجل خلل بركن أو شرط أو وجود مانع فإن عثر عليها قبل شروع العامل في العمل وجب فسخها مطلقا وإن عثر عليها في أثناء العمل أو بعد سنة من أكثر منها فإنها تفسخ ويكون للعامل أجرة المثل فيما عمل أي له بحساب ما عمل كالإجارة الفاسدة إن وجبت له أجرة المثل أما إن وجب له مساقاة المثل فإنما يفسخ ما لم يعمل فإذا فات بابتداء العمل بما له بال لم تفسخ المساقاة إلى انقضاء أمدها وكان فيما بقي من الأعوام على مساقاة مثله للضرورة لأنه لا يدفع للعامل نصيبه إلا من الثمرة فلو فسخت لزم أن لا يكون له شيء لما علمت أن المساقاة كالجعل لا تستحق إلا بتمام العمل وإن اطلع على فسادها بعد الفراغ من العمل فإن خرجا عن المساقاة إلى الإجارة الفاسدة أو إلى بيع الثمرة قبل بدو صلاحها كأن زاد رب الحائط عينا أو عرضا من عنده وجب للعامل أجرة المثل وإن لم يخرجا عنها إلى ذلك وجب له مساقاة المثل ثم ذكر خليل المسائل التي تجب فيها له مساقاة المثل وعدها تسعا فقال كمساقاة مع ثمر أطعم أو مع بيع أو اشترط عمل ربه أو دابة أو غلام وهو صغير أو حمله لمنزله أو يكفيه مؤنة آخر أو اختلف الجزء
43
43
مساقاة إبان بدو صلاحها وجزءان في عامين شرط يعمها وإن شرط الساقي على مالك له مساعدة والبيع معها يضمها
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
بسنين أو حوائط ا ه
المسألة الأولى
أن يساقيه على حائطين أحدهما قد أطعم ثمره والآخر لم يطعم أو يساقيه على حائط واحد فيه ثمر قد أطعم وفيه ثمر لم يطعم وليس تبعا لأنه بيع ثمر مجهول بشيء مجهول لا يقال أصل المساقاة كذلك لأنا نقول خرجت من أصل فاسد لا يتناول هذا فبقي على أصله
المسألة الثانية أن تجتمع مع بيع كأن يبيعه سلعة مع المساقاة ومثل البيع الإجارة وما أشبه ذلك مما يمتنع اجتماعه مع المساقاة قاله بعضهم بلفظ ينبغي
المسألة الثالثة إذا اشترط العامل على رب الحائط أن يعمل معه في الحائط لجولان يده على حائطه وأما لو كان المشترط رب الحائط ففيه أجرة المثل
المسألة الرابعة إذا اشترط العامل عمل دابة رب الحائط والحال أن الحائط صغير المسألة الخامسة إذا اشترط العامل عمل غلام رب الحائط والحال أن الحائط صغير لأنها حينئذ زيادة على رب الحائط ويجوز ذلك إذا كان الحائط كبيرا وفي شرح الشبرخيتي والظاهر الفساد في الرابعة والخامسة ولو أسقط الشرط المسألة السادسة إذا اشترط رب الحائط على العامل عند عقد المساقاة أن يحمل ما يخصه من الثمرة من الأندر إلى منزله للعلة السابقة وهذا إذا كان فيه بعد ومشقة وإلا جاز وكذلك لو اشترط العامل على رب الحائط أن يحمل ما يخصه إلى منزله أو اشترط رب الحائط على العامل ذلك كان له مساقاة مثله ما لم تكن أكثر من الجزء الذي شرط عليه إن كان الشرط للمساقى بفتح القاف أو أقل وإن كان الشرط للمساقي بكسر القاف كما في المقدمات المسألة السابعة إذا اشترط رب الحائط على العامل أن يكفيه مؤنة حائط آخر بأن يعمل نفسه بغير عوض أو بكراء فإن وقع وفات بالعمل فللعامل مساقاة مثله وفي الحائط الآخر أجرة مثله المسألة الثامنة إذا ساقاه على حائط واحد سنين معلومة سنة على النصف وسنة على الثلث وسنة على الربع ولعل المراد بالجمع ما زاد على سنة واحدة المسألة التاسعة إذا ساقاه على حوائط صفقة واحدة حائط على النصف وآخر على الثلث مثلا لاحتمال أن يثمر أحدهما دون الآخر وأما في صفقات فتجوز المساقاة ولو مع اختلاف الجزء ولعل المراد بالجمع ما فوق الواحد ثم ألحق بالتسعة عاشرة المساقاة فيها صحيحة مشبها لها في الرجوع إلى مساقاة المثل فقال كاختلافهما ولم يشبها ا ه
والمعنى أنهما إذا اختلفا بعد العمل في الجزء المشترط للعامل فقال دخلنا على النصف مثلا وقال رب الحائط بل على الربع مثلا والحال أنهما لم يشبه واحد منهما فإنهما يتحالفان أي يحلف كل على ما يدعيه مع نفي دعوى صاحبه ويرد العامل لمساقاة مثله ومثله إذا نكلا ويقضى للحالف على الناكل فإن أشبها معا فالقول للعامل مع يمينه فإن انفرد رب الحائط بالشبه فالقول قوله مع يمينه وأما إن اختلفا قبل فإنهما يتحالفان ويتفاسخان ولا ينظر لشبه ولا عدمه ونكولهما كحلفها وهذا بخلاف القراض فإنه لا تحالف فيه بل العامل يرد المال لأن القراض عقد جائز غير لازم ا ه
خرشي بتلخيص وزيادة من العدوي عليه وقد نظمت المسائل التسع وألحقت العاشرة بها فقلت وأجرة مثل في المساقاة إن عرا فساد سوى تسع ففيها تقررا
44
44
وإن حلفا في الخلف من غير شبهة أو اجتنبا الأيمان والحزم ذمها وسر الفرق ما تقدم في القراض بعينه والقواعد واحدة فيهما
الفرق الثاني عشر والمائتان بين الأهوية وبين قاعدة ما تحت الأبنية
اعلم أن حكم الأهوية تابع لحكم الأبنية فهواء الوقف وقف وهواء الطلق طلق وهواء الموات موات وهواء المملوك مملوك وهواء المسجد له حكم المسجد فلا يقربه الجنب ومقتضى هذه القاعدة أن يمنع بيع هواء المسجد والأوقاف إلى عنان السماء لمن أراد غرز خشب حولها ويبني على رءوس الخشب سقف عليه بنيان ولم يخرج عن هذه القاعدة إلا فرع قال صاحب الجواهر يجوز إخراج الرواشن والأجنحة على الحيطان إلى طريق
هامش أنوار البروق
قال
الفرق الثاني عشر والمائتان بين قاعدة الأهوية وبين قاعدة ما تحت الأبنية إلى قوله سقف عليه بنيان
قلت ما قاله في ذلك حكاية للمذهب فلا كلام معه فيه قال ولم يخرج عن هذه القاعدة إلا فرع قال صاحب الجواهر ويجوز إخراج الروشن إلى قوله هذا تفصيل أحوال الأهوية قلت تعليله بقاء أهوية الطرق غير المستدة على حالها من قبولها للإحياء بعدم الضرورة الملجئة إليها مشعر بنقيض ما حكاه عن المذهب من أن حكم الهواء إلى عنان السماء حكم البناء فإنه لا
هامش إدرار الشروق
مساقاة مثل إن مع البيع أو ثمر غدا مطعما عقد المساقاة قررا وإن يك شرطا صنع رب بحائط كذا من غلام في صغير تحررا كذلك إن من دابة في صغيرة غدا الشرط أو حملا لمنزله جرى كذا إن غدا شرطا كفاية آخر أو الخلف في جزء بعامين صورا كذا إن جرى في حائطين بصفقة والحق بذي أن يحلفا عندما انبرا بلا شبهة خلف بجزء لعامل أو اجتنبا الأيمان في ذا بلا مرا قال في الأصل وسر الفرق أي بين ما يرد لأجرة المثل وما يرد لمساقاة المثل ما تقدم في القراض أي من الضابطين الذي ذكره هو والذي حكاه عن بعض الأصحاب ومن الأمرين اللذين ذكرهما في منشأ الخلاف قال والقواعد واحدة بينهما أي بين الفرض أو المساقاة فافهم والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الثاني عشر والمائتان بين قاعدة الأهوية وبين قاعدة ما تحت الأبنية قال العلامة المحقق ابن الشاط ما خلاصته إن الصحيح أنه لا فرق بين الأمرين والدليل على ذلك أمور منها ما هو معلوم لا شك فيه من أن من ملك موضعا له أن يبني فيه ويرفع فيه البناء ما شاء ما لم يضر
45
45
المسلمين إذا لم تكن مستدة فإذا كانت مستدة امتنع إلا أن يرضى أهلها كلهم وسبب خروج الرواشن عن هذه القاعدة أن الأفنية هي بقية الموات الذي كان قابلا للإحياء فمنع الإحياء فيه لضرورة السلوك وربط الدواب وغير ذلك ولا ضرورة في الهواء فيبقى على حاله مباحا في السكة النافذة
وأما المستدة فلا لحصول الاختصاص وتعين الضرر عليهم
هذا تفصيل أحوال الأهوية وأما ما تحت الأبنية الذي هو عكس الأهوية إلى جهة السفل فظاهر المذهب أنه مخالف لحكم الأبنية فقد نص صاحب الطراز على أن المسجد إذا حفر تحته مطمورة يجوز أن يعبرها الجنب والحائض
وقال لو أجزنا الصلاة في الكعبة وعلى ظهرها لم نجزها في مطمورة تحتها فهذا تصريح بمخالفة الأهوية لما تحت الأبنية وكذلك اختلفوا فيمن ملك أرضا هل يملك ما فيها وما تحتها أم لا ولم يختلفوا في ملك ما فوق البناء من الهواء على ما علمت وقد
هامش أنوار البروق
ضرورة تلجئ إلى ذلك فمقتضى ذلك الاقتصار على ما تلجئ الضرورة إليه والمحكم في ذلك العادة فهذا موضع نظر
قال وأما ما تحت الأبنية إلى قوله وقد نص أصحابنا على بيع هواء لمن ينتفع به قلت ما قاله حكاية أقوال لا كلام فيه قال وسر الفرق بين القاعدتين أن الناس شأنهم توفر دواعيهم على العلو في الأبنية إلى قوله
ولو كان البناء على جبل أو أرض صلبة استغنوا عنه قلت ما قاله من أنه لا تتوفر الدواعي في بطن الأرض على أكثر مما يتمسك به البناء من الأساسات ليس بصحيح كيف وقد توفرت عليه دواعي كثير من الناس كحفر الأرض للجبوب والمصانع والآبار
هامش إدرار الشروق
بغيره وأن له أن يحفر فيه ما شاء ويعمق ما شاء إن لم يضر بغيره وإذا كانت القاعدة الشرعية أن لا يملك إلا ما فيه الحاجة فإن قيل لا حاجة فيما تحت الأبنية من تخوم الأرض فلا يشرع فيه الملك قلنا أي حاجة في البلوغ إلى عنان السماء وإن قيل إن البلوغ إلى عنان السماء مما فيه الحاجة فيملك بخلاف ما تحت الأبنية من تخوم الأرض فإن الدواعي لا تتوفر فيه على أكثر مما يتمسك به البناء من الأساسات فلا يملك إلا ما ألجأت الضرورة إليه قلنا ليس بصحيح كيف
وقد توفرت دواعي كثير من الناس على أكثر مما ذكر كحفر الأرض للجبوب والمصانع والآبار العميقة فما المانع من ملك ما تحت البناء لنحو ما ذكر من حفر بئر يعمقها حافرها ما شاء ومنها أن من أراد أن يحفر مطمورة تحت ملك غيره يتوصل إليها من ملك نفسه يمنع من ذلك بلا ريب ولا خلاف فلو كان ما تحت الأبنية ليس له حكم الأبنية بل هو باق على حكم قبوله للإحياء لما منع من ذلك ومنها أن فيما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من غصب شبرا من أرض طوقه من سبع أرضين بلا ريب إشعارا بملك ما تحت الشبر من الأرضين من جهة أن القاعدة أن العقوبة تكون بقدر الجناية وما قيل من أنه لا يلزم من العقوبة به أن يكون مملوكا لغير الله تعالى لا يدفع ذلك الإشعار نعم ظاهر المذهب أن ما تحت الأبنية الذي هو عكس الأهوية إلى جهة السفل مخالف لحكم الأبنية
46
46
نص أصحابنا على بيع الهواء لمن ينتفع به وسر الفرق بين القاعدتين أن الناس شأنهم توفر دواعيهم على العلو في الأبنية للاستشراف والنظر إلى المواضع البعيدة من الأنهار ومواضع الفرح والتنزه والاحتجاب عن غيرهم بعلو بنائهم وغير ذلك من المقاصد ولا تتوفر دواعيهم في بطن الأرض على أكثر مما يستمسك به البناء من الأساسات خاصة ولو كان البناء على جبل أو أرض صلبة استغنوا عنه والشرع له قاعدة وهو أنه إنما يملك لأجل الحاجة وما لا حاجة فيه لا يشرع فيه الملك فلذلك لم يملك ما تحت الأبنية من تخوم الأرض بخلاف الهواء إلى عنان السماء فهذا هو الفرق والمساجد والكعبة لما كانت بيوتا كانت المقاصد فيها لمن يدخلها متعلقة بهوائها دون ما تحت بنائها كالمملوكات فإن قلت ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من غصب شبرا من أرض طوقه
هامش أنوار البروق
العميقة هذه غفلة منه شديدة والذي يقتضيه النظر الصحيح أن حكم ما تحت الأبنية كحكم الأهوية ومما يدل على ذلك أن من أراد أن يحفر مطمورة تحت ملك غيره يتوصل إليها من ملك نفسه يمنع من ذلك بلا ريب ولا خلاف فلو كان ما تحت الأبنية ليس له حكم الأبنية بل هو باق على حكم قبوله للإحياء لما منع من ذلك والله أعلم
قال والشرع له قاعدة وهو أنه إنما يملك لأجل الحاجة وما لا حاجة فيه لا يشرع فيه الملك فلذلك لم يملك ما تحت الأبنية من تخوم الأرض بخلاف الهواء إلى عنان السماء قلت إذا كانت القاعدة الشرعية أن لا يملك إلا ما فيه الحاجة وأي حاجة في البلوغ إلى عنان
هامش إدرار الشروق
أما أولا فلأن صاحب الطراز قد نص على أن المسجد إذا حفر تحته مطمورة يجوز أن يعبره الجنب والحائض وقال لو أجزنا الصلاة في الكعبة وعلى ظهرها لم نجزها في مطمورة تحتها ا ه
وأما ثانيا فلأنهم اختلفوا فيمن ملك أرضا هل يملك ما فيها وما تحتها أم لا وأما الأهوية فقد اتفقوا فيها على قاعدة أن حكمها تابع لحكم الأبنية فهواء الوقف وقف وهواء الطلق طلق وهواء الموات موات وهواء المملوك مملوك وهواء المسجد له حكم المسجد فلا يقربه الجنب والحائض ومن ثم لم يختلفوا في ملك ما فوق البناء من الهواء اختلافهم في ملك ما تحته من تخوم الأرض بل قد نص أصحابنا على بيع الهواء لمن ينتفع به ومقتضى هذه القاعدة أن يمنع بيع هواء المسجد والأوقاف إلى عنان السماء لمن أراد غرز خشب حولها ليجعل على رءوس الخشب سقفا عليه بناء وأن يمنع إخراج الرواشن والأجنحة على الحيطان إلى طريق المسلمين وإن لم تكن مستدة إلا أن يرضى أهلها كلهم أو يقتصر على ما تلجئ الضرورة إليه والمحكم في ذلك العادة فيكون قول صاحب الجواهر يجوز إخراج الرواشن والأجنحة على الحيطان إلى طريق المسلمين إذا لم تكن مستدة فإذا كانت مستدة امتنع إلا أن يرضى أهلها كلهم ا ه
موضع نظر فهذا كله لا شك تصريح بمخالفة الأهوية لما تحت الأبنية وأن بينهما فرقا إلا أن سره الذي ذكره الشهاب لم يظهر بل بقي سرا كما كان ا ه
فتأمل بإمعان لعلك تظفر بسره والله سبحانه وتعالى أعلم

47
47
من سبع أرضين وهذا يدل على ملك ما تحت ذلك الشبر إلى الأرض السابعة قلت تطويقة ذلك إنما كان عقوبة لا لأجل ملك صاحب الشبر إلى الأرض السابعة ولا يلزم من العقوبة بالشيء أن يكون مملوكا لغير الله عز وجل
الفرق الثالث عشر والمائتان بين قاعدة الأملاك الناشئة عن الإحياء وبين قاعدة الأملاك الناشئة عن غير الإحياء
اعلم أن هذا الموضع مشكل على مذهبنا في ظاهر الأمر فإن الإحياء عندنا إذا ذهب
هامش أنوار البروق
السماء وإذا كانت القاعدة أنه يملك مما فيه الحاجة فما المانع من ملك ما تحت البناء لحفر بئر يعمقها حافرها ما شاء فما ذكر من سر الفرق لم يظهر وبقي سرا كما كان فالصحيح أنه لا فرق بين الأمرين ومن الدليل على ذلك ما هو معلوم لا شك فيه من أن من ملك موضعا له أن يبني فيه ويرفع فيه البناء ما شاء ما لم يضر بغيره وأن له أن يحفر فيه ما شاء ويعمق ما شاء ما لم يضر بغيره قال فإن قلت ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من غصب شبرا من أرض طوقه من سبع أرضين إلى آخر ما قاله في الجواب قلت لا شك أن في الحديث إشعارا بملك ما تحت الشبر من الأرضين من جهة أن القاعدة أن العقوبة تكون بقدر الجناية وما قاله من أنه لا يلزم من العقوبة بأن يكون مملوكا لغير الله تعالى لا يدفع ذلك الإشعار والله أعلم
قال الفرق الثالث عشر والمائتان بين قاعدة الأملاك الناشئة عن الإحياء وبين قاعدة الأملاك الناشئة عن غير الإحياء إلى منتهى قوله وهذا مساو للمسألة في العود للحالة السابقة قلت ما قاله حكاية أقوال واحتجاج ولا كلام في ذلك قال والجواب عن الأول أن الحديث يدل لنا بسبب أن القاعدة أن ترتيب الحكم على الوصف يدل على علية ذلك الوصف لذلك الحكم وقد رتب الملك على وصف الإحياء فيكون الإحياء سببه وعلته والحكم ينتفي لانتفاء علته وسببه فيبطل الملك بهذا الحديث لهاتين القاعدتين
هامش إدرار الشروق
الفرق الثالث عشر والمائتان بين قاعدة الأملاك الناشئة عن الإحياء وبين قاعدة الأملاك الناشئة عن غير الإحياء
بناء على مذهبنا في الإحياء من أنه إذا ذهب الملك وصار مواتا كما كان وكان لغير من أحياه أولا أن يحييه فهو عندنا مخالف لغيره من أسباب الملك القولية فإنها لا يبطل الملك ببطلان أصواتها وانقطاعها وذلك أن الإحياء لما كان من الأسباب الفعلية التي لا ترد إلا على غير ملك سابق ضرورة أنه سبب تملك به المباحات من الأرض كان ضعيفا يذهب الملك الناشئ عنه بذهابه كما يبطل تملك الصيد الحاصل بالاصطياد بتوحشه وتملك السمك برجوعه في النهر وتملك الماء باختلاطه بالنهر وتملك الطير والنحل بانفلاته وتوحشه
48
48
ذهب الملك وكان لغيره أن يحييه ويصير مواتا كما كان
وقال سحنون والشافعي رضي الله عنهما لا يزول الملك بزوال الإحياء لوجوه الأول قوله صلى الله عليه وسلم من أحيا أرضا ميتة فهي له فجعل صلى الله عليه وسلم له الملك والأصل عدم إبطاله واستصحابه الثاني قياس الإحياء على البيع والهبة وسائر أسباب التمليك
الثالث القياس على من تملك لقطة ثم ضاعت منه فإن عودها إلى حال الالتقاط لا يسقط ملك متملكها وهذا مساو للمسألة في العود للحالة السابقة
والجواب عن الأول أن الحديث يدل لنا بسبب أن القاعدة أن ترتيب الحكم على الوصف يدل على علية ذلك الوصف لذلك الحكم وقد رتب الملك على وصف الإحياء فيكون الإحياء سببه وعلته والحكم ينتفي لانتفاء علته وسببه فيبطل الملك بهذا الحديث لهاتين القاعدتين سلمنا أنه لا يدل لنا غير أن قوله عليه السلام فهي له لفظ يقتضي مطلق الملك فإن لفظ له ليس من صيغ العموم بل ذلك على أصل ثبوت الملك ونحن حينئذ نقول بموجبه فإنا نثبت مطلق الملك من الإحياء
وإنما يحصل مقصودا الخصم أن لو
هامش أنوار البروق
قلت أما القاعدتان فمسلمتان صحيحتان ولكن لا يلزم ما قاله من بطلان هذا الحكم لأن الإحياء قد ثبت فترتب عليه مسببه ولم يرتفع الإحياء ولا يصح ارتفاعه لأن ذلك من باب ارتفاع الواقع وهو محال وإنما مغزاه أن الإحياء لم يستمر وذلك غير لازم في الأسباب كلها فإن الملك المرتب على الشراء أو على الإرث أو على الهبة لم تستمر أسبابه فكان يلزم على قياس قوله متى غفل الإنسان عن تجديد شراء مشتراه أن يبطل ملكه عليه وذلك باطل قطعا فجوابه هذا غير صحيح قال سلمنا أنه لا يدل لنا غير أن قوله عليه الصلاة والسلام فهي له لفظ يقتضي مطلق الملك إلى آخر قوله بوصف العموم على وجه الدوام وليس كذلك
هامش إدرار الشروق
وأما غير الإحياء من الأسباب القولية فإنه لما كان يرد غالبا على مملوك قد تأصل فيه الملك قبله قويت إفادته للملك لاجتماع إفادته مع إفادة ما قبله حتى إن الملك الحاصل به لا ينقض بعد بطلان أصوات تلك الأسباب القولية وانقطاعها
ونظير ذلك أمران
الأول
ما إذا ورد البيع على الإحياء فإن الملك الحاصل به لا ينتقض بعد ذلك لتظافر الأسباب والثاني تملك الملتقط فإنه لما ورد على ما تقدم فيه الملك وتقرر قوي بحيث لا ينتقض بعود اللقطة إلى حال الالتقاط ويؤكد لك ذلك أن الأسباب القولية ونحوها ترفع ملك الغير كالبيع ونحوه فهي في غاية القوة
وأما الفعل بمجرده فليس له قوة رفع ملك الغير بل يبطل ذلك الفعل كمن بنى في ملك غيره فلذلك ذهب أثره بذهابه والإقطاع وإن كان سببا قوليا واردا على مملوك للمسلمين إلا أنه بدون الإحياء حكم بدون سبب أو علة فلذا لا يملك بيعه فهو عكس النقيض للذي ادعيناه وهو إبداء العلة التي هي الإحياء بدون حكمها الذي هو استمرار الملك وعدم قصوره لضعفها وعدم بطلان ملك الإقطاع إذا أحيا فيه ببطلان إحيائه إنما هو لتحقق سبب غير الإحياء حينئذ وهو أن الإقطاع حكم من أحكام الأئمة فلا ينقض لأن أحكام الأئمة تصان عن النقض والملك الذي جعله صلى الله عليه وسلم للمحيي بقوله من أحيا أرضا ميتة فهي له مرتب على وصف
49
49
اقتضى الحديث الملك بوصف العموم على وجه الدوام وليس كذلك وعن الثاني الفرق بأن الإحياء سبب فعلي تملك به المباحات من الأرض وأسباب تلك المباحات الفعلية ضعيفة لورودها على غير ملك سابق بخلاف أسباب الملك القولية لا يبطل الملك ببطلان أصواتها وانقطاعها لأنها ترد على مملوك غالبا فلتأصل الملك قبلها قويت إفادتها للملك لاجتماع إفادتها مع إفادة ما قبلها وكذلك إذا ورد البيع على الإحياء لم ينتقض الملك بعد ذلك لتظاهر الأسباب فلهذا المعنى قلنا إذا تملك الصيد بالاصطياد ثم توحش بطل الملك فيه والسمك إذا انفلت في النهر يبطل ملكه والماء إذا حير ثم اختلط بالنهر أو الطير أو النحل أبين من ذلك كله إذا انفلت وتوحش بطل الملك فيه نظرا لهذه العلة فإن قلت الإقطاع سبب قولي وارد على مملوك للمسلمين ومع ذلك لا يملك بيعه
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله من أن الحديث لا يقتضي الملك بوصف الدوام صحيح ولكن هنا قاعدة شرعية وهي أن الملك يدوم بعد ثبوت سببه إلا أن يلزمه ما يناقضه قال وعن الثاني الفرق بأن الإحياء سبب فعلي تملك به المباحات من الأرض وأسباب تملك المباحات الفعلية ضعيفة لورودها على غير ملك سابق قلت ما قاله دعوى يقابل بمثلها بأن يقال بأن الأسباب القولية هي الضعيفة لورودها على ملك سابق فيعارض الملكان السابق واللاحق وأما المملوك بالإحياء فلم يسبقه ما يعارضه فهو أقوى قال بخلاف أسباب الملك القولية لا يبطل الملك ببطلان أصواتها وانقطاعها لأنها ترد على مملوك غالبا إلى منتهى قوله نظرا لهذه العلة
هامش إدرار الشروق
الإحياء والقاعدة أن ترتب الحكم على الوصف يدل عليه ذلك الوصف لذلك الحكم فيكون الإحياء سببه وعليته
والقاعدة أن الحكم ينتفي بانتفاء علته وسببه فهذا الحديث لهاتين القاعدتين إنما يقتضي الملك عند ذلك كما يدعي الخصم على أن قوله صلى الله عليه وسلم فهي له لفظ يقتضي مطلق الملك لأن لفظ له ليس من صيغ العموم بل ذلك على أصل ثبوت الملك ولا داع في ثبوت مطلق الملك بالإحياء بل نحن نقول بموجبه أيضا ولا يقتضي الملك بوصف الدوام حتى يحصل به مقصود الخصم إذا علمت هذا ظهر لك اندفاع الإشكال الوارد على مذهبنا في ظاهر الأمر وأنه فقه حسن على القواعد وأن مقابله لم يكن أقوى منه إلا في بادئ الرأي فتأمل كذا قال الأصل
وأما على مقابل مذهبنا وهو قول سحنون والشافعي رضي الله عنهما لا يزول الملك بزوال الإحياء لوجوه
الأول
أنه صلى الله عليه وسلم جعل له في الحديث السابق الملك والأصل عدم إبطاله واستصحابه والثاني قياس الإحياء على البيع والهبة وسائر أسباب التمليك والثالث القياس على من تملك لقطة ثم ضاعت منه فإن عودها إلى حال الالتقاط لا يسقط ملك متملكها فلا يسلم الفرق بين الإحياء وغيره من أسباب التمليك قال العلامة ابن الشاط ما خلاصته ومذهب الشافعي أقوى من مذهبنا على الإطلاق لا في بادئ الرأي فقط كما زعم الشهاب لوجهين الأول أن ما قاله في الفرق بينهما مجرد دعوى يقابل
50
50
قلت هذا سؤال عكس لأنا ادعينا قصور الإحياء وأنتم أبديتم حكم القصور بدون الإحياء وإبداء الحكم بدون سبب أو علة عكس وهو عكس النقيض وهو إبداء العلة بدون حكمها فإن قلت فإذا أحيا في الإقطاع لم لا يبطل ملكه ببطلان إحيائه قلت ذلك لسبب غير الإحياء وهو أن الإقطاع حكم من أحكام الأئمة لا ينقض وتصان أحكام الأئمة عن النقض وعن الثالث أن تملك الملتقط ورد على ما تقدم فيه الملك وتقرر فكان تأثير السبب فيه أقوى لما تقدم ويؤكده أن الأسباب القولية ونحوها ترفع ملك الغير كالبيع ونحوه فهي في غاية القوة وأما الفعل بمجرده فليس له قوة رفع ملك الغير بل يبطل ذلك الفعل كمن بنى في ملك غيره فلذلك ذهب أثره بذهابه
وهذا فقه حسن على القواعد
هامش أنوار البروق
قلت كل ذلك دعوى وهو عين المذهب أو مرتبة عليه وقد سبق جوابه
قال فإن قلت الإقطاع سبب قولي وارد على مملوك للمسلمين ومع ذلك لا يملك بيعه قال قلت هذا سؤال عكس إلى قوله وهو إبداء العلة بدون حكمها قلت إذا كان سؤال عكس فلم لا يكون واردا وقادحا قال فإن قلت فإذا أحيا في الإقطاع لم لا يبطل ملكه ببطلان إحيائه قلت ذلك لسبب غير الإحياء إلى آخر جوابه قلت جوابه هنا صحيح قال وعن الثالث أن تملك الملتقط ورد على ما تقدم فيه الملك إلى آخر قوله وهذا فقه حسن على القواعد فليتأمل قلت جوابه هنا مبني على دعواه قوة الأسباب القولية فجوابه ما سبق قال ومذهب الشافعي رضي الله عنه في بادئ الرأي أقوى وأظهر إلى آخر قوله في هذا الفرق قلت قد تبين أن مذهب الشافعي أقوى على الإطلاق والله تعالى أعلم قال
هامش إدرار الشروق
بمثلها بأن يقال إن الأسباب القولية هي الضعيفة لورودها على ملك سابق فيتعارض الملكان السابق واللاحق
وأما المملوك بالإحياء فلم يسبقه ما يعارضه فهو أقوى
الوجه الثاني
أن ما قاله في الجواب عن الحديث السابق من أنه يدل بسبب القاعدتين المذكورتين على بطلان الملك بذهاب الإحياء غير صحيح فإن القاعدتين وإن كانتا صحيحتين مسلمتين لكن لا يلزمهما ما قاله من بطلان هذا الحكم لأن الإحياء قد ثبت فترتب عليه مسببه ولم يرتفع الإحياء بل لا يصح ارتفاعه لأن ذلك من باب الارتفاع الواقع وهو محال وإنما مغزاه أن الإحياء لم يستمر وذلك غير لازم في الأسباب كلها فإن الملك المرتب على الشراء أو على الإرث أو على الهبة لم تستمر أسبابه فكان يلزم على قياس قوله أنه متى غفل الإنسان عن تجديد شراء مشتراه أن يبطل ملكه عليه ذلك باطل قطعا وما قاله من أن الحديث لا يقتضي الملك بوصف الدوام وإن كان صحيحا إلا أن هنا قاعدة شرعية وهي أن الملك يدوم بعد ثبوت سببه إلا أن يلزمه ما يناقضه ا ه
فتأمل والله سبحانه وتعالى أعلم
51
51
فليتأمل ومذهب الشافعي رضي الله عنه في بادئ الرأي أقوى وأظهر وبهذه المباحث ظهر الفرق بين القاعدتين من جهة القوة والضعف كما تقدم بسطه وتقريره
الفرق الرابع عشر والمائتان بين قاعدة الكذب وقاعدة الوعد وما يجب الوفاء به منه وما لا يجب
قال الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون والوعد إذا أخلف قول لم يفعل فيلزم أن يكون كذبا محرما وأن يحرم إخلاف الوعد مطلقا
وقال عليه السلام من علامة المنافق ثلاث إذا اؤتمن خان وإذا حدث كذب وإذا وعد أخلف فذكره في سياق الذم دليل على التحريم ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال وعد المؤمن واجب أي وعده واجب الوفاء به
هامش أنوار البروق
الفرق الرابع عشر والمائتان بين قاعدة الكذب وقاعدة الوعد وما يجب الوفاء به منه وما لا يجب إلى آخر قوله وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال وأي المؤمن واجب أي وعده واجب الوفاء به قلت ما قاله صحيح ولا كلام فيه قال وفي الموطإ قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أكذب لامرأتي فقال صلى الله عليه وسلم لا خير في الكذب فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أعدها وأقول لها فقال عليه الصلاة والسلام لا جناح عليك فمنعه من الكذب المتعلق بالمستقبل فإن رضى النساء إنما يحصل به قلت ما قاله من أنه منعه من الكذب المتعلق بالمستقبل غير مسلم وهي دعوى لم يأت عليها بحجة ولعله أراد بالكذب لها أن يخبرها عن فعله مع غيرها من النساء بما لم يفعله أو من غير ذلك مما يكون فيه تغييظها بزوجته فلم يتعين أن المراد ما ذكره كيف وأن ما ذكره هو عين الوعد فإنه لا
هامش إدرار الشروق
51
الفرق الرابع عشر والمائتان بين قاعدة الكذب وقاعدة الوعد وما يجب الوفاء به منه وما لا يجب
اعلم أن الأدلة الشرعية على قسمين
القسم الأول
ما ظاهره الفرق بين قاعدة الكذب وقاعدة الوعد كحديث الموطإ قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أأكذب لامرأتي فقال صلى الله عليه وسلم لا خير في الكذب فقال يا رسول الله أعدها وأقول لها فقال عليه الصلاة والسلام لا جناح عليك وحديث أبي داود قال عليه الصلاة والسلام إذا وعد أحدكم أخاه ومن نيته أن يفي فلم يف فلا شيء عليه ونحو ذلك من الأدلة التي تقتضي عدم الوفاء بالوعد وأن ذلك مباح والكذب ليس بمباح فلا يدخل الكذب في الوعد والقسم الثاني ما ظاهره عدم الفرق بينهما كقوله عز وجل يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون فإن الوعد إذا أخلف قول لم يفعل فيلزم أن يكون كذبا محرما وأن يحرم إخلاف الوعد مطلقا
وقوله عليه الصلاة والسلام من علامة المنافق ثلاث
52
52
وفي الموطإ قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أكذب لامرأتي فقال صلى الله عليه وسلم لا خير في الكذب فقال يا رسول الله أفأعدها وأقول لها فقال عليه السلام لا جناح عليك فمنعه من الكذب المتعلق بالمستقبل فإن رضى النساء إنما يحصل به ونفى الجناح على الوعد وهو يدل على أمرين أحدهما أن إخلاف الوعد لا يسمى كذبا لجعله قسيم الكذب وثانيها أن إخلاف الوعد لا حرج فيه ولو كان المقصود الوعد الذي يفي به لما احتاج للسؤال عنه ولما ذكره مقرونا بالكذب ولكن قصده إصلاح حال امرأته بما لا يفعله فتخيل الحرج في ذلك فاستأذن عليه وفي أبي داود قال عليه السلام إذا وعد أحدكم أخاه ومن نيته أن يفي فلم يف فلا شيء عليه فهذه الأدلة تقتضي عدم الوفاء بالوعد وأن ذلك مباح والكذب ليس بمباح فلا يكون الوعد يدخله الكذب عكس الأدلة الأول واعلم أنا إذا فسرنا الكذب بالخبر الذي لا يطابق لزم دخول الكذب في الوعد بالضرورة مع
هامش أنوار البروق
بد أن يكون ما يخبرها عن وقوعه في المستقبل متعلقا بها وإلا فلا حاجة لها هي فيما يتعلق بغيرها
وما معنى الحديث عندي إلا أنه صلى الله عليه وسلم منعه من أن يخبرها بخبر كذب يقتضي تغييظها به وسوغ له الوعد لأنه لا يتعين فيه الإخلاف لاحتمال الوفاء به سواء كان عازما عند الوعد على الوفاء أو على الإخلاف أو مضربا عنهما ويتخرج ذلك في قسم العزم على الإخلاف على الرأي الصحيح المنصور عندي من أن العزم على المعصية لا مؤاخذة به إذ معظم دلائل الشريعة يقتضي المنع من الإخلاف والله أعلم
قال ونفي الجناح عن الوعد وهو يدل على أمرين أحدهما أن إخلاف الوعد لا يسمى كذبا لجعله قسيم الكذب قلت قد تبين أنه لم يجعله قسيم الكذب من حيث هو كذب وإنما جعله قسيم الخبر عن غير المستقبل الذي هو كذب فكان قسيمه من جهة كونه مستقبلا وذلك غير مستقبل أو من جهة كونه
هامش إدرار الشروق
إذا اؤتمن خان وإذا حدث كذب وإذا وعد أخلف فذكره في سياق الذم دليل على التحريم وما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال وأي المؤمن واجب أي وعده واجب الوفاء به فلما كان ظاهر القسم الأول معارضا لظاهر القسم الثاني حين صار بحيث لو أخذ به وقيل بالفرق بينهما وأن الوعد لا يدخله الكذب لزم مخالفة ظاهر القسم الثاني بل
وقوله تعالى وعدكم وعد الحق وصدق الله وعده الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء هل وجدتم ما وعد ربكم حقا إلى غير ذلك من النصوص الدالة على دخول الصدق في وعد الله تعالى ووعيده والأصل في الاستعمال الحقيقة وكان ظاهر الثاني كذلك معارضا لظاهر الأول حتى صار بحيث لو أخذ به وقيل بعدم الفرق بينهما وأن الوعد يدخله الكذب لزم مخالفة ظاهر الأول وتعين الجمع بين هذه الظواهر المتعارضة اختلف الفقهاء فيما يقرب أن يؤخذ به منهما وما يؤول على قولين
53
53
أن ظاهر الحديث يأباه وكذلك التأثيم فمن الفقهاء من قال الكذب يختص بالماضي والحاضر والوعد إنما يتعلق بالمستقبل فلا يدخله الكذب وسيأتي الجواب عن الآية ونحوها إن شاء الله تعالى ومنهم من يقول لم يتعين عدم المطابقة في المستقبل بسبب أن المستقبل زمان يقبل الوجود والعدم ولم يقع فيه بعد وجود ولا عدم فلا يوصف الخبر عند الإطلاق بعدم المطابقة ولا بالمطابقة لأنه لم يقع بعد ما يقتضي أحدهما وحيث قلنا الصدق القول المطابق والكذب القول الذي ليس بمطابق ظاهر في وقوع وصف المطابقة أو عدمها بالفعل وذلك مختص بالحال والماضي
وأما المستقبل فليس فيه إلا قبول المطابقة وعدمها ونحن متى حددنا بوصف نحو قولنا في الإنسان الحيوان الناطق أو نحوه إنما نريد الحياة والنطق بالفعل لا بالقوة وإلا لكان كله إنسانا لأنه قابل للحياة والنطق وهذا التعليل يؤيد القول الأول ومنهم من يقول الكل يدخله الكذب وإنما سومح في الوعد تكثيرا للعدة بالمعروف فعلى هذا القول لا فرق بين
هامش أنوار البروق
قد تعين أنه كذب والوعد لا يتعين كونه كذبا
قال وثانيهما أن إخلاف الوعد لا حرج فيه قلت بل فيه الحرج بمقتضى ظواهر الشرع إلا حيث يتعذر الوفاء قال ولو كان المقصود الوعد الذي يفي به لما احتاج للسؤال عنه ولما ذكره مقرونا بالكذب قلت لم يقصد الوعد الذي يفي فيه على التعيين ومن أين له العلم بذلك وإنما قصد الوعد على الإطلاق وسأل عنه لأن الاحتمال في عدم الوفاء اضطرارا أو اختيارا قائم ورفع النبي صلى الله عليه وسلم عنه الجناح لاحتمال الوفاء ثم إنه إن وفى فلا جناح وإن لم يف مضطرا فكذلك وإن لم يف مختارا فالظواهر المتظاهرة قاضية بالحرج والله أعلم
قال ولكن قصده إصلاح حال امرأته بما لا يفعله فتخيل الحرج في ذلك فاستأذن في ذلك
هامش إدرار الشروق
القول الأول
تمسك بعضهم بظاهر القسم الأول وتأويل ظاهر القسم الثاني والفرق بين وعد الله تعالى ووعيده وبين وعد غيره تعالى قال الكذب يختص بالماضي والحاضر والوعد إنما يتعلق بالمستقبل
وذلك لأن قولنا الصدق القول المطابق للواقع والكذب القول الذي ليس بمطابق للواقع ظاهر في وقوع وصف المطابقة وعدمها بالفعل وذلك مختص بالحال والماضي
وأما المستقبل فليس فيه إلا قبول المطابقة وعدمها أما أولا فلأنا إذا حددنا بوصف بأن قلنا في الإنسان مثلا الحيوان الناطق إنما نريد الحياة والنطق بالفعل لا بالقوة وإلا كان الجماد والنبات كله إنسانا لأنه قابل للحياة والنطق
وأما ثانيا فلأن حديث الموطإ يدل على أمرين أحدهما أن إخلاف الوعد لا يسمى كذبا لجعله قسيم الكذب وثانيهما أن إخلاف الوعد لا حرج فيه إذ لو كان المقصود الوعد الذي يفي به لما احتاج للسؤال عنه ولما ذكره مقرونا بالكذب ولكن قصده إصلاح حال امرأته بما لا يفعله فتخيل الحرج في ذلك فاستأذن عليه
54
54
الكذب والوعد والأول هو الذي ظهر لي لعدم تعين المطابقة وعدمها اللذين هما ضابطا الصدق والكذب وعلى ذلك يقع الفرق بينه وبين الكذب وبين الصدق فلا يوصف بواحد منهما ويختص بالماضي والحاضر فإن قلت يلزم ذلك في وعد الشرائع ووعيدها فلا يوصفان بواحد منهما وليس كذلك لقوله تعالى وعدكم وعد الحق وصدق الله وعده الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء هل وجدتم ما وعد ربكم حقا إلى غير ذلك من النصوص الدالة على دخول الصدق في وعد الله تعالى ووعيده والأصل في الاستعمال الحقيقة قلت الله تعالى يخبر عن معلوم وكل ما تعلق به العلم تجب مطابقته بخلاف واحد من البشر إنما ألزم نفسه أن يفعل مع تجويز أن يقع ذلك منه وأن لا يقع فلا تكون
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله غير صحيح ومن أين يعلم أنه لا يفعله وعلى أن يكون في حال الوعد غير متمكن مما وعد به من أين يعلم عدم تمكنه منه في المستقبل وإذا تعذر علمه بذلك تعين أن يكون سؤاله لاحتمال عدم الوفاء أو العزم على عدم الوفاء فسوغ له صلى الله عليه وسلم ذلك لأن عدم الوفاء لا يتعين أو لأن العزم على عدم الوفاء على تقدير أن عدم الوفاء معصية ليس بمعصية
قال وفي أبي داود قال صلى الله عليه وسلم إذا وعد أحدكم أخاه ومن نيته أن يفي فلم يف فلا شيء عليه إلى قوله عكس الأدلة الأول قلت تحمل هذه على أنه لم يف مضطرا جمعا بين الأدلة مع بعد تأويل تلك الأدلة وقرب تأويل هذه قال واعلم أنا إذا فسرنا الكذب بالخبر الذي لا يطابق لزم دخول الكذب في الوعد بالضرورة
هامش إدرار الشروق
وكذلك حديث أبي داود يقتضي أن عدم الوفاء بالوعد مباح عكس ظاهر الآية ونحوها فظهر الفرق بينهما أولا باختصاص الوعد بالمستقبل والكذب بالماضي والحال
وثانيا بعدم التأثيم في الأول والتأثيم في الثاني كما هو ظاهر حديثي الموطإ وأبي داود السابقين والجواب عن ظاهر الآية ونحوها أما أولا فلأنه محمول إما على أن الموعد أدخل الموعود في سبب يلزمه بوعده كما لمالك وابن القاسم وسحنون أما مالك وابن القاسم فقالا إذا سألك أن تهب له دينارا فقلت نعم ثم بدا لك لا يلزمك ولو كان افتراق الغرماء عن وعد وإشهاد لأجله لزمك لإبطاله مغرما بالتأخير
وأما سحنون فقال الذي يلزم من الوعد قوله اهدم دارك وأنا أسلفك ما يبنى به أو اخرج إلى الحج وأنا أسلفك أو اشتر سلعة أو تزوج امرأة وأنا أسلفك لأنك أدخلته بوعدك في ذلك أما مجرد الوعد فلا يلزمك الوفاء به بل الوفاء به من مكارم الأخلاق ا ه
وأما على أنه وعده مقرونا بذكر السبب كما لأصبغ حيث قال يقضى عليك به تزوج الموعود أم لا وكذا أسلفني لأشتري سلعة كذا لزمك تسبب في ذلك أم لا والذي لا يلزم من ذلك أن تعده من غير ذكر سبب فيقول لك أسلفني كذا فتقول نعم بذلك قضى عمر بن عبد العزيز رحمه الله وإن وعدت غريمك بتأخير الدين لزمك
55
55
المطابقة وعدمها معلومين ولا واقعين فانتفيا بالكلية وقت الإخبار واعلم أن الفقهاء اختلفوا في الوعد هل يجب الوفاء به شرعا أم لا قال مالك إذا سألك أن تهب له دينارا فقلت نعم ثم بدا لك لا يلزمك ولو كان افتراق الغرماء عن وعد وإشهاد لأجله لزمك لإبطالك مغرما بالتأخير قال سحنون الذي يلزم من الوعد قوله اهدم دارك وأنا أسلفك ما تبني به أو اخرج إلى الحج وأنا أسلفك أو اشتر سلعة أو تزوج امرأة وأنا أسلفك لأنك أدخلته بوعدك في ذلك أما مجرد الوعد فلا يلزم الوفاء به بل الوفاء من مكارم الأخلاق
وقال أصبغ يقضى عليك به تزوج الموعود أم لا وكذا أسلفني لأشتري سلعة كذا لزمك تسبب في ذلك أم لا والذي لا يلزم من ذلك أن تعده من غير ذكر سبب فيقول لك أسلفني كذا فتقول
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله في ذلك صحيح
قال مع أن ظاهر الحديث يأباه وكذلك عدم التأثيم قلت يلزم تأويل ذلك قال فمن الفقهاء من قال الكذب يختص بالماضي والحاضر والوعد إنما يتعلق بالمستقبل فلا يدخله الكذب وسيأتي الجواب عن الآية ونحوها قلت قولهم ذلك دعوى يكذبها دخول عدم المطابقة في الوعد وفي كل مستقبل سواه قال ومنهم من يقول لم يتعين عدم المطابقة في المستقبل بسبب أن المستقبل زمان يقبل الوجود والعدم ولم يقع فيه بعد وجود ولا عدم فلا يوصف الخبر عند الإطلاق بعدم المطابقة ولا بالمطابقة لأنه لم يقع بعدما يقتضي أحدهما وحيث قلنا الصدق القول المطابق والكذب القول الذي ليس بمطابق ظاهر في وقوع وصف المطابقة أو عدمها بالفعل وذلك مختص بالحال والماضي وأما المستقبل فليس فيه إلا قبول المطابقة وعدمها قلت هؤلاء الذين قالوا هذا القول لم يخالفوا الأول في كون الكذب لا يدخل الوعد ولكنهم عينوا السبب في ذلك وبسطوه ومساق المؤلف لقول هؤلاء مفصولا عن قول أولئك يشعر باعتقاده أنه قول غير الأول وليس كذلك بل هو القول الأول بعينه
هامش إدرار الشروق
لأنه إسقاط لازم للحق سواء قلت له أؤخرك أو أخرتك وإذا أسلفته فعليك تأخيره مدة تصلح لذلك ا ه
وأما ثانيا فلأنه قد قيل إن الآية نزلت في قوم كانوا يقولون جاهدنا وما جاهدوا وفعلنا أنواعا من الخيرات وما فعلوه ولا شك أن هذا محرم لأنه كذب وتسميع بطاعة وكلاهما محرم ومعصية اتفاقا وما ذكر من الإخلاف في صفة المنافق معناه أنه سجية له ومقتضى حاله الإخلاف ومثل هذه السجية يحسن الذم بها كما يقال سجية تقتضي البخل والمنع فمن كان صفته تحث على الخير مدح أو تحث على الشر ذم شرعا وعرفا والفرق بين وعد الله تعالى ووعيده وبين وعد غيره هو أن الله تعالى يخبر عن معلوم وكل ما تعلق به العلم تجب مطابقته بخلاف واحد من البشر فإنه إنما ألزم نفسه أن يفعل مع تجويز أن يقع ذلك منه وأن لا يقع فلا تكون المطابقة وعدمها معلومين ولا واقعين فانتفيا بالكلية وقت الإخبار
واختار هذا القول الأصل فقال هذا هو الذي ظهر لي لأنه أقرب الطرق في الجمع بين هذه الظواهر المتعارضة والقول الثاني تمسك بعضهم بظاهر القسم الثاني وتأويل ظاهر القسم الأول قال يفسر الكذب
56
56
نعم بذلك قضى عمر بن عبد العزيز رحمه الله وإن وعدت غريمك بتأخر الدين لزمك لأنه إسقاط لازم للحق سواء قلت له أؤخرك أو أخرتك وإذا أسلفته فعليك تأخيره مدة تصلح لذلك وحينئذ نقول وجه الجمع بين الأدلة المتقدمة التي يقتضي بعضها الوفاء به وبعضها عدم الوفاء به أنه إن أدخله في سبب يلزم بوعده لزم كما قال مالك وابن القاسم وسحنون أو وعده مقرونا بذكر السبب
هامش أنوار البروق
قال ونحن متى حددنا بوصف نحو قولنا في الإنسان الحيوان الناطق أو نحوه إنما نريد الحياة والنطق بالفعل لا بالقوة وإلا لكان الجماد والنبات كله إنسانا لأنه قابل للحياة والنطق وهذا التعليل يؤيد القول الأول قلت ما قاله هذا القائل في حد الإنسان مشعر بجهله بالحدود وقصد أربابها فإنهم لا يريدون حصول الوصف بالفعل فإن الطفل الرضيع عندهم إنسان مع أن النطق الذي هو العقل فيه مفقود فيه بالفعل وما قاله هذا القائل حيث قال وإلا لكان الجماد والنبات كله إنسانا لأنه قابل للحياة مشعر بجهله بمذهب أرباب الحدود وهم الفلاسفة في الحقائق وأنها مختلفة بصفاتها الذاتية فلا تقبل حقيقة منها صفة الأخرى فالحيوان لا يقبل أن يكون جمادا والجماد لا يقبل أن يكون حيوانا وما قاله من أن هذا التعليل يؤيد القول الأول يشعر باعتقاده أنهما قولان وليس الأمر كذلك قلت وإذا كان الأمر في الحدود لا يستلزم أن تكون الأوصاف فيها بالفعل بطل كل ما قاله هؤلاء من أن الوعد لا يدخله الكذب لأنه مستقبل وصح قول من يقول يدخله بمعنى أنه قابل لذلك وهذا هو القول الذي لا يصح سواه والله أعلم
قال ومنهم من يقول الكل يدخله الكذب وإنما سومح في الوعد تكثيرا للعدة بالمعروف فعلى هذا القول لا فرق بين الكذب والوعد والأول هو الذي ظهر لي لعدم تعين المطابقة وعدمها اللذين
هامش إدرار الشروق
بالخبر الذي لا يطاق الواقع وكل من المستقبل والماضي والحال يدخله وصف المطابقة وعدمها وليس الوقوع بالفعل شرطا فيدخل الكذب في الكل ويلزم دخول الكذب في الوعد بالضرورة وإنما سومح في الوعد تكثيرا للعدة بالمعروف فلا فرق بين الكذب والوعد قال العلامة ابن الشاط ما خلاصته وهذا القول هو الصحيح لوجوه
الوجه الأول
أنا لا نسلم أن الحدود تستلزم أن تكون الأوصاف فيها بالفعل إذ لو استلزمت ذلك لخرج الطفل الرضيع عن الإنسان ضرورة أن النطق الذي هو العقل مفقود فيه بالفعل مع أنه عند أرباب الحدود وهم الفلاسفة إنسان ودعوى أنه إذا لم تستلزم ذلك كان الجماد والنبات كله إنسانا لأنه قابل للحياة والنطق جهل بمذهب أرباب الحدود وهم الفلاسفة في الحقائق وأنها مختلفة بصفاتها الذاتية فلا تقبل حقيقة منها صفة الأخرى فالحيوان لا يقبل أن يكون جمادا والجماد لا يقبل أن يكون حيوانا وإذا كان الأمر في الحدود لا يستلزم أن تكون الأوصاف فيها بالفعل بطل كل ما قاله هؤلاء من أن الوعد لا يدخله الكذب لأنه مستقبل وصح قول من يقول يدخله بمعنى أنه قابل لذلك وهذا هو القول الذي لا يصح سواه
الوجه الثاني أنه لا معنى لحديث الموطإ عندي إلا أنه صلى الله عليه وسلم منع السائل له من أن يخبر زوجته بخبر يقتضي تغيظها به كأن
57
57
كما قاله أصبغ لتأكد العزم على الدفع حينئذ ويحمل عدم اللزوم على خلاف ذلك مع أنه قد قيل في الآية إنها نزلت في قوم كانوا يقولون جاهدنا وما جاهدوا وفعلنا أنواعا
هامش أنوار البروق
هما ضابطا الصدق والكذب وعلى ذلك يقع الفرق بينه وبين الكذب وبين الصدق فلا يوصف بواحد منهما ويختص بالماضي والحاضر قلت الصحيح نقيض مختاره وأنه لا فرق هنا والله أعلم
قال فإن قلت يلزم ذلك في وعد الشرائع ووعيدها فلا يوصفان بواحد منهما وليس كذلك إلى قوله فانتفيا بالكلية وقت الإخبار قلت السؤال وارد لازم والجواب ساقط من حيث إن الحقائق لا تتغير بحسب الأحوال المخبر بها عنها ولا بحسب حال دون حال فالخبر القابل للصدق أو الكذب قابل لهما والخبر القابل لأحدهما دون الآخر كذلك والله تعالى أعلم
قال واعلم أن الفقهاء اختلفوا في الوعد هل يجب الوفاء به شرعا أم لا إلى آخر الفرق قلت الصحيح عندي القول بلزوم الوفاء بالوعد مطلقا فيتعين تأويل ما يناقض ذلك ويجمع بين الأدلة على خلاف الوجه الذي اختاره المؤلف والله تعالى أعلم وما قاله بعد هذا في الفروق التسعة صحيح أو نقل وترجيح
فائدتان الأولى القول بالموجب بفتح الجيم ما يقتضيه الدليل وبكسرها الدليل وهو عند الأصوليين تسليم مقتضى الدليل مع بقاء النزاع بأن يظهر عدم استلزامه الدليل لمحل النزاع وشاهده أي الدال على اعتباره قوله تعالى ولله العزة ولرسوله في جواب ليخرجن الأعز منها الأذل المحكي عن المنافقين أي صحيح ذلك لكن هم الأذل والله ورسوله الأعز وقد أخرجاهم فقد سلم موجب الدليل ومقتضاه مع بقاء النزاع في الأعز من هو والأذل من هو وليس هو تلقي المخاطب بغير ما يترقب فقط الذي اصطلح عليه أرباب المعاني كما في جمع الجوامع وشرح المحلي وعطاره وكذا قوله تعالى كونوا قوامين بالقسط مسلم مقتضاه وهو وجوب القيام بالقسط أي العدل مع بقاء النزاع في كون الحكم بالعلم منه أم لا وهو الذي نقوله لأنه محرم عندنا فتنبه قال العطار على محلى جمع الجوامع وجعل الأصوليون القول بالموجب من القوادح لأنه لا ينافي تسليمه ليس المراد تسليم الدليل على مدعي المستدل بل تسليم صحته على خلافه فهو قادح في العلة ا ه
بتوضيح الثانية في شرح التسولي على العاصمية مثل التجريح والتعديل في جواز الحكم بعلمه تأديب من أساء عليه وضرب خصم له إلخ فما يستند فيه لعلمه جنس تحته أنواع ا ه فافهم والله تعالى أعلم
هامش إدرار الشروق
يخبرها عن فعله مع غيرها من النساء بما لم يفعله أو من غير ذلك مما يكون فيه تغيظا بزوجته وسوغ له الوعد لأنه لا يتعين فيه الإخلاف لاحتمال الوفاء به سواء كان عازما عند الوعد على الوفاء أو على الإخلاف أو مضربا عنهما ويتخرج ذلك في قسم العزم على الإخلاف على الرأي الصحيح المتصور عندي من أن العزم على المعصية لا مؤاخذة به إذ معظم دلائل الشريعة يقتضي المنع من الإخلاف وأن السائل له صلى الله عليه وسلم إنما قصد الوعد على الإطلاق وسأل عنه لأن الاحتمال في عدم الوفاء إضرارا أو اختيارا قائم ورفع صلى الله عليه وسلم عنه الجناح لاحتمال الوفاء ثم إنه إن وفى فلا جناح وإن لم يف مضطرا فكذلك وإن لم يف مختارا فالظواهر المتضافرة قاضية بالحرج فتبين أنه صلى الله عليه وسلم لم يجعل الوعد قسيما للكذب من حيث هو كذب وإنما جعله قسيما للخبر عن غير المستقبل الذي هو كذب فكان قسيمه من جهة كونه مستقبلا وذلك غير مستقبل أو من جهة كونه قد تعين أنه كذب والوعد لا يتعين أنه كذب
وما قيل من أنه صلى الله عليه وسلم منع السائل من الكذب المتعلق بالمستقبل فمجرد دعوى لم تقم عليها حجة ولا يتعين أن المراد ما قاله كيف وأن ما قاله هو عين الوعد فإنه لا بد أن يكون ما يخبرها عن وقوعه في المستقبل متعلقا بها وإلا فلا حاجة لها فيما يتعلق بغيرها وما قيل إن السائل لم يقصد الوعد الذي نفى به بل قصد الوعد الذي لا نفي فيه على التعيين فمجرد دعوى كذلك إذ من أين يعلم أنه لا يفعله وعلى أن يكون في حال الوعد غير متمكن مما وعد به من أين يعلم عدم تمكنه منه في المستقبل وإذا تعذر علمه بذلك تعين أن يكون سواه لاحتمال عدم الوفاء أو العزم على عدم الوفاء فسوغ له صلى الله عليه وسلم ذلك وأن عدم الوفاء لا يتعين أو لأن العزم على عدم الوفاء على تقدير أن عدم الوفاء معصية ليس بمعصية
الوجه الثالث
أن في حمل حديث الموطإ على ما ذكر وحمل حديث أبي داود على أنه لم يف مضطرا قربا وفي حمل الآية ونحوها على ما قاله الشهاب بعدا أما أولا فلأن النصوص الدالة على دخول الصدق في وعده تعالى ووعيده وأن الأصل في الاستعمال
58
58
من الخيرات وما فعلوها ولا شك أن هذا محرم لأنه كذب ولأنه تسميع بطاعة الله تعالى وكلاهما محرم ومعصية اتفاقا
وأما ما ذكر من الإخلاف في صفة المنافق فمعناه أنه سجية له ومقتضى حاله الإخلاف ومثل هذه السجية يحسن الذم بها كما يقال سجيته
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الحقيقة وارد لازم على ما اختاره الشهاب والجواب عنه ساقط من حيث إن الحقائق لا تتغير بحسب الأحوال المخبر بها عنها ولا بحسب حال دون حال فالخبر القابل للصدق والكذب قابل لهما والخبر القابل لأحدهما دون الآخر كذلك
وأما ثانيا فلأن الصحيح عندي القول بلزوم الوفاء بالوعد مطلقا أي ولو لم يدخله في سبب يلزم بوعده أو لم يكن مقرونا بذكر السبب فيتعين تأويل ما يناقض ذلك ويجمع بين الأدلة على خلاف الوجه الذي اختاره الشهاب والله تعالى أعلم ا ه
قلت وفي قول العلامة ابن الشاط رحمه الله تعالى إذ لو استلزمت ذلك لخرج ذلك الطفل الرضيع عن حد الإنسان ضرورة إلخ نظر إذ يلزم من كون النطق هو العقل دخول الملائكة والجن في حد الإنسان لقولهم العقلاء ثلاثة الإنسان والملائكة والجن فيكون غير مانع والحق كما في شرح الزلفى وغيره أن المراد بالناطق في حد الإنسان ما هو مبدأ النطق والتكلم أو الإدراك المخصوص الذي هو الصورة النوعية الإنسانية ا ه
وهذه الصورة جوهر عند المشائين محمول على الإنسان في مرتبة لا يشترط شيء على ما حقق في محله ولا توجد في غير الإنسان كما في رسالتي السوانح الجازمة في التعاريف اللازمة وحينئذ فالصواب أن يقول إذ لو استلزمت ذلك لخرج ما لم يتحقق فيه النطق بمعنى الصورة النوعية بالفعل من أفراد الإنسان التي لم توجد مع أن من شرط عند أرباب علم المنطق وهم الحكماء لأنه إما جزء من الحكمة أو مقدمة لها كما قالوا أن يكون جامعا لجميع أفراد الماهية ما تحقق منها في الخارج وما لم يتحقق فمن تراهم بعد تعريفهم الكلي بما يمنع نفس تصور مفهومه من حيث إنه متصور وقوع الشركة فيه بحيث يصح حمله على كل فرد من أفراده يقولون سواء وجدت أفراده في الخارج وتناهت كالكوكب فإن أفراده السيارة والثوابت والسيارة سبعة مجموعة في قول بعضهم زحل شر مريخه من شمسه فتزاهرت لعطارد الأقمار وعدد المرصود من الثوابت ذكر في الهيئة والسيارة كل واحد في تلك والثوابت كلها في الفلك الثامن كما حقق في علم الهيئة أم وجدت فيه ولم تتناه ككمال الله تعالى فإن أفراده موجودة قديمة لا تتناهى ولم يقم دليل على استحالة عدم التناهي في القديم أم لم توجد فيه أما مع امتناعها كالجمع بين الضدين
وأما مع إمكانها كجبل من ياقوت وبحر من زئبق أم وجد منها فرد واحد فقط أما مع امتناع وجود غيره كالإله عند من يفسره بالمعبود بحق وأنه في الأصل صفة ثم غلبت عليها العلمية إذ الدليل الخارجي قطع عنه عرق الشريك لكنه عند العقل لم يمتنع صدقه على كثيرين وإلا لم يفتقر إلى دليل الوحدانية وأما مع إمكان وجود غيره كالشمس أي الكوكب النهاري المضيء منها إذ الموجود منها واحد ويمكن أن يوجد منها شموس كثيرة كما في شرح
59
59
تقتضي البخل والمنع فمن كانت صفاته تحث على الخير مدح أو تحث على الشر ذم شرعا وعرفا واعلم أنه لا بد في هذا الفرق من مخالفة بعض الظواهر إن جعلنا الوعد يدخله الكذب بطل لقوله عليه السلام للسائل لما قال له أأكذب لامرأتي قال لا خير في الكذب وأباح له الوعد وهو ظاهر في أنه ليس بكذب ولا يدخله الكذب ولأن الكذب حرام إجماعا فيلزم معصيته فيجب الوفاء به نفيا للمعصية وليس كذلك
وإن قلنا إن الكذب لا يدخله ورد علينا ظواهر وعد الله ووعيده فلا بد من الجمع بينهما وما ذكرته أقرب الطرق في ذلك
الفرق الخامس عشر والمائتان بين قاعدة ما يقبل القسمة وقاعدة ما لا يقبلها
الذي يقبل القسمة ما عري عن أربعة أشياء الغرر كمشروعية القرعة في المختلفات فإن الغرر يعظم الثاني الربا كقسمة الثمار بشرط التأخير إلى الطيب بما يدخله من بيع الطعام بالطعام غير معلوم التماثل لأن القسمة بيع فإن تباين الجنس الواحد بالجودة والرداءة ففي جوازه بالقرعة قولان حكاهما اللخمي الثالث إضاعة المال كالياقوتة
الرابع لحق آدمي كقسم الدار اللطيفة والحمام
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
شيخ الإسلام على أيسا غوجي المنطق وحاشية العطار عليه فتأمل بإنصاف ولا تأخذ الحق بالرجال بل الرجال بالحق كما هو أدب أهل الكمال والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الخامس عشر والمائتان بين قاعدة ما يقبل القسمة وقاعدة ما لا يقبلها
القسمة قال التسولي على العاصمية تصيير مشاع مملوك لمالكين فأكثر معينا بقرعة أو تراض بل ولو باختصاص تصرف فيه وقوله معينا مفعول ثان لتصيير وقوله بقرعة أو تراض متعلق به وقوله بل ولو باختصاص إلخ مبالغة عليه يعني هي أن يصير القاسم المشاع المملوك لمالكين فأكثر معينا باختصاص في الرقاب بقرعة أو تراض بل ولو كان التعيين باختصاص في المنافع فقط أي بقرعة أو تراض مع بقاء الأصل مشاعا كسكنى دار وخدمة عبد هذا شهرا وهذا شهرا
قال ثم هي ثلاثة أنواع الأول قسمة قرعة بعد تعديل وتقويم وهي بيع عند مالك وصوبه اللخمي والأصح عند عياض وابن رشد أنها تمييز حق وعليه عول خليل إذ قال في مختصره وهي تمييز حق النوع الثاني قسمة مراضاة بعد تعديل وتقويم كذلك وهي بيع على المشهور النوع الثالث قسمة مراضاة من غير تعديل ولا تقويم وهي بيع بلا خلاف ا ه
المراد بتصرف وزيادة وفي شرح عبد الباقي على مختصر خليل عند قوله ومراضاة فكالبيع ما حاصله أن قوله فكالبيع أفاد أمرين الأول أنه يجوز هنا بالتراضي ما لا يجوز في البيع ولذلك نظائر منها ما عارض به ابن رشد قولهم إنها بيع وسلمه في التوضيح من مسألة وفي قفيز أخذ أحدهما ثلثه والآخر ثلثيه نعم قال الرماصي إن مسألة القفيز صبرة واحدة
وقد قالوا إن قسمة
60
60
والخشبة والثوب والمصراعين ولذلك يجوز هذا القسم بالتراضي لأن للآدمي إسقاط حقه بخلاف حق الله تعالى في إضاعة المال وغيره ومنع أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الصبرة الواحدة ليست حقيقة لاتحاد الصفة والقدر انظره ومنها أنه يجوز قسمة ما أصله أن يباع مكيلا مما يجوز فيه التفاضل مع ما أصله أن يباع جزافا مع خروج كل منهما عن أصله كأن يقتسما فدانا من الزعفران مزارعة ما فيه من الزعفران فقد قسم الزعفران جزافا وأصله الوزن والأرض كيلا وأصلها الجزاف ولا يجوز جمعهما في البيع ومنها أنه يجوز قسم ما زاد غلته على الثلث ولم يجيزوا بيعه
الأمر الثاني أنه يجوز بالتراضي ما لا يجوز ولذلك نظائر منها أن قسمة التراضي تكون فيها تماثل أو اختلاف جنس ومنها أنها تكون في المكيل والموزون وفي غيره ومنها أنه لا يقام فيها بالغبن حيث لم يدخلا مقوما ومنها أنه لا يجبر عليها أباه ومنها أنها لا تحتاج لتعديل وتقويم ومنها أنه يجمع فيها بين حظ اثنين فأكثر بخلاف القرعة في الجميع على خلاف منافع في البعض كما سيأتي ا ه
ببعض إصلاح من البناني فالمقسوم نوعان الأول رقاب الأموال والثاني الرقاب وهما إما قابلان للقسمة بالقرعة وإما غير قابلين لها فما لا يقبلها أحد أربعة أمور الأول ما في قسمة الغرر كمشروعية القرعة في المختلفات فإن الغرر يعظم والمختلفات إما من الرباع وإما من العروض وإما مما يكال أو يوزن فإن كانت من الرباع فقال حفيد ابن رشد في بدايته لا خلاف في أنه لا يجمع بين أنواع الرباع المختلفة مثل أن يكون منها دور ومنها حوائط ومنها أرض في القسمة بالسهمة وإن كانت من العروض فقال التسولي على العاصمية وليس لهم أن يجعلوا البقر مثلا في ناحية العقار أو الإبل التي تعادلها في القيمة في ناحية ويقترعون لأن القرعة لا يجمع فيها بين جنسين ولا بين نوعين على المشهور لما في ذلك من الغرر ا ه
محل الحاجة منه وقال حفيد ابن رشد في البداية وإذا كانت أكثر من جنس واحد اتفق العلماء على قسمتها على التراضي واختلفوا في قسمتها بالتعديل والسهمة فمنعها مالك في غير الصنف الواحد وذهب ابن حبيب إلا أنه يجمع في القسمة ما تقارب من الصنفين مثل القز والحرير والقطن والكتان وأجاز أشهب جمع صنفين في القسمة بالسهمة مع التراضي وذلك ضعيف لأن الغرر لا يجوز بالتراضي وإن كانت مما يكال أو يوزن فقال الحفيد أيضا أما ما كان منها صبرتين فإن كان ذلك مما لا يجوز فيه التفاضل فعلى جهة الجمع لا تجوز قسمتها على مذهب مالك إلا بالكيل المعلوم فيما يكال وبالوزن بالصنجة المعروفة فيما يوزن لأن أصل مذهبه أنه يحرم التفاضل في الصنفين إذا تقاربت منافعها مثل القمح والشعير وإذا كانت بمكيال مجهول لم يدر كم يحصل فيه من الكيل المعلوم من الصنف الواحد منهما
وإن كان ذلك مما يجوز فيه التفاضل فعلى جهة الجمع تجوز قسمتها على الاعتدال والتفاضل البين المعروف بالكيل المعلوم أو الصنجة المعروفة وهذا الجواز كله في المذهب على جهة الرضاء
وأما في واجب الحكم فلا تنقسم كل صبرة إلا على حدة بالمكيال المعلوم والمجهول ا ه بتلخيص وإصلاح
الأمر الثاني ما في قسمة الربا كقسم الثمار بشرط التأخير إلى الطيب بما يدخله من بيع الطعام بالطعام غير معلوم التماثل لأن القسمة إما بيع باتفاق أو على الخلاف كما علمت فإن تباين الجنس الواحد بالجودة والرداءة ففي جوازه
61
61
قسم ما فيه ضرر أو تغيير نوع المقسوم
ومنع أبو حنيفة قسم الرقيق وأجازه الشافعي احتج أبو حنيفة بأن منافعه مختلفة بالعقل والشجاعة وغيرهما فلا يمكن فيه التعديل
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
بالقرعة قولان حكاهما اللخمي كما في الأصل وفي بداية حفيد ابن رشد لا تجوز القرعة في المكيل والموزون باتفاق إلا ما حكى اللخمي ا ه
فمفاد الأصل أن القولين بجواز القرعة ومنعها حكاهما اللخمي عن المذهب في خصوص ما إذا تباين الجنس الواحد بالجودة والرداءة بلا ترجيح لأحدهما ومفاد الحفيد أن القول بمنعها في المكيل والموزون مطلقا اتفق عليه أهل المذهب وأن القول بجوازها في ذلك ضعيف حكاه اللخمي مخالفا لإجماعهم وسيأتي عن البناني على عبق ما سلم له الرهوني وكنون من أن القولين في المكيل والموزون مطلقا بلا ترجيح لأحدهما وأن القول بالجواز أخذه اللخمي وأبو الحسن من كلام المدونة مقيدا بما إذا استوى الوزن والقيمة فإن اختلفت القيمة منعت القرعة فانظر ذلك الأمر الثالث ما كان في قسمه إضاعة المال لحق الله تعالى كقسم الياقوتية الأمر الرابع ما كان في قسمه إضاعة المال لحق آدمي كقسم الدار اللطيفة والحمام والخشبة والثوب والمصراعين قال الأصل ولكون إضاعة المال في هذا الأمر لحق آدمي يجوز عندنا قسمه بالتراضي لأن للآدمي إسقاط حقه بخلاف حق الله تعالى في إضاعة المال وغيره ومنع أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل قسم ما فيه ضرر أو تغير نوع المقسوم ا ه
بتوضيح ما وفي بداية المجتهد لحفيد ابن رشد اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز قسمة واحد من الحيوان والعروض للفساد الداخل في ذلك ا ه
وظاهره أن اتفاقهم على منع قسمة ذلك لمطلق الفساد كان لحق الله أو لحق آدمي ولكن الأولى حمله على الفساد لحق الله فقط كما في الأصل فافهم قال الحفيد واختلفوا إذا تشاح الشريكان في العين الواحدة منهما وإن لم يتراضيا بالانتفاع بها على الشياع وأراد أحدهما أن يبيع صاحبه معه فقال مالك وأصحابه يجبر على ذلك فإن أراد أحدهما أن يأخذه بالقيمة التي أعطى فيها أخذه
وقال أهل الظاهر لا يجبر لأن الأصول تقتضي أن لا يخرج ملك أحد من يده إلا بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع وحجة مالك أن في ترك الإجبار ضررا وهذا من باب القياس المرسل وقد قلنا في غير ما موضع أنه لا يقول به أحد من فقهاء الأمصار إلا مالك ولكنه كالضروري في بعض الأشياء ا ه
قلت ولعل مراده بالقياس المرسل المصلحة المرسلة وقد حققت في رسالتي انتصار الاعتصام وجهها وأن مالكا لم يختص بالقول بها فانظرها إن شئت
وأما ما يقبل القسمة بالقرعة فهو ما عري عن هذه الأمور الأربعة وتوضيح الكلام فيه أن المقسوم كما مر إما رقاب أموال وإما منافع الرقاب وأقسام الرقاب ثلاثة لأنها إما أن تنقل وتحول أم لا والثاني هو الرباع والأصول والأول إما مكيل أو موزون وإما غير مكيل ولا موزون وهو الحيوان والعروض أما الحيوان والعروض فقال حفيد ابن رشد في بدايته اتفق الفقهاء على جواز قسمة المتعدد منهما على التراضي واختلفوا في قسمته بالتعديل والسهمة
62
62
وجوابه لو امتنع تعديله لامتنع بيعه وتقويمه لأنهما مبنيان على معرفة القيم وليس كذلك
وقال أبو حنيفة والشافعي وابن حنبل لا يجوز أن يجمع بين دارين في القسم وإن تقاربتا
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
فأجازها مالك وأصحابه في الصنف الواحد ومنع من ذلك عبد العزيز بن أبي سلمة وابن الماجشون واختلف أصحاب مالك في تمييز الصنف الواحد الذي تجوز فيه السهمة من الذي لا تجوز فيه فاعتبر أشهب بما لا يجوز تسليم بعضه في بعض
وأما ابن القاسم فاضطرب فمرة أجاز القسم بالسهمة فيما لا يجوز تسليم بعضه في بعض فجعل القسمة أخف من السلم ومرة منع القسمة فيما منع فيه السلم وقد قيل إن مذهبه أن القسمة في ذلك أخف وأن مسائله التي يظن من قبلها أن القسمة عنده أشد من السلم تقبل التأويل على أصله الثاني ا ه
محل الحاجة منه وقال التسولي على العاصمية ولا بد فيما تفاوتت أجزاؤه من التقويم فتجمع الدور على حدتها والأقرحة أي الفدادين على حدتها والأجنات على حدتها والبقر صغيرها وكبيرها على حدتها والإبل كذلك على حدتها والرقيق كذلك على حدتها والحمير صغيرها وكبيرها على حدته والبغال كذلك وهكذا ثم يجزأ المقسوم من كل نوع بالقسمة على أقلهم نصيبا ويقترعون ا ه
بلفظه وقال الأصل منع أبو حنيفة قسم الرقيق وأجازه الشافعي وحجة أبي حنيفة أن منافعه مختلفة بالعقل والشجاعة وغيرهما فلا يمكن فيه التعديل وجوابه أنه لو امتنع تعديله لامتنع بيعه وتقويمه لأنهما مبنيان على معرفة القيمة وليس كذلك ا ه
وأما المكيل والموزون فإما أن يقع قسمهما بالكيل أو الوزن المعلوم أو المجهول أو جزافا بلا تحر أو بتحر فما وقع بالكيل أو الوزن المعلوم أو المجهول يجوز بالتراضي بلا خلاف كانا مما يجوز فيه التفاضل أم لا قال الرماصي وما في الحطاب من منع المراضاة فيما فيه التفاضل محمول على قسم ما ليس صبرة واحدة كقمح وشعير أو محمولة وسمراء أو مغلوت وغيره لأنه مبادلة ا ه
وفي جوازه بالقرعة ومنعه بها قولان الأول للخمي في قول المدونة ومن هلك وترك متاعا وحليا قسم المتاع بين الورثة بالقيمة والحلي بالوزن فإنه قال يريد أو يتراضيان أحدهما هذا والآخر هذا أو بالقرعة إذا استوى الوزن والقيمة فإن اختلفت القيمة لم يجز بالقرعة ا ه
وقال أبو الحسن عقب كلام المدونة المذكورة يقوم منه جواز القرعة في الوديعة إذا استوت في الوزن والقيمة وكذلك في جميع المدخرات ا ه
والثاني لابن رشد والباجي كما قال ابن عرفة قال وعزاه ابن زرقون لسحنون ا ه
عليه اقتصر صاحب المعين وصاحب التحفة ووجه المنع أنه إذا كيل أو وزن فقد استغنى عن القرعة فلا معنى لدخولها وما وقع جزافا بلا تحر قال في البداية لا يجوز يعني كان بالتراضي أو بالقرعة كما يفيده تفصيل ابن رشد الآتي فتنبه وما وقع بالتحري قد تقدم عن عبد الباقي ما يفيد جوازه بالتراضي فلا تغفل وقد حكى البناني على عبق في جوازه بالقرعة أقوالا الجواز مطلقا عن الباجي قال فقد سئل سيدي عيسى بن علال عن صفة قسمة الوزيعة بالقرعة التي جرى بها العرف عندنا فقال كان شيخنا سيدي موسى العبدوسي يقول إن قسمت وزنا فإن شاءوا اقترعوا أو تركوا على ما قاله اللخمي في قسمة الحلي وإن قسمت تحريا فهذا موضع القرعة ثم قال قال الباجي في قسمة الثمار في رءوس النخل بالتحري عندي أنها لا تجوز إلا بالقرعة وهو ظاهر قول أصحابنا لأنها تمييز حق ا
63
63
لأن الشفعة تكون في إحداهما دون الأخرى فكذلك تكون القسمة ولأن الجمع بينهما يفضي إلى كثرة الغرر لأن كل واحد منهما يزول ملكه عن كل واحدة من الدارين بغير
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
ه
والمنع مطلقا عن ابن زرقون فقد قال ومثل ما قسم بالكيل والوزن في منع القرعة عندي ما قسم بالتحري لأن ما يتساوى في الجنسين والجودة والقدر لا يحتاج إلى سهم كالدنانير والدراهم ا ه
قال العبدوسي والظاهر ما قاله الباجي والوزيعة تجري عليه ا ه
نقله في تكميل التقييد وعن ابن رشد القول بالتفصيل بين القسم بالكيل أو الوزن فيجوز التفاضل أو بالتحري فيجوز أي التفاضل في الموزون دون المكيل أو بدونهما فيمتنع مطلقا للمزابنة قال وذلك التفصيل إنما هو في الصبرة الواحدة كما صرح به ابن رشد لأن قسم الصبرة الواحدة غير حقيقي لاتحاد الصفة والقدر ا ه
بتلخيص وسلمه الرهوني وأن ما وكنو الرباع والأصول فقال حفيد ابن رشد في بدايته اتفق أهل العلم اتفاقا مجملا على جواز قسمة الرباع والأصول بالتراضي سواء كانت بعد تقويم وتعديل أو بدون ذلك كانت الرقاب متفقة أو مختلفة لأنها بيع من البيوع فلا يحرم فيها إلا ما يحرم فيها في البيوع وكذا على جوازها بالسهمة إذا عدلت بالقيمة لكنهم اختلفوا في محل ذلك وشروطه فأما بيانه في محله أن القسمة لا تخلو من أن تكون في محل واحد أو في محال كثيرة فإذا كانت في محل واحد فإن انقسمت إلى أجزاء متساوية بالصفة ولم تنقص بالانقسام منفعة الأجزاء فلا خلاف في جوازها ويجبر الشريكان على ذلك
وإن انقسمت على ما لا منفعة فيه فقال مالك إنها تقسم بينهم إذا دعا أحدهما لذلك ولو لم يصر لواحد منهم إلا ما لا منفعة فيه مثل قدر القدم وبه قال ابن كنانة من أصحابه فقط وهو قول أبي حنيفة والشافعي وعمدتهم في ذلك قوله تعالى مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا
وقال ابن القاسم لا يقسم إلا أن يصير لكل واحد في حظه ما ينتفع به من غير مضرة داخلة عليه في الانتفاع من قبل القسمة وإن كان لا يراعي في ذلك نقصان الثمن وقال ابن الماجشون يقسم إذا صار لكل واحد منهم ما ينتفع به وإن كان من غير جنس المنفعة التي كانت في الاشتراك أو كانت أقل
وقال مطرف من أصحابه إن لم يصر في حظ كل واحد ما ينتفع به لم يقسم وإن صار في حظ بعضهم ما ينتفع به وفي حظ بعضهم ما لا ينتفع به قسم وجبروا على ذلك سواء دعا إلى ذلك صاحب النصيب القليل أو الكثير وقيل يجبر إن دعا صاحب النصيب القليل ولا يجبر إن دعا صاحب النصيب الكثير وقيل بعكس هذا وهو ضعيف هذا وبقي ما إذا انتقلت منفعة المقسوم إلى منفعة أخرى مثل الحمام فقال مالك يقسم إذا طلب كأحد الشريكين وبه قال أشهب وعمدتهما ذلك قوله تعالى مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا
وقال ابن القاسم لا يقسم وهو قول الشافعي وعمدتهما قوله صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار وحديث جابر عن أبيه لا تعضية على أهل الميراث إلا ما حمل القسم والتعضية التفرقة يقول لا قسمة بينهم
وأما إذا كانت القسمة في أكثر من محل واحد فإن كانت المحال مختلفة الأنواع كأن يكون منها دور ومنها حوائط ومنها أرض فقد تقدم حكمها وإن كانت متفقة الأنواع قسمت بالتقويم والتعديل والسهمة عند مالك لأنه أقل للضرر الداخل على الشركاء من القسمة نعم اختلف أصحابه فيما إذا اختلف الأنواع المتفقة في النفاق وإن تباعدت مواضعها على ثلاثة أقوال
وقال أبو حنيفة والشافعي بل يقسم كل عقار على حدة لأن كل عقار قائم بنفسه لأنه تتعلق به الشفعة ا ه
كلام الحفيد في البداية بتصرف وفي
64
64
رضاه والجواب عن الأول أن الشركة إذا عمت فيهما والبيع عمت الشفعة فنقيس القسم على الشفعة فينقلب الدليل عليكم ولأن استقلال كل واحد منهما بإحداهما أتم في الانتفاع من الانتفاع ببعض دار وعن الثاني المعارضة والنقض بالاختلاف في الدار الواحدة بل ها هنا أولى لأنا إنما نجمع المتقارب وهنالك نجمع المختلف
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
64
الأصل وقال أبو حنيفة والشافعي وابن حنبل لا يجوز أن يجمع بين دارين في القسم وإن تقاربتا لأمرين
الأول
أن الشفعة تكون في إحداهما دون الأخرى فكذلك تكون القسمة الثاني أن الجمع بينهما يفضي إلى كثرة الغرر لأن كل واحد منهما يزول ملكه عن كل واحدة من الدارين بغير رضاه
والجواب عن الأول أن الشركة إذا عمت فيهما والبيع عمت الشفعة فنقيس القسم على الشفعة فينقلب الدليل عليكم ولأن استقلال كل واحد منهما بإحداهما أتم في الانتفاع من الانتفاع ببعض دار وعن الثاني المعارضة والنقض بالاختلاف في الدار الواحدة بل ها هنا أولى لأنا إنما نجمع المتقارب وهنالك نجمع المختلف ا ه
وأما بيان الخلاف في الشروط فهو أن من شرط قسمة الحوائط المثمرة أن لا تقسم مع الثمرة إذا بدا صلاح باتفاق في المذهب لأنه يكون بيع الطعام بالطعام على رءوس الشجر وذلك مزابنة
وأما قسمتها قبل بدو الصلاح فاختلف فيه أصحاب مالك فابن القاسم لا يجيز ذلك قبل الإبان بحال من الأحوال ويعتل لذلك بأنه يؤدي إلى بيع طعام بطعام متفاضلا ولذلك زعم أن مالكا لم يجز شراء الثمر الذي لم يطب بالطعام لا نسيئة ولا نقدا
وأما إن كان ذلك بعد الإبان فإنه لا يجوز عنده إلا بشرط أن يشترط أحدهما على الآخر أن ما وقع من الثمر في نصيبه فهو داخل في نصيبه وما لم يدخل فهو فيه على الشركة والعلة في ذلك عنده أنه يجوز اشتراط المشتري الثمر بعد الإبان ولا يجوز قبل الإبان فكان أحدهما اشترط حظ صاحبه من جميع الثمرات التي وقعت في القسمة بحظه من الثمرات التي وقعت لشريكه واشترط الثمر وصفة القسم بالقرعة أن تقسم الفريضة وتحقق وتضرب إن كان في سهامها كسر إلى أن تصح السهام ثم يقوم كل موضع منها وكل نوع من غراساتها ثم يعدل على أقل السهام بالقيمة فربما عدل جزء من موضع ثلاث أجزاء من موضع آخر على قيم الأرضين ومواضعها فإذا قسمت على هذه الصفات وعدلت كتبت في بطائق أسماء الاشتراك وأسماء الجهات فمن خرج اسمه على جهة أخذ منها فإن كان أكثر من ذلك السهم ضوعف له حتى يتم حظه فهذه هي حال قرعة السهمة في الرقاب كما في بداية المجتهد لحفيد ابن رشد وأما قسمة منافع الرقاب فقال الحفيد أيضا هي عند الجميع بالمهايأة والمهايأة إما أن تكون بالأزمان بأن ينتفع كل واحد منهما بالعين مدة مساوية لمدة انتفاع صاحبه وتجوز فيما لا ينقل ولا يحول في المدة البعيدة والأجل البعيد عند مالك وأصحابه
65
65
الفرق السادس عشر والمائتان بين قاعدة ما يجوز التوكيل فيه وبين قاعدة ما لا يجوز التوكيل فيه
اعلم أن الأفعال قسمان منها ما لا تحصل مصلحته إلا للمباشر فلا يجوز التوكيل فيها لفوات المصلحة بالتوكيل كالعبادة فإن مصلحتها الخضوع وإظهار العبودية لله تعالى فلا يلزم من خضوع الوكيل خضوع الموكل فتفوت المصلحة ومصلحة الوطء والإعفاف وتحصيل ولد ينسب إليه وذلك لا يحصل للموكل بخلاف عقد النكاح لأن مقصوده تحقيق
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
ولا تجوز فيما ينتقل ويحول إلا في المدة اليسيرة واختلف فيها أما في الاغتلال فقيل اليوم الواحد ونحوه وقيل لا يجوز ذلك في الدابة والعبد
وأما في الانتفاع فقيل مثل الخمسة أيام وقيل الشهر وأكثر من الشهر قليلا وإما أن تكون بالأعيان بأن يستعمل هذا دارا مدة من الزمان وهذا دارا تلك المدة بعينها فقيل تجوز في سكنى الدار وزراعة الأرضين ولا يجوز ذلك في الغلة والكراء وقيل يجوز على قياس التهايؤ بالأزمان وكذلك القول في استخدام العبد والدواب يجري على الاختلاف في قسمتها بالزمان ا ه
ملخصا وفي شرح عبد الباقي على مختصر خليل عند قوله القسمة تهايؤ كخدمة عبد شهرا وسكنى دار سنين كالإجارة ما نصه فهم من التشبيه أي بالإجارة أن المهايأة إنما تكون بتراض وهو كذلك لأن الإجارة كالبيع فلا يجبر عليها من أباها ولا ينافي ذلك جعل المصنف قسمة المراضاة قسيما لها لأنه باعتبار تعلقها بملك الذات والمهايأة متعلقة بملك المنافع مع بقاء الذات بينهما ا ه
بلفظه وفي الرهوني وكنون وقسيم قسمة المنافع هو قسمة الذوات وأما المراضات والقرعة فتكونان في كل منهما ا ه
محل الحاجة منهما بلفظهما
فائدة
في بداية حفيد ابن رشد إنما جعل الفقهاء السهمة في القسمة تطييبا لنفوس المتقاسمين وهي موجودة في الشرع في مواضع منها قوله تعالى فساهم فكان من المدحضين وقوله تعالى وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ومن ذلك الأثر الثابت الذي جاء فيه أن رجلا أعتق ستة أعبد عند موته فأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم فأعتق ثلث ذلك الرقيق ا ه
والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق السادس عشر والمائتان بين قاعدة ما يجوز التوكيل فيه من الأفعال وبين قاعدة ما لا يجوز التوكيل فيه منها كتب العلامة ابن الشاط فيما مر عند قول الأصل الفرق الحادي والسبعون والمائة إلخ أن هذا الفرق بين هاتين القاعدتين قريب من الفرق العاشر والمائة بين قاعدة ما تصح فيه النيابة
وقاعدة ما لا تصح النيابة فيه أو هو هو ا ه قلت وأوفى كلامه لحكاية الخلاف ففي شرح عبق على خليل والبناني عليه ما
66
66
سبب الإباحة وهو يتحقق من الوكيل ومقصود الأيمان كلها واللعان إظهار الصدق فيما ادعى وحلف زيد ليس دليلا على صدق عمرو وكذلك الشهادات مقصودها الوثوق بعدالة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
خلاصته وسلمه الرهوني وكنون أن قول خليل في مختصره صحت الوكالة في قابل النيابة إلخ أي شرعا وهو ما لا يتعين فيه المباشرة أي ما تجوز فيه النيابة تصح فيه الوكالة وما لا تجوز فيه النيابة لا تصح فيه الوكالة مبني على ما لابن رشد وعياض من مساواة النيابة للوكالة كما نقل ابن عرفة عنهما من جعلهما نيابة الأمراء وكالة لا على أن النيابة أعم الذي هو مقتضى تعريف ابن عرفة للوكالة بقوله نيابة ذي حق غير ذي إمرة ولا عبادة لغيره فيه غير مشروطة بموته فتخرج نيابة إمام الطاعة أميرا أو قاضيا أو صاحب شرطة أو إمام الصلاة والوصي ا ه
قال البناني ولو أسقط ذي من قوله ذي إمرة وجعل غير نعتا لحق لكان تعريفه شاملا لتوكيل الإمام في حق له قبل شخص تأمل ا ه
قال واعلم أنه وقع في كلام ابن عرفة هنا أنه ذكر أن شرط النيابة بمقتضى دلالة الاستقراء والاستعمال استحقاق جاعلها فعل ما وقعت النيابة فيه قال فإذا جعل الإنسان غيره فاعلا أمرا فإن كان يمتنع أن يباشره أو لا حق له في مباشرته فهو أمر وإن صحت مباشرته وكان له فيه حق فهو نيابة فجعل الإنسان غيره يقتل رجلا عمدا عدوانا هو أمر لا نيابة وجعله يقتله قصاصا نيابة ووكالة ا ه
ورد بهذا على ابن هارون الذي أبطل طرد تعريف ابن الحاجب الوكالة بأنها نيابة فيما لا تتعين المباشرة بالنيابة في المعاصي كالسرقة والغصب وقتل العدوان ثم ناقض ابن عرفة كلامه بما ذكره بعد من أن الوكالة التي هي أخص من النيابة تعرض لها الحرمة بحسب متعلقها ومثل ذلك بالبيع الحرام وهو ممنوع المباشرة فتأمله قاله الشيخ المناوي ا ه
وقد تقدم في الفرق العاشر والمائة توضيح الفرق بين ما تصح النيابة فيه وبين ما لا تصح النيابة فيه وفي الفرق الحادي والسبعين والمائة ما يوضحه من المسائل وبقي هنا مسألة وهي أنه قد تقدم أن ما كان من العبادة كالصلاة العينية من حيث إن مصلحتها الخضوع والخشوع وإجلال الرب سبحانه وتعالى وإظهار العبودية له لا تصح النيابة فيها لذاتها فرضا أو سنة أو رغيبة أو مندوبة لعدم سقوطها عن المستنيب إذا فعلها النائب عنه لفوات المصلحة التي طلبها الشارع حينئذ إذ لا يلزم من خضوع الوكيل خضوع الموكل وقال عبق على خليل وأما النيابة على إيقاعها بمكان وزمن مخصوصين فتصح كالقارئ مطلقا وكنيابة في أذان وإمامة ونحوهما كقراءة بمصحف بمكان مخصوص لضرورة ا ه
المراد قال البناني وفي التوضيح في باب الحج لما ذكر أن أجير الحج لا يجوز له أن يصرف ما أخذه من الأجرة إلا في الحج ولا يقضي بها دينه ويسأل الناس وأن ذلك جناية منه لأن ذلك خلاف غرض الميت الموصي كما أشار إليه في مختصره بقوله وجنى إن وفى دينه ومشى ما نصه وكان شيخنا يعني المنوفي رحمه الله تعالى يقول ومثل هذا المساجد ونحوها يأخذها الوجيه بوجاهته ثم يدفع من مرتباتها شيئا قليلا لمن ينوب عنه فأرى أن الذي أبقاه لنفسه حرام لأنه اتخذ عبادة الله متجرا ولم يوف بقصد صاحبها إذ مراده التوسعة ليأتي الأجير بذلك مشروح الصدر قال رحمه الله تعالى وأما إن اضطر إلى شيء من الإجارة على ذلك فإني أعذره لضرورته ا ه
فكلام المنوفي هذا صريح في
67
67
المتحمل وذلك فائت إذا أدى غيره ومقصود المعاصي إعدامها فلا يشرع التوكيل فيها لأن شروع التوكيل فيها فرع تقريرها شرعا فضابط الفرق أن مقصود الفعل متى كان يحصل
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
أمرين
الأول
أن النائب مع الضرورة ليس له إلا ما اتفق عليه مع المنوب عنه من قليل أو كثير
الثاني أن النائب مع عدم الضرورة مستحق لجميع الخراج وصريح كلام القرافي الموافقة للمنوفي في الأمر الأول ومخالفته في الأمر الثاني وأن الاستنابة إذا وقعت مع عدم الغدر لم يكن للنائب ولا للمنوب عنه شيء من خراج الوقف حيث قال في الفرق الخامس عشر والمائة ما نصه إذا وقف الواقف على من يقوم بوظيفة الإمامة أو الأذان أو الخطابة أو التدريس فلا يجوز لأحد أن يتناول من ريع ذلك شيئا إلا إذا قام بذلك الشرط على مقتضى ما شرطه الواقف فإن استناب غيره في هذه الحالة عنه في غير أوقات الأعذار فإنه لا يستحق واحد منهما شيئا من ريع ذلك الوقف أما النائب فلأن من شرط استحقاقه صحة ولايته وهي مشروطة بأن تكون ممن له النظر وهذا المستنيب ليس له نظر إنما هو إمام أو مؤذن أو خطيب أو مدرس فلا تصح الولاية الصادرة منه وأما المستنيب فلا يستحق شيئا أيضا بسبب أنه لم يقم بشرط الواقف فإن استناب في أيام الأعذار جاز له تناول ريع الوقف وأن يطلق لنائبه ما أحب من ذلك الريع ا ه
وسلمه أبو القاسم بن الشاط وأبو عبد الله القوري ا ه
كلام البناني بتصرف وفي حاشية كنون قال الشيخ المسناوي رحمه الله تعالى ويبقى النظر فيما يعد عذرا ويعتبر في ذلك شرعا فإن الأسباب العارضة للمرء منها ما تتعذر معه مباشرة الوظيفة عادة كالمرض الشديد والحبس والغيبة الجبرية ومنها ما تمكن المباشرة معه بترك ذلك العارض غير أن في تركه فوات منفعة أو ترتيب مضرة كخروج من لا كافي له إلى مطالعة ضيعته أو تفقد بعض شئونه أو شهود وليمة دعي إليها في وقت الوظيفة أو تشييع جنازة قريب أو صديق أو غيرهما وما أشبه ذلك ومنها ما تمكن معه أيضا مع عدم ترتب شيء من ذلك كقصد الاستراحة وكتعاطي أسباب غير حاجيته والظاهر أن المراد القسمان الأولان دون الثالث كما يدل له ما نقله في آخر نوازل الصلاة من المعيار عن إمامي المتأخرين من الشافعية عز الدين بن عبد السلام ومحيي الدين النووي من قول الأول ولا يستنيب إلا لعذر جرت العادة بالاستنابة فيه كالمرض والحبس وقول الثاني لعذر لا يعد بسببه مقصرا وما نقله أيضا في أثناء نوازل الحبس عن أبي محمد عبد الله العبدوسي من تمثيله للعذر بالخروج إلى الضيعة وانظر السفر للزيارة هل هو من القسم الثالث كما هو المتبادر أو من الثاني لجريان العادة به في الجملة ا ه
واعلم أن متولي الوظيفة إذا عطلها رأسا بأن لم يباشر القيام بها بنفسه ولا استناب فيها من يقوم مقامه لا يخلو حاله من أن يكون ذلك لعذر أو لغيره وفي كل إما أن تكون المدة كثيرة أو يسيرة والحكم أنه لا يستحق المرتب المجعول لمتوليها إلا في صورة واحدة وهي أن يكون عدم قيامه بها لعذر لا يعد بسببه مقصرا عادة والمدة مع ذلك يسيرة عرفا كما أفاده السيد عبد الله العبدوسي في جواب له مذكور في المعيار ونصه قال علماؤنا كل من جعل له مرتب على قراءة أو غيرها ثم لم يقم بذلك لعذر من مرض أو خوف أو لغير عذر فإنه لا يستحق ذلك
68
68
من الوكيل كما يحصل من الموكل وهو مما يجوز الإقدام عليه جازت الوكالة فيه وإلا فلا
الفرق السابع عشر والمائتان بين قاعدة ما يوجب الضمان وبين قاعدة ما لا يوجبه
أسباب الضمان ثلاثة فمتى وجد واحد منها وجب الضمان ومتى لم يوجد واحد منها لم يجب الضمان
أحدها التفويت مباشرة كإحراق الثوب وقتل الحيوان وأكل الطعام ونحو ذلك
وثانيها التسبب للإتلاف كحفر بئر في موضع لم يؤذن فيه ووضع السموم في الأطعمة ووقود النار بقرب الزرع أو الأندر ونحو ذلك مما شأنه في العادة أن يفضي غالبا للإتلاف
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
المرتب كالأجير على شيء لا يقوم بحق المنفعة المستأجر عليها فإنه لا يستحق الأجرة إلا أن يكون ما عطل مدة يسيرة كخروجه إلى ضيعته وتفقد شئونه أو يمرض المدة اليسيرة فإنه لا يحرم الأجرة ا ه
ومثل للمدة اليسيرة في جواب له آخر مذكور فيه أيضا بالجملة ونحوها وكذا نقل ابن عرفة عن ابن فتوح انظر القول الكاشف ا ه
بلفظها وقد قدمت في الفرق الخامس عشر والمائة عن الشيخ منصور الحنبلي في شرحه على الإقناع أن مذهبهم جواز استنابة الأجير في مثل تدريس وإمامة وخطابة ونحوها جائزة ولو نهى الواقف عن ذلك إذا كان النائب مثل مستنيبه في كونه أهلا لما استنيب فيه فلا تغفل والله سبحانه وتعالى أعلم
فائدة
في حاشية الرهوني على عبق ما نصه ابن يونس الأصل في جواز الوكالة قوله تعالى فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة وقوله فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم والأوصياء كالوكلاء ومن السنة حديث فاطمة بنت قيس حين طلقها زوجها وجعل وكيله ينفق عليها وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلا أن يشتري له أضحية بدينار فاشترى شاتين بدينار فباع واحدة بدينار فأتاه بشاة ودينار فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة والإجماع على جواز الوكالة للمريض والغائب والحاضر مثل ذلك ا ه منه بلفظه ا ه
الفرق السابع عشر والمائتان بين قاعدة ما يوجب الضمان وبين قاعدة ما لا يوجبه أقول هذا الفرق مكرر مع ما تقدم من الفرق الحادي عشر والمائة بين قاعدة ما يضمن وبين قاعدة ما لا يضمن
وقد وضحته هناك أتم توضيح وضممت ما زاده هذا على ما ذكره هناك مع زيادة من بداية المجتهد وغيره لكنه ذكر هنا مسألتين تتعلق بهذا الفرق ولم أذكرها هناك
المسألة الأولى مشهور مذهبنا الذي حكاه اللخمي عن مالك وابن القاسم أن الضمان على الغاصب يوم الغصب دون ما بعده وأن صداق المثل يجب للموطوءة في وطء الشبهة أول يوم الشبهة دون ما بعده
69
69
وثالثها وضع اليد غير المؤتمنة فيندرج في غير المؤتمنة يد الغاصب والبائع يضمن المبيع الذي يتعلق به حق توفية القبض فإن ضمان المبيع الذي هذا شأنه منه لأن يده غير مؤتمنة ويد المتعدي بالدابة في الإجارة ونحوها ويخرج بهذا القيد يد المودع وعامل القراض ويد المساقي ونحوهم فإنهم أمناء فلا يضمنون وإنما يندرج فيه الغاصب ونحوه وحد السبب ما يقال عادة حصل الهلاك به من غير توسط والتسبب ما يحصل الهلاك عنده بعلة أخرى إذا كان السبب هو المقتضي لوقوع الفعل بتلك العلة كحفر البئر في محل عدوانا فيتردى فيها بهيمة أو غيرها فإن أرادها غير الحافر فالضمان عليه دون الحافر تقديما للمباشر على المتسبب ويضمن المكره على إتلاف المال لأن الإكراه سبب وفاتح القفص بغير إذن ربه فيطير ما فيه حتى لا يقدر عليه والذي يحل دابة من رباطها أو عبدا مقيدا خوف الهرب فيهرب لأنه متسبب سواء كان الطيران أو الهرب عقيب الفتح والحل أم لا وكذلك السارق يترك الباب مفتوحا وما في
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
ووافقنا أبو حنيفة وحجتنا في الغصب أمور ثلاثة الأمر الأول القاعدة الأصولية وهي أن ترتيب الحكم على الوصف يدل على علية ذلك الوصف لذلك الحكم ورسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله على اليد ما أخذت حتى ترده قد رتب الضمان على الأخذ باليد فيكون الأخذ باليد هو سبب الضمان
وقوله صلى الله عليه وسلم ما أخذت قرينة تدل على ذلك كما يدل قولنا على الزاني الرجم وعلى السارق القطع على سببية هذين الوصفين فمن ادعى أن غير الأخذ باليد سببا بعد ذلك فعليه الدليل لأن الأصل عدم سببية غير ما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم ما ذكر
الأمر الثاني القاعدة الأصولية الفقهية وهي أن الأصل ترتب المسببات على أسبابها من غير تراخ فيترتب حين وضع اليد لا ما بعد ذلك والمضمون لا يضمن لأنه تحصيل الحاصل
الأمر الثالث القياس على حوالة الأسواق فإنها كما لا تضمن عند الشافعية كذلك لا يضمن المغصوب بعد يوم الغصب وحجتنا في وطء الشبهة إما القياس على الغصب لأنه لا قائل بالفرق بينهما وإما لأن الصداق ترتب في ذمته بالوطأة الأولى
والأصل عدم انتقاله وما قال أحد بوجوب صداقين وخالفنا الشافعي فيهما فقال تعتبر في المغصوب الأحوال كلها ويضمن الغاصب أعلى القيم ويعتبر في وطء الشبهة أعلى الرتب فيجب لها صداق المثل في أشرف أحوالها كما يجب أعلى القيم في الغصب ووافقه في تضمين أعلى القيم أحمد بن حنبل وجماعة من أصحابنا إلا أن الجماعة من الأصحاب اعتبروا الأخذ بأرفع القيم في حوالة الأسواق حكى اللخمي عن أشهب وعبد الملك أخذ أرفع القيم إذا حالت الأسواق والشافعي لم يعتبر التضمين بحوالة الأسواق كما علمت وقد يفرق له بين حوالة الأسواق وزيادة صفات السلع بأن الحوالة والأسواق رغبات الناس وهي بين الناس خارجة عن السلع فلا تضمن بخلاف زيادة صفاتها وتظهر فائدة الخلاف في مسائل منها ما إذا غصبها ضعيفة مشوهة معيبة بأنواع من العيوب فزالت تلك العيوب عنده فعندنا القيمة الأولى وعند الشافعي الثانية لأنها أعلى وعلى
70
70
الدار أحد
وقال الشافعي رضي الله عنه إن طار الحيوان عقيب الفتح ضمن وإلا فلا لأن الحيوان طار حينئذ بإدارته لا بالفتح
وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا يضمن إلا في الرق إذا حله فيتبدد ما فيه لنا أن هذه الأمور سبب الإتلاف عادة فتوجب بالضمان كسائر صور التسبب المجمع عليها ولقوله تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم سقط خصوص التسبب بقي الغرم وبالقياس على ما إذا فتح مراحه فخرجت ماشيته فأفسدت الزرع فإنه يضمنه احتجوا بأنه إذا اجتمع التسبب والمباشرة اعتبرت المباشرة دونه والطير مباشر باختياره لحركة نفسه كمن حفر بئرا عدوانا فأردى فيها غيره إنسانا فإن المردي يضمن دون الأول والحيوان قصده معتبر بدليل جوارح الصيد إن أمسكت لأنفسها لا يؤكل الصيد أو للصائد أكل والجواب لا نسلم أن الطائر كان مختارا للطيران ولعله كان مختارا للإقامة لانتظار العلف أو خوف الجوارح الكواسر وإنما طار خوفا من الفاتح وإذا احتمل واحتمل والسبب معلوم فيضاف الضمان إليه كحافر البئر يقع فيها حيوان مع إمكان اختياره لنزولها لفزع
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
مذهبه لو تعلم العبد صنعة ثم نسيها ضمنها الغاصب واحتج الشافعي وموافقوه بوجوه
الأول
بأن الغاصب في كل وقت مأمور بالرد فهو مأمور برد الزيادة فما لم يردها يكون غاصبا لها فيضمنها
الثاني أن الزيادة نشأت عن ملكه وفي ملكه فتكون ملكه ويد العدوان عليها فتكون مغصوبة فيضمن كالعين المغصوبة
الثالث أنه في الحالة الثانية ظالم والظلم علة الضمان فيضمن
والجواب أن الوجوه الثلاثة وإن كانت مسلمة إلا أنا لا نسلم أنها سبب الضمان فلا يلزم من الأمر ولا من الظلم ولا من غيرهما الضمان لعدم نصبها شرعا سببا له والأسباب الشرعية تفتقر إلى نصب شرعي ولفظ صاحب الشرع إنما اقتضى سببية وضع اليد ومفهومه أن غيره ليس بسبب فلا بد لسببية غيره من دليل ولم يوجد وضع اليد في أثناء الغصب بل استصحابها واستصحاب الشيء لا يلزم أن يقوم مقامه بدليل نظائر منها أن استصحاب النكاح لا يقوم مقام العقد الأول لصحته مع الاستبراء والعقد لا يصح مع الاستبراء
ومنها أن الطلاق يوجب ترتب العدة عقيبه واستصحابه لا يوجب عدة
ومنها وضع اليد عدوانا يوجب التفسيق والتأثيم ولو جن بعد ذلك وهي تحت يده لم يأثم حينئذ ولم يفسق
ومنها ابتداء العبادة يشترط فيها النيات وغيرها من التكبير ونحوه ودوامها لا يشترط فيه ذلك فعلمنا أن استصحاب الشيء لا يلزم أن يقوم مقامه لا سيما وسبب الضمان هو الأخذ عدوانا ولا يصدق عليه بعد زمن الأخذ أنه أخذ الآن إلا على سبيل المجاز لأن حقيقة الأخذ تجري مجرى المناولة والحركات الخاصة لا يصدق شيء منها مع الاستصحاب فعلم أن سبب الضمان منفي في زمن الاستصحاب قطعا ونحن إنما نضمنه الآن بسبب متقدم لا بما هو حاصل الآن فاندفع ما ذكروه وأن القيمة إنما هي يوم الغصب زادت العين أو نقصت المسألة الثانية اختلفت المذاهب وتشعبت الآراء وطرق الاجتهاد فيما إذا ذهب جل منفعة العين كقطع
71
71
خلفه أو غير ذلك ولا نسلم أن الصيد لا يؤكل إذا أكل منه الجارح سلمناه لكن الضمان متعلق بالسبب الذي توصل به الطائر لمقصده كمن أرسل بازيا على طائر غيره فقتله البازي باختياره فإن المرسل يضمن
وهذه المسألة تقتضي اختيار الحيوان ولا نسلم أن الفتح سبب مجرد بل هو في معنى المباشرة لما في طبع الطائر من النفور من الآدمي وأما إلقاء غير الحافر للبئر إنسانا وإلقاؤه هو نفسه في البئر فالفرق أن قصد الطائر ونحوه ضعيف لقوله صلى الله عليه وسلم جرح العجماء جبار والآدمي يضمن قصد أو لم يقصد فهذا هو تقرير قاعدة ما يوجب الضمان وقاعدة ما لا يوجبه وهاهنا مسألتان
المسألة الأولى
إذا قلنا بالضمان فالضمان على الغاصب يوم الغصب دون ما بعده وعند الشافعي تعتبر الأحوال كلها فيضمنه أعلى القيم وتظهر فائدة الخلاف إذا غصبها ضعيفة مشوهة معيبة بأنواع من العيوب فزالت تلك العيوب عنده فعندنا القيمة الأولى
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
ذنب بغلة القاضي ونحو ذلك فعندنا يضمن الجميع في جميع صور ذلك
وقال الشافعي وابن حنبل رضي الله عنهما ليس له في جميع صور ذلك إلا ما نقص لأن الأصل بقاء ما بقي على ملكه وقال أبو حنيفة رضي الله عنه في العبد والثوب كقولنا في الأكثر في أنه إذا ذهب النصف أو الأقل باعتبار المنفعة عادة فليس له إلا ما نقص وقال فإن قلع عين البهيمة فربع القيمة استحسانا والقياس عندهم أن لا يضمن إلا النقص واختلفوا في تعليل هذا القول فمنهم من قال لأنه ينتفع بالأكل والركوب معا وعليه فيتعدى الحكم للإبل والبقر دون البغال والحمير ومنهم من قال بالركوب فقط وعليه فيتعدى الحكم للبغال والحمير أيضا فيضمن ربع القيمة فإذا قطع يدي العبد أو رجليه فأبو حنيفة يوافقنا في تخيير السيد بين تسليم العبد وأخذ القيمة كاملة وبين إمساكه ولا شيء
وقال الشافعي رضي الله عنه تتعين القيمة كاملة ولا يلزم تسليم العبد على خلاف قوله في المسألة الأولى أعني مسألة قطع ذنب بغلة القاضي ومنشأ الخلاف خلافهم في الملك هل يضاف للضمان وسببه معا وهو قول المخالف فلذا قال الضمان الذي سببه عدوان لا يوجب ملكا لأنه سبب للتغليط لا سبب للرفق أو يضاف للضمان فقط لا لسببه وهو قولنا وعليه فالضمان قدر مشترك بين العدوان وغيره وبسط ذلك في المسألة الأولى لنا وجوه
الأول
أن نقول إنه أتلف المنفعة المقصودة فيضمن كما لو قتلها أما أنه أتلف المنفعة المقصودة فلأن ذا الهيئة إذا قطع ذنب بغلته لا يركبها بعد والركوب هو المقصود وأما قياس ذلك على قتلها فلأنه إذا قتلها ضمنها اتفاقا مع بقاء انتفاعه بإطعامها لكلابه وبزاته وبدبغ جلدها فينتفع به أو بغير دباغ إلى غير ذلك من المنافع غير المقصودة عادة فلما لم يمنع ذلك من الضمان علمنا أن الضمان مضاف للقدر المشترك بينهما منها وهو ذهاب المقصود فيستويان في الحكم عملا باشتراكهما في الموجب
الوجه الثاني أنه لو غصب عسلا وشيرجا ونشا فعقد الجميع فالوذجا ضمن عندهم مع بقاء منافع كثيرة من المالية فكذلك ها هنا
الوجه الثالث أنه لو غصب عبدا فأبق أو حنطة فبلها بللا فاحشا ضمن عندهم مع
72
72
وعنده الثانية لأنها أعلى وكذلك خالفنا في وطء الشبهة فعندنا أول يوم الشبهة وعنده يعتبر أعلى الرتب فيوجب لها صداق المثل في أشرف أحوالها كما يوجب أعلى القيم في الغصب
لنا قاعدة أصولية وهي أن ترتيب الحكم على الوصف يدل على علية ذلك الوصف لذلك الحكم ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد رتب الضمان على الأخذ باليد فيكون الأخذ باليد هو سبب الضمان فمن ادعى أن غيره سبب فعليه الدليل لأن الأصل عدم سببية غير ما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم على اليد ما أخذت حتى ترده فهذه قرينة تدل على سببية الأخذ كقولنا على الزاني الرجم
وعلى السارق القطع فإنه يدل على سببية هذه الأوصاف وهو في أثناء مدة الغصب لا يصدق عليه أنه أخذ الآن بل أخذ فيما مضى فوجب أن يختص السبب بما مضى وفي وطء الشبهة وجب أن يكون كذلك لأنه لا قائل بالفرق أو لأن الصداق ترتب في ذمته بالوطأة الأولى
والأصل عدم انتقاله وما قاله أحد بوجوب صداقين أو بالقياس على الغصب ولنا قاعدة أخرى أصولية فقهية وهي أن الأصل ترتب المسببات على
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
بقاء التقرب في الأول بالعتق وبقاء المالية في الثاني لكن جل المقصود ذهب فكذلك ها هنا وكما أنه في الآبق حال بينه وبين جميع العين وفي الحنطة أفسدها عليه ناجزا بالبلل لتداعي الفساد إليها به كذلك صورة النزاع حال بينه وبين مقصوده وأفسده عليه ناجزا مع إمكان تجفيف الحنطة وعملها سويقا وغير ذلك من المنافع وأما ما احتجوا به من الأمرين
الأول
قوله تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم والاعتداء حصل في البعض فتلزمه قيمة البعض
والثاني أن مقتضى أن تقويم المتلفات لا يختلف باختلاف الناس بل إنما يختلف باختلاف البلاد والأزمان أن تكون الجنابة في بغلة القاضي أو الأمير مثلها في غيرها كما لو جنى على عبده أو داره في عدم لزوم قيمة الجميع بل البعض ويؤيد ذلك أنه لو قطع ذنب حمار التراب أو خرق ثوب الحطاب لم يلزمه جميع القيمة مع تعذر بيع ذلك من الأمير والقاضي فإنهما لا يلبسان ذلك الثوب بسبب ذلك القطع اليسير وأنه لو قطع أذن الأمير نفسه أو أنف القاضي لما اختلفت الجناية فكيف بدابته مع أن شين القاضي بقطع أنفه أشد فالجواب عن الأول بأحد ثلاثة وجوه الأول أن ظاهر الآية يقتضي أن يعور فرس الجاني كما عور فرسه وهذا الظاهر متروك إجماعا
الثاني أنها وردت في الدماء لا في الأموال
الثالث أن قوله تعالى عليكم أي أنفسكم إنما تناول أنفسنا لأنه ضمير الأنفس وعن الثاني بثلاثة وجوه الأول أن الدار جل مقصودها حاصل بخلاف الفرس
الثاني أنا لا نسلم قولهم لا يختلف التقويم باختلاف الناس بل باختلاف البلاد والأزمان ألا ترى أن الدابة الصالحة للخاصة والعامة كالقضاة والخطباء أنفس قيمة لعموم الأغراض فيها ولتوقع المنافسة في المزايدة فيها أكثر من التي لا تصلح إلا لأحد الفريقين

73
73
أسبابها من غير تراخ فيترتب الضمان حين وضع اليد لا ما بعد ذلك والمضمون لا يضمن لأنه تحصيل الحاصل وقياسا على حوالة الأسواق فإنها لا تضمن عندهم وقد حكى اللخمي ذلك عن مالك وابن القاسم وحكي عن أشهب وعبد الملك أخذ أرفع القيم إذا حالت الأسواق والفرق للكل أن حوالة الأسواق رغبات الناس وهي بين الناس خارجة عن السلع فلا تضمن بخلاف زيادة صفاتها ووافق الشافعي في تضمين أعلى القيم أحمد بن حنبل وجماعة من أصحابنا ووافق مشهورنا أبو حنيفة وعلى الأول لو تعلم العبد صنعة ثم نسيها ضمنها الغاصب احتجوا بوجوه
الأول
بأن الغاصب في كل وقت مأمور بالرد فهو مأمور برد الزيادة وما ردها فيكون غاصبا لها فيضمنها
الثاني أن الزيادة نشأت عن ملكه وفي ملكه فتكون ملكه ويد العدوان عليها فتكون مغصوبة فيضمن كالعين المغصوبة ولأنه في الحالة الثانية ظالم والظلم علة الضمان فيضمن والجواب عن الأول والثاني والثالث أنها مسلمة ولا نسلم أنها سبب الضمان فلا
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الثالث
أن القياس على أذن الأمير وأنف القاضي باطل لأن القاعدة أن المعتبر في باب الدماء مزايا الأموال لا مزايا الرجال فإن دية أشجع الناس وأعلمهم كدية أجبن الناس وأجهلهم فأين أحد البابين من الآخر
وبالجملة فالنقص عند العلماء ثلاثة أقسام الأول ما تذهب به العين بالكلية فيوجب طلب القيمة اتفاقا
والثاني ما لا يبطل المقصود فلا تلزم به القيمة اتفاقا
والثالث ما يخل بالمقصود فهو محل الخلاف المذكور ولذلك قال الشيخ أبو الحسن اللخمي في مذهبنا إن التعدي في مذهب مالك أربعة أقسام يسير لا يبطل الغرض المقصود به ويسير يبطله وكذلك كثير لا يبطل المقصود وكثير يبطله فهذه أربعة أقسام متقابلة أما القسم الأول وهو اليسير الذي لا يبطل المقصود فلا يضمن العين وكذلك الكثير الذي لا يبطل المقصود وهو القسم الثالث وأما القسم الرابع وهو الكثير الذي يبطل المقصود فيخير فيه كما تقدم وعلى القول بتضمينه القيمة لو أراد به أخذه وما نقصه فذلك له عند مالك وابن القاسم
وقال محمد لا شيء له لأنه ملك أن يضمنه فامتنع فذلك رضى بنقصه وأما القسم الثاني وهو اليسير الذي يبطل المقصود فقاعدة مالك تقتضي تضمينه كما تقدم في ذنب بغلة القاضي قال وتستوي في ذلك المركوبات والملبوسات هذا هو المشهور وعن مالك لا يضمنه بذلك وفرق ابن حبيب بين الذنب فيضمن وبين الأذن فلا يضمن لاختلاف الشين فيهما واتفقوا في حوالة الأسواق على عدم التضمين لأنها رغبات الناس فالنقص في رغبات الناس لا في المغصوب هذا تهذيب ما في الأصل وسلمه أبو القاسم ابن الشاط وفي بداية المجتهد لحفيد ابن رشد والنقصان الطارئ على المغصوب إما من قبل المخلوق وإما من قبل الخالق كأن يكون بأمر من السماء وليس له في الثاني إلا أن يأخذه
74
74
يلزم من الأمر ولا من الظلم ولا من غيرهما الضمان فإن الأسباب الشرعية تفتقر إلى نصب شرعي ولفظ صاحب الشرع اقتضى سببية وضع اليد ومفهومه أن غيره ليس بسبب فلا بد لسببية غيره من دليل
ولم يوجد وضع اليد في أثناء الغصب بل استصحابها واستصحاب الشيء لا يلزم أن يقوم مقامه بدليل أن استصحاب النكاح لا يقوم مقام العقد الأول لصحته مع الاستبراء والعقد لا يصح مع الاستبراء وكذلك الطلاق يوجب ترتب العدة عقيبه
واستصحابه لا يوجب عدة ووضع اليد عدوانا يوجب التنسيق والتأثيم ولو جن بعد ذلك وهي تحت يده لم يأثم حينئذ ولم يفسق وابتداء العبادات يشترط فيها النيات وغيرها من التكبير ونحوه ودوامها لا يشترط فيه ذلك فعلمنا أن استصحاب الشيء لا يلزم أن يقوم مقامه لا سيما وسبب الضمان هو الأخذ عدوانا ولا يصدق عليه بعد زمن الأخذ أنه أخذ الآن إلا على سبيل المجاز لأن حقيقة الأخذ تجري مجرى المناولة والحركات الخاصة لا يصدق شيء منها مع الاستصحاب فعلم أن سبب الضمان منفي في زمن الاستصحاب قطعا
ونحن إنما نضمنه الآن بسبب متقدم لا بما هو حاصل الآن فاندفع ما ذكروه وأن القيمة إنما هو يوم الغصب زادت العين أو نقصت
المسألة الثانية
إذا ذهبت جل منفعة العين كقطع ذنب بغلة القاضي ونحو ذلك فعندنا يضمن الجميع وهو فرع اختلفت فيه المذاهب وتشعبت فيه الآراء وطرق الاجتهاد فقال أبو حنيفة رضي الله عنه في العبد والثوب كقولنا في الأكثر فإذا ذهب النصف أو الأقل باعتبار المنفعة عادة فليس له إلا ما نقص فإن قلع عين البهيمة فربع القيمة استحسانا والقياس عندهم أن لا يضمن إلا النقص واختلفوا في تعليل هذا القول فقيل لأنه ينتفع بالأكل والركوب فعلى هذا يتعدى الحكم للإبل والبقر دون البغال والحمير ومنهم من قال الركوب فقط فيتعدى الحكم للبغال والحمير فيضمن أيضا ربع القيمة
وقال الشافعي وابن حنبل رضي الله عنهما ليس له في جميع ذلك إلا ما نقص لأن الأصل بقاء ما بقي على ملكه فإن قطع يدي العبد أو رجليه فوافقنا أبو حنيفة في تخيير السيد تسليم العبد وأخذ القيمة كاملة وبين إمساكه ولا شيء له وقال الشافعي رضي الله عنه تتعين القيمة كاملة ولا يلزمه تسليم العبد خلاف قوله في المسألة الأولى
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
ناقصا أو يضمنه قيمته يوم الغصب وقيل إن له أن يأخذه ويضمن الغاصب قيمة العيب
وأما الأول فإما أن يكون بجناية الغاصب وإما أن يكون بجناية غيره عليه وهو عنده فالمغصوب في الأول مخير في المذهب بين أن يضمنه القيمة يوم الغصب أو يأخذه وما نقصته الجناية يوم الجناية عند ابن القاسم وعند سحنون ما نقصته الجناية يوم الغصب وذهب أشهب إلى أنه مخير بين أن يضمنه القيمة أو
75
75
وأصل هذا الفقه أن الضمان الذي سببه عدوان لا يوجب ملكا لأنه سبب للتغليط لا سبب للرفق وعندنا الملك مضاف للضمان لا لسببه وهو قدر مشترك بين العدوان وغيره وبسط ذلك في المسألة الأولى لنا وجوه
الأول
أن تقول إنه أتلف المنفعة المقصودة فيضمن كما لو قتلها أما إنه أتلف المنفعة المقصودة فلأن ذا الهيئة إذا قطع ذنب بغلته لا يركبها بعد والركوب هو المقصود
وأما قياس ذلك على قتلها فلأن إذا قتلها ضمنها اتفاقا مع بقاء انتفاعه بإطعامها لكلابه وبزاته وبدبغ جلدها فينتفع به أو بغير دباغ إلى غير ذلك من المنافع غير المقصودة عادة ولما لم يمنع ذلك من الضمان علمنا أن الضمان مضاف للقدر المشترك بينهما منها وهو ذهاب المقصود فيستويان في الحكم عملا باشتراكهما في الموجب
الثاني أنه لو غصب عسلا وشيرجا ونشا فعقد الجميع فالوذجا ضمن عندهم مع بقاء منافع كثيرة من المالية فكذلك ها هنا وثالثها أنه لو غصب عبدا فأبق أو حنطة فبلها بللا فاحشا ضمن عندهم مع بقاء التقرب في الأول بالعتق وبقاء المالية في الثاني لكن جل المقصود ذهب فكذلك ها هنا ولا يقال في الآبق حال بينه وبين جميع العين وفي الحنطة بتداعي الفساد إليها بالبلل لأنا نقول في صورة النزاع حال بينه وبين مقصوده وأفسده عليه ناجزا مع إمكان تجفيف الحنطة وعملها سويقا وغير ذلك من المنافع واحتجوا بأمرين الأول قوله تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم والاعتداء حصل في البعض فتلزمه قيمة البعض وثانيهما أن هذه الجناية لو حصلت في غير بغلة القاضي أو الأمير لم تلزمه القيمة فكذلك ها هنا كما لو جنى على عبده أو داره لأن تقويم المتلفات لا يختلف باختلاف الناس إنما يختلف باختلاف البلاد والأزمان ويؤكده أنه لو قطع ذنب حمار التراب أو خرق ثوب الحطاب لم يلزمه جميع القيمة مع تعذر بيعه من الأمير والقاضي لأنهما لا يلبسانه بسبب ذلك القطع اليسير ولو قطع أذن الأمير نفسه أو أنف القاضي لما اختلفت الجناية فكيف بدابته مع أن شين القاضي بقطع أنفه أشد والجواب عن الأول أنه متروك الظاهر لاقتضائه أن يعور فرس الجاني كما عور فرسه وليس كذلك إجماعا
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
يأخذه ناقصا ولا شيء له في الجناية كالذي يصاب بأمر من السماء وإليه ذهب ابن المواز وسبب إلا في اختلاف الخلاف جعل ما حصل في المغصوب من نماء ونقصان كأنه حدث في ملك صحيح فتجب للغاصب الغلة
ولا يلزمه شيء في النقصان سواء كان من سببه أو من عند
76
76
وقيل إن الآية وردت في الدماء لا في الأموال ولأن قوله تعالى عليكم أي أنفسكم إنما تناول أنفسنا لأنه ضمير الأنفس وعن الثاني أن الدار جل مقصودها حاصل بخلاف الفرس
وأما قولهم لا يختلف التقويم باختلاف البلاد بل يختلف فإن الدابة الصالحة للخاصة والعامة كالقضاة والخطباء أنفس قيمة لعموم الأغراض فيها ولتوقع المنافسة في المزايدة فيها أكثر من التي لا تصلح إلا لأحد الفريقين وأما أذن الأمير وأنف القاضي فإن القاعدة أن مزايا الرجال غير معتبرة في باب الدماء ومزايا الأموال متغيرة فدية أشجع الناس وأعلمهم كدية أجبن الناس وأجهلهم فأين أحد البابين من الآخر
تمهيد تحصل أن النقص عند العلماء ثلاثة أقسام تارة تذهب العين بالكلية فله طلب القيمة اتفاقا وتارة يكون النقص يسيرا فليس له إلزام القيمة اتفاقا وتارة يكون الذاهب مخلا بالمقصود فهو محل الخلاف ولذلك قال الشيخ أبو الحسن اللخمي في مذهبنا إن التعدي في مذهب مالك أربعة أقسام يسير لا يبطل الغرض المقصود به ويسير يبطله وكذلك كثير لا يبطل المقصود منه وكثير يبطله فهذه أربعة أقسام متقابلة أما القسم الأول وهو اليسير الذي لا يبطل المقصود لا يضمن العين وكذلك الكثير الذي لا يبطل المقصود وهو القسم الثالث وأما القسم الرابع فيخير كما تقدم وعلى القول بتضمينه القيمة لو أراد ربه أخذه وما نقصه فذلك عند مالك وابن القاسم وقال محمد لا شيء له لأنه ملك أن يتضمنه فامتنع فذلك رضى
وأما القسم الثاني وهو اليسير الذي يبطل المقصود فقاعدة مالك تقتضي تضمينه كما تقدم في ذنب بغلة القاضي قال وتستوي في ذلك المركوبات والملبوسات هذا هو المشهور وعن مالك لا يضمنه بذلك وفرق ابن حبيب بين الذنب فيضمن والأذن فلا يضمن لاختلاف الشين فيهما واتفقوا في حوالة الأسواق على عدم التضمين لأنها رغبات الناس فالنقص في رغبات الناس لا في المغصوب
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الله وهو قياس قول من يضمنه قيمته يوم الغصب فقط كأبي حنيفة وسحنون أو جعل المغصوب مضمونا على الغاصب في كل حال وهو قياس قول أشهب وابن المواز أو أنه إن كانت يده عليه أخذه بأرفع القيم وأوجب عليه رد الغلة وضمان النقصان سواء كان من فعله أو من عند الله وهو قول الشافعي أو قياس قوله أو أن جناية الغاصب على الشيء الذي غصبه هو غصب ثان متكرر منه كما لو جنى عليه وهو في ملك صاحبه وهو قياس الشبه الذي هو عمدة مشهور مذهب مالك من التفرقة بين الجناية التي تكون من الغاصب وبين الجناية التي تكون بأمر من السماء والمغصوب في الثاني وهو ما إذا كان نقص الشيء الذي غصب منه بجناية غير الغاصب عليه وهو عند الغاصب مخير بين أن يضمن الغاصب القيمة يوم الغصب ويتبع الغاصب الجاني وبين أن يترك الغاصب ويتبع الجاني بحكم
77
77
الفرق الثامن عشر والمائتان بين قاعدة ما يوجب استحقاق بعضه إبطال العقد في الكل وبين قاعدة ما لا يقتضي إبطال العقد في الكل إذا استحق بعض ما اشتريته أو صالحت عليه أو وجدت به عيبا فله أحوال لأنه إما أن يكون مثليا أو مقوما وإما أن يكون معينا أو شائعا فأما المثلي فهو المكيل والموزون فإن كان المستحق منه قليله لزمك باقيه لأن القليل لا يخل بمقصود العقد والأصل لزوم العقد لك وإن استحق كثيره فإنك تخير بين حبس الباقي بحصته من الثمن لأنه حقك في العقد وبين رده لذهاب المقصود وهو جل المعقود عليه فقد ذهب مقصود العقد في المعنى
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الجنايات فهذا حكم الجنايات على العين في يد الغاصب
وأما الجنايات على العين من غير أن يغصبها غاصب فإنها تنقسم عند مالك إلى قسمين جناية تبطل يسيرا من المنفعة والمقصود من الشيء باق فهذا يجب فيه ما نقص يوم الجناية وذلك بأن يقوم صحيحا ويقوم بالجناية فيعطي ما بين القيمتين وجناية تبطل الغرض المقصود فصاحبه يكون مخيرا إن شاء أسلمه للجاني وأخذ قيمته وإن شاء أخذ قيمة الجناية وقال الشافعي وأبو حنيفة ليس له إلا قيمة الجناية وسبب الاختلاف الالتفات إلى الحمل على الغاصب وتشبيه إتلاف أكثر المنفعة بإتلاف العين ا ه
بتخليص فتأمل ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الثامن عشر والمائتان بين قاعدة ما يوجب استحقاق بعضه إبطال العقد في الكل وبين قاعدة ما لا يقتضي إبطال العقد في الكل وهو أن ما اشتريته أو صالحت عليه إذا استحق بعضه أو وجدت به عيبا فله ستة أحوال تنقسم إلى ثلاثة أقسام القسم الأول ما يقتضي فيه ذلك تخييرك في التماسك والرجوع بحصة البعض المستحق أو المعيب من الثمن وفي رده وذلك في ثلاث حالات الحالة الأولى أن يكون البعض المستحق أو المعيب شائعا مما لا ينقسم وليس من رباع الغلة فيخير فيما ذكر لأن حصة ذلك البعض معلومة بغير تقويم فيستصحب العقد بحسب الإمكان ولضرر الشركة سواء استحق الأقل أو الأكثر
الحالة الثانية أن يكون ذلك البعض معينا مثليا وهو الأكثر فتخير فيما ذكر لذهاب مقصود العقد في المعنى
الحالة الثالثة أن يكون ذلك البعض شائعا مما ينقسم أو من المتخذ للغلة وهو الثلث فتخير فيما ذكر أيضا لأن حصته من الثمن معلومة قبل الرضا به
القسم الثاني ما لا يقتضي فيه ذلك إبطال العقد في الكل بل لزوم التمسك بالباقي وذلك في حالتين
78
78
وأما المقوم غير المثلي إن استحق أقلها إن كانت ثيابا ونحوها رجعت بحصته من الثمن لبقاء جل المعقود عليه فلم يختل مقصود العقد وإن استحق وجه الصفقة انتقصت كلها ويرد باقيها لفوات مقصود العقد ويحرم التمسك بما بقي بحصته من الثمن لأن حصته لا تعرف حتى تقوم فهو بيع بثمن مجهول هذا في استحقاق المعين وكذلك في العيب إذا وجدته بها وأما الجزء الشائع إذا استحق مما لا ينقسم فيخير في التمسك بالباقي بحصته من الثمن لأن حصته معلومة بغير تقويم فاستصحب العقد بحسب الإمكان فهذه خمسة أحوال والفرق بينهما قد ظهر
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الحالة الأولى أن يكون ذلك البعض شائعا مما ينقسم أو متخذا لغلة وهو دون الثلث فيجب التمسك والرجوع بحصة ذلك البعض من الثمن
الحالة الثانية أن يكون ذلك البعض معينا وهو الأقل سواء كان من مقوم كالعروض والحيوان أو من مثلي أي مكيل أو موزون فيجب التمسك والرجوع في المقوم بحصة ذلك البعض بالقيمة لا بالقسمة وفي المثلي بحصة ذلك البعض من الثمن قال الأصل لأن القليل لا يخل بمقصود العقد لبقاء جل المعقود عليه والأصل لزوم العقد لك
القسم الثالث ما يقتضي تعين رد الباقي وذلك في حالة واحدة وهي أن يكون ذلك البعض معينا من المقوم وهو وجه الصفقة فيتعين حينئذ إبطال العقد في الكل ويرد الباقي لفوات مقصود العقد ويحرم التمسك بما بقي بحصته من الثمن لأن حصته لا تعرف حتى تقوم فهو بيع بثمن مجهول ففي حاشية البناني على عبق عند قول خليل في مختصره من فصل الاستحقاق وإن استحق بعض فكالبيع أي المعيب ما نصه حاصل استحقاق البعض أن تقول لا يخلو إما أن يكون شائعا أو معينا فإن كان شائعا مما لا ينقسم وليس من رباع الغلة خير المشتري في التماسك والرجوع بحصة المستحق من الثمن وفي رده لضرر الشركة سواء استحق الأقل أو الأكثر وإن كان مما ينقسم أو كان متخذا لغلة خير في استحقاق الثلث ووجب التمسك فيما دونه وإن استحق جزء معين فإن كان خصوصا كالعروض والحيوان رجع بحصة البعض المستحق بالقيمة لا بالتسمية وإن استحق وجه الصفقة تعين رد البناني
ولا يجوز التمسك بالأقل وإن كان مثليا فإن استحق الأقل رجع بحصته من الثمن وإن استحق الأكثر خير في التمسك والرجوع بحصته من الثمن وفي الرد وكذلك يخير في التمسك والرد في جزء شائع مما لا ينقسم لأن حصته من الثمن معلومة قبل الرضا به انظر الحطاب ا ه
كلام البناني بلفظه وسلمه الرهوني وكنون وهو عين ما في الأصل وسلمه ابن الشاط إلا أنه زاد على ما في الأصل بيان حكم حالتي البعض الشائع إن كان مما ينقسم أو كان متخذا لغلة وهو ثلث أو دونه فلذا عولت عليه في بيان الفرق لا على ما في الأصل فتنبه والله سبحانه وتعالى أعلم

79
79
الفرق التاسع عشر والمائتان بين قاعدة ما يجب التقاطه وبين قاعدة ما لا يجب التقاطه
قال الشيخ أبو الحسن اللخمي الالتقاط قد يكون واجبا ومستحبا ومحرما ومكروها بحسب حال الملتقط وحال الزمان الحاضر وأهله ومقدار اللقطة فإن كان الواحد مأمونا ولا يخشى السلطان إذا أشهرها وهي بين قوم أمناء لا يخشى عليها منهم ولها قدر فأخذها وتعريفها مستحب وهذه صورة السائل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال خذها ولأنه أحوط لصاحبها خوف أن يأخذها من ليس بمأمون ولا ينتهي إلى الوجوب لأنه بين قوم أمناء وبين غير الأمناء يجب الالتقاط لأن حرمة المال كحرمة النفس ولنهيه عليه السلام عن إضاعة المال وإن كان السلطان غير مأمون إذا أشهرها أخذها أو الواجد غير أمين حرم عليه أخذها لأنه تسبب لضياع مال المسلم وإن كانت حقيرة كره أخذها لأن الغالب عدم المبالغة في تعريف الحقير وعدم الاحتفال به والحقير كالدرهم ونحوه قال الشيخ أبو الوليد في المقدمات في لقطة المال ثلاثة أقوال الأفضل تركها من غير تفصيل لأن ابن عمر كان يمر باللقطة فلا يأخذها والأفضل أخذها لأن فيه صون مال الغير الثالث أخذ الجليل أفضل وترك الحقير أفضل وهذا إذا كانت بين قوم مأمونين وإمام عدل أما بين الخونة ولا يخشى السلطان إذا عرفت فالأخذ واجب اتفاقا وبين خونة ويخشى
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الفرق التاسع عشر والمائتان بين قاعدة ما يجب التقاطه وبين قاعدة ما لا يجب التقاطه
وهو أن الالتقاط بحسب حال الملتقط بكسر القاف وحال الزمان الحاضر وأهله ينقسم كما في التوضيح ثلاثة أقسام إجمالا وأربعة تفصيلا الأول أن يعلم من نفسه الخيانة فيحرم التقاطها
الثاني أن يخاف ولا يتحقق أي بأن يشك فيكره
الثالث أن يتيقن أمانة نفسه وهو ينقسم إلى قسمين إما أن يخاف عليها الخونة أم لا فإن خاف وجب عليه الالتقاط وإن لم يخف فثلاثة أقوال لمالك الاستحباب والكراهة والاستحباب فيما له بال والترك لغيره أفضل ا ه
باختصار أفاده البناني على عبق يعني أن الترك لغير ما له بال أفضل من الالتقاط فهو مكروه لأن الغالب عدم المبالغة في تعريف الحقير وعدم الاحتفال به والحقير كالدرهم ونحوه كما سيأتي عن اللخمي قال البناني واختار التونسي من هذه الأقوال الكراهة أي مطلقا كما في الجواهر وإليه أشار المصنف يعني الشيخ خليلا بقوله الخيانة فيما إذا علم خيانة على الأحسن واستظهر ابن عبد السلام وجوب الالتقاط عليه وتركه نفسه أي وهو القسم الأول الذي قال في التوضيح فيه بحرمة التقاطها وفيما إذا شك فيها أنه هو القسم الثاني الذي قال في التوضيح فيه بكراهته ولا يكون ذلك عذرا يسقط عنه ما وجب عليه من حفظ مال الغير قال الحطاب وما قاله حسن ا ه
والله أعلم ا ه
كلام البناني وسلمه الرهوني وكنون ويتحصل من هذا أن وجوب الالتقاط على كلام التوضيح
80
80
من الإمام يخير بين أخذها وتركها بحسب ما يغلب على ظنه أي الخوفين أشد ويستثنى لقطة الحاج فلا يجري فيها هذا الخلاف كله لأنها بالترك أولى لأن ملتقطها يرحل إلى قطره وهو بعيد فلا يحصل مقصود التعريف
قاعدة خمس اجتمعت الأمم مع الأمة المحمدية عليها وهي وجوب حفظ النفوس والعقول فتحرم المسكرات بإجماع الشرائع وإنما اختلفت في شرب القدر الذي لا يسكر
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
في قسم واحد من الأقسام الأربعة وهو ما تحقق فيه أمران الأول أن يتيقن أمانة نفسه والثاني أن يخاف على اللقطة الخونة وأن عدم الوجوب فيما عداه فيحرم في قسم وهو ما إذا علم خيانة نفسه ويكره جزما في قسم وهو ما إذا شك في خيانة نفسه ويكره على الأحسن من الأقوال الثلاثة في قسم وهو ما تحقق فيه أمران الأول أن يتيقن أمانة نفسه والثاني أن لا يخاف على اللقطة الخونة
وأما وجوب الالتقاط على ما استظهره ابن عبد السلام واستحسنه الحطاب ففي ثلاثة أقسام الأول ما تحقق فيه أمران تيقن أمانة نفسه وخوف الخونة على اللقطة والثاني والثالث ما إذا علم خيانة نفسه أو شك فيها ولا يكون علم الخيانة أو الشك فيها عذرا بل يجب عليه تركها وعدم وجوب الالتقاط في قسم واحد وهو ما تحقق فيه أمران تيقن أمانة نفسه وعدم خوف الخونة على اللقطة ففي كراهته ثالثها إن كانت حقيرة كالدرهم ونحوه والمختار الأول
وانظر وجه عدم استحسانه وجوب الالتقاط في هذا القسم أيضا فإنه لم يظهر حتى فيما إذا كانت حقيرة ضرورة أن كون الغالب عدم المبالغة في تعريف الحقير وعدم الاحتفال به ليس أولى من تيقن خيانة نفسه التي أوجب عليه تركها فليتأمل بإمعان وهذا التفصيل إنما يجري على أحد الأقوال الثلاثة التي ذكرها الشيخ أبو الوليد في المقدمات حيث قال في الأصل في لقطة المال ثلاثة أقوال الأفضل تركها من غير تفصيل لأن ابن عمر كان يمر باللقطة فلا يأخذها والأفضل أخذها لأن فيه صون مال الغير الثالث أخذ الجليل أفضل وترك الحقير أفضل وهذا إذا كان بين قوم مأمونين والإمام عدل أما بين الخونة ولا يخشى السلطان إذا عرفت فالأخذ واجب اتفاقا وبين خونة ويخشى من الإمام يخير بين أخذها وتركها بحسب ما يغلب على ظنه أي الخوفين أشد ويستثنى لقطة الحاج فلا يجري فيها هذا الخلاف كله لأنها بالترك أولى لأن ملتقطها يرحل إلى قطره وهو بعيد فلا يحصل مقصود التعريف ا ه
بلفظه نعم التفصيل في القول الثالث في كلام أبي الوليد غيره في كلام صاحب التوضيح وإنما يقرر منه في كلام صاحب التوضيح التفصيل في قول اللخمي الالتقاط قد يكون واجبا ومستحبا ومحرما ومكروها بحسب حال الملتقط وحال الزمان الحاضر وأهله ومقدار اللقطة فإن كان الواجد مأمونا ولا يخشى السلطان إذا أشهرها وهي بين قوم أمناء لا يخشى عليها منهم ولها قدر فأخذها وتعريفها مستحب وهذه صورة السائل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال خذها ولأنه أحوط لصاحبها خوف أن يأخذها من ليس بمأمون ولا ينتهي إلى الوجوب لأنه بين قوم أمناء وبين غير الأمناء يجب الالتقاط لأن حرمة المال كحرمة النفس ولنهيه عليه الصلاة والسلام عن إضاعة المال وإن كان السلطان غير مأمون إذا أشهرها أخذها أو الواجد غير أمين حرم عليه أخذها لأنه تسبب لضياع مال المسلم وإن كانت حقيرة كره أخذها لأن الغالب عدم المبالغة في تعريف الحقير وعدم الاحتفال به والحقير كالدرهم ونحوه كما في الأصل
تنبيهات الأول قال الأصل ولم أر أحدا فصل
81
81
فحرم في هذه الملة تحريم الوسائل وسد الذريعة بتناول القدر المسكر وأبيح في غيرها من الشرائع لعدم المفسدة وحفظ الأعراض فيحرم القذف وسائر السباب ويجب حفظ الأنساب فيحرم الزنى في جميع الشرائع والأموال يجب حفظها في جميع الشرائع فتحرم السرقة ونحوها ويجب حفظ اللقطة عن الضياع لهذه القاعدة وقد تقدم بيان قاعدة فرض الكفاية وفرض الأعيان والفرق بينهما بأن فرض الكفاية ما لا تتكرر مصلحته بتكرره كإنقاذ الغريق فتكرير فعل النزول بعد شيل الغريق لا يحصل مصلحة بعد ذلك وفرض الأعيان هو ما تتكرر مصلحته بتكرره كالصلوات الخمس مصلحتها الإجلال والتعظيم لله تعالى وهو يتكرر حصوله بتكرر الصلاة وحينئذ يظهر أن أخذ اللقطة من فروض الكفاية
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وقسم أخذ اللقطة إلى الأحكام الخمسة إلا أصحابنا بل كلهم أطلقوا فقال الشافعي رحمه الله تعالى بالوجوب والندب كما قال بهما مالك قياسا على الوديعة بجامع حفظ المال فيلزم الندب أو قياسا على إنقاذ المال الهالك فيلزم الوجوب وقال أبو حنيفة أخذها مندوب إلا عند خوف الضياع فيجب وعند أحمد بن حنبل رضي الله عنه الكراهة لما في الالتقاط من تعريض نفسه لأكل الحرام وتضييع الواجب من التعريف فكان تركه أولى كتولي مال اليتيم وتخليل الخمر وقد ذم الله تعالى الدخول في التكاليف لقوله تعالى إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا أي ظلوما لنفسه بتوريطها وتعريضها للعقاب وجهولا بالعواقب والحزم فيها والأمانة قال العلماء هي ها هنا التكاليف ا ه
التنبيه الثاني قال الأصل أيضا وجوب حفظ اللقطة عن الضياع لقاعدة أن خمسا أجمعت الأمم مع الأمة المحمدية عليها وهي وجوب حفظ النفوس فيحرم القتل بإجماع الشرائع ويجب فيه القصاص ووجوب حفظ العقول فتحرم المسكرات بإجماع الشرائع ويجب فيها الحد وإنما اختلفت في شرب القدر الذي لا يسكر فحرم في هذه الملة تحريم الوسائل وسد الذريعة بتناول القدر المسكر وأبيح في غيرها من الشرائع لعدم المفسدة فيه ووجوب حفظ الأعراض فيحرم القذف وسائر السباب ويجب في ذلك الحد أو التعذير ووجوب حفظ الأنساب فيحرم الزنا في جميع الشرائع ويجب فيه إما الرجم أو الحد ووجوب حفظ الأموال في جميع الشرائع فتحرم السرقة ويجب فيها القطع أو التعزير وكذا نحوها ا ه بزيادة من محلى جمع الجوامع وزاد في جمع الجوامع سادسا وهو وجوب حفظ الدين المشروع له قتل الكفار وعقوبة الداعين إلى البدع ا ه
مع شرح المحلى فافهم
التنبيه الثالث قال الأصل أيضا أن ما تقدم في بيان الفرق بين قاعدتي فرض الكفاية وفرض العين بأن فرض الكفاية ما لا يتكرر مصلحته بتكرره كإنقاذ الغريق فإن تكرير فعل النزول بعد شيل الغريق لا يحصل مصلحة بعد ذلك وفرض الأعيان ما تتكرر مصلحته بتكرره كالصلوات الخمس فإن مصلحتها الإجلال والتعظيم لله تعالى وهو يتكرر حصوله بتكرر الصلاة وحينئذ يظهر منه أن أخذ اللقطة من فروض الكفاية ا ه
والله سبحانه وتعالى أعلم

82
82
وقال الشافعي رحمه الله بالوجوب والندب كما قال بهما مالك قياسا على الوديعة بجامع حفظ المال فيلزم الندب أو قياسا على إنقاذ المال الهالك فيلزم الوجوب وقال أبو حنيفة أخذها مندوب إلا عند خوف الضياع فيجب وعند أحمد بن حنبل رضي الله عنه الكراهة لما في الالتقاط من تعريض نفسه لأكل الحرام وتضييع الواجب من التعريف فكان تركه أولى كتولي مال اليتيم وتخليل الخمر وقد ذم الله تعالى الدخول في التكاليف بقوله تعالى إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا أي ظلوما لنفسه بتوريطها وتعريضها للعقاب وجهولا بالعواقب والحزم فيها والأمانة قال العلماء هي ها هنا التكاليف ولم أر أحدا فصل وقسم أخذ اللقطة إلى الأحكام الخمسة إلا أصحابنا بل كلهم أطلقوا
الفرق العشرون والمائتان بين قاعدة ما يشترط فيه العدالة وبين قاعدة ما لا يشترط فيه العدالة
قد تقرر في أصول الفقه أن المصالح إما في محل الضروريات أو في محل الحاجيات أو في محل التتمات وإما مستغنى عنه بالكلية إما لعدم اعتباره وإما لقيام غيره مقامه والفرق ها هنا مبني على هذه القاعدة فإن اشتراط العدالة في التصرفات مصلحة لحصول الضبط بها وعدم الانضباط مع الفسقة ومن لا يوثق به فاشتراط العدالة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الفرق العشرون والمائتان بين قاعدة ما يشترط فيه العدالة وبين قاعدة ما لا تشترط فيه العدالة
وهو مبني على القاعدة الأصولية وهي أن المصالح التي منها اشتراط العدالة في التصرفات لحصول الضبط بها ضرورة أنه لا انضباط مع الفسقة ومن لا يوثق به أربعة أقسام القسم الأول أن تكون في محل الضروريات فينعقد الإجماع اشتراطها فيه ولهذا هنا نظائر منها الشهادات فإن الضرورة تدعو لحفظ دماء الناس وأموالهم وأبضاعهم وأعراضهم عن الضياع فلو قبل فيها قول الفسقة ومن لا يوثق به لضاعت هذه الأمور
وقد تقدم أنها مما أجمعت الأمم مع الأمة المحمدية على وجوب حفظه ومنها الولايات كالإمامة والقضاء وأمانة الحكم فإن هذه الولايات وغيرها مما في معنى هذه لو فوضت لمن لا يوثق به لحكم بالجور وانتشر الظلم وضاعت المصالح وكثرت المفاسد نعم لم يشترط بعضهم في الإمامة العظمى العدالة لغلبة الفسوق على ولاتها فلو اشترطت لتعطلت
83
83
إما في محل الضرورات كالشهادات فإن الضرورة تدعو لحفظ دماء الناس وأموالهم وأبضاعهم وأعراضهم عن الضياع فلو قبل فيها قول الفسقة ومن لا يوثق به لضاعت
وكذلك الولايات كالإمامة والقضاء وأمانة الحكم وغير ذلك من الولايات مما في معنى هذه لو فوضت لمن لا يوثق به لحكم بالجور وانتشر الظلم وضاعت المصالح وكثرت المفاسد ولم يشترط بعضهم في الإمامة العظمى العدالة لغلبة الفسوق على ولاتها فلو اشترطت لتعطلت التصرفات الموافقة للحق في تولية من يوثق به من القضاة والسعاة وأخذ ما يأخذونه وبذل ما يبذلونه وفي هذا ضرر عظيم أقبح من فوات عدالة السلطان ولما كان تصرف القضاة أعم من تصرف الأوصياء وأخص من تصرف الأئمة اختلف في إلحاقهم بهم أو بالأوصياء على الخلاف في عدالة الوصي وإذا نفذت تصرفات البغاة بالإجماع مع القطع بعدم ولايتهم فأولى نفوذ تصرفات الولاة والأئمة مع غلبة الفجور عليهم مع قدرة البغاة وعموم الضرورة للولاة وأما محل الحاجات كإمامة الصلاة فإن الأئمة شفعاء
والحاجة داعية لإصلاح حال الشفيع عند المشفوع عنده وإلا لا تقبل شفاعته فيشترط فيهم العدالة وكذلك المؤذنون الذين يعتمد على أقوالهم في دخول الأوقات وإيقاع الصلوات أما من يؤذن لنفسه من غير أن يعتمد على قوله فلا يشترط فيه عدالة كسائر الأذكار وتلاوة القرآن فيصح جميع ذلك من البر والفاجر وإنما تشترط العدالة لأجل الاعتماد على
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
التصرفات الموافقة للحق في تولية من يوثق به من القضاة والسعاة وأخذ ما يأخذونه وبذل ما يبذلونه وفي هذا ضرر عظيم فلذا أفسح من فوات عدالة السلطان ولما كان تصرف القضاة أعم من تصرف الأوصياء وأخص من تصرف الأئمة اختلف في إلحاقهم بالأئمة أو بالأوصياء فيجري فيهم الخلاف في عدالة الوصي وإذا نفذت تصرفات القضاة بالإجماع مع القطع بعدم ولايتهم فأولى نفوذ تصرفات الولاة والأئمة مع غلبة الفجور عليهم ومع قدرة البغاة وعموم الضرورة للولاة
القسم الثاني
أن تكون في محل الحاجيات فيجري الخلاف في اشتراطها نظرا لداعية الحاجة أو عدم اشتراطها نظرا لما يعارض داعيتها إن كان ولهذا هنا نظائر منها إمامة الصلاة فإن الأئمة شفعاء والحاجة داعية لإصلاح حال الشفيع عند المشفوع عنده وإلا لا تقبل شفاعته فيشترط فيهم العدالة لكن عند مالك وجماعة معه نظرا لما ذكر وأن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام وأن فسقه يقدح في صحة الربط ولم يشترطها الشافعي رحمه الله نظرا إلى أن الفاسق تصح صلاته في نفسه إجماعا وكل مصل يصلي لنفسه عنده فلم تدعه حاجة لصلاح حال الإمام
ومنها المؤذنون الذين يعتمد على أقوالهم في دخول الأوقات وإيقاع الصلوات فإن حاجة الاعتماد على قول المؤذن فقط تدعو إلى اشتراط عدالته إذ لو كان المؤذن غير موثوق به حتى يؤذن قبل الوقت لتعدى خلله للصلاة فإن الصلاة قبل وقتها باطلة
84
84
قوله فقط ولم أر في هذا القسم خلافا بخلاف الإمامة اختلف العلماء في اشتراط العدالة فيها فاشترطها مالك وجماعة معه ولم يشترطها الشافعي رحمه الله والصلاة مقصد والأذان وسيلة والعناية بالمقاصد أولى من الوسائل غير أن الفرق عنده أن الفاسق تصح صلاته في نفسه إجماعا وكل مصل يصلي لنفسه عند الشافعي فلم تدعه حاجة لصلاح حال الإمام ومالك يرى أن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام وأن فسقه يقدح في صحة الربط فهذا منشأ الخلاف
وأما الأذان فلا خلاف أنه لو كان المؤذن غير موثوق به حتى يؤذن قبل الوقت تعدى خلله للصلاة فإن الصلاة قبل وقتها باطلة ولو كان الإمام الفاسق غير متطهر أو أخل بشرط باطن لا يطلع عليه المأموم لم يقدح عنده في صلاة المأموم لأن المأموم حصل ذلك الشرط فلا يقدح عنده تضييع غيره له
وإن أخل بركن ظاهر كالركوع والسجود ونحوهما فالاطلاع عليه ضروري فلا يحتاج إلى العدالة فيه لأن العلم الظاهر ناب عن العدالة في ضبط المصلحة فاستغنى عنها فظهر الفرق بين الإمامة والأذان وأما محل التتمات فكالولاية في النكاح فإنها تتمة وليست بحاجية بسبب أن الوازع الطبيعي في الشفقة على المولى عليها يمنع من الوقوع في العار والسعي في الإضرار فقرب عدم اشتراط العدالة كالإقرارات لقيام الوازع الطبيعي فيها غير أن الفاسق قد يوالي
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
فلذا لم يختلف العلماء في اشتراط العدالة في الأذان وهو وسيلة واختلفوا في إمامة الصلاة وهي مقصد والعناية بالمقاصد أولى من الوسائل لأنه لو كان الإمام الفاسق غير متطهر وأخل بشرط باطن لا يطلع عليه المأموم لم يقدح عنده في صلاة المأموم لأن المأموم حصل ذلك الشرط فلا يقدح عنده تضييع غيره له وإن أخل بركن ظاهر كالركوع والسجود ونحوهما فالاطلاع عليه ضروري فلا يحتاج إلى العدالة فيه لأن العلم الظاهر ناب عن العدالة في ضبط المصلحة فاستغنى عنها فظهر الفرق بين الإمامة والأذان وأما من يؤذن لنفسه من غير أن يعتمد على قوله فلا يشترط فيه عدالة كسائر الأذكار وتلاوة القرآن فإن جميع ذلك يصح من البر والفاجر
القسم الثالث
أن تكون في محل التتمات فيجري الخلاف في اشتراطها وعدم اشتراطها لتعارض شائبتين فيه ولهذا نظائر هنا أيضا منها الولاية في النكاح فإنها تتمة وليست بحاجية بسبب أن الوازع الطبيعي في الشفقة على المولى عليها يمنع من الوقوع في العار ومن السعي في الإضرار فقرب ذلك عدم اشتراط العدالة فيها كالإقرارات لقيام الوازع الطبيعي فيها إلا أن الفاسق لما كان قد يوالي أهل شيعته فيؤثرهم بتوليته كأخته وابنته ونحو ذلك فيحصل لها المفسدة العظيمة فاشترطت العدالة تتمة لأجل تعارض هاتين الشائبتين
85
85
أهل شيعته فيؤثرهم بولايته كأخته وابنته ونحو ذلك فيحصل لها المفسدة العظيمة فاشترطت العدالة وكان اشتراطها تتمة لأجل تعارض هاتين الشائبتين وهذا التعارض بين
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
ولهذا التعارض وقع الخلاف بين العلماء في اشتراط العدالة في ولاية النكاح وهل تصح ولاية الفاسق أم لا وفي مذهب مالك قولان ومنها الأوصياء لأن الغالب على الإنسان أنه لا يوصي على ذريته إلا من يثق بشفقته فوازعه الطبيعي يحصل مصلحة الوصية إلا أنه لما كان قد يولي أهل شيعته من الفسقة فتحصل المفاسد من ولايتهم في المعاملات والتزويج تعارضت هاتان الشائبتان فكان تعارضهما سببا في كون اشتراط العدالة في الأوصياء تتمة كما تقدم في ولاية النكاح وفي الخلاف بين العلماء في اشتراط العدالة في الأوصياء
القسم الرابع
أن تكون فيما خرج عن الأقسام الثلاثة الضرورة والحاجة والتتمة فينعقد الإجماع على عدم اشتراطها فيه ولذلك نظائر هنا منها الإقرار لأنه على خلاف الوازع الطبيعي فإنه إنما يقر على نفسه في ماله أو نفسه أو أعضائه أو نحو ذلك والطبع يمنع من المسامحة بذلك من غير سبب يقتضيه بل هو مع السبب المقتضي له شأن الطباع جحده فلا يعارض الطبع هنا موالاته لأهل شيعته فإن الإنسان مطبوع على تقديم نفسه على غيره كان من أهل شيعته وأصدقائه أم لا فلذا انعقد الإجماع على عدم اشتراطها فيه ولم ينعقد في ولاية النكاح والوصية لما علمت من أن الولي والوصي يتصرفان لغيرهما فيمكن فيهما مراعاة الأصدقاء في ذلك على غيرهم لأنه ترجيح لأحد الغيرين على الآخر
ومنها الدعاوى فإن المدعي وإن كان إنما يدعي لنفسه فدعواه على وفق طبعه عكس الأقارير إلا أن إلزامه البينة على وفق دعواه أو اليمين مع شاهد أو مع نكول على الخلاف في صحة القضاء بالشاهد مع اليمين أو النكول لأنهما يبعدان التهمة عن الدعوى ويقر بأنها من الصحة قائم مقام العدالة لرجحان الصدق على الكذب حينئذ كما ترجح بالعدالة وقس على هذه النظائر في هذه الأقسام الأربعة ما هو في معناها فيحصل لك الفرق بين ما يشترط فيه العدالة إجماعا إذا كان من الضرورة أو على الخلاف إذا كان من الحاجة وثم معارض وإلا فلا خلاف أو كان من التتمة لتعارض الشائبين فيه وبين ما لا يشترط فيه العدالة إذا كان مما خرج عن الثلاثة كما في الأصل وسلمه أبو القاسم بن الشاط والله أعلم
تنبيهان الأول قال العلامة الشربيني عند قوله في جمع الجوامع وليس منه أي من المرسل أي المطلق عن الاعتبار والإلغاء المعبر عنه بالمصلحة المرسلة مصلحة ضرورية كلية قطعية لأنها مما دل الدليل على اعتبارها فهي حق قطعا واشترطها الغزالي للقطع بالقول به لا لأصل القول به قال والظن القريب من القطع كالقطع ا ه
ما خلاصته نقلا عن السعد في التلويح أن الإمام الغزالي قسم المصالح إلى ثلاثة أقسام القسم الأول ما شهد الشرع باعتباره وهي أصل في القياس وحجة وهي المحافظة على مقصود الشرع من المحافظة على الخمسة الضرورية أي التي هي حفظ الدين والنفس والعقل والنسب والمال فكل ما يتضمن حفظ هذه
86
86
هاتين الشائبتين هو سبب الخلاف بين العلماء في اشتراط العدالة في ولاية النكاح وهل تصح ولاية الفاسق أم لا وفي مذهب مالك قولان وكذلك اشتراط العدالة في الأوصياء تتمة لأن الغالب على الإنسان أنه لا يوصي على ذريته إلا من يثق بشفقته فوازعه الطبيعي يحصل مصلحة الوصية غير أنه قد يوالي أهل شيعته من الفسقة فتحصل المفاسد من ولايتهم
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الخمسة الضرورية وكل ما يقويها فهي مصلحة ودفعها مفسدة وإذا أطلقنا المعين المخيل والمناسب في باب القياس أردنا به هذا الجنس
القسم الثاني
ما شهد الشرع ببطلانه كنفي الصوم في كفارة الملك أي السلطان
القسم الثالث ما لم يشهد له الشرع بالاعتبار ولا بالبطلان وهذا في محل النظر وهي المصالح الحاجية والتحسينية فلا يجوز الحكم بمجردها ما لم تعضد بشهادة الأصول لأنه يجري مجرى وضع الشرع بالرأي وإذا اعتضد بأصل فهو قياس ا ه
وما مشي عليه في هذا القسم المسمى بالمرسل وبالمصلحة المرسلة هو أحد أقوال ذكرها الإمام أبو إسحاق الشاطبي في كتابه الاعتصام وعزى هذا القول إلى القاضي وطائفة من الأصوليين
والثاني وهو اعتبار ذلك وبناء الأحكام عليه على الإطلاق لمالك والثالث وهو اعتبار ذلك بشرط قربه من معاني الأصول للشافعي ومعظم الحنفية قال هذا ما حكى الإمام الجويني ا ه
ومن نظائر هذا القسم رمي بعض المسلمين من السفينة في البحر لنجاة الباقين فعند أصحابنا يقرع بينهم من غير تفرقة بين الحر والرقيق لأجل نجاة الباقين لكن بعد رمي الأموال غير الرقيق وقال المحلي لا يجوز رمي البعض بالقرعة لأن القرعة لا أصل لها في الشرع في ذلك لأن نجاة الباقين ليس كليا أي متعلقا بكل الأمة ا ه
وفي العطار عليه ذكر الصلاح الصفدي أن مركبا كان في البحر وفيه مسلمون وكفار فأشرفوا على الغرق وأرادوا ليرموا بعضهم إلى البحر لتخف المركب وينجو الباقي فقالوا نقترع ومن وقعت عليه القرعة ألقيناه فقال الريس نعد الجماعة فكل من كان تاسعا في العدد ألقيناه فارتضوا بذلك فلم يزل يعدهم ويلقي التاسع فالتاسع إلى أن ألقى الكفار أجمعين وسلم المسلمون وكان وضعهم على هيئة مخصوصة بأن وضع أربعة مسلمين وخمسة كفارا ثم مسلمين ثم كافرا إلى آخر ذلك ووضع لهم ضابطا وهو قول بعضهم الله يقضي بكل يسر ويرزق الضعيف حيث كانا فمهمل الحروف للمسلمين ومعجمها للكفار والابتداء بالمسلمين والسير إلى جهة الشمال بالعدد فتأمل ذلك وفيه أيضا قبل ذلك عن اللغز والصحيح أن الاستدلال بالمرسل في الشرع لا يتصور حتى يتكلم فيه بنفي أو إثبات إذ الوقائع لا حصر لها وكذا المصالح وما من مسألة تعرض إلا وفي الشرع دليل عليها إما بالقبول أو بالرد فإنا نعتقد استحالة خلو واقعة عن حكم الله تعالى فإن الدين قد كمل
وقد استأثر الله برسوله وانقطع الوحي
87
87
في المعاملات والتزويج فكان الاشتراط تتمة كما تقدم في ولاية النكاح وتعارض الشائبتين هو سبب الخلاف بين العلماء في اشتراط العدالة في الأوصياء
وأما ما خرج عن الأقسام
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
ولم يكن ذلك إلا بعد كمال الدين قال تعالى اليوم أكملت لكم دينكم والذي يدل على عدم تصوره أن أحكام الشرع تنقسم إلى مواقع التعبدات والمتبع فيها النصوص وما في معناها وما لم ترشد النصوص إليه فلا تعبد به
وإلى ما ليس من التعبدات وهو ينقسم إلى ما يتعلق بالألفاظ كالأيمان والمعاملات والطلاق وقد أحالها الشرع في موجباتها إلى قضايا العرف فيها بنفي أو إثبات إلا ما استثناه الشارع عليه الصلاة والسلام كالاكتفاء بالعثكال الذي عليه مائة شمروخ إذا حلف أن يضرب مائة لما ورد في قصة أيوب عليه السلام ولم ينسخ في شرعنا وإلى ما يتعلق بغير الألفاظ وهو منقسم إلى ما ينضبط في نفسه كالنجاسات والمحظورات وطرق تلقي الملك فهذه الأقسام منضبطة ومستنداتها معلومة وإلى ما لا ينضبط إلا بالضبط في مقابله كالأشياء الطاهرة والأفعال المباحة تنضبط بضبط النجاسة والحظر وكذلك الأملاك منتشرة تنضبط بضبط طرق النقل والإيذاء محرم على الاسترسال من غير ضبط وينضبط بضبط ما استثنى الشرع في مقابلته فالوقائع إن وقعت في جانب الضبط ألحقت به وإن وقعت في الجانب الآخر ألحقت به وإن ترددت بينهما وتجاذبها الطرفان ألحقت بأقربهما ولا بد وأن يلوح الترجيح لا محالة فخرج منه أن كل مصلحة تتخيل في كل واقعة محبوسة بالأصول المتعارضة لا بد أن تشهد الأصول بردها أو قبولها ا ه
وفي التلويح عنه أنه قال وأما المصلحة الضرورية فلا بعد في أن يؤدي إليها رأي مجتهد وإن لم يشهد له أصل معين ولها نظائر منها رمي الكفار المتترسين بأسرى المسلمين في الحرب المؤدي إلى قتل الترس معهم إذا قطع أو ظن ظنا قريبا من القطع بأنهم إن لم يرموا استأصلوا المسلمين بالقتل الترس وغيره وإن رموا سلم غير الترس فيجوز رميهم لحفظ باقي الأمة فإنا نعلم قطعا بأدلة خارجة عن الحصر أن تعليل القتل مقصود للشارع كمنعه بالكلية لكن قتل من لم يذنب غريب لم يشهد له أصل معنا ونحن إنما نجوز عند القطع أو ظن قريب من القطع وبهذا الاعتبار تخصص الحكم من العمومات الواردة في المنع عن القتل بغير حق لما نعلم قطعا أن الشرع يؤثر الحكم الكلي على الجزئي وأن حفظ أصل الإسلام أهم من حفظ دم مسلم واحد وهذا وإن سميناه مصلحة مرسلة لكنها راجعة إلى الأصول الأربعة لأن مرجح المصلحة إلى حفظ مقاصد الشرع المعلومة بالكتاب والسنة والإجماع ولأن كون هذه المعاني عرفت لا بدليل واحد بل بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال وتفاريق الأمارات سميناها مصلحة مرسلة لا قياسا إذ القياس أصل معين
ا ه بتوضيح من المحلي قال الشربيني فعلم من قوله ونحن إنما نجوزه إلخ أنه هو لا يقول به أي المرسل عند فقد الشروط
88
88
الثلاثة الضرورة والحاجة والتتمة فالإقرار يصح من البر والفاجر والمسلم والكافر إجماعا لأن الإقرار على خلاف الوازع الطبيعي فإنه إنما يقر على نفسه في ماله أو نفسه أو أعضائه
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
أما غيره فيجوز أن يقول به عند الفقد كما يؤخذ من قوله قبل ذلك فلا بعد في أن يؤدي إليها رأي مجتهد ومن قوله ولأن كون هذه المعاني إلخ أنه إنما جعل هذه من المصالح المرسلة لعدم تعين الدليل وإن رجعت إلى الأصول الأربعة لا لعدم الدليل كما في غيرهما من المصالح المرسلة فإطلاق المرسل عليها بطريق المشابهة في عدم تعين الدليل وإن كان في غيرها لا لعدمه فليتأمل ا ه
وفي حاشية العطار عنه في المنخول أنه ذكر من نظائرها أنا لو فرضنا انقلاب أموال العالم بجملتها محرمة لكثرة المعاملات الفاسدة واشتباه الغصوب بغيرها عسر الوصول إلى الحلال المحض
وقد وقع فنبيح لكل محتاج أن يأخذ مقدار كفايته من كل مال لأن تحريم التناول يفضي إلى الهلاك وتخصيصه بمقدار سد الرمق يكف الناس عن معاملاتهم الدينية والدنيوية ويتداعى ذلك إلى فساد الدنيا وخراب العالم فلا يتفرغون وهم على حالتهم مشرفون على الموت إلى صناعتهم وأشغالهم والشرع لا يرضى بمثله قطعا فنبيح لكل غني من ماله مقدار كفايته من غير سرف ولا اقتصار على سد الرمق ونبيح لكل مقتر في مال من فضل منه هذا القدر مثله ويشهد له قاعدة وهو أن الشخص الواحد إذا اضطر إلى طعام غيره أو إلى ميتة يباح له مقدار الاستقلال محافظة على الروح فالمحافظة على الأرواح أولى وأحق ا ه
قال العطار
وقول الغزالي وقد وقع أي هذا حصل في عصره وأما العصر الذي نحن فيه الآن فالحال أقوى وأشد نسأل الله العافية والسلامة فالتمسك بما قاله الغزالي فيه أحرى سيما وقد ذكر صاحب جمع الجوامع في كتابه توشيح الترشيح كلاما يقرب مما قاله الغزالي حيث نقل عن والده الإمام تقي الدين السبكي في ذكر المسائل التي انفرد بها واستخرجها قال من جاءه شيء من المال وهو غير مشرف ولا سائل يأخذه حراما كان أم حلالا ثم إن كان حلالا لا تبعة فيه تموله وإلا رده في مرده إن عرف مستحقه وإلا فهو كالمال الضائع قال وهذا هو ظاهر الأمر في قوله صلى الله عليه وسلم ما أتاك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وإلا فلا تتبعه نفسك قال وليس في قوله صلى الله عليه وسلم هذا ما يدفع ما نقوله لأنا على القطع بأنه لم يعن خصوص ذلك المال الذي دفعه هو صلى الله عليه وسلم فلم يبق إلا أعم منه من كل حلال أو الأعم مطلقا من كل مال قال وهذا هو الراجح المتبادر إلى الذهن ا ه
المراد وفي حاشية كنون على عبق وبنان أول باب البيوع قال القلشاني اختلف في تعريف الحلال فقيل هو ما لم يعرف أنه حرام وقيل ما عرف أصله والأول أرفق بالناس لا سيما في هذا الزمان قال بعض الأئمة وعندي في هذا الزمان أن من أخذ قدر الضرورة لنفسه وعياله من غير سرف ولا زيادة على ما يحتاج إليه لم يأكل حراما ولا شبهة وقد قال القاسم بن محمد لو كانت الدنيا حراما لما كان لك بد من العيش ألا ترى أنه يحل أكل الميتة ومال الغير للمضطر فما ظنك بما ظاهره الإباحة هذا مما لا يكاد يختلف فيه والحاصل أنه يطلب الأشبه فالأشبه بحسب الإمكان ا ه
ومراده ببعض الأئمة الفاكهاني كما في ابن ناجي ا ه

89
89
ونحو ذلك والطبع يمنع من المسامحة بذلك من غير سبب يقتضيه بل هو مع السبب المقتضي له شأن الطباع جحده فلا يعارض الطبع هنا احتمال موالاته لأهل شيعة فإن
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
المراد وفيه غير ذلك فانظره وأما القسم الثاني في كلام الغزالي وهو ما شهد الشرع ببطلانه فهو الغريب لبعده عن الاعتبار كما في المحلي وإلى تمثيل الغزالي له بقوله كنفي الصوم إلخ يشير إلى قول أبي إسحاق الشاطبي في كتابه الاعتصام حكى ابن بشكوال أن الحكم أمير المؤمنين أرسل في الفقهاء وشاورهم في مسألة نزلت به فذكر لهم عن نفسه أنه عمد إلى إحدى كرائمه أي عقائل نسائه الحرائر ووطئها في رمضان فأفتوا بالإطعام وإسحاق بن إبراهيم ساكن فقال له أمير المؤمنين ما يقول الشيخ في فتوى أصحابه فقال له لا أقول بقولهم وأقول بالصيام فقيل له أليس مذهب مالك الإطعام فقال لهم تحفظون مذهبه إلا أنكم تريدون مصانعة أمير المؤمنين إنما أمر مالك بالإطعام لمن له مال وأمير المؤمنين لا مال له إنما هو بيت مال المسلمين فأخذ بقوله أمير المؤمنين وشكر له عليه ا ه وهو صحيح ا ه
أي لأن إفتاءه بغير الصوم مع ذلك مما شهد الشرع ببطلانه كما أن إفتاءه بالصوم نظرا إلى أنه يرتدع به إذ يسهل بذل المال في شهوة الفرج كذلك مما شهد الشرع ببطلانه كما في المحلي قال أبو إسحاق الشاطبي أيضا حكى ابن بشكوال أنه اتفق لعبد الرحمن بن الحكم مثل هذا في رمضان فسأل الفقهاء عن توبته من ذلك وكفارته فقال يحيى أي ابن يحيى المغربي الأندلسي تصوم شهرين متتابعين ولما سئل عن حكمة مخالفته لإمام مذهبه الإمام مالك وهو التخيير بين العتق والصيام والإطعام فقال لو فتحنا له هذا الباب سهل عليه أن يطأ كل يوم ويعتق فحملته على أصعب الأمور عليه وهو الصوم قال أبو إسحاق فإن صح هذا عن يحيى رحمه الله وكان كلامه على ظاهره كان مخالفا للإجماع ا ه
نعم قال القرافي إفتاء يحيى له بالصوم هو الأوفق بكون مشروعية الكفارات للزجر ولم يفته يحيى على أنه أمر لا يجوز غيره ا ه
أي حتى يكون مخالفا للإجماع فاحتفظ على هذا التحقيق
التنبيه الثاني نظم الشيخ إبراهيم الرياحي التونسي نظائر الصلاة التي تفسد على الإمام دون المأموم بقوله وأي صلاة للإمام فسادها تبين فالمأموم في ذاك تابع سوى عدة ساوت كواكب يوسف وها أنا مبديها إليك وجامع ففي حدث ينسي الإمام وسبقه وقهقهة والخوف في العد رابع وإعلام مأموم يفوز إمامه بتنجيسه والبعض فيه منازع وقطع إمام حين كشف لعورة على ما لسحنون وقد قيل واسع ومستخلف لفظا لغير ضرورة لأجل رعاف وهي في العد سابع ومستخلف بالفتح لم ينو ثم من بتسليمه فات التدارك تابع وتارك قبلي الثلاث وطال إن همو فعلوا لكن به الخلف واقع ومنحرف لا يستجاز انحرافه وهذا غريب بالتمتمة طالع
90
90
الإنسان مطبوع على تقديم نفسه على غيره كان من أهل شيعته وأصدقائه أم لا هذا هو الفرق بين الإقرار وولاية النكاح والوصية أن الوالي والوصي يتصرفان لغيرهما فأمكن مراعاة الأصدقاء في ذلك لأنه ترجيح لأحد الغيرين على الآخر وأما ها هنا فهو ينصرف في الإقرار لنفسه فلا يقدم عليه أحدا وهو سبب انعقاد الإجماع في الإقرار دونهما ومن هذا القسم الدعاوى تصح من البر والفاجر والمسلم والكافر وإن كانت على وفق الطبع فإن المدعي إنما يدعي لنفسه فدعواه على وفق طبعه عكس الأقارير غير أن ها هنا في الدعاوى ما يغني عن العدالة ويقوم مقامها في حق المدعي وهو إلزامه على وفق دعواه أو اليمين مع شاهد أو مع نكول على الخلاف في صحة القضاء بالشاهد واليمين والنكول لأنهما يبعدان التهمة من الدعوى وبقربانها من الصحة فقام ذلك مقام العدالة لرجحان الصدق على الكذب حينئذ كما ترجح بالعدالة
وقس على هذه النظائر في هذه الأقسام الأربعة ما هو في معناه فيحصل لك الفرق بين ما يشترط فيه العدالة وبين ما لا يشترط فيه الفرق الحادي والعشرون والمائتان بين قاعدة ما يشترط فيه اجتماع الشروط والأسباب وانتفاء الموانع وقاعدة ما لا يشترط فيه مقارنة شروطه وأسبابه وانتفاء موانعه اعلم أن الإنشاءات كلها كالبياعات والإجارات والنكاح والطلاق والعتق وغير ذلك فجميع ما ينشأ من ذلك يشترط فيه حالة إنشائهن مقارنة ما هو معتبر فيه حالة الإنشاء فهذه شأن الإنشاءات كلها بخلاف الإقرارات لا يشترط فيها حضور ما هو معتبر في المقربة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وذا في صلاة ما الجماعة شرطها وإلا فبطلان على الكل شائع والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الحادي والعشرون والمائتان بين قاعدة ما يشترط فيه اجتماع الشروط والأسباب وانتفاء الموانع وقاعدة ما لا يشترط فيه مقارنة شروطه وأسبابه وانتفاء موانعه وهو أن ما كان سببا في معاملة يشترط حال وقوعه مقارنة ما هو معتبر فيما ينشأ منه من اجتماع الشروط والأسباب وانتفاء الموانع وما كان دليل تقدم سبب لمعاملة لا يشترط حال وقوعه مقارنة شروط ذلك المسبب وأسبابه وانتفاء موانعه والأول هو الإنشاءات كلها كالبياعات والإجارات والنكاح والطلاق والعتق وغير ذلك فشأن الإنشاءات كلها أنه يشترط في جميع ما ينشأ منها مقارنة ما هو معتبر فيه حالة الإنشاء
والثاني هو الإقرارات فلا يشترط فيها حضور ما هو معتبر في المقر به حالة الإقرار لأن الإقرار
91
91
حالة الإقرار لأن الإقرار ليس سببا في نفسه بل هو دليل السبب لاستحقاق المقربة في زمن سابق فيحمل على أن السبب مع ما هو معتبر فيه قد تقدم على الوجه المعتبر الشرعي فمن قال هو يستحق علي دينارا من ثمن دابة حملنا هذا الإقرار على تقدم بيع صحيح على الأوضاع الصحيحة في ذات تقبل البيع لا خمر ولا خنزير على ما هو معتبر في البيع ولذلك قال العلماء رضي الله عنه لا إذا باعه بدينار وفي البلد نقود مختلفة السكة تعين الغالب منها هنا لأن التصرف محمول على الغالب ولو أقر بدينار في بلد وفيها نقد غالب لا يتعين الغالب لأن الإقرار دليل على تقدم السبب لاستحقاق الدينار فلعل السبب وقع في بلد آخر وزمان متقدم تقدما كثيرا يكون الواقع حينئذ سكة غير هذا الغالب وتكون هي الغالبة في ذلك الوقت وفي ذلك البلد والاستحقاق يتبع زمن وقوع السبب لا زمن الإقرار به
ويكون هذا الغالب متجددا بعد تجدد ذلك الغالب وناسخا له فما تعين هذا الغالب الحاضر الآن فيحمل الإقرار عليه كما تعين الغالب الموجود حالة الإقرار فيقبل تفسيره في إقراره بأي سكة ذلك الدينار وكذلك لو أقر المجنون الآن أو سكران أو مغمى عليه بدينار من ثمن بيع قبل إقراره وحمل على أن ذلك البيع وقع من المجنون حالة عقله ومن السكران حالة صحوه ومن المغمى عليه حالة إفاقته
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
ليس سببا لاستحقاق المقر به بل هو دليل تقدم السبب لاستحقاقه في زمن سابق فيحمل على أن السبب مع ما هو معتبر فيه قد تقدم على الوجه المعتبر الشرعي فمن قال هو يستحق علي دينارا من ثمن دابة حملنا هذا الإقرار على تقدم بيع صحيح على الأوضاع الصحيحة في ذات تقبل البيع لا خمر ولا خنزير على ما هو معتبر في البيع لأن التصرف محمول على الغالب وعلى مقتضى هذا الفرق تتفرع مسألتان
المسألة الأولى
قال العلماء رضي الله عنهم إذا باعه بدينار وفي البلد نقود مختلفة السكة تعين الغالب منها هنا لأن التصرف محمول على الغالب ولو أقر بدينار في بلد وفيها نقد غالب لا يتعين الغالب بل يقبل تفسيره في إقراره بأي سكة ذلك الدينار لأن الإقرار دليل على تقدم السبب لاستحقاق الدينار فلعل السبب واقع في بلد آخر في زمان متقدم تقدما كثيرا والغالب حينئذ في ذلك الوقت وفي ذلك البلد سكة غير هذا الغالب المتجدد ناسخا لذلك الغالب الواقع قبله والاستحقاق يتبع زمن وقوع السبب لا زمن الإقرار به وهكذا جميع النظائر التي تكون الشروط فيها فائتة حالة الإقرار ويمكن اعتبارها في الزمن الماضي الذي هو زمن وقوع السبب كما لو أقر المجنون الآن أو سكران الآن أو مغمى عليه الآن بدينار من ثمن بيع قبل إقراره فيحمل على أن ذلك البيع وقع من المجنون حالة عقله ومن السكران حالة صحوه ومن المغمى عليه حالة إفاقته وأن شروط البيع الآن مفقودة في حقهم وكما لو أقر أنه يستحق عليه ثمن بيع هذه الدار الموقوفة الآن فيصح إقراره ويحمل على حالة تكون فيه هذه الدار طلقا وأما النظائر التي تتعذر فيها الشروط في الماضي والحاضر كما لو أقر بدينار من ثمن
92
92
وأن شروط البيع الآن مفقودة في حقهم وكذلك لو أقر أنه يستحق عليه ثمن بيع هذه الدار الموقوفة الآن صح إقراره وحمل على حالة تكون فيها هذه الدار طلقا وكذلك جميع هذه النظائر التي تكون الشروط فيها فائتة حالة الإقرار ويمكن اعتبارها في الزمن الماضي أما لو علم التعذر في الماضي والحاضر بطل الإقرار كما لو قال من ثمن هذا الخنزير فإن الخنزير لا يكون في الماضي غير خنزير والوقف يمكن أن يكون طلقا وكذلك بقية النظائر تتخرج على هذا الأسلوب ومقتضى هذا الفرق وهذه القاعدة أن تشترط المقارنة إذا أوصى لجنين أو ملكه ويشترط التقدم فيما إذا أقر له لتقدم السبب على الإقرار فإن حصل الشك في تقدم الجنين لم يلزم الإقرار لأنا شككنا في المحل القابل للملك وهو شرط والشك في الشرط يمنع ترتب المشروط على ما تقدم في أول الفروق
الفرق الثاني والعشرون والمائتان بين قاعدة الإقرار الذي يقبل الرجوع عنه وبين قاعدة الإقرار الذي لا يقبل الرجوع عنه
الأصل في الإقرار اللزوم من البر والفاجر لأنه على خلاف الطبع كما تقدم فضابط ما لا يجوز الرجوع عنه من الإقرار هو الرجوع الذي ليس له فيه عذر عادي وضابط ما يجوز الرجوع عنه أن يكون له في الرجوع عنه عذر عادي وفي الفرق مسائل
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
هذا الخنزير فإن الخنزير لا يكون في الماضي غير خنزير فيبطل الإقرار في ذلك
المسألة الثانية
إذا أوصى لجنين أو ملكه فالشرط المقارنة وإذا أقر له فالشرط تقدم السبب على الإقرار فإن حصل الشك في تقدم الجنين لم يلزم الإقرار لأنا شككنا في المحل القابل للملك وهو شرط والشك في الشرط يمنع ترتب المشروط على ما تقدم في أول الفروق أفاده الأصل وسلمه أبو القاسم بن الشاط والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الثاني والعشرون والمائتان بين قاعدة الإقرار الذي يقبل الرجوع عنه وبين قاعدة الإقرار الذي لا يقبل الرجوع عنه وهو أنه وإن كان الأصل في الإقرار اللزوم من البر والفاجر لأنه على خلاف الطبع كما تقدم ولذا قال ابن عرفة الإقرار خبر يوجب حكم صدقه على قائله فقط بلفظه أو لفظ نائبه لكنه من حيث إنه قد يكون للمقر في الرجوع عنه عذر عادي وقد لا يكون له ذلك انقسم قسمين الأول ما لا يجوز الرجوع عنه وضابطه ما ليس للمقر في رجوعه عنه عذر عادي وهذا هو الغالب إلا أن في نفوذه تفصيلا أشار له ابن عاصم بقوله ومالك لأمره أقر في صحته لأجنبي اقتفي وما لوارث ففيه اختلفا ومنفذ له لتهمة نفى ورأس متروك المقر ألزما وهو به في فلس كالغرما وإن يكن لأجنبي في المرض غير صديق فهو نافذ الغرض
93
93
المسألة الأولى
إذا أقر الوارث للورثة أن ما تركه أبوه ميراث بينهم على ما عهد في الشريعة وما تحمل عليه الديانة ثم جاء شهود أخبروه أن أباه أشهدهم أنه تصدق عليه في صغره بهذه الدار وحازها له أو أقر أنه ملكها عليه بوجه شرعي فإنه إذا رجع عن إقراره بأن التركة مورثة إلا هذه الدار المشهود بها له دون الورثة واعتذر بإخبار البينة له وأنه لم يكن عالما بذلك بل أقر بناء على العادة ومقتضى ظاهر الشريعة فإنه يسمع دعواه وعذره ويقيم بينته ولا يكون إقراره السابق مكذبا للبينة وقادحا فيها لأن هذا عذر عادي تسمع مثله
المسألة الثانية في الجواهر إذا قال له علي مائة درهم إن حلف أو حتى يحلف أو مع يمينه فحلف المقر له فنكل المقر وقال ما ظننت أنه يحلف لا يلزمه شيء لأن العادة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
ولصديق أو قريب لا يرث يبطل ممن بكلالة ورث وقيل بل يمضي بكل حال وعندما يؤخذ بالإبطال قيل بإطلاق ولابن القاسم يمضي من الثلث بحكم جازم إلخ وخلاصته أن المالك لأمره تارة يقر في صحته وتارة في مرضه وفي كل منهما إما أن يكون المقر له وارثا أو أجنبيا انظر شروح العاصمية والقسم الثاني ما يجوز الرجوع عنه وضابطه ما للمقر عذر عادي في رجوعه عنه ومثل له الأصل بثلاث مسائل فقال
المسألة الأولى إذا أقر الوارث للورثة أن ما تركه أبوه ميراث بينهم على ما عهد في الشريعة وما تحمل عليه الديانة ثم جاء شهود أخبروه أن أباه أشهدهم أنه تصدق عليه في صغره بهذه الدار وحازها له أو أن والده أقر أنه ملكها عليه بوجه شرعي فإنه يقبل رجوعه عن إقراره وأنه كان بناء على العادة ومقتضى ظاهر الشريعة وعذره بأنه لم يكن عالما بما أخبرته البينة به من أن التركة كلها موروثة إلا هذه الدار المشهود بها له دون الورثة لأنه عذر عادي يسمع مثله فيقيم بينته ولا يكون إقراره السابق مكذبا للبينة وقادحا فيها ا ه
وسلمه أبو القاسم بن الشاط وفي شرح التسولي على العاصمية ما نصه قال أبو العباس الملوي اعتمد ما للقرافي غير واحد من الحفاظ المتأخرين وتلقوه بالقبول منهم أبو سالم إبراهيم اليزناسني ا ه
وبه يعلم ضعف ما في الحطاب عن سحنون من أن إقراره الأول مكذب للبينة فلا ينتفع بها نقله في بابي الإقرار والقسمة بعد أن نقل عن المازري أنه أفتى بمثل ما للقرافي وبالجملة فالمعتمد ما للقرافي وبه كنت أفتيت انظر شرحنا للشامل ويؤيده ما مر أول الاستحقاق ا ه
بلفظه وما مر أول الاستحقاق هو ما نقله عن ابن عرفة من أن حكم الاستحقاق الوجوب عند تيسر أسبابه في الربع والعقار بناء على عدم يمين مستحقه وعلى يمينه هو مباح كغير العقار والربع لأن الحلف مشقة ا ه
قال ومراد ابن عرفة إذا لم تسمح نفسه بذلك لما فيه حينئذ من إطعام الحرام لغيره مع القدرة على منعه منه وقد قال عليه السلام لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه
وقال انصر أخاك وإن
94
94
جرت بأن هذا الاشتراط يقضي عدم اعتقاد لزوم ما أقر به
وقال ابن عبد الحكم إن قال له علي مائة إن حلف أو ادعاها أو مهما حلف بالعتق أو إن استحل ذلك أو إن كان يعلم أنها له أو إن أعارني داره فأعاره أو إن شهد عليها فلان فشهد عليه بها لا يلزمه في هذا كله شيء لأن العادة جرت على أن هذا ليس بإقرار فإن قال إن حكم بها على فلان فحكم بها عليه لزمته لأن الحكم سبب فيلزمه عند سببها والأول كله شروط لا أسباب بل استبعادات محضة مخلة بالإقرار
المسألة الثالثة
إذا أقر فقال له عندي مائة من ثمن خمر أو ميتة لم يلزمه شيء لأن الكلام بآخره والقاعدة أن كل كلام لا يستقل بنفسه إذا اتصل بكلام مستقل بنفسه صيره غير مستقل بنفسه وقوله من ثمن خمر لا يستقل بنفسه فيصير الأول
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
ظالما ونصره أن تمنعه عن ظلمه فالمستحق حينئذ آثم بعدم قيامه بالاستحقاق لأنه ترك واجبا عليه فهو راجع إلى تغيير المنكر وهو واجب على كل من قدر عليه والمستحق من ذلك القبيل وهذا عام سواء كان الاستحقاق من ذي الشبهة أو من غاصب لأن المستحق يجب عليه أن يعلم ذا الشبهة بأنه لا ملك له فيه وأنه يستحقه منه وإن لم تسمح نفسه به ويطلعه على بيان ملكه للشيء المستحق وإذا لم يعلمه كان قد ترك واجبا عليه آثما بذلك وهو معنى وجوب قيامه بالاستحقاق خلافا لما للشيخ الرهوني من أنه لا يظهر وجوبه بالنسبة لذي الشبهة ا ه انتهى المراد بلفظه وقال الأصل
المسألة الثانية
في الجواهر إذا قال له علي مائة درهم إن حلف أو إذا حلف أو متى حلف أو حتى يحلف أو مع يمينه أو بعد يمينه فحلف المقر له فنكل المقر وقال ما ظننت أنه يحلف لا يلزمه شيء لأن العادة جرت بأن هذا الاشتراط يقتضي عدم اعتقاد لزوم ما أقر له
وقال ابن عبد الحكم إن قال له علي مائة إن حلف أو دعاها أو مهما حلف بالعتق أو إن استحق ذلك أو إن كان يعلم أنها له أو إن أعارني داره فأعاره أو إن شهد علي بها فلان فشهد عليه بها لا يلزمه في هذا كله شيء لأن العادة جرت على أن هذا ليس بإقراره فإن قال إن حكم بها على فلان فحكم بها عليه لزمته لأن الحكم سبب فيلزمه عند سببها والأول كله شروط لا أسباب بل استبعادات محضة مخلة بالإقرار ا ه
المسألة الثالثة إذا أقر فقال له عندي مائة من ثمن خمر أو ميتة لم يلزمه شيء لأن الكلام بآخره والقاعدة أن كل كلام لا يستقل بنفسه إذا اتصل بكلام مستقل بنفسه صيره غير مستقل بنفسه وقوله من ثمن خمر لا يستقل بنفسه فيصير الأول المستقل غير مستقل وكذلك الصفة والاستثناء والغاية والشرط ونحوها مما لا يستقل بنفسه ا ه
كلام الأصل وسلمه أبو القاسم بن الشاط والله سبحانه وتعالى أعلم
فائدة قال التسولي على العاصمية والمراد بالكلالة هنا الفريضة التي لا ولد فيها ذكرا أو أنثى وإن سفل بأن كان فيها أبوان أو زوجة أو عصبة وأما الكلالة في باب الميراث فهي الفريضة التي لا ولد ولا والد وفيها يقول القائل ويسئلونك عن الكلاله هي انقطاع النسل لا محاله لا والد يبقى ولا مولود فانقطع الأبناء والجدود ا ه بلفظه

95
95
المستقل غير مستقل وكذلك الصفة والاستثناء والغاية والشروط ونحوها الفرق الثالث والعشرون والمائتان بين قاعدة ما ينفذ من تصرفات الولاة والقضاة وبين قاعدة ما لا ينفذ من ذلك وهو خمسة أقسام القسم الأول ما لم تتناوله الولاية بالأصالة اعلم أن كل من ولي ولاية الخلافة فما دونها إلى الوصية لا يحل له أن يتصرف إلا بجلب مصلحة أو درء مفسدة لقوله تعالى ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ولقوله عليه السلام من ولي من أمور أمتي شيئا ثم لم يجتهد لهم ولم ينصح فالجنة عليه حرام فيكون الأئمة والولاة معزولين عما ليس فيه بذل الجهد والمرجوح أبدا ليس بالأحسن بل الأحسن ضده وليس الأخذ به بذلا للاجتهاد بل الأخذ بضده فقد حجر الله تعالى على الأوصياء التصرف فيما هو ليس بأحسن مع قلة الفائت من المصلحة في ولايتهم لخستها بالنسبة إلى الولاة والقضاة فأولى أن يحجر على الولاة والقضاة في ذلك ومقتضى هذه النصوص أن يكون الجميع معزولين عن المفسدة الراجحة والمصلحة المرجوحة والمساوية وما لا مفسدة فيه ولا مصلحة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الفرق الثالث والعشرون والمائتان بين قاعدة ما ينفذ من تصرفات الولات والقضاة وبين قاعدة ما لا ينفذ من ذلك
وهو أن ما نفذ من ذلك ولا ينقض هو ما اجتمع فيه خمسة أمور الأول ما تتناوله الولاية بالأصالة مما دل قوله تعالى ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن وقوله عليه الصلاة والسلام من ولي من أمر أمتي شيئا ثم لم يجتهد لهم ولم ينصح فالجنة عليه حرام على أن كل من ولي ولاية الخلافة فما دونها إلى الوصية لا يحل له أن يتصرف إلا بما هو أحسن أو ما فيه بذل الجهد وعلى أن قاعدة الولاية أنها إنما تتناول واحدا من أربعة أمور هي جلب المصلحة الخالصة أو الراجحة ودرء المفسدة الخالصة أو الراجحة
والثاني الموافقة لدليل الحكم والثالث الموافقة لسببه وحجته وقد تقدم الفرق بين الأسباب والأدلة والحجاج وأن القضاة يعتمدون الحجاج والمجتهدين يعتمدون الأدلة وأن المكلفين يعتمدون الأسباب والرابع انتفاء التهمة فيه والخامس وقوعه على الأوضاع الشرعية كان مجمعا عليه أو مختلفا فيه وأما ما لا ينفذ من ذلك وينقض فهو ما انتفى فيه واحد من هذه الخمسة المذكورة فلذا انقسم خمسة أقسام القسم الأول ما لا تتناوله الولاية بالأصالة وهو نوعان النوع الأول ما دلت النصوص المتقدمة على أن كل من ولي ولاية الخلافة فما دونها إلى الوصية يكون معزولا عنها إذا أجراه في ولايته
96
96
لأن هذه الأقسام الأربعة ليست من باب ما هو أحسن وتكون الولاية إنما تتناول جلب المصلحة الخالصة أو الراجحة ودرء المفسدة الخالصة أو الراجحة فأربعة معتبرة وأربعة ساقطة ولهذه القاعدة قال الشافعي رضي الله عنه لا يبيع الوصي صاعا بصاع لأنه لا فائدة في ذلك ولا يفعل الخليفة ذلك في أموال المسلمين ويجب عليه عزل الحاكم إذا ارتاب فيه دفعا لمفسدة الريبة عن المسلمين
ويعزل المرجوح عند وجود الراجح تحصيلا لمزيد المصلحة للمسلمين واختلف في عزل أحد المساويين بالآخر فقيل يمتنع لأنه ليس أصلح للمسلمين ولأنه يؤذي المعزول بالعزل والتهم من الناس ولأن ترك الفساد أولى من تحصيل الصلاح للمتولى
وأما الإنسان في نفسه فيجوز له ذلك فيما يختص به حصلت مصلحة أم لا فللإنسان أن يبيع صاعا بصاع وما يساوي ألفا بمائة فإن قلت تجويز ذلك يوجب أن يلتبس من يحجر عليه بمن لا يحجر عليه ويلتبس الرشيد بالسفيه لأن السفيه هو الذي يفعل ذلك قلت لا نسلم أنا نحجر على من يفوت المصلحة كيف كانت بل ضابط ما يحجر به أن كل تصرف خرج عن العادة ولم يستجلب به حمدا شرعيا وقد تكرر منه فإنه يحجر به والقيد الثاني احتراز من استجلاب حمد الشراب والمساخر والثالث احتراز عن رمي درهم في البحر فإنه لا يحجر عليه
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وذلك كل ما ليس هو بأحسن وليس فيه بذل الجهد مما خرج عن قاعدة الولاية المذكورة وصار واحدا من الأربعة الساقطة التي هي المفسدة الراجحة والمصلحة المرجوحة والمساوية وما لا مصلحة فيه ولا مفسدة فمن هنا قال الشافعي رضي الله عنه لا يبيع الوصي صاعا بصاع لأنه لا فائدة في ذلك ولا يفعل الخليفة ذلك في أموال المسلمين ويجب عليه عزل الحاكم إذا ارتاب فيه دفعا لمفسدة الريبة عن المسلمين ويعزل المرجوح عند وجود الراجح تحصيلا لمزيد المصلحة للمسلمين
واختلف في عزل أحد المتساويين بالآخر فقيل يمتنع لأنه ليس أصلح للمسلمين لأنه يؤذي المعزول بالعزل والتهم من الناس ولأن ترك الفساد أولى من تحصيل الصلاح للمتولى
وأما الإنسان في نفسه فيجوز له ذلك أي بيع صاع بصاع وما يساوي ألفا بمائة فيما يختص به حصلت مصلحة أم لا وضابط ما يحجر به أن كل تصرف خرج عن العادة ولم يستجلب به المتصرف حمدا شرعيا وقد تكرر منه فإنه يحجر به فخرج بالقيد الأول ما فوت مصلحة لم تخرج عن العادة كما هنا وبالثاني ما استجلب به حمد الشراب والمساخر وبالثالث ما لم يتكرر كمن رمى درهما في البحر فإنه لا يحجر عليه حتى يتكرر ذلك منه تكررا يدل على سفهه وعدم اكتراثه بالمال
النوع الثاني
القضاء من القاضي بغير عمله فإنه لا تتناوله الولاية لأن صحة التصرف إنما يستفاد من عقد الولاية وعقد الولاية إنما يتناول منصبا معينا فكان معزولا عما عداه لا ينفذ فيه حكمه وعلى هذا
97
97
حتى يتكرر ذلك منه تكررا يدل على سفهه وعدم اكترائه بالمال إذا تقرر هذا القسم الذي لا ينفذ لعدم تناول الولاية له فيلحق به القضاء من القاضي بغير عمله فإنه لا تتناوله الولاية لأن صحة التصرف إنما يستفاد من عقد الولاية وعقد الولاية إنما يتناول منصبا معينا وبلدا معينا فكان معزولا عما عداه لا ينفذ فيه حكمه وقاله أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم
وما علمت فيه خلافا وفي الجواهر إن شافه قاض قاضيا لم يكف في ثبوت ذلك الحكم لأن أحدهما بغير عمله فلا يؤثر إسماعه وسماعه إلا إذا كانا قاضيين ببلدة واحدة أو تجاذبا في ذلك في طرفي ولايتهما فيكون ذلك أقوى من الشهادة على كتاب القاضي فيعتمد وفي هذا القسم فروع في كتب الفقه
القسم الثاني
ما تتناوله الآية لكن حكم فيه بمستند باطل فهذا ينقض لفساد المدرك لا لعدم الولاية فيه وهو الحكم الذي خالف أحد أربعة أمور إذا حكم على خلاف الإجماع ينقض قضاؤه أو خلاف النص السالم عن المعارض أو
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
أصحابنا ففي الجواهر إن شافه قاض قاضيا لم يكف في ثبوت ذلك الحكم لأن أحدهما بغير عمله فلا يؤثر إسماعه وسماعه إلا إذا كانا قاضيين ببلدة واحدة أو تجاذبا في ذلك في طرفي ولايتهما فيكون ذلك أقوى من الشهادة على كتاب القاضي فيعتمد ا ه
وقاله أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم قال الأصل وما علمت فيه خلافا وفي هذا القسم فروع في كتب الفقه
القسم الثاني
ما تتناوله الولاية لكن حكم بمستند باطل بأن حكم فيه على خلاف أحد أربعة أمور الإجماع السالم عن المعارض والنص السالم عن المعارض والقياس الجلي السالم عن المعارض
وقاعدة من القواعد السالمة عن المعارض فلا بد في نقض الحكم المخالف لواحد من جميع هذه الأربعة من اشتراط السلامة عن المعارض أي المعارض الراجح فإن خالفه وثم معارض أرجح لم ينقض قضاؤه ولكل من المخالفة لواحد منها مع المعارض الراجح أو مع عدمه نظائر
أما الأول فمن نظائره أنه لو قضى في عقد الربا بالفسخ لم ينقض قضاؤه على خلاف قوله تعالى وأحل الله البيع لأنه عورض بالنصوص الدالة على تحريم الربا ومنها أنه لو قضى في لبن المصراة بالثمن لم ينقض قضاؤه وإن كان على خلاف قاعدة إتلاف المثليات أنه يجب جنسها لأجل ورود النص في ذلك
وأما الثاني فعلى أربعة أنواع الأول ما قضى فيه بمدرك شاذ مخالف لمدرك إمامه الذي لم يثبت عند جميع أصحابه له معارض راجح ومن نظائره أنه لو قضى بصحة نكاح بلا ولي فسخناه لكونه على خلاف قوله عليه الصلاة والسلام أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل ومنها أنه لو قضى باستمرار عصمة من لزمه الطلاق أي الثلاثة بناء على المسألة السريجية نقضناه لكون شرط السريجية لم يجتمع مع مشروطه أبدا فإن تقدم الثلاث لا يجتمع مع لزوم الطلاق بعدها
98
98
القياس الجلي السالم عن المعارض أو قاعدة من القواعد السالمة عن المعارض ولا بد في الجميع من اشتراط السلامة عن المعارض أي المعارض والراجح فإنه لو قضي في عقد الربا بالفسخ لم ينقض قضاؤه وإن كان قضاؤه على خلاف قوله تعالى وأحل الله البيع لأنه عورض بالنصوص الدالة على تحريم الربا وكذلك لو قضي في لبن المصراة بالثمن لم ينقض قضاؤه وإن كان على خلاف قاعدة إتلاف المثليات أن يجب جنسها لأجل ورود النص في ذلك نعم لو قضى بصحة نكاح بغير ولي فسخناه لكونه على خلاف قوله عليه السلام أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل ولو قضى باستمرار عصمة من لزمه الطلاق بناء على المسألة السريجية نقضناه لكونه على خلاف قاعدة أن الشرط قاعدته صحة اجتماعه مع المشروط وشرط السريجية لا يجتمع مع مشروطه أبدا فإن تقدم الثلاث لا يجتمع مع لزوم الطلاق بعدها ونحو ذلك وكذلك لو حكم حدسا وتخمينا من غير مدرك شرعي ينقض إجماعا وهو فسق ممن فعله قاله ابن محرز من أصحابنا
ونقل ابن يونس عن عبد الملك أنه قال ينتقض عند مالك قضاء القاضي لمخالفة السنة كالقضاء باستسعاء العبد لعتق بعضه فإن الحديث ورد بأنه لا يستسعى وكالشفعة للجار بعد القسمة لقوله عليه السلام الشفعة فيما لم يقسم أو يحكم بشهادة النصراني لقوله تعالى ذوا عدل منكم أو بميراث العمة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
فكان على خلاف قاعدة صحة اجتماع الشرط مع مشروطه
والنوع الثاني ما قضى فيه بالشاذ المخالف لمدرك إمامه الذي لم يثبت عند جمهور أصحابه له معارض راجح ومن نظائره ما نقله ابن يونس عن عبد الملك أنه قال ينقض عند مالك قضاء القاضي لمخالفة السنة كالقضاء باستسعاء العبد لعتق بعضه فإن الحديث ورد بأنه لا يستسعى وكالشفعة للجار أو بعد القسمة لقوله عليه السلام الشفعة فيما لم يقسم أو يحكم بشهادة النصراني لقوله تعالى ذوا عدل منكم أو بميراث العمة والخالة والمولى الأسفل لقوله عليه السلام ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فلأولى عصبة ذكر وكل ما هو على خلاف عمل أهل المدينة ولم يقل به إلا شذوذ العلماء فإن جمهور الأصحاب على نقضه وخالفهم ابن عبد الحكم
وقال لا تنقض شفعة الجار وما ذكر معه من الفروع لضعف موجب النقض عنده
والنوع الثالث ما قضي فيه بنقض ما لم ينقض ففي النوادر لأبي محمد قال محمد مما ينقض نقض ما لا ينقض فإذا قضى قاض بأن ينقض حكم الأول وهو مما لا ينقض نقض الثالث حكم الثاني لأن نقضه خطأ ويقر الأول وكذلك لو تصرف السفيه الذي تحت حجر القاضي بالبيع والنكاح وغيرهما فرده فجاء قاض ثان فأنفذه نقض الثالث هذا التنفيذ وأقر الأول وكذلك لو فسخ الثاني الحكم بالشاهد واليمين رده الثالث لأن النقض في مواطن الاجتهاد خطأ
99
99
والخالة والمولى الأسفل لقوله عليه السلام ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فلأولى عصبة ذكر وكل ما هو على خلاف عمل المدينة ولم يقل به إلا شذوذ العلماء وخالف ابن عبد الحكم
وقال لا تنقض شفعة الجار وما ذكر معه من الفروع لضعف موجب النقص عنده وجمهور الأصحاب على خلافه وفي النوادر لأبي محمد قال محمد مما ينقض نقض ما لا ينقض فإذا قضى قاض بأن ينقض حكم الأول وهو مما لا ينقض نقض الثالث حكم الثاني لأن نقضه خطأ ويقر الأول وكذلك لو تصرف السفيه الذي تحت حجر القاضي بالبيع والنكاح وغيرهما فرده فجاء قاض ثان فأنفذه نقض الثالث هذا التنفيذ وأقر الأول وكذلك لو فسخ الثاني الحكم بالشاهد واليمين رده الثالث لأن النقض في مواطن الاجتهاد خطأ ونقض الخطأ متعين
القسم الثالث
ما حكم به على خلاف السبب والقسم المتقدم على خلاف الدليل وقد تقدم الفرق بين الأسباب والأدلة والحجاج وأن القضاة يعتمدون الحجاج والمجتهدين يعتمدون الأدلة وأن المكلفين يعتمدون الأسباب فإذا قضى القاضي بالقتل على من لم يقتل أو للبيع على من لم يبع أو الطلاق على من لم يطلق أو الدين على من لم يستدن فهذا قضاء على خلاف الأسباب فإذا اطلع على ذلك وجب نقضه عند الكل إلا قسما منه خالف فيه أبو حنيفة رضي الله عنه وهو ما كان فيه عقد وفسخ فيجعل حكم الحاكم كالعقد فيما لا عقد فيه أو كالفسخ فيما لا فسخ فيه فإذا شهد عنده شاهدا
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
ونقض الخطأ متعين والنوع الرابع ما لو حكم حدسا وتخمينا من غير مدرك شرعي فإنه ينقض إجماعا وهو فسق ممن فعله قاله ابن محرز من أصحابنا
القسم الثالث ما حكم به على خلاف السبب فإذا قضى القاضي بالقتل على من لم يقتل أو بالبيع على من لم يبع أو الطلاق على من لم يطلق أو الدين على من لم يستدن كان قضاء على خلاف الأسباب فإذا اطلع عليه وجب نقضه عند الكل إلا أن أبا حنيفة رضي الله عنه خالف في قسم منه وهو ما كان فيه عقد أو فسخ فيجعل حكم الحاكم كالعقد فيما لا عقد فيه أو كالفسخ فيما لا فسخ فيه فإذا شهد عنده شاهدا زور بطلاق امرأة فحكم بطلاقها جاز لذلك الشاهد أن يتزوجها مع علمه بكذب نفسه لأن حكم الحاكم فسخ لذلك النكاح وإذا شهدا عنده ببيع جارية فحكم ببيعها جاز لكل واحد منهما أن يشتريها ممن حكم له بها ويطأها مع علمه بكذب نفسه لأن حكم الحاكم تنزل منزلة البيع لمن حكم له وهكذا كل ما فيه عقد أو فسخ ووافقنا فيما لا عقد فيه ولا فسخ من الديون وما يجري مجراها فقال إنه باق على ما كان عليه قبل الحكم
وقال إذا قضى بنكاح أخت المقضي له أو ذات محرم فلا تحل له لفوات قبول المحل للنكاح بالمحرمية
وقال إذا تبين أن الشهود عبيد والحكم في عقد نكاح لم ينزل حكمه منزلة العقد لأن الشهادة هنا شرط بخلاف الأموال ولأن الحاكم لم يحكم بالملك بل بالتسليم وهو لا يوجب الملك وهذا هو معنى قول
100
100
زور بطلاق امرأة فحكم بطلاقها جاز لذلك الشاهد أن يتزوجها مع علمه بكذب نفسه لأن حكم الحاكم فسخ لذلك النكاح وكذلك إذا شهد عنده ببيع جارية فحكم ببيعها جاز لكل واحد من تلك البينة أن يشتريها ممن حكم له بها ويطأها هذا الشاهد مع علمه بكذب نفسه لأن حكم الحاكم تنزل منزلة البيع لمن حكم له وكذلك كل ما فيه عقد أو فسخ
وأما الديون وما يجري مجراها مما لا عقد فيه ولا فسخ فيوافقنا فيه وأنه باق على ما كان عليه قبل الحكم وهذا هو معنى قول المالكية والشافعية والحنابلة حكم الحاكم لا يحل حراما ولا يحرم حلالا في نفس الأمر خلافا لأبي حنيفة ووافقنا أبو حنيفة أيضا فيما إذا قضى بنكاح أخت المقضي له أو ذات محرم فإنه لا تحل له لأن المقضي له لو تزوجها لم تحل له ففات قبول المحل
وكذلك وافقنا إذا تبين أن الشهود عبيد والحكم في عقد النكاح وفرق بأن الشهادة شرط ولم توجد في الأموال ولم يحكم الحاكم بالملك بل بالتسليم وهو لا يوجب الملك ولنا قوله عليه السلام أنما أنا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقتطع له قطعة من النار وهو عام في جميع الحقوق وقياسا على الأموال بطريق الأولى لأن الأموال أضعف فإذا لم يؤثر فيها فأولى الفروج احتجوا بقضية هلال بن أمية في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم حين فرق بينه وبين امرأته باللعان قال فإن جاءت به على صفة كذا فهو لشريك فجاءت به على تلك الصفة وتبين الأمر على ما قال
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
المالكية والشافعية والحنابلة حكم الحاكم لا يحل حراما ولا يحرم حلالا في نفس الأمر خلافا لأبي حنيفة وحجتنا أمران الأول قوله عليه السلام إنما أنا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقتطع له قطعة من النار وهو عام في جميع الحقوق
والثاني القياس على الأموال بطريق الأولى لأن الأموال أضعف فإذا لم يؤثر فيها فأولى الفروج وحجتهم خمسة أمور الأول قضية هلال بن أمية في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم حين فرق بينه وبين امرأته باللعان قال فإن جاءت به على صفة كذا فهو لشريك فجاءت به على تلك الصفة وتبين الأمر على ما قال هلال وأن الفرقة لم تكن موجودة ومع ذلك لم يفسخ تلك الفرقة وأمضاها فدل ذلك على أن حكم الحاكم يقوم مقام الفسخ والعقد وجوابه أن الفرقة في اللعان ليست بسبب صدق الزوج بدليل أنه لو قامت البينة بصدقه لم تعد إليه وإنما كانت بسبب أنهما وصلا إلى أسوأ الأحوال في المقابحة بالتلاعن فلم ير الشارع اجتماعهما بعد ذلك لأن الزوجية مبناها السكون والمودة وما تقدم من اللعان يمنع ذلك فعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكذب كالبينة إذا قامت والثاني ما روي عن علي رضي الله عنه أنه ادعى عنده رجل نكاح امرأة وشهد له شاهدان فقضى بينهما بالزوجية فقالت والله يا أمير المؤمنين ما تزوجني فاعقد بيننا عقدا حتى أحل له فقال شاهداك زوجاك فدل ذلك على أن النكاح
101
101
هلال وأن الفرقة لم تكن موجودة ومع ذلك لم يفسخ تلك الفرقة
وأمضاها فدل ذلك على أن حكم الحاكم يقوم مقام الفسخ والعقد وعن علي رضي الله عنه أنه ادعى عنده رجل نكاح امرأة وشهد له شاهدان فقضى بينهما بالزوجية فقالت والله يا أمير المؤمنين ما تزوجت فاعقد بيننا عقدا حتى أحل له فقال شاهداك زوجاك فدل ذلك على أن النكاح ثبت بحكمه ولأن اللعان يفسخ به النكاح وإن كان أحدهما كاذبا فالحكم أولى لأن للحاكم ولاية عامة على الناس في العقود ولأن الحاكم له أهلية العقد والفسخ بدليل أنه لو أوقع العقد على وجه لو فعله المالك نفذ ولأن المحكوم عليه لا يجوز له المخالفة ويجب عليه التسليم فصار حكم الله تعالى في حقه ما حكم به الحاكم
وإن علم خلافه فكذلك غيره قياسا عليه والجواب عن الأول أن الفرقة في اللعان ليست بسبب صدق الزوج بدليل أنه لو قامت البينة بصدقه لم تعد إليه وإنما كانت بسبب أنهما وصلا إلى أسوأ الأحوال في المقابحة بالتلاعن فلم ير الشارع اجتماعهما بعد ذلك لأن الزوجية مبناها السكون والمودة وما تقدم من اللعان يمنع ذلك فعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الكذب وكالبينة إذا قامت وعن الثاني إن صح فلا حجة فيه
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
ثبت بحكمه وجوابه أنه وإن صح فلا حجة له لأنه رضي الله عنه أضاف التزوج للشهود لا لحكمها ومنعها من العقد لما فيه من الطعن على الشهود فأخبرها بأنه زوجها ظاهرا ولم يتعرض للفتيا وما النزاع إلا فيها
والثالث القياس على اللعان فإنه يفسخ به النكاح وإن كان أحدهما كاذبا فالحكم أولى لأن للحاكم ولاية عامة على الناس في العقود وجوابه أن كذب أحدهما لم يتعين باللعان ولم يختص به أما عدم تعيينه فلأنه قد يكون مستنده في اللعان كونه لم يطأها بعد حيضتها مع أن الحامل قد تحيض أو قرائن حالية مثل كونه رأى رجلا بين فخذيها مع أن القرائن قد تكذب كأن يكون ذلك الرجل لم يولج أو أولج وما أنزل وأما عدم اختصاصه باللعان فلأن المتداعيين في النكاح أو غيره قد يكون أحدهما كاذبا فاجرا يطلب ما يعلم خلافه ولا نسلم أن الحكم يقوم مقام الفسخ والعقد بل لما بينا أن التلاعن يمنع الزوجية والرابع أن الحاكم له أهلية العقد والفسخ بدليل أنه لو أوقع العقد على وجه لو فعله المالك نفذ وجوابه أن صاحب الشرع إنما جعل للحاكم العقد للغائب والمحجور عليهم ونحوهم بطريق الوكالة لتعذر المباشرة منهم وها هنا لا ضرورة لذلك والأصل أن يلي كل واحد مصالح نفسه ولا يترك الأصل عند عدم المعارض والخامس أن المحكوم عليه لا يجوز له المخالفة ويجب عليه التسليم فصار حكم الله تعالى في حقه ما حكم له الحاكم وإن علم خلافه فكذلك غيره قياسا عليه وجوابه أن المحكوم عليه إنما حرمت عليه المخالفة لما فيها من مفسدة مشاقة الحكام وانخرام النظام وتشويش نفوذ المصالح
102
102
لأنه رضي الله عنه أضاف التزوج للشهود لا لحكمه ومنعها من العقد لما فيه من الطعن على الشهود فأخبرها بأنه زوجها ظاهرا ولم يتعرض للفتيا وما النزاع إلا فيها وعن الثالث أن كذب أحدهما لم يتعين باللعان ولم يختص به أما عدم تعيينه فلأنه قد يكون مستنده في اللعان كونه لم يطأها بعد حيضتها مع أن الحامل قد تحيض أو قرائن حالية مثل كونه رأى رجلا بين فخذيها وقد يكون الرجل لم يولج أو أولج وما أنزل وبالجملة فالقرائن قد تكذب
وأما عدم اختصاصه باللعان فلأن المتداعيين في النكاح أو غيره قد يكون أحدهما كاذبا فاجرا يطلب ما يعلم خلافه ولا نسلم أن الحكم يقوم مقام الفسخ والعقد بل لما بينا أن التلاعن يمنع الزوجية
وعن الرابع أن صاحب الشرع إنما جعل للحاكم العقد للغائب والمحجور عليهم ونحوهم بطريق الوكالة لتعذر المباشرة منهم وها هنا لا ضرورة لذلك والأصل أن يلي كل واحد مصالح نفسه فلا يترك الأصل عند عدم المعارض
وعن الخامس أن المحكوم عليه إنما حرمت عليه المخالفة لما فيها من مفسدة مشاقة الحكام وانخرام النظام وتشويش نفوذ المصالح وإما مخالفة بحيث لا يطلع عليه حاكم ولا غيره فجائزة القسم الرابع ما تتناوله الولاية وصادف فيه الحجة والدليل والسبب غير أنه متهم فيه
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وأما مخالفته بحيث لا يطلع عليه حاكم ولا غيره فجائزة
القسم الرابع
ما تتناوله الولاية وصادف فيه الحجة والدليل والسبب غير أنه متهم فيه كقضائه لنفسه فإنه يفسخ لأن القاعدة أن التهمة تقدح في التصرفات إجماعا من حيث الجملة وإلا فالتهمة على ثلاث مراتب أعلاها كقضائه لنفسه معتبر إجماعا وأدناها كقضائه لجيرانه وأهل صقعه وقبيلته مردود إجماعا والمتوسط منها مختلف فيه هل يلحق بالأول أو بالثاني وأصلها أي القاعدة المذكورة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين أي متهم قال ابن يونس في الموازية كل من لا تجوز شهادته له لا يجوز حكمه له
وقاله أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم لأن حكم الحاكم لازم للمقضي عليه فهو أولى بالرد من الشهادة لأن فوق الشاهد من ينظر عليه فيضعف الإقدام على الباطل فتضعف التهمة قال ولا يحكم لعمه إلا أن يكون مبرزا وجوزه أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم
وقال عبد الملك لا يحكم لولده الصغير أو يتيمه أو امرأته ويجوز لغير هؤلاء الثلاثة كالأب والابن الكبير وإن امتنعت الشهادة فإن منصب القضاء أبعد عن التهم لوفور جلالة القاضي دون الشاهد
وقال أصبغ إن قال ثبت عندي ولا نعلم أثبت أم لا ولم يحضره الشهود لم ينفذ فإن حضر الشهود وكانت شهادة ظاهرة بحق بين جاز فيما عدا الثلاثة المتقدمة أعني حكمه لولده الصغير أو يتيمه أو امرأته لأن اجتماع هذه الأمور أي حضور الشهود وكون الشهادة ظاهرة وبحق بين تضعف التهمة وهو الفرق بينه وبين الشهادة وعن أصبغ الجواز في الولد والزوجة والأخ والمكاتب والمدبر والمديان إن كان من أهل القيام بالحق وصح الحكم
103
103
كقضائه لنفسه فإنه يفسخ لأن القاعدة أن التهمة تقدح في التصرفات إجماعا من حيث الجملة وهي مختلفة المراتب فأعلى رتب التهمة معتبر إجماعا كقضائه لنفسه وأدنى رتب التهم مردود إجماعا كقضائه لجيرانه وأهل صقعه وقبيلته والمتوسط من التهم مختلف فيه هل يلحق بالأول أو بالثاني وأصلها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين أي متهم قال ابن يونس في الموازية كل من لا تجوز شهادته له لا يجوز حكمه له
وقاله أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم لأن حكم الحاكم لازم للمقضي عليه فهو أولى بالرد من الشهادة لأن فوق الشاهد من ينظر عليه فيضعف الإقدام على الباطل فتضعف التهمة قال ولا يحكم لعمه إلا أن يكون مبرزا وجوزه أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم
وقال عبد الملك لا يحكم لولده الصغير أو يتيمه أو امرأته ويجوز لغير هؤلاء الثلاثة كالأب والابن الكبير وإن امتنعت الشهادة فإن منصب القضاء أبعد عن التهم لوفور جلالة القاضي دون الشاهد
وقال أصبغ فإن قال ثبت عندي ولا نعلم أثبت أم لا ولم يحضره الشهود لم ينفذ فإن حضر الشهود وكانت شهادة ظاهرة بحق بين جاز فيما عدا الثلاثة المتقدمة لأن
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وقد يحكم للخليفة وهو فوقه وتهمته أقوى ولا ينبغي له القضاء بين أحد من عشيرته وخصمه وإن رضي الخصم بخلاف رجلين رضيا بحكم رجل أجنبي فينفذ ذلك عليهما ولا يقضي بينه وبين غيره وإن رضي الخصم بذلك فإن فعل فيشهد على رضاه ويجتهد في الحق فإن قضى لنفسه أو لمن يمتنع قضاؤه له فليذكر القصة كلها ورضي خصمه وشهادة من شهد برضى الخصم
وإذا فعل ذلك في مواطن خلاف العلماء ورأى أفضل منه فالأحسن فسخه فإن مات أو عزل فلا يفسخه غيره إلا في الخطأ البين فإن اجتمع في القضية حقه وحق الله عز وجل كالسرقة قال محمد يقطعه
وقال ابن عبد الحكم يرفعه لمن فوقه وأما ما له فلا يحكم له
القسم الخامس
ما اجتمع فيه أنه تناولته الولاية وصادف السبب والدليل والحجة وانتفت التهمة فيه غير أنه اختلف فيه من جهة الحجة هل هي حجة أم لا وفيه مسألتان المسألة الأولى اتفق جميع الأئمة على جواز حكم الحاكم بعلمه في التجريح والتعديل واختلفوا في منعه فيما عداهما مطلقا وهو مذهبنا ومذهب ابن حنبل وجوازه في ذلك مطلقا وهو مشهور مذهب الشافعي رضي الله عنه
وقال أبو حنيفة لا يحكم في الحدود بما شاهده من أسبابها إلا في القذف ولا في حقوق الآدميين فيما علمه قبل الولاية لنا سبعة وجوه الأول قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أنا بشر مثلكم وإنكم
104
104
اجتماع هذه الأمور تضعف التهمة وهو الفرق بينه وبين الشهادة وعن أصبغ الجواز في الولد والزوجة والأخ والمكاتب والمدبر والمديان إن كان من أهل القيام بالحق وصح الحكم وقد يحكم للخليفة وهو فوقه وتهمته أقوى ولا ينبغي له القضاء بين أحد من عشيرته وخصمه وإن رضي الخصم بخلاف رجلين رضيا بحكم رجل أجنبي فينفذ ذلك عليهما ولا يقضي بينه وبين غيره وإن رضي الخصم بذلك فإن فعل فيشهد على رضاه ويجتهد في الحق فإن قضى لنفسه أو لمن يمتنع قضاؤه فليذكر القصة كلها ورضى خصمه وشهادة من شهد برضى الخصم
وإذا فعل ذلك في مواطن خلاف العلماء ورأى أفضل منه فالأحسن فسخه فإن مات أو عزل فلا يفسخه غيره إلا في الخطأ البين فإن اجتمع في القضية حق الله عز وجل كالسرقة قال محمد يقطعه وقال ابن عبد الحكم يرفعه لمن فوقه وأما ما له فلا يحكم له
القسم الخامس
ما اجتمع فيه أنه تناولته الولاية وصادف السبب والدليل والحجة وانتفت التهمة فيه غير أنه اختلف فيه من جهة الحجة هل هي حجة أم لا وفيه مسألتان المسألة الأولى القضاء بعلم الحاكم عندنا وعند ابن حنبل يمتنع وقال أبو حنيفة لا يحكم في الحدود بما شاهده من أسبابها إلا في القذف ولا في حقوق الآدميين فيما علمه قبل الولاية ومشهور مذهب الشافعي رضي الله عنه جواز الحكم في الجميع واتفق الجميع على جواز حكمه بعلمه في التجريح والتعديل لنا وجوه
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع الحديث فدل ذلك على أن القضاء يكون بحسب المسموع لا بحسب المعلوم
الثاني
قوله صلى الله عليه وسلم شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك فحصر الحجة في البينة واليمين دون علم الحاكم وهو المطلوب
الثالث ما رواه أبو داود من أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا جهم على الصدقة فلاحاه رجل في فريضة فوقع بينهما شجاج فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاهم الأرش ثم قال أفأخطب فأعلم الناس برضاكم قالوا نعم فخطب فأعلم فقالوا ما رضينا فأرادهم المهاجرون والأنصار فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا ونزل فجلسوا إليه فأرضاهم فقال أأخطب الناس فأعلمهم برضاكم قالوا نعم فخطب فأعلم الناس فقالوا رضينا وهو نص في عدم الحكم بالعلم
الرابع ما جاء في الصحيحين في قصة هلال وشريك من قوله صلى الله عليه وسلم إن جاءت به كذا فهو لهلال يعني الزوج وإن جاءت به كذا فهو لشريك ابن سحماء يعني المقذوف فجاءت به على النعت المكروه فقال صلى الله عليه وسلم لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمتها فدل ذلك على أنه لا يقضي في الحدود بعلمه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا حقا
وقد وقع ما قال فيكون العلم حاصلا له ومع ذلك ما رجم وعلل بعدم البينة الخامس قوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة فأمر بجلدهم عند عدم البينة وإن علم صدقهم
السادس أن الحاكم غير معصوم فيتهم بالقضاء بعلمه فلعل المحكوم له ولي أو المحكوم عليه صديق ولا نعلم نحن ذلك فحسمنا المادة صونا لمنصب القضاء عن
105
105
الأول
قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أنا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع الحديث فدل ذلك على أن القضاء يكون بحسب المسموع لا بحسب المعلوم
الثاني قوله صلى الله عليه وسلم شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك فحصر الحجة في البينة واليمين دون علم الحاكم وهو المطلوب الثالث روى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا جهم على الصدقة فلاحاه رجل في فريضة فوقع بينهما شجاج فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاهم الأرش ثم قال أفأخطب الناس فأعلمهم برضاكم قالوا نعم فخطب فأعلم فقالوا ما رضينا فأرادهم المهاجرون والأنصار فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا ونزل فجلسوا إليه فأرضاهم فقال أأخطب الناس فأعلمهم برضاكم قالوا نعم فخطب فأعلم الناس فقالوا رضينا وهو نص في عدم الحكم بالعلم
الرابع جاء في الصحيحين في قصة هلال وشريك إن جاءت به كذا فهو لهلال يعني الزوج وإن جاءت به كذا فهو لشريك ابن سحماء يعني المقذوف فجاءت به على النعت المكروه
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
المتهم
السابع
أن أبا عمر بن عبد البر قال في الاستذكار اتفقوا على أن القاضي لو قتل أخاه لعلمه بأنه قاتل أنه كالقاتل عمدا لا يرث منه شيئا للتهمة واحتجوا بتسعة وجوه أحدها ما في مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى على أبي سفيان بالنفقة بعلمه فقال لهند خذي لك ولولدك ما يكفيك بالمعروف ولم يكلفها البينة وجوابه أن قصة هند فتيا لا حكم لأنه الغالب من تصرفاته صلى الله عليه وسلم لأنه مبلغ عن الله تعالى والتبليغ فتيا لا حكم والتصرف بغيرها قليل فيحمل على الغالب ولأن أبا سفيان كان حاضرا في البلد ولا خلاف أنه لا يقضى على حاضر من غير أن يعرف
وثانيها ما رواه الاستذكار أن رجلا من بني مخزوم ادعى على أبي سفيان عند عمر رضي الله عنه أنه ظلمه حدا في موضع فقال عمر رضي الله عنه إني لأعلم الناس بذلك فقال عمر انهض إلى الموضع فنظر عمر رضي الله عنه إلى الموضع فقال يا أبا سفيان خذ هذا الحجر من ها هنا فضعه ها هنا فقال والله لا أفعل فقال والله لتفعلن فقال لا أفعل فعلاه عمر بالدرة وقال خذه لا أم لك وضعه هنا فإنك ما علمت قديم الظلم فأخذه فوضعه حيث قال واستقبل عمر رضي الله عنه القبلة فقال اللهم لك الحمد إذ لم تمتني حتى غلبت أبا سفيان على رأيه وأذللته لي بالإسلام فاستقبل القبلة أبو سفيان فقال اللهم لك الحمد إذ لم تمتني حتى جعلت في قلبي ما ذللت به لعمر وجوابه أنه من باب إزالة المنكر الذي يحسن من آحاد الناس لا من باب القضاء فلم قلتم إنه من باب القضاء على أنا لو سلمنا أنها واقعة مترددة بين الأمرين لكانت مجملة فلا يستدل بها
وثالثها قوله تعالى كونوا قوامين بالقسط وقد علم القسط فيقوم به وجوابه القول بالموجب فلم قلتم إن الحكم
106
106
فقال صلى الله عليه وسلم لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمتها فدل ذلك على أنه لا يقضي في الحدود بعلمه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا حقا وقد وقع ما قال فيكون العلم حاصلا له ومع ذلك ما رجم وعلل بعدم البينة
الخامس
قوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة فأمر بجلدهم عند عدم البينة وإن علم صدقهم
السادس أن الحاكم غير معصوم فيتهم بالقضاء بعلمه فلعل المحكوم له ولي أو المحكوم عليه صديق ولا نعلم نحن ذلك فحسمنا المادة صونا لمنصب القضاء عن التهم
السابع قال أبو عمر بن عبد البر في الاستذكار اتفقوا على أن القاضي لو قتل أخاه لعلمه بأنه قاتل أنه كالقتل عمدا لا يرث منه شيئا للتهمة في الميراث فنقيس عليه بقية الصور بجامع التهمة احتجوا بوجوه أحدها ما في مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى على أبي سفيان بالنفقة بعلمه فقال لهند خذي لك ولولدك ما يكفيك بالمعروف ولم يكلفها البينة وثانيها ما رواه صاحب الاستذكار أن رجلا من بني مخزوم ادعى على أبي سفيان عند عمر رضي الله عنه أنه ظلمه حدا في موضع فقال عمر رضي الله عنه إني لأعلم الناس بذلك فقال عمر انهض إلى الموضع فنظر عمر رضي الله عنه إلى الموضع فقال يا أبا سفيان خذ هذا الحجر من ها هنا فضعه ها هنا فقال والله لا أفعل
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
بالعلم من القسط بل هو عندنا محرم
ورابعها أنه إذا جاز أن يحكم بالظن الناشئ عن قول البينة فالعلم أولى ومن العجب جعل الظن خيرا من العلم وجوابه أن العلم أفضل من الظن إلا أن استلزامه للتهمة وفساد منصب القضاء أوجب مرجوحيته لأن الظن في القضاء يخرق الأبهة ويمنع من نفوذ المصالح
وخامسها أن التهمة قد تدخل عليه من قبل البينة فيقبل من لا يقبل وجوابه أن التهمة مع مشاركة الغير أضعف بخلاف ما يستقل به وقد تقدم أن التهم كلها ليست معتبرة بل بعضها
وسادسها أن العمل واجب بما نقلته الرواة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فما سمعه المكلف أولى أن يعمل به ويحكم به بطريق الأولى لأن الفتيا تثبت شرعا عاما إلى يوم القيامة والقضاء في فرد لا يتعدى لغيره فخطره أقل وجوابه أن الرواية والسماع والرؤية استوى الجميع لعدم المعارض الذي تقدم ذكره في العلم بخلاف الحكم
وسابعها أنه لو لم يحكم بعلمه لفسق في صور منها أن يعلم ولادة امرأة على فراش رجل فتشهد البينة أنها مملوكته فإن قبل البينة مكنه من وطئها وهي ابنته وهو فسق وإلا حكم بعلمه وهو المطلوب
ومنها أن يعلم قتل زيد لعمرو فتشهد البينة بأن القاتل غيره فإن قبلها وقتله قتل البريء وهو فسق وإلا حكم بعلمه وهو المطلوب
ومنها لو سمعه يطلق ثلاثا فأنكر فشهدت البينة بواحدة فإن قبل البينة مكن من الحرام وهو فسق وإلا حكم بعلمه وهو المطلوب وجوابه أن تلك الصور لم يحكم فيها بعلمه بل ترك الحكم وتركه عند العجز عنه ليس فسقا
107
107
فقال والله لتفعلن فقال لا أفعل فعلاه عمر بالدرة وقال خذه لا أم لك وضعه هنا فإنك ما علمت قديم الظلم فأخذه فوضعه حيث قال فاستقبل عمر رضي الله عنه القبلة فقال اللهم لك الحمد إذ لم تمتني حتى غلبت أبا سفيان على رأيه وأذللته لي بالإسلام فاستقبل القبلة أبو سفيان فقال اللهم لك الحمد إذ لم تمتني حتى جعلت في قلبي ما ذللت لعمر وثالثها قوله تعالى كونوا قوامين بالقسط وقد علم القسط فيقوم به ورابعها أنه إذا جاز أن يحكم بالظن الناشئ عن قول البينة فالعلم أولى ومن العجب جعل الظن خيرا من العلم
وخامسها أن التهمة قد تدخل عليه من قبل البينة فيقبل قول من لا يقبل سادسها أن العمل واجب بما نقلته الرواة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فما سمعه المكلف أولى أن يعمل به ويحكم به بطريق الأولى لأن الفتيا تثبت شرعا عاما إلى يوم القيامة والقضاء في فرد لا يتعدى لغيره فخطره أقل
وسابعها أنه لو لم يحكم بعلمه لفسق في صور منها أن يعلم ولادة امرأة على فراش
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وترك الحكم ليس بحكم وثامنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى فرسا فجحده البائع فقال عليه السلام من يشهد لي فقال خزيمة يا رسول الله أنا أشهد لك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تشهد ولا حضرت فقال خزيمة يا رسول الله تخبرنا عن خبر السماء فنصدقك أفلا نصدقك في هذا فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا الشهادتين فهذا وإن استدل به المالكية على عدم القضاء بالعلم فهو يدل لنا من جهة حكمه عليه السلام لنفسه فيجوز أن يحكم لغيره بعلمه لأنه أبعد في التهمة من القضاء لنفسه بالإجماع وجوابه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حكم لنفسه وليس في الحديث أنه أخذ الفرس قهرا من الأعرابي فقد اختلف هل حكم أم لا وهل جعل شهادة خزيمة بشهادتين حقيقة أو مبالغة فما تعين ما ذكرتموه
وقد ذكر الخطابي أنه عليه السلام إنما سمى خزيمة ذا الشهادتين مبالغة لا حقيقة
وتاسعها القياس على التجريح والتعديل وجوابه أنه قياس مع الفارق لأنه في التجريح أو التعديل يحكم بعلمه نفيا للتسلسل الحاصل إذا لم يحكم به لأنه يحتاج إلى بينة تشهد بالجرح أو التعديل وتحتاج البينة بينة أخرى وهكذا بخلاف صورة النزاع على أن القاضي قال في المعونة قد قيل هذا ليس حكما وإلا لم يتمكن غيره من نقضه بل لغيره ترك شهادته وتفسيقه وإذا لم يكن حكما لا يقاس عليه المسألة الثانية وهي مرتبة على الأولى قال الشيخ أبو الحسن اللخمي إذا حكم بما كان عنده من العلم قبل الولاية أو بعدها في غير مجلس الحكومة أو فيه فللقاضي الثاني نقضه فإن أقر
108
108
رجل فيشهد أنها مملوكته فإن قبل البينة مكنه من وطئها وهي ابنته وهو فسق وإلا حكم بعلمه وهو المطلوب ومنها أن يعلم قتل زيد لعمرو فتشهد البينة بأن القاتل غيره فإن قتله قتل البريء وهو فسق وإلا حكم بعلمه وهو المطلوب ومنها لو سمعه يطلق ثلاثا فأنكر فشهدت البينة بواحدة إن قبل البينة مكن من الحرام وإلا حكم بعلمه وثامنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى فرسا فجحده البائع فقال عليه السلام من يشهد لي فقال خزيمة يا رسول الله أنا أشهد لك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تشهد ولا حضرت فقال خزيمة يا رسول الله تخبرنا عن خبر السماء فنصدقك أفلا نصدقك في هذا فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا الشهادتين فهذا وإن استدل به المالكية على عدم القضاء بالعلم فهو يدل لنا من جهة حكمه عليه السلام لنفسه فيجوز أن يحكم لغيره بعلمه لأنه أبعد في التهمة من القضاء لنفسه بالإجماع وتاسعها القياس على التجريح والتعديل والجواب عن الأول أن قصة هند فتيا لا حكم لأنه الغالب من تصرفاته عليه السلام لأنه مبلغ عن الله تعالى والتبليغ فتيا لا حكم والتصرف بغيرها قليل فيحمل على الغالب ولأن أبا سفيان كان حاضرا في البلد ولا خلاف أنه لا يقضى على حاضر من غير أن يعرف وعن الثاني أنه من باب إزالة المنكر الذي يحسن من آحاد الناس لا من باب القضاء فلم قلتم إنه من باب القضاء ويؤيده أنها
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الخصم بعد جلوسهما للحكومة ثم أنكر فقال مالك وابن القاسم لا يحكم به
وقال سحنون وابن الماجشون يحكم به فلو جحد أحدهما ثم أقر في موضع يقبل ما رجع إليه من حجة أو غيرها بعد الجحود عند مالك وله ذلك عند ابن الماجشون وسحنون قال اللخمي والأول أحسن ولا أرى أن يباح هذا اليوم لأحد من القضاة واختلف إذا حكم فقال محمد أرى أن ينقض حكمه هو نفسه ما كان قاضيا لم يعزل فأما غيره من القضاة فلا أحب له نقضه قال ومعنى قوله ينقضه هو إذا تبين له خلاف القول الأول من رأيه وقيل لا ينقضه لأنه ينتقل من رأي إلى رأي فإن كان ليس من أهل الاجتهاد لم يكن حكمه الأول شيئا وينظر إلى من يقلده فإن كان ممن يرى الحكم بمثل الأول لم ينقضه إلا أن يتبين له أن مثل ذلك يؤدي مع فساد حال القضاة اليوم إلى القضاء بالباطل لأن كلهم حينئذ يدعي العدالة فينقضه لما في ذلك من الذريعة فهذا ضرب من الاجتهاد ا ه
قال الأصل فقد صرح بأن القضاء بالعلم ينقض وإن كان مدركا مختلفا فيه فإن كان المدرك في النقض كونه مدركا مختلفا فيه فالذي ينقض به لا يعتقده فالحكم وقع عنده بغير مدرك والحكم بغير مدرك ينقض فنقضه لذلك فيلزم على هذا نقض الحكم إذا وقع بالشاهد واليمين عند من لا يعتقده
وقد نص على نقضه أبو حنيفة رضي الله عنه وقال هو بدعة أول من قضى به معاوية رضي الله عنه
109
109
واقعة غير مترددة بين الأمرين فتكون مجملة فلا يستدل بها وعن الثالث القول بالموجب فلم قلتم إن الحكم بالعلم من القسط بل هو عندنا محرم وعن الرابع أن العلم أفضل من الظن إلا أن استلزامه للتهمة وفساد منصب القضاء أوجب مرجوحيته لأن الظن في القضاء يخرق الأبهة ويمنع من نفوذ المصالح وعن الخامس أن التهمة مع مشاركة الغير أضعف بخلاف ما يستقل به وقد تقدم أن التهم كلها ليست معتبرة بل بعضها وعن السادس أن الرواية والسماع والرؤية استوى الجميع لعدم المعارض الذي تقدم ذكره في العلم بخلاف الحكم وعن السابع أن تلك الصور لم يحكم فيها بعلمه بل ترك الحكم وتركه عند العجز عنه ليس فسقا وترك الحكم ليس بحكم وعن الثامن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حكم لنفسه وليس في الحديث أنه أخذ الفرس قهرا من الأعرابي فقد اختلف هل حكم أم لا وهل جعل شهادة خزيمة بشهادتين حقيقة أو مبالغة فما تعين ما ذكرتموه وقد ذكر الخطابي أنه عليه السلام إنما سمي خزيمة ذا الشهادتين مبالغة لا حقيقة وعن التاسع أنه يحكم فيه بالعلم نفيا للتسلسل لأنه يحتاج إلى بينة تشهد بالجرح أو التعديل وتحتاج البينة بينة أخرى إلا أن يقبل بعلمه بخلاف صورة النزاع مع أن القاضي قال في المعونة قد قيل هذا ليس حكما وإلا يتمكن غيره من نقضه بل لغيره ترك شهادته وتفسيقه وإذا لم يكن حكما لا يقاس عليه
المسألة الثانية
وهي مرتبة على الأولى
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وليس الأمر كما قال بل أكثر العلماء على القضاء به وكذلك شهادة امرأتين فإن الشافعي لا يجيز الحكم إلا بأربع نسوة والحكم الواقع بشهادة الصبيان عند الشافعي وغيره فإنها مدرك ضعيف مختلف فيه فيتطرق النقض لجميع هذه الأحكام لأن الحكم عند المخالف بغير مدرك وإن كان المستند في نقض القضاء بالعلم ليس كونه مدركا مختلفا فيه وأنا لا نعتقده مدركا بل مستندا لنفي التهمة كما ينقضه إذا حكم لنفسه فلا يشاركه في النقض جميع غيره من المدارك المختلف فيها من هذا الوجه مع أني قد ترجح عندي فيما وضعته في كتاب الأحكام في الفرق بين الفتاوى والأحكام أن القضاء بالمدرك المختلف فيه يرفع الخلاف فيه ويعينه لأن الخلاف في ذلك المدرك موطن اجتهاد فيتعين أحد الطرفين بالحكم فيه كما يتعين أحد الطرفين بالاجتهاد في المسألة نفسها المختلف فيها ا ه
كلام الأصل بلفظه وسلمه وسائر ما قاله في هذا الفرق أبو القاسم بن الشاط ويوضحه قول التسولي على العاصمية إن حكم في مسألة اجتهادية تتقارب فيها المدارك لأجل مصلحة دنيوية فحكمه إنشاء رفع للخلاف فإذا قضى المالكي مثلا بلزوم الطلاق في التي علق طلاقها على نكاحها فقضاؤه إنشاء نص خاص وارد من قبله سبحانه وتعالى في خصوص هذه المرأة المعينة فليس للشافعي أن يفتي فيها بعدم لزوم الطلاق استنادا لدليله العام الشامل لهذه الصورة ولغيرها لأن حكم الحاكم جعله الله تعالى نصا خالصا واردا من
110
110
قال الشيخ أبو الحسن اللخمي إذا حكم بما كان عنده من العلم قبل الولاية أو بعدها في غير مجلس الحكومة أو فيه فللقاضي الثاني نقضه فإن أقر الخصم بعد جلوسهما للحكومة ثم أنكر فقال مالك وابن القاسم لا يحكم به
وقال سحنون وابن الماجشون يحكم به فلو جحد أحدهما ثم أقر في موضع يقبل ما رجع إليه من حجة أو غيرها بعد الجحود عند مالك وله ذلك عند ابن الماجشون وسحنون قال اللخمي والأول أحسن ولا أرى أن يباح هذا اليوم لأحد من القضاة واختلف إذا حكم فقال محمد أرى أن ينقض حكمه هو نفسه ما كان قاضيا لم يعزل فأما غيره من القضاة فلا أحب له نقضه قال ومعنى قوله ينقضه هو إذا تبين له خلاف القول الأول من رأيه وقيل لا ينقضه لأنه ينتقل من رأي إلى رأي فإن كان ليس من أهل الاجتهاد لم يكن حكمه الأول شيئا وينظر إلى من يقلده فإن كان ممن يرى الحكم بمثل الأول لم ينقضه إلا أن يتبين له أن مثل ذلك يؤدي مع فساد حال القضاء اليوم إلى القضاء بالباطل لأن كلهم حينئذ يدعي العدالة فينقضه لما في ذلك من الذريعة فهذا ضرب من الاجتهاد قلت فقد صرح بأن القضاء بالعلم ينقض
وإن كان مدركا مختلفا فيه فإن كان المدرك في النقض كونه مدركا مختلفا فيه فالذي ينقض به لا يعتقده فالحكم وقع عنده بغير مدرك والحكم بغير مدرك ينقض فينقضه لذلك فيلزم على هذا نقض الحكم إذا وقع
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
قبله رفعا للخصومات وقطعا للمشاجرة والقاعدة الأصولية إذا تعارض خاص وعام قدم الخاص نعم للشافعي أن يفتي ويحكم في غيرها بمقتضى دليله كذا لو حكم الشافعي في الصورة المذكورة باستمرار الزوجية بينهما خرجت عن دليل المالكي ولزمه أن يفتي فيها بلزوم النكاح ودوامه وفي غيرها بلزوم الطلاق وهكذا حكمه في مواطن الخلاف كان داخل المذهب أو خارجه وهو معنى قول خليل ورفع الخلاف إلخ قلت وهذا في المجتهد أو المقلد الذي معه في مذهب إمامه من النظر ما يرجح به أحد الدليلين على الآخر
وأما غيرهما فمحجر عليه الحكم بغير المشهور أو الراجح أو ما به العمل فحكمه بذلك إخبار وتنفيذ محض نعم إذا تساوى القولان في الترجيح فحكمه إنشاء رفع للخلاف وخرج باجتهادية حكم حكمه في مواضع الإجماع فإنه إخبار محض لا إنشاء فيه لتعيين الحكم بذلك وثبوته ويقيد التقارب إلخ المدرك الضعيف كالشفعة للجار واستسعاء المعتق بعضه فالحكم بسقوطهما إخبار محض والحكم بثبوتهما ينقض لضعف المدرك عند القائل به ويقيد المصلحة الدنيوية العبادات وتحريم السباع وطهارة الأواني والمياه ونحو ذلك مما اختلف فيه أهل الاجتهاد لا للدنيا بل للآخرة فهذه تدخلها الفتوى فقط إذ ليس للحاكم أن يحكم بأن هذه الصلاة صحيحة أو باطلة بخلاف المنازعة في الأملاك والأوقاف والرهون ونحوها مما اختلفت فيها المصلحة الدنيا
111
111
بالشاهد واليمين عند من لا يعتقده وقد نص على نقضه أبو حنيفة رضي الله عنه
وقال هو بدعة أول من قضى به معاوية رضي الله عنه وليس الأمر كما قال بل أكثر العلماء على القضاء به وكذلك بشهادة امرأتين فإن الشافعي لا يجيز الحكم إلا بأربع نسوة والحكم الواقع بشهادة الصبيان عند الشافعي وغيره فإنها مدرك ضعيف مختلف فيه فيتطرق النقض لجميع هذه الأحكام لأن الحكم عند المخالف بغير مدرك وإن كان المستند في نقض القضاء بالعلم ليس كونه مدركا مختلفا فيه وأنا لا نعتقده مدركا بل مستندا لنفي التهمة كما ننقضه إذا حكم لنفسه فلا يشاركه في النقض غيره من المدارك المختلف فيها من هذا الوجه مع أني قد ترجح عندي فيما وضعته في كتاب الأحكام في الفرق بين الفتاوى والأحكام أن القضاء بالمدرك المختلف فيه يرفع الخلاف فيه ويعينه لأن الخلاف في ذلك المدرك موطن اجتهاد فيتعين أحد الطرفين بالحكم فيه كما يتعين أحد الطرفين بالاجتهاد في المسألة نفسها المختلف فيها فهذه الأقسام الخمسة هي ضابط ما ينتقض من قضاء القاضي وما خرج عن هذه الخمسة لا ينقض وهو ما اجتمع فيه تناول الولاية له والدليل والسبب والحجة وانتفت فيه التهمة ووقع على الأوضاع الشرعية كان مجمعا عليه أو مختلفا فيه
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
وكذا أخذه للزكاة في مواطن الخلاف فهو حكم من جهة أنه تنازع بين الفقراء والأغنياء لا إن أخبر عن نصاب اختلف فيه أنه يوجب الزكاة ففتوى فقط ا ه
المراد بتوضيح ما هو عين ما يأتي للأصل في الفرق بين الفتوى والحكم ويأتي فيه ما لأبي القاسم بن الشاط من البحث فترقب
فائدتان الأولى القول بالموجب بفتح الجيم ما يقتضيه الدليل وبكسرها الدليل وهو عند الأصوليين تسليم مقتضى الدليل مع بقاء النزاع بأن يظهر عدم استلزامه الدليل لمحل النزاع وشاهده أي الدال على اعتباره قوله تعالى ولله العزة ولرسوله في جواب ليخرجن الأعز منها الأذل المحكي عن المنافقين أي صحيح ذلك لكن هم الأذل والله ورسوله الأعز وقد أخرجاهم فقد سلم موجب الدليل ومقتضاه مع بقاء النزاع في الأعز من هو والأذل من هو وليس هو تلقي المخاطب بغير ما يترقب فقط الذي اصطلح عليه أرباب المعاني كما في جمع الجوامع وشرح المحلي وعطاره وكذا قوله تعالى كونوا قوامين بالقسط مسلم مقتضاه وهو وجوب القيام بالقسط أي العدل مع بقاء النزاع في كون الحكم بالعلم منه أم لا وهو الذي نقوله لأنه محرم عندنا فتنبه قال العطار على محلى جمع الجوامع وجعل الأصوليون القول بالموجب من القوادح لأنه لا ينافي تسليمه ليس المراد تسليم الدليل على مدعي المستدل بل تسليم صحته على خلافه فهو قادح في العلة ا ه
بتوضيح الثانية في شرح التسولي على العاصمية مثل التجريح والتعديل في جواز الحكم بعلمه تأديب من أساء عليه وضرب خصم له إلخ فما يستند فيه لعلمه جنس تحته أنواع ا ه فافهم والله تعالى أعلم

112
112
الفرق الرابع والعشرون والمائتان بين قاعدة الفتوى وقاعدة الحكم
وينبني على الفرق تمكين غيره من الحكم بغير ما قال في الفتيا في مواضع الخلاف بخلاف الحكم اعلم أن العبادات كلها على الإطلاق لا يدخلها الحكم ألبتة بل الفتيا فقط فكل ما وجد فيها من الإخبارات فهي فتيا فقط فليس لحاكم أن يحكم بأن هذه الصلاة صحيحة أو باطلة ولا أن هذا الماء دون القلتين فيكون نجسا فيحرم على المالكي بعد ذلك استعماله بل ما يقال في ذلك إنما هو فتيا إن كانت مذهب السامع عمل بها وإلا فله تركها والعمل بمذهبه ويلحق بالعبادات أسبابها فإذا شهد بهلال رمضان شاهد واحد فأثبته حاكم
هامش أنوار البروق
قال
الفرق الرابع والعشرون والمائتان قاعدة الفتوى وقاعدة الحكم إلى قوله وإلا فله تركها والعمل بمذهبه
قلت ما قاله في ذلك صحيح قال ويلحق بالعبادات أسبابها فإذا شهد بهلال رمضان واحد فأثبته حاكم شافعي ونادى في المدينة بالصوم لا يلزم ذلك المالكي لأن ذلك فتيا لا حكم قلت فيما قاله في ذلك نظر إذ لقائل أنه يقول إنه حكم يلزم جميع أهل ذلك البلد قال وكذلك إذا قال حاكم ثبت عندي أن الدين يسقط الزكاة أو لا يسقطها أو ملك نصاب من الحلي المتخذ لاستعمال مباح سبب وجوب الزكاة فيه أو أنه لا يوجب الزكاة إلى قوله لا في عبادة ولا في سببها ولا شرطها ولا مانعها قلت لقائل أن يقول إنه يلزم غير ذلك الحاكم ممن يخالف مذهبه مذهبه ما بني على ذلك الثبوت كما إذا ثبت عنده أن الدين لا يسقط الزكاة وأراد أخذها ممن يخالف مذهبه مذهبه أنه لا يسوغ له الامتناع من دفعها لا له وكذلك ما أشبه ذلك قال وبهذا يظهر أن الإمام لو قال لا
هامش إدرار الشروق
الفرق الرابع والعشرون والمائتان بين قاعدة الفتوى وقاعدة الحكم
وهو أن كلا منهما وإن كان خبرا عن الله تعالى ويجب على السامع اعتقاد ذلك ويلزم ذلك المكلف من حيث الجملة إلا أن بينهما فرقا من جهتين الجهة الأولى أن الفتوى محض إخبار عن الله تعالى في إلزام أو إباحة والحكم إخبار ما له الإنشاء والإلزام أي التنفيذ والإمضاء لما كان قبل الحكم فتوى فالمفتي مع الله تعالى كالمترجم مع القاضي ينقل عنه ما وجده عنده واستفاده منه بإشارة أو عبارة أو فعل أو تقرير أو ترك والحاكم مع الله تعالى كنائب الحاكم ينفذ ويمضي بين الخصوم ما كان قبل ذلك فتوى وليس بناقل ذلك عن مستنيبه بل مستنيبه قال له أي شيء حكمت به على القواعد فقد جعلته حكمي فكما أن كلا من المترجم عن القاضي ونائب القاضي موافق للقاضي ومطيع له وساع في تنفيذ مراده غير أن
113
113
شافعي ونادى في المدينة بالصوم لا يلزم ذلك المالكي لأن ذلك فتيا لا حكم وكذلك إذا قال حاكم قد ثبت عندي الدين يسقط الزكاة أو لا يسقطها أو ملك نصاب من الحلي المتخذ باستعمال المباح سبب وجوب الزكاة فيه أو أنه لا يوجب الزكاة أو غير ذلك من أسباب الأضاحي والعقيقة والكفارات والنذور ونحوها من العبادات المختلف فيها أو في أسبابها لا يلزم شيء من ذلك من لا يعتقده بل يتبع مذهبه في نفسه
ولا يلزمه قول ذلك القائل لا في عبادة ولا في سببها ولا شرطها ولا مانعها وبهذا يظهر أن الإمام لو قال لا تقيموا الجمعة إلا بإذني لم يكن ذلك حكما وإن كانت مسألة مختلفا فيها هل تفتقر الجمعة إلى إذن السلطان أم لا وللناس أن يقيموا بغير إذن الإمام إلا أن يكون في ذلك
هامش أنوار البروق
تقيموا الجمعة إلا بإذني لم يكن ذلك حكما إلى قوله وقد قاله بعض الفقهاء وليس بصحيح قلت بل هو صحيح كما قال ذلك الفقيه لأنه حكم حاكم اتصل بأمر مختلف فيه فتعين الوقوف عند حكمه والله أعلم
قال بل حكم الحاكم إنما يؤثر إذا أنشأه في مسألة اجتهادية تتقارب فيها المدارك لأجل مصلحة دنيوية فاشتراطي قيد الإنشاء احتراز من حكمه في مواقع الإجماع فإن ذلك إخبار وتنفيذ محض قلت ليس ما قاله من أنه إخبار بصحيح بل هو تنفيذ محض وهو الحكم بعينه إذ لا معنى للحكم إلا التنفيذ ومما يوضح ذلك أنه لو أن حاكما ثبت عنده بوجه الثبوت أن لزيد عند عمرو مائة دينار فأمره أن يعطيه إياها أن ذلك الأمر لا يصح بوجه أن يكون إخبارا وهذا الموضع وما أشبهه من مواقع الإجماع فلا يصح قوله إن مواقع الإجماع لا يدخلها الحكم بل الإخبار بوجه أصلا قال وفي مواقع الخلاف ينشئ حكما وهو إلزام أحد القولين اللذين قيل بهما في المسألة قلت إلزامه أحد القولين هو تنفيذ الحكم وإمضاؤه بعينه قال ويكون إنشاؤه إخبارا خاصا عن الله تعالى في تلك الصورة من ذلك الباب قلت وكيف يكون إنشاء ويكون مع ذلك خبرا وقد تقدم له الفرق بين الإنشاء والخبر هذا ما لا يصح بوجه قال وجعل الله تعالى إنشاءه في مواطن الخلاف نصا ورد من قبله في خصوص تلك الصورة إلى قوله فهذا هو معنى الإنشاء
هامش إدرار الشروق
أحدهما ينقل نقلا محضا من غير اجتهاد له في التنفيذ والإمضاء بين الخصوم والآخر ينفذ ويمضي ما يجتهد فيه من الأحكام على وفق القواعد بين الخصوم كذلك المفتي والحاكم كلاهما مطيع لله تعالى قابل لحكمه غير أن المفتي مخبر محض والحاكم منفذ وممض هذا وتقرير هذه الجهة على ما ذكر هو ما صححه أبو القاسم بن الشاط رحمه الله تعالى قال التسولي على العاصمية ومن قوله ويجب على السامع اعتقاد ذلك إلخ قال قاض لخصمه اتهمه في حكمه أي وهو موافق للقواعد الشرعية لست بمؤمن فقال وبم كفرتني قال له قال تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ا ه
الجهة الثانية أن كل ما يتأتى فيه الحكم تتأتى فيه الفتوى ولا عكس وذلك أن العبادات كلها على الإطلاق لا يدخلها الحكم ألبتة بل إنما تدخلها الفتيا فقط فكل ما وجد بها من الإخبارات فهي فتيا فقط فليس لحاكم أن
114
114
صورة المشاقة وخرق أبهة الولاية وإظهار العناد والمخالفة فتمنع إقامتها بغير أمره لأجل ذلك لا لأنه موطن خلاف اتصل به حكم حاكم وقد قاله بعض الفقهاء
وليس بصحيح بل حكم الحاكم إنما يؤثر إذا أنشأه في مسألة اجتهادية تتقارب فيها المدارك لأجل مصلحة دنيوية فاشتراطي قيد الإنشاء احتراز من حكمه في مواقع الإجماع فإن ذلك إخبار وتنفيذ محض وفي مواقع الخلاف ينشئ حكما وهو إلزام أحد القولين اللذين قيل بهما في المسألة ويكون إنشاؤه إخبارا خاصا عن الله تعالى في تلك الصورة من ذلك الباب وجعل الله تعالى إنشاءه في مواطن الخلاف نصا ورد من قبله في خصوص تلك الصورة كما لو قضى في امرأة علق طلاقها قبل الملك بوقوع الطلاق فيتناول هذه الصورة الدليل الدال على عدم لزوم الطلاق عند الشافعي وحكم المالكي بالنقض ولزوم الطلاق نص خاص
هامش أنوار البروق
قلت لا كلام أشد فسادا من كلامه في هذا الفصل
وكيف يكون إنشاء الحاكم الحكم في مواقع الخلاف نصا خاصا من قبل الله تعالى وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا اجتهد أحدكم فأصاب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد وكيف يصح الخطأ فيما فيه النص من قبل الله تعالى هذا كلام بين الخطأ بلا شك فيه وما تخيل هو أو غيره من ذلك لا يصح ولا حاجة إليه وإنما هو يعين في القضية المعينة أحد القولين أو الأقوال إذا اتصل به حكم الحاكم لما في ذلك من المصلحة في نفوذ الحكم وثباته ولما فيه من المفسدة لو لم ينفذ لا لما قاله من أنه إنشاء من الحاكم موضوع كنص خاص من قبل الله تعالى والله أعلم قال وقولي في مسألة اجتهادية احتراز من موقع الإجماع فإن الحكم هنالك ثابت بالإجماع فيتعذر فيه الإنشاء لتعينه وثبوته إجماعا قلت هذا كلام ساقط أيضا وكما أن الحكم في مواقع الإجماع ثابت بالإجماع فالحكم في مواقع الخلاف ثابت بالخلاف فعلى القول بالتصويب كلاهما حق وحكم الله تعالى وعلى القول بعدم التصويب أحدهما حق وحكم الله تعالى ولكن ثبت العذر للمكلف في ذلك وما أوقعه فيما وقع فيه إلا الاشتراك الذي في لفظ الحكم فإنه يقال الحكم في الطلاق المعلق على النكاح اللزوم للمقلد المالكي ويقال
هامش إدرار الشروق
يحكم أن هذه الصلاة صحيحة أو باطلة ولا أن هذا الماء دون القلتين فيكون بحلول قليل نجاسة فيه لم تغيره نجسا فيحرم على المالكي بعد ذلك استعماله بل ما يقال في ذلك إنما هو فتيا إن كانت مذهب السامع عمل بها وإلا فله تركها والعمل بمذهبه قاله الأصل وصححه ابن الشاط رحمه الله تعالى قال الأصل ويلحق بالعبادات أسبابها فإذا شهد بهلال رمضان شاهد واحد فأثبته حاكم شافعي ونادى في المدينة بالصوم لا يلزم ذلك المالكي لأن ذلك فتيا لا حكم وكذلك إذا قال حاكم قد ثبت عندي أن الدين يسقط الزكاة أو لا يسقطها أو ملك نصاب من الحلي المتخذ لاستعمال مباح سبب لوجوب الزكاة فيه أو أنه لا يوجب الزكاة أو غير ذلك من أسباب الأضاحي والعقيقة والكفارات والنذور ونحوها من العبادات المختلف فيها أو في أسبابها لا يلزم شيء من ذلك من لا يعتقده بل يتبع مذهبه في نفسه
115
115
تختص به هذه المرأة المعينة وهو نص من قبل الله تعالى فإن الله تعالى جعل ذلك للحاكم رفعا للخصومات والمشاجرات وهذا النص الوارد من هذا الحاكم أخص من ذلك الدليل العام فيقدم عليه لأن القاعدة الأصولية أنه إذا تعارض الخاص والعام قدم الخاص على العام فلذلك لا يرجع الشافعي يفتي بمقتضى دليله العام الشامل لجملة هذه القاعدة في هذه الصورة منها لتناولها نص خاص بها مخرج لها عن مقتضى ذلك الدليل العام ويفتي الشافعي بمقتضى دليله العام فيما عدا هذه الصورة من هذه القاعدة
وكذلك لو حكم الشافعي باستمرار الزوجية بينهما خرجت هذه الصورة عن دليل المالكي وأفتى فيه بلزوم النكاح ودوامه وفي غيرها بلزوم الطلاق لأجل ما أنشأه الشافعي من الحكم تقديما للخاص على العام فهذا هو معنى
هامش أنوار البروق
الحكم الذي حكم به الحاكم الفلاني على فلان معلق الطلاق لزوم الطلاق والمراد بالحكم الأول لزوم الطلاق لكل معلق للطلاق من مالكي أو مقلد لمالكي والمراد بالحكم الثاني لزوم الطلاق بإلزام الحاكم المحكوم عليه من مالكي أو غير المالكي والله أعلم
قال وقولي تتقارب مداركها احتراز من الخلاف الشاذ المبني على المدرك الضعيف فإنه لا يرفع الخلاف بل ينقض في نفسه إذا حكم بالفتوى المبنية على المدرك الضعيف قلت للكلام في القول الشاذ والمدرك الضعيف مجال ليس هذا موضعه قال وقولي لأجل مصالح الدنيا احتراز من العبادات كالفتوى بتحريم السباع وطهارة الأواني وغير ذلك مما يكون اختلاف المجتهدين فيه لا للدنيا إلى قوله لا ننقضها وإن كانت الفتوى عندنا على خلافها قلت ما قاله في ذلك صحيح قال ويصير حينئذ مذهبنا قلت لا يصير مذهبنا ولكنا لا ننقضه لمصلحة الأحكام قال ويظهر بهذا التقرير أيضا سر قول الفقهاء إن حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد لا ينقض وأنه يرجع إلى القاعدة الأصولية إلى قوله وغيرها من المستثنيات قلت لا رجوع هنا للقاعدة الأصولية إن كان يعني قاعدة الخاص والعام ولكن يرجع إلى قاعدة
هامش إدرار الشروق
ولا يلزمه قول ذلك القائل لا في عبادة ولا في سببها ولا شرطها ولا مانعها وبهذا يظهر أن الإمام لو قال لا تقيموا الجمعة إلا بإذني لم يكن ذلك حكما وإن كانت مسألة مختلفا فيها هل تفتقر الجمعة إلى إذن السلطان أم لا وللناس أن يقيموها بغير إذن الإمام إلا أن يكون في ذلك صورة المشاقة وخرق أبهة الولاية وإظهار العناد والمخالفة فتمتنع إقامتها بغير أمره لأجل ذلك لا لأنه موطن خلاف اتصل به حكم حاكم وقد قاله بعض الفقهاء وليس بصحيح ا ه بلفظه
قال أبو القاسم بن الشاط رحمه الله تعالى وفيما قاله في ذلك نظر إذ لقائل أن يقول إن حكم الشافعي بثبوت هلال رمضان بشهادة شاهد واحد حكم يلزم جميع أهل البلد وكذلك يلزم غير ذلك الحاكم ممن يخالف مذهبه مذهبه ما بني على ذلك الثبوت كما إذا ثبت عنده أن الدين لا يسقط الزكاة وأراد أخذها ممن يخالف مذهبه مذهبه أنه لا يسوغ له الامتناع من دفعها له
116
116
الإنشاء وقولي في مسألة اجتهادية احتراز من مواقع الإجماع فإن الحكم هنالك ثابت بالإجماع فيتعذر فيه الإنشاء لتعينه وثبوته إجماعا وقولي تتقارب مداركها احتراز من الخلاف الشاذ المبني على المدرك الضعيف فإنه لا يرفع الخلاف بل ينقض في نفسه إذا حكم بالفتوى المبنية على المدرك وقولي لأجل مصالح الدنيا احتراز من العبادات كالفتوى بتحريم السباع وطهارة الأواني وغير ذلك مما يكون اختلاف المجتهدين فيه لا للدنيا بل للآخرة بخلاف الاختلاف في العقود والأملاك والرهون والأوقاف ونحوها إنما ذلك لمصالح الدنيا وبهذا يظهر أن الأحكام الشرعية قسمان منها ما يقبل حكم الحاكم مع الفتيا فيجمع الحكمان ومنها لا يقبل إلا الفتوى ويظهر لك بهذا أيضا تصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وقع هل هو من باب الفتوى أو من باب القضاء والإنشاء وأيضا يظهر أن
هامش أنوار البروق
فقهية وهي أن الحكم إذا نفذ على مذهب ما لا ينقض ولا يرد وذلك لمصلحة الأحكام ورفع التشاجر والخصام قال ويظهر بهذا أيضا أن التقريرات من الحكام ليست أحكاما إلى قوله فهو موكول إلى من يأتي من الحكام والفقهاء قلت ذلك صحيح وأكثره أو كله نقل لا كلام فيه غير أن قول ابن القاسم هو الصحيح عندي والله أعلم
هامش إدرار الشروق
وكذلك ما أشبه وحينئذ فقول الإمام لا تقيموا الجمعة إلا بإذني حكم حاكم اتصل بأمر مختلف فيه فيتعين الوقوف عند حكمه كما قاله ذلك الفقيه فهو الصحيح والله أعلم ا ه
قلت وخالفه ابن فرحون في تبصرته في قوله وحينئذ فقول الإمام إلخ حيث وافق ما نقله عن الشيخ سراج الدين عمر البلقيني رحمه الله تعالى من قوله ولقد عجبت من قاض حضر عند سلطان ووقع الكلام في صحة إقامة الجمعة في جامع بناه ذلك السلطان فلما تكلموا في الخلاف في ذلك قال القاضي نحكم بصحة إقامة الجمعة فيه وهذا الكلام باطل إذ لا يتصور أن يدخل ذلك ولا نحوه تحت الحكم استقلالا ولا تضمنا على الإطلاق لكن يدخل بالنسبة إلى واقعة خاصة من تعليق الطلاق أو غيره على صحة إقامة الجمعة في هذا المكان بالنسبة إلى إلزام الشخص لا مطلقا ا ه
وأما ما يتأتى فيه حكم الحاكم فضبطه الأصل بأربعة قيود فقال إنما يؤثر حكم الحاكم إذا أنشأه في مسألة اجتهادية تتقارب في المدارك لأجل مصلحة دنيوية قال فقيد الإنشاء احتراز من حكمه في مواقع الإجماع فإن ذلك إخبار وتنفيذ محض وأما في مواضع الخلاف فهو ينشئ حكما وهو إلزام أحد القولين اللذين قيل بهما في المسألة ويكون إنشاؤه إخبارا خاصا عن الله تعالى في تلك الصورة من ذلك الباب قد جعل الله تعالى في مواطن الخلاف نصا ورد من قبله في خصوص تلك الصورة فإذا قضى المالكي فيمن مس ذكره بعد وضوءه بنقض وضوئه أو قضى في امرأة علق طلاقها قبل الملك بوقوع الطلاق تناول هذه الصورة الدليل الدال على عدم نقض الوضوء وعدم لزوم الطلاق عند الحنفي والشافعي وكان حكم
117
117
إخبار الحاكم عن نصاب اختلف فيه أنه يوجب الزكاة فتوى وأما أخذه للزكاة في مواطن الخلاف فحكم وفتوى من جهة أنه تنازع بين الفقراء
والأغنياء في المال الذي هو مصلحة دنيوية ولذلك أن تصرفات السعاة والجباة في الزكاة أحكام لا ننقضها وإن كانت الفتوى عندنا على خلافها ويصير حينئذ مذهبنا ويظهر بهذا التقرير أيضا سر قول الفقهاء إن حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد لا ينقض وأنه يرجع إلى القاعدة الأصولية وتصير هذه الصورة مستثناة من تلك الأدلة العامة كاستثناء المصراة والعرايا والمساقاة وغيرها من المستثنيات ويظهر بهذا أيضا أن التقريرات من الحكام ليست أحكاما فتبقى الصورة قابلة لحكم جميع تلك الأقوال المنقولة فيها قال صاحب الجواهر ما قضى به من نقل الأملاك وفسخ العقود فهو حكم فإن لم
هامش أنوار البروق
قال فظهر أيضا من هذه الفتاوى والمباحث أن الفتوى والحكم كلاهما إخبار عن حكم الله تعالى ويجب على السامع اعتقادهما وكلاهما يلزم المكلف من حيث الجملة لكن الفتوى إخبار عن الله تعالى في إلزام أو إباحة والحكم إخبار معناه الإنشاء والإلزام من قبل الله تعالى قلت كيف يكون الإخبار إنشاء وقد فرق هو قبل هذا في أول كتابه بينهما وكيف يكون الحكم إلزاما من قبل الله
هامش إدرار الشروق
المالكي بالنقض ولزوم الطلاق نصا خاصا تختص به هذه المرأة المعينة وهو نص من قبل الله تعالى فإن الله جعل ذلك للحكام رفعا للخصومات والمشاجرات وهذا النص الوارد من هذا الحكم أخص من ذلك الدليل العام فيقدم عليه ويصير حكم المالكي مثلا مذهبا لغيره لأن القاعدة الأصولية تقديم الخاص على العام إذا تعارضا فلذلك لا يرجع الشافعي يفتي بمقتضى دليله العام الشامل لجملة هذه القاعدة في هذه الصورة منها لأنها قد تناولها نص خاص بها مخرج لها عن مقتضى ذلك الدليل العام وإنما يفتي الشافعي بمقتضى دليله العام فيما عدا هذه الصورة من هذه القاعدة
وكذلك إذا حكم الشافعي باستمرار الزوجية بينهما خرجت هذه الصورة عن دليل المالكي ولزمه أن يفتي بها بلزوم النكاح ودوامه وفي غيرها بلزوم الطلاق لأجل ما أنشأه الشافعي من الحكم تقديما للخاص على العام فهذا هو معنى الإنشاء وقيد في مسألة اجتهادية احترازا عن مواقع الإجماع فإن الحكم هنالك ثابت بالإجماع فيتعذر فيه الإنشاء لتعينه وثبوته إجماعا وقيد تتقارب مداركها احترازا من الخلاف الشاذ المبني على المدرك الضعيف فإنه لا يرفع الخلاف بل ينقض في نفسه إذا حكم بالفتوى المبنية على المدرك الضعيف وقيد لأجل مصالح الدنيا احترازا من العبادات كالفتوى بتحريم السباع وطهارة الأواني وغير ذلك مما يكون اختلاف المجتهدين فيه لا للدنيا بل للآخرة بخلاف الاختلاف في العقود والأملاك والرهون والأوقاف ونحوها مما لا يكون إلا لمصالح الدنيا

118
118
يفعل أكثر من تقرير الحادثة لما رفعت إليه كامرأة زوجت نفسها بغير إذن وليها فأقره وأجازه ثم عزل وجاء قاض بعده قال عبد الملك ليس بحكم ولغيره فسخه
وقال ابن القاسم هو حكم لأنه أمضاه والإقرار عليه كالحكم بإجازته فلا ينقض واختاره ابن محرز وقال إنه حكم في حادثة باجتهاده ولا فرق بين أن يكون حكمه فيه بإمضائه أو فسخه أما لو رفع إليه هذا النكاح فقال أنا لا أجيز هذا النكاح بغير ولي من غير أن يحكم بفسخ هذا النكاح بعينه فهذه فتوى وليست بحكم أو رفع إليه حكم بشاهد ويمين فقال أنا لا أجيز الشاهد واليمين فهو فتوى ما لم يقع حكم على عين الحكم قال ولا أعلم في هذا الوجه خلافا قال وإن حكم بالاجتهاد فيما طريقه التحريم والتحليل وليس بنقل ملك لأحد
هامش أنوار البروق
تعالى وهو ممكن الخطأ على ما نص عليه النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي تقدم ذكره هذا ما لا يصح والله أعلم قال وبيان ذلك بالتمثيل أن المفتي مع الله كالمترجم مع القاضي بنقل ما وجده عن القاضي واستفاده منه بإشارة أو عبارة أو فعل أو تقرير أو ترك والحاكم مع الله تعالى كنائب الحاكم ينشئ الأحكام والإلزام بين الخصوم إلى آخر الفرق قلت ما قاله صحيح وما مثل به كذلك إن كان يريد بالإنشاء التنفيذ والإمضاء لما كان قبل الحكم فتوى وإلا فلا والله أعلم
هامش إدرار الشروق
وبهذا يظهر أن الأحكام الشرعية قسمان
الأول
ما يقبل حكم الحاكم مع الفتوى فيجتمع الحكمان والثاني ما لا يقبل إلا الفتوى ويظهر لك بهذا أيضا تصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وقع هل هو من باب الفتوى أو من باب القضاء والإنشاء وأيضا يظهر أن إخبار الحاكم عن نصاب اختلف فيه أنه يوجب الزكاة فتوى وأما أخذه للزكاة في مواطن الخلاف فحكم وفتوى من جهة أنه تنازع بين الفقراء والأغنياء في المال الذي هو مصلحة دنيوية ولذلك أن تصرفات السعاة والجباة في الزكاة أحكام لا ننقضها وإن كانت الفتوى عندنا على خلافها ا ه
ووافقه على هذا الضابط العلامة التسولي في شرحه على العاصمية إلا أنه جعل القيود ثلاثة مستغنيا عن قيد الإنشاء بقيد في مسألة اجتهادية لاتحاد المخرج بكل منهما كما ترشد لذلك عبارة الأصل
وقد تقدمت عبارة التسولي في الفرق الذي قبل هذا فلا تغفل وخالفه العلامة ابن فرحون في تبصرته أولا في كون غير العبادات يدخلها الحكم مطلقا كانت من مواطن الخلاف أو الإجماع فقال إن دخول الحكم في النكاح وتوابعه بالصحة والموجب استقلال واضح وكذا سائر المعاوضات من البيع والقراض والرهن والإجارة والمساقات والقسمة والشفعة والعارية
119
119
الخصمين إلى الآخر ولا فصل خصومة بينهما ولا إثبات عقد ولا فسخه مثل رضاع كبير فيحكم بأنه رضاع محرم
ويفسخ النكاح لأجله فالفسخ حكم والتحريم في المستقبل لا يثبت بحكمه بل هو معرض للاجتهاد أو رفعت إليه امرأة تزوجت في عدتها ففسخ
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الوديعة والحبس والوكالة والحوالة والحمالة والضمان وغير ذلك من أبواب المعاوضات كلها يدخلها الحكم بالصحة وبالموجب فلا نطول بالتمثيل ومنها الصيد فإذا تنازع اثنان في صيد وترافعا إلى الحاكم وتصادقا على فعلين صدرا منهما على الترتيب مثلا أو قامت البينة على ذلك وكان مقتضى مذهب الحاكم أنه للأول أو للثاني فحكم له بأنه المالك كان ذلك حكما مستقلا صحيحا وثابتا في العبادات فقسمها باعتبار دخول الحكم إلى ثلاثة أقسام
الأول
ما يدخله الحكم استقلالا وهو الزكاة والصوم قال أما الزكاة فيدخلها الحكم استقلالا وذلك مثل ما لو حكم حاكم يرى جواز إخراج القيمة في الزكاة بصحة الإخراج أو بموجبه عنده وهو سقوط الفرض بذلك كان الحكم بالصحة والموجب في ذلك سواء وليس للساعي إذا كان ذلك الحكم مخالفا لمذهبه أن يطالب المالك بإخراج الواجب عنده سواء حكم بالصحة أو حكم بالموجب
وأما الصوم فيدخله أيضا وذلك إذا صام الولي الوارث عن الميت وطلب الوصي أن يخرج الطعام فامتنع الوارث منه وترافعا إلى حاكم يرى صحة الصوم عن الميت فحكم بصحته أو بموجبه فليس للوصي أن يخرج الطعام حينئذ ولا أن يطالب الوارث بذلك بخلاف ما قبل الحكم
والثاني ما لا يدخله الحكم استقلالا بل بطريق التضمن فقط وهو الطهارة والصلاة والأضحية قال أما الطهارة فلا يدخلها شيء من الحكم بالصحة ولا بالموجب استقلالا لكن يدخلها الحكم بطريق التضمن كتعليق عتق أو طلاق على طهارة ماء أو نجاسة فإذا ثبت عند الحاكم وقوع الطلاق لوجود الصفة فحكم بصحة الطلاق أو بموجب ما صدر من المعلق لوجود صفته كان ذلك متضمنا للحكم بالنجاسة أو بالطهارة
وأما الصلاة فيدخلها الحكم بالتضمن مثل من صلى المكتوبة بوضوء خال عن النية أو مع وجود مس الذكر لاعتقاده صحة الصلاة مع ذلك فإذا حكم حاكم بعدالة من فعل ذلك والحاكم معتقد صحة ذلك كان حكمه متضمنا صحة وضوءه وعلى هذا قياس الصلاة الخالية عن قراءة الفاتحة وعن الطمأنينة ونحو ذلك وأما الأضحية فهي عبادة لا يدخلها الحكم استقلالا وقد يدخلها بطريق التضمن في التعليق كما تقدم
والثالث ما يدخله الحكم استقلالا وتضمنا وهو الاعتكاف والحج قال أما الاعتكاف فيدخله استقلالا في مسائل منها أنه يقضي للمكاتب على سيده بالاعتكاف اليسير ومنها من اعتكفت بغير إذن زوجها فله منعها وكذلك العبد وكذا لو اعتكف المديان هروبا من أداء الحق فإن الحاكم يرى فيه رأيه ومنها إذا وطئ المعتكف أدبه الحاكم ويدخله تضمنا كما تقدم في الطهارة والصلاة أي مثل ما إذا حكم حاكم بعدالة من اعتكف بدون صوم والحاكم معتقد صحة ذلك الاعتكاف كان حكمه بعدالته متضمنا صحة اعتكافه

120
120
نكاحها وحرمها على زوجها ففسخه حكم دون تحريمها في المستقبل وحكمه بنجاسة ماء أو طعام أو تحريم بيع أو نكاح أو إجارة فهو فتوى ليس حكما على التأبيد وإنما يعتبر من ذلك ما شهده وما حدث بعد ذلك فهو موكول لمن يأتي من الحكام والفقهاء فظهر أيضا من هذه الفتاوي والمباحث أن الفتوى والحكم كلاهما إخبار عن حكم الله تعالى
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وأما الحج فيدخله استقلالا في نحو ما لو فسخ حنبلي حجه إلى عمرة حيث يسوغ عنده ذلك وله زوجة ليس معتقدها ذلك فامتنعت من تمكينه بعد التحلل فارتفعا إلى حاكم حنبلي فحكم عليها بصحة ما فعل زوجها الحنبلي أو بموجب ذلك عنده فهما مستويان ويدخله تضمنا فيما إذا حكم عليها بالتمكين لتضمنه الحكم بصحة ما فعله الزوج وهو نفس الموجب ا ه
قلت ومخالفته في غير العبادات سيتضح لك وجهها وأما مخالفته له في العبادة فلم يظهر وجهها ويخلق ما لا تعلمون وقد صرح بتلخيص بعض كلامه في العبادات وغيرها من كلام البلقيني الشافعي رحمه الله تعالى وبعضه من كلام أهل المذهب فلعل مما لخصه من كلام البلقيني مخالفته للأصل في العبادات فافهم
وأما العلامة المحقق أبو القاسم بن الشاط فنظر في كلامه في مواضع
الأول
قوله إن مواقع الإجماع لا يدخلها الحكم بل الإخبار حيث قال إنه لا يصح بوجه أصلا إذ لا معنى للحكم إلا التنفيذ ومما يوضح ذلك أن الحاكم لو ثبت عنده بوجه الثبوت أن لزيد عند عمرو مائة دينار فأمره أن يعطيه إياها أن ذلك الأمر لا يصح بوجه أن يكون إخبارا وهذا الموضع وما أشبهه من مواقع الإجماع قال وتفريقه بين الحكم في مواقع الإجماع وفي مواقع الخلاف بتعذر الإنشاء في الأول لتعينه وثبوته إجماعا بخلاف الثاني ساقط إذ كما أن الحكم في مواقع الإجماع ثابت بالإجماع فالحكم في مواقع الخلاف ثابت بالخلاف فعلى القول بالتصويب كلاهما حق وحكم الله تعالى وعلى القول بعدم التصويب أحدهما حق وحكم الله تعالى ولكن ثبت العذر للمكلف في ذلك وما أوقعه فيما وقع فيه إلا الاشتراك الذي في لفظ الحكم فإنه يقال الحكم في الطلاق المعلق على النكاح اللزوم للمقلد المالكي ويقال الحكم الذي حكم به الحاكم الفلاني على فلان معلق الطلاق لزوم الطلاق والمراد بالحكم الأول لزوم الطلاق لكل معلق للطلاق من مالكي أو مقلد لمالكي والمراد بالحكم الثاني لزوم الطلاق بإلزام الحاكم المحكوم عليه من مالكي أو غير مالكي ا ه
قلت ويوافقه إطلاق ابن فرحون أن غير العبادات يدخله الحكم مطلقا كما تقدم الموضع الثاني قوله ويكون إنشاؤه إخبارا خاصا عن الله تعالى في تلك الصورة من ذلك الباب حيث قال إنه لا يصح بوجه إذ كيف يكون إنشاء ويكون مع ذلك خبرا وقد تقدم له الفرق بين الإنشاء والخبر الموضع الثالث قوله قد جعل الله تعالى إنشاءه في مواطن الخلاف نصا ورد من قبله في خصوص تلك الصورة إلى قوله فهذا معنى الإنشاء حيث قال لا كلام أشد فسادا من قوله هذا في هذا الفصل إذ كيف يكون إنشاء الحاكم الحكم في مواقع الخلاف نصا خاصا من قبل الله تعالى وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا اجتهد أحدكم فأصاب فله
121
121
ويجب على السامع اعتقادهما وكلاهما يلزم المكلف من حيث الجملة لكن الفتوى إخبار عن الله تعالى في إلزام أو إباحة والحكم إخبار معناه الإنشاء والإلزام من قبل الله تعالى وبيان ذلك بالتمثيل أن المفتي مع الله تعالى كالمترجم مع القاضي ينقل ما وجده عن القاضي واستفاده منه بإشارة أو عبارة أو فعل أو تقرير أو ترك والحاكم مع الله تعالى
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد وكيف يصح الخطأ فيما فيه النص من قبل الله تعالى هذا بين الخطأ بلا شك فيه وما تخيل هو أو غيره من ذلك لا يصح ولا حاجة إليه وإنما هو يعين في القضية المعينة أحد القولين أو الأقوال إذا اتصل به حكم الحاكم لما في ذلك من المصلحة في نفوذ الحكم وثباته ولما فيه من المفسدة لو لم ينفذ لا لما قاله من أنه إنشاء من الحاكم موضوع كنص خاص من قبل الله تعالى وحينئذ فلا يصير حكم الشافعي مثلا مذهبا لنا ولغيرنا من الأحناف والحنابلة ولكنا لا ننقضه ولا رجوع هنا للقاعدة الأصولية التي هي قاعدة الخاص والعام ولكن ما هنا يرجع إلى قاعدة فقهية وهي أن الحكم إذا نفذ على مذهب ما لا ينتقض ولا يرد وذلك لمصلحة الأحكام ورفع التشاجر والخصام قال وللكلام في القول الشاذ والمدرك الضعيف مجال ليس هذا موضعه ا ه
قال وما قاله في الاحتراز بقيد لأجل مصالح الدنيا إلى قوله لا ننقضها وإن كانت الفتوى عندنا على خلافها صحيح ا ه كلام ابن الشاط وحاصله أن ضابط الفتيا أنها مجرد إخبار عن حكم الله تعالى المتعلق بمصالح الآخرة والدنيا يختص لزومه بالمقلد للمذهب المفتى به وضابط الحكم إخبار عن حكم الله المتعلق بمصالح الدنيا وما في معناها من إسناد العبادات فقط وتنفيذ له سواء كان من مواقع الإجماع أو من مواقع الخلاف بحيث لا يخص لزومه بمقلد أي مذهب من المذاهب لكن لا للقاعدة الأصولية من تقديم الخاص على العام إذا تعارضا بل للقاعدة الفقهية وهي أن الحكم إذا نفذ على مذهب لا ينتقض إلخ فالفتيا أعم من الحكم موقعا وأخص لزوما والحكم بالعكس ثم هل يترتب حكمه على قوله حكمت فإذا لم يفعل أكثر من تقرير الحادثة أو سكوته لم يكن حكما وهو قول ابن الماجشون أو لا يتوقف فإذا لم يفعل أكثر من تقرير الحادثة أو سكوته كان حكما وهو قول ابن القاسم قال صاحب الجواهر ما قضي به من نقل الأملاك وفسخ العقود فهو حكم فإن لم يفعل أكثر من تقرير الحادثة لما رفعت إليه كامرأة زوجت نفسها بغير إذن وليها فأقره وأجازه ثم عزل وجاء قاض بعده فقال عبد الملك ليس بحكم ولغيره فسخه
وقال ابن القاسم هو حكم لأنه أمضاه والإقرار عليه كالحكم بإجازته فلا ينقض واختاره ابن محرز وقال إنه حكم في حادثة باجتهاده ولا فرق بين أن يكون حكمه فيها بإمضائه أو فسخه أما لو رفع إليه هذا النكاح فقال أنا لا أجيز هذا النكاح بغير ولي من غير أن يحكم بفسخ هذا النكاح بعينه فهو فتوى وليس بحكم أو رفع إليه حكم بشاهد ويمين فقال أنا لا أجيز الشاهد واليمين فهو فتوى ما لم يقع حكم على عين الحكم قال ولا أعلم في هذا الوجه خلافا قال وإن حكم بالاجتهاد فيما طريقه التحريم والتحليل وليس بنقل ملك لأحد الخصمان إلى الآخر ولا فصل خصومة بينهما
122
122
كنائب الحاكم ينشئ الأحكام والإلزام بين الخصوم وليس بناقل ذلك عن مستنيبه بل مستنيبه قال له أي شيء حكمت به على القواعد فقد جعلته حكمي فكلاهما موافق للقاضي ومطيع له وساع في تنفيذ مواده غير أن أحدهما ينشئ والآخر ينقل نقلا محضا من غير
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وإلاثبات عقد ولا فسخه مثل رضاع كبير فيحكم بأنه رضاع محرم ويفسخ النكاح لأجله فالفسخ حكم والتحريم في المستقبل لا يثبت بحكمه بل هو معرض للاجتهاد أو رفعت إليه امرأة تزوجت في عدتها ففسخ نكاحها وحرمها على زوجها ففسخه حكم دون تحريمهما في المستقبل وحكمه بنجاسة ماء أو طعام أو تحريم بيع أو نكاح أو إجارة فهو فتوى ليس حكما على التأبيد وإنما يعتبر من ذلك ما شاهده وما حدث بعد ذلك فهو موكول لمن يأتي من الحكام والفقهاء ا ه
قال الأصل وقد وضعت في هذا المقصد كتابا سميته الإحكام في الفتاوى والأحكام وتصرف القاضي والإمام وفيه أربعون مسألة في هذا المعنى وذكرت فيه نحو ثلاثين نوعا من تصرفات الحكام ليس فيها حكم ولنقتصر هنا على هذا القدر في هذا الفرق ا ه
قلت وقول ابن محرز أما لو رفع إليه هذا النكاح فقال أنا لا أجيز هذا النكاح إلى قوله ولا أعلم في هذا الوجه خلافا هو قول ابن شاس وتبعه غيره وقال ابن عرفة الظاهر أنه حكم فليس لغيره نقضه قال التسولي على العاصمية وقول ابن عرفة هو الموافق لما مر لأن قوله أنا لا أجيز النكاح بغير ولي إخبار عن رأيه ومعتقده ولا يلزم من ذلك فسخه وإذا لم يلزم بقي ساكتا عنه والسكوت تقرير له وهو حكم عند ابن القاسم لا عند ابن الماجشون ا ه
المراد وظاهر قول الأصل أن التقريرات من الحكام ليست أحكاما فتبقى الصورة قابلة لحكم جميع تلك الأقوال المنقولة فيها أنه اختار قول ابن الماجشون وقال ابن الشاط وقول ابن القاسم هو الصحيح عندي ا ه
فتحصل مما ذكر في هذا الفرق واختاره ابن الشاط أمور الأمر الأول
الفرق بين الفتوى والحكم بأن الفتوى أعم موقعا وأخص لزوما والحكم بالعكس
الأمر الثاني الفرق بين ما يدخله الحكم من أبواب الفقه كالنكاح وتوابعه وسائر المعاوضات وما لا يدخله كالعبادات بأن ما كان متعلقا بمصالح الآخرة لا يدخله بخلاف ما كان متعلقا بمصالح الدنيا فيدخله
الأمر الثالث الفرق بين ألفاظ الحكم التي جرت بها عادة الحكام وبين ما لم تجر به عادتهم لكن على قول ابن الماجشون
وأما على قول ابن القاسم فقال التسولي على العاصمية التي جرت بها عادتهم نحو قوله حكمت بثبوت العقد وصحته فيلزم ذلك وقفا كان العقد أو بيعا أو غيرهما والتي لم تجر بها نحو قوله أسفل الرسم أو على ظهره ورد علي هذا الكتاب فقبلته قبول مثله وألزمت العمل بموجبه أو بمضمونه فليس بحكم لاحتمال عود الضمير في موجبه ومضمونه على الكتاب وأن ما تضمنه من إقرار أو إنشاء ليس بزور مثلا فيكون مراده تصحيح الكتاب وإثبات الحجة فلمن بعده النظر فيه فإن قال حكمت بموجب الإقرار أو الوقف الذي تضمنه الكتاب فهو حكم بصحة ذلك ا ه
وخلاصته أن ما كان نصا في الحكم بصحة الإقرار والإنشاء فهو لفظ الحكم الذي جرت به عادتهم فيلزم وما كان محتملا لصحة مضمون الإقرار ونحوه وصحة مضمون الكتاب
123
123
اجتهاد له في الإنشاء كذلك المفتي والحاكم كلاهما مطيع لله تعالى قابل لحكمه غير أن الحاكم منشئ والمفتي مخبر محض وقد وضعت في هذا المقصد كتابا سميته الإحكام في الفتاوى والأحكام وتصرف القاضي والإمام وفيه أربعون مسألة في هذا المعنى وذكرت فيه نحو ثلاثين نوعا من تصرفات الحاكم ليس فيها حكم ولنقتصر هنا على هذا القدر في هذا الفرق
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
فليس بلفظ الحكم الذي جرت به عادتهم فلا يلزم بل لمن بعده النظر فيه والله سبحانه وتعالى أعلم
فائدة
قال التسولي على العاصمية علما القضاء والفتوى أخص من العلم بالفقه لأن متعلق الفقه كلي من حيث صدق كليته على جزئيات فحال الفقيه من حيث هو فقيه كحال عالم بكبرى قياس الشكل الأول فقط وحال القاضي والمفتي كحال عالم بها مع علمه بصغراه ولا خفاء أن العلم بها أشق وأخص وأيضا فقها القضاء والفتوى مبنيان على إعمال النظر في الصور الجزئية وإدراك ما استملت عليه من الأوصاف الكائنة فيها فيلغي طرديها ويعمل معتبرها قاله ابن عرفة فقوله وأيضا فقها إلخ هو بيان وجه كونهما بعد أن بينه بالمثال
وقوله طرديها أي الأوصاف الطردية التي لا تنبني على وجودها أو فقدها ثمرة وهذا وجه تخطئة المفتين والقضاة لبعضهم بعضا فقد يبني القاضي والمفتي حكمه وفتواه على الأوصاف الطردية المختلفة بالنازلة ويغفل عن أوصافها المعتبرة وأصل ما ذكره ابن عرفة لابن عبد السلام ونصه وعلم القضاء وإن كان أحد أنواع علم الفقه ولكنه يتميز بأمور لا يحسنها كل الفقهاء وربما كان بعض الناس عارفا بفصل الخصام وإن لم يكن له باع في غير ذلك من أبواب الفقه كما أن علم الفرائض كذلك ولا غرابة في امتياز علم القضاء عن غيره من أنواع الفقه وإنما الغرابة في استعمال كليات الفقه وتطبيقها على جزئيات الوقائع وهو عسير فتجد الرجل يحفظ كثيرا من العلم ويفهم ويعلم غيره وإذا سئل عن واقعة ببعض العوام من مسائل الأيمان ونحوها لا يحسن الجواب عنها وللشيوخ في ذلك حكايات نبه ابن سهل أول كتابه على بعضها ا ه
وبه تعلم أن معنى قول خليل في التوضيح وعلم القضاء وإن كان أحد أنواع الفقه لكنه يتميز بأمور لا يحسنها كل الفقهاء وقد يحسنها من لا باع له في الفقه ا ه
هو أنه من لا باع له في حفظ مسائل الفقه لكن معه من الفطنة ما يدخل به الجزئيات تحت كلياتها بخلاف غيره فهو وإن كان كثير الحفظ لمسائله لكن ليس معه من تلك الفطنة شيء كما يرشد إليه كلام ابن عبد السلام ولذلك نقلته برمته وكثير من الحمقاء اغتر بظاهر كلام التوضيح حتى قال إن القضاء صناعة يحسنه من لا شيء معه من الفقه وجرى ذلك على ألسنة كثير منهم واحتجوا بقول ابن عاصم ويستحب العلم فيه والورع مع كونه الحديث للفقه جمع وهو احتجاج ساقط قال ابن رشد ليس العلم الذي هو الفقه في الدين بكثرة الرواية والحفظ إنما هو نور يضعه الله حيث شاء والله أعلم ا ه قلت ومن هذا تعلم حقيقة القاضي التي هي أحد أركان القضاء الستة الآتية فتنبه

124
124
الفرق الخامس والعشرون والمائتان بين قاعدة الحكم وقاعدة الثبوت
اختلف فيهما هل هما بمعنى واحد أو الثبوت غير الحكم والعجب أن الثبوت يوجب في العبادات المواطن التي لا حكم فيها بالضرورة إجماعا فيثبت هلال شوال وهلال رمضان وتثبت طهارة المياه ونجاستها ويثبت عند الحاكم التحريم بين الزوجين بسبب الرضاع والتحليل بسبب العقد ومع ذلك لا يكون شيء من ذلك حكما
وإذا وجد الثبوت بدون الحكم كان أعم من الحكم والأعم من الشيء غيره بالضرورة ثم الذي يفهم من الثبوت هو نهوض الحجة كالبينة وغيرها السالمة من المطاعن فمتى وجد شيء من ذلك يقال في عرف الاستعمال ثبت عند القاضي ذلك وعلى هذا التقدير يوجد الحكم بدون الثبوت أيضا كالحكم بالاجتهاد فيكون كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه وأخص من وجه ثم ثبوت الحجة مغاير للكلام النفساني والإنشائي الذي هو الحكم فيكونان غيرين بالضرورة ويكون الثبوت نهوض الحجة والحكم إنشاء كلام في النفس هو إلزام أو إطلاق يترتب على هذا الثبوت وهذا فرق آخر من جهة أن الثبوت يجب تقديمه على الحكم ومن قال بأن الحكم هو الثبوت لم يتحقق له معنى ما هو الحكم
هامش أنوار البروق
قال
الفرق الخامس والعشرون والمائتان بين قاعدة الحكم وقاعدة الثبوت
قلت ما قاله صحيح وقد يطلق على الثبوت حكم فالأمر في ذلك لفظي والله تعالى أعلم
هامش إدرار الشروق
الفرق الخامس والعشرون والمائتان بين قاعدة الحكم وقاعدة الثبوت
وهو من وجهين الأول أن الثبوت نهوض الحجة كالبينة وغيرها السالمة من المطاعن يعني في ظنه واعتقاده لأنه يستند لعلمه في ذلك قاله التسولي فمتى وجد شيء من ذلك يقال في عرف الاستعمال ثبت عند القاضي ذلك والحكم إنشاء كلام في النفس هو إلزام أو إطلاق يترتب على هذا الثبوت أعني نهوض الحجة فالثبوت مقدم على الحكم فهو غيره قطعا قال التسولي على العاصمية وتعلم منه أن قول القاضي أعلم بثبوته أو باستقلاله أو ثبت عندي ونحوه يكون بعد كمال البينة وقبل الإعذار فيها لأن الإعذار فرع ثبوتها وقبولها فلا يعذر للخصم في شيء لم يثبت عنده وفعله جهل إذ الإعذار سؤال الحاكم من توجه عليه الحكم هل له ما يسقطه ويمتنع سؤاله قبل الأداء والقبول والثبوت ا ه
الوجه الثاني أن كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه وأخص من وجه والأعم من الشيء كذلك غيره بالضرورة وذلك أن الثبوت بالمعنى المذكور يوجد في العبادات والمواطن التي لا حكم فيها بالضرورة إجماعا فيثبت هلال شوال وهلال رمضان وتثبت طهارة المياه ونجاستها ويثبت عند الحاكم التحريم بين الزوجين بسبب الرضاع والتحلل بسبب العقد ومع ذلك لا يكون شيء من ذلك حكما والحكم أيضا يوجد بدون الثبوت كالحكم بالاجتهاد ويجتمعان فيما عدا ما ذكر قاله الأصل قال
125
125
الفرق السادس والعشرون والمائتان بين قاعدة ما يصلح أن يكون مستندا في التحمل وبين قاعدة ما لا يصلح أن يكون مستندا قال صاحب المقدمات كل من علم شيئا بوجه من الوجوه الموجبة للعلم يشهد به
هامش أنوار البروق
قال الفرق السادس والعشرون والمائتان بين قاعدة ما يصلح أن يكون مستندا في التحمل وبين قاعدة ما لا يصلح أن يكون إلى قوله فهذا مدرك التنازع قلت أكثر ما قال نقل وما قاله فيه صحيح قال تنبيهه إلى آخر الفرق قلت ما قاله من أن الشاهد في أكثر الشهادات لا يشهد إلا بالظن
هامش إدرار الشروق
أبو القاسم بن الشاط ما قاله صحيح نعم قد يطلق على الثبوت حكم فالخلاف فيهما هل هما بمعنى واحد أو الثبوت غير الحكم لفظي والله تعالى أعلم ا ه
بتوضيح قلت وقوله نعم قد يطلق إلخ أي بناء على قول ابن القاسم بأن تقريره الحادثة أو سكوته ونحو ذلك حكم كما تقدم فافهم
تتمة التنفيذ غير الثبوت والحكم وذلك أنه إن كان تنفيذ حكم غيره فإما أن يوافقه في المذهب ويقول في تنفيذ حكمه ثبت عندي أنه ثبت عند فلان من الحكم كذا فهذا ليس حكما من المنفذ ألبتة وكذا إذا قال ثبت عندي أن فلانا حكم بكذا وكذا ألا ترى أنه يصح منه أن يقول ذلك ولو اعتقد أن ذلك على خلاف الإجماع لأن التصرف الفاسد والحرام قد يثبت عند الحاكم ليرتب عليه موجب ذلك وحينئذ فلا يعتد بكثرة الإثبات عند الحكام فهو كله كحكم واحد وهو راجع إلى الحاكم الأول إلا أن يقول الثاني حكمت بما حكم به الأول وألزمت بموجبه ومقتضاه وإما أن يخالفه في المذهب ففي كونه يقف عن تنفيذه وإبطاله لأنه إن نفذه وألزم المحكوم عليه ما فيه ألزمه ما لا يرى أنه الحق عنده أو كونه ينفذه ويلزم المحكوم عليه ما تضمنه الحكم لأن توقفه عن إنفاذه كإبطاله
وقد قلنا إنه ممنوع من نقض الأحكام المجتهد فيها وإن كان تنفيذ حكم نفسه كان معناه الإلزام بالحبس وأخذ المال بيد القوة ودفعه لمستحقه وتخليص سائر الحقوق وإيقاع الطلاق على من يجوز له إيقاعه عليه ويجوز ذلك وهو غير الثبوت والحكم فالثبوت هو الرتبة الأولى والحكم هو الرتبة الوسطى والتنفيذ هو الرتبة الثالثة وليس كل الحكام لهم قوة التنفيذ لا سيما للحاكم الضعيف القدرة على الجبابرة فهو ينشئ الإلزام ولا يخطر له تنفيذه لتعذر ذلك عليه فالحاكم من حيث هو حاكم ليس له إلا الإنشاء وأما قوة التنفيذ فأمر زائد على كونه حاكما ألا ترى أن المحكم ليس له قوة التنفيذ ا ه
ملخصا من ابن فرحون والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق السادس والعشرون والمائتان بين قاعدة ما يصلح أن يكون مستندا في التحمل وبين قاعدة ما لا يصلح أن يكون مستندا وهو أن ما يصلح أن يكون مستندا في التحمل أحد أمرين الأمر الأول العلم واليقين قال صاحب المقدمات كل من علم شيئا بوجه من الوجوه الموجبة للعلم يشهد به قال ومدارك العلم أربعة العقل
126
126
فلذلك صحت شهادة هذه الأمة لنوح عليه السلام ولغيره على أممهم بإخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وصحت شهادة خزيمة
ولم يحضر شراء الفرس ومدارك العلم أربعة العقل وأحد الحواس الخمس والنقل المتواتر والاستدلال فتجوز الشهادة بما علم بأحد هذه الوجوه وشهادة خزيمة كانت بالنظر والاستدلال ومثله شهادة أبي هريرة أن رجلا قاء خمرا فقال له عمر تشهد أنه شربها قال أشهد أنه قاءها فقال عمر رضي الله عنه ما هذا التعمق فلا وربك ما قاءها حتى شربها ومنها شهادة الطبيب بقدم العيب والشهادة بالتواتر كالنسب وولاية القاضي وعزله وضرر الزوجين والأصل في الشهادة العلم واليقين لقوله وما شهدنا إلا بما علمنا وقوله
هامش أنوار البروق
الضعيف غير صحيح وإنما يشهد بأن زيدا ورث الموضع الفلاني مثلا أو اشتراه جازما بذلك لا ظانا واحتمال كونه باع ذلك الموضع لا تتعرض له شهادة الشاهد بالجزم لا في نفيه ولا في إثباته ولكن تتعرض له بنفي العلم ببيعه أو خروجه عن ملكه على الجملة فما توهم أنه مضمن الشهادة ليس كما توهم فهذا التنبيه غير صحيح والله تعالى أعلم
هامش إدرار الشروق
وإحدى حواس الخمس والنقل المتواتر والاستدلال فتجوز الشهادة بما علم بأحد هذه الوجوه قال وشهادة هذه الأمة لنوح عليه السلام ولغيره على أممهم بإخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك أي فهي من قبيل الشهادة بالنقل المتواتر كشهادة النسب وولاية القاضي وعزله وضرر الزوجين قال وصحت شهادة خزيمة ولم يحضر شراء الفرس أي شراء رسول الله صلى الله عليه وسلم الفرس من خصمه المنكر ذلك لأنها كانت بالنظر والاستدلال كشهادة أبي هريرة أن رجلا قاء خمرا فقال له عمر تشهد أنه شربها
قال أشهد أنه قاءها فقال عمر رضي الله عنه ما هذا التعمق فلا وربك ما قاءها حتى شربها
وكشهادة الطبيب بعدم العيب
الأمر الثاني الظن القريب من اليقين قال صاحب الجواهر ما لا يثبت بالحس بل بقرائن الأحوال كالإعسار يدرك بالخبرة الباطنة بقرائن كالصبر على الجوع والضرر فيكفي فيه الظن القريب من اليقين
وأما اختلاف العلماء في شهادة الأعمى وشهادة البصير على الخط ونحو ذلك فليس خلافا في الشهادة بالظن بل الكلام في ذلك في تحقيق مناط فالمالكية يقولون الأعمى قد يحصل له القطع بتمييز بعض الأقوال فيشهد بها ويحصل للبصير القطع ببعض الخطوط فيشهد بها فما شهد إلا بالعلم والشافعية يقولون لا يحصل العلم في ذلك لالتباس الأصوات وكثرة التزوير في الخطوط فهذا هو مدرك التنازع بينهم قال الأصل والأصل في الشهادة العلم واليقين لقوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف عليهم السلام وما شهدنا إلا بما علمنا وقوله تعالى إلا من شهد بالحق وهم يعلمون وقوله عليه السلام على مثل هذا فاشهد أي مثل الشمس فهذا ضابط ما يجوز التحمل في الشهادة به وقد يجوز بالظن والسماع قال صاحب القبس ما اتسع أحد في
127
127
تعالى إلا من شهد بالحق وهم يعلمون وقوله عليه السلام على مثل هذا فاشهد أي مثل الشمس فهذا ضابط ما يجوز التحمل في الشهادة به وقد يجوز بالظن والسماع قال صاحب القبس ما اتسع أحد في شهادة السماع كاتساع المالكية في مواطن كثيرة الحاضر منها على الخاطر خمسة وعشرون موضعا الأحباس الملك المتقادم الولاء النسب الموت الولاية العزل العدالة الجرحة ومنع سحنون ذلك فيهما قال علماؤنا وذلك إذا لم يدرك زمان المجروح والمعدل فإن أدرك فلا بد من العلم الإسلام الكفر الحمل الولادة الترشيد السفه الصدقة الهبة البيع في حالة المتقادم الرضاع النكاح الطلاق الضرر الوصية إباق العبد الحرابة وزاد بعضهم البنوة والأخوة وزاد العبدي في الحرية القسامة فهذه مواطن رأى الأصحاب أنها مواطن ضرورة فيجوز تحمل الشهادة بالظن الغالب
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
شهادة السماع كاتساع المالكية في مواطن كثيرة الحاضر منها على الخاطر خمسة وعشرون موضعا الأحباس الملك المتقادم الولاء النسب الموت الولاية العزل العدالة الجرحة ومنع سحنون ذلك فيهما قال علماؤنا وذلك إذا لم يدرك زمان المجروح والعدل فإن أدرك فلا بد من العلم الإسلام الكفر الحمل الولادة الترشيد السفه الصدقة الهبة البيع في حاله المتقادم الرضاع النكاح الطلاق الضرر الوصية إباق العبد الحرابة وزاد بعضهم البنوة والأخوة وزاد العبدي في الحرية القسامة فهذه مواطن أرى الأصحاب أنها مواطن ضرورة فيجوز تحمل الشهادة بالظن الغالب انتهى بلفظه قال التاودي على العاصمية وترجع شهادة السماع كما في المتيطي للشهادة التي توجب الحق مع اليمين
ابن عرفة هي لقب لما يصرح فيه الشاهد باستناد شهادته لسماع من غير معين فتخرج شهادة البت والنقل أي لأن المنقول عنه في شهادة النقل معين قال ابن فرحون عن ابن رشد وشهادة السماع لها ثلاث مراتب المرتبة الأولى تفيد العلم وهي المعبر عنها بالتواتر كالسماع بأن مكة موجودة فهذه بمنزلة الشهادة بالمروية وغيرها مما يفيد العلم
المرتبة الثانية شهادة الاستفاضة وهي تفيد ظنا يقرب من القطع ويرتفع عن السماع مثل الشهادة بأن نافعا مولى ابن عمر وأن ابن عبد الرحمن هو ابن القاسم والهلال إذا رآه الجم الغفير من أهل البلد واستفاضة العدالة أو الجرح فيستند لذلك ولا يسأل عن عدالة المشهودين المرتبة الثالثة شهادة السماع وهي التي تكلم عليها الفقهاء وهي المرادة هنا والكلام عليها في صفتها وفي محالها وفي شروطها فأما صفتها فقال ابن عرفة والباجي شرط شهادة السماع أن يقولوا سمعنا سماعا فاشيا من أهل العدل وغيرهم وإلا لم تصح قاله ابن حبيب عن الأخوين وقاله محمد قالا ولا يسموا من سمعوا منه فإن سموا خرجت من شهادة السماع إلى الشهادة على الشهادة وقاله ابن القاسم وأصبغ وفي اشتراط العدالة في المسموع ثالثها إلا في الرضاع ا ه وسيقول الناظم وشرطها استفاضة حيث لا يحضر من عنه السماع نقلا مع السلامة من ارتياب يفضي إلى تغليط أو إكذاب ويكتفى فيها بعدلين على ما تابع الناس عليه العملا
128
128
قال صاحب الجواهر ما لا يثبت بالحس بل بقرائن الأحوال كالإعسار يدرك بالخبرة الباطنة بقرائن كالصبر على الجوع والضر فيكفي فيه الظن القريب من اليقين وأما اختلاف العلماء في شهادة الأعمى والشهادة على الخط ونحو ذلك فليس خلافا في الشهادة بالظن بل الكلام في ذلك في تحقيق مناط فالمالكية يقولون الأعمى قد يحصل له القطع بتمييز بعض الأقوال فيشهد بها ويحصل للبصير القطع ببعض الخطوط فيشهد بها فما شهد إلا بالعلم والشافعية يقولون لا يحصل العلم في ذلك لالتباس الأصوات وكثرة التزوير في الخطوط فهذا هو مدرك التنازع بينهم
تنبيه اعلم أن قول العلماء لا تجوز الشهادة إلا بالعلم ليس على ظاهره فإن ظاهره يقتضي أنه لا يجوز أن يؤدي إلا ما هو قاطع به وليس كذلك بل يجوز له الأداء بما عنده من الظن الضعيف في كثير من الصور
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وأما محالها وما تقبل فيه ففيه طرق إحداها لعبد الوهاب أنها مختصة بما لا يتغير حاله ولا ينتقل الملك فيه كالموت والنسب والوقف قال وفي قبولها في النكاح قولان الثانية لابن رشد أن فيها أربعة أقوال تصح في كل شيء ألا تصح في شيء
الثالث تجوز في كل شيء إلا في أربعة أشياء النسب والقضاء والنكاح والموت إذ من شأنها أن تستفيض فيشهد فيها على القطع
الرابع عكسه قال أبو محمد صالح ويجمعها قولك فلان ابن فلان القاضي نكح فمات الطريقة الثالثة لابن شاس وابن الحاجب وغير واحد أنها تجوز في مسائل معدودة وقع النص عليها وإياها سلك الناظم فقال وأعملت شهادة السماع في الحمل والنكاح والرضاع والحيض والميراث والميلاد وحال إسلام أو ارتداد والجرح والتعديل والولاء والرشد والتسفيه والإيصاء وفي تملك لملك بيد يقام فيه بعد طول المدد وحبس من حاز من السنين عليه ما يناهز العشرين وعزل حاكم وفي تقديمه وضرر الزوجين من تتميمه وجملة ما ذكره تسعة عشر وهذا فيما عنده وحضره الآن وعدها ابن العربي إحدى وعشرين فقال أيا سائلي عما ينفذ حكمه ويثبت سمعا دون علم بأصله ففي العزل والتجريح والكفر بعده وفي سفه أو ضد ذلك كله وفي البيع والأحباس والصدقات والرضاع وخلع والنكاح وحله وزاد ولده ستة فقال وفي قسمة أو نسبة أو ولاية وموت وحمل والمقر بأهله ومنها الهبات الوصية فاعلمن وملك قديم قد يظن بمثله ومنها ولادات ومنها حرابة ومنها الإباق فليضم بشكله فدونكما عشرين من بعد سبعة تدل على حفظ الفقيه ونبله
129
129
بل المراد بذلك أن يكون أصل المدرك علما فقط فلو شهد بقبض الدين جاز أن يكون الذي عليه الدين قد دفعه فتجوز الشهادة عليه بالاستصحاب الذي لا يفيد إلا الظن الضعيف وكذلك الثمن في البيع مع احتمال دفعه ويشهد بالملك الموروث لوارثه مع جواز بيعه بعد أن ورثه ويشهد بالإجارة ولزوم الأجرة مع جواز الإقالة بعد ذلك بناء على الاستصحاب
والحاصل في هذه الصور كلها إنما هو الظن الضعيف ولا يكاد يوجد ما يبقى فيه العلم إلا القليل من الصور من ذلك النسب والولاء فإنه لا يقبل النقل فيبقى العلم على حاله ومن ذلك الشهادة بالإقرار فإنه إخبار عن وقوع النطق في الزمن الماضي وذلك لا يرتفع ومن ذلك الوقف إذا حكم به حاكم أما إذا لم يحكم به حاكم فإن الشهادة إنما يحصل فيها الظن فقط إذا شهد بأن هذه الدار وقف لاحتمال أن يكون حاكم حنفي حكم بنقضه فتأمل هذه المواطن فأكثرها إنما
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
أبي نظم العشرين من بعد واحد وأتبعتها ستا تماما لفعله وزاد ابن عبد السلام خمسة ونظمها بعضهم فقال وقد زيد فيها الفقر والأسر والملا ولوث وعتق فاظفرن بنقله فصارت لدى عد ثلاثين أتبعت بثنتين فاطلب نصها في محله ونظمها أيضا العبدوسي وذيله ابن غازي بما زاده عليه إلى أن قال في آخره لولا التداخل عند عد الزائد لبلغت خمسين دون واحد ا ه كلام التاودي مع بعض إصلاح
وحذف شرحه لأبيات العاصمية فانظره وأما ما لا يصلح أن يكون مستندا فهو ما عدا الأمرين المذكورين ومنه الظن الضعيف وقول الأصل يجوز للشاهد الأداء بما عنده من الظن الضعيف في كثير من الصور فلو شهد بقبض الدين جاز أن يكون الذي عليه الدين قد دفعه فتجوز الشهادة عليه بالاستصحاب الذي لا يفيد إلا الظن الضعيف وكذلك الثمن في البيع مع احتمال دفعه ويشهد بالملك الموروث لوارثه مع جواز بيعه بعد أن ورثه ويشهد بالإجازة ولزوم الأجرة مع جواز الإقالة بعد ذلك بناء على الاستصحاب فالحاصل في هذه الصور كلها إنما هو الظن الضعيف بل لا يكاد يوجد ما يبقى فيه العلم إلا القليل من الصور ومن ذلك النسب والولاء فإنه لا يقبل النقل فيبقى العلم على حاله ومن ذلك الشهادة بالإقرار فإنه إخبار عن وقوع النطق في الزمن الماضي وذلك لا يرتفع ومن ذلك الوقف إذا حكم به حاكم أما إذا لم يحكم به حاكم فإن الشهادة إنما يحصل فيها الظن فقط إذا شهد بأن هذه الدار وقف لاحتمال أن يكون حاكم حنفي حكم بنقضه فتأمل هذه المواطن فأكثرها إنما فيها الظن فقط وإنما العلم في أصل المدرك لا في دوامه فقول العلماء لا تجوز الشهادة إلا بالعلم ليس على ظاهره أنه لا يجوز أن يؤدي إلا ما هو قاطع به بل المراد بذلك أن يكون أصل المدرك علما فقط ا ه بتصرف
قال المحقق أبو القاسم بن الشاط ما قاله من أن الشاهد في أكثر الشهادات لا يشهد إلا بالظن الضعيف غير صحيح وإنما يشهد بأن زيدا ورث الموضع الفلاني مثلا أو اشتراه جازما بذلك لا ظانا واحتمال كونه باع ذلك
130
130
فيها الظن فقط وإنما العلم في أصل المدرك لا في دوامه فقد تلخص الفرق بين ما هو مدرك للتحمل وما ليس بمدرك مع مسبباته والتنبيه على عدده وأنه لا يقتصر فيه على الحواس فقط كما يعتقده كثير من الفقهاء بل لو أفادت القرائن القطع جازت الشهادة بها في جميع الصور
الفرق السابع والعشرون والمائتان بين قاعدة اللفظ الذي يصح أداء الشهادة به وبين قاعدة ما لا يصح أداؤها به
اعلم أن أداء الشهادة لا يصح بالخبر ألبتة فلو قال الشاهد للقاضي أنا أخبرك أيها القاضي بأن لزيد عند عمرو دينارا عن يقين مني وعلم في ذلك لم تكن هذه شهادة بل هذا وعد من الشاهد للقاضي أنه سيخبره بذلك عن يقين فلا يجوز اعتماد القاضي على هذا الوعد ولو قال قد أخبرتك أيها القاضي بكذا كان كذبا لأن مقتضاه تقدم الأخبار
هامش أنوار البروق
قال
الفرق السابع والعشرون والمائتان بين قاعدة اللفظ الذي يصح أداء الشهادة به وبين قاعدة ما لا يصح أداؤها به
قلت هذا الفرق ليس بجار على مذهب مالك رحمه الله فإنه لا يشترط معينات الألفاظ لا في العقود ولا في غيرها وإنما ذلك مذهب الشافعي رضي الله عنه قال اعلم أن أداء الشهادة لا يصح بالخبر ألبتة قلت قد تقدم له في أول فرق من الكتاب حكاية عن الإمام المازري أن الرواية والشهادة خبران ولم ينكر ذلك ولا رده بل جرى في مساق كلامه على قبول ذلك وصحته قال فلو قال الشاهد للقاضي أنا أخبرك أيها القاضي إلى قوله لم تكن هذه شهادة قلت ذلك لقرينة قوله أخبرك ولم يقل أشهد عندك قال بل هذا وعد من الشاهد للقاضي أنه سيخبره بذلك عن
هامش إدرار الشروق
الموضع لا تتعرض له شهادة الشاهد بالجزم لا في نفيه ولا في إثباته ولكن تتعرض له بنفي العلم ببيعه أو خروجه عن ملكه على الجملة فما توهم أنه مضمن الشهادة ليس كما توهم والله تعالى أعلم ا ه
الفرق السابع والعشرون والمائتان بين قاعدة اللفظ الذي يصح أداء الشهادة به وبين قاعدة ما لا يصح أداؤها به
وهو جار على مذهب الشافعي رضي الله عنه من اشتراط ألفاظ معينة في العقود وغيرها لا على مذهب مالك رحمه الله تعالى من عدم اشتراط معينات الألفاظ لا في العقود ولا غيرها وهو على مذهب الشافعي مبني على أن العرف لما وضع في الشهادة المضارع للإخبار الخاص الذي يقصد به فصل القضاء وفي العقود الماضي لإنشائها وفي الطلاق والعتاق الوصف أعني اسمي الفاعل والمفعول لإنشائها صح من الحاكم الاعتماد على المضارع في الشهادة دون غيره لكونه غير صريح فيها عرفا والاعتماد على الصريح هو الأصل ولا يجوز الاعتماد على غير الصريح لعدم تعين المراد منه فلو اتفق أن العوائد تغيرت وصار الماضي موضوعا في الشهادة للإخبار الخاص الذي يقصد به فصل القضاء والمضارع موضوعا في العقود
131
131
منه ولم يقع والاعتماد على الكذب لا يجوز فالمستقبل وعد والماضي كذب وكذلك اسم الفاعل المقتضي للحال كقوله أنا مخبرك أيها القاضي بكذا فإنه إخبار عن اتصافه بالخبر للقاضي وذلك لم يقع في الحال إنما وقع الإخبار عن هذا الخبر فظهر أن الخبر كيفما تصرف لا يجوز للحاكم الاعتماد عليه
وكذلك إذا قال الحاكم للشاهد بأي شيء تشهد قال حضرت عند فلان فسمعته يقر بكذا أو أشهدني على نفسه بكذا أو شهدت بينهما بصدور البيع أو غير ذلك من العقود لا يكون هذا أداء شهادة ولا يجوز للحاكم الاعتماد عليه بسبب أن هذا مخبر عن أمر تقدم فيحتمل أن يكون قد اطلع بعد ذلك على ما منع من الشهادة به من فسخ أو إقالة أو حدوث ريبة للشاهد تمنع الأداء فلا يجوز لأجل هذه الاحتمالات الاعتماد على شيء من ذلك إذا صدر من الشاهد فالخبر كيفما تقلب لا يجوز الاعتماد عليه بل لا بد من إنشاء الأخبار عن الواقعة المشهود بها
هامش أنوار البروق
يقين فلا يجوز اعتماد القاضي على هذا الوعد قلت ومن أين يتعين أنه وعد ولعله إنشاء أخبار فيكون شهادة إذ الشهادة خبر لا سيما إذا كان هنالك قرينة تقتضي ذلك من حضور مطالب وشبه ذلك فما قاله في ذلك غير صحيح قال ولو قال قد أخبرتك أيها القاضي بكذا كان كذبا إلى قوله فالمستقبل وعد والماضي كذب قلت إن كان لم يكن تقدم منه أخبار فذلك كذب كما قال قال وكذلك اسم الفاعل المقتضي للحال كقوله أنا مخبرك أيها القاضي بكذا فإنه إخبار عن اتصافه بالخبر للقاضي وذلك لم يقع في الحال إنما وقع الإخبار عن هذا الخبر
قلت هذا كلام من لا يفهم مقتضى الكلام وكيف لا يكون من يقول للقاضي أنا أخبرك بأن لزيد عند عمرو دينارا مخبرا للقاضي أن لزيد عند عمرو دينارا بل مخبرا بأنه مخبر وهل العبارة عن إخباره عن الخبر إلا عين تلك وهي أنا مخبرك أني مخبرك لا أنا مخبرك بكذا هذا كله تخليط لا يفوه به من يفهم شيئا من مضمنات الألفاظ ومقتضى مساقها قال فظهر أن الخبر كيفما تصرف لا يجوز
هامش إدرار الشروق
لإنشائها جاز للحاكم الاعتماد على ما صار موضوعا في البابين ولا يجوز له الاعتماد على العرف الأول فالفرق بين هذه الألفاظ ناشئ عن العوائد وتابع لها بحيث ينقلب وينفسخ بتغيرها وانتقالها فلا يبقى بعد ذلك خفاء في الفرق بين قاعدة ما يصح أن تؤدى به الشهادة وقاعدة ما لا يصح به أداء الشهادة هذا خلاصة ما صححه أبو القاسم بن الشاط من كلام الأصل هنا وسلمه قلت لكن من حيث جريانه على مذهب الشافعي لا على مذهب مالك رضي الله تعالى عنهما كان على الأصل أن يبدل هذا الفرق بقوله الفرق السابع والعشرون والمائتان بين قاعدة ما يجوز أن يشهد به من النفي وقاعدة ما لا يجوز أن يشهد به منه وهو أنه وإن اشتهر على ألسنة الفقهاء إطلاق عدم قبول الشهادة على النفي إلا أن في قبولها وعدمه تفصيلا يحصل الفرق بين القاعدتين ويظهر به أن قولهم الشهادة على النفي غير مقبولة ليس على عمومه وهو أن النفي ثلاثة أقسام
القسم الأول
نفي يكون معلوما بالضرورة فتجوز الشهادة به اتفاقا كما لو شهد أنه ليس في هذه البقعة التي بين يديه فرس ونحوه فإنه يقطع بذلك وليس مع القطع مطلب آخر
القسم الثاني نفي يكون معلوما بالظن الغالب الناشئ عن الفحص فتجوز الشهادة به في صور منها
132
132
والإنشاء ليس بخبر ولذلك لا يحتمل التصديق والتكذيب
وقد تقدم الفرق بين البابين فإذا قال الشاهد أشهد عندك أيها القاضي بكذا كان إنشاء ولو قال شهدت لم يكن إنشاء عكسه في البيع لو قال أبيعك لم يكن إنشاء للبيع بل إخبارته لا ينعقد به بيع بل وعد بالبيع في المستقبل ولو قال بعتك كان إنشاء للبيع فالإنشاء في الشهادة بالمضارع وفي العقود بالماضي وفي الطلاق بالماضي واسم الفاعل نحو أنت طالق وأنت حر ولا يقع الإنشاء في البيع والشهادة باسم الفاعل ولو قال أنا شاهد عندك بكذا وأنا بائعك بكذا لم يكن إنشاء وسبب الفرق بين هذه المواطن الوضع العرفي فما وضعه أهل العرف للإنشاء كان إنشاء وما لا فلا فاتفقوا أنهم وضعوا للإنشاء الماضي في العقود والمضارع في الشهادة واسم الفاعل في الطلاق والعتاق ولما كانت هذه الألفاظ موضوعة للإنشاء في هذه الأبواب صح من الحاكم اعتماده على
هامش أنوار البروق
للحاكم الاعتماد عليه قلت لم يظهر ما قاله أصلا ولا يصح بوجه ولا حال قال وكذلك إذا قال الحاكم للشاهد بأي شيء تشهد قال حضرت عند فلان فسمعته يقر بكذا وأشهدني على نفسه بكذا أو شهدت بينهما بصدور البيع أو غير ذلك من العقود لا يكون هذا أداء شهادة إلى قوله فالخبر كيفما تقلب لا يجوز الاعتماد عليه قلت إذا لم يكن قول الشاهد حضرت عند فلان فسمعته يقر بكذا أو أشهدني على نفسه بكذا بعد قول القاضي له بأي شيء تشهد شهادة فلا أدري بأي لفظ تؤدى الشهادة وما هذا كله إلا تخليط ووسواس لا يصح منه شيء ألبتة قال بل لا بد من إنشاء الأخبار عن الواقعة المشهود بها قلت يا للعجب وهل إنشاء الأخبار إلا الإخبار بعينه قال والإنشاء ليس بخبر إلى قوله وقد تقدم الفرق بين البابين قلت من هنا دخل عليه الوهم وهو أنه أطلق لفظ الإنشاء على جميع الكلام ومن جملته الخبر
هامش إدرار الشروق
التفليس وحصر الورثة فإن الحاصل فيه إنما هو الظن الغالب لأنه يجوز عقلا حصول المال للمفلس وهو يكتمه وحصول وارث لا يطلع عليه ومنها قول المحدثين ليس هذا الحديث بصحيح بناء على الاستقراء
ومنها قول النحويين ليس في كلام العرب اسم آخره واو قبلها ضمة ونحو ذلك قلت ومرادهم اسم عربي أصالة ليس منقولا من فعل معتل كيدعو ولا من اسم عجمي كمسمند ووقمدوا فافهم والقسم الثالث نفي يعرى عما ذكر من الضرورة والظن الغالب الناشئ عن الفحص نحو أن زيدا ما وفى الدين الذي عليه أو ما باع سلعته ونحو ذلك فهذا هو محمل ما اشتهر على ألسنة الفقهاء لأنه نفي غير منضبط وإنما يجوز في النفي المنضبط قطعا أو ظنا غالبا كما في الأمثلة المتقدمة وكما في نحو أن زيدا لم يقتل عمرا أمس لأنه كان عنده في البيت أو إنه لم يسافر لأنه رآه في البلد فاعلم ذلك ليظهر لك أن قولهم الشهادة على النفي غير مقبولة ليس على عمومه ويظهر لك الفرق بين قاعدة ما يجوز أن يشهد به من النفي وقاعدة ما لا يجوز أن يشهد به منه وحينئذ فيكون حاصل الشهادة باعتبار قصد النفي منها أو الإثبات أنها ثلاثة أقسام القسم الأول ما عرفته من أن المقصود منها مجرد النفي
133
133
المضارع في الشهادة لأنه موضوع له صريح فيه والاعتماد على الصريح هو الأصل ولا يجوز الاعتماد على غير الصريح لعدم تعين المراد منه فإن اتفق أن العوائد تغيرت
وصار الماضي موضوعا لإنشاء الشهادة والمضارع لإنشاء العقود جاز للحاكم الاعتماد على ما صار موضوعا للإنشاء ولا يجوز له الاعتماد على العرف الأول فتلخص لك أن الفرق بين هذه الألفاظ ناشئ عن العوائد وتابع لها وأنه ينقلب وينتسخ بتغيرها وانتقالها فلا يبقى بعد ذلك خفاء في الفرق بين قاعدة ما يصح أن تؤدى به الشهادة وقاعدة ما لا يصح به أداء الشهادة وفي الفرق أربع مسائل
المسألة الأولى
الشهادة قسمان تارة يكون مقصدها مجرد الإثبات فيقتصر عليه نحو أشهد أنه باع ونحوه وتارة يكون المقصود الجمع بين النفي والإثبات وهو الحصر فلا بد من التصريح بهما في العبارة
هامش أنوار البروق
وأطلق لفظ الإنشاء على قسيم الخبر ثم تخيل أنه أطلقهما بمعنى واحد فحكم بأن الإنشاء لا يدخله التصديق والتكذيب وما قاله من أنه لا يدخله ذلك صحيح في الإنشاء الذي هو قسيم الخبر وغير صحيح في الإنشاء الذي هو إنشاء الخبر وأن يكون وعدا بأنه يشهد عنده لا أعلم له ما الخبر
قال فإذا قال الشاهد أشهد عندك أيها القاضي بكذا كان إنشاء قلت وما المانع من أن يكون وعدا بأنه سيشهد عنده لا أعلم له مانعا إلا التحكم بالفرق بين لفظ الخبر ولفظ الشهادة وهذا كله تخليط فاحش قال ولو قال شهدت لم يكن إنشاء عكسه في البيع لو قال أبيعك لم يكن إنشاء إلى قوله ولو قال أنا شاهد عندك بكذا أو أنا بائعك بكذا لم يكن إنشاء قلت لقد كلف هذا الرجل نفسه شططا وألزمها ما لم يلزمها كيف وهو مالكي والمالكية يجيزون العقود بغير لفظ أصلا فضلا عن لفظ معين وإنما يحتاج إلى ذلك الشافعية حيث يشترطون معينات الألفاظ قال وسبب الفرق بين هذه
هامش إدرار الشروق
فيقتصر عليه
والقسم الثاني ما كان المقصود منها مجرد الإثبات فيقتصر عليه نحو أشهد أنه باع نعم قال ابن يونس لو شهدوا بالأرض ولم يحدوها وشهد آخرون بالحدود دون الملك قال مالك تمت الشهادة وقضى بهم لحصول المقصود من المجموع قال ابن حبيب شهدوا بغصب الأرض ولم يحدوها قيل للمدعي حدد ما غصب منك واحلف عليه قال مالك وإن شهدت بالحق وقالت لا نعرف عدده قيل للمطلوب قر بحق واحلف عليه فتعطيه ولا شيء عليك غيره فإن جحد قيل للطالب إن عرفته احلف عليه وخذه فإن قال لا أعرفه أو أعرفه ولا أحلف عليه سجن المطلوب حتى يقر بشيء ويحلف عليه فإن لم يحلف أخذ المقر به وحبس حتى يحلف وإن كان الحق في دار حيل بينه وبينها حتى يحلف ولا يحبس لأن الحق في شيء بعينه قال الباجي في المنتقى وعن مالك رد الشهادة بنسيان العدد وجهله لأنه نقص في الشهادة قال الباجي نسيان بعض الشهادة يمنع من أداء ذلك البعض إلا في عقد البيع والنكاح والهبة والحبس والإقرار ونحوه مما لا يلزم الشاهد حفظه بل مراعاة الشهادة في آخره وكذلك سجلات الحاكم لا يلزم حفظها عند الأداء لأنه يشهد بما علم من تقييد الشهادة والقسم
134
134
قال مالك في التهذيب لا يكفي أنه ابن للميت حتى يقولوا في حصر الورثة لا نعلم له وارثا غيره وكذلك هذه الدار لأبيه أو جده حتى يقولوا ولا نعلم خروجها عن ملكه إلى الموت حتى يحكم بالملك في الحال
فإن قالوا هذا وارث مع ورثة آخرين أعطى هذا نصيبه وترك الباقي بيد المدعى عليه حتى يأتي مستحقه لأن الأصل دوام يده ولأن الغائب قد يقر له بها قال سحنون وقد كان يقول غير هذا وعن ملك ينزع من المطلوب
ويوقف لتيقنها أنها لغيره فإن قالوا لا نعرف عدد الورثة لم يقض لهذا بشيء لعدم تعينه ولا ينظر إلى تسمية الورثة وتبقى الدار بيد صاحب اليد حتى يثبت عدد الورثة لئلا يؤدي لنقض القسمة وتشويش الأحكام
المسألة الثانية
قال صاحب البيان لا تقبل شهادة من يقول فلان وارث أو هذا العبد له ما باع ولا وهب ولا يدري ذلك لأنه جزم بالنفي في غير موضعه بل يقول لا أعلم له
هامش أنوار البروق
المواطن الوضع العرفي إلى قوله وفي الفرق أربع مسائل قلت ما قاله في ذلك كله مبني على مذهب الشافعي وهو مسلم وصحيح إلا قوله أراد الشهادة بالإنشاء لا بالخبر فإنه قد تقدم أن الشهادة خبر وهو الصحيح وتقدم التنبيه على الموضع الذي دخل عليه منه الغلط والوهم والله تعالى أعلم وما قاله في المسائل الأربع صحيح أو نقل لا كلام فيه وكذلك ما قاله في الفرق بعده نقل وترجيح ولا كلام في ذلك
هامش إدرار الشروق
134
الثالث
ما كان المقصود منها الجمع بين النفي والإثبات وهو الحصر فلا بد من التصريح بهما في العبارة قال مالك في التهذيب لا يكفي أنه ابن للميت حتى يقولوا في حصر الورثة لا نعلم له وارثا غيره وكذلك هذه الدار لأبيه أو جده حتى يقولوا ولا نعلم خروجها عن ملكه إلى الموت حتى يحكم بالملك في الحال فإن قالوا هذا وارث مع ورثة آخرين أعطي هذا نصيبه وترك الباقي بيد المدعى عليه حتى يأتي مستحقه لأن الأصل دوام يده ولأن الغائب قد يقر له بها قال سحنون وقد كان يقول غير هذا وعن مالك ينزع من المطلوب ويوقف لتيقنها أنها لغيره فإن قالوا لا نعرف عدد الورثة لم يقض لهذا بشيء لعدم تعينه ولا ينظر إلى تسمية الورثة وتبقى الدار بيد صاحب اليد حتى يثبت عدد الورثة لئلا يؤدي لنقض القسمة وتشويش الأحكام ثم أنه لا بد من الجزم بالنفي في موضعه قال صاحب البيان لا نقبل شهادة من يقول فلان وارث وهذا العبد له ما باع ولا وهب ولا يدري ذلك لأنه جزم بالنفي في غير موضعه نعم قال مالك يكفي أن يقول لا أعلم له وارثا غيره ولا أعلم أنه باع ولا وهب وقال عبد الملك لا يجوز إلا الجزم بأن يقول ما باع ولا وهب لأن الشهادة بغير الجزم لا تجوز قال وقول عبد الملك أظهر
وفي الجواهر لو شهد أنه ملكه بالأمس ولم يتعرض للحال لم يسمع حتى يقول لم يخرج عن ملكه في علمي ولو شهد أنه أقر بالأمس ثبت الإقرار واستصحب موجبه ولو قال للمدعى عليه كان ملكه بالأمس نزع من يده لأنه أخبر عن تحقيق فيستصحب كما لو قال الشاهد هو ملكه بالأمس بشراء من
135
135
وارثا غيره ولا أعلم أنه باع ولا وهب قاله مالك
وقال عبد الملك لا يجوز إلا الجزم بأن يقول ما باع ولا وهب لأن الشهادة بغير الجزم لا تجوز قال وقول عبد الملك أظهر وفي الجواهر لو شهد أنه ملكه بالأمس ولم يتعرض للحال لم يسمع حتى يقول لم يخرج عن ملكه في علمي ولو شهد أنه أقر بالأمس ثبت القرار واستصحب موجبه ولو قال للمدعى عليه كان ملكه بالأمس نزع من يده لأنه أخبر عن تحقيق فيستصحب كما لو قال الشاهد هو ملكه بالأمس بشراء من المدعى عليه ولو شهدوا أنه كان بيد المدعى عليه بالأمس لم يفد حتى يشهدوا أنه ملكه ولو شهدت أنه غصبه جعل المدعي صاحب اليد ولو ادعيت ملكا مطلقا فشهدت بالملك والسبب لم يضر لعدم المنافاة
المسألة الثالثة
قال ابن يونس لو شهدوا بالأرض ولم يحدوها وشهد آخرون بالحدود دون الملك قال مالك تمت الشهادة وقضى بهم لحصول المقصود من المجموع قال ابن حبيب إن شهدت بغصب الأرض ولم يحدوها قيل للمدعي حدد ما غصب منك واحلف عليه قال مالك وإن شهدت بالحق وقالت لا نعرف عدده قيل للمطلوب قر بحق
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
المدعى عليه ولو شهدوا أنه كان بيد المدعى عليه بالأمس لم يفد حتى يشهدوا أنه ملكه ولو شهدت أنه غصبه جعل المدعي صاحب اليد ولو ادعيت ملكا مطلقا فشهدت بالملك والسبب لم يضر لعدم المنافاة هذا تهذيب ما قاله الأصل في المسائل الأربع قال أبو القاسم بن الشاط وما قاله فيها صحيح أو نقل لا كلام فيه ا ه
قلت وأما الشهادة باعتبار ما يكفي منها في المشهور فلابن شاس وابن الحاجب وخليل أنها أربعة أقسام وسموها مراتب عدلان عدل وامرأتان أو أحدهما مع اليمين امرأتان وأما باعتبار ما توجبه فللجزيري في وثائقه وتبعه ابن عاصم في نظمه أنها بالاستقراء خمسة أقسام الأول قال في العاصمية تختص أولاها على التعيين أن توجب الحق بلا يمين والثاني قال في العاصمية ثانية توجب حقا مع قسم في المال أو ما آل للمال تؤم والثالث قال فيها ثالثة لا توجب الحق نعم توجب توقيفا به حكم الحكم والرابع قال فيها رابعة ما تلزم اليمينا لا الحق لكن للمطالبينا والخامس قال فيها خامسة ليس عليها عمل وهي الشهادة التي لا تقبل
136
136
واحلف عليه فتعطيه ولا شيء عليك غيره فإن جحد قيل للطالب إن عرفته احلف عليه وخذه فإن قال لا أعرفه أو أعرفه ولا أحلف عليه سجن المطلوب حتى يقر بالشيء ويحلف عليه فإن لم يحلف عليه أخذ المقر به وحبس حتى يحلف وإن كان الحق في دار حيل بينه وبينها حتى يحلف ولا يحس لأن الحق في شيء بعينه قال الباجي في المنتقى
وعن مالك ترد الشهادة بنسيان العدد وجهله لأنه نقض في الشهادة قال الباجي نسيان بعض الشهادة يمنع من أداء ذلك البعض إلا في عقد البيع والنكاح والهبة والحس الإقرار ونحوه مما لا يلزم الشاهد حفظه بل مراعاة الشهادة في آخره وكذلك سجلات الحاكم لا يلزم حفظها عند الأداء لأنه يشهد بما علم من تقييد الشهادة
المسألة الرابعة
اشتهر على ألسنة الفقهاء أن الشهادة على النفي غير مقبولة وفيه تفصيل فإن النفي قد يكون معلوما بالضرورة أو بالظن الغالب الناشئ عن الفحص وقد يعرى عنهما فهذه ثلاثة أقسام أما القسم الأول فتجوز الشهادة به اتفاقا كما لو شهد أنه ليس في هذه البقعة التي بين يديه أفرس ونحوه فإنه يقع بذلك وليس مع القطع مطلب آخر والثاني نحو الشهادة في صور منها التفليس وحصر الورثة فإن الحاصل فيه إنما هو الظن الغالب لأنه يجوز عقلا حصول المال للمفلس وهو يكتمه وحصول وارث لا يطلع عليه ومن هاهنا قول المحدثين ليس هذا الحديث بصحيح بناء على الاستقراء ومنها قول النحويين ليس في كلام العرب اسم آخره واو قبلها ضمة ونحو ذلك والقسم الثالث نحو أن زيدا ما وفى الدين الذي عليه أو ما باع سلعته ونحو ذلك فإنه نفي غير منضبط وإنما يجوز في النفي المنضبط قطعا أو ظنا
وكذلك يجوز أن زيدا لم يقتل عمرا أمس لأنه كان عنده في البيت أو أنه لم يسافر لأنه رآه في البلد فهذه كلها شهادة صحيحة بالنفي وإنما يمتنع غير المنضبط فاعلم ذلك وبه يظهر أن قولهم الشهادة على النفي غير مقبولة ليس على عمومه ويحصل الفرق بين قاعدة ما يجوز أن يشهد به من النفي وقاعدة ما لا يجوز أن يشهد به منه
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
انظر العاصمية وشراحها والله سبحانه وتعالى أعلم

137
137
لفرق الثامن والعشرون والمائتان بين قاعدة ما يقع به الترجيح بين البينات عند التعارض وقاعدة ما لا يقع به الترجيح
قلت يقع الترجيح بأحد ثمانية أشياء وقع في الجواهر منها أربعة فقال يقع الترجيح بزيادة العدالة وقوة الحجة كالشاهدين يقدمان على الشاهد واليمين واليد عند التعادل وزيادة التاريخ
وقال ابن أبي زيد في النوادر وترجح البينة المفصلة على المجملة والنظر في التفصيل والإجمال مقدم على النظر في الأعدلية فإن استووا في التفصيل والإجمال نظر في الأعدلية ومنها شهادة إحداهما بحوز الصدقة قبل الموت وشهدت الأخرى برؤيته يخدمه في مرض الموت فتقدم بينة عدم الحوز إذ لم تتعرض الأخرى لرد هذا القول السادس قال ابن أبي زيد إن اختصت أحدهما بمزيد الاطلاع كشهادة إحداهما بحوز الرهن والأخرى بعدم الحوز لأنها مثبتة للحوز وهي زيادة اطلاع قاله ابن القاسم وسحنون
وقال محمد يقضي به لمن هو في يده
السابع استصحاب الحال والغالب ومنه شهادة إحداهما أنه أوصى وهو صحيح وشهدت الأخرى أنه أوصى وهو مريض
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الفرق الثامن والعشرون والمائتان بين قاعدة ما يقع به الترجيح بين البينات عند التعارض وقاعدة ما لا يقع به الترجيح
وهو أن ما خرج عن ضابط قاعدة ترجيح البينات لا يقع به الترجيح وما كان داخلا تحت ذلك الضابط يقع به الترجيح وضابط قاعدة ترجيح البينات أنه كل ما تحقق فيه من البينات أحد ثمانية أوجه ثبت ترجيحه عند تعارضها الوجه الأول زيادة العدالة كما في الجواهر وإن منع أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم الترجيح بها محتجين بثلاثة وجوه الأول أن الشهادة مقدرة في الشرع فلا تختلف بالزيادة كالدية لا تختلف بزيادة المأخوذ فيه فدية الصغير الحقير كدية الكبير الشريف العالم العظيم
والثاني أن الجمع العظيم من الفسقة يحصل الظن أكثر من الشاهدين وهو غير معتبر فعلم أنها تعبد لا يدخلها الاجتهاد وكذلك الجمع من النساء والصبيان إذا كثروا والثالث أنه لو اعتبرت زيادة العدالة وهي صفة لاعتبرت زيادة العدد وهي بينات معتبرة إجماعا فيكون اعتبارها أولى من الصفة والعدد غير معتبر فالصفة غير معتبرة وذلك لأن لنا وجهين الأول أن البينة إنما اعتبرت لما تثيره من الظن والظن في الأعدل أقوى لأن مقيم الأعدل أقرب للصدق فيكون هو المعتبر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أحكم بالظاهر فيقدم حينئذ كأخبار الآحاد إذا رجح أحدهما
والثاني أن الاحتياط مطلوب في الشهادة أكثر من الرواية دون الشهادة فإذا كان الاحتياط
138
138
قال ابن القاسم تقدم بينة الصحة لأن ذلك هو الأصل والغالب
وقال سحنون إذا شهدت بأنه زنى عاقلا وشهدت الأخرى بأنه كان مجنونا إن كان القيام عليه وهو عاقل قدمت بينة العقل وإن كان القيام عليه وهو مجنون قدمت بينة الجنون وهو ترجيح بشهادة الحال وهو الثامن
وقال ابن اللباد يعتبر وقت الرؤية لا وقت القيام فلم يعتبر ظاهرا لحال ونقل عن ابن القاسم في إثبات الزيادة إذا شهدت إحداهما بالقتل أو السرقة أو بالزنا وشهدت الأخرى أنه كان بمكان بعيد أنه تقدم بينة القتل ونحوه لأنها مثبتة زيادة ولا يدرأ عنه الحد قال سحنون إلا أن يشهد الجمع العظيم كالحجيج ونحوهم أنه وقف بهم أو صلى بهم العيد في ذلك اليوم فلا يحد لأن هؤلاء لا يشتبه عليهم أمره بخلاف الشاهدين فهذه الثمانية الأوجه هي ضابط قاعدة ترجيح البينات وما خرج عن ذلك لا يقع به الترجيح ووقع الخلاف في هذه الترجيحات بين العلماء فعندنا يقدم صاحب اليد عند التساوي أو هو مع البينة الأعدل كانت الدعوة أو الشهادة بمطلق الملك أو مضافا إلى سبب نحو هو ملكي نسجته أو ولدته الدابة عندي في ملكي كان السبب المضاف إليه الملك يتكرر كنسج الخز وغرس النخل أم لا
وقاله الشافعي وقال ابن حنبل الخارج أولى ولا تقبل بينة صاحب اليد أصلا وقال أبو حنيفة تقدم بينة الخارج إن
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
مطلوبا أكثر في الشهادة وجب أن لا يعدل عن الأعدل والظن أقوى فيها قياسا على الخبر بطريق الأولى والمدرك في هذا الوجه الاحتياط وفي الوجه الأول الجامع إنما هو الظن وإذا اختلفت الجوامع في القياسات تعددت وأما الوجوه التي احتجوا بها فالجواب عن الأول أن وصف العدالة مطلوب في الشهادة وهو موكول إلى اجتهادنا وهو يتزايد في نفسه فما رجحنا في موطن تقدير وإنما رجحنا في موطن اجتهاد
وعن الثاني إنا لا ندعي أن الظن يعتبر كيف كان بل ندعي أن مزيد الظن معتبر في الترجيح بعد حصول أصل معتبر ألا ترى أن قرائن الأحوال لا تثبت بها الأحكام والفتاوى وإن حصلت ظنا أكثر من البينات والأقيسة وأخبار الآحاد لأن الشرع لم يجعلها مدركا للفتوى والقضاء وأن الأخبار والأقيسة لما جعلت مدركا للفتيا دخلها الترجيح فكذا هنا أصل البينة معتبر بعد العدالة والشروط المخصوصة فاعتبر فيها الترجيح
وعن الثالث أن الترجيح بالعدد يفارق الترجيح بالأعدلية من جهتين الأولى أن الترجيح بالعدد يفضي إلى كثرة النزاع وطول الخصومات ضرورة أنه إذا ترجح أحدهما بمزيد عدد سعى الآخر في زيادة عدد بينته فتطول الخصومة وتعطل الأحكام وليس الأعدلية كذلك إذ ليس في قدرته أن يجعل بينته أعدل فلا يطول النزاع
والثانية أن العدد يمتنع الاجتهاد فيه لأنه لا يختلف ألبتة بخلاف وصف العدالة فإنه يختلف باختلاف الأمصار والأعصار فعدول زماننا لم يكونوا مقبولين في زمن الصحابة رضوان الله عليهم على أنا نلتزم الترجيح بالعدد على أحد القولين عندنا الوجه الثاني قوة الحجة كالشاهدين يقدمان على الشاهد واليمين كما في الجواهر
الوجه الثالث اليد عند التعادل كما في الجواهر قال الأصل فعندنا يقدم صاحب
139
139
ادعى مطلق ملك فإن كان مضافا إلى سبب يتكرر فأعاده كلاهما فكذلك أو لا يتكرر كالولادة وادعياه وشهدت البينة به فقالت كل بينة ولد على ملكه قدمت بينة صاحب اليد لنا على أحمد بن حنبل رضي الله عنه ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تحاكم إليه رجلان في دابة وأقام كل واحد البينة أنها له فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحب اليد ولأن اليد مرجحة كما لو لم يكن لهما ولنا على أبي حنيفة رضي الله عنه ما تقدم والقياس على المضاف إلى سبب لا يتكرر احتجوا بوجوه
الأول
قوله عليه السلام البينة على من ادعى واليمين على من أنكر وهو يقتضي صنفين مدعيا والبينة حجته ومدعى عليه واليمين حجته فبينته غير مشروعة فلا تسمع كما أن اليمين في الجهة الأخرى لا تفيد شيئا
الثاني ولأنهما لما تعارضتا في سبب لا يتكرر كالولادة شهدت هذه بالولادة والأخرى بالولادة تعين كذبهما فسقطتا فبقيت اليد فلم يحكم له بالبينة فأما ما يتكرر ولم يتعين الكذب فلم تفد بينته إلا ما أفادته يده فسقطت لعدم الفائدة الثالث ولأن صاحب اليد إذا لم يقم الطالب بينة لا تسمع بينته وإذا لم تسمع في هذه
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
اليد عند التساوي أو هو مع البينة الأعدل كانت الدعوى أو الشهادة بمطلق الملك أو مضافا إلى سبب نحو هو ملكي نسجته أو ولدته الدابة عندي في ملكي كان السبب المضاف إليه الملك يتكرر كنسج الخز وغرس النخل أو لا يتكرر كالولادة وقاله الشافعي
وقال ابن حنبل الخارج أولى ولا تقبل بينة صاحب اليد أصلا وقال أبو حنيفة تقدم بينة الخارج إن ادعى مطلق الملك فإن كان إلى سبب يتكرر فادعاه كلاهما فكذلك تقدم بينة الخارج أو لا يتكرر كالولادة وادعياه وشهدت البينة به فقالت كل بينة ولد على ملكه قدمت بينة صاحب اليد
لنا على أحمد بن حنبل رضي الله عنه ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تحاكم إليه رجلان في دابة وأقام كل واحد البينة أنها له فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحب اليد ولأن اليد مرجحة كما لو لم يكن لهما ولنا على أبي حنيفة رضي الله عنه وجهان الأول ما تقدم والثاني القياس على المضاف إلى سبب لا يتكرر واحتجوا بأربعة وجوه
الأول
قوله عليه الصلاة والسلام البينة على من ادعى واليمين على من أنكر وهو يقتضي صنفين مدعيا والبينة حجته ومدعى عليه واليمين حجته فبينته غير مشروعة فلا تسمع كما أن اليمين في الجهة الأخرى لا تفيد شيئا وجوابه القول بالموجب فإن الحديث جعل بينة المدعى عليه وأنتم تقولون به فتعين أن تكون المراد بها بينة ذي اليد لأنها هي التي عليه سلمنا عدم القول بالموجب لكن المدعي إن فسر بالطالب فصاحب اليد طالب لنفسه ما طلبه الآخر لنفسه فتكون البينة مشروعة في حقه وإن فسر بأضعف المتداعيين سببا فالخارج لما أقام بينة صار الداخل أضعف فوجب أن يكون مدعيا تشرع البينة في حقه سلمنا دلالته أي الحديث المذكور على أن بينة المدعى عليه غير مشروعة لكنه معارض بقوله تعالى إن الله يأمر بالعدل والعدل التسوية في كل شيء حتى يقوم المخصص فلا تسمع بينة أحدهما دون الآخر وبقوله عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه لا تقض
140
140
الحالة وهي أحسن حالتيه فكيف إذا أقام الطالب بينة لا تسمع بطريق الأولى لأنه في هذه الحالة أضعف
الرابع
إنا إنما أعملنا بينته في صورة النتاج لأن دعواه أفادت الولادة ولم تفدها يده وشهدت البينة بذلك فأفادت البينة غير ما أفادت اليد فقبلت
والجواب عن الأول القول بالموجب فإن الحديث جعل بينة المدعى عليه وأنتم تقولون به فتعين أن يكون المراد بها بينة ذي اليد لأنها هي التي عليه سلمنا عدم القول بالموجب لكن المدعي إن فسر بالطالب فصاحب اليد طالب لنفسه ما طلبه الآخر لنفسه فتكون البينة مشروعة في حقه وإن فسر بأضعف المتداعيين سببا فالخارج لما أقام بينة صار الداخل أضعف فوجب أن يكون مدعيا تشرع البينة في حقه سلمنا دلالته لكنه معارض بقوله تعالى إن الله يأمر بالعدل والعدل التسوية في كل شيء حتى يقوم المخصص فلا تسمع بينة إحداهما دون الآخر وبقوله عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه لا تقض لأحدهما حتى تسمع من الآخر وهو يفيد وجوب الاستماع منهما وأن من قويت حجته حكم بها وأنتم تقولون لا نسمع بينة الداخل وعن الثاني أنه ينتقض بما إذا تعارضتا في دعوى طعام ادعيا زراعته وشهدنا بذلك والزرع لا يزرع مرتين كالولادة ولم يحكموا به لصاحب
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
لأحدهما حتى تسمع من الآخر وهو يفيد وجوب الاستماع منهما وأن من قويت حجته حكم بها وأنتم تقولون لا تسمع بينة الداخل
الثاني
أن البينتين لما تعارضتا في سبب لا يتكرر كالولادة شهدت هذه بالولادة والأخرى بالولادة تعين كذبهما فسقطتا فبقيت اليد فلم يحكم له بالبينة فأما ما يتكرر ولم يتعين الكذب فلم تفد ببينته إلا ما أفادته يده فسقطت لعدم الفائدة وجوابه أنه ينتقض بما إذا تعارضتا في دعوى طعام ادعيا زراعته وشهدا بذلك والزرع لا يزرع مرتين كالولادة ولم يحكموا به لصاحب اليد وبالملك المطلق في الحال ولأنه لو حكم باليد دون البينة لما حكم له إلا باليمين لأنه لما حكم له حيث كذبت بينته كان الأولى أن يحكم له إذا لم تكذب بينته ولأن اليد أضعف من البينة بدليل أن اليد لا يقضى بها إلا باليمين والبينة يقضى بها بغير يمين ولو أقام الخارج بينة قدمت على يد الداخل إجماعا فعلمنا أن البينة تفيد ما لا تفيده اليد والثالث أن صاحب اليد إذا لم يقم الطالب بينة لا تسمع بينته وإذا لم تسمع في هذه الحالة وهي أحسن حالتيه فكيف إذا أقام الطالب بينته وهو في هذه الحالة أضعف فعدم سماعها حينئذ بطريق الأولى وجوابه أنه إنما تسمع بينة الداخل عند عدم بينة الخارج لأنه حينئذ قوي باليد والبينة إنما تسمع من الضعيف فوجب سماعها للضعف ولم يتحقق إلا عند إقامة الخارج بينته
والرابع أنا إنما أعلمنا بينته في صورة النتاج لأن دعواه أفادت الولادة ولم تفدها يده وشهدت البينة بذلك فأفادت البينة غير ما أفادت اليد فقبلت
وجوابه أن الدعوى واليد لا يفيدان مطلقا شيئا وإلا لكان مع المدعي حجج اليد والدعوى والبينة يخيره الحاكم بينها أيها شاء أقام كمن شهد له شاهدان وشاهد وامرأتان خير بينهما وبين اليمين مع إحداهما فعلم أن المفيد إنما هو البينة واليد لا تفيد ملكا وإلا لم يحتج معها لليمين كالبينة بل تفيد التبقية عنده حتى تقوم البينة ولأنها لو أفادت وأقام المدعي بينة أنه
141
141
اليد وبالملك المطلق في الحال لاستحالة ثبوته لهما في الحال ولأنه لو حكم له باليد دون البينة لما حكم له إلا باليمين لأنه شأن اليد المنفردة
ولما لم يحتج إلى اليمين علم أنه إنما حكم بالبينة ولأنه لما حكم له حيث كذبت بينته كان أولى أن يحكم به إذا لم تكذبت بينته ولأن اليد أضعف من البينة بدليل أن اليد لا يقضى بها إلا باليمين والبينة يقضى بها بغير يمين ولو أقام الخارج بينة قدمت على يد الداخل إجماعا فعلمنا أن البينة تفيد ما لا تفيده اليد وعن
الثالث
أنه إنما لم تسمع بينة الداخل عند بينة الخارج لأنه حينئذ قوي باليد والبينة إنما تسمع من الضعيف فوجب سماعها للضعف ولم يتحقق إلا عند إقامة الخارج بينته وعن الرابع أن الدعوى واليد لا يفيدان مطلقا شيئا وإلا لكان مع المدعي حجج اليد والدعوى والبينة يخيره الحاكم بينهما أيها شاء أقام كمن شهد له شاهدان وشاهد وامرأتان خير بينهما وبين اليمين مع إحداهما فعلم أن المفيد إنما هو البينة واليد لا تفيد ملكا وإلا لم يحتج معها لليمين كالبينة بل تفيد التبقية عنده حتى تقوم البينة ولأنها لو أفادت وأقام المدعي بينة أنه اشتراها منه لم يحتج إلى يمين
وأما الأعدلية فمنع أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم الترجيح بها لنا أن البينة إنما اعتبرت لما تثيره من الظن والظن في الأعدل أقوى فيقدم كأخبار الآحاد إذا رجح إحداهما ولأن مقيم الأعدل أقرب للصدق فيكون هو المعتبر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أحكم بالظاهر ولأن الاحتياط مطلوب في الشهادة أكثر من الرواية بدليل جواز العبد والمرأة والمنفرد في الرواية دون الشهادة فإذا كان الاحتياط مطلوبا أكثر في الشهادة وجب أن لا يعدل عن الأعدل والظن أقوى فيها قياسا على الخبر بطريق الأولى والمدرك في هذا الوجه
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
اشتراها منه لم يحتج إلى يمين
الوجه الرابع
زيادة التاريخ كما في الجواهر
الوجه الخامس الزيادة بالتفصيل قال ابن أبي زيد في النوادر وترجح البينة المفصلة على المجملة والنظر في التفصيل والإجمال مقدم على النظر في الأعدلية ومنها شهادة أحدهما بحوز الصدقة قبل الموت وشهدت الأخرى برؤيته يخدمه في مرض الموت فتقدم بينة عدم الحوز إذ لم تتعرض الأخرى لرد هذا القول
الوجه السادس الاختصاص بمزيد الاطلاع قال ابن أبي زيد إن اختصت إحداهما بمزيد الاطلاع كشهادة إحداهما بحوز الرهن والأخرى بعدم الحوز لأنها مثبتة للحوز وهي زيادة اطلاع قاله ابن القاسم وسحنون وقال محمد يقضى به لمن هو في يده ومن هذا ما إذا شهدت إحداهما بالقتل أو السرقة أو الزنا وشهدت الأخرى أنه كان بمكان بعيد فنقل عن ابن القاسم أنه تقدم بينة القتل ونحوه لأنها مثبتة زيادة ولا يدرأ عنه الحد قال سحنون إلا أن يشهد الجمع العظيم كالحجيج ونحوهم أنه وقف بهم أو صلى بهم العيد في ذلك اليوم فلا يحد لأن هؤلاء لا يشتبه عليهم أمره بخلاف الشاهدين ا ه
142
142
الاحتياط وفي الوجه الأول الجامع إنما هو الظن
وإذا اختلفت الجوامع في القياسات تعددت
احتجوا بوجوه
الأول
أن الشهادة مقدرة في الشرع فلا تختلف بالزيادة كالدية ولا تختلف بزيادة المأخوذ فيه فدية الصغير الحقير كدية الكبير الشريف العالم العظيم
وثانيها أن الجمع العظيم من الفسقة يحصل الظن أكثر من الشاهدين وهو غير معتبر فعلم أنها تعبد لا يدخلها الاجتهاد وكذلك الجمع من النساء والصبيان إذا كثروا وثالثها أنه لو اعتبرت زيادة العدالة وهي صفة لاعتبرت زيادة العدد وهي بينات معتبرة إجماعا فيكون اعتبارها أولى من الصفة والعدد غير معتبر فالصفة غير معتبرة والجواب عن الأول أن وصف العدالة مطلوب في الشهادة وهو موكول إلى اجتهادنا وهو يتزايد في نفسه فما رجحنا إلا في موطن اجتهاد لا في موضع تقدير وعن الثاني أنا لا ندعي أن الظن كيف كان يعتبر بل ندعي أن مزيد الظن بعد حصول أصل معتبر كما أن قرائن الأحوال لا نثبت بها الأحكام والفتاوى وإن حصلت ظنا أكثر من البينات والأقيسة وأخبار الآحاد لأن الشرع لم يجعلها مدركا للفتوى والقضاء ولما جعل الأخبار والأقيسة مدركا للفتيا دخلها الترجيح فكذا هاهنا أصل البينة معتبر بعد العدالة والشروط المخصوصة فاعتبر فيها الترجيح
وعن الثالث أن الترجيح بالعدد يفضي إلى كثرة النزاع وطول الخصومات فإذا ترجح أحدهما بمزيد عدد سعى الآخر في زيادة عدد بينته وتطول الخصومة وتعطل الأحكام وليس في قدرته أن يجعل بينته أعدل فلا يطول النزاع ولأن العدد يعين ما تقدم فيمتنع الاجتهاد فيه بخلاف وصف العدالة ولذلك يختلف باختلاف الأمصار والأعصار فعدول زماننا لم يكونوا مقبولين في زمن الصحابة رضوان الله عليهم وأما العدد فلم يختلف ألبتة مع أنا نلتزم الترجيح بالعدد على أحد القولين عندنا
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
قلت ومن هذا الوجه أيضا قول النحويين من حفظ حجة على من لم يحفظ
الوجه السابع
استصحاب الحال والغالب ومنه شهادة إحداهما أنه أوصى وشهدت الأخرى أنه أوصى وهو مريض قال ابن القاسم تقدم بينة الصحة لأن ذلك هو الأصل والغالب
الوجه الثالث ظاهر الحال اعتبره سحنون فقال إذا شهدت بأنه زنى عاقلا وشهدت الأخرى بأنه كان مجنونا إن كان القيام عليه وهو عاقل قدمت بينة العقل وإن كان القيام عليه وهو مجنون قدمت بينة الجنون ا ه
ولم يعتبره ابن اللباد فقال يعتبر وقت الرؤية لا وقت القيام ا ه هذا تنقيح ما قاله الأصل في هذا الفرق قال أبو القاسم بن الشاط وما قاله فيه نقل وترجيح ولا كلام في ذلك ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم

143
143
الفرق التاسع والعشرون والمائتان بين قاعدة المعصية التي هي كبيرة مانعة من قبول الشهادة وقاعدة المعصية التي ليست بكبيرة مانعة من الشهادة اعلم أن إمام الحرمين في أصول الدين قد منع من إطلاق لفظ الصغيرة على شيء من معاصي الله تعالى وكذلك جماعة من العلماء وقالوا لا يقال في شيء من معاصي الله صغيرة بل جميع المعاصي كبائر لعظمة الله تعالى فيكون جميع معاصيه كبائر وقال غيرهم يجوز ذلك واتفق الجميع على أن المعاصي تختلف بالقدح في العدالة وأنه ليس كل معصية يسقط بها العدل عن مرتبة العدالة فالخلاف حينئذ إنما هو في الإطلاق
وقد ورد الكتاب العزيز بالإشارة إلى الفرق في قوله تعالى وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان فجعل للمعصية رتبا ثلاثا كفرا وفسوقا وهو الكبيرة وعصيانا وهي الصغيرة ولو كان المعنى واحدا لكان اللفظ في الآية متكررا إلا بمعنى مستأنف وهو خلاف الأصل إذا تقرر هذا فنقول الصغيرة والكبيرة في المعاصي ليس من جهة من عصى بل من جهة المفسدة الكائنة في ذلك الفعل فالكبيرة ما عظمت مفسدتها والصغيرة ما قلت مفسدتها ورتب المفاسد مختلفة وأدنى رتب المفاسد يترتب عليها
هامش أنوار البروق
قال الفرق التاسع والعشرون والمائتان بين قاعدة المعصية التي هي كبيرة مانعة من قبول الشهادة وقاعدة المعصية التي ليست بكبيرة مانعة من الشهادة إلى قوله وهنا أربع مسائل قلت ما قاله ونقله صحيح إلا ما قاله في ضبط الكبائر والصغائر بالنظر إلى مقادير المفاسد فإنه أصل لا يصح لأنه بناء على قواعد المعتزلة وعلى تقدير أن لا يكون بنى على ذلك بل على أن الشروع فهمنا منه مراعاة المصالح تفضلا فلا يصح أيضا الفرق بالنظر إلى مقادير المفاسد لجهلنا ذلك وعدم وصولنا إلى العلم بحقيقته وإنما الضابط لما ترد به الشهادة ما دل على الجرأة على مخالفته الشارع
هامش إدرار الشروق
الفرق التاسع والعشرون والفرق الثلاثون والمائتان بين قاعدة المعصية التي هي كبيرة مانعة من قبول الشهادة وقاعدة المعصية التي ليست بكبيرة مانعة من الشهادة وبين قاعدة المباح المخل بقبول الشهادة والمباح الذي لا يخل بقبولها اعلم أن لقبول الشهادة ركنين الركن الأول العدالة قال ابن رشد الحفيد في بدايته اتفق المسلمون على عدم قبول شهادة الشاهد بدونها لقوله تعالى ممن ترضون من الشهداء ولقوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم واتفقوا على أن شهادة الفاسق لا تقبل لقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ الآية ولم يختلفوا أن الفاسق تقبل شهادته إذا عرفت توبته إلا من كان
144
144
الكراهة ثم كلما ارتقت المفسدة عظمت الكراهة حتى تكون أعلى رتب المكروهات تليها أدنى رتب المحرمات ثم ترتقي رتب المحرمات حتى تكون أعلى رتب الصغائر يليه أدنى الكبائر ثم ترتقي رتب الكبائر بعظم المفسدة حتى تكون أعلى رتب الكبائر يليها الكفر إذا تقرر هذا
وأردنا ضبط ما ترد به الشهادة لعظمه ننظر ما وردت به السنة أو الكتاب العزيز بجعله كبيرة أو أجمعت عليه الأمة أو ثبت فيه حد من حدود الله تعالى كقطع السرقة وجلد الشرب ونحوهما فإنها كلها كبائر قادحة في العدالة إجماعا وكذلك ما فيه وعيد صرح به في الكتاب أو في السنة فنجعله أصلا وننظر فما ساوى أدناه مفسدة أو رجح عليها مما ليس فيه نص ألحقناه به ورددنا به الشهادة وأثبتنا به الفسوق والجرح وما وجدناه قاصرا عن أدنى رتب الكبائر التي شهدت لها الأصول جعلناه صغيرة لا تقدح في العدالة ولا توجب فسوقا إلا أن يصر عليه فيكون كبيرة إن وصل بالإصرار إلى تلك الغاية فإنه لا صغيرة مع إصرار
ولا كبيرة مع استغفار كما قاله السلف ويعنون بالاستغفار التوبة بشروطها لا طلب المغفرة مع بقاء العزم فإن ذلك لا يزيل كبر الكبيرة ألبتة ففي الكتاب فيه ذكر الكبر أو العظم عقب ذكر جريمة وفي السنة في مسلم
هامش أنوار البروق
في أوامره ونواهيه أو احتمل الجرأة فمن دلت قرائن حاله على الجرأة ردت شهادته كمرتكب الكبيرة المعلوم من دلائل الشرع أنها كبيرة أو المصر على الصغيرة إصرارا يؤذن بالجرأة ومن احتمل حاله إن فعل ما فعل من ذلك جرأة أو فلتة توقف عن قبول شهادته وإن دلت دلائل حاله أنه فعل ما فعله من ذلك أعني ما ليس بكبيرة معلومة الكبير من الشرع فلتة غير متصف بالجرأة قبلت شهادته والله تعالى أعلم لأن السبب في رد الشهادة ليس إلا التهمة بالاجتراء على ما ارتكبه من المخالفة فإذا عري من الاتصاف بالجرأة واحتمال الاتصاف بها بظاهر حاله سقطت التهمة والله تعالى أعلم
هامش إدرار الشروق
فسقه من قبل القذف فإن أبا حنيفة يقول لا تقبل شهادته وإن تاب والجمهور يقولون تقبل إذا تاب وسبب الخلاف هل يعود الاستثناء في قوله تعالى ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك إلى أقرب مذكور إليه أو على الجملة إلا ما خصصه الإجماع وهو أن التوبة لا تسقط عند الحد ا ه
قال الباجي قال مالك لا يشترط في قبول توبة القاذف ولا قبول شهادته تكذيبه لنفسه بل صلاح حاله بالاستغفار والعمل الصالح كسائر الذنوب وقال القاضي أبو إسحاق والشافعي لا بد في توبة القاذف من تكذيبه نفسه لأنا قضينا بكذبه في الظاهر وإلا لما فسقناه فلو لم يكذب نفسه لكان مصرا على الكذب الذي فسقناه لأجله في الظاهر وعليه إشكالان أحدهما أنه قد يكون صادقا في قذفه فتكذيبه لنفسه كذب فكيف تشترط المعصية في التوبة وهي ضدها وكيف نجعل المعاصي سبب صلاح العبد وقبول شهادته ورفعته وثانيهما أنه إن كان كاذبا في قذفه فهو فاسق أو صادقا
145
145
قالوا ما أكبر الكبائر يا رسول الله فقال أن تجعل لله شريكا وقد خلقك قلت ثم أي قال أن تقتل ولدك خوفا أن يأكل معك قلت ثم أي قال أن تزاني حليلة جارك وفي حديث آخر اجتنبوا السبع الموبقات قيل وما هي يا رسول الله قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات وأكل الربا وشهادة الزور وفي بعض الطرق وعقوق الوالدين واستحلال بيت الله الحرام وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل القبلة في الأجنبية صغيرة فيلحق بها ما في معناها وهنا أربع مسائل
المسألة الأولى
ما حقيقة الإصرار الذي يصير الصغيرة كبيرة وقع البحث فيه مع جماعة من الفضلاء فقال بعضهم هو أن يتكرر الذنب منه سواء كان يعزم على العود أم لا
وقال بعضهم إن تكرر من غير عزم لم يكن إصرارا بأن يفعل الذنب أول مرة وهو لا يخطر له معاودته لداعية متجددة فيفعله كذلك مرارا فهذا ليس إصرارا وتارة يفعل الذنب وهو عازم على معاودته فيعاوده بناء على ذلك العزم السابق فهذا هو الإصرار الناقل للصغيرة لدرجة الكبيرة ولذلك قال الله تعالى ولم يصروا على ما فعلوا ويقال
هامش أنوار البروق
قال
المسألة الأولى ما حقيقة الإصرار إلى آخر المسألة
قلت الإصرار لغة المقام على الشيء والمعاودة له سواء كان ذلك فعلا أو غيره لا ما قاله المؤلف من أنه العزم والتصميم على الشيء وعلى ذلك فالإصرار المصير للصغيرة كبيرة مانعة من قبول الشهادة إنما هو المعاودة لها معاودة تشعر بالجرأة على المخالفة لا المعاودة المقترنة بالعزم عليها لأن العزم مما لا يتوصل إليه لأنه أمر باطن
فإن قيل الجرأة أمر باطن قلت لم اشترط الجرأة بنفسها وإنما اشترطت الإشعار بها وهو مما يدركه من يتأمل أحوال المواقع للمخالفة والله أعلم قال المسألة الثانية إلى قوله كان هذا الإصرار كبيرة تخل بالعدالة
هامش إدرار الشروق
فهو عاص لأن تعبير الزاني بزناه معصية فكيف ينفعه تكذيب نفسه مع كونه عاصيا بكل حال
والجواب عن الأول أن الكذب لأجل الحاجة جائز كالرجل مع امرأته وللإصلاح بين الناس وهذا التكذيب فيه مصلحة الستر على المقذوف وتقليل الأذية والفضيحة عند الناس وقبول شهادته في نفسه وعوده إلى الولاية التي يشترط فيها العدالة وتصرفه في أموال أولاده وتزويجه لمن يلي عليه وتعرضه للولايات الشرعية وعن الثاني تعيير الزاني بزناه صغيرة لا تمنع الشهادة ا ه وقال في البداية قبل ما ذكر وإنما تردد الفقهاء في مفهوم اسم العدالة المقابلة للفسق فقال الجمهور هي صفة زائدة على الإسلام وهو أن يكون ملتزما لواجبات الشرع ومستحباته مجتنبا للمحرمات والمكروهات وقال أبو حنيفة يكفي في العدالة ظاهر الإسلام وأن لا تعلم منه جرحة ا ه وقال الأصل اتفق العلماء على أن المعاصي تختلف بالقدح في العدالة وأنه ليس كل معصية يسقط بها العدل عن مرتبة
146
146
فلان مصر على العداوة أي مصمم بقلبه عليها وعلى مصاحبتها ومداومتها ولا يفهم في عرف الاستعمال من الإصرار إلا العزم والتصميم على الشيء والأصل عدم النقل والتغيير فوجب أن يكون ذلك معناه لغة وشرعا هذا هو الذي ترجح عندي
المسألة الثانية
ما ضابط التكرر في الإصرار الذي يصير الصغيرة كبيرة فإن ذلك ليس فيه نص من الكتاب ولا من السنة قال بعض العلماء ينظر إلى ما يحصل من ملابسة أدنى الكبائر من عدم الوثوق بملابستها في أداء الشهادة والوقوف عند حدود الله تعالى ثم ينظر لذلك التكرر في الصغيرة فإن حصل في النفس من عدم الوثوق ما حصل من أدنى الكبائر كان هذا الإصرار كبيرة تخل بالعدالة وهذا يؤكد أنه لا بد فيه من العزم فإن الفلتات من غير أن تستمر لا تكاد تخل بالوثوق نعم قد تدل كثرة التكرار على فرار العزم في النفس وبهذا الضابط أيضا يعلم المباح المخل بقبول الشهادة كالأكل في الأسواق ونحوه فإن يصدر منه صدورا يوجب عدم الوثوق به في حدود الله تعالى كان ذلك مخلا وذلك يختلف بحسب الأحوال المقترنة والقرائن المصاحبة وصورة الفاعل وهيئة الفعل والمعتمد في ذلك ما يؤدي إلى ما يوجد في القلب السليم عن الهواء المعتدل المزاج والعقل والديانة العارف بالأوضاع
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله هذا العالم هو الذي أشرت إليه من الإشعار بالجرأة وهذا كلام صحيح لا ريب فيه قال وهذا يؤكد أنه لا بد فيه من العزم فإن الفلتات من غير أن تستمر لا تكاد تخل بالوثوق قلت إن أراد أن لا بد من معرفتنا بعزمه فذلك غير صحيح وكذلك إن أراد أن الحالة المشعرة بالجرأة لا تخلو عن الإشعار بالعزم لأنه ربما عاود المخالفة من غير عزم على المعاودة تكون حاله هذه مشعرة بجرأته على المخالفة فالعزم لا حاجة إلى اشتراطه بوجه والله أعلم قال وبهذا الضبط أيضا يعلم المباح المخل بقبول الشهادة كالأكل في الأسواق أو نحوه فإن يصدر منه صدورا يوجب عدم الوثوق به في حدود الله تعالى كان ذلك بخلا
هامش إدرار الشروق
العدالة وإنما وقع الخلاف بينهم في الإطلاق فقط فمنع إمام الحرمين في أصول الدين من إطلاق لفظ الصغيرة على شيء من معاصي الله وكذلك جماعة من العلماء وقالوا لا يقال في شيء من معاصي الله صغيرة بل جميع المعاصي كبائر لعظمة الله تعالى فيكون جميع معاصيه كبائر
وقال غيرهم يجوز ذلك وقد ورد الكتاب العزيز بالإشارة إلى الفرق في قوله تعالى وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان فجعل للمعصية رتبا ثلاثا كفرا وفسوقا وهو الكبيرة وعصيانا وهي الصغيرة ولو كان المعنى واحدا لكان اللفظ في الآية متكررا لا بمعنى مستأنف وهو خلاف الأصل ا ه
إذا تقرر هذا فالضابط لما ترد به الشهادة من المعاصي الذي به الفرق بين القاعدتين المذكورتين هو ما دل على الجرأة على مخالفته الشارع في أوامره ونواهيه أو احتمل الجرأة كما اختاره أبو القاسم بن الشاط قال فمن دلت قرائن حاله على الجرأة ردت شهادته كمرتكب
147
147
الشرعية فهذا هو المتعين لوزن هذه الأمور فإن من غلب عليه التساهل في طبعه لا يعد الكبيرة شيئا ومن غلب عليه التشديد في طبعه يجعل الصغيرة كبيرة فلا بد من اعتبار ما تقدم ذكره في العقل الوازن لهذه الاعتبارات ومتى تخللت التوبة الصغائر فلا خلاف أنها لا تقدح في العدالة وكذلك ينبغي إذا كانت من أنواع مختلفة وإنما يحصل الشبه واللبس إذا تقررت من النوع الواحد وهو موضوع النظر الذي تقدم التنبيه عليه المسألة الثالثة المشهور عندنا قبول شهادة القاذف قبل جلده وإن كان القذف كبيرة اتفاقا وقاله أبو حنيفة رضي الله عنه وردها عبد الملك ومطرف والشافعي وابن حنبل رضي الله عنهم لنا أنه قبل الجلد غير فاسق لأنه ما لم يفرغ من جلده يجوز رجوع البينة أو تصديق المقذوف له فلا يتحقق الفسق إلا بعد الجلد والأصل استصحاب العدالة والحالة السابقة احتجوا بوجوه
الأول
أن الآية اقتضت ترتيب الفسق على القذف وقد تحقق القذف فيتحقق الفسق سواء جلد أم لا
الثاني أن الجلد فرع ثبوت الفسق فلو توقف الفسق على الجلد لزم الدور
الثالث أن الأصل عدم قبول الشهادة إلا حيث تيقن العدالة ولم تتيقن هنا فترد
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله هنا ليس بصحيح وأن المباح المخل بقبول الشهادة ربما لا يخل بها من الوجه الذي تخل به المخالفة فإن إخلال المخالفة إنما هو بالعدالة التي هي أحد ركني قبول الشهادة وإخلال المباح إنما هو بالوثوق بالضبط الذي هو الركن الثاني لقبول الشهادة فكيف يكون ضابط الأمرين ضابطا واحدا هذا لا يصح بل الضابط أن مخالفة العادة الجارية من الشاهد في أموره المباحة ربما أشعرت بخلل في عقله فيتطرق الخلل إلى ضبطه وربما لم تشعر وذلك بحسب قرائن الأحوال فإن أشعر بذلك أو احتمل ردت شهادته في قبولها أو توقف وإلا فلا قال وذلك يختلف بحسب الأحوال المقترنة والقرائن المصاحبة إلى آخر المسألة قلت ما قاله
هامش إدرار الشروق
الكبيرة المعلوم من دلائل الشرع أنها كبيرة أو المصر على الصغيرة إصرارا يؤذن بالجرأة ومن احتمل حاله إن فعل ما فعل من ذلك جرأة أو فلتة توقف عن قبول شهادته ومن دلت دلائل حاله أنه فعل ما فعله من ذلك أعني ما ليس بكبيرة معلومة الكبر من الشرع فلتة غير متصف بالجرأة قبلت شهادته وذلك لأن السبب رد الشهادة ليس إلا التهمة بالاجتراء على الكذب كالاجتراء على ما ارتكبه من المخالفة فإذا عري عن الاتصاف بالجرأة واحتمال الاتصاف بها بظاهر حاله سقطت التهمة والله تعالى أعلم ا ه
قال الأصل وصححه ابن الشاط وبالجملة فذلك يختلف بحسب الأحوال المقترنة والقرائن المصاحبة وصورة الفاعل وهيئة الفعل والمعتمد في ذلك ما يؤدي إلى ما يوجد في القلب السليم عن الأهواء المعتدل المزاج والعقل والديانة العارف بالأوضاع الشرعية فهذا هو المتعين لوزن هذه الأمور فإن من غلب عليه التساهل في طبعه لا يعد الكبيرة شيئا ومن
148
148
والجواب عن الأول أن الآية اقتضت صحة ما ذكرناه وبطلان ما ذكرتموه لأن الله تعالى قال فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون فرتب رد الشهادة والفسق على الجلد وترتب الحكم على الوصف يدل على علية ذلك الوصف لذلك الحكم فيكون الجلد هو السبب المفسق فحيث لا جلد لا فسوق
وهو مطلوبنا أو عكس مطلوبكم وعن الوجه الثاني أن الجلد فرع ثبوت الفسق ظاهرا ظهورا ضعيفا لجواز رجوع البينة أو تصديق المقذوف فإذا أقيم الجلد قوي الظهور بإقدام البينة وتصميمها على أذيته وكذلك المقذوف وحينئذ نقول إن مدرك رد الشهادة إنما هو الظهور القوي لأنه المجمع عليه والأصل بقاء العدالة السابقة
المسألة الرابعة
قال الباجي قال القاضي أبو إسحاق والشافعي لا بد في توبة القاذف من تكذيبه لنفسه لأنا قضينا بكذبه في الظاهر لما فسقناه فلو لم يكذب نفسه لكان مصرا على الكذب الذي فسقناه لأجله في الظاهر وعليه إشكالان أحدهما أنه قد يكون صادقا في قذفه فتكذيبه لنفسه كذب فكيف تشترط المعصية في التوبة التي هي ضدها ونجعل المعاصي سبب صلاح العبد وقبول شهادته ورفعته
ثانيهما أنه إن كان كاذبا في قذفه فهو فاسق أو صادقا فهو عاص لأن تعيير الزاني
هامش أنوار البروق
في ذلك صحيح وما قاله في المسألتين بعدها نقل وتوجيه ولا كلام فيه وجميع ما قاله في الفروق الستة بعده صحيح أو نقل وترجيح
هامش إدرار الشروق
غلب عليه التشديد في طبعه يجعل الصغيرة كبيرة فلا بد من اعتبار ما تقدم ذكره في العقل الوازن بهذه الاعتبارات ا ه
قال ابن الشاط والإصرار المصير للصغيرة كبيرة مانعة من قبول الشهادة إنما هو المعاودة لها معاودة تشعر بالجرأة على المخالفة لا المعاودة المقترنة بالعزم عليها لأن العزم مما لا يتوصل إليه لأنه أمر باطن كالجرأة نفسها بخلاف الإشعار بها الذي اشترطته فإنه مما يدركه من يتأمل أحوال المواقع للمخالفة كما قال بعض العلماء ينظر إلى ما يحصل من ملابسة أدنى الكبائر من عدم الوثوق بملابستها في أداء الشهادة والوقوف عند حدود الله تعالى ثم ينظر لذلك التكرر في الصغيرة فإن حصل في النفس من عدم الوثوق ما حصل من أدنى الكبائر كان هذا الإصرار كبيرة تخل بالعدالة إلخ ا ه والله أعلم ا ه
قال الأصل ومتى تخللت التوبة الصغائر فلا خلاف أنها لا تقدح في العدالة وكذلك ينبغي إذا كانت من أنواع مختلفة وإنما يحصل الشبه واللبس إذا تكررت من النوع الواحد وهو موضع النظر ا ه الركن الثاني الوثوق بالضبط فلذا اشترطوا البلوغ فيها والحرية ونفي التهمة أما البلوغ فقال في البداية اتفقوا على اشتراطه فيها حيث تشترط العدالة واختلفوا في شهادة الصبيان بعضهم على بعض في الجراح وفي القتل فردها جمهور فقهاء الأمصار لما قلناه من وقوع الإجماع على أن من شرط الشهادة العدالة ومن شرط العدالة البلوغ ولك ليست في الحقيقة شهادة عند مالك وإنما هي قرينة حال ولذلك اشترط فيها أن لا يتفرقوا لئلا يجنبوا واختلف أصحاب مالك هل تجوز إذا كان بينهم كبير أم
149
149
بزناه معصية فكيف ينفعه تكذيب نفسه مع كونه عاصيا بكل حال والجواب عن الأول أن الكذب لأجل الحاجة جائز كالرجل مع امرأته وللإصلاح بين الناس وهذا التكذيب فيه مصلحة الستر على المقذوف وتقليل الأذية والفضيحة عند الناس وقبول شهادته في نفسه وعوده إلى الولاية التي يشترط فيها العدالة وتصرفه في أموال أولاده وتزويجه لمن يلي عليه وتعرضه للولايات الشرعية وعن الثاني أن تعيير الزاني بزناه صغيرة لا تمنع الشهادة وقال مالك لا يشترط في قبول توبته ولا قبول شهادته تكذيبه لنفسه بل صلاح حاله بالاستغفار والعمل الصالح كسائر الذنوب
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
لا ولم يختلفوا أنه يشترط فيها العدة المشترطة في الشهادة واختلفوا هل يشترط فيها الذكورة أم لا واختلفوا أيضا هل تجوز في القتل الواقع بينهم ولا عمدة لمالك في هذا إلا أنه من باب إجازته قياس المصلحة وإما أنه مروي عن ابن الزبير فقال الشافعي إن ابن عباس قد ردها والقرآن يدل على بطلانها نعم قال بقول مالك ابن أبي ليلى وقوم من التابعين ا ه
بتصرف وأما الحرية ففي البداية أيضا جمهور فقهاء الأمصار على اشتراطها في قبول الشهادة وقال أهل الظاهر تجوز شهادة العبد لأن الأصل إنما هو اشتراط العدالة والعبودية ليس لها تأثير في الرد إلا أن يثبت ذلك من كتاب الله أو سنة أو إجماع وكأن الجمهور رأوا أن العبودية أثر من أثر الكفر فوجب أن يكون لها تأثير في رد الشهادة ا ه
وأما نفي التهمة فأما التهم بالاجتراء على الكذب التي سببها ارتكاب بعض المعاصي فقد تضمنها اشتراط العدالة كما عرفت وأما التهمة التي سببها المحبة والقرابة أو البغضة للعداوة الدنيوية ففي البداية أجمعوا على أنها مؤثرة في إسقاط الشهادة واختلفوا في رد شهادة العدل بالتهمة لموضع المحبة أو البغضة التي سببها العداوة الدنيوية فقال بردها فقهاء الأمصار إلا أنهم اتفقوا في مواضع على أعمال التهمة وفي مواضع على إسقاطها واختلفوا في مواضع فأعملها بعضهم وأسقطها بعضهم ا ه
المراد فانظرها وسيأتي في الفرق بعد توضيح ذلك فترقب وأما التهمة المشعرة بخلل في عقله فبفعل بعض المباح المخل بقبول الشهادة كالأكل في الأسواق ونحوه قال أبو القاسم بن الشاط والضابط أن مخالفة العادة الجارية من الشاهد في أموره المباحة ربما أشعرت بخلل في عقله فيتطرق الخلل إلى ضبطه وربما لم تشعر وذلك بحسب قرائن الأحوال فإن أشعر بذلك أو احتمل ردت شهادته أو توقف في قبولها وإلا فلا ا ه بلفظه
تنبيه قال الأصل المشهور عندنا قبول شهادة القاذف قبل جلده بدون توبته وإن كان القذف كبيرة اتفاقا وقال أبو حنيفة رضي الله عنه وردها عبد الملك ومطرف والشافعي وابن حنبل رضي الله عنهم لنا أنه قبل الجلد غير فاسق لأنه ما لم يفرغ من جلده يجوز رجوع البينة أو تصديق المقذوف له فلا يتحقق الفسق إلا بعد الجلد والأصل استصحاب العدالة والحالة السابقة واحتجوا بثلاثة وجوه الأول أن الآية اقتضت ترتيب الفسق على القذف
وقد تحقق القذف فيتحقق الفسق سواء جلد أم لا وجوابه أن الآية اقتضت صحة ما ذكرناه
150
150
الفرق الثلاثون والمائتان بين قاعدة التهمة التي ترد بها الشهادة بعد ثبوت العدالة وبين قاعدة ما لا ترد به
اعلم أن الأمة مجمعة على رد الشهادة بالتهمة من حيث الجملة لكن وقع الخلاف في بعض الرتب وتحرير ذلك أن التهمة ثلاثة أقسام مجمع على اعتبارها لقوتها ومجمع على إلغائها لخفتها ومختلف فيها هل تلحق بالرتبة العليا فتمنع أو بالرتبة الدنيا فلا تمنع فأعلاها شهادة الإنسان لنفسه مجمع على ردها وأدناها شهادة الإنسان لرجل من قبيلته أجمع على اعتبارها وبطلان هذه التهمة ومثال المتوسط بين هاتين الرتبتين شهادته لأخيه أو لصديقه الملاطف ونحو ذلك فوافقنا أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل في عمودي النسب الآباء والأبناء لا يشهد لهم وخالفونا في الأخ والصديق الملاطف ووافقنا ابن حنبل في الزوجين فلا تقبل الشهادة لهما وخالفنا الشافعي فقبل ووافقنا الشافعي وابن حنبل في اعتبار العداوة إلا أن تكون في الدين وقال أبو حنيفة العداوة مطلقا ونحو ذلك من المسائل المتوسطات لنا قوله عليه الصلاة والسلام لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين احتجوا بظاهر قوله تعالى شهيدين من رجالكم وبقوله ذوي عدل منكم الطلاق 2
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وبطلان ما ذكرتموه لأن الله تعالى قال فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون فرتب رد الشهادة والفسق على الجلد وترتيب الحكم على الوصف يدل على علية ذلك الوصف لذلك الحكم فيكون الجلد هو السبب المفسق فحيث لا جلد لا فسوق وهو مطلوبنا وعكس مطلوبكم والوجه
الثاني
أن الجلد فرع ثبوت الفسق فلو توقف الفسق عليه لزم الدور والوجه الثالث أن الأصل عدم قبول الشهادة إلى حيث تيقن العدالة ولم تتيقن هنا فترد وجوابهم أن كون الجلد فرع ثبوت الفسق ظاهر ظهورا ضعيفا لجواز رجوع البينة أو تصديق المقذوف فإذا أقيم الجلد قوي الظهور بإقدام البينة وتصميمها على أذيته وكذلك المقذوف وحينئذ نقول أن مدرك رد الشهادة إنما هو الظهور القوي لأنه المجمع عليه والأصل بقاء العدالة السابقة ا ه بإصلاح والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الثلاثون والمائتان بين قاعدة التهمة التي ترد بها الشهادة بعد ثبوت العدالة وبين قاعدة ما لا يرد به قد علمت مما تقدم أن التهمة ثلاثة أقسام الأول تهمة الاجتراء على الكذب التي سببها ارتكاب بعض المعاصي وقد تضمنها الركن الأول من ركني الشهادة والثاني تهمة خلل العقل التي سببها فعل بعض المباحات والثالث تهمة الاجتراء على الكذب التي سببها المحبة بنحو القرابة أو البغضة بالعداوة وقد تضمن
151
151
ونحو ذلك من الظواهر والفقه مع من كانت القواعد والنصوص معه أظهر ومن ذلك من ردت شهادته لفسقه أو كفره أو صغره أو رقه ثم أداها بعد زوال هذه الصفات فإنه يتهم في تنفيذ ما رد فيه منعناها نحن وابن حنبل
وقال الشافعي وأبو حنيفة رضي الله عنهما يقبل الكل إلا الفاسق والفرق أن الفاسق تسمع شهادته ثم ينظر في عدالته فيتحقق الرد بالظهور على الفسق وأولئك لم تسمع شهادتهم لما علم من صفاتهم فلا يتحقق الرد الباعث على التهمة ولنا شهادة العوائد ولأنه مروي عن عثمان رضي الله عنه ولأن العلم بصفاتهم لو وقع قبل الأداء لما وقع الأداء وإنما منعنا حيث وقع الأداء فصفاتهم حينئذ تكون مجهولة فسقط الفرق وعكسه لو حصل البحث عن الفسق قبل الأداء قبلت شهادته إذا لم ترد وصلحت حاله ومنعنا شهادة أهل البادية إذا قصدوا في التحمل دون أهل الحاضرة في البياعات والنكاح والهبة ونحوها لأن العدول إليهم مع إمكان غيرهم تهمة في إبطال ما شهدوا به وقال ابن حنبل لا يقبل بدوي مطلقا على قروي
وقال أبو حنيفة والشافعي تقبل مطلقا لنا الحديث المتقدم وفي أبي داود لا تقبل شهادة بدوي على صاحب قرية وهو محمول عندنا على موضع التهمة جمعا بينه وبين العمومات الدالة على قبول الشهادة التي تقدمت وحملوهم الحديث على من لم تعلم عدالته من الأعراب
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
هذين القسمين الركن الثاني منهما والمراد هنا القسم الثالث والأمة مجمعة على رد الشهادة بتهمة سببها ما ذكر من حيث الجملة إلا أن هذه التهمة ثلاثة أقسام أيضا
القسم الأول
مجمع على اعتبارها لفوتها كشهادة الإنسان لنفسه وكشهادة الأب لابنه والأم لابنها وبالعكس فقد ذهب شريح وأبو ثور وداود إلى أن شهادة الأب لابنه تقبل فضلا عمن سواه إذا كان الأب عدلا لوجهين الأول قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين فإن الأمر بالشيء يقتضي إجراء المأمور إلا ما خصصه الإجماع من شهادة المرء لنفسه الثاني إن رد الشهادة بالجملة إنما هو لموضع اتهام الكذب وهذه التهمة إنما اعتملها الشرع في الفاسق ومنع إعمالها في العادل فلا تجتمع العدالة مع التهمة والقسم الثاني مجمع على إلغائها لخفتها كشهادة الإنسان لرجل من قبيلته قال في البداية ومنه شهادة الأخ لأخيه ما لم يدفع بذلك عن نفسه عارا على ما قال مالك وما لم يكن منقطعا إلى أخيه يناله بره وصلته فقد اتفقوا على إسقاط التهمة فيها ما عدا الأوزاعي فإنه قال لا يجوز ومفاد كلام الأصل أن التهمة فيها تلغى عند أبي حنيفة والشافعي وابن حنبل وتعتبر عندنا مطلقا وسلمه ابن الشاط فانظر ذلك والقسم الثالث مختلف فيها هل تلحق بالرتبة العليا فتمنع أو بالرتبة الدنيا فلا تمنع ومن أمثلته شهادة الزوجين أحدهما للآخر فإن مالكا وأبا حنيفة وابن حنبل ردوها وأجازها الشافعي وأبو ثور والحسن وقال ابن أبي ليلى تقبل شهادة الزوج لزوجتيه ولا تقبل شهادتها له وبه قال النخعي ومنها شهادة الشاهد لصديقه الملاطف فترد عندنا وتقبل عند أبي حنيفة والشافعي وابن حنبل ومنها شهادة العدو على عدوه فقال أبو حنيفة تقبل مطلقا وقال مالك لا تقبل مطلقا وقال الشافعي لا تقبل إلا أن تكون في الدين
لنا وجوه
152
152
قالوا وهو أولى لقلة التخصيص حينئذ في تلك العمومات في الصحيحين أن أعرابيا شهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم على رؤية الهلال فقبل شهادته على الناس ولأن من قبلت شهادته في الجراح قبلت في غيرها كالحضري ولأن الجراح آكد من المال ففي المال أولى
والجواب عن الأول أن جمعنا أولى لأنه لو كان لأجل عدم العدالة لم يكن لتخصيصه بصاحب القرية فائدة بل للتهمة وعن الثاني نحن نقبله في الهلال لعدم التهمة المتقدم ذكرها وعن الثالث أن الجراح يقصد الخلوات دون المعاملات فكانت التهمة في المعاملات موجودة دون الجراح
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
سقط تكون في الدين لنا وجوه
الأول قوله عليه الصلاة والسلام
لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين
الثاني ما خرجه أبو داود من قوله صلى الله عليه وسلم
لا تقبل شهادة بدوي على حضري لقلة شهود البدوي ما يقع في المصر الثالث القياس على ما أجمع الجمهور عليه من تأثير العداوة في الأحكام الشرعية مثل إجماعهم على عدم توريث القاتل المقتول وعلى توريث المبتوتة في المرض وإن كان فيه خلاف واحتجوا بظواهر منها قوله تعالى شهيدين من رجالكم وقوله تعالى ذوي عدل منكم والفقه مع من كانت القواعد والنصوص معه أظهر ومن أمثلة هذا القسم من ردت شهادته لفسقه أو كفره أو صغره أو رقه ثم أداها بعد زوال هذه الصفات فإنه يتهم في تنفيذ ما رد فيه فنحن وابن حنبل منعناها وقال الشافعي وأبو حنيفة رضي الله عنهما يقبل الكل إلا الفاسق والفرق أن الفاسق تسمع شهادته ثم ينظر في عدالته فيتحقق الرد بالظهور على الفسق وأولئك لم تسمع شهادتهم لما علم من صفاتهم فلا يتحقق الرد الباعث على التهمة ولنا وجوه الأول شهادة العوائد الثاني أنه مروي عن عثمان رضي الله عنه
الثالث أن العلم بفسقهم لو وقع قبل الأداء لما وقع الأداء وإنما منعنا حيث وقع الأداء فصفاتهم حينئذ تكون مجهولة فسقط الفرق وعكسه لو حصل البحث عن الفسق قبل الأداء قبلت شهادته إذا لم ترد ومن أمثلة ذلك شهادة أهل البادية إذا قصدوا في التحمل دون أهل الحاضرة فنحن منعناها في البياعات والنكاح والهبة ونحوها لأن العدول إليهم مع إمكان غيرهم تهمة في إبطال ما شهدوا به
وقال ابن حنبل لا تقبل شهادة بدوي على قروي مطلقا وقال أبو حنيفة والشافعي تقبل مطلقا لنا وجهان الأول حديث لا تقبل شهادة خصم إلخ والثاني حمل حديث أبي داود على موضع التهمة جمعا بينه وبين العمومات المتقدمة الدالة على قبول الشهادة وحجتهم من وجوه الأول حمل حديث أبي داود على من لم تعلم عدالته من الأعراب قالوا وهو أولى لقلة التخصيص حينئذ في تلك العمومات وجوابه أن جمعنا أولى لأنه لو كان لأجل عدم العدالة لم يكن لتخصيصه بصاحب القرية بل للتهمة والثاني ما في الصحيحين أن أعرابيا شهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم على رؤية الهلال فقبل شهادته على الناس وجوابه أنا نقبله في الهلال لعدم التهمة المتقدم ذكرها والثالث أن من قبلت شهادته في الجراح قبلت في غيرها كالحضري ولأن الجراح آكد من المال ففي المال أولى وجوابه أن الجراح يقصد لها الخلوات دون المعاملات فكانت التهمة في المعاملات موجودة دون الجراح هذا خلاصة ما قاله الأصل وصححه ابن الشاط مع زيادة من بداية الحفيد والله سبحانه وتعالى أعلم

153
153
الفرق الحادي والثلاثون والمائتان بين قاعدة الدعوى الصحيحة وقاعدة الدعوى الباطلة
فضابط الدعوى الصحيحة أنها طلب معين أو ما في ذمة معين أو ما يترتب عليه أحدهما معتبرة شرعا لا تكذبها العادة فالأول كدعوى أن السلعة المعينة اشتراها منه أو غصبت منه والثاني كالديون والسلم ثم المعين الذي يدعي في ذمته قد يكون معينا بالشخص كزيد أو بالصفة كدعوى الدية على العاقلة والقتل على جماعة أو أنهم أتلفوا متمولا والثالث كدعوى المرأة الطلاق أو الردة على زوجها فيترتب لها حوز نفسها وهي معينة أو الوارث أن أباه مات مسلما أو كافرا فيترتب له الميراث المعين فهي مقاصد صحيحة وقولنا معتبرة شرعا احتراز من دعوى عشر سمسمة فإن الحاكم لا يسمع مثل هذه الدعوى لأنه لا يترتب عليه نفع شرعي ولهذه الدعوى أربعة شروط أن تكون معلومة محققة لا تكذبها العادة يتعلق بها غرض صحيح وفي الجواهر لو قال لي عليه شيء لم تسمع دعواه لأنها مجهولة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الفرق الحادي والثلاثون والمائتان بين قاعدتي الدعوى الصحيحة والدعوى الباطلة
وهو أن الباطلة ما كانت غير معتبرة شرعا بأن اختل منها شرط من شروطها والصحيحة ما كانت معتبرة شرعا بأن استوفت شروطها وشروطها خمسة الشرط الأول بيان المدعي فيه بأن يكون متصورا في ذهن المدعي والمدعى عليه والقاضي بأحد نوعين النوع الأول ببيان عينه كدعوى أن هذا الثوب أو الفرس اشتراه منه أو أن هذه الدراهم غصبت منه أو بيان صفته كلي في ذمته ثوب أو فرس صفتهما كذا أو دراهم يزيدية أو محمدية أو سبني أو شتمني أو قذفني بلفظ كذا إذ ليس كل سب وشتم يوجب الحد والنوع الثاني بيان سبب المدعي فيه المعين كدعوى المرأة الطلاق أو الردة لتحرر نفسها وهي معينة أو بيان سبب ما في ذمة المعين كدعوى المرأة المسيس أو القتل خطأ ليترتب الصداق أو الدية في ذمة الزوج أو العاقلة المعينة بالنوع قال تستوي العاصمية وهذا النوع بمثاليه راجع في المعنى للنوع الأول لأن المدعي يقول فيهما أحرزت نفسي لأنك طلقتني ولي عليك صداق أو دية لأنك مسستني أو قتلت وليي وكذا لو قال بعت لك داري أو أجرتها منك فادفع لي ثمنها أو أجرتها ولذكر السبب في هذا النوع لا يحتاج المدعي فيه لبيان السبب بخلاف النوع الأول فإن في كون بيان السبب فيه كان يقول من تعد أو بيع قال خليل وكفى بعت وتزوجت وحمل على الصحيح وإلا فليسأله الحاكم عن السبب ثم قال وللمدعى عليه السؤال عن السبب ا ه
ليس من تمام صحة الدعوى أو من تمام صحتها خلافان الأول للحطاب قال بدليل قول خليل والمدعى عليه إلخ والثاني الرماحي محتجا بكلام المجموعة وابن عرفة قال التسولي واعتراض بناني عليه بأنه
154
154
وكذلك أظن أن لي عليك ألفا أو لك علي ألف وأظن أني قضيتها لم تسمع لتعذر الحكم بالمجهول إذ ليس بعض المراتب أولى من بعض ولا ينبغي للحاكم أن يدخل في الخطر بمجرد الوهم من المدعي وقالت الشافعية لا يصح دعوى المجهول إلا في الإقرار والوصية لصحة القضاء بالوصية المجهولة كثلث المال والمال غير معلوم وصحة الملك في الإقرار بالمجهول من غير حكم ويلزمه الحاكم بالتعيين وقاله أصحابنا
وقال الشافعية إن ادعى بدين من الأثمان ذكر الجنس دنانير أو دراهم والنوع مصرية أو مغربية والصفة صحاحا أو مكسرة والمقدار والسكة ويذكر في غير الأثمان الصفات المعتبرة في السلم وذكر القيمة مع الصفات أحوط وما لا تضبطه الصفة كالجواهر فلا بد من ذكر القيمة من غالب نقد البلد ويذكر في الأرض والدار اسم الصقع والبلد وفي السيف المحلى بالذهب قيمته فضة وبالفضة قيمته ذهبا أو بهما قومه بما شاء منهما لأنه موضع ضرورة ولا يلزم ذكر سبب ملك المال بخلاف سبب القتل والجراح لاختلاف الحكم هاهنا دون المال بالعمد والخطأ وهل قتله وحده أو مع غيره ولأن إتلافه لا يستدرك بخلاف المال وهذا كله لا يخالفه أصحابنا وقواعدنا تقتضيه غير أن قولهم وقول أصحابنا إن من شرطها أن تكون معلومة فيه نظر فإن الإنسان لو وجد وثيقة في تركة مورثه أو أخبره عدل بحق له فالمنقول جواز الدعوى بمثل هذا والحلف بمجرده عندنا وعندهم مع أن هذه الأسباب لا تفيد إلا الظن فإن أرادوا أن العلم في نفس الأمر عند الطالب فليس كذلك وإن أرادوا أن التصريح بالظن يمنع الصحة والسكوت عنه لا يقدح فهذا مانع لأن عدمه شرط وأيضا فما جاز الإقدام معه لا يكون التصريح به مانعا كما لو شهدوا بالاستفاضة وبالسماع وبالظن في الفلس وحصر الورثة وصرح بمستنده في الشهادة لم يكن ذلك قادحا على الصحيح فكذلك هاهنا وقال بعض الشافعية يقدح تصريح الشاهد بمستنده في ذلك
وليس له وجه فإن ما جوزه الشرع لا يكون النطق به منكرا وهذا مقتضى القواعد وقولي لا تكذبهما العادة سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في مسائل هذا الفرق فهذا هو الفرق بين قاعدة ما يسمع وقاعدة ما لا يسمع من الدعاوى من حيث الجملة ويكمل البيان في ذلك بمسألتين
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
لو كان شرطا لبطلت الدعوى مع عدم ادعاء النسيان ساقط لما علمت من أن هذا إنما هو شرط صحة إذا لم يدع النسيان كما أن الدعوى بالمجهول ساقطة مع القدرة على التفسير عند المازري وغيره كما يأتي ثم قال ويؤيد القول بأن بيان السبب من تمام صحة الدعوى أنه يمكن أن يكون سبب ما يدعيه فاسدا كونه ثمن خمر أو ربا ونحو ذلك

155
155
المسألة الأولى
تسمع الدعاوى عندنا في النكاح وإن لم يقل تزوجتها بولي وبرضاها بل يقول هي زوجتي فيكفيه وقاله أبو حنيفة رضي الله عنه وقال الشافعي وابن حنبل رضي الله عنهما لا تسمع حتى يقول بولي وبرضاها وشاهدي عدل بخلاف دعوى المال وغيره لنا القياس على البيع والردة والعدة فلا يشترط التعرض لهما فكذلك غيرهما ولأن ظاهر عقود المسلمين الصحة احتجوا بوجوه الأول أن النكاح خطر والوطء لا يستدرك فأشبه القتل الثاني أن النكاح لما اختص بشروط زائدة على البيع من الصداق وغيره خالفت دعواه الدعاوى قياسا للدعوى على المدعى به
الثالث أن المقصود من جميع العقود يدخله البدل والإباحة بخلافه فكان خطرا فيحتاط فيه والجواب عن الأول أن غالب دعوى المسلم الصحة فالاستدراك حينئذ نادر لا عبرة به
والقتل خطره أعد من حرمة النكاح والنادر وهو الفرق المانع من القياس
وعن الثاني أن دعوى الشيء يتناول شروطه بدليل البيع فلا يحتاج إلى الشروط كالبيع له شروط لا تشترط في دعواه وعن الثالث أن الردة والعدة لا يدخلهما البدل ويكفي الإطلاق فيهما
المسألة الثانية في بيان قولي لا تكذبها العادة والدعاوى ثلاثة أقسام قسم تصدقه العادة كدعوى القريب الوديعة وقسم تكذبه العادة كدعوى الحاضر الأجنبي ملك دار في يد زيد وهو حاضر يراه
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
ولذا قال ابن حارث إذا لم يسأله القاضي عنه أي السبب كان كالخابط خبط عشواء قال فإن سأله الحاكم أو المدعى عليه عنه وامتنع من بيانه لم يكلف المطلوب بالجواب فإن ادعى نسيانه قبل بغير يمين ا ه
قال التسولي وينبني على بيانه أن المطلوب إذا قال في جوابه لا حق لك علي لا يكتفى منه بذلك بل حتى ينفي السبب الذي بينه المدعي ا ه
وفي الأصل قالت الشافعية ولا يلزم ذكر سبب ملك المال بخلاف سبب القتل والجراح لاختلاف الحكم هاهنا بالعمد والخطأ وهل قتله وحده أو مع غيره بخلاف المال ولأن إتلافه لا يستدرك بخلاف المال وهذا لا يخالفه أصحابنا وقواعدنا تقتضيه
وأما قول الشافعي وابن حنبل رضي الله عنهما لا تسمع الدعاوى في النكاح حتى يقول تزوجتها بولي ورضاها وشاهدي عدل بخلاف دعوى المال وغيره محتجين بثلاثة وجوه الأول أن النكاح خطر كالقتل إذ الوطء لا يستدرك
الثاني أن النكاح لما اختص بشروط زائدة على البيع من الصدق وغيره خالفت دعواه
156
156
يهدم ويبني ويؤاجر مع طول الزمان من غير وازع يزعه عن الطلب من رهبة أو رغبة فلا تسمع دعواه لظهور كذبها والسماع إنما هو لتوقع الصدق فإذا تبين الكذب عادة امتنع توقع الصدق
والقسم الثالث ما لم تقض العادة بصدقها ولا بكذبها كدعوى المعاملة ويشترط فيها الخلطة وبيان الخلطة يكون بعد هذا إن شاء الله تعالى في بيان قاعدة من يحلف ومن لا يحلف وأما ما تكذبه العادة فقال مالك في الأجانب سنين ولم يحد بالعشرة
وقال ربيعة عشر سنين تقطع الدعوى للحاضر إلا أن يقيم بينة أنه أكرى أو أسكن أو أعار ولا حيازة على غائب وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من حاز شيئا عشر سنين فهو له ولقوله تعالى وأمر بالعرف فكل شيء يكذبه العرف وجب أن لا يؤمر به بل يؤمر بالملك لحائزه لأنه العرف وقال ابن القاسم الحيازة من الثمانية إلى العشرة
وقال مالك من قامت بيده دار سنين يكري ويهدم ويبني فأقمت بينة أنها لك أو لأبيك أو لجدك وثبتت المواريث وأنت حاضر تراه يفعل ذلك فلا حجة لك فإن كنت غائبا أفادك إقامة البينة والعروض والحيوان والرقيق كذلك وكذلك قال الأصحاب في كتاب الإجارات إذا ادعى بأجرة من سنين لا تسمع دعواه إن كان حاضرا ولا مانع له وكذلك
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الدعاوى قياسا للدعوى على المدعى به الثالث أن المقصود من جميع العقود يدخله البدل والإباحة بخلافه فكان خطرا فيحتاط فيه فهو خلاف مذهبنا من أن الدعوى في النكاح تسمع وإن لم يقل تزوجتها بولي وبرضاها بل يكفيه أن يقول هي زوجتي
وقاله أبو حنيفة رضي الله عنه لنا وجهان الأول القياس على البيع والردة والعدة فلا يشترط التعرض لهما فكذلك غيرهما الثاني أن ظاهر عقود المسلمين الصحة وأما ما احتجوا به فالجواب عن الأول أن غالب دعوى المسلم الصحة كما علمت فالاستدراك حينئذ نادر لا عبرة به والقتل خطره أعظم من حرمة النكاح والنذر وهو الفرق المانع من القياس وعن الثاني أن دعوى الشيء يتناول شروطه بدليل البيع فكما لا يحتاج البيع في دعواه إلى الشروط كذلك النكاح لا يحتاج في دعواه إليها وعن الثالث أن الردة والعدة لا يدخلهما البدل ويكفي الإطلاق فيهما ا ه
قال تسولي العاصمية وخرج بهذا الشرط الدعوى بمجهول العين أو الصفة كلي عليه شيء لا يدري جنسه ونوعه أو أرض لا يدري حدودها أو ثوب لا يدري صفته أو دراهم لا يدري صفتها ولا قدرها ونحو ذلك فلا نسمع لأن المطلوب لو أقر وقال نعم على ما يدعيه أو أنكر وقامت البينة بذلك لم يحكم عليه بهذا الإقرار ولا بتلك الشهادة إذ الكل مجهول والحكم به متعذر فليس الحكم بالهروي بأولى من المروي مثلا ولا باليزيدية بأولى من المحمدية إذ من شرط صحة الحكم تعيين المحكوم به ولا تعيين هاهنا
157
157
إذا ادعى بثمن سلعة من زمن قديم ولا مانع من طلبه وعادتها تباع بالنقد وشهدت العادة أن هذا الثمن لا يتأخر وأما في الأقارب فقال مالك الحيازة المكذبة للدعوى في العقار نحو الخمسين سنة لأن الأقارب يتسامحون لبر القرابة أكثر من الأجانب
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وهكذا نقله غير واحد وهو ظاهر على أحد القولين في قول ابن عاصم ومن لطالب بحق شهدا ولم يحقق عند ذاك العدد إلخ وقال المازري تسمع الدعوى بالمجهول البساطي وهو الصواب لقولهم يلزم الإقرار بالمجهول ويؤمر بتفسيره فكذلك هذا يؤمر بالجواب لعله يقر فيؤمر بالتفسير ويسجن له
فإن ادعى المقر الجهل أيضا فانظر ما يأتي عند قوله ومن لطالب بحق شهدا إلخ وانظر شرحنا للشامل أول باب الصلح قال الحطاب مسائل المدونة مريحة في صحة الدعوى بالمجهول المازري وليس منه الدعوى على سمسار دفع إليه ثوبا ليبيعه بدينارين وقيمته دينار ونصف لأن الدعوى هنا تعلقت بأمر معلوم في الأصل ولا يضره كونه لا يدري ما يجب له على السمسار هل الثمن الذي سماه إن باع أو قيمته إن استهلكه أو غيبه إن لم يبع ا ه إلخ
قلت الدعوى هنا إنما هي في الثوب وهو معين فهو يطالبه برده لكن إن استهلك أو باع فيرد الثمن أو القيمة لقيامهما مقامه تأمل
ا ه
كلام التسولي وفي الأصل قالت الشافعية لا يصح دعوى المجهول إلا في الإقرار والوصية لصحة القضاء بالوصية المجهولة كثلث المال والمال غير معلوم وصحة الملك في الإقرار بالمجهول من غير حكم ويلزمه الحاكم بالتعيين وقاله أصحابنا وقالت الشافعية إن ادعى بدين فإن كان من الأثمان ذكر الجنس دنانير أو دراهم والنوع مصرية أو مغربية والصفة صحاحا أو مكسرة والمقدار والسكة وإن كان من غير الأثمان فإن كان مما تضبطه الصفة ذكر الصفات المعتبرة في السلم والأحوط أن يذكر معها القيمة وإن كان مما لا تضبطه الصفة كالجواهر فلا بد من ذكر القيمة من غالب نقد البلد ويذكر في الأرض والدار اسم الصقع والبلد وفي السيف المحلى بالذهب قيمته فضة وبالفضة قيمته ذهبا أو بهما قومه بما يشاء لأنه موضع ضرورة وهذا لا يخالفه أصحابنا وقواعدنا تقتضيه ا ه
الشرط الثاني
تحقق الدعوى بالمدعى فيه أي جزمها وقطعها بأن يقول لي عليه كذا احترازا من نحو أشك أو أظن أن لي كذا فإنها لا تسمع قال الأصيل وفي اشتراط أصحابنا والشافعية هذا نظر لأن من وجد وثيقة في تركة موروثه أو أخبره عدل بحق له فلا يفيده ذلك إلا الظن ومع ذلك يجوز له الدعوى به وإن شهد بالظن كما لو شهد بالاستفاضة والسماع والفلس وحصر الورثة وصرح بالظن الذي هو مستنده في الشهادة فلا يكون قادحا فكذلك هاهنا لأن ما جاز الإقدام معه لا يكون النطق به قادحا قال التسولي على العاصمية وأجاب بعضهم بأن الظن هاهنا لقوته نزل منزلة القطع ألا ترى أنه قد جاز له الحلف معه
قال خليل واعتمد الباب على ظن قوي كخطه أو خط أبيه إلخ ثم عدم سماعها في الظن الذي لا يفيد القطع مبني على الفول بأن
158
158
أما لدون هذا القدر من الطول فلا تكون الدعوى كاذبة وخالفنا الشافعي رضي الله عنه وسمع الدعوى في جميع هذه الصور لنا النصوص المتقدمة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
يمين التهمة لا تتوجه أبو الحسن والمشهور توجهها ابن فرحون يريد بعد إثبات كون المدعى عليه ممن تلحقه التهمة ا ه
وعليه فتسمع فيمن ثبتت تهمته وإلا فلا خليل واستحق به بيمين إن حقق ويمين تهمة بمجرد النكول إلخ
وقال ابن عاصم وتهمة إن قويت بها تجب يمين متهوم إلخ قال التسولي ولقائل أن يقول إن الدعوى تسمع هاهنا ولو قلنا بعدم توجه عين التهمة فيؤمر بالجواب لعله يقر فتأمله فلو قال أظن أن لي عليه ألفا فقال الآخر أظن أني قضيته لم يقض عليه بشيء لتعذر القضاء بالمجهول إذ كل منها شاك في وجوب الحق له أو عليه فليس القضاء بقول المدعي بأولى من القضاء بقول الآخر فلو قال المطلوب نعم كان له الألف علي وأظن أني قضيته لزمه الألف قطعا وعليه البينة أنه قضاه ثم قال التاودي والتسولي والتحقق في هذا الشرط راجع للتصديق والعلم والبيان في الشرط الأول راجع للتصور فلا يغني أحدهما عن الآخر كما لابن عبد السلام في كلام ابن الحاجب ا ه
الشرط الثالث
كون المدعى فيه ذا غرض صحيح أي يترتب عليه نفع شرعي احتراز من الدعوى بقمحة أو شعيرة أو عشر سمسمة ونحو ذلك ولذا لا يمكن المستأجر للبناء ونحوه من قلع ما لا قيمة له
الشرط الرابع كون المدعي فيه مما لو أقر به المطلوب لقضى عليه به احترازا من الدعوى بأنه قال داري صدقوا بيمين مطلقا أو بغيرها ولم يعين إلخ ومن الدعوى عليه بالوصية للمساكين ومما يؤمر فيه بالطلاق من غير قضاء كقوله إن كنت تحبيني أو تبغضيني ومن الدعوى على المحجور ببيع ونحوه من المعاملات فلا يلزمه ولو ثبت بالنية بخلاف ما إذا ثبت عليه الاستهلاك أو الغصب ونحوهما خليل وضمن ما أفسد إن لم يؤمن عليه ا ه
قال التسولي وظاهر هذا أن المحجور لا تسمع الدعوى عليه في المعاملات ولو نصبه وليه لمعاملات الناس بمال دفعه إليه للتجارة ليختبره وهو كذلك إذ الدين اللاحق لا يلزمه لا فيما دفع إليه ولا فيما بقي ولا في ذمته لأنه لم يخرج بذلك من الولاية قاله في المدونة وقيل يلزمه ذلك في المال المدفوع إليه خاصة وهذا إذا لم يصن به ماله وإلا فيضمن في المال المصون وهو محمول على عدم التصوين وانظر ما يأتي لنا عند قوله وجار للوصي فيما حجرا إعطاء بعض ماله مختبرا قال والظاهر أن هذا الشرط يغني عن الذي قبله ولا يحترز به عن دعوى الهبة والوعد لأنه يؤمر بالجواب فيهما ولو على القول بعدم لزومهما بالقول لاحتمال أن يقر ولا يرجع عن الهبة ولا يخلف وعده ا ه كلام التسولي قلت وأشار بقوله ولا يحترز به إلخ لدفع قول التاودي أنه احتراز من دعوى الهبة على القول الشاذ وهو أنها لا تلزم بالقول ا ه
الشرط الخامس كون العادة لا تكذب الدعوى بالمدعى فيه قال التسولي واحترز به من الدعوى بالغصب والفساد على رجل صالح خليل وأدب مميز كمدعيه على صالح ا ه ومن مسألة الحيازة المعتبرة فإن الدعوى لا تسمع فيها وقيل تسمع ويؤمر المطلوب بجوابها لعله
159
159
فارغة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
يقر أو ينكر فيحلف قاله الحطاب وهو المعتمد ا ه
وفي الأصل أنه احتراز عن الدعوى التي تكذبها العادة كدعوى الحاضر الأجنبي ملك دار في يد زيد وهو حاضر يراه يهدم ويبني ويؤاجر مع طول الزمان من غير وازع يزعه عن الطلب من رهبة أو رغبة فلا تسمع دعواه لظهور كذبها والسماع إنما هو لتوقع الصدق فإذا تبين الكذب عادة امتنع توقع الصدق
واختلفوا في طول الزمان الذي تكذب به العادة دعوى الحاضر الأجنبي فلم يحده مالك بالعشيرة بل قال من أقامت بيده دار سنين يكري ويهدم ويبني فأقمت ببينة أنها لك أو لأبيك أو لجدك وثبتت المواريث وأنت حاضر تراه يفعل ذلك فلا حجة لك فإن كنت غائبا أفادك إقامة البينة والعروض والحيوان والرقيق كذلك وكذلك قال الأصحاب في كتاب الإجارات إذا ادعى بأجرة من سنين لا تسمع دعواه إن كان حاضرا ولا مانع له وكذلك إذا ادعى بثمن سلعة من زمن قديم ولا مانع من طلبه وعادتها تباع بالنقد وشهدت العادة أن هذا الثمن لا يتأخر وقال ربيعة عشر سنين تقطع الدعوى للحاضر إلا أن يقيم ببينة أنه أكرى أو أسكن أو أعار ولا حيازة على غائب وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من حاز شيئا عشر سنين فهو له ولقوله تعالى وأمر بالعرف فكل شيء يكذبه العرف وجب أن لا يؤمر به بل يؤمر بالملك لحائزه لأن العرف
وقال ابن القاسم الحيازة من الثمانية إلى العشرة وأما في الأقارب فقال مالك الحيازة المكذبة للدعوى في العقار نحو الخمسين سنة لأن الأقارب يتسامحون لبر القرابة أكثر من الأجانب إما لدون هذا القدر من الطول فلا تكون الدعوى كاذبة وخالفنا الشافعي رضي الله عنه وسمع الدعوى في جميع هذه الصور لنا النصوص المتقدمة وهذا قسم من أقسام الدعوى الثلاثة ويبقى قسمان داخلان تحت قاعدة الدعوى الصحيحة
الأول
ما تصدقها العادة كدعوى القريب الوديعة
والثاني ما لم تقض العادة بصدقها ولا بكذبها كدعوى المعاملة ويشترط فيها الخلطة وسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى في بيان قاعدتي من يحلف ومن لا ا ه كلام الأصل وصححه ابن الشاط
تنبيهان الأول قال التسولي علم مما مر أن هذه الشروط كلها مبحوث فيها ما عدا الشرط الرابع ا ه فافهم
التنبيه الثاني قال التاودي على العاصمية هذه شروط الدعوى وأما الدعوى نفسها فقال القرافي هي طلب معين كهذا الثوب وما في ذمة معين كالدين والسلم وادعاء ما يترتب عليه أحدهما أي ما يترتب عليه المعين كدعوى المرأة على زوجها الطلاق أو الردة لتحرر نفسها وهي معينة وما يترتب عليه ما في ذمة معين كدعوى المسيس أو القتل ليترتب الصداق والدية في ذمة العاقلة المعينة بالنوع ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم

160
160
الفرق الثاني والثلاثون والمائتان بين قاعدة المدعي وقاعدة المدعى عليه
فإنهما يلتبسان فليس كل طالب مدعيا وليس كل مطلوب منه مدعى عليه ولأجل ذلك وقع الخلاف بين العلماء فيهما في عدة مسائل والبحث في هذا الفرق بحث عن تحقيق قوله عليه السلام البينة على من ادعى واليمين على من أنكر من هو المدعي الذي عليه البينة ومن هو المدعى عليه الذي يحلف فضابط المدعي والمدعى عليه فيه عبارتان للأصحاب إحداهما أن المدعي هو أبعد المتداعيين سببا والمدعى عليه هو أقرب المتداعيين سببا والعبارة الثانية وهي توضح الأولى المدعي من كان قوله على خلاف أصل أو عرف والمدعى عليه من كان قوله على وفق أصل أو عرف وبيان ذلك بالمثل أن اليتيم إذا بلغ وطلب الوصي بما له تحت يده فقال أوصلتك فإنه مدعى عليه والوصي المطلوب مدع
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الفرق الثاني والثلاثون والمائتان بين قاعدتي المدعي والمدعى عليه
وفيه اختلفت عبارة العلماء تحقيقا لمن هو المدعي الذي عليه البينة ولمن هو المدعي الذي يحلف في قوله صلى الله عليه وسلم البينة على من ادعى واليمين على من أنكر لأن بينهما التباسا وعلم القضاء يدور على التمييز بينهما لقول سعيد بن المسيب رضي الله عنه من ميز بينهما فقد عرف وجه القضاء كما في تسولي العاصمية فقيل كل طالب فهو مدفوع وكل مطلوب فهو مدعى عليه
وقال ابن المسيب رضي الله عنه كل من قال قد كان فهو مدع وكل من قال لم يكن فهو مدعى عليه ا ه
وللأصحاب فيه عبارتان توضح ثانيهما الأولى أحدهما أن المدعي هو أبعد المتداعيين سببا والمدعى عليه هو أقرب المتداعيين سببا والثانية أن المدعي من كان قوله على خلاف أصل أو عرف أي مجردا عنهما معا فأو هنا بمعنى الواو والمدعى عليه من كان قوله على وفق أصل أو عرف قال التسولي وبمعنى العرف العادة والشبه والغالب كما يعلم مما سيأتي من الأمثلة وأو هنا مانعة خلو فقط فتجوز الجمع ومن أمثلة ما وافق المدعى عليه فيه الأصل وحده وخالفه المدعي من ادعى على شخص دينا أو غصبا أو جناية ونحوهما فإن الأصل عدم هذه الأمور
والقول قول المطلوب منه مع يمينه لأن الأصل يعضده ويخالف الطالب وهذا مجمع عليه ومنها اختلاف اليتيم بعد بلوغه ورشده مع وصية في الدفع فإن اليتيم متمسك بالأصل الذي هو عدم الدفع فهو مدعى عليه وإن كان طالبا فعليه اليمين والوصي مدع وإن كان مطلوبا لأنه غير أمين في الدفع عند التنازع لقوله تعالى فأشهدوا عليهم فعليه البينة ومن أمثلة ما وافق المدعى عليه فيه العرف وحده من ادعى الشراء أو الهبة من حائز للمدعي فيه مدة الحيازة فالحائز مدعى عليه لأنه تقوى جانبه بالحيازة والقائم مدع ومنها جزار ودباغ تداعيا جلدا تحت يدهما ولا يد عليه فالجزار مدعى عليه والدباغ مدع فإن كانت تحت يد أحدهما فالحائز مدعى عليه ومنها قاض وجندي تداعيا رمحا تحت يدهما أو لا يد عليه فالجندي مدعى عليه
161
161
فعليه البينة لأن الله تعالى أمر الأوصياء بالإشهاد على اليتامى إذا دفعوا إليهم أموالهم فلم يأتمنهم على الدفع بل على التصرف والإنفاق خاصة وإذا لم يكونوا أمناء كان الأصل عدم الدفع وهو يعضد اليتيم ويخالف الوصي فهذا طالب واليمين عليه لأنه مدعى عليه والوصي مطلوب وهو مدع وكذلك طالب الوديعة التي سلمها للمودع عند بينة لأنه لم يأتمن المودع عنده لما أشهد عليه فالقول قول صاحب الوديعة مع بينة وإن كان طالبا لأن ظاهر حال المودع عنده لما قبض ببينة أنه لا يعطي إلا ببينة
والأصل أيضا عدم الدفع فاجتمع الأصل والغالب وهما يعضدان صاحب الوديعة ويخالفان القابض لها وكذلك القراض إذا قبض ببينة فإن قبضت الوديعة أو القراض بغير بينة فالقول قول العامل والمودع عنده لأن يدهما يد أمانة صرفة والأمين مصدق ونظائر هذا كثيرة يكون الطالب فيها
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
والقاضي مدع ومنها عطار وصباغ تداعيا مسكا وصبغا فالعطار مدع في الصبغ مدعى عليه في المسك والصباغ بالعكس ومنها اختلاف الزوجين في متاع البيت فللمرأة المعتاد للنساء ما لم يزد على نقد صداقها وهي معروفة بالفقر ومنه النكول ودعوى الشبه عند الاختلاف في الصداق أو البيع أو غيرهما ومنها دعوى العامل في القراض أو المودع عنده الرد حيث قبضا بغير إشهاد فالمدعى عليه في هذه الأمثلة هو من تقوى جانبه بسبب من حيازة أو شبه أو نكول صاحبه أو أمانة أو كون المتنازع فيه مما شأنه أن يكون له والمدعي من تجرد قوله عن ذلك السبب كما في التسولي على العاصمية
ومن أمثلة ما وافق المدعى عليه فيه الأصل والعرف معا طالب الوديعة التي سلمها للمودع عنده ببينة لأنه لو ائتمن المودع عنده لما أشهد عليه فالقول قول صاحب الوديعة بيمينه فهو المدعى عليه وإن كان طالبا والمودع عنده مدع عليه البينة وإن كان مطلوبا لأن ظاهر حاله لما قبض ببينة أنه لا يعطي إلا ببينة والأصل أيضا عدم الدفع فالأصل والغالب معا يعضدان صاحب الوديعة ويخالفان المودع عنده وكذلك القراض إذا قبض ببينة قال التسولي على العاصمية وإذا تمسك كل منهما بالعرف كما إذا أشبها معا فيما يرجع فيه للشبه كتنازع جزار مع جزار في جلد ونحو ذلك ولم يكن بيد أحدهما حلفا وقسم بينهما وإذا تمسك كل منهما بالأصل كدعوى المكتري للرحى أو الدار أنه انهدمت أو انقطع الماء عنها ثلاثة أشهر وقال المكتري شهران فقط اختلف فيمن يكون مدعى عليه منهما فقيل المكتري لأن الأصل براءة ذمته من الغرامة فيستصحب ذلك وقيل المكري لأن عقد الكراء أوجب دينا في ذمة المكتري وهو يدعي إسقاط بعضه فلا يصدق وكذلك لو قبض شخص من رجل دنانير فلما طلبه بها الدافع زعم أنه قبضها من مثلها المرتب له في ذمته فإن اعتبرنا كون الدافع بريء الذمة من سلف هذا القابض كان الدافع مدعى عليه وهو الراجح كما لابن رشد وأبي الحسن وغيرهما وإن اعتبرنا حال القابض وأن الأصل فيه أيضا براءة الذمة فلا يؤاخذ بأكثر مما أقر به جعلناه هو المدعى عليه فافهم فبهذه الوجوه صعب علم القضاء قال وإذا تعارض الأصل والغالب قدم الشافعية الأصل في جميع صور التعارض
وقدم المالكية الغالب لقوله تعالى وأمر بالعرف فكل أصل كذبه العرف كما إذا
162
162
مدعى عليه ويعتمد أبدا الترجيح بالعوائد وظواهر الأحوال والقرائن فيحصل لك من هذا النوع ما لا ينحصر عدده ومن هذا الباب إذا تداعى بزاز ودباغ جلدا كان الدباغ مدعى عليه أو قاض وجندي رمحا كان الجندي مدعى عليه وعليه مسألة الزوجين إذا اختلفا في متاع البيت أن يقول قول الرجل فيما يشبه قماش الرجال والقول قول المرأة فيما يشبه قماش النساء وإذا تنازع عطار وصباغ في مسك وصبغ قدم العطار في المسك والصباغ في الصبغ وقد تقدمت هذه المسألة والخلاف فيها مع الشافعي رضي الله عنه وكذلك خالفنا في هذه المسائل المتقدمة كلها وحجتنا النصوص المتقدمة وأما الأصل وحده من غير ظاهر ولا عرف فمن ادعى على شخص دينا أو غصبا أو جناية ونحوها فإن الأصل عدم هذه الأمور والقول قول المطلوب منه مع يمينه لأن الأصل يعضده ويخالف الطالب وهذا مجمع عليه وإنما الخلاف في الظواهر المتقدمة وظهر لك بهذا قول الأصحاب أن المدعي هو أضعف المتداعيين سببا والمدعى عليه هو أقوى المتداعيين سببا
تنبيه ما ذكرناه من الظواهر ينتقض بما اجتمعت عليه الأمة من أن الصالح التقي الكبير العظيم المنزلة والشأن في العلم والدين بل أبو بكر الصديق أو عمر بن الخطاب لو ادعى على أفسق الناس وأدناهم درهما لا يصدق فيه وعليه البينة وهو مدع والمطلوب مدعى
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
شهدت البينة بدين ونحوه فإن الغالب صدقها والأصل براءة ذمة المشهود عليه وجب أن لا يعمل به إلا في مسألة ما إذا ادعى الصالح التقي الكبير العظيم المنزلة والشأن من العلم والدين بل أبو بكر الصديق أو عمر الفاروق ابن الخطاب على أفسق الناس وأدناهم درهما واحدا فإن الغالب صدقه والأصل براءة الذمة فيقدم الأصل على الغالب في هذه عند المالكية ا ه بتصرف وتوضيح
لكن قال الأصل أن إلغاء الأصل في البينة إذا شهدت بدين ونحوه أجمعت عليه الأمة كما أن إلغاء الغالب في مجرد دعوى الدين ونحوه وإن كان الطالب أصلح الناس وأتقاهم لله تعالى على أفسق الناس بدرهم واحد كذلك أجمعت عليه الأمة فليس في كون الملغى الأصل أو الغالب عند تعرضهما على الإطلاق وبهذا الإجماع احتج الشافعية علينا في تقديم الغالب على الأصل في دعوى المرأة المسيس وعدم الإنفاق ونحوهما مما شهد العرف فيه للمدعي كما مر ويوضحه ما في حاشية العطار على محلي جمع الجوامع قال زكريا وفي قواعد الزركشي تعارض الأصل والغالب فيه قولان ولجريان القولين ثلاثة شروط
أحدها
أن لا تطرد العادة بمخالفة الأصل وإلا قدمت قطعا ولذا حكم بنجاسة الماء الهارب في الحمام لاطراد العادة بالبول فيه الثاني أن تكثر أسباب الظاهر فإن ندرت لم ينظر إليه قطعا
163
163
عليه والقول قوله مع يمينه وعكسه لو ادعى الطالح على الصالح لكان الحكم كذلك وبهذا يحتج الشافعي علينا ويجيب عما تقدم ذكره بذلك وكما أن هذه الصور حجة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
ولذا اتفق الأصحاب بالأخذ بالوضوء فيمن تيقن الطهارة وغلب على ظنه الحدث مع إجزائهم القولين فيما يغلب على الظن نجاسته هل يحكم بنجاسته وفرق الإمام بأن الأسباب التي تظهر بها النجاسة كثيرة جدا وهي في الأحداث قليلة ولا أثر للنادر والتمسك باستصحاب اليقين أولى
الثالث
أن لا يكون مع أحدهما ما يعتضد به وإلا فالعمل بالترجيح متعين والضابط أنه إذا كان الظاهر حجة يجب قبولها شرعا كالشهادة والرواية فهو مقدم على الأصل قطعا وإن لم يكن كذلك بل كان سنده العرف أو القرائن أو غلبة الظن فهذه يتفاوت أمرها فتارة يعمل بالأصل وتارة يعمل بالظاهر وتارة يخرج خلاف فهذه أربعة أقسام الأول ما قطعوا فيه بالظاهر كالبينة الثاني ما فيه خلاف والأصح تقدم الظاهر كما في اختلاف المتعاقدين في الصحة والفساد فالقول لمدعي الصحة على الأظهر لأن الظاهر من العقود الجارية بين المسلمين الصحة وإن كان الأصل عدمها الثالث ما قطعوا فيه بالأصل وإلغاء القرائن الظاهرة كما لو اشتبه محرمة بنسوة قرية كبيرة فإن له نكاح من شاء منهن لأن الأصل الإباحة
الرابع ما فيه خلاف والأصح تقديم الأصل كما في ثياب مدمني النجاسة وطين الشارع الذي يغلب على الظن اختلاطه بالنجاسة والمقابر التي يغلب على الظن نبشها فإن الأصح فيها الطهارة ا ه المراد بتلخيص فافهم
هذا والذي تحصل من بيان ما للأصحاب من الفرقين الأخيرين بين المدعي والمدعى عليه بالأمثلة المذكورة وأنها بمعنى واحد وأنهما مطردان وأن الفرق الأول غير مطرد لنقضه بما تقدم في الوديعة مع الإشهاد واليتيم مع وصية ونحو ذلك كدعوى المرأة المسيس على زوجها في خلوة الاهتداء وادعى هو عدمه فإن كلا منهم طالب مع أنه مدعى عليه فلذا قال الأصل فليس كل طالب مدعيا وليس كل مطلوب منه مدعى عليه ا ه وسلمه ابن الشاط
وأما فرق ابن المسيب فكذلك قيل أنه غير مطرد لنقضه بدعوى المرأة على زوجها الحاضر أنه لم ينفق عليها وقال هو أنفقت وبدعوى المرأة المسيس على زوجها في خلوة الاهتداء وادعى عدمه فهو مدعى عليه في الأولى لشهادة العرف له وهي مدعية وهما في الثانية على العكس وفرق ابن المسيب يقتضي أنها في الأولى مدعى عليها لأنها تقول لم يكن وفي الثانية مدعية لأنها تقول قد كان كما في التسولي على العاصمية قال وأجيب بأن الرد المذكور للتعريفين أي للمدعي والمدعى عليه بما ذكر أي الفرق الأول
وفرق ابن المسيب إنما يتم ولو كان القائل بهما يسلم أن الطالب ومن يقول قد كان فيما ذكر أي من المسائل التي تقضي بها الراد كلا من التعريفين المذكورين مدعى عليه وإلا فقد يقول إنه مدع قام له شاهد من عرف أو أصل ولا يحتج على الإنسان بمذهب مثله واختار هذا الجواب ابن رحال والحاصل على ما يظهر من كلامهم وهو الذي يوجبه النظر أن المتداعيين أن يتمسك أحدهما بالعرف فقط كالاختلاف في متاع البيت ودعوى الشبه واختلاف القاضي والجندي في الرمح والجزار والدباغ في الجلد ونحو ذلك مما لم يتعارض فيه العرف والأصل وأما أن يتمسك بالأصل فقط كالاختلاف في أصل الدين وفي قضائه وفي دعوى الحائز نفسه
164
164
للشافعي فهو نقض على قولنا المدعي من خالف قوله أصلا أو عرفا والمدعى عليه من وافق قوله أصلا أو عرفا فإن العرف في هذه الصور شاهد وكذلك الظاهر وقد ألغيا إجماعا فكان ذلك مبطلا للحدود المتقدمة ونقصا على المذهب فتأمل ذلك
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الحرية ودعوى رب المال والمودع عدم الرد مع دفعهما بإشهاد ودعوى اليتيم عدم القبض ونحو ذلك فالمدعى عليه في هذين أي أمثلة شهادة العرف فقط أو الأصل فقط هو المتمسك بذلك العرف أو الأصل على تعريف الأصحاب وهو المطلوب ومن يقول لم يكن على التعريفين الأولين وإما أن يتمسك أحدهما بالأصل والآخر بالعرف فيأتي الخلاف كدعوى الزوج على سيد الأمة أنه غره بتزويجها فالأصل عدم الغرور وبه قال سحنون والغالب عدم رضا الحر بتزويج الأمة وبه قال أشهب وهو الراجح وكمسألة اختلاف المتراهنين في قدر الدين فإن الرهن شاهد عرفي والأصل براءة ذمة الراهن وكمسألة الحيازة المتقدمة ودعوى عامل القراض والمودع عنده الرد مع عدم الإشهاد لأن الغالب صدق الأمين ودعوى المرأة المسيس وعدم الإنفاق ونحو ذلك فالمدعى عليه في مثل هذا على تعريف الأصحاب هو المتمسك بالعرف لأن قولهم أو عرف أعم من كونه عارضه أصل أم لا وعلى التعريفين الأولين
هو المطلوب ومن يقول لم يكن لكن لما ترجح جانب المدعي فيها بشهادة العرف لأنه أقوى صار المدعي مدعى عليه ويدل لهذا قول ابن رشد ما نصه المعنى الذي من أجله وجب على المدعي إقامة البينة تجرد دعواه من سبب يدل على صدقه فيما يدعيه فإن كان له سبب يدل على صدقه أقوى من سبب المدعى عليه كالشاهد الواحد أو الرهن وما أشبه ذلك من إرخاء الستر وجب أن يبدأ باليمين دون المدعى عليه ا ه
ونقله القلشاني وغيره فتأمل كيف سماه مدعيا وجعل الرهن وإرخاء الستور والشاهد الحقيقي سببا لصيرورته مدعى عليه لكونه في ذلك أقوى من سبب خصمه المتمسك بالأصل وقد اختلف في العرف هل هو شاهد أو كشاهد أن البرزلي القاعدة إحلاف من شهد له العرف فيكون بمثابة الشاهد وقيل هو كالشاهدين ا ه
وقد درج خليل في مواضع على أنه كالشاهد منها قوله في الرهن وهو كالشاهد في قدر الدين وقد عقد في التبصرة بابا في رجحان قول المدعي بالعوائد وقال القرافي أجمعوا على اعتبار الغالب وإلغاء الأصل في البينة إذا شهدت فإن الغالب صدقها والأصل براءة ذمة المشهود عليه ا ه فهذا كله يوضح لك الجواب المتقدم عما ورد على التعريفين الأولين
ويدلك على عدم الفرق بين التعاريف الثلاثة لأن المدعي قد ينقلب مدعى عليه لقيام سبب أقوى من سبب خصمه كان ذلك السبب حقيقيا أو عرفيا إلا أن العرفي لا يقوى عندهم قوة الحقيقي فليست اليمين معه تكملة للنصاب حتى يؤدي ذلك لنفي يمين الإنكار بدليل أنه إذا انضم إليه شاهد حقيقي لا يثبت الحق بدون اليمين كما نقله بعضهم عن المتيطي عند قول خليل وهو كالشاهد إلخ فاعتراض التاودي على الجواب السابق بكونه يؤدي لنفي يمين الإنكار إلخ ساقط ا ه بتوضيح المراد فانهم
تنبيه قال الأصل خولفت قاعدة الدعاوى أي من قبول قول المطلوب دون الطالب في خمس مواطن يقبل فيها قول الطالب أحدها اللعان يقبل فيه قول الزوج لأن العادة أن الرجل ينفي عن زوجه الفواحش
165
165
تنبيه قال بعض العلماء قول الفقهاء إذا تعارضا الأصل والغالب يكون في المسألة قولان ليس على إطلاقه بل اجتمعت الأمة على اعتبار الأصل وإلغاء الغالب في دعوى الدين ونحوه فالقول قول المدعى عليه وإن كان الطالب أصلح الناس وأتقاهم لله تعالى ومن الغالب عليه أن لا يدعي إلا ماله فهذا الغالب ملغى إجماعا واتفق الناس على تقديم الغالب وإلغاء الأصل في البينة إذا شهدت فإن الغالب صدقها والأصل براءة ذمة المشهود عليه وألغي الأصل هنا إجماعا عكس الأول فليس الخلاف على الإطلاق
تنبيه خولفت قاعدة الدعاوى في خمس مواطن يقبل فيها قول الطالب أحدها اللعان يقبل فيه قول الزوج لأن العادة أن الرجل ينفي عن زوجه الفواحش فحيث أقدم على رميها بالفاحشة مع إيمانه أيضا قدمه الشرع وثانيها القسامة يقبل فيها قول الطالب لترجحه باللوث و ثالثها قبول قول الأمناء في التلف لئلا يزهد في قبول الأمانات فتوقف مصالحها المترتبة على حفظ الأمانات ورابعها يقبل قول الحاكم في التجريح والتعديل وغيرهما من الأحكام لئلا تفوت المصالح المترتبة على الولاية للأحكام
وخامسها قبول قول الغاصب في التلف مع يمينه لضرورة الحاجة لئلا يخلد في الحبس ثم الأمين قد يكون أمينا من جهة مستحق الأمانة أو من قبل الشرع كالوصي والملتقط ومن ألقت الريح ثوبا في بيته
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
فحيث أقدم على رميها بالفاحشة مع أيمانه أيضا قدمه الشرع
وثانيها في القسامة يقبل فيها قول الطالب لترجحه باللوث
وثالثها قبول قول الأمناء في التلف لئلا يزهد الناس في قبول الأمانات فتفوت مصالحها المترتبة على حفظ الأمانات والأمين قد يكون أمينا من جهة مستحق الأمانة وقد يكون من جهة الشرع كالوصي والمتلقط ومن ألقت الريح ثوبا في بيته
ورابعها قبول قول الحاكم في التجريح والتعديل وغيرهما من الأحكام لئلا تفوت المصالح المرتبة على الولاية للأحكام
وخامسها قبول قول الغاصب في التلف مع يمينه لضرورة الحاجة لئلا يخلد في الحبس ا ه وسلمه ابن الشاط لكن قال التسولي على العاصمية فتأمل عده اللعان والقسامة والأمانة فإن الظاهر أن ذلك مما قدم فيه الغالب على الأصل كما مر فلم تكن فيه مخالفة وبعضهم يعبر عن الأمين أن الغالب صدقه أي في الرد والتلف وبعد أن ذكرها المكناسي في مجالسه قال ومنها اللصوص إذا قدموا بمتاع وادعى شخص أنه له وأنهم نزعوه منه فيقبل قوله مع يمينه ويأخذه ومنها السمسار إذا ادعى عليه أنه غيب ما أعطى له للبيع وكان معلوما بالعداء وبإنكار الناس فيصدق المدعي بيمينه ويغرم السمسار ومنها السارق إذا سرق متاع رجل وانتهب ماله وأراد قتله وقال المسروق أنا أعرفه فيصدق المسروق بيمينه وهذه المسائل التي زادها لا تحملها الأصول كما لأبي الحسن ولا يخالف ما للمكناسي من قبول قول من ادعى على
166
166
الفرق الثالث والثلاثون والمائتان بين قاعدة ما يحتاج للدعوى وبين قاعدة ما لا يحتاج إليها
وتلخيص الفرق أن كل أمر مجمع على ثبوته وتعين الحق فيه ولا يؤدي أخذه لفتنة ولا تشاجر ولا فساد عرض أو عضو فيجوز أخذه من غير رفع للحاكم فمن أخذ عين المغصوب أو وجد عين سلعته التي اشتراها أو ورثها ولا يخاف من أخذها ضررا فله أخذها وما يحتاج للحاكم خمسة أنواع النوع الأول المختلف فيه هل هو ثابت أم لا فلا بد من رفع للحاكم حتى يتوجه ثبوته بحكم الحاكم فهذا النوع من حيث الجملة يفتقر إلى الحاكم في بعض مسائله دون بعض كاستحقاق الغرماء لرد عتق المديان وتبرعاته قبل الحجر عليه فإن الشافعي رضي
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
اللصوص أنهم أخذوا ما قدموا به منه ويأخذه ونحو ذلك قول القرافي الآتي في الفرق بين ما يقدم فيه النادر على الغالب وما لا ما نصه أخذ السراق المنهومين بالتهم وقرائن أحوالهم كما يفعله الأمراء اليوم دون الإقرار الصحيح والبينات المعتبرة الغالب مصادفته للصواب والنادر خطؤه ومع ذلك ألغى الشارع هذا الغالب صونا للأعراض والأطراف عن القطع ا ه
فإنه يفهم منه أنه إنما ألغى الشارع هذا الغالب بالنسبة للأعراض والأطراف لا بالنسبة للغرامة فإنه يغرم فيوافق ما للمكناسي ولهذا درج ناظم العمل على ذلك حيث قال لوالد القتيل مع يمين القول في الدعوى بلا تبيين إذا ادعى دراهما وأنكرا القاتلون ما ادعاه وطرا فلا مفهوم لقوله القتيل بل المدار على كون المدعى عليه معروفا بالغصب والعداء انظر شرحه وانظر ما يأتي في الغصب ولا بد ا ه
وفي الغصب لما ذكر كلام ناظم العمل في شرحه للبيتين ونقله عن ابن النعيم ما نصه الذي جرى به العمل عندنا في هذه النازلة ومثلها أن القول لوالد القتيل مع يمينه أي إذا ادعى دراهم من جملة المنهوب وأنكرها القاتلون والظالم أحق أن يحمل عليه وإن كان المشهور خلافه أي من القول للغاصب في القدر والوصف كما في خليل وكم من مسألة جرى الحكم فيها بخلاف المشهور ورجحها العلماء للمصالح العامة ا ه وعن العربي الفاسي في تأييده ساق بعده كلاما طويلا فراجعه والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الثالث والثلاثون والمائتان بين قاعدة ما يحتاج للدعوى وقاعدة ما لا يحتاج إليها
وهو أن ما لا يحتاج للدعوى ويجوز أخذه من غير رفع إلى الحاكم هو ما اجتمعت فيه خمسة قيود القيد
167
167
الله عنه لا يثبت لهم حقا في ذلك ومالك يثبته فيحتاج لقضاء الحاكم بذلك وقد لا يفتقر هذا النوع للحاكم كمن وهب له مشاع في عقار أو غيره أو اشترى مبيعا على الصفة أو أسلم في حيوان ونحو ذلك فإن المستحق المعتقد لصحة هذه الأسباب يتناول هذه الأمور من غير حاكم وهو كثير والمفتقر منه للحاكم قليل وفي الفرق بين ما يفتقر من هذا النوع وما لا يفتقر عسر
النوع الثاني
ما يحتاج للاجتهاد والتحرير فإنه يفتقر للحاكم كتقويم الرقيق في إعتاق البعض على المعتق وتقدير النفقات للزوجات والأقارب والطلاق على المولي بعدم الفيئة فإن فيه تحرير عدم فيئته والمعسر بالنفقة لأنه مختلف فيه فمنعه الحنفية ولأنه يفتقر لتحرير إعساره وتقديره وما مقدار الإعسار الذي يطلق به فإنه مختلف فيه فعند مالك رحمه الله لا يطلق بالعجز عن أصل النفقة والكسوة اللتان يفرضان بل بالعجز عن الضروري المقيم للبينة وإن كنا لا نفرضه ابتداء
النوع الثالث ما يؤدي أخذه للفتنة كالقصاص في النفس والأعضاء يرفع ذلك للأئمة لئلا يقع لسبب تناوله تمانع وقتل وفتنة أعظم من الأولى وكذلك التعزير وفيه أيضا الحاجة للاجتهاد في مقداره بخلاف الحدود في القذف والقصاص في الأطراف
النوع الرابع ما يؤدي إلى فساد العرض وسوء العاقبة كمن ظفر بالعين المغصوبة أو
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الأول أن يكون مجمعا على ثبوته
القيد الثاني أن يتعين الحق فيه بحيث لا يحتاج للاجتهاد والتحرير في تحقيق سببه ومقدار مسببه
القيد الثالث أن لا يؤدي أخذه لفتنة وشحناء
القيد الرابع أن لا يؤدي إلى فساد عرض أو عضو
القيد الخامس أن لا يؤدي إلى خيانة الأمانة ومثل له الأصل بمن وجد عين سلعته التي اشتراها أو ورثها فأخذها أو أخذ عين المغصوب منه وهو لا يخاف من الأخذ ضررا تسولي العاصمية نقلا عن ابن فرحون بتحريم المحرمات المتفق عليها ورد الودائع والغصوب قال ومنه العتق بالقرابة ومن أعتق جزءا في عبد بينه وبين غيره فيكمل من غير حكم على المشهور ا ه وما يحتاج للدعوى ولا يجوز أخذه إلا بعد الرفع للحاكم هو ما خلا عن قيد من القيود الخمسة المذكورة فهو خمسة أنواع
النوع الأول
ما اختلف في كونه ثابتا أم لا فلا بد فيه من الرفع للحاكم حتى يتوجه بثبوته لعم افتقار هذا النوع إلى الحاكم من حيث الجملة وإلا فالكثير من مسائله لا يفتقر للحاكم منها من وهب له مشاع في عقار أو غيره أو اشترى مبيعا على الصفة أو أسلم في حيوان ونحو ذلك فإن المستحق المعتقد لصحة هذه الأسباب يتناول هذه الأمور من غير حاكم والمفتقر من مسائله للحاكم قليل منها استحقاق الغرماء لرد عتق المديان وتبرعاته قبل الحجر عليه فإن الشافعي رضي الله عنه لا يثبت لهم حقا في ذلك ومالك رضي الله عنه يثبت فيحتاج لقضاء الحاكم بذلك وفي الفرق بين ما يفتقر من مسائله للحاكم وما لا يفتقر منها له
168
168
المشتراة أو الموروثة لكن يخاف من أخذها أن ينسب إلى السرقة فلا يأخذها بنفسه ويرفعها للحاكم دفعا لهذه المفسدة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
عسر
النوع الثاني
ما يحتاج للاجتهاد والتحرير في تحقيق سببه ومقدار مسببه فإنه يفتقر إلى الحاكم ومن أمثلته الطلاق بالإعسار والطلاق بالإضرار والطلاق على المولي وعلى نحو الغالب والمعترض قال الأصل فإن في الطلاق على المولي تحرير عدم فيئته وعلى المعسر مع قول الحنفية بمنعه تحرير إعساره وتقديره وما مقدار الإعسار الذي يطلق به فإنه مختلف فيه فعند مالك رحمه الله لا يطلق بالعجز عن أصل النفقة والكسوة اللتين تفرضان بل بالعجز عن الضروري المقيم للبينة وإن كنا لا نفرضه ابتداء ا ه
وقال ابن فرحون في التبصرة لأنه يفتقر إلى تحقيق الإعسار وهل هو ممن يلزمه الطلاق بعدم النفقة أم لا كما لو تزوجت فقيرا علمت بفقره فإنها لا تطلق عليه بالإعسار بالنفقة وكذلك تحقيق حاله وهل هو مما يرجى له شيء أم لا وكذلك تحقيق صورة الإضرار وكذلك يمين المولي ينظر هل هي لعذر أو لغير عذر كمن حلف أن لا يطأها وهي مرضع خوفا على ولده فينظر فيما ادعاه فإن كان مقصوده الإضرار طلقت عليه وإن كان لمصلحة لم تطلق عليه وكذلك التطليق على الغائب وكذلك التطليق على المفترض ونحو هؤلاء ثم نقل عن ابن عتاب ما خلاصته أن الحق إذا كان للمرأة خالصا فإنقاذ الطلاق إليها مع إباحة الحاكم لها ذلك بأن يقول للقائمة عنده بعدم النفقة بعد كمال نظره بما يجب إن شئت أن تطلقي نفسك وإن شئت التربص عليه فإن طلقت أشهدت على ذلك وحجة ذلك من السنة حديث بريرة فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت أملك بنفسك إن شئت أقمت مع زوجك وإن شئت فارقتيه وقد روي عن ابن القاسم في امرأة المعترض تقول لا تطلقوني وأنا أصبر إلى أجل آخر قال ذلك لها ثم تطلق نفسها متى شاءت بغير سلطان وكذلك الذي يحلف ليقضين فلانا حقه أنه يوقف عن امرأته فإذا جاءت أربعة أشهر قيل له فيء وإلا طلقنا عليك فتقول امرأته أنا أنظره شهرين أو ثلاثة فذلك لها ثم تطلق متى شاءت بغير أمر سلطان ا ه فهذه الرواية ظاهرة في أن المرأة تطلق نفسها ولا اعتراض بما في السؤال من قول المرأة لا تطلقوني لأنها جهلت أن ذلك لها ولأنه أعقب ذلك بالبيان بأنها هي المطلقة بعد التأخير فكذلك تكون هي المطلقة في المسألة السابقة إن أحبت ذلك وكذلك لا اعتراض بقوله في مسألة المولي وإلا طلقنا عليك لأن معناه أنا نجعل ذلك إلى المرأة فتنفذ هي طلاقها إن شاءت وطلاق المولي على قسمين قسم توقعه المرأة وهو في الصورة المتقدمة وقسم يوقعه الحاكم
وهو إذا قال لها إن وطئتك فأنت طالق ثلاثا ففيها أقوال أحدها أنه مول ولا يمكن من وطئها لأن باقي وطئه بعد التقاء الختانين حرام فإذا رفعته إلى الحاكم فإن الحاكم ينجز عليه الطلاق قاله ابن القاسم وإن لم ترفعه ورضيت بالمقام بلا وطء فلها ذلك قال ابن سهل سمعت أبا مروان بن مالك القرطبي يستحسن إيراد هذه المسألة من الشيخ ابن عتاب
169
169
النوع الخامس
ما يؤدي إلى خيانة الأمانة إذا أودع عندك من لك عليه حق وعجزت عن أخذه منه لعدم اعترافه أو عدم البينة عليه فهل لك جحد وديعته إذا كانت قدر حقك من جنسه أو من غير جنسه فمنعه مالك لقوله عليه السلام أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
ويقول لو كانت لأحد من المتقدمين لعدت من فضائله قال ابن سهل وفي سماع عيسى عن ابن القاسم فيمن تزوج حرة على أنه حر فإذا هو عبد قال لها أن تختار قبل أن ترفع ذلك إلى السلطان فما طلقت به نفسها جاز عليه وأما المجزوم فلا خيار لها حتى ترفع ذلك إلى السلطان ثم ليس للسلطان أن يفوض إليها أمرها تطلق متى شاءت ولكن على السلطان إذا كرهته وأرادت فراقه أن يفرق بينهما بواحدة إذا يئس من برئه وكذلك المجنون إلا أنه يضرب له أجل سنة كان موسوسا أو يغيب مرة ويفيق أخرى وهذا يوضح المعنى الذي قصده أبو عبد الله بن عتاب من تقسيم الطلاق المحكوم به إلى قسمين قسم توقع المرأة خاصة دون الحاكم وقسم ينفذه الحاكم بغير إذن المرأة وإن كرهت إيقاعه كزواجها بغير ولي وتزويجها ممن ليس بكفء ونكاحها للفاسق ومن تزوجت مع وجود ولدها ولم يستأذنه وليها الذي زوجها على ما فيه من التفصيل وأنواع الأنكحة الفاسدة وهو باب يطول تعدده ا ه كلام ابن فرحون قال ومن أمثلة هذا النوع أيضا تفليس من أحاط الدين بماله وكذا بيع أعتقه المديان لتعارض حق الله تعالى في العتق وحق الغرماء في المالية
وكذلك إذا هرب الجمال وكان الزمان غير معين ولم يفت المقصود فإذا رفع ذلك إلى السلطان نظر في ذلك فيفسخه عنه إن كان في الصبر مضرة ولا ينفسخ بغير حكم الحاكم من كتاب قيد المشكل وحل المعضل لابن ياسين ومنها من أعتق نصف عبده فإنه لا يعتق عليه بقية العبد إلا بالحكم لتعارض حق الله تعالى في العتق وحق السيد في الملك وحق العبد في تخليص الكسب وأيضا لقوة الخلاف في التكميل عليه ومنها تعجيز المكاتب إذا كان له مال ظاهر لا يكون إلا بالحكم فلو رضي بتعجيز نفسه هو وسيده لم يكن لهما ذلك ومنها ما إذا حلف ليضربن عبده ضربا مبرحا فعتقه عليه يفتقر لحكم الحاكم لأنه لا يدري هل ثم جناية تقتضي مثل هذا الضرب أم لا ويحتاج بعد وقوع الضرب من السيد إلى تحقيق كون ذلك الضرب مبرحا بذلك العبد وهل السيد عاص به فيعتق عليه لأن الحلف على المعصية يوجب تعجيل العتق أو ليس عاصيا فلا يلزمه عتق ا ه ومنها كما في الأصل تقدير النفقات للزوجات والأقارب
النوع الثالث ما يؤدي أخذه للفتنة والشحناء قال ابن فرحون في التبصرة ومن أمثلته الحدود فإنها تفتقر إلى حكم الحاكم وإن كانت مقاديرها معلومة لأن تفويضها لجميع الناس يؤدي إلى الفتن والشحناء والقتل وفساد الأنفس والأموال قال ومنها قسمة الغنائم
وإن كانت معلومة المقادير وأسباب الاستحقاقات فلا بد فيها من الحاكم إذ لو فوضت لجميع الناس لدخلهم الطمع وأحب كل إنسان لنفسه من كرائم الأموال ما يطلبه غيره فيؤدي إلى الفتن ومنها جباية الجزية وأخذ الخراجات من أراضي العنوة ولو جعلت للعامة لفسد الحال ا ه ومنها كما في الأصل القصاص في النفس والأعضاء إذ لو لم يرفع للأئمة لأدى بسبب تناوله تمانع وقتل وفتنة أعظم من الأولى
170
170
تخن من خانك وأجازه الشافعي لقوله صلى الله عليه وسلم لهند ابنة عتبة امرأة أبي سفيان لما شكت إليه أنه بخيل لا يعطيها وولدها ما يكفيهما فقال لها عليه السلام خذي لك ولولدك ما يكفيك بالمعروف ومنشأ الخلاف هل هذا القول منه عليه السلام فتيا فيصح
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وكذلك التعزير وفيه أيضا الحاجة للاجتهاد في تحرير مقدار الجناية وحال الجاني والمجني عليه بخلاف الحدود في القذف والقصاص في الأطراف
النوع الرابع
ما يؤدي إلى فساد عرض أو عضو كمن ظفر بالعين المغصوبة أو المشتراة أو الموروثة وخاف من أخذها بنفسه أن ينسب إلى السرقة فلا يأخذها إلا بعد رفعها للحاكم دفعا لهذه المفسدة
النوع الخامس ما يؤدي إلى خيانة الأمانة ومن أمثلته ما إذا أودع عندك من لك عليه حق وعجزت عن أخذه منه لعدم اعترافه أو عدم البينة عليه ففي منع جحد وديعته إذا كانت قدر حقك من جنسه أو من غير جنسه لقوله عليه السلام أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك وهو لمالك رحمه الله تعالى وإجازته لقوله صلى الله عليه وسلم لهند ابنة عتبة امرأة أبي سفيان لما شكت إليه أنه بخيل لا يعطيها وولدها ما يكفيهما فقال لها عليه السلام خذي لك ولولدك ما يكفيك بالمعروف بناء على أنه فتيا وهو للشافعي رحمه الله تعالى وأما على أنه قضاء منه عليه السلام فيصح ما قاله مالك قولان ثالثها لبعضهم الجواز إن كان من جنس حقك
والمنع إن كان من غير جنسه هذا توضيح ما قاله الأصل وصححه أبو القاسم بن الشاط بزيادة من تبصرة ابن فرحون وبقي ما اختلف في كونه يحتاج إلى الحاكم أو لا قال ابن فرحون في تبصرته ومن أمثلته قبض المغصوب من الغاصب إذا كان المغصوب منه غائبا أي في افتقاره إلى الحاكم وعدم افتقاره خلاف ومنها من أعتق شركا له في عبد قال ابن يونس اتفق أصحابنا على أن باقيه يعتق بمجرد التقويم من غير حاجة إلى حكم الحاكم وقال غيره يفتقر عتق باقيه إلى الحاكم ومنها عتق القريب إذا ملكه الحر المليء المشهور عدم افتقاره للحكم وقيل لا بد فيه من الحكم ومنها العتق بالمثلة قال مالك رضي الله عنه لا يعتق إلا بالحكم وقال أشهب لا يفتقر ومنها فسخ البيع بعد تخالف المتبايعين يجري فيه الخلاف ومنها فسخ النكاح بعد التخالف فيه الخلاف أيضا
ومنها اليتيم المحجور عليه بوصي من قبل الأب هل يكفي إطلاقه لليتيم من الحجر دون مطالعة الحاكم في ذلك أو لا بد من استئذان الحاكم في ذلك حتى يكون إطلاق الوصي له بإذن الحاكم فيه خلاف ومنها وقوع الفرقة بين المتلاعنين قال مالك وابن القاسم تقع الفرقة بتمام التحالف دون حكم حاكم وقال ابن حبيب لا تقع الفرقة بتمام تلاعنهما حتى يفرق الإمام بينهما
ومنها ما إذا تزوجت الحاضنة فهل يسقط حقها من الحضانة بالدخول أو بالحكم بأخذ الولد منها قولان ومنها ما إذا قال لزوجته إن لم تحيضي فأنت طالق فإنه يحنث على المشهور وعليه فهل يفتقر الطلاق إلى حكم الحاكم أو يقع بمجرد نطقه قولان اختار اللخمي أنه لا يقع إلا بالحكم ومنها السلم المختلف في فساده اختلف هل يفتقر إلى حكم الحاكم أو لا وعلى الأول فهو كالسلم الصحيح حتى يباشره الحكم بالفسخ ومنها ما إذا هرب الجمال وكان الكراء لقصد أمر له أبان يفوت بفواته كالحج والخروج إلى البلاد الشاسعة مع الرفقة العظيمة فجاءه الجمال بالجمال بعد فوات الوقت قيل ينفسخ بفوات ذلك كالزمن المعين وقيل لا ينفسخ لتوقع الحج والسفر في وقت ثان وفي المدونة لا ينفسخ إلا في الحج وحده ولا
171
171
ما قاله الشافعي أو قضاء فيصح ما قاله مالك ومنهم من فصل بين ظفرك بجنس حقك فلك أخذه أو غير جنسه فليس لك أخذه فهذا تلخيص الفرق بين القاعدتين
الفرق الرابع والثلاثون والمائتان بين قاعدة اليد المعتبرة المرجحة لقول صاحبها وقاعدة اليد التي لا تعتبر
اعلم أن اليد إنما تكون مرجحة إذا جهل أصلها أو علم أصلها بحق أما إذا شهدت بينة أو علمنا نحن ذلك أنها بغصب أو عارية أو غير ذلك من الطرق المقتضية وضع اليد من غير ملك فإنها لا تكون مرجحة ألبتة
تنبيه اليد عبارة عن القرب والاتصال وأعظمها ثياب الإنسان التي عليه ونعله
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
يختلف أنه إذا رفعه إلى الحاكم ففسخه أنه ينفسخ من كتاب قيد المشكل ومنها القاضي إذا فسق هل ينعزل بمجرد فسقه أو لا حتى يعزله الإمام قولان
ومنها المفلس إذا قسم ماله وحلف أنه لم يكتم شيئا ووافقه الغرماء على ذلك فهل ينفك عنه الحجر ويكون له التصرف فيما يكون بعد ذلك من المال من غير أن يزيل عنه الحاكم حجر التفليس وعليه أكثر نصوصهم واختاره اللخمي أو لا ينفك عنه إلا بحكم حاكم وهو قول القاضي عبد الوهاب والقاضي أبي الحسن بن القصار وتتبع هذا يخرج عن المقصود ا ه كلام ابن فرحون والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الرابع والثلاثون والمائتان بين قاعدة اليد المعتبرة المرجحة لقول صاحبها وقاعدة اليد التي لا تعتبر وهو أن اليد المرجحة عبارة عن حيازة أي قرب واتصال إما مع جهل أصل الملك لمن هو فيكفي فيها عشرة أشهر فأكثر كان المحوز عقارا أو غيره وأما مع علمنا نحن بأنفسنا أو بالبينة بأن أصل ملكها يحق للحائز فيكفي فيها عشرة سنين فأكثر في العقار وعامان فأكثر في الدواب والعبيد والثياب قلت لكن قد تقدم أن هذا في حق غير القريب فتنبه ولليد مراتب مترتبة فأعظمها ثياب الإنسان التي عليه ومنطقته ويليه البساط الذي هو جالس عليه والدابة التي هو راكبها ويليه الدابة التي هو سائقها أو قائدها ويليه الدار التي هو ساكنها فهي دون الدابة لعدم استيلائه على جميعها قال بعض العلماء فتقدم أقوى اليدين على أضعفهما فراكب الدابة يقدم مع يمينه على السائق عند تنازعهما وإذا تنازع الساكنان الدار سوى بينهما بعد أيمانهما وهو متجه
وأما اليد التي لا تعتبر في الترجيح ألبتة فعبارة عن حيازة أي قرب واتصال علمنا نحن بأنفسنا أو بالبينة أنها بطريق تقتضي عدم الملك بحق كالغصب والعارية هذا تهذيب ما قاله الأصل وصححه أبو القاسم بن الشاط مع زيادة من تسولي العاصمية والله تعالى أعلم وصل في أربع مسائل يتعلق بهذا الفرق
المسألة الأولى قال ابن أبي زيد في النوادر إذا ادعياها في يد ثالث فقال أحدهما آجرته إياها وقال الآخر أودعته إياها صدق من علم سبق كرائه أو إيداعه ويستصحب الحال له والملك إلا أن تشهد بينة
172
172
ومنطقته ويليه البساط الذي هو جالس عليه والدابة التي هو راكبها ويليه الدابة التي هو سائقها أو قائدها ويليه الدار التي هو ساكنها فهي دون الدابة لعدم استيلائه على جميعها قال بعض العلماء فتقدم أقوى اليدين على أضعفهما فلو تنازع الساكنان الدار سوى بينهما بعد إيمانهما ويقدم راكب الدابة مع يمينه على السائق وهو متجه
فرع
قال ابن أبي زيد في النوادر إذا ادعياها في يد ثالث فقال أحدهما أجرته إياها وقال الآخر أودعته إياها صدق من علم سبق كرائه أو إيداعه ويستصحب الحال له والملك إلا أن تشهد بينة للآخر أنه فعل ذلك بحيازة عن الأول وحضوره ولم ينكر فيقضى له فإن جهل السبق قسمت بينهما قال أشهب فلو شهدت بينة أحدهما بغصب الثالث منه وبينة الآخر أن الثالث أقر له بالإيداع قضى لصاحب الغصب لتضمين بينة اليد السابقة
فرع قال في النوادر لو كانت دار في يد رجلين وفي يد عبد لأحدهما فادعاها الثلاثة قسمت بينهم أثلاثا إن كان العبد تاجرا وإلا فنصفين لأن العبد في يد مولاه
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
للآخر أنه فعل ذلك بحيازة عن الأول وحضوره ولم ينكر فيقضي له فإن جهل السبق قسمت بينهما قال أشهدت فلو شهدت بينة أحدهما بغصب الثالث منه وبينة الآخر أن الثالث أقر له بالإيداع قضي لصاحب الغصب لتضمين بينته اليد السابقة
المسألة الثانية
قال في النوادر لو كانت دار في يد رجلين وفي يد عبد لأحدهما فادعاها الثلاثة قسمت بينهم أثلاثا إن كان العبد تاجرا وإلا فنصفين لأن العبد في يد مولاه أفادهما الأصل
المسألة الثالثة قال تسولي العاصمية لا بد في الشهادة بكل قسم من قسمي الحيازة المرجحة من ذكر اليد وتصرف الحائز تصرف المالك في ملكه والنسبة وعدم المنازع وطول عشرة أشهر في الأولى يعني الحيازة مع جهل أصل الملك لمن هو وعشر سنين في الثانية يعني الحيازة مع علم أصل الملك لمن هو وعدم التفويت في علمهم فإذا فقدت هذه الأمور أو واحد منها لا تقبل شهادة الشاهد على المعمول به إلا إن كان من أهل العلم كما بيناه في حاشية اللامية وهل يشترط زيادة مال من أمواله ابن عرفة وفي لغو شهادة الشاهد في دار بأنها ملك فلان حتى يقول ومال من أمواله وقبولها مطلقا ثالثها إن كان الشهود لهم نباهة ويقظة الأول لابن سهل عن مالك قائلا شاهدت القضاء به
ا ه المسألة الرابعة قال تسولي العاصمية كيفية وثقية ذلك أن تقول يشهد الواضع شكاه أثره بمعرفته لفلان ومعها يشهد بأنه كان بيده وعلى ملكه مالا من أمواله وملكا خالصا من جملة أملاكه جميع كذا المحدود بكذا يعرف فيه تصرف المالك في ملكه وينسبه لنفسه والناس إليه من غير علم منازع ولا معارض مدة من عشرة أشهر أو عشر سنين ولا يعلمون أنها أخرجت عن ملكه إلى الآن أو إلى أن تعتدي عليها فلان أو إلى أن غاب أو إلى أن توفي وتركها لمن أحاط بميراثه إلخ فإذا ثبت هذه الوثيقة هكذا وأعذر فيها للمقوم عليه فلم يجد مطعنا فلا إشكال أنها تدل دلالة ظنية على أن الملك لهذا القائم ولا تفيد القطع لأن الشهادات من حيث هي إنما تفيد غلبة الظن فقط وهو معنى قولهم إنما تقبل فيما جهل أصل ملكه لأن أصل الملك لمن هو مجهول عندنا حتى شهدت به البينة لهذا القائم
وحينئذ فيقضي له به حيث لا مطعن بعد أن يسأل الحائز أو لا هل لك حجة ولعله يقر أن الملك للقائم وأنه دخل بكراء أو
173
173
الفرق الخامس والثلاثون والمائتان بين قاعدة ما تجب إجابة الحاكم فيه إذا دعاه إليه وبين قاعدة ما لا تجب إجابته فيه إن ادعى من مسافة العدوى فما دونها وجبت الإجابة لأنه لا تتم مصالح الأحكام وإنصاف المظلومين من الظالمين إلا بذلك ومن أبعد من المسافة لا تجب الإجابة وإن لم يكن له عليه حق لم تجب الإجابة أو له عليه حق ولكن لا يتوقف على الحاكم لا تجب الإجابة فإن كان قادرا على أدائه لزمه أداؤه ولا يذهب إليه ومتى علم خصمه إعساره حرم عليه طلبه ودعواه إلى الحاكم وإن دعاه وعلم أنه يحكم عليه بجور لم تجب الإجابة وتحرم في الدماء والفروج والحدود وسائر العقوبات الشرعية وإن كان الحق موقوفا على الحاكم كأجل العنين يخير الزوج بين الطلاق فلا تجب الإجابة وبين الإجابة وليس له الامتناع منها وكذلك القسمة المتوقفة على الحاكم يخير بين تمليك حصته لغريمه
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
عارية فإن قال حوزي وملكي وبيدي وأثبت حيازة ذلك عنه عشر سنين في الأصول أو عامين في غيرها بالقيود المذكورة أيضا من اليد والنسبة ودعوى الملك والتصرف وعدم المنازع إلخ والحال أن القائم حاضر ساكت بلا مانع إلخ فقد سقط حق القائم وتبقى الأملاك بيد حائزها ولا يكلف بيان وجه تملكه ولا غير ذلك وبالجملة فمهما ثبتت الحيازة عشرة أشهر فأكثر بالقيود أولا لا تقطعها الحيازة الواقعة بعدها إلا أن تكون عشر سنين فأكثر بالقيود المذكورة أيضا ومهما ثبتت الحيازة عشرة أعوام مع علم أصل الملك لمن هو قطعت حجة القائم مع علم أصل ملكه حيث لم يعلم أصل مدخله أما إذا علم ككونه دخل بكراء من القائم أو إسكان أو مساقات ونحو ذلك فإنها لا تقطعها ولو طالت فأصل الملك وأصل المدخل شيئان متغايران وهما وإن كان كل منهما يشترط جهله لكن الأول شرط في قبول بينة القائم إذ هي لا تقبل إلا إذا لم يعلم أن أصل ذلك لغيره والثاني شرط في أعمال حيازة المقوم عليه إذ لا يعلم بحيازته إلا إذا جهل مدخله
أما إذا علم بإسكان ونحوه فإنها لا تنقطع حجة الأول بل هي حينئذ كالعدم وانظر الكلام على القيود المذكورة من اليد والنسبة وغيرهما في حاشيتنا على اللامية ا ه كلام التسولي بتصرف وستأتي مسائل أخر في الحيازة إن شاء الله تعالى في الفرق بين ما هو حجة وما ليس بحجة عند الحكام فترقب والله سبحانه وتعالى أعلم الفرق الخامس والثلاثون والمائتان بين قاعدة ما تجب إجابة الحاكم فيه إذا دعاه إليه وبين قاعدة ما لا تجب إجابته فيه اعلم أن دعوى المدعي التي يذكرها للحاكم ويوجهها على المطلوب ثلاثة أقسام القسم الأول أن تكون مجردة عما يظهر به صحتها مما مر وعن دليل وشبهة واختلف في هذا القسم هل يجب به الإجابة على من كان على مسافة العدوى فما دونها لأعلى من فوقها وهو ما نقل عن الشافعي وأبي حنيفة وعن أحمد في رواية ولا تجب مطلقا وهو ما ذهب إليه جماعة من أصحابنا ونقل عن أحمد أيضا في رواية أخرى
174
174
وبين الإجابة وليس له الامتناع منها وكذلك الفسوخ الموقوفة على الحاكم وإن دعاه إلى حق مختلف في ثبوته وخصمه يعتقد ثبوته وجبت عليه لأنها دعوى حق أو يعتقد عدم
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وفي الحطاب على المختصر نقلا عن المسائل الملقوطة وهذا أولى لأن الدعوى قد لا تتوجه فيبعث إليه من مسافة العدوى ويحضره لما لا يجب فيه شيء ويفوت عليه كثير من مصالحه وربما كان حضور بعض الناس والدعوى عليه بمجلس الحكام مزرية فيقصد من له غرض فاسد أذى من يريد بذلك من التبصرة ا ه
القسم الثاني
أن تكون مع ما تظهر به صحتها مما مر دون أن يأتي بدليل وشبهة وفي هذا القسم قال الأصل إن دعا من مسافة العدوى فما دون وجبت الإجابة لأنه لا تتم مصالح الأحكام وإنصاف المظلومين من الظالمين إلا بذلك ومن أبعد من المسافة لا تجب الإجابة ا ه
وقال ابن الحاجب ويجلب الخصم مع مدعيه بخاتم أو رسول إذا لم يزد على مسافة العدوى فإن زاد لم يجلبه ا ه وقال خليل وجلب الخصم بخاتم أو رسول إن كان على مسافة العدوى لا بأكثر كستين ميلا ا ه يعني أن الخصم إذا كان حاضرا في البلد يرفع بالإرسال إليه لا بالخاتم على ما به العمل كما في اليزناسي وظاهره وظاهر قول ابن أبي زمنين أنه يرفع وإن لم يأت بشبهة ابن عرفة وبه العمل وإذا كان على مسافة العدوى يرفع بكتابة كتاب إليه أن احضر مجلس الحكم ويطيع ويدفع للطالب الآتي بالدعوى المذكورة كما في تسولي العاصمية قال ومسافة العدوى ثمانية وأربعون ميلا فهي مسافة القصر كما في التبصرة الجوهري العدوى طلبك إلى وال ليعديك على من ظلمك أي ينتقم منه يقال استعديت على فلان الأمير فأعداني أي استعنت به فأعانني عليه ا ه
القسم الثالث أن تكون مع ما تظهر به صحتها مما مر ومع الإتيان بدليل وشبهة أي لطخ كجرح أو شاهد أو أثر ضرب ونحو ذلك وفي هذا القسم قال ابن الحاجب فإن زاد أي على مسافة العدوى لم يجلبه ما لم يشهد شاهد فيكتب إليه إما أن يحضر أو يرضى أي خصمه ا ه يعني أنه تجب فيه على المطلوب ولو كان على ما يزيد على مسافة العدوى إما الإجابة أو إرضاء خصمه لكن محل ذلك إذا كان المطلوب الذي على ما يزيد على مسافة العدوى من محل ولاية الحاكم أما إن كان من غير محل ولايته فعلى قول ابن عاصم والحكم في المشهور حيث المدعى عليه في الأصول والمال معا وحيث يلفيه بما في الذمه يطلبه وحيث أصل ثمه وحاصله أن المدعى عليه إذا لم يخرج من بلده فليست الدعوى إلا هنالك كان المتنازع فيه هناك أم لا وإن خرج من بلده فإما أن يلقاه في محل الأصل المتنازع فيه أو يكون المال المعين معه أو لا فيجيبه لمخاصمته هناك في الأول دون الثاني وأما ما في الذمة فيخاصمه حيث ما لقيه كما في شرح التسولي
تنبيه قال الأصل وسلمه ابن الشاط والحطاب متى طولب الشخص بحق وجب عليه على الفور كرد المغصوب ولا يحل له أن يقول لا يدفعه إلا بالحاكم لأن المطل ظلم ووقوف الناس عند الحاكم صعب نعم إذا كان الحق نفقة للأقارب وجب الحضور فيها عند الحاكم لتقديرها فإن كانت النفقة للزوجة أو للرقيق خير بين إبانة الزوجة وعتق الرقيق وبين الإجابة كما يخبر في كل حق موقوف على الحاكم أي أو يمكن فيه التخيير كأجل العنين يخير الزوج بين الطلاق فلا تجب الإجابة
175
175
ثبوته لا تجب لأنه مبطل وإن دعاه الحاكم وجب لأن المحل قابل للحكم والتصرف والاجتهاد ومتى طولب بحق وجب عليه على الفور كرد المغصوب ولا يحل له أن يقول لا أدفعه إلا بالحكم لأن المطل ظلم ووقوف الناس عند الحاكم صعب وأما النفقات فيجب الحضور فيها عند الحاكم لتقديرها إن كانت للأقارب وإن كانت للزوجة أو للرقيق يخير بين إبانة الزوجة وعتق الرقيق وبين الإجابة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وبين الإجابة فليس له الامتناع منها وكالقسمة المتوقفة على الحاكم يخبر بين تمليك حصته لغريمه وبين الإجابة فليس له الامتناع منها وكالفسوخ المتوقفة على الحاكم أما إن كان الحق لا يتوقف على الحاكم فلا تجب الإجابة بل إن كان قادرا على أدائه لزمه أداء ولا يذهب إليه ومتى علم خصمه إعساره حرم عليه طلبه ودعواه إلى الحاكم فإن دعاه وعلم أنه يحكم عليه بحوز لم تجب الإجابة وتحرم في الدماء والفروج والحدود وسائر العقوبات الشرعية
هذا إذا كان الحق متفقا على ثبوته أما إن دعاه إلى حق مختلف في ثبوته فإن كان خصمه يعتقد ثبوته وجبت الإجابة عليه لأنها دعوى حق وإن كان يعتقد عدم ثبوته لم تجب لأنه مبطل نعم إن دعاه الحاكم وجب لأن المحل قابل للحكم والتصرف والاجتهاد وإن لم يكن له عليه حق لم تجب الإجابة ا ه بتصرف قال التسولي على العاصمية ومحل هذا التفصيل والله أعلم إذا كان هناك من يعينه على الحق ويتثبت في أمره وأما إذا فقد ذلك كما في زماننا اليوم فتجب الإجابة في الجميع لئلا يقع فيما هو أعظم ا ه
والله سبحانه وتعالى أعلم
فرق بين قاعدة ما يلزم فيه الأعذار وقاعدة ما لا يلزم فيه الأعذار
وهو كما يؤخذ من كلام ابن فرحون في تبصرته أن ما يلزم فيه الأعذار ثلاثة أنواع الأول كل ما قامت عليه بينة بحق من معاملة أو نحوها والنوع الثاني كل من قامت عليه دعوى بفساد أو غضب أو تعد ولم يكن من أهل الفساد الظاهر ولا من الزنادقة المشهورين بما ينسب إليهم النوع الثالث كل من قامت عليه بينة غير مستفيضة بالأسباب القديمة والحديثة وبالموت القديم والحديث وبالنكاحات القديمة والحديثة وبالولاء القديم وبالأحباس القديمة وبالضرر يكون بين الزوجين وأما ما لا يلزم فيه الإعذار فثلاثة أنواع أيضا الأول كل من قامت عليه بينة بغير حق معاملة ونحوها انتفت الظنون والتهمة عنهم ويتحقق بمسائل المسألة الأولى قال إسحاق بن إبراهيم النجيبي ومما لا أعذار فيه استفاضة الشهادات المشهود بها عند الحكام في الأسباب القديمة والحديث وفي الموت القديم والحديث وفي النكاحات القديمة والحديثة وفي الولاء القديم وفي الأحباس القديمة وفي الضرر يكون بين الزوجين وفي أشياء غيرها يطول ذكرها قال ابن فرحون قوله والضرر معناه أنه يسقط الأعذار في الشهادة بالضرر ولهذه الشهادات باب مستوعب يأتي إن شاء الله تعالى المسألة الثانية قال ابن فرحون إذا انعقد في مجلس القاضي مقال بإقرار أو إنكار وشهدت به شهود المجلس عند القاضي أنفذ تلك المقالة على قائلها ولم يعذر إليه في شهادة شهودها لكونها بين يديه وعلمه بها وقطعه بحقيقتها وهذا هو الإجماع من المتقدمين والمتأخرين

176
176
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
قاله أبو إبراهيم إسحق بن إبراهيم النجيبي وقال ابن العطار وبه جرى الحكم والعمل عند الحكام لكن قال ابن سهر ورأيت في غير كتاب ابن العطار أن شهود المجلس إذا كتبوا شهادتهم على مقال مقر أو منكر في مجلس القاضي ولم يشهدوا بها عند القاضي في ذلك المجلس ثم أرادوا في المجلس الذي كان فيه المقال وكذلك لو حفظوها ولم يكتبوها ثم أدوها بعد ذلك إذا طلبوا بها
وكانوا عدولا فإنه يعذر فيها إلى من شهدوا عليه بها ا ه
لمسألة الثالثة
قال ابن فرحون الشهود الذين يحضرون تطليق المرأة نفسها وأخذها بشرطها في الطلاق في مسائل الشروط في النكاح لا يحتاج إلى تسميتهم لأنه لا أعذار فيهم ا ه والنوع الثاني كل من قامت عليه بغير حق معاملة ونحوها بينة أقامهم الحاكم مقام نفسه ويتضح بمسائل المسالة الأولى قال أبو إبراهيم لا يعذر القاضي فيمن أعذره إلى مشهود عليه من امرأة أو مريض لا يخرجان المسألة الثانية قال أبو إبراهيم لا يعذر في الشاهدين الذين يوجههما الحاك لحضور حيازة الشهود لما شهدوا فيه من دار أو عقار وقال ابن سهل وسألت ابن عتاب عن ذلك فقال لا أعذار فيمن وجه للإعذار
وأما الموجهان للحيازة فيعذر فيهما وقد اختلف في ذلك المسألة الثالثة قال ابن فرحون الشاهدان الموجهان لحضور اليمين لا يحتاج إلى تسميتهم لأنه لا أعذار فيهما في المشهور من القول لأن الحاكم أقامهما مقام نفسه وقيل لا بد من الإعذار فيهما ا ه ومن هذا النوع تعديل السر فلا يعذر القاضي في المعدلين سرا كما تقدم ومنه أيضا حكم الحكمين فيسقط الأعذار فيه قال ابن رشد لأنهما يحكمان في ذلك بما خلص إليهما بعد النظر والكشف وليس حكمهما بالشهادة القاطعة ا ه
والنوع الثالث كل من قامت عليه دعوى بفساد أو غضب أو تعد وهو من أهل الفساد الظاهر أو من الزنادقة المشهورين بما ينسب إليهم فلا يعذر إليهم فيما شهد به عليهم ففي آخر الجزء الثاني من كتاب ابن سهل أن أبا الخير الزنديق لما شهد عليه بما يتعاطاه من القول المصرح بالكفر والانسلاخ من الإيمان وقامت البينة عليه بذلك وكانوا ثمانية عشر شاهدا وكان القاضي يومئذ منذر بن سعيد قاضي الجماعة فأشار بعض العلماء بأن يعذر إليه فيما شهد به عليه وأشار قاضي الجماعة وإسحاق بن إبراهيم النجيبي وصاحب الصلاة أحمد بن مطرف بأنه يقتل بغير أعذار لأنه ملحد كافر وقد وجب قتله بدون ما ثبت عليه فقتل بغير أعذار فقيل لأبي إبراهيم أشرح أصل الفتيا في قتله بغير إعذار الذي اعتمدت عليه فذكر أنه اعتمد في ذلك على قاعدة مذهب مالك رضي الله عنه في قطع الإعذار عمن استفاضت عليه الشهادات في الظلم وعلى مذهبه في السلابة والمغيرين وأشباههم إذا شهد عليهم المسلوبون والمنتهبون بأن تقبل شهادتهم عليهم إذا كانوا من أهل القبول وفي قبولها عليهم سفك دمائهم وفي الرجل يتعلق بالرجل وجرحه يدمي فيصدق عليه وفي التي تتعلق بالرجل في المكان الخالي وقد فضحت نفسها بإصابته لها فتصدق بفضيحة نفسها وفي الذي وجده مالك رضي الله تعالى عنه عند أحد الحكام وهو يضرب بدعوى صبي قد تعلق به وهو يدمي فضربه الحاكم فيما أدعاه عليه من إصابته له فلم يزل يضرب ومالك جالس عنده حتى ضرب ثلثمائة سوط وهو ساكت لا ينكر ذلك مع ما تقدم له من الضرب قبل وصول مالك رضي الله عنه وقد بلغني أنه انتهى به الضرب إلى ستمائة سوط
177
177
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وفي أهل حصن من العدو يأتون مسلمين رجالا ونساء حوامل فيصدقون في أنسابهم ويتوارثون إذا كانوا جماعة لهم عدد قال ابن القاسم والعشرون عندي جماعة فأين الإعذار في هؤلاء كلهم قال وإذا كان مالك يرى في أهل الظلم للناس والسلابين والمحاربين ونحوهم أن يقطع عنهم الإعذار فالظالم لله تعالى ولكتابه ولرسوله صلى الله عليه وسلم أحق بأن يقطع عنه الإعذار فيما ثبت عليه وأني متقرب إلى الله تعالى بإسقاط التوسعة عليه في طلب المخارج له بالإعذار وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الموطأ أنه قال أنا بشر مثلكم يوحي إلي وأنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فاقضي له على نحو ما أسمع منه وهذا الحديث هو أم القضايا ولا إعذار فيه
وكذلك كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح وإلى أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهم وهما أيضا ملاذ الحكام في الأحكام ولا إعذار فيهما ولا إقالة من حجة ولا من كلمة غير أن الإعذار فيما يتحاكم الناس فيه من غير أسباب الديانات استحسان من أئمتنا وأنا على اتباعهم فيه والأخذ به على بصيرة مستحكمة فيما أوجبوا الإعذار فيه من الحقوق والتزم التسليم لما استحسنوه إذ هم القدوة والهداة فأما في إقامة الحدود في الإلحاد والزندقة وتكذيب القرآن والرسول عليه الصلاة والسلام فلم أسمع به ولم أره لأحد ممن وصل إلينا علمه قال فإلى هذه الأمور نزعت في ترك الإعذار إلى هذا الملحد قال ابن سهل لقد أحسن أبو إبراهيم رحمه الله تعالى في هذا التبيين والنصح للمسلمين وإن كان في فصول من كلامه اعتراض على الأصول وفي بعضها اختلاف والحق البين إن من تظاهرت الشهادات عليه في إلحاد أو غيره هذا التظاهر
وكثرت البينة العادلة عليه هذه الكثرة فالإعذار إليه معدوم الفائدة لأنه لا يستطيع تجريح جميعهم ولا يمكنه الإتيان بما يسقط من شهادتهم ومن قال بالإعذار أفاد أصله المتفق عليه عند العلماء والحكام في لزوم الإعذار في الأموال ومن اجتهد أصاب والله الموفق للصواب ا ه
كلام ابن فرحون في تبصرته وكله بنص لفظه إلا النوع الثالث مما يلزم فيه الإعذار فإنه مأخوذ من مفهوم المسألة الأولى من النوع الأول مما لا يلزم فيه الإعذار فافهم قال والإعذار لا يكون إلا بعد استيفاء الشروط وتمام النظر فإن الإعذار في شيء ناقص لا يفيد شيئا قال ابن سهل وفي مفيد الحكام وقد اختلف في وقت الإعذار إلى المحكوم عليه فقيل يحكم عليه وبعد ذلك يعذر إليه والذي به العمل أنه يعذر إليه وحينئذ يحكم عليه ا ه قال ابن الحاجب ويحكم بعد أن يسأله أبقيت لك حجة فيقول لا فإن قال نعم انظره ما لم يتبين لدده والمحكوم عليه أعم من المدعي المدعي عليه والمتبادر الذهن هو المدعى عليه لأنه قد تقوي حجة المدعى عليه فيتوجه الحكم على المدعي بالإبراء أو بغيره من وجوه الحكم ا ه
وإذا حصلت التزكية للشهود فلا بد من الإعذار في المزكي
والمزكي ثم هل يعذر إليه قبل أن يسأله ذلك أبو بعد أن يسأله في المذهب أربعة أقوال قال ابن نافع يقول له دونك فخرج وإلا حكمت عليك وقال مالك في رواية أشهب لا يقول له ذلك وذلك وهن للشاهد وقال أشبه بقوله ذلك إن كان قبولهم بالتزكية ولا يقول في المبرزين قول ابن القاسم يقوله لمن لا يدري ذلك كالمرأة والضعيف ثم حيث قلنا بالإعذار فما الذي يسمع منه قال ابن شاس يسمع في متوسط العدالة القدح فيها

178
178
فارغات
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
وأما المبرز المعروف بالصلاح فيسمع فيه القدح بالعدواة والقرابة والهجرة وقال سحنون يمكن أن التجريح ولم يفرق وإذا قلنا بسماع الجرح في المبرز فقال سحنون لا يقبل ذلك إلا من المرز في العدالة وقال ابن الماشجون يجرح الشاهد من هو مثله وفوقه ولا يجرح من دونه إلا بالعداوة والهجرة أما القدح في العدالة فلا وقال مطرف يجرحه من هو مثله وفوقه ودونه بالإسفاه وبالعداوة إذا كان عدلا عارفا فوجوه الجراح واختاره اللخمي وقال عبد الحكم لا يقبل التجريح في المبرز إلا أن يكون المجرحون معروفين بالعدالة منه ويذكرون ما جرحوه به مما يثبت بالكشف وقال ابن القطان لا يجرح الشاهد من دونه بالعداوة وأجازه ابن العطار وفي معين الحكام ويعذر في تعديل العلانية دون تعديل السر فلا يعذر القاضي في المعدلين سرا والأصل في الإعذار قوله تعالى في قصة الهدهد ! 2 < لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين > 2 ! النمل 21 وقوله تعالى ! 2 < وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا > 2 ! الإسراء 15 قوله تعالى ! 2 < ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا > 2 ! طه 134 الآية وقوله تعالى ! 2 < لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل > 2 ! النساء 165 ومثل هذا كثير قال ابن سهل والإعذار المبالغة في العذر ومنه قد أعذر من أنذر أي قد بالغ في الإعذار من تقدم إليك فأنذرك ومنه أعذار القاضي إلى من ثبت عليه حتى يؤخذ منه فتعذر عليه فيمن شهد عليه بذلك ا ه
المراد من التبصرة من مواضع تنبيهان الأول زدت هذا الفرق على ما ذكره الأصل فيما تقدم من أجزاء كيفية القضاء التسعة لتكمل وتتضح بها كيفيته التي هي أحد أركانه الستة التي تستفاد من كلام الأصل المتقدم والآتي وذكرها تستولي العاصمية تبعا لابن فرحون بقوله الأول القاضي والثاني والثالث المدعي والمدعى عليه قال والحكم على كل منهما بأنه مدع أو مدعى عليه فرع تصوره وتعرف حاله فافهم والرابع المدعي فيه والخامس المقضي به يعني من كتاب أو سنة أو إجماع بالنسبة للمجتهد أو المتفق عليه أو المشهور أو الراجح أو ما به العمل بالنسبة فلا يتعقب لأن حكم المجتهد يرفع الخلاف
وأما المقلد فلا يرفع حكمه الخلاف وما ليس بحكم كقوله أنا لا أجيز النكاح بغير ولي أو لا أحدكم بالشاهد واليمين فيتعقب فلمن بعده من حنفي أن يحكم بصحة النكاح أو مالكي أن يحكم بالشاهد واليمين الثاني معرفة ما يفتقر لحكم وما لا يفتقر الثالث معرفة ما يدخله الحكم من أبواب الفقه وما لا يدخله الرابع معرفة الفرق بين ألفاظ الحكم التي جرت بها عادة الحكام وما لم تجر العادة به الخامس معرفة الفرق بين الثبوت والحكم السادس معرفة الدعوى الصحيحة وشروطها السابع معرفة حكم جواب المدعي عليه من إقرار أو إنكار أو امتناع منهما الثامن معرفة كيفية الإعذار التاسع معرفة صفة اليمين ومكانها والتغليظ فيها ا ه المراد بتوضيح ما التنبيه الثاني قال تستولي العاصمية رسالة أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضي الله عنه المعروفة برسالة القضاء هي بسم الله الرحمن الرحيم من عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري سلام عليك
أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة معينة فأفهم إذا أدلى إليك وانفذ إذا تبين لك فإنه لا ينفع
179
179
الفرق السادس والثلاثون والمائتان بين قاعدة ما يشرع من الحبس وقاعدة ما لا يشرع
المشروع من الحبس ثمانية أقسام الأول يحبس الجاني لغيبة المجني عليه حفظا لمحل القصاص الثاني حبس الآبق سنة حفظا للمالية رجاء أن يعرف ربه الثالث يحبس الممتنع عن دفع الحق إلجاء إليه الرابع
هامش أنوار البروق
قال
الفرق السادس والثلاثون والمائتان بين قاعدة ما يشرع من الحبس وقاعدة ما لا يشرع
قلت ما قاله في هذا الفرق من انحصار الأسباب الموجبة للحبس في ثمانية أقسام كما قال ليس وفي ذلك نظر وما قاله في الفروق الأربعة بعده صحيح أو نقل وترجيح
مسألة في بداية حفيد ابن رشد وفي الأصل وسلمه ابن الشاط اتفقوا على أن الإسلام شرط في قبول الشهادة وأنه لا تجوز شهادة الكافر إلا ما اختلفوا فيه من جوازها في الوصية في السفر أي وعلى أهل ملته فعندنا وعند الشافعي لا تقبل شهادة الكافر على المسلم أو الكافر على أهل ملته ولا غيرها ولا في وصية ميت مات في سفر وإن لم يحضر مسلمون وتمنع شهادة نسائهم في الاستهلال والولادة بل قال أبو زيد من أصحابنا في كتابه النوادر لو رضي الخصم بالحكم بالكافر والمسخوط لم يحكم له به لأنه حق لله تعالى
وقال أبو حنيفة يقبل اليهودي على النصراني والنصراني على اليهودي مطلقا لأن الكفر ملة واحدة وقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل تجوز شهادة أهل الكتاب في الوصية في السفر إذا لم يكن غيرهم وهم ذمة يحلفان بعد العصر ما خانا ولا كتما ولا اشتريا به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين وروي عن قتادة وغيره يقبل الكافر على ملته دون غيرها لنا قوله تعالى وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وقال عليه السلام لا تقبل شهادة عدو على عدوه وقياسا على الفاسق بطريق الأولى وذلك أن الله تعالى أمر بالتوقف في خبر الفاسق وهنا أولى إذ الشهادة آكد من الخبر وقوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم وفي الحديث قال عليه السلام لا تقبل شهادة أهل دين على غير أهل دينه إلا المسلمين فإنهم عدول عليهم وعلى غيرهم ولأن من لا تقبل شهادته على المسلم لا تقبل على غيره كالعبد
وأما احتجاجهم بقوله تعالى شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم قالوا فإن معناه من غير المسلمين من أهل الكتاب وروي ذلك عن أبي موسى الأشعري وغيره وقال غير ابن حنبل وإذا جاز على المسلم جازت على الكافر بطريق الأولى فجوابه بوجوبه الأول أن الحسن قال من غير عشيرتكم وعن قتادة قال من غير حلفكم فما تعين ما قالوه
الثاني أن معنى الشهادة التحمل ونحن نجيزه أو اليمين فيقسمان بالله كما قال في اللعان
الثالث أن الله تعالى خير بين المسلمين وغيرهم ولم يقل به أحد فدل على نسخه وأما احتجاجهم بما في الصحيح من أن اليهود جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهم يهوديان فذكرت له عليه السلام أنهما زنيا فرجمهما عليه السلام وظاهره أن رجمهما بشهادتهم وروى الشعبي أنه عليه السلام قال إن شهد منكم أربعة رجمتهما فجوابه بوجوه الأول إنهم لا يقولون به لأن الإحصان من شرط الإسلام
الثاني أنه نقل أنهما اعترفا بالزنا فلم يرجمهما بالشهادة
الثالث أن الصحيح أنه إنما رجمهما بالوحي لأن التوراة لا يجوز الاعتماد عليها لما فيه من التحريف وشهادة الكفار غير مقبولة وقال ابن عمر كان حد المسلمين يومئذ الجلد فلم يبق إلا الوحي الذي يخصهما وأما احتجاجهم بأن الكافر من أهل الولاية لأنه يزوج أولاده فجوابه أن الفسق عندنا لا ينافي الولاية لأن وازعها طبيعي وينافي الشهادة لأن وازعها ديني فافترقا لأن تزويج الكفار عندنا فاسد والإسلام يصححه
وأما احتجاجهم بأنهم يدينون في الحقوق قال تعالى ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك فجوابه أن هذا معارض بقوله تعالى في آخر الآية ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل فأخبر تعالى أنهم يستحلون ما لنا بل جميع أدلتكم معارضة بقوله تعالى أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات وقوله تعالى لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة فنفى تعالى التسوية فلا تقبل شهادتهم وإلا حصلت التسوية قال الأصحاب وناسخ الآية قوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم ا ه والله أعلم
هامش إدرار الشروق
تكلم لحق لا نفاذ له وسوء بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك البينة على من ادعى واليمين على من أنكر والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس ثم راجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق ومراجعته خير من الباطل والتمادي فيه الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما لم يبلغك في الكتاب والسنة أعرف الأمثال والأشباه
وقس الأمور عند ذلك وأعمد إلى أقربها إلى الله تعالى وأشبهها بالحق فيما ترى واجعل لمن أدعى حقا غائبا أو بينة أمدا ينتهي إليه فإن أحر بينة أخذت له بحقه وإلا أوجبت له القضاء فإن ذلك انفى للشك وأبلغ للعذر الناس عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حدا أو مجربا عليه شهادة زور أو ظنينا والتأذي بالناس والتنكير عند الخصومات فإن الحق في مواطن الحق يعظم به الأجر ويحسن عليه الذخر فإن من يصلح ما بينه وبين الله تعالى وهو على نفسه يكفه الله ما بينه وبين الناس ومن تزين بما يعلم الله منه غيره شأنه الله فما ظنك بثواب الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته والسلام قال ابن سهل هذه الرسالة أصل فيما تضمنته من فصول الفضاء ومعاني الإحكام قال في التوضيح فينبغي حفظها والإعتناء بها ابن سهل وقوله فيها المسلمون عدول بعضهم على بعض الخ رجع عنه بما رواه مالك في الموطأ قال ربيعة قدم رجل من أهل العراق على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال قد جئتك على أمر لا رأس له ولا ذنب فقال عمر ما هو فقال شهادة الزور ظهرت بأرضنا فقال عمر والله لا يؤسر رجل في الإسلام بغير عدول وهذا يدل على رجوعه عما في هذه الرسالة وأخذ الحسن والليث بن سعيد من التابعين بما في هذه الرسالة من أمر الشهود والأكثر على خلافه لقوله تعالى
وأشهدوا ذوي عدل منكم ممن ترضون من الشهداء
والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الثامن والثلاثون والمائتان بين قاعدة ما يشرع من الحبس وقاعدة ما لا يشرع منه الحبس عشرة أقسام بما زاده ابن فرحون على ما اقتصر عليه الأصل الأول حبس الجاني لغيبة المجني عليه حفظا لمحل القصاص الثاني حبس الآبق سنة حفظا للمالية رجاء أن يعرف ربه الثالث حبس
180
180
يحبس من أشكل أمره في العسر واليسر اختبارا لحاله فإذا ظهر حاله حكم بموجبه عسرا أو يسرا الخامس الحبس للجاني تعزيرا وردعا عن معاصي الله تعالى السادس يحبس من امتنع من التصرف الواجب الذي لا تدخله النيابة كحبس من أسلم على أختين أو عشر نسوة أو امرأة وابنتها وامتنع من التعيين السابع من أقر بمجهول عين أو في الذمة وامتنع من تعيينه فيحبس حتى يعينهما فيقول العين هو هذا الثوب أو هذه الدابة ونحوهما أو الشيء الذي أقررت به هو دينار في ذمتي الثامن يحبس الممتنع في حق الله تعالى الذي لا تدخله النيابة عند الشافعية كالصوم وعندنا يقتل كالصلاة وما عدا هذه الثمانية لا يجوز الحبس فيه ولا يجوز الحبس في الحق إذا تملك الحاكم من استيفائه فإن امتنع من دفع الدين ونحن نعرف ماله أخذنا منه مقدار الدين ولا يجوز لنا حبسه وكذلك إذا ظفرنا بماله أو داره أو شيء يباع له في الدين كان رهنا أم لا فعلنا ذلك ولا نحبسه لأن في حبسه استمرار ظلمه ودوام المنكر في الظلم وضرره هو مع إمكان أن لا يبقى شيء من ذلك كله وكذلك إذا رأى الحاكم على الخصم في الحبس من الثياب والقماش ما يمكن استيفاؤه عنه أخذه من عليه قهرا وباعه فيما عليه ولا يحبسه تعجيلا لدفع الظلم وإيصال الحق لمستحقه بحسب الإمكان
سؤال كيف يخلد في الحبس من امتنع من دفع درهم يقدر على دفعه وعجزنا عن أخذه منه لأنها عقوبة عظيمة في جناية حقيرة وقواعد الشرع تقتضي تقدير العقوبات بقدر الجنايات جوابه أنها عقوبة صغيرة بإزاء جناية صغيرة ولم تخالف القواعد لأنه في كل ساعة يمتنع من أداء الحق فتقابل كل ساعة من ساعات الامتناع بساعة من ساعات الحبس فهي جنايات وعقوبات متكررة متقابلة فاندفع السؤال ولم تخالف القواعد
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الممتنع من دفع الحق ولو درهما وهو يقدر عليه دفعه وعجزنا عن أخذه منه إلا به لجاء إليه فلا يطلق حتى يدفعه ولا يقال قواعد الشرع تقتضي تقدير العقوبات بقدر الجنايات وتخليده في الحبس عقوبة عظيمة كيف تكون في جناية حقيرة وهي الامتناع من دفع درهم وجب عليه لأنا نقول لا نسلم أن التخليد عقوبة واحدة عظيمة حتى يرد مخالفة القواعد لم لا يجوز أن تقابل كل ساعة من ساعات الحبس كل ساعة من ساعات الامتناع فهي جنايات وعقوبات متكررة متقابلة فلم تخالف القواعد كما للأصل سلمنا أنه عقوبة واحدة عظيمة لكن لا نسلم أن الامتناع من دفع درهم وجب عليه جناية حقيرة بل هو جناية عظيمة فإن مطل الغني ظلم والإصرار على الظلم والتمادي عليه جناية عظيمة فاستحق ذلك التخليد والظالم أحق أن يحمل عليه كما لابن فرحون في تبصرته
الرابع
حبس من أشكل أمره في العسر واليسر اختبار لحاله فإذا ظهر حاله حكم بموجبه عسرا أو يسرا
الخامس حبس الجاني تعزيرا أو ردعا عن معاصي الله تعالى
السادس حبس من امتنع من التصرف الواجب الذي لا تدخله النيابة كحبس من
181
181
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
أسلم عن أختين أو عشرة نسوة أو امرأة وابنتها وامتنع من التعيين
السابع
حبس من أقر بمجهول عين أو في الذمة وامتنع من تعيينه فيحبس حتى يعينه فيقول المقر به هو هذا الثواب أو هذه الدابة أو الشيء الذي أقررت به في ذمتي هو دينار
الثامن حبس الممتنع من حق الله تعالى الذي لا تدخله النيابة عندنا وعند الشافعي كالصوم والصلاة فيقتل فيه قال ابن فرحون ولا يدخل في ذلك عندنا من امتنع من فعل الحج وإن قلنا أنه على الفور مراعاة للقول بأنه على التراخي وأما ترك السنن فمثاله ترك الوتر قال أصبغ بتأديب تارك الوتر ا ه هذا ما اقتصر عليه الأصل
التاسع من يحبس اختبار لما ينسب إليه من السرقة والفساد
العاشر حبس المتداعي فيه قال تسولي العاصمية وحاصله أن الطالب إما أن يأتي بعدلين أو بعدل أو بمجهول مرجو تزكيته أو بمجهولين كذلك أو بلطخ أو بمجرد الدعوى فالتوقيف في الأول ليس إلا للإعذار ما لا خراج له من العقار بالغلق وما له خراج يوقف خراجه وغير العقار من العروض والثمار والحبوب بالوضع تحت يد أمين وبيع ووضع ثمنه عنده في الثمار إن كان مما يفسد وفي الثاني للإعذار فيه أو لإقامة ثان إن لم يرد أن يحلف معه لرجاء شاهد آخر فالمنع من التفويت فقط في العقار ولا ينزع من يده لكن يوقف ماله خراج منه وفي غير العقار بالوضع تحت يد أمين وبيع ما يفسد أيضا إلا أن يقول إن لم أجد ثانيا فلا أحلف مع هذا ألبتة فلا يباع حينئذ بل يترك للمطلوب وفي الثالث التزكية والإعذار بعدها وحكمه على ما لابن رشد وأبي الحسن وابن الحاجب حكم الذي قبله في سائر الوجوه قال ابن رحال في شرحه هو كالعدل المقبول في وجوب الإيقاف به إلا أنه لا يحلف معه وفي الرابع التزكية والإعذار أيضا وحكمه كالذي قبله إلا في بيع ما يفسد فيباع على كل حال
وفي الخامس ولا يتأتى إلا في غير العقار بالوضع عند أمين ما لم يكن مما يفسد فيخلي بينه وبين حائزه فيما يظهر لأنه كالعدل الذي لا يريد صاحبه الحلف معه وفي السادس لا عقل أي لا حبس أصلا إذ لا يعقل على أحد بشيء بمجرد دعوى الغير فيه على المنصوص وجرى العمل بالإيقاف بمجرد الدعوى في غير العقار قال ناظمه وكل مدع للاستحقاق مكن من الإثبات بالإطلاق لكن حكى ابن ناجي الاتفاق على أن هذا إن صح مستنده ففيه ما لا يخفى من الإخلال بحق والمحافظة على حق الطالب فإن كان ولا بد فينبغي أن يضع قيمة كرائها في أيام الذهاب والإيقاف زيادة على قيمتها فإن لم يثبت شيئا أخذه المطلوب لأن هذا قد اعترض مال غيره وعطله عن منافعه من غير أن يستند إلى لطخ بخلاف ما إذا استند له فلا يضمن الكراء الشبهة ولم أر ذلك منصوصا لأحد ممن قال بهذا العمل وقد حكى كثير من الناس أنهم كانوا إذا تعذر عليهم المعاش يذهبون للفنادق فيعترضون دواب الواردين حتى يصالحوهم بقليل أو كثير ولا سيما إن كان رب الدابة مزعوجا يريد الخروج في الحين وقد شاهدنا من ذلك العجب العجاب وقد قال في الذخيرة إذا التزم المدعى عليه إحضار المدعي فيه لتشهد البينة على عينه فإن ثبت الحق فالمؤنة على المدعى عليه لأنه مبطل وإلا فعلى المدعي لأنه مبطل في ظاهر الشرع
ولا تجب أجرة تعطيل المدعى به في مدة الإحضار انتهى فتأمل قوله لأنه مبطل في ظاهر الشرع إلخ
182
182
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
مع أن ما قاله من وجوب الإحضار إنما هو مع قيام اللطخ انتهى المراد من كلام التسولي هذا ما زاده ابن فرحون في تبصرته على ما اقتصر عليه الأصل من حصر الأسباب الموجبة للحبس في الأقسام الثمانية الأول فلذا قال أبو القاسم بن الشاط ليس كما قاله وفي ذلك نظر أهو ما عدا هذه الأقسام العشرة لا يجوز الحبس فيه
قال الأصل ولا يجوز الحبس في الحق إذا تمكن الحاكم من استيفائه مثل أن يمتنع من دفع الدين ونحن نعرف ماله فإنا نأخذ منه مقدار الدين ولا يجوز لنا حبسه وكذلك إذ ظفرنا بداره أو بشيء يباع له في الدين كان هنا أم لا فإنا نفعل ذلك ولا نحبسه فإن في حبسه استمرار ظلمه ودوام المنكر من المطل وضرره هو مع إمكان أن يبقى شيء من ذلك كله قال وكذلك إذا رأى الحاكم على الخصم في الحبس من الثياب والقماش ما يمكن استيفاؤه عنه أخذه من عليه قهرا وباعه فيما عليه ولا يحبسه تعجيلا ابن المناصف في تنبيه الحكام على مأخذ الأحكام وإذا ضرب الأجل للطالب في إثبات ما ادعاه قبل المطلوب فسأل أن يأخذ من المطلوب كفيلا بوجهه لأجل الخصومة فعليه ذلك فإن عجز عن الكفيل لم يحبس ولم يلزمه شيء وقيل للطالب لازمه إن شئت وفي المدونة فيمن ادعى على رجل دينا أو شيئا مستهلكا وسأل القاضي أن يأخذ له منه كفيلا بذلك الحق فإنه إن كان للمدعي بينة على المخالطة والمعاملة
وما يوجب اللطخ وهم حضور فإنه يوكل بالمطلوب حتى يأتي بذلك اللطخ فيما قرب من يومه وشبهه انظر تمامها في التهذيب أفاده ابن فرحون في التبصرة وقد عقد فصلا لأمثلة الأقسام العشرة مع تقسيمه القسم الثالث وهو حبس الممتنع من دفع الحق إلى ثلاثة أقسام حبس تضييق وتنكيل وحبس تعزير وتنكيل وحبس تعزير وتأديب وحبس ملوم واختيار وبيان من لكل قسم وأمثلته وفصلا لبيان أن قدر مدة الحبس يختلف باختلاف أسبابه وموجباته فانظر
فائدة
قال ابن فرحون في التبصرة في وثائق ابن الهندي أن السجن مشتق من الحصر قال الله تعالى وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا أي سجنا وحبسا قال أو السجن وإن كان أسلم العقوبات فقد تأول بعضهم قوله تعالى إلا أن يسجن أو عذاب أليم أن السجن من العقوبات البليغة لأنه سبحانه وتعالى قرنه مع العذاب الأليم وقد عد يوسف عليه الصلاة والسلام الانطلاق من السجن إحسانا إليه في قوله وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن ولا شك أن السجن الطويل عذاب وقد حكى الله تعالى عن فرعون إذ أوعد موسى لأجعلنك من المسجونين ونسأل الله العافية ولما استخلف مروان بن الحكم ابنه على بعض المواضع أوصاه أن لا يعاقب في حين الغضب وحضه على أن لا يسجن حتى يسكن غضبه ثم يرى رأيه وكان يقول إن أول من اتخذ السجن كان حليما ولم يرد مروان طول السجن وإنما أراد السجن الخفيف حتى يسكن غضبه وقال ابن قيم الجوزية الحنبلي اعلم أن الحبس الشرعي ليس هو السجن في مكان ضيق وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه حيث شاء سواء كان في بيت أو في
183
183
فارغات
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
مسجد أو كان يتوكل نفس الغريم أو وكيله عليه وملازمته له
ولهذا أسماه النبي صلى الله عليه وسلم أسيرا ففي سنن أبي داود وابن ماجه عن الهرماس بن حبيب عن أبيه عن جده قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم لغريم لي فقال الزمه ثم قال لي يا أخا بني تميم ما تريد أن تفعل بأسيرك وفي رواية ابن ماجه مر بي آخر النهار فقال ما فعل أسيرك يا أخا بني تميم وهذا كان هو الحبس في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق رضي الله عنه ولم يكن له حبس معد لحبس الخصوم فلما انتشرت الرعية في زمن عمر رضي الله عنه ابتاع بمكة دارا وجعلها سجنا يحبس فيها وجاء أنه اشترى من صفوان بن أمية دارا بأربعة آلاف درهم وجعلها حبسا وفي هذا دليل على جواز اتخاذ الحبس ا ه
وقال أبو عبد الله محمد بن الفرج المعروف بابن الطلاع الأندلسي المالكي في كتابه المسمى بأحكام رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفت الآثار هل سجن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله تعالى عنه أحدا أم لا فذكر بعضهم أنه لم يكن لهما سجن ولا سجنا أحدا وذكر بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجن في المدينة في تهمة دم رواه عبد الرزاق والنسائي في مصنفيهما وفي غير المصنف أنه صلى الله عليه وسلم حبس في تهمة ساعة من نهار ثم خلى عنه
ووقع في أحكام ابن زياد عن الفقيه أبي صالح عن أيوب بن سليمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجن رجلا أعتق شركا له في عبد فأوجب عليه استتمام عتقه قال في الحديث حتى باع غنيمة له
وقال ابن شعبان في كتابه وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حكم بالضرب والسجن فثبت بهذا أن النبي صلى الله عليه وسلم سجن وإن لم يكن ذلك في سجن متخذ لذلك وثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه كان له سجن وأنه سجن الحطيئة على الهجو وسجن ضبعا على سؤاله عن الذاريات والمرسلات والنازعات وشبههن وأمره الناس بالتفقه في ذلك وضربه مرة بعد مرة ونفاه إلى العراق وقيل إلى البصرة وكتب أن لا يجالسه أحد قال المحدث فلو جاءنا ونحن مائة لتفرقنا عنه ثم كتب أبو موسى إلى عمر أنه قد حسنت توبته فأمره عمر رضي الله تعالى عنه فخلى بينه وبين الناس وسجن عثمان رضي الله تعالى عنه صابئ بن حارث وكان من لصوص بني تميم وفتاكهم حتى مات في الحبس وسجن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في الكوفة وسجن عبد الله بن الزبير في مكة وسجن أيضا في سجن عارم محمد بن الحنفية إذ امتنع من بيعته ا ه والله أعلم

184
184
الفرق السابع والثلاثون والمائتان بين قاعدة من يشرع إلزامه بالحلف وقاعدة من لا يلزمه الحلف
فالذي يلزمه الحلف كل من توجهت عليه دعوى صحيحة مشبهة فقولنا صحيحة احتراز من المجهولة أو غير المحررة وما فات فيه شرط من الشروط المتقدمة في هذه القاعدة وقولنا مشبهة احتراز من التي يكذبها العرف وقد تقدم أن الدعوى على ثلاثة أقسام ما يكذبها العرف وما يشهد بها وما لم يتعرض لتكذبيها وتصديقها فما شهد لها كدعوى سلعة معينة بيد رجل أو دعوى غريب وديعة عند جاره أو مسافر أنه أودع أحد رفقائه
وكالدعوى على الصانع المنتصب أنه دفع إليه متاعا ليصنعه أو على أهل السوق المنتصبين للبيع أنه اشترى من أحدهم أو يوصي في مرض موته أن له دينا عند رجل فيشرع التحليف هاهنا بغير شرط وتتفق الأئمة فيها والتي شهد بأنها غير مشبهة فهي كدعوى دين ليس على من تقدم فلا يستخلف إلا بإثبات خلطته له قال ابن القاسم وهي أن يسالفه أو يبايعه مرارا وإن تقابضا في ذلك الثمن أو السلعة وتفاضلا قبل التفرق
وقال سحنون لا بد من البيع والشراء بين المتداعيين وقال الأبهري هي أن تكون الدعوى تشبه أن يدعي مثلها على المدعى عليه وإلا فلا يحلف إلا أن يأتي المدعي بلطخ وقال القاضي أبو الحسن بن القصار لا بد أن يكون المدعى عليه يشبه أن يعامل المدعي فهذه أربعة أقوال في تفسير الخلطة التي هي شرط في هذا القسم
وقال الشافعي وأبو حنيفة يحلف على كل تقدير لنا ما رواه سحنون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال البينة على من ادعى واليمين على من أنكر إذا كانت بينهما خلطة وزيادة العدل مقبولة وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لا يدعي الحاكم على الخصم إلا أن يعلم أن بينهما معاملة ولم يرو له مخالف من الصحابة فكان إجماعا ولأن عمل المدينة كذلك ولأنه لولا ذلك لتجرأ السفهاء على ذوي الأقدار بتبذيلهم عند الحاكم بالتحليف وذلك شاق على ذوي الهيئات وربما التزموا ما لا يلزمهم من الجمل العظيمة من المال فرارا من الحلف كما فعله عثمان رضي الله عنه
وقد يصادفه عقب الحلف مصيبة فيقال هي بسبب الحلف فيتعين حسم الباب
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الفرق السابع والثلاثون والمائتان بين قاعدة من يشرع إلزامه بالحلف وقاعدة من لا يلزمه الحلف
وهو أن الدعوى الصحيحة المستكملة لشروطها المتقدمة إما أن تثبت بدون الشاهدين وإما أن لا تثبت إلا بشاهدين فهي قسمان وفي القسم الثاني قال أبو عمرو بن الحاجب كل دعوى لا تثبت إلا بشاهدين فلا يمين بمجردها ولا ترد كالقتل العمد والطلاق والعتق والنسب والولاء
185
185
إلا عند قيام مرجح لأن صيانة الأعراض واجبة والقواعد تقتضي درء مثل هذه المفسدة احتجوا بالحديث السابق بدون زيادة وهو عام في كل مدعى عليه فيسقط اعتبار ما ذكرتموه من الشرط ولقوله عليه السلام شاهداك أو يمينه ولم يذكر مخالطة ولأن الحقوق قد تثبت بدون الخلطة فاشتراطها يؤدي إلى ضياع الحقوق وتختل حكمه الحكام والجواب عن الأول أن مقصود الحديث بيان من عليه البينة ومن عليه اليمين لا بيان حال من تتوجه عليه والقاعدة أن اللفظ إذا ورد لمعنى لا يحتج به في غيره لأن المتكلم معرض عن ذلك الغير ولهذه القاعدة وقع الرد على أبي حنيفة في استدلاله على وجوب الزكاة في الخضراوات بقوله
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
والرجعة وألحق ابن فرحون في تبصرته بهذه أمثلة كثيرة وقال وهذا باب واسع وسيأتي كثير منه في باب القضاء بقول المدعي والمدعى عليه ا ه فانظره
وفي القسم الأول قال الأصل وسلمه ابن الشاط كل من توجهت عليه دعوى صحيحة أي مستكملة لشروطها المتقدمة التي منها أن لا يكذبها العرف وكانت مما تثبت بدون الشاهدين نوعان الأول ما يشهد بها العرف فيشرع التحليف بمجردها بلا شرط خلطة ونحوها وتتفق الأئمة فيها وحصر أبو عمر هذا النوع في خمس مواطن الموطن الأول أهل التهم والعداء والظلم لكل من كان متهما بما ادعى عليه من المعاملات
الموطن الثاني الصناع فيما ادعى عليه من أعمالهم أنهم استصنعوهم والتجار لمن تاجرهم وأهل الأسواق وأهل الحوانيت فيما ادعى عليهم أنهم باعوه مما يريدونه ويتجرون فيه بخلاف غير ما يريدونه ويتجرون فيه فلا يمين فيه إلا بشبهة
الموطن الثالث القائل عند موته لي عند فلان دين أو تدعي ورثة المتوفى على رجل بأن لمورثهم مالا عليه من وجه نصوه لأن من ادعى بسبب متوفى فهو بخلاف الحي عند أهل العلم
الموطن الرابع المتضيف عند الرجل فيدعي عليه
الموطن الخامس العارية الوديعة كأن ينزل الغريب المدينة فيدعي أنه استودع رجلا مالا وزاد في التبصرة موطنا سادسا وهو القاتل يدعي أن ولي المقتول عفا عنه ففي أحكام ابن سهل عن مالك رضي الله عنه أنه يحلف وأنكره أشهب وموطنا سابعا وهو من باع سلعة رجل وادعى أنه أمره ببيعها وأنكره صاحبها وهي قائمة بعينها فإنه يحلف ويأخذها وموضعا ثامنا وهو من ادعى على من لقيه بقية كراء حلف المدعى عليه أنه ما اكترى منه شيئا وكذلك إن كان المدعى عليه هو صاحب الدابة حلف إن كان منكرا
النوع الثاني ما لم يتعرض العرف لتكذيبها ولا تصديقها فلا يشرع فيها التحليف إلا بإثبات خلطة مشهور الدعوى دين على غير من تقدم في المواطن المذكورة وكما إذا ادعى على الرجل المبرز من ليس من شكله ولا نمطه لم تجب له اليمين عليه إلا بثبوت الخلطة كما في التبصرة عن وثائق ابن الهندي ولأصحابنا في الخلطة التي اشترطت في هذا النوع على مشهور المذهب أربعة أقوال الأول لابن القاسم هي أن يسالفه أو يبايعه مرارا وإن تقابضا في ذلك الثمن أو السلعة وتفاصلا قبل التفرقة
والثاني لسحنون لا بد من البيع بين المتداعيين
والثالث للأبهري هي أن تكون الدعوى تشبيه أن يدعي مثلها على المدعى عليه وإلا فلا يحلف إلا أن يأتي المدعي بلطخ

186
186
عليه السلام فيما سقت السماء العشر أن مقصود الحديث بيان الجزء الواجب في الزكاة لا بيان ما تجب فيه الزكاة
وعن الأول أيضا جواب آخر وهو أن العام في الأشخاص غير عام في الأحوال والأزمنة والبقاع والمتعلقات كما تقرر في علم الأصول فيكون الحديث مطلقا في أحوال الحالفين فيحمل على الحالة المحتملة المتقدمة وهي الحالة التي فيها الخلطة لأنها المجمع عليها فلا يحتج به في غيرها وإلا لكان عاما في الأحوال
وليس كذلك والجواب عن الثاني أن مقصوده بيان الحصر وبيان ما يختص به منهما لا بيان شرط ذلك ألا ترى أنه أعرض عن شرط البينة من العدالة وغيرها أو نقول ليس هو عاما في الأشخاص لأن المخالطة للشخص الواحد لا تعم فيحمل على الحالة التي ذكرناها والحديث الذي رويناه وعن الثالث أنه معارض بما ذكرناه من تسلط الفسقة السفلة على
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
والرابع للقاضي أبي حسن بن القصار لا بد أن يكون المدعى عليه يشبه أن يعامل المدعى عليه كما في الأصل قال ابن فرحون في التبصرة وفي المتيطية وفسر أصبغ الخلطة فلم ير الذين يصلون في مسجد واحد ولا الجلساء في الأسواق ولا الجيران خلطة ولم يرها إلا بتكرر المبايعة وأن يبيع منه بالنسيئة ا ه
قلت والظاهر أن هذا هو مراد سحنون فافهم قال ابن فرحون وفائدة اشتراط كل من تكرار المبايعة والنسيئة أنه لو بايعه مرة بالنقد وقبض الثمن وتفاصلا لم يكن ذلك خلطة لأنه لم يبق بينهما بقية توجب اليمين قال ووقع في كلام ابن راشد التفرقة بين خلطة المبايعة وبين خلطة المصاحبة والمؤاخاة فإنه بعد قوله في المدونة عن ابن القاسم إذا ادعى رجل على رجل كفالة فقال ابن القاسم لا بد من الخلطة قال يريد خلطة صحبة ومؤاخاة لا خلطة مبايعة قال ابن محرز ظاهر المدونة أن الخلطة تعتبر بصحبة مدعي الدين والمدعى عليه بالحمالة والصواب عندي أنه يراعي ذلك من الغريم والمدعى عليه الحمالة
ووجه ابن يونس ظاهر المدونة بأن الذي له الدين يقول إنما وثقت بمبايعة من لا أعرف لكفالتك إياه فلذلك توجهت له عليه اليمين ا ه
قلت والظاهر أن هذا قول خامس في الخلطة ومقابل المشهور قول ابن نافع أن الخلطة لا تشترط في هذا النوع كما في تبصرة ابن فرحون قال وفي المتيطية عن ابن عبد الحكم مثله وأن اليمين تجب على المدعى عليه دون خلطة وبه أخذ ابن لبابة وغيره من المتأخرين لقوله صلى الله عليه وسلم البينة على المدعي واليمين على من أنكر ا ه
وفي الأصل وبه قال الشافعي وأبو حنيفة لنا ما رواه سحنون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال البينة على من ادعى واليمين على من أنكر إذا كانت بينهما خلطة وزيادة العدل مقبولة وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لا يدعي الحاكم على الخصم إلا أن يعلم أن بينهما معاملة ولم يرو له مخالف من الصحابة فكان إجماعا ولأن عمل المدينة كذلك ولأنه لولا ذلك لتجرأ السفهاء على ذوي الأقدار بتبذيلهم عند الأحكام بالتحليف وذلك شاق على ذوي الهيئات وربما التزموا ما لا يلزمهم من الجمل العظيمة من المال فرارا من الحلف كما فعله عثمان رضي الله عنه وقد يصادفه عقب الحلف مصيبة فيقال هي بسبب الحلف فيتعين حسم الباب إلا عند قيام مرجح لأن صيانة الأعراض واجبة والقواعد تقتضي درء مثل هذه المفسدة
187
187
الأتقياء الأخيار بالتحليف عند القضاة وأنه يفتح باب دعوى أحد العامة على الخليفة أو القاضي أنه استأجره أو أعيان العلماء أنه قاوله وعاقده على كنس مرحاضه أو خياطة قلنسوته ونحو ذلك مما يقطع بكذبه فيه فطريق الجميع بين النصوص والقواعد ما ذكرناه من اشتراط الخلطة فهذا هو المنهج القويم وهاهنا ثلاث مسائل
المسألة الأولى
أن الخلطة حيث اشترطت قال في الجواهر فثبت بإقرار الخصم والشاهدين والشاهد واليمين لأنها أسباب الأموال فتلحق بها في الحجاج وقال ابن لبابة تثبت بشهادة رجل واحد وامرأة وجعله من باب الخبر وروي عن ابن القاسم
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وأما احتجاجهم بالحديث السابق بدون زيادة من جهة أنه عام في كل مدعى عليه فيسقط اعتبار ما ذكر من الشرط فجوابه من جهتين
الأولى
أن مقصود الحديث بيان من عليه البينة ومن عليه اليمين لا بيان حال من تتوجه عليه والقاعدة أن اللفظ إذا ورد لمعنى لا يحتج به في غيره لأن المتكلم معرض عن ذلك الغير ولهذه القاعدة وقع الرد على أبي حنيفة في استدلاله على وجوب الزكاة في الخضراوات بقوله عليه السلام فيما سقت السماء العشر بأن مقصود الحديث بيان الجزء الواجب في الزكاة لا بيان ما تجب فيه الزكاة
الجهة الثانية أن العام في الأشخاص غير عام في الأحوال والأزمنة والبقاع والمتعلقات كما تقرر في علم الأصول فيكون الحديث مطلقا في أحوال الحالفين المحتملة على الحالة المحتملة وهي المتقدمة التي فيها الخلطة لأنها المجمع عليها فلا يحتج به في غيرها وإلا لكان عاما في الأحوال وليس كذلك وأما احتجاجهم بقوله عليه السلام شاهداك أو يمينه ولم يذكر مخالطة فجوابه من جهتين أيضا الأولى أن مقصوده بيان الحصر وبيان ما يختص به منهما لا بيان شرط ذلك ألا ترى أنه أعرض عن شرط البينة من العدالة وغيرها الجهة الثالثة أنه ليس عاما في الأشخاص لأن المخالطة للشخص الواحد لا تعم فيحمل على الحالة التي ذكرناها للحديث الذي رويناه وأما احتجاجهم بأن الحقوق قد تثبت بدون الخلطة فاشتراطها يؤدي إلى ضياع الحقوق وتختل حكمة الحكام فجوابه أنه معارض بما ذكرناه من تسلط الفسقة السفلة على الأتقياء الأخيار عند القضاة وأنه يفتح باب دعوى أحد العامة على الخليفة أو القاضي أنه استأجره أو على أعيان العلماء أنه قاوله وعاقده على كنس مرحاضه أو خياطة قلنسوته ونحو ذلك مما يقطع بكذبه فيه فما ذكرناه من اشتراط الخلطة هو المنهج القويم في الجمع بين النصوص والقواعد وسلمه ابن الشاط والله أعلم
وصل في مسائل تتعلق بهذا الفرق المسألة الأولى قال في الجواهر تثبت الخلطة حيث اشترطت بإقرار الخصم والشاهدين والشاهد واليمين لأنها أسباب الأموال فتلحق بها في الحجاج وفي كتاب ابن المواز من أقام بالخلطة شاهدا واحدا حلف معه وتثبت الخلطة ثم يحلف المطلوب حينئذ وقاله ابن نافع وابن كنانة وفي أحكام ابن بطال أن المدعي إذا حضر خط المدعى عليه وثبت أنه خطه فهو كثبوت إقراره تجب به الخلطة
وقال ابن لبابة تثبت بشهادة رجل واحد وامرأة وجعله من باب الخبر وروي عن ابن القاسم وقول ابن لبابة هو المشهور قال ابن كنانة أيضا تثبت الخلطة بشهادة رجل
188
188
المسألة الثانية
إذا دفع الدعوى بعداوة والمشهور أنه لا يحلف لأن العداوة مقتضاها الإضرار بالتحليف والبذلة عند الحاكم وقيل يحلف لظاهر الخبر المسألة الثالثة قال أبو عمر أن خمس مواطن لا تشترط فيها الخلطة الصانع والمتهم بالسرقة والقائل عند موته لي عند فلان دين والمتضيف عند الرجل فيدعي عليه والعارية الوديعة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
واحد وامرأة واحدة بغير يمين قال ابن رشد وقول ابن كنانة أحسن وهو مروي عن ابن القاسم لأن المراد إثبات لطخ الدعوى وذلك يحصل بالمرأة ا ه من الأصل وابن فرحون في التبصرة
المسألة الثانية
في التبصرة ثبوت الخلطة يوجب اليمين على المطلوب في دعوى السلف الوديعة أو المقارضة أو الشركة أو ما أشبه ذلك إن كانت هذه الدعوى بعد المدة التي يحدها الشهود ولذلك يحتاج إلى تحديدها ويعقد في إثبات الخلط شهد من يسمى أسفل هذا العقد من الشهداء أنهم يعرفون فلانا وفلانا معرفة صحيحة تامة بعينهما واسمهما ويعرفون فلانا مخالطا لفلان ابن فلان ومداخلا له من كذا وكذا عاما ولا يعلمون ذلك انقطع بينهما في علمهم إلى حين إيقاع شهادتهم في تاريخ كذا ويذكر فيه تعريف الشاهدين بهما إن لم يكن القاضي يعرفهما وفائدة التحديد بالتاريخ أن تكون الدعوى داخلة في هذا التحديد فلو كانت قبلها لم تجب اليمين إلا بثبوت الخلطة وهذه المسألة من جملة المسائل التي لا بد من تحديد الأمد فيها وكذلك شهادة السماع في الحبس وشهادة الضرر للاختلاف في مدة الحيازة في ذلك وإن قال إن ذلك كان في مدة الأمد الذي تحده الشهود للخلطة لم يجب اليمين فيه إلا بثبوت الخلطة في مدة الدعوة ولا تجب بمثل هذه الخلطة يمين في دعوى مبايعة في عقار أو متاع أو عبيد أو حيوان أو عروض ا ه
المسألة الثالثة في التبصرة قال ابن سهل قال غير واحد من المتأخرين إنما تراعى الخلطة فيما يتعلق بالذمم من الحقوق وأما الأشياء المعينة التي يقع التداعي فيها بينهما فاليمين لاحقة من غير خلطة وقيل لا تجب اليمين إلا بالخلطة في الأشياء المعينة وغيرها قال عبد الحق وهذا أبين عندي لأن الخلطة إنما رآها العلماء للمضرة الداخلة لو سمع مع كل مدع ا ه
المسألة الرابعة في التبصرة اختلف إذا شهد عليه شاهدان فدفعهما بدعوى العداوة هل تجب له عليه يمين بغير خلطة أم لا قولان المشهور لا يجب ا ه قال الأصل لأن العداوة مقتضاها الإصرار بالتحليف والبذلة عند الحكام ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم

189
189
الفرق الثامن والثلاثون والمائتان بين قاعدة ما هو حجة عند الحكام وقاعدة ما ليس بحجة عندهم
قد تقدم الفرق بين الأدلة والأسباب والحجاج وأن الأدلة شأن المجتهدين والحجاج شأن القضاة والمتحاكمين والأسباب تعتمد المكلفين والمقصود هاهنا إنما هو الحجاج فنقول وبالله نستعين الحجاج التي يقضي بها الحاكم سبع عشرة حجة الشاهدان الشاهدان واليمين والأربعة في الزنا والشاهد واليمين والمرأتان واليمين والشاهد والنكول والمرأتان والنكول واليمين والنكول وأربعة أيمان في اللعان وخمسون يمينا في القسامة والمرأتان فقط في العيوب المتعلقة بالنساء واليمين وحدها بأن يتحالفا ويقسم بينهما فيقضي لكل واحد منهما بيمينه والإقرار وشهادة الصبيان والقافة وقمط الحيطان وشواهدها واليد فهذه هي الحجاج التي يقضي بها الحاكم وما عداه لا يقضي به عندنا وفيها شبهات واختلاف بين العلماء أنبه عليه فأذكر ما اختلف فيه حجة حجة بانفرادها وأورد الكلام فيها إن شاء الله تعالى الحجة الأولى الشاهدان والعدالة فيهما شرط عندنا وعند الشافعي وأحمد بن حنبل وقال أبو حنيفة العدالة حق للخصم فإن طلبها فحص الحاكم عنها وإلا فلا وعندنا هي حق الله تعالى يجب على الحاكم أن لا يحكم حتى يحققها وقال متأخرو الحنفية إنما كان قول المجهول مقبولا في أول الإسلام حيث كان الغالب العدالة فألحق النادر بالغالب فجعل الكل عدولا
وأما اليوم فالغالب الفسوق فيلحق النادر بالغالب حتى تثبت العدالة والمنقول عن أبي حنيفة هو الأول واستثنى الحدود فلا يكتفي فيها بمجرد الإسلام بل لا بد من العدالة لأن الحدود حق لله تعالى وهو ثابت فتطلب العدالة وإذا كان المحكوم به حقا لآدمي يجرحها وجب البحث عنهما لنا إجماع الصحابة فإن رجلين شهدا عند عمر فقال لا أعرفكما ولا يضركما أن لا أعرفكما فجاء رجل فقال أتعرفهما قال نعم قال له أكنت معهما
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الفرق الثامن و الثلاثون والمائتان بين قاعدة ما هو حجة عند الحكام وقاعدة ما ليس بحجة عندهم
وهو أن الحجة واحد الحجاج التي هي شأن القضاة والمتحاكمين بخلاف الأدلة فشأن المجتهدين وبخلاف الأسباب فإنها تعتمد المكلفين كما تقدم في الفرق بينها فلا تغفل والحجاج التي يقضي بها الحاكم منحصرة عندنا في سبع عشرة حجة الأولى الأربعة الشهود الثانية الشاهدان الثالثة الشاهدان واليمين الرابعة الشاهد واليمين الخامسة المرأتان واليمين السادسة الشاهد والنكول السابعة المرأتان
190
190
في سفر يتبين عن جواهر الناس قال لا قال فأنت جارهما تعرف صباحهما ومساءهما قال لا قال أعاملتهما بالدراهم والدنانير التي تقطع بينهما الأرحام قال لا فقال ابن أخي ما تعرفهما ائتياني بمن يعرفكما وهذا بحضرة الصحابة لأنه لم يكن يحكم إلا بحضرتهم ولم يخالفه أحد فكان إجماعا والظاهر أنه ما سأل عن تلك الأسباب من السفر وغيره إلا وقد عرف إسلامها لأنه لم يقل أتعرفهما مسلمين وليس ذلك استحبابا لأن تعجيل الحكم واجب على الفور عند وجود الحجة لأن أحد الخصمين على منكر غالبا وإزالة المنكر واجب على الفور والواجب لا يؤخر إلا لواجب ولقوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم مفهومه أن غير العدل لا يستشهد وقوله منكم إشارة إلى المسلمين فلو كان الإسلام كافيا لم يبق في لتقييد فائدة
والعدل مأخوذ من الاعتدال في الأقوال والأفعال والاعتقاد فهو وصف زائد على الإسلام وغير معلوم بمجرد الإسلام وقوله تعالى ممن ترضون من الشهداء ورضاء الحاكم بهم فرع معرفتهم وبالقياس على الحدود وبالقياس على طلب الخصم العدالة فإن فرقوا بأن العدالة حق للخصم فإذا طلبها تعينت وأن الحدود حق لله تعالى وهو ثابت عن الله منعنا أن العدالة حق لآدمي بل حق لله تعالى في الجميع فيتجه القياس ويندفع الفرق بالمنع احتجوا بقوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم ولم يشترط العدالة وبقول عمر رضي الله عنه المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودا في حد وقبل النبي صلى الله عليه وسلم شهادة الأعرابي بعد أن قال له أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فلم يعتبر غير الإسلام ولأنه لو أسلم كافر بحضرتنا جاز قبول قوله مع أنه لم يتحقق منه إلا الإسلام ولأن البحث لا يؤدي إلى تحقق العدالة وإذا كان المقصود الظاهر فالإسلام كاف في ذلك لأنه أتم وازع ولأن صرف الصدقة يجوز بناء على ظاهر الحال من غير بحث وعمومات النصوص والأوامر تحمل على ظاهرها من غير بحث فكذلك هاهنا يتوضأ بالمياه ويصلي بالثياب بناء على الظواهر من غير بحث فكذلك هاهنا قياسا عليها والجواب عن الأول أنه مطلق فيحمل على المقيد وهو قوله ذوي عدل منكم فقيد بالعدالة وإلا لضاعت الفائدة في هذا القيد وقيد أيضا برضاء الحاكم
وهو مشروط
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
والنكول
الثامنة
اليمين والنكول التاسعة أربعة أيمان العاشرة خمسون يمينا الحادية عشرة المرأتان فقط الثانية عشرة اليمين وحدها الثالثة عشرة الإقرار الرابعة عشرة شهادة الصبيان الخامسة عشرة القافة السادسة عشرة قمط الحيطان وشواهدها السابعة عشرة اليد وما عدا هذه السبع عشرة لا يقضى به عندنا وبيان كل حجة من السبع عشرة بانفرادها بتوضيح ما تكون فيه وما فيها من اشتباه واختلاف بين العلماء يستدعي أبوابا ووصولا ليحصل بذلك تمام الفائدة إن شاء الله تعالى
الباب الأول في بيان ما تكون فيه الحجة الأولى ودليلها وشروطها وفيه وصلان الوصل الأول تكون هذه الحجة في عشرة
191
191
بالبحث ولأن الإسلام لا يكفي فيه ظاهر الدار فكذلك لا يكفي الإسلام في العدالة وعن الثاني أنه يدل على اعتبار وصف العدالة بقوله عدول فلو لم يكن معتبر السكت عنه وهو معارض بقوله في آخر الأمر لا يؤمر مسلم بغير العدول والمتأخر ناسخ للمتقدم ولأن ذلك كان في صدر الإسلام حيث العدالة غالبة بخلاف غيره وعن الثالث أن السؤال عن الإسلام لا يدل على عدم سؤاله عن غيره فلعله سأل أو كان غير هذا الوصف معلوما عنده وعن الرابع أنا لا نقبل شهادته حتى نعلم سجاياه وعدم جرأته على الكذب وإن قبلناه فذلك لأجل تيقننا عدم ملابسته ما ينافي العدالة بعد إسلامه وعن الخامس أنه باطل بالإسلام فإن البحث عنه لا يؤدي إلى يقين ويحكم الحاكم في القضية التي لا نص فيها ولا إجماع فإن بحثه لا يؤدي إلى يقين
وأما الفقر فلا بد من البحث عنه ولأن الأصل هو الفقر بخلاف العدالة بل وزانه هاهنا أن تعلم عدالته في الأصل فإنا لا نبحث عن مزيلها وكذلك أصل الماء الطهارة فلا يخرج عن ذلك إلا بتغير لونه أو طعمه أو ريحه وذلك معلوم بالقطع فلا حاجة إلى البحث ولأن الأصل الطهارة بخلاف العدالة وأما العمومات والأوامر فإنا لا نكتفي بظاهرها بل لا بد من البحث عن الصارف المخصص وغيره ولأن الأصل بقاؤها على ظاهرها
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
مواضع كما في تبصرة ابن فرحون
الأول
الزنا فلا بد فيها من أربعة لقوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون وهي على أربعة أوجه الأول على معاينته وهو المتفق على أنه لا بد فيه من أربعة شهود
الوجه الثاني على الإقرار به ولو مرة خلافا لمن يشترط الإقرار به أربع مرات واختلف هل لا بد في الشهادة على الإقرار به أربعة لأنها تئول إلى إقامة الحد فساوت الشهادة على المعاينة لتساوي موجبها أو يكفي فيها رجلان كما هو الأصل في الشهادات على الإقرارات إجراء للإقرار بالزنا على ذلك الأصل الوجه الثالث على الشهادة به واختلف هل يكفي اثنان على شهادة كل واحد من الأربعة الذين شهدوا على المعاينة أي فتكون ثمانية أو لا بد من أربعة على كل من الأربعة فتكون ستة عشر أو يكفي أربعة فقط يشهدون على كل واحد من الأربعة الوجه الرابع على كتاب القاضي بثبوته والحكم به واختلف أيضا في ذلك هل يكفي اثنان أو لا بد من أربعة
الموضع الثاني الملاعنة بين الزوجين فإن المذهب أن أقل من يحضر لعان الزوجين أربعة شهود الموضع الثالث شهادة الأبدان في النكاح وهي كما في المختصر أن ينكح الرجل ابنته البكر من رجل ولم يحضرهما شهود بل إنما عقد النكاح وتفرقا وقال كل واحد منهما لصاحبه أشهد من لاقيت فلا تتم الشهادة إلا بأربعة شاهدان على الأب وشاهدان على الزوج فإن أشهد كل منهما الشهود الذين أشهدهم صاحبه لم تسم هذه أبدادا فلو كانت
192
192
مسألة
لا تقبل عندنا شهادة الكافر على المسلم أو الكافر على أهل ملته ولا غيرها ولا في وصية ميت مات في السفر وإن لم يحضره مسلمون وتمنع شهادة نسائهم في الاستهلال والولادة ووافقنا الشافعي
وقال ابن حنبل تجوز شهادة أهل الكتاب في الوصية في السفر إذا لم يكن غيرهم وهم ذمة ويحلفان بعد العصر ما خانا ولا كتما ولا اشتريا به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين واختلف العلماء في هذه الآية فمنهم من حملها على التحمل دون الأداء ومنهم من قال المراد بقوله تعالى من غيركم أي من غير عشيرتكم وقيل الشهادة في الآية هي اليمين ولا تقبل في غير هذا عند أحمد بن حنبل
وقال أبو حنيفة يقبل اليهودي على النصراني والنصراني على اليهودي مطلقا لأن الكفر ملة واحدة وعن قتادة وغيره يقبل على ملته دون غيرها لنا قوله تعالى وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وقال عليه السلام لا تقبل شهادة عدو على عدوه وقياسا على الفاسق بطريق الأولى ولأن الله تعالى أمر بالتوقف في خبر الفاسق وهذا أولى إذ الشهادة آكد من الخبر وقوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم
وفي الحديث قال عليه السلام لا تقبل شهادة أهل دين على غير أهل دينه إلا المسلمون فإنهم عدول عليهم وعلى غيرهم ولأن من لا تقبل شهادته على المسلم لا تقبل على غيره كالعبد وغيره احتجوا بقوله تعالى شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم معناه من غير المسلمين من أهل الكتاب وروي ذلك عن أبي موسى الأشعري وغيره وإذا جازت على المسلم جازت على الكافر بطريق الأولى وفي الصحيح أن اليهود جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهم يهوديان فذكرت له عليه السلام أنهما زنيا فرجمهما عليه السلام وظاهره أن رجمهما بشهادتهم وروى الشعبي أنه عليه السلام قال إن شهد منكم أربعة رجمتهما ولأن الكافر من أهل الولاية لأنه يزوج أولاده ولأنهم يتدينون في الحقوق قال تعالى ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك والجواب عن الأول أن الحسن قال من غير عشيرتكم وعن قتادة قال من غير حلفكم
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الزوجة مالكة أمر نفسها لم تكمل الشهادة على النكاح إلا بستة اثنان على الناكح واثنان على المنكح واثنان على الزوجة
الموضع الرابع شهادة جلد حد الزنا لمن قذفه شخص فلا تنفع القاذف إلا إذا كان الشهود بذلك أربعة نعم قال ابن رشد في البيان والقياس أنه يدخل الخلاف في هذه المسألة من اختلافهم في كتاب القاضي بثبوت الزنا أنه يكفي فيه اثنان وقد تقدم ذلك الموضع الخامس شهادة عقوبة الزاني فلا أقل من أربعة شهود يحضرونه
الموضع السادس شهادة السماع في الأحباس وغيرهما فلا يجزي فيها أقل من أربعة على قول ابن الماجشون نعم المشهور أنه يجزئ فيها اثنان
الموضع السابع الشهادة في باب
193
193
فما تعين ما قلتموه ومعنى الشهادة التحمل ونحن نجيزه أو اليمين لقوله تعالى فيقسمان بالله كما قال في اللعان أو لأن الله تعالى خير بين المسلمين وغيرهم ولم يقل به أحد فدل على نسخه وعن الثاني أنهم لا يقولون به لأن الإحصان من شرطه الإسلام مع أنه نقل أنهما اعترفا بالزنا فلم يرجمهما بالشهادة مع أن الصحيح أنه إنما رجمهما بالوحي لأن التوراة لا يجوز الاعتماد عليها لما فيها من التحريف وشهادة الكفار غير مقبولة وقال ابن عمر كان حد المسلمين يومئذ الجلد فلم يبق إلا الوحي الذي يخصهما وعن الثالث أن الفسق
وإن نافى الشهادة عندنا فإنه لا ينافي الولاية لأن وازعها طبيعي بخلاف الشهادة وازعها ديني فافترقا لأن تزويج الكفار عندنا فاسد والإسلام يصححه
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الاسترعاء فأقلهم أربعة أيضا على قول ابن الماجشون والمشهور اثنان
الموضع الثامن من الشهادة في الترشيد والتسفيه قال ابن الماجشون وغيره من أصحاب مالك يشترط فيهم الكثرة وأقلهم أربعة شهود والمشهور أنه يجزئ في ذلك اثنان
الموضع التاسع شهادة من قطع اللصوص عليهم الطريق قال تقبل شهادتهم عليهم إذا كانوا كثيرا وأقل الكثير أربعة وقال ابن الماجشون والمغيرة وابن دينار لا يجزئ في ذلك أقل من أربعة وقال مطرف وابن القاسم يجوز عدلان
الموضع العاشر الشهادة في الرضاع قال ابن عبد السلام حكى بعضهم عن أبي بكر بن الجهم من أصحابنا أنه لا يقبل فيه أقل من أربعة والمشهور أنه يثبت بشاهدين وبامرأتين ا ه المراد من التبصرة فانظرها الوصل الثاني في تبصرة ابن فرحون يشترط في الشهادة على الزنا أن يكونوا أربعة رجال ذكور عدول يشهدون بزنا واحد مجتمعين في أداء الشهادة غير مفترقين بأنه أدخل فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة وظاهر المذهب جواز النظر إلى الفرج قصدا للتحمل وللحاكم أن يسألهم كما يسأل الشهود في السرقة ما هي ومن أين وإلى أين وفروع هذا الباب مشهورة في محالها ا ه بلفظه
وقال الأصل في نظائر أبي عمران يشترط اجتماع الشهود عند الأداء في الزنا والسرقة ولا يشترط في غيرهما وصعب على دليل يدل على ذلك وقد تقدم أن المناسبات بمجردها لا تكفي في اشتراط الشروط بل لا بد من قياس صحيح أو نص وأما قولنا ذلك أبلغ في طلب الستر على الزناة وحفظ الأعضاء عن الضياع فهذا لا يكفي في هذا الشرط وإلا لأمكن على هذا السياق أن يشترط التبريز في العدالة أو أن يكون الشاهد من أهل العلم والولاية وغير ذلك من المناسبات أيضا وهي على خلاف الإجماع فلم يبق إلا اتباع موارد النصوص والأدلة الصحيحة وغير ذلك صعب جدا ا ه وسلمه ابن الشاط فافهم والله أعلم
الباب الثاني في بيان ما تكون فيه الحجة الثانية وشروطها وفيه وصلان الوصل الأول في التبصرة القضاء بشاهدين لا يجزئ غيرهما في النكاح والرجعة والطلاق والخلع
194
194
وعن الرابع أنه معارض بقوله تعالى في آخر الآية ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل فأخبر تعالى أنهم يستحلون ما لنا وجميع أدلتكم معارضة بقوله تعالى أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات فنفى تعالى التسوية فلا تقبل شهادتهم وإلا لحصلت التسوية وكقوله تعالى لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة قال الأصحاب وناسخ الآية قوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم
فرع مرتب
قال ابن أبي زيد في النوادر لو رضي الخصم بالحكم بالكافر أو المسخوط لم يحكم له به لأنه حق الله تعالى
الحجة الثانية الشاهدان واليمين ما علمت عندنا ولا عند غيرنا خلافا في قبول شهادة شاهدين مسلمين عدلين في الدماء والديون
وقال مالك إن شهدا له بعين في يد أحد لا يستحقها حتى يحلف ما باع ولا وهب ولا خرجت عن يده بطريق من الطرق المزيلة للملك وهو الذي عليه الفتوى والقضاء وعلله الأصحاب بأنه يجوز أن يكون باعها لهذا المدعى عليه أو لمن اشتراها هذا المدعى عليه منه ومع قيام الاحتمال لا بد من اليمين وهذا مشكل بالديون فإنه يجوز أن يكون أبرأه من الدين أو دفعه له أو عاوضه عليه
ومع ذلك فلا اعتبار بهذه الاحتمالات فكذلك هاهنا لا سيما وجل الشهادات في الدماء وغيرها الاستصحاب وإذا قبلناهما في القتل ويقتل بهما مع جواز العفو فلأن يقضي بهما في الأموال بطريق الأولى وبالجملة فاشتراط اليمين مع الشاهدين ضعيف ولقوله عليه السلام شاهداك أو يمينه ولقوله تعالى شهيدين من رجالكم وظاهر هذه النصوص أنهما حجة تامة وما علمت أنه ورد حديث صحيح في اشتراط اليمين وإثبات المشروط بمجرد المناسبات والاحتمالات صعب فلو قال قائل لا نقبل في الدماء من في طبعه خور أو خوف من القتل مع تبريزه في العدالة لأن ذلك يبعثه على حسم مادة القتل ولا يقبل في الدماء وأحكام الأبدان الشبان من العدول بل الشيوخ لعظم الخطر في أحكام الأبدان ونحو ذلك من المسببات والمناسبات كان هذا
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
والتمليك والمبارأة والعتق والإسلام والردة والولاء والنسب والكتابة والتدبير والبلوغ والعدة والجرح والتعديل والشرب والقذف والحرابة والشركة والإحلال والإحصان وقتل العمد وكذلك الوكالة والوصية عند أشهب وفي التنبيه لابن المناصف واختلف في الشاهد الواحد على التوكيل بالمال عن غائب هل يحلف الوكيل معه ليثبت التوكيل أو لا الأشهر المنع واستحسنه اللخمي إلا أن يتعلق بذلك التوكيل حق للوكيل مثل أن يكون على الغائب دين أو لأنه يقر المال في يده قراضا وما أشبه ذلك فيحلف ويستحق ا ه المراد الوصل الثاني في التبصرة هذه الأحكام لا تثبت إلا بشاهدين ذكرين حرين عدلين قاله ابن رشد وغيره ا ه
195
195
مروقا من القواعد ومنكرا من القول لا سيما والقياس على الدين يمنع من ذلك والفرق في غاية العسر وإثبات شرط بغير حجة خلاف الإجماع وإن ثبت الفرق فمذهب الشافعي وغيره عدم هذا الشرط وهو الصحيح
الحجة الثالثة الأربعة في الزنا لقوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون تنبيه في نظائر أبي عمران يشترط اجتماع الشهود عند الأداء في الزنا والسرقة ولا يشترط في غيرهما وصعب على دليل يدل على ذلك وقد تقدم أن المناسبات بمجردها لا تكفي في اشتراط الشروط بل لا بد من قياس صحيح أو نص صريح وأما قولنا ذلك أبلغ في طلب الستر على الزناة وحفظ الأعضاء عن الضياع فهذا لا يكفي في هذا الشرط فيمكن أيضا على هذا السياق أن نشترط التبريز في العدالة لو يكون الشاهد من أهل العلم والولاية وغير ذلك المناسبات وهي على خلاف الاجتماع فلم يبق إلا اتباع موارد النصوص والأدلة الصحيحة وغير ذلك صعب جدا
الحجة الرابعة الشاهد واليمين قال به مالك والشافعي وابن حنبل وقال أبو حنيفة ليس بحجة وبالغ في نقض الحكم أن حكم به قائلا هو بدعة وأول من قضى به معاوية وليس كما قال بل أكثر العلماء قال به والفقهاء السبعة وغيرهم لنا وجوه الأول ما في الموطإ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد وروي في المسانيد بألفاظ متقاربة وقال عمرو بن دينار رواية عن ابن عباس ذلك في الأموال الثاني إجماع الصحابة على ذلك وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي وأبي بن كعب وعدد كثير من غير مخالف روى ذلك النسائي وغيره الثالث ولأن اليمين تشرع في حق من ظهر صدقه وقوي جانبه وقد ظهر لك في حقه بشاهده الرابع أنه أحد المتداعيين فتشرع اليمين في حقه إذا رجح جانبه كالمدعى عليه
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وفي الأصل والعدالة فيهما شرط عندنا وعند الشافعي وأحمد بن حنبل وهي حق لله تعالى عندنا يجب على الحاكم أن لا يحكم حتى يحققها والمنقول عن أبي حنيفة أن العدالة حق للخصم فإن طلبها فحص الحاكم عنها وإلا فلا وقال متأخرو الحنفية إنما كان قول المجهول مقبولا في أول الإسلام حيث كان الغالب العدالة فألحق النادر بالغالب فجعل الكل عدولا وأما اليوم فالغالب الفسوق فيلحق النادر بالغالب حتى تثبت العدالة نعم استثنى أبو حنيفة الحدود
196
196
الخامس
قياسا للشاهد على اليد السادس ولأن اليمين أقوى من المرأتين لدخولها في اللعان دون المرأتين وقد حكم بالمرأتين مع الشاهد فيحكم باليمين السابع ولقوله عليه السلام البينة على من ادعى واليمين على من أنكر وهي مشتقة من البيان والشاهد واليمين يبين الحق الثامن قوله تعالى إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا وهذا ليس بفاسق فوجب أن يقبل قوله مع اليمين لأنه لا قائل بالفرق احتجوا بوجوه الأول قوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان فحصر المشروع عند عدم الشاهدين في الرجل والمرأتين والشاهد واليمين زيادة في النص والزيادة نسخ وهو لا يقبل في الكتاب بخبر الواحد الثاني قوله عليه السلام لحضرمي ادعى على كندي شاهداك أو يمينه ولم يقل شاهدك ويمينك الثالث قوله عليه السلام البينة على من ادعى واليمين على من أنكر فحصر البينة في جهة المدعى واليمين في جهة المنكر لأن المبتدأ محصور في خبره واللام للعموم فلم تبق يمين في جهة المدعي الرابع أنه لما تعذر نقل البينة للمنكر تعذر نقل اليمين للمدعي الخامس القياس على أحكام الأبدان السادس أن اليمين لو كان كالشاهد لجاز تقديمه على الشاهد كأحد الشاهدين مع الآخر ولجاز إثبات الدعوى بيمين والجواب عن الأول أنا لا نسلم أنه زيادة سلمناه لكن تمنع أنه نسخ لأن النسخ الرفع ولم يرتفع شيء وارتفاع الحصر يرجع إلى أن غير المذكور غير مشروع وكونه غير مشروع يرجع إلى البراءة الأصيلة والبراءة الأصيلة ترجع بخبر الواحد اتفاقا لأن الآية واردة في التحمل دون الأداء لقوله تعالى إذا تداينتم بدين
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
فقال لا يكتفى فيها بمجرد الإسلام بل لا بد فيها من العدالة لأن الحدود حق لله تعالى وهو ثابت فتطلب العدالة وإذا كان المحكوم به حقا لآدمي وجب بجرحها البحث عنها لنا أربعة وجوه
الأول
إجماع الصحابة وذلك أن رجلين شهدا عند عمر فقال لا أعرفكما ولا يضركما فجاء رجل فقال أتعرفهما قال نعم قال له أكنت معهما في سفر يتبين عن جواهر الناس قال لا قال فأنت جارهما تعرف صباحهما ومساءهما قال لا قال أعاملتهما بالدراهم والدنانير التي تقطع بهما الأرحام قال لا قال ابن أخي ما تعرفهما ائتياني بمن يعرفكما
197
197
إلى أجل مسمى فاكتبوه والشرط للاستقبال فهو للتحمل ولقوله تعالى أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى واليمين مع الشاهد لا تدخل في التحمل فالحصر في التحمل باق ولا نسخ على التقديرين ولأن اليمين تشرع في حق من ادعى رد الوديعة وجميع الأمناء والقسامة واختلاف المتبايعين وينتقض ما ذكرتموه بالنكول وهو زيادة في حكم الآية وعن الثاني أن الحصر ليس مرادا بدليل الشاهد والمرأتين ولأنه قضاء يخص باثنين لخصوص حالهما فيعم ذلك النوع ونحن نقول كل من وجد في حقه تلك الصفة لا يقبل منه إلا شاهدان وعليكم أن تبينوا تلك الحالة مما قلنا نحن فيها بالشاهد واليمين وعن الثالث أن اليمين التي على المنكر لا تتعداه لأن اليمين التي عليه هي اليمين الدافعة واليمين مع الشاهد هي الجالبة فهي غيرها فلم يبطل الحصر وهو الجواب عن قولكم لما لم تتحول البينة لم تتحول اليمين فإنا لم نحول تلك اليمين بل أثبتنا يمينا أخرى بالسنة مع أن التحويل واقع غير منكر لأنه لو ادعى عليه فأنكر لم يكن للمنكر إقامة البينة ولو ادعى القضاء كان له إقامة البينة مع أنها بينة ثابتة في
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وهذا بحضرة الصحابة لأنه لم يكن يحكم إلا بحضرتهم ولم يخالفه أحد فكان إجماعا والظاهر أنه ما سأل عن تلك الأسباب من السفر وغيره إلا وقد عرف إسلامهما لأنه لم يقل أتعرفهما مسلمين وليس ذلك استحبابا لأن تعجيل الحكم واجب على الفور عند وجود الحجة لأن أحد الخصمين على منكر غالبا وإزالة المنكر واجب على الفور والواجب لا يؤخر إلا لواجب
الوجه الثاني
قوله وأشهدوا ذوي عدل منكم فإن مفهومه أن غير العدل لا يستشهد وقوله منكم إشارة إلى المسلمين فلو كان الإسلام كافيا لم يبق في التقييد فائدة والعدل مأخوذ من الاعتدال في الأقوال والأفعال والاعتقاد فهو وصف زائد على الإسلام وغير معلوم بمجرد السلام الوجه الثالث قوله تعالى ممن ترضون من الشهداء ورضاء الحاكم بهم فرع معرفتهم
الوجه الرابع القياس على الحدود وعلى طلب الخصم العدالة فإن فرقوا بأن العدالة حق للخصم فإذا طلبها تعينت وأن الحدود حق لله وهو ثابت عن الله منعنا أن العدالة حق لآدمي بل لله تعالى في الجميع فيتجه القياس ويندفع الفرق وأما احتجاجهم بقوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم ولم يشترط العدالة فجوابه أنه مطلق فيحمل على المقيد وهو قوله ذوي عدل منكم فقيد بالعدالة وإلا لضاعت الفائدة في هذا التقييد وأيضا برضاء الحاكم وهو مشروط بالبحث ولأن الإسلام لا يكفي فيه ظاهر الدار فكذلك لا يكفي الإسلام في العدالة
وأما احتجاجهم بقول عمر رضي الله عنه المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودا في حد فجوابه أن قوله عدول يدل على اعتبار وصف العدالة إذ لو لم يكن معتبرا لسكت عنه على أنه معارض بقوله في آخر الأمر لا يؤسر مسلم بغير العدول والمتأخر ناسخ للمتقدم ولأن ذلك كان في صدر الإسلام حيث العدالة غالبة بخلاف غيره وأما احتجاجهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل شهادة الأعرابي بعد أن قال له أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول
198
198
الحالين وعن الرابع بأن أحكام الأبدان أعظم ولذلك لا يقبل فيها النساء وعن الخامس الفرق بأن الشاهدين معناهما مستويان فلا مزية لأحدهما على الآخر في التقديم وأما اليمين فإنما تدخل لتقوية جهة الشاهد فقبله لا قوة فلا تدخل ولا تشرع والشاهدان شرعا لأنهما حجة مستقلة مع الضعف تنبيه وافقنا أبو حنيفة في أحكام الأبدان وخالفنا الشافعي فيحلف المدعى عليه قبل قيام شاهد فإن نكل حلف المدعي لنا وجوه الأول قوله عليه السلام لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل فأخبر عليه السلام أنه لا يثبت إلا بهما فمن قال باليمين مع النكول فعليه الدليل الثاني قوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم وإنما أمر بهذه الشهادة لأنها سبب الثبوت فينحصر الثبوت فيها وإلا لزم البيان في تأسيس القواعد وهو خلاف الأصل وعملا بالمفهوم
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الله فلم يعتبر غير الإسلام فجوابه أن السؤال عن الإسلام لا يدل على عدم سؤاله من غيره فلعله سأل أو كان غير هذا الوصف معلوما عنده
وأما احتجاجهم بأن الكافر لو أسلم بحضرتنا جاز قبول قوله مع أنه لم يتحقق منه إلا الإسلام فجوابه أنا لا نقبل شهادته حتى نعلم سجاياه وعدم جرأته على الكذب أو أنا قبلناه لأجل تيقننا عدم ملابسته ما ينافي العدالة بعد إسلامه وأما احتجاجهم بأن البحث لا يؤدي إلى تحقق العدالة وإذا كان المقصود الظاهر فالإسلام كاف في ذلك لأنه أتم وازع ولأن صرف الصدقة يجوز بناء على ظاهر الحال من غير بحث وعمومات النصوص والأوامر تحمل على ظاهرها من غير بحث فكذلك هاهنا يتوضأ بالمياه ويصلي بالثياب بناء على الظواهر من غير بحث فلذلك هاهنا قياسا عليها فجوابه أن البحث كما لا يؤدي إلى تحقق العدالة كذلك لا يؤدي إلى تحقق الإسلام والقضية التي لا نص فيها ولا إجماع يحكم الحاكم فيها مع أن بحثه لا يؤدي إلى يقين ويفرق بين الفقر والماء والثوب وبين العدالة بأن العدالة ليست هي الأصل بل إذا علمت عدالته في الأصل فلا تبحث عن مزيلها لأن الأصل عدمه
وأما الفقر فهو الأصل فلا بد من البحث عنه وأما الماء فأصله الطهارة ولا يخرج عن ذلك إلا بتغير لونه أو طعمه أو ريحه وذلك معلوم بالقطع فلا يحتاج إلى البحث وكذلك أصل الثوب الطهارة فيحمل عليها ولا يبحث عن مزيلها ولا نسلم الاكتفاء بظاهر العمومات والأوامر بل لا بد من البحث عن الصارف المخصص وغيره لأن الأصل بقاؤها على ظاهرها
مسألة
في بداية حفيد ابن رشد وفي الأصل وسلمه ابن الشاط اتفقوا على أن الإسلام شرط في قبول الشهادة وأنه لا تجوز شهادة الكافر إلا ما اختلفوا فيه من جوازها في الوصية في السفر أي وعلى أهل ملته فعندنا وعند الشافعي لا تقبل شهادة الكافر على المسلم أو الكافر على أهل ملته ولا غيرها ولا في
199
199
الثالث
أن الشاهد والمرأتين أقوى من اليمين والنكول لأنها حجة من جهة المدعي ولم يثبت فيها فلا يثبت بالآخر الرابع ما ذكروه يؤدي إلى استباحة الفروج بالباطل لأنه إذا أحبها ادعى عليها فتنكر فيحلفها فتنكل فيحلف ويستحقها بتواطؤ منهما الخامس أن المرأة قد تكره زوجها فتدعي عليه في كل يوم فتحلفه وكذلك الأمة تدعي العتق وهذا ضرر عظيم احتجوا بوجوه أحدها قضية عبد الرحمن بن سهل وهي في الصحاح وقال فيها عليه السلام تحلف لكم يهود خمسين يمينا الثاني أن كل حق توجهت اليمين فيه على المدعى عليه فإذا نكل ردت على المدعي قياسا على المال الثالث القياس على اللعان فإن المرأة تحد بيمين الزوج ونكولها من اليمين الرابع قوله عليه السلام البينة على من ادعى واليمين على من أنكر وهو عام يتناول صورة النزاع
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وصية ميت مات في سفر وإن لم يحضر مسلمون وتمنع شهادة نسائهم في الاستهلال والولادة بل قال أبو زيد من أصحابنا في كتابه النوادر لو رضي الخصم بالحكم بالكافر والمسخوط لم يحكم له به لأنه حق لله تعالى
وقال أبو حنيفة يقبل اليهودي على النصراني والنصراني على اليهودي مطلقا لأن الكفر ملة واحدة وقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل تجوز شهادة أهل الكتاب في الوصية في السفر إذا لم يكن غيرهم وهم ذمة يحلفان بعد العصر ما خانا ولا كتما ولا اشتريا به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين وروي عن قتادة وغيره يقبل الكافر على ملته دون غيرها لنا قوله تعالى وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وقال عليه السلام لا تقبل شهادة عدو على عدوه وقياسا على الفاسق بطريق الأولى وذلك أن الله تعالى أمر بالتوقف في خبر الفاسق وهنا أولى إذ الشهادة آكد من الخبر وقوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم وفي الحديث قال عليه السلام لا تقبل شهادة أهل دين على غير أهل دينه إلا المسلمين فإنهم عدول عليهم وعلى غيرهم ولأن من لا تقبل شهادته على المسلم لا تقبل على غيره كالعبد
وأما احتجاجهم بقوله تعالى شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم قالوا فإن معناه من غير المسلمين من أهل الكتاب وروي ذلك عن أبي موسى الأشعري وغيره وقال غير ابن حنبل وإذا جاز على المسلم جازت على الكافر بطريق الأولى فجوابه بوجوبه
الأول
أن الحسن قال من غير عشيرتكم وعن قتادة قال من غير حلفكم فما تعين ما قالوه
الثاني أن معنى الشهادة التحمل ونحن نجيزه أو اليمين فيقسمان بالله كما قال في اللعان
الثالث أن الله تعالى خير بين المسلمين وغيرهم ولم يقل به أحد فدل على نسخه
200
200
الخامس
أنه عليه السلام قال لركانة لما طلق امرأته ألبتة ما أردت بالبتة قال واحدة فقال له عليه السلام والله ما أردت إلا واحدة فقال والله ما أردت إلا واحدة فحلفه بعد دعوى امرأته الثلاث والجواب عن الأول أن الأيمان تثبت بعد اللوث وهو وجوده مطروحا بينهم وهم أعداؤه وغلظت خمسين يمينا بخلاف صورة النزاع في المقيس ولأن القتل نادر وفي الخلوات حيث يتعذر الإشهاد فغلظ أمره لحرمة الدماء وعن الثاني أن المدعى عليه هاهنا لا يحلف بمجرد الدعوى فانحسمت المادة وعن الثالث أن اللعان مستثنى للضرورة ولا ضرورة هاهنا فجعلت الأيمان مقام الشهادة لتعذرها وضرورة الأزواج لنفي العار وحفظ النسب وعن الرابع أنه مخصوص بما ذكرناه من الضرورات وخطر الباب وعن الخامس وإن صح الفرق أن أصل الطلاق يثبت بلفظ صالح بل ظاهر للثلاث ودعوى المرأة أصل الطلاق ليس فيه ظهور بل مرجوح باستصحاب العصمة تنبيه قال العبدي يثبت بالشاهد واليمين في مذهب مالك أربعة الأموال والكفالة والقصاص في جراح العمد والخلطة التي هي شرط في التحليف في بعض الأموال والذي لا يثبت بالشاهد واليمين ثلاثة عشر النكاح والطلاق والعتاق والولاء والأحباس والوصايا لغير المعين وهلال رمضان وذي الحجة والموت والقذف والإيصاء وترشيد السفيه ونقل الشهادة والمختلف فيها هل نثبت بهما أم لا خمسة الوكالة ونكاح امرأة قد ماتت والتجريح والتعديل
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وأما احتجاجهم بما في الصحيح من أن اليهود جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهم يهوديان فذكرت له عليه السلام أنهما زنيا فرجمهما عليه السلام وظاهره أن رجمهما بشهادتهم وروى الشعبي أنه عليه السلام قال إن شهد منكم أربعة رجمتهما فجوابه بوجوه
الأول
إنهم لا يقولون به لأن الإحصان من شرط الإسلام
الثاني أنه نقل أنهما اعترفا بالزنا فلم يرجمهما بالشهادة
الثالث أن الصحيح أنه إنما رجمهما بالوحي لأن التوراة لا يجوز الاعتماد عليها لما فيه من التحريف وشهادة الكفار غير مقبولة وقال ابن عمر كان حد المسلمين يومئذ الجلد فلم يبق إلا الوحي الذي يخصهما وأما احتجاجهم بأن الكافر من أهل الولاية لأنه يزوج أولاده فجوابه أن الفسق عندنا لا ينافي الولاية لأن وازعها طبيعي وينافي الشهادة لأن وازعها ديني فافترقا لأن تزويج الكفار عندنا فاسد والإسلام يصححه
وأما احتجاجهم بأنهم يدينون في الحقوق قال تعالى ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك فجوابه أن هذا معارض بقوله تعالى في آخر الآية ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل
201
201
تنبيه قبول مالك رحمه الله الشاهد واليمين في القصاص في جراح العمد اعتمادا على أنها يصالح عليها بالمال في بعض الأحوال مشكل جدا فإنه إلغاء للأصل واعتبار للطوارئ البعيدة وذلك لازم له في النفس أيضا وهو خلاف الإجماع ويشكل عليه أيضا بأنه لم يقل بهما في الأحباس مع أنها منافع ولا في الولاء ومآله إلى الإرث وهو مال والوصايا وهي مال وترشيد السفيه يئول لصحة البيع وغيره وهو مال والمال في هذه الصور أقرب من المال في جراح العمد لا سيما وهو يبيح القصاص بذلك ومتى يقع الصلح فيها فهي مشكلة وعدم قبوله هذه الحجة في الأحباس وما ذكر معها مشكل مع أن قاعدة المذهب أن الوكالة إذا كانت تئول إلى مال تثبت بالشاهد واليمين وكذلك كل ما مآله إلى المال عكسه لا يثبت بالشاهد واليمين فتأمل ذلك إلا أن يريد في الحبس على غير المعين فإنه يتعذر الحلف من غير المعين كالوصية لغير المعين وهو الذي تقتضيه قواعد المذهب
الحجة الخامسة المرأتان واليمين هي حجة في الأموال يحلف مع المرأتين ويستحق وقاله أبو حنيفة ومنعه الشافعي وابن حنبل ووافقنا في الشاهد واليمين لنا وجوه الأول أن الله تعالى أقام المرأتين مقام الرجل فيقضي بهما مع اليمين كالرجل ولما علل عليه السلام نقصان عقلهن قال عدلت شهادة امرأتين بشهادة رجل ولم يخص موضعا دون موضع
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
فأخبر تعالى أنهم يستحلون ما لنا بل جميع أدلتكم معارضة بقوله تعالى أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات وقوله تعالى لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة فنفى تعالى التسوية فلا تقبل شهادتهم وإلا حصلت التسوية قال الأصحاب وناسخ الآية قوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم ا ه والله أعلم
الباب الثالث
في بيان ما تكون الحجة الثالثة وشروطها اليمين زيادة على شروط الشاهدين المذكورة والمدرك وفيه وصول الوصل الأول في التبصرة قال ابن رشد ويمين القضاء متوجهة على من يقوم أي بالنية التامة على الميت أو على الغائب أو على اليتيم أو على الإحباس أو على المساكين وعلى كل وجه من وجوه البر وعلى بيت المال وعلى من استحق شيئا من الحيوان ولا يتم الحكم إلا بها ا ه
قال الباجي في مفيد الحكام أجمع من علمت من أصحاب مالك أنه لا يتم لمستحق غير الرباع والعقار حكم إلا بعد يمينه قال ورأى بعض مشايخنا ذلك لازما في العقار والرباع وبعضهم لم ير في ذلك يمينا ا ه
وفي معين الحكام اختلف فيمن استحق شيئا من الرباع أو الأصول هل عليه يمين أم لا وهذا الثاني هو الذي ذهب إليه مالك وجرى عليه العمل ووجهه أن الرباع مما جرت العادة بكتب الوثائق فيها عند انتقال الملك عليها والإعلان بالشهادة فيها فإذا لم يكن عند المدعى عليه شيء من العقود والمكاتب وقامت البينة للطالب قويت حجته واكتفي بالبينة عن إحلافه بخلاف سائر المتمولات التي يخفى وجه انتقالها ويقل حرص الناس على المشاحنة في كتب الوثاق فيها فتوجهت اليمين لذلك وعلى أن عليه
202
202
الثاني
أنه يحلف مع نكول المدعى عليه فمع المرأتين أقوى الثالث أن المرأتين أقوى من اليمين لأنه لا يتوجه عليه يمين معهما ويتوجه مع الرجل وإذا لم يعرج على اليمين إلا عند عدمهما كانتا أقوى فيكونان كالرجل فيحلف معهما احتجوا بوجوه الأول أن الله تعالى إنما شرع شهادتهن مع الرجل فإذا عدم الرجل العيب الثاني أن البينة في المال إذا خلت عن رجل لم تقبل كما لو أشهد أربع نسوة فلو أن امرأتين كالرجل لتم الحكم بأربع ويقبلن في غير المال كما يقبل الرجل ويقبل في غير المال رجل وامرأتان
الثالث أن شهادة النساء ضعيفة فتقوى بالرجل واليمين ضعيفة فيضم ضعيف إلى ضعيف والجواب عن الأول أن النص دل على أنهما يقومان مقام الرجل ولم يتعرض لكونهما لا يقومان مقامه مع اليمين فهو مسكوت عنه وقد دل عليه الاعتبار المتقدم كما دل الاعتبار على اعتبار القمط في البنيان والجذوع وغيرها وعن الثاني أنا قد بينا أن المرأتين أقوى من اليمين وإنما لم يستقل النسوة في أحكام الأبدان لأنها لا يدخلها الشاهد واليمين ولأن تخصيص الرجال بموضع لا يدل على قوتهم لأن النساء قد خصصن بعيوب الفرج وغيرها ولم يدل ذلك على رجحانهن على الرجال وهو الجواب عن الثالث
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
يمينا مطلقا وهو قول ابن وهب وابن القاسم في كتاب الاستحقاق من العتبية لا بد من يمين من استحق شيئا من ذلك أنه ما باع وما وهب كالعروض والحيوان
واتفقوا في غير الأصول أنه لا يقضي لمستحق شيئا من ذلك حتى يحلف أو ليس على من أقام بينة في أرض أو حيوان أو سلعة يمين إلا أن يدعي الذي ذلك في يديه أمرا يظن بصاحبه أنه قد فعله فيحلف ما فعله ويأخذ وهو قول ابن كنانة
وقال بعض المتأخرين هذا إذا استحقت من يد غير غاصب وأما إن استحقت من يد غاصب فلا يمين على مستحقها إذا ثبت ملكها له ا ه
قال ابن فرحون ومما يحكم فيه باليمين مع الشاهدين كما في الطرر من شهد له شاهدان على خط غريمه بما ادعاه عليه والغريم جاحد فلا يحكم له بمجرد الشهادة على خطه حتى يحلف معهما فإذا حلف أنه لحق وما اقتضيت شيئا مما كتب به خطه أعطى حقه ومن ذلك شهادة السماع قال ابن محرز لا يقضي لأحد بشهادة السماع إلا بعد يمينه لاحتمال أن يكون أصل السماع من شاهد واحد والشاهد الواحد لا بد معه من اليمين ومن ذلك أيضا إذا جعل الزوج لزوجته إن غاب عنها أكثر من سنة مثلا فأمرها بيدها وأشهد على ذلك وغاب فأرادت الأخذ بشرطها عند الأجل وأثبت عند الحاكم الزوجية والغيبة واتصالها والشرط بذلك فلا بد أن تحلف أنها ما تركت ما جعله بيدها وأنه غاب أكثر من المدة التي شرطها وهذه يمين استبراء ومن ذلك إذا أقامت للغريم المجهول الحال بأنه معدم فلا بد من يمينه أنه ليس له مال ظاهر ولا باطن
وإن وجد مالا ليؤدين حقه عاجلا لأن البينة إنما شهدت على الظاهر ولعله غيب مالا ومن ذلك المرأة
203
203
الحجة السادسة الشاهد والنكول حجة عندنا خلافا للشافعي لنا وجوه الأول أن النكول سبب مؤثر في الحكم فيحكم به مع الشاهد كاليمين من المدعي وتأثيره أن يكون المدعى عليه ينقل اليمين للمدعي
الثاني أن الشاهد أقوى من يمين المدعي بدليل أنه يرجع لليمين عند عدم الشاهد
الثالث أن الشاهد يدخل في الحقوق كلها بخلاف اليمين احتجوا بوجوه الأول بأن السنة إنما وردت بالشاهد واليمين وهو تعظيم الله تعالى والنكول لا تعظيم فيه
وثانيها أن الحنث فيه يوجب الكفارة ويذر الديار بلاقع إذا أقدم عليها غموسا وليس كذلك النكول الثالث أن النكول لا يكون أقوى حجة من جحده أصل الحق وجحده لا يقضى به مع الشاهد فإنه يكون قضاء بالشاهد وحده وهو خلاف الإجماع فكذلك النكول والجواب عن الأول أن التعظيم لا مدخل له هاهنا بدليل أنه لو سبح وهلل ألف مرة لا يكون حجة مع الشاهد وإنما الحجة في إقدامه على موجب العقوبة على تقدير الكذب وهذا كما هو وازع ديني فالنكول فيه وازع طبيعي لأنه إذا قيل له إن حلفت برئت وإن
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
تدعي على زوجها الغائب النفقة وتقيم البينة بإثبات الزوجية والغيبة واتصالها وأنهم ما علموه ترك لها نفقة فلا بد من يمينها على ما هو مذكور في محله وضابط هذا الباب أن كل بينة شهدت بظاهر فإنه يستظهر بيمين الطالب على باطن الأمر قاله في التوضيح في باب التفليس ا ه الوصل الثاني يمين المستحق على البت أنه ما باع ولا وهب ويمين الورثة على العلم أنه ما خرج عن ملك مورثهم بوجه من الوجوه كلها وأن ملك جميعهم يعني الورثة باق إلى حين يمينهم وهذه التتمة في اليمين تكون على البت قال ابن سهل وإذا شهد لرجل شاهدان على دين لأبيه حلف أنه لا يعلم أن أباه اقتضى من ذلك شيئا وإن كان شيئا معينا فاستحقه بشاهدين حلف أنه ما يعلم أن أباه ما باع ولا وهب ولا خرج من يده بوجه من وجوه الملك واليمين في ذلك على من يظن به علم ذلك ولا يمين على من لا يظن به علم ذلك ولا على صغير ومن نكل ممن يلزمه اليمين منهم سقط من الدين حصته فقط قال في رواية يحيى بعد يمين الذي عليه الحق من ابن يونس من قوله واليمين في ذلك قال ابن سهل ولا يكلف الورثة أن يزيدوا في يمينهم أن الشيء المستحق كان في ملك مورثهم لأن البينة قد شهدوا بذلك وقطعوا به
وقد أنكر هذا على بعض القضاة لما فعله فلا ينبغي للحاكم أن يحكم إلا فيما لا بد منه فينبغي التحفظ في هذه الزيادة وشبهها وفي المدونة من أقام ببينة على حاضر بدين فلا يحلف مع بينته على إثبات الحق ولا على أنه ما قبض منه حتى يدعي المطلوب أنه دفعه إليه أو دفعه عنه دافع من وكيل أو غيره فحينئذ يحلف ا ه من تبصرة ابن فرحون الوصل الثالث في تبصرة ابن فرحون يمين
204
204
نكلت غرمت فإذا نكل كان ذلك على خلاف الطبع والوازع الطبيعي أقوى عندنا إثارة للظنون من الوازع الشرعي بدليل أن الإقرار يقبل من البر والفاجر لكونه على خلاف الوازع الطبيعي والشهادة لا تقبل إلا من العدل لأن وازعها شرعي فلا يؤثر إلا في المتقين من الناس وعن الثاني أن الكفارة قد تكون أولى من الحق المختلف فيه المجتلب وهو الغالب فتقدم عليه اليمين الكاذبة لأن الوازع حينئذ إنما هو الوازع الشرعي وقد تقدم أنه دون الوازع الطبيعي وعن الثالث أن مجرد الجحد لا يقضى به عليه فلا يخافه والنكول يقضى به عليه بعد تقدم اليمين فخافه طبعه فظهر أن النكول أقوى من اليمين وأقوى من الجحد الحجة السابعة المرأتان والنكول عندنا خلافا للشافعي رضي الله عنه والمدرك هو ما تقدم سؤالا وجوابا وعمدته أنه قياس على اليمين بطريق الأولى كما تقدم تقريره
الحجة الثامنة اليمين والنكول وصورته أن يطالب المطلوب باليمين الدافعة فينكل فيحلف الطالب ويستحق بالنكول واليمين فإن جهل المطلوب ردها فعلى الحاكم أن يعلمه بذلك ولا يقضي حتى يردها فإن نكل الطالب فلا شيء له وقاله الشافعي
وقال أبو حنيفة وابن حنبل يقضي بالنكول ولا ترد اليمين على الطالب وقال أبو حنيفة إن كانت الدعوى في مال كرر عليه ثلاثا فإن لم يحلف لزمه الحق ولا ترد اليمين وإن
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
القضاء لا نص على وجوبها لعدم الدعوى على الحالف بما يوجبها إلا أن أهل العلم رأوا ذلك على سبيل الاستحسان نظرا للميت والغائب وحياطة عليه وحفظا لماله للشك في بقاء الدين عليه ا ه فمن هنا قال الأصل قول مالك رضي الله عنه لو شهد الشاهدان لشخص بعين في يد واحد لا يستحقها حتى يحلف ما باع ولا وهب ولا خرجت عن يده بطريق من الطرق المزيلة للملك وهو الذي عليه الفتوى والقضاء وإن علله الأصحاب بأنه يجوز أن يكون باعها لهذا المدعى عليه أو لمن اشتراها هذا المدعى عليه منه ومع قيام الاحتمال لا بد من اليمين مشكل بأنا لا نعلم عندنا ولا عند غيرنا خلافا في قبول شهادة شاهدين مسلمين عدلين في الدماء والديون مع أنه يجوز أن يكون أبرأه من الدين أو دفعه له أو عارضه عليه ويجوز أيضا العفو عن القاتل الذي يقتل بهما فكما لا اعتبار بهذه الاحتمالات في الدماء والديون لا سيما وجل الشهادات في الدماء وغيرها الاستصحاب كذلك لا اعتبار بها في الأموال فكان الشأن أن يقضي بمجرد الشاهدين في الأموال بطريق الأولى من القضاء بمجردها في الدماء والديون
وبالجملة فاشتراط اليمين مع الشاهدين ضعيف مخالف لظاهر النصوص كقوله عليه السلام شاهداك أو يمينه وقوله تعالى شهيدين من رجالكم ونحو ذلك مما ظهره أنهما حجة تامة وما علمت أنه ورد حديث صحيح في اشتراط اليمين
وإثبات شرط بغير حجة بل بمجرد الاحتمالات والمسببات والمناسبات سواء كان في الأموال أو في الدماء كأن يقال لا نقبل في الدماء من في طبعه خور أو خوف من القتل مع تبريزه في العدالة لأن ذلك يبعثه على حسم مادة القتل ولا يقبل في الدماء وأحكام الأبدان
205
205
كانت في عقد فلا يحكم بالنكول بل يحبس حتى يحلف أو يعترف وفي النكاح والطلاق والنسب وغيره لا مدخل لليمين فيه فلا نكول وقال ابن أبي ليلى يحبس في جميع ذلك حتى يحلف لنا وجوه
الأول
قوله تعالى ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ولا يمين بعد يمين إلا ما ذكرناه غير أن ظاهره يقتضي يمينا بعد يمين وهو خلاف الإجماع فتعين حمله على يمين بعد رد يمين على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه لأن اللفظ إذا ترك من وجه بقي حجة في الباقي
الثاني ما روي أن الأنصار جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت إن اليهود قتلت عبد الله وطرحته في نقير فقال عليه السلام تحلفون وتستحقون دم صاحبكم قالوا لا قال فتحلف اليهود قالوا كيف يحلفون وهم كفار فجعل عليه السلام اليمين في جهة الخصم خرجه صاحب الموطإ وغيره والثالث ما روي أن المقداد اقترض من عثمان سبعة آلاف درهم فلما كان وقت القضاء جاء بأربعة آلاف درهم فقال عثمان أقرضتك سبعة آلاف درهم فترافعا إلى عمر فقال المقداد يحلف عثمان فقال عمر لعثمان لقد أنصفك
فلم يحلف
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الشبان من العدول في الشيوخ لعظم الخطر في أحكام الأبدان ونحو ذلك خلاف الإجماع ومروق من القواعد ومنكر من القول لا سيما والقياس على الدين يمنع من ذلك والفرق في غاية العسر وإن ثبت الفرق فمذهب الشافعي وغيره عدم هذا الشرط وهو الصحيح ا ه كلام الأصل وسلمه ابن الشاط
قلت لكن في قوله وإن ثبت الفرق إلخ نظر فإنه إذا ثبت الفرق ظهر وجه اشتراط هذا الشرط في الأموال دون الدماء والديون لا سيما عند من يقول بالاستحسان كما يشهد لذلك كلام الإمام أبي إسحاق الشاطبي في كتابه الاعتصام حيث قال إن الاستحسان يراه معتبرا في الأحكام مالك وأبو حنيفة بخلاف الشافعي فإنه منكر له جدا حتى قال من استحسن فقد شرع والذي يستقري من مذهبهما أنه يرجع إلى العمل بأقوى الدليلين هكذا قال ابن العربي قال فالعموم إذا استمر
والقياس إذا اطرد فإن مالكا وأبا حنيفة يريان تخصيص العموم بأي دليل كان من ظاهر أو معنى قال ويستحسن مالك أن يختص بالمصلحة ويستحسن أبو حنيفة أن يخص بقول الواحد من الصحابة الوارد بخلاف القياس قال ويريان معا تخصيص القياس ونقص العلة ولا يرى الشافعي لعلة الشرع إذا ثبتت تخصيصا
وقال في موضع آخر الاستحسان إيثارك مقتضى الدليل على طريق الاستثناء والترخص لمعارضة ما يعارض به في بعض مقتضياته وقسمه أقساما عد منها أربعة أقسام وهي ترك الدليل للعرف وتركه للمصلحة وتركه لليسير لرفع المشقة وإيثار التوسعة وحده غير ابن العربي من أهل المذهب بأنه عند مالك استعمال مصلحة جزئية في مقابلة قياس كلي قال فهو تقويم الاستدلال المرسل على القياس وعرفه ابن رشد فقال الاستحسان الذي يكثر استعماله حتى يكون
206
206
عثمان فنقل عمر اليمين إلى المدعي ولم يختلف في ذلك عمر وعثمان والمقداد ولم يخالفهم غيرهم فكان إجماعا
الرابع
القياس على النكول في باب القود والملاعنة لا تحد بنكول الزوج
الخامس لو نكل عن الجواب في الدعوى لم يحكم عليه مع أنه نكول عن اليمين والجواب فاليمين وحده أولى بعدم الحكم
السادس أن البينة حجة المدعي واليمين حجة المدعى عليه في النفي ولو امتنع المدعي من إقامة البينة لم يحكم عليه بشيء فكذلك المدعى عليه إذا امتنع من اليمين لم يحكم عليه
السابع أن المدعي إذا امتنع من إقامة البينة كان للمدعى عليه إقامتها فكذلك المدعى عليه إذا امتنع من اليمين فيكون للآخر فعلها
الثامن أن النكول إذا كان حجة تامة كالشاهدين وجب القضاء به في الدماء أو ناقصة كالشاهد والمرأتين أو يمين وجب استغناؤه عن التكرار أو كالاعتراف يقبل في القود بخلافه فالاعتراف لا يفتقر إلى تكرار بخلافه احتجوا بوجوه الأول قوله تعالى إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
أعم من القياس هو أن يكون طرحا لقياس يؤدي إلى علو في الحكم ومبالغة فيه فعدل عنه في بعض المواضع لمعنى يؤثر في الحكم يختص به ذلك الموضع وهذه تعريفات قريب بعضها من بعض وإذا كان هذا معناه عن مالك وأبي حنيفة فليس بخارج عن الأدلة ألبتة لأن الأدلة يقيد بعضها ويخصص بعضها كما في الأدلة السنية مع القرآنية ولا يرد الشافعي مثل هذا أصلا كيف وقد جاء عن مالك أن الاستحسان تسعة أعشار العلم ورواه أصبغ عن ابن القاسم عن مالك وقال أصبغ في الاستحسان قد يكون أغلب من القياس وجاء عن مالك أن الفرق في القياس يكاد يفارق السنة ا ه
المراد بلفظه مع تقديم وتأخير وقول ابن السبكي في جمع الجوامع بتوضيح من المحلي وفسر الاستحسان بعدول عن الدليل إلى العادة للمصلحة
ورد بأنه إن ثبت أنها أي العادة حق لجريانها في زمنه عليه الصلاة والسلام أو بعده من غير إنكار منه ولا من غيره فقد قام دليل من السنة والإجماع فيعمل بها قطعا وإلا ثبتت حقيقتها ردت قطعا أي فلا تصح محلا للنزاع لم يسلمه العلامة العطار بل قال فيه أن من القواعد أن الضرورات تبيح المحظورات وإذا ضاق الأمر اتسع فالحق أن هذا مما يجري فيه الخلاف بلفظه ا ه ولم يتعقبه العلامة الشربيني فتأمله بإنصاف والله سبحانه وتعالى أعلم
الباب الرابع
في بيان ما تكون فيه الحجة الرابعة والخلاف في قبولها ودليله وفيه وصلان الوصل الأول في التبصرة قال الرعيني في كتاب الدعوى والإنكار ويحكم بالشاهد واليمين في كل حق يدعيه على صاحبه من بيع أو شراء من أي
207
207
آلعمران 77 فمنع سبحانه أن يستحق بيمينه على غيره حقا فلا ترد اليمين لئلا يستحق بيمينه مال غيره
الثاني
الملاعن إذا نكل حد بمجرد النكول الثالث أن ابن الزبير ولى ابن أبي مليكة قضاء اليمن فجاء إلى ابن عباس فقال إن هذا الرجل ولاني هذا البلد وإنه لا غناء لي عنه فقال له ابن عباس اكتب لي بما يبدو لك قال فكتب إليه في جاريتين جرحت إحداهما الأخرى في كفها فكتب إليه ابن عباس احبسها إلى بعد العصر واقرأ عليها إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا قال ففعل ذلك واستحلفها فأبت فألزمها ذلك الرابع قوله صلى الله عليه وسلم البينة على من ادعى واليمين على من أنكر فجعل اليمين في جهة المدعى عليه فلم يبق يمين تجعل في جهة المدعي وجعل حجة المدعي البينة وحجة المدعى عليه اليمين ولما لم يجز نقل حجة المدعى عليه إلى جهة المدعى عليه لم يجز أيضا نقل جهة المدعى عليه إلى جهة المدعي
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
السلع كان من دور أو أرضين أو حيوان أو رقيق أو ثياب أو طعام أو كراء أو إجارة أو شركة أو معاوضة أو مساقاة أو مقارضة أو جعل أو صناعة أو تسلف أو وديعة أو غصب أو سرقة أو عتق أو هبة لله تعالى أو للثواب أو صدقة أو نحلة أو عطية أو بضاعة أو عارية أو حبس أي على معينين أو سكنى أو خدام أو صداق أو صلح من إقرار أو إنكار في عمد وخطأ أو جراحة عمدا أو خطأ أو جراحة عمدا أو خطأ أو تولية أو إقالة أو خيار أو تبر من عيب أو رضي به بعد العلم من غير تبر أو وكالة في شيء مما ذكرناه مما يكون مالا أو يئول إلى مال فإذا أقام المدعي على شيء مما تقدم شاهدا واحدا عدلا وحلف معه أخذا ما يدعي ويثبت في القتل عمده وخطؤه إلا أنه مع القسامة ا ه
قال ابن فرحون اليمين مع الشاهد إنما تكون في الأموال كما تقدم وتكون في المشاتمة ما عدا الحدود في الفرية والسرقة والشرب والنكاح والرجعة والطلاق والعتاق وما تقدم أنه لا يثبت إلا بشاهدين وكذلك لا يكون اليمين مع الشاهد الواحد في الشهادة على شهادة الشاهد واختلف في الوكالة بالمال والوصية به هل يجوز فيها الشاهد واليمين والرجل والمرأتان وهو قول مالك وابن وهب أو لا يجوز فيها ذلك وهو قول أشهب وابن الماجشون قال ابن راشد ومنشأ القولين فيهما أن الشهادة فيهما باشرت ما ليس بمال لكنها تئول إلى المال فاعتبر مالك وابن القاسم وابن وهب المال فأجازوا في ذلك الشاهد واليمين فلذلك شهره ابن الحاجب واعتبر أشهب وابن الماجشون ما ليس بمال فلم يجيزا ذلك فيهما وفي المتيطية وإن شهد على غائب في وكالة شاهد فروى أنه يحلف الوكيل وتثبت وكالته والأكثر والذي جرى عليه العمل أنه لا يحلف معه
208
208
الخامس
قوله عليه السلام شاهداك ويمينه ولم يقل أو يمينك السادس أن البينة للإثبات ويمين المدعى عليه للنفي فلما تعذر جعل البينة للنفي تعذر أيضا جعل اليمين للإثبات والجواب عن الأول أن معنى الآية أن لا تنفذ اليمين الكاذبة ليقطع بها مال غيره وهذه ليست كذلك ومجرد الاحتمال لا يمنع وإلا منع المدعى عليه من اليمين الدافعة لئلا يأخذ بها مال غيره بل يحكم بالظاهر وهو الصدق وعن الثاني أن الموجب لحد الملاعن قذفه وإنما أيمانه مسقطة فإذا فقد المانع عمل بالمقتضى والنكول عندكم مقتضى فلا جامع بينهما وعن الثالث أنه روى عن ابن أبي مليكة أنه قال اعترفت فألزمتها ذلك ولعله برأيه لا برأي ابن عباس فإن ابن عباس لم يأمره بالحكم عليها بذلك والتابعي لا حجة في فعله وعن الرابع أنه ورد لمن توجه عليه اليمين ابتداء ونحن نقول به وأما ما نحن فيه فلم يتعرض له الحديث ألا ترى أن المنكر قد يقيم البينة إذا ادعى وفاء الدين فكذلك اليمين قد توجد في حق المدعي في الرتبة الثانية وعن الخامس أنه لبيان من يتوجه عليه اليمين ابتداء في الرتبة الأولى كما تقدم
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
قال ابن فرحون يلزم من أجاز شهادة للنساء على الوكالة في المال أن يجيز شاهدا أو يمينا على الوكالة في المال لأنها تئول إلى المال
وزاده القرافي فيما نقله عن العبدي من أن ما يثبت بالشاهد واليمين في مذهب مالك أربعة الأموال والكفالة والقصاص في جراح العمد والخلطة التي هي شرط في التحليف في بعض الأحوال وأن ما لا يثبت بهما ثلاثة عشر النكاح والطلاق والعتاق والولاء والأحباس والوصايا لغير المعين وهلال رمضان وذي الحجة واللوث والقذف والإيصاء وترشيد السفيه ونقل الشهادة قال والمواضع المختلف فيها خمسة الوكالة بالمال والوصية به والتجريح والتعديل ونكاح امرأة قد ماتت يعني أنه إذا شهد على النكاح بعد موت المرأة شاهد أو أن أحد الوارثين مات قبل الآخر فهل يحلف مع الشاهد
ويثبت الميراث أو لا وكذا لو شهد بذلك رجل وامرأتان قال ابن القاسم يورث مع الشاهد واليمين والشاهد والمرأتين وأشهب يمنع لترتيب ثبوت النكاح على ذلك قال ويتوجه الإشكال على موضعين من مذهب مالك في ذلك
الأول
قبوله الشاهد واليمين في القصاص في جراح العمد اعتمادا على أنها يصالح عليها بالمال في بعض الأحوال فإنه إلغاء للأصل واعتبار للطوارئ البعيدة وذلك لازم له في النفس أيضا وهو خلاف الإجماع فهو مشكل جدا
والموضع الثاني عدم قبوله هذه الحجة في الأحباس مع أنها منافع ولا في الولاء ومآله إلى الإرث وهو مال ولا في الوصايا وهي مال ولا في ترشيد السفيه الذي يئول لصحة البيع وغيره وهو مال بل المال في هذه الصور أقرب من المال في جراح العمد لا سيما وهو يبيح القصاص بذلك وهو الغالب إذ متى يقع الصلح فيها وقاعدة المذهب أن كل ما مآله إلى المال يثبت بهذه الحجة وكل ما لا يئول إلى المال لا يثبت بها فعدم قبولها في هذا الموضع مشكل كقبولها في الموضع الأول فتأمل ذلك إلا أن يريد في الحبس على غير المعين فإنه يتعذر الحلف من غير المعين
209
209
تقريره وعن السادس أنا لم نجعل اليمين وحدها للإثبات بل اليمين مع النكول ثم إن البينة قد تكون للنفي كما تقدم تقريره مثل بينة القضاء فإنه نفي
الحجة التاسعة أيمان اللعان وهي متفق عليها أيضا فيما علمت من حيث الجملة
الحجة الحادية عشرة المرأتان فقط أما شهادة النساء فوقع الخلاف فيها في ثلاث مسائل المسألة الأولى قال مالك والشافعي وابن حنبل لا يقبلن في أحكام الأبدان وقال أبو حنيفة يقبل في أحكام الأبدان شاهد وامرأتان إلا في الجراح الموجبة للقود في النفوس والأطراف لنا وجوه الأول قوله تعالى في مسائل المداينات فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان فكان كل ما يتعلق بالمال مثله ومفهومه أنه لا يجوز في غيره فلا تجوز في أحكام الأبدان الثاني قوله في الطلاق والرجعة وأشهدوا ذوي عدل منكم الآية وهو حكم بدني فكانت الأحكام البدنية كلها كذلك إلا موضع لا يطلع عليه الرجال للضرورة في ذلك
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وهو الذي تقتضيه قواعد المذهب ا ه نعم قال ابن فرحون الولاء
وإن كان لا يثبت إلا بشاهدين إلا أنه لو أقام شاهدا واحدا على ميت أنه مولاه وأنه أعتقه فكان ابن القاسم يقول أنه يحلف مع شاهده ويستحق المال ولا يستحق الولاء وقال أشهب لا يستحق المال ولا الولاء لأنه لم يثبت الولاء الذي يستحق به المال فلا يستحق المال قبل أن يستحق الولاء قال وقد تكون الشهادة بهذه الحجة على ما هو مال تئول إلى الشهادة على غير المال فيثبت بها تبعا
وذلك في مسائل منها قال مالك رضي الله تعالى عنه قد تكون الشهادة في المال تؤدي إلى الطلاق مثل أن يقيم شاهدا واحدا أنه اشترى امرأته من سيدها فيحلف معه ويستحقها ويكون فراقا ومنها أن يقيم المكاتب شاهدا على أداء الكتابة فإنه يحلف معه ويتم العتق ومنها ما لو ثبت على رجل دين بشهادة رجل ويمين المدعي فإنه يرد بهذه الشهادة العتق الذي وقع به الدين ومنها أن يقذف رجل رجلا ظاهر الحرية فيجب عليه فيأتي من يستحق رقبة المقذوف بشاهد ويمين فيسقط عن القاذف الحد ومنها أن يقذف رجل مكاتبا فيأتي المكاتب بشاهد أنه أدى كتابته فيحلف معه فيجب الحد لتمام العتق ا ه المراد من كلام ابن فرحون يتصرف وزيادة من الأصل فانظره
تنبيهان الأول في تبصرة ابن فرحون حيث قلنا يحكم باليمين مع الشاهد فهل ذلك منسوب إلى الشاهد فقط واليمين كالاستظهار واليمين كشهادتان فيه خلاف ويظهر أثر ذلك الخلاف إذا رجع الشاهد هل يغرم الحق كله أو نصفه ا ه بلفظه
التنبيه الثاني حيث يحكم باليمين مع الشاهد فإن كانت الدعوى على يهودي أو نصراني أو مجوسي أو عبد مملوك أو أمة لك يكن عليه إلا يمينه بالله تعالى وإن كانت الدعوى لواحد من هؤلاء فإنه يحلف مع شاهده ويستحق ما حلف عليه ا ه بإصلاح
الوصل الثاني القضاء باليمين مع الشاهد قال به مالك والشافعي
210
210
الثالث
قوله عليه السلام لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل وهو حكم بدني فكانت الأحكام البدنية كلها كذلك احتجوا بوجوه الأول قوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم الآية فأقام المرأتين والرجل مقام الرجلين في ذلك أما عند عدم الشاهدين فهو باطل لجوازهما مع وجود الشاهدين إجماعا فتعين أنهما يقومان مقامهما في التسوية فيكونان مرادين بقوله عليه السلام وشاهدي عدل لوجود الاسم
الثاني قوله تعالى فرجل وامرأتان أطلق وما خص موضعا فيعم
الثالث أنهما أمور لا تسقط بالشبهات فتقبل فيها النساء كالأموال
الرابع أن النكاح والرجعة عقد منافع فيقبل فيهما النساء كالإجارات
الخامس أن الخيار والآجال ليست أموالا ويقبل فيها النساء فكذلك بقية صور النزاع
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وابن حنبل وقال أبو حنيفة ليس بحجة وبالغ في نقض الحكم أن حكم به قائلا هو بدعة وأول من قضى به معاوية وليس كما قال بل أكثر العلماء قال به والفقهاء السبعة وغيرهم لنا وجوه
الأول
ما في الموطإ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد وروي في المسانيد بألفاظ متقاربة وقال عمرو بن دينار رواية عن ابن عباس ذلك في الأموال
الوجه الثاني إجماع الصحابة على ذلك فقد قضى به جماعة من الصحابة ولم يرو أحد منهم أنه أنكره فقد روى النسائي وغيره ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي وأبي بن كعب وعدد كثير من غير مخالف
الوجه الثالث أن اليمين تشرع في حق من ظهر صدقه وقوي جانبه وقد ظهر ذلك في حقه بشاهده
الوجه الرابع أنه أحد المتداعيين فتشرع اليمين في حقه إذا رجح جانبه كالمدعى عليه
الوجه الخامس قياس الشاهد على اليد
الوجه السادس أن أبا حنيفة حكم بالمرأتين مع الشاهد فيحكم باليمين معه لأن اليمين أقوى من المرأتين لدخولها في اللعان دون المرأتين
الوجه السابع قوله عليه السلام البينة على من ادعى واليمين على من أنكر وذلك أن البينة مشتقة من البيان والشاهد واليمين يبين الحق
الوجه الثامن قوله تعالى إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا وهذا ليس بفاسق فوجب أن يقبل قوله مع اليمين لأنه لا قائل بالفرق وأما الوجوه التي احتجوا بها فالأول قوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان فحصر المشروع عند عدم الشاهدين في الرجل والمرأتين والشاهد واليمين زيادة في النص والزيادة نسخ وهو لا يقبل في الكتاب بخبر الواحد وجوابه أنا لا نسلم أنه زيادة سلمناه لكن تمنع أنه نسخ لأمور الأول النسخ الرفع ولم يرتفع شيء وارتفاع الحصر يرجع إلى أن غير المذكور غير مشروع
211
211
السادس أن الطلاق رافع لعقد سابق فأشبه الإقالة
السابع أنه يتعلق به تحريم كالرضاع
الثامن أن العتق إزالة ملك كالبيع والجواب عن الأول أن معنى الآية أنهما يقومان مقام الرجل في الحكم بدليل الرفع في لفظ رجل وامرأتين ولو كان المراد ما ذكرتم لقال فرجلا وامرأتين بالنصب لأنه خبر كان ويكون التقدير فإن لم يكن الشاهد إن رجلين فيكونا رجلا وامرأتين فلما رفع على الابتداء كان تقديره رجل وامرأتان يقومان مقام الشاهدين بحذف الخبر وعن الثاني أن آخر الآية مرتبط بأولها وأولها إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ثم قال تعالى وأشهدوا إذا تبايعتم على أن العموم لو سلمناه خصصناه بالقياس على جراح القود بجامع عدم قبولهن منفردات ولأن الحدود أعلاها الزنا وأدناه السرقة ولم يقبل في أحدهما ما يقبل في الآخر فكذلك الأبدان أعلى من الأموال فلا يقبل فيها ما يقبل في الأموال ولأن القتل وحد القطع في السرقة وحد الخمر ليس ثابتا بالنص ولا بالقياس على الزنا لعدم اشتراط أربعة فيه ولا بالقياس على الأموال لأنها تثبت بالنساء فتعين قياسها على الطلاق وعن الثالث الفرق أن أحكام الأبدان أعظم رتبة لأن الطلاق ونحوه لا يقبلن فيه منفردات فلا يقبلن فيه مطلقا كالقصاص ولأنا وجدنا النكاح آكد من الأموال لاشتراط الولاية ولم يدخله الأجل
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وكونه غير مشروع يرجع إلى البراءة الأصلية والبراءة الأصلية ترجح بخبر الواحد اتفاقا
الثاني
أن الآية واردة في التحمل دون الأداء إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه والشرع للاستقبال فهو للتحمل ولقوله تعالى أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى واليمين مع الشاهد لا تدخل في التحمل فالحصر في التحمل باق ولا نسخ على التقديرين
الثالث أن اليمين تشرع في حق من ادعى رد الوديعة وجميع الأمناء والقسامة واختلاف المتبايعين وينتقض ما ذكرتموه بالنكول وهو زيادة في حكم الآية والوجه الثاني قوله عليه السلام لحضرمي ادعى على كندي شاهداك أو يمينه ولم يقل شاهداك ويمينك وجوبه أن الحصر ليس مرادا بدليل الشاهد والمرأتين ولأنه قضاء يختصر باثنين لخصوص حالهما فيعم ذلك النوع ونحن نقول كل من وجد في حقه تلك الصفة لا يقبل منه إلا شاهدان وعليكم أن تبينوا أن تلك الحالة مما قلنا نحن فيها بالشاهد واليمين
والوجه الثالث قوله عليه السلام البينة على من ادعى واليمين على من أنكر فحصر البينة في جهة المدعي واليمين في جهة المنكر لأن المبتدئ محصور في خبره واللام للعموم فلم تبق يمين في جهة المدعي
والوجه الرابع أنه لما تعذر نقل البينة للمنكر تعذر نقل اليمين للمدعي وجوابهما أن اليمين التي على المنكر لا تتعداه لأن اليمين التي عليه هي اليمين الدافعة واليمين مع الشاهد هي الجالبة فهي غيرها فلم يبطل الحصر ولم يكن قولنا بيمين المدعي مع الشاهد تحويلا من يمين المنكر بل إثبات ليمين أخرى بالسنة فلا يرد أنه لما تتحول البينة لم تتحول اليمين مع أن التحويل واقع غير منكر لأنه لو ادعى عليه فأنكر لم يكن للمنكر إقامة البينة ولو ادعى القضاء كان له إقامة البينة مع أنها بينة ثابتة في الحالين
والوجه الخامس أن اليمين لو كان كالشاهد لجاز تقديمه على الشاهد كأحد الشاهدين مع الآخر ولجاز إثبات الدعوى بيمين
212
212
والخيار والهبة وعن الرابع أن المقصود من الإجارة المال وعن الخامس أن مقصوده أيضا المال بدليل أن الأجل والخيار لا يثبتان إلا في موضع فيه المال وعن السادس أن حل عقد لا يثبت بالنساء والنكول أيضا مقصود الطلاق غير المال ومقصود الإقالة المال وعن السابع أن الرضاع يثبت بالنساء منفردات بخلاف الطلاق وهو الجواب عن الثامن ولأن العتق ماله إلى غير ملك بخلاف البيع
المسألة الثانية
خالفنا أبو حنيفة في قبول النساء منفردات في الرضاع ولنا أنه معنى لا يطلع عليه الرجال غالبا فتجوز منفردات كالولاد والاستهلال المسألة الثالثة خالفنا الشافعي في قبول المرأتين فيما ينفردان فيه
وقال لا بد من أربع وقال أبو حنيفة إن كانت الشهادة ما بين السرة والركبة قبلت فيه واحدة وقبل أحمد بن حنبل واحدة مطلقا فيما لا يطلع عليه الرجال وعندنا لا بد من اثنتين مطلقا ويكفيان لنا وجوه الأول أن كل جنس قبلت شهادته في شيء على الانفراد كفى منه اثنان ولا يكفي منه واحد كالرجل في سائر الحقوق
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وجوابه الفرق بأن الشاهدين معناهما متساويان فلا مزية لأحدهما على الآخر في التقديم وأما اليمين فإنما تدخل لتقوية جهة الشاهد فقبله لا قوة فلا تدخل ولا تشرع وشرع الشاهدان لأنهما حجة مستقلة مع الضعف
والوجه السادس القياس على أحكام الأبدان وجوابه أن أحكام الأبدان أعظم ولذلك لا يقبل فيها النساء ولا نثبت باليمين مع النكول عندنا وعند أبي حنيفة خلافا للشافعي حيث قال بحلف المدعى عليه قبل قيام شاهد فإن نكل حلف المدعي لنا وجوه الأول قوله عليه السلام لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل فأخبر عليه السلام أنه لا يثبت إلا بهما فمن قال باليمين مع النكول فعليه البيان
والوجه الثاني قوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم وإنما أمر بهذه الشهادة لأنها سبب الثبوت فينحصر الثبوت فيها عملا بالمفهوم وإلا لزم تأخير البيان في تأسيس القواعد وهو خلاف الأصل والوجه الثالث أن الشاهدين والمرأتين أقوى من اليمين مع النكول لأنها حجة من جهة المدعي ولم تثبت أحكام الأبدان بها فلا تثبت باليمين مع النكول
والوجه الرابع أن ما ذكروه يؤدي إلى استباحة الفروج بالباطل لأنه إذا أحبها ادعى عليها فتنكر فيحلفها فتنكل فيحلف ويستحقها بتواطؤ منهما
والوجه الخامس أن المرأة قد تكره زوجها فتدعي عليه في كل يوم فتحلفه وكذلك الأمة تدعي العتق وهذا ضرر عظيم
وأما الوجوه التي احتجوا بها فالوجه الأول قضية حويصة ومحيصة في قضية عبد الرحمن بن سهل وهي في الصحاح وقال فيها عليه السلام تحلف لكم يهود خمسين يمينا وجوابه والأيمان تثبت بعد اللوث وهو وجوده مطروحا بينهم وهو أعداؤه وغلظت خمسين يمينا بخلاف صورة النزاع في المقيس ولأن القتل نادر في الخلوات حيث يتعذر الإشهاد فغلظ أمره لحرمة الدماء
والوجه الثاني أن كل حق توجهت اليمين فيه على المدعى عليه
213
213
الثاني
أن شهادة الرجال أقوى وأكثر ولم يكف واحد فالنساء أولى احتجوا بوجوه الأول ما روى عقبة بن الحارث قال تزوجت أم يحيى بنت أبي إيهاب فأتت أم سورة فقالت أرضعتكما فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فأعرض عني ثم أتيته فقلت يا رسول الله إنها كاذبة قال كيف وقد علمت وزعمت ذلك متفق على صحته
الثاني عن علي أنه قبل شهادة القابلة وحدها في الاستهلال
الثالث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في الرضاع شهادة امرأة واحدة تجزئ
الرابع القياس على الرواية والجواب عن الأول أنه حجة لنا لأن المرأة الواحدة لو كفت لأمره بالتفريق من أول مرة كما شهد عدلان لأن التنفيذ عند كمال الحجة واجب على الفور لا سيما في استباحة الفروج فلا يدل ذلك على أن الواحدة كافية في الحكم بل معناه من قاعدة أخرى وهي أن من غلب على ظنه تحريم شيء بطريق من الطرق كان ذلك الطريق يفضي به إلى الحكم أم لا فإن ذلك الشيء يحرم عليه فمن غلب على ظنه طلوع الفجر في رمضان حرم عليه الأكل أو الطعام نجس حرم عليه أكله ونحو ذلك وإخبار الواحدة يفيد الظن فأمره عليه السلام بطريق الفتيا لا بطريق الحكم والإلزام وعن الثاني أنه معارض بأدلتنا المتقدمة أو بحمله على الفتيا جمعا بين الأدلة وعن الثالث كذلك أيضا وعن الرابع الفرق أن الرواية تثبت حكما عاما
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
فإذا نكل ردت على المدعي قياسا على المال وجوابه أن المدعى عليه هاهنا لا يحلف بمجرد الدعوى فانحسمت المدة
والوجه الثالث القياس على اللعان فإن المرأة تحد بيمين الزوج ونكولها عن اليمين وجوابه أن اللعان مستثنى للضرورة فجعلت الأيمان مقام الشهادة لتعذرها وضرورة الأزواج لنفي العار وحفظ النسب ولا ضرورة هاهنا
الوجه الرابع قوله عليه السلام البينة على من ادعى واليمين على من أنكر وهو عام يتناول صورة النزاع وجوابه أنه مخصوص بما ذكرناه من الضرورات وخطر الباب
والوجه الخامس أنه عليه السلام قال لركانة لما طلق امرأته ألبتة ما أردت بالبتة قال واحدة فقال له عليه السلام الله ما أردت إلا واحدة فقال الله ما أردت إلا واحدة فحلفه بعد دعوى امرأته الثلاث وجوابه الفرق بين دعوى المرأة الثلاث ودعواها أصل الطلاق بأن الثاني ليس فيه ظهور بل مرجوح باستصحاب العصمة بخلاف الأول فإنه يثبت بلفظ صالح بل ظاهر فيه قاله الأصل وصححه أبو القاسم بن الشاط والله أعلم
الباب الخامس في بيان ما تكون فيه الحجة الخامسة والخلاف في قبولها وفيه وصلان الوصل الأول في تبصرة ابن فرحون القضاء بامرأتين ويمين المدعي يجري فيما يجري فيه الشاهد واليمين من الأموال على ما تقدم في باب الشاهد واليمين وكذا الوراثة كما لو ولدت امرأة ثم ماتت هي وولدها فشهدت امرأتان أن الأم ماتت قبل ولدها فإن الأب يحلف أو أورثته على ذلك ويستحقون ما يرث عن أمه لأنه ماله قاله ابن القاسم واختلف في مسائل منها لو شهد النساء في طلاق ودين شهادة واحدة جازت مع اليمين في الدين دون الطلاق ومنها ما إذا شهدت امرأتان على ميت أنه أوصى لرجل قال في المدونة لا تجوز شهادتهما إن كان في
214
214
في الأمصار والأعصار لا على معين فليست مظنة العداوة فلا يشترط فيها العدد فتقبل الواحدة في الرواية ولا تقبل في الشهادة اتفاقا
الحجة الثانية عشرة اليمين الواحدة إذا تنازعا دارا ليست في أيديهما أو في أيديهما قسمت بينهما بعد أيمانهما فيقضي لكل واحد بمجرد يمينه
وقال الشافعي رضي الله عنه وهي أقل حجة في الشريعة بسبب أنا لم نجد مرجحا عند الاستواء إلا اليمين وكذلك إذا استوت البينتان والأيدي أو البينتان من غير يد بل هي في يد ثالث قسمت بينهما بعد أيمانهما لوجود الترجيح باليمين ويدل على ذلك قوله عليه السلام أمرت أن أقضي بالظاهر والله متولي السرائر وهذا قد صار ظاهرا باليمين فيقضي به لصاحبه ولأنهما إن كانت في أيديهما فكل واحد يده على النصف فدفع عنه يمينه كسائر من ادعى عليه وإن كانت في يد ثالث فأقر لهما على نسبة اتفقا عليها قسم بينهما بغير يمين وإن تنازعا والثالث يقول هي لا تعدوهما فهي كما لو كانت بأيديهما بسبب إقراره لهما وإن قال الثالث لا أعلم هي لهما أم لغيرهما فهو موضع نظر وتوقف وعلى هذا التقدير تكون الأيمان في هذه الصور دافعة لا جالبة ولا يقضي فيها بملك بل بالدفع كمن ادعى عليه فأنكر وحلف وكثير من الفقهاء يعتقد أنها جالبة وأنها تقضي بالملك وليس كذلك وعلى هذا التقدير أيضا تندرج هذه اليمين في قوله عليه السلام البينة على من ادعى
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الوصية عتق وإبضاع النساء يريد نكاح البنات فأبطل الوصية كلها قال ابن رشد وقد اختلف في هذا الأصل وهو ما إذا اشتملت الشهادة على ما تجيزه السنة وما لا تجيزه والمشهور جواز ما أجازته السنة دون ما لم تجزه وقيل يرد الجميع ا ه الوصل الثاني في الأصل المرأتان واليمين هي حجة عندنا وقاله أبو حنيفة ومنعه الشافعي وكذا ابن حنبل ووافقنا في الشاهد واليمين لنا وجوه الأول أن الله تعالى أقام المرأتين مقام الرجل فيقضي بها مع اليمين كالرجل ولما علل عليه السلام نقصان عقلهن قال عدلت شهادة امرأتين بشاهدة رجل ولم يخص موضعا دون موضع الثاني أنه يحلف مع نكول المدعى عليه فمع المرأتين أقوى
الثالث أن المرأتين أقوى من اليمين لأنه لا يتوجه عليه يمين معهما ويتوجه مع الرجل وإذا لم تعرج على اليمين إلا عند عدمهما كانتا أقوى فيكونان كالرجل فيحلف معهما وأما الوجوه التي احتجوا بها فالأول أن الله تعالى إنما شرع شهادتين مع الرجل فإذا عدم الرجل ألغيت وجوابه أن النص دل على أنهما يقومان مقام الرجل ولم يتعرض لكونهما لا يقومان مقامه مع اليمين فهو مسكوت عنه وقد دل عليه الاعتبار المتقدم كما دل الاعتبار على اعتبار القمط في البنيان والجذوع وغيرها
والوجه الثاني أن في المال إذا خلت عن رجل لم تقبل كما لو شهد أربع نسوة فلو أن امرأتين كالرجل لتم الحكم بأربع ويقبلن في غير المال كما يقبل الرجل ويقبل في غير المال رجل وامرأتان
والوجه الثالث أن شهادة النساء ضعيفة فتقوى بالرجل واليمين ضعيفة فيضم ضعيف إلى ضعيف وجوابهما إن قد بينا أن امرأتين أقوى وإنما لم يستقل النسوة في أحكام الأبدان لأنها لا يدخلها
215
215
واليمين على من أنكر وقال عليه السلام شاهداك أو يمينه لأن المراد في هذه الأحاديث اليمين الدافعة وهي هذه بعينها فتندرج
الحجة الثالثة عشرة الإقرار من أقر لغيره بحق أو عين قضى عليه بإقراره كان المقر برا أو فاجرا فإن كان المقر به في الذمة كالدين أو عينا أقر بها من سلم أخذت منه وقضى في جميع ذلك بالملك للمقر له وإن كان المقر به عينا قضى على المقر بتسليمها للمقر له إن كانت في يد المقر ولا يقضي بالملك بل بإلزام التسليم لاحتمال أن يكون لثالث وإن كان المقر به بيد الغير لم يقض به وإنما يؤثر الإقرار فيما في يد المقر أو ينتقل بيده يوما من الدهر فيقضي عليه حينئذ بموجب إقراره
الحجة الرابعة عشرة شهادة الصبيان بعضهم على بعض في القتل والجراح خاصة ولقبولها عشرة شروط الأول العقل ليفهموا ما رأوا الثاني الذكورية لأن الضرورة لا تحصل في اجتماع الإناث وروي عن مالك تقبل شهادتهن اعتبارا لهن بالبالغات لوثا في القسامة
الثالث الحرية لأن العبد لا يشهد
الرابع الإسلام لأن الكافر لا يقبل في قتال ولا جراح لأن الضرورة إنما دعت لاجتماع الصبيان لأجل الكفار وقيل تقبل في الجراح لأنها شهادة ضعيفة فاقتصر فيها على أضعف الأمرين الخامس أن يكون ذلك بينهم لعدم ضرورة مخالطة الكبير لهم السادس أن يسمع ذلك منهم قبل التفرق لئلا
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الشاهد واليمين ولأن تخصيص الرجال بموضع لا يدل على قولهم لأن النساء قد خصصن بعيوب الفرج وغيرها وإن لم يدل ذلك على رجحانهن على الرجال ا ه وسلمه ابن الشاط والله أعلم
الباب السادس
في بيان ما تكون فيه الحجة السادسة والسابعة والخلاف في قبولها ودليله وفيه وصلان الوصل الأول في تبصرة ابن فرحون الشاهد والنكول يجري في كل موضع يقبل فيه الشاهد واليمين والمرأتان واليمين صورة ذلك أن يشهد على المدعى عليه شاهد وامرأتان فإذا توجهت اليمين على المدعي وردها على المدعى عليه فإن نكل عن اليمين قضي عليه بنكوله وليس له أن يردها على المدعي لأن اليمين المردودة لا ترد قال فينبغي للحاكم أن يبين للمدعى عليه حكم النكول إن كانت الدعوى في مال بل وحكمه أيضا إن كانت في طلاق أو عتق فقد اختلف في القضاء بالشاهد والنكول في الطلاق والعتاق فعن مالك في ذلك روايتان وقال قبل بأوراق إذا ادعى العبد أو الأمة العتق وأقام أحدهما شاهدا حلف السيد فإن نكل فقيل يعتق عليه وقيل يسجن حتى يحلف وقيل يخلى من السجن إذا طول والطول سنة قال وإن أقامت المرأة شاهدا بالطلاق وأنكر الزوج حلف وخلى بينه وبينها وإن نكل سجن حتى يحلف أو يطول أمره والطول في ذلك سنة وقيل يسجن أبدا حتى يحلف أو يطلق وقيل يطلق عليه لتمام أربعة أشهر لمشابهته الإيلاء ا ه
الوصل الثاني في الأصل الشاهد والنكول حجة عندنا خلافا للشافعي لنا وجوه الأول أن النكول سبب مؤثر في الحكم فيحكم به مع الشاهد كاليمين من المدعي وتأثيره أن يكون المدعى عليه ينقل اليمين للمدعي الثاني أن الشاهد أقوى من يمين المدعي بدليل
216
216
يلقنوا الكذب
السابع
اتفاق أقوالهم لأن الاختلاف يخل بالثقة الثامن أن يكونوا اثنين فصاعدا لأنهم لا يكون حالهم أتم من الكبار هذا هو نقل القاضي في المعونة وزاد ابن يونس التاسع أن لا يحضر كبار فمتى حضر كبار فشهدوا سقط اعتبار شهادة الصبيان كان الكبار رجالا أو نساء لأن شهادة النساء تجوز في الخطأ وعمد الصبي كالخطأ
العاشر رأيت بعض المعتبرين من المالكية يقول لا بد من حضور الجسد المشهود بقتله وإلا فلا تسمع ونقله صاحب البيان عن جماعة من الأصحاب قالوا لا بد من شهادة العدول على رؤية البدن مقتولا تحقيقا للقتل ومنع أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وأشهب من أصحابنا وجماعة من العلماء شهادة الصبيان وقال بقبولها علي وابن الزبير وعمر بن الخطاب ومعاوية وخالفهم ابن عباس لنا قوله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة واجتماع الصبيان للتدريب على الحرب من أعظم الاستعداد ليكونوا كبارا أهلا لذلك ويحتاجون في ذلك لحمل السلاح حيث لا يكون معهم كبير فلا يجوز هدر دمائهم فتدعو الضرورة لقبول شهادتهم على الشروط المتقدمة والغالب مع تلك الشروط الصدق وندرة الكذب فتقدم المصلحة الغالبة على المفسدة النادرة لأنه دأب صاحب الشرع كما جوز الشرع شهادة النساء منفردات في الوضع الذي لا يطلع عليه الرجال للضرورة ولأنه قول الصحابة احتجوا بوجوه الأول قوله تعالى واستشهدوا
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
أنه يرجع لليمين عند عدم الشاهد
الثالث
أن الشاهد يدخل في الحقوق كلها بخلاف اليمين
وأما الوجوه التي احتجوا بها فالأول أن السنة إنما وردت بالشاهد واليمين وهو تعظيم الله تعالى ولا تعظيم في النكول وجوابه أن التعظيم لا مدخل له هنا بدليل أنه لو سبح وهلل ألف مرة لا يكون حجة مع الشاهد وإنما الحجة في إقدامه على موجب العقوبة على تقدير الكذب وهذا كما هو وازع ديني أما النكول ففيه وازع طبيعي لأنه إذا قيل له إن حلفت برئت وإن نكلت غرمت فإذا نكل كان ذلك على خلاف الوزاع الطبيعي والوزاع الطبيعي أقوى ألا ترى أن الشهادة لا تقبل إلا من العدل لأن وازعها شرعي فلا يؤثر إلا في المتقين من الناس والوجه الثاني أن الحنث في اليمين يوجب الكفارة ويذر الديار بلاقع إذا أقدم عليها غموسا وليس كذلك النكول وجوابه أن الكفارة قد تكون أولى من الحق المختلف فيه والمجتلب وهو الغالب فقدم عليه اليمين الكاذبة لأن الوازع حينئذ إنما هو الوازع الشرعي وقد تقدم أنه دون الوزاع الطبيعي والوجه الثالث أن النكول لا يكون أقوى حجة من جحده أصل الحق وجحده لا يقضي به مع الشاهد وإلا كان قضاء مع الشاهد وحده وهو خلاف الإجماع فكذلك النكول وجوابه أن مجرد الجحد لا يقضي به عليه فلا يخافه والنكول يقضي به عليه بعدم تقدم اليمين فيخافه طبعه فظهر أن النكول أقوى من اليمين وأقوى من الجحد قال الأصل والمرأتان والنكول عندنا أيضا خلافا للشافعي رضي الله عنه والمدرك هو ما تقدم سؤالا وجوابا وعمدته أنه قياس على اليمين بطريق الأولى كما تقدم تقريره ا ه وسلمه أبو القاسم بن الشاط والله سبحانه وتعالى أعلم

217
217
شهيدين من رجالكم وهو يمنع شهادة غير البالغ
الثاني
قوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم والصبي ليس بعدل الثالث قوله تعالى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا وهو نهي ولا يتناول النهي الصبي فدل على أنه ليس من الشهداء الرابع أنه لا يعتبر إقراره فلا تعتبر شهادته كالمجنون الخامس أن الإقرار أوسع من الشهادة لقبوله من البر والفاجر فإذا كان لا يقبل فلا تقبل الشهادة السادس القياس على غير الجراح السابع لو قبلت لقبلت إذا افترقوا كالكبار وليس كذلك الثامن أنها لو قبلت لقبلت في تخريق ثيابهم في الخلوات أو لجازت شهادة النساء بعضهن على بعض في الجراح والجواب عن الأول إنما نمنع الإناث لاندراج الصبيان مع الرجال في قوله تعالى وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين ولأن الأمر بالاستشهاد إنما يكون في المواضع التي يمكن إنشاء الشهادة فيها اختيارا لأن من شرط النهي الإمكان وهذا موضع ضرورة تقع فيه الشهادة بغتة فلا يتناوله الأمر فيكون مسكوتا عنه
وهو الجواب عن الآية الثانية وعليه تحمل الآية الثالثة في الشهداء الذين استشهدوا اختيارا مع أن هذه الظواهر عامة ودليلنا خاص فيقدم عليها وعن الرابع أن إقرار الصبي إن كان في المال فنحن نسويه بالشهادة فإنهما لا يقبلان في المال أو في الدماء إن كانت عمدا خطأ فيئول إلى الدية فيكون إقرارا على غيره فلا يقبل كالبالغ وهو الجواب عن
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الباب السابع
في بيان ما تكون فيه الحجة الثامنة والخلاف في قبولها ودليله وفيه وصلان الوصل الأول اليمين من المدعي بعد نكول المدعى عليه عن اليمين الرافعة للدعوى فيستحق ما ادعى به تكون فيما إذا ادعى رجل على رجل حقا وليس له بينة على ذلك فينكر المدعى عليه فتتوجه عليه اليمين على نفي ما ادعى به عليه وهي اليمين الرافعة للدعوى فينكل عنها فتنقلب اليمين على الطالب وهي اليمين المنقلبة فيحلف ويستحق فإن جهل المطلوب ردها فإنه يجب على الحاكم أن يعلمه بذلك ولا يقضي حتى يردها فإن نكل الطالب فلا شيء له قال في مختصر الواضحة فإن حلف المدعي حين نكل المدعى عليه وأخذ ما ادعاه ثم إن المدعى عليه وجد بينة ببراءته من ذلك نفعه ذلك واستعاد ما أخذه من المدعي ا ه وتكون أيضا فيما إذا ادعى المطلوب العدم وقال إن المدعي عالم بذلك فله أخذ اليمين الرافعة للدعوى فإن نكل المدعي فلا مقال وحلف المطلوب أنه ليس له مال ظاهر ولا باطن وهذه اليمين تسمى اليمين المصححة والمدعي في هذه الصورة مدعى عليه انظر المتيطية أفاده ابن فرحون في التبصرة والله أعلم الوصل الثاني في الأصل اليمين والنكول حجة عندنا وعند الشافعي وقال أحمد بن حنبل يقضي بالنكول ولا ترد اليمين على الطالب وقال أبو حنيفة إن كانت الدعوى في مال كرر عليه ثلاثا فإن لم يحلف لزمه الحق ولا ترد اليمين وإن كانت في عقد فلا يحكم بالنكول بل يحبس حتى يحلف أو يعترف وفي النكاح والطلاق والنسب وغيره لا مدخل لليمين فيه فلا نكول
وقال ابن أبي ليلى يحبس في جميع ذلك حتى يحلف لنا وجوه الأول قوله تعالى ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ولا يمين بعد يمين وهو خلاف الإجماع فتعين حمله على يمين بعد رده يمين على
218
218
الخامس وعن السادس أن الفرق تعظيم حرمة الدماء بدليل قبول القسامة ولا يقسم على درهم وعن السابع أن الافتراق يحتمل التعليم والتغيير والصغير إذا خلي وسجيته الأولى لا يكاد يكذب والرجال لهم وازع شرعي إذا افترقوا بخلاف الصبيان وعن الثامن التفريق لعظم حرمت الدماء ولأن اجتماعهم ليس لتخريق ثيابهم بخلاف الضرب والجراح وأما النساء فلا يجتمعن للقتال ولا هو مطلوب منهن
الحجة الخامسة عشرة القافة حجة شرعية عندنا في القضاء بثبوت الأنساب ووافقنا الشافعي وأحمد بن حنبل
وقال أبو حنيفة الحكم بالقافة باطل قال ابن القصار وإنما يجيزه مالك في ولد الأمة يطؤها رجلان في طهر واحد وتأتي بولد يشبه أن يكون منهما والمشهور عدم قبوله في ولد الزوجة وعنه قبوله وأجازه الشافعي فيهما لنا ما في الصحيحين قالت عائشة رضي الله عنها دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم تبرق أسارير وجهه فقال ألم تري إلى مجزز المدلجي نظر إلى أسامة وزيد عليهما قطيفة قد غطيا رءوسهما وبدت أقدامهما فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض وسبب ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان تبنى زيد بن حارثة وكان أبيض وابنه أسامة أسود فكان المشركون يطعنون في نسبه فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكانته منه
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه لأن اللفظ إذا ترك من وجه بقي حجة في الباقي
الثاني
ما روي أن الأنصار جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت إن اليهود قتلت عبد الله وطرحته في قفير أي بئر فقال عليه السلام أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم قالوا لا قال فتحلف لكم اليهود قالوا كيف يحلفون وهم كفار فجعل عليه السلام اليمين في جهة الخصم أخرجه صاحب الموطإ وغيره الثالث ما روي أن المقداد اقترض من عثمان سبعة آلاف درهم فلما كان وقت القضاء جاء بأربعة آلاف درهم فقال عثمان أقرضتك سبعة آلاف درهم فترافعا إلى عمر فقال المقداد يحلف عثمان فقال عمر لعثمان لقد أنصفك فلم يحلف عثمان فنقل عمر اليمين إلى المدعي ولم يختلف في ذلك عمر وعثمان والمقداد ولم يخالفهم غيرهم فكان إجماعا الرابع القياس على النكول في باب القود والملاعنة لاتحد بنكول الزوج الخامس لو نكل عن الجواب في الدعوة لم يحكم عليه مع أنه نكول عن اليمين والجواب فاليمين وحده أولى بعدم الحكم السادس أو البينة حجة المدعي واليمين حجة المدعى عليه في النفي ولو امتنع من إقامة البينة لم يحكم عليه بشيء فكذلك المدعى عليه إذا امتنع من اليمين لم يحكم عليه السابع أن المدعي إذا امتنع من إقامة البينة كان للمدعى عليه إقامتها فكذلك المدعى عليه إذا امتنع من اليمين فيكون للآخر فعلها الثامن أن النكول إذا كان حجة تامة كالشاهدين وجب القضاء به في الدماء أو ناقصة كالشاهدين والمرأتين أو كالشاهد ويمين وجب استغناؤه عن التكرار أو كالاعتراف يقبل في القود ولا يفتقر أي إلى تكرار بخلافه النكول
219
219
فلما قال مجزز ذلك سر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدل من وجهين أحدهما أنه لو كان الحدس باطلا شرعا لما سر به رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه عليه السلام لا يسر بالباطل
وثانيها أن إقراره عليه السلام على الشيء من جملة الأدلة على المشروعية وقد أقر مجززا على ذلك فيكون حقا مشروعا لا يقال النزاع إنما هو في إلحاق الولد وهذا كان ملحقا بأبيه في الفراش فما تعين محل النزاع وأيضا سروره عليه السلام لتكذيب المنافقين لأنهم كانوا يعتقدون صحة القيافة وتكذيب المنافقين سار بأي سبب كان لقوله عليه السلام إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر فقد يفضي الباطل للخير والمصلحة
وأما عدم إنكاره عليه السلام فلأن مجززا لم يتعين أنه أخبر بذلك لأجل القيافة فلعله أخبر به بناء على القرائن لأنه يكون رآهما قبل ذلك لأنا نقول مرادنا هاهنا ليس أنه ثبت النسب بمجزز إنما مقصودنا أن الشبه الخاص معتبر وقد دل الحديث عليه وأما سروره عليه السلام بتكذيب المنافقين فكيف يستقيم السرور مع بطلان مستند التكذيب كما لو أخبر عن كذبهم رجل كاذب وإنما يثبت كذبهم إذا كان المستند حقا فيكون الشبه حقا وهو المطلوب وبهذا التقرير يندفع قولكم إن الباطل قد يأتي بالحسن والمصلحة فإنه على هذا التقدير ما أتى بشيء
وأما قولكم أخبر به لرؤية سابقة لأجل الفراش فالناس كلهم يشاركونه في ذلك فأي
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وأما الوجوه التي احتجوا بها فالأول قوله تعالى إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا يمنع سبحانه أن يستحق بيمينه على غيره حقا فلا ترد اليمين لئلا يستحق بيمينه مال غيره وجوابه أن معنى الآية أن لا تنفذ اليمين الكاذبة ليقطع بها مال غيره ليست كذلك ومجرد الاحتمال لا يمنع وإلا لمنع المدعى عليه في اليمين الدافعة لئلا يأخذ بها مالا بل يحكم بالظاهر وهو الصدق والوجه الثاني الملاعن إذا نكل حد بمجرد النكول وجوابه أن الموجب لحد الملاعن قذفه وإنما أيمانه مسقطة فإذا فقد المانع عومل بالمقتضى والنكول عندكم مقتضى فلا جامع بينهما والوجه الثالث أن ابن الزبير ولى ابن أبي مليكة قضاء اليمن فجاء إلى ابن عباس فقال إن هذا الرجل ولاني هذا البلد وأنه لا غناء لي عنه فقال له ابن عباس اكتب لي بما يبدو لك فكتب إليه في جاريتين جرحت أحدهما الأخرى في كفها فكتب إليه ابن عباس احبسها إلى بعد العصر واقرأ عليها إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا قال ففعل ذلك واستحلفها فأبت فألزمها ذلك وجوابه أنه روي عن ابن أبي مليكة أنه قال اعترفت فألزمتها ذلك ولعله برأيه لا برأي ابن عباس فإن ابن عباس لم يأمره بالحكم عليها بذلك والتابعي لا حجة في فعله والوجه الرابع قوله صلى الله عليه وسلم البينة على من ادعى واليمين على من أنكر فجعل اليمين في حجة المدعى عليه فلم يبق يمين تجعل في جهة المدعي وجعل حجة المدعي البينة وحجة المدعى عليه اليمين ولما لم يجز نقل حجة المدعي إلى حجة المدعى عليه لم يجز أيضا نقل حجة المدعى عليه إلى جهة المدعى عليه وجوابه أنه ورد لمن توجه عليه اليمين ابتداء ونحن نقول به وأما ما نحن فيه فلم يتعرض له الحديث ألا ترى أن المنكر قد يقيم البينة إذا ادعى الدين
220
220
فائدة في اختصاص السرور بقوله لولا أنه حكم بشيء غير الذي كان طعن المشركين ثابتا معه ولا كان لذكر الأقدام فائدة وحديث العجلاني قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم إن جاءت به على نعت كذا وكذا فأراه قد كذب عليها وإن أتت به على نعت كذا وكذا فهو لشريك فلما أتت به على النعت المكروه قال عليه السلام لولا الأيمان لكان لي ولها شأن فصرح عليه السلام بأن وجود صفات أحدهما في الآخر يدل على أنهما من نسب واحد ولا يقال إن إخباره عليه السلام كان من جهة الوحي لأن القيافة ليست في بني هاشم إنما هي في بني مدلج ولا قال أحد إنه عليه السلام كان قائفا ولأنه عليه السلام لم يحكم به لشريك وأنتم توجبون الحكم بما أشبه أيضا لم تحد المرأة فدل ذلك على عدم اعتبار الشبه لأنا نقول إن جاء الوحي بأن الولد ليس يشبهه فهو مؤسس لما يقوله وصار الحكم بالشبه أولى من الحكم في الفراش لأن الفراش يدل عليه من ظاهر الحال والشبه يدل على الحقيقة وأما كونه عليه السلام لم يعط علم القيافة فممنوع لأنه عليه السلام أعطي علم الأولين والآخرين سلمناه لكن أخبر عن ضابط القائفين أن الشبه متى كان كذا فهم يحكمون بكذا إلا أنه ادعى علم القيافة كما نقول يقول الإنسان الأطباء يداوون المحموم بكذا وإن لم يكن طبيبا ولم يحكم بالولد لشريك لأنه زان وإنما يحكم بالولد في وطء الشبهة وإنما وطئ
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
فكذلك قد توجد في حق المدعي في الرتبة الثانية والوجه الخامس قوله عليه السلام شاهداك أو يمينه ولم يقل أو يمينك وجوابه أنه لبيان من تتوجه عليه اليمين ابتداء في الرتبة الأولى كما تقدم تقريره والوجه السادس أن البينة للإثبات ويمين المدعى عليه للنفي فلما تعذر جعل البينة للنفي تعذر أيضا جعل اليمين للإثبات وجوابه أنا لم نجعل اليمين وحدها للإثبات بل اليمين مع النكول على أن البينة قد تكون للنفي كما تقدم تقريره مثل بينة القضاء فإنه نفي ا ه وسلمه ابن الشاط والله أعلم الباب الثامن في بيان ما تكون فيه الحجة التاسعة وفي صفتها وفيه وصلان الوصل الأول في تبصرة ابن فرحون لا يحكم باللعان إلا بعد ثبوت الحمل بشاهدة امرأتين وثبوت الزوجية إن كانا من أهل المصر والأمكنة من اللعان قبل ثبوت الزوجية والحمل ولا يحده بخلاف ما إذا كانا من أهل المصر فإنه يحد إذا لم يثبت ذلك بحال ولا يكون اللعان إلا بمجلس الحاكم أو في مجلس رجل من أعيان الفقهاء بأمر الحاكم وقال قيل ويجب أن يكون في أشرف أمكنة البلد عند المنبر في المدينة وعند الركن بمكة وعند المحراب في غيرهما في الجامع الأعظم والمختار أن يكون بعد صلاة العصر وتحلف الذمية في كنيستها لا في المسجد والمريض بموضعه ويكون ذلك بحضور جماعة أقلها أربعة قال وحقيقة اللعان يمين الزوج على زوجته بزنا أو نفي حملها أو ولدها ويمين الزوجة على تكذيبه وسميت أيمانهما لعانا لأن فيها ذكر اللعن ولكونها سببا في بعد كل واحد من صاحبه ا ه وفي الأصل وسلمه ابن الشاط وأيمان اللعان متفق عليها فيما علمت من حيث الجملة ا ه الوصل الثاني صفة اللعان أنه إن لاعن من دعوى الزنا
221
221
البائع والمشتري الأمة في طهر واحد وأما عدم الحد فلأن المرأة قد تكون من جهتها شبهة أو مكرهة أو لأن اللعان يسقط الحد لقوله تعالى ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله الآية أو لأنه عليه السلام لا يحكم بعلمه وبالجملة فحديث المدلجي يدل دلالة قوية على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استدل بالشبه على النسب ولو كان بالوحي لم يحصل فيه ترديد في ظاهر الحال بل كان يقول هي تأتي به على نعت كذا وهو لفلان فإن الله تعالى بكل شيء عليم فلا حاجة إلى الترديد الذي لا يحسن إلا في مواطن الشك وإنما يحسن هذا بالوحي إذا كان لتأسيس قاعدة القيافة وبسط صورها بالأشباه وذلك مطلوبنا فالحديث يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سر إلا بسبب حق وهو المطلوب ويؤيده أيضا قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة في الحديث تربت يداك ومن أين يكون الشبه فأخبر أن المني يوجب الشبه فيكون دليل النسب ولنا أيضا أن رجلين تداعيا ولدا فاختصما لعمر فاستدعى له القافة فألحقوه بهما فعلاهما بالدرة واستدعى حرائر من قريش فقلن خلق من ماء الأول وحاضت على الحمل فاستخشف الحمل فلما وطئها الثاني انتعش بمائه فأخذ شبها منها فقال عمر الله أكبر وألحق الولد بالأول ولأنه علم عند القافة من باب الاجتهاد فيعتمد عليه كالتقويم في المتلفات ونفقات الزوجات وخرص الثمار في
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
واعتمد على الرؤية قال أربع مرات أشهد بالله وقال محمد يزيد الذي لا إله إلا هو إني لمن الصادقين لرأيتها تزني كالمرود في المكحلة ثم يقول في الخامسة لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ثم تقول المرأة أربع مرات أشهد بالله الذي لا إله إلا هو أنه لمن الكاذبين وما رآني أزني ثم تقول في الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين وإن لاعن من دعوى لنفي الحمل واعتمد على الرؤية وحدها على أحد الأقوال زاد في الأربع وما هذا الحمل متى وتزيد المرأة وأن هذا الحمل منه ويقول في اللعان إذا اعتمد على الاستبراء وحده على أحد القولين إني لمن الصادقين لقد استبرأتها من كذا فاعتمد عليها مع ذكرهما معا في الأربع الأيمان وإن لاعن من دعوى الغصب قال أشهد بالله الذي لا إله إلا هو ما هذا الحمل مني وأني لمن الصادقين
وقال في الخامسة وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين وتقول المغتصبة إذا التعنت لنفي الولد أشهد بالله الذي لا إله إلا هو ما زنيت ولا أطعت وتقول في الخامسة إن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيتعين لفظ الشهادة ولفظ اللعن والغضب بعدها وفي معين الحكام والحرة المسلمة التي لم تبلغ المحيض وقد جومعت تلاعن زوجها لأن من قذفها يحد والمشهور قول مالك وابن القاسم أن الفرقة تقع بينهما بتمام التحالف دون حكم حاكم وقال ابن حبيب لا تقع حتى يفرق الإمام بينهما
وقال ابن نافع يستحب له أن يطلقها ثلاثا عند فراغه من اللعان فإن لم يفعل أجريا على سنة المتلاعنين أنهما لا يتناكحان أبدا
وقال ابن لبابة إن لم يفعل طلقها الإمام ثلاثا ولم يمنعه من مراجعتها بعد زوج وفي كتاب ابن شعبان وفرقة المتلاعنين ثلاثا ويتزوجها بعد زوج آخر وفي الجلاب فرقة المتلاعنين فسخ بغير طلاق أفاده ابن فرحون في التبصرة والله أعلم

222
222
الزكوات وتحرير جهة الكعبة في الصلوات وجزاء الصيد وكل ذلك تخمين وتقريب
ولما لم يعتبر أبو حنيفة الشبه ألحق الولد بجميع المتنازعين ويرد عليه قوله تعالى إنا خلقناكم من ذكر وأنثى فالأب واحد وقوله تعالى وورثه أبواه فلم يجعل له آباء
وعارض أبو حنيفة حديث العجلاني بوجوه
الأول
بما في الصحاح أن رجلا حضر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وادعى أن امرأته ولدت ولدا أسود فقال له عليه السلام هل في إبلك من أورق فقال له نعم قال له ما ألوانها قال سود فقال ما السبب فقال الرجل لعل عرقا نزع فلم يعتبر الشبه
الثاني بقوله عليه السلام الولد للفراش ولم يفرق
الثالث أن خلق الولد مغيب عنا فجاز أن يخلق من رجلين وقد نص عليه بقراط في كتاب سماه الحمل على الحمل
الرابع ولأن الشبه لو كان معتبرا مع أنه قد يقع من الولد وجماعة لوجب إلحاقه بهم بسبب الشبه ولم يقولوا به
الخامس ولأن الشبه لو كان معتبرا لبطلت مشروعية اللعان واكتفي به
السادس أنه لا حكم له مع الفراش فلا يكون معتبرا عند عدمه كغيره
السابع أن القيافة لو كانت علما لأمكن اكتسابه كسائر العلوم والصنائع
الثامن أنه حزر وتخمين فوجب أن يكون باطلا كأحكام النجوم والجواب عن الأول أن تلك الصورة ليست صورة النزاع لأنه كان صاحب فراش وإنما سأله عن اختلاف اللون فعرفه عليه السلام السبب ولأنا لا نقول
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الباب التاسع
في بيان ما فيه تكون القسامة وصفتها وفيه وصلان الوصل الأول قال ابن رشد القسامة موجبة مع اللوث للقتل في العمد والدية في الخطأ ولا قسامة في الأطراف ولا في الجراح ولا في العبيد ولا في الكفار قال ابن فرحون اللوث بثاء مثلثة المراد الوجوه التي يقع بها التلويث والتلطيخ في الدماء وهي كثيرة ومع كثرتها لا يتوصل بها إلى التمكن من الدماء لعظم خطرها ورفيع قدرها فوجب الإعراض عنها إلا لمن فيها ماله قوة لأجل ما أضيف به من القرائن الحاملة على صدق مدعيه ولذلك اختلف العلماء في تعيين ما يقبل من ذلك فعند مالك رضي الله تعالى عنه عنه أن اللوث هو الشاهد العدل على معاينة القتل ووجه ذلك أن يقوي جهة المدعيين ولا تأثير في نقل اليمين إلى جهة المدعيين وأخذ ابن القاسم بما قاله مالك ووافقه ابن وهب وابن عبد الحكم وذكر ابن المواز عن ابن القاسم أن شهادة المرأتين لوث يوجب القسامة ولا يوجب ذلك شهادة امرأة واحدة وروى ابن المواز وأشهب أنه يقسم مع الشاهد غير العدل ومع المرأة قال ابن المواز عن أشهب ولم يختلف قول مالك وأصحابه أن العبد والذمي ليس بلوث
ووجهه رواية أشهب وهو اختياره أنه لوث فلم يعتبر فيه العدالة كالذي يقول دمي عند فلان فلا يشترط فيه العدالة بل يقبل قوله في العمد والخطأ ولو كان فاسقا وفي تنبيه الحكام لابن المناصف وروى أشهب عن مالك أن القسامة تجب بشهادة امرأة واحدة عدل وقيل تقسم مع جماعة النساء والصبيان والقوم ليسوا بعدول فإذا وقعت القسامة بشيء من هذا على القول فيه بالجواز استحق أولياء المقتول الدم قال ووجه ذلك أن القود إنما يجب بمجرد القسامة عند مالك ولا حكم للشاهد الواحد في
223
223
إن القيافة هي اعتبار الشبه كيفما كان والمناسبة كيف كانت بل شبه خاص ولذلك ألحقوا أسامة بن زيد مع سواده بأبيه الشديد البياض بل حقيقتها شبه خاص ولا معارضة بين الألوان وغيرها ولذلك لم يعرج مجزز على اختلاف الألوان وهذا الرجل لم يذكر إلا مجرد اللون فليس فيه شرط القيافة حتى يدل إلغاؤه على إلغاء القيافة وعن الثاني أنه محمول على العادة والغالب وعن الثالث أنه خلاف العوائد وظواهر النصوص المتقدمة تأباه والشرع إنما يبني أحكامه على الغالب وبقراط تكلم على النادر فلا تعارض وعن الرابع أن الحكم ليس مضافا لما يشاهد من شبه الإنسان لجميع الناس وإنما يضاف لشبه خاص يعرفه أهل القيافة وعن الخامس أن القيافة إنما تكون من حيث يستوي الفراشان واللعان يكون لما يشاهد الزوج فهما بابان متباينان لا يسد أحدهما مسد الآخر وعن السادس الفرق بأن وجود الفراش وحده سالما عن المعارض يقتضي استقلاله بخلاف تعارض الفراشين وعن السابع أنه قوة في النفس وقوى النفس وخواصها لا يمكن اكتسابها كالعين التي يصاب بها فتدخل الجمل القدر والرجل القبر وغير ذلك مما دل الوجود عليه من الخواص فالقيافة كذلك حتى يتعذر اكتسابها
وعن الثامن أنه لو ثبتت أحكام النجوم كما ثبتت القيافة وأن الله تعالى ربط بها أحكاما لاعتبرت في تلك الأحوال المرتبطة بها كما اعتبرت الشمس في الفصول ونضج الثمار وتجفيف الحبوب
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
ثبوت القود وإن كان عدلا لأنه من حقوق الأبدان التي لا تستحق بالشاهد واليمين وإنما الواحد لوث ولطخ بقوى الدعوى في إباحة القسامة لا على جهة الشاهد واليمين الذي في حقوق الأموال ولذلك لا يقبل في قسامة العمد إلا رجلان فصاعدا أو لا مدخل فيها لنساء ولا حكم للواحد لأنهما أقيما في ثبوت الحق بإثباتهما مقام الشاهدين بخلاف القسامة في الخطأ لأنه مال فإذا أثبت أن شهادة الواحد في ذلك لوث لأنصف شهادة تكمل باليمين فكذلك قد يكون اللوث بغير العدل وباللفيف من النساء والصبيان لأنه لطخ لا شهادة والقسامة في هذا الباب أصل مخصص لنفسه لا يعترض عليه بغيره على ما وردت به السنة بخلاف سائر الحقوق
والأصح أن لا تجب القسامة بشيء من ذلك ولا يراق دم مسلم بغير العدول وذكر القاضي أبو محمد في المعونة أن من أصحابنا من يجعل شهادة العبيد والصبيان لوثا وبه قال ابن ربيعة ويحيى بن سعيد وهذا حكم القتل على غير وجه الغيلة أما قتل الغيلة فقال ابن المواز إن شهد عدل أنه قتله غيلة لم يقسم مع شهادته ولا يقبل في هذا إلا شاهدان نعم قال أبو محمد رأيت ليحيى بن عمر أن يقسم معه من المنتقى للباجي ا ه المراد
الوصل الثاني في التبصرة صفة القسامة أن يحلف الأولياء خمسين يمينا أن فلانا قتل ولينا فلانا أو أنه ضربه ومن ضربه مات إن كان قد عاش بعد ذلك ويقتصر على قوله بالله الذي لا إله غيره
وقال المغيرة يزيد الرحمن الرحيم ويحلفون في المدينة النبوية عند المنبر وفي غيرها بالجامع قياسا دبر الصلاة بمحضر الناس ويؤتى إلى المساجد الثلاثة من مسيرة عشرة أيام وإلى سائر الأمصار من مسيرة عشرة أميال ويحلف في العمد من له القصاص من الرجال المكلفين وفي الخطأ المكلفون من الورثة
224
224
والكسوفات وأوقات الصلوات وغير ذلك مما هو معتبر من أحكام النجوم وإنما ألغي منها ما هو كذب وافتراء على الله تعالى من ربط الشقاوة والسعادة والأمانة والإحياء بمثلثها وتربيعها أو غير ذلك مما لم يصح فيها ولو صح لقلنا به والقيافة صحت بما تقدم من الأحاديث والآثار
الحجة السادسة عشرة القمط وشواهد الحيطان قال بها مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وجماعة من العلماء وفيه مسألتان المسألة الأولى قال ابن أبي زيد في النوادر قال أشهب إذا تداعيا جدارا متصلا ببناء أحدهما وعليه جذوع للآخر فهو لمن اتصل ببنائه
ولصاحب الجذوع موضع جذوعه لأنه جوزه ويقضي بالجدار لمن إليه عقود الأربطة وللآخر موضع جذوعه وإن كان لأحدهما عليه عشر خشبات وللآخر خمس خشبات ولا ربط ولا غير ذلك فهو بينهما نصفان لا على عدد الخشب وبقيت خشباتهما بحالها وإذا انكسرت خشب أحدهما رد مثل ما كان ولا يجعل لكل واحد ما تحت خشبه منه ولو كان عقده لأحدهما من ثلاثة مواضع وللآخر من موضع قسم بينهما على عدد العقود وإن لم يعقد لواحد ولأحدهما عليه خشب معقودة بعقد البناء أو مثقوبة فعقد البناء يوجب ملك الحائط لأنه في العادة إنما يكون للمالك وقيل لا يوجبه وقال في المثقوبة نظر
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
رجالا ونساء على قدر ميراثهم ولا قسامة فيمن ليس له وارث إذ تحليف بيت المال غير ممكن ولا قسامة إلا بنسب أو ولاء ولا يقسم من القبيلة إلا من التقي معه في نسب ثابت ولا يقسم المولى الأسفل ولكن ترد الأيمان على المدعى عليه فيحلف خمسين يمينا فإن نكل سجن أبدا حتى يحلف أو يموت ا ه المراد منها فانظرها في الأصل وأيمان القسامة متفق عليها أيضا من حيث الجملة ا ه وسلمه ابن الشاط والله أعلم
الباب العاشر
في بيان ما تكون فيه الحجة الحادية عشر والخلاف في قبولها ودليله وفيه وصلان الوصل الأول في التبصرة القضاء بقول امرأتين بانفرادهما فيما لا يطلع عليه إلا النساء كالولادة والبكارة والثيوبة والحيض والحمل والسقط والاستهلال والرضاع وإرخاء الستور وعيوب الحرائر والإماء وفي كل ما تحت ثيابهن ووجه ذلك أنه لما كانت هذه الأمور مما لا يحضرها الرجال ولا يطلعون عليها أقيم فيها النساء مقام الرجال للضرورة قال وتجوز القسامة مع شهادة امرأتين على أحد الأقوال فيما تجوز معه القسامة قال وأما شهادتهن فيما يقع بينهن في المأتم والحمام من الجراح والقتل ففي ذلك خلاف والأصل الجواز للضرورة كالصبيان فيما يقع بينهم من ذلك قال ابن المناصف وكذلك إن لم يكونا عدلين لأنه موضع لا يحضره العدول ورأي اللخمي أن يقسم معهما في القتل ثم يقاد ويحلف في الجراح ثم يقتص قال وإن عدل منهن في ذلك اثنتان قيد في القتل بغير قسامة واقتص في الجراح بغير يمين فنحا بهن منحى الرجال والصحيح أن شهادة النساء بعضهن على بعض في المواضع التي لا يحضرها الرجال كما لحمام العرس والمآتم وما أشبه ذلك ولا تجوز فيما يقع بينهن من الجراح
225
225
لأنها طارئة على الحائط والكوى كعقد البناء توجب الملك وكوى الضوء المنفوذة لا دليل فيها قال ابن عبد الحكم إذا لم يكن لأحدهما عقد وللآخر عليه خشب ولو واحدة فهو له وإن لم يكن إلا كوى غير منفوذة أوجبت الملك وإن لم يكن الأخص القصب لأحدهما والقصب والطوب سواه قلت المدرك في هذه الفتاوى كلها شواهد العادات فمن ثبتت عنده عادة قضى بها وإن اختلفت العوائد في الأمصار والأعصار وجب اختلاف هذه الأحكام فإن القاعدة المجمع عليها أن كل حكم مبني على عادة إذا تغيرت العادة تغير كالنقود ومنافع الأعيان وغيرهما
المسألة الثانية
قال بعض العلماء إذا تنازعا حائطا مبيضا هل هو منعطف لدارك أو لداره فأمر الحاكم بكشف البياض لينظر إن جعلت الأجرة في الكشف عليه فمشكل لأن الحق قد يكون لخصمك والأجرة ينبغي أن تكون على من يقع له العمل ونفعه ولا يمكن أن تقع الإجارة على من يثبت له الملك لأنكما جزمتما بالملكية فما وقعت الإجارة إلا جازمة
وكذلك القائف لو امتنع إلا بأجر قال ويمكن أن يقال يلزم الحاكم كل واحد منهما باستجارة ويلزم الأجرة في الأخير لمن يثبت له ذلك الحق كما يحلف في اللعان وغيره وأحدهما كاذب
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
والقتل لأن الغالب عدم ضرورتهن إلى الاجتماع في ذلك وقيل تجوز لحاجتهن إلى ذلك قاله ابن رشد قال ولم يزل النساء يجمعهن في الأعراس والمآتم في زمنه صلى الله عليه وسلم وهلم جرا فإذا لم يقبل قول بعضهن على بعض ذهبت دماؤهن وفي الإملاء على الجلاب المقيد عن ابن زيد البرناسي قال وهذا إذا كان في العرس المباح الذي لا يختلط فيه الرجال مع النساء ولم يكن هناك منكر بين وكان دخولهن الحمام بالمئزر في هذه مسألة الخلاف
وأما إذا كن في الحمام بغير مئزر وفي الأعراس التي يمتزج فيه الرجال والنساء فلا يختلف في المذهب أن شهادة بعضهن لبعض لا تقبل وكذلك المأتم لا يحصل حضوره إذا كان فيه نوح وما أشبه ذلك مما حرمه الشارع لأن بحضورهن في هذه المواضع تسقط عدالتهن والله تعالى اشترط العدالة في الرجال والنساء بقوله تعالى ممن ترضون من الشهداء ا ه المراد فانظرها والله أعلم الوصل الثاني في الأصل وقع خلاف الأئمة لنا في قبول شهادة النساء وعدم قبولها في ثلاث مسائل المسألة الأولى خالفنا أبو حنيفة في قبول النساء منفردات في الرضاع ولنا أنه معنى لا يطلع عليه الرجال غالبا فتجوز منفردات كالولادة والاستهلال المسألة الثانية خالفنا الشافعي في قبول المرأتين فيما ينفردان فيه وقال لا بد من أربع وقال أبو حنيفة إن كانت الشهادة ما بين السرة والركبة قبلت فيه واحدة وقبل أحمد بن حنبل واحدة مطلقا فيما لا يطلع عليه الرجال وعندنا لا بد من اثنتين مطلقا ويكفيان لنا وجهان الأول أن كل جنس قبلت شهادته في شيء على الانفراد كفى منه اثنان ولا يكفي منه واحد كالرجل في سائر الحقوق الثاني أن شهادة الرجال أقوى وأكثر ولم يكف واحد فالنساء أولى
226
226
الحجة السابعة عشرة اليد وهي يرجح بها ويبقى المدعي به لصاحبها ولا يقضى له بملك بل يرجح التعدي فقط وترجح إحدى البينتين وغيرهما من الحجاج وهي للترجيح لا للقضاء بالملك فهذه هي الحجج التي يقضي بها الحاكم وما عداها لا يجوز القضاء به في القضاء
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وأما الوجوه التي احتجوا بها فأربعة
الأول
ما روى عقبة بن الحارث قال تزوجت أم يحيى بنت أبي إيهاب فأتت أم سورة فقالت أرضعتكما فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فأعرض عني ثم أتيته فقلت يا رسول الله إنها كاذبة قال كيف وقد علمت وزعمت ذلك متفق على صحته وجوابه أنه حجة لنا فإن أمره صلى الله عليه وسلم فيه بطريق الفتيا لا بطريق الحكم والإلزام لأمرين الأول أن معناه أن أخبار الواحد يفيد الظن والقاعدة أن من غلب على ظنه تحريم شيء بطريق من الطرق كان ذلك الطريق يفضي إلى الحكم أم لا فإن ذلك الشيء يحرم عليه فمن غلب على ظنه طلوع الفجر في رمضان حرم عليه الأكل أو أن الطعام نجس حرم عليه أكله ونحو ذلك الأمر الثاني أن المرأة الواحدة لو كفت في كمال الحجة لأمره بالتفريق من أول مرة كما لو شهد عدلان لأن التنفيذ عند كمال الحجة واجب على الفور لا سيما في استباحة الفروج فلا يدل ذلك على أن الواحدة كافية في الحكم بل على أن معناه ما علمت الوجه الثاني ما روي عن علي أنه قبل شهادة القابلة وحدها في الاستهلال وجوابه أنه معارض بأدلتنا المتقدمة فيحمل على الفتيا جمعا بين الأدلة الوجه الثالث ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في الرضاع شهادة امرأة واحدة تجزئ وجوابه أنه معارض كذلك بأدلتنا فيحمل على الفتيا إلخ الوجه الرابع القياس على الرواية وجوابه الفرق بينهما بأن الرواية تثبت حكما عاما في الأمصار والأعصار لا على معين فليست مظنة العداوة فلا يشترط فيها العدد فتقبل الواحدة في الرواية ولا تقبل في الشهادة اتفاقا
المسألة الثالثة قال مالك والشافعي وابن حنبل لا يقبل النساء في أحكام الأبدان وقال أبو حنيفة يقبل في أحكام الأبدان شاهد وامرأتان إلا في الجراح الموجبة للقود في النفوس والأطراف لنا وجوه الأول قوله تعالى في مسائل المداينات فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان فكان كل ما يتعلق بالمال مثله ومفهومه أنه لا يجوز في غيره فلا تجوز في أحكام الأبدان الثاني قوله تعالى في الطلاق والرجعة وأشهدوا ذوي عدل منكم الآية وهو حكم بدني فكانت الأحكام البدنية كلها كذلك إلا موضع لا يطلع عليه الرجال للضرورة في ذلك الثالث قوله عليه السلام لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل وهو حكم بدني فكانت الأحكام البدنية كلها كذلك وأما الوجوه التي احتجوا بها فثمانية الأول قوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم الآية فأقام المرأتين والرجل مقام الرجلين في ذلك مطلقا لا عند عدم الشاهدين فقط إذ لا يصح الحمل عليه لجوازهما مع وجود الشاهدين إجماعا فتعين أنهما يقومان مقامهما فيكونان مرادين لقوله صلى الله عليه وسلم وشاهدي عدل لوجود الاسم وجوابه أن معنى الآية أنهما يقومان مقام الرجل في الحكم بدليل الرفع في لفظ رجل وامرأتين وليس معناها ما ذكرتم وإلا لقال فرجلا وامرأتين بالنصب لأنه خبر كان ويكون التقدير فإن لم يكن الشاهدان رجلين يكونا رجلا وامرأتين فلما رفع على الابتداء كان تقديره فرجل وامرأتان يقومان مقام الشاهدين بحذف الخبر الوجه الثاني قوله تعالى فرجل وامرأتان أطلق وما خص موضعا فيعم
227
227
صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
جوابه أن آخر الآية مرتبط بأولها وأولها إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ثم قال تعالى وأشهدوا إذا تبايعتم على أنا لو سلمنا العموم خصصناه بالقياس على جراح القود بجامع عدم قبولهن منفردات ولأن الحدود أعلاها الزنا وأدناها السرقة ولم يقبل في أحدهما ما يقبل في الآخر فكذلك الأبدان أعلى من الأموال فلا يقبل فيها ما يقبل في الأموال ولأن القتل وحد القطع في السرقة وحد الخمر ليس ثبتا بالنص ولا بالقياس على الزنا لعدم اشتراط أربعة فيه ولا بالقياس على الأموال لأنها لا تثبت بالنساء فتعين قياسها على الطلاق والوجه الثالث أنها أمور لا تسقط بالشبهات فتقبل فيها النساء كالأموال وجوابه الفرق بينهما بأن أحكام الأبدان أعظم رتبة لأن الطلاق ونحوه لا يقبلن فيه منفردات فلا يقبلن فيه مطلقا كالقصاص ولأنا وجدنا النكاح آكد من الأموال لاشتراط الولاية فيه ولم يدخله الأجل والخيار والهبة والوجه الرابع أن النكاح والرجعة عقد منافع فيقبل فيهما النساء كالإجارات وجوابه أن المقصود من الإجارة المال والوجه الخامس أن الخيار والآجال ليست أموالا ويقبل فيهما النساء فكذلك بقية صور النزاع وجوابه أن المقصود منهما أيضا المال بدليل أن الأجل والخيار لا يثبتان إلا في موضع فيه المال والوجه السادس أن الطلاق رافع لعقد سابق فأشبه الإقالة وجوابه أن مقصود الطلاق غير المال ومقصود الإقالة المال على أن حل عقد لا يثبت بالنساء والنكول والوجه السابع أنه أي الطلاق يتعلق به تحريم كالرضاع والوجه الثامن أن العتق إزالة ملك كالبيع وجوابه أن الرضاع يثبت بالنساء منفردات بخلاف الطلاق والعتق وأيضا مآل العتق إلى غير ملك بخلاف البيع ا ه كلام الأصل وسلمه أبو القاسم بن الشاط والله أعلم الباب الحادي عشر في بيان ما تكون فيه الحجة الثانية عشرة وكونها دافعة أو جالبة ودليل قبولها وفيه وصلان الوصل الأول في تبصرة ابن فرحون القضاء بالتحالف من الجهتين فيقضي لكل واحد منهما بيمينه وينقسم المدعى فيه بينهما أو يفسخ عن كل واحد منهما ما لزمه بموجب العقد بيمينه والحكم بالفسخ بينهما يدخل في أبواب كثيرة منهما اختلاف المتبايعين واختلافهما يرجع إلى ثمانية عشر نوعا يقع التحالف في أحد عشر نوعا النوع الأول أن يختلفا في جنس الثمن فيقول أحدهما هذه دنانير ويقول الآخر ثوب فإنهما يتحالفان ويتفاسخان إذ ليس تصديق أحدهما بأولى من الآخر ويرد المبتاع قيمة السلعة عند الفوات نعم في مفيد الحكام القول قول مدعي البيع أو الشراء بالنقد مع يمينه وعلى الآخر البينة لأن الدراهم هي الأثمان وبها يقع البيع النوع الثاني أن يختلفا في نوع الثمن فيقول أحدهما هو قمح ويقول الآخر هو شعير فإنهما يتحالفان ويتفاسخا النوع الثالث أن يختلفا في مقدار الثمن فيقول أحدهما بعشرين ويقول الآخر بعشرة ولا خلاف أنهما يتحالفان ويتفاسخان ما لم يقبض المشتري السلعة إذ لا مزية لأحدهما على الآخر وإذا ترجحت دعوى المشتري بقبض السلعة ففيها أربع روايات أحدهما أن المشتري يصدق في الثمن مع يمينه لقوة اليد الثانية أنهما يتحالفان ويتفاسخان وأن قبضهما ما لم يبن بها ويصدق حينئذ بالبينونة والروايتان لابن وهب الثالثة أنهما يتحالفان ويتفاسخان وإن قبضها وبان بها ما لم تفت بتغير سوق أو بدن فيكون القول قول المشتري وهي رواية ابن القاسم في المدونة وبها أخذ الرابعة أنهما يتحالفان ويتفاسخان وإن فاتت في يد المشتري ويرد القيمة بدل العين وهي رواية أشهب وبها أخذ
وقال المازري وبهذه الرواية كان يفتي شيخنا وأنا أفتي به أيضا قال ابن رشد
228
228
صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وإنما يرد القيمة ما لم تكن أقل أو أكثر وحيث قلنا بالتحالف فالبداءة بالبائع وقيل بالمشتري وقيل يقرع بينهما فلو تناكلا فقال ابن القاسم يفسخ كما إذا تحالفا
وقال ابن حبيب يمضي العقد بما قال البائع وإذا فرعنا على قول ابن القاسم فهل لأحدهما أن يلزم صاحبه البيع بما ذكر قولان وإذ قلنا بقول ابن حبيب فهل يفتقر البائع إلى يمين أم لا قولان وهل ينفسخ البيع بتمام التحالف أو يفتقر إلى الحكم قولان الأول قول سحنون والثاني قول ابن القاسم وابن عبد الحكم وثمرة الخلاف إن رضي أحدهما بقول الآخر فعلى قول ابن القاسم له ذلك وعلى قول سحنون ليس له ذلك وقال بعض القرويين إن تحالفا بأمر القاضي فلا بد من الحكم وإلا انفسخ بتمام التحالف
النوع الرابع
إذا اختلفا في تعجيل الثمن وتأجيله فقال البائع بعت بنقد وقال المشتري بل بنسيئة القول قول من ادعى العرف مع يمين فإن لم يكن لتلك السلعة عرف فقال القاسم يتحالفان ويتفاسخان وقال ابن وهب إن كانت السلعة بيد البائع فهو مصدق مع يمين وإن قبضها المبتاع صدق مع يمين وإن ادعى ما يشبه وقيل إن ادعى المبتاع أجلا قريبا يتحالفان ويتفاسخان إن كانت السلعة قائمة ويكون القول قول المشتري مع الفوات وإن ادعى أجلا بعيدا فالقول قول البائع وإن اتفقا على الأجل واختلفا في قدره فالقول قول المبتاع مع الفوات ويتحالفان ويتفاسخان إن كانت السلعة قائمة وإن اتفقا على الأجل واختلفا في انقضائه فالأصل عدم الانقضاء فيكون القول قول مدعيه مع يمين النوع الخامس إذا اختلفا في الخيار والبت فقال ابن القاسم القول قول المدعي البت مع يمين وقال أشهب القول قول مدعي الخيار وقيل يجري فيه الخلاف الذي تقدم اختلافهما في مقدار الثمن فإن ادعى كل واحد منهما أنه اشترط الخيار لنفسه دون الآخر فاختلف هل يتحالفان ويتفاسخان أو يتحالفان ويثبت البيع قولان لابن القاسم النوع السادس اختلافهما في الرهن والحميل وذلك كاختلافهما في قدر الثمن لأن الثمن يزيد مع نقدهما فينقص مع وجودهما النوع السابع إذا اختلفا في عين المبيع فلا يخلو أن يختلفا في ذلك قبل القبض أو بعده فإن اختلفا فيه قبل القبض فقال البائع بعت منك هذا الثوب وقال المبتاع بل هذا تحالفا وتفاسخا وإن اختلفا فيه بعد القبض فالقول في ذلك قول البائع مع يمين وكذلك لو قال رددته عليك بعد التحالف والتفاسخ لأن الأصل أنه من ضمان المبتاع فلا يزال في ضمانه حتى يقر له البائع بالقبض أو تقوم له البينة النوع الثامن إذا اختلفا في قدر المثمون في بيع النقد وفيه الأقوال المتقدمة في اختلافهما في قدر الثمن ذكره المازري النوع التاسع إذا اختلفا في قدر المسلم فيه فحكى ابن يونس عن ابن المواز أنهما إذا اختلفا في القدر بالقرب من عقد السلم تحالفا وتفاسخا وإن اختلفا في ذلك عند حلول الأجل فالقول قول المسلم إليه مع يمينه إن أتى بما لا يشبه وإن أتى بما لا يشبه فالقول قول المسلم إليه فيما يشبه قال محمد فإن أتيا بما لا يشبه حملا على الوسط مما يشبه من سلم الناس النوع العاشر إذا اختلفا في الجودة فقال رب السلم سمراء وقال المسلم إليه محمولة فقال ابن حبيب القول قول المسلم إليه وقال فضل بن سلمة يتحالفان ويتفاسخان النوع الحادي عشر إذا اختلفا في موضع القضاء صدق مدعي موضع العقد فإن لم يدعه واحد منهما فالقول قول المسلم إليه فإن تباعد قولهما وأتيا بما لا يشبه تحالفا وتفاسخا وذلك إذا تباعدت المواضع جدا حتى لا يشبه قول واحد منهما
229
229
صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
ومما يجري فيه التحالف والتفاسخ اختلاف المتكاريين في الدور والأرضين والدواب في مقدار الأجرة أو في جنسها أو في مدة الإجارة فالحكم في ذلك كاختلاف المتبايعين في التحالف والتفاسخ ومن ذلك اختلاف رب الحائط وعامل المساقات في غلمان الحائط والدواب فقال العامل كانوا فيه وأنكر رب الحائط فإنهما يتحالفان ويتفاسخان وكذلك إذا اختلفا في جزء المساقاة قبل العمل تحالفا وتفاسخا ومن ذلك أيضا اختلاف الدائن والمدين الذي عليه دينان أحدهما برهن والآخر بغير رهن فقضى أحدهما في أن الذي قضاه أي واحد منهما فقال رب الدين هو الذي ليس فيه رهن وقال المطلوب هو الذي فيه الرهن تحالفا وقسم ذلك بين الحقين وهذا إذا ادعيا أنهما بينا ذلك عند دفع الحق وأما لو دفعه المطلوب ولم يذكر شيئا فلم يختلف أنه يقسم إذا كانا حالين أو مؤجلين لاستوائهما وإلا فالقول قول من ادعى أنه من الحال ومن ذلك أيضا اختلاف الزوجين في نوع الصداق وعدده قبل البناء من غير موت ولا طلاق فإنهما يتحالفان ويتفاسخان ووجب صداق المثل ومن ذلك ما إذا تنازعا دارا ليست في أيدهما قسمت بينهما بعد إيمانهم ا ه كلام ابن فرحون بتصرف
وقوله ليست في أيديهما أي بأن كانت في يد ثالث قال هي لا تعدوهما وقوله قسمت بينهما بعد إيمانهما أي في الصورة المذكورة بسبب إقرار الثالث لهما سواء كانت دعوى كل منهما مجردة عن البينات أو مع البينات المستوية وكذا إذا كانت بأيديهما كانت دعوى كل مجردة أو مع البينات المستوية ففي كل صورة من هذه الصور الأربع يقضي لكل بمجرد يمينه لوجود الترجيح باليمين وأما إذا كانت في يد ثالث لم يقل ما ذكر فإن أقر لهما على نسبة اتفقا عليها قسم بينهما بغير يمين وإن قال لا أعلم هي لهما أو لغيرهما فهو موضع نظر وتوقف كما في الأصل
وقاله ابن الشاط والله أعلم الوصل الثاني في الأصل قال الشافعي رضي الله عنه هذه الحجة أقل حجة في الشريعة بسبب أنا لم نجد مرجحا عند الاستواء إلا اليمين فقلنا بالترجيح به لقوله عليه السلام أمرت أن أقضي بالظاهر والله متولي السرائر وهذا قد صار ظاهرا باليمين فيقضى به لصاحبه قال الأصل ولأنها إن كانت في أيديهما أو أقر الثالث بأنها لا تعدوهما كان كل واحد منهما يده على النصف أو له النصف بإقرار الثالث فتدفع عنه بيمينه كما تدفع يمين سائر من ادعى عليه فتندرج هذه اليمين في قوله عليه السلام البينة على من ادعى واليمين على من أنكر
وقوله عليه السلام شاهداك أو يمينه لأن المراد في هذه الأحاديث اليمين الدافعة وهي هذه بعينها وليست هي الجالبة التي تقضي بالملك كما اعتقد كثير من الفقهاء ا ه كلام الأصل وسلمه ابن الشاط وقال ابن فرحون والأصل في جريان التحالف والتفاسخ من المتبايعين في الأنواع المذكورة حديث إذا اختلف المتبايعان تحالفا وتفاسخا ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم
الباب الثاني عشر في بيان حقيقة الإقرار وحكمه وأركانه في تبصرة ابن فرحون قال ابن رشد حقيقة الإقرار الإخبار عن أمر يتعلق به حق للغير وحكمه اللزوم وهو أبلغ من الشهادة قال أشهب قول كل أحد على نفسه أوجب من دعواه على غيره
ومن لم يجز إقراره على نفسه من صغير وشبهه لم يجز شهادته على غيره
230
230
صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وللأول أركان أربعة الصيغة والمقر والمقر له والمقر به فالركن الأول وهي الصيغة نوعان
الأول
لفظ يدل بلا خفاء على توجه الحق قبل المقر والنوع الثاني ما يقوم مقامه من الإشارة والكتابة والسكوت فأما الإشارة فمن الأبكم ومن المريض فإذا قيل للمريض لفلان عندك كذا فأشار برأسه أن نعم فهذا إقرار إذا فهم عنه مراده وأما الكتابة فهي مثل أن يكتب بمحضر قوم ويقول اشهدوا علي بما فيه فذلك لازم له وإن لم يقرأه عليهم أو يكتب أو على رسالة لرجل غائب بطلاق وغيره كذلك على كذا ويعترف أو تقوم البينة أنه كتبه أو أملاه فيلزمه كل ما فيه من طلاق وغيره خلا الحدود فله أن يرجع عن الحد نعم يؤخذ بغرم السرقة ولا يحد أو يكتب في الأرض لفلان علي كذا ويقول اشهدوا علي بهذا فيلزمه فإن لم يقل اشهدوا لم يلزمه في هذا ويلزمه مطلقا إذا كتب ذلك في صحيفة أو لوح أو خرقة إن شهد أنه خطه وأما السكوت فكالميت تباع تركته وتقسم وغريمه حاضر ساكت لم يقم فلا قيام له إلا أن يكون له عذر قال ابن القاسم وكمن أتى إلى قوم فقال اشهدوا أن لي كذا وكذا على هذا الرجل والرجل ساكت ولم يسأله الشهود عن شيء فلما طولب أنكر قال بل يلزمه سكوته
وأما من سئل عند موته هل لأحد عندك شيء فقال لا قيل له ولا لامرأتك فقال لا والمرأة ساكتة وهي تسمع فقال ابن القاسم إنها تحلف أن حقها عليه تريد إلى الآن وتأخذه إن قامت لها به بينة ولا يضرها سكوتها من المذهب لابن رشد وكذا من قال لرجل فلان الساكن في منزلك لم أسكنته فقال أسكنته بلا كراء والساكن يسمع ولا ينكر ولا يغير ثم ادعى أن المنزل له
قال ابن القاسم لا يقطع بسكوته دعواه إن أقام البينة أن المنزل له ويحلف لأنه يقول ظننته يداعبه فرعان الأول في أحكام ابن سهل قال مالك في الرجل يقر لقوم أن أباهم أسلفه مالا وأنه قد قضاه إياه أنه إن كان أمد ذلك قريبا والزمن غير متطاول لم يصدق إلا ببينة على القضاء وإن تطاول زمان ذلك حلف المقر وكان القول قوله ولم يحد الطول فانظره الفرع الثاني وثائق أبي إسحاق الغرناطي من أقر لرجل أنه لا حق له عليه برئ من الحقوق الواجبة من الضمانات والديون وإن أقر أنه لا حق له عنده أو قبله برئ من الضمانات والأمانات والركن الثاني وهو المقر له ثلاثة أحوال الحالة الأولى أن يقر على نفسه وهو رشيد طائع فإن أقر بمال أو بقصاص لزمه ولا ينفعه الرجوع وإن أقر بما يوجب عليه الحد كالزنا والسرقة فله الرجوع لكن يلزمه الصداق والمال فلو كان مكرها لم يلزمه ولو كان محجورا عليه فإن كان لحق نفسه كالمجنون والصغير لم يلزمه إلا أن يدعي الصغير أنه احتلم في وقت إمكانه إذ لا يعرف إلا من جهته
وإن كان لحق غير كالمفلس والعبد والمريض فأحكام إقرارهم مشهورة مبسوطة في كتب الفقه الحالة الثانية أن يقر على غيره فإن كان سببه منه كقتل الخطأ وجراح الخطأ التي فيها ثلث الدية فإقراره غير لازم أما ما فيها دون ثلثها فتلزمه في ما له وإن لم يكن سببه منه كإقراره في عبد زيد أنه لعمرو فلا يقبل إقراره الحالة الثالثة أن يقر على نفسه وغيره فيقبل في حق نفسه ويكون شاهدا لغيره فلو قال لفلان علي وعلى فلان ألف درهم فعليه النصف ويحلف
231
231
صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الطالب معه فإن نكل أو كان غير عدل فلا شيء للطالب غير النصف ولم يذكر الأصل إلا الحالة الأولى والثانية وقسم الأولى إلى ما يؤثر فيه الإقرار ويقضي فيه بالملك وما يؤثر ولا يقضي فيه بمجرد التسليم فقال من أقر لغيره بحق أو عين قضى عليه بإقراره كان المقر برا أو فاجرا فإن كان المقر به في الذمة كالدين أو عينا أقر بها من سلم أخذت منه وقضى في جميع ذلك بالملك للمقر له وإن كان المقر به عينا قضى على المقر بتسليمها للمقر له إن كانت في يد المقر ولا يقضى بالملك بل بإلزام التسليم لاحتمال أن تكون الثالث وإن كان المقر به بيد الغير لم يقض به لأنه إنما يؤثر الإقرار فيما في يد المقر وينتقل بيده يوما من الدهر فيقضى عليه حينئذ بموجب إقراره ا ه وسلمه ابن الشاط الركن الثالث وهو المقر له يشترط فيه شرطان أحدهما أن يكون أهلا للاستحقاق فلا يصح الإقرار للجماد والحيوان وثانيهما أن لا يكذب المقر وإلا فلا يصح الإقرار ولو رجع عن تكذيبه لم يفده رجوعه إلا أن يرجع المقر إلى الإقرار والركن الرابع وهو المقر به ضربان نسب ومال فالأول هو الاستلحاق ومسائله مشهورة والثاني مطلق ومقيد فالمطلق ما صدر غير مقترن بما يقيده أو يرفع حكمه أو حكم بعضه والمقيد عشرة أنواع لأنه إما أن يقيد بالمحل أو بالعلم أو بالغاية أو بالخيار أو بالشرط أو بالاستثناء أو بكونه على جهة الشكر أو الذم أو الاعتذار أو بتعقيبه بما يبطله فالمحل كقوله غصبت فلانا ثوبا في منديل فقال سحنون يؤخذ بالثوب والمنديل ويصدق في صفتهما وقال ابن عبد الحكم لا يلزمه المنديل والعلم كقوله له علي ألف درهم فيما أعلم أو فيما أظن أو فيما حسبت أو فيما رأيت فقال سحنون هو إقرار وقال ابن المواز وابن عبد الحكم إذا قال فيما أعلم أو في علمي أو فيما يحضرني فهو شك لا يلزم والغاية كقوله علي ما بين درهم إلى مائتي درهم فيلزمه مائة وتسعة وتسعون وكقوله على ما بين درهم إلى عشر فيلزمه تسعة
وقيل يلزمه عشرة أي بناء على دخول الغاية وكذلك قوله من درهم إلى ثلاثة فيلزمه ثلاثة والخيار كقوله له علي ألف درهم على أني بالخيار يومين أو ثلاثة فقيل يلزمه ويكون الخيار كالأجل وقيل الخيار باطل والشرط كقوله له علي مائة إن حلف أو إذا حلف أو متى حلف فقال المقر ما ظننت أنه يحلف لم يلزمه إقراره إجماعا والاستثناء لقوله له علي ألف إن شاء الله لزمه ولا ينفعه الاستثناء بالمشيئة وقال ابن عبد الحكم لا يلزمه لأنه أدخل ما يوجب الشك وكذا يلزمه إن قال إن قضى الله ذلك قال سحنون وقاله ابن المواز وابن عبد الحكم لا يلزمه ولو قال إلا أن يبدو لي أو إلا أن أرى غير ذلك لزمه
ولو قال له علي مائة إلا شيئا لزمه أحد وتسعون ومسائل هذا النوع مذكورة في محلها فلا نطيل بذكرها
والشكر مثل قوله اشهدوا أني قبضت من فلان مائة دينار كانت لي عليه وأحسن قضائي جزاه الله خيرا فقال الدافع إنما أسلفتها له فالذي قال أسلفتها له مصدق إلا أن يأتي الآخر ببينة أنه كان يتقاضاه في دينه قبل ذلك وقيل هو أي الآخر مصدق وإن كان إقراره بذلك في مجلس القاضي لم يصدق إلا ببينة وإن كان على وجه الحكاية لقوم صدق قال أصبغ عن ابن القاسم سمعت مالكا يقول في الإقرار بالسلف وقضائه على وجه الشكر والثناء لا يلزم المقر وهو مصدق فيما طال زمانه وإن كان فيما وقته قريب أخذ بإقراره
وقال مطرف وابن الماجشون كل من
232
232
صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
أقر بحق عند قوم في مساق حديث يحدثهم أو شكر شكر به أحدا فأثنى عليه به لما قدم من سلف أو غيره من الحقوق ثم ادعى المقر له ذلك وقال قد أسلفته كما ذكر ولم أقبض وقال الآخر قد قضيته وإنما ذكرت إحسانه إلي وأثنيت عليه به فلا يلزمه ذلك المقر به إذا كان على هذه الجهة ولا ينبغي للقوم أن يشهدوا بذلك فإن جهلوا وشهدوا بذلك على جهته وكان ساقه لم يجز للسلطان أن يأخذ به وهكذا سمعت مالكا يقول وجميع أصحابنا والذم كقوله كان لفلان علي دينار فأساء تقاضي ذلك لا جزاه الله خيرا وقد دفعته له فقال الآخر ما تقاضيت منك شيئا فإن المقر يغرم الدينار قاله ابن القاسم وليس هذا عندي كالمقر على الشكر
وقال ابن الماجشون فيمن قال لقوم أسلفني فلان مائة دينار وقضيته إياها أنه مصدق ولو قالها عند سلطان لم يصدق إلا ببينة قال ابن حبيب إن ما كان من أمر جره الحديث والإخبار عن حال الشكر والذم فلا يأخذ به أحد بخلاف الإقرار في موضع القضاء والاعتذار مثل أن يقول للسلطان في الجارية ولدت مني أو العبد مدبر لئلا يأخذهما منه فلا يلزمه ذلك كذلك لو سأله ابن عمه منزلا فقال هو لزوجتي ثم سأله فيه ثان وثالث من بني عمه وهو يقول ذلك فقامت امرأته بذلك فقال إنما قلته اعتذار قال مالك لا شيء لها
وقد روى ابن القاسم فيمن سئل أن يكري منزله فقال وهو لابنتي حتى أشاورها ثم مات فقامت الابنة فيه قال لا ينفعها ذلك إلا أن تكون حازت ذلك ولها على الصدقة والحيازة بينة قيل له ولو كانت صغيرة قال ليس لها شيء قد يتعذر بهذا يريد منعه وفي وثائق الغرناطي ومن سئل عن شيء فقال هو لفلان لم يلزمه هذا الإقرار بخلاف ما إذا قال وهبته أو بعته من فلان فإنه يلزمه والرافع مثل أن يقر بشيء ثم يعقبه بما يبطله ويرفع حكمه فإنه يبطل إلا أن يخالفه المقر له مثل أن يقول له عندي ألف من ثمن خمر أو خنزير قال ابن شاس لا يلزمه شيء إلا أن يقول المقر له بل هي ثمن بر فيلزم يمين الطالب ا ه كلام ابن فرحون بتصرف وزيادة من الأصل
الباب الثالث عشر
في بيان ما تكون فيه شهادة الصبيان والخلاف في قبولها ودليله وفيه وصلان
الوصل الأول في تبصرة ابن فرحون وفي قبول شهادة الصبيان في الجراح والقتل ثلاثة أقوال الجواز لمالك والمنع لابن عبد الحكم والجواز في الجراح دون القتل قاله أشهب وعلى الجواز فإنما تجوز بأحد عشر شرطا الأول أن يكون ممن يعقل الشهادة الثاني أن يكونا حرين قال مالك لا تجوز شهادة الصبيان المماليك بعضهم على بعض لأنهم ليسوا من جنس من يشهد
الثالث أن يكونا ذكرين نعم قد روي عن مالك رضي الله تعالى عنه جواز قبول شهادة إناث الأحرار اعتبارا بالبالغات في كونها لوثا في القسامة على إحدى الروايتين الرابع أن يكون محكوما لهما بالإسلام لأن الكافر لا يقبل في قتال ولا في جراح لأن الضرورة إنما دعت لإجماع الصبيان لأجل الكفار نعم قيل تقبل في الجراح لأنها شهادة ضعيفة فاقتصر فيها على أضعف الأمرين الخامس أن يكون ذلك فيما بين الصبيان لا لكبير على صغير ولا صغير على كبير السادس أن يكون اثنين فصاعدا لأنهم لا يكون حالهم أتم من الكبار السابع أن تكون الشهادة قبل تفرقهم لئلا يلقن الكذب الثامن أن تكون الشهادة متفقة غير مختلفة التاسع أن تكون الشهادة في قتل أو جرح على الخلاف المتقدم لا في الأموال العاشر أن لا يحضر ذلك أحد من الكبار فمتى حضر كبار فشهدوا سقط اعتبار شهادة الصبيان كان الكبار رجالا أو نساء لأن شهادة النساء تجوز
233
233
صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
في الخطأ وعمد الصبي كالخطأ الحادي عشر قال القرافي رأيت بعض المعتبرين من المالكية يقول لا بد من حضور الجسد المشهود بقتله وإلا فلا تسمع الشهادة ونقل عن ابن عطاء الله مؤلف البيان والقريب عن جماعة من الأصحاب أنه لا بد من شهادة العدول على رؤية الجسد المقتول ولا يلتفت إلى رجوعه عن شهادته بل ولو بلغوا وشكوا أخذ بقولهم الأول نعم إن قالوا لم تكن على وجهها ولم تكن قضى بها لم يقض بها ولا يعتبر في الصبيان العدالة والجرح واختلف في اعتبار القرابة والعدالة قال ابن القاسم لا تجوز شهادة القريب لقريبه قال محمد وعلى مذهبه فلا تجوز شهادة القريب العدو وأجازها عبد الملك وعلى مذهبه فيجوز مع القرابة مسألتان الأولى ستة صبية في البحر غرق واحد منهم فشهد ثلاثة على اثنين واثنان على ثلاثة أنهم غرقوه قال مالك رضي الله تعالى عنه العقل عليهم كلهم لأن كل واحد يدرأ عن نفسه وليس البعض أولى من البعض فلزمت الدية عواقلهم
المسألة الثانية إذا تعارض بينتان من الصبيان في شجة هل شجها فلان أو فلان سقطتا لأن كل فريق ينفي ما يثبته الآخر وأرش الشجة على جماعة الصبيان ا ه بتصرف وزيادة من الأصل الوصل الثاني في التبصرة وفي الأصل ما حاصله أن المنع من شهادة الصبيان هو الأصل وإليه ذهب الشافعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل وجماعة من العلماء وابن عباس من الصحابة والجواز لعلة الاضطرار إذ لو أهملوا الأذى ذلك إلى ضرر كبير وهدر جنايات تعظم ودليله وجهان الأول قوله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة واجتماع الصبيان للتدريب على الحرب من أعظم الاستعداد ليكونوا كبارا أهلا لذلك ويحتاجون في ذلك لحمل السلاح حيث لا يكون معهم كبير وهدر دمائهم لا يجوز فتدعو الضرورة لقبول شهادتهم على الشروط المتقدمة والغالب مع تلك الشروط الصدق وندرة الكذب فتقدم المصلحة الغالبة على المفسدة النادرة لأنه دأب صاحب الشرع كما جوز الشرع شهادة النساء منفردات في الموضع الذي لا يطلع عليه الرجال ضرورة الوجه الثاني إنه قول جماعة من الصحابة منهم عمر بن الخطاب وعلي وعبد الله بن الزبير وعروة وربيعة ومعاوية رضي الله تعالى عنهم وأما الوجوه التي احتج بها على المنع فثمانية الأول قوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم وهو يمنع شهادة غير البالغ والثاني قوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم والصبي ليس بعدل الثالث قوله تعالى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا وهو نهي ولا يتناول النهي الصبي فدل على أنه ليس من الشهداء والجواب عن الثلاثة أن هذه الظواهر عامة ودليلنا خاص فيقدم عليها على أن الأمر بالاستشهاد في الآية الأولى والثانية إنما يكون في المواضع التي يمكن إنشاء الشهادة فيها اختيارا لأن من شرط النهي الإمكان وهذا موضع ضرورة تقع فيه الشهادة بغتة فلا يتناول الأمر فيكون مسكوتا عنه على أن نمنع عدم اندراج الصبيان مع الرجال في الآية الأولى لاندراجهم معهم في قوله تعالى وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين والوجه الرابع أنه لا يعتبر إقراره فلا تعتبر شهادته والوجه الخامس أن الإقرار أوسع من الشهادة لقبوله من البر والفاجر فإذا كان لا يقبل فلا تقبل الشهادة والجواب عنهما أن إقرار الصبي إن كان في المال فنحن نسويه بالشهادة فإنهما لا يقبلان في المال أو في الدماء إن كانت عمدا أو عمد الصبي خطأ فيئول إلى الدية فيكون إقرارا على
234
234
صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
غيره فلا يقبل كالبالغ
والوجه السادس القياس على غير الجراح وجوابه الفرق بتعظيم حرمة الدماء بدليل قبول القسامة ولا يقسم على درهم والوجه السابع أنها لو قبلت لقبلت إذا افترقوا كالكبار وليس كذلك وجوابه أن الافتراق يحتمل التعليم والتغيير والصغير إذا خلي وسجيته لا يكاد يكذب والرجال لهم وازع شرعي إذا افترقوا بخلاف الصبيان والوجه الثامن أنها لو قبلت لقبلت في تخريق ثيابهم في الخلوات أو لجازت شهادة النساء بعضهن على بعض في الجراح وجوابه الفرق بتعظيم حرمة الدماء وبأن اجتماعهم ليس لتخريق ثيابهم بخلاف الضرب والجراح وأما النساء فلا يجتمعن للقتال ولا هو مطلوب منهن ا ه كلام ابن فرحون والأصل الذي سلمه ابن الشاط والله سبحانه وتعالى أعلم الباب الرابع عشر في بيان ما تكون فيه حجة القافة والخلاف في قبولها ودليله وفيه وصلان الوصل الأول في الأصل القافة حجة شرعية عندنا في القضاء بثبوت الأنساب ووافقنا الشافعي وأحمد بن حنبل قال ابن القصار وإنما يجيزه مالك في ولد الأمة يطؤها رجلان في طهر واحد وتأتي بولد يشبه أن يكون منهما والمشهور عدم قبوله في ولد الزوجة وعنه قبوله وأجازه الشافعي فيهما ا ه
وفي التبصرة ولا تعتمد القافة إلا على أب موجود بالحياة قال بعضهم أو مات ولم يدفن قيل وتعتمد على العصبة قال ولا يحكم بقول القائف إلا في أولاد الإماء من وطء سيدين في طهر واحد دون أولاد الحرائر على المشهور وقيل يقبل في أولاد الحرائر قاله ابن وهب واختاره اللخمي قال ابن يونس وهو أقيس والفرق على المشهور بين الحرائر والإماء ما ذكره الشيخ أبو عمران قال إنما خصت القافة بالإماء لأن الأمة قد تكون بين جماعة فيطئونها في طهر واحد فقال تساووا في الملك والوطء وليس أحدهما بأقوى من الأخرى فراشا فالفراشان مستويان وكذلك الأمة إذا ابتاعها رجل وقد وطئها البائع ووطئها المبتاع في ذلك الطهر لأنهما استويا في الملك وأما الحرة فإنها لا تكون زوجا لرجلين في حالة واحدة فلا يصح فيها فراشان مستويان وأيضا فولد الحرة لا ينتفي إلا باللعان وولد الأمة ينتفي بغير اللعان والنفي بالقافة إنما هو ضرب من اجتهاد فلا ينقل ولد الحرة من يقين إلى الاجتهاد ولما جاز نفي ولد الأمة بمجرد الدعوى جاز نفيه بالقافة ا ه بلفظه والله أعلم الوصل الثاني خالفنا أبو حنيفة في قبول القافة في القضاء بثبوت الأنساب فقال الحكم بالقافة باطل قال الأصل لنا خمسة وجوه الأول ما في الصحيحين قالت عائشة رضي الله عنها دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم تبرق أسارير وجهه فقال ألم تري إلى مجزز المدلجي نظر إلى أسامة وزيد عليهما قطيفة قد غطيا رءوسهما وبدت أقدامهما فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض وسبب ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان تبنى زيد بن حارثة وكان أبيض وابنه أسامة أسود فكان المشركون يطعنون في نسبه فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكانته منه فلما قال مجزز ذلك سر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدل من وجهين أحدهما أنه لو كان الحدس باطلا شرعا لما سر به رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه عليه السلام لا يسر بالباطل وثانيهما أن إقراره عليه السلام على الشيء من جملة الأدلة على المشروعية وقد أقر مجززا على ذلك فيكون حقا مشروعا لا يقال النزاع إنما هو إلحاق الولد وهذا كان
235
235
صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
ملحقا بأبيه في الفراش فلم يتعين محل النزاع لأنا نقول مرادنا هاهنا أن الشبه الخاص معتبر وليس مرادنا أن النسب ثبت بمجزز ولا يقال أيضا أن سروره عليه السلام لتكذيب المنافقين لأنهم كانوا يعتقدون صحة القيافة وتكذيب المنافقين حاصل بأي سبب كان بقوله عليه السلام إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر فقد يفضي الباطل للخير والمصلحة وعدم إنكاره صلى الله عليه وسلم هذا الباطل وهو لا يقره لأن مجززا لم يتعين أنه أخبر بذلك لأجل القيافة فلعله أخبر به بناء على القرائن إذ يحتمل أن يكون رآهما قبل ذلك لأنا نقول كيف يستقيم السرور مع بطلان مستند التكذيب كما لو أخبر عن كذبهم رجل كاذب وإنما يثبت كذبهم إذا كان المستند حقا فيكون الشبه حقا وهو المطلوب فاندفع بهذا قولكم أن الباطل قد يأتي بالخير والمصلحة فإنه على هذا التقرير ما أتى بشيء وقولكم أخبر به لرؤية سابقة لأجل القرائن يقتضي أمرين الأول نفي فائدة اختصاص السرور بقوله لأن الناس كلهم يشركونه في ذلك حينئذ الثاني نفي فائدة ذكر الأقدام إذ أنه حكم بشيء غير الذي كان طعن المشركين ثابتا معه لما كان لكل من اختصاص السرور وبقوله وذكر الأقدام فائدة
والوجه الثاني قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث العجلاني إن جاءت به على نعت كذا وكذا فأراه قد كذب عليها وإن أتت به على نعت كذا وكذا فهو لشريك فلما أتت به على النعت المكروه قال عليه السلام لولا الأيمان لكان لي ولها شأن فصرح عليه السلام بأن وجود صفات أحدهما أي الوالد في الآخر أي الولد يدل على أنهما من نسب واحد ومجيء الوحي بأن الولد ليس يشبهه مؤسس لما يقوله والحكم بالشبه أولى من الحكم بكونه في الفراش لأن الفراش يدل عليه من ظاهر الحال والشبه يدل على الحقيقة وكونه عليه السلام لم يعط علم القيافة ممنوع لأنه عليه السلام أعطي علم الأولين والآخرين سلمنا لكن عن ضابط القائفين أن الشبه متى كان كذا فهم يحكمون بكذا لا أنه ادعى علم القيافة بل كما يقول يقول الإنسان الأطباء يداوون المحموم بكذا وإن لم يكن طبيبا وإنما لم يحكم بالولد لشريك لأنه زان والولد إنما يحكم به في وطء البائع والمشتري الأمة في طهر واحد لأن كلا وطء شبهة وأما عدم الحد فلأن المرأة قد تكون من جهتها شبهة أو تكون مكرهة أو لأن اللعان يسقط الحد لقوله تعالى يدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله الآية أو لأنه عليه السلام لا يحكم بعلمه فاندفع ما أوردوه من أن مما يدل على عدم اعتبار الشبهة في حديث المدلجي أو لأن أخباره عليه كان من جهة الوحي لا من جهة القيافة لأنها ليست في بني هاشم وإنما هي في بني مدلج ولم يقل أحد أنه عليه السلام كان قائلها وثانيا أنه عليه السلام لم يحكم به لشريك وأنتم توجبون الحكم بما أشبه وثالثا أن المرأة لم تحد وبالجملة فحديث المدلجي يدل دلالة قوية على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استدل بالشبه على النسب ولو كان بالوحي لم يحصل فيه ترديد في ظاهر الحال بل كان يقول هي تأتي به على نعت كذا وهو لفلان فإن الله تعالى بكل شيء عليم فلا حاجة إلى الترديد الذي لا يحسن إلا في مواطن الشك وإنما يحسن هذا بالوحي إذا كان لتأسيس قاعدة القيافة وبسط صورها بالأشباه وذلك مطلوبنا فالحديث يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سر إلا بسبب حق وهو المطلوب ويؤيده أيضا قوله عليه الصلاة والسلام لعائشة في الحديث تربت يداك ومن أين يكون الشبه فأخبر أن المني يوجب الشبه فيكون دليل النسب والوجه الثالث أن رجلين تداعيا ولدا فاختصما
236
236
صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
لعمر فاستدعى له القافة فألحقوه بهما فعلاهما بالدرة واستدعى حرائر من قريش فقلن خلق من ماء الأول وحاضت على الحمل فاستحشف الحمل فلما وطئها الثاني انتعش بمائه فأخذ شبها منهما فقال عمر الله أكبر وألحق الولد بالأول والوجه الرابع أن الشبه علم عند القافة من باب الاجتهاد فيعتمد عليه كالتقويم في المتلفات ونفقات الزوجات وخرص الثمار في الزكوات وتحرير جهة الكعبة في الصلوات والمثل في جزاء الصيد من النعم وكل ذلك تخمين وتقريب والوجه الخامس أنه إذا لم يعتبر الشبه لم يكن إلا إلحاق الولد بجميع المتنازعين كما لأبي حنيفة ولم يجعل الله للولد آباء بل أبا واحدا في قوله تعالى إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وقوله تعالى وورثه أبواه
وأما الوجوه الثمانية التي عارض بها أبو حنيفة حديث العجلاني فالأول ما في الصحاح أن رجلا حضر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وادعى أن امرأته ولدت ولدا أسود فقال له عليه السلام في إبلك من أورق فقال له نعم قال له ما ألوانها قال سود فقال ما السبب فقال الرجل لعل عرقا نزع فلم يعتبر الشبه وجوابه أن تلك الصورة ليست صورة النزاع لأنه كان صاحب فراش وإنما سأله عن اختلاف اللون فعرفه عليه السلام السبب ونحو لا نقول القيافة هي اعتبار الشبه كيف كان والمناسبة كيف كانت بل نقول هي شبه خاص ولذلك ألحق مجزز أسامة بن زيد مع سواده بأبيه الشديد البياض ولم يعرج على اختلاف الألوان إذ لا معارضة بينها وبين غيرها وهذا الرجل لم يذكر مجرد اللون فليس فيه شرط القيافة حتى يدل إلغاؤه على إلغاء القافة والوجه الثاني قوله عليه السلام الولد للفراش ولم يفرق وجوابه أنه محمول على الغالب والعادة والوجه الثالث إن خلق الولد مغيب عنا فجاز أن يخلق من رجلين وقد نص عليه بقراط في كتاب سماه الحمل على الحمل وجوابه أنه خلاف العوائد وظواهر النصوص المتقدمة تأباه والشرع إنما يعني أحكامه على الغالب وبقراط تكلم على النادر فلا تعارض والوجه الرابع أن الشبه لو كان معتبرا مع أنه قد وقع من الولد وجماعة لوجب إلحاقه بهم بسبب الشبه ولم يقولوا به وجوابه أن الحكم ليس مضافا لما يشاهد من شبه الإنسان لجميع الناس وإنما يضاف لشبه خاص يعرفه أهل القيافة والوجه الخامس أن الشبه لو كان معتبرا لبطلت مشروعية اللعان واكتفى به وجوبه أن القيافة إنما تكون حيث يستوي الفراشان واللعان يكون لما يشاهده الزوج فهما بابان متباينان لا يسد أحدهما مسد الآخر والوجه السادس أنه لا حكم له مع الفراش فلا يكون معتبرا مع عدمه كغيره وجوابه الفرق بأن وجود الفراش وحده سالما عن المعارض يقتضي استقلاله بخلاف تعارض الفراشين
الوجه السابع أن القيافة لو كانت علما لأمكن اكتسابه كسائر العلوم والصنائع وجوابه أن قوة في النفس وقوى النفس خواصها لا يمكن اكتسابها كالعين التي يصاب بها فتدخل الجمل القدر والرجل القبر وغير ذلك مما دل الوجود عليه من الخواص فالقيافة كذلك فيتعذر اكتسابها والوجه الثامن أنه حزر وتخمين فوجب أن يكون باطلا كأحكام النجوم وجوابه أنه لو ثبتت أحكام النجوم كما ثبتت القيافة وأن الله تعالى ربط بها أحكاما لاعتبرت في تلك الأحوال المرتبطة بها كما اعتبرت الشمس في الفصول ونضج الثمار وتجفيف الحبوب والكسوفات
237
237
صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وأوقات الصلوات وغير ذلك مما هو معتبر من أحكام النجوم وإنما ألغي منها ما هو كذب وافتراء على الله تعالى من ربط الشقاوة والسعادة والإماتة والإحياء بتثليثها أو تربيعها أو غير ذلك مما لم يصح فيها ولو صح لقلنا به والقيافة صحت بما تقدم من الأحاديث والآثار فافترقا ا ه كلام الأصل بتهذيب وسلمه أبو القاسم بن الشاط والله أعلم
الباب الخامس عشر
في بيان ما تكون فيه حجة القمط وشواهد الحيطان والخلاف في قبولها ودليله وفيه وصلان الوصل الأول هذه الحجة من أنواع الأمارات والعلامات التي يحتج بها من العلماء من يرى الحكم بها فيما لا تحضره البينات كما سيأتي عن ابن العربي قال ابن العربي وعلى الناظر أن يلحظ الأمارات والعلامات إذا تعارضت فما ترجح منها قضي بجانب الترجيح وهو قوة التهمة ولا خلاف في الحكم بها وقد جاء بها في مسائل اتفقت عليها الطوائف الأربعة وبعضها قال بها المالكية خاصة وقد ذكر ابن فرحون في فصل بيان عمل فقهاء الطوائف الأربعة بالحكم بالقرائن والأمارات من تبصرته خمسين مسألة منها أن الفقهاء كلهم يقولون بجواز وطء الرجل والمرأة إذا أهديت إليه ليلة الزفاف وإن لم يشهد عنده عدلان من الرجال أن هذه فلانة بنت فلان التي عقدت عليها وإن لم يستنطق النساء أن هذه امرأته اعتمادا على القرينة الظاهرة المنزلة منزلة الشهادة ومنها أن الناس قديما وحديثا لم يزالوا يعتمدون على الصبيان والإماء المرسل معهم الهدايا وأنه مرسلة إليهم فيقبلون أقوالهم ويأكلون الطعام المرسل به ونقل القرافي أن خبر الكافر في ذلك كاف وقال ومنها قولهم في الركاز إذا كان عليه علامة المسلمين سمي كنزا وهو كاللقطة
وإن كان عليه شكل الصليب أو الصور أو اسم ملك من ملوك الروم فهو ركاز فهذا عمل بالعلامات قال ومنها جواز دفع اللقطة لواصف عفاصها ووكائها اعتمادا على مجرد القرينة قال ابن الغرس واختلف أصحابنا في الوديعة والسرقة وشبهها إذا جهل صاحبها هل تقبل في ذلك الصفة كاللقطة أم لا ومنها إذا تنازعا جدارا حكم به لصاحب الوجه ومعاقد القمط والطاقات والجذوع وذلك حكم بالأمارات ا ه المراد فانظر التبصرة
وفي الأصل قال ابن أبي زيد في النوادر قال أشهب إذا تداعيا جدارا متصلا ببناء أحدهما وعليه جذوع للآخر فهو لمن اتصل ببنيانه ولصاحب الجذوع موضع جذوعه لأنه حوزه ويقضى بالجدار لمن إليه عقود الأربطة وللآخر موضع جذوعه وإن كان لأحدهما عليه عشر خشبات وللآخر خمس خشبات ولا ربط لا غير ذلك فهو بينهما نصفان لا على عدد الخشب وبقيت خشباتهما بحالها وإذا انكسرت خشب أحدهما رد مثل ما كان ولا يجعل لكل واحد ما تحت خشبه منه أي من الجدار ولو كان عقده لأحدهما من ثلاثة مواضع وللآخر من موضع قسم بينهما على عدد العقود وإن لم يعقد لواحد ولأحدهما عليه خشب معقودة بعقد البناء متقوية فعقد البناء يوجب ملك الحائط في العادة إنما يكون للمالك وقيل لا يوجبه وقال في المتقوية نظر لأنها طارئة على الحائط والكوة كعقد البناء توجب الملك وكوى الضوء المنفوذة لا دليل فيها قال ابن عبد الحكم إذا لم يكن لأحدهما عقد وللآخر عليه خشب ولو واحدة فهو له وإن لم يكن إلا كوى غير منفوذة أوجبت الملك وإن لم يكن الأخص القصب لأحدهما والقصب والطوب سواء ا ه
قال الأصل المدرك في هذه الفتاوى كلها شواهد العادات فمن ثبتت عنده عادة قضى بها وإن اختلفت العوائد في الأمصار والأعصار وجب اختلاف هذه الأحكام فإن القاعدة
238
238
صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
المجمع عليها أن كل حكم مبني على عادة إذا تغيرت العادة تغير كالنقود ومنافع الأعيان وغيرها
مسألة
قال بعض العلماء إذا تنازعا حائطا مبيضا هل هو متعلق لدارك أو لداره فأمر الحاكم بكشف البياض لينظر إن جعلت الأجرة في الكشف عليه فمشكل لأن الحق قد يكون لخصمك والأجرة ينبغي أن تكون على من يقع له العمل وينفعه ولا يمكن أن تقع الإجارة على من يثبت له ملك لأنكما جزمتما بالملكية فما وقعت الإجارة إلا جازمة وكذلك القائف لو امتنع إلا بأجر قال ويمكن أن يقال يلزم الحاكم كل واحدة منهما باستجارة ويلزم الأجرة في الأخير لمن يثبت له ذلك الحق كما يحلف في اللعان وغيره وأحدهما كاذب ا ه
كلام الأصل وسلمه ابن الشاط والله أعلم الوصل الثاني في الأصل قال بالقمط وشواهد الحيطان مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وجماعة من العلماء ا ه
وفي التبصرة ودليل القضاء بما يظهر من قرائن الأحوال والأمارات من الكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى تعرفهم بسيماهم فدل على أن السيماء المراد بها حال يظهر على الشخص حتى إذا رأيناه ميتا في دار الإسلام وعليه زنار وهو غير مختون لا يدفن في مقابر المسلمين ويقدم ذلك على حكم الدار في قول أكثر العلماء وقد اختلف في المذهب إن وجد هذا المذكور مخنونا ففي كتاب ابن حبيب أنه لا يصلى عليه لأن النصارى يختتنون
وقال ابن وهب يصلى عليه وقوله تعالى وجاءوا على قميصه بدم كذب الآية وقال عبد المنعم بن الغرس روي أن إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام لما أتوا بقميص يوسف إلى أبيهم يعقوب تأمله فلم ير فيه خرقا ولا أثر ناب فاستدل بذلك على كذبهم وقال لهم متى كان الذئب حليما يأكل يوسف ولا يخرق قميصه قال القرطبي في تفسير القرآن العظيم قال علماؤنا لما أرادوا أن يجعلوا الدم علامة صدقهم قرن الله بهذه العلامة تعارضها وهي سلامة القميص من التمزيق إذ لا يمكن افتراس الذئب ليوسف وهو لابس القميص ويسلم القميص
وأجمعوا على أن يعقوب عليه الصلاة والسلام استدل على كذبهم بصحة القميص فاستدل الفقهاء بهذه الآية على إعمال الأمارات في مسائل كثيرة من الفقه وقوله تعالى وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين فلما رأى قميصه قد من دبر إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم
قال ابن الغرس هذه الآية يحتج بها من العلماء من يرى الحكم بالأمارات والعلامات فيما لا يحضره البينات
وكون تلك الشريعة لا تلزمنا لا يسلم لأن كل ما أنزله الله علينا فإنما أنزله لفائدة فيه ومنفعة لنا قال الله تعالى أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده فآية يوسف صلوات الله وسلامه عليه مقتدى بها معمول عليها
وأما ما ورد في السنة النبوية فمواضع منها أنه صلى الله عليه وسلم حكم بموجب اللوث في القسامة وجوز للمدعين أن يحلفوا خمسين يمينا ويستحقوا دم القتيل في حديث حويصة ومحيصة والحديث فيه ذكر العداوة بينهم وأنه قتل في بلدهم وليس فيها غير اليهود أو أنه قد قام من القرائن ما دل على أن اليهود قتلوه ولكن جهلوا عين القاتل ومثل هذا لا يبعد إثباته لوثا فلذلك جرى حكم القسامة فيه ومنها ما ورد في الحديث الصحيح في قصة الأسرى من قريظة لما حكم فيهم سعد أن تقتل المقاتلة وتسبى الذرية فكان بعضهم عدم البلوغ فكان الصحابة يكشفون عن مؤتزرهم فيعلمون بذلك البالغ من غيره

239
239
صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وذلك من الحكم بالأمارات ومنها أنه صلى الله عليه وسلم أمر الملتقط أن يدفع اللقطة إلى واصفها وجعل وصفه لعفاصها ووكائها قائما مقام البينة ومنها حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه من بعده بالقافة وجعلها دليلا على ثبوت النسب
وليس فيها إلا مجرد الأمارات والعلامات ومنها أن ابنا عفراء تداعيا قتل أبي جهل يوم بدر فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم هل مسحتما سيفيكما قالا لا فقال صلى الله عليه وسلم أرياني سيفيكما فلما نظر فيهما قال لأحدهما هذا قتله وقضى له بسلبه ومنها أنه صلى الله عليه وسلم أمر الزبير بعقوبة الذي اتهمه بإخفاء كنز ابن أبي الحقيق فلما ادعى أن النفقة والحروب أذهبته قال صلى الله عليه وسلم العهد قريب والمال أكثر ومنها أنه صلى الله عليه وسلم فعل بالعرنيين ما فعل بناء على شاهد الحال ولم يطلب بينة بما فعلوا ولا وقف الأمر على إقرارهم ومنه حكم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه والصحابة معه متوفرون برجم المرأة إذا ظهر بها حمل ولا زوج لها وقال بذلك مالك وأحمد بن حنبل اعتمادا على القرينة الظاهرة ومنها ما رواه ابن ماجه وغيره عن جابر بن عبد الله قال أردت السفر إلى خيبر فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جئت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا فإذا طلب منك آية فضع يدك على ترقوته فأقام العلامة مقام الشهادة ومنها قوله صلى الله عليه وسلم الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها فجعل صماتها قرينة على الرضا وتجوز الشهادة عليها بأنها رضيت
وهذا من أقوى الأدلة على الحكم بالقرائن ومنها حكم عمر بن الخطاب وابن مسعود وعثمان رضي الله تعالى عنهم ولا يعلم لهم مخالف بوجوب الحد على من وجد من فيه رائحة الخمر أو قاءها اعتمادا على القرينة الظاهرة وهو مذهب مالك رضي الله تعالى عنه ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم
الباب السادس عشر
في بيان الحجة السابعة عشرة التي هي اليد قال الأصل وليس هي للقضاء بالملك بل للترجيح فيرجح بها إما أحد الدعوتين المتساويتين مثل أن يدعي كل واحد جميع المدعى به وهو بيد أحدهما ولا بينة لواحد منهما فيبقى المدعى به لصاحب اليد منهما ولا يقضي له بملك بل يرجح التعدي فقط وأما إحدى البينتين وغيرهما من الحجاج كما إذا كان في يد أحدهما وأقام كل واحد منها بينة وتساويتا في العدالة رجح جانب الذي بيده ذلك لكونه حائزا فيحكم له به مع اليمين وهذا معنى قولهم تقدم بينة الداخل على بينة الخارج عند التكافؤ هذا هو المشهور وقال عبد الملك لا ينتفع الحائر ببينته ولا ببينة المدعي أولى لقوله صلى الله عليه وسلم البينة على المدعي فإن نكل الحائز حلف المدعي وحكم له به فإن نكل أقر على يد من هو في يده
وعلى المشهور فإن كانت بينة الخارج أرجح قدمت لأن اليد لا اعتبار لها مع الحجة الضعيفة ثم هل يحلف الخارج لأجل اقتران اليد بالبينة قولان قال القاضي عبد الوهاب وسواء كانت الدعوى في ملك مطلق غير مضاف إلى سبب أو في ملك غير مطلق وهو المضاف إلى سبب يتكرر أو لا يتكرر فالمطلق أن يقيم بينة بأن هذا الشيء له ملكا مطلقا وغير مطلق هو المضاف إلى سبب وهو أن يبين سبب الملك مثل أن يقيم بينة بأن هذا العبد ملكه ولد في ملكه وأن هذه الدابة نتجت في ملكه وأن هذا الثوب ملكه نسج في ملكه ثم هذا السبب على ضربين منه ما يمكن أن يتكرر في الملك مثل الغراس إذا قال كل واحد منهما غرسته في ملكي فهذا يمكن أن يتكرر بأن يغرس دفعتين
240
240
الفرق التاسع والثلاثون والمائتان بين قاعدة ما اعتبر من الغالب وبين ما ألغي من الغالب
وقد يعتبر النادر معه وقد يلغيان معا اعلم أن الأصل اعتبار الغالب وتقديمه على النادر وهو شأن الشريعة كما يقدم الغالب في طهارة المياه وعقود المسلمين ويقصر في السفر ويفطر بناء على غالب الحال وهو المشقة ويمنع شهادة الأعداء والخصوم لأن الغالب منهم الحيف وهو كثير في الشريعة لا يحصى كثرة وقد يلغي الشرع الغالب رحمة بالعباد وتقديمه قسمان قسم يعتبر فيه النادر وقسم يلغيان فيه معا
وأنا أذكر من كل قسم مثلا ليتهذب بها الفقيه ويتنبه إلى وقوعها في الشريعة فإنه لا يكاد يخطر ذلك بالبال ولا سيما تقديم النادر على الغالب القسم الأول ما ألغي فيه الغالب وقدم النادر عليه وأثبت حكمه دونه رحمة بالعباد وأنا أذكر منه عشرين مثالا الأول غالب الولد أن يوضع لتسعة أشهر فإذا جاء بعد خمس سنين من امرأة طلقها زوجها دار بين أن يكون زنى وهو الغالب وبين أن يكون تأخر في بطن أمه وهو نادر بالنسبة إلى وقوع الزنا في الوجود ألغى الشارع الغالب وأثبت حكم النادر وهو تأخر الحمل رحمة بالعباد لحصول الستر عليهم وصون أعراضهم عن الهتك
الثاني إذا تزوجت فجاءت بولد لستة أشهر جاز أن يكون من وطء قبل العقد وهو
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وهكذا نسج الثوب الخز على ما يقوله أهل صنعته يمكن أن ينسج دفعتين ومنه ما لا يمكن تكراره كالودة والنتاج ونسج ثوب القطن ا ه كلام الأصل بتوضيح من تبصرة ابن فرحون وقد تقدم الكلام على هذه الحجة في الفرق السادس والثلاثين والمائتين بين اليد المعتبرة المرجحة لقول صاحبها واليد التي لا تعتبر فلا تغفل والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق التاسع و الثلاثون والمائتان بين قاعدة ما اعتبر من الغالب وبين ما ألغي من الغالب أما مع اعتبار النادر أو مع إلغائه أيضا وذلك كما في الأصل وسلمه أبو القاسم بن الشاط أن الفرق بينهما لا يتيسر على المبتدئين ولا على ضعفة الفقهاء بل لا يحصل إلا لمتسع في الفقيهات والموارد الشرعية وذلك أن الأصل اعتبار الغالب وتقديمه على النادر وهو شأن الشريعة وأمثلته لا تحصى كثرة منها تقديم طهارة المياه وعقود المسلمين لأنه الغالب ومنها أنه يقصر في السفر ويفطر بناء على غالب الحال وهو المشقة ومنها أنه يمنع شهادة الأعداء والخصوم لأن الغالب منهم الحيف ولكن جرى على خلاف هذا الأصل أجناس كثيرة استثنيت منه ستتضح لك فإذا وقع لك غالب ولا تدري هل هو من
241
241
الغالب أو من وطء بعده وهو النادر فإن غالب الأجنة لا توضع إلا لتسعة أشهر وإنما يوضع في الستة سقطا في الغالب ألغى الشرع حكم الغالب وأثبت حكم النادر وجعله من الوطء بعد العقد لطفا بالعباد لحصول الستر عليهم وصون أعراضهم
الثالث
ندب الشرع النكاح لحصول الذرية مع أن الغالب على الأولاد الجهل بالله تعالى والإقدام على المعاصي وعلى رأي أكثر العلماء من لم يعرف الله تعالى بالبرهان فهو كافر ولم يخالف في هذا إلا أهل الظاهر كما حكاه الإمام في الشامل والإسفراييني ومقتضى هذا أن ينهى من الذرية لغلبة الفساد عليهم فألغى الشرع حكم الغالب واعتبر حكم النادر ترجيحا لقليل الإيمان على كثير الكفر والمعاصي تعظيما لحسنات الخلق على سيئاتهم رحمة بهم
الرابع طين المطر الواقع في الطرقات وممر الدواب والمشي بالأمدسة التي يجلس بها في المراحيض الغالب عليها وجود النجاسة من حيث الجملة وإن كنا لا نشاهد عينها والنادر سلامتها منها ومع ذلك ألغى الشارع حكم الغالب وأثبت حكم النادر توسعة ورحمة بالعباد فيصلي به من غير غسل
الخامس النعال الغالب عليها مصادفة النجاسات لا سيما نعل مشى بها سنة وجلس بها في مواضع قضاء الحاجة سنة ونحوها فالغالب النجاسة والنادر سلامتها من النجاسة ومع ذلك ألغى الشرع حكم الغالب وأثبت حكم النادر فجاءت السنة بالصلاة في النعال حتى قال بعضهم إن قلع النعال في الصلاة بدعة كل ذلك رحمة وتوسعة على العباد
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
قبيل ما ألغي أو من قبيل ما اعتبر فالطريق في ذلك أن تستقري موارد النصوص والفتاوى استقراء حسنا ولا يتأتى لك ذلك إلا إذا كنت حينئذ واسع الحفظ جيد الفهم فإذا تحققت بذلك إلغاؤه فذاك ظاهر وإذا لم يتحقق لك إلغاؤه فاعتقد أنه معتبر والأجناس المستثناة من هذا الأصل على قسمين
القسم الأول
ما ألغى الشرع فيه الغالب وقدم النادر عليه أي أثبت الشرع فيه حكم النادر دون حكم الغالب رحمة بالعباد والقسم الثاني ما ألغى الشرع فيه الغالب والنادر معا رعاية للضرورة ورحمة بالعباد ولكل واحد من القسمين أمثلة كثيرة في الشريعة تفتقر على التمثيل لكل منهما بعشرين مثالا في الوصلين الاثنين لتجزم بشيئين أحدهما أن قول القائل إذا دار الشيء بين النادر والغالب فإنه يلحق بالغالب ليس على إطلاقه قلت بل مقيد بثلاثة قيود الأول أن يطرد الغالب بمخالفة الأصل الثاني أن تكثر أسبابه الثالث أن لا يكون مع النادر ما يعتضد به وإلا قدم على الغالب عملا بالترجيح لتعينه كما يؤخذ مما نقله العطار على محلي جمع الجوامع عن قواعد الزركشي الثاني أن قول الفقهاء إذا اجتمع الأصل والغالب فهل يغلب الأصل على الغالب أو الغالب على الأصل قولان ليس على عمومه وفي العطار على محلي جمع الجوامع عن قواعد الزركشي بل لجريان القولين ثلاثة شروط الأول أن لا تطرد العادة بمخالفة الأصل وإلا قدم حكم العادة والغالب قطعا ومن ذلك الماء الهارب في الحمام لاطراد العادة بالبول فيه الثاني أن تكثر أسباب الظاهر والغالب
242
242
السادس الغالب على ثياب الصبيان النجاسة لا سيما مع طول لبسهم لها والنادر سلامتها وقد جاءت السنة بصلاته عليه السلام بأمامة يحملها في الصلاة إلغاء لحكم الغالب وإثباتا لحكم النادر لطفا بالعباد
السابع ثياب الكفار التي ينسجونها بأيديهم مع عدم تحرزهم من النجاسات فالغالب نجاسة أيديهم لما يباشرونه عند قضاء حاجة الإنسان ومباشرتهم الخمور والخنازير ولحوم الميتات وجميع أوانيهم نجسة بملابسة ذلك ويباشرون النسج والعمل مع بلة أيديهم وعرقها حالة العمل ويبلون تلك الأمتعة بالنشا وغيره مما يقوي لهم الخيوط ويعينهم على النسج فالغالب نجاسة هذا القماش والنادر سلامته عن النجاسة وقد سئل عنه مالك فقال ما أدركت أحدا يتحرز من الصلاة في مثل هذا فأثبت الشارع حكم النادر وألغى حكم الغالب وجوز لبسه توسعة على العباد
الثامن ما يصنعه أهل الكتاب من الأطعمة في أوانيهم وبأيديهم الغالب نجاسته لما تقدم والنادر طهارته ومع ذلك أثبت الشرع حكم النادر وألغى حكم الغالب وجوز أكله توسعة على العباد
التاسع ما يصنعه المسلمون الذين لا يصلون ولا يستنجون بالماء ولا يتحرزون من النجاسات من الأطعمة الغالب نجاستها والنادر سلامتها فألغى الشارع حكم الغالب وأثبت حكم النادر وجوز أكلها توسعة ورحمة على العباد
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
فإن ندرت لم ينظر إليه قطعا ومن ذلك ما إذا تيقن الطهارة وغلب على ظنه الحدث اتفق أصحاب الشافعي على أن له الأخذ بالوضوء ولم يجروا فيه القولين كما أجروهما فيما يغلب على الظن نجاسته هل يحكم بنجاسته وفرق الإمام الشافعي بأن الأسباب التي تظهر بالنجاسة كثيرة جدا وهي قليلة في الأحداث ولا أثر للنادر والتمسك باستصحاب اليقين أولى
الثالث
أن لا يكون مع أحدهما ما يعتضد به وإلا فالعمل بالترجيح متعين قال الزركشي فإذا جزمت بذلك علمت أن الضابط فيما يجري قولان فيه وما لا يجريان فيه هو أنه إذا كان الظاهر والغالب حجة يجب قبولها شرعا كالشهادة والرواية والأخبار فهو مقدم الأصل قطعا وإذا لم يكن الظاهر والغالب حجة بل كان سنده العرف أو القرائن أو غلبة الظن فهذه يتفاوت أمرها فتارة يعمل بالأصل قطعا وتارة يعمل بالظاهر والغالب قطعا وتارة يخرج الخلاف هل يقدم الأصل على الصحيح أو لا أو الظاهر والغالب على الصحيح أولا فهذه أربعة أقسام الأول ما قطعوا فيه بالظاهر كالبينة فإن الأصل براءة ذمة المشهود عليه ومع ذلك يلزمه المال المشهود به قطعا لأن الغالب صدق البينة وهي حجة وكاليد في الدعوى فإن الأصل عدم الملك والظاهر من اليد الملك وهو ثابت بالإجماع الثاني ما قطعوا فيه بالأصل وإلغاء القرائن الظاهرة كما لو تيقن الطهارة وشك في الحدث أو ظنه فإنه يبنى على تيقن الطهارة عملا بالأصل أو شك في طلوع الفجر في رمضان فإنه يباح له الأكل حتى يتيقن طلوعه أو اختلط الحرام بالحلال وكان الحرام مغمورا أو اشتبه عليه محرمه بنسوة قرية
243
243
العاشر ما ينسجه المسلمون المتقدم ذكرهم الغالب عليه النجاسة وقد أثبت الشرع حكم النادر وألغى حكم الغالب وجوز الصلاة فيه لطفا بالعباد الحادي عشر ما يصبغه أهل الكتاب الغالب نجاسته وهو أشد مما ينسجونه لكثرة الرطوبات الناقلة للنجاسة وألغى الشارع حكم الغالب وأثبت حكم النادر رفقا بالعباد فجوز الصلاة فيها
الثاني عشر ما يصنعه العوام من المسلمين الذين لا يصلون ولا يتحرزون من النجاسات الغالب نجاسته والنادر سلامته فجوز الشرع الصلاة فيه تغليبا لحكم النادر على الغالب توسعة ولطفا بالعباد الثالث عشر ما يلبسه الناس ويباع في الأسواق ولا يعلم لابسه كافر أو مسلم يحتاط ويتحرز مع أن الغالب على أهل البلاد العوام والفسقة وتراك الصلاة فيها ومن لا يتحرز من النجاسات فالغالب نجاسة هذا الملبوس والنادر سلامته فأثبت الشارع حكم النادر وألغى حكم الغالب لطفا بالعباد
الرابع عشر الحصر والبسط التي قد اسودت من طول ما قد لبست يمشي عليها الحفاة والصبيان ومن يصلي ومن لا يصلي الغالب مصادفتها للنجاسة والنادر سلامتها ومع ذلك قد جاءت السنة بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى على حصير قد اسود من طول ما لبس بعد أن نضحه بماء والنضح لا يزيل النجاسة بل ينشرها فقدم الشرع حكم النادر على حكم الغالب
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
كبيرة فإن له نكاح من شاء منهن فإن الأصل الإباحة وأشبهت ميتة بمذكاة بلد أو إناء بول بأواني بلد فله أخذ بعضها بالاجتهاد قطعا
الثالث
ما فيه خلاف والأصح تقديم الظاهر كما لو شك بعد الصلاة في ترك فرض منها فلا يؤثر على المشهور لأن الظاهر جريانها على الصحة وإن كان الأصل عدم إتيانه به وكذا حكم غيرها من العبادات كالوضوء والصوم والحج وكاختلاف المتعاقدين في الصحة والفساد فالقول لمدعي الصحة على الأظهر لأن الظاهر من العقود الجارية بين المسلمين الصحة وإن كان الأصل عدمها وكما إذا قال أنت طالق أنت طالق أنت طالق ولم يقصد تأكيدا ولا استئنافا بل أطلق فالأظهر يقع ثلاث لأنه موضع الإيقاع اللفظ الأول ولهذا يقال إذا دار الأمر بين التأسيس والتوكيد فالتأسيس أولى وهذا يرجع إلى الحمل على الظاهر ووجه مقابله أن الأصل المتيقن عدم ذلك الرابع ما فيه خلاف والأصح تقديم الأصل ومن أمثلته ما لو شك في صلاة يوم من الأيام الماضية هل صلاها أم لا قال الروياني إن كان مع بعد الزمان لأن الإنسان لا يقدر على ضبط ما يقع منه في الماضي ويغيب عليه تذكره وإن كان مع قرب الزمان كمن شك في آخر الأسبوع في صلاة يوم من أوله وجبت الإعادة قال بعضهم وينبغي حمل كلام الروياني على من كانت عادته مواظبة الصلاة أما من اعتاد تركها أو بعضها فالظاهر وجوب الإعادة عليه وهذا متعين لا بد منه ومنها ثياب مدمني النجاسة وطين الشارع الذي يغلب على الظن اختلاطه
244
244
الخامس عشر
الحفاة الغالب مصادفتهم النجاسة ولو في الطرقات ومواضع قضاء الحاجات والنادر سلامتهم ومع ذلك جوز الشرع صلاة الحافي كما جوز له الصلاة بنعله من غير غسل رجليه وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يمشي حافيا ولا يعيب ذلك في صلاته لأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بنعله ومعلوم أن الحفاء أخف من تحمل النجاسة من النعال فقدم الشارع حكم النادر على الغالب توسعة على العباد السادس عشر دعوى الصالح الولي التقي على الفاجر الشقي الغاصب الظالم درهما الغالب صدقه والنادر كذبه ومع ذلك فقدم الشرع حكم النادر على الغالب وجعل الشرع القول قول الفاجر لطفا بالعباد بإسقاط الدعاوى عنهم واندراج الصالح مع غيره سدا لباب الفساد والظلم بالدعاوى الكاذبة
السابع عشر عقد الجزية لتوقع إسلام بعضهم وهو نادر والغالب استمرارهم على الكفر وموتهم عليه بعد الاستمرار فألغى الشارع حكم الغالب وأثبت حكم النادر رحمة بالعباد في عدم تعجيل القتل وحسم مادة الإيمان عنهم
الثامن عشر الاشتغال بالعلم مأمور به مع أن الغالب على الناس الرياء وعدم الإخلاص والنادر الإخلاص ومقتضى الغالب النهي عن الاشتغال بالعلم لأنه وسيلة للرياء ووسيلة المعصية معصية فلم يعتبره الشارع وأثبت حكم النادر التاسع عشر المتداعيان أحدهما كاذب قطعا والغالب أن أحدهما يعلم بكذبه والنادر أن يكون قد وقعت لكل واحد منهما شبهة وعلى التقدير الأول يكون تحليفه سعيا في
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
بالنجاسة والمقابر التي يغلب نبشها فالأصح الطهارة ولطين الشارع أصول يبنى عليها أحدهما ما ذكر من تعرض الأصل والظاهر وهو الذي اقتصر عليه الأصحاب ثانيهما طهارة الأرض بالجفاف والريح والشمس على القديم ثالثها طهارة النجاسة بالاستحالة إذا استهلكت فيها عين النجاسة وصارت طينا وأما الذي يظن نجاسة ولا نتيقن طهارته فقال المتولي والروياني أنه على القولين وخالفهما النووي فقال المختار الجزم بطهارته ومنها ما لو اختلفا في ولد الأمة المبيعة فقال البائع وضعته قبل العقد وقال المشتري بل بعده قال الإمام في آخر النهاية كتب الحليمي إلى الشيخ أبو زيد يسأله عن ذلك فأجاب بأن قول البائع لأن الأصل بقاء ملكه وحكى الدارمي فيها وجهين ا ه ما نقله العطار في حاشيته على محلي جمع الجوامع عن قواعد الزركشي والله سبحانه وتعالى أعلم
الوصل الأول في عشرين مثالا من أمثلة ما ألغي فيه الغالب وقدم عليه النادر المثال الأول غالب الولد أن يوضع لتسعة أشهر فإذا جاء بعد خمس سنين من امرأة طلقها زوجها دار بين أن يكون زنا وهو الغالب وبين أن يكون تأخر في بطن أمه وهو نادر بالنسبة إلى وقوع الزنا في الوجود فألغى الشارع الغالب وأثبت حكم النادر وهو تأخر الحمل رحمة بالعباد لحصول الستر عليهم وصون أعراضهم عن الهتك المثال الثاني إذا تزوجت فجاءت بولد لستة أشهر جاز أن يكون من وطء قبل العقد وهو الغالب أو من وطء
245
245
وقوع اليمين الفاجرة المحرمة فيكون حراما غايته أنه يعارضه أخذ الحق وإلجاؤه إليه وذلك إما مباح أو واجب وإذا تعارض المحرم والواجب قدم المحرم ومع ذلك ألغى الشارع حكم الغالب وأثبت حكم النادر لطفا بالعباد على تخليص حقوقهم وكذلك القول في اللعان الغالب أن أحدهما كاذب يعلم كذبه ومع ذلك يشرع اللعان
العشرون غالب الموت في الشباب قال الغزالي في الإحياء ولذلك الشيوخ أقل يعني أنه لو كان الشبان يعيشون لصاروا شيوخا فتكثر الشيوخ فلما كان الشيوخ في الوجود أقل كان موت الإنسان شابا أكثر وحياته للشيخوخة نادرا ومع ذلك شرع صاحب الشرع التعمير في الغائبين إلى سبعين سنة إلغاء لحكم الغالب وإثباتا لحكم النادر لطفا بالعباد في إبقاء مصالحهم عليهم ونظائر هذا الباب كثيرة في الشريعة فينبغي أن تتأمل وتعلم فقد غفل عنها قوم في الطهارات فدخل عليهم الوسواس وهم يعتقدون أنهم على قاعدة شرعية وهي الحكم بالغالب فإن الغالب على الناس والأواني والكتب وغير ذلك مما يلابسونه النجاسة فيغسلون ثيابهم وأنفسهم من جميع ذلك بناء على الغالب وهو غالب كما قالوا ولكنه قدم النادر الموافق للأصل عليه وإن كان مرجوحا في النفس وظنه معدوم النسبة للظن الناشئ عن الغالب لكن لصاحب الشرع أن يضع في شرعه ما شاء ويستثني من قواعده ما شاء هو أعلم بمصالح عباده فينبغي لمن قصد إثبات حكم الغالب دون النادر أن ينظر هل ذلك الغالب مما ألغاه الشرع أم لا وحينئذ يعتمد عليه وأما مطلق الغالب كيف كان في جميع صوره فخلاف الإجماع
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
بعده وهو النادر فإن غالب الأجنة لا توضع إلا لتسعة أشهر وإنما يوضع في السنة سقطا في الغالب فألغى الشارع على حكم الغالب وأثبت حكم النادر وجعله من الوطء بعد العقد لطفا بالعباد لحصول الستر عليهم وصون أعراضهم المثال الثالث ندب الشرع للنكاح لحصول الذرية مع أن الغالب على الأولاد الجهل بالله تعالى والإقدام على المعاصي وعلى رأي أكثر العلماء أن من لم يعرف الله تعالى بالبرهان فهو كافر لم يخالف في هذا إلا أهل الظاهر كما حكاه الإمام في الشامل والإسفراييني ومقتضى هذا أن ينهى عن الذرية لغلبة الفساد عليهم فألغى الشرع حكم الغالب واعتبر حكم النادر ترجيحا لقليل الإيمان على كثير الكفر والمعاصي تعظيما لحسنات الخلق على سيئاتهم رحمة بهم المثال الرابع طين المطر الواقع في الطرقات وممر الدواب والمشي بالأمدسة التي يجلس بها في المراحيض الغالب عليها وجود النجاسة من حيث الجملة وإن كنا لا نشاهد عينها والنادر سلامتها منها ومع ذلك ألغى الشرع حكم الغالب وأثبت حكم النادر توسعة ورحمة بالعباد فيصلي به من غير غسل المثال الخامس النعال الغالب عليها مصادفة النجاسات لا سيما نعل مشى بها سنة وجلس بها في موضع قضاء الحاجة سنة ونحوها فالغالب عليها النجاسة والنادر سلامتها من النجاسة ومع ذلك ألغى الشرع حكم الغالب وأثبت حكم النادر فجاءت السنة بالصلاة في النعال حتى قال بعضهم إن قلع
246
246
تنبيه ليس من باب تقديم النادر على الغالب حمل اللفظ على حقيقته دون مجازه وعلى العموم دون الخصوص فإنه يمكن أن يقال إنه منه لغلبة المجاز على كلام العرب حتى قال ابن جني كلام العرب كله مجاز وغلبة الخصوصات على العمومات حتى روي عن ابن عباس أنه قال ما من عام إلا وقد خص إلا قوله تعالى والله بكل شيء عليم وإذا غلب المجاز والتخصيص فينبغي إذا ظفرنا بلفظ ابتداء أن نحمله على مجازه تغليبا للغالب على النادر ولا نحمله على حقيقته لأنه النادر ونحمل العموم ابتداء على التخصيص لأنه الغالب ولا نحمله على العموم لأنه نادر فحيث عكسنا كان ذلك تغليبا للنادر على الغالب والجواب عنه أنه ليس من هذا الباب وسببه أن شرط الفرد المتردد بين النادر والغالب فيحمل على الغالب أن يكون من جنس الغالب وإلا فلا يحمل على الغالب بيانه بالمثال أن الشقة إذا جاءت من القصار جاز أن تكون طاهرة وهو الغالب أو نجسة وهو النادر أن يصيبها بول فأر أو غيره من الحيوان فإنا نحكم بطهارتها بناء على الغالب لأن حكمنا بطهارة الثياب المقصورة لأنها خرجت من القصارة وهذا الثوب المتردد بين النادر والغالب خرج من القصارة فكان من جنس الغالب الذي قضينا بطهارته فيلحق به أما لو كنا لا نقضي بطهارة الثياب المقصورة لكونها خرجت من القصارة بل لأنها تغسل بعد ذلك وهذا الثوب المتردد بين النادر والغالب لم يغسل فإنا هنا لا نقضي بطهارته لأجل عدم الغسل بعد القصارة الذي لأجله حكمنا بطهارته فهو حينئذ ليس من جنس
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
النعال في الصلاة بدعة ذلك رحمة وتوسعة على العباد المثال السادس الغالب على ثياب الصبيان النجاسة لا سيما مع طول لبسهم لها والنادر سلامتها وقد جاءت السنة بصلاته عليه السلام بأمامة يحملها في الصلاة إلغاء لحكم الغالب وإثباتا لحكم النادر لطفا بالعباد المثال السابع ثياب الكفار التي ينسجونها بأيديهم مع عدم تحرزهم من النجاسات بل الغالب نجاسة أيديهم لما يباشرونه عند حاجة الإنسان ومباشرتهم الخمور والخنازير ولحوم الميتات وجميع أوانيهم نجسة بملابسة ذلك ويباشرون النسج والعمل مع بلة أيديهم وعرقها حالة العمل ويبلون تلك الأمتعة بالنشاء وغيره مما يقوي لهم الخيوط ويعينهم على النسج فالغالب نجاسة هذا القماش والنادر سلامته من النجاسة وقد سئل عنه مالك فقال ما أدركت أحدا يتحرز من الصلاة في مثل هذا فأثبت الشارع حكم النادر وألغى حكم الغالب وجوز لبسه توسعة على العباد المثال الثامن ما يصنعه أهل الكتاب من الأطعمة في أوانيهم وبأيديهم فالغالب نجاسته لما تقدم والنادر طهارته ومع ذلك أثبت الشرع حكم النادر وألغى حكم الغالب فجوزا كله توسعة على العباد المثال التاسع الغالب على ما يصنعه المسلمون الذين لا يصلون ولا يستنجون بالماء ولا يتحرزون من النجاسات من الأطعمة نجاستها والنادر سلامتها فألغى الشارع حكم الغالب وأثبت حكم النادر وجوز أكلها توسعة ورحمة للعباد المثال العاشر الغالب على ما ينسجه المسلمون المتقدم ذكرهم النجاسة وقد أثبت الشرع حكم النادر وألغى حكم الغائب فجوز الصلاة فيه لطفا بالعباد المثال
247
247
الغالب الذي قضينا بطهارته لأن ذلك مغسول بعد القصارة وهذا الثوب غير مغسول كذلك في الألفاظ فإذا لم نقض على لفظ بأنه مجاز أو مخصوص بمجرد كونه لفظا بل لأجل اقترانه بالقرينة الصادرة عن الحقيقة إلى المجاز واقتران المخصص الصارف عن العموم للتخصيص وهذا اللفظ الوارد ابتداء الذي حملناه على حقيقته دون مجازه والعموم دون الخصوص ليس معه صارف من قرينة صارفة عن الحقيقة ولا مخصص صارف عن العموم فهو حينئذ ليس من جنس ذلك الغالب فلو حملناه على المجاز أو التخصيص لحملناه على غير غالب فإنه لم يوجد لفظ من حيث هو لفظ حمل على المجاز ولا على الخصوص ألبتة فضلا عن كونه غالبا بل هذا اللفظ قاعدة مستقلة بنفسها ليس فيها غالب ونادر بل شيء واحد وهو الحقيقة مطلقا والعموم مطلقا فتأمل ذلك فهو شرط خفي في حمل الشيء على غالبه دون نادره وهو أنه من شرطه أن يكون من جنسه كما تقدم تقريره بالمثال فظهر أن حمل اللفظ على حقيقته دون مجازه ابتداء والعموم دون الخصوص ليس من باب الحمل على النادر دون الغالب ولقد أوردت هذا السؤال على جمع كثير من الفضلاء قديما وحديثا فلم يحصل عنه جواب وهو سؤال حسن وجوابه حسن جدا
القسم الثاني
ما ألغى الشارع الغالب والنادر معا فيه وأنا أذكر منه إن شاء الله عشرين مثالا الأول شهادة الصبيان في الأموال إذا كثر عددهم جدا الغالب صدقهم والنادر كذبهم
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الحادي عشر الغالب نجاسته ما يصبغه أهل الكتاب بل هو أشد مما ينسجونه لكثرة الرطوبات الناقلة للنجاسة ومع ذلك ألغى الشرع حكم الغالب وأثبت حكم النادر رفقا بالعباد فجوز الصلاة فيها المثال الثاني عشر الغالب نجاسة ما يصنعه عوام المسلمين الذين لا يصلون ولا يتحرزون من النجاسات والنادر سلامته فجوز الشرع الصلاة فيه تغليبا لحكم النادر على الغالب توسعة ولطفا بالعباد المثال الثالث عشر الغالب نجاسة ما يلبسه الناس ويباع في الأسواق ولا يعلم كون لابسه كافرا أو مسلما يحتاط ويتحرز أو لا وهو الغالب على أهل البلاد فإن غالبهم عوام وفسقة وتراك صلاة ومن لا يتحرز من النجاسات والنادر سلامته فألغى الشرع حكم الغالب وأثبت حكم النادر لطفا بالعباد المثال الرابع عشر الغالب مصادفة الحصر والبسط التي قد اسودت من طول ما قد لبست يمشي عليها الحفاة والصبيان ومن يصلي ومن لا يصلي والنادر سلامتها ومع ذلك قد جاءت السنة بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى على حصير قد اسود من طول ما لبس بعد أن نضحه بماء والنضح لا يزيل النجاسة بل ينشرها فقدم الشرع حكم النادر على حكم الغالب المثال الخامس عشر الغالب مصادفة الحفاة النجاسة لا سيما في الطرقات ومواضع قضاء الحاجات والنادر سلامتهم ومع ذلك جوز الشرع صلاة الحافي من غير غسل رجليه كما جوز الصلاة بالنعل فقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يمشي حافيا ولا يعيب ذلك في صلاته لأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بنعله
248
248
ولم يعتبر الشرع صدقهم ولا قضى بكذبهم بل أهملهم رحمة بالعباد ورحمة بالمدعى عليه وأما في الجراح والقتل فقبلهم مالك وجماعة كما تقدم بيانه
الثاني
شهادة الجمع الكثير من جماعة النسوان في أحكام الأبدان الغالب صدقهن والنادر كذبهن لا سيما مع العدالة وقد ألغى صاحب الشرع صدقهن فلم يحكم به ولا حكم بكذبهن لطفا بالمدعى عليه
الثالث الجمع الكثير من الكفار والرهبان والأحبار إذا شهدوا الغالب صدقهم والنادر كذبهم فألغى صاحب الشرع صدقهم لطفا بالمدعى عليه ولم يحكم بكذبهم
الرابع شهادة الجمع الكثير من الفسقة الغالب صدقهم ولم يحكم الشرع به لطفا بالمدعى عليه ولم يحكم بكذبهم الخامس شهادة ثلاثة عدول في الزنا الغالب صدقهم ولم يحكم الشرع به سترا على المدعى عليه ولم يحكم بكذبهم بل أقام الحد عليهم من حيث إنهم قذفوه لا من حيث إنهم شهود زور السادس شهادة العدل الواحد في أحكام الأبدان الغالب صدقه والنادر كذبه ولم يحكم الشرع بصدقه لطفا بالعباد ولطفا بالمدعى عليه ولم يكذبه
السابع حلف المدعي الطالب وهو من أهل الخير والصلاح الغالب صدقه والنادر
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
ومعلوم أن الحفاء أخف من تحمل النجاسة من النعل فقدم الشارع حكم النادر على حكم الغالب توسعة على العباد المثال السادس عشر الغالب صدق الصالح الولي التقي في دعواه على الفاجر الشقي الظالم أنه غصب منه درهما والنادر كذبه ومع ذلك جعل الشرع القول قول الفاجر فقدم حكم النادر على الغالب لطفا بالعباد بإسقاط الدعاوى عنهم واندراج الصالح مع غيره سدا لباب الفساد والظلم بالدعاوى الكاذبة المثال السابع عشر الغالب استمرار الكفار على الكفر وموتهم عليه بعد الاستمرار فألغى الشارع حكمه وأثبت حكم النادر وهو توقع إسلام بعضهم فعقد الجزية لذلك التوقع النادر رحمة بالعباد في عدم تعجيل القتل وحسم مادة الإيمان عنهم المثال الثامن عشر الغالب في إشغال الناس بالعلم أن يكون وسيلة للرياء وعدم الإخلاص والنادر أن يكون وسيلة للإخلاص فلم يعتبر الشارع حكم الغالب الذي هو النهي عنه لأن وسيلة المعصية معصية وأثبت حكم النادر فرغب في الاشتغال بالعلم رحمة بالعباد المثال التاسع عشر أحد المتداعيين والمتلاعنين كاذب قطعا والغالب أن يعلم الكاذب منهما بكذبه فيكون تحليفه سعيا في وقوع اليمين الفاجرة المحرمة فيكون حراما غايته أنه يعارضه أخذ الحق وإلجاؤه إليه وذلك إما مباح أو واجب
وإذا تعارض الواجب والمحرم قدم المحرم ومع ذلك ألغى الشارع حكم الغالب وأثبت حكم النادر الذي هو وقوع شبهة لكل واحد من المتداعيين أو المتلاعنين لطفا بالعباد على تخليص حقوقهم والستر عليهم
المثال العشرون غالب الموت في الشباب قال الغزالي في الإحياء
249
249
كذبه ولم يقض الشارع بصدقه فيحكم له بيمينه بل لا بد من البينة ولم يحكم بكذبه لطفا بالمدعى عليه
الثامن رواية الجمع الكثير لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحبار والرهبان المتدينين المعتقدين لتحريم الكذب في دينهم الغالب صدقهم والنادر كذبهم ولم يعتبر الشرع صدقهم لطفا بالعباد وسدا لذريعة أن يدخل في دينهم ما ليس منه
التاسع رواية الجمع الكثير من الفسقة بشرب الخمر وقتل النفس ونهب الأموال وهم رؤساء عظماء في الوجود كالملوك والأمراء ونحوهم الغالب عند اجتماعهم على الرواية الواحدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقهم فإن أتاهم وازع طبيعي يمنعهم الكذب وغيره لا تدينا ومع ذلك لا تقبل روايته صونا للعباد عن أن يدخل في دينهم ما ليس منه بل جعل الضابط العدالة ولم يحكم بكذب هؤلاء العاشر رواية الجمع الكثير من الجاهلين للحديث النبوي الغالب صدقهم والنادر كذبهم ولم يحكم الشرع بصدقهم ولا بكذبهم
الحادي عشر أخذ السراق المتهمين بالتهم وقرائن أحوالهم كما يفعله الأمراء اليوم دون الإقرار الصحيح والبينات المعتبرة الغالب مصادفته للصواب والنادر خطؤه ومع ذلك ألغاه الشرع صونا للأعراض والأطراف عن القطع الثاني عشر أخذ الحاكم بقرائن الأحوال من التظلم وكثرة الشكوى والبكاء مع كون الخصم مشهورا بالفساد والعناد الغالب مصادفته للحق والنادر خطؤه ومع ذلك منعه الشارع منه وحرمه ولا يضر الحاكم
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
ولذلك الشيوخ أقل يعني أنه لو كان الشباب يعيشون لصاروا شيوخا فتكثر الشيوخ فلما كان الشيوخ في الوجود أقل كان موت الإنسان شابا أكثر وحياته للشيخوخة نادرا ومع ذلك شرع صاحب الشرع التعمير في الغائبين إلى سبعين سنة إلغاء لحكم الغالب وإثباتا لحكم النادر لطفا بالعباد في إبقاء مصالحهم عليهم قال الأصل ونظائر هذا الباب كثيرة في الشريعة فينبغي أن تتأمل وتعلم فقد غفل قوم في الطهارات فدخل عليهم الوسواس وهم يعتقدون أنهم على قاعدة شرعية هي الحكم بالغالب نعم هو غالب كما قالوا من حيث إنهم يعتقد أن الغالب على الناس والأواني والكتب وغير ذلك مما يلابسونه النجاسة فيغسلون ثيابهم وأنفسهم من جميع ذلك بناء على القاعدة الشرعية وهي الحكم بالغالب ولم يفهموا بأن هذا وإن كان هو الغالب كما قالوا لكن الشارع ألغى حكمه وقدم عليه حكم النادر وإن كان مرجوحا في النفس وظنه معدوم بالنسبة للظن الناشئ عن الغالب إذ لصاحب الشرع أن يصنع في شرعه ما شاء ويستثني من قواعده ما يشاء هو الأعلم بمصالح عباده فينبغي لمن قصد إثبات حكم الغالب دون النادر أن لا يعتمد عليه مطلقا كيف كان بل حتى ينظر هل ذلك الغالب مما ألغاه الشرع أم لا إذ الاعتماد على مطلق الغالب كيف كان في جميع صوره خلاف الإجماع ا ه وسلمه ابن الشاط

250
250
ضياع حق لا بينة عليه
الثالث عشر
الغالب على من وجد بين فخذي امرأة وهو متحرك حركة الواطئ وطال الزمان في ذلك أنه قد أولج والنادر عدم ذلك فإذا شهد عليه بذلك ألغى الشارع هذا الغالب سترا على عباده ولم يحكم بوطئه ولا بعدمه الرابع عشر شهادة العدل المبرز لولده الغالب صدقه والنادر كذبه وقد ألغاه الشارع وألغى كذبه ولم يحكم بواحد منهما
الخامس عشر شهادة العدل المبرز لوالده الغالب صدقه ولم يحكم الشرع بصدقه ولا بكذبه بل ألغاهما جملة
السادس عشر شهادة العدل المبرز على خصمه الغالب صدقه وقد ألغى الشارع صدقه وكذبه
السابع عشر شهادة الحاكم على فعل نفسه إذا عزل وشهادة الإنسان لنفسه مطلقا إذا وقعت من العدل المبرز الغالب صدقه وقد ألغاه الشارع في صدقه وكذبه الثامن عشر حكم القاضي لنفسه وهو عدل مبرز من أهل التقوى والورع الغالب أنه إنما حكم بالحق والنادر خلافه وقد ألغى الشرع ذلك الحكم ببطلانه وصحته معا التاسع عشر القرء الواحد في العدد الغالب معه براءة الرحم والنادر شغله ولم يحكم الشارع بواحد منهما حتى ينضاف إليه قرءان آخران
العشرون من غاب عن امرأته سنين ثم طلقها أو مات عنها الغالب براءة رحمها والنادر شغله بالولد وقد ألغاهما صاحب الشرع معا وأوجب عليها استئناف العدة بعد الوفاء أو الطلاق لأن وقوع الحكم قبل سببه غير معتد به ونظائر في الشرع كثيرة من الغالب ألغاه صاحب الشرع ولم يعتبره وتارة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
تنبيه قال الأصل وسلمه ابن الشاط حمل اللفظ على حقيقته دون مجازه وعلى العموم دون الخصوص وإن أمكن أن يقال إنه من باب تقديم النادر على الغالب نظرا لغلبة المجاز على الحقيقة في كلام العرب حتى قال ابن جني كلام العرب كله مجاز وغلبة الخصوصات على العمومات حتى روي عن ابن عباس أنه قال ما من عام إلا وقد خص إلا قوله تعالى والله بكل شيء عليم وحينئذ فينبغي إذا ظفرنا بلفظ ابتداء أن نحمله على مجازه تغليبا للغالب على النادر وأن نحمل العموم ابتداء على التخصيص لأنه الغالب فحيث عكسنا وحملنا اللفظ ابتداء على حقيقته والعموم ابتداء على العموم كان ذلك تغليبا للنادر على الغالب إلا أن التحقيق أن ذلك ليس من هذا الباب وذلك لأن شرط الفرد المتردد بين النادر والغالب فيحمل على الغالب أن يكون من جنس الغالب وإلا فلا يحمل على الغالب
وبيانه بالمثال أن الشقة إذا جاءت من القصار جاز أن تكون طاهرة وهو الغالب أو نجسة بأن يصيبها بول فأر أو غيره من الحيوان وهو النادر فإنا لو كنا نحكم بطهارتها بناء على الغالب لأنا قد حكمنا بطهارة الثياب المقصورة لأنها خرجت من القصارة لكان هذا الثوب المتردد بين النادر والغالب الذي خرج من القصارة من جنس الغالب الذي قضينا بطهارته فيحكم به
وأما لو كنا لا نقضي بطهارة الثياب المقصورة لكونها خرجت من القصارة بل نقضي بطهارتها لأنها
251
251
بالغ في إلغائه فاعتبر نادره دونه كما تقدم بيانه فهذه أربعون مثالا قد سردتها في ذلك من أربعين جنسا فهي أربعون جنسا قد ألغيت فإن قلت أنت تعرضت للفرق بين ما ألغي منه وما لم يلغ ولم تذكره بل ذكرت أجناسا ألغيت خاصة فما الفرق وكيف الاعتماد في ذلك قلت الفرق في ذلك المقام لا يتيسر على المبتدئين ولا على ضعفة الفقهاء وكذلك ينبغي أن يعلم أن الأصل اعتبار الغالب وهذه الأجناس التي ذكرت استثناؤها على خلاف الأصل وإذا وقع لك غالب ولا تدري هل هو من قبيل ما ألغي أو من قبيل ما اعتبر فالطريق في ذلك أن تستقري موارد النصوص والفتاوى استقراء حسنا مع أنك تكون حينئذ واسع الحفظ جيد الفهم فإذا لم يتحقق لك إلغاؤه فاعتقد أنه معتبر وهذا الفرق لا يحصل إلا لمتسع في الفقهيات والموارد الشرعية وإنما أوردت هذه الأجناس حتى تعتقد أن الغالب وقع معتبرا شرعا ونجزم أيضا بشيئين
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
تغسل بعد ذلك لم يكن هذا الثوب المتردد بين النادر والغالب الذي لم يغسل بعد ذلك من جنس الغالب الذي قضينا بطهارته فلا نقضي بطهارته لأجل عدم الغسل بعد القصارة الذي لأجله حكمنا بالطهارة وكذا يقال في الألفاظ فإذا لم نقض على لفظ بأنه مجاز أو مخصوص بمجرد كونه لفظا بل نقض عليه بذلك لأجل اقترانه بالقرينة الصادقة من الحقيقة إلى المجاز واقترانه بالمخصص الصارف عن العموم للتخصيص كان هذا اللفظ الوارد ابتداء الذي حملناه على حقيقته دون مجازه والعموم دون الخصوص ليس معه صارف من قرينة صارفة عن الحقيقة
ولا مخصص صارف عن العموم فهو حينئذ ليس من ذلك الغالب فلو حملناه على المجاز أو التخصيص لحملناه على غير غالب فإنه لم يوجد لفظ من حيث هو لفظ حمل على المجاز ولا على الخصوص ألبتة فضلا عن كونه غالبا بل هو اللفظ قاعدة مستقلة بنفسها ليس فيها غالب ونادر بل شيء واحد وهو الحقيقة مطلقا والعموم مطلقا فتأمل ذلك فهو شرط خفي في حمل الشيء على غالبه دون نادره ليظهر لك جليا أن حمل اللفظ على حقيقة دون مجاز ابتداء والعموم دون الخصوص ابتداء ليس من باب الحمل على النادر دون الغالب فهذا سؤال حسن لقد أوردته على جمع كثير من الفضلاء قديما وحديثا فلم يحصل عنه جواب وهذا جوابه حسن جدا ا ه
الوصل الثاني فيه عشرين مثالا من أمثلة ما ألغى الشارع فيه الغالب والنادر معا المثال الأول الغالب صدق شهادة الصبيان في الأموال إذا كثر عددهم جدا والنادر كذبهم فأهملهم الشرع ولم يعتبر صدقهم ولا قضى بكذبهم رحمة بالعباد ولطفا بالمدعى عليه وأما في الجراح والقتل فقبلهم مالك وجماعة للضرورة كما تقدم بيانه المثال الثاني الغالب صدق الجمع الكثير من جماعة النسوان في أحكام الأبدان والنادر كذبهم لا سيما مع العادلة فألغى صاحب الشرع صدقهن ولم يحكم به ولا حكم بكذبهن لطفا بالمدعى عليه المثال الثالث الغالب صدق الجمع الكثير من الكفار والرهبان والأحبار إذا شهدوا والنادر كذبهم فألغى صاحب الشرع صدقهم لطفا بالمدعى عليه ولم يحكم بكذبهم المثال الرابع الغالب صدق شهادة الجمع الكثير من الفسقة والنادر كذبهم فلم يحكم الشرع بصدقهم لطفا بالمدعى عليه ولم يحكم بكذبهم المثال الخامس الغالب صدق شهادة ثلاثة
252
252
أحدهما أن قول القائل إذا دار الشيء بين النادر والغالب فإنه يلحق بالغالب ثانيهما قول الفقهاء إذا اجتمع الأصل والغالب فهل يغلب الأصل على الغالب أو الغالب على الأصل قولان فقد ظهر لك أجناس كثيرة اتفق الناس فيها على تقديم الأقل وألغاه الغالب في القسم الأول الذي اعتبرنا رده فلا تكون تلك الدعوى على عمومها وقد أجمع الناس أيضا على تقديم الغالب على الأول في أمر البينة فإن الغالب صدقها والأصل براءة الذمة ومع ذلك تقدم البينة إجماعا فهو أيضا تخصيص لعموم تلك الدعوى فهذا هو المقصود من بيان هذا الفرق والتنبيه على هذه المواطن
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
عدول في الزنا فلم يحكم الشرع به سترا على المدعى عليه ولم يحكم بكذبهم بل أقام الحد عليهم من حيث إنهم قذفوه لا من حيث إنهم شهود زور المثال السادس الغالب صدق شهادة العدل الواحد في أحكام الأبدان والنادر كذبه فلم يحكم الشرع بصدقه لطفا بالعباد ورحمة بالمدعى عليه ولم يكذبه المثال السابع الغالب صدق حلف المدعي الطالب وهو من أهل الخير والصلاح والنادر كذبه فلم يقض الشارع بصدقه فيحكم له بيمينه بل اشترط في الحكم له البينة ولم يحكم بكذبه لطفا بالمدعى عليه المثال الثامن الغالب صدق الجمع الكثير في الرواية بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحبار والرهبان المتدينين المعتقدين لتحريم الكذب في دينهم والنادر كذبهم فلم يعتبر الشرع صدقهم لطفا بالعباد وسدا لذريعة أن يدخل في دينه ما ليس منه المثال التاسع الغالب صدق رواية الجمع الكثير من الفسقة بشرب الخمر وقتل النفس ونهبة الأموال وهم رؤساء عظماء في الوجود إذا اجتمعوا على الرواية الواحدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا سيما إن منعوا من الكذب لوازع طبيعي لا تدينا لم يقبل الشرع روايتهم صونا للعباد عن أن يدخل في دينهم ما ليس منه بل جعل الضابط العدالة ولم يحكم بكذبهم المثال العاشر الغالب صدق الجمع الكثير من الجاهلين في روايتهم للحديث النبوي والنادر كذبهم فلم يحكم الشرع بصدقهم ولا بكذبهم لطفا بالعباد المثال الحادي عشر الغالب أن يكون أخذ السراق المتهمين بالتهم وقرائن أحوالهم كما يفعله الأمراء اليوم دون الإقرار الصحيح والبينات المعتبرة مصادفا للصواب والنادر خطؤهم ومع ذلك ألغاه الشرع صونا للأعراض والأطراف عن القطع المثال الثاني عشر الغالب أن يكون أخذ الحاكم بقرائن الأحوال من التظلم وكثرة الشكوى والبكاء مع كون الخصم مشهورا بالفساد والعناد مصادفا للحق والنادر خطؤه ومع ذلك منعه الشارع منه وحرمه إذ لا يضر الحاكم ضياع حق لا بينة عليه المثال الثالث عشر الغالب على من وجد بين فخذي امرأة وهو متحرك حركة الواطئ وطال الزمان في ذلك أنه قد أولج والنادر عدم ذلك فلم يحكم الشارع بوطئه ولا بعدمه إذا شهد عليه بذلك وألغى هذا الغالب سترا على العباد المثال الرابع عشر الغالب صدق شهادة العدل المبرز لولده والنادر كذبه فلم يحكم الشرع بصدقه ولا بكذبه بل ألغاها جملة المثال السادس عشر الغالب صدق شهادة العدل المبرز على خصمه والنادر كذبه فألغى الشارع صدقه وكذبه المثال السابع عشر الغالب صدق شهادة الحاكم على فعل نفسه إذا عزل وصدق شهادة الإنسان لنفسه مطلقا إذا وقعت من العدل المبرز والنادر كذبه فيها فألغى الشارع صدقه وكذبه المثال
253
253
الفرق الأربعون والمائتان بين قاعدة ما يصح الإقراع فيه وبين قاعدة ما لا يصح الإقراع فيه
اعلم أنه متى تعينت المصلحة أو الحق في جهة لا يجوز الإقراع بينه وبين غيره لأن في القرعة ضياع ذلك الحق المتعين أو المصلحة المتعينة ومتى تساوت الحقوق أو المصالح فهذا هو موضع القرعة عند التنازع دفعا للضغائن والأحقاد والرضا بما جرت به الأقدار وقضى به الملك الجبار فهي مشروعة بين الخلفاء إذا استوت فيهم الأهلية للولاية والأئمة والمؤذنين إذا استووا والتقدم للصف الأول عند الازدحام وتغسيل الأموات عند تزاحم الأولياء وتساويهم في الطبقات وبين الحاضنات والزوجات في السفر والقسمة والخصوم عند الحكام وفي عتق العبيد إذا أوصى بعتقهم أو بثلثهم في المرض ثم مات ولم يحملهم الثلث عتق مبلغ الثلث منهم بالقرعة ولو لم يدع غيرهم عتق ثلثهم أيضا بالقرعة وقاله الشافعي وابن حنبل رضي الله عنهما وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الثامن عشر الغالب أن حكم القاضي لنفسه وهو عدل مبرز من أهل التقوى والورع إنما يكون بالحق والنادر أن يكون بخلافه فألغى الشرع اعتبار صحة ذلك الحكم وبطلانه معا المثال التاسع عشر الغالب القرء الواحد في العدد براءة الرحم والنادر شغله معه فألغى الشارع اعتبار واحد منهما ولم يحكم ببراءة الرحم معه حتى ينضم إليه قرءان آخران المثال العشرون الغالب براءة رحم من غاب عنها زوجها سنين ثم طلقها أو مات عنها والنادر شغله بالولد فألغى الشرع اعتبار واحد منهما وأوجب عليها استئناف العدة بعد الوفاة أو الطلاق لأن وقوع الحكم قبل سببه غير معتد به قال ونظائر هذا الغالب الذي ألغاه صاحب الشرع ولم يعتبره إما مع المبالغة في إلغائه بعدم اعتبار نادره أيضا كما هنا وإما مع المبالغة في إلغائه باعتبار نادره دونه كما تقدم كثيرة في الشرع وهذه أربعون مثالا قد سردت في ذلك من أربعين جنسا فهي أربعون جنسا ألغيت ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الثاني والأربعون والمائتان بين قاعدة ما يصح الإقراع فيه وبين قاعدة ما لا يصح الإقراع فيه وضابطه كما في الأصل وسلمه أبو القاسم بن الشاط أن ما تحقق فيه شرطان الأول تساوي الحقوق والمصالح والثاني قبول الرضا بالنقل فهو موضع القرعة عند الشارع دفعا للضغائن والأحقاد والرضا بما جرت به الأقدار وما فقد فيه أحد الشرطين تعذرت فيه القرعة فمتى تعينت المصلحة أو الحق في جهة لا يجوز الإقراع بينه وبين غيره لأن في القرعة ضياع ذلك الحق المتعين أو المصلحة المتعينة ومتى لم يقبل الشيء الرضا بالنقل كحرية الرقيق حالة الصحة لا يجوز الإقراع فيه كما سيتضح من المباحث والاختلافات والاتفاقات الآتية قال ابن فرحون وهي مشروعة في مواضع أحدهما بين الخلفاء إذا استوت فيهم الأهلية للولاية ثانيهما بين الأئمة للصلاة إذا استووا ثالثها بين المؤذنين في المغرب مع
254
254
تجوز القرعة فيما إذا أوصى بهم ويعتق من كل واحد ثلثه ويستسعى في باقي قيمته للورثة حتى يؤديها فيعتق لنا وجوه
الأول
ما في الموطإ أن رجلا أعتق عبيدا له عند موته فأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعتق ثلث العبيد قال مالك وبلغني أنه لم يكن لذلك الرجل مال غيرهم الثاني في الصحاح أن رجلا أعتق ستة مماليك له في مرضه لا مال له غيرهم فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم فجزاهم فأقرع بينهم فأعتق اثنين ورق أربعة الثالث إجماع التابعين رضي الله عنهم على ذلك قاله عمر بن عبد العزيز وخارجة بن زيد وأبان بن عثمان وابن سيرين وغيرهم ولم يخالفهم من عصرهم أحد الرابع وافقنا أبو حنيفة رضي الله عنه في قسمة الأرض لعدم المرجح وذلك هنا موجود فثبت قياسا عليه الخامس أن في الاستسعاء مشقة وضررا على العبيد بالإلزام وعلى الورثة بتأخير الحق وتعجيل حق الموصى له والقواعد تقتضي تقديم حق الوارث لأن له الثلثين السادس أن مقصود الوصي كمال العتق في العبد ليتفرغ للطاعات ويجوز الاكتساب والمنافع من نفسه وتجزئة العتق تمنع من ذلك وقد لا يحصل الكمال أبدا احتجوا بوجوه الأول قول النبي صلى الله عليه وسلم لا عتق إلا فيما يملك ابن آدم والمريض مالك الثلث من كل عبد فينفذ عتقه فيه ولأن الحديث المتقدم واقعة عين لا عموم فيها ولأن قوله اثنين يحتمل شائعين لا معينين ويؤكده أن العادة تحصي اختلاف قيم العبيد فيتعذر أن يكون اثنان معينان ثلث ماله
الثاني أن القرعة على خلاف القرآن
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الاستواء أيضا على ما ذكره ابن شاس
رابعها
في التقدم في الصف الأول عند الزحام خامسها في تغسيل الأموات عند تزاحم الأولياء وتساويهم في الطبقات سادسها في الحضانة ففي التوضيح وتدخل القرعة بين الأب والأم عند إثغار الذكر لحديث ورد في ذلك وهو اختيار ابن القصار وابن رشد وغيرهما انظره في قول ابن الحاجب وحضانة الذكر حتى يحتلم سابعها بين الزوجات عند إرادة السفر ثامنها في باب القسمة بين الشركاء في الأصول والحيوان والعروض والنقود إذا استوى فيه الوزن والقيمة وفي ذلك تفصيل واختلاف محله كتب الفقه تاسعها بين الخصوم في التقدم إلى الحاكم في الحكم عاشرها بين الخصمين فيمين تكون محاكمتها عنده حادي عشرتها إذا ازدحم اثنان على اللقيط فالسابق أولى وإلا فالقرعة ثاني عشرتها إذا اختلف المتبايعان وقلنا أنهما يتحالفان ويتفاسخان واختلفا فيمن يبدأ باليمين ففيه أقوال أحدهما أنه يقرع بينهما والمشهور تقدمة البائع وكذلك الزوجان يختلفان في قدر الصداق فيتحالفان ثالث عشرتها في المتيطية أن كتابة الوثائق والمكاتيب فرض على من يعلمها إذ لم يكن في البلد سواه وإن كانوا جماعة كانت من فروض الكفاية فإن قام بها أحدهم سقط الطلب عن الباقين وإن امتنعوا جميعهم اقترعوا فمن خرج اسمه كتب رابع عشرتها في شرع الجلاب فيمن يبدأ به من الوصايا إذا اجتمع عتق الظهار وعتق كفارة القتل وضاق الثلث فأحد الأقوال في المسألة أنه يقرع بينهما لأنه لا يصح عتق بعض الرقبة فيقرع بينهما فيصح العتق لأحدهما خامس عشرتها إذا انكسرت يمين على الأولياء
255
255
لأنها من الميسر وعلى خلاف القواعد لأن فيه نقل الحرية بالقرعة
الثالث
أنه لو أوصى بثلث كل واحد صح فينفذ هاهنا قياسا على ذلك وعلى حال الصحة
الرابع أنه لو باع ثلث كل عبد جاز والبيع يلحقه الفسخ والعتق لا يلحقه الفسخ فهو أولى بعدم القرعة لأن فيها تحويل العتق
الخامس أنه لو كان مالكا لثلثهم فأعتقه لم يجتمع ذلك في اثنين منهم والمريض لم يملك غير الثلث فلا يجتمع لأنه لا فرق بين عدم المالك والمنع من التصرف في نفوذ العتق
السادس أن القرعة إنما تدخل في جميع الحقوق فيما يجوز التراضي عليه لأن الحرية حالة الصحة لما لم يجز التراضي على انتفاضها لم تجز القرعة فيها والأموال يجوز التراضي فيها فدخلت القرعة فيها
والجواب عن الأول أن العتق إنما وقع فيما يملك وما قال العتق في كل ما يملك فإذا نفذ العتق في عبدين وقع العتق فيما يملك
وقولهم إنها قضية عين فنقول هي وردت في تمهيد قاعدة كلية كالرجم وغيره فتعم ولقوله عليه السلام حكمي على الواحد حكمي على الجماعة وقوله أنه يحتمل أن يكون شائعا باطلا بالقرعة لأنها لا معنى لها مع الإشاعة واتفاقهم في القيمة ليس متعذرا عادة لا سيما مع الجلب ووخش الرقيق وعن الثاني أن الميسر هو القمار وتمييز الحقوق ليس قمارا وقد أقرع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أزواجه وغيرهم واستعملت القرعة في شرائع الأنبياء عليهم السلام لقوله تعالى فساهم فكان من المدحضين الآية و إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وليس فيها نقل الحرية لأن عتق المريض لم يتحقق لأنه إن
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
فالمشهور أنها على أكثرهم نصيبا من الأيمان وقيل أكثرهم نصيبا من الكسر وقيل يقرع بينهم عليها سادس عشرتها إذا تقاربت الأنادر وأرادوا الذرو وكان يختلط نبتهم إذا ذروا جميعا فيقال اقترعوا على الذرو فإن أبوا لم يجبر واحد منهم على قطع أندره ويقال لمن أذرى على صاحبه أتلفت نبتك لا شيء لك من الطرر سابع عشرتها إذا زفت إليه امرأتان في ليلة أقرع بينهما على القول بأن ذلك حق له يختار ثامن عشرتها يقرع الحاكم بين الخصمين إذا تنازعا فيمن هو المدعي منهما وأشكل على الحاكم معرفة المدعي تاسع عشرتها تقسيم الغنيمة خمسة أخماس فإذا اعتدلت ضرب عليها بالقرعة فإذا تعين الخمس أفرد ثم جمعت الأربعة فبيعت وقسم ثمنها أو قسمت الغنيمة بأعيانها بين أهل الجيش على ما في ذلك من الخلاف فانظر شرح الرسالة للتادلي في باب الجهاد الموفي عشرين إذا اجتمعت الجنائز من جنس واحد واستوت الأولياء في الفضل وتشاحوا في التقدم أقرع بينهم الحادي والعشرون إذا اجتمع الخصوم عند القاضي وفيهم مسافرون ومقيمون وخاف المسافرون فوات الرفقة قدموا إلا أن يكثروا كثرة يلحق المقيمين منها ضرر فيقرع بينهم ذكره المازري الثاني والعشرون في عتق العبيد إذا أوصى بعتقهم أو بثلثهم في المرض ثم مات ولم يحملهم الثلث عتق مبلغ الثلث منهم بالقرعة ا ه زاد الأصل ولو لم يدع غيرهم عتق ثلثهم أيضا بالقرعة وقاله الشافعي وابن حنبل رضي الله عنهما
256
256
صح عتق الجميع وإن طرأت ديون بطل وإن مات وهو يخرج من الثلث عتق من الثلث فلم يقع في علم الله تعالى من العتق إلا ما أخرجته القرعة وعن الثالث أن مقصود الهبة والوصية التمليك وهو حاصل في ملك الشائع كغيره ومقصود العتق التخليص للطاعات
والاكتساب ولا يحصل مع التبعيض ولأن الملك شائعا لا يؤخر حق الوارث كما تقدم في الوصية وهاهنا يتأخر بالاستسعاء وعن الرابع أن البيع لا ضرر فيه على الوارث كما تقدم في الوصية ولا يحصل تحويل العتق كما تقدم وعن الخامس أنه إذا ملك الثلث فقط لم يحصل تنازع العتق في ولا حرمان من تناوله لفظ العتق وعن السادس أن الوارث لو رضي بتنفيذ عتق الجميع لصح فهو يدخله الرضا فهذه المباحث وهذه الاختلافات والاتفاقات يتخلص منها الفرق بين قاعدة ما تدخله القرعة وما لا تدخله القرعة وأن ضابطه التساوي مع قبول الرضا بالنقل وما فقد فيه أحد الشرطين تعذرت فيه القرعة والله تعالى أعلم بالصواب
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا تجوز القرعة فيما إذا أوصى بهم ويعتق من كل واحد ثلثه ويستسعى في باقي قيمته للورثة حتى يؤديها فيعتق لنا ستة وجوه
الأول
ما في الموطإ أن رجلا أعتق عبيدا له عند موته فأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعتق ثلث العبيد قال مالك وبلغني أنه لم يكن لذلك الرجل مال غيرهم الثاني ما في الصحاح أن رجلا أعتق ستة مماليك له في مرضه لا مال له غيرهم فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم فجزأهم فأقرع بينهم اثنين ورق أربعة الثالث إجماع التابعين رضي الله عنهم على ذلك قال عمر بن عبد العزيز وخارجة بن زيد وأبان بن عثمان وابن سيرين وغيرهم ولم يخالفهم من مصرهم أحد الرابع القياس على قسمة الأرض التي وافقنا فيها أبو حنيفة رضي الله عنه إذ لا مرجح الخامس أن في الاستسعاء مشقة وضررا على العبيد بالإلزام وعلى الورثة بتأخير الحق وتعجيل حق الموصي له والقواعد تقتضي تقديم حق الوارث لأن له الثلثين السادس أن مقصود الوصي كمال العتق في العبد ليتفرغ للطلعات ويحوز الاكتساب والمنافع من نفسه وتجزئة العتق تمنع من ذلك وقد لا يحصل الكمال أبدا وأما الأوجه الستة التي احتجوا بها فالأول قول النبي صلى الله عليه وسلم لا عتق إلا فيما يملك ابن آدم والمريض مالك الثلث من كل عبد فينفذ عتقه فيه ولأن الحديث المتقدم واقعة عين لا عموم فيها ولأن قوله اثنين يحتمل شائعين لا معينين ويؤكده أن العادة تقتضي اختلاف قيم العبيد فيتعذر أن يكون اثنان معينان ثلث ماله وجوابه أن العتق إنما وقع فيما يملك وما قال العتق في كل ما يملك فإذا نفذ العتق في عبدين وقع العتق فيما يملك وقولهم إنه قضية عين فنقول هي وردت في تمهيد قاعدة كلية كالرجم وغيره فتعم ولقوله عليه السلام حكمي على الواحد حكمي على الجماعة وقوله إنه يحتمل أن يكون شائعا باطل بالقرعة لأنها لا معنى لها مع الإشاعة واتفاقهم في القيمة ليس متعذرا عادة لا سيما مع الجلب ووخش الرقيق والوجه الثاني أن القرعة على خلاف القرآن لأنها من الميسر وعلى خلاف القواعد لأن فيه الحرية بالقرعة وجوابه أن الميسر هو القمار وتمييز الحقوق ليس قمارا وقد أقرع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أزواجه وغيرهم
257
257
فارغة
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
واستعملت القرعة في شرائع الأنبياء عليهم السلام فساهم فكان من المدحضين الآية و إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وليس فيها نقل الحرية لأن عتق المريض لم يتحقق لأنه إن صح عتق الجميع وإن طرأت ديون بطل وإن مات وهو يخرج من الثلث عتق من الثلث فلم يقع في علم الله تعالى من العتق إلا ما أخرجته القرعة والوجه الثالث أنه لو أوصى بثلث كل واحد صح فينفذ هاهنا قياسا على ذلك وعلى حال الصحة وجوابه أن مقصود الهبة والوصية والتمليك وهو حاصل في ملك الشائع كغيره ومقصود العتق التخليص للطاعات والاكتساب ولا يحصل مع التبعيض ولأن الملك شائعا لا يؤخر حق الوارث كما تقدم في الوصية وهاهنا يتأخر بالاستسعاء والوجه الرابع أنه لو باع ثلث كل عبد جاز والبيع يلحقه الفسخ والعتق لا يلحقه الفسخ فهو أولى بعدم القرعة لأن فيها تحويل العتق كما تقدم والوجه الخامس أنه لو كان مالكا لثلثهم فأعتقه لم يجتمع ذلك في اثنين منهم والمريض لم يملك غير الثلث فلا يجمع لأنه لا فرق بين عدم الملك والمنع من التصرف في نفوذ العتق وجوابه أنه إذا ملك الثلث فقط لم يحصل تنازع في العتق ولا حرمان من تناوله لفظ العتق والوجه السادس أن القرعة إنما تدخل في جميع الحقوق فيما يجوز التراضي عليه لأن الحرية حالة الصحة لما لم يجز التراضي على انتقاضها لم يجز القرعة فيها والأموال يجوز التراضي فيها قد خلت القرعة فيها وجوابه أن الوارث لو رضي تنفيذ عتق الجميع لصح فهو يدخله الرضا ا ه كلام الأصل وسلمه أبو القاسم بن الشاط

258
258
الفرق الحادي والأربعون والمائتان بين قاعدة المعصية التي هي كفر وقاعدة ما ليس بكفر
اعلم أن النهي يعتمد المفاسد كما أن الأوامر تعتمد المصالح فأعلى رتب المفاسد الكفر وأدناها الصغائر والكبائر متوسطة بين المرتبتين وأكثر التباس الكفر إنما هو بالكبائر فأعلى رتب الكبائر يليها أدنى رتب الكفر وأدنى رتب الكبائر يليها أعلى رتب الصغائر وأصل الكفر إنما هو انتهاك خاص لحرمة الربوبية إما بالجهل بوجود الصانع أو صفاته العلى ويكون الكفر بفعل كرمي المصحف في القاذورات أو السجود للصنم أو التردد للكنائس في أعيادهم بزي النصارى ومباشرة أحوالهم أو جحد ما علم من الدين بالضرورة فقولنا انتهاك خاص احتراز من الكبائر والصغائر فإنها انتهاك وليست كفرا وسيأتي بيان هذا الخصوص بعد هذا إن شاء الله تعالى
وجحد ما علم من الدين بالضرورة كجحد الصلاة والصوم ولا يختص ذلك
هامش أنوار البروق
قال
الفرق الحادي والأربعون والمائتان بين قاعدة المعصية التي هي كفر وقاعدة ما ليس بكفر إلى قوله والكبائر متوسطة بين المرتبتين
قلت إن أراد المفاسد بمقتضى الشرع فلا شك أن الكفر أعظم المفاسد وما عداه تتفاوت رتبه
قال وأكثر التباس الكفر إنما هو بالكبائر إلى قوله وأدنى رتب الكبائر يليها أعلى رتب الصغائر قلت ما قاله من أن أكثر التباس الكفر إنما هو بالكبائر ليس بصحيح وكيف يلتبس الكفر بالكبائر والكفر أمر اعتقادي والكبائر أعمال وليست باعتقاد سواء كانت أعمالا قلبية أو بدنية
قال وأصل الكفر أنه انتهاك خاص لحرمة الربوبية قلت ليس الكفر انتهاك حرمة الربوبية ولكنه
هامش إدرار الشروق
الفرق الحادي و الأربعون والمائتان بين قاعدة المعصية التي هي كفر وقاعدة ما ليس بكفر
الاحتياج للفرق بينهما مبني على ما للأصل من التباس الكفر بالكبائر نظرا لما ادعاه من أن الكفر يشارك مطلق المعصية كبيرة كانت أو صغيرة في أمرين
الأمر الأول في مطلق انتهاك حرمة الربوبية
الأمر الثاني في مطلق المفسدة وذلك أن كلا من الكفر والمعصية منهي عنه والنواهي تعتمد المفاسد كما أن الأوامر تعتمد المصالح ولكن أعلى رتب المفاسد الكفر وأدناها الصغائر والمتوسط بين الرتبتين الكبائر فأعلى رتب الكبائر يليها أدنى رتب الكفر وأدنى رتب الكبائر يليها أعلى رتب الصغائر وحينئذ فأكثر التباس الكفر إنما هو بالكبائر
قال ما تهذيبه والمجال في تحرير الفرق بينهما صعب بل التعرض إلى الحد الذي يمتاز به أعلى رتب الكبائر من أدنى رتب الكفر عسير جدا وذلك أن أصل الكفر إنما هو انتهاك خاص لحرمة الربوبية إما بالجهل بوجود الصانع أو صفاته تعالى
259
259
بالواجبات والقربات بل لو جحد بعض الإباحات المعلومة بالضرورة كفر كما لو قال إن الله تعالى لم يبح التين ولا العنب ولا يعتقد أن جاحد ما أجمع عليه يكفر على الإطلاق بل لا بد أن يكون المجمع عليه مشتهرا في الدين حتى صار ضروريا فكم من المسائل المجمع عليها إجماعا لا يعلمه إلا خواص الفقهاء فجحد مثل هذه المسائل التي يخفى الإجماع فيها ليس كفرا بل قد جحد أصل الإجماع جماعة كبيرة من الروافض والخوارج كالنظام ولم أر أحدا قال بكفرهم من حيث إنهم جحدوا أصل الإجماع وسبب ذلك أنهم بذلوا جهدهم في أدلته فما ظفروا بها كما ظفر بها الجمهور فكان ذلك عذرا في حقهم
كما أن متجدد الإسلام إذا قدم من أرض الكفر وجحد في مبادئ أمره بعض شعائر الإسلام المعلومة لنا من الدين بالضرورة لا نكفره لعذره بعدم الاطلاع وإن كنا نكفر بذلك الجحد غيره وبهذا التقريب نجيب عن سؤال السائل كيف تكفرون جاحد المسائل المجمع عليها ولا تكفرون جاحد أصل الإجماع وكيف يكون الفرع أقوى من الأصل
والجواب بأن نقول إنا لم نكفر بالمجمع عليه من حيث هو مجمع عليه
هامش أنوار البروق
الجهل بالربوبية فلا يصدر عادة ممن يدين بالربوبية
قال أما الجهل بوجود الصانع أو صفاته العلى قلت الجهل بذلك هو الكفر خاصة عند من لا يصحح الكفر عنادا وأما عند من يصححه فالكفر إما الجهل بالله تعالى وإما جحده وانتهاك الحرمة إنما يكون مع الجهل أما مع العلم فيتعذر عادة والله تعالى أعلم
قال ويكون الكفر بفعل كرمي المصحف في القاذورات قلت رمي المصحف في القاذورات لا يخلو أن يكون مع العلم بالله تعالى أو مع الجهل به فإن كان مع الجهل فالكفر هو الجهل لا عين رميه وإن كان مع العلم بالله تعالى فلا يخلو أن يكون مع التكذيب به أو لا فإن كان مع التكذيب به فهو كفر وإلا فهو معصية غير كفر
هامش إدرار الشروق
وإما بالجرأة على الله تعالى بكرمي المصحف في القاذورات أو السجود للصنم أو التردد للكنائس في أعيادهم بزي النصارى ومباشرة أحوالهم أو جحد ما أجمع عليه وعلم من الدين بالضرورة ولو كان ذلك من بعض المباحات فجحد إباحة الله التين والعنب كفر كجحد الصلاة والصوم ومعنى علمه من الدين بالضرورة أن يشتهر في الدين حتى يصير ضروريا فجحد المسائل المجمع عليها إجماعا لا يعلمه إلا خواص الفقهاء بحيث يخفى الإجماع فيها ليس كفرا قال بل قد جحد أصل الإجماع جماعة كبيرة من الروافض والخوارج كالنظام ولم أر أحدا قال بكفرهم من حيث إنهم جحدوا أصل الإجماع
وسبب ذلك أنهم بذلوا جهدهم في أدلته فما ظفروا بها كما ظفر بها الجمهور فكان ذلك عذرا في حقهم كما أن متجدد الإسلام إذا قدم من أرض الكفر وجحد في مبادئ أمره معنى شعائر الإسلام المعلومة لنا من الدين بالضرورة لا نكفره لعذره بعدم الاطلاع وإن كنا نكفر بذلك الجحد غيره فعلم من هذا أنا لا نكفر بالمجمع عليه من حيث هو مجمع عليه حتى يقال كيف تكفرون جاحد المسائل المجمع عليها ولا تكفرون جاحد أصل الإجماع
260
260
بل من حيث الشهرة المحصلة للضرورة فمتى انضافت هذه الشهرة للإجماع كفر جاحد المجمع عليه وإذا لم تنضف لم نكفره وعلى هذا التقرير لم يجعل الفرع أقوى من الأصل وإنما يلزم ذلك أن لو كفرنا به من حيث هو مجمع عليه لا من حيث هو مشتهر فمن جحد إباحة الفرائض لا نكفره من حيث إنه مجمع عليه فإن انعقاد الإجماع فيه إنما يعلمه خواص الفقهاء أو الفقهاء دون غيرهم وألحق الأشعري بالكفر إرادة الكفر كبناء الكنائس ليكفر فيها أو قتل نبي مع اعتقاده صحة رسالته ليميت شريعته ومنه تأخير إسلام من أتى ليسلم على يديك فتشير عليه بتأخير الإسلام لأنه إرادة لبقاء الكفر
ولا يندرج في إرادة الكفر الدعاء بسوء الخاتمة على من تعاديه وإن كان فيه إرادة الكفر لأنه ليس مقصودا فيه انتهاك حرمة الله تعالى بل إذاية المدعو عليه وليس منه أيضا اختيار الإمام عقد الجزية على الأسارى على القتل الموجب لمحو الكفر من قلوبهم وفي عقد الجزية إرادة استمرار الكفر في قلوبهم فهو فيه إرادة الكفر لأن مقصوده توقع الإسلام منهم أو من ذراريهم إذا بقوا أحياء وفي تعجيل القتل عليهم سد باب الإيمان منهم ومن ذريتهم فالمقصود توقع
هامش أنوار البروق
قال والسجود للصنم قلت إن كان السجود للصنم مع اعتقاد كونه إلها فهو كفر وإلا فلا بل يكون معصية إن كان لغيره إكراه أو جائز عند الإكراه قال أو التردد إلى الكنائس في أعيادهم ومباشرة أحوالهم قلت هذا ليس بكفر إلا أن يعتقد معتقدهم
قال أو جحد ما علم من الدين بالضرورة قلت هذا كفر إن كان جحده بعد علمه فيكون تكذيبا وإلا فهو جهل وذلك الجهل معصية لأنه مطلوب بإزالة مثل هذا الجهل على وجه الوجوب
قال فقولنا انتهاك خاص احتراز من الكبائر والصغائر فإنها انتهاك وليست كفرا وسيأتي بيان هذا الخصوص بعد هذا إن شاء الله تعالى قلت ليست الكبائر والصغائر انتهاكا لحرمة الله تعالى وإنما هي جرأة على مخالفة تحمل عليها الأغراض والشهوات
قال وجحد ما علم من الدين بالضرورة إلى قوله وإن كنا نكفر بذلك الجحد غيره قلت ما قاله في ذلك صحيح إلا كونه اقتصر على
هامش إدرار الشروق
وكيف يكون الفرع أقوى من الأصل بل نكفر به من حيث الشهرة المحصلة للضرورة فمن جحد إباحة القراض لا نكفره وإن كان مجمعا عليه لأن انعقاد الإجماع فيه إنما يعلمه خواص الفقهاء أو الفقهاء دون غيرهم فلم يجعل الفرع أقوى من الأصل فافهم وألحق الأشعري بالكفر أي جرأة على الله تعالى إرادة الكفر كبناء الكنائس ليكفر فيها أو قتل نبي مع اعتقاده صحة رسالته ليميت شريعته ومنه تأخير إسلام من أتى ليسلم على يديك فتشير عليه بتأخير الإسلام لأنه إرادة لبقاء الكفر ولا يندرج في إرادة الكفر الدعاء بسوء الخاتمة على من تعاديه وإن كان فيه إرادة الكفر لأنه ليس مقصودا فيه انتهاك حرمة الله بل إذاية المدعو عليه
وليس منه أيضا اختيار الإمام عقد الجزية على الأسارى الموجب لاستمرار الكفر في قلوبهم على قتلهم الموجب لمحو الكفر من قلوبهم لأن مقصوده توقع الإسلام منهم أو من ذريتهم إذا بقوا أحياء وعدم سد باب الإيمان منهم ومن ذريتهم بقتلهم
261
261
الإيمان وحصول الكفر وقع بالعرض فهو مشروع مأمور به واجب عند تعيين مقتضيه ويثاب عليه الإمام والفاعل له بخلاف الدعاء بسوء الخاتمة فهو منهي عنه ويأثم قائله وإن لم يكفر بذلك
واستشكل بعض العلماء الفرق بين السجود للشجرة والسجود للوالد في أن الأول كفر دون الثاني وإن كان الساجد في الحالتين معتقدا ما يجب لله تعالى وما يستحيل وما يجوز عليه وإنما أراد التشريك في السجود وهو يعتقد بذلك التقرب إلى الله تعالى كما يعتقده الساجد للوالد وقد قالت عبدة الأوثان ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى مع أن القاعدة أن الفرق بين الكفر والكبيرة إنما هو بعظم المفسدة وصغرها لاشتراك الجميع في المفسدة والنهي والتحريم وما بين هاتين الصورتين من المفسدة التي نعلمها ما يقتضي الكفر في إحداهما دون الأخرى وقد أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا له ولم يكن قبلة على أحد القولين بل هو المقصود بالتعظيم بذلك السجود ولم يقل أحد إن الله تعالى أمر هنالك بما نهى عنه من الكفر ولا أنه أباح الكفر لأجل آدم ولا أن في السجود لآدم مفسدة تقتضي كفرا
هامش أنوار البروق
اشتراط شهرة ذلك الأمر من الدين بل لا بد من اشتهار ذلك من وصول ذلك إلى هذا الشخص وعلمه به فيكون إذ ذاك مكذبا لله تعالى ولرسوله فيكون بذلك كافرا أما إذا لم يعلم ذلك الأمر وكان من معالم الدين المشتهرة فهو عاص بترك التسبب إلى علمه ليس بكافر والله تعالى أعلم قال وبهذا التقرير نجيب على سؤال السائل إلى قوله الإجماع فيه إنما يعلمه خواص الفقهاء أو الفقهاء دون غيرهم قلت ما قاله في ذلك صحيح إلا ما نقضه من شرط علم هذا الشخص بذلك الأمر المشتهر
قال وألحق الشيخ أبو الحسن الأشعري رضي الله تعالى عنه بالكفر إرادة الكفر كبناء الكنائس ليكفر فيها قلت إن كان بناها الشخص لاعتقاده رجحان الكفر على الإسلام فهو كفر لا شك وإن كان بناها الكافر إرادة التقرب إليه والتودد له بذلك فهو معصية لا كفر
قال أو قتل نبي مع اعتقاده صحة رسالته ليميت شريعته قلت ذلك كفر ولكن لا يتأتى فرضه إلا على قول من يجوز الكفر عنادا
قال ومنه تأخير إسلام من أتى ليسلم على يديك فتشير عليه بتأخير الإسلام لأنه إرادة لبقاء الكفر قلت ذلك قد يكون كفرا إن كان
هامش إدرار الشروق
فحصول الكفر بإبقائهم أحياء وقع بالعرض فهو مشروع مأمور به بل واجب عند تعين مقتضيه ويثاب عليه الإمام الفاعل بخلاف الدعاء بسوء الخاتمة فإنه منهي عنه ويأثم قائله وإن لم يكفر بذلك
قال والانتهاك الخاص المميز للكفر عن الكبائر والصغائر إنما يتبين خصوصه ببيان أقسام الجهل بالله تعالى وبيان ما يتعلق بالجرأة على الله تعالى فأما أقسام الجهل فعشرة
أحدها
ما لم نؤمر بإزالته أصلا ولم نؤاخذ ببقائه لأنه لازم لنا لا يمكن الانفكاك عنه وهو جلال الله تعالى وصفاته التي لم تدل عليها الصنعة ولم يقدر العبد على تحصيله بالنظر فعفا عنه لعجزنا عنه وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وقول الصديق العجز عن درك الإدراك إدراك
وثانيها ما أجمع المسلمون على أنه كفر قال القاضي عياض في
262
262
ولو فعل من غير أمر ربه ولا يمكن أن يقال إن الأمر والنهي عنهما سببا المفاسد والمصالح فإن نهى عن السجود كان مفسدة وإن أمر به كان مصلحة لأن هذا يلزم منه الدور لأن المفسدة تكون حينئذ تابعة للنهي مع أن النهي يتبع المفسدة فيكون كل واحد منهما تابعا لصاحبه فيلزم الدور بل الحق أن المفسدة يتبعها النهي وما لا مفسدة فيه لا يكون منهيا عنه واستقراء الشرائع يدل على ذلك فإن السرقة لما كان فيها ضياع المال نهى عنها ولما كان في القتل فوات الحياة نهى عنه ولما كان في الزنا مفسدة اختلاط الأنساب نهى عنه ولما كان في الخمر ذهاب العقول نهى عنه فلا جرم لما صار الخمر خلا ذهب عنه النهي ولما كان عصيرا لا يفسد العقل لم يكن منهيا عنه فالاستقراء دل على أن المفاسد والمصالح سابقة على الأوامر والنواهي والثواب والعقاب تابع للأوامر والنواهي فما فيه مفسدة ينهى عنه فإذا فعل حصل العقاب وما فيه مصلحة أمر به فإذا فعل حصل الثواب فالثواب والعقاب في الرتبة الأولى فلو علل الأمر والنهي بالثواب والعقاب لزم تقدم الشيء على نفسه برتبتين ولذلك يقول
هامش أنوار البروق
إنما أشار بالتأخير لاعتقاده رجحان الكفر وقد لا يكون كفرا إن كان إنما أراد بالتأخير لكونه لا يريد لهذا الإسلام لحقد له عليه أو نحو ذلك مما يستلزم أن يعتقد المشير رجحان الكفر
قال ولا يندرج في إرادة الكفر الدعاء بسوء الخاتمة على من تعاديه وإن كان فيه إرادة الكفر لأنه ليس مقصودا فيه انتهاك حرمة الله تعالى بل إذاية المدعو عليه قلت هذا الذي قاله هنا موافق لما قلته في مسألة الإشارة بتأخير الإسلام من جهة أنه لم يشر بذلك عليه إلا بقصد إذايته لا لاعتقاده رجحان الكفر
قال وليس منه أيضا اختيار الإمام عقد الجزية على الأسارى على القتل الموجب لمحو الكفر من قلوبهم وفي عقد الجزية إرادة استمرار الكفر في قلوبهم فهو فيه إرادة الكفر لأن مقصوده توقع الإسلام منهم أو من ذراريهم إذا بقوا أحياء وفي تعجيل القتل عليهم سد باب الإيمان منهم ومن ذريتهم فالمقصود توقع الإيمان وحصول الكفر وقع بالعرض قلت ما حام عليه في هذا الفصل كله صحيح وهو أن استبقاء الأسارى وضرب الجزية عليهم
هامش إدرار الشروق
كتاب الشفاء انعقد الإجماع على تكفير من جحد أن الله تعالى عالم أو متكلم أو غير ذلك من صفاته الذاتية فإن جهل الصفة ولم ينفها كفره الطبري وغيره وقيل لا يكفر وإليه رجع الأشعري لأنه لم يصمم على اعتقاد ذلك ويعضده حديث القائل لئن قدر الله علي ليعذبني الحديث وحديث السوداء لما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أين الله قالت في السماء قال ولو كوشف أكثر الناس على الصفات لم يعلمها
قال الأصل فنفي الصفات والجزم بنفيها هو المجمع عليه وليس معناه نفي العلم أو الكلام أو الإرادة ونحو ذلك بل العالم والمتكلم والمريد فالمجمع على كفره هو من نفى أصل المعنى وحكمه وهذا هو مذهب جمع كثير من الفلاسفة والدهرية دون أرباب الشرائع
والثالث ما اختلف في التكفير
263
263
الأغبياء من الطلبة مصلحة هذا الأمر أنه يثاب عليه فيعللون بالثواب والعقاب وهو غلط وأما الجهل بالله تعالى عشرة أقسام
أحدها
ما لم نؤمر بإزالته أصلا ولم نؤاخذ ببقائه لأنه لازم لنا لا يمكن الانفكاك عنه وهو جلال الله تعالى وصفاته التي لم تدل عليها الصنعة ولم يقدر العبد على تحصيله بالنظر فعفا عنه لعجزنا عنه وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وقول الصديق العجز عن درك الإدراك إدراك وقسم أجمع المسلمون على أنه كفر قال القاضي عياض في كتاب الشفاء انعقد الإجماع على تكفير من جحد أن الله تعالى عالم أو متكلم أو غير ذلك من صفاته الذاتية فإن جهل الصفة ولم ينفها كفره الطبري وغيره وقيل لا يكفر وإليه رجع الأشعري لأنه لم يصمم على اعتقاد ذلك ويعضده حديث القائل لئن قدر الله علي ليعذبني الحديث
وحديث السوداء لما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أين الله قالت في السماء قال ولو كوشف أكثر الناس على الصفات لم يعلمها قلت فنفي الصفات والجزم بنفيها هو المجمع عليه وليس معناه نفي العلم
هامش أنوار البروق
لا يتعين أنه إيثار لاستمرار الكفر وإذا لم يتعين أن يكون لذلك لم يكن كفرا
قال فهو مشروع مأمور به واجب عند تعيين مقتضيه ويثاب عليه الإمام الفاعل له بخلاف الدعاء بسوء الخاتمة فهو منهي عنه ويأثم قائله وإن لم يكفر بذلك قلت ما قاله من أنه مشروع مأمور به عند تعين مقتضيه كذلك يكون لو تعين المقتضي ومتى يتعين المقتضي عندنا ونحن لا نعلم عاقبة أمر الأسير واستشكل بعض العلماء الفرق بين السجود للشجرة والسجود للوالد في الأول كفر دون الثاني وإن كان الساجد في الحالتين معتقدا ما يجب لله تعالى
وما يستحيل وما يجوز عليه وإنما أراد التشريك في السجود وهو يعتقد بذلك التقرب إلى الله تعالى كما يعتقده الساجد للوالد وقد قالت عبدة الأوثان ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى
هامش إدرار الشروق
به وهو من أثبت الأحكام دون الصفات فقال إن الله تعالى عالم بغير علم ومتكلم بغير كلام ومريد بغير إرادة وحي بغير حياة وهكذا بقية الصفات وهذا هو حقيقة مذهب المعتزلة وللأشعري ومالك وأبي حنيفة والشافعي والباقلاني في تكفيرهم قولان
والرابع ما اختلف أهل الحق فيه هل هو جهل تجب إزالته أم هو حق لا تجب إزالته فعلى القول الأول هو معصية وما رأيت من يكفر به وذلك كالقدم والبقاء فهل يجب أن ينعقد أن الله تعالى باق ببقاء قديم ويعصي من لم يعتقد ذلك أو يجب أن لا يعتقد ذلك بل الله تعالى باق بغير بقاء وقديم بغير قدم واعتقاد خلاف ذلك جهل حرام عكس المذهب الأول والفرق بين البقاء والقدم وغيرهما من الصفات مذكور في كتب أصول الدين
والصحيح هنالك أن البقاء والقدم لا وجود لهما في الخارج بخلاف العلم والإرادة وغيرهما
264
264
أو الكلام أو الإرادة ونحو ذلك بل العالم والمتكلم والمريد فمن نفى أصل المعنى وحكمه هو المجمع على كفره وهذا هو مذهب جمع كثير من الفلاسفة والدهرية دون أرباب الشرائع
القسم الثالث ما اختلف في التكفير به وهو من أثبت الأحكام دون الصفات فقال إن الله تعالى عالم بغير علم ومتكلم بغير كلام ومريد بغير إرادة وحي بغير حياة وكذلك في بقية الصفات فهذا هو حقيقة مذهب المعتزلة وللأشعري ومالك وأبي حنيفة والشافعي والباقلاني في تكفيرهم قولان
القسم الرابع
ما اختلف أهل الحق فيه هل هو جهل تجب إزالته أم هو حق لا تجب إزالته فعلى القول الأول هو معصية وما رأيت من يكفر به وذلك كالقدم والبقاء فهل يجب أن يعتقد أن الله تعالى باق ببقاء قديم ويعصي من لم يعتقد ذلك أو يجب أن لا يعتقد ذلك بل الله تعالى باق بغير بقاء وقديم بغير قدم واعتقاد خلاف ذلك جهل حرام عكس المذهب الأول والفرق بين البقاء والقدم وغيرهما من الصفات مذكور في كتب أصول الدين والصحيح هنالك أن البقاء والقدم لا
هامش أنوار البروق
قلت الساجد للشجرة والساجد للوالد إن سجد كل واحد منهما مع اعتقاد أن المسجود له شريك الله تعالى فهو كفر وإن سجد لا مع ذلك الاعتقاد بل تعظيما عاريا عن ذلك الاعتقاد فهو معصية لا كفر وإن سجد الساجد للشجرة مع اعتقاد أنه شريك لله تعالى وسجد الساجد للوالد لا مع ذلك الاعتقاد بل تعظيما فالأول كفر والثاني معصية غير كفر أو بالعكس إلا أن نقول أن مجرد السجود للشجرة كفر لأنها قد عبدت مدة ومجرد السجود للوالد ليس بكفر لأنه لم يعبد مدة فيفتقر ذلك إلى توقيف
قال مع أن القاعدة أن الفرق بين الكفر والكبيرة إنما هو بعظم المفسدة وصغرها لاشتراك الجميع في المفسدة والنهي والتحريم وما بين هاتين الصورتين من المفسدة التي نعلمها ما يقتضي
هامش إدرار الشروق
من صفات المعاني السبعة
والخامس جهل يتعلق بالصفات لا بالذات نحو تعلق قدرة الله تعالى بجميع الكائنات وهو مذهب أهل الحق أو لم يتعلق بأفعال الحيوانات وهو مذهب المعتزلة وكتعلق إرادة الله تعالى بتخصيص جميع الكائنات وهو مذهب أهل الحق أو لم تتعلق بأفعال الحيوانات وهو مذهب المعتزلة وللعلماء في تكفيرهم بذلك قولان والصحيح عدم تكفيرهم
والسادس جهل يتعلق بالذات لا بصفة من الصفات مع الاعتراف بوجودها كالجهل بسلب الجسمية والجهة والمكان وهو مذهب الحشوية ومذهب أهل الحق استحالة جميع ذلك على الله تعالى وفي تكفير الحشوية بذلك قولان والصحيح عدم التكفير
وأما سلب الأبوة والبنوة والحلول والاتحاد ونحو ذلك مما هو مستحيل على الله تعالى من هذا القبيل فأجمع المسلمون على تكفير من يجوز ذلك على الله تعالى بخلاف تجويز غيره من المستحيلات كالجهة ونحوها مما تقدم ذكرها والفرق بين القسمين أن القسم الأول الذي هو الجسمية ونحوها فيه عذر عادي فإن الإنسان ينشأ عمره كله وهو لا يدرك موجودا وهو جسم أو قائم بجسم إلا في جهة
265
265
وجود لهما في الخارج بخلاف العلم والإرادة وغيرهما من الصفات السبعة التي هي الحياة والعلم والإرادة والقدرة والكلام والسمع والبصر
القسم الخامس
جهل يتعلق بالصفات لا بالذات نحو تعلق قدرة الله تعالى بجميع الكائنات وهو مذهب أهل الحق أو لم يتعلق بأفعال الحيوانات وهو مذهب المعتزلة وكتعلق إرادة الله تعالى بتخصيص جميع الكائنات وهو مذهب أهل الحق أو لم تتعلق بأفعال الحيوانات وهو مذهب المعتزلة وفي تكفيرهم بذلك للعلماء قولان والصحيح عدم تكفيرهم
القسم السادس جهل يتعلق بالذات لا بصفة من الصفات مع الاعتراف بوجودها كالجهل بسلب الجسمية والجهة والمكان وهو مذهب الحشوية ومذهب أهل الحق استحالة جميع ذلك على الله تعالى وفي تكفير الحشوية بذلك قولان والصحيح عدم التكفير وأما سلب الأبوة والبنوة والحلول والاتحاد ونحو ذلك مما هو مستحيل على الله تعالى من هذا القبيل فأجمع المسلمون على تكفير من يجوز ذلك على الله تعالى بخلاف تجويز غيره من المستحيلات كالجهة ونحوها مما تقدم ذكره
والفرق بين القسمين أن القسم
هامش أنوار البروق
الكفر في إحداهما دون الأخرى وقد أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا له ولم يكن قبلة على أحد القولين بل هو المقصود بالتعظيم بذلك السجود ولم يقل أحد إن الله تعالى أمر هنالك بما نهى عنه من الكفر ولا أنه أباح الكفر لأجل آدم ولا أن في السجود لآدم مفسدة تقتضي كفرا لو فعل من غير أمر ربه ولا يمكن أن يقال إن الأمر والنهي عنهما سببا المفاسد والمصالح فإن نهى عن السجود كان مفسدة وإن أمر به كان مصلحة لأن هذا يلزم منه الدور لأن المفسدة تكون حينئذ تابعة للنهي مع أن النهي يتبع المفسدة فيكون كل واحدة منهما تابعا لصاحبه فيلزم الدور بل الحق أن المفسدة يتبعها النهي وما لا مفسدة فيه لا يكون منهيا عنه واستقراء الشرائع يدل على ذلك فإن السرقة لما كان فيها ضياع المال نهى عنها ولما كان في القتل فوات الحياة نهى عنه ولما كان في الزنا
هامش إدرار الشروق
فكان هذا عذرا عند بعض العلماء ولم يضطر الإنسان في مجاري العادات إلى الأبوة والبنوة والحلول والاتحاد ونحوها فكم من موجود في العالم لم يلد ولم يولد كالأملاك والأفلاك والأرض والجبال والبحار فلما انتفت الشبهة الموجبة للضلال انتفى العذر فلذا انعقد الإجماع على التكفير في هذا القسم واختلف في التكفير في القسم الأول
والسابع الجهل بقدم الصفات لا بوجودها وتعلقها كقول الكرامية بحدوث الإرادة ونحوها وفي التكفير بذلك أيضا قولان الصحيح عدم التكفير
والثامن والتاسع الجهل بما وقع أو يقع من متعلقات الصفات وهو قسمان أحدهما كفر إجماعا وهو المراد هاهنا كجهل الفلاسفة ومن تابعهم بأن الله تعالى أراد بعثة الرسل وأرسلهم لخلقه بالرسائل الربانية وكجهلهم ببعثة الخلائق يوم القيامة وإحيائهم من قبورهم وجزائهم على أعمالهم على التفصيل الوارد في الكتاب والسنة
وثانيهما ما لا خلاف في أنه ليس بمعصية كالجهل بخلق حيوان في العالم أو إجراء نهر أو إماتة حيوان ونحو ذلك
266
266
الأول الذي هو الجسمية ونحوها فيه عذر عادي فإن الإنسان ينشأ عمره كله وهو لا يدرك موجودا إلا في جهة وهو جسم أو قائم بجسم فكان هذا عذرا عند بعض العلماء ولم يضطر الإنسان في مجاري العادات إلى البنوة والأبوة والحلول والاتحاد ونحوها فكم من موجود في العالم لم يلد ولم يولد كالأملاك والأفلاك والأرض والجبال والبحار فلما انتفت الشبهة الموجبة للضلال انتفى العذر فانعقد الإجماع على التكفير فهذا هو الفرق وعليه تدور الفتاوى فمن جوز على الله تعالى ما هو مستحيل عليه يتخرج على هذين القسمين
القسم السابع
الجهل بقدم الصفات لا بوجودها وتعلقها كقول الكرامية بحدوث الإرادة ونحوها وفي التكفير بذلك أيضا قولان الصحيح عدم التكفير
القسم الثامن الجهل بما وقع أو يقع من متعلقات الصفات وهو قسمان أحدهما كفر إجماعا وهو المراد هاهنا كالجهل بأن الله تعالى أراد بعثة الرسل وأرسلهم لخلقه بالرسائل الربانية وكالجهل ببعثة الخلائق يوم القيامة وإحيائهم من قبورهم وجزائهم على أعمالهم على
هامش أنوار البروق
مفسدة اختلاط الأنساب نهى عنه ولما كان في الخمر ذهاب العقول نهى عنه فلا جرم لما صار الخمر خلا ذهب النهي عنه ولما كان عصيرا لا يفسد العقل لم يكن منهيا عنه فالاستقراء دل على أن المفاسد والمصالح سابقة على الأوامر والنواهي والثواب والعقاب تابع للأوامر والنواهي فما فيه مفسدة نهى عنه فإذا فعل حصل العقاب وما فيه مصلحة أمر به فإذا فعل حصل الثواب فالثواب والعقاب في الرتبة الثالثة والأمر والنهي في الرتبة الثانية والمفسدة والمصلحة في الرتبة الأولى فلو علل الأمر والنهي بالثواب والعقاب لزم تقدم الشيء على نفسه برتبتين ولذلك يقول الأغبياء من الطلبة مصلحة هذا الأمر أنه يثاب عليه فيعللون بالثواب والعقاب وهو غلط
قلت تبعية الأمر بالمأمور به الواجب مثلا لمصلحته إنما معناها والمراد بها أنه لولا القصد إلى
هامش إدرار الشروق
نعم قد يكلف الشرع بمعرفة بعض الصور من ذلك لأمر يخص تلك الصورة لا لأن الجهل به في حق الله تعالى منهي عنه
والعاشر الجهل بما وقع من متعلقات الصفات وهو تعلقها بإيجاد ما لا مصلحة فيه للخلق هل يجوز هذا على الله تعالى أم لا فأهل الحق يجوزونه وأن يفعل لعباده ما هو الأصلح لهم وأن لا يفعله كل ذلك له تعالى فكل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل والخلائق دائرون بين فضله وعدله لا يسأل عما يفعل وهم يسألون
والمعتزلة لا يجوزون ذلك ويوجبون عليه تعالى الصلاح والأصلح وفي تكفيرهم بذلك قولان والصحيح عدم تكفيرهم كما تقدم وبتفصيل هذه الأقسام على ما ذكر تبين ما هو كفر منها مما ليس بكفر
وأما ما يتعلق بالجرأة على الله تعالى فهو المجال الصعب في التحرير لأن مخالفة أمر الملك العظيم في جميع المعاصي صغائرها وكبائرها جرأة عليه كيف كان فتمييز ما هو كفر منها مبيح للدم موجب للخلود في النار مما ليس
267
267
التفصيل الوارد في الكتاب والسنة فالجهل بهذا كفر إجماعا وهو مذهب الفلاسفة ومن تابعهم
القسم التاسع
الجهل بما وقع من متعلقات الصفات وهو تعلقها بإيجاد ما لا مصلحة فيه للخلق هل يجوز هذا على الله تعالى أم لا فأهل الحق يجوزونه وأن يفعل لعباده ما هو الأصلح لهم وأن لا يفعله كل ذلك له تعالى فكل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل والخلائق دائرون بين فضله وعدله لا يسأل عما يفعل وهم يسألون وفي تكفير المعتزلة بذلك قولان كما تقدم والصحيح عدم تكفيرهم
القسم العاشر ما وقع من متعلقات الصفات الربانية أو يقع مما لم يكلف به كخلق حيوان في العالم أو إجراء نهر أو إماتة حيوان ونحو ذلك فهذا القسم لا خلاف فيه أنه ليس بمعصية وهو جهل بل قد يكلف بمعرفة ذلك من قبل الشرائع لأمر يخص تلك الصورة لا لأن الجهل به في حق الله منهي عنه وهذا القسم هو أحد القسمين اللذين في القسم الثامن فهذه عشرة أقسام في الجهل المتعلق بذات الله وصفاته العلى ومتعلقات
هامش أنوار البروق
تحصيل المصلحة ما شرع وتبعية المصلحة للأمر إنما معناها والمراد بها أنه لولا شرعية الأمر الباعث على فعل المأمور به ما حصلت فالمأمور به تابع للمصلحة وجوبا والمصلحة تابعة له وجودا ولا غرو أن يكون أحد الشيئين تابعا للثاني من وجه ويكون الثاني تابعا له من وجه آخر كالشجرة والثمرة الشجرة تابعة للثمرة أي لولا المقصد إلى تحصيل الثمرة ما زرعت الشجرة والثمرة تابعة للشجرة أي لولا زرع الشجرة ما حصلت الثمرة وعلى هذين التقريرين يبطل ما ادعاه من الدور ويصح ما قاله الأغبياء من أن الثواب هي المصلحة وهي تابعة وجود الفعل الواجب وفعل الواجب تابع وجوبا لتحصيل المصلحة والموجب لتوهمه الدور الممتنع إنما هو الغفلة عن تغاير جهتي التبعية وقد انزاح الإشكال والحمد لله ذي المن والإفضال
قال وأما الجهل بالله تعالى فهو عشرة أقسام أحدهما ما لم نؤمر بإزالته أصلا ولم نؤاخذ ببقائه
هامش إدرار الشروق
كذلك هو المكان الحرج في التحرير والفتوى فمن هنا استشكل بعض العلماء الفرق بين السجود للشجرة والسجود للوالد بأن الأول كيف يكون كفرا دون الثاني والساجد في الحالين يعتقد ما يجب لله تعالى وما يستحيل وما يجوز عليه وإنما أراد التشريك في السجود وهو يعتقد بذلك التقرب إلى الله تعالى في الحالين وقد قالت عبدة الأوثان ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى
والقاعدة أن الفرق بين الكفر والكبيرة مع اشتراكهما في المفسدة والنهي والتحريم إنما هو بعظم المفسدة وصغرها ولم يظهر عظمها هنا ولا يمكن أن يقال إن الأمر والنهي عن السجود كان مفسدة وإن أمر به كان مصلحة لأن هذا يلزم منه الدور لأن المفسدة حينئذ تكون تابعة للنهي مع أن النهي يتبع المفسدة فيكون كل واحد منهما تابعا لصاحبه فيلزم الدور بل الحق أن المفسدة يتبعها النهي والنهي يتبعه العقاب وما لا مفسدة فيه لا يكون منهيا عنه ولا معاقبا عليه واستقراء الشرائع يدل على النهي عما فيه
268
268
الصفات وبيان الكفر فيها من غيره والمجمع عليه منها من المختلف فيه مفصلا وتبين بذلك ما هو كفر منها مما ليس بكفر هذا ما يتعلق بالجهل وأما ما يتعلق بالجراءة على الله تعالى فهو المجال الصعب في التحرير وذلك أن الصغائر والكبائر وجميع المعاصي كلها جرأة على الله تعالى لأن مخالفة أمر الملك العظيم جراءة عليه كيف كان فتمييز ما هو كفر منها مبيح للدم موجب للخلود هذا هو المكان الحرج في التحرير والفتوى والتعرض إلى الحد الذي يمتاز به أعلى رتب الكبائر من أدنى رتب الكفر عسير جدا بل الطريق المحصل لذلك أن يكثر من حفظ فتاوى المتقدمين المقتدى بهم من العلماء في ذلك وينظر ما وقع له هل هو من جنس ما أفتوا فيه بالكفر أو من جنس ما أفتوا فيه بعدم الكفر فيلحقه بعد إمعان النظر وجودة الفكر بما هو من جنسه فإن أشكل عليه الأمر أو وقعت المشابهة بين أصلين مختلفين أو لم تكن له أهلية النظر في ذلك لقصوره وجب عليه التوفيق ولا يفتي بشيء فهذا هو الضابط لهذا الباب
أما عبارة مانعة جامعة لهذا المعنى فهي من المتعذرات عند من عرف غور هذا الموضع
هامش أنوار البروق
لأنه لازم لنا لا يمكن الانفكاك عنه وهو جلال الله تعالى وصفاته التي لم تدل عليها الصنعة ولم يقدر العبد على تحصيله بالنظر فعفا عنه لعجزنا عنه وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وقول الصديق رضي الله تعالى عنه العجز عن درك الإدراك إدراك
قلت كلامه هذا يقتضي الجزم بأن هناك صفة زائدة على ما دلت عليه الصنعة لكنا لا نعلمها فإن كان يريد أنه لا نعلمها لا جملة ولا تفصيلا فقد تناقض كلامه إذ مساقه يقتضي الجزم بثبوتها على الجملة وإن كنا لا نعلمها على التفصيل وإن كان يريد أنا لا نعلمها على التفصيل وإن علمناها على الجملة فقوله ذلك دعوى لا دليل عليها وهذا المقام مما اختلف الناس فيه فمنهم من يقتضي كلامه أنه لا صفة وراء ما علمناه
هامش إدرار الشروق
مفسدة وعدم النهي عما لا مفسدة فيه
ألا ترى أن السرقة لما كان فيها ضياع المال نهى عنها وأن القتل لما كان فيه فوات الحياة نهى عنه وأن الزنا لما كان فيه اختلاط الأنساب نهى عنه وأن الخمر لما كان فيه ذهاب العقول نهى عنه وأن العصير لما كان لا يفسد العقل لم يكن منهيا عنه وأن الخمر إذا صار خلا انتفى عنه فساد العقل فذهب عنه النهي ويدل أيضا على أن المفاسد والمصالح سابقة على الأوامر والنواهي وأن الثواب والعقاب تابع للأوامر والنواهي فما فيه مفسدة ينهى عنه فإذا فعل حصل العقاب وما فيه مصلحة أمر به فإذا فعل حصل الثواب فالثواب والعقاب في الرتبة الثالثة والأمر والنهي في الرتبة الثانية والمفسدة والمصلحة في الرتبة الأولى فلو علل الأمر والنهي بالثواب والعقاب لزم تقدم الشيء على نفسه برتبتين فقول الأغبياء من الطلبة مصلحة هذا الأمر أنه يثاب عليه غلط
وحيث علمت ذلك فالطريق المحصل للحد الذي يمتاز به أعلى رتب الكبائر من أدنى رتب الكفر هو أن يكثر من حفظ فتاوى المتقدمين المقتدى بهم من العلماء في ذلك
269
269
سألة
اتفق الناس فيما علمت على تكفير إبليس بقضيته مع آدم عليه السلام وليس مدرك الكفر فيها الامتناع من السجود وإلا لكان كل من أمر بالسجود فامتنع منه كافرا وليس الأمر كذلك ولا كان كفره لكونه حسد آدم على منزلته عند الله تعالى وإلا لكان كل حاسد كافرا ولا كان كفره لعصيانه وفسوقه من حيث هو عصيان وفسوق وإلا كان كل عاص وفاسق كافرا وقد أشكل ذلك على جماعة من الفقهاء وينبغي أن تعلم أن إبليس إنما كفر بنسبة الله تعالى إلى الجور والتصرف الذي ليس بمرضي ظهر ذلك من فحوى قوله أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ومراد أن إلزام العظيم الجليل بالسجود للحقير من التصرف الرديء والجور والظلم فهذا وجه كفره وقد أجمع المسلمون على أن من نسب الله تعالى لذلك فقد كفر لأنه من الجرأة العظيمة
مسألة
أطلق المالكية وجماعة معهم الكفر على الساحر وأن السحر كفر ولا شك أن هذا قريب من حيث الجملة غير أنه عند الفتيا في جزئيات الوقائع يقع فيه الغلط العظيم المؤدي إلى هلاك المفتي والسبب في ذلك أنه إذا قيل للفقيه ما هو السحر وما حقيقته
هامش أنوار البروق
ومنهم من يقتضي كلامه أن هناك صفات لا نعلمها ومنهم من يقتضي كلامه الوقف في ذلك وهو الصحيح ويترتب على ذلك أن لا تكليف بإزالة هذا الجهل ولا مؤاخذة ببقائه كما قال والله تعالى أعلم ولا دليل له في قول النبي صلى الله عليه وسلم لاحتمال أن يريد لا أستطيع المداومة والاستمرار على الثناء عليك للقواطع عن ذلك كالنوم وشبهه ولا في كلام الصديق رضي الله تعالى عنه لاحتمال أن يريد العجز عن الاطلاع على جميع معلومات الله تعالى اطلاع على الفرق بين الرب والمربوب والمالك والمملوك والخالق والمخلوق وذلك هو صريح الإيمان وصحيح الإيقان والله تعالى أعلم
قال وقسم أجمع المسلمون على أنه كفر قال القاضي عياض في كتاب الشفاء انعقد الإجماع على تكفير من جحد أن الله تعالى عالم أو متكلم أو غير ذلك من صفاته الذاتية فإن جهل الصفة ولم ينفها كفره الطبري وغيره وقيل لا يكفر وإليه رجع الأشعري لأنه لم يصمم على اعتقاد ذلك
هامش إدرار الشروق
وينظر ما وقع له من النوازل هل هو من جنس ما أفتوا فيه بالكفر أو من جنس ما أفتوا فيه بعدم الكفر فيلحقه بعد إمعان النظر وجودة الفكر بما هو من جنسه فإن أشكل عليه الأمر أو وقعت المشابهة بين أصلين مختلفين أو لم تكن له أهلية النظر في ذلك لقصوره وجب عليه التوقف ولا يفتي بشيء فهذا هو الضابط لهذا الباب
ويوضحه ثلاث مسائل
المسألة الأولى
أن السجود للشجرة إنما اقتضى الكفر دون السجود للوالد لأن فيه من المفسدة التي نعلمها ما يقتضي الكفر دون السجود للوالد إذ الشجرة ليست من المقصود بالتعظيم شرعا وقد عبدت مدة بخلاف الوالد فإنه من المقصود بالتعظيم شرعا ولم يعبد مدة وقد أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا له ولم يكن قبلة على أحد القولين بل هو المقصود بالتعظيم بذلك السجود ولم يقل أحد إن الله تعالى أمر هنالك بما نهى عنه من الكفر ولا أنه أباح الكفر لأجل آدم ولا أن في السجود لآدم مفسدة تقتضي كفرا لو فعل من أمر غير ربه فافهم
المسألة الثانية قال الأصل اتفق الناس فيما علمت على تكفير إبليس بقضيته مع آدم عليه السلام
270
270
حتى يقضى بوجوده على كفر فاعليه يعسر عليه ذلك جدا فإنك إذا قلت له السحر والرقى والخواص والسيميا والهيميا وقوى النفوس شيء واحد وكلها سحر أو بعض هذه الأمور سحر وبعضها ليس بسحر فإن قال الكل سحر يلزمه أن سورة الفاتحة سحر لأنها رقية إجماعا وإن قال بل لكل واحدة من هذه خاصية يختص بها فيقال بين لنا خصوص كل واحد منها وما به تمتاز وهذا لا يكاد يعرفه أحد من المتعرضين للفتيا وأنا طول عمري ما رأيت من يفرق بين هذه الأمور فكيف يفتي أحد بعد هذا بكفر شخص معين أو بمباشرة شيء معين بناء على أن ذلك سحر وهو لا يعرف السحر ما هو ولقد وجد في بعض المدارس بعض الطلبة عنده كراسة فيها آيات للمحبة والبغضة والتهييج والنزيف وغير ذلك من الأمور التي تسميها المغاربة علم المخلاة فأفتوا بكفره وإخراجه من المدرسة بناء على أن الأمور سحر وأن السحر كفر وهذا جهل عظيم وإقدام على شريعة الله بجهل وعلى عباده بالفساد من غير علم فاحذر هذه الخطة الردية المهلكة عند الله وستقف في الفرق الذي بعد هذا على الصواب في ذلك إن شاء الله تعالى
هامش أنوار البروق
ويعضده حديث القائل لئن قدر الله علي ليعذبني الحديث
وحديث السوداء لما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أين الله فقالت في السماء قال ولو كوشف أكثر الناس على الصفات لم يعلمها قال شهاب الدين قلت فنفي الصفات والجزم بنفيها هو المجمع عليه وليس معناه نفي العلم أو الكلام أو الإرادة ونحو ذلك بل العالم والمتكلم والمريد فمن نفى أصل المعنى وحكمه هو المجمع على كفره وهذا هو مذهب كثير من الفلاسفة والدهرية دون أرباب الشرائع قلت أكثر ذلك كله نقل لا كلام فيه إلا الاستدلال بالحديث فإنه موضع لا يكفي في مثله الظواهر مع تعين التأويل في
هامش إدرار الشروق
وليس مدرك الكفر فيها الامتناع من السجود وإلا لكان كل من أمر بالسجود فامتنع منه كافرا وليس الأمر كذلك ولا كان كفره لكونه حسد آدم على منزلته عند الله تعالى وإلا لكان كل حاسد كافرا وليس كذلك ولا كان كفره لعصيانه وفسوقه من حيث هو عصيان وفسوق وإلا لكان كل عاص وفاسق كافرا وليس كذلك
وقد أشكل ذلك على جماعة من الفقهاء بل ينبغي أن تعلم أن مدرك كفره فيها إنما هو بنسبة الله تعالى إلى الجور والتصرف الذي ليس بمرضي كما ظهر ذلك من فحوى قوله أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ومراده أن إلزام العظيم الجليل بالسجود للحقير من التصرف الرديء والجور والظلم وقد أجمع المسلمون على أن من نسب الله تعالى لذلك فقد كفر لأنه من الجرأة العظيمة
المسألة الثالثة
قال الأصل أطلق المالكية وجماعة معهم الكفر على الساحر وأن السحر كفر ولا
271
271
صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
الحديثين من جهة أن حديث لئن قدر الله علي ظاهره ينفي أن الله تعالى قادر واحتمال أن يكون تارة قادرا وتارة غير قادر وليس ظاهره نفي أنه قادر بقدرة وكذلك حديث السوداء ظاهره أن الله تعالى مستقر في السماء استقرار الأجسام وهذا وإن كان غير مجمع على أنه كفر فإنه باطل قطعا لقيام الدليل على ذلك وقد أقرها النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ولا يجوز أن يقر على باطل قطعا فتعين التأويل هنا لأن إقرار النبي صلى الله عليه وسلم على الباطل لا يجوز والله تعالى أعلم
قال شهاب الدين القسم الثالث ما اختلف في التكفير به وهو من أثبت الأحكام دون الصفات إلى آخره قلت ما قاله في ذلك صحيح وهو نقل لا كلام فيه وما قاله في القسم الرابع صحيح غير ما في قول باق بغير بقاء من إيهام التناقض ومراد من عبر بهذه العبارة ليس ظاهرها بل مراده أن البقاء ليس بصفة ثبوتية وما قاله في القسم الخامس صحيح قال القسم السادس جهل يتعلق بالذات لا بصفة من الصفات مع الاعتراف بوجودها كالجهل بسلب الجسمية والجهة والمكان وهو مذهب الحشوية ومذهب أهل الحق استحالة جميع ذلك على الله تعالى وفي تكفير الحشوية بذلك قولان والصحيح عدم تكفيرهم قلت كان الأولى أن يقول جهل بالصفات السلبية لا جهل يتعلق بالذات ولا يحتاج إلى قوله مع الاعتراف بوجودها فإنه في كلامه كالمتناقض مع أن الحشوية ليس مذهبهم الجهل بسلب الجسمية بل مذهبهم إثبات الجسمية وما في معناها إلا أن يطلق على كل مذهب باطل أنه جهل فذلك له وجه
هامش إدرار الشروق
شك أن هذا قريب من حيث الجملة غير أنه عند الفتيا في جزئيات الوقائع يقع فيه الغلط العظيم المؤدي إلى هلاك المفتي والسبب في ذلك أنه إذا قيل للفقيه ما هو السحر وما حقيقته حتى يقضى بوجوده على كفر فاعليه يعسر عليه ذلك جدا فإنك إذا قلت له السحر والرقى والخواص والسيميا والهيميا وقوى النفوس شيء واحد وكلها سحر أو بعض هذه الأمور سحر وبعضها ليس بسحر فإن قال الكل سحر يلزمه أن سورة الفاتحة سحر لأنها رقية إجماعا وإن قال بل لكل واحدة من هذه خاصية تختص بها فيقال بين لنا خصوص كل واحدة منها وما به تمتاز وهذا لا يكاد يعرفه أحد من المعترضين للفتيا وأنا طول عمري ما رأيت من يفرق بين هذه الأمور فكيف يفتي أحد بعد هذا بكفر شخص معين أو بمباشرة شيء معين بناء على أن ذلك سحر وهو لا يعرف السحر ما هو ولقد وجد في بعض المدارس عند بعض الطلبة كراسة فيها آيات للمحبة والبغض والتهيج والنزيف وغير ذلك من هذه الأمور التي تسميها المغاربة علم المخلات فأفتوا بكفره وإخراجه من المدرسة بناء على أن هذه الأمور سحر وأن السحر كفر وهذا جهل عظيم وإقدام على شريعة الله بجهل وعلى عباده بالفساد من غير علم فاحذر هذه الخطة الرديئة المهلكة عند الله وستقف في الفرق الذي بعد هذا على الصواب في ذلك إن شاء الله تعالى
ا ه كلام الأصل وذهب الإمام أبو القاسم بن الشاط إلى عدم صحة قوله بالتباس الكفر بالكبائر قال فإن قوله أن النهي يعتمد المفاسد إن أراد المفاسد بمقتضى الشرع فلا شك أن الكفر أعظم المفاسد وما عداه من المعاصي تتفاوت رتبته على أنه كيف يلتبس بها والكفر أمر اعتقادي والكبائر أعمال
272
272
صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
قال وأما سلب البنوة والأبوة والحلول والاتحاد ونحو ذلك مما هو مستحيل على الله تعالى فأجمع المسلمون على تكفير من يجوز ذلك على الله تعالى بخلاف تجويز غيره من المستحيلات كالجهة ونحوها مما تقدم ذكره والفرق بين القسمين أن القسم الأول الذي هو الجسمية ونحوها فيه عذر عادي فإن الإنسان ينشأ عمره كله وهو لا يدرك موجودا إلا في جهة وهو جسم أو قائم بجسم فكان عذرا عند بعض العلماء ولم يضطر الإنسان في مجاري العادات إلى البنوة والأبوة والحلول والاتحاد ونحوها فكم من موجود في العالم لم يلد ولم يولد كالأملاك والأفلاك والأرض والجبال والبحار فلما انتفت الشبهة الموجبة للضلال انتفى العذر فانعقد الإجماع على التكفير فهذا هو الفرق وعليه تدور الفتاوى فمن جوز على الله تعالى ما هو مستحيل عليه يتخرج على هذين القسمين قلت ما قاله في ذلك نقل وتوجيه وهو الصحيح
قال شهاب الدين القسم السابع الجهل بقدم الصفات لا بوجودها وتعلقها كقول الكرامية بحدوث الإرادة ونحوها وفي التكفير بذلك أيضا قولان الصحيح عدم التكفير قلت ما قاله نقل وترجيح لا كلام فيه وما قاله في القسم الثامن صحيح أيضا لكن فيه إطلاق لفظ الجهل على المذهب الباطل فإن الفلاسفة مذهبهم الجزم بأن لا بعثة للأجسام وما قاله في القسم التاسع نقل وترجيح قال القسم العاشر ما وقع من متعلقات الصفات الربانية أو يقع ما لم يكلف به كخلق حيوان
هامش إدرار الشروق
وليست باعتقاد سواء كانت أعمال قلبية أو بدنية قال وليس الكفر انتهاك حرمة الربوبية إذ لا يصدر عادة ممن يدين بالربوبية بل يتعذر عادة مع العلم بالله تعالى وإنما يكون مع الجهل به تعالى فالكفر إما الجهل بوجود الصانع أو صفاته خاصة عند من لا يصحح الكفر وإما الجهل بالله تعالى أو جحده عند من يصحح الكفر عنادا قال ولا نسلم أن مجرد رمي المصحف في القاذورات كفر بل رميه فيها إن كان مع الجهل فالكفر هو الجهل لا عين رميه وإن كان مع العلم بالله تعالى فإن كان مع التكذيب به هو كفر وإن لم يكن معه فهو معصية غير كفر
ولا أن مجرد السجود للصنم كفر بل إن كان مع اعتقاد كونه إلها فهو كفر وإلا فلا بل يكون معصية إن كان لغير إكراه وجائزا إن كان للإكراه ولا أن مجرد التردد إلى الكنائس في أعيادهم بزي النصارى ومباشرة أحوالهم كفر بل ليس هو بكفر إلا أن يعتقد معتقدهم قال وجحد المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة كفر إن كان جحد بعد علمه فيكون تكذيبا وإلا فهو جهل وذلك الجهل معصية لأنه مطلوب بإزالة مثل هذا الجهل على وجه الوجوب وحينئذ فلا يكفي الاقتصار على اشتراط شهرة ذلك الأمر من الدين بل لا بد مع اشتهار ذلك من وصول ذلك إلى هذا الشخص وعلمه به فيكون إذ ذاك مكذبا لله تعالى ولرسوله فيكون بذلك كافرا أما إذا لم يعلم ذلك الأمر وكان من معالم الدين المشتهرة فهو عاص بترك التسبب إلى علمه ليس بكافر بذلك وما يفيده كلام الشهاب من نقص شرط علم الشخص بذلك الأمر المشتهر ليس بصحيح قال ولا نسلم أن الكبائر والصغائر انتهاك لحرمة الله تعالى وإنما هي جرأة على مخالفة تحمل عليها الأغراض والشهوات
قال وبناء الشخص الكنائس ليكفر فيها إن كان الاعتقاد رجحان الكفر على الإسلام فهو كفر لا شك فيه وإن كان لكافر إرادة التقرب إليه والتودد له بذلك فهو معصية لا كفر وقتل الشخص نبيا مع
273
273
صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
في العالم أو إجراء نهر أو إماتة حيوان ونحو ذلك فهذا القسم لا خلاف أنه ليس بمعصية وهو جهل قلت إن أراد الجهل بأن الله تعالى خلق شيئا من الحيوانات الموجودات المعلوم وجودها فذلك كفر لا شك فيه وإن أراد الجهل بأن الله تعالى خلق حيوانا لا يعلم وجوده فذلك ليس بكفر ولا معصية لأن ذلك الجهل ليس براجع إلى الجهل بتعلق صفات الله تعالى به بل بوجود هذا المتعلق
قال بل قد يكلف بمعرفة ذلك من قبل الشرائع لأمر يخص تلك الصورة لا لأن الجهل به في حق الله تعالى منهي عنه قلت إن أراد مثل السحر الذي يكفر به فذلك وإلا فلا أدري ما أراد
قال وهذا القسم الثاني هو أحد القسمين اللذين في القسم الثامن فهذه عشرة أقسام من الجهل المتعلق بذات الله تعالى وصفاته العلى ومتعلقات الصفات وبيان الكفر فيها من غيره والمجمع عليه منها من المختلف فيه مفصلا وتبين بذلك ما هو كفر منها مما ليس بكفر قلت فيما قاله إن أراد حصر الكفر في ذلك نظر
قال هذا ما يتعلق بالجهل وأما ما يتعلق بالجراءة على الله تعالى فهو المجال الصعب في التحرير وذلك أن الصغائر والكبائر وجميع المعاصي كلها جراءة على الله تعالى لأن مخالفة أمر الملك العظيم جراءة عليه كيف كان فتمييز ما هو كفر منها مبيح للدم موجب للخلود هذا هو المكان الحرج في التحرير والفتوى والتعرض إلى الحدود الذي يمتاز به أعلى رتب الكبائر من أدنى رتب الكفر عسير جدا بل الطريق المحصل لذلك أن يكثر من حفظ
هامش إدرار الشروق
اعتقاده صحة رسالته ليميت شريعته لا يتأتى فرض كونه كفرا إلا على قول من يجوز الكفر عنادا وإشارة الشخص على من أتى ليسلم على يديه بتأخير الإسلام لا تكون كفرا إلا إن كانت لاعتقاده رجحان الكفر أما إن كانت لكونه لا يريد لهذا الشخص الإسلام لحقد له عليه أو نحو ذلك مما لا يستلزم أن يعتقد المشير رجحان الكفر فلا تكون كفرا قال ويوافق قولنا في مسألة الإشارة بتأخير الإسلام من أنها ليست بكفر من أنه جهة لم يشر بذلك عليه إلا لقصد إثباته لا لاعتقاده رجحان الكفر قول شهاب الدين ولا يندرج في إرادة الكفر الدعاء بسوء الخاتمة على من تعاديه وإن كان فيه إرادة الكفر لأنه ليس مقصودا فيه انتهاك حرمة الله تعالى بل إذاية المدعو عليه
وقوله وليس منه أيضا اختيار الإمام عقد الجزية على الأسارى الموجب لاستمرار الكفر في قلوبهم على القتل إلى قوله وقع بالعرض فإن معناه أن استبقاء الأسارى وضرب الجزية عليهم لا يتعين أنه إيثار لاستمرار الكفر وإذا لم يتعين أن يكون لذلك لم يكن كفرا وأما ما قاله من أنه مشروع مأمور به عند تعين مقتضيه فنقول كذلك يكون لو تعين المقتضي ومتى يتعين عندنا ونحن لا نعلم ما عاقبة أمر الأسير
قال وكل واحد من الساجد للشجرة والساجد للوالد إن سجد مع اعتقاد أن المسجود له شريك لله تعالى فهو كفر وإن سجد لا مع ذلك الاعتقاد بل تعظيما عاريا عن ذلك الاعتقاد فهو معصية لا كفر وإن سجد الساجد للشجرة مع اعتقاد أنه شريك لله تعالى وسجد الساجد للوالد لا مع ذلك الاعتقاد بل تعظيما فالأول كفر والثاني معصية غير كفر أو كان الأمر بالعكس فبالعكس
وأما إذا قلنا إن مجرد السجود للشجرة كفر لأنها عبدت مدة ومجرد السجود للوالد ليس بكفر لأنه لم
274
274
صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
فتاوى المقتدى بهم من العلماء في ذلك وينظر ما وقع له هل هو من جنس ما أفتوا فيه بالكفر أو من جنس ما أفتوا فيه بعدم الكفر فيلحقه بعد إمعان النظر وجودة الفكر بما هو من جنسه فإن أشكل عليه الأمر أو وقعت المشابهة بين أصلين مختلفين أو لم يكن له أهلية النظر في ذلك لقصوره وجب عليه التوقف ولا يفتي بشيء فهذا هو الضابط لهذا الباب
أما عبارة جامعة لهذا المعنى فهي من المتعذرات عند من عرف غور هذا الموضع قلت ليس ما قاله في ذلك بصحيح فإن التكفير لا يصح إلا بقاطع سمعي وما ذكره ليس كذلك فلا معول عليه ولا مستند فيه والله تعالى أعلم
قال مسألة اتفق الناس فيما علمت على تكفير إبليس بقضيته مع آدم عليه السلام وليس مدرك الكفر فيها الامتناع من السجود وإلا لكان كل من أمر بالسجود فامتنع منه كافرا ولا بحسده لآدم لمنزلته عند الله تعالى وإلا لكان كل حاسد كافرا ولا كان كفره لعصيانه وفسوقه من حيث هو عصيان وفسوق وإلا لكان كل عاص وفاسق كافرا
قلت ما قاله من لزوم الكفر لكل ممتنع من السجود ولكل حاسد ولكل عاص ليس بصحيح لأنه لا يمتنع في العقل أن يجعل الله تعالى حسدا ما وامتناعا ما وعصيانا ما دون سائر ما هو من جنسه كفرا إذ كون أمر ما كفرا أو غير كفر أمر وضعي وضعه الشارع لذلك فلا مانع من أن يكون كفره لامتناعه أو لحسده
هامش إدرار الشروق
يعبد مدة قال ذلك يفتقر إلى توقيف قال ومعنى تبعية الأمر بالمأمور به الواجب مثلا لمصلحته والمراد بها أنه لولا القصد إلى حصول المصلحة ما شرع ومعنى تبعية المصلحة للأوامر والمراد بها أنه لولا شرعية الأمر الباعث على فعل المأمور به ما حصلت فالمأمور به تابع للمصلحة وجوبا والمصلحة تابعة له وجودا وحينئذ فلا غرو أن يكون أحد الشيئين تابعا للآخر من وجه ويكون الآخر تابعا له من وجه آخر كما أن الشجرة تابعة للثمرة وجوبا أي لولا القصد إلى تحصيل الثمرة ما زرعت الشجرة والثمرة تابعة للشجرة وجودا أي لولا زرع الشجرة ما حصلت الثمرة فصح ما قاله الأغبياء من الطلبة من أن الثواب هي المصلحة وهي تابعة وجود الفعل الواجب وفعل الواجب تابع وجوبا بالتحيل المصلحة وبطل ما ادعاه الشهاب من الدور الممتنع وإنما الموجب لتوهمه هو الغفلة عن تغاير جهتي التبعية فانزاح الإشكال والحمد لله ذي المن والأفضال قال وكلام الشهاب في القسم الأول من أقسام الجهل العشرة يقتضي الجزم بأن هناك صفة زائدة على ما دلت عليه الصنعة لكننا لا نعلمها فإن أراد أنا لا نعلمها لا جملة ولا تفصيلا فقد تناقض كلامه فإن مساق كلامه يقتضي الجزم بثبوتها على الجملة وإن كنا لا نعلمها على التفصيل وإن أراد أنا لا نعلمها على التفصيل وإن علمناها على الجملة كان قوله ذلك دعوى لا دليل عليها وقوله عليه السلام لا أحصي إلخ يحتمل أن يريد لا أستطيع المداومة والاستمرار على الثناء عليك للقواطع عن ذلك بكالنوم وشبهه قول الصديق العجز إلخ يحتمل أن يريد أن العجز عن الاطلاع على
275
275
صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
قال وقد أشكل ذلك على جماعة من الفقهاء وينبغي أن يعلم أن إبليس إنما كفر بنسبة الله تعالى إلى الجور والتصرف الذي ليس بمرضي ظهر ذلك من فحوى قوله أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ومراده أن إلزام العظيم الجليل بالسجود للحقير من التصرف الرديء والجور والظلم قلت ما قاله في ذلك محتمل وهو الظاهر مع احتمال أن يكون كفره لامتناعه أو لحسده أو لهما مع ذكره من التجوير أو التجوير خاصة فلا مانع من عقل ولا نقل من ذلك
قال فهذا
هامش إدرار الشروق
جميع معلومات الله تعالى اطلاع على الفرق بين الرب والمربوب والمالك والمملوك والخالق والمخلوق وذلك هو صريح الإيمان وصحيح الإيقان
قال وهذا المقام مما اختلف الناس فيه فمنهم من يقتضي كلامه أنه لا صفة وراء ما علمناه ومنهم من يقتضي كلامه أن هناك صفات لا نعلمها ومنهم من يقتضي كلامه الوقف في ذلك وهو الصحيح ويترتب على ذلك أنه لا تكليف بإزالة هذا الجهل ولا مؤاخذة ببقائه كما قال الشهاب قال وفي الاستدلال بالحديثين على ما نقله في القسم الثاني عن شفاء عياض نظر فإنه موضع قطع لا يكفي في مثله الظواهر مع تعين التأويل في الحديثين من جهة أن ظاهر حديث لئن قدر الله علي ليعذبني بنفي أن الله تعالى قادر ويحتمل أن يكون الله تعالى تارة قادرا أو تارة غير قادر وليس ظاهره نفي أنه قادر بقدرة وكذلك ظاهر حديث السوداء أن الله تعالى مستقر في السماء استقرار الأجسام وهذا وإن كان غير مجمع على أنه كفر إلا أنه باطل قطعا لقيام الدليل على ذلك وقد أقرها النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك فتعين التأويل هنا لأن إقرار النبي صلى الله عليه وسلم على الباطل لا يجوز قال وما قاله في القسم الثالث صحيح وكذا ما قاله في القسم الرابع غير أن قوله باق بغير بقاء لم يرد من عبر به ظاهره لما فيه من التناقض بل مراده أن البقاء ليس بصفة ثبوتية وما قاله في القسم الخامس صحيح وكذا ما قاله في السادس إلا أنه كان الأولى له إبدال قوله جهل يتعلق بالذات بقوله جهل بالصفات السلبية وأن يحذف قوله مع الاعتراف بوجودها فإنه في كلامه كالمتناقض مع أن الجهل بسلب الجسمية ليس مذهب الحشوية بل مذهبهم إثبات الجسمية وما في معناها إلا أن يطلق على كل مذهب باطل أنه جهل فذلك له وجه وما قاله في القسم السابع صحيح وكذا ما قاله في الثامن
لكن إطلاق لفظ الجهل على المذهب الباطل لا على خصوص مذهب الفلاسفة وإلا فمذهبهم الجزم بأن لا بعثة للأجسام والجهل في التاسع إن أراد به الجهل بأن الله تعالى خلق شيئا من الحيوانات الموجودات المعلوم وجودها فذلك كفر لا شك فيه وإن أراد به الجهل بأن الله تعالى خلق حيوانا لا يعلم وجوده فذلك ليس بكفر ولا معصية لأن ذلك ليس براجع إلى الجهل لتعلق صفات الله تعالى به بل بوجود هذا المتعلق وبعض الصور التي قد يكلف الشرع بمعرفتها من ذلك لأمر يخصها إن أراد بها مثل السحر الذي يكفر به فذلك وإلا فلا أدري ما أراد وما قاله في العاشر نقل وترجيح وما قاله فيما يتعلق بالجرأة على الله تعالى
276
276
صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
وجه كفره وقد أجمع المسلمون على أن من نسب الله تعالى لذلك فقد كفر لأنه من الجرأة العظيمة قلت ما قاله من الإجماع صحيح وما قاله من أن ذلك من الجرأة العظيمة ليس بصحيح بل إنما كان ذلك لأنه من الجهل العظيم بجلال الله تعالى وبأنه منزه من التصرف الرديء والجور والظلم وأن ذلك ممتنع في حقه عقلا وسمعا وما قاله في المسألة صحيح إن كان ما بنى عليه كلاما صحيحا
هامش إدرار الشروق
ليس بصحيح فإن التكفير لا يصح إلا بقاطع سمعي وما ذكره ليس كذلك فلا معول عليه ولا مستند فيه فما قاله في المسألة الأولى جوابا عما استشكله بعض العلماء من الفرق بين كون السجود للشجرة كفرا والسجود للوالد ليس بكفر قد تقدم أنه يفتقر إلى توقيف وتقدم ما يدفع الإشكال فلا تغفل وما قاله في المسألة الثانية من لزوم الكفر لكل ممتنع من السجود ولكل حاسد ولكل عاص ليس بصحيح لأنه لا يمنع في العقل أن يجعل الله تعالى حسدا ما وامتناعا وعصيانا ما دون سائر ما هو من جنسه كفرا إذ كون أمر ما كفرا أو غير كفر أمر وضعي وضعه الشارع لذلك فلا مانع من أن يكون كفره لامتناعه أو لحسده وما قاله في مدرك كفر إبليس في قضيته مع آدم هو الظاهر مع احتمال أن يكون كفره لامتناعه أو لحسده أو لهما أو مع ما ذكره من التجوير أو للتجوير خاصة إذ لا مانع من عقل ولا نقل من ذلك وما قاله من الإجماع صحيح لكن لا بما علله به بقوله لأنه من الجرأة العظيمة فإنه ليس بصحيح بل إنما كان ذلك لأنه من الجهل العظيم بجلال الله تعالى وأنه منزه عن التصرف الرديء والجور والظلم وأن ذلك ممتنع في حقه عقلا وسمعا وما قاله في المسألة الثالثة صحيح إن كان ما بنى عليه كلامه صحيحا والله أعلم
ا ه كلامه ملخصا
قلت ومراده بما بنى عليه كلامه قوله فإن قال الكل سحر يلزمه أن سورة الفاتحة سحر وقد علمت مما مر عنه أن هذا اللزوم ونحوه ليس بصحيح إذ لا يمتنع عقلا جعل نوع من الرقى سحرا دون ما عداه بل سيصرح الأصل بالفرق الذي بعد هذا بذلك فافهم والله سبحانه وتعالى أعلم
277
277
الفرق الثاني والأربعون والمائتان بين قاعدة ما هو سحر يكفر به وبين قاعدة ما ليس كذلك
واعلم أن السحر يلتبس بالهيمياء والسيمياء والطلسمات والأوفاق والخواص المنسوبة للحقائق والخواص المنسوبة للنفوس والرقى والعزائم والاستخدامات فهذه عشر حقائق
الحقيقة الأولى السحر وقد ورد الكتاب العزيز بذمه لقوله تعالى ولا يفلح الساحر حيث أتى وفي السنة أيضا لما عد عليه السلام الكبائر قال والسحر غير أن الكتب الموضوعة في السحر وضع فيها هذا الاسم على ما هو كذلك كفر ومحرم وعلى ما ليس كذلك وكذلك السحرة يطلقون لفظ السحر على القسمين فلا بد من التعرض لبيان ذلك فنقول السحر اسم جنس لثلاثة أنواع
النوع الأول السيمياء وهو عبارة عما يركب من خواص أرضية كدهن خاص أو مائعات خاصة أو كلمات خاصة
هامش أنوار البروق
قال الفرق الثاني والأربعون والمائتان بين قاعدة ما هو سحر يكفر به وبين قاعدة ما ليس كذلك إلى منتهى قوله فهذه أنواع السحر الثلاثة قلت ذلك نقل لا كلام فيه إلا أن السحر على الجملة منه ما هو خارق للعوائد ومنه غير ذلك وجميعه من جملة أفعال الله تعالى الجائزة عقلا فلا غرو أن ينتهي إلى الإحياء والإماتة وغير ذلك اللهم إلا أن يكون هنالك مانع سمعي من وقوع بعض تلك الجائزات وقد سبقت له حكاية إجماع الأمة على أنه لا يصل إلى إحياء الموتى وإبراء الأكمه وفلق البحر وإنطاق البهائم وهذا الإجماع الذي حكاه لا يصح أن يكون مستنده إلا التوقيف ولا أعرف الآن صحة ذلك الإجماع ولا التوقيف الذي استند إليه ذلك الإجماع
هامش إدرار الشروق
277
الفرق الثاني والأربعون والمائتان بين قاعدة ما هو سحر يكفر به وبين ما هو قاعدة ما ليس كذلك
وهو أن أنواع السحر أربعة
الأول
السيمياء وهو عبارة عما يركب من خواص أرضية كدهن خاص أو مائعات خاصة أو كلمات خاصة توجب تخيلات خاصة وإدراك الحواس الخمس أو بعضها لحقائق خاصة من المأكولات والمشمومات والمبصرات والملموسات والمسموعات وقد يكون لذلك وجود حقيقي بخلق الله تعالى تلك الأعيان عند تلك المحاولات وقد لا تكون له حقيقة بل تخيل صرف وقد يستولي ذلك على الأوهام حتى يتخيل الوهم مضي السنين المتداولة في الزمن اليسير وتكرر الفصول وتخيل السن وحدوث الأولاد وانقضاء الأعمار في الوقت المتقارب من الساعة ونحوها
278
278
توجب تخيلات خاصة وإدراك الحواس الخمس أو بعضا لحقائق من المأكولات والمشمومات والمبصرات والملموسات والمسموعات وقد يكون لذلك وجود حقيقي يخلق الله تلك الأعيان عند تلك المحاولات وقد لا تكون له حقيقة بل تخيل صرف وقد يستولي ذلك على الأوهام حتى يتخيل الوهم مضي السنين المتطاولة في الزمن اليسير وتكرر الفصول وتخيل السن وحدوث الأولاد وانقضاء الأعمار في الوقت المتقارب من الساعة ونحوها ويسلب الفكر الصحيح بالكلية ويصير أحوال الإنسان مع تلك المحاولات كحالات النائم من غير فرق ويختص ذلك كله بمن عمل له ومن لم يعمل له لا يجد شيئا من ذلك
النوع الثاني
الهيمياء وامتيازها عن السيمياء أن ما تقدم يضاف للآثار السماوية من الاتصالات الفلكية وغيرها من أحوال الأفلاك فيحدث جميع ما تقدم ذكره فخصصوا هذا النوع لهذا الاسم تمييزا بين الحقائق
النوع الثالث بعض خواص الحقائق من الحيوانات وغيرها كما تؤخذ سبع من الحجارة فيرجم بها نوع من الكلاب شأنه إذا
هامش أنوار البروق
قال ثم هذه الأنواع قد تقع بلفظ هو كفر أو اعتقاد هو كفر أو فعل هو كفر إلى آخره قلت ما قاله صحيح والله تعالى أعلم قال الحقيقة الخامسة الطلمسات وحقيقتها نقش أسماء خاصة لها تعلق بالأفلاك والكواكب على زعم أهل هذا العلم في أجسام من المعادن أو غيرها تحدث لها آثار خاصة ربطت بها في مجاري العادات فلا بد في الطلسم من هذه الثلاثة الأسماء المخصوصة وتعلقها ببعض أجزاء الفلك وجعلها في جسم من الأجسام ولا بد من ذلك من قوة نفس صالحة لهذه الأعمال فليس كل النفوس مجبولة على ذلك
قلت ذكر أوصاف الطلسمات ورسمها ولم يذكر حكمها وهي ممنوعة شرعا ثم من اعتقد لها فعلا وتأثيرا فذلك كفر وإلا فعلمها معصية غير كفر إما مطلقا وإما ما يؤدي منها إلى مضرة دون ما يؤدي إلى منفعة والله تعالى أعلم
هامش إدرار الشروق
ويسلب الفكر الصحيح بالكلية وتصير أحوال الإنسان مع تلك المحاولات كحالات النائم من غير فرق ويختص ذلك كله بمن عمل له وأما من لم يعمل له فلا يجد شيئا من ذلك
قال سيدي عبد الله العلوي في شرح رشد الغافل وهذا تخييل لا حقيقة له بخلاف ما يقع لبعض الأولياء فإن له حقيقة خرقا للعادة فقد خرج بعضهم لصلاة الجمعة وارتفع لأرض أخرى سكن بها وتزوج وحصلت له عدة أولاد في عدة بطون من امرأة واحدة ثم قدر له الرجوع إلى ذلك البلد فوجدهم ينتظرونه في تلك الجمعة بعينها وقد قرأ بعضهم عشر ختمات في شوط واحد من الطواف قراءة مرتلة والطائف يسمع ذلك والشوط الواحد قدر ما يقرأ فيه ثمن حزب من القرآن وذلك كثير جدا فإن الله تعالى قد يطول الزمان لبعض الناس دون بعض ا ه بلفظه
النوع الثاني
الهيمياء وهي عبارة عما تقدم مضافا للآثار السماوية من الاتصالات الفلكية وغيرها من أحوال الأفلاك
279
279
رمى بحجر عضه وبعض الكلاب لا يعضه فالنوع الأول إذا رمي بهذه السبعة الأحجار فيعضها كلها لقطت بعد ذلك وطرحت في ماء فمن شرب منه ظهرت فيه آثار عجيبة خاصة نص عليها السحرة ونحو هذا النوع من الخواص المغيرة لأحوال النفوس وأما خواص الحقائق المختصة بانفعالات الأمزجة صحة أو سقما نحو الأدوية والأغذية من الجماد والنبات والحيوان المسطورة في كتب الأطباء والعشابين والطبائعيين فليس من هذا النوع بل هذا من علم الطب لا من علم السحر ويختص بالسحر ما كان سلطانه على النفوس خاصة
قال الطرطوشي في تعليقه وقع في الموازية أن من قطع أذنا ثم ألصقها أو أدخل السكاكين في بطنه فقد يكون هذا سحرا وقد لا يكون سحرا اختلف الأصوليون فقال بعضهم لا يكون السحر إلا رقى أجرى الله تعالى عادته أن يخلق عندها افتراق المتحابين وقال الأستاذ أبو إسحاق وقد يقع به التغيير والضنى وربما أتلف وأوجب
هامش أنوار البروق
قال الحقيقة السادسة الأوفاق وهي ترجع إلى مناسبات الأعداد وجعلها على شكل مخصوص إلى آخر ما قاله فيها قلت ما قاله فيها صحيح مع أنه تسامح في قوله أنها ترجع إلى مناسبات الأعداد فإنها ليست كذلك بل هي راجعة إلى المساواة بحسب جمع ما في كل سطر من بيوت مربعاتها وجميع ما في البيوت الواقعة على القطر قال الحقيقة السابعة الخواص المنسوبة إلى الحقائق إلى آخر ما قال في هذه الحقيقة قلت ما قاله فيها صحيح إلا ما قاله من تعيين الآثار التي ذكرها ونسبه إلى بعض الأحجار فذلك شيء سمعناه ولا نعلم صحته من سقمه قال الحقيقة الثامنة خواص النفوس وهو نوع خاص من الخواص المودعة في العالم فطبيعة الحيوانات طبائع مختلفة حتى لا تكاد تتفق إلى آخر ما قاله في هذه الحقيقة
هامش إدرار الشروق
فيحدث جميع ما تقدم ذكره فخصصوا هذا النوع بهذا الاسم تمييزا بين الحقائق
النوع الثالث
بعض خواص الحقائق أي الذوات من الحيوانات والنباتات وغيرهما المغيرة لأحوال النفوس كأخذ سبعة أحجار فيرجم بها نوع من الكلاب الذي من شأنه أن يعض ما يرمى به من الأحجار فإذا عضها كلها لقطت وطرحت في ماء فمن شرب منه ظهرت فيه آثار عجيبة خاصة نص عليها السحرة وكجمع مشط بتثليث الميم ومشاطة بضم الميم وتخفيف الشين أي ما سقط من الشعر أو الكتان عند المشط ووعاء طلع الذكر من النخل أو نحو ذلك من العقاقير وجعلها في الأنهار والآبار أو زير الماء أو في قبور الموتى أو في باب يفتح إلى المشرق أو غير ذلك من البقاع ويعتقدون أن الآثار تحدث عند تلك الأمور بخواص نفوسهم التي طبعها الله تعالى على الربط بينهما وبين الآثار عند صدق العزم
النوع الرابع ما يحدث ضررا مما ليس بمشروع من نحو رقى الجاهلية
280
280
الحب والبغض والبله وفيه أدوية مثل المرائر والأكباد والأدمغة فهذا الذي يجوز عادة
وأما طلوع الزرع في الحال أو نقل الأمتعة والقتل على الفور والعمى والصمم ونحوه وعلم الغيب فممتنع وإلا لم يأمن أحد على نفسه عند العداوة وقد وقع القتل والعناد من السحرة ولم يبلغ فيها أحد هذا المبلغ وقد وصل القبط فيه إلى الغاية وقطع فرعون أيديهم وأرجلهم ولم يتمكنوا من الدفع عن أنفسهم والتغيب والهروب وحكى ابن الجويني أن أكثر علمائنا جوزوا أن يستدق جسم الساحر حتى يلج في الكوة ويجري على خيط مستدق ويطير في الهواء ويقتل غيره قال القاضي ولا يقع فيه إلا ما هو مقدور للبشر وأجمعت الأمة على أنه لا يصل إلى إحياء الموتى وإبراء الأكمه وفلق البحر وإنطاق البهائم قلت ووصوله إلى القتل وتغيير الخلق ونقل الإنسان إلى صورة البهائم هو الصحيح المنقول عنهم وقد كان القبط في أيام دلوكا ملكة مصر بعد فرعون وضعوا السحر في البرابي وصوروا فيه عساكر الدنيا فأي عسكر قصدهم وأي شيء فعلوه تخيل ذلك الجيش المصور أو رجاله من قلع
هامش أنوار البروق
قلت في كلامه ذلك تسامح في إطلاق لفظ الخواص وهو يريد مقتضى الأمزجة والطبائع ولفظ الخواص لا يطلقه أهل علم الخواص وهم الطبيعيون على ذلك مطلقا بل على أمر لا ينسبونه إلى الأمزجة والطبائع وما حكاه عن الهند لا أدري صحته من سقمه وما قاله من أن في الحديث الذي ذكره إشارة إلى تباين الأخلاق والخلق والسجايا هو الظاهر منه ويحتمل غير ذلك والله تعالى أعلم وما قاله في الحقيقة التاسعة صحيح والله تعالى أعلم وما ذكره في الحقيقة العاشرة ممكن ولم يذكر حكم العزائم في الشرع وينبغي أن يكون حكمها حكم الرقي إذا تحققت وتحقق أن لا محذور في تلك الألفاظ قال قال الحقيقة الحادية عشرة الاستخدامات إلى آخر ما قاله في هذه الحقيقة قلت لا كلام في ذلك فإنه حكاية وقد ذكر حكمها
هامش إدرار الشروق
والهند وغيرهم بل ربما كان كفرا فهذا النوع من الرقى يقال له السحر ولا يقال عليه لفظ الرقى فمتى وقعت أنواع السحر المذكورة بما هو كفر من أحد ثلاثة أمور
الأول
اعتقاد كاعتقاد انفراد الكواكب أو بعضها بالربوبية فيقوم الساحر إذا أراد سحر سلطان لبرج الأسد قائلا خاضعا متقربا له ويناديه يا سيداه يا عظيماه أنت الذي إليك تدين الملوك والجبابرة والأسود أسألك أن تذلل لي قلب فلان الجبار
والثاني لفظ كالسب المتعلق بمن سبه كفر بالله تعالى والأنبياء والملائكة
والثالث فعل كإهانة ما أوجب الله تعظيمه من الكتاب العزيز وغيره كان ذلك السحر كفرا لا مرية فيه ضرورة أنه واقع باعتقاد هو كفر أو بلفظ هو كفر أو بما هو كفر بالفعل كإلقاء شيء من القرآن ولو حرفا بقدر قاله سيدي عبد الله في شرح رشد الغافل ومتى وقعت الأنواع المذكورة بشيء مباح لم يكن ذلك السحر كفرا بل إما محرم إن كان لا يروج ذلك المباح إلا بنحو الزنا واللواط

281
281
الأعين أو ضرب الرقاب وقع بذلك العسكر في موضعه فتحاشيهم العساكر فأقاموا ستمائة سنة والنساء هن الملوك والأمراء بمصر بعد غرق فرعون وجيوشه كذلك حكاه المؤرخون
وأما سحرة فرعون فالجواب عنهم من وجوه
الأول
أنهم تابوا فمنعتهم التوبة والإسلام العودة إلى معاودة الكفر الذي تكون به تلك الآثار ورغبوا فيما عند الله ولذلك قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون الثاني لعلهم لم يكونوا مما وصلوا لذلك وإنما قصد من السحرة في ذلك الوقت من يقدر على قلب العصا حية لأجل موسى عليه السلام
الثالث أنه يجوز أن يكون فرعون قد علمه بعض السحرة حجبا وموانع يبطل بها سحر السحرة اعتناء به والحجب والمبطلات فيه مشتهرة عند أهله فاندفع السؤال فهذه أنواع السحر الثلاثة ثم هذه الأنواع قد تقع بلفظ وهو كفر أو اعتقاد هو كفر أو فعل هو كفر فالأول كالسب المتعلق بمن سبه كفر والثاني كاعتقاد انفراد الكواكب أو بعضها
هامش أنوار البروق
قال وهاهنا أربع مسائل المسألة الأولى إلى آخر ما حكاه عن الفخر قلت لا كلام معه في ذلك لأنه نقل وما قاله الفخر يتوقف على الاختبار والتجربة ولا نعلم صحة ذلك من سقمه وما قاله في المسألة الثانية صحيح
قال المسألة الثالثة قال الطرطوشي في تعليقه قال مالك وأصحابه الساحر كافر فيقتل ولا يستتاب سحر مسلما أو ذميا كالزنديق قال محمد إن أظهره قبلت توبته قال أصبغ إن أظهره ولم يتب فقتل فماله لبيت المال وإن استتر فلورثته من المسلمين ولا آمرهم بالصلاة عليه فإن فعلوا فهم أعلم
قال ومن قول العلماء القدماء لا يقتل حتى يثبت أنه من السحر الذي وصفه الله تعالى بأنه كفر قال أصبغ يكشف عن ذلك من يعرف حقيقته ولا يلي قتله إلا السلطان إلى قوله لأن ذلك سعي في الأرض بالفساد قلت ذلك كله نقل لا كلام فيه
هامش إدرار الشروق
وإما مباح إن راج بدون ذلك نعم ويكون كفرا من جهة خارجة كقصد إضراره صلى الله عليه وسلم كما في شرح سيدي عبد الله على رشد الغافل نقلا عن ابن زكري في شرح النصيحة والمباح إما فعل كما تقدم في وضع الأحجار في الماء فإنها مباحة وإما قول مع قوة نفس كقول من يسحر الحيات العظام من السحرة موسى بعصاه محمد بفرقانه يا معلم الصغار علمني كيف آخذ الحية والحوية وكانت له قوة نفس يحصل منها مع هذه الكلمات إقبال الحيات إليه وتموت بين يديه ساعة ثم تفيق ثم يعاود ذلك الكلام فيعود حالها كذلك أبدا فإن هذه الكلمات مباحة ليس فيها كفر وقوة نفسه التي جبل عليها ليست من كسبه فلا يكفر بها كما أن الإنسان لا يعصي بما جبلت عليه نفسه من الإصابة بالعين وتأثيرها في قتل الحيوانات
282
282
بالربوبية والثالث كإهانة ما أوجب الله تعظيمه من الكتاب العزيز وغيره فهذه الثلاثة متى وقع شيء منها في السحر فذلك السحر كفر لا مرية فيه وقد يقع السحر بشيء مباح كما تقدم في وضع الأحجار في الماء فإنها مباحة وكذلك رأيت بعض السحرة يسحر الحيات العظام فتقبل إليه وتموت بين يديه ساعة ثم تفيق ثم يعاود ذلك الكلام فيعود حالها كذلك أبدا وكان في ذلك يقول موسى بعصاه محمد بفرقانه يا معلم الصغار علمني كيف آخذ الحية والحوية وكانت له قوة نفس يحصل منها مع هذه الكلمات هذا الأثر وهذه الكلمات مباحة ليس فيها كفر وقوة نفسه التي جبل عليها ليست من كسبه فلا يكفر بها كما أن الإنسان لا يعصي بما جبلت عليه نفسه من الإصابة بالعين وتأثيرها في قتل الحيوانات وغير ذلك وإنما يأثم بتصديه واكتسابه لذاك حرم الشرع أذيته أو قتله أما لو تصدى صاحب العين لقتل أهل الحرب أو السباع المهلكة كان طائعا لله تعالى بإصابته بالعين التي طبعت عليها نفسه فكذلك هاهنا وكذلك سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسط ومشاقة وكور طلع من
هامش أنوار البروق
قال الطرطوشي ودليل المالكية قوله تعالى وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر أي بتعليمه وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ولأنه لا يتأتى إلا ممن يعتقد أنه يقدر به على تغيير الأجسام والجزم بذلك كفر أو نقول هو علامة الكفر بإخبار الشرع فلو قال الشارع من دخل موضع كذا فهو كافر اعتقدنا كفر الداخل وأن الدخول كفر وإن أخبرنا هو أنه مؤمن لم نصدقه قال فهذا معنى قول أصحابنا إن السحر كفر أي دليل الكفر لا أنه كفر في نفسه كأكل الخنزير وشرب الخمر والتردد للكنائس في أعياد النصارى فنحكم بكفر فاعله وإن لم تكن هذه الأمور كفرا لا سيما وتعلمه لا يتأتى إلا بمباشرته كمن أراد أن يتعلم الزمر أو ضرب العود والسحر لا يتم إلا بالكفر
هامش إدرار الشروق
وغير ذلك وإنما يأثم بتصديه واكتسابه لذلك بما حرم الشرع أذيته أو قتله أما لو تصدى صاحب العين لقتل أهل الحرب أو السباع المهلكة فإنه يكون طائعا لله تعالى بإصابته بالعين التي طبعت عليها نفسه فكذلك هاهنا قال الأصل وأما جمع مشط ومشاق وكور طلع من النخل وجعل الجميع في بئر لسحر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن لم يكن مع هذه الأمور الموضوعة في البئر كلمات أخرى أو شيء آخر فهي أمر مباح إلا من جهة ما يترتب عليه فإنه قد يكون كفرا في صورة كما في قصد إضراره صلى الله عليه وسلم بذلك
وقد تقتضي القواعد الشرعية وجوبه في صورة أخرى أو إن كان مع هذه الأمور الموضوعة في البئر كلمات أخرى أو شيء آخر وهو الظاهر نظر فيه هل يقتضي كفرا أو هو مباح مثلها وللسحرة فصول كثيرة في كتبهم يقطع من قبل الشرع بأنها ليست معاصي ولا كفرا كما أن لهم ما يقطع بأنه كفر فيجب حينئذ التفصيل بما حكاه الطرطوشي عن قدماء أصحابنا أنا لا نكفره حتى يثبت أنه من السحر الذي كفر الله به أو يكون سحرا مشتملا على كفر كما قاله الشافعي رضي الله عنه
283
283
النخل وجعل الجميع في بئر فهذه الأمور في جمعها وجعلها في البئر أمر مباح إلا من جهة ما يترتب عليه وإلا لوجب التفصيل فقد يكون كفرا واجبا في صورة أخرى اقتضت قواعد الشرع وجوبها فإن كان مع هذه الأمور الموضوعة في البئر كلمات أخرى أو شيء آخر وهو الظاهر نظر فيه هل يقتضي كفرا أو هو مباح مثلها وللسحرة فصول كثيرة في كتبهم يقطع من قبل الشرع بأنها ليست معاصي ولا كفرا كما أن لهم ما يقطع بأنه كفر فيجب حينئذ التفصيل كما قاله الشافعي رضي الله عنه أما الإطلاق بأن كل ما يسمى سحرا كفر فصعب جدا فقد تقرر بيان أربعة حقائق من العشرة المتقدمة السحر الذي هو الجنس العام وأنواعه الثلاثة السيمياء والهيمياء والخواص المتقدم ذكرها
الحقيقة الخامسة الطلمسات وحقيقتها نفس أسماء خاصة لها تعلق بالأفلاك والكواكب على زعم أهل هذا العلم في أجسام من المعادن أو غيرها تحدث لها آثار خاصة ربطت بها في مجاري العادات فلا بد في الطلسم من هذه الثلاثة الأسماء
هامش أنوار البروق
كقيامه إذا أراد سحر سلطان لبرج الأسد قائلا خاضعا متقربا له ويناديه يا سيداه يا عظيماه أنت الذي إليك تدين الملوك والجبابرة والأسود أسألك أن تذلل لي قلب فلان الجبار واحتجوا بأن تعلم صريح الكفر ليس بكفر فإن الأصولي يتعلم جميع أنواع الكفر ليتحذر منه ولا يقدح في شهادته ومأخذه فالسحر أولى أن لا يكون كفرا ولو قال إنسان إنما تعلمت كيف يكفر بالله لأجتنبه أو كيف الزنا وأنواع الفواحش لأجتنبها لم يأثم
قال شهاب الدين هذه المسألة في غاية الإشكال على أصولنا فإن السحرة يعتمدون أشياء تأبى قواعد الشرع تكفيرهم بها كفعل الحجارة المتقدم ذكرها قبل هذه المسألة وكذلك يجمعون عقاقير ويجعلونها في الأنهار والآبار أو زير الماء أو قبور الموتى أو في باب يفتح إلى المشرق أو غير ذلك من البقاع ويعتقدون أن الآثار تحدث عند تلك الأمور بخواص نفوسهم التي طبعها الله تعالى على الربط بينها وبين تلك الآثار عند صدق العزم فلا يمكننا تكفيرهم بجمع العقاقير ولا بوضعها في الآبار ولا باعتقادهم حصول تلك الآثار عند ذلك الفعل لأنهم
هامش إدرار الشروق
أما الإطلاق بأن كل ما يسمى سحرا كفر فصعب جدا وإن قال ابن عبد السلام والمذهب أن الساحر كافر وقال الطرطوشي في تعليقه قال مالك وأصحابه الساحر كافر يقتل ولا يستتاب سحر مسلما أو ذميا كالزنديق قال محمد إن أظهره قبلت توبته قال أصبغ إن أظهره ولم يتب فقتل فماله لبيت المال وإن استتر فلورثته من المسلمين ولا آمرهم بالصلاة عليه فإن فعلوا فهم أعلم قال وتعلمه وتعليمه عند مالك كفر قال ودليل المالكية قوله تعالى وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر أي بتعلمه وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ولأنه لا يتأتى إلا ممن يعتقد أنه يقدر على تغيير الأجسام
والجزم بذلك كفر أو نقول هو علامة الكفر بإخبار الشرع فلو قال الشارع من دخل موضع كذا فهو كافر اعتقدنا كفر الداخل وإن لم يكن الدخول كفرا وإن أخبرنا هو أنه مؤمن لم نصدقه قال فهذا معنى قول أصحابنا إن السحر كفر أي دليل الكفر لا أنه كفر في نفسه كأكل الخنزير
284
284
المخصوصة وتعلقها ببعض أجزاء الفلك وجعلها في جسم من الأجسام ولا بد مع ذلك من قوة نفس صالحة لهذه الأعمال فليس كل النفوس مجبولة على ذلك
الحقيقة السادسة الأوفاق وهي التي ترجع إلى مناسبات الأعداد وجعلها على شكل مخصوص مربع ويكون ذلك المربع مقسوما بيوتا فيوضع في كل بيت عدد حتى تكمل البيوت فإذا جمع صف كامل من أضلاع المربع فكان مجموعه عددا وليكن عشرين مثلا فلتكن الأضلاع الأربعة إذا جمعت كذلك ويكون المربع الذي هو من الركن إلى الركن كذلك فهذا وفق فإن كان العدد مائة ومن كل جهة كما تقدم مائة فهذا له آثار مخصوصة أنه خاص بالحروب ونصر من يكون في لوائه وإن كان خمسة عشر من كل جهة فهو خاص بتيسير العسير وإخراج المسجون وأيضا الجنين من الحامل وتيسير الوضع وكل ما هو من هذا المعنى وكان الغزالي يعتني به كثيرا حتى أنه ينسب إليه وضابطه ب ط د ز ه ج و ا ح فكل حرف منها له عدد إذا جمع عدد ثلاثة منها كان مثل عدد الثلاثة الأخر فالباء باثنين والطاء بتسعة والدال بأربعة صار الجميع بخمسة عشر
هامش أنوار البروق
جربوا ذلك فوجدوه لا ينخرم عليهم لأجل خواص نفوسهم فصار ذلك الاعتقاد كاعتقاد الأطباء حصول الآثار عند شرب العقاقير لخواص طبائع تلك العقاقير وخواص النفوس لا يمكن التكفير بها لأنها ليست من كسبهم ولا كفر بغير مكتسب
وأما اعتقادهم أن الكواكب تفعل ذلك بقدرة الله تعالى فهذا خطأ لأنها لا تفعل ولا ربط الله تعالى ذلك بها وإنما جاءت الآثار من خواص نفوسهم التي ربط الله تعالى بها تلك الآثار عند ذلك الاعتقاد فيكون ذلك الاعتقاد في الكواكب خطأ كما إذا اعتقد طبيب أن الله تعالى أودع في الصبر والسقمونيا عقل البطن وقطع الإسهال فإنه خطأ وأما تكفيره بذلك فلا
وإن اعتقدوا أن الكواكب تفعل ذلك والشياطين بقدرتها لا بقدرة الله تعالى فقد قال بعض علماء الشافعية هذا مذهب المعتزلة في استقلال الحيوانات بقدرتها دون قدرة الله تعالى فكما لا نكفر المعتزلة بذلك لا
هامش إدرار الشروق
وشرب الخمر والتردد إلى الكنائس في أعياد النصارى فنحكم بكفر فاعله وإن لم تكن هذه الأمور كفرا لا سيما وتعلمه لا يتأتى إلا بمباشرته كمن أراد أن يتعلم الزمر أو ضرب العود والسحر لا يتم إلا بالكفر كقيامه إذا أراد سحر سلطان لبرج الأسد قائلا خاضعا متقربا له ويناديه يا سيداه يا عظيماه أنت الذي إليك تدين الملوك والجبابرة والأسود أسألك أن تذلل لي قلب فلان الجبار ا ه
وقال الإمام أبو بكر بن العربي في كتابه الأحكام قد بينا في كتاب المشكلين أن من أقسام السحر فعل ما يفرق به بين المرء وزوجه ومنه ما يجمع بين المرء وزوجه ويسمى التولة وكلاهما كفر والكل حرام كفر قاله مالك وقال الشافعي السحر معصية إن قتل به الساحر قتل وإن أضر به أدب على قدر الضرر وهذا باطل من وجهين
أحدهما أنه لم يعلم السحر وحقيقته أنه كلام مؤلف يعظم به غير الله تعالى وتنسب إليه فيه المقادير والكائنات
والثاني أن الله سبحانه وتعالى صرح في كتابه بأنه كفر لأنه تعالى قال واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان أي من السحر وما
285
285
وكذلك تقول الباء باثنين والزاي بسبعة والواو بستة صار الجميع من الضلع الآخر خمسة عشر وكذلك الفطر من الركن إلى الركن تقول الباء باثنين والهاء بخمسة والحاء بثمانية الجميع خمسة عشر وهو من حساب الجمل وعلى هذا المثال وهي الأوفاق ولها كتب موضوعة لتعريف كيف توضع حتى تصير على هذه النسبة من الاستواء وهي كلما كثرت كان أعسر والضوابط الموضوعة لها حسنة لا تنخرم إذا عرفت أعني في الصورة الوضع وأما ما نسب إليها من الآثار قليلة الوقوع أو عديمته
الحقيقة السابعة الخواص المنسوبة إلى الحقائق ولا شك أن الله تعالى أودع في أجزاء هذا العالم أسرارا وخواص عظيمة وكثيرة حتى لا يكاد يعرى شيء عن خاصية فمنها ما هو معلوم على الإطلاق كإرواء الماء وإحراق النار ومنها ما هو مجهول على الإطلاق
هامش أنوار البروق
نكفر هؤلاء ومنهم من فرق بأن الكواكب مظنة العبادة فإذا انضم إلى ذلك اعتقاد القدرة هذه الأمور كفرا قول صحيح أيضا كأكل الخنزير والتردد على الكنائس وقوله ولا سيما وتعلمه لا يتأتى إلا بمباشرته إلى قوله أن تذلل لي قلب فلان الجبار يعني أن تعلمه لتحصيل ثمرته لا لغير ذلك من المقاصد وذلك صحيح من جهة اشتراط أهل السحر ذلك بل الجزم بحصول الأثر على ما ذكره الفخر وقوله واحتجوا إلى قوله لم يأثم قلت تقول المالكية بموجب ذلك ولا يلزم مقصود الحنفية فإن ما ذكره الحنفية تعلم الكفر لا لنفسه بل لتصحيح يقتضيه
قال شهاب الدين هذه المسألة في غاية الإشكال على أصولنا إلى قوله طبائع تلك العقاقير
هامش إدرار الشروق
كفر سليمان أي بقول السحر ولكن الشياطين كفروا أي به وبتعليمه وهاروت وماروت يقولان إنما نحن فتنة فلا تكفر وهذا تأكيد للبيان ا ه
وذلك لأن مسألة إطلاق أن كل ما يسمى سحرا كفر في غاية الإشكال على أصولنا فإن السحرة يعتمدون أشياء تأبى قواعد الشريعة تكفيرهم بها كفعل الحجارة المتقدم ذكرها قبل هذه المسألة وكذلك يجمعون عقاقير ويجعلونها في الأنهار أو الآبار أو زير الماء أو قبور الموتى أو في باب يفتح إلى المشرق أو غير ذلك من البقاع ويعتقدون أن الآثار تحدث عند تلك الأمور بخواص نفوسهم التي طبعها الله تعالى على الربط بينها وبين تلك الآثار عند صدق العزم كما تقدم فلا يمكننا تكفيرهم بجمع العقاقير ولا بوضعها في الآبار ولا باعتقادهم حصول تلك الآثار عن ذلك الفعل لأنهم جربوا ذلك فوجدوه لا ينخرم عليهم لأجل خواص نفوسهم فصار ذلك الاعتقاد كاعتقاد الأطباء حصول الآثار عند شرب العقاقير لخواص طبائع تلك العقاقير وخواص النفوس لا يمكن التكفير بها لأنها ليست من كسبهم ولا كفر بغير مكتسب وأما اعتقادهم أن الكواكب تفعل ذلك بقدرة الله تعالى
286
286
ومنه ما يعلمه الأفراد من الناس كالجحر والمكرم وما يصنع منه الكيمياء ونحو ذلك كما يقال إن بالهند شجرا إذا عمل منه دهن ودهن به إنسان لا يقطع فيه الحديد وشجرا إذا استخرج منه دهن وشرب على صورة خاصة مذكورة عندهم في العمليات استغنى عن الغذاء وامتنعت عليه الأمراض واستقام ولا يموت بشيء من ذلك وطالت حياته أبدا حتى يأتي من يقتله أما موته بهذه الأسباب العادية فلا ونحو ذلك فهذا شيء مودع في أجزاء العالم لا يدخله فعل البشر بل هو ثابت كامل مستقل بقدرة الله تعالى
الحقيقة الثامنة خواص النفوس وهو نوع خاص من الخواص المودعة في العالم فطبيعة الحيوانات طبائع مختلفة حتى لا تكاد تتفق بل نقطع أنه لا يستوي اثنان من الأناسي في مزاج واحد ويدل على ذلك أنك لا تجد أحدا يشبه أحدا من جميع الوجوه ولو عظم الشبه لا بد من فرق بينهما
ومعلوم أن صفات الصور في الوجوه وغيرها تابعة للأمزجة
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله من أنه لا يمكن التكفير بجمع العقاقير وغير ذلك من الأفعال صحيح إذا كان ذلك الجمع وسائر تلك الأفعال غير مقصود به اجتلاب الآثار المطلوبة من ذلك وأما إذا كانت مقصودا بها ذلك فهو السحر الذي هو كفر بنفسه لتضمنه اعتقاد تأثير هذه الأمور أو دليل الكفر على مذهب المالكية والله تعالى أعلم
قال شهاب الدين وخواص النفوس لا يمكن التكفير بها لأنها ليست من كسبهم ولا كفر بغير مكتسب
وأما اعتقادهم بأن الكواكب تفعل ذلك بقدرة الله تعالى فهذا خطأ لأنها لا تفعل ذلك بها وإنما جاءت الآثار من خواص نفوسهم التي ربط الله بها تلك الآثار عند ذلك الاعتقاد قلت لا أعرف صحة ما قالوه من ربط تلك الآثار بخواص النفوس
قال فيكون ذلك الاعتقاد خطأ كما إذا اعتقد طبيب أن الله تعالى أودع في الصبر السقمونيا عقل البطن وقطع الإسهال وأما تكفيره بذلك فلا
هامش إدرار الشروق
فهذا خطأ لأنها لا تفعل ذلك ولا ربط الله تعالى ذلك بها وإنما جاءت الآثار من خواص نفوسهم التي ربط الله تعالى بها تلك الآثار عند ذلك الاعتقاد فيكون ذلك الاعتقاد في الكواكب خطأ كما إذا اعتقد طبيب أن الله تعالى أودع في الصبر والسقمونيا عقل البطن وقطع الإسهال فإنه خطأ وأما تكفيره بذلك فلا
وإن اعتقدوا أن الكواكب والشياطين تفعل ذلك بقدرتها لا بقدرة الله تعالى فقد قال بعض علماء الشافعية هذا هو مذهب المعتزلة في استقلال الحيوانات بقدرتها دون قدرة الله تعالى فكما لا تكفر المعتزلة بذلك لا نكفر هؤلاء وتفريق بعضهم بأن الكواكب مظنة العبادة فإن انضم إلى ذلك اعتقاد القدرة والتأثير كان كفرا مدفوع بأن تأثير الحيوان في القتل والضر والنفع في مجرى العادة مشاهد من السباع والآدميين وغير هذا
وأما كون المشترى أو زحل يوجب شقاوة أو سعادة فإنما هو حزر وتخمين من المنجمين لا صحة له وقد عبدت البقر والشجر والحجارة والثعابين فصارت هذا الشائبة مشتركة بين الكواكب وغيرها
287
287
فلما حصل التباين في الصفات على الإطلاق وجب التباين في الأمزجة على الإطلاق فنفس طبعت على الشجاعة إلى الغاية وأخرى على الجبن إلى الغاية وأخرى على الشر إلى الغاية وأخرى على الخير إلى الغاية وأخرى أي شيء عظمته هلك وهذا هو المسمى بالعين وليس كل أحد يؤذي بالعين والذين يؤذون بها تختلف أحوالهم فمنهم من يصيد بالعين الطير في الهوى ويقلع الشجر العظيم من الثرى أخبرني بذلك العدول وغيرهم وآخر لا يصل بعينه إلى ذلك بل التمريض اللطيف ونحو ذلك ومنهم من طبع على صحة الحزر فلا يخطئ الغيب عند شيء مخصوص ولا يتأتى له ذلك في غيره فلذلك تجد بعضهم لا يخطئ في علم الرمل أبدا وآخر لا يخطئ في أحكام النجوم أبدا وآخر لا يخطئ في علم الكتف أبدا وآخر لا يخطئ في علم السير أبدا لأن نفسه طبعت على ذلك ولم يطبع على غيره فمن توجهت نفسه لطلب الغيب عند ذلك الفعل الخاص أدركته بخاصيتها لا لأن النجوم فيها شيء ولا الكتف ولا الرمل ولا بقيتها بل هي خواص نفوس وبعضهم يجد صحة أعماله في ذلك وهو شاب فإذا صار كبيرا فقدها
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله في ذلك صحيح
قال وإن اعتقدوا أن الكواكب تفعل ذلك والشياطين بقدرتها لا بقدرة الله تعالى فقد قال بعض الشافعية هذا مذهب المعتزلة في استقلال الحيوانات بقدرتها دون الله تعالى فكما لا نكفر المعتزلة بذلك لا نكفر هؤلاء قلت إن كان المراد أنها تفعل بقدرتها من غير تعلق قدرة الله تعالى بقدرتها فذلك كفر صحيح وإن كان المراد أنها تفعل بقدرتها مباشرة مع تعلق قدرة الله تعالى بقدرتها فهو مذهب المعتزلة
قال ومنهم من فرق بأن الكواكب مظنة العبادة فإن انضم إلى ذلك اعتقاد القدرة والتأثير كان كفرا قلت إن كان ذلك لاعتقاد أن الكواكب مستغنية بقدرتها عن قدرة الله تعالى فذلك كفر صريح
قال وأجيب عن هذا الفرق بأن تأثير الحيوانات في القتل والضر والنفع في مجرى العادة مشاهدة من السباع والآدميين وغيرهم قلت ليس تأثير الحيوان بمشاهد وإنما التأثير لا غير
قال
هامش إدرار الشروق
فهو موضع نظر والذي لا مرية فيه أنه كفر إن اعتقد أنها مستقلة بنفسها لا تحتاج إلى الله تعالى لأن هذا مذهب الصابئة وهو كفر صريح لا سيما إن صرح بنفي ما عداها
وبهذا البحث يظهر ضعف قول الحنفية إن اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء فهو كافر وإن اعتقد أنه تخيل وتمويه لم يكفر بل ينبغي لهم أن يفصلوا في هذا الإطلاق فإن الشياطين كانت تصنع لسليمان عليه السلام ما يأمرها به من محاريب وتماثيل وغير ذلك فإن اعتقد الساحر أن الله عز وجل سخر له الشياطين بسبب عقاقيره مع خواص نفسه ضعف القول بتكفيره
وأما قول الأصحاب إنه علامة الكفر فمشكل لأنا نتكلم في هذه المسألة باعتبار الفتيا ونحن نعلم أن حال الإنسان في تصديقه لله تعالى ورسله بعد عمل هذه العقاقير كحاله قبل ذلك والشرع لا يخبر على خلاف الواقع وإن أرادوا الخاتمة فمشكل أيضا لأنا لا نكفر في الحال بكفر واقع
288
288
لأن القوة نقصت عن تلك الحدة التي كانت في الشبوبية وقد ذهبت ومن خواص النفوس ما يقتل ففي الهند جماعة إذا وجهوا أنفسهم لقتل شخص مات ويشق صدره فلا يوجد فيه قلبه بل انتزعوه من صدره بالهمة والعزم وقوة النفس ويجربون بالرمان فيجمعون عليه هممهم فلا توجد فيه حبة وخواص النفوس كثيرة لا تعد ولا تحصى وإليه مع غيره الإشارة بقوله عليه السلام الناس معادن كمعادن الذهب والفضة الحديث إشارة إلى تباين الأخلاق والخلق والسجايا والقوى كما أن المعادن كذلك
الحقيقة التاسعة الرقى وهي ألفاظ خاصة يحدث عندها الشفاء من الأسقام والأدواء والأسباب المهلكة ولا يقال لفظ الرقى على ما يحدث ضررا بل ذلك يقال له السحر وهذه الألفاظ منها ما هو مشروع كالفاتحة والمعوذتين ومنها ما هو غير مشروع كرقى الجاهلية والهند وغيرهما وربما كان كفرا ولذلك نهى مالك وغيره عن الرقى بالعجمية لاحتمال أن يكون فيه محرم وقد نهى علماء مصر عن الرقية التي تكتب في
هامش أنوار البروق
وأما كون المشترى أو زحل يوجب شقاوة أو سعادة فإنما ذلك حزر وتخمين من المنجمين لا صحة له قلت ذلك صحيح
قال وقد عبدت البقر والشجر والحجارة والثعابين فصارت هذه الشائبة مشتركة بين الكواكب وغيرها فهو موضع نظر قلت هو كما قال موضع نظر
قال والذي لا مرية فيه أنه كفر إن اعتقد أنها مستقلة بنفسها لا تحتاج إلى الله تعالى فهذا مذهب الصابئة وهو كفر صريح لا سيما إن صرح بنفي ما عداها قلت ما قاله في ذلك صحيح قال وبهذا البحث يظهر ضعف ما قالته الحنفية من أن أمر الشياطين وغيرهم كفر بل ينبغي لهم أن يفصلوا في هذا الإطلاق فإن الشياطين كانت تصنع لسليمان عليه السلام ما يأمرهم به من محاريب وتماثيل وغير ذلك فإن اعتقد أن الله تعالى سخر له بسبب عقاقيره مع خواص نفسه الشياطين صعب القول بتكفيره قلت الظاهر ما قاله من لزوم التفصيل وأنه إن اعتقد أن ذلك من فعل الله تعالى فلا كفر إلا
هامش إدرار الشروق
في المآل كما أنا لا نجعل من يعبد الأصنام الآن مؤمنا في الحال بإيمان واقع في المآل بل الأحكام الشرعية تتبع أسبابها وتحققها لا توقعها وإن قطعنا بوقوعها كما أنا نقطع بغروب الشمس وغير ذلك من الأسباب ولا تترتب مسبباتها قبلها وأما قول أصحابنا في التردد إلى الكنائس وأكل الخنزير وغيره فإنما قضينا بكفره في القضاء دون الفتيا وقد يكون فيما بينه وبين الله تعالى مؤمنا وأما قول مالك إن تعلمه وتعليمه كفر ففي غاية الإشكال فقد قال الطرطوشي وهو من سادات العلماء أنه إذا وقف لبرج الأسد وحكى القضية إلى آخرها فإن هذا سحر فقد تصوره وحكم عليه بأنه سحر فهذا هو تعلمه فكيف يتصور شيئا لم يعلمه وليس الأمر كما قال أنه لا يتصور التعلم إلا بالمباشرة
289
289
آخر جمعة من شهر رمضان لما فيها من اللفظ الأعجمي ولأنهم يشتغلون بها عن الخطبة ويحصل بها مع ذلك مفاسد
الحقيقة العاشرة العزائم وهي كلمات يزعم أهل هذا العلم أن سليمان عليه السلام لما أعطاه الله تعالى الملك وجد الجان يعبثون ببني آدم ويسخرون بهم في الأسواق ويخطفونهم من الطرقات فسأل الله تعالى أن يولي على كل قبيل من الجان ملكا يضبطهم عن الفساد فولى الله تعالى الملائكة على قبائل الجن فمنعوهم من الفساد ومخالطة الناس وألزمهم سليمان عليه السلام سكنى القفار والخراب من الأرض دون العامر ليسلم الناس من شرهم فإذا عثا بعضهم وأفسد ذكر المعزم كلمات تعظمها تلك الملائكة ويزعمون أن لكل نوع من الملائكة أسماء أمرت بتعظيمها ومتى أقسم عليها بها أطاعت وأجابت وفعلت ما طلب منها فالمعزم يقسم بتلك الأسماء على ذلك الملك فيحضر له القبيل من الجان الذي طلبه أو الشخص منهم فيحكم فيه بما يريد ويزعمون أن هذا
هامش أنوار البروق
أن يكون نفس السحر كفرا كما هو ظاهر الآية فذلك كفر بالوضع والله تعالى أعلم
قال وأما قول الأصحاب أنه علامة الكفر فمشكل إلى قوله خلاف الواقع قلت إذا ثبت دليل شرعي على أن السحر كفر وأنه علامة الكفر فلا إشكال لأنه يكون حينئذ من شرط المؤمن أن لا يعمل سحرا وعند ذلك يصح إيمانه إما ظاهرا وباطنا إن كان السحر بنفسه كفرا وإما ظاهرا إن كان علامة الكفر بحسب الظاهر
قال فإن أرادوا الخاتمة فمشكل أيضا إلى وقوله ولا نرتب مسبباتها قبلها قلت إن أرادوا ذلك فمشكل كما قاله وذلك صحيح
قال وأما قول أصحابنا في التردد إلى الكنائس قلت قوله في ذلك صحيح
قال وأما قول مالك أن تعلمه وتعليمه كفر ففي غاية الإشكال قلت ليس الأمر كما قال فإنه قول مستند إلى ظاهر الآية وما قاله عن الطرطوشي
هامش إدرار الشروق
كضرب العود بل كتب السحر مملوءة من تعليمه ولا يحتاج إلى ذلك بل هو كتعلم أنواع الكفر الذي لا يكفر به الإنسان كما تقول إن النصارى يعتقدون في عيسى عليه السلام كذا والصابئة معتقدون في النجوم كذا ونتعلم مذاهبهم وما هم عليه على وجه حتى نرد عليهم ذلك فهو قربة لا كفر
وقد قال بعض العلماء إن كان تعلم السحر ليفرق بينه وبين المعجزات كان ذلك قربة وكذلك نقول إذا عمل السحر بأمر مباح ليفرق به بين المجتمعين على الزنا أو قطع الطريق بالبغضاء والشحناء أو ليقتل جيش الكفر ملكهم به أو ليوقع به المحبة بين الزوجين أو بين جيش الإسلام وملكهم فهذا كله قربة فتأمل هذه المباحث كلها فالموضع مشكل جدا
وأما قول الطرطوشي إذا قال صاحب الشرع من دخل الدار فهو كافر قضينا بكفره عند دخول الدار فهو فرض محال إذ لا يخبر صاحب الشرع عن إنسان بالكفر إلا إذا كفر وقولهم هو دليل الكفر ممنوع وقولهم لأن صاحب الشرع أخبر بذلك في الكتاب العزيز مسلم إذ لا محال في حمل الآية على ما هو كفر إنما المحال في أنه هل يدخل التخصيص في
290
290
الباب إنما دخله الخلل من جهة عدم ضبط تلك الأسماء فإنها أعجمية لا يدرى وزن كل حرف منها يشك فيه هل هو بالضم أو الفتح أو الكسر وربما أسقط النساخ بعض حروفه من غير علم فيختل العمل فإن المقيم لفظ آخر لا يعظمه ذلك الملك فلا يجيب فلا يحصل مقصود المعزم هذه حقيقة العزائم
الحقيقة الحادية عشرة الاستخدامات وهي قسمان الكواكب والجان فيزعمون أن للكواكب إدراكات روحانية فإذا قوبلت الكواكب ببخور خاص ولباس خاص على الذي يباشر البخور وربما تقدمت منه أفعال خاصة منها ما هو محرم في الشرع كاللواط ومنها ما هو كفر صريح وكذلك الألفاظ التي يخاطب بها الكواكب منها ما هو كفر صريح فيناديه بلفظ الإلهية ونحو ذلك ومنها ما هو غير محرم على قدر تلك الكلمات الموضوعة في كتبهم فإذا حصلت تلك الكلمات مع البخور مع الهيئات المشترطة كانت روحانية ذلك الكواكب مطيعة له متى أراد شيئا فعلته له على زعمهم وكذلك القول في ملوك الجان
هامش أنوار البروق
وقال إن ذلك هو تعلمه لا يريد أن لا تعلم له سواه ليس كما قال بل تعلمه على وجهين أحدهما ليعرف حقيقته خاصة إما لتجنب أو لغير ذلك وهذا ليس بكفر والوجه الثاني أن يتعلمه قاصدا بتعلمه تحصيل أثره متى احتاج إلى ذلك وهذا هو الذي اقتضى ظاهر الكتاب أنه كفر
قال وأما قوله لا يتصور التعلم إلا بالمباشرة كضرب العود فليس كذلك إلى قوله فهو قربة لا كفر قلت مراد الطرطوشي تعلمه لتجربة حصول أثره لا لغير ذلك وقوله قد قال بعض العلماء إن تعلمه ليفرق بينه وبين المعجزة صحيح وقوله فنقول إذا عمل السحر بأمر مباح فيه نظر إذ لقائل أن يقول إن عمل السحر المقصود به تحصيل أثره على أي وجه كان كفرا أو دليل الكفر بوضع الشارع وهو ظاهر الآية كما سبق وتوهم كونه إذا كان أثره أمرا مباحا التباسه في الشرع كان علمه مباحا لا دليل عليه قال فالموضع مشكل جدا قلت إذا صح أن كون أمر ما كفرا أمر وضعي شرعي وثبت
هامش إدرار الشروق
عمومها بالقواعد كما هو الشأن في العمومات وهو ما نقول أو لا يدخل كما يقولون فيلزم التكفير بغير سبب الكفر وهو خلاف القواعد ولا شاهد له في الاعتبار والاستدلال على أن تعلم السحر أو تعلمه لا يكون بالكفر بقوله تعالى ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر خبر مبني على أن قوله يعلمون الناس السحر تفسير لقوله كفروا ونحن نمنع أنه تفسير له بل هو إخبار عن حالهم بعد تقرر كفرهم بغير السحر سلمنا أنه تفسير له لكن يتعين حمله على أن ذلك السحر كان مشتملا على الكفر وكانت الشياطين تعتقد موجب تلك الألفاظ كالنصراني إذا علم المسلم دينه فإنه يعتقد موجبه وأما الأصولي إذا علم تلميذه المسلم دين النصراني ليرد عليه ويتأمل فساد قواعده فلا يكفر المعلم ولا المتعلم وهذا التقييد على وفق القواعد وأما جعل التعلم والتعليم مطلقا كفرا فهو خلاف القواعد ولنقتصر على هذا القدر من التنبيه على غور هذه المسألة هذا خلاصة كلام الأصل
وفي التبصرة قال ابن الغرس قول ابن عبد السلام روى ابن نافع
291
291
على زعمهم إذا عملوا لهم تلك الأعمال الخاصة لكل ملك من الملوك فهذا هو الذي يزعمون بالاستخدام وأنه خاص بروحانيات الكواكب وملوك الجان وشروط هذه الأمور مستوعبة في كتب القوم والغالب عليهم الكفر فلا جرم لا يشتغل بهذه الأمور مفلح وهاهنا قد انتهى العدد إلى أحد عشر وكان أصله عشر بسبب أن أحد بعض الخواص من أنواع السحر فاختلف العدد لذلك
وهاهنا أربع مسائل
المسألة الأولى
قال الإمام فخر الدين بن الخطيب في كتابه الملخص السحر والعين لا يكونان من فاضل ولا يقعان ولا يصحان منه أبدا لأن من شرط السحر الجزم بصدور الأثر وكذلك أكثر الأعمال من شرطها الجزم والفاضل المتبحر في العلوم يرى وقوع ذلك من الممكنات التي يجوز أن توجد وأن لا توجد فلا يصح له عمل أصلا وأما العين فلا بد فيها من فرط التعظيم للمرئي والنفوس الفاضلة لا تصل في تعظيم ما تراه إلى هذه
هامش أنوار البروق
بدليل شرعي فلا إشكال
قال وقول الطرطوشي إذا قال صاحب الشرع من دخل الدار إلخ قلت ما قاله الطرطوشي صحيح وليس فرض محال بل يكون ذلك القول إنشاء شرع لا إخبارا عن كفر من لم يكفر فذلك هو المحال
قال وقولهم هو دليل الكفر ممنوع قلت منعه ممنوع وما قاله من شبهة التخصيص هو تقييد المطلق وما قاله من التكفير بغير سبب الكفر فهو خلاف القواعد نقول بموجبه ولا نعلم أحدا قاله وما قاله من أن قوله تعالى يعلمون الناس ليس بتفسير لقوله تعالى كفروا ممنوع وما قاله من أنه إخبار عن حالهم بعد تقرر كفرهم بغير السحر غير لائق بفصاحة الشارع وما قاله من أنه يتعين حمل ذلك على أنه كان ذلك السحر مشتملا على الكفر ليس كذلك لاحتمال أن يكون تعليمه وتعلمه كفرا وهو الظاهر الذي لا معدل عنه وأما قوله من أن معلم الكفر ومتعلمه ليرد عليه ليس بكافر صحيح وما قاله من أن من قال إن التعليم والتعلم مطلقا كفر فهو خلاف القواعد صحيح أيضا
قال المسألة الرابعة الفرق بين المعجزات وبين السحر وغيره مما يتوهم أنه من خوارق العادات
هامش إدرار الشروق
عن مالك في المبسوط في المرأة تقر أنها عقدت زوجها عن نفسها أو عن غيرها من النساء أنها تقتل ولا تنكل قال ولو سحر نفسه لم يقتل بذلك يؤخذ منه مع قول مالك فيمن يعقد الرجال عن النساء يعاقب ولا يقتل ا ه أن ليس كل سحر كفرا والله سبحانه وتعالى أعلم
ا ه بتصرف وأيد الإمام أبو القاسم بن الشاط إبقاء وقوله تعالى وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر على عمومها وأن قوله تعالى يعلمون الناس السحر تفسير لقوله كفروا وتسويغ الطرطوشي القول بأنه علامة على الكفر بوجوه
الوجه الأول
أن قاعدة أن كون أمر ما كفرا أي أمر كان ليس من الأمور العلية بل هو من الأمور الوضعية الشرعية فإذا قال الشارع في أمر ما هو كفر فهو كذلك سواء كان ذلك القول إنشاء أم إخبارا يقتضي صحة قول الطرطوشي إن الشارع لو قال من دخل موضع كذا فهو كافر اعتقدنا كفر
292
292
الغاية فلذلك لا يصح السحر إلا من العجائز والتركمان أو السودان ونحو ذلك من النفوس الجاهلة
المسألة الثانية
السحر له حقيقة وقد يموت المسحور أو يتغير طبعه وعادته وإن لم يباشره وقال به الشافعي وابن حنبل وقالت الحنفية إن وصل إلى بدنه كالدخان ونحوه جاز أن يؤثر وإلا فلا وقالت القدرية لا حقيقة للسحر لنا الكتاب والسنة والإجماع
أما الكتاب فقوله تعالى يعلمون الناس السحر وما لا حقيقة له لا يعلم ولا يلزم صدور الكفر عن الملائكة لأنه قرء الملكين بكسر اللام أو هما ملكان وأذن لهما في تعليم الناس السحر للفرق بين المعجزة والسحر لأن مصلحة الخلق في ذلك الوقت كانت تقتضي ذلك ثم صعدا إلى السماء وقولهما فلا تكفر أي لا تستعمله على وجه الكفر كما يقال
هامش أنوار البروق
إلخ قلت إن كان يريد أن جميع ما يحدث عن السحر فهو معتاد وليس فيه ما هو خارق فليس ذلك بصحيح وأكثر الأشعرية أو جميعهم يجوزون خرق العوائد على يد الساحر إلا أن يقول بالجواز وعدم الوقوع فلا أدري من يعلم ذلك قال
الفرق الأول منهما أن السحر وما يجري مجراه يختص بمن عمل له إلخ
قلت إنما يظهر ذلك لمن جربه وتكررت منه التجربة وقل من يجربه
قال الفرق الثاني من الفرقين الظاهرين إلخ قلت ما قاله في هذا الفرق صحيح وهو الفرق بين الولي والساحر وكما هو أعني الاتصاف بالصفات المحمودة دون المذمومة فرق بين الولي والساحر فهو فرق بين النبي وبينه ثم الفرق بين النبي والولي بالتحدي على مذهب من يمنع تحدي الولي بالولاية والتحدي بالنبوة على مذهب من يجيز تحدي الولي بالولاية وجميع ما قاله
هامش إدرار الشروق
الداخل وأن الدخول كفر ويكون ذلك القول إنشاء شريعة أو إخبارا عن إنشاء شرع لا إخبارا عن كفر من لم يكفر حتى يكون محال وصحة قوله أن معنى قول الأصحاب أن السحر كفر أي دليل الكفر إلى قوله وإن تكن هذه الأمور كفرا فهي كأكل الخنزير والتردد إلى الكنائس
الوجه الثاني
أن استدلال المالكية بقوله تعالى وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر أي بتعليمه ظاهر واضح لتعذر حمل قوله فلا تكفر على الكفر بغير التعليم لعدم التئام
قوله فلا تكفر مع ما قبله على تقدير أن الكفر المنهي عنه غير التعلم فهو من هذه الجهة وبهذه القرينة نص في أن التعلم هو الكفر ولكن يبقى في ذلك أن الآية إخبار عن واقع قبلنا وخطاب عن غيرنا فلا يتم الاستدلال إلا على القول بأن شرع من قبلنا شرع لنا وهو المشهور المنصوص في المذهب
الوجه الثالث أن قوله تعالى يعلمون الناس السحر لا يليق بفصاحة الشارع أنه إخبار عن حالهم بعد تقرر كفرهم بغير السحر بل اللائق بها أنه تفسير لقوله كفرا ولا نسلم بغير حمله حينئذ على أنه كان ذلك السحر مشتملا على الكفر لاحتمال أن يكون تعليمه وتعلمه كفرا وهو الظاهر الذي لا معدل عنه
الوجه الرابع أن تعلم السحر على وجهين أحدهما ليعرف حقيقته خاصة
293
293
خذ المال ولا تفسق به أو يكون معنى قوله عز وجل يعلمون الناس السحر أي ما يصلح للأمرين وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم سحر فكان يخيل إليه أنه يأتي النساء ولا يأتيهن الحديث وقد سحرت عائشة رضي الله عنها جارية اشترتها وكان السحر وخبره معلوما للصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وكانوا مجمعين عليه قبل ظهور القدرية ولأن الله عز وجل قادر على خلق ما يشاء عقيب كلام مخصوص أو أدوية مخصوصة احتجوا بقوله تعالى يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى فهو تخيل لا حقيقة له ولأنه لو كانت له حقيقة لأمكن الساحر أن يدعي به النبوة فإنه يأتي بالخوارق على اختلافها
والجواب عن الأول أنه حجة لنا لأنه تعالى أثبت السحر وإنما لم ينهض بالخيال إلى السعي ونحن لا ندعي أن كل سحر ينهض إلى كل المقاصد وعن الثاني أن إضلال الله تعالى للخلق ممكن لكن الله تعالى أجرى عادته بضبط مصالحهم فما يسر ذلك على الساحر وكم من ممكن يمنعه الله عز وجل من الدخول في العلم لأنواع من الحكم مع أنا سنبين بعد هذه المسألة إن شاء الله تعالى الفرق بين السحر والمعجزات من وجوه فلا يحصل اللبس والضلال
المسألة الثالثة
قال الطرطوشي في تعليقه قال مالك وأصحابه الساحر كافر يقتل ولا يستتاب سحر مسلما أو ذميا كالزنديق قال محمد إن أظهره قبلت توبته قال أصبغ إن أظهره ولم يتب فقتل فماله لبيت المال وإن استتر فلورثته من المسلمين ولا آمرهم بالصلاة عليه فإن فعلوا فهم أعلم
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
إما لتجنب أو لغير ذلك وهذا ليس بكفر وثانيهما أن يتعلمه قاصدا بتعلمه تحصيل أثره متى احتاج إلى ذلك وهذا هو الذي اقتضى ظاهر الكتاب أنه كفر وحينئذ فقول الشهاب لا يمكن التكفير بجمع العقاقير وغير ذلك من الأفعال صحيح إذا كان ذلك الجمع وسائر تلك الأفعال غير مقصود بها اجتلاب الآثار المطلوبة من ذلك
وأما إذا كانت مقصودا بها ذلك فهو السحر الذي هو كفر بنفسه لتضمنه اعتقاد تأثير هذه الأمور أو دليل الكفر على مذهب المالكية وقول الطرطوشي لا سيما وتعلمه لا يتأتى إلا بمباشرته إلى قوله أن تذلل لي قلب فلان الجبار يعني أن تعلمه لتحصيل ثمرته لا لغير ذلك من المقاصد وذلك صحيح من جهة اشتراط أهل السحر ذلك بل الجزم بحصول الأثر على ما ذكره الفخر وقوله واحتجوا إلى قوله لم يأثم المالكية تقول بموجبه ولا يلزم مقصود الحنفية فإن ما ذكره الحنفية تعلم الكفر لا لنفسه بل لتصحيح يقتضيه وقول الشهاب إن من قال التعليم والتعلم مطلقا كفر فهو خلاف القواعد صحيح أيضا كقوله إن معلم الكفر ومتعلمه ليرد عليه ليس بكافر قال ابن الشاط وإذا صح أن كون أمر ما كفرا أمر وضعي شرعي وثبت بدليل شرعي أن السحر كفر وأنه علامة الكفر فلا إشكال لأنه يكون حينئذ من شرط المؤمن أن لا يعمل سحرا وعند ذلك يصح إيمانه إما ظاهرا وباطنا إن كان السحر بنفسه كفرا
294
294
قال ومن قول علمائنا القدماء لا يقتل حتى يثبت أنه من السحر الذي وصفه الله عز وجل بأنه كفر قال أصبغ يكشف عن ذلك من يعرف حقيقته ولا يلي قتله إلا السلطان فإن سحر المكاتب أو العبد سيده لم يل سيده قتله بل الإمام ولا يقتل الذمي إلا أن يضر المسلم بسحره فيكون نقضا لعهده فيقتل ولا يقبل منه الإسلام وإن سحر أهل ملته فيؤدب إلا أن يقتل أحدا فيقتل به وقال سحنون يقتل إلا أن يسلم كالساب وهو خلاف قول مالك فإن ذهب لمن يعمل له سحرا ولم يباشر أدب أدبا شديدا لأنه لم يكفر وإنما ركن للكفرة
قال وتعلمه وتعليمه عند مالك كفر وقالت الحنفية إن اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء فهو كافر وإن اعتقد أنه تخييل وتمويه لم يكفر وقالت الشافعية يصفه فإن وجدنا فيه ما هو كفر كالتقرب للكواكب ويعتقد أنها تفعل ما يلتمس منها فهو كفر وإن لم نجد فيه كفرا فإن اعتقد إباحته فهو كفر قال الطرطوشي وهذا متفق عليه لأن القرآن نطق بتحريمه قالت الشافعية إن قال سحري يقتل غالبا وقتلت به قتل وإن قال الغالب منه السلامة فعليه الدية مغلظة في ماله لأن العاقلة لا تحمل الإقرار
وقال أبو حنيفة إن قال قتلت بسحري لم يجب عليه القود لأنه لم يقتل بمثقل وإن تكرر ذلك منه قتل لأنه سعى في الأرض بالفساد قال الطرطوشي ودليل المالكية قوله تعالى وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر أي بتعلمه وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ولأنه لا يتأتى إلا ممن يعتقد أنه يقدر به على تغيير الأجسام والجزم بذلك
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وإما ظاهرا فقط إن كان علامة الكفر بحسب الظاهر فسقط قول الشهاب في توجيه الإشكال لأنا نعلم إلى قوله على خلاف الواقع
قال ولا أعرف ما قالوه من ربط الله تلك الآثار بخواص نفوسهم عند اعتقادهم أن الكواكب تفعل ذلك بقدرة الله تعالى قال وقول الشهاب وإن اعتقدوا أن الكواكب والشياطين تفعل ذلك بقدرتها لا بقدرة الله تعالى إلى قوله فكما لا نكفر المعتزلة بذلك لا نكفر هؤلاء إن كان المراد أنها تفعل بقدرتها من غير تعلق قدرة الله تعالى بقدرتها فذلك كفر صريح وإن كان المراد أنها تفعل بقدرتها مباشرة مع تعلق قدرة الله تعالى بقدرتها فهو مذهب المعتزلة قال وقوله وتفريق بعضهم إلى قوله كان كفرا إن كان ذلك لاعتقاد أن الكواكب مستغنية بقدرتها عن قدرة الله تعالى فذلك كفر صريح وليس تأثير الحيوان بمشاهد وإنما المشاهد التأثر لا غير قال وفي قوله وكذلك نقول إذا عمل السحر بأمر مباح نظر إذ لقائل أن يقول إن عمل السحر المقصود به تحصيل أثره على أي وجه كان كفرا أو دليل الكفر بوضع الشارع وهو ظاهر الآية كما سبق وتوهم كونه إذا كان أثره أمرا مباحا التلبس به في الشرع كان عمله مباحا لا دليل عليه هذا ما رده ابن الشاط من كلام الأصل وأما ما عداه فصححه قلت فتحصل أن أقوال أصحابنا في السحر ثلاثة
الأول
أنه كفر مطلقا وهو الذي أيده ابن العربي في أحكامه والثاني أنه علامة الكفر مطلقا وهو الذي أيده ابن الشاط وعليهما
295
295
كفر أو نقول هو علامة الكفر بإخبار الشرع فلو قال الشارع من دخل موضع كذا فهو كافر اعتقدنا كفر الداخل وإن لم يكن الدخول كفرا وإن أخبرنا هو أنه مؤمن لم نصدقه قال فهذا معنى قول أصحابنا إن السحر كفر أي دليل الكفر لا أنه كفر في نفسه كأكل الخنزير وشرب الخمر والتردد إلى الكنائس في أعياد النصارى فنحكم بكفر فاعله
وإن لم تكن هذه الأمور كفرا لا سيما وتعلمه لا يتأتى إلا بمباشرته كمن أراد أن يتعلم الزمر أو ضرب العود والسحر لا يتم إلا بالكفر كقيامه إذا أراد سحر سلطان لبرج الأسد قائلا خاضعا متقربا له ويناديه يا سيداه يا عظيماه أنت الذي إليك تدين الملوك والجبابرة والأسود أسألك أن تذلل لي قلب فلان الجبار واحتجوا بأن تعلم صريح الكفر ليس بكفر فإن الأصولي يتعلم جميع أنواع الكفر ليحذر منه ولا يقدح في شهادته ومأخذه فالسحر أولى أن لا يكون كفرا ولو قال إنسان إنما تعلمت كيف يكفر بالله لأجتنبه أو كيف الزنا وأنواع الفواحش لأجتنبها لم يأثم قلت هذه المسألة في غاية الإشكال على أصولنا فإن السحرة يعتمدون أشياء تأبى قواعد الشريعة تكفيرهم بها كفعل الحجارة المتقدم ذكرها قبل هذه المسألة وكذلك يجمعون عقاقير ويجعلونها في الأنهار والآبار أو زير الماء أو في قبور الموتى أو في باب يفتح إلى المشرق أو غير ذلك من البقاع ويعتقدون أن الآثار تحدث عند تلك الأمور بخواص نفوسهم التي طبعها الله تعالى على الربط بينها وبين تلك الآثار عند صدق العزم
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
فيقتل إذا عمل ذلك بنفسه وأما من ليس بمباشر عمله ولكن ذهب إلى من يعمله له ففي الموازية يؤدب أدبا شديدا كما في التبصرة
والثالث أنه كفر إن كان بما هو كفر وغير كفر إن كان بأمر مباح وهو الذي أيده الأصل وفي تعليمه وتعلمه قولان الأول أنهما كفر إن كانا بقصد تحصيل أثره متى احتاج إلى ذلك لا لغير ذلك من المقاصد وهو ما أيده ابن الشاط الثاني أنهما كفر إن كانا بمباشرة ما هو كفر وإلا فقد يكونان قربة وهو ما أيده الأصل وأما القول بأن تعليمه وتعلمه مطلقا كفر فقد علمت اتفاق الأصل وابن الشاط على أنه خلاف القواعد وينبني الخلاف المذكور في السحر على ما حكاه في التبصرة عن ابن الغرس من قوله واختلف السلف هل يجوز أن يسأل الساحر حل السحر عن المسحور أم لا فكره الحسن البصري ذلك لأنه عمل سحر وقال لا يعمل ذلك إلا ساحر ولا يجوز إتيان الساحر لما روي عن ابن مسعود من أتى إلى كاهن أو ساحر فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وأجازه ابن المسيب لأنه رآه نوعا من العلاج فيخصص بذلك في قوله يعلمون الناس السحر ذكره البخاري وأما ما حكاه فيها من قول ابن الغرس وانظر هل يجوز السحر في الإصلاح بين نفسين كالمرأة تبغي إصلاح زوجها واستئلافه وعلى القول بأن السحر كفر فإنما يراد ما شهد الشرع له بأنه كفر ا ه
فمبني على ما أيده الأصل فافهم
مسألة قال ابن فرحون في الطرر لابن عات قال لا يجوز الجعل على حل المربوط والمسحور
296
296
فلا يمكننا تكفيرهم بجمع العقاقير ولا بوضعها في الآبار ولا باعتقادهم حصول تلك الآثار عند ذلك الفعل لأنهم جربوا ذلك فوجدوه لا ينخرم عليهم لأجل خواص نفوسهم فصار ذلك الاعتقاد كاعتقاد الأطباء حصول الآثار عند شرب العقاقير لخواص طبائع تلك العقاقير وخواص النفوس لا يمكن التكفير بها لأنها ليست من كسبهم ولا كفر بغير مكتسب وأما اعتقادهم أن الكواكب تفعل ذلك بقدرة الله تعالى فهذا خطأ لأنها لا تفعل ذلك ولا ربط الله تعالى ذلك بها
وإنما جاءت الآثار من خواص نفوسهم التي ربط الله تعالى بها تلك الآثار عند ذلك الاعتقاد فيكون ذلك الاعتقاد في الكواكب خطأ كما إذا اعتقد طبيب أن الله تعالى أودع في الصبر والسقمونيا عقل البطن وقطع الإسهال فإنه خطأ
وأما تكفيره بذلك فلا وإن اعتقدوا أن الكواكب تفعل ذلك والشياطين بقدرتها لا بقدرة الله تعالى فقد قال بعض العلماء الشافعية هذا هو مذهب المعتزلة في استقلال الحيوانات بقدرتها دون قدرة الله تعالى فكما لا نكفر المعتزلة بذلك لا نكفر هؤلاء ومنهم من فرق بأن الكواكب مظنة العبادة فإن انضم إلى ذلك اعتقاد القدرة والتأثير كان كفرا وأجيب عن هذا الفرق بأن تأثير الحيوان في القتل والضر والنفع في العادة مشاهد من السباع والآدميين وغيرهم وأما كون المشترى أو زحل يوجب شقاوة أو سعادة فإنما هو حزر وتخمين من المنجمين لا صحة له وقد عبدت البقر والشجر والحجارة والثعابين فصارت هي الشائبة مشتركة بين الكواكب وغيرها فهو موضع نظر والذي لا مرية فيه أنه كفر إن اعتقد أنها مستقلة بنفسها لا تحتاج إلى الله تعالى فهذا مذهب الصائبة وهو كفر صريح لا سيما إن صرح بنفي ما عداها وبهذا البحث يظهر ضعف ما قالته الحنفية من أن أمر الشياطين وغيرهم كفر بل ينبغي لهم أن يفصلوا في هذا الإطلاق فإن الشياطين كانت تصنع لسليمان عليه السلام ما يأمرهم به من محاريب وتماثيل وغير ذلك فإن اعتقد الساحر أن الله عز وجل سخر له بسبب عقاقيره مع خواص نفسه الشياطين صعب القول بتكفيره
وأما قول الأصحاب إنه علامة الكفر فمشكل لأنا نتكلم في هذه المسألة باعتبار الفتيا ونحن نعلم أن حال الإنسان في تصديقه لله تعالى ورسله بعد عمل هذه العقاقير كحاله قبل ذلك والشرع لا يخبر على خلاف الواقع فإن أرادوا الخاتمة فمشكل أيضا لأنا لا نكفر في الحال بكفر واقع في المآل كما أنا لا نجعله مؤمنا في الحال بإيمان واقع في المآل وهو
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وكذلك لا يجوز الجعل على إخراج الجان من الرجل لأنه لا تعرف حقيقته ولا يوقف عليه ولا ينبغي لأهل الورع الدخول فيه ونسب نقل ذلك إلى الاستغناء لابن عبد الغفور
ا ه بلفظه
ثم اعلم أن السحر من جهة الخلاف في أن له حقيقة وأنه يلتبس بالمعجزة ونحوها من خوارق العادات وأنه يلتبس بتسع حقائق من علوم الشرع التي جمعها سيدي عبد الله العلوي في نظمه رشد الغافل وشرحها وهي أنواعه الأربعة المذكورة والخواص المنسوبة للنفوس والطلسمات والأوفاق والعزائم والاستخدامات يفتقر إلى توضيح جهاته الثلاث المذكورة في ثلاث مقاصد
المقصد الأول القدرية على أن السحر لا حقيقة له والجمهور على أن له حقيقة واختلف فيه على هذا القول من ثلاث جهات
الجهة الأولى قال الأصل اختلف الأصوليون في السحر فقال بعضهم لا يكون إلا رقى أجرى الله تعالى عادته أن يخلق عندها افتراق المتحابين ا ه
يريد وقال بعضهم الآخر إنه كما يكون بالرقى المذكورة كذلك يكون بغيرها وينبني عليه ما حكاه عن الطرطوشي في تعليقه من أنه وقع في الموازية إن قطع أذنا ثم ألصقها أو أدخل السكاكين في بطنه فقد يكون هذا سحرا وقد لا يكون سحرا ا ه
وعلى القول الثاني كلام الأصل المتقدم وعلى القول الأول ما مر عن ابن العربي من أن حقيقته أنه كلام إلخ
297
297
يعبد الأصنام الآن بل الأحكام الشرعية تتبع أسبابها وتحققها لا توقعها وإن قطعنا بوقوعها كما أنا نقطع بغروب الشمس وغير ذلك ولا نرتب مسبباتها قبلها وأما قول أصحابنا في التردد إلى الكنائس وأكل الخنزير وغيره فإنما قضينا بكفره في القضاء دون الفتيا وقد يكون فيما بينه وبين الله تعالى مؤمنا
فالذي يستقيم في هذه المسألة ما حكاه الطرطوشي عن قدماء أصحابنا أنا لا نكفره حتى يثبت أنه من السحر الذي كفر الله به أو يكون سحرا مشتملا على كفر كما قاله الشافعي وأما قول مالك أن تعلمه وتعليمه كفر ففي غاية الإشكال فقد قال الطرطوشي وهو من سادات العلماء أنه إذا وقف لبرج الأسد وحكى القضية إلى آخرها فإن هذا سحر فقد تصوره وحكم عليه بأنه سحر فهذا هو تعلمه فكيف يتصور شيئا لم يعلمه
وأما قوله لا يتصور التعلم إلا بالمباشرة كضرب العود فليس كذلك بل كتب السحر مملوءة من تعليمه ولا يحتاج إلى ذلك بل هو كتعلم أنواع الكفر الذي لا يكفر به الإنسان كما نقول إن النصارى يعتقدون في عيسى عليه السلام كذا والصابئة يعتقدون في النجوم كذا ونتعلم مذاهبهم وما هم عليه على وجهه حتى نرد عليهم ذلك فهو قربة لا كفر وقد قال بعض العلماء إن كان تعلم السحر ليفرق بينه وبين المعجزات كان ذلك قربة وكذلك نقول إن عمل السحر بأمر مباح ليفرق به بين المجتمعين على الزنا أو قطع الطريق بالبغضاء والشحناء أو يفعل ذلك بجيش الكفر فيقتلون به ملكهم هذا كله قربة أو يصنعه محبة بين الزوجين أو الملك مع جيش
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
إلا أنه خصه بالرقى المكفرة فافهم
الجهة الثانية هل يؤثر في المسحور فيموت أو يتغير طبعه وعادته وإن لم يباشره وهو مذهبنا وبه قال الشافعي وابن حنبل أو يجوز أن يؤثر إن وصل إلى بدنه كالدخان ونحوه وإلا فلا وهو مذهب أبي حنيفة قولان
الجهة الثالثة هل يقع فيه ما ليس مقدورا للبشر كأن يصل إلى إحياء الموتى وإبراء الأكمه وفلق البحر وإنطاق البهائم وقلب الجماد حيوانا وعكسه كما يقع فيه ما هو مقدور للبشر أو لا يقع فيه إلا ما هو مقدور للبشر قولان الثاني لجماعة منهم القاضي قال ولا يقع فيه إلا ما هو مقدور للبشر وأجمعت الأمة على أنه لا يصل إلى إحياء الموتى وإبراء الأكمه وفلق البحر وإنطاق البهائم ومنهم الأستاذ أبو إسحاق قال وقد يقع التغيير به والضني وربما أتلف وأوجب الحب والبغض والبله وفيه أدوية مثل المرائر والأكباد والأدمغة فهذا الذي يجوز عادة وأما طلوع الزرع في الحال أو نقل الأمتعة والقتل على الفور والعمى والصمم ونحوه وعلم الغيب فممتنع وإلا لم يأمن أحد على نفسه عند العداوة وقد وقع القتل والعناد من السحرة ولم يبلغ فيها أحد هذا المبلغ وقد وصل القبط فيه إلى الغاية ولم يتمكن سحرة فرعون من الدفع عن أنفسهم والتغيب والهروب عند قطع فرعون أيديهم وأرجلهم
ومنهم العلقمي قال كما في العزيزي على الجامع الصغير والحق أن لبعض أسباب السحر تأثيرا في القلوب كالحب والبغض وفي البدن بالألم والسقم وإنما المنكر أن الجماد ينقلب حيوانا وعكسه بسحر الساحر ونحو ذلك ا ه

298
298
الإسلام فتأمل هذه المباحث كلها فالموضع مشكل جدا قول الطرطوشي إذا قال صاحب الشرع من دخل الدار فهو كافر قضينا بكفره عند دخول الدار فهو فرض محال ولا يخبر صاحب الشرع عن إنسان بالكفر إلا إذا كفر وقولهم هو دليل الكفر ممنوع وقولهم لأن صاحب الشرع أخبر بذلك في الكتاب العزيز
قلنا حمل الآية على ما هو كفر من السحر لا محال فيه غايته دخول التخصيص في العموم بالقواعد وهذا هو شأننا في العمومات وأما التكفير بغير سبب الكفر فهو خلاف القواعد ولا شاهد له بالاعتبار وأي دليل دلنا على أن تعلم السحر أو تعليمه لا يكون إلا بالكفر
وقوله تعالى ! 2 < ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر > 2 ! البقرة 102 فالجواب عنه قوله يعلمون الناس السحر نمنع أنه تفسير لقوله لكن يتعين حمله على أن ذلك السحر كان مشتملا على الكفر وكانت الشياطين تعتقد موجب تلك الألفاظ كالنصراني إذا علم المسلم دينه فإنه يعتقد بموجبه وأما علم المسلم دين النصراني ليرد عليه ويتأمل فساد قواعده فلا يكفر المعلم ولا المتعلم وهذا التقييد على وفق القواعد وأما جعل التعليم والتعلم مطلقا كفرا فخلاف القواعد واقتصر على هذا القدر من التنييه على غور هذه المسألة>
كفروا بل أخبار عن حالهم بعد تقرر كفرهم بغير السحر وإنما يتم المقصود إذا كانت الجملة الثانية مفسرة للأولى سلمنا أنها مفسرة لها
لكن يتعين حمله على أن ذلك السحر كان مشتملا على الكفر وكانت الشياطين تعتقد موجب تلك الألفاظ كالنصراني إذا علم المسلم دينه فإنه يعتقد بموجبه وأما علم المسلم دين النصراني ليرد عليه ويتأمل فساد قواعده فلا يكفر المعلم ولا المتعلم وهذا التقييد على وفق القواعد وأما جعل التعليم والتعلم مطلقا كفرا فخلاف القواعد واقتصر على هذا القدر من التنييه على غور هذه المسألة
قلت نقلت هذا الفصل بجملته لافتقار الكلام عليه إلى مقدمة لم يتعين تمهيدها وهي أن كون أمر ما كفرا أي أمر كان ليس من الأمور العقلية بل هو من الأمور الوضعية الشرعية
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وحكى ابن الجويني أن أكثر علمائنا جوزوا أن يستدق جسم الساحر حتى يلج في الكوة ويجري على خيط مستدق ويطير في الهواء ويقتل غيره
والقول الأول أيده الإمام أبو القاسم بن الشاط بأن جميع ما هو مقدور للبشر وما هو غير مقدور لهم من جملة أفعال الله تعالى الجائزة عقلا فلا غرو أن ينتهي إلى الإحياء والإماتة وغير ذلك اللهم إلا أن يكون هنالك مانع سمعي من وقوع بعض تلك الجائزات
قال وإجماع الأمة على أنه لا يصل إلى إحياء الموتى وإبراء الأكمه وفلق البحر وإنطاق البهائم الذي حكاه لا يصح أن يكون مستنده إلا التوقيف ولا أعرف الآن صحة ذلك الإجماع ولا التوقيف الذي استند إليه ذلك الإجماع ا ه
وقال الأصل ووصوله إلى القتل وتغيير الخلق ونقل الإنسان إلى صورة البهائم هو الصحيح المنقول عنهم وقد كان القبط في أيام ملكة مصر بعد فرعون المسماة بدلوكا وضعوا السحر في البرايا وصوروا فيه عساكر الدنيا فأي عسكر قصدهم وأي شيء فعلوه من قلع الأعين أو ضرب الرقاب تخيل ذلك الجيش أو رجاله أنه وقع بذلك العسكر في موضعه فتحاشيهم العساكر فأقاموا ستمائة سنة والنساء هن الملوك والأمراء بمصر بعد غرق فرعون وجيوشه كما حكاه المؤرخون
وأما الجواب عن سحرة فرعون فمن وجوه
الأول أنهم تابوا فمنعتهم التوبة والإسلام العودة إلى معاودة الكفر الذي تكون به تلك الآثار ورغبوا فيما عند الله تعالى ولذلك قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون
الثاني أنه يجوز أنهم لم يكونوا ممن وصلوا لذلك وإنما قصد من
299
299
فإذا قال الشارع في أمر ما هو كفر فهو كذلك سواء كان ذلك القول إنشاء أم أخبارا فإذا تمهدت القاعدة فنقول ما قاله الطرطوشي من أن دليل المالكية قوله تعالى ! 2 < وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر > 2 ! البقرة 102 أي بتعلمه قول صحيح واستدلال المالكية بذلك ظاهر واضح لتعذر حمل قوله ! 2 < فلا تكفر > 2 ! على الكفر بغير التعليم لعدم التآم قوله فلا تكفر على تقدير أن الكفر المنهي عنه غير التعلم مع ما قبله فهو من هذه الجهة وبهذه القرينة نص في أن التعلم هو الكفر ولكن يبقى في ذلك أن الآية أخبار عن واقع قبلنا وخطاب عن غيرنا فلا يتم الاستدلال إلا على القول بأنه شرع لنا وهو المشهور المنصور في المذهب وما قاله الطرطوشي أيضا من أن السحر لا يتأتى إلا ممن يعتقد أنه يقدر به على تغيير الأجسام إن أراد أنه لا يظهر له أثر إلا مع ذلك الاعتقاد فهو مثل ما حكاه الشهاب عن الفخر في المسألة الأولى ولا أدري صحة ذلك
وما قاله من أن الجزم بذلك الاعتقاد كفر
قول صحيح لنسبة التأثير لغير قدرة الله تعالى وما قاله من تسويغ القول بأنه علامة على الكفر الداخل صحيح ما قاله من أنه لو قال الشارع من دخل موضع كذا فهو كافر اعتقدنا كفر الداخل وأن الدخول كفر صحيح لما تقدم من أن الكفر من الأمور الوضعية فإذا قال الشارع في أمر ما أنا كفر مخبرا أو منشئا فذلك الأمر كفر وما قاله من أن معنى قول الأصحاب أن السحر كفر أي دليل الكفر إلى قوله وإن لم تكن وخواص النفوس لا يمكن التكفير بها لأنها ليست من كسبهم ولا كفر بغير مكتسب
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
يقدر من السحرة في ذلك الوقت على قلب العصا حية لأجل موسى عليه السلام
الثالث
أنه يجوز أن يكون فرعون قد علمه بعض السحرة حجبا وموانع يبطل بها سحر السحرة اعتناء به والحجب والمبطلات فيه مشتهرة عند أهله قال ودليل أن للسحر حقيقة الكتاب والسنة الإجماع أما الكتاب فقوله تعالى يعلمون الناس السحر وما لا حقيقة له لا يعلم ولا يلزم صدور الكفر عن الملائكة لأنه قرئ الملكين بكسر اللام أو هما ملكان وأذن لهما في تعليم الناس السحر للفرق بين المعجزة والسحر لأن مصلحة الخلق في ذلك الوقت كانت تقتضي ذلك ثم صعدا إلى السماء وقولهما فلا تكفر أي لا تستعمله على وجه الكفر كما يقال خذ المال ولا تفسق به أو يكون معنى قوله عز وجل يعلمون الناس السحر أي ما يصلح للأمرين
وأما السنة ففي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم سحر فكان يخيل إليه أنه يأتي النساء ولا يأتيهن الحديث وقد سحرت عائشة رضي الله عنها جارية اشترتها وفي الموطإ أن جارية لحفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم سحرتها وقد كانت دبرتها فأمرت بها فقتلت كما في التبصرة وأما الإجماع فقد كان السحر وخبره معلوما للصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وكانوا مجمعين عليه قبل ظهور القدرية ولأن الله عز وجل قادر على خلق ما يشاء عقب كلام مخصوص أو أدوية مخصوصة
وأما الوجهان اللذان احتجوا بهما
فالأول قوله تعالى يخيل إليه من
300
300
وأما اعتقادهم أن الكواكب تفعل ذلك بقدرة الله تعالى فهذا خطأ
لأنها لا تفعل ذلك ولا ربط الله تعالى ذلك بها وإنما جاءت الآثار من خواص نفوسهم التي ربط الله تعالى بها تلك الآثار عند ذلك الاعتقاد فيكون ذلك الاعتقاد في الكواكب خطأ
كما إذا اعتقد طبيب أن الله تعالى أودع في الصبر والسقمونيا عقل البطن وقطع الإسهال فإنه خطأ وأما تكفيره بذلك فلا وإن اعتقدوا أن الكواكب تفعل ذلك والشياطين بقدرها لا بقدرة الله تعالى فقد قال بعض علماء الشافعية هذا هو مذهب المعتزلة في استقلال الحيوانات بقدرها دون قدرة الله تعالى فإن انضم إلى ذلك اعتقاد القدرة والتأثير كان كفرا وأجيب عن هذا الفرق بأن تأثير الحيوان في القتل والضر والنفع في العادة مشاهدة من السباع والآدميين وغيرهم وأما كون المشتري أو زحل يوجب شقاوة أو سعاد فإنما هو حزر وتخمين من المنجمين لا صحة له وقد عبدت البقر والشجر والحجارة والثعابين فصارت هذه الشائبة مشتركة بين الكواكب وغير ذا فهو موضع نظر والذي لا مرية فيه أنه كفران اعتقد أنها مستقلة بنفسها لا تحتاج إلى الله تعالى فهذا مذهب الصابئة وهو كفر صريح لا سيما إن صرح بنفي ما عداها وبهذا البحث يظهر ضعف ما قالته الحنفية من أن أمر الشيطان وغيرهم كفر بل ينبغي لهم أن يفصلوا في هذا الإطلاق فإن الشياطين كانت تصنع لسليمان عليه السلام ما يأمرهم به من محاريب وتماثيل وغير ذلك فإن اعتقد الساحر أن الله عز وجل سخر له بسبب عقاقيره مع خواص نفسه الشياطين صعب القول بتكفيره
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
سحرهم أنها تسعى فهو تخيل لا حقيقة له وجوابه أنه حجة لنا لأنه تعالى أثبت السحر وإنما لم ينهض بالخيال إلى السعي ونحن لا ندعي أن كل سحر ينهض إلى كل المقاصد
والثاني أنه لو كانت له حقيقة لأمكن الساحر أن يدعي به النبوة فإنه يأتي بالخوارق على اختلافها وجوابه أن إضلال الله تعالى للخلق ممكن لكن الله تعالى أجرى عادته بضبط مصالحهم فما يسر ذلك على الساحر وكم من ممكن يمنعه الله عز وجل عن الدخول في العالم لأنواع من الحكم مع أننا سنبين بعد إن شاء الله تعالى الفرق بين السحر والمعجزات من وجوه فلا يحصل اللبس والضلال
ا ه بزيادة ما
المقصد الثاني السحر على الجملة نوعان الأول ما هو غير خارق للعوائد والثاني ما هو خارق للعوائد قاله ابن الشاط والنوع الثاني هو ما عرفه المناوي على الجامع الصغير بقوله هو مزاولة النفس الخبيثة لأقوال وأفعال يترتب عليها أمور خارقة ا ه
وأشار بقوله مزاولة النفس الخبيثة إلى ما قاله الإمام فخر الدين بن الخطيب في كتابه الملخص السحر والعين لا يكونان من فاضل ولا يقعان ولا يصحان منه أبدا لأن من شرط السحر الجزم بصدور الأثر وكذلك أكثر الأعمال من شرطها الجزم والفاضل المتبحر في العلوم يرى وقوع ذلك من الممكنات التي يجوز أن توجد وأن لا توجد فلا يصح لفاضل أصلا وأما العين فلا بد فيها من فرط التعظيم للمرئي والنفس الفاضلة لا تصل في تعظيم ما تراه إلى هذه الغاية
301
301
وأما قول الأصحاب أنه علامة الكفر فمشكل لأنا نتكلم في هذه المسألة باعتبار الفتيا ونحن نعلم أن حال الإنسان في تصديقه لله تعالى ورسله بعد عمل هذه العقاقير كحاله قبل ذلكن والشرع لا يخبر على خلاف الواقع
فإن أرادوا الخاتمة فمشكل أيضا لأنا لا نكفر في الحال بكفر واقع في المآل كما أنا لا نجعله مؤمنا في الحال بإيمان وقع في المآل وهو يعبد الأصنام الآن بل الأحكام الشرعية تتبع أسبابها وتحققها لا توقعها وإن قطعنا بوقوعها كما أنا نقطع بغروب الشمس وغير ذلك ولا نرتب مسبباتها قبلها
وأما قول أصحابنا في التردد إلى الكنائس وأكل الخنزير وغيره فإنما قضينا بكفره في القضاء دون الفتيا وقد يكون فيما بينه وبين الله تعالى مؤمنا فالذي يستقيم في هذه المسألة ما حكاه الطرطوشي عن قدماء أصحابنا أنا لا نكفره حتى يثبت أنه من السحر الذي كفر الله به أو يكون سحرا مشتملا على كفر كما قاله الشافعي وأما قول مالك أن تعلمه وتعليمه كفر ففي غاية الإشكال
فقد قال الطرشوشي وهو من سادات العلماء أنه إذا وقع لبرج الأسد وحكى القضية إلى آخرها فإن هذا سحر فقد تصوره وحكم عليه بأنه سحر فهذا هو تعلمه فكيف يتصور شيئا لم يعلمه وأما قوله لا يتصور التعلم إلا بالمباشرة كضرب العود فليس كذلك بل كتب السحرة مملوءة من تعليمه ولا يحتاج إلى ذلك بل هو كتعلم أنواع الكفر الذي لا يكفر به الإنسان كما نقول أن النصارى يعتقدون في عيسى عليه السلام كذا والصابئة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
فلذلك لا يصح السحر إلا من العجائز والتركمان أو السودان ونحو ذلك من النفوس الجاهلة
ا ه
لكن قال ابن الشاط وما قاله الفخر يتوقف على الاختبار والتجربة ولا نعلم صحة ذلك من سقمه قال وقول الشهاب في الفرق الواقع في نفس الأمر بين المعجزات في النبوات وبين السحر وأنواعه والطلسمات وغيرها من الحقائق ونحوها أن المعجزة ما خلق الله في العالم عند تحدي الأنبياء بلا سبب في العادة أصلا كفلق البحر وسير الجبال في الهواء فإن الله تعالى لم يجعل في العالم عقارا يفلق البحر أو يسير الجبال في الهواء ونحو ذلك
وأما السحر وأنواعه والطلسمات ونحوها فهي ما خلق الله في العالم بأسباب في العادة تترتب عليها غير أن تلك الأسباب لم تحصل لكثير من الناس بل لقليل منهم فهي كالعقاقير التي تعمل منها الكيمياء أي نقل الشيء من حالة إلى حالة أعلى منها كتصيير النحاس ذهبا أو فضة إلا أنهما دون الخلقة الأصلية نعم ما كان فيه الكبريت الأحمر يكون ذهبه وفضته جيدا كالخلقة وقد رئي الكبريت الأحمر في تركة أيرم أبي زيد القيرواني وتركة أبي عمران الفاسي واستدل بذلك على جواز عمل الكيمياء إذا كان المعمول بها لا يتبدل ولا يتغير كما في شرح رشد الغافل للعلوي والحشائش التي يعمل منها النفط الذي يحرق الحصون والصخور والدهن الذي من ادهن به لم يقطع فيه حديد وكالسمندل الحيوان الذي لا تعدو عليه النار ولا يأوي إلا فيها ونحو ذلك من الأمور الغريبة قليلة الوقوع في العالم
302
302
يعتقدون في النجوم كذا ونتعلم مذاهبهم ما هم عليه على وجهه حتى نرد عليهم ذلك فهو قربة لا كفر وقد قال بعض العلماء إن كان تعلم السحر ليفرق بينه وبين المعجزات كان ذلك قربة وكذلك نقول أن عمل السحر بأمر مباح ليفرق به بين المجتمعين على الزنا أو قطع الطريق بالبغضاء والشحناء أو يفعل ذلك بجيش الكفر فيقتلون به ملكهم هذا كله قربة أو يصنعه محبة بين الزوجين أو مع جيش الإسلام فتأمل هذه المباحث كلها فالموضع مشكل جدا وقول الطرطوشي إذا قال صاحب الشرع عن إنسان بالكفر إلا إذا كفر
وقولهم هو دليل الكفر ممنوع وقولهم لأن صاحب الشرع أخبر بذلك في الكتاب العزيز قلنا حمل الآية على ما هو كفر من السحر لا محال فيه غايته دخول التخصيص في العموم بالقواعد وهذا هو شأننا في العمومات
وأما التكفير بغير سبب الكفر فهو خلاف القواعد ولا شاهد له في الاعتبار وأي دليل دلنا على أن تعلم السحر أو تعليمه لا يكون إلا بالكفر
وقوله تعالى ! 2 < ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر > 2 ! البقرة 102 فالجواب عنه أن قوله ! 2 < يعلمون الناس السحر > 2 ! نمنع أنه تفسير لقوله ! 2 < كفروا > 2 ! بل أخبار عن حالهم بعد تقرر كفرهم بغير السحر وإنما يتم المقصود إذا كانت الجملة الثانية مفسرة للأولى سلمنا أنها مفسرة لها لكن يتعين حمله على أن ذلك السحر كان مشتملا على الكفر وكانت الشياطين تعتقد
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وإذا وجدت أسبابها وجدت على العادة فيها فليس فيها شيء خارق للعادة بل هي عادة جرت من الله بترتيب مسبباتها على أسبابها
ا ه
مع زيادة إن كان يريد أن جميع ما يحدث عن السحر فهو معتاد وليس فيه ما هو خارق فليس ذلك بصحيح فإن أكثر الأشعرية أو جميعهم يجوزون خرق العادة على يد الساحر إلا أن يقول بالجواز وعدم الوقوع فلا أدري من يعلم ذلك ا ه
قلت وهذا الخلاف بين الأصل وابن الشاط في أنه هل يجوز أن يكون منه خارق أو لا بل جميع ما يحدث عنه معتاد مبني على الخلاف المار في أنه هل يقع فيه ما ليس مقدورا للبشر كالمقدور لهم أو لا يقع فيه إلا ما هو مقدور لهم وعلى ما لابن الشاط فلا يصلح فارقا ما ذكر عنه أنه فرق واقع في نفس الأمر بل يتعين الفرقان الباقيان في كلامه اللذان قال أنهما باعتبار الظاهر لكن لا كما قال بل باعتبار نفس الأمر
الفرق الأول
أن السحر وما يجري مجراه يختص بمن عمل له حتى أن أهل هذه الحرف إذا استدعاهم الملوك والأكابر ليبينوا لهم هذه الأمور على سبيل التفرج يطلبون منهم أن تكتب أسماء كل من يحضر ذلك المجلس فيصنعون صنعهم لمن يسمى لهم فإن حضر غيرهم لا يرى شيئا مما رآه الذين سموا أولا بخلاف المعجزة فإنها تظهر لمن عملت له ولغيره قال العلماء وإليه الإشارة بقوله تعالى ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين أي كل ناظر ينظر إليها على الإطلاق ا ه
303
303
المسألة الرابعة
الفرق بين المعجزات في النبوات وبين السحر وغيره مما يتوهم أنه من خوارق العادات هذه مسألة عظيمة الوقع في الدين وأشكلت على جماعة من الأصوليين والتبست على كثير من الفضلاء المحصلين والفرق بينهما من ثلاثة أوجه فرق في نفس الأمر باعتبار الباطن وفرقان باعتبار الظاهر أما الفرق الواقع في نفس الأمر فهو أن السحر والطلمسات والسيمياء وهذه الأمور ليس فيها شيء خارق للعادة بل هي عادة جرت من الله بترتيب مسبباتها على أسبابها غير أن تلك الأسباب لم تحصل لكثير من الناس بل للقليل منهم كالعقاقير التي تعمل منها الكيمياء والحشائش التي يعمل منها النفط الذي يحرق الحصون والصخور والدهن الذي من ادهن به لم يقطع فيه حديد والسمندل والحيوان الذي لا تعدو عليه النار ولا يأوي إلا فيها هذه كلها ونحوها في العالم أمور غريبة قليلة الوقوع وإذا وجدت أسبابها وجدت على العادة فيها وكذلك إذا وجدت أسباب السحر الذي أجرى الله به العادة حصل وكذلك السيمياء وغيرها كلها جارية على أسباب عادية غير أن الذي يعرف تلك الأسباب قليل من الناس
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
قال ابن الشاط وإنما يظهر ذلك لمن جربه وتكررت منه التجربة وقل من يجربه ا ه
والفرق الثاني أن الظاهر من قرائن الأحوال المفيدة للعلم القطعي الضروري المحتفة بالأنبياء عليهم السلام مفقودة في حق غيرهم فتجد النبي عليه الصلاة والسلام أفضل الناس نشأة ومولدا ومزية وخلقا وخلقا وصدقا وأدبا وأمانة وزهادة وإشفاقا ورفقا وبعدا عن الدناءات والكذب والتمويه الله أعلم حيث يجعل رسالته ثم أصحابه يكونون في غاية العلم والنور والبركة والتقوى والديانة ألا ترى أن أصحاب رسول الله كانوا بحارا في العلوم على اختلاف أنواعها من الشرعيات والعقليات والحسابيات والسياسيات والعلوم الباطنة والظاهرة حتى يروى أن عليا رضي الله عنه جلس عند ابن عباس رضي الله عنهما يتكلم في الباء من بسم الله من العشاء إلى أن طلع الفجر مع أنهم لم يدرسوا ورقة ولا قرءوا كتابا ولا تفرغوا من الجهاد وقتل الأعداء وإنما كانوا على هذه الحالة ببركته صلى الله عليه وسلم حتى قال بعض الأصوليين لو لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم معجزة إلا أصحابه لكفوه في إثبات نبوته
وكذلك ما علم من فرط صدقه الذي جزم به أولياؤه وأعداؤه وكان يسمى في صغره الأمين إلى غير ذلك مما هو مبسوط في موضعه فما من نبي إلا وله من هذه القرائن الحالية والمقالية العجائب والغرائب بحيث إن من وقف عليها وعرفها من صاحبها جزم بصدقه فيما يدعيه جزما قاطعا وجزم أن هذه الدعوى حق
304
304
أما المعجزات فليس لها سبب في العادة أصلا فلا يجعل الله تعالى في العالم عقارا يفلق البحر أو يسير الجبال في الهوى ونحو ذلك فنحن نريد بالمعجزة ما خلق الله تعالى في العالم عند تحدي الأنبياء على هذا الوجه وهنا فرق عظيم
غير أن الجاهل بالأمرين يقول وما يدريني أن هذا لا سبب له من جهة العادة فيقال له الفرقان الأخيران يذهبان عنك هذا اللبس الفرق الأول منهما أن السحر وما يجري مجراه يختص بمن عمل له حتى أن أهل هذه الحرف إذا استدعاهم الملوك والأكابر ليبينوا لهم هذه الأمور على سبيل التفرج يطلبون منهم أن تكتب أسماء كل من يحضر ذلك المجلس فيصنعون صنعهم لمن يسمى لهم فإن حضر غيرهم لا يرى شيئا مما رآه الذين سموا أولا قال العلماء وإليه الإشارة بقوله تعالى ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين ينظر إليها على الإطلاق ففارقت بذلك السحر والسيمياء وهذا فرق عظيم يظهر للعالم والجاهل
الفرق الثاني من الفرقين الظاهر من قرائن الأحوال المفيدة للعلم القطعي الضروري المحتفة بالأنبياء عليهم السلام المفقودة في حق غيرهم فنجد النبي عليه الصلاة والسلام أفضل الناس نشأة ومولدا ومزية وخلقا وخلقا وصدقا وأدبا وأمانة وزهادة وإشفاقا ورفقا وبعدا عن الدناءات والكذب والتمويه الله أعلم حيث يجعل رسالته ثم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا بحارا في العلوم على اختلاف أنواعها من الشرعيات والعقليات والحسابيات والسياسات والعلوم الباطنة والظاهرة حتى يروى أن عليا رضي الله
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
ولذلك لما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر بنبوته قال له الصديق صدقت من غير احتياج إلى معجزة خارقة فنزل فيهما قوله تعالى والذي جاء بالصدق وصدق به أي محمد جاء بالصدق وأبو بكر صدق به
وأما الساحر فعلى العكس من ذلك كله فلا تجده في موضع إلا ممقوتا حقيرا بين الناس ولا نجد أصحابه وأتباعه وأتباع كل مبطل إلا عديمين الطلاوة لا بهجة عليهم بحيث تنفر النفوس منهم ولا فيهم من نوافل الخير والسعادة أثر ا ه
قال ابن الشاط وما قاله في هذا الفرق صحيح وهو الفرق بين الولي والساحر فكما أن الاتصاف بالصفات المحمودة دون المذمومة فرق بين النبي والساحر كذلك هو الفرق بين الولي وبينه ثم الفرق بين النبي والولي بالتحدي مبني على مذهب من يمنع تحدي الولي بالولاية وأما على مذهب من يجيز تحدي الولي بالولاية فيفرق النبي من الولي بالتحدي بالنبوة ا ه
وقال العلقمي كما في العزيزي على الجامع الصغير والفرق أن السحر يكون بمعاناة أقوال وأفعال حتى يتم للساحر ما يريد والكرامة لا تحتاج لذلك بل إنما تقع غالبا اتفاقا وأما المعجزة فتمتاز عن الكرامة بالتحدي أي دعوى الرسالة ا ه
305
305
عنه جلس عند ابن عباس رضي الله عنهما يتكلم في الباء من بسم الله من العشاء إلى أن طلع الفجر مع أنهم لم يدرسوا ورقة ولا قرءوا كتابا ولا تفرغوا من الجهاد وقتل الأعداء ومع ذلك فإنهم كانوا على هذه الحالة ببركته صلى الله عليه وسلم حتى قال بعض الأصوليين لو لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم معجزة إلا أصحابه لكفوه في إثبات نبوته وكذلك ما علم من فرط صدقه الذي جزم به أولياؤه وأعداؤه وكان يسمى في صغره الأمين إلى غير ذلك مما هو مبسوط في موضعه فمن وقف على هذه القرائن وعرفها من صاحبها جزم بصدقه فيما يدعيه جزما قاطعا وجزم بأن هذه الدعوى حق ولذلك لما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر بنبوته قال له الصديق صدقت من غير احتياج إلى معجزة خارقة فنزل فيهما قوله تعالى والذي جاء بالصدق وصدق به أي محمد جاء بالصدق وأبو بكر صدق به فما من نبي إلا وله من هذه القرائن الحالية والمقالية العجائب والغرائب
وأما الساحر فعلى العكس من ذلك كله لا تجده في موضع إلا ممقوتا حقيرا بين الناس وأصحابه وأتباعه وأتباع كل مبطل عديمين للطلاوة لا بهجة عليهم والنفوس تنفر منهم ولا فيهم من نوافل الخير والسعادة أثر فهذه فروق ثلاثة بين البابين وهي في غاية الظهور لا يبقى معها ولله الحمد لبس ولا شك لجاهل ولا عالم
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
والله سبحانه وتعالى أعلم
المقصد الثالث السحر لما كان اسم جنس عبارة عن اعتقاد ولا يكون إلا كفرا أو قول أو فعل ويكونان تارة كفرا وتارة غير كفر وعما هو خارق للعوائد وغير خارق كما علم مما تقدم عن الأصل وابن الشاط وكانت أنواعه الأربعة المتقدمة والحقائق الخمسة الأخر التي هي من علوم الشر وهي الخواص المنسوبة للنفوس والأوفاق والطلسمات والعزائم والاستخدامات كلها تجري مجراه فيما ذكر تحقق التباسه بهذه الحقائق التسع وافتقرت هذه الحقائق إلى أن تميز عنه إما ببيان الخصوص مطلقا وقد علم مما مر في السيمياء والهيمياء من أنواعه الأربعة وإما ببيان الخصوص من جهة كما في النوعين الباقيين من أنواعه والحقائق الخمسة الأخر المذكورة وهو يفتقر إلى سبعة وصول لبيان الحقائق السبع المذكورة
الوصل الأول الخواص المنسوبة للحقائق أي الذوات من الحيوانات وغيرها أسرار عظيمة وكثيرة أودعها الله تعالى في أجزاء العالم حتى لا يكاد يعرى شيء عن خاصيته فلا يدخلها فعل البشر بل هي ثابتة كاملة مستقلة بقدرة الله تعالى منها ما هو معلوم على الإطلاق كإرواء الماء وإحراق النار ومنها ما هو مجهول على الإطلاق ومنها ما يعلمه الأفراد من الناس وهذه إما مغيرة لأحوال النفوس وهي التي قدمنا أنها نوع من أنواع السحر وإما مختصة بانفعالات الأمزجة صحة أو سقما كالأغذية والأدوية من الجماد والنبات والحيوان المسطورة في كتب الأطباء والعشابين والطبائعيين وهذه من علم الطب لا من علم السحر قاله الأصل وسلمه ابن الشاط
الوصل الثاني الرقى ألفاظ خاصة يحدث عندها الشفاء من الأسقام والأدواء والأسباب المهلكة وهذه الألفاظ منها ما هو مشروع كالفاتحة والمعوذتين
306
306
صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وكقوله تعالى ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها تقرأ سبع مرات عند دخول محل لقضاء حاجة ما وكقوله تعالى ولما سكت عن موسى الغضب إلى يرهبون سبع مرات لتعطيف القلوب وتسكين غضب الملوك ومنها ما هو غير مشروع كرقى الجاهلية والهند وغيرهم لأنه ربما كان كفرا أو محرما ولذلك نهى مالك وغيره عن الرقى بالعجمية وغير المشروع قد يحدث ضررا فيقال له السحر ولا يقال لفظ الرقى عليه كما تقدم قال الأصل وقد نهى علماء العصر عن الرقية التي تكتب في آخر جمعة من شهر رمضان لما فيها من اللفظ الأعجمي ولأنهم يشتغلون بها عن الخطبة ويحصل بها مع ذلك مفاسد ا ه
وفي الاعتصام لأبي إسحاق الشاطبي وإن كان أصل الدعاء والأذكار غير مشروع كالتي يزعم العلماء أنها مبنية على علم الحروف وهو الذي اعتنى به البوني وغيره ممن حذا حذوه أو قاربه فهي بدعة حقيقة مركبة فإن ذلك العلم فلسفة ألطف من فلسفة معلمهم الأول وهو أرسطو طاليس فردوها إلى أوضاع الحروف وجعلوها هي الحاكمة في العالم وربما أشاروا عند العمل بمقتضى تلك الأذكار
وما قصد بها إلى تحري الأوقات والأحوال الملائمة لطبائع الكواكب ليحصل التأثير عندهم وحيا فحكموا العقول والطبائع كما ترى وتوجهوا شطرها وأعرضوا عن رب العقل والطبائع وإن ظنوا أنهم يقصدونه اعتقادا في استدلالهم بصحة ما انتحلوا على وقوع الأمر وفق ما يقصدونه فإذا توجهوا بالذكر والدعاء المفروض على الفرض المطلوب حصل سواء عليهم أنفعا كان أم ضرا وخيرا كان أم شرا ويبنون على ذلك اعتقاد بلوغ النهاية في إجابة الدعاء أو حصول نوع من كرامات الأولياء كلا ليس طريق ذلك التأثير من مرادهم ولا كرامات الأولياء من نتائج أورادهم فلا تلاقي بين الأرض والسماء ولا مناسبة بين النار والماء وحصول التأثير حسبما قصدوا هو في الأصل من قبيل الفتنة التي اقتضاها في الخلق ذلك تقدير العزيز العليم فالنظر إلى وضع الأسباب والمسببات أحكام وضعها الباري تعالى في النفوس يظهر عندها ما شاء الله من التأثيرات على نحو ما يظهر على المعيون عند الإصابة وعلى المسحور عند عمل السحر بل هو بالسحر أشبه لاستمدادها من أصل واحد وشاهده ما جاء في الحديث الصحيح الذي خرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إن الله يقول أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني وفي بعض الروايات أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء وشرح هذه المعاني لا يليق بما نحن فيه ا ه
الوصل الثالث خواص النفوس بمعنى مقتضى الأمزجة والطبائع نوع خاص من الخواص المودعة في العالم فالحيوانات لا تكاد تتفق طبائعها بل نقطع بأنه ولو عظم شبه فرد منها بفرد آخر لا بد من فرق بينهما وذلك أن التباين لما حصل في الصفات على الإطلاق وجب حصوله في الأمزجة على الإطلاق ألا ترى أن نفسا من الأناسي طبعت على الشجاعة إلى الغاية ونفسا على الجبن إلى الغاية ونفسا على الشر إلى الغاية ونفسا على الخير إلى الغاية ونفسا يهلك ما عظمته وهو المسمى بالعين وليس كل أحد يؤذي بالعين وأحوال من يؤذي بها مختلفة فمنهم من يصيد الطير في الهوى ويقلع الشجر العظيم من القرى ومنهم من لا يصل بها إلا إلى
307
307
صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
التمريض اللطيف ونحوه ونفسا على صحة الحزر بحيث لا يخطئ الغيب عند شيء مخصوص ولا يتأتى له ذلك في غيره فلذلك تجد بعضهم لا يخطئ في علم الرمل أبدا وآخر لا يخطئ في أحكام النجوم أبدا وآخر لا يخطئ في علم الكف أبدا وآخر لا يخطئ في علم السير أبدا لأن نفسه طبعت على ذلك ولم تطبع على غيره فمن توجهت نفسه لطلب الغيب عند ذلك الفعل الخاص أدركته بخاصيتها فقط لا لأن النجوم فيها شيء ولا الكتف ولا الرمل ولا بقيتها بل هي خواص نفوس فقط
ألا ترى أن بعضهم يجد صحة أعماله في ذلك وهو شاب فإذا صار كبيرا فقدها لأن القوة نقصت عن تلك الحدة التي كانت في الشبوبية وقد ذهبت
قلت ثم إن خواص النفوس على قياس ما تقدم في خواص الحقائق منها ما هو معروف على الإطلاق كخواص النفوس المذكورة ومنها ما هو مجهول على الإطلاق ومنها ما يعلمه من الناس الأفراد قال الأصل كجماعة في الهند إذا وجهوا أنفسهم لقتل شخص انتزعوا قلبه من صدره بالهمة والعزم وقوة النفس فإذا مات وشق صدره لا يوجد فيه قلبه ويجربون بالرمان فيجمعون عليه هممهم فلا توجد فيه حبة
ا ه
ومن حيث إن هذا لا يعلمه إلا الأفراد من الناس قال ابن الشاط وما حكاه عن الهند لا أدري صحته من سقمه ا ه
قال الشيخ عبد الله العلوي الشنقيطي في شرحه على نظمه رشد الغافل إن مص دماء القلب أو نزع القلب نفسه منه ما يكون عن طبع كما هو من جماعة في الهند إذا وجه أحدهم نفسه لقتل شخص انتزع قلبه من صدره بالهمة والعزم إلى آخر ما قاله الأصل وحكاه عن ابن زكري في شرح النصيحة قال والغالب حصول المص المذكور والنزع عن كسب وهذا كثير في السودان سواء ولد في أرضهم أو في أرضنا وقال قبل وبعض الناس يسمي المص المذكور والنزع بسغنيا بضم السين المهملة وضم الغين المعجمة ونون ساكنة ومثناة تحتية مفتوحة وبعضهم يسميه بالسلالة بفتح السين وتشديد اللام الأولى فألف فلام مخففة فهاء تأنيث ا ه وسيأتي في وصل الأوفاق ما قاله في شفاء من فعل به ذلك فترقب
قلت وهذا النوع ونحوه من خواص النفوس هو الذي يلتبس به السحر كما لا يخفى قال الأصل وتبعه ابن زكري في شرح النصيحة وخواص النفوس كثيرة لا تعد ولا تحصى وإلى تباين الأخلاق والخلق والسجايا والقوى كما أن المعادن كذلك الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام الناس معادن كمعادن الذهب والفضة ا ه قال ابن الشاط وما قاله من أن في الحديث الإشارة إلى ما ذكره هو الظاهر منه ويحتمل غير ذلك والله تعالى أعلم ا ه
الوصل الرابع الأوفاق وتسمى علم الأشكال وعلم الجداول وتسمى الأشكال والجداول بالمثلث والمربع والمخمس ونحوها أي كمسبع السلالة الآتي وهي من الباطل إذا قصد بها إضرار أو نفع من لا يستحق ذلك شرعا مع ما في ذلك من الجرأة على أسماء الله تعالى والتصرف فيها لأغراض دنيوية ولهذا يقول بعضهم بابن البوني وأشكاله
308
308
صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
أما إذا أريد بها غرض لا اعتراض للشرع عليه فلا بأس به كمثلث الغزالي أي مملوء الوسط لتيسير العسير وإخراج المسجون وإيضاع الجنين من الحامل وتيسير الوضع وكل ما هو من هذا المعنى ونسب للغزالي لأنه كان يعتني به كثيرا وإلا فقد قال بعضهم إن هذا المثلث بصورته الآتية يسمى بخاتم أبي سعيد ا ه
وكمسبع السلالة الآتي لكنهم ينهون عنها ألبتة سدا للذريعة كما في شرح سيدي عبد الله العلوي على نظمه رشد الغافل بتصرف وزيادة قال الأصل والأوفاق ترجع إلى مناسبات الأعداد وجعلها على شكل مخصوص
ا ه
قال ابن الشاط تسامح في قوله أنها ترجع إلخ فإنها ليست كذلك بل هي راجعة إلى المساواة بحسب جمع ما في كل سطر من بيوت مربعاتها وجميع ما في البيوت الواقعة على القطر
ا ه
والشكل المخصوص إما مثلث كمثلث بدوح يكتب إذا أريد جلب خير في كاغد أو رق غزال هكذا ومثلث أجهز يكتب إذا أريد دفع شر في كاغد أو رق غزال هكذا ثم يعلق في العنق وكمثلث الكلمتين المذكورتين يكتب إذا أريد كل من جلب الخير ودفع الشر ويرقم في خاناته إما حروف الكلمتين هكذا وإما أعداد كل حرف منهما بحساب الجمل الكبير هكذا
وضابطه على اصطلاحهم أنك لو جمعت الحروف المفردة في كل خانة من الخانات الثلاث من أي جهة أفقية أو عمودية أو مستطيلة يكون مجموعها واحدا وهو عدد 15 وأن تكون الأرقام المكتوبة في الأركان الأربعة من الخاتم زوجية وتسمى مزدوجات المثلث والأرقام المكتوبة في الخانات الأخرى فردية وتسمى مفردات المثلث قاله بعضهم والخاتم المرقوم في خاناته كل من حروف الكلمتين أو أعدادها هو خاتم أبي حامد الغزالي مملوء الوسط
قلت وذكر لي بعض الأفاضل أن للغزالي مثلثا أيضا خالي الوسط وبين لي كيفية وضعه وما يبدأ به من خاناته وما يليه وما يختم به برقم واحد على ما يبدأ به واثنين على ما يليه وهكذا إلى ثمانية وأن صورته هكذا وضابطه أنك لو جمعت أعداد الخانات العمودية أو المستطيلة أو الخانتين الأفقية لكان مجموع كل من الخانات والخانتين الأفقية واحدا وهو عدد 66 وإنك تكتب في وسطه الخالي حاجتك التي تريد قضاءها وتبتدئ بعدد 31 وتختم بعدد 35 فافهم
وإما مربع كمربع بدوح الذي ذكره البوني في شمس المعارف
309
309
صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الكبرى وأنه يكتب في رق طاهر ويعلق على الشخص لتيسير الفهم والحفظ والحكمة ولتعظيم القدر عند الناس وفي العالم العلوي والسفلي وعلى المسجون لإطلاقه من السجن سريعا وعلى الراية لهزم الأعداء من الكفرة والباغين وما في معنى ذلك بإذن الله تعالى وأنه إما أن يرقم بالأعداد هكذا وإما أن يوضع محل الأعداد حروف هكذا وذكر لكتابته شروطا وإما مخمس وإما مسدس وإما مسبع كمسبع السلالة الذي ذكر الشيخ عبد الله العلوي في شرحه على نظمه رشد الغافل أنه يكتب لشفاء من فعل به مص الدم أو نزع القلب المسمى بالسلالة هذه الآيات والجدول المسبع بعدها في ورقتين إحداهما تجعل على النار وتبخر له والأخرى تعلق عليه وصورة كتابة الآيات والجدول هكذا ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون كما يئس الكفار من أصحاب القبور وقد نظم بعضهم ضبطه بقوله وإن ترد لجدول السلالة فخذه بالنظم وع المقالة مجدول مسبع بعد الآيات معمر بذي الحروف بالثبات فج شث ظخز بصدر أول وابدأ بثانيها واختم بأول وانح لذاك النحو حتى تنتهي بيوته فخذ لذا النظم الشهي
قال الأصل وللأوفاق كتب موضوعة لتعريف كيف توضع حتى تصبر على هذه النسبة من الاستواء وهي كلما كثرت كان وضعها أعسر والضوابط الموضوعة لها حسنة نفيسة لا تتخرم إذا عرفت أعني في صورة الوضع وأما ما ينسب إليها من الآثار فقليلة الوقوع أو عديمته ا ه
وقال ابن الشاط ما قاله صحيح وتبعه ابن زكري في شرح النصيحة وكذا الشيخ عبد الله العلوي في شرحه على نظمه رشد الغافل إلا أنه قال بعد
310
310
صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
ولشفاء من فعل به المص للدم والنزع للقلب المسمى بالسلالة تكتب هذه الآيات والجدول بعدها إلخ وللمعاصر الفاضل الشيخ محمد حبيب الله من أبيات نظمها في مسبع السلالة قوله هذا سبع لسحر دافع وأنه في بابه لنافع يعرف عند علماء السر مسبع السل مفيد الضر وهو مجرب فقد جربته ونفعه إذ ذاك قد وجدته وكيف لا وهو كلام طيب والعلما في أخذه قد رغبوا وفيه أسماء لمولانا علا يحصل نفعها لمن ذا استعملا ونفعه اشتهر في بلادي وطننا من حاضر وبادي وهو مضاف لكلام الله في خمس آيات على تناهي تناسب الدفع لكل شر لا سيما إن كان شر السحر
وأفادني أن شيخ أشياخه سيدي محمد الخليفة ابن الشيخ سيدي المختار الكنتي في كتابه الطرائف اعترض قول الأصل أو عديمته بأنه غير صحيح بالتجربة
قال وأما قوله فقليلة الوقوع فغير بعيد لفقد شرطها في الناس وهو التقوى أما إذا تحقق الشرط فتحقق المشروط ضروري ا ه والله تعالى أعلم
الوصل الخامس الطلسمات حقيقتها نقش أسماء خاصة لها تعلق بالأفلاك والكواكب على زعم أهل الطلاسم في جسم من المعادن أو غيرها تحدث بها آثار خاصة ربطت بها في مجاري العادات ولا بد مع ذلك من قوة نفس صالحة لهذه الأعمال فليس كل النفوس مجبولة على ذلك بل بعض الناس لا تجري الخاصية المذكورة على يده فلا بد في الطلسم من هذه الأربعة الأول الأسماء المخصوصة والثاني تعلقها ببعض أجزاء الفلك
والثالث جعلها في جسم من الأجسام
والرابع قوة النفس الصالحة لهذه الأعمال قاله الأصل
وقال ابن الشاط وهي ممنوعة شرعا ثم من اعتقد لها فعلا وتأثيرا فذلك كفر وإلا فعلمها معصية غير كفر إما مطلقا وإما ما يؤدي منها إلى مضرة دون ما يؤدي إلى منفعة والله تعالى أعلم ا ه بلفظه
الوصل السادس العزائم قال الأصل حقيقتها كلمات وأسماء يزعم أهل هذا العلم أنها تعظمها الملائكة فمتى أقسم عليها بها أطاعت وأجابت وفعلت ما طلب منها فالمعزم يقسم بتلك الأسماء على ذلك الملك فيحضر القبيل من الجان الذي طلبه أو الشخص منهم فيحكم فيه بما يريد وذلك أنهم يزعمون أن سليمان عليه السلام لما أعطاه الله الملك وجد الجان يعبثون ببني آدم ويسخرون بهم في الأسواق ويخطفونهم من الطرقات فسأل الله تعالى أن يولي على كل قبيل من الجان ملكا يضبطهم عن الفساد فولى الله تعالى الملائكة على قبائل الجن فمنعوهم من الفساد ومخالطة الناس وألزمهم سليمان عليه السلام سكنى القفار والخراب من الأرض دون العامر ليسلم الناس من شرهم ويزعمون أيضا أن لكل نوع من الملائكة أسماء أمرت بتعظيمها فإذا عنى القبيل من الجان أو الشخص منهم ذكر المعزم الأسماء التي تعظمها تلك الملائكة ليحضروا له من عنى وأفسد من الجان ليحكم فيه بما يريد ويزعمون أيضا أن هذا الباب إنما دخله الخلل
311
311
صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
من جهة عدم ضبط تلك الأسماء فإنها أعجمية لا يدرى وزن صيغها وأن كل حرف منها يشك فيه هل هو بالضم أو الفتح أو الكسر وربما أسقط النساخ بعض حروف الاسم من غير علم فيختل العمل فإن المقسم به لفظ آخر لا يعظمه ذلك الملك فلا يجيب فلا يحصل مقصود المعزم قاله الأصل وصححه ابن الشاط إلا أنه قال ولم يذكر حكم العزائم في الشرع وينبغي أن يكون حكمها حكم الرقى إذا تحققت وتحقق أن لا محذور في تلك الألفاظ ا ه فافهم
الوصل السابع الاستخدامات لروحانيات الكواكب ولملوك الجان حقيقتها كلمات خاصة موضوعة في كتب أهل هذا العلم يزعمون أنها إذا حصلت مع البخور الخاص واللباس الخاص على الذي يباشر البخور ومع الأفعال الخاصة التي استوعبوا في كتبهم اشتراطها كانت روحانية ذلك الكوكب مطيعة له وكذلك يكون كل ملك من ملوك الجان مطيعا له وذلك أنهم يزعمون أن للكواكب إدراكات روحانية فإذا قوبلت الكواكب أو ملوك الجان ببخور خاص ولباس خاص على الذي يباشر البخور وربما تقدمت منه أفعال خاصة منها ما هو محرم في الشرع كاللواط ومنها ما هو كفر صريح كالسجود للكواكب أو ملك الجن وكذلك الألفاظ التي يخاطب بها الكواكب أو ملك الجن منها ما هو كفر صريح كندائه بلفظ الآلهية ونحو ذلك ومنها ما هو غير محرم على قدر تلك الكلمات الموضوعة في كتبهم والغالب عليهم الكفر فلا جرم لا يشتغل بهذه الأمور مفلح قاله الأصل وسلمه ابن الشاط والله سبحانه وتعالى أعلم
خاتمة أسأل الله حسنها في تبصرة ابن فرحون قال الباجي قد ذكر الناس في أمر العين وجوها أصحها أن يكون الله سبحانه قد أجرى العادة عند تعجب الناظر من أمر ونطقه دون أن يبرك أن يمرض المتعجب منه أو يتلف أو يتغير لأن العائن إذا برك وهو أن يقول بارك الله فيه بطل المعنى الذي يخاف من العين ولم يكن له تأثير فإن لم يبرك أوقع الله ما أجرى به العادة عند ذلك وقد يتلافى ذلك بعد وقوعه بما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ا ه
وقال ابن العربي الباري سبحانه هو الخالق لما في السموات والأرض وليس فيها حركة ولا سكنة ولا كلمة ولا لفظة إلا سبحانه خالقها في العبد وهو مقدرها له هو تعالى رتب أفعاله ورتب أسبابها ورتب العوائد على أسباب
مثال ذلك العين فإن النفس إذا رأت صورة تستحسنها فغلب ذلك عليها واستولى ذلك على القلب فإن لم تنطق بحرف لم يخلق الله شيئا وإن نطقت بالاستحسان والتعجب من الجمال فقد أجرى الله العادة بأنه إذا خلق النطق بالاستحسان والتعجب مثلا من العائن خلق الله تعالى في بدن المعين المرض والهلكة على قدر ما يريد الله عز وجل فلذلك نهى العائن عن القول والباري تعالى وإن كان قد سبق في حكمه الوجود بذلك فقد سبق من حكمته أن العائن إذا برك سقط حكم فعله ولم يظهر له أثر والباري سبحانه يرد قضاءه بقضائه ومن حكمته أن جعل وضوء العائن يسقط أثر عينه وذلك بخاصة لا يعلمها إلا خالق الخاص والعام وكذلك ما يحدث عند قول الساحر وفعله في جسم المسحور أو ماله وضعه الله تعالى في الأرض
312
312
الفرق الثالث والأربعون والمائتان بين قاعدة قتال البغاة وقاعدة قتال المشركين
قال ابن بشير البغاة هم الذين يخرجون على الإمام يبغون خلعه أو منع الدخول في طاعته أو تبغي منع حق واجب بتأويل في ذلك كله وقاله الشافعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم وما علمت في ذلك خلافا وبه يمتازون عن المحاربين ويفترق قتالهم من قتال المشركين بأحد عشر وجها أن يقصدوا بالقتال ردعهم لا قتلهم ويكف عن مدبرهم ولا يجهز على جريحهم ولا يقتل أسراهم ولا تغنم أموالهم ولا تسبى ذراريهم ولا يستعان على قتالهم بمشرك ولا نوادعهم على مال ولا تنصب عليهم الرعادات ولا تحرق عليهم المساكين ولا يقطع شجرهم ويمتاز قتالهم عن قتال المحاربين بخمسة يقاتلون مدبرين ويجوز تعمد قتلهم ويطالبون بما استهلكوا من دم أو مال في الحرب وغيرها ويجوز حبس أسراهم لاستبراء أحوالهم وما أخذوه من الخراج والزكاة لا يسقط عمن كان عليه كالغاصب ونقل صاحب الجواهر في هذا الفرع قال إن ولى البغاة قاضيا أو أخذوا الزكاة أو أقاموا حدا نفذ ذلك كله قاله عبد الملك للضرورة مع التأويل ورده ابن القاسم كله لعدم الولاية وبقول عبد الملك قالت الشافعية
هامش أنوار البروق
في الفرق الثالث والأربعين والمائتين إلى آخر الفرق الخامس والأربعين والمائتان صحيح
هامش إدرار الشروق
بمشيئته وحكمته
ومن فصول الشريعة وفضلها وحكمتها البالغة ما وضعه الله تعالى من الرقى من إذهاب الأمراض من الأبدان بها وإبطال سحر الساحر ورد عين العائن عند الاسترقاء بها ودفع كل ضرر بإذن الله تعالى
والبارئ تعالى هو الذي خلق الشفاء عند الاسترقاء كما خلق الشفاء من الداء عند استعمال الدواء ولا حظ للدواء في ذلك ولا يصح في عقل عاقل أن يكون جماد فاعلا وكما أن الله سبحانه يصرف الأعمال الغريبة داخل البدن بالأدوية كذلك يصرفها خارج البدن بالرقى والتعويذ وقد شاهدنا ذلك والشاهد أقوى من الدليل النظري
ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الثالث والأربعون والمائتان بين قاعدة قتال البغاة وقاعدة قتال المشركين وكذا بينهم وقتالهم وبين المحاربين وقتالهم
فيفرق بينهم وبين المحاربين بوجهين
الأول البغاة قال ابن بشير هم الذين يخرجون على الإمام يبغون خلعه أو منع الدخول في طاعته ومنع حق واجب بتأويل في ذلك كله وقاله الشافعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم قال الأصل وما علمت في ذلك خلافا
ا ه
والمحاربون جمع محارب وهو كما في خليل وأقرب المسالك قاطع الطريق لمنع سلوك أو آخذ مال محترم ولو لم يبلغ نصابا والبضع أحرى على وجه يتعذر معه الغوث أو مذهب عقل ولو انفرد ولو ببلد كمسقي نحو سيكران
313
313
الفرق الرابع والأربعون والمائتان بين قاعدة ما هو شبهة تدرأ بها الحدود والكفارات وقاعدة ما ليس كذلك
قاعدة يقع بها الفرق وهي أن الشبهات ثلاثة شبهة في الوطء وشبهة في الموطوءة وشبهة في الطريق فالشبهة الأولى تعم الحدود والكفارات ومثالها اعتقاد أن هذه الأجنبية امرأته ومملوكته أو نحو ذلك ومثال شبهة الموطوءة الأمة المشتركة إذا وطئها أحد الشريكين فما فيها من نصيبه يقتضي عدم الحد وما فيها من ملك غيره يقتضي الحد فيحصل الاشتباه وهي عين الشبهة كما أن اعتقاد الأولى الذي هو جهل مركب وغير مطابق يقتضي عدم الحد من حيث إنه معتقد الإباحة وعدم المطابقة في اعتقاده يقتضي
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
لذلك ومخادع مميز لأخذ ما معه بتعذر غوث وداخل زقاق أو دار ليلا أو نهارا لأخذ مال بقتال
الوجه الثاني
نقل صاحب الجواهر عن عبد الملك أن البغاة ولوا قاضيا أو أخذوا الزكاة وأقاموا حدا نفذ ذلك كله للضرورة مع التأويل وبه قالت الشافعية ورده ابن القاسم كله لعدم الولاية وليس كذلك المحاربون ويفرق بين قتالهم وقتال المحاربين بخمسة وجوه
الأول أن المحاربين يقاتلون مدبرين بخلاف البغاة
الثاني أنه يجوز تعمد قتلهم بخلاف البغاة
الثالث أنهم يطالبون بما استهلكوا من دم أو مال في الحرب وغيرها بخلاف البغاة
الرابع أنه يجوز حبس أسراهم لاستبراء أحوالهم بخلاف البغاة
الخامس أن ما أخذوه من الخراج والزكاة لا يسقط عمن كان عليه كالغاصب بخلاف البغاة
ويفرق بين قتالهم وقتال المشركين بأحد عشر وجها الأول أن يقصد بقتالهم ردعهم لا قتلهم بخلاف المشركين
الثاني أن يكف عن مدبرهم بخلاف المشركين
الثالث أن لا يجهز على جريحهم بخلاف المشركين
الرابع أن لا يقتل أسراهم بخلاف المشركين
الخامس أن لا تغنم أموالهم بخلاف المشركين
السادس أن لا تسبى ذراريهم بخلاف المشركين
السابع أن لا يستعان على قتالهم بمشرك بخلاف المشركين
الثامن أن لا ندعهم على مال بخلاف المشركين
التاسع أن لا تنصب عليهم الرعادات بخلاف المشركين
العاشر أن لا تحرق عليهم المساكن بخلاف المشركين
الحادي عشر أن لا يقطع شجرهم بخلاف المشركين قاله الأصل وسلمه ابن الشاط والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق ارابع والأربعون والمائتان بين قاعدة ما هو شبهة تدرأ بها الحدود والكفارات وقاعدة ما ليس كذلك
وهو أن ضابط الشبهة المعتبرة في إسقاط الحدود والكفارات في إفساد صوم رمضان أمران
الأمر الأول أن لا تخرج عن شبهات ثلاث
الأولى الشبهة في الواطئ كاعتقاد أن هذه الأجنبية امرأته أو مملوكته أو نحو ذلك فالاعتقاد الذي هو جهل مركب وغير مطابق يقتضي عدم الحد من حيث إنه معتقد الإباحة وعدم المطابقة في اعتقاده يقتضي الحد فحصل الاشتباه وهي عين الشبهة
الثانية الشبهة في الموطوءة كالأمة المشتركة إذا وطئها أحد الشريكين فما فيها من نصيبه يقتضي عدم الحد وما فيها من ملك غيره يقتضي الحد فحصل الاشتباه وهي عين الشبهة
الثالثة الشبهة في الطريق كاختلاف العلماء
314
314
الحد فحصلت الشبهة من الشبهين ومثال الثالثة اختلاف العلماء في إباحة الموطوءة كنكاح المتعة ونحوه فإن قول المحرم يقتضي الحد وقول المبيح يقتضي عدم الحد فحصلت الشبهة من الشبهتين فهذه الثلاثة هي ضابط الشبهة المعتبرة في إسقاط الحدود والكفارات في إفساد صوم رمضان غير أن لها شرطا وهو اعتقاد مقارنة السبب المبيح
قال مالك في المدونة في كتاب الصيام إذا جامع في رمضان ناسيا فظن أن ذلك يبطل صومه فتعمد الفطر ثانية أو امرأة رأت الطهر في رمضان ليلا فلم تغتسل حتى أصبحت فظنت أنه لا صوم لمن لم يغتسل قبل الفجر فأكلت أو مسافر قدم إلى أهله ليلا فظن أن من لم يدخل نهارا قبل أن يمسي أن صومه لا يجزئه وأن له أن يفطر فأفطر أو عبد بعثه سيده في رمضان يرعى غنما له على مسيرة ميلين أو ثلاثة فظن أن ذلك سفر فأفطر فليس
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
في إباحة الموطوءة كنكاح المتعة ونحوه فإن قول المحرم يقتضي الحد وقول المبيح يقتضي عدم الحد فحصل الاشتباه وهي عين الشبهة
الأمر الثاني تحقق شرطها وهو اعتقاد المقدم مقارنة السبب المبيح وإن أخطأ في حصول السبب وإلى أمثلة ذلك قال مالك في المدونة في كتاب الصيام إذا جامع في رمضان ناسيا فظن أن ذلك يبطل صومه فتعمد الفطر ثانية أو امرأة رأت الطهر في رمضان ليلا فلم تغتسل حتى أصبحت فظنت أنه لا صوم لمن لم يغتسل قبل الفجر فأكلت أو مسافر قدم إلى أهله ليلا فظن أن من لم يدخل نهارا قبل أن يمسي أن صومه لا يجزئه وأن له أن يفطر فأفطر أو عبد بعثه سيده في رمضان يرعى غنما له على مسيرة ميلين أو ثلاثة فظن أن ذلك سفر فأفطر فليس على هؤلاء إلا القضاء بلا كفارة ا ه
وقال الأصل ونظير هذه الأمثلة في الكفارات في الحدود أن يشرب خمرا يعتقد أنه في الوقت الحاضر خل أو يطأ امرأة أجنبية يعتقد أنها امرأته أو جاريته في الوقت الحاضر وضابط الشبهة التي لا تعتبر في إسقاط الحدود والكفارات في فساد صوم رمضان أيضا أمران الأمر الأول الخروج عن الشبهات الثلاث المذكورة كمن تزوج خامسة أو مبتوتة ثلاثا قبل زوج أو أخته من الرضاع أو النسب أو ذات محرم عامدا عالما بالتحريم أو انتهك حرمة رمضان بالفطر
الأمر الثاني أن لا يتحقق الشرط المذكور وإلى أمثلته قال ابن القاسم عقب ما تقدم عن مالك في المدونة في كتاب الصيام وما رأيت مالكا يجعل الكفارة في شيء من هذه الوجوه على التأويل إلا امرأة قالت اليوم أحيض وكان يوم حيضها ذلك فأفطرت أول نهارها وحاضت في آخره والذي يقول اليوم يوم جمادى فيأكل في رمضان متعمدا في أول النهار ولم يمرض في آخره مرضا لا يقدر على الصوم معه فقال عليهما القضاء والكفارة ا ه
وقال الأصل ونظير الحائض والمريض في الكفارات في الحدود أن يشرب خمرا يعتقد أنه سيصير خلا أو يطأ امرأة يعتقد أنه سيتزوجها فإن الحد لا يسقط لعدم اعتقاد مقارنة العلم لسببه
قال ووجه الفرق بين هذه المسائل وبين مسائل تحقق الشرط المتقدمة أن تلك اعتقد فيها المقدم عليها اقتران السبب المبيح فأوقعت الإباحة فيها قبل سببها فالمقدم في هاته مصيب من حيث إن كلا من المرض والحيض وصيرورة الخمر خلا والعقد على الأجنبية مبيح ومخطئ في التقدم للحكم على سببه والمقدم في تلك مخطئ في حصول السبب مصيب في اعتقاده المقارنة وأنه لم يقصد تقديم الحكم على سببه فعذر بالتأويل الفاسد في تلك ولم يعذر في هاته بالتأويل الفاسد وسر الفرق أن تقدم الحكم على سببه بطلانه مشهور غير
315
315
على هؤلاء إلا القضاء بلا كفارة قال ابن القاسم وما رأيت مالكا يجعل الكفارة في شيء من هذه الوجوه على التأويل إلا امرأة قالت اليوم أحيض وكان يوم حيضها ذلك فأفطرت أول نهارها وحاضت في آخره والذي يقول اليوم يوم جمادى فيأكل في رمضان متعمدا في أول النهار ثم يمرض في آخره مرضا لا يقدر على الصوم معه فقال عليهما القضاء والكفارة
ووجه الفرق بين الحائض والمريض وبين ما تقدم من المسائل أن تلك اعتقد فيها المقدم عليها اقتران السبب المبيح وفي هاتين اعتقد أنه سيقع فأوقعا الإباحة قبل سببها فهما مصيبان من حيث إن المرض والحيض مبيحان مخطئان في التقديم للحكم على سببه والأول مخطئون في حصول السبب مصيبون في اعتقاد المقارنة ولم يقصدوا تقديم الحكم على سببه فعذروا بالتأويل الفاسد ولم يعذر الآخران بالتأويل الفاسد وسر الفرق في ذلك أن تقديم الحكم على سببه بطلانه مشهور غير ملتبس في الشريعة فلا صلاة قبل الزوال ولا صوم قبل الهلال ولا عقوبة قبل الجنايات وهو كثير لا يعد ولا يحصى حتى لا يكاد يوجد خلافه ألبتة
وأما اشتباه صورة الأسباب المبيحة وتحقيق شروطها ومقاديرها فلا يعلمه إلا الفقهاء الفحول وتحقيقه عسير على أكثر الناس فكان اللبس فيه عذرا وما هو مشهور لا يكون اللبس فيه عذرا ونظير الحائض والمريض في الكفارات في الحدود أن يشرب خمرا يعتقد أنه سيصير خلا أو يطأ امرأة يعتقد أنه سيتزوجها فإن الحد لا يسقط لعدم اعتقاد مقارنة العلم لسببه بخلاف أن يعتقد أنه في الوقت الحاضر حل أو هي امرأته أو جاريته في الوقت الحاضر فهذا لا حد عليه فيتحصل لك من ذلك الفرق بين مسائل مالك التي اختلف قوله فيها ويتحصل أيضا قيد آخر ينعطف على الشبهة فيكون شرطا فيها وهو أنا نشترط اعتقاد المقارنة في درء الكفارات والحدود فهذا هو ضابط الشبهة المسقطة للحدود والكفارات وما خرج عن هذه الثلاثة فيه الحد والكفارة كمن تزوج خامسة أو مبتوتة ثلاثا قبل زوج أو أخته من الرضاع أو النسب أو ذات محرم عامدا عالما بالتحريم أو انتهك حرمة رمضان بالفطر وما خرج عن هذه الثلاثة ففيه الحد والكفارة
سؤال قلت لبعض الفضلاء الحديث الذي يستدل به الفقهاء وهو ما يروى ادرءوا الحدود بالشبهات لم يصح وإذا لم يكن صحيحا ما يكون معتمدنا في هذه الأحكام
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
ملتبس في الشريعة فلا صلاة قبل الزوال ولا صوم قبل الهلال ولا عقوبة قبل الجنايات وهو كثير لا يعد ولا يحصى حتى لا يكاد يوجد خلافه ألبتة وما هو مشهور لا يكون اللبس فيه عذرا وأما اشتباه صورة الأسباب المبيحة وتحقيق شروطها ومقاديرها فلا يعلمه إلا فحول الفقهاء وتحقيقه عسير على أكثر الناس
316
316
جوابه قال لي يكفينا أن نقول حيث أجمعنا على إقامة الحد كان سالما عن الشبهة وما قصر عن محل الإجماع لا يلحق به عملا بالأصل حتى يدل دليل على إقامة الحد في صور الشبهات وهو جواب حسن
الفرق الخامس والأربعون والمائتان بين قاعدة القذف إذا وقع من الأزواج للزوجات فإن اللعان يتعدد بتعددهن إذا قذف الزوج زوجاته في مجلس أو مجلسين وبين قاعدة الجماعة يقذفهم الواحد فإن الحد يتحد عندنا فإن قام به واحد سقط كل قذف قبله وقاله أبو حنيفة وقال الشافعي إن قذفهم بكلمات متفرقة فعليه لكل واحدة حد وقاله ابن حنبل أو بكلمة واحدة فقولان عند الشافعي وأحمد وبناه الحنفية على أنه حق لله فصح التداخل فيه وبناه الآخرون على أنه حق لآدمي فيتعدد ويلزمنا أن يكون عندنا قولان بناء على أن حد القذف حق لله تعالى أم لا لأن لنا في هذه القاعدة قولين حكاهما العبدي واللخمي وغيرهما لنا أن هلال بن أمية العجلاني رمى امرأته بشريك ابن سحماء فقال النبي صلى الله عليه وسلم حد في ظهرك أو تلتعن ولم يقل حدان وجلد عمر الشهود على المغيرة حدا واحدا مع أن كل واحد منهم قذف
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
فكان اللبس فيه عذرا
قال وحديث ادرءوا الحدود بالشبهات الذي يستدل به الفقهاء على هذه الأحكام وإن لم يصح إلا أن معتمدنا فيها ما قاله بعض الفضلاء من أنه حيث أجمعنا على إقامة الحد كان سالما عن الشبهة وما قصر عن محل الإجماع لا يلحق به عملا بالأصل حتى يدل بدليل على إقامة الحد في صور الشبهات
ا ه
وهو حسن هذا تهذيب ما في الأصل وصححه ابن الشاط والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الخامس والأربعون والمائتان بين قاعدة القذف إذا وقع من الزوج الواحد لزوجاته المتعددات يتعدد اللعان بتعددهن قذفهن في مجلس أو مجلسين وبين قاعدة الجماعة يقذفهم الواحد يتحد الحد فيه عندنا
فإن قام به واحد من الجماعة سقط كل قذف قبله وقاله أبو حنيفة أيضا إلا أنه بناه على أن حد القذف حق لله فصح التداخل فيه وقال الشافعي وأحمد بن حنبل إن قذفهم بكلمات متفرقة فعليه لكل واحد حد أو بكلمة واحدة فقولان عندهما وبنيا ذلك على قولهما إن حد القذف حق لآدمي فيتعدد وعندنا في أن حد القذف حق لله تعالى أم لا قولان حكاهما العبدي واللخمي وغيرهما فكان يلزمنا أن يكون عندنا قولان بالتعدد كما قال الشافعي وابن حنبل بناء على أنه حق لآدمي وبالاتحاد كما قلنا نحن وأبو حنيفة بناء على أنه حق لله تعالى إلا أن حجتنا على الاقتصار على الاتحاد وجوه
الوجه الأول أن هلال بن أمية العجلاني رمى امرأته بشريك ابن سحماء فقال له النبي صلى الله عليه وسلم حد في ظهرك أو تلتعن ولم يقل حدان
الوجه الثاني أن عمر رضي الله عنه جلد الشهود على المغيرة حدا واحدا مع أن كل واحد منهم قذف المغيرة والمزني بها
الوجه الثالث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حد قذفة عائشة رضي الله عنها ثمانين ثمانين رواه
317
317
المغيرة والمزني بها وقد حد رسول الله صلى الله عليه وسلم قذفة عائشة رضي الله عنها ثمانين ثمانين رواه أبو داود مع أنهم قذفوا عائشة رضي الله عنها وصفوان بن المعطل وقياسا على حد الزنا احتجوا بوجوه أحدها القياس على الزوجات الأربع فإنه يحتاج للعانات أربع
وثانيها أنه حق لآدمي فلا يدخله التداخل كالغصب وغيره
والثالث أنه لا يسقط بالرجوع فلا يتداخل كالإقرار بالمال والجواب عن الأول وهو الفرق بين القاعدتين أنه أيمان والأيمان لا تتداخل بخلاف الحدود فلو وجب لجماعة أيمان لم تتداخل وعن الثاني أنه لا يتكرر في الشخص الواحد فلو غلب فيه حق لآدمي لم يتداخل في الشخص الواحد كما لم يتداخل الإتلاف وهو الجواب عن الثالث
تنبيه تخيل بعض أصحابنا وجماعة من الفقهاء أن قوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة أن مقابلة جمع المحصنات بجلد ثمانين يقتضي لغة أن حد الجماعة يكون حدا واحدا ويحصل التداخل وهو المطلوب وهذا باطل بسبب قاعدة وهي أن مقابلة الجمع بالجمع في اللغة تارة توزع الأفراد على الأفراد كقوله تعالى ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فلا يصح إلا التوزيع من كل واحد رهن يؤمر به وكقولنا الدنانير للورثة وتارة لا يوزع
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
أبو داود مع أنهم قذفوا عائشة رضي الله عنها وصفوان بن المعطل
الوجه الرابع
القياس على حد الزنا
الوجه الخامس أن احتجاجهم بالقياس على قذف الزوج لزوجاته الأربع يحتاج للعانات أربع مدفوع بالفرق بينهما بوجوه
الأول أن اللعان أيمان والأيمان لا تتداخل فلو وجب لجماعة أيمان لم تتداخل بخلاف الحدود
الثاني أن أحكام اللعان لما تعددت واختلفت وهي توجه الحد على المرأة وانتفاء النسب والميراث وتأبد التحريم ووقوع الفرقة أمكن ثبوت براءة هذه دون هذه بحد أو بغير ذلك من الأحكام فناسب إفراد كل واحدة بلعان لتوقع ثبوت بعض تلك الأحكام في بعض دون الباقي والمقصود بحد القذف واحد وهو التشفي وذلك يحصل بجلد واحد
والثالث أن الزوجية مطلوبة للبقاء فناسب التغليظ بالتعدد وليس بين القاذف والمقذوف ما يقتضي ذلك
الوجه السادس أن احتجاجهم بأن حد القذف حق لآدمي فلا يدخله التداخل كالغصب أو غيره وبأنه لا يسقط بالرجوع فلا يتداخل كالإقرار بالمال مدفوعان بأنه لا يتكرر في الشخص الواحد فلو غلب فيه حق الآدمي لم يتداخل في الشخص الواحد كما لم يتداخل الإتلاف
الوجه السابع أن قوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة لا يقتضي لغة من جهة مقابلة جمع المحصنات بجلد ثمانين أن حد الجماعة يكون حدا واحدا ويحصل التداخل وإن تخيله الطرطوشي من أصحابنا وجماعة من الفقهاء وذلك لأن القاعدة أن مقابلة الجمع بالجمع في اللغة تارة توزع الأفراد على الأفراد كقوله ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فلا يصح إلا التوزيع وأن من كل واحد رهنا يؤمر به وكقولنا الدنانير للورثة وتارة لا يوزع الجمع على الجمع بل يثبت أحد الجمعين لكل فرد من الجمع الآخر نحو الثمانون جلد القذف أو
318
318
الجمع بل يثبت أحد الجمعين لكل فرد من الجمع الآخر نحو الثمانين جلد القذف أو جلد القذف ثمانون وتارة يثبت الجمع للجمع ولا يحكم على الأفراد نحو الحدود للجنايات إذا قصد أن المجموع للمجموع وتارة يرد اللفظ محتملا للتوزيع وعدمه كقوله تعالى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات يحتمل أن يكون لكل واحد من المؤمنين عدد جنات بمعنى بساتين داخل الجنة ومنازل ويحتمل أن توزع فيكون لبعضهم جنة الفردوس ولبعضهم جنة المأوى ولبعضهم أهل عليين وإذا اختلف أحوال المقابلة بين الجمع بالجمع وجب أن يعتقد أنه حقيقة في أحد هذه الأحوال الثلاث لئلا يلزم الاشتراك أو المجاز فيبطل الاستدلال به على مقابلة الجماعة المقذوفة بحد واحد كما تخيله الطرطوشي وغيره فقد تقدم الفرق بين الجماعة المقذوفة والزوجات بأنه أيمان ومن وجه آخر أن أحكام اللعان تعد في توجه الحد على المرأة وانتفاء النسب والميراث وتأبد التحريم ووقوع الفرقة
وأما حد القذف فمقصود واحد وهو التشفي وذلك يحصل بجلد واحد ثم لما اختلفت الأحكام أمكن ثبوت براءة هذه دون هذه أو بحد أو بغير ذلك من الأحكام فناسب إفراد كل واحد بلعان لتوقع ثبوت بعض تلك الأحكام في بعض دون الباقي
ومن وجه آخر أن الزوجية مطلوبة للبقاء فناسب التغليظ بالتعدد وليس بين القاذف والمقذوف ما يقتضي ذلك
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
جلد القذفة ثمانون وتارة يثبت الجمع للجمع ولا يحكم على الأفراد نحو الحدود للجنايات إذا قصد أن المجموع للمجموع وتارة يرد اللفظ محتملا للتوزيع وعدمه كقوله تعالى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات فيحتمل أن يكون لكل واحد من المؤمنين عدد جنات بمعنى بساتين داخل الجنة ومنازل ويحتمل أن توزع فيكون لبعضهم جنة الفردوس ولبعض جنة المأوى ولبعضهم أعلى عليين وإذا اختلفت أحوال مقابلة الجمع بالجمع وجب أن يعتقد أنه حقيقة في أحد هذه الأحوال الثلاث لئلا يلزم الاشتراك أو المجاز فيبطل استدلال الطرطوشي وجماعة الفقهاء به على مقابلة الجماعة المقذوفة بحد واحد هذا تهذيب ما في الأصل وصححه ابن الشاط
قلت وفي نفسي شيء من قول الأصل وجب أن يعتقد أنه حقيقة إلخ وذلك أنه إن أراد حقيقة في أحد هذه الأحوال الثلاث بلا تعيين لذلك الأحد وإنما يتعين بالقرينة كان هذا عين الاشتراك فلا يصح قوله لئلا يلزم الاشتراك وأنه حقيقة في أحدها مع التعيين كان هذا هو الحقيقة والمجاز فلا يصح قوله أو المجاز نعم قد يقال أراد بالحقيقة الماهية الكلية الصادقة على الأفراد الثلاثة كالإنسان على أفراده فيصح قوله لئلا يلزم إلخ بشقيه ويكون استعماله في واحد من الثلاث حقيقة إن كان من حيث كونه فردا ومجازا إن كان من حيث خصوصه على الصحيح والله سبحانه وتعالى أعلم
319
319
الفرق السادس والأربعون والمائتان بين قاعدة الحدود وقاعدة التعازير من وجوه عشرة
أحدها أنها غير مقدرة واختلفوا في تحديد أكثره واتفقوا على عدم تحديد أقله فعندنا هو غير محدود بل بحسب الجناية والجاني والمجني عليه وقال أبو حنيفة لا يجاوز به أقل الحدود وهو أربعون حد العبد بل ينقص منه سوط وللشافعي في ذلك قولان لنا إجماع الصحابة فإن معن بن زائدة زور كتابا على عمر رضي الله عنه ونقش خاتما مثل خاتمه فجلد مائة فشفع فيه قوم فقال أذكروني الطعن وكنت ناسيا فجلده مائة أخرى ثم جلده بعد ذلك مائة أخرى ولم يخالفه أحد فكان ذلك إجماعا ولأن الأصل مساواة العقوبات للجنايات احتجوا بما في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تجلدوا فوق عشر في غير حدود الله تعالى والجواب أنه خلاف مذهبهم فإنهم يزيدون على عشر أو لأنه محمول على طباع السلف رضي الله عنهم كما قال الحسن إنكم لتأتون
هامش أنوار البروق
قال
الفرق السادس والأربعون والمائتان بين قاعدة الحدود وقاعدة التعازير من وجوه
قلت جميع ما قاله في هذا الفرق صحيح لكنه أغفل من الأجوبة عن قوله صلى الله عليه وسلم لا تجلدوا فوق عشر جلدات في غير حد من حدود الله أصحها وأقواها وهو أن لفظ الحدود في لفظ الشرع ليس مقصورا على الزنا وشبهه بل لفظ الحدود في عرف الشرع متناول لكل مأمور به ومنهي عنه فالتعليق على هذا من جملة حدود الله تعالى فإن قيل الحديث يقتضي مفهومه أنه يجلد عشر جلدات فما دونها في غير الحدود فما المراد بذلك فالجواب أن المراد به جلد غير المكلفين كالصبيان والمجانين
هامش إدرار الشروق
الفرق السادس والأربعون والمائتان بين قاعدتي الحدود والتعازير
وهو من عشرة وجوه
الوجه الأول أن الحد مقدر شرعا والتعزير غير مقدر شرعا بل قد اتفقوا على عدم تحديد أقله واختلفوا في تحديد أكثره فعندنا هو غير محدود بل بحسب الجناية والجاني والمجني عليه وفي تبصرة ابن فرحون قال المازري في بعض الفتاوى وأما تحديد العقوبة فلا سبيل إليه عند أحد من أهل المذهب وقال في المعلم ومذهب مالك رحمه الله تعالى أنه يجيز في العقوبات فوق الحد وقال فيه أيضا ومشهور المذهب أنه يزاد على الحدود وقد أمر مالك بضرب رجل وجد مع صبي قد جرده وضمه إلى صدره فضربه أربعمائة فانتفخ ومات ولم يستعظم مالك ذلك
ا ه المراد قال الأصل لنا وجهان
الأول إجماع الصحابة فإن معن بن زائدة زور كتابا على عمر رضي الله عنه ونقش خاتما مثل نقش خاتمه فجلده مائة فشفع فيه قوم فقال أذكرتموني الطعن وكنت ناسيا فجلده مائة أخرى ثم جلده بعد ذلك مائة أخرى ولم يخالفه أحد
320
320
أمورا هي في أعينكم أدق من الشعر إن كنا لنعدها من الموبقات فكان يكفيهم قليل التعزير ثم تتابع الناس في المعاصي حتى زوروا خاتم عمر رضي الله عنه وهو معنى قول عمر بن عبد العزيز تحدث للناس أقضية على قدر ما أحدثوا من الفجور ولم يرد رضي الله عنه نسخ حكم بل المجتهد فيه ينتقل له الاجتهاد لاختلاف الأسباب
وثانيها من الفروق أن الحدود واجبة النفوذ والإقامة على الأئمة واختلفوا في التعزير وقال مالك وأبو حنيفة إن كان لحق الله تعالى وجب كالمحدود إلا أن يغلب على ظن الإمام أن غير الضرب مصلحة من الملامة والكلام وقال الشافعي هو غير واجب على الإمام إن شاء أقامه وإن شاء تركه احتج الشافعي رضي الله عنه بما في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعزر الأنصاري الذي قال له في حق الزبير في أمر السقي أن كان ابن عمتك يعني فسامحته ولأنه غير مقدر فلا يجب كضرب الأب والمعلم والزوج
والجواب عن الأول أنه حق لرسول الله صلى الله عليه وسلم فجاز له تركه بخلاف حق الله تعالى لا يجوز له تركه كقوله تعالى كونوا قوامين بالقسط فإذا قسط فتجب إقامته وعن الثاني
هامش أنوار البروق
والبهائم والله تعالى أعلم
وأغفل أيضا التنبيه على ضعف قول إمام الحرمين أن الجناية الحقيرة تسقط عقوبتها وبيان ضعف ذلك القول بل بطلانه أن قوله العقوبة الصالحة لها لا تؤثر فيها ردعا قول متناف من جهة أنه لا معنى لكون العقوبة صالحة للجناية إلا أنها تؤثر فيها العادة الجارية ردعا فإن كانت بحيث لا تؤثر ردعا فليست بصالحة لها هذا أمر لا خفاء به ولا إشكال والله تعالى أعلم وجميع ما قاله في الفروق الثلاثة بعده صحيح أو نقل وترجيح
المسألة الثانية
في قتل مسلم بذمي قولان للأئمة القول الأول لمالك والشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنهم لا يقتل به لما في البخاري لا يقتل مسلم بكافر
القول الثاني لأبي حنيفة يقتل به لعموم قوله تعالى
ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا وهذا قتل مظلوما فيكون لوليه سلطان وعموم قوله تعالى النفس بالنفس وكذا سائر العمومات والجواب أن ما ذكرنا خاص فيقدم على العمومات على ما تقرر في أصول الفقه
هامش إدرار الشروق
فكان ذلك إجماعا وفي التبصرة قال المازري وضرب عمر رضي الله عنه صبيغا أكثر من الحد أي ولم ينكر عليه أحد من الصحابة وإلا لورد
الثاني
أن الأصل مساواة العقوبات للجنايات قال الأصل وقال أبو حنيفة لا يجاوز به أي بالتعزير أقل الحدود وهو أربعون حد العبد بل ينقص منه سوط وللشافعي في ذلك قولان وفي التبصرة وبقول أبي حنيفة قال الشافعي وقال أيضا لا يبلغ عشرين وفيها أيضا ولم يزد أحمد بن حنبل في العقوبات على العشرة قال الأصل واحتجوا بما في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تجلدوا فوق عشر جلدات في غير حد من حدود الله
وأجاب أصحابنا عنه بأجوبة منها قال ابن الشاط وأغفله الشهاب وهو أصحها وأقواها إن لفظ الحدود في لفظ الشرع ليس مقصورا على الزنا وشبهه بل لفظ الحدود في عرف الشرع متناول لكل مأمور به ومنهي عنه فالتعليق على هذا من جملة حدود الله تعالى والمراد بغير حدود الله في الحديث جلد غير المكلفين كالصبيان والمجانين والبهائم فافهم
ا ه
وعبارة المعلم كما في التبصرة وتأول أصحابنا الحديث على أن المراد بقوله في غير حد إلخ أي في غير حق من حقوق الله تعالى وإن لم يكن من المعاصي المقدر حدودها لأن المعاصي كلها من حدود الله تعالى ا ه ومنها أن الحديث مقصور على زمنه عليه الصلاة والسلام لأنه كان يكفي الجاني منه هذا القدر كما في المعلم قال الأصل أي هو محمول على طباع السلف رضي الله عنهم كما قال الحسن إنكم لتأتون أمورا هي في أعينكم أدق من الشعر وإن كنا لنعدها من الموبقات فكان يكفيهم قليل التعزير ثم تتابع الناس في
321
321
أن غير المقدر قد يجب كنفقات الزوجات والأقارب ونصيب الإنسان في بيت المال غير مقدر وهو واجب ولأن تلك الكلمات كانت تصدر لجفاء الأعراب لا لقصد السب
وثالث الفروق أن التعزير على وفق الأصل من جهة اختلافه باختلاف الجنايات وهو الأصل بدليل الزنا مائة وحد القذف ثمانون والسرقة القطع والحرابة القتل وقد خولفت القاعدة في الحدود دون التعازير فسوى الشرع بين سرقة دينار وسرقة ألف دينار وشارب قطرة من الخمر وشارب جرة في الحد مع اختلاف مفاسدها حدا وعقوبة الحر والعبد سواء مع أن حرمة الحر أعظم لجلالة مقداره بدليل رجم المحصن دون البكر لعظم مقداره مع أن العبيد إنما ساوت الأحرار في السرقة والحرابة لتعذر التجزئة بخلاف الجلد واستوى الجرح اللطيف الساري للنفس والعظيم في القصاص مع تفاوتهما وقتل الرجل العالم الصالح التقي الشجاع البطل مع الوضيع
الرابع من الفروق أن التعزير تأديب يتبع المفاسد وقد لا يصحبها العصيان في كثير من الصور كتأديب الصبيان والبهائم والمجانين استصلاحا لهم مع عدم المعصية وجاء في هذا الفرق فرع وهو أن الحنفي إذا شرب النبيذ ولم يسكر قال مالك أحده ولا أقبل شهادته لأن تقليده في هذه المسألة لأبي حنيفة لا يصح لمنافاتها للقياس الجلي على الخمر ومخالفة النصوص الصحيحة ما أسكر كثيره فقليله حرام وقال الشافعي رضي الله عنه أحده وأقبل شهادته أما حده فللمفسدة الحاصلة من التوسل لإفساد العقل وأما قبول
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
المعاصي حتى زوروا خاتم عمر رضي الله عنه وهو معنى قول عمر بن عبد العزيز تحدث للناس أقضية على قدر ما أحدثوا من الفجور ولم يرد رضي الله عنه نسخ حكم بل المجتهد فيه ينتقل له الاجتهاد لاختلاف الأسباب
ومنها أنه لا يوافق ظاهر الحديث إلا مذهب أحمد بن حنبل وأما الأحناف والشافعية فإنهم يزيدون على العشر فظاهر الحديث خلاف مذهبهم
والوجه الثاني من الفروق أن الحدود واجبة النفوذ والإقامة على الأئمة واختلفوا في التعزير فقال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى إن كان لحق الله تعالى وجب كالحدود إلا أن يغلب على ظن الإمام أن غير الضرب من الملامة والكلام مصلحة أي وإن كان لحق آدمي لم يجب وفي تبصرة ابن فرحون فإن تجرد التعزير عن حق آدمي وانفرد به حق السلطنة كان لولي الأمر مراعاة حكم الأصلح في العفو والتعزير وله التشفيع فيه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اشفعوا إلي ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء قال فلو تعافى الخصمان عن الذنب قبل الترافع إلى ولي الأمر سقط حق الآدمي وفي حق السلطنة والتقويم والأدب وجهان أظهرهما عدم السقوط فله مراعاة الأصلح من الأمرين والأصح أنه لا يسقط التعزير بإسقاط ما وجب بسببه ولو نص على العفو والإسقاط
ويسقط بإسقاطه ضمنا كما إذا عفا مستحق الحد عن الحد قبل بلوغ الإمام إذ ليس للإمام التعزير والحالة هذه لاندراجه في الحد الساقط وقيل لا يسقط إذ وجوب التعزير المقترن بالحد لمجرد حق السلطنة فلا ينبغي سقوطه
322
322
شهادته فإنه لم يعص بناء على صحة التقليد عنده قال والعقوبات تتبع المفاسد لا المعاصي فلا تنافي بين عقوبته وقبول شهادته ويبطل عليه قوله من جهة أن هذا إنما هو في التعازير أما الحدود المقدرة فلم توجد في الشرع إلا في معصية عملا بالاستقراء فالحق مع مالك رحمه الله تعالى
الخامس
من الفروق أن التعزير قد يسقط وإن قلنا بوجوبه قال إمام الحرمين إذا كان الجاني من الصبيان أو المكلفين قد جنى جناية حقيرة والعقوبة الصالحة لها لا تؤثر فيه ردعا والعظيمة التي تؤثر فيه لا تصلح لهذه الجناية سقط تأديبه مطلقا أما العظيمة فلعدم موجبها وأما الحقيرة فلعدم تأثيرها وهو بحث حسن ما ينبغي أن يخالف فيه
السادس من الفروق أن التعزير يسقط بالتوبة ما علمت في ذلك خلافا والحدود لا تسقط بالتوبة على الصحيح إلا الحرابة لقوله تعالى إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم
سؤال مفسدة الكفر أعظم المفاسد والحرابة أعظم مفسدة من الزنا وهاتان المفسدتان العظيمتان تسقطان بالتوبة والمؤثر في سقوط الأعلى أولى أن يؤثر في سقوط الأدنى وهو سؤال قوي يقوي قول من يقول بسقوط الحدود بالتوبة قياسا على هذا المجمع عليه بطريق الأولى
وجوابه من وجوه أحدها أن سقوط القتل في الكفر يرغب في الإسلام فإن قلت إنه يبعث على الردة قلت الردة قليلة فاعتبر جنس الكفر وغالبه
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
بإسقاط الحد من الأحكام السلطانية قال فلو كان الخصمان المترافعان والدا وولدا فلا حق للولد في تعزير والده نعم يختص تعزيره لحق السلطنة فلولي الأمر فعل أحد الأمرين وتعزير الولد مشترك بين حقي الوالد والسلطنة
ا ه بلفظه
وقال الشافعي رحمه الله تعالى هو غير واجب على الإمام إن شاء أقامه وإن شاء تركه أي مطلقا محتجا بوجهين
الأول
ما في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعزر الأنصاري الذي قاله في حق الزبير في أمر السقي أن كان ابن عمتك يعني فسامحته وجوابه أنه حق لرسول الله صلى الله عليه وسلم فجاز له تركه بخلاف حق الله تعالى لا يجوز له تركه كقوله تعالى كونوا قوامين بالقسط فإذا قسط فتجب إقامته على أن تلك الكلمات كانت تصدر لجفاء الأعراب لا لقصد السب
والثاني أنه غير مقدر فلا يجب كضرب الأب والمعلم والزوج وجوابه أن غير المقدر قد يجب كنفقات الزوجات والأقارب ونصيب الإنسان في بيت المال غير مقدر وهو واجب
الوجه الثالث من الفروق أن الحدود وإن جرت على الأصل والقاعدة من اختلاف العقوبات باختلاف الجنايات من جهة أن الشارع جعل حد الزنا مائة وحد القذف ثمانين وحد السرقة القطع وحد الحرابة القتل إلا أنها جرت على خلاف الأصل المذكور في مسائل
منها أن الشرع سوى في الحد بين سرقة دينار وسرقة ألف دينار
ومنها أنه سوى في الحد بين شارب قطرة من الخمر وشارب جرة مع اختلاف مفاسدها حدا
ومنها أنه جعل عقوبة الحر والعبد سواء مع أن حرمة الحر أعظم لجلالة مقداره بدليل رجم المحصن دون البكر لعظم مقداره مع أن العبيد إنما ساوت الأحرار في
323
323
وثانيها أن الكفر يقع للشبهات فيكون فيه عذر عادي ولا يؤثر أحد أن يكفر لهواه قلنا ولا يزني أحد إلا لهواه فناسب التغليظ
وثالثها أن الكفر لا يتكرر غالبا وجنايات الحدود تكرر غالبا فلو أسقطناها بالتوبة ذهبت مع تكررها مجانا وتجرأ عليها الناس في اتباع أهويتهم أكثر وأما الحرابة فلأنا لا نسقطها إلا إذا لم نتحقق المفسدة بالقتل أو أخذ المال أما متى قتل قتل إلا أن يعفو الأولياء عن الدم وإذا أخذ المال وجب الغرم وسقط الحد لأنه حد فيه تخيير بخلاف غيره فإنه محتم والمحتم آكد من المخير فيه
السابع أن التخيير يدخل في التعازير مطلقا ولا يدخل في الحدود إلا في الحرابة إلا في ثلاثة أنواع فقط
تنبيه التخيير في الشريعة لفظ مشترك بين أشياء أحدها الإباحة المطلقة كالتخيير بين أكل الطيبات وتركها
وثانيها الواجب المطلق كتصرفات الولاة ت فمتى قلنا الإمام مخير
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
السرقة والحرابة لتعذر التجزئة بخلاف الجلد
ومنها أنه سوى بين الجرح اللطيف الساري للنفس والعظيم في القصاص مع تفاوتهما
ومنها أنه سوى بين قتل الرجل العالم الصالح التقي الشجاع البطل مع الوضيع
وأما التعزير فهو على وفق الأصل المذكور أبدا فيختلف دائما باختلاف الجنايات قال ابن فرحون في التبصرة ولا يختص بفعل معين ولا قول معين ونذكر من ذلك بعض ما وردت به السنة فما قال ببعضه أصحابنا وبعضه خارج المذهب
فمنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عزر الثلاثة الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن الكريم بالهجر فهجروا خمسين يوما لا يكلمهم أحد وقصتهم مشهورة في الصحاح
ومنها أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ضرب صبيغا الذي كان يسأل عن الذاريات وغيرها ويأمر الناس بالتفقه في المشكلات من القرآن ضربا وجيعا ونفاه إلى البصرة أو الكوفة وأمر بهجره فكان لا يكلمه أحد حتى تاب وكتب عامل البلد إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخبره بتوبته فأذن للناس في كلامه
ومنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عزر بالنفي فأمر بإخراج المخنثين من المدينة ونفيهم وكذلك الصحابة من بعده صلى الله عليه وسلم
ومنها أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حلق رأس نصر بن الحجاج ونفاه من المدينة لما تشبب النساء به في الأشعار وخشى الفتنة بها
ومنها ما فعله صلى الله عليه وسلم بالعرنيين
ومنها أمره صلى الله عليه وسلم للمرأة التي لعنت ناقتها أن تخلي سبيلها
ومنها أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه استشار الصحابة في رجل ينكح كما تنكح المرأة فأشاروا بحرقه في النار فكتب أبو بكر رضي الله عنه بذلك إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه ثم حرقهم عبد الله بن الزبير في خلافته ثم حرقهم هشام بن عبد الملك وهو رأي ابن حبيب من أصحابنا ذكره في مختصر الواضحة
ومنها أن أبا بكر رضي الله عنه حرق جماعة من أهل الردة
ومنها إباحته صلى الله عليه وسلم سلب الذي يصطاد في حرم المدينة لمن وجده
ومنها أمره صلى الله عليه وسلم بكسر دنان الخمر وشق ظروفها
ومنها أمره صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر رضي الله عنه بتحريق الثوبين المعصفرين
ومنها أمره صلى الله عليه وسلم يوم خيبر بكسر القدور التي طبخ فيها لحم الحمر
324
324
في صرف مال بيت المال أو في أسارى العدو أو المحاربين أو التعزير فمعناه أن ما تعين سببه ومصلحته وجب عليه فعله ويأثم بتركه فهو أبدا ينتقل من واجب إلى واجب كما ينتقل المكفر في كفارة الحنث من واجب إلى واجب غير أن له ذلك يهواه في التكفير والإمام يتحتم في حقه ما أدت المصلحة إليه لا أن هاهنا إباحة ألبتة ولا أنه يحكم في التعازير بهواه وإرادته كيف خطر له وله أن يعرض عما شاء ويقبل منها ما شاء هذا فسوق وخلاف الإجماع بل الصواب ما تقدم ذكره
وثالثها تخيير الساعي بين أخذ أربع حقاق أو خمس بنات لبون في صدقة الإبل فإن الإمام هاهنا يتخير كما يتخير المكفر في كفارة الحنث غير أن الفرق بينهما أن هذا تخيير أدت إليه الأحكام وفي الحنث تخيير متأصل فتأمل هذه التخييرات
الثامن أنه يختلف باختلاف الفاعل والمفعول معه والجناية والحدود لا تختلف باختلاف فاعلها فلا بد في التعزير من اعتبار مقدار الجناية والجاني
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الأهلية ثم استأذنوه في غسلها فأذن لهم فدل على جواز الأمرين لأن العقوبة بالكسر لم تكن واجبة
ومنها هدمه صلى الله عليه وسلم لمسجد الضرار
ومنها أمره صلى الله عليه وسلم بتحريق متاع الذي غل من الغنيمة
ومنها إضعاف الغرم على سارق ما لا قطع فيه من التمر والكسر
ومنها إضعاف الغرم على كاتم الضالة
ومنها أخذه شطر مال مانع الزكاة غرمة من غرامات الرب تبارك وتعالى
ومنها أمره صلى الله عليه وسلم لابس خاتم الذهب بطرحه فطرحه فلم يعرض له أحد
ومنها أمره صلى الله عليه وسلم بقطع نخيل اليهود إغاظة لهم
ومنها تحريق عمر رضي الله عنه للمكان الذي يباع فيه الخمر
ومنها تحريق عمر قصر سعد بن أبي وقاص لما احتجب فيه عن الرعية وصار يحكم في داره ومنها مصادرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عماله بأخذ شطر أموالهم فقسمها بينهم وبين المسلمين
ومنها أنه رضي الله عنه ضرب الذي زور على نقش خاتمه وأخذ شيئا من بيت المال مائة ثم ضربه في اليوم الثاني مائة ثم ضربه في اليوم الثالث مائة
ومنها أن عمر رضي الله تعالى عنه لما وجد مع السائل من الطعام فوق كفايته وهو يسأل أخذ ما معه وأطعمه إبل الصدقة
ومنها أنه رضي الله تعالى عنه أراق اللبن المغشوش وغير ذلك مما يكثر تعداده وهذه قضايا صحيحة معروفة قال ابن قيم الجوزية وأكثر هذه المسائل شائعة في مذهب أحمد رضي الله تعالى عنه وبعضها شائع في مذهب مالك رضي الله تعالى عنه ومن قال إن العقوبة المالية منسوخة فقد غلط على مذاهب الأئمة نقلا واستدلالا وليس بمسلم دعواه نسخها كيف وفعل الخلفاء الراشدين وأكابر الصحابة لها بعد موته صلى الله عليه وسلم مبطل لدعوى نسخها والمدعون للنسخ ليس معهم كتاب ولا سنة ولا إجماع يصحح دعواهم إلا أن يقول أحدهم مذهب أصحابنا لا يجوز فمذهب أصحابه عيار على القبول والرد ا ه
قال ابن فرحون والتعزير بالمال قال به المالكية ولهم فيه تفصيل ذكرت منه في كتاب الحسبة طرفا فمن ذلك مسائل
المسألة الأولى سئل مالك عن اللبن المغشوش أيهراق
قال لا ولكن أرى أن يتصدق به إذا كان هو الذي غشه وقال في الزعفران والمسك المغشوش مثل ذلك وسواء كان ذلك كثيرا أو قليلا وخالفه ابن القاسم في الكثير فقال يباع المسك والزعفران إلى من لا يغش به ويتصدق بالثمن أدبا للغاش
المسألة الثانية أفتى ابن القطان الأندلسي في الملاحم الرديئة النسج بأن تحرق وأفتى ابن عتاب بتقطيعها والصدقة بها خرقا
المسألة الثالثة إذا اشترى عامل القراض من يعتق على رب المال عالما بأنه قريبه فإنه إن
325
325
والمجني عليه
التاسع أن التعزير يختلف باختلاف الأعصار والأمصار فرب تعزير في بلاد يكون إكراما في بلد آخر كقلع الطيلسان بمصر تعزير وفي الشام إكرام وكشف الرأس عند الأندلس ليس هوانا وبالعراق ومصر هوان
العاشر أنه يتنوع لحق الله تعالى الصرف كالجناية على الصحابة أو الكتاب العزيز ونحو ذلك وإلى حق العبد الصرف كشتم زيد ونحوه والحدود لا يتنوع منها حد بل الكل حق لله تعالى إلا القذف على خلاف فيه إما أنه تارة يكون حدا حقا لله تعالى وتارة يكون حقا لآدمي فلا يوجد ألبتة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
كان موسرا عتق العبد وغرم العامل ثمنه وحصة رب المال من الربح إن كان في المال يوم الشراء ربح وولاؤه لرب المال وذلك لتعديه فيما فعل
المسألة الرابعة
من وطئ أمة له من محارمه ممن لا يعتق عليه بالملك فإنه يعاقب وتباع عليه وإخراجها عن ملكه كرها من العقوبة بالمال
المسألة الخامسة الفاسق إذا آذى جاره ولم ينته تباع عليه الدار وهو عقوبة في المال والبدن
المسألة السادسة من مثل بأمته عتقت عليه وذلك عقوبة بالمال ا ه
الوجه الرابع من الفروق أن الحدود المقدرة لم توجد في الشرع إلا في معصية عملا بالاستقراء بخلاف التعزير فإنه تأديب يتبع المفاسد وقد لا يصحبها العصيان في كثير من الصور كتأديب الصبيان والبهائم والمجانين استصلاحا لهم مع عدم المعصية قال الأصل ومن هنا يبطل على الشافعي قوله في الحنفي إذا شرب النبيذ ولم يسكر أحده وأقبل شهادته أما حده فللمفسدة الحاصلة من التوسل لإفساد العقل وأما قبول شهادته فلأنه لم يعص بناء على صحة التقليد عنده قال والعقوبات تتبع المفاسد لا المعاصي فلا تنافي بين عقوبته وقبول شهادته
ا ه
لما علمت من أن هذا إنما هو في التعاذير لا في الحدود ويكون الحق فيه قول مالك أحده ولا أقبل شهادته لأن تقليده في هذه المسألة لأبي حنيفة لا يصح لمنافاتها للقياس الجلي على الخمر ومخالفة النصوص الصحيحة ما أسكر كثيره فقليله حرام فافهم
الوجه الخامس من الفروق أن الحدود لا تسقط بحال بخلاف التعزير فإنه قد يسقط وإن قلنا بوجوبه قال إمام الحرمين إذا كان الجاني من الصبيان والمكلفين قد جنى جناية حقيرة والعقوبة الصالحة لها لا تؤثر فيه ردعا والعظيمة التي تؤثر فيه لا تصلح لهذه الجناية سقط تأديبه مطلقا أما العظيمة فلعدم موجبها وأما الحقيرة فلعدم تأثيرها
ا ه
قال الأصل وهو بحث حسن ما ينبغي أن يخالف فيه
ا ه
وقال ابن الشاط وبيان ضعف قول إمام الحرمين أن الجناية الحقيرة تسقط عقوبتها بل بطلانه أن قوله العقوبة الصالحة لها لا تؤثر فيه ردعا قول متناف من جهة أنه لا معنى لكون العقوبة صالحة للجناية إلا أنها تؤثر فيها العادة الجارية ردعا فإن كانت بحيث لا تؤثر ردعا فليست بصالحة لها هذا أمر لا خفاء به ولا إشكال والله تعالى أعلم ا ه
الوجه السادس من الفروق أن التعزير يسقط بالتوبة قال الأصل ما علمت في ذلك خلافا والحدود لا تسقط بالتوبة على الصحيح إلا الحرابة والكفر فإنهما يسقط حدهما بالتوبة إجماعا لقوله تعالى إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ولقوله تعالى قل للذين كفروا إن ينتهوا الآية لا يقال قياس نحو الزنا من باقي المفاسد الموجبة للحد على هذا المجمع
326
326
فارغة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
عليه بأن يقال مفسدة الكفر أعظم المفاسد والحرابة أعظم مفسدة من الزنا فإذا أثرت التوبة في سقوط هاتين المفسدتين العظيمتين فلأن تؤثر فيما دونهما من المفاسد بطريق الأولى إذ المؤثر في سقوط الأعلى أولى أن يؤثر في سقوط الأدنى يقوي قول من يقول بسقوط الحدود بالتوبة فكيف يكون مقابل الصحيح لأنا نقول القياس المذكور لا يصح أما بالنسبة للكفر فمن وجوه
أحدها
أن سقوط القتال في الكفر يرغب في الإسلام وكونه يبعث على الردة مدفوع بأن الردة قليلة فاعتبر جنس الكفر وغالبه
و ثانيها أن الكفر يقع للشبهات فيكون فيه عذر عادي ولا يؤثر أحد أن يكفر لهواه بخلاف نحو الزنا فإنه لا يزني أحد مثلا إلا لهواه فناسب التغليظ
وثالثها أن الكفر لا يتكرر غالبا وجنايات الحدود تتكرر غالبا فلو أسقطناها بالتوبة ذهبت مع تكررها مجانا وتجرأ عليها الناس في اتباع أهويتهم أكثر وأما بالنسبة للحرابة فلأنا لا نسقطها بالتوبة إلا إذا لم تتحقق المفسدة بالقتل أو أخذ المال أما متى قتل قتل إلا أن يعفو الأولياء عن الدم وإذا أخذ المال وجب الغرم وسقط الحد لأنه حد فيه تخيير بخلاف غيره فإنه محتم والمحتم آكد من المخير فيه
الوجه السابع من الفروق أن التخيير يدخل في التعاذير مطلقا ولا يدخل في الحدود إلا في الحرابة إلا في ثلاثة أنواع منها فقط وتلك الثلاثة
أحدها ما في قول أقرب المسالك وتعين قتله إن قتل
وثانيها ما في تبصرة ابن فرحون إن طال أمره وأخذ المال ولم يقتل بحد فقد قال مالك وابن القاسم في الموازية يقتل ولا يختار الإمام فيه غير القتل
ا ه وثالثها ما في التبصرة عن الباجي قال أشهب في الذي أخذ بحضرة ذلك ولم يقتل ولم يأخذ المال هذا الذي قال فيه مالك لو أخذ فيه بأيسر ذلك قال عنه ابن القاسم أحب إلي أن يجلد وينفى ويحبس حيث نفي إليه
ا ه بلفظه
والمراد بالتخيير هاهنا الواجب المطلق بمعنى الانتقال من واجب إلى واجب بشرط الاجتهاد المؤدي إلى ما يتحتم في حق الإمام مما أدت إليه المصلحة لا التخيير بمعنى الإباحة المطلقة إذ لا إباحة هاهنا ألبتة ولا التخيير بمعنى الانتقال من واجب إلى واجب بهواه وإرادته كيف خطر له وله أن يعرض عما شاء ويقبل منها ما شاء فإن هذا هاهنا فسوق وخلاف الإجماع وذلك أن التخيير في الشريعة لفظ مشترك بين شيئين
أحدهما الإباحة المطلقة كالتخيير بين أكل الطيبات وتركها
وثانيهما الواجب المطلق وتحته نوعان
الأول انتقال من واجب إلى واجب بشرط الاجتهاد ليؤدي إلى ما تعين سببه وأدت المصلحة إليه فيجب عليه فعله ويأثم بتركه كتصرفات الولاة فمتى قلنا الإمام مخير في صرف مال بيت المال أو في أسارى العدو أو المحاربين أو في التعزير كان معناه ما تقدم ذكره والنوع الثاني انتقال من واجب إلى واجب بهواه وإرادته كيف خطر له وله أن يعرض عما شاء ويقبل ما شاء من تلك الواجبات وهذا نوعان أيضا
الأول تخير متأصل بمعنى انتقال من واجب إلى واجب بهواه أصالة لا عروضا كما في تخيير المكفر في كفارة الحنث بين أنواعها الواجبة بهواه والثاني تخيير جر إليه الحكم بمعنى انتقال من واجب إلى واجب بهواه لا أصالة بل عروضا بحسب ما جر إليه الحكم كما في تخيير الساعي بين أخذ أربع حقاق أو خمس بنات لبون في صدقة الإبل فإن الإمام هاهنا يتخير كما يتخير المكفر في كفارة الحنث إلا أن هذا تخيير أدت إليه الأحكام وفي الحنث تخيير متأصل فتأمل هذه التخييرات واحتفظ عليها بهذا التفصيل
الوجه الثامن من الفروق أن التعزير يختلف باختلاف الفاعل والمفعول معه والجناية ففي تبصرة ابن فرحون قال ابن قيم الجوزية اتفق
327
327
الفرق السابع والأربعون والمائتان بين قاعدة الإتلاف بالصيال وبين قاعدة الإتلاف بغيره
اعلم أن الصيال يختص بنوع من إسقاط اعتبار إتلافه بسبب عداه وعدوانه ويقوى الضمان في غيره على متلفه لعدم المسقط وله خصيصة أخرى وهي أن الساكت عن الدفع عن نفسه حتى يقتل لا يعد آثما ولا قاتلا لنفسه بخلاف لو منع من نفسه طعامها وشرابها حتى مات فإنه آثم قاتل لنفسه ولو لم يمنع عنها الصائل من الآدميين لم يأثم بذلك وبسط ذلك أن كل إنسان أو غيره صال فدفع عن معصوم من نفس أو بضع أو مال دفعا لا يقصد قتله بل الدفع خاصة وإن أدى إلى القتل إلا أن يعلم أنه لا يندفع إلا بالقتل فيقصد قتله ابتداء لتعينه طريقا إلى الدفع فمن خشي شيئا من ذلك فدفعه عن نفسه فهو هدر لا يضمن حتى الصبي والمجنون وكذلك البهيمة لأنه ناب عن صاحبها في
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
العلماء على أن التعزير مشروع في كل معصية ليس فيها حد بحسب الجناية في العظم والصغر وبحسب الجاني في الشر وعدمه
ا ه
أي وبحسب المجني عليه في الشرف وعدمه وفيها أيضا بعد أن التعاذير تختلف بحسب اختلاف الذنوب وما يعلم من حال المعاقب من جلده وصبره على يسيرها أو ضعفه عن ذلك وانزجاره إذا عوقب بأقلها
ا ه
والحدود لا تختلف باختلاف فاعلها
الوجه التاسع
من الفروق أن الحدود لا تختلف باختلاف الأعصار والأمصار فرب تعزير في عصر يكون إكراما في عصر آخر ورب تعزير في بلاد يكون إكراما في بلد آخر كقلع الطيلسان بمصر تعزير وفي الشام إكرام وككشف الرأس عند الأندلس ليس هوانا وبالعراق ومصر هوان
الوجه العاشر من الفروق أن التعزير يتنوع إلى حق الله تعالى الصرف كالجناية على الصحابة أو الكتاب العزيز ونحو ذلك وإلى حق العبد الصرف كشتم زيد ونحوه والحدود لا يتنوع منها حد بل الكل حق الله تعالى إلا القذف على خلاف فيه قد تقدم أما أنه تارة يكون حقا لله تعالى وتارة يكون حقا لآدمي فلا يوجد ألبتة هذا تهذيب ما في الأصل وصححه ابن الشاط مع زيادة والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق التاسع والأربعون والمائتان بين قاعدة الإتلاف بالصيال وبين قاعدة الإتلاف بغيره
من نحو ترك الغذاء والشراب حتى يموت من حيث عدم الضمان في الصائل والضمان في غيره ومن حيث ترتب الإثم على ترك الطعام والشراب حتى يموت وعدم ترتب الإثم على ترك الدفع للصائل من الآدميين عن نفسه وهو من وجوه أربعة اثنان باعتبار الضمان وعدمه واثنان باعتبار ترتب الإثم وعدم ترتبه
الوجه الأول من الفروق أن الضمان في غير الصائل لعدم المسقط وعدم الضمان في الصائل لاختصاصه بنوع من إسقاط اعتبار إتلافه بسبب عداه وعدوانه
الوجه الثاني من الفروق وهو أقربها أن الضمان في غير الصائل لعدم تعارض مفسدتين عليا ودنيا فيه وعدم الضمان في الصائل لأنه
328
328
دفعها وهو سر الفرق بين القاعدتين فإن المتلف ابتداء لم ينب عن غيره في القيام بذلك الإتلاف قال القاضي أبو بكر أعظم المدفوع عنه النفس وأمره بيده إن شاء أسلم نفسه أو دفع عنها ويختلف الحال ففي زمن الفتنة الصبر أولى تقليلا لها أو هو يقصد وحده من غير فتنة عامة فالأمر في ذلك سواء وإن عض الصائل يدك فنزعتها من فيه فقلعت أسنانه ضمنت دية الأسنان لأنها من فعلك وقيل لا تضمن لأنه ألجأك لذلك وإن نظر إلى حرم من كوة لم يجز لك أن تقصد عينه أو غيرها لأنه لا تدفع المعصية بالمعصية وفيه القود إن فعلت ويجب تقدم الإنذار في كل موضع فيه دفع ومستند ترك الدفع عن النفس ما في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل ولقصة ابني آدم إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر ثم قال إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك ولم يدفعه عن نفسه لما أراد قتله وعلى ذلك اعتمد عثمان رضي الله عنه على
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
تعارضت فيه مفسدة أن يفعل أو يمكن من القتل التمكين من المفسدة أخف مفسدة من مباشرة المفسدة نفسها والقاعدة سقوط اعتبار المفسدة الدنيا بدفع المفسدة العليا إذا تعارضتا
الوجه الثالث
من الفروق أن ترك الغذاء والشراب سبب تام في الموت من غير إضافة شيء آخر إليه وترك دفع الصائل سبب في الموت ناقص لا يتم إلا بإضافة فعل الصائل إليه فلذا ترتب الإثم على الأول دون الثاني فافهم
فإن قلت ما وجه حرمة ترك الغذاء وعدم حرمة ترك الدواء قلت الوجه أن الدواء غير منضبط النفع فإنه قد يفيد وقد لا يفيد ونفع الغذاء ضروري
الوجه الرابع من الفروق أن المانع من نفسه طعامها وشرابها حتى مات يعد قاتلا لنفسه فلذا ترتب عليه الإثم والساكت عن دفع الصائل من الآدميين عن نفسه لا يعد قاتلا لنفسه فلذا لم يترتب عليه الإثم وسر ذلك أن الدافع لصائل إنسانا كان أو غيره عن معصوم من نفس أو بضع أو مال لا يقصد قتله بل الدفع خاصة وإن أدى إلى القتل إلا أن يعلم أنه لا يندفع إلا بالقتل فيقصد قتله ابتداء لتعينه طريقا إلى الدفع فمن خشي شيئا من ذلك فدفعه عن نفسه بالقتل فهو هدر عندنا لا يضمن حتى الصبي والمجنون وكذلك البهيمة لأنه ناب عن صاحبها في دفعها نعم لو قدر المصول عليه على الهروب من غير مضرة تلحقه تعين ولم يجز له الدفع بالجرح ولذا لا يجوز الدفع بالجرح ابتداء لمن يخش شيئا من ذلك لأنه لم ينب عن غيره في القيام بذلك الإتلاف فإن لم يقدر على الهروب من غير ضرر يلحقه فله الدفع بما قدر عليه قال القاضي أبو بكر أعظم المدفوع النفس وأمره بيده إن شاء أسلم نفسه أو دفع عنها ويختلف الحال ففي زمن الفتنة الصبر أولى تقليلا لها وهو يقصد وحده من غير فتنة عامة فالأمر في ذلك سواء وإن عض الصائل يدك فنزعتها من فيه فقلعت أسنانه ضمنت دية الأسنان لأنها من فعلك وقيل لا تضمن لأنه ألجأك لذلك وإن نظر إلى حرم من كوة لم يجز لك أن تقصد عينه أو غيرها لأنه لا تدفع المعصية بالمعصية وفيه
329
329
أحد الأقوال ولأنه تعارضت مفسدة أن يقتل أو يمكن من القتل والتمكين من المفسدة أخف مفسدة من مباشرة المفسدة نفسها فإذا تعارضتا سقط اعتبار المفسدة الدنيا بدفع المفسدة العليا فهذا أقرب الفروق بين القاعدتين
والفرق بين ترك دفع الصائل وبين ترك الغذاء والشراب حتى يموت أن ترك الغذاء هو السبب العام في الموت لم يضف إليه غيره ولا بد أن يضاف فعل الصائل للتمكين والفرق بين ترك الغذاء أنه يحرم وبين ترك الدواء فلا يحرم أن الدواء غير منضبط النفع فقد يفيد وقد لا يفيد والغذاء ضروري النفع ووافقنا الشافعي أنه لا يضمن الفحل الصائل والمجنون والصغير وقال أبو حنيفة يباح له الدفع ويضمن واتفقوا إذا كان آدميا بالغا عاقلا أنه لا يضمن
لنا وجوه الأول أن الأصل عدم الضمان
الثاني القياس على الآدمي
الثالث القياس على الدابة المعروفة بالأذى أنها تقتل ولا تضمن إجماعا ولا يلزمنا إذا غصبه فصال عليه لأنه ضمن هنالك بالغصب لا بالدفع وإلا إذا اضطر له لجوع فأكله فإنه يضمن لأن الجوع القاتل في نفس الجامع لا في نفس الصائل والقتل بالصيال من جهة الصائل احتجوا بوجوه
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
القود إن فعلت ويجب تقدم الإنذار في كل موضع فيه دفع
ومستند ترك الدفع عن النفس وجهان
الأول
ما في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل
والثاني قصة ابني آدم إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر ثم قال إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك ولم يدفعه عن نفسه لما أراد قتله وعلى ذلك اعتمد عثمان رضي الله عنه على أحد الأقوال ووافقنا الشافعي رضي الله تعالى عنه في أنه لا يضمن الفحل الصائل والمجنون والصغير وقال أبو حنيفة يباح له الدفع ويضمن واتفقوا على أنه لا يضمن إذا كان آدميا بالغا عاقلا
لنا وجوه الأول الأصل عدم الضمان الثاني القياس على الآدمي الثالث القياس على الدابة المعروفة بالأذى أنها تقتل ولا تضمن إجماعا ولا يلزمنا إذا غصبه فصال عليه لأنه ضمن هنالك بالغصب لا بالدفع وإلا إذا اضطر له لجوع فأكله فإنه يضمن لأن الجوع القاتل في نفس الجائع لا في نفس الصائل والقتل بالصيال من جهة الصائل وأما ما احتج به الأحناف من الوجوه الثلاثة
فالأول أن مدرك عدم الضمان إنما يكون هو إذن المالك لا جواز الفعل لأنه لو أذن له في قتل عبده لم يضمن ولو أكله لمجاعة ضمنه وجوابه أن الضمان يتوقف على عدم جواز الفعل بدليل أن العبد إذا صال على محرم لم يضمنه أو صال على العبد سيده فقتله العبد والأب على ابنه فقتله ابنه لا يضمنون لجواز الفعل
والثاني أن الآدمي له قصد واختيار فلذلك لم يضمن والبهيمة لا اختيار لها لأنه لو حفر بئرا فطرح إنسان فيها لم يضمنه ولو طرحت بهيمة نفسها فيها ضمنت وجناية العبد تتعلق برقبته وجناية البهيمة لا تتعلق برقبتها وجوابه أن البهيمة لها اختيار اعتبره الشرع لأن الكلب لو استرسل بنفسه لم يؤكل صيده والبعير الشارد يصير حكمه حكم الصيد على أصلهم وإن فتح قفصا فيه طائر فقعد الطائر ساعة ثم طار لا يضمن لأنه طار باختياره
وأما قولهم في الآدمي لو طرح نفسه في البئر لم يضمن بخلاف البهيمة فيلزمهم أنه لو نصب شبكة فوقعت فيها بهيمة لم يضمنها لأنها لم تختر ذلك وأنه لم يختره
330
330
الأول أن مدرك عدم الضمان إنما هو إذن المالك لا جواز الفعل لأنه لو أذن له في قتل عبده لم يضمن ولو أكله لمجاعة ضمنه
الثاني أن الآدمي له قصد واختيار فلذلك لم يضمن والبهيمة لا اختيار لها لأنه لو حفر بئرا فطرح إنسان نفسه فيها لم يضمنه ولو طرحت بهيمة نفسها فيها ضمنت وجناية العبد تتعلق برقبته وجناية البهيمة لا تتعلق برقبتها
الثالث قوله عليه السلام جرح العجماء جبار فلو لم يضمن لم يكن جبارا كالآدمي والجواب عن الأول أن الضمان يتوقف على عدم جواز الفعل بدليل أن الصيد إذا صال على محرم لم يضمنه أو صال على العبد سيده فقتله العبد أو الأب على ابنه فقتله ابنه لا يضمنون لجواز الفعل وعن الثاني أن البهيمة لها اختيار اعتبره الشرع لأن الكلب لو استرسل بنفسه لم يؤكل صيده والبعير الشارد يصير حكمه حكم الصيد على أصلهم وإن فتح قفصا فيه طائر فقعد الطائر ساعة ثم طار لا يضمن لأنه طار باختياره وأما قولهم في الآدمي لو طرح نفسه في البئر لم يضمن بخلاف البهيمة فيلزمهم أنه لو نصب شبكة فوقعت فيها بهيمة لم يضمنها لأنها لم تختر ذلك وأنه لم يختره
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وأما تعلق الجناية برقبة العبد فتبطل بالعبد الصغير فإنه تتعلق الجناية برقبته مع مساواته للدابة في الضمان
والثالث قوله عليه الصلاة والسلام جرح العجماء جبار فلو لم يضمن لم يكن جبارا كالآدمي وجوابه أن الهدر يقتضي عدم الضمان
مسألة اختلف العلماء في القضاء فيما أفسدته المواشي والدواب على أربعة أقوال
القول الأول لمالك والشافعي رضي الله تعالى عنهما أن الضمان على أرباب البهائم فيما أفسدته إن أرسلت بالليل للرعي كما لو كان صاحبها معها وهو يقدر على منعها فلم يمنعها ولا ضمان عليهم فيما أفسدته إن أرسلت لذلك بالنهار كما لو انفلتت فأتلفت قال في التبصرة والقول بنفي الضمان فيما أفسدته نهارا مقيد بقيدين الأول أن يكون معها راع لا يضيع ولا يفرط الثاني أن لا يكون ذلك إلا في المواضع التي لا يغيب أهلها عنها فإن انتفى قيد منها فربها ضامن لما أفسدت وإذا سقط الضمان عن أرباب المواشي فيما رعته نهارا فضمان ذلك على الراعي إن فرط فإن شذ منها شيء بغير تفريط فلا ضمان
ا ه ملخصا
القول الثاني لأبي حنيفة رضي الله عنه أن كل دابة مرسلة فصاحبها لا يضمن ما أفسدته قال الطحاوي وتحقيق مذهبه أنه لا يضمن إذا أرسلها محفوظة فأما إذا لم يرسلها محفوظة فيضمن وعمدة مالك والشافعي وجوه
الأول قوله تعالى وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم الآية والنفش رعي الليل والهمل رعي النهار ووجه الدليل أن داود عليه السلام قضى بتسليم الغنم لأرباب الزرع قبالة زرعهم وقضى سليمان عليه السلام بدفعها لهم ينتفعون بدرها ونسلها وخراجها حتى يخلف الزرع وينبت زرع الآخر قال حفيد ابن رشد في بدايته وهذا الاحتجاج على مذهب من يرى أنا مخاطبون بشرع من قبلنا
ا ه
الثاني أنه فرط فيضمن كما لو كان حاضرا
الثالث المرسل عن ابن شهاب أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائط قوم فأفسدت فيه فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على أهل الحوائط بالنهار حفظها وأن ما أفسدته المواشي بالليل ضامن على أهلها أي مضمون وجهه أنه بالنهار يمكن التحفظ دون الليل
الرابع أنكم قد اعتبرتم ذلك في قولكم إن رمت الدابة حصاة كبيرة
331
331
وأما تعليق الجناية برقبة العبد فتبطل بالعبد الصغير فإنه تتعلق الجناية برقبته مع مساواته للدابة في الضمان وعن الثالث أن الهدر يقتضي عدم الضمان مطلقا
مسألة
إن أرسلت الماشية بالنهار للرعي أو انفلتت فأتلفت فلا ضمان وإن كان صاحبها معها وهو يقدر على منعها فلم يمنعها ضمن ووافقنا الشافعي وأبو حنيفة رضي الله عنهما وإن انفلتت بالليل وأرسلها مع قدرته على منعها ضمن وقاله الشافعي رضي الله عنه في الزرع وفي غير الزرع اختلاف عندهم وقالوا يضمن أرباب القطط المعتادة للفساد ليلا أفسدت أو نهارا وإن خرج الكلب من داره فجرح ضمن أو الداخل بإذن فوجهان أو بغير إذن لم يضمن وإن أرسل الطير فالتقطت حب الغير لم يضمن ليلا أو نهارا وقال أبو حنيفة رحمه الله لا ضمان في الزرع ليلا كان أو نهارا
لنا وجوه الأول قوله تعالى وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم الآية وجه الدليل أن داود عليه السلام قضى بتسليم الغنم لأرباب الزرع قبالة زرعه وقضى سليمان عليه السلام بدفعها لهم ينتفعون بدرها ونسلها وخراجها حتى يخلف الزرع وينبت زرع الآخر والنفش رعي
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
أصابت إنسانا ضمن الراكب بخلاف الصغيرة فإنه لا يمكنه التحفظ منها والتحفظ من الكبير بالتنكيب عنه وقلتم يضمن ما نفحت بيدها لأنه يمكنه ردها بلجامها ولا يضمن ما أفسدت برجلها وذنبها
وعمدة أبي حنيفة وجوه
الأول
قوله عليه السلام جرح العجماء جبار وجوابه أن الجرح عندنا جبار إنما النزاع في غير الجرح واتفقنا على تضمين السائق والراكب والقائد
الثاني القياس على النهار وما ذكرتموه من الفرق بالحراسة بالنهار باطل لأنه لا فرق بين من حفظ ماله فأتلفه إنسان أو أهمله فأتلفه أنه يضمن في الوجهين وجوابه أن القياس على النهار لا يصح لأنا لا نسلم بطلان الفرق المتقدم بالحراسة بالنهار لأن إتلاف المال هاهنا كمن ترك غلامه يصول فيقتل فإنه لا يضمن لأنه بسبب المالك وأما ما ذكرتموه فليس كذلك
الثالث القياس على جناية الإنسان على نفسه وماله وجناية ماله عليه وجنايته على مال أهل الحرب أو أهل الحرب عليه وعكسه جناية صاحب البهيمة وجوابه أنه قياس مخالف للآية لأنه بالليل مفرط وبالنهار ليس بمفرط على أن تلك النقوض لا يمكن فيها التضمين لأن أحدا منهم ليس من أهل الضمان وهاهنا أمكن التضمين
القول الثالث لليث أن كل دابة مرسلة فصاحبها ضامن وعمدته أنه تعد من المرسل والأصول على أن على المتعدي الضمان وجوابه أن محل كونه تعديا من المرسل إذا لم يتسبب المالك في الإتلاف وإلا فالتعدي من المالك لا من المرسل كما يؤخذ مما تقدم فافهم
القول الرابع وهو مروي عن عمر رضي الله عنه وجوب الضمان في غير المنفلت ولا ضمان في المنفلت لأنه لا يملك قال في البداية فسبب الخلاف في هذا الباب معارضة الأصل للسمع ومعارضة السماع بعضه لبعض وذلك أن الأصل يعارض قوله عليه السلام جرح العجماء جبار ويعارض أيضا التفرقة التي في حديث البراء
332
332
الليل والهمل رعي النهار بلا راع
الثاني أنه فرط فيضمن كما لو كان حاضرا
الثالث أنه بالنهار يمكنه التحفظ دون الليل وقد اعتبرتم ذلك في قولكم إن رمت الدابة حصاة كبيرة أصابت إنسانا ضمن الراكب بخلاف الصغيرة لا يمكنه التحفظ منها والتحفظ من الكبيرة بالتنكب عنه وقلتم يضمن ما نفحت بيدها لأنه يمكنه ردها بلجامها ولا يضمن ما أفسدت برجلها وذنبها
احتجوا بوجوه الأول قوله عليه السلام جرح العجماء جبار الثاني القياس على النهار وما ذكرتموه من الفرق بالحراسة بالنهار باطل لأنه لا فرق بين من حفظ ماله فأتلفه إنسان أو أهمله فأتلفه أنه يضمن في الوجهين
الثالث القياس على جناية الإنسان على نفسه وماله وجناية ماله عليه وجنايته على مال أهل الحرب أو أهل الحرب عليه وعكسه جناية صاحب البهيمة
والجواب عن الأول أن الجرح عندنا جبار إنما النزاع في غير الجرح واتفقنا على تضمين السائق والراكب والقائد وعن الثاني أن الفرق المتقدم وما ذكرتموه أن إتلاف المال بسبب المالك هاهنا فهو كمن ترك غلامه يصول فيقتل فإنه لا
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وكذلك التفرقة التي في حديث البراء تعارض أيضا قوله عليه السلام جرح إلخ
ا ه
فافهم
تنبيهان الأول أن قوله تعالى ففهمناها سليمان وإن اقتضى ظاهره أن حكم سليمان عليه السلام كان أقرب للصواب من حكم داود وهو خلاف ما تقتضيه أصول شريعتنا من أن حكم سليمان عليه السلام إيجاب لقيمة مؤجلة ولا يلزم ذلك صاحب الحرث لأن الأصل في القيم الحلول إذا وجبت في الإتلافات ولأنه إحالة على أعيان لا يجوز بيعها وما لا يباع لا يعارض به في القيم فلذا لو وقع حكمه عليه السلام في شرعنا من بعض القضاة ما أمضيناه بخلاف ما لو وقع حكم داود عليه السلام في شرعنا فإننا نمضيه لأن قيمة الزرع يجوز أن يؤخذ فيها غنم لأن صاحبها مفلس مثلا أو غير ذلك وحينئذ فيلزم أحد الأمرين إما أن تكون شريعتنا أتم في المصالح وأكمل الشرائع أو يكون داود عليه السلام فهم دون سليمان عليه السلام وهو خلاف ظاهر الآية إلا أنا إذا قلنا أن اختلاف المصالح في الأزمنة كما اقتضى اعتباره حسن النسخ كذلك يقتضيه هاهنا فيندفع الإشكال وذلك أن المصلحة التي أشار إليها سليمان عليه السلام يجوز أن تكون أتم باعتبار ذلك الزمان بأن تكون مصلحة زمانهم كانت تقتضي أن لا يخرج عين مال الإنسان من يده إما لقلة الأعيان وإما لعدم ضرر الحاجة أو لعدم الزكاة للفقراء بأن تقدم للنار التي تأكل القربان أو لغير ذلك وتكون المصلحة الأخرى باعتبار زماننا أتم فيتغير الحكم بتغير المصلحة
التنبيه الثاني المراد بالشهادة في قوله تعالى وكنا لحكمهم شاهدين العلم لا بمعنى المكافأة كقوله تعالى قد يعلم ما أنتم عليه قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا ونحوه لأن السياق ليس سياق تهديد أو ترغيب حتى يكون المراد ذلك بل بمعناه وفائدة ذكره لا التمدح به لأنه تعالى لا يتمدح بالعلم الجزئي بل الفائدة التمدح بأحكام التصرف في ملكه وضبطه وذلك أن هذه
333
333
يضمن وعن الثالث أنه قياس مخالف للآية لأنه بالليل مفرط بالنهار ليس بمفرط والجواب عن تلك النقوض أن أحدا منهم ليس من أهل الضمان وهاهنا أمكن التضمين
سؤال قوله تعالى ففهمناها سليمان يقتضي أن حكمه كان أقرب للصواب مع أن حكم داود عليه السلام لو وقع في شرعنا أمضيناه لأن قيمة الزرع يجوز أن يؤخذ فيها غنم لأن صاحبها مفلس مثلا أو غير ذلك وأما حكم سليمان عليه السلام لو وقع في شرعنا من بعض القضاة ما أمضيناه لأنه إيجاب لقيمة مؤجلة ولا يلزم ذلك صاحب الحرث لأن الأصل في القيم الحلول إذا وجبت في الإتلافات ولأنه إحالة على أعيان لا يجوز بيعا وما لا يباع لا يعارض به في القيم فيلزم أحد الأمرين إما أن تكون شريعتنا أتم في المصالح وأكمل الشرائع أو يكون داود عليه السلام فهم دون سليمان عليه السلام وظاهر الآية خلافه وهو موضع مشكل يحتاج للكشف والنظر حتى يفهم المعنى فيه
ووجه الجواب أن المصلحة التي أشار إليها سليمان عليه السلام يجوز أن تكون أتم باعتبار ذلك الزمان بأن تكون مصلحة زمانهم كانت تقتضي أن لا يخرج عين مال الإنسان من يده إما لقلة الأعيان وإما لعدم ضرر الحاجة أو لعظم الزكاة للفقراء بأن تقدم للنار التي تأكل القربان أو لغير ذلك وتكون المصلحة الأخرى باعتبار زماننا أتم فيتغير الحكم كما أن النسخ حسن باعتبار اختلاف المصالح في الأزمنة فقاعدة النسخ تشهد لهذا الجواب
سؤال في قوله تعالى وكنا لحكمهم شاهدين المراد بالشهادة هاهنا العلم فما فائدة ذكره والتمدح به هاهنا بعيد فإن الله تعالى لا يمتدح بالعلم الجزئي وليس السياق سياق تهديد أو ترغيب حتى يكون المراد المكافأة كقوله تعالى قد يعلم ما أنتم عليه قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا ونحوه جوابه أن هذه القصص إنما وردت لتقرير أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى في صدر السورة حكاية عن الكفار هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون فبسط الله سبحانه القول في هذه القصص ليبين الله تعالى أنه ليس بدعاء من
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
القصص إنما وردت لتقرير أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى في صدر السورة حكاية عن الكفار هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون فبسط الله سبحانه القول في هذه القصص ليبين الله تعالى به ليس بدعاء من الرسل وأنه يفضل من شاء من البشر وغيره ولا يخرج شيء عن حكمه ولا يفعل ذلك غفلة بل عن علم وكذلك فهم سليمان دون داود عليهما السلام لم يكن غفلة بل نحن عالمون فهو إشارة إلى ضبط التصرف وإحكامه فكما أن الملك العظيم إذا قال عرضت عن زيد وأنا أعلم بحضوره لم يكن مقصوده التمدح بأعلم بل بإحكام التصرف في ملكه
334
334
الرسل وأنه يفضل من شاء من البشر وغيره ولا يخرج شيء عن حكمه ولا يفعل ذلك غفلة بل عن علم ولذلك فهم سليمان دون داود عليهما السلام لم يكن عن غفلة بل نحن عالمون فهو إشارة إلى ضبط التصرف وإحكامه إلى غير ذلك كما يقول الملك العظيم أعرضت عن زيد وأنا عالم بحضوره وليس مقصوده التمدح بالعلم بل بإحكام التصرف في ملكه فكذلك هاهنا
الفرق الثامن والأربعون والمائتان بين قاعدة ما خرج عن المساواة والمماثلة في القصاص وبين قاعدة ما بقي على المساواة
اعلم أن القصاص أصله من القص الذي هو المساواة لأن من قص شيئا من شيء بقي بينهما سواء من الجانبين فهو شرط إلا أن يؤدي إلى تعطيل القصاص قطعا أو غالبا وله مثل أحدها التساوي في أجزاء الأعضاء وسمك اللحم في الجاني لو اشترط لما حصل إلا نادرا بخلاف الجراحات في الجسد وثانيهما التساوي في منافع الأعضاء وثالثها العقول ورابعها الحواس وخامسها قتل الجماعة بالواحد وقطع الأيدي باليد لو اشترطت الواحدة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
كذلك ههنا هذا تهذيب ما في الأصل وصححه ابن الشاط مع زيادة من البداية والتبصرة والله أعلم
الفرق الثامن والأربعون والمائتان بين قاعدة ما خرج عن المساواة والمماثلة في القصاص وبين قاعدة ما بقي على المساواة
وهو أن ما خرج القصاص عن المساواة والمماثلة فيه هو ما يؤدي اشتراط المساواة فيه إلى تعطيل القصاص قطعا أو غالبا وله مثل أحدها أجزاء الأعضاء وسمك اللحم في الجاني إذ لو اشترط التساوي فيها لما حصل القصاص إلا نادرا وثانيها منافع الأعضاء وثالثها العقول ورابعها قلت إذ لو اشترط التساوي في هذه الثلاثة لما حصل القصاص أصلا أو لما حصل إلا نادرا وخامسها قتل الجماعة بالواحد وقطع الأيدي باليد الواحدة إذ لو اشترطت الواحدة لتساوي الأعداء ببعضهم وسقط القصاص وسادسها الحياة اليسيرة كالشيخ الكبير مع الشاب ومنفوذ المقاتل على الخلاف وسابعها تفاوت الصنائع والمهارة فيها
قلت إذ لو اشترط التساوي في هذين لما حصل القصاص أصلا أو لما حصل إلا نادرا وما بقي القصاص فيه على المساواة والمماثلة هو ما لا يؤدي اشتراط المساواة فيه إلى ذلك كالجراحات في الجسد فيجري على الأصل في القصاص فإن أصله من القص الذي هو المساواة لأن من قص شيئا من شيء بقي بينهما سواء من الجانبين فمن ثم قال السيد الجرجاني في تعريفاته القصاص هو أن يفعل بالفاعل مثل ما فعل ا ه
وهاهنا ثلاث مسائل
المسألة الأولى في قتل الجماعة بالواحد أربعة أقوال للعلماء القول الأول لمالك والشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهم قتلهم به إذا قتلوه عمدا أو تعاونوا على قتله بالحرابة وغيرها حتى يقتل الناظور
وعمدتهم أمور الأول إجماع الصحابة على قتل عمر سبعة من أهل صنعاء برجل واحد وقال لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به وقتل علي ثلاثة
335
335
لتساوي الأعداد ببعضهم وسقط القصاص السادس الحياة اليسيرة كالشيخ الكبير مع الشاب ومنفوذ المقاتل على الخلاف السابع تفاوت الصنائع والمهارة فيها
وهاهنا ثلاث مسائل
المسألة الأولى
قتل الجماعة بالواحد إذا قتلوه عمدا وتعاونوا على قتله بالحرابة أو غيرها حتى يقتل عندنا الناظور ووافقنا الشافعي وأبو حنيفة ومشهور أحمد بن حنبل في قتل الجماعة بالواحد من حيث الجملة وعن أحمد وجماعة من التابعين والصحابة أن عليهم الدية وعن الزهري وجماعة أنه يقتل منهم واحد وعلى الباقي حصصهم من الدية لأن كل واحد مكافئ له فلا يستوي إبدال في مبدل منه واحد كما لا تجب ديات ولقوله تعالى الحر بالحر ولقوله تعالى النفس بالنفس ولأن تفاوت الأوصاف يمنع كالحر والعبد فالعدد أولى بالمنع لنا إجماع الصحابة على قتل عمر سبعة من أهل صنعاء برجل واحد وقال لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به وقتل علي ثلاثة وهو كثير ولم يعرف لهم مخالف في ذلك الوقت ولأنها عقوبة كحد القذف وتفارق
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وهو كثير ولم يعرف مخالف في ذلك الوقت الثاني أنها عقوبة تجب للواحد على الجماعة كما تجب له على الواحد كحد القذف وتفارق الدية فإنها تتبعض دون القصاص والثالث أن الشركة لو أسقطت القصاص كان ذلك ذريعة للقتل القول الثاني وهو مشهور أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه قتلهم به من حيث الجملة ففي الإقناع وتقتل الجماعة بالواحد إذا كان فعل كل واحد منهم صالحا للقتل به وإلا فلا ما لم يتواطئوا على ذلك أي الفعل ليقتلوه به فعليهم القصاص لئلا يتخذ ذريعة إلى درء القصاص ولأنه لو لم يشرع في الجماعة بالواحد لبطلت حكمة مشروعيته التي في قوله تعالى ولكم في القصاص حياة بزيادة من كشاف قناعه
القول الثالث لأحمد وجماعة من الصحابة والتابعين أن عليهم الدية القول الرابع للزهري وجماعة يقتل واحد منهم وعلى الباقي حصصهم من الدية لأن كل واحد مكافئ له فلا يستوي إبدال في مبدل منه واحد كما لا تجب ديات ولقوله تعالى الحر بالحر ولقوله تعالى النفس بالنفس ولأن تفاوت الأوصاف يمنع كالحر والعبد فالعدد أولى بالمنع
المسألة الثانية
في قتل مسلم بذمي قولان للأئمة القول الأول لمالك والشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنهم لا يقتل به لما في البخاري لا يقتل مسلم بكافر القول الثاني لأبي حنيفة يقتل به لعموم قوله تعالى ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا وهذا قتل مظلوما فيكون لوليه سلطان وعموم قوله تعالى النفس بالنفس وكذا سائر العمومات والجواب أن ما ذكرنا خاص فيقدم على العمومات على ما تقرر في أصول الفقه
المسألة الثالثة في قتل ممسك المقتول للقاتل مع القاتل أو لا بل القاتل وحده قولان للأئمة الأربعة الأول لمالك رحمه الله تعالى للعمومات المتقدمة ولقول عمر المتقدم وللقياس على الممسك للصيد المحرم فإن عليه الجزاء وعلى المكره قلت وبهذا قال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ففي الإقناع وكشاف قناعه وإن أكره مكلف مكلفا على قتل معين فقتله فالقصاص عليهما لأن المكره تسبب إلى قتله بما يفضي إليه غالبا
336
336
الدية فإنها تتبعض دون القصاص لأن الشركة لو أسقطت القصاص كان ذلك ذريعة للقتل
المسألة الثانية
وافقنا الشافعي وأحمد بن حنبل في أنه لا يقتل مسلم بذمي وقال أبو حنيفة يقتل المسلم بالذمي لنا ما في البخاري لا يقتل مسلم بكافر احتجوا بوجوه الأول قوله تعالى ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا وهذا قتل مظلوما فيكون لوليه سلطان الثاني قوله تعالى النفس بالنفس وسائر العمومات والجواب عن الأول وما بعده أن ما ذكرنا خاص فيقدم على العمومات على ما تقرر في أصول الفقه
المسألة الثالثة خالفنا الشافعي وأبو حنيفة في قتل الممسك وقالا يقتل القاتل وحده
لنا العمومات المتقدمة وقول عمر المتقدم وقياسا على الممسك للصيد المحرم فإن عليه الجزاء وعلى المكره
الفرق التاسع والأربعون والمائتان بين قاعدة العين وقاعدة كل اثنين من الجسد فيهما دية واحدة كالأذنين ونحوهما
أنه إذا ذهب سمع أحد أذنيه بضربة رجل ثم أذهب سمع الأخرى فعليه نصف الدية وفي عين الأعور الدية كاملة ووافقنا أحمد بن حنبل وقال الشافعي وأبو حنيفة نصف الدية
لنا وجوه الأول أن عمر وعثمان وعليا وابن عمر قضوا بذلك من غير مخالف فكان ذلك إجماعا
الثاني أن العين الذاهبة يرجع ضوءها للباقية لأن مجراها في النور الذي
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وفيهما أيضا وإن أكره سعد زيدا على أن يكره عمرا على قتل بكر فقتله قتل الثلاثة جزم به في الرعاية الكبرى ومعناه في المنتهى المباشر لمباشرته القتل ظلما والآخران لتسببهما إلى القتل لما يفضي إليه غالبا
ا ه المراد فافهم
والثاني للشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله تعالى هذا تهذيب ما في الأصل وصححه ابن الشاط مع زيادة والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق التاسع والأربعون والمائتان بين قاعدة العينين وقاعدة كل اثنين من الجسد كالأذنين ونحوهما
من حيث إن في عين الأعور الدية كاملة عندنا وعند أحمد بن حنبل وإن أخذ في الأولى نصف الدية وأما إذا أذهب رجل بضربة سمع الأذن الأخرى ممن لم يسمع بأحد أذنيه مثلا فإنه لا يجب عليه إلا نصف الدية وقال الشافعي وأبو حنيفة لا فرق بين عين الأعور ونحو أذن من لم يسمع بأحد أذنيه في أنه لا يجب في كل منهما إلا نصف الدية
لنا أن عمر وعثمان وعليا وابن عمر قضوا بذلك من غير مخالف فكان ذلك إجماعا ووجه الفرق أن العين الذاهبة يرجع ضوءها للباقية لأن مجراهما في النور الذي يحصل به الإبصار واحد كما شهد به علم التسريج
337
337
يحصل به الإبصار واحد كما شهد به علم التشريح ولذلك أن الصحيح إذا غمض إحدى عينيه اتسع ثقب الأخرى بسبب ما اندفع لها من الأخرى وقوي إبصارها ولا يوجد ذلك في إحدى الأذنين إذا سدت الأخرى أو إحدى اليدين إذا ذهبت الأخرى أو قطعت وكذلك جميع أعضاء الجسد إلا العين لما تقدم من اتحاد المجرى فكانت العين الباقية في معنى العينين فوجب فيها دية كاملة
احتجوا بوجوه الأول قوله عليه السلام في العين خمسون من الإبل
الثاني قوله عليه السلام
في العينين الدية وهو يقتضي أنه لا تجب عليه دية إلا إذا قلع عينين وهذا لم يقلع عينين
الثالث أن ما ضمن بنصف الدية ومعه نظيره ضمن بنصفها منفردا كالأذن واليد
الرابع أنه لو صح القول بانتقال النور الباصر لم يجب على الأول نصف الدية لأنه لم يذهب نصف المنفعة والجواب عن الأول والثاني أنه محمول على العين غير العوراء لأنهما عمومان مطلقان في الأحوال فيقيدان بما ذكرناه من الأدلة وعن الثالث الفرق بانتقال قوة العين الأولى بخلاف الأذن واليد ولو انتقل التزمناه وعن الرابع لا يلزم
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
ولذلك فإن الصحيح إذا غمض إحدى عينيه اتسع ثقب الأخرى بسبب ما اندفع لها من الأخرى وقوي إبصارها ولا يوجد ذلك في إحدى الأذنين إذا سدت الأخرى أو إحدى اليدين إذا ذهبت الأخرى أو قطعت وكذلك جميع أعضاء الجسد إلا العين لما تقدر من اتحاد المجرى فكانت العين الباقية في معنى العينين فوجب فيها دية كاملة وأما احتجاجهم بقوله عليه السلام في العين خمسون من الإبل وبقوله عليه السلام في العينين الدية فجوابه حمل الحديثين على العين غير العوراء لأنهما عمومان مطلقان في الأحوال فيقيدان بما ذكرناه من الأدلة وأما احتجاجهم بأن ما ضمن بنصف الدية ومعه نظيره ضمن بنصفها منفردا كالأذن واليد فجوابه الفرق المتقدم بانتقال قوة العين الأولى بخلاف الأذن واليد ولو انتقلت القوة فيهما أيضا التزمناه وأما احتجاجهم بأنه لو صح القول بانتقال النور الباصر لم يجب على الأول نصف الدية لأنه لم يذهب نصف المنفعة فجوابه أنه لا يلزم اطراح الأول إذ لو جنى عليها فاحولتا أو عمشتا أو نقص ضوءهما فإنه يجب عليه العقل لما نقص ولا تنقص الدية عمن جنى ثانيا على قول عندنا وهذا السؤال قوي علينا وكان يلزمنا أن نقلع بعين الأعور عينين اثنين من الجاني
تفريع
قال ابن أبي زيد في النوادر فيها أي في عين الأعور ألف وإن أخذ في الأولى ديتها قاله مالك وأصحابه وقال أشهب يسأل عن السمع فإن كان ينتقل فكالعينين وإلا فكاليد وإن أصيب من كل نصف بصرها ثم أصيب باقيهما في ضربة فنصف الدية لأنه ينظر بهما نصف نظرهما فإن أصيب باقي إحداهما فربع الدية فإن أصيب بعد ذلك بقية الأخرى فنصف الدية لأنه أقيم مقام نصف جميع بصره فإن أخذ صحيح نصف دية إحداهما ثم أصيب بنصف الصحيحة فثلث الدية لأنه أذهب من جميع بقية بصره ثلثه وإن أصيب ببقية المصابة فقط فربع الدية فإن ذهب باقيها
338
338
إطراح الأول إذ لو جنى عليهما فاحولتا أو عمشتا أو نقص ضوءها فإنه يجب عليه العقل لما نقص ولا تنقص الدية عمن جنى ثانيا على قول عندنا وهذا السوال قوي علينا وكان يلزمنا أن نقلع بعينيه عينين اثنين من الجاني
تفريع
قال ابن أبي زيد في النوادر فيها ألف وإن أخذ في الأولى ديتها قاله مالك وأصحابه وقال أشهب يسأل عن السمع فإن كان ينتقل فكالعينين وإلا فكاليد وإن أصيب من كل عين نصف بصرها ثم أصيب باقيهما في ضربة فنصف الدية لأنه ينظر بهما نصف نظرهما فإن أصيب باقي إحداهما فربع الدية فإن أصيب بعد ذلك بقية الأخرى فنصف الدية لأنه أقيم مقام نصف جميع بصره فإن أخذ صحيح نصف دية أحدهما ثم أصيب بنصف الصحيحة فثلث الدية لأنه أذهب من جميع بقية بصره ثلثه وإن أصيب ببقية المصابة فقط فربع الدية فإن ذهب باقيها والصحيحة بضربة فالدية كاملة أو الصحيحة وحدها فثلثا الدية لأنها ثلثا بصره فإن أصيب بقية المصابة فنصف الدية بخلاف لو أصيبت والصحيحة باقية قاله أشهب وقال ابن القاسم ليس فيما يصاب من الصحيحة إذا بقي من الأولى شيء إلا من حساب نصف الدية
الفرق الخمسون والمائتان بين قاعدة أسباب التوارث وأجزاء أسبابها العامة والخاصة اعلم أن هذا الفرق غريب عجيب نادر بسبب أن كتب الفرائض على العموم فيما رأيت لم يختلف منهم اثنان في أن أسباب التوارث ثلاثة نسب وولاء ونكاح وهو في غاية
هامش أنوار البروق
قال
الفرق الخمسون والمائتان بين قاعدة أسباب التوارث وأجزاء أسبابها العامة والخاصة
اعلم أن هذا الفرق غريب عجيب نادر بسبب أن كتب الفرائض على العموم فيما رأيت لم يختلف منهم اثنان في أن أسباب التوارث ثلاثة نسب وولاء ونكاح وهو في غاية الإشكال لأن المراد بالثلاثة
هامش إدرار الشروق
والصحيحة بضربة فالدية كاملة أو الصحيحة وحدها فثلثا الدية لأنها ثلثا بصره فإن أصيب بقية المصابة فنصف الدية بخلاف لو أصيبت والصحيحة باقية قاله أشهب وقال ابن القاسم ليس فيما يصاب من الصحيحة إذا بقي من الأولى شيء إلا من حساب نصف الدية ا ه
الفرق الخمسون والمائتان بين قاعدة أسباب التوارث وأجزاء أسبابها العامة والخاصة
وهو أن أسباب التوارث التامة هي عبارة عن ماهية كل من القرابة والولاء والنكاح بشرط شيء أعني خصوص كون القرابة بنوة مثلا وخصوص كون الولاء علويا وخصوص كون النكاح زوجة أو زوجا وأجزاؤها العامة هي عبارة عن ماهية كل من الثلاثة المذكورة بشرط لا شيء أعني مطلق القرابة من حيث
339
339
الإشكال لأن المراد بالثلاثة إما الأسباب التامة وإما أجزاء الأسباب والكل غير مستقيم وبيانه أنهم يجعلون أحد الأسباب القرابة والأم لم ترث الثلث في حالة والسدس في أخرى بمطلق القرابة وإلا لكان ذلك ثابتا للابن أو البنت لوجود مطلق القرابة فيهما بل بخصوص كونها أما مع مطلق القرابة وكذلك البنت ترث النصف ليس بمطلق القرابة وإلا لثبت ذلك للجد أو الأخت للأم بل لخصوص كونها بنتا مع مطلق القرابة فحينئذ لكل واحد من الورثة سبب تام يخصه مركب من جزأين من خصوص كونها بنتا أو غيره وعموم القرابة وكذلك للزوج النصف ليس لمطلق النكاح وإلا لكان للزوجة النصف لوجود مطلق النكاح فيها بل لخصوص كونه زوجا مع عموم النكاح كما تقدم فسببه مركب وكذلك الزوجة إذا ظهر هذا فإن أرادوا حصر الأسباب التامة في ثلاثة فهي أكثر من عشرة بالإجماع لما تقدم أو الناقصة التي هي أجزاء أسباب فالخصوصات كما رأيت
هامش أنوار البروق
إما الأسباب التامة أو أجزاء الأسباب والكل غير مستقيم وبيانه أنهم يجعلون أحد الأسباب القرابة والأم لم ترث الثلث في حالة والسدس في أخرى بمطلق القرابة وإلا لكان ذلك ثابتا للابن أو البنت لوجود مطلق القرابة فيهما قلت هذا الفرق ليس بغريب ولا عجيب كما زعم وما توهمه من الإشكال في كلام الفرضيين ليس كما توهم وبيان ذلك أنهم بين أمرين أحدهما تعبيرهم عن تلك الأسباب بلفظ التنكير وثانيهما التعبير عنها بلفظ التعريف فمن عبر منهم بلفظ التنكير لم يرد كل نسب ولا كل نكاح ولا كل ولاء بل أراد نسبا خاصا وولاء خاصا ونكاحا خاصا ولا نكر في التعبير بلفظ النكرة عن
هامش إدرار الشروق
هي مطلق القرابة ومطلق الولاء من حيث هو مطلق الولاء ومطلق النكاح من حيث هو مطلق النكاح وأجزاؤها الخاصة هي عبارة عن ماهية كل من الثلاثة المذكورة لا بشرط شيء أي من إطلاق أو خصوص وهي المشتركات أعني قرابة ما وولاء ما ونكاحا ما وهذه أخص من الأجزاء العامة وأعم من التامة وهي مراد الفرضيين بقولهم إن أسباب التوارث ثلاثة نسب وولاء ونكاح قال ابن الشاط وما توهمه الشهاب من الإشكال في كلامهم هذا ليس كما توهم وبيان ذلك أنهم بين أمرين أحدهما تعبيرهم عن الأسباب بلفظ التنكير وثانيهما التعبير عنها بلفظ التعريف فمن عبر منهم بلفظ التنكير لم يرد كل نسب ولا كل ولاء ولا كل نكاح بل أراد نسبا خاصا وولاء خاصا ونكاحا خاصا ولا نكر في التعبير بلفظ النكرة عن مخصوص فإن اللفظ عليه صادق وله صالح ومن عبر منهم بلفظ التعريف لم يرد أيضا كل نسب ولا كل ولاء ولا كل نكاح بل أراد ما أراده الأول وأحال الأول في تقييد ذلك المطلق على تعيين أصناف الوارثين والوارثات وأحال الثاني في بيان المعهود بالألف واللام على ما أحال عليه الأول وذلك أن أسباب التوارث التامة إجمالا سبعة عشر وتفصيلا ثمانية وعشرون لأن ذكور من ثبت له الميراث عشرة ويتفرعون إلى ثمانية عشر وإناث من ثبت له الميراث سبع ويتفرعن أيضا إلى عشرة نعم ذهب الحنفية إلى توريث ذوي الأرحام وأجزاء الأسباب العامة كلية لا تحقق لها إلا في الذهن قطعا فلا أقسام لها بخصوصها
340
340
كثيرة فلا يستقيم الحصر مطلقا لا في التام ولا في الناقص فتنبه لهذا المعنى فهو حسن لم أر أحدا تعرض له ولا لخصه وحينئذ أقول إن أسباب القرابة وإن كثرت فنحن لا نريدها ولا نريد التامة التي هي الخصوصات بل الناقصة التي هي المشتركات وهي مطلق القرابة ومطلق النكاح ومطلق الولاء والدليل على حصر غير التامة في هذه الثلاث أن الأمر العام بين جميع الأسباب التامة إما أن يمكن إبطاله أو لا فإن أمكن فهو النكاح لأنه يبطل بالطلاق وإن لم يمكن إبطاله فإما أن يقتضي التوارث من الجانبين غالبا أو لا فإن اقتضى التوارث من الجانبين غالبا فهو القرابة وإن لم يقتضه إلا من أحد الجانبين فهو الولاء لأنه يرث المولى الأعلى الأسفل ولا يرث الأسفل الأعلى وقولنا غالبا احتراز من العمة ونحوها فإنه يرثها ابن أخيها ولا ترثه
هامش أنوار البروق
مخصوص فإن اللفظ عليه صادق وله صالح ومن عبر منهم بلفظ التعريف لم يرد أيضا كل نسب ولا كل نكاح ولا كل ولاء بل أراد ما أراده الأول وأحال الأول في تقييد ذلك المطلق على تعيين أصناف الوارثين والوارثات وأحال الثاني في بيان المعهود بالألف واللام على ما أحاله عليه الأول والله أعلم قال بل بخصوص كونها أما مع مطلق القرابة وكذلك البنت ترث النصف ليس بمطلق القرابة وإلا لثبت ذلك للجد أو للأخت للأم بل لخصوص كونها بنتا مع مطلق القرابة فحينئذ لكل واحد من الورثة سبب تام يخصه مركب من جزأين من خصوص كونها بنتا أو غيره وعموم القرابة وكذلك للزوج النصف ليس لمطلق النكاح وإلا لكان للزوجة النصف لوجود مطلق النكاح فيها بل لخصوص كونه زوجا مع عموم النكاح كما تقدم فسببه مركب وكذلك الزوجة
هامش إدرار الشروق
فإنما أقسامها ما تحتها من الأسباب التامة وأجزاؤها الخاصة وأقسامهما فافهم قال الأصل والدليل على حصر الأسباب غير التامة في هذه الثلاث أن الأمر العام بين جميع الأسباب إما أن يمكن إبطاله أو لا فإن أمكن إبطاله فهو النكاح لأنه يبطل بالطلاق وإن لم يمكن إبطاله فإما أن يقتضي التوارث من الجانبين غالبا أو لا فإن اقتضى التوارث من الجانبين غالبا فهو القرابة والاحتراز ب غالبا من العمة ونحوها فإنه يرثها ابن أخيها ولا ترثه وإن لم يقتضه إلا من أحد الجانبين فهو الولاء لأنه يرث المولى الأعلى الأسفل ولا يرث الأسفل الأعلى
ا ه
قال ابن الشاط وما ذكره وإن كان مفيدا للحصر ليس بسديد فإن ما ذكره في النكاح من كونه يمكن إبطاله أجنبي عن كون النكاح سبب الميراث لأنه إنما يكون سببا النكاح الذي لم يلحقه إبطال أما اللاحق به الإبطال فلا يصح أن يكون سببا وما ثبتت سببيته لم ترفع لاستحالة رفع الواقع وما ذكره في القرابة أمر ثان عن كون سبب الإرث ليس مطلق القرابة لأن السببية ثابتة عنه مع عدم اطراده وما ذكر في الولاء وكذلك أمر ثان عن كون سببيته ليست مطلقة والأولى أن يقال إنهم ما حصروها في ثلاثة إلا لكونها أمورا مختلفة ثم لم يوجد سبب الميراث سواها ثم إنها ليست أسبابا على الإطلاق بل مقيدة بتعيين من يرث
ا ه
بل قال ابن عاصم
341
341
فارغة
هامش أنوار البروق
قلت إذا كان سبب الإرث الخاص الوصف الخاص فلا معنى لذكر الوصف العام معه فقوله مع مطلق القرابة لا حاجة إليه فمن المعلوم أن الوصف العام صادق على الخاص لكنه ليس العام سببا من حيث عمومه بل من حيث اشتمل على الخاص والخاص سبب فإذا قال قائل ما سبب وراثة البنت النصف قيل كونها بنتا وهو جواب مستقيم صادق وإن قيل كونها قريبة لم يكن جوابا مستقيما ولا صحيحا وإذا قيل ما سبب وراثة البنت فقيل كونها بنتا كان جوابا مستقيما وصحيحا أيضا وإن قيل كونها قريبة لم يصح أيضا لأن القرابة ليست مختصة بالبنت فالصحيح أن سبب ميراث البنت النصف كونها بنتا على الخصوص وكذلك سبب ميراث كل صنف من أصناف الوارثين والوارثات أسباب ميراثهم خاصة لا عامة وما قاله من أن السبب مركب لا معنى له عند النظر إلى خصوص الميراث كالنصف وشبهه ولا عند النظر إلى عموم الميراث أيضا لأنه جعل العموم مطلق القرابة وليس مطلق القرابة سببا لمطلق الميراث عندنا نعم هو سبب عند الحنفية قال إذا ظهر هذا فإن أرادوا حصر الأسباب التامة في ثلاثة فهي أكثر من عشرة بالإجماع لما تقدم أو الناقصة التي هي أجزاء الأسباب فالخصوصات كما رأيت كثيرة فلا يستقيم الحصر مطلقا لا في التام ولا في الناقص قلت قوله هي أكثر من عشرة إن أراد بذلك ما يخص كل صنف من الوارثين والوارثات على ما جرت به عادة أكثر الفرضيين في عدهم أصناف الوارثين عشرة وأصناف الوارثات سبعة فذلك صحيح وإن أراد بذلك ما يخص كل صنف على ما هو الأولى في ذلك فليس قوله ذلك بصحيح فإنها أكثر من عشرين لا أكثر من عشرة وقوله بالإجماع ليس بصحيح وأي إجماع في ذلك مع توريث الحنفية ذوي الأرحام وقوله أو الناقصة التي هي أجزاء الأسباب فالخصوصات كما رأيت كثيرة إن أراد بالخصوصات مطلق القرابة التي كل خصوص منها أعم من الخصوص الذي تحته من الخصوصات التي عدها الفرضيون فذلك صحيح وإلا فلا أدري ما أراد قال فتنبه لهذا المعنى فهو حسن لم أر أحدا تعرض له ولا لخصه وحينئذ أقول إن أسباب القرابة وإن كثرت فنحن لا نريدها ولا نريد التامة التي هي الخصوصات بل الناقصة التي هي المشتركات وهي مطلق القرابة ومطلق النكاح ومطلق الولاء قلت هذا الكلام الذي ذكره هنا مناقض في ظاهره لقوله إن أسباب القرابة وإن كثرت فنحن لا نريدها لكنه إنما أراد لا نريد مطلق القرابة من حيث هي القرابة لا خصوص كون القرابة بنوة مثلا ولكن نريد ما هو أخص من الأول وأعم من الثاني وهو قرابة ماء ونكاح ماء وولاء ماء ثم بين ذلك بما قرره ضابطا بعد هذا قال والدليل على حصر غير التامة في هذه الثلاثة أن الأمر العام بين جميع
هامش إدرار الشروق
جميعها أركانه ثلاثه مال ومقدار وذو الوراثه قال التسولي أي لا يصح الإرث بالعصمة أو الولاء أو النسب إلا باجتماع هذه الأركان الثلاثة أي معرفة مال متروك عن الميت ومقدار ما يرثه كل وارث ومن يرث ممن لا يرث ومهما اختل واحد منها لم يصح
ا ه
342
342
الفرق الحادي والخمسون والمائتان بين قاعدة أسباب التوارث وقاعدة شروطه وموانعه
لم أر أحدا من الفرضيين يذكر إلا أسباب التوارث وموانعه ولا يذكر أحد منهم شروطه قط وله شروط قطعا كسائر أبواب الفقه فإن كانوا قد تركوها لأنها معلومة فأسباب
هامش أنوار البروق
الأسباب التامة إما أن يمكن إبطاله أو لا فإن أمكن فهو النكاح لأنه يبطل بالطلاق وإن لم يمكن إبطاله فإما أن يقتضي التوارث من الجانبين غالبا وهو القرابة أو لا يقتضي إلا من أحد الجانبين وهو الولاء لأنه يرث المولى الأعلى الأسفل ولا يرث الأسفل الأعلى وقولنا غالبا احتراز من العمة ونحوها فإنه يرثها ابن أخيها ولا ترثه قلت ما ذكره من سبب الحصر للأسباب الثلاثة في ثلاثة وإن كان مفيدا للحصر ليس بسديد فإن ما ذكره في النكاح وهو كونه يمكن إبطاله أجنبي عن كون النكاح سبب الميراث فإنه لا يصح أن يكون النكاح اللاحق به الإبطال سببا وإنما يكون سببا النكاح الذي لم يلحقه إبطال فإذا ثبتت سببيته لم ترتفع لاستحالة رفع الواقع وما ذكره في القرابة أمر ثان عن كون سبب الإرث ليس مطلق القرابة لأن السببية ثابتة عنه مع عدم اطراده وما ذكره في الولاء كذلك أمر ثان عن كون سببيته ليست مطلقة والأولى أن يقال إنهم ما حصروها في ثلاثة إلا لكونها أمورا مختلفة ثم لم يوجد سبب الميراث سواها ثم إنها ليست أسبابا على الإطلاق بل مقيدة بتعيين من يرث بها قال
الفرق الحادي والخمسون والمائتان بين قاعدة أسباب التوارث وقاعدة شروطه وموانعه
قلت ما قاله في صدر هذا الفرق صحيح ثم قال وها أنا أذكرها على هذا الضابط فأقول شروط التوارث ثلاثة كالأسباب تقدم موت الموروث على الوارث واستقرار حياة الوارث بعده كالجنين
هامش إدرار الشروق
قال التاودي على العاصمية وبقي عليه أسباب الملك والإسلام خليل ولسيد المعتق بعضه جميع إرثه وفي الزرقاني أن تسميته إرثا مجاز وإنما هو بالملك والظاهر أن الثاني لا يرد بحال لأنه هو الذي عبر عنه الناظم بقوله وبيت مال المسلمين يستقل البيت
ا ه
والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الحادي والخمسون والمائتان بين قاعدة أسباب التوارث وقاعدة شروطه وموانعه
وهو أن أسباب التوارث هي الثلاثة المتقدمة أعني القرابة والولاء والنكاح بالمعنى المتقدم بيانه لما تقدم أول الكتاب في الفروق أن ضابط السبب ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه ولو شكا العدم وهذه الحقيقة قد وجدت في هذه الثلاثة الأسباب وأما موانعه
343
343
التوارث معلومة أيضا فالصواب استيعاب الثلاثة كسائر أبواب الفقه وإن قالوا لا شروط للتوارث بل أسباب وموانع فقط فضوابط الأسباب والشروط والموانع تمنع من ذلك وقد قال الفضلاء إذا اختلفتم في الحقائق فحكموا الحدود وقد تقدم أول الكتاب في الفروق أن السبب يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم والشرط يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم والمانع ما يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم فبهذه الحدود والضوابط يظهر أن للتوارث شروطا وها أنا أذكرها على هذا الضابط فأقول شروط التوارث ثلاثة كالأسباب تقدم موت الموروث على الوارث واستقرار حياة الوارث بعده كالجنين والعلم بالقرب والدرجة التي اجتمعا فيها احترازا من موت رجل من مضر أو قريش لا يعلم له قريب فإن ميراثه لبيت المال مع أن كل قرشي
هامش أنوار البروق
قلت لا حاجة إلى ذكر الموروث وجعله شرطا وحياة الوارث بعده شرطا آخر ولا يصح أن يكون موت الموروث بنفسه قبل موت الوارث شرطا لامتناع توريث من يتعذر العلم فيهما بالتقدم والتأخر ولصحة التوريث بالتعمير في المفقود بل الصحيح أن شرط الإرث واحد وهو العلم أو الحكم بحياة الوارث بعد موت الموروث وبنسبته ورتبته منه قال والعلم بالقرب وبالدرجة التي اجتمعا فيها احترازا من موت رجل من مضر أو من قريش لا يعلم له قريب فإن ميراثه لبيت المال مع أن كل قرشي ابن عمه ولا ميراث لبيت المال مع ابن عم لكنه فات شرطه الذي هو العلم بدرجته منه فما من قرشي إلا لعل غيره أقرب منه قلت ما قاله في ذلك صحيح غير أنه نقصه الحكم بالقرب والدرجة إذا لم يكن ذلك معلوما ولكنه ثبت نسبه عند الحاكم قال فهذه شروط لا يؤثر وجودها إلا في نهوض الأسباب لترتب مسبباتها عليها يلزم من عدمها العدم ولا يلزم من وجودها من حيث هو وجود ولا عدم بل الوجود إن وقع فهو لوجود الأسباب
هامش إدرار الشروق
فغالب الناس على أنها ثلاثة الكفر والقتل والرق وهو الصحيح لما تقدم أيضا من أن ضابط المانع ما يلزم من وجوده أي يقينا العدم ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم كما لا يلزم من الشك في وجوده العدم بل يترتب الثبوت بناء على السبب وهذه الحقيقة قد وجدت في هذه الثلاثة الموانع وأما ما زاده بعضهم على الثلاثة الموانع المذكورة من الشك في أهل السفينة والردم واللعان وجعل الموانع خمسة فلا يصح لأن الشك المذكور إنما منع من الميراث لأنه من فقدان الشرط وهو العلم أو الحكم بتقدم موت المورث وكذلك اللعان ليس بمانع بل هو سبب في فقدان السبب وهو النسب وقد قال الفضلاء إذا اختلفتم في الحقائق فحكموا الحدود
وقد حكمنا حد المانع المتقدم فلم نجده منطبقا على هذين كما علمت وأما شروطه فذكر الأصل أنها ثلاثة أيضا تقدم موت المورث على الوارث واستقرار حياة الوارث بعده كالجنين والعلم بالقرب والدرجة قال وهذه الثلاثة وإن لم يذكرها أحد من
344
344
ابن عمه ولا ميراث لبيت المال مع ابن عم لكنه فات شرطه الذي هو العلم بدرجته منه فما من قرشي إلا لعل غيره أقرب منه فهذه شروط لا يؤثر وجودها إلا في نهوض الأسباب لترتب مسبباتها عليها يلزم من عدمها العدم ولا يلزم من وجودها من حيث هو وجود ولا عدم بل الوجود إن وقع فهو لوجود الأسباب لا لها وإن وقع العدم عند وجودها فلعدم السبب أو لوجود المانع فهذه حقيقة الشرط قد وجدت في هذه الثلاثة فتكون شروطا وقد تقدم أيضا أول الكتاب أن الشرط إذا شك فيه يلزم من ذلك العدم وكذلك السبب ولا يلزم من الشك في المانع العدم بل يترتب الثبوت بناء على السبب وهذا أيضا يوضح لك شرطية هذه الثلاثة مع أنهم لم يذكروها في الأسباب التي ذكروها ولا في الموانع بل أهملت وذكرها متعين وقد تقدم ذكر الأسباب
هامش أنوار البروق
لا لها وإن وقع العدم عند وجودها فلعدم السبب أو لوجود المانع فهذه حقيقة الشرط قد وجدت في هذه الثلاثة فتكون شروطا قلت قد ثبت أنه شرط واحد وهو العلم بحياة الوارث بعد موت المورث وبقرابته ورتبته منه أو الحكم بذلك قال وقد تقدم أيضا أول الكتاب أن الشرط إذا شك فيه يلزم من ذلك العدم وكذلك السبب ولا يلزم من الشك في المانع العدم بل يترتب الثبوت بناء على السبب وهذا أيضا يوضح لك شرطية هذه الثلاثة مع أنهم لم يذكروها في الأسباب التي ذكروها ولا في الموانع بل أهملت وذكرها متعين قلت قد تبين أنها ليست ثلاثة بل شرط واحد فقط قال وقد تقدم ذكر الأسباب وأما الموانع فأقصى ما ذكر فيها أنها خمسة وغالب الناس على أنها ثلاثة الكفر والقتل والرق وزاد بعضهم الشك احترازا من أهل السفينة أو الردم فإنه لا ميراث بينهم واللعان فإنه يمنع من إرث الأب والإرث منه فقد ظهر الفرق بين القواعد الثلاثة وهو المقصود قلت لا يصح القول بأن الموانع خمسة بل هي ثلاثة فقط فإن الشك في أهل السفينة والردم إنما منع من الميراث لأنه من فقدان الشرط وهو العلم أو الحكم بتقدم موت الموروث وكذلك اللعان ليس بمانع بل هو سبب في فقدان السبب وهو النسب وليت شعري لم لم يحكم هنا الحدود كما ذكره قبل عن الفضلاء وجميع ما ذكره في الفرقين بعد هذا صحيح وكذلك ما قال في الفرق بعدهما وهو
هامش إدرار الشروق
الفرضيين في الأسباب التي ذكروها ولا في الموانع التي ذكروها بل أهملوها بالكلية ولم يذكر أحد منهم شروط التوارث قط مع أن له شروطا قطعا كسائر أبواب الفقه فإن كانوا قد تركوها لأنها معلومة ورد عليهم أن أسباب التوارث كذلك فالصواب استيعاب الثلاثة كسائر أبواب الفقه وإن قالوا لا شروط للتوارث بل أسباب وموانع فقط ورد عليهم أن هذه الثلاثة إنما يصدق عليها ضابط الشرط الذي تقدم أول الكتاب في الفروق من أنه ما يلزم من عدمه ولو شكا العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم فبتحكيم الحدود كما تقدم عن الفضلاء يظهر أن هذه الثلاثة شروط للتوارث لا أسباب ولا موانع وذلك لأن العلم بالقرب والدرجة أي التي اجتمعا فيها مثلا احتراز من موت رجل من مضر أو قريش لا يعلم
345
345
وأما الموانع فأقصى ما ذكر فيها أنها خمسة وغالب الناس على أنها ثلاثة الكفر والقتل والرق وزاد بعضهم الشك احترازا من أهل السفينة أو الردم فإنه لا ميراث بينهم واللعان فإنه يمنع من إرث الأب والإرث منه فقد ظهر الفرق بين القواعد الثلاثة وهو المقصود
الفرق الثاني والخمسون والمائتان بين قاعدة ما يحرم من البدع وينهى عنه وبين قاعدة ما لا ينهى عنه منها
اعلم أن الأصحاب فيما رأيت متفقون على إنكار البدع نص على ذلك ابن أبي زيد وغيره والحق التفصيل وأنها خمسة أقسام قسم واجب وهو ما تتناوله قواعد الوجوب وأدلته من الشرع كتدوين القرآن والشرائع إذا خيف عليها الضياع فإن التبليغ لمن بعدنا من
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
له قريب فإن ميراثه لبيت المال مع أن كل قرشي ابن عمه ولا ميراث لبيت المال مع ابن عم لكنه لما فقد شرط إرثه الذي هو العلم بدرجته منه إذ ما من قرشي إلا لعل غيره أقرب منه جعل الميراث لبيت المال دونه فعلم أن هذه الشروط لا يؤثر وجودها إلا في نهوض الأسباب لترتب مسبباتها عليها يلزم من عدمها العدم
ولا يلزم من وجودها من حيث هو وجود ولا عدم بل الوجود إن وقع فهو لوجود الأسباب لا لها وإن وقع العدم عند وجودها فلعدم السبب أو لوجود المانع فهذه حقيقة الشرط قد وجدت في هذه الثلاثة فتكون شروطا
ا ه
بتهذيب وتعقبه ابن الشاط أولا بأن الصحيح أن شرط الإرث واحد وهو العلم أو الحكم بحياة الوارث بعد موت الموروث وبنسبته ورتبته منه لوجهين
الأول
أنه لا حاجة إلى ذكر تقدم موت الموروث وجعله شرطا وحياة الوارث بعده شرطا آخر الثاني أنه لا يصح أن يكون موت الموروث بنفسه قبل موت الوارث شرطا لأمرين أحدهما امتناع توريث من يتعذر العلم فيهما بالتقدم والتأخر وثانيهما صحة التوريث بالتعمير في المفقود وثانيا بأن جعله العلم بالقرب والدرجة التي اجتمعا فيها احتراز من موت رجل إلخ صحيح غير أنه نقضه الحكم بالقرب والدرجة إذا لم يكن ذلك معلوما ولكنه ثبت نسبه عند الحاكم
ا ه
والله سبحانه وتعالى أعلم الفرق الثاني والخمسون والمائتان بين قاعدة ما يحرم من البدع وينهى عنه وبين قاعدة ما لا ينهى عنه منها وهو مبني على أحد الطريقتين في البدع اللتين في قول الأصل الأصحاب فيما رأيت متفقون على إنكار البدع نص على ذلك ابن أبي زيد وغيره والحق التفصيل وأنها خمسة أقسام الأول واجب وهو ما تناولته قواعد الوجوب وأدلته من الشرع كتدوين القرآن والشرائع إذا خيف عليها الضياع فإن التبليغ لمن بعدنا من القرون واجب إجماعا
وإهماله حرام إجماعا الثاني محرم وهو ما تناولتها قواعد التحريم وأدلته من الشرع كالمكوس والمحدثات من المظالم المنافية لقواعد الشريعة كتقديم الجهال على العلماء وتولية المناصب الشرعية من لا يصلح لها بطريق التوارث نظرا لكون المنصب كان لأبيه وهو في نفسه ليس بأهل
346
346
القرون واجب إجماعا وإهمال ذلك حرام إجماعا فمثل هذا النوع لا ينبغي أن يختلف في وجوبه
القسم الثاني
محرم وهو بدعة تناولتها قواعد التحريم وأدلته من الشريعة كالمكوس والمحدثات من المظالم المنافية لقواعد الشريعة كتقديم الجهال على العلماء وتولية المناصب الشرعية من لا يصلح لها بطريق التوارث وجعل المستند لذلك كون المنصب كان لأبيه وهو في نفسه ليس بأهل القسم الثالث من البدع مندوب إليه وهو ما تناولته قواعد الندب وأدلته من الشريعة كصلاة التراويح وإقامة صور الأئمة والقضاة وولاة الأمور على خلاف ما كان عليه أمر الصحابة بسبب أن المصالح والمقاصد الشرعية لا تحصل إلا بعظمة الولاة في نفوس الناس وكان الناس في زمن الصحابة معظم تعظيمهم إنما هو بالدين وسابق الهجرة ثم اختل النظام وذهب ذلك القرن وحدث قرن آخر لا يعظمون إلا بالصور فيتعين تفخيم الصور حتى تحصل المصالح وقد كان عمر يأكل خبز الشعير والملح ويفرض لعامله نصف شاة كل يوم لعلمه بأن الحالة التي هو عليها لو عملها غيره لهان في نفوس الناس
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الثالث
مندوب وهو ما تناولته قواعد الندب وأدلته من الشرع كصلاة التراويح أي الذي عمل بها عمر رضي الله عنه فجمع الناس في المسجد على قارئ واحد في رمضان وقال حين دخل المسجد وهم يصلون نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل فإنه إنما سماها بدعة باعتبار ما وإلا فقيام الإمام بالناس في المسجد في رمضان سنة عمل بها صاحب السنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما تركها خوفا من الافتراض فلما انقضى زمن الوحي زالت العلة فعاد العمل بها إلى نصابه إلا أن ذلك لم يتأت لأبي بكر رضي الله عنه زمان خلافته لمعارضة ما هو أولى بالنظر فيه وكذلك صدر خلافة عمر رضي الله عنه حتى تأنى النظر فوقع منه لكنه صار في ظاهر الأمر كأنه أمر لم يجر به عمل من تقدمه دائما فسماه بذلك الاسم لأنه أمر على خلاف ما ثبت من السنة كما في الاعتصام لأبي إسحاق الشاطبي قلت وقد جرى على ما عمل عمر رضي الله تعالى عنه من صلاة التراويح بإمام واحد في المسجد عمل الأعصار إلى عصرنا في جميع الأمصار ما عدا مكة والمدينة فإنهما قد ابتدع فيهما شرفهما الله تعالى تعدد الجماعات في صلاة التراويح أسأل الله تعالى أن يوفق أهلها للعمل فيها بالسنة كسائر الأمصار قال الأصل وكإقامة صور الأئمة والقضاة وولاة الأمور على خلاف ما كان عليه أمر الصحابة بسبب أن المصالح والمقاصد الشرعية لا تحصل إلا بعظمة الولاة في نفوس الناس وكان الناس في زمن الصحابة معظم تعظيمهم إنما هو بالدين وسابق الهجرة ثم اختل النظام وذهب ذلك القرن وحدث قرن آخر لا يعظمون إلا بالصور فتعين تفخيم الصور حتى تحصل المصالح وقد كان عمر يأكل خبز الشعير والملح ويفرض لعامله نصف شاة كل يوم لعلمه بأن الحالة التي هو عليها لو عملها غيره لهان في نفوس الناس ولم يحترموه
347
347
ولم يحترموه وتجاسروا عليه بالمخالفة فاحتاج إلى أن يضع غيره في صورة أخرى لحفظ النظام ولذلك لما قدم الشام ووجد معاوية بن أبي سفيان قد اتخذ الحجاب وأرخى الحجاب واتخذ المراكب النفيسة والثياب الهائلة العلية وسلك ما يسلكه الملوك فسأله عن ذلك فقال إنا بأرض نحن فيها محتاجون لهذا فقال له لا آمرك ولا أنهاك ومعناه أنت أعلم بحالك هل أنت محتاج إلى هذا فيكون حسنا أو غير محتاج إليه فدل ذلك من عمر وغيره على أن أحوال الأئمة وولاة الأمور تختلف باختلاف الأعصار والأمصار والقرون والأحوال فلذلك يحتاجون إلى تجديد زخارف وسياسات لم تكن قديما وربما وجبت في بعض الأحوال
القسم الرابع
بدع مكروهة وهي ما تناولته أدلة الكراهة من الشريعة وقواعدها كتخصيص الأيام الفاضلة أو غيرها بنوع من العبادات ومن ذلك في الصحيح ما خرجه مسلم وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن تخصيص يوم الجمعة بصيام أو ليلته بقيام ومن هذا الباب الزيادة في المندوبات المحدودات كما ورد في التسبيح عقيب الصلوات ثلاثة وثلاثين فيفعل مائة وورد صاع في زكاة الفطر فيجعل عشرة آصع بسبب أن الزيادة فيها إظهار الاستظهار على الشارع وقلة أدب معه بل شأن العظماء إذا حددوا شيئا وقف عنده
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وتجاسروا عليه بالمخالفة فاحتاج إلى أن يضع غيره في صورة أخرى لحفظ النظام ولذلك لما قدم الشام ووجد معاوية قد اتخذ الحجاب وأرخى الحجاب واتخذ المراكب النفيسة والثياب الهائلة العلية وسلك ما يسلكه الملوك فسأله عن ذلك فقال إنا بأرض نحن فيها محتاجون لهذا فقال له لا آمرك ولا أنهاك ومعناه أنت أعلم بحالك هل أنت محتاج إلى هذا فيكون حسنا أو غير محتاج إليه فدل ذلك من عمر وغيره على أن أحوال الأئمة وولاة الأمور تختلف باختلاف الأعصار والأمصار والقرون والأحوال فلذلك يحتاجون إلى تجديد زخارف وسياسات لم تكن قديما وربما وجبت في بعض الأحوال
الرابع
مكروه وهو ما تناولته قواعد الكراهة وأدلتها من الشرع كتخصيص الأيام الفاضلة وغيرها بنوع من العبادات لنهيه صلى الله عليه وسلم عن تخصيص يوم الجمعة بصيام أو ليلته بقيام كما في صحيح مسلم وغيره وكالزيادة في المندوبات المحدودات بأن يجعل التسبيح عقيب الصلوات مائة والوارد فيه ثلاثة وثلاثون والصاع الواحد الوارد في زكاة الفطر عشرة آصع بسبب أن الزيادة فيها إظهار الاستظهار على الشارع وهو قلة أدب معه لأن شأن العظماء إذا حددوا شيئا وقف عنده وعد الخروج عنه قلة أدب وأما الزيادة في الواجب أو عليه فهو حرام لا مكروه لأنه يؤدي إلى أن يعتقد أن الواجب هو الأصل والمزيد عليه وذلك تغيير للشرائع وهو حرام إجماعا ولذلك نهى مالك عن إيصال ست من شوال لئلا يعتقد أنها من رمضان وخرج أبو داود في سننه أن رجلا دخل إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الفرض وقام ليصلي ركعتين فقال عمر بن الخطاب اجلس حتى تفصل بين فرضك ونفلك فبهذا هلك من كان قبلنا فقال له
348
348
والخروج عنه قلة أدب والزيادة في الواجب أو عليه أشد في المنع لأنه يؤدي إلى أن يعتقد أن الواجب هو الأصل والمزيد عليه ولذلك نهى مالك عن إيصال ست من شوال لئلا يعتقد أنها من رمضان وخرج أبو داود في سننه أن رجلا دخل إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه فصلى الفرض وقام ليصلي ركعتين فقال له عمر بن الخطاب اجلس حتى تفصل بين فرضك ونفلك فبهذا هلك من كان قبلنا فقال له عليه السلام أصاب الله بك يا ابن الخطاب يريد عمر أن من قبلنا وصلوا النوافل بالفرائض فاعتقدوا الجميع واجبا وذلك تغيير للشرائع وهو حرام إجماعا
القسم الخامس
البدع المباحة وهي ما تناولته أدلة الإباحة وقواعدها من الشريعة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
عليه السلام أصاب الله بك يا ابن الخطاب يريد عمر أن من قبلنا وصلوا النوافل بالفرائض فاعتقدوا الجميع واجبا فهلكوا بتغييرهم للشرائع
الخامس
مباح وهو ما تناولته قواعد المباح وأدلته من الشرع كاتخاذ المناخل للدقيق لأنه أول شيء أحدثه الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الآثار وتليين العيش وإصلاحه من المباحات فوسائله كذلك وبالجملة فالبدعة إنما تنقسم لهذه الأقسام إذا نظر إليها باعتبار ما يتقاضاها ويتناولها من القواعد والأدلة فألحقت بما تناولها من قواعد وأدلة الوجوب أو التحريم أو الندب أو الكراهة أو الإباحة وأما إن قطع النظر عن ذلك ونظر إلى كونها بدعة من حيث الجملة لم تكن إلا مكروهة أي إما تنزيها وإما تحريما فإن الخير كله في الاتباع والشر كله في الابتداع ولبعض السلف الصالح ويسمى أبا العباس الأبياني من أهل الأندلس ثلاث لو كتبن في ظفر لوسعهن وفيهن خير الدنيا والآخرة اتبع ولا تبتدع اتضع ولا ترتفع من تورع لا يتسع
ا ه
كلام الأصل بتهذيب وزيادة فقوله والحق التفصيل إلخ هي الطريقة التي بنى عليها الفرق بين القاعدتين المذكورتين وصححه ابن الشاط وإليها ذهب من المالكية غير واحد كالإمام محمد الزرقاني فقال في شرحه على الموطإ وتنقسم البدعة إلى الأحكام الخمسة وحديث كل بدعة ضلالة عام مخصوص قال والبدعة لغة ما أحدث على غير مثال سبق وتطلق شرعا على مقابل السنة وهي ما لم تكن في عهده صلى الله عليه وسلم ا ه وغير واحد من الشافعية منهم الإمام النووي والعز بن عبد السلام شيخ الأصل ففي العزيزي على الجامع الصغير عن العلقمي قال النووي البدعة بكسر الباء في الشرع هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي منقسمة إلى حسنة وقبيحة وقال ابن عبد السلام في آخر القواعد البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة قال والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة أو في قواعد التحريم فهي محرمة أو الندب فمندوبة أو المكروه فمكروهة أو المباح فمباحة وللواجبة أمثلة منها الاشتغال بعلم النحو الذي يفهم كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ومنها حفظ غريب الكتاب والسنة من اللغة ومنها تدريس أصول الفقه ومنها الكلام في الجرح والتعديل وتمييز الصحيح من السقيم ومنها الرد على مذاهب نحو القدرية والجبرية والمرجئة والمجسمة إذ لا يتأتى حفظ الشريعة إلا بما ذكرناه وقد دلت قواعد الشريعة على أن
349
349
كاتخاذ المناخل للدقيق ففي الآثار أول شيء أحدثه الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخاذ المناخل للدقيق لأن تليين العيش وإصلاحه من المباحات فوسائله مباحة فالبدعة إذا عرضت تعرض على قواعد الشريعة وأدلتها فأي شيء تناولها من الأدلة والقواعد ألحقت به من إيجاب أو تحريم أو غيرهما وإن نظر إليها من حيث الجملة بالنظر إلى كونها بدعة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
حفظ الشريعة فرض كفاية فيما زاد على المتعين وللمحرمة أمثلة منها مذاهب القدرية والجبرية والمرجئة والمجسمة وللمندوبة أمثلة منها التراويح والكلام في دقائق التصوف وفي الجدل
ومنها جمع المحافل في الاستدلال على المسائل إن يقصد بذلك وجه الله والمكروهة أمثلة منها زخرفة المساجد وتزويق المصاحف وللمباحة أمثلة منها المصافحة عقب الصبح والعصر ومنها التوسع في اللذيذ من المأكل والمشرب والملابس والمساكن ولبس الطيالسة وتوسيع الأكمام وقد نختلف في بعض ذلك فيجعله بعض العلماء من البدع المكروهة ويجعله آخرون من السنن المفعولة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فما بعده وذلك كالاستعاذة والبسملة في الصلاة
ا ه
بتصرف فمشهور مذهب مالك كراهتهما في الفريضة دون النافلة إذا اعتقد أن الصلاة لا تصح بتركهما ولم يقصد الخروج من خلاف الإمام الشافعي ومذهب الإمام الشافعي سنيتهما في الصلاة مطلقا ومثلهما في كونه بدعة مكروهة أو سنة سجود الشكر ذهب الشافعي إلى أنه سنة مفعولة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب مالك إلى كراهته وأنه ليس بمشروع ففي العتبية وسئل مالك عن الرجل يأتيه الأمر يحبه فيسجد لله عز وجل شكرا فقال لا يفعل هذا مما مضى من أمر الناس قيل له إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه فيما يذكرون سجد يوم اليمامة شكرا لله أفسمعت ذلك قال ما سمعت ذلك وأنا أرى أن قد كذبوا على أبي بكر وهذا من الضلال أن يسمع المرء الشيء فيقول هذا لم تسمعه مني قد فتح الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين بعده أفسمعت أن أحدا منهم فعل مثل هذا إذ ما قد كان في الناس وجرى على أيديهم سمع عنهم فيه شيء فعليك بذلك فإنه لو كان لذكر لأنه من أمر الناس الذي قد كان فيهم فهل سمعت أن أحدا منهم سجد فهذا إجماع
وإذا جاءك أمر لا تعرفه فدعه
ا ه
قال ابن رشد الوجه في ذلك أنه لم يرد مما شرع في الدين يعني سجود الشكر فرضا ولا نفلا إذ لم يأمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ولا فعله ولا أجمع المسلمون على اختيار فعله والشرائع لا تثبت إلا من أحد هذه الأمور قال واستدلاله على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك ولا المسلمون بعده بأن في ذلك لو كان النقل صحيحا إذ لا يصح أن تتوفر الدواعي على ترك نقل شريعة من شرائع الدين وقد أمروا بالتبليغ قال وهذا أصل من الأصول وعليه يأتي إسقاط الزكاة من الخضر والبقول مع وجود الزكاة فيها لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما سقت السماء والعيون والبعل العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر لأنا نزلنا ترك نقل أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الزكاة منها كالسنة القائمة في أن لا زكاة فيها فكذلك نزل ترك نقل السجود عن النبي صلى الله عليه وسلم في الشكر كالسنة القائمة في أن لا سجود فيها ثم حكي خلاف الشافعي والكلام عليه والمقصود من المسألة توجيه مالك من حيث إنها بدعة لا توجيه أنها بدعة على
350
350
مع قطع النظر عما يتقاضاها كرهت فإن الخير كله في الاتباع والشر كله في الابتداع ولبعض السلف الصالح يسمى أبا العباس الأبياني من أهل الأندلس ثلاث لو كتبن في ظفر لوسعهن وفيهن خير الدنيا والآخرة اتبع ولا تبتدع اتضع ولا ترتفع من تورع لا يتسع
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الإطلاق أفاده الشاطبي في الاعتصام وحاصل هذه الطريقة هو ما أشار إليه العلامة الحفني في حاشيته على الجامع الصغير من أن البدعة بمعنى ما لم يكن في عهده صلى الله عليه وسلم نوعان حقيقية ومشتبهات فالحقيقية هي المقابلة للسنة فالسنة ما فعل في الصدر الأول وشهد له أصل من أصول الشرع والبدعة الحقيقية ما أحدث بعد الصدر الأول ولم يشهد له أصل من أصول الشرع قال زاد الشارح في الكبير وغلبت على ما خالف أصول أهل السنة في العقائد
وهي البدعة المحرمة سواء كفر بها كإنكار علمه تعالى بالجزئيات أو لا كالمجسمة والجهمية على الراجح إن لم تقل الأولى كالأجسام وهي المراد بالبدعة متى أطلقت وإن كانت في الأصل تطلق على المحرمة وغيرها فهي المراد بالحديث الذي خرجه ابن ماجه وابن أبي عاصم في السنة والديلمي عن ابن عباس أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته لإيراده في حيز التحذير منها والذم لها والتوبيخ عليها فنفي قبول العمل بمعنى إبطاله ورده إن كانت البدعة مكفرة له وبمعنى نفي الثواب إن كانت لا تكفره مثل ما ورد أن الشخص إذا لبس ثوبا بدراهم منها درهم حرام وصلى فيه لم تقبل صلاته أي لم يثب عليها والمشتبهات تعرض على أصول الشرع فإن وافقت الواجب كانت واجبة أو المندوب كانت مندوبة أو المكروه كانت مكروهة أو المباح كانت مباحة وبالجملة فتقسيم البدعة مع السنة على نحو تقسيم النحويين حرف الجر الأصلي مع الزائد إلى ثلاثة أقسام أصلي وهو ما دل على معنى خاص واحتاج لمتعلق يتعلق به وزائد وهو ما لا يدل على معنى خاص ولا يحتاج لمتعلق وشبيه بهما وهو ما دل على معنى خاص ولم يحتج لمتعلق فكما انقسم حرف الجر إلى هذه الثلاثة كذلك البدعة مع السنة تنقسم على هذه الطريقة إلى ثلاثة سنة وهي ما فعل في الصدر الأول وشهد له أصل من أصول الشرع وبدعة وهو ما لم يفعل في الصدر الأول ولم يشهد له الأصل
ومشتبهات وهو ما لم يفعل في الصدر الأول وشهد له الأصل وتوضيح الفرق بين القاعدتين المذكورتين على هذه الطريقة أن ما يحرم وينهى عنه من البدع هو المراد بالبدعة القبيحة في كلام النووي الصادقة على المحرمة وعلى المكروهة وأن ما لا ينهى عنه منها هو المراد بالبدعة الحسنة الصادقة على الواجبة والمندوبة والمباحة وقول الأصل والأصحاب فيما رأيت متفقون على إنكار البدع إلخ هو طريقة نفي التفصيل في البدع وأنها لا تكون واجبة ولا مندوبة ولا مباحة بل إنما تكون قبيحة منهيا عنها فالكلام عليها من جهتين الجهة الأولى أن أمثلة البدع الواجبة والمندوبة والمباحة التي ذكرها القرافي وشيخه ابن عبد السلام لا تخرج عن كونها مما له أصل في الدين ومن المصالح المرسلة وعن كونها من العاديات وما كان مما له أصل في الدين ومن المصالح المرسلة لا يعد من البدع لأن خاصة البدعة أنها خارجة عما رسمه الشارع إذ هي طريقة في الدين ابتدعت على غير مثال تقدمها تضاهي الشريعة يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد فانفصلت بهذا القيد عن كل ما ظهر لبادئ الرأي أنه مخترع مما هو متعلق بالدين كعلم النحو والتصريف ومفردات اللغة وأصول الفقه وسائر العلوم الخادمة للشريعة فإنها
وإن لم توجد في
351
351
صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الزمان الأول فأصولها موجودة في الشرع إذ الأمر بإعراب القرآن منقول وعلوم اللسان هادية للصواب في الكتاب والسنة فحقيقتها إذا أنها فقه التعبد بالألفاظ الشرعية الدالة على معانيها كيف تؤخذ وتؤدى وأصول الفقه إنما معناها استقراء كليات الأدلة حتى تكون عند المجتهد نصب عين وعند الطالب سهلة الملتمس وكذلك أصول الدين وهو علم الكلام إنما حاصله تقرير لأدلة القرآن والسنة أو ما ينشأ عنها في التوحيد وما يتعلق به كما كان الفقه تقرير الأدلة في الفروع العبادية وتصنيفها على ذلك الوجه وإن كان مخترعا إلا أن له أصلا في الشرع ففي الحديث ما يدل عليه ولو سلم أنه ليس في ذلك دليل على الخصوص فالشرع بجملته يدل على اعتباره وهو مستمد من قاعدة المصالح المرسلة
وقد تقدم بسطها فعلى القول بإثباتها أصلا شرعيا لا إشكال في أن كل علم خادم للشريعة داخل تحت أدلتها التي ليست بمأخوذة من جزء واحد فليست ببدعة ألبتة وعلى القول بنفيها لا بد أن تكون تلك العلوم مبتدعات وإذا دخلت في علم البدع كانت قبيحة لأن كل بدعة ضلالة من غير إشكال كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى ويلزم من ذلك أن يكون كتب المصحف وجمع القرآن قبيحا وهو باطل بالإجماع فليس إذا ببدعة ويلزم أن يكون له دليل شرعي وليس إلا هذا النوع من الاستدلال وهو المأخوذ من جملة الشريعة وإذا ثبت جزء في المصالح المرسلة ثبت مطلق المصالح المرسلة فعلى هذا لا ينبغي أن يسمى علم النحو أو غيره من علوم اللسان أو علم الأصول أو ما أشبه ذلك من العلوم الخادمة للشريعة بدعة أصلا ومن سماه بدعة فإما على المجاز كما سمى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قيام الناس في ليالي رمضان بدعة وإما جهلا بمواقع السنة والبدعة فلا يكون قول من قال ذلك معتدا به ولا معتمدا عليه وأما ما كان من العاديات كإقامة صور الأئمة وولاة الأمور والقضاة واتخاذ المناخل وغسل اليدين بالأشنان ولبس الطيالس وتوسيع الأكمام وأشباه ذلك من الأمور العادية التي لم تكن في الزمن الفاضل والسلف الصالح فالتمثيل بها لمندوبات البدع ومباحاتها وكذا بالمكوس والمحدثات من المظالم
وتقديم الجهال على العلماء في الولايات العلمية وتولية المناصب الشريفة من ليس لها بأهل بطريق الوراثة لمحرمات البدع مبني على إحدى الطريقتين في العاديات وهي التي مال إليها القرافي وشيخه ابن عبد السلام وذهب إليها بعض السلف كمحمد بن أسلم من أن المخترعات منها تلحق بالبدع وتصير كالعبادات المخترعة الجارية في الأمة لوجوه ثلاثة
الوجه الأول
أنها أمور جرت في الناس وكثر العمل بها وشاعت وذاعت والوجه الثاني أنه لا فرق بينها وبين العبادات إذ الأمور المشروعة تارة تكون عبادية وتارة تكون عادية فكلاهما مشروع من قبل الشارع فكما تقع المخالفة بالابتداع في أحدهما تقع في الآخر الوجه الثالث أن الشرع جاء بالوعد بأشياء تكون في آخر الزمان هي خارجة عن سنته فتدخل فيما تقدم تمثيله لأنها من جنس واحد ففي الصحيح عن عبد الله رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم سترون بعدي أثرة وأمورا تنكرونها قال فما تأمرنا يا
352
352
صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
رسول الله قال أدوا إليهم حقهم وسلوا حقكم وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من كره من أمره شيئا فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات مات ميتة جاهلية وفي الصحيح أيضا إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يتقارب الزمان ويقبض العلم ويلقى ويظهر الجهل وتظهر الفتن ويكثر الهرج قال يا رسول الله أيما هو قال القتل القتل وعن أبي موسى رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم إن بين يدي لأياما ينزل فيها الجهل ويرتفع فيها العلم ويكثر فيها الهرج والهرج القتل وعن حذيفة رضي الله عنه قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم علموا من القرآن ثم علموا من السنة وحدثنا عن رفعها ثم قال ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوكت ثم ينام النومة فتقبض فيبقى أثرها مثل أثر المجل كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرا وليس فيه شيء ويصبح الناس يتبايعون
ولا يكاد أحد يؤدي الأمانة فيقال إن في بني فلان رجلا أمينا ويقال للرجل ما أعقله وما أظرفه وما أجلده وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان الحديث وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان يكون بينهما مقتلة عظيمة دعواهما واحدة وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم زعم أنه رسول وحتى يقبض العلم ثم قال وحتى يتطاول الناس في البنيان إلى آخر الحديث وعن عبد الله رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تخرج في آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يقولون من قول خير البرية يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه عليه السلام قال بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا فيبيع دينه بعرض الدنيا وفسر ذلك الحسن قال يصبح محرما لدم أخيه وعرضه وماله ويمسي مستحلا له كأنه تأوله على الحديث الآخر لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض والله أعلم
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل ويفشو الزنا ويشرب الخمر ويكثر النساء ويقل الرجال حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد
ومن غريب حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء قيل وما هي يا رسول الله قال إذا صار المغنم دولا والأمانة مغنما والزكاة مغرما وأطاع الرجل زوجه وعق أمه وبر صديقه وجفا أباه وارتفعت الأصوات في المساجد وكان زعيم القوم أرذلهم وأكرم الرجل مخافة شره وشربت الخمور ولبس الحرير واتخذت القيان والمعازف ولعن آخر هذه الأمة أولها فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وزلزلة وخسفا أو مسخا وقذفا
وفي الباب عن أبي هريرة رضي الله عنه قريب هذا وفيه ساد القبيلة فاسقهم وكان زعيم القوم أرذلهم وفيه وظهرت القيان والمعازف وفي آخره فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وزلزلة وخسفا وآيات تتابع كنظام بال قطع سلكه فتتابع
فهذه الأحاديث وأمثالها مما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أنه يكون في هذه الأمة بعده إنما هو في الحقيقة تبديل الأعمال التي كانوا أحق بالعمل بها فلما عوضوا منها غيرها وفشا فيها كأنه من المعمول
353
353
صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
به تشريعا كان من جملة الحوادث الطارئة على نحو ما بين في العبادات
والطريقة الثانية وعليها الأكثرون أن العاديات إن كانت كالبيع والنكاح والشراء والطلاق والإجارات والجنايات مما لا بد فيها من التعبدات لكونها مقيدة بأمور شرعية لا خيرة للمكلف فيها كانت اقتضاء أو تخييرا فإن التخيير في التعبدات إلزام كما أن الاقتضاء إلزام حسبما تقر وبرهانه في كتاب الموافقات صح دخول الابتداع فيها كالعبادات
وإلا فلا وهذه هي النكتة التي يدور عليها حكم الباب ويتبين ذلك بالأمثلة فما أتى به القرافي مثالا للبدعة المحرمة من وضع المكوس في معاملات الناس لا يخلو إما أن يكون على قصد حجر التصرفات وقتا ما أو في حالة ما لنيل حطام الدنيا على هيئة غصب الغاصب وسرقة السارق وقطع القاطع للطريق وما أشبه ذلك أو يكون على قصد وضعه على الناس كالدين الموضوع والأمر المحتوم عليهم دائما أو في أوقات محدودة على كيفيات مضروبة بحيث تضاهي المشروع الدائم الذي يحمل عليه العامة ويؤخذون به وتوجه على الممتنع منه العقوبة كما في أخذ زكاة المواشي والحرث وما أشبه ذلك فمن الفرض الثاني يصير تشريعا زائدا وبدعة بلا شك ويصير للمكوس على هذا الفرض نظران نظر من جهة كونها محرمة على الفاعل أن يفعلها كسائر أنواع الظلم ونظر من جهة كونها اختراعا لتشريع يؤخذ به الناس إلى الموت كما يؤخذون بسائر التكاليف فاجتمع فيها نهيان نهي عن المعصية ونهي عن البدعة ومن الفرض الأول إنما يوجد بها النهي من جهة كونها تشريعا موضوعا على الناس أمر وجوب أو ندب إذ ليس فيها جهة أخرى يكون بها معصية بل نفس التشريع هو نفس الممنوع وكذلك تقديم الجهال على العلماء وتولية المناصب الشريفة من لا يصلح لها بطريق التوريث فإن جعل الجاهل في موضع العالم حتى يصير مفتيا في الدين ومعمولا بقوله في الأموال والدماء والأبضاع وغيرها محرم في الدين فقط
وأما كون ذلك يتخذ ديدنا حتى يصير الابن مستحقا لرتبة الأب
وإن لم يبلغ رتبة الأب في ذلك المنصب بطريق الوراثة أو غير ذلك بحيث يشيع هذا العمل ويطرد ويرده الناس كالشرع الذي لا يخالف بأن يعبروا عنه كما يعبر عن القاعدة الشرعية الكلية من مات عن شيء فنصيبه لولده ففيه جهتان جهة كونه بدعة بلا إشكال وجهة كونه قولا بالرأي غير الجاري على العلم هو الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا وإنما ضلوا وأضلوا لأنهم أفتوا بالرأي إذ ليس عندهم علم وهو بدعة أو سبب البدعة وما أتى به القرافي مثلا للبدعة المندوبة من إقامة صور الأئمة والقضاة وولاة الأمر على خلاف ما كان عليه السلف فإن البدعة لا تتصور فيه إلا بما فيه بعد جدا من تكلف فرض أن يعتقد في ذلك العمل أنه مما يطلب به الأئمة على الخصوص تشريعا خارجا عن قبيل المصالح المرسلة بحيث يعد من الدين الذي يدين به هؤلاء المطلوبون به أو يكون ذلك مما يعد خاصا بالأئمة دون غيرهم كما يزعم بعضهم أن خاتم الذهب جائز لذوي السلطان أو يقول إن الحرير جائز لهم لبسه دون غيرهم
وهذا أقرب من الأول في تصور البدعة في حق هذا القسم ويشبهه على قرب زخرفة المساجد إذ كثير من الناس يعتقد أنها من قبيل ترفيع بيوت الله
354
354
صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وكذلك تعليق الثريات الخطيرة الأثمان حتى يعد الإنفاق في ذلك إنفاقا في سبيل الله وكذلك إذا اعتقد في زخارف الملوك
وإقامة صورهم أنها من جملة ترفيع الإسلام وإظهار معالمه وشعائره أو قصد ذلك في فعله أو لا أنه ترفيع للإسلام لما لم يأذن الله به
وما حكاه القرافي عن معاوية ليس من قبيل هذه الزخارف بل من قبيل المعتاد في اللباس والاحتياط في الحجاب مخافة من انخراق خرق يتسع فلا يرقع هذا إن صح ما قال وإلا فلا يعول على نقل المؤرخين ومن لا يعتبر من المؤلفين وأحرى في أن ينبني عليه حكم وما أتى به القرافي مثالا للبدعة المباحة من اتخاذ المناخل للدقيق فالمعتاد فيه أن لا يلحقه أحد بالدين ولا بتدبير الدنيا بحيث لا ينفك عنه كالتشريع فلا نطول به وعلى ذلك الترتيب ينظر فيما قاله ابن عبد السلام من غير فرق فتبين مجال البدعة في العاديات من مجال غيرها وقد يقصد بالسلوك المبالغة في التعبد لله تعالى في تعريف البدعة المتقدم ظاهر المعنى على طريقة الأكثرين في العاديات وأما على طريقة القرافي وشيخه وبعض السلف فيها فمعناه أن الشريعة إنما جاءت لمصالح العباد في عاجلتهم وآجلتهم لتأتيهم في الدارين على أكمل وجوهها فهو الذي يقصده المبتدع ببدعته لأن البدعة إما أن تتعلق بالعادات أو العبادات فإن تعلقت بالعبادات فإنما أراد بها أن يأتي تعبده على أبلغ ما يكون في زعمه ليفوز بأتم المراتب في الآخرة في ظنه وإن تعلقت بالعادات فكذلك لأنه إنما وضعها لتأتي أمور دنياه على تمام المصلحة فيها فمن يجعل المناخل في قسم البدع فظاهر أن التمتع عنده بلذة الدقيق المنخول أتم منه بغير المنخول
وكذلك البناءات المشيدة التمتع بها أبلغ منه بالحشوش والخرب ومثله المصادرات في الأموال بالنسبة إلى أولي الأمر
وقد أباحت الشريعة التوسع في التصرفات فيعد المبتدع هذا من ذلك الجهة الثانية أن البدع على أنها إنما تكون قبيحة منهيا عنها هل لها حكم واحد أم متعدد طريقتان ذهب بعضهم إلى الأولى وأنها لا تكون إلا كبائر وأيدها بأن الصغيرة فضلا عن الكراهة وإن ظهرت في المعاصي غير البدع لا تظهر في البدع وذلك لأن البدع ثبت لها أمران أحدهما أنها مضادة للشارع ومراغمة له حيث نصب المبتدع نفسه نصب المستدرك على الشريعة لا نصب المكتفي بما حد له والثاني أن كل بدعة وإن قلت تشريع زائد أو ناقص أو تغيير للأصل الصحيح وكل ذلك قد يكون على الانفراد وقد يكون ملحقا بما هو مشروع فيكون قادحا في المشروع ولو فعل أحد مثل هذا في نفس الشريعة عدا الكفر إذ الزيادة والنقصان فيها أو التغيير قل أو كثر كفر فلا فرق بين ما قل منه وما كثر فمن فعل مثل ذلك بتأويل فاسد أو برأي غالط رآه وألحقه بالمشروع فإذا لم نكفره لم يكن في حكمه فرق بين ما قل منه وما كثر لأن الجميع لا تحملها الشريعة لا بقليل ولا بكثير لا سيما
وعموم الأدلة في ذم البدع من غير استثناء وكلام السلف يدل على عموم الذم فيها فالأقرب أن يقال كل بدعة كبيرة عظيمة بالإضافة إلى مجاوزة حدود الله بالتشريع إلا أنها
وإن عظمت لما ذكرناه تتفاوت رتبها إذا نسب بعضها إلى بعض فيكون منها صغار وكبار أما باعتبار أن بعضها أشد عقابا من بعض فالأشد عقابا أكبر مما دونه
وأما باعتبار فوت المطلوب في المفسدة فكما انقسمت الطاعة باتباع السنة إلى الفاضل والأفضل لانقسام مصالحها إلى الكامل والأكمل
355
355
صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
انقسمت البدع لانقسام مفاسدها إلى الرذل والأرذل إلى الصغر والكبر من باب النسب والإضافات فقد يكون الشيء كبيرا في نفسه لكنه صغير بالنسبة لما هو أكبر منه فلا ينظر إلى خفة الأمر في البدعة بالنسبة إلى صورتها وإن دقت بل ينظر إلى مصادمتها للشريعة ورميها لها بالنقص والاستدراك وأنها لم تكمل بعد حتى يوضع فيها بخلاف سائر المعاصي فإنها لا تعود على الشريعة بتنقيص ولا غض من جانبها بل صاحب المعصية يتنصل منها مقرا لله بمخالفته لحكمها فحاصل المعصية أنها مخالفة في فعل المكلف لما يعتقد صحته من الشريعة وحاصل البدعة مخالفة في اعتقاد كمال الشريعة ولذلك قال مالك بن أنس من أحدث في هذه الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله خان الرسالة لأن الله يقول اليوم أكملت لكم دينكم إلى آخر الحكاية ومثلها جوابه لمن أراد أن يحرم من المدينة
وقال أي فتنة فيها إنما هي أميال أزيدها فقال وأي فتنة أعظم من أن تظن أنك فعلت فعلا قصر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخر الحكاية فإذا لا يصح أن يكون في البدع ما هو صغيرة بل صار اعتقاد الصغائر فيها يكاد يكون من المتشابهات كما صار اعتقاد نفي الكراهية التنزيه عنها من الواضحات وإلى الطريقة الثانية أعني تعدد حكم البدع مال الإمام أبو إسحاق الشاطبي فقال في كتابه الاعتصام إن البدع
وإن ورد النهي عنها على وجه واحد ونسبته إلى الضلالة واحدة في قوله صلى الله عليه وسلم إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وهو عام في كل بدعة إلا أنه لا يصح أن يقال إنها على حكم واحد هو التحريم فقط أو الكراهة فقط لوجوه
الوجه الأول
أنها داخلة تحت جنس المنهيات وهي لا تعد والكراهة والتحريم فالبدع كذلك والوجه الثاني أن البدع إذا تؤمل معقولها وجدت متفاوتة فمنها ما هو كفر صراح كبدعة الجاهلية التي نبه عليها القرآن بنحو قوله تعالى وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا الآية وقوله تعالى وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء وقوله تعالى ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام وكذلك بدعة المنافقين حيث اتخذوا الدين ذريعة لحفظ النفس والمال وما أشبه ذلك مما لا يشك أنه كفر صراح
ومنها ما هو من المعاصي التي ليست بكفر أو يختلف هل هي كفر أم لا كبدعة الخوارج والقدرية والمرجئة ومن أشبههم من الفرق الضالة ومنها ما هو معصية ويتفق على أنها ليست بكفر كبدعة التبتل والصيام قائما في الشمس والخصاء بقصد قطع شهوة النكاح والجماع ومنها ما هو مكروه كما يقول مالك في إتباع رمضان بست من شوال وقراءة القرآن بالإدارة والاجتماع للدعاء عشية عرفة وذكر السلاطين في خطبة الجمعة على ما قاله ابن عبد السلام والشافعي وما أشبه ذلك والوجه الثالث أن المعاصي منها صغائر ومنها كبائر ويعرف ذلك بكونها واقعة في الضروريات أو الحاجيات أو التكميليات فإن ما كانت في الضروريات أعظم الكبائر وما كانت في التحسينات فأدنى رتبة بلا إشكال وما وقعت في الحاجيات فمتوسطة بين الرتبتين ثم إن كل رتبة من هذه الرتب لها مكمل ولا يمكن أن يكون في رتبة المكمل فإن المكمل مع المكمل في نسبة الوسيلة مع المقصد ولا تبلغ الوسيلة رتبة المقصد وأيضا الضروريات إذا تؤملت وجدت على مراتب في التأكيد وعدمه
356
356
صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
فإن مرتبة النفس ليست كمرتبة الدين ألا ترى أن الكفر مبيح للدم وأن المحافظة على الدين تبيح تعريض النفس للقتل والإتلاف في الأمر بمجاهدة الكفار والمارقين عن الدين ومرتبة العقل والمال ليست كمرتبة النفس ألا ترى أن قتل النفس مبيح للقصاص فالقتل بخلاف العقل والمال وكذلك سائر ما بقي وإذا نظرت في مرتبة النفس وجدتها متباينة المراتب ألا ترى أن قطع العضو ليس كالذبح وأن الخدش ليس كقطع العضو
وهذا كله محل بيانه الأصول فقد ظهر تفاوت رتب المعاصي والبدع من جملة المعاصي فيتصور فيها التفاوت أيضا فمنها ما يقع في الضروريات إخلالا بها ومنها ما يقع في الحاجيات إخلالا بها ومنها ما يقع في التحسينات إخلالا بها وما يقع في رتبة الضروريات ومنه ما يقع في الدين كما تقدم في اختراع الكفار وتغييرهم ملة إبراهيم عليه السلام ومنه ما يقع في النفس كنحل الهند في تعذيبها أنفسها بأنواع العذاب الشنيع والتمثيل الفظيع والقتل بالأصناف التي تفزع منها القلوب وتقشعر منها الجلود كل ذلك على جهة استعجال الموت لنيل الدرجات العلى في زعمهم والفوز بالنعيم الأكمل بعد الخروج عن هذه الدار العاجلة ومبني على أصول لهم فاسدة اعتقدوها وبنوا عليها أعمالهم ومنه ما يقع في النسل كما في أنكحة الجاهلية التي لا عهد بها في شريعة إبراهيم عليه السلام ولا غيره بل كانت من جملة ما اخترعوا وابتدعوا وهي أنواع منها نكاح الاستبضاع وهو أن يقول الرجل لامرأته إذا طهرت من طمثها أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي يستبضع منه فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد ومنه ما يقع في العقل كزعم بعض الفرق أن العقل له مجال في التشريع وأنه محسن ومقبح فابتدعوا في دين الله ما ليس فيه ومنه ما يقع في المال كاحتجاج الكفار على استحلال العمل بالربا بقياس فاسد كذبهم الله تعالى فيه ورده عليهم بقوله تعالى ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا قال وأما ما تقدم في توجيه طريقة اتحاد حكم البدع فجوابه أنه لا يظهر إلا في حق من يكون عالما بكونها بدعة ويقر بالخلاف للسنة بحتا أما في حق من ليس كذلك فلا وشأن كل من حكمنا له بحكم أهل الإسلام أن لا يقر بالخلاف للسنة بحتا بل يكون غير عالم بأن ما عمله بدعة إذ لا يرضى منتم إلى الإسلام بإبداء صفحة الخلاف للسنة أصلا لأنه مصادم للشارع مراغم للشرع بالزيادة فيه والنقصان منه والتحريف له فلا بد له من تأويل فإن كان مجتهدا ففي استنباطها وتشريعها كقوله هي بدعة ولكنها مستحسنة وكفعله لها مقرا بكونها بدعة لأجل حظ عاجل كفاعل الذنب لقضاء حظه العاجل خوفا على حظه أو فرارا من خوف على حظه أو فرارا من الاعتراض عليه في اتباع السنة كما هو الشأن اليوم في كثير ممن يشار إليه وما أشبه ذلك وإن كان مقلدا ففي تقليده كقوله إنها بدعة ولكنني رأيت فلانا الفاضل يعمل بها وإذا كان كذلك فقول مالك من أحدث في هذه الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم خان الرسالة وقوله لمن أراد أن يحرم
357
357
صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
من المدينة أي فتنة أعظم من أن تظن أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخر الحكاية أنها إلزام للخصم على عادة أهل النظر كأنه يقول يلزمك في هذا القول كذا لا أنه يقول قصدت إليه قصدا لأنه لا يقصد إلى ذلك مسلم ولازم المذهب وإن اختلف الأصوليون فيه هل هو مذهب أم لا إلا أن شيوخنا البجائيين والمغربيين كانوا يقولون إن لازم المذهب ليس بمذهب ويروى أنه رأي المحققين أيضا فلذلك إذا قرر على الخصم أنكره غاية الإنكار فاعتبار ذلك المعنى على التحقيق لا ينهض إذا وعند ذلك تستوي البدعة مع المعصية
فكما تنقسم المعصية إلى صغائر وكبائر كذلك تنقسم البدع إلى صغائر وكبائر نعم لا تكون البدعة صغيرة إلا بشروط
أحدها
أن لا يداوم عليها كما أن الصغيرة من المعاصي كذلك فلذلك قالوا لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار إلا أن المعاصي من شأنها في الواقع أنها قد يصر عليها وقد لا يصر عليها وعلى ذلك ينبني طرح الشهادة وسخطة الشاهد بها وعدمه بخلاف البدعة فإن شأنها في الواقع المداومة والحرص على أن لا تزول من موضعها وأن تقوم على تاركها القيامة وتنطلق عليه ألسنة الملامة ويرمى بالتسفيه والتجهيل وينبز بالتبديع والتضليل ضد ما كان عليه سلف هذه الأمة والمقتدى بهم من الأئمة ودليل ذلك أولا الاعتبار فإن أهل البدع كان من شأنهم القيام بالنكير على أهل السنة إن كان لهم عصبة أو لصقوا بسلطان تجري أحكامه في الناس وتنفذ أوامره في الأقطار ومن طالع سير المتقدمين وجد من ذلك ما لا يخفى وثانيا النقل فقد ذكر السلف أن البدعة إذا أحدثت لا تزيد إلا مضيا والمعاصي ليست كذلك فقد يتوب صاحبها وينيب إلى الله تعالى بل قد جاء ما يشد ذلك في حديث الفرق ففي بعض الروايات تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب لصاحبه ومن هنا جزم السلف بأن المبتدع لا توبة له منها والشرط الثاني أن لا يدعو إليها فإن البدعة قد تكون صغيرة بالإضافة ثم يدعو مبتدعها إلى القول بها والعمل على مقتضاها فيكون إثم ذلك كله عليه فإنه الذي أثارها وسبب كثرة وقوعها والعمل بها فقد ثبت الحديث الصحيح أن كل من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا والصغيرة إنما تفاوت الكبيرة بحسب كثرة الإثم وقلته فربما تساوي الصغيرة من هذا الوجه الكبيرة أو تربى عنها والشرط الثالث أن لا تفعل في المواضع التي هي مجتمعات الناس أو المواضع التي تقام فيها السنن وتظهر فيها أعلام الشريعة فأما إظهارها في المجتمعات ممن يقتدى به أو ممن يحسن الظن به فذلك من أضر الأشياء على سنة الإسلام فإنها لا تعدو أمرين إما أن يقتدى بصاحبها فيها فإن العوام أتباع كل ناعق لا سيما البدع التي وكل الشيطان بتحسينها للناس والتي للنفوس في تحسينها هوى وعلى حسب كثرة الإتباع يعظم عليه الوزر كما تقدم وأما اتخاذها في المواضع التي تقام فيها السنن فهو كالدعاء إليها بالتصريح لأن عمل إظهار الشرائع الإسلامية توهم أن كل ما ظهر فيها فهو من الشعائر فكان المظهر لها يقول هذه سنة فاتبعوها والشرط الرابع أن لا يستصغرها ولا يستحقرها فإن ذلك وإن فرضناها صغيرة استهانة بها والاستهانة بالذنب أعظم من الذنب
358
358
صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
فكان ذلك سببا لعظم ما هو صغير وكذلك معنى البدع المكروهة أنها أدنى رتبة في الذم من رتبة الصغيرة وليس معناها التنزيه الذي هو نفي إثم فاعلها ورفع الحرج عنه ألبتة لأن هذا مما لا يكاد يوجد عليه دليل من الشرع ولا من كلام الأئمة على الخصوص أما الشرع ففيه ما يدل على خلاف ذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال من قال أما أنا فأقوم الليل ولا أنام وقال الآخر أما أنا فلا أنكح النساء إلى آخر ما قالوا رد عليهم عليه السلام ذلك وقال من رغب عن سنتي فليس مني وهذه العبارات أشد شيء في الإنكار مع أن ما التزموا لم يكن إلا فعل مندوب آخر وكذلك ما في الحديث أنه عليه السلام رأى رجلا قائما في الشمس فقال ما بال هذا قالوا نذر أن لا يستظل ولا يتكلم ولا يجلس ويصوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مره فليجلس وليتكلم وليستظل وليتم صومه قال مالك أمره أن يتم ما كان لله عليه فيه طاعة ويترك ما كان عليه فيه معصية فتأمل كيف جعل مالك القيام للشمس وترك الكلام والجلوس معاصي حتى فسر بها الحديث المشهور مع أنها في أنفسها أشياء مباحات لكنه لما أجراها مجرى ما يتشرع به ويدان لله به صارت عند مالك معاصي لله وكلية قوله كل بدعة ضلالة شاهدة لهذا المعنى والجميع يقتضي التأثيم والتهديد والوعيد
وهي خاصية المحرم قال وأما كلام العلماء فإنهم وإن أطلقوا الكراهية في الأمور المنهي عنها لا يعنون بها كراهية التنزيه فقط وإنما هو اصطلاح للمتأخرين حين أرادوا أن يفرقوا بين القبيلين فيطلقون لفظ الكراهية على كراهية التنزيه فقط ويخصون كراهية التحريم بلفظ التحريم والمنع وأشباه ذلك وأما المتقدمون من السلف فإنهم لم يكن من شأنهم فيما لا نص فيه صريحا أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام ويتحامون هذه العبارة خوفا مما في الآية من قوله تعالى ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب وحكى مالك عمن تقدمه هذا المعنى فإذا وجدت في كلامهم في البدعة أو غيرها أكره هذا ولا أحب هذا وهذا مكروه وما أشبه ذلك فلا تقطعن على أنهم يريدون التنزيه فقط فإنه إذا دل الدليل في جميع البدع على أنها ضلالة فمن يعد فيها ما هو مكروه كراهية التنزيه اللهم إلا أن يطلقوا لفظ الكراهية على ما يكون له أصل في الشرع ولكن يعارضه أمر آخر معتبر في الشرع فيكره لأجله لا لأنه بدعة مكروهة على تفصيل يذكر في موضعه
ا ه
محل الحاجة من كلام الشاطبي في الاعتصام قلت وحاصل طريقتي عدم التفصيل في البدع أنها على الأولى لا تكون إلا كبائر
وإن تفاوتت أفرادها بكثرة العقاب وعدم كثرته وأنها على الثانية تكون كبائر أو صغائر أو مكروهة إلا أن صغائرها وإن كانت كصغائر غيرها من المعاصي لا يتحقق صغرها إلا بالشروط الأربعة المتقدمة لكن تحقق الشروط في صغائرها بعيد جدا ومكروهها ليس معناه التنزيه وعدم العقاب بل معناه أن عقابه أقل من عقاب الصغيرة فافهم والذي يتحصل من جميع ما ذكر أن طريقة أصحاب مالك المتقدمين على الأصل واختارها الشاطبي وبنى عليها كتابه الاعتصام من أن البدع لا تكون إلا قبيحة منهيا عنها مبنية على أمور ثلاثة الأول أن البدعة حقيقة فيما لم يفعل في الصدر الأول ولم يكن له أصل من أصول الشرع ومجاز في غير ذلك الأمر الثاني أن جميع ما ورد في ذم البدع من نحو قوله صلى الله عليه وسلم كل بدعة ضلالة باق على عمومه الأمر الثالث القول بأن البدع لا تدخل إلا في العاديات التي لا بد فيها من التعبد وأن طريقة انقسام البدع إلى قبيحة وحسنة والقبيحة إلى حرام واصل إلى حد الكفر أو
359
359
الفرق الثالث والخمسون والمائتان بين قاعدة الغيبة المحرمة وقاعدة الغيبة التي لا تحرم
قال تعالى ولا يغتب بعضكم بعضا وقال عليه السلام الغيبة أن تذكر في المرء ما يكره إن سمع قيل يا رسول الله وإن كان حقا قال إن قلت باطلا فذلك البهتان فدل هذا النص على أن الغيبة ما يكرهه الإنسان إذا سمعه وأنه لا يسمى غيبة إلا إذا كان غائبا لقوله إن سمع فدل ذلك على أنه ليس بحاضر وهو يتناول جميع ما يكره لأن ما من صيغ العموم تنبيه قال بعض العلماء استثني من الغيبة ست صور الأولى النصيحة لقوله عليه السلام لفاطمة بنت قيس حين شاورته عليه السلام لما خطبها معاوية بن أبي سفيان وأبو جهم أما معاوية فرجل صعلوك لا مال له وأما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه فذكر عيبين فيهما ما يكرهانه لو سمعاه وأبيح ذلك لمصلحة النصيحة ويشترط في هذا القسم أن تكون الحاجة ماسة لذلك وأن يقتصر الناصح من العيوب على ما يخل بتلك المصلحة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
إلى حد الكبيرة أولا وإلى مكروه تنزيها والحسنة إلى واجبة ومندوبة ومباحة التي اختاره الأصل وابن الشاط ومحمد الزرقاني بل جرى عليها عمل أصحاب مالك المتأخرين كالزقاق وغيره وبنى عليها الأصل الفرق بين القاعدتين المذكورتين وإليها ذهب الإمام النووي والإمام ابن عبد السلام شيخ الشيخ القرافي وغير واحد من أصحاب الشافعي مبنية على ثلاثة أمور أيضا الأول أن البدعة حقيقة فيما لم يفعل في الصدر الأول كان له أصل من أصول الشرع أم لا الأمر الثاني أن جميع ما ورد في البدع من نحو قوله صلى الله عليه وسلم كل بدعة ضلالة عام مخصوص الأمر الثالث القول بأن جميع المخترعات من العاديات ولو لم يلحقها شائبة تعبد تلحق بالبدع وتصير كالعبادات المخترعة والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الثالث والخمسون والمائتان بين قاعدة الغيبة المحرمة وقاعدة الغيبة التي لا تحرم
وهو أن الأصل في الغيبة الحرمة لنهي الله عنها بقوله تعالى ولا يغتب بعضكم بعضا أي لا يتكلم أحد منكم في حق أحد في غيبته بما هو فيه مما يكرهه ففيما رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم وطرقه كثيرة عن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال أتدرون ما الغيبة قالوا الله ورسوله أعلم قال ذكرك أخاك بما يكره كما في الزواجر وفي الأصل أن تذكر في المرء ما يكره إن سمع قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته قال الأصل فدل قوله صلى الله عليه وسلم إن سمع نصا على أنه لا يسمى ما يكرهه الإنسان إذا سمعه غيبة إلا إذا كان غائبا وليس بحاضر أي سواء كان حيا أو ميتا قال ولفظ ما من صيغ العموم فتتناول جميع ما يكره
ا ه
أي سواء كان في بدنه كأحول أو قصير أو أسود أو ضدها أو في نسبه كأبوه هندي أو إسكاف أو نحوهما مما يكرهه كيف كان أو في خلقه كسيئ الخلق عاجز ضعيف أو
360
360
خاصة التي حصلت المشاورة فيها أو التي يعتقد الناصح أن المنصوح شرع فيها أو هو على عزم ذلك فينصحه وإن لم يستشره فإن حفظ مال الإنسان وعرضه ودمه عليك واجب وإن لم يعرض لك بذلك فالشرط الأول احتراز من ذكر عيوب الناس مطلقا لجواز أن يقع بينهما من المخالطة ما يقتضي ذلك فهذا حرام بل لا يجوز إلا عند مسيس الحاجة ولولا ذلك لأبيحت الغيبة مطلقا لأن الجواز قائم في الكل والشرط الثاني احتراز من أن يستشار في أمر الزواج فيذكر العيوب المخلة بمصلحة الزواج والعيوب المخلة بالشركة أو المساقاة أو يستشار في السفر معه فتذكر العيوب المخلة بمصلحة السفر والعيوب المخلة بالزواج فالزيادة على العيوب المخلة بما استشرت فيه حرام بل تقتصر على عين ما عين أو تعين الإقدام عليه
الثانية
التجريح والتعديل في الشهود عند الحاكم عند توقع الحكم بقول المجرح ولو في مستقبل الزمان أما عند غير الحاكم فيحرم لعدم الحاجة لذلك والتفكه بأعراض المسلمين حرام والأصل فيها العصمة وكذلك رواة الحديث يجوز وضع الكتب في جرح المجروح منهم والإخبار بذلك لطلبة العلم الحاملين لذلك لمن ينتفع به وهذا الباب أوسع من أمر
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
في فعله الديني ككذاب أو متهاون بالصلاة أو لا يحسنها أو عاق لوالديه أو لا يعطي الزكاة أو لا يؤديها لمستحقيها أو في فعله الدنيوي كقليل الأدب أو لا يرى لأحد حقا على نفسه أو كثير الأكل أو النوم أو في ثوبه كطويل الذيل أو قصيره وسخه أو في داره كقليلة المرافق أو في دابته كجموح أو في ولده كقليل التربية أو في زوجته ككثيرة الخروج أو عجوز أو تحكم عليه أو قليلة النظافة أو في خادمه كآبق أو غير ذلك من كل ما يعلم أنه يكرهه لو بلغه وحكمة تحريمها مع أنها صدق المبالغة في حفظ عرض المؤمن والإشارة إلى عظيم تأكد حرمته وحقوقه
وزاد تعالى ذلك تأكيدا وتحقيقا بتشبيه عرضه بلحمه ودمه مع المبالغة في ذلك أيضا بالتعبير فيه بالأحب فقال عز من قائل أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ووجه التشبيه أن الإنسان يتألم قلبه من قرض عرضه كما يتألم بدنه من قطع لحمه لأكله بل أبلغ لأن عرض العاقل عنده أشرف من لحمه ودمه وكما أنه لا يحسن من عاقل أكل لحوم الناس لا يحسن منه قرض عرضهم بالطريق الأولى لأنه ألم ووجه الآكدية في لحم أخيه أن الأخ لا يمكنه مضغ لحم أخيه فضلا عن أكله بخلاف العدو فإنه يأكل لحم عدوه من غير توقف منه في ذلك واندفع بميتا الواقع حالا إما من لحم أخيه أو أخيه ما قد يقال إنما تحرم الغيبة في الوجه لأنها التي تؤلم حينئذ بخلافها في الغيبة فإنه لا اطلاع للمغتاب عليها ووجه اندفاع هذا أن أكل لحم الأخ وهو ميت لا يؤلم أيضا ومع ذلك هو في غاية القبح كما أنه لو فرض الاطلاع لتألم به فإن الميت لو أحس بأكل لحمه لآلمه فكذا الغيبة تحرم في الغيبة لأن المغتاب لو اطلع عليها لتألم وأيضا ففي العرض حق مؤكد لله تعالى فلو فرض أن الغيبة وقعت بحيث لا يمكن المغتاب العلم بها حرمت أيضا رعاية لحق الله تعالى وفطما للناس عن الأعراض والخوض فيها بوجه من الوجوه اللهم إلا للأسباب الآتية لأنها محل ضرورة فتباح حينئذ لأجل الضرورة كما أشارت الآية إلى ذلك أيضا بذكر ميتا إذ لحم الميت إنما يحل للضرورة
361
361
الشهود لأنه لا يختص بحكام بل يجوز وضع ذلك لمن يضبطه وينقله وإن لم تعلم عين الناقل لأنه يجري مجرى ضبط السنة والأحاديث وطالب ذلك غير متعين ويشترط في هذين القسمين أن تكون النية فيه خالصة لله تعالى في نصيحة المسلمين عند حكامهم وفي ضبط شرائعهم أما متى كان لأجل عداوة أو تفكه بالأعراض وجريا مع الهوى فذلك حرام وإن حصلت به المصالح عند الحكام والرواة فإن المعصية قد تجر للمصلحة كمن قتل كافرا يظنه مسلما فإنه عاص بظنه وإن حصلت المصلحة بقتل الكافر وكذلك من يريق خمرا ويظنه خلا اندفعت المفسدة بفعله واشترط أيضا في هذا القسم الاقتصار على القوادح المخلة بالشهادة أو الرواية فلا يقول هو ابن زنا ولا أبوه لاعن منه إلى غير ذلك من المؤلمات التي لا تعلق لها بالشهادة والرواية
الثالثة
المعلن بالفسوق كقول امرئ القيس فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع فيفتخر بالزنا في شعره فلا يضر أن يحكى ذلك عنه لأنه لا يتألم إذا سمعه بل قد يسر بتلك المخازي فإن الغيبة إنما حرمت لحق المغتاب وتألمه وكذلك من أعلن بالمكس وتظاهر بطلبه من الأمراء والملوك وفعله ونازع
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الحاقة حتى لو وجد المضطر ميتة أخرى مع ميتة الآدمي لم تحل له ميتة الآدمي بخلاف ما لو لم يجد إلا ميتة الآدمي فإذا تحقق الفرض الصحيح الشرعي الذي لا يتوصل إليه إلا بالغيبة خرجت عن أصلها من الحرمة وحينئذ فتجب أو تباح
وتنحصر التي لا تحرم للغرض الصحيح الشرعي في ستة أبواب نظمها الكمال بقوله القدح ليس بغيبة في ستة متظلم ومعرف ومحذر ولمظهر فسقا ومستفت ومن طلب الإعانة في إزالة منكر كما في حاشية العطار على محلى جمع الجوامع وبيانها كما في الزواجر
الأول
المتظلم فلمن ظلم أن يشكو لمن يظن أن له قدرة على إزالة ظلمه أو تخفيفه كأن يقول لولاة الأمور إن فلانا أخذ مالي وغصبني أو ثلم عرضي إلى غير ذلك من القوادح المكروهة لضرورة دفع الظلم عنه الثاني الاستعانة على تغيير المنكر بذكره لمن يظن قدرته على إزالته بنحو فلان يعمل كذا فازجره عنه بقصد التوصل إلى إزالة المنكر وإلا كان غيبة محرمة ما لم يكن الفاعل مجاهرا لما يأتي الثالث الاستفتاء بأن يقول لمفت ظلمني بكذا فلان فهل يجوز له وما طريقي في خلاصي منه أو تحصيل حقي أو نحو ذلك والأفضل أن يبهمه فيقول ما تقول في شخص أو زوج كان من أمره كذا لحصول الغرض به وإنما جاز التصريح باسمه مع ذلك لأن المفتي قد يدرك من تعيينه معنى لا يدركه مع إبهامه فكان في التعيين نوع مصلحة لأن هند امرأة أبي سفيان رضي الله عنهما لما قالت للنبي صلى الله عليه وسلم إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم قال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف متفق عليه الرابع تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم كجرح الرواة والشهود والمصنفين والمتصدين لإفتاء أو إقراء مع عدم أهليته أو مع نحو فسق أو بدعة وهم دعاة إليها ولو سرا فيجوز إجماعا بل يجب وكان يذكر لمن له قدرة على عزل ذي الولاية وتولية غيره أو على نصحه وحثه
362
362
فيه أبناء الدنيا وأبناء جنسه كثير من اللصوص يفتخر بالسرقة والاقتدار على التسور على الدور العظام والحصون الكبار فذكر مثل هذا عن هذه الطوائف لا يحرم فإنهم لا يتأذون بسماعه بل يسرون
الرابعة
أرباب البدع والتصانيف المضلة ينبغي أن يشهر الناس فسادها وعيبها وأنهم على غير الصواب ليحذرها الناس الضعفاء فلا يقعوا فيها وينفر عن تلك المفاسد ما أمكن بشرط أن لا يتعدى فيها الصدق ولا يفترى على أهلها من الفسوق والفواحش ما لم يفعلوه بل يقتصر على ما فيهم من المنفرات خاصة فلا يقال على المبتدع إنه يشرب الخمر ولا أنه يزني ولا غير ذلك مما ليس فيه وهذا القسم داخل في النصيحة غير أنه لا يتوقف على المشاورة ولا مقارنة الوقوع في المفسدة ومن مات من أهل الضلال ولم يترك شيعة تعظمه ولا كتبا تقرأ ولا سببا يخشى منه إفساد لغيره فينبغي أن يستر بستر الله تعالى ولا يذكر له عيب ألبتة وحسابه على الله تعالى وقد قال عليه السلام اذكروا محاسن موتاكم فالأصل اتباع هذا إلا ما استثناه صاحب الشرع الخامسة إذا كنت
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
على الاستقامة ما يعلمه منه قادحا فيها كفسق أو تغفل لوجوب ذلك عليه وكان يشير ولو إن لم يستشر على مريد تزويج أو مخالطة لغيره في أمر ديني أو دنيوي وقد علم في ذلك الغير قبيحا منفرا كفسق أو بدعة أو طمع أو غير ذلك كفقر في الزوج لقوله عليه السلام لفاطمة بنت قيس حين شاورته عليه السلام لما خطبها معاوية بن أبي سفيان وأبو جهم أما معاوية فرجل صعلوك لا مال له وأما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه متفق عليه وفي رواية لمسلم وأما أبو الجهم فضراب للنساء وبه يرد تفسير الأول بأنه كناية عن كثرة أسفاره فذكر صلى الله عليه وسلم فيهما ما يكرهانه لو سمعاه وأبيح ذلك لمصلحة النصيحة ويشترط في هذا الباب أن تكون الحاجة ماسة لذلك وأن يقتصر الناصح من العيوب على ما يخل بتلك المصلحة خاصة التي حصلت المشاورة فيها أو التي يعتقد الناصح أن المنصوح شرع فيها أو هو على عزم ذلك فينصحه وإن لم يستشره فإن حفظ مال الإنسان وعرضه ودمه عليك واجب وإن لم يعرض لك بذلك فالشرط الأول احتراز من ذكر عيوب الناس مطلقا لجواز أن يقع بينهما من المخالطة ما يقتضي ذلك فهذا حرام لا يجوز إلا عند مسيس الحاجة ولولا ذلك لأبيحت الغيبة مطلقا لأن الجواز قائم في الكل والشرط الثاني احتراز من أن يستشار في أمر الزوج فيذكر العيوب المخلة بمصلحة الزواج والعيوب المخلة بالشركة والمساقاة أو يستشار في السفر معه فيذكر العيوب المخلة بمصلحة السفر والعيوب المخلة بالزواج فالزيادة على العيوب المخلة بما استشير فيه حرام مثلا إن كفى نحو لا يصلح لك لم يزد عليه وإن توقف على ذكر عيب ذكره ولا تجوز الزيادة عليه أو عيبين اقتصر عليهما وهكذا لأن ذلك كإباحة الميتة للمضطر فلا يجوز تناول شيء منها إلا بقدر الضرورة ويشترط أن يقصد بذلك بذل النصيحة لوجه الله تعالى دون حظ آخر وكثيرا ما يغفل الإنسان عن ذلك فيلبس عليه الشيطان ويحمله على التكلم به حينئذ لا نصحا ويزين
363
363
أنت والمغتاب عنده قد سبق لكما العلم بالمغتاب به فإن ذكره بعد ذلك لا يحط قدر المغتاب عند المغتاب عنده لتقدم علمه بذلك فقال بعض الفضلاء لا يعرى هذا القسم عن نهي لأنكما إذا تركتما الحديث فيه ربما نسي فاستراح الرجل المعيب بذلك من ذكر حاله وإذا تعاهدتماه أدى ذلك إلى عدم نسيانه
السادسة
الدعوى عند ولاة الأمور فيجوز أن يقول إن فلانا أخذ مالي وغصبني وثلم عرضي إلى غير ذلك من القوادح المكروهة لضرورة دفع الظلم عنك تنبيه سألت جماعة من المحدثين والعلماء الراسخين في العلم عمن يروي قوله صلى الله عليه وسلم لا غيبة في فاسق فقالوا لي لم يصح ولا يجوز التفكه بعرض الفاسق فاعلم ذلك فهذا هو تلخيص الفرق بين ما يحرم من الغيبة وما لا يحرم
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
له أنه نصح وخير
الخامس
أن يتجاهر بفسقه أو بدعته كالمكاسين وشربة الخمر ظاهرا وذوي الولايات الباطلة وكقول امرئ القيس فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع بسقط اللوى بين الدخول فحومل فذكر مثل هذا عن هذه الطوائف لا يحرم فإنهم لا يتأذون بذلك بل يسرون ولأنه صلى الله عليه وسلم قال في الذي استأذن عليه ائذنوا له بئس أخو العشيرة متفق عليه وقد احتج به البخاري في جواز غيبة أهل الفساد وأهل الريب وروى خبرا ما أظن فلانا وفلانا يعرفان من ديننا شيئا قال الليث كانا منافقين هما مخرمة بن نوفل بن عبد مناف القرشي وعيينة بن حصن الفزاري لكن بشرط الاقتصار على ما تجاهروا به دون غيره فيحرم ذكرهم بعيب آخر إلا أن يكون لسبب آخر مما مر فمن هنا قال الأصل سألت جماعة من المحدثين والعلماء الراسخين في العلم عمن يروي قوله صلى الله عليه وسلم لا غيبة في فاسق فقالوا لي لم يصح ولا يجوز التفكه بعرض الفاسق فاعلم ذلك ونقل في الزواجر عن الخادم أنه وجد بخط الإمام تقي الدين بن دقيق العيد أن القفال في فتاويه خصص الغيبة بالصفات التي لا تذم شرعا بخلاف نحو الزنا فيجوز ذكره لقوله صلى الله عليه وسلم اذكروا الفاسق بما فيه تحذره الناس غير أن المستحب الستر حيث لا غرض فإن كان هناك غرض كتجريحه أو إخبار مخالطة فيلزم بيانه
ا ه
قال الخادم وما ذكره من الجواز في الأول لا لغرض شرعي ضعيف لا يوافق عليه والحديث المذكور ضعيف وقال أحمد منكر وقال البيهقي ليس بشيء فإن صح حمل على فاجر معلن بفجوره أو يأتي بشهادة أو يعتمد عليه فيحتاج إلى بيان حاله لئلا يقع الاعتماد عليه
ا ه
وهذا الذي حمله البيهقي عليه متعين ونقل عن شيخه الحاكم أنه غير صحيح وأورده بلفظ ليس للفاسق غيبة ويقتضى عليه عموم خبر مسلم الذي فيه حدا الغيبة بأنها ذكرك أخاك بما يكره وعليه أجمعت الأمة وهذا كله يرد ما قاله القفال
ا ه
المراد السادس التعريف بنحو لقب كالأعور والأعمش والأصم والأقرع فيجوز وإن أمكن تعريفه بغيره نعم إن سهل تعريفه بغيره فهو أولى والشرط أن يكون ذكر نحو الأعور على جهة التعريف لا التنقيص وإلا حرم فأكثر هذه الأسباب الستة مجمع عليه ويدل لها من السنة أحاديث صحيحة مشهورة
ا ه
أي كالذي تقدم الاستدلال بها وزاد الأصل سابعا وهو ما إذا كنت
364
364
الفرق الرابع والخمسون والمائتان بين قاعدة الغيبة وقاعدة النميمة والهمز واللمز
أما الغيبة فقد تقدم بيانها وإنما حرمت لما فيها من مفسدة إفساد الأعراض والنميمة أن ينقل إليه عن غيره أنه يتعرض لأذاه فحرمت لما فيها من مفسدة إلقاء البغضة بين الناس ويستثنى منها النصيحة فيقول له إن فلانا يقصد قتلك ونحو ذلك لأنه من النصيحة الواجبة كما تقدم في الغيبة والهمز تعييب الإنسان بحضوره واللمز هو تعييبه بغيبته فتكون هي الغيبة وقيل بالعكس
هامش أنوار البروق
الرابع والخمسون والمائتان إلا قوله وقيل بالعكس فإني لا أدري الآن مراده بذلك وما قال في
هامش إدرار الشروق
والمغتاب عنده قد سبق لكما العلم بالمغتاب به قال فإن ذكره بعد ذلك لا يحط قدر المغتاب عنده لتقدم علمه بذلك فقال بعض الفضلاء لا يعرى هذا القسم عن نهي لأنكما إذا تركتما الحديث فيه ربما نسي فاستراح الرجل المغيب بذلك من ذكر حاله وإذا تعاهدتماه أدى ذلك إلى عدم نسيانه هذا ما ذكره الأصل في تلخيص الفرق بين ما يحرم من الغيبة وما لا يحرم منها وصححه ابن الشاط مع زيادة من كتاب الزواجر لابن حجر والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق السادس والخمسون والمائتان بين قاعدة الغيبة وقاعدة النميمة والهمز واللمز
وهو أنه قد تقدم تعريف الغيبة بأنها ذكرك أخاك بما يكره إن سمعه وتقدم أنها إنما حرمت لما فيها من مفسدة إفساد العرض وعرفوا النميمة بأنها نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على وجه الإفساد بينهم فحرمت لما فيها من مفسدة إلقاء البغضة بين الناس ويستثنى منها ما كان النقل فيها على جهة النصيحة كأن يقول له إن فلانا يقصد قتلك ونحو ذلك لأنها من النصيحة الواجبة كما تقدم في الغيبة قال في الإحياء وما ذكر في تعريف النميمة هو الأكثر ولا يختص بذلك بل هي كشف ما يكره كشفه سواء أكرهه المنقول عنه أو إليه أو ثالث وسواء كان كشفه بقول أو كتابة أو رمز أو إيماء وسواء في المنقول كونه فعلا أو قولا عيبا أو نقصا في المنقول عنه أو غيره فحقيقة النميمة إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه وحينئذ ينبغي السكوت عن حكاية كل شيء شوهد من أحوال الناس إلا ما في حكايته نفع لمسلم أو دفع ضر كما لو رأى من يتناول مال غيره فعليه أن يشهد به بخلاف ما لو رأى من يخفي مال نفسه فذكره فهو نميمة وإفشاء للسر
فإن كان ما ينم به نقصا أو عيبا في المحكي عنه فهو غيبة ونميمة
ا ه
قال ابن حجر في الزواجر وما ذكره إن أراد بكونه نميمة أنه كبيرة في سائر الأحوال التي ذكرها ففيه بإطلاقه نظر ظاهر لأن ما فسروا به النميمة لا يخفى أن وجه كونه كبيرة ما فيه من الإفساد المترتب عليه من المضار والمفاسد ما لا يخفى والحكم على ما هو كذلك بأنه كبيرة ظاهر جلي وليس في معناه بل ولا قريبا منه مجرد الإخبار بشيء عمن يكره كشفه من غير أن يترتب عليه ضرر ولا هو عيب ولا نقص فالذي يتجه في هذا أنه وإن سلم للغزالي تسميته نميمة
365
365
فارغة
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
لا يكون كبيرة ويؤيده أنه نفسه شرط في كونه غيبة كونه عيبا ونقصا حيث قال فإن كان ما ينم به نقصا إلخ فإذن لم توجد الغيبة إلا مع كونه نقصا فالنميمة الأقبح من الغيبة ينبغي أن لا توجد بوصف كونها كبيرة إلا إذا كان فيما ينم به مفسدة تقارب مفسدة الإفساد التي صرحوا به فتأمل ذلك فإني لم أر من نبه عليه وإنما ينقلون كلام الغزالي ولا يتعرضون لما فيه مما نبهت عليه نعم من قال إن الغيبة كبيرة مطلقا ينبغي أنه لا يشترط في النميمة إلا أن يكون فيها مفسدة كمفسدة الغيبة وإن لم تصل إلى مفسدة الإفساد بين الناس قال والباعث على النميمة منه إرادة السوء بالمحكي عليه أو الحب للمحكي له أو الفرح بالخوض في الفضول وعلاج النميمة هو نحو ما قالوه في علاج الغيبة
وهو إما إجمالي بأن تعلم أنك قد تعرضت بها لسخط الله تعالى وعقوبته كما دلت عليه الآية والأخبار التي وردت في ذلك وأنها تحبط حسناتك لما في خبر مسلم في المفلس من أنه تؤخذ حسناته إلى أن تفنى فإن بقي عليه شيء وضع عليه من سيئات خصمه ومن المعلوم أن من زادت حسناته كان من أهل الجنة أو سيئاته كان من أهل النار فإن استويا فمن أهل الأعراف كما جاء في حديث فاحذر أن تكون الغيبة سببا لفناء حسناتك وزيادة سيئاتك فتكون من أهل النار على أنه روي أن الغيبة والنميمة تحتان الإيمان كما يعضد الراعي الشجرة ومما ينفعك أيضا أنك تتدبر في عيوبك وتجتهد في الطهارة منها وتستحيي من أن تذم غيرك بما أنت متلبس به أو بنظيره فإن كان أمرا خلقيا فالذم له ذم للخالق إذ من ذم صنعة ذم صانعها فإن لم تجد لك عيبا وهو بعيد فاشكر الله إذ تفضل عليك بالنزاهة عن العيوب وينفعك أيضا أن تعلم أن تأذي غيرك بالغيبة كتأذيك بها فكيف ترضى لغيرك ما تتأذى به وإما تفصيلي بأن تنظر في باعثها فتقطعه من أصله إذ علاج العلة إنما يكون بقطع سببها وإذا استحضرت البواعث عليها وهي كثيرة منها الغضب والحقد وتشفي الغيظ بذكر مساوئ من أغضبك ومنها موافقة الإخوان ومجاملتهم بالاسترسال معهم فيما هم فيه أو إبداء نظير ما أبدوه خشية أنه لو سكت أو أنكر استثقلوه
ومنها الحسد لثناء الناس عليه ومحبتهم له ومنها قصد المباهاة وتزكية النفس ومنها السخرية والاستهزاء به تحقيرا له ظهر لك السعي في قطعها كأن تستحضر في الغضب أنك إن أمضيت غضبك فيه بغيبة أمضى الله غضبه فيك لاستخفافك بنهيه وجراءتك على وعيده وفي حديث أن لجهنم بابا لا يدخله إلا من شفى غيظه بمعصية الله تعالى وفي الموافقة أنك إذا أرضيت المخاليق بغضب الله عاجلك بعقوبته إذ لا أغير من الله تعالى وفي الحسد أنك جمعت بين خسار الدنيا بحسدك له على نعمته وكونه معذبا بالحسد وخسارة الآخرة لأنك نصرته بإهداء حسناتك إليه أو طرح سيئاته عليك فصرت صديقه وعدو نفسك فجمعت إلى خبث حسدك جهل حماقتك وربما كان ذلك منك سبب انتشار فضله كما قيل وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود وفي قصد المباهاة وتزكية النفس أنك بما ذكرته فيه أبطلت فضلك عند الله وأنت لست على ثقة من اعتقاد الناس فيك بل ربما مقتوك إذا عرفوك بثلب الأعراض وقبح الأغراض فقد بعت ما عند الله يقينا بما عند المخلوق العاجز وهما وفي الاستهزاء أنك إذا أخزيت غيرك عند الناس فقد أخزيت نفسك عند الله وشتان ما بينهما وعلاج بقية البواعث ظاهر مما تقرر فلا حاجة للإطالة به
ا ه
366
366
الفرق الخامس والخمسون والمائتان بين قاعدة الزهد وقاعدة ذات اليد
اعلم أن الزهد ليس عدم المال بل عدم احتفال القلب بالدنيا والأموال فإن كانت في ملكه فقد يكون الزاهد من أغنى الناس وهو زاهد لأنه غير محتفل بما في يده وبذله في طاعة الله تعالى أيسر عليه من بذل الفلس على غيره وقد يكون الشديد الفقر غير زاهد بل في غاية الحرص لأجل ما اشتمل عليه قلبه من الرغبة في الدنيا والزهد في المحرمات
هامش أنوار البروق
الفرق الخامس والخمسين والمائتين صحيح
هامش إدرار الشروق
قال الأصل والهمز تعييب الإنسان بحضوره واللمز تعييبه بغيبته فتكون هي الغيبة وقيل بالعكس
ا ه
أي أن اللمز تعييبه بحضوره والهمز تعييبه بغيبته فتكون هي الغيبة على ما للأصل نظرا لزيادة إن سمع في حديث تفسير الغيبة وصححه ابن الشاط ووافقه غير واحد من المحققين كالسيد الجرجاني فقال في تعريفاته الغيبة ذكر مساوئ الإنسان في غيبته وهي فيه وإن لم تكن فيه فهي بهتان وإن واجهه بها فهو شتم
ا ه
بلفظه
وقال ابن حجر في الزواجر علم من خبر مسلم السابق أي في تفسير الغيبة بدون الزيادة التي ذكرها الأصل فيه مع ما صرح به الأئمة أن الغيبة أن تذكر مسلما أو ذميا على الوجه بل الصواب معينا للسامع حيا أو ميتا بما يكره أن يذكر به مما هو فيه بحضرته أو غيبته والتعبير بالأخ في الخبر كالآية للعطف والتذكير بالسبب الباعث على أن الترك متأكد في حق المسلم أكثر لأنه أشرف وأعظم حرمة قال وعدم الفرق في الغيبة بين أن تكون في غيبة المغتاب أو بحضرته هو المعتمد وفي الخادم ومن المهتم به ضابط الغيبة هل هي ذكر المساوئ في الغيبة كما يقتضيه اسمها أو لا فرق بين الغيبة والحضور وقد دار هذا السؤال بين جماعة ثم رأيت ابن فورك ذكر في مشكل القرآن في تفسير الحجرات ضابطا حسنا فقال الغيبة ذكر الغير بظهر الغيب وكذا قال سليم الرازي في تفسير الغيبة أن تذكر الإنسان من خلفه بسوء وإن كان فيه وفي المحكم لا تكون إلا من ورائه وقال ابن حجر أيضا واللمز بالقول وغيره والهمز بالقول فقط وروى البيهقي عن ابن جريج أن الهمز بالعين والشدق واليد واللمز باللسان قال البيهقي وبلغني عن الليث أنه قال اللمزة الذي يعيبك في وجهك والهمزة الذي يعيبك بالغيب وفي الإحياء قال مجاهد ويل لكل همزة لمزة الهمزة الطعان في الناس واللمزة الذي يأكل لحوم الناس
ا ه
المراد والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الخامس والخمسون والمائتان بين قاعدة الزهد وقاعدة ذات اليد
الزهد في اللغة قال في المختار ضد الرغبة تقول زهد فيه وزهد عنه من باب سلم وزهد أيضا وزهد يزهد بالفتح فيهما زهدا وزهادة بالفتح لغة فيه والتزهد التعبد والتزهيد ضد الترغيب والمزهد بوزن المرشد القليل المحال وفي الحديث أفضل الناس مؤمن مزهد وفي تعريفات الجرجاني الزهد لغة ترك الميل إلى الشيء وفي اصطلاح أهل الحق هو بغض الدنيا والإعراض عنها وقيل هو ترك راحة الدنيا
367
367
واجب وفي الواجبات حرام وفي المندوبات مكروه وفي المباحات مندوب وإن كانت مباحة لأن الميل إليها يفضي لارتكاب المحرمات والمكروهات فتركها من باب الوسائل المندوبة
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
طلبا لراحة الآخرة وقيل هو أن يخلو قلبك مما خلت منه يدك
ا ه
وقال الأصل هو عدم الاحتفال بالدنيا والأموال وإن كانت في ملكه لا عدم المال
ا ه
قلت وتعريفه له وإن كان عدميا عين التعريف الأول له في كلام الجرجاني وإن كان وجوديا وقريب منهما التعريف الثاني في كلام الجرجاني وذات اليد الغني ولو لم يزهد عما في يده من المال فبين الزهد على تعريف الأصل والأول والثاني من تعريفات الجرجاني وبين ذات اليد العموم والخصوص الوجهي لأنه قد يكون الزاهد من أغنى الناس وهو زاهد لأنه غير محتفل بما في يده وبذله الأموال العظيمة في طاعة الله تعالى أيسر عليه من بذل الفلس على غيره وقد يكون فقيرا كما أن ذا اليد قد يكون غير زاهد وقد يكون زاهدا وكذا بين الزهد وبين الفقر العموم والخصوص الوجهي لأن الشديد الفقر قد يكون غير زاهد بل في غاية الحرص لأجل ما اشتمل عليه قلبه من الرغبة في الدنيا وبين الزهد بالتعريف الثالث من تعريفات الجرجاني وبين ذات اليد التباين الكلي وبينه وبين الفقر العموم والخصوص المطلق كما لا يخفى فافهم قال الأصل وصححه ابن الشاط والزهد في المحرمات واجب وفي الواجبات حرام وفي المندوبات مكروه وفي المباحات مندوب وإن كانت مباحة لأن الميل إليها يفضي إلى ارتكاب المحرمات والمكروهات فتركها من باب الوسائل المندوبة
ا ه
والله سبحانه وتعالى أعلم
368
368
الفرق السادس والخمسون والمائتان بين قاعدة الزهد وقاعدة الورع
فالزهد هيئة في القلب كما تقدم بيانه والورع من أفعال الجوارح وهو ترك ما لا بأس به حذرا مما به البأس وأصله قوله عليه السلام الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه سلم وهو مندوب إليه ومنه الخروج عن خلاف العلماء بحسب الإمكان فإن اختلف العلماء في فعل هل هو مباح أو حرام فالورع الترك أو هو مباح أو واجب فالورع الفعل مع اعتقاد الوجوب حتى يجزئ عن الواجب على المذهب وإن اختلفوا فيه هل هو مندوب أو حرام فالورع الترك أو مكروه أو واجب فالورع الفعل حذرا من العقاب في ترك الواجب وفعل المكروه لا يضره وإن اختلفوا هل هو
هامش أنوار البروق
قال الفرق السادس والخمسون والمائتان بين قاعدة الزهد وقاعدة الورع فالزهد هو هيئة في القلب كما تقدم بيانه والورع من أفعال الجوارح وهو ترك ما لا بأس به حذرا مما به بأس وأصله قوله صلى الله عليه وسلم الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه وهو مندوب إليه قلت ما قاله في ذلك صحيح قال ومنه الخروج عن خلاف العلماء بحسب الإمكان فإن اختلف العلماء في فعل هل هو مباح أو حرام فالورع الترك أو هو مباح أو واجب فالورع الفعل مع اعتقاد الوجوب حتى يجزئ عن الواجب على المذهب وإن اختلفوا فيه هل هو مندوب أو حرام
هامش إدرار الشروق
الفرق السادس والخمسون والمائتان بين قاعدة الزهد وقاعدة الورع
وهو أن الزهد على تعريف الأصل والأول والثالث من تعريفات الجرجاني المتقدمة هيئة في القلب وعلى الثاني من تعريفات الجرجاني فعل من أفعال الجوارح وأما الورع ففي الأصل هو ترك ما لا بأس به حذرا مما به البأس وفي تعريفات الجرجاني هو اجتناب الشبهات خوفا من الوقوع في المحرمات وقيل هي ملازمة الأعمال الجميلة
ا ه
قلت ومآل الثلاثة أن الورع فعل من أفعال الجوارح وأصلها قوله عليه الصلاة والسلام الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه أي سلم دينه وعرضه وهو مندوب إليه وبينه وبين الزهد على تعريف الأصل والأول والثالث من تعريفات الجرجاني المتقدمة التباين الكلي وبينه وبين الزهد على الثاني من تعريفات الجرجاني المتقدم العموم والخصوص المطلق والزهد هو الأعم فليتأمل بإمعان وفي العزيزي بعد ما رواه في الجامع الصغير عما خرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عمر رضي الله عنهما عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا أعطيت شيئا من غير أن تسأل فكل وتصدق
369
369
مشروع أم لا فالورع الفعل لأن القائل بالمشروعية مثبت لأمر لم يطلع عليه النافي والمثبت مقدم على النافي كتعارض البينات وذلك كاختلاف العلماء في مشروعية الفاتحة في صلاة الجنازة فمالك يقول ليست بمشروعة والشافعي يقول هي مشروعة أو واجبة فالورع الفعل لتيقن الخلوص من إثم ترك الواجب على مذهبه وكالبسملة قال مالك هي في الصلاة مكروهة وقال الشافعي هي واجبة فالورع الفعل للخروج عن عهدة ترك الواجب فإن اختلفوا هل هو حرام أو واجب فالعقاب متوقع على كل تقدير فلا ورع إلا أن نقول إن المحرم إذا عارضه الواجب قدم على الواجب لأن رعاية درء المفاسد أولى من رعاية حصول المصالح وهو الأنظر فيقدم المحرم ها هنا فيكون
هامش أنوار البروق
فالورع الترك أو مكروه أو واجب فالورع الفعل حذرا من العقاب في ترك الواجب وفعل المكروه لا يضره وإن اختلفوا هل هو مشروع أم لا فالورع الفعل لأن القائل بالمشروعية مثبت لأمر لم يطلع عليه النافي والمثبت مقدم على النافي كتعارض البينات وذلك كاختلاف العلماء في مشروعية الفاتحة في صلاة الجنازة فمالك يقول ليست مشروعة والشافعي يقول هي مشروعة وواجبة فالورع الفعل لتيقن الخلوص من إثم ترك الواجب على مذهبه وكالبسملة قال مالك هي في الصلاة مكروهة وقال الشافعي هي واجبة فالورع الفعل للخروج عن عهدة ترك الواجب فإن اختلفوا هل هو حرام أو واجب فالعقاب متوقع على كل تقدير فلا ورع إلا أن المحرم إذا عارضه الواجب قدم على الواجب لأن رعاية درء المفاسد أولى من رعاية حصول المصالح وهو الأنظر فيقدم المحرم ها هنا فيكون الورع الترك وإن اختلفوا هل هو مندوب أو مكروه
هامش إدرار الشروق
قال المناوي إرشاد يعني انتفع به وفيه إشارة إلى أن شرط قبول المبذول علم حله باعتبار الظاهر ويؤخذ من كلام العلقمي أنه إن علم حله استحب القبول وإن علم حرمته حرم القبول وإن شك فالاحتياط رده وهو الورع
ا ه
قال الحفني أو من الشبهة لكن محله إن لم يعارضه حب الثناء كأن يقال فلان زاهد لا يقبل شيئا لأنه يرد ما فيه شبهة حينئذ أخر من قبوله ا ه وفي العزيزي ما رواه سعيد بن منصور في سننه وابن ماجه والبيهقي في سننه عن أنس بن مالك من قوله صلى الله عليه وسلم إذا أقرض أحدكم أخاه قرضا فأهدى إليه طبقا فلا يقبله أو حمله على دابته فلا يركبها إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك المراد أهدى إليه شيئا أو أراد أن يركبه دابته أو يحمل عليها متاعا له فلا يركبها أي لا يستعملها بركوب ولا غيره قال العلقمي هو محمول على التنزه والورع أي فهو خلاف الأولى والله تعالى أعلم وصل في ثلاث مسائل تتعلق بهذا الفرق المسألة الأولى اختلف الأصل وابن الشاط في أن الخروج من خلاف العلماء بحسب الإمكان هل يعد من الورع أو لا يعد منه فذهب الأصل إلى أنه يعد منه وقال فإن اختلف العلماء في فعل هل هو مباح أو حرام فالورع الترك أو هو مباح أو واجب فالورع الفعل مع
370
370
الورع الترك وإن اختلفوا هل هو مندوب أو مكروه فلا ورع لتساوي الجهتين على ما تقدم في المحرم والواجب ويمكن ترجيح المكروه كما تقدم في المحرم وعلى هذا المنوال تجري قاعدة الورع وهذا مع تقارب الأدلة أما إذا كان أحد المذهبين ضعيف الدليل جدا بحيث لو حكم به حاكم لنقضناه لم يحسن الورع في مثله وإنما يحسن إذا كان مما يمكن تقريره شريعة الدال على دخول الورع في ذلك هذا أمر لا أعرف له وجها غير ما يتوهم من توقع الإثم والعقاب وذلك منتف بالدليل الإجماعي القطعي وكيف يصح ذلك والنبي صلى الله عليه وسلم يقول أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم فأطلق القول من غير تقييد ولا تفصيل ولا تنبيه على وجه الورع في ذلك ثم لم يحفظ التنبيه في ذلك عن واحد من أصحابه
هامش أنوار البروق
فلا ورع لتساوي الجهتين على ما تقدم في المحرم والواجب يمكن ترجيح المكروه كما تقدم في المحرم وعلى هذا المنوال تجري قاعدة الورع وهذا مع تقارب الأدلة أما إذا كان أحد المذهبين ضعيف الدليل جدا بحيث لو حكم به حاكم لنقضناه لم يحسن الورع في مثله وإنما يحسن إذا كان مما يمكن تقريره شريعة قلت لا يصح ما قاله من أن الخروج عن الخلاف يكون ورعا بناء على أن الورع في ذلك لتوقع العقاب وأي عقاب يتوقع في ذلك أما على القول بتصويب المجتهدين فالأمر واضح لا إشكال فيه
وأما على القول بتصويب أحد القولين أو الأقوال دون غيره فالإجماع منعقد على عدم تأثيم المخطئ وعدم تعيينه فلا يصح دخول الورع في خلاف العلماء على هذا الوجه وأما الدليل العلم به عادة وإن عنى كما إذا قالت إحدى البينتين رأيناه يوم عرفة من عام
هامش إدرار الشروق
اعتقاد الوجوب حتى يجزئ عن الواجب على المذهب وإن اختلفوا فيه هل هو مندوب أو حرام فالورع الترك أو مكروه أو واجب فالورع الفعل حذرا من العقاب في ترك الواجب وفعل المكروه لا يضره وإن اختلفوا هل هو مشروع أم لا فالورع الفعل لأن القائل بالمشروعية مثبت لأمر لم يطلع عليه النافي والمثبت مقدم على النافي كتعارض البينات وذلك كاختلاف العلماء في مشروعية الفاتحة في صلاة الجنازة فمالك يقول ليست بمشروعة والشافعي يقول هي مشروعة واجبة فالورع الفعل لتيقن الخلوص من إثم ترك الواجب على مذهبه وكالبسملة قال مالك هي في الصلاة مكروهة وقال الشافعي هي واجبة فالورع الفعل للخروج عن عهدة ترك الواجب وإن اختلفوا هل هو حرام أو واجب فالعقاب متوقع على كل تقدير فلا ورع إلا أن تقول إن المحرم إذا عارضه الواجب قدم على الواجب لأن رعاية درء المفاسد أولى من رعاية حصول المصالح وهو الأنظر فيقدم المحرم ها هنا فيكون الورع الترك وإن اختلفوا هل هو مندوب أو مكروه فلا ورع لتساوي الجهتين على ما تقدم في المحرم والواجب ويمكن ترجيح المكروه كما تقدم في المحرم وعلى هذا المنوال تجري قاعدة الورع وهذا مع تقارب الأدلة أما إذا كان أحد المذهبين ضعيف الدليل جدا بحيث لو حكم به حاكم لنقضناه لم يحسن الورع في مثله
371
371
ولا غيرهم من السلف المتقدم ثم الخروج عن الخلاف لا يتأتى في مثل ما مثل به كما في مسألة الخلاف بالتحريم والتحليل في الفعل الواحد فإنه لا بد من الإقدام على ذلك الفعل والانكفاف عنه فإن أقدم عليه المكلف فقد وافق مذهب المحلل وإن انكف عنه فقد وافق مذهب المحرم فأين الخروج عن الخلاف إنما ذلك عمل على وفق أحد المذهبين لا خروج عن المذهبين ومثاله أكل لحوم الخيل فإنه مباح عند الشافعي ممنوع أو مكروه عند مالك فإن أقدم على الأكل فذلك مذهب الشافعي وإن انكف فذلك مذهب مالك وما قاله فيما إذا اختلفوا في المشروعية وعدمها من أن القائل بها مثبت لأمر لم يطلع عليه النافي والمثبت مقدم كتعارض البينات ليس بصحيح على الإطلاق فإنه إن عنى بتعارض البينات كما إذا قالت إحدى البينتين لزيد عند عمرو دينار وقالت
هامش أنوار البروق
سبعمائة بمكة وقالت الأخرى رأيناه في ذلك اليوم بعينه بالمدينة فهذا تعارض ولا يصح تقديم إحداهما على الأخرى إلا بالترجيح وهذه الصورة هي التي تشبه مسألة المجتهدين لا الصورة الأولى فإذا وقع الخلاف في مثل هذا الاجتهاد ثبت الخلاف من غير تقديم لأحد المذهبين على الآخر إلا عند من رجح عنده كالمجتهدين وكل من رجح عنده ذلك المذهب لا يسوغ له تركه وكل من رجح عنده المذهب الآخر لا يسوغ له تركه فلا ورع باعتبار المجتهدين ولا بد لمن حكمه التقليد أن يعمل بالتقليد فإذا قلد أحد المجتهدين لا يتمكن له في تلك الحال وفي تلك القضية أن يقلد الآخر ولا أن ينظر لنفسه لأنه ليس من أهل النظر والمكلفون كلهم دائرون بين الاجتهاد والتقليد والمجتهد ممنوع من الأخذ بغير ما اقتضاه نظره فلا يصح الورع الذي يقتضي خلاف مذهب مقلده في حقه وإذا كان هذا النوع من الورع لا يصح في حق المجتهدين ولا في حق المقلدين فليس بصحيح لأنه لا ثالث
هامش إدرار الشروق
وإنما يحسن إذا كان مما يمكن تقريره شريعة
ا ه
وذهب الإمام ابن الشاط إلى أن الخروج من خلاف العلماء بحسب الإمكان لا يعد من الورع وقال لا يصح ما قاله الشهاب لوجوه
الوجه الأول
أنه مبني على أن الورع في ذلك توقع العقاب وأي عقاب يتوقع في ذلك أما على القول بتصويب المجتهدين فالأمر واضح لا إشكال فيه وأما على القول بتصويب أحد القولين أو الأقوال دون غيره فالإجماع منعقد على عدم تأثيم المخطئ وعدم تعيينه فلا يصح دخول الورع في خلاف العلماء على هذا الوجه الوجه الثاني أنه لا دليل على دخول الورع في ذلك غير ما يتوهم من توقع الإثم والعقاب وذلك منتف بالدليل الإجماعي القطعي الوجه الثالث كيف يصح دخول الورع في ذلك والنبي صلى الله عليه وسلم يقول أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم فأطلق القول من غير تقييد ولا تفصيل ولا تنبيه على وجه الورع في ذلك الوجه الرابع أنه لم يحفظ التنبيه في ذلك عن واحد من أصحابه يعني الصحابة رضي الله عنهم ولا غيرهم من السلف المتقدم الوجه الخامس أن الخروج عن الخلاف لا يتأتى في مثل ما مثل به الشهاب كما في مسألة الخلاف بالتحريم والتحليل في الفعل الواحد فإنه لا بد من الإقدام على ذلك الفعل والانكفاف عنه فإن أقدم المكلف فقد وافق مذهب المحلل وإن انكف عنه فقد وافق مذهب المحرم فأين الخروج عن الخلاف إنما
372
372
الأخرى ليس عنده شيء فلا تعارض لأن النافية معنى نفيها أنها لا تعلم أن له عنده شيئا أو ليس عنده شيء فلا تعارض وليس معنى نفيها أنها تعلم أنه ليس له عنده شيء فإن ذلك أمر يتعذر وها هنا ثلاث مسائل
المسألة الأولى
أنكر جماعة من الفقهاء دخول الورع في مسح الشافعي مثلا جميع رأسه قالوا لأنه إن اعتقد الوجوب فقد ترك الندب فلم يجمع بين المذهبين بل هذا مذهب مالك فقط وإن لم يعتقد الوجوب لم يجزه المسح إلا بنية الندب فما حصل الجمع بين المذهبين وكذلك المالكي إذا بسمل وكل موضع اختلف فيه على هذا النحو يوردون فيه هذا السؤال وليس بوارد بسبب أنا نقول يعتقد في مسح رأسه كله الندب على رأي الشافعي والوجوب على رأي مالك وليس في ذلك الجمع بين الضدين فإن الندب
هامش أنوار البروق
يصح ذلك الورع في حقه والله تعالى أعلم
قال وها هنا ثلاث مسائل المسألة الأولى أنكر جماعة من الفقهاء دخول الورع في مسح الشافعي مثلا جميع رأسه قالوا لأنه إن اعتقد الوجوب فقد ترك الندب فلم يجمع بين المذهبين بل هذا مذهب مالك فقط وإن لم يعتقد الوجوب لم يجزه المسح إلا بنية الندب فما حصل الجمع بين المذهبين وكذلك المالكي إذا بسمل وكل موضع اختلف فيه على هذا النحو يوردون فيه هذا السؤال وليس بوارد لأنا نقول يعتقد في مسح رأسه كله الندب على رأي الشافعي والوجوب على رأي مالك وليس في ذلك الجمع بين الضدين الندب والوجوب فإن الندب والوجوب والأحكام الشرعية أضداد ولكن الجمع بين الضدين إنما يمتنع إذا اتحد المتعلق مع اتحاد المحل أما اتحاد المحل فقط فلا يمتنع لأن الصداقة ضد العداوة والبغضة ضد المحبة ويمكن أن يجتمع في القلب العداوة للكافرين والصداقة للمؤمنين
هامش إدرار الشروق
ذلك عمل على وفق أحد المذهبين لا خروج عن المذهبين ومثاله أكل لحوم الخيل فإنه مباح عند الشافعي ممنوع أو مكروه عند مالك فإن أقدم على الأكل فذلك مذهب الشافعي وإن انكف فذلك مذهب مالك قال وما قاله فيما إذا اختلفوا لنا في المشروعية وعدمها من أن القائل بها مثبت لأمر لم يطلع عليه الثاني والمثبت مقدم على النافي كتعارض البينات ليس بصحيح على الإطلاق فإنه إن عنى بتعارض البينات كما إذا قالت إحدى البينتين لزيد عند عمرو دينا وقالت الأخرى ليس عنده شيء فلا تعارض لأن النافية معنى نفيها أنها لا تعلم أن له عنده شيئا أو ليس عنده شيء فلا تعارض
وليس نفيها أنها تعلم أنه ليس له عنده شيء فإن ذلك أمر يتعذر العلم به عادة وإن عنى كما إذا قالت إحدى البينتين رأيناه يوم عرفة من عام سبعمائة بمكة وقالت الأخرى رأيناه في ذلك اليوم بعينه بالمدينة فهذا تعارض ولا يصح تقديم إحداهما على الأخرى إلا بالترجيح وهذه الصورة هي التي تشبه مسألة المجتهدين لا الصورة الأولى فإذا وقع الخلاف في مثل هذا الاجتهاد ثبت الخلاف من غير تقديم لأحد المذهبين على الآخر إلا عند من رجح عنده كالمجتهدين وكل من رجح عنده ذلك المذهب لا يسوغ له تركه فلا ورع باعتبار المجتهدين ولا بد لمن حكمه التقليد أن يعمل بالتقليد فإذا قلد أحد المجتهدين لا يتمكن له في تلك الحال وفي تلك القضية أن يقلد الآخر ولا أن ينظر لنفسه لأنه ليس من
373
373
والوجوب والأحكام الشرعية أضداد لكن الجمع بين الضدين إنما يمتنع إذا اتحد المتعلق مع اتحاد المحل أما اتحاد المحل فقط فلا يمتنع الجمع لأن الصداقة ضد العداوة والبغضة ضد المحبة ويمكن أن يجتمع في القلب العداوة للكافرين والصداقة للمؤمنين والمحبة للصالحين والبغضة للطالحين بسبب أن متعلق أحد الضدين غير متعلق الآخر كذلك ها هنا اختلفت الإضافة فنقول اعتقد هذا الفعل واجبا على مذهب مالك ومندوبا على مذهب الشافعي فيجمعهما في ذهنه باعتبار جهتين وإضافتين كما يصدق أن زيدا أب لعمرو ليس أبا لخالد فاجتمع فيه النقيضان باعتبار إضافتين وقد أجمع أرباب المعقول على أن من شروط التناقض والتضاد اتحاد الإضافة كما تقدم مثاله في الأبوة فإذا تعددت الإضافة اجتمع النقيضان والضدان وعلى هذا التقدير يجتمع في الذهن الواحد في الزمن
هامش أنوار البروق
والمحبة للصالحين والبغضة للطالحين بسبب أن متعلق أحد الضدين غير متعلق الآخر كذلك ها هنا اختلفت الإضافة فنقول اعتقاد هذا الفعل واجبا على مذهب مالك ومندوبا على مذهب الشافعي فيجمعها في ذهنه باعتبار جهتين وإضافتين كما يصدق أن زيدا أب لعمرو وليس أبا لخالد فاجتمع فيه النقيضان باعتبار إضافتين وقد أجمع أرباب المعقول أن من شروط التناقض والتضاد اتحاد الإضافة كما تقدم مثاله في الأبوة فإذا تعددت الإضافة اجتمع النقيضان والضدان وعلى هذا التقدير يجتمع في الذهن الواحد في الزمن الواحد في الفعل الواحد الوجوب والتحريم والكراهة والندب والإباحة باعتبار خمسة من العلماء القائلين بتلك الأحكام فعلى هذا التقدير تصورنا الجمع بين المذاهب على وجه يحصل الإجزاء والاستيفاء للمقاصد والورع والخروج عن العهدة من غير تناقض فتأمله فقد نازعني فيه كثير من الفضلاء
هامش إدرار الشروق
أهل النظر والمكلفون كلهم دائرون بين الاجتهاد والتقليد والمجتهد ممنوع من الأخذ بغير ما اقتضاه نظره والمقلد ممنوع من الأخذ بالذي يقتضي خلاف مذهب مقلده في حقه فلا يصح الورع الذي يقتضي خلاف نظر المجتهد في حقه وخلاف مذهب المقلد في حق المقلد وإذا كان هذا النوع من الورع لا يصح في حق المجتهدين ولا في حق المقلدين فليس بصحيح لأنه لا ثالث يصح ذلك الورع في حقه قال وبالجملة فلزوم عمل المجتهد ومقلده على حسب مقتضى اجتهاد المجتهد كما يمنع حصول الورع في اختلاف المذاهب بالإيجاب والتحريم إذ يتعين الفعل في الأول
والترك في الثاني كذلك يمنع حصوله في اختلافها بالإيجاب والندب والتحليل أو بالتحريم والكراهة حتى عند من يقول إن الثلاثة الأول مشتركة في جواز الفعل والاثنان مشتركان في رجحان الترك وأن توهم صحة ذلك ضرورة أن اللزوم المذكور يمنع من صحة ذلك إلا أن يقول قائل في المقلد إنه يسوغ له تقليد أحد القائلين بالوجوب والندب مثلا لا بعينه ويفعل الفعل بنية التفويض لكن لا أعرفه لأحد ولا أعرف له وجها قال وما وجه به الشهاب تسويغ تقليد أحد القائلين بالوجوب والندب مثلا من أن مقلد الشافعي يعتقد في مسح
374
374
الواحد في الفعل الواحد الوجوب والتحريم والكراهة والندب والإباحة باعتبار خمسة من العلماء القائلين بتلك الأحكام فعلى هذا التقدير تصورنا الجمع بين المذاهب على وجه يحصل الإجزاء والاستيفاء للمقاصد والورع والخروج عن العهدة من غير تناقض فتأمله فقد نازعني فيه جمع كثير من الفضلاء
المسألة الثانية
كثير من الفقهاء يعتقد أن المالكي يعتقد بطلان مذهب الشافعي إذا لم يتدلك في غسله أو يمسح جميع رأسه ونحوه وأن الشافعي يعتقد بطلان صلاة المالكي إذا لم يبسمل وأن الجمع بين المذاهب والورع في ذلك إنما هو لصون الصلاة ونحوها عن البطلان على قول المخالف وليس كذلك والورع في ذلك ليس لتحصيل صحة العبادة بل عبادة كل مقلد لإمام معتبر صحيحة بالإجماع وأجمع كل فريق مع خصمه على
هامش أنوار البروق
قلت قد تقدم أن الورع لا يحصل باعتبار اختلاف المذاهب للزوم المذهب للمجتهد والمقلد جميعا لا سيما عند اختلافهما بالإيجاب والتحريم إذ يتعين الفعل في الأول والترك في الثاني وأما في الإيجاب والندب والتحليل أو في التحريم والكراهة فقد يتوهم صحة ذلك من يقول إن الثلاثة الأول مشتركة في جواز الفعل والاثنان مشتركان في رجحان الترك لكنه يمنع من صحة ذلك لزوم عمل المجتهد ومقلده على حسب مقتضى اجتهاد المجتهد إلا أن يقول قائل في المقلد إنه يسوغ له تقليد أحد القائلين بالوجوب والندب مثلا لا بعينه ويفعل الفعل بنية التفويض لكن لا أعرفه لأحد ولا أعرف له وجها وما وجه الشهاب به بناء على أن التناقض والتضاد إنما يتحققان بشرط اتحاد المحل والمتعلق والإضافة لا يصح له وإن كان اشتراط تلك الشروط في التناقض والتضاد صحيحا لأنه يلزم المجتهد ومقلده موافقة اجتهاده في عمله واعتقاده ويحرم عليه وعلى مقلده مخالفته فظهر أن القول الصحيح هو قول منازعي الشهاب في ذلك والله تعالى أعلم
هامش إدرار الشروق
رأسه كله الندب على رأي الشافعي والوجوب على رأي مالك وإن كان الندب والوجوب والأحكام الشرعية أضدادا لكن الجمع بين الضدين إنما يمتنع إذا اتحد المتعلق والإضافة مع اتحاد المحل أما اتحاد المحل فقط مع اختلاف الإضافة كما هنا فإنه كما علمت اعتقد مسح الرأس واجبا على مذهب مالك ومندوبا على مذهب الشافعي فلا يمنع الجمع بينهما في ذهنه باعتبار الجهتين والإضافتين المذكورتين ألا ترى أن زيدا يصدق عليه أنه أب لعمرو وليس أبا لخالد فيجتمع فيه النقيضان باعتبار إضافتين
ا ه
فهو وإن بناه على أن التناقض والتضاد لا يتحققان إلا بشرط اتحاد المحل والمتعلق والإضافة لا صحة له وإن كان اشتراط تلك الشروط في التناقض والتضاد صحيحا وذلك لما علمت من أنه يلزم المجتهد ومقلده موافقة اجتهاده في عمله واعتقاده ويحرم عليه وعلى مقلده مخالفته فما قاله جماعة من الفقهاء من أن الورع لا يدخل في مسح الشافعي مثلا جميع رأسه لأنه إن اعتقد الوجوب فقد ترك الندب فلم يجمع بين المذهبين بل هذا مذهب مالك فقط
وإن لم يعتقد الوجوب لم يجزه المسح إلا بنية الندب فما حصل الجمع بين المذهبين وكذلك المالكي إذا بسمل وكل موضع اختلف فيه على هذا النحو
ا ه
375
375
صحة تصرفاته وعباداته على وجه التقليد المعتبر فإن قلت فإذا كانت العبادة الواقعة صحيحة بالإجماع فما فائدة الورع وكيف يشرع الورع بعد ذلك قلت فائدة الورع وسبب مشروعيته الجمع بين أدلة المختلفين والعمل بمقتضى كل دليل فلا يبقى في النفوس توهم أنه قد أهمل دليلا لعل مقتضاه هو الصحيح فبالجمع ينتفي ذلك فأثر الجمع بين المذاهب في جميع مقتضيات الأدلة في صحة العبادة والتصرف فتأمل ذلك ولو كان المالكي يعتقد بطلان صلاة الشافعي وبالعكس لكانت كل طائفة عند الأخرى من أعظم الناس فسقا لتركها الصلاة طول عمرها ولا تقبل لها شهادة وتجري
هامش أنوار البروق
قال المسألة الثانية كثير من الفقهاء يعتقدون أن المالكي يعتقد بطلان مذهب الشافعي إذا لم يتدلك في غسله أو يمسح جميع رأسه ونحوه وأن الشافعي يعتقد بطلان صلاة المالكي إذا لم يبسمل وأن الجمع بين المذاهب والورع إنما هو لصون الصلاة ونحوها عن البطلان على قول المخالف وليس كذلك والورع في ذلك ليس لتحصيل صحة العبادة بل عبادة كل مقلد لإمام معتبر صحيحة بالإجماع وأجمع كل فريق مع خصمه على صحة تصرفاته وعبادته الواقعة على وجه التقليد المعتبر فإن قلت إذا كانت العبادة صحيحة بالإجماع فما فائدة الورع وكيف يشرع الورع بعد ذلك قلت السؤال وارد قال قلت فائدة الورع وسبب مشروعيته الجمع بين أدلة المختلفين والعمل بمقتضى كل دليل فلا يبقى في النفس توهم أنه قد أهمل دليلا لعل مقتضاه هو الصحيح فبالجمع ينتفي ذلك فأثر الجمع بين المذاهب في جميع مقتضيات الأدلة في صحة العبادة والتصرف فتأمل ذلك
هامش إدرار الشروق
وهو القول الصحيح والله تعالى أعلم
المسألة الثانية
قال الأصل الورع في تقليد الشافعي مثلا مالكا في تدلكه في غسله وفي مسحه جميع رأسه ونحو ذلك ليس هو صحة العبادة وإن اعتقد كثير من الفقهاء أن المالكي يعتقد بطلان مذهب الشافعي إذا لم يتدلك في غسله أو لم يمسح جميع رأسه ونحوه وأن الشافعي يعتقد بطلان مذهب المالكي إذا لم يبسمل وأن الجمع بين المذاهب والورع في ذلك إنما هو لصون الصلاة ونحوها عن البطلان على قول المخالف بل عبادة كل مقلد لإمام معتبر صحيحة بالإجماع إذ لو لم يجمع كل فريق مع خصمه على صحة تصرفاته وعبادته على وجه التقليد المعتبر بل كان المالكي مثلا يعتقد بطلان صلاة الشافعي وبالعكس لكانت كل طائفة عند الأخرى من أعظم الناس فسقا لتركها الصلاة طول عمرها ولا تقبل لها شهادة وتجري عليها أحكام الفساق أبد الدهر ويطرد ذلك في الفرق كلها من جهة مخالفها وهذا فساد عظيم لم يقل به أحد بل مالك والشافعي وجميع الأئمة من أعدل الناس ولا يقول بفسق أحد منهم إلا منافق مارق من الدين
ا ه
قال ابن الشاط وما قاله صحيح إلا أنه يرد عليه أن الورع ما فائدته وكيف يشرع بعد أن كانت العبادة الواقعة صحيحة
ولا يصح دفع الشهاب له بأن فائدة الورع وسبب مشروعيته الجمع بين أدلة المختلفين والعمل بمقتضى كل دليل فلا يبقى في النفوس توهم أنه قد أهمل دليلا لعل مقتضاه هو الصحيح فبالجمع ينتفي ذلك فأثر الجمع بين المذاهب في جميع مقتضيات الأدلة في صحة العبادة والتصرف
ا ه
إذ كيف يصح الجمع بين مقتضى دليلين موجب ومحرم وأحدهما يقتضي لزوم الفعل والثاني يقتضي
376
376
عليها أحكام الفساق أبد الدهر ويطرد ذلك في الفرق كلها من جهة مخالفها وهذا فساد عظيم لم يقل به أحد بل مالك والشافعي وجميع الأئمة من أعدل الناس عند جميع الناس ولا يقول بفسق أحد منهم إلا منافق مارق من الدين
المسألة الثالثة
اختلف الفقهاء في أول العصر الذي أدركته هل يدخل الورع والزهد في المباحات أم لا فادعى ذلك بعضهم ومنعه بعضهم وضيق بعضهم على بعض وأكثروا التشنيع فقال الأبياني في مصنفه لا يدخل الورع فيها لأن الله تعالى سوى بين طرفيها والورع مندوب إليه والندب مع التسوية متعذر وقال الشيخ بهاء الدين الحميري يدخل الورع في المباحات وما زال السلف الصالح على الزهد في المباحات ويدل على ذلك قوله
هامش أنوار البروق
قلت قد تأملت ذلك فلم أجده صحيحا وكيف يصح الجمع بين مقتضى دليلين موجب ومحرم وأحدهما يقتضي لزوم الفعل والثاني يقتضي لزوم الترك والجمع بين الفعل والترك بالنسبة إلى الأمر الواحد محال ولا يغني في ذلك اعتقاد اختلاف الإضافة بالنسبة إلى الإمامين وما قاله إلى آخر المسألة صحيح
وكذلك ما قاله في المسألة الثالثة وجميع ما قال في الفروق الخمسة بعد هذا الفرق صحيح
هامش إدرار الشروق
لزوم الترك والجمع بين الفعل والترك بالنسبة إلى الأمر الواحد محال ولا يغني في ذلك اعتقاد اختلاف الإضافة بالنسبة إلى الإمامين ا ه
وكذلك ما قاله في المسألة الثالثة وجميع ما قال في الفروق الخمسة بعد هذا الفرق صحيح
المسألة الثالثة
قال الأصل وصححه ابن الشاط في دخول الورع والزهد في المباحات وعدم دخولها فيها خلاف وقع في أول العصر الذي أدركته يعني أوائل القرن السابع فادعى ذلك بعضهم ومنعه بعضهم وضيق بعضهم على بعض وأكثروا التشنيع فقال الأبياني في مصنفه لا يدخل الورع فيها لأن الله سوى بين طرفيها والورع مندوب إليه والندب مع التسوية متعذر وقال الشيخ بهاء الدين الحميري يدخل الورع في المباحات وما زال السلف الصالح على الزهد في المباحات ويدل على ذلك قوله تعالى أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا وغيره من النصوص وكل من الشيخين على الحق والصواب إذ لم يتواردا على محل واحد في الكلام
والجمع بينهما أن المباحات لا زهد فيها ولا ورع فيها من حيث هي مباحات وفيها الزهد والورع من حيث إن الاستكثار من المباحات يحوج إلى كثرة الاكتساب الموقع في الشبهات بل قد يوقع في المحرمات وكثرة المباحات أيضا تقضي إلى بطر النفوس فإن كثرة العبيد والخيل والخول والمساكن العلية والمآكل الشهية والملابس اللينة لا يكاد يسلم صاحبها من الإعراض عن موقف العبودية وعن التضرع لعز الربوبية كما يفعل ذلك الفقراء أهل الحاجات والفاقات والضرورات وما يلزم قلوبهم من الخضوع والذلة لذي الجلال وكثرة السؤال من نواله وفضله آناء الليل وأطراف النهار لأن أنواع الضرورات تبعث على ذلك قهرا والأغنياء بعيدون عن هذه الخطة فدخول الزهد والورع في المباحات من هذه الجهة لا من جهة أنها مباحات ويدل على اعتبار الجهة الأولى فيها قوله تعالى كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى وقوله تعالى ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك أي من أجل أن أعطاه الله الملك فلو كان النمرود فقيرا حقيرا مبتلى بالحاجات والضرورات لم يحتد نفسه إلى منازعة إبراهيم ودعواه الإحياء
377
377
تعالى أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا وغيره من النصوص وكل من الشيخين على الحق والصواب إذ لم يتواردا على محل واحد في الكلام والجمع بينهما أن المباحات لا زهد فيها ولا ورع فيها من حيث هي مباحات وفيها الزهد والورع من حيث إن الاستكثار من المباحات يحوج إلى كثرة الاكتساب الموقع في الشبهات وقد يوقع في المحرمات وكثرة المباحات أيضا تفضي إلى بطر النفوس فإن كثرة العبيد والخيل والخول والمساكن العلية والمآكل الشهية والملابس اللينة لا يكاد يسلم صاحبها من الإعراض عن مواقف العبودية والتضرع لعز الربوبية كما يفعل ذلك الفقراء أهل الحاجات والفاقات والضرورات وما يلزم قلوبهم من الخضوع والذلة لذي الجلال وكثرة السؤال من نواله وفضله آناء الليل وأطراف النهار لأن أنواع الضرورات تبعث على ذلك قهرا والأغنياء بعيدون عن هذه الخطة فكان الزهد والورع في المباحات من هذا الوجه لا من جهة أنها مباحات ويدل على اعتبار ما تقدم قوله تعالى كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى وقوله تعالى ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك أي من أجل أن أعطاه الله الملك فلو كان النمرود فقيرا حقيرا مبتلى بالحاجات والضرورات لم تحتد نفسه إلى منازعة إبراهيم ودعواه الإحياء أو الإماتة وتعرضه لإحراق إبراهيم عليه السلام بالنيران وإنما وصل إلى هذه المعاطب والمهالك بسبب أنه ملك وكذلك قوله تعالى حكاية عن الكفار قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون وفي الأنبياء الآية الأخرى وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي فحصل من ذلك أن اتباع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والمبادرين إلى تصديقهم إنما هم الفقراء والضعفاء وأعداء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومعاندوهم هم الأغنياء لقوله تعالى وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل وفي الآية الأخرى إلا قال مترفوها ولم يقل إلا قال فقراؤها فهذه سنة الله تعالى في خلقه أن الأكثرين في هذه الدار هم الأقلون في تلك الدار والأقلون في هذه الدار هم الأكثرون في تلك الدار فهذا وجه ما كان السلف يعتمدونه من الزهد والورع في المباحات وهو وجه لزوم الذم المفهوم من قوله أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا فهذا وجه الجمع بين القولين
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
والإماتة وتعرضه لإحراق إبراهيم عليه السلام بالنيران وإنما وصل إلى هذه المعاطب والمهالك بسبب أنه ملك وكذلك قوله تعالى حكاية عن الكفار قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون وفي الآية الأخرى وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي فحصل من ذلك أن اتباع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والمبادرين إلى تصديقهم إنما هم الفقراء والضعفاء وأن أعداء الأنبياء
378
378
الفرق السابع والخمسون والمائتان بين قاعدة التوكل وبين قاعدة ترك الأسباب
اعلم أنه قد التبس هاتان القاعدتان على كثير من الفقهاء والمحدثين في علم الرقائق فقال قوم لا يصح التوكل إلا مع ترك الأسباب والاعتماد على الله تعالى قاله الغزالي في إحياء علوم الدين وغيره وقال آخرون لا ملازمة بين التوكل وترك الأسباب ولا هو هو وهذا هو الصحيح لأن التوكل هو اعتماد القلب على الله تعالى فيما يجلبه من خير أو يدفعه من ضر قال المحققون والأحسن ملابسة الأسباب مع التوكل للمنقول والمعقول أما المنقول فقوله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل فأمر بالاستعداد مع الأمر بالتوكل في قوله تعالى وعلى الله فليتوكل المؤمنون وقوله تعالى إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا أي تحرزوا منه فقد أمر باكتساب التحرز من الشيطان كما يتحرز من الكفار وأمر تعالى بملابسة أسباب الاحتياط والحذر من الكفار في غير ما موضع من كتابه العزيز ورسول الله صلى الله عليه وسلم سيد المتوكلين وكان يطوف على القبائل ويقول من يعصمني حتى أبلغ رسالة ربي
وكان له جماعة يحرسونه من العدو حتى نزل قوله تعالى والله يعصمك من الناس ودخل مكة مظاهرا بين درعين في كتيبته الخضراء من الحديد وكان في آخر عمره وأكمل أحواله مع ربه
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
عليهم الصلاة والسلام ومعانديهم إنما هم الأغنياء لقوله تعالى وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل
وفي الآية الأخرى إلا قال مترفوها ولم يقل إلا قال فقراؤها فهذه سنة الله تعالى في خلقه أن الأكثرين في هذه الدار هم الأقلون في تلك الدار وأن الأقلين في هذه الدار هم الأكثرون في تلك الدار فهذا وجه ما كان السلف يعتمدونه في دخول الزهد والورع في المباحات وهو وجه لزوم الذم المفهوم من قوله تعالى أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا وبه يجمع بين القولين
ا ه
والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق السابع والخمسون والمائتان بين قاعدة التوكل وبين قاعدة ترك الأسباب
وهو مبني على أحد القولين لكثير من الفقهاء والمحدثين في علم الرقائق وهما هل بين هاتين القاعدتين تلازم بحيث لا يصح التوكل إلا مع ترك الأسباب والاعتماد على الله تعالى وهو ما قاله الغزالي في إحياء علوم الدين وغيره وعليه فلا فرق بينهما أو أنه ما بين الشرط والمشروط أو لا ملازمة بين التوكل وترك الأسباب ولا هو هو أي بل التوكل أعم مطلقا من ترك الأسباب فافهم
وهذا قول آخرين قال الأصل وهو الصحيح لأن التوكل هو اعتماد القلب على الله تعالى فيما يجلبه من خير أو يدفعه من ضر أي سواء كان مع ملابسة الأسباب أو مع عدم ملابستها نعم قال المحققون والأحسن ملابسة الأسباب مع التوكل للمنقول والمعقول أما المنقول فإن الله تعالى قد أمر بملابسة أسباب بالاحتياط والحذر
379
379
تعالى يدخر قوت سنة لعياله وأما المعقول فهو أن الملك العظيم إذا كانت له جماعة ولهم عوائد في أيام لا يحسن إلا فيها أو أبواب لا تخرج إلا منها أو أمكنة لا يدفع إلا فيها فالأدب معه أن لا يطلب منه فعل إلا حيث عوده وأن لا يخالف عوائده بل يجري عليها والله تعالى ملك الملوك وأعظم العظماء بل أعظم من ذلك رتب ملكه على عوائد أرادها وأسباب قدرها وربط بها آثار قدرته ولو شاء لم يربطها فجعل الري بالشرب والشبع بالأكل والاحتراق بالنار والحياة بالتنفس في الهواء فمن طلب من الله تعالى حصول هذه الآثار بدون أسبابها فقد أساء الأدب مع الله سبحانه وتعالى بل يلتمس فضله في عوائده وقد انقسمت الخلائق في هذا المقام ثلاثة أقسام قسم عاملوا الله تعالى باعتماد قلوبهم على قدرته تعالى مع إهمال الأسباب والعوائد فلججوا في البحار في زمن الهول وسلكوا القفار العظيمة المهلكة بغير زاد إلى غير ذلك من هذه التصرفات فهؤلاء حصل لهم التوكل وفاتهم الأدب مع الله تعالى وهم جماعة من العباد أحوالهم مسطورة في الكتب في الرقائق وقسم لاحظوا الأسباب وأعرضوا عن التوكل وهم عامة الخلق وشر الأقسام وربما وصلوا بملاحظة الأسباب والإعراض عن المسبب إلى الكفر والقسم الثالث اعتمدت قلوبهم على قدرة الله تعالى طلبوا فضله في عوائده ملاحظين في تلك الأسباب مسببها وميسرها فجمعوا بين التوكل والأدب وهؤلاء النبيون والصديقون وخاصة عباد الله تعالى
والعارفون بمعاملته جعلنا الله تعالى منهم بمنه
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
من الكفار في غير ما موضع من كتابه العزيز فمن ذلك قوله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل فأمر بالاستعداد وقد أمر باكتساب التحرز من الشيطان كما يتحرز من الكفار بقوله تعالى إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا أي تحرزوا منه مع الأمر بالتوكل في قوله تعالى وعلى الله فليتوكل المؤمنون وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيد المتوكلين يطوف على القبائل
ويقول من يعصمني حتى أبلغ رسالة ربي وكان له جماعة يحرسونه من العدو حتى نزل قوله تعالى والله يعصمك من الناس ودخل مكة مظاهرا بين درعين من الحديد في كتيبته الخضراء وكان في آخر عمره وأكمل أحواله مع ربه تعالى يدخر قوت سنة لعياله وروى الترمذي عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال اعقلها وتوكل أي شد ركبة ناقتك مع ذراعها بحبل واعتمد على الله تعالى فإن عقلها لا ينافي التوكل قال العزيزي على الجامع الصغير وسببه كما في الترمذي أن رجلا قال يا رسول الله أعقل ناقتي وأتوكل أو أطلقها وأتوكل فذكره
ا ه
قال الأصل وأما المعقول فهو أن الملك العظيم إذا كانت له جماعة عودهم بأيام لا يحسن إلا فيها وبأمكنة لا يدفع إلا فيها وبأبواب لا يخرج إلا منها فالأدب معه أن لا يطلب منه فعل إلا حيث جرت عادته بإجرائه فيه وأن لا يخالف عوائده بل يجري عليها والله تعالى ملك الملوك وأعظم العظماء بل أعظم من ذلك وقد رتب ملكه على عوائد أرادها وأسباب قدرها وربط بها آثار قدرته ولو شاء لم يربطها فجعل الري بالشرب والشبع بالأكل والاحتراق بالنار والحياة بالتنفس في الهواء فمن طلب من الله تعالى
380
380
وكرمه فهؤلاء هم خير الأقسام الثلاثة والعجب ممن يهمل الأسباب ويفرط في التوكل بحيث يجعله عدم الأسباب أو من شرطه عدم الأسباب إذا قيل الإيمان سبب لدخول الجنة والكفر سبب لدخول النار بالجعل الشرعي كسائر الأسباب فهل هو تارك هذين السببين أو معتبرهما فإن ترك اعتبارهما خسر الدنيا وإن اعتبرهما فقال لا بد من الإيمان وترك الكفر فيقال له ما بال غيرهما من الأسباب إن كان هذان لا ينافيان التوكل فغيرهما كذلك نعم من الأسباب ما هو مطرد في مجرى عوائد الله تعالى كالإيمان والكفر والغذاء والتنفس وغير ذلك ومنها ما هو أكثري غير مطرد لكن الله تعالى أجرى فيه عادة من حيث الجملة كالأدوية وأنواع الأسفار للأرباح ونحو ذلك والأدب في الجميع التماس فضل الله تعالى في عوائده ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالدواء والحمية واستعمال الأدوية حتى الكي بالنار فأمر بكي سعد وقال عليه السلام المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء وصلاح كل جسم ما اعتاد وإذا كان حاله في الأسباب التي ليست مطردة من الحمية وإصلاح البدن بمواظبة عادته فما ظنك بغير ذلك من العوائد فهذا هو الحق الأبلج والطريق الأنهج
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
حصول هذه الآثار بدون أسبابها فقد أساء الأدب مع الله تعالى بل يلتمس فضله في عوائده والخلائق قد انقسموا في مقام طلبهم منه سبحانه وتعالى هذه الآثار إلى ثلاثة أقسام
القسم الأول
عاملوا الله تعالى باعتماد قلوبهم على قدرته تعالى مع إهمال الأسباب والعوائد فلججوا في البحار في زمن الهول وسلكوا القفار العظيمة المهلكة بغير زاد إلى غير ذلك من هذه التصرفات فهؤلاء حصل لهم التوكل وفاتهم الأدب مع الله تعالى وهم جماعة من العباد أحوالهم مسطورة في كتب الرقائق والقسم الثاني لاحظوا الأسباب وأعرضوا عن التوكل وهم عامة الخلق وشر الأقسام فإنهم ربما وصلوا بملاحظة الأسباب والإعراض عن المسبب إلى الكفر والقسم الثالث عاملوا الله تعالى باعتماد قلوبهم على قدرته تعالى مع عدم إهمال الأسباب والعوائد بل طلبوا فضله في عوائده ملاحظين في تلك الأسباب مسببها وميسرها فجمعوا بين التوكل والأدب وهم النبيون والصديقون وخاصة عباد الله تعالى والعارفون بمعاملته
وهم خير الأقسام الثلاثة جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه قال والعجب ممن يهمل الأسباب ويفرط في التوكل بحيث يجعل التوكل عدم الأسباب أو من شرطه عدم الأسباب أنه إذا قيل الإيمان سبب لدخول الجنة والكفر سبب لدخول النار بالجعل الشرعي كسائر الأسباب فهل هو تارك هذين السببين أو معتبرهما فإن ترك اعتبارهما خسر الدنيا والآخرة وإن اعتبرهما فقال لا بد من الإيمان وترك الكفر قيل له ما بال غيرهما من الأسباب فإن هذين إن كانا لا ينافيان التوكل فغيرهما كذلك نعم الأسباب نوعان نوع مطرد في مجرى عوائد الله تعالى كالإيمان والكفر والغذاء والتنفس ونحو ذلك ونوع أكثري غير مطرد أجرى الله فيه عادة من حيث الجملة كالأدوية وأنواع الأسفار للأرباح ونحو ذلك ولكن الأدب في الجميع التماس فضل الله تعالى في عوائده
381
381
الفرق الثامن والخمسون بين قاعدة الحسد وقاعد الغبطة
اشتركت القاعدتان في أنهما طلب من القلب غير أن الحسد تمني زوال النعمة عن الغير والغبطة تمني حصول مثلها من غير تعرض لطلب زوالها عن صاحبها ثم الحسد حسدان تمني زوال النعمة وحصولها للحاسد وتمني زوالها من غير أن يطلب حصولها للحاسد وهو شر الحاسدين لأنه طلب المفسدة الصرفة من غير معارض عادي أو طبيعي ثم حكم الحسد في الشريعة التحريم وحكم الغبطة الإباحة لعدم تعلقه بمفسدة ألبتة ودليل تحريم الحسد الكتاب والسنة والإجماع فالكتاب قوله تعالى ومن شر حاسد إذا حسد
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالدواء والحمية واستعمال الأدوية حتى الكي بالنار فأمر بكي سعد وقال عليه الصلاة والسلام المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء وصلاح كل جسم ما اعتاد وإذا كان حاله عليه السلام في الأسباب التي ليست مطردة من الحمية وإصلاح البدن بمواظبة عادته فما ظنك بغير ذلك من العوائد فهذا هو الحق الأبلج والطريق الأنهج ا ه كلام الأصل بتهذيب وصححه ابن الشاط
قلت وتعريفه التوكل على القول الذي اختاره بقوله هو اعتماد القلب إلخ هو بمعنى قول السيد الجرجاني في تعريفاته هو الثقة بما عند الله واليأس عما في أيدي الناس ا ه وقول شيخ الإسلام الشيخ زكريا هو الاعتماد على الله تعالى وقطع النظر عن الأسباب مع تهيئتها وقوله ويقال هو ترك السعي فيما لا تسعه قوة البشر وأما قول الأصل على ما قاله الغزالي في الإحياء وغيره بحيث يجعل التوكل عدم الأسباب أو من شرطه عدم الأسباب فعلى الثاني يعرف قول شيخ الإسلام زكريا ويقال هو كلة الأمر كله إلى مالكه والتعويل على وكالته وعلى الأول يعرف بقول شيخ الإسلام أيضا أو يقال هو ترك الكسب وإخلاء اليد من المال قال شيخ الإسلام زكريا ورد بأن هذا تواكل لا توكل أفاده العزيزي على الجامع الصغير عن العلقمي والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الستون والمائتين بين قاعدة الحسد وقاعدة الغبطة
وهو أن القاعدتين وإن اشتركتا في أنهما طلب من القلب إلا أن الحسد تمني زوال النعمة عن الغير قال ابن حجر في الزواجر ويكون حراما وفسوقا إن كان من حيث كونها نعمة أما إن كان من حيث كونها آلة الفساد والإيذاء كما في نعمة الفاجر فلا حرمة ا ه قال الأصل كان المتمني زوالها عنه تمنى حصولها لنفسه أو لا فالحسد نوعان والثاني أشرهما لأنه طلب المفسدة الصرفة من غير معارض عادي أو طبيعي قال ودليل تحريم الحسد الكتاب والسنة والإجماع فأما الكتاب فقوله تعالى ومن شر حاسد إذا حسد وقوله تعالى أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله وقوله تعالى ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض أي لا تتمنوا زواله بقرينة النهي وأما السنة فقوله عليه الصلاة والسلام لا تحاسدوا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا وفي الزواجر قال صلى الله عليه وسلم في النهي عن الحسد وأسبابه وثمراته لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا
382
382
الفلق 5 أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله وقوله تعالى ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض أي لا تتمنوا زواله لأن قرينة النهي دالة على هذا الحذف وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم ولا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وأطراف النهار ورجل آتاه الله تعالى مالا فهو ينفقه آناء الليل وأطراف النهار أي لا غبطة إلا في هاتين على وجه المبالغة وقال عليه السلام لا تحاسدوا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا وأجمعت الأمة على تحريمه وقد يعبر عن الغبطة بلفظ الحسد كالحديث المتقدم ويقال إن الحسد أول معصية عصي الله بها في الأرض حسد إبليس آدم فلم يسجد له
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانا ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة رواه الشيخان ا ه قال الأصل وأما الإجماع على تحريمه فقد انعقد من الأمة المعصومة قال ويقال إن الحسد أول معصية عصي الله بها في الأرض حسد إبليس آدم فلم يسجد له
ا ه
وفي الزواجر ومن آفات الحسد أن فيه سخطا لقضاء الله تعالى إذا أنعم على الغير بما لا مضرة عليك فيه وشماتة بأخيك المسلم قال الله تعالى إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ا ه والغبطة تمني حصول مثل نعمة الغير لنفسك من غير تعرض لطلب زوالها عن صاحبها بل تشتهي مثلها لنفسك مع بقائها لذويها وقد تخص باسم المنافسة
وقد يعبر عنها بلفظ الحسد كما في قوله صلى الله عليه وسلم لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وأطراف النهار ورجل آتاه الله تعالى مالا فهو ينفقه آناء الليل وأطراف النهار أي لا غبطة إلا في هاتين على وجه المبالغة وفي الزواجر وليست الغبطة والمنافسة بحرام أي لعدم تعلقها بمفسدة ألبتة بل هي إما واجبة وإما مندوبة وإما مباحة قال تعالى وفي ذلك فليتنافس المتنافسون سابقوا إلى مغفرة من ربكم والمسابقة تقتضي خوف الفوت فالواجبة تكون في النعم الدينية الواجبة كنعمة الإيمان والصلاة المكتوبة والزكاة فيجب أن تحب أن تكون مثل القائم بذلك وإلا كنت راضيا بالمعصية والرضا بها حرام والمندوبة تكون في الفضائل والعلوم وإنفاق الأموال في الميراث
والمباحة تكون في النعم المباحة كالنكاح والمنافسة في المباحات لا يترتب عليها إثم لكنها تنقص من الفضائل وتناقض الزهد والرضا بالمقضي والتوكل وتحجب عن المقامات الرفيعة نعم هنا دقيقة ينبغي التنبيه لها وإلا وقع الإنسان في الحسد الحرام من غير أن يشعر وهي أن من أيس أن ينال مثل نعمة الغير فبالضرورة أن نفسه تعتقد أنه ناقص عن صاحب تلك النعمة وأنها تحب زوال نقصها وزواله لا يحصل إلا بمساواة ذي النعمة أو بزوالها عنه وقد فرض يأسه عن مساواته فيها فلم يبق إلا محبته لزوالها عن الغير المتميز بها عنه إذ بزوالها يزول تخلفه
وتقدم غيره بها فإن كان بحيث لو قدر على زوالها عن الغير أزالها فهو حسود حسدا مذموما وإن كان عنده من التقوى ما يمنعه عن إزالتها مع قدرته عليها وعن محبة زوالها عن الغير فلا إثم
383
383
الفرق التاسع والخمسون والمائتان بين قاعدة الكبر وقاعدة التجمل بالملابس والمراكب وغير ذلك
اعلم أن الكبر لله تعالى على أعدائه حسن وعلى عباده وشرائعه حرام وكبيرة قال عليه السلام لن يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من الكبر فقالوا يا رسول الله إن أحدنا يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة فقال إن الله جميل يحب الجمال ولكن الكبر بطر الحق وغمص الناس خرجه مسلم وغيره قال العلماء رضي الله عنهم بطر الحق رده على قائله وغمص الناس احتقارهم وقوله عليه السلام لن يدخل الجنة وعيد عظيم يقتضي أن الكبر من الكبائر وعدم دخوله الجنة مطلقا عند المعتزلة لأن صاحب الكبيرة عندهم يخلد في النار كالكافر وعند أهل السنة معناه لا يدخل في وقت يدخلها غير المتكبرين أي في المبدأ والنفي العام قد يراد به الخاص إذا اقتضته النصوص أو القواعد والكبر من أعظم ذنوب القلب نسأل الله تعالى العافية حتى قال بعض العلماء كل ذنوب القلب يكون معه الفتح إلا الكبر
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
عليه لأن هذا أمر جبلي لا تنفك النفس عنه ولعله المعنى بقوله صلى الله عليه وسلم كل ابن آدم حسود وفي رواية ثلاثة لا ينفك المسلم عنهن الحسد والظن والطيرة وله منهن مخرج إذا حسدت فلا تبغ أي إن وجدت في قلبك شيئا فلا تعمل به ويبعد ممن يريد مساواة غيره في النعمة فيعجز عنها سيما إن كان من أقرانه أن ينفك عن الميل إلى زوالها فهذا الحد من المنافسة يشبه الحسد الحرام فينبغي الاحتياط التام فإنه متى صفى إلى محبة نفسه ومال لاختياره إلى مساواته لذي النعمة بمحبة زوالها عنه فهو مرتبك في الحسد الحرام
ولا يتخلص منه إلا إن قوي إيمانه ورسخ قدمه في التقوى ومهما حركه خوف نقصه عن غيره جره إلى الحسد المحظور وإلى ميل الطبع إلى زوال نعمة الغير حتى ينزل لمساواته وهذا لا رخصة فيه بوجه سواء أكان في مقاصد الدين أم الدنيا قال الغزالي ولكن ذلك يعفى عنه ما لم يعمل به إن شاء الله تعالى وتكون كراهته لذلك من نفسه كفارة له ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق التاسع والخمسون والمائتان بين قاعدة الكبر وقاعدة التجمل بالملابس والمراكب وغير ذلك
وهو من جهتين الجهة الأولى أن الكبر من أعمال القلوب فلا يتعلق به الحسن وأما التجمل فمن أفعال الجوارح فيتعلق به الحسن والجهة الثانية أن أصل التجمل الإباحة لقوله تعالى قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق وقد يعرض له ما ينقله عن الإباحة إما إلى الوجوب كتوقف تنفيذ الواجب عليه في نحو ولاة الأمور فإن الهيئات الرثة لا تحصل معها مصالح العامة منهم
384
384
وأما التجمل فقد يكون واجبا في ولاة الأمور وغيرهم إذا توقف عليه تنفيذ الواجب فإن الهيئات الرثة لا تحصل معها مصالح العامة من ولاة الأمور وقد يكون مندوبا إليها في الصلوات والجماعات وفي الحروب لرهبة العدو والمرأة لزوجها وفي العلماء لتعظيم العلم في نفوس الناس وقد قال عمر أحب أن أنظر إلى قارئ القرآن أبيض الثياب وقد يكون حراما إذا كان وسيلة لمحرم كمن يتزين للنساء الأجنبيات ليزني بهن وقد يكون مباحا إذا عري عن هذه الأسباب وانقسم التجمل إلى هذه الأحكام الخمسة وكذلك الكبر أيضا قد يجب على الكفار في الحروب وغيرها وقد يندب على أهل البدع تقليلا للبدعة وقد يحرم كما جاء في الحديث والإباحة فيه بعيدة والفرق بينه وبين التجمل في تصور الإباحة فيه أن أصل التجمل الإباحة لقوله تعالى قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق فإذا عدم المعارض الناقل عن الإباحة بقيت الإباحة وأصل الكبر التحريم فإذا عدم المعارض الناقل عن التحريم استصحب فيه التحريم فهذا فرق وفرق آخر أن الكبر من أعمال القلوب والتجمل من أفعال الجوارح يتعلق به الحسن دون الكبر
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وإما إلى الندب كتوقف المندوب عليه كما في الصلوات لقوله تعالى خذوا زينتكم عند كل مسجد أي صلاة وفي الجماعات لقوله صلى الله عليه وسلم إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ببناء يرى للمجهول وقوله صلى الله عليه وسلم إن الله جميل يحب الجمال رواه مسلم وغيره في حديث طويل سيأتي وفي الحروب لرهبة العدو وفي المرأة لزوجها وفي العلماء لتعظيم العلم في نفوس الناس وقد قال عمر أحب أن أنظر إلى قارئ القرآن أبيض الثياب
وقد أنشد الإمام مالك لما اعترض عليه بعض معاصريه في التجمل بالثياب الثمينة حسن ثيابك ما استطعت فإنها زين الرجال بها تعز وتكرم ودع التواضع في اللباس تخشنا فالله يعلم ما تسر وتعلن فرثيث ثوبك لا يزيدك رفعة عند الإله وأنت عبد مجرم وجديد ثوبك لا يضرك بعدما تخشى الإله وتتقي ما يحرم وإما إلى التحريم ككونه وسيلة لمحرم كمن يتزين للنساء الأجنبيات ليزني بهن فإذا عدم المعارض الناقل له عن الإباحة وعري عن هذه الأسباب بقيت الإباحة وأصل الكبر التحريم
وقد يعرض له ما ينقله عن التحريم إما إلى الوجوب كما في الكبر على الكفار في الحروب وغيرها وإما إلى الندب كما في الكبر على أهل البدع تقليلا للبدعة والإباحة فيه بعيدة فإذا عدم المعارض الناقل عن التحريم استصحب فيه التحريم وهو إما كبر على الله تعالى وهو أفحش أنواعه ككبر فرعون ونمرود حيث استنكفا أن يكونا عبدين لله تعالى وادعيا الربوبية قال تعالى إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين أي صاغرين لن يستنكف المسيح الآية وإما على رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يمتنع من الانقياد له تكبرا جهلا وعنادا كما حكى الله ذلك عن كفار مكة وغيرهم من الأمم وإما على عباد الله تعالى بأن يستعظم نفسه ويحتقر غيره ويزدريه فيأبى على الانقياد له أو يترفع عليه
385
385
الفرق الستون والمائتان بين قاعدة الكبر وقاعدة العجب
قد تقدمت حقيقة الكبر وأنه في القلب ويعضد ذلك قوله تعالى إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فجعل محله القلب والصدور وأما العجب فهو رؤية
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
ويأنف من مساواته وهذا
وإن كان دون الأولين إلا أنه عظيم اسمه أيضا لأن الكبرياء والعظمة إنما يليقان بالملك القادر القوي المتين دون العبد العاجز الضعيف فتكبره فيه منازعة لله في صفة لا تليق إلا بجلاله وقد قال تعالى في الحديث إن من نازعه العظمة والكبرياء أهلكه ولأن التكبر على عباده لا يليق إلا به تبارك وتعالى فمن تكبر عليهم فقد جنى عليه إذ من استذل خواص غلمان الملك منازع له في بعض أمره فيستحق مقته ومن لازم هذا الكبر بنوعيه مخالفة أوامر الحق لأن المتكبر
ومنه المتجادلون في مسائل الدين بالهوى والتعصب تأبى نفسه من قبول ما سمعه من غيره وإن اتضح سبيله بل يدعوه كبره إلى المبالغة في تزييفه وإظهار إبطاله فهو على حد قوله تعالى وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد وقال ابن مسعود كفى بالرجل إثما إذا قيل له اتق الله أن يقول عليك بنفسك وقال صلى الله عليه وسلم لرجل كل بيمينك فقال متكبرا لا أستطيع فشلت يده فلم يرفعها بعد فإذن التكبر على الخلق يدعو إلى التكبر على الخالق ألا ترى أن إبليس لما تكبر على آدم وحسده بقوله أنا خير منه جره ذلك إلى التكبر على الله لمخالفته أمره فهلك هلاكا مؤبدا
ومن ثم قال عليه الصلاة والسلام لن يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من الكبر فقالوا يا رسول الله إن أحدنا يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة فقال إن الله جميل يحب الجمال ولكن الكبر بطر الحق وغمص الناس خرجه مسلم وغيره قال العلماء رضي الله عنهم بطر الحق بفتح الموحدة والمهملة رده ودفعه على قائله وغمص الناس بفتح المعجمة وسكون الميم وبالصاد المهملة احتقارهم وازدراؤهم وكذا عمصهم بالمهملة وقوله عليه السلام لن يدخل الجنة وعيد عظيم يقتضي أن الكبر من الكبائر وعدم دخول صاحبه الجنة مطلقا عند المعتزلة لأن صاحب الكبيرة عندهم مخلد في النار كالكافر وعند أهل السنة معناه لا يدخلها وقت يدخلها غير المتكبرين أي في المبدأ والنفي العام قد يراد به الخاص إذا اقتضته النصوص أو القواعد قال الأصل والكبر من أعظم ذنوب القلب نسأل الله تعالى العافية حتى قال بعض العلماء كل ذنوب القلب يكون معه الفتح إلا الكبر
ا ه
هذا تهذيب ما في الأصل وسلمه ابن الشاط مع زيادة من الزواجر والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الستون والمائتان بين قاعدة الكبر وقاعدة العجب
وهو من جهتين أيضا الجهة الأولى ما في الأصل وصححه ابن الشاط من أن الكبر راجع للخلق والعباد كما علم من حقيقته المتقدمة والعجب راجع للعبادة إذ هو رؤية العبادة واستعظامها من العبد فهو معصية تكون بعد العبادة ومتعلقة بها هذا التعلق الخاص كما يتعجب العابد بعبادته
والعالم بعلمه وكل مطيع بطاعته وهو وإن كان حراما لا يفسد العبادة لأنه يقع بعدها بخلاف الرياء فإنه يقع معها فيفسدها
386
386
العبادة واستعظامها من العبد فهو معصية تكون بعد العبادة ومتعلقة بها هذا التعلق الخاص كما يتعجب العابد بعبادته والعالم بعلمه وكل مطيع بطاعته هذا حرام غير مفسد للطاعة لأنه يقع بعدها بخلاف الرياء فإنه يقع معها فيفسدها وسر تحريم العجب أنه سوء أدب على الله تعالى فإن العبد لا ينبغي له أن يستعظم ما يتقرب به إلى سيده بل يستصغره بالنسبة إلى عظمة سيده لا سيما عظمة الله تعالى ولذلك قال الله تعالى وما قدروا الله حق قدره أي ما عظموه حق تعظيمه فمن أعجب بنفسه وعبادته فقد هلك مع ربه وهو مطلع عليه وعرض نفسه لمقت الله تعالى وسخطه ونبه على ضد ذلك قوله تعالى والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون معناه يفعلون من الطاعات ما يفعلون وهم خائفون من لقاء الله تعالى بتلك الطاعة احتقارا لها وهذا يدل على طلب هذه الصفة والنهي عن ضدها فالكبر راجع للخلق والعباد والعجب راجع للعبادة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وسر تحريم العجب أنه سوء أدب على الله تعالى فإن العبد لا ينبغي له أن يستعظم ما يتقرب به إلى سيده بل يستصغره بالنسبة إلى عظمة سيده لا سيما عظمة الله تعالى ولذلك قال الله تعالى وما قدروا الله حق قدره أي ما عظموه حق تعظيمه فمن أعجب بنفسه وعبادته فقد هلك مع ربه وهو مطلع عليه وعرض نفسه لمقت الله تعالى وسخطه ونبه على ضد ذلك قوله تعالى والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون معناه يفعلون من الطاعات ما يفعلون وهم خائفون من لقاء الله تعالى بتلك الطاعة احتقارا لها وهذا يدل على طلب هذه الصفة والنهي عن ضدها ا ه والجهة الثانية ما في الزواجر لابن حجر من أن الكبر إما باطن وهو خلق في النفس واسم الكبر بهذا أحق أي كما يرشد له قوله تعالى إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فجعل محله القلب والصدور وإما ظاهر وهو أعمال تصدر من الجوارح وهي ثمرات ذلك الخلق وعند ظهورها يقال له تكبر وعند عدمها يقال في نفسه كبر فالأصل هو خلق النفس الذي هو الاسترواح والركون إلى رؤية النفس فوق المتكبر عليه فهو يستدعي متكبرا عليه ومتكبرا به بخلاف العجب فإنه لا يستدعي غير المعجب به حتى لو فرض انفراده دائما أمكن أن يقع منه العجب دون الكبر ومجرد استعظام الشيء لا يقتضي التكبر إلا إن كان ثم من يرى أنه فوقه ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم
387
387
الفرق الحادي والستون والمائتان بين قاعدة العجب وقاعدة التسميع
كلاهما معصية ويعكر على العبادة من جهة المعصية والموازنة لا من جهة الإحباط وفي الحديث الصحيح خرجه مسلم وغيره قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سمع سمع الله به يوم القيامة أي ينادي به يوم القيامة هذا فلان عمل عملا لي ثم أراد به غيري وهو غير الرياء لأن العمل يقع قبله خالصا والرياء مقارن مفسد والفرق بينه وبين العجب أنه يكون باللسان والعجب بالقلب كلاهما بعد العبادة
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
الفرق الحادي والستون والمائتان بين قاعدة العجب وقاعدة التسميع
وهو أنهما وإن اشتركا في كون كل منهما معصية لا تحبط العبادة لكونها تقع قبلهما خالصة بخلاف الرياء فإنه يقارنها فيحبطها وقد تبين مما تقدم كون العجب معصية لا تحبط العبادة إلخ وأما التسميع ففي الحديث الصحيح الذي خرجه مسلم وغيره قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سمع سمع الله به يوم القيامة أي ينادى به يوم القيامة هذا فلان عمل عملا لي ثم أراد به غيري فهو عبارة عن إخبار الشخص بما عمله من العبادات التي أخلص فيها ليعتقد فيه ويكرم بخلاف الرياء فإنه كما في تعريفات الجرجاني قد سره ترك الإخلاص في العمل بملاحظة غير الله تعالى فيه إلا أن التسميع يفارق العجب من جهة أنه يكون باللسان والعجب يكون بالقلب كما علمت والله تعالى أعلم
388
388
الفرق الثاني والستون والمائتان بين قاعدة الرضا بالقضاء وبين قاعدة عدم الرضا بالمقضي
اعلم أن كثيرا من الناس يلتبسان عليه فلا يفرق بين السخط بالقضاء وعدم الرضا به والسخط بالمقضي وعدم الرضا به اعلم أن السخط بالقضاء حرام إجماعا والرضا بالقضاء واجب إجماعا بخلاف المقضي والفرق بين القضاء والمقضي والقدر والمقدور أن الطبيب إذا وصف للعليل دواء مرا أو قطع يده المتآكلة فإن قال بئس ترتيب الطبيب ومعالجته وكان غير هذا يقوم مقامه مما هو أيسر منه فهو تسخط بقضاء الطبيب وأذية له وجناية عليه بحيث لو سمعه الطبيب كره ذلك وشق عليه وإن قال هذا دواء مر قاسيت منه شدائد وقطع اليد حصل لي منها آلام عظيمة مبرحة فهذا تسخط بالمقضي الذي هو الدواء والقطع لا بالقضاء الذي هو ترتيب الطبيب ومعالجته فهذا ليس قدحا في الطبيب ولا يؤلمه إذا سمع ذلك بل يقول له صدقت الأمر كذلك فعلى هذا إذا ابتلي الإنسان بمرض فتألم من المرض بمقتضى طبعه فهذا ليس عدم رضا بالقضاء بل عدم
هامش أنوار البروق
قال
الفرق الثاني والستون والمائتان بين قاعدة الرضا بالقضاء وعدم الرضا بالمقضى
قلت ما قاله فيه صحيح ما عدا قوله والرضا بالكفر كفر فإنه إن أراد مع علمه بكفره فذلك لا يتأتى إلا من الكافر عنادا على القول بجواز ذلك عادة وأما على القول بامتناع ذلك عادة فلا وما عدا قوله فمن قضي عليه بالمعصية أو الكفر فالواجب عليه أن يلاحظ جهة المعصية والكفر فيكرههما وأما قدر الله تعالى فيهما فالرضا به ليس إلا ومتى سخطه وسفه الربوبية في ذلك كان ذلك معصية أو كفرا منضما إلى معصيته وكفره على حسب حاله في ذلك فإن كراهة الكفر لا يتأتى إلا مع الكفر عنادا على أن ذلك من البعيد المشبه بالمحال
هامش إدرار الشروق
الفرق الثاني والستون والمائتان بين قاعدة الرضا بالقضاء وبين قاعدة عدم الرضا بالمقضي
وهو أن القضاء قيل مرادف للقدر وهو خلاف قول الجمهور لكنه قوي وعليه فهل هما إرادة فقط أو إرادة وعلم أو هما وقدرة أقوال ثلاثة والذي عليه الجمهور تباينهما وعليه فقيل القضاء إرادة والقدر إيجاد ممكن وقيل بالعكس أي القضاء إيجاد ممكن والقدر إرادة وقال السنوسي القدر تعلق القدرة والعلم معا في الأزل بالممكن والقضاء إجراء الممكن على وفق ما مضى به القدر والعلم وقال القرافي القدر تعلق الإرادة في الأزل بالممكن والقضاء الإرادة بحكم خبري كإرادته تعالى لزيد بالسعادة مع إخباره بكلامه وقد نظم الرهوني حاصل هذا بقوله
389
389
رضا بالمقضي وإن قال أي شيء عملت حتى أصابني مثل هذا وما ذنبي وما كنت أستأهل هذا فهذا عدم رضا بالقضاء فنحن مأمورون بالرضا بالقضاء ولا نتعرض لجهة ربنا إلا بالإجلال والتعظيم ولا نعترض عليه في ملكه وأما أنا أمرنا بأن تطيب لنا البلايا والرزايا ومؤلمات الحوادث فليس كذلك ولم ترد الشريعة بتكليف أحد بما ليس في طبعه ولم يؤمر الأرمد باستطابة الرمد المؤلم ولا غيره من المرض بل ذم الله قوما لا يتألمون ولا يجدون للبأساء وقعا فذمهم بقوله تعالى ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون فمن لم يسكن ولم يذل للمؤلمات ويظهر الجزع منها ويسأل ربه إقالة العثرة منها فهو جبار عنيد بعيد عن طرق الخير فالمقضي والمقدور أثر القضاء والقدر فالواجب هو الرضا بالقضاء فقط
هامش أنوار البروق
لأنه لا كفر عنادا إلا لحامل يحمله عليه ويرجحه عنده فكراهيته إياه مع رجحانه عنده كالمتناقضين وأما كراهيته المعصية فهي ممكنة لأن كل عاص عالم بعصيانه والله تعالى أعلم
هامش إدرار الشروق
وفي تباين القضاء والقدر أو الترادف خلاف اشتهر والأول المعزو للجمهور والثاني قول ليس بالمهجور ثم عليه هل هما إرادة أوتي وعلم أو هما وقدرة ثم على الأول أيضا اختلف على أقاويل فهاك ما عرف قيل القضاء إرادة ثم القدر إيجاد ممكن وعكس ذا اشتهر وللسنوسي الإمام وقعا تعلق القدرة والعلم معا في أزل قل قدر ثم القضا إجراء ممكن بوفق ما مضى أو قدر تعلق الإراده في أزل فحصل الإفاده ثم الإرادة بحكم خبري قضي وهذا للقرافي السري وعلى كل من هذه الأقوال فالرضا بالقضاء واجب إجماعا والسخط وعدم الرضا به حرام إجماعا لأنا مأمورون بأن لا نتعرض لجهة ربنا إلا بالإجلال والتعظيم ولا نتعرض عليه في ملكه بأن يقول أحدنا ساخطا لقضائه تعالى أي شيء عملت حتى أصابني مثل هذا وما ذنبي وما كنت أستأهل هذا وفي الزواجر أخرج أبو نعيم من سخط رزقه وبث شكواه ولم يصبر لم يصعد له إلى الله عمل ولقي الله وهو عليه غضبان
ا ه
وأما المقضي والمقدور فهو أثر القضاء والقدر وليس الرضا به واجبا على الإطلاق كما هو زعم من يعتقد أن الرضا بالقضاء هو الرضا بالمقضي حتى بعث هؤلاء ذلك على قولهم إن الرضا بالقضاء إنما يكون من جهة الأولياء خاصة فهو عزيز الوجود بل هو كالمتعذر وإنما الصواب أن الرضا به قد يكون واجبا كالإيمان بالله تعالى والواجبات إذا قدرها الله تعالى للإنسان وقد يكون مندوبا كما في المندوبات وحراما كما في المحرمات نعم الرضا بالكفر لا يكون كفرا كما زعم الأصل إلا إذا كان مع علمه بكفره وهو لا يتأتى إلا من الكافر عنادا بناء على القول بجواز ذلك عادة
390
390
أما المقضي فقد يكون الرضا به واجبا كالإيمان بالله تعالى والواجبات إذا قدرها الله تعالى للإنسان وقد يكون مندوبا في المندوبات وحراما في المحرمات والرضا بالكفر كفر ومباحا في المباحات وأما بالقضاء فواجب على الإطلاق من تفصيل فمن قضي عليه بالمعصية أو الكفر الواجب عليه أن يلاحظ جهة المعصية والكفر فيكرههما وأما قدر الله فيهما فالرضا به ليس إلا ومتى سخطه وسفه الربوبية في ذلك كان ذلك معصية أو كفرا منضما إلى معصيته وكفره على حسب حاله في ذلك فتأمل هذه الفروق وإذا وضحت لك فاعلم أن كثيرا من الناس يعتقد أن الرضا بالقضاء إنما يحصل من الأولياء وخاصة عباد الله تعالى لأنه من العزيز الوجود وليس كذلك بل أكثر العوام من المؤمنين إنما يتألمون من المقضي فقط وأما التوجه إلى جهة الربوبية بالتجوير والقضاء بغير العدل فهذا لا يكاد يوجد إلا نادرا من الفجار والمردة وإنما يبعث هؤلاء على قولهم إن الرضا بالقضاء إنما يكون من جهة الأولياء خاصة أنهم يعتقدون أن الرضا بالقضاء هو الرضا بالمقضي وعلى هذا التفسير هو عزيز الوجود بل هو كالمتعذر فإنا نجزم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم تألم لقتل عمه
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
أما على القول بامتناع ذلك عادة فلا على أن جواز الكفر عناد عادة من البعيد المشبه بالمحال لأنه لا كفر عنادا إلا لحامل يحمله عليه ويرجحه عنده وكراهيته إياه مع رجحانه عادة كالمتناقضين وأما كراهية المعصية فهي ممكنة لأن كل عاص عالم بعصيانه قاله ابن الشاط وقد يكون مباحا كما في المباحات من نحو البلايا والرزايا ومؤلمات الحوادث فإنا ما أمرنا بأن تطيب لنا إذ هو تكليف بما ليس في طبع المكلف والشريعة لم ترد بتكليف أحد بما ليس في طبعه فالأرمد مثلا لم يؤمر باستطابة الرمد المؤلم بل ذم الله قوما لا يتألمون ولا يجدون للبأساء وقعا بقوله تعالى ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون فمن لم يستكن ولم يذل للمؤلمات ويظهر الجزع منها ويسأل ربه إقالة العثرة منها فهو جبار عنيد بعيد عن طرق الخير وأن الرضا بالقضاء ليس بنادر ولا متعذر فإن أكثر العوام من المؤمنين إنما يألمون من المقضي فقط
وأما التوجه إلى جهة الربوبية بالتجوير والقضاء بغير العدل فهذا لا يكاد يوجد إلا نادرا من الفجار والمردة وإنا نجزم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم تألم لقتل عمه حمزة وموت ولده إبراهيم ورمي عائشة بما رميت به إلى غير ذلك لأن هذا كله من المقضي ونجزم بأن الأنبياء عليهم السلام طباعهم تتألم وتتوجع من المؤلمات وتسر بالمسرات وإذا كان الرضا بالمقضيات غير حاصل في طبائع الأنبياء فغيرهم بطريق الأولى وبالجملة فالحق تفسير الرضا بالقضاء بما قلنا لا بما قالوا وهو بتفسيرنا متيسر على أكثر العوام من المؤمنين فضلا عن الأنبياء والصالحين وبتفسيرهم لا طمع فيه فهو غلط هذا تهذيب ما صححه ابن الشاط من كلام الأصل مع زيادة والله سبحانه وتعالى أعلم تنبيه كون المقضي يكون خيرا أو شرا ولا يجب الرضا به إنما هو بحسب كسبنا وأما باعتبار خلق الله إياه فحسن يجب الرضا به إذ كل ما صدر عنه سبحانه وتعالى فضل أو عدل في
391
391
حمزة وموت ولده إبراهيم ورمي عائشة بما رميت به إلى غير ذلك لأن هذا كله من المقضي ونجزم بأن الأنبياء عليهم السلام طباعهم تتألم وتتوجع من المؤلمات وتسر بالمسرات وإذا كان الرضا بالمقضيات غير حاصل في طبائع الأنبياء فغيرهم بطريق الأولى فالرضا بهذا التفسير لا طمع فيه وهذا التفسير غلط بل الحق ما تقدم وهو متيسر على أكثر العوام من المؤمنين فضلا عن الأنبياء والصالحين فاعلم ذلك
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
عبيده ولسيدي محمد وفا رضي الله عنه سمعت الله في سري يقول أنا في الملك وحدي لا أزول وحيث الكل مني لا قبيح وقبح القبح من حيثي جميل وتوضيح ذلك أن الفعل له جهتان كونه مقضيا له تعالى وكونه مكتسبا للعبد فيجب على العبد الرضا بالقدر أي ما يقع من العبد المقدر في الأزل
وهو المقدور من الجهة الأولى لا الثانية ولذلك قيل يجب الإيمان بالقدر ولا يحتج به روي عن علي رضي الله عنه أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله بعثني بالحق ويؤمن بالبعث بعد الموت ويؤمن بالقدر خيره وشره وروى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال قال صلى الله عليه وسلم كل شيء بقدر حتى العجز والكيس وأما نحو قوله تعالى ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك فوارد على سبيل الإنكار أي كيف تكون هذه التفرقة أو محمول على مجرد السببية روي لأصبغ بن نباتة أن شيخا قام إلى علي رضي الله عنه بعد انصرافه من صفين فقال أخبرنا عن مسيرنا إلى الشام أكان بقضاء الله تعالى وقدره فقال والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما وطئنا موطئا ولا هبطنا واديا ولا علونا تلعة إلا بقضاء وقدر فقال الشيخ عند الله أحتسب عنائي ما أرى لي من الأجر شيئا فقال له مه أيها الشيخ عظم الله أجركم في مسيركم وأنتم سائرون وفي منصرفكم وأنتم منصرفون ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين
ولا إليها مضطرين فقال الشيخ كيف والقضاء والقدر ساقانا فقال ويحك لعلك ظننت قضاء لازما وقدرا حتما لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والوعد والوعيد والأمر والنهي ولم تأت لائمة من الله لمذنب ولا محمدة لمحسن ولم يكن المحسن أولى بالمدح من المسيء ولا المسيء أولى بالذم من المحسن تلك مقالة عبدة الأوثان وجنود الشيطان وشهود الزور وأهل العمى عن الصواب وهم قدرية هذه الأمة ومجوسها إن الله أمر تخييرا ونهى تحذيرا وكلف يسيرا لم يعص مغلوبا ولم يطع مكرها
ولم يرسل الرسل إلى خلقه عبثا ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار فقال الشيخ وما القضاء والقدر اللذان ما سرنا إلا بهما قال هو الأمر من الله والحكم ثم تلا قوله تعالى وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ا ه أفاده العطار في حاشيته على محلى جمع الجوامع قلت ومن هنا يظهر أن ما للأصل من الرضا بالقضاء غير الرضا بالمقضي مبني على اعتبار الجهة الثانية للمقضي وأن اعتقاد من يعتقد أن الرضا بالقضاء هو الرضا بالمقضي مبني على اعتبار الجهة الأولى للمقضي نعم لا يظهر قولهم إن الرضا بالقضاء إنما يكون من جهة الأولياء إلخ فتأمل بإنصاف ولا تنظر لمن قال بل لما قال كما هو دأب الرجال من ذوي الكمال
392
392
الفرق الثالث والستون والمائتان بين قاعدة المكفرات وقاعدة أسباب المثوبات
اعلم أن كثيرا من الناس يعتقدون أن المصائب سبب في رفع الدرجات وحصول المثوبات وليس كذلك بل تحرير الفرق بينهما أن المثوبات لها شرطان أحدهما أن تكون من كسب العبد ومقدوره فما لا كسب له فيه وما لا في قدرته أو هو من جنس مقدوره غير أنه لم يقع بمقدوره كالجناية على عضو من أعضائه لا مثوبة فيه وأصل ذلك قوله تعالى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى فحصر ماله فيما هو من سعيه وكسبه وقوله تعالى إنما تجزون ما كنتم تعملون فحصر الجزاء فيما هو معمول لنا ومقدور وثانيهما أن يكون ذلك المكتسب مأمورا به فما لا أمر فيه لا ثواب فيه كالأفعال قبل البعثة وكأفعال الحيوانات العجماوات مكتسبة مرادة لها واقعة باختيارها ولا ثواب لها فيها لعدم الأمر بها وكذلك الموتى يسمعون في قبورهم المواعظ والقرآن والذكر والتسبيح والتهليل ولا ثواب لهم فيه على الصحيح لأنهم غير مأمورين بعد الموت ولا منهيين فلا إثم ولا ثواب لعدم الأمر والنهي هذا أحد أسباب المثوبات
هامش أنوار البروق
قال الفرق الثالث والستون والمائتان بين قاعدة المكفرات وقاعدة أسباب المثوبات اعلم أن كثيرا من الناس يعتقدون أن المصائب سبب في رفع الدرجات وحصول المثوبات وليس كذلك بل تحرير الفرق بينهما أن المثوبات لها شرطان أحدهما أن تكون من كسب العبد ومقدوره فما لا كسب له فيه وما لا في قدرته أو هو من جنس مقدوره غير أنه لم يقع بمقدوره كالجناية على عضو من أعضائه لا مثوبة فيه وأصل ذلك قوله تعالى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى فحصر ما له فيما هو من سعيه وكسبه وقوله تعالى إنما تجزون ما كنتم تعملون فحصر الجزاء فيما هو معمول لنا ومقدور وثانيهما أن يكون ذلك المكتسب مأمورا به فما لا أمر فيه لا ثواب فيه كالأفعال
هامش إدرار الشروق
الفرق الثالث والستون والمائتان بين قاعدة المكفرات وقاعدة المثوبات
وهو مبني على طريقة الأصل وهي أن للمثوبات شرطين الأول أن تكون من كسب العبد ومقدوره لقوله تعالى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى فحصر ماله فيما هو من سعيه وكسبه وقوله تعالى إنما تجزون ما كنتم تعملون فحصر الجزاء فيما هو معمول لنا ومقدور والشرط الثاني أن يكون ذلك المكتسب مأمورا به فلا ثواب فيما لا أمر فيه كالأفعال قبل البعثة وكأفعال الحيوانات العجماوات فإنها لعدم الأمر بها لا ثواب لها فيها وإن كانت مكتسبة مراده لها واقعة باختيارها وكالموتى يسمعون في قبورهم المواعظ والقرآن والذكر والتسبيح والتهليل إذ لا ثواب لهم فيه على الصحيح لأنهم بعد الموت غير مأمورين ولا منهيين وأن المكفرات لا يشترط فيها شيء من ذلك بل هي ثلاثة أنواع لأنها
393
393
وأما المكفرات فلا يشترط فيها شيء من ذلك بل قد تكون كذلك مكتسبة مقدورة من باب الحسنات لقوله إن الحسنات يذهبن السيئات وقد لا تكون كذلك كما تكفر التوبة والعقوبات السيئات وتمحو آثارها ومن ذلك المصائب المؤلمات لقوله تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ولقوله عليه السلام لا يصيب المؤمن من وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها ذنوبه فالمصيبة كفارة للذنوب جزما سواء اقترن بها السخط أو الصبر والرضا فالسخط معصية أخرى ونعني بالسخط عدم الرضا بالقضاء كما تقدم تقريره لا التألم من المقضيات كما تقدم بيانه والصبر من القرب الجميلة فإذا تسخط جعلت سيئة ثم قد تكون هذه السيئة قدر السيئة التي كفرتها المصيبة أو أقل أو أعظم بحسب كثرة السخط وقلته وعظم المصيبة وصغرها فإن المصيبة العظيمة تكفر من السيئات أكثر من المصيبة اليسيرة فالتكفير واقع قطعا تسخط المصاب أو صبر غير أنه إن صبر اجتمع التكفير والأجر وإن تسخط فقد يعود الذي تكفر بالمصيبة بما جناه من التسخط أو أقل منه أو أكثر وعلى هذا يحمل ما في بعض الأحاديث من ترتيبه المثوبات على المصائب أي إذا صبر ليس إلا فالمصيبات لا
هامش أنوار البروق
قبل البعثة وكأفعال الحيوانات العجماوات مكتسبة مرادة لها واقعة باختيارها ولا ثواب لها فيها لعدم الأمر بها وكذلك الموتى يسمعون في قبورهم المواعظ والقرآن والذكر والتسبيح والتهليل ولا ثواب لهم فيه على الصحيح لأنهم غير مأمورين بعد الموت ولا منهيين فلا إثم ولا ثواب لعدم الأمر والنهي قلت هذا حديث غير صحيح بل الصحيح أن رفع الدرجات لا يشترط في أسبابها كونها مكتسبة ولا مأمورا بها فمنها ما يكون سببه كذلك ومن ذلك الآلام وجميع المصائب وقد دلت على ذلك كله دلائل وظواهر الشرع متظاهرة يعضدها قاعدة رجحان جانب الحسنات المقطوع بها وما استدل به من عموم قوله تعالى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وقوله إنما تجزون ما كنتم تعملون وما أشبه ذلك من الآي والأخبار يتعين حمله على الخصوص جمعا بين الأدلة فإن
هامش إدرار الشروق
إما من باب الحسنات فتكون مكتسبة مقدورة قال الله تعالى إن الحسنات يذهبن السيئات وإما من باب التوبة والعقوبات فتكفر السيئات وتمحو آثارها وإما من باب المصائب المؤلمات فتكفر الذنوب جزما سواء اقترن بها السخط الذي هو عدم الرضا بالقضاء لا التألم من المقضيات كما تقدم بيانه أو اقترن بها الصبر والرضا وإن لم تكن سببا في رفع الدرجات وحصول المثوبات ضرورة أنها غير مكتسبة وقال تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصيب المؤمن من وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها ذنوبه خلافا لما يعتقده كثير من الناس من أنها تكون سببا في ذلك وما في بعض الأحاديث من ترتيبه المثوبات على المصائب فمحمول على ما إذا صبر ليس إلا فإنه إن صبر اجتمع له التكفير والأجر
وإن تسخط فقد يعود الذي تكفر بالمصيبة بما جناه من السخط أو أقل
394
394
ثواب فيها قطعا من جهة أنها مصيبة لأنها غير مكتسبة
والتكفير بالمصيبة يقع بالمكتسب وغير المكتسب ومنه قوله عليه السلام في مسلم وغيره لا يموت لأحدكم ثلاثة من الولد إلا كن له حجابا من النار قالت قلت يا رسول الله واثنان قال واثنان وخلته لو قلت له وواحد لقال وواحد والحجاب راجع إلى معنى التكفير أي تكفر مصيبة فقد الولد ذنوبا كان شأنها أن يدخل بها النار فلما كفرت تلك الذنوب بطل دخول النار بسببها فصارت المصيبة كالحجاب المانع من دخول النار من جهة مجاز التشبيه واعلم أن التكفير في موت الأولاد ونحوهم إنما هو بسبب الآلام الداخلة على القلب من فقد المحبوب فإن كثر كثر التكفير وإن قل قل التكفير فلا جرم يكون التكفير على قدر نفاسة الولد في صفاته ونفاسته في بره وأحواله فإن كان الولد مكروها يسر بفقده فلا كفارة بفقده ألبتة وإنما أطلق عليه السلام التكفير بموت الأولاد بناء على الغالب أنه يؤلم فظهر لك الفرق بين المكفرات وأسباب المثوبات بهذه التقادير والمباحث وعلى هذا البيان لا يجوز أن تقول لمصاب بمرض أو فقد محبوب أو غير ذلك جعل الله لك هذه المصيبة كفارة لأنها كفارة قطعا والدعاء بتحصيل الحاصل حرام لا يجوز لأنه قلة أدب مع الله تعالى
هامش أنوار البروق
قال قائل ذلك وإن كان سببا لرفع الدرجات وزيادة النعيم فلا يسمى ثوابا ولا أجرا ولا جزاء فإنها ألفاظ مشعرة بالإعطاء في مقابلة عوض فالأمر فيما يقوله قريب إذ لا مشاحة في الألفاظ وكيف يصح حمله الآيتين وما أشبههما على العموم مع الإجماع المعلوم المنعقد على صحة النيابة في الأعمال المالية كلها مع الخلاف في البدنية كلها أو ما عدا الصلاة منها فلا بد من حمل الآيتين وشبههما على الإيمان أو عليه وعلى سائر الأعمال القلبية قال وأما المكفرات فلا يشترط فيها شيء من ذلك بل قد تكون كذلك مكتسبة مقدورة من باب الحسنات لقوله تعالى إن الحسنات يذهبن السيئات وقد لا تكون كذلك كما تكفر التوبة والعقوبات السيئات وتمحو آثارها ومن ذلك المصائب المؤلمات قلت ما قاله في ذلك صحيح إلا قوله وتمحو آثارها فإنه إن أراد بذلك محوها من الصحائف فإن ذلك ليس بصحيح لأنه عين الإحباط
هامش إدرار الشروق
منه أو أكثر فقوله عليه السلام في مسلم وغيره لا يموت لأحدكم ثلاثة من الولد إلا كن له حجابا من النار قالت قلت يا رسول الله واثنان قال واثنان وخلته لو قلت له وواحد لقال وواحد معناه أن مصيبة فقد الولد تكفر ذنوبا كان شأنها أن يدخل بها النار فلما كفرت تلك الذنوب بطل دخول النار بسببها فصارت المصيبة كالحجاب المانع من دخول النار من جهة مجاز التشبيه ثم إن تكفير موت الأولاد ونحوهم إنما هو بسبب الآلام الداخلة على القلب من فقد المحبوب فإن كثر كثر التكفير وإن قل قل التكفير فلا جرم يكون التكفير على قدر نفاسة الولد في صفاته أو نفاسته في بره وأحواله فإن كان الولد مكروها يسر بفقده فلا كفارة بفقده ألبتة وإنما أطلق عليه السلام التكفير بموت الأولاد بناء على الغالب أنه يؤلم قال فظهر بهذه التقارير والمباحث الفرق بين المكفرات وأسباب المثوبات وعليه فلا يجوز أن تقول لمصاب بمرض أو فقد محبوب أو غير ذلك جعل الله لك هذه المصيبة كفارة لأنها كفارة قطعا والدعاء
395
395
وقد بسطت هذا في كتاب المنجيات والموبقات في الأدعية بل يقال اللهم عظم له الكفارة لأن تعظيمها لم يعلم ثبوته بخلاف أصل التكفير فإنه معلوم لنا بالنصوص الواردة في الكتاب والسنة فلا يجوز طلبه فاعلم ذلك فيه وفي نظائره
هامش أنوار البروق
وهو باطل عند أهل السنة قال لقوله تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير قلت لا دليل له في هذه الآية على كون المصائب مكفرة للذنوب أو غير مكفرة وإنما فيها أن المصائب سببها الذنوب وأن من الذنوب ما لا يقابل بمصيبة يكون سببا لها بل يسامح فيه ويعفى عنه
قال ولقوله صلى الله عليه وسلم لا يصيب المؤمن من وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها ذنوبه قلت ما قاله في ذلك صحيح ويعني بقوله يعود يكون ذنب السخط مثله أو أقل منه أو أكثر لأن الكفر يعود حقيقة قال وعلى هذا يحمل ما في بعض الأحاديث من ترتب المثوبات على المصائب أي إذا صبر ليس إلا فالمصيبات لا ثواب فيها قطعا من جهة أنها مصيبة لأنها غير مكتسبة والتكفير بالمعصية يقع بالمكتسب وغير المكتسب ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في مسلم وغيره لا يموت لأحدكم ثلاثة من الولد إلا كن له حجابا من النار قالت قلت يا رسول الله واثنان قال واثنان وخلته لو قلت له وواحد لقال وواحد فالحجاب راجع إلى معنى التكفير أي تكفر مصيبة فقد الولد ذنوبا كان شأنها أن يدخل بها النار فلما كفرت تلك الذنوب بطل دخول النار بسببها فصارت المصيبة كالحجاب المانع من دخول النار من جهة مجاز التشبيه قلت ما قاله من أن المصيبة لا ثواب فيها قطعا ليس بصحيح وقد تبين قبل هذا أن ما استدل به من العمومات لا دليل فيه لتعين حملها على الخصوص بالإجماع على صحة النيابة في الأمور المالية وبالظواهر المظاهرة بثبوت الحسنات في الآلام وشبهها قال واعلم أن التكفير في موت الأولاد ونحوهم إنما هو بسبب الآلام قلت ما قاله في ذلك صحيح قال فإن كان الولد مكروها يسر بفقده فلا كفارة بفقده ألبتة وإنما أطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم التكفير بموت الأولاد بناء على الغالب أنه يؤلم
هامش إدرار الشروق
بتحصيل الحاصل حرام لا يجوز لأنه قلة أدب مع الله تعالى وقد بسطت هذا في كتاب المنجيات والموبقات في الأدعية بل يقال اللهم عظم له الكفارة لأن تعظيمها لم يعلم ثبوته بخلاف أصل التكفير فإنه معلوم لنا بالنصوص الواردة في الكتاب والسنة فلا يجوز طلبه فاعلم ذلك فيه وفي نظائره هذا خلاصة ما قاله الأصل في هذه الطريقة
واختار ابن الشاط والجمهور من علماء المذاهب الأربعة الطريقة الثانية وهي أن رفع الدرجات وحصول المثوبات لا يشترط في أسبابها كونها مكتسبة ولا مأمورا بها وأنه لا فرق بينها وبين المكفرات بل هي نوع منها وأن تلك الأسباب نوعان ما يكون سببه غير مكتسب ولا مقدور ومن ذلك الآلام وجميع المصائب قال ابن الشاط وقد دلت على ذلك كله دلائل
وظواهر الشرع متظاهرة يعضدها قاعدة رجحان جانب
396
396
صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
قلت ما قاله في ذلك تحكم بتقييد كلام الشارع من غير دليل وتضييق لباب الرحمة الثابت سعته قال فظهر لك الفرق بين المكفرات وأسباب المثوبات بهذه التقارير والمباحث قلت لم يظهر ذلك على الوجه الذي زعم قال وعلى هذا البيان لا يجوز أن تقول المصاب بمرض أو فقد محبوب أو غير ذلك جعل الله لك هذه المصيبة كفارة لأنها كفارة قطعا والدعاء بتحصيل الحاصل حرام لا يجوز لأنه قلة أدب مع الله تعالى وقد بسطت هذا في كتاب المنجيات والموبقات في الأدعية بل يقال اللهم عظم له الكفارة لأن تعظيمها لم يعلم ثبوته بخلاف أصل التكفير أنه معلوم لنا بالنصوص الواردة في الكتاب والسنة فلا يجوز طلبه فاعلم ذلك فيه وفي نظائره قلت ما قاله في هذا الفصل ليس بصحيح ولا مانع من الدعاء بتحصيل الحاصل أي المعلوم الحصول إذ ذلك مراده هنا ولا وجه لقوله إن ذلك قلة أدب مع الله تعالى كيف وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو لنفسه الكريمة بالمغفرة مع العلم بثبوتها له وما المانع أن يدعو بذلك غيره أو يدعو له لعدم علمه بحصول شرط التكفير والغفران وهو الوفاة على الإيمان
وجميع ما قال في الفرق بعده وهو
هامش إدرار الشروق
الحسنات المقطوع بها ا ه وقد نقل العلامة الجمل على الجلالين عن ابن تيمية وغير واحد من المحققين كالكرخي أن من تلك الظواهر أن أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم كما في آية واتبعتهم ذريتهم بإيمان إلخ ومنها قوله تعالى في قصة الغلامين اليتيمين وكان أبوهما صالحا فانتفعا بصلاح أبيهما وليس من سعيهما ومنها أن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وقال تعالى ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات وقال تعالى ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض فقد رفع تعالى العذاب عن بعض الناس بسبب بعض وذلك انتفاع بعمل الغير ومنها أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره وهو انتفاع بعمل الغير ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الموقف في الحساب ثم لأهل الجنة في دخولها ثم لأهل الكبائر في الخروج من النار وهذا انتفاع بسعي الغير ومنها أن الملائكة يدعون ويستغفرون لمن في الأرض
وذلك منفعة بعمل الغير
ومنها أن الله يخرج من النار من لم يعمل خيرا قط بمحض رحمته وهذا انتفاع بغير عملهم
ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قد امتنع من الصلاة على المدين حتى قضى دينه أبو قتادة وقضى دين الآخر علي بن أبي طالب فانتفع بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم وهو من عمل الغير ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن صلى وحده ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه فقد حصل له فضل الجماعة بفعل الغير قال ابن تيمية ومن تأمل العلم وجد من انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى فمن اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله فقد خرق الإجماع وذلك باطل من هذه الوجوه وغيرها ا ه ومثله للكرخي قال ابن الشاط فيتعين حمل عموم قوله تعالى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وقوله تعالى إنما تجزون ما كنتم تعملون وما أشبه ذلك من الآي والأخبار والخصوص جمعا بين الأدلة فإن قال قائل ذلك وإن كان سببا لرفع الدرجات وزيادة النعيم فلا يسمى ثوابا ولا أجرا ولا جزاء فإنها ألفاظ مشعرة بالإعطاء في مقابلة عوض فالأمر فيما يقوله قريب إذ لا مشاحة في الألفاظ وكيف يصح حمله أي الشهاب القرافي الآيتين وما أشبههما على العموم مع الإجماع المعلوم المنعقد على صحة النيابة في الأعمال المالية كلها مع الخلاف في البدنية كلها أو ما عدا الصلاة منها
ا ه
ففي حاشية
397
397
صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
البناني على عبد الباقي على مختصر خليل نقل الحطاب عند قوله في المختصر وما تطوع وليه عنه ما للعلماء من الخلاف في جواز إهداء ثواب قراءة القرآن للنبي صلى الله عليه وسلم أو شيء من القرب قال وجلهم أجاب بالمنع لأنه لم يرد فيه أثر ولا شيء عمن يقتدى به من السلف انظره
وقد اعترضه الشيخ ابن زكري بحديث كعب بن عجرة كما في المواهب وغيرها قلت يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي قال ما شئت قلت الربع قال ما شئت وإن زدت فهو خير لك قلت النصف قال ما شئت وإن زدت فهو خير لك قال أجعل صلاتي كلها لك قال قال إذا تكفى همك ويغفر ذنبك ا ه بلفظه وفي حاشية كنون أن الشيخ الطيب بن كيران بعد أن ذكر قوله الحافظ المنذري ومن وافقه قوله أكثر الصلاة فكم أجعل لك من صلاتي معناه أكثر الدعاء فكم أجعل لك من دعائي صلاة عليك ا ه قال وفيه أن هذا التفسير خلاف ظاهر العبارة ولو أريد لقيل فكم أصرف لك من وقت دعائي مثلا ويؤيد إرادة ظاهر العبارة ما في المعهود للشهود فإنه بعد أن ذكر الحديث عن كعب بن عجرة وتفسير المنذري المتقدم ذكر عن أبي المواهب الشاذلي أنه قال فذكر رؤياه المتقدمة وقال عقبها انتهى وهو حسن
وهذا مذهب جماعة من الصوفية قال أبو المواهب التونسي قال لي المصطفى في مبشرة أنت تشفع في مائة ألف قلت بم نلت هذا قال بإعطائك لي ثواب صلاتك علي وحج ابن الموفق حججا فجعل ثوابها للمصطفى فرآه يقول له هذه يد لك عندي أكافئك بها يوم القيامة آخذ بيدك فأدخلك الجنة بغير حساب ولا يستلزم ذلك سوء الأدب كما زعموا
ومنهم سيدي زروق فإن المقصود من الإهداء للعظماء إجلالهم وإعظامهم لا أنهم محتاجون لما يهدى لهم والهدية على قدر مهديها لا المهدى إليه والأعمال أنفس ما عند المهدي وهي جهد مقل فلا محذور في إهدائها مع رؤية قصورها وعدم أهليتها نعم إن استعظم ما أهدى فسوء أدب ويمكن حمل كلام سيدي زروق عليه والله أعلم ا ه وأصله لجسوس وزاد بل منهم من يجعل أعماله هدية للأولياء أو يجعل وردا لجميعهم أو للجهة التي يعتقدها ومنهم من يجعل ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مآب حسن النية والتقرب لجانبه الكريم صلى الله عليه وسلم وأما قول الشيخ زروق في عدة المريد بعد نقل مذهب الصوفية المتقدم ليس الحق في ذلك إلا باتباع سنته وإكرام قرابته وكثرة الصلاة عليه لأنه غني عن أعمالنا وإني لأرى ذلك إساءة أدب معه لمقابلته بما لا يصلح أن يكون صاحبه مقبولا فكيف الاعتداد بثوابه ا ه فليس بقوي للحديث المتقدم فإنه ظاهر في الجواز كما تقدم وأيضا فإن المقصود من الإهداء للعظماء إجلالهم إلى آخر ما تقدم ثم قال أشار إلى ذلك شيخنا العلامة سيدي محمد بن عبد الرحمن بن زكري رحمه الله تعالى في شرحه لصلاة القطب مولانا عبد السلام بن مشيش نفعنا الله ببركته آمين
ا ه
وقد ذكر ابن زكري رحمه الله جميع ما تقدم عند قوله صلاة تليق بك منك إليه كما هو أهله إلا أن عبارته كلام العهود أقوى وأظهر لأن لفظ الحديث يدل له إذ لو أريد بيان كم يجعل للصلاة عليه من أوقات عبادته لقال فكم أصرف من أوقات عبادتي في الصلاة عليك ويؤيده رؤيا أبي المواهب المتقدمة ثم قال والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هدية له على كل حال كما في الأحاديث وإن لم ينو المصلي كون ثوابها له فمعنى الإهداء حاصل له في الجملة والمقصود من الإهداء للعظماء إجلالهم وإعظامهم لا أنهم محتاجون إلى هدية المهدي
398
398
صفحة فارغة
هامش أنوار البروق
فارغه
هامش إدرار الشروق
ولذلك يجزلون المثوبات على أدنى شيء وأيضا فينوي المصلي بذلك تحصين عمله من الرد ليقوى بذلك رجاؤه احتراما بالنبي صلى الله عليه وسلم فإن الهدايا للملوك إذا كانت لا تناسب جلالة مقاديرهم ويخشى ردهم لها دخلت في جملة هدايا واسطة عظيم عند الملك فتقبل حينئذ من جملة هداياه وهذا كله إذا احتقر العامل نفسه واعتقد قصوره وعدم أهليته لذلك وأما إذا رأى عمله شيئا معتبرا في نفسه معتدا به فسوء الأدب لازم له ويمكن حمل ما لسيدي زروق عليه ويمكن أن يريد غير الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أما هي فحديث أبي ظاهر في خلافه كما سبق والله تعالى أعلم ا ه فأنت تراه إنما ذكر رؤيا أبي المواهب وغيره على وجه التأييد والاستئناس لظاهر لفظ الحديث لا على وجه الاحتجاج
وقبل ذلك تلميذه جسوس وغيره فتأمله والله أعلم ا ه المراد من كلام كنون ومراده دفع تنظير الرهون في مستند ابن زكري أولا بأن الأحكام الشرعية لا تثبت بالرؤيا وإن كانت حقا لا سيما من مثل أبي المواهب وثانيا بأن ما فهم من الحديث معارض بما فهم منه غير واحد من الأئمة من غير ذكر خلاف فيه فانظره إن شئت قلت وقد وجه عدم ثبوت الأحكام الشرعية بالرؤيا العلامة العطار على محلى جمع الجوامع فقال ولا يلزم من صحة الرؤية التعويل عليها في حكم شرعي لاحتمال الخطأ في التحمل وعدم ضبط الرائي حكي أن رجلا رآه صلى الله عليه وسلم في المنام يقول له إن في المحل الفلاني ركازا اذهب فخذه ولا خمس عليك فذهب فوجده فاستفتى العلماء فقال العز بن عبد السلام أخرج الخمس فإنه ثبت بالتواتر وقصارى رؤيتك الآحاد ا ه فافهم وفي الخازن وأجمع العلماء على أن الصدقة عن الميت تنفع الميت ويصله ثوابها وعلى وصول الدعاء وقضاء الدين للنصوص الواردة في ذلك ويصح الحج عن الميت حجة الإسلام وكذا لو أوصى بحج تطوع على الأصح عند الشافعي واختلف العلماء في الصوم إذا مات وعليه صوم فالراجح جوازه عنه للأحاديث الصحيحة فيه والمشهور من مذهب الشافعي أن قراءة القرآن لا يصل للميت ثوابها وقال جماعة من أصحابه يصله ثوابها وبه قال أحمد بن حنبل وأما الصلوات وسائر التطوعات فلا تصله عند الشافعي والجمهور وقال أحمد يصله ثواب الجميع والله أعلم ا ه قال ابن الشاط فلا بد من حمل الآيتين وشبههما على الإيمان أو عليه وعلى سائر الأعمال القلبية
ا ه
وفي الخازن وقيل أراد بالإنسان في قوله تعالى وأن ليس للإنسان الآية الكافر والمعنى ليس له من الخير إلا ما عمل هو فيثاب عليه في الدنيا بأن يوسع عليه في رزقه ويعافى في بدنه حتى لا يبقى له في الآخرة خير وقيل إن قوله وأن ليس للإنسان إلا ما سعى هو من باب الفضل فجائز أن يزيده الله ما يشاء من فضله وكرمه ا ه وفي الخطيب وقال ابن عباس هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة أي وإنما هو في صحف موسى وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام بقوله تعالى ألحقنا بهم ذريتهم فأدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء وقال عكرمة إن ذلك لقوم موسى وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام وأما هذه الأمة فلهم ما سعوا وما سعى لهم غيرهم لما روي أن امرأة رفعت صبيا لها وقالت يا رسول الله ألهذا حج فقال نعم
399
399
الفرق الرابع والستون والمائتان بين قاعدة المداهنة المحرمة وبين قاعدة المداهنة التي لا تحرم وقد تجب
اعلم أن معنى المداهنة معاملة الناس بما يحبون من القول ومنه قوله تعالى ودوا لو تدهن فيدهنون أي هم يودون لو أثنيت على أحوالهم وعباداتهم ويقولون لك مثل ذلك فهذه مداهنة حرام وكذلك كل من يشكر ظالما على ظلمه أو مبتدعا على بدعته أو مبطلا على إبطاله وباطله فهي مداهنة حرام لأن ذلك وسيلة لتكثير ذلك الظلم والباطل من أهله
هامش أنوار البروق
399
الرابع والستون والمائتان إلى آخر الفرق الحادي والسبعين والمائتين صحيح أو نقل لا كلام فيه
المسألة الثانية
قال بعض العلماء لا يشترط في النهي عن المنكر أن يكون ملابسه عاصيا بل يشترط أن يكون ملابسا لمفسدة واجبة الدفع أو تاركا لمصلحة واجبة الحصول وله أمثلة منها أمر الجاهل بمعروف لا يعرف وجوبه ونهيه عن منكر لا يعرف تحريمه كنهي الأنبياء عليهم السلام أممها أول بعثتها ومنها قتال البغاة وهم على تأويل ومنها ضرب الصبيان على ملابسة الفواحش ومنها قتل الصبيان والمجانين إذا صالوا على الدماء والأبضاع ولم يمكن دفعهم إلا بقتلهم ومنها أن يوكل وكيلا بالقصاص ثم يعفو ويخبر فاسق أو متهم الوكيل بالعفو فلا يصدقه فللفاسق أو المتهم الذي أخبره أن يدفعه عن القصاص إذا دفعا بالقتل الواردة لمفسدة القتل بغير حق ومنها أن يوكل سيد الجارية وكيلا في بيعها فيبيعها ويخبره المشتري أنه اشتراها من الوكيل فلم يصدقه ويريد وطأها ظنا منه أن الوكيل لم يبعها فللمشتري دفعه ولو بالقتل ومنها ضرب البهائم للتعليم والرياضة دفعا لمفسدة الشماس والجماح
المسألة الثالثة قال العلماء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الفور إجماعا فمن أمكنه أن يأمر بمعروف وجب عليه كمن يرى جماعة تركوا الصلاة فيأمرهم بكلمة واحدة قوموا للصلاة
المسألة الخامسة يدخل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المندوبات والمكروهات على سبيل الإرشاد للورع ولما هو أولى من غير تعنيف ولا توبيخ بل يكون ذلك من باب التعاون على البر والتقوى أفاده الأصل وصححه ابن الشاط والله سبحانه وتعالى أعلم
هامش إدرار الشروق
ولك أجر وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم إن أمي قتلت نفسها فهل لها أجر إن تصدقت عنها قال نعم ا ه قال ابن الشاط وقول القرافي بأن التوبة والعقوبات تكفر السيئات وتمحو آثارها إن أراد به محوها من الصحائف فهو ليس بصحيح لأنه عين الإحباط وهو باطل عند أهل السنة قال ولا دليل له في قوله تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير على كون المصائب مكفرة للذنوب أو غير مكفرة وإنما فيها المصائب سببها الذنوب وأن من الذنوب ما لا يقابل بمصيبة يكون سببا لها بل يسامح فيه ويعفى عنه قال وما قاله من أن المصيبة لا ثواب فيها قطعا ليس بصحيح وقد تبين قبل هذا أن ما استدل به من العمومات لا دليل فيه لتعين حملها على الخصوص بالإجماع على صحة النيابة في الأمور المالية وبالظواهر المتظاهرة بثبوت الحسنات في الآلام وشبهها قال فلم يظهر الفرق بين القاعدتين على الوجه الذي زعم أي وإنما يظهر على وجه آخر وهو ما أشار إليه قبل بقوله فإن قال قائل ذلك وإن كان مسببا إلخ قال وما قاله في رسول الله صلى الله عليه وسلم أطلق التكفير بموت الأولاد بناء على الغالب أنه يؤلم فهو تحكيم بتقييد كلام الشارع من غير دليل وتضييق لباب الرحمة الثابت سعته قال ولا مانع من الدعاء بتحصيل الحاصل أي المعلوم الحصول إذ ذلك مراده بقوله والدعاء بتحصيل الحاصل حرام لا يجوز لأنه إلخ ولا وجه لقوله إن ذلك قلة أدب مع الله تعالى كيف وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو لنفسه الكريمة بالمغفرة مع العلم بثبوتها له وما المانع أن يدعو بذلك غيره أو يدعو له لعدم علمه بحصول شرط التكفير والمغفرة وهو الموافاة على الإيمان ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الرابع والستون والمائتان بين قاعدة المداهنة المحرمة وبين قاعدة المداهنة التي لا تحرم وقد تجب
وهو أن المداهنة وهي معاملة الناس بما يحبون من القول وإن شاع بين الناس أنها كلها محرمة إلا أنها تجري عليها الأحكام الخمسة فقسم المحرمة ما كان وسيلة لتكثير الظلم والباطل من أهله كشكر الظالم على ظلمه والمبتدع على بدعته أو مبطل على إبطاله ومنه قوله تعالى ودوا لو تدهن فيدهنون القلم
400
400
وروي عن أبي موسى الأشعري أنه كان يقول إنا لنشكر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم يريد الظلمة والفسقة الذين يتقى شرهم ويتبسم في وجوههم ويشكرون بالكلمات الحقة فإن ما من أحد إلا وفيه صفة تشكر ولو كان من أنحس الناس فيقال له ذلك استكفاء لشره فهذا قد يكون مباحا وقد يكون واجبا إن كان يتوصل به القائل لدفع ظلم محرم أو محرمات لا تندفع إلا بذلك القول ويكون الحال يقتضي ذلك وقد يكون مندوبا إن كان وسيلة لمندوب أو مندوبات وقد يكون مكروها إن كان عن ضعف لا ضرورة تتقاضاه بل خور في الطبع أو يكون وسيلة للوقوع في مكروه فانقسمت المداهنة على هذه الأحكام الخمسة الشرعية وظهر حينئذ الفرق بين المداهنة المحرمة وغير المحرمة وقد شاع بين الناس أن المداهنة كلها محرمة وليس كذلك بل الأمر كما تقدم تقريره الفرق الخامس والستون والمائتان بين قاعدة الخوف من غير الله تعالى المحرم وقاعدة الخوف من غير الله تعالى الذي لا يحرم ورد قوله تعالى ولم يخش إلا الله وقوله تعالى فلا تخشوهم واخشوني وقوله تعالى وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
9 أي هم يودون لو أثنيت على أحوالهم وعباداتهم ويقولون لك مثل ذلك وقسم غير المحرمة ما لم يكن كذلك بل كان عبارة عن شكر الظلمة الفسقة والذين يتقى شرهم بالكلمات الحقة وبالتبسم في وجوههم وإليه أشار أبو موسى الأشعري رضي الله عنه بقوله إنا لنشكر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم وهذا قد يكون مباحا إن لم يكن وسيلة لواجب أو مندوب أو مكروه وقد يكون واجبا إن كان يتوصل به القائل لدفع ظلم محرم أو محرمات لا تندفع إلا بذلك القول ويكون الحال يقتضي ذلك وقد يكون مندوبا إن كان وسيلة لمندوب أو من مندوبات وقد يكون مكروها إن كان عن ضعف لا ضرورة تتقاضاه بل خور في الطبع أو كان وسيلة للوقوع في مكروه هذا تهذيب كلام الأصل وصححه ابن الشاط قلت وقسم المداهنة المحرمة هو الذي عده العلامة ابن حجر في الزواجر من الكبائر لما أخرجه البيهقي من قوله صلى الله عليه وسلم من أسوأ الناس منزلة من أذهب آخرته بدنيا غيره وفي رواية أنه أشر الناس ندامة وفي أخرى أنه أشر الناس منزلة يوم القيامة وما أخرجه الترمذي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس ا ه والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الخامس والستون والمائتان بين قاعدة الخوف من غير الله تعالى المحرم وقاعدة الخوف من غير الله تعالى الذي لا يحرم وهو أن الخوف من غير الله محرم إن كان مانعا من فعل واجب أو ترك محرم أو كان مما لم تجر العادة بأنه سبب للخوف كمن يتطير بما لا يخاف منه عادة كالعبور بين الغنم يخاف أن لا تقضى حاجته بهذا السبب وعلى
401
401
الأحزاب 37 ونحو ذلك من النصوص المانعة من خوف غير الله تعالى وهو المستفيض على ألسنة الجمهور وهذه النصوص محمولة على خوف غير الله تعالى المانع من فعل واجب أو ترك محرم أو خوف مما لم تجر العادة بأنه سبب للخوف كمن يتطير بما لا يخاف منه عادة كالعبور بين الغنم يخاف لذلك أن لا تقضى حاجته بهذا السبب فهذا كله خوف حرام ومما ورد في هذا الباب وهو قليل أن يتفطن له قوله تعالى ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله فمعنى هذا التشبيه في هذه الكاف قل من يحققه وهو قد ورد في هذا الباب في سياق الذم والإنكار مع أن فتنة الناس مؤلمة وعذاب الله مؤلم ومن شبه مؤلما بمؤلم كيف ينكر عليه هذا التشبيه ومدرك الإنكار بين وهو أن الله تعالى وضع عذابه حاثا على طاعته وزاجرا عن معصيته فمن جعل أذية الناس حاثة على طاعتهم في ارتكاب معصية الله تعالى وزاجرة له عن طاعة الله تعالى فقد سوى بين عذاب الله وفتنة الناس في الحث والزجر وشبه الفتنة بعذاب الله تعالى من هذا الوجه والتشبيه من هذا الوجه حرام قطعا موجب للتحريم واستحقاق الذم الشرعي فأنكر على فاعله ذلك وهو من باب خوف غير الله المحرم وهو سر التشبيه ها هنا وقد يكون الخوف من غير الله تعالى ليس محرما كالخوف من الأسود والحيات والعقارب والظلمة وقد يجب الخوف من غير الله تعالى كما
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
هذا الخوف المحرم يحمل قوله تعالى ولم يخش إلا الله وقوله تعالى فلا تخشوهم واخشوني وقوله تعالى وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ونحو ذلك من النصوص كقوله تعالى ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله لأن معناه أن من جعل أذية الناس حاثة على طاعتهم في ارتكاب معصية الله تعالى وزجره له عن طاعة الله تعالى كما وضع الله تعالى عذابه حاثا على طاعته وزاجرا عن معصيته فقد سوى بين عذاب الله وفتنة الناس في الحث والزجر فتشبيهه الفتنة بعذاب الله تعالى من هذا الوجه حرام قطعا موجب لاستحقاق الذم الشرعي وهو من باب خوف غير الله تعالى المحرم وهو سر التشبيه ها هنا وأن الخوف من غير الله تعالى غير محرم إن كان غير مانع من فعل واجب أو ترك محرم وكان مما جرت العادة بأنه سبب للخوف كالخوف من الأسود والحيات والعقارب والظلمة وكالخوف من أرض الوباء ومن المجذوم على أجسامنا من الأمراض والأسقام بل صون النفوس والأجسام والمنافع والأعضاء والأموال والأعراض عن الأسباب المفسدة واجب لقوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة
وقوله صلى الله عليه وسلم فر من المجذوم فرارك من الأسد وعلى هذه القواعد فقس يظهر لك ما يحرم من الخوف من غير الله تعالى وما لا يحرم وحيث تكون الخشية من الخلق محرمة وحيث لا تكون فاعلم ذلك هذا تنقيح ما في الأصل وصححه ابن الشاط قلت ومراده بالخوف من أرض الوباء خوف من لم يدخلها من دخولها ففي الجامع الصغير مما رواه أحمد في مسنده والنسائي عن عبد الرحمن بن عوف والنسائي عن أسامة بن زيد قال صلى الله عليه وسلم إذا سمعتم الطاعون بأرض فلا تدخلوا عليه قال المناوي أي يحرم عليكم ذلك لأن الإقدام عليه جرأة على خطر
402
402
أمرنا بالفرار من أرض الوباء والخوف منها على أجسامنا من الأمراض والأسقام وفي الحديث فر من المجذوم فرارك من الأسد فصون النفس والأجسام والمنافع والأعضاء والأموال والأعراض عن الأسباب المفسدة واجب وعلى هذه القواعد فقس يظهر لك ما يحرم من الخوف من غير الله تعالى وما لا يحرم وحيث تكون الخشية من الخلق محرمة وحيث لا تكون فاعلم ذلك
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
وإيقاع للنفس في التهلكة والشرع ناه عن ذلك قال الله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وقال الشيخ النهي للتنزيه أفاده العزيزي فلا ينافي ما رواه الإمام أحمد في مسنده وعبد بن حميد عن جابر من قوله صلى الله عليه وسلم الفار من الطاعون كالفار من الزحف والصابر فيه كالصابر في الزحف وفي رواية عنه أيضا الفار من الطاعون كالفار من الزحف ومن صبر فيه كان له أجر شهيد كما في الجامع الصغير للحافظ السيوطي فإن معناه كما في شرح العزيزي أنه كما يحرم الفرار من الزحف يحرم الخروج من بلد وقع فيها الطاعون بقصد الفرار ا ه وفي حاشية الحفني فإن خرج لنحو زيارة أو تجارة فلا بأس بذلك
ا ه
وسيأتي نقل صاحب القبس عن بعض العلماء أنه قال معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا عدوى أنه محمول على بعض الأمراض بدليل تحذيره عليه السلام من القدوم على بلد فيه الوباء ا ه كما حصل العزيزي على الجامع الصغير ما رواه البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه من قوله صلى الله عليه وسلم فمن أعدى الأول كما في الجامع الصغير على خصوص سببه فقال قاله لمن استشهد على العدوى بإعداء البعير الأجرب للإبل وهو من الأجوبة المسكتة إذ لو جلبت الأدواء بعضها بعضا لزم فقد الداء الأول لفقد الجالب فالذي فعله في الأول هو الذي فعله في الثاني وهو الله سبحانه وتعالى الخالق القادر على كل شيء ا ه وذلك البعض هو ما لم تتمحض ولم تجر لا بطريق الاطراد ولا الغلبة عادة الله تعالى به في حصول الضرر من حيث هو هو كالجرب بخلاف ما كانت عادة الله تعالى به في حصول الضرر اضطرارية أو أكثرية كالجذام فإن عوائد الله إذا دلت على شيء وجب اعتقاده وإذا لم تدل على شيء حرم اعتقاده كما سيتضح والله سبحانه وتعالى أعلم
403
403
الفرق السادس والستون والمائتان بين قاعدة التطير وقاعدة الطيرة وما يحرم منهما وما لا يحرم
فالتطير هو الظن السيئ الكائن في القلب والطيرة هو الفعل المرتب على هذا الظن من فرار أو غيره وكلاهما حرام لما جاء في الحديث أنه عليه السلام كان يحب الفأل الحسن ويكره الطيرة ولأنها من باب سوء الظن بالله تعالى ولا يكاد المتطير يسلم مما تطير منه إذا فعله وغيره لا يصيبه منه بأس وسأل بعض المتطيرين بعض العلماء فقال له إنني لا أتطير فلا ينخرم على ذلك بل يقع الضرر بي وغيري يقع له مثل ذلك السبب فلا يجد منه ضررا وقد أشكل ذلك علي فهل لهذا أصل في الشريعة فقال له نعم قوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء وفي بعض الطرق فليظن بي خيرا وأنت تظن أن الله تعالى يؤذيك عند ذلك الشيء الذي تطيرت منه فتسيء الظن بالله عز وجل فيقابلك الله على سوء ظنك به بإذايتك بذلك الشيء الذي تطيرت به وغيرك لا يسيء ظنه بالله تعالى ولا يعتقد أنه يحصل له ضرر عند ذلك فلا يعاقبه الله تعالى فلا يتضرر ثم هذا المقام يحتاج إلى تحقيق فإن الإنسان لو خاف الهلاك عند ملاقاة السبع لم يحرم إجماعا فتعين
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
الفرق السادس والستون والمائتان بين قاعدة التطير وقاعدة الطيرة وما يحرم منهما ولا يحرم
وذلك أن التطير هو الظن السيئ الكائن في القلب والطيرة هو الفعل المرتب على هذا الظن من قرار أو غيره وإن الأشياء التي يكون الخوف منها المرتب على سوء الظن الكائن في القلب تنقسم أربعة أقسام الأول ما جرت العادة الثابتة باطراد بأنه مؤذ كالسموم والسباع والوباء والطاعون والجذام ومعاداة الناس والتخم وأكل الأغذية الثقيلة المنفخة عند ضعفاء المعدة ونحو ذلك فالخوف في هذا القسم من حيث إنه عن سبب محقق في مجاري العادة لا يكون حراما فإن عوائد الله إذا دلت على شيء وجب اعتقاده كما نعتقد أن الماء مرور والخبز مشبع والنار محرقة وقطع الرأس مميت ومنع النفس مميت ومن لم يعتقد ذلك كان خارجا عن نمط العقلاء وما سببه إلا جريان العادة الربانية به باطراد والقسم الثاني ما كان جريان العادة الربانية به في حصول أمر أكثريا لا اطراديا ككون المجمودة مسهلة والآس قابضا إلى غير ذلك من الأدوية فالاعتقاد وكذا الفعل المرتب عليه في هذا القسم وإن لم يكن مطردا ليس بحرام بل هو حسن متعين لأكثريته إذ الحكم للغالب فهو كالقسم الأول قلت وعلى القسم الأول تحمل جملة أحاديث منها قوله صلى الله عليه وسلم فر من المجذوم فرارك من الأسد ومنها قوله صلى الله عليه وسلم من احتجم يوم الأربعاء ويوم السبت فرأى في جسده وضحا أي برصا فلا يلومن إلا نفسه كما
404
404
أن الأشياء في الغالب قسمان ما جرت العادة بأنه مؤذ كالسموم والسباع والوباء ومعاداة الناس والتخم وأكل الأغذية الثقيلة المنفخة عند ضعفاء المعدة ونحو ذلك فالخوف في هذا القسم ليس حراما لأنه خوف عن سبب محقق في مجاري العادة وقد نقل صاحب القبس عن بعض العلماء أنه قال معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا عدوى محمول على بعض الأمراض بدليل تحذيره عليه السلام من الوباء والقدوم على بلد هو فيه
وهذا حق فإن عوائد الله إذا دلت على شيء وجب اعتقاده كما نعتقد أن الماء مرو والخبز مشبع والنار محرقة وقطع الرأس مميت ومنع النفس مميت ومن لم يعتقد ذلك كان خارجا عن نمط العقلاء وما سببه إلا جريان العادة الربانية به وكذلك ما كان في العادة أكثريا وإن لم يكن مطردا نحو كون المحمودة مسهلة والآس قابضا إلى غير ذلك من الأدوية فإن اعتقادها حسن متعين مع عدم اطرادها بل لكونها أكثرية فيتعين حينئذ أن الذي يحرم التطير فيه هو القسم الخارج عن هذا القسم وهو ما لم تجر عادة الله تعالى به في حصول الضرر من حيث هو هو فإذا عرض التطير حصل به الضرر عقوبة لمن اعتقد ذلك فيه واعتقد في ملك الله تعالى وتصرفه ما ليس فيه مع سوء الظن به وهذا القسم كشق الأغنام والعبور بين الغنم وشراء الصابون يوم السبت ونحو هذا من هذيان العوام المتطيرين فهذا هو القسم الحرام المخوف منه لأنه سوء ظن بالله تعالى من غير سبب ومن الأشياء ما هو
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
في الجامع الصغير والقسم الثالث ما لم تجر عادة الله تعالى به أصلا في حصول الضرر من حيث هو هو كشق الأغنام والعبور بينها يخاف لذلك أن لا تقضى حاجته ونحو هذا من هذيان العوام المتطيرين كشراء الصابون يوم السبت فالخوف في هذا القسم من حيث إنه من غير سبب حرام لما جاء في الحديث أنه عليه السلام كان يحب الفأل الحسن ويكره الطيرة فالطيرة فيه محمولة على هذا القسم لأنها من باب سوء الظن بالله تعالى فلا يكاد المتطير يسلم مما تطير منه إذا فعله جزاء له على سوء ظنه
وأما غيره فلأنه لم يسئ ظنه بالله تعالى لا يصيبه منه بأس فمن هنا لما سأل بعض المتطيرين بعض العلماء فقال له إنني لا أتطير فلا ينخرم على ذلك بل يقع الضرر بي وغيري يقع له مثل ذلك السبب فلا يجد منه ضررا وقد أشكل ذلك علي فهل لهذا أصل في الشريعة قال له نعم قوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء وفي بعض الطرق فليظن بي خيرا وأنت تظن الله تعالى يؤذيك عند ذلك الشيء الذي تطيرت منه فتسيء الظن بالله عز وجل فيقابلك الله على سوء ظنك به بإذايتك بذلك الشيء الذي تطيرت به وغيرك لا يسيء ظنه بالله تعالى ولا يعتقد أنه يحصل له ضرر عند ذلك فلا يعاقبه الله تعالى فلا يتضرر
ا ه
والقسم الرابع ما لم يتمحض به حصول ضرر لا بالعادة الاطرادية ولا الأكثرية ولا عدم حصوله أصلا بل استوى به الحصول وعدمه كالجرب فمن ثم قال صلى الله عليه وسلم لمن استشهد على العدوى بإعداء البعير الأجرب للإبل فمن أعدى الأول
وهو من الأجوبة المسكتة إذ لو جلبت الأدواء بعضها بعضا لزم فقد الداء الأول لفقد الجالب فالذي فعله في الأول
405
405
قريب من أحد القسمين
ولم يتمحض كالعدوى في بعض الأمراض ونحوه فالورع ترك الخوف منه حذرا من الطيرة ومن ذلك الشؤم الوارد في الأحاديث ففي الصحيح أنه قال عليه السلام إنما الشؤم في ثلاث الدار والمرأة والفرس وفي بعضها إن كان الشؤم في شيء ففي الدار والمرأة والفرس قال صاحب المنتقى فيحتمل أن يكون معناه كما قال بعض العلماء إن كان الناس يعتقدون الشؤم فإنما يعتقدونه في هذه الثلاث أو إن كان الشؤم واقعا في نفس الأمر ففي هذه الثلاث وقيل أخبر عليه السلام بذلك أولا مجملا ثم أخبر به واقعا في الثلاث فلذلك أجمل ثم فصل وجزم كما قال عليه السلام في الدجال إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه وإن لم أكن فيكم فالمرء حجيج نفسه والله سبحانه خليفتي عليكم ثم أخبر عليه السلام أن الدجال إنما يخرج في آخر الزمان فأخبر بالدجال أولا مجملا ثم أخبر به مفصلا على حسب ما ورد الوحي به وكذلك سئل عليه السلام عن أكل الضب فقال إنه قد مسخت أمة من الأمم وأخشى أن يكون منهم أو ما هذا معناه ثم أخبر أن الممسوخ لم يعقب فقد أخبر بالمسخ أولا مجملا ثم أخبر به مفصلا وهو كثير في السنة فتنبه لهذه القاعدة فبها يحصل لك الجمع بين كثير من الأحاديث ولا مانع أن يجري الله تعالى عادته بجعل هذه الثلاثة أحيانا سببا للضرر ففي الصحيح أنه عليه السلام قيل له يا رسول الله دار
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
هو الذي فعله في الثاني
وهو الله سبحانه وتعالى الخالق القادر على كل شيء كما تقدم عن العزيزي على الجامع الصغير فالورع ترك الخوف من هذا القسم حذرا من الطيرة والمرض الذي من هذا القسم كالجرب هو المراد ببعض الأمراض فيما نقله صاحب القبس عن بعض العلماء من قوله إن قوله صلى الله عليه وسلم لا عدوى معناه قال ابن دينار لا يعدي خلافا لما كانت العرب تعتقده فبين عليه السلام أن ذلك من عند الله تعالى ا ه وهو محمول على بعض الأمراض بدليل تحذيره عليه السلام من الوباء والقدوم على بلد هو فيه ا ه قال الأصل وهذا حق فإن عوائد الله إذا دلت على شيء وجب اعتقاده كما نعتقد أن الماء مر وإلى آخر ما تقدم والممرض في قوله عليه السلام لا يحل على الممرض المصح هو صاحب الماشية المريضة والمصح هو صاحب الماشية الصحيحة قال ابن دينار ومعنى الممرض المصح بإيراد ماشية على ماشيته فيؤذيه بذلك فنسخ بقوله لا عدوى وقيل معناه لا يحل المجذوم محل الصحيح معه يؤذيه وإن كان لا يعدي فالنفس تكرهه فهو من باب إزالة الضرر لا من العدوى
وقيل هو ناسخ لقوله عليه الصلاة والسلام لا عدوى ا ه قال الأصل ومن هذا القسم الشؤم الوارد في الأحاديث ففي الصحيح أنه قال عليه السلام إنما الشؤم في ثلاث الدار والمرأة والفرس وفي بعضها إن كان الشؤم في شيء ففي الدار والمرأة والفرس قال صاحب المنتقى فيحتمل أن يكون معناه كما قال بعض العلماء إن كان الناس يعتقدون الشؤم فإنما يعتقدونه في هذه الثلاث أو إن كان الشؤم واقعا في نفس الأمر ففي هذه الثلاث
406
406
سكناها والعدد كثير والمال وافر فقل العدد وذهب المال فقال صلى الله عليه وسلم دعوها ذميمة وعن عائشة أنها قالت إنما تحدث رسول الله عن أقوال الجاهلية في الثلاث قال الباجي ولا يبعد أن يكون ذلك عادة وفي الموطإ قال عليه السلام لا عدوى ولا هام ولا صفر ولا يحل الممرض على المصح وليحل المصح حيث شاء قال الباجي قال ابن دينار لا يعدي مريض مريضا خلافا لما كانت العرب تعتقده فبي