3
جامع العلوم والحكم
4
وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا الحمد لله الذي أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة وجعل أمتنا ولله الحمد خير أمة وبعث فينا رسولا منا يتلو علينا آياته ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة أحمده على نعمه الجمة وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له شهادة تكون لمن اعتصم بها خير عصمة وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله للعالمين رحمة وفرض عليه بيان ما أنزل إلينا فأوضح لنا كل الأمور المهمة وخصه بجوامع الكلم فربما جمع أشتات الحكم والعلوم في كلمة أو شطر كلمة صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة تكون لنا نورا من كل ظلمة وسلم تسليما أما بعد فإن الله سبحانه وتعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بجوامع الكلم وخصه ببدائع الحكم كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال بعثت بجوامع الكلم قال النووي رحمه الله جوامع الكلم فيما بلغنا أن الله تعالى يجمع له الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين ونحو ذلك وخرج الإمام أحمد رحمه الله من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما كالمودع فقال أنا محمد النبي الأمي قال ذلك ثلاث مرات ولا نبي بعدي أوتيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه وذكر الحديث وخرج أبو يعلى الموصلي من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنى أوتيت جوامع الكلم وخواتمه واختصر لي الكلام اختصارا وخرج الدارقطني رحمه الله من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم
5
قال أعطيت جوامع الكلم واختصر لي الحديث اختصارا وروينا من حديث عبد الرحمن بن إسحاق القرشي عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه فقلنا يا رسول الله علمنا مما علمك الله عز وجل قال فعلمنا التشهد وفي صحيح مسلم عن سعيد بن أبي بردة عن أبي موسى عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن البتع والمزر قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطي جوامع الكلم بخواتمه فقال أنهى عن كل مسكر أسكر عن الصلاة وروي هشام بن عمار في كتاب البعث بإسناده عن أبي سالم الحبشي قال حدثت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول فضلت على من قبلي بست ولا فخر فذكر منها جوامع الكلم فقال وأعطيت جوامع الكلم وكان أهل الكتاب يجعلونها جزءا بالليل إلى الصباح فجمعها لي ربي في آية واحدة سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم في جوامع الكلم التي خص بها النبي صلى الله عليه وسلم نوعان أحدهما ما هو في القرآن كقوله تعالى إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي قال الحسن لم تترك هذه الآية خيرا إلا أمرت به ولا شرا إلا نهت عنه والثاني ما هو في كلامه صلى الله عليه وسلم وهو منتشر موجود في السنن المأثورة عنه صلى الله عليه وسلم وقد جمع العلماء رضي الله عنهم جموعا من كلماته صلى الله عليه وسلم الجامعة فصنف الحافظ أبو بكر بن السني كتابا سماه الإيجاز وجوامع الكلم من السنن المأثورة وجمع القاضي أبو عبدالله القضاعي من جوامع الكلم المجيزة كتابا سماه الشهاب في الحكم والآداب وصنف على منواله قوم آخرون فزادوا على ما ذكره زيادة كثيرة وأشار الخطابي في أول كتابه غريب الحديث إلى يسير من الأحاديث الجامعة وأملي الإمام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح مجلسا سماه الأحاديث الكلية جمع فيه الأحاديث الجوامع التي يقال إن مدار الدين عليها وما كان في معناها من الكلمات الجامعة الوجيزة فاشتمل مجلسه هذا على ستة وعشرين حديثا ثم إن الفقيه الإمام الزاهد القدوة أبا زكريا يحيى النووي رحمة الله عليه أخذ هذه الأحاديث التي أملاها ابن الصلاح وزاد عليها تمام اثنين وأربعين حديثا وسمى كتابه بالأربعين واشتهرت هذه الأربعون التي جمعها وكثر حفظها ونفع الله بها ببركة نية جامعها وحسن قصده رحمه الله تعالى وقد تكرر سؤال جماعة من طلبة العلم والدين لتعليق شرح لهذه الأحاديث المشار إليها فاستخرت الله تعالى في جمع كتاب يتضمن شرح ما يسره الله تعالى من معانيها
7
وتقييد ما يفتح به سبحانه من تبيين قواعدها ومبانيها وإياه أسأل العون على ما قصدته والتوفيق لصالح النية والقصد فيما أردته وأعول في أمري كله عليه وأبرأ من الحول والقوة إلا إليه وقد كان بعض من شرح هذه الأربعين قد تعقب على جامعها رحمه الله تركه لحديث ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فلأولي رجل ذكر قال لأنه الجامع لقواعد الفرائض التي هي نصف العلم فكان ينبغي ذكره في هذه الأحاديث الجامعة كما ذكر حديث البينة على المدعي واليمين على من أنكر لجمعه لأحكام القضاء فرأيت أنا أن أضم هذا الحديث إلى أحاديث الأربعين التي جمعها الشيخ رحمه الله وأن أضم إلى ذلك كله أحاديث أخر من جوامع الكلم الجامعة لأنواع العلوم والحكم حتى تكمل عدة الأحاديث كلها خمسين حديثا فهذه تسمية الأحاديث المزيدة على ما ذكره الشيخ رحمه الله في كتابه حديث ألحقوا الفرائض بأهلها وحديث يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب وحديث إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه وحديث أربع من كن فيه كان منافقا وحديث لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير وحديث لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله تعالى وسميته جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم واعلم أنه ليس غرضي إلا شرح الألفاظ النبوية التي تضمنتها هذه الأحاديث الكلية فلذلك لا أتقيد بكلام الشيخ رحمه الله في تراجم رواة هذه الأحاديث من الصحابة رضي الله عنهم ولا بألفاظه في العزو إلى الكتب التي يعزو إليها وإنما آتي بالمعنى الذي يدل على ذلك لأني قد أعلمتك أنه ليس لي غرض في غير شرح معاني كلمات النبي صلى الله عليه وسلم الجوامع وما يتضمنه من الآداب والحكم والمعارف والأحكام والشرائع وأشير إشارة لطيفة قبل الكلام في شرح الحديث إلى إسناده ليعلم بذلك صحته وقوته وضعفه وأذكر بعض ما روي في معناه من الأحاديث إن كان في ذلك الباب شيء غير الحديث الذي ذكره الشيخ وإن لم يكن في الباب غيره أو لم يكن يصح فيه غيره نبهت على ذلك كله وبالله التوفيق والمستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله الحديث الأول عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه رواه البخاري ومسلم
8
هذا الحديث تفرد بروايته يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن أبي وقاص الليثي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وليس له طريق يصح غير هذا الطريق كذا قال علي بن المديني وغيره وقال الخطابي لا أعلم خلافا بين أهل الحديث في ذلك مع أنه قد روى من حديث أبي سعيد وغيره وقد قيل إنه قد روى من طرق كثيرة لكن لا يصح من ذلك شيء عند الحفاظ ثم رواه عن الأنصاري الخلق الكثير والجم الغفير فقيل رواه عنه أكثر من مائتي راو وقيل رواه عنه سبعمائة راو ومن أعيانهم الإمام مالك والثوري والأوزاعي وابن المبارك والليث بن سعد وحماد بن زيد وشعبة وابن عيينة وغيرهم واتفق العلماء على صحته وتلقيه بالقبول وبه صدر البخاري كتابه الصحيح وأقامه مقام الخطبة له إشارة منه إلى أن كل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل لاثمرة له في الدنيا ولا في الآخرة ولهذا قال عبد الرحمن بن مهدي لو صنفت كتابا في الأبواب لجعلت حديث عمر بن الخطاب في الأعمال بالنيات في كل باب وعنه أنه قال من أراد أن يصنف كتابا فليبدأ
9
بحديث الأعمال بالنيات وهذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور الدين عليها فروى عن الشافعي أنه قال هذا الحديث ثلث العلم ويدخل في سبعين بابا من الفقه وعن الإمام أحمد رضي الله عنه قال أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث حديث عمر إنما الأعمال بالنيات وحديث عائشة من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد وحديث النعمان بن بشير الحلال بين والحرام بين وقال الحاكم حدثونا عن عبدالله بن أحمد عن أبيه أنه ذكر قوله عليه الصلاة والسلام الأعمال بالنيات وقوله إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما وقوله من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو رد فقال ينبغي أن يبتدأ بهذه الأحاديث في كل تصنيف فإنها أصول الأحاديث وعن إسحاق بن راهويه قال أربعة أحاديث هي من أصول الدين حديث عمر إنما الأعمال بالنيات وحديث الحلال بين والحرام بين وحديث إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما وحديث من صنع في أمرنا شيئا ما ليس منه فهو رد وروى عثمان بن سعيد عن أبي عبيد قال جمع النبي صلى الله عليه وسلم جميع أمر الآخرة في كلمة واحدة من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد وجمع أمر الدنيا كله في كلمة واحدة إنما الأعمال بالنيات يدخلان في كل باب وعن أبي داود قال نظرت في الحديث المسند فإذا هو أربعة آلاف حديث ثم نظرت فإذا مدار أربعة آلاف الحديث على أربعة أحاديث حديث النعمان بن بشير الحلال بين والحرام بين وحديث عمر إنما الأعمال بالنيات وحديث أبي هريرة إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين الحديث وحديث من حسن إسلام المرء تركه
10
ما لا يعنيه قال فكل حديث من هذه الأربعة ربع العلم وعن أبي داود رضي الله عنه أيضا قال كتبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما تضمنه هذا الكتاب يعني كتاب السنن جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث أحدهما قوله صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات والثاني قوله صلى الله عليه وسلم من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه والثالث قوله صلى الله عليه وسلم لا يكون المؤمن مؤمنا حتى لا يرضى لأخيه إلا ما يرضى لنفسه والرابع قوله صلى الله عليه وسلم الحلال بين والحرام بين وفي رواية أخرى عنه أنه قال الفقه يدور على خمسة أحاديث الحلال بين والحرام بين وقوله صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار وقوله إنما الأعمال بالنيات وقوله الدين النصيحة وقوله ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فائتوا منه ما استطعتم وفي رواية عنه قال أصول السنن في كل فن أربعة أحاديث حديث عمر إنما الأعمال بالنيات وحديث الحلال بين والحرام بين وحديث من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه وحديث ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس وللحافظ أبي الحسن طاهر بن مفوز المعافري الأندلسي عمدة الدين عندنا كلمات أربع من كلام خير البرية اتق الشبهات وازهد ودع ما ليس يعنيك واعملن بنية فقوله صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات وفي رواية الأعمال بالنيات وكلاهما يقتضي الحصر على الصحيح وليس غرضنا ههنا توجيه ذلك ولا بسط القول فيه وقد اختلفوا في تقدير قوله الأعمال بالنيات فكثير من المتأخرين يزعم أن تقديره الأعمال صحيحة أو معتبرة ومقبولة بالنيات وعلى هذا فالأعمال إنما أريد بها الأعمال الشرعية المفتقرة إلى النية فأما مالا يفتقر إلى نية كالعادات من الأكل والشرب واللبس وغيرها أو مثل رد الأمانات والمضمونات كالودائع والغصوب فلا يحتاج شيء من ذلك إلى نية فيخص هذا كله من عموم الأعمال المذكورة ههنا وقال آخرون بل الأعمال ههنا على عمومها لايختص منها شيء وحكاه بعضهم عن الجمهور كأنه يريد به جمهور المتقدمين وقد وقع ذلك في كلام ابن جرير الطبري وأبي طالب المكي وغيرهما من المتقدمين وهو ظاهر كلام الإمام أحمد قال في رواية حنبل أحب لكل من عمل من صلاة أو صيام أو صدقة أو نوع من أنواع البر أن تكون النية متقدمة في ذلك قبل الفعل قال النبي صلى الله عليه وسلم الأعمال بالنيات فهذا يأتي على كل أمر من الأمور وقال الفضل بن زياد سألت أبا عبد الله يعني أحمد عن النية في العمل قلت كيف النية قال يعالج نفسه إذا أراد عملا لا يريد به الناس وقال أحمد بن داود الحربي قال حدث يزيد بن هارون بحديث عمر الأعمال بالنيات وأحمد جالس فقال أحمد ليزيد يا أبا خالد هذا الخناق وعلى هذا القول فقيل تقدير الكلام الأعمال واقعة أو حاصلة بالنيات فيكون إخبارا عن الأعمال الاختيارية أنها لاتقع إلا عن قصد من العامل هو سبب عملها ووجودها ويكون قوله بعد ذلك وإنما لكل امريء ما نوى إخبارا عن حكم الشرع وهو أن حظ العامل من عمله نيته فإن كانت صالحة فعمله صالح فله أجره وإن كانت فاسدة فعمله فاسد فعليه وزره ويحتمل أن يكون التقدير في قوله الأعمال بالنيات صالحة أو فاسدة أو مقبولة أو مردودة أو مثاب عليها أو غير مثاب عليها بالنيات فيكون خبرا عن الحكم الشرعي وهو أن صلاحها وفسادها بحسب صلاح النية وفسادها كقوله صلى الله عليه وسلمإنما الأعمال بالخواتيم أي إن صلاحها وفسادها وقبولها وعدمها بحسب الخاتمة وقوله بعد ذلك وإنما لكل امريء مانوى إخبار أنه لا يحصل
11
له من عمله إلا ما نواه به فإن نوى خيرا حصل له خير وإن نوى به شرا حصل له شر وليس هذا تكريرا محضا للجملة الأولي فإن الجملة الأولى دلت على أن صلاح العمل وفساده بحسب النية المقتضية لإيجاده والجملة الثانية دلت على أن ثواب العامل على عمله بحسب نيته الصالحة وأن عقابه عليه بحسب نيته الفاسدة وقد تكون نيته مباحة فيكون العمل مباحا فلا يحصل له ثواب ولا عقاب فالعمل في نفسه صلاحه وفساده وإباحته بحسب النية الحاملة عليه المقتضية لوجوده وثواب العامل وعقابه وسلامته بحسب النية التي صار بها العمل صالحا أو فاسدا أو مباحا واعلم أن النية في اللغة نوع من القصد والإرادة وإن كان قد فرق بين هذه الألفاظ بما ليس هذا موضع ذكره والنية في كلام العلماء تقع بمعنيين أحدهما تمييز العبادات بعضها عن بعض كتمييز صلاة الظهر من صلاة العصر مثلا وتمييز رمضان من صيام غيره أو تمييز العبادات من العادات كتمييز الغسل من الجنابة من غسل التبرد والتنظيف ونحو ذلك وهذه النية هي التي توجد كثيرا في كلام الفقهاء في كتبهم والمعنى الثاني بمعنى تمييز المقصود بالعمل وهل هو لله وحده لا شريك له أم لله وغيره وهذه هي النية التي يتكلم فيها العارفون في كتبهم في كلامهم على الإخلاص وتوابعه وهي التي توجد كثيرا في كلام السلف المتقدمين وقد صنف أبو بكر بن أبي الدنيا مصنفا سماه كتاب الإخلاص والنية وإنما أراد هذه النية وهي النية التي يتكرر ذكرها في كلام النبي صلى الله عليه وسلم تارة بلفظ النية وتارة بلفظ الإرادة وتارة بلفظ مقارب لذلك وقد جاء ذكرها كثيرا في كتاب الله عز وجل بغير لفظ النية أيضا من الألفاظ المقاربة لها وإنما فرق من فرق بين النية وبين الإرادة والقصد ونحوهما لظنهم اختصاص النية بالمعنى الأول الذي يذكره الفقهاء فمنهم من قال النية تختص بفعل الناوي والإرادة لا تختص بذلك كما يريد الإنسان من الله أن يغفر له ولا ينوي ذلك وقد ذكرنا أن النية في كلام النبي صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة إنما يراد بها هذا المعنى الثاني غالبا فهي حينئذ بمعنى الإرادة ولذلك يعبر عنها بلفظ الإرادة في القرآن كثيرا كما في قوله تعالى منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة آل عمران وقوله عز وجل تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة الأنفال وقوله تعالى من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها هود وقوله ومن كان يريد حرث الآخرة الشورى وقوله تعالى من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد الإسراء وقوله تعالى ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه الأنعام وقوله تعالى واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدينا الكهف وقوله ذلك خير للذين يريدون وجه الله الروم وقوله وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون الروم وقد يعبر عنها في القرآن بلفظ الابتغاء
12
كما في قوله تعالى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى الليل وقوله تعالى ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم البقرة وقوله تعالى وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله البقرة وقوله لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف النساء فنفى الخير عن كثير مما يتناجى الناس به إلا في الأمر بالمعروف وخص من أفراده الصدقة والإصلاح بين الناس لعموم نفعها فدل ذلك على أن التناجي بذلك خير وأما الثواب عليه من الله فخصه بمن فعله ابتغاء مرضات الله وإنما جعل الأمر بالمعروف من الصدقة والإصلاح بين الناس وغيرهما خيرا وإن لم يبتغ به وجه الله لما يترتب على ذلك من النفع المتعدي فيحصل به للناس إحسان وخير وأما بالنسبة إلى الأمر فإن قصد به وجه الله وابتغاء مرضاته كان خيرا له وأثيب عليه وإن لم يقصد ذلك لم يكن خيرا له ولا ثواب له عليه وهذا بخلاف من صلى وصام وذكر الله يقصد بذلك عرض الدنيا فإنه لا خير له فيه بالكلية لأنه لاتقع في ذلك لصاحبه لما يترتب عليه من الإثم فيه ولا لغيره لأنه لا يتعدى نفعه إلى أحد اللهم إلا أن يحصل لأحد اقتداء به في ذلك وأما ماورد في السنة وكلام السلف من تسمية هذا المعنى بالنية فكثير جدا ونحن نذكر بعضه كما خرج الإمام أحمد والنسائي من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من غزا في سبيل الله ولم ينو إلا عقالا فله مانوى وخرج الإمام أحمد من حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أكثر شهداء أمتي أصحاب الفرش ورب قتيل بين صفين الله أعلم بنيته وخرج ابن ماجه من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يحشر الناس على نياتهم ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما يبعث الناس على نياتهم وخرج ابن أبي الدنيا من حديث عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قالإنما يبعث المقتتلون على نياتهم وفي صحيح مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يعوذ عائذ بالبيت فيبعث إليه بعث فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم فقلت يارسول الله فكيف بمن كان كارها قال يخسف به معهم ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته وفيه أيضا عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم معنى هذا الحديث وقال فيه يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر شتى ويبعثهم الله على نياتهم وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كانت همه الدنيا فرق الله شمله وفي لفظ أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة هذا لفظ ابن ماجه ولفظ أحمد من كانت همه الآخرة ومن كانت نيته الدنيا وخرجه ابن أبي الدنيا وعنده من كانت نيته الآخرة ومن كانت نيته الدنيا وفي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أثبت عليها حتى اللقمة تجعلها في فى امرأتك
13
وروى ابن أبي الدنيا بإسناد منقطع عن عمر قال لا عمل لمن لا نية له ولا أجر لمن لا حسبة له يعني لا أجر لمن لم يحتسب ثواب عمله عند الله عز وجل وبإسناد ضعيف عن ابن مسعود قال لا ينفع قول إلا بعمل ولا ينفع قول ولا عمل إلا بنية ولا ينفع قول ولا عمل ولا نية إلا بما وافق السنة وعن يحيى ابن أبي كثير قال تعلموا النية فإنها أبلغ من العمل وعن زيد الشامي قال إنى لأحب أن تكون لي نية في كل شيء حتى في الطعام والشراب وعنه أنه قال انو في كل شيء تريد الخير حتى خروجك إلى الكناسة وعن داود الطائي قال رأيت الخير كله إنما يجمعه حسن النية وكفاك بها خيرا وإن لم تنصب قال داود والبر همة التقي ولو تلعقت جميع جوارحه بحب الدنيا لردته يوما نيته إلى أصله وعن سفيان الثوري قال ما عالجت شيئا أشد على من نيتي لأنها تنقلب علي وعن يوسف بن أسباط قال تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد وقيل لنافع بن جبير ألا تشهد الجنازة قال كما أنت حتى أنوي قال ففكر هنيهة ثم قال امض وعن مطرف بن عبد الله قال صلاح القلب بصلاح العمل وصلاح العمل بصلاح النية وعن بعض السلف قال من سره أن يكمل له عمله فليحسن نيته فإن الله عز وجل يأجر العبد إذا حسن نيته حتى باللقمة وعن ابن المبارك قال رب عمل صغير تعظمه النية ورب عمل كبير تصغره النية وقال ابن عجلان لا يصلح العمل إلا بثلاث التقوى لله والنية الحسنة والإصابة وقال الفضيل بن عياض إنما يريد الله عز وجل منك نيتك وإرادتك وعن يوسف بن أسباط قال إيثار الله عز وجل أفضل من القتل في سبيل الله خرج ذلك كله ابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص والنية وروى فيه بإسناد منقطع عن عمر قال أفضل الأعمال أداء ما افترض الله عز وجل والورع عما حرم الله عز وجل وصدق النية فيما عند الله عز وجل وبهذا يعلم معنى ما روى الإمام أحمد أن أصول الإسلام ثلاثة أحاديث حديث إنما الأعمال بالنيات وحديث من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد وحديث الحلال بين والحرام بين فإن الدين كله يرجع إلى فعل المأمورات وترك المحظورات والتوقف عن الشبهات وهذا كله تضمنه حديث النعمان بن بشير وإنما يتم ذلك بأمرين أحدهما أن يكون العمل في ظاهره على موافقة السنة وهذا هو الذي يتضمنه حديث عائشة من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد والثاني أن يكون العمل في باطنه يقصد به وجه الله عز وجل كما تضمنه حديث عمر الأعمال بالنيات وقال الفضيل في قوله تعالى ليبلوكم أيكم أحسن عملا الملك قال أخلصه وأصوبه وقال إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى
14
يكون خالصا وصوابا قال والخالص إذا كان لله عز وجل والصواب إذا كان على السنة وقد دل على هذا الذي قال الفضي لقوله عز وجل فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا الكهف وقال بعض العارفين إنما تفاضلوا بالإرادات ولم يتفاضلوا بالصوم والصلاة وقوله صلى الله عليه وسلم فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه لما ذكر صلى الله عليه وسلم أن الأعمال بحسب النيات وأن حظ العامل من عمله نيته من خير أو شر وهاتان كلمتان جامعتان وقاعدتان كليتان لا يخرج عنهما شيء ذكر بعد ذلك مثلا من الأمثال والأعمال التي صورتها واحدة ويختلف صلاحها وفسادها باختلاف النيات وكأنه يقول سائر الأعمال على حذو هذا المثال وأصل الهجرة هجران بلد الشرك والانتقال منه إلى دار الإسلام كما كان المهاجرون قبل فتح مكة يهاجرون منها إلى مدينه النبي صلى الله عليه وسلم وقد هاجر من هاجر منهم قبل ذلك إلى أرض الحبشة إلى النجاشي فأخبر صلى الله عليه وسلم أن هذه الهجرة تختلف باختلاف المقاصد والنيات بها فمن هاجر إلى دار الإسلام حبا لله ورسوله ورغبة في تعلم دبن الإسلام وإظهار دينه حيث كان يعجز عنه في دار الشرك فهذا هو المهاجر إلى الله ورسوله حقا وكفاه شرفا وفخرا أن حصل له ما نواه من هجرته إلى الله ورسوله ولهذا المعنى اقتصر في جواب هذا الشرط على إعادته بلفظه لأن حصول ما نواه بهجرته نهاية المطلوب في الدنيا والآخرة ومن كانت هجرته من دار الشرك إلى دار الإسلام ليطلب دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها في دار الإسلام فهجرته إلى ما هاجر من ذلك فالأول تاجر والثاني خاطب وليس بواحد منهما مهاجر وفي قوله إلى ما هاجر إليه تحقير لما طلبه من أمر الدنيا واستهانة به حيث لم يذكر بلفظه وأيضا أن الهجرة إلى الله ورسوله واحدة فلا تعدد فيها فلذلك أعاد الجواب فيها بلفظ الشرط والهجرة لأمور الدنيا لا تنحصر فقد يهاجر الإنسان لطلب دنيا مباحة تارة ومحرمة تارة وأفراد ما يقصد بالهجرة من أمور الدنيا لا تنحصر فلذلك قال فهجرته إلى ما هاجر إليه يعني كائنا ما كان وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الممتحنة قال كانت المرأة إذا أتت النبي صلى الله عليه وسلم حلفها بالله ما خرجت من بغض زوج وبالله ما خرجت رغبة بأرض عن أرض وبالله ما خرجت التماس دنيا وبالله ما خرجت إلا حبا لله ورسوله أخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير والبزار في مسنده وخرجه الترمذي في بعض نسخ كتابه مختصرا وقد روى وكيع في كتابه عن الأعمش عن شقيق هو أبو وائل قال خطب أعرابي من الحي امرأة يقال لها أم قيس فأبت أن تزوجه حتى يهاجر فهاجر فتزوجته فكنا نسميه مهاجر أم قيس قال فقال عبد الله يعني ابن مسعود من هاجر يبتغي شيئا فهو له وهذا السياق يقتضي أن هذا لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان في عهد ابن مسعود ولكن روي من طريق سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود قال كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس فأبت أن تزوجه حتى يهاجر فهاجر فتزوجها وكنا نسميه مهاجر أم قيس قال ابن مسعود من هاجر لشيء فهو له وقد اشتهر أن قصة مهاجر أم قيس هي كانت سبب قول النبي صلى الله عليه وسلم من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها وذكر ذلك كثير من المتأخرين في كتبهم ولم نر لذلك أصلا يصح والله أعلم وسائر الأعمال كالهجرة في هذا المعني فصلاحها وفسادها بحسب النية الباعثة عليها كالجهاد والحج وغيرهما وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن اختلاف الناس في الجهاد وما يقصد به من الرياء وإظهار الشجاعة والعصبية وغير ذلك أي ذلك في سبيل الله فقال من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله فخرج بهذا كل ما سألوه عنه من المقاصد الدنيوية ففي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه فمن قاتل في سبيل الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلممن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله وفي رواية لمسلم سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل الله فذكر الحديث وفي رواية له أيضا الرجل يقاتل غضبا ويقاتل حمية وخرج النسائي من حديث
15
أبي أمامة قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ما له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاشيء ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله لا يقبل إلا ما كان خالصا وابتغى به وجهه وخرج أبو داود من حديث أبي هريرة أن رجلا قال يا رسول الله رجل يريد الجهاد وهو يريد عرضا من عرض الدنيا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أجر له فأعاد عليه ثلاثا والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لا أجر له وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الغزو غزوان فأما من ابتغى وجه الله وأطاع الإمام وأنفق الكريمة وياسر الشريك واجتنب الفساد فإن نومه ونبهه أجر كله وأما من غزا فخرا ورياء وسمعة وعصى الإمام وأفسد في الأرض فإنه لم يرجع بالكفاف وخرج أبو داود من حديث عبدالله بن عمرو قال قلت يا رسول الله أخبرني عن الجهاد والغزو فقال إن قاتلت صابرا محتسبا بعثك الله صابرا محتسبا وإن قاتلت مرائيا مكاثرا بعثك الله مرائيا مكاثرا على أي حال قاتلت أو قتلت بعثك الله بتلك الحال وخرج مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمه فعرفها فقال ما عملت فيها قال قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتى به فعرفه نعمه فعرفها فقال ما عملت فيها قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت القرآن فيك قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال قاريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأتى به فعرفه نعمه فعرفها فقال فما عملت فيها فقال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيه إلا أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار وفي الحديث إن معاوية لما بلغه هذا الحديث بكى حتى غشي عليه فلما أفاق قال صدق الله ورسوله قال الله عز وجل من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار هود وقد ورد الوعيد على تعلم العلم لغير وجه الله كما خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم من تعلم علما مما يبتغي به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة يعني ريحها وخرج الترمذي من حديث كعب بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من طلب العلم ليماري به السفهاء أو يجاري به العلماء أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار وخرجه ابن ماجه بمعناه من حديث ابن عمر وحذيفة وجابر رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم ولفظ حديث جابر لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولا لتماروا به السفهاء ولا تخيروا بالمجالس فمن فعل ذلك فالنار
16
النار فقال ابن مسعود لا تعلموا العلم لثلاث لتماروا به السفهاء أو لتجادلوا به الفقهاء أو لتصرفوا وجوه الناس إليكم وابتغوا بقولكم وفعلكم ما عند الله فإنه يبقى ويذهب ما سواه وقد ورد الوعيد على العمل لغير الله عموما كما خرج الإمام أحمد من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال بشر هذه الأمة بالثناء بالعز والرفعة والدين والتمكين في الأرض فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب واعلم أن العمل لغير الله أقسام فتارة يكون رياء محضا بحيث لا يراد به سوى مرئيات المخلوقين لغرض دنيوي كحال المنافقين في صلاتهم قال الله عز وجل وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس النساء وقال تعالى فويل للمصلين الماعون وكذلك وصف الله تعالى الكفار بالرياء المحض في قوله ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس الأنفال وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر عن مؤمن في فرض الصلاة والصيام وقد يصدر في الصدقة الواجبة والحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة والتي يتعدى نفعها فإن الإخلاص فيها عزيز وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه أيضا وحبوطه وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله تبارك وتعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه وخرجه ابن ماجه ولفظه فأنا منه بريء وهو للذي أشرك وخرج الإمام أحمد عن شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من صلى يرائي فقد أشرك ومن صام يرائي فقد أشرك ومن تصدق يرائي فقد أشرك فإن الله عز وجل يقول أنا خير قسيم لمن أشرك بي شيئا فإن جدة عمله قليلة وكثيرة لشريكه الذي أشرك به أنا عنه غني وخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد بن أبي فضالة وكان من الصحابة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان أشرك في عمل عمله لله فليطلب ثوابه من عند غير الله عز وجل فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك وخرج البزار في مسنده من حديث الضحاك بن قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله عز وجل يقول أنا خير شريك فمن أشرك معي شريكا فهو لشريكه يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله عز وجل فإن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما أخلص له ولا تقولوا هذا لله والرحم فإنها للرحم وليس لله منها شيء ولا تقولوا هذا لله ولوجوهكم فإنها لوجوهكم وليس لله منها شيء وخرج النسائي بإسناد جيد عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاشيء له فأعادها عليه ثلاث مرات يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم لاشيء له ثم قال إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغى به وجهه وخرج الحاكم
17
من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رجل يا رسول الله إنى أقف الموقف أريد به وجه الله وأريد أن يرى موطني فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا حتى نزلت فمن كان يرجو لقاء ربه الكهف ومن يروي عنه هذا المعنى أن العمل إذا خالطه شيء من الرياء كان باطلا طائفة من السلف منهم عبادة بن الصامت وأبو الدرداء والحسن وسعيد بن المسيب وغيرهم وفي مراسيل القاسم بن مخيمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يقبل الله عملا فيه مثقال حبة من خردل من رياء ولا نعرف عن السلف في هذا خلافا وإن كان فيه خلاف عن بعض المتأخرين فإن خالط نيته الجهاد مثل نية غير الرياء مثل أخذه أجرة للخدمة أو أخذ شيء من الغنيمة أو التجارة نقص بذلك أجر جهاده ولم يبطل بالكلية وفي صحيح مسلم عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قالإن الغزاة إذا غنموا غنيمة تعجلوا ثلثي أجرهم فإن لم يغنموا شيئا تم لهم أجرهم وقد ذكرنا فيما مضى أحاديث تدل على أن من أراد بجهاده عرضا من الدنيا أنه لا أجر له وهي محمولة على أنه لم يكن له غرض في الجهاد إلا الدنيا وقال الإمام أحمد التاجر والمستأجر والمكاري أجرهم على قدر ما يخلص من نيتهم في غزواتهم ولا يكون مثل من جاهد بنفسه وماله لا يخلط به غيره وقال أيضا فيمن يأخذ جعلا على الجهاد إذا لم يخرج إلا لأجل الدراهم فلا بأس أن يأخذ كأنه خرج لدينه فإن أعطي شيئا أخذه وكذا روي عن عبدالله بن عمرو قال إذا جمع أحدكم على الغزو فعوضه الله رزقا فلا بأس بذلك وأما إن أحدكم إن أعطي درهما غزا وإن منع درهما مكث فلا خير في ذلك وكذا قال الأوزاعي إذا كانت نية الغازي على الغزو فلا أرى بأسا وهكذا يقال فيمن أخذ شيئا في الحج ليحج به إما عن نفسه أو عن غيره وقد روي عن مجاهد أنه قال في حج الحمال وحج الأجير وحج التاجر هو تام لا ينقص من أجورهم شيء وهذا محمول على أن قصدهم الأصلي كان هو الحج دون التكسب وأما إن كان أصل العمل لله ثم طرأت عليه نية الرياء فلا يضره فإن كان خاطرا ودفعة فلا يضره بغير خلاف فإن استرسل معه فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك ويجازى على أصل نيته في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف قد حكاه الإمام أحمد وابن جرير الطبري وأرجو أن عمله لا يبطل بذلك وأنه يجازى بنيته الأولي وهو مروي عن الحسن البصري وغيره ويستدل لهذا القول بما خرجه أبو داود في مراسيله عن عطاء الخراساني أن رجلا قال يا رسول الله إن بني سلمة كلهم يقاتل فمنهم من يقاتل للدنيا ومنهم من يقاتل نجدة ومنهم من يقاتل ابتغاء وجه الله فأيهم الشهيد قال كلهم إذا كان أصل أمره أن تكون كملة الله هي العليا وذكر ابن جرير أن هذا الاختلاف إنما هو في عمل يرتبط آخره بأوله كالصلاة والصيام والحج فأما ما لا ارتباط فيه كالقراءة والذكر وإنفاق المال ونشر العلم فإنه ينقطع بنية الرياء الطارئة عليه ويحتاج إلى تجديد نية وكذلك روي عن سليمان بن داود الهاشمي أنه قال ربما أحدث بحديث ولي فيه نية فإذا أتيت على بعضه تغيرت نيتي فإذا الحديث الواحد يحتاج إلى نيات ولا يرد على هذا الجهاد كما في مرسل عطاء الخراساني فإن الجهاد يلزم بحضور الصف ولا يجوز تركه حينئذ فيصير كالحج فأما إذا عمل العمل لله خالصا ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك بفضل ورحمة واستبشر بذلك لم يضره ذلك وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الرجل يعمل العمل لله من الخير يحمده الناس عليه فقال تلك عاجل بشرى المؤمن خرجه مسلم وخرجه ابن ماجه وعنده الرجل يعمل العمل فيحبه الناس عليه ولهذا المعنى فسره الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه وابن جرير الطبري وغيرهم وكذلك الحديث الذي خرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال يا رسول الله الرجل يعمل فيسره فإذا اطلع عليه أعجبه فقال له أجران أجر السر وأجر العلانية ولنقتصر على هذا المقدار من الكلام على الإخلاص والرياء فإن فيه كفاية وبالجملة فما أحسن قول سهل بن عبد الله ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص لأنه ليس لها فيه نصيب وقال يوسف بن الحسين الرازي أعز شيء في الدنيا الإخلاص وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي وكأنه ينبت فيه على لون آخر وقال ابن عيينة كان من دعاء مطرف بن عبد الله اللهم إنى أستغفرك مما تبت إليك منه ثم عدت فيه وأستغفرك مما جعلته لك على نفسي ثم لم أوف به لك وأستغفرك مما زعمت إنى أردت به وجهك فخالط قلبي منه ما قد عملت
18
فصل وأما النية بالمعنى الذي ذكره الفقهاء وهو تمييز العبادات وتمييز العبادات بعضها من بعض فإن الإمساك عن الأكل والشرب يقع تارة حمية وتارة لعدم القدرة على الأكل وتارة تركا للشهوات لله عز وجل فيحتاج في الصيام إلى نية ليتميز بذلك عن ترك الطعام على غير هذا الوجه وكذلك العبادات كالصلاة والصيام منها فرض ومنها نفل والفرض يتنوع أنواعا فإن الصلوات المفروضات خمس صلوات في كل يوم وليلة والصيام الواجب تارة يكون صيام رمضان وتارة يكون كفارة أو عن نذر ولا يتميز هذا كله إلا بالنية وكذلك الصدقة تكون نفلا وتكون فرضا والفرض منه زكاة ومنه كفارة ولا يتميز ذلك إلا بالنية فيدخل ذلك في عموم قوله صلى الله عليه وسلم وإنما لكل امريء مانوى وفي بعض ذلك اختلاف مشهور بين العلماء
19
فإن منهم من لا يوجب تعيين النية للصلاة المفروضة بل يكفي عنده أن ينوي فرض الوقت وإن لم يستحضر تسميته في الحال وهي رواية عن الإمام أحمد وينبني على هذا القول أن من فاتته صلاة من يوم وليلة ونسي عينها أن عليه أن يقضي ثلاث صلوات الفجر والمغرب ورباعية واحدة وكذلك ذهب طائفة من العلماء إلى أن صيام رمضان لا يحتاج إلى نية معينة أيضا بل يجزى نية الصيام مطلقا لأن وقته غير قابل لصيام آخر وهو أيضا رواية عن الإمام أحمد وربما حكي عن بعضهم أن صيام رمضان لا يحتاج إلى نية بالكلية لتعيينه بنفسه فهو كرد الودائع وحكي عن الأوزاعي أن الزكاة كذلك وتأول بعضهم قوله على أنه أراد أنها تجزي بنية الصدقة المطلقة كالحج وكذلك قال أبو حنيفة لو تصدق بالنصاب كله من غير نية أجزأه عن زكاته وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع رجلا يلبي بالحج عن رجل فقال له أحججت عن نفسك قال لا قال هذه عن نفسك ثم حج عن الرجل وقد تكلم في صحة هذا الحديث ولكنه صحيح عن ابن عباس وغيره وأخذ بذلك الشافعي وأحمد في المشهور عنه وغيرهما في أن حجة الإسلام تسقط بنية الحج مطلقا سواء نوى التطوع أو غيره ولا يشترط للحج تعيين النية فمن حج عن غيره ولم يحج عن نفسه وقع عن نفسه وكذلك لو حج عن نذر أو نفلا ولم يكن حج حجة الإسلام فإنها تنقلب عنها وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر أصحابه في حجة الوداع بعدما دخلوا معه وطافوا وسعوا أن يفسخوا حجهم ويجعلوه عمرة وكان منهم القارن والمفرد وإنما كان طوافهم عند قدومهم طواف القدوم وليس بفرض وقد أمرهم أن يجعلوه طواف عمرة وهو فرض وقد أخذ بذلك الإمام أحمد في فسخ الحج وعمل به وهو مشكل على أصله فإنه يوجب تعيين الطواف الواجب للحج والعمرة بالنية وخالفه في ذلك أكثر الفقهاء كمالك والشافعي وأبي حنيفة وقد يفرق الإمام أحمد بين أن يكون طوافه في إحرام انقلب كالإحرام الذي يفسخه ويجعله عمرة فينقلب الطواف فيه تبعا لانقلاب الإحرام كما ينقلب الطواف في الإحرام الذي نوى به التطوع إذا كان عليه حجة الإسلام تبعا لانقلاب الإحرام من أصله ووقوعه عن فرضه بخلاف ما إذا طاف للزيارة بنية الوداع أو التطوع فإن هذا لا يجزيه إلا أن ينوي به الفرض ولم ينقلب فرضا تبعا لانقلاب إحرامه والله أعلم ومما يدخل في هذا الباب أن رجلا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان قد وضع صدقته عند رجل فجاء ولد صاحب الصدقة فأخذها ممن هي عنده فعلم بذلك أبوه فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما إياك أردت فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمتصدق لك ما نويت وقال للآخذ لك ما أخذت
20
خرجه البخاري وقد أخذ الإمام أحمد بهذا الحديث وعمل به في المنصوص عنه وإن كان أكثر أصحابه على خلافه فإن الرجل إنما منع من دفع الصدقة إلى ولده خشية أن تكون محاباة فإذا وصلت إلى ولده من حيث لا يشعر كانت المحاباة منتفية وهو من أهل استحقاق الصدقة في نفس الأمر ولهذا لو دفع صدقته إلى من يظنه فقيرا وكان غنيا في نفس الأمر أجزأته على الصحيح لأنه إنما دفع إلى من يعتقد استحقاقه والفقر أمر خفي لا يكاد يطلع عل حقيقته وأما الطهارة فالخلاف في اشتراط النية لها مشهور وهو يرجع إلى أن الطهارة للصلاة هل هي عبادة مستقلة أم هي شرط من شروط الصلاة كإزالة النجاسة وستر العورة فمن لم يشترط لها النية جعلها كسائر شروط الصلاة ومن اشترط لها النية جعلها عبادة مستقلة فإذا كانت عبادة في نفسها لم تصح بدون النية وهذا قول جمهور العلماء ويدل على صحة ذلك تكاثر النصوص الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الوضوء يكفر الذنوب والخطايا وأن من توضأ كما أمر كان كفارة لذنوبه وهذا يدل على أن الوضوء المأمور به في القرآن عبادة مستقلة بنفسها حيث رتب عليه تكفير الذنوب والوضوء الخالي من النية لا يكفر شيئا من الذنوب بالاتفاق فلا يكون مأمورا به ولا تصح به الصلاة ولهذا لم يرد في شيء من بقية شرائط الصلاة كإزالة النجاسة وستر العورة ماورد في الوضوء من الثواب ولو شرك بين نية الوضوء وبين قصد التبرد أو إزالة النجاسة أو الوسخ أجزأه في المنصوص عن الشافعي وهذا قول أكثر أصحاب أحمد لأن هذا القصد ليس بمحرم ولا مكروه ولهذا لو قصد مع رفع الحدث تعليم الوضوء لم يضره ذلك وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصد أحيانا بالصلاة تعليمها للناس وكذلك الحج كما قال خذوا عني مناسككم ومما تدخل النية فيه من أبواب العلم مسائل الأيمان فلغوا اليمين لا كفارة فيه وهو ماجرى على اللسان من غير قصد بالقلب ألبتة كقوله لا والله وبلى والله في أثناء الكلام قال تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم الآية وكذلك يرجع في الأيمان إلى نية الحالف وما قصد بيمينه فإن حلف بالطلاق أو عتاق ثم ادعى أنه نوى ما يخالف ظاهر لفظه فإنه يدين فيما بينه وبين الله عز وجل وهل يقبل منه في ظاهر الحكم فيه قولان للعلماء مشهوران وهما روايتان عن أحمد وقد روي عن عمر أنه رفع إليه رجل قالت له امرأته شبهني قال كأنك ظبية كأنك حمامة فقالت لا أرضى حتى تقول أنت خلية طالق فقال ذلك فقال عمر خذ بيدها فهي امرأتك خرجه أبو عبيد وقال أراد الناقة تكون معقولة ثم تطلق من عقالها ويحل عنها فهي خلية من العقال وهي طالق لأنها قد انطلقت منه فأراد الرجل ذلك
21
فأسقط عنه عمر الطلاق لنيته قال وهذا أصل لكل من تكلم بشيء يشبه لفظ الطلاق والعتاق وهو ينوي غيره إن القول فيه قوله فيما بينه وبين الله عز وجل في الحكم على تأويل عمر رضي الله عنه ويروي عن السميط السدسي وقال خطبت امرأة فقالوا لا نزوجك حتى تطلق امرأتك فقلت إنى طلقتها ثلاثا فزوجوني ثم نظروا فإذا امرأتي عندي فقالوا أليس قد طلقتها ثلاثا فقلت كان عندي فلانة فطلقتها وفلانة فطلقتها فأما هذه فلم أطلقها فأتيت شقيق بن ثور وهو يريد الخروج إلى عثمان وافدا فقلت له سل أمير المؤمنين عن هذه فخرج فسأله فذكر ذلك لعثمان فجعلها له فقال بنيته خرجه أبو عبيد في كتاب الطلاق وحكي إجماع العلماء على مثل ذلك وقال إسحاق بن منصور قلت لأحمد حديث السميط تعرفه قال نعم السدسي وإنما جعل نيته بذلك وقال إسحق فإن كان الحالف ظالما ونوى خلاف ما حلفه عليه غريمه لم تنفعه نيته وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك وفي رواية له اليمين على نية المستحلفوهو محمول على الظالم فأما المظلوم فينفعه ذلك وقد خرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث سويد بن حنظلة قال خرجنا نريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعناه وائل بن حجر فأخذه عدو له فتحرج الناس أن يحلفوا فحلفت أنا أنه أخي فخلي سبيله وأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته أن القوم تحرجوا أن يحلفوا فحلفت أنا أنه أخي فقال صدقت المسلم أخو المسلم وكذلك قد تدخل النية في الطلاق والعتاق فإذا أتى بلفظ من ألفاظ الكنايات المحتملة للطلاق أو العتاق فلا بد له من النية وهل يقوم مقام النية دلالة الحال من غضب أو سؤال الطلاق ونحوه أم لا فيه خلاف مشهور بين العلماء وهل يقع بذلك الطلاق في الباطن كما لو نواه أم يلزم به في ظاهر الحكم فقط فيه خلاف أيضا مشهور ولو أوقع الطلاق بكناية ظاهرة كالبتة ونحوها فهل يقع به الثلاث أو واحدة فيه قولان مشهوران فظاهر مذهب أحمد أنه يقع به الثلاث مع إطلاق النية فإن نوى به مادون الثلاث وقع به ما نواه وحكي عنه رواية أخرى أنه يلزمه الثلاث أيضا ولو رأى امرأة يظنها امرأته فطلقها ثم بانت أجنبية طلقت امرأته لأنه إنما قصد طلاق امرأته نص على ذلك أحمد وحكي عنه رواية أخرى أنها لا تطلق وهو قول الشافعي ولو كان بالعكس بأن رأى امرأة ظنها أجنبية فطلقها فبانت امرأته فهل تطلق فيه قولان وهما روايتان عن أحمد والمشهور من مذهب الشافعي وغيره أنها لا تطلق ولو كان له امرأتان فنهى إحداهما عن الخروج ثم رأى امرأة قد خرجت فظنها المنهية فقال لها فلانة خرجت أنت طالق فقد اختلف العلماء فيها فقال الحسن تطلق المنهية لأنها هي التي نواها وقال إبراهيم يطلقها وقال عطاء لا تطلق واحدة منها وقال أحمد إنها تطلق المنهية رواية واحدة لأنه نوى طلاقها وهل تطلق المواجهة على روايتين عنه فاختلف الأصحاب على القول بأنها تطلق
22
هل تطلق في الحكم فقط أم في الباطن أيضا على طريقتين لهم وقد استدل بقوله صلى الله عليه وسلم الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء مانوى على أن العقود التي يقصد بها في الباطن التوصل إلى ما هو محرم غير صحيحة كعقود البيوع التي يقصد بها معنى الربا ونحوها كما هو مذهب مالك وأحمد وغيرهما فإن هذا العقد إنما نوى به الربا لا بالبيع وإنما لكل امريء مانوى ومسائل النية المتعلقة بالفقه كثيرة جدا وفيما ذكرنا كفاية وقد تقدم عن الشافعي أنه قال في هذا الحديث إنه يدخل في سبعين بابا من الفقه والله أعلم والنية هي قصد القلب ولا يجب التلفظ بما في القلب في شيء من العبادات وخرج بعض أصحاب الشافعي له قولا باشتراط التلفظ بالنية للصلاة وغلط المحققون منهم واختلف المتأخرون من الفقهاء في التلفظ بالنية في الصلاة وغيرها فمنهم من استحبه ومنهم من كرهه ولا نعلم في هذه المسائل نقلا خاصا عن السلف ولا عن الأئمة إلا في الحج وحده فإن مجاهدا قال إذا أراد الحج يسمي ما يهل به وروى عنه أنه قال يسميه في التلبية وهذا ليس مما نحن فيه فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر نسكه في تلبيته فيقول لبيك عمرة وحجة وإنما كلامنا أنه يقول عند إرادة عقد الإحرام اللهم إنى أريد الحج والعمرة كما استحب ذلك كثير من الفقهاء وكلام مجاهد ليس صريحا في ذلك وقال أكثر السلف منهم عطاء وطاوس والقاسم بن محمد والنخعي تجزيه النية عند الإهلال وصح عن ابن عمر أنه سمع رجلا عند إحرامه يقول اللهم إنى أريد الحج والعمرة فقال له أتعلم الناس أو ليس الله يعلم ما في نفسك ونص مالك على مثل هذا وأنه لا يستحب له أن يسمي ما أحرم به حكاه صاحب كتاب تهذيب المدونة من أصحابه وقال أبو داود فقلت لأحمد أتقول قبل التكبير يعني في الصلاة شيئا قال لا وهذا قد يدخل فيه أنه لا يتلفظ بالنية والله سبحانه وتعالى أعلم الحديث الثاني عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيضا قال بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا قال صدقت قال فعجبنا له يسأله ويصدقه قال فأخبرني عن الإيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره قال صدقت قال فأخبرني عن الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال صدقت قال فأخبرني عن الساعة قال ما المسئول عنها بأعلم من السائل قال فأخبرني عن أماراتها قال أن تلد الأمة ربتها وأن تري الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ثم انطلق فلبث مليا ثم قال يا عمر أتدري من السائل قلت الله ورسوله أعلم قال هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم رواه مسلم
23
هذا الحديث تفرد به مسلم عن البخاري بإخراجه فخرجه من طريق كهمس عن عبدالله بن بريدة عن يحيى بن يعمر قال كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين فقلنا لو لقينا أحدا
24
من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر فوفق لنا عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما داخلا المسجد فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلى فقلت ياأبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفرون العلم وذكر من شأنهم وأنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف قال إذا لقيت أولئك فأخبرهم إنى بريء منهم وأنهم برآء مني والذي يحلف به عبدالله ابن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر ثم قال حدثني أبي عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث بطوله ثم خرجه من طرق أخرى بعضها يرجع إلى عبدالله بن بريدة وبعضها يرجع إلى يحيى بن يعمر وذكر أن في بعض ألفاظها زيادة ونقصانا وخرجه ابن حبان في صحيحه من طريق سليمان التيمي عن يحيى بن يعمر وقد خرجه مسلم من هذا الطريق إلا أنه لم يذكر لفظه فيه زيادات منها في الإسلام قال وتحج وتعتمر وتغتسل من الجنابة وأن تتم الوضوء قال فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم قال نعم وقال في الإيمان وتؤمن بالجنة والنار والميزان وقال فيه فإذا فعلت ذلك فأنا مؤمن قال نعم وقال في آخرههذا جبريل أتاكم ليعلمكم أمر دينكم خذوا عنه والذي نفسي بيده مااشتبه على منذ أتاني قبل مرتي هذه وما عرفته حتى ولى وخرجنا في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بارزا للناس فأتاه رجل فقال ما الإيمان فقال الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث الآخر قال يا رسول الله ما الإسلام قال الإسلام أن تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان قال يا رسول الله ما الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال يارسول الله متى الساعة قال ما المسئول عنها بأعلم من السائل ولكن سأحدثك عن أشراطها إذا ولدت الأمة ربها فذلك من أشراطها وإذا رأيت الحفاة العراة رءوس الناس فذلك من أشراطها وإذا تطاول رعاء البهم في البنيان فذلك من أشراطها في خمس لا يعلمهن إلا الله ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير قال ثم أدبر الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم على بالرجل فأخذوا ليردوه فلم يروا شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم وخرجه مسلم بسياق أتم من هذا وفيه في خصال الإيمان وتؤمن بالقدر كلهوقال في الإحسانأن تخشى الله كأنك تراهوخرجه الإمام أحمد في مسنده من
25
حديث شهر بن حوشب عن ابن عباس رضي الله عنهما ومن حديث شهر بن حوشب أيضا عن ابن عامر أو أبي عامر أو أبي مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي حديثه قال ونسمع رجع النبي صلى الله عليه وسلم ولا نرى الذي يكلمه ولا نسمع كلامه وهذا يرده حديث عمر الذي خرجه مسلم وهو أصح وقد روى حديث عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أنس بن مالك وجرير بن عبدالله البجلي وغيرهما وهو حديث عظيم الشأن جدا يشتمل على شرح الدين كله ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في آخره هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم بعد أن شرح درجة الإسلام ودرجة الإيمان ودرجة الإحسان فجعل ذلك كله دينا واختلفت الرواية في تقديم الإسلام على الإيمان وعكسه ففي حديث عمر الذي خرجه مسلم أنه بدأ بالسؤال عن الإسلام وفي حديث الترمذي وغيره أنه بدأ بالسؤال عن الإيمان كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه وجاء في بعض روايات حديث عمر أنه سأله عن الإحسان بين الإسلام والإيمان فأما الإسلام فقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم بأعمال الجوارح الظاهرة من القول والعمل وأول ذلك شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وهو عمل اللسان ثم إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا وهي منقسمة إلى عمل بدني كالصلاة والصوم وإلى عمل مالي وهو إيتاء الزكاة وإلى ما هو مركب منهما كالحج بالنسبة إلى البعيد عن مكة وفي رواية ابن حبان أضاف إلى ذلك الاعتمار والغسل من الجنابة وإتمام الوضوء وفي هذا تنبيه على أن جميع الواجبات الظاهرة داخلة في مسمى الإسلام وإنما ذكرنا ههنا أصول أعمال الإسلام التي ينبني عليها كما سيأتى شرح ذلك في حديث ابن عمر رضي الله عنهما بني الإسلام على خمس في موضعه إن شاء الله تعالى وقوله في بعض الروايات فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم قال نعم يدل على أن من أكمل الإتيان بمباني الإسلام الخمس صار مسلما حقا مع أن من أقر بالشهادتين صار مسلما حكما فإذا دخل في الإسلام بذلك ألزم بالقيام ببقية خصال الإسلام ومن ترك الشهادتين خرج من الإسلام وفي خروجه من الإسلام بترك الصلاة خلاف مشهور بين العلماء وكذلك في تركه بقية مباني الإسلام الخمس كما سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى ومما يدل على أن جميع الأعمال الظاهرة تدخل في مسمى الإسلام قوله صلى الله عليه وسلم المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده وفي الصحيحين عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم أي الإسلام خير قال أن تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف وفي صحيح الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال إن للإسلام ضوءا ومنارا كمنار الطريق بين ذلك أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتسليمك على بني آدم إذا لقيتهم وتسليمك على أهل بيتك إذا دخلت عليهم فمن انتقص منهن شيئا فهو متهم من الإسلام بتركه ومن
26
تركهن فقد نبذ الإسلام وراء ظهره وخرجه ابن مردويه من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال للإسلام ضياء ونور وعلامات كمنار الطريق فرأسها وجماعها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإتمام الوضوء والحكم بكتاب الله وسنة نبيه وطاعة ولاة الأمر وتسليمكم على أنفسكم وتسليمكم على أهلكم إذا دخلتم بيوتكم وتسليمكم على بني آدم إذا لقيتموهم وفي إسناده ضعف ولعله موقوف وصح من حديث أبي إسحاق عن صلة بن زفر عن حذيفة رضي الله عنه قال الإسلام ثمانية أسهم الإسلام سهم والصلاة سهم والزكاة سهم والجهاد سهم وصوم رمضان سهم ولعل السهم الثامن الحج والأمر بالمعروف سهم والنهي عن المنكر سهم وخاب من لا سهم له وخرجه البزار مرفوعا والموقوف أصح ورواه بعضهم عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم خرجه أبو يعلي الموصلي وغيره والموقوف على حذيفة أصح قال الدارقطني وغيره وقوله يعني الإسلام سهم أي الشهادتين لأنهما علم الإسلام وبهما يصير الإنسان مسلما وكذلك ترك المحرمات داخل في مسمى الإسلام أيضا كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى ويدل على هذا أيضا ما خرجه الإمام أحمد والترمذي والنسائي من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب الصراط داع يقول يأيها الناس ادخلوا الصراط جميعا ولا تعوجوا وداع يدعو من جوف الصراط فإذا أراد أحد أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال ويحك لا تفتحه فإنك إن فتحته تلجه والصراط الإسلام والسوران حدود الله عز وجل والأبواب المفتحة محارم الله وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله والداعي من جوف الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم زاد الترمذي والله يدعو إلى دار الإسلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم يونس ففي هذا المثل الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم أن الإسلام هو الصراط المستقيم الذي أمر الله بالاستقامة عليه ونهى عن مجاوزة حدوده وإن من ارتكب شيئا من المحرمات فقد تعدى حدوده وأما الإيمان فقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بالاعتقادات الباطنة فقال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره وقد ذكر الله في كتابه الإيمان بهذه الأصول الخمسة في مواضع كقوله تعالى آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون البقرة وقوله تعالى ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب البقرة وقال تعالى
27
الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون البقرة والإيمان بالرسل يلزم منه الإيمان بجميع ما أخبروا به من الملائكة والأنبياء والكتاب والبعث والقدر وغير ذلك من تفاصيل ما أخبروا به وغير ذلك من صفات الله وصفات اليوم الآخر كالصراط والميزان والجنة والنار وقد أدخل في هذه الآيات الإيمان بالقدر خيره وشره ولأجل هذه الكلمة روى ابن عمر رضي الله عنهما هذا الحديث محتجا به على من أنكر القدر وزعم أن الأمر أنف يعني أنه مستأنف لم يسبق به سابق قدر من الله عز وجل وقد غلظ عبدالله بن عمر عليهم وتبرأ منهم وأخبر أنه لا تقبل منهم أعمالهم بدون الإيمان بالقدر والإيمان بالقدر على درجتين إحداهما الإيمان بأن الله تعالى سبق في علمه ما يعمله العباد من خير وشر وطاعة ومعصية قبل خلقهم وإيجادهم ومن هو منهم من أهل الجنة ومن هو منهم من أهل النار وأعد لهم الثواب والعقاب جزاء لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم وأنه كتب ذلك عنده وأحصاه وأن أعمال العباد تجري على ما سبق في عمله وكتابه والدرجة الثانية إن الله خلق أفعال العباد كلها من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان وشاءها منهم فهذه الدرجة يثبتها أهل السنة والجماعة وتنكرها القدرية والدرجة الأولى أثبتها كثير من القدرية ونفاها غلاتهم كمعبد الجهني الذي سئل ابن عمر عن مقالته وكعمرو بن عبيد وغيره وقد قال كثير من أئمة السلف ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خصموا وإن جحدوا فقد كفروا يريدون أن من أنكر العلم القديم السابق بأفعال العباد وأن الله تعالى قسمهم قبل خلقهم إلى شقي وسعيد وكتب ذلك عنده في كتاب حفيظ فقد كذب بالقرآن فيكفر بذلك وإن أقروا بذلك وأنكروا أن الله خلق أفعال العباد وشاءها وأرادها منهم إرادة كونية قدرية فقد خصموا لأن ما أقروا به حجة عليهم فيما أنكروه وفي تكفير هؤلاء نزاع مشهور بين العلماء وأما من أنكر العلم القديم فنص الشافعي وأحمد على تكفيره وكذلك غيرهما من أئمة الإسلام فإن قيل فقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بين الإسلام والإيمان وجعل الأعمال كلها من الإسلام لا من الإيمان والمشهور عن السلف وأهل الحديث أن الإيمان قول وعمل ونية وأن الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان وحكى الشافعي على ذلك إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم وأنكر السلف على من أخرج الأعمال من الإيمان إنكارا شديدا وممن أنكر ذلك على قائله وجعله قولا محدثا سعيد بن جبير وميمون بن مهران وقتادة وأيوب السختياني والنخعي والزهري وإبراهيم ويحيى بن أبي كثير وغيرهم على الثوري هو رأي محدث أدركنا الناس على غيره وقال الأوزاعي وكان من مضى من السلف لا يفرقون بين العمل والإيمان وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل الأمصار أما بعد فإن الإيمان فرائض وشرائع فمن استكملها استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان ذكره البخاري في صحيحه قيل الأمر على ما
28
ذكره وقد دل على دخول الأعمال في الإيمان قوله تعالى إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الأنفال وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لوفد عبد القيس آمركم بأربع الإيمان بالله وحده وهل تدرون ما الإيمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا من المغنم الخمس وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبه فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان ولفظه لمسلم وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن فلولا أن ترك هذه الكبائر من مسمى الإيمان لما انتفى اسم الإيمان عن مرتكب شيء منها لأن الاسم لا ينتفى إلا بانتفاء بعض أركان المسمى أو واجباته وأما وجه الجمع بين هذه النصوص وبين حديث سؤال جبريل عليه السلام عن الإسلام والإيمان وتفريق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما وإدخاله الأعمال في مسمى الإسلام دون الإيمان فإنه يتضح بتقرير أصل وهو أن من الأسماء ما يكون شاملا لمسميات متعددة عند إفراده وإطلاقه فإذا قرن ذلك الاسم بغيره صار دالا على بعض تلك المسميات والاسم المقرون به دال على باقيها وهذا كاسم الفقير والمسكين فإذا أفرد أحدهما دخل فيه كل من هو محتاج فإذا قرن أحدهما بالآخر دل أحد الاسمين على بعض أنواع ذوي الحاجات والآخر على باقيها فكهذا اسم الإسلام والإيمان إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده فإذا قورن بينهما دل أحدهما على بعض ما يدل عليه بانفراده ودل الآخر على الباقي وقد صرح بهذا المعنى جماعة من الأئمة قال أبو بكر الإسماعيلي في رسالته إلى أهل الجبل قال كثير من أهل السنة والجماعة إن الإيمان قول وعمل والإسلام فعل ما فرض الله على الإنسان أن يفعله إذا ذكر كل اسم على حدته مضموما إلى آخر فقيل المؤمنون والمسلمون جميعا مفردين أريد بأحدهما معنى لم يرد به الآخر وإذا ذكر أحد الاسمين شمل الكل وعمهم وقد ذكر هذا المعنى أيضا الخطابي في كتابه معالم السنن وتبعه عليه جماعة من العلماء من بعده ويدل على صحة ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الإيمان في حديث جبريل وفسر في حديث آخر الإسلام بما فسر به الإيمان كما في مسند الإمام أحمد عن عمرو بن عنبسة قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما الإسلام قال أن تسلم قلبك لله وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك قال فأي الإسلام أفضل قال الإيمان قال وما الإيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت
29
قال فأي الأعمال أفضل قال الهجرة قال فما الهجرة قال أن تهجر السوء قال فأي الهجرة أفضل قال الجهاد فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان أفضل الإسلام وأدخل فيه الأعمال وبهذا التفصيل يظهر تحقيق القول في مسألة الإيمان والإسلام هل هما واحد أو مختلفان فإن أهل السنة والحديث مختلفون في ذلك وصنفوا في ذلك تصانيف متعددة فمنهم من يدعي أن جمهور أهل السنة على أنهما شيء واحد منهم محمد بن نصر المروزي وابن عبد البر وقد روي هذا القول عن سفيان الثوري من رواية أيوب بن سويد الرملي عنه وأيوب فيه ضعف ومنهم من يحكي عن أهل السنة التفريق بينهما كأبي بكر بن السمعاني وغيره وقد نقل هذا التفريق بينهما عن كثير من السلف منهم قتادة وداود بن أبي هند وأبو جعفر الباقر والزهري وحماد بن زيد وابن مهدي وشريك وابن أبي ذئب وأحمد بن حنبل وأبو خيثمة ويحيى بن معين وغيرهم على اختلاف بينهم في صفة التفريق بينهما وكان الحسن وابن سيرين يقولان مسلم ويهابان مؤمن وبهذا التفصيل الذي ذكرناه يزول الاختلاف فيقال إذا أفرد كل من الإسلام والإيمان بالذكر فلا فرق بينهما حينئذ وإن قرن بين الاسمين كان بينهما فرق والتحقيق في الفرق بينهما أن الإيمان هو تصديق القلب وإقراره ومعرفته والإسلام هو استسلام العبد لله وخضوعه وانقياده له وذلك يكون بالعمل وهو الدين كما سمي الله في كتابه الإسلام دينا وفي حديث جبريل سمي النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام والإيمان والإحسان دينا وهذا أيضا مما يدل على أن أحد الاسمين إذا أفرد دخل فيه الآخر وإنما يفرق بينهما حيث قرن أحد الاسمين بالآخر فيكون حينئذ المراد بالإيمان جنس تصديق القلب وبالإسلام جنس العمل وفي المسند للإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الإسلام علانية والإيمان في القلب وهذا لأن الأعمال تظهر علانية والتصديق في القلب لا يظهر وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه إذا صلى على الميت اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان لأن الأعمال بالجوارح وإنما يتمكن منه في الحياة فأما عند الموت فلا يبقى غير التصديق بالقلب ومن هنا قال المحققون من العلماء كل مؤمن مسلم فإن من حقق الإيمان ورسخ في قلبه قام بأعمال الإسلام كما قال صلى الله عليه وسلم ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب فلا يتحقق القلب بالإيمان إلا وتنبعث الجوارح في أعمال الإسلام وليس كل مسلم مؤمنا فإنه قد يكون الإيمان ضعيفا فلا يتحقق القلب به تحقيقا تاما عمل مع جوارحه أعمال الإسلام فيكون مسلما وليس بمؤمن الإيمان التام كما قال تعالى قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا الحجرات فلم يكونوا منافقين بالكلية على أصح التفسيرين وهو قول ابن عباس وغيره بل كان إيمانهم ضعيفا ويدل عليه قوله تعالى وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا الحجرات يعني لا ينقصكم من
30
أجورها فدل على أن معهم من الإيمان ما يقبل به أعمالهم وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص لما قال له لم تعط فلانا وهو مؤمن فقال النبي صلى الله عليه وسلم أو مسلم يشير إلى أنه لم يتحقق فإنما هو في مقام الإسلام الظاهر ولا ريب أنه متي ضعف الإيمان الباطن لزم منه ضعف أعمال الجوارح الظاهرة أيضا لكن اسم الإيمان ينفي عمن ترك شيئا من واجباته كما في قوله لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن وقد اختلف أهل السنة هل يسمى مؤمنا ناقص الإيمان أو يقال ليس بمؤمن لكنه مسلم على قولين وهما روايتان عن أحمد وأما اسم الإسلام فلا ينتفي بانتفاء بعض واجباته أو انتهاك بعض محرماته وإنما ينفي بالإتيان بما ينافيه بالكلية ولايعرف في شيء من السنة الصحيحة نفى الإسلام عمن ترك شيئا من واجباته كما ينفي الإيمان عمن ترك شيئا من واجباته وإن كان قد ورد إطلاق الكفر على فعل بعض المحرمات وإطلاق النفاق أيضا وقد اختلف العلماء هل يسمى مرتكب الكبائر كافرا صغيرا أو منافقا النفاق الأصغر ولا أعلم أن أحدا منهم أجاز إطلاق نفى اسم الإسلام عنه إلا أنه روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال ما تارك الزكاة بمسلم ويحتمل أنه كان يراه كافرا بذلك خارجا عن الإسلام وكذلك روي عن عمر فيمن تمكن من الحج ولم يحج أنهم ليسوا بمسلمين والظاهر أنه كان يعتقد كفرهم ولهذا أراد أن يضرب عليهم الجزية بقوله لم يدخلوا في الإسلام بعد فهم مستمرون على كتابيتهم وإذا تبين أن اسم الإسلام لا ينتفي إلا بوجود ما ينافيه ويخرج عن الملة بالكلية فاسم الإسلام إذا أطلق أو اقترن به المدح دخل فيه الإيمان كله من التصديق وغيره كما سبق في حديث عمرو بن عنبسة وخرج النسائي من حديث عقبة بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية فغارت على قوم فقال رجل منهم إنى مسلم فقتله رجل من السرية فنمى الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال فيه قولا شديدا فقال الرجل إنما قالها تعوذا من القتل فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله أبي على أن أقتل مؤمنا ثلاث مرات فلولا أن الإسلام المطلق يدخل فيه الإيمان والتصديق بالأصول الخمسة لم يصر من قال أنا مسلم مؤمنا بمجرد هذا القول وقد أخبر الله تعالى عن ملكة سبأ أنها دخلت في الإسلام بهذه الكلمة قالت رب إنى ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين النمل وأخبر عن يوسف عليه السلام أنه دعا بأن يموت على الإسلام وهذا كله يدل على أن الإسلام المطلق يدخل فيه ما يدخل في الإيمان من التصديق وفي سنن ابن ماجه عن عدي بن حاتم قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عدي أسلم تسلم قلت وما الإسلام قال أن تشهد أن لا إله إلا الله وتشهد إنى رسول الله وتؤمن بالأقدار كلها خيرها وشرها وحلوها ومرها فهذا نص في أن الإيمان بالقدر من الإسلام ثم إن الشهادتين من خصال الإسلام بغير نزاع وليس المراد الإتيان بلفظهما دون التصديق بهما فعلم أن التصديق بهما داخل في الإسلام وقد فسر الإسلام المذكور في قوله تعالى إن الدين عند الله الإسلام آل عمران بالتوحيد والتصديق طائفة من السلف منهم محمد بن جعفر بن الزبير وأما إذا نفي الإيمان عن أحد وأثبت له الإسلام كالأعراب الذين أخبر الله عنهم فإنه ينتفي عنهم رسوخ الإيمان في القلب وتثبت لهم المشاركة في أعمال الإسلام الظاهرة مع نوع إيمان يصحح لهم العمل إذ لولا هذا القدر من الإيمان لم يكونوا مسلمين وإنما نفي عنهم الإيمان لانتفاء ذوق حقائقه ونقص بعض واجباته وهذا مبني على أن التصديق القائم بالقلوب يتفاضل وهذا هو الصحيح وهو أصح الروايتين عن أبي عبدالله أحمد بن حنبل فإن إيمان الصديقين الذين يتجلى الغيب لقلوبهم يصير كأنه شهادة بحيث لا يقبل التشكيك والارتياب ليس كإيمان غيرهم ممن لا يبلغ هذه الدرجة بحيث لوشكك لدخله الشك ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم مرتبة الإحسان أن يعبد العبد ربه كأنه يراه وهذا لا يحصل لعموم المؤمنين ومن هنا قال بعضهم ما سبقكم أبو بكر رضي الله عنه بكثرة صوم ولا صلاة ولكن بشيء وقر في صدره وسئل ابن عمر رضي الله عنهما هل كانت الصحابة رضي الله عنهم يضحكون فقال نعم وإن الإيمان في قلوبهم أمثال الجبال فأين هذا ممن الإيمان في قلبه ما يزن ذرة أو شعيرة كالذين يخرجون من أهل التوحيد من النار فهؤلاء يصح أن يقال لم يدخل الإيمان في قلوبهم لضعفه عندهم وهذه المسائل أعني مسائل الإسلام والإيمان والكفر والنفاق مسائل عظيمة جدا فإن الله عز وجل علق بهذه الأسماء السعادة والشقاوة واستحقاق الجنة والنار والاختلاف في مسمياتها أول اختلاف وقع في هذه الأمة وهو خلاف الخوارج للصحابة حيث أخرجوا عصاة الموحدين من الإسلام بالكلية وأدخلوهم في دائرة الكفر وعاملوهم معاملة الكفار واستحلوا بذلك دماء المسلمين وأموالهم ثم حدث بعدهم خلاف بالمنزلة وقولهم بالمنزلة بين المنزلتين ثم حدث خلاف المرجئة وقولهم إن الفاسق مؤمن كامل الإيمان وقد صنف العلماء قديما وحديثا في هذه المسائل تصانيف متعددة وممن صنف في الإيمان من أئمة السلف الإمام أحمد وأبو عبيد القاسم بن سلام وأبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن أسلم الطوسي وكثرت فيه التصانيف بعدهم من جميع الطوائف وقد ذكرنا هنا نكتة جامعة لأصول كثيرة من هذه المسائل والاختلاف فيها وفيه إن شاء الله كفاية
31
فصل قد تقدم أن الأعمال تدخل في مسمى الإسلام ومسمى الإيمان أيضا وذكرنا ما يدخل في ذلك من أعمال الجوارح الظاهرة ويدخل في مسماها أيضا أعمال الجوارح الباطنة فيدخل في أعمال الإسلام إخلاص الدين لله تعالى والنصح له والعباده وسلامة القلب لهم من الغش والحسد والحقد وتوابع ذلك من أنواع الأذى
32
ويدخل في مسمى الإيمان وجل القلوب من ذكر الله وخشوعها عند سماع ذكره وكتابه وزيادة الإيمان بذلك وتحقيق التوكل على الله عز وجل وخوف الله سرا وعلانية والرضا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا واختيار تلف النفوس بأعظم أنواع الآلام على الكفر واستشعار قرب الله من العبد ودوام استحضاره وإيثار محبة الله ورسوله على محبة ما سواهما والحب في الله والبغض فيه والعطاء له والمنع له وأن يكون جميع الحركات والسكنات له وسماحة النفوس بالطاعة المالية والبدنية والاستبشار بعمل الحسنات والفرح بها والمساءة بعمل السيئات والحزن عليها وإيثار المؤمنين لرسول الله صلى الله عليه وسلم على أنفسهم وأموالهم وكثرة الحياء وحسن الخلق ومحبة ما يحبه لنفسه لإخوانه المؤمنين ومواساة المؤمنين خصوصا الجيران ومعاضدة المؤمنين ومناصرتهم والحزن بما يحزنهم ولنذكر بعض النصوص الواردة بذلك فأما ماورد في دخوله في اسم الإسلام ففي مسند الإمام أحمد والنسائي عن معاوية بن حيدة قال قلت يا رسول الله بالذي بعثك بالحق ما الذي بعثك الله به قال الإسلام قلت وما الإسلام قال أن تسلم قلبك لله تعالى وأن توجه وجهك لله وأن تصلي الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وفي رواية قلت وما آية الإسلام فقال أن تقول أسلمت وجهي لله وتخليت وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وكل المسلم على المسلم حرام وفي السنن عن جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في خطبته بالخيف من منى ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمور ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من ورائهم فأخبر أن هذه الثلاث الخصال تنفي الغل عن قلب المسلم وفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل أي المسلمين أفضل قال من مسلم المسلمون من لسانه ويده وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال المسلم أخو المسلم فلا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره بحسب امريء من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه وأما ماورد في دخوله في اسم الإيمان فمثل قوله ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق وقوله وعلى الله فليتوكل المؤمنون آل عمران وقوله وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين المائدة وقوله وخافون إن كنتم مؤمنين آل عمران وفي صحيح مسلم عن العباس بن عبد المطلب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا والرضا بربوبية الله تتضمن الرضا بعبادته وحده لا شريك له وبالرضا بتدبيره للعبد وأختياره له والرضا بالإسلام دينا يتضمن أختياره على سائر
33
الأديان والرضا بمحمد رسولا يتضمن الرضا بجميع ما جاء به من عند الله وقبول ذلك بالتسليم والانشراح كما قال تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم النساء وفي الصحيحين عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار وفي رواية وجد بهن حلاوة طعم الإيمان وفي بعض الروايات طعم الإيمان وحلاوته وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يؤمن أحدكم أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعينوفي رواية من أهله وماله والناس أجمعين وفي مسند الإمام أحمد عن أبي رزين العقيلي قال قلت يا رسول الله ما الإيمان قال أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن يكون الله ورسوله أحب إليك مما سواهما وأن تحترق في النار أحب إليك من أن تشرك بالله شيئا وأن تحب غير ذي نسب لا تحبه إلا لله فإذا كنت كذلك فقد دخل حب الإيمان في قلبك كما دخل حب الماء للظمآن في اليوم القائظ قلت يا رسول الله كيف لي بأن أعلن إنى مؤمن قال ما من أمتي أو قال هذه الأمة عبد يعمل حسنة فيعلم أنها حسنة وأن الله مجازيه بها خيرا ولا يعمل سيئة فيعلم أنها سيئة ويستغفر الله منها ويعلم أنه لا يغفرها إلا الله إلا وهو مؤمن وفي المسند وغيره عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من سرته حسناته وساءته سيئاته فهو مؤمن وفي مسند بقي بن مخلد عن رجل سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صريح الإيمان إذا أسأت أو ظلمت عبدك أو أمتك أو أحدا من الناس صمت أو تصدقت وإذا أحسنت استبشر وفي مسند الإمام أحمد عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال المؤمنون في الدنيا على ثلاثة أجزاء الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذي يأمنه الناس على أموالهم وأنفسهم ثم الذي إذا أشرف على طمع تركه لله عز وجل وفيه أيضا عن عمرو بن عنبسة قال قلت يا رسول الله ما الإسلام قال طيب الكلام وإطعام الطعام فقلت ما الإيمان قال الصبر والسماحة قلت أي الإسلام أفضل قال من سلم المسلمون من لسانه ويده قلت أي الإيمان أفضل قال خلق حسن وقد فسر الحسن البصري الصبر والسماحة فقال هو الصبر عن محارم الله والسماحة بأداء فرائض الله وفي الترمذي وغيره عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخرجه أبو داود وغيره من
34
حديث أبي هريرة وخرجه البزار في مسنده من حديث عبدالله بن معاوية العامري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاث من فعلهن فقد طعم الإيمان من عبدالله وحده بأنه لا إله إلا هو وأعطي ذكاة ماله طيبة بها نفسه في كل عام فذكر الحديث وفي آخره فقال رجل فما تزكية المرء نفسه يا رسول الله قال أن يعلم أن الله معه حيثما كان وخرج أبو داود أول الحديث دون آخره وخرج الطبراني من حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت وفي الصحيحين عن عبدالله ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الحياء شعبة من الإيمان وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم وفي الصحيحين عن النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر وفي رواية لمسلم المؤمنون كرجل واحد وفي رواية أيضا المسلمون كرجل واحد إذا اشتكى عينه اشتكى كله وإن اشتكى رأسه اشتكى كله وفي الصحيحين عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه وفي مسند الإمام أحمد عن سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال المؤمن في أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد يألم المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الجسد لما في الرأس وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال المؤمن مرآة المؤمن المؤمن أخو المؤمن يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه وفي صحيح البخاري عن أبي شريح الكعبي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن قالوا من ذلك يا رسول الله قال من لا يأمن جاره بوائقة وخرج الحاكم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث سهل بن معاذ الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أعطى لله ومنع لله وأحب لله وأبغض لله زاد أحمد وأنكح للتفقد استكمل إيمانه وفي رواية للإمام أحمد أنه سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أفضل الإيمان فقال أن تحب لله وتبغض لله وتعمل لسانك في ذكر الله فقال وماذا يا رسول الله قال وأن تحب للناس ما تحب لنفسك وتكره لهم ما تكره لنفسك وفي رواية له وأن تقول خيرا أو تصمت وفي هذا الحديث أن كثرة ذكر الله من أفضل الإيمان وخرج أيضا من حديث عمرو بن الجموح أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول لا يستحق العبد صريح الإيمان حتى يحب لله ويبغض لله فإذا أحب لله وأبغض للتفقد استحق الولاية من الله تعالى وخرج أيضا من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أوثق عري الإيمان أن تحب في الله وتبغض في الله وقال ابن عباس رضي الله عنهما من أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله فإنما ينال ولاية الله بذلك ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئا خرجه ابن جرير الطبري ومحمد بن نصر المروزي
35
فصل وأما الإحسان فقد جاء ذكره في القرآن في مواضع تارة مقرونا بالإيمان وتارة مقرونا بالإسلام وتارة مقرونا بالتقوى أو بالعمل الصالح فالمقرون بالإيمان كقوله تعالى ليس على الذين آمنوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين المائدة وكقوله تعالى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا الكهف والمقرون بالإسلام كقوله تعالى ك بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه البقرة وكقوله تعالى ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة لقمان الآية والمقرون بالتقوى كقوله تعالى للذين أحسنوا الحسنى وزيادة يونس وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله تعالى في الجنة وهذا مناسب لجعله جزاء لأهل الإحسان ولأن الإحسان هو أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة كأنه يراه بقلبه وينظر إليه في حال عبادته فكان جزاء ذلك النظر إلى وجه الله عيانا في الآخرة وعكس هذا ما أخبر الله تعالى به عن جزاء الله الكفار في الآخرة إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون المطففين وجعل ذلك جزاء لحالهم في الدنيا وهو تراكم الران على قلوبهم حتى حجبت عن معرفته ومراقبته في الدنيا فكان جزاؤهم على ذلك أن حجبوا عن رؤيته في الآخرة وقوله صلى الله عليه وسلم في تفسير الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه الخ يشير إلى أن العبد يعبد الله تعالى على هذه الصفة وهو استحضار قربه وأنه بين يديه كأنه يراه وذلك يوجب الخشية والخوف والهيبة والتعظيم كما جاء في رواية أبي هريرة رضي الله عنه أن تخشى الله كأنك تراه ويوجب أيضا النصح في العبادة وبذل الجهد في تحسينها وإتمامها وإكمالها وقد وصى النبي جماعة من الصحابة بهذه الوصية كما روى إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن أبي ذر رضي الله عنه قال أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم أن أخشى الله كأني أراه فإن
36
لم أكن أراه فإنه يراني وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض جسدي فقال اعبد الله كأنك تراه وخرجه النسائي من حديث زيد ابن أرقم مرفوعا وموقوفا كن كأنك ترى الله فإن لم تكن تراه فإنه يراك وخرج الطبراني من حديث أنس رضي الله عنه أن رجلا قال يا رسول الله حدثني بحديث واجعله موجزا فقال صل صلاة مودع فإنك إن كنت لا تراه فإنه يراكوفي حديث حارثة المشهور وقد روي من وجوه مرسلة وروي متصلا والمرسل أصح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له يا حارثة كيف أصبحت قال أصبحت مؤمنا حقا قال انظر ما تقول فإن لكل قول حقيقة قال يا رسول الله عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا وكأني أنظر أهل الجنة في الجنة كيف يتزاورون فيها وكأني أنظر إلى أهل النار كيف يتعاوون فيها قال أبصرت فالزم عبد نور الله الإيمان في قلبه وروي من حديث أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم وصى رجلا فقال له استحي من الله استحياءك من رجلين من صالحي عشيرتك لا يفارقانك ويروى من وجه آخر مرسلا استحي من ربك ويروى عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم وصاه لما بعثه إلى اليمن فقال استحي من الله كما تستحي من رجل ذي هيبة من أهلك وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن كشف العورة خاليا فقال الله أحق أن يستحيا منه ووصى أبو الدرداء رجلا فقال له اعبد الله كأنك تراه وخطب عروة بن الزبير إلى ابن عمر ابنته وهما في الطواف فلم يجبه ثم لقيه بعد ذلك فاعتذر إليه وقال كنا في الطواف نتخايل الله بين أعيننا أخرجه أبو نعيم وغيره قوله صلى الله عليه وسلم فإن لم تكن تراه فإنه يراك قيل إنه تعليل للأول فإنك العبد إذا أمر بمراقبة الله تعالى في العبادة واستحضار قربه من عبده حتى كأن العبد يراه فإنه قد يشق ذلك عليه فيستعين على ذلك بإيمانه بأن الله يراه ويطلع على سره وعلانيته وباطنه وظاهره ولا يخفى عليه شيء من أمره فإذا تحقق هذا المقام سهل عليه الانتقال إلى المقام الثاني وهو دوام التحقيق بالبصيرة إلى قرب الله من عبده ومعيته حتى كأنه يراه وقيل بل هو إشارة إلى أن من شق عليه أن يعبد الله تعالى كأنه يراه فليعبد الله على أن الله يراه ويطلع عليه فليستحي من نظره إليه كما قال بعض العارفين اتق الله أن يكون أهون الناظرين إليك وقال بعضهم خف الله على قدر قدرته عليك واستحي من الله على قدر قربه منك وقال بعض العارفين من السلف من عمل لله على المشاهدة فهو عارف ومن عمل على مشاهدة الله إياه فهو مخلص فيه إشارة إلى
37
المقامين اللذين تقدم ذكرهما أحدهما مقام الإخلاص وهو أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة الله إياه واطلاعه وقربه منه فإذا استحضر العبد هذا في عمله وعمل عليه فهو مخلص لله تعالى لأن استحضاره ذلك في عمله يمنعه من الالتفات إلى غير الله وإرادته بالعمل والثاني مقام المشاهدة وهو أن يعمل العبد على مقتضى مشاهدته لله تعالى بقلبه وهو أن يتنور القلب بالإيمان وتنفذ البصيرة في العرفان حتى يصبر الغيب كالعبادة وهذا هو حقيقة مقام الإحسان المشار إليه في حديث جبريل عليه السلام ويتفاوت أهل هذه المقامات فيه بحسب قوة نفوذ البصائر وقد فسر طائفة من العماء المثل الأعلى المذكور في قوله تعالى وله المثل الأعلى في السموات والأرض الروم بهذا المعنى ومثل قوله تعالى الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح النور والمراد مثل نوره في قلب المؤمن كذا قال أبي بن كعب وغيره من السلف وقد سبق حديث أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيث كنت وحديث ما تزكية المرء نفسه قال أن يعلم أن الله معه حيث كان وخرج الطبراني من حديث أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاثة في ظل الله تعالى يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله رجل حيث توجه علم أن الله معه وذكر الحديث وقد دل القرآن على هذا المعنى في مواضع متعددة كقوله تعالى وهو معكم أينما كنتم الحديد وقوله وإذا سألك عبادي عني فإني قريب وقوله ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا المجادلة وقوله وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه يونس وقوله ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ق وقوله ولا يستخفون من الله وهو معهم النساء وقد وردت الأحاديث الصحيحة بالندب إلى استحضار هذا القرب في حال العبادات كقوله صلى الله عليه وسلم إن أحدكم إذا قام يصلي فإنما يناجي ربه أو ربه بينه وبين القبلة وقوله إن الله قبل وجهه إذا صلى وقوله إن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت وقوله للذين رفعوا أصواتهم بالذكر إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا وفي رواية وهو أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته وفي رواية هو أقرب إلى أحدكم من حبل الوريد وقوله ك يقول الله عز وجل أنا مع عبدي إذا ذكرني وتحركت بي شفتاه وقوله يقول الله عز وجل أنا مع ظن عبدي بي وأنا معه حيث يذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه وإن تقرب منى شبرا تقربت منه ذراعا وإن تقرب منى ذراعا تقربت منه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة ومن فهم شيئا من هذه النصوص تشبيها أو حلولا أو اتحادا فإنما أتى من جهله وسوء
38
فهمه عن الله عز وجل وعن رسوله والله ورسوله بريئان من ذلك كله فسبحان من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير قال بكر المزني من مثلك يا ابن آدم خلي بينك وبين المحراب وبين الماء كلما شئت دخلت على الله عز وجل ليس بينك وبينه ترجمان ومن وصل إلى استحضار هذا في حال ذكر الله وعبادته أستأنس بالله واستوحش من خلقه ضرورة قال ثور ابن يزيد قرأت في بعض الكتب أن عيسى عليه السلام قال يا معشر الحواريين كلموا الله عز وجل كثيرا وكلموا الناس قليلا قالوا كيف نكلم الله كثيرا قال ادخلوا بمناجاته اخلوا بدعائه خرجه أبو نعيم وخرج أيضا بإسناده عن رباح قال كان رجل يصلي كل يوم وليلة ألف ركعة حتى أقعد من رجليه فكان يصلي جالسا كل ليلة ألف ركعة فإذا صلى العصر احتبى واستقبل القبلة ويقول عجبت للخليقة كيف أنست بسواك بل عجبت للخليقة كيف أستأنست قلوبها بذكر سواك وقال أبو أسامة دخلت على محمد بن النضر الحارثي فرأيته كأنه ينقبض فقلت كأنك تكره أن تؤتي قال أجل فقلت أو ما تستوحش قال كيف أستوحش وهو يقول أنا جليس من ذكرني وقيل لمالك بن مغفل وهو جالس في بيته وحده ألا تستوحش قال أو يستوحش مع الله أحد وكان حبيب أبو محمد يخلو في بيته ويقول من لم تقر عينه بك فلا قرت عينه ومن لم يأنس بك فلا أنس وقال غزوان إنى أصبت راحة قلبي في مجالسة من لديه حاجتي وقال مسلم بن يسار ما تلذذ المتلذذون بمثل الخلوة بمناجاة الله عز وجل وقال مسلم بن عابد لولا الجماعة ما خرجت من بابي أبدا حتى أموت وقال ما يجد المطيعون لله لذة في الدنيا أحلى من الخلوة بمناجاة سيدهم ولا أحسب لهم في الآخرة من عظيم الثواب أكبر في صدورهم وألذ في قلوبهم من النظر إليه ثم غشي عليه وعن إبراهيم بن أدهم قال أعلى الدرجات أن تنقطع إلى ربك وتستأنس إليه بقلبك وعقلك وجميع جوارحك حتى لا ترجوا إلا ربك ولا تخاف إلا ذنبك وترسخ محبته في قلبك حتى لا تؤثر عليها شيئا فإذا كنت كذلك لم تنل في بر كنت أو في بحر أو في سهل أو في جبل وكان شوقك إلى لقاء الحبيب شوق الظمآن إلى الماء البارد وشوق الجائع إلى الطعام الطيب ويكون ذكر الله عندك أحلى من العسل وأحلى من الماء العذب عند العطشان في اليوم الصائف وقال الفضيل طوبى لمن استوحش من الناس وكان الله جليسه وقال أبو سليمان لا أنسني الله إلا به أبدا وقال معروف لرجل توكل على الله حتى يكون جليسك وأنيسك وموضع شكواك وقال ذو النون من علامات المحبين لله أن لا يأنسوا بسواه ولا يستوحشوا معه ثم قال إذا سكن القلب حب الله تعالى أنس بالله لأن الله أجل في صدور العارفين أن يحبوا سواه وكلام القوم في هذا الباب يطول ذكره جدا
39
وفيما ذكرنا كفاية إن شاء الله تعالى فمن تأمل ما أشرنا إليه مما دل عليه هذا الحديث العظيم على أن جميع العلوم والمعارف يرجع إلى هذا الحديث ويدخل تحته وأن جميع العلماء من فرق هذه الأمة لا تخرج علومهم التي يتكلمون فيها عن هذا الحديث وما دل عليه مجملا ومفصلا فإن الفقهاء إنما يتكلمون في العبادات التي هي من جملة خصال الإسلام ويضيفونه إلى ذلك الكلام في أحكام الأموال والأبضاع والدماء وكل ذلك من علم الإسلام كما سبق التنبيه عليه ويبقى كثير من علم الإسلام من الآداب والأخلاق وغير ذلك لا يتكلم عليه إلا القليل منهم ولا يتكلمون على معنى الشهادتين وهما أصل الإسلام كله والذين يتكلمون على أصول الديانات يتكلمون على الشهادتين وعلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر والذين يتكلمون على علم المعارف والمعاملات يتكلمون على مقام الإحسان وعلى الأعمال الباطنة التي تدخل في الإيمان أيضا كالخشية والمحبة والتوكل والرضا والصبر ونحو ذلك فانحصرت العلوم الشرعية التي يتكلم عليها فرق المسلمين في هذا الحديث ورجعت كلها إليه ففي هذا الحديث وحده كفاية ولله الحمد والمنة وبقي الكلام على ذكر الساعة من الحديث فقول جبريل عليه السلام أخبرني عن الساعة فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما المسئول عنها بأعلم من السائل يعني أن علم الخلق كلهم في وقت الساعة سواء وهذه إشارة إلى أن الله تعالى استأثر بعلمها ولهذا جاء أن العالم إذا سئل عن شيء لا يعلمه أن يقول لا أعلمه وأن ذا لا ينقصه شيئا بل هو من ورعه ودينه لأن فوق كل ذي علم عليم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه وقال النبي صلى الله عليه وسلم في خمس لا يعلمهن إلا الله تعالى ثم تلا إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير لقمان وقوله عز وجل يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة الآية وفي صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله ثم تلا هذه الآية إن الله عنده علم الساعة الآية وخرجه الإمام أحمد ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس إن الله عنده علم الساعة وخرج أيضا بإسناده عن ابن مسعود رضي الله عنه قال أوتي نبيكم صلى الله عليه وسلم مفاتيح كل شيء غير خمس إن الله عنده علم الساعة الآية فقوله فأخبرني عن أمارتها يعني عن علاماتها التي تدل على اقترابها وفي حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قالسأحدثك عن أشراطها وهي علاماتها أيضا وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم
40
للساعة علامتين الأولى أن تلد الأمة ربتها والمراد بربتها سيدتها ومالكتها وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه ربها وهذه إشارة إلى فتح البلاد وكثرة جلب الرقيق حتى تكثر السراري وتكثر أولادهن فتكون الأمة رقيقة لسيدها وأولاده منه بمنزلته فإن ولد السيد بمنزلة السيد فيصير ولد الأمة بمنزلة ربها وسيدها وذكر الخطابي أنه استدل بذلك من يقول إن أم الولد إنما تعتق على ولدها من نصيبه من ميراث والده وإنها تنتقل إلى أولادها بالميراث فتعتق عليهم وإنها قبل موت سيدها تباع قال وفي هذا الاستدلال نظر قلت قد استدل بعضهم به على عكس ذلك وأن أم الولد لا تباع وأنها تعتق بموت سيدها بكل حال لأنه جعل ولد الأمة ربها فكأن ولدها هو الذي أعتقها فصار عتقها منسوبا إليه لأنه سبب عتقها فصار كأنه مولاها وهذا كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في أم ولده مارية لما ولدت إبراهيم عليه السلام أعتقها ولدها وقد استدل بهذا الإمام أحمد رضي الله عنه فإنه قال في رواية محمد بن الحكم عنه تلد الأمة ربتها تكثر أمهات الأولاد يقول إذا ولدت فقد عتقت لولدها وقال فيه حجة أن أمهات الأولاد لا يبعن وقد فسر قوله تلد الأمة ربتها بأنه يكثر جلب الرقيق حتى تجلب البنت فتعتق ثم تجلب الأم فتشتريها البنت وتستخدمها وهي جاهلة بأنها أمها وقد وقع هذا في الإسلام وقيل معناه أن الإماء تلدن الملوك وقال وكيع معناه تلد العجم العرب والعرب ملوك العجم وأرباب لهم والعلامة الثانية أن ترى الحفاة العراة العالة والمراد بالعالة الفقراء كقوله تعالى ووجدك عائلا فأغنى وقوله رعاء الشاء يتطاولون في البنيان هكذا في حديث عمر رضي الله عنه والمراد أن أسافل الناس يصيرون رؤساءهم وتكثر أموالهم حتى يتباهون بطول البنيان وزخرفته وإتقانه وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه ذكر ثلاث علامات منها أن تكون الحفاة العراة رؤساء الناس ومنها أن يتطاول رعاة البهم في البنيان وروى هذا الحديث عبدالله بن عطاء عن عبدالله بن بريدة فقال فيه وأن ترى الصم البكم العمي الحفاة رعاة الشاء يتطاولون في البنيان ملوك الناس قال فقام رجل فانطلق فقلنا يا رسول الله من هؤلاء الذين نعت قال هم العريب وكذا روى هذا الحديث بهذه اللفظة الأخيرة علي بن زيد عن يحيى بن يعمر عن ابن عمر وأما الألفاظ الأولى فهي في الصحيح من حديث أبي هريرة بمعناه وقوله الصم البكم العمي إشارة إلى جهلهم وعدم علمهم وفهمهم وفي هذا المعنى أحاديث متعددة فخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع وفي صحيح ابن حبان عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تنقضي الدنيا حتى تكون عند لكع بن لكع وخرج الطبراني من حديث أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تقوم الساعة حتى يغلب على الدنيا لكع بن لكع وخرج الإمام أحمد والطبراني من حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال بين يدي
41
الساعة سنون خداعة يتهم فيها الأمين ويؤتمن فيها المتهم وينطق فيها الرويبضة قالوا وما الرويبضة قال السفيه ينطق في أمر العامة وفي رواية الفاسق يتكلم في أمر العامة وفي رواية الإمام أحمد إن بين يدي الدجال سنين خداعة يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويخون فيها الأمين ويؤمن فيها الخائن وذكر بقيته ومضمون ما ذكر من أشراط الساعة في هذا الحديث يرجع إلى أن الأمور توسد إلى غير أهلها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن الساعة إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة فإنه إذا صار الحفاة العراة رعاء الشاء وهم أهل الجهل والجفاء رؤساء الناس وأصحاب الثروة والأموال حتى يتطاولوا في البنيان فإنه يفسد بذلك نظام الدين والدنيا فإنه إذا كان رؤوس الناس من كان فقيرا عائلا فصار ملكا على الناس سواء كان ملكه عاما أو خاصا في بعض الأشياء فإنه لا يكاد يعطى الناس حقوقهم بل يستأثر عليهم بما استولى عليهم من المال فقد قال بعض السلف لأن تمد يدك إلى فم التنين فيقضمها خير لك من أن تمدها إلى يد غني قد عالج الفقر وإذا كان مع هذا جاهلا جافيا فسد بذلك الدين لأنه لا يكون له همة في إصلاح دين الناس ولا تعليمهم بل همته في جباية المال وإكثاره ولا يبالي بما أفسد من دين الناس ولا بمن أضاع من أهل حاجاتهم وقال في حديث آخر لا تقوم الساعة حتى يسود كل قبيلة منافقوها وإذا كان ملوك الناس ورؤوسهم على هذه الحال انعكست سائر الأحوال فصدق الكاذب وكذب الصادق وائتمن الخائن وخون الأمين وتكلم الجاهل وسكت العالم أو عدم بالكلية كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل وأخبر أنه يقبض العلم بموت العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا وقال الشعبي لا تقوم الساعة حتى يصير العلم جهلا والجهل علما وهذا كله من انقلاب الحقائق في آخر الزمان وانعكاس الأمور وفي صحيح الحاكم عن عبدالله بن عمرو مرفوعا إن من أشراط الساعة أن توضع الأخيار وترفع الأشرار وفي قوله يتطاولون في البنيان دليل على ذم التباهي والتفاخر خصوصا بالتطاول في البنيان ولم يكن إطالة البناء معروفا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم بل كان بنيانهم قصيرا بقدر الحاجة روى أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان خرجه البخاري وخرج أبو داود من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج فرأى قبة مشرفة فقال ما هذه قالوا هذه لفلان رجل من الأنصار فجاء صاحبها فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعرض عنه فعل ذلك مرارا فهدمها الرجل وخرجه الطبراني من وجه آخر عن أنس أيضا
42
وعنده فقال النبي صلى الله عليه وسلم كل بناء وأشار بيده هكذا على رأسه أكثر من هذا فهو وبال وقال في حديث ابن السائب عن الحسن كنت أدخل بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في خلافة عثمان رضي الله عنه فأتناول سقفها بيدي وروى عن عمر رضي الله عنه أنه كتب لا تطيلوا بناءكم فإنه شر أيامكم وقال يزيد بن أبي زياد قال حذيفة رضي الله عنه لسلمان ألا تبني لك مسكنا يا أبا عبدالله قال لم تجعلني ملكا قال لا ولكن تبني لك بيتا من قصب وتسقفه بالبواري إذا قمت كاد أن يمس رأسك وإذا نمت كاد أن يمس طرفيك قال كأنك كنت في نفسي وعن عمار بن أبي عمار قال إذا رفع الرجل بناءه فوق سبعة أذرع نودي يا أفسق الفاسقين إلى أين خرجه كله ابن أبي الدنيا وقال يعقوب بن أبي شيبة في مسنده قال بلغني عن ابن أبي عائشة قال حدثنا ابن أبي شميل قال نزل المسلمون حول المسجد يعني بالبصرة في أخبية الشعر ففشا فيهم السرق فكتبوا إلى عمر فأذن لهم في اليراع فبنوا بالقصب فقشا فيهم الحريق فكتبوا إلى عمر فأذن لهم في المدر ونهي أن يرفع الرجل سمكه أكثر من سبعة أذرع وقال إذا بنيتم منه بيوتكم فابنوا منه المسجد قال ابن أبي عائشة وكان عتبة بن غزوان بنى مسجد البصرة بالقصب وقال من صلى فيه وهو من قصب أفضل ممن صلى فيه وهو من لبن ومن صلى فيه وهو من لبن أفضل ممن صلى فيه وهو من اجر وخرج ابن ماجه من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أراكم تشرفون مساجدكم بعدي كما شرفت اليهود كنائسها وكما شرفت النصارى بيعها وروي ابن أبي الدنيا بإسناده عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن رضي الله عنه قال لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده قال ابنوه عريشا كعريش موسى عليه السلام قيل للحسن وما عريش موسى قال إذا رفع يده بلغ العريش يعني السقف الحديث الثالث عن أبي عبد الرحمن عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان رواه البخاري ومسلم
43
هذا الحديث خرجاه في الصحيحين من رواية عكرمة بن خالد عن ابن عمر رضي الله عنهما وخرجه مسلم من طريقين آخرين عن ابن عمر وله طرق أخر وقد روي هذا الحديث من رواية جرير بن عبدالله البجلي عن النبي صلى الله عليه وسلم وخرج حديثه الإمام أحمد وقد سبق في الحديث الذي قبله ذكر الإسلام والمراد من هذا الحديث أن الإسلام مبني على هذه الخمس فهي كالأركان والدعائم لبنيانه وقد خرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة ولفظه بني الإسلام على خمس دعائم فذكره والمقصود تمثيل الإسلام بالبنيان ودعائم البنيان هذه الخمس فلا يثبت البنيان بدونها وبقية خصال الإسلام كتتمة البنيان فإذا فقد منها شيء نقص البنيان وهو قائم لا ينقص بنقص ذلك بخلاف نقص هذه الدعائم الخمس فإن الإسلام يزول بفقدها جميعا بغير إشكال وكذلك يزول بفقد الشهادتين والمراد بالشهادتين الإيمان بالله ورسوله وقد جاء في رواية ذكرها البخاري تعليقا بني الإسلام على خمس الإيمان بالله ورسوله وذكر بقية الحديث وفي رواية لمسلم على خمس على أن توحد الله عز وجل وفي رواية له على أن تعبد الله وتكفر بما دونه وبهذا يعلم أن الإيمان بالله ورسوله داخل في ضمن الإسلام كما سبق في الحديث الماضي وأما إقام الصلاة فقد وردت
44
أحاديث متعددة تدل على أن من تركها فقد خرج من الإسلام ففي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة وروى مثله من حديث بريدة وثوبان وأنس وغيرهم وخرج محمد بن نصر المروزي من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تترك الصلاة متعمدا فمن تركها متعمدا فقد خرج من الملة وفي حديث معاذ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة فجعل الصلاة كعمود الفسطاط الذي لا يقوم الفسطاط إلا به ولا يثبت إلا به ولو سقط العمود لسقط الفسطاط ولم يثبت بدونه وقال عمر رضي الله عنه لاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة وقال سعد رضي الله عنه وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه من تركها فقد كفر وقال عبدالله بن شقيق كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرون من الأعمال شيئا تركه كفر إلا الصلاة وقال أبو أيوب السختياني ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه وذهب إلى هذا القول جماعة من السلف والخلف وهو قول ابن المبارك وأحمد وإسحاق وحكى إسحاق عليه إجماع أهل العلم وقال محمد بن نصر المروزي هو قول جمهور أهل الحديث وذهب طائفة منهم إلى أن من ترك شيئا من أركان الإسلام الخمس عمدا أنه كافر وروى ذلك عن سعيد بن جبير ونافع والحكم وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها طائفة من أصحابه وهو قول ابن حبيب من المالكية وخرج الدارقطني وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قيل يا رسول الله الحج في كل عام قال لو قلت نعم أوجب عليكم ولو وجب عليكم ما أطقتموه ولو تركتموه لكفرتم وخرج اللالكائي من طريق مؤمل قال حدثنا حماد بن زيد بن عمرو بن مالك البكرى عن أبي الجوزي عن ابن عباس ولا أحسبه إلا رفعه قال عري الإسلام وقواعد الدين ثلاثة عليهن أسس الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله والصلاة وصوم رمضان من ترك منهم واحدة فهو بها كافر حلال الدم وتجده كثير المال لم يحج فلا يزال بذلك كافرا ولا يحل بذلك دمه وتجده كثير المال ولا يزكي فلا يزال بذلك كافرا ولا يحل دمه ورواه قتيبة بن سعيد بن حماد بن زيد مرفوعا مختصرا ورواه سعيد بن زيد أخو حماد عن عمرو بن مالك بهذا الإسناد مرفوعا وقال ومن ترك منهن واحدة فهو بالله كافر ولا يقبل منه صرف ولا عدل وقد حل دمه وماله ولم يذكر ما بعده وقد روي عن عمر رضي الله عنه ضرب الجزية على من لم يحج وقال ليسوا بمسلمين وعن ابن مسعود أن تارك الزكاة ليس بمسلم وعن أحمد رواية أن ترك الصلاة والزكاة خاصة كفر دون الصيام والحج وقال ابن عيينة المرجئة سموا ترك الفرائض ذنبا بمنزلة ركوب المحارم وليس سواء لأن ركوب المحارم متعمدا من غير استحلال معصية وترك الفرائض من غير جهل ولا عذر هو كفر وبيان ذلك في أمر إبليس وعلماء اليهود الذين أقروا ببعث النبي صلى الله عليه وسلم بلسانهم ولم يعملوا بشرائعه وقد استدل أحمد وإسحق على كفر تارك
45
الصلاة بكفر إبليس بترك السجود لآدم وترك السجود لله أعظم وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا قرأ ابن آدم السجدة وسجد اعتزل إبليس يبكي ويقول يا ويلي أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار واعلم أن هذه الدعائم الخمس بعضها مرتبط ببعض وقد روي أنه لا يقبل بعضها بدون بعض كما في مسند الإمام أحمد عن زياد بن نعيم الحضرمي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع فرضهن الله في الإسلام فمن أتي بثلاث لم يغنين عنه شيئا حتى يأتي بهن جميعا الصلاة والزكاة وصوم رمضان وحج البيت وهذا مرسل وقد روي عن زياد عن عمار بن حزم عن النبي صلى الله عليه وسلم وروي عن عثمان بن عطاء الخرساني عن أبيه عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الدين خمس لا يقبل الله منهن شيئا دون شيء شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالجنة والنار والحياة بعد الموت هذه واحدة والصلوات الخمس عمود الدين لا يقبل الله الإيمان إلا بالصلاة والزكاة طهور من الذنوب ولا يقبل الله الإيمان ولا الصلاة إلا بالزكاة فمن فعل هؤلاء الأربع ثم جاء رمضان فترك صيامه متعمدا لم يقبل الله منه الإيمان ولا الصلاة ولا الزكاة فمن فعل هؤلاء الأربع ثم تيسر له الحج فلم يحج ولم يوصي بحجته ولم يحج عنه بعض أهله لم يقبل الله منه الأربع التي قبلها ذكره ابن أبي حاتم فقال سألت أبي عنه فقال هذا حديث منكر يحتمل أن هذا من كلام عطاء الخرساني قلت الظاهر أنه من تفسيره لحديث ابن عمر وعطاء من أجلاء علماء الشام وقال ابن مسعود من لم يزك فلا صلاة له ونفي القبول هنا لا يراد به نفي الصحة ولا وجوب الإعادة بتركه وإنما يراد بذلك انتفاء الرضا به ومدح عامله والثناء بذلك عليه في الملأ الأعلى والمباهاة به للملائكة فمن قام بهذه الأركان على وجهها حصل له القبول بهذا المعني ومن أتى ببعضها دون بعض لم يحصل له ذلك وإن كان لا يعاقب على ما أتى به منها عقوبة تاركه بل تبرأ به ذمته وقد يثاب عليه أيضا ومن هاهنا يعلم أن ارتكاب بعض المحرمات التي ينقص بها الإيمان تكون مانعة من قبول بعض الطاعات ولو كان من بعض أركان الإسلام بهذا المعنى الذي ذكرناه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوما وقال من أتى عرافا فصدقه بما يقول لم تقبل له صلاة أربعين يوما وقال أيما عبد أبق من مواليه لم تقبل له صلاة وحديث ابن عمر يستدل به على أن الاسم إذا شمل أشياء متعددة لم يزل زوال الاسم بزوال بعضها فيبطل بذلك قول من قال إن الإيمان لو دخلت فيه الأعمال للزم أن يزول بزوال عمل مما دخل في مسماه فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل هذه الخمس دعائم الإسلام ومبانيه وفسر بها الإسلام في حديث جبرائيل وفي حديث طلحة بن عبدالله الذي فيه أن أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام ففسره له بهذه الخمس ومع هذا فالمخالفون في الإيمان يقولون لو زال من
46
الإسلام خصلة واحدة أو أربع خصال سوى الشهادتين لم يخرج بذلك من الإسلام وقد روى بعضهم أن جبرائيل سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن شرائع الإسلام لا عن الإسلام وهذه اللفظة لم تصح عند أئمة الحديث ونقاده منهم أبو زرعة والرازي ومسلم بن الحجاج وأبو جعفر العقيلي وغيرهم وقد ضرب العلماء مثل الإيمان بمثل شجرة لها أصل وفروع وشعب فاسم الشجرة يشتمل على ذلك كله ولو زال شيء من شعبها وفروعها لم يزل عنه اسم الشجرة وإنما يقال هي شجرة ناقصة وغيرها أتم منها وقد ضرب الله مثل الإيمان بذلك في قوله تعالى ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ابراهيم والمراد بالكلمة كلمة التوحيد وبأصلها التوحيد الثابت في القلوب وأكلها هو الأعمال الصالحة الناشئة منها وضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثل المؤمن والمسلم بالنخلة ولو زال شيء من فروع النخلة ومن ثمرها لم يزل بذلك عنها اسم النخلة بالكلية وإن كانت ناقصة الفروع أو الثمر ولم يذكر الجهاد في حديث ابن عمر هذا مع أن الجهاد أفضل الأعمال وفي رواية إن ابن عمر قيل له فالجهاد قال الجهاد حسن ولكن هكذا حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجه الإمام أحمد وفي حديث معاذ بن جبل إن رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد وذروة سنامه أعلى شيء فيه ولكنه ليس من دعائمه وأركانه التي بني عليها وذلك لوجهين أحدهما أن الجهاد فرض كفاية عند جمهور العلماء ليس بفرض عين بخلاف هذه الأركان والثاني أن الجهاد لا يستمر فعله إلى آخر الدهر بل إذا نزل عيسى عليه السلام ولم يبق حينئذ ملة إلا ملة الإسلام فحينئذ تضع الحرب أوزارها ويستغني عن الجهاد بخلاف هذه الأركان فإنها واجبة على المؤمنين إلى أن يأتي أمر الله وهم على ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم الحديث الرابع عن أبي عبد الرحمن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها رواه البخاري ومسلم
47
هذا حديث متفق على صحته وتلقته الأمة بالقبول رواه الأعمش عن زيد بن وهب عن ابن مسعود ومن طريقه خرجه الشيخان في صحيحيهما وقد روي عن محمد بن زيد الأسفاطي قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرى النائم فقلت يا رسول الله حديث ابن مسعود الذي حدث عنك فقال حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق فقال صلى الله عليه وسلموالذي لا إله غيره حدثته به أنا يقوله ثلاثا ثم قال غفر الله للأعمش كما حدث به وغفر الله لمن حدث به قبل الأعمش ولمن حدث به بعده وقد روي عن ابن مسعود من وجوه أخر قوله صلى الله عليه وسلم إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة قد روي عن ابن مسعود تفسيره وروى الأعمش
48
عن خيثمة عن ابن مسعود قال إن النطفة إذا وقعت في الرحم طارت في كل شعرة وظفر فتمكث أربعين يوما ثم تنحدر في الرحم فتكون علقة قال فذلك جمعها خرجه ابن أبي حاتم وغيره وروي تفسير الجمع مرفوعا بمعنى آخر فخرج الطبراني وابن منده في كتاب التوحيد من حديث مالك بن الحويرث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله تعالى إذا أراد خلق عبد فجامع الرجل المرأة طار ماؤه في كل عرق وعضو منها فإذا كان يوم السابع جمعه الله تعالى ثم أحضره في كل عرق له دون آدم في أي صورة ما شاء ركبك قال ابن منده إسناده متصل مشهور على رسم أبي عيسى والنسائي وغيرهما وخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني من رواية مظهر بن الهيثم عن موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجده يا فلان ما ولد لك قال يا رسول الله وما عسى أن يولد لي إما غلام وإما جارية قال فمن يشبه قال جده عسى أن يشبه أمه أو أباه قال فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يقولن أحدكم كذا إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم أما قرأت هذه الآية في أي صورة ما شاء ركبك قال سلكت وهذا إسناد ضعيف ومظهر عن موسى بن على عن أبيه أن أباه لم يسلم إلا في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه يعني أنه لا صحبة له ويشهد لهذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم للذي قال له ولدت امرأتي غلاما أسود قال لعله نزعه عرق قوله ثم يكون علقة مثل ذلك يعني أربعين يوما والعلقة قطعة من دم ثم يكون مضغة مثل ذلك يعني أربعين يوما والمضغة قطعة من لحم ثم يرسل الله إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد فهذا الحديث يدل على أنه ينقلب في مائة وعشرين يوما في ثلاثة أطوار في كل أربعين يوما منها يكون في طور فيكون في الأربعين الأولى نطفة ثم في الأربعين الثانية علقة ثم في الأربعين الثالثة مضغة ثم بعد المائة وعشرين يوما ينفخ فيه الملك الروح ويكتب له هذه الأربع الكلمات وقد ذكر الله تعالى في القرآن في مواضع كثيرة تقلب الجنين في هذه الأطوار كقوله تعالى يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة الحج وذكر هذه الأطوار الثلاثة النطفة والعلقة والمضغة في مواضع متعددة من القرآن وفي مواضع أخر ذكر زيادة عليها فقال في سورة المؤمنين ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين المؤمنون فبهذه سبع تارات ذكرها الله في هذه الآية لخلق ابن آدم قبل نفخ الروح فيه وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول خلق ابن آدم من سبع ثم يتلو هذه الآية وسئل عن العزل فقرأ هذه الآية ثم قال فهل يخلق أحد حتى تجري فيه هذه الصفة
49
وفي رواية عنه قال وهل تموت نفس حتى تمر على هذا الخلق وروي عن رفاعة بن رافع قال جلس إلى عمر وعلي والزبير وسعد ونفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتذاكروا العزل فقال لا بأس به فقال رجل إنهم يزعمون أنها الموءودة الصغرى فقال على رضي الله عنه لا تكون موءودة حتى تمر على التارات السبع تكون سلالة من طين ثم تكون نطفة ثم تكون علقة ثم تكون مضغة ثم تكون عظاما ثم تكون لحما ثم تكون خلقا آخر فقال عمر رضي الله عنه صدقت أطال الله بقاءك وقد رخص طائفة من الفقهاء للمرأة في إسقاط ما في بطنها مال لم ينفخ فيه الروح وجعلوه كالعزل وهو قول ضعيف لأن الجنين ولد انعقد وربما تصور وفي العزل لم يوجد ولد بالكلية وإنما تسبب إلى منع انعقاده وقد لا يمتنع انعقاده بالعزل إذا أراد الله خلقه كما قال النبي لما سئل عن العزل قال لا عليكم أن لا تعزلوا إنه ما من نفس منفوسة إلا أن الله خلقها وقد صرح أصحابنا بأنه إذا صار الولد علقة لم يجز للمرأة إسقاطه لأنه ولد انعقد بخلاف النطفة فإنها لم تنعقد بعد وقد لا تنعقد ولدا وقد ورد في بعض الروايات في حديث ابن مسعود رضي الله عنه ذكر العظام وأنه يكون عظما أربعين يوما فخرج الإمام أحمد من رواية علي بن زيد سمعت أبا عبيدة يحدث قال قال عبد الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن النطفة تكون في الرحم أربعين يوما على حالها لا تغير فإذا مضت الأربعون صارت علقة ثم مضغة كذلك ثم عظاما فإذا أراد الله تعالى أن يسوي خلقه بعث الله إليه ملكا وذكر بقية الحديث ويروى من حديث عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن النطفة إذا استقرت في الرحم تكون أربعين ليلة نطفة ثم تكون علقة أربعين ليلة ثم تكون عظاما أربعين ليلة ثم يكسو الله العظام لحما ورواية الإمام أحمد تدل على أن الجنين لا يكسى اللحم إلا بعد مائة وستين يوما وهذا غلط لا ريب فيه فإنه بعد مائة وعشرين يوما ينفخ فيه الروح بلا ريب كما سيأتي ذكره وعلي بن زيد هو ابن جدعان لا يحتج به وقد ورد في حديث حذيفة بن أسيد ما يدل على خلق العظام واللحم في أول الأربعين الثانية ففي صحيح مسلم عن حذيفة بن أسيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال يا رب ذكر أو أنثى فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول يا رب أجله فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول يا رب رزقه فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص فظاهر هذا الحديث يدل على أن تصوير الجنين وخلق سمعه وبصره وجلده ولحمه وعظامه يكون في
50
أول الأربعين الثانية فيلزم من ذلك أن يكون في الأربعين الثانية لحما وعظاما وقد تأول بعضهم ذلك على أن الملك يقسم النطفة إذا صارت علقة إلى أجزاء فيجعل بعضها للجلد وبعضها للحم وبعضها للعظام فيقدر ذلك كله قبل وجوده وهذا خلاف ظاهر الحديث بل ظاهره أن يصورها ويخلق هذه الأجزاء كلها وقد يكون خلق ذلك بتصويره وتقسيمه قبل وجود اللحم والعظام قد يكون هذا في بعض الأجنة دون بعض وحديث مالك بن الحويرث المتقدم يدل على أن التصوير يكون في النطفة أيضا في اليوم السابع وقد قال الله تعالى إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه وفسر طائفة من السلف أمشاج النطفة بالعروق التي فيها قال ابن مسعود رضي الله عنه أمشاجها عرقوها وقد ذكر علماء الطب ما يوافق ذلك وقالوا إن المني إذا وقع في الرحم حصل له زبدية ورغوة ستة أيام أو سبعة أيام وفي هذه الأيام تصور النطفة من غير استمداد من الرحم ثم بعد ذلك تستمد منه وابتداء الخطوط والنقط بعد هذا بثلاثة أيام وقد يتقدم يوما ويتأخر يوما ثم بعد ستة أيام وهو الخامس عشر من وقت العلوق ينفذ الدم إلى الجميع فيصير علقة ثم تتميز الأعضاء تميزا ظاهرا ويتنحى بعضها عن ممارسة بعض وتمتد لرطوبة النخاع ثم بعد تسعة أيام ينفصل الرأس عن المنكبين والأطراف عن الأصابع تميزا يستبين في بعض ويخفى في بعض قالوا وأقل مدة يتصور فيها الذكر ثلاثون يوما والزمان المعتدل في تصوير الجنين خمسة وثلاثون يوما وقد يتصور في خمسة وأربعين يوما قالوا ولم يوجد في الأسقاط ذكر تم قبل ثلاثين يوما ولا لأنثى قبل أربعين يوما فهذا يوافق ما دل عليه حديث حذيفة بن أسيد في التخليق في الأربعين الثانية ومصيره لحما فيها أيضا وقد جعل بعضهم حديث بن مسعود على أن الجنين يغلب عليه في الأربعين الأولى وصف المني وفي الأربعين الثانية وصف العلقة وفي الأربعين الثالثة وصف المضغة وإن كانت خلقته قد تمت وتم تصويره وليس في حديث ابن مسعود ذكر وقت تصوير الجنين وقد روي عن ابن مسعود نفسه ما يدل عن أن تصويره قد يقع قبل الأربعين الثالثة أيضا فروي الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود رضي الله عنهم قال النطفة إذا استقرت في الرحم جاءها ملك فأخذها بكفه فقال أي رب مخلقة أم غير مخلقة فإن قيل غير مخلقة لم تكن نسمة وقذفتها الأرحام دما وإن قيل مخلقة قال أي رب ذكر أم أنثى شقي أم سعيد ما الأجل وما الأثر وبأي أرض تموت قال فيقال للنطفة من ربك فتقول الله فيقال من رازقك فتقول الله فيقال اذهب إلى أم الكتاب فإنك تجد فيه قصة هذه النطفة قال فتخلق فتعيش في أجلها وتأكل في رزقها وتطأ في أثرها حتى إذا جاء أجلها ماتت فدفنت في ذلك ثم تلا الشعبي
51
هذه الآية يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة الحج فإذا بلغت مضغة نكست في الخلق الرابع فكانت نسمة فإن كانت غير مخلقة قذفتها الأرحام دما وإن كانت مخلقة نكست نسمة خرجه ابن أبي حاتم وغيره وقد روى من وجه آخر عن ابن مسعود رضي الله عنه أن لا تصوير قبل ثمانين يوما فروى السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء قال إذا وقعت النطفة في الأرحام طارت في الجسد أربعين يوما ثم تكون علقة أربعين يوما ثم تكون مضغة أربعين يوما فإذا بلغ أن تخلق بعث الله ملكا يصورها فيأتي الملك بتراب بين أصبعيه فيخلطه في المضغة ثم يعجنه بها ثم يصورها كما يؤمر فيقول أذكر أم أنثى شقي أم سعيد وما رزقه وما عمره وما أثره وما مصائبه فيقول الله تبارك وتعالى فيكتب الملك فإذا مات ذلك الجسد دفن حيث أخذ ذلك التراب خرجه ابن جرير الطبري في تفسيره ولكن السدي مختلف في أمره وكان الإملام أحمد ينكر عليه جمعه الأسانيد المتعددة للتفسير الواحد كما كان هو وغيره ينكرون على الواقدي جمعه الأسانيد المتعددة للحديث الواحد وقد أخذ طائفة من الفقهاء بظاهر هذه الرواية وتأولوا حديث ابن مسعود المرفوع عليها وقالوا أقل ما يتبين فيه خلق الولد أحد وثمانون يوما لأنه لا يكون مضغة إلا في الأربعين الثالثة ولا يتخلق ويتصور قبل أن يكون مضغة وقال أصحابنا وأصحاب الشافعي بناء على هذا الأصل إنه لا تنقضي العدة ولا تعتق أم الولد إلا بالمضغة المخلقة وأقل ما يكون أن يتخلق ويتصور في أحد وثمانين يوما وقال أحمد رحمه الله في العلقة هي دم لا يستبين فيها الخلق فإن كانت المضغة غير مخلقة فهل تنقضي بها العدة وتصير بها أم الولد مستولدة على قولين هما روايتان عن أحمد وإن لم يظهر فيها التخطيط ولكن كان خفيا لا يعرفه إلا أهل الخبرة من النساء فتشهدن بذلك قبلت شهادتين ولا فرق بين أن يكون بعد تمام أربعة أشهر أو قبلها عند أكثر العلماء ونص على ذلك الإمام أحمد في رواية خلق من أصحابه ونقل عنه ابنه صالح في الطفل يتبين خلقه في الأربعة قال الشعبي إذا نكس في الخلق الرابع كان مخلقا انقضت به العدة وعتقت به الأمة إذا كان لأربعة أشهر وكذا نقل عنه حنبل إذا اسقطت أم الولد فإن كانت خلقته تامة عتقت وانقضت به العدة وإذا دخل في الخلق الرابع في أربعة أشهر ينفخ فيه الروح وهذا يخالف رواية الجماعة عنه وقد قال أحمد في رواية عنه إذا تبين خلقه ليس فيه اختلاف فإنها تعتق بذلك إذا كانت أمة ونقل عنه أيضا جماعة في العلقة إذا تبين أنها ولد أن الأمة تعتق بها وهو قول النخعي وحكى قولا للشافعي ومن أصحابنا من طرد هذه الرواية عن
52
أحمد في انقضاء العدة به أيضا وهذا كله مبني على أنه يمكن التخليق في العلقة كما قد يستدل على ذلك بحديث حذيفة بن أسيد المتقدم أن يقال إن حديث حذيفة إنما يدل على أنه يتخلق إذا صار لحما وعظما وإن ذلك قد يقع في الأربعين الثانية لا في حال كونه علقة وفي ذلك نظر والله أعلم وما ذكره الأطباء يدل على أن العلقة تتخلق وتتخطط وكذلك القوابل من النسوة يشهدن بذلك وحديث مالك بن الحويرث يشهد بالتصوير في حال كون الجنين نطفة والله أعلم ومابقي في حديث ابن مسعود أن بعد مصيره مضغة أنه يبعث إليه الملك فيكتب الكلمات الأربع وينفخ فيه الروح وذلك كله بعد مائة وعشرين يوما واختلفت ألفاظ روايات هذا الحديث في ترتيب الكتابة والنفخ ففي رواية البخاري في صحيحه ويبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات ثم ينفخ فيه الروح ففي هذه الرواية تصريح بتأخير نفخ الروح عن الكتابة وفي رواية خرجها البيهقي في كتاب القدر ثم يبعث الملك فينفخ فيه الروح ثم يؤمر بأربع كلمات وهذه الرواية تصرح بتقدم النفخ على الكتابة فإما أن يكون هذا من تصرف الرواة برواياتهم بالمعنى الذي يفهمونه وإما أن يكون المراد ترتيب الأخبار فقط لا ترتيب ما أخبر به وبكل حال فحديث ابن مسعود يدل على تأخير نفخ الروح في الجنين وكتابة الملك لأمره إلى بعد أربعة أشهر حتى تتم الأربعون الثالثة فأما نفخ الروح فقد روي صريحا عن الصحابة رضي الله عنهم أنه ينفخ فيه الروح بعد أربعة أشهر كما دل عليه ظاهر حديث ابن مسعود فروى زيد بن على عن أبيه عن على قال إذا تمت النطفة أربعة أشهر بعث الله إليها ملكا فينفخ فيها الروح في الظلمات فذلك قوله تعالى ثم أنشأناه خلقا آخر المؤمنون خرجه ابن أبي حاتم وإسناده منقطع وخرج اللالكائي بإسناده عن ابن عباس قال إذا وقعت النطفة في الرحم مكثت أربعة أشهر وعشرا ثم نفخ فيه الروح ثم مكثت أربعين ليلة ثم بعث إليها ملك فنقفها في نقرة القفا وكتب شقيا أو سعيدا وفي إسناده نظر وفيه أن نفخ الروح يتأخر عن الأربعة الأشهر بعشرة أيام وبني الإمام أحمد مذهبه المشهور عنه على ظاهر حديث ابن مسعود وأن الطفل ينفخ فيه الروح بعد أربعة أشهر وأنه إذا سقط بعد تمام أربعة أشهر صلى عليه حيث كان قد نفخ فيه الروح ثم مات وحكى ذلك أيضا عن سعيد بن المسيب وهو أحد قولي الشافعي وإسحاق ونقل غير واحد عن أحمد أنه قال إذا بلغ أربعة أشهر وعشرا ففي تلك العشر ينفخ فيه الروح ويصلي عليه وقال في رواية لأبي الحارث عنه تكون النسمة نطفة أربعين ليلة وعلقة أربعين ليلة ومضغة أربعين ليلة ثم تكون عظما ولحما فإذا تم أربعة أشهر وعشرا نفخ فيه الروح وظاهر هذه الرواية أنه لا ينفخ فيه الروح إلا بعد تمام أربعة أشهر وعشر
53
كما روي عن ابن عباس والروايات التي قبل هذه عن أحمد أنها تدل على أنه ينفخ فيه الروح في مدة العشر بعد تمام الأربعة وهذا هو المعروف عنه وكذا قال ابن المسيب لما سئل عن عدة الوفاة حيث جعلت أربعة أشهر وعشرا ما بال العشر قال ينفخ فيه الروح وأما أهل الطب فذكروا أن الجنين إن تصور في خمسة وثلاثين يوما تحرك في سبعين يوما وولد في مائتين وعشرة أيام وذلك سبعة أشهر وربما تقدم أياما وتأخر في التصوير والولادة وإذا كان التصوير في خمسة وأربعين يوما تحرك في تسعين يوما وولد في مائتين وسبعين يوما وذلك تسعة أشهر والله أعلم وأما كتابة الملك فحديث ابن مسعود يدل على أنها تكون بعد أربعة أشهر أيضا على ما سبق وفي الصحيحين عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال وكل الله بالرحم ملكا يقول أي رب نطفة أي رب علقة أي رب مضغة فإذا أراد الله أن يقضي خلقا قال يا رب أذكر أم أنثى أشقي أم سعيد فما الرزق فما الأجل فيكتب كذلك في بطن أمه وظاهر هذا يوافق حديث ابن مسعود لكن ليس فيه تقدير المدة وحديث حذيفة ابن أسيد الذي تقدم يدل على أن الكتابة تكون في أول الأربعين الثانية وخرجه مسلم أيضا بلفظ آخر من حديث حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول يا رب أشقي أم سعيد فيكتبان فيقول أي رب أذكر أم أنثى فيكتبان ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص وفي رواية أخرى لمسلم أيضا إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة يتسور عليها الملك فيقول يا رب أذكر أم أنثى وذكر الحديث وفي رواية أخرى لمسلم أيضا لبضع وأربعين ليلة وفي مسند الإمام أحمد من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا استقرت النطفة في الرحم أربعين يوما أو أربعين ليلة بعث إليها ملك فيقول يا رب شقي أم سعيد فيعلم وقد سبق مار واه الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود من قوله وظاهره يدل على أن الملك يبعث إليه وهو نطفة وقد روي عن ابن مسعود من وجهين آخرين أنه قال إن الله عز وجل تعرض عليه كل يوم أعمال بني آدم فينظر فيها ثلاث ساعات ثم يؤتى بالأرحام فينظر فيها ثلاث ساعات وهو قوله يصوركم في الأرحام كيف يشاء آل عمران وقوله يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور الشورى ويؤتى بالأرزاق فينظر فيها ثلاث ساعات وتسبحه الملائكة ثلاث ساعات قال فهذا من شأنكم وشأن ربكم ولكن ليس في هذا توقيت ما ينظر فيه من الأرحام بمدة وقد روي عن جماعة من الصحابة أن الكتابة تكون في الأربعين الثانية فخرج اللالكائي بإسناده عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال إذا مكثت النطفة في رحم المرأة أربعين ليلة جاءها الملك فاختلجها ثم عرج بها إلى الرحمن عز وجل فيقول اخلق يا أحسن الخالقين فيقضي الله فيها ما يشاء من أمره ثم تدفع إلى الملك عند ذلك فيقول يا رب أسقط أم تمام فيبين له فيقول يا رب أناقص الأجل أم
54
تام الأجل فيبين له فيقول يا رب أواحد أم توأم فيبين له فيقول يا رب أذكر أم أنثي فيبين له فيقول يا رب أشقي أم سعيد فيبين له ثم يقول يا رب اقطع له رزقه فيقطع له رزقه مع أجله فيهبط بهما جميعا فوالذي نفسي بيده لا ينال من الدنيا إلا ما قسم له وخرج ابن أبي حاتم بإسناده عن أبي ذر رضي الله عنه قال إن المني يمكث في الرحم أربعين ليلة فيأتيه ملك النفوس فيعرج به إلى الرحمن عز وجل فيقول يا رب أذكر أم أنثى فيقضي الله عز وجل ما هو قاض ثم يقول يا رب أشقي أم سعيد فيكتب ما هو لاق بين يديه ثم تلا أبو ذر يقول يا رب أشقي أم سعيد فيكتب ما هو لاق بين يديه ثم تلا أبو ذر من فاتحة سورة التغابن إلى قوله وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير التغابن فهذا كله يوافق ما في حديث حذيفة بن أسيد وقد تقدم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن كتابة الملك تكون بعد نفخ الروح بأربعين ليلة وأن إسناده فيه نظر وقد جمع بعضهم بين هذه الأحاديث والآثار وبين حديث ابن مسعود فأثبت الكتابة مرتين وقد يقال مع ذلك إن أحدهما في السماء والآخر في بطن الأم والأظهر والله أعلم أنها مرة واحدة ولعل ذلك يختلف باختلاف الأجنة فبعضهم يكتب له ذلك بعد الأربعين الأولى وبعضهم بعد الأربعين الثالثة وقد يقال إن لفظة ثم في حديث ابن مسعود إنما يراد به ترتيب الأخبار لا ترتيب المخبر عنه في نفسه والله أعلم ومن المتأخرين من رجح أن الكتابة تكون في أول الأربعين الثانية كما دل عليه حديث حذيفة بن أسيد وقال إنما أخر ذكرها في حديث ابن مسعود إلى ما بعد ذكر المضغة وأن ذكره بلفظ ثم لئلا ينقطع ذكر الأطوار الثلاثة التي ينقلب فيها الجنين وهو كونه نطفة وعلقة ومضغة فإن ذكر هذه الثلاثة على نسق واحد أعجب وأحسن ولذلك أخر المعطوف عليها وإن كان المعطوف متقدما على بعضها في الترتيب واستشهد لذلك بقوله وبدأ خلق الإنسان من طين الآية والمراد بالإنسان آدم عليه السلام ومعلوم أن تسويته ونفخ الروح فيه كان قبل جعل نسله من سلالة من ماء مهين لكن لما كان المقصود ذكره قدرة الله عز وجل في مبدأ خلق آدم وخلق نسله عطفت أحدهما على الآخر وأخر ذكر تسوية آدم ونفخ الروح وإن كان ذلك متوسطا بين خلق آدم من طين وبين خلق نسله والله أعلم وقد ورد أن هذه الكتابة تكتب بين عيني الجنين ففي مسند البزار عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا خلق الله النسمة قال ملك الأرحام أي رب أذكر أم أنثي قال فيقضي الله إليه أمره ثم يقول أي رب أشقي أم سعيد فيقضي الله إليه أمره ثم يكتب بين عينيه ما هو لاق حتى النكبة ينكبها وقد ورد موقوفا عن ابن عمر غير مرفوع وحديث حذيفة بن أسيد المتقدم صريح في أن الملك يكتب ذلك في صحيفته ولعله يكتب في صحيفته ويكتب بين عيني الولد وقد روي أنه تقترن بهذه الكتابة أنه يخلق مع الجنين ما تضمنت من صفاته القائمة فروي عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله إذا أراد أن يخلق الخلق بعث ملكا فدخل الرحم فيقول أي رب ماذا
55
فيقول غلام أو جارية أو ما شاء أن يخلق في الرحم فيقول أي رب أشقي أم سعيد ويقول أي رب ما أجله فيقول كذا وكذا فيقول ما خلقه ما خلائقه فيقول كذا كذا فما من شيء إلا وهو يخلق معه في الرحم خرجه أبو داود في كتاب القدر والبزار في مسنده وبكل حال فهذه الكتابة التي تكتب للجنين في بطن أمه غير كتابة المقادير السابقة لخلق الخلائق المذكورة في قوله تعالى ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم الحديد الآية كما في صحيح مسلم عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وفي حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أول ما خلق الله القلم قال له اكتب فجري بما هو كائن إلى يوم القيامة وقد سبق ذكر ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن الملك إذا سأل عن حال النطفة أمر أن يذهب إلى الكتاب السابق ويقال له إنك تجد فيه قصة هذه النطفة وقد تكاثرت النصوص بذكر الكتاب السابق بالسعادة والشقاوة ففي الصحيحين عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة أو النار وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة فقال رجل يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا ندع العمل فقال اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى الليل وفي هذا الحديث أن السعادة والشقاوة قد سبق الكتاب بهما وأن ذلك مقدر بحسب الأعمال وأن كلا ميسر لما خلق له من الأعمال التي هي سبب السعادة والشقاوة وفي الصحيحين عن عمران بن حصين قال قال رجل يا رسول الله أيعرف أهل الجنة من أهل النار قال نعم قال فلم يعمل العاملون قال كل يعمل لما خلق له أو لما يسر له وقد روى هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة وحديث ابن مسعود فيه أن السعادة والشقاوة بحسب خواتيم الأعمال وقد قيل إن قوله في آخر الحديث فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه إلى آخر الحديث مدرج من كلام ابن مسعود كذلك رواه مسلم بن كهيل عن زيد بن وهب عن ابن مسعود من قوله قد روى هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة أيضا وفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما الأعمال بالخواتيم وفي صحيح ابن حبان عن عائشة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما الأعمال بالخواتيم وفيه أيضا عن معاوية قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول إنما الأعمال بخواتيمها كالوعاء إذا طاب أعلاه طاب أسفله وإذا خبث أعلاه خبث أسفله وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل الجنة ثم يختم له عمله بعمل أهل
56
النار وإن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل النار ثم يختم له عمله بعمل أهل الجنة وخرج الإمام أحمد رحمه الله من حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا عليكم أن لا تعجبوا بأحد حتى تنظروا بم يختم له فإن العامل يعمل زمانا من عمره أو برهة من دهره بعمل صالح لو مات عليه دخل الجنة ثم يتحول فيعمل عملا سيئا وإن العبد ليعمل البرهة من عمره بعمل سييء لو مات عليه دخل النار ثم يتحول فيعمل عملا صالحا وخرج أيضا من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة وهو مكتوب في الكتاب من أهل النار فإذا كان قبل موته تحول يعمل بعمل أهل النار فمات فدخل النار وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار وإنه لمكتوب في الكتاب من أهل الجنة فإذا كان قبل موته تحول فعمل بعمل أهل الجنة فمات فدخلها وخرج الإمام أحمد والنسائي والترمذي من حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان فقال أتدرون ما هذان الكتابان فقلنا لا يا رسول الله إلا أن تخبرنا فقال للذي في يده اليمني هذا الكتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيه ولا ينقص منه أبدا ثم قال للذي في شماله هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيه ولا ينقص منه أبدا فقال أصحابه ففيم العمل يا رسول الله إن كان أمرا قد فرغ منه فقال سددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه فنبذهما ثم قال فرغ ربكم من العباد فريق في الجنة وفريق في السعير وقد روى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة وخرجه الطبراني من حديث علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم وزاد فيه صاحب الجنة مختوم له بعمل أهل الجنة وصاحب النار مختوم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل وقد يسلك بأهل السعادة طريق أهل الشقاوة حتى يقال ما أشبههم بهم بل هم منهم وتدركهم السعادة فتستنقذهم وقد يسلك بأهل الشقاوة طريق أهل السعادة حتى يقال ما أشبههم بهم بل هم منهم وتدركهم الشقاوة من كتبه الله سعيدا في أم الكتاب لم يخرجه من الدنيا حتى يستعمله بعمل يسعده قبل موته ولو بفواق ناقة ثم قال الأعمال بخواتيمها الأعمال بخواتيمها وخرج البزار في مسنده بهذا المعنى أيضا من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي الصحيحين عن سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم التقي هو والمشركون وفي أصحابه
57
رجل لا يدع شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه فقالوا ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من أهل النار فقال رجل من القوم أنا أصاحبه فأتبعه فجرح الرجل جرحا شديدا فاستعجل الموت فوضع نصل سيفه على الأرض وذبابه بين ثدييه ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه فخرج الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أشهد أنك رسول الله وقص عليه القصة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة زاد البخاري رواية إنما الأعمال بالخواتيم وقوله فيما يبدو للناس إشارة إلى أن باطن الأمر يكون بخلاف ذلك وإن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لا يطلع عليها الناس إما من جهة عمل سييء ونحو ذلك فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت وكذلك قد يعمل الرجل عمل أهل النار وفي باطنه خصلة خفيه من خصال الخير فتغلب عليه تلك الخصلة في آخر عمره فتوجب له حسن الخاتمة قال عبد العزيز بن أبي رواد حضرت رجلا عند الموت يلقن الشهادة لا إله إلا الله فقال في آخر ما قال هو كافر بما تقول ومات على ذلك قال فسألت عنه فإذا هو مدمن خمر وكان عبد العزيز يقول اتقوا الذنوب فإنها هي التي أوقعته وفي الجملة فالخواتيم ميراث السوابق فكل ذلك سبق في الكتاب السابق ومن هنا كان يشتد خوف السلف من سوء الخواتيم ومنهم من كان يقلق من ذكر السوابق وقد قيل إن قلوب الأبرار معلقة بالخواتيم يقولون بماذا يختم لنا وقلوب المقربين معلقة بالسوابق يقولون ماذا سبق لنا وبكى بعض الصحابة عند موته فسئل عن ذلك فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله تعالى قبض خلقه قبضتين فقال هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار ولا أدري في أي القبضتين كنت قال بعض السلف ما أبكى العيون ما أبكاها الكتاب السابق وقال سفيان لبعض الصالحين هل أبكاك قط علم الله فيك فقال له ذلك الرجل تركني لا أفرح أبدا وكان سفيان يشتد قلقه من السوابق والخواتيم فكان يبكي ويقول أخاف أن أكون في أم الكتاب شقيا ويبكي ويقول أخاف أن أسلب الإيمان عند الموت وكان مالك بن دينار يقوم طول ليله قابضا على لحيته ويقول يا رب قد علمت ساكن الجنة من ساكن النار ففي أي الدارين منزل مالك وقال حاتم الأصم من خلا قلبه من ذكر أربعة أخطار فهو مغتر فلا يأمن الشقاء الأول خطر يوم الميثاق حين قال هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي فلا يعلم في أي الفريقين كان والثاني حين خلق في ظلمات ثلاث فنادى الملك
58
بالشقاوة والسعادة ولا يدري أمن الأشقياء هو أم من السعداء والثالث ذكر هول المطلع فلا يدري أيبشر برضا الله أم بسخطه والرابع يوم يصدر الناس أشتاتا فلا يدري أي الطريقين يسلك به وقال سهل التستري المريد يخاف أن يبتلى بالمعاصي والعارف يخاف أن يبتلى بالكفر ومن هنا كان الصحابة ومن بعدهم من السلف الصالح يخافون على أنفسهم النفاق ويشتد قلقهم وجزعهم منه فالمؤمن يخاف على نفسه النفاق الأصغر ويخاف أن يغلب ذلك عليه عند الخاتمة فيخرجه إلى النفاق الأكبر كما تقدم أن دسائس السوء الخلفية توجب سوء الخاتمة وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في دعائه يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك فقيل له يا نبي الله آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا فقال نعم إن القلوب بين اصبعين من أصابع الرحمن عز وجل يقلبها كيف شاء خرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث أنس وخرج الإمام أحمد من حديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر في دعائه أن يقول اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك فقلت يا رسول الله أو إن القلوب لتتقلب قال نعم ما من خلق الله من بني آدم من بشر إلا أن قلبه بين اصبعين من أصابع الله عز وجل فإن شاء عز وجل أقامه وإن شاء أزاغه فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب قالت قلت يا رسول الله ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي قال بلى وقولي اللهم رب النبي محمد صلى الله عليه وسلم اغفر لي ذنبي وأذهب غيظ قلبي وأجرني من مضلات الفتن ما أحييتني وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة وخرج مسلم من حديث عبدالله بن عمرو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن قلوب بني آدم كلها بين اصبعين من أصابع الرحمن عز وجل كقلب واحد يصرفه حيث يشاء ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك الحديث الخامس عن أم المؤمنين أم عبدالله عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد رواه البخاري ومسلم وفي رواية لمسلم من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد
59
هذا الحديث خرجاه في الصحيحين من رواية القاسم بن محمد عن عمته عائشة رضي الله عنها وألفاظه مختلفة ومعناها متقارب وفي بعض ألفاظه من أحدث في ديننا ما ليس فيه فهو رد وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام كما أن حديث الأعمال بالنيات ميزان للأعمال في باطنها وهو ميزان للأعمال في ظاهرها فكما أن كل عمل لا يراد به وجه الله تعالى فليس لعامله فيه ثواب فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله فليس من الدين في شيء وسيأتي حديث العرباض بن سارية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكان صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته إن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وسنؤخر الكلام على المحدثات إلى ذكر حديث العرباض المشار إليه ونتكلم هاهنا على الأعمال التي ليس عليها أمر الشارع وردها فهذا الحديث بمنطوقه يدل على أن كل عمل ليس عليه أمر الشارع فهو مردود ويدل بمفهومه على أن كل عمل عليه أمره فهو غير مردود والمراد بأمره ههنا دينه وشرعه كالمراد بقوله
60
في الرواية الأخرى من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد فالمعنى إذا أن من كان عمله خارجا عن الشرع ليس متقيدا بالشرع فهو مردود وقوله ليس عليه أمرنا إشارة إلى أن أعمال العاملين كلهم ينبغي أن تكون تحت أحكام الشريعة فتكون أحكام الشريعة حاكمة عليها بأمرها ونهيها فمن كان عمله جاريا تحت أحكام الشريعة موافقا لها فهو مقبول ومن كان خارجا عن ذلك فهو مردود فأما العبادات فما كان منها خارجا عن حكم الله ورسوله بالكلية فهو مردود على عامله وعامله يدخل تحت قوله تعالى أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله فمن تقرب إلى الله بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة إلى الله فعمله باطل مردود عليه وهو شبيه بحال الذين كانت صلاتهم عند البيت مكاء وتصدية وهذا كمن تقرب إلى الله تعالى بسماع الملاهي أو بالرقص أو بكشف الرأس في غير الإحرام وما أشبه ذلك من المحدثات التي لم يشرع الله ورسوله التقرب بها بالكلية وليس ما كان قربة في عبادة يكون قربة في غيرها مطلقا فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا قائما في الشمس فسأل عنه فقيل إنه نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل وأن يصوم فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقعد ويستظل وأن يتم صومه فلم يجعل قيامه وبروزه في الشمس قربة يوفي بنذرهما وقد روي أن ذلك كان في يوم جمعة عند سماع خطبة النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر فنذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ما دام النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إعظاما لسماع خطبة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قربة يوفي بنذره مع أن القيام عبادة في مواضع أخر كالصلاة والأذان والدعاء بعرفة والبروز للشمس قربة للمحرم فدل على أنه ليس كل ما كان قربة في موطن يكون قربة في كل المواطن وإنما يتبع في ذلك كله ما وردت به الشريعة في مواضعها وكذلك من تقرب بعبادة نهي عنها بخصوصها كمن صام يوم العيد أو صلى وقت النهي وأما من عمل عملا أصله مشروع وقربة ثم أدخل فيه ما ليس بمشروع أو أخل فيه بمشروع فهذا أيضا مخالف للشريعة بقدر إخلاله بما أخل به أو إدخاله ما أدخل فيه وهل يكون عمله من أصله مردودا عليه أو لا فهذا لا يطلق القول فيه برد ولا قبول بل ينظر فيه فإن كان ما أخل به من أجزاء العمل أو شروطه موجبا لبطلانه في الشريعة كمن أخل بالطهارة مع القدرة عليها أو كمن أخل بالركوع أو بالسجود مع الطمأنينة فيهما فهذا عمل مردود عليه وعليه إعادته إن كان فرضا وإن كان ما أخل به لا يوجب بطلان العمل كمن أخل بالجماعة للصلاة المكتوبة عند من يوجبها ولا يجعلها شرطا فهذا لا يقال إن عمله مردود من أصله بل هو ناقص وإن كان قد زاد في العمل المشروع ما ليس بمشروع فزيادته مردودة عليه بمعنى أنها لا تكون قربة ولا يثاب عليها ولكن تارة يبطل بها العمل من أصله فيكون مردودا كمن زاد ركعة عمدا في صلاته مثلا وتارة لا يبطله ولا يرده من أصله كمن توضأ أربعا
61
أربعا أو صام الليل مع النهار وواصل في صيامه وقد يبدل ما يؤمر به في العبادة بما هو منهي عنه كمن ستر عورته في الصلاة بثوب محرم أو تؤضأ للصلاة بماء مغصوب أو صلى في بقعة غصب فهذا قد اختلف العلماء فيه هل عمله مردود من أصله أو أنه غير مردود وتبرأ به الذمة من عهدة الواجب وأكثر الفقهاء على أنه ليس بمردود من أصله وقد حكى عبد الرحمن بن مهدي عن قوم من أصحاب الكلام يقال لهم الشمرية أصحاب أبي شمر أنهم يقولون إنه من صلى في ثوب كان في ثمنه درهم حرام أن عليه إعادة صلاته وقال ما سمعت قولا أخبث من قولهم نسأل الله العافية وعبد الرحمن بن مهدي من أكابر فقهاء أهل الحديث المطلعين على مقالات السلف وقد استنكر هذا القول وجعله بدعة فدل على أنه لم يعلم عن أحد من السلف القول بإعادة الصلاة في مثل هذا ويشبه هذا الحج بمال حرام وقد ورد في حديث أنه مردود على صاحبه ولكنه حديث لا يثبت وقد أختلف العلماء هل يسقط به الفرض أم لا وقريب من ذلك الذبح بآلة محرمة أو ذبح من لا يجوز له الذبح كالسارق فأكثر العلماء قالوا إنه تباح الذبيحة بذلك ومنهم من قال هي محرمة وكذا الخلاف في ذبح المحرم الصيد لكن القول بالتحريم فيه أشهر وأظهر لأنه منهي عنه بعينه فلهذا فرق من فرق من العلماء بين أن يكون النهي لمعنى يختص بالعبادة فيبطلها وبين أن لا يكون مختصا بها فلا يبطلها فالصلاة بالنجاسة أو بغير طهارة أو بغير ستارة أو إلى غير القبلة يبطلها لا ختصاص النهي بالصلاة بخلاف الصلاة في الغصب ويشهد لهذا أن الصيام لا يبطله إلا ارتكاب ما نهي عنه فيه بخصوصه وهو جنس الأكل والشرب والجماع بخلاف ما نهي عنه الصائم لا بخصوص الصيام كالكذب والغيبة عند الجمهور وكذلك الحج ما يبطله إلا ما نهي عنه في الإحرام وهو الجماع ولا يبطله ما لا يختص بالإحرام من المحرمات كالقتل والسرقة وشرب الخمر وكذلك الاعتكاف إنما يبطل بما نهي عنه فيه بخصوصه وهو الجماع وإنما يبطل بالسكر عندنا وعند الأكثرين لنهي السكران عن قربان المسجد ودخوله على أحد التأويلين في قوله تعالى لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى أن المراد مواضع الصلاة فصار كالحائض ولا يبطل الاعتكاف بغيره من ارتكابه الكبائر عندنا وعند كثير من العلماء وقد خالف في ذلك طائفة من السلف منهم عطاء والزهري والثوري ومالك وحكي عن غيرهم أيضا المعاملات وأما المعاملات كالعقود والفسوخ ونحوهما فما كان منها مغير الأوضاع الشرعية كجعل حد الزنا عقوبة مالية وما أشبه ذلك فإنه مردود من أصله لا ينتقل به الملك لأن هذا غير معهود في أحكام الإسلام ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للذي سأله إن ابني كان عسيفا على فلان فزنى بامرأته فافتديت منه بمائة شاة وخادم فقال النبي صلى الله عليه وسلم المائة الشاة والخادم رد عليك وعلى ابنك مائة جلدة وتغريب عام وما كان منها عقدا منهيا عنه في الشرع إما لكون المعقود عليه ليس محلا للعقد
62
أو لفوات شرط فيه أو لظلم يحصل به للمعقود معه وعليه أو لكون العقد يشغل عن ذكر الله عز وجل الواجب عند تضايق وقته أو غير ذلك فهذا العقد هل هو مردود بالكلية لا ينتقل به الملك أم لا هذا الموضع قد اضطرب الناس فيه اضطرابا كثيرا وذلك أنه ورد في بعض الصور أنه مردود لا يقيد الملك وفي بعضها أنه يقيده فحصل الاضطراب فيه بسبب ذلك والأقرب إن شاء الله تعالى أنه إن كان النهي عنه لحق الله تعالى لا يقيد الملك بالكلية ومعنى أنه يكون الحق لله أنه لا يسقط برضا المتعاقدين عليه وإن كان النهي عنه لحق آدمي معين بحيث يسقط برضاه به فإنه يقف على رضاه به فإن رضي لزم العقد واستمر الملك وإن لم يرض به فله الفسخ فإن كان الذي يلحقه الضرر لا يعتبر رضاه بالكلية كالزوجة والعبد في الطلاق والعتاق فلا عبرة برضاه ولا بسخطه وإن كان النهي رفقا بالمنهي خاصة لما يلحقه من المشقة فخالف وارتكب المشقة لم يبطل بذلك عمله فأما الأول فله صور كثيرة منها نكاح من يحرم نكاحه إما لعينه كالمحرمات على التأبيد بسبب أو نسب أو للجمع أو لفوات شرط لا يسقط بالتراضي بإسقاطه كنكاح المعتدة والمحرمة والنكاح بغير ولي ونحو ذلك قد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين رجل وامرأة تزوجها وهي حبلي فرد النكاح لوقوعه في العدة ومنها عقود الربا فلا يفيد الملك ويؤمر بردها وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم من باع صاع تمر بصاعين أن يرده ومنها بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام والكلب وسائر ما نهي عن بيعه مما لا يجوز بيعه وأما الثاني فله صور عديدة منها إنكاح الولي مالا يجوز له إنكاحها إلا بإذنها لا بغير إذنها وقد رد النبي صلى الله عليه وسلم نكاح امرأة ثيب زوجها أبوها وهي كارهة وروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه خير امرأة زوجت بغير إذنها وفي إبطال هذا النكاح أو وقوفه على الإجازة روايتان عن أحمد وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أن من تصرف لغيره في ماله بغير إذنه لم يكن تصرفه باطلا من أصله بل يقف على إجازته فإن أجازه جاز وإن رده بطل واستدلوا بحديث عروة بن الجعد في شرائه للنبي صلى الله عليه وسلم شاتين وإنما كان أمره بأن يشتري شاة واحدة ثم باع إحداهما وقبل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وخص ذلك الإمام أحمد في المشهور عنه بمن كان يتصرف لغيره في ماله بإذن إذا خالف الإذن ومنها تصرف المريض في ماله كله هل يقع باطلا من أصله أم يوقف تصرفه في الثلث على إجازة الورثة فيه اختلاف مشهور للفقهاء والخلاف في مذهب أحمد وغيره وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع إليه أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته لا مال له غيرهم فدعا بهم فجزأهم أجزاء فأعتق اثنين وأرق أربعة وقال له قولا شديدا ولعل الورثة لم يجيزوا إعتاق الجميع والله أعلم ومنها بيع المدلس ونحوه كالمصراة وبيع النجش وتلقى الركبان ونحو ذلك وفي صحته كله اختلاف مشهور في مذهب الإمام أحمد وذهب طائفة من أهل الحديث إلى بطلانه ورده والصحيح أنه يصح ويقف على إجازة من حصل له ظلم بذلك فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل مشتري
63
المصراة بالخيار وأنه جعل للركبان الخيار إذا هبطوا السوق وهذا كله يدل على أنه غير مردود من أصله وقد ورد على بعض من قال بالبطلان حديث المصراة فلم يذكر عنه جوابا وأما بيع الحاضر للبادي فمن صححه جعله من هذا القبيل ومن أبطله جعل الحق فيه لأهل البلد كلهم وهم غير منحصرين فلا يتصور إسقاط حقوقهم فصار كحق الله عز وجل ومنها لوباع رقيقا يحرم التفريق بينهم وفرق بينهم كالأم وولدها فهل يقع باطلا مردودا أم يقف على رضاهم بذلك وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر برد هذا البيع ونص أحمد على أنه لا يجوز التفريق بينهم ولو رضوا بذلك وذهب طائفة إلى جواز التفريق بينهم برضاهم منهم النخعي وعبيد الله بن الحسن البصري فعلى هذا يتوجه أن يصح ويقف على الرضا ومنها لو خص بعض أولاده بالعطية دون بعض فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بشير بن سعد لما خص ولده النعمان بالعطية أن يرده إليه ولم يدل ذلك على أنه لم ينتقل الملك بذلك إلى الولد فإن هذه العطية تصح وتقع مراعاة فإن ساوى بين الأولاد في العطية أو استرد ما أعطي الولد جاز وإن مات ولم يفعل شيئا من ذلك فقال مجاهد هو ميراث وحكي عن أحمد نحوه وأن العطية تبطل والجمهور على أنها لا تبطل وهل للورثة الرجوع فيها أم لا فيه قولان مشهوران وهما روايتان عن أحمد ومنها الطلاق المنهي عنه كالطلاق في زمن الحيض فإنه قد قيل إنه قد نهي عنه لحق الزوج حيث كان يخشى عليه أن يعقبه فيه الندم ومن نهي عن شيء رفقا به فلم ينته عنه بل فعله وتجشم مشقته فإنه لا يحكم ببطلان ما أتى به كمن صام في المرض أو السفر أو واصل في الصيام أو أخرج ماله وجلس يتكفف الناس أو صلى قائما مع تضرره بالقيام للمرض أو اغتسل وهو يخشى على نفسه الضرر والتلف ولم يتيمم أو صام الدهر ولم يفطر أو قام الليل ولم ينم وكذلك إذا جمع الطلاق الثلاث على القول بتحريمه وقيل إنما نهي عن طلاق الحائض لحق المرأة لما فيه من الإضرار بها بتطويل العدة ولو رضيت بذلك بأن سألته الطلاق بعوض في الحيض فهل يزول بذلك تحريمه فيه قولان مشهوران للعلماء والمشهور من مذهبنا ومذهب الشافعي أنه يزول التحريم بذلك فإن قيل إن التحريم فيه لحق الزوج خاصة فإذا قدم عليه فقد أسقط حقه فقط وإن علل بأنه لحق المرأة لم يمنع نفوذه ووقوعه أيضا فإن رضا المرأة بالطلاق غير معتبر لوقوعه عند جميع المسلمين لم يخالف فيه سوى شرذمة يسيرة من الروافض ونحوهم كما أن رضا الرقيق بالعتق غير معتبر ولو تضرر به ولكن إذا تضررت المرأة بذلك وكان قد بقي شيء من طلاقها أمر الزوج بارتجاعها كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر بارتجاع زوجته تلافيا منه لضررها وتلافيا منه لما وقع منه من الطلاق المحرم حتى لا تصير بينونتها منه ناشئة عن طلاق محرم وليتمكن من طلاقها على وجه مباح فتحصل إبانتها على هذا الوجه وقد روي عن أبي الزبير عن ابن عمر رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم ردها عليه ولم يرها
64
شيئا وهذا مما تفرد به أبو الزبير عن أصحاب ابن عمر كلهم مثل ابنه سالم ومولاه نافع وأنس وابن سيرين وطاوس ويونس بن جبير وعبد الله بن دينار وسعيد بن جبير وميمون بن مهران وغيرهم وقد أنكر أئمة العلماء هذه اللفظة على أبي الزبير من المحدثين والفقهاء وقالوا إنه تفرد بما خالف الثقات فلا يقبل تفرده فإن في رواية الجماعة عن ابن عمر ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم حسب عليه الطلقة من وجوه كثيرة وكان ابن عمر يقول لمن سأله عن طلاق المرأة في الحيض إن كنت طلقت واحدة أو اثنتين فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني بذلك يعني بارتجاع المرأة وإن كنت طلقتها ثلاثا فقد عصيت ربك وبانت منك امرأتك وفي رواية أبي الزبير زيادة أخرى لم يتابع عليها وهو قوله ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة الطلاق ولم يذكر ذلك أحد من الرواة عن ابن عمر وإنما روى عبدالله بن دينار عن ابن عمر أنه كان يتلو هذه الآية عند روايته للحديث وهذا هو الصحيح وقد كان طوائف من الناس يعتقدون أن طلاق ابن عمر كان ثلاثا وأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ردها عليه لأنه لم يوقع الطلاق في الحيض وقد روى ذلك عن أبي الزبير أيضا من رواية معاوية بن عمار الدهني عنه فلعل أبا الزبير اعتقد هذا حقا فروى تلك اللفظة بالمعنى الذي فهمه وروى ابن لهيعة هذا الحديث عن أبي الزبير فقال عن جابر أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض فقال النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعها فإنها امرأته وأخطأ في ذكر جابر في هذا الإسناد وتفرد بقوله فإنها امرأته ولا يدل على عدم وقوع الطلاق إلا على تقدير أن يكون ثلاثا فقد اختلف في هذا الحديث على أبي الزبير وأصحاب ابن عمر الثقات الحفاظ العارفون به الملازمون له لم يختلف عليهم فيه فروى أيوب عن ابن سيرين قال مكثت عشرين سنة يحدثني من لا أتهمهم أن ابن عمر طلق امرأته ثلاثا وهي حائض فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يراجعها فجعلت لا أتهمهم ولا أعرف الحديث حتى لقيت أبا غلاب يونس بن جبير وكان ذا ثبت فحدثني أنه سأل ابن عمر فحدثه أنه طلقها واحدة خرجه مسلم وفي رواية قال له ابن سيرين فجعلت لا أعرف للحديث وجها ولا أفهمه وهذا يدل على أنه كان قد شاع بين الثقات من غير أهل الفقه والعلم أن طلاق ابن عمر كان ثلاثا ولعل أبا الزبير من هذا القبيل ولذلك كان نافع يسئل كثيرا عن طلاق ابن عمر هل كان ثلاثا أو واحدة ولما قدم نافع مكة أرسلوا إليه من مجلس عطاء يسئلونه عن ذلك لهذه الشبهة واستنكار ابن سيرين لرواية الثلاث يدل على أنه لم يعرف قائلا معتبرا يقول إن الطلاق المحرم غير واقع وأن هذا القول لا وجه له قال الإمام أحمد في رواية أبي الحارث وسئل عمن قال لا يقع الطلاق المحرم لأنه يخالف ما أمر به فقال هذا قول سوء رديء ثم ذكر قصة ابن عمر
65
وأنه احتسب بطلاقه في الحيض وقال أبو عبيدة الوقوع هو الذي عليه العلماء مجمعون في جميع الأمصار حجازهم وتهامهم ويمنهم وشأمهم وعراقهم ومصرهم وحكى ابن المنذر ذلك عن كل من يحفظ قوله من أهل العلم إلا ناسا من أهل البدع لا يعتد بهم وأما ما حكاه ابن حزم عن ابن عمر أنه لا يقع الطلاق في الحيض مستندا إلى مار واه من طريق محمد بن عبد السلام الخشني الأندلسي حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر في الرجل يطلق امرأته وهي حائض قال لا تعتد بها وبإسناده عن خلاس نحوه فإن هذا الأثر قد سقط عن آخر لفظه وهي قال لا يعتد بتلك الحيضة كذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة في كتابه عن عبد الوهاب الثقفي وكذا رواه يحيى بن معين عن عبد الوهاب أيضا قال هو غريب لا يحدث به إلا عبد الوهاب ومراد ابن عمر أن الحيضة التي تطلق فيها المرأة لا تعتد بها المرأة قرأ وهذا هو مراد خلاس وغيره وقد روي ذلك أيضا عن جماعة من السلف منهم زيد بن ثابت وسعيد بن المسيب فوهم جماعة من المفسرين وغيرهم كما وهم ابن حزم فحكوا عن بعض من سمينا أن الطلاق في الحيض لا يقع وهذا سبب وهمهم والله أعلم وهذا الحديث إنما رواه القاسم بن محمد لما سئل عن رجل له مساكن فأوصى بثلث ثلاث مساكن هل يجمع له في مسكن واحد فقال يجمع ذلك له في مسكن واحد حدثتني عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد خرجه مسلم ومراده أن تغيير وصية الموصي إلى ما هو أحب إلى الله وأنفع جائز وقد حكى هذا عن عطاء وابن جريج وربما يستدل بعض من ذهب إلى هذا بقوله تعالى فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه البقرة ولعله أخذ هذا من جمع العتق فإنه أعتق ستة مماليك عند موته فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم فجزأهم ثلاثة أجزاء فأعتق اثنين وأرق أربعة خرجه مسلم وذهب فقهاء الحديث إلى هذا الحديث لأن تكميل عتق العبد مهما أمكن فهو أولى من تشقيصه ولهذا شرعت السراية والسعاية إذا أعتق أحد الشريكين نصيبه من عبد وقال صلى الله عليه وسلم فيمن أعتق بعض عبده هذا هو عتيق كله ليس لله شريك وأكثر العلماء على خلاف قول القاسم وإن وصية الموصي لا تجمع ويتبع لفظه إلا في العتق خاصة لأن المعنى الذي جمع له فيه العتق موجود في بقية الأموال فيعمل فيها المقتضى وصية الموصي وذهب طائفة من الفقهاء في العتق على أنه يعتق من كل عبد ثلثه ويستسعون في الباقي واتباع قضاء النبي صلى الله عليه وسلم أحق وأولي والقاسم نظر إلى أن في مشاركة الموصي له للورثة في المساكن كلها ضررا عليهم فيدفع عنهم هذا الضرر ويجمع الوصية في مسكن واحد فإن الله شرط في الوصية عدم المضارة لقوله غير مضار
66
وصية من الله النساء فمن ضار في وصيته كان عمله مردودا عليه لمخالفته ما شرط الله تعالى في الوصية وقد ذهب طائفة من الفقهاء إلى أنه لو أوصى بثلث مساكنه ثم ثلثي المساكن كلها ثم تلف ثلث المساكن وبقي منها ثلث أنه يعطي كلها للموصى له وهذا قول طائفة من أصحاب أبي حنيفة وحكي عن أبي يوسف ومحمد ووافقهم القاضي أبو يعلى من أصحابنا في خلافه وبنوا ذلك على أن المساكن المشتركة تقسم بين المشتركين فيها قسمة إجبار كما هو قول مالك وظاهر كلام ابن أبي موسى من أصحابنا والمشهور عند أصحابنا أن المساكن المتعددة لا تقسم قسمة إجبار وهو قول أبي حنيفة والشافعي رحمهما الله وقد تأول بعض المالكية فتيا القاسم المذكورة في هذا الحديث على أن أحد الفريقين من الورثة والموصى لهم طلب قسمة المساكن فكانت متقاربة بحيث يضم بعضها إلى بعض في القسمة فإنه يجاب إلى قسمتها على قولهم وهذا التأويل بعيد مخالف للظاهر والله أعلم الحديث السادس عن أبي عبدالله النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمي ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب رواه البخاري ومسلم
67
هذا الحديث صحيح متفق على صحته من رواية الشعبي عن النعمان بن بشير وفي ألفاظه بعض الزيادة والنقص والمعنى واحد متقارب وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر وعمار بن ياسر وجابر وابن مسعود وابن عباس وحديث النعمان أصح أحاديث الباب فقوله صلى الله عليه وسلم الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس معناه أن الحلال المحض بين لا اشتباه فيه وكذلك الحرام المحض ولكن بين الأمرين أمور تشتبه على كثير من الناس هل هي من الحلال أم من الحرام وأما الراسخون في العلم فلا يشتبه عليهم ذلك ويعلمون من أي القسمين هي فأما الحلال المحض فمثل أكل الطيبات من الزروع والثمار وبهيمة الأنعام وشرب الأشربة الطيبة ولباس ما يحتاج إليه من القطن والكتان والصوف والشعر وكالنكاح والتسري وغير ذلك إذا كان اكتسابه بعقد صحيح كالبيع أو بميراث أو هبة أو غنيمة والحرام المحض مثل أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وشرب الخمر ونكاح المحارم ولباس الحرير للرجال ومثل الاكتساب المحرم كالربا والميسر وثمن مالا يحل بيعه وأخذ
68
الأموال المغصوبة بسرقة أو غصب ونحو ذلك وأما المشتبه فمثل بعض ما اختلف في حله أو تحريمه إما من الأعيان كالخيل والبغال والحمير والضب وشرب ما اختلف في تحريمه من الأنبذة التي يسكر كثيرها ولبس ما اختلف في إباحة لبسه من جلود السباع ونحوها وإما من المكاسب المختلف فيها كمسائل العينة والتورق ونحو ذلك وبنحو هذا المعنى فسر المشتبهات أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة وحاصل الأمر أن الله تعالى أنزل على نبيه الكتاب وبين فيه للأمة ما يحتاج إليه من حلال وحرام كما قال تعالى ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء النحل قال مجاهد وغيره كل شيء أمروا به ونهوا عنه وقال تعالى في آخر سورة النساء التي بين فيها كثيرا من أحكام الأموال والأبضاع يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم النساء وقال تعالى ومالكم أن لا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه الأنعام الآية وقال تعالى وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون التوبة ووكل بيان ما أشكل من التنزيل إلى الرسول كما قال تعالى وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم النحل وما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أكمل له ولأمته الدين ولهذا أنزل عليه بعرفة قبل موته بمدة يسيرة اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا المائدة وقال صلى الله عليه وسلم تركتكم على بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك وقال أبو ذر رضي الله عنه توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يحرك جناحيه في السماء إلا وقد ذكر لنا منه علما ولما شك ناس في موته صلى الله عليه وسلم قال عمه العباس رضي الله عنه والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ترك السبيل نهجا واضحا وأحل الحلال وحرم الحرام ونكح وطلق وحارب وسالم وما كان راعي غنم يتبع بها رؤوس الجبال يخبط عليها العضاه بمخبطته ويمدرحوضها بيده أنصب ولا أدأب من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيكم وفي الجملة فما ترك الله ورسوله حلالا إلا مبينا ولا حراما إلا مبينا لكن بعضه كان أظهر بيانا من بعض فما ظهر بيانه واشتهر وعلم من الدين بالضرورة من ذلك لم يبق فيه شك ولا يعذر أحد بجهله في بلد يظهر فيها الإسلام وما كان بيانه دون ذلك فمنه ما يشتهر بين حملة الشريعة خاصة فأجمع العلماء على حله أو حرمته وقد يخفى على بعض من ليس منهم ومنه ما لم يشتهر بين حملة الشريعة أيضا فاختلفوا في تحليله وتحريمه وذلك لأسباب منها أنه قد يكون النص عليه خفيا لم ينقله إلا قليل من الناس فلم يبلغ جميع حملة العلم ومنها أنه قد ينقل فيه نصان أحدهما بالتحليل والآخر بالتحريم فيبلغ طائفة منهم أحد النصين دون الآخر فيتمسكون بما بلغهم أو يبلغ النصان معا من لا يبلغه التاريخ فيقف لعدم معرفته بالناسخ والمنسوخ ومنها ما ليس فيه نص صريح وإنما يؤخذ من عموم أو مفهوم أو قياس فتختلف
69
أفهام العلماء في هذا كثيرا ومنها ما يكون فيه أمر أو نهي فتختلف العلماء في حمل الأمر على الوجوب أو الندب وفي حمل النهي على التحريم أو التنزيه وأسباب الاختلاف أكثر مما ذكرنا ومع هذا فلابد في الأمة من عالم يوافق الحق فيكون هو العالم بهذا الحكم وغيره يكون الأمر مشتبها عليه ولا يكون عالما بهذا فإن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة ولا يظهر أهل باطلها على أهل حقها فلا يكون الحق مهجورا غير معمول به في جميع الأمصار والأعصار ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في المشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فدل على أن من الناس من يعلمها وإنما هي مشتبهة على من لم يعلمها وليست مشتبهة في نفس الأمر فهذا هو السبب المقتضي لاشتباه بعض الأشياء على كثير من العلماء وقد يقع الاشتباه في الحلال والحرام بالنسبة إلى العلماء وغيرهم من وجه آخر وهو أن من الأشياء ما يعلم سبب حله وهو الملك المتيقن ومنها ما يعلم سبب تحريمه وهو ثبوت ملك الغير عليه فالأول لا تزول إباحته إلا بيقين زوال الملك عنه اللهم إلا في الأبضاع عند من يوقع الطلاق بالشك فيه كمالك أو إذا غلب على الظن وقوعه كإسحاق بن راهويه والثاني لا يزول تحريمه إلا بيقين العلم بانتقال الملك فيه وأما ما لا يعلم له أصل ملك كما يجده الإنسان في بيته ولا يدري هل هو له أو لغيره فهذا مشتبه ولا يحرم عليه تناوله لأن الظاهر إنما في ملكه لثبوت يده عليه والورع اجتنابه فقد قال صلى الله عليه وسلم إنى لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون من الصدقة فألقيها خرجاه في الصحيحين فإن كان هناك من جنس المحظور وشك هل هو منه أم لا قويت الشبهة وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أصابه أرق من الليل فقال له بعض نسائه يا رسول الله أرقت الليلة فقال إني كنت أصبت تمرة تحت جنبي فأكلتها وكان عندنا تمر من تمر الصدقة فخشيت أن تكون منه ومن هذا أيضا ما أصله الإباحة كطهارة الماء والثوب والأرض إذا لم يتيقن زوال أصله فيجوز استعماله وما أصله الحظر كالأبضاع ولحوم الحيوان فلا تحل إلا بيقين حله من التذكية والعقد فإن تردد في شيء من ذلك لظهور سبب آخر رجع إلى الأصل فيبنى عليه فيتبين فيما أصله الحرمة على التحريم ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل الصيد الذي يجد فيه الصائد أثر سهم غير سهمه أو كلب غير كلبه أو يجده قد وقع في ماء وعلل بأنه لا يدري هل مات من السبب المبيح له أو من غيره فيرجع فيما أصله الحل إلى الحل فلا ينجس الماء والأرض والثوب بمجرد ظن النجاسة وكذلك البدن إذا تحقق طهارته وشك هل انتقضت بالحدث عند جمهور العلماء خلافا لمالك رحمه الله إذا لم يكن قد دخل في الصلاة وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه شكا إليه الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال لا تنصرف حتى تسمع صوتا أو تجد ريحا وفي بعض الروايات في المسجد بدل الصلاة وهذا يعم حال الصلاة وغيرهما
70
فإن وجد سببا قويا يغلب معه على الظن نجاسة ما أصله الطهارة مثل أن يكون الثوب يلبسه كافر لا يتحرز من النجاسات فهذا محل اشتباه فمن العلماء من رخص فيه آخذا بالأصل ومنهم من كرهه تنزيها ومنهم من حرمه إذا قوي ظن النجاسة مثل أن يكون الكافر ممن لا تباح ذبيحته أو يكون ملاقيا لعورته كالسراويل والقميص وترجع هذه المسائل وأشباهها على قاعدة تعارض الأصل والظاهر فإن الأصل الطهارة والظاهر النجاسة وقد تعارضت الأدلة في ذلك فالقائلون بالطهارة يستدلون بأن الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب وطعامهم إنما يصنعونه بأيديهم في أوانيهم وقد أجاب النبي صلى الله عليه وسلم دعوة يهودي وكان هو وأصحابه يلبسون ويستعملون ما يجلب إليهم مما ينسجه الكفار بأيديهم من الثياب والأواني وكانوا في المغازي يقتسمون ما وقع لهم من الأوعية والثياب ويستعملونها وصح عنهم أنهم يستعملون الماء من مزادة مشركة والقائلون بالنجاسة يستدلون بأنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن آنية أهل الكتاب الذين يأكلون الخنزير ويشربون الخمر فقال إن لم تجدوا غيرها فاغسلوها بالماء ثم كلوا فيها وقد فسر الإمام أحمد الشبهة بأنها منزلة بين الحلال والحرام يعني الحلال المحض والحرام المحض وقال من اتقاها فقد استبرأ لدينه وفسرها تارة باختلاط الحلال والحرام وبتفرع على هذا معاملة من في ماله حلال وحرام مختلط فإن كان أكثر ماله الحرام فقال أحمد ينبغي أن يتجنبه إلا أن يكون شيئا يسيرا أو شيئا لا يعرف واختلف أصحابنا هل هو مكروه أو محرم على وجهين وإن كان أكثر ماله الحلال جازت معاملته والأكل من ماله وقد روى الحارث عن على رضي الله عنه أنه قال في جوائز السلطان لا بأس بها ما يعطيكم من الحلال أكثر مما يعطيكم من الحرام وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعاملون المشركين وأهل الكتاب مع علمهم بأنهم لا يجتنبون الحرام كله وإن اشتبه الأمر فهو شبهة والورع تركه قال سفيان لا يعجبني ذلك وتركه أعجب إلي وقال الزهري ومكحول لا بأس أن يؤكل منه ما لم يعرف أنه حرام بعينه فإن لم يعرف في ماله حرام بعينه ولكن علم أن فيه شبهة فلا بأس بالأكل منه نص عليه أحمد في رواية حنبل وذهب إسحق بن راهويه إلى ما روي عن ابن مسعود وسلمان وغيرهما من الرخصة وإلى ما روي عن الحسن وابن سيرين في إباحة الأخذ بما يقضي من الربا والقمار ونقله عن ابن منصور وقال الإمام أحمد في المال المشتبه حلاله بحرامه إن كان المال كثيرا أخرج منه قدر الحرام وتصرف في الباقي وإن كان المال قليلا اجتنبه كله وهذا لأن القليل إذا تناول منه شيئا فإنه يتعذر معه السلامة من الحرام بخلاف الكثير ومن أصحابنا من حمل ذلك على الورع دون التحريم وأباح التصرف في القليل والكثير بعد إخراج قدر الحرام منه وهو قول الحنفية وغيرهم وأخذ به قوم من أهل الورع منهم بشر الحافي ورخص قوم من السلف في الأكل
71
ممن يعلم في ماله حرام ما لم يعلم أنه من الحرام بعينه فصح كما تقدم عن مكحول والزهري وروي مثله عن الفضيل بن عياض وروى في ذلك آثار عن السلف فصح عن ابن مسعود أنه سئل عمن له جار يأكل الربا علانية ولا يتحرج من مال خبيث يأخذه يدعوه إلى طعام قال أجيبوه فإنما المهنأ لكم والوزر عليه وفي رواية أنه قال لا أعلم له شيئا إلا خبيثا أو حراما فقال أجيبوه وقد صحح الإمام أحمد هذا عن ابن مسعود ولكنه عارضه عارض بما روي عنه أنه قال الإثم حزاز القلوب وروى عن سلمان مثل قول ابن مسعود الأول وعن سعيد ابن جبير والحسن البصري ومورق العجلي وإبراهيم النخعي وابن سيرين وغيرهم والآثار بذلك موجودة في كتب الأدب لحميد بن زنجويه وبعضها في كتاب الجامع للخلال وفي مصنف عبدالرزاق وابن أبي شيبة وغيرهم ومتى علم أن عين الشيء حرام أخذ بوجه محرم فإنه يحرم تناوله وقد حكي الإجماع على ذلك ابن عبد البر وغيره وقد روي عن ابن سيرين في الرجل يقضي من الربا قال لا بأس به وعن الرجل يقضي من القمار قال لا بأس به خرجه الخلال بإسناد صحيح وروى عن الحسن خلاف هذا وأنه قال إن هذه المكاسب قد فسدت فخذوا منها ما أشبه المضطر وعارض المروزي عن ابن مسعود وسلمان ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أكل طعاما ثم أخبر أنه من حرام فاستقاءه وقد يقع الاشتباه في الحكم لكون الفرع مترددا بين أصول تجتذبه كتحريم الرجل زوجته فإن هذا متردد بين تحريم الظهار الذي ترفعه الكفارة الكبرى وبين تحريم الطلقة الواحدة بانقضاء عدتها الذي تباح معه الزوجة بعقد جديد وبين تحريم الطلاق الثلاث الذي لا تباح معه الزوجة بدون زوج وإصابة وبين تحريم الرجل عليه ما أحله الله له من الطعام والشراب الذي لا يحرمه وإنما يوجب الكفارة الصغرى أو لا يوجب شيئا على الاختلاف في ذلك فمن ههنا كثر الاختلاف في هذه المسئلة في زمن الصحابة ومن بعدهم وبكل حال فالأمور المشتبهة التي لا تتبين أنها حلال ولا حرام لكثير من الناس كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم قد يتبين لبعض الناس أنها حلال أو حرام لما عنده من ذلك من مزيد علم وكلام النبي صلى الله عليه وسلم يدل على أن هذه المشتبهات من الناس من يعلمها وكثير منهم لا يعلمها فدخل فيمن لا يعلمها نوعان أحدهما من يتوقف فيها لاشتباهها عليه والثاني من يعتقدها على غير ما هي عليه ودل الكلام على أن غير هؤلاء يعلمها ومراده أنه يعلمها على ما هي عليه في نفس الأمر من تحليل أو تحريم وهذا من أظهر الأدلة على أن المصيب عند الله في مسائل الحلال والحرام المشتبهة المختلف فيها واحد عند الله عز وجل وغيره ليس بعالم بها بمعنى أنه غير مصيب لحكم الله فيها في نفس الأمر وإن كان يعتقد فيها اعتقادا يستند
72
فيه إلى شبهة يظنها دليلا ويكون مأجورا على اجتهاده ومغفورا له خطؤه لعدم اعتماده وقوله صلى الله عليه وسلم فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام قسم الناس في الأمور المشتبهة إلى قسمين وهذا إنما هو بالنسبة إلى من هي مشتبهة عليه وهو ممن لا يعلمها فأما من كان عالما بها واتبع ما دله علمه عليها فلذلك قسم ثالث لم نذكره لظهور حكمه فإن هذا القسم أفضل الأقسام الثلاثة لأنه علم حكم الله في هذه الأمور المشتبهة على الناس واتبع علمه في ذلك وأما من لم يعلمه حكم الله فيها فهم قسمان أحدهما من يتقي هذه الشبهات لاشتباهها عليه فهذا قد استبرأ لدينه وعرضه ومعنى استبرأ طلب البراءة لدينه وعرضه من النقص والشين والعرض هو موضع المدح والذم من الإنسان وما يحصل له بذكره بالجميل مدح وبذكره بالقبيح قدح وقد يكون ذلك تارة في نفس الإنسان وتارة في سلفه أو في أهله فمن اتقى الأمور المشتبهة واجتنبها فقد حصن عرضه من القدح والشين الداخل على من لا يجتنبها وفي هذا دليل على أن من ارتكب الشبهات فقد عرض نفسه للقدح فيه والطعن كما قال بعض السلف من عرض نفسه للتهم فلا يلومن من أساء الظن به وفي رواية للترمذي في هذا الحديث فمن تركها استبراء لدينه وعرضه فقد سلم والمعني أن من تركها بهذا القصد وهو براءة دينه وعرضه عن النقص لا لغرض آخر فاسد من رياء ونحوه وفيه دليل على أن طلب البراءة للعرض ممدوح كطلب البراءة للدين ولهذا ورد كل ما وقي به المرء عرضه فهو صدقة وفي رواية في الصحيحين في هذا الحديث فمن ترك ما يشتبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك يعني أن من ترك الإثم مع اشتباهه عليه وعدم تحققه فهو أولى بتركه إذا استبان له أنه إثم وهذا إذا كان تركه تحرزا من الإثم فأما من يقصد التصنع للناس فإنه لا يترك إلا ما يظن أنه ممدوح عندهم القسم الثاني من يقع في الشبهات مع كونها مشتبهة عنده فأما من أتى شيئا مما يظنه الناس شبهة لعلمه بأنه حلال في نفس الأمر فلا حرج عليه من الله في ذلك لكن إذا خشي من طعن الناس عليه بذلك كان تركها حينئذ استبراء لعرضه فيكون حسنا وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن رآه واقفا مع صفية إنها صفية بنت حيي وخرج أنس إلى الجمعة فرأى الناس قد صلوا ورجعوا فاستحيا ودخل موضعا لا يراه الناس فيه وقال من لا يستحيي من الناس لا يستحيي من الله وخرجه الطبراني مرفوعا ولا يصح وإن أتى ذلك لاعتقاده أنه حلال إما باجتهاد سائغ أو تقليد سائغ وكان مخطئا في اعتقاده فحكمه حكم الذي قبله فإن كان الاجتهاد ضعيفا أو التقليد غير سائغ وإنما حمل عليه مجرد اتباع الهوى فحكمه حكم من أتاه مع اشتباهه عليه والذي يأتي الشبهات مع اشتباهها عليه قد أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه وقع في الحرام فهذا يفسر بمعنيين أحدهما أن يكون ارتكابه للشبهة مع اعتقاده أنها شبهة ذريعة إلى ارتكابه الحرام الذي يعتقد أنه حرام بالتدريج
73
والتسامح وفي رواية في الصحيحين لهذا الحديث ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان وفي رواية من يخالط الريبة يوشك أن يجسر أي يقرب أن يقدم على الحرام المحض والجسور المقدام الذي لا يهاب شيئا ولا يراقب أحدا ورواه بعضهم يجشر بالشين المعجمة أي يرتع والجشر الرعي وجشرت الدابة إذا رعيتها وفي مراسيل أبي المتوكل الناجي عن النبي صلى الله عليه وسلم من يرعى بجنبات الحرام يوشك أن يخالطه ومن تهاون بالمحقرات يوشك أن يخالط الكبائر والمعنى الثاني أن من أقدم على ما هو مشتبه عنده لا يدري أهو حلال أو حرام فإنه لا يأمن أن يكون حراما في نفس الأمر فيصادف الحرام وهو لا يدري أنه حرام وقد روي من حديث ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات فمن اتقاها كان أنزه لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات أوشك أن يقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يواقع الحمى وهو لا يشعر خرجه الطبراني وغيره واختلف العلماء هل يطيع والديه في الدخول في شيء من الشبهة أم لا يطيعهما فروى عن بشير بن الحارث قال لا طاعة لهما في الشبهة وعن محمد بن مقاتل العباداني قال يطيعهما وتوقف أحمد في هذه المسئلة وقال يداريهما وأبى أن يجيب فيها وقال أحمد لا يبيع الرجل من الشبهة ولا يشتري الثوب للتجمل من الشبهة وتوقف في حل ما يؤكل وما يلبس منها وقال في التمرة يلقيها الطير لا يأكلها ولا يأخذها ولا يتعرض لها وقال الثوري في الرجل يجد في بيته الأفلس أو الدراهم أحب إلى أن ينتنزه عنها يعني إذا لم يدر من أين هي وكان بعض السلف لا يأكل إلا شيئا يعلم من أين هو ويسأل عنه حتى يقف على أصله وقد روي في ذلك حديث مرفوع إلا أن فيه ضعفا وقوله صلى الله عليه وسلم كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمي ألا وإن حمى الله محارمه هذا مثل ضربه النبي صلى الله عليه وسلم لمن وقع في الشبهات وأنه يقرب وقوعه في الحرام المحض وفي بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال سأضرب لكم مثلا ثم ذكر هذا الكلام فجعل النبي صلى الله عليه وسلم مثل المحرمات كالحمى الذي يحميه الملوك ويمنعون غيرهم من قربانه وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم حول مدينته اثني عشر ميلا حمى محرما لا يقطع شجره ولا يصاد صيده وحمى عمر وعثمان أماكن ينبت فيها الكلأ لأجل إبل الصدقة والله سبحانه وتعالى حمى هذه المحرمات ومنع عباده من قربانها وسماها حدوده فقال تلك حدود الله فلا تقربوها وهذا فيه بيان أنه حد لهم ما أحل لهم وما حرم عليهم فلا يقربوا الحرام ولا يعتدوا الحلال وكذلك قال في آية أخرى تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون البقرة وجعل من يرعى حول الحمى أو قريبا منه جديرا بأن يدخل الحمى فيرتع فيه فلذلك من تعدى الحلال ووقع في الشبهات فإنه قد قارب الحرام غاية المقاربة فما أخلقه بأن يخالط الحرام المحض ويقع فيه وفي هذا إشارة إلى
74
أنه ينبغي التباعد عن المحرمات وأن يجعل الإنسان بينه وبينها حاجزا وقد خرج الترمذي وابن ماجه من حديث عبدالله بن يزيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس وقال أبو الدرداء رضي الله عنه تمام التقوى أن يتقي الله العبد حتى يتقيه من مثقال ذرة وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما حجابا بينه وبين الحرام وقال الحسن مازالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرا من الحلال مخافة الحرام وقال الثوري إنما سموا المتقين لأنهم اتقوا مالا يتقي وروي عن ابن عمر قال إنى لأحب أن أدع بيني وبين الحرام سترة من الحلال لا أخرقها وقال ميمون بن مهران لا يسلم للرجل الحلال حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزا من الحلال وقال سفيان بن عيينة لا يصيب عبد حقيقة الإيمان حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزا من الحلال وحتى يدع الإثم وما تشابه منه ويستدل بهذا الحديث من يذهب إلى سد الذرائع إلى المحرمات وتحريم الوسائل إليها ويدل على ذلك أيضا من قواعد الشريعة تحريم قليل ما يسكر كثيرة وتحريم الخلوة بالأجنبية وتحريم الصلاة بعد الصبح وبعد العصر سدا لذريعة الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها ومنع الصائم من المباشرة إذا كانت تتحرك شهوته ومنع كثير من العلماء مباشرة الحائض فيما بين سرتها وركبتها إلا من وراء حائل كما كان صلى الله عليه وسلم يأمر امرأته إذا كانت حائضا أن تتزر فيباشرها من فوق الإزار ومن أمثلة ذلك وهو شبيه بالمثل الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم من سيب دابته ترعى بقرب زرع غيره فإنه ضامن لما أفسدته من الزرع ولو كان ذلك نهارا وهذا هو الصحيح لأنه مفرط بإرسالها في هذه الحال وكذا الخلاف لو أرسل كلب الصيد قريبا من الحرم فدخل فصاد فيه ففي ضمانه روايتان عن أحمد وقيل يضمنه بكل حال وقوله صلى الله عليه وسلم ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب فيه إشارة إلى أن صلاح حركات العبد بجوارحه واجتنابه المحرمات واتقاءه للشبهات بحسب صلاح حركة قلبه فإذا كان قلبه سليما ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يحبه الله وخشية الوقوع فيما يكرهه صلحت حركات الجوارح كلها ونشأ عن ذلك اجتناب المحرمات كلها وتوفي للشبهات حذرا من الوقوع في المحرمات وإن كان القلب فاسدا قد استولى عليه اتباع الهوى وطلب ما يحبه ولو كرهه الله فسدت حركات الجوارح كلها وانبعثت إلى كل المعاصي والمشتبهات بحسب اتباع هوى القلب ولهذا يقال القلب ملك الأعضاء وبقية الأعضاء جنوده وهم مع هذا جنود طائعون له منبعثون في طاعته وتنفيذ أوامره لا يخالفونه في شيء من ذلك فإن كان الملك صالحا كانت هذه الجنود صالحة وإن كان فاسدا كانت جنوده بهذه المشابهة فاسدة ولا ينفع عند الله إلا القلب السليم كما قال تعالى يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم الشعراء وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه اللهم إنى
75
أسألك قلبا سليما فالقلب السليم هو السالم من الآفات والمكروهات كلها وهو القلب الذي ليس فيه سوى محبة الله وخشيته وخشية ما يباعد منه وفي مسند الإمام أحمد رضي الله عنه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه والمراد باستقامة إيمانه استقامة أعمال جوارحه فإن أعمال جوارحه لا تستقيم إلا باستقامة القلب ومعني استقامة القلب أن يكون ممتلئا من محبة الله تعالى ومحبة طاعته وكراهة معصيته وقال الحسن لرجل داو قلبك فإن حاجة الله إلى العباد صلاح قلوبهم يعني أن مراده منهم ومطلوبه صلاح قلوبهم فلا صلاح للقلوب حتى يستقر فيها معرفة الله وعظمته ومحبته وخشيته ومهابته ورجاؤه والتوكل عليه ويمتلئ من ذلك وهذا هو حقيقة التوحيد وهو معنى قول لا إله إلا الله فلا صلاح للقلوب حتى يكون إلهها الذي تألهه وتعرفه وتحبه وتخشاه هو إله واحد لا شريك له ولو كان في السموات والأرض إله يؤله سوى الله لفسدت بذلك السموات والأرض كما قال تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا الأنبياء فعلم بذلك أنه لا صلاح للعالم العلوي والسفلي معا حتى تكون حركات أهلها كلها لله وحركات الجسد تابعة لحركات القلب وإرادته فإن كانت حركته وإرادته لله وحده فقد صلح وصلحت حركات الجسد كله وإن كانت حركة القلب وإراداته لغير الله فسد وفسدت حركات الجسد بحسب فساد حركة القلب وروى الليث عن مجاهد في قوله تعالى ولا تشركوا به شيئا النساء قال لا تحبوا غيري وفي صحيح الحاكم عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الشرك أخفى من دبيب الذر على الصفا في الليلة الظلماء وأدناه أن تحب على شيء من الجور وأن تبغض على شيء من العدل وهل الدين إلا الحب والبغض قال تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله آل عمران فهذا يدل على أن محبة ما يكرهه الله وبغض ما يحبه متابعة للهوى والموالاة على ذلك والمعاداة عليه من الشرك الخفي ويدل على ذلك قوله قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله آل عمران فجعل الله علامة الصدق في محبته اتباع رسوله فدل على أن المحبة لا تتم بدون الطاعة والموافقة قال الحسن رحمه الله قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله إنا نحب ربنا حبا شديدا فأحب الله أن يجعل لحبه علما فأنزل الله هذه الآية قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله آل عمران ومن هنا قال الحسن أعلم أنك لن تحب الله حتى تحب طاعته وسئل ذو النون المصري متى أحب ربي قال إذا كان ما يبغضه عندك أمر من الصبر وقال بشر بن السري ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغضه حبيبك قال أبو يعقوب النهرجوري كل من ادعى محبة الله عز وجل ولم يوافق الله في أمره فدعواه باطل وقال رويم المحبة الموافقة في كل الأحوال وقال يحيى بن معاذ ليس بصادق من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده وعن بعض السلف قال قرأت في بعض
76
الكتب السالفة من أحب الله لم يكن عنده شيء آثر من مرضاته ومن أحب الدنيا لم يكن عنده شيء آثر من هوى نفسه وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أعطى لله ومنع لله وأحب لله وأبغض لله فقد استكمل الإيمان ومعني هذا أن كل حركات القلب والجوارح إذا كانت كلها لله فقد كمل إيمان العبد بذلك باطنا وظاهرا ويلزم من صلاح حركات القلب صلاح حركات الجوارح فإذا كان القلب صالحا ليس فيه إلا إرادة الله وإرادة ما يريده لم تنبعث الجوارح إلا فيما يريده الله فسارعت إلى ما فيه رضاه وكفت عما يكرهه وعما يخشى أن يكون مما يكرهه وإن لم يتيقن ذلك قال الحسن رضي الله عنه ما ضربت ببصري ولا نطقت بلساني ولا بطشت بيدي ولا نهضت على قدمي حتى أنظر أعلى طاعة أو على معصية فإن كانت طاعته تقدمت وإن كانت معصية تأخرت وقال محمد بن الفضل البلخي ما خطوت منذ أربعين سنة خطوة لغير الله عز وجل وقيل لداود الطائي لو تنحيت من الظل إلى الشمس فقال هذه خطي لا أدري كيف تكتب فهؤلاء القوم لما صلحت قلوبهم فلم يبق فيها إرادة لغير الله صلحت جوارحهم فلم تتحرك إلا لله عز وجل وبما فيه مرضاته والله أعلم الحديث السابع عن أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الدين النصيحة قلنا لمن قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم رواه مسلم
77
هذا الحديث خرجه مسلم من رواية سهيل بن أبي صالح عن عطاء بن يزيد الليثي عن تميم الداري وقد روي عن سهيل وغيره عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وخرجه الترمذي من هذا الوجه فمن العلماء من صححه من الطريقين جميعا ومنهم من قال إن الصحيح حديث تميم والإسناد الآخر وهم وقد روي هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر وثوبان وابن عباس وغيرهم وقد ذكرنا في أول الكتاب عن أبي داود أن هذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور عليها الفقه وقال الحافظ أبو نعيم هذا الحديث له شأن عظيم وذكر محمد بن أسلم الطوسي أنه أحد أرباع الدين وخرجه الطبراني من حديث حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ومن لم يمس ويصبح ناصحا لله ولرسوله ولكتابه ولإمامه ولعامة المسلمين فليس منهم وخرج الإمام أحمد من حديث أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال الله عز وجل أحب ما تعبدني به عبدي النصح لي وقد ورد في أحاديث كثيرة النصح للمسلمين عموما وفي بعضها النصح لولاة أمورهم وفي بعضها نصح ولاة الأمور لرعاياهم فأما الأول وهو النصح للمسلمين عموما ففي الصحيحين عن جرير بن عبدالله قال بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال حق المؤمن
78
على المؤمن ست فذكر منها وإذا استنصحك فانصح له وروي هذا الحديث من وجوه أخر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له وأما الثاني وهو النصح لولاة الأمور ونصحهم لرعاياهم ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله يرضى لكم ثلاثا يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم وفي المسند وغيره عن جبير بن مطعم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته بالخيف من منى ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمر ولزوم جماعة المسلمين وقد روى هذه الخطبة عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة منهم أبو سعيد الخدري وقد روي من حديث أبي سعيد بلفظ آخر خرجه الدارقطني في الأفراد بإسناد جيد ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولعامة المسلمين وفي الصحيحين عن معقل بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من عبد يسترعيه الله رعية ثم لم يحطها بنصحه إلا لم يدخل الجنة وقد ذكر الله في كتابه عن الأنبياء عليهم السلام أنهم نصحوا لأممهم كما أخبر الله بذلك عن نوح عليه السلام وعن صالح عليه السلام وقال ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله التوبة يعني أن من تخلف عن الجهاد لعذر فلا حرج عليه بشرط أن يكون ناصحا لله ورسوله في تخلفه فإن المنافقين كانوا يظهرون الأعذار كاذبين ويتخلفون عن الجهاد من غير نصح لله ورسوله وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الدين النصيحة فهذا يدل على أن النصيحة تشمل خصال الإسلام والإيمان والإحسان التي ذكرت في حديث جبريل عليه السلام وسمى ذلك كله دينا فإن النصح لله يقتضي القيام بأداء واجباته على أكمل وجوهها وهو مقام الإحسان فلا يكمل النصح لله بدون ذلك ولا يتأتى ذلك بدون كمال المحبة الواجبة والمستحبة ويستلزم ذلك الاجتهاد في التقرب إليه بنوافل الطاعات على هذا الوجه وترك المحرمات والمكروهات على هذا الوجه أيضا وفي مراسيل الحسن رحمه الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أرأيتم لو كان لأحدكم عبدان فكان أحدهما يطيعه إذا أمره ويؤدى إليه إذا ائتمنه وينصح له إذا غاب عنه وكان الآخر يعصيه إذا أمره ويخونه إذا ائتمنه ويغشه إذا غاب عنه كانا سواء قالوا لا قال فكذا أنتم عند الله عز وجل خرجه ابن أبي الدنيا وخرج الإمام أحمد معناه من حديث أبي الأحوص عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال الفضيل بن عياض الحب أفضل من الخوف ألا ترى إذا كان لك عبدان أحدهما يحبك والآخر يخافك فالذي يحبك منهما ينصحك شاهدا كنت أو غائبا لحبه إياك والذي يخافك عسى أن ينصحك إذا شهدت لما
79
يخافك ويغشك إذا غبت ولا ينصحك قال عبد العزيز بن رفيع قال الحواريون لعيسى عليه الصلاة والسلام ما الخالص من العمل قال مالا تحب أن يحمدك الناس عليه قالوا فما النصح لله قال أن تبدأ بحق الله قبل حق الناس وإن عرض لك أمران أحدهما لله تعالى والآخر للدنيا بدأت بحق الله تعالى وقال الخطابي النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له قال وأصل النصح في اللغة الخلوص يقال نصحت العسل إذا خلصته من الشمع فمعنى النصيحة لله سبحانه صحة الاعتقاد في وحدانيته وإخلاص النية في عبادته والنصيحة لكتابه الإيمان به والعمل بما فيه والنصيحة لرسوله التصديق بنبوته وبذل الطاعة له فيما أمر به ونهي عنه والنصيحة لعامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم انتهي وقد حكى الإمام أبو عبدالله محمد بن نصر المروزي في كتابه تعظيم قدر الصلاة عن بعض أهل العلم أنه فسر هذا الحديث بما لا مزيد على حسنه ونحن نحكيه هاهنا بلفظه إن شاء الله تعالى قال محمد بن نصر قال بعض أهل العلم جماع تفسير النصيحة هي عناية القلب للمنصوح له كائنا من كان وهي على وجهين أحدهما فرض والآخر نافلة فالنصيحة المفترضة لله هي شدة العناية من الناصح باتباع محبة الله في أداء مافترض ومجانبة ما حرم وأما النصيحة التي هي نافلة فهي إيثار محبته على محبة نفسه وذلك أن يعرض له أمران أحدهما لنفسه والآخر لربه فيبدأ بما كان لربه ويؤخر ما كان لنفسه فهذه جملة تفسير النصيحة لله الفرض منه وكذلك تفسير النافلة وسنذكر بعضه ليفهم بالتفسير من لا يفهم بالجملة فالفرض منها مجانبة نهيه وإقامة فرضه بجميع جوارحه ما كان مطيقا له فإن عجر عن الإقامة بفرضه لآفة حلت به من مرض أو حبس أو غير ذلك عزم على أداء ما افترض عليه متى زالت عنه العلة المانعة له قال الله عز وجل ليس على الضعفاء ولا على المرضى التوبة فسماهم محسنين لنصيحتهم لله بقلوبهم لما منعوا من الجهاد بأنفسهم وقد ترفع الأعمال كلها عن العبد في بعض الحالات ولا يرفع عنهم النصح لله فلو كان من مرض بحال لا يمكنه عمل شيء من جوارحه بلسان ولا غيره غير أن عقله ثابت لم يسقط عنه النصح لله بقلبه وهو أن يندم على ذنوبه وينوي إن صح أن يقوم بما افترض الله عليه ويجتنب ما نهاه عنه وإلا كان غير ناصح لله بقلبه وكذلك النصح لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم فيما أوجبه على الناس عن أمر ربه ومن النصح الواجب لله أن لا يرضى بمعصية العاصي ويحب طاعة من أطاع الله ورسوله وأما النصيحة التي هي نافلة لا فرض فبذل المجهود بإيثار الله تعالى على كل محبوب بالقلب وسائر الجوارح حتى لا يكون في الناصح فضلا عن غيره لأن الناصح إذا اجتهد لم يؤثر نفسه عليه وقام بكل ما كان في القيام به سروره ومحبته فكذلك الناصح لربه ومن تنفل لله بدون الاجتهاد فهو ناصح على قدر عمله غير مستحق للنصح بكماله وأما النصيحة لكتابه فشدة حبه وتعظيم قدره إذ هو كلام
80
الخالق وشدة الرغبة في فهمه وشدة العناية في تدبره والوقوف عند تلاوته لطلب معاني ما أحب مولاه أن يفهمه عنه أو يقوم به له بعد ما يفهمه وكذلك الناصح من العباد يفهم وصية من ينصحه إن ورد عليه كتاب من غني يفهمه ليقوم عليه بما كتب فيه إليه فكذلك الناصح لكتاب ربه يعني يفهمه ليقوم لله بما أمره به كما يحب ربنا ويرضي ثم ينشر ما فهم في العباد ويديم دراسته بالمحبة له والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه وأما النصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم في حياته فبذل المجهود في طاعته ونصرته ومعاونته وبذل المال إذا أراده والمسارعة إلى محبته وأما بعد وفاته فالعناية بطلب سنته والبحث عن أخلاقه وآدابه وتعظيم أمره ولزوم القيام به وشدة الغضب والإعراض عمن يدين بخلاف سنته والغضب على من صنعها لأثرة دنيا وإن كان متدينا بها وحب من كان منه بسبيل من قرابة أو صهر أو هجرة أو نصرة أو صحبة ساعة من ليل أو نهار على الإسلام والتشبه به في زيه ولباسه وأما النصيحة لأئمة المسلمين فحب صلاحهم ورشدهم وعدلهم وحب اجتماع الأمة عليهم وكراهة افتراق الأمة عليهم والتدين بطاعتهم في طاعة الله عز وجل والبغض لمن رأى الخروج عليهم وحب إعزازهم في طاعة الله عز وجل وأما النصيحة للمسلمين فأن يحب لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه ويشفق عليهم ويرحم صغيرهم ويوقر كبيرهم ويحزن لحزنهم ويفرح لفرحهم وإن ضره ذلك في دنياه كرخص أسعارهم وإن كان في ذلك فوات ربح ما يبيع في تجارته وكذلك جميع ما يضرهم عامة ويحب ما يصلحهم وألفتهم ودوام النعم عليهم ونصرهم على عدوهم ودفع كل أذى ومكروه عنهم وقال أبو عمرو بن الصلاح النصيحة كلمة جامعة تتضمن قيام الناصح للمنصوح له بوجوه الخير إرادة وفعلا فالنصيحة لله تعالى توحيده ووصفه بصفات الكمال والجلال وتنزيه عما يضادها ويخالفها وتجنب معاصيه والقيام بطاعته ومحابه بوصف الإخلاص والحب فيه والبغض فيه وجهاد من كفر به تعالى وما ضاهى ذلك والدعاء إلى ذلك والحث عليه والنصيحة لكتابه الإيمان به وتعظيمه وتنزيهه وتلاوته حق تلاوته والوقوف مع أوامره ونواهيه وتفهم علومه وأمثاله وتدبر آياته والدعاء إليه وذب تحريف الغالين وطعن الملحدين عنه والنصيحة لرسوله صلى الله عليه وسلم قريب من ذلك الإيمان به وبما جاء به وتوقيره وتبجيله والتمسك بطاعته وإحياء سنته واستنشار علومه ونشرها ومعاداة من عاداه وموالاة من والاه ووالاها والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه ومحبة آله وأصحابه ونحو ذلك والنصيحة لأئمة المسلمين معاونتهم على الحق وطاعتهم فيه وتذكيرهم به وتنبيههم في رفق ولطف ومجانبة الوثوب عليهم والدعاء لهم بالتوفيق وحث الأغيار على ذلك والنصيحة لعامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم وستر عوراتهم وسد خلاتهم ونصرتهم على أعدائهم والذب عنهم ومجانبة الغش والحسد لهم وأن يحب لهم
81
ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه وما شابه ذلك انتهى ما ذكره ومن أنواع نصحهم دفع الأذى والمكروه عنهم وإيثار فقيرهم وتعليم جاهلهم ورد من زاغ منهم عن الحق في قول أو عمل بالتلطف في ردهم إلى الحق والرفق بهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحبة إزالة فسادهم ولو بحصول ضرر له في دنياه كما قال بعض السلف وددت أن هذا الخلق أطاعوا الله وأن لحمي قرض بالمقاريض وكان عمر بن عبد العزيز يقول ياليتني عملت فيكم بكتاب الله وعملتم به فكلما عملت فيكم بسنة وقع منى عضو حتى يكون آخر شيء منها خروج نفسي ومن أنواع النصح لله تعالى وكتابه ورسوله وهو مما يختص به العلماء رد الأهواء المضلة بالكتاب والسنة على موردها وبيان دلالتهما على ما يخالف الأهواء كلها وكذلك رد الأقوال الضعيفة من زلات العلماء وبيان دلالة الكتاب والسنة على ردها ومن ذلك بيان ما صح من حديث النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصح منه بتبيين حال رواته ومن تقبل رواياته منهم ومن لا تقبل وبيان غلط من غلط من ثقاتهم الذين تقبل روايتهم ومن أعظم أنواع النصح أن ينصح لمن استشاره في أمره كما قال صلى الله عليه وسلم إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له وفي بعض الأحاديث إن من حق المسلم على المسلم أن ينصح له إذا غاب ومعنى ذلك أنه إذا ذكر في غيبة بالسوء أن ينصره ويرد عنه وإذا رأى من يريد أذاه في غيبته كفه عن ذلك فإن النصح في الغيب يدل على صدق الناصح فإنه قد يظهر النصح في حضوره تملقا ويغشه في غيبته وقال الحسن إنك لن تبلغ حق نصيحتك لأخيك حتى تأمره بما يعجز عنه قال الحسن وقال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده إن شئتم لأقسمن لكم بالله إن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله إلى عباده ويحببون عباد الله إلى الله ويسعون في الأرض بالنصيحة وقال فرقد السبخي قرأت في بعض الكتب المحب لله عز وجل أمير مؤمر على الأمراء زمرته أول الزمر يوم القيامة ومجلسه أقرب المجالس فيما هناك والمحبة فيما هناك والمحبة منتهى القربة والاجتهاد ولن يسأم المحبون من طول اجتهادهم لله عز وجل ويحبونه ويحبون ذكره ويحببون إلى خلقه يمشون بين خلقه بالنصائح ويخافون عليهم من أعمالهم يوم تبدو الفضائح أولئك أولياء الله وأحباؤه وصفوته أولئك الذين لا راحة لهم دون لقائه وقال ابن علية في قول أبي بكر المزني ما فاق أبو بكر رضي الله عنه أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بصوم ولا صلاة ولكن بشيء كان في قلبه قال الذي كان في قلبه الحب لله عز وجل والنصيحة في خلقه وقال الفضيل بن عياض رحمه الله ما أدرك عندنا من أدرك بكثرة الصلاة والصيام وإنما أدرك عندنا بسخاء الأنفس وسلامة الصدور والنصح للأمة وسئل ابن المبارك أي الأعمال أفضل قال النصح لله وقال معمر كان يقال
82
أنصح الناس لك من خاف الله فيك وكان السلف إذا أرادوا نصيحة أحد وعظوه سرا حتى قال بعضهم من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما وبخه وقال الفضيل بن عياض رحمه الله المؤمن يستر وينصح والفاجر يهتك ويعير وقال عبد العزيز بن أبي رواد كان من كان قبلكم إذا رأى الرجل من أخيه شيئا يأمره في رفق فيؤجر في أمره ونهيه وإن أحد هؤلاء يخرق بصاحبه فيستغضب أخاه ويهتك ستره وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن أمر السلطان بالمعروف ونهيه عن المنكر فقال إن كنت فاعلا ولابد ففيما بينك وبينه وقال الإمام أحمد رحمه الله ليس على المسلم نصح الذمي وعليه نصح المسلم وقال النبي صلى الله عليه وسلم والنصح لكل مسلم وأن تنصح لجماعة المسلمين وعامتهم الحديث الثامن عن عبدالله عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى ررواه البخاري ومسلم
83
هذا الحديث خرجاه في الصحيحين من رواية واقد بن محمد بن زيد بن عبدالله بن عمر عن أبيه عن جده عبدالله بن عمر وقوله إلا بحق الإسلام هذه اللفظة تفرد بها البخاري دون مسلم وقد روى معنى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة ففي صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس يعني المشركين حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها وخرج الإمام أحمد من حديث معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك فقد اعتصموا أو عصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل وخرجه ابن ماجه مختصرا وخرج نحوه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضا ولكن المشهور من رواية أبي هريرة ليس فيه ذكر إقام الصلاة ولا إيتاء الزكاة ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله عصم منى ماله ونفسه إلا بحقها وحسابه على الله عز وجل وفي رواية لمسلم
84
حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به وخرجه مسلم أيضا من حديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ حديث أبي هريرة الأول وزاد في آخره ثم قرأ فذكر إنما أنت مذكر الآية الغاشية وخرجه أيضا من حديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم الله دمه وماله وحسابه على الله عز وجل وقد روي عن سفيان بن عيينة أنه قال كان هذا في أول الإسلام قبل فرض الصلاة والصيام والزكاة والهجرة وهذا ضعيف جدا وفي صحته عن سفيان نظر فإن رواة هذه الأحاديث إنما صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة وبعضهم تأخر إسلامه ثم قوله عصموا منى دماءهم وأموالهم يدل على أنه كان عند هذا القول مأمورا بالقتال ويقتل من أبي الإسلام وهذا كله بعد هجرته إلى المدينة ومن المعلوم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل من كل من جاءه يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط ويعصم دمه بذلك ويجعله مسلما فقد أنكر على أسامة ابن زيد قتله لمن قال لا إله إلا الله لما رفع عليه السيف واشتد نكيره عليه ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يشترط على من جاءه يريد الإسلام أن يلتزم الصلاة والزكاة بل قد روي أنه قبل من قوم الإسلام واشترطوا أن لا يزكوا ففي مسند الإمام أحمد عن جابر رضي الله عنه قال اشترطت ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا صدقة عليهم ولاجهاد وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سيتصدقون ويجاهدون وفيه أيضا عن نصر بن أيضا عن نصر بن عاصم الليثي عن رجل منهم أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم على أن لا يصلي إلا صلاتين فقبل منه وأخذ الإمام أحمد بهذه الأحاديث وقال يصح الإسلام على الشرط الفاسد ثم يلزم بشرائع الإسلام كلها واستدل أيضا بأن حكيم بن حزام قال بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على أن لا آخر إلا قائما قال أحمد معناه أن يسجد من غير ركوع وخرج محمد بن نصر المروزي بإسناد ضعيف جدا عن أنس رضي الله عنه قال لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يقبل من أجابه إلى الإسلام إلا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانتا فريضتين على من أقر بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالإسلام وذلك قول الله عز وجل فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة المجادلة وهذا لا يثبت وعلى تقدير ثبوته فالمراد منه أنه لم يكن يقر أحدا دخل في الإسلام على ترك الصلاة والزكاة وهذا حق فإنه صلى الله عليه وسلم أمر معاذا لما بعثه إلى اليمن أن يدعوهم أولا إلى الشهادتين وقال إن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم بالصلاة ثم بالزكاة ومراده أن من صار
85
مسلما بدخوله في الإسلام أمر بعد ذلك بإقام الصلاة ثم بإيتاء الزكاة وكان من سأله عن الإسلام يذكر له مع الشهادتين بقية أركان الإسلام كما قال جبريل عليه الصلاة والسلام لما سأله عن الإسلام وكما قال للأعرابي الذي جاءه ثائر الرأس يسأله عن الإسلام وبهذا الذي قررناه يظهر الجمع بين ألفاظ أحاديث هذا الباب ويتبين أن كلها حق فإن كلمتي الشهادتين بمجردهما تعصم من أتى بهما ويصير بذلك مسلما فإذا دخل في الإسلام فإن أقام الصلاة وآتى الزكاة وقام بشرائع الإسلام فله ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين وإن أخل بشيء من هذه الأركان فإن كانوا جماعة لهم منعة قوتلوا وقد ظن بعضهم أن معنى الحديث أن الكافر يقاتل حتى يأتي بالشهادتين ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة وجعلوا ذلك حجة على خطاب الكفار بالفروع وفي هذا نظر وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في قتال الكفار تدل على خلاف هذا وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليا يوم خيبر فأعطاه الراية وقال امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك فسار على شيئا ثم وقف فصرخ يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس فقال قاتلهم على أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل فجعل مجرد الإجابة إلى الشهادتين عصمة للنفوس والأموال إلا بحقها ومن حقها الامتناع عن الصلاة والزكاة بعد الدخول في الإسلام كما فهمه الصحابة رضي الله عنهم ومما يدل على قتال الجماعة الممتنعين من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة من القرآن قوله تعالى فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم التوبة وقوله تعالى فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين التوبة وقوله وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله البقرة مع قوله تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة البينة وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا غزا قوما لم يغر عليهم حتى يصبح فإن سمع أذانا وإلا أغار عليهم مع احتمال أن يكونوا قد دخلوا في الإسلام وكان يوصي سراياه إن سمعتم مؤذنا أو رأيتم مسجدا فلا تقتلوا أحدا وقد بعث عيينة بن حصن إلى قوم من بني العنبر فأغار عليهم ولم يسمع أذانا ثم ادعوا أنهم قد أسلموا قبل ذلك وبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل عمان كتابا فيه من محمد النبي إلى أهل عمان سلام عليكم أما بعد فأقروا بشهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وأدوا الزكاة وخطوا المساجد وإلا غزوتكم خرجه البزار والطبراني وغيرهما فهذا كله يدل على أنه كان يعتبر حال الداخلين في الإسلام فإن أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وإلا لم يمتنع عن قتالهم وفي هذا وقع تناظر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر الصديق رضي الله عنه بعده وكفر من كفر من العرب قال
86
عمر رضي الله عنه لأبي بكر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم منى ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله عز وجل فقال أبو بكر رضي الله عنه والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال ولو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه فقال عمر فو الله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق فأبو بكر رضي الله عنه أخذ قتالهم من قوله إلا بحقه فدل على أن قتال من أتى بالشهادتين جائز ومن حقه أداء حق المال الواجب وعمر رضي الله عنه ظن أن مجرد الإتيان بالشهادتين يعصم الدم في الدنيا تمسكا بعموم أول الحديث كما ظن طائفة من الناس أن من أتى بالشهادتين امتنع من دخول النار في الآخرة تمسكا بعموم ألفاظ وردت وليس الأمر على ذلك ثم إن عمر رجع إلى موافقة الإمام أبي بكر رضي الله عنه وقد خرج النسائي قصة تناظر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما بزيادة وهي أن أبا بكر قال لعمر إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وخرجه ابن خزيمة في صحيحه ولكن هذه الرواية خطأ أخطأ فيها عمران القطان إسنادا ومتنا قاله أئمة الحفاظ منهم علي بن المديني وأبو زرعة وأبو حاتم والترمذي والنسائي ولم يكن هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ عند أبي بكر ولا عمر وإنما قال أبو بكر والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال وهذا أخذه والله أعلم من قوله في الحديث إلا بحقها وفي رواية إلا بحق الإسلام فجعل من حق الإسلام إقام الصلاة وإيتاء الزكاة كما أن من حقه أن لا ترتكب الحدود وجعل كل ذلك مما استثني بقوله إلا بحقها وقوله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال يدل على أن من ترك الصلاة فإنه يقاتل لأنها حق البدن فكذلك من ترك الزكاة التي هي حق المال وفي هذا إشارة إلى أن قتال تارك الصلاة أمر مجمع عليه لأنه جعله أصلا مقيسا عليه وليس هو مذكورا في الحديث الذي احتج به عمر رضي الله عنه وأنه أخذ من قوله إلا بحقها فكذلك الزكاة لأنها من حقها وكل ذلك من حقوق الإسلام ويستدل أيضا على القتال على ترك الصلاة بما في صحيح مسلم عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد برئ ومن كره فقد سلم ولكن من رضي وتابع فقالوا يا رسول الله ألا نقاتلهم قال لا ما صلوا وحكم من ترك سائر أركان الإسلام أن يقاتلوا عليها كما يقاتلوا على ترك الصلاة والزكاة وروى ابن شهاب عن حنظلة بن علي الأسقع أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه بعث خالد بن الوليد رضي الله
87
عنه وأمره أن يقاتل الناس على خمس فمن ترك واحدة من الخمس فقاتلهم عليها كما تقاتل على الخمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وقال سعيد بن جبير قال عمر بن الخطاب لو أن الناس تركوا الحج لقاتلناهم عليه كما نقاتلهم على الصلاة والزكاة فهذا الكلام في قتال الطائفة الممتنعة عن شيء من هذه الواجبات وأما قتل الواحد الممتنع عنها فأكثر العلماء على أنه يقتل الممتنع عن الصلاة وهو قول مالك والشافعي وأحمد وأبي عبيد وغيرهم ويدل على ذلك ما في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن خالد بن الوليد استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في قتل رجل فقال لا لعله أن يكون يصلي فقال خالد وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنى لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم وفي المسند للإمام أحمد رحمه الله عن عبيد الله بن عدي ابن الخيار أن رجلا من الأنصار حدثه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في قتل رجل من المنافقين فقال النبي صلى الله عليه وسلم أليس يشهد أن لا إله إلا الله قال بلى ولا شهادة له قال أليس يصلي قال بلى ولا صلاة قال أولئك الذين نهانا الله عن قتلهم وأما قتل الممتنع عن أداء الزكاة ففيه قولان لمن قال يقتل الممتنع من فعل الصلاة أحدهما يقتل أيضا وهو المشهور عن أحمد رحمه الله ويستدل له بحديث بن عمر هذا والثاني لا يقتل وهو قول مالك والشافعي وأحمد في رواية وأما الصوم فقال مالك وأحمد في رواية عنه يقتل بتركه وقال الشافعي وأحمد في رواية لا يقتل بذلك ويستدل له بحديث ابن عمر وغيره مما في معناه فإنه ليس في شيء منها ذكر الصوم ولهذا قال أحمد في رواية أبي طالب الصوم ولم يجئ فيه شيء قلت وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا وموقوفا أن من ترك الشهادتين أو الصلاة أو الصيام فهو كافر حلال الدم بخلاف الزكاة والحج وقد سبق ذكر شرحه في حديث بني الإسلام على خمس وأما الحج فعن أحمد رحمه الله في القتل بتركه روايتان وحمل بعض أصحابنا رواية قتله على من أخره عازما على تركه بالكلية أو أخره وغلب على ظنه الموت في عامه وأما إن أخره معتقدا أنه على التراخي كما يقوله كثير من العلماء فلا قتل بذلك وقوله صلى الله عليه وسلم إلا بحقها وفي رواية إلا بحق الإسلام قد سبق أن أبا بكر أدخل في هذا الحق فعل الصلاة والزكاة وأن من العلماء من أدخل فيه فعل الصيام والحج أيضا ومن حقها ارتكاب ما يبيح دم المسلم من المحرمات وقد ورد تفسير حقها بذلك خرجه الطبراني وابن جرير الطبري من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل قيل وما حقها قال زنا بعد إحصان وكفر بعد إيمان وقتل نفس فيقتل بها ولعل آخره من قول أنس وقد قيل إن الصواب وقف الحديث كله عليه ويشهد لهذا ما في الصحيحين عن
88
ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة وسيأتي الكلام على هذا الحديث مستوفي عند ذكره في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى وقوله صلى الله عليه وسلم وحسابهم على الله عز وجل يعني أن الشهادتين مع إقام الصلاة وإيتاء الزكاة تعصم دم صاحبها وماله في الدنيا إلا أن يأتي ما يبيح دمه وأما في الآخرة فحسابه على الله عز وجل فإن كان صادقا أدخله الله بذلك الجنة وإن كان كاذبا فإنه من جملة المنافقين في الدرك الأسفل من النار وقد تقدم أن في بعض الروايات في صحيح مسلم ثم تلا فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم والمعنى إنما عليك أن تذكرهم بالله وتدعوهم إليه ولست مسلطا على إدخال الإيمان في قلوبهم قهرا ولا مكلفا بذلك ثم أخبر أن مرجع العباد كلهم إليه وحسابهم عليه وفي مسند البزار عن عياض الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن لا إله إلا الله كلمة على الله كريمة لها عند الله مكان وهي كلمة من قالها صادقا أدخله الله بها الجنة ومن قالها كاذبا حقنت ماله ودمه ولقي الله غدا فحاسبهوقد استدل بهذا من يرى قبول توبة الزنديق وهو المنافق إذا أظهر العود إلى الإسلام ولم ير قتله بمجرد ظهور نفاقه كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعامل المنافقين ويجريهم على أحكام المسلمين في الظاهر مع علمه بنفاق بعضهم في الباطن وهذا قول الشافعي وأحمد في رواية عنه وحكاه الخطابي عن أكثر العلماء والله أعلم الحديث التاسع عن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم رواه البخاري ومسلم
89
هذا الحديث بهذا اللفظ خرجه مسلم وحده من رواية الزهري عن سعيد ابن المسيب وأبي سلمة كلاهما عن أبي هريرة وخرجاه من رواية أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال دعوني ما تركتكم إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وخرجه مسلم من طريقين آخرين عن أبي هريرة بمعناه وفي رواية له ذكر سبب هذا الحديث من رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يأيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا فقال رجل أكل عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوقلت نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه وخرجه الدارقطني من وجه آخر مختصرا وقال فيه فنزل قوله تعالى يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم المائدة وقد روي من غير وجه أن هذه الآية نزلت لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الحج وقالوا أفي كل عام وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل من أبي فقال فلان فنزلت هذه الآية لا تسألوا عن أشياء المائدة وفيهما أيضا عن قتادة عن أنس قال سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه في المسألة فغضب فصعد المنبر فقال لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته فقام رجل كان إذا لاحى
90
الرجل دعي إلى غير أبيه فقال يا رسول الله من أبي قال أبوك حذافة ثم أنشأ عمر فقال رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا نعوذ بالله من الفتن وكان قتادة يذكر عند هذا الحديث هذه الآية يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء المائدة وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قالكان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء فيقول الرجل من أبي ويقول الرجل تضل ناقته أين ناقتي فأنزل الله هذه الآية يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء المائدة وخرج ابن جرير الطبري في تفسيره من حديث أبي هريرة قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان محمار وجهه حتى جلس على المنبر فقام إليه رجل فقال أين أنا فقال في النار فقام إليه آخر فقال من أبي قال أبوك حذافة فقام عمر رضي الله عنه فقال رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وبالقرآن إماما إنا يا رسول الله حديثو عهد بجاهلية وشرك والله أعلم بآبائنا قال فسكن غضبه ونزلت هذه الآية ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبدلكم تسؤكم المائدة وروي أيضا من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبدلكم تسؤكم المائدة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في الناس فقال يا قوم كتب عليكم الحج فقام رجل فقال يا رسول الله أفي كل عام فأغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا فقال والذي نفسي بيده لوقلت نعم لوجبت ولو وجبت ما استطعتم وإذن لكفرتم فاتركوني ما تركتم فإذا أمرتكم بشيء فافعلوا وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه فأنزل الله عز وجل يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبدلكم تسؤكم المائدة نهاهم أن يسألوا مثل الذي سألت النصارى في المائدة فأصبحوا بها كافرين فنهى الله تعالى عن ذلك ولكن انظروا فإذا نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه فدلت هذه الأحاديث على النهي عن السؤال عما لا يحتاج إليه ما يسوء السائل جوابه مثل سؤال السائل هل هو في النار أو في الجنة وهل أبو ما ينسب إليه أو غيره وعلى النهي عن السؤال على وجه التعنت والعبث والاستهزاء كما كان يفعله كثير من المنافقين وغيرهم وقريب من ذلك سؤال الآيات واقتراحها على وجه التعنت كما كان يسأله المشركون وأهل الكتاب وقال عكرمة وغيره إن الآية نزلت في ذلك ويقرب من ذلك السؤال عما أخفاه الله عن عباده ولم يطلعهم عليه كالسؤال عن وقت الساعة وعن الروح ودلت أيضا على نهى المسلمين عن السؤال عن كثير من الحلال والحرام مما يخشى أن يكون السؤال سببا لنزول التشديد فيه كالسؤال عن الحج هل يجب كل عام أم لا وفي الصحيح عن سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن اللعان كره المسائل وأعابها حتى ابتلي السائل به عينه قبل وقوعه بذلك في أهله وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يرخص في المسائل إلا
91
للأعراب ونحوهم من الوفود القادمين عليه يتألفهم بذلك فأما المهاجرون والأنصار المقيمون بالمدينة الذين رسخ الإيمان في قلوبهم نهوا عن المسئلة كما في صحيح مسلم عن النواس بن سمعان قال أقمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة سنة ما يمنعني من الهجرة إلا المسئلة كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم وفيه أيضا عن أنس رضي الله عنه قال نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع وفي المسند عن أبي أمامة قال كان الله قد أنزل يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم المائدة قال فكنا قد كرهنا كثيرا من مسألته واتقينا ذلك حين أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم قال فأتينا أعرابيا فرشوناه بردا ثم قلنا له سل النبي صلى الله عليه وسلم وذكر حديثا وفي مسند أبي يعلى عن البراء بن عازب قال إن كان لتأتي على السنة أريد أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء فأتهيب منه وإن كنا لنتمنى الأعراب وفي مسند البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ما سألوه إلا عن اثنتي عشرة مسألة كلها في القرآن يسألونك عن الخمر والميسر البقرة يسألونك عن الشهر الحرام البقرة يسألونك عن الأهلة البقرة ويسألونك عن اليتامى البقرة وذكر الحديث وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا يسألونه عن حكم حوادث قبل وقوعها لكن للعمل بها عند وقوعها كما قالوا له إنا لاقوا العدو غدا وليس معنا مدى أفنذبح بالقصب وسألوه عن الأمراء الذين أخبر عنهم بعده وعن طاعتهم وقتالهم وسأله حذيفة عن الفتن وما يصنع فيها فبهذا الحديث وهو قوله صلى الله عليه وسلم ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم وهو يدل على كراهة المسائل وذمها ولكن بعض الناس يزعم أن ذلك كان مختصا بزمن النبي صلى الله عليه وسلم لما يخشى حينئذ من تحريم ما لم يحرم أو إيجاب ما يشق القيام به وهذا قد أمن بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ولكن ليس هذا وحده هو سبب كراهة المسائل بل له سبب آخر وهو الذي أشار إليه ابن عباس في كلامه الذي ذكرنا بقوله ولكن انتظروا فإذا نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه ومعنى هذا أن جميع ما يحتاج إليه المسلمون في دينهم لا بد أن يبينه الله في كتابه العزيز ويبلغ ذلك رسوله صلى الله عليه وسلم عنه فلا حاجة بعد هذا لأحد في السؤال فإن الله تعالى أعلم بمصالح عباده منهم فما كان فيه هدايتهم ونفعهم فإن الله تعالى لا بد أن يبينه لهم ابتداء من غير سؤال كما قال يبين الله لكم أن تضلوا وحينئذ فلا حاجة إلى السؤال عن شيء ولا سيما قبل وقوعه والحاجة إليه وإنما الحاجة المهمة إلى فهم ما أخبر الله به ورسوله ثم اتباع ذلك والعمل به وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسئل عن المسائل فيحيل على القرآن كما سأله عمر عن الكلالة فقال يكفيك آية الصيف وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث إلى أن في الاشتغال بامتثال أمره واجتناب نهيه شغلا عن المسائل فقال إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم فالذي يتعين على المسلم
92
الاعتناء به والاهتمام أن يبحث عما جاء عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ثم يجتهد في فهم ذلك والوقوف على معانيه ثم يشتغل بالتصديق بذلك إن كان من الأمور العلمية وإن كان من الأمور العملية بذل وسعه في الاجتهاد في فعل ما يستطيعه من الأوامر واجتناب ما ينهى عنه فيكون همته مصروفة بالكلية إلى ذلك لا إلى غيره وهكذا كان حال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان في طلب العلم النافع من الكتاب والسنة فأما إن كانت همة السامع مصروفة عند سماع الأمر والنهي إلى فرض أمور قد تقع وقد لا تقع فإن هذا مما يدخل في النهي ويثبط عن الجد في متابعة الأمر وقد سأل رجل ابن عمر عن استلام الحجر فقال له رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله فقال له الرجل أرأيت إن غلبت عنه أرأيت إن زوحمت فقال له ابن عمر اجعل أرأيت باليمن رأيت رسول الله يستلمه وقبله خرجه الترمذي ومراد ابن عمر أن لا يكون لك هم إلا في الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا حاجة إلا فرض العجز عن ذلك أو تعسره قبل وقوعه فإنه يفتر العزم على التصميم عن المتابعة فإن التفقه في الدين والسؤال عن العلم إنما يحمد إذا كان للعمل لا للمراء والجدال وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه ذكر فتنا تكون في آخر الزمان فقال له عمر متى ذلك يا علي قال إذا تفقه لغير الدين وتعلم لغير العمل والتمست الدنيا بعمل الآخرة وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال كيف بكم إذا لبستم فتنة يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبير وتتخذ سنة فإن غيرت يوما قيل هذا منكر قالوا ومتى ذلك قال إذا قلت أمناؤكم وكثرت أمراؤكم وقلت فقهاؤكم وكثرت قراؤكم وتفقه لغير الدين والتمست الدنيا بعمل الآخرة خرجها عبدالرازق في كتابه ولهذا المعنى كان كثير من الصحابة والتابعين يكرهون السؤال عن الحوادث قبل وقوعها ولا يجيبون عن ذلك قال عمرو بن مرة خرج عمر على الناس فقال أحرج عليكم أن تسألون عن ما لم يكن فإن لنا فيما كان شغلا وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال لا تسألوا عما لم يكن فإني سمعت عمر رضي الله عنه لعن السائل عما لم يكن وكان زيد بن ثابت إذا سئل عن شيء يقول كان هذا فإن قالوا لا قال دعوه حتى يكون وقال مسروق سألت أبي بن كعب عن شيء فقال أكان بعد فقلت لا فقال أجمعنا يعني أرحنا حتى يكون فإذا كان اجتهدنا لك رأينا وقال الشعبي سئل عمار عن مسئلة فقال هل كان هذا بعد قالوا لا قال فدعونا حتى يكون فإذا كان تجشمناه لكم وعن الصلت بن راشد قال سألت طاوسا عن شيء فانتهرني فقال أكان هذا قلت نعم قال آلله قلت آلله أصحابنا أخبرونا عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال يأيها الناس لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله فيذهبكم هاهنا وهاهنا فإنكم إن لم تعجلوا بالبلاء قبل نزوله لم ينفك المسلمون أن يكون فيهم من إذا سئل سدد أو قال وفق وقد خرجه أبو داود في كتاب المراسيل مرفوعا من
93
طريق ابن عجلان عن طاوس عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تعجلوا بالبلية قبل نزولها فإنكم إن لم تفعلوا لم ينفك المسلمون أن يكون منهم من إذا قال سدد ووفق وأنكم إن عجلتم تشتت بكم السبل هاهنا وهاهنا ومعنى إرساله أن طاوسا لم يسمع من معاذ وخرجه أيضا من رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن النبي مرسلا وروى الحجاج بن منهال حدثنا جرير بن حازم سمعت الزبير بن سعيد رجلا من بني هاشم قال سمعت أشياخنا يحدثون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يزال في أمتي من إذا سئل سدد وأرشد حتى يسألوا عن ما لا ينزل تبيينه فإذا فعلوا ذلك ذهب بهم هاهنا وهاهنا وقد روى الصنابحي عن معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الأغلوطات خرجه الإمام أحمد رحمه الله وفسره الأوزاعي وقال هي شداد المسائل وقال عيسى بن يونس هي ما لا يحتاج إليه من كيف وكيف ويروي من حديث ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال سيكون قوم من أمتي يغلطون فقهاءهم بعضل المسائل أولئك شرار أمتي وقال الحسن شرار عباد الله الذين يتبعون شرار المسائل يعمون بها عباد الله وقال الأوزاعي إن الله إذا أراد أن يحرم عبده بركة العلم ألقي على لسانه المغاليط فلقد رأيتهم أقل الناس علما وقال ابن وهب عن مالكم أدركت هذه البلدة وإنهم ليكرهون الإكثار الذي فيه الناس اليوم يريد المسائل وقال أيضا سمعت مالكا وهو يعيب كثرة الكلام وكثرة الفتيا ثم قال يتكلم كأنه جمل مغتلم يقول هو كذا هو كذا يهدر في كلامه وقال سمعت مالكا يكره الجواب في كثرة المسائل وقال قال الله عز وجل ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي الإسراء فلم يأته في ذلك جواب فكان مالك يكره المجادلة عن السنن وقال أيضا الهيثم بن جميل قلت لمالك يا أبا عبدالله الرجل يكون عالما بالسنن يجادل عنها قال لا ولكن يخبر بالسنة فإن قبلت منه وإلا سكت قال إسحق بن عيسي كان مالك يقول المراء والجدال في العلم يذهب بنور العلم من قلب الرجل وقال وهب سمعت مالكا يقول المراء في العلم يقسي القلب ويؤثر الضغن وكان أبو شريح الإسكندراني يوما في مجلسه فكثرت المسائل فقال قد درنت قلوبكم منذ اليوم فقوموا إلى أبي حميد خالد ابن حميد صقلوا قلوبكم وتعلموا هذه الرغائب فإنها تجدد العبادة وتورث الزهادة وتجر الصداقة وأقلوا المسائل إلا ما نزل فإنها تقسي القلب وتورث العداوة وقال الميموني سمعت أبا عبدالله يعني أحمد يسأل عن مسألة فقال وقعت هذه المسألة بليتم بها بعد وقد انقسم الناس في هذا الباب قسمان فمن أتباع أهل الحديث من سد باب المسائل حتى قل فهمه وعلمه لحدود ما أنزل الله على رسوله وصار حامل فقه غير فقيه ومن فقهاء أهل الرأي من توسع في توليد المسائل قبل وقوعها ما يقع في العادة منها وما لا يقع واشتغلوا بتكلف الجواب عن ذلك وكثرة الخصومات فيه والجدال عليه حتى يتولد من ذلك افتراق القلوب ويستقر فيها بسببه الأهواء والشحناء
94
والعداوة والبغضاء ويقترن ذلك كثيرا بنية المغالبة وطلب العلو والمباهاة وصرف وجوه الناس وهذا مما ذمه العلماء الربانيون ودلت السنة على قبحه وتحريمه وأما فقهاء أهل الحديث العاملون به فإن معظم همهم البحث عن معاني كتاب الله وما يفسره من السنن الصحيحة وكلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان وعن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعرفة صحيحها وسقيمها ثم التفقه فيها وفهمها والوقوف على معانيها ثم معرفة كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان في أنواع العلوم من التفسير والحديث ومسائل الحلال والحرام وأصول السنة والزهد والرقائق وغير ذلك وهذا هو طريق الإمام أحمد ومن وافقه من علماء الحديث الربانيين وفي معرفة هذا شغل شاغل عن التشاغل بما أحدث من الرأي ما لا ينتفع به ولا يقع وإنما يورث التجادل فيه كثرة الخصومات والجدال وكثرة القيل والقال وكان الإمام أحمد كثيرا إذا سئل عن شيء من المسائل المحدثة المتولدات التي لا تقع يقول دعونا من هذه المسائل المحدثة وما أحسن ما قاله يونس بن سليمان السقطي نظرت في الأمر فإذا هو الحديث والرأي فوجدت في الحديث ذكر الرب عز وجل وربوبيته وإجلاله وعظمته وذكر العرش وصفة الجنة والنار وذكر النبيين والمرسلين والحلال والحرام والحث على صلة الأرحام وجماع الخير فيه ونظرت في الرأي فإذا فيه المكر والغدر والحيل وقطيعة الأرحام وجماع الشر فيه وقال أحمد بن شبويه من أراد علم القبر فعليه بالآثار ومن أراد علم الخير فعليه بالرأي ومن سلك طريقه لطلب العلم على ما ذكرناه تمكن من فهم جواب الحوادث الواقعة غالبا لأن أصولها توجد في تلك الأصول المشار إليها ولابد أن يكون سلوك هذا الطريق خلاف أئمة أهل الدين المجمع على هدايتهم ودرايتهم كالشافعي وأحمد وإسحق وأبي عبيد ومن سلك مسلكهم فإن من ادعى سلوك هذا الطريق على غير طريقهم وقع في مفاوز ومهالك وأخذ بما لا يجوز الأخذ به وترك ما يجب العمل به وملاك الأمر كله أن يقصد بذلك وجه الله عز وجل والتقرب إليه بمعرفة ما أنزل على رسوله وسلوك طريقه والعمل بذلك ودعاء الخلق إليه ومن كان كذلك وفقه الله وسدده وألهمه رشده وعلمه ما لم يكن يعلم وكان من العلماء الممدوحين في الكتاب في قوله تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء فاطر ومن الراسخين في العلم وقد خرج ابن أبي حاتم في تفسيره من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الراسخين في العلم فقال من برت يمينه وصدق لسانه واستقام قلبه ومن عف بطنه وفرجه فذلك من الراسخين في العلم قال نافع بن زيد يقال الراسخون في العلم المتواضعون لله والمتذللون لله في مرضاته لا يتعاظمون على من فوقهم ولا يحقرون من دونهم ويشهد لهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم أتاكم أهل اليمن هم أبر قلوبا
95
وأرق أفئدة الإيمان يماني والفقه يماني والحكمة يمانية وهذا إشارة منه إلى أبي موسى الأشعري ومن كان على طريقه من علماء أهل اليمن ثم إلى مثل أبي موسى الخولاني وأويس القرني وطاوس ووهب بن منبه وغيرهم من علماء أهل اليمن وكل هؤلاء من العلماء الربانيين الخائفين لله فكلهم علماء بالله يخشونه ويخافونه وبعضم أوسع علما بأحكام الله وشرائع دينه من بعض ولم يكن تمييزهم عن الناس بكثرة قيل وقال ولا بحث ولا جدال وكذلك معاذ ابن جبل رضي الله عنه أعلم الناس بالحلال والحرام وهو الذي يحشر يوم القيامة أمام العلماء برتوة ولم يكن علمه بتوسعة المسائل وتكثيرها بل قد سبق عنه كراهة الكلام فيما لا يقع وإنما كان عالما بالله وعالما بأصول دينه رضي الله عنه وقد قيل للإمام أحمد من نسأل بعدك قال عبدالوهاب الوراق قيل له إنه ليس له اتساع في العلم قال إنه رجل صالح مثله يوفق لإصابة الحق وسئل عن معروف الكرخي فقال كان معه أصل العلم خشية الله وهذا يرجع إلى قول بعض السلف كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار بالله جهلا وهذا باب واسع يطول استقصاؤه ولنرجع إلى شرح حديث أبي هريرة رضي الله عنه فنقول من لم يشتغل بكثرة المسائل التي لا توجد مثلها في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم بل اشتغل بفهم كلام الله ورسوله وقصده بذلك امتثال الأوامر واجتناب النواهي فهو ممن امتثل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وعمل بمقتضاه ومن لم يكن اهتمامه بفهم ما أنزل الله على رسله واشتغل بكثرة توليد المسائل قد تقع وقد لا تقع وتكلف أجوبتها بمجرد الرأي خشي عليه أن يكون مخالفا لهذا الحديث مرتكبا لنهيه تاركا لأمره واعلم أن كثرة وقوع الحوادث التي لا أصل لها في الكتاب والسنة وإنما هو من ترك الاشتغال بامتثال أوامر الله ورسوله واجتناب نواهي الله ورسوله فلو أن من أراد أن يعمل عملا سأل عما شرع الله في ذلك العمل فامتثله وعما نهى عنه فيه فاجتنبه وقعت الحوادث مقيدة بالكتاب والسنة وإنما يعمل العامل بمقتضى رأيه وهواه فتقع الحوادث عامتها مخالفة لما شرعه الله وربما عسر ردها إلى الأحكام المذكورة في الكتاب والسنة لبعدها عنها وفي الجملة فمن امتثل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وانتهي عما نهى عنه وكان مشتغلا بذلك عن غيره حصل له النجاة في الدنيا والآخرة ومن خالف ذلك واشتغل بخواطره وما يستحسنه وقع فيما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم من حال أهل الكتاب الذين هلكوا بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم وعدم انقيادهم وطاعتهم لرسلهم
96
وقوله صلى الله عليه وسلم إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم قال بعض العلماء هذا يؤخذ منه أن النهي أشد من الأمر لأن النهي لم يرخص في ارتكاب شيء منه والأمر قيد بحسب الاستطاعة وروى هذا عن الإمام أحمد رحمه الله ويشبه هذا قول بعضهم أعمال البر يعملها البر الفاجر وأما المعاصي فلا يتركها إلا صديق وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال له اتق المحارم تكن أعبد الناس وقالت عائشة رضي الله عنها من سره أن يسبق الدائب المجتهد فليكف عن الذنوب وروي مرفوعا وقال الحسن ما عبد العابدون بشيء أفضل من ترك ما نهاهم الله عنه والظاهر أن ما ورد من تفضيل ترك المحرمات على فعل الطاعات إنما أريد به على نوافل الطاعات وإلا فجنس الأعمال الواجبات أفضل من جنس ترك المحرمات لأن الأعمال مقصودة لذاتها والمحارم مطلوب عدمها ولذلك لا تحتاج إلى نية بخلاف الأعمال وكذلك كان جنس ترك الأعمال قد تكون كفرا كترك التوحيد وكترك أركان الإسلام أو بعضها على ما سبق بخلاف ارتكاب المنهيات فإنه لا يقتضي الكفر بنفسه ويشهد لذلك قول ابن عمر رضي الله عنهما لرد دانق من حرام أفضل من مائة ألف تنفق في سبيل الله وعن بعض السلف قال ترك دانق مما يكرهه الله أحب إلى الله من خمسمائة حجة وقال ميمون بن مهران ذكر الله باللسان حسن وأفضل منه أن يذكر الله العبد عند المعصية فيمسك عنها وقال ابن المبارك لأن أرد درهما من شبهة أحب إلى من أن أتصدق بمائة ألف ومائة ألف حتى بلغ ستمائة ألف وقال عمر بن عبدالعزيز ليست التقوى قيام الليل وصيام النهار والتخليط فيما بين ذلك ولكن التقوى أداء ما افترض الله وترك ما حرم الله فإن كان مع ذلك عمل فهو خير إلى خير أو كما قال وقال أيضا وددت أني لا أصلي غير الصلوات الخمس سوى الوتر وأن أؤدي الزكاة ولا أتصدق بعدها بدرهم وأن أصوم رمضان ولا أصوم بعده يوما أبدا وأن أحج حجة الإسلام ثم لا أحج بعدها أبدا ثم أعمد إلى فضل قوتي فأجعله فيما حرم الله على فأمسك عنه وحاصل كلامهم يدل على اجتناب المحرمات وإن قلت فهي أفضل من الإكثار من نوافل الطاعات فإن ذلك فرض وهذا نفل وقال طائفة من المتأخرين إنما قال صلى الله عليه وسلم إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم لأن امتثال الأمر لا يحصل إلا بعمل والعمل يتوقف وجوده على شروط وأسباب وبعضها قد لا يستطاع فلذلك قيده بالاستطاعة كما قيد الله الأمر بالتقوى بالاستطاعة قال الله
97
عز وجل فاتقوا الله ما استطعتم وقال في الحج ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا آل عمران وأما النهي فالمطلوب عدمه وذلك هو الأصل فالمقصود استمرار العدم الأصلي وذلك ممكن وليس فيه ما لا يستطاع وهذا فيه أيضا نظر فإن الداعي إلى فعل المعاصي قد يكون قويا لا صبر معه للعبد على الامتناع مع فعل المعصية مع القدرة عليها فيحتاج للكف عنها حينئذ إلى مجاهدة شديدة وربما كانت أشق على النفوس من مجرد مجاهدة النفوس على فعل الطاعات ولهذا يوجد كثيرا من يجتهد في فعل الطاعات ولا يقوي على ترك المحرمات وقد سئل عمر عن قوم يشتهون المعصية ولا يعملون بها فقال أولئك قوم امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم وقال يزيد بن ميسرة يقول الله في بعض الكتب أيها الشاب التارك لشهوته المتبذل في شبابه من أجلي أنت عندي كبعض ملائكتي وقال ما أشد الشهوة في الجسد إنها مثل حريق النار وكيف ينجو منها الحصوريون والتحقيق في هذا أن الله لا يكلف العباد من الأعمال ما لا طاقة لهم به وقد أسقط عنهم كثيرا من الأعمال بمجرد المشقة رخصة عليهم رحمة لهم وأما المناهي فلم يعذر أحد بارتكابها بقوة الداعي والشهوات بل كلفهم تركها على كل حال وإن ما أباح أن يتناولوا من المطاعم المحرمة عند الضرورة ما تبقى معه الحياة لا لأجل التلذذ والشهوة ومن هنا يعلم صحة ما قال الإمام أحمد رحمه الله إن النهي أشد من الأمر وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ثوبان وغيره أنه قال استقيموا ولن تحصوا يعني لن تقدروا على الاستقامة كلها وروى الحكم بن حزن الكلفي قال وفدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدت معه الجمعة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم متوكئا على عصا أو قوس فحمد الله وأثنى عليه بكلمات خفيفات طيبات مباركات ثم قال يأيها الناس إنكم لن تطيقوا ولن تفعلوا كل ما أمرتكم به ولكن سددوا وأبشروا أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وفي قوله صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم دليل على أن من عجز عن فعل المأمور به كله وقدر على بعضه فإنه يأتي بما أمكن منه وهذا مطرد في مسائل منها الطهارة فإذا قدر على بعضها وعجز عن الباقي إما لعدم الماء أو لمرض في بعض أعضائه دون بعض فإنه يأتي من ذلك بما قدر عليه ويتيمم للباقي وسواء في ذلك الوضوء والغسل على المشهور ومنها الصلاة فمن عجز عن فعل الفريضة قائما صلى قاعدا فإن عجز صلاها مضطجعا وفي صحيح البخاري عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنبك فإن عجز عن ذلك كله أومأ بطرفه وصلي بنيته ولم تسقط عنه الصلاة على المشهور ومنها زكاة الفطر فإذا قدر على إخراج بعض صاع لزمه ذلك على الصحيح فأما من
98
قدر على صيام بعض النهار دون تكملته فلا يلزمه ذلك بغير خلاف لأن صيام بعض اليوم ليس بقربة في نفسه وكذلك لو قدر على عتق بعض رقبة في الكفارة لم يلزمه لأن تبعيض العتق غير محبوب للشارع بل أمر بتكملته بكل طريق وأما من فاته الوقوف بعرفة في الحج فهل يأتي بما بقي منه من المبيت بمزدلفة ورمي الجمار أم لا بل يقتصر على الطواف والسعي ويتحلل بعمرة على روايتين عن أحمد أشهرهما أنه يقتصر على الطواف والسعي لأن المبيت والرمي من لواحق الوقوف بعرفة وتوابعه وإنما أمر الله تعالى بذكره عند المشعر الحرام وبذكره في الأيام المعدودات لمن أفاض من عرفات فلا يؤمر به من لا يقف بعرفة كما لا يؤمر به المعتمر والله أعلم الحديث العاشر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا المؤمنون وقال تعالى ياأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا الله إن كنتم إياه تعبدون البقرة ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك رواه مسلم
99
هذا الحديث خرجه مسلم من رواية فضيل بن مرزوق عن عدي بن ثابت عن أبي حازم عن أبي هريرة وخرجه الترمذي وقال حسن غريب وفضيل بن مرزوق ثقة وسط خرج له مسلم دون البخاري وقوله صلى الله عليه وسلم إن الله طيب هذا قد جاء أيضا من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله طيب يحب الطيب نظيف يحب النظافة وجواد يحب الجود خرجه الترمذي وفي إسناده مقال والطيب هنا معناه الطاهر والمعنى أن الله سبحانه وتعالى مقدس منزه عن النقائص والعيوب كلها وهذا كما في قوله تعالى والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرؤون مما يقولون والمراد المنزهون من أدناس الفواحش وأوضارها وقوله لا يقبل إلا طيبا قد ورد معناه في حديث الصدقة ولفظه لا يتصدق أحد بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبا والمراد أنه تعالى لا
100
يقبل من الصدقات إلا ما كان طيبا حلالا وقد قيل إن المراد في هذا الحديث الذي نتكلم فيه الآن بقوله لا يقبل إلا طيبا أعم من ذلك وهو أن لا يقبل من الأعمال إلا ما كان طيبا طاهرا من المفسدات كلها كالرياء والعجب ولا من الأموال إلا ما كان طيبا حلالا فإن الطيب يوصف به الأعمال والأقوال والاعتقادات وكل هذه تنقسم إلى طيب وخبيث وقد قيل إنه يدخل في قوله تعالى قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث المائدة هذا كله وقد قسم الله تعالى الكلام إلى طيب وخبيث فقال ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة ابراهيم ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة إبراهيموقال تعالى إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه فاطر ووصف الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه يحل الطيبات ويحرم الخبائث وقد قيل إنه يدخل في ذلك الأقوال والأعمال والاعتقادات أيضا ووصف الله تعالى المؤمنين بالطيب بقوله تعالى الذين تتوفاهم الملائكة طيبين النحل وإن الملائكة تقول عند الموت اخرجي أيتها النفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب وإن الملائكة تسلم عليهم عند دخولهم الجنة يقولون لهم طبتم وقد ورد في الحديث أن المؤمن إذا زار أخاه في الله تقول له الملائكة طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا فالمؤمن كله طيب قلبه ولسانه وجسده بما يسكن في قلبه من الإيمان وظهر على لسانه من الذكر وعلى جوارحه من الأعمال الصالحة التي هي ثمرة الإيمان وداخلة في اسمه في هذه الطيبات كلها يقبلها الله عز وجل ومن أعظم ما يحصل به طيبة الأعمال للمؤمن من طيب مطعمه وأن يكون من حلال فبذلك يزكو عمله وفي هذا الحديث إشارة إلى أنه لا يقبل العمل ولا يزكو إلا بأكل الحلال وإن أكل الحرام يفسد العمل ويمنع قبوله فإنه قال بعد تقريره إن الله لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا المؤمنون وقال يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا الله إن كنتم إياه تعبدون البقرة والمراد بهذا أن الرسل وأممهم مأمورون بالأكل من الطيبات التي هي الحلال وبالعمل الصالح فما كان الأكل حلالا فالعمل الصالح مقبول فإذا كان الأكل غير حلال فكيف يكون العمل مقبولا وما ذكره بعد ذلك من الدعاء وأنه كيف يتقبل مع الحرام فهو مثال لاستبعاد قبول الأعمال مع التغذية بالحرام وقد خرج الطبراني بإسناد فيه نظر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال تليت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا البقرة فقام سعد بن أبي وقاص فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة والذي نفس محمد بيده إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل الله منه عملا أربعين يوما وأيما عبد نبت لحمه من سحت فالنار أولى به وفي مسند الإمام أحمد رحمه الله بإسناد فيه نظر أيضا عن ابن
101
عمر رضي الله عنهما قال من اشترى ثوبا بعشرة دراهم في ثمنه درهم حرام لم يتقبل الله له صلاته ما كان عليه ثم أدخل أصبعيه في أذنيه فقال صمتا إن لم أكن سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويروى من حديث على رضي الله عنه مرفوعا معناه أيضا خرجه البزار وغيره بإسناده ضعيف جدا وخرج الطبراني بإسناد فيه ضعف من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا خرج الرجل حاجا بنفقة طيبة ووضع رجله في الغرز فنادي لبيك اللهم لبيك ناداه مناد من السماء لبيك وسعديك وزادك حلال وراحلتك حلال وحجك مبرور غير مأزور وإذا خرج الرجل بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز فنادى لبيك اللهم لبيك ناداه مناد من السماء لا لبيك لا لبيك ولا سعديك زادك حرام ونفقتك حرام وحجك غير مبرور ويروى من حديث عمر رضي الله عنه بنحوه بإسناد ضعيف أيضا وروي أبو يحيى القتات عن مجاهد عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لا يقبل الله صلاة امريء في جوفه حرام وقد اختلف العلماء في حج من حج بمال حرام ومن صلى في ثوب حرام هل يسقط عنه فرض الصلاة والحج بذلك وفيه عن الإمام أحمد رحمه الله روايتان وهذه الأحاديث المذكورة تدل على أنه لا يتقبل العمل مع مباشرة الحرام لكن القبول قد يراد به الرضا بالعمل ومدح فاعله والثناء عليه بين الملائكة والمباهاة به وقد يراد به حصول الثواب والأجر عليه وقد يراد به سقوط الفرض به من الذمة فإن كان المراد ههنا القبول بالمعنى الأول أو الثاني لم يمنع ذلك من سقوط الفرض به من الذمة كما ورد أنه لا تقبل صلاة الآبق ولا المرأة التي زوجها عليها ساخط ولا من أتى كاهنا ولا من شرب خمرا أربعين يوما والمراد والله أعلم نفي القبول بالمعنى الأول أو الثاني وهو المراد والله أعلم من قوله عز وجل إنما يتقبل الله من المتقين ولهذا كانت هذه الآية يشتد منها خوف السلف على نفوسهم فخافوا أن لا يكونوا من المتقين الذين يتقبل الله منهم وسئل أحمد عن معنى المتقين فيها فقال يتقي الأشياء فلا يقع فيما لا يحل وقال أبو عبدالله النباجي الزاهد رحمه الله خمس خصال بها تمام العمل الإيمان بمعرفة الله عز وجل ومعرفة الحق وإخلاص العمل لله والعمل على السنة وأكل الحلال فإن فقدت واحدة لم يرتفع العمل وذلك إذا عرفت الله عز وجل ولم تعرف الحق لم تنتفع وإذا عرفت الحق ولم تعرف الله لم تنتفع وإن عرفت الله وعرفت الحق ولم تخلص العمل لم تنتفع وإن عرفت الله وعرفت الحق وأخلصت العمل ولم يكن على السنة لم تنتفع وإن تمت الأربع ولم يكن الأكل من حلال لم تنتفع وقال وهب بن الورد لو قمت مقام هذه السارية لم ينفعك شيء حتى تنظر ما يدخل في بطنك حلال أم حرام وأما الصدقة بالمال الحرام فغير مقبولة كما في صحيح مسلم عن ابن عمر رضي الله
102
عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما تصدق عبد بصدقة من مال طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه وذكر الحديث وفي مسند الإمام أحمد رحمه الله عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يكتسب عبد مالا من حرام فينفق منه فيبارك فيه ولا يتصدق به فيتقبل منه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار إن الله لا يمحو السييء بالسيئ ولكن يمحو السييء بالحسن إن الخبيث لا يمحو الخبيث ويروى من حديث دراج عن ابن حجيرة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كسب مالا حراما فتصدق به لم يكن له فيه أجر وكان إصره عليه خرجه ابن حبان في صحيحه ورواه بعضهم موقوفا على أبي هريرة وفي مراسيل القاسم بن مخيمرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصاب مالا من مأثم فوصل به رحمه وتصدق به أو أنفقه في سبيل الله جمع ذلك جميعا ثم قذف به في نار جهنم وروي عن أبي الدرداء ويزيد بن ميسرة أنهما جعلا مثل من أصاب مالا من غير حله فتصدق به مثل من أخذ مال يتيم وكسا به أرملة وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عمن كان على عمل فكان يظلم ويأخذ الحرام ثم تاب فهو يحج ويعتق ويتصدق منه فقال إن الخبيث لا يكفر الخبيث وكذا قال ابن مسعود رضي الله عنه إن الخبيث لا يكفر الخبيث ولكن الطيب يكفر الخبيث وقال الحسن أيها المتصدق على المسكين ترحمه ارحم من قد ظلمت واعلم أن الصدقة بالمال الحرام تقع على وجهين أحدهما أن يتصدق به الخائن أو الغاصب ونحوهما على نفسه فهذا هو المراد من هذه الأحاديث أنه لا يتقبل منه يعني أنه لا يؤجر عليه بل يأثم بتصرفاته في مال غيره بغير إذنه ولا يحصل للمالك بذلك أجر لعدم قصده ونيته كذا قال جماعة من العلماء منهم ابن عقيل من أصحابنا وفي كتاب عبدالرزاق من رواية زيد بن الأخنس الخزاعي أنه سأل سعيد بن المسيب قال وجدت لقطة أفأتصدق بها قال لا تؤجر أنت ولا صاحبها ولعل مراده فإذا تصدق بها قبل تعريفها الواجب ولو أخذ السلطان أو بعض نوابه من بيت المال مالا يستحقه فتصدق منه أو أعتق أو بنى به مسجدا أو غيره مما ينتفع به الناس فالمنقول عن ابن عمر أنه كالغاصب إذا تصدق بما غصبه كذلك قيل لعبد الله بن عامر أمير البصرة وكان الناس قد اجتمعوا عنده في حال موته وهم يثنون عليه ببره وإحسانه وابن عمر ساكت فطلب منه أن يتكلم فروى له حديثا لا يقبل الله صدقة من غلول ثم قال له وكنت على البصرة وقال أسد بن موسى في كتاب الورع حديث الفضيل بن
103
عياض عن منصور عن تميم بن مسلمة قال قال قال ابن عامر لعبد الله بن عمر أرأيت هذا العقاب التي نسهلها والعيون التي نفجرها ألنا فيها أجر فقال ابن عمر أما علمت أن خبيثا لا يكفر خبيثا قط حدثنا عبدالرحمن بن زياد عن أبي مليح عن ميمون بن مهران قال قال ابن عمر لابن عامر وقد سأله عن العتق فقال مثلك مثل رجل سرق إبل حاج ثم جاهد بها في سبيل الله فانظر هل يقبل منه وقد كان طائفة من أهل التشديد في الورع كطاوس ووهيب بن الورد يتوقون الانتفاع بما أحدثه مثل هؤلاء الملوك وأما الإمام أحمد رحمه الله فإنه رخص فيما فعلوه من المنافع العامة كالمساجد والقناطر والمصانع فإن هذه ينفق عليها من مال الفيء اللهم إلا أن يتيقن أنهم فعلوا أشياء من ذلك بمال حرام كالمكوس والغصوب ونحوهما فحينئد يتوقى الانتفاع بما عمل بالمال الحرام ولعل ابن عمر رضي الله عنهما إنما أنكر عليهم أخذهم لأموال بيت المال لأنفسهم ودعواهم أن ما فعلوه منها بعد ذلك فهو صدقة منهم فإن هذا شبيه بالغصوب وعلى مثل هذا يحمل إنكار من أنكر من العلماء على الملوك بنيان المساجد قال أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله رأيت بعض المتقدمين يسأل عمن كسب حلالا أو حراما من السلاطين والأمراء ثم بنى الأربطة والمساجد هل له ثواب فأفتى بما يوجب طيب القلب المنفق وأنه له في إنفاق ما لا يملكه نوع سمسرة لأنه لا يعرف أعيان المغصوبين فيرد عليهم قال فقلت واعجبا من متصدرين للفتوى لا يعرفون أصول الشريعة ينبغي أن ينظر في حال هذا المنفق أو لا فإن كان سلطانا فما يخرج من بيت المال فقد عرفت وجوه مصارفه فكيف يمنع مستحقيه ويشغله بما لا يفيد من بناء مدرسة أو رباط وإن كان من الأمراء أو نواب السلاطين فيجب أن يرد ما يجب رده إلى بيت المال وإن كان حراما أو غصبا فكل شيء يصرف فيه حرام والواجب رده على من أخذ منه أو ورثته فإن لم يعرف رده إلى بيت المال يصرف في المصالح أو في الصدقة ولم يحظ آخذه بغير الإثم انتهي وإنما كلامه في السلاطين الذين عهدهم في وقته الذين يمنعون المستحقين من الفيء حقوقهم ويتصرفون فيه لأنفسهم تصرف الملاك ببناء ما يبنونه إليهم من المدارس والأربطة ونحوهما مما قد لا يحتاج إليه ويخص به قوما دون قوم فأما لو فرض إمام عادل يعطي الناس حقوقهم من الفيء ثم يبني لهم ما يحتاجون إليه من مسجد أو مدرسة أو مارستان ونحو ذلك كان ذلك جائزا فلو كان بعض من يأخذ المال لنفسه من بيت المال بنى بما أخذ منه بناء محتاجا إليه في حال فيجوز البناء فيه من بيت المال لكنه ينسبه إلى نفسه فقد يتخرج على الخلاف في الغاصب إذا رد المال إلى المغصوب منه على وجه الصدقة
104
والهبة هل يبرأ بذلك أم لا وهذا كله إذا بنى على قدر الحاجة من غير سرف ولا زخرفة وقد أمر عمر بن عبدالعزيز بترميم مسجد البصرة من بيت المال ونهاهم أن يتجاوزوا ما تصدع منه وقال إني لم أجد للبنيان في مال الله حقا وروي عنه أنه قال لا حاجة للمسلمين فيما أضر بيت مالهم واعلم أن من العلماء من جعل تصرف الغاصب ونحوه في مال غيره موقفا على إجازة مالكه فإن أجاز تصرفه فيه جاز وقد حكى بعض أصحابنا رواية عن أحمد أنه من أخرج زكاته من مال مغصوب ثم أجازه المالك جاز وسقطت عنه الزكاة وكذلك خرج ابن أبي الدنيا رواية عن أحمد أنه إذا أعتق عبد غيره عن نفسه ملتزما ضمانه في ماله ثم أجازه المالك جاز ونفذ عتقه وهو خلاف نص أحمد وحكى عن الحنفية أنه لو غصب شاة فذبحها لمتعته وقرانه ثم أجازه المالك أجزأت عنه الوجه الثاني من تصرفات الغاصب في المال المغصوب أن يتصدق به عن صاحبه إذا عجز عن رده إليه وإلى ورثته فهذا جائز عند أكثر العلماء منهم مالك وأبو حنيفة وأحمد وغيرهم قال ابن عبدالبر ذهب الزهري ومالك والثوري والأوزاعي والليث إلى أن الغال إذا تفرق أهل العسكر ولم يصل إليهم أنه يدفع إلى الإمام خمسة ويتصدق بالباقي روي ذلك عن عبادة بن الصامت ومعاوية والحسن البصري وهو يشبه مذهب ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما أنهما كانا يريان أن يتصدق بالمال الذي لا يعرف صاحبه وقال قد أجمعوا في اللقطة على جواز الصدقة بها بعد التعريف وانقطاع صاحبها وجعلوه إذا جاء مخيرا بين الأجر والضمان وكذلك المغصوب انتهي وروي عن مالك بن دينار قال سألت عطاء بن أبي رباح عمن عنده مال حرام ولا يعرف أربابه ويريد الخروج منه قال يتصدق به ولا أقول إن ذلك يجزي عنه قال مالك كان هذا القول من عطاء أحب إلى من وزنة ذهب وقال سفيان فيمن اشترى من قوم شيئا مغصوبا يرده إليهم فإن لم يقدر عليهم يتصدق به كله ولا يأخذ رأس ماله وكذا قال فيمن باع شيئا ممن تكره معاملته لشبهة ماله قال يتصدق بالثمن وخالفه ابن المبارك وقال يتصدق بالربح خاصة وقال أحمد يتصدق بالربح وكذا قال فيمن ورث مالا من أبيه وكان أبوه يبيع ممن يكره معاملته أنه يتصدق منه بمقدار الربح ويأخذ الباقي وقد روى عن طائفة من الصحابة نحو ذلك منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعبد الله بن يزيد الأنصاري رضي الله عنه والمشهور عن الشافعي رحمه الله في الأموال الحرام أنها تحفظ ولا يتصدق بها حتى يظهر مستحقها وكان الفضيل بن عياص يرى أن من عنده مال حرام لا يعرف أربابه أنه يتلفه ويلقيه في البحر ولا يتصدق به وقال لا يتقرب إلى الله إلا بالطيب والصحيح الصدقة به لأن إتلاف المال وإضاعته منهي عنه وإرصاده أبدا تعريض له للإتلاف واستيلاء الظلمة عليه والصدقة به ليست عند مكتسبه حتى يكون تقربا منه
105
بالخبيث وإنما هي صدقة عن مالكه ليكون نفعه له في الآخرة حيث يتعذر عليه الانتفاع به في الدنيا وقوله ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك هذا الكلام أشار فيه صلى الله عليه وسلم إلى آداب الدعاء وإلى الأسباب التي تقتضي إجابته وإلى ما يمنع من إجابته فذكر من الأسباب التي تقتضي إجابة الدعاء أربعة أحدهما إطالة السفر والسفر بمجرده يقتضي إجابة الدعاء كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن دعوة المظلوم ودعوة المسافر ودعوة الوالد لولده خرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي وعنده دعوة الوالد على ولده وروي مثله عن ابن مسعود رضي الله عنه من قوله ومتى طال السفر كان أقرب إلى إجابة الدعاء لأنه مظنة حصول انكسار النفس بطول الغربة عن الأوطان وتحمل المشاق والانكسار من أعظم أسباب إجابة الدعاء والثاني حصول التبذل في اللباس والهيئة بالشعث والإغبار وهو أيضا من المقتضيات لإجابة الدعاء كما في الحديث المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره ولما خرج النبي صلى الله عليه وسلم للاستسقاء خرج متبذلا متواضعا متضرعا وكان مطرف بن عبدالله قد حبس له ابن أخ فلبس خلقان ثيابه وأخذ عكازا بيده فقيل له ما هذا قال أستكين لربي لعله أن يشفعني في ابن أخي الثالث مد يديه إلى السماء وهو من آداب الدعاء التي يرجى بسببها إجابته وفي حديث سلمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى حي كريم يستحيى إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا خائبتين خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وروي نحوه من حديث أنس وجابر وغيرهما وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه ورفع يديه يوم بدر يستنصر الله على المشركين حتى سقط رداؤه عن منكبيه وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة رفع يديه في الدعاء أنواع متعددة فمنها أنه كان يشير بأصبعه السبابة فقط وروي عنه أنه كان يفعل ذلك على المنبر وفعله لما ركب راحلته وذهب جماعة من العلماء إلى أن دعاء القنوت في الصلاة يشير فيه بأصبعه منهم الأوزاعي وسعيد بن عبدالعزيز وإسحاق بن راهويه وقال ابن عباس وغيره هذا هو الإخلاص في الدعاء وقال ابن سيرين إذا أثنيت على الله فأشر بأصبع واحد ومنها أنه صلى الله عليه وسلم رفع يديه وجعل ظهورهما إلى جهة القبلة وهو مستقبلها وجعل بطونهما مما يلي وجهه وقد رويت هذه الصفة عن النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستسقاء واستحب بعضهم الرفع في الاستسقاء على هذه الصفة منهم الجوزجاني وقال بعض السلف الرفع على هذا الوجه تضرع ومنها
106
عكس ذلك وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء أيضا وروي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يدعون كذلك وقال بعضهم الرفع على هذا الوجه استجارة بالله واستعاذة به منهم ابن عمر وابن عباس وأبو هريرة رضي الله عنهم وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا استعاذ رفع يديه على هذا الوجه وجعل كفيه إلى السماء وظهورهما إلى الأرض وقد ورد الأمر بذلك في سؤال الله عز وجل في غير حديث وعن ابن عمر وأبي هريرة وابن سيرين أن هذا هو الدعاء والسؤال لله عز وجل ومنها عكس ذلك وهو قلب كفيه وجعل ظهورهما إلى السماء وبطنهما إلى ما يلي الأرض وفي صحيح مسلم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء وخرجه الإمام أحمد رحمه الله ولفظه فبسط يديه وجعل ظاهرهما مما يلي السماء خرجه أبو داود ولفظه استسقي هكذا يعني النبي صلى الله عليه وسلم مد يديه وجعل بطونهما مما يلي الأرض وخرج الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم واقفا بعرفة يدعو هكذا ورفع يديه حيال ثندويه وجعل بطون كفيه مما يلي الأرض وهكذا وصف حماد بن سلمة رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه بعرفة وروي عن ابن سيرين أن هذا هو الاستجارة وقال الحميدي هذا هو الابتهال والرابع الإلحاح على الله عز وجل بتكرير ذكر ربوبيته وهو من أعظم ما يطلب به إجابة الدعاء وخرج البزار من حديث عائشة أم المؤمنين مرفوعا إذا قال العبد يا رب أربعا قال الله لبيك عبدي سل تعطه وخرج الطبراني وغيره من حديث سعد بن خارجة أن قوما شكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قحوط المطر فقال اجثوا على الركب وقولوا يا رب يا رب وارفعوا السبابة إلى السماء فسقوا حتى أحبوا أن يكشف عنهم وفي المسند وغيره عن الفضل بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الصلاة مثنى مثنى وتشهد في كل ركعتين وتضرع وتخشع وتمسكن وتقنع يديك يقول ترفعهما إلى ربك مستقبلا بهما وجهك وتقول يا رب يا رب فمن لم يفعل ذلك فهي خداج وقال يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعا ما من عبد يقول يا رب يا رب يا رب إلا قال له ربه لبيك لبيك ثم روي عن أبي الدرداء وابن عباس رضي الله عنهما كانا يقولان اسم الله الأكبر رب رب وعن عطاء قال ما قال عبد يا رب يا رب ثلاث مرات إلا نظر الله إليه فذكر ذلك للحسن فقال أما تقرءون القرآن ثم تلا قوله تعالى الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد ومن تأمل الأدعية المذكورة في القرآن
107
وجدها غالبا تفتتح باسم الرب كقوله تعالى ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار البقرة ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به البقرة وقوله ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا آل عمرانومثل هذا في القرآن كثير وسئل مالك وسفيان عمن يقول في الدعاء يا سيدي فقال ألا يقول يا رب زاد مالك كما قالت الأنبياء في دعائهم وأما ما يمنع إجابة الدعاء فقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى أنه التوسع في الحرام أكلا وشربا ولبسا وتغذية وقد سبق حديث ابن عباس في هذا المعنى أيضا وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة فأكل الحرام وشربه ولبسه والتغذي به سبب موجب لعدم إجابة الدعاء وروى عكرمة بن عمار حدثنا الأصفر قال قيل لسعد بن أبي وقاص تستجاب دعوتك من بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما رفعت إلى فمي لقمة إلا وأنا عالم من أين مجيئها ومن أين خرجت وعن وهب بن منبه قال من سره أن يستجيب الله دعوته فليطيب طعمته وعن سهل بن عبدالله قال من أكل الحلال أربعين صباحا أجيبت دعوته وعن يوسف بن أسباط قال بلغنا أن دعاء العبد يحبس عن السموات بسوء المطعم وقوله صلى الله عليه وسلم فأنى يستجاب لذلك معناه كيف يستجاب له فهو استفهام وقع على وجه التعجب والاستبعاد وليس صريحا في استحالة الاستجابة ومنعها بالكلية فيؤخذ من هذا أن التوسع في الحرام والتغذي به من جملة موانع الإجابة وقد يوجد ما يمنع هذا المانع من منعه وقد يكون ارتكاب المحرمات الفعلية مانعا من الإجابة أيضا وكذلك ترك الواجبات كما في الحديث أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمنع استجابة دعاء الأخيار وفعل الطاعات يكون موجبا لاستجابة الدعاء ولهذا لما توسل الذين دخلوا الغار وانطبقت الصخرة عليهم بأعمالهم الصالحة التي أخلصوا فيها لله تعالى ودعوا الله بها أجيبت دعوتهم وقال وهب ابن منبه مثل الذي يدعو بغير عمل كمثل الذي يرمي بغير وتر وعنه قال العمل الصالح يبلغ الدعاء ثم تلا قوله تعالى إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه فاطر وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال بالورع عما حرم الله يقبل الله الدعاء والتسبيح وعن أبي ذر رضي الله عنه قال يكفي مع البر من الدعاء مثل ما يكفي الطعام من الملح وقال محمد بن واسع يكفي من الدعاء مع الورع اليسير وقيل لسفيان لو دعوت الله قال إن ترك الذنوب هو الدعاء وقال الليث رأى موسى عليه الصلاة والسلام رجلا رافعا يديه وهو يسأل الله مجتهدا فقال موسى عليه السلام أي رب عبدك دعاك حتى رحمته وأنت أرحم الراحمين فما صنعت في حاجته فقال يا موسى لو رفع يديه حتى ينقطع ما نظرت في حاجته حتى ينظر في حقي وخرج الطبراني بإسناد ضعيف عن ابن عباس مرفوعا معناه وقال مالك بن دينار أصاب بني إسرائيل بلاء فخرجوا مخرجا فأوحى الله تعالى إلى نبيه أن
108
أخبرهم أنكم تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسة وترفعون إلى أكفا قد سفكتم بها الدماء وملأتم بها بيوتكم من الحرام الآن اشتد غضبي عليكم ولن تزدادوا مني إلا بعدا وقال بعض السلف لا تستبطيء الإجابة وقد سددت طرقها بالمعاصي وأخذ بعض الشعراء هذا المعنى فقال نحن ندعو الإله في كل كرب ثم ننساه عند كشف الكروب كيف نرجو إجابة لدعاء قد سددنا طريقها بالذنوب الحديث الحادي عشر عن أبي محمد الحسن بن على بن أبي طالب رضي الله عنهما سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانته قال حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم دع ما يريبك إلى ما لا يريبك رواه النسائي والترمذي وقال حسن صحيح
109
هذا الحديث خرجه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم من حديث يزيد بن أبي مريم عن أبي الجوزاء عن الحسن ابن علي وصححه الترمذي وأبو الجوزاء السعدي قال الأكثرون اسمه ربيعة بن شيبان ووثقه النسائي وابن حبان وتوقف أحمد في أن أبا الجوزاء اسمه ربيعة بن شيبان ومال إلى التفرقة بينهما وقال الجوزجاني أبو الجوزاء مجهول لا يعرف وهذا الحديث قطعة من حديث طويل فيه ذكر قنوت الوتر وعند الترمذي وغيره زيادة في هذا الحديث وهي فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة ولفظ ابن حبان فإن الخير طمأنينة وإن الشر ريبة وقد خرجه الإمام أحمد بإسناد فيه جهالة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال دع ما يريبك إلى ما لا يريبك وخرجه من وجه آخر أجود منه موقوفا على أنس وخرجه الطبراني من رواية مالك عن نافع عن ابن عمر مرفوعا قال الدارقطني وإنما يروي هذا من قول ابن عمر وعن عمر ويروي عن مالك من قوله انتهي ويروي بإسناد ضعيف عن عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه عن الحسن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل دع ما يريبك إلى ما لا يريبك قال وكيف لي بالعلم بذلك قال إذا أردت أمرا فضع يدك على صدرك فإن القلب يضطرب للحرام ويسكن للحلال وإن المسلم الورع يدع الصغيرة مخافة الكبيرة وقد روي عن عطاء الخراساني مرسلا وخرج الطبراني نحوه بإسناد ضعيف عن واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم وزاد فيه فقيل له فمن الورع قال الذي يقف عند الشبهة وقد روي
110
هذا الكلام موقوفا على جماعة من الصحابة منهم عمر وابن عمر رضي الله عنهم وأبو الدرداء وعن ابن مسعود قال ما تريد إلى ما يريبك وحولك أربعة آلاف لا تريبك وقال عمر دعوا الربا والريبة يعني ما ارتبتم فيه وإن لم تتحققوا أنه ربا ومعنى هذا الحديث يرجع إلى الوقوف عند الشبهات واتقائها فإن الحلال المحض لا يحصل لمؤمن في قلبه منه ريب والريب بمعنى القلق والاضطراب بل تسكن إليه النفس ويطمئن به القلب وأما المشتبهات فيحصل بها للقلوب القلق والاضطراب الموجب للشك وقال أبو عبدالرحمن العمري الزاهد إذا كان العبد ورعا ترك ما يريبه إلى ما لا يريبه وقال الفضيل يزعم الناس أن الورع شديد وما ورد على أمران إلا أخذت بأشدهما فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك وقال حسان بن أبي سنان ما شيء أهون من الورع إذا رابك شيء فدعه وهذا إنما يسهل على مثل حسان رحمه الله قال ابن المبارك كتب غلام لحسان بن أبي سنان إليه من الأهواز أن قصب السكر أصابته آفة فاشتر السكر فيما قبلك فاشتراه من رجل فلم يأت عليه إلا قليل فإذا فيما اشتراه ربح ثلاثين ألفا قال فأتى صاحب السكر فقال يا هذا إن غلامي كان قد كتب إلى فلم أعلمك فأقلني فيما اشتريت منك فقال له الآخر قد أعلمتني الآن وقد طيبته لك قال فرجع فلم يحتمل قلبه فأتاه فقال يا هذا إني لم آت هذا الأمر من قبل وجهه فأحب أن تسترد هذا البيع قال فما زال به حتى رده عليه وكان يونس بن عبيد إذا طلب المتاع ونفق وأرسل ليشتريه يقول لمن يشتري له أعلم من تشتري منه أن المتاع قد طلب وقال هشام بن حسان ترك محمد بن سيرين أربعين ألفا فيما لا ترون به اليوم بأسا وكان الحجاج بن دينار قد بعث طعاما إلى البصرة مع رجل وأمره أن يبيعه يوم يدخل بسعر يومه فأتاه كتابه أني قدمت البصرة فوجدت الطعام منقصا فحبسته فزاد الطعام فازددت فيه كذا أو كذا فكتب إليه الحجاج إنك قد خنتنا وعملت بخلاف ما أمرناك به فإذا أتاك كتابي فتصدق بجميع ذلك الثمن ثمن الطعام على فقراء البصرة فليتني أسلم إذا فعلت ذلك وتنزه يزيد بن زريع عن خمسائة ألف من ميراث أبيه فلم يأخذه وكان أبوه يلي الأعمال للسلاطين وكان يزيد يعمل الخوص ويتقوت منه إلى أن مات رحمه الله وكان المسور بن مخرمة قد احتكر طعاما كثيرا فرأى سحابا في الخريف فكرهه فقال ألا أراني كرهت ما ينفع المسلمين فآلي أن لا يربح فيه شيئا فأخبر بذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال له عمر جزاك الله خير وفي هذا أن المحتكر ينبغي له التنزه عن ربح ما احتكره احتكارا منهيا عنه وقد نص الإمام أحمد رحمه الله على التنزه عن ربح ما لم يدخل في ضمانه لدخوله في ربح ما لم يضمن وقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال أحمد في رواية عنه
111
فمن أجر ما استأجره بربحه إنه يتصدق بالربح وقال في رواية عنه في ربح مال المضاربة إذا خالف فيه المضارب أنه يتصدق به وقال في رواية عنه فيما إذا اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع ثم تركها حتى بدا صلاحها إنه يتصدق بالزيادة وحمله طائفة من أصحابنا على الاستحباب لأن الصدقة بالشبهات مستحبة وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن أكل الصيد للمحرم إذا لم يصبه فقالت إنما هي أيام قلائل فما رابك فدعه يعني ما اشتبه عليك هل هو حلال أو حرام فاتركه فإن الناس اختلفوا في إباحة أكل الصيد للمحرم إذا لم يصد هو وقد يستدل بهذا على أن الخروج من اختلاف العلماء أفضل لأنه أبعد عن الشبهة ولكن المحققين من العلماء من أصحابنا وغيرهم على أن هذا ليس هو على إطلاقه فإن من مسائل الاختلاف ما ثبت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم رخصة ليس لها معارض فاتباع تلك الرخصة أولى من اجتنابها وإن لم تكن تلك الرخصة بلغت بعض العلماء فامتنع منها لذلك وهذا كمن تيقن الطهارة وشك في الحدث فإنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا ولا سيما إن كان شكه في الصلاة فإنه لا يجوز له قطعها لصحة النهي عنه وإن كان بعض العلماء يوجب ذلك وإن كان للرخصة معارض إما من سنة أخرى أو من عمل الأمة بخلافها فالأولى ترك العمل بها وكذا لو كان قد عمل بها شذوذ من الناس واشتهر في الأمة العمل بخلافها في أمصار المسلمين من عهد الصحابة رضي الله عنهم فإن الأخذ بما عليه عمل المسلمين هو المتعين فإن هذه الأمة قد أجارها الله أن يظهر أهل باطلها على أهل حقها فما ظهر العمل به في القرون الثلاثة المفضلة فهو الحق وما عداه فهو باطل وهاهنا أمر ينبغي التفطن له وهو أن التدقيق في التوقف عن الشبهات إنما يصلح لمن استقامت أحواله كلها وتشابهت أعماله في التقوى والورع فأما من يقع في انتهاك المحرمات الظاهرة ثم يريد أن يتورع عن شيء من دقائق الشبهة فإنه لا يحتمل له ذلك بل ينكر عليه كما قال ابن عمر لمن سأله عن دم البعوض من أهل العراق يسألونني عن دم البعوض وقد قتلوا الحسين وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول هما ريحانتاي من الدنيا وسأل رجل بشر بن الحارث عن رجل له زوجة وأمه تأمره بطلاقها فقال إن كان بر أمه في كل شيء ولم يبق من برها إلا طلاق زوجته فليفعل وإن كان يبرها بطلاق زوجته ثم يقوم بعد ذلك إلى أمه فيضربها فلا يفعل وسئل الإمام أحمد رحمه الله عن رجل يشتري بقلا ويشترط الخوصة يعني التي تربط بها حزمة البقل فقال أحمد إيش هذه المسائل قيل له إن إبراهيم بن أبي نعيم يفعل ذلك فقال أحمد إن كان إبراهيم بن أبي نعيم فنعم هذا يشبه ذاك وإنما أنكر هذه المسائل ممن لا يشبه حاله وأما أهل التدقيق في الورع فيشبه حالهم هذا وقد كان الإمام أحمد نفسه يستعمل في نفسه هذا الورع فإنه أمر من يشتري له سمنا فجاء به على ورقة فأمر برد الورقة إلى البائع وكان الإمام أحمد لا
112
يستمد من محابر أصحابه وإنما يخرج معه محبرته يستمد منها واستأذنه رجل أن يكتب من محبرته فقال له اكتب فهذا ورع مظلم واستأذن رجل آخر في ذلك فتبسم فقال لم يبلغ ورعي ولا ورعك هذا وهذا قاله على وجه التواضع وإلا فهو كان في نفسه يستعمل هذا الورع وكان ينكره على من لم يصل إلى هذا المقام بل يتسامح في المكروهات الظاهرة ويقدم على الشبهات من غير توقف وقوله صلى الله عليه وسلم فإن الخير طمأنينة وإن الشر ريبة يعني أن الخير تطمئن به القلوب والشر ترتاب به ولا تطمئن إليه وفي هذا إشارة إلى الرجوع إلى القلوب عند الاشتباه وسيأتي مزيد لهذا الكلام على حديث النواس بن سمعان إن شاء الله تعالى وخرج ابن جرير بإسناده عن قتادة عن بشر بن كعب أنه قرأ هذه الآية فامشوا في مناكبها الملك ثم قال لجاريته إن دريت ما مناكبها فأنت حرة لوجه الله قالت مناكبها جبالها فكأنما سفع في وجهه ورغب في جاريته فسألهم فمنهم من أمره ومنهم من نهاه فسأل أبا الدرداء فقال الخير طمأنينة والشر ريبة فذر ما يريبك إلى ما لا يريك وقوله في الرواية الأخرى إن الصدق طمأنينة والكذب ريبة يشير إلى أنه لا ينبغي الاعتماد على قول كل قائل كما قال في حديث وابصة وإن أفتاك الناس وأفتوك وإنما يعتمد على قول من يقول الصدق وعلامة الصدق أن تطمئن به القلوب وعلامة الكذب أن تحصل به الريبة فلا تسكن القلوب إليه بل تنفر منه ومن هنا كان العقلاء على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمعوا كلامه وما يدعو إليه عرفوا أنه جاء بالحق وإذا سمعوا كلام مسيلمة عرفوا أنه كاذب وأنه جاء بالباطل وقد روي أن عمرو بن العاص سمعه قبل إسلامه يدعي أنه أنزل عليه يا وبر لك أذنان وصدر وإنك لتعلم يا عمرو فقال والله إني لأعلم أنك تكذب وقال بعض المتقدمين صور ما شئت في قلبك وتفكر فيه ثم قسه إلى ضده فإنك إذا ميزت بينهما عرفت الحق من الباطل والصدق من الكذب قال كأنك تصور محمدا صلى الله عليه وسلم ثم تتفكر فيما أتى به من القرآن فتقرأ إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس البقرة الآية ثم تتصور ضد محمد صلى الله عليه وسلم فتجده مسيلمة فتتفكر فيما جاء به فتقرأ ألا يا ربة المخدع قد هيئ لك المضجع يعني قوله سجاعحين تزوج بها قال فترى هذا يعني القرآن رصينا عجيبا يلوط بالقلب ويحسن في السمع وترى ذا يعني قول مسيلمة باردا غثا فاحشا فتعلم أن محمدا حقا أتى بوحي وأن مسيلمة كذاب أتى بباطل الحديث الثاني عشر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه رواه الترمذي وغيره هكذا
113
هذا الحديث خرجه الترمذي وابن ماجه من رواية الأوزاعي عن قرة بن عبدالرحمن عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنهم وقال الترمذي غريب وقد حسنه الشيخ المصنف رحمه الله لأن رجال إسناده ثقات وقرة بن عبدالرحمن بن حيوة وثقة قوم وضعفه آخرون وقال ابن عبدالبر هذا الحديث محفوظ عن الزهري بهذا الإسناد من رواية الثقات وهذا موافق لتحسين الشيخ له رضي الله عنه وأما أكثر الأئمة فقالوا ليس هو محفوظا بهذا الإسناد إنما هو محفوظ عن الزهري عن على بن حسين عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا كذلك رواه الثقات عن الزهري منهم مالك في الموطأ ويونس ومعمر وإبراهيم ابن سعد إلا أنه قال من إيمان المرء تركه ما لا يعنيه وممن قال إنه لا يصح إلا عن على بن حسين مرسلا الإمام أحمد ويحيي بن معين والبخاري والدارقطني وقد خلط الضعف في إسناده عن الزهري تخليطا فاحشا والصحيح فيه المرسل ورواه عبدالله بن عمرو العمري عن الزهري عن على بن حسين عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم فوصله وجعله من مسند الحسين بن علي وخرجه الإمام أحمد في مسنده من هذا الوجه والعمري ليس بالحافظ وخرجه أيضا من وجه آخر عن الحسين عن النبي صلى الله عليه وسلم وضعفه البخاري في تاريخه من هذا الوجه أيضا وقال لا يصح إلا عن على بن حسين مرسلا وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أخر وكلها ضعيفة وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الأدب وقد حكى الإمام أبو عمرو بن الصلاح عن أبي محمد بن أبي زيد إمام المالكية في زمانه أنه قال جماع آداب الخير وأزمته تتفرع من أربعة أحاديث قول النبي صلى الله عليه وسلم
114
من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت وقوله صلى الله عليه وسلم من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه وقوله صلى الله عليه وسلم الذي اختصر له في الوصية لا تغضب وقوله صلى الله عليه وسلم المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه ومعنى هذا الحديث أن من حسن إسلامه تركه ما لا يعنيه من قول وفعل واقتصر على ما يعنيه من الأقوال والأفعال ومعنى يعنيه أن تتعلق عنايته به ويكون من مقصده ومطلوبه والعناية شدة الاهتمام بالشيء يقال عناه يعنيه إذا اهتم به وطلبه وليس المراد أنه يترك ما لا عناية له به ولا إرادة بحكم الهوى وطلب النفس بل بحكم الشرع والإسلام ولهذا جعله من حسن الإسلام فإذا حسن إسلام المرء ترك ما لا يعنيه في الإسلام من الأقوال والأفعال فإن الإسلام يقتضي فعل الواجبات كما سبق ذكره في شرح حديث جبريل عليه السلام وإن الإسلام الكامل الممدوح يدخل فيه ترك المحرمات كما قال النبي صلى الله عليه وسلم المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده وإذا حسن اقتضى ترك ما لا يعني كله من المحرمات أو المشتبهات والمكروهات وفضول المباحات التي لا يحتاج إليها فإن هذا كله لا يعني المسلم إذا كمل إسلامه وبلغ إلى درجة الإحسان وهو أن يعبد الله تعالى كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإن الله يراه فمن عبدالله على استحضار قربه ومشاهدته بقلبه أو على استحضار قرب الله منه واطلاعه عليه فقد حسن إسلامه ولزم من ذلك أن يترك كل ما لا يعنيه في الإسلام ويشتغل بما يعنيه فيه فإنه يتولى من هذين المقامين الاستحياء من الله وترك كل ما يستحيا منه كما وصى صلى الله عليه وسلم رجلا أن يستحيى من الله كما يستحيى من رجل من صالحي عشيرته لا يفارقه وفي المسند والترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا الاستحياء من الله تعالى أن تحفظ الرأس وما وعي وتحفظ البطن وما حوي ولتذكر الموت والبلي ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء قال بعضهم استحيى من الله على قدر قربه منك وخف الله على قدر قدرته عليك وقال بعض العارفين إذا تكلمت فاذكر سمع الله لك وإذا سكت فاذكر نظره إليك وقد وقعت الإشارة في القرآن العظيم إلى هذا المعنى في مواضع كقوله تعالى ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ق وقوله تعالى وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين يونس وقال تعالى أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون الزخرف وأكثر ما يراد بترك ما لا يعني حفظ اللسان من لغو الكلام كما أشير إلى ذلك في الآيات الأول التي هي في سورة ق وفي المسند من حديث الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن
115
من حسن إسلام المرء قلة الكلام فيما لا يعنيه وخرج الخرائطي من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال يا رسول الله إني مطاع في قومي فما آمرهم قال له مرهم بإفشاء السلام وقلة الكلام إلا فيما يعنيهم وفي صحيح ابن حبان عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كان في صحف إبراهيم عليه الصلاة والسلام وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله أن تكون له ساعات ساعة يناجي فيها ربه وساعة يحاسب فيها نفسه وساعة يتفكر فيها في صنع الله تعالى وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب وعلى العاقل أن لا يكون ظاعنا إلا لثلاث تزود لمعاد أو حرفة لمعاش أو لذة في غير محرم وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه مقبلا على شأنه حافظا للسانه ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه قال عمر بن عبدالعزيز رحمه الله من عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه وهو كما قال فإن كثيرا من الناس لا يعد كلامه من عمله فيجازف فيه ولا يتحري وقد خفي هذا على معاذ بن جبل رضي الله عنه حتى سأل عنه صلى الله عليه وسلم فقال أنؤاخذ بما نتكلم به فقال ثكلتك أمك يامعاذ وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم وقد نفى الله الخير عن كثير مما يتناجى به الناس بينهم فقال لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس النساء وخرج الترمذي وابن ماجه من حديث أم حبيبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذكر الله عز وجل وقد تعجب قوم من هذا الحديث عند سفيان الثوري فقال سفيان وما يعجبكم من هذا أليس قد قال الله تعالى لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس النساء أليس قد قال تعالى يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا النبا وخرج الترمذي من حديث أنس رضي الله عنه قال توفى رجل من أصحابه يعني النبي صلى الله عليه وسلم فقال رجل أبشر بالجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لا تدري فلعله تكلم بما لا يعنيه أو بخل بما لا يغنيه وقد روي معنى هذا الحديث من وجوه متعددة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي بعضها أنه قتل شهيدا وخرج أبو القاسم البغوي في معجمه من حديث شهاب بن مالك وكان وفد على النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وقالت له امرأة يا رسول الله ألا تسلم علينا فقال إنك من قبيل يقللن الكثير ومنعها ما لا يغنيها وسؤالها عما لا يعنيها وخرجه العقيلي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا أكثر الناس ذنوبا أكثرهم كلاما فيما لا يعنيه قال عمرو بن قيس الملائي مر رجل بلقمان والناس عنده فقال له ألست عبد بني فلان قال بلى قال الذي كنت ترعى عند جبل كذا وكذا
116
قال بلى فقال فما بلغ بك ما أرى قال صدق الحديث وطول السكوت عما لا يعنيني وقال وهب بن منبه كان في بني إسرائيل رجلان بلغت بهما عبادتهما أن مشيا على الماء فبينما هما يمشيان في البحر إذ هما برجل يمشي على الهواء فقالا له يا عبدالله بأي شيء أدركت هذه المنزلة قال بيسير من الدنيا فطمت نفسي عن الشهوات وكففت لساني عما لا يعنيني ورغبت فيما دعاني إليه ربي ولزمت الصمت فإن أقسمت على الله أبر قسمي وإن سألته أعطاني ودخلوا على بعض الصحابة في مرضه ووجهه يتهلل فسألوه عن سبب تهلل وجهه فقال ما من عمل أوثق عندي من خصلتين كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني وكان قلبي سليما للمسلمين وقال مورق العجلي أمر أنا في طلبه منذ كذا وكذا سنة لم أقدر عليه ولست بتارك طلبه أبدا قالوا وما هو قال الكف عما لا يعنيني رواهما ابن أبي الدنيا وروى أسد بن موسى قال حدثنا أبو معشر عن محمد بن كعب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من يدخل عليكم رجل من أهل الجنة فدخل عبدالله بن سلام فقام إليه ناس فأخبروه وقالوا له أخبرنا بأوثق عملك في نفسك قال إن عملي لضعيف وأوثق ما أرجو به سلامة الصدر وتركي ما لا يعنيني وروى أبو عبيدة عن الحسن قال من علامة إعراض الله تعالى عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه خذلانا من الله عز وجل وقال سهل بن عبدالله التستري من تكلم فيما لا يعنيه حرم الصدق وقال معروف كلام العبد فيما لا يعنيه خذلان من الله عز وجل وهذا الحديث يدل على أن ترك ما لا يعني المرء من حسن إسلامه فإذا ترك ما لا يعنيه وفعل ما يعنيه كله فقد كمل حسن إسلامه وقد جاءت الأحاديث بفضل من حسن إسلامه وأنه تضاعف حسناته وتكفر سيئاته والظاهر أن كثرة المضاعفة تكون بحسب حسن الإسلام ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف وكل سيئة تكتب بمثلها حتى يلقى الله عز وجل فالمضاعفة للحسنة بعشر أمثالها لا بد منه والزيادة على ذلك تكون بحسب إحسان الإسلام وإخلاص النية والحاجة إلى ذلك العمل وفضله كالنفقة في الجهاد وفي الحج وفي الأقارب وفي اليتامى والمساكين وأوقات الحاجة إلى النفقة ويشهد لذلك ما روى عطية عن ابن عمر رضي الله عنه قال نزلت من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها الأنعام في الأعراب قيل له فما للمهاجرين قال ما هو أكثر ثم تلا قوله تعالى وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما النساء وخرج النسائي من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أسلم العبد فحسن إسلامه كتب الله له كل حسنة كان أزلفها ومحيت عنه كل سيئة كان أزلفها ثم كان بعد ذلك القصاص الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله وفي رواية أخرى وقيل له استأنف العمل والمراد بالحسنات والسيئات التي كان أزلفها ما سبق منه
117
قبل الإسلام وهذا يدل على أنه يثاب بحسناته في الكفر إذا أسلم ويمحي عنه سيئاته إذا أسلم لكن بشرط أن يحسن إسلامه ويتقي تلك السيئات في حال إسلامه وقد نص على ذلك الإمام أحمد رحمه الله ويدل على ذلك ما في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قلنا يا رسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية قال أما من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤاخذ بها ومن أساء أخذ بعمله في الجاهلية والإسلام وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم لما أسلم أريد أن أشترط قال تشترط ماذا قلت أن يغفر لي قال أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وخرجه الإمام أحمد ولفظه أن الإسلام يجب ما كان قبله من الذنوب وهذا محمول على الإسلام الكامل الحسن جمعا بينه وبين حديث ابن مسعود الذي قبله وفي صحيح مسلم أيضا عن حكيم بن حزام قال قلت يا رسول الله أرأيت أمورا كنت أصنعها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم أفيها أجر فقال رسول صلى الله عليه وسلم أسلمت على ما أسلفت من خير وفي رواية قال فقلت والله لا أدع شيئا صنعته في الجاهلية إلا صنعت في الإسلام مثله وهذا يدل على أن حسنات الكافر إذا أسلم يثاب عليها كما دل عليه حديث أبي سعيد المتقدم وقد قيل إن سيئاته في الشرك تبدل حسنات ويثاب عليها أخذا من قوله تعالى والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات الفرقان وقد اختلف المفسرون في هذا التبديل على قولين فمنهم من قال هو في الدنيا بمعنى أن الله يبدل من أسلم وتاب إليه بدل ما كان عليه من الكفر والمعاصي الإيمان والأعمال الصالحة وحكى هذا القول إبراهيم الحربي في غريب الحديث عن أكثر المفسرين وسمي منهم ابن عباس وعطاء وقتادة والسدي وعكرمة قلت وهو المشهور عن الحسن رضي الله عنه قال وقال الحسن وأبو مالك وغيرهما هي في أهل الشرك خاصة ليس هي في أهل الإسلام قلت إنما يصح هذا القول على أن يكون التبديل في الآخرة كما سيأتي وأما إن قيل إنه في الدنيا فالكافر إذا أسلم والمسلم إذا تاب في ذلك فهي أحسن حالا من الكافر إذا أسلم قال وقال آخرون التبديل في الآخرة جعلت لهم مكان كل سيئة حسنة منهم عمرو بن ميمون ومكحول وابن المسيب وعلى بن الحسين قال وأنكره أبو العالية ومجاهد وخالد سبلان وفيه مواضع إنكار ثم ذكر ما حاصله أنه يلزم من ذلك أن يكون من كثرت سيئاته احسن حالا ممن قلت سيئاته حيث يعطي مكان كل سيئة حسنة ثم قال ولو قال قائل إنما ذكر الله أن تبدل السيئات حسنات ولم يذكر العدد كيف تبدل فيجوز أن معنى تبدل أن من عمل سيئة واحدة وتاب منها يبدله الله مائة ألف حسنة ومن عمل ألف سيئة أن تبدل ألف حسنة فيكون حينئذ من قلت
118
سيئاته أحسن حالا قلت هذا القول وهو التبديل في الآخرة قد أنكره أبو العالية وتلا قوله تعالى يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا آل عمران ورده بعضهم بقوله تعالى ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره الزلزلة وقوله تعالى ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا الكهف ولكن قد أجيب عن هذا بأن التائب يوقف على سيئاته ثم تبدل حسنات قال أبو عثمان النهدي إن المؤمن يؤتي كتابه في ستر من الله عز وجل فيقرأ سيئاته فإذا قرأ تغير لها لونه حتى يمر بحسناته فيقرؤها فيرجع إليه لونه ثم ينظر فإذا سيئاته قد بدلت حسنات فعند ذلك يقول هاؤم اقرءوا كتابيه الحاقة ورواه بعضهم عن أبي عثمان عن ابن مسعود وقال بعضهم عن أبي عثمان عن سلمان وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة وآخر أهل النار خروجا منها رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها فتعرض عليه صغار ذنوبه فيقال له علمت يوم كذا وكذا كذا وكذا وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا فيقول نعم لا يستطيع أن ينكر وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه فيقال له فإن لك مكان كل سيئة حسنة فيقول يا رب وقد عملت أشياء لا أراها هاهنا قال فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه فإذا بدلت السيئات بالحسنات في حق من عوقب على ذنوبه بالنار ففي حق من محيت سيئاته بالإسلام والتوبة النصوح أولي لأن محوها بذلك أحب إلى الله من محوها بالعقاب وخرج الحاكم من طريق الفضل بن موسى عن أبي العنبس عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات قالوا بم يا رسول الله قال الذين بدل الله سيئاتهم حسنات وخرجه ابن أبي حاتم من طريق سلمان بن داود الزهري عن أبو العنبس عن أبيه عن أبي هريرة موقوفا وهو أشبه من المرفوع ويروي مثل هذا عن الحسن البصري أيضا ويخالف قوله المشهور إن التبديل في الدنيا وأما ما ذكره الحربي في التبديل وأن من قلت سيئاته يزاد في حسناته ومن كثرت سيئاته يقل من حسناته فحديث أبي ذر صريح في رد هذا وأنه يعطى مكان كل سيئة حسنة وأما قوله يلزم من ذلك أن يكون من كثرت سيئاته أحسن حالا ممن قلت سيئاته فيقال إنما التبديل في حق من ندم على سيئاته وجعلها نصب عينيه فكلما ذكرها ازداد خوفا ووجلا وحياء من الله ومسارعة إلى الأعمال الصالحة المكفرة كما قال تعالى إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا الفرقان وما ذكرناه كله داخل في العمل الصالح ومن كانت هذه حاله فإنه يتجرع
119
من مرارة الندم والأسف على ذنوبه أضعاف ما ذاق من حلاوتها عند فعلها ويصير كل ذنب من ذنوبه سببا للأعمال الصالحة ماحية له فلا يستنكر بعد هذا تبديل هذه الذنوب حسنات وقد وردت أحاديث صريحة في أن الكافر إذا أسلم وحسن إسلامه تبدلت سيئاته في الشرك حسنات فخرج الطبراني من حديث عبدالرحمن بن جبير بن نفير عن أبي فروة شطب أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أرأيت رجلا عمل الذنوب كلها ولم يترك حاجة ولا داجة فهل له من توبة فقال أسلمت فقال نعم قال فافعل الخيرات واترك السيئات فيجعلها الله لك خيرات كلها قال وغدراتى وفجراتى قال نعم قال فما زال يكبر حتى تواري وخرجه من وجه آخر بإسناد ضعيف عن أبي نفيل عن النبي صلى الله عليه وسلم وخرج ابن أبي حاتم نحوه من حديث مكحول مرسلا وخرج البزار الحديث الأول وعنده عن أبي طويل أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكره بمعناه وكذا خرجه أبو القاسم البغوي في معجمه وذكر أن الصواب عن عبدالرحمن بن جبير بن نفير مرسلا أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم طويل شطب الحديث الثالث عشر عن أبي حمزة أنس بن مالك رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النبي الله صلى الله عليه وسلم قال لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه رواه البخاري ومسلم
120
الحديث خرجاه في الصحيحين من حديث قتادة عن أنس ولفظ مسلم حتى يحب لجاره أو لأخيه بالشك وخرجه الإمام أحمد رحمه الله ولفظه لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه من الخير وهذه الرواية تبين معنى الرواية المخرجة في الصحيحين وأن المراد بنفي الإيمان نفي بلوغ حقيقته ونهايته فإن الإيمان كثيرا ما ينفي لانتفاء بعض أركانه وواجباته كقوله صلى الله عليه وسلم لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن وقوله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه وقد اختلف العلماء في مرتكب الكبائر هل يسمى مؤمنا ناقص الإيمان أم لا يسمى مؤمنا وإنما يقال هو مسلم فليس بمؤمن على قولين وهما روايتان عن أحمد رحمه الله فأما من ارتكب الصغائر فلا يزول عنه اسم الإيمان بالكلية بل هو مؤمن ناقص الإيمان ينقص من إيمانه بحسب ما ارتكب من ذلك والقول بأن مرتكب الكبائر يقال له مؤمن ناقص الإيمان مروي عن جابر بن عبدالله وهو قول ابن المبارك وإسحاق وابن عبيد وغيرهم والقول بأنه مسلم ليس بمؤمن مروي عن أبي جعفر محمد بن علي وذكر بعضهم أنه المختار عند أهل السنة وقال ابن عباس رضي الله عنهما الزاني ينزع عنه نور الإيمان وقال أبو هريرة ينزع منه الإيمان فيكون فوقه كالظلة فإن تاب عاد إليه وقال عبدالله بن رواحة وأبو الدرداء الإيمان كالقميص يلبسه الإنسان تارة ويخلعه تارة أخرى وكذا قال الإمام أحمد رحمه الله وغيره والمعنى أنه إذا
121
أكمل خصال الإيمان لبسه فإذا نقص منها شيء نزعه وكل هذا إشارة إلى الإيمان الكامل التام الذي لا ينقص من واجباته شيء والمقصود أن من جملة خصال الإيمان الواجبة أن يحب المرء لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه فإذا زال ذلك عنه فقد نقص إيمانه وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي هريرة أحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا خرجه الترمذي وابن ماجه وخرج الإمام أحمد من حديث معاذ أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أفضل الإيمان قال أفضل الإيمان أن تحب لله وتبغض لله وتعمل لسانك في ذكر الله قال وما ذا يا رسول الله قال أن تحب للناس ما تحب لنفسك وتكره لهم ما تكره لنفسك وأن تقول خيرا أو تصمت وقد رتب النبي صلى الله عليه وسلم دخول الجنة على هذه الخصلة ففي مسند الإمام أحمد رحمه الله عن يزيد بن أسد القسري قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أتحب الجنة قلت نعم قال فأحب لأخيك ما تحب لنفسك وفي صحيح مسلم من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو مؤمن بالله واليوم الآخر ويأتي إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه وفيه أيضا عن أبي ذر رضي الله عنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تتأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم وإنما نهاه عن ذلك لما رأى من ضعفه وهو صلى الله عليه وسلم يحب هذا لكل ضعيف وإنما كان يتولى أمور الناس لأن الله قواه على ذلك وأمره بدعاء الخلق كلهم إلى طاعته وأن يتولى سياسة دينهم ودنياهم وقد روي عن على رضي الله عنه أنه قال قال لي النبي صلى الله عليه وسلم إني أرضى لك ما أرضى لنفسي وأكره لك ما أكره لنفسي لا تقرأ القرآن وأنت جنب ولا أنت راكع ولا ساجد وكان محمد بن واسع يبيع حمارا له فقال له رجل أترضاه لي قال لو رضيته لم أبعه وهذه إشارة منه إلى أنه لا يرضى لأخيه إلا ما يرضى لنفسه وهذا كله من جملة النصيحة لعامة المسلمين التي هي من جملة الدين كما سبق تفسير ذلك في موضعه وقد ذكرنا فيما تقدم حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر خرجاه في الصحيحين وهذا يدل على أن المؤمن يسوءه ما يسوء أخاه المؤمن ويحزنه ما يحزنه وحديث أنس الذي نتكلم الآن فيه يدل على أن المؤمن يسره ما يسر أخاه المؤمن ويريد لأخيه المؤمن ما يريد لنفسه من الخير وهذا كله إنما يأتي من كمال سلامة الصدر من الغش والغل والحسد فإن الحسد يقتضي أن يكره الحاسد أن يفوقه أحد في خير أو يساويه فيه لأنه يحب أن يمتاز على الناس بفضائله وينفرد بها عنهم والإيمان يقتضي خلاف ذلك وهو أن يشركه المؤمنون كلهم فيما أعطاه الله من الخير من غير أن ينقص عليه منه شيء وقد مدح الله تعالى في كتابه من لا يريد العلو في الأرض ولا الفساد فقال تلك الدار الآخرة
122
نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا القصص وروى ابن جرير بإسناد فيه نظر عن على رضي الله عنه قال إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل في قوله تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين القصص وكذا روي عن الفضيل بن عياض في هذه الآية قال لا يحب أن يكون نعله أجود من نعل غيره ولا شراكه أجود من شراك غيره وقد قيل إن هذا محمول على أنه إذا أراد الفخر على غيره لا بمجرد التجمل قال عكرمة وغيره من المفسرين في هذه الآية العلو في الأرض التكبر وطلب الشرف والمنزلة عند ذي سلطانها والفساد العمل بالمعاصي وقد ورد ما يدل على أنه لا يأثم من كره أن يفوقه من الناس أحد في الجمال فخرج الإمام أحمد رحمه الله والحاكم في صحيحه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وعنده مالك بن مرارة الرهاوي فأدركته وهو يقول يا رسول الله قد قسم لي من الجمال ما تري فما أحب أحدا من الناس فضلني بشراكين فما فوقهما أليس ذلك هو البغي فقال لا ليس ذلك بالبغي ولكن البغي من بطر أو قال سفه الحق وغمط الناس وخرج أبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم معناه وفي حديثه الكبر بدل البغي فنفى أن يكون كراهته لأن يفوقه أحد في الجمال بغيا أو كبرا وفسر البغي والكبر ببطر الحق وهو التكبر عليه والامتناع من قبوله كبرا إذا خالف هواه ومن هنا قال بعض السلف التواضع أن تقبل الحق من كل من جاء به وإن كان صغيرا فمن قبل الحق ممن جاء به سواء كان صغيرا أو كبيرا وسواء كان يحبه أو لا يحبه فهو متواضع ومن أبي قبول الحق تعاظما عليه فهو متكبر وغمط الناس هو احتقارهم وازدراؤهم وذلك يحصل من النظر إلى النفس بعين الكمال وإلى غيره بعين النقص وفي الجملة فينبغي للمؤمن أن يحب للمؤمنين ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه فإن رأى في أخيه المسلم نقصا في دينه اجتهد في إصلاحه قال بعض الصالحين من السلف أهل المحبة لله نظروا بنور الله وعطفوا على أهل معاصي الله مقتوا أعمالهم وعطفوا عليهم ليزيلوهم بالمواعظ عن فعالهم وأشفقوا على أبدانهم من النار ولا يكون المؤمن مؤمنا حقا حتى يرضى للناس ما يرضاه لنفسه وإن رأى في غيره فضيلة فاق بها عليه فيتمنى لنفسه مثلها فإن كانت تلك الفضيلة دينية كان حسنا وقد تمنى النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه منزلة الشهادة وقال صلى الله عليه وسلم لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله القرآن فهو يقرؤه آناء الليل وآناء النهار وقال في من ينفق ماله في طاعة الله فقال لو أن لي مالا لفعلت فيه كما فعل هذا فهما في الأجر سواء وإن كانت دنيويه فلا خير في تمنيها كما قال تعالى فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا القصص وأما قوله عز
123
وجل ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض النساء فقد فسر ذلك بالحسد وهو تمني الرجل نفس ما أعطي أخوه من أهل ومال وأن ينتقل ذلك إليه وفسر بتمني ما هو ممتنع شرعا أو قدرا كتمني النساء أن يكن رجالا أو يكون لهن مثل ما للرجال من الفضائل الدينية كالجهاد والدنيوية كالميراث والعقل والشهادة ونحو ذلك وقيل إن الآية تشمل ذلك كله ومع هذا كله فينبغي للمؤمن أن يحزن لفوات الفضائل الدينية ولهذا أمر أن ينظر في الدين إلى من هو فوقه وأن ينافس في طلب ذلك جهده وطاقته كما قال تعالى وفي ذلك فليتنافس المتنافسون المطففين ولا يكره أن أحدا يشاركه في ذلك بل يحب للناس كلهم المنافسة فيه ويحثهم على ذلك وهو من تمام أداء النصيحة للإخوان كما قال الفضيل إن كنت تحب أن يكون للناس مثلك فما أديت النصيحة لربك كيف وأنت تحب أن يكونوا دونك يشير إلى أن النصيحة لهم أن يحب أن يكونوا فوقه وهذه منزلة عالية ودرجة رفيعة في النصح وليس ذلك بواجب وإنما المأمور به في الشرع أن يحب أن يكونوا مثله ومع هذا فإذا فاقه أحد في فضيلة دينية اجتهد على إلحاقة وحزن على تقصير نفسه وتخلفه عن لحاق السابقين لا حسدا لهم على ما آتاهم الله بل منافسة لهم وغبطة وحزنا على النفس بتقصيرها وتخلفها عن درجات السابقين وينبغي للمؤمن أن لا يزال يرى نفسه مقصرا عن الدرجات العالية فيستفيد بذلك أمرين نفيسين الاجتهاد في طلب الفضائل والازدياد منها والنظر إلى نفسه بعين النقص وينشأ من هذا أن يحب للمؤمنين أن يكونوا خيرا منه لأنه لا يرضى لهم أن يكونوا على مثل حاله كما أنه لا يرضى لنفسه بما هي عليه بل يجتهد في صلاحها وقد قال محمد بن واسع لابنه أما أبوك فلا كثر الله في المسلمين مثله فمن كان لا يرضى عن نفسه فكيف يحب للمسلمين أن يكونوا مثله مع نصحه لهم بل هو يحب للمسلمين أن يكونوا خيرا منه ويحب لنفسه أن يكون خيرا مما هو عليه وإن علم المرء أن الله قد خصه على غيره بفضل فأخبر به لمصلحة دينية وكان إخباره على سبيل التحدث بالنعم ويرى نفسه مقصرا في الشكر كان جائزا فقد قال ابن مسعود ما أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني ولا يمنع هذا أن يحب للناس أن يشاركوه فيما خصه الله به فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما إني لأمر على الآية من كتاب الله فأود أن الناس كلهم يعلمون منها ما أعلم وقال الشافعي وددت أن الناس تعلموا هذا العلم ولم ينسب إلى منه شيء وكان عتبة الغلام إذا أراد أن يفطر يقول لبعض إخوانه المطلعين على أمره وأعماله أخرج إلى ماء أو تمرات أفطر عليها ليكون لك أجر مثل أجري Null الحديث الرابع عشر عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة رواه البخاري ومسلم
124
هذا الحديث خرجاه في الصحيحين من رواية الأعمش عن عبدالله بن مرة عن مسروق عن ابن مسعود وفي رواية لمسلم التارك للإسلام بدل قوله التارك لدينه وفي هذا المعنى أحاديث متعددة فخرج مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل حديث ابن مسعود وخرج الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث رجل كفر بعد إسلامه أو زنى بعد إحصانه أو قتل نفسا بغير نفس وفي رواية للنسائي رجل زنى بعد إحصانه فعليه الرجم أو قتل عمدا فعليه القود أو ارتد بعد إسلامه فعليه القتل وقد روي هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية ابن عباس وأبي هريرة وأنس بن مالك وغيرهم وقد ذكرنا حديث أنس فيما تقدم وفيه تفسير أن هذه الثلاث خصال هي حق الإسلام التي يستباح بها دم من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله والقتل بكل واحدة من هذه الخصال الثلاث متفق عليه بين المسلمين فأما زنا الثيب فأجمع المسلمون على أن حده الرجم حتى يموت وقد رجم النبي صلى الله عليه وسلم ماعزا والغامدية وكان في القرآن الذي نسخ لفظه والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم وقد استنبط ابن عباس الرجم من القرآن من قوله تعالى يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير المائدة قال فمن كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب ثم تلا هذه الآية وقال كان الرجم مما أخفوا
125
أخرجه النسائي والحاكم وقال صحيح الإسناد ويستنبط أيضا من قوله تعالى إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا إلى قوله وأن أحكم بينهم بما أنزل الله المائدة وقال الزهري بلغنا أنها نزلت في اليهوديين اللذين رجمهما النبي صلى الله عليه وسلم وقال إني أحكم بما في التوارة وأمر بهما فرجما وخرج مسلم في صحيحه من حديث البراء بن عازب قصة رجم اليهوديين وقال في حديثه فأنزل الله يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر المائدة وأنزل ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون المائدة في الكفار كلها وخرجه الإمام أحمد وعنده فأنزل الله لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر المائدة إلى قوله إن أوتيتم هذا فخذوا يقولون ائتوا محمدا فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا إلى قوله ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون المائدة قال في اليهود وروي من حديث جابر قصة رجم اليهوديين وفي حديثه قال فأنزل الله فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم إلى قوله وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط المائدة وكان الله تعالى قد أمر أولا بحبس النساء الزواني إلى أن يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ثم جعل الله لهن سبيلا ففي صحيح مسلم عن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالكبر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم وقد أخذ بظاهر هذا الحديث جماعة من العلماء وأوجبوا جلد الثيب مائة ثم رجمه كما فعل على بشراحة الهمدانية وقال جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويشير إلى أن كتاب الله فيه جلد الزانيين من غير تفصيل بين ثيب وبكر وجاءت السنة برجم الثيب خاصة مع استنباطه من القرآن أيضا وهذا القول هو المشهور عن الإمام أحمد رحمه الله وإسحاق وهو قول الحسن وطائفة من السلف وقالت طائفة منهم إن كان الثيبان شيخين جلدا ورجما وإن كانا شابين رجما بغير جلد لأن ذنب الشيخ أقبح لا سيما بالزنا وهذا قول أبي بن كعب وروي عنه مرفوعا ولا يصح رفعه وهو رواية عن أحمد وإسحق أيضا وأما النفس بالنفس فمعناه أن المكلف إذا قتل نفسا بغير حق عمدا يقتل بها وقد دل القرآن على ذلك بقوله تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس المائدة وقال تعالى يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى البقرة ويستثنى من عموم قوله تعالى النفس بالنفس صور منها أن يقتل الوالد ولده فالجمهور على أنه لا يقتل به وصح ذلك عن عمر رضي الله عنه وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة وقد تكلم في أسانيدها وقال مالك إن تعمد قتله تعمدا لا يشك فيه مثل أن يذبحه فإنه يقتل به وإن حذفه بسيف أو عصا لم
126
يقتل وقال الليث يقتل بقتله بجميع وجوه العمد للعمومات ومنها أن يقتل الحر عبدا فالأكثرون على أنه لا يقتل به وقد وردت في ذلك أحاديث في أسانيدها مقال وقيل يقتل بعبد غيره دون عبده وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وقيل يقتل بعبده وعبد غيره وهي رواية عن الثوري وقول طائفة من أهل الحديث لحديث سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من قتل عبده قتلناه ومن جدعه جدعناه وقد طعن فيه الإمام أحمد وغيره وقد أجمعوا على أنه لا قصاص بين العبيد والأحرار في الأطراف وهذا يدل على أن هذا الحديث مطرح لا يعمل به وهذا مما يستدل به على أن المراد بقوله تعالى النفس بالنفس المائدة الأحرار لأنه ذكر بعده القصاص في الأطراف وهو يختص بالأحرار ومنها أن يقتل المسلم كافرا فإن كان حربيا لم يقتل به بغير خلاف لأن قتل الحربي مباح بلا ريب وإن كان ذميا أو معاهدا فالجمهور على أنه لا يقتل به أيضا وفي صحيح البخاري عن على عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يقتل مسلم بكافر وقال أبو حنيفة وجماعة من فقهاء الكوفيين يقتل به وقد روى ربيعة عن أبي البيلماني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قتل رجلا من أهل القبلة برجل من أهل الذمة وقال أنا أحق من وفي بذمته وهذا مرسل ضعيف قد ضعفه الإمام أحمد وأبو عبيد وإبراهيم الحربي والجوزجاني وابن المنذر والدارقطني وقال ابن البيلماني ضعيف لا تقوم به حجة إذا الحديث فكيف بما يرسل وقال الجوزجاني إنما أخذه ربيعة عن إبراهيم بن أبي يحيى عن ابن المنذر عن ابن البيلماني وابن أبي يحيى متروك الحديث وفي مراسيل أبو داود حديث آخر مرسل أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل يوم خيبر مسلما بكافر غيلة وقال أنا أولى وأحق من وفي بذمته وهذا مذهب مالك وأهل المدينة أن القتل غيلة لا تشترط له المكافأة فيقتل فيه والمسلم بالكافر وعلى هذا حملوا حديث ابن البيلماني أيضا على تقدير صحته ومنها أن يقتل الرجل امرأة فيقتل بها بغير خلاف وفي كتاب عمرو ابن حزم عن النبي قال إن الرجل يقتل بامرأة وصح أنه صلى الله عليه وسلم قتل يهوديا قتل جارية وأكثر العلماء على أنه لا يدفع إلى أولياء الرجل شيء وروي عن على أنه يدفع إليهم نصف الدية لأن دية المرأة نصف دية الرجل وهو قول طائفة من السلف وأحمد في رواية عنه وأما التارك لدينه المفارق للجماعة فالمراد به من ترك الإسلام وارتد عنه وفارق جماعة المسلمين كما جاء التصريح بذلك في حديث عثمان وإنما استثناه مع من يحل دمه من أهل الشهادتين باعتبار ما كان عليه قبل الردة وحكم الإسلام لازم له بعدها ولهذا يستتاب ويطلب منه العود إلى الإسلام وفي إلزامه بقضاء ما فاته في زمن الردة من العبادات اختلاف مشهور بين العلماء وأيضا فقد يترك دينه ويفارق الجماعة وهو مقر بالشهادتين
127
ويدعي الإسلام كما إذا جحد شيئا من أركان الإسلام أو سب الله ورسوله أو كفر ببعض الملائكة أو النبيين أو الكتب المذكورة في القرآن مع العلم بذلك وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من بدل دينه فاقتلوه ولا فرق في هذا بين الرجل والمرأة عند أكثر العلماء ومنهم من قال لا تقتل المرأة إذا ارتدت كما لا تقتل نساء أهل الحرب في الحرب وإنما تقتل رجالهم وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه وجعلوا الكفر الطاريء كالأصل والجمهور فرقوا بينهما وجعلوا الطاريء أغلظ لما سبقه من الإسلام ولهذا يقتل بالردة عنه من لا يقتل من أهل الحرب كالشيخ الفاني والزمن والأعمى ولا يقتلون في الحرب وقوله صلى الله عليه وسلم التارك لدينه المفارق للجماعة يدل على أنه لو تاب ورجع إلى الإسلام لا يقتل لأنه ليس بتارك لدينه بعد رجوعه ولا مفارق للجماعة فإن قيل بل استثنى هذا ممن يعصم دمه من أهل الشهادتين يدل على أنه يقتل ولو كان مقرا بالشهادتين كما يقتل الزاني المحصن وقاتل النفس وهذا يدل على أن المرتد لا تقبل توبته كما حكي عن الحسن أو أن يحمل ذلك على من ارتد ممن ولد على الإسلام فإنه لا تقبل توبته وإنما تقبل توبة من كان كافرا ثم أسلم ثم ارتد على قول طائفة من العلماء ومنهم الليث بن سعد وأحمد في رواية عنه وإسحق قيل إنما استثناه من المسلمين باعتبار ما كان عليه قبل مفارقة دينه كما سبق تقريره وليس هذا كالثيب الزاني وقاتل النفس لأن قتلهما يوجب عقوبة لجريمتهما الماضية ولا يمكن تلافي ذلك وأما المرتد فإنما قتل لوصف قائم به في الحال وهو ترك دينه ومفارقة الجماعة فإذا عاد إلى دينه وإلى موافقته للجماعة فالوصف الذي أبيح به دمه قد انتفى فتزول إباحة دمه والله أعلم فإن قيل فقد خرج النسائي من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال زان محصن يرجم ورجل قتل متعمدا فيقتل ورجل خرج من الإسلام فحارب الله ورسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض وهذا يدل على أن المراد من جمع بين الردة والمحاربة قيل قد خرج أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها بلفظ آخر وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يحل دم امريء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا في إحدى ثلاث زنا بعد إحصان فإنه يرجم ورجل خرج محاربا لله ورسوله فإنه يقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض أو يقتل نفسا فيقتل بها وهذا يدل على أن من وجد منه الحرب من المسلمين خير الإمام فيه مطلقا كما يقوله علماء أهل المدينة كمالك وغيره والرواية الأولى قد تحمل على أن المراد بخروجه عن الإسلام خروجه عن أحكام الإسلام وقد تحمل على ظاهرها وقد يستدل بذلك من يقول إن آية المحاربة تختص بالمرتدين فمن ارتد وحارب فعل به ما في الآية ومن حارب من غير ردة أقيمت عليه أحكام المسلمين من القصاص والقطع في السرقة وهذا رواية عن أحمد رحمه الله لكنها غير مشهورة عنه وكذا قالت طائفة من السلف إن آية
128
المحاربة تختص بالمرتدين منهم أبو قلابة وغيره وبكل حال فحديث عائشة رضي الله عنها ألفاظه مختلفة وقد روى عنها مرفوعا وروي عنها موقوفا وحديث ابن مسعود رضي الله عنه لفظه لا اختلاف فيه وهو ثابت متفق على صحته ولكن يقال على هذا إنه قد ورد قتل المسلم بغير إحدى الثلاث الخصال فمنها في اللواط وقد جاء من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اقتلوا الفاعل والمفعول به وأخذ به كثير من العلماء كمالك وأحمد وقالوا إنه موجب للقتل بكل حال محصنا كان أو غير محصن وقد روي عن عثمان أنه قال لا يحل دم امريء مسلم إلا بأربع فذكر الثلاثة المتقدمة وزاد ورجل عمل عمل قوم لوط ومنها من أتى ذات محرم وقد روي الأمر بقتله وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل من تزوج بامرأة أبيه وأخذ بذلك طائفة من العلماء وأوجبوا قتله محصنا كان أو غير محصن ومنها الساحر وفي الترمذي من حديث جندب مرفوعا حد الساحر ضربة بالسيف وذكر أن الصحيح وقفه على جندب وهو مذهب جماعة من العلماء منهم عمر بن عبدالعزيز ومالك وأحمد وإسحق ولكن هؤلاء يقولون إنه يكفر بسحره فيكون حكمه حكم المرتد ومنها قتل من وقع على بهيمة ومنها من ترك الصلاة فإنه يقتل عند كثير من العلماء مع قولهم إنه ليس بكافر وقد سبق ذكر ذلك مستوفي ومنها قتل شارب الخمر في المرة الرابعة وقد ورد الأمر به عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة وأخذ بذلك عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وغيره وأكثر العلماء على أن القتل نسخ وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بالشارب في المرة الرابعة فلم يقتله وفي صحيح البخاري أن رجلا كان يؤتى به للنبي صلى الله عليه وسلم في الخمر فلعنه رجل وقال ما أكثر ما يؤتى به فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله ولم يقتله بذلك وقد روي قتل السارق في المرة الخامسة وقيل إن بعض الفقهاء ذهب إليه ومنها ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما خرجه مسلم من حديث أبي سعيد وقد ضعف العقيلي أحاديث هذا الباب كلها ومنها قوله صلى الله عليه وسلم من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد فأراد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه وفي رواية فاضربوا رأسه بالسيف كائنا من كان وقد خرجه مسلم أيضا من رواية عرفجة ومنها من شهر السلاح فخرج النسائي من حديث ابن الزبير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من شهر السلاح ثم وضعه فدمه هدر وقد روي عن ابن الزبير مرفوعا وموقوفا وقال البخاري إنما هو موقوف وسئل أحمد رحمه الله عن معنى هذا الحديث فقال ما أدري ما هذا وقال إسحق بن راهويه إنما يريد من شهر سلاحه ثم وضعه في الناس حتى استعرض الناس فقد حل قتله وهو مذهب الحرورية يستعرضون
129
الرجال والنساء والذرية وقد روي عن عائشة ما يخالف تفسير إسحق فخرج الحاكم من رواية علقمة بن أبي علقمة عن أمه أن غلاما شهر السيف على مولاه في إمرة سعيد بن العاص وتفلت به عليه فأمسكه الناس عنه فدخل المولى على عائشة فقالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أشار بحديدة إلى أحد من المسلمين يريد قتله فقد وجب دمه فأخذه مولاه فقتله وقال صحيح على شرط الشيخين وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من قتل دون ماله فهو شهيد وفي رواية من قتل دون دمه فهو شهيد فإذا أريد مال المرء أو دمه دفع عنه بالأسهل هذا مذهب الشافعي وأحمد رحمهما الله وهل يجب أن ينوي أنه لا يريد قتلة أم لا فيه روايتان عند الإمام أحمد وذهب طائفة إلى أن من أراد ماله أو دمه أبيح له قتله ابتداء ودخل على ابن عمر لص فقام إليه بالسيف صلتا فلولا أنهم حالوا بينه وبينه لقتله وسئل الحسن عن لص دخل بيت رجل ومعه حديدة قال اقتله بأي قتلة قدرت عليه وهؤلاء أباحوا قتله وإن ولى هاربا من غير جناية منهم أبو أيوب السختياني وخرج الإمام أحمد من حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الدار حرمك فمن دخل عليك حرمك فاقتله ولكن في إسناده ضعف ومنها قتل الجاسوس المسلم إذا تجسس للكفار على المسلمين وقد توقف فيه أحمد وأباح قتله طائفة من أصحاب مالك وابن عقيل من أصحابنا ومن المالكية من قال إن تكرر ذلك منه أبيح قتله واستدل من أباح قتله بقول النبي صلى الله عليه وسلم في حق حاطب بن أبي بلتعة لما كتب الكتاب إلى أهل مكة يخبرهم بسير النبي صلى الله عليه وسلم إليهم ويأمرهم فاستأذن عمر في قتله فقال إنه شهد بدرا فلم يقل إنه لم يأت بما يبيح دمه وإنما علل بوجود مانع من قتله وهو شهوده بدرا ومغفرة الله لأهل بدر وهذا المانع منتف في حق من بعده ومنها ما خرجه أبو داود في المراسيل من رواية ابن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من ضرب أباه فاقتلوه وروي مسندا من وجه آخر لا يصح والله أعلم وأعلم أن من هذه الأحاديث المذكورة ما لا يصح ولا يعرف به قائل معتبر كحديث من ضرب أباه فاقتلوه وحديث قتل السارق في المرة الخامسة وباقي النصوص كلها يمكن ردها إلى حديث ابن مسعود وذلك أن حديث ابن مسعود يتضمن أنه لا يستباح دم المسلم إلا بإحدى ثلاث خصال إما أن يترك ويفارق جماعة المسلمين وأما أن يزني وهو محصن وإما أن يقتل نفسا بغير حق فيؤخذ منه أن قتل المسلم لا يستباح إلا بإحدى ثلاثة أنواع ترك الدين وإراقة الدم المحرم وانتهاك الفرج المحرم فهذه الأنواع الثلاثة هي التي تبيح دم المسلم دون غيرها فأما انتهاك الفرج المحرم فقد ذكر في حديث أنه الزنا بعد الإحصان وهذا والله أعلم على وجه المثال فإن المحصن قد تمت عليه النعمة بنيل هذه الشهوة بالنكاح فإذا أتاها بعد ذلك من فرج محرم عليه أبيح دمه وقد ينفي شرط الإحصان فيخلفه شرط آخر وهو كون
130
الفرج لا يستباح بحال إما مطلقا كاللواط أو في حق الواطيء كمن وطيء ذات محرم بعقد أو غيره فهذا الوصف هل يكون قائما مقام الإحصان وخلفا عنه هذا هو محل النزاع بين العلماء والأحاديث دالة على أنه يكون خلفا عنه ويكتفي به في إباحة الدماء وأما سفك الدم الحرام فهل يقوم مقامه إثارة الفتن المؤدية إلى سفك الدماء كتفريق جماعة المسلمين وشق العصا والمبايعة لإمام ثان ودل الكفار على عورات المسلمين هذا هو محل النزاع وقد روي عن عمر ما يدل على إباحة القتل بمثل هذا وكذلك شهر السلاح لطلب القتل هل يقوم مقام القتل في إباحة الدم أم لا فابن الزبير وعائشة رأياه قائما مقام القتل الحقيقي في ذلك وكذلك قطع الطريق بمجرده هل يبيح القتل أم لا لأنه مظنة لسفك الدماء المحرمة وقال الله عز وجل من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا يدل على أنه إنما يباح قتل النفس بشيئين أحدهما بالنفس والثاني بالفساد في الأرض ويدخل في الفساد في الأرض الحرب والردة والزنا فإن ذلك كله فساد في الأرض وكذلك يكون شرب الخمر والإصرار عليه هو مظنة سفك الدماء المحرمة وقد أجمع الصحابة في عهد عمر رضي الله عنه على حده ثمانين وجعلوا السكر مظنة الافتراء والقذف الموجب لجلد الثمانين ولما قدم وفد عبدالقيس على النبي صلى الله عليه وسلم ونهاهم عن الأشربة والانتباذ في الظروف قال إن أحدكم ليقوم إلى ابن عمه يعني إذا شرب فيضربه بالسيف وكان فيهم رجل قد أصابته جراحة من ذلك فكان يخبؤها حياء من النبي صلى الله عليه وسلم فهذا كله يرجع إلى إباحة الدم بالقتل إقامة لمظان القتل مقام حقيقته لكن هل نسخ ذلك أم حكمه باق وهذا هو محل النزاع وأما ترك الدين ومفارقة الجماعة فمعناه الارتداد عن دين الإسلام ولو أتى بالشهادتين فلو سب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وهو مقر بالشهادتين أبيح دمه لأنه قد ترك بذلك دينه وكذلك لو استهان بالمصحف وألقاه في القاذورات أو جحد ما يعلم من الدين بالضرورة كالصلاة وما أشبه ذلك مما يخرج من الدين وهل يقوم مقام ذلك ترك شيء من أركان الإسلام الخمس وهذا ينبني على أنه هل يخرج من الدين بالكلية بذلك أم لا فمن رآه خروجا عن الدين كان عنده كترك الشهادتين وإنكارهما ومن لم يره خروجا عن الدين فاختلفوا هل يلحق بتارك الدين في القتل لكونه ترك أحد مباني الإسلام أم لا لكونه لم يخرج عن الدين ومن هذا الباب ما قاله كثير من العلماء في قتل الداعية إلى البدع فإنهم نظروا إلى أن ذلك شبيه بالخروج عن الدين وهو ذريعة ووسيلة إليه فإن استخفى بذلك ولم يدع غيره كان حكمه حكم المنافقين إذا استخفوا وإذا دعا إلى ذلك تغلظ جرمه بإفساد دين الأمة وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بقتال الخوارج وقتلهم وقد اختلف العلماء في حكمهم فمنهم من قال هم كفار فيكون قتلهم لكفرهم ومنهم من قال إنما يقتلون لفسادهم في الأرض بسفك دماء المسلمين وتكفيرهم
131
لهم وهو قول مالك وطائفة من أصحابنا وأجازوا الأبتداء بقتالهم والإجهاز على جريحهم ومنهم من قال إن دعوا إلى ما هم عليه قوتلوا وإن أظهروه ولم يدعوا إليه لم يقاتلوا وهو نص عن أحمد رحمه الله وإسحق وهو يرجع إلى قتال من دعا إلى بدعة مغلظة ومنهم من لم ير البداءة بقتالهم حتى يبدءوا بقتالنا وإنما يبيح قتالهم من سفك دماء ونحوه كما روي عن على رضي الله عنه وهو قول الشافعي وكثير من أصحابنا وقد روي من وجوه متعددة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل رجل كان يصلي وقال لو قتل لكان أول فتنة وآخرها وفي رواية لو قتل لم يختلف رجلان من أمتي حتى يخرج الدجال خرجه الإمام أحمد رحمه الله وغيره فاستدل بهذا على قتل المبتدع إذا كان قتله يكف شره عن المسلمين ويحسم مادة الفتن وقد حكى ابن عبدالبر وغيره عن مذهب مالك جواز قتل الداعي إلى البدعة فرجعت نصوص القتل كلها إلى ما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه بهذا التقدير ولله الحمد وكثير من العلماء يقول في كثير من هذه النصوص التي ذكرناها هاهنا إنها منسوخة بحديث ابن مسعود وفي هذا نظر من وجهين أحدهما أنه لا يعلم أن حديث ابن مسعود كان متأخرا عن تلك النصوص كلها لا سيما وابن مسعود من قدماء المهاجرين وكثير من تلك النصوص يرويها من تأخر إسلامه كأبي هريرة وجرير بن عبدالله ومعاوية فإن هؤلاء كلهم رووا حديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة والثاني أن الخاص لا ينسخ بالعام ولو كان العام متأخرا عنه في الصحيح الذي عليه جمهور العلماء لأن دلالة الخاص على معناه بالنص ودلالة العام عليه بالظاهر عند الأكثرين فلا يبطل الظاهر حكم النص وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل رجل كذب عليه في حياته وقال لحي من العرب إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني وأمرني أن أحكم في دمائكم وأموالكم وهذا روي من وجوه متعددة كلها ضعيفة وفي بعضها أن هذا الرجل كان قد خطب امرأة منهم في الجاهلية فأبوا أن يزوجوه وأنه لما قال لهم هذه المقالة صدقوه ونزل على تلك المرأة وحينئذ فهذا الرجل قد زني ونسب إباحة ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهذا كفر وردة عن الدين وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليا بقتل القبطي الذي كان يدخل على أم ولده مارية وكان الناس يتحدثون بذلك فلما وجده على مجبوبا تركه وقد حمله بعضهم على أن القبطي لم يكن أسلم بعد وأن المعاهد إذا فعل ما يؤذي المسلمين أنقض عهده فكيف إذا آذى النبي صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم بل كان مسلما ولكنه نهى عن ذلك فلم ينته حتى تكلم الناس بسببه في فراش النبي صلى الله عليه وسلم وأذى النبي صلى الله عليه وسلم في فراشه مبيح للدم لكن لما ظهرت براءته بالعيان تبين للناس براءة مارية فزال السبب المبيح للقتل وقد روي عن الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يقتل بغير هذه الأسباب الثلاثة التي في حديث ابن مسعود وغيره ليس له ذلك كأنه يشير إلى أنه صلى الله عليه وسلم كان له أن يعزر بالقتل إذا رأى ذلك مصلحة لأنه صلى الله عليه وسلم معصوم من التعدي والحيف وأما غيره
132
فليس له ذلك لأنه غير مأمون عليه من التعدي بالهوى قال أبو داود سمعت أحمد سئل عن حديث أبي بكر ما كانت لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم قال لم يكن لأبي بكر أن يقتل رجلا إلا بإحدى ثلاث والنبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يقتل وحديث أبي بكر المشار إليه هو أن رجلا كلم أبا بكر فأغلظ له فقال له أبو برزة ألا أقتله يا خليفة رسول الله فقال أبو بكر ما كانت لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذا يتخرج حديث الأمر بقتل هذا القبطي ويتخرج عليه أيضا حديث الأمر بقتل السارق إن كان صحيحا فإن فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتله في أول مرة فراجعوه فيه فقطعه ثم فعل ذلك أربع مرات وهو يأمر بقتله فيراجع فيه فيقطع حتى قطعت أطرافه الأربع ثم قتل في الخامسة والله أعلم الحديث الخامس عشر عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه رواه البخاري ومسلم
133
هذا الحديث خرجاه من طرق عن أبي هريرة وفي بعض ألفاظها فلا يؤذي جاره وفي بعض ألفاظها فليحسن قرى ضيفه وفي بعضها فليصل رحمه بدل ذكر الجار وخرجاه أيضا بمعناه من حديث أبي شريح الخزاعي عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد روي هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة وابن مسعود وعبد الله بن عمرو وأبي أيوب الأنصاري وابن عباس وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم فقوله صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليفعل كذا وكذا يدل على أن هذه الخصال من خصال الإيمان وقد سبق أن الأعمال تدخل في الإيمان وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان بالصبر والسماحة قال الحسن المراد بالصبر عن المعاصي والسماحة بالطاعة وأعمال الإيمان تارة تتعلق بحقوق الله كأداء الواجبات وترك المحرمات ومن ذلك قول الخير والصمت عن غيره وتارة تتعلق بحقوق عباده كإكرام الضيف وإكرام الجار والكف عن أذاه فهذه ثلاثة أشياء يؤمر بها المؤمن أحدهما قول الخير والصمت عما سواه وقد روى الطبراني من حديث أسود بن أصرم المحاربي قال قلت يا رسول الله أوصني قال هل تملك لسانك قلت ما أملك إذا لم أملك لساني قال فهل تملك يدك قلت فما أملك إذا لم أملك يدي قال فلا تقل بلسانك إلا معروفا ولا تبسط يدك إلا إلى خير وقد ورد أن استقامة اللسان من خصال الإيمان كما في المسند عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه وخرج الطبراني من
134
حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يخزن من لسانه وخرج الطبراني من حديث معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنك لن تزال سالما ما سكت فإذا تكلمت كتب لك أو عليك وفي مسند الإمام أحمد عن عبدالله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من صمت نجا وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوي بها سبعين خريفا في النار وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقى لها بالا يرفعه الله بها درجات وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها بالا يهوي بها في جهنم وخرج الإمام أحمد من حديث سليمان بن سحيم عن أمه قالت سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن الرجل ليدنو من الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيتكلم بالكلمة فيتباعد بها أبعد من صنعاء وخرج الإمام أحمد والترمذي والنسائي من حديث بلال بن الحارس قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله بها رضوانه إلى يوم يلقاه وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله بها سخطه إلى يوم يلقاه وقد ذكرنا فيما سبق حديث أم حبيبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كلام ابن آدم عليه لا له إلا ذكر الله عز وجل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقوله صلى الله عليه وسلم فليقل خيرا أو ليصمت أمر بقول الخير وبالصمت عما عداه وهذا يدل على أنه ليس هناك كلام يساوي قوله والصمت عنه إما أن يكون خيرا فيكون مأمورا بقوله وإما أن يكون غير خير فيكون مأمورا بالصمت عنه وحديث معاذ وأم حبيبه يدلان على هذا وخرج ابن أبي الدنيا من حديث معاذ بن جبل ولفظه إن النبي صلى الله عليه وسلم قال له يا معاذ ثكلتك أمك وهول تقول شيئا إلا وهو لك أو عليك وقد قال الله تعالى ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ق وقد أجمع السلف الصالح على أن الذي عن يمينه يكتب الحسنات والذي عن شماله يكتب السيئات وقد روي ذلك مرفوعا من حديث أبي أمامة بإسناد ضعيف وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان أحدكم يصلي فإنه يناجي ربه والملك عن يمينه وروي من حديث حذيفة مرفوعا إن عن يمينه كاتب الحسنات واختلفوا هل يكتب كل ما يتكلم به أم لا يكتب إلا ما فيه ثواب أو عقاب على قولين مشهورين وقال على بن أبي طلحة عن ابن عباس يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر حتى إنه ليكتب قوله أكلت وشربت ذهبت وجئت حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله فأقر ما كان فيه من خير أو شر وألقي سائره فذلك قوله تعالى يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب الرعد وعن يحيى بن أبي كثير قال ركب رجل الحمار فعثر
135
به فقال تعس الحمار فقال صاحب اليمين ما هي حسنة أكتبها وقال صاحب الشمال ما هي من السيئات فأكتبها فأوحى الله إلى صاحب الشمال ما ترك صاحب اليمين من شيء فاكتبه فأثبت في السيئات تعس الحمار وظاهر هذا أن ما ليس بحسنة فهو سيئة وإن كان لا يعاقب عليها فإن بعض السيئات قد لا يعاقب عليها وقد تقع مكفرة باجتناب الكبائر ولكن زمانها قد خسره صاحبها حيث ذهبت باطلا فيحصل له بذلك حسرة في القيامة وأسف عليه وهو نوع عقوبة وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار وكان لهم حسرة وخرجه الترمذي ولفظه ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم صلى الله عليه وسلم إلا كان عليهم ترة فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم وفي رواية لأبي داود والنسائي من قعد مقعدا لم يذكر الله فيه إلا كان عليه من الله ترة ومن اضطجع مضطجعا لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة زاد النسائي ومن قام مقاما لم يذكر الله فيه كان عليه من الله ترة وخرج أيضا من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من قوم يجلسون مجلسا لا يذكرون الله فيه إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة وإن دخلوا الجنة وقال مجاهد ما جلس قوم مجلسا فتفرقوا قبل أن يذكروا الله إلا تفرقوا عن أنتن من ريح الجيفة وكان مجلسهم يشهد عليهم بغفلتهم وما جلس قوم مجلسا فذكروا الله قبل أن يتفرقوا إلا أن يتفرقوا عن أطيب من ريح المسك وكان مجلسهم يشهد لهم ذكرهم وقال بعض السلف يعرض على ابن آدم يوم القيامة ساعات عمره فكل ساعة لم يذكر الله فيها تتقطع نفسه عليها حسرات وخرجه الطبراني من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعا ما من ساعة تمر بابن آدم لم يذكر الله فيها بخير إلا حسر عندها يوم القيامة فمن هنا يعلم أن ما ليس بخير من الكلام فالسكوت عنه أفضل من التكلم به اللهم إلا ما تدعو إليه الحاجة ممالا بد منه وقد روي عن ابن مسعود قال إياكم وفضول الكلام حسب امريء ما بلغ حاجته وعن النخعي قال يهلك الناس في فضول المال والكلام وأيضا قال فإن الإكثار من الكلام الذي لا حاجة إليه يوجب قساوة القلب كما في الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعا لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب وإن أبعد الناس عن الله القلب القاسي وقال عمر رضي الله عنه من كثر كلامه كثر سقطه ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به وخرجه العقيلي من حديث ابن عمر مرفوعا بإسناد ضعيف وقال محمد بن عجلان إنما الكلام أربعة أن تذكر الله وتقرأ القرآن وتسئل عن علم فتخبر به أو تكلم فيما يعنيك من أمر دنياك وقال رجل لسلمان أوصني قال لا تتكلم قال ما يستطيع من عاش في الناس أن لا يتكلم قال فإن تكلمت فتكلم بحق أو اسكت وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يأخذ
136
بلسانه ويقول هذا أوردني الموارد وقال ابن مسعود والله الذي لا إله إلا هو ما على الأرض أحق بطول سجن من اللسان وقال وهب بن منبه أجمعت الحكماء على أن رأس الحكمة الصمت وقال شميط بن عجلان يا بن آدم إنك ما سكت فأنت سالم فإذا تكلمت فخذ حذرك إما لك وإما عليك وهذا باب يطول استقصاؤه والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالكلام بالخير والسكوت عما ليس بخير وخرج الإمام أحمد وابن حبان من حديث البراء بن عازب أن رجلا قال يا رسول الله علمني عملا يدخلني الجنة فذكر الحديث وفيه قال فأطعم الجائع واسق الظمآن وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من خير فليس الكلام مأمورا به على الإطلاق ولا السكوت كذلك بل لا بد من الكلام بالخير والسكوت عن الشر وكان السلف كثيرا يمدحون الصمت عن الشر وعما لا يعني لشدته على النفس وذلك يقع الناس فيه كثيرا فكانوا يعالجون أنفسهم ويجاهدونها على السكوت عما لا يعنيهم قال الفضيل بن عياض ما حج ولا رباط ولا جهاد أشد من حبس اللسان ولو أصبحت يهمك لسانك أصبحت في هم شديد وقال سجن اللسان سجن المؤمن ولو أصبحت يهمك لسانك أصبحت في غم شديد وسئل ابن المبارك عن قول لقمان لابنه إن كان الكلام من فضة فإن الصمت من ذهب فقال معناه لو كان الكلام بطاعة الله من فضة فإن الصمت عن معصية الله من ذهب وهذا يرجع إلى أن الكف عن المعاصي أفضل من عمل الطاعات وقد سبق القول في هذا مستوفي وتذاكروا عند الأحنف بن قيس أيما أفضل الصمت أو النطق فقال قوم الصمت أفضل فقال الأحنف النطق أفضل لأن فضل الصمت لا يعدو صاحبه والنطق الحسن ينتفع به من سمعه وقال رجل من العلماء عند عمر بن عبدالعزيز رحمه الله الصامت على علم كالمتكلم على علم فقال عمر إني لأرجو أن يكون المتكلم على علم أفضلهما يوم القيامة حالا وذلك أن منفعته للناس وهذا صمته لنفسه فقال له يا أمير المؤمنين وكيف بفتنة النطق فبكى عمر عند ذلك بكاء شديدا ولقد خطب عمر بن عبدالعزيز يوما فرق الناس وبكوا فقطع خطبته فقيل له لو أتممت كلامك رجونا أن ينفع الله به فقال عمر إن القول فتنة والفعل أولى بالمؤمن من القول وكنت من مدة طويلة قد رأيت في المنام أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه وسمعته يتكلم في هذه المسئلة وأظن أني فاوضته فيها وفهمت من كلامه أن التكلم بالخير أفضل من السكوت وأظنه أنه وقع في أثناء الكلام ذكر سليمان بن عبدالملك وأن عمر قال ذلك له وهذا روي عن سليمان ابن عبدالملك أنه قال الصمت منام العقل والنطق يقظته ولا يتم حال إلا بحال يعني لا بد من الصمت والكلام وما أحسن ما قال عبيد الله بن أبي جعفر فقيه أهل مصر في وقته وكان أحد الحكماء إذا كان المرء يحدث في مجلس فأعجبه الحديث فليسكت وإن كان ساكتا فأعجبه السكوت
137
فليحدث وهذا حسن فإن من كان كذلك كان سكوته وحديثه بمخالفة هواه وإعجابه بنفسه ومن كان كذلك كان جديرا بتوفيق الله إياه وتسديده في نطقه وسكوته لأن كلامه وسكوته يكون لله عز وجل وفي مراسيل الحسن رحمه الله عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل قال علامة الطهر أن يكون قلب العبد عندي متعلقا فإذا كان كذلك لم ينسني على حال وإذ كان كذلك مننت عليه بالاشتغال بي كيلا ينساني فإذا نسيني حركت قلبه فإن تكلم تكلم لي وإن سكت سكت لي فذلك الذي تأتيه المعونة من عندي خرجه إبراهيم بن الجنيد وبكل حال فالتزام الصمت مطلقا واعتقاده قربة إما مطلقا أو في بعض العبادات كالحج والاعتكاف والصيام منهي عنه وروي من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام الصمت وخرج الإسماعيلي من حديث على رضي الله عنه نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصمت في العكوف وخرج الإسماعيلي من حديث على أيضا قال نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصمت في الصلاة وفي سنن أبي داود من حديث على عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا صمات يوم إلى الليل وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لامرأة حجت مصمتة إن هذا لا يحل هذا من عمل الجاهلية وروي عن على بن الحسين زين العابدين أنه قال صوم الصمت حرام والثاني مما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث المؤمنين إكرام الجار وفي بعض الروايات النهي عن أذى الجار فأما أذى الجار فمحرم لأن الأذى بغير حق محرم لكل أحد ولكن في حق الجار هو أشد تحريما وفي الصحيحين عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل أي الذنب أعظم قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك قيل ثم أي قال أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك قيل ثم أي قال أن تزاني حليلة جارك وفي مسند الإمام أحمد عن المقداد بن الأسود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تقولون في الزنا قالوا حرام حرمه الله ورسوله فهو حرام إلى يوم القيامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره قال فما تقولون في السرقة قالوا حرام حرمها الله ورسوله فهي حرام قال لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من بيت جاره وفي صحيح البخاري عن أبي شريح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن قيل من يا رسول الله قال من لا بأمن جاره بوائقه وخرجه الإمام أحمد وغيره من حديث أبي هريرة وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه وخرج الإمام أحمد والحاكم من حديث أبي هريرة أيضا قال قيل يا رسول الله إن فلانة تصلي بالليل وتصوم النهار وفي لسانها شيء تؤذي جيرانها سليطة قال لا خير فيها هي في النار وقيل له إن فلانة تصلي المكتوبة وتصوم رمضان وتتصدق بالأثوار وليس لها شيء غيره ولا تؤذي أحدا قال هي في الجنة ولفظ الإمام أحمد ولا تؤذي بلسانها جيرانها وخرج الحاكم من حديث أبي
138
جحيفة قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو جاره فقال له اطرح متاعك في الطريق قال فجعل الناس يمرون به فيلعنونه فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما لقيت من الناس قال وما لقيت قال يلعنوني قال فقد لعنك الله قبل الناس قال يا رسول الله فإني لا أعود وخرجه أبو داود بمعناه من حديث أبي هريرة ولم يذكر فيه فقد لعنك الله قبل الناس وخرج الخرائطي من حديث أم سلمة قالت دخلت شاة لجارة لنا فأخذت قرصة لنا فقمت إليها فأخذتها من بين لحييها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه لا قليل من أذى الجار فأما إكرام الجار والإحسان إليه فمأمور به وقد قال الله تعالى واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا النساء فجمع الله تعالى في هذه الآية بين ذكر حقه على العبد وحقوق العباد على العباد أيضا وجعل العباد الذين أمر بالإحسان إليهم خمسة أنواع أحدها من بينه وبين الإنسان قرابة وخص منهم الوالدين بالذكر لامتيازهما عن سائر الأقارب بما لا يشركونهما فيه فإنهما كانا السبب في وجود الولد ولهما حق التربية والتأديب وغير ذلك الثاني من هو ضعيف محتاج إلى الإحسان وهو نوعان من هو محتاج لضعف بدنه وهو اليتيم ومن هو محتاج لقلة ماله وهو المسكين والثالث من له حق القرب والمخالطة وجعلهم ثلاثة أنواع جار ذو قربى وجار جنب وصاحب بالجنب وقد اختلف المفسرون في تأويل ذلك فمنهم من قال الجار ذو القربى الجار الذي له قرابة والجار الجنب الأجنبي ومنهم من أدخل المرأة في الجار ذي القربى ومنهم من أدخلها في الجار الجنب ومنهم من أدخل الرفيق في السفر في الجار الجنب وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه أعوذ بك من جار السوء في دار الإقامة فإن جار البادية يتحول ومنهم من قال الجار ذو القربى الجار المسلم والجار الجنب الكافر وفي مسند البزار من حديث جابر مرفوعا الجيران ثلاثة جار له حق واحد وهو أدنى الجيران حقا وجار له حقان وجار له ثلاثة حقوق وهو أفضل الجيران حقا فأما الذي له حق واحد فجار مشرك لا رحم له له حق الجوار وأما الذي لم حقان فجار مسلم له حق الإسلام وحق الجوار وأما الذي له ثلاثة حقوق فجار مسلم ذو رحم فله حق الإسلام وحق الجوار وحق الرحم وقد روي هذا الحديث من وجوه أخرى متصلة ومرسلة ولا تخلو كلها من مقال وقيل الجار ذو القربى هو القريب الملاصق والجار الجنب البعيد الجوار وفي صحيح البخاري عن عائشة قالت قلت يا رسول الله إن لي جارين فإلي أيهما أهدي قال إلى أقربهما بابا وقال طائفة من السلف حد الجوار
139
أربعون دارا وقيل مستدار أربعين دارا من كل جانب وفي مراسيل الزهري أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو جارا له فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه أن ينادي ألا إن أربعين دارا جار وقال الزهري وأربعون هكذا وأربعون هكذا وأربعون هكذا وأربعون هكذا يعني ما بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وسئل الإمام أحمد عمن يطبخ قدرا وهو في دار السبيل ومعه في الدار نحو ثلاثين أو أربعين نفسا يعني أنهم سكان معه في الدار قال يبدأ بنفسه وبمن يعول فإن فضل أعطي الأقرب إليه وكيف يمكنه أن يعطيهم كلهم قيل له لعل الذي هو جاره يتهاون بذلك القدر ليس له عنده موقع فرأى أنه لا يبعث إليه وأما الصاحب بالجنب ففسره طائفة بالزوجة وفسره طائفة منهم ابن عباس بالرفيق في السفر ولم يريدوا إخراج الصاحب الملازم في الحضر وإنما أرادوا أن صحبة السفر تكفي فالصحبة الدائمة في الحضر أولى ولهذا قال سعيد بن جبير هو الرفيق الصالح وقال زيد بن أسلم هو جليسك في الحضر ورفيقك في السفر وقال ابن زيد هو الرجل يعتريك ويلم بك لتنفعه وفي المسند والترمذي عن عبدالله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره الرابع من هو وارد على الإنسان غير مقيم عنده وهو ابن السبيل يعني المسافر إذا ورد إلى بلد آخر وفسره بعضهم بالضيف يعني به ابن السبيل إذا نزل ضيفا على أحد والخامس ملك اليمين وقد وصى النبي صلى الله عليه وسلم بهم كثيرا وأمر بالإحسان إليهم وروي أن آخر ما وصى به عند موته الصلاة وما ملكت أيمانكم وأدخل بعض السلف في هذه الآية ما يملكه الإنسان من الحيوانات والبهائم ولنرجع إلى شرح حديث أبي هريرة في إكرام الجار وفي الصحيحين عن عائشة وابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه فمن أنواع الإحسان إلى الجار مواساته عند حاجته وفي المسند عن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يشبع المؤمن دون جاره وخرج الحاكم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع وفي رواية أخرى عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما آمن من بات شبعان وجاره طاويا وفي المسند عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم أول خصمين يوم القيامة جاران وفي كتاب الأدب للبخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما يا رب هذا أغلق بابه دوني يمنع معروفه وخرج الخرائطي وغيره بإسناد ضعيف من حديث عطاء
140
الخراساني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أغلق بابه دون جاره مخافة على أهله وماله فليس ذلك بمؤمن وليس مؤمنا من لا يأمن جاره بوائقه أتدري ما حق الجار إذا استعانك أعنته وإذا استقرضك أقرضته وإذا افتقر عدت عليه وإذا مرض عدته وإذا أصابه خير هنيته وإذا أصابته مصيبة عزيته وإذا مات اتبعت جنازته ولا تستطل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه ولا تؤذيه بقتار قدرك إلا أن تغرف له وإن اشتريت فاكهة فاهد له فإن لم تفعل فأدخلها سرا ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده ورفع هذا الكلام منكر ولعله من تفسير عطاء الخراساني وقد روي أيضا عن عطاء عن الحسن عن جابر مرفوعا أدنى حق الجوار أن لا تؤذي جارك بقتار قدرك إلا أن تقدح له منها وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال أوصاني خيلي صلى الله عليه وسلم إذا طبخت مرقا فأكثر ماءه ثم انظر إلى أهل بيت جيرانك فأصبهم منها بمعروف وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك وفي المسند والترمذي عن عبدالله بن عمرو بن العاص أنه ذبح شاة فقال هل أهديتم منها لجارنا اليهودي ثلاث مرات ثم قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ما زال جبريل يوصيني بالجار ظننت أنه سيورثه وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبه في جداره ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه مالي أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين أكتافكم ومذهب الإمام أحمد أن الجار يلزمه أن يمكن جاره من وضع خشبة على جداره إذا احتاج الجار إلى ذلك ولم يضر بجداره لهذا الحديث الصحيح وظاهر كلامه أنه يجب عليه أن يواسيه من فضل ما عنده بما لا يضر به إذا علم حاجته قال المروزي قلت لأبي عبدالله إني لأسمع السائل في الطريق يقول إني جائع فقال قد يصدق وقد يكذب قلت فؤدا كان لي جار أعلم أنه يجوع قال تواسيه قلت إذا كان قوتي رغيفين قال تطعمه شيئا ثم قال الذي جاء في الحديث إنما هو الجار وقال المروزي قلت لأبي عبدالله الأغنياء يجب عليهم المواساة قال إذا كان قوم يصنعون شيئا على شيء كيف لا يجب عليهم قلت فإذا كان للرجل قميصان أو قلت جبتان يجب عليه المواساة قال إذا كان يحتاج إلى أن يكون فضلا وهذا نص منه في وجوب المواساة من الفضائل ولم يخصه بالجار ونصه الأول يقتضي اختصاصه بالجار وقال في رواية ابن هانيء في السؤال يكذبون أحب إلينا لو صدقوا ما وسعنا إلا مواساتهم وهذا يدل على وجوب مواساة الجائع من الجيران وغيرهم وفي الصحيح عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أطعموا الجائع وعودوا المريض وفكوا العاني وفي المسند وصحيح الحاكم عن عمر رضي الله عنه عن
141
النبي صلى الله عليه وسلم قال أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ وجائع فقد برئت منهم ذمة الله عز وجل ومذهب أحمد ومالك أنه يمنع الجار أن يتصرف في خاص ملكه بما يضر بجاره فيجب عندهما كف الأذى عن الجار بمنع إحداث الانتفاع المضر به ولو كان المنتفع إنما ينتفع بخاص ملكه ويجب عند أحمد أن يبذل لجاره ما يحتاج إليه ولا ضرر عليه في بذله وأعلى من هذين أن يصبر على أذى جاره ولا يقابله بالأذى قال الحسن ليس حسن الجوار كف الأذى ولكن حسن الجوار احتمال الأذي ويروى من حديث أبي ذر إن الله يحب الرجل يكون له الجار يؤذيه جواره فيصبر على أذاه حتى يفرق بينهما الموت أو ظعن خرجه الإمام أحمد وفي مراسيل أبي عبدالرحمن الحبلي أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو إليه جاره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم كف أذاك عنه واصبر لأذاه فكفى بالموت مفرقا خرجه ابن أبي الدنيا الثالث مما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين إكرام الضيف والمراد إحسان ضيافته وفي الصحيحين من حديث أبي شريح رضي الله عنه قال أبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعته أذناي حين تكلم به قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته قالوا وما جائزته قال يوم وليلة قال والضيافة ثلاثة أيام وما كان بعد ذلك فهو صدقة وخرج مسلم من حديث أبي شريح أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الضيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة وما أنفق عليه بعد ذلك فهو صدقة ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يؤثمه قالوا يا رسول الله كيف يؤثمه قال يقيم ولا شيء له يقريه به وخرج الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه قالها ثلاثا قالوا وما إكرام الضيف يا رسول الله قال ثلاثة أيام فما حبس بعد ذلك فهو صدقة ففي هذه الأحاديث أن جائزة الضيف يوم وليلة وأن الضيافة ثلاثة أيام ففرق بين الجائزة والضيافة وكذا الجائزة قد ورد في تأكيدها أحاديث أخر وخرج أبو داود من حديث المقدام بن معد يكرب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليلة للضيف حق على كل مسلم فمن أصبح بفنائه فهو عليه دين إن شاء اقتضى وإن شاء ترك وخرجه ابن ماجه ولفظه ليلة الضيف حق على كل مسلم وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث المقدام أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أيما رجل أضاف قوما فأصبح الضيف محروما فإن نصره حق على كل مسلم حتى يأخذ بقري ليلة من زرعه وماله وفي الصحيحين عن عقبة بن عامر قال قلنا يا رسول الله إنك تبعثنا فننزل بقوم لا يقروننا فما ترى فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم وخرج الإمام أحمد والحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
142
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أيما ضيف نزل بقوم فأصبح الضيف محروما فله أن يأخذ بقدر قراه ولا حرج عليه وقال عبدالله بن عمرو من لم يضيف فليس من محمد صلى الله عليه وسلم ولا من إبراهيم عليه السلام وقال عبدالله بن الحارث بن جزء من لم يكرم ضيفه فليس من محمد صلى الله عليه وسلم ولا من إبراهيم عليه السلام وقال أبو هريرة لقوم نزل عليهم فاستضافهم فلم يضيفوه فتنحى ونزل فدعاهم إلى طعام فلم يجيبوه فقال لهم لا تنزلون الضيف لا تجيبون الدعوة ما أنتم من الإسلام على شيء فعرفه رجل منهم فقال له انزل عافاك الله قال هذا شر وشر لا تنزلون إلا من تعرفون وروي عن أبي الدرداء نحو هذه القضية إلا أنه قال لهم ما أنتم من الدين إلا على مثل هذه وأشار إلى هدبة في ثوبه وهذه النصوص تدل على وجوب الضيافة يوما وليلة وهو قول الليث وأحمد وقال أحمد له المطالبة بذلك إذا منعه لأنه حق له واجب وهل يأخذ بيده من ماله إذا منعه أو يرفعه إلى الحاكم على روايتين منصوصتين عنه وقال حميد بن زنجويه ليلة الضيف واجبة وليس له أن يأخذ قراه منهم قهرا إلا أن يكون مسافرا في مصالح المسلمين العامة دون مصلحة نفسه وقال الليث بن سعد لو نزل الضيف بالعبد أضافه من المال الذي بيده وللضيف أن يأكل وإن لم يعلم أن سيده أذن لأن الضيافة واجبة وهو قياس قول أحمد لأنه نص على أنه يجوز إجابة دعوة العبد المأذون له في التجارة وقد روي عن جماعة من الصحابة أنهم أجابوا دعوة المملوك وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضا فإذا جاز له أن يدعو الناس إلى طعامه ابتداء جاز إجابة دعوته فإضافته لمن نزل به أولى ومنع من ذلك مالك والشافع وغيرهما من دعوة العبد المأذون له بدون إذن سيده ونقل عن على بن سعيد عن أحمد ما يدل على وجوب الضيافة للغزاة خاصة بمن مروا بهم ثلاثة أيام والمشهور عنه الأول وهو وجوبها لكل ضيف نزل بقوم واختلف في قوله هل يجب على أهل الأمصار والقرى أم تختص بأهل القرى ومن كان على طريق يمر بهم المسافرون على روايتين منصوصتين عنه والمنصوص عنه أنها تجب للمسلم والكافر وخص كثير من أصحابه الوجوب للمسلم كما لا تجب نفقة الأقارب مع اختلاف الدين على إحدى الروايتين فأما اليومان الآخران وهما الثاني والثالث فهما تمام الضيافة والنصوص عن أحمد أنه لا يجب إلا الجائزة الأولى وقال قد فرق بين الجائزة والضيافة والجائزة أوكد ومن أصحابنا من أوجب الضيافة ثلاثة أيام منهم أبو بكر بن عبدالعزيز وابن أبي موسى والآمدي وما بعد الثلاث فهو صدقة وظن بعض الناس أن الضيافة ثلاثة أيام بعد اليوم والليلة الأولى ورده أحمد بقوله صلى الله عليه وسلم الضيافة ثلاثة أيام فما زاد فهو صدقة ولو كان كما ظن هذا لكان أربعة قلت ونظير هذا قوله تعالى قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين إلى قوله وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام فصلت والمراد في تمام الأربعة وهذا الحديث الذي احتج به أحمد قد تقدم من حديث أبي شريح وخرجه البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن قري الضيف قيل يا رسول الله وما قري الضيف قال ثلاثة فما كان بعد فهو صدقة قال جندب بن رواحة عليه أن يتكلف له في اليوم والليلة من الطعام أطيب ما يأكله هو وعياله وفي تمام الثالث يطعمهم من طعامه وفي هذا نظر وسنذكر حديث سلمان بالنهي عن التكلف للضيف ونقل أشهب عن مالك قال جائزته يوم وليلة يكرمه ويتحفه ويخصه يوما وليلة وثلاثة أيام ضيافة وكان ابن عمر يمتنع من الأكل من مال من نزل عليه فوق ثلاثة أيام ويأمر أن ينفق عليه من ماله ولصاحب المنزل أن يأمر الضيف بالتحول عنه بعد الثلاث لأنه قضى ما عليه وفعل ذلك الإمام أحمد رحمه الله وقوله صلى الله عليه وسلم لا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه يعني يقيم عنده حتى يضيق عليه لكن هل هذا في الأيام الثلاثة أم فيما زاد عليها فأما فيما ليس بواجب فلا شك في تحريمه وأما ما هو واجب وهو اليوم والليلة فيبنى على أنه هل تجب الضيافة على من لا يجد شيئا أم لا تجب إلا على من وجد ما يضيف به فإن قيل إنها لا تجب إلا على من يجد ما يضيف به وهو قول طائفة من أهل الحديث منهم حميد بن زنجويه لم يحل للضيف أن يستضيف من هو عاجز عن ضيافته وقد روي من حديث سلمان قال نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتكلف للضيف ما ليس عندنا فإذا نهى المضيف أن يتكلف للضيف ما ليس عنده دل على أنه لا تجب عليه المواساة للضيف إلا بما عنده فإذا لم يكن عنده فضل لم يلزمه شيء وأما إذا آثر على نفسه كما فعل الأنصاري الذي نزل فيه ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة فذلك مقام فضل وإحسان وليس بواجب ولو علم الضيف أنهم لا يضيفونه إلا بقوتهم وقوت صبيانهم وأن الصبية يتأذون بذلك لم يجز له استضافتهم حينئذ عملا بقوله صلى الله عليه وسلم لا يحل له أن يقيم عنده حتى يحرجه وأيضا فالضيافة نفقة واجبة ولا تجب إلا على من عنده فضل عن قوته وقوت عياله كنفقه الأقارب وزكاة الفطر وقد أنكر الخطابي تفسير تأثمه بأن يقيم عنده ولا شيء له يقريه به وقال أراه غلطا وكيف يأثم في ذلك وهو لا يتسع لقراه ولا يجد سبيلا إليه وإنما الكلفة على قدر الطاقة قال وإنما وجه الحديث أنه كره له المقام عنده بعد ثلاث لئلا يضيق صدره بمكانه فتكون الصدقة منه على وجه المن والأذى فيبطل أجره وهذا الذي قاله فيه نظر فإنه قد صح تفسيره في الحديث بما أنكره وإنما وجهه أنه أقام عنده ولاشيء له يقريه به فربما دعاه ضيق صدره به وحرجه إلى ما يأثم به في قول أو فعل وليس المراد أنه يأثم بترك قراه مع عجزه عنه والله أعلم الحديث السادس عشر عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني قال لا تغضب فردد مرارا قال لا تغضب رواه البخاري
144
هذا الحديث خرجه البخاري من طريق أبي الحصين الأسدي عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه ولم يخرجه مسلم لأن الأعمش رواه عن أبي صالح واختلف عليه في إسناده فقيل عنه عن أبي صالح عن أبي هريرة كقول أبي حصين وقيل عنه عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري وعند يحيى بن معين أن هذا هو الصحيح وقيل عنه أبي صالح عن أبي هريرة وأبي سعيد وقيل عنه عن أبي صالح عن أبي هريرة أو جابر وقيل عنه عن أبي صالح عن رجل من الصحابة غير مسمي وخرج الترمذي هذا الحديث من طريق أبي حصين أيضا ولفظه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله علمني شيئا ولا تكثر على لعلي أعيه قال لا تغضب فردد ذلك مرارا كل ذلك يقول لا تغضب وفي رواية أخرى لغير الترمذي قال قلت يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة ولا تكثر علي قال لا تغضب فهذا الرجل طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يوصيه وصية وجيزة جامعة لخصال الخير ليحفظها عنه خشية أن لا يحفظها لكثرتها ووصاه النبي أن لا يغضب ثم ردد هذه المسئلة عليه مرارا والنبي صلى الله عليه وسلم يردد عليه هذا الجواب فهذا يدل على أن الغضب جماع الشر وأن التحرز منه جماع الخير ولعل هذا الرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم هو أبو الدرداء فقد خرج الطبراني من حديث أبي الدرداء قال قلت يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة قال لا تغضب ولك الجنة وقد روى الأحنف بن قيس عن عمه حارثة بن قدامة أن رجلا قال يا رسول الله قل لي قولا وأقلل علي لعلي أعقله قال لا تغضب فأعاد عليه مرارا كل ذلك يقول لا تغضب خرجه الإمام أحمد وفي
145
رواية له أن حارثة بن قدامة قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم فذكره فهذا يغلب على الظن أن السائل هو حارثة بن قدامة ولكن ذكر الإمام أحمد عن يحيى القطان أنه قال هكذا قال هشام يعني أن هشاما ذكر في الحديث أن حارثة سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال يحيي وهم يقولون إنه لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم وكذا قال العجلي وغيره إنه تابعي وليس بصحابي وخرج الإمام أحمد من حديث الزهري عن حميد بن عبدالرحمن عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال قلت يا رسول الله أوصني قال لا تغضب قال الرجل ففكرت حين قال النبي صلى الله عليه وسلم ما قال فإذا الغضب يجمع الشر كله ورواه مالك في الموطأ عن الزهري عن حميد مرسلا وخرج الإمام أحمد من حديث عبدالله بن عمرو أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم ماذا يباعدني من غضب الله عز وجل قال لا تغضب وقول الصحابي ففكرت فيما قال النبي صلى الله عليه وسلم فإذا الغضب يجمع الشر كله يشهد لما ذكره أن الغضب جماع الشر كله قال جعفر بن محمد الغضب مفتاح كل شر وقيل لابن المبارك اجمع لنا حسن الخلق في كلمة قال ترك الغضب وكذا فسر الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه حسن الخلق بترك الغضب وقد روى ذلك مرفوعا خرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة من حديث أبي العلاء بن الشخير أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم من قبل وجهه فقال يا رسول الله أي العمل أفضل فقال حسن الخلق ثم أتاه عن يمينه فقال يا رسول الله أي العمل أفضل فقال حسن الخلق ثم أتاه عن شماله فقال يا رسول الله أي العمل أفضل قال حسن الخلق ثم أتاه من بعده يعني من خلفه فقال يا رسول الله أي العمل أفضل فالتفت إليه رسول الله رسول صلى الله عليه وسلم فقال مالك لا تفقه حسن الخلق هو أن لا تغضب إن استطعت وهذا مرسل فقوله صلى الله عليه وسلم لمن استوصاه لا تغضب يحتمل أمرين أحدهما أن يكون مراده الأمر بالأسباب التي توجب حسن الخلق من الكرم والسخاء والحلم والحياء والتواضع والاحتمال وكف الأذى والصفح والعفو وكظم الغيظ والطلاقة والبشر ونحو ذلك من الأخلاق الجميلة فإن النفس إذا تخلقت بهذه الأخلاق وصارت لها عادة أوجب لها ذلك دفع الغضب عند حصول أسبابه والثاني أن يكون المراد لا تعمل بمقتضى الغضب إذا حصل لك بل جاهد نفسك على ترك تنفيذه والعمل بما يأمر به فإن الغضب إذا ملك شيئا من بني آدم كان الآمر والناهي له ولهذا المعنى قال الله عز وجل ولما سكت عن موسى الغضب الأعراف وإذا لم يمتثل الإنسان ما يأمره به غضبه وجاهد نفسه على ذلك اندفع عنه شر الغضب وربما سكن غضبه وذهب عاجلا وكأنه حينئذ لم يغضب وإلى هذا المعنى وقعت الإشارة في القرآن بقوله عز وجل وإذا ما غضبوا هم يغفرون الشورى وبقوله عز وجل والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب
146
المحسنين آل عمران وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر من غضب بتعاطي أسباب تدفع عنه الغضب وتسكنه ويمدح من ملك نفسه عند غضبه ففي الصحيحين عن سليمان بن صرد قال استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ونحن عنده جلوس وأحدهما يسب صاحبه مغضبا قد احمر وجهه فقال النبي صلى الله عليه وسلم إني لا أعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فقالوا للرجل ألا تسمع ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم قال إني لست بمجنون وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته ألا إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم أفما رأيتم إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه فمن أحس من ذلك بشيء فليلزق بالأرض وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع وقد قيل إن المعنى في هذا أن القائم متهيئ للانتقام والجالس دونه في ذلك والمضطجع أبعد عنه فأمره بالتباعد عنه حالة الانتقام ويشهد لذلك أنه روي من حديث سنان بن سعد عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن حديث الحسن مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الغضب جمرة في قلب الإنسان توقد ألا ترى إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه فإذا أحس أحدكم من ذلك شيئا فليجلس ولا يعدونه الغضب والمراد أنه يحبسه في نفسه ولا يعديه إلى غيره بالأذى بالفعل ولهذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وسلم في الفتن إن المضطجع فيها خير من القاعد والقاعدة فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الساعي وإن كان هذا على وجه ضرب المثال في الإسراع في الفتن إلا أن المعنى أن من كان أقرب إلى الإسراع فيها فهو شر ممن كان أبعد عن ذلك وخرج الإمام أحمد من حديث ابن عباس عن النبي قال إذا غضب أحدكم فليسكت قالها ثلاثا وهذا أيضا دواء عظيم للغضب لأن الغضبان يصدر منه في حال غضبه من القول ما يندم عليه في حال زوال غضبه كثيرا من السباب وغيره مما يعظم ضرره فإذا سكت زال هذا الشر كله عنده وما أحسن قول مورق العجلي رحمه الله ما امتلأت غضبا قط ولا تكلمت في غضب قط بما أندم عليه إذا رضيت وغضب يوما عمر بن عبدالعزيز فقال له ابنه عبدالملك رحمهما الله أنت يا أمير المؤمنين مع ما أعطاك الله وفضلك به تغضب هذا الغضب فقال له أو ما تغضب يا عبدالملك فقال له عبدالملك وما يغني عني سعة جوفي إذا لم أردد فيه الغضب حتى لا يظهر فهؤلاء قوم ملكوا أنفسهم عند الغضب رضي الله عنهم وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث عروة بن محمد السعدي أنه كلمه رجل فأغضبه فقام فتوضأ ثم قال حدثني أبي عن جدي عطية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ وروى أبو نعيم بإسناده عن أبي مسلم الخولاني أنه كلم معاوية بشيء وهو على المنبر
147
فغضب ثم نزل فاغتسل ثم عاد إلى المنبر وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الغضب من الشيطان والشيطان من النار والماء يطفيء النار فإذا غضب أحدكم فليغتسل وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما تعدون الصرعة فيكم قلنا الذي لا تصرعه الرجال قال ليس ذلك ولكنه الذي يملك نفسه عن الغضب وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث معاذ بن أنس الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره في أي الحور شاء وخرج الإمام أحمد من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما تجرع عبد جرعة أفضل عند الله من جرعة غيظ يكظمها ابتغاء وجه الله تعالى ومن حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد ما كظم عبد لله إلا ملأ الله جوفه إيمانا وخرج أبو داود معناه من رواية بعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال ملأه الله أمنا وإيمانا وقال ميمون بن مهران جاء رجل إلى سلمان فقال يا أبا عبدالله أوصني قال لا تغضب قال أمرتني أن لا أغضب وإنه ليغشاني ما لا أملك قال فإن غضبت فاملك لسانك ويدك خرجه ابن أبي الدنيا وملك لسانه ويده هو الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بأمره لمن غضب أن يجلس ويضطجع وبأمره له أن يسكت قال عمر بن عبدالعزيز قد أفلح من عصم عن الهوى والغضب والطمع وقال الحسن أربع من كن فيه عصمه الله من الشيطان وحرمه على النار من ملك نفسه عند الرغبة والرهبة والشهوة والغضب فهذه الأربع التي ذكرها الحسن هي مبدأ الشر كله فإن الرغبة في الشيء هي ميل النفس إليه لاعتقاد نفعه فمن حصل له رغبة في شيء حملته تلك الرغبة على طلب ذلك الشيء من كل وجه يظنه موصلا إليه وقد يكون كثير منها محرما وقد يكون ذلك الشيء المرغوب فيه محرما والرهبة هي الخوف من الشيء وإذا خاف الإنسان من شيء تسبب في دفعه عنه بكل طريق يظنه دافعا له وقد يكون كثير منها محرما والشهوة هي ميل النفس إلى ما يلائمها وتلتذ به وقد تميل كثيرا إلى ما هو محرم كالزنا والسرقة وشرب الخمر وإلى الكفر والسحر والنفاق والبدع والغضب هو غليان دم القلب طلبا لدفع المؤذي عنه خشية وقوعه أو طلبا للانتقام ممن حصل له منه الأذى بعد وقوعه وينشأ من ذلك كثير من الأفعال المحرمة كالقتل والضرب وأنواع الظلم والعدوان وكثير من الأقوال المحرمة كالقذف والسب والفحش وربما ارتقى إلى درجة الكفر كما جرى لجبلة بن الأيهم وكالأيمان التي لا يجوز التزامها شرعا وكطلاق الزوجة الذي يعقب الندم والواجب على المؤمن أن تكون شهوته مقصورة على طلب ما أباحه الله له وربما تناولها بنية صالحة فأثيب عليها وأن يكون غضبه دفعا للأذى في الدين له أو لغيره وانتقاما
148
ممن عصى الله ورسوله كما قال تعالى قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم التوبة وهذه كانت حال النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان لا ينتقم لنفسه ولكن إذا انتهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء ولم يضرب بيده خادما ولا امرأة إلا أن يجاهد في سبيل الله وخدمه أنس عشر سنين فما قال له أف قط ولا قال له لشيء فعله لم فعلت كذا ولا لشيء لم يفعله ألا فعلت كذا وفي رواية أنه كان إذا لامه بعض أهله قال صلى الله عليه وسلم دعوه فلو قضى شيء كان وفي رواية للطبراني قال أنس خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما دريت شيئا قط وافقه ولا شيئا خالفه رضي من الله بما كان وسئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت كان خلقه القرآن يعني أنه كان يتأدب بآدابه ويتخلق بأخلاقه فما مدحه القرآن كان فيه رضاه وما ذمه القرآن كان فيه سخطه وجاء في رواية عنها قالت كان خلقه القرآن يرضى لرضاه ويسخط لسخطه وكان صلى الله عليه وسلم لشدة حيائه لا يواجه أحدا بما يكره بل تعرف الكراهة في وجهه كما في الصحيح عن أبي سعيد الخدري قال كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه ولما بلغه ابن مسعود قول القائل هذه قسمة ما أريد بها وجه الله شق عليه صلى الله عليه وسلم وتغير وجهه وغضب ولم يزد على أن قال لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر وكان صلى الله عليه وسلم إذا رأى أو سمع ما يكرهه الله غضب لذلك وقال فيه ولم يسكت وقد دخل بيت عائشة رضي الله عنها فرأى سترا فيه تصاوير فتلون وجهه وهتكه وقال إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يصورون هذه الصور ولما شكي إليه الإمام الذي يطيل بالناس صلاته حتى يتأخر بعضهم عن الصلاة معه غضب واشتد غضبه ووعظ الناس وأمر بالتخفيف ولما رأى النخامة في قبلة المسجد تغيظ وحكها وقال إن أحدكم إذا كان في الصلاة فإن الله حيال وجهه فلا يتنخمن حيال وجهه في الصلاة وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم أسألك كلمة الحق في الغضب والرضا وهذا عزيز جدا وهو أن الإنسان لا يقول سوى الحق سواء غضب أو رضي فإن أكثر الناس إذا غضب لا يتوقف فيما يقول وخرج الطبراني من حديث أنس مرفوعا ثلاث من أخلاق الإيمان من إذا غضب لم يدخله غضبه في باطل ومن إذا رضي لم يخرجه رضاه من حق ومن إذا قدر لم يتعاط ما ليس له وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخبر عن رجلين ممن كان قبلنا كان أحدهما عابدا وكان الآخر مسرفا على نفسه وكان العابد يعظه فلا ينتهي فرآه يوما على ذنب استعظمه فقال والله لا يغفر الله لك فغفر للمذنب وأحبط عمل العابد وقال أبو هريرة لقد تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرت فكان أبو هريرة يحذر الناس أن يقولوا مثل هذه الكلمة في غضب وقد خرجه الإمام أحمد وأبو داود فهذا غضب لله ثم تكلم في حال غضبه لله بما لا يجوز وحتم على الله بما لا يعلم فأحبط الله عمله فكيف بمن
149
تكلم في غضبه لنفسه ومتابعة هواه بما لا يجوز وفي صحيح مسلم عن عمران بن حصين أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة فضجرت فلعنتها فسمع النبي صلى الله عليه وسلم فقال خذوا متاعها ودعوها وفيه أيضا عن جابر قال سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ورجل من الأنصار على ناضح له فتلدن عليه بعض التلدن فقال له سر يلعنك الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انزل عنه فلا يصحبنا ملعون لا تدعوا على أنفسكم ولا على أولادكم ولا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم فهذا كله يدل على أن دعاء الغضبان قد يجاب إذا صادف ساعة إجابة وأنه ينهى عن الدعاء على نفسه وأهله وماله في الغضب وأما ما قاله مجاهد في قوله تعالى ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم يونس قال هو الواصل لأهله وولده وماله إذا غضب عليه قال اللهم لا تبارك فيه اللهم العنه يقول لو عجل له ذلك لأهلك من دعا عليه فأماته فهذا يدل على أنه لا يستجاب ما يدعوا به الغضبان على نفسه وأهله وماله والحديث دل على أنه قد يستجاب لمصادفته ساعة إجابة وأما ما روي عن الفضيل بن عياض قال ثلاثة لا يلامون على غضب الصائم والمريض والمسافر وعن الأحنف بن قيس قال يوحي الله إلى الحافظين اللذين مع ابن آدم لا تكتبا على عبدي في ضجره شيئا وعن أبي عمران الجوني قال إن المريض إذ جزع فأذنب قال الملك الذي على اليمين للملك الذي على الشمال لا تكتب خرجه ابن أبي الدنيا فهذا كله لا يعرف له أصل صحيح من الشرع يدل عليه والأحاديث التي ذكرناها من قبل تدل على خلافه وقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا غضب فليسكت يدل على أن الغضبان مكلف في حال غضبه بالسكوت فيكون حينئذ مؤاخذة بالكلام وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر من غضب أن يتلافى غضبه بما يسكته من أقوال وأفعال وهذا هو عين التكليف له بقطع الغضب فكيف يقال إنه غير مكلف في حال غضبه بما يصدر منه وقال عطاء بن أبي رباح ما أبكى العلماء بكاء آخر العمر من غضبة يغضبها أحدهم فيهدم عمر خمسين سنة أو ستين سنة أو سبعين سنة ورب غضبة قد أقحمت صاحبها مقحما ما استقاله خرجه ابن أبي الدنيا ثم إن من قال من السلف إن الغضبان إذا كان سبب غضبه مباحا كالمرض أو السفر أو الطاعة كالصوم لا يلام عليه إنما مراده أنه لا إثم عليه إذا كان مما يقع منه في حال الغضب كثيرا من كلام يوجب تضجرا أو سبا ونحوه كما قال صلى الله عليه وسلم إنما أنا بشر أرضى كما يرضي البشر وأغضب كما يغضب البشر فأيما مسلم سببته أو جلدته فاجعلها له كفارة فأما ما كان من كفر أو رده أو قتل نفس أو أخذ مال بغير حق ونحو ذلك فهذا لا يشك مسلم أنهم لم يريدوا أن الغضبان لا يؤاخذ به وكذلك ما يقع من الغضبان من طلاق وعتاق أو يمين فإنه يؤاخذ بذلك كله بغير خلاف وفي مسند الإمام أحمد
150
عن خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أنها راجعت زوجها فغضب فظاهر منها وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه وضجر وأنها جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعلت تشكو إليه ما تلقى من سوء خلقه فأنزل الله آية الظهار وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بكفارة في قصة طويلة وخرجها ابن أبي حاتم من وجه آخر عن أبي العالية أن خولة غضب زوجها فظاهر منها فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك وقالت إنه لم يرد الطلاق فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما أراك إلا حرمت عليه وذكر القصة بطولها وفي آخرها قال فحول الله الطلاق فجعله ظهارا فهذا الرجل ظاهر في حال غضبه وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرى حينئذ أن الظهار طلاق وقد قال إنها حرمت عليه بذلك يعني لزمه الطلاق فلما جعله الله ظهارا مكفرا ألزمه بالكفارة ولم يلغه وروى مجاهد عن ابن عباس أن رجلا قال له إني طلقت امرأتي ثلاثا وأنا غضبان فقال ابن عباس لا يستطيع أن يحل لك ما حرم الله عليك عصيت ربك وحرمت عليك امرأتك خرجه الجوزجاني والدارقطني بإسناد على شرط مسلم وخرج القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتاب أحكام القرآن بإسناد صحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت اللغو في الأيمان ما كان في المراء والهزل والمزاحة والحديث الذي لا يعقد عليه القلب وأيمان الكفارة على كل يمين حلفت عليها على جد من الأمر في غضب أو غيره لتفعلن أو لتتركن فذلك عقد الأيمان فيها الكفارة وكذا رواه وهب عن يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة وهذا من أصح الأسانيد وهذا يدل على أن الحديث المروي عنها مرفوعا لا طلاق ولا عتاق في إغلاق إما أنه غير صحيح أو إن تفسيره بالغضب غير صحيح وقد صح عن غير واحد من الصحابة أنهم أفتوا أن يمين الغضبان منعقدة وفيها الكفارة وما روي عن ابن عباس مما يخالف ذلك فلا يصح إسناده قال الحسن طلاق السنة أن يطلقها واحدة طاهرا من غير جماع وهو بالخيار ما بينه وبين أن تحيض ثلاث حيض فإن بداله أن يراجعها كان أملك بذلك فإن كان غضبان ففي ثلاث حيض أو في ثلاثة أشهر إن كانت لا تحيض ما يذهب غضبه وقال الحسن لقد بين الله لئلا يندم أحد في طلاق كما أمره الله خرجه القاضي إسماعيل وقد جعل كثير من العلماء الكنايات مع الغضب كالصريح في أنه يقع بها الطلاق ظاهرا ولا يقبل تفسيرها مع الغضب بغير الطلاق ومنهم من جعل الغضب مع الكنايات كالنية فأوقع بذلك الطلاق في الباطن أيضا فكيف يجعل الغضب مانعا من وقوع صريح الطلاق الحديث السابع عشر عن أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته رواه مسلم
151
وهذا حديث خرجه مسلم دون البخاري من رواية أبي قلابة عن أبي الأشعث الصنعاني عن شداد بن أوس وتركه البخاري لأنه لم يخرج في صحيحه لأبي الأشعث شيئا وهو شامي وقد روي نحوه من حديث سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله عز وجل محسن فأحسنوا فإذا قتل أحدكم فليحسن مقتوله وإذا ذبح فليحد شفرته وليرح ذبيحته خرجه ابن عدي وخرج الطبراني من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا حكمتم فاعدلوا وإذا قلتم فأحسنوا فإن الله محسن يحب المحسنين فقوله صلى الله عليه وسلم إن الله كتب الإحسان على كل شيء وفي رواية لأبي إسحاق الفزاري في كتاب السير عن خالد عن أبي قلابة عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله كتب الإحسان على كل شيء أو قال على كل خلق هكذا خرجها مرسلة وبالشك في كل شيء أو كل خلق وظاهره يقتضي أنه كتب على كل مخلوق الإحسان فيكون كل شيء أو كل مخلوق هو المكتوب عليه والمكتوب هو الإحسان وقيل إن المعنى أن الله كتب الإحسان إلى كل شيء أو في كل شيء أو كتب الإحسان في الولاية على كل شيء فيكون المكتوب عليه غير مذكور وإنما المذكور المحسن إليه ولفظ الكتابة يقتضي الوجوب عند أكثر الفقهاء والأصوليين خلافا لبعضم وإنما استعمال لفظة الكتابة في القرآن فيما هو واجب حتم إما شرعا كقوله تعالى إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا النساء وقوله كتب عليكم الصيام البقرة كتب عليكم القتال البقرة أو فيما هو واقع قدرا لا محالة كقوله كتب الله لأغلبن أنا ورسلي المجادلة وقوله ولقد
152
كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون الأنبياء وقوله أولئك كتب في قلوبهم الإيمان المجادلة وقال النبي صلى الله عليه وسلم في قيام شهر رمضان إني خشيت أن يكتب عليكم وقال أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب على وقال كتب على ابن آدم حظه من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة وحينئذ فهذا الحديث نص في وجوب الإحسان وقد أمر الله تعالى به فقال إن الله يأمر بالعدل والإحسان النحلوقال أحسنوا إن الله يحب المحسنين البقرةوهذا الأمر بالإحسان تارة يكون للوجوب كالإحسان إلى الوالدين والأرحام بمقدار ما يحصل به البر والصلة والإحسان إلى الضيف بقدر ما يحصل به قراه على ما سبق ذكره وتارة يكون للندب كصدقة التطوع ونحوها وهذا الحديث يدل على وجوب الإحسان في كل شيء من الأعمال لكن إحسان كل شيء بحسبه فالإحسان في الإتيان بالواجبات الظاهرة والباطنة الإتيان بها على وجه كمال واجباتها فهذا القدر من الإحسان فيها واجب وأما الإحسان فيها بإكمال مستحباتها فليس بواجب والإحسان في ترك الحرمات الانتهاء عنها وترك ظاهرها وباطنها كما قال تعالى وذروا ظاهر الإثم وباطنه الأنعام فهذا القدر من الإحسان فيها واجب وأما الإحسان في الصبر على المقدورات فأن يأتي بالصبر عليها على وجهه من غير تسخط ولا جزع والإحسان الواجب في معاملة الخلق ومعاشرتهم القيام بما أوجب الله من حقوق ذلك كله والإحسان الواجب في ولاية الخلق وسياستهم القيام بواجبات الولاية كلها والقدر الزائد على الواجب في ذلك كله إحسان ليس بواجب والإحسان في قتل ما يجوز قتله من الناس والدواب إزهاق نفسه على أسرع الوجوه وأسهلها وأرجاها من غير زيادة في التعذيب فإنه إيلام لا حاجة إليه وهذا النوع هو الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ولعله ذكره على سبيل المثال أو لحاجته إلى بيانه في تلك الحال فقال إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة والقتلة والذبحة بالكسر أي الهيئة والمعني أحسنوا هيئة الذبح وهيئة القتل وهذا يدل على وجوب الإسراع في إزهاق النفوس التي يباح إزهاقها على أسهل الوجوه وقد حكى ابن حزم الإجماع على وجوب الإحسان في الذبيحة وأسهل وجوه قتل الآدمي ضربه بالسيف على العنق قال الله تعالى في حق الكفار فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب محمد وقال سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان الأنفال وقد قيل إنه عين الموضع الذي يكون الضرب فيه أسهل على المقتول وهو فوق العظام ودون الدماغ ووصى دريد بن الصمة قاتله أن يقتله
153
كذلك وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية تغزوا في سبيل الله قال لهم لا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا وخرج أبو داود وابن ماجه من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أعف الناس قتلة أهل الإيمان وخرج أحمد وأبو داود من حديث عمران بن حصين وسمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن المثلة وخرج البخاري من حديث عبدالله بن يزيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن المثلة وخرج الإمام أحمد من حديث يعلى بن مرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى لا تمثلوا بعبادي وخرج أيضا من حديث رجل من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من مثل بذي روح ثم لم يتب مثل الله به يوم القيامة واعلم أن القتل المباح يقع على وجهين أحدهما قصاص فلا يجوز التمثيل فيه بالمقتص منه بل يقتل كما قتل فإن كان قد مثل بالمقتول فهل يمثل به كما فعل أم لا يقتل إلا بالسيف فيه قولان مشهوران للعلماء أحدهما أنه يفعل به كما فعل وهو قول مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه وفي الصحيحين عن أن قال خرجت جارية عليها أوضاح بالمدينة فرماها يهودي بحجر فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبها رمق فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلان قتلك فرفعت رأسها فقال لها في الثالثة فلان قتلك فخفضت رأسها فدعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضخ رأسه بين حجرين وفي رواية لهما فأخذ فاعترف وفي رواية لمسلم أن رجلا من اليهود قتل جارية من الأنصار على حلي لها ثم ألقاها في القليب ورضخ رأسها بالحجارة فأخذ فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فأمر به أن يرجم حتى يموت فرجم حتى مات والقول الثاني لا قود إلا بالسيف وهو قول الثوري وأبي حنيفة رضي الله عنه ورواية عن أحمد وعن أحمد رواية ثالثة يفعل به كما فعل إلا أن يكون حرقه بالنار أو مثل به فيقتل بالسيف للنهي عن المثلة وعن التحريق بالنار نقلها عنه الأثرم وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا قود إلا بالسيف خرجه ابن ماجه بإسناد ضعيف وقال أحمد يروي لا قود إلا بالسيف وليس إسناده بجيد وحديث أنس يعني في قتل اليهودي بالحجارة أسند منه وأجود لو مثل به ثم قتله مثل أن قطع أطرافه ثم قتله فهل يكتفي بقتله أم يصنع به كما صنع فيقطع أطرافه ثم يقتل على قولين أحدهما يفعل به كما فعل سواء وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين وإسحاق وغيرهم والثاني يكتفي بقتله وهو قول الثوري وأحمد في رواية وأبى يوسف ومحمد وقال مالك إن فعل به ذلك على سبيل التمثيل والتعذيب فعل به كما فعل وإن لم يكن على هذا الوجه اكتفى بقتله والوجه الثاني أن يكون القتل للكفر إما لكفر أصلي أو لردة عن الإسلام فأكثر العلماء على كراهة المثلة فيه أيضا وأنه يقتل فيه بالسيف وقد روى عن طائفة من السلف جواز التمثيل فيه بالتحريق بالنار وغير ذلك كما فعله خالد بن الوليد وغيره وروي عن أبي بكر أنه حرق الفجأة بالنار وروي أن أم فرقد الفرارية ارتدت في عهد أبي بكر الصديق فأمر بها
154
فشدت ذؤابتها في أذناب قلوصين أو فرسين ثم صاح بهما فتقطعت المرأة وأسانيد هذه القصة متقطعة وقد ذكر ابن سعد في طبقاته بغير إسناد أن زيد بن حارثة قتلها هذه القتلة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وصح عن على أنه حرق المرتدين وأنكر ذلك ابن عباس عليه وقيل إنه لم يحرقهم وإنما دخن عليهم حتى ماتوا وقيل إنه قتلهم ثم حرقهم ولا يصح ذلك وروي عنه أنه جيء بمرتد فأمر به فوطيء بالأرجل حتى مات واختار ابن عقيل من أصحابنا جواز القتل بالتمثيل للكفر لا سيما إذا تغلظ وحمل النهي عن المثلة على القتل بالقصاص واستدل من أجاز ذلك بحديث العرنيين وقد خرجاه في الصحيحين من حديث أنس أن أناسا من عرينة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فاجتووها فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها فافعلوا ففعلوا فصحوا ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم وارتدوا عن الإسلام واستاقوا ذود رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فبعث في آثرهم فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا وفي رواية ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا وفي رواية وسمر أعينهم وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون وفي رواية الترمذي قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وفي رواية النسائي وحرقهم وقد اختلف العلماء في وجه عقوبة هؤلاء فمنهم من قال من فعل مثل فعلهم فمن ارتد وحارب وأخذ المال صنع به كما صنع بهؤلاء وروي هذا عن طائفة منهم أبو قلابة وهو رواية عن أحمد ومنهم من قال بل هذا يدل على جواز التمثيل ممن تغلظت جرائمه في الجملة وإنما نهى عن التمثيل في القصاص وهو قول ابن عقيل من أصحابنا ومنهم من قال نسخ ما فعل بالعرنيين بالنهي عن المثلة ومنهم من قال كان قبل نزول الحدود وآية المحاربة ثم نسخ بذلك وهذا قول جماعة منهم الأوزاعي وأبو عبيدة ومنهم من قال بل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم بهم إنما كان من باب المحاربة ولم ينسخ شيء من ذلك وقالوا إنما قتلهم النبي صلى الله عليه وسلم وقطع أيديهم لأنهم أخذوا المال ومن أخذ المال وقتل قطع وقتل وصلب حتما فيقتل لقتله ويقطع لأخذه المال يده ورجله من خلاف ويصلب لجمعه بين الجنايتين وهما القتل وأخذ المال وهذا قول الحسن ورواية عن أحمد وإنما سمل أعينهم لأنه سملوا أعين الرعاة كذا خرجه مسلم من حديث أنس وذكر ابن شهاب أنهم قتلوا الراعي ومثلوا به وذكر ابن سعد أنهم قطعوا يده ورجله وغرسوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات وحينئذ فقد يكون قطعهم وسمل أعينهم وتعطيشهم قصاصا وهذا يتخرج على قول من يقول إن المحارب إذا جنى جناية توجب القصاص استوفاه منه قبل قتله وهو مذهب أحمد لكن هل يستوفى منه تحتما كقتله أم على وجه القصاص فيسقط بعفو الولي على روايتين عنه ولكن
155
رواية الترمذي أن قطعهم من خلاف يدل على أن قطعهم للمحاربة إلا أن يكونوا قد قطعوا يد الراعي ورجله من خلاف والله أعلم وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان أذن في التحريق بالنار ثم نهى عنه كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث فقال إن وجدتم فلانا وفلانا لرجلين من قريش فاحرقوهما بالنار ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أردنا الخروج إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا بالنار وإن النار لا يعذب بها إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما وفيه أيضا عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تعذبوا بعذاب الله عز وجل وخرج الإمام أحمد رحمه الله وأبو داود والنسائي من حديث ابن مسعود قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فمررنا بقرية نمل قد أحرقت فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال إنه لا ينبغي لبشر أن يعذب بعذاب الله عز وجل وقد حرق خالد جماعة في الردة وروي عن طائفة من الصحابة تحريق من عمل عمل قوم لوط وروي عن على أنه أشار على أبي بكر أن يقتله ثم يحرقه بالنار واستحسن ذلك إسحاق بن راهويه لئلا يكون تعذيبا بالنار وفي مسند الإمام أحمد أن عليا لما ضربه ابن ملجم قال افعلوا به كما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل برجل أراد قتله قال اقتلوه ثم حرقوه وأكثر العلماء على كراهة التحريق بالنار حتى للهوام وقال إبراهيم النخعي تحريق العقرب بالنار مثله ونهت أم الدرداء عن تحريق البرغوث بالنار وقال أحمد لا يشوى السمك في النار وهو حي وقال الجراد أهون لأنه لا دم له وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن صبر البهائم وهو أن تحبس البهيمة ثم تضرب بالنبل ونحوه حتى تموت ففي الصحيحين عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تصبر البهائم وفيهما أيضا عن ابن عمر أنه مر بقوم نصبوا دجاجة يرمونها فقال ابن عمر من فعل هذا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من فعل هذا وخرج مسلم من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يتخذ شيء فيه الروح غرضا والغرض هو الذي يرمي فيه بالسهام وفي مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الرمية أن ترمي الدابة ثم تؤكل ولكن تذبح ثم يرموا إن شاءوا وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة فلهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم إحسان القتل والذبح وأمر أن تحد الشفرة وأن تراح الذبيحة يشير إلى أن الذبح بآلة حادة تريح الذبيحة بتعجيل زهوق نفسها وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث ابن عمر قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحد الشفار وأن توارى عن البهائم وقال إذا ذبح أحدكم فليجهز يعني فليسرع الذبح وقد ورد الأمر بالرفق بالذبيحة عند ذبحها وخرج ابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل وهو يجر شاة بأذنها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دع أذنها وخذ بسالفتها والسالفة مقدم العنق وخرج الخلال والطبراني من حديث عكرمة عن ابن عباس قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل واضع رجله على صفحة شاة وهو يحد شفرته وهي تلحظ إليه
156
ببصرها فقال أفلا قبل هذا تريد أن تميتها موتات وقد روي عن عكرمة مرسلا خرجه عبدالرزاق وغيره وفيه زيادة هلا أعددت شفرتك قبل أن تضجعها وقال الإمام أحمد تقاد إلى الذبح قودا رفيقا وتواري السكين عنها ولا يظهر السكين إلا عند الذبح أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك أن تواري الشفار وقال ما أبهمت عليه البهائم فلم تبهم أنها تعرف ربها وتعرف أنها تموت وقال يروى عن ابن أسباط أنه قال إن البهائم جبلت على كل شيء إلا أنها تعرف ربها وتخاف الموت وقد ورد الأمر بقطع الأدواج عند الذبح كما خرجه أبو داود من حديث عكرمة عن ابن عباس وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن شريطة الشيطان وهي التي تذبح وتقطع الجلد ولا تفري الأوداج وخرجه ابن حبان في صحيحه وعنده قال عكرمة كانوا يقطعون منها الشيء اليسير ثم يدعونها حتى تموت ولا يقطعون الودج فنهى عن ذلك وروي عبدالرزاق في كتابه عن محمد بن راشد عن الوضعين بن عطاء قال إن جزارا فتح بابا على شاة ليذبحها فانفلتت منه حتى جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فأتبعها فأخذ يسحبها برجلها فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم اصبري لأمر الله وأنت يا جزار فسقها إلى الموت سوقا رفيقا وبإسناده عن ابن سيرين أن عمر رأى رجلا يسحب شاة برجلها ليذبحها فقال له ويلك قدها إلى الموت قودا جميلا وروى محمد بن زياد أن عمر رأى قصابا يجر شاة فقال سقها إلى الموت سوقا جميلا فأخرج القصاب شفرة فقال ما أسوقها سوقا جميلا وأنا أريد أن أذبحها الساعة فقال سقها إلى الموت سوقا جميلا فأخرج القصاب شفرته فقال ما أسوقها سوقا جميلا وأنا أريد أن أذبحها فقال سقها سوقا جميلا وفي مسند الإمام أحمد عن معاوية ابن قرة عن أبيه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله إني لأذبح الشاة أنا أرحمها فقال النبي صلى الله عليه وسلم والشاة إن رحمتها رحمك الله وقال مطرف بن عبدالله إن الله ليرحم برحمة العصفور وقال عوف البكالي إن رجلا ذبح عجلا له بين يدي أمه فخبل فبينما هو تحت شجرة فيها وكر فيه فرخ فوقع الفرخ إلى الأرض فرحمه فأعاده في مكانه فرد الله عليه قوته وقد روي من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن توله والدة عن ولدها وهو عام في بني آدم وغيرهم وفي سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الفرع فقال هو حق وإن تتركوه حتى يكون بكرا ابن مخاض أو ابن لبون فتعطيه أرملة أو يحمل عليه في سبيل الله خير من أن تذبحه فيلصق لحمه بوبره وتكفي إناءك وقوله ناقتك والمعنى أن ولد الناقة إذا ذبح وهو صغير عند ولادته لم ينتفع بلحمه وتضرر صاحبه بانقطاع لبن ناقته ويكفي إناه وهو المحلب الذي تحتلب فيه الناقة وتوله الناقة على ولدها بفقدها إياه الحديث الثامن عشر عن أبي ذر جندب بن جنادة وأبي عبدالرحمن معاذ بن جبل رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن رواه الترمذي وقال حديث حسن
157
هذا الحديث خرجه الترمذي من رواية سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن ميمون بن أبي شبيب عن أبي ذر وخرجه أيضا بهذا الإسناد عن ميمون عن معاذ وذكر عن شيخه محمود بن غيلان أنه قال حديث أبي ذر أصح فهذا الحديث قد اختلف في إسناده فقيل فيه عن حبيب عن ميمون أن النبي صلى الله عليه وسلم وصى بذلك مرسلا ورجح الدارقطني هذا المرسل وقد حسن الترمذي هذا الحديث وما وقع في بعض النسخ من تصحيحه فبعيد ولكن الحاكم خرجه وقال صحيح على شرط الشيخين وهو وهم من وجهين أحدهما أن ميمون بن أبي شبيب ويقال ابن شبيب لم يخرج له البخاري في صحيحه شيئا ولا مسلم إلا في مقدمة كتابه عن المغيرة بن شعبة والثاني أن ميمون بن شبيب لم يصح سماعه من أحد من الصحابة قال الفلاس ليس من روايته سمعت ولم أخبر أن أحدا يزعم أنه سمع في شيء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقال أبو حاتم الرازي روايته عن أبي ذر وعائشة غير متصلة وقال أبو داود لم يدرك عائشة ولم ير عليا وحينئذ فلم يدرك معاذا بطريق الأولي وروى البخاري وشيخه على بن المديني وأبي زرعة وأبي حاتم وغيرهم أن الحديث لا يتصل إلا بصحة اللقي وكلام أحمد يدل على ذلك ونص عليه الشافعي في الرسالة وهذا كله خلاف رأي مسلم رحمه الله وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وصى به الوصية معاذا وأبا ذر من وجوه
158
أخر فخرج البزار من حديث أبي لهيعة عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى قوم فقال يا رسول الله أوصني فقال أفش السلام وابذل الطعام واستحي من الله استحياء رجل ذي هيئة من أهلك وإذا أسأت فأحسن ولتحسن خلقك ما استطعت وخرج الطبراني والحاكم من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص أن معاذ ابن جبل أراد سفرا فقال يا رسول الله زدني قال استقم ولتحسن خلقك وخرج الإمام أحمد من حديث دراج عن أبي الهيثم عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له أوصيك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيته وإذا أسأت فأحسن ولا تسألن أحدا عن شيء وإن سقط سوطك ولا تقض أمانة ولا تقض بين اثنين وخرج أيضا من حديث آخر عن أبي ذر قال قلت يا رسول الله علمني عملا يقربني من الجنة ويباعدني من النار قال إذا عملت سيئة فاعمل حسنة فإنها عشر أمثالها قال قلت يا رسول الله أمن الحسنات لا إله إلا الله قال هي أحسن الحسنات وخرج ابن عبدالبر في التمهيد بإسناد فيه نظر عن أنس قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن فقال يا معاذ اتق الله وخالق الناس بخلق حسن وإذا عملت سيئة فأتبعها حسنة فقال قلت يا رسول الله لا إله إلا الله من الحسنات قال هي من أكبر الحسنات وقد رويت وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ من حديث ابن عمر وغيره بسياق مطول من وجوه فيها ضعف ويدخل في هذا المعنى حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل ما أكثر ما يدخل الناس الجنة قال تقوى الله وحسن اللقاء خرجه الإمام أحمد وابن ماجة والترمذي وصححه ابن حبان في صحيحه فهذه الوصية وصية عظيمة جامعة لحقوق الله وحقوق عباده فإن حق الله على عباده أن يتقوه حق تقاته والتقوى وصية الله للأولين والآخرين قال الله تعالى ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وأصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقاية تقيه من ذلك وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه وتارة تضاف التقوى إلى اسم الله عز وجل كقوله تعالى واتقوا الله الذي إليه تحشرون المائدة وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون الحشر فإذا أضيفت التقوى إليه سبحانه فالمعنى اتقوا سخطه وغضبه وهو أعظم ما يتقي وعن ذلك ينشأ عقابه الدنيوي والأخروي قال تعالى ويحذركم الله نفسه آل عمران وقال تعالى هو أهل التقوى وأهل المغفرة المدثر فهو سبحانه أهل أن يخشى ويهاب ويجل ويعظم في صدور عبادة حتى يعبدوه ويطيعوه لما يستحقه من الإجلال والإكرام وصفات الكبرياء والعظمة وقوة البطش وشدة البأس وفي الترمذي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية هو أهل التقوى
159
وأهل المغفرة المدثر قال الله تعالى أنا أهل التقوى فمن اتقاني فلم يجعل معي إلها آخر فأنا أهل أن غفر له وتارة تضاف التقوى إلى عقاب الله وإلى مكانه كالنار أو إلى زمانه كيوم القيامة كما قال تعالى واتقوا النار التي أعدت للكافرين آل عمران وقال تعالى فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين البقرة وقال تعالى واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله البقرة واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا البقرة ويدخل في التقوى الكاملة فعل الواجبات وترك المحرمات والشبهات وربما دخل فيها بعد ذلك فعل المندوبات وترك المكروهات وهي أعلى درجات التقوى قال الله تعالى الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون البقرة وقال تعالى ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون البقرة قال معاذ بن جبل ينادي يوم القيامة أين المتقون فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب منهم ولا يستتر قالوا له من المتقون قال قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا لله بالعبادة وقال ابن عباس المتقون الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدي ويرجون رحمته في التصديق بما جاء به وقال الحسن المتقون اتقوا ما حرم الله عليهم وأدوا ما اقترض الله عليهم وقال عمر بن عبدالعزيز ليس تقوى الله بصيام النهار ولا بقيام الليل والتخليط فيما بين ذلك ولكن تقوى الله ترك ما حرم الله وأداء ما افترض الله فمن رزق بعد ذلك خيرا فهو خير إلى خير وقال طلق بن حبيب التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله وعن أبي الدرداء قال تمام التقوى أن يتقي الله العبد حتى يتقيه من مثقال ذرة وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما يكون حجابا بينه وبين الحرام فإن الله قد بين للعباد الذي يصيرهم إليه فقال فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره الزلزلة فلا تحقرن شيئا من الخير أن تفعله ولا شيئا من الشر أن تتقيه وقال الحسن ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرا من الحلال مخافة الحرام وقال الثوري إنما سموا متقين لأنهم اتقوا ما لا يتقي وقال موسى بن أعين المتقون تنزهوا عن أشياء من الحلال مخافة أن يقعوا في الحرام فسماهم الله متقين وقد سبق حديث لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس وحديث من اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه وقال ميمون بن مهران المتقي أشد محاسبة لنفسه من الشريك الشحيح لشريكه وقال ابن مسعود
160
في قوله تعالى اتقوا الله حق تقاته قال أن يطاع فلا يعصي ويذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا يكفر وخرجه الحاكم مرفوعا والموقوف أصح وشكره يدخل فيه جميع فعل الطاعات ومعنى ذكره فلا ينسي ذكر العبد بقلبه لأوامر الله في حركاته وسكناته وكلماته فيمتثلها ولنواهيه في ذلك كله فيجتنبها وقد يغلب استعمال التقوى على اجتناب المحرمات كما قال أبو هريرة وسئل عن التقوى فقال هل أخذت طريقا ذا شوك قال نعم قال فكيف صنعت قال إذا رأيت الشوك عزلت عنه أو جاوزته أو قصرت عنه قال ذاك التقوى وأخذ هذا المعنى ابن المعتمر فقال خل الذنوب صغيرها وكبيرها فهو التقي واصنع كماش فوق أر ض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى وأصل التقوى أن يعلم العبد ما يتقثم يتقي قال عون بن عبدالله تمام التقوى أن تبتغي علم مالم تعلم منها إلى ما علمت منها وذكر معروف الكرخي عن بكر بن خنيس قال كيف يكون متقيا من لا يدري ما يتقي ثم قال معروف الكرخي إذا كنت لا تحسن تتقي أكلت الربا وإذا كنت لا تحسن تتقي لقيتك امرأة ولم تغض بصرك وإذا كنت لا تحسن تتقي وضعت سيفك على عاتقك وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمحمد بن مسلمة إذا رأيت أمتي قد اختلفت فاعمد إلى سيفك فاضرب به أحدا ثم قال معروف ومجلسي هذا لعله كان ينبغي لنا أن نتقيه ثم قال مجيئكم معي من المسجد إلى ها هنا كان ينبغي لنا أن نتقيه أليس جاء في الحديث أن فتنة المتبوع مذلة التابع يعني مشى الناس خلف الرجل وفي الجملة فالتقوى هي وصية الله لجميع خلقه ووصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته وكان صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرا على سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا ولما خطب صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يوم النحر وصى الناس بتقوى الله وبالسمع والطاعة لأئمتهم ولما وعظ الناس قالوا له كأنها موعظة مودع فأوصنا قال أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وفي حديث أبي ذر الطويل الذي خرجه ابن حبان وغيره قلت يا رسول الله أوصني قال أوصيك بتقوى الله فإنه رأس الأمر كله وخرج الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري قال قلت يا رسول الله أوصني قال أوصيك بتقوى الله فإنه رأس كل شيء وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام وخرجه غيره ولفظه قال عليك بتقوى الله فإنه جماع كل خير وفي الترمذي عن يزيد بن سلمة أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال يا رسول الله إني سمعت منك حديثا كثيرا فأخاف أن ينسيني أوله آخره فحدثني بكلمة تكون جماعا قال اتق الله فيما تعلم ولم يزل السلف الصالح يتواصون بها وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول في خطبه أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله وأن
161
تثنوا عليه بما هو أهله وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة وتجمعوا الإلحاف بالمسألة فإن الله عز وجل أثني على زكريا وأهل بيته فقال إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين الأنبياء ولما حضرته الوفاة وعهد إلى عمر دعاه فوصاه بوصيته وأول ما قال له اتق الله يا عمر وكتب عمر إلى ابنه عبدالله أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله عز وجل فإنه من اتقاه وقاه ومن أقرضه جزاه ومن شكره زاده واجعل التقوى نصب عينيك وجلاء قلبك واستعمل على بن أبي طالب رجلا على سرية فقال له أوصيك بتقوى الله عز وجل الذي لا بد لك من لقاه ولا منتهى لك دونه وهو يملك الدنيا والآخرة وكتب عمر بن عبدالعزيز إلى رجل أوصيك بتقوى الله عز وجل التي لا يقبل غيرها ولا يرحم إلا أهلها ولا يثيب إلا عليها فإن الواعظين بها كثير والعاملين بها قليل جعلنا الله وإياك من المتقين ولما ولى خطب فحمد الله وأثنى عليه وقال أوصيكم بتقوى الله عز وجل فإن تقوى الله عز وجل خلف من كل شيء وليس من تقوى الله خلف وقال رجل ليونس بن عبيد أوصني فقال أوصيك بتقوى الله والإحسان فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون وقال له رجل يريد الحج أوصني فقال له اتق الله فمن اتقى الله فلا وحشة عليه وقيل لرجل من التابعين عند موته أوصنا فقال أوصيكم بخاتمة سورة النحل إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون النحل وكتب رجل من السلف إلى أخ له أوصيك بتقوى الله فإنها من أكرم ما أسررت وأزين ما أظهرت وأفضل ما ادخرت أعاننا الله وإياك عليها وأوجب لنا ولك ثوابها وكتب رجل منهم إلى أخ له أوصيك وأنفسنا بالتقوى فإنها خير زاد الآخرة والأولى واجعلها إلى كل خير سبيلك ومن كل شر مهربك فقد تكفل الله عز وجل لأهلها بالنجاة مما يحذرون والرزق من حيث لا يحتسبون وقال شعبة كنت إذا أردت الخروج قلت للحكم ألك حاجة فقال أوصيك بما أوصي به النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه اللهم إني أسألك الهدي والتقى والعفة والغنى وقال أبو ذر قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ومن يتق الله يجعل له مخرجا ثم قال يا أبا ذر لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم فقوله صلى الله عليه وسلم اتق الله حيثما كنت مراده في السر والعلانية حيث يراه الناس وحيث لا يرونه وقد ذكرنا من حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له أوصيك بتقوى الله فى سر أمرك وعلانيته وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه أسألك خشيتك في الغيب والشهادة وخشية الله في الغيب والشهادة هي من المنجيات وقد سبق من حديث أبي الطفيل عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له استح من الله استحياء رجل ذي هيبة من أهلك وهذا هو السبب الموجب لخشية الله في السر فإن من علم أن الله يراه حيث كان وأنه مطلع على باطنه وظاهره وسره وعلانيته واستحضر ذلك في خلواته أوجب له ذلك
162
ترك المعاصي في السر وإلى هذا المعنى الإشارة في القرآن بقوله تعالى واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا النساء كان بعض السلف يقول لأصحابه زهدنا الله وإياكم في الحرام زهد من قدر عليه في الخلوة فعلم أن الله يراه فتركه من خشيته أو كما قال وقال الشافعي أعز الأشياء ثلاثة الجود من قلة والورع في خلوة وكلمة الحق عند من يرجى أو يخاف وكتب ابن السماك الواعظ إلى أخ له أما بعد أوصيك بتقوى الله الذي هو نجيك في سريرتك ورقيبك في علانيتك فاجعل الله من بالك على كل حال في ليلك ونهارك وخف الله بقدر قربه منك وقدرته عليك واعلم أنك بعينه ليس تخرج من سلطانه إلى سلطان غيره ولا من ملكه إلى ملك غيره فليعظم منه حذرك وليكثر منه وجلك والسلام قال أبو الجلد أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء قل لقومك ما بالكم تسترون الذنوب من خلقي وتظهرونها لي إن كنتم ترون أني لا أراكم فأنتم مشركون بي وإن كنتم ترون أني أراكم فلم تجعلوني أهون الناظرين إليكم وكان وهب بن الورد يقول خف الله على قدر قدرته عليك واستحي منه على قدر قربه منك وقال له رجل عظني فقال له اتق الله أن يكون أهون الناظرين إليك وكان بعض السلف يقول أتراك ترحم من لم يقر عينيه بمعصيتك حتى علم أن لا عين تراه غيرك وقال بعضهم ابن آدم إن كنت حيث ركبت المعصية لم تصف لك من عيني ناظرة إليك فلما خلوت بالله وحده صفت لك معصيته ولم تستحي منه حياءك من بعض خلقه ما أنت إلا أحد رجلين إن كنت ظننت أنه لا يراك فقد كفرت وإن كنت علمت أنه يراك فلم يمنعك منه ما منعك من أضعف خلقه لقد اجترأت دخل بعضهم غيضة ذات شجر فقال لو خلوت ههنا بمعصية من كان يراني فسمع هاتفا بصوت ملأ الغيضة ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير راود بعضهم أعرابية وقال لها ما يرانا إلا الكواكب قالت أين مكوكبها رأى محمد بن المنكدر رجلا واقفا مع امرأة يكلمها فقال إن الله يراكما سترنا الله وإياكما وقال الحارث المحاسبي المراقبة علم القلب بقرب الرب وسئل الجنيد بم يستعان على غض البصر قال بعلمك أن نظر الله إليك أسبق إلى ما تنظره وكان الإمام أحمد ينشد إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل خلوت ولكن قل على رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما يخفى عليه يغيب وكان ابن السماك ينشد يا مدمن الذنب أما تستحي والله في الخلوة ثانيكا غرك من ربك إمهاله وستره طول مساويكا
163
والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وصى معاذ بتقوى الله سرا وعلانية أرشده إلى ما يعينه على ذلك وهو أن يستحيى من الله كما يستحي من رجل ذي هيبة من قومه ومعنى ذلك أن يستشعر دائما بقلبه قرب الله منه واطلاعه عليه فيستحيى من نظره إليه وقد امتثل معاذ ما وصاه به النبي صلى الله عليه وسلم وكان عمر قد بعثه على عمل فقدم وليس معه شيء فعاتبته امرأته فقال كان معي ضاغط يعني من يضيق على ويمنعني من أخذ شيء وإنما أراد معاذ ربه عز وجل فظنت امرأته أن عمر بعث معه رقيبا فقامت تشكوه إلى الناس ومن صار له هذا المقام حالا دائما أو غالبا فهو من المحسنين الذين يعبدون الله كأنهم يرونه ومن المحسنين الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم وفي الجملة فتقوى الله في السر هو علامة كمال الإيمان وله تأثير عظيم في إلقاء الله لصاحبه الثناء في قلوب المؤمنين وفي الحديث ما أسر عبد سريرة إلا ألبسه الله رداءها علانية إن خيرا فخير وإن شرا فشر روي هذا مرفوعا وروي عن ابن مسعود من قوله وقال أبو الدرداء ليتق أحدكم أن تلعنه قلوب المؤمنين وهو لا يشعر يخلو بمعاصي الله فيلقى الله له البغض في قلوب المؤمنين وقال سليمان التيمي إن الرجل ليصيب الذنب في السر فيصبح وعليه مذلته وقال غيره إن العبد ليذنب الذنب فيما بينه وبين الله ثم يجيء إلى إخوانه فيرون أثر ذلك عليه وهذا من أعظم الأدلة على وجود الإله الحق المجازي بذرات الأعمال في الدنيا قبل الآخرة ولا يضيع عنده عمل عامل ولا ينفع من قدرته حجاب ولا استتار فالسعيد من أصلح ما بينه وبين الله فإنه من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الخلق ومن التمس محامد الناس بسخط الله عاد حامده من الناس ذاما له قال أبو سليمان إن الخاسر من أبدى للناس صالح عمله وبارز بالقبيح من هو أقرب إليه من حبل الوريد ومن أعجب ما روي في هذا ما روي عن أبي جعفر السائح قال كان حبيب أبو محمد تاجرا يكري الدراهم فمر ذات يوم بصبيان فإذا هم يلعبون فقال بعضهم لبعض قد جاء آكل الربا فنكس رأسه وقال يا رب أفشيت سري إلى الصبيان فرجع فجمع ماله كله وقال يا رب إني أسير وإني قد اشتريت نفسي منك بهذا المال فاعتقني فلما أصبح تصدق بالمال كله وأخذ في العبادة ثم مر ذات يوم بأولئك الصبيان فلما رأوه قال بعضهم لبعض اسكتوا فقد جاء حبيب العابد فبكى وقال يا رب أنت تذم مرة وتحمد مرة وكله من عندك وقوله صلى الله عليه وسلم واتبع السيئة الحسنة تمحها لما كان العبد مأمورا بالتقوى في السر والعلانية مع أنه لا بد أن يقع منه أحيانا تفريط في التقوى إما بترك بعض المأمورات أو بارتكاب بعض المحظورات فأمره بأن يفعل ما يمحو به هذه السيئة وهو أن يتبعها بالحسنة قال الله عز وجل وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين هود وفي
164
الصحيحين عن ابن مسعود أن رجلا أصاب من امرأة قبلة ثم أتى النبي فذكر ذلك له فسكت النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلت هذه الآية فدعاه فقرأها عليه فقال رجل هذا له خاصة قال بل للناس عامة وقد وصف الله المتقين في كتابه بمثل ما وصى به النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الوصية في قوله عز وجل وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين آل عمران فوصف المتقين بمعاملة الخلق بالإحسان إليهم بالإنفاق وكظم الغيظ والعفو عنهم فجمع بين وصفهم ببذل الندي واحتمال الأذى وهذا هو غاية حسن الخلق الذي وصى به النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ ثم وصفهم بأنهم إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ولم يصروا عليها فدل على أن المتقين قد يقع منهم أحيانا كبائر وهي الفواحش وصغائر وهي ظلم النفس لكنهم لا يصرون عليها بل يذكرون الله عقب وقوعها ويستغفرونه ويتوبون إليه منها والتوبة هي ترك الإصرار ومعنى قوله ذكروا الله ذكروا عظمته وشدة بطشه وانتقامه وما يوعد به على المعصية من العقاب فيوجب ذلك لهم الرجوع في الحال والاستغفار وترك الإصرار وقال الله تعالى إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون الأعراف وفي الصحيح انفرد مسلم برواية أخرى وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أذنب عبد ذنبا فقال رب إني عملت ذنبا فاغفر لي فقال الله علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب قد غفرت لعبدي ثم إذا أذنب ذنبا آخر إلى أن قال في الرابعة فليعمل ما شاء يعني ما دام على هذه الحال كلما أذنب ذنبا استغفر منه وفي الترمذي من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة وخرج الحاكم من حديث عقبة بن عامر أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم قال يا رسول الله أحدنا يذنب قال يكتب عليه قال ثم يستغفر منه قال يغفر له ويثاب عليه قال فيعود فيذنب قال يكتب عليه قال ثم يستغفر منه ويتوب قال يغفر له ويثاب عليه ولا يمل الله حتى تملوا وخرج الطبراني بإسناد ضعيف عن عائشة رضي الله عنها قالت جاء حبيب بن الحارث إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني رجل مقراف للذنوب قال فتب إلى الله عز وجل قال أتوب ثم أعود قال فكلما أذنبت فتب قال يا رسول الله إذا تكثر ذنوبي قال فعفو الله أكثر من ذنوبك يا حبيب بن الحارث وخرجه بمعناه من حديث أنس مرفوعا بإسناد ضعيف وبإسناده عن عبدالله بن عمرو قال من ذكر خطيئة عملها فوجل قلبه منها واستغفر الله لم يحسبها بشيء حتى يمحها وروي ابن أبي الدنيا
165
بإسناده عن على قال خياركم كل مفتن تواب قيل فإذا عاد قال يستغفر الله ويتوب قيل فإن عاد قال يستغفر الله ويتوب قيل فإن عاد قال يستغفر الله ويتوب قيل حتى متى قال حتى يكون الشيطان هو المحسور وخرج ابن ماجه من حديث ابن مسعود مرفوعا التائب من الذنب كمن لا ذنب له وقيل للحسن ألا يستحيى أحدنا من ربه يستغفر من ذنوبه ثم يعود ثم يستغفر ثم يعود فقال ود الشيطان لو ظفر منكم بهذا فلا تملوا من الاستغفار وروي عنه أنه قال ما أرى هذا إلا من أخلاق المؤمنين يعني أن المؤمن كلما أذنب تاب وقد روي المؤمن مفتن تواب وروي من حديث جابر بإسناد ضعيف مرفوعا المؤمن واه راقع فسعيد من هلك على دقعة وقال عمر بن عبدالعزيز في خطبته من أحسن منكم فليحمد الله ومن أساء فليستغفر الله وليتب فإنه لا بد من أقوام من أن يعملوا أعمالا وظفها الله في رقابهم وكتبها عليهم وفي رواية أخرى أنه قال أيها الناس من ألم بذنب فليستغفر الله وليتب فإن عاد فليستغفر الله وليتب فإن عاد فليستغفر وليتب فإنما هي خطايا مطوقة في أعناق الرجال وإن الهلاك في الإصرار عليها ومعنى هذا أن العبد لا بد أن يفعل ما قدر عليه من الذنوب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم كتب على ابن آدم حظه من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة ولكن الله جعل للعبد مخرجا مما وقع فيه من الذنوب ومحاه بالتوبة والاستغفار فإن فعل فقد تخلص من شر الذنوب وإن أصر على الذنب هلك وفي المسند من حديث عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ارحموا ترحموا واغفروا يغفر لكم ويل لأقماع القول ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون وفسر أقماع القول بمن كانت أذناه كالقمع لما سمع من الحكمة والموعظة الحسنة فإذا دخل شيء من ذلك في أذنه خرج في الأخرى ولم ينتفع بشيء مما سمع وقوله صلى الله عليه وسلم واتبع السيئة الحسنة قد يراد بالحسنة التوبة من تلك السيئة وقد ورد ذلك صريحا في حديث مرسل خرجه ابن أبي الدنيا من مراسيل محمد بن جبير أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذ إلى اليمن قال يا معاذ اتق الله ما استطعت واعمل بقوتك لله عز وجل ما أطقت واذكر الله عز وجل عند كل شجرة وحجر وإن أحدثت ذنبا فأحدث عنده توبة إن سرا فسر وإن علانية فعلانية وخرجه أبو نعيم بمعناه من وجه آخر ضعيف عن معاذ وقال قتادة قال سلمان إذا أسأت سيئة في سريرة فأحسن حسنة في سريرة وإذا أسأت سيئة في علانية فأحسن حسنة في علانية لكي تكون هذه بهذه وهذا يحتمل أنه أراد بالحسنة التوبة أو أعم منها وقد أخبر الله في كتابه أن من تاب من ذنبه فإنه يغفر له ذنبه أو يثاب عليه في مواضع كثيرة كقوله تعالى إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم النساء وقوله ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك
166
وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم النمل وقوله إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات الفرقان وقوله وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى طه وقوله إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا مريم وقوله والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله آل عمران قال عبدالرازق أخبرنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال بلغني أن إبليس حين نزلت هذه الآية والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم آل عمران الآية بكي ويروي عن ابن مسعود قال هذه الآية خير لأهل الذنوب من الدنيا وما فيها وقال ابن سيرين أعطانا الله هذه الآية مكان ما جعل لبني إسرائيل في كفارات ذنوبهم وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال رجل يا رسول الله لو كانت كفاراتنا ككفارات بني إسرائيل فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم لا نبغيها ثلاثا ما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه وكفارتها فإن كفرها كانت له خزيا في الدنيا وإن لم يكفرها كانت خزيا في الآخرة فما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل قال ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما النساء وقال ابن عباس في قوله تعالى ما جعل عليكم في الدين من حرج الحج قال هو سعة الإسلام وما جعل لأمة محمد من التوبة والكفارة وظاهر هذه النصوص يدل على أن من تاب إلى الله توبة نصوحا واجتمعت شروط التوبة في حقة فإنه يقطع بقبول الله توبته كما يقطع بقبول إسلام الكافر إذا أسلم إسلاما صحيحا وهذا قول الجمهور وكلام ابن عبدالبر يدل على أنه إجماع ومن الناس من قال لا يقطع بقبول التوبة بل يرجى وصاحبها تحت المشيئة وإن تاب واستدلوا بقوله إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فجعل الذنوب كلها تحت مشيئته وربما استدل بمثل قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم التحريم وبقوله فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين القصص وقوله وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون النور وقوله وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم التوبة والظاهر أن هذا في حق التائب لأن الاعتراف يقتضي الندم وفي حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه والصحيح قول الأكثرين وهذه الآيات لا تدل على عدم القطع فإن الكريم إذا أطمع لم يقطع من رجائه المطمع ومن ههنا قال ابن عباس إن عسى من الله واجب نقله عنه على بن طلحة وقد ورد جزاء الإيمان والعمل الصالح بلفظ عسى أيضا ولم يدل ذلك على أنه مقطوع به كما في قوله إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين التوبة وأما قوله ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء النساء فإن التائب ممن
167
شاء أن يغفر له كما أخبر بذلك في مواضع كثيرة من كتابه وقد يراد بالحسنة في قول النبي صلى الله عليه وسلم أتبع السيئة الحسنة ما هو أعم من التوبة كما في قوله تعالى وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات هود وقد روي من حديث معاذ أن الرجل الذي أنزلت بسببه هذه الآية أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ ويصلي وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من رجل يذنب ذنبا ثم يقوم فيتطهر ثم يصلي ثم يستغفر الله إلا غفر الله له ثم قرأ هذه الآية والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم آل عمران وفي الصحيحين عن عثمان أنه توضأ ثم قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا ثم قال من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه وفي مسند الإمام أحمد عن أبي الدرداء قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من توضأ فأحسن الوضوء ثم قام فصلى ركعتين أو أربعا يحسن فيهما الركوع والخشوع ثم استغفر الله عز وجل غفر له وفي الصحيحين عن أنس قال كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء رجل فقال يا رسول الله إني أصبت حدا فأقمه علي قال ولم يسأله عنه فحضرت الصلاة فصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما قضي النبي صلى الله عليه وسلم قام إليه الرجل فقال يا رسول الله إني أصبت حدا فأقم في كتاب الله قال أليس قد صليت معنا قال نعم قال فإن الله قد غفر لك ذنبك أو قال حدك وخرجه مسلم بمعناه من حديث أبي أمامة وخرجه ابن جرير الطبري من وجه آخر عن أبي أمامة وفي حديثه قال فإنك من خطيئتك كما ولدتك أمك فلا تعد فأنزل الله وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات هود وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء قالوا لا يبقى من درنه شيء قال فذلك مثل الصلوات الخمس يمحوا الله بهن الخطايا وفي صحيح مسلم عن عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره وفيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات قالوا بلى يا رسول الله قال إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وفيهما عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص
168
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الإسلام يهدم ما كان قبله وإن الهجرة تهدم ما كان قبلها وإن الحج يهدم ما كان قبله وفيه من حديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في صوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله وقال في صوم يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده وخرج الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجل كانت عليه درع ضيقة قد خنقته ثم عمل حسنة فانفكت حلقة ثم عمل حسنة أخرى فانفكت أخرى حتى يخرج إلى الأرض ومما يكفر الخطايا ذكر الله عز وجل وقد ذكرنا فيما تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قول لا إله إلا الله أمن الحسنات قال هي من أحسن الحسنات وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قال سبحان الله وبحمده في كل يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر وفيهما عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أفضل من ذلك وفي المسند وكتاب ابن ماجه عن أم هانيء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا إله إلا الله لا تترك ذنبا ولا يسبقها عمل وخرج الترمذي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر بشجرة يابسة الورق فضربها بعصاة فتناثر الورق فقال إن الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر لتساقط من ذنوب العبد كما يتساقط ورق هذه الشجرة وخرجه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر تنفض الخطايا كما تنفض الشجرة ورقها والأحاديث في هذا كثيرة جدا ويطول الكتاب بذكرها وسئل الحسن عن رجل لا يتحاشى عن معصية إلا أن لسانه لا يفتر عن ذكر الله قال إن ذلك لعون حسن وسئل الإمام أحمد عن رجل اكتسب مالا من شبهة أصلاته وتسبيحه يحط عنه شيئا من ذلك فقال إن صلى وسبح يريد به ذلك فأرجو قال الله تعالى خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم التوبة وقال مالك بن دينار البكاء على الخطيئة يحط الخطايا كما يحط الريح الورق اليابس وقال عطاء من جلس مجلسا من مجالس الذكر كفر به عشرة مجالس من مجالس الباطل وقال شويش العدوي وكان من قدماء التابعين إن صاحب اليمين أمير أو قال أمين على صاحب الشمال فإذا عمل ابن آدم سيئة فأراد صاحب الشمال أن يكتبها قال له صاحب اليمين لا تعجل لعله يعمل حسنة فإن عمل حسنة ألقى واحدة وكتبت له تسع حسنات فيقول الشيطان يا ويله من يدرك تضعيف ابن آدم وخرج الطبراني بإسناد فيه نظر عن أبي مالك الأشعري عن النبي الله صلى الله عليه وسلم إذا نام ابن آدم قال الملك للشيطان أعطني صحيفتك
169
فيعطيه إياها فما وجد في صحيفته من حسنة محى بها عشر سيئات من صحيفة الشيطان وكتبهن حسنات فإذا أراد أن ينام أحدكم فليكبر ثلاثا وثلاثين تكبيرة ويحمد أربعا وثلاثين تحميدة ويسبح ثلاثا وثلاثين تسبيحة فتلك مائة وهذا غريب منكر وروى وكيع حدثنا الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص قال قال عبدالله يعني ابن مسعود وددت أني صولحت على أن أعمل كل يوم تسع خطيئات وحسنة وهذا إشارة منه إلى أن الحسنة يمحي بها التسع الخطيئات ويفضل له ضعف واحد من ثواب الحسنة فيكتفي به والله أعلم وقد اختلف الناس في مسئلتين إحداهما هل تكفر الأعمال الصالحة الكبائر والصغائر أم لا تكفر سوى الصغائر فمنهم من قال لا تكفر سوى الصغائر وقد روي هذا عن عطاء وغيره من السلف في الوضوء أنه يكفر الصغائر وقال سلمان الفارسي في الوضوء إنه يكفر الجراحات الصغار والمشي إلى المسجد يكفر أكبر من ذلك والصلاة تكفر أكبر من ذلك خرجه محمد بن نصر المرزوي وأما الكبائر فلابد لها من التوبة لأن الله أمر العباد بالتوبة وجعل من لم يتب ظالما واتفقت الأمة على أن التوبة فرض والفرائض لا تؤدي إلا بنية وقصد ولو كانت الكبائر تقع مكفرة بالوضوء والصلاة وأداء بقية أركان الإسلام لم يحتج إلى التوبة وهذا باطل بالإجماع وأيضا فلو كفرت الكبائر بفعل الفرائض لم يبق لأحد ذنب يدخل به النار إذا أتى بالفرائض وهذا يشبه قول المرجئة وهو باطل هذا ما ذكره ابن عبدالبر في كتابه التمهيد وحكي إجماع المسلمين على ذلك واستدل عليه بأحاديث منها قوله صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر وهو مخرج في الصحيحين من حديث أبي هريرة وهذا يدل على أن الكبائر لا تكفرها هذه الفرائض وقد حكى ابن عطية في تفسيره في معنى هذا الحديث قولين أحدهما عن جمهور أهل السنة أن اجتناب الكبائر شرط لتكفير هذه الفرائض للصغائر فإن لم يجتنب لم تكفر هذه الفرائض شيئا بالكلية والثاني أنها تكفر الصغائر مطلقا ولا تكفر الكبائر إن وجدت لكن يشترط التوبة من الصغائر وعدم الإصرار عليها ورجح هذا القول وحكاه عن الحذاق وقوله بشرط التوبة من الصغائر وعدم الإصرار عليها مراده أنه إذا أصر عليها صارت كبيرة فلم تكفرها الأعمال والقول الأول الذي حكاه غريب مع أنه إذا أصر عليها وقد حكي عن أبي بكر عبدالعزيز بن جعفر من أصحابنا مثله وفي صحيح مسلم عن عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من امريء مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب مالم يؤت كبيرة وذلك الدهر كله وفي مسند الإمام أحمد عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يتطهر الرجل يعني يوم الجمعة فيحسن طهوره ثم يأتي الجمعة فينصت حتى يقضي الإمام صلاته إلا كان كفارة ما بينه وبين الجمعة المقبلة ما أجتنبت الكبائر المقتلة وخرج النسائي وابن حبان
170
والحاكم من حديث أبي سعيد وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال والذي نفسي بيده ما من عبد يصلي الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويخرج الزكاة ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة ثم قيل له أدخل بسلام وخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم معناه أيضا وخرج الحاكم معناه من حديث عبدالله بن عمر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ويروى من حديث ابن عمر مرفوعا يقول الله عز وجل ابن آدم اذكرني من أول النهار ساعة ومن آخر النهار ساعة أغفر لك ما بين ذلك إلا الكبائر أو تتوب منها وقال ابن مسعود الصلوات الخمس كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر وقال سلمان حافظوا على الصلوات الخمس فإنهن كفارات لهذه الجوارح مالم تصب المقتلة وقال ابن عمر لرجل أتخاف النار أن تدخلها وتحب الجنة أن تدخلها قال نعم قال بر أمك فوالله لئن ألنت لها الكلام وأطعمتها الطعام لتدخلن الجنة ما اجتنبت الكبائر وقال قتادة إنما وعد الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر وذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اجتنبوا الكبائر وسددوا وأبشروا وذهب قوم من أهل الحديث وغيرهم إلى أن هذه الأعمال تكفر الكبائر ومنهم ابن حزم الظاهري وإياه عني ابن عبدالبر في كتاب التمهيد بالرد عليه وقال قد كنت أرغب بنفسي عن الكلام في هذا الباب لولا قول ذلك القائل وخشيت أن يغتر به جاهل فينهمك في الموبقات اتكالا على أنها تكفرها الصلوات دون الندم والاستغفار والتوبة والله أسأله العصمة والتوفيق قلت وقد وقع مثل هذا في كلام طائفة من أهل الحديث في الوضوء ونحوه ووقع مثله في كلام ابن المنذر في قيام ليلة القدر قال يرجى لمن قامها أن يغفر له جميع ذنوبه كبيرها وصغيرها فإن كان مرادهم أن من أتى بفرائض الإسلام وهو مصر على الكبائر تغفر له الكبائر قطعا فهذا باطل قطعا يعلم بالضرورة من الدين بطلانه وقد سبق قوله صلى الله عليه وسلم من أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر يعني بعمله في الجاهلية والإسلام وهذا أظهر من أن يحتاج إلى بيان وإن أراد هذا القائل أن من ترك الإصرار على الكبائر وحافظ على الفرائض من غير توبة ولا ندم على ما سلف منه كفرت ذنوبه كلها بذلك واستدل بظاهر قوله تعالى إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما النساء وقال السيئات تشمل الكبائر والصغائر وكما أن الصغائر تكفر باجتناب الكبائر من غير قصد ولا نية فكذلك الكبائر وقد يستدل لذلك بأن الله وعد المؤمنين والمتقين بالمغفرة وتكفير السيئات وهذا مذكور في غير موضع من القرآن وقد صار هذا من المتقين فإنه فعل الفرائض واجتنب الكبائر واجتناب الكبائر لا يحتاج إلى نية وقصد فهذا القول يمكن أن يقال في الجملة والصحيح قول الجمهور أن الكبائر لا تكفر بدون التوبة لأن التوبة فرض على العباد وقد قال عز وجل ومن لم يتب فأولئك هم
171
الظالمون الحجرات وقد فسرت الصحابة كعمر وعلى وابن مسعود التوبة بالندم ومنهم من فسرها بالعزم على أن لا يعود وقد روي ذلك مرفوعا من وجه فيه ضعف لكن لا يعلم مخالف من الصحابة في هذا وكذلك التابعون ومن بعدهم كعمر بن عبدالعزيز والحسن وغيرهما وأما النصوص الكثيرة المتضمنة مغفرة الذنوب وتكفير السيئات للمتقين كقوله تعالى إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم الأنفالوقوله تعالى ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار التغابن وقوله ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا الطلاق فإنه لم يبين في هذه الآيات خصال التقوى ولا العمل الصالح ومن جملة ذلك التوبة النصوح فمن لم يتب فهو ظالم غير متق وقد بين في سورة آل عمران خصال التقوى التي يغفر لأهلها ويدخلهم الجنة فذكر منها الاستغفار وعدم الإصرار فلم يضمن تكفير السيئات ومغفرة الذنوب إلا لمن كانت هذه الصفة له و الله أعلم ومما يستدل به على أن الكبائر لا تكفر بدون التوبة منها أو العقوبة عليها حديث عبادة بن الصامت قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولاتزنوا وقرأ عليهم الآية فمن وفي منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له خرجاه في الصحيحين وفي رواية لمسلم من أتى منكم حدا فأقيم عليه فهو كفارته فهذا يدل على أن الحدود كفارات قال الشافعي لم أسمع في هذا الباب أن الحد يكون كفارة لأهله شيئا أحسن من حديث عبادة بن الصامت وقوله فعوقب يعم العقوبات الشرعية وهي الحدود المقدرة أو غير المقدرة أو غير المقدرة كالتعزيزات ويشمل العقوبات القدرية كالمصائب والأسقام والآلام فإنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال لا يصيب المسلم نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه وروي عن علي أن الحد كفارة لمن أقيم عليه وذكر ابن جرير الطبري في هذه المسئلة اختلافا بين الناس ورجح أن إقامة الحد بمجرده كفارة ووهن القول بخلاف ذلك جدا قلت وقد روي عن سعيد بن المسيب وصفوان بن سليم أن إقامة الحد ليس بكفارة ولابد معه من التوبة ورجحه طائفة من المتأخرين منهم البغوي وأبو عبدالله بن تيمية في تفسيريهما وهو قول ابن حزم الظاهري والأول قول مجاهد وزيد بن أسلم والثوري وأحمد وأما حديث أبي هريرة المرفوع لا أدري الحدود طهارة لأهلها أم لا فقد خرجه الحاكم وغيره وأعله البخاري وقال لا يثبت وإنما هو مراسيل الزهري وهي ضعيفة وغلط عبدالرازق فوصله قال وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الحدود كفارات ومما يستدل به من قال الحد ليس بكفارة قوله تعالى في المحاربين ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم المائدة وظاهره أنه يجتمع لهم عقوبة الدنيا والآخرة ويجاب
172
عنه بأنه ذكر عقوبتهم في الدنيا وعقوبتهم في الآخرة ولا يلزم اجتماعهما وأما استثناء من تاب فإنما استثناه من عقوبة الدنيا خاصة فإن عقوبة الآخرة تسقط بالتوبة قبل القدرة وبعدها وقوله صلى الله عليه وسلم ومن أصاب شيئا من ذلك فستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له صريح في أن هذه الكبائر من لقي الله بها كانت تحت مشيئته وهذا يدل على أن إقامة الفرائض لا تكفرها ولا تمحوها فإن عموم المسلمين يحافظون على الفرائض لا سيما من بايعهم النبي صلى الله عليه وسلم وخرج من ذلك من لقي الله وقد تاب عنها بالنصوص الدالة من الكتاب والسنة على أن من تاب إلى الله تاب الله عليه وغفر له فبقى من لم يتب داخلا تحت المشيئة وأيضا فيدل على أن الكبائر لا تكفرها الأعمال إن الله لم يجعل للكبائر في الدنيا كفارة واجبة وإنما جعل الكفارة للصغائر ككفارة وطء المظاهر ووطء المرأة في الحيض على حديث ابن عباس الذي ذهب إليه الإمام أحمد وغيره وكفارة من ترك شيئا من واجبات الحج أو ارتكاب بعض محظوراته وهي أربعة أجناس هدي وعتق وصدقة وصيام ولهذا لا تجب الكفارة في قتل العمد عند جمهور العلماء ولا في اليمين الغموس أيضا عند أكثرهم وإنما يؤمر القاتل بعتق رقبة استحبابا كما في حديث واثلة بن الأسقع أنهم جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صاحب لهم قد أوجب فقال اعتقوا عنه رقبة يعتقه الله بها من النار ومعنى أوجب عمل عملا يجب له به النار ويقال إنه كان قتل قتيلا وفي صحيح مسلم عن ابن عمر أنه ضرب عبدا له فأعتقه وقال ليس لي فيه من الأجر مثل هذا وأخذ عودا من الأرض إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول من لطم مملوكه أو ضربه فإن كفارته أن يعتقه فإن قيل فالمجامع في رمضان يؤمر بالكفارة والفطر في رمضان من الكبائر قيل ليست الكفارة للفطر ولهذا لا يجب عند الأكثرين على كل مفطر في رمضان عمدا وإنما هي لهتك حرمة رمضان بالجماع ولهذا لو كان مفطرا فطرا لا يجوز له نهار رمضان ثم جامع للزمته الكفارة عند الإمام أحمد لما ذكرنا ومما يدل على أن تكفير الواجبات مختص بالصغائر ما أخرجه البخاري عن حذيفة قال بينما نحن جلوس عند عمر إذ قال أيكم يحفظ قول رسول صلى الله عليه وسلم في الفتنة قال قلت فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره يكفرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال ليس عن هذا أسألك وخرجه مسلم بمعناه وظاهر هذا السياق يقتضي رفعه وفي رواية البخاري أن حذيفة قال سمعته يقول فتنة الرجل فذكره وهذا كالصريح في رفعه وفي رواية مسلم أن هذا من كلام عمر وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم للذي قال له أصبت حدا فأقمه على فتركه حتى صلى ثم قال له إن الله غفر لك حدك فليس صريحا في أن المراد به شيء من الكبائر لأن حدود الله محارمه كما قال تعالى تلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه الطلاق وقوله تلك حدود الله فلا تعتدوها البقرة وقوله تلك حدود الله
173
ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات النساء الآية إلى قوله ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين النساء وفي حديث العرباض بن سارية عن النبي صلى الله عليه وسلم في ضرب مثل الإسلام بالصراط المستقيم على جنبيه سوران قال السوران حدود الله وقد سبق ذكره بتمامه فكل من أصاب شيئا من محارم الله فقد أصاب حدوده وركبها وتعدى بها وعلى تقدير أن يكون الحد الذي أصابه كبيرة فهذا الرجل جاء نادما تائبا وأسلم نفسه إلى إقامة الحد عليه والندم توبة والتوبة تكفر الكبائر بغير تردد وقد روي ما يستدل به على أن الكبائر تكفر ببعض الأعمال الصالحة فخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث ابن عمر أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني أصبت ذنبا عظيما فهل لي من توبة قال فهل لك من أم قال لا قال فهل لك من خالة قال نعم قال فبرها وخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم وقال على شرط الشيخين لكن خرجه الترمذي من وجه آخر مرسلا وذكر أن المرسل أصح من الموصول وكذا قال على بن المديني والدارقطني وروي عن عمر أن رجلا قال له قتلت نفسا قال أمك حية قال لا قال فأبوك قال نعم قال فبره وأحسن إليه ثم قال عمر لو كانت أمه حية فبرها وأحسن إليها رجوت أن لا تطعمه النار أبدا وعن ابن عباس بمعناه أيضا وكذلك المرأة التي عملت بالسحر بدومة الجندل وقدمت المدينة فسأل عن توبتها فوجدت النبي صلى الله عليه وسلم قد توفي فقال لها أصحابه لو كان أبواك حيين أو أحدهما يكفيانك خرجه الحاكم وقال فيه إجماع الصحابة حدثان وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم على أن بر الأبوين الوالدين يكفيانها وقال مكحول والإمام أحمد بر الوالدين كفارة الكبائر وروي عن بعض السلف في حمل الجنائز أنه يحبط الكبائر وروي مرفوعا من وجوه لا تصح وقد صح من رواية أبي بردة أن أبا موسى لما حضرته الوفاة قال يا بني اذكروا صاحب الرغيف كان رجل يتعبد في صومعة أراه سبعين سنة فشبه الشيطان في عينه امرأة فكان معها سبعة أيام وسبع ليال ثم كشف عن الرجل غطاءه فخرج تائبا ثم ذكر أنه بات بين مساكين فتصدق عليهم برغيف فأعطوه رغيفا ففقده صاحبه الذي كان يعطاه فلما علم بذلك أعطاه الرغيف وأصبح ميتا فوزنت السبعون سنة بالسبع ليال فرجحت الليالي ووزن الرغيف بالسبع ليال فرجح الرغيف وروي ابن المبارك بإسناده في كتاب البر والصلة عن ابن مسعود قال عبدالله رجل سبعين سنة ثم أصاب فاحشة فأحبط الله عمله ثم أصابته زمانة وأقعد فرأى رجلا يتصدق على مساكين فجاء إليه فأخذ منه رغيفا فتصدق به على مسكين فغفر الله له ورد عليه عمل سبعين سنة وهذه كلها لا دلالة فيها على تكفير الكبائر بالأعمال لأن كل من ذكر فيها كان نادما تائبا من ذنبه وإنما كان سؤاله عن عمل صالح يتقرب به إلى الله بعد التوبة حتى يمحو به أثر الذنب بالكلية فإن الله شرط في قبول التوبة ومغفرة الذنوب بها العمل الصالح كقوله إلا من تاب وآمن
174
وعمل صالحا مريم وقوله فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين القصص وفي هذا متعلق لمن يقول إن التائب بعد التوبة في المشيئة وكان هذا حال كثير من الخائفين من السلف وقال بعضهم هل أذنبت ذنبا قال نعم قال فعلمت أن الله كتبه عليك قال نعم قال فاعمل حتى تعلم أن الله قد محاه ومنه قال ابن مسعود إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب طار على أنفه فقال به هكذا وهكذا خرجه البخاري وكانوا يتهمون أعمالهم وتوباتهم ويخافون أن لا يكون قد قبل منهم ذلك فكان ذلك يوجب لهم شدة الخوف وكثرة الاجتهاد في العمل الصالح قال الحسن أدركت أقواما لو أنفق أحدهم ملء الأرض ما أمن لعظم الذنب في نفسه وقال ابن عون لا تثق بكثرة العمل فإنك لا تدري أيقبل منك أم لا ولا تأمن ذنوبك فإنك لا تدري أكفرت عنك أم لا إن عملك مغيب عنك كله والأظهر والله أعلم في هذه المسألة أعني مسئلة تكفير الكبائر بالأعمال إن أريد أن الكبائر تمحي بمجرد الإتيان بالفرائض وتقع الكبائر مكفرة بذلك كما تكفر الصغائر باجتناب الكبائر فهذا باطل وإن أريد أنه قد يوازن يوم القيامة بين الكبائر وبين بعض الأعمال فتمحي الكبيرة بما يقابلها من العمل ويسقط العمل فلا يبقى له ثواب فهذا قد يقع وقد تقدم عن ابن عمر أنه لما أعتق مملوكه الذي ضربه قال ليس لي فيه من الأجر شيء حيث كان كفارة لذنبه ولم يكن ذنبه من الكبائر فكيف بما كان من الأعمال مكفرا للكبائر وسبق أيضا قول من قال من السلف إن السيئة تمحي ويسقط نظيرها حسنة من الحسنات التي هي ثواب العمل فإذا كان هذا في الصغائر فكيف بالكبائر فإن بعض الكبائر قد يحبط بعض الأعمال المنافية لها كما يبطل المن والأذى الصدقة وتبطل المعاملة بالربا الجهاد كما قالت عائشة وقال حذيفة قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة وروي عنه مرفوعا خرجه البزار في مسنده والحاكم من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يؤتي بحسنات العبد وسيئاته يوم القيامة فيقض أو يقضي بها بعضها من بعض فإن بقيت له حسنة وسع له بها في الجنة وخرج بن أبي حاتم من حديث ابن لهيعة قال حدثني عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير في قول الله عز وجل فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره الزلزلة قال كان المسلمون يرون أنهم لا يؤجرون على الشيء القليل إذا أعطوه فيجيء المسكين فيستقلون أن يعطوه تمرة وكسرة وجوزة ونحو ذلك فيردونه ويقولون ما هذا بشيء إنما نؤجر على ما يعطي ونحن نحبه وكانوا يرون أنهم لا يلامون على الذنب اليسير مثل الكذبة والنظرة والغيبة وأشباه ذلك يقولون إنما وعد الله النار على الكبائر فرغبهم الله في القليل من الخير أن يعملوه فإنه يوشك أن يكثر وحذرهم اليسير من الشر فإنه يوشك أن يكثر فنزلت فمن يعمل مثقال ذرة الزلزلة يعني ذرة أصغر النمل خيرا يره الزلزلة يعني في
175
ويسره ذلك قال يكتب لكل بر وفاجر بكل سيئة واحدة سيئة وبكل حسنة عشر حسنات فإذا كان يوم القيامة ضاعف الله حسنات المؤمن أيضا بكل واحدة عشرا فيمحو عنه بكل حسنة عشر سيئات فمن زادت حسناته على سيئاته مثقال ذرة دخل الجنة وظاهر هذا أنه يقع المقاصة بين الحسنات والسيئات ثم يسقط الحسنات المقابلة للسيئات وينظر إلى ما يفضل منها بعد المقاصة وهذا يوافق قول من قال بأن من رجحت حسناته على سيئاته بحسنة واحدة أثيب بتلك الحسنة خاصة وتسقط باقي حسناته في مقابلة سيئاته خلافا لمن قال يثاب بالجميع وتسقط سيئاته كأنها لم تكن وهذا في الكبائر أما الصغائر فإنه قد تمحى بالأعمال الصالحة مع بقاء ثوابها كما قال صلى الله عليه وسلم ألا أدلكم على ما يمحق الله به الخطايا ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فأثبت لهذه الأعمال تكفير الخطايا ورفع الدرجات وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له مائة مرة كتب الله له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له عدل عشر رقاب فهذا يدل على أن الذكر يمحو السيئات ويبقى ثوابه لعامله مضاعفا وكذلك سيئات التائب توبة نصوحا تكفر عنه وتبقى له حسناته كما قال الله تعالى حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت على وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون الأحقاف وقال تعالى والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون الزمر فلما وصف هؤلاء بالتقوى والإحسان دل على أنهم ليسوا بمصرين على الذنوب بل تائبون منها وقوله ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا الزمر يدخل فيه الكبائر لأنها أسوأ الأعمال وقال ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا الطلاق فرتب على التقوى المتضمنة لفعل الواجبات وترك المحرمات تكفير السيئات وتعظيم الأجر وأخبر الله عن المؤمنين المتفكرين في خلق السموات والأرض أنهم قالوا ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار آل عمران فأخبر أنه استجاب لهم ذلك وأنه كفر عنهم سيئاتهم وأدخلهم الجنات وقوله فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا آل عمران فخص الله الذنوب بالمغفرة والسيئات بالتكفير فقد يقال السيئات تخص الصغائر والذنوب يراد بها الكبائر فالسيئات تكفر لأن الله جعل لها كفارات في الدنيا شرعية وقدرية والذنوب تحتاج إلى مغفرة تقي صاحبها من شرها أو المغفرة والتكفير يتقاربان فإن المغفرة قد قيل إنها ستر الذنوب وقيل وقاية شر الذنوب مع ستره ولهذا يسمى ما ستر الرأس ووقاه في الحرب مغفرا ولا يسمى
176
كل ساتر للرأس مغفرا وقد أخبر الله عن الملائكة أنهم يدعون للمؤمنين التائبين بالمغفرة ووقاية السيئات والتكفير من هذا الجنس لأن أصل الكفر الستر والتغطية أيضا وقد فرق بعض المتأخرين بينهما بأن التكفير محو أثر الذنب حتى كأنه لم يكن والمغفرة تتضمن مع ذلك إفضال الله على العبد وإكرامه وفي هذا نظر وقد يفسر بأن مغفرة الذنوب بالأعمال الصالحة تقلبهما حسنات وتكفيرها بالمكفرات تمحوها فقط وفيه أيضا نظر فإنه قد صح أن الذنوب المعاقب عليها بدخلول النار تبدل حسنات فالمكفرة بعمل صالح يكون كفارة لها أولي ويحتمل معنيين آخرين أحدهما أن المغفرة لا تحصل إلا مع عدم العقوبة والمؤاخذة لأنها وقاية شر الذنب بالكلية والتكفير قد يقع بعد العقوبة فإن المصائب الدنيوية كلها مكفرات للخطايا وهي عقوبات وكذلك العفو يقع مع العقوبة وبدونها وكذلك الرحمة والثاني أن الكفارات من الأعمال ما جعل الله لمحو الذنوب المكفرة بها ويكون ذلك هو ثوابها ليس لها ثواب غيره والغالب عليها أن تكون من جنس مخالفة هوى النفس وتجشم المشقة كاجتناب الكبائر الذي جعله الله كفارة للصغائر وأما الأعمال التي تغفر بها الذنوب فهي ما عدا ذلك ويجتمع فيها المغفرة والثواب عليها كالذكر الذي يكتب به الحسنات ويمحي به السيئات وعلى هذا الوجه فيفرق بين الكفارات من الأعمال وغيرها وأما تكفير الذنوب ومغفرتها إذا أضيف ذلك إلى الله فلا فرق بينهما وعلى الوجه الأول يكون بينهما فرق أيضا ويشهد لهذا الوجه الثاني أمران أحدهما قول ابن عمر لما أعتق العبد الذي ضربه ليس لي في عتقه من الأجر شيء واستدل بأنه كفارة والثاني أن المصائب الدنيوية كلها مكفرات للذنوب وقد قال كثير من الصحابة وغيرهم من السلف إنه لا ثواب فيها مع التكفير وإن كان بعضهم قد خالف في ذلك ولا يقال فقد فسر الكفارات في حديث المنام بإسباغ الوضوء في المكروهات ونقل الإقدام إلى الصلاة وقال من فعل ذلك عاش بخير ومات بخير وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه وهذه كلها مع تكفيرها للسيئات ترفع الدرجات ويحصل عليه الثواب لأنا نقول قد يجتمع في العمل الواحد شيئان يرفع بأحدهما الدرجات ويكفر بالآخر السيئات فالوضوء نفسه يثاب عليه لكن إسباغه في شدة البرد من جنس الآلام التي تحصل للنفوس في الدنيا فيكون كفارة في هذه الحال وأما في غير هذه الحالة فتغفر به الخطايا كما يغفر بالذكر وغيره وكذلك المشي إلى الجماعات هو قربة وطاعة ويثاب عليه ولكن ما يحصل للنفس به من المشقة والألم بالتعب والنصب هو كفارة وكذلك حبس النفس في المسجد لانتظار الصلاة وقطعها عن مألوفاتها من الخروج إلى المواضع التي تميل النفوس إليها إما لكسب الدنيا أو للتنزه هو من هذه الجهة مؤلم للنفس فيكون كفارة وقد جاء في الحديث إن إحدى خطوات الماشي إلى المسجد ترفع له درجة والأخرى تحط عنه خطيئة وهذا يقوي ما ذكرناه وإن ما حصل به التكفير غير ما حصل به
177
رفع الدرجات والله أعلم وعلى هذا فيجتمع في العمل الواحد تكفير السيئات ورفع الدرجات من جهتين ووصف في كل حال بكلا الوصفين فلا تنافي بين تسميته كفارة وبين الإخبار عنه بمضاعفة الثواب به أو وصفه برفع الدرجات ولهذا قال صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر فإن في حبس النفس على المواظبة على الفرائض من مخالفة هواها وكفها عما تميل إليه ما يوجب ذلك تكفير الصغائر وكذلك الشهادة في سبيل الله تكفر الذنوب بما يحصل بها من الألم وترفع الدرجات بما اقترن بها من الأعمال الصالحة بالقلب والبدن فتبين بها أن بعض الأعمال يجتمع فيها ما يوجب رفع الدرجات وتكفير السيئات من وجهين ولا يكون بينهما منافاة وهذا ثابت في الذنوب الصغائر وبلا ريب وأما الكبائر فقد تكفر بالشهادة مع حصول الأجر للشهيد لكن الشهيد ذا الخطايا في رابع درجة من درجات الشهداء كذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث فضالة بن عبيد خرجه الإمام أحمد والترمذي وأما مغفرة الذنوب ببعض الأعمال مع توفير أجرها وثوابها فقد دلت عليه الأحاديث الصحيحة في الذكر وقد قيل إن تلك السيئات تكتب حسنات أيضا كما في حديث أبي مالك الأشعري الذي سبق ذكره وذكرنا أيضا عن بعض السلف أنه يمحي بإزاء السيئة الواحدة ضعف واحد من أضعاف ثواب الحسنة وتبقى له تسع حسنات والظاهر أن هذا مختص بالصغائر وأما في الآخرة فيوازن بين الحسنات والسيئات ويقتص بعضها من بعض فمن رجحت حسناته على سيئاته فقد نجا ودخل الجنة وسواء في هذا الصغائر والكبائر وهكذا من كانت له حسنات وعليه مظالم فاستوفى المظلومون حقوقهم من حسناته وبقي له حسنة ودخل بها الجنة قال ابن مسعود رضي الله عنه إن كان وليا لله ففضل له مثقال ذرة ضاعفها الله حتى يدخل الجنة وإن كان شقيا قال الملك رب فنيت حسناته وبقي له طالبون كثير قال خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته ثم صكوا له صكاكا إلى النار خرجه ابن أبي حاتم وغيره والمراد أن تفضيل مثقال ذرة من الحسنات إنما هو بفضل الله عز وجل لمضاعفته لحسنات المؤمن وبركته فيها وهكذا حال من كانت له حسنات وسيئات وأراد الله رحمته فضل له من حسناته ما يدخله به الجنة وكله من فضل الله ورحمته فإنه لا يدخل أحد الجنة إلا بفضل الله ورحمته وخرج أبو نعيم بإسناد ضعيف عن على مرفوعا أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل قل لأهل طاعتي من أمتك لا يتكلوا على أعمالهم فإني لا أقاص عبدا الحساب يوم القيامة أشاء أن أعذبه إلا عذبته وقل لأهل معصيتي من أمتك لا يلقوا بأيديهم فإني أغفر الذنب العظيم ولا أبالي ومصداق هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح من نوقش الحساب عذب وفي رواية هلك المسألة الثانية
178
أن الصغائر هل تجب التوبة منها كالكبائر أم لا لأنها تقع مكفرة باجتناب الكبائر لقوله تعالى إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما النساء هذا مما اختلف الناس فيه فمنهم من أوجب التوبة منها وهو قول أصحابنا وغيرهم من الفقهاء والمتكلمين وغيرهم وقد أمر الله بالتوبة عقيب ذكر الصغائر والكبائر فقال تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن النور إلى قوله وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون النور وأمر بالتوبة من الصغائر بخصوصها في قوله يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون الحجرات ومن الناس من لم يوجب التوبة منها وحكي عن طائفة من المعتزلة ومن المتأخرين من قال يجب أحد الأمرين إما التوبة منها أو الإتيان ببعض المكفرات للذنوب من الحسنات وحكي ابن عطية في تفسيره في تكفير الصغائر بامتثال الفرائض واجتناب الكبائر قولين أحدهما وحكاه عن جماعة من الفقهاء وأهل الحديث أنه يقطع بتكفيرها بذلك قطعا لظاهر الآية والحديث والثاني وحكاه عن الأصوليين أنه لا يقطع بذلك بل يحمل على غلبة الظن وقوة الرجاء وهو في مشيئته الله عز وجل إذ لو قطع بتكفيرها لكانت الصغائر في حكم المباح الذي لا تبعة فيه وذلك نقض لعري الشريعة قلت قد يقال لا يقطع بتكفيرها بها لأن أحاديث التكفير المطلقة بالأعمال جادت مقيدة بتحسين العمل كما ورد ذلك في الوضوء والصلاة وحينئذ يتحقق حسن العمل الذي يوجب التكفير وعلى هذا الاختلاف الذي ذكره ابن عطية ينبني الاختلاف في وجوب التوبة من الصغائر وقد خرج ابن جرير من رواية الحسن أن قوما أتوا عمر فقالوا نرى أشياء من كتاب الله لا يعمل بها فقال لرجل منهم أقرأت القرآن كله قال نعم قال فهل أحصيته في نفسك قال اللهم لا قال فهل أحصيته في بصرك فهل أحصيته في لفظك هل أحصيته في أثرك ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم ثم قال ثكلت عمر أمه أتكلفونه أن يقيم على الناس كتاب الله قد علم ربنا أنه سيكون لنا سيئات قال وتلا إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما النساء وبإسناده عن أنس بن مالك أنه قال لم أر مثل الذي بلغنا عن ربنا تعالى لم نخرج له عن كل أهل ومال ثم سكت ثم قال والله لما خلقنا ربنا أهون من ذلك لقد تجاوز لنا عما دون الكبائر فمالنا ولها ثم تلا إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما النساء وخرجه البزار في مسنده مرفوعا والموقوف أصح وقد وصف الله المحسنين باجتناب الكبائر قال تعالى ويجزي الذين
179
أحسنوا بالحسنى الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة النجم وفي تفسير اللمم قولان للسلف أحدهما أنه مقدمات الفواحش كاللمس والقبلة وعن ابن عباس هو ما دون الحد من وعيد الآخرة بالنار وحد الدنيا والثاني أنه الإلمام بشيء من الفواحش والكبائر مرة واحدة ثم يتوب منه وروي عن ابن عباس وأبي هريرة وروي عنه مرفوعا بالشك في رفعه قال اللمة من الزنا ثم يتوب فلا يعود واللمة من شرب الخمر ثم يتوب فلا يعود واللمة من السرقة ثم يتوب فلا يعود ومن فسر الآية بهذا قال لا بد أن يتوب منه بخلاف من فسره بالمقدمات فإنه لم يشترط توبة والظاهر أن القولين صحيحان وأن كليهما مراد من الآية وحينئذ فالمحسن هو من لا يأتي بكبيرة إلا نادرا ثم يتوب منها ومن إذا أتى بصغيرة كانت مغمورة في حسناته المكفرة بها ولا بد أن يكون مصرا عليها كما قال تعالى ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون آل عمران وروي عن ابن عباس أنه قال لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار وروي مرفوعا من وجوه ضعيفة وإذا صارت الصغائر كبائر بالمداومة عليها فلابد للمحسنين من اجتناب المداومة على الصغائر حتى يكونوا مجتنبين لكبائر الإثم والفواحش وقال الله عز وجل وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين الشورى فهذه الآيات تضمنت وصف المؤمنين بقيامهم بما أوجب الله عليهم من الإيمان والتوكل وإقام الصلاة والإنفاق مما رزقهم الله والاستجابة لله في جميع طاعاته ومع هذا فهم مجتنبون كبائر الإثم والفواحش فهذا هو تحقيق التقوى ووصفهم في معاملتهم للخلق بالمغفرة عند الغضب وندبهم إلى العفو والإصلاح وأما قوله والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون الشورى فليس منافيا للعفو فإن الانتصار يكون بإظهار القدرة على الانتقام ثم يقع العفو بعد ذلك فيكون أتم وأكمل قال النخعي في هذه الآية كانوا يكرهون أن يستذلوا فإذا قدروا عفوا وقال مجاهد كانوا يكرهون للمؤمن أن يذل نفسه فتجتريء عليه الفساق فالمؤمن إذا بغى عليه يظهر القدرة على الانتقام ثم يعفو بعد ذلك وقد جرى مثل هذا لكثير من السلف منهم عطاء وقتادة وغيرهما فهذه الآيات تتضمن جميع ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في وصيته لمعاذ فإنها تضمنت حصول خصال التقوى بفعل الواجبات والانتهاء عن كبائر المحرمات ومعاملة الخلق بالإحسان والعفو ولازم هذا أنهم إن وقع شيء من الإثم من غير الكبائر والفواحش يكونون مغمورين بخصال التقوى المفضية لتكفيرها ومحوها وأما الآيات التي في سورة آل عمران فوصف فيها المتقين بالإحسان إلى الخلق وبالاستغفار من
180
الفواحش وظلم النفس وعدم الإصرار على ذلك وهذا هو الأكمل وهو إحداث التوبة والاستغفار عقيب كل ذنب من الذنوب صغيرا كان أو كبيرا كما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصى بذلك معاذا وقد ذكرناه فيما سبق وإنما بسطنا القول في هذا لأن حاجة الخلق إليه شديدة وكل أحد محتاج إلى معرفة هذا ثم إلى العمل بمقتضاه والله الموفق والمعين فقوله صلى الله عليه وسلم أتبع السيئة الحسنة تمحها ظاهره أن السيئات تمحى بالحسنات وقد تقدم ذكر الآثار التي فيها أن السيئة تمحى من صحف الملائكة بالحسنة إذا عملت بعدها قال عطية العوفي بلغني أن من بكى على خطيئة محيت عنه وكتبت له حسنة وعن عبدالله بن عمرو قال من ذكر خطيئة عملها فوجل قلبه منها فاستغفر الله عز وجل لم يحبسها شيء حتى يمحوها عنه الرحمن وقال بشير بن الحارث بلغني عن الفضيل بن عياض قال بكاء النهار يمحو ذنوب العلانية وبكاء الليل يمحو ذنوب السر وقد ذكرنا قول النبي صلى الله عليه وسلم ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات الحديث وقال طائفة لا تمحى الذنوب من صحائف الأعمال بتوبة ولا غيرها بل لا بد أن يوقف عليها صاحبها ويقرأها يوم القيامة واستدلوا بقوله تعالى ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها الكهف وفي الاستدلال بهذه الآية نظر لأنه إنما ذكر فيها حال المجرمين وهم أهل الجرائم والذنوب العظيمة فلا يدخل فيهم المؤمنون التائبون من ذنوبهم أو المغفورة ذنوبهم بحسناتهم وأظهر من هذا الاستدلال قوله فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره الزلزلة وقد ذكر بعض العلماء والمفسرين أن هذا القول هو الصحيح عند المحققين وقد روي هذا القول عن الحسن البصري وبلال بن سعد الدمشقي قال الحسن فالعبد يذنب ثم يتوب ويستغفر الله له ولكن لا يمحاه من كتابه دون أن يقف عليه ثم يسأله عنه ثم بكى الحسن بكاء شديدا وقال ولو لم نبك إلا للحياء من ذلك المقام لكان ينبغي لنا أن نبكي وقال بلال بن سعد إن الله يغفر الذنوب ولكن لا يمحوها من الصحيفة حتى يوقفه عليها يوم القيامة وإن تاب وقال أبو هريرة يدني الله العبد يوم القيامة فيضع عليه كنفه فيستره من الخلائق كلها ويدفع إليه كتابه في ذلك الستر فيقول اقرأ يا بن آدم كتابك فيقرأ فيمر بالحسنة فيبيض لها وجهه ويسر بها قلبه فيقول الله أتعرف ياعبدي فيقول نعم يا رب فيقول إني قبلتها منك فيسجد فيقول ارفع رأسك وعد في كتابك فيمر بالسيئة فيسود لها وجهه ويوجل لها قلبه وترتعد منها فرائضه ويأخذه من الحياء من ربه ما لا يعلمه غيره فيقول الله أتعرف يا عبدي فيقول نعم يا رب فيقول إني قد غفرتها لك فيسجد فلا يرى منه الخلائق إلا السجود حتى ينادي بعضهم بعضا طوبى لهذا العبد الذي لم يعص الله قط ولا يدرون ما قد لقي فيما بينه وبين ربه عز وجل مما قد وقفه عليه
181
وقال أبو عثمان النهدي عن سلمان يعطى الرجل صحيفته يوم القيامة فيقرأ أعلاها فإذا سيئاته فإذا كاد يسوء ظنه نظر في أسفلها فإذا حسناته ثم نظر في أعلاها فإذا هي قد بدلت حسنات وروي عن أبي عثمان عن ابن مسعود وعن أبي عثمان من قوله وهو أصح وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن بعض أصحاب معاذ بن جبل قال يدخل أهل الجنة الجنة على أربعة أصناف المتقين ثم الشاكرين ثم الخائفين ثم أصحاب اليمين قيل لم سموا أصحاب اليمين قال لأنهم عملوا الحسنات والسيئات فأعطوا كتبهم بأيمانهم فقرؤوا سيئاتهم حرفا حرفا قالوا يا ربنا هذه سيئاتنا فأين حسناتنا فعند ذلك محا الله السيئات وجعلها حسنات فعند ذلك قالوا هاؤم أقرؤوا كتابيه الحاقة فهم أكثر أهل الجنة وأهل هذا القول قد يحملون أحاديث محو السيئات بالحسنات على محو عقوباتها دون محو كتابتها من الصحف والله أعلم وقوله صلى الله عليه وسلم وخالق الناس بخلق حسن هذا من خصال التقوى ولا تتم التقوى إلا به وإنما أفرده بالذكر للحاجة إلى بيانه فإن كثيرا من الناس يظن أن التقوى هي القيام بحق الله دون حقوق عباده فنص له على الأمر بإحسان العشرة للناس فإنه كان قد بعثه إلى اليمن معلما لهم ومفقها وقاضيا ومن كان كذلك فإنه يحتاج إلى مخالقة الناس بخلق حسن ما لا يحتاج إليه غيره مما لا حاجة للناس به ولا يخالطهم وكثيرا ما يغلب على من يعتني بالقيام بحقوق الله والانعكاف على محبته وخشيته وطاعته وإهمال حقوق العباد بالكلية أو التقصير فيها والجمع بين القيام بحقوق الله وحقوق عباده عزيز جدا لا يقوى عليه إلا الكمل من الأنبياء والصديقين وقال الحارث المحاسبي ثلاثة أشياء عزيزة أو معدومة حسن الوجه مع الصيانة وحسن الخلق مع الديانة وحسن الإخاء مع الأمانة وقال بعض السلف جلس داود عليه الصلاة والسلام خاليا فقال الله عز وجل مالي أراك خاليا قال هجرت الناس فيك يا رب العالمين قال يا داود ألا أدلك على ما تستبقى به وجوه الناس وتبلغ فيه رضاي خالق الناس بأخلاقهم واحتجز الإيمان بيني وبينك وقد عد الله في كتابه مخالقة الناس بخلق حسن من خصال التقوى بل بدأ في قوله أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين آل عمران وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن سعيد المقبري قال بلغنا أن رجلا جاء إلى عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام فقال يا معلم الخير كيف أكون تقيا لله عز وجل كما ينبغي قال بيسير من الأمر تحب الله بقلبك كله وتعمل بكدحك وقوتك ما استطعت وترحم ابن جنسك كما ترحم نفسك قال من بني جنسي يا معلم الخير قال ولد أم كلهم ومالا تحب أن يؤتى إليك فلا تأته لأحد وأنت تتقي لله عز وجل كما ينبغي له
182
وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم حسن الخلق من حسن خصال أخلاق الإيمان كما خرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخرجه محمد بن نصر المروزي وزاد فيه إن المرء ليكون مؤمنا وإن في خلقه شيئا فينقص ذلك من إيمانه وخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث أسامة بن شريك قال قالوا يا رسول الله ما أفضل ما أعطي المرء المسلم قال الخلق الحسن وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن صاحب الخلق الحسن يبلغ بخلقه درجة الصائم ليلا يشتغل المريد للتقوى عن حسن الخلق بالصوم والصلاة ويظن أن ذلك يقطعه عن فضلهما فخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجات الصائم والقائم وأخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن حسن الخلق أثقل ما يوضع في الميزان وإن صاحبه أحب الناس إلى الله وأقربهم من النبيين مجلسا فخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من شيء يوضع في ميزان العبد أثقل من حسن الخلق وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة وخرج ابن حبان في صحيحه من حديث عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ألا أخبركم بأحبكم إلى الله وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة قالوا بلى قال أحسنكم خلقا وقد سبق حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر ما يدخل الجنة تقوى الله وحسن الخلق وخرج أبو داود من حديث أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أنا زعيم بيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه وخرجه الترمذي وابن ماجه بمعناه من حديث أنس وقد روي عن السلف تفسير حسن الخلق فعن الحسن قال حسن الخلق الكرم والبذلة والاحتمال وعن الشعبي قال حسن الخلق البذلة والعطية والبشر الحسن وكان الشعبي كذلك وعن ابن المبارك قال هو بسط الوجه وبذل المعروف وكف الأذى وسئل سلام بن أبي مطيع عن حسن الخلق فأنشد شعرا فقال تراه إذا ما جئته متهللا كأنك تعطيه الذي أنت سائله ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتق الله سائله هو البحر من أي النواحي أتيته فلجته المعروف والجود ساحله وقال الإمام أحمد حسن الخلق أن لا تغضب ولا تحقد وعنه أنه قال حسن الخلق أن تحتمل ما يكون من الناس وقال إسحاق بن راهويه هو بسط الوجه وأن لا تغضب ونحو ذلك قال محمد بن نصر وقال بعض أهل العلم حسن الخلق كظم الغيظ لله وإظهار الطلاقة والبشر إلا للمبتدع والفاجر والعفو عن الزالين إلا تأديبا وإقامة الحد وكف الأذى عن كل مسلم ومعاهد
183
إلا تغيير منكر وأخذا بمظلة لمظلوم من غير تعد وفي مسند الإمام أحمد من حديث معاذ بن أنس الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أفضل الفضائل أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتصفح عمن شتمك وخرج الحاكم من حديث عقبة ابن عامر الجهني قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عقبة ألا أخبرك بأفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك وخرج الطبراني من حديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ألا أدلكم على أكرم أخلاق أهل الدنيا والآخرة أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظمك الحديث التاسع عشر عن أبي العباس عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال لي يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك إن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح في رواية غير الترمذي احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا
184
هذا الحديث خرجه الترمذي من رواية حنش الصنعاني عن ابن عباس وخرجه الإمام أحمد من حديث حنش الصنعاني مع إسنادين آخرين منقطعين ولم يميز لفظ بعضها من بعض ولفظ حديثه يا غلام أو يا غليم أعلمك كلمات ينفعك الله بهن فقلت بلى فقال احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله قد جف القلم بما هو كائن فلو أن الخلق كلهم جميعا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله لم يقدروا عليه وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا وأن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا وهذا اللفظ أتم من اللفظ الذي ذكره الشيخ رحمه الله وعزاه إلى غير الترمذي واللفظ الذي ذكره الشيخ رواه عبد بن حميد في مسنده بإسناد ضعيف
185
عن عطاء عن ابن عباس وكذلك عزاه ابن الصلاح في الأحاديث الكلية التي هي أصل أربعين الشيخ رحمه الله إلى عبد بن حميد وغيره وقد روي هذا الحديث عن ابن عباس من طرق كثيرة من رواية ابنه على ومولاه عكرمة وعطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار وعبيد الله بن عبدالله وعمر مولى عفرة وابن أبي مليكة وغيرهم وأصح الطرق كلها طريق حنش الصنعاني التي خرجها الترمذي كذا قال ابن مندة وغيره وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وصى ابن عباس بهذه الوصية من حديث على بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري وسهل بن سعد وعبد الله بن جعفر وفي أسانيدها كلها ضعف وذكر العقيلي أن أسانيد الحديث كلها لينة وبعضها أصلح من بعض وبكل حال فطريق حنش التي خرجها الترمذي حسنة جيدة وهذا الحديث يتضمن وصايا عظيمة وقواعد كلية من أهم أمور الدين حتى قال بعض العلماء تدبرت هذا الحديث فأدهشني وكدت أطيش فوا أسفا من الجهل بهذا الحديث وقلة التفهم لمعناه قلت وقد أفردت لشرحه جزء كبيرا ونحن نذكر هاهنا مقاصد على وجه الاختصار إن شاء الله تعالى قوله صلى الله عليه وسلم احفظ الله يعني احفظ حدوده وحقوقه وأوامره ونواهيه وحفظ ذلك هو الوقوف عند أوامره بالامتثال وعند نواهيه بالاجتناب وعند حدوده فلا يتجاوز ما أمر به وأذن فيه إلى ما نهى عنه فمن فعل ذلك فهو من الحافظين لحدود الله الذين مدحهم الله في كتابه وقال عز وجل هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب ق وفسر الحفيظ هنا بالحافظ لأوامر الله وبالحافظ لذنوبه ليتوب منها ومن أعظم ما يجب حفظه من أوامر الله الصلاة وقد أمر الله بالمحافظة عليها فقال حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى البقرة ومدح المحافظين عليها بقوله والذين هم على صلاتهم يحافظون المعارج وقال النبي صلى الله عليه وسلم من حافظ عليها كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة وفي حديث آخر من حافظ عليهن كن له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة وكذلك الطهارة فإنها مفتاح الصلاة قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن ومما يؤمر بحفظه الأيمان قال الله عز وجل واحفظوا أيمانكم المائدة فإن الأيمان يقع الناس فيها كثيرا ويهمل كثير منهم ما يجب بها فلا يحفظه ولا يلتزمه ومن ذلك حفظ الرأس والبطن كما في حديث ابن مسعود المرفوع الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى وتحفظ البطن وما حوى خرجه الإمام أحمد والترمذي وحفظ الرأس وما وعى يدخل فيه حفظ السمع والبصر واللسان من المحرمات وحفظ البطن وما حوى يتضمن حفظ القلب عن الإصرار على ما حرم الله قال الله عز وجل واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه البقرة وقد جمع الله ذلك كله في قوله إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا الإسراء ويتضمن أيضا حفظ البطن من
186
إدخال الحرام إليه من المآكل والمشارب ومن أعظم ما يجب حفظه من نواهي الله عز وجل اللسان والفرج وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حفظ ما بين لحييه وما بين رجليه دخل الجنة خرجه الحاكم وخرج الإمام أحمد من حديث أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حفظ ما بين فقميه وفرجه دخل الجنة وأمر الله عز وجل بحفظ الفرج ومدح الحافظين لها فقال قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم النور وقال والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما الأحزاب وقال قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون المؤمنون إلى قوله والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أوما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين النور وقال أبو إدريس الخولاني أول ما وصى الله به آدم عند إهباطه إلى الأرض حفظ فرجه وقال لا تضعه إلا في حلال وقوله صلى الله عليه وسلم يحفظك يعني أن من حفظ حدود الله وراعى حقوقه حفظه الله فإن الجزاء من جنس العمل كما قال تعالى وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم البقرة وقال اذكروني أذكركم البقرة وقال إن تنصروا الله ينصركم محمد وحفظ الله لعبده يدخل فيه نوعان أحدهما حفظه له في مصالح دنياه كحفظه في بدنه وولده وأهله وماله قال الله عز وجل له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله الرعد قال ابن عباس هم الملائكة يحفظونه بأمر الله فإذا جاء القدر خلوا عنه وقال على رضي الله عنه إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه وإن الأجل جنة حصينة وقال مجاهد ما من عبد إلا وله ملك يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام فما من شيء يأتيه إلا قال له وراءك إلا شيئا أذن الله فيه فيصيبه وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث ابن عمر قال لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهل ومالي اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي واحفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي ومن حفظ الله في صباه وقوته حفظه الله في حال كبره وضعف قوته ومتعه بسمعه وبصره وحوله وقوته وعقله وكان بعض العلماء قد جاوز المائة سنة وهو ممتع بقوته وعقله فوثب يوما وثبة شديدة فعوتب في ذلك فقال هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر وعكس هذا أن بعض السلف رأى شيخا يسأل الناس فقال إن هذا ضعيف ضيع الله في صغره فضيعه الله في كبره وقد يحفظ الله العبد بصلاحه بعد موته في ذريته كما قيل في قوله تعالى وكان أبوهما صالحا الكهف
187
أنهما حفظا بصلاح أبيهما قال سعيد بن المسيب لابنه لأزيدن في صلاتي من أجلك رجاء أن أحفظ فيك ثم تلا هذه الآية وكان أبوهما صالحا وقال عمر بن عبدالعزيز ما من مؤمن يموت إلا حفظه الله في عقبه وعقب عقبه وقال ابن المنكدر إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده والدويرات التي حوله فما يزالون في حفظ من الله وستر ومتى كان العبد مشتغلا بطاعة الله فإن الله يحفظه في تلك الحال وفي مسند الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كانت امرأة في بيت فخرجت في سرية من المسلمين وتركت ثنتي عشرة عنزة وصيصتها كانت تنسج بها قال ففقدت عنزة لها وصيصيتها فقالت يا رب إنك قد ضمنت لمن خرج في سبيلك أن تحفظ عليه وإني قد فقدت عنزا من غنمي وصيصيتي وإني أنشدك عنزة لي وصيصيتي قال وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يذكر شدة مناشدتها ربها تبارك وتعالى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصبحت عنزها ومثلها وصيصيتها هي الصنارة التي يغزل بها وينسج فمن حفظ الله حفظه الله من كل أذى قال بعض السلف من اتقى الله فقد حفظ نفسه ومن ضيع تقواه فقد ضيع نفسه والله غنى عنه ومن عجيب حفظ الله لمن حفظه أن يجعل الحيوانات المؤذية بالطبع حافظة له من الأذى كما جرى لسفينة مولى النبي صلى الله عليه وسلم حيث كسر به المركب وخرج إلى جزيرة فرأى الأسد فجعل يمشي معه حتى دله على الطريق فلما أوقفه عليها جعل يهمهم كأنه يودعه ثم رجع عنه ورؤي إبراهيم بن أدهم نائما في بستان وعنده حية في فمها طاقة نرجس فما زالت تذب عنه حتى استيقظ وعكس هذا أن من ضيع الله ضيعه الله فضاع بين خلقه حتى يدخل عليه الضرر والأذى ممن كان يرجو نفعه من أهله وغيرهم كما قال بعض السلف إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق خادمي ودابتي النوع الثاني من الحفظ وهو أشرف النوعين حفظ الله للعبد في دينه وإيمانه فيحفظه في حياته من الشبهات المضلة ومن الشهوات المحرمة ويحفظ عليه دينه عند موته فيتوفاه على الإيمان قال بعض السلف إذا حضر الرجل الموت يقال للملك شم رأسه قال أجد في رأسه القرآن قال شم قلبه قال أجد في قلبه الصيام قال شم قدميه قال أجد في قدميه القيام قال حفظ نفسه فحفظه الله وفي الصحيحين عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمره أن يقول عند منامه إن قبضت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين وفي حديث عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه أن يقول اللهم احفظني بالإسلام قائما واحفظني بالإسلام قاعدا واحفظني بالإسلام راقدا ولا تطمع في عدوا ولا حاسدا خرجه ابن حبان في صحيحه وكان النبي صلى الله عليه وسلم يودع من أراد سفرا فيقول استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك وقال صلى الله عليه وسلم إن الله إذا استودع شيئا حفظه خرجه النسائي وغيره وفي الجملة فإن الله عز وجل يحفظ المؤمن الحافظ لحدود دينه ويحول بينه وبين ما يفسد عليه دينه بأنواع من الحفظ وقد لا يشعر العبد ببعضها
188
وقد يكون كارها له كما قال في حق يوسف عليه السلام كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين يوسف قال ابن عباس في قوله تعالى إن الله يحول بين المرء وقلبه قال يحول بين المؤمن وبين المعصية التي تجره إلى النار وقال الحسن وذكر أهل المعاصي هانوا عليه فعصوه ولو عزوا عليه لعصمهم وقال ابن مسعود إن العبد ليهم بالأمر من التجارة والإمارة حتى ييسر له فينظر الله إليه فيقول للملائكة اصرفوه عنه فإنه إن يسرته له أدخلته النار فيصرفه الله عنه فيظل يتطير بقوله سبني فلان وأهانني فلان وما هو إلا فضل الله عز جل وخرجه الطبراني من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر وإن بسط عليه أفسده ذلك وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغني ولو أفقرته لأفسده ذلك وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا السقم ولو أصححته لأفسده ذلك وإن من عبادي من يطلب بابا من العبادة فأكفه عنه لكيلا يدخله العجب إني أدبر أمر عبادي بعلمي بما في قلوبهم إني عليم خبير وقال صلى الله عليه وسلم احفظ الله تجده تجاهك وفي رواية أمامك معناه أن من حفظ حدود الله وراعى حقوقه وجد الله معه في كل أحواله حيث توجه يحوطه وينصره ويحفظه ويوفقه ويسدده إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون قال قتادة من يتق الله يكن معه ومن يكن الله معه فمعه الفئة التي لا تغلب والحارس الذي لا ينام والهادي الذي لا يضل بل كتب بعض السلف إلى أخ له أما بعد فإن كان الله معك فمن تخاف وإن كان عليك فمن ترجو وهذه المعية الخاصة هي المذكورة في قوله تعالى لموسى وهارون لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى طه وقول موسى كلا إن معي ربي سيهدين الشعراء وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وهما في الغار ما ظنك باثنين الله ثالثهما لا تحزن إن الله معنا التوبة فهذه المعية الخاصة تقتضي النصر والتأييد والحفظ والإعانة بخلاف المعية المذكورة في قوله تعالى ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا المجادلة وقوله ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول النساء فإن هذه المعية تقتضي علمه واطلاعه ومراقبته لأعمالهم فهي مقتضية لتخويف العباد منه والمعية الأولي تقتضي حفظه وحياطته ونصره فمن حفظ الله وراعى حقوقه وجده أمامه وتجاهه على كل حال فاستأنس به واستغنى عن خلقه كما في حديث أفضل الإيمان أن يعلم العبد أن الله معه حيث كان وقد سبق وروي عن نبهان الحمال أنه دخل البرية وحده على طريق تبوك فاستوحش فهتف به هاتف لم تستوحش أليس حبيبك معك وقيل لبعضهم ألا تستوحش
189
وحدك فقال كيف أستوحش وهو يقول أنا جليس من ذكرني وقيل لآخر نراك وحدك فقال من يكن الله معه كيف يكون وحده وقيل لآخر أما معك مؤنس قال بلى قيل أين هو قال أمامي ومعي وخلفي وعن يميني وعن شمالي وفوقي وكان الشبلي ينشد إذا نحن أدجلنا وأنت أمامنا في المطايا بذكرك هاديا وقوله صلى الله عليه وسلم تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة يعني أن العبد إذا اتقى الله وحفظ حدوده وراعى حقوقه في حال رخائه فقد تعرف بذلك إلى الله وصار بينه وبين ربه معرفة خاصة فعرفه ربه في الشدة روعي له تعرفه إليه في الرخاء فنجاه من الشدائد بهذه المعرفة وهذه معرفة خاصة تقتضي قرب العبد من ربه ومحبته له وإجابته لدعائه فمعرفة العبد لربه نوعان أحدهما المعرفة العامة وهي معرفة الإقرار به والتصديق والإيمان وهو عامة للمؤمنين والثاني معرفة خاصة تقتضي ميل القلب إلى الله بالكلية والانقطاع إليه والأنس به والطمأنينة بذكره والحياء منه والهيبة له وهذه المعرفة الخاصة هي التي يدور حولها العارفون كما قال بعضهم مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها قيل له وما هو قال معرفة الله عز وجل وقال أحمد بن عاصم الأنطاكي أحب أن لا أموت حتى أعرف مولاي وليس معرفته الإقرار به ولكن المعرفة إذا عرفته استحييت منه ومعرفة الله أيضا لعبده نوعان معرفة عامة وهي علمه تعالى بعباده واطلاعه على ما أسروه وما أعلنوه كما قال ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ق قال هو أعلم بكم إذا أنشأكم من الأرض وإذا أنتم أجنة في بطون أمهاتكم النجم والثاني معرفة خاصة وهي تقتضي محبته لعبده وتقريبه إليه وإجابة دعائه وإنجائه من الشدائد وهي المشار إليها بقوله صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وفي رواية ولئن دعاني لأجيبنه ولما هرب الحسن من الحجاج دخل إلى بيت حبيب بن محمد فقال له حبيب يا أبا سعيد أليس بينك وبين ربك ما تدعوه به فيسترك من هؤلاء ادخل البيت فدخل ودخل الشرط على أثره فلم يروه فذكر ذلك للحجاج فقال بل كان في البيت إلا أن الله طمس أعينهم فلم يروه واجتمع الفضيل بن عياض بشعوانه العابدة فسألها الدعاء فقالت يا فضيل وما بينك وبينه ما إن دعوته أجابك فغشي على الفضيل وقيل لمعروف وما الذي
190
هيجك إلى الانقطاع والعبادة وذكرت الموت والبرزخ والجنة والنار فقال معروف إن ملكا هذا كله بيده إن كانت بينك وبينه معرفة كفاك جميع هذا وفي الجملة فمن عامل الله بالتقوى والطاعة في حال رخائه عامله الله باللطف والإعانة في حال شدته وخرج الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد فليكثر الدعاء في الرخاء وخرج ابن أبي حاتم وغيره من رواية أبي يزيد الرقاشي عن أنس يرفعه أن يونس عليه الصلاة والسلام لما دعا في بطن الحوت قالت الملائكة يا رب هذا صوت معروف من بلاد غريبة فقال الله عز وجل أما تعرفون ذلك قالوا ومن هو قال عبدي يونس قالوا عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوة مستجابة قال نعم قالوا يا رب أفلا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه من البلاء قال بلى قال فأمر الله الحوت فطرحه بالعراء وقال الضحاك بن قيس اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة إن يونس عليه الصلاة والسلام كان يذكر الله تعالى فلما وقع في بطن الحوت قال الله تعالى فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون الصافات وإن فرعون كان طاغيا ناسيا لذكر الله فلما أدركه الغرق قال آمنت فقال الله تعالى ءآلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين يونس وقال سلمان الفارسي إذا كان الرجل دعا في السر فنزلت به ضراء فدعا الله تعالى قالت الملائكة صوت معروف فشفعوا له وإذا كان ليس بدعاء في السراء فنزلت به ضراء فدعا الله تعالى قالت الملائكة صوت ليس بمعروف فلا يشفعون له وقال رجل لأبي الدرداء أوصني فقال اذكر الله في السراء يذكرك الله عز وجل في الضراء وعنه أنه قال ادع الله في يوم سرائك لعله أن يستجيب لك في يوم ضرائك وأعظم الشدائد التي تنزل بالعبد في الدنيا الموت وما بعده أشد منه إن لم يكن مصير العبد إلى خير فالواجب على المؤمن الاستعداد للموت وما بعده في حال الصحة بالتقوى والأعمال الصالحة قال الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون الحشر فمن ذكر الله في حال صحته ورخائه واستعد حينئذ للقاء الله عز وجل بالموت وما بعده ذكره الله عند هذه الشدائد فكان معه فيها ولطف به وأعانه وتولاه وثبته على التوحيد فلقيه وهو عنه راض ومن نسي الله في حال صحته ورخائه ولم يستعد حينئذ للقائه نسيه الله في هذه الشدائد بمعنى أنه أعرض عنه فأهمله فإذا نزل الموت بالمؤمن المستعد له أحسن الظن بربه وجاءته البشرى من الله فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه والفاجر بعكس ذلك وحينئذ يفرح المؤمن ويستبشر بما قدمه مما هو قادم عليه ويندم المفرط ويقول يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله قال أبو عبدالرحمن السلمي قبل موته كيف لا أرجو ربي وقد صمت له ثمانين رمضان وقال أبو بكر بن عياش لابنه عند موته أترى الله يضيع
191
لأبيك أربعين سنة يختم القرآن كل ليلة وختم آدم بن أبي إياس القرآن وهو مسجي للموت ثم قال بحبي لك ألا رفقت بي في هذا المصرع كنت آملك لهذا اليوم كنت أرجوك لا إله إلا الله ثم قضى ولما احتضر زكريا بن عدي رفع يديه وقال اللهم إني إليك لمشتاق وقال عبدالصمد الزاهد عند موته سيدي لهذه الساعة خبأتك فلهذا اليوم اقتنيتك حقق حسن ظني بك وقال قتادة في قول الله عز وجل ومن يتق الله يجعل له مخرجا الطلاق قال من الكرب عند الموت وقال على بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة وقال زيد بن أسلم في قوله عز وجل إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولاتحزنوا فصلت قال يبشر بذلك عند موته وفي قبره وحين يبعث فإنه لفي الجنة وما ذهبت فرحة البشارة من قلبه وقال ثابت البناني في هذه الآية بلغنا أن المؤمن حيث يبعثه الله من قبره ويتلقاه ملكاه اللذان كانا معه في الدنيا فيقولان له لا تخف ولا تحزن فيؤمن من الله خوفه ويقر الله عينه فما من عظيمة تغشى الناس يوم القيامة إلا هي للمؤمن قرة عين لما هداه الله ولما كان يعمل في الدنيا وقوله صلى الله عليه وسلم إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله هذا منزع من قوله تعالى إياك نعبد وإياك نستعين فإن السؤال هو دعاؤه والرغبة إليه والدعاء هو العبادة كذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث النعمان بن بشير وتلا قوله تعالى وقال ربكم ادعوني أستجب لكم خرجه الإمام وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وخرج الترمذي من حديث انس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء مخ العبادة فتضمن هذا الكلام أن يسأل الله عز وجل ولا يسأل غيره وأن يستعان بالله دون غيره وأما السؤال فقد أمر الله بسؤاله فقال واسألوا الله من فضله وفي الترمذي عن ابن مسعود مرفوعا سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل وفيه أيضا عن أبي هريرة مرفوعا من لا يسأل الله يغضب عليه وفي حديث آخر يسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأل شسع نعله إذا انقطع وفي النهي عن مسئلة المخلوقين أحاديث كثيرة صحيحة وقد بايع النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئا منهم أبو بكر الصديق وأبو ذر وثوبان وكان أحدهم يسقط السوط أو خطام ناقته فلا يسأل أحدا أن يناوله إياه وخرج ابن أبي الدنى من حديث أبي عبيدة بن عبدالله بن مسعود أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن بني فلان أغاروا على فذهبوا بابني وإبلي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إن آل محمد كذا وكذا أهل بيت مالهم مد من طعام أو صاع فاسأل الله عز وجل فرجع إلى امرأته
192
فقالت ما قال لك فأخبرها فقالت نعم ما رد عليك فما لبث أن رد الله عليه ابنه وإبله أوفر ما كانت فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وأمر الناس بمسئلة الله عز وجل والرغبة إليه وقرأ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب الطلاق وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل يقول هل من داع فأستجيب له دعاءه هل من سائل فأعطيه سؤله هل من مستغفر فأغفر له وخرج المحاملي وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال الله تعالى من ذا الذي دعاني فلم أجبه وسألني فلم أعطه واستغفرني فلم أغفر له وأنا أرحم الراحمين واعلم أن سؤال الله عز وجل دون خلقه هو المتعين لأن السؤال فيه إظهار الذل من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار وفيه الاعتراف بقدرة المسئول على رفع هذا الضر ونيل المطلوب وجلب المنافع ودرء المضار ولا يصلح الذل والافتقار إلا الله وحده لأنه حقيقة العبادة وكان الإمام أحمد يدعو ويقول اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصنه عن المسئلة لغيرك ولا يقدر على كشف الضر وجلب النفع سواك كما قال وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يونس وقال ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده فاطر والله سبحانه يحب أن يسئل ويرغب إليه في الحوائج ويلح في سؤاله ودعائه ويغضب على من لا يسأله ويستدعي من عباده سؤاله وهو قادر على إعطاء خلقه كلهم سؤلهم من غير أن ينقص من ملكه شيء والمخلوق بخلاف ذلك يكره أن يسأل ويحب أن لا يسأل لعجزه وفقره وحاجته ولهذا قال وهب بن منبه لرجل كان يأتي الملوك ويحك تأتي من يغلق عنك بابه ويظهر لك فقره ويواري عنك غناه وتدع من يفتح لك بابه نصف الليل ونصف النهار ويظهر لك غناه ويقول ادعني أستجب لك وقال طاووس لعطاء إياك أن تطلب حوائجك إلى من أغلق بابه دونك ويجعل دونها حجابه وعليك بمن بابه مفتوح إلى يوم القيامة أمرك أن تسأله ووعدك أن يجيبك وأما الاستعانة بالله عز وجل دون غيره من الخلق فلأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه ودفع مضاره ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله عز وجل فمن أعانه الله فهو المعان ومن خذله فهو المخذول وهذا تحقيق معنى قول لا حول ولا قوة إلا بالله فإن المعنى لا تحول للعبد من حال إلى حال ولاقوة له على ذلك إلا بالله وهذه كلمة عظيمة وهي كنز من كنوز الجنة فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات وترك المحظورات والصبر على المقدورات كلها في الدنيا وعند الموت وبعده من أهوال البرزخ ويوم القيامة ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله عز وجل فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كله أعانه وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال احرص على ما ينفعك
193
واستعن بالله ولا تعجز ومن ترك الاستعانة بالله واستعان بغيره وكله الله إلى من استعان به فصار مخذولا كتب الحسن إلى عمر بن العزيز لا تستعن بغير الله فيكلك الله إليه ومن كلام بعض السلف يا رب عجبت لمن يعرفك كيف يرجو غيرك وعجبت لمن يعرفك كيف يستعين بغيرك قوله صلى الله عليه وسلم جف القلم بما هو كائن وفي رواية أخرى رفعت الأقلام وجفت الصحف هو كناية عن تقدم كتابة المقادير كلها والفراغ منها من أمد بعيد فإن الكتاب إذا فرغ من كتابه ورفعت الأقلام عنه وطال عهده فقد رفعت عنه الأقلام وجفت الأقلام التي كتب بها من مدادها وجفت الصحف التي كتب فيها بالمداد المكتوب به فيها وهذا من أحسن الكنايات وأبلغها وقد دل الكتاب والسنن الصحيحة الكثيرة على مثل هذا المعنى قال الله تعالى ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير الحديد وفي صحيح مسلم عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وفيه أيضا عن جابر أن رجلا قال يا رسول الله ففيم العمل اليوم أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما يستقبل قال لا بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير قال ففيم العمل قال اعملوا فكل ميسر لما خلق له وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أول ما خلق الله القلم ثم قال اكتب فكتب في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدا يطول ذكرها قوله صلى الله عليه وسلم فلو أن الخلق جميعا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله عليك لم يقدروا عليه وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه هذه رواية الإمام أحمد ورواية الترمذي بهذا المعنى أيضا والمراد إنما يصيب العبد في دنياه مما يضره أو ينفعه فكله مقدر عليه ولا يصيب العبد إلا ما كتب له من مقادير ذلك في الكتاب السابق ولو اجتهد على ذلك الخلق كلهم جميعا وقد دل القرآن على مثل هذا في قوله عز رجل قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا التوبة وقوله ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها الحديد وقوله قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم آل عمران وخرج الإمام أحمد من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن لكل شيء حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وإن ما أخطأه لم يكن ليصيبه وخرج أبو داود وابن ماجه من حديث زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم معنى ذلك أيضا واعلم أن مدار جميع هذه الوصية على هذا الأصل وما ذكر قبله وبعده فهو متفرع عليه وراجع إليه فإن العبد إذا علم أن لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير وشر ونفع وضر وأن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد البتة علم حينئذ أن الله وحده هو الضار النافع المعطي المانع
194
فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه عز وجل وإفراده بالطاعة وحفظ حدوده فإن المعبود إنما يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضار ولهذا ذم الله من يعبد من لا ينفع ولا يضر ولا يغني عن عابده شيئا فمن يعلم أنه لا ينفع ولا يضر ولا يعطي ولا يمنع غير الله أوجب له ذلك إفراده بالخوف والرجاء والمحبة والسؤال والتضرع والدعاء وتقديم طاعته على طاعة الخلق جميعا وأن يتقي سخطه ولو كان فيه سخط الخلق جميعا وإفراده بالاستعانة به والسؤال له وإخلاص الدعاء له في حال الشدة وحال الرخاء خلاف ما كان المشركون عليه من إخلاص الدعاء له عند الشدائد ونسيانه في الرخاء ودعاء من يرجون نفعه من دونه قال الله عز وجل قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون الزمر و قوله صلى الله عليه وسلم واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا يعني أن ما أصاب العبد من المصائب المؤلمة المكتوبة عليه إذا صبر عليها كان له في الصبر خير كثير وفي رواية عمر مولى عفرة وغيره عن ابن عباس زيادة أخرى قبل هذا الكلام وهي فإن استطعت أن تعمل لله بالرضا في اليقين فافعل فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا وفي رواية أخرى من رواية على بن عبدالله بن عباس عن أبيه لكن إسنادها ضعيف زيادة أخرى بعد هذا وهي قلت يا رسول الله كيف أصنع باليقين قال أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن لصيبك فإذا أنت أحكمت باب اليقين ومعنى هذا أن حصول اليقين للقلب بالقضاء السابق والتقدير الماضي يعني أن العبد يجهد على أن يرضي نفسه بما أصابه فمن استطاع أن يعمل في اليقين بالقضاء والقدر على الرضا بالمقدور فليفعل فإن لم يستطع الرضا فإن في الصبر على المكروه خيرا كثيرا فهاتان درجتان للمؤمن بالقضاء والقدر في المصائب أحدهما أن يرضى بذلك وهي درجة عالية رفيعة جدا قال الله عز وجل ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه قال علقمة هي المصيبة تصيب الرجل فيعلم أنها من عند الله فيسلم لها ويرضى وخرج الترمذي من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه أسألك الرضا بعد القضاء ومما يدعو المؤمن إلى الرضا بالقضاء تحقيق إيمانه بمعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يقضي الله للمؤمن من قضاء إلا كان خيرا له إن أصابته سراء شكر وكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر وكان خيرا له وليس ذلك إلا للمؤمن وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله أن يوصيه وصية جامعة موجزة فقال لا تتهم الله في قضائه قال أبو الدرداء إن الله إذا قضى قضاء أحب أن يرضى به وقال ابن مسعود إن الله بقسطه وعدله جعل الروح والفرح في اليقين والرضا وجعل الهم والحزن في الشك والسخط في الرضا أن لا يتمنى غير ما هو عليه من شدة ورخاء كذا روي عن عمر
195
وابن مسعود وغيرهما وقال عمر بن عبدالعزيز أصبحت ومالي سرور إلا في مواقع القضاء والقدر فمن وصل إلى هذه الدرجة كان عيشه كله في نعيم وسرور قال الله تعالى من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة قال بعض السلف الحياة الطيبة هي الرضا والقناعة وقال عبدالواحد بن زيد الرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا ومستراح العابدين وأهل الرضا تارة يلاحظون حكمة المبتلي وخيرته لعبده في البلاء وأنه غير متهم في قضائه وتارة يلاحظون ثواب الرضا بالقضاء فينسيهم ألم المقضي به وتارة يلاحظون عظمة المبتلي وجلاله وكماله فيستغرقون في مشاهدة ذلك حتى لا يشعرون بالألم وهذا يصل إليه خواص أهل المعرفة والمحبة حتى ربما تلذذوا بما أصابهم لملاحظتهم صدوره عن حبيبهم كما قال بعضهم أوجدهم في عذابه عذوبة وسئل بعض التابعين عن حاله في مرضه فقال أحبه إليه أحب إلي وسئل سري هل يجد المحب ألم البلاء فقال لا وقال بعضهم عذابه فيك عذب وبعده فيك قرب وأنت عندي كروحي بل أنت منها أحب حسبي من الحب أني لما تحب أحب والدرجة الثانية أن يصبر على البلاء وهذه لمن لم يستطع الرضا بالقضاء فالرضا فضل مندوب إليه مستحب والصبر واجب على المؤمن حتم وفي الصبر خير كثير فإن الله أمر به ووعد عليه جزيل الأجر قال الله عز وجل إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب الزمر وقال وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون البقرة قال الحسن الرضا عزيز ولكن الصبر معول المؤمن والفرق بين الرضا والصبر أن الصبر كف النفس وحبسها عن السخط مع وجود الألم وتمني زوال ذلك وكف الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع والرضا انشراح الصدر وسعته بالقضاء وترك تمني زوال الألم وإن وجد الإحساس بألم لكن الرضا يخففه ما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة وإذا قوي الرضا فقد يزيل الإحساس بالألم بالكلية كما سبق وقوله صلى الله عليه وسلم واعلم أن النصر مع الصبر هذا موافق لقول الله عز وجل قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين البقرة وقوله إن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين الأنفال وقال عمر لأشياخ من بني عبس بم قاتلتم الناس قالوا بالصبر لم نلق قوما إلا صبرنا لهم كما صبروا لنا وقال بعض السلف كلنا يكره الموت وألم الجراح ولكن نتفاضل بالصبر وقال ابن بطال الشجاعة صبر ساعة وهذا في جهاد العدو الظاهر وهو جهاد الكفار وكذلك جهاد العدو الباطن
196
وهو جهاد النفس والهوى فإن جهادهما من أعظم الجهاد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم المجاهد من جاهد نفسه في الله وقال عبدالله بن عمر لمن سأله عن الجهاد ابدأ بنفسك فجاهدها وابدأ بنفسك فاغزها وقال بقية بن الوليد أخبرنا إبراهيم بن أدهم قال حدثنا الثقة عن على بن أبي طالب قال أول ما تنكرون من جهادكم أنفسكم وقال إبراهيم بن أبي علقمة لقوم جاءوا من الغزو قد جئتم من الجهاد الأصغر فما فعلتم في الجهاد الأكبر قالوا وما الجهاد الأكبر قال جهاد القلب ويروى هذا مرفوعا من حديث جابر بإسناد ضعيف ولفظه قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر قالوا وما الجهاد الأكبر قال مجاهدة العبد لهواه ويروى من حديث سعد بن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس عدوك الذي إذا قتلك أدخلك الجنة وإذا قتلته كان نورا لك وإنما أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في وصيته لعمر حين استخلفه إن أول ما أحذرك نفسك التي بين جنبيك فهذا الجهاد يحتاج أيضا إلى صبر فمن صبر على مجاهدة نفسه وهواه وشيطانه غلبه وحصل له النصر والظفر وملك نفسه فصار ملكا عزيزا ومن جزع ولم يصبر على مجاهدة ذلك غلب وقهر وأسر وصار عبدا ذليلا أسيرا في يد شيطانه وهواه كما قيل إذا المرء لم يغلب هواه أقامه بمنزلة فيها العزيز ذليل قال ابن المبارك من صبر فما أقل ما يصبر ومن جزع فما أقل ما يتمتع فقوله صلى الله عليه وسلم إن النصر مع الصبر يشمل النصر في الجهادين جهاد العدو الظاهر وجهاد العدو الباطن فمن صبر فيهما نصر وظفر بعدوه ومن لم يصبر فيهما وجزع قهر وصار أسيرا لعدوه أو قتيلا له وقوله صلى الله عليه وسلم وإن الفرج مع الكرب وهذا يشهد له قوله عز وجل وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته الشورى وقول النبي صلى الله عليه وسلم ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره خرجه الإمام أحمد وخرجه ابنه عبدالله في حديث طويل وفيه علم الله يوم الغيث أنه يشرف عليكم أذلين قنطين فيظل يضحك قد علم أن غيركم إلى قرب والمعنى أنه سبحانه يعجب من قنوط عباده عند احتباس القطر عنهم وقنوطهم ويأسهم من الرحمة وقد اقترب وقت فرجه ورحمته لعباده بإنزال الغيث عليهم وتغيره لحالهم وهم لا يشعرون وقال تعالى فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين الروم وقال تعالى حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا يوسف وقال تعالى حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب البقرة وقال حاكيا عن يعقوب أنه قال لبنيه يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله ثم قص قصة اجتماعهم عقب ذلك وكم قص سبحانه من قصص تفريج كربات أنبيائه عند تناهي الكرب
197
كإنجاء نوح ومن معه في الفلك وإنجاء إبراهيم من النار وفدائه لولده الذي أمر بذبحه وإنجاء موسى وقومه من اليم وإغراق عدوهم وقصة أيوب ويونس وقصص محمد صلى الله عليه وسلم مع أعدائه وإنجائه منهم كقصته في الغار ويوم بدر ويوم أحد ويوم الأحزاب ويوم حنين وغير ذلك وقوله صلى الله عليه وسلم فإن مع العسر يسرا هو منتزع من قوله تعالى سيجعل الله بعد عسر يسرا وقوله عز وجل فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا وخرج البزار في مسنده وابن أبي حاتم واللفظ له من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لو جاء العسر فدخل هذا الجحر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه فأنزل الله عز وجل فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا وخرج البزار في مسنده وابن أبي حاتم واللفظ له من حديث أنس مرسلا نحوه وفي حديثه فقال النبي صلى الله عليه وسلم لن يغلب عسر يسرين وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن ابن مسعود قال لو أن العسر دخل في جحر لجاء اليسر حتى يدخل معه ثم قال قال الله تعالى فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا وبإسناده أن أبا عبيدة حضر فكتب عمر يقول مهما ينزل بامريء شدة يجعل الله بعدها فرجا وإنه لن يغلب عسر يسرين وإنه يقول اصبروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون آل عمران ومن لطائف أسرار أقتران الفرج بالكرب واليسر بالعسر أن الكرب إذا اشتد وعظم وتناهى وحصل للعبد اليأس من كشفه من جهة المخلوقين وتعلق قلبه بالله وحده وهذا هو حقيقة التوكل على الله وهو من أعظم الأسباب التي تطلب بها الحوائج فإن الله يكفي من توكل عليه كما قال تعالى ومن يتوكل على الله فهو حسبه الطلاق وروى آدم بن أبي إياس في تفسيره عن محمد بن إسحاق قال جاء مالك الأشجعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أسر ابني عوف فقال له أرسل إليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله فأتاه الرسول فأخبره فأكب عوف يقول لا حول ولا قوة إلا بالله وكانوا قد شدوه بالقد فسقط القد عنه فخرج فإذا هو بناقة لهم فركبها فأقبل فإذا هو بسرح القوم الذين كانوا قد شدوه فصاح بهم فاتبع آخرها أولها فلم يفاجأ أبويه إلا هو ينادي بالباب فقال أبوه عوف ورب الكعبة فقالت أمه واسوأتاه عوف كئيب بألم ما فيه من القد فاستبق الأب والخادم إليه فإذا عوف قد ملأ الفناء إبلا فقص على أبيه أمره وأمر الإبل فأتى أبوه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بخبر عوف وخبر الإبل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اصنع بها ما أحببت وما كنت صانعا بإبلك ونزل ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على فهو حسبه الحشر قال الفضيل لو يئست من الخلق حتى لا تريد منهم شيئا لأعطاك مولاك كل ما تريد وذكر إبراهيم بن أدهم عن بعضهم قال ما سأل السائلون مسئلة
198
هي ألحلف من أن يقول العبد ما شاء الله قال يعني بذلك التفويض إلى الله عز وجل وقال سعيد بن سالم القداح بلغني أن موسى عليه الصلاة والسلام كانت له إلى الله حاجة فأبطأت عليه فقال ما شاء الله فإذا حاجته بين يديه فعجب فأوحى الله إليه أما علمت أن قولك ما شاء الله أنجح ما طلبت به الحوائج وأيضا فإن المؤمن إذا استبطأ الفرج وأيس منه بعد كثرة دعائه وتضرعه ولم يظهر عليه أثر الإجابة فرجع إلى نفسه باللائمة وقال لها إنما أتيت من قبلك ولو كان فيك خير لأجبت وهذا اللوم أحب إلى الله من كثير من الطاعات فإنه يوجب انكسار العبد لمولاه واعترافه له بأنه أهل لما نزل من البلاء وأنه ليس أهلا لإجابة الدعاء فلذلك تسرع إليه حينئذ إجابة الدعاء وتفريج الكرب فإنه تعالى عند المنكسرة قلوبهم من أجله قال وهب تعبد رجل زمانا ثم بدت له إلى الله حاجة فقام سبعين سبتا يأكل في كل سبت إحدى عشرة تمرة ثم سأل الله حاجته فلم يعطها فرجع إلى نفسه فقال منك أتيت لو كان فيك خيرا أعطيت حاجتك فنزل إليه عند ذلك ملك فقال له يا ابن آدم ساعتك هذه خير من عبادتك التي مضت وقد قضى الله حاجتك خرجه ابن أبي الدنيا ولبعض المتقدمين في هذا المعنى عسى ما ترى أن لا يدوم وإن ترى له فرجا مما ألح به الدهر عسى فرج يأتي به الله أنه له كل يوم في خليقته أمر إذا لاح عسر فارتج اليسر إنه قضى الله أن العسر يتبعه اليسر الحديث العشرون عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولي إذا لم تستح فاصنع ما شئت رواه البخاري
199
هذا الحديث خرجه البخاري من رواية منصور بن المعتمر عن ربعي بن خراش عن أبي مسعود عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم فاختلف في إسناده لكن أكثر الحفاظ حكموا بأن القول قول من قال عن أبي مسعود منهم البخاري وأبو زرعة الرازي والدارقطني وغيرهم ويدل على صحة ذلك أنه قد روي من وجه آخر عن أبي مسعود من رواية مسروق عنه وخرجه الطبراني من حديث أبي الطفيل عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضا فقوله صلى الله عليه وسلم إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى يشير إلى أن هذا مأثور عن الأنبياء المتقدمين وأن الناس تداولوه بينهم وتوارثوه عنهم قرنا بعد قرن وهذا يدل على أن النبوة المتقدمة جاءت بهذا الكلام وأنه اشتهر بين الناس حتى وصل إلى أول هذه الأمة وفي بعض الروايات قال لم يدرك الناس من كلام النبوة الأولى إلا هذا خرجها عبيد بن زنجويه وغيره وقوله إذا لم تستح فاصنع ما شئت في معناه قولان أحدهما أنه ليس بمعنى الأمر أن يصنع ما شاء ولكنه على معنى الذم والنهي عنه وأهل هذه المقالة لهم طريقان أحدهما أنه أمر بمعنى التهديد والوعيد والمعني إذا لم يكن حياء فاعمل ما شئت فالله يجازيك عليه كقوله اعملوا بما شئتم إنه بما تعملون بصير وقوله فاعبدوا ما شئتم من دونه وقول النبي صلى الله عليه وسلم من باع الخمر فليشقص الخنازير يعني ليقطعها إما لبيعها أو لأكلها وأمثلته متعددة وهذا اختيار جماعة منهم أبو العباس بن ثعلبة والطريق الثاني أنه أمر ومعناه الخبر والمعنى أن من لم يستح صنع ما شاء فإن المانع من فعل القبائح هو الحياء
200
فمن لم يكن له حياء انهمك في كل فحشاء ومنكر وما يمتنع من مثله من له حياء على حد قوله صلى الله عليه وسلم من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار فإن لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر وإن من كذب عليه يتبوأ مقعده من النار وهذا اختيار أبي عبيد والقاسم بن سلام رحمه الله وابن قتيبة ومحمد بن نصر المروزي وغيرهم وروى أبو داود عن الإمام أحمد ما يدل على مثل هذا القول وروى ابن أبي لهيعة عن أبي قبيل عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أبغض الله عبدا نزع منه الحياء فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا بغيضا مبغضا فإذا نزع منه الأمانة نزع منه الرحمة وإذا نزع منه الرحمة نزع منه ربقة الإسلام فإذا نزع منه ربقة الإسلام لم تلقه إلا شيطانا مريدا خرجه حميد بن زنجويه وخرجه ابن ماجه بمعناه بإسناد ضعيف عن ابن عمر مرفوعا أيضا وعن سلمان الفارسي قال إن الله إذا أراد بعبد هلاكا نزع منه الحياء فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتا ممقتا فإذا كان مقيتا ممقتا نزع منه الأمانة فلم تلقه إلا خائنا مخونا فإذا كان خائنا مخونا نزع منه الرحمة فلم تلقه إلا فظا غليظا فإذا كان فظا غليظا نزع ربقة الإيمان من عنقه فإذا نزع ربقة الإيمان من عنقه لم تلقه إلا شيطانا لعينا ملعنا وعن ابن عباس قال الحياء والإيمان في قرن فإذا نزع الحياء تبعه الآخر خرجه كله حميد بن زنجويه في كتاب الأدب وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الحياء من الإيمان كما في الصحيحين عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على رجل وهو يعاتب أخاه في الحياء يقول إنك تستحي كأنه يقول قد أضر بك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعه فإن الحياء من الإيمان وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال الحياء شعبة من الإيمان وفي الصحيحين عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الحياء لا يأتي إلا بخير وفي رواية لمسلم قال الحياء خير كله أو قال الحياء كله خير وخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث الأشج المنقري قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إن فيك لخصلتين يحبهما الله قلت ما هما قال الحلم والحياء قلت أقديما كان أو حديثا قال بل قديما قلت الحمد صلى الله عليه وسلم الذي جعلني على خليقتين يحبهما الله وقال إسماعيل بن أبي خالد دخل عيينة بن حصن على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده رجل فاستسقى فأتى بماء فشرب فستره النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما هذا قال الحياء أوتوها ومنعتموها واعلم أن الحياء نوعان أحدهما ما كان خلقا وجبلة غير مكتسب وهو من أجل الأخلاق التي يمنحها الله العبد ويجبله عليها ولهذا قال صلى الله عليه وسلم الحياء لا يأتي إلا بخير فإنه يكف عن ارتكاب القبائح ودناءة الأخلاق ويحث على استعمال مكارم الأخلاق ومعاليها فهو من خصال الإيمان بهذا الاعتبار وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال من استحيا اختفى ومن اختفى اتقى ومن اتقى وقى وقال الجراح بن عبدالله الحكمي وكان فارس أهل الشام تركت الذنوب حياء أربعين سنة ثم أدركني الورع وعن بعضهم قال رأيت المعاصي نذالة
201
فتركتها مروءة فاستحالت ديانة النوع الثاني ما كان مكتسبا من معرفة الله ومعرفة عظمته وقربه من عباده واطلاعه عليهم وعلمه بخائنة الأعين وما تخفي الصدور فهذا من أعلى خصال الإيمان بل هو من أعلى درجات الإحسان وقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل استحي من الله كما تستحي من رجل من صالح عشيرتك وفي حديث ابن مسعود الاستحياء من الله أن تحفظ الرأس وما وعى والبطن وماحوى وأن تذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله خرجه الإمام أحمد والترمذي مرفوعا وقد يتولد الحياء من مطالعة نعمه تعالى ورؤية التقصير في شكرها فإذا سلب العبد الحياء المكتسب والغريزي لم يبق له ما يمنعه من ارتكاب القبيح والأخلاق الدنيئة فصار كأنه لا إيمان له وقد روي من مراسيل الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الحياء حياءان طرف من الإيمان والآخر عجز ولعله من كلام الحسن كذلك قال بشير بن كعب العدوي لعمران بن حصين إنا نجد في بعض الكتب أن منه سكينة ووقارا لله ومنه ضعف فغضب عمران وقال أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعارض فيه والأمر كما قاله عمران رضي الله عنه فإن الحياء الممدوح في كلام النبي صلى الله عليه وسلم إنما يريد به الخلق الذي يحث عل فعل الجميل وترك القبيح فأما الضعف والعجز الذي يوجب التقصير في شيء من حقوق الله أو حقوق عباده فليس هو من الحياء فإنما هو ضعف وخور وعجز ومهانة و الله أعلم والقول الثاني في معنى قوله إذا لم تستح فاصنع ما شئت أنه أمر بفعل ما يشاء على ظاهر أمره وأن المعنى إذا كان الذي يريد فعله مما لا يستحي من فعله لا من الله ولا من الناس لكونه من أفعال الطاعات أو من جميل الأخلاق والآداب المستحسنة فاصنع منه حينئذ ما شئت وهذا قول جماعة من الأئمة منهم إسحاق المروزي الشافعي وحكى مثله عن الإمام أحمد ووقع كذلك في بعض نسخ مسائل أبي داود المختصرة عنه والذي في النسخ المعتمدة التامة كما حكيناه عنه من قبل وكذلك رواه عنه الخلال في كتاب الأدب ومن هذا قول بعض السلف وقد سئل عن المروءة فقال أن لا تعمل في السر شيئا تستحي منه في العلانية وسيأتي قول النبي صلى الله عليه وسلم الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى وروي عبدالرازق في كتابه عن معمر عن أبي إسحاق عن رجل من مزينة قال قيل يا رسول الله ما أفضل ما أوتي الرجل المسلم قال الخلق الحسن قال فما شر ما أوتي الرجل المسلم قال إذا كرهت أن يرى عليك شيء في نادى القوم فلا تفعله إذا خلوت وفي صحيح ابن حبان عن أسامة بن شريك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كره منك شيء فلا تفعله إذا خلوت
202
وخرج الطبراني من حديث أبي مالك الأشعري قال قلت يا رسول الله ما تمام البر قال أن تعمل في السر عمل العلانية وخرجه أيضا من حديث أبي عامر السكوني قال قلت يا رسول الله فذكره وروى عبدالغني ابن سعيد الحافظ في كتاب أدب المحدث بإسناده عن حرملة بن عبدالله قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم لأزداد من العلم فقمت بين يديه فقلت يا رسول الله ما تأمرني أن أعمل به قال ائت المعروف واجتنب المنكر وانظر الذي سمعته أذنك من الخير الذي يقوله القوم لك إذا قمت من عندهم فأته وانظر الذي تكره أن يقوله القوم لك إذا قمت من عندهم فاجتنبه قال فنظرت فإذا هما أمران لم يتركا شيئا إتيان المعروف واجتناب المنكر وخرج ابن سعد في طبقاته بمعناه وحكى أبو عبيد في معنى الحديث قولا آخر حكاه عن جرير قال معناه أن يريد الرجل أن يعمل الخير فيدعه حياء من الناس كأنه يخاف الرياء يقول فلا يمنعك الحياء من المضي لما أردت كما جاء في الحديث إذا جاءك الشيطان وأنت تصلي فقال إنك ترى فزدها طولا ثم قال أبو عبيد وهذا الحديث ليس يجيء سياقه ولا لفظه على هذا التفسير ولا على هذا يحملها الناس قلت لو كان على ما قاله جرير لكان لفظ الحديث إذا استحييت مما لا يستحيا منه فافعل ما شئت ولا يخفى بعد هذا من لفظ الحديث ومعناه والله أعلم الحديث الحادي والعشرون عن أبي عمرو وقيل أبي عمرة سفيان بن عبدالله رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك قال قل آمنت بالله ثم استقم رواه مسلم
203
هذا الحديث خرجه مسلم من رواية هشام بن عروة عن أبيه عن سفيان وسفيان هو ابن عبدالله الثقفي الطائفي له صحبة وكان عاملا لعمر بن الخطاب على الطائف وقد روي عن سفيان بن عبدالله من وجوه أخر بزيادات فخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من رواية الزهري عن محمد بن عبدالرحمن بن ماعز وعند الترمذي من رواية عبدالرحمن بن ماعز عن سفيان بن عبدالله قال قلت يا رسول الله حدثني بأمر أعتصم به قال قل ربي الله ثم استقم قلت يا رسول الله ما أخوف ما تخاف على فأخذ بلسان نفسه قال هذا وقال الترمذي حسن صحيح وخرجه الإمام أحمد والنسائي من رواية عبدالله بن سفيان الثقفي عن أبيه أن رجلا قال يا رسول الله مرني بأمر في الإسلام لا أسأل عنه أحدا بعدك قال قل آمنت بالله ثم استقم قلت فما أتقي فأومأ إلى لسانه وقال سفيان بن عبدالله للنبي صلى الله عليه وسلم قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحد بعدك طلب منه أن يعلمه كلاما جامعا لأمر الإسلام كافيا حتى لا يحتاج بعده إلى غيره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم قل آمنت بالله ثم استقم وفي الرواية الأخرى قل ربي الله ثم استقم هذا منتزع من قوله عز وجل إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون فصلت وقوله عز وجل إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون الاحقاف وخرج النسائي في تفسيره من رواية سهيل بن أبي حزم
204
حدثنا ثابت عن أنس فقال قد قالها الناس ثم كفروا أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فمن مات عليها فهو من أهل الاستقامة وخرجه الترمذي ولفظه فقال قد قالها الناس ثم كفر أكثرهم فمن مات عليها فهو ممن استقام وقال حسن غريب وسهيل تكلم فيه من قبل حفظه وقال أبو بكر الصديق في تفسيره ثم استقاموا قال لم يشركوا بالله شيئا وعنه قال لم يلتفتوا إلى إله غيره وعنه قال ثم استقاموا على أن الله ربهم وعن ابن عباس بإسناد ضعيف قال نص آية في كتاب الله قالوا ربنا الله ثم استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله وروى نحوه عن أنس ومجاهد والأسود بن هلال وزيد بن أسلم والسدي وعكرمة وغيرهم وروي عن عمر بن الخطاب أنه قرأ هذه الآية على المنبر إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فصلت فقال لم يروغوا روغان الثعلب وروي علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فصلت قال استقاموا على أداء فرائضه وعن أبي العالية قال ثم أخلصوا له الدين والعمل وعن قتادة قال استقاموا على طاعة الله وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة ولعل من قال أن المراد الاستقامة على التوحيد إنما أراد التوحيد الكامل الذي يحرم صاحبه على النار وهو تحقيق معنى لا إله إلا الله فإن الإله هو المعبود الذي يطاع فلا يعصي خشية وإجلالا ومهابة ومحبة ورجاء وتوكلا ودعاء والمعاصي قادحة كلها في هذا التوحيد لأنها إجابة لداعي الهوى وهو الشيطان قال الله عز وجل أفرأيت من اتخذ إلهه هواه الجاثية قال الحسن وغيره هو الذي لا يهوى شيئا إلا ركبه هذا ينافي الاستقامة على التوحيد وأما على رواية من روى قل آمنت بالله فالمعنى أظهر لأن الإيمان يدخل فيه الأعمال الصالحة عند السلف ومن تابعهم من أهل الحديث وقال الله عز وجل فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير هود فأمره أن يستقيم ومن تاب معه وأن لا يجاوزوا ما أمروا به وهو الطغيان وأخبر أنه بصير بأعمالكم مطلع عليها قال تعالى فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم الشورى وقال قتادة أمر محمد صلى الله عليه وسلم أن يستقيم على أمر الله وقال الثوري على القرآن وعن الحسن قال لما نزلت هذه الآية شمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رؤي ضاحكا خرجه ابن أبي حاتم وذكر القشيري عن بعضهم أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال له يا رسول الله قلت شيبتني هود وأخواتها فما شيبك منها قال قوله فاستقم كما أمرت هود وقال عز وجل قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه فصلت وقد أمر الله تعالى بإقامة الدين عموما كما قال شرع لكم في الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى
205
أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الشورى وأمر بإقامة الصلاة في غير موضع من كتابه كما أمر بالاستقامة على التوحيد في نيتك الآيتين والاستقامة في سلوك الصراط المستقيم وهو الدين القويم من غير تعويج عنه يمنة ولا يسرة ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها الظاهرة والباطنة وترك المنهيات كلها كذلك فصارت هذه الوصية جامعة لخصال الدين كلها وفي قوله عز وجل فاستقيموا إليه واستغفروه فصلت إشارة إلى أنه لا بد من تقصير في الاستقامة المأمور بها فيجير ذلك الاستغفار المقتضي للتوبة والرجوع إلى الاستقامة فهو كقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس لن يستطيعوا الاستقامة حق الاستقامة كما خرجه الإمام أحمد وابن ماجه من حديث ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال استقيموا ولن تحصوا وأعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن وفي رواية الإمام أحمد رحمه الله سددوا وقاربوا ولا يحافظ على الصلاة إلا مؤمن وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال سددوا وقاربوا فالسداد هو حقيقة الاستقامة وهو الإصابة في جميع الأقوال والأعمال والمقاصد كالذي يرمي إلى غرض فيصيبه وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم عليا أن يسأل الله عز وجل السداد والهدى وقال له اذكر بالسداد تسديدك السهم وبالهدى هدايتك الطريق والمقاربة أن يصيب ما قرب من الغرض إذا لم يصب الغرض نفسه ولكن بشرط أن يكون مصمما على قصد السداد وإصابة الغرض فتكون مقاربته عن غير عمد ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الحكم ابن حزم الكلبي أيها الناس إنكم لن تعملوا ولن تطيقوا كل ما أمرتكم ولكن سددوا وأبشروا والمعني اقصدوا التسديد والإصابة والاستقامة فإنهم لو سددوا في العمل كله لكانوا قد قعلوا ما أمروا به كله فأصل الاستقامة استقامة القلب على التوحيد كما فسر أبو بكر الصديق وغيره قوله إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فصلت بأنهم لم يلتفتوا إلى غيره فمتى استقام القلب على معرفة الله وعلى خشيته وإجلاله ومهابته ومحبته وإرادته ورجائه ودعائه والتوكل عليه والإعراض عما سواه استقامت الجوارح كلها على طاعته فإن القلب هو ملك الأعضاء وهي جنوده فإذا استقام الملك استقامت جنوده ورعاياه وكذلك فسر قوله تعالى فأقم وجهك للدين حنيفا الروم بإخلاص القصد لله وإرادته لا شريك له وأعظم ما يراعي استقامته بعد القلب من الجوارح اللسان فإنه ترجمان القلب والمعبر عنه ولهذا لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستقامة وصاه بعد ذلك بحفظ لسانه ففي مسند الإمام أحمد عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه وفي رواية الترمذي عن أبي سعيد مرفوعا وموقوفا إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها نفكر اللسان فتقول اتق الله فينا فإنما نحن بك فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا الحديث الثاني والعشرون عن أبي عبدالله جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنهما أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أرأيت إذا صليت المكتوبات وصمت رمضان وأحللت الحلال وحرمت الحرام ولم أزد على ذلك شيئا أدخل الجنة قال نعم رواه مسلم ومعنى حرمت الحرام اجتنبته ومعنى أحللت الحلال فعلته معتقدا حله
206
هذا الحديث خرجه مسلم من رواية أبي الزبير عن جابر وزاد في آخره قال والله لا أزيد عن ذلك شيئا وخرجه أيضا من رواية الأعمش عن أبي صالح وأبي سفيان عن جابر قال قال النعمان بن قوقل يا رسول الله أرأيت إذا صليت المكتوبة وحرمت الحرام وأحللت الحلال ولم أزد على ذلك شيئا أدخل الجنة قال النبي صلى الله عليه وسلم نعم وقد فسر بعضهم تحليل الحلال باعتقاد حله وتحريم الحرام باعتقاد حرمته مع اجتنابه ويحتمل أن يراد بتحليل الحلال إتيانه ويكون الحلال ههنا عبارة عما ليس بحرام فدخل فيه الواجب والمستحب والمباح ويكون المعنى أنه يفعل ما ليس بمحرم عليه ولا يتعدى ما أبيح له إلى غيره ويجتنب المحرمات وقد روي عن طائفة من السلف منهم ابن مسعود وابن عباس في قوله عز وجل الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به البقرة يقالوا يحلون حلاله ويحرمون حرامه ولا يحرفونه عن مواضعه والمراد بالتحريم والتحليل فعل الحلال واجتناب الحرام كما ذكر في هذا الحديث وقد قال الله تعالى في حق الكفار الذين كانوا يغيرون تحريم الشهور الحرم إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله التوبة والمراد أنهم كانوا يقاتلون في الشهر الحرام عاما فيحلونه بذلك ويمتنعون من القتال فيه عاما فيحرمونه بذلك وقال الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات
207
ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين المائدة وهذه الآية نزلت بسبب قوم امتنعوا من تناول بعض الطيبات زهدا في الدينا وتقشفا وبعضهم حرم ذلك على نفسه إما بيمين حلف بها أو بتحريمه على نفسه وذلك كله لا يوجب تحريمه في نفس الأمر وبعضهم امتنع عنه من غير يمين ولا تحريم فسمى الجميع تحريما حيث قصد الامتناع منه إضرارا بالنفس وكفا لها عن شهواتها ويقال في الأمثال فلان لا يحلل ولا يحرم إذا كان لا يمتنع من فعل حرام ولا يقف عند ما أبيح له وإن كان يعتقد تحريم الحرام فيجعلون من فعل الحرام ولا يتحاشى منه محللا وإن كان لا يعتقد حله وبكل حال فهذا الحديث يدل على أن من قام بالواجبات وانتهى عن المحرمات دخل الجنة وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى أو ما هو قريب منه كما خرج النسائي وابن حبان والحاكم من حديث أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من عبد يصلي الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويخرج الزكاة ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة يدخل من أيها شاء ثم تلا إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما وخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث أبي أيوب الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من عبد عبدالله لا يشرك به شيئا وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان واجتنب الكبائر فله الجنة أو دخل الجنة وفي المسند عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ضمام بن ثعلبة وفد على النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له الصلوات الخمس والصيام والزكاة والحج وشرائع الإسلام كلها فلما فرغ قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وسأؤدي هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتني عنه لا أزيد ولا أنقص فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن صدق دخل الجنة وخرجه الطبراني من وجه آخر وفي حديثه قال والخامسة لا أرب لي فيها يعني الفواحش ثم قال لأعملن بها ومن أطاعني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن صدق ليدخلن الجنة وفي صحيح البخاري عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أخبرني بعمل يدخلني الجنة قال تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم وخرجه مسلم إلا أن عنده أنه قال أخبرني بعمل يدنيني من الجنة ويباعدني من النار وعنده في رواية فلما أدبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن تمسك بما أمر به دخل الجنة وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابيا قال يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة قال تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان قال والذي بعثك بالحق لا أزيد على هذا شيئا أبدا ولا أنقص منه فلما ولي قال النبي صلى الله عليه وسلم من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا وفي الصحيحين عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس فقال يا رسول الله أخبرني ماذا فرض الله علي
208
من الصلاة فقال الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئا فقال أخبرني بما فرض الله على من الصيام فقال شهر رمضان إلا أن تطوع شيئا فقال أخبرني بما فرض الله على من الزكاة فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام فقال والذي أكرمك بالحق لا أتطوع شيئا ولا أنقص مما فرض الله على شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلح إن صدق أو دخل الجنة إن صدق ولفظه للبخاري وفي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه أن أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فذكره بمعناه وزاد فيه حج البيت من استطاع إليه سبيلا فقال والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن فقال النبي صلى الله عليه وسلم لئن صدق ليدخلن الجنة ومراد الأعرابي أنه لا يزيد على الصلاة المكتوبة والزكاة المفروضة وصيام رمضان وحج البيت شيئا من التطوع ليس مراده أنه لا يعمل بشيء من شرائع الإسلام وواجباته غير ذلك وهذه الأحاديث لم يذكر فيها اجتناب المحرمات لأن السائل إنما سأله عن الأعمال التي يدخل بها عاملها الجنة وخرج الترمذي من حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع يقول أيها الناس اتقوا الله وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زكاة أموالكم وأطيعوا إذا أمركم تدخلوا جنة ربكم وقال حسن صحيح وخرجه الإمام أحمد وعنده اعبدوا ربكم بدل قوله اتقوا الله وخرجه بقي بن مخلد في مسنده من وجه آخر ولفظ حديثه صلوا خمسكم وصوموا شهركم وحجوا بيتكم وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم تدخلوا جنة ربكم وخرج الإمام أحمد بإسناده عن ابن المنتفق قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بعرفات فقلت ثنتان أسألك عنهما ما ينجيني من النار وما يدخلني الجنة فقال لئن كنت أوجزت في المسألة لقد أعظمت وأطولت فاعقل عني إذن اعبد الله لا تشرك به شيئا وأقم الصلاة المكتوبة وأد الزكاة المفروضة وصم رمضان وما تحب أن يفعله الناس بك فافعله بهم وما تكره أن يؤتى إليك فذر الناس منه وفي رواية له أيضا قال اتق الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج البيت وتصوم رمضان ولم يزد على ذلك وقيل إن هذا الصحابي هو واقد بن المنتفق واسمه لقيط فهذه الأعمال أسباب مقتضية لدخول الجنة وقد يكون ارتكاب المحرمات موانع ويدل على هذا ما خرجه الإمام أحمد من حديث عمرو بن مرة الجهني قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصليت الخمس وأديت زكاة مالي وصمت شهر رمضان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من مات على هذا كان مع النبيين والصديقيين والشهداء يوم القيامة هكذا ونصب أصبعيه ما لم يعق والديه وقد ورد ترتب دخول الجنة على فعل بعض هذه الأعمال كالصلاة ففي الحديث المشهور من صلى الصلوات لوقتها كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة وفي الحديث الصحيح من صلى البردين دخل الجنة وهذا كله من ذكر السبب المقتضي الذي لا يعمل عليه إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه
209
ويدل هذا على ما خرجه الإمام أحمد عن بشير بن الخصاصية قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم لأبايعه فشرط على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن أقيم الصلاة وأؤدي الزكاة وأن أحج حجة الإسلام وأن أصوم رمضان وأن أجاهد في سبيل الله فقلت يا رسول الله فأما اثنتان فوالله ما أطيقهما الجهاد والصدقة فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ثم حركها فقال فلا جهاد ولا صدقة فبم تدخل الجنة قلت إذا يا رسول الله أبايعك فبايعته عليهن كلهن ففي هذا الحديث أنه لا يكفي في دخول الجنة هذه الخصال بدون الجهاد والزكاة وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن ارتكاب بعض الكبائر يمنع دخول الجنة كقوله لا يدخل الجنة قاطع وقوله لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر وقوله لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا والأحاديث التي جاءت في منع دخول الجنة بالدين حتى يقضي وفي الصحيح أن المؤمنين إذا جازوا على الصراط حبسوا على قنطرة يقتص منهم مظالم بينهم كانت في الدنيا وقال بعض السلف إن الرجل ليحبس على باب الجنة مائة عام بالذنب كان يعمله في الدنيا فهذه كلها موانع ومن هنا يظهر معنى الأحاديث التي جاءت في ترتب دخول الجنة على مجرد التوحيد ففي الصحيحين عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة قلت وإن زنى وإن سرق قال وإن زنى وإن سرق قالها ثلاثا ثم قال في الرابعة على رغم أنف أبي ذر فخرج أبو ذر يقول وإن رغم أنف أبي ذر وفيهما عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبدالله ورسوله وكلمة ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أو أبي سعيد بالشك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما فتحجب عنه الجنة وفيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له يوما من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة وفي المعنى أحاديث كثيرة جدا وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوما لمعاذ ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار وفيهما عن عتبان بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله وقال طائفة من العلماء إن كلمة التوحيد سبب مقتض لدخول الجنة والنجاة من النار لكن له شروط وهي الإتيان بالفرائض وموانع وهي اجتناب الكبائر قال الحسن للفرزدق إن للاإله إلا الله شروطا فإياك وقذف المحصنة وروي عنه أنه قال هذا العمود فأين الطنب يعني أن كلمة التوحيد عمود الفسطاط ولكن لا يثبت الفسطاط بدون أطنابه وهي فعل الواجبات وترك المحرمات قيل للحسن إن ناسا يقولون
210
من قال لا إله إلا الله دخل الجنة فقال من قال لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة وقيل لوهب بن منبه أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة قال بلى ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك ويشبه ما روي عن ابن عمر أنه سئل عن لا إله إلا الله هل يضر معها عمل كما لا ينفع مع تركها عمل فقال ابن عمر اعمل ولا تغتر وقالت طائفة منهم الضحاك والزهري كان هذا قبل الفرائض والحدود فمن هؤلاء من أشار إلى أنها نسخت ومنهم من قال بل ضم إليها شروط زيدت عليها وزيادة الشروط هل هي نسخ أم لا فيه خلاف مشهور بين الأصوليين وفي هذا كله نظر فإن كثيرا من هذه الأحاديث متأخر بعد الفرائض والحدود وقال الثوري نسختها الفرائض والحدود فيحتمل أن يكون مراده ما أراده هؤلاء ويحتمل أن يكون مراده أن وجوب الفرائض والحدود تبين بها أن عقوبات الدنيا لا تسقط بمجرد الشهادتين فكذلك عقوبات الآخرة ومثل هذا البيان وإزالة الإيهام كان السلف يسمونه نسخا وليس هو نسخا في الاصطلاح المشهور وقالت طائفة هذه النصوص المطلقة جاءت مقيدة بأن يقولها بصدق وإخلاص وإخلاصها وصدقها يمنع الإصرار على معصيته وجاء من مراسيل الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة قيل وما إخلاصها قال أن تحجزك عما حرم الله وروي ذلك مسندا من وجوه أخر ضعيفة ولعل الحسن أشار بكلامه الذي حكيناه عنه من قبل إلى هنا فإن تحقق القلب بمعنى لا إله إلا الله وصدقه فيها وإخلاصه بها يقتضي أن يرسخ فيه تأله الله وحده إجلالا وهيبة ومخافة ومحبة ورجاء وتعظيما وتوكلا ويمتليء بذلك وينتفي عنه تأله ما سواه من المخلوقين ومتى كان كذلك لم يبق فيه محبة ولا إرادة ولا طلب لغير ما يريد الله ويحبه ويطلبه وينتفي بذلك من القلب جميع أهواء النفوس وإراداتها وسواس الشيطان فمن أحب شيئا أو أطاعه وأحب عليه وأبغض عليه فهو إلهه فمن كان لا يحب ولا يبغض إلا لله ولا يوالي ولا يعادي إلا لله فالله إلهه حقا ومن أحب لهواه وأبغض له ووالى عليه وعادى عليه فإلهه هواه كما قال تعالى أفرأيت من اتخذ إلهه هواه قال الحسن هو الذي لا يهوى شيئا إلا ركبه وقال قتادة هو الذي كلما هوى شيئا ركبه وكلما اشتهى شيئا أتاه لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوي ويروى من حديث أبي أمامة مرفوعا ما تحت ظل السماء إله يعبد أعظم عند الله من هوى متبع وكذلك من أطاع الشيطان في معصية الله فقد عبده كما قال الله عز وجل ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين يس فتبين بهذا أنه لا يصح تحقيق معنى قول لا إله إلا الله إلا لمن لم يكن في قلبه إصرار على محبة ما يكرهه الله ولا على إرادة ما لا يريده الله ومتى كان في القلب شيء من ذلك كان ذلك نقصا في التوحيد وهو نوع من الشرك الخفي ولهذا قال مجاهد في قوله تعالى لا تشركوا به شيئا قال لا تحبوا غيري وفي صحيح الحاكم عن عائشة رضي الله عنها
211
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الشرك أخفى من دبيب الذر على الصفا في الليلة الظلماء وأدناه على أن تحب على شيء من الجور وتبغض على شيء من العدل وهل الدين إلا الحب والبغض قال الله عز وجل قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله وهذا نص في أن محبة ما يكرهه الله وبغض ما يحبه متابعة للهوى والموالاة على ذلك والمعاداة عليه من الشرك الخفي وخرج ابن أبي الدنيا من حديث أنس مرفوعا لا تزال لا إله إلا الله تمنع العباد من سخط الله ما لم يؤثروا دنياهم على صفقة دينهم فإذا آثروا صفقة دنياهم على دينهم ثم قالوا لا إله إلا الله ردها الله عليهم وقال الله كذبتم فتبين بهذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم من شهد أن لا إله إلا الله صادقا من قلبه حرمه الله على النار وإن من دخل النار من أهل هذه الكلمة فلقلة صدقه في قولها فإن هذه الكلمة إذا صدقت طهرت القلب من كل ما سوى الله فمن صدق في قول لا إله إلا الله لم يحب سواه ولم يرج إلا إياه ولم يخش إلا الله ولم يتوكل إلا على الله ولم يبق له بقية من إيثار نفسه وهواه ومتى بقي في القلب أثر لسوي الله فمن قلة الصدق في قولها نار جهنم تطفأ بنور إيمان الموحدين كما في الحديث المشهور تقول النار للمؤمن جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي وفي مسند الإمام أحمد عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم حتى أن للنار ضجيجا من بردهم فهذا ميراث ورثة المؤمنين من حال إبراهيم عليه الصلاة والسلام فنار المحبة في قلوب المؤمنين تخاف منها نار جهنم قال الجنيد رحمه الله قالت النار يا رب لو لم أطعك هل كنت تعذبني بشيء هو أشد مني قال نعم كنت أسلط عليك ناري الكبرى قالت وهل نار أعظم مني وأشد قال نعم نار محبتي أسكنتها قلوب أوليائي المؤمنين وفي هذا يقول بعضهم ففي فؤاد المحب نار الهوى أحر نار الجحيم أبردها ويشهد لهذا المعنى حديث معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة فإن المحتضر لا يكاد يقولها إلا بإخلاص وتوبة وندم على ما مضى وعزم على أن لا يعود لمثله ورجح هذا القول الخطابي في مصنف له في التوحيد وهو حسن الحديث الثالث والعشرون عن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض والصلاة نور والصدقة بزهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أوحجة عليك كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها رواه مسلم
212
هذا الحديث أخرجه مسلم من رواية يحيى بن أبي كثير أن زيد بن سلام حدثه أن سلاما حدثه عن أبي مالك الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث وفي أكثر نسخ مسلم والصبر ضياء وفي بعضها والصيام ضياء وقد اختلف في سماع يحيى بن أبي كثير من زيد بن سلام فأنكره يحيى بن معين وأثبته الإمام أحمد وفي هذه الرواية التصريح بسماعه منه وخرج هذا الحديث النسائي وابن ماجه من رواية معاوية بن سلام عن أخيه زيد بن سلام عن جده أبي سلام عن عبدالرحمن بن غنم عن أبي مالك فزاد في إسناده عبدالرحمن بن غنم ورجح هذه الرواية بعض الحفاظ وقال معاوية بن سلام أعلم بحديث أخيه زيد من يحيى بن أبي كثير ويقول ذلك أنه قد روي عن عبدالرحمن بن غنم عن أبي مالك من وجه آخر وحينئذ فتكون رواية منقطعة وفي حديث معاوية بعض المخالفة لحديث يحيى بن أبي كثير فإنه لفظ حديثه عند ابن ماجه إسباغ الوضوء شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان والتسبيح والتكبير تملآن السماء والأرض والصلاة نور والزكاة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها وخرج الترمذي
213
حديث يحيى بن أبي كثير الذي خرجه مسلم فلفظ حديثه الوضوء شطر الإيمان وباقي حديثه مثل سياق مسلم الذي خرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث رجل من بني سليم قال عدهن رسول الله صلى الله عليه وسلم في يدي أو في يده التسبيح نصف الميزان والحمد لله تملؤه والتكبير تملأ ما بين السماء والأرض والصوم نصف الصبر و الطهور نصف الإيمان وقوله صلى الله عليه وسلم الطهور شطر الإيمان فسر بعضهم الطهور ها هنا بترك الذنوب كما في قوله تعالى إنهم أناس يتطهرون وقوله وثيابك فطهر المدثر وقوله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين البقرة وقال الإيمان نوعان فعل وترك فنصفه فعل المأمورات ونصفه ترك المحظورات وهو تطهير النفس بترك المعاصي وهذا القول محتمل لولا أن رواية الوضوء شطر الإيمان ترده وكذلك رواية إسباغ الوضوء وأيضا ففيه نظر من جهة المعنى فإن كثيرا من الأعمال تطهر النفس من الذنوب السابقة كالصلاة فكيف لا تدخل في اسم الطهور ومتى دخلت الأعمال أو بعضها في اسم الطهور لم يتحقق كون ترك الذنوب شطر الإيمان والصحيح الذي عليه الأكثرون أن المراد بالطهور ها هنا التطهير بالماء من الإحداث وكذلك بدأ مسلم بتخريجه في أبواب الوضوء وكذلك خرجه النسائي وابن ماجه وغيرهما وعلى هذا فاختلف الناس في معنى كون الطهور بالماء شطر الإيمان فمنهم من قال المراد بالشطر الجزء لا أنه النصف بعينه فيكون الطهور جزءا من الإيمان وهذا فيه ضعف لأن الشطر إنما يعرف استعماله لغة في النصف ولأن في حديث الرجل من سليم الطهور نصف الإيمان كما سبق ومنهم من قال المعنى أنه يضاعف ثواب الوضوء إلى نصف ثواب الإيمان لكن من غير تضعيف وفي هذا نظر وبعد ومنهم من قال الإيمان يكفر الكبائر كلها والوضوء يكفر الصغائر فهو شطر الإيمان بهذا الاعتبار وهذا يرده حديث من أساء في الإسلام أخذ بما عمل في الجاهلية وقد سبق ذكره منهم من قال الوضوء يكفر الذنوب مع الإيمان فصار نصف الإيمان وهذا ضعيف ومنهم من قال المراد بالإيمان ها هنا الصلاة كما في قوله عز وجل وما كان الله ليضيع إيمانكم البقرة والمراد صلاتكم إلى بيت المقدس فإذا كان المراد بالإيمان الصلاة فالصلاة لا تقبل إلا بطهور فصار الطهور شطر الإيمان بهذا الاعتبار حكى هذا التفسير محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة عن إسحق بن راهوية عن يحيى بن آدم وأنه قال في معنى قولهم لا أدري نصف العلم إنما هو أدري ولا أدري فأحدهما نصف الآخر قلت كل شيء كان تحته نوعان فأحدهما نصف له وسواء كان عدد النوعين على السواء أو أحدهما أزيد من الآخر ويدل على هذا حديث قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين والمراد قراءة الصلاة ولهذا فسرها بالفاتحة والمراد أنها مقسومة للعبادة والمسئلة فالعبادة حق الرب والمسئلة حق العبد وليس المراد قسمة كلماتها على السواء وقد ذكر هذا الخطابي واستشهد بقول العرب نصف السنة
214
سفر ونصفها حضر قال وليس على تساوي الزمانين فيهما لكن على انقسام الزمانين هنا وإن تفاونت مدتاهما ويقول شريح وقد قيل كيف أصبحت قال أصبحت ونصف الناس على غضبان يريد أن الناس بين محكوم له ومحكوم عليه فالمحكوم عليه غضبان عليه والمحكوم له راض عنه فهما حزبان مختلفان ويقول الشاعر إذا مت كان الناس نصفين شامت بموتي ومثن الذي كنت أفعل ومراده أنهم ينقسمون قسمين قلت ومن هذا المعنى حديث أبي هريرة المرفوع في الفرائض أنها نصف العلم أخرجه ابن ماجه فإن أحكام المكلفين نوعان نوع يتعلق بالحياة ونوع يتعلق بما بعد الموت وهذا هو الفرائض وقال ابن مسعود الفرائض ثلث العلم ووجه ذلك الحديث الذي خرجه أبو داود وابن ماجه من حديث عبدالله بن عمرو مرفوعا العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة وروي عن مجاهد أنه قال المضمضة والاستنشاق نصف الوضوء ولعله أراد أن الوضوء قسمان أحدهما مذكور في القرآن والثاني مأخوذ من السنة وهو المضمضة والاستنشاق وأراد أن المضمضة والاستنشاق يطهران باطن الجسد وغسل سائر الأعضاء يطهر ظاهره فهما نصفان بهذا الاعتبار ومنه قول ابن مسعود الصبر نصف الإيمان واليقين الإيمان كله وجاء من رواية يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعا الإيمان نصفان نصف في الصبر ونصف في الشكر فلما كان الإيمان يشمل فعل الواجبات وترك المحرمات ولا ينال ذلك كله إلا بالصبر كان الصبر نصف الإيمان فهكذا يقال في الوضوء إنه نصف الصلاة وأيضا فالصلاة تكفر الذنوب والخطايا بشرط إسباغ الوضوء وإحسانه فصار شطر الصلاة بهذا الاعتبار أيضا كما في صحيح مسلم عن عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من مؤمن مسلم يتطهر فيتم الطهور الذي كتب عليه فيصلي هذه الصلوات الخمس إلا كانت كفارة لما بينهن وفي رواية له من أتم الوضوء كما أمره الله فالصلوات المكتوبة كفارات لما بينهن وأيضا فالصلاة مفتاح الجنة والوضوء مفتاح الصلاة كما خرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث جابر مرفوعا وكل من الصلاة والوضوء موجب لفتح أبواب الجنة كما في صحيح مسلم عن عقبة بن عامر سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين يقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة وعن عقبة عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو يسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء وفي الصحيحين عن عبادة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبدالله وابن أمته وكلمته
215
ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق والنار حق أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء فإذا كان الوضوء مع الشهادتين موجبا لفتح أبواب الجنة صار الوضوء نصف الإيمان بالله ورسوله بهذا الاعتبار وأيضا فالوضوء من خصال الإيمان الخفية التي لا يحافظ عليها إلا مؤمن كما في حديث ثوبان وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن والغسل من الجنابة قد ورد أنه أداء الأمانة كما خرجه العقيلي من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال خمس من جاء بهن مع الإيمان دخل الجنة من حافظ على الصلوات الخمس طيب النفس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن وأعطى الزكاة من ماله طيب النفس بها قال وكان يقول وايم الله لا يفعل ذلك إلا مؤمن وصام رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا وأدى الأمانة قالوا يا أبا ذر وما أداء الأمانة قال الغسل من الجنابة فإن الله لم يأتمن ابن آدم على شيء من دينه غيرها وخرج ابن ماجه من حديث أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة وأداء الأمانة كفارة لما بينهن قيل وما أداء الأمانة قال الغسل من الجنابة فإن تحت كل شعرة جنابة وحديث أبي الدرداء الذي قبله جعل فيه الوضوء من أجزاء الصلاة وجاء في حديث أخرجه البزار من رواية شبابة بن سوار حدثنا مغيرة بن مسلم عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا الصلاة ثلاثة أثلاث الطهور ثلث والركوع ثلث والسجود ثلث فمن أداها بحقها قبلت منه وقبل منه سائر عمله ومن ردت عليه صلاته رد عليه سائر عمله وقال تفرد به المغيرة والمحفوظ عن أبي صالح عن كعب من قوله فعلى هذا القسم الوضوء ثلث الصلاة إلا أن يجعل الركوع والسجود كالشيء الواحد لتقاربهما في الصورة فيكون الوضوء نصف الصلاة أيضا ويحتمل أن يقال خصال الإيمان من الأعمال والأقوال كلها تطهر القلب وتزكيه وأما الطهارة بالماء فهي تختص بتطهير الجسد وتنظيفه فصارت خصال الإيمان قسمين أحدهما يطهر الظاهر والآخر يطهر الباطن فهما نصفان بهذا الاعتبار والله أعلم بمراده ومراد رسوله في ذلك كله وقوله صلى الله عليه وسلم والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السموات والأرض فهذا شك من الراوي في لفظه وفي رواية مسلم والنسائي وابن ماجه والتسبيح والتكبير ملء السماء والأرض وفي حديث الرجل من بني سليم التسبيح نصف الميزان والحمد لله تملؤه والتكبير يملأ ما بين السماء والأرض وخرج الترمذي من حديث الأفريقي عن عبدالله بن يزيد عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال التسبيح نصف الميزان والحمد لله تملؤه ولا إله إلا الله ليس لها دون الله حجاب حتى تصل إليه وقال ليس إسناده بالقوي قلت اختلف في إسناده على الأفريقي فروي عنه عن أبي علقمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه زيادة والله أكبر ملء السموات والأرض وروى جعفر الفريابي في كتاب الذكر وغيره من حديث على رضي الله عنه
216
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الحمد لله ملء الميزان وسبحان الله نصف الميزان ولا إله إلا الله والله أكبر ملء السموات والأرض وما بينهن وخرج الفريابي أيضا من حديث معاذ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كلمتان إحداهما من قالها لم يكن له ناهية دون العرش والأخرى تملأ ما بين السماء والأرض لا إله إلا الله والله أكبر فقد تضمنت هذه الأحاديث فضل هذه الكلمات الأربع التي هي أفضل الكلام وهي سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فأما الحمد لله فاتفقت الأحاديث كلها على أنه يملأ الميزان وقد قيل إنه ضرب مثل وأن المعنى لو كان الحمد جسما لملأ الميزان وقيل بل الله عز وجل يمثل أعمال بني آدم وأقوالهم صورا ترى يوم القيامة وتوزن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم يأتي القرآن يوم القيامة تقدمه البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو غيابتان أو فرقان من طير صواف وقال كلمتان حبيبتان إلى الرحمن ثقيلتان في الميزان خفيفتان على اللسان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم وقال أثقل ما يوضع في الميزان الخلق الحسن المؤمن يأتيه عمله الصالح في قبره في أحسن صورة والكافر يأتيه عمله في أقبح صورة وروي أن الصلاة والزكاة والصيام وأعمال البر تكون حول الميت في قبره تدافع عنه وأن القرآن يصعد فيشفع له وأما سبحان الله ففي رواية مسلم سبحان الله والحمد لله تملأ أو تملآن ما بين السماء والأرض فشك الراوي في الذي يملأ ما بين السماء والأرض هل هو الكلمتان أو إحداهما وفي رواية النسائي وابن ماجه التسبيح والتكبير ملء السماء والأرض وهذه الرواية أسند وهل المراد أنهما معا يملآن ما بين السماء والأرض أو أن كلا منهما يملأ ذلك هذا محتمل وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه والرجل الآخر أن التكبير وحده يملأ ما بين السماء والأرض وبكل حال فللتسبيح دون التحميد من الفضل كما جاء صريحا في حديث على وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو والرجل من بني سليم رضي الله عنهم أن التسبيح نصف الميزان والحمد لله تملؤه وسبب ذلك أن التحميد إثبات المحامد كلها لله فدخل في ذلك إثبات صفات الكمال ونعوت الجلال كلها والتسبيح هو تنزيه الله عن النقائص والعيوب والآفات والإثبات أكمل من السلب ولهذا لم يرد التسبيح مجردا لكن مقرونا بما يدل على إثبات الكمال فتارة يقرن بالحمد كقوله سبحان الله وبحمده سبحان الله والحمد لله وتارة باسم من الأسماء الدالة على العظمة والجلال كقوله سبحان الله العظيم فإن كان حديث أبي مالك يدل على أن الذي يملأ ما بين السماء والأرض هو مجموع التسبيح والتكبير فالأمر ظاهر وإن كان المراد أن كلا منهما يملأ ذلك فإن الميزان أوسع مما ما بين السماء والأرض فما يملأ الميزان فهو أكثر مما يملأ ما بين السماء والأرض ويدل عليه أنه صح عن سلمان رضي الله عنه أنه قال يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السموات والأرض لوسعهما فتقول الملائكة يا رب لمن تزن هذا فيقول الله تعالى لمن شئت من
217
خلقي فتقول الملائكة سبحانك ما عبدناك حق عبادتك وخرجه الحاكم مرفوعا وصححه ولكن الموقوف هو المشهور وأما التكبير ففي حديث أبي هريرة والرجل من بني سليم أنه وحده يملأ السموات والأرض وما بينهما وفي حديث على أن التكبير مع التهليل يملأ ما بين السماء والأرض وما بينهن وأما التهليل وحده فإنه يصل إلى الله من غير حجاب بينه وبينه وخرج الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما قال عبد لا إله إلا الله مخلصا إلا فتحت له أبواب السماء حتى يفضي إلى العرش ما اجتنبت الكبائر وقال أبو أمامة ما من عبد يهلل تهليلة فينهنهها شيء دون العرش وورد أنه لا يعدلها شيء في الميزان في حديث البطاقة المشهور وقد خرجه أحمد والنسائي وفي آخره عند الإمام أحمد ولا يثقل شيء بسم الله الرحمن الرحيم وفي المسند عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن نوحا عليه السلام لما حضرته الوفاة قال لابنه آمرك بلا إله إلا الله فإن السموات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله وفيه أيضا عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن موسى عليه الصلاة والسلام قال يا رب علمني شيئا أذكرك به وأدعوك به قال يا موسى قل لا إله إلا الله قال كل عبادك يقول هذا إنما أريد شيئا تخصني به قال يا موسى لو أن السموات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله وقد اختلف أي الكلمتين أفضل أكلمة الحمد أم كلمة التهليل وقد حكى هذا الاختلاف ابن عبدالبر وغيره وقال النخعي كانوا يرون أن الحمد أكثر الكلام تضعيفا وقال الثوري ليس يضاعف من الكلام مثل الحمد والحمد يتضمن إثبات جميع أنواع الكمال لله فيدخل فيه التوحيد وفي مسند الإمام أحمد عن أبي سعيد وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله اصطفى من الكلام أربعا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فمن قال سبحان الله كتبت له عشرون حسنة وحطت عنه عشرون سيئة ومن قال الله أكبر مثل ذلك ومن قال لا إله إلا الله مثل ذلك ومن قال الحمد لله مثل ذلك ومن قال الحمد لله رب العالمين من قبل نفسه كتبت له ثلاثون حسنة وحطت عن ثلاثون سيئة وقد روي هذا عن كعب من قوله وقيل إنه أصح من المرفوع وقوله صلى الله عليه وسلم والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء وفي بعض نسخ صحيح مسلم والصيام ضياء فهذه الأنواع الثلاثة من الأعمال أنوار كلها لكن منها ما يختص بنوع من أنواع النور فالصلاة نور مطلق وروي بإسنادين فيهما نظر عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الصلاة نور المؤمن فهي للمؤمنين في الدنيا نور في قلوبهم وبصائرهم تشرق بها قلوبهم وتستنير بصائرهم ولهذا كانت قرة عين المتقين كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول جعلت قرة عيني في الصلاة
218
خرجه أحمد والنسائي وفي رواية الجائع يشبع والظمآن يروي وأنا لا أشبع من حب الصلاة وفي المسند عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم إن الله قد حبب إليك الصلاة فخذ منها ما شئت وخرج أبو داود من حديث رجل من خزاعة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يا بلال أقم الصلاة وأرحنا بها قال مالك بن دينار قرأت في التوراة يا ابن آدم لا تعجز أن تقوم بين يدي في صلاتك باكيا أنا الذي اقتربت بقلبك وبالغيب رأيت نوري يعني ما يفتح للمصلي في الصلاة من الرقة والبكاء وخرج الطبراني من حديث عبادة بن الصامت مرفوعا إذا حافظ العبد على صلاته فأقام وضوءها وركوعها وسجودها والقراءة فيها قالت له حفظك الله كما حفظتني وصعد بها إلى السماء ولها نور تنتهي إلى الله عز وجل فتشفع لصاحبها وهي نور للمؤمنين ولاسيما صلاة الليل كما قال أبو الدرداء صلوا ركعتين في ظلم الليل لظلمة القبور وكانت رابعة قد فترت عن وردها بالليل مدة فأتاها آت في منامها فأنشدها صلاتك نور والعباد رقود ونومك ضد للصلاة عنيد وهي في الآخرة نور للمؤمنين في ظلمات القيامة وعلى الصراط فإن الأنوار تقسم لهم على حسب أعمالهم وفي المسند وصحيح ابن حبان عن عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الصلاة فقال من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة وخرج الطبراني بإسناد فيه نظر من حديث ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عن النبي صلى الله عليه وسلم من صلى الصلوات الخمس في جماعة جاز على الصراط كالبرق اللامع في أول زمرة من السابقين وجاء يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر وأما الصدقة فهي برهان والبرهان هو الشعاع الذي يلي وجه الشمس ومنه حديث أبي موسى أن روح المؤمن تخرج من جسده لها برهان كبرهان الشمس ومنه سميت الحجة القاطعة برهانا لوضوح دلاتها على ما دلت عليه فكذلك الصدقة برهان على صحة الإيمان وطيب النفس بها علامة على وجود حلاوة الإيمان وطعمه كما في حديث عبدالله بن معاوية العامري عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان من عبدالله وحده وأنه لا إله إلا الله وأدى زكاة ماله طيبة بها نفسه وافدة عليه في كل عام وذكر الحديث خرجه أبو داود وقد ذكرنا قريبا حديث أبي الدرداء فيمن أدى زكاة ماله طيبة بها نفسه قال وكان يقول لا يفعل ذلك إلا مؤمن وسبب هذا أن المال تحبه النفوس وتبخل به فإذا سمحت بإخراجه لله عز وجل دل ذلك عل صحة إيمانها بالله ووعده ووعيده ولهذا منعت العرب الزكاة بعد النبي صلى الله عليه وسلم وقاتلهم الصديق على منعها والصلاة أيضا برهان على صحة الإسلام وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث كعب بن عجزه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الصلاة برهان وقد ذكرنا في شرح حديث أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة
219
ويؤتوا الزكاة أن الصلاة هي الفارقة بين الكفر والإسلام والإيمان وهي أيضا أول ما يحاسب به المرء يوم القيامة فإن تمت صلاته فقد أفلح وأنجح وقد سبق حديث عبدالله بن عمرو فيمن حافظ عليها أنها تكون له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة وأما الصبر فإنه ضياء والضياء هو النور الذي يحصل فيه نوع حرارة وإحراق كضياء الشمس بخلاف القمر فإنه نور محض فيه إشراق بغير إحراق قال الله عز وجل هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا يونس ومن هنا وصف الله شريعة موسى بأنها ضياء كما قال ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرى للمتقين الأنبياء وإن كان قد ذكر أن في التوراة نورا كما قال إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور لكن الغالب على شريعتهم الضياء لما فيها من الآصار والأغلال والأثقال ووصف شريعة محمد صلى الله عليه وسلم بأنها نور لما فيها من الحنيفية السمحة قال الله تعالى قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين المائدة وقال الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون الأعراف ولما كان الصبر شاقا على النفوس يحتاج إلى مجاهدة النفس وحبسها وكفها عما تهواه كان ضياء فإن معنى الصبر في اللغة الحبس ومنه قتل الصبر وهو أن يحبس الرجل حتى يقتل والصبر المحمود أنواع منه صبر على طاعة الله عز وجل ومنه صبر عن معاصي الله عز وجل ومنه صبر على أقدار الله عز وجل والصبر على الطاعات وعن المحرمات أفضل من الصبر على الأقدار المؤلمة صرح بذلك السلف منهم سعيد بن جبير وميمون بن مهران وغيرهما وقد روي بإسناد ضعيف من حديث على مرفوعا أن الصبر على المعصية يكتب به للعبد ثلاثمائة درجة وأن الصبر على الطاعة تكتب به ستمائة درجة وأن الصبر عن المعاصي يكتب له به تسعمائة درجة وقد خرجه ابن أبي الدنيا وابن جرير الطبري وأفضل أنواع الصبر الصيام فإنه يجمع الصبر على الأنواع الثلاثة لأنه صبر على طاعة الله عز وجل وصبر عن معاصي الله لأن العبد يترك شهواته لله ونفسه قد تنازعه إليها ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن الله عز وجل يقول كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به لأنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي وفيه أيضا صبر على الأقدار المؤلمة بما قد يحصل للصائم من الجوع والعطش وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسمى شهر الصيام شهر الصبر وقد جاء في حديث الرجل من بني سليم عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الصوم نصف الصبر وربما عسر الوقوف على سر كونه نصف الصبر أكثر من عسر الوقوف على سر كون الطهور شطر الإيمان وقوله صلى الله عليه وسلم والقرآن حجة لك أو حجة عليك قال الله عز وجل وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا الإسراء قال بعض السلف ما جالس أحد
220
القرآن فقام عنه سالما بل إما أن يربح أو أن يخسر ثم تلا هذه الآية وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يمثل القرآن يوم القيامة رجلا فيؤتى بالرجل قد حمله فخالف أمره فيتمثل له خصما فيقول يا رب حملته إياي فبئس حاملي تعدي حدودي وضيع فرائضي وركب معصيتي وترك طاعتي فما يزال يقذف عليه بالحجج حتى يقال شأنك به فيأخذه بيده فما يرسله حتى يكبه على منخره في النار ويؤتى بالرجل الصالح كان قد حمله فيمتثل خصما دونه فيقول يا رب حملته إياي فخير حامل حفظ حدودي وعمل بفرائضي واجتنب معصيتي واتبع طاعتي فما يزال يقذف له بالحجج حتى يقال شأنك به فيأخذه بيده فما يرسله حتى يلبسه حلة الإستبرق ويعقد عليه تاج الملك ويسقيه كأس الخمر وقال ابن مسعود رضي الله عنه القرآن شافع مشفع وحامل مصدق فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة ومن جعله خلف ظهره قاده إلى النار وعنه قال يجيء القرآن يوم القيامة فيشفع لصاحبه فيكون قائدا إلى الجنة أو يشهد عليه فيكون سائقا إلى النار وقال أبو موسى الأشعري إن هذا القرآن كائن لكم أجرا وكائن عليكم وزرا فاتبعوا القرآن ولا يتبعكم القرآن فإنه من اتبع القرآن هبط به على رياض الجنة ومن اتبعه القرآن زج في قفاه فقذفه في النار قوله صلى الله عليه وسلم كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها وخرج الإمام أحمد وابن حبان من حديث كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الناس غاديان فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها وفي رواية أخرى خرجها الطبراني الناس غاديان فبائع نفسه فموبقها وقائد نفسه فمعتقها وقال الله عز وجل ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها الشمس والمعنى قد أفلح من زكى نفسه بطاعة الله وخاب من دساها بالمعاصي فالطاعة تزكي النفس وتطهرها فترتفع بها والمعاصي تدسى النفس وتقمعها فتنخفض وتصير كالذي يدس في التراب ودل الحديث على أن كل إنسان إما ساع في هلاك نفسه أو في فكاكها فمن سعى في طاعة الله فقد باع نفسه لله وأعتقها من عذابه ومن سعى في معصية الله تعالى فقد باع نفسه بالهوان وأوبقها بالآثام الموجبة لغضب الله وعقابه قال الله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة إلى قوله فاستبشرا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم التوبة وقال تعالى ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد البقرة وقال تعالى قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين الزمر وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله عليه وأنذر عشيرتك الأقربين يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئا يا بني عبدالمطلب لا أغني عنكم من الله شيئا وفي رواية للبخاري يا بني عبد مناف اشتروا أنفسكم من الله يا بني عبدالمطلب اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم
221
من الله شيئا يا عمة رسول الله يا فاطمة بنت محمد اشتريا أنفسكما من الله لا أملك لكما من الله شيئا وفي رواية لمسلم أنه دعا قريشا فاجتمعوا فعم وخص فقال يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبدالمطلب أنقذوا أنفسكم من النار يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئا وخرج الطبراني والخرائطي من حديث ابن عباس مرفوعا من قال إذا أصبح سبحان الله وبحمده ألف مرة فقد اشترى نفسه من الله وكان من آخر يومه عتيقا من النار وقد اشترى جماعة من السلف أنفسهم من الله عز وجل بأموالهم فمنهم من تصدق بماله كله كحبيب بن أبي محمد ومنهم من تصدق بوزنه فضة ثلاث مرات أو أربعا كخالد بن الطحاوي ومنهم من كان يجتهد في الأعمال الصالحة ويقول إنما أنا أسير أسعى في فكاك رقبتي منهم عمرو بن عتبة وكان بعضهم يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة بقدر ديته كأنه قد قتل نفسه فهو يفتكها بديتها قال الحسن المؤمن في الدنيا كالأسير يسعى في فكاك رقبته لا يأمن شيئا حتى يلقى الله عز وجل وقال ابن آدم إنك تغدو وتروح في طلب الأرباح فليكن همك نفسك فإنك لن تربح مثلها أبدا قال أبو بكر بن عياش قال لي رجل مرة وأنا شاب خلص رقبتك ما استطعت في الدنيا من رق الآخرة فإن أسير الآخرة غير مفكوك أبدا قال فوالله ما نسيتها بعد وكان بعض السلف يبكي ويبكي ويقول ليس لي نفسان إنما لي نفس واحدة إذا ذهبت لم أجد أخرى وقال محمد بن الحنفية إن الله عز وجل جعل الجنة ثمنا لأنفسكم فلا تبيعوها بغيرها وقال أيضا من كرمت نفسه عليه لم يكن للدنيا عنده قدر وقيل من أعظم الناس قدرا قال من لم ير الدنيا كلها لنفسه خطرا وأنشد بعض المتقدمين أثامن بالنفس النفيسة ربها وليس لها في الخلق كلهم ثمن بها تملك الأخرى فإن أنا بعتها بشيء من الدنيا فذاك هو الغبن لئن ذهبت نفسي بدنيا أصيبها لقد ذهبت نفسي وقد ذهب الثمن الحديث الرابع والعشرون عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ياعبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه
222
هذا الحديث خرجه مسلم من رواية سعيد بن عبدالعزيز عن ربيعة بن زيد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر وفي آخره قال سعيد بن عبدالعزيز كان أبو إدريس الخولاني إذا حدث بهذا الحديث جثى على ركبتيه وخرجه مسلم أيضا من رواية قتادة عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسقه بلفظهم ولكنه قال وساق الحديث بنحو سياق أبي إدريس وحديث أبي إدريس أتم وخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من رواية شهر بن حوشب عن عبدالرحمن بن غنم عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى
223
يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاسألوني الهدي أهدكم وكلكم فقير إلا من أغنيته فاسألوني أرزقكم وكلكم مذنب إلا من عافيته فمن علم منكم أني ذو قدرة على المغفرة واستغفرني غفرت له ولا أبالي ولو أن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم اجتمعوا على أتقى قلب عبد من عبادي ما زاد ذلك في ملكي جناح بعوضة ولو أن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم اجتمعوا في صعيد واحد فيسأل كل إنسان منكم ما بلغت أمنيته فأعطيت كل سائل منكم ما نقص ذلك من ملكي إلا كما لو أن أحدكم مر بالبحر فغمس فيه إبرة ثم رفعها إليه ذلك بأني جواد واجد ماجد أفعل ما أريد عطائي كلام وعذابي كلام إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له كن فيكون وهذا لفظ الترمذي وقال حديث حسن وخرجه الطبراني بمعناه من حديث أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن إسناده ضعيف وحديث أبي ذر قال الإمام أحمد هو أشرف حديث لأهل الشام فقوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي يعني أنه منع نفسه من الظلم لعباده كما قال عز وجل وما أنا بظلام للعبيد ق وقال وما الله يريد ظلما للعالمين آل عمران وقال وما الله يريد ظلما للعباد غافر وقال وما ربك بظلام للعبيد فصلت وقال إن الله لا يظلم الناس شيئا يونس وقال إن الله لا يظلم مثقال ذرة النساء وقال ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما طه والهضم أن ينقص من جزاء حسناته والظلم أن يعاقب بذنوب غيره ومثل هذا كثير في القرآن وهو مما يدل على أن الله قادر على الظلم ولكن لا يفعله فضلا منه وجودا وكرما وإحسانا إلى عباده وقد فسر كثير من العلماء الظلم بأنه وضع الأشياء في غير مواضعها وأما من فسره بالتصرف في ملك الغير بغير إذنه وقد نقل نحوه عن إياس بن معاوية وغيره فإنهم يقولون إن الظلم مستحيل عليه وغيره متصور في حقه لأن كل ما يفعله فهو تصرف في ملكه وبنحو ذلك أجاب أبو الأسود الدؤلي لعمران بن حصين حين سأله عن القدر وخرج أبو داود وابن ماجه من حديث أبي سنان سعيد بن سنان عن وهب بن خالد الحمصي عن ابن الديلمي أنه سمع أبي بن كعب يقول لو أن الله تعالى عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم وأنه أتى ابن مسعود فقال له مثل ذلك ثم أتى زيد بن ثابت فحدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك وفي هذا الحديث نظر ووهب بن خالد ليس بذلك المشهور بالعلم وقد يحمل على أنه لو أراد تعذيبهم لقدر لهم ما يعذبهم عليه فيكون غير ظالم لهم حينئذ وكونه خلق أفعال العباد وفيها الظلم لا يقتضي وصفه بالظلم سبحانه وتعالى كما أنه لا يوصف بسائر القبائح التي يفعلها العباد وهي خلقه وتقديره فإنه لا يوصف إلا بأفعاله لا يوصف بأفعال عباده فإن أفعال عباده مخلوقاته ومفعولاته وهو لا يوصف بشيء منها إنما يوصف بما قام به من صفاته وأفعاله والله أعلم وقوله وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا
224
يعني أنه تعالى حرم الظلم على عباده ونهاهم أن يتظالموا فيما بينهم فحرام على كل عبد أن يظلم غيره مع أن الظلم في نفسه محرم مطلقا وهو نوعان أحدهما ظلم النفس وأعظمه الشرك كما قال تعالى إن الشرك لظلم عظيم لقمان فإن المشرك جعل المخلوق في منزلة الخالق فعبده وتألهه فهو وضع الأشياء في غير مواضعها وأكثر ما ذكر في القرآن وعيد للظالمين إنما أريد به المشركون كما قال الله عز وجل والكافرون هم الظالمون البقرة ثم يليه المعاصي على اختلاف أجناسها من كبائر وصغائر والثاني ظلم العبد لغيره وهو المذكور في هذا الحديث وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا وروي عنه أنه خطب بذلك في يوم النحر من يوم عرفة وفي اليوم الثاني من أيام التشريق وفي رواية ثم قال اسمعوا مني تعيشوا ألا لا تظالموا إنه لا يحل مال امريء مسلم إلا عن طيب نفس منه وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الظلم ظلمات يوم القيامة وفيهما عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله ليملي الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد هود وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلل منها فإنه ليس ثم دينار ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه قوله يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم هذا يقتضي أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله تعالى في جلب مصالحهم ودفع مضارهم في أمور دينهم ودنياهم وإن العباد لا يملكون لأنفسهم شيئا من ذلك كله وإن من لم يتفضل الله عليه بالهدي والرزق فإنه يحرمهما في الدنيا ومن لم يتفضل الله عليه بمغفرة ذنوبه أوبقته خطاياه في الآخرة قال الله تعالى من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا الكهف ومثل هذا كثير في القرآن وقال تعالى ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم فاطر وقال وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها هود وقال تعالى حاكيا عن آدم وزوجه عليهما السلام أنهما قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين الأعراف وعن نوح عليه الصلاة والسلام أنه قال وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين هود وقد استدل إبراهيم الخليل عليه السلام بتفرد الله بهذه الأمور على أنه لا إله غيره وإن كل ما أشرك معه باطل فقال لقومه أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني
225
ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين الشعراء فإن من تفرد بخلق العبد وبهدايته وبرزقه وإحيائه وإماتته في الدنيا وبمغفرة ذنوبه في الآخرة مستحق أن يفرد بالإلهية والعبادة والسؤال والتضرع والاستكانة له قال الله عز وجل الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون الروم وفي الحديث دليل على أن الله يحب أن يسأله العباد جميع مصالح دينهم ودنياهم من الطعام والشراب والكسوة وغير ذلك كما يسألونه الهداية والمغفرة وفي الحديث ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا انقطع وكان بعض السلف يسأل الله في صلاته كل حوائجه حتى ملح عجينة وعلف شاته وفي الإسرائيليات أن موسى عليه الصلاة والسلام قال يا رب إنه ليعرض لي الحاجة من الدنيا فأستحي أن أسألك قال سلني حتى ملح عجينك وعلف حمارك فإن كل ما يحتاج العبد إليه إذا سأله من الله فقد أظهر حاجته فيه وافتقاره إلى الله وذاك يحبه الله وكان بعض السلف يستحي من الله أن يسأله شيئا من مصالح الدنيا والاقتداء بالسنة أولى وقوله كلكم ضال إلا من هديته قد ظن بعضهم أنه معارض لحديث عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل خلقت عبادي حنفاء وفي رواية مسلمين فاجتالتهم الشياطين وليس كذلك فإن الله خلق بني آدم وفطرهم على قبول الإسلام والميل إليه دون غيره والتهيؤ والاستعداد له بالقوة لكن لا بد للعبد من تعليم الإسلام بالفعل فإنه قبل التعلم جاهل لا يعلم كما قال عز وجل والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا النحل وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم ووجدك ضالا فهدى الضحي والمراد وجدك غير عالم بما علمك من الكتاب والحكمة كما قال تعالى وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا الشورى فالإنسان يولد مفطورا على قبول الحق فإن هداه الله تعالى سبب له من يعلمه الهدى فصار مهديا بالفعل بعد أن كان مهديا بالقوة وإن خذله الله قيض له من يعلمه ما يغير فطرته كما قال صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه وأما سؤال المؤمن من الله الهداية فإن الهداية نوعان هداية مجملة وهي الهداية للإسلام والإيمان وهي حاصلة للمؤمن وهداية مفصلة وهي هداية إلى معرفة تفاصيل أجزاء الإيمان والإسلام وإعانته على فعل ذلك وهذا يحتاج إليه كل مؤمن ليلا ونهارا ولهذا أمر الله عباده أن يقرأوا في كل ركعة من صلاتهم قوله اهدنا الصراط المستقيم الفاتحة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه بالليل اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم و لهذا يشمت العاطس فيقال له يهديكم الله كما جاءت به السنة وإن أنكره من أنكره من فقهاء العراق ظنا منهم أن المسلم لا يحتاج أن يدعى له بالهدى وخالفهم جمهور العلماء
226
اتباعا للسنة في ذلك وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم عليا أن يسأل الله السداد والهدى وعلم الحسن أن يقول في قنوت الوتر اللهم اهدني فيمن هديت وأما الاستغفار من الذنوب فهو طلب المغفرة والعبد أحوج شيء إليه لأنه يخطيء بالليل والنهار وقد تكرر في القرآن ذكر التوبة والاستغفار والأمر بهما والحث عليهما وخرج الترمذي وابن ماجه من حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون وخرج البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم مائة مرة وخرج من حديث الأغر المزني سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول يا أيها الناس توبوا إلى ربكم فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة وخرجه النسائي ولفظه يا أيها الناس توبوا إلى ربكم واستغفروه فإني أتوب إلى الله وأستغفره كل يوم مائة مرة وخرج الإمام أحمد من حديث حذيفة يقال كان في لساني ذرب على أهلي لم أعده إلى غيره فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال أين أنت من الاستغفار يا حذيفة إني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة ومن حديث أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إني أستغفر الله مائة مرة وأتوب إليه وخرج النسائي من حديث أبي موسى قال كنا جلوسا فجاء النبي صلى الله عليه وسلم قال ما أصبحت غداة قط إلا استغفرت الله مائة مرة وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث ابن عمر قال إن كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة يقول رب اغفر لي وتب على إنك أنت التواب الرحيم وخرج النسائي من حديث أبي هريرة قال لم أكثر أن يقول أستغفر الله وأتوب إليه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج الإمام أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا وإذا أساءوا استغفروا وسنذكر بقية الكلام في الاستغفار فيما بعد إن شاء الله تعالى وقوله يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يعني أن العباد لا يقدرون أن يوصلوا إلى الله نفعا ولاضرا فإن الله تعالى في نفسه غني حميد لا حاجة له بطاعات العباد ولا يعود نفعها إليه وإنما هم ينتفعون بها ولا يتضرر بمعاصيهم وإنما هم يتضررون بها قال الله تعالى ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا آل عمران وقال ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا آل عمران وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته ومن يعص الله ورسوله فقد غوى ولا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا قال الله عز وجل وإن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا النساء وقال حاكيا عن موسى وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد إبراهيم وقال ومن كفر فإن الله غني عن العالمين آل عمران وقال لن ينال الله لحومها
227
ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم الحج والمعنى أنه تعالى يحب من عباده أن يتقوه ويطيعوه كما أنه يكره منهم أن يعصوه ولهذا يفرح بتوبة التائبين أشد من فرح من ضلت راحلته التي عليها طعامه وشرابه بفلاة من الأرض وطلبها حتى أعيى وأيس منها واستسلم للموت وأيس من الحياة ثم غلبته عينه فنام واستيقظ وهي قائمة عنده وهذا أعلى ما يتصوره المخلوق من الفرح هذا كله مع غناه عن طاعات عباده وتوباتهم إليه وإنه إنما يعد نفعها إليهم دونه ولكن هذا من كمال جوده وإحسانه إلى عباده ومحبته لنفعهم ودفع الضر عنهم فهو يحب من عباده أن يعرفوه ويحبوه ويخافوه ويتقوه ويطيعوه و يتقربوا إليه ويحب أن يعلموا أنه لا يغفر الذنوب غيره وأنه قادر على مغفرة ذنوب عباده كما في رواية عبدالرحمن بن غنم عن أبي ذر لهذا الحديث من علم منكم أني ذو قدرة على المغفرة ثم استغفرني غفرت له ولا أبالي وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن عبدا أذنب ذنبا فقال يا رب إني فعلت ذنبا فاغفر لي فقال الله علم عبدي أن له ربا يغفر الذنوب ويأخذ بالذنب قد غفرت لعبدي وفي حديث على بن أبي طالب رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما ركب دابته حمد الله ثلاثا وكبر ثلاثا وقال سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ثم ضحك وقال إن ربك ليعجب من عبده إذا قال رب اغفر لي ذنوبي يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري خرجه الإمام أحمد والترمذي وصححه وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال والله لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها كان بعض أصحاب ذي النون يطوف ينادي آه أين قلبي من وجد قلبي فدخل يوما بعض السكك فوجد صبيا يبكي أمه تضربه ثم أخرجته من الدار وأغلقت الباب دونه فجعل الصبي يلتفت يمينا وشمالا لا يدري أين يذهب ولا أين يقصد فرجع إلى باب الدار فجعل يبكي ويقول يا أماه من يفتح لي الباب إذا أغلقت بابك عني ومن يدنيني إذا طردتيني ومن الذي يدنيني إذا غضبت علي فرحمته أمه فنظرت من خلل الباب فوجدت ولدها تجري الدموع على خديه متمعكا في التراب ففتحت الباب وأخذته حتى وضعته في حجرها وجعلت تقبله وتقول يا قرة عيني ويا عزيز نفسي أنت الذي حملتني على نفسك وأنت الذي تعرضت لما حل بك لو كنت أطعتني لم تلق مني مكروها فتواجد الفتى ثم صاح وقال قد وجدت قلبي قد وجدت قلبي وتفكروا في قوله تعالى والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله آل عمران فإن فيه إشارة إلى أن المذنبين ليس لهم من يلجأون إليه ويعولون عليه في مغفرة ذنوبهم غيره وكذلك قوله في حق الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم
228
تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم التوبة فرتب توبته على ظنهم أن لا ملجأ من الله إلا إليه فإن العبد إذا خاف من مخلوق هرب منه وفر إلى غيره وأما من خاف من الله فما له من ملجأ يلجأ إليه ولا مهرب يهرب إليه إلا هو فيهرب منه إليه كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك وكان يقول أعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك وبك منك قال الفضيل بن عياض رضي الله عنه ما من ليلة اختلط ظلامها وأرخى الليل سربال سترها إلا نادى الجليل جل جلاله من أعظم مني جودا والخلائق لي عاصون وأنا لهم مراقب أكلؤهم في مضاجعهم كأنهم لم يعصوني وأتولى حفظهم كأنهم لم يذنبوا فيما بيني وبينهم أجود بالفضل على العاصي وأتفضل على المسيء من ذا الذي دعاني فلم أستجب إليه أم من ذا الذي سألني فلم أعطه أم من الذي أناخ ببابي فنحيته أنا الفضل ومني الفضل أنا الجواد ومني الجود وأنا الكريم ومني الكرم ومن كرمي أن أغفر للعاصين بعد المعاصي ومن كرمي أن أعطي العبد ما سألني وأعطيه ما لم يسألني ومن كرمي أن أعطي التائب كأنه لم يعصني فأين إلى غيره يهرب الخلائق وأين عن بابه يلتجيء العاصون خرجه أبو نعيم ولبعضهم في المعنى قائلا أسأت ولم أحسن وجئتك تائبا وأني لعبد عن مواليه يهرب يؤمل غفرانا فإن خاب ظنه فما أحد منه على الأرض أخيب فقوله بعد هذا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا ولو كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا هو إشارة إلى أن ملكه لا يزيد بطاعة الخلق ولو كانوا كلهم بررة أتقياء قلوبهم على قلب أتقى رجل منهم ولا ينقص ملكه بمعصية العاصين ولو كان الجن والإنس كلهم عصاة فجرة قلوبهم على قلب أفجر رجل منهم فإنه سبحانه الغني بذاته عمن سواه وله الكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله فملكه ملك كامل لا نقص فيه بوجه من الوجوه على أي وجه كان ومن الناس من قال إن إيجاده لخلقه على هذا الوجه الموجود أكمل من إيجاده على غيره وهو خير من وجوده على غيره وما فيه من الشر فهو شر إضافي نسبي بالنسبة إلى بعض الأشياء دون بعض وليس شرا مطلقا بحيث يكون عدمه خيرا من وجوده من كل وجه بل وجوده خير من عدمه وقال هذا معنى قوله بيده الخير ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم والشر ليس إليك يعني أن الشر المحض الذي عدمه خير من وجوده ليس موجودا في ملكك فإن الله تعالى أوجد خلقه على ما تقتضيه حكمته وعدله وخص قوما من خلقه بالفضل وترك آخرين منهم في العدل لما له في ذلك من الحكمة البالغة وهذا فيه نظر
229
وهو يخالف ما في الحديث من أن جميع الخلق لو كانوا على صفة أكمل خلقه من البر والتقوى لم يزد ذلك في ملكه شيئا ولا قدر جناح بعوضة ولو كانوا على صفة أنقص خلقه من الفجور لم ينقص ذلك من ملكه شيئا فدل على أن ملكه كامل على أي وجه كان لا يزدا ولا يكمل بالطاعة ولا ينقص بالمعاصي ولا يؤثر فيه شيئا وفي هذا الكلام دليل على أن الأصل في التقوى والفجور هي القلوب فإذا بر القلب واتقي برت الجوارح وإذا فجر القلب فجرت الجوارح كما قال النبي صلى الله عليه وسلم التقوى ههنا وأشار إلى صدره فقوله لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسئلته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر فالمراد بهذا ذكر كمال قدرته سبحانه وكمال ملكه وإن ملكه وخزائنه لا تنفذ ولا تنقص بالعطاء ولو أعطي الأولين والآخرين من الجن والإنس جميع ما سألوه في مقام واحد وفي ذلك حث الخلق على سؤاله وإنزال حوائجهم به وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يد الله ملأي لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أفرأيتم ما أنفق ربكم منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا دعا أحدكم فلا يقل اللهم اغفر لي إن شئت ولكن ليعزم وليعظم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء وقال أبو سعيد الخدري إذا دعوتم الله فارفعوا في المسئلة فإن ما عنده لا ينفذه شيء وإذا دعوتم فاعزموا فإن الله لا مستكره له وفي بعض الإسرائيليات يقول الله عز وجل أيؤمل غيري للشدائد والشدائد بيدي وأنا الحي القيوم ويرجي غيري و يطرق بابه بالبكرات وبيدي مفاتيح الخزائن وبابي مفتوح لمن دعاني من ذا الذي أملني لنائبة فقطعت به أو من ذا الذي رجاني لعظيم فقطعت به أو من ذا الذي طرق بابي فلم أفتحه له أنا غاية الآمال فكيف تنقطع الآمال دوني أبخيل أنا فيبخلني عبدي أليس الدنيا والآخرة والكرم والفضل كله لي فما يمنع المؤملين أن يؤملوني لو جمعت أهل السموات والأرض ثم أعطيت كل واحد منهم ما أعطيت الجميع وبلغت كل واحد أمله لم ينقص ذلك من ملكي عضو ذرة كيف ينقص ملك أنا قيمه فيا بؤسا للقانطين من رحمتي ويا بؤسا لمن عصاني وتوثب على محارمي وقوله ولم ينقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر لتحقيق أن ما عنده لا ينقص البتة كما قال تعالى ما عندكم ينفذ وما عند الله باق فإن البحر إذا غمس فيه إبرة ثم أخرجت لم تنقص من البحر بذلك شيئا وكذلك لو فرض أنه شرب منه عصفور مثلا فإنه لا ينقص البحر البتة ولهذا ضرب الخضر لموسى عليهما السلام هذا المثل في نسبة علمهما إلى علم الله عز وجل وهذا لأن البحر لا يزال تمد مياه الدنيا وأنهارها الجارية فمهما أخذ منه لم ينقصه شيء لأنه يمده ما هو أزيد مما أخذ منه وهكذا طعام الجنة وما فيها فإنه لا ينقص كما قال تعالى
230
وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة الواقعة وقد جاء كلما نزعت ثمرة عاد مكانها مثلها وروي مثلاها فهي لا تنقص أبدا ويشهد لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الكسوف ورأيت الجنة فتناولت منها عنقودا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا خرجاه في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وخرجه الإمام أحمد من حديث جابر ولفظه ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقصونه شيئا وهكذا لحم الطير الذي يأكله أهل الجنة يستخلف ويعود كما كان حيا لا ينقص منه شيء وقد روي هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه فيها ضعف وقاله كعب وروي أيضا عن أبي أمامة الباهلي من قوله قال أبو أمامة وكذلك الشراب يشرب منه حتى تنتهي نفسه ثم يعود مكانه ورؤي بعض العلماء الصالحين بعد موته بمدة في المنام فقال ما أكلت منذ فارقتكم إلا بعض فرخ أما علمتم أن طعام الجنة لا ينفد وقد تبين في الحديث الذي خرجه الترمذي وابن ماجه السبب الذي لأجله لا ينقص ما عند الله بالعطاء بقوله ذلك بأني جواد واجد ماجد أفعل ما أريد عطائي كلام وعذابي كلام إنما أمري لشيء إذا أردت إنما أقول له كن فيكون وهذا مثل قوله تعالى إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون يس وقوله تعالى إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون النحل وفي مسند البزار بإسناد فيه نظر من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال خزائن الله الكلام فإذا أراد الله شيئا قال له كن فكان فهو سبحانه إذا أراد شيئا من عطاء أو عذاب أو غير ذلك قال له كن فيكون فكيف يتصور أن ينقص هذا وكذلك إذا أراد أن يخلق شيئا قال له كن فيكون كما قال إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون آل عمران وفي بعض الآثار الإسرائيلية أوحى الله تعالى إلى موسى عليه الصلاة والسلام يا موسى لا تخافن غيري ما دام لي السلطان وسلطاني دائم لا ينقطع يا موسى لا تهتمن برزقي أبدا ما دامت خزائني مملوءة لا تفنى أبدا يا موسى لا تأنس بغيري ما وجدتني أنيسا لك متى طلبتني وجدتني يا موسى لا تأمن مكري ما لم تجز الصراط إلى الجنة وقال بعضهم لا تخضعن لمخلوق على طمع فإن ذاك مضر منك بالدين واسترزق الله مما في خزائنه فإنما هي بين الكاف والنون وقوله يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها يعني أنه سبحانه يحصي أعمال عباده ثم يوفيهم إياها بالجزاء عليها وهذا كقوله فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره الزلزلة وقوله ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا الكهف وقوله يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا آل عمران وقوله يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه المجادلة وقوله ثم أوفيكم إياها
231
الظاهر أن المراد توفيتها يوم القيامة كما قال تعالى وإنما توفون أجوركم يوم القيامة آل عمران ويحتمل أن المراد يوفي عباده جزاء أعمالهم في الدنيا والآخرة كما في قوله من يعمل سوء يجز به النساء وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر ذلك بأن المؤمنين يجازون بسيئاتهم في الدينا وتدخر لهم حسناتهم في الآخرة فيوفون أجورهم وأما الكافر فإنه يعجل له في الدنيا ثواب حسناته وتدخر له سيئاته فيعاقب بها في الآخرة ويوفيه جزاءها من خير أو شر فالشر يجازى به مثله من غير زيادة إلا أن يعفو الله عنه والخير تضاعف الحسنة عنه بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة لا يعلم قدرها إلا الله كما قال تعالى إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب الزمر وقوله فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه إشارة إلى أن الخير كله فضل من الله على عبده من غير استحقاق له والشر كله من عند ابن آدم من اتباع هوى نفسه كما قال عز وجل ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك النساء وقال على رضي الله عنه لا يرجو عبد إلا ربه ولا يخافن إلا ذنبه فالله سبحانه إذا أراد توفيق عبد وهدايته أعانه ووفقه لطاعته وكان ذلك فضلا منه ورحمة وإذا أراد خذلان عبد وكله إلى نفسه وخلى بينه وبينها فأغواه الشيطان لغفلته عن ذكر الله واتبع هواه وكان أمره فرطا وكان ذلك عدلا منه فإن الحجة قائمة على العبد بإنزال الكتاب وإرسال الرسول فما بقي لأحد من الناس على الله حجة بعد الرسل فقوله بعد هذا فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه إن كان المراد من وجد ذلك في الدنيا فإنه يكون حينئذ مأمورا بالحمد لله على ما وجده من جزاء الأعمال الصالحة الذي عجل له في الدنيا كما قال من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون النحل ويكون مأمورا بلوم نفسه على ما فعلت من الذنوب التي وجد عاقبتها في الدنيا كما قال تعالى ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون السجدة فالمؤمن إذا أصابه في الدنيا بلاء رجع إلى نفسه باللوم ودعاه ذلك إلى الرجوع إلى الله بالتوبة والاستغفار وفي المسند وسنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن المؤمن إذا أصابه سقم ثم عافاه الله منه كان كفارة لما مضى من ذنوبه وموعظة له فيما يستقبل من عمره وإن المنافق إذا مرض وعوفي كان كالبعير عقله أهله وأطلقوه لا يدري بما عقلوه ولا بما أطلقوه وقال سلمان الفارسي إن المسلم ليبتلى فيكون كفارة لما مضى ومستعتبا فيما بقى وإن الكافر يبتلى فمثله كمثل البعير أطلق فلم يدر لما أطلق وعقل وإن كان المراد من وجد خيرا أو غيره في الآخرة كان إخبارا منه بأن الذين يجدون الخير في الآخرة يحمدون الله على ذلك وأن من وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه حين لا ينفعه اللوم فيكون الكلام لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر كقوله صلى الله عليه وسلم من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار والمعنى أن الكاذب عليه يتبوأ مقعده من النار
232
وقد أخبر الله تعالى عن أهل الجنة أنهم يحمدون الله على ما رزقهم من فضله فقال ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله الأعراف وقال تعالى وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء الزمر وقال تعالى وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب فاطر وأخبر عن أهل النار أنهم يلومون أنفسهم ويمقتونها أشد المقت فقال تعالى وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم إبراهيم وقال تعالى إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون غافر وقد كان السلف الصالح يجتهدون في الأعمال الصالحة حذرا من لوم النفس عند انقطاع الأعمال على التقصير وفي الترمذي عن أبي هريرة مرفوعا ما من ميت يموت إلا ندم إن كان محسنا ندم على أن لا يكون ازداد وإن كان مسيئا ندم أن لا يكون استعتب وقيل لمسروق لو قصرت عن بعض ما تصنع من الاجتهاد فقال والله لو أتاني آت فأخبرني أن لا يعذبني لاجتهدت في العبادة قيل كيف ذاك قال حتى تعذرني نفسي إن دخلت النار أن لا ألومها أما بلغك في قول الله تعالى ولا أقسم بالنفس اللوامة القيامة إنما لاموا أنفسهم حين صاروا إلى جهنم فاعتنقتهم الزبانية وحيل بينهم وبين ما يشتهون وانقطعت عنهم الأماني ورفعت عنهم الرحمة وأقبل كل امريء منهم يلوم نفسه وكان عامر بن عبد قيس يقول والله لأجتهدن ثم والله لأجتهدن فإن نجوت فبرحمة الله وإلا لم ألم نفسي وكان زياد بن عياش يقول لابن المنكدر ولصفوان بن سليم الجد الجد والحذر الحذر فإن يكن الأمر على ما نرجو كان ما عملتما فضلا وإلا لم تلوما أنفسكما وكان مطرف بن عبدالله يقول اجتهدوا في العمل فإن يكن الأمر ما نرجو من رحمة الله وعفوه كانت لنا درجات وإن يكن الأمر شديدا كما نخاف ونحذر لم نقل ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل فاطر نقول قد عملنا فلم ينفعنا ذلك الحديث الخامس والعشرون عن أبي ذر رضي الله عنه أيضا أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم قال أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون إن بكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة وفي بضع أحدكم صدقة قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر قال أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر رواه مسلم
233
هذا الحديث خرجه مسلم من رواية يحيى بن معمر عن أبي الأسود الديلمي عن أبي ذر رضي الله عنه وقد روي معناه عن أبي ذر من وجوه كثيرة بزيادة ونقصان وسنذكر بعضها فيما بعد إن شاء الله تعالى وفي الحديث دليل على أن الصحابة رضي الله عنهم لشدة حرصهم على الأعمال الصالحة وقوة رغبتهم في الخير كانوا يحزنون على ما يتعذر عليهم فعله من الخير مما يقدر عليه غيرهم فكان الفقراء يحزنون على فوات الصدقة بالأموال التي يقدر عليها الأغنياء ويحزنون على التخلف عن الخروج في الجهاد لعدم القدرة على آلته وقد أخبر الله عنهم بذلك في كتابه فقال ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون التوبة وفي هذا الحديث أن الفقراء غبطوا أهل الدثور والدثور هي الأموال مما يحصل لهم من أجر الصدقة بأموالهم
234
فدلهم النبي صلى الله عليه وسلم على صدقات يقدرون عليها وفي الصحيحين عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن فقراء المهاجرين أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا ذهب أهل الدثور بالدرجات العلي والنعيم المقيم فقال وما ذاك قالوا يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون ولا نتصدق ويعتقون ولا نعتق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من قد سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم قالوا بلى يا رسول الله قال تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة قال أبو صالح فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وقد روي نحو هذا الحديث من رواية جماعة من الصحابة منهم على وأبو ذر وأبو الدرداء وابن عمر وابن عباس وغيرهم ومعنى هذا أن الفقراء ظنوا أن لا صدقة إلا بالمال وهم عاجزون عن ذلك فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن جميع أنواع فعل المعروف والإحسان صدقة وفي صحيح مسلم عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل معروف صدقة وخرجه البخاري من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الصدقة تطلق على جميع أنواع المعروف والإحسان حتى أن فضل الله الواصل منه إلى عباده صدقة منه عليهم وقد كان بعض السلف ينكر ذلك ويقول إنما الصدقة ممن يطلب جزاءها وأجرها والصحيح خلاف ذلك وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في قصر الصلاة في السفر صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته خرجه مسلم وقال من كانت له صلاة بليل فغلب عليه نوم فنام عنها كتب الله له أجر صلاته وكان نومه صدقه من الله تصدق بها عليه خرجه النسائي وغيره من حديث عائشة رضي الله عنها وخرجه ابن ماجه من حديث أبي الدرداء وفي مسند بقي بن مخلد والبزار من حديث أبي ذر مرفوعا ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا لله فيها صدقة يمن بها على من يشاء من عباده وما من الله على عبد مثل أن يلهمه ذكره وقال خالد بن معدان إن الله يتصدق كل يوم بصدقة وما تصدق الله على أحد من خلقه بشيء خير من أن يتصدق عليه بذكره والصدقة بغير المال نوعان أحدهما ما فيه تعدية الإحسان إلى الخلق فتكون صدقة عليهم وربما كان أفضل من الصدقة بالمال وهذا كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه دعاء إلى الله طاعة وكف عن معاصيه وذلك خير من النفع بالمال وكذلك تعليم العلم وإقراء القرآن وإزالة الأذى عن الطريق والسعي في جلب النفع للناس ودفع الأذى عنهم وكذلك الدعاء للمسلمين والاستغفار لهم وخرج ابن مردويه بإسناد فيه ضعف عن ابن عمر مرفوعا من كان له مال فليتصدق من ماله ومن كان له قوة فليتصدق من قوته ومن كان له علم فليتصدق من علمه ولعله موقوف وخرج الطبراني بإسناد فيه ضعف عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الصدقة صدقة اللسان قيل يا رسول الله وما صدقة اللسان
235
قال الشفاعة تفك بها الأسير وتحقن بها الدم وتجر بها المعروف والإحسان إلى أخيك وتدفع عنه الكريهة وقال عمرو بن دينار بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما من صدقة أحب إلى الله من قول ألم تسمع إلى قوله تعالى قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى البقرة خرجه ابن أبي حاتم وفي مراسيل الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم إن من الصدقة أن تسلم على الناس وأنت طليق الوجه خرجه ابن أبي الدنيا وقال معاذ تعليم العلم لمن لا يعلمه صدقة وروي مرفوعا ومن أنواع الصدقة كف الأذى عن الناس ففي الصحيحين عن أبي ذر رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله أي الأعمال أفضل قال الإيمان بالله والجهاد في سبيل الله قلت فأي الرقاب أفضل قال أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا قلت فإن لم أفعل قال تعين صانعا وتصنع لأخرق قلت يا رسول الله أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل قال تكف شرك عن الناس فإنها صدقة وقد روي في حديث أبي ذر زيادات أخرى فخرج الترمذي من حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال تبسمك في وجه أخيك لك صدقة وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة وخرج ابن حبان في صحيحه من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليس من نفس ابن آدم إلا عليها صدقة في كل يوم طعلت فيه الشمس قيل يا رسول الله ومن أين لنا صدقة نتصدق بها قال إن أبواب الجنة لكثيرة التسبيح والتكبير والتحميد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتميط الأذى عن الطريق وتسمع الأصم وتهدي الأعمى وتدل المستدل على حاجته وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث وتحمل بشدة ذراعيك مع الضعيف فهذا كله صدقة منك على نفسك وخرج الإمام أحمد من حديث أبي ذر قال قلت يا رسول الله ذهب الأغنياء بالأجر يتصدقون ولا نتصدق قال وأنت فيك صدقة رفعك العظم عن الطريق صدقة وهدايتك الطريق صدقة عونك الضعيف بفضل قوتك صدقة وبيانك عن الأغتم صدقة ومباضعتك امرأتك صدقة قلت يا رسول الله نأتي شهوتنا ونؤجر قال أرأيت لو جعلت ذلك في حرام أكان تأثم قال قلت نعم قال أفتحتسبون بالشر ولا تحتسبون بالخير وفي رواية أخرى فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن فيك صدقة كثيرة فذكر فضل سمعك وفضل بصرك وفي رواية أخرى للإمام أحمد قال إن من أبواب الصدقة التكبير وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله وأستغفر الله وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتعزل الشوكة عن الطريق والعظم والحجر وتهدي الأعمى وتسمع الأصم والأبكم حتى يفقه وتدل المستدل على حاجة له قد علمت مكانها وتسعى بشدة ساقيك إلى اللهفان المستغيث وترفع بشدة ذراعيك مع الضعيف كل ذلك من أبواب الصدقة منك على نفسك ولك في جماع زوجتك أجر
236
قلت كيف يكون لي أجر في شهوتي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت لو كان لك ولد فأدرك ورجوت خيره فمات أكنت تحتسب به قلت نعم قال فأنت خلقته قلت بل الله خلقه قال أفأنت هديته قلت بل الله هداه قال أفأنت كنت ترزقه قلت بلى الله كان يرزقه قال كذلك فضعه في حلاله وجنبه حرامه فإن شاء الله أحياه وإن شاء أماته ولك أجر ظاهر هذا السياق يقتضي أنه يؤجر على جماعه لأهله بنية طلب الولد الذي يترتب الأجر على تربيته وتأديبه في حياته ويحتسبه عند موته وأما إذا لم ينو شيئا بقضاء شهوته فهذا قد تنازع الناس في دخوله في هذا الحديث وقد صح الحديث بأن نفقة الرجل على أهله صدقة ففي الصحيحين عن أبي مسعود الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال نفقة الرجل على أهله صدقة وفي رواية لمسلم وهو يحتسبها وفي لفظ للبخاري وإذا أنفق الرجل على أهله وهو يحتسبها عند الله كما في حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك وفي صحيح مسلم عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أفضل الدنانير دينار ينفقه الرجل على عياله ودينار ينفقه على فرسه في سبيل الله ودينار ينفقه الرجل على أصحابه في سبيل الله قال أبو قلابة عند رواية هذا الحديث بدأ بالعيال وأي رجل أعظم أجرا من رجل ينفق على عيال له صغار يعفهم الله به ويغنيهم الله به وفيه أيضا عن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن نفقتك على عيالك صدقة وإن ما تأكل امرأتك من مالك صدقة وهذا قد ورد مقيدا في الرواية الأخرى بابتغاء وجه الله وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة ودينار تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك أفضلها الدينار الذي أنفقته على أهلك وخرج الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تصدقوا فقال رجل عندي دينار فقال تصدق به على نفسك قال عندي دينار آخر قال تصدق به على زوجتك قال عندي دينار آخر قال تصدق به على ولدك قال عندي دينار آخر قال تصدق به على خادمك قال عندي دينار آخر قال أنت أبصر وخرج الإمام أحمد من حديث المقدام بن معدي كرب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة وما أطعمت زوجك فهو لك صدقة وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة يطول ذكرها وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو طير أو دابة إلا كان له صدقة وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة وما سرق منه له صدقة وما أكل السبع منه فهو له صدقة وما أكلت الطيور فهو له صدقة ولا ينقصه أحد إلا كان له صدقة وفي رواية
237
له أيضا فلا يأكل منه إنسان ولا دابة ولا طائر إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة وفي المسند بإسناد ضعيف عن معاذ بن أنس الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من بنى بنيانا في غير ظلم ولا اعتداء أو غرس غراسا في غير ظلم ولا اعتداء إلا كان له أجر جاريا ما انتفع به أحد من خلق الرحمن وذكر البخاري في تاريخه من حديث جابر مرفوعا من حفر ماء لم تشرب منه كبد حرا من جن ولا إنس ولا سبع ولا طائر إلا آجره الله يوم القيامة وظاهر هذه الأحاديث كلها يدل على أن هذه الأشياء تكون صدقة يثاب عليها الزارع والغارس ونحوهما من غير قصد ولا نية وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم أرأيت لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر يدل بظاهره على أنه يؤجر في إتيان أهله من غير نية فإن الباضع لأهله كالزارع في الأرض التي يحرث ويبذر فيها وقد ذهب إلى هذا طائفة من العلماء ومال إليه أبو محمد بن قتيبة في الأكل والشرب والجماع واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم إن المؤمن ليؤجر في كل شيء حتى في اللقمة يرفعها إلى فيه وهذا اللفظ الذي استدل به غير معروف إنما المعروف قول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك وهو مقيد بإخلاص النية لله فتحمل الأحاديث المطلقة عليه والله أعلم ويدل عليه أيضا قول الله عز وجل لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما النساء فجعل ذلك خيرا ولم يرتب عليه الأجر إلا مع نية الإخلاص وأما إذا فعله رياء فإنه يعاقب عليه وإنما يحمل التردد إذا فعله بغير نية صالحة ولا فاسدة وقد قال أبو سليمان الداراني من عمل عمل خير من غير نية كفاه نية اختياره للإسلام على غيره من الأديان فظاهر هذا أنه يثاب عليه من غير نية بالكلية لأنه بدخوله في الإسلام مختار لأعمال الخير في الجملة فيثاب على كل عمل يعمله منها بتلك النية والله أعلم وقوله أرأيت لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر هذا يسمى عند الأصوليين قياس العكس ومنه قول ابن مسعود رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم كلمة وقلت أنا أخرى قال من مات يشرك بالله شيئا شيئا دخل النار وقلت من مات لا يشرك بالله دخل الجنة والنوع الثاني من الصدقة التي ليست مالية ما نفعه قاصر على فاعله كأنواع الذكر من التكبير والتسبيح والتحميد والتهليل والاستغفار وكذلك المشي إلى المساجد صدقة ولم يذكر في شيء من الأحاديث الصلاة والصيام والحج والجهاد أنه صدقة وأكثر هذه الأعمال أفضل من الصدقات المالية لأنه إنما ذكر جوابا لسؤال الفقراء الذين سألوه عما يقاوم تطوع الأغنياء بأموالهم وأما الفرائض فإنهم قد كانوا كلهم مشتركين فيها وقد تكاثرت النصوص بتفضيل الذكر على الصدقة بالمال وغيره من الأعمال كما في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند
238
مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا بلى يا رسول الله قال ذكر الله عز وجل خرجه الإمام أحمد والترمذي وذكره مالك في الموطأ موقوفا على أبي الدرداء وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك وفيهما أيضا عن أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من قالها عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي العباد أفضل درجة عند الله يوم القيامة قال الذاكرون الله كثيرا قلت يا رسول الله ومن الغازي في سبيل الله قال لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختضب دما لكان الذاكرون الله أفضل منه درجة ويروي نحوه من حديث معاذ وجابر مرفوعا والصواب وقفه على معاذ من قوله وخرج الطبراني من حديث أبي الوازع عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لو أن رجلا في حجره دراهم يقسمها وآخر يذكر الله كان الذاكر أفضل قلت الصحيح عن أبي الوازع عن أبي برزة الأسلمي من قوله خرجه جعفر الفريابي وخرج أيضا من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كبر مائة وسبح مائة وهلل مائة كانت خيرا له من عشر رقبات يعتقها ومن سبع بدنات ينحرها وخرج ابن أبي الدنيا بإسناده عن أبي الدرداء أنه قيل له إن رجلا أعتق مائة نسمة فقال إن مائة نسمة من مال رجل كثير وأفضل من ذلك إيمان ملزوم بالليل والنهار وأن لا يزال لسان أحدكم رطبا من ذكر الله عز وجل وعن أبي الدرداء أيضا قال لأن أقول الله أكبر مائة مرة أحب إلى من أن أتصدق بمائة دينار وكذلك قال سلمان الفارسي وغيره من الصحابة والتابعين إن الذكر أفضل من الصدقة بعدده من المال وخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث أم هانئ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها سبحي الله مائة تسبيحة فإنها تعدل مائة رقبة من ولد إسماعيل واحمدي الله مائة تحميدة فإنها تعدل لك مائة فرس ملجمة مسرجة تحملين عليهن في سبيل الله وكبري الله مائة تكبيرة فإنها تعدل مائة بدنة مقلدة متقبلة وهللي الله مائة تهليلة لا أحسبه إلا قال تملأ ما بين السماء والأرض ولا يرفع يومئذ لأحد مثل عملك إلا أن يأتي بمثل ما أتيت وخرجه أحمد أيضا وابن ماجه وعندهما وقولي لا إله إلا الله مائة مرة لا تذر ذنبا ولا يسبقها العمل وخرجه الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه وخرج الطبراني من حديث ابن عباس مرفوعا قال ما من صدقة أفضل من ذكر الله عز وجل وخرج الفريابي بإسناد فيه نظر عن أبي أمامة مرفوعا
239
ومن فاته الليل أن يكابده ويبخل بماله أن ينفقه وجبن عن العدو أن يقاتله فليكثر من سبحان الله وبحمده فإنها أحب إلى الله عز وجل من جبل ذهب أو جبل فضة ينفقه في سبيل الله عز وجل وخرج البزار بإسناد مقارب من حديث ابن عباس مرفوعا قال في حديثه فليكثر ذكر الله ولم يزد على ذلك وفي المعنى أحاديث أخر متعددة الحديث السادس والعشرون عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة والكلمة الطيبة صدقة وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة وتميط الأذى عن الطريق صدقة رواه البخاري ومسلم
240
هذا الحديث خرجاه من رواية همام بن منبه عن أبي هريرة وخرجه البزار من رواية أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال للإنسان ثلاثمائة وستون عظما أو ستة وثلاثون سلامي عليه في كل يوم صدقة قالوا فمن لم يجد قال يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر قالوا فمن لم يستطع قال يرفع عظما عن الطريق قالوا فمن لم يستطع قال فليعن ضعيفا قالوا فمن لم يستطع ذلك قال فليدع الناس من شره وخرج مسلم من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال خلق الله ابن آدم على ستين وثلاثمائة مفصل فمن ذكر الله وحمد الله وهلل الله وسبح الله وعزل حجرا عن طريق المسلمين أو عزل شوكة أو عزل عظما أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر عدد تلك الستين والثلاث المائة السلامي أمسى من يومه وقد زحزح نفسه من النار وخرج مسلم أيضا من رواية أبي الأسود الديلمي عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يصبح على كل سلامي أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة ويجزي من ذلك ركعتا الضحي يركعهما وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال
241
في الإنسان ثلاثمائة وستون مفصلا عليه أن يتصدق عن كل مفصل منه بصدقة قالوا ومن يطيق ذلك يا نبي الله قال النخاعة في المسجد يدفنها والشيء ينحيه عن الطريق فإن لم يجد فركعتا الضحى يجزئك وفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال على كل مسلم صدقة قالوا فإن لم يجد قال فيعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق قالوا فإن لم يستطع أو لم يفعل قال يعين ذا الحاجة الملهوف قالوا فإن لم يفعل قال فليأمر بالمعروف قالوا فإن لم يفعل قال فليمسك عن الشر فإنه صدقة وخرج ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال على كل منسم من ابن آدم صدقة كل يوم فقال رجل من القوم ومن يطيق هذا قال أمر بالمعروف ونهي عن المنكر صدقة والحمل على الضعيف صدقة وكل خطوة يخطوها أحدكم إلى الصلاة صدقة وخرجه البزار وغيره وفي مسنده رواية على كل ميسم من الإنسان صدقة كل يوم أو صلاة فقال رجل هذا أشد ما يتشابه فقال إن أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر صلاة أو صدقة وحملك عن الضعيف صلاة إنحاؤك القذر عن الطريق صلاة وكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صلاة وفي رواية البزار وإماطة الأذى عن الطريق صدقة أو قال صلاة قال بعضهم يريد بالميسم كل عضو على حدة مأخوذ من الوسم وهو العلامة إذ ما من عظم ولا عرق ولا عصب إلا وعليه أثر صنع الله عز و جل فيجب على العبد الشكر على ذلك والحمد لله على خلقه سويا صحيحا وهذا هو المراد بقوله عليه الصلاة والسلام كل يوم لأن الصلاة تحتوي على الحمد والشكر والثناء وخرج الطبراني من وجه آخر عن ابن عباس رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال على كل سلامي أو على كل عضو من بني آدم في كل يوم صدقة ويجزي من ذلك كله ركعتا الضحي ويروى من حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال على كل نفس في كل يوم صدقة قيل فإن كان لا يجد شيئا قال أليس بصيرا شهما فصيحا صحيحا قال بلى قال يعطي من قليلة وكثيرة وإن نصرك للمنقوص صدقة وإن سمعك للمنقوص سمعه صدقة وقد ذكرنا في شرح الحديث الماضي حديث أبي ذر الذي خرجه ابن حبان في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس من نفس ابن آدم إلا عليها صدقة في كل يوم طلعت فيه الشمس قيل يا رسول الله ومن أين لنا صدقة نتصدق بها قال إن أبواب الخير لكثيرة التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتميط الأذى عن الطريق وتسمع الأصم وتهدي الأعمى وتدل المستدل على حاجته وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث وتحمل بشدة ذراعيك مع الضعيف فهذا كله صدقة منك على نفسك فقوله صلى الله عليه وسلم على كل سلامي من الناس عليه صدقة قال أبو عبيد السلامي في الأصل عظم يكون في فرسن البعير قال فكأن معنى الحديث على كل عظم من عظام ابن آدم صدقة يشير أبو عبيد إلى أن السلامي اسم
242
لبعض العظام الصغار التي في الإبل ثم عبر بها عن العظام في الجملة بالنسبة إلى الآدمي و غيره فمعنى الحديث عنده على كل عظم من عظام بني آدم صدقة وقال غيره السلامي عظم في طرف اليد والرجل وكني بذلك عن جميع عظام الجسد والسلامي جمع وقيل هو مفرد وقد ذكر علماء الطب أن جميع عظام البدن مائتان وثمانية وأربعون عظما تسمى السمسمانيات وبعضهم يقول هي ثلاثة مائة وستون عظما يظهر منها للحس مائتان وخمسة وستون عظما والباقية صغار لا تظهر وتسمى السمسمانية وهذه الأحاديث تصدق هذا القول ولعل السلامي عبر بها عن هذه العظام الصغار كما أنها في الأصل اسم لأصغر ما في البعير من العظام ورواية البزار لحديث أبي هريرة يشهد بهذا حيث قال فيها أو ستة وثلاثون سلامي وقد خرجه غير البزار وقال فيه إن في ابن آدم ستمائة وستين عظما وهذه الرواية غلط وفي حديث عائشة وبريدة ذكر ثلاث مائة وستين مفصلا ومعنى الحديث أن تركب هذه العظام وسلامتها من أعظم نعم الله على عبده فيحتاج كل عظم منها إلى صدقة يتصدق ابن آدم عنه ليكون ذلك شكرا لهذه النعمة قال الله عز وجل يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك الانفطار وقال عز وجل قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون الملك وقال والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون النحل وقال ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين البلد قال مجاهد هذه نعم من الله متظاهرة يقررك بها كيما تشكر وقرأ الفضل هذه الآية ليلة فبكى فسئل عن بكائه فقال هل بت ليلة شاكرا لله أن جعل لك عينين تبصر بهما هل بت ليلة شاكرا لله أن جعل لك لسانا تنطق به وجعل يعدد من هذا الضرب وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن سلمان الفارسي قال إن رجلا بسط له من الدنيا فانتزع ما في يديه فجعل يحمد الله عز وجل ويثني عليه حتى لم يكن له فراش إلا بوري فجعل يحمد الله ويثني عليه وبسط للآخر من الدنيا فقال لصاحب البوري أرأيتك أنت على ما تحمد الله عز وجل قال أحمد الله على ما لو أعطيت به ما أعطى الخلق لم أعطهم إياه قال وما ذاك قال أرأيت بصرك أرأيت لسانك أرأيت يديك أرأيت رجليك وبإسناده عن أبي الدرداء أنه كان يقول الصحة غناء الجسد وعن يونس بن عبيد أن رجلا شكا إليه ضيق حاله فقال له يونس أيسرك أن لك ببصرك هذا الذي تبصر به مائة ألف درهم قال الرجل لا قال فبيدك مائة ألف درهم قال لا قال فرجليك قال لا قال فذكره نعم الله عليه فقال يونس أرى عندك مئين ألوفا وأنت تشكو الحاجة وعن وهب بن منبه قال مكتوب في
243
حكمة آل داود العافية الملك الخفي وعن بكر المزني قال يا ابن آدم إن أردت أن تعلم قدر ما أنعم الله عليك فغمض عينيك وفي بعض الآثار كم من نعمة لله في عرق ساكن وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ فهذه النعم مما يسأل الإنسان عن شكرها يوم القيامة ويطالب بها كما قال تعالى ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم وخرج الترمذي وابن حبان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من النعيم فيقال له ألم نصح لك جسمك ونروك من الماء البارد وقال ابن مسعود رضي الله عنه النعيم الأمن والصحة وروي عنه مرفوعا وقال على بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم التكاثر قال النعيم صحة الأبدان والأسماع والأبصار يسأل الله العباد فيما استعملوها وهو أعلم بذلك منهم وهو قوله تعالى إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا وخرج الطبراني من رواية أيوب بن عقبة وفيه ضعف عن عطاء عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قال لا إله إلا الله كان له بها عهد عند الله ومن قال سبحان الله وبحمده كتب له بها مائة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة فقال رجل كيف نهلك بعد هذا يا رسول الله قال إن الرجل ليأتي يوم القيامة بالعمل لو وضع على جبل لأثقله فتقوم النعمة من نعم الله فتكاد أن تستنفد ذلك كله إلا أن يتطاول الله برحمته وروي ابن أبي الدنيا بإسناد فيه ضعف أيضا عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يؤتى بالنعم يوم القيامة وبالحسنات والسيئات فيقول الله لنعمة من نعمه خذي حقك من حسناته فما تترك له حسنة إلا ذهبت بها وبإسناده عن وهب بن منبه قال عبدالله عابد خمسين عاما فأوحى الله عز وجل إني قد غفرت لك قال يا رب وما تغفر لي ولم أذنب فأذن الله عز وجل لعرق في عنقه فضرب عليه فلم ينم ولم يصل ثم سكن وقام فأتاه ملك فشكا إليه ما لقي من ضربات العرق فقال الملك إن ربك عز وجل يقول عبادتك خمسين سنة لم تعدل سكون ذلك العرق و خرج الحاكم هذا المعنى مرفوعا من رواية سلمان بن هرم الفرشي عن محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن جبرائيل أخبره أن عابدا عبدالله على رأس جبل في البحر خمسمائة سنة ثم سأل ربه أن يقبضه وهو ساجد قال فنحن نمن عليه إذا هبطنا وإذا عرجنا ونجد في العلم أنه يبعث يوم القيامة فيوقف بين يدي الله عز و جل فيقول الله عز و جل ادخلو عبدي الجنة برحمتي فيقول العبد يا رب بعملي ثلاث مرات ثم يقول الله للملائكة قيسوا عبدي بنعمتي عليه و بعمله فيجدون نعمة البصر قد أحاطت بعبادة خمسمائة سنة وبقيت نعم الجسد له فيقول أدخلوا عبدي النار فيجر إلى النار فينادي ربه برحمتك أدخلني الجنة برحمتك أدخلني الجنة فيدخله الجنة قال جبرائيل إنما الأشياء برحمة الله يا محمد وسلمان بن هرم قال العقيلي هو مجهول وحديثه
244
غير محفوظ وروى الخرائطي بإسناد فيه نظر عن عبدالله بن عمرو مرفوعا يؤتى بالعبد يوم القيامة فيوقف بين يدي الله عز و جل فيقول للملائكة انظروا في عمل عبدي ونعمتي عليه فينظرون فيقولون و لا بقدر نعمة واحدة من نعمك عليه فيقول انظروا في عمله سيئه وصالحه فينظرون فيجدونه كفافا فيقول عبدي قد قبلت حسناتك وغفرت سيئاتك وقد وهبت لك نعمتي فيما بين ذلك والمقصود أن الله تعالى أنعم على عباده بما لا يحصونه كما قال تعالى وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إبراهيم النحل وطلب منهم الشكر و الرضا به منهم قال سليمان التيمي إن الله أنعم على العباد على قدره وكلفهم الشكر على قدرهم حتى رضي منهم من الشكر بالاعتراف بقلوبهم بنعمه وبالحمد بألسنتهم عليها كما خرجه أبو داود والنسائي من حديث عبدالله بن غنام رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من قال حين يصبح اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر فقد أدى شكر ذلك اليوم ومن قالها حين يمسي أدى شكر ليلته وفي رواية النسائي عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما وخرج الحاكم من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما أنعم الله على عبد نعمة فعلم أنها من عند الله إلا كتب الله شكرها قبل أن يشكرها وما أذنب عبد ذنبا فندم عليه إلا كتب الله له مغفرته قبل أن يستغفره وقال أبو عمرو الشيباني قال موسى عليه الصلاة والسلام يوم الطور يا رب إن أنا صليت فمن قبلك وإن أنا تصدقت فمن قبلك وإن أنا بلغت رسالتك فمن قبلك فكيف أشكرك قال الآن شكرتني وعن الحسن قال قال موسى عليه السلام يا رب كيف يستطيع ابن آدم أن يؤدي شكر ما صنعت إليه خلقته بيدك ونفخت فيه من روحك وأسكنته جنتك وأمرت الملائكة فسجدوا له فقال يا موسى علم أن ذلك مني فحمدني عليه فكان ذلك شكرا لما صنعته وعن أبي الجلد قال قرأت في مسئلة داود عليه السلام أنه قال يا رب كيف لي أن أشكرك وأنا لا أصل إلى شكرك إلا بنعمتك قال فأتاه الوحي أن يا داود أليس تعلم أن الذي بك من النعم مني قال بلى قال فإني أرضى بذلك منك شكرا قال وقرأت في مسئلة موسى عليه السلام قال يا رب كيف لي أن أشكرك وأصغر نعمة وضعتها عندي من نعمك لا يجازى بها عملي كله قال فأتاه الوحي قال يا موسى الآن شكرتني وقال أبو بكر بن عبدالله ما قال عبد قط الحمد لله مرة إلا وجبت عليه نعمة بقوله الحمد لله فما جزى تلك النعمة جزاءها أن يقول الحمد لله فجاءت نعمة أخرى فلا تنفد نعماء الله وقد روى ابن ماجه من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنعم الله على عبد نعمة فقال الحمد لله إلا كان الذي أعطى أفضل مما أخذ وروينا نحوه من حديث شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد مرفوعا أيضا وروي هذا عن الحسن البصري من قوله وكتب بعض عمال عمر بن عبدالعزيز إليه إني
245
بأرض قد كثرت فيها النعم حتى لقد أشفقت على أهلها من ضعف الشكر فكتب إليه عمر إني قد كنت أراك أعلم بالله لما أنت إن الله لم ينعم على عبد نعمة فحمد الله عليها إلا كان حمده أفضل من نعمته لو كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب الله المنزل قال الله تعالى ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين النمل وقال تعالى وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها إلى قوله وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده الزمر أي نعمة أفضل من دخول الجنة وقد ذكر ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر عن بعض العلماء أنه صوب هذا القول أعني قول من قال إن الحمد أفضل من النعمة وعن ابن عيينة أنه خطأ قائله وقال لا يكون فعل العبد أفضل من فعل الرب عز و جل ولكن الصواب قول من صوبه فإن المراد بالنعم النعم الدنيوية كالعافية والرزق والصحة ودفع المكروه ونحو ذلك والحمد لله هو من النعم الدينية وكلاهما نعمة من الله لكن نعمة الله على عبده بهدايته لشكر نعمه بالحمد عليها أفضل من النعمة الدنيوية على عبده فإن النعم الدنيوية إن لم يقترن بها الشكر كانت بلية كما قال أبو حازم كل نعمة لا تقرب من الله فهي بلية فإذا وفق الله عبده للشكر على نعمه الدنيوية بالحمد أو غيره من أنواع الشكر كانت هذه النعمة خيرا من تلك النعم و أحب إلى الله عز وجل فإن الله يحب المحامد و يرضى عن عبده أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها والثناء بالنعم والحمد عليها وشكرها عند أهل الجود والكرم أحب إليهم من أموالهم فهم يبذلونها طلبا للثناء والله عز و جل أكرم الأكرمين و أجود الأجودين فهو يبذل نعمه لعباده ويطلب منهم الثناء بها وذكرها منهم والحمد عليها ويرضى منهم بذلك شكرا عليها وإن كان ذلك كله من فضله عليهم وهو غير محتاج إلى شكرهم لكنه يحب ذلك من عباده حيث كان صلاح العبد وفلاحه وكماله فيه ومن فضله سبحانه أنه نسب الحمد والشكر إليهم وإن كان من أعظم نعمه عليهم وهذا كما أنه أعطاهم ما أعطاهم من الأموال واستقرض منهم بعضه ومدحهم بإعطائه والكل ملكه ومن فضله ولكن كرمه اقتضى ذلك ومن هنا يعلم معنى الأثر الذي جاء مرفوعا وموقوفا الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافيء مزيده ولنرجع الآن إلى تفسير حديث كل سلامي من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس يعني أن الصدقة على ابن آدم من هذه الأعضاء في كل يوم من أيام الدنيا فإن اليوم قد يعبر به عن مدة أزيد من ذلك كما يقال يوم صفين وكانت مدة أيام وعن مطلق الوقت كما قال تعالى ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم هود وقد يكون ذلك ليلا ونهارا فإذا قيل كل يوم تطلع فيه الشمس علم أن هذه الصدقة على ابن آدم في كل يوم يعيش فيه من أيام الدنيا وظاهر الحديث يدل على أن هذا الشكر بهذه الصدقة واجب على المسلم كل يوم ولكن الشكر على درجتين إحداهما واجب وهو أن يأتي بالواجبات
246
ويتجنب المحرمات فهذا لا بد منه ويكفي في شكر هذه النعم ويدل على ذلك ما خرجه أبو داود من حديث أبي الأسود الديلي قال كنا عند أبي ذر فقال يصبح على كل سلامي من أحدكم في كل يوم صدقة فله بكل صلاة صدقة وصيام صدقة وحج صدقة وتسبيح صدقة وتكبير وتحميد صدقة فعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الأعمال الصالحات وقال يجزيء أحدكم من ذلك ركعتا الضحى وقد تقدم في حديث أبي موسى المخرج في الصحيحين فإن لم يفعل فليمسك عن الشر فإنه له صدقة وهذا يدل على أنه يكفيه أن لا يفعل شيئا من الشر و إنما يكون مجتنبا للشر إذا قام بالفرائض واجتنب المحارم فإن أعظم الشر ترك الفرائض ومن هنا قال بعض السلف الشكر ترك المعاصي قال بعضهم الشكر أن لا يستعان بشيء من النعم على معصيته وذكر أبو حازم الزاهد شكر الجوارح كلها أن تكف عن المعاصي وتستعمل في الطاعات ثم قال وأما من شكر بلسانه ولم يشكر بجميع أعضائه فمثله كمثل رجل له كساء فأخذ بطرفه فلم يلبسه فلم ينفعه ذلك من البرد والحر والثلج والمطر وقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم لينظر العبد في نعم الله عليه في بدنه وسمعه وبصره ويديه ورجليه وغير ذلك وليس من هذا شيء إلا وفيه نعمة من الله عز وجل حق على العبد أن يعمل بالنعمة التي في بدنه لله عز وجل في طاعته ونعمة أخرى في الرزق حق عليه أن يعمل لله عز و جل فيما أنعم عليه من الرزق في طاعته فمن عمل بهذا كان قد أخذ بحزم الشكر وأصله وفرعه ورأى الحسن رجلا يتبختر في مشيه فقال لله في كل عضو منه نعمة اللهم لا تجعلنا ممن يتقوى بنعمتك على معصيتك الدرجة الثانية من الشكر الشكر المستحب وهو أن يعمل العبد بعد أداء الفرائض واجتناب المحارم بنوافل الطاعات وهذه درجة السابقين المقربين وهي التي أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث التي سبق ذكرها وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في الصلاة ويقوم حتى تنفطر قدماه فإذا قيل لم تفعل هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فيقول أفلا أكون عبدا شكورا وقال بعض السلف لما قال الله عز وجل اعملوا آل داود شكرا سبأ لم يأت عليهم ساعة من ليل أو نهار إلا وفيهم مصل يصلي وهذا مع أن بعض الأعمال التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم واجب إما على الأعيان كالمشي إلى الصلاة عند من يرى وجوب الصلاة في الجماعات في المساجد وإما على الكفاية كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإغاثة اللهفان والعدل بين الناس إما في الحكم بينهم أو في الإصلاح فقد روي من حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أفضل الصدقة إصلاح ذات البين وهذه الأنواع التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقة منها ما نفعه متعد كالإصلاح وإعانة الرجل على
247
دابته بحمله عليها لرفع متاعه عليها والكلمة الطيبة ويدخل فيها السلام وتشميت العاطس وإزالة الأذى عن الطريق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودفن النخاعة في المسجد وإعانة ذي الحاجة الملهوف وإسماع الأصم وتبصير المنقوص بصره وهداية الأعمى أو غيره الطريق وجاء في بعض رواية أبي ذر وبيانك عن الأرتم صدقة يعني من لا يطيق الكلام إما لآفة في لسانه أو لعجمة في لغته فبين عنه ما يحتاج إلى بيانه ومنه ما هو قاصر النفع كالتسبيح والتكبير والتحميد والتهليل والمشي إلى الصلاة وصلاة ركعتي الضحى وإنما كانتا مجزئتين عن ذلك كله لأن في الصلاة استعمال الأعضاء كلها في الطاعة والعبادة فتكون كافية في شكر سلامي هذه الأعضاء وبقية كلام هذه الخصال المذكورة أكثرها استعمال لبعض أعضاء البدن خاصة فلا تكمل الصدقة بها حتى يأتي منها بعدد سلامي البدن وهي ثلاثمائة وستون كما في حديث عائشة رضي الله عنها وعن أبويها وفي المسند عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أتدرون أي الصدقة أفضل أو أخير قالوا الله ورسوله أعلم قال المنحة تمنح أخاك الدراهم أو ظهر دابة أو لبن الشاة أو لبن البقرة والمراد بمنحة الدراهم قرضها ومنحة ظهر الدابة إفقارها وهو إعارتها لمن يركبها ومنحة لبن الشاة أو البقرة أن تمنحه بقرة أو شاة يشرب لبنها ثم يعيدها إليه وإذا أطلقت المنيحة لم تنصرف إلا إلى هذا وخرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من منح لبن أو ورق أو أهدي زقاقا كان له مثل عتق رقبة وقال الترمذي معنى قوله من منح منحة لبن أو ورق إنما يعني به قرض الدراهم وقوله وأهدي زقاقا إنما يعني به هداية الطريق وهو إرشاد السبيل وخرجه البخاري من حديث حسان بن عطية عن أبي كبشة السلولي قال سمعت عبدالله بن عمر رضي الله عنهما يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعون خصلة أعلاها منحة العنز ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها أو تصديق موعودها إلا أدخله الله بها الجنة قال حسان بن عطية فعددنا ما دون منحة العنز من رد السلام وتشميت العاطس وإماطة الأذى عن الطريق ونحوه فما استطعنا أن نبلغ خمس عشرة خصلة وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال حق الإبل حلبها على الماء وإعارة دلوها وإعارة فحلها ومنحتها وحمل عليها في سبيل الله وخرج الإمام أحمد من حديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل معروف صدقة ومن المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق وأن تفرغ من دلوك في إنائه وخرج الحاكم وغيره بزيادات وهي ما أنفق المرء على نفسه وأهله كتب له به صدقة وما وقى به عرضه كتب له به صدقة وكل نفقة أنفقها المؤمن فعلى الله خلفها ضامن إلا نفقة في معصية أو
248
بنيان وفي المسند عن أبي جري الجهني قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن المعروف فقال لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تعطي صلة الحبل ولو أن تعطي شسع النعل ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي ولو أن تنحي الشيء من طريق الناس يؤذيهم ولو أن تلقى أخاك بوجه منطلق ولو أن تلقى أخاك فتسلم عليه ولو أن تؤنس الوحشان في الأرض ومن أنواع الصدقة كف الأذى عن الناس باليد واللسان كما في الصحيحين عن أبي ذر رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله أي الأعمال أفضل قال الإيمان بالله والجهاد في سبيل الله قلت فإن لم أفعل قال تعين صانعا أو تصنع لأخرق قلت أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل قال فكف شرك عن الناس فإنها صدقة وفي صحيح ابن حبان عن أبي ذر رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله دلني على عمل إذا عمل به العبد دخل به الجنة قال يؤمن بالله قال قلت يا رسول الله إن مع الإيمان عملا قال يرضخ مما رزقه الله قلت فإن كان معدما لا شيء له قال يقول قولا معروفا بلسانه قلت فإن كان عييا لا يبلغ عنه لسانه قال فيعين مغلوبا قلت فإن كان ضعيفا لا قدرة له قال فليصنع لأخرق قلت فإن كان أخرق فالتفت إلى فقال ما تريد أن تدع في صاحبك شيئا من الخير فليدع الناس من أذاه قلت يا رسول الله إن هذا كله ليسير قال والذي نفسي بيده ما من عبد يعمل بخصلة منها يريد ما عند الله إلا أخذت بيده يوم القيامة فأدخلته الجنة فاشترط في هذا الحديث لهذه الأعمال كلها إخلاص النية كما في حديث عبدالله بن عمرو الذي فيه ذكر الأربعين خصلة وهذا كما في قوله عز وجل لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما النساء وقد روي عن الحسن و ابن سيرين أن فعل المعروف يؤجر عليه وإن لم يكن له فيه نية سئل الحسن عن الرجل يسأله آخر حاجة وهو يبغضه فيعطيه حياء هل له فيه أجر فقال إن ذلك لمن المعروف وإن في المعروف لأجرا خرجه حميد بن زنجويه وسئل ابن سيربن عن الرجل يتبع الجنازة لا يتبعها حسبة يتبعها حياء من أهلها أله في ذلك أجر فقال أجر واحد بل له أجران أجر الصلاة على أخيه وأجر لصلته الحي خرجه أبو نعيم في الحلية ومن أنواع الصدقة أداء حقوق المسلم على المسلم بعضها مذكور في الأحاديث الماضية ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال حق المسلم على المسلم خمس رد السلام وعيادة المريض واتباع الجنازة وإجابة الدعوة وتشميت العاطس وفي رواية لمسلم للمسلم على المسلم ست قيل ما هن يا رسول الله قال إذا لقيته تسلم عليه وإذا دعاك فأجبه وإذا استنصحك فانصح له وإذا عطس فحمد الله فشمته وإذا مرض فعده وإذا مات فانبعثه وفي الصحيحين عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال
249
أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع بعيادة المريض وأتباع الجنائز وتشميت العاطس وإبرار القسم ونصر المظلوم وإجابة الداعي وإفشاء السلام وفي رواية لمسلم وإرشاد الضال بدل إبرار القسم ومن أنواع الصدقة المشي بحقوق الآدميين الواجبة إليهم قال ابن عباس رضي الله عنهما من مشى بحق أخيه إليه ليقضيه فله بكل خطوة صدقة ومنها إنظار المعسر وفي المسند وسنن ابن ماجه عن بريدة مرفوعا من أنظر معسرا فله كل يوم صدقة قبل أن يحل الدين فإذا حل الدين فأنظره فله بكل يوم مثله صدقة ومنها الإحسان إلى البهائم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن سقيها قال في كل كبد رطبة أجر وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن بغيا سقت كلبا يلهث من العطش فغفر لها وأما الصدقة القاصرة على نفس العامل فمثل أنواع الذكر من التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل والاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك تلاوة القرآن والمشي إلى المساجد والجلوس فيها لانتظار الصلاة أو لاستماع الذكر ومن ذلك التواضع في اللباس والمشي والهدي والتبذل في المهنة واكتساب الحلال والتحري فيه ومنها أيضا محاسبة النفس على ما سلف من أعمالها والندم والتوبة من الذنوب السالفة والحزن عليها واحتقار النفس والازدراء بها ومقتها في الله عز و جل والبكاء من خشية الله تعالى والتفكر في ملكوت السموات والأرض وفي أمور الآخرة ومافيها من الوعد والوعيد ونحو ذلك مما يزيد الإيمان في القلب وينشأ عنه كثير من أعمال القلوب كالخشية والمحبة والرجاء والتوكل وغير ذلك وقد قيل إن هذا التفكر أفضل من نوافل الأعمال البدنية روي ذلك عن غير واحد من التابعين منهم سعيد بن المسيب والحسن وعمر بن عبدالعزيز وفي كلام الإمام أحمد ما يدل عليه وقال كعب لأن أبكي من خشية الله أحب إلى من أن أتصدق بوزني ذهبا الحديث السابع والعشرون عن النواس بن سمعان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال البر حسن الخلق و الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس رواه مسلم وعن وابصة بن معبد رضي الله عنه قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال جئت تسأل عن البر والإثم قلت نعم قال استفت قلبك البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك حديث حسن رويناه في مسندي الإمامين أحمد بن حنبل والدارمي بإسناد حسن
250
أما حديث النواس بن سمعان فخرجه مسلم من رواية معاوية بن صالح عن عبدالرحمن ابن حبيب بن نفير عن أبيه النواس ومعاوية وعبد الرحمن وأبوه تفرد بتخريج حديثهم مسلم دون البخاري وأما حديث وابصة فخرجه الإمام أحمد من طريق حماد بن سلمة عن الزبير بن عبدالسلام عن أيوب بن عبدالله بن مكرز عن وابصة بن معبد قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أريد أن لا أدع شيئا من البر والإثم إلا سألته عنه فقال لي ادن يا وابصة فدنوت منه حتى مست ركبتي ركبته فقال يا وابصة أخبرك ما جئت تسأل عنه أو تسألني قلت يا رسول الله أخبرني قال جئت تسألني عن البر والإثم قلت نعم فجمع أصابعه الثلاث فجعل ينكت بها في صدري ويقول يا وابصة استفت نفسك البر ما اطمأنت إليه النفس و اطمأن إليه القلب والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك وفي رواية أخرى للإمام أحمد أن الزبير لم يسمعه من أيوب وقال حدثني جلساؤه وقد رأيته ففي إسناد هذا الحديث أمران يوجب كل منهما ضعفه أحدهما الانقطاع بين أيوب والزبير فإنه رواه عن
251
قوم لم يسمعهم والثاني ضعف الزبير هذا قال الدارقطني روي أحاديث مناكير وضعفه ابن حبان أيضا لكنه سماه أيوب بن عبدالسلام وأخطأ في اسمه وله طريق آخر عن وابصة خرجه الإمام أحمد أيضا من رواية معاوية بن صالح عن أبي عبدالله السلمي قال سمعت وابصة وذكر الحديث مختصرا ولفظه قال البر ما انشرح له الصدر والإثم ما حاك في صدرك وإن أفتاك عنه الناس والسلمي هذا قال على بن المديني هو مجهول وخرجه البزار والطبراني وعندهما أبو عبدالله الأسدي وقال البزار لا نعلم أحدا سماه كذا قال وقد سمي في بعض الروايات محمد قال عبدالغني بن سعيد الحافظ لو قال قائل إنه محمد بن سعيد المصلوب لما رفعت ذلك والمصلوب هذا صلبه المنصور في الزندقة وهو مشهور بالكذب والوضع ولكنه لم يدرك وابصة والله أعلم وقد روي هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة وبعض طرقه جيدة فخرجه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه من طريق يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن جده ممطور عن أبي أمامة قال قال رجل يا رسول الله ما الإثم قال إذا حاك في صدرك شيء فدعه وهذا إسناد جيد على شرط مسلم فإنه خرج حديث يحيى بن كثير عن زيد بن سلام وأثبت أحمد سماعه منه وإن أنكره ابن معين وخرج الإمام أحمد من رواية عبدالله بن العلاء بن زيد قال سمعت مسلم بن مسلم قال سمعت أبا ثعلبة الخشني يقول قلت يا رسول الله أخبرني ما يحل لي و ما يحرم علي قال البر ما سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب والإثم ما لم تسكن إليه النفس ولا يطمئن إليه القلب وإن أفتاك المفتون وهذا أيضا إسناد جيد وعبد الله بن علاء بن زبير ثقة مشهور وخرجه البخاري ومسلم بن مسلم ثقة مشهور أيضا وخرج الطبراني وغيره بإسناد ضعيف من حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال قلت للنبي صلى الله عليه وسلم أفتني عن أمر لا أسألك عنه أحدا بعدك قال استفت نفسك قلت كيف لي بذلك قال تدع ما يريبك إلى ما لا يريبك وإن أفتاك المفتون قلت كيف بذلك قال تضع يدك على قلبك فإن الفؤاد ليسكن للحلال ولا يسكن للحرام ويروى نحوه من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف أيضا وروى ابن لهيعة عن أبي زيد بن أبي حبيب أن سويد بن قيس أخبره عن عبدالرحمن بن معاوية أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما يحل لي وما يحرم على و ردد عليه ثلاث مرات كل ذلك يسكت النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال أين السائل فقال له أنا يا رسول الله فقال بأصبعه ما أنكر قلبك فدعه خرجه أبو القاسم البغوي في معجمه وقال لا أدري عبدالرحمن بن معاوية سمع من النبي صلى الله عليه وسلم أم لا ولا أعلم له غير هذا الحديث قلت هو عبدالرحمن بن معاوية بن خديج جاء منسوبا في كتاب الزهد لابن المبارك وعبدالرحمن هو تابعي مشهور فحديثه مرسل وقد صح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال الإثم حزاز القلوب واحتج به الإمام أحمد و رواه عن جرير
252
عن منصور عن محمد بن عبدالرحمن عن أبيه قال قال عبدالله إياكم وحزاز القلوب وما حز في قلبك فدعه قال أبو الدرداء الخير في طمأنينة والشر في ريبة وروى ابن مسعود من وجه منقطع أنه قيل له أرأيت شيئا يحيك في صدورنا لا ندري حلال هو أم حرام فقال وإياكم والحكاكات فإنهن الإثم و الحك والحز متقاربان في المعنى والمراد ما أثر في القلب ضيقا وحرجا و نفورا وكراهة وهذه الأحاديث مشتملة على تفسير البر و الإثم وبعضها في تفسير الحلال والحرام فحديث النواس بن سمعان فسر النبي صلى الله عليه وسلم البر بحسن الخلق وفسره في حديث وابصة وغيره بما اطمأنت إليه النفس والقلب كما فسر الحلال والحرام بذلك في حديث أبي ثعلبة وإنما اختلف في تفسير البر لأن البر يطلق باعتبارين معينين أحدهما باعتبار معاملة الخلق بالإحسان إليهم وربما خص بالإحسان إلى الوالدين فيقال بر الوالدين ويطلق كثيرا على الإحسان إلى الخلق عموما وقد صنف ابن المبارك كتابا سماه كتاب البر والصلة وكذلك في صحيح البخاري وجامع الترمذي كتاب البر والصلة ويتضمن هذا الكتاب الإحسان إلى الخلق عموما ويقدم فيه بر الوالدين على غيرهما وفي حديث بهز ابن حكيم عن أبيه عن جده أنه قال يا رسول الله من أبر قال أمك قال ثم من قال أباك قال ثم من قال ثم الأقرب فالأقرب ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة وفي المسند أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن بر الحج فقال إطعام الطعام وإفشاء السلام و في رواية أخرى قال وطيب الكلام وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول البر شيء هين وجه طلق وكلام لين وإذا قرن البر بالتقوى كما في قوله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى المائدة فقد يكون المراد بالبر معاملة الخلق بالإحسان وبالتقوى معاملة الحق بفعل طاعته واجتناب محرماته وقد يكون أريد بالبر فعل الواجبات وبالتقوى اجتناب المحرمات وقوله تعالى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان المائدة قد يراد بالإثم المعاصي وبالعدوان ظلم الخلق وقد يراد بالإثم ما هو محرم في نفسه كالزنا والسرقة وشرب الخمر وبالعدوان تجاوز ما أذن فيه إلى ما نهى عنه مما جنسه مأذون فيه كقتل ما أبيح قتله بقصاص ومن لا يباح فيه وأخذ زيادة على الواجب من الناس في الزكاة ونحوها ومجاوزة الحد في الذي وصى به في الحدود ونحو ذلك والمعنى الثاني من معنى البر أن يراد به فعل جميع الطاعات الظاهرة والباطنة كقوله تعالى ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين
253
صدقوا وأولئك هم المتقون البقرة وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الإيمان فتلا هذه الآية فالبر بهذا المعنى يدخل فيه جميع الطاعات الباطنة كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والطاعات الظاهرة كإنفاق الأموال فيما يحبه الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهد والصبر على الأقدار كالمرض والفقر وعلى الطاعات كالصبر على لقاء العدو وقد يكون جواب النبي صلى الله عليه وسلم في حديث النواس شاملا لهذه الخصال كلها لأن حسن الخلق قد يراد به التخلق بأخلاق الشريعة والتأدب بآداب الله التي أدب بها عباده في كتابه كما قال لرسوله صلى الله عليه وسلم وإنك لعلى خلق عظيم القلم وقالت عائشة رضي الله عنها كان خلقه صلى الله عليه وسلم القرآن يعني أنه يتأدب بآدابه فيفعل أوامره ويتجنب نواهيه فصار العمل بالقرآن له خلقا كالجبلة والطبيعة لا يفارقه وهذا من أحسن الأخلاق وأشرفها وأجملها وقد قيل إن الدين كله خلق وأما في حديث وابصة فقال البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس وفي رواية ما انشرح إليه الصدر وفسر الحلال بنحو ذلك كما في حديث أبي ثعلبة وغيره وهذا يدل على أن الله فطر عباده على معرفة الحق والسكون إليه وقبوله و ركز في الطباع محبة ذلك والنفور عن ضده وقد يدخل هذا في قوله في حديث عياض بن حمار إني خلقت عبادي حنفاء مسلمين فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم فحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا وقوله كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء قال أبو هريرة رضي الله عنه اقرأوا إن شئتم فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله الروم ولهذا سمى الله ما أمره به معروفا وما نهى عنه منكرا فقال تعالى إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي النحل وقال تعالى في صفة الرسول صلى الله عليه وسلم ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث الأعراف وأخبر أن قلوب المؤمنين تطمئن بذكره فالقلب الذي دخله نور الإيمان وانشرح به وانفسح سكن للحق واطمأن به و يقبله وينفر عن الباطل و يكرهه و لا يقبله وقال معاذ بن جبل أحذركم زيغة الحكيم فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلال على لسان الحكيم وقد يقول المنافق كلمة الحق فقيل لمعاذ ما يدريني أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة وأن المنافق قد يقول كلمة الحق قال اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال ما هذه ولا يثنيك ذلك عنه فإنه لعله أن يراجع و تلق الحق إن سمعته فإنه على الحق نور خرجه أبو داود وفي رواية له قال بل ما تشابه عليك من قول الحكيم حتى تقول ما أدري بهذه الكلمة فهذا يدل على أن الحق والباطل لا يلتبس أمرهما على المؤمن البصير بل يعرف الحق بالنور عليه فيقبله قلبه وينفر عن الباطل فينكره ولا يعرفه ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم سيكون في آخر الزمان قوم يحدثونكم بما لا تسمعون أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم يعني أنهم يأتون بما تستنكره
254
قلوب المؤمنين ولا تعرفه وفي قوله أنتم ولا آباؤكم إشارة إلى أن ما استقرت معرفته عند المؤمنين مع تقادم العهد وتطاول الزمان فهو الحق وأن ما أحدث بعد ذلك فما يستنكر فلا خير فيه فدل حديث وابصة وما في معناه على الرجوع إلى القلوب عند الاشتباه مما سكن إليه القلب وانشرح إليه الصدر فهو البر والحلال وما كان خلاف ذلك فهو الإثم والحرام وقوله في حديث النواس بن سمعان الإثم ما حاك في الصدر وكرهت أن يطلع عليه الناس إشارة إلى أن الإثم ما أثر في الصدر حرجا وضيقا وقلقا واضطرابا فلم ينشرح له الصدر ومع هذا فهو عند الناس مستنكر بحيث ينكرونه عند اطلاعهم عليه وهذا أعلى مراتب معرفة الإثم عند الاشتباه وهو ما استنكر الناس فاعله وغير فاعله ومن هذا المعنى قول ابن مسعود رضي الله عنه ما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المومنون قبيحا فهو عند الله قبيح وقوله في حديث وابصة وأبي ثعلبة وإن أفتاك المفتون يعني أن ما حاك في صدر الإنسان فهو إثم وإن أفتاه غيره بأنه ليس بإثم فهذه مرتبة ثانية وهو أن يكون الشيء مستنكرا عند فاعله دون غيره وقد جعله أيضا إثما وهذا إنما يكون إذا كان صاحبه ممن شرح صدره للإيمان وكان المتفتي يفتي له بمجرد ظن أو ميل إلى هوى من غير دليل شرعي فأما ما كان مع المفتي به دليل شرعي فالواجب على المفتى الرجوع إليه وإن لم ينشرح له صدره وهذا كالرخصة الشرعية مثل الفطر في السفر والمرض وقصر الصلاة في السفر ونحو ذلك مما لا ينشرح به صدور كثير من الجهال فهذا لا عبرة به وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا يأمر أصحابه بما لا تنشرح به صدور بعضهم فيمتنعون من قوله فيغضب من ذلك كما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة فكرهه من كرهه منهم وكما أمرهم بنحر هديهم والتحلل من عمرة الحديبية فكرهوه وكرهوا مفاوضته لقريش على أن يرجع من عامه وعلى أن من أتاه منهم يرده إليهم وفي الجملة فما ورد النص به فليس للمؤمن إلا طاعة الله ورسوله كما قال تعالى وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم وينبغي أن يتلقى ذلك بانشراح الصدر والرضا فإن ما شرعه الله ورسوله يجب الإيمان والرضا به والتسليم له كما قال تعالى فلا و ربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما النساء وأما ما ليس فيه نص من الله ولا رسوله ولا عمن يقتدي بقوله من الصحابة وسلف الأمة فإذا وقع في نفس المؤمن المطمئن قلبه بالإيمان المنشرح صدره بنور المعرفة واليقين منه شيء وحك في صدره بشبهة موجودة ولم يجد من يفتي فيه بالرخصة إلا من يخبر عن رأيه وهو ممن لا يوثق بعلمه وبدينه بل هو معروف باتباع الهوى فهنا يرجع المؤمن إلى ما حاك في صدره وإن أفتاه هؤلاء المفتون وقد نص الإمام أحمد على مثل هذا أيضا قال المروزي في كتاب الورع قلت لأبي عبدالله إن القطيعة أرفق بي من سائر الأسواق وقد وقع في قلبي من أمرها شيء فقال أمرها أمر قذر
255
متلوث قلت فتكره العمل فيها قال دع عنك هذا إن كان لا يقع في قلبك شيء قلت قد وقع في قلبي منها فقال قال ابن مسعود الإثم حواز القلب قلت إنما هذا على المشاورة قال أي شيء يقع في قلبك قلت قد اضطرب على قلبي قال الإثم هو حواز القلوب وقد سبق في شرح حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه الحلال بين والحرام بين وفي شرح حديث الحسين بن على رضي الله عنهما دع ما يريبك وشرح حديث إذا لم تستح فاصنع ما شئت شيء يتعلق بتفسير هذه الأحاديث المذكورة ههنا وقد ذكر طوائف من الفقهاء من الشافعية والحنفية المتكلمين في أصول الفقه مسألة الإلهام هل هو حجة أم لا وذكروا فيه اختلافا بينهم وذكر طائفة من أصحابنا أن الكشف ليس بطريق إلى الأحكام وأخذه القاضي أبو يعلى من كلام أحمد في ذم المتكلمين في الوساوس والخطرات وخالفهم طائفة من أصحابنا في ذلك وقد ذكرنا نصا عن أحمد ههنا بالرجوع إلى حواز القلوب وإنما ذم أحمد وغيره المتكلمين على الوساوس والخطرات من الصوفية حيث كان كلامهم في ذلك لا يستند إلى دليل شرعي بل إلى مجرد رأي و ذوق كما كان ينكر الكلام في مسائل الحلال والحرام بمجرد الرأي من غير دليل شرعي فأما الرجوع إلى الأمور المشتبهة إلى حواز القلوب فقد دلت عليه النصوص النبوية وفتاوي الصحابة فكيف ينكره الإمام أحمد بعد ذلك لا سيما وقد نص على الرجوع إليه موافقة لهم وقد سبق الحديث إن الصدق طمأنينة والكذب ريبة فالصدق يتميز من الكذب بسكون القلب إليه ومعرفته وبنفوره عن الكذب وإنكاره كما قال الربيع بن خثيم إن للحديث نورا كنور النهار فيعرف به وللكذب ظلمة كظلمة الليل ينكره وخرج الإمام أحمد من حديث ربيعة عن عبدالملك بن سعيد بن سويد وأبي أسيد رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم وتلين له أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم قريب فأنا أولاكم به وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم وتنفر عنه أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم بعيد فأنا أبعدكم منه وإسناده قد قيل على شرط مسلم لأنه خرج بهذا الإسناد بعينه حديثا لكن هذا الحديث معلول فإنه رواه بكير بن الأشج عن عبدالملك بن سعيد عن عباس بن سهل عن أبي بن كعب من قوله قال البخاري هو أصح من يحيى ابن آدم عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا حدثتم عني حديثا تعرفونه ولا تنكرونه فصدقوه فإني أقول ما يعرف ولا ينكر وإذا حدثتم عني
256
بحديث تنكرونه ولا تعرفونه فلا تصدقوا به فإني لا أقول ما ينكر ولا يعرف وهذا الحديث معلول أيضا وقد اختلفوا في إسناده على ابن أبي ذئب ورواه الحفاظ عنه عن سعيد مرسلا والمرسل أصح عند أئمة الحفاظ منهم ابن معين والبخاري وأبو حاتم الرازي وابن خزيمة وقال ما رأيت أحدا من علماء الحديث يثبت وصله وإنما يحمل مثل هذه الأحاديث على تقدير صحتها على معرفة أئمة أهل الحديث الجهابذة النقاد الذين كثرت دراستهم لكلام النبي صلى الله عليه وسلم ولكلام غيره لحال رواة الأحاديث ونقلة الأخبار ومعرفتهم بصدقهم وكذبهم وضبطهم وحفظهم فإن هؤلاء لهم نقد خاص في الحديث مختصون بمعرفته كما يختص الصيرفي الحاذق بمعرفة النقود جيدها ورديئها وخالصها ومشوبها والجوهري الحاذق في معرفة الجوهر بانتقاد الجواهر وكل من هؤلاء لا يمكن أن يعبر عن سبب معرفته ولا يقيم عليه دليلا لغيره وآية ذلك أنه يعرض الحديث الواحد على جماعة ممن يعلم هذا العلم فيتفقون على الجواب فيه من غير مواطأة وقد امتحن منهم غير هذا مرة في زمن أبي زرعة وأبي حاتم فوجد الأمر على ذلك فقال السائل أشهد أن هذا العلم إلهام قال الأعمش كان إبراهيم النخعي صيرفيا في الحديث كنت أسمع من لرجال فأعرض عليه ما سمعته وقال عمرو بن قيس ينبغي لصاحب الحديث أن يكون مثل الصيرفي الذي ينقد الدرهم الزائف والبهرج وكذا الحديث وقال الأوزاعي كنا نسمع الحديث فنعرضه على أصحابنا كما نعرض الدرهم الزائف على الصيارفة فما عرفوا أخذنا وما أنكروا تركنا وقيل لعبد الرحمن بن مهدي إنك تقول للشيء هذا يصح وهذا لم يثبت فعمن تقول ذلك فقال أرأيت لو أتيت الناقد فأريته دراهمك فقال هذا جيد وهذا بهرج أكنت تسأله عن ذلك أو تسلم الأمر إليه قال لا بل كنت أسلم الأمر إليه فقال فهذا كذلك لطول المجادلة والمناظرة والخبرة وقد روي نحو هذا المعنى عن الإمام أحمد أيضا وأنه قيل له يا أبا عبدالله تقول هذا الحديث منكر فكيف علمت ولم تكتب الحديث كله قال مثلنا كمثل ناقد العين لم تقع بيده العين كلها فإذا وقع بيده الدينار يعلم بأنه جيد أو أنه رديء وقال ابن مهدي معرفة الحديث إلهام وقال إنكارنا الحديث عند الجهال كهانة وقال أبو حاتم الرازي مثل معرفة الحديث كمثل فص ثمنه مائة دينار وآخر مثله على لونه ثمنه عشرة دراهم قال وكما لا يتهيأ للناقد أن يخبر بسبب نقده فكذلك نحن رزقنا علما لا يتهيأ لنا أن نخبر كيف علمنا بأن هذا حديث كذب وأن هذا حديث منكر إلا بما نعرفه قال ويعرف جودة الدينار بالقياس إلى غيره فإن تخلف عنه في الحمرة والصفاء علم أنه مغشوش ويعلم جنس الجوهر بالقياس إلى غيره فإن خالفه في المائية والصلابة علم أنه زجاج ويعلم صحة الحديث بعدالة ناقليه وأن يكون كلاما يصلح مثل أن يكون كلام النبوة ويعرف سقمه وإنكاره بتفرد من لم تصح عدالته بروايته والله أعلم وبكل حال فالجهابذة النقاد العارفون بعلل الحديث أفراد قليل من أهل الحديث جدا وأول من اشتهر في الكلام في نقد الحديث ابن سيرين ثم خلفه أيوب السختياني وأخذ ذلك عنه شعبة وأخذ عن شعبة يحيى القطان وابن مهدي وأخذ عنهما أحمد وعلى بن المديني وابن معين وأخذ عنهم مثل البخاري وأبي داود وأبي زرعة وأبي حاتم وكان أبو زرعة في زمانه يقول من قال يفهم هذا وما أعزه إلا رفعت هذا عن واحد واثنين فما أقل من تجد من يحسن هذا ولما مات أبو زرعة قال أبو حاتم ذهب الذي كان يحسن هذا المعنى يعني أبا زرعة ما بقي بمصر ولا بالعراق واحد يحسن هذا وقيل له بعد موت أبي زرعة يعرف اليوم واحد يعرف هذا قال و جاء بعد هؤلاء جماعة منهم النسائي والعقيلي وابن عدي والدارقطني وقل من جاء بعدهم من هو بارع في معرفة ذلك حتى قال أبو الفرج الجوزي في أول كتابه الموضوعات قل من يفهم هذا بل عدم والله أعلم الحديث الثامن والعشرون عن أبي نجيح العرباض بن سارية رضي الله عنه قال وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا قال أوصيكم بتقوى الله عز وجل والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح
258
هذا الحديث خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من رواية ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبدالرحمن بن عمرو السلمي رضي الله عنه زاد أحمد في رواية له وأبو داود وحجر بن حجر الكلاعي كلاهما عن العرباض رضي الله عنه وقال الترمذي حسن صحيح وقال الحافظ أبو نعيم هو حديث جيد من صحيح حديث الشاميين قال ولم يترك له البخاري ومسلم من جهة إنكار منهما له وزعم الحاكم أن سبب تركهما له أنهما توهما أنه ليس له راو عن خالد بن معدان عن ثور بن يزيد وقد رواه عنه أيضا بجير بن سعد ومحمد بن إبراهيم التيمي وغيرهما قلت ليس الأمر كما ظنه وليس الحديث على شرطهما فإنما لم يخرجا لعبد الرحمن بن عمرو السلمي ولا لحجر الكلاعي شيئا وليس ممن اشتهر بالعلم والرواية وأيضا فقد اختلف فيه على خالد بن معدان فروي عنه كما تقدم وروي عنه ابن عمرو عن أبي بلال عن العرباض وخرجه الإمام أحمد من هذا الوجه أيضا عن ضمرة بن أبي حبيب عن عبدالرحمن بن عمرو السلمي عن
259
العرباض خرجه من طريقه الإمام أحمد وابن ماجه وزاد في حديثه فقد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك وزاد في آخر الحديث فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد وقد أنكر طائفة من الحفاظ هذه الزيادة في آخر الحديث وقالوا هي مدرجة فيه وليست منه قاله أحمد بن صالح المصري وغيره وقد خرجه الحاكم وقال في حديثه وكان أسد بن وداعة يزيد في هذا الحديث فإن المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد وخرجه ابن ماجه أيضا من رواية عبدالله بن العلاء بن زبير حدثني يحيى بن أبي المطاع سمعت العرباض فذكره وهذا في الظاهر إسناد جيد متصل ورواته ثقات مشهورون وقد صرح فيه بالسماع وقد ذكر البخاري في تاريخه أن يحيى بن أبي المطاع سمع من العرباض اعتمادا على هذه الرواية إلا أن حفاظ أهل الشام أنكروا ذلك وقالوا يحيى بن أبي المطاع لم يسمع من العرباض ولم يلقه وهذه الرواية غلط وممن ذكر ذلك زرعة الدمشقي وحكاه عن دحيم وهؤلاء أعرف بشيوخهم من غيرهم والبخاري رحمه الله يقع له في تاريخه أوهام في أخبار أهل الشام وقد روي عن العرباض من وجوه أخر وروي من حديث بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن إسناد بريدة لا يثبت والله أعلم فقول العرباض وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية الإمام أحمد وأبي داود والترمذي بليغة وفي روايتهم أن ذلك بعد صلاة الصبح وكان النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يعظ أصحابه في غير الخطب الراتبة كخطب الجمع والأعياد وقد أمره الله عز وجل بذلك فقال تعالى وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا النساء وقال تعالى ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة النمل ولكنه كان لا يديم وعظهم بل يتخولهم بها أحيانا كما في الصحيحين عن أبي وائل قال كان عبدالله بن مسعود يذكرنا كل يوم خميس فقال له رجل يا أبا عبدالرحمن إنا نحب حديثك ونشتهيه ولوددنا أنك تحدثنا كل يوم فقال ما يمنعني أن أحدثكم كل يوم إلا كراهة أن أملكم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتخولنا بالموعظة كراهة السآمة علنيا والبلاغة في الموعظة مستحسنة لأنها أقرب إلى قبول القلوب واستجلابها والبلاغة هي التوصل إلى إفهام المعاني المقصودة وإيصالها إلى قلوب السامعين بأحسن صورة من الألفاظ الدالة عليها وأفصحها وأحلاها لدى أسماع وأوقعها في القلوب وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقصر الخطبة ولا يطيلها بل كان يبلغ ويوجز وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال كنت أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فكانت صلاته قصدا وخطبته قصدا وخرجه أبو داود ولفظه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يطيل الموعظة يوم الجمعة إنما هي كلمات يسيرات وخرجه مسلم من حديث أبي وائل قال خطبنا عمار رضي الله عنه فأوجز وأبلغ فلما نزل قلنا يا أبا اليقظا لقد أبلغت وأوجزت فلو كنت تنفست قال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته
260
مئنة من فقهه فأطيل الصلاة وأقصر الخطبة فإن من البيان سحرا وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث الحاكم بن حزم رضي الله عنه قال شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة فقام متوكئا على عصا أو قوس فحمد الله وأثنى عليه كلمات خفيفات طيبات مباركات وخرج أبو داود عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رجلا قام يوما فأكثر القول فقال عمرو فلو قصد في قوله لكان خيرا له سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لقد رأيت أو أمرت أن أتجوز في القول فإن الجواز هو خير وقوله ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب هذان الوصفان بهما مدح الله المؤمنين عند سماع الذكر كما قال تعالى إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا الأنفال وقال ألم يأن للذين امنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق الحديد وقال تعالى الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله الزمر وقال تعالى وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق المائدة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتغير حاله عند الموعظة كما قال جابر كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب وذكر الساعة اشتد غضبه وعلا صوته واحمرت عيناه كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم خرجه مسلم بمعناه وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج حين زاغت الشمس فصلى الظهر فلما سلم قام على المنبر فذكر الساعة وذكر أن بين يديها أمورا عظاما ثم قال من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل عنه فوالله ما تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به في مقامي هذا قال أنس فأكثر الناس البكاء وأكثر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول سلوني فقام إليه رجل فقال أين مدخلي يا رسول الله قال النار وذكر الحديث وفي مسند الإمام أحمد عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أنه خطب فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يقول أنذرتكم النار حتى لو أن رجلا كان بالسوق لسمع من مقامي هذا قال حتى وقعت خميصته على عاتقه عند رجليه وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اتقوا النار قال ثم التاح ثم قال اتقوا النار قال ثم أعرض وأشاح ثلاثا حتى قلت إنه ينظر إليها ثم قال اتقوا النار ولو بشق تمرة فإن لم يجد فبكلمة طيبة وخرجه الإمام أحمد من حديث عبدالله بن سلمة عن على أو عن الزبير بن العوام قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا فيذكرنا بأيام الله حتى يعرف ذلك في وجهه وكأنه نذير قوم يصبحهم الأمر غدوة وكان إذا كان حديث عهد بجبرائيل لم يتبسم ضاحكا حتى يرتفع عنه وخرج الطبراني والبزار من حديث جابر قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه الوحي أو وعظ قلت نذير قوم أتاهم العذاب فإذا ذهب عنه ذلك رأيته أطلق الناس وجها
261
وأكثرهم ضحكا وأحسنهم بشرا صلى الله عليه وسلم وقوله فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودعة فأوصنا يدل على أنه كان صلى الله عليه وسلم قد أبلغ في تلك الموعظة ما لم يبلغ في غيرها فلذلك فهموا أنها موعظة مودع فإن المودع يستقصي ما لم يستقص غيره في القول والفعل ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي صلاة مودع لأنه من استشعر أنه مودع بصلاته أتقنها على أكمل وجوهها وربما كان قد وقع منه صلى الله عليه وسلم تعريض في تلك الخطبة بالتوديع كما عرض بذلك في خطبته في حجة الوداع وقال لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا وطفق يودع الناس فقالوا هذه حجة الوداع ولما رجع من حجه إلى المدينة جمع الناس بماء بين مكة والمدينة يسمى خما وخطبهم وقال يا أيها الناس إنما أنا بشر مثلكم يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيبه ثم حض على التمسك بكتاب الله ووصى بأهل بيته خيرا خرجه مسلم وفي الصحيحين ولفظه لمسلم عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد ثم صعد المنبر كالمودع للأحياء والأموات فقال إني فرطكم على الحوض فإن عرضه كما بين أيلة إلى الجحفة وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخشى عليكم الدنيا تتنافسوا فيها فتقتتلون فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم قال عقبة رضي الله عنه فكان آخر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وخرج الإمام أحمد ولفظه صلي رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات ثم طلع المنبر فقال أيها الناس إني فرطكم وأنا شهيد عليكم وإن موعدكم الحوض وإني لأنظر إليه ولست أخشى عليكم الفقر ولكن الدينا أن تنافسوها وخرج الإمام أحمد أيضا عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما كالمودع فقال أنا محمد النبي الأمي قال ذلك ثلاث مرات ولا نبي بعدي أوتيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه وعلمتكم خزنة النار وحملة العرش وتجوز لي ربي وعوفيت أمتي فاسمعوا وأطيعوا ما دمت فيكم فإذا ذهب بي فعليكم بكتاب الله أحلوا حلاله وحرموا حرامه فلعل في الخطبة التي أشار إليها العرباض بن سارية في حديثه كانت بعض هذه الخطبة أو شبيهة بها ما يشعر بالتوديع وقولهم أوصنا يعنون وصية جامعة كافية فإنهم لما فهموا أنه مودع استوصوه
262
وصية ينفعهم بها التمسك بعده ويكون فيها كفاية لمن تمسك بها وسعادة له في الدنيا والآخرة وقوله صلى الله عليه وسلم أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة فهاتان الكلمتان يجمعان سعادة الدنيا والآخرة أما التقوى فهي كافلة سعادة الدنيا والآخرة لمن تمسك بها وهي وصية الله للأولين والآخرين كما قال تعالى ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وقد سبق في شرح التقوى بما فيه كفاية في شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين ففيها سعادة الدنيا وبها تنتظم مصالح العباد في معاشهم وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم كما قال على بن أبي طالب رضي الله عنه إن الناس لا يصلحهم إلا إمام بر أو فاجر إن كان فاجرا عبدالمؤمن فيه ربه وحمل الفاجر فيها إلى أجله وقال الحسن في الأمراء هم يلون من أمورنا خمسا الجمعة والجماعة والعيد والثغور والحدود والله ما يستقيم الدين إلا بهم وإن جاروا أو ظلموا والله لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون مع أن والله إن طاعتهم لغيظ وإن فرقتهم لكفر وخرج الخلال في كتاب الإمارة من حديث أبي أمامة قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه حين صلوا العشاء أن احشدوا فإن لي إليكم حاجة فلما فرغوا من صلاة الصبح قال هل حشدتم كما أمرتكم قالوا نعم قال اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا هل عقلتم هذه ثلاثا قلنا نعم قال فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة هل عقلتم هذه ثلاثا قلنا نعم قال اسمعوا وأطيعوا هل عقلتم هذه ثلاثا قلنا نعم قال فكنا نرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيتكلم كلاما طويلا ثم نظرنا في كلامه فإذا هو قد جمع لنا الأمر كله في هذين الأصلين وصى النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع في خطبته أيضا كما خرجه الإمام أحمد والترمذي من رواية أم الحصين الأحمسية قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع فسمعته يقول يا أيها الناس اتقوا الله وإن تأمر عليكم عبد حبشي مجدع فاسمعوا له وأطيعوا ما أقام فيكم كتاب الله وخرج مسلم منه ذكر السمع والطاعة وخرج الإمام أحمد والترمذي أيضا من حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع يقول اتقوا الله وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زكاة ما لكم وأطيعوا إذ أمركم تدخلوا جنة ربكم وفي رواية أخرى قال يا أيها الناس إنه لا نبي بعد ولا أمة بعدكم وذكر الحديث بمعناه وفي المسند عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من لقي الله لا يشرك به شيئا وأدى زكاة ماله طيبة بها نفسه محتسبا وسمع وأطاع فله الجنة وقوله صلى الله عليه وسلم ولو تأمر عليكم عبد وفي رواية حبشي هذا مما تكاثرت به الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو مما اطلع عليه النبي صلى الله عليه وسلم من أمر أمته بعده وولاية العبيد عليهم
263
وفي صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كان رأسه زبيبة وفي صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال إن خليلي صلى الله عليه وسلم أوصاني أن أسمع وأطيع ولو كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدا ولا ينافي هذا قوله صلى الله عليه وسلم لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي في الناس اثنان وقوله صلى الله عليه وسلم الناس تبع لقريش وقوله الأئمة من قريش لا ولاية للعبيد قد تكون من جهة إمام قريش ويشهد لذلك ما أخرجه الحاكم من حديث على رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الأئمة من قريش أبرارها أمراء أبرارها وفجارها أمراء فجارها ولكل حق فآتوا كل ذي حق حقه وإن أمرت قريش فيكم عبدا حبشيا فاسمعوا له وأطيعوا وإسناده جيد ولكنه روي عن على موقوفا وقال الدارقطني هو أشبه وقد قيل إن العبد الحبشي إنما ذكره على وجه ضرب المثل وإن لم يصح وقوعه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيمن بنى مسجدا و لو كمحفص قطاة وقوله صلى الله عليه وسلم فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ هذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم بما وقع في أمته بعده من كثرة الاختلاف في أصول الدين وفروعه وفي الأعمال والأقوال والاعتقادات وهذا موافق لما روي عنه من افتراق أمته على بضع وسبعين فرقة وأنها كلها في النار إلا فرقة واحدة وهي ما كان عليه وأصحابه ولذلك في هذا الحديث أمر عند الافتراق والاختلاف بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده والسنة هي الطريق المسلوك فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال وهذه هي السنة الكاملة ولهذا كان السلف قديما لا يطلقون اسم السنة إلا على ما يشمل ذلك كله وروي معنى ذلك عن الحسن والأوزاعي والفضيل بن عياض وكثير من العلماء المتأخرين يخص اسم السنة بما يتعلق بالاعتقاد إلا أنها أصل الدين والمخالف فيها على خطر عظيم وفي ذكر هذا الكلام بعد الأمر بالسمع والطاعة لأولي الأمر إشارة إلى أنه لا طاعة لأولي الأمر في غير طاعة الله كما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال إنما الطاعة في المعروف وفي المسند عن أنس أن معاذ بن جبل رضي الله عنهما قال يا رسول الله أرأيت إن كان علينا أمراء لا يستنون بسنتك ولا يأخذون بأمرك فما تأمر في أمرهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا طاعة لمن لم يطع الله عز وجل وخرجه ابن ماجه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال سيلي أموركم بعدي رجال يطفئون السنة بالبدعة ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها فقلت يا رسول الله وإن أدركتهم كيف أفعل قال لا طاعة لم عصى الله وفي أمره صلى الله عليه وسلم باتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين بعد أمره بالسمع والطاعة لولاة الأمور عموما دليل على أن سنة الخلفاء الراشدين متبعة كاتباع السنة بخلاف غيرهم من ولاة الأمور وفي مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي عن حذيفة رضي الله عنه قال كنا عند
264
النبي صلى الله عليه وسلم جلوسا فقال إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا بالذين من بعدي وأشار إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وتمسكوا بعهد عمار وما حدثكم به ابن مسعود فصدقوه وفي رواية فتمسكوا بعهد ابن أم عبد واهتدوا بهدي عمار فنص رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر عمره على من يقتدي به من بعده والخلفاء الراشدون الذين أمرنا بالاقتداء بهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلى رضي الله عنهم فإن في حديث سفينة عن النبي صلى الله عليه وسلم والخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم يكون ملكا وقد صحيح الإمام أحمد واحتج به على خلافة الأئمة الأربعة ونص كثير من الأئمة على أن عمر بن عبدالعزيز خليفة راشد أيضا ويدل عليه ما خرجه الإمام أحمد من حديث حذيفة رضي الله عنه عن النبوة صلى الله عليه وسلم قال تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبي فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله ثم تكون ملكا عاضا ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ثم إذا شاء الله أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج نبوة ثم سكت فلما ولي عمر بن عبدالعزيز دخل عليه رجل فحدثه بهذا الحديث فسر به وأعجبه وكان محمد بن سيرين يسئل أحيانا عن شيء من الأشربة فيقول نهى عنه إمام هدي عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه ورحمه وقد اختلف العلماء في إجماع الخلفاء الأربعة هل هو إجماع أو حجة مع مخالفة غيرهم من الصحابة أم لا وفيه روايتان عن الإمام أحمد وحكم أبو حازم الحنفي في زمن المعتضد بتوريث ذوي الأرحام ولم يعتد بمن خالف الخلفاء وأنفذ حكمه في ذلك في الآفاق ولو قال بعض الخلفاء الأربعة قولا ولم يخالفه أحد بل خالفه غيره من الصحابة فهل يقدم قوله على قول غيره فيه قولان أيضا للعلماء والمنصوص عن أحمد أنه يقدم قوله على قول غيره من الصحابة وكذا ذكره الخطابي وغيره وكلام أكثر السلف يدل على ذلك خصوصا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أنه قال إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه وكان عمر بن عبد العزيز يتبع أحكامه ويستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه وقال مالك قال عمر بن عبد العزيز سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها اعتصام بكتاب الله وقوة على دين الله وليس لأحد تبديلها ولا تغييرها ولا النظر في أمر خالفها من اهتدى بها فهو المهتدي ومن استنصر بها فهو المنصور ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا وحكى عبدالله بن عبد الحكم عن مالك أنه قال أعجبني عزم عمر على ذلك يعني هذا الكلام وروى عبد الرحمن بن مهدي هذا الكلام عن مالك ولم يحكه عن عمر وقال خلف بن خليفة شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب الناس وهو خليفة فقال في خطبته ألا إن ما سن
265
رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه فهو وظيفة دين نأخذ به وننتهي إليه وروى أبو نعيم من حديث عزوب الكندي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنه سيحدث بعدي أشياء فاجتهدوا إلى أن تلزموا ما أحدث عمر وكان على رضي الله عنه يتبع قضاياه وأحكامه ويقول إن عمر كان رشيد الأمر وروى الأشعث عن الشعبي قال إذا اختلف الناس في شيء فانظروا فيه كيف قضى عمر فإنه لم يكن يقضي عمر في أمر لم يقض فيه قلبه حتى يشاور وقال مجاهد إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ما صنع عمر فخذوا به وقال أيوب عن الشعبي انظروا ما اجتمعت عليه أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإن الله لم يكن يجمعها على ضلالة فإذا اختلفت فانظروا ما صنع عمر بن الخطاب فخذوا به وسئل عكرمة عن أم الولد فقال تعتق بموت سيدها قيل له بأي شيء تقول قال بالقرآن قال بأي القرآن قال أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم النساء وعمر رضي الله عنه من أولي الأمور وقال وكيع إذا اجتمع عمر وعلي على شيء فهو الأمر وروى عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يحلف أن الصراط المستقيم هو الذي ثبت عليه عمر رضي الله عنه وبكل حال فما جمع عمر عليه الصحابة فاجتمعوا عليه في عصره فلا شك أنه الحق ولو خالفه من بعد ذلك من خالفه كقضائه في مسائل من الفرائض كالعول وفي زوج وأبوين وزوجة وأبوين أن للأم ثلث الباقي وكقضائه فيمن جامع في إحرامه أنه يمضي في نسكه وعليه القضاء والهدي ومثل ما قضى به في امرأة المفقود ووافقه غيره من الخلفاء أيضا ومثل ما جمع عليه الناس في الطلاق الثلاث وفي تحريم متعة النساء ومثل ما فعله من وضع الديوان ووضع الخراج على أرض العنوة وعقد الذمة لأهل الذمة بالشروط التي شرطها عليهم ونحو ذلك ويشهد لصحته ما جمع عليه عمر أصحابه فاجتمعوا عليه رضي الله عنهم ولم يخالف في وقته قول النبي صلى الله عليه وسلم رأيتني في المنام أنزع على قليب فجاء أبو بكر فنزع ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له ثم جاء عمر بن الخطاب فاستحالت غربا فلم أر أحدا يفري فريه حتى روى الناس وضربوا بعطن وفي رواية فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع ابن الخطاب وفي رواية أخرى حتى تولى الحوض يتفجر وهذا إشارة إلى أن عمر لم يمت حتى وضع الأمور في مواضعها واستقامت الأمور وذلك لطول مدته وتفرغه للحوادث واهتمامه بها بخلاف مدة أبي بكر فإنها كانت قصيرة وكان مشغولا فيها بالفتوح وبعث البعوث للقتال فلم يتفرغ لكثير من الحوادث وربما كان يقع في زمنه ما لا يبلغه ولا يرفع إليه حتى رفعت تلك الحوادث إلى عمر فرد الناس فيها إلى الحق وحملهم على الصواب رضي الله عنه وعن أبي بكر وعن الصحابة أجمعين وأما ما لم يجمع عمر الناس عليه بل كان له فيه رأي وهو يسوغ لغيره أن يرى رأيا يخالف رأيه كمسائل الجد مع الإخوة ومسئلة طلاق البتة فلا يكون قول عمر فيه
266
حجة على غيره من الصحابة والله أعلم وإنما وصف الخلفاء بالراشدين لأنهم عرفوا الحق وقضوا به والراشد ضد الغاوي والغاوي من عرف الحق وعمل بخلافه وفي رواية المهديين يعني أن الله يهديهم للحق ولا يضلهم عنه فالأقسام ثلاثة راشد وغاو وضال فالراشد عرف الحق واتبعه والغاوي عرفه ولم يتبعه والضال لم يعرفه بالكلية فكل راشد فهو مهتد وكل مهتد هداية تامة فهو راشد لأن الهداية إنما تتم بمعرفة الحق والعمل به أيضا وقوله عضوا عليها بالنواجذ كناية عن شدة التمسك بها والنواجذ الأضراس قوله وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة تحذير للأمة من اتباع الأمور المحدثة المبتدعة وأكد ذلك بقوله كل بدعة ضلالة والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعا وإن كان بدعة لغة وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته إن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث كثير بن عبدالله المزني وفيه ضعف عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من ابتدع بدعة ضلالة لا يرضاها الله ولا رسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا وخرج الإمام أحمد من رواية غضيف بن الحارث الشمالي قال بعث إلى عبد الملك بن مروان فقال إنا قد جمعنا الناس على أمرين رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة والقصص بعد صلاة الصبح والعصر فقال أما إنهما أمثل بدعتكم عندي ولست بمجيبكم إلى شيء منها لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة وقد روى ابن عمر رضي الله عنه من قوله نحو هذا فقوله صلى الله عليه وسلم كل بدعة ضلالة من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء وهو أصل عظيم من أصول الدين وهو شبيه بقوله صلى الله عليه وسلم من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد فكل من أحدث شيئا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة والدين بريء منه وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية فمن ذلك قول عمر رضي الله عنه لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد وخرج ورآهم يصلون كذلك فقال نعمت البدعة هذه وروى عنه أنه قال إن كانت هذه بدعة فنعمت البدعة وروى عن أبي بن كعب قال له إن هذا لم يكن فقال عمر قد علمت ولكنه حسن ومراده أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت ولكن له أصل في الشريعة يرجع إليها فمنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحث على قيام رمضان ويرغب فيه وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعات متفرقة ووحدانا وهو صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه في رمضان
267
غير ليلة ثم امتنع من ذلك معللا بأنه خشي أن يكتب عليهم فيعجزوا عن القيام به وهذا قد أمن بعده صلى الله عليه وسلم وروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقوم بأصحابه ليالي الإفراد في العشر الأواخر ومنها أنه صلى الله عليه وسلم أمر باتباع سنة خلفائه الراشدين وهذا قد صار من سنة خلفائه الراشدين فإن الناس اجتمعوا عليه في زمن عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ومن ذلك أذان الجمعة الأول زاده عثمان لحاجة الناس إليه وأقره واستمر عمل المسلمين عليه وروى عن ابن عمر أنه قال هو بدعة ولعله أراد ما أراد أبوه في قيام شهر رمضان ومن ذلك جمع المصحف في كتاب واحد توقف فيه زيد بن ثابت وقال لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما كيف تفعلان ما لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ثم علم أنه مصلحة فوافق على جمعه وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بكتابة الوحي ولا فرق بين أن يكتب مفرقا أو مجموعا بل جمعه صار أصلح وكذلك جمع عثمان الأمة على مصحف وإعدامه لما خالفه خشية تفرق الأمة وقد استحسنه على وأكثر الصحابة رضي الله عنهم وكان ذلك عين المصلحة وكذلك قتال من منع الزكاة توقف فيه عمر وغيره حتى بين له أبو بكر أصله الذي يرجع إليه من الشريعة فوافقه الناس على ذلك ومن ذلك القصص وقد سبق قول غضيف بن الحارث إنه بدعة وقال الحسن إنه بدعة ونعمت البدعة كم من دعوة مستجابة وحاجة مقضية وأخ مستفاد وإنما عني هؤلاء بأنه بدعة الهيئة الاجتماعية عليه في وقت معين فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له وقت معين يقص على أصحابه فيه غير خطبته الراتبة في الجمع والأعياد وإنما كان يذكرهم أحيانا أو عند حدوث أمر يحتاج إلى التذكير عنده ثم إن الصحابة رضي الله عنهم اجتمعوا على تعيين وقت له كما سبق عن ابن مسعود أنه كان يذكر أصحابه كل يوم خميس وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال حدث الناس في كل جمعة مرة فإن أبيت فمرتين فإن أكثرت فثلاثا ولا تمل الناس وفي المسند عن عائشة رضي الله عنها أنها وصت قاص أهل المدينة بمثل ذلك وروى عنها أنها قالت لسعيد بن عمير حدث الناس يوما ودع الناس يوما وروى عن عمر بن عبد العزيز أنه أمر القاص أن يقص كل ثلاثة أيام مرة وروى عنه أنه قال روح الناس ولا تثقل عليهم ودع القصص يوم السبت ويوم الثلاثاء وقد روى الحافظ أبو نعيم بإسناد عن إبراهيم بن الجنيد قال سمعت الشافعي يقول البدعة بدعتان بدعة محمودة وبدعة مذمومة فما وافق السنة فهو محمود وما خالف السنة فهو مذموم واحتج بقول عمر رضي الله عنه نعمت البدعة هي ومراد الشافعي رضي الله عنه ما ذكرناه من قبل أن أصل البدعة المذمومة ما ليس لها أصل في الشريعة ترجع إليه وهي البدعة في إطلاق الشرع وأما البدعة المحمودة فما وافق السنة يعني ما كان لها أصل من السنة ترجع إليه وإنما هي بدعة لغة لا شرعا لموافقتها السنة وقد روى عن الشافعي كلام آخر يفسر هذا وأنه قال المحدثات ضربان ما أحدث مما يخالف كتابا أو
268
سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه البدعة الضلالة وما أحدث فيه من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا وهذه محدثة غير مذمومة وكثير من الأمور التي أحدثت ولم يكن قد اختلف العلماء في أنها بدعة حسنة حتى ترجع إلى السنة أم لا فمنها كتابة الحديث نهى عنه عمر وطائفة من الصحابة ورخص فيها الأكثرون واستدلوا له بأحاديث من السنة ومنها كتابة تفسير الحديث والقرآن كرهه قوم من العلماء ورخص فيه كثير منهم وكذلك اختلافهم في كتابه الرأي في الحلال والحرام ونحوه وفي توسعة الكلام في المعاملات وأعمال القلوب التي لم تنقل عن الصحابة والتابعين وكان الإمام أحمد يكره أكثر ذلك وفي هذه الأزمان التي بعد العهد فيها بعلوم السلف يتعين ضبط ما نقل عنهم من ذلك كله ليتميز به ما كان من العلم موجودا في زمانهم وما أحدث في ذلك بعدهم فيعلم بذلك السنة من البدعة وقد صح عن ابن مسعود رضي الله عنهما أنه قال إنكم قد أصبحتم اليوم على الفطرة وإنكم ستحدثون ويحدث لكم فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالعهد الأول وابن مسعود قال هذا في زمن الخلفاء الراشدين وروى ابن حميد عن مالك قال لم يكن شيء من هذه الأهواء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وكان مالك يشير بالأهواء إلى ما حدث من التفرق في أصول الديانات من أمور الخوارج والروافض والمرجئة ونحوهم ممن تكلم في تكفير المسلمين واستباحة دمائهم وأموالهم أو في تخليدهم في النار أو في تفسيق خواص هذه الأمة أو عكس ذلك من زعم أن المعاصي لا تضر أهلها وأنه لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد وأصعب من ذلك ما أحدث من الكلام في أفعال الله تعالى في قضائه وقد مرد وكذب بذلك من كذب وزعم أنه نزه الله بذلك عن الظلم وأصعب من ذلك ما حدث من الكلام في ذات الله وصفاته مما سكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعون لهم بإحسان فقوم نفوا كثيرا مما أورد في الكتاب والسنة من ذلك وزعموا أنهم فعلوا تنزيها لله عما تقتضيه العقول بتنزيهه عنه وزعموا أن لازم ذلك لمستحيل على الله عز و جل وقوم لم يكتفوا بإثباته حتى أثبتوا ما يظن أنه لازم له بالنسبة إلى المخلوقين وهذه اللوازم نفيا وإثباتا درج صدر الأمة على السكوت عنها ومما حدث في الأمة بعد عصر الصحابة والتابعين الكلام في الحلال والحرام بمجرد الرأي و رد كثير مما وردت به السنة في ذلك لمخالفته الرأي والأقيسة العقلية ومما حدث بعد ذلك الكلام في الحقيقة بالذوق والكشف وزعم أن الحقيقة تنافي الشريعة وأن المعرفة وحدها تكفي مع المحبة وأنه لا حاجة إلى الأعمال وأنها حجاب أو أن الشريعة إنما يحتاج إليها العوام وربما انضم إلى ذلك الكلام في الذات والصفات بما يعلم قطعا مخالفته الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم الحديث التاسع والعشرون عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار قال لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ثم قال ألا أدلك على أبواب الخير الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وصلاة الرجل في جوف الليل ثم تلا تتجافى جنوبهم عن المضاجع حتى بلغ يعلمون ثم قال ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه قلت بلى يا رسول الله قال رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد ثم قال ألا أخبرك بملاك ذلك كله قلت بلى يا رسول الله فأخذ بلسانه ثم قال كف عليك هذا قلت يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به فقال ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح
269
هذا الحديث خرجه الإمام أحمد والترمذى والنسائى وابن ماجه من رواية معمر عن عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن معاذ بن جبل رضي الله عنه وقال الترمذي حسن صحيح وفيما قاله رحمه الله نظر من وجهين أحدهما أنه لم يثبت سماع أبي وائل عن معاذ وإن كان قد أدركه بالسن وكان معاذ بالشام وأبو وائل بالكوفة وما زال الأئمة كأحمد وغيره
70
يستدلون على انتفاء السماع بمثل هذا وقد قال أبو حاتم الرازي في سماع أبي وائل من أبي الدرداء قد أدركه وكان بالكوفة وأبو الدرداء بالشام يعني أنه لم يصح منه سماع وقد حكى أبو زرعة الدمشقي عن قوم أنهم توقفوا في سماع أبي وائل من عمر أو نفوه فسماعه من معاذ أبعد والثاني أنه قد رواه حماد بن سلمة عن عاصم بن أبي النجود عن شهر بن حوشب عن معاذ خرجه الإمام أحمد مختصرا قال الدارقطني وهو أشبه بالصواب لأنه الحديث معروف من رواية شهر على اختلاف عليه فيه قلت رواية شهر عن معاذ مرسلة يقينا وشهر مختلف في توثيقه وتضعيفه وقد خرجه الإمام أحمد من رواية شهر عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ وخرجه الإمام أحمد أيضا من رواية عروة بن النزال بن عروة وميمون بن أبي شبيب كلاهما عن معاذ ولم يسمع عروة ولا ميمون من معاذ وله طرق أخرى عن معاذ كلها ضعيفة وقوله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار وقد تقدم في شرح الحديث الثاني والعشرين من وجوه ثابتة من حديث أبي هريرة وأبي أيوب وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن مثل هذه المسئلة فأجاب بنحو ما أجاب به في حديث معاذ وفي رواية الإمام أحمد في حديث معاذ أنه قال يا رسول الله إني أريد أن أسألك عن كلمة قد أمرضتني وأسقمتني وأحرقتني قال سل عما شئت قال أخبرني بعمل يدخلني الجنة لا أسألك غيره وهذا يدل على شدة اهتمام معاذ رضي الله عنه بالأعمال الصالحة وفيه دليل على أن الأعمال سبب لدخول الجنة كما قال تعالى وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون الزخرف وأما قوله صلى الله عليه وسلم لن يدخل الجنة أحد منكم بعمله فالمراد والله أعلم أن العمل بنفسه لا يستحق به أحد الجنة لولا أن الله عز وجل جعله بفضله ورحمته سببا لذلك والعمل بنفسه من فضل الله ورحمته على عبده فالجنة وأسبابها كل من فضل الله ورحمته وقوله لقد سألت عن عظيم قد سبق في شرح الحديث المشار إليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل سأله عن مثل هذا لئن كنت أوجزت المسئلة لقد أعظمت وأطولت وذلك لأن دخول الجنة والنجاة من النار أمر عظيم جدا ولأجله أنزل الله الكتب وأرسل الرسل وقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل كيف تقول إذا صليت قال أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار ولا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ يشير إلى كثرة دعائهما واجتهادهما في المسئلة فقال النبي صلى الله عليه وسلم حولها ندندن وفي رواية هل تصير دندنتي ودندنة معاذ إلا أن نسأل الله الجنة ونعوذ به من النار وقوله صلى الله عليه وسلم وإنه ليسير على من يسره الله عليه إشارة إلى أن التوفيق كله بيد الله عز وجل فمن يسر الله عليه الهداية اهتدى ومن لم ييسر عليه لم ييسر له ذلك قال تعالى فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى الليل وقال النبي صلى الله عليه وسلم اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثم تلا صلى الله عليه وسلم هذه الآية
271
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه واهدني ويسر الهدي لي أخبر الله عن نبيه موسى عليه السلام أنه قال في دعائه رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري طه وكان ابن عمر رضي الله عنهما يدعو اللهم يسرني لليسرى وجنبني العسرى وقد سبق في شرح الحديث المشار إليه توجيه ترتيب دخول الجنة على الإتيان بأركان الإسلام الخمسة وهي التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج وقوله ألا أدلك على أبواب الخير لما رتب دخول الجنة على واجبات الإسلام دله بعد ذلك على أبواب الخير من النوافل فإن أفضل أولياء الله المقربين الذين يتقربون إليه بالنوافل بعد أداء الفرائض وقوله الصوم جنة هذا الكلام ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة وخرجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وخرجه الإمام أحمد بزيادة وهي الصيام جنة وحصن حصين من النار وخرجه من حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الصوم جنة من النار كجنة أحدكم من القتال ومن حديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال ربنا عز وجل الصيام جنة يستجن بها العبد من النار وخرج الإمام أحمد والنسائى من حديث أبي عبيدة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الصيام جنة ما لم تخرقها وقوله ما لم تخرقها يعني بالكلام السيء ونحوه ولهذا في حديث أبي هريرة المخرج في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم الصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق ولا يجهل فإن امرؤ سابه فليقل إني امرؤ صائم وقال بعض السلف الغيبة تخرق الصيام والاستغفار يرفعه فمن استطاع منكم أن لا يأتي بصوم مخرق فليفعل وقال ابن المنكدر الصائم إذا اغتاب خرق وإذا استغفر رقع وخرجه الطبراني بإسناد فيه نظر عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا إن الصيام جنة ما لم يخرقها قيل بم يخرقها قال بكذب أو غيبة فالجنة هي ما يستجن به العبد كالمجن الذي يقيه عند القتال من الضرب فكذلك الصيام يقي صاحبه من المعاصي في الدنيا كما قال عز وجل يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون البقرة فإذا كان له جنة من المعاصي كان له في الآخرة جنة من النار ومن لم يكن له جنة في الدنيا من المعاصي لم يكن له جنة في الآخرة من النار وخرجه ابن مردويه من حديث على مرفوعا قال بعث الله يحيى بن زكريا إلى بني إسرائيل بخمس كلمات فذكر الحديث بطوله وفيه إن الله يأمركم أن تصوموا ومثل ذلك كمثل رجل مشى إلى عدوه وقد أخذ للقتال جنة فلا يخاف من حيث ما أتي وخرجه من وجه آخر عن على رضي الله عنه مرفوعا وفيه قال الصيام مثله كمثل رجل أبصره الناس فاستحد في السلاح حتى ظن أن لن يصل إليه سلاح العدو فكذلك الصيام جنة قوله صلى الله عليه وسلم والصدقة تطفيء الخطيئة كما يطفيء الماء النار هذا الكلام روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أخر فخرجه الإمام أحمد
272
والترمذى من حديث كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الصوم جنة حصينة والصدقة تطفيء الخطيئة كما يطفيء الماء النار وخرجه الطبراني وغيره من حديث أنس بمعناه مرفوعا وخرجه الترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن صدقة السر لتطفيء غضب الرب وتدفع ميتة السوء وروى عن على بن الحسين رضي الله عنهما أنه كان يحمل الخبز على ظهره بالليل يتتبع به المساكين في ظلمة الليل ويقول إن الصدقة في ظلام الليل تطفئ غضب الرب عز وجل وقد قال الله تعالى إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم البقرة فدل على أن الصدقة تكفر بها السيئات إما مطلقات أو صدقة السر وقوله صلى الله عليه وسلم وصلاة الرجل في جوف الليل يعني أنها تطفيء الخطيئة أيضا كالصدقة ويدل على ذلك ما أخرجه الإمام أحمد من رواية عروة بن النزال عن معاذ رضي الله عنه قال أقبلت مع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك فذكر الحديث وفيه إن الصوم جنة والصدقة وقيام العبد في جوف الليل يكفر الخطيئة وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل وقد روى عن جماعة من الصحابة أن الناس يحرقون بالنهار من الذنوب وكلما قاموا إلى صلاة من الصلوات المكتوبات أطفأوا ذنوبهم وروى ذلك مرفوعا من وجوه فيها نظر وكذلك قيام الليل يكفر الخطايا لأنه أفضل نوافل الصلاة وفي الترمذي من حديث بلال رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وإن قيام الليل قربة إلى الله عز وجل ومنهاة عن الإثم وتكفير السيئات ومطردة للداء عن الجسد وخرجه أيضا من حديث أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه وقال هو أصح من حديث بلال وخرجه الحاكم وابن خزيمة في صحيحيهما من حديث أبي أمامة أيضا وقال ابن مسعود فضل صلاة الليل على صلاة النهار كفضل صدقة السر على صدقة العلانية وخرجه أبو نعيم عنه مرفوعا والموقوف أصح وقد تقدم أن صدقة السر تطفيء الخطيئة وتطفيء غضب الرب فكذلك صلاة الليل وقوله صلى الله عليه وسلم ثم تلا قوله تعالى تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون السجدة حتى بلغ يعملون يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هاتين الآيتين عند ذكره فضل صلاة الليل ليبين بذلك فضل صلاة الليل وقد روى عن أنس رضي الله عنه أن هذه الآية نزلت في انتظار صلاة العشاء خرجه الترمذي وصححه وروى عنه أنه قال في هذه الآية كانوا ينتظرون بين المغرب والعشاء خرجه أبو داود وروى نحوه عن بلال وخرجه البزار بإسناد ضعيف وكل هذا يدخل في عموم لفظ الآية فإن الله مدح الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع لدعائه فيشمل ذلك كله من ترك النوم بالليل لذكر الله ودعائه فيدخل فيه من صلى بين العشاءين ومن انتظر صلاة العشاء فلم يقم حتى يصليها لا سيما مع حاجته إلى النوم ومجاهدة نفسه على تركه
273
لأداء الفريضة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن انتظر صلاة العشاء إنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة ويدخل فيه من نام ثم قام من نومه بالليل للتهجد وهو أفضل أنواع التطوع بالصلاة مطلقا وربما دخل فيه من ترك النوم عند طلوع الفجر وقام إلى أداء صلاة الصبح لا سيما مع غلبة النوم عليه ولهذا شرع للمؤذن في أذان الفجر أن يقول في أذانه الصلاة خير من النوم وقوله صلى الله عليه وسلم وصلاة الرجل في جوف الليل ذكر أفضل أوقات التهجد بالليل وهو جوف الليل وخرج النسائي والترمذى من حديث أبي أمامة قيل يارسول الله أي الدعاء أسمع قال جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات وخرجه ابن أبي الدنيا ولفظه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أي الصلاة أفضل قال جوف الليل الأوسط قال أي الدعاء أسمع قال دبر المكتوبات وخرج النسائي من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي الليل خير قال خير الليل جوفه وخرجه الإمام أحمد من حديث أبي مسلم قال قلت لأبي ذر أي قيام الليل أفضل قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم كما سألتني فقال جوف الليل الغابر أو نصف الليل وقليل فاعله وخرجه البزار والطبراني من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الليل أجوب دعوة قال جوف الليل زاد البزار في روايته الأخرى وخرجه الترمذي من حديث عمرو بن عبسة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله تلك الساعة فكن وصححه وخرجه الإمام أحمد ولفظه قال قلت يا رسول الله أي الساعات أفضل قال جوف الليل الآخر وفي رواية له أيضا وقال جوف الليل الآخر أجوب دعوة وفي رواية له قلت يارسول الله هل من ساعة أقرب إلى الله من ساعة أخري قال جوف الليل الآخر وخرجه ابن ماجه وعنده جوف الليل الأوسط وفي رواية الإمام أحمد عن عمر بن عبسة قال قلت يا رسول الله هل من ساعة أفضل من ساعة قال إن الله لينزل في جوف الليل فيغفر إلا ما كان من الشرك وقد قيل إن جوف الليل إذا أطلق فالمراد به وسطه وإن قيل جوف الليل الآخر فالمراد به وسط النصف الثاني وهو السدس الخامس من أسداس الليل وهو الوقت الذي ورد فيه النزول الإلهي وقوله صلى الله عليه وسلم ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه قلت بلى يارسول الله قال رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد وفي رواية الإمام أحمد من رواية شهر بن حوشب عن ابن غنم عن معاذ رضي الله عنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شئت حدثتك برأس هذا الأمر وقوام هذا الدين وذروة السنام قلت بلى فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم إن رأس هذا الأمر أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وإن قوام هذا الأمر إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإن ذروة السنام منه الجهاد في سبيل الله وإنما أمرت أن أقاتل الناس حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا
274
فعلوا ذلك فقد عصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفس محمد بيده ما شج وجه ولا اغبرت قدم في عمل يبتغي به درجات الجنة بعد الصلاة المفروضة كالجهاد في سبيل الله عز وجل ولا ثقل ميزان عبد كالدابة تنفق له في سبيل الله أو يحمل عليها في سبيل الله عز وجل فأخبرني النبي صلى الله عليه وسلم عن ثلاثة أشياء رأس الأمر وعموده وذروة سنامه فأما رأس الأمر فيعني بالأمر الدين الذي بعث به وهو الإسلام وقد جاء تفسيره في رواية أخرى بالشهادتين فمن لم يقر بهما باطنا وظاهرا فليس من الإسلام في شيء وأما قوام الدين الذي يقوم به الدين كما يقوم الفسطاط على عموده فهي الصلاة وفي الرواية الأخرى وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة كما سبق القول في أركان الإسلام وارتباط بعضها ببعض وأما ذروة سنامه وهو أعلى ما فيه وأرفعه فهو الجهاد وهذا يدل على أنه أفضل الأعمال بعد الفرائض كما هو قول الإمام أحمد وغيره من العلماء وقوله في رواية الإمام أحمد والذي نفس محمد بيده ما شحت وجه ولا اغبرت قدم في عمل يبتغي به درجات الجنة بعد الصلاة المفروضة كالجهاد في سبيل الله عز وجل يدل على ذلك صريحا وفي الصحيحين عن أبي ذر رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله أي العمل أفضل قال إيمان بالله ثم جهاد في سبيل الله وفيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أفضل الأعمال إيمان بالله ثم جهاد في سبيل الله والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدا وقوله صلى الله عليه وسلم ألا أخبرك بملاك ذلك كله قلت بلى يا رسول الله فأخذ بلسان نفسه ثم قال كف عليك هذا إلى آخر الحديث هذا يدل على أن كف اللسان وضبطه وحبسه هو أصل الخير كله وأن من ملك لسانه فقد ملك أمره وأحكمه وضبطه وقد سبق الكلام على هذا المعنى في شرح حديث من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت وفي شرح حديث قل آمنت بالله ثم استقم وخرجه البزار في مسنده من حديث أبي اليسر أن رجلا قال يارسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة قال أمسك هذا وأشار إلى لسانه فأعادها عليه فقال ثكلتك أمك هل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم وقال إسناده حسن والمراد بحصائد الألسنة جزاء الكلام المحرم وعقوباته فإن الإنسان يزرع بقوله وعمله الحسنات والسيئات ثم يحصد يوم القيامة ما زرع فمن زرع خيرا من قول أو عمل حصد الكرامة ومن زرع شرا من قول أو عمل حصد غدا الندامة وظاهر حديث معاذ يدل على أن أكثر ما يدخل الناس به النار النطق بألسنتهم فإن معصية النطق يدخل فيها الشرك وهي أعظم الذنوب عند الله عز وجل ويدخل فيها القول على الله بغير علم وهو قرين الشرك ويدخل فيها شهادة الزور التي عدلت الإشراك بالله عز وجل ويدخل فيها السحر والقذف وغير ذلك من الكبائر والصغائر كالكذب والغيبة والنميمة وسائر المعاصي الفعلية لا يخلو غالبا من قول يقترن بها يكون معينا عليها وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه
275
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أكثر ما يدخل الناس النار الأجوفان الفم والفرج خرجه الإمام أحمد والترمذى وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب وخرجه الترمذي ولفظه إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوي بها سبعين خريفا في النار وروى مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر دخل على أبي بكر رضي الله عنهما وهو يجبذ لسانه فقال عمر مه غفر الله لك فقال أبو بكر هذا الذي أوردني الموارد وقال ابن بريدة رأيت ابن عباس رضي الله عنهما أخذ بلسانه وهو يقول ويحك قل خيرا تغنم أو اسكت عن سوء تسلم وإلا فاعلم أنك ستندم قال فقيل له يا ابن عباس لم تقول هذا قال إنه بلغني أن الإنسان أراه قال ليس على شيء من جسده أشد حنقا أو غيظا يوم القيامة منه على لسانه إلا من قال به خيرا أو أملي به خيرا وكان ابن مسعود رضي الله عنه يحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما على الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لساني وقال الحسن اللسان أمير البدن فإذا جنى على الأعضاء شيئا جنت وإذا عف عفت وقال يونس بن عبيد ما رأيت أحدا لسانه منه على بال إلا رأيت ذلك صالحا في سائر عمله وقال يحيى بن أبي كثير ما صلح منطق رجل إلا عرفت ذلك في سائر عمله ولا فسد منطق رجل قط إلا عرفت ذلك في سائر عمله وقال ابن المبارك عن فضالة عن يونس بن عبيد رحمهم الله لا تجد شيئا من البر واحدا يتبعه البر كله غير اللسان فإنك تجد الرجل يصوم النهار ويفطر على حرام ويقوم الليل ويشهد الزور بالنهار وذكر أشياء نحو هذا ولكن لا تجده لا يتكلم إلا بحق فيخالف ذلك عمله أبدا الحديث الثلاثون عن أبي ثعلبة الخشني جرثوم بن ناشر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها حديث حسن رواه الدارقطني
276
وغيره هذا الحديث من رواية مكحول عن أبي ثعلبة الخشني وله علتان إحداهما أن مكحولا لم يصح له السماع عن أبي ثعلبة كذلك قال أبو شهر الدمشقي وأبو نعيم الحافظ وغيرهما والثانية أنه اختلف في رفعه ووقفه على ابن ثعلبة ورواه بعضهم عن مكحول عن قوله لكن قال الدارقطني الأشبه بالصواب المرفوع قال وهو أشهر وقد حسن الشيخ رحمه الله هذا الحديث وكذلك حسن قبله الحافظ أبو بكر السمعاني في أماليه وقد روى معنى هذا الحديث مرفوعا من وجوه أخر خرجه البزار في مسنده والحاكم من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئا ثم تلا هذه الآية وما كان ربك نسيا مريم وقال الحاكم صحيح الإسناد وقال البزار إسناده صالح وقد خرجه الطبراني والدارقطني من وجه آخر عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل حديث أبي ثعلبة وقال في آخره رحمة من الله فاقبلوها ولكن إسناده ضعيف وخرجه الترمذي وابن ماجه من رواية سيف بن هارون عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان رضي الله عنه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء فقال الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه
277
وما سكت عنه فهو مما عفا عنه قال الترمذي رواه سفيان يعني ابن عيينة عن سليمان عن أبي عثمان عن سلمان رضي الله عنه من قوله وكأنه أصح وذكر في كتاب العلل عن البخاري أنه قال في الحديث المرفوع ما أراه محفوظا وقال أحمد هو منكر وأنكره ابن معين أيضا وقال أبو حاتم الرازي هو خطاء رواه الثقات عن التيمي عن أبي عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ليس فيه سلمان قلت وقد روى عن سلمان من قوله من وجوه أخر وخرجه ابن عدي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا وضعف إسناده ورواه أبو صالح المري عن الجريري عن أبي عثمان النهدي عن عائشة رضي الله عنها أخطأ في إسناده وروى عن الحسن مرسلا وخرجه أبو داود من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا فبعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه فما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو ثم تلا قوله تعالى قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما الأنعام وهذا موقوف وقال عبيد بن عمير إن الله عز وجل أحل الحلال وحرم الحرام وما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فحديث أبي ثعلبة قسم فيه أحكام الله أربعة أقسام فرائض ومحارم وحدود ومسكوت عنه وذلك يجمع أحكام الدين كلها وقال أبو بكر السمعاني هذا الحديث أصل كبير من أصول الدين وفروعه قال وحكي عن بعضهم أنه قال ليس في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث واحد أجمع بانفراده لأصول الدين وفروعه من حديث أبي ثعلبة قال وحكي عن أبي واثلة المزني أنه قال جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الدين في أربع كلمات ثم ذكر حديث أبي ثعلبة ثم قال ابن السمعاني من عمل بهذا الحديث فقد حاز الثواب وأمن من العقاب لأن من أدى الفرائض واجتنب المحارم ووقف عند الحدود وترك البحث عما غاب عنه فقد استوفى أقسام الفضل وأوفى حقوق الدين لأن الشرائع لا تخرج عن هذه الأنواع المذكورة في هذا الحديث انتهى فأما الفرائض فما فرضه الله على عباده وألزمهم به القيام كالصلاة والزكاة والصيام والحج وقد اختلف العلماء رضي الله عنهم هل الواجب والفرائض بمعنى واحد أم لا فمنهم من قال هما سواء وكل واجب بدليل شرعي بكتاب أو سنة أو إجماع أو غير ذلك من أدلة الشرع فهو فرض وهو المشهور عن أصحاب الشافعي وغيرهم وحكي رواية عن أحمد قال كل ما في الصلاة فهو فرض ومنهم من قال بل الفرض ما ثبت بدليل مقطوع به والواجب ما ثبت بغير مقطوع به وهو قول الحنفية وغيرهم وأكثر النصوص عن أحمد يفرق بين الفرض والواجب فنقل جماعة من أصحابه عنه أنه قال لا يسمى فرضا إلا ما كان في كتاب الله تعالى وقال في صدقة الفطر ما أجترئ أن أقول إنها فرض مع أنه يقول بوجوبها فمن أصحابنا من قال مراده أن الفرض ما يثبت بالكتاب والواجب ما يثبت بالسنة ومنهم من قال أراد أن الفرض ما ثبت بالاستفاضة والنقل المتواتر والواجب
278
ما ثبت من جهة الاجتهاد وساغ الخلاف في وجوبه ويشكل على هذا أن أحمد قال في رواية الميموني في بر الوالدين ليس بفرض ولكن أقول واجب ما لم تكن معصية وبر الوالدين مجمع على وجوبه وقد كثرت الأوامر به في الكتاب والسنة فظاهر هذا أنه لا يقول فرض إلا ما ورد في الكتاب والسنة فرضا وقد اختلف السلف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هل يسمى فريضة أم لا فقال جويبر عن الضحاك هما من فرائض الله عز وجل وكذا روى عن مالك وروى عبد الواحد بن زيد عن الحسن فقال ليس بفريضة كان فريضة على بني إسرائيل فرحم الله هذه الأمة لضعفهم فجعله عليهم نافلة وكتب عبدالله بن شبرمة إلى عمرو بن عبيد أبياتا مشهورة أولها الأمر بالمعروف يا عمرو نافلة والقائمون به صلى الله عليه وسلم أنصار واختلف كلام الإمام أحمد فيه هل يسمى واجبا أم لا فروى عنه جماعة ما يدل على وجوبه ورواه عنه أبو داود في الرجل يرى الطنبور ونحوه أواجب عليه تغييره قال ما أدري ما واجب إن غيره فهو نفل وقال إسحاق بن راهوية هو واجب على كل مسلم إلا أن يخشى على نفسه ولعل أحمد يتوقف في إطلاقه الواجب على ما ليس بواجب على الأعيان بل على الكفاية وقد اختلف العلماء رضي الله عنهم في الجهاد هل هو واجب أم لا فأنكر جماعة منهم وجوبه منهم عطاء وعمرو بن دينار وابن شبرمة ولعلهم أرادوا هذا المعنى وقال طائفة هو واجب منهم سعيد بن المسيب ومكحول ولعلهما أرادوا وجوبه على الكفاية وقال أحمد في رواية حنبل الغزو واجب على الناس كلهم كوجوب الحج فإذا غزا بعضهم أجزأ عنهم ولابد للناس من الغزو وسأله المروزي عن الجهاد أفرض هو قال قد اختلفوا فيه وليس هو مثل الحج ومراده أن الحج لا يسقط عمن لم يحج مع الاستطاعة بحج غيره بخلاف الجهاد وسئل عن النفير متى يجب فقال أما إيجابه فلا أدري ولكن إذا خافوا على أنفسهم فعليهم أن يخرجوا وظاهر هذا التوقف في إطلاق لفظ الواجب على ما لم يأت فيه لفظ الإيجاب تورعا ولذلك توقف في إطلاق لفظ الحرام على ما اختلف فيه وتعارضت أدلته من نصوص الكتاب والسنة فقال في متعة النساء لا أقول هي حرام ولكن ننهى عنه ولم يتوقف في معنى التحريم ولكن في إطلاق لفظه لاختلاف النصوص والصحابة فيها هذا هو الصحيح في تفسير كلام أحمد وقال في الجمع بين الأختين بملك اليمين لا أقول هو حرام ولكن ننهى عنه والصحيح في تفسيره أنه توقف في إطلاق لفظ الحرام دون معناه وهذا كله على سبيل الورع في الكلام حذرا من الدخول تحت قوله تعالى ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب النحل قال الربيع بن خثيم ليتق أحدكم أن يقول أحل كذا وحرم كذا فيقول الله كذبت لم أحل كذا ولم أحرم كذا وقال ابن وهب سمعت مالك بن أوس
279
يقول أدركت علماءنا يقول أحدهم إذا سئل أكره هذا ولا أحبه ولا يقول حلال ولا حرام وأما ما حكي عن أحمد أنه قال كل ما في الصلاة فرض فليس كلامه كذلك إنما نقل عنه ابنه عبدالله أنه قال كل شيء في الصلاة ذكره الله فهو فرض وهذا يعود إلى معنى قوله إنه لا فرض إلا ما في القرآن والذي ذكره الله من أمر الصلاة القيام والقراءة والركوع والسجود وإنما قال أحمد هذا لأن بعض الناس كان يقول الصلاة فرض و الركوع والسجود لا أقول إنه فرض ولكنه سنة وقد سئل مالك بن أنس عمن يقول ذلك فكفره فقيل له إنه يتأول فلعنه فقال لقد قال قولا عظيما وقد نقله أبو بكر النيسابوري في كتاب مناقب مالك من وجوه عنه وقد روى أيضا بإسناده عن عبدالله بن عمرو بن ميمون بن الرماح قال دخلت على مالك بن أنس فقلت يا أبا عبدالله ما في الصلاة من فريضة وما فيها من سنة أو قال نافلة فقال مالك كلام الزنادقة أخرجوه ونقل إسحاق بن منصور عن إسحاق بن راهوية أنه أنكر تقسيم أجزاء الصلاة إلى سنة وواجب فقال كل ما في الصلاة فهو واجب وأشار إلى أن منه ما تعاد الصلاة بتركه ومنه ما لا تعاد وسبب هذا والله أعلم أن التعبير بلفظ السنة قد يفضي إلى التهاون بفعل ذلك وإلي الزهد فيه وتركه وهذا خلاف مقصود الشارع من الحث عليه والترغيب فيه بالطرق المؤدية إلى فعله وتحصيله فإطلاق لفظ الواجب أدعى إلى الإتيان به والرغبة فيه وقد ورد إطلاق الواجب في كلام الشارع على ما لا يأثم بتركه ولا يعاقب عليه عند الأكثرين كغسل الجمعة وكذلك ليلة النصف عند كثير من العلماء أو أكثرهم وإنما المراد به المبالغة في الحث على فعله وتأكيده وأما المحارم فهي التي حماها الله تعالى ومنع من قربانها وارتكابها وانتهاكها والمحرمات المقطوع بها مذكورة في الكتاب والسنة كقوله تعالى قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أنلا تشركوا به شيئا الأنعام وقوله تعالى قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن الأعراف إلى قوله وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون الأعراف وقد ذكر في بعض الآيات المحرمات المختصة بنوع من الأنواع كما ذكر المحرمات من المطاعم في مواضع منها قوله تعالى قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به الأنعام وقوله إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به النحل وقوله حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام المائدة وذكر المحرمات في النكاح في قوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم النساء وذكر المحرمات من المكاسب في قوله تعالى وأحل الله البيع وحرم الربا البقرة وأما السنة ففيها ذكر كثير من المحرمات كقوله صلى الله عليه وسلم إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام وقوله إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه وقوله كل مسكر حرام وقوله إن دماءكم وأموالكم
280
وأعراضكم عليكم حرام فما ورد التصريح بتحريمه في الكتاب والسنة فهو محرم وقد يستفاد التحريم من النهي مع الوعيد والتشديد كما في قوله عز وجل إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون المائدة وأما النهي المجرد فقد اختلف الناس هل يستفاد منه التحريم أم لا وقد روى عن ابن عمر رضي الله عنهما إنكار استفادة التحريم منه قال ابن المبارك أخبرنا سلام بن أبي مطيع عن ابن أبي دخيلة عن أبيه قال كنت عند ابن عمر فقال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الزبيب والتمر يعني أن يخلطا فقال لي رجل من خلفي ما قال فقلت حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم التمر والزبيب فقال عبدالله ابن عمر كذبت فقلت ألم تقل نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فهر حرام فقال أنت تشهد بذلك قال سلام كأنه يقول نهى النبي صلى الله عليه وسلم فهو أدب وقد ذكرنا فيما تقدم عن العلماء الورعين كأحمد ومالك توقيا إطلاق لفظ الحرام على ما لم يتيقن تحريمه ما فيه نوع شبهة أو اختلاف وقال النخعي كانوا يكرهون أشياء لا يحرمونها وقال ابن عون قال لي مكحول ما تقولون في الفاكهة تلقى بين القوم فينتهبونها قلت إن ذلك عندنا لمكروه قال أحرام هي قال ابن عون فاستخفنا ذلك من قول مكحول وقال جعفر بن محمد سمعت رجلا يسأل القاسم بن محمد الغناء أحرام هو فسكت عنه القاسم ثم عاد فسكت عنه ثم عاد فقال إن الحرام ما حرم الله في القرآن أرأيت إذا أتي بالحق والباطل إلى الله فأيهما يكون الغناء فقال الرجل في الباطل فقال فأفت نفسك فقال عبدالله بن الإمام أحمد سمعت أبي يقول أما نهى النبي صلى الله عليه وسلم فمنها أشياء حرام مثل قوله نهى أن تنكح المرأة على عمتها أو على خالتها فهذا حرام ونهى عن جلود السباع فهذا حرام وذكر أشياء من نحوها هذا ومنها أشياء نهى عنها فهي أدب وأما حدود الله التي نهى عن اعتدائها فالمراد بها جملة ما أذن في فعله سواء كان على طريق الوجوب أو الندب أو لإباحة واعتداؤها هو تجاوز ذلك إلى ارتكاب ما نهى عنه كما قال تعالى تلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه الطلاق والمراد من طلق على غير ما أمر الله به وأذن فيه وقال تعالى تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون البقرة والمراد من أمسك بعد أن طلق بغير معروف أو سرح بغير إحسان أو أخذ مما أعطى المرأة شيئا على غير وجه الفدية التي أذن الله فيها وقال تعالى تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار النساء إلى قوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين النساء والمراد من تجاوز ما فرضه الله للورثة ففضل وارثا وزاد على حقه أو نقصه منه ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث وروى النواس بن سمعان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال
281
ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب الصراط داع يقول يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا ولا تعوجوا وداع يدعو من جوف الصراط فإذا أراد أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه والصراط الإسلام والسوران حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله وذلك الداعي على الصراط كتاب الله والداعي من فوق واعظ الله في قلب كل مسلم خرجه الإمام أحمد وهذا لفظه والنسائى في تفسيره والترمذى وحسنه فضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثل الإسلام في هذا الحديث بصراط مستقيم وهو الطريق السهل الواسع الموصل سالكه إلى مطلوبه وهو مع هذا مستقيم لا عوج فيه فيقتضي ذلك قربه وسهولته وعلى جنبتي الصراط يمنة ويسرة سوران وهما حدود الله وكما أن السور يمنع من كان داخله من تعديه ومجاوزته فكذلك الإسلام يمنع من دخل فيه من الخروج عن حدوده ومجاوزتها وليس وراء ما حد الله من المأذون فيه إلا ما نهى عنه ولهذا مدح سبحانه الحافظين لحدوده وذم من لا يعرف حد الحلال من الحرام كما قال تعالى الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله التوبة وقد تقدم حديث إن القرآن يقول من عمل به حفظ حدودي ومن لم يعمل به تعدى حدودي والمراد أن من لم يجاوز ما أذن له فيه إلى ما نهى عنه فقد حفظ حدود الله ومن تعدى ذلك فقد تعدى حدود الله وقد تطلق الحدود ويراد بها نفس المحارم وحينئذ فيقال لا تقربوا حدود الله كما قال تعالى تلك حدود الله فلا تقربوها البقرة والمراد النهي عن ارتكاب ما نهى عنه في الآية من محظورات الصيام والاعتكاف في المساجد ومن هذا المعنى وهو تسمية المحارم حدودا وقول النبي صلى الله عليه وسلم مثل القائم على حدود الله والمداهن فيها كمثل قوم اقتسموا سفينة الحديث المشهور وأراد بالقائم على حدود الله المنكر للمحرمات والناهي عنها وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إني آخذ بحجزكم اتقوا النار اتقوا الحدود قالها ثلاثا خرجه الطبراني والبزار وأراد بالحدود محارم الله ومعاصيه ومنه قول الرجل الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم فإني أصبت حدا فأقمه علي وقد تسمى العقوبات المقدرة الرادعة عن المحارم المغلظة حدودا كما يقال حد الزنا وحد السرقة وحد شرب الخمر ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة أتشفع في حد من حدود الله يعني في القطع في السرقة وهذا هو المعروف من أسماء الحدود في اصطلاح الفقهاء وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله فهذا قد اختلف الناس في معناه فمنهم من فسره ههنا بهذه الحدود المقدرة وقال إن التعزير لا يزاد على عشر جلدات ولا يزاد عليها إلا في هذه الحدود المقدرة ومنهم من فسر الحدود ههنا بجنس محارم الله وقال إن المراد بمجاوزة العشر الجلدات لا يجوز إلا في ارتكاب محرم من محارم الله فأما ضرب التأديب على غير محرم فلا
282
يتجاوز به عشر جلدات وقد حمل بعضهم قوله صلى الله عليه وسلم وحد حدودا فلا تعتدوها على هذه العقوبات الزاجرة عن المحرمات وقال المراد النهي عن تجاوز هذه الحدود وتعديها عن إقامتها على أهل الجرائم ورجح ذلك بأنه لو كان المراد بالحدود الوقوف عند الأوامر والنواهي لكان تكريرا لقوله وفرض فرائض فلا تضيعوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها وليس المراد على ما قاله فإن الوقوف عند الحدود يقتضي أنه لا يخرج عما أذن فيه إلا ما نهى عنه وذلك أعم من كون المأذون فيه فرضا أو ندبا أو مباحا كما تقدم وحينئذ فلا تكرير في هذا الحديث والله أعلم وأما المسكوت عنه فهو ما لم يذكر حكمه بتحليل ولا إيجاب ولا تحريم فيكون معفوا عنه لا حرج على فاعله وعلى هذا دلت الأحاديث المذكورة ههنا كحديث أبي ثعلبة وغيره وقد اختلفت ألفاظ حديث أبي ثعلبة فروى باللفظ المتقدم وروى بلفظ آخر وهو إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ونهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها خرجه إسحاق بن راهوبه وروى بلفظ آخر هو إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وسن لكم سننا فلا تنتهكوها وحرم عليكم أشياء فلا تعتدوها وترك بين ذلك أشياء من غير نسيان رحمة منه فاقبلوها ولا تبحثوا عنها خرجه الطبراني وهذه الرواية تبين أن المعفو عنه ما ترك ذكره فلم يحرم ولم يحلل ولكن مما ينبغي أن يعلم أن ذكر الشيء بالتحليل والتحريم مما قد يخفى فهمه من نصوص الكتاب والسنة فإن دلالة هذه النصوص قد تكون بطريق النص والتصريح وقد تكون بطريق العموم والشمول وقد تكون دلالته بطريق الفحوي والتنبيه كما في قوله تعالى فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما الإسراء فإن دخول ما هو أعظم من التأفيف من أنواع الأذى يكون بطريق الأولى ويسمى ذلك مفهوم الموافقة وقد تكون دلالته بطريق مفهوم المخالفة كقوله صلى الله عليه وسلم في الغنم السائمة الزكاة فإنه يدل بمفهومه على أنه لا زكاة في غير السائمة وقد أخذ الأكثرون بذلك واعتبروا بمفهوم المخالفة وجعلوه حجة وقد تكون دلالته من باب القياس فإذا نص الشارع على حكم في شيء لمعنى من المعاني وكان ذلك المعنى موجودا في غيره فإنه يتعدى الحكم إلى كل ما وجد في ذلك المعنى عند جمهور العلماء وهو من باب العدل والميزان الذي أنزل الله وأمر بالاعتبار به فهذا كله مما يعرف به دلالة النصوص على التحليل والتحريم فأما ما انتفى فيه ذلك كله فهنا يستدل بعدم ذكره بإيجاب أو تحريم على أنه معفو عنه وههنا مسلكان أحدهما أن يقال لا إيجاب ولا تحريم إلا بالشرع وما لم يوجب الشرع شيئا ولم يحرمه فيكون غير واجب أو غير محرم كما يقال مثل هذا في الاستدلال على نفي وجوب الوتر والأضحية أو نفي تحريم الضب ونحوه أو نفي تحريم بعض العقود المختلف فيها كالمساقاة والمزارعة ونحو ذلك ويرجع هذا إلى استصحاب براءة الذمة حيث لم يوجد ما يدل على اشتغالها ولا يصح هذا
283
الاستدلال إلا لمن عرف أنواع أدلة الشرع وسيرها فإن قطع مع ذلك بانتفاء ما يدل على إيجاب أو تحريم قطع بنفي الوجوب والتحريم كما يقطع بانتفاء فريضة صلاة سادسة أو صيام شهر غير شهر رمضان أو وجوب الزكاة في غير الأموال الزكوية أو حجة غير حجة الإسلام وإن كان هذا كله يستدل عليه بنصوص مصرحة بذلك وإن ظن انتفاء ما يدل على إيجاب أو تحريم ظن انتفاء الوجوب والتحريم من غير قطع والمسلك الثاني أن يذكر من أدلة الشرع العامة ما يدل على ما لم يوجبه الشرع ولم يحرمه فإنه معفو عنه كحديث أبي ثعلبة هذا وما في معناه من الأحاديث المذكورة معه مثل قوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الحج في كل عام فقال ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ومثل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته وقد دل القرآن على مثل هذا أيضا في مواضع كقوله تعالى قل لا أجد فيما أوحى إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا الأنعام فهذا يدل على أن ما لم يوجد تحريمه فليس بمحرم وكذلك قوله تعالى وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه فعنفهم على ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه معللا بأنه قد بين لهم الحرام وهذا ليس منه فدل على أن الأشياء على الإباحة وإلا لما لحق اللوم بمن امتنع من الأكل مما لم ينص له على حكمه بمجرد كونه لم ينص على تحريمه واعلم أن هذه الأسئلة غير مسألة الأعيان قبل ورود الشرع هل هو الحظر أو الإباحة أو لا حكم فيها فإن تلك المسئلة مفروضة فيما قبل ورود الشرع فأما بعد وروده فقد دلت هذه النصوص وأشباهها على أن حكم ذلك الأصل زال واستقر أن الأصل في الأشياء كالإباحة بأدلة الشرع وقد حكى بعضهم الإجماع على ذلك وغلط من سوى بين المسئلتين وجعل حكمهما واحدا وكلام الإمام أحمد يدل على أن ما لم يدخل في نصوص التحريم فإنه معفو عنه قال أبو الحارث قلت لأبي عبدالله يعني أحمد إن أصحاب الطير يذبحون من الطير أشياء لا نعرفها فما ترى في أكله فقال كل ما لم يكن ذا مخلب أو يأكل الجيف فلا بأس به فحصر تحريم الطير في ذي المخلب المنصوص عليه وما يأكل الجيف لأنه في معنى الغراب المنصوص عليه وحكم بإباحة ما عداهما وحديث ابن عباس الذي سبق ذكره يدل على مثل هذا وحديث سلمان الفارسي فيه السؤال عن الجبن والسمن والفراء فإن الجبن كان يصنع بأرض المجوس ونحوهم من الكفار وكذلك السمن والفراء كذلك تجلب من عندهم وذبائحهم ميتة وهذا مما يستدل به على إباحة لبن الميتة وأنفحتها وعلى إباحة طعام المجوس وفي ذلك كله خلاف مشهور ويحمل على أنه إذا اشتبه الأمر لم
284
السؤال والبحث عنه كما قال ابن عمر رضي الله عنهما لما أسأل عن الجبن الذي تصنعه المجوس فقال ما وجدته في سوق المسلمين اشتريته ولم أسئل عنه وذكر عند عمر الجبن وقيل أنه يوضع فيه أنافح الميتة فقال سموا الله وكلوا قال الإمام أحمد أصح حديث فيه هذا الحديث يعني جبن المجوس وقد روى من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بجفنة في غزوة الطائف فقال أين تصنع هذه قالوا بفارس فقال صلى الله عليه وسلم ضعوا فيها السكين وقطعوا واذكروا اسم الله وكلوا خرجه الإمام أحمد وسئل عنه فقال هو حديث منكر وكذا قال أبو حاتم الرازي وخرجه أبو داود بمعناه من حديث ابن عمر إلا أنه قال في غزوة تبوك وقال أبو حاتم هو منكر أيضا وخرجه عبد الرازق في كتابه مرسلا وهو أشبه وعنده زيادة وهي أنه قيل يا رسول الله نخشى أن تكون ميتة قال سموا عليه وكلوا وخرج الطبراني معناه من حديث ميمونة وإسناده جيد لكنه غريب جدا وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن قوما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا فقال سموا عليه أنتم وكلوا قلت وكانوا حديثي عهد بالكفر وفي مسند الإمام أحمد رحمه الله عن الحسن أن عمر رضي الله عنه أراد أن ينهى عن حلل الحبرة لأنها تصبغ بالبول فقال له أبي ليس ذلك لك قد لبسهن النبي صلى الله عليه وسلم ولبسناهن في عهده وخرجه الخلال من لفظ آخر ولفظه إن أبيا قال له يا أمير المؤمنين قد لبسها نبي الله صلى الله عليه وسلم ورأى الله مكانها ولو علم الله أنها حرام لنهى عنها قال صدقت وسئل الإمام أحمد عن لبس ما يصنعه الكفار أهل الكتاب من غير غسل فقال لم تسأل عما لم تعلم لم يزل الناس منذ أدركناهم لا ينكرون ذلك وسئل عن يهود يصبغون بالبول فقال المسلم والكافر في هذا سواء ولا تسئل عن هذا ولا تبحث عنه وقال إذا علمت أنه لا محالة يصبغ بشيء من البول وصح عندك فلا تصل فيه حتى تغسله وخرج من حديث المغيرة ابن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى إليه خفان فلبسهما ولا يدري أذكبا أم لا وقد ورد ما يستدل به على البحث والسؤال فخرج الإمام أحمد من حديث رجل عن أم سلمة الأشجعية أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاها وهي في قبة فقال ما أحسنها إن لم يكن فيها ميتة قال فجعلت تتبعها والرجل مجهول وخرج الأثرم بإسناده عن زيد بن وهب قال أتانا كتاب عمر رضي الله عنه بأذربيجان إنكم بأرض فيها الميتة فلا تلبسوا من الفراء حتى تعلموا حله من حرامه وروى الخلال بإسناده عن مجاهد أن ابن عمر رأى على رجل فردانيسية فقال لو أعلم أنه ذكي لسرني أن يكون لي منه ثوب وعن محمد ابن كعب أنه قال لعائشة رضي الله عنها ما يمنعك أن تتخذي لحافا من الفراء قالت كرهت أن ألبس الميتة وروى عبدالرازق بإسناده عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال لمن نزل من المسلمين بفارس إذا اشتريتم لحما فاسألوا فإن كان ذبيحة يهودي أو نصراني فكلوا وهذا لأن الغالب على أهل فارس المجوس
285
ذبائحهم محرمة والخلاف في هذا يشبه الخلاف في إباحة طعام من لا تباح ذبيحته من الكفار وفي استعمال أواني المشركين وثيابهم والخلاف فيها يرجع إلى قاعدة تعارض الأصل بالظاهر وقد سبق ذكر ذلك في الكلام على حديث الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات وقوله في الأشياء التي سكت عنها وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان يعني أنه سكت عن ذكرها رحمة بعباده ورفقا حيث لم يحرمها عليهم حتى يعاقبهم على فعلها ولم يوجبها عليهم حتى يعاقبهم على تركها بل جعلها عفوا فإن فعلوها فلا حرج عليهم وإن تركوها فكذلك وفي حديث أبي الدرداء ثم تلا وما كان ربك نسيا مريم ومثل قوله عز وجل في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى طه وقوله فلا تبحثوا عنها يحتمل اختصاص هذا النهي بزمن النبي صلى الله عليه وسلم لأن كثرة البحث والسؤال عما لم يذكر قد يكون سببا لنزول التشديد فيه بإيجاب أو تحريم وحديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يدل على هذا فيحتمل أن يكون النهي عاما والمروى عن سلمان من قوله يدل على ذلك فإن كثرة البحث والسؤال عن حكم ما لم يذكر في الواجبات ولا في المحرمات قد يوجب اعتقاد تحريمه أو إيجابه لمشابهته لبعض الواجبات أو المحرمات فقبول العافية فيه وترك البحث عنه والسؤال خير وقد يدخل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم هلك المتنطعون قالها ثلاثا خرجه مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا والمتنطع هو المتعمق البحاث عما لا يعنيه وهذا قد يتمسك به من يتعلق بظاهر اللفظ وينفي المعاني والقياس كالظاهرية والتحقيق في هذا المقام والله أعلم أن البحث عما لم يوجد فيه نص خاص أو عام على قسمين أحدهما أن يبحث عن دخوله في دلالات النصوص الصحيحة من الفتوى والمفهوم والقياس الظاهر الصحيح فهذا حق وهو مما يتعين فعله على المجتهدين في معرفة الأحكام الشرعية والثاني أن يدقق الناظر نظره وفكره في وجوه الفروق المستبعدة فيفرق بين متماثلين بمجرد فرق لا يظهر له أثر في الشرع مع وجود الأوصاف المقتضية للجمع أو يجمع بين متفرقين بمجرد الأوصاف الطارئة التي هي غير مناسبة ولا يدل دليل على تأثيرها في الشرع فهذا النظر والبحث غير مرضي ولا محمود مع أنه قد وقع في طوائف من الفقهاء وإنما المحمود النظر الموافق لنظر الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من القرون المفضلة كابن عباس ونحوه ولعل هذا مراد ابن مسعود رضي الله عنه يقول إياكم والتنطع إياكم والتعمق وعليكم بالعتيق يعني ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم ومن كلام بعض أعيان الشافعية لا يليق بنا أن نكتفي بالخيالات في الفروق كدأب أصحاب الرأي والسر في تلك أن متعلق الأحكام في الحال الظنون وغلباتها فإذا كان اجتماع مسئلتين أظهر في الظن من افتراقهما وجب القضاء باجتماعهما وإن انقدح فرق على بعد فافهموا ذلك فإنه من قواعد الدين انتهى ومما يدخل في النهي عن التعمق والبحث عنه أمور الغيب الخبرية التي أمرنا
286
بها ولم يبين كيفيتها وبعضها قد لا يكون له شاهد في هذا العام المحسوس فالبحث عن كيفية ذلك هو مما لا يعني وهو مما ينهى عنه وقد يوجب الحيرة والشك ويرتقي إلى التكذيب وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يزال الناس يسألون حتى يقال هذا خلق الله فمن خلق الله فمن وجد من ذلك شيئا فليقل آمنت بالله وفي رواية له لا يزال الناس يسألونك عن العلم حتى يقولوا هذا الله خلقنا فمن خلق الله وفي رواية له أيضا ليسألنكم الناس عن كل شيء حتى يقولوا الله خلق كل شيء فمن خلقه وخرجه البخاري أيضا ولفظه يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا من خلق كذا حتى يقول من خلق ربك فإذا لغه فليستعذ بالله ولينته وفي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال الله عز وجل إن أمتك لا يزالون يقولون ما كذا ما كذا حتى يقولوا هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله وخرجه البخاري ولفظه لم يزل الناس يسألون هذا الله خالق كل شيء فمن خلق الله قال إسحاق بن راهوية لا يجوز التفكر في الخالق ويجوز للعباد أن يتفكروا في المخلوقين بما سمعوا فيهم ولا يزيدون على ذلك لأنهم إن فعلوا تاهوا قال وقال الله عز وجل وإن من شيء إلا يسبح بحمده الإسراء ولا يجوز أن يقال كيف تسبيح القصاع والأخونة والخبز والمخبوز والثياب المنسوجة وكل هذا قد صح العلم فيهم أنهم يسبحون فذلك إلى الله أن يجعل تسبيحهم كيف شاء وكما شاء وليس للناس أن يخوضوا في ذلك إلا بما علموا ولا يتكلموا في هذا وشبهه إلا بما أخبر الله ولا يزيدوا على ذلك فاتقوا الله ولا تخوضوا في هذه الأشياء المتشابهة فإنه يرديكم الخوض فيه عن سنن الحق نقل ذلك كله حرب عن إسحاق رحمه الله تعالى الحديث الحادي والثلاثون عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس فقال ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس حديث حسن رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة
287
هذا الحديث خرجه ابن ماجه من رواية خالد بن عمرو القرشي عن سفيان الثوري عن أبي حازم عن سهل بن سعد وقد ذكر الشيخ رحمه الله أن إسناده حسن وفي ذلك نظر فإن خالد بن عمرو القرشي الأموي قال فيه الإمام أحمد منكر الحديث وقال مرة ليس بثقة يروى أحاديث بواطيل وقال ابن معين ليس حديثه بشيء وقال مرة كان كذابا يكذب حدث عن شعبة أحاديث موضوعة وقال البخاري وأبو زرعة منكر الحديث وقال أبو حاتم متروك الحديث ضعيف ونسبه صالح بن محمد وابن عدي إلى وضع الحديث وتناقض ابن حبان في أمره فذكره في كتاب الثقات وذكره في كتاب الضعفاء وقال كان ينفرد عن الثقات بالموضوعات لا يحل الاحتجاج بخبره وخرج العقيلي حديثه هذا وقال ليس له أصل من حديث سفيان الثوري قال وقد تابع خالدا عليه محمد بن كثير الصنعاني ولعله أخذه عنه ودلسه لأن المشهور به خالد هذا قال أبو بكر الخطيب وتابعه أيضا أبو قتادة الحراني ومهران بن أبي عمر الرازي وغيره فروى عن الثوري قال وأشهرها حديث ابن كثير كذا قال
288
وهذا يخالف قول العقيلي إن أشهرها حديث خالد بن عمرو وهذا أصح ومحمد بن كثير الصنعاني هو المصيصي ضعفه أحمد وأبو قتادة ومهران تكلم فيهما أيضا لكن محمد بن كثير خير منهما فإنه ثقة عند كثير من الحفاظ وقد تعجب ابن عدي من حديثه هذا وقال ما أدري ما أقول فيه وذكر ابن أبي حاتم أنه سأل أبان عن حديث محمد بن كثير عن سفيان الثوري فذكر هذا الحديث فقال هذا حديث باطل يعني بهذا الإسناد يشير إلى أنه لا أصل له عن محمد بن كثير عن سفيان وقال ابن مشيش سألت أحمد عن حديث سهل بن سعد فذكر هذا الحديث فقال أحمد لا إله إلا الله تعجبا من يروى هذا الحديث قلت خالد بن عمرو فقال وقعنا في خالد بن عمرو وسكت مراده الإنكار على من ذكر له شيئا من حديث خالد هذا فإنه لا يشتغل به وخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب المواعظ له عن خالد بن عمرو ثم قال كنت منكرا لهذا الحديث فحدثني هذا الشيخ يعني وكيعا أنه سأله عنه ولولا مقالته هذه لتركته وخرج ابن عدي هذا الحديث في ترجمة خالد بن عمرو وذكر رواية محمد بن كثير له أيضا وقال هذا الحديث عن الثوري منكر وقال ورواه زافر يعني ابن سلمان عن محمد بن عيينة أخي سفيان عن أبي حازم عن ابن عمر انتهى وزافر ومحمد بن عيينة كلاهما ضعيف وقد روى هذا الحديث من وجه آخر مرسلا أخرجه أبو سليمان بن زبر الدمشقي في مسند إبراهيم بن أدهم قد جمعه من رواية معاوية بن حفص عن إبراهيم بن أدهم عن منصور عن ربعي بن حراش قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله دلني على عمل يحبني الله عليه ويحبني الناس عليه فقال أما العمل الذي يحبك الله عليه فازهد في الدنيا وأما العمل الذي يحبك عليه الناس فانظر هذا الحطام فانبذه إليهم وخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الدنيا من رواية على بن بكار عن إبراهيم بن أدهم قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكره ولم يذكر في إسناده منصورا ولا ربعيا وقال في حديثه فانبذ إليهم ما في يدك من الحطام وقد اشتمل هذا الحديث على وصيتين عظيمتين إحداهما الزهد في الدنيا وأنه مقتض لمحبة الله عز وجل لعبده والثانية الزهد فيما في أيدي الناس فإنه مقتض لمحبة الناس فأما الزهد في الدنيا فقد كثر في القرآن الإشارة إلى مدحه وكذا ذم الرغبة في الدنيا كما قال الله تعالى بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقي الأعلى وقال تعالى تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة الأنفال وقال تعالى في قصة قارون فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون إلى قوله تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين القصص وقوله وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع الرعد وقال تعالى قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقي ولا تظلمون فتيلا النساء
289
وقال حاكيا عن مؤمن آل فرعون أنه قال لقومه يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار غافر وقد ذم الله عز وجل من كان يريد الدنيا بعمله وسعيه ونيته وقد سبق ذكر ذلك في الكلام على حديث الأعمال بالنيات والأحاديث في ذم الدنيا وحقارتها عند الله عز وجل كثيرة جدا ففي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مر بالسوق والناس كنفيه فمر بجدي أسك ميت فتناوله فأخذ بأذنه فقال أيكم يحب أن هذا له بدرهم فقالوا ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به قال أتحبون أنه لكم قالوا والله لما كان حيا لما رغبنا فيه لأنه أسك فكيف وهو ميت فقال والله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم وفيه أيضا عن المستورد الفهري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بماذا يرجع وخرج الترمذي من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء صححه ومعنى الزهد في الشيء الإعراض عنه لاستقلاله واحتقاره وارتفاع الهمة عنه يقال شيء زهيد أي قليل حقير وقد تكلم السلف ومن بعدهم في تفسير الزهد في الدنيا وتنوعت عباراتهم عنه وورد في ذلك حديث مرفوع خرجه الترمذي وابن ماجه من رواية عمرو بن واقد عن يونس بن حليس عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال والزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق مما في يد الله وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب فيها لو أنها بقيت لك وقال الترمذي غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وعمرو ابن واقد منكر الحديث قلت الصحيح وقفه كما رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد حدثنا زيد بن يحيى الدمشقي خالد بن صبيح حدثنا يونس بن حليس قال قال أبو مسلم الخولاني رضي الله عنه ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال إنما الزهادة في الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يديك وإذا أصبت مصيبة كنت أشد رجاء لأجرها وذخرها من إياها لو بقيت لك وخرجه ابن أبي الدنيا من راوية محمد بن مهاجر عن يونس بن ميسرة قال ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ولكن الزهادة في الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك وأن تكون حالك في المصيبة وحالك إذا لم تصب بها سواء وأن يكون مادحك وذامك في الحق سواء ففسر الزهد في الدنيا بثلاثة أشياء كلها من أعمال القلوب لا من أعمال الجوارح ولهذا كان أبو سليمان يقول لا تشهد لأحد بالزهد فإن الزهد في القلب أحدها أن يكون العبد بما في يد الله أوثق منه بما في يد نفسه وهذا ينشأ من صحة
290
اليقين وقوته فإن الله سبحانه وتعالى ضمن أرزاق عباده وتكفل بها كما قال تعالى وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها وقال تعالى وفي السماء رزقكم وما توعدون وقال تعالى فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه وقال الحسن إن من ضعف يقينك أن تكون بما في يدك أوثق منك بما في يد الله عز وجل وعن على وابن مسعود قالا إن أرجي ما يكون الرزق إذا قالوا ليس في الدنيا دقيق وقال مسروق إن أحسن ما أكون ظنا حين يقول الخادم ليس في البيت قفيز من قمح ولا درهم وقال الإمام أحمد أسر أيامي إلى يوم أصبح وليس عندي شيء وقيل لأبي حازم الزاهد ما مالك قال لي مالان لا أخشى معهما الفقر الثقة بالله واليأس مما في أيدي الناس وقيل له أما تخاف الفقر فقال أنا أخاف الفقر ومولاي له ما في السموات والأرض وما بينهما وما تحت الثري ودفع إلى على بن الموفق ورقة فقرأها فإذا فيها يا على بن الموفق أتخاف الفقر وأنا ربك وقال الفضيل بن عياض أصل الزهد الرضا عن الله عز وجل وقال القنوع هو الزاهد وهو الغني فمن حقق اليقين وثق بالله في أموره كلها ورضي بتدبيره له وانقطع عن التعلق بالمخلوقين رجاء وخوفا ومنعه ذلك من طلب الدنيا بالأسباب المكروهة ومن كان كذلك كان زاهدا في الدنيا حقيقة وكان من أغني الناس وإن لم يكن له شيء من الدنيا كما قال عمار رضي الله عنه كفي بالموت واعظا وكفي باليقين غني وكفي بالعبادة شغلا وقال ابن مسعود رضي الله عنه اليقين أن لا ترضي الناس بسخط الله ولا تحسد أحدا على رزق الله ولا تلم أحدا على ما لم يؤتك الله فإن رزق الله لا يسوقه حرص حريص ولا يرده كراهية كاره فإن الله تعالى بقسطه وعلمه وحكمته جعل الروح والفرح في اليقين والرضا وجعل الهم والحزن في السخط والشك وفي حديث مرسل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو بهذا الدعاء اللهم إني أسألك إيمانا يباشر قلبي ولسانا صادقا حتى أعلم أنه لا يمنعني رزقا قسمته لي ورضني من العيش بما قسمته لي وكان عطاء الخراساني رحمه الله لا يقوم من مجلسه حتى يقول اللهم هب لنا يقينا منك حتى تهون علينا مصائب الدنيا وحتى نعلم أنه لا يصيبنا إلا ما كتبت علينا ولا يصيبنا من الرزق إلا ما قسمت لنا وروينا من حديث ابن عباس مرفوعا قال من سره أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يدي الله أوثق منه بما في يده والثاني أن يكون العبد إذا أصيب بمصيبة في دنياه من ذهاب مال أو ولد أو غير ذلك أرغب في ثواب ذلك مما ذهب منه من الدنيا أن يبقي له وهذا أيضا ينشأ من كمال اليقين وقد روي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا وهو من
291
علامات الزهد في الدنيا وقلة الرغبة فيها كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه من زهد الدنيا هانت عليه المصيبات والثالث أن يستوي عند العبد حامده وذامه في الحق وهذه من علامات الزهد في الدنيا واحتقارها وقلة الرغبة فيها فإن من عظمت الدنيا عنده اختار المدح وكره الذم فربما حمله ذلك على ترك كثير من الحق خشية الذم وعلى فعل كثير من الباطل رجاء المدح فمن استوى عنده حامده وذامه في الحق دل على سقوط منزلة المخلوقين من قلبه وامتلائه من محبة الحق وما فيه رضا مولاه كما قال ابن مسعود رضي الله عنه اليقين أن لا ترضي الناس بسخط الله وقد مدح الله الذين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم وقد روي عن السلف عبارات أخر في تفسير الزهد في الدنيا وكلها ترجع إلى ما تقدم كقول الحسن الزاهد الذي إذا رأى أحدا قال هو أفضل مني وهذا يرجع إلى أن الزاهد حقيقة هو الزاهد في مدح نفسه وتعظيمها ولهذا يقال الزاهد في الرياسة أشد منه في الذهب والفضة فمن أخرج من قلبه حب الرياسة في الدنيا والترفع فيها على الناس فهو الزاهد حقا وهذا هو الذي يستوي عنده حامده وذامه في الحق وكقول وهب بن الورد رحمه الله والزهد في الدنيا أن لا تأس على ما فات منها ولا تفرح بما آتاك منها قال ابن السماك رحمه الله هذا هو الزاهد المبرز في زهده وهذا يرجع إلى أنه يستوي عند العبد إقبالها وإدبارها وزيادتها ونقصها وهو مثل استواء حال المصيبة وعدمها كما سبق وسئل بعضهم أظنه الإمام أحمد عمن معه مال هل يكون زاهدا قال إن كان لا يفرح بزيادته ولا يحزن بنقصه فهو زاهد أو كما قال وسئل الزهري عن الزاهد فقال من لم يغلب الحرام صبره ولم يشغل الحلال شكره وهذا قريب مما قبله فإن معناه أن الزاهد في الدنيا إذا قدر منها على حرام صبر عنه فلم يأخذه وإذا حصل له منها حلال لم يشغله عن الشكر بل قام بشكر الله عليه وقال أحمد بن الحواري رحمه الله قلت لسفيان بن عيينة من الزاهد في الدنيا قال من إذا أنعم عليه شكر وإذا ابتلي صبر وفقلت يا أبا محمد الذي قد أنعم عليه فشكر وإذا ابتلي فصبر وحبس النعمة كيف يكون زاهدا فقال اسكت من لم تمنعه النعماء من الشكر ولا البلوى من الصبر فذلك الزاهد وقال ربيعة رأس الزهادة جمع الأشياء بحقها ووضعها في حقها وقال سفيان الثوري رحمه الله الزهد في الدنيا قصر الأمل ليس بأكل الغليظ ولا بلبس العباء وقال وكان من دعائهم اللهم زهدنا في الدنيا ووسع علينا منها ولا تردها عنا فترغبنا فيها ولهذا قال الإمام أحمد الزهد في الدنيا قصر الأمل وقال مرة قصر الأمل واليأس مما في أيدي الناس ووجه هذا أن قصر الأمل يوجب محبة الله ولقائه والخروج من الدنيا وطول الأمل يقتضي محبة البقاء فيها فمن قصر أمله فقد كره البقاء في الدنيا وهذا نهاية الزهد فيها والإعراض عنها واستدل ابن عيينة لهذا بقوله تعالى قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين إلى قوله ولتجدنهم أحرص الناس على حياة لبقرة الآية وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن الضحاك بن مزاحم قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال يا رسول الله من أزهد الناس
292
فقال من لم ينس القبر والبلى وترك زينة الدنيا وآثر ما يبقى على مايفنى ولم يعد غدا من أيامه وعد نفسه من الموتى وهذا مرسل وقد قسم كثير من السلف الزهد أقساما فمنهم من قال أفضل الزهد الزهد في الشرك وفي عبادة ما عبد من دون الله ثم الزهد في الحرام كله من المعاصي ثم الزهد في الحلال وهو أقل أقسام الزهد والقسمان الأولان من هذا الزهد كلاهما واجب والثالث ليس بواجب فإن أعظم الواجبات الزهد في الشرك ثم في المعاصي كلها وكان بكر المزني يدعو لإخوانه زهدنا الله وإياكم زهد من أمكنه الحرام والذنوب في الخلوات فعلم أن الله يراه فتركه وقال ابن المبارك قال معلي بن أبي مطيع الزهد على ثلاثة وجوه أحدهما أن يخلص العمل لله عز وجل والقول ولا يراد بشيء منه الدنيا والثاني ترك مالا يصلح والعمل بما يصلح والثالث الحلال أن يزهد فيه وهو التطوع وهو أدناها وهذا أقرب مما قبله إلا أنه جعل الدرجة الأولى من الزهد الزهد في الرياء المنافي للإخلاص في القول والعمل وهو الشرك الأصغر والحامل عليه محبة المدح في الدنيا والتقدم عند أهلها وهو من نوع محبة العلو فيها والرياسة وقال إبراهيم بن أدهم الزهد ثلاثة أصناف فزهد فرض وزهد فضل وزهد سلامة فأما الزهد الفرض فالزهد في الحرام والزهد الفضل الزهد في الحلال والزهد السلامة الزهد في الشبهات وقد اختلف الناس هل يستحق اسم الزهد من زهد في الحرام خاصة ولم يزهد في فضول المباحات أم لا على قولين أحدهما أنه يستحق اسم الزهد بذلك وقد سبق ذكر ذلك عن الزهري وابن عيينة وغيرهما والثاني لا يستحق اسم الزهد بدون الزهد في فضول المباحات وهو قول طائفة من العلماء العارفين وغيرهم حتى قال بعضهم لا زهد اليوم لفقد المباح المحض وهو قول يوسف بن أسباط وغيره وفي ذلك نظر وكان يونس بن عبيد يقول وما قدر الدنيا حتى يمدح من زهد فيها وقال أبو سليمان الداراني اختلفوا علينا في الزهد بالعراق فمنهم من قال الزهد في ترك لقاء الناس ومنهم من قال في ترك الشهوات ومنهم من قال في ترك الشبع وكل منهم قريب بعضه من بعض قال وأنا أذهب إلى أن الزهد في ترك ما يشغلك عن الله عز وجل وهذا الذي قاله أبو سليمان حسن وهو يجمع جميع معاني الزهد وأقسامه وأنواعه واعلم أن الذم الوارد في الكتاب والسنة للدنيا ليس راجعا إلى زمانها الذي هو الليل والنهار المتعاقبان إلى يوم القيامة فإن الله تعالى جعلهما خلفه لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ويروي عن عيسى عليه السلام أنه قال إن هذا الليل والنهار خزانتان فانظروا ما تصنعون فيهما وكان يقول عليه الصلاة والسلام اعملوا الليل لما خلق له والنهار لما خلق له وقال مجاهد ما من يوم إلا يقول لابن آدم قد دخلت عليك اليوم ولن أرجع إليك بعد اليوم فانظر ماذا تعمل في فإذا انقضى طوي ثم يختم عليه فلا يفك حتى يكون الله هو الذي
293
يقضيه يوم القيامة ولاالليلة إلا تقول كذلك وقد أنشد بعض السلف إنما الدنيا إلى الجنة والنار طريق والليالي متجر الإنسان والأيام سوق وليس الذم راجعا إلى مكان الدنيا الذي هو الأرض التي جعلها الله لبني آدم مهادا ومسكنا ولا إلى ما أودع الله فيها من الجبال والبحار والأنهار والمعادن ولا إلى ما أنبته فيها من الزرع والشجر ولا إلى ما بث فيها من الحيوانات وغير ذلك فإن ذلك كله من نعمة الله على عباده بما لهم فيه من المنافع ولهم به من الاعتبار والاستدلال عل وحدانية صانعه وقدرته وعظمته وإنما الذم راجع إلى أفعال بني آدم الواقعة في الدنيا لأن غالبها واقع على غير الوجه الذي تحمد عاقبته بل يقع على ما تضر عاقبته أو لا ينفع كما قال عز وجل اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا الحديد وانقسم بنو آدم في الدنيا إلى قسمين أحدهما من أنكر أن يكون للعباد دار بعد الدنيا للثواب والعقاب وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون يونس وهؤلاء همهم التمتع في الدنيا واغتنام لذاتها قبل الموت كما قال تعالى والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم محمد ومن هؤلاء من كان يأمر بالزهد في الدنيا لأنه يرى أن الاستكثار منها موجب الهم والغم ويقول كلما كثر التعلق بها تألمت النفس بمفارقتها عند الموت فكان هذا غاية زهدهم في الدنيا والقسم الثاني من يقر بدار بعد الموت للثواب والعقاب وهم المنتسبون إلى شرائع المرسلين وهم منقسمون إلى ثلاثة أقسام ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات بإذن الله والظالم لنفسه هم الأكثرون منهم وأكثرهم واقف مع زهرة الدنيا وزينتها فأخذها من غير وجهها واستعملها في غير وجهها وصارت الدنيا أكبر همه بها يرضى وبها يغضب ولها يوالي وعليها يعادي وهؤلاء هم أهل اللهو واللعب والزينة والتفاخر والتكاثر وكلهم لم يعرف المقصود من الدنيا ولا أنها منزلة سفر يتزود منها لما بعدها من دار الإقامة وإن كان أحدهم يؤمن بذلك إيمانا مجملا فهو لا يعرفه مفصلا ولا ذاق ما ذاقه أهل المعرفة بالله في الدنيا مما هو أنموذج ما ادخر لهم في الآخرة والمقتصد منهم أخذ الدنيا من وجوهها المباحة وأدى واجباتها وأمسك لنفسه الزائد على الواجب يتوسع به في التمتع بشهوات الدنيا وهؤلاء قد اختلف في دخولهم في اسم الزهاد في الدنيا كما سبق ذكره ولا عقاب عليهم في ذلك إلا أنه ينقص من درجاتهم في الآخرة بقدر توسعهم في الدنيا قال ابن عمر لا يصيب عبد من الدنيا شيئا إلا نقص من درجاته عند الله وإن كان عليه كريما خرجه ابن أبي الدنيا بإسناد جيد وروي مرفوعا من حديث عائشة بإسناد فيه نظر وروى الإمام أحمد في كتاب الزهد بإسناده أن رجلا دخل على معاوية فكساه فخرج فمر على أبي مسعود الأنصاري
294
ورجل آخر من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين فقال أحدهما خذها من حسناتك وقال الآخر خذها من طيباتك وبإسناده عن عمر رضي الله عنه قال لولا أن تنقص من حسناتي لخالطتكم في لين عيشكم ولكن سمعت الله عير قوما فقال أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعم بها الأحقاف وقال الفضيل ابن عياض إن شئت استقل من الدنيا وإن شئت استكثر منها فإنما تأخذ من كيسك ويشهد لهذا إن الله حرم على عباده أشياء من فضول شهوات الدنيا وزينتها وبهجتها حيث لم يكونوا محتاجين إليه وادخره لهم عنده في الآخرة وقد وقعت الإشارة إلى هذا بقوله عز وجل ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين الزخرف وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة وقال لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا تشربوا في إناء الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة وقال وهب إن الله عز وجل قال لموسى عليه السلام إني لأذود أوليائي عن نعيم الدنيا ورخائها كما يذود الراعي الشفيق إبله عن مبارك العرة وما ذلك لهوانهم علي ولكن ليستمسكوا نصيبهم من كرامتي سالما موفرا لم أعجل لهم شيئا في الدنيا لم تكمله ويشهد لهذا ما خرجه الترمذي عن قتادة بن النعمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله إذا أحب عبدا حماه عن الدينا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء وخرجه الحاكم ولفظه إن الله ليحمي عبده من الدنيا وهو يحبه كما تحمون مريضكم الطعام والشراب تخافون عليه وفي صحيح مسلم عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر وأما السابق بالخيرات بإذن الله فهم الذين فهموا المراد من الدنيا وعملوا بمقتضى ذلك فعلموا أن الله إنما أسكن عباده في هذه الدار ليبلوهم أيهم أحسن عملا كما قال هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا هود وقال تعالى الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا الملك قال بعض السلف أيهم أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة وجعل ما في الدنيا من البهجة والنضرة محنة لينظر من يقف منهم معه ويركن إليه ومن ليس كذلك كما قال تعالى إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا الكهف ثم بين انقطاعه ونفاده فقال وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا الكهف فلما فهموا أن هذا هو المقصود من الدنيا جعلوا همهم التزود منها للآخرة التي هي دار القرار فاكتفوا من الدنيا بما يكتفي به المسافر في سفره كما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول ما لي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قال في ظل شجرة ثم راح عنها وتركها ووصى صلى الله عليه وآله وسلم جماعة من الصحابة أن يكون بلاغ أحدهم من الدنيا كزاد راكب منهم
295
سلمان وأبو عبيدة بن الجراح وأبو ذر وعائشة رضي الله عنهم ووصى ابن عمر أن يكون في الدنيا كأنه غريب أو عابر سبيل وأن يعد نفسه من أهل القبور وأهل هذه الدرجة على قسمين منهم من يقتصر من الدنيا على قدر ما يسد الرمق فقط وهو حال كثير من الزهاد ومنهم من يفسح لنفسه أحيانا في تناول بعض شهواتها المباحة لتقوى النفس بذلك وتنشط للعمل كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حبب إلى من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة خرجه الإمام أحمد والنسائي من حديث أنس وخرجه الإمام أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب من الدنيا النساء والطيب والطعام فأصاب من النساء والطيب ولم يصب من الطعام قال وهب مكتوب في حكمة آل داود عليهم السلام ينبغي للعاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات ساعة يحاسب فيها نفسه وساعة يناجي فيها ربه وساعة يلقى فيها إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه وساعة يخلي بين نفسه وبين لذاتها فيما لا يحل ويجمل فإن في هذه الساعة عونا على تلك الساعات وأفضل بلغة واستجماعا للقلوب يعني ترويحا لها ومتى نوى من تناول شهواته المباحة التقوى على طاعة الله كانت شهواته له طاعة يثاب عليها كما قال معاذ رضي الله عنه إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي يعني أنه ينوي بنومه التقوي على القيام في آخر الليل فيحتسب ثواب نومه كما يحتسب ثواب قيامه وكان بعضهم إذا تناول شيئا من شهواته المباحة واسى منها إخوانه كما روي عن ابن المبارك رحمه الله أنه كان إذا اشتهى شيئا لم يأكله حتى يشهد بعض أصحابه فيأكله معهم وكان إذا اشتهى شيئا دعا ضيفا له ليأكل معه وكان يذكر عن الأوزاعي أنه قال ثلاثة لا حساب عليهم في مطعمهم المتسحر والصائم حين يفطر وطعام الضيف وقال الحسن ليس من حبك الدنيا طلبك ما يصلحك فيها ومن زهد فيها ترك الحاجة يسدها عنك تركها ومن أحب الدنيا وسرته ذهب خوف الآخرة من قلبه وقال سعيد بن جبير متاع الغرور ما يلهيك عن طلب الآخرة وما لم يلهك فليس متاع الغرور ولكنه متاع بلاغ إلى ما هو خير منه وقال يحيى بن معاذ الرازي كيف لا أحب دنيا قدر لي فيها قوت أكتسب بها حياة أدرك بها طاعة أنال بها الآخرة وسئل أبو صفوان الرعيني وكان من العارفين ما هي الدنيا التي ذمها الله في القرآن التي ينبغي للعاقل أن يتجنبها فقال كل ما أصبت في الدنيا تريد به الدنيا فهو مذموم وكل ما أصبت منها تريد بها الآخرة فليس منها وقال الحسن رحمه الله نعمت الدار الدنيا كانت للمؤمن وذلك أنه عمل قليلا وأخذ زاده منها إلى الجنة وبئست الدار كانت للكافر والمنافق وذلك أنه ضيع لياليه وكان زاده منها إلى النار وقال أبقع بن عبيد الكلاعي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار قال الله يا أهل الجنة كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قال نعم ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم رحمتي
296
ورضواني وجنتي امكثوا فيها خالدين مخلدين ثم يقول لأهل النار كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فيقول بئسما اتجرتم في يوم أو بعض يوم سخطي ومعصيتي وناري امكثوا فيها خالدين مخلدين وخرج الحاكم من حديث عبد الجبار بن وهب أنبأنا سعيد بن طارق عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال نعمت الدار الدنيا لمن تزود منها لآخرته حتى يرضي ربه وبئست الدار لمن صدته عن آخرته وقصرت به عن رضا ربه وإذا قال العبد قبح الله الدنيا قالت الدنيا قبح الله أعصانا لربه وقال صحيح الإسناد وخرجه العقيلي وقال عبد الجبار بن وهب مجهول وحديثه غير محفوظ قال وهذا الكلام يروي عن علي من قوله وقول علي خرجه ابن أبي الدنيا عنه بإسناد فيه نظر أن عليا سمع رجلا يسب الدنيا فقال إنها لدار صدق لمن صدقها ودار عافية لمن فهم عنها ودار غني لمن تزود منها مسجد أحباب الله ومهبط وحيه ومصلى ملائكته ومتجر أوليائه اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة فمن ذا يذم الدنيا وقد آذنت بفراقها ونادت بعيبها نعت نفسها وأهلها فمثلت ببلائها البلاء وشوقت بسرورها إلى أهل السرور فذمها قوم عند الندامة ومدحها آخرون حدثتهم فصدقوا وذكرتهم فذكروا فيا أيها المغتر بالدنيا المغتر بغرورها متى استلأمت إليك الدنيا بل متى غرتك بمضاجع آبائك تحت الثرى أم بمصارع أمهاتك من البلى كم قلبت بكفيك ومرضت بيديك تطلب له الشفاء وتسأل له الأطباء فلم تظفر بحاجتك ولم تسعف بطلبتك قد مثلت لك الدنيا بمصرعه مصرعك غدا ولا يغني عنك بكاؤك ولا ينفعك أحباؤك فبين أمير المؤمنين رضي الله عنه أن الدنيا لا تذم مطلقا وأنها تحمد بالنسبة إلى من تزود منها الأعمال الصالحة وأن فيها مساجد الأنبياء ومهبط الوحي وهي دار التجارة للمؤمنين اكتسبوا منها الرحمة وربحوا بها الجنة فهي نعم الدار لمن كانت هذه صفته وأما ما ذكر من أنها تغر وتخدع فإنها تنادي بمواعظها وتنصح بعبرها وتبدي عيوبها بما ترى من أهلها من مصارع الهلكى وتقلب الأحوال من الصحة إلى السقم ومن الشيبة إلى الهرم ومن الغنى إلى الفقر ومن العز إلى الذل لكن محبها قد أصمه وأعماه حبها فهو لا يسمع نداءها كما قيل وقد نادت الدنيا على نفسها لو كان في العالم من يسمع كم واثق بالعمر أفنيته وجامع بددت ما يجمع وقال يحيى بن معاذ رحمه الله لو يسمع الخلائق صوت النياحة على الدنيا في المغيب من ألسنة الفناء لتساقطت القلوب منهم حزنا وقال بعض الحكماء الدنيا أمثال تضربها الأيام للأنام وعلم الزمان لا يحتاج إلى ترجمان وبحب الدنيا صمت أسماع القلوب عن المواعظ
297
وما أحث السائق لو شعر الخلائق وأهل الزهد في فضول الدنيا أقسام فمنهم من يحصل له فيمسكه ويتقرب به إلى الله كما كان كثير من الصحابة وغيرهم قال أبو سليمان كان عثمان وعبدالرحمن بن عوف رضي الله عنهما خازنين من خزان الله في أرضه ينفقان في طاعته وكانت معاملتهما لله بقلوبهما ومنهم من يخرجه من يده ولا يمسكه وهؤلاء نوعان منهم من يخرجه اختيارا وطواعية ومنهم من يخرجه ونفسه تأبى إخراجه ولكن يجاهدها على ذلك وقد اختلف في أيهما أفضل فقال ابن السماك والجنيد الأول أفضل للتحقق نفسه بمقام السخاء والزهد وقال ابن عطاء الثاني أفضل لتحقق نفسه بأن له عملا ومجاهدة وفي كلام الإمام أحمد ما يدل عليه رضي الله عنه ومنهم من لم يحصل له شيء من الفضول وهو زاهد في تحصيله إما مع قدرته أو بدونها والأول أفضل من هذا ولهذا قال كثير من السلف أن عمر بن عبد العزيز كان أزهد من أويس ونحوه كذا قال أبو سليمان وغيره وكان مالك بن دينار يقول الناس يقولون مالك زاهد إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز وقد اختلف العلماء أيما أفضل من طلب الدنيا من الحلال ليصل رحمه ويقدم منها لنفسه أم من تركها فلم يطلبها بالكلية فرجحت طائفة من تركها وجانبها منهم الحسن وغيره ورجحت طائفة من طلبها على ذلك الوجه منهم النخعي وغيره وروي عن الحسن رضي الله عنه نحوه والزاهدون في الدنيا بقلوبهم لهم ملاحظ ومشاهد يشهدونها فمنهم من يشهد كثرة التعب بالسعي في تحصيلها فهو يزهد فيها قصد الراحة لنفسه قال الحسن الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن ومنهم من يخاف أن ينقص حظه من الآخرة بأخذ فضول الدنيا ومنهم من يخاف من طول الحساب عليها قال بعضهم من سأل الله الدنيا فإنما يسأل طول الوقوف للحساب ومنهم من يشهد كثرة عيوب الدنيا وسرعة تقلبها وفنائها ومزاحمة الأراذل في طلبها كما قيل لبعضهم ما الذي زهدك في الدنيا قال قلة وفائها وكثرة جفائها وخشية شركائها ومنهم من كان ينظر إلى حقارة الدنيا عند الله فيقذرها كما قال الفضيل لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت علي حلالا ولا أحاسب بها في الآخرة لكنت أقتذرها كما يقتذر الرجل الجيفة إذا مر بها أن تصيب ثوبه ومنهم من كان يخاف أن تشغله عن الاستعداد للآخرة والتزود لها قال الحسن إن كان أحدهم ليعيش عمره مجهودا شديد الجهد والمال الحلال إلى جنبه يقال له ألا تأتي هذا فتصيب منه فيقول لا والله لا أفعل إني أخاف أن آتيه فأصيب منه فيكون فساد قلبي وعملي وبعث إلى عمر بن المنكدر بمال فبكى واشتد بكاؤه وقال خشيت أن تغلب الدنيا على قلبي فلا يكون للآخرة مني نصيب فذلك الذي منه أبكاني ثم أمر به فتصدق به على فقراء أهل المدينة وخواص هؤلاء يخشى أن يشتغل بها عن الله كما قالت رابعة ما أحب أن لي الدنيا كلها من أولها إلى آخرها حلالا أنفقها في سبيل الله وأنها شغلتني عن الله طرفة عين وقال أبو سليمان الزهد ترك ما
298
يشغل عن الله وقال كل ما يشغلك عن الله من أهل ومال وولد فهو مشئوم وقال الزهد في الدنيا على طبقتين منهم من يزهد في الدنيا فلا يفتح له فيها روح الآخرة ومنهم من إذا زهد فيها فتح له فيها روح الآخرة فليس شيء أحب إليه من البقاء ليطيع وقال ليس الزاهد من ألقى هموم الدنيا واستراح منها إنما الزاهد من زهد في الدنيا وتعب فيها للآخرة فالزهد في الدنيا يراد به تفريغ القلب من الاشتغال بها ليتفرغ لطلب الله ومعرفته والقرب منه والأنس به والشوق إلى لقائه وهذه الأمور ليست من الدنيا كما كان النبي صلى الله عليه آله وسلم يقول حبب إلى من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة ولم يجعل الصلاة مما حبب إليه من الدنيا كذا في المسند والنسائي وأظنه وقع في غيرهما حبب إلى من دنياكم ثلاث فأدخل الصلاة في الدنيا ويشهد لذلك حديث الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه أو عالما أو متعلما أخرجه ابن ماجه والترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة مرفوعا وروي نحوه من غير وجه مرسلا ومتصلا وخرجه الطبراني من حديث أبي الدرداء مرفوعا قال الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما ابتغى به وجه الله وخرجه ابن أبي الدنيا موقوفا وخرجه أيضا من رواية شهر بن حوشب عن عبادة قال أراه رفعه قال يؤتي بالدنيا يوم القيامة فيقال ميزوا منها ما كان لله عز وجل وألقوا سائرها في النار فالدنيا وكل ما فيها ملعونة أي مبعدة عن الله لأنها تشغل عنه إلا العلم النافع الدال علي الله وعلي معرفته وطلب قربه ورضاه وذكر الله وما والاه مما يقرب من الله فهذا هو المقصود من الدنيا فإن الله إنما أمر عباده بأن يتقوه ويطيعوه ولازم ذلك دوام ذكره كما قال ابن مسعود تقوي الله حق تقواه أن يذكر فلا ينسي وإنما شرع الله إقام الصلاة لذكره وكذلك الحج والطواف وأفضل أهل العبادات أكثرهم لله ذكرا فيها فهذا كله ليس من الدنيا المذمومة وهو المقصود من إيجاد الدنيا وأهلها كما قال تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون الذاريات وقد ظن طوائف من الفقهاء والصوفية أن ما يوجد في الدنيا من هذه العبادات أفضل مما يوجد في الجنة من النعيم قالوا لأن نعيم الجنة حظ العبد والعبادات في الدنيا حق الرب وحق الرب أفضل من حظ العبد وهذا غلط ويقوي غلطهم قول كثير من المفسرين في قوله من جاء بالحسنة فله خير منها النمل قالوا الحسنة لا إله إلا الله وليس شيء خيرا منها ولكن الكلام على التقديم والتأخير والمراد فله منها خير أي له خير بسببها ولأجلها والصواب إطلاق ما جاءت به نصوص الكتاب والسنة أن الآخرة خير من الأولى مطلقا وفي صحيح الحاكم عن المستورد بن شداد قال كنا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتذكروا الدنيا والآخرة فقال بعضهم إنما الدنيا بلاغ للآخرة وفيها العمل وفيها الصلاة وفيها الزكاة وقالت طائفة منهم الآخرة فيها الجنة وقالوا ما شاء الله فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما الدنيا في الآخرة إلا كما يمشي أحدكم إلى
299
اليم فأدخل إصبعه فيه فما خرج منه فهو الدنيا فهذا نص بتفضيل الآخرة على الدنيا وما فيها من الأعمال ووجه ذلك أن كمال الدنيا إنما هو في العلم والعمل والعلم مقصود الأعمال فتضاعف في الآخرة بما لا نسبة لما في الدنيا إليه فإن العلم أصله العلم بالله وأسمائه وصفاته وفي الآخرة ينكشف الغطاء ويصير الخبر عيانا ويصير علم اليقين عين اليقين وتصير المعرفة بالله رؤية له ومشاهدة فأين هذا مما في الدنيا وأما الأعمال البدنية فإن لها في الدنيا مقصدين أحدهما اشتغال الجوارح بالطاعة وكدها بالعبادة والثاني اتصال القلوب بالله وتنويرها بذكره فالأول قد رفع عن أهل الجنة ولهذا روي أنهم إذا هموا بالسجود لله عند تجليه لهم يقال لهم ارفعوا رؤوسكم إنكم لستم في دار مجاهدة وأما المقصود الثاني فحاصل لأهل الجنة على أكمل الوجوه وأتمها ولا نسبة لما حصل لقلوبهم في الدنيا من لطائف القرب والأنس والاتصال إلى ما يشاهدونه في الآخرة عيانا فتتنعم قلوبهم وأبصارهم وأسماعهم بقرب الله ورؤيته وسماع كلامه لا سيما في أوقات الصلاة في الدنيا كالجمع والأعياد والمقربون منهم يحصل ذلك لهم كل يوم مرتين بكرة وعشيا في وقت صلاة الصبح وصلاة العصر ولهذا لما ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن أهل الجنة يرون ربهم حض عقيب ذلك على المحافظة على صلاة العصر وصلاة الفجر لأن وقت هاتين الصلاتين وقت لرؤية خواص أهل الجنة ربهم وزيارتهم له وكذلك نعيم الذكر وتلاوة القرآن لا ينقطع عنهم أبدا فيلهمون التسبيح كما يلهمون النفس قال ابن عيينة لا إله إلا الله لأهل الجنة كالماء البارد لأهل الدنيا فإن لذة الذكر للعارفين في الدنيا من لذتهم به في الجنة فتبين بهذا أن قوله من جاء بالحسنة فله خير منها على ظاهره فإن ثواب كلمة التوحيد في الدنيا أن يصل صاحبها إلى قولها في الجنة على الوجه الذي يختص به أهل الجنة وبكل حال فالذي يحصل لأهل الجنة من تفاصيل العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله ومن قربه ومشاهدته ولذة ذكره هو أمر لا يمكن التعبير عن كنهه في الدنيا لأن أهلها لم يدركوه على وجهه بل هو مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر والله تعالى المسئول أن لا يحرمنا خير ما عنده بشر ما عندنا بمنه وكرمه ورحمته آمين اللهم صل على محمد وآله وصحبه وسلم ولنرجع إلى شرح حديث ازهد في الدنيا يحبك الله فهذا الحديث يدل على أن الله يحب الزاهد في الدنيا قال بعض السلف قال الحواريون لعيسى عليه السلام يا روح الله علمنا عملا واحدا يحبنا الله عز وجل عليه قال ابغضوا الدنيا يحبكم الله عز وجل وقد ذم الله تعالى من يحب الدنيا ويؤثرها على الآخرة كما قال كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة القيامة وقال وتحبون المال حبا جما الفجر وقال وإنه لحب الخير لشديد العاديات والمراد حب المال فإذا ذم من أحب الدنيا دل على مدح من لا يحبها بل يرفضها ويتركها وفي المسند وصحيح ابن حبان عن أبي موسى عن النبي صلى الله
300
عليه وآله وسلم قال من أحب دنياه أضر بآخرته ومن أحب آخرته أضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى وفي المسند وسنن ابن ماجه عن زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من كانت همه الدنيا فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ومن كانت الآخرة نيته جمع الله عليه أمره وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة وخرجه الترمذي من حديث أنس مرفوعا بمعناه ومن كلام جندب بن عبد الله الصنعاني رضي الله عنه حب الدنيا رأس كل خطيئة وروي مرفوعا وروي عن الحسن مرسلا وقال الحسن من أحب الدنيا وسرته خرج حب الآخرة من قلبه وقال عون بن عبد الله الدنيا والآخرة في القلب ككفتي الميزان بقدر ما ترجح إحداهما تخف الأخرى وقال وهب إنما الدنيا والآخرة كرجل له امرأتان إن رضي إحداهما أسخط الأخرى وبكل حال فالزهد في الدنيا شعار أنبياء الله وأوليائه وأحبائه قال عمرو بن العاص رضي الله عنه ما أبعد هديكم من هدي نبيكم صلى الله عليه وسلم إنه كان أزهد الناس في الدنيا وأنتم أرغب الناس فيها خرجه الإمام أحمد وقال ابن مسعود رضي الله عنه لأصحابه أنتم أكثر صلاة وصوما وجهادا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وهم كانوا خيرا منكم قالوا كيف ذلك قال كانوا أزهد منكم في الدنيا وأرغب منكم في الآخرة وقال أبو الدرداء لئن حلفتم لي على رجل أنه أزهدكم لأحلفن لكم أنه خيركم ويروى عن الحسن قال قالوا يا رسول الله من خيرنا قال أزهدكم في الدنيا وأرغبكم في الآخرة والكلام في هذا الباب يطول جدا وفيما أشرنا إليه كفاية إن شاء الله تعالى الوصية الثانية وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وصى رجلا فقال ايأس مما في أيدي الناس تكن غنيا خرجه الطبراني وغيره ويروي من حديث سهل بن سعد مرفوعا شرف المؤمن قيامه بالليل وعزة استغناؤه عن الناس وقال الحسن لا تزال كريما على الناس ولا يزال الناس يكرمونك ما لم تعاط ما في أيديهم فإذا فعلت ذلك استخفوا بك وكرهوا حديثك وأبغضوك وقال أيوب السختياني لا يقبل الرجل حتى تكون فيه خصلتان العفة عما في أيدي الناس والتجاوز عما يكون منهم وكان عمر يقول في خطبته على المنبر إن الطمع فقر وإن اليأس غني وإن الإنسان إذا أيس من شيء استغنى عنه وروي أن عبد الله بن سلام لقي كعب الأحبار عند عمر فقال يا كعب من أرباب العلم قال الذين لا يعملون به قال فما يذهب بالعلم من قلوب العلماء بعد أن حفظوه وعقلوه قال يذهبه الطمع وشره النفس وتطلب الحاجات إلى الناس قال صدقت وقد تكاثرت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر بالاستعفاف عن مسئلة الناس والاستغناء عنهم فمن سأل الناس ما بأيديهم كرهوه وأبغضوه لأن المال محبوب لنفوس بني آدم فمن طلب منهم ما يحبونه كرهوه لذلك وأما من كان يرى المنة للسائل عليه ويرى أنه لو خرج له عن ملكه كله لم
301
يف له ببذل سؤاله له وذلته له أو كان يقول لأهله ثيابكم على غيركم أحسن منها عليكم ودوابكم تحت غيركم أحسن منها تحتكم فهذا نادر جدا من طباع بني آدم وقد انطوى بساط ذلك من أزمان متطاولة وأما من زهد فيما في أيدي الناس وعف عنهم فإنهم يحبونه ويكرمونه لذلك ويسود به عليهم كما قال أعرابي لأهل البصرة من سيد أهل هذه القرية قالوا الحسن قال بم سادهم قالوا احتاج الناس إلى علمه واستغنى هو عن دنياهم وما أحسن قول بعض السلف في وصف الدنيا وأهلها وما هي إلا جيفة مستحيلة عليها كلاب همهن اجتذابها فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها وإن تجتذبها نازعتك كلابها
302
الحديث الثاني والثلاثون لا ضرر ولا ضرار عن أبي سعيد سعد بن مالك الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا ضرر ولا ضرار حديث حسن رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مسندا ورواه مالك في الموطإ مرسلا عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا فأسقط أبا سعيد وله طرق يقوي بعضها بعضا حديث أبي سعيد لم يخرجه ابن ماجه وإنما أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي من رواية عثمان بن محمد بن عثمان بن ربيعة حدثنا الدراوردي عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لا ضرر ولا ضرار من ضار ضره الله ومن شاق شق الله عليه وقال الحاكم صحيح الإسناد على شرط مسلم وقال البيهقي تفرد به عثمان عن الدراوردي وخرجه مالك في الموطإ عن عمرو بن يحيى عن أبيه مرسلا قال ابن عبد البر لم يختلف عن مالك في إرسال هذا الحديث قال ولا يسند من وجه صحيح ثم خرجه من رواية عبد الملك بن معاذ النصيبي عن الدراوردي موصولا والدراوردي كان الإمام أحمد يضعف ما حدث به من حفظه ولا يعبأ به ولا شك في تقديم قول مالك على قوله وقال خالد ابن سعد الأندلسي الحافظ لم يصح حديث لا ضرر ولا ضرار مسندا وأما ابن ماجه فخرجه من رواية فضيل بن سليمان حدثنا موسى بن عقبة حدثنا إسحاق بن يحيى ابن الوليد عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضي أن لا ضرر ولا ضرار وهذا من جملة صحيفة يروى بهذا الإسناد وهي منقطعة مأخوذة من كتاب قاله ابن المديني وأبو زرعة وغيرهما وإسحاق بن يحيى قيل هو ابن طلحة وهو ضعيف لم يسمع من
303
عبادة قاله أبو زرعة وابن أبي حاتم والدارقطني في موضع وقيل إسحاق بن يحيى ابن الوليد عن عبادة ولم يسمع أيضا من عبادة قاله الدارقطني أيضا وذكره ابن عدي في كتابه الضعفاء وقال عامة أحاديثه غير محفوظة وقيل إن موسى بن عقبة لم يسمع منه وإنما روى هذه الأحاديث عن أبي عياش الأسدي عنه وأبو عياش لا يعرف وخرجه ابن ماجه أيضا من وجه آخر من رواية جابر الجعفي عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله
304
عليه وآله وسلم لا ضرر ولا ضرار وجابر الجعفي ضعفه الأكثرون وخرجه الدارقطني من رواية إبراهيم بن إسماعيل عن داود بن الحصين عن عكرمة وإبراهيم ضعفه جماعة وروايات داود عن عكرمة مناكير وخرجه الدارقطني من حديث الواقدي حدثنا خارجة بن عبدالله بن سليمان بن زيد بن ثابت عن أبي الرجال عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لا ضرر ولا ضرار والواقدي متروك وشيخه مختلف في تضعيفه وخرجه الطبراني من وجهين ضعيفين أيضا عن القاسم عن عائشة وخرجه الطبراني أيضا من رواية محمد بن سلمة عن أبي إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لا ضرر ولا ضرار في الإسلام وهذا إسناد متقارب وهو غريب ولكن خرجه أبو داود في المراسيل من رواية عبدالرحمن ابن معز عن أبي إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع مرسلا وهذا أصح وخرجه الدارقطني من رواية أبي بكر بن عياش قال أراه عن ابن عطاء عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لا ضرر ولا ضرورة ولا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خشبه على حائطه وهذا الإسناد فيه شك وابن عطاء هو يعقوب وهو ضعيف وروى كثير بن عبد اللهبن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لا ضرر ولا إضرار قال ابن عبد البر إسناده غير صحيح قلت كثير هذا يصحح حديثه الترمذي ويقول البخاري في بعض حديث هو أصح حديث في الباب وحسن حديث إبراهيم بن المنذر الخزاعي وقال هو خير مراسيل ابن المسيب وكذلك حسنه ابن أبي عاصم وترك حديثه آخرون منهم الإمام أحمد وغيره فهذا ما حضرنا من ذكر طرق أحاديث هذا الباب وقد ذكر الشيخ رحمه أن بعض طرقه تقوي ببعض وهو كما قال وقد قال البيهقي في بعض أحاديث كثير بن عبدالله المزني إذا انضمت إلى غيرها من الأسانيد التي فيها ضعف قوتها وقال الشافعي في المرسل إنه إذا استند من وجه آخر وأرسله من يأخذ العلم عن غير من يأخذ عنه المرسل الأول فإنه يقبل وقال الجوزجاني إذا كان الحديث المسند من رجل غير مقنع يعني لا يقنع برواياته وشد أركانه المراسيل بالطرق المقبولة عند ذوي الاختيار استعمل واكتفي به وهذا إذا لم يعارض بالمسند الذي هو أقوي منه وقد استدل الإمام أحمد بهذا الحديث وقال قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا ضرر ولا ضرار وقال أبو عمرو بن الصلاح هذا الحديث أسنده الدارقطني من وجوه ومجموعها يقوي الحديث ويحسنه وقد تقبله جماهير أهل العلم واحتجوا به وقول أبي داود إنه من الأحاديث التي يدور الفقه عليها يشعر بكونه غير ضعيف والله أعلم وفي المعنى أيضا حديث أبي صرمة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من ضار ضار الله به ومن شاق شاق الله عليه خرجه أبو داود والترمذى وابن ماجه وقال الترمذي حسن غريب وخرج الترمذي بإسناد فيه ضعف عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ملعون من ضار مؤمنا أو مكر به وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لا ضرر ولا ضرار هذه الرواية الصحيحة ضرار بغير همزة وروى إضرار بالهمزة ووقع ذلك في بعض روايات ابن ماجه والدراقطني بل وفي بعض نسخ الموطأ وقد أثبت بعضهم هذه الرواية وقال ضر وأضر بمعنى واحد وأنكرها آخرون وقالوا لا صحة لها واختلفوا هل بين اللفظين أعني الضر والضرار فرق أم لا فمنهم من قال هما بمعنى واحد على وجه التأكيد والمشهور أن بينهما فرقا ثم قيل إن الضرر هو الاسم والضرار الفعل فالمعنى أن الضرر نفسه منتف في الشرع وإدخال الضرر بغير حق كذلك وقيل الضرر أن يدخل على غيره ضررا بما ينتفع هو به والضرار أن يدخل على غيره ضررا بلا منفعة له به كمن منع ما لا يضره ويتضرر به الممنوع ورجح هذا القول طائفة منهم ابن عبد البر وابن الصلاح وقيل الضرر أن يضر به من لا يضره والضرار أن يضر بمن قد أضر به على وجه غير جائز وبكل حال فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما نفي الضرر والضرار بغير حق فأما إدخال الضرر على أحد يستحقه إما لكونه تعدي حدود الله فيعاقب بقدر جريمته أو كونه ظلم نفسه وغيره فيطلب المظلوم مقابلته بالعدل فهذا غير مراد قطعا وإنما المراد إلحاق الضرر بغير حق وهذا على نوعين أحدهما أن لا يكون في ذلك غرض سوي الضرر بذلك الغير فهذا لا ريب في قبحه وتحريمه وقد ورد في القرآن النهي عن المضارة في مواضع منها في الوصية قال تعالى من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار النساء وفي الحديث عن أبي هريرة مرفوعا إن العبد ليعمل بطاعة الله ستين سنة ثم يحضره الموت فيضار في الوصية فيدخل النار ثم تلا تلك حدود الله إلى قوله ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين النساء وخرجه الترمذي وغيره بمعناه وقال ابن عباس رضي الله عنه الإضرار في الوصية من الكبائر ثم تلا هذه الآية والإضرار في الوصية تارة يكون بأن يخص بعض الورثة بزيادة على فرضه الذي فرضه الله له فيتضرر بقية الورثة بتخصيصه ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن الله قد أعطي كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث وتارة بأن يوصي لأجنبي بزيادة على الثلث فينقص حقوق الورثة ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم الثلث والثلث كثير ومتي
305
وصي لوارث أو لأجنبي بزيادة على الثلث لم ينفذ ما وصي به إلا بإجازة الورثة وسواء قصد المضارة أو لم يقصد وأما إن قصد المضارة بالوصية لأجنبي بالثلث فإنه يأثم بقصده المضارة وهل ترد وصيته إذا ثبت بإقراره أم لا حكي ابن عطية رواية عن مالك أنها ترد وقيل إنه قياس مذهب أحمد ومنها الرجعة في النكاح وقال تعالى فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه البقرة وقال وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا البقرة فدل ذلك على أن من كان قصده بالرجعة المضارة فإنه آثم بذلك وهذا كما كانوا في أول الإسلام قبل حصر الطلاق في ثلاث يطلق الرجل امرأته ثم يتركها حتى يقارب انقضاء عدتها ثم يراجعها ثم يطلقها ويفعل ذلك أبدا بغير نهاية فيدع المرأة لا مطلقة ولا ممسكة فأبطل الله ذلك وحصر الطلاق في ثلاث مرات وذهب مالك إلى أن من راجع امرأته قبل انقضاء عدتها ثم طلقها من غير مسيس أنه إن قصد بذلك مضارتها بتطويل لم تستأنف العدة وبنت على ما مضي منها وإن لم يقصد بذلك استأنفت عدة جديدة وقيل تبين مطلقا وهو قول عطاء وقتادة والشافعي في القديم وأحمد في رواية وقيل تستأنف مطلقا وهو قول الأكثرين منهم أبو قلابة والزهري والثوري وأبو حنيفة والشافعي في الجديد وأحمد في رواية وإسحاق وأبو عبيد وغيرهم ومنها في الإيلاء فإن الله جعل مدة المولي أربعة أشهر إذا حلف الرجل على امتناعه من وطء زوجته فإنه يضرب له مدة أربعة أشهر فإن فاء ورجع إلى الوطء كان ذلك توبته وإن أصر على الامتناع لم يمكن من ذلك ثم فيه قولان للسلف والخلف أحدهما أنها تطلق عليه بمضي هذه المدة والثاني أنه يوقف فإن فاء وإلا أمر بالطلاق ولو ترك الوطء لقصد إضرار بغير يمين مدة أربعة أشهر فقال كثير من أصحابنا حكمه حكم المولي في ذلك وقالوا هو ظاهر في كلام أحمد وكذا قال جماعة منهم إذا ترك الوطء أربعة أشهر لغير عذر ثم طلب الفرقة فرق بينهما بناء على أن الوطء عندنا في هذه المدة واجب واختلفوا هل يعتبر لذلك قصد الإضرار أم لا يعتبر ومذهب مالك وأصحابه إذا ترك الوطء من غير عذر فإنه يفسخ نكاحه مع اختلافهم في تقدير المدة ولو أطال السفر من غير عذر وطلبت امرأته قدومه فأبي فقال مالك وأحمد وإسحاق يفرق الحاكم بينهما وقدره أحمد بستة أشهر وإسحاق بمضي سنتين ومنها في الرضاع قال تعالى لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده البقرة قال مجاهد في قوله لا تضار والدة بولدها قال لا يمنع أمه أن ترضعه ليحزنها بذلك وقال عطاء وقتادة والزهري وسفيان والسدي وغيرهم إذا رضيت ما يرضي به غيرها فهي أحق به وهذا هو المنصوص عن أحمد رحمه الله ولو كانت الأم في حبال الزوج وقيل إن كانت في حبال الزوج فله منعها من إرضاعه إلا أن لا يمكن ارتضاعه من غيرها وقول الشافعي وبعض أصحابنا لكن إنما يجوز ذلك إذا كان قصد الزوج به توفير الزوجة
306
للاستمتاع لا مجرد إدخال الضرر عليها وقوله ولا مولود له بولده البقرة يدخل فيه أن المطلقة إذا طلبت إرضاع ولدها بأجرة مثلها لزم الأب إجابتها إلى ذلك وسواء وجد غيرها أو لم يوجد هذا منصوص الإمام أحمد فإن طلبت زيادة على أجرة مثلها زيادة كثيرة ووجد الأب من يرضعه بأجرة المثل لم يلزم الأب إجابتها إلى ما طلب لأنها تقصد المضارة وقد نص عليه الإمام أحمد أيضا ومنها في البيع قد ورد النهي عن بيع المضطر خرجه أبو داود من حديث على بن أبي طالب أنه خطب الناس فقال إنه سيأتي على الناس زمان عضوض يعض الموسر على ما في يديه ولم يؤمر بذلك قال تعالى ولا تنسوا الفضل بينكم البقرة ويبايع المضطرون وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر وخرجه الإسماعيلي وزاد فيه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن كان عندك خير تعود به على أخيك وإلا فلا تزيدنه هلاكا إلى هلاكه وخرجه أبو يعلي الموصلي بمعناه من حديث حذيفة مرفوعا أيضا وقال عبد اللهبن معقل بيع الضرورة ربا قال حرب سئل أحمد عن بيع المضطر فكرهه فقيل له كيف هو قال يجيئك وهو محتاج فتبيعه ما يساوي عشرة بعشرين وقال أبو طالب قيل لأحمد إن ربح بالعشرة خمسة فكره ذلك وإن كان المشتري مسترسلا لا يحسن أن يماكس فباعه بغبن كثير لم يجز أيضا قال أحمد الخلابة الخداع وهو أنه يغتبنه فيما لا يتغابن الناس في مثله يبيعه ما يساوي درهما بخمسة ومذهب مالك وأحمد أنه يثبت له خيار الفسخ بذلك ولو كان محتاجا إلى نقد فلم يجد من يقرضه فاشتري سلعة بثمن إلى أجل في ذمته ومقصوده بيع تلك السلعة ليأخذ ثمنها فهذا فيه قولان للسلف ورخص أحمد في رواية وقال في رواية أخشى أن يكون مضطرا فإن باع السلعة من بائعها فأكثر السلف على تحريم ذلك وهو مذهب مالك وأبي حنيفة رحمهم الله وأحمد وغيرهم ومن أنواع الضر في البيوع التفريق بين الوالدة وولدها في البيع فإن كان صغيرا حرم بالاتفاق وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة فإن رضيت الأم بذلك ففي جوازه اختلاف ومسائل الضرر في الأحكام كثيرة جدا وإنما ذكرنا هذا على وجه المثال والنوع الثاني أن يكون له غرض آخر صحيح مثل أن يتصرف في ملكه بما فيه مصلحة له فيتعدى ذلك إلى ضرر غيره أو يمنع غيره من الانتفاع بملكه توفيرا فيتضرر الممنوع بذلك فأما الأول وهو التصرف في ملكه بما يتعدى ضرره إلى غيره فإن كان على غير الوجه المعتاد مثل أن يؤجج في أرضه نارا في يوم عاصف فيحترق ما يليه فإنه متعد بذلك وعليه الضمان وإن كان على الوجه المعتاد ففيه للعلماء قولان مشهوران أحدهما لا يمنع من ذلك وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما والثاني المنع وهو قول أحمد ووافقه مالك في بعض الصور فمن صور ذلك أن يفتح كوة في بنائه العالي مشرفة على جاره أو يبني بناء عاليا يشرف على جاره ولا يستره فإنه يلزمه بستره نص عليه أحمد
307
ووافقه طائفة من أصحاب الشافعي قال الروياني منهم في كتاب الحلية يجتهد الحاكم في ذلك ويمنع إذا ظهر له التعيث وقصد الفساد قال وكذلك القول في إطالة البناء ومنع الشمس والقمر وقد خرج الخرائطي وابن عدي بإسناد ضعيف عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا حديثا طويلا في حق الجار وفيه ولا يستطيل البناء فيحجب عنه الريح إلا بإذنه ومنها أن يحفر بئرا بالقرب من بئر جاره فيذهب ماؤها فإنها تطم في ظاهر مذهب مالك وأحمد وخرج أبو داود في المراسيل من حديث أبي قلابة قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تضاروا في الحفر وذلك أن يحفر الرجل إلى جنب الرجل ليذهب بمائه ومنها أن يحدث في ملكه ما يضر ملك جاره من هز أو دق ونحوهما فإنه يمنع منه في ظاهر مذهب مالك وأحمد وهو أحد الوجوه للشافعية وكذا إذا كان يضر بالسكان كما إذا كان له رائحة خبيثة ونحو ذلك ومنها أن يكون له ملك في أرض غيره ويتضرر صاحب الأرض بدخوله إلى أرضه فإنه يجبر على إزالته ليندفع به ضرر الدخول خرجه أبو داود في سننه من حديث أبي جعفر محمد بن على أنه حدث سمرة بن جندب أنه كان له عذق من نخل في حائط رجل من الأنصار ومع الرجل أهله وكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذي به وشق عليه فطلب إليه أن يناقله فأبي فأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكر ذلك له فطلب إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يبيعه فأبي فطلب إليه أن يناقله فأبي قال فهبه له ولك كذا وكذا أمرا رغبه فيه فأبي فقال أنت مضار فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للأنصاري اذهب فاقلع نخله وقد روى عن أبي جعفر مرسلا قال أحمد في رواية حنبل بعد أن ذكر له هذا الحديث كل ما كان على هذه الجهة وفيه ضرر يمنع من ذلك فإن أجاب وإلا أجبره السلطان ولا يضر بأخيه في ذلك وفيه مرفق له وخرجه أبو بكر الخلال من رواية عبد اللهبن محمد بن عقيل عن عبد اللهبن سليط بن قيس عن أبيه أن رجلا من الأنصار كانت له في حائطه نخلة لرجل آخر وكان صاحب النخل لا يريحها غدوة وعشية فشق ذلك على صاحب الحائط فأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فدكر ذلك له فقال النبي صلى الله عليه وسلم لصاحب النخلة خذ منه نخلة مما يلي الحائط مكان نخلتك قال لا والله قال فخذ مني ثنتين قال لا والله قال فهبها له قال لا والله قال فردد عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأبي فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يعطيه نخلة مكان نخلته وخرجه أبو داود في المراسيل من رواية إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان قال كان لأبي لبابة عذق في حائط رجل فكلمه فقال إنك تطأ حائطي إلى عذقك فأنا أعطيك مثله في حائطك وأخرجه عن فأبي عليه فكلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال يا أبا لبابة خذ مثل عذقك فحزها إلى مالك واكفف عن صاحبك ما يكره فقال ما أنا بفاعل فقال اذهب فاخرج له مثل عذقه
308
إلى حائطه ثم اضرب فوق ذلك بجدار فإنه لا ضرر في الإسلام ولا ضرار ففي هذا الحديث والذي قبله إجباره على المعاوضة حيث كان على شريكه أو جاره ضرر في تركه وهذا مثل إيجاب الشفعة لدفع ضرر الشريك الطارئ ويستدل بذلك أيضا على وجوب العمارة على الشريك الممتنع من العمارة وعلي إيجاب البيع إذا تعذرت القسمة وقد ورد من حديث محمد بن أبي بكر عن أبيه مرفوعا لا تعضيه في الميراث إلا ما احتمل القسم وأبو بكر هو ابن عمرو بن حزم قاله الإمام أحمد والحديث حينئذ مرسل والتعضية هي القسمة ومتي تعذرت القسمة لكون المقسوم يتضرر بقسمته وطلب أحد الشريكين البيع أجبر الآخر وقسم الثمن نص عليه أحمد وأبو عبيد وغيرهما من الأئمة وأما الثاني وهو منع الجار من الانتفاع بملكه والاتفاق به فإن كان ذلك يضر بمن انتفع بملكه فله المنع كمن له جدار واه لا يحمل أن يطرح عليه خشب وأما إن لم يضر به فهل يجب عليه التمكين ويحرم عليه الامتناع أم لا فمن قال في القسم الأول لا يمنع المالك من التصرف في ملكه وإن أضر بجاره وقال هنا للجار المنع من التصرف في ملكه بغير إذنه ومن قال هناك بالمنع فاختلفوا ههنا على قولين أحدهما المنع ههنا وهو قول مالك والثاني أنه لا يجوز المنع وهو مذهب أحمد في طرح الخشب على جدار دار جاره ووافقه الشافعي في القديم وإسحاق وأبو ثور وداود بن المنذر وعبد الملك بن حبيب المالكي وحكاه مالك عن بعض قضاة المدينة وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبه على جداره قال أبو هريرة مالي أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين أكتافكم وقضي عمر بن الخطاب رضي الله عنه على محمد بن مسلمة أن يجري ماء جاره في أرضه وقال لتمرن به ولو على بطنك وفي الإجبار على ذلك روايتان عن الإمام أحمد ومذهب أبي ثور الإجبار على إجراء الماء في أرض جاره إذا أجراه في قناة في باطن أرضه نقله عنه حرب الكرماني ومما ينهى عن منعه الضرر منع الماء والكلأ وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ وفي سنن أبي داود أن رجلا قال يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه قال الماء قال يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه قال الملح قال يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه قال أن تفعل الخير خير لك وفيه أيضا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال الناس شركاء في ثلاث الماء والنار والكلأ وذهب أكثر العلماء إلى أنه لا يمنع فضل الماء الجاري والنابع مطلقا سواء قيل إن الماء لمالك أرضه أم لا وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم والمنصوص عن أحمد وجوب بذله مجانا بغير عوض للشرب وسقي الزروع ومذهب أبي حنيفة والشافعي لا يجب بذله للزرع واختلفوا هل يجب بذله مطلقا أو إذا كان بقرب الكلأ
309
وكان منعه مفضيا إلى منع الكلأ على قولين لأصحابنا وأصحاب الشافعي وفي كلام أحمد ما يدل على اختصاص المنع بالقرب من الكلأ وأما مالك فلا يجب عنده بذل فضل الماء المملوك بملك منبعه ومجراه إلا للمضطر كالمجاز في الأوعية وإنما يجب عنده بذل فضل الماء الذي لا يملك وعند الشافعي حكم الكلأ كذلك يجوز منع فضله إلا في أرض الموات ومذهب أبي حنيفة وأحمد وأبي عبيد أنه لا يمنع فضل الكلأ مطلقا ومنهم من قال لا يمنع أحد الماء والكلأ إلا أهل الثغور خاصة وهو قول الأوزاعي لأن أهل الثغور إذا ذهب ماؤهم وكلؤهم لم يقدروا أن يتحولوا من مكانهم من وراء بيضة الإسلام وأهله وأما النهي عن منع النار فحمله طائفة من الفقهاء على النهي عن الاقتباس منها دون أعيان الجمر ومنهم من حمله على منع الحجارة المورية للنار وهو بعيد ولو حمل على منع الاستضاءة بالنار وبذل ما فضل عن حاجة صاحبها بها لم يستدفئ بها أو ينضج عليها طعاما ونحوه لم يبعد وأما الملح فلعله يحمل على منع أخذه من المعادن المباحة فإن الملح من المعادن الظاهرة لا يملك بالإحياء ولا بالإقطاع نص عليه أحمد وفي سنن أبي دواد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقطع رجلا الملح فقيل لمه يا رسول الله إنه بمنزلة الماء أي النابع المعد فانتزعه منه ومما يدخل في عموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم لا ضرر أن الله لم يكلف عباده فعل ما يضرهم البتة فإن ما يأمرهم به هو عين صلاح دينهم ودنياهم وما نهاهم عنه هو عين فساد دينهم ودنياهم لكنه لم يأمر عباده بشيء هو ضار لهم في أبدانهم أيضا ولهذا أسقط الطهارة بالماء عن المريض وقال ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج المائدة وأسقط الصيام عن المريض والمسافر وقال يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر البقرة وأسقط اجتناب محظورات الإحرام كالحلق ونحوه عمن كان مريضا أو به أذى من رأسه وأمر بالفدية وفي المسند عن ابن عباس قال قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي الأديان أحب إلى الله قال الحنيفية السمحة ومن حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إني أرسلت بحنيفية سمحة ومن هذا المعنى ما في الصحيحين عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأي رجلا يمشي قيل له إنه نذر أن يحج ماشيا فقال إن الله لغني عن مشيه فليركب وفي رواية إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه وفي السنن عن عقبة بن عامر أن أخته نذرت أن تمشي إلى البيت فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئا فلتركب وقد اختلف العلماء في حكم من نذر أن يحج ماشيا فمنهم من قال لا يلزمه المشي وله الركوب بكل حال وهو رواية عن الأوزاعي وأحمد وقال أحمد يصوم ثلاثة أيام وقال الأوزاعي عليه كفارة يمين والمشهور أنه يلزمه ذلك إن أطاقه فإن عجز عنه فقيل يركب عند العجز ولاشيء عليه وهو أحد قولي الشافعي وقيل بل عليه مع ذلك كفارة يمين وهو قول
310
الثوري وأحمد في رواية وقيل بل عليه دم قاله طائفة من السلف منهم عطاء ومجاهد والحسن والليث وأحمد في رواية وقيل يتصدق بكراء ما ركب وروى عن الأوزاعي وحكاه عن عطاء وروى عن عطاء يتصدق بقدر نفقته عند البيت وقالت طائفة من الصحابة وغيرهم لا يجزيه الركوب بل يحج من قابل فيمشي ما ركب ويركب ما مشى وزاد بعضهم وعليه هدي وهو قول مالك إذا كان ما ركبه كثيرا و مما يدخل في عمومه أيضا بأن من عليه دين لا يطالب به مع إعساره بل ينظر إلى حال يساره قال تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة البقرة وعلي هذا جمهور العلماء خلافا لشريح في قوله إن الآية مختصة بديون الربا في الجاهلية والجمهور أخذوا باللفظ العام لا يكلف المدين أن يقضي بما عليه في خروجه من ملكه ضرر كثيابه ومسكنه المحتاج إليه وخادمه كذلك ولا ما يحتاج إلى التجارة به لنفقته ونفقة عياله هذا مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى الحديث الثالث والثلاثون البينة على المدعي واليمين على من أنكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لو يعطى الناس بدعواهم لادعي رجال أموال قوم ودماءهم لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر حديث حسن رواه البيهقي وغيره هكذا وبعضه في الصحيحين
311
أصل هذا الحديث خرجاه في الصحيحين من حديث ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لو يعطي الناس بدعواهم لادعي ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعي عليه وخرجاه أيضا من رواية نافع بن عمر الجمحي عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قضي أن اليمين على المدعي عليه واللفظ الذي ساقه به الشيخ ساق ابن الصلاح مثله في الأحاديث الكليات وقال رواه البيهقي بإسناد حسن وخرجه الإسماعيلي في صحيحه من رواية الوليد بن مسلم حدثنا ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لو يعطي الناس بدعواهم لادعي رجال دماء رجال وأموالهم ولكن البينة على الطالب واليمين على المطلوب وروى الشافعي أنبأ مسلم بن خالد عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال البينة على المدعي قال الشافعي وأحسبه ولا أثبته أنه قال واليمين على المدعي عليه وروى محمد بن عمر بن لبانة الفقيه الأندلسي عن عثمان بن أيوب الأندلسي ووصفه بالفضل عن غازي بن قيس عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكر هذا الحديث ولكن قال البينة على من ادعي واليمين على من أنكر وغازي بن قيس الأندلسي كبير صالح سمع من مالك وابن جريج وطبقتهما وسقط من هذا الإسناد ابن جريج وقد استدل الإمام أحمد وأبو عبيد أن
312
النبي صلى الله عليه وسلم قال البينة على المدعي واليمين على من أنكر وهذا يدل على أن هذا اللفظ عندهما صحيح محتج به وفي المعنى أحاديث كثيرة ففي الصحيحين عن الأشعث بن قيس قال كان بيني وبين رجل خصومة في بئر فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهداك أو يمينه قلت إذا يحلف ولا يبالي فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حلف على يمين يستحق بها ما لا هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان فأنزل الله تصديق ذلك ثم قرأ هذه الآية إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا آل عمران وفي رواية لمسلم بعد قوله إذا يحلف قال ليس لك إلا ذلك وخرجه أيضا مسلم بمعناه من حديث وائل ابن حجر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخرج الترمذي من حديث العرزمي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في خطبته البينة على المدعي واليمين على المدعي عليه وقال في إسناده مقال والعرزمي يضعف في الحديث من جهة حفظه وخرجه الدارقطني من رواية مسلم بن خالد الزنجي وفيه ضعف عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال البينة على المدعي واليمين على من أنكر إلا في القسامة ورواه الحافظ عن ابن جرير عن عمرو بن شعيب مرسلا وخرجه أيضا من رواية مجاهد عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في خطبته يوم الفتح المدعي عليه أولي باليمين إلا أن تقوم بينة وخرجه الطبراني وعنده عن عبدالله ابن عمرو بن العاص وفي إسناده كلام وخرج الدارقطني هذا المعنى من وجوه متعددة ضعيفة وروى حجاج الصواف عن حميد بن هلال عن زيد بن ثابت قال قضي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيما رجل طلب عند رجل طلبة فإن المطلوب هو أولي باليمين وخرجه أبو عبيد والبيهقي وإسناده ثقات إلا أن حميد بن هلال ما أظنه لقي زيدا بن ثابت وخرجه الدارقطني وزاد فيه بغير شهداء وخرجه النسائي من حديث ابن عباس قال جاء خصمان إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فادعي أحدهما على الآخر حقا فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمدعي أقم بينتك فقال يا رسول الله ما لي بينة فقال الآخر احلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عليك أو عندك شيء وقد روى عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر وقضي بذلك زيد بن ثابت على عمر لأبي بن كعب ولم ينكراه وقال قتادة فصل الخطاب الذي أوتيه داود عليه وعلي نبينا الصلاة والسلام هو أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن البينة على المدعي واليمين على المدعي عليه قال ومعنى قوله البينة على المدعي يعني أنه يستحق بها ما ادعي لأنها واجبة يؤخذ بها ومعنى قوله علي المدعي عليه أي يبرأ بها لأنها واجبة عليه يؤخذ بها
313
على كل حال انتهى وقد اختلف الفقهاء من أصحابنا والشافعية في تفسير المدعي والمدعي عليه فمنهم من قال المدعي هو الذي يخلي وسكوته من الخصمين والمدعي عليه من لا يخلي وسكوته منهما ومنهم من قال المدعي من يطلب أمرا خفيا على خلاف الأصل والظاهر والمدعي عليه بخلافه وبنوا على ذلك مسألة وهي إذا أسلم الزوجان الكافران قبل الدخول ثم اختلفا فقال الزوج أسلمنا معا فنكاحنا باق وقالت الزوجة بل سبق أحدنا إلى الإسلام فالنكاح منفسخ فإن قلنا المدعي يخلي وسكوته فالمرأة هي المدعي فيكون القول قول الزوج لأنه مدعي عليه إذ لا يخلي وسكوته وإن قلنا إن المدعي من يدعي أمرا خفيا فالمدعي هنا هو الزوج إذ التقارن في الإسلام خلاف الظاهر فالقول قول المرأة لأن الظاهر معها وأما الأمين إذا ادعي التلف كالمودع إذا ادعي تلف الوديعة فقد قيل إنه مدع لأن الأصل يخالف ما ادعاه وإنما لم يحتج إلى بينة لأن المودع ائتمنه والائتمان يقتضي قبول قوله وقيل إن المدعي الذي يحتاج إلى بينة هو المدعي ليعطي بدعواه مال قوم أو دماءهم كما ذكر ذلك في الحديث فأما الأمين فلا يدعي ليعطي شيئا وقيل بل هو مدعي عليه لأنه إذا سكت لم يترك بل لابد له من رد الجواب والمودع مدع لأنه إذا سكت ترك ولو ادعي الأمين رد الأمانة إلى من ائتمنه فالأكثرون على أن قوله مقبول أيضا لدعوى التلف وقال الأوزاعي لا يقبل قوله لأنه مدع وقال مالك وأحمد في رواية إن ثبت قبضه للأمانة ببينة لم يقبل قوله في الرد بدون البينة و وجه بعض أصحابنا ذلك بأن الإشهاد على دفع الحقوق الثابتة بالبينة واجب فيكون تركه تفريطا فيجب به الضمان و لذلك قال طائفة منهم في دفع مال اليتيم إليه لابد له من بينة لأن الله تعالى أمر بالإشهاد عليه فيكون واجبا وقد اختلف الفقهاء في هذا الباب على قولين أحدهما أن البينة على المدعي أبدا واليمين على المدعي عليه أبدا وهو قول أبي حنيفة ووافقه طائفة من الفقهاء والمحدثين كالبخارى وطردوا ذلك في كل دعوى حتى في القسامة وقالوا لا يحلف إلا المدعي عليه ورأوا أن لا يقضي بشاهد ولا يمين لأن اليمين لا تكون إلا على المدعي عليه ورأوا أن اليمين لا ترد على المدعي لأنها لا تكون إلا في جانب المنكر المدعي عليه واستدلوا في مسئلة القسامة بما روى سعيد بن عبيد حدثنا بشير بن بشار الأنصاري عن سهل بن أبي خيثمة أنه أخبره أن نفرا منهم انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها فوجدوا أحدهم قتيلا فذكر الحديث وفيه فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم تأتوني بالبينة على من قتله قالوا ما لنا بينة قال فيحلفون قالوا لا نرضي بأيمان اليهود فكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يبطل دمه فوداه بمائة من إبل الصدقة خرجه البخاري وخرجه مسلم مختصرا ولم يتمه ولكن هذه الرواية تعارض رواية يحيى بن سعيد الأنصاري عن بشير ابن بشار عن سهل بن أبي خيثمة فذكر قصة القتيل وقال فيه فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وآله
314
وسلم مقتل عبدالله بن سهل فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته وهذه هي الرواية المشهورة الثابتة المخرجة بلفظها بكمالها في الصحيحين وقد ذكر الأئمة الحفاظ أن رواية يحيى بن سعيد أصح من رواية سعيد بن عبيد الطائي فإنه أجل وأحفظ وأعلم وهو من أهل المدينة وهو أعلم بحديثهم من الكوفيين وقد ذكر الإمام أحمد مخالفة سعيد بن عبيد ليحيي بن سعيد في هذا الحديث فنفض يده وقال ذاك ليس بشيء رواه على ما يقول الكوفيين وقال أذهب إلى حديث المديني يحيى بن سعيد وقال النسائي لا نعلم أحدا تابع سعيدا بن عبيد على روايته عن بشير بن بشار وقال مسلم في كتاب التمييز لم يحفظه سعيد بن عبيد على وجهه لأن جميع الأخبار فيها سؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إياهم قسامة خمسين يمينا وليس في شيء من أخبارهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سألهم البينة وترك سعيد القسامة وتواطؤ الأخبار بخلافه يقضي عليه بالغلط وقد خالفه يحيى بن سعيد وقال ابن عبد البر في رواية سعيد بن عبيد هذه رواية أهل العراق عن بشير بن بشار ورواية أهل المدينة عنه أثبت وهم به أقعد ونقلهم أصح عند أهل العلم قلت وسعيد بن عبيد اختصر قصة القسامة وهي محفوظة في الحديث فقد خرج النسائي من حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم طلب من ولي القتيل شاهدين على من قتله فقال ومن أين أصيب شاهدين قال فتحلف خمسين قسامة قال كيف أحلف على ما لم أعلم قال فتستحلف منهم خمسين قسامة فهذا الحديث يجمع بين روايتي سعيد بن عبيد ويحيى ابن سعيد ويكون كل منهما ترك بعض القصة فترك سعيد ذكر قسامة المدعين وترك يحيى ذكر البينة قبل طلب القسامة والله أعلم وأما مسألة الشاهد مع اليمين فاستدل من أنكر الحكم بالشاهد واليمين بحديث شاهداك أو يمينه وقوله صلى الله عليه وآله وسلم ليس لك إلا ذلك وقد تكلم القاضي إسماعيل المالكي في هذه اللفظة وقال تفرد بها منصور عن أبي وائل وخالفه سائر الرواة وقالوا إنه سأله ألك بينة أولا والبينة لا تقف على الشاهدين فقط بل تعم سائر ما يبين الحق وقال غيره يحتمل أن يريد بشهادته كل نوعين يشهدان للمدعي بصحة دعواه يتبين بهما الحق فيدخل ذلك بشهادة الرجلين وشهادة الرجل مع المرأتين وشهادة الواحد مع اليمين وقد أقام الله سبحانه أيمان المدعي مقام الشهود في اللعان وقوله في تمام الحديث ليس لك إلا ذلك لم يرد به النفي العام بل النفي الخاص وهو الذي أراده المدعي وهو أن يكون القول قوله بغير بينة فمنعه من ذلك وأبي ذلك عليه وكذلك قوله في الحديث الآخر ولكن اليمين على المدعي عليه إنما أريد بها اليمين المجردة عن الشهادة وأول الحديث يدل على ذلك و هو قوله لو يعطي الناس بدعواهم لادعي رجال دماء رجال وأموالهم فدل على أن قوله اليمين على المدعي عليه إنما هي اليمين القاطعة
315
للمنازعة مع عدم البينة وأما اليمين المثبتة للحق مع وجود الشهادة فهذا نوع آخر وقد ثبت بسنة أخرى وأما رد اليمين على المدعي فالمشهور عن أحمد موافقة أبي حنيفة وأنها لا ترد واستدل أحمد بحديث اليمين على المدعي عليه وقال في رواية أبي طالب عنه ما هو بعيد أن يقال له يحلف ويستحق واختار ذلك طائفة من متأخري الأصحاب وهو قول مالك والشافعي وأبي عبيد وروى عن طائفة من الصحابة وقد ورد فيه حديث مرفوع خرجه الدارقطني وفي إسناده نظر قال أبو عبيد ليس هذا إزالة لليمين عن موضعها فإن الإزالة أن لا تقضي باليمين على المطلوب فأما إذا قضي بها عليه فرضي بيمين صاحبه كان هو الحاكم على نفسه بذلك لأنه لو شاء لحلف وبريء وبطلت عنه الدعوى والقول الثاني في المسألة أنه يرجح جانب أقوي المتداعيين وتجعل اليمين في جانبه هذا مذهب مالك وكذا ذكر القاضي أبو يعلي في خلافه أنه مذهب أحمد وعلي هذا تتوجه المسائل التي تقدم ذكرها من الحكم بالقسامة والشاهد واليمين فإن جانب المدعي في القسامة لما قوي باللوث جعلت اليمين في جانبه وحكم له بها وكذلك المدعي إذا أقام شاهدا فإنه قوي جانبه فحلف معه وقضي له وهؤلاء لهم في الجواب عن قوله البينة على المدعي طريقان أحدهما أن هذا خص من هذا العموم بدليل والثاني أن قوله البينة على المدعي ليس بعام لأن المراد المدعي المعهود و هو من لا حجة له سوي الدعوى كما في قوله لو يعطي الناس بدعواهم لادعي رجال دماء قوم وأموالهم فأما المدعي الذي معه حجة تقوي دعواه فليس داخلا في هذا الحديث وطريق ثالث وهو أن البينة كل ما بين صحة دعوى المدعي وشهد بصدقه فاللوث مع القسامة بينة والشاهد مع اليمين بينة وطريق رابع سلكه بعضهم وهو الطعن في صحة هذه اللفظة أعني قوله البينة على المدعي وقالوا إنما الثابت هو قوله اليمين على المدعي عليه وقوله لو يعطي الناس بدعواهم لادعي قوم دماء قوم وأموالهم يدل على أن مدعي الدم والمال لابد له من بينة تدل على ما ادعاه ويدخل في عموم ذلك أن من ادعي على رجل أنه قتل مورثه وليس معه إلا قول المقتول عند موته جرحني فلان أنه لا يكتفي بذلك ولا يكون بمجرده لوثا وهذا قول الجمهور خلافا للمالكية فإنهم جعلوه لوثا يقسم معه الأولياء ويستحقون الدم ويدخل في عمومه أيضا من قذف زوجته ولاعنها فإنه لا يباح دمها بمجرد لعانه وهذا قول الأكثرين خلافا للشافعي واختار قوله الجوزجاني لظاهر قوله عز وجل ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين النور والأولون منهم من حمل العذاب على الحبس وقالوا إن لم تلاعن حبست حتى تقر أو تلاعن وفيه نظر ولو ادعت امرأة على رجل بأنه استكرهها على الزنا فالجمهور على أنه لا يثبت بدعواها عليه شيء وقال أشهب من المالكية لها الصداق بيمينها وقال غيره منهم لها الصداق بغير يمين هذا كله إذا كانت ذات قدر و ادعت ذلك على متهم
316
تليق به الدعوى وإن كان المرمي بذلك من أهل الصلاح ففي حدها للقذف عن مالك روايتان وقد كان شريح وإياس بن معاوية يحكمان في الأموال المتنازع فيها بمجرد القرائن الدالة على صدق إحدى المتداعيين وقضي شريح في أولاد هرة تداعاها امرأتان كل منهما تقول هي ولد هرتي قال شريح ألقها مع هذه فإن هي قرت ودرت واستبطرت فهي لها وإن فرت وهربت وبارت فليس لها قال ابن قتيبة قوله استبطرت يريد امتدت للإرضاع وإن بارت اقشعرت وتنفشت وكان يقضي بنحو ذلك أبو بكر الشامي من الشافعية ورجح قوله ابن عقيل من أصحابنا وقد روى عن الشافعي وأحمد السختياني قول القافة في سرقة الأموال والأخذ بذلك ونقل ابن منصور عن أحمد إذا قال صاحب الزرع أفسدت غنمك زرعي بالليل ينظر في الأثر فإن لم يكن أثر غنمه في الزرع لابد لصاحب الزرع من أن يجئ بالبينة قال إسحاق ابن راهويه كما قال أحمد لأنه مدع وهذا يدل على اتفاقهما على الاكتفاء برؤية أثر الغنم وأن البينة إنما تطلب عند عدم الأثر وقوله واليمين على المدعي عليه يدل على أن كل من ادعي عليه دعوى فأنكر فإن عليه اليمين وهذا قول أكثر الفقهاء وقال مالك إنما تجب اليمين على المنكر إذا كان بين المتداعيين نوع مخالطة خوفا من أن يتبذل السفهاء على الرؤساء بطلب أيمانهم وعنده ولو ادعي على رجل أنه غصبه أو سرق منه ولم يكن المدعي عليه متهما بذلك لم يستحلف المدعي عليه وحكي أيضا عن القاسم بن محمد وحميد بن عبدالرحمن وحكاه بعضهم عن فقهاء المدينة السبعة فإن كان من أهل الفضل أو ممن لا يشار إليه بذلك أدب المدعي عند مالك واستدل بقوله اليمين على المدعي عليه على أن المدعي لا يمين عليه وإنما عليه البينة وهو قول الأكثرين وروى عن على أنه أحلف المدعي مع بينته أن شهوده شهدوا بحق وفعله أيضا شريح وعبد الله بن عقبة وابن مسعود وابن أبي ليلي وسوار العنبري وعبيد الله بن الحسين ومحمد بن عبدالله الأنصاري وروى عن النخعي أيضا وقال إسحاق إذا استراب الحاكم وجب ذلك وسأل مهنا الإمام أحمد عن هذه المسألة فقال أحمد قد فعله علي فقال له أيستقيم هذا فقال قد فعله علي فأثبت القاضي هذه الرواية عن أحمد لكنه حملها على الدعوى على الغائب والصبي وهذا لا يصح لأن عليا إنما حلف المدعي مع بينته على الحاضر معه وهؤلاء يقولون هذه اليمين لتقوية الدعوى إذا ضعفت باسترابة الشهود كاليمين مع الشاهد الواحد وكان بعض المتقدمين يحلف الشهود إذا استرابهم أيضا ومنهم سوار العنبري قاضي البصرة وجوز ذلك القاضي أبو يعلي من أصحابنا لوالي المظالم دون القضاة وقد قال ابن عباس في المرأة الشاهدة على الرضاع إنها تستحلف وأخذ به الإمام أحمد وقد دل القرآن على استحلاف المشهود عند الارتياب بشهادتهم في الوصية في السفر في قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم
317
إلى قوله فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربي ولا نكتم شهادة الله المائدة وهذه الآية لم ينسخ العمل بها عند جمهور السلف وقد عمل بها أبو موسى وابن مسعود وأفتي بها على وابن عباس وهو مذهب شريح والنخعي وابن أبي ليلي وسفيان والأوزاعي وأحمد وأبو عبيد وغيرهم قالوا تقبل شهادة الكفار في وصية المسلمين في السفر ويستحلفان مع شهادتهما وهل يمنعهما من باب تكميل الشهادة فلا يحكم بشهادتهما بدون يمين أم من باب الاستظهار عند الريبة وهذا محتمل وأصحابنا جعلوها شرطا و هو ظاهر ما روى عن أبي موسى وغيره وقد ذهب طائفة من السلف إلى أن اليمين مع الشاهد الواحد هو من باب الاستظهار فإن رأي الحاكم الاكتفاء بالشاهد الواحد لبروز عدالته وظهور صدقه اكتفي بشهادته بدون يمين الطالب وقوله فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما المائدة يدل على أنه إذا ظهر خلل في شهادة الكفار حلف أولياء الميت على خيانتهما وكذبهما واستحقوا عليه وهذا قول مجاهد وغيره من السلف ووجه ذلك أن اليمين في جانب أقوي المتداعيين وقد قويت هنا دعوى الورثة بظهور كذب الشهود الكفار فترد اليمين على المدعين ويحلفون مع اللوث ويستحقون ما ادعوا كما يحلف الأولياء في القسامة مع اللوث ويستحقون بذلك الدية والدم أيضا عند مالك وأحمد وغيرهما وقضي ابن مسعود في رجل مسلم حضره الموت فأوصي إلى رجلين مسلمين معه وسلمهما ما معه من المال وأشهد على وصيته كفارا ثم قدم الوصيان فدفعا بعض المال إلى الورثة وكتما بعضه ثم قدم الكفار فشهدوا عليهم بما كتموه من المال فدعا الوصيين المسلمين فاستحلفهما ما دفع إليهما أكثر مما دفعاه ثم دعا الكفار فشهدوا وحلفوا على شهادتهم ثم أمر أولياء الميت أن يحلفوا أن ما شهدت به اليهود والنصارى حق فحلفوا فقضي على الوصيين بما حلفوا عليه وكان ذلك في خلافة عثمان وتأول ابن مسعود الآية على ذلك وكأنه قابل بين يمين الأوصياء والشهود الكفار فحلفوا معها واستحقوا لأن جانبهم ترجح بشهادة الكفار لهم فجعل اليمين مع أقوي المتداعيين وقضي بها واختلف الفقهاء هل يستحلف في جميع حقوق الآدميين كقول الشافعي ورواية عن أحمد أو لا يستحلف إلا فيما يقضي فيه بالنكول كرواية عن أحمد ولا يستحلف إلا فيما يصح بذله كما هو المشهور عن أحمد ولا يستحلف إلا في كل دعوى لا تحتاج إلى شاهدين كما حكي عن مالك وأما حقوق الله عز وجل فمن العلماء من قال لا يستحلف فيها بحال وهو قول أصحابنا وغيرهما ونص عليه أحمد في الزكاة وبه قال طاوس
318
والثوري والحسن بن صالح وغيرهم وقال أبو حنيفة ومالك والليث والشافعي إذا اتهم فإنه يستحلف وكذا حكي عن الشافعي فيمن تزوج من لا تحل له ثم ادعي الجهل أنه يحلف على دعواه وكذا قال إسحاق في طلاق السكران يحلف أنه ما كان يعقل وفي طلاق الناسي يحلف على نسيانه وكذا قال القاسم بن محمد و سالم بن عبدالله في رجل قال لامرأته أنت طالق يحلف أنه ما أراد به الثلاث وترد إليه وخرج الطبراني من رواية أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال كان أناس من الأعراب يأتون بلحم وكان في أنفسنا منه شيء فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال اجهدوا أيمانهم أنهم ذبحوها ثم اذكروا اسم الله وكلوا وأبو هارون ضعيف جدا وأما المؤتمن في حقوق الآدميين حيث قبل قوله فهل عليه يمين أم لا ففيه ثلاثة أقوال للعلماء أحدهما لا يمين عليه لأنه صدقه ولا يمين مع التصديق وبالقياس على الحاكم وهذا قول الحارث العكلي والثاني عليه اليمين لأنه منكر فيدخل في عموم قوله واليمين على من أنكر وهو قول شريح وأبي حنيفة والشافعي ومالك في رواية وأكثر أصحابنا والثالث لا يمين عليه إلا أن يتهم وهو نص أحمد وقول مالك في رواية لما تقدم من ائتمانه وأما إذا قامت قرينة تنافي حال الائتمان فقد اختل معنى الائتمان وقوله البينة على المدعي واليمين على من أنكر إنما أريد به إذا ادعي على رجل ما يدعيه لنفسه وينكر أنه ادعاه عليه ولهذا قال في أول الحديث لو يعطي الناس بدعواهم لادعي رجال دماء قوم وأموالهم فأما من ادعي ما ليس له مدعي لنفسه منكر لدعواه فهذا أسهل من الأول ولابد للمدعي هنا من بينة ولكن يكتفي من البينة هنا بما لا يكتفي بها في الدعوى على المدعي لنفسه المنكر ويشهد لذلك مسائل منها اللقطة إذا جاء من وصفها فإنها تدفع إليه من غير بينة بالاتفاق لكن منهم من يقول يجوز الدفع إذا غلب على الظن صدقه ولا يجب كقول الشافعي وأبي حنيفة ومنهم من يقول يجب دفعها بذكر الوصف المطابق كقول مالك وأحمد ومنها الغنيمة إذا جاء من يدعي منها شيئا وأنه كان له واستولي عليه الكفار وأقام على ذلك ما يبين أنه له اكتفي به وسئل عن ذلك أحمد وقيل له فتريد على ذلك بينة قال لابد به من بيان يدل على أنه له وإن علم ذلك دفعه إليه الأمير وروى الخلال بإسناده عن الركين بن الربيع عن أبيه قال أحمس أي شرد لأخي فرس بعين القمر فرآه في مربط سعد فقال فرسي فقال سعد ألك بينة قال لا ولكن أدعوه فيحمحم فدعاه فحمحم فأعطاه إياه وهذا يحتمل أنه كان لحق بالعدو ثم ظهر عليه المسلمون ويحتمل أنه عرف أنه ضال فوضع بين الدواب الضالة فيكون كاللقطة ومنها المغصوب إذا علم ظلم الولاة فطلب ردها من بيت المال قال أبو الزناد
319
كان عمر بن عبد العزيز يرد المظالم إلى أهلها بغير البينة القاطعة كان يكتفي باليسير إذا عرف صرف وجه مظلمة الرجل ردها عليه ولم يكلفه تحقيق البينة لما يعرف من غشم الولاة قبله على الناس ولقد انقضت أموال العراق في رد المظالم حتى حمل إليها من الشام وذكر أصحابنا أن الأموال المغصوبة مع قطاع الطريق واللصوص يكتفي من مدعيها بالصفة كاللقطة ذكره القاضي في خلافه وأنه ظاهر كلام أحمد والله أعلم الحديث الرابع والثلاثون النهي عن المنكر من الإيمان عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان رواه مسلم
320
هذا الحديث خرجه مسلم من رواية قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن أبي سعيد ومن رواية إسماعيل بن رجاء عن أبيه عن أبي سعيد وعنده في حديث طارق قال أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان فقام إليه رجل فقال الصلاة قبل الخطبة فقال قد ترك ما هنالك فقال أبو سعيد أما هذا فقد قضي ما عليه ثم روى هذا الحديث وقد روى معناه من وجه آخر فخرجه مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون مالا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل وروى سالم المرادي عن عمرو بن هرم عن جابر بن زيد عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال سيصيب أمتي في آخر الزمان بلاء شديد من سلطانهم لا ينجو منه إلا رجل عرف دين الله فجاهد عليه بلسانه ويده وقلبه فذلك الذي سبقت له السوابق ورجل عرف دين الله وصدق به وللأول عليه سابقة ورجل عرف دين الله فسكت عليه فإن كان رأي من يعمل بخير أحبه عليه وإن رأي من يعمل بباطل أبغضه عليه فذلك الذي ينجو على إبطانه كله وهذا غريب وإسناده منقطع وخرج الإسماعيلي من حديث أبي هارون العبدي وهو ضعيف جدا عن مولي لعمر عن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال توشك هذه الأمة أن تهلك إلا
321
ثلاثة نفر رجل أنكر بيده وبلسانه وبقلبه فإن جبن بيده فبلسانه وقلبه فإن جبن بلسانه وبيده فبقلبه وخرج أيضا من رواية الأوزاعي عن عمير بن هانئ عن على أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول سيكون بعدي فتن لا يستطيع المؤمن فيها أن يغير بيده ولا بلسانه قلت يا رسول الله وكيف ذلك قال ينكرونه بقلوبهم قلت يا رسول الله وهل ينقص ذلك إيمانهم شيئا قال لا إلا كما ينقص القطر من الصفا وهذا الإسناد منقطع وخرج الطبراني معناه من حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإسناد ضعيف فدلت هذه الأحاديث كلها على وجوب إنكار المنكر بحسب القدرة عليه وأما إنكاره بالقلب فلابد منه فمن لم ينكر قلبه المنكر دل على ذهاب الإيمان من قلبه وقد روى عن أبي جحيفة قال قال على إن أول ما تغلبون عليه من الجهاد الجهاد بأيديكم ثم الجهاد بألسنتكم ثم الجهاد بقلوبكم فمن لم يعرف قلبه المعروف وينكر قلبه المنكر نكس فجعل أعلاه أسفله وسمع ابن مسعود رجلا يقول هلك من لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر فقال ابن مسعود هلك من لم يعرف بقلبه المعروف والمنكر يشير إلى أن معرفة المعروف والمنكر بالقلب فرض لا يسقط عن أحد فمن لم يعرفه هلك وأما الإنكار باللسان واليد فإنما يجب بحسب الطاقة وقال ابن مسعود يوشك من عاش منكم أن يري منكرا لا يستطيع له غير أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره وفي سنن أبي داود عن العرس بن عميرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها فمن شهد الخطيئة فكرهها في قلبه كان كمن لم يشهدها إذا عجز عن إنكارها بلسانه ويده ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها وقدر على إنكارها ولم ينكرها لأن الرضا بالخطايا من أقبح المحرمات ويفوت به إنكار الخطيئة بالقلب وهو فرض على كل مسلم لا يسقط عن أحد في كل حال من الأحوال وخرج ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من حضر معصية فكرهها فكأنه غاب عنها ومن غاب عنها فأحبها فكأنه حضرها وهذا مثل الذي قبله فتبين بهذا أن الإنكار بالقلب فرض على كل مسلم في كل حال وأما الإنكار باليد واللسان فبحسب القدرة كما في حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا فلا يغيروا إلا يوشك الله أن يعمهم بعقابه أخرجه أبو داود بهذا اللفظ وقال قال شعبة فيه ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أكثر ممن يعمله وخرج أيضا من حديث جرير سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون أن يغيروا عليه فلم يغيروا إلا أصابهم الله بعقاب قبل أن يموتوا وخرجه الإمام أحمد ولفظه ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز وأكثر ممن يعمله
322
فلم يغيروه إلا عمهم الله بعقاب وخرج أيضا من حديث عدي بن عمير قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه فإذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة وخرج أيضا هو وابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري قال سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول إن الله ليسأل العبد يوم القيامة حتى يقول ما منعك إذا رأيت المنكر أن تنكره فإذا لقن الله عبدا حجته قال يا رب رجوتك وفرقت من الناس فأما ما أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد أيضا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في خطبة ألا لا يمنعن رجلا هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه وبكي أبو سعيد وقال قد والله رأينا أشياء فهبنا وخرجه الإمام أحمد وزاد فيه فإنه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقال بحق أو يذكر بعظيم وكذلك خرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لا يحقر أحدكم نفسه قالوا يا رسول الله كيف يحقر أحدنا نفسه قال يري أمرا لله عليه فيه مقال ثم لا يقول فيه فيقول الله له ما منعك أن تقول في كذا وكذا فيقول خشيت الناس فيقول الله إياي كنت أحق أن تخشى فهذان الحديثان محمولان على أن يكون المانع له من الإنكار مجرد الهيبة دون الخوف المسقط للإنكار قال سعيد بن جبير قلت لابن عباس آمر السلطان بالمعروف وأنهاه عن المنكر قال إن خفت أن يقتلك فلا ثم عدت فقال لي مثل ذلك ثم عدت فقال لي مثل ذلك وقال إن كنت لابد فاعلا ففيما بينك وبينه وقال طاوس أتي رجل ابن عباس فقال ألا أقوم إلى هذا السلطان فآمره وأنهاه قال لا تكن له فتنة قال أفرأيت إن أمرني بمعصية الله قال ذلك الذي تريد فكن حينئذ رجلا وقد ذكرنا حديث ابن مسعود الذي فيه يخلف من بعدهم خلوف فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن الحديث وهذا يدل على جهاد الأمراء باليد وقد استنكر الإمام أحمد هذا الحديث في رواية أبي داود وقال هو خلاف الأحاديث التي أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها بالصبر على جور الأئمة وقد يجاب عن ذلك بأن التغيير باليد لا يستلزم القتال وقد نص على ذلك أحمد أيضا في رواية صالح فقال التغيير باليد ليس بالسيف والسلاح فحينئذ جهاد الأمراء باليد أن يزيل بيده ما فعلوه من المنكرات مثل أن يريق خمورهم أو يكسر آلات اللهو التي لهم أو نحو ذلك أو يبطل بيده ما أمروا به من الظلم إن كان له قدرة على ذلك وكل ذلك جائز وليس هو من باب قتالهم ولا من الخروج عليهم الذي ورد النهي عنه فإن هذا أكثر ما يخشى منه أن يقتله الأمراء وحده وأما الخروج عليهم بالسيف فيخشى منه الفتن التي تؤدي إلى سفك دماء المسلمين نعم إن خشي في الإقدام على الإنكار على الملوك
323
أن يؤذي أهله أو جيرانه لم ينبغ له التعرض لهم حينئذ لما فيه من تعدي الأذى إلى غيره كذلك قال الفضيل بن عياض وغيره ومع هذا متي خاف على نفسه السيف أو السوط أو الحبس أو القيد أو النفي أو أخذ المال أو نحو ذلك من الأذى سقط أمرهم ونهيهم وقد نص الأئمة على ذلك منهم مالك وأحمد وإسحاق وغيرهم قال أحمد لا يتعرض إلى السلطان فإن سيفه مسلول وقال ابن شبرمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالجهاد يجب على الواحد أن يصابر فيه الاثنين ويحرم عليه الفرار منهما ولا يجب عليه مصابرة أكثر من ذلك فإن خاف السب أو سماع الكلام السيء لم يسقط عنه الإنكار بذلك نص عليه الإمام أحمد وإن احتمل الأذى وقوي عليه فهو أفضل نص عليه أحمد أيضا وقيل له أليس قد جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال ليس للمؤمن أن يذل نفسه أي يعرضها من البلاء ما لا طاقة له به قال ليس هذا من ذلك ويدل على ما قاله ما خرجه أبو داود وابن ماجه والترمذى من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر وخرج ابن ماجه معناه من حديث أبي أمامة وفي مسند البزار بإسناد فيه جهالة عن أبي عبيدة بن الجراح قال قلت يا رسول الله أي الشهداء أكرم على الله قال رجل قام إلى إمام جائر فأمره بمعروف ونهاه عن المنكر فقتله وقد روى معناه من وجوه أخرى كلها فيها ضعف وأما حديث لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه فإنما يدل على أنه إذا علم أنه لا يطيق الأذى ولا يصبر عليه فإنه لا يتعرض حينئذ للأمراء وهذا حق وإنما الكلام فيمن علم من نفسه الصبر لذلك قاله الأئمة كسفيان وأحمد والفضيل بن عياض وغيرهم وقد روى عن أحمد ما يدل على الاكتفاء بالإنكار بالقلب قال في رواية أبي داود نحن نرجو إن أنكر بقلبه فقد سلم وإن أنكر بيده فهو أفضل وهذا محمول على أنه يخاف كما صرح بذلك في رواية غير واحد وقد حكي القاضي أبو يعلي روايتين عن أحمد في وجوب إنكار المنكر على من يعلم أنه لا يقبل منه وصح القول بوجوبه وهذا قول أكثر العلماء وقد قيل لبعض السلف في هذا فقال يكون لك معذرة وهذا كما أخبر الله تعالى عن الذين أنكروا على المعتدين في السبت أنهم قالوا لمن قال لهم أتعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون الأعراف وقد ورد ما يستدل به على سقوط الأمر والنهي عند عدم القبول والانتفاع به ففي سنن أبي داود وابن ماجه والترمذى عن أبي ثعلبة الخشني أنه قيل له كيف تقول في هذه الآية عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم المائدة قال سألت عنها خبيرا أما والله لقد سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال بل ائتمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوي متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك ودع عنك أمر العوام وفي سنن أبي داود عن عبدالله بن عمر قال بينما نحن جلوس حول رسول الله صلى الله عليه وآله
324
وسلم إذ ذكر الفتنة فقال إذا رأيتم الناس مرجت عهودهم وخفت أماناتهم وكانوا هكذا وشبك أصابعه فقمت إليه فقلت له كيف أفعل عند ذلك جعلني الله فداك فقال الزم بيتك واملك عليك لسانك وخذ بما تعرف ودع ما تنكر وعليك بأمر خاصة نفسك ودع عنك أمر العامة وكذلك روى عن طائفة من الصحابة في قوله تعالى عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم المائدة قالوا لم يأت تأويلها بعد إنما تأويلها في آخر الزمان وعن ابن مسعود قال إذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعا وذاق بعضكم بأس بعض فيأمر الإنسان حينئذ نفسه فهو حينئذ تأويل هذه الآية وعن ابن عمر قال هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا إن قالوا لم يقبل منهم وقال جبير بن نفير عن جماعة من الصحابة قالوا إذا رأيت شحا مطاعا وهوي متبعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك حينئذ بنفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت وعن مكحول قال لم يأت تأويلها بعد إذا هاب الواعظ وأنكر الموعوظ فعليك حينئذ بنفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت وعن الحسن أنه كان إذا تلا هذه الآية قال يا لها من ثقة ما أوثقها ومن سعة ما أوسعها وهذا كله قد يحمل على أن من عجز عن الأمر بالمعروف أو خاف الضرر سقط عنه وكلام ابن عمر يدل على أن من علم أنه لا يقبل منه لم يجب عليه كما حكي رواية عن أحمد وكذا قال الأوزاعي اأمر من تري أن يقبل منك وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الذي ينكر بقلبه وذلك أضعف الإيمان يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصال الإيمان ويدل على أن من قدر على خصلة من خصال الإيمان وفعلها كان أفضل ممن تركها عجزا ويدل على ذلك أيضا قوله صلى الله عليه وآله وسلم في حق النساء أما نقصان دينها فإنها تمكث الأيام والليالي لا تصلي يشير إلى أيام الحيض مع أنها ممنوعة حينئذ من الصلاة وقد جعل ذلك نقصا في دينها فدل على أن من قدر على واجب وفعله فهو أفضل ممن عجز عنه وتركه وإن كان معذورا في تركه والله أعلم ماهو المنكر المراد بالحديث قوله صلى الله وآله وسلم من رأى منكم منكرا يدل على أن الإنكار متعلق بالرؤية فإن كان مستورا فلم يره ولكن علم به فالمنصوص عن أحمد في أكثر الروايات أنه لا يتعرض له وأنه لا يفتش عما استراب به وعنه رواية أخرى أنه يكشف المغطي إذا تحققه ولو سمع صوت غناء محرم أو آلات الملاهي وعلم المكان التي هي فيه فإنه ينكرها لأنه قد تحقق المنكر وعلم موضعه فهو كما رآه ونص عليه أحمد وقال أما إذا لم يعلم مكانه فلا شيء وأما تسور الجدران على من علم اجتماعهم على منكر فقد أنكره مثل سفيان الثوري وغيره وهو داخل في التجسس المنهي عنه وقد قيل لابن مسعود إن فلانا تقطر لحيته خمرا فقال نهانا الله عن التجسس وقال القاضي أبو يعلي في كتاب الأحكام السلطانية إن كان في المنكر الذي غلب على ظنه الاستسرار به بإخبار ثقة عنه انتهاك حرمة يفوت استدراكها كالزنا والقتل فله التجسس والإقدام على الكشف والبحث حذرا
325
من فوات ما لا يستدرك من انتهاك المحارم وإن كان دون ذلك في الرتبة لم يجز التجسس عليه ولا الكشف عنه والمنكر الذي يجب إنكاره ما كان مجمعا عليه فأما المختلف فيه فمن أصحابنا من قال لا يجب إنكاره على من فعله مجتهدا أو مقلدا لمجتهد تقليدا سائغا واستثني القاضي في الأحكام السلطانية ما ضعف فيه الخلاف وإن كان ذريعة إلى محظور متفق عليه كربا النقد فالخلاف فيه ضعيف وهو ذريعة إلى ربا النساء المتفق على تحريمه وكنكاح المتعة فإنه ذريعة إلى الزنا وذكر عن إسحاق بن شاقلا أنه ذكر أن المتعة هي الزنا صراحا عن ابن بطة قال لا يفسخ نكاح حكم به قاض إن كان قد تأول فيه تأويلا إلا أن يكون قضي لرجل بعقد متعة أو طلق ثلاثا في لفظ واحد وحكم بالمراجعة من غير زوج فحكمه مردود وعلي عله العقوبة والنكال والمنصوص عن أحمد الإنكار على الملاعب بالشطرنج وتأوله القاضي على من لعب بها بغير اجتهاد أو تقليد سائغ وفيه نظر فإن المنصوص عنه أنه يحد شارب النبيذ المختلف فيه وإقامة الحد أبلغ مراتب الإنكار مع أنه لا يفسق عنده بذلك فدل على أنه ينكر كل مختلف فيه ضعف الخلاف فيه لدلالة السنة على تحريمه ولا يخرج فاعله المتأول من العدالة بذلك والله أعلم وكذلك نص أحمد على الإنكار على من لا يتم صلاته ولا يقيم صلبه من الركوع والسجود مع وجود الاختلاف في وجوب ذلك واعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تارة يحمل على رجاء ثوابه وتارة خوف العقاب في تركه وتارة الغضب لله على انتهاك محارمه وتارة النصيحة للمؤمنين والرحمة لهم ورجاء إنقاذهم مما أوقعوا أنفسهم فيه من التعرض لعقوبة الله وغضبه في الدنيا والآخرة وتارة يحمل عليه إجلال الله وإعظامه ومحبته وأنه أهل أن يطاع ويذكر فلا ينسي ويشكر فلا يكفر وأنه يفتدي من انتهاك محارمه بالنفوس والأموال كما قال بعض السلف وددت أن الخلق كلهم أطاعوا الله وأن لحمي قرض بالمقاريض وكان عبد الملك بن عمر بن عبدالعزيز يقول لأبيه وددت أني غلت بي وبك القدور في الله تعالى ومن لحظ هذا المقام والذي قبله هان عليه كل ما يلقي من الأذى في الله تعالى وربما دعا لمن آذاه كما قال ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما ضربه قومه فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون وبكل حال فتبين الرفق في الإنكار قال سفيان الثوري لا يأمر بالمعروف ولا ينهي عن المنكر إلا من كان فيه ثلاث خصال رفيق بما يأمر رفيق بما ينهي عدل بما يأمر عدل بما ينهي عالم بما يأمر عالم بما ينهي وقال أحمد الناس محتاجون إلى مداراة ورفق الأمر بالمعروف بلا غلظة إلا رجل ملعن بالفسق فلا حرمة له قال وكان أصحاب ابن مسعود إذا مروا بقوم يرون منهم ما يكرهون يقولون مهلا رحمكم الله مهلا رحمكم الله وقال أحمد يأمر بالرفق والخضوع فإن أسمعوه ما يكره لا يغضب فيكون يريد أن ينتصر لنفسه والله أعلم الحديث الخامس والثلاثون أخوة الإسلام عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول صلى الله عليه وسلم لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعص وكونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله و لا يكذبه ولا يحقره التقوى هاهنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امريء من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه رواه مسلم
326
هذا الحديث خرجه مسلم من رواية أبي سعيد مولي عبدالله بن عامر بن كريز عن أبي هريرة وأبو سعيد هذا لا يعرف اسمه وقد روى عنه غير واحد وذكره ابن حبان في ثقاته وقال ابن المديني هو مجهول وروى هذا الحديث سفيان الثوري فقال فيه سعيد بن يسار عن أبي هريرة ووهم في قوله سعيد بن يسار إنما هو أبو سعيد مولي ابن كريز قاله أحمد ويحيى والدارقطني وقد روى بعضه من وجه آخر وخرجه الترمذي من رواية أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله كل المسلم على المسلم حرام عرضه وماله ودمه التقوى ههنا بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم وخرج أبو داود من قوله كل المسلم على المسلم حرام إلى آخره وخرجه في الصحيحين من رواية الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا وخرجاه من وجوه أخر عن أبي هريرة وخرج الإمام أحمد من حديث واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال كل المسلم على المسلم حرام دمه
327
وعرضه وماله المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله والتقوى هاهنا وأومأ بيده إلى القلب وحسب امريء من الشر أن يحقر أخاه المسلموخرج أبو داود آخره فقط وفي الصحيحين من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه وخرجه الإمام أحمد ولفظه المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره وحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم وفي الصحيحين عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناويروى معناه من حديث أبي بكر الصديق مرفوعا وموقوفا فقوله صلى الله عليه وآله وسلم لا تحاسدوا يعني لا يحسد بعضكم بعضا والحسد مركوز في طباع البشر وهو أن الإنسان يكره أن يفوقه أحد من جنسه في شيء من الفضائل ثم ينقسم الناس بعد هذا إلى أقسام فمنهم من يسعى في زوال نعمة المحسود بالبغي عليه بالقول والفعل ثم منهم من يسعى في نقل ذلك إلى نفسه ومنهم من يسعى في إزالته عن المحسود فقط من غير نقل إلى نفسه وهو شرهما وأخبثهما وهذا هو الحسد المذموم المنهي عنه وهو كان ذنب إبليس حيث كان حسد آدم عليه السلام لما رآه قد فاق على الملائكة بأن الله خلقه بيده وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شيء وأسكنه في جواره فما زال يسعى في إخراجه من الجنة حتى أخرجه منها ويروى عن ابن عمر أن إبليس قال لنوح اثنان أهلك بهما بني آدم الحسد وبالحسد لعنت وجعلت شيطانا رجيما والحرص أبيح آدم الجنة كلها فأصبت حاجتي منه بالحرص خرجه ابن أبي الدنيا وقد وصف الله اليهود بالحسد في مواضع من كتابه القرآن كقوله تعالى ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق البقرة وقوله أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله النساء وخرج الإمام أحمد والترمذى من حديث الزبير بن العوام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء والبغضاء هي الحالقة حالقته الدين لا حالقة الشعر والذي نفس محمد بيده لا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم وخرج أبو داود من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب أو قال العشب وخرج الحاكم وغيره من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال سيصيب أمتي داء الأمم قالوا يا نبي الله وما داء الأمم قال الأشر والبطر والتكاثر والتنافس في الدنيا والتباغض والتحاسد حتى يكون البغي ثم الهرج وقسم آخر من الناس إذا حسد غيره لم يعمل بمقتضى حسده ولم يبغ على المحسود بقول ولا بفعل وقد روى عن الحسن أنه لا يأثم بذلك وروى مرفوعا من وجوه ضعيفة وهذا على نوعين أحدهما أن لا يمكنه إزالة ذلك الحسد عن نفسه ويكون مغلوبا على
328
ذلك فلا يأثم به والثاني من يحدث نفسه بذلك اختيارا ويعيده ويبدئه في نفسه مستروحا إلى تمني زوال نعمة أخيه فهذا شبيه بالعزم المصمم على المعصية وفي العقاب على ذلك اختلاف بين العلماء وربما يذكر في موضع آخر إن شاء الله تعالى لكن هذا يبعد أن يسلم من البغي على المحسود بالقول فيأثم بل يسعى في اكتساب مثل فضائله ويتمني أن يكون مثله فإن كانت الفضائل دنيوية فلا خير في ذلك كما قال الله تعالى قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون القصص وإن كانت فضائل دينية فهو حسن وقد تمني النبي صلى الله عليه وآله وسلم الشهادة في سبيل الله وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل و آناء النهار وهذا هو الغبطة وسماه حسدا من باب الاستعارة وقسم آخر إذا وجد في نفسه الحسد سعي في إزالته وفي الإحسان إلى المحسود بإبداء الإحسان إليه والدعاء له ونشر فضائله وفي إزالة ما وجد له في نفسه من الحسد حتى يبدله بمحبته أن يكون المسلم خيرا منه وأفضل وهذا من أعلي درجات الإيمان وصاحبه هو المؤمن الكامل الذي يحب لأخيه ما يحب لنفسه وقوله صلى الله عليه وآله وسلم ولا تناجشوا فسره كثير من العلماء بالنجش في البيع وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها إما لنفع البائع لزيادة الثمن له أو بإضرار المشتري بتكثير الثمن عليه وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى عن النجش وقال ابن أبي أوفي الناجش آكل ربا خائن ذكره البخاري قال ابن عبد البر أجمعوا على أن فاعله عاص لله تعالى إذا كان بالنهي عالما واختلفوا في البيع فمنهم من قال إنه فاسد وهو رواية عن أحمد اختارها طائفة من أصحابه ومنهم من قال إن الناجش هو البائع أو من واطأه البائع على النجش فقد فسد لأن النهي هنا يعود إلى العاقد نفسه وإن لم يكن كذلك لم يفسد لأنه يعود إلى أجنبي وكذا حكي عن الشافعي أنه علل صحة البيع بأن البائع غير الناجش وأكثر الفقهاء على أن البيع صحيح مطلقا وهو قول أبي حنيفة رحمه الله ومالك رحمه الله والشافعي رحمه الله وأحمد رحمه الله في رواية عنه إلا أن مالكا وأحمد أثبتا للمشتري الخيار إذا لم يعلم بالحال وغبن غبنا فاحشا يخرج عن العادة وقد رواه مالك وبعض أصحاب أحمد بثلث الثمن فإن اختار المشتري حينئذ الفسخ فله ذلك وإن أراد الإمساك فإنه يحط ما غبن به من الثمن ذكره أصحابنا ويحتمل أن يفسر التناجش المنهي عنه في هذا الحديث بما هو أعم من ذلك فإن أصل النجش في اللغة إثارة الشيء بالمكر والحيلة والمخادعة ومنه من سمي الناجش في البيع ناجشا ويسمي الصائد في اللغة ناجشا لأنه يصيد الصيد بحيلته عليه وخداعه له وحينئذ فيكون المعنى لا تخادعوا ولا يختل بعضكم بعضا بالمكر والاحتيال وإنما يراد بالمكر والمخادعة إيصال الأذى إلى المسلم
329
إما بطريق الاحتيال وإما اجتلاب نفعه بذلك ويلزم منه وصول الضرر إليه ودخوله عليه وقد قال تعالى ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله فاطر وفي حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من غشنا فليس منا والمكر والخداع في النار وقد ذكرنا فيما تقدم حديث أبي بكر الصديق المرفوع ملعون من ضار مسلما أو مكر به خرجه الترمذي فيدخل على هذا التقدير في التناجش المنهي عنه جميع أنواع المعاملات بالغش ونحوه كتدليس العيوب وكتمانها وغش المبيع الجيد بالرديء وغبن المسترسل الذي لا يعرف المماكسة وقد وصف الله تعالى في كتابه الكفار والمنافقين بالمكر بالأنبياء وأتباعهم وما أحسن قول أبي العتاهية ليس دنيا إلا بدين ولي س الدين إلا مكارم الأخلاق إنما المكر والخديعة في النار هما من خصال أهل النفاق وإنما يجوز المكر بمن يجوز إدخال الأذى عليه وهم الكفار والمحاربون كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحرب خدعة وقوله صلى الله عليه وسلم ولا تباغضوا نهى المسلمين عن التباغض بينهم في غير الله تعالى بل على أهواء النفوس فإن المسلمين جعلهم الله إخوة والإخوة يتحابون بينهم ولا يتباغضون وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا ألا أدلكم على شيء إذا فعلمتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم خرجه مسلم وقد ذكرنا فيما تقدم أحاديث في النهي عن التباغض والتحاسد وقد حرم الله على المؤمنين ما يوقع بينهم العداوة والبغضاء كما قال تعالى إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون المائدة وامتن على عباده بالتأليف بين قلوبهم كما قال تعالى واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا آل عمران وقال هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم الأنفال ولهذا المعنى حرم المشي بالنميمة لما فيها من إيقاع العداوة والبغضاء ورخص في الكذب في الإصلاح بين الناس ورغب الله في الإصلاح بينهم كما قال تعالى لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف يؤتيه أجرا عظيما وقال وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما وقال فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذى من حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة قالوا بلى يا رسول الله قال إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة وخرج الإمام أحمد وغيره من حديث أسماء بنت يزيد
330
عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ألا أنبئكم بشراركم قالوا بلى يا رسول الله قال المشاءون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون للبرآء العنت وأما البغض في الله فهو من أوثق الإيمان عري وليس داخلا في النهي ولو ظهر لرجل من أخيه شر فأبغضه عليه وكان الرجل معذورا فيه في نفس الأمر أثيب المبغض له وإن عذر أخوه كما قال عمر إنا كنا نعرفكم إذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أظهرنا وإذ ينزل الوحي وإذ ينبئنا الله من أخباركم ألا وإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد انطلق به وانقطع الوحي وإنما نعرفكم بما نخبركم ألا من أظهر منكم لنا خيرا ظننا به خيرا وأحببناه عليه ومن أظهر منكم شرا ظننا به شرا وأبغضناه عليه سرائركم بينكم وبين ربكم تعالى وقال الربيع بن خيثم لو رأيت رجلا يظهر خيرا ويسر شرا أحببته عليه آجرك الله على حبك الخير ولو رأيت رجلا يظهر شرا ويسر خيرا بغضته عليه آجرك الله على بغضك الشر ولما كثر اختلاف الناس في مسائل الدين وكثر تفرقهم كثر بسبب ذلك تباغضهم وتلاعنهم وكل منهم يظهر أنه يبغض لله وقد يكون في نفس الأمر معذورا وقد لا يكون معذورا بل يكون متبعا لهواه مقصرا في البحث عن معرفة ما يبغض عليه فإن كثيرا من البغض كذلك إنما يقع لمخالفة متبوع يظن أنه لا يقول إلا الحق وهذا الظن خطأ قطعا وإن أريد أنه لا يقول إلا الحق فيما خولف فيه فهذا الظن قد يخطئ ويصيب وقد يكون الحامل على الميل مجرد الهوى والألفة أو العادة وكل هذا يقدح في أن يكون هذا البغض لله فالواجب على المؤمن أن ينصح لنفسه ويتحرز في هذا غاية التحرز وما أشكل منه فلا يدخل نفسه فيه خشية أن يقع فيما نهى عنه من البغض المحرم وهاهنا أمر خفي ينبغي التفطن له وهو أن كثيرا من أئمة الدين قد يقول قولا مرجوحا ويكون مجتهدا فيه مأجورا على اجتهاده فيه موضوعا عنه خطؤه فيه ولا يكون المنتصر لمقالته تلك بمنزلته في هذه الدرجة لأنه قد لا ينتصر لهذا القول إلا لكون متبوعه قد قاله بحيث لو أنه قد قاله غيره من أئمة الدين لما قبله ولا انتصر له ولا والي من يوافقه ولا عادي من خالفه ولا هو مع هذا يظن أنه إنما انتصر للحق بمنزلة متبوعه وليس كذلك فإن متبوعه إنما كان قصده الانتصار للحق وإن أخطأ في اجتهاده وأما هذا التابع فقد شابه انتصاره لما يظنه الحق إرادة علو متبوعه وظهور كلمته وأنه لا ينسب إلى الخطأ وهذه دسيسة تقدح في قصد الانتصار للحق فافهم هذا فإنه مهم عظيم والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم قوله ولا تدابروا قال أبو عبيد التدابر المصارمة والهجران مأخوذ من أن يولي الرجل صاحبه دبره ويعرض عنه بوجهه وهو التقاطع وخرج مسلم من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم الله تعالى وخرجه أيضا بمعناه من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي الصحيحين عن أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لا يحل
331
لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام وخرج أبو داود من حديث أبي خراش السلمي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه وكل هذا في التقاطع للأمور الدنيوية فأما لأجل الدين فتجوز الزيادة على الثلاثة نص عليه الإمام أحمد واستدل بقصة الثلاثة الذين خلفوا وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهجرانهم لما خاف منهم النفاق وأباح هجران أهل البدع المغلظة والدعاة إلى الأهواء وذكر الخطابي أن هجران الوالد لولده والزوج لزوجته وما كان في معنى ذلك تأديبا تجوز الزيادة فيه على الثلاث لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هجر نساءه شهرا واختلفوا هل ينقطع الهجران بالسلام فقالت طائفة ينقطع بذلك وروى عن الحسن ومالك في رواية وهب وقاله طائفة من أصحابنا وخرج أبو داود من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمنا فوق ثلاث فإن مرت به ثلاث فليلقه فليسلم عليه فإن رد عليه السلام فقد اشتركا في الأجر وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم وخرج المسلم من الهجر ولكن هذا فيما إذا امتنع الآخر من الرد عليه فأما مع الرد إذا كان بينهما قبل الهجر مودة ولم يعودوا إليها ففيها نظر وقد قال أحمد في رواية الأثرم وسئل عن السلام يقطع الهجران فقال قد يسلم عليه وقد صد عنه ثم قال قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم يلتقيان فيصد هذا فإذا كان قد عوده أي أن يكلمه أو يصافحه وكذلك روى عن مالك أنه قال لا يقطع الهجران بدون العودة إلى المودة وفرق بعضهم بين الأقارب والأجانب فقال في الأجانب يزول الهجر بينهم بمجرد السلام بخلاف الأقارب وإنما قال هذا لوجوب صلة الرحم قوله صلى الله عليه وآله وسلم ولا يبيع بعضكم على بيع بعض وقد تكاثر النهي عن ذلك ففي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لا يبيع المؤمن على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه وفي رواية لمسلم لا يسم المسلم على سوم أخيه ولا يخطب على خطبته وخرجاه من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لا يبيع الرجل على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه إلا أن يأذن له ولفظه لمسلم وخرج مسلم من حديث عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال المؤمن أخو المؤمن فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر وهذا دليل على أن هذا حق المسلم فلا يساويه الكافر في ذلك بل يجوز للمسلم أن يبتاع على بيع الكافر ويخطب على خطبته وهو قول الأوزاعي وأحمد كما لا يثبت للكافر على المسلم حق الشفعة عنده وكثير من الفقهاء ذهبوا إلى أن النهي عام في حق المسلم والكافر واختلفوا هل النهي للتحريم أو التنزيه فمن أصحابنا من قال هو للتنزيه دون التحريم والصحيح الذي عليه جمهور العلماء أنه للتحريم واختلفوا هل يصح البيع على بيع
332
أخيه والنكاح على خطبته فقال أبو حنيفة رحمه الله والشافعي رحمه الله وأكثر أصحابنا يصح وقال مالك في النكاح إنه إن لم يدخل بها فرق بينهما وإن دخل بها لا يفرق وقال أبو بكر من أصحابنا في البيع والنكاح إنه باطل على كل حال وحكاه عن أحمد ومعنى البيع على بيع أخيه أن يكون قد باع منه شيئا فيبذل للمشتري سلعته ليشتريها ويفسخ بيع الأول وهل يختص ذلك بما إذا كان البذل في مدة الخيار بحيث يمكن المشتري من الفسخ فيه أم هو عام في مدة الخيار وبعدها فيه اختلاف بين العلماء وقد حكاه الإمام أحمد في رواية حرب ومال إلى القول بأنه عام في الحالين وهو قول طائفة من أصحابنا ومنهم من خصه بما إذا كان في مدة الخيار وهو ظاهر كلام أحمد في رواية ابن مشيقس ومنصوص الشافعي والأول أظهر لأن المشتري وإن لم يتمكن من الفسخ بنفسه بعد انقضاء مدة الخيار فإنه إذا رغب في رد السلعة الأولي على بائعها فإنه يتسبب في ردها عليه بأنواع من الطرق المستفيضة لضرره ولو بإلحاح عليه في المسألة وما أدي إلى ضرر المسلم كان محرما والله أعلم وقوله صلى الله عليه وآله وسلم وكونوا عباد الله إخوانا هكذا ذكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم كالتعليل لما تقدم وفيه إشارة إلى أنهم إذا تركوا التحاسد والتناجش والتباغض والتدابر وبيع بعضهم على بعض كانوا إخوانا وفيه أمر باكتساب ما يصير المسلمون به إخوانا على الإطلاق وذلك يدخل فيه أداء حقوق المسلم على المسلم من رد السلام وتشميت العاطس وعيادة المريض وتشييع الجنازة وإجابة الدعوة والابتداء بالسلام عند اللقاء والنصح بالغيب وفي الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال تهادوا فإن الهدية تذهب وحر الصدر وخرجه غيره ولفظه تهادوا تحابوا وفي مسند البزار عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال تهادوا فإن الهدية تسل السخيمة ويروى عن عمر بن عبد العزيز يرفع الحديث قال تصافحوا فإنه يذهب الشحناء وتهادوا وقال الحسن المصافحة تزيد في المودة وقال مجاهد بلغني أنه إذا تراءى المتحابان فضحك أحدهما إلى الآخر وتصافحا تحاتت خطاياهما كما يتحات الورق من الشجر فقيل له إن هذا ليسير من العمل قال يقولون يسير والله يقول لو أنفقت ما في الأرض جمعيا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم الأنفال وقوله صلى الله عليه وآله وسلم المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره هذا مأخوذ من قوله تعالى إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم فإذا كان المؤمنون إخوة أمروا فيما بينهم بما يوجب تآلف القلوب واجتماعها ونهوا عما يوجب تنافر القلوب واختلافها وهذا من ذلك وأيضا فإن الأخ من شأنه أن يوصل لأخيه النفع ويكف عنه الضرر وهذا من أعظم الضرر الذي يجب كفه عن الأخ المسلم وهذا لا يختص بالمسلم بل هو محرم في حق كل أحد وقد سبق الكلام على الظلم مستوفي عند ذكر حديث أبي ذر الإلهي يا
333
عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ومن ذلك خذلان المسلم لأخيه فإن المؤمن مأمور أن ينصر أخاه كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم انصر أخاك ظالما أو مظلوما قال يا رسول الله أنصره مظلوما فكيف أنصره ظالما قال تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه خرجه البخاري بمعناه من حديث أنس وخرجه مسلم بمعناه من حديث جابر وخرجه أبو داود من حديث أبي طلحة الأنصاري وجابر ابن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ما من امرئ مسلم يخذل امرأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موضع يحب فيه نصرته وما من امرئ ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وتنتهك فيه حرمته إلا نصره الله في موضع يحب فيه نصرته وخرج الإمام أحمد من حديث أبي أمامة بن سهل عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من أذل عنده مؤمن فلم ينصره وهو يقدره على أن ينصره أذله الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة وخرج البزار من حديث عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من نصر أخاه بالغيب وهو يستطيع نصره الله في الدنيا والآخرة ومن ذلك كذب المسلم لأخيه فلا يحل له أن يحدثه ويكذبه بل لا يحدثه إلا صدقا وفي مسند الإمام أحمد عن النواس بن سمعان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك مصدق وأنت به كاذب ومن ذلك احتقار المسلم لأخيه المسلم وهو ناشئ عن الكبر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم الكبر بطر الحق وغمط الناس خرجه مسلم من حديث ابن مسعود وخرجه الإمام أحمد وفي رواية له الكبر سفه الحق وازدراء الناس وفي رواية زيادة فلا يراهم شيئا وغمط الناس الطعن عليهم وازدراؤهم قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسي أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسي أن يكن خيرا منهن الحجرات فالمتكبر ينظر إلى نفسه بعين الكمال وإلي غيره بعين النقص فيحتقرهم ويزدريهم ولا يراهم أهلا لأن يقوم بحقوقهم ولا أن يقبل من أحدهم الحق إذا أورده عليه وقوله صلى الله عليه وآله وسلم التقوى هاهنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات فيه إشارة إلى أن كرم الخلق عند الله بالتقوى فرب من يحقره الناس لضعفه وقلة حظه من الدنيا هو أعظم قدرا عند الله تعالى ممن له قدر في الدنيا فإنما الناس يتفاوتون بحسب التقوى كما قال الله تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم الحجرات وسئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أكرم الناس قال أتقاهم لله تعالى وفي حديث آخر الكرم التقوى والتقوى أصلها في القلب كما قال الله تعالى ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوي القلوب الحج وقد سبق ذكر هذا المعنى في الكلام على حديث أبي ذر الإلهي عند قوله لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقي قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا وإذا كان أصل التقوى في القلوب فلا يطلع
334
أحد على حقيقتها إلا الله تعالى كما قال صلى الله عليه وآله وسلم إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم وحينئذ فقد يكون كثير ممن له صورة حسنة أو مال أو جاه أو رياسة في الدنيا قلبه خراب من التقوى ويكون من ليس له شيء من ذلك قلبه مملوء من التقوى فيكون أكرم عند الله تعالى بل ذلك هو الأكثر وقوعا كما في الصحيحين عن حارثة بن وهب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ألا أخبركم بأهل الجنة كل ضعيف مستضعف لو أقسم على الله لأبره ألا أخبركم بأهل النار كل عتل جواظ مستكبر وفي المسند عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال أما أهل الجنة فكل ضعيف مستضعف أشعث ذو طمرين لو أقسم على الله لأبره وأما أهل النار فكل جعظري جواظ جماع مناع ذي تبع وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال تحاججت الجنة والنار فقالت النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين وقالت الجنة لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم فقال الله تعالى للجنة أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي وقال للنار أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي وخرجه الإمام أحمد من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال افتخرت الجنة والنار فقالت النار يا رب يدخلني الجبابرة والمتكبرون والملوك والأشراف وقالت الجنة يا رب يدخلني الضعفاء والفقراء والمساكين وذكر الحديث وفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد قال مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لرجل عنده جالس ما رأيك في هذا فقال رجل من أشراف الناس هذا والله حري إن خطب أن ينكح وإن شفع أن يشفع وإن قال أن يسمع لقوله قال فسكت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم مر رجل آخر فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما رأيك في هذا قال يا رسول الله هذا رجل من فقراء المسلمين هذا حري إن خطب أن لا ينكح وإن شفع أن لا يشفع وإن قال لا ويسمع لقوله فقال رسول صلى الله عليه وسلم هذا خير من ملء الأرض مثل هذا وقال محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة خافضة رافعة الواقعة قال تخفض رجالا كانوا في الدنيا مرتفعين وترفع رجالا كانوا في الدنيا مخفوضين قوله صلى الله عليه وآله وسلم بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم يعني يكفيه من الشر احتقاره أخاه المسلم فإنه إنما يحقر أخاه المسلم لتكبره عليه والكبر من أعظم خصال الشر وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر وفيه أيضا عنه صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى العز إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني عذبته فمنازعة الله تعالى في صفاته التي لا تليق بالمخلوق كفي بها شرا وفي صحيح ابن حبان عن فضالة بن عبيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ثلاثة لا تسأل عنهم رجل
335
ينازع الله إزاره ورجل ينازع الله رداءه فإن رداءه الكبرياء وإزاره العز ورجل في شك من أمر الله تعالى والقنوط من رحمة الله وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من قال هلك الناس فهو أهلكهم فأعادها مرارا ثم رفع رأسه فقال اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت قال مالك إذا قال ذلك تحزنا لما يري في الناس يعني في دينهم فلا أري به بأسا وإذا قال ذلك تعجبا بنفسه وتصاغرا فهو المكروه الذي نهى عنه ذكره أبو داود في سننه قوله صلى الله عليه وآله وسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه وهذا مما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب به في المجامع العظيمة فإنه خطب به في حجة الوداع يوم النحر ويوم عرفة ويوم الثاني من أيام التشريق وقال إن أموالكم ودماءكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا وفي رواية للبخاري وغيره وأبشاركم وفي رواية وفي رواية ثم قال ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب وفي رواية للبخاري فإن الله حرم عليكم أموالكم وأعراضكم ودماءكم إلا بحقها وفي رواية دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام مثل هذا اليوم وهذا البلد إلى يوم القيامة حتى دفعة يدفعها مسلم مسلما يريد بها سوء حرام وفي رواية المؤمن حرام على المؤمن كحرمة هذا اليوم لحمه عليه حرام أن يأكله أو يغتابه بالغيب وعرضه عليه حرام أن يخرقه ووجهه عليه حرام أن يلطمه ودمه عليه حرام أن يسفكه وحرام عليه أن يدفعه دفعة بغتة وفي سنن أبي داود عن بعض الصحابة أنهم كانوا يسيرون مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقام رجل منهم فانطلق بعضهم إلى حبل معه فأخذها ففزع فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يحل لمسلم أن يروع مسلما وخرج أحمد وأبو داود والترمذى عن السائب بن يزيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لا يأخذ أحدكم عصا أخيه لاعبا جادا فمن أخذ عصا أخيه فليردها إليه قال ابن أبي عبيد يعني أن يأخذ شيئا لا يريد سرقته إنما يريد إدخال الغيظ عليه فهو لاعب في مذهب السرقة جاد في إدخال الروع والأذى عليه وفي الصحيحين عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث فإن ذلك يحزنه ولفظه لمسلم وخرج الطبراني من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لا يتناجى اثنان دون الثالث فإن ذلك يؤذي المؤمن والله يكره أذى المؤمن وخرج الإمام أحمد من حديث ثوبان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لا تؤذوا عباد الله ولا تعيروهم ولا تطلبوا عوارتهم فإن من طلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته حتى يفضحه في بيته وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه سئل عن الغيبة فقال ذكرك أخاك بما يكره قال أرأيت إن كان فيه ما أقول فقال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته فتضمنت هذه
336
النصوص كلها أن المسلم لا يحل إيصال الأذى إليه بوجه من الوجوه من قول أو فعل بغير حق وقد قال الله تعالى والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا الأحزاب وإنما جعل الله المؤمنين إخوة ليتعاطفوا ويتراحموا وفي الصحيحين عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكي منه عضو تداعي له سائر الجسد بالحمى والسهر وفي رواية المؤمنون كرجل واحد إن اشتكي رأسه تداعي له سائر الجسد بالحمى وفي رواية له أيضا المسلمون كرجل واحد إن اشتكي عينه اشتكي كله وإن اشتكي رأسه اشتكي كله وفيهما عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وخرج أبو داود من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال المؤمن مرآة المؤمن المؤمن أخو المؤمن يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه وخرجه الترمذي ولفظه إن أحدكم مرآة أخيه فمن رأي به أذى فليمطه عنه قال رجل لعمر بن عبد العزيز اجعل كبير المسلمين عندك أبا وصغيرهم ابنا و أوسطهم أخا فأي أولئك تحب أن تسيء إليه ومن كلام يحيى بن معاذ الرازي ليكن حظ المؤمن منك ثلاثة إن لم تنفعه فلا تضره وإن لم تفرحه فلا تغمه وإن لم تمدحه فلا تذمه الحديث السادس والثلاثون فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه رواه مسلم بهذا اللفظ
337
هذا الحديث خرجه مسلم من رواية الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة واعترض عليه غير واحد من الحفاظ في تخريجه منهم الفضل الهروي والدارقطني فإن أسباط بن محمد رواه عن الأعمش قال حدثنا عن أبي صالح فتبين أن الأعمش لم يسمعه من أبي صالح ولم يذكر من حدثه عنه ورجح الترمذي وغيره هذه الرواية وزاد بعض أصحاب الأعمش في متن الحديث ومن أقال لله مسلما أقال الله عثرته يوم القيامة وخرجه في الصحيحين من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة وخرج الطبراني من حديث كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من نفس عن مؤمن كربة نفس الله عنه
338
كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر على مؤمن عورته ستر الله عورته ومن فرج عن مؤمن كربة فرج الله عنه كربته وخرج الإمام أحمد من حديث سلمة بن مخلد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة ومن نجي مكروبا فك الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته فقوله صلى الله عليه وآله وسلم من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة هذا يرجع إلى أن الجزاء من جنس العمل وقد تكاثرت النصوص بهذا المعنى كقوله صلى الله عليه وآله وسلم إنما يرحم الله من عباده الرحماء وقوله إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا والكربة هي الشدة العظيمة التي توقع صاحبها في الكرب وتنفيسها أن يخفف عنه منها مأخوذ من تنفس الخناق كأنه يرخي له الخناق حتى يأخذ نفسا والتفريج أعظم من ذلك وهو أن يزيل عنه الكربة فتفرج عنه كربته ويزول همه وغمه فجزاء التنفيس التنفيس وجزاء التفريج التفريج كما في حديث ابن عمر وقد جمع بينهما في حديث كعب بن عجرة وخرج الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا أيما مؤمن أطعم مؤمنا على جوع أطعمه الله يوم القيامة من ثمار الجنة وأيما مؤمن سقي مؤمنا على ظمأ سقاه الله يوم القيامة من الرحيق المختوم وأيما مؤمن كسا مؤمنا على عري كساه الله من خضر الجنة وخرجه الإمام أحمد بالشك في رفعه وقيل إن الصحيح رفعه وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن ابن مسعود قال يحشر الناس يوم القيامة أعري ما كانوا قط وأجوع ما كانوا قط وأظمأ ما كانوا قط وأنصب ما كانوا قط فمن كسا لله كساه الله ومن أطعم لله أطعمه الله ومن سقي لله سقاه الله ومن عفي لله أعفاه الله وخرج البيهقي من حديث أنس مرفوعا أن رجلا من أهل الجنة يشرف يوم القيامة على أهل النار فيناديه رجل من أهل النار يا فلان هل تعرفني فيقول لا والله ما أعرفك من أنت فيقول أنا الذي مررت بي في دار الدنيا فاستسقيتني شربة من ماء فسقيتك قال قد عرفت قال فاشفع لي بها عند ربك قال فيسأل الله تعالى فيقول شفعني فيه فيأمر به فيخرجه من النار وقوله كربة من كرب يوم القيامة ولم يقل من كرب الدنيا والآخرة كما قيل في التيسير والستر وقد قيل في مناسبة ذلك إن الكرب هي الشدائد العظيمة وليس كل أحد يحصل له ذلك في الدنيا بخلاف الإعسار والعورات المحتاجة إلى الستر فإن أحدا لا يكاد يخلو من ذلك ولو بتعسر الحاجات المهمة وقيل لأن كرب الدنيا بالنسبة إلى كرب الآخرة كلا شيء فلذا ادخر الله جزاء تنفيس الكرب عنده لينفس به كرب الآخرة ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفدهم البصر وتدنو الشمس منهم فيبلغ الناس من الكرب والغم ما لا يطيقون ولا يحتملون فيقول الناس بعضهم لبعض ألا ترون ما بلغكم ألا تنظرون من يشفع لكم عند
339
ربكم وذكر حديث الشفاعة خرجاه بمعناه من حديث أبي هريرة وخرجاه من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال تحشر الناس حفاة عراة غرلا قالت فقلت يا رسول الله الرجال والنساء ينظر بعضهم بعضا فقال الأمر أشد من أن يهمهم ذلك وخرجاه من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله تعالى يوم يقوم الناس لرب العالمين المطففين قال يقوم أحدهم في الرشح إلى أنصاف أذنيه وخرجاه من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعا ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم ولفظه للبخاري ولفظ مسلم إن العرق ليذهب في الأرض سبعين ذراعا وإنه ليبلغ إلى أفواه الناس أو إلى آذانهم وخرج مسلم من حديث المقداد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال تدنو الشمس من العباد حتى تكون قدر ميل أو ميلين فتصهرهم الشمس فيكونون في العرق قدر أعمالهم فمنهم من يأخذه إلى عقبيه ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه ومنهم من يأخذه إلى حقويه ومنهم من يلجمه إلجاما وقال ابن مسعود الأرض كلها يوم القيامة نار والجنة من ورائها تري أكوابها وكواعبها فيعرق الرجل حتى يرشح عرقه في الأرض قدر قامة ثم يرتفع حتى يبلغ أنفه و ما مسه الحساب قال فمم ذلك يا أبا عبد الرحمن قال مما يري الناس ما يصنع بهم وقال أبو موسى الشمس فوق رؤوس الناس يوم القيامة فأعمالهم تظلهم أو تضحيتهم وفي المسند من حديث عقبة بن عامر مرفوعا كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس قوله صلى الله عليه وآله وسلم ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة وهذا أيضا يدل على أن الإعسار قد يحصل في الآخرة وقد وصف الله يوم القيامة بأنه عسير وأنه على الكافرين غير يسير فدل على أن يسره على غيرهم وقال وكان يوما على الكافرين عسيرا الفرقان والتيسير على المعسر في الدنيا من جهة المال يكون بأحد أمرين إما بإنظاره إلى الميسرة وذلك واجب كما قال تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة البقرة وتارة بالوضع عنه إن كان غريما وإلا فبإعطائه ما يزول به إعساره وكلاهما له فضل عظيم وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال كان تاجر يداين الناس فإذا رأي معسرا قال لصبيانه تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا فتجاوز الله عنه وفيهما عن حذيفة وأبي مسعود الأنصاري سمعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول مات رجل فقيل له بم غفر الله لك فقال كنت أبايع الناس فأتجاوز عن الموسر وأخفف عن المعسر وفي رواية قال كنت أنظر المعسر وأتجوز في السكة أو قال في النقد فغفر له وخرجه مسلم من حديث أبي مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي حديثه قال الله نحن أحق بذلك منه تجاوزوا عنه وخرج أيضا من حديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من سره أن ينجيه الله من كرب يوم
340
القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه وخرج أيضا من حديث أبي اليسر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله وفي المسند عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من أراد أن تستجاب دعوته أو تكشف كربته فليفرج عن معسر وقوله صلى الله عليه وآله وسلم ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة هذا مما تكاثرت النصوص بمعناه وخرج ابن ماجه من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة ومن كشف عورة أخيه المسلم كشف الله عورته حتى يفضحه بها في بيته وخرج الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول من ستر على المؤمن عورته ستره الله يوم القيامة وقد روى عن بعض السلف أنه قال أدركت قوما لم يكن لهم عيوب فذكروا عيوب الناس فذكر الناس لهم عيوبا وأدركت قوما كانت لهم عيوب فكفوا عن عيوب الناس فنسيت عيوبهم أو كما قال وشاهد هذا الحديث حديث أبي بردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوارتهم فإنه من اتبع عوراتهم تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه في بيته خرجه الإمام أحمد وأبو داود وخرج الترمذي معناه من حديث ابن عمر واعلم أن الناس على ضربين أحدهما من كان مستورا لا يعرف بشيء من المعاصي فإذا وقعت منه هفوة أو زلة فإنه لا يجوز هتكها ولا كشفها ولا التحدث بها لأن ذلك غيبة محرمة وهذا هو الذي وردت فيه النصوص وفي ذلك قال الله تعالى إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة النور والمراد إشاعة الفاحشة على المؤمن فيما وقع منه واتهم به مما بريء منه كما في قضية الإفك قال بعض الوزراء الصالحين لبعض من يأمر بالمعروف اجتهد أن تستر العصاة فإن ظهور معاصيهم عيب في أهل الإسلام و أولي الأمور ستر العيوب ومثل هذا لو جاء تائبا نادما وأقر بحده لم يفسره ولم يستفسر بل يؤمر بأن يرجع ويستر نفسه كما أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ماعزا والغامدية وكما لم يستفسر الذي قال أصبت حدا فأقمه على ومثل هذا لو أخذ بجريمته ولم يبلغ الإمام فإنه يشفع له لا يبلغ الإمام وفي مثله جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم خرجه أبو داود والنسائى من حديث عائشة والثاني من كان مشتهرا بالمعاصي معلنا بها ولا يبالي بما ارتكب منها ولا بما قيل له هذا هو الفاجر المعلن وليس له غيبة كما نص على ذلك الحسن البصري وغيره ومثل هذا لا بأس بالبحث عن أمره لتقام عليه الحدود وصرح بذلك بعض أصحابنا واستدل بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ومثل هذا لا يشفع له إذا أخذ ولو
341
لم يبلغ السلطان بل يترك حتى يقام عليه الحد ليكشف ستره ويرتدع به أمثاله قال مالك من لم يعرف منه أذى للناس وإنما كانت منه زلة فلا بأس أن يشفع له ما لم يبلغ الإمام وأما من عرف بشر أو فساد فلا أحب أن يشفع له أحد ولكن يترك حتى يقام عليه الحد حكاه ابن المنذر وغيره وكره الإمام أحمد رفع الفساق إلى السلطان بكل حال وإنما كرهه لأنهم غالبا لا يقيمون الحدود على وجوهها ولهذا قال إن علمت أنه يقيم عليه الحد فارفعه ثم ذكر أنهم ضربوا رجلا فمات يعني أنه لم يكن قتله جائزا ولو تاب أحد من الضرب الأول كان الأفضل له أن يتوب فيما بينه وبين الله تعالى ويستر على نفسه وأما الضرب الثاني فقيل إنه كذلك وقيل بل الأولي له أن يأتي الإمام ويقر على نفسه بما يوجب الحد حتى يطهره قوله والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه وفي حديث ابن عمر ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته وقد سبق في شرح الحديث الخامس والعشرين والسادس والعشرين فضل قضاء الحوائج والسعي فيها وخرج الطبراني من حديث عمر مرفوعا أفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمن كسوت عورته أو أشبعت جوعته أو قضيت له حاجته وبعث الحسن البصري قوما من أصحابه في قضاء حاجة لرجل وقال لهم مروا بثابت البناني فخذوه معكم فأتوا ثابتا فقال أنا معتكف فرجعوا إلى الحسن فأخبروه فقال قولوا يا أعمش أما تعلم أن مشيك في حاجة أخيك المسلم خير لك من حجة بعد حجة فرجعوا إلى ثابت فترك اعتكافه وذهب معهم وخرج الإمام أحمد من حديث بنت الخباب بن الأرت قالت خرج خباب في سرية فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتعاهدنا حتى يحلب عنزة لنا في جفنة لنا فتمتلئ حتى تفيض فلما قدم خباب حلبها فعاد حلابها إلى ما كان وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يحلب للحي أغنامهم فلما استخلف قالت جارية منهم الآن لا يحلبها فقال أبو بكر بل وإني لأرجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه عن شيء كنت أفعله أو كما قال وإنما كانوا يقومون بالحلاب لأن العرب كانت لا تحلب النساء منهم وكانوا يستقبحون ذلك وكان الرجال إذا غابوا احتاج النساء إلى من يحلب لهن وقد روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لقوم لا تسقوني حلب امرأة وكان عمر يتعاهد الأرامل يستقي لهن الماء بالليل ورآه طلحة بالليل يدخل بيت امرأة فدخل إليها طلحة نهارا فإذا هي عجوز عمياء مقعدة فسألها ما يصنع هذا الرجل عندك قالت هذا مذ كذا وكذا يتعاهدني يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى فقال طلحة ثكلتك أمك يا طلحة أعورات عمر تتبع وكان أبو وائل يطوف على نساء الحي وعجائزهن كل يوم فيشتري لهن حوائجهن وما يصلحهن وقال مجاهد صحبت ابن عمر في السفر لأخدمه فكان يخدمني وكان كثير من الصالحين يشترط على أصحابه أن يخدمهم في السفر وصحب رجل قوما في الجهاد فاشترط عليهم أن يخدمهم وكان إذا أراد أحد منهم
342
أن يغسل رأسه أو ثوبه قال هذا من شرطي فيفعله فمات فجردوه للغسل فرأوا على يده مكتوبا من أهل الجنة فنظروا فإذا هي كتابة بين الجلد واللحم وفي الصحيحين عن أنس قال كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السفر فمنا الصائم ومنا المفطر قال فنزلنا منزلا في يوم حار أكثرنا ظلا صاحب الكساء ومنا من يتقي الشمس بيده قال فسقط الصوام وقام المفطرون وضربوا الأبنية وسقوا الركاب فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذهب المفطرون اليوم بالأجر ويروى عن رجل من أسلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتي بطعام في بعض أسفاره فأكل منه وأكل أصحابه وقبض الأسلمي يده فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مالك فقال إني صائم قال فما حملك على ذلك قال كان معي ابنان يرجلان لي ويخدماني فقال مازال لهم الفضل عليك بعد وفي مراسيل أبي داود عن أبي قلابة أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قدموا يثنون على صاحب لهم خيرا قالوا مارأينا مثل فلان قط ما كان في مسير إلا وكان في قراءة ولا نزلنا منزلا إلا كان في صلاة قال فمن كان يكفيه ضيعته حتى ذكر من كان يعلف جمله أو دابته قالوا نحن قال فكلكم خير منه قوله صلى الله عليه وآله وسلم ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة وقد روى المعنى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسلوك الطريق لالتماس العلم يدخل فيه سلوك الطريق الحقيقي وهو المشي بالأقدام إلى مجالس العلماء ويدخل فيه سلوك الطرق المعنوية المؤدية إلى حصول العلم مثل حفظه ومدارسته ومذاكرته ومطالعته وكتابته والتفهم له ونحو ذلك من الطرق المعنوية التي يتوصل بها إلى العلم شرح قوله سهل الله له طريقا إلى الجنة وقوله صلى الله عليه وآله وسلم سهل الله له طريقا إلى الجنة قد يراد بذلك أن الله يسهل له العلم الذي طلبه وسلك طريقه وييسره عليه فإن العلم طريق يوصل إلى الجنة وهذا كقوله تعالى ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر القمر وقال بعض السلف هل من طالب علم فيعان عليه وقد يراد أيضا أن الله ييسر لطالب العلم إذا قصد بطلبه وجه الله تعالى والامتناع به والعمل بمقتضاه فيكون سببا لهدايته ولدخول الجنة بذلك وقد ييسر الله لطالب العلم علوما أخر ينتفع بها وتكون موصلة إلى الجنة كما قيل من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم وكما قيل إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها وقد دل على ذلك قوله تعالى ويزيد الله الذين اهتدوا هدى مريم وقوله تعالى والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم محمد وقد يدخل في ذلك أيضا تسهيل طريق الجنة الحسنى يوم القيامة وهو الصراط وما قبله وما بعده من الأهوال فييسر ذلك على طالب العلم للانتفاع به فإن العلم يدل على الله من أقرب الطريق إليه فمن سلك طريقه ولم يعوج عنه وصل إلى الله تعالى وإلي الجنة من أقرب الطرق وأسهلها فسهلت عليه الطرق الموصلة إلى الجنة كلها في الدنيا
343
والآخرة فلا طريق إلى معرفة الله وإلي الوصول إلى رضوانه والفوز بقربه ومجاورته في الآخرة إلا بالعلم النافع الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه فهو الدليل عليه وبه يهتدي في ظلمات الجهل والشبه والشكوك ولهذا سمي الله كتابه نورا يهتدي به في الظلمات وقال الله تعالى قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم المائدة ومثل النبي صلى الله عليه وآله وسلم حملة العلم الذي جاء به بالنجوم التي يهتدي بها في الظلمات ففي المسند عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء يهتدي بها في ظلمات البر والبحر فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة وما دام العلم باقيا في الأرض فالناس في هدي وبقاء العلم ببقاء حملته فإذا ذهب حملته ومن يقوم به وقع الناس في الضلال كما في الصحيحين عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الناس ولكن يقبضه بقبض العلماء فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا وذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوما رفع العلم فقيل له كيف يذهب العلم وقد قرأنا القرآن وأقرأناه نساءنا وأبناءنا فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم فسئل عبادة بن الصامت عن هذا الحديث فقال لو شئت لأخبرتك بأول علم يرفع من الناس الخشوع وإنما قال عبادة هذا لأن العلم قسمان أحدهما ما كان ثمرته في قلب الإنسان وهو العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله المقتضي لخشيته ومهابته وإجلاله والخضوع له ومحبته ورجائه ودعائه والتوكل عليه ونحو ذلك فهذا هو العلم النافع كما قال ابن مسعود إن أقواما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع وقال الحسن العلم علمان علم على اللسان فذاك حجة الله على ابن آدم كما في الحديث القرآن حجة لك أو عليك وعلم في القلب فذاك العلم النافع والقسم الثاني العلم الذي على اللسان وهو حجة لك أو عليك فأول ما يرفع من العلم العلم النافع وهو الباطن الذي يخالط القلوب ويصلحها ويبقي علم اللسان حجة فيتهاون الناس به ولا يعملون بمقتضاه لا حملته ولا غيرهم ثم يذهب هذا العلم بذهاب حملته فلا يبقي إلا القرآن في المصاحف وليس ثم من يعلم معانيه ولا حدوده ولا أحكامه ثم يسري به في آخر الزمان فلا يبقي في المصاحف ولا في القلوب منه شيء بالكلية وبعد ذلك تقوم الساعة كما قال صلى الله عليه وآله وسلم لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس وقال لا تقوم الساعة وفي الأرض أحد يقول الله الله قوله صلى الله عليه وآله وسلم ما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم
344
الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده هذا يدل على استحباب الجلوس في المساجد لتلاوة القرآن ومدارسته وهذا إن حمل على تعلم القرآن وتعليمه فلا خلاف في استحبابه وفي صحيح البخاري عن عثمان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال خيركم من تعلم القرآن وعلمه وقال أبو عبد الرحمن السلمي فذلك الذي أقعدني في مقعدي هذا وكان قد علم القرآن في زمن عثمان بن عفان حتى بلغ الحجاج بن يوسف فإن حمل على ما هو أعم من ذلك دخل فيه الاجتماع في المسجد على دراسة القرآن مطلقا وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحيانا يأمر من يقرأ القرآن ليسمع قراءته كما كان ابن مسعود يقرأ عليه وقال إني أحب أن أسمعه من غيري وكان عمر يأمر من يقرأ عليه وعلي أصحابه وهم يستمعون فتارة يأمر أبا موسى وتارة يأمر عقبة بن عامر وسئل ابن عباس أي العمل أفضل قال ذكر الله وما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتعاطون فيه كتاب الله فيما بينهم ويتدارسونه إلا أظلتهم الملائكة بأجنحتها وكانوا أضياف الله ما داموا على ذلك حتى يخوضوا في حديث غيره وروى مرفوعا والموقوف أصح وروى يزيد الرقاشي عن أنس قال كانوا إذا صلوا الغداة قعدوا حلقا حلقا يقرءون القرآن ويتعلمون الفرائض والسنن ويذكرون الله تعالى وروى عطية عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ما من قوم صلوا صلاة الغداة ثم قعدوا في مصلاهم يتعاطون كتاب الله ويتدارسونه إلا وكل بهم ملائكة يستغفرون لهم حتى يخوضوا في حديث غيره وهذا يدل على استحباب الاجتماع بعد صلاة الغداة لمدارسة القرآن ولكن عطية فيه ضعف وقد روى حرب الكرماني بإسناده عن الأوزاعي أنه سئل عن الدراسة بعد صلاة الصبح فقال أخبرني حسان بن عطية أن أول من أحدثها في مسجد دمشق هشام بن إسماعيل المخزومي في خلافة عبد الملك بن مروان فأخذ الناس بذلك وبإسناده عن سعيد بن عبد العزيز وإبراهيم بن سليمان أنهما كانا يدرسان القرآن بعد صلاة الصبح ببيرون والأوزاعي في المسجد لا يغير عليهم وذكر حرب أنه رأي أهل دمشق وأهل حمص وأهل مكة وأهل البصرة يجتمعون على القرآن بعد صلاة الصبح ولكن أهل الشام يقرءون القرآن كلهم جملة من سورة واحدة بأصوات عالية وأهل البصرة وأهل مكة يجتمعون فيقرأ أحدهم عشر آيات والناس ينصتون ثم يقرأ آخر عشر آيات حتى يفرغوا قال حرب وكل ذلك حسن جميل وقد أنكر مالك على أهل الشام وقال زيد بن عبيد الدمشقي قال لي مالك بن أنس بلغني أنكم تجلسون حلقا تقرءون فأخبرته بما كان يفعل أصحابنا فقال مالك عندنا كان المهاجرون والأنصار ما نعرف هذا قال فقلت هذا طريف قال وطريف رجل يقرأ ويجتمع الناس حوله فقال هذا من غير رأينا قال أبو مصعب وإسحاق بن محمد القروي سمعنا مالك بن أنس يقول الاجتماع بكرة بعد صلاة الصبح لقراءة القرآن بدعة ما كان
345
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا العلماء بعدهم علي هذا كانوا إذا صلوا يخلو كل بنفسه ويقرأ ويذكر الله تعالى ثم ينصرفون من غير أن يكلم بعضهم بعضا اشتغالا بذكر الله فهذه كلها محدثة وقال ابن وهب سمعت مالكا يقول لم تكن القراءة في المسجد من أمر الناس القديم و أول من أحدث في المسجد الحجاج بن يوسف قال مالك وأنا أكره ذلك الذي يقرأ في المسجد في المصحف وقد روى هذا كله أبو بكر النيسابوري في كتاب مناقب مالك رحمه الله واستدل الأكثرون على استحباب الاجتماع لمدارسة القرآن في الجملة بالأحاديث الدالة على استحباب الاجتماع للذكر والقرآن أفضل أنواع الذكر ففي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تعالى تنادوا هلموا إلى حاجتكم فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم ما يقول عبادي قال يقولون يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك فيقول هل رأوني فيقولون لا والله ما رأوك فقال كيف لو رأوني فيقولون لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأكثر لك تحميدا وتمجيدا وأكثر لك تسبيحا فيقول فما يسألوني قالوا يسألونك الجنة فيقول وهل رأوها فيقولون لا والله يا رب ما رأوها فيقول كيف لو رأوها فيقولون لو أنهم رأوها كانوا أشد حرصا عليها وأشد لها طلبا وأشد فيها رغبة قال فمم يتعوذون فيقولون من النار قال فيقول هل رأوها فيقولون لا والله يا رب ما رأوها فيقول كيف لو رأوها فيقولون لو أنهم رأوها كانوا أشد لها مخافة فيقول الله تعالى أشهدكم أني قد غفرت لهم فيقول ملك من الملائكة فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجته قال هم الجلساء لا يشقي جليسهم وفي صحيح مسلم عن معاوية أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال ما أجلسكم قالوا جلسنا نذكر الله ونحمده لما هدانا للإسلام ومن علينا به فقال آلله ما أجلسكم إلا ذلك قالوا آلله ما أجلسنا إلا ذلك قال أما أني لم أستحلفكم لتهمة لكم ولكن أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة وخرج الحاكم من حديث معاوية قال كنت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوما فدخل المسجد فإذا هو بقوم في المسجد قعود فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما أقعدكم فقالوا صلينا الصلاة المكتوبة ثم قعدنا نتذاكر الله وسنة نبيه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا ذكر شيء تعاظم ذكره وفي المعنى أحاديث أخر متعددة وقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن جزاء الذين يجلسون في بيت الله يتدارسون كتاب الله أربعة أشياء أحدها تنزل السكينة عليهم وفي الصحيحين عن البراء بن عازب قال كان رجل يقرأ سورة الكهف وعنده فرس فتغشته سحابة فجعلت تدور وتدنو وجعل فرسه ينفر منها فلما أصبح أتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكر ذلك له فقال تلك
346
السكينة تنزل للقرآن وفيهما أيضا عن أبي سعيد أن أسيد بن حضير بينما هو ليلة يقرأ في مربده إذ جالت فرسه فقرأ ثم جالت أخرى فقرأ ثم جالت أيضا قال أسيد فخشيت أن تطأ يحيى يعني ابنه قال فقمت إليها فإذا مثل الظلة فوق رأسي فيها أمثال السرج عرجت في الجو حتى ما أراها فغدا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكر ذلك له فقال تلك الملائكة كانت تسمع لك ولو قرأت لأصبحت تراها الناس ما تستتر منهم واللفظ لمسلم فيهما وروى ابن المبارك عن يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن سعد بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان في مجلس فرفع بصره إلى السماء ثم طأطأ بصره ثم رفعه فسئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك فقال إن هؤلاء القوم كانوا يذكرون الله تعالى يعني أهل مجلس أمامه فنزلت عليهم السكينة تحملها الملائكة كالقبة فلما دنت منهم تكلم رجل منهم بباطل فرفعت عنهموهذا مرسل والثاني غشيان الرحمة قال الله تعالى إن رحمة الله قريب من المحسنين الأعراف وخرج الحاكم من حديث سلمان أنه كان في عصابة يذكرون الله تعالى فمر بهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال ما كنتم تقولون فإني رأيت الرحمة تنزل عليكم فأردت أن أشارككم فيها وخرج البزار من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إن لله سيارة من الملائكة يطلبون حلق الذكر فإذا أتوا إليهم حفوا بهم ثم بعثوا رائدهم إلى السماء إلى رب العزة تعالى فيقولون ربنا أتينا على عباد من عبادك يعظمون آلاءك ويتلون كتابك ويصلون على نبيك ويسألونك لآخرتهم ودنياهم فيقول الله تعالى غشوهم برحمتي فيقولون ربنا إن فيهم فلانا الخطاء إنما اعتنقهم اعتناقا فيقول تعالى غشوهم برحمتي والثالث أن الملائكة تحف بهم وهذا مذكور في الأحاديث التي ذكرناها وفي حديث أبي هريرة المتقدم فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا وفي رواية الإمام أحمد علا بعضهم على بعض حتى يبلغوا العرش وقال خالد بن معدان يرفع الحديث إن ملائكة في الهواء يسيحون بين السماء والأرض يلتمسون الذكر فإذا سمعوا قوما يذكرون الله تعالى قالوا رويدا زادكم الله فينشرون أجنحتهم حولهم حتى يصعد كل منهم إلى العرش خرجه الخلال في كتاب السنة والرابع أن الله يذكرهم فيمن عنده وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال يقول الله أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وهذه الخصال الأربع لكل مجتمعين على ذكر الله تعالى كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد كلاهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إن لأهل ذكر الله تعالى أربعا تنزل عليهم السكينة وتغشاهم الرحمة وتحف بهم الملائكة ويذكرهم الرب فيمن عنده وقد قال الله تعالى فاذكروني أذكركم البقرة وذكر الله لعبده هو ثناؤه عليه في الملأ الأعلى بين ملائكته
347
ومباهاته به وتنويهه بذكره قال الربيع بن أنس إن الله ذاكر من ذكره وزائد من شكره ومعذب من كفره قال تعالى يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور الأحزاب وصلاة الله على عبد هي ثناؤه عليه بين ملائكته وتنويهه بذكره كذا قال أبو العالية ذكره البخاري في صحيحه وقال رجل لأبي أمامة رأيت في المنام كأن الملائكة تصلي عليك كلما دخلت وكلما خرجت وكلما قمت وكلما جلست فقال أبو أمامة وأنتم لو شئتم صلت عليكم الملائكة ثم قرأ يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكره وأصيلا هو الذي يصلي عليكم وملائكته الأحزاب خرجه الحاكم قوله صلى الله عليه وآله وسلم ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه معناه أن العمل هو الذي يبلغ بالعبد درجات الآخرة كما قال تعالى ولكل درجات مما عملوا الأنعام فمن أبطأ به عمله أن يبلغ به المنازل العالية عند الله لم يسرع به نسبه فيبلغه تلك الدرجات فإن الله تعالى رتب الجزاء على الأعمال لا على الأنساب كما قال تعالى فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون المؤمنون وقد أمر الله تعالى بالمسارعة إلى مغفرته ورحمته بالأعمال كما قال تعالى وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين آل عمران وقال إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون والذين هم بربهم لا يشركون والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون المؤمنون قال ابن مسعود يأمر الله بالصراط فيضرب على جهنم فيمر الناس على قدر أعمالهم زمرا زمرا أوائلهم كلمح البرق ثم كمر الريح ثم كمر المطر ثم كمر البهائم حتى يمر الرجل سعيا وحتى يمر الرجل مشيا حتى يمر آخرهم يتلبط على بطنه فيقول يا رب لم أبطأت بي فيقول إني لم أبطئ بك إنما أبطأ بك عملك وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين أنزل عليه وأنذر عشيرتك الأقربين يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئا يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله شيئا يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا يا صفية عمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا أغني عنك من الله شيئا يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا وفي رواية خارج الصحيحين إن أوليائي منكم المتقون تأتي الناس بالأعمال وتأتوني بالدنيا تحملونها على رقابكم تقولون يا محمد يا محمد فأقول قد بلغت وخرج ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إن أوليائي المتقون يوم القيامة وإن كان نسب أقرب من نسب يأتي الناس بالأعمال وتأتوني بالدنيا تحملونها على رقابكم تقولون يا محمد يا محمد فأقول هكذا وهكذا
348
فأعرض في كلا عطفيه وخرج البزار من حديث رفاعة بن رافع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعمر اجمع لي قومك يعني قريشا فجمعهم فقال إن أوليائي منكم المتقون فإن كنتم أولئك فذاك وإلا فانظروا يأتي الناس بالأعمال يوم القيامة وتأتوني بالأثقال فيعرض عنكم وخرجه الحاكم مختصرا وصححه وفي المسند عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما بعثه إلى اليمن خرج معه يوصيه ثم التفت وأقبل بوجهه إلى المدينة فقال إن أولي الناس بي المتقون من كانوا حيث كانوا وخرجه الطبراني وزاد فيه إن أهل بيتي هؤلاء يرون أنهم أولي الناس بي وليس كذلك إن أوليائي منكم المتقون من كانوا وحيث كانوا ويشهد لهذا كله ما في الصحيحين عن عمرو بن العاص أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء وإنما وليي الله وصالحو المؤمنين يشير إلى أن ولايته لا تنال بالنسب وإن قرب وإنما تنال بالإيمان والعمل الصالح فمن كان أكمل إيمانا وعملا فهو أعظم ولاية له سواء كان له نسب قريب أو لم يكن وفي هذا المعنى يقول بعضهم لعمرك ما الإنسان إلا بدينه فلا تترك التقوى اتكالا على النسب لقد رفع الإسلام سلمان فارس وقد وضع الشرك النسيب أبا لهب الحديث السابع والثلاثون فضل الله تعالى ورحمته عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى قال إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك فمن هم بحسنة فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها عنده حسنة كاملة وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما بهذه الحروف فانظر يا أخي وفقنا الله وإياك إلى عظيم لطف الله تعالى وتأمل هذه الألفاظ وقوله عنده إشارة إلى الاعتناء بها وقوله كاملة للتأكيد وشدة الاعتناء بها وقال في السيئة التي هم بها ثم تركها كتبها الله عنده حسنة كاملة فأكدها بكاملة وإن عملها كتبها سيئة واحدة فأكد تقليلها بواحدة ولم يؤكدها بكاملة فلله الحمد والمنة سبحانه لا نحصي ثناء عليه وبالله التوفيق
349
هذا الحديث خرجاه من رواية أبي عثمان حدثنا أبو رجاء العطاردي عن ابن عباس وفي رواية لمسلم زيادة في آخر الحديث وهي أو محاها الله ولا يهلك على الله إلا هالك وفي هذا المعنى أحاديث متعددة فخرجا في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه
350
وآله وسلم قال يقول الله للملائكة إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها فإن عملها فاكتبوها بمثلها وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة وإن أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة فإن عملها فاكتبوها له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف وهذا لفظ البخاري وفي رواية لمسلم قال الله تعالى إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها وقال صلى الله عليه وآله وسلم قالت الملائكة رب ذلك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به قال ارقبوه فإن عملها فاكتبوها له بمثلها وإن تركها فاكتبوها له حسنة إنما تركها من جرائي قال رسول الله صلى عليه وآله وسلم إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعلمها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها حتى يلقي الله تعالى وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف قال الله تعالى إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به يدع شهوته وطعامه وشرابه من أجلي وفي رواية لمسلم بعد قوله إلى سبعمائة ضعف إلى ما يشاء الله وفي صحيح مسلم عن أبي ذرعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال يقول الله من عمل حسنة فله عشر أمثالها أو أزيد ومن عمل سيئة فجزاؤها مثلها أو أغفرها وفيه أيضا عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة وإن عملها كتبت له عشرا ومن هم بسيئة فلم يعملها لم يكتب عليه شيء فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة وفي المسند عن خريم بن فاتك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من هم بحسنة فلم يعملها وعلم الله أنه قد أشعرها قلبه وحرص عليها كتبت له حسنة ومن هم بسيئة لم تكتب عليه ومن عملها كتبت له واحدة ولم تضاعف عليه ومن عمل حسنة كتبت له بعشر أمثالها ومن أنفق نفقة في سبيل الله كانت له سبعمائة ضعف وفي المعنى أحاديث أخر متعددة فتضمنت هذه النصوص كتابة الحسنات والسيئات والهم بالحسنة والسيئة فهذه أربعة أنواع النوع الأول عمل الحسنات فتضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ومضاعفة الحسنة بعشر أمثالها لازم لكل الحسنات وقد دل عليه قوله تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأما زيادة المضاعفة على العشر لمن شاء الله أن يضاعف له فدل عليه قوله تعالى مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم البقرة فدلت هذه الآية على أن النفقة في سبيل الله تضاعف بسبعمائة ضعف وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال جاء رجل بناقة مخطومة فقال يا رسول الله هذه في سبيل الله فقال لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة وفي
351
المسند بإسناد فيه نظر عن أبي عبيدة بن الجراح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فبسبعمائة ومن أنفق على نفسه وأهله وعياله أو عاد مريضا أو أماط أذى فالحسنة بعشر أمثالها وخرج أبو داود من حديث سهل بن معاذ عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إن الصلاة والذكر يضاعف على النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف وروى ابن أبي حاتم بسنده عن الحسن عن عمران بن الحصين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من أرسل نفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم ومن غزا بنفسه في سبيل الله فله بكل درهم سبعمائة ألف درهم ثم تلا هذه الآية والله يضاعف لمن يشاء البقرة وخرج ابن صحيحه من حديث عيسي بن المسيب عن نافع عن ابن عمر قال لما نزلت هذه الآية مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل البقرة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رب زد أمتي فأنزل الله تعالى من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة البقرة فقال رب زد أمتي فأنزل الله تعالى إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب الزمر وخرج الإمام أحمد من حديث على بن زيد بن جدعان عن أبي عثمان النهدي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إن الله ليضاعف الحسنة ألفي حسنة ثم تلا أبو هريرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما النساء وقال إذا قال الله أجرا عظيما فمن يقدر قدره وروى عن أبي هريرة موقوفا وخرج الترمذي من حديث ابن عمر موقوفا من دخل السوق فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو علي كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة ورفع له ألف ألف درجة ومن حديث تميم الداري مرفوعا من قال أشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له إلها واحدا أحدا صمدا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ولم يكن له كفوا أحد عشر مرات كتب الله له أربعين ألف ألف حسنة وفي كلا الإسنادين ضعف وخرج الطبراني بإسناد ضعيف أيضا عن ابن عمر مرفوعا من قال سبحان الله كتب الله له مائة ألف حسنة وقوله في حديث أبي هريرة إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به يدل على أن الصيام لا يعلم قدر مضاعفة ثوابه إلا الله تعالى لأنه أفضل أنواع الصبر وإنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب الزمر وقد روى هذا المعنى عن طائفة من السلف منهم كعب وغيره وقد ذكرنا فيما سبق في شرح حديث من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه أن مضاعفة الحسنات زيادة على العشر تكون بحسب حسن الإسلام كما جاء ذلك مصرحا به في حديث أبي هريرة وغيره ويكون بحسب كمال الإخلاص وبحسب فضل ذلك
352
العمل في نفسه وبحسب الحاجة إليه وذكرنا من حديث ابن عمر أن قوله من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها الأنعام نزلت في الأعراب وأن قوله وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما النساء نزلت في المهاجرين النوع الثاني عمل السيئات فتكتب السيئة بمثلها من غير مضاعفة كما قال الله تعالى ومن جاء بالسيئة فلا يجزي إلا مثلها وهم لا يظلمون الأنعام وقوله كتبت له سيئة واحدة إشارة إلى أنها غير مضاعفة كما خرج في حديث آخر لكن السيئة تعظم أحيانا بشرف الزمان أو المكان كما قال تعالى إن عدة الشهور عند الله اثنا شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم التوبة قال على بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية فلا تظلموا فيهن أنفسكم التوبة في كلهن ثم اختص من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حرما وعظم حرمتهن وجعل الذنب فيهن أعظم والعمل الصالح والأجر أعظم وقال قتادة في هذه الآية اعلموا أن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرا فيما سوي ذلك وإن كان الظلم في كل حال غير طائل ولكن الله تعالى يعظم من أمره ما يشاء تعالى ربنا وقد روى في حديثين مرفوعين أن السيئات تضاعف في رمضان ولكن إسنادهما لا يصح وقال الله تعالى الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج البقرة قال ابن عمر الفسوق ما أصيب من معاصي الله صيدا كان أو غيره وعنه قال الفسوق إتيان معاصي الله في الحرم وقال تعالى ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم الحج وكان جماعة من الصحابة يتقون سكني الحرم خشية ارتكاب الذنوب فيه منهم ابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وكذلك كان عمر بن عبد العزيز يفعل وكان عبدالله بن عمرو بن العاص يقول الخطيئة فيه أعظم وروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لأن أخطئ سبعين خطيئة يعني بغير مكة أحب إلى من أن أخطئ خطيئة واحدة بمكة وعن مجاهد قال تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات وقال ابن جريح بلغني أن الخطيئة بمكة بمائة خطيئة والحسنة على نحو ذلك وقال إسحاق بن منصور قلت لأحمد في شيء من الحديث إن السيئة تكتب بأكثر من واحدة قال لا ما سمعنا إلا بمكة لتعظيم البلد ولو أن رجلا بعدن أبين هم وقال إسحاق بن راهويه كما قال أحمد وقوله ولو أن رجلا بعدن أبين هم من قول ابن مسعود وسنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى وقد تضاعف السيئات بشرف فاعلها وقوة معرفته بالله وقربه منه فإن من عصي السطان على بساطه أعظم جرما ممن عصاه على بعد ولهذا توعد الله خاصة عباده على المعصية بمضاعفة الجزاء وإن كان قد عصمهم منها ليبين لهم فضله عليهم بعصمتهم من ذلك كما قال تعالى ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات الإسراء وقال تعالى يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين
353
إلى قوله أجرا عظيما الأحزاب وكان على بن الحسين يتأول في آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بني هاشم يقربهم لقربهم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم النوع الثالث الهم بالحسنات فتكتب حسنة كاملة وإن لم يعملها كما في حديث ابن عباس وغيره وفي حديث أبي هريرة الذي خرجه مسلم كما تقدم إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة والظاهر أن المراد بالتحدث حديث النفس وهو الهم وفي حديث خريم بن فاتك من هم بحسنة فلم يعملها فعلم الله منه أنه قد أشعر قلبه وحرص عليها كتبت له حسنة وهذا يدل على أن المراد بالهم هنا هو العزم المصمم الذي يوجد معه الحرص على العمل لا مجرد الخطرة التي تخطر ثم تنفسخ من غير عزم ولا تصميم قال أبو الدرداء من أتي فراشه وهو ينوي أن يصلي من الليل فغلبته عيناه حتى يصبح كتب له ما نوى وروى عنه مرفوعا وخرجه ابن ماجه مرفوعا قال الدارقطني المحفوظ الموقوف وروى معناه من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وروى عن سعيد بن المسيب قال من هم بصلاة أو صيام أو حج أو عمرة أو غزوة فحيل بينه وبين ذلك بلغه الله تعالى ما نوي وقال أبو عمران الجوني ينادي الملك اكتب لفلان كذا وكذا فيقول يا رب إنه لم يعمله فيقول الله إنه نواه وقال زيد ابن أسلم كان رجل يطوف على العلماء يقول من يدلني على عمل لا أزال منه لله عاملا فإني لا أحب أن يأتي على ساعة من الليل والنهار إلا وإني عامل لله تعالى فقيل له قد وجدت حاجتك فاعمل الخير ما استطعت فإذا فترت أو تركت فهم بعمله فإن الهام بفعل الخير كفاعله ومتي اقترن بالنية قول أو سعي تأكد الجزاء والتحق صاحبه بالعامل كما روى أبو كبشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إنما الدنيا أربعة نفر عبد رزقه الله مالا وعلما فهو يتقي ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقا فهذا بأفضل المنازل وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو صادق النية فيقول لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته فأجر هما سواء وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما فهو يتخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم فيه لله حقا فهذا بأخبث المنازل وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما وهو يقول لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته فوزرهما سواء وخرجه الإمام أحمد والترمذى وهذا لفظ ابن ماجه وقد حمل قوله وهما في الأجر سواء على استوائهما في أصل أجر العمل دون مضاعفته فالمضاعفة يختص بها من عمل العمل دون من نواه ولم يعمله فإنهما لو استويا من كل وجه لكتب لمن هم بحسنة ولم يعملها عشر حسنات وهو خلاف النصوص كلها ويدل على ذلك قوله تعالى فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله
354
الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه قال ابن عباس وغيره القاعدون المفضل عليهم المجاهدون درجة القاعدون من أهل الأعذار والقاعدون المفضل عليهم المجاهدون درجات هم القاعدون من غير أهل الأعذار النوع الرابع الهم بالسيئات من غير عمل لها ففي حديث ابن عباس أنها تكتب حسنة كاملة وكذلك في حديث أبي هريرة وأنس وغيرهما أنها تكتب حسنة كاملة وفي حديث أبي هريرة إنما تركها من جرائي يعني من أجلي وهذا يدل على أن المراد من قدر على ما هم به من المعصية فتركه لله تعالى وهذا لا ريب في أنه يكتب له بذلك حسنة لأن تركه المعصية بهذا المقصد عمل صالح فأما إن هم بمعصية ثم ترك عملها خوفا من المخلوقين أو مراءاة لهم فقد قيل أنه يعاقب على تركها بهذه النية لأن تقديم خوف المخلوقين على خوف الله محرم وكذلك قصد الرياء للمخلوقين محرم فإذا اقترن به ترك المعصية لأجله عوقب على هذا الترك وقد خرج أبو نعيم بسند ضعيف عن ابن عباس قال يا صاحب الذنب لا تأمنن من مدقق سوء عاقبته ولما يتبع الذنب أعظم من الذنب إذا عملته وذكر كلاما وقال خوفك من الريح إذا حركت ستر بابك وأنت على الذنب ولا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك أعظم من الذنب إذا فعلته وقال الفضيل بن عياض كانوا يقولون ترك العمل للناس رياء والعمل لهم شرك وأما إن سعي في حصولها بما أمكنه ثم حال بينه وبينها القدر فقد ذكر جماعة أنه يعاقب عليها حينئذ لقوله النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن الله يتجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها مالم تتكلم به أو تعمل ومن سعي في حصول المعصية بجهده ثم عجز عنها فقد عمل بها وكذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا التقي المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قالوا يارسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال إنه كان حريصا على قتل صاحبه وقوله ما لم تتكلم به أو تعمل يدل على أن الهام بالمعصية إذا تكلم بما هم به بلسانه فإنه يعاقب على الهم حينئذ لأنه قد عمل بجوارحه معصية وهو التكلم باللسان ودل على ذلك حديث الذي قال لو أن لي مالا لعملت فيه ما عمل فلان يعني الذي يعصي الله في ماله قال فهما في الوزر سواء ومن المتأخرين من قال لايعاقب على التكلم بماهم به ما لم تكن المعصية التي هم بها قولا محرما كالقذف والغيبة والكذب فأما ما كان متعلقها العمل بالجوارح فلا يأثم بمجرد تكلم ما هم به وهذا قد يستدل به على حديث أبي هريرة المتقدم وإذا تحدث عبدي بما لم يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها ولكن المراد بالحديث هنا حديث النفس جمعا بينه وبين قوله ما لم تتكلم به وحديث أبي كبشة يدل على ذلك صريحا فإن قول القائل بلسانه لو أن
355
لي مالا لعملت فيه بالمعاصي كما عمل فلان ليس هو العمل بالمعصية التي هم بها وإنما أخبر عما هم به فقط مما متعلقه إنقاق المال في المعاصي وليس له مال بالكلية وأيضا فالكلام بذلك محرم فكيف يكون معفوا عنه غير معاقب عليه وأما إن انفسخت نيته وفترت عزيمته من غير سبب منه فهل يعاقب على ما هم به من المعصية أم لا هذا على قسمين أحدهما أن يكون الهم بالمعصية خاطرا ولم يساكنه صاحبه ولم يعقد قلبه عليه بل تكرهه ونفر منه فهو معفو عنه وهو الوساوس الرديئة التي سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنها فقال ذلك صريح الإيمان ولما نزل قوله تعالى وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء البقرة شق ذلك على المسلمين وظنوا دخول هذه الخواطر فيه فنزلت الآية بعدها وفيها قوله ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به البقرة فبينت أن ما لا طاقة لهم به فهو غير مؤاخذ به ولا يكلف به وقد سمي ابن عباس وغيره ذلك نسخا ومرادهم أن هذه الآية أزالت الإبهام الواقع في النفوس من الآية الأولي وبين أن المراد بالآية الأولي العزائم المصمم عليها ومثل هذا كان السلف يسمونه نسخا القسم الثاني العزائم المصممة التي تقع في النفوس وتدوم ويساكنها صاحبها فهذا أيضا نوعان أحدهما ما كان عملا مستقلا بنفسه من أعمال القلوب كالشك في الوحدانية أو النبوة أو البعث أو غير ذلك من الكفر واعتقاد تكذيب ذلك فهذا كله يعاقب عليه العبد ويصير بذلك كافرا أو منافقا وقد روى عن ابن عباس أنه حمل قوله تعالى وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله البقرة على مثل هذا وروى عنه حملها على كتمان الشهادة لقوله ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ويلحق بهذا القسم سائر المعاصي المتعلقة بالقلوب كمحبة ما يبغضه الله وبغض ما يحب الله والكبر والعجب والحسد وسوء الظن بالمسلم من غير موجب مع أنه قد روى عن سفيان أنه قال في سوء الظن إذا لم يترتب عليه قول أو فعل فهو معفو عنه وكذلك روى عن الحسن أنه قال في الحسد ولعل هذا محمول من قولها على ما يجده الإنسان ولا يمكنه دفعه فهو يكرهه ويدفعه عن نفسه فلا يندفع إلا على ما يساكنه ويستروح إليه ويعيد حديث نفسه به ويبديه والنوع الثاني ما لم يكن من أعمال القلوب بل كان من أعمال الجوارح كالزنا والسرقة وشرب الخمر والقتل والقذف ونحو ذلك إذا أصر العبد على إرادة ذلك والعزم عليه ولم يظهر له أثر في الخارج أصلا فهذا في المؤاخذة به قولان مشهوران للعلماء أحدهما الأخذ به قال ابن المبارك سألت سفيان الثوري أيؤاخذ العبد بالهم فقال إذا كانت عزما أوخذ ورجح هذا القول كثير من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين من أصحابنا وغيرهم واستدلوا له بنحو قوله تعالى واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه
356
البقرة وقوله تعالى ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم البقرة وبنحو قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس وحملوا قوله صلى الله عليه وآله وسلم إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل على الخطرات وقالوا ما أكنه العبد وعقد عليه قلبه فهو من كسبه وعمله فلا يكون معفوا عنه ومن هؤلاء من قال إنه يعاقب عليه في الدنيا بالهموم والغموم روى ذلك عن عائشة مرفوعا وموقوفا وفي صحته نظر وقيل بل يحاسب العبد به يوم القيامة فيقفه الله عليه ثم يعفو عنه ولا يعاقبه فتكون عقوبته المحاسبة وهذا مروى عن ابن عباس والربيع بن أنس وهو اختيار ابن جرير واحتج له بحديث ابن عمر في النجوي وذلك ليس فيه عموم وأيضا فإنه وارد في الذنوب المستورة في الدنيا لا في وساوس الصدور والقول الثاني لايؤاخذ بمجرد النية مطلقا ونسب ذلك إلى نص الشافعي وهو قول ابن حامد من أصحابنا عملا بالعمومات وروى العوفي عن ابن عباس ما يدل على مثل هذا القول وفيه قول ثالث أنه لا يؤاخذ بالهم بالمعصية إلا بأن يهم بارتكابها في الحرم كما روى السدي عن مرة عن عبدالله بن مسعود قال ما من عبد يهم بخطيئة فلم يعملها فتكتب عليه ولو هم بقتل الإنسان عند البيت وهو بعدن أبين أذاقه الله من عذاب أليم وقرأ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم الحج خرجه الإمام أحمد وغيره وقد رواه عن السدي شعبة وسفيان فرفعه شعبة ووقفه سفيان والقول قول سفيان في وقفه وقال الضحاك إن الرجل ليهم بالخطيئة بمكة وهو بأرض أخرى ولم يعملها فتكتب عليه وقد تقدم عن أحمد وإسحاق ما يدل على مثل هذا القول وكذا حكاه القاضي أبو يعلي عن أحمد وروى أحمد في رواية المروزي حديث ابن مسعود هذا ثم قال أحمد يقول ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم الحج قال أحمد لو أن رجلا بعدن أبين هم بقتل رجل في الحرم هذا قول الله تعالى نذقه من عذاب أليم الحج هكذا قول ابن مسعود وقد أورد بعضهم هذا إلى ما تقدم من المعاصي التي متعلقها القلب وقال الحرم يجب احترامه وتحريمه وتعظيمه بالقلوب فالعقوبة على ترك هذا الواجب وهذا لا يصح فإن حرمة الحرم ليست بأعظم من حرمة محرمه سبحانه والعزم على معصية الله عزم على انتهاك محارمه ولكن لو عزم على ذلك قصدا كانتهاك حرمة الحرم واستخفافا بحرمته فهذا كما لو عزم على فعل معصية بقصد الاستخفاف بحرمة الخالق تعالى فيكفر بذلك وإنما ينتفي الكفر عنه إذ كان همه بالمعصية بمجرد نيل شهوته وغرض نفسه مع ذهوله عن قصد مخالفة الله والاستخفاف بهيبته وبنظره ومتي اقترن العمل بالهم فإنه يعاقب عليه سواء كان الفعل متأخرا أو متقدما فمن فعل محرما مرة ثم عزم على فعله متي قدر عليه فهو مصر على المعصية ومعاقب على هذه النية وإن لم يعد إلى عمله إلا بعد سنين عديدة وبذلك فسر ابن المبارك وغيره الإصرار على المعصية وبكل حال فالمعصية إنما تكتب بمثلها من غير
357
فتكون العقوبة على المعصية ولا ينضم إليها الهم بها إذا لو ضم إلى المعصية الهم بها لعوقب على عمل المعصية عقوبتين ولا يقال فهذا يلزم مثله في عمل الحسنة فإنها إذا عملها بعد الهم بها أثيب على الحسنة دون الهم بها لأنا نقول هذا ممنوع فإن من عمل حسنة كتبت له عشر أمثالها فيجوز أن يكون بعض هذه الأمثال جزاء للهم بالحسنة والله أعلم وقوله في حديث ابن عباس في رواية مسلم أو مجاهد يعني أن عمل السيئة إما أن تكتب لعاملها سيئة واحدة أو يمحوها الله بما شاء من الأسباب كالتوبة والاستغفار وعمل الحسنات وقد سبق الكلام فيما تمحي به السيئات في شرح حديث أبي ذر أتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وقوله بعد ذلك ولا يهلك على الله إلا هالك يعني بعد هذا الفضل العظيم من الله والرحمة الواسعة منه بمضاعفة الحسنات والتجاوز عن السيئات لايهلك على الله إلا من هلك وألقي بيده إلى التهلكة وتجرأ على السيئات ورغب عن الحسنات وأعرض عنها ولهذا قال ابن مسعود ويل لمن غلبت وحداته عشراته وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس مرفوعا هلك من غلب واحده عشرا وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائى والترمذى من حديث عبدالله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خلتان لا يحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة وهما يسير ومن يعمل بهما قليل تسبح الله دبر كل صلاة عشرا وتحمده عشرا وتكبره عشرا قال فذلك خمسون ومائة باللسان وألف وخمسمائة في الميزان فإذا أخذت مضجعك تسبحه وتكبره وتحمده مائة فتلك مائة باللسان وألف في الميزان فأيكم يعمل في اليوم والليلة ألفين وخمسمائة سيئة وفي المسند عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لايدع أحدكم أن يعمل لله ألف حسنة حين يصبح يقول سبحان الله وبحمده مائة مره فإنها ألف حسنة فإنه لن يعمل إن شاء الله تعالى مثل ذلك في يومه من الذنوب ويكون ما عمل من خير سوي ذلك وافرا الحديث الثامن والثلاثون العبادة لله تعالى وسيلة القرب والمحبة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى قال من عادي لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه رواه البخاري
358
هذا الحديث نفرد بإخراجه البخاري دون بقية أصحاب الكتب خرجه عن محمد بن عثمان بن كرامة قال حدثنا خالد بن مخلد قال حدثنا سليمان بن بلال قال حدثني شريك ابن عبدالله بن أبي تمر عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذكر الحديث بطوله وزاد في آخره وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن نفسي عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته وهو من غرائب الصحيح تفرد به ابن كرامة عن خالد وليس في مسند أحمد مع أن خالد بن مخلد القطواني تكلم فيه الإمام أحمد وغيره وقالوا له مناكير وعطاء الذي في إسناده قيل أنه ابن أبي رياح وقيل إنه ابن يسار وإنه وقع في بعض نسخ الصحيح منسوبا كذلك وقد روى هذا الحديث من وجوه أخر لا تخلو كلها عن مقال ورواه عبد الواحد بن ميمون أبو حمزه مولي عروة ابن الزبير عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من آذي لي وليا فقد استحل محاربتي وما تقرب إلى عبد بمثل أداء فرائضي وإن عبدي ليتقرب إلى بالنوافل
359
حتى أحبه فإذا أحببته كنت عينه التي يبصر بها ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وفؤاده الذي يعقل به ولسانه الذي يتكلم به إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن موته وذلك أنه يكره الموت وأنا أكره مساءته خرجه ابن أبي الدنيا وغيره وخرجه الإمام أحمد بمعناه وذكر ابن عدي أنه تفرد به عبد الواحد هذا عن عروة وعبدا لواحد هذا قال فيه البخاري منكر الحديث ولكن خرجه الطبراني حدثنا هارون بن كامل قال حدثنا إبراهيم بن سويد المدني قال حدثنا أبو حرزة يعقوب بن مجاهد قال أخبرني عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكره وهذا أيضا إسناده جيد ورجاله كلهم ثقات مخرج لهم في الصحيحين سوي شيخ الطبراني فإنه لا يحضرني الآن معرفة حاله ولعل الرواي قال حدثنا أبو حمزة يعني عبد الوهاب بن ميمون فخيل للسامع أنه قال أبو حرزة ثم سماه من عنده بناء على وهمه والله أعلم وخرج الطبراني وغيره من رواية عثمان بن أبي عاتكة عن على بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال يقول الله تعالى من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ابن آدم إنك لن تدرك ما عندي إلا بأداء ما افترضت عليك ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فأكون قلبه الذي يعقل به ولسانه الذي ينطق به وبصره الذي يبصر به فإذا دعاني أجبته وإذا سألني أعطيته وإذا استنصرني نصرته وأحب عبادة عبدي إلى النصيحة وعثمان وعلي بن زيد ضعيفان قال أبو حاتم الرازي في هذا الحديث هو منكر جدا وقد روى من حديث على عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسند ضعيف وخرجه الإسماعيلي في مسند علي وروى من حديث ابن عباس بسند ضعيف وخرجه الطبراني وفيه زيادة في لفظه ورويناه من وجه آخر عن ابن عباس وهو ضعيف أيضا خرجه الطبراني وغيره من حديث الحسن بن يحيى الخشني عن صدقة بن عبدالله الدمشقي عن هشام الكناني عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن جبريل عن ربه تعالى قال من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما ترددت عن شيء أنا فاعله ما ترددت في قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولابد له منه وإن من عبادي المؤمنين من يريد بابا من العبادة فأكفه عنه أن لا يدخله عجب فيفسده ذلك وما تقرب إلى عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال يتنفل حتى أحبه ومن أحببته كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغني ولو أفقرته لأفسده ذلك دعاني فأجبته وسألني فأعطيته ونصح لي فنصحت له وإن من عبادي من لايصلح إيمانه إلا الفقر وإن بسطت له لأفسده ذلك وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا السقم ولو أصححته لأفسده ذلك وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك إني أدبر عبادي بعلمي بما في قلوبهم إني عليم خبير والخشني وصدقة ضعيفان وهشام لا يعرف وسئل ابن معين عن هشام هذا من هو قال لا أحد يعني لا يعتبر به وقد
360
خرج البزار بعض الحديث من طريق صدقة بن عبد الكريم الجزري عن أنس وخرج الطبراني من حديث الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة عن زر بن حبيش سمعت حذيفة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن الله تعالى أوحي إلى يا أخا المرسلين يا أخا المنذرين أنذر قومك لا يدخلوا بيتا من بيوتي ولأحد عندهم مظلمة فإني ألعنه ما دام قائما بين يدي حتى يرد تلك الظلامة على أهلها فأكون سمعه الذي يسمع به وأكون بصر الذي يبصره به ويكون من أوليائي وأصفيائي ويكون جاري من النبيين والصديقين والشهداء في الجنة وهذا إسناد جيد وهو غريب جدا ولنرجع إلى شرح حديث أبي هريرة الذي خرجه البخاري وقد قيل إنه أشرف حديث في ذكر الأولياء قوله تعالى من عاد لي وليا فقد آذنته بالحرب يعني فقد أعلمته بأني محارب له حيث كان محاربا لي بمعاداته أوليائي ولهذا جاء في حديث عائشة فقد استحل محاربتي وفي حديث أبي أمامة وغيره فقد بارزني بالمحاربة وخرج ابن ماجه بسند ضعيف عن معاذ بن جبل سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول إن يسير الرياء شرك وإن من عادي لله وليا فقد بارز الله بالمحاربة وأن الله تعالى يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا وإذا حضروا لم يدعوا ولم يعرفوا مصابيح الهدي يخرجون من كل غبراء مظلمة فأولياء الله تجب موالاتهم وتحرم معاداتهم كما أن أعداءه تجب معاداتهم وتحرم موالاتهم قال تعالى لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء الممتحنة وقال إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون المائدة ووصف أحباءه الذين يحبهم ويحبونه بأنهم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين وروى الإمام أحمد في كتاب الزهد بإسناده عن وهب بن منبه قال إن الله تعالى قال لموسي عليه السلام حين كلمه اعلم أن من أهان لي وليا أو أخافه فقد بارزني بالمحاربة وعاداني وعرض نفسه ودعاني إليها وإن أسرع شيء إلى نصرة أوليائي أفيظن الذي يحاربني أن يقوم لي أو يظن الذي يعاديني أنه يعجزني أم يظن الذي يبارزني أن يسبقني ويفوتني وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة فلا أكل نصرتهم إلى غيري واعلم أن جميع المعاصي محاربة لله تعالى قال الحسن بن آدم هل لك بمحاربة الله من طاقة فإن من عصي الله فقد حاربه لكن كلما كان الذنب أقبح كانت المحاربة لله أشد ولهذا سمي الله تعالى أكلة الربا وقطاع الطريق محاربين لله تعالى ورسوله لعظم ظلمهم لعباده وسعيهم بالفساد في بلاده وكذلك معاداة أوليائه فإنه تعالى يتولي نصرة أوليائه ويحبهم ويؤيدهم فمن عاداهم فقد عادي الله تعالى وحاربه وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا فمن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذي الله ومن آذي الله يوشك أن يأخذه خرجه الترمذي وغيره وقوله وما تقرب إلى عبدي بمثل أداء ما
361
افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه لما ذكر أن معاداة أوليائه محاربة له ذكر بعد ذلك وصف أوليائه الذين تحرم معاداتهم وتجب موالاتهم فذكر ما يقرب به إليه وأصل الموالاة القرب وأصل المعاداة البعد فأولياء الله هم الذين يتقربون إليه بما يقربهم منه وأعداؤه الذين أبعدهم منه بأعمالهم المقتضية لطردهم وإبعادهم منه فقسم أولياءه المقربين قسمين أحدهما من تقرب إليه بأداء الفرائض ويشمل ذلك فعل الواجبات وترك المحرمات لأن ذلك كله من فرائض الله التي افترضها على عباده والثاني من تقرب إليه بعد الفرائض بالنوافل فظهر بذلك أن دعوي طريق يوصل إلى التقرب إلى الله تعالى وموالاته ومحبته سوي طاعته التي شرعها على لسان رسوله ممن ادعي ولاية الله ومحبته بغير هذا الطريق تبين أنه كاذب في دعواه كما كان المشركون يتقربون إلى الله تعالى بعبادة من يعبدونه من دونه كما حكي الله عنهم أنهم قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفي الزمر وكما حكي الله عن اليهود والنصاري أنهم قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه المائدة مع إصرارهم على تكذيب رسله وارتكاب نواهيه وترك فرائضه فلذلك ذكر في هذا الحديث أن أولياء الله على درجتين أحدهما المقربون إليه بأداء الفرائض وهذه درجة المقتصدين أصحاب اليمين وأداء الفرائض أفضل الأعمال كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه أفضل الأعمال أداء ما افترض الله والورع عما حرم الله وصدق النية فيما عند الله تعالى وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته أفضل العبادات أداء الفرائض واجتناب المحارم وذلك أن الله تعالى إنما افترض على عباده هذه الفرائض فيقربهم عنده ويوجب لهم رضوانه ورحمته وأعظم فرائض البدن التي تقرب إليه الصلاة كما قال تعالى واسجد واقترب العلق وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد وقال إذا كان أحدكم يصلي فإنما يناجي ربه وربه بينه وبين القبلة وقال إن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت ومن الفرائض المقربة إلى الله تعالى عدل الراعي في رعيته سواء كانت رعيه عامة كالحاكم أو خاصة كعدل آحاد الناس في أهله وولده كما قال صلى الله عليه وآله وسلم كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته وفي صحيح مسلم عن عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إن المقسطين عند الله على منابر من نور على يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم و أهليهم وما والوا وفي الترمذي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إن أحب العباد إلى الله يوم القيامة وأدناهم إليه مجلسا إمام عادل الدرجة الثانية درجة السابقين المقربين وهم الذين تقربوا إلى الله بعد الفرائض بالاجتهاد في النوافل والطاعات والانكفاف عن دقائق المكروهات بالورع وذلك يوجب للعبد محبة الله كما قال ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه ومن أحبه الله رزقه محبته وطاعته والاشتغال بذكره وخدمته فأوجب له ذلك القرب منه والزلفي لديه والحظ عنده كما قال الله تعالى
362
من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم المائدة ففي هذه الآية إشارة إلى أن من أعرض عن حبنا وتولي عن قربنا ولم يبال استبدلنا به من هو أولي بهذه المنحة منه وأحق فمن أعرض عن الله فما له عن بدل ولله منه أبدال مالي شغل سواه مالي شغل ما يصرف عن هواه قلبي عذل ما أصنع إن جفا وخاب الأمل مني بدل وما لي منه بدل وفي بعض الآثار يقول الله تعالى ابن آدم اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء وكان ذو النون يردد هذه الأبيات بالليل كثيرا اطلبوا لأنفسكم مثل ما وجدت أنا قد وجدت لي سكنا ليس في هواه عنا إن بعدت قربني وإن قربت منه دنا من فاته الله فلو حصلت له الجنة بحذافيرها لكان مغبونا فكيف إذا لم يحصل له إلا نزر حقير يسير من دار كلها لا تعدل جناح بعوضة ولذا قيل من فاته أن يراك يوما فكل أوقاته فوات وحيثما كنت في بلاد فلي إلى وجهك التفات ثم ذكر وصف الذين يحبهم الله ويحبونه فقال أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يعني أنهم يعاملون المؤمنين بالذلة واللين وخفض الجناح ويعاملون الكافرين بالعزة والشدة عليهم والغلظ لهم فلما أحبوا أولياءه الذين يحبونه فعاملوهم بالمحبة والرأفة والرحمة وبغضوا أعداءه الذين يعادونه فعاملوهم بالشدة والغلظة كما قال تعالى أشداء على الكفار رحماء بينهم يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم المائدة فإن من تمام المحبة مجاهدة أعداء المحبوب وأيضا فالجهاد في سبيل الله دعاء للمعرضين عن الله إلى الرجوع إليه بالسيف والسنان بعد دعائهم إليه بالحجة والبرهان فالمحب لله يحب اجتلاب الخلق كلهم إلى الله فمن لم يجد الدعوة باللين والرفق احتاج بالدعوة إلى الشدة والعنف عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل ولا يخافون لومة لائم ما للمحب غير ما يرضي حبيبه رضي من رضي عليه وسخط من سخط من خاف الملامة في هوي من يحبه فليس
363
بصادق في المحبة وقف الهوي بي حيث أنت فليس لي متأخر عنكم ولا متقدم أجد الملامة في هواك لذيذة حبا لذكرك فليلمني اللوم وقوله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء المائدة يعني درجة الذين يحبهم ويحبونه بأوصافهم المذكورة والله واسع عليم المائدة واسع العطاء عليم بمن يستحق الفضل فيمنحه ومن لا يستحقه فيمنعه ويروى أن داود عليه السلام كان يقول اللهم اجعلني من أحبابك فإنك إذا أحببت عبدا غفرت ذنبه وإن كان عظيما وقبلت عمله وإن كان يسيرا وكان داود يقول في دعائه اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك وحب العمل الذي يبلغني حبك اللهم اجعل حبك أحب إلى من نفسي وأهلي ومالي ومن الماء البارد وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتاني ربي يعني في المنام فقال لي يا محمد قل اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك والعمل الذي يبلغني حبك وكان من دعائه عليه الصلاة والسلام اللهم ارزقني حبك وحب من ينفعني حبه عندك اللهم ما رزقتني ما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب اللهم ما زويت عني مما أحب فاجعله فراغا لي فيما تحب وروى عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يدعو اللهم اجعل حبك أحب الأشياء إلي وخشيتك أخوف الأشياء عندي واقطع عني حاجة الدنيا بالشوق إلى لقائك فإذا أقررت أعين أهل الدنيا من دنياهم فاقرر عيني من عبادتك فأهل هذه الدرجة من المقربين ليس لهم هم إلا فيما يقربهم ممن يحبهم ويحبونه قال بعض السلف العمل على المخافة قد يغير الرجاء والعمل على المحبة لا يدخله الفوز ومن كلام بعضهم إذا سئم البطالون من بطالتهم فلا يسأم محبوك من مناجاتك وذكرك قال فرقد السنحي قرأت في بعض الكتب من أحب الله لم يكن عنده شيء آثر من هواه ومن أحب الدنيا لم يكن عنده آثر من هوي نفسه فالحب لله تعالى أمير مؤمر على الأمراء زمرته أول الزمر يوم القيامة ومجلسه أقرب المجالس فيما هنالك والمحبة منتهي القربة والاجتهاد ولن يسأم المحبون من طول اجتهادهم لله تعالى يحبونه ويحبون ذكره ويحببونه إلى خلقه يمشون بين عباده بالنصائح ويخافون عليهم من أعمالهم يوم القيامة يوم تبدو الفضائح أولئك أولياؤه وأحباؤه وأهل صفوته أولئك الذين لا راحة لهم دون لقائه وقال فتح الموصلي المحب لا يجد مع حب الله للدنيا لذة ولا يغفل عن ذكر الله طرفة عين وقال محمد بن النضر الحارثي ما يكاد يمل القربة إلى الله تعالى محب لله وما يكاد يسأم من ذلك وقال بعضهم المحب لله طائر القلب كثير الذكر متسبب إلى رضوانه بكل سبيل يقدر عليها من الوسائل والنوافل دأبا وشوقا وأنشد بعضهم
364
وكن لربك ذا حب لتخدمه إن المحبين للأحباب خدام وأنشد آخر ما للمحب سوي إرادة حبه إن المحب بكل حال يصرع ومن أعظم ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى من النوافل كثرة تلاوة القرآن وسماعه بتفكر وتدبر وتفهم قال حبان بن الأرت لرجل تقرب إلى الله تعالى ما استطعت واعلم أنك لن تتقرب إليه بشيء هو أحب إليه من كلامه وفي الترمذي عن أبي أمامة مرفوعا ما تقرب العبد إلى الله تعالى بمثل ما خرج منه يعني القرآن لاشيء عندالمحبين أحلي من كلام محبوبهم فهو لذة قلوبهم وغاية مطلوبهم قال عثمان لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم وقال ابن مسعود من أحب القرآن أحب الله ورسوله قال بعض العارفين لمريد أتحفظ القرآن قال لا واغوثاه بالله لمريد لا يحفظ القرآن فبنم يتنعم فبنم يترنم فبنم يناجي ربه تعالى كان بعضهم يكثر تلاوة القرآن ثم اشتغل عنه بغيره فرأي في المنام قائلا يقول له إن كنت تزعم حبي فلم جفوت كتابي أما تأملت ما فيه من لطيف عتابي ومن ذلك كثرة ذكر الله الذي يتوطأ عليه القلب واللسان وفي مسند البزار عن معاذ قال قلت يا رسول الله أخبرني بأفضل الأعمال وأقربها إلى الله تعالى قال أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله تعالى وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم وفي حديث آخر أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه وقال عز وجل اذكروني أذكركم البقرة ولما سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذين يرفعون أصواتهم بالتكبير والتهليل وهم معه في سفر قال لهم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سمعيا قريبا وهو معكم وفي رواية وهو أقرب إليكم من أعناق رواحلكم ومن ذلك محبة أحبابه وأوليائه فيه ومعاداة أعدائه فيه وفي سنن أبي داود عن عمر قال إن من عباد الله أناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء بمكانهم من الله تعالى قالوا يا رسول الله من هم قال هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها فو الله إن وجوههم لنور وإنهم لعلي منابر من نور ولا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس ثم تلا هذه الآية ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون يونس وروى نحوه من حديث أبي مالك الأشعري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي حديث يغبطهم النبيون بقربهم ومقعدهم من الله تعالى وفي المسند عن عمرو بن الجموح عن النبي صلى الله عليه وآله
365
وسلم قال لا يجد العبد صريح الإيمان حتى يحب لله ويبغض لله فإذا أحب لله وأبغض لله فقد استحق ولاية من الله إن أوليائي من عبادي وأحبائي من خلقي الذين يذكرون بذكري وأذكر بذكرهم وسئل المرتعش بم تنال المحبة قال بموالاة أولياء الله ومعادة أعدائه وأصله الموافقة وفي الزهد للإمام أحمد عن عطاء بن يسار قال قال موسي عليه السلام يارب من هم أهلك الذين تظلهم تحت ظل عرشك قال ياموسي هم البريئة أيديهم الطاهرة قلوبهم الذين يتحابون بجلالي الذين إذا ذكرت ذكروا بي وإذا ذكروا ذكرت بهم الذين يسبغون الوضوء في المكاره وينيبون إلى ذكري كما تنيب النسور إلى أوكارها ويكلفون بحبي كما يكلف الصبي بحب الناس ويغضبون لمحارمي إذا استحلت كما يغضب النمر إذا حورب قوله فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وفي بعض الروايات وقلبه الذي يعقل به ولسانه الذي ينطق به المراد من هذا الكلام أن من اجتهد بالتقرب إلى الله تعالى بالفرائض ثم بالنوافل قربه إليه ورقاه من درجة الإيمان إلى درجة الإحسان فيصير يعبد الله على الحضور والمراقبة كأنه يراه فيمتلئ قلبه بمعرفة الله تعالى ومحبته وعظمته وخوفه ومهابته وإجلاله والأنس به والشوق إليه حتى يصير هذا الذي في قلبه من المعرفة مشاهدا له بعين البصيرة كما قيل ساكن في القلب يعمره لست أنساه فأذكره غاب عن سمعي وعن بصري فسويد القلب يبصره قال الفضيل بن عياض إن الله تعالى يقول كذب من ادعي محبتي ونام عني أليس كل محب يحب خلوة محبوبه ها أنا مطلع على أحبابي وقد مثلوني بين أعينهم وخاطبوني على المشاهدة وكلموني بحضوره غدا أقر أعينهم في جناني ولا يزال هذا الذي في قلوب المحبين المقربين يقوي حتى تمتلئ قلوبهم به فلا يبقي في قلوبهم غيره ولا تستطيع جوارحهم أن تنبعث إلا بموافقة ما في قلوبهم ومن كان حاله هذا قيل فيه ما بقي في قلبه إلا الله والمراد معرفته ومحبته وذكره وفي هذا المعنى الأثر المشهور ما وسعني سمائي ولا أرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن وقال بعض العارفين احذروه فإنه غيور لا يحب أن يري في قلب عبده غيره وفي هذا المعنى يقول بعضهم ليس للناس موضع في فؤادي زاد فيه هواك حتى ملاه وقال آخر
366
قد صبغ قلبي على مقدار حبهم فما لحب سواهم فيه متسع وإلي هذا المعنى أشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خطبته لما قدم المدينة فقال أحبوا الله من كل قلوبكم كما ذكره ابن إسحاق في سيرته فمتي امتلأ القلب بعظمة الله تعالى محا ذلك من القلب كل ما سواه ولم يبق للعبد شيء من نفسه وهواه ولا إرادة إلا لما يريده منه مولاه فحينئذ لا ينطق العبد إلا بذكره ولا يتحرك إلا بأمره فإن نطق نطق بالله وإن سمع سمع به وإن نظر نظر به وإن بطش بطش به فهذا هو المراد بقوله كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ومن أشار إلى غير هذا فإنما يشير إلى الإلحاد من الحلول والاتحاد والله ورسوله بريئان منه ومن هنا كان بعض السلف كسليمان التيمي يقولون إنه لا يحسن أن يعصي الله وأوصت امرأة من السلف أولادها فقالت لهم تعودوا حب الله وطاعته فإن المتقين ألفوا الطاعة فاستوحشت جوارحهم من غيرها فإن عرض لهم الملعون بمعصية مرت المعصية بهم محتشمة فهم لها منكرون ومن هذا المعنى قول على بن أبي طالب إن كنا نري أن شيطان عمر ليهابه أن يأمره بالخطيئة وقد أشرنا فيما سبق إلى أن هذا من أسرار التوحيد الخاص فإن معنى لا إله إلا الله لا يؤله غيره حبا ورجاء وخوفا وطاعة فإذا تحقق القلب بالتوحيد التام لم يبق فيه محبة لغير ما يحبه الله ولا كراهة لغير ما يكرهه الله ومن كان كذلك لم تنبعث جوارحه إلا بطاعة الله وإنما تنشأ الذنوب من محبة ما يكرهه الله أو كراهة ما يحبه الله وذلك ينشأ من تقديم هوي النفس على محبة الله تعالى وخشيته وذلك يقدح في كمال التوحيد الواجب فيقع العبد بسبب ذلك في التفريط في بعض الواجبات وارتكاب بعض المحظورات فإن من تحقق قلبه بتوحيد الله فلا يبقي له هم إلا في الله وفيما يرضيه به وقد ورد في الحديث مرفوعا من أصبح وهمه غير الله فليس من الله قال بعض العارفين من أخبرك أن لوليه هم في غيره فلا تصدقه وكان داود الطائي ينادي بالليل همك عطل على الهموم وحال بيني وبين السهاد وشوقي إلى النظر إليك أوبق مني اللذات وحال بيني وبين الشهوات فأنا في سجنك أيها الكريم مطلوب وفي هذا المعنى يقول بعضهم قالوا تشاغل عنا واصطفي بدلا منا وذلك فعل الخائن السالي وكيف أشغل قلبي عن محبتكم بغير ذكركم ياكل أشغالي قوله ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وفي رواية أخرى إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته يعني أن هذا المحبوب المقرب له عند الله منزلة خاصة تقتضي أنه إذا سأل الله أعطاه شيئا وإذا استعاذ به من شيء أعاذه منه وإن دعاه أجابه فيصير مجاب
367
الدعوة لكرامته على الله تعالى وقد كان كثير من السلف الصالح معروفا بإجابه الدعوة وفي الصحيح أن الربيع بنت النضر كسرت ثنية جارية فعرضوا عليهم الأرش فأبوا فطلبوا منهم العفو فأبوا فقضي بينهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالقصاص فقال أنس ابن النضر أتكسر ثنية الربيع والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها فرضي القوم وأخذوا الأرش فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره وفي صحيح الحاكم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال كم من ضعيف متضاعف ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره منهم البراء بن مالك وإن البراء لقي زخفا من المشركين فقال له المسلمون اقسم على ربك فقال أقسمت عليك يارب لما منحتنا أكتافهم فمنحهم أكتافهم ثم التقوا مرة أخرى فقالوا اقسم على ربك فقال أقسمت عليك يارب لما منحتنا أكتافهم وألحقني بنبيك صلى الله عليه وسلم فمنحوا أكتافهم وقتل البراء وعن أبي الدنيا بإسناد له أن النعمان بن نوفل قال يوم أحد اللهم إني أقسم عليك أن أقتل فأدخل الجنة فقتل فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن النعمان أقسم على الله فأبره وروى أبو نعيم بإسناده عن سعيد أن عبدالله بن جحش قال يوم أحد يارب إذا لقيت العدو غدا فلقني رجلا شديدا بأسه شديدا حرده أقاتله فيك ويقتلني ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني فإذا لقيتك غدا قلت يا عبدالله من جدع أنفك وأذنك فأقول فيك وفي رسولك فتقول صدقت قال سعيد لقد لقيته آخر النهار وإن أنفه وأذنه لمعلقتان في خيط وكان سعد ابن أبي وقاص مجاب الدعوة فكذب عليه رجل فقال اللهم إن كان كاذبا فاعم بصره وأطل عمره وعرضه للفتن فأصاب الرجل ذلك كله فكان يتعرض للجواري في السكك ويقول شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد ودعا علي رجل سمعه يشتم عليا فما برح من مكانه حتى جاء بعير ناد فخبطه بيديه ورجليه حتى قتله و نازعته امرأة سعيد بن زيد في أرض له فادعت أنه أخذ منها أرضها فقال اللهم إن كانت كاذبة فاعم بصرها واقتلها في أرضها فعميت فبينما هي ذات ليلة تمشي في أرضها إذ وقعت في بئر فيها فماتت وكان العلاء بن الحضرمي في سرية فعطشوا فصلي ثم قال اللهم ياعليم ياحكيم ياعلي ياعظيم إنا عبيدك وفي سبيلك نقاتل عدوك فاسقنا غيثا نشرب منه ونتوضأ ولا تجعل لأحد فيه نصيبا غيرنا فساروا قليلا فوجدوا نهرا من ماء السماء يتدفق فشربوا وملأوا أوعيتهم ثم ساروا فرجع بعض أصحابه إلى موضع النهر فلم ير شيئا وكأنه لم يكن في موضعه ماء قط وشكا أنس بن مالك عطش أرضه في البصرة فتوضأ وخرج إلى البرية وصلي ركعتين ودعا فجاء المطر وسقا أرضه ولم يجاوز المطر أرضه إلا يسيرا واحترقت خصاص بالبصرة في زمن أبي موسي الأشعري وبقي في وسطها خص لم يحترق فقال أبو موسي لصاحب الخص ما بال خصك لم يحترق فقال إني أقسمت على ربي أن لا
368
يحرقه فقال أبو موسي إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول في أمتي رجال طلس رؤوسهم دنس ثيابهم لو أقسموا على الله لأبرهم وكان أبو مسلم الخولاني مشهورا بإجابة الدعوة فكان يمر به الضب فيقول له الصبيان ادع الله لنا أن يحبس علينا هذا الضب فيدعو الله فيحبسه حتى يأخذوه بأيديهم ودعا على امرأة أفسدت عليه عشرة امرأة له بذهاب بصرها فذهب بصرها في الحال فجاءته فجعلت تناشده بالله وتطلب من الله فرحمها ودعا الله تعالى فرد عليها بصرها ورجعت امرأته إلى حالها معه وكذب رجل على مطرف ابن عبدالله بن الشخير فقال له إن كنت كاذبا فعجل الله حتفك فمات الرجل مكانه وكان رجل من الخوارج يغشي مجلس الحسن البصري فيؤذيهم فلما ازداد أذاه قال الحسن اللهم قد عملت أذاه لنا فاكفناه بما شئت فخر الرجل من قامته فما حمل إلى أهله إلا ميتا على سريره وكان صلة بن أشيم في سرية فذهبت بغلته بثقلها وارتحل الناس فقام يصلي فقال اللهم إني أقسم عليك أن ترد على بغلتي وثقلها فجاءت حتى قامت بين يديه وكان مرة في برية فقرأ فجاع فاستطعم الله وجبة خلفه فإذا هو بثوب أو منديل فيه دوخلة رطب طري فأكل منه وبقي الثوب عند امرأته معاذة العدوية وكانت من الصالحات وكان محمد بن المنكدر في غزاة فقال له رجل من رفقائه اشتهي رطبا جنيا فقال ابن المنكدر استطعموا الله يطعمكم فإنه القادر فدعا القوم فلم يسيروا إلا قليلا حتى رأوا مكتلا مخيطا فإذا هو خير رطب فقال بعض القوم لو كان عسلا فقال ابن المنكدر إن الذي أطعمكم رطبا جنيا ها هنا قادر على أن يطعمكم عسلا فاستطعموه فدعوا فساروا قليلا فوجدوا ظرف عسل على الطريق فنزلوا وأكلوا وكان حبيب العجمي أبو محمد معروفا بإجابة الدعوة دعا لغلام أقرع الرأس وجعل يبكي ويمسح بدموعه رأس الغلام فما قام حتى اسود رأسه وعاد كأحسن الناس شعرا وأوتي برجل زمن في محمل فدعا له فقام الرجل على رجليه فحمل محمله على عنقه ورجع إلى عياله واشتري في زمن مجاعة طعاما كثيرا فتصدق به على المساكين ثم خاط أكيسة فوضعها تحت فراشه ثم دعا الله تعالى فجاء أصحاب الطعام يطلبون ثمنه فأخرج تلك الأكيسة فإذا هي مملوءة دراهم فوزنها فإذا هي قدر حقوقهم فدفعها إليهم وكان رجل يعبث به كثيرا فدعا عليه حبيب فبرص وكان مرة عند مالك بن دينار فجاء رجل فأغلظ لمالك من أجل دراهم قسمها مالك فلما طال ذلك من أمره رفع حبيب يده إلى السماء فقال اللهم إن هذا قد شغلنا عن ذكرك فأرحنا منه كيف شئت فسقط الرجل على وجهه ميتا وخرج قوم في غزاة في سبيل الله وكان لبعضهم حمار فمات وارتحل أصحابه فقام فتوضأ وصلي وقال اللهم إني خرجت
369
مجاهدا في سبيلك وابتغاء مرضاتك وأشهد أنك تحيي الموتي وتبعث من في القبور فأحي لي حماري فقام إلى الحمار فضربه فقام الحمار ينفض أذنيه فركبه ولحق أصحابه ثم باع الحمار بعد ذلك بالكوفة وخرجت سرية في سبيل الله فأصابهم برد شديد حتى كادوا أن يهلكوا فدعوا الله تعالى وإلي جانبهم شجرة عظيمة فإذا هي تلتهب نارا فجففوا ثيابهم ودفئوا بها حتى طلعت عليهم الشمس فانصرفوا وردت الشجرة إلى هيئتها وخرج أبو قلابة صائما حاجا فتقدم أصحابه في يوم صائف فأصابه عطش شديد فقال اللهم إنك قادر على أن تذهب عطشي من غير فطر فأظلته سحابة فأمطرت عليه حتى بلت ثوبه وذهب العطش عنه فنزل فحوض حياضا فملأها فانتهي إليه أصحابه فشربوا وما أصاب أصحابه من ذلك المطر شيء ومثل هذا كثير جدا ويطول استقصاؤه وأكثر من كان مجاب الدعوة من السلف كان يصبر على البلاء ويختار ثوابه ولا يدعو لنفسه بالفرج منه وقد روى أن سعد بن أبي وقاص كان يدعو للناس لمعرفتهم له بإجابة الدعوة فقيل له لو دعوت الله لبصرك وكان قد أضر فقال قضاء الله أحب إلى من بصري وابتلي بعضهم بالجذام فقيل له بلغنا أنك تعرف اسم الله الأعظم فلو سألته أن يكشف ما بك فقال يا ابن أخي إنه هو الذي ابتلاني وأنا أكره أن أرده وقيل لإبراهيم التيمي وهو في سجن الحجاج لو دعوت الله تعالى فقال أكره أن أدعوه أن يفرج عني مالي فيه أجر وكذلك سعيد بن جبير صبر على أذي الحجاج حتى قتله وكان مجاب الدعوة كان له ديك يقوم بالليل بصياحه إلى الصلاة فلم يصح ليلة في وقته فلم يقم سعيد إلى الصلاة فشق عليه فقال ماله قطع صوته فما صاح الديك بعد ذلك فقالت له أمه يابني لا تدع بعد هذا على شيء وذكر لرابعة رجل له منزلة عند الله وهو يقتات بما يلتقطه من المنبوذات على المزابل فقال رجل ما ضر هذا أن يدعو الله أن يغنيه عن هذا فقالت رابعة إن أولياء الله إذا قضي الله لهم قضاء لم يستسخطوه وكان حيوة بن شريح ضيق العيش جدا فقيل له لو دعوت الله أن يوسع عليك فأخذ حصاة من الأرض فقال اللهم اجعلها ذهبا فصارت تبرة في كفه وقال ما خير في الدنيا إلا الآخرة ثم قال هو أعلم بما يصلح عباده وربما دعا المؤمن المجاب الدعوة بما يعلم الله الخيرة له في غيره قال فلا يجيبه إلى سؤاله ويعوضه مما هو خير له إما في الدنيا أو في الآخرة وقد تقدم في حديث أنس المرفوع إن الله يقول إن من عبادي من يسألني بابا من العبادة فأكفه كيلا يدخله العجب وخرج الطبراني من حديث سالم بن أبي الجعد عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إن من أمتي من لو جاء أحدكم يسأله دينارا يعطه ولو سأله درهما لم يعطه ولو سأله فلسا لم يعطه ولو سأل الله الجنة لأعطاه إياها ذو طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره وخرجه غيره من حديث سالم مرسلا وزاد فيه ولو سأل الله شيئا من الدنيا ما أعطاه تكرمة له وقوله
370
ما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته المراد بهذا أن الله تعالى قضي على عباده بالموت كما قال تعالى كل نفس ذائقة الموت آل عمران هو مفارقة الروح للجسد ولا يحصل ذلك إلا بألم عظيم جدا وهو أعظم الآلام التي تصيب العبد في الدنيا قال عمر لكعب أخبرني عن الموت قال ياأمير المؤمنين هو مثل شجرة كثيرة الشوك في جوف ابن آدم فليس منه عرق ولا مفصل وهو كرجل شديد الذراعين فهو يعالجها ينتزعها فبكي عمر ولما احتضر عمرو بن العاص سأله ابنه عن صفة الموت فقال والله لكأن جنبي في تخت ولكأني أتنفس من سم إبرة وكأن غصن شوك يجر به من قدمي إلى هامتي وقيل لرجل عند الموت كيف تجدك فقال أجدني أجتذب اجتذابا وكأن الخناجر مختلفة في جوفي وكأن جوفي في تنور محمي يلتهب توقدا وقيل لآخر كيف تجدك قال أجدني كأني السموات منطبقة على الأرض علي وأجد نفسي كأنها تخرج من ثقب إبرة فلما كان الموت بهذه الشدة والله قد حتمه على عباده كلهم ولابد لهم منه والله تعالى يكره أذي المؤمن ومساءته سمي ترددا في حق المؤمن وأما الأنبياء فلا يقبضون حتى يخيروا قال الحسن لما كرهت الأنبياء الموت هون الله عليهم بلقائه لما أحبوه من تحفة وكرامة حتى إن نفس أحدهم تنزع من بين جنبيه وهو يحب ذلك لما قد مثل له وقالت عائشة ما أغبط أحدا يهون الله عليه الموت بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالت كانت عنده قدح من ماء فيدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ويقول اللهم أعني على سكرات الموت قالت وجعل يقول لا إله إلا الله إن للموت سكرات وجاء في حديث مرسل أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول اللهم إنك تأخذ الروح من بين العصب والقصب والأنامل اللهم فأعني على الموت وهونه على وقد كان بعض السلف يستحب أن يجتهد عند الموت كما قال عمر بن عبد العزيز ما أحب أن تهون على سكرات الموت إنه لآخر ما يكفر به عن المؤمن وقال النخعي كانوا يستحبون أن يجتهدوا عند الموت وكان بعضهم يخشي من تشديد الموت أن يفتن وإذا أراد الله أن يهون على العبد الموت هونه عليه وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان من الله وكرامة فليس شيءأحب إليه مما أمامه وأحب لقاء الله فأحب الله لقاءه قال ابن مسعود إذا جاء ملك الموت لقبض روح المؤمن قال له إن ربك يقرئك السلام وقال محمد بن كعب يقول له ملك الموت السلام عليك ياولي الله والله يقرئك السلام ثم قال الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم النحل وقال زيد بن أسلم تأتي الملائكة
371
للمؤمن إذا احتضر وتقول له لا تخف مما أنت قادم عليه فيذهب الله خوفه ولا تحزن على الدنيا وأهلها وأبشر بالجنة فيموت وقد جاءته البشري وخرج البزار من حديث عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن الله أضن بموت عبده المؤمن من أحدكم بكريمة ماله حتى يقبضه على فراشه وقال زيد بن أسلم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن لله عبادا هم أهل المعافاة في الدنيا والآخرة وقال ثابت البناني إن لله عبادا يضن بهم في الدنيا عن القتل والأوجاع يطيل الله أعمارهم ويحسن أرزاقهم ويميتهم على فرشهم ويطبعونهم بطابع الشهداء وخرجه ابن أبي الدنيا والطبراني مرفوعا من وجوه ضعيفة وفي بعض ألفاظها إن لله ضنائن من خلقه يأبي بهم عن البلاء يحييهم في عافيه ويميتهم في عافية ويدخلهم الجنة في عافية قال ابن مسعود وغيره إن موت الفجأة تخفيف عن المؤمن وقال أبو ثعلبة الخشني إني لأرجو أن لا يخنقني كما أراكم تخنقون عند الموت وكان ليلة في داره فسمعوه ينادي يا عبد الرحمن وكان عبد الرحمن قد قتل مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم أتي مسجد بيته فصلي فقبض وهو ساجد وقبض جماعة من السلف في الصلاة وهم سجود وكان بعضهم يقول لأصحابه إني لا أموت موتكم ولكن أدعي فأجيب وكان يوما قاعدا مع أصحابه فقال لبيك ثم خر ميتا وكان بعضهم جالسا مع أصحابه فسمعوا صوتا يقول يا فلان أجب فهذه والله آخر ساعتك من الدنيا فوثب فقال هذا والله منادي الموت فودع أصحابه وسلم عليهم ثم انطلق نحو الصوت وهو يقول سلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين ثم انقطع عنهم الصوت فتتبعوا أثره فوجدوه ميتا وكان بعضهم جالسا يكتب في مصحف فوضع القلم من يده وقال إن كان موتكم هكذا فوالله إنه لموت طيب ثم سقط ميتا وكان آخر جالسا يكتب الحديث فوضع القلم من يده ورفع يديه يدعو الله فمات رحمه الله تعالى الحديث التاسع والثلاثون التجاوز عن المخطى والناسي والمكره عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول صلى الله عليه وسلم قال إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه حديث حسن رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما
372
هذا الحديث خرجه ابن ماجه من طريق الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخرجه ابن حبان في صحيحه والدارقطني وعندهما عن الأوزاعي عن عطاء عن عبيد بن عمير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهذا إسناد صحيح في ظاهر الأمرو رواته كلهم محتج بهم في الصحيحين وقد خرجه الحاكم وقال صحيح على شرطهما كذا قال ولكن له علة وقد أنكره الإمام أحمد جدا وقال ليس يروى فيه إلا عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا وقيل لأحمد أن الوليد بن مسلم روى عن مالك عن نافع عن ابن عمر مثله فأنكره أيضا وذكر لابن أبي حاتم الرازي حديث الأوزاعي وحديث مالك وقيل له إن الوليد روى أيضا عن ابن لهيعة عن موسي بن وردان عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثله فقال أبو حاتم هذه أحاديث منكرةكأنها موضوعة وقال لم يسمع الأوزاعي هذا الحديث عن عطاء وإنما سمعه من رجل لم يسمه توهم أنه عبدالله بن عامر أو إسماعيل بن مسلم قال ولا يصح هذا الحديث ولا يثبت إسناده قلت وقد روى عن الأوزاعي عن عطاء عن عبيد بن عمير مرسلا من غير ذكر ابن عباس وروى يحيى بن سليم عن ابن جريج قال بلغني أن رسول الله صلى عليه وآله وسلم قال إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان ومااستكرهوا عليه خرجه
373
الجوزجاني وهذا بالمرسل أشبه وقد ورد من وجه آخر عن ابن عباس مرفوعا رواه مسلم ابن خالد الزنجي عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن الله تعالى تجوز لأمتي عن ثلاث الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه خرجه الجوزجاني وسعيد العلاف وهو سعيد بن أبي صالح قال أحمد وهو مكي قيل له كيف حاله قال لا أدري وما علمت أحدا روى عنه غير مسلم بن خالد قال أحمد وليس هذا مرفوعا إنما هو عن ابن عباس قوله نقل ذلك عنه مهنا ومسلم بن خالد ضعفوه وروى من وجه ثالث من رواية بقية بن الوليد عن على الهمداني عن أبي حمزة عن ابن عباس مرفوعا خرجه حرب ورواية بقية عن مشايخه المجاهيل لا تساوي شيئا وروى من وجه رابع خرجه ابن عدي من طريق عبد الرحيم بن زيد الأعمي عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم وعبد الرحيم هذا ضعيف وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أخر وقد تقدم أن الوليد بن مسلم رواه عن مالك عن نافع عن ابن عمر مرفوعا وصححه الحاكم وغربه وهو عند حذاق الحفاظ باطل على مالك كما أنكره الإمام أحمد وأبو حاتم وكانا يقولان عن الوليد إنه كثير الخطأ ونقل أبو عبيد الآجري عن أبي داود قال روى الوليد بن مسلم عن مالك عشرة أحاديث ليس لها أصل منها عن نافع أربعة قلت والظاهر أن منها هذا الحديث والله أعلم وخرجه الجوزجاني من رواية يزيد بن ربيعة سمعت أبا الأشعث يحدث عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إن الله تجاوز عن أمتي عن ثلاث الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه و يزيد بن ربيعة ضعيف جدا وخرج ابو حاتم من رواية أبي بكر الهذلي عن شهر بن حوشب عن أم الدرداء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إن الله تجاوز لأمتي عن ثلاث عن الخطأ والنسيان والاستكراه قال أبو بكر فذكرت ذلك للحسن فقال أجل أما تقرأ بذلك قرآنا ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا البقرة وأبو بكر الهذلي متروك الحديث وخرجه ابن ماجه ولكن عنده عن شهر عن أبي ذر الغفاري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إن الله تبارك وتعالى تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكر هوا عليه ولم يذكر كلام الحسن وأما الحديث المرسل عن الحسن فرواه عنه هشام بن حبان ورواه منصور وعوف عن الحسن من قوله لم يرفعه ورواه جعفر بن حبيش بن الحسن عن أبيه عن الحسن عن أبي بكرة مرفوعا وجعفر وأبوه ضعيفان قال محمد بن نصر المروزي ليس لهذا الحديث إسناد يحتج به حكاه البيهقي وفي صحيح مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما نزل قوله تعالى ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا البقرة قال الله تعالى قد فعلت وعن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أنها لما نزلت قال نعم وليس واحد منهما مصرحا برفعه وخرج الدارقطني من رواية ابن
374
جريج عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها وما أكرهوا عليه إلا أن يتكلموا به أو يعملوا وهو لفظ غريب وقد خرجه النسائي ولم يذكر الإكراه وكذا رواه ابن عيينة عن مسعر عن قتادة عن زرارة بن أوفي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وزاد فيه وما استكرهوا عليه خرجه ابن ماجه وقد أنكرت هذه الزيادات على ابن عيينة ولم يتابعه عليها أحد والحديث مخرج من رواية أبي قتادة في الصحيحين والسنن والأسانيد بدونها ولنرجع إلى شرح حديث ابن عباس المرفوع فقوله إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان إلى آخره تقديره إن الله رفع لي عن أمتي الخطأ أو ترك ذلك عنهم فإن تجاوز لا يتعدي بنفسه وقوله الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه فأما الخطأ والنسيان فقد صرح القرآن بالتجاوز عنهما قال الله تعالى ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا البقرة وقال تعالى ولا جناح عليكم فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم الأحزاب وفي الصحيحين عن عمرو بن العاص سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول إذا حكم الحاكم ثم اجتهد فأصاب فله أجران وإذا اجتهد وحكم فأخطأ فله أجر وقال الحسن لولا ما ذكر الله من أمر هذين الرجلين يعني داود وسلمان لرأيت أن القضاة قد هلكوا فإنه أثني على هذا بعمله وعلي هذا باجتهاده يعني قوله وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم الأنبياء وأما الإكراه فصرح القرآن أيضا بالتجاوز عنه قال تعالى من كفر بالله بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان النحل وقال تعالى لايتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة آل عمران الآية ونحن نتكلم إن شاء الله في هذا الحديث في فصلين أحدهما في حكم الخطأ والنسيان والثاني في حكم الإكراه الفصل الأول في الخطأ والنسيان الخطأ هو أن يقصد بفعله شيئا فيصادف فعله غير ما قصده مثل أن يقصد قتل كافر فصادف قتله مسلما والنسيان أن يكون ذاكرا لشيء فينساه عند الفعل وكلاهما معفو عنه يعني أنه لا إثم فيه ولكن رفع الإثم لا ينافي أن يترتب على نسيانه حكم كما أن من نسي الوضوء وصلي ظانا أنه متطهر فلا إثم عليه بذلك ثم إن تبين له أنه كان قد صلى محدثا فإن عليه الإعادة ولو ترك التسمية على الوضوء نسيانا وقلنا بوجوبها فهل يجب عليه إعادة الوضوء فيه روايتان عن الإمام أحمد وكذا لو ترك التسمية على الذبيحة نسيانا فيه عنه روايتان وأكثر الفقهاء على أنها تؤكل ولو ترك الصلاة نسيانا ثم ذكر فإن عليه القضاء كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك ثم
375
تلا أقم الصلاة لذكري ولو صلى حاملا في صلاته نجاسة لا يعفي عنها ثم علم بها بعد أو في أثنائها فأزالها فهل يعيد صلاته أم لا فيه قولان وهما روايتان عن أحمد وقد روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه خلع نعليه في صلاته وأتمها وقال إن جبرائيل أخبرني أن فيهما أذي ولم يعد صلاته ولو تكلم في صلاته ناسيا لأنه في صلاة ففي بطلان صلاته بذلك قولان مشهوران هما روايتان عن أحمد ومذهب الشافعي أنها تبطل بذلك ولو أكل في صيامه ناسيا فالأكثرون على أنه يبطل صيامه عملا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم من أكل أو شرب ناسيا فليتم صومه فإنما أطمعه الله وسقاه وقال مالك عليه الإعادة لأنه بمنزلة من ترك الصلاة ناسيا والجمهور يقولون أنه أتي بنية الصيام وإنما ارتكب بعض محظوراته ناسيا فيعفي عنه ولو جامع ناسيا فهل حكمه حكم الآكل نسيانا أم لا فيه قولان أحدهما وهوالمشهور عن أحمد أنه يبطل صيامه بذلك وعليه القضاء وفي الكفارة عنه روايتان والثاني لايبطل صيامه بذلك كالأكل وهو مذهب الشافعي وحكي رواية عن أحمد وكذا الخلاف في الجماع في الإحرام ناسيا هل يبطل به النسك أم لا ولو حلف لا يفعل شيئا ففعله ناسيا ليمينه أو مخطئا ظانا أنه غير المحلوف عليه فهل يحنث في يمينه أم لا فيه ثلاثة أقوال هي ثلاث روايات عن أحمد أحدها لا يحنث بكل حال ولو كانت اليمين بالطلاق والعتاق وأنكر هذه الرواية عن أحمد الخلال وقال هي سهو من ناقلها وهو قول الشافعي في أحد قوليه وإسحاق وأبي ثور وابن أبي شيبة وروى عن عطاء قال إسحاق يستخلف أنه كان ناسيا والثاني يحنث بكل حال وهو قول جماعة من السلف ومالك والثالث يفرق بين أن يكون يمينه بطلاق أوعتاق أو بغيرهما وهو المشهور عن أحمد رحمه الله وهو قول أبي عبيد وكذا قال الأوزاعي في الطلاق قال وإنما الحديث الذي جاء في العفو عن الخطأ والنسيان ما دام ناسيا وأقام على امرأته فلا إثم عليه فإذا ذكر فعليه اعتزال امرأته فإن نسيانه قد زال وحكي إبراهيم الحربي إجماع التابعين على وقوع الطلاق بالناسي ولو قتل مؤمنا فإن عليه الكفارة والدية بنص الكتاب وكذا لو أتلف مال غيره خطأ بظنه أنه مال نفسه وكذا قال الجمهور في المحرم يقتل الصيد خطأ أو ناسيا لإحرامه أن عليه جزاءه ومنهم من قال لا جزاء عليه إلا أن يكون متعمدا لقتله تمسكا بظاهر قوله تعالى ومن قتله منكم منعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم المائدة الآية وهو رواية عن أحمد وأجاب الجمهور عن الآية بأنه رتب على قاتله متعمدا الجزاء وانتقام الله تعالى ومجموعهما يختص بالعامد وإذا انتفي العمد انتفي الانتفام وبقي الجزاء ثابتا بدليل الآخر والأظهر والله أعلم أن الناسي والمخطئ إنما عفي عنهما بمعنى رفع الإثم عنهما لأن الأمر مرتب على المقاصد والنيات والناسي والمخطئ لا قصد لهما فلا إثم عليهما وأما رفع الأحكام عنهما فليس مرادا من هذه النصوص فيحتاج في ثبوتها ونفيها إلى دليل آخر الفصل الثاني في حكم المكره وهو
376
نوعان أحدهما من لا اختيار له باللية ولا قدرة له على الامتناع كمن حمل كرها وأدخل إلى مكان حلف على الامتناع من دخوله أو حمل كرها وضرب به غيره حتى مات ذلك الغير ولا قدرة له على الامتناع أو أضجعت ثم زني بها من غير قدرة لها على الامتناع فهذا لا إثم عليه بالاتفاق ولا يترتب عليه حنث في يمينه عند جمهور العلماء وقد حكي عن بعض السلف كالنخعي فيه خلاف ووقع في كلام بعض أصحاب الشافعي وأحمد والصحيح عندهم أنه لايحنث بحال وروى عن الأوزاعي في امرأة حلفت على شيء وأحنثها زوجها كرها أن كفارتها عليه وعن أحمد رواية كذلك فيما إذا وطيء امرأته مكرهة في صيامها أو إحرامها أن كفارتها عليه والمشهور عنه أنه يفسد صيامها بذلك وحجها والنوع الثاني من أكره بضرب أو غيره حتى فعل هذا الفعل يتعلق به التكليف فإن أمكنه أن لا يفعل فهو مختار للفعل ليس غرضه نفس الفعل بل دفع الضرر عنه فهو مختار من وجه غير مختار من وجه آخر ولهذا اختلف الناس هل هو مكلف أم لا واتفق العلماء على أنه لو أكره على قتل معصوم لم يصح له أن يقتله فإنه إنما يقتله باختياره افتداء لنفسه من القتل هذا إجماع من العلماء المعتد بهم وكان في زمن الإمام أحمد يخالف فيه من لا يعتد به فإذا قتله في هذه الحال فالجمهور على أنهما يشتركان في وجوب القود المكره والمكره لاشتراكهما في القتل وهو قول مالك والشافعي وفي المشهور عن أحمد وقيل يجب على المكره وحده لأن المكره صار كالآلة وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وروى عن زفر كالأول وروى عنه أنه يجب على المكرة لمباشرته وليس هو كالآلة لأنه آثم بالاتفاق وقال أبو يوسف لا قود على واحد منهما وخرجه بعض أصحابنا وجهان من رواية لا يوجب فيها قتل الجماعة بالواحد وأولي لو أكره بالضرب ونحوه على إتلاف مال الغير والمعصوم فهل يباح له ذلك فيه وجهان لأصحابنا فإن قلنا يباح له ذلك فضمنه المالك رجع بما ضمنه على المكره وإن قلنا لا يباح له ذلك فالضمان عليهما معا كالقود وقيل على المباشر المكره وحده وهو ضعيف ولو أكره على شرب الخمر أو غيره من الأفعال المحرمة ففي إباحته قولان أحدهما يباح له ذلك استدلالا بقوله تعالى ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم النور وهذه نزلت في عبدالله بن أبي بن سلول كانت له أمتان وكان يكرههما على الزنا وهما يأبيان ذلك وهذا قول الجمهور كالشافعي وأبي حنيفة وهو المشهور عن أحمد وروى نحوه عن الحسن ومكحول ومسروق وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما يدل عليه وأهل هذه المقالة اختلفوا في إكراه الرجل على الزنا فمنهم من قال لا يصح إكراههم عليه ولا إثم عليه وهو قول الشافعي وابن عقيل من أصحابنا ومنهم من قال لا يصح إكراههم
377
عليه وعليه الإثم والحد وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ومنصوص أحمد وروى عن الحسن والقول الثاني إن التقاة تكون في الأموال ولا تقاة في الأفعال ولا إكراه عليها وروى ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وأبي العالية وأبي الشعثاء والربيع بن أنس والضحاك وهو رواية عن أحمد وروى عن سحنون أيضا وعلي هذا لو شرب الخمر أو سرق مكرها حد و لو على الأول ولو شرب الخمر مكرها ثم طلق أو أعتق فهل يكون حكمه حكم المختار لشربها أم لابل يكون طلاقه وإعتاقه لغوا فيه لأصحابنا وجهان وروى عن الحسن فيمن قيل له اسجد لصنم وإلا قتلناك قال إن كان الصنم تجاه القبلة فليسجد ويجعل نيته لله وإن كان إلى غير القبلة فلا يفعل وإن قتلوه قال ابن حبيب المالكي وهذا قول حسن قال أبو عطية وما يمنعه أن يجعل نيته لله وإن كان لغير القبلة وفي كتاب الله فأينما تولوا فثم وجه الله البقرة وفي الشرع إباحة التنفل للمسافر إلى غير القبلة وأما الإكراه على الأقوال فاتفق العلماء على صحته وإن من أكره على قول محرم إكراها معتبرا أن له أن يفتدي نفسه به ولا إثم عليه وقد دل عليه قول الله تعالى إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان النحل وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعمار وإن عادوا فعد وكان المشركون قد عذبوه حتى يوافقهم على ما يريدون من الكفر ففعل وأما ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أوصي طائفة من أصحابه وقال لا تشركوا بالله وإن قطعتم وحرقتم فالمراد الشرك بالقلوب كما قال تعالى وإن جاهداك على أن تشرك بي ماليس لك به علم فلا تطعهما لقمان وقال تعالى ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله النحل وسائر الأقوال متصور عليها الإكراه فإذا أكره بغير حق قول من الأقوال لم يترتب عليه حكم من الأحكام وكان لغوا فإن كلام المكره صدر منه وهو غير راض به فلذلك عفي عنه ولم يؤاخذ به في أحكام الدنيا والآخرة وبهذا فارق الناسي والجاهل وسواء في ذلك العقود كالبيع والنكاح أو الفسوخ كالخلع والطلاق والعتاق وكذلك الأيمان والنذور وهذا قول جمهور العلماء وهو قول مالك والشافعي وأحمد وفرق أبو حنيفة بين ما يقبل الفسخ عنده ويثبت فيه الخيار كالبيع ونحوه فقال لا يلزم مع الإكراه وماليس كذلك كالنكاح والطلاق والعتاق والأيمان فألزم بها مع الإكراه ولو حلف لا يفعل شيئا ففعله مكرها فعلي قول أبي حنيفة يحنث وعلي قول الجمهور ففيه قولان أحدهما لايحنث كما لايحنث إذا فعل به ذلك كرها ولم يقدر على الامتناع كما سبق وهذا قول الأكثرين منهم والثاني يحنث هاهنا لأنه فعله باختياره بخلاف ما إذا حمل ولم يمكنه الامتناع وهو رواية عن أحمد وقول الشافعي ومن أصحابه وهو القفال من فرق بين اليمين والطلاق والعتاق وغيرهما كما قلنا نحن في الناسي وخرجه بعض أصحابنا وجهالنا ولو أكره على أداء ماله بغير حق فباع عقاره ليؤدي ثمنه فهل يصح الشراء منه أم لا فيه روايتان عن أحمد وعنه رواية ثالثة إن باعه بثمن المثل اشتري منه
378
وإن باعه بدونه لم يشتر منه ومتي رضي المكره بما أكره عليه لحدوث رغبة له فيه بعد الإكراه والإكراه قائم صح ما صدر منه من العقود وغيرها بهذا القصد هذا هو المشهور عند أصحابنا وفيه وجه آخر أنه لا يصح أيضا وفيه بعد وأما الإكراه بحق فهو غير مانع من لزوم ما أكره عليه فلو أكره الحربي على الإسلام فأسلم صح إسلامه كذا لو أكره الحاكم أحدا على بيع ماله ليوفي دينه أو أكره موليا بعد مدة الإيلاء وامتناعه من الفيئة على الطلاق ولو حلف لايوفي دينه فأكرهه الحاكم على وفائه فإنه يحنث بذلك لأنه فعل ماحلف عليه حقيقة على وجه لايعذر فيه ذكره أصحابنا بخلاف ما إذا امتنع من الوفاء فأدي عنه الحاكم فإنه لايحنث لأنه لم يوجد منه فعل المحلوف عليه الحديث الأربعون الدنيا وسيلة ومزرعة الآخرة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك رواه البخاري
379
هذا الحديث خرجه البخاري عن على بن المدنيي حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي حدثنا الأعمش حدثنا مجاهد عن ابن عمر فذكره وقد تكلم غير واحد من الحفاظ في قوله حدثنا مجاهد وقالوا هي غير ثابتة وأنكروها على ابن المديني وقالوا لم يسمع الأعمش هذا الحديث عن مجاهد إنما سمعه من ليث بن أبي سليم وقد ذكره العقيلي وغيره وأخرجه الترمذي من حديث ليث عن مجاهد وزاد فيه وعد نفسك من أهل القبور وزاد في كلام ابن عمر فإنك لا تدري ياعبد الله ما اسمك غدا وخرجه ابن ماجه ولم يذكر قول ابن عمر وخرج الإمام أحمد والنسائى من حديث الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة عن ابن عمر قال أخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ببعض جسدي وقال اعبد الله كأنك تراه وكن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعبدة بن أبي لبابة أدرك ابن عمر واختلف في سماعه منه وهذا الحديث أصل في قصر الأمل في الدنيا فإن المؤمن لا ينبغي له أن يتخذ الدنيا وطنا ومسكنا فيطمئن فيها ولكن ينبغي أن يكون فيها كأنه على جناح سفر يعني جهازه للرحيل وقد اتفقت على ذلك وصايا الأنبياء وأتباعهم قال تعالى حاكيا عن مؤمن آل فرعون أنه قال إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار غافر وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول مالي و لي الدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها ومن
380
وصايا المسيح عليه السلام لأصحابه أنه قال لهم اعبروها ولا تعمروها وروى عنه أنه قال من ذا الذي يبني على موج البحر دارا تلكم الدنيا فلا تتخذوها قرارا ودخل رجل على أبي ذر فجعل يقلب بصره في بيته فقال يا أبا ذر أين متاعكم فقال إن لنا بيتا نتوجه إليه فقال إنه لا بد لك من متاع مادمت هاهنا فقال إن صاحب المنزل لا يدعنا هاهنا ودخلوا على بعض الصالحين فقلبوا بصرهم في بيته فقالوا إنا نري بيتك بيت رجل مرتحل فقال لا أرتحل ولكن أطرد طردا وكان على بن أبي طالب رضي الله عنه يقول إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة ولكل منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عمل ولاحساب وغدا حساب ولا عمل قال بعض الحكماء عجبت ممن الدنيا مولية عنه والآخرة مقبلة إليه يشغل بالمدبرة ويعرض عن المقبلة وقال عمر بن عبدالعزيز في خطبته إن الدنيا ليست بدار قراركم كتب الله عليها الفناء وكتب الله على أهلها منها الظعن فكم من عامر موثق عن قليل يخرب وكم من مقيم مغتبط عما قليل يظعن فأحسنوا رحمكم الله منها الرحلة بأحسن مابحضرتكم من النقلة وتزودوا فإن خير الزاد التقوي وإذا لم تكن الدنيا للمؤمن دار إقامة ولاوطنا فينبغي للمؤمن أن يكون حاله فيها على أحد حالين إما أن يكون كأنه غريب مقم في بلد غربة همه التزود للرجوع إلى وطنه أو يكون كأنه مسافر غير مقيم البتة بل هو ليله ونهاره يسير إلى بلد الإقامة فلهذا وصي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابن عمر أن يكون في الدنيا على أحد هذين الحالين فأحدهما أن يترك المؤمن نفسه كأنه غريب في الدنيا يتخيل الإقامة لكن في بلد غربة فهو غير متعلق القلب ببلد الغربة بل قلبه متعلق بوطنه الذي يرجع إليه وإنما هو مقيم في الدنيا ليقضي مرمة جهازه إلى الرجوع إلى وطنه قال الفضيل بن عياض المؤمن في الدنيا مهموم حزين همه مرمة جهازه ومن كان في الدنيا كذلك فلا هم له إلا التزود بما ينفعه عند العود إلى وطنه فلا ينافس أهل البلد الذي هو غريب بينهم في عزهم ولا يجزع من الذل عندهم قال الحسن المؤمن كالغريب لا يجزع من ذلها ولا ينافس في عزها له شأن وللناس شأن لما خلق الله آدم عليه السلام أسكن هو وزوجته الجنة ثم أهبط منها ووعد بالرجوع إليها وصالحوا ذريتهما فالمؤمن أبدا يحن إلى وطنه الأول وحب الوطن من الإيمان كما قيل كم منزل للمرء يألفه الفتي وحنينه أبدا لأول منزل ولبعض شيوخنا فحي على جنات عدن فإنها منازلك الأولي وفيها المخيم ولكننا سبي العدو فهل تري نعود إلى أوطاننا ونسلم
381
وقد زعموا أن الغريب إذا نأي وشطت به أوطانه فهو مغرم وأي اغتراب فوق غربتنا التي لها أضحت الأعداء فينا تحكم وكان عطاء السلمي يقول في دعائه اللهم ارحم في الدنيا غربتي وارحم في القبر وحشتي وارحم موقفي غدا بين يديك قال الحسن بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لأصحابه إنما مثلي ومثلكم ومثل الدنيا كقوم سلكوا مفازة غبراء حتى إذا لم يدروا ما سلكوا منها أكثر أو ما بقي أنفدوا الزاد وحسروا الظهر وبقوا بين ظهراني المفازة لا زاد ولا حمولة فأيقنوا بالهلكة فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم رجل يقطر رأسه ماء فقالوا إن هذا قريب عهد بريف وما جاءكم هذا إلا من قريب فلما انتهى إليهم قال علام أنتم قالوا على ما تري قال أرأيتكم إن هديتكم على ماء رواء ورياض خضر ما تعملون قالوا لا نعصيك شيئا قال أعطوني عهودكم ومواثيقكم بالله قال فأعطوه عهودهم ومواثيقهم بالله لا يعصونه شيئا قال فأوردهم ماء ورياضا خضرا فمكث فيهم ما شاء الله ثم قال يا هؤلاء الرحيل قالوا إلى أين قال إلى ماء ليس كمائكم وإلي رياض ليست كرياضكم فقال جل القوم وهم أكثرهم والله ما وجدنا هذا حتى ظننا أن لن نجده وما نصنع بعيش خير من هذا وقالت طائفة وهم أقلهم ألم تعطوا هذا الرجل عهودكم ومواثيقكم بالله لا تعصونه شيئا وقد صدقكم في أول حديثه فو الله ليصدقنكم في آخره قال فراح فيمن تبعه وتخلف بقيتهم فنزل بهم عدو فأصبحوا بين أسير وقتيل خرجه ابن أبي الدنيا وخرجه الإمام أحمد من حديث على بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمعناه مختصرا فهذا المثل في غاية المطابقة بحال النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أمته فإنه أتاهم والعرب إذ ذاك أذل الناس وأقلهم وأسوأهم عيشا في الدنيا وحالا في الآخرة فدعاهم إلى سلوك طريق النجاة وظهر لهم من براهين صدقه كما ظهر من صدق أمر الذي جاء إلى القوم الذين في المفازة وقد نفد ماؤهم وهلك ظهرهم برؤيته في حلة رجلا يقطر رأسه ماء ودلهم على الماء والرياض المعشبة فاستدلوا بهيئته وجماله وحاله على صدق مقالته فاتبعوه ووعد من اتبعوه بفتح بلاد فارس والروم وأخذ كنوزها وحذرهم من الاغترار بذلك والوقوف معهم وأمرهم بالتجزي من الدنيا بالبلاغ والجد والاجتهاد في طلب الآخرة والاستعداد لها فوجدوا ما وعدهم به حقا كله فلما فتحت عليهم الدنيا كما وعدهم اشتغل أكثر الناس بجمعها واكتنازها والمنافسة فيها ورضوا بالإقامة فيها والتمتع بشهواتها وتركوا الآخرة الاستعداد للآخرة التي أمرهم بالجد والاجتهاد في طلبها وقبل قليل من الناس وصيته في الجد في طلب والاستعداد لها فهذه الطائفة القليلة نجت ولحقت نبيها صلى الله عليه وآله وسلم في الآخرة
382
حيث سلكت طريقته في الدنيا وقبلت وصيته وامتثلت ماأمرت به وأما أكثر الناس فلم يزالوا في سكرة الدنيا والتكاثر فيها فشغلهم ذلك عن الآخرة حتى فاجأهم الموت بغتة على هذه الغرة فهلكوا وأصبحوا مابين قتيل وأسير وماأحسن قول يحيى بن معاذ الرازي الدنيا خمر الشيطان من سكر منها لم يفق إلا في عسكر الموت نادما مع الخاسرين الحال الثاني أن يترك المؤمن نفسه في الدنيا كأنه مسافر غير مقيم البتة وإنما هو سائر في قطع منازل السفر حتى ينتهي به السفر إلى آخره وهو الموت ومن كانت هذه حاله في الدنيا فهمته تحصيل الزاد للسفر فليس له همة للاستكثار من طلب متاع الدنيا ولهذا وصي النبي صلى الله عليه وآله وسلم جماعة من أصحابه أن يكون بلاغهم من الدنيا كزاد الراكب قيل لمحمد بن واسع كيف أصبحت قال ما ظنك برجل يرتحل كل يوم مرحلة إلى الآخرة وقال الحسن إنما أنت أيام مجموعة كلما مضي يوم مضي بعضك وقال ابن آدم إنما أنت بين مطيتين يوضعانك يوضعك الليل إلى النهار والنهار إلى الليل حتى يسلمانك إلى الآخرة فمن أعظم منك يا ابن آدم خطرا وقال الموت معقود بنواصيكم والدنيا تطوي من ورائكم قال داود الطائي إنما الليل والنهار مراحل ينزلها الناس مرحلة مرحلة حتى ينتهي ذلك بهم إلى آخر سفرهم فإن استطعت أن تقدم في كل مرحلة زادا لما بين يديها فافعل فإن انقطاع السفر عن قريب ما هو والأمر أعجل من ذلك فتزود لسفرك واقض ما أنت قاض من أمرك فكأنك بالأمر قد بغتك وكتب بعض السلف إلى أخ له ياأخي يخيل لك أنك مقيم بل أنت دائب السير تساق مع ذلك سوقا حثيثا الموت متوجه إليك والدنيا تطوي من ورائك ومامضي من عمرك فليس بكار عليك يوم الغابن سبيلك في الدنيا سبيل مسافر ولا بد من زاد لكل مسافر ولا بد للإنسان من حمل عدة ولا سيما إن خاف صولة قاهر
383
وقال بعض الحكماء كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره وشهره يهدم سنته وسنته تهدم عمره كيف يفرح من يقوده عمره إلى أجله وتقوده حياته إلى موته وقال الفضيل بن عياض لرجل كم أتت عليك قال ستون سنة قال فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك يوشك أن تبلغ فقال الرجل إنا لله وإنا إليه راجعون فقال الفضيل أتعرف تفسيره تقول إنا لله وإنا إليه راجعون فمن عرف أنه لله عبد وأنه إليه راجع فليعلم أنه موقوف ومن علم أنه موقوف فليعلم أنه مسئول ومن علم أنه مسئول فليعد للسؤال جوابا فقال الرجل فما الحيلة قال يسيرة قال ما هي قال تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضي فإنك إن أسأت فيما بقي أخذت بما مضي وما بقي وفي هذا المعنى قال بعضهم وإن المرء قد سار ستين حجة إلى منهل من ورده لقريب قال بعض الحكماء من كانت الأيام والليالي مطاياه سارت به وإن لم يسر وفي هذا قال بعضهم وما هذه الأيام إلا مراحل يحث بها داع إلى الموت قاصد وأعجب شيء لو تأملت أنها منازل تطوي والمسافر قاعد وقال آخر و يا ويح نفس من نهار يقودها إلى عسكر الموتي وليل يذودها قال الحسن لم يزل الليل والنهار سريعين في نقص الأعمار وتقريب الآجال هيهات قد صحبا نوحا وعادا وثمودا وقرونا بين ذلك كثيرا فأصبحوا قد أقدموا على ربهم ووردوا على أعمالهم وأصبح الليل والنهار غضين جديدين لم يبلهما ما مرا به مستعدين لمن بقي بمثل ما أصاب به من مضي وكتب الأوزاعي إلى أخ له أما بعد فقد أحيط بك من كل جانب واعلم أنه يسار بك في كل يوم وليلة فاحذر الله والمقام بين يديه وأن يكون آخر عهدك به والسلام نسير إلى الآجال في كل لحظة وأيامنا تطوي وهن مراحل ولم أر مثل الموت حقا كأنه إذا ما تخطته الأماني باطل وما أقبح التفريط في زمن الصبا فكيف به والشيب للرأس شاعل ترحل من الدنيا بزاد من التقي فعمرك أيام وهن قلائل وأما وصية ابن عمر فهي مأخوذه من هذا الحديث الذي رواه وهي متضمنة لنهاية قصر الأمل وإن الإنسان إذا أمسي لم ينتظر الصباح وإذا أصبح لم ينتظر المساء بل يظن أن أجله يدرك قبل ذلك وبهذا فسر غير واحد من العلماء الزهد في الدنيا قال المروزي قيل لأبي عبدالله يعني أحمد أي شيء الزهد في الدنيا قال قصر الأمل من إذا أصبح قال لا أمسي قال وهكذا قال سفيان قيل لأبي عبدالله بأي شيء نستعين على قصر الأمل قال ما ندري إنما هو توفيق قال الحسن اجتمع ثلاثة من العلماء فقالوا لأحدهم ما أملك قال ما أتي على شهر إلا ظننت أني سأموت فيه قال فقال صاحباه إن هذا هو الأمل فقالا لأحدهم فما أملك قال ما أتت على جمعة إلا ظننت أني سأموت فيها قال فقال صاحباه إن هذا هو الأمل فقالا للآخر فما أملك قال ما أمل من نفسه في يد غيره قال داود الطائي سألت عطوان بن عمرو التيمي قلت ما قصر الأمل قال ما بين تردد النفس فحدث بذلك الفضيل بن عياض فبكي وقال يقول يتنفس فيخاف أن يموت قبل أن ينقطع نفسه لقد كان عطوان من الموت على حذر وقال بعض السلف مانمت نوما قط فحدثت نفسي أني أستيقظ منه وكان
384
حبيب أبو محمد كل يوم يوصي بما يوصي به المحتضر عند موته من يغسله ونحوه وكان يبكي كلما أصبح أو أمسي فسألت امرأته عن بكائه فقالت يخاف الله إذا أمسي أن لايصبح وإذا أصبح أن لايمسي وكان محمد بن واسع إذا أراد أن ينام قال لأهله أستودعكم الله فلعلها أن تكون منيتي لاأقوم منها وكان هذا دأبه إذا أراد النوم وقال بكر المزني إن استطاع أحدكم أن لا يبيت إلا وعهده عند رأسه مكتوب فليفعل فإنه لا يدري لعله أن يبيت في أهل الدنيا ويصبح في أهل الآخرة وكأن أويس إذا قيل له كيف الزمان عليك قال كيف الزمان على رجل إن أمسي يظن أنه لايصبح وإن أصبح ظن أنه لايسمي فمبشر بالجنة أو النار وقال عون بن عبدالله ما أنزل الموت كنه منزلته من عد غدا من أجله كم من مسقبل يوما لايستكمله وكم من مؤمل لغد لا يدركه إنكم لو رأيتم الأجل ومسيره لبغضتم الأمل وغروره وكان يقول إن من أنفع أيام المؤمن له في الدنيا ما ظن أنه لا يدرك آخره وكانت امرأة متعبدة بمكة إذا أمست قالت يا نفس الليلة ليلتك لا ليلة لك غيرها فاجتهدت فإذا أصبحت قالت يانفس اليوم يومك لا يوم لك غيره فاجتهدت وقال بكر المزني إذا أردت أن تنفعك صلاتك فقل لعلي لا أصلي غيرها وهذا مأخوذ مما روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال صل صلاة مودع وأقام معروف الكرخي الصلاة ثم قال لرجل تقدم فصل بنا فقال الرجل إني إن صليت بكم هذه الصلاة لم أصل بكم غيرها فقال معروف وأنت تحدث نفسك أنك تصلي صلاة أخرى نعوذ بالله من طول الأمل فإنه يمنع خير العمل وطرق بعضهم باب أخ له فسأل عنه فقيل له ليس هو في البيت فقال متي يرجع فقالت له جارية من البيت من كانت نفسه في يد غيره من يعلم متي يرجع ولأبي العتاهية وما أدري وإن أملت عمرا لعلي حين أصبح لست أمسي ألم تر أن كل صباح يوم وعمرك فيه أقصر منه أمس وهذا البيت الثاني أخذه مما روى عن أبي الدرداء والحسن أنهما قالا ابن آدم إنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك ومما أنشد بعض السلف إنا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يوم مضي يدني من الأجل فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهدا فإنما الربح والخسران في العمل قوله وخذ من صحتك لسقمك ومن حياتك لموتك يعني اغتنم الأعمال الصالحة في الصحة قبل أن يحول بينك وبينها السقم وفي الحياة قبل أن يحول بينك وبينها الموت وفي رواية فإنك ياعبد الله لا تدري ما اسمك غدا يعني لعلك غدا من الأموات دون الأحياء وقد روى معنى هذه الوصية عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه ففي صحيح البخاري عن ابن عباس عن
385
النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ وفي صحيح الحاكم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لرجل وهو يعظه اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك وقال غنيم بن قيس كنا نتواعظ في أول الإسلام ابن آدم اعمل في فراغك قبل شغلك وفي شبابك لكبرك وفي صحتك لمرضك وفي دنياك لآخرتك وفي حياتك لموتك وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بادروا بالأعمال ستا طلوع الشمس من مغربها والدخان والدجال والدابة وخاصة أحدكم وأمر العامة وفي الترمذي عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال بادروا بالأعمال سبعا هل تنظرون إلا إلى فقر منس أو غني مطغ أو مرض مفسد أو هرم مفند أو موت مجهز أو الدجال فشر غائب منتظر أو الساعة والساعة أدهى وأمر والمراد من هذا أن هذه الأشياء كلها تعوق عن الأعمال فبعضها يشغل عنه إما في خاصة الإنسان كفقره وغناه ومرضه وهرمه وموته وبعضها عام كقيام الساعة وخروج الدجال وكذلك الفتن المزعجة كما جاء في حديث آخر بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم وبعض هذه الأمور العامة لا ينفع بعدها عمل كما قال تعالى يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا الأنعام وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث إذا خرجن لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض وفيه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه وعن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها وخرج الإمام أحمد والنسائى والترمذى وابن ماجه من حديث صفوان بن عسال عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إن الله فتح بابا قبل المغرب عرضه سبعون عاما للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه وفي المسند عن عبد الرحمن بن عوف عن عبدالله بن عمرو عن معاوية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه وكفي الناس العمل وروى عن عائشة قالت إذا خرج أول الآيات طرحت الأقلام وحبست الحفظة وشهدت الأجساد على الأعمال خرجه ابن جرير الطبري وكذا قال كثير بن مرة ويزيد بن شريح وغيرهما من السلف إذا طلعت الشمس من مغربها طبع على
386
القلوب بما فيها وترفع الحفظة الأعمال وتؤمر الملائكة أن لا يكتبوا عملا وقال سفيان الثوري إذا طلعت الشمس من مغربها طوت الملائكة صحائفها ووضعت أقلامها فالواجب على المؤمن المبادرة بالأعمال الصالحة قبل أن لا يقدر عليها ويحال بينها وبينه إما بمرض أو موت أو بأن يدركه بعض هذه الآيات التي لا يقبل معها عمل قال أبو حازم إن بضاعة الآخرة كاسدة يوشك أن تنفق فلا يوصل منها إلى قليل ولا كثير ومتي حيل بين الإنسان والعمل لم يبق له إلا الحسرة والأسف عليه ويتمني الرجوع إلى حال يتمكن فيها من العمل فلا تنفعه الأمنية قال تعالى وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين تري العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين الزمر وقال تعالى حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون المؤمنون وقال عز وجل وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها المنافقون وفي الترمذي عن أبي هريرة مرفوعا ما من ميت يموت إلا ندم قالوا وما ندامته قال إن كان محسنا ندم أن لا يكون ازداد وإن كان مسيئا ندم أن لا يكون استعتب فإذا كان الأمر على هذا فيتعين على المؤمن اغتنام ما بقي من عمره ولهذا قيل إن بقية عمر المؤمن لا قيمة له وقال سعيد بن جبير كل يوم يعيشه المؤمن غنيمة وقال بكر المزني ما من يوم أخرجه الله إلى الدنيا إلا يقول يا ابن آدم اغتنمني لعله لا يوم لك بعدي ولا ليلة إلا تنادي ابن آدم اغتنمني لعله لا ليلة لك بعدي ولبعضهم اغتنم في الفراغ فضل ركوع فعسي أن يكون موتك بغتة كم صحيح مات من غير سقم ذهبت نفسه الصحيحة فلتة وقال محمود الوراق مضي أمسك الماضي شهيدا معدلا وأعقبه يوم عليك جديد فإن كنت بالأمس اقترفت إساءة فثن بإحسان وأنت حميد فيومك إن أعقبته عاد نفعه عليك وماضي الأمس ليس يعود ولا ترج فعل الخير يوما إلى غد لعل غدا يأتي وأنت فقيد الحديث الحادي والأربعون علامة الإيمان عن أبي محمد عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به حديث حسن صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح
387
يريد بصاحب كتاب الحجة الشيخ أبا الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الشافعي الفقيه الزاهد نزيل دمشق وكتابه هذا هو كتاب الحجة على تاركي سلوك طريق المحجة يتضمن ذكر أصول الدين على قواعد أهل الحديث والسنة وقد خرج هذا الحديث الحافظ أبو نعيم في كتاب الأربعين وشرط في أولها أن تكون من صحاح الأخبار وجياد الآثار مما أجمع الناقلون على عدالة ناقليه وخرجته الأئمة في مسانيدهم ثم خرجه عن الطبراني حدثنا الوزير عبد الرحمن بن حاتم المرادي حدثنا نعيم بن حماد حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عقبة بن أوس عن عبدالله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ولا يزيغ عنه ورواه الحافظ أبو بكر بن عاصم الأصبهاني عن ابن واره عن نعيم بن حماد حدثنا عبد الوهاب الثقفي حدثنا بعض مشايخنا هشام أو غيره عن ابن سيرين فذكره وليس عنده ولا يزيغ عنه قال الحافظ أبو موسى المديني هذا الحديث مختلف فيه على نعيم وقيل فيه حدثنا بعض مشيختنا مثل هشام وغيره قلت تصحيح هذا الحديث بعيد جدا من وجوه منها أنه حديث ينفرد به نعيم بن حماد المروزي ونعيم هذا وإن كان وثقه جماعة من الأئمة وخرج له البخاري فإن أئمة الحديث كانوا يحسنون به الظن لصلابته في السنة وتشدده على أهل الرد في الأهواء وكانوا ينسبونه إلى أنه يهم
388
ويشبه عليه في بعض الأحاديث فلما كثر عثورهم على مناكيره حكموا عليه بالضعف فروى صالح بن محمد الحافظ عن ابن معين أنه سئل عنه فقال ليس بشيء إنما هو صاحب سنة قال صالح وكان يحدث من حفظه وعنده مناكير كثيرة لا يتابع عليها وقال أبو داود عند نعيم نحو عشرين حديثا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس لها أصل وقال النسائي ضعيف وقال مرة ليس ثقة وقال مرة قد كثر تفرده عن الأئمة المعروفين في أحاديث كثيرة فصار في حد من لا يحتج به وقال أبو زرعة الدمشقي يصل أحاديث يوقفها الناس يعني أنه يرفع الموقوفات وقال أبو عروبة الخوافي هو مظلم الأمر وقال أبو سعيد بن يونس روى أحاديث مناكير عن الثقات ونسبه آخرون إلى أنه كان يضع الحديث وأين كان أصحاب عبد الوهاب الثقفي وأصحاب ابن سيرين عن هذا الحديث حتى ينفرد به نعيم ومنها أنه قد اختلف على نعيم في إسناده فروى عنه الثقفي عن هشام وروى عنه الثقفي حدثنا بعض مشيختنا حدثنا هشام أو غيره وعلي هذه الرواية يكون الشيخ الثقفي غير معروف عنه وروى عن الثقفي حدثنا بعض مشيختنا حدثنا هشام أو غيره وعلي هذه الرواية فالثقفي رواه عن شيخ مجهول وشيخه رواه عن غير معين فتزداد الجهالة في إسناده ومنها أن في إسناده عقبة بن أوس السدوسي البصري ويقال فيه يعقوب بن أوس أيضا وقد خرج له أبو داود والنسائى وابن ماجه حديثا عن عبدالله بن عمرو ويقال عبدالله بن عمر وقد اضطرب في إسناده وقد وثقه العجلي وابن سعد وابن حبان وقال ابن خزيمة روى عنه ابن سيرين مع جلالته وقال ابن عبد البر هو مجهول وقال الغلابي في تاريخه يزعمون أنه لم يسمع من عبدالله بن عمرو وإنما يقول قال عبدالله بن عمرو فعلي هذا تكون رواياته عن عبدالله بن عمرو منقطعة والله أعلم شرح الحديث وأما معنى الحديث من الأوامر والنواهي وغيرها فيحب ما أمر به ويكره ما نهى عنه وقد ورد القرآن بمثل هذا في غير موضع قال تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما النساء وقال تعالى وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضي الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم الأحزاب وذم سبحانه من كره ما أحبه الله وأحب ما كرهه الله قال الله تعالى ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم محمد وقال تعالى ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم محمد فالواجب على كل مؤمن أن يحب ما أحبه الله محبة توجب له الإتيان بما وجب عليه منه فإن زادت المحبة حتى أتي بما ندب إليه منه كان ذلك فضلا وأن يكره ما كرهه الله تعالى كراهة توجب له الكف عما حرم عليه منه فإن زادت الكراهة حتى أوجبت
389
الكف عما كرهه تنزيها كان ذلك فضلا وقد ثبت في الصحيحين عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده وأهله والناس أجمعين فلا يكون المؤمن مؤمنا حتى يقدم محبة الرسول على محبة جميع الخلق ومحبة الرسول تابعة لمحبة مرسله والمحبة الصحيحة تقتضي المتابعة والموافقة في حب المحبوبات وبغض المكروهات قال تعالى قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره التوبة وقال تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم آل عمران قال الحسن قال أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يا رسول الله إنا نحب ربنا حبا شديدا فأحب الله أن يجعل لحبه علما فأنزل الله هذه الآية وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقي في النار فمن أحب الله ورسوله محبة صادقة من قلبه أوجب له ذلك أن يحب بقلبه ما يحبه الله ورسوله ويكره ما يكرهه الله ورسوله ويرضي ما يرضي الله ورسوله ويسخط ما يسخط الله ورسوله وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض فإن عمل بجوارحه شيئا يخالف ذلك ارتكب بعض ما يكرهه الله ورسوله أو ترك بعض ما يحبه الله ورسوله مع وجوبه والقدرة عليه دل ذلك على نقص محبته الواجبة فعليه أن يتوب من ذلك ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة قال أبو يعقوب النهرجوري كل من ادعي محبة الله تعالى ولم يوافق الله في أمره فدعواه باطل وكل محب ليس يخاف الله فهو مغرور وقال يحيى بن معاذ ليس بصادق من ادعي محبة الله ولم يحفظ حدوده وسئل رويم عن المحبة فقال الموافقة في جميع الأحوال وأنشد ولو قلت لي مت مت سمعا وطاعة وقلت لداعي الموت أهلا ومرحبا ولبعضهم تعصي الإله وأنت تزعم حبه هذا لعمري في القياس شنيع لو كان حبك صادقا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع فجميع المعاصي إنما تنشأ من
390
تقديم هوي النفوس على محبة الله ورسوله وقد وصف الله المشركين باتباع الهوى في مواضع من كتابه فقال تعالى فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله القصص وكذلك البدع إنما تنشأ من تقديم الهوي على الشرع ولهذا يسمي أهلها أهل الأهواء وكذلك المعاصي إنما تقع من تقديم الهوي على محبة الله ورسوله ومحبة ما يحبه وكذلك حب الأشخاص الواجب فيه أن يكون تبعا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فيجب على المؤمن محبة الله ومحبة من يحبه الله من الملائكة والرسل والأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين عموما ولهذا كان من علامات وجوده حلاوة الإيمان أن يحب المرء لا يحبه إلا لله وتحريم موالاة أعداء الله ومن يكرهه الله عموما وقد سبق ذلك في مواضع أخر وبهذا يكون الدين كله لله ومن أحب لله وأبغض لله وأعطي لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان ومن كان حبه وبغضه وعطاؤه ومنعه لهوي نفسه كان ذلك نقصا في إيمانه الواجب فيجب عليه التوبة من ذلك والرجوع إلى اتباع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من تقديم محبة الله ورسوله وما فيه رضا الله ورسوله على هوي النفس ومراداتها كلها قال وهيب بن الورد بلغنا والله أعلم أن موسي عليه السلام قال يارب أوصني قال أوصيك بي قالها ثلاثا حتى قال في الأخري أوصيك بي أن لا يعرض لك أمر إلا آثرت فيه محبتي على ما سواها فمن لم يفعل ذلك لم أزكه ولم أرحمه والمعروف في استعمال الهوي عند الإطلاق أنه الميل إلى خلاف الحق كما في قوله تعالى ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ص وقال تعالى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى النازعات وقد يطلق الهوي بمعنى المحبة والميل مطلقا فيدخل فيه الميل إلى الحق وغيره وربما استعمل بمعنى محبة الحق خاصة والانقياد إليه وسئل صفوان بن عسال هل سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يذكر الهوي فقال سأله أعرابي عن الرجل يحب القوم ولم يلحق بهم قال المرء مع من أحب ولما نزل قوله تعالى ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء الأحزاب قالت عائشة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ما أرى ربك إلا يسارع في هواك وقال عمر في قصة المشاورة في أساري بدر فهوى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال أبو بكر ولم يهو ما قلت وهذا الحديث مما جاء في استعمال الهوي بمعنى المحبة المحمودة وقد وقع مثل ذلك في الآثار الإسرائيلية كثيرا وكلام مشايخ القوم وإشاراتهم نظما ونثرا يكثر في هذا الاستعمال وممايناسب معنى الحديث من ذلك قول بعضهم إن هواك الذي بقلبي صيرني سامعا مطيعا أخذ قلبي وغمض عيني سلبتني النوم والهجوعا فذر فؤادي وخذ رقادي فقال لا بل هما جميعا الحديث الثاني والأربعون سعة مغفرة الله تعالى عن أنس بن مالك رضي عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قال الله تعالى يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ياابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح
391
هذا الحديث تفرد به الترمذي خرجه من طريق كثير بن فائدة حدثنا سعيد بن عبيد سمعت بكر بن عبدالله المزني يقول حدثنا أنس فذكره قال و حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه انتهى وإسناده لا بأس به وسعيد بن عبيد هو الهنائي قال أبو حاتم شيخ وذكره ابن حبان في الثقات ومن زعم أنه غير الهنائي فقد وهم وقال الدارقطني تفرد به كثير بن فائدة عن سعيد مرفوعا ورواه مسلم بن قتيبة عن سعيد بن عبيد فوقفه أنس قلت قد روى عنه مرفوعا وموقوفا وتابعه على رفعه أبو سعيد أيضا مولي بني هاشم فرواه عن سعيد بن عبيد مرفوعا أيضا وقد روى أيضا من حديث ثابت عن أنس مرفوعا ولكن قال أبو حاتم هو منكر وقد روى أيضا عن سعيد بن عبيد مرفوعا أيضا من حديث أبي ذر خرجه الإمام أحمد من رواية شهر بن حوشب عن معديكرب عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرويه عن ربه تعالى فذكره بمعناه ورواه بعضهم عن شهر عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي ذر و قيل عن شهر عن أم الدرداء عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح هذا القول وروى من حديث ابن عباس خرجه الطبراني من رواية قيس بن الربيع عن جيد بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس
392
عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وروى بعضه من وجوه أخر فخرج مسلم في صحيحه من حديث معرور بن سويد عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال يقول الله تعالى من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بقرابها مغفرة وخرج الإمام أحمد من رواية أخشن السدوسي قال دخلت على أنس فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول والذي نفسي بيده لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض ثم استغفرتم الله لغفر لكم وقد تضمن حديث أنس المبدوء بذكره أن هذه الأسباب الثلاثة يحصل بها المغفرة أحدها الدعاء مع الرجاء فإن الدعاء مأمور به وموعود عليه بالإجابة كما قال تعالى وقال ربكم ادعوني أستجب لكم غافر وفي السنن الأربعة عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إن الدعاء هو العباده ثم تلا هذه الآية وفي حديث آخر خرجه الطبراني مرفوعا من أعطي الدعاء أعطي الإجابة لأن الله تعالى يقول ادعوني أستجب لكم وفي حديث آخر ما كان الله ليفتح على عبد باب الدعاء ويغلق عنه باب الإجابة لكن الدعاء سبب مقتض للإجابة مع استكمال شرائطه وانتفاء موانعه وقد تتخلف الإجابة لانتفاء بعض شروطه أو وجود بعض موانعه وآدابه وقد سبق ذكر بعض شرائطه وموانعه وآدابه في شرح الحديث العاشر ومن أعظم شرائطه حضور القلب ورجاء الإجابة من الله تعالى كما خرجه الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة وإن الله تعالى لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه وفي المسند عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إن هذه القلوب أوعية فبعضها أوعي من بعض فإذا سألتم الله فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة فإن الله لا يستجيب لعبد دعاء من مظهر قلب غافل ولهذا نهى العبد أن يقول في دعائه الله م اغفر لي إن شئت ولكن ليعزم المسألة فإن الله لا مكره له ونهي أن يستعجل ويترك الدعاء لاستبطاء الإجابة وجعل ذلك من موانع الإجابة حتى لا يقطع العبد رجاءه من إجابة دعائه ولو طالت المدة فإنه سبحانه يحب الملحين في الدعاء وجاء في الآثار إن العبد إذا دعا ربه وهو يحبه قال ياجبريل لا تعجل بقضاء حاجة عبدي فإني أحب أن أسمع صوته وقال تعالى وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين الأعراف فما دام العبد يلح في الدعاء ويطمع في الإجابة من غير قطع الرجاء فهو قريب من الإجابة ومن أدمن قرع الباب يوشك أن يفتح له وفي صحيح الحاكم عن أنس مرفوعا لا تعجزوا عن الدعاء فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد ومن أهم ما يسأل العبد ربه مغفرة ذنوبه وما يستلزم ذلك كالنجاةمن النار ودخول الجنة وقد قا ل ا لنبي صلى الله عليه وآله وسلم حولها
393
ندندن يعني حول سؤال الجنة والنجاة من النار وقال أبو مسلم الخولاني ما عرضت لي دعوة فذكرت النار إلا صرفتها إلى الاستعاذة منها ومن رحمة الله تعالى بعبده أن العبد يدعوه بحاجه من الدنيا فيصرفها عنه يعوضه خيرا منها إما أن يصرف عنه بذلك سوءا أو يدخرها له في الآخرة أو يغفر له بها ذنبا كما في المسند والترمذى من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من أحد يدعو بدعاء إلا آتاه الله ماسأل أو كف عنه من السوء مثله ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم وفي المسند وصحيح الحاكم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال مامن مسلم يدعو بدعوة ليس له فيها إثم أو قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدي ثلاث إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخرها له في الآخرة وإما أن يكشف عنه من السوء مثلها قالوا إذا نكثر قال الله أكثر وخرجه الطبراني وعنده أويغفر له بها ذنبا قد سلف بدل قوله أو يكشف عنه من السوء مثلها وخرج الترمذي من حديث عبادة مرفوعا نحو حديث أبي سعيد أيضا وبكل حال فالإلحاح بالدعاء بالمغفرة مع رجاء الله تعالى موجب للمغفرة و الله تعالى يقول أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ماشاء وفي رواية فلا تظنوا بالله إلا خيرا ويروى من حديث سعيد بن جبير عن ابن عمر مرفوعا يأتي الله بالمؤمن يوم القامة فيقربه حتى يجعله في حجابه من جميع الخلق فيقول له أقرأ فيعرفه ذنبا ذنبا أتعرف أتعرف فيقول نعم نعم ثم يلتفت العبد يمنة ويسرة فيقول الله تعالى لا بأس عليك ياعبدي أنت في ستري من جميع خلقي ليس بيني وبينك اليوم أحد يطلع على ذنوبك غيري غفرتها لك بحرف واحد من جميع ما أتيتني به قال ماهو يارب قال كنت لا ترجو العفو من أحد غيري فمن أعظم أسباب المغفرة أن العبد إذا أذنب ذنبا لم يرج مغفرته من غير ربه ويعلم أنه لا يغفر الذنوب ويأخذ بها غيره وقد سبق ذكر ذلك في شرح حديث أبي ذر ياعبادي إني حرمت الظلم على نفسي وقوله إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي يعني على كثرة ذنوبك وخطاياك ولا يتعاظمني ذلك ولا أستكثره وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إذا دعا أحدكم فليعظم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء فذنوب العبد وإن عظمت فإن عفو الله ومغفرته أعظم منها وأعظم فهي صغيرة في جنب عفو الله ومغفرته وفي صحيح الحاكم عن جابر أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول واذنوباه مرتين أو ثلاثا فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم قل الله م مغفرتك أوسع من ذنوبي ورحمتك أرجي عندي من عملي فقالها ثم قال له عد فعاد ثم قال له عد فعاد له قم قد غفر الله لك وفي هذا المعنى يقول بعضهم ياكبير الذنب عفو الله من ذنبك أكبر أعظم الأشياء في جانب عفو الله تغفر
394
وقال آخر يارب إن عظمت ذنوني كثرة فلقد علمت بأن عفوك أعظم إن كان لا يرجوك إلا محسن فمن ذا الذي يدعو ويرجو المجرم مالي إليك وسيلة إلا الرجا وجميل عفوك ثم إني مسلم السبب الثاني للمغفرة الاستغفار ولو عظمت الذنوب وبلغت الكثرة عنان السماء وهو السحاب وقيل ما انتهى إليه البصر منها وفي الرواية الأخري لو أخطأتم حتى بلغت خطاياكم ما بين السماء والأرض ثم استغفرتم الله لغفر لكم والاستغفار طلب المغفرة والمغفرة هي وقاية شر الذنوب مع سترها وقد كثر في القرآن ذكر الاستغفار فتارة يؤمر به كقوله تعالى واستغفروا الله إن الله غفور رحيم المزمل وقوله وان استغفروا ربكم ثم توبوا إليه هود وتارة يمدح أهله كقوله تعالى والمستغفرين بالأسحار آل عمران وقوله تعالى والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلمموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله آل عمران وتارة يذكر أن الله يغفر لمن استغفره كقوله تعالى ومن يعمل سوء أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما النساء وكثيرا ما يقرن الاستغفار بذكر التوبة فيكون الاستغفار حينئذ عبارة عن طلب المغفرة باللسان والتوبة عبارةعن الإقلاع من الذنوب بالقلوب والجوارح وتارة يفرد الاستغفار ويرتب عليه المغفرة كما ذكر في هذا الحديث وما أشبهه فقد قيل إنه أريد به الاستغفار المقترن بالتوبة وقيل إن نصوص الاستغفار كلها المفردة مطلقة تقيد بما ذكر في آية آل عمران من عدم الإصرار فإن الله وعد فيها بالمغفرة لمن استغفره من ذنوبه ولم يصر على فعله فتحمل النصوص المطلقة في الاستغفار كلها على هذا القيد ومجرد قول القائل اللهم اغفر لي طلب منه للمغفرة ودعاء بها فيكون حكمه حكم سائر الدعاء فإن شاء الله أجابه وغفر لصاحبه لاسيما إذا خرج عن قلب منكسر بالذنوب أو صادف ساعة من ساعات الإجابة كالأسحار وأدبار الصلوات ويروى عن لقمان أنه قال لابنه يابني عود لسانك الله م اغفر لي فإن لله ساعات لا يرد فيها سائلا وقال الحسن أكثروا من الاستغفار في بيوتكم وعلي موائدكم وفي طرقكم وفي أسواقكم وفي مجالسكم وأينما كنتم فإنكم ما تدرون متي تنزل المغفرة وخرج ابن أبي الدنيا في كتاب حسن الظن من حديث أبي هريرة مرفوعا بينما رجل مستلق إذ نظر إلى السماء وإلي النجوم فقال إني لأعلم أن لك ربا خالقا الله م اغفر لي فغفر له وعن مورق قال كان رجل يعمل السيئات فخرج إلى البرية فجمع ترابا فاضطجع مستلقيا عليه فقال ربي اغفر لي ذنوبي فقال إن هذا ليعرف أن له ربا يغفر ويعذب فغفر له وعن مغيث بن سمي قال بينما رجل خبيث فتذكر يوما فقال الله م غفرانك الله م غفرانك ثم مات فغفر له ويشهد لهذا ما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن عبدا أذنب فقال رب
395
أذنبت ذنبا فاغفر لي قال الله تعالى علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به غفرت لعبدي ثم مكث ما شاء الله ثم أذنب ذنبا آخر فذكر مثل الأول مرتين أخرتين وفي رواية لمسلم أنه قال في الثالثة قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء والمعنى مادام على هذا الحال كلما أذنب استغفر والظاهر أن مراده الاستغفار المقرون بعدم الإصرار ولهذا في حديث أبي بكر الصديق عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة خرجه أبو داود والترمذى والاستغفار باللسان مع إصرار القلب على الذنب فهو دعاء مجرد إن شاء الله أجابه وإن شاء رده وقد يكون الإصرار مانعا من الإجابة وفي المسند من حديث عبدالله بن عمر مرفوعا ويل للذين يصرون على ما فعلوا وهم يعملون وخرج ابن أبي الدنيا من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا التائب من الذنب كمن لا ذنب له والمستغفر من ذنب وهو مقيم عليه كالمستهزي بربه ورفعه منكر ولعله موقوف قال الضحاك ثلاثة لا يستجاب لهم فذكر منهم رجلا مقيما على امرأة زنا قضي منها شهوته قال رب اغفر لي ما أصبت من فلانة فيقول الرب تحول عنها وأغفر لك وأما ما دمت عليها مقيما فإني لا أغفر لك ورجلا عنده مال قوم يري أهله فيقول رب اغفرلي ما آكل من فلان فيقول تعالى رد إليهم مالهم وأغفر لك وأما ما لم ترد إليهم فلا أغفر لك وقول القائل أستغفر الله معناه أطلب مغفرته فهو كقوله الله م اغفر لي فالاستغفار التام الموجب للمغفرة هو ما قارن عدم الإصرار كما مدح الله تعالى أهله ووعدهم بالمغفرة قال بعض العارفين من لم يكن ثمرة استغفاره تصحيح توبته فهو كاذب في استغفاره وكان بعضهم يقول استغفارنا هذا يحتاج إلى استغفار كثير وفي ذلك يقول بعضهم أستغفر الله من أستغفر الله من لفظة بدرت خالفت معناها وكيف أرجو إجابات الدعاء وقد سددت بالذنب عند الله مجراها فأفضل الاستغفار ما قرن به ترك الإصرار وهو حينئذ يؤمل توبة نصوحا وإن قال بلسانه أستغفر الله وهو غير مقلع بقلبه فهو داع لله بالمغفرة كما يقول الله م اغفر لي وهو حسن وقد يرجي له الإجابة وأما من تاب توبة الكذابين فمراده أنه ليس بتوبة كما يعتقده بعض الناس وهذا حق فإن التوبة لا تكون مع الإصرار وإن قال أستغفر الله وأتوب إليه فله حالتان إحداهما أن يكون مصرا بقلبه على المعصية فهو كاذب في قوله وأتوب إليه لأنه غير تائب فلا يجوز له أن يخبر عن نفسه بأنه تائب وهو غير تائب والثانية أن يكون مقلعا عن المعصية بقلبه فاختلف الناس في جواز قوله وأتوب إليه فكرهه طائفة من السلف وهو قول أصحاب أبي حنيفة حكاه عنهم الطحاوي وقال الربيع بن خيثم يكون قوله وأتوب إليه كذبة وذنبا ولكن ليقل الله م إني أستغفرك فتب علي وهذا قد يحمل على من لم يقلع بقلبه وهو بحاله
396
أشبه وكان محمد بن سوقة يقول في استغفاره استغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأسأله توبة نصوحا وروى عن حذيفة أنه قال يحسب من الكذب أن يقول أستغفر الله ثم يعود وسمع مطرف رجلا يقول أستغفر الله وأتوب إليه فتغيظ عليه وقال لعلك لا تفعل وهذا ظاهره يدل على أنه إنما كره أن يقول وأتوب إليه لأن التوبة النصوح أن لا يعود إلى الذنب أبدا فمتي عاد إليه كان كاذبا في قوله وأتوب إليه وكذلك سئل محمد بن كعب القرظي عمن عاهد الله أن لا يعود إلى معصيةأبدا فقال من أعظم منه إثما يتألي على الله أن لا ينفذ فيه قضاءه ورجح قوله في هذا أبو الفرج بن الجوزي وروى عن سفيان بن عيينة نحو ذلك وجمهور العلماء على جواز أن يقول التائب أتوب إلى الله وأن يعاهد العبد ربه على أن لا يعود إلى المعصية فإن العزم على ذلك واجب عليه في الحال لهذا قال ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة وقال في المعاود للذنب قد غفرت لعبدي فليعمل ماشاء وفي حديث كفارة المجلس أستغفرك اللهم وأتوب إليك وقطع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدي سارق ثم قال له استغفر الله وتب إليه فقال أستغفر الله وأتوب إليه فقال اللهم تب عليه خرجه أبو داود واستحب جماعة من السلف الزيادة على قوله أستغفر الله وأتوب إليه فروى عن عمر رضي الله عنه أنه سمع رجلا يقول أستغفر الله وأتوب إليه فقال له قل ياحميق قل توبة من لا يملك لنفسه نفغا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا وسئل الأوزاعي عن الاستغفار يقول أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه فقال إن هذا لحسن ولكن يقول رب اغفرلي حتى يتم الاستغفار وأفضل أنواع الاستغفار أن يبدأ العبد بالثناء على ربه ثم يثني بالاعتراف بذنبه ثم يسأل الله المغفرة كمافي حديث شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال سيد الاستغفار أن يقول العبد الله م أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لايغفر الذنوب إلا أنت خرجه البخاري وفي الصحيحين عن عبدالله بن عمرو أن أبا بكر الصديق قال يارسول الله علمني دعاء أدعوبه في صلاتي قال قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم ومن أنواع الاستغفار أن يقول العبد أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه وقد روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن من قاله غفر له وإن كان فر من الزحف خرجه أبو داود والترمذى وفي كتاب اليوم والليلة للنسائي عن خباب بن الأرت قال قلت يارسول الله كيف نستغفر قال قل الله م اغفر لنا وارحمنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم وفيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال مارأيت أحدا أكثر أن يقول أستغفر الله وأتوب إليه من رسول الله صلى عليه وآله وسلم
397
وفي الأربعة عن ابن عمر قال إن كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة يقول رب اغفر لي وتب على إنك أنت التواب الغفور وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة وفي صحيح مسلم عن الأغر المزني عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة وفي المسند عن حذيفة قال قلت يارسول الله إني ذرب اللسان وإن عامة ذلك على أهلي فقال أين أنت من الاستغفار إني لأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة وفي سنن أبي داود عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقة من حيث لا يحتسب قال أبو هريرة إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم ألف مرة وذلك على قدر ديتي وقالت عائشة رضي الله عنها طوبي لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا قال أبو المنهال ما جاور عبد في قبره من جار أحب إليه من استغفار كثير وبالجملة فدواء الذنوب الاستغفار وروينا من حديث أبي ذر مرفوعا إن لكل داء دواءا وإن دواء الذنوب الاستغفار قال قتادة إن هذا القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم فأما داؤكم فالذنوب وأما دواؤكم فالاستغفار وقال بعضهم إنما معول المذنبين البكاء والاستغفار فمن أهمته ذنوبه أكثر لها من الاستغفار قال رباح القيسي لي نيف وأربعون ذنبا قد استغفرت الله لكل ذنب مائة ألف مرة وحاسب بعضهم نفسه من وقت بلوغه فإذا زلاته لا تجاوز ستا وثلاثين فاستغفر الله لكل زلة مائة ألف مرة وصلي لكل زلة ألف ركعة وختم في كل ركعة منها ختمة قال ومع ذلك فإني غير آمن من سطوة ربي أن يأخذني بها فأنا على خطر من قبول التوبة ومن زاد اهتمامه بذنوبه فربما تعلق بأذيال من قلت ذنوبة فالتمس منهم الاستغفار وكان عمر يطلب من الصبيان الاستغفار ويقول إنكم لم تذنبوا وكان أبو هريرة يقول لغلمان الكتاب قولوا الله م اغفر لأبي هريرة فيؤمن على دعائهم قال بكر المزني لو كان رجل يطوف على الأبواب كما يطوف المسكين يقول استغفروا لي لكان قبوله أن يفعل ومن كثرت ذنوبه وسيئاته حتى فاقت العدد والإحصاء فليستغفر الله مما علم فإن الله قد علم كل شيء وأحصاه كما قال تعالى يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه وفي حديث شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم وأستغفرك لما تعلم إنك أنت علام الغيوب وفي مثل هذا يقول بعضهم أستغفر الله مما يعلم الله إن الشقي لمن لا يرحم الله ما أحلم الله عمن لا يراقبه كل مسيء ولكن يحلم الله فاستغفر الله مما كان من زلل طوبي لمن كف عما يكره الله
398
طوبي لمن حسنت منه سريرته طوبي لمن ينهي عما نهى الله السبب الثالث من أسباب المغفرة التوحيد وهو السبب الأعظم فمن فقدة فقد المغفرة ومن جاء به فقد أتي بأعظم أسباب المغفرة قال الله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء النساء فمن جاء مع التوحيد بقراب الأرض وهو ملؤها أو ما يقارب ملأها خطايا لقيه الله بقرابها مغفرة لكن هذا مع مشيئة الله عز وجل فإن شاء غفر له وإن شاء أخذه بذنوبه ثم كان عاقبته أن لا يخلد في النار بل يخرج منها ثم يدخل الجنة قال بعضهم الموحد لا يلقي في النار كما يلقي الكفار ولا يبقي فيها كما يبقي الكفار فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله فيه وقام بشروطه كلها بقلبه ولسانه وجوارحه أو بقلبه ولسانه عند الموت أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها ومنعه من دخول النار بالكلية فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه أخرجت منه كل ما سوي الله محبة وتعظيما وإجلالا ومهابة وخشية ورجاء وتوكلا وحينئذ تحرق ذنوبه وخطاياه كلها ولو كانت مثل زبد البحر وربما قلبتها حسنات كما سبق ذكره في تبديل السيئات حسنات فإن هذا التوحيد هو الإكسير الأعظم فلو وضع منه ذرة على جبال الذنوب والخطايا لقلبها حسنات كما في المسند وغيره عن أم هانئ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لا إله إلا الله لا تترك ذنبا ولا يسبقها عمل وفي المسند عن شداد بن أوس وعبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأصحابه ارفعوا أيديكم وقولوا لا إله إلا الله فرفعنا أيدينا ساعة ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده ثم قال الحمد لله اللهم بعثتني بهذه الكلمة وأمرتني بها ووعدتني الجنة عليها وإنك لاتخلف الميعاد ثم قال أبشروا فإن الله قد غفر لكم قال الشبلي من ركن إلى الدنيا أحرقته بنارها فصار رمادا تذوره الرياح ومن ركن إلى الآخرة أحرقته بنورها فصار ذهبا أحمر ينتفع به ومن ركن إلى الله أحرقه نور التوحيد فصار جوهرا لا قيمة له إذا علقت نار المحبة بالقلب أحرقت منه كل شيء ما سوي الرب عز وجل فطهر القلب حينئذ من الأغيار وصلح غرسا للتوحيد ماوسعني سمائي ولاأرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن غصني الشوق إليهم بريقي وا حريقي في الهوي وا حريقي قد رماني الحب في لج بحر فخذوا بالله كف الغريق حل عندي حبكم في شغافي حل مني كل عهد وثيق فهذا آخر ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى من الأحاديث في هذا الكتاب ونحن بعون الله ومشيئته نذكر تتمة الخمسين حديثا من الأحاديث الجامعة لأنواع العلوم والآداب والحكم الموعود بها في أول الكتاب والله الموفق للصواب وهو حسبنا ونعم الوكيل وإليه المآب الحديث الثالث والأربعون عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فلأولي رجل ذكر خرجه البخاري ومسلم
399
هذا الحديث الذي زعم بعض شراح هذه الأربعين أن الشيخ رحمه الله تعالى أغفله فإنه مشتمل على أحكام المواريث وجامع لها وهذا الحديث خرجاه من رواية وهيب وروح ابن القاسم عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس وخرجه مسلم من رواية معمر ويحيى ابن أيوب عن ابن طاوس أيضا وقد رواه الثوري وابن عيينة وابن جريج وغيرهم عن ابن طاوس عن أبيه مرسلا من غير ذكر ابن عباس ورجح النسائي إرساله وقد اختلف العلماء في معنى قوله ألحقوا الفرائض بأهلها فقالت طائفة المراد بالفرائض الفروض المقدرة في كتاب الله تعالى والمراد أعطوا الفرائض المقدرة لمن سماها الله لهم فما بقي بعد هذه الفروض فيستحقه أولي الرجال والمراد بالأولي الأقرب كما يقال هذا يلي هذا أي يقرب منه فأقرب الرجال هو أقرب العصبات فيستحق الباقي بالتعصيب وبهذا المعنى فسر الحديث جماعة من الأئمة منهم الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه نقله عنهما إسحاق بن منصور وعلي هذا فإذا اجتمع بنت وأخت وعم وابن عم أو ابن أخ فينبغي أن يأخذ الباقي بعد نصف البنت العصبة وهذا قول ابن عباس وكان يتمسك بهذا الحديث ويقر بأن الناس كلهم على خلافه وذهبت الظاهرية إلى قوله أيضا وقال إسحاق إذا كان مع البنت والأخت عصبة فالعصبة أولي وإن لم يكن معها أحد فالأخت لها الباقي وحكي عن ابن مسعود أنه قال البنت عصبة
400
من لاعصبة له ورد بعضهم هذا وقال لا يصح عن ابن مسعود وكان ابن الزبير ومسروق يقولان بقول ابن عباس ثم رجعا عنه وذهب جمهور العلماء إلى أن الأخت مع البنت عصبة لها مافضل منهم عمر و على وعائشة وزيد وابن مسعود ومعاذ بن جبل وتابعهم سائر العلماء وروى عبد الرزاق أنبأنا ابن جريج سألت ابن طاوس عن ابنة أخت فقال كان أبي يذكر عن ابن عباس عن رجل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها شيئا وكان طاوس لا يرضي بذلك الرجل قال وكان أبي يشك فيها ولا يقول شيئا وقد كان يسئل عنها والظاهر والله أعلم أن مراد طاوس هو هذا الحديث فإن ابن عباس لم يكن عنده نص صريح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ميراث الأخت البنت إنما كان يتمسك بمثل عموم هذا الحديث وما ذكر طاوس أن ابن عباس رواه عن رجل وأنه لا يرضاه فابن عباس أكثر رواياته للحديث عن الصحابة والصحابة كلهم عدول قد رضي الله عنهم وأثني عليهم فلا عبرة بعد ذلك بعدم رضا طاوس وفي صحيح البخاري عن أبي قيس الأودي عن هرقل بن شرحبيل قال جاء رجل إلى أبي موسي فسأله عن ابنة وابنة ابن وأخت لأب وأم فقال للابنة النصف وللأخت ما بقي ائت ابن مسعود فسيتابعني فأتي ابن مسعود فذكر ذلك له فقال لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين لأقضين فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للابنة النصف ولابنه الابن السدس تكملة الثلثين وما بقي فللأخت قال فأتينا أبا موسي فأخبرناه بقول ابن مسعود فقال لا تسألوني مادام هذا الحبر فيكم وفيه أيضا عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود بن يزيد قال قضي فينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم النصف للابنة والنصف للأخت ثم ترك الأعمش ذكر عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يذكره وخرجه أبو داود من وجه آخر عن الأسود وزاد فيه ونبي الله صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ حي واستدل ابن عباس لقوله بقول الله عز وجل قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك النساء وكان يقول أأنتم أعلم أم الله يعني أن الله لم يجعل لها النصف إلا مع عدم الولد وأنتم تجعلون لها النصف مع الولد وهو البنت والصواب قول عمر والجمهور ولا دلالة في هذه الآية على خلاف ذلك لأن المراد بقوله فلها نصف ما ترك بالفرض وهذا مشروط بعدم الولد بالكلية ولهذا قال بعده فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك النساء يعني بالفرض والأخت الواحدة إنما تأخذ النصف مع عدم وجود الولد الذكر والأنثي فكذلك الأختان فصاعدا إنما يستحقون الثلثين مع عدم وجود الولد الذكر والأنثي فإن كان هناك ولد فإن كان ذكرا فهو مقدم على الإخوة مطلقا ذكورهم وإناثهم وإن لم يكن هناك ولد ذكر بل أنثي فالباقي بعد فرضها يستحقه الأخ مع أخته بالاتفاق فإذا كانت الأخت لا يسقطها أخوها فكيف يسقطها من هو أبعد منه من العصبات كالعم وابنه وإذا لم يكن العصبة الأبعد مسقطا لها فيتعين
401
تقديمها عليه لامتناع مشاركته لها فمفهو م الآية أن الولد يمنع أن يكون للأخت النصف بالفرض وهو حق ليس مفهومها أن الأخت تسقط بالبنت ولا تأخذ ما فضل من ميراثها يدل عليه قوله تعالى وهو يرثها إن لم يكن لها ولد النساء وقد أجمعت الأمة على أن الولد الأنثي لا يمنع الأخ أن يرث من مال أخته ما فضل عن البنت أو البنات وإنما وجود الولد الأثني يمنع أن يحوز الأخ ميراث أخته كله فكما أن الولد إن كان ذكرا منع الأخ من الميراث فإن كان أنثي لم يمنعه الفاضل عن ميراثها وإن منعه حيازة الميراث فكذلك الولد إن كان ذكرا منع الأخت الميراث بالكلية وإن كان أنثي منعت الأخت أن يفرض لها النصف ولم يمنعها أن تأخذ ما فضل عن فرضها والله أعلم وأما قوله فما أبقت الفرائض فلأولي رجل ذكر فقد قيل أن المراد به العصبة البعيد خاصة كبني والأعمام وبنيهم دون العصبة القريب بدليل أن الباقي بعد الفروض يشترك فيه الذكروالأنثي إذا كان العصبة قريبا كالأولاد والإخوة بالاتفاق فكذلك الأخت مع البنت بالنص الدال عليه وأيضا فإنه يخص منه الصورة بالاتفاق وكذلك يخص منه المعتقة مولاة النعمة بالاتفاق فتخص منه صورة الأخت مع البنت بالنص وقالت طائفة أخرى المراد بقوله ألحقوا الفرائض بأهلها ما يستحقه ذوو الفروض في الجملة سواء أخذوه بفرض أو تعصيب طرأ لهم والمراد بقوله فما بقي فلأولي رجل ذكر العصبة الذي ليس له فرض بحال ويدل عليه أنه قد روى الحديث بلفظ آخر وهو اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله فدخل في ذلك كل من كان من أهل الفروض بوجه من الوجوه وعلي هذا فما تأخذه الأخت مع أخيها أو ابن عمها إذا عصبها هو داخل في هذه القسمة لأنها من أهل الفرائض في الجملة فكذلك ما تأخذه الأخت مع البنت وقالت فرقة أخرى المراد بأهل الفرائض في قوله ألحقوا الفرائض بأهلها وقوله اقسموا المال بين أهل الفرائض جملة من سماه الله في كتابه من أهل المواريث من ذوي الفروض والعصبات كلهم فإن كل ما يأخذه الورثة فهو فرض فرضه الله لهم سواء كان مقدرا أو غير مقدر كما قال بعد ذكر ميراث الوالدين والأولاد فريضة من الله النساء وفيهم ذو فرض وعصبة وكما قال للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا النساء وهذا يشمل العصبات وذوي الفروض فذلك قوله اقسموا الفرائض بين أهلها على كتاب الله يشمل قسمته بين ذوي الفروض والعصبات على مافي كتاب الله فإن قسم على ذلك فضل منه شيء فنخص بالفاضل أقرب الذكور من الورثة ولذلك إن لم يوجد في كتاب الله تصريح بقسمته بين من سماه الله من الورثة فيكون المال حينئذ لأولي رجل ذكر منهم فهذا الحديث مبين لكيفية قسمة المواريث المذكورة في كتاب الله بين أهلها ومبين لقسمة ما فضل من المال عن تلك القسمة مما لم يصرح به القرآن من أحوال أولئك الورثة
402
وأقسامهم ومبين أيضا لكيفية توريث بقية العصبات الذين لم يصرح بتسميتهم في القرآن فإذا ضم هذا الحديث إلى آيات القرآن انتظم ذلك كله معرفة قسمة المواريث بين جميع ذوي الفروض والعصبات ونحن نذكر حكم توريث الأولاد والوالدين كما ذكره الله تعالى في أول سورة النساء حكم توريث الإخوة من الأبوين أو من الأب كما ذكره الله تعالى في آخر السورة المذكورة فأما الأولي فقد قال الله تعالى يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين النساء فهذا حكم اجتماع ذكورهم وإناثهم أن يكون للذكر مثل حظ الأنثيين يدخل في ذلك الأولاد وأولاد البنين باتفاق العلماء فمتي اجتمع من الأولاد إخوة وأخوات اقتسموا الميراث على هذا الوجه عند الأكثرين فلو كان هناك بنت للصلب أو ابنتان وكان هناك ابن ابن مع أخته اقتسما الباقي أثلاثا لدخولهم في هذا العموم هذا قول جمهور العلماء منهم عمر رضي الله عنه وعلي رضي الله عنه وزيد رضي الله عنه وابن عباس رضي الله عنه وذهب إليه عامة العلماء والأئمة الأربعة وذهب ابن مسعود إلى أن الباقي بعد استكمال بنات الصلب الثلثين كله لابن ابن ولا يعصب أخته وهو قول علقمة وأبي ثور وأهل الظاهر فلا يعصب الولد عندهم أخته إلا أن يكون لها فريضة لو انفردت عنه وكذلك قالوا فيما إذا كان هناك بنت وأولاد ابن ذكور وإناث أن الباقي لجميع ولد الابن للذكر مثل حظ الأنثيين وقال ابن مسعود في بنت وبنات ابن وبني ابن للبنت النصف والباقي بين ولد الابن للذكر مثل حظ الأنثيين إلا أن تزيد المقاسمة بنات الابن على السدس فيفرض لهن السدس ويجعل الباقي لبني الابن وهذا قول أبي ذر وأما الجمهور فقالوا النصف الباقي لولد الابن للذكر مثل حظ الأنثيين عملا بعموم الآية وعندهم أن الولد وإن ترك يعصب من في درجته بكل حال سواء كان للأنثي فرض بدونه أو لم يكن لايعصب من هو أعلي منه من الإناث إلا بشرط أن لا يكون له فرض بدونه ولا يعصب من أسفل منه بكل حال ثم قال تعالى فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف فهذا حكم انفراد الإناث من الأولاد أن للواحدة النصف و لما فوق الأنثيين الثلثان ويدخل في ذلك بنات الصلب وبنات الابن عند عدمهن فإن اجتمعن فإن استكمل بنات الصلب الثلثين فلا شيء لبنات الابن المنفردات وإن لم يستكمل البنات الثلثين بل كان ولد الصلب بنتا واحدة ومعها بنات ابن فللبنت النصف ولبنات الابن السدس تكملة الثلثين لئلا يزيد فرض البنات على الثلثين وبهذا قضي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث ابن مسعود الذي تقدم ذكره وهو قول عامة العلماء إلا ما روى عن ابن مسعود وسلمان بن ربيعة أنه لا شيء لبنات الابن وقد رجع أبو موسي إلى قوله ابن مسعود لما بلغه قوله في ذلك وإنما أشكل على العلماء حكم ميراث البنتين فإن لهما الثلثين بالإجماع كما حكاه ابن المنذر وغيره وما حكي فيه عن ابن عباس أن لهما النصف فقد قيل إن إسناده لا يصح والقرآن يدل على
403
خلافه حيث قال وإن كانت واحدة فلها النصف فكيف تورث أكثر من واحدة النصف وحديث ابن مسعود في توريث البنت النصف وبنت الابن السدس تكملة الثلثين يدل على توريث البنت الثلثين بطريق الأولي وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذى من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه و آله وسلم ورث ابنتي سعد بن الربيع الثلثين ولكن أشكل فهم ذلك من القرآن لقوله تعالى فإن كن نساء فوق اثنتين النساء فلهذا اضطربت الناس في هذا وقال كثير من الناس فيه أقوالا متعددة ومنهم من قال استفيد حكم ميراث الابنتين من ميراث الأختين فإنه قال تعالى فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك النساء واستفيد حكم ميراث أكثر من الأختين من حكم ميراث ما فوق الاثنتين ومنهم من قال البنت مع أخيها لها الثلث بنص القرآن فلأن يكون لها الثلث مع أختها أولي وسلك بعضهم مسلكا آخر وهو أن الله تعالى ذكر حكم توريث اجتماع الذكور والإناث من الأولاد وذكر حكم توريث الإناث إذا انفردن عن الذكور ولم ينص على حكم انفراد الذكور منهم عن الإناث وجعل حكم الاجتماع أن الذكر له مثل حظ الأنثتين فإن اجتمع مع الابن ابنتان فصاعدا فله مثل نصيب اثنتين منهن وإن لم يكن معه إلا ابنة واحدة فله الثلثان ولها الثلث وقد سمي الله ما يستحقه الذكر حظ الانثيين مطلقا وليس الثلثان حظ الأنثيين في حال اجتماعهما مع الذكر لأن حظهما حينئذ النصف فتعين أن يكون الثلثان حظهما حال الانفراد وبقي هاهنا قسم ثالث لم يصرح القرآن بذكره وهو حكم انفراد الذكور من الولد وهذا مما يمكن إدخاله في حديث ابن عباس فما بقي فلأولي رجل ذكر فإن هذا القسم قد بقي ولم يصرح بحكمه في القرآن فيكون المال حينئذ لأقرب الذكور من الولد والأمر على هذا فإنه لو اجتمع ابن وابن الابن لكان المال كله للابن ولو كان ابن ابن وابن ابن ابن لكان المال كله لابن الابن على مقتضي حديث ابن عباس رضي الله عنهما والله أعلم ثم ذكر تعالى حكم ميراث الأبوين فقال ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد النساء فهذا حكم ميراث الأبوين إذا كان الولد المتوفي ولدا وسواء في الولد الذكر والأنثي وسواء فيه ولد الصلب وولد الابن هذا كالإجماع من العلماء وقد حكي بعضهم عن مجاهد خلافا فيه فمتي كان للميت ولد أو ولد ابن وله أبوان فلكل واحد من أبويه السدس فرضا ثم إن كان الولد ذكرا فالباقي بعد سدس الأبوين له وربما دخل هذا في قوله صلى الله عليه وآله وسلم ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولي رجل ذكر وأقرب العصبات الابن وإن كان الولد أنثي فإن كانتا اثنتين فصاعدا فالثلثان لهن ولا يفضل من المال شيء وإن كانت بنتا واحدة فلها النصف ويفضل من المال سدس آخر فيأخذه الأب بالتعصيب عملا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولي رجل ذكر فهو أولي رجل ذكر عند فقد الابن إذ هو أقرب من الأخ وابنه والعم وابنه ثم قال تعالى فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث
404
النساء يعني إذا لم يكن للميت ولد وله أبوان يرثانه فلأمه الثلث فيفهم من ذلك أن الباقي بعد الثلث للأب لأنه أثبت ميراثه لأبويه وخص الأم من الميراث بالثلث فعلم أن الباقي للأب ولم يقل فللأب مثلا ما للأم لئلا يوهم أن اقتسامهما المال هو بالتعصيب كالأولاد والأخوة إذا كان فيهم ذكور وإناث وكان ابن عباس يتمسك بهذه الآية بقوله في المسألتين الملقبتين بالعمريتين وهما زوجة وأبوان فإن عمر قضي أن الزوجين يأخذان فرضهما من المال وما بقي فرضهما في المسئلتين فللأم ثلث والباقي للأب وتابعه على ذلك جمهور الأمة وقال ابن عباس بل للأم الثلث كاملا تمسكا بقوله تعالى فإن لم يكن له ولد و ورثة أبواه فلأمه الثلث النساء وقد قيل في جواب هذا إن الله إنما جعل للأم الثلث بشرطين أحدهما أن لا يكون للولد المتوفي ولد والثاني أن يرثه أبواه أي أن ينفرد أبواه بميراثه فما لم ينفرد أبواه بميراثه فلا تستحق الأم الثلث وإن لم يكن للمتوفي ولد وقد يقال وهو أحسن إن قوله وورثه أبواه فلأمه الثلث أي مما ورثه الأبوان ولم يقل فلأمه الثلث مما ترك كما قال في السدس فالمعنى أنه إذا لم يكن له ولد وكان لأبويه من ماله ميراث فللأم ثلث ذلك الميراث الذي يختص به الأبوان ويبقي الباقي للأب ولهذا السر والله أعلم حيث ذكر الله الفروض المقدرة لأهلها قال فيها مما ترك أو ما يدل على ذلك كقوله تعالى من بعد وصية يوصي بها أو دين النساء ليبين أن ذا الفرض حقه ذلك الجزء المفروض المقدر له من جميع المال بعد الوصايا والديون وحيث ذكر ميراث العصبات أو ما يقتسمه الذكور والإناث على وجه التعصيب كالأولاد والإخوة لم يقيده بشيء من ذلك ليبين أن المال المقتسم بالتعصيب ليس هو المال كله بل تارة يكون جميع المال وتارة يكون هو الفاضل عن الفروض المفروضة المقدرة وهنا لما ذكر ميراث الأبوين من ولدهما الذي لا ولد له ولم يكن اقتسامهما المال بالفرض المحض كما في ميراثهما مع الولد ولاكان بالتعصيب المحض الذي يعصب فيه الذكر والأنثي ويأخذ مثلي ما تأخذه الأنثي بل كانت الأم تأخذ ما تأخذه بالفرض والأب يأخذ ما يأخذه بالتعصيب قال وورثه أبواه فلأمه الثلث النساء يعني أن القدر الذي يستحقه الأبوان من ميراثه تأخذ الأم ثلثه فرضا والباقي يأخذه الأب بالتعصيب وهذا مما فتح الله به ولا أعلم أحدا سبق إليه ولله الحمد والمنة ثم قال تعالى فإن كان له إخوة فللأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين النساء يعني للأم السدس مع الأخوة من جميع التركة الموروثة التي تقسمها الورثة ولم يذكر هنا ميراث الأب مع الأم ولا شك أنه إذا اجتمع أم وإخوة ليس معهم أب فإن للأم السدس والباقي للإخوة ويحجبها الأخوان فصاعدا عند الجمهور وأما إن كان مع الأم والإخوة أب فقال الأكثرون يحجب الإخوة الأب ولا يرثون وروى عن ابن عباس أنهم يرثون السدس الذي حجبوا عنه الأم بالفرض كما يرث ولد الأم مع الأم بالفرض وقد قيل إن هذا مبني على قوله إن
405
الكلالة من لا ولد له خاصة ولا يشترط للكلالة فقد الوالد فيرث الإخوة مع الأب بالفرض ومن العلماء المتأخرين من قال إذا كان الإخوة محجوبين بالأب فلا يحجبون الأم عن شيء بل لها حينئذ الثلث ورجحه الإمام أبو العباس بن تيمية وقد يؤخذ من عموم قول عمر وغيره من السلف من لا يرث عولا لا يحجب وقد قال نحوه أحمد الخرقي لكن أكثر العلماء يحملون ذلك على أن المراد من ليس له أهلية بالكلية كالكافر والرقيق دون من لايرث لإحجابه بمن هو أقرب منه والله أعلم وقد يشهد للقول بأن الإخوة إذا كانوا محجوبين لا يحجبون الأم أن الله تعالى قال فإن كان له إخوة فلأمه السدس النساء ولم يذكر الأب فدل على أن ذلك حكم انفراد الأم مع الإخوة فيكون الباقي بعد السدس كله لهم وهذا ضعيف فإن الإخوة قد يكونون من أم فلا يكون لهم سوي الثلث والله أعلم اعلم أن الله تعالى ذكر حكم ميراث الأبوين ولم يذكر الجد ولا الجدة فأما الجدة فقد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه وعمر بن الخطاب رضي الله عنه إنه ليس لهما في كتاب الله شيء وقد حكي بعض العلماء الإجماع على ذلك وأن فرضها إنما ثبت بالسنة وقيل إن السدس طعمة أطعمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس بفرض كذا روى عن ابن مسعود وسعيد بن المسيب وقد روى عن ابن عباس من وجوه فيها ضعف أنها بمنزلة الأم عند فقد الأم ترث ميراث الأم فترث الثلث تارة والسدس أخرى وهذا شذوذ ولا يصح إلحاق الجدة بالجد لأن الجد عصبة يدلي بعصبة والجدة ذات فرض تدلي بذات فرض فضعفت وقد قيل إنه ليس لها فرض بالكلية وإنما السدس طعمة أطعمها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولهذا قالت طائفة ممن يري الرد على ذوي الفروض إنه لا يرد على الجدة لضعف فرضها وهو رواية عن أحمد وأما الجد فاتفق العلماء على أنه يقوم مقام الأب في أحواله المذكورة من قبل فيرث مع الولد السدس بالفرض ومع عدم الولد يرث بالتعصيب وإن بقي شيء مع إناث الولد أخذه بالتعصيب أيضا عملا بقوله فما أبقت الفرائض فلأولي رجل ذكر ولكن اختلفوا إذا اجتمع أم وجد مع أحد الزوجين فروى عن طائفة من الصحابة أن للأم ثلث الباقي كما لو كان معها الأب كما سبق وروى ذلك عن عمر وابن مسعمود كذا نقله بعضهم ومنهم من قال إنما روى عن عمر وابن مسعود في زوج وأم وجد أن للأم ثلث الباقي وروى عن ابن مسعود رواية أخرى أن النصف الفاضل بين الجد والأم نصفان وأما في زوجة وأم وجد فروى عن ابن مسعود رواية شاذة إن للأم ثلث الباقي والصحيح عنه كقول الجمهور إن لها الثلث كاملا وهذا يشبه تفريق ابن سيرين في الأم مع الأب أنه إن كان معهما زوج للأم الثلث وجمهور العلماء على أن الأم لها الثلث مع الجد مطلقا وهو قول على وزيد وابن عباس والفرق
406
بين الأم مع الأب والجد أنها مع الأب شملها اسم واحد وهما في القرب سواء إلى الميت فيأخذ الذكر منهما مثل حظ الأنثيين كالأولاد والإخوة وأما الأم مع الجد فليس يشملها اسم واحد والجد أبعد من الأب فلا يلزم مساواته به في ذلك وأما إن اجتمع الجد مع الإخوة فإن كانوا لأم سقطوا به لأنهم إنما يرثون من الكلالة والكلالة من لا ولد له ولا والد إلا رواية شذت عن ابن عباس وأما إن كانوا لأب أو لأبوين فقد اختلف العلماء في حكم ميراثهم قديما وحديثا فمنهم من أسقط الإخوة بالجد مطلقا كما أسقطوه بالأب وهذا قول الصديق رضي الله عنه ومعاذ وابن عباس وغيرهم واستدلوا بأن الجد أب في كتاب الله عز وجل فيدخل في مسمي الأب في المواريث كما أن ولد الولد ولد ويدخل في مسمي الولد عند عدم الولد بالاتفاق وبأن الإخوة إنما يرثون مع الكلالة فيحجبهم الجد كالإخوة من الأب وبأن الجد أقوي من الإخوة لاجتماع الفرض والتعصيب له من جهة واحدة فهو كالأب وحينئذ فيدخل في عموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم فما بقي فلأولي رجل ذكر ومنهم من شرك بين الإخوة والجد وهو قول كثير من الصحابة وأكثر الفقهاء بعدهم على اختلاف طويل بينهم في كيفية التشريك بينهم في الميراث وكان من السلف من يتوقف في حكمهم ولا يجيب فيهم بشيء لاشتباه أمرهم وإشكاله ولولا خشية الإطالة لبسطت القول في هذه المسئلة ولكن ذلك يؤدي إلى الإطالة جدا وأما حكم ميراث الإخوة للأبوين أو للأب فقد ذكره الله تعالى في آخر سورة النساء في قوله تعالى يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك والكلالة مأخوذة من تكلل النسب وإحاطته بالميت وذلك يقتضي انتفاء الانتساب مطلقا من العمودين الأعلي والأسفل وتنصيصه سبحانه وتعالى على انتفاء الوالد تنبيه على انتفاء الولد بطريق الأولي لأن انتساب الولد إلى والده أظهر من انتسابه إلى ولده فإن ذكر عدم الولد تنبيها على عدم الوالد بطريق الأولي وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه الكلالة من لا ولد له ولا والد وتابعه جمهور الصحابة والعلماء بعدهم وقد روى ذلك مرفوعا من مراسيل أبي سلمة بن عبد الرحمن عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخرجه أبو داود في المراسيل وخرجه الحاكم من رواية عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا وصححه ووصله بذكر أبي هريرة ضعيف فقوله إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك النساء يعني إذا لم يكن للميت ولد بالكلية لا ذكر ولا أنثي فللأخت حينئذ النصف مما ترك فرضا ومفهوم هذا أنه إذا كان له ولد فليس للأخت النصف فرضا ثم إن كان الولد ذكرا فهو أولي بالمال كله لما سبق تقريره في ميراث الأولاد الذكور إذا انفردوا فإنهم أقرب العصبات وهم يسقطون الإخوة فكيف لا يسقطون الأخوات وأيضا فقد قال تعالى وإن كانوا أخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين النساء وهذا يدخل فيه ما إذا كان هناك ذو فرض كالبنات وغيرهن
407
فإذا استحق الفاضل ذكور الإخوة مع الأخوات فإذا انفردوا فكذلك يستحقونه وأولي وإن كان الولد أنثي فليس للأخت هنا النصف بالفرض ولكن لها الباقي بالتعصيب عند جمهور العلماء وقد سبق ذكر ذلك والاختلاف فيه فلو كان هناك ابن لا يستوعب المال كله وأخت مثل ابن نصفه حر عند من يورثه نصف الميراث وهو مذهب الإمام أحمد وغيره من العلماء فهل يقال إن الابن هنا يسقط نصف فرض الأخت فترث معه الربع فرضا أم يقال أنه يصير كالبنت فتصير الأخت معه عصبة كما يصير مع الأخت لكنه يسقط نصف تعصيبها وتأخذ معه النصف الباقي بالتعصيب هذا محتمل وفي هذه المسألة لأصحابنا وجهان وقوله تعالى وهو يرثها إن لم يكن لها ولد النساء يعني أن الأخ يستقل بميراث أخته إذا لم يكن لها ولد ذكر أو أنثي فإن كان لها ولد ذكر فهو أولي من الأخ بغير إشكال فإنه أولي رجل ذكر وإن كان أنثي فالباقي بعد فرضها يكون للأخ لأنه أولي رجل ذكر لكن لا يستقل بميراثها حينئذ لأنه كما إذا لم يكن لها ولد وقوله تعالى وإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك النساء يعني أن فرض البنتين الثلثان كما أن فرض الواحدة النصف فهذا كله في حكم انفراد الإخوة والأخوات وأما حكم اجتماعهم فقد قال تعالى وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين النساء فدخل في ذلك ما إذا كانوا منفردين وأما إذا كان هناك ذو فرض من الأولاد أو غيرهم كأحد الزوجين أو الأم أو الإخوة من الأم فيكون الفاضل عن فروضهم للأخوة والأخوات بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين فقد تبين بما ذكرناه أن وجود الولد إنما يسقط فرض الأخوات من الأبوين أو الأب ولا يسقط توريثهن بالتعصيب مع أخواتهن بالإجماع ولا يعصبهن بانفرادهن مع البنات عند الجمهور فالكلالة شرط لثبوت فرض الأخوات لا لثبوت ميراثهن كما أنه ليس بشرط لميراث ذكورهم بالإجماع وهذا بخلاف ولد الأم فإن انتفاء الكلالة أسقطت فروضهم وإذا أسقطت فروضهم سقطت مواريثهم لأنه لا تعصيب لهم بحال لإدلائهم بأنثي وللأخوات للأبوين أو للأب يدلون بذكر فيرثان بالتعصيب مع أخواتهن بالاتفاق وبانفرادهن مع البنات عند الجمهور وإذا كان الولد مسقطا لفرض ولد الأبوين أو للأب دون أصل توريثهم بغير الفرض فقد يقال إن الله تعالى إنما خص انتفاء الولد في قوله ليس له ولد النساء ولم يذكر انتفاء الوالد والأب لأنه كان يدخل فيه الجد والجد لا يسقط الميراث الإخوة بالكلية وإنما يشتركون معه في ميراث تارة بالفرض وتارة بغيره وهذا على قول من يقول إن الجد لا يسقط الإخوة وهم الجمهور ظاهر وهذا كله في انفراد ولد الأبوين والأب فإن اجتمعوا فإن العصبات ولد الأبوين يسقطون ولد الأب كلهم بغير خلاف حتى في الأخت من الأبوين مع البنت عند من يجعلها عصبة يسقط بها الأخ من الأبوين وفي المسند والترمذى وابن ماجه عن على رضي الله عنه قال قضي رسول الله صلس الله عليه وآله وسلم أن أعيان بني الأم يرثون دون بني العلات يرث الرجل أخاه
408
لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه وقال عمرو بن شعيب قضي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الأخ للأب والأم أولي الكلالة بالميراث ثم الأخ للأب وهذا أيضا مما يدخل في قوله عليه الصلاة والسلام فما بقي فلأولي رجل ذكر والتحقيق في ذلك أن كل ما دل عليه القرآن ولو بالتنبيه فليس هو مما أبقته الفرائض بل هو من إلحاق الفرائض المذكورة في القرآن بأهلها كتوريث الأولاد ذكورهم وإناثهم الفاضل عن الفروض للذكر مثل حظ الأنثيين وتوريث الإخوة ذكورهم وإناثهم كذلك ودل ذلك بطريق التنبيه على أن الباقي يأخذه الذكر منهم عند الانفراد بطريق الأولي ودل أيضا بالتنبيه عليه أن الأخت تأخذ الباقي مع البنت كما كانت تأخذه مع أخيها ولا يقدم عليها من هو أبعد منه كابن الأخ والعم وابنه فإن أخاها إذا لم يسقطها فكيف يسقطها من هو أبعد منه فهذا كله من باب إلحاق الفرائض بأهلها ومن باب قسمة المال بين أهل الفرائض على كتاب الله وأما من لم يذكر باسمه من العصبات في القرآن كابن الأخ والعم وابنه فإنما دخل في عمومات مثله قوله تعالى وأولوا الأرحام بعضهم أولي ببعض في كتاب الله الأنفال وقوله ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون النساء فهذا يحتاج في توريثهم إلى هذا الحديث أعني حديث ابن عباس فإذا لم يوجد للمال وارث غيرهم انفردوا به ويقدم منهم الأقرب فالأقرب لأنه أولي رجل ذكر وإن وجدت فروض لا تستغرق المال كأحد الزوجين أو الأم أو ولد الأم أو بنات منفردات أو أخوات منفردات فالباقي كله لأولي ذكر من هؤلاء ولهذا لو كان هؤلاء إخوة رجالا ونساء لاختص به رجالهم دون نسائهم بخلاف الأولاد والإخوة فإنه يشترك في الباقي أو في المال كله ذكورهم دون إناثهم وهم من عدا الأولاد والإخوة فهذا حكم العصبات المذكورين في كتاب الله تعالى وفي حديث ابن عباس وأما ذوو الفروض فقد ذكرنا حكم مواريثهم ولم يبق منهم إلا الزوجات والإخوة للأم فأما الزوجات فيرثن بسبب عقد النكاح ولما كان بين الزوجين من الألفة والمودة والتناصر والتعاقب ما بين الأقارب جعل ميراثهما كميراث الأقارب وجعل للذكر منهما مثلا ما للأنثي لامتياز الذكر على الأنثي بمزيد النفع بالإنفاق والنصرة وأما ولد الأم فإنهم ليسوا من قبيلة الرجل ولا عشيرته وإنما هم في المعنى من ذوي رحمه ففرض الله لواحدهم السدس ولجماعتهم الثلث صلة وسوي فيه بين ذكورهم وإناثهم حيث لم يكن لذكرهم زيادة على أنثاهم من المعاضدة والمناصرة كمابين أهل القبيلة والعشيرة الواحدة فسوي بينهم في الصلة ولهذا لم تشرع الوصية للأجانب بزيادة على الثلث بل كان الثلث كثيرا في حقهم لأنهم أبعد من ولد الأم فينبغي أن لا يزادوا على ما يوصل به ولد الأم بل ينقصون منه واستدل بعضهم بقوله فما بقي فلأولي رجل ذكر على أنه لا ميراث لذوي الأرحام لأنه لم يجعل حق الميراث لمن لم يذكر في القرآن إلا لأقرب الذكور وهذا الحكم يختص بالعصبات دون ذوي الأرحام فإن من ورث ذوي الأرحام ورث
409
ذكورهم وإناثهم وأجاز من يري توريث ذوي الأرحام بأن هذا الحديث دل على توريث العصبات لا على نفي توريث غيرهم وتوريث ذوي الأرحام مأخوذ من أدلة أخرى فيكون ذلك زيادة على ما دل عليه حديث ابن عباس رضي الله عنهما وأما قوله فلأولي رجل ذكر مع أن الرجل لا يكون إلا ذكرا فالجواب الصحيح عنه أنه يطلق الرجل ويراد به الشخص كقوله من وجد ماله عند رجل قد أفلس ولافرق بين أن يجده عند رجل أو امرأة فتقييده بالذكر ينفي هذا الاحتمال وتخلصه للذكر دون الأنثي وهو المقصود وكذلك الابن لما كان قد يطلق ويراد به أعم من الذكر كقوله ابن السبيل جاء تقييد ابن اللبون في نصاب الزكاة بالذكر وللسهيلي كلام على هذا الحديث فيه تكليف وتعسف شديد ولا طائل تحته وقد رده عليه جماعة ممن أدركناهم والله أعلم الحديث الرابع والأربعون عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة خرجه البخاري ومسلم
410
هذا الحديث خرجاه في الصحيحين من رواية عمرة عن عائشة وخرجه مسلم أيضا من رواية عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب وخرجاه أيضا من رواية عروة عن عائشة من قولها وخرجاه من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخرجه الترمذي من حديث على عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد أجمع العلماء على العمل بهذه الأحاديث في الجملة وإن الرضاع يحرم مايحرمه النسب ولنذكر المحرمات من النسب كلهن حتى يعلم بذلك ما يحرم من الرضاع فنقول الولادة والنسب قد يؤثران التحريم في النكاح وهو على قسمين أحدهما تحريم مؤبد على الانفراد وهو نوعان أحدهما ما يحرم بمجرد النسب فيحرم على الرجل أصوله وإن علون وفروعه وإن سفلن وفروع أصله الأدني وإن سفلن فروع أصوله البعيدة دون فروعهن فدخل في أصوله أمهاته وإن علون من جهة أبيه وأمه وفي فروعه بناته وبنات أولاده وإن سفلن وفي فروع أصله الأدني أخواته من الأبوين أو من أحدهما وبناتهن وبنات الإخوة وأولادهم وإن سفلن ودخل في فروع أصوله البعيدة العمات والخالات وعمات الأبوين وخالاتهما وإن علون فلم يبق من الأقارب حلالا للرجل سوي فروع أصوله البعيدة وهن بنات العم وبنات العمات وبنات الخال وبنات الخالات والنوع الثاني مايحرم من النسب مع سبب آخر وهو المصاهرة فيحرم على الرجل حلائل آبائه وحلائل أبنائه وأمهات نسائه وبنات نسائه
411
المدخول بهن فيحرم على الرجل أم امرأته وأمهاتها من جهة الأم والأب وإن علون ويحرم عليه بنات امرأته وهن الربائب وبناتهن وإن سفلن وكذلك بنات بني زوجته وهن بنات الربائب نص عليه الشافعي رحمه الله وأحمد رحمه الله ولا يعلم فيه خلاف ويحرم عليه أن يتزوج بامرأة أبيه وإن علا وبامرأة ابنه وإن سفل ودخول هؤلاء في التحريم بالنسب ظاهر لأن تحريمهن من جهة نسب الرجل بسبب المصاهرة وأما أمهات نسائه وبناتهن فتحريمهن مع المصاهرة بسبب نسب المرأة فلم يخرجه التحريم بذلك عن أن يكون بالنسب مع انضمامه إلى سبب المصاهرة فإن التحريم بالسبب المجرد والنسب المضاف إلى المصاهرة يشترك فيه الرجال والنساء فيحرم على المرأة أن تتزوج أصولها وإن علوا وفروعها وإن سفلوا وفروع أصولها الأدني وإن سفلوا من أخواتها وأولاد الإخوة وإن سفلوا وفروع أصولها البعيدة وهم الأعمام والأخوال وإن علوا دون أبنائهم فهذا كله بالنسب المجرد وأما النسب المضاف إلى المصاهرة فيحرم عليها نكاح أبي زوجها وإن علا ونكاح ابنه وإن سفل بمجرد العقد ويحرم عليها زوج ابنتها وإن سفلت بالعقد وزوج أمها وإن علت لكن بشرط الدخول بها والقسم الثاني التحريم المؤبد على الاجتماع دون الانفراد وتحريمه يختص بالرجال لاستحالة إباحة جمع المرأة بين زوجين فكل امرأتين بينهما رحم محرم يحرم الجمع بينهما بحيث لو كانت إحداهما ذكرا لم يجز له التزوج بالأخري فإنه يحرم الجمع بينهما بعقد النكاح قال الشعبي كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقولون لا يجمع الرجل بين امرأتين لو كانت إحداهما رجلا لم يصلح له أن يتزوجها وهذا إذا كان التحريم لأجل النسب وبذلك فسره سفيان الثوري وأكثر العلماء فلو كان لغير النسب مثل أن يجمع بين زوجة رجل وابنته من غيرها فإنه يباح عند الأكثرين وكرهه بعض السلف فإذا علم ما يحرم من النسب وكل ما يحرم منه فإنه يحرم من الرضاع نظيره فيحرم على الرجل أن يتزوج أمهاته من الرضاعة وإن علون وبناته من الرضاعة وإن سفلن وأخواته من الرضاعة وبنات أخواته من الرضاعة وعماته وخالاته من الرضاعة وإن علون دون بناتهن ومعنى هذا أن المرأة إذا أرضعت طفلا الرضاع المعتبر في المدة المعتبرة صارت أما له بنص كتاب الله فتحرم عليه هي وأمهاتها وإن علون من نسب أو رضاع وتصير بناتها كلهن أخوات له من الرضاعة فيحرمن عليه بنص القرآن وبقية التحريم من الرضاعة استفيد من السنة كما استفيد من السنة أن تحريم الجمع لا يختص بالأختين بل المرأة وعمتها والمرأة وخالتها كذلك وإذا كان أولاد المرضعة من نسب أو رضاع إخوة للمرتضع فيحرم عليه بنات إخوته أيضا وقد امتنع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من تزويج ابنة عمه حمزة وابنة أبي سلمة وعلل بأن أبو يهما كانا أخوين له من الرضاعة وتحرم عليه أيضا أخوات المرضعة لأنهن خالاته وينتشر التحريم أيضا إلى الفحل صاحب اللبن الذي ارتضع منه الطفل فيصير
412
صاحب اللبن أبا للطفل وتصير أولاده كلهم من المرضعة أو من غيرها من نسب أو رضاع إخوة للمرتضع وتصير إخوته أعماما للطفل المرتضع وهذا قول الجمهور من السلف وأجمع عليه الأئمة الأربعة ومن بعدهم وقد دل على ذلك من السنة ما روت عائشة رضي الله عنها أن أفلح أخا أبي القعيس استأذن عليها بعد ما أنزل الحجاب قالت عائشة فقلت والله لا آذن له حتى أستأذن رسول صلى الله عليه وآله وسلم فإن أبا القعيس ليس هو أرضعني ولكن أرضعتني امرأته قالت فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكرت ذلك له فقال ائذني له فإنه عمك تربت يمينك وكان أبو القعيس زوج المرأة التي أرضعت عائشة رضي الله عنها خرجاه في الصحيحين بمعهناه وسئل ابن عباس عن رجل له جاريتان أرضعت إحداهما جارية والأخري غلاما أيحل للغلام أن يتزوج الجارية فقال لا اللقاح واحد ولو كان اللبن الذي ارتضع به الطفل قد ثاب للمرأة من غير وطئ فحل بأن تكون امرأة لا زوج لها قد ثاب لها لبن أو هي بكر أو آيسة فأكثر العلماء على أنه يحرم الرضاع به وتصير المرضعة أما للطفل قد حكاه ابن المندر إجماعا عمن يحفظ عنه من أهل العلم وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وإسحاق وغيرهم وذهب الإمام أحمد في المشهور المنصوص عنه إلى أنه لا ينشر التحريم به بحال حتى يكون له فحل يدر اللبن من رضاعه وحكي عن الشافعي قول مثله ولو انقطع نسبه من جهة صاحب اللبن كولد الزنا فهل ينشر الحرمة إلى الزاني صاحب اللبن هذا ينبني على أن البنت من الزنا هل تحرم على الزاني أم لا ومذهب أبي حنيفة وأحمد ومالك في رواية عنه تحريمها عليه خلافا للشافعي وبالغ الإمام أحمد في الإنكار على من خالف في ذلك فعلي قولهم هل ينشر التحريم إلى الزاني صاحب اللبن فيكون أبا للمرتضع أم لا فيه قولان هما وجهان لأصحابنا واختار ابن حامد أن التحريم لا ينتشر إليه واختار أبو بكر والقاضي أبو يعلي أن التحريم ينتشر إلى الزاني وهو نص أحمد وحكاه عن ابن عباس وهو قول إسحاق بن راهويه نقله عنه حرب وينتشر التحريم بالرضاع إلى ما حرم بالنسب مع الصهر أما من جهة نسب الرجل كامرأة أبية وابنه أو من جهة نسب الزوجة كأمها وابنتها وإلي ماحرم جمعه لأجل نسب المرأة أيضا كالجمع بين الأختين والمرأة وعمتها أو خالتها فيحرم ذلك كله من الرضاع كما يحرم من النسب لدخوله في قوله صلى الله عليه وآله وسلم يحرم من الرضاع مايحرم من النسب ويحرم هذا كله للنسب فبعضه لنسب الزوج وبعضه لنسب الزوجة وقد نص على ذلك أئمة السلف ولايعلم بينهم اختلاف ونص عليه الإمام أحمد واستدل بعموم قوله يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب وأما قوله عز وجل وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم النساء فقالوا لم يرد بذلك أنه لا يحرم حلائل الأبناء من الرضاع إنما أراد إخراج حلائل الذين تبنوا ولم يكونوا أبناء من النسب كما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زوجة زيد بن حارثة بعد أن كان قد
413
تبناه وهذا التحريم بالرضاع يختص بالمرتضع نفسه وينتشر إلى أولاده ولا ينتشر تحريمه إلى من في درجة المرتضع من إخوته وأخواته ولا إلى من هو أعلي منه من آبائه وأمهاته وأعمامه وعماته وأخواله وخالاته فتباح المرضعة نفسها لأبي المرتضع من النسب ولأخيه وتباح أم المرتضع وأخته منه لأبي المرتضع من الرضاع ولأخيه هذا قوله جمهور العلماء وقالوا يباح أن يتزوج أخت أخته من الرضاعة وأخت ابنته من الرضاعة حتى قال الشعبي هي أحل من ماء قدس وصرح بإباحتها حبيب بن أبي ثابت وأحمد وروى الأشعث عن الحسن أنه كره أن يتزوج الرجل بنت ظئر ابنه ويقول أخت ابنه ولم ير بأسا أن يتزوج أمها يعني ظئر ابنه وروى سليمان التيمي عن الحسن أنه سئل عن رجل يتزوج أخت أخته من الرضاعة فلم يقل فيه شيئا وهذا يقتضي توقفه فيه ولعل الحسن إنما كان يكره ذلك تنزيها لا تحريما لمشابهته للمحرم بالنسب في الاسم وهذا بمجرده لا يوجب تحريما وقد استثني كثير من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم مما يحرم من النسب صورتين فقالوا لايحرم نظيرها من الرضاع إحداهما أم الأخت فتحرم من النسب ولاتحرم من الرضاع والثانية أخت الابن فتحرم من النسب دون الرضاع ولاحاجة إلى استثناء هذين ولا أحدهما أما أم الأخت فإنما تحرم من النسب لكونها أما أو زوجة أب لا لمجرد كونها أم أخت فلا يعلق التحريم بما لم يعلقه الله به وحينئذ فيوجد في الرضاع من هي أم أخت ليست أما ولا زوجة أب فلا يحرم لأنها ليست نظيرا لذات النسب وأما أخت الابن فإن الله تعالى إنما حرم الربيبة المدخول بأمها فتحرم لكونها ربيبة دخل بأمها لا لكونها أخت ابنه والدخول في الرضاع منتف فلا تحرم به أولاد المرضعة ومما قد يدخل في عموم قوله يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب لو ظاهر من امرأته فشبهها بمحرمة من الرضاع فقال لها أنت على كأمي من الرضاع فهل يثبت بذلك تحريم الظهار أم لا فيه قولان أحدهما أنه يثبت به تحريم الظهار وهو قول الجمهور منهم مالك والثوري وأبو حنيفة والأوزاعي والحسن بن صالح وعثمان التيمي وهو المشهور عن أحمد والثاني لا يثبت به التحريم وهو قول الشافعي وتوقف فيه أحمد في رواية ابن منصور الحديث الخامس والأربعون عن جابر رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح وهو بمكة يقول إن الله عز وجل ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلي بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس قال لا هو حرام ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك قاتل الله اليهود إن الله حرم عليهم الشحوم فأجملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه خرجه البخاري ومسلم
414
هذا الحديث خرجاه في الصحيحين من حديث يزيد بن أبي حبيب عن عطاء عن جابر وفي رواية لمسلم أن يزيد قال كتب إلى عطاء فذكره ولهذا قال أبو حاتم الرازي لا أعلم يزيد بن أبي حبيب سمع من عطاء شيئا يعني أنه إنما يروى عنه كتابة وقد رواه أيضا يزيد بن أبي حبيب عن عمرو بن الوليد بن عبدة عن عبدالله بن عمر وعن النبي صلى الله عليه وآله بنحوه وفي الصحيحين عن ابن عباس قال بلغ عمر أن رجلا باع خمرا فقال قاتله الله ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وفي رواية وأكلوا أثمانها وخرجه أبو داود من حديث عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه وزاد فيه وإن الله إذا حرم أكل شيء حرم عليهم ثمنه وخرجه ابن أبي شيبة ولفظه إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله وسلم قال قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها وفي الصحيحين عن عائشة قالت لما أنزلت الآيات من آخر سورة البقرة خرج رسول الله
415
صلى الله عليه وآله وسلم فاقترأهن على الناس ثم نهى عن التجارة في الخمر وفي رواية لمسلم لما نزلت الآية من آخر سورة البقرة في الربا فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المسجد فحرم التجارة في الخمر وخرجه مسلم من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إن الله حرم الخمر فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشرب ولايبع فاستقبل الناس بما كان عندهم منها في طريق المدينه فسفكوها وخرجه أيضا من حديث ابن عباس أن رجلا أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم راوية خمر فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هل علمت أن الله قد حرمها قال لا قال فسار إنسانا فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بم ساررته قال أمرته ببيعها قال إن الذي حرم شربها حرم بيعها قال ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها فالحاصل من هذه الأحاديث كلها أن ما حرم الله الانتفاع به فإنه يحرم بيعه وأكل ثمنه كما جاء مصرحا به في الرواية المتقدمة إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه وهذه كلمة عامة جامعة تطرد في كل ما كان المقصود من الانتفاع به حراما وهو قسمان أحدهما ما كان الانتفاع به حاصلا مع بقاء عينه كالأصنام فإن منفعتها المقصودة منها الشرك بالله وهو أعظم المعاصي على الإطلاق ويلتحق بذلك ما كانت منفعته محرمة ككتب الشرك والسحر والبدع والضلال وكذلك الصور المحرمة وآلات الملاهي المحرمة كالطنبور وكذلك شراء الجواري للغناء وفي المسند عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إن الله بعثني رحمة وهدي للعالمين وأمرني أن أمحق المزامير والكتارات يعني البرابط والمعازف والأوثان التي كانت تعبد في الجاهلية وأقسم ربي بعزته لا يشرب عبد من عبيدي جرعة من خمر إلا سقيته مكانها من حميم جهنم معذبا أو مغفورا له ولا يسقاها صبيا صغيرا إلاسقيته مكانها من حميم جهنم معذبا أو مغفورا له ولا يدعها عبد من عبيدي من مخافتي إلا سقيتها إياه في حظيرة القدس ولا يحل بيعهن ولا شراؤهن ولا تعليمهن ولا تجارة فيهن وأثمانهم حرام المغنيات وخرجه الترمذي ولفظه لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام وفي مثل ذلك أنزل الله ومن الناس من يشتري لهو الحديث لقمان الآيه وخرجه ابن ماجه أيضا وفي إسناد الحديث مقال وقد روى نحوه من حديث عمر رضي الله عنه وعلي رضي الله عنه بإسنادين فيهما ضعف أيضا ومن يحرم الغناء كأحمد ومالك فإنهما يقولان إذا بيعت الأمة المغنية تباع على أنها ساذجة ولا يؤخذ لغنائها ثمن ولو كانت الجارية ليتيم ونص ذلك أحمد ولا يمنع الغناء من أصل بيع العبد والأمة لأن الانتفاع به في غير الغناء حاصل بالخدمة وغيرها وهو من أعظم مقاصد الرقيق نعم لو علم أن المشتري لا يشتريه إلا للمنفعة المحرمة منه لم يجز بيعه له عند الإمام أحمد وغيره من العلماء كما لا يجوز بيع العصير ممن يتخذه خمرا ولا بيع السلاح في الفتنة ولا بيع الرياحين والأقداح لمن يعلم أنه
416
يشرب عليها الخمر والغلام لمن يعلم منه الفاحشة والقسم الثاني ما لا ينتفع به مع إتلاف عينه فإذا كان المقصود الأعظم منه محرما فإنه يحرم بيعه كما يحرم بيع الخنزير والخمر والميتة مع أن في بعضها منافع غير محرمة كأكل الميتة للمضطر ودفع الغصة بالخمر وإطفاء الحريق به والخرز بشعر الخنزير عند قوم والانتفاع بشعره وجلده عند من يري ذلك ولكن لما كانت هذه المنافع غير مقصودة لم يعبأ بها وحرم البيع ولكن المقصود الأعظم من الخنزير والميتة أكلها ومن الخمر شربها ولم يلتفت إلى ما عدا ذلك وقد أشار صلى الله عليه وآله وسلم إلى هذا المعنى لما قيل له أرأيت شحوم الميتة فإنها يطلي بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال لا هو حرام وقد اختلف الناس في تأويل قوله صلى الله عليه وآله وسلم هو حرام فقالت طائفة أراد أن الانتفاع المذكور بشحوم الميتة حرام وحينئذ يكون ذلك تأكيدا للمنع من بيع الميتة حيث لم يجعل شيئا من الانتفاع بها مباحا وقالت طائفة بل أراد أن بيعها حرام وإن كان قد ينتفع بها لهذه الوجوه لكن المقصود الأعظم من الشحوم هو الأكل ولايباح بيعها لذلك وقد اختلف العلماء في الانتفاع بشحوم الميتة فرخص فيها عطاء وكذلك نقل ابن منصور عن أحمد وإسحقاق إلا أن إسحاق قال إذا احتج إليه وأما إذا وجد عنه مندوحة فلا وقال أحمد يجوز إذا لم يمسه بيده وقالت طائفة لايجوز ذلك وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وحكاه ابن عبد البر إجماعا من غير عطاء وأما الأدهان الطاهرة إذا تنجست بما وقع فيها من النجاسات ففي جواز الانتفاع بها بالاستصباح ونحوه اختلاف مشهور في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما وفيه روايتان عن أحمد وأما بيعها فالأكثرون على أنه لايجوز بيعها وعن أحمد رواية بجواز بيعها من كافر ويعلم نجاستها وهو مروى عن أبي موسي الأشعري ومن أصحابنا من خرج جواز بيعها على جواز الاستصباح وهو ضعيف مخالف لنص أحمد بالتفرقة فإن شحوم الميتة لا يجوز بيعها وإن قيل بجواز الانتفاع بها ومنهم من خرجه على القول بطهارتها بالغسل فيكون حينئذ كالثوب المتضمخ بنجاسة وظاهر كلام أحمد منع بيعها مطلقا لأنه علل بأن الدهن المتنجس فيه ميتة والميتة لا يؤكل ثمنها وأما بقية أجزاء الميتة فما حكم بطهارته منها جاز بيعه لجواز الانتفاع به وهذا كالشعر والقرن عند من يقول بطهارتهما وكذلك الجلد عند من يري أنه طاهر بغير دباغ كما حكي عن الزهري وتبويب البخاري يدل عليه واستدل بقوله إنما حرم من الميتة أكلها وأما الجمهور الذين يرون نجاسة الجلد قبل الدباغ فأكثرهم منعوا من بيعه حينئذ لأنه جزء من الميتة وشذ بعضهم فأجاز بيعه كالثوب النجس ولكن الثوب طاهر طرأت عليه النجاسة وجلد
417
الميتة جزء منها وهو نجس العين وقال سالم بن عبدالله بن عمر هل بيع جلود الميتة إلا كأكل لحمها وكرهه طاوس وعكرمة وقال النخعي كانوا يكرهون أن يبيعوها فيأكلون أثمانها وأما إذا دبغت فمن قال بطهارتها بالدبغ أجاز بيعها ومن لم ير طهارتها بذلك لم يجز بيعها ونص أحمد على منع بيع القمح إذا كان فيه بول الحمار حتى يغسله ولعله أراد بيعه ممن لا يعلم بحاله خشية أن يأكله ولا يعلم نجاسته وأما الكلب فقد ثبت في الصحيحين عن أبي مسعود الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب وفي صحيح مسلم عن رافع بن خديج سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول شر الكسب مهر البغي وثمن الكلب وكسب الحجام وفيه عن معقل الجزري عن أبي الزبير قال سألت جابرا عن ثمن الكلب والسنور فقال زجر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وهذا مما يعرف عن ابن لهيعة عن أبي الزبير وقد استنكر الإمام أحمد روايات معقل عن أبي الزبير وقال هي تشبه أحاديث ابن لهيعة وقد تتبع ذلك فوجد كما قاله أحمد رحمه الله وقد اختلف العلماء في بيع الكلب فأكثرهم حرموه منهم الأوزاعي ومالك في المشهور عنه والشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم وقال أبو هريرة هو سحت وقال ابن سيرين هو أخبث الكسب وقال عبد الرحمن بن أبي ليلي ما أبالي ثمن كلب أكلت أو ثمن خنزير وهؤلاء لهم مآخذ أحدها أنه إنما نهى عن بيعها لنجاستها وهؤلاء التزموا تحريم بيع كل نجس العين وهذا قول الشافعي وابن جرير الطبري ووافقهم جماعة من أصحابنا كابن عقيل وغيره التزموا أن البغل والحمار إنما يجيز بيعهما إذا لم نقل بنجاستهما وهذا مخالف للإجماع والثاني أن الكلب لم يبح الانتفاع به واقتناؤه مطلقا كالبغل والحمار وإنما أبيح اقتناؤه لحاجات مخصوصة وذلك لا يبيح بيعه كما لا يبيح الضرورة إلى الميتة والدم بيعهما وهذا مأخذ طائفة من أصحابنا وغيرهم والثالث أنه إنما نهى عن بيعه لخسته ومهانته فإنه لا قيمة له إلا عند ذوي الشح والمهانة وهو متيسر الوجود فنهي عن أخذ ثمنه ترغيبا في المواساة بما يفضل منه عن الحاجة وهذا مأخذ حسن البصري وغيره من السلف وكذا قال بعض أصحابنا في النهي عن بيع السنور ورخصت طائفة في بيع ما يباح اقتناؤه من الكلاب وككلب الصيد وهو قول عطاء والنخعي وأبي حنيفة رحمه الله تعالى وأصحابه ورواية عن مالك قالوا إنما نهى عن بيع ما يحرم اقتناؤه منها وروى حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن مكررة الكلب والسنور إلا كلب صيد خرجه النسائي وقال هو حديث منكر قال أيضا ليس بصحيح وذكر الدارقطني إن الصحيح وقفه على جابر وقال أحمد لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم رخصة في كلب الصيد وأشار البيهقي وغيره إلى أنه اشتبه على بعض الرواة هذا الاستثناء فظنه من البيع وإنما هو من الاقتناء وحماد بن سلمة في رواياته عن أبي الزبير ليس بالقوي ومن قال إن هذا الحديث على شرط مسلم كما ظنه طائفة من المتأخرين فقد أخطأ لأن مسلما لم يخرج
418
لحماد بن سلمة عن أبي الزبير شيئا وقد بين في كتاب التمييز أن رواياته عن كثير من شيوخه أو أكثرهم غير قوية فأما بيع الهر فقد اختلف العلماء في كراهته فمنهم من كرهه وروى ذلك عن أبي هريرة وجابر وعطاء وطاوس ومجاهد وجابر بن زيد والأوزاعي وأحمد في رواية عنه وقال هو أهون من جلود السباع وهذا اختيار أبي بكر من أصحابنا ورخص في بيع الهر ابن عباس وعطاء في رواية الحسن وابن سيرين والحكم وهناد وهو قول الثوري وأبي حنيفة رحمه الله تعالى ومالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه وعن إسحاق روايتان وعن الحسن أنه كره بيعها ورخص في شرائها للانتفاع بها وهؤلاء منهم من لم يصحح النهي عن بيعها قال أحمد ما أعلم فيه شيئا يثبت أو يصح وقال أيضا الأحاديث فيه مضطربة ومنهم من حمل النهي على ما لا يقع فيه كالبري ونحوه ومنهم من قال إنما نهى عن بيعها لأنه دناءة وقلة مروءة لأنها متيسرة الوجود والحاجة إليها داعية فهي مرافق الناس التي لاضرر عليهم في بذل فضلها فالشح بذلك من أقبح الأخلاق الذميمة فلذلك زجر عن أخد ثمنها وأما بقية الحيوانات التي لاتؤكل فما لانفع فيه كالحشرات ونحوه لا يجوز بيعه وما يذكر من نفع في بعضها فهو قليل فلا يكون مبيحا للبيع كما لم يبح النبي صلى الله عليه وسلم بيع الميتة لما ذكر له ما فيها من الانتفاع ولهذا كان الصحيح أنه لا يباح العلق لمص الدم ولا الديدان للاصطياد ونحو ذلك وأما ما فيه نفع للاصطياد منها كالفهد والبازي والصقر فحكي أكثر الأصحاب في جواز بيعها روايتين عن أحمد ومنهم من أجاز بيعها وذكر الإجماع عليه وتأول رواية الكراهة كالقاضي أبي يعلي في المجرد ومنهم من قال لا يجوز بيع الفهد والنسر وحكي فيه وجها آخر بالجواز وأجاز بيع البزاة والصقور ولم يحك فيه خلافا وهو قول أبي موسي وأجاز بيع الصقر والبازي والعقاب ونحو أكثر العلماء منهم الثوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق والمنصوص عن أحمد في أكثر الروايات عنه جواز بيعها وتوقف في رواية عنه في جوازه إذا لم تكن معلمة قال الخلال العمل على ما رواه الجماعة أنه يجوز بيعها بكل حال وجعل بعض أصحابنا الفيل حكمه حكم الفهد ونحوه وفيه نظر والمنصوص عن أحمد في رواية حنبل أنه لا يحل بيعه ولا شراؤه وجعله كالسبع وحكي عن الحسن أنه قال لا يركب ظهره وقال هو مسخ وهذا كله يدل على أنه لا منفعة فيه ولا يجوز بيع الدب قاله القاضي في المجرد وقال ابن أبي موسي لايجوز بيع القرد قال ابن عبد البر لا أعلم في ذلك خلافا بين العلماء وقال القاضي في المجرد إن كان ينتفع به في موضع لحفظ المتاع فهوكالصقر والبازي وإلا فهو كالأسد لا يجوز بيعه والصحيح المنع مطلقا وهذه المنفعة يسيرة وليست هي المقصودة منه فلا يبيح البيع كمنافع الميتة ومما نهى عن بيعه جيف الكفار إذا قتلوا خرجه الإمام أحمد من حديث ابن عباس رضي الله عنه قال قتل المسلمون يوم الخندق رجلا
419
من المشركين فأعطوا بجيفته مالا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ادفعوا إليهم جيفته فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية فلم يقبل منهم شيئا وخرجه الترمذي ولفظه أن المشركين أرادوا أن يشتروا جسد رجل من المشركين فأبي النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعهم وخرجه وكيع في كتابه من وجه آخر عن عكرمة مرسلا ثم قال وكيع الجيفة لا تباع وقال حارثة قلت لإسحاق ماتقول في بيع جيف المشركين من المشركين قال لا وروى أبو عمرو الشيباني أن عليا أتي بالمستورد العجلي وقد تنصر فاستتابه فأبي أن يتوب فقتله فطلبت النصاري جيفته بثلاثين ألفا فأبي علي فأحرقه الحديث السادس والأربعون عن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسي الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن فسأله عن الأشربة تصنع بها فقال وما هي قال البتع والمزر فقيل لأبي بردة ما البتع قال نبيذ العسل والمزر نبيذ الشعير فقال كل مسكر حرام خرجه البخاري
420
وخرجه مسلم ولفظه قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنا ومعاذ إلى اليمين فقلت يارسول الله إن شرابا يصنع بأرضنا يقال له المزر من الشعير وشراب يقال له البتع من العسل فقال كل مسكر حرام وفي رواية لمسلم فقال كل ما أسكر عن الصلاة فهو حرام وفي رواية له قال وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أعطي جوامع الكلم بخواتمه فقال أنهي عن كل مسكر أسكر عن الصلاة فهذا الحديث أصل في تحريم تناول جميع المسكرات المغطية للعقل وقد ذكر الله تعالى في كتابه العلة المقتضية لتحريم المسكرات وكان أول ما حرمت الخمر عند حضور وقت الصلاة لما صلى بعض المهاجرين وقرأ في صلاته فخلط في قراءته فنزل قوله تعالى ياأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكاري حتى تعلموا ما تقولون النساء وكان منادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينادي لا يقرب الصلاة سكران ثم إن الله حرمها على الإطلاق بقوله إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون المائدة فذكر علة تحريم الخمر والميسر وهو القمار وهو أن الشيطان يوقع بينهم العداوة والبغضاء
421
فإن من سكر اختل عقله فربما تسلط على أذي الناس في أنفسهم وأموالهم وربما بلغ إلى القتل وهي أم الخبائث فمن شربها قتل النفس وزني وربما كفر وقد روى هذا المعنى عن عثمان وغيره وروى مرفوعا أيضا ومن قامر فربما قهر وأخذ ماله قهرا فلم يبق له شيء فيشتد حقده على من أخذ ماله وكل ما أدي إلى إيقاع العداوة والبغضاء كان حراما وأخبر أن الشيطان يصدكم بالخمر والميسر عن ذكر الله وعن الصلاة فإن السكران يزول عقله أو يختل فلا يستطيع أن يذكر الله ولا أن يصلي ولهذا قالت طائفة من السلف إن شارب الخمر تمر عليه ساعة لا يعرف فيها ربه والله سبحانه وتعالى إنما خلقهم ليعرفوه ويذكروه ويعبدوه ويطيعوه فما أدي إلى الامتناع من ذلك وحال بين العبد وبين معرفة ربه وذكره ومناجاته كان محرما وهو السكر وهذا بخلاف النوم فإن الله تعالى جبل العباد عليه واضطرهم إليه ولا قوام لأبدانهم إلا به إذ هو راحة لهم من السعي والنصب فهو من أعظم أنعم الله على عباده فإذا نام المؤمن بقدر الحاجة ثم استيقظ إلى ذكر الله ومناجاته ودعائه كان نومه عونا له على الصلاة والذكر ولهذا قال بعض الصحابة إني أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي وكذلك الميسر يصد عن ذكر الله وعن الصلاة فإن صاحبه يعكف بقلبه عليه ويشتغل به عن جميع مصالحه ومهماته حتى لا يكاد يذكرها لاستغراقه فيه ولهذا قال على لما فشبههم على قوم يلعبون بالشطرنج ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون فشبهم بالعاكفين على التماثيل وجاء في الحديث إن مدمن الخمر كعابد الوثن فإن يتعلق قلبه به فلا يكاد يمكنه أن يدعها كما لا يدع عابد الوثن عبادته وهذا كله مضاد لما خلق الله العباد لأجله من تفريغ قلوبهم لمعرفته ومحبته وخشيته وذكره ومناجاته ودعائه والابتهال إليه فما حال بين بالعبد وبين ذلك ولم يكن العبد إليه ضرورة بل كان ضررا محضا عليه كان محرما وقد روى عن على أنه قال لمن رآهم يلعبون بالشطرنج ما لهذا خلقتم ومن هنا يعلم أن الميسر محرم سواء كان بعوض أو بغير عوض وإن الشطرنج كالنرد أو شر منه لأنها تشغل أصحابها عن ذكر الله وعن الصلاة أكثر من النرد والمقصود أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال كل مسكر حرام وكل ما أسكر عن الصلاة فهو حرام وقد تواترت الأحاديث بذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فخرجا في الصحيحين عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال كل مسكر خمر وكل خمر حرام ولفظ مسلم وكل مسكر حرام وخرج أيضا من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن البتع فقال كل شراب مسكر حرام وقد صحح هذا الحديث أحمد ويحيى بن معين وأصحابه واحتجابه ونقل ابن عبد البر إجماع أهل العلم بالحديث على صحته وأنه أثبت شيء يروى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تحريم المسكر وأما ما نقله بعض فقهاء الحنفية عن ابن معين من طعنه فيه فلا يثت ذلك عنه وخرج مسلم من حديث أبي الزبير عن
422
جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل مسكر حرام وإلي هذا القول ذهب جمهور من علماء المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار وهو مذهب مالك والشافعي والليث والأوزاعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن الحسن وغيرهم وهو مما أجمع على القول به أهل المدينة كلهم وخالف فيه طوائف من علماء أهل الكوفة وقالوا إن الخمر إنما هو خمر العنب خاصة وما عداها فإنما محرم منه القدر الذي يسكر ولا يحرم مادونه ومازال علماء الأمصار ينكرون ذلك عليهم وإن كانوا في ذلك مجتهدين مغفورا لهم وفيهم خلق من أئمة العلم والدين قال ابن المبارك ما وجدت في النبيذ رخصة عن أحد صحيح إلا عن إبراهيم يعني النخعي ولذلك أنكر الإمام أحمد أن يكون فيه شيء يصح وقد صنف كتاب الأشربة ولم يذكر فيه شيئا من الرخصة وصنف كتابا في المسح على الخفين وذكر فيه عن بعض السلف إنكاره فقيل له كيف لم تجعل في كتاب الأشربة الرخصة كما جعلت في المسح فقال ليس في الرخصة في السكر حديث صحيح ومما يدل على أن كل مسكر خمر أن تحريم الخمر إنما نزل في المدينة بسبب سؤال أهل المدينة عما عندهم من الأشربة ولم يكن بها خمر العنب فلو لم تكن آية تحريم الخمرشاملة لما عندهم لما كان فيها بيان لما سألوا عنه ولكان محمل السبب خارجا من عموم الكلام وهو ممتنع ولما نزل تحريم الخمر أن أقواما أهرقوا ما عندهم من الأشربة فدل على أنهم فهموا أنه من الخمر المأمور باجتنابه وفي صحيح البخاري عن أنس قال حرمت علينا الخمر حين حرمت ومانجد خمر الأعناب إلا قليلا وعامة خمرنا البسر والتمر وعنه أنه قال إني لأسقي أبا طلحة وأبا دجانة وسهيل بن بيضاء خليط بسر وتمر إذ حرمت الخمر فقذفتها وأنا ساقيهم وأصغرهم وإنا لنعدها حينئذ الخمر وفي الصحيحين عنه قال ماكان لنا خمر غير فضيخكم هذا الذي تسمونه الفضيخ وفي صحيح مسلم عنه قال لقد أنزل الله الآية التي حرم فيها الخمر وما بالمدينة شراب يشرب إلا من تمر وفي صحيح البخاري عن ابن عمر قال نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ الخمسة أشربة ما منها شراب العنب وفي الصحيحين عن الشعبي عن ابن عمر قال قام عمر رضي الله عنه على المنبر فقال أما بعد نزل تحريم الخمر وهي من خمس العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والخمر ما خامر العقل وخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذى من حديث الشعبي عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه آله وسلم وذكر الترمذي أن قول من قال عن الشعبي عن ابن عمر عن عمر صح وكذا قال ابن المديني وروى أبو إسحاق عن أبي هريرة قال قال عمر ما خمرته فعتقته فهو خمر وأني كانت لنا الخمر خمر العنب وفي مسند الإمام أحمد عن المختار بن فلفل قال سألت أنس بن مالك عن الشرب في الأوعية قال نهي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن المزفت فقال كل مسكر حرام قلت له
423
صدقت فالشربة والشربتان على طعامنا قال المسكر قليله وكثيره حرام وقال الخمر من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والذرة فما خمرت من ذلك فهو الخمر خرجه أحمد عن عبدالله بن إدريس سمعت المختار يقول فذكر ه وهذا إسناد على شرط مسلم وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة وهذا صريح في أن نبيذ التمر خمر وجاء التصريح بالنهي عن قليل ما أسكر كثيره كما خرجه أبو داود وابن ماجه والترمذى وحسنه من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه آله وسلم قال ماأسكر كثيره فقليله حرام وخرج أبو داود والترمذى وحسنه من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال كل مسكر حرام وماأسكر الفرق فملء الكف منه حرام وفي رواية الحسوة منه حرام وقد احتج به أحمد وذهب إليه وسئل عمن قال إنه لايصح فقال هذا رجل مغل يعني أنه قد غلا في مقالته وقد أخرج النسائي هذا الحديث من رواية سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه كثيرة يطول ذكرها وروى ابن عجلان عن عمرو بن شعيب حدثني أبو وهيب الجيشاني عن وفد أهل اليمن أنهم قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عن أشربة تكون باليمن فسموا له البتع من العسل والمزر من الشعير قال النبي صلى الله عليه وسلم هل تسكرون منها قالوا إن أكثرنا من اسكرنا قال فحرام قليله ما أسكر كثيره خرجه القاضي إسماعيل وقد كانت الصحابة رضي الله عنهم تحتج بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم كل مسكر حرام على تحريم جميع أنواع المسكرات ماكان موجودا منها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وآله وسلم وما حدث بعده كما سئل ابن عباس عن الباذق فقال سبق محمد صلى الله عليه وسلم الباذق فما أسكر فهو حرام خرجه البخاري يشير إلى أنه إن كان مسكرا فقد دخل في هذه الكلمة الجامعة العامة واعلم أن المسكر المزيل للعقل نوعان أحدهما ما كان فيه لذة وطرب فهذا هو الخمر المحرم شربه وفي المسند عن طلق الحنفي أنه كان جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال رجل يا رسول الله ما تري في شراب نصنعه بأرضنا من ثمارنا فقال صلى الله عليه وسلم من سائل عن المسكر فلا تشربه ولا تسقه أخاك المسلم فو الذي نفسي بيده أوبالذي يحلف به لايشربه رجل ابتغاء لذة مسكرة فيسقيه الله الخمر يوم القيامة قالت طائفة من العلماء وسواء كان هذا المسكر جامدا أو مائعا وسواء كان مطعوما أو مشروبا وسواء كان من حب أوتمر أو لبن أو غير ذلك وأدخلوا في ذلك الحشيشة التي تعمل من ورق العنب وغيرها مما يؤكل لأجل لذته وسكره وفي سنن أبي داود من حديث شهر بن حوشب عن أم سلمة قالت نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر والمفتر هو المخدر للجسد وإن لم ينته إلى حد الإسكار والثاني ما يزيل العقل
424
ويسكره لا للذة فيه ولا طرب كالبنج ونحوه فقال أصحابنا إن تناوله لحاجة التداوي وكان الغالب منه السلامة جاز وقد روى عن عروة بن الزبير لما وقعت الأكلة في رجله وأرادوا قطعها قال له الأطباء نسقيك دواءا حتى يغيب عقلك ولا تحس بألم القطع فأبي وقال ما ظننت أن خلقا يشرب شرابا يزول منه عقله حتى لا يعرف ربه وروى عنه أنه قال لا أشرب شيئا يحول بيني وبين ذكر ربي عز وجل وإن تناول ذلك لغير حاجة التداوي فقال أكثر أصحانبا كالقاضي وابن عقيل وصاحب المغني إنه محرم لأنه سبب إلى إزالة العقل لغير حاجة فحرم شرب المسكر وروى حبيش الرحبي وفيه ضعف عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا فقد أتي بابا من أبواب الكبائر وقالت طائفة منهم ابن عقيل في فنونه لا يحرم ذلك لأنه لا لذة فيه والخمر إنما حرمت لما فيها من الشدة المطربة ولا اطراب في الينج ونحوه ولا شدة فعلي قول الأكثرين لو تناول ذلك لغير حاجة وسكر به فطلق فحكم طلاقه حكم طلاق السكران قاله أكثر أصحابنا كابن حامد والقاضي وأصحاب الشافعي وقالت الحنفية لا يقع طلاقه وعللوا بأنه ليس فيه لذة وهذا يدل على أنهم لم يحرموه وقالت الشافعية هو محرم وفي وقوع الطلاق معه وجهان وظاهر كلام أحمد أنه لايقع طلاقه بخلاف السكران وتأوله القاضي وقال إنما قال ذلك إلزاما للحنفية لا اعتقادا له وسياق كلامه محتمل لذلك وأما الحد فإنما يجب بتناول ما فيه شدة وطرب من المسكرات لأنه هو الذي تدعو النفوس إليه فجعل الحد زاجرا عنه فأما ما فيه سكر بغير طرب ولا لذة فليس فيه سوي التعزير لأنه ليس في النفوس داع إليه حتى يحتاج إلى حد مقدر زاجر عنه فهو كأكل الميتة ولحم الخنزير وشرب الدم وأكثر العلماء الذين يرون تحريم قليل ما أسكر كثيره يرون حد من شرب ما يسكر كثيره وإن اعتقد حله متأولا وهو قول الشافعي وأحمد خلافا لأبي ثور فإنه قال لا يحد لتأوله فهو كالناكح بلا ولي وفي حد الناكح بلا ولي خلاف أيضا ولكن الصحيح أنه لا يحد وقد فرق بينه وبين شرب النبيذ متأولا بأن شرب النبيذ المختلف فيه داع إلى شرب الخمر المجمع على تحريمه بخلاف النكاح بغير ولي فإنه مغن عن الزنا المجمع على تحريمه وموجب للاستعفاف عنه والمنصوص عن أحمد أنه إنما حد شارب النبيذ متأولا أن تأويله ضعيف لا يدرأ عنه الحد به فإنه قال في رواية للأثرم يحد من شرب النبيذ متأولا ولو رفع إلى الإمام من طلق البتة ثم راجعها متأولا أن طلاق البتة واحدة والإمام يري أنها ثلاث لا يفرق بينهما وقال هذا غير ذاك وأمره بين في كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ونزل تحريم الخمر وشرابهم الفضيخ وقال النبي صلى الله عليه وسلم كل مسكر خمر فهذا بين وطلاق البتة إنما هو شيء اختلف الناس فيه الحديث السابع والأربعون عن المقدام بن معدي كرب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ماملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه رواه الإمام أحمد والترمذى والنسائى وابن ماجه وقال الترمذي حديث حسن
425
هذا الحديث خرجه الإمام أحمد والترمذى من حديث يحيى بن جابر الطائي عن المقدام وخرجه النسائي من هذا الوجه ومن وجه آخر من رواية صالح بن يحيى بن المقدام عن جده وخرجه ابن ماجه من وجه آخر عنده وله طرق أخر وقد روى هذا الحديث مع ذكر سببه فروى أبو القاسم البغوي في معجمه من حديث عبد الرحمن بن المرقع قال فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وهي مخضرة من الفواكة فوقع الناس في الفاكهة فغشيتهم الحمي فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما الحمي رائد الموت وسجن الله في الأرض وهي قطعة من النار فإذا أخذتكم فبردوا الماء في الشنان فصبوها عليكم بين الصلاتين يعني المغرب والعشاء قال فعلوا فذهبت عنهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخلق الله وعاء إذا ملئ شرا من بطن فإذا كان لابد فاجعلوا ثلثا للطعام وثلثا للشراب وثلثا للريح وهذا الحديث أصل جامع لأصول الطب كلها وقد روى أن ابن أبي ماسويه الطبيب لما قرأ هذا الحديث في كتاب أبي خيثمة قال لو استعمل الناس هذه الكلمات لسلموا من الأمراض والأسقام ولتعطلت المارشايات ودكاكين الصيادلة وإنما قال هذا لأن أصل كل داء التخم كما قال بعضهم أصل كل داء البردة وروى مرفوعا ولا يصح رفعه وقال الحارث بن كلدة طبيب العرب
426
الحمية رأس الدواء والبطنة رأس الداء ورفعه بعضهم ولا يصح أيضا وقال الحارث أيضا الذي قتل البرية وأهلك السابع في البرية إدخال الطعام على الطعام قبل الانهضام وقال غيره لو قيل لأهل القبور ما كان سبب آجالكم لقالوا التخم فهذا بعض منافع قليل الغذاء وترك التملؤ من الطعام بالنسبة إلى صلاح البدن وصحته وأما منافعه بالنسبة إلى القلب وصلاحه فإن قلة الغذاء توجب رقة القلب وقوة الفهم وانكسار النفس وضعف الهوي والغضب وكثرة الغذاء يوجب ضد ذلك قال الحسن يا ابن آدم كل في ثلث بطنك واشرب في ثلثه ودع ثلث بطنك يتنفس ويتفكر وقال المروزي جعل أبو عبدالله يعني الإمام أحمد يعظم من الجوع والفقر فقلت له يؤجر الرجل في ترك الشهوات فقال وكيف لا يؤجر وابن عمر يقول ما شبعت منذ ثلاثة أشهر قلت لأني عبدالله يجد الرجل من قلبه رقة وهو شبع قال ما أري ثم روى المروزي عن أبي عبدالله قول ابن عمر هذا من وجوه فروى بإسناده عن ابن سيرين قال قال رجل لابن عمر ألا أجيئك بجوارش قال وأي شيء هو قال شيء يهضم الطعام إذا أكلته قال ما شبعت منذ أربعة أشهر وليس ذاك لأبي لا أقدر عليه ولكن أدركت أقواما يجوعون أكثر مما يشبعون وبإسناده عن نافع قال جاء رجل بجوارش إلى ابن عمر فقال ما هذا قال شيء يهضم به الطعام قال ما أصنع به إني ليأتي على الشهر ما أشبع فيه من الطعام وبإسناده عن رجل قال قلت لابن عمر يا أبا عبد الرحمن رقت مضغتك وكبر سنك وجلساؤك لا يعرفون لك حقك ولا شرفك فلو أمرت أهلك أن يجعلوا لك شيئا يلطفونك إذا رجعت إليهم قال ويحك والله ما شبعت منذ إحدي عشرة سنة ولا اثنتي عشرة سنة ولا ثلاثة عشر سنة ولا أربع عشرة سنة مرة واحدة فكيف بي وإنما بقي مني ما بقي وبإسناده عن عمرو ابن الأسود العنسي أنه كان يدع كثيرا من الشبع مخافة الأشر وروى ابن أبي الدنيا في كتاب الجوع بإسناده عن نافع عن ابن عمر قال ماشبعت منذ أسلمت وروى بإسناده عن محمد بن واسع قال من قل طعمه فهم وأفهم وصفا ورق وإن كثرة الطعام ليثقل صاحبه عن كثير مما يريد وعن أبي عبيدة الخواص قال حتفك في شبعك وحفظك في جوعك وإذا أنت شبعت ثقلت فنمت واستمكن منك العدو فجثم عليك وإذا أنت تجوعت كنت للعدو بمرصد وعن عمرو بن قيس قال إياكم والبطنة فإنها تقسي القلب وعن سلمة بن سعيد قال إن كان الرجل ليعير بالبطنة كما يعير بالذنب يعلمه وعن بعض العلماء قال إذا كنت بطينا فاعدد نفسك زمنا حتى تخمص وعن ابن الأعرابي قال كانت العرب تقول ما بات رجل بطينا فتم غرمه وعن أبي سليمان الداراني قال إذا أردت حاجة من حوائج الدنيا والآخرة فلا تأكل حتى تقضيها فإن الأكل يغير العقل وعن مالك بن دينار قال ما ينبغي للمؤمن أن تكون بطنه أكبر همه وأن تكون شهوته هي الغالبة قال وحدثني الحسن بن عبد الرحمن قال قال الحسن أو
427
غيره كانت بلية أبيكم آدم عليه السلام أكلة وهي بليتكم إلى يوم القيامة قال وكان يقال من ملك بطنه ملك الأعمال الصالحة كلها وكان يقال لا تسكن الحكمة معدة ملأي وعن عبد العزيز بن أبي داود قال كان يقال ثلث الطعام عون على التسرع إلى الخيرات وعن قثم العابد قال كان يقال ما قل طعم امريء قط إلا رق قلبه ونديت عيناه وعن عبدالله بن مرزوق قال لم نر للأشر مثل دوام الجوع فقال له أبو عبد الرحمن العمري الزاهد وما دوامه عندك قال دوامه أن لا يشبع أبدا قال وكيف يقدر من كان في الدنيا على هذا قال ما أيسر يا أبا عبد الرحمن على أهل ولا يته ومن وفقه لطاعته لا يأكل إلا دون الشبع وهو دوام الجوع ويشبه هذا قول الحسن لما عرض الطعام على بعض أصحابه فقال له أكلت حتى لا أستطيع أن آكل فقال الحسن سبحان الله وما يأكل المسلم حتى لا يستطيع أن يأكل وروى أيضا بإسناده عن أبي عمران الجوني قال كان يقال من أحب أن ينور قلبه فليقل طعمه وعن عثمان بن زائدة قال كتب إلى سفيان الثوري إن أردت أن يصح جسمك ويقل نومك فأقلل من الأكل وعن ابن السماك قال خلا رجل بأخيه فقال أي أخي نحن أهون على الله من أن يجيعنا إنما يجيع أولياءه ومن عبدالله بن أبي الفرج قال قلت لأبي سعيد التميمي الخائف يشبع قال لا قلت المشتاق يشبع قال لا وعن رباح القيسي أنه قرب إليه طعام فأكل منه فقيل له ازدد فما أراك شبعت فصاح صيحة فقال كيف أشبع أيام الدنيا وشجرة الزقوم طعام الأثيم بين يدي فرفع الرجل الطعام من بين يديه وقال أنت في شيء ونحن في شيء قال المروزي قال لي رجل كيف ذاك المتنعم يعني أحمد قلت له و كيف هو متنعم قال أليس يجد خبزا يأكل وله امرأة يسكن إليها ويطأها فذكرت ذلك لأبي عبدالله فقال صدق وجعل يسترجع فقال إنا لنشبع وقال بشر بن الحارث ما شبعت منذ خمسين سنة وقال ما ينبغي للرجل أن يشبع اليوم من الحلال لأنه إذا شبع من الحلال دعته نفسه إلى الحرام فكيف من هذه الأقذار وعن إبراهيم بن أدهم قال من ضبط بطنه ضبط دينه ومن ملك جوعه ملك الأخلاق الصالحة وإن معصية الله بعيدة من الجائع قريبة من الشبعان والشبع يميت القلب ومنه يكون الفرح والمرح والضحك وقال ثابت البناني بلغنا أن إبليس لعنه الله ظهر ليحيي بن زكريا عليهما السلام فرأي عليه معاليق من كل شيء فقال له يحيى عليه السلام يا إبليس ما هذه المعاليق التي أري عليك قال هذه الشهوات التي أصيب من بني آدم قال فهل لي فيها شيء قال ربما شبعت فثقلناك عن الصلاة وعن الذكر قال فهل غير هذا قال لا قال لله على أن لا أملأ بطني من طعام أبدا قال فقال إبليس لعنه الله لله على أن لا أنصح مسلما أبدا وقال أبو سليمان الداراني إن النفس إذا جاعت وعطشت صفا القلب ورق وإذا شبعت ورويت عمي القلب وقال مفتاح الدنيا الشبع ومفتاح الآخرة
428
الجوع وأصل كل خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله عز وجل وإن الله ليعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب وإن الحق عنده في خزائن مدخرة فلا يعطي إلا من أحب خاصة ولأن أدع من عشائي لقمة أحب إلى من أن آكلها ثم أقوم من أول الليل إلى آخره وقال الحسن بن يحيى الخشني من أراد أن يغزر دموعه ويرق قلبه فليأكل وليشرب في نصف بطنه وقال أحمد بن أبي الحواري فحدثت بهذا أبا سليمان فقال إنما جاء الحديث ثلث طعام وثلث شراب وأري هؤلاء قد حاسبوا أنفسهم فربحوا سدسا وقال محمد بن النضر الحارثي الجوع يبعث على البر كما تبعث البطنة على الأشر وعن الشافعي قال ما شبعت منذ ستة عشر سنة إلا شبعة أطرحها لأن الشبع يثقل البدن ويزيل الفطنة ويجلب النوم ويضعف صاحبه عن العبادة وقد ندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى التقلل من الأكل في حديث المقدام وقال حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء والمراد أن المؤمن يأكل بآداب الشرع فيأكل في معي واحد والكافر يأكل بمقتضي الشهوة والشرة والنهم فيأكل في سبعة أمعاء وندب صلى الله عليه وسلم مع التقلل من الأكل والاكتفاء ببعض الطعام إلى الإيثار بالباقي منه فقال طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الثلاثة وطعام الثلاثة يكفي الأربعة فأحسن ما كل المؤمن في ثلث بطنه وشرب في ثلث وترك للنفس ثلثا كما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المقدام فإن كثرة الشرب تجلب النوم وتفسد الطعام قال سفيان كل ماشئت ولا تشرب فإذا لم تشرب لم يجئك النوم وقال بعض السلف كان شباب يتعبدون في بني إسرائيل فإذا كان فطرهم قام عليهم قائم فقال لا تأكلوا كثيرا فتشربوا كثيرا فتناموا كثيرا فتخسروا كثيرا وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يجوعون كثيرا ولا يشربون كثيرا يتقللون من أكل الشهوات وإن كان ذلك لعدم وجود الطعام إلا أن الله لا يختار لرسوله إلا أكمل الأحوال وأفضلها ولهذا كان ابن عمر يتشبه به في ذلك مع قدرته على الطعام وكذلك أبوه من قبله ففي الصحيحين عن عائشة قالت ماشبع آل محمد صلى الله عليه وسلم منذ قدم المدينة من خبز بر ثلاث ليال تباعا حتى قبض ولمسلم قالت ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض وخرج البخاري عن أبي هريرة قال ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من طعام ثلاثة أيام حتى قبض وعنه قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من خبز شعير وفي صحيح مسلم عن عمر أنه خطب فذكر ما أصاب الناس من الدنيا فقال لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يظل اليوم يلتوي ما يجد دقلا وخرج الترمذي وابن ماجه من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لقد أوذيت في الله وما يؤذي أحد ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد ولقد أتت على ثلاث من بين يوم وليلة ومالي طعام إلا ما واراه إبط بلال
429
وخرجه ابن ماجه بإسناده عن سليمان بن صرد قال أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فمكثنا ثلاث ليال لا نقدر على طعام وبإسناده عن أبي هريرة قال أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بطعام سخن فأكل فلما فرغ قال الحمد لله ما دخل بطني طعام سخن منذ كذا و كذا وقد ذم الله ورسوله من اتبع الشهوات قال تعالى فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا إلا من تاب مريم وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن وفي المسند أن النبي صلى الله عليه وسلم رأي رجلا سمينا فجعل يومئ بيده إلى بطنه ويقول لو كان هذا في غير هذا لكان خيرا لك وفي المسند عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أخوف ما أخاف عليكم الشهوات التي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوي وفي مسند البزار وغيره عن فاطمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال شرار أمتي الذين غذوا بالنعم يأكلون ألوان الطعام ويلبسون ألوان الثياب ويتشدقون في الكلام وخرج البزار وابن ماجه من حديث ابن عمر قال تجشأ رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال كف عنا جشاءك فإن أكثرهم شعبا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة وخرج ابن ماجه من حديث سلمان أيضا بنحوه وخرجه الحاكم من حديث أبي جحيفة وفي أسانيدها كلها مقال وروى يحيى بن مندة في كتاب مناقب الإمام أحمد بإسناد له عن الإمام أحمد أنه سئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم ثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس فقال ثلث الطعام هو القوت وثلث الشراب هو القوي وثلث النفس هو الروح الحديث الثامن والأربعون عن عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أربع من كن فيه كان منافقا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا خاصم فجر وإذا عاهد غدر خرجه البخاري ومسلم
430
هذا الحديث خرجاه في الصحيحين من رواية الأعمش عن عبدالله بن مرة عن مسروق عن عبدالله بن عمرو بن العاص وخرجاه في الصحيحين أيضا من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان وفي رواية لمسلم وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم وفي رواية له أيضا من علامات المنافق ثلاث وقد روى هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أخر وهذا الحديث قد حمله طائفة ممن يميل إلى الإرجاء على المنافقين الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم حدثوا النبي صلى الله عليه وسلم فكذبوه وائتمنهم على سره فخانوه ووعدوه أن يخرجوا معه في الغزو فأخلفوه وقد روى محمد المحرم هذا التأويل عن عطاء وأنه قال حدثني به جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر أن الحسن رجع إلى قول عطاء هذا لما بلغه عنه وهذا كذب والمحرم شيخ كذاب معروف بالكذب وقد روى عن عطاء هذا لما بلغه من وجهين آخرين ضعيفين أنه أنكر على الحسن قوله ثلاث من كن فيه فهو منافق وقال حدث إخوة يوسف فكذبوا ووعدوا فأخلفوا وائتمنوا فخانوا ولم يكونوا منافقين وهذا لا يصح عن عطاء والحسن أم هذا من عنده وإنما بلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم فالحديث ثابت عنه صلى الله عليه وآله وسلم لا شك في ثبوته وصحته والذي فسره به أهل العلم المعتبرون أن النفاق في اللغة هو من جنس الخداع والمكر وإظهار الخير وإبطان خلافه وهو في الشرع ينقسم إلى قسمين أحدهما النفاق الأكبر وهو
431
أن يظهر الإنسان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه وهذا هو النفاق الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن بذم أهله وتكفيرهم وأخبر أن أهله في الدرك الأسفل من النار والثاني النفاق الأصغر وهو نفاق العمل وهو أن يظهر الإنسان علانية صالحة ويبطن ما يخالف ذلك وأصول هذا النفاق يرجع إلى الخصال المذكورة في هذه الأحاديث وهي خمس أحدها أن يحدث بحديث لم يصدق به وهو كاذب له وفي المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك مصدق وأنت به كاذب قال الحسن كان يقال النفاق اختلاف السر والعلانية والقول والعمل والمدخل والمخرج وكان يقال أس النفاق الذي بني عليه الكذب والثاني إذا وعد أخلف وهو على نوعين أحدهما أن يعد ومن نيته أن لا يوفي بوعده وهذا أشر الخلق ولو قال أفعل كذا إن شاء الله تعالى ومن نيته أن لا يفعل كان كذبا وخلفا قاله الأوزاعي الثاني أن يعد ومن نيته أن يفي ثم يبدو له فيخلف من غير عذر له في الخلف وخرج أبو داود والترمذى من حديث زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا وعد الرجل ونوي أن يفي به فلم يف فلا جناح عليه وقال الترمذي ليس إسناده بالقوي وخرج الإسماعيلي وغيره من حديث سلمان أن عليا لقي أبا بكر وعمر رضي الله عنهما فقال مالي أراكما ثقلين قالا حديث سمعناه من النبي صلى الله عليه وسلم ذكر خلال المنافق إذا وعد أخلف وإذا حدث كذب وإذا ائتمن خان فأينا ينجو من هذه الخصال فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فقال قد حدثتهما ولم أضعه على الوضع الذي تضعونه ولكن المنافق إذا حدث وهو يحدث نفسه أن يكذب وإذا وعد وهو يحدث نفسه أن يخلف وإذا اؤتمن وهو يحدث نفسه أن يخون وقال أبو حاتم الرازي في هذا الحديث من رواية سلمان وزيد بن أرقم الحديثان مضطربان والإسنادان مجهولان وقال الدراقطني الحديث مضطرب غير ثابت والله أعلم وخرجه الطبراني والإسماعيلي من حديث على مرفوعا العدة دين ويل لمن وعد ثم أخلف قالها ثلاثا وفي إسناده جهالة ويروى من حديث ابن مسعود قال لايعد أحدكم صبيه ثم لا ينجز له قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العدة عطية وفي إسناده نظر وأوله صحيح عن ابن مسعود من قوله وفي مراسيل الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال العدة هبة وفي سنن أبي داود عن مولي لعبد الله بن عامر بن ربيعة عن عبدالله بن عامر بن ربيعة قال جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيتنا وأنا صبي فخرجت لألعب فقالت أمي ياعبد الله تعالى أعطك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ماأردت أن تعطيه قلت أردت أن أعطيه تمرا فقال إن لم تفعلي كتبت عليك كذبة وفي إسناده من لا يعرف وذكر الزهري عن أبي هريرة قال من قال لصبي تعالى هاك تمرا ثم لايعطيه شيئا فهي كذبة وقد اختلف العلماء في وجوب الوفاء بالوعد فمنهم من أوجبه مطلقا وذكر البخاري في صحيحه أن ابن أشوع قضي بالوعد وهو قول
432
طائفة من أهل الظاهر وغيرهم ومنهم من أوجب الوفاء به إذا اقتضي نفعا للموعود وهو المحكي عن مالك وكثير من الفقهاء لا يوجبونه مطلقا والثالث إذا خاصم فجر ويعني بالفجور أن يخرج عن الحق عمدا حتى يصير الحق باطلا والباطل حقا وهذا مما يدعو إليه الكذب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم وقال صلى الله عليه وسلم إنكم لتختصمون إلى ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي على نحو مما أسمع فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار وقال صلى الله عليه وسلم إن من البيان لسحرا فإذا كان الرجل ذا قدرة عند الخصومة سواء كانت خصومته في الدين أو في الدنيا على أن ينتصر للباطل ويخيل للسامع أنه حق ويوهن الحق ويخرجه في صورة الباطل كان ذلك من أقبح المحرمات وأخبث خصال النفاق وفي سنن أبي داود عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع وفي رواية له أيضا ومن أعان على خصومة بظلم فقد باء بغضب من الله الرابع إذا عاهد غدر ولم يف بالعهد وقد أمر الله بالوفاء بالعهد فقال وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا الإسراء وقال وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا النحل وقال إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم آل عمران وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به وفي رواية إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال ألا هذه غدرة فلان وخرجاه أيضا من حديث أنس بمعناه وخرج مسلم من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكل غادر لواء عند يوم القيامة يعرف به والغدر حرام في كل عهد بين المسلم وغيره ولو كان المعاهد كافرا ولهذا في حديث عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم من قتل نفسا معاهدة بغير حقها لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماخرجه البخاري وقد أمر الله تعالى في كتابه الوفاء بعهود المشركين إذا أقاموا على عهودهم ولم ينقضوا منها شيئا وأما عهود المسلمين فيما بينهم بالوفاء بها أشد ونقضها أعظم إثما ومن أعظمها نقض عهد الإمام على من تابعه ورضي به وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم فذكر منهم ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه ما يريد وفي له وإلا لم يف له ويدخل في العهود التي يجب الوفاء بها ويحرم الغدر جميع عقود المسلمين فيما بينهم إذا تراضوا عليها من المبايعات والمناكحات وغيرها من العقود اللازمة التي يجب الوفاء بها و كذلك ما يجب الوفاء به لله عز وجل مما يعاهد العبد ربه عليه من نذر
433
التبرر ونحوه الخامس الخيانة في الأمانة فإذا اؤتمن الرجل أمانة فالواجب عليه أن يردها كما قال تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها النساء وقال النبي صلى الله عليه وسلم أد الأمانة إلى من ائتمنك وقال في خطبته في حجة الوداع من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها قال الله عز وجل ياآيها الذين أمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون الأنفال فالخيانة في الأمانة من خصال النفاق وفي حديث ابن مسعود من قوله وروى مرفوعا القتل في سبيل الله يكفر كل ذنب إلا الأمانة يؤتي بصاحب الأمانة فيقال له أد أمانتك فيقول من أين يارب وقد ذهبت الدنيا فيقول اذهبوا به إلى الهاوية فيهوي حتى ينتهي إلى قعرها فيجدها هناك كهيئتها فيحملها فيضعها على عنقه فيصعد بها في نار جهنم حتى إذا رأي أنه قد خرج منها زلت فهوي فيهوي هو في أثرها أبد الآبدين قال والأمانة في الصلاة والأمانة في الصوم والأمانة في الحديث وأشد من ذلك الودائع وقد روى عن محمد بن كعب القرظي أنه استنبط ما في هذا الحديث أعني حديث آية المنافق ثلاث من القرآن وقال مصداق ذلك في كتاب الله تعالى إذا جاءك المنافقون المنافقون إلى قوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون المنافقون وقال تعالى ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن إلى قوله فأعقبهم نقاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون التوبة وقال إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال الأحزاب إلى قوله ليعذب الله المنافقين الأحزاب وروى عن ابن مسعود نحو هذا الكلام ثم تلا قوله فأعقبهم نفاقا في قلوبهم التوبة الآية وحاصل الأمر أن النفاق الأصغر كله يرجع إلى اختلاف السريرة والعلانية كما قاله الحسن وقال الحسن أيضا من النفاق اختلاف القلب واللسان واختلاف السر والعلانية واختلاف الدخول والخروج وقال طائفة من السلف خشوع النفاق أن تري الجسد خاشعا والقلب ليس بخاشع وقد روى معنى ذلك عن عمر وروى عنه أنه قال على المنبر إن أخوف ما أخاف عليكم المنافق العليم قالوا كيف يكون المنافق عليما قال يتكلم بالحكمة ويعمل بالجور أو قال المنكر وسئل حذيفة عن المنافق فقال الذي يصف الإيمان ولا يعمل به وفي صحيح البخا ري عن ابن عمر أنه قيل له إنا ندخل على سلطاننا فنقول له بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عنده قال كنا نعد هذا نفاقا وفي المسند عن حذيفة قال إنكم لتكلمون كلاما إن كنا لنعده على عهد رسول اللهصلى الله عليه وسلم النفاق وفي رواية قال إن الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصير بها منافقا وأني لأسمعها من أحدكم في اليوم أو في المجلس عشر مرات قال بلال بن سعد المنافق يقول ما يعرف ويعمل ماينكر ومن هنا كان الصحابة يخافون النفاق على أنفسهم وكان عمر يسأل حذيفة عن نفسه وسئل أبو رجاء العطاردي هل أدركت من أدركت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
434
يخشون النفاق فقال نعم إني أدركت منهم بحمد الله صدرا حسنا نعم شديدا نعم شديدا وقال البخاري في صحيحه وقال ابن أبي مليكة أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه ويذكر عن الحسن قال ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق انتهى وروى الحسن أنه حلف ما مضي مؤمن قط ولا بقي إلا وهو من النفاق غير آمن وما مضي منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن وكان يقول من لم يخف النفاق فهو منافق وسمع رجل أبا الدرداء يتعوذ من النفاق في صلاته فلما سلم قال له ما شأنك وشأن النفاق فقال اللهم اغفر لي ثلاثا لا تأمن البلاء والله إن الرجل ليفتن في ساعة واحدة فينقلب عن دينه والآثار عن السلف في هذا كثيرة جدا قال سفيان الثوري خلاف ما بيننا وبين المرجئة ثلاث فذكر منها قال نحن نقول نفاق وهم يقولون لا نفاق وقال الأوزاعي قد خاف عمر النفاق على نفسه قيل لهم إنهم يقولون إن عمر لم يخف أن يكون يومئذ منافقا حتى سأل حذيفة ولكن خاف أن يبتلي بذلك قبل أن يموت قال هذا قول أهل البدع يشير إلى أن عمر كان يخاف على النفاق على نفسه في الحال الظاهر أنه أراد أن عمر كان يخاف نفسه في الحال من النفاق الأصغر والنفاق الأصغر وسيلة إلى النفاق الأكبر كما أن المعاصي بريد الكفر وكما يخشي على من أصر على المعصية أن يسلب الإيمان عند الموت كذلك يخشي على من أصر على خصال النفاق أن يسلب الإيمان فيصير منافقا خالصا وسئل الإمام أحمد ما تقول فيمن لا يخاف على نفسه النفاق قال ومن يأمن على نفسه النفاق وكان الحسن يسمي من ظهرت منه أوصاف النفاق العملي منافقا وروى نحوه عن حذيفة وقال الشعبي من كذب فهو منافق وحكي محمد بن نصر المروزي هذا القول عن فرقة من أهل الحديث وقد سبق في أوائل الكتاب ذكر الاختلاف عن الإمام أحمد وغيره في مرتكب الكبائر هل يسمي كافرا كفرا لا ينقل عن الملة أم لا واسم الكفر أعظم من اسم النفاق ولعل هذا هو الذي أنكره عطاء على الحسن إن صح ذلك عنه و من أعظم خصال النفاق العملي أن يعمل الإنسان عملا ويظهر أنه قصد به الخير وإنما عمله ليتوصل به إلى غرض له سييء فيتم له ذلك ويتوصل بهذه الخديعة إلى غرضه ويفرح بمكره وخداعه وحمد الناس له على ما أظهره ويتوصل به إلى غرضه السييء الذي أبطنه وهذا قد حكاه الله في القرآن عن المنافقين واليهود فحكي عن المنافقين أنهم اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسني والله يشهد إنهم لكاذبون التوبة وأنزل في اليهود لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم آل عمران وهذه الآية نزلت في اليهود سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه وأخبروه بغيره فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم وما سئلوا عنه قال ذلك ابن عباس وحديثه مخرج في الصحيحين وفيهما أيضا عن أبي سعيد أنها نزلت في رجال من المنافقين كانوا إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغزو وتخلفوا عنه فرحوا بمقعدهم خلافه فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا وفي حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من غشنا فليس منا والمكر والخديعة في النار وقد وصف الله المنافقين بالمخادعة ولقد أحسن أبو العتاهية في قوله ليس الدنيا إلا بدين وليس الدين إلا مكارم الأخلاق إنما المكر والخديعة في النا ر وهما من خصال أهل النفاق ولما تقرر عند الصحابة رضي الله عنهم أن النفاق هو اختلاف السر والعلانية خشي بعضهم على نفسه أن يكون إذا تغير عليه حضور قلبه ورقته وخشوعه عند سماع الذكر برجوعه إلى الدنيا والاشتغال بالأهل والأولاد والأموال أن يكون ذلك منه نفاقا كما في صحيح مسلم عن حنظلة الأسدي أنه مر به أبو بكر رضي الله عنه وهو يبكي فقال مالك قال نافق حنظلة يا أبا بكر نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالجنة والنار كأنهما رأي العين فإذا رجعنا عافسنا الأزواج والصبية فنسينا كثيرا قال أبو بكر فو الله إنا لكذلك فانطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مالك يا حنظلة قال نافق حنظلة يا رسول الله وذكر له مثل ما قال لأبي بكر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو تدومون على الحال التي تقومون بها من عندي لصافتحكم الملائكة في مجالسكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة وفي مسند البزار عن أنس قال قالوا يا رسول الله إنا نكون عندك على حال فإذا فارقناك كنا على غيره قال كيف أنتم قالوا الله ربنا في السر والعلانية قال ليس ذاكم من النفاق وروى من وجه آخر عن أنس قال غدا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا هلكنا قال وما ذاك قالوا النفاق قال ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قالوا بلى قال فليس ذاك بالنفاق ثم ذكر يعني حديث حنظلة كما تقدم الحديث التاسع والأربعون عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا رواه الإمام أحمد والترمذى والنسائى وابن ماجه وابن حبان والحاكم وقال الترمذي حسن صحيح
436
هذا الحديث خرجه هؤلاء كلهم من رواية عبدالله بن هبيرة سمع أبا حاتم الحساني سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبو تميم وعبد الله خرج لهما مسلم ووثقهما غير واحد وأبو تميم ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وهاجر إلى المدينة في زمن عمر رضي الله عنه وروى هذا الحديث من حديث ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكن في إسناده من ال يعرف حاله قال أبو حاتم الرازي وهذا الحديث أصل في التوكل وأنه من أعظم الأسباب التي يستجلب بها الرزق قال الله عز وجل ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه الطلاق وقد قرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية على أبي ذر وقال له لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم يعني لو حققوا التقوى والتوكل لاكتفوا بذلك في مصالح دينهم وديناهم وقد سبق الكلام على هذا المعنى في شرح حديث ابن عباس احفظ الله يحفظك قال بعض السلف فحسبك من التوسل إليه أن يعلم من قلبك حسن توكلك عليه فكم من عبد من عباده قد فوض إليه أمره وكفاه منه ما أهمه ثم قرأ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب الطلاق وحقيقة التوكل هو صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في استجلاب المنافع ودفع المضار من أمور الدينا والآخرة كلها ووكلت الأمور كلها إليه وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه قال سعيد بن جبير التوكل جماع الإيمان وقال وهب
437
بن منبه الغاية القصوى التوكل قال الحسن إن توكل العبد على ربه أن يعلم أن الله هو ثقته وفي حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من سره أن يكون أقوي الناس فليتوكل على الله وروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه إني أسألك صدق التوكل عليكوأنه كان يقول اللهم اجعلني ممن توكل عليك فكفيته واعلم أن تحقيق التوكل لا ينافي السعي في الأسباب التي قدر الله سبحانه وتعالى المقدورات بها وجرت سنته في خلقه بذلك فإن الله تعالى أمر بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل فالسعي في الأسباب بالجوارح طاعة له والتوكل بالقلب عليه إيمان به قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم النساء وقال تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل الأنفال وقال فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله الجمعة وقال سهل التستري من طعن في الحركة يعني في السعي والكسب فقد طعن في السنة ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان فالتوكل حال النبي صلى الله عليه وآله وسلم والكسب سنته فمن عمل على حاله فلا يتركن سنته ثم إن الأعمال التي يعملها العبد ثلاثة أقسام أحدها الطاعات التي أمر الله عباده بها وجعلها سببا للنجاة من النار ودخول الجنة فهذا لابد من فعله مع التوكل على الله فيه والاستعانة به عليه فإنه لا حول ولا قوة إلا به وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فمن قصر في شيء مما وجب عليه من ذلك استحق العقوبة في الدنيا والآخرة شرعا وقدرا قال يوسف بن أسباط يقال اعمل عمل رجل لا ينجيه إلا عمله وتوكل توكل رجل لا يصيبه إلا ما كتب له والثاني ما أجري الله العادة به في الدنيا وأمر عباده بتعاطيه كالأكل عند الجوع والشرب عند العطش والاستظلال من الحر والتدفؤ من البرد ونحو ذلك فهذا أيضا واجب على المرء تعاطي أسبابه ومن قصر فيه حتى تضرر بتركه مع القدرة على استعماله فهو مفرط يستحق العقوبة لكن الله سبحانه وتعالى قد يقوي بعض عباده من ذلك مالا يقوي عليه غيره فإذا عمل بمقتضى قوته التي اختص بها عن غيره فلا حرج عليه ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يواصل في صيامه وينهي عن ذلك أصحابه ويقول لهم إني لست كهيئتكم إني أطعم وأسقيوفي رواية إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني وفي رواية إن لي مطعما يطعمني وساقيا يسقيني والأظهر أنه أراد بذلك أن الله يقوته ويغذيه بما يورده على قلبه من الفتوح القدسية والمنح الإلهية والمعارف الربانية التي تغنيه عن الطعام والشراب برهة من الدهر كما قال القائل لها أحاديث من ذكراك تشغلها عن الشراب وتلهيها عن الزاد لها بوجهك نور تستضئ به وقت المسير وفي أعقابها حادي
438
إذا اشتكت من كلال السير أو عدها روح القدوم فتحيا عند ميعاد وقد كان كثير من السلف لهم من القوة على ترك الطعام والشراب ما ليس لغيرهم ولا يتضررون بذلك وكان ابن الزبير يواصل ثمانية أيام وكان أبو الجوزاء يواصل في صومه بين سبعة أيام ثم يقبض على ذراع الشاة فيكاد يحطمها وكان إبراهيم التيمي يمكث شهرين لا يأكل شيئا غير أنه يشرب شربة حلوي وكان حجاج بن فرافصة يبقي أكثر من عشرة أيام لا يأكل ولا يشرب ولا ينام وكان بعضهم لا يبالي بالحر ولا بالبرد كما كان على رضي الله عنه يلبس لباس الصيف في الشتاء ولباس الشتاء في الصيف وكان النبي صلى الله عليه وسلم دعا له أن يذهب الله عنه الحر والبرد فمن كان له قوة على مثل هذه الأمور فعمل بمقتضى قوته ولم يضعفه عن طاعة الله فلا حرج عليه ومن كلف نفسه ذلك حتى أضعفها عن بعض الواجبات فإنه ينكر عليه ذلك وكان السلف ينكرون على عبد الرحمن بن غنم حيث كان يترك الأكل مدة حتى يعاد من ضعفه القسم الثالث ما جرى الله العادة به في الدينا في الأعم الأغلب وقد يخرق العادة في ذلك لمن شاء من عباده وهو أنواع منها ما يخرقه كثيرا ويغني كثيرا من خلقه كالأدوية بالنسبة إلى كثير من البلدان وسكان البوادي ونحوها وقد اختلف العلماء هل الأفضل لمن أصابه المرض التداوي أم تركه لمن حقق التوكل على الله فيه قولان مشهوران وظاهر كلام أحمد أن التوكل لمن قوي عليه أفضل لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفا بغير حساب ثم قال هم الذين لا يتطيرون ولا يسترقون ولا يكتوون وعلي ربهم يتوكلون ومن رجح التداوي قال إنه حال النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يداوم عليه وهو لا يفعل إلا الأفضل وحمل الحديث على الرقي المكروهة التي يخشى منها الشرك بدليل أنه قرنها بالكي والطيرة وكلاهما مكروه ومنها ما يخرقه لقليل من العامة كحصول الرزق لمن ترك السعي في طلبه فمن رزقه الله صدق يقين وتوكل وعلم من الله أن يخرق له العوائد ولا يحوجه إلى الأسباب المعتادة في طلب الرزق ونحوه جاز له ترك الأسباب ولم ينكر عليه ذلك وحديث عمر هذا الذي نتكلم عليه يدل على ذلك ويدل على أن الناس إنما يؤتون من قلة تحقيق التوكل ووقوفهم مع الأسباب الظاهرة بقلوبهم ومساكنتهم لها فلذلك يتعبون أنفسهم في الأسباب ويجتهدون فيها غاية الاجتهاد ولا يأتيهم إلا ما قدر لهم فلو حققوا التوكل على الله بقلوبهم لساق إليهم أرزاقهم مع أدني سبب كما يسوق الطير إلى أرزاقها بمجرد الغدو والرواح وهو نوع من الطلب والسعي لكنه سعي يسير وربما حرم الإنسان رزقه أو بعضه بذنب يصيبه كما في حديث ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه وفي حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب خذوا ما
439
حل ودعوا ما حرم وقال عمر بين العبد وبين رزقه حجاب فإن قنع ورضيت نفسه آتاه الله رزقه وإن اقتحم وهتك الحجاب لم يزد فوق رزقه قال بعض السلف توكل تسق إليك الأرزاق بلا تعب ولا تكلف قال سالم بن أبي الجعد حدثت أن عيسي عليه السلام كان يقول اعملوا لله ولا تعملوا لبطونكم وإياكم وفضول الدنيا فإن فضول الدنيا عند الله رجز هذا طير السماء يغدو ويروح ليس معه من أرزاقه شيء لا يحرث ولا يحصد ويرزقه الله فإن قلتم إن بطوننا أعظم من بطون الطير فهذه الوحوش من البقر والحمير تغدو وليس معها من أرزاقها شيء لا تحرث ولا تحصد يرزقها الله خرجه ابن أبي الدنيا وخرج بإسناده عن ابن عباس قال كان عابد يتعبد في غار وكان غراب يأتيه كل يوم برغيف يجد فيه طعم كل شيء حتى مات ذلك العابد وعن سعيد بن عبد العزيز عن بعض مشيخة دمشق قال أقام إلياس هاربا من قومه في جبل عشرين ليلة أو قال أربعين تأتيه الغربان برزقه وقال سفيان الثوري قرأ واصل الأحذب هذه الآية وفي السماء رزقكم وما توعدون الذاريات فقال ألا إن رزقي في السماء وأنا أطلبه في الأرض فدخل خربة فمكث ثلاثا لا يصيب شيئا فلما كان اليوم الرابع إذ هو بدوخلة من رطب وكان له أخ أحسن نية منه فدخل معه فصارتا دوخلتين فلم يزل ذلك دأبهما حتى فرق الموت بينهما ومن هذا الباب من قوي توكله على الله ووثقه به فدخل المفاوز بغير زاد فإنه يجوز لمن هذه صفته دون من لم يبلغ هذه المنزلة وله في ذلك أسوة بإبراهيم الخليل عليه السلام حيث ترك هاجر وابنها إسماعيل بواد غير ذي زرع وترك عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء فلما تبعته هاجر وقالت له إلى من تدعنا قال لها إلى الله قالت رضيت بالله وهذا كان يفعله بأمر الله ووحيه فقد يقذف الله في قلوب بعض أوليائه من الإلهام الحق ما يعلمون أنه حق ويثقون به قال المروزي قيل لأبي عبدالله أي شيء صدق التوكل على الله قال أن يتوكل على الله ولا يكون في قلبه أحد من الآدميين يطمع أن يجيبه بشيء فإذا كان كذلك كان الله يرزقه وكان متوكلا قال وذكرت لأبي عبدالله التوكل فأجازه لمن استعمل فيه الصدق قال وسألت أبا عبدالله عن رجل جلس في بيته ويقول أجلس وأصبر ولا أطلع على ذلك أحدا وهو يقدر أن يحترف قال لو خرج فاحترف كان أحب إلي وإذا جلس خفت أن يحوجه إلى أن يكون يتوقع أن يرسلوا إليه بشيء قلت فإذا كان يبعث إليه بشيء فلا يأخذه قال هذا جيد قلت لأبي عبدالله إن رجلا بمكة قال لا آكل شيئا حتى يطعمني ربي ودخل في جبل أبي قبيس فجاء إليه رجلان وهو متزر بخرقة فألقيا إليه قميصا وأخذا بيده فألبساه القميص ووضعا بين يديه شيئا فلم يأكل حتى وضعا مفتاحا حديدا في فيه وجعلا يدسان في فمه فضحك أبو عبدالله وجعل يتعجب قلت لأبي عبدالله إن رجلا ترك البيع والشراء وجعل على نفسه أن لا يقع في يده ذهب ولا فضة وترك دوره فلم يأمر فيها بشيء
440
وكان يمر في الطريق فإذا رأي شيئا مطروحا أخذ بيده مما قد ألقي قال المروزي قلت للرجل مالك حجة على هذا غير أبي معاوية الأسود قال بل أويس القرني كان يمر بالمزابل فيلتقط الرقاع فصدقه أبو عبدالله قال قد شدد على نفسه ثم قال لقد جاءني البقلي ونحوه فقلت لهم لو تعرضتم للعمل تشهرون أنفسكم قال وإيش ينالني من الشهرة وروى أحمد بن الحسين بن حسان عن أحمد أنه سئل عن رجل يخرج إلى مكة بغير زاد فقال إن كنت تطيق وإلا فلا تخرج إلا بزاد وراحلة لا تخاطر قال أبو بكر الخلال يعني إن أطاق وعلم أنه يقوي على ذلك ولا يسأل ولا يستشرف نفسه لأن يأخذ أو يعطي فيقبل فهو متوكل على الصدق وقد أجاز العلماء التوكل على الصدق قال وقد حج أبو عبدالله وكفاه في حجته أربعة عشر درهما وسئل إسحاق ابن راهويه هل للرجل أن يدخل المفازة من غير زاد فقال إن كان الرجل مثل عبدالله بن جبير فله أن يدخل المفازة بغير زاد وإلا لم يكن له أن يدخل ومتي كان الرجل ضعيفا وخشي على نفسه أن لا يصبر أو يتعرض للسؤال أو أن يقع في الشك والسخط لم يجز له ترك الأسباب حينئذ وأنكر عليه غاية الإنكار كما أنكر الإمام أحمد وغيره على من ترك الكسب وعلي من دخل المفازة بغير زاد وخشي عليه التعرض للسؤال وقد روى عن ابن عباس قال كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون نحن متوكلون فيحجون فيأتون مكة فيسألون الناس فأنزل الله هذه الآية وتزودوا فإن خير الزاد التقوى البقرة وكذلك قال مجاهد وعكرمة والنخعي وغير واحد من السلف فلا يرخص في ترك السبب بالكلية إلا لمن انقطع قلبه عن الاستشراف إلى المخلوقين بالكلية وقد روى عن أحمد أنه سئل عن التوكل فقال قطع الاستشراف باليأس من الخلق فسئل عن الحجة في ذلك فقال قول إبراهيم عليه السلام لما عرض له جبريل وهو يرمي في النار فقال له ألك حاجة فقال أما إليك فلا وظاهر كلام أحمد أن الكسب أفضل بكل حال فإنه سئل عمن يقعد ولا يكتسب ويقول توكلت على الله فقال ينبغي للناس كلهم أن يتوكلوا على الله ولكن يعودون على أنفسهم بالكسب وروى الخلال بإسناده عن الفضيل بن عياض أنه قيل له لو أن رجلا قعد في بيته زعم أنه يثق بالله فيأتيه رزقه قال إذا وثق بالله حتى يعلم منه أنه وثق به لم يمنعه شيء أراده ولكن لم يفعل ذلك الأنبياء ولا غيرهم وقد كان الأنبياء يؤجرون أنفسهم وكان النبي صلى الله عليه وسلم يؤجر نفسه وأبو بكر وعمر ولم يقولوا نقعد حتى يرزقنا الله عز وجل وقال الله عز وجل فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله الجمعة ولابد من طلب المعيشة وقد روى عن بشر ما يشعر بخلاف هذا فروى أبو نعيم في الحلية أن بشر سئل عن التوكل فقال اضطراب بلا سكون وسكون بلا اضطراب فقال له السائل فسره لنا فقال بشرا اضطراب بلا سكون رجل تضطرب جوارحه وقلبه ساكن إلى الله لا إلى عمله وسكون بلا اضطراب رجل
441
ساكن إلى الله بلا حركة وهذا عزيز وهو من صفات الأبدال وبكل حال فمن لم يصل إلى هذه المقامات العالية فلا بد له من معاناة الأسباب لا سيما من له عيال لا يصبرون وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كفي بالمرء إثما أن يضيع من يقوت وكان بشر يقول لو كان لي عيال لعملت واكتسبت وكذلك من ضيع بتركه الأسباب حقا له ولم يكن راضيا بفوات حقه فإن هذا عاجز مفرط وفي مثل هذا جاء قول النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز فإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا ولكن قل قدر قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان خرجه مسلم بمعناه من حديث أبي هريرة وفي سنن أبي داود وعن عوف بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قضي بين رجلين فقال المقضي عليه لما أدبر حسبنا الله ونعم الوكيل فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس فإذا غلبك أمر فقل حسبي الله ونعم الوكيل وخرج الترمذي من حديث أنس قال قال رجل يا رسول الله أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل قال اعقلها وتوكل وذكر عن يحيى القطان أنه قال هو عندي حديث منكر وخرجه الطبراني من حديث عمرو بن أمية عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى الوضين بن عطاء عن محفوظ بن علقمة عن ابن عابد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن التوكل بعد الكيس وهذا مرسل ومعناه أن الإنسان يأخذ بالكيس والسعي في الأسباب المباحة ويتوكل على الله بعد سعيه وهذا كله إشارة إلى أن التوكل لا ينافي الإتيان بالأسباب بل قد يكون جمعهما أفضل قال معاوية بن قرة لقي عمر بن الخطاب ناسا من أهل اليمن فقال من أنتم قالوا نحن المتوكلون قال بل أنتم المتأكلون إنما المتوكل الذي يلقي حبه في الأرض ويتوكل على الله قال الخلال أخبرنا محمد بن منصور قال سأل المازني بشر بن الحارث عن التوكل فقال المتوكل لا يتوكل على الله ليكفي ولو حلت هذه القصة في قلوب المتوكلين لضجوا إلى الله بالندم والتوبة ولكن المتوكل يحل بقلبه الكفاية من الله تبارك وتعالى فيصدق الله فيما ضمن ومعنى هذا الكلام أن المتوكل على الله حق التوكل لا يأتي بالتوكل ويجعله سببا لحصول الكفاية له من الله بالرزق وغيره فإنه لو فعل ذلك لكان كمن أتي سائر الأسباب لاستجلاب الرزق والكفاية بها وهذا نوع نقص في تحقيق التوكل وإنما التوكل حقيقة من يعلم أن الله قد ضمن لعبده برزقه وكفايته فيصدق الله فيما ضمنه ويثق بقلبه ويحقق الاعتماد عليه فيما ضمنه من الرزق من غير أن يخرج التوكل مخرج الأسباب في استجلاب الرزق به والرزق مقسوم لكل أحد من بر وفاجر ومؤمن وكافر كما قال تعالى وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها هود هذا مع ضعف كثير من الدواب وعجزها عن السعي في طلب الرزق قال تعالى وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم العنكبوت فما دام العبد حيا فرزقه على الله وقد ييسره الله له بكسب وبغير كسب فمن
442
توكل على الله لطلب الرزق فقد جعل التوكل سببا وكسبا ومن توكل عليه لثقته بضمانه فقد توكل عليه ثقة به وتصديقا بوعده وما أحسن قول المثني الأنباري وهو من أعيان أصحاب الإمام أحمد لا تكونوا بالمضمون مهتمين فتكونوا للضامن متهمين وبرزقه غير راضين واعلم أن ثمرة التوكل الرضاء بالقضاء فمن وكل أموره إلى الله ورضي بما يقضيه له ويختاره فقد حقق التوكل ولذلك كان الحسن والفضيل وغيرهما يفسرون التوكل على الله بالرضا قال ابن أبي الدنيا بلغني عن بعض الحكماء قال التوكل على ثلاث درجات أولها ترك الشكاية والثانية الرضا والثالثة المحبة بترك الشكاية ودرجة الصبر والرضا سكون القلب بما قسم الله له وهي أرفع من الأولي والمحبة أن يكون حبه لما يصنع الله به فالأولي للزاهدين والثانية للصادقين والثالثة للمرسلين انتهى المتوكل على الله إن صبر على ما يقدره الله له من الرزق أو غيره فهو صابر وإن رضي بما يقدر له بعد وقوعه فهو الراضي وإن لم يكن له اختيار بالكلية ولا رضا إلا فيما يقدر له فهو درجة المحبين العارفين كما كان عمر بن عبد العزيز يقول أصبحت ومالي سرور إلا في وضع القضاء والقدر الحديث الخمسون عن عبدالله بن بشر قال أتي النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فباب نتمسك به جامع قال لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله خرجه الإمام أحمد بهذا اللفظ
443
وخرجه الترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه بمعناه وقال الترمذي حسن غريب وكلهم خرجه من رواية عمرو بن قيس الكندي عن عبدالله بن بشر وخرجه ابن حبان في صحيحه وغيره من حديث معاذ بن جبل قال آخر ما فارقت عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قلت له أي الأعمال خير وأقرب إلى الله قال أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله وقد سبق في هذا الكتاب مفرقا ذكر كثير من فضائل الذكر ونذكر هنا فضل إدامته والإكثار منه قد أمر الله المؤمنين بأن يذكروه ذكرا كثيرا ومدح من ذكره كذلك قال تعالى يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا الأحزاب وقال تعالى واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون الجمعة وقال تعالى والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما الأحزاب وقال تعالى الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلي جنوبهم آل عمران وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على جبل يقال له جمدان فقال سيروا هذا جمدان سبق المفردون قالوا ومن المفردون يا رسول الله قال الذاكرون الله كثيرا والذاكرات وخرجه الإمام أحمد ولفظه سبق المفردون قالوا ومن المفردون قال الذين يهترون في ذكر الله وخرجه الترمذي وعنده قالوا يا رسول الله وما المفردون قال المستهترون في ذكر الله يضع الذكر عنهم أثقالهم فيأتون يوم القيامة خفافا وروى موسى بن
444
عبيدة عن أبي عبدالله القراظ عن معاذ بن جبل قال بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نسير بالقريب من جمدان إذ استنبه فقال يا معاذ أين السابقون فقلت قد مضوا وتخلف أناس فقال يا معاذ إن السابقين الذين يستهترون بذكر الله خرجه جعفر الفرباني ومن هذا السياق يظهر وجه ذكر السابقين في هذا الحديث فإنه لما سبق الركب وتخلف بعضهم نبه النبي صلى الله عليه وسلم على أن السابقين على الحقيقة هم الذين يدمنون ذكر الله ويولعون به فإن الاستهتار بالشيء هو الولوع به والشغف حتى لا يكاد يفارق ذكره وهذا على رواية من رواه المستهترون ورواه بعضهم فقال فيه الذين اهتروا في ذكر الله فسر ابن قتيبة الهتر بالسقط في الكلام كما في الحديث المستبان شيطانان يتكاذبان ويتهاتران قال والمراد من هذا الحديث من عمر وخرف في ذكر الله وطاعته قال والمراد بالمفردين على هذه الرواية من انفرد بالعمر عن القرن الذي كان فيه وأما على الرواية الأولي فالمراد بالمفردين المتحلون من الناس بذكر الله تعالى كذا قال ويحتمل وهو الأظهر أن المراد بالانفراد على الروايتين الانفراد بهذا العمل وهو كثرة الذكر دون الانفراد الحسي إما عن القرن أو عن المخالطة والله أعلم ومن هذا المعنى ولي عمر بن عبد العزيز ليلة عرفة بعرفة عند قرب الإفاضة ليس السابق اليوم من سبق بعيره وإنما السابق من غفر له وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله وخرج الإمام أحمد والنسائى وابن حبان في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال استكثروا من الباقيات الصاحات قيل وما هن يا رسول الله قال التكبير والتسبيح والتهليل والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله وفي المسند وصحيح ابن حبان عن أبي سعيد الخدري أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون وروى أبو نعيم في الحلية من حديث ابن عباس مرفوعا أكثروا ذكر الله حتى يقول المنافقون إنكم تراءون وخرج الإمام أحمد والترمذى من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل أي العباد أفضل درجة عند الله يوم القيامة قال الذاكرون الله كثيرا وقيل يا رسول الله ومن الغازي في سبيل الله قال لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر ويتخضب دما لكان الذاكرون لله أفضل منه درجة وخرج الإمام أحمد من حديث سهل بن معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا سأله فقال أي الجهاد أعظم أجرا يا رسول الله قال أكثرهم لله ذكرا ثم قال أي الصائمين أعظم قال أكثرهم لله ذكرا ثم ذكر لنا الصلاة والزكاة والحج والصدقة كلا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أكثرهم لله ذكرا فقال أبو بكر ذهب الذاكرون بكل خير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل وقد خرج ابن المبارك وابن أبي الدنيا من وجوه مرسلة بمعناه وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل
445
أحيانه وقال أبو الدرداء الذين لا تزال ألسنتهم رطبة من ذكر الله يدخل أحدهما الجنة وهو يضحك وقيل له أن رجلا أعتق مائة نسمة فقال إن مائة نسمة من مال رجل كثير وأفضل من ذلك إيمان ملزوم بالليل والنهار وأن لا يزال لسان أحدكم رطبا من ذكر الله وقال معاذ لأن أذكر الله من بكرة إلى الليل أحب إلى من أن أحمل على جياد الحيل في سبيل الله من بكرة إلى الليل وقال ابن مسعود في قوله تعالى اتقوا الله حق تقاته قال أن يطاع فلا يعصي ويذكر فلا ينسي ويشكر فلا يكفر خرجه الحاكم مرفوعا وصححه والمشهور وقفه ولم يرفعه الحاكم وإنما رواه موقوفا على عبدالله وصححه على شرطهما وقال زيد بن أسلم قال موسى عليه السلام يا رب قد أنعمت على كثيرا فدلني على أن أشكرك كثيرا قال اذكرني كثيرا فإن ذكرتني كثيرا فقد شكرتني وإذا نسيتني فقد كفرتني وقال الحسن أحب عباد الله إلى الله أكثرهم له ذكرا وأتقاهم قلبا وقال أحمد بن أبي الحواري حدثني أبو المخارق قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مررت ليلة أسري بي برجل مغيب في نور العرش فقلت من هذا أملك قيل لا قلت أنبي قيل لا قلت من هو قال هذا رجل كان لسانه رطبا من ذكر الله وقلبه معلق بالمساجد ولم يستسب والديه قط وقال ابن مسعود قال موسى عليه السلام رب أي الأعمال أحب إليك قال أكثرهم لي ذكرا قال كعب من أكثرت ذكر الله برئ من النفاق ورواه مؤمل عن حماد بن سلمة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا وخرج الطبراني بهذا الإسناد مرفوعا من لم يكثر ذكر الله فقد برئ من الإيمان ويشهد لهذا المعنى أن الله وصف المنافقين بأنهم لا يذكرون الله إلا قليلا فمن أكثر ذكر الله فقد باينهم في أوصافهم ولهذا ختمت سورة المنافقين بالأمر بذكر الله وأن لا يلهي المؤمن عن ذلك مال ولا ولد وإن من ألهاه ذلك عن ذكر الله فهو من الخاسرين قال الربيع بن أنس عن بعض أصحابه علامة حب الله كثرة ذكره فإنك لن تحب شيئا إلا أكثر ذكره قال فتح الموصلي المحب لله لا يغفل عن ذكر الله طرفة عين وقال ذو النون من اشتغل قلبه ولسانه بالذكر قذف الله في قلبه نور الاشتياق إليه وقال إبراهيم الجنيد كان يقال من علامة المحب لله دوام الذكر بالقلب واللسان وقلما ولع المرء بذكر الله إلا أفاد منه حب الله وكان بعض السلف يقول في مناجاته إذا سئم البطالون من بطالتهم فلن يسأم محبك من مناجاتك وذكرك وقال أبو جعفر المحولي ولي الله المحب لله لا يخلو قلبه من ذكر ربه ولا يسأم من خدمته وقد ذكرنا قول عائشة كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يذكر الله على كل أحيانه والمعنى في حال قيامه
446
ومشيه وقعوده واضطجاعه وسواء كان على طهارة أو على حدث وقال مسعر كانت دواب البحر في البحر تسكن ويوسف عليه السلام في السجن لا يسكن عن ذكر الله وكان لأبي هريرة خيط فيه ألف عقدة فلا ينام حتى يسبح به وكان خالد بن معدان يسبح كل يوم أربعين ألف تسبيحة سوي ما يقرأ من القرآن فلما مات وضع على سريره ليغسل فجعل يشير بأصبعه يحركها بالتسبيح وقيل لعمير بن هانيء ما نري لسانك يفتر فكم تسبح كل يوم قال مائة ألف تسبيحة إلا أن تخطيء الأصابع يعني أنه يعد ذلك بأصابعه وقال عبد العزيز بن أبي رواد كانت عندنا امرأة بمكة تسبح كل يوم اثني عشرة ألف تسبيحة فماتت فلما بلغت القبر اختلست من أيدي الرجال وكان الحسن البصري كثيرا ما يقول إذا لم يحدث ولم يكن له شغل سبحان الله العظيم فذكر ذلك لبعض فقهاء مكة فقال إن صاحبكم لفقيه ما قالها أحد سبع مرات إلا بني له بيت في الجنة وكان عامة كلام ابن سيرين سبحان الله العظيم سبحان الله وبحمده وكان المغيرة بن حكيم الصنعاني إذا هدأت العيون نزل إلى البحر وقام في الماء يذكر الله مع دواب البحر نام بعضهم عند إبراهيم بن أدهم قال فكنت كلما استيقظت من الليل وجدته يذكر الله فأغتم ثم أعزي نفسي بهذه الآية ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء الجمعة المحب اسم محبوبه لا يغيب عن قلبه فلو كلف أن ينسي ذكره لما قدر ولو كلف أن يكف عن ذكره بلسانه لما صبر كيف ينسي المحب ذكر حبيب اسمه في فؤاده مكتوب كان بلال كلما عذبه المشركون في الرمضاء على التوحيد يقول أحد أحد فإذا قالوا له قل واللات والعزى قال لا أحسنه يراد من القلب نسيانكم وتأبي الطباع على الناقل كلما قويت المعرفة صار الذكر يجري على لسان الذاكر من غير كلفة حتى كان بعضهم يجري على لسانه في منامه الله الله ولهذا يلهم أهل الجنة التسبيح كما يلهمون النفس وتصير لا إله إلا الله لهم كالماء البارد لأهل الدنيا كان الثوري ينشد لا لأني أنساك أكثر ذكراك لكن بذاك يجري لساني إذا سمع المحب ذكر اسم حبيبه من غيره زاد طربه وتضاعف قلقه قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن مسعود اقرأ على القرآن قال أقرأ عليك وعليك أنزل قال إني أحب أن أسمعه من غيري فقرأ عليه ففاضت عيناه سمع الشبلي قائلا يقول يا الله يا جواد فاضطرب فتذكر قول الشاعر
وداع دعا إذ نحن بالخيف من مني
فهيج أشواق الفؤاد وما ندري
447
دعا باسم ليلي غيرها فكأنما
أطار بليلي طائر كان في صدري
أليس تنزعج عند ذكر المحبوب
إذا ذكر المحبوب عند حبيبه
ارتج نشوان وحن طروب
ذكر المحبين على خلاف ذكر الغافلين إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم
وإني لتعروني لذكراك هزة
كما انتفض العصفور بلله القطر
أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه قال أبو الجلد أوحي الله إلى موسى إذا ذكرتني فاذكرني وأنت تنتفض أعضاؤك وكن عند ذكري خاشعا مطمئنا وإذا ذكرتني فاجعل لسانك من وراء قلبك وصف على يوما الصحابة فقال كانوا إذا ذكروا الله مادوا كما تميد الشجرة في اليوم الشديد الريح وجرت دموعهم على ثيابهم قال زهير البابي إن لله عبادا ذكروه فخرجت نفوسهم إعظاما واشتياقا وقوم ذكروه فوجلت قلوبهم فرقا وهيبة فلو حرقوا بالنار لم يجدوا مس النار وآخرون ذكروه في الشتاء فارفضوا عرقا من خوف وقوم ذكروه فحالت ألوانهم غبرا وقوم ذكروه فجفت أعينهم سهرا صلى أبو يزيد الظهر فلما أراد أن يكبر لم يقدر إجلالا لاسم الله وارتعدت فرائصه حتى سمعت قعقعة عظامه كان أبو حفص النيسابوري إذا ذكر الله تغيرت عليه حاله حتى يري جميع ذلك من عنده وكان يقول ما أظن أن محقا يذكر الله عن غير غفلة ثم يبقي حيا إلا الأنبياء فإنهم أيدوا بقوة النبوة وخواص الأولياء بقوة ولايتهم إذا سمعت باسم الحبيب تقعقعت مفاصلها من هول ما يتذكر وقف أبو زيد ليلة إلى الصباح يجتهد أن يقول لا إله إلا الله فما قدر إجلالا وهيبة فلما كان عند الصباح نزل فبال الدم وما ذكرتكم إلا نسيتكم نسيان إجلال لا نسيان إهمال إذا تذكرت من أنتم وكيف أنا أجللت مثلكم يخطر على بالي الذكر لذة قلوب العارفين قال الله تعالى الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب الرعد قال مالك بن دينار ما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله في بعض الكتب السالفة يقول الله معشر الصديقين بي فافرحوا وبذكري فتنعموا وفي أثر آخر سبق ذكره وينيبون إلى الذكر كما تنيب النسور إلى وكورها وعن ابن عمر قال أخبرني أهل الكتاب
448
أن هذه الأمة تحب الذكر كما تحب الحمامة وكرها ولهم أسرع إلى ذكر الله من الإبل إلى وردها يوم ظمئها قلوب المحبين لا تطمئن إلا بذكره وأرواح المشتاقين لا تسكن إلا برؤيته قال ذو النون ما طابت الدنيا إلا بذكره ولا طابت الآخرة إلا بعفوه ولا طابت الجنة إلا برؤيته أبدا نفوس الطالبين إلى طلولكم تحن وكذا القلوب بذكركم بعد المخافة تطمئن حنت بحبكم ومن يهوي الحبيب ولا يحن بحياتكم يا سادتي جودوا بوصلكم ومنوا وقد سبق حديث اذكروا الله حتى يقولوا مجنون ولبعضهم لقد أكثرت من ذكرا ك حتى قيل وسواس كان أبو مسلم الخولاني كثير الذكر فرآه بعض الناس فأنكر حاله فقال لأصحابه أمجنون صاحبكم فسمعه أبو مسلم فقال لا يا أخي ولكن هذا دواء الجنون وحرمة الود مالي عنكم عوض وليس لي في سواكم سادتي عوض وقد شرطت على قوم صحبتهم فإن قلبي لكم من دونهم فرض ومن حديثي بكم قالوا به مرض فقلت لا زال عني ذلك المرض المحبون يستوحشون من كل شاغل يشغل عن الذكر فلا شيء أحب إليهم من الخلوة بحبيبهم قال عيسي عليه السلام يا معشر الحواريين كلموا الله كثيرا وكلموا الناس قليلا قالوا كيف نكلم الله كثيرا قال اخلوا بمناجاته بدعائه وكان بعض السلف يصلي كل يوم ألف ركعة حتى أقعد من رجليه وكان يصلي ألف ركعة جالسا فإذا صلى العصر جثا واستقبل القبلة ويقول عجبت للخليقة كيف أنست بسواك بل عجبت للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر سواك وكان بعضهم يصوم الدهر فإذا كان وقت الفطور قال أخشى بنفسي تخرج لاشتغالي عن الذكر بالأكل قيل لمحمد بن النضر أما تستوحش وحدك قال كيف أستوحش وهو يقول أنا جليس من ذكرني كتمت اسم الحبيب من العباد ورددت الصبابة في فؤادي فو اشوقا إلى بلد خلي لعلي باسم من أهوي أنادي فإذا قوي حال المحب ومعرفته لم يشغله عن الذكر بالقلب واللسان شاغل فهو بين
449
الخلق بجسمه وقلبه معلق بالمحل الأعلى كما قال على في وصفهم صحبوا الدنيا بأجساد أوراحها معلقة بالمحل الأعلى وفي هذا المعنى قيل جسمي معي غير أن الروح عندكم فالجسم في غربة والروح في وطن وقال غيره ولقد جعلتك في الفؤادي محدثي وأبحت جسمي من أراد جلوسي فالجسم مني للجليس مؤانس وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي وهذه كانت حال الرسل والصديقين كما قال تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا الأنفال وفي الترمذي مرفوعا يقول الله إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه وقال تعالى فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم البقرة وقال تعالى فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم النساء الصلاة في حال الخوف ولهذا قال فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة النساء وقال تعالى في ذكر صلاة الجمعة فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون الجمعة فأمر بالجمع بين الابتغاء من فضله وكثرة ذكره ولهذا ورد فضل الذكر في الأسواق ومواطن الغفلة كما في المسند والترمذى وسنن ابن ماجه عن ابن عمر مرفوعا من دخل سوقا يصاح فيه ويباع فيه فقال لا إله إلا وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة ورفع له ألف ألف درجة وفي حديث آخر ذاكر الله في الغافلين كمثل المقاتل عن الفارين وذاكر الله في الغافلين كشجرة خضراء في وسط شجر يابس قال أبو عبيدة ابن عبدالله بن مسعود ما دام قلب الرجل يذكر الله فهو في صلاة وإن كان في السوق وإن حرك به شفته فهو أفضل وكان بعض السلف يقصد السوق ليذكر الله فيها بين أهل الغفلة والتقي رجلان منهم في السوق فقال أحدهما لصاحبه تعال حتى نذكر الله في غفلة الناس فخلوا في موضع فذكرا الله ثم تفرقا ثم مات أحدهما فلقيه الآخر في منامه فقال له أشعرت أن الله غفر لنا عشية التقينا في السوق فصل في وظائف الذكر الموظفة في اليوم والليلة معلوم أن الله فرض على المسلمين أن يذكروه كل يوم وليلة خمس مرات بإقامة الصلوات الخمس في مواقيتها الموقتة وشرع لهم مع هذه الفرائض الخمس أن يذكروه ذكرا يكون لهم نافلة والنافلة الزيادة فيكون ذلك زيادة على الصلوات الخمس وهي نوعان احداهما ما هو
450
من جنس الصلاة فشرع لهم أن يصلوا مع الصلوات الخمس قبلها أو بعدها أو قبلها وبعدها سننا فتكون زيادة على الفريضة فإن كان في الفريضة نقص جبر نقصها بهذه النوافل وإلا كانت النوافل زيادة على الفرائض وأطوال ما يتخلل بين مواقيت الصلاة مما ليس فيه صلاة مفروضة ما بين صلاة العشاء وصلاة الفجر وما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر فشرع ما بين كل واحدة من هاتين الصلاتين صلاة تكون نافلة لئلا يطول وقت الغفلة عن الذكر فشرع ما بين صلاة العشاء وصلاة الفجر صلاة الوتر وقيام الليل وشرع ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر صلاة الضحى وبعض هذه الصلوات آكد من بعض فآكدها الوتر ولذلك اختلف العلماء في وجوبه ثم قيام الليل وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يداوم عليه حضرا وسفرا ثم صلاة الضحى وقد اختلف الناس فيها وفي استحباب المدوامة عليها وفي الترغيب فيها أحاديث صحيحة وورد الترغيب أيضا في الصلاة عقيب زوال الشمس وأما الذكر باللسان فمشروع في جميع الأوقات ويتأكد في بعضها فمما يتأكد فيه الذكر عقيب الصلوات المفروضات وأن يذكر الله عقيب كل صلاة منها مائة مرة ما بين تسبيح وتحميد وتكبير وتهليل ويستحب أيضا الذكر بعد الصلاتين اللتين لا تطوع بعدهما وهما الفجر والعصر فيشرع الذكر بعد صلاة الفجر إلى أن تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس وهذان الوقتان أعني وقت الفجر ووقت العصر هما أفضل أوقات النهار للذكر ولهذا أمر الله تعالى بذكره فيهما في مواضع من القرآن كقوله وسبحوه بكرة وأصيلا الأحزاب وقوله واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا الإنسان وقوله وسبح بالعشي والإبكار آل عمران وقوله فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا مريم وقوله فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون الروم وقوله فسبح بحمد ربك واستغفره النصر وقوله واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين الأعراف وقوله وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها طه وقوله وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ق وأفضل ما فعل في هذين الوقتين من الذكر صلاة الفجر وصلاة العصر وهما أفضل الصلوات وقد قيل في كل منهما إنها الصلاة الوسطي وهما البردان اللذان من حافظ عليهما دخل الجنة ويليهما من أوقات الذكر الليل والنهار ولهذا يذكر بعد هذين الوقتين في القرآن تسبيح الليل وصلاته والذكر المطلق يدخل فيه الصلاة وتلاوة القرآن وتعلمه وتعليمه والعلم النافع كما يدخل فيه التسبيح والتكبير والتهليل ومن أصحابنا من رجح التلاوة على التسبيح ونحوه بعد الفجر والعصر وسئل الأوزاعي عن ذلك فقال كان هديهم ذكر الله فإن قرأ فحسن وظاهر هذا أن الذكر في هذا الوقت أفضل من التلاوة وكذا قال إسحاق في التسبيح عقيب المكتوبات مائة مرة إنه أفضل من التلاوة حينئذ والأذكار والأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصباح والمساء كثيرة جدا ويستحب أيضا إحياء ما بين العشاءين بالصلاة والذكر وقد تقدم حديث
451
أنس أنه نزل في ذلك قوله تعالى تتجافى جنوبهم عن المضاجع السجدة ويستحب تأخير العشاء إلى ثلث الليل كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة وهو مذهب الإمام أحمد وغيره حتى يفعل هذه الصلاة في أفضل وقتها وهو آخره ويشتغل منتظر هذه الصلاة في الجماعة في هذا الثلث الأول من الليل بالصلاة أو بالذكر أو انتظار الصلاة في المسجد ثم إذا صلى العشاء وصلي بعدها ما يتبعها من سنتها الراتبة أو أوتر بعد ذلك إن كان يريد أن يوتر قبل النوم فإذا أوي إلى فراشه بعد ذلك للنوم فإنه يستحب له أن لا ينام إلا على طهارة وذكر فيسبح ويحمد ويكبر تمام مائة كما علم النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة وعليا أن يفعلاه عند منامهما ويأتي بما قدر عليه من الأذكار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم عند النوم وهي أنواع متعددة من تلاوة القرآن وذكر الله ثم ينام على ذلك فإذا استيقظ من الليل وتقلب على فراشه فليذكر الله كلما تقلب ففي صحيح البخاري عن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من تعار من الليل فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال رب اغفر لي أو قال ثم دعا استجيب له فإن عزم فتوضأ ثم صلى قبلت صلاته وفي الترمذي عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أوي إلى فراشه طاهرا يذكر الله حتى يدركه النعاس لم تمض ساعة من الليل يسأل الله فيها شيئا من خيري الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه وخرج أبو داود معناه من حديث معاذ وخرجه النسائي من حديث عمر بن عبسة والإمام أحمد من حديث عمر بن عبسة في هذا الحديث وكان أول ما يقول إذا استيقظ سبحانك لا إله إلا أنت فاغفر لي إلا انسلخ من خطاياه كما تنسلخ الحية من جلدها وثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا استيقظ من منامه يقول الحمد لله الذي أحياني بعد ما أماتني وإليه النشور ثم إذا قام إلى الوضوء والتهجد أتي بذلك كله على ماورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ويختم تهجده بالاستغفار في السحر كما مدح الله المستغفرين بالأسحار وإذا طلع الفجر صلى ركعتي الفجر ثم صلى الفجر واشتغل بعد صلاة الفجر بالذكر المأثور إلى أن تطلع الشمس على ما تقدم ذكره فمن كان حاله على ما ذكرنا لم يزل لسانه رطبا من ذكر الله فيستحب الذكر في يقظته حتى ينام عليه ثم يبدأ به عند استيقاظه وذلك من دلائل صدق المحبة كما قال بعضهم وآخر شيء أنت في كل هجعة وأول شيء أنت وقت هبوب وأما ما يفعله الإنسان في آناء الليل وأطراف النهار من مصالح دينه وبدنه ودنياه فعامة ذلك يشرع ذكر اسم الله عليه فيشرع له ذكر اسم الله وحمده على أكله وشربه ولباسه وجماعه لأهله ودخول منزله وخروجه منه ودخوله الخلاء وخروجه منه وركوبه دابته ويسمي على ما يذبحه من نسك وغيره ويشرع له حمد الله على عطاسه وعند رؤية أهل البلاء في الدين أو الدنيا وعند
452
التقاء الإخوان وسؤال بعضهم بعضا عن حاله وعند تجدد ما يحبه الإنسان من النعم واندفاع ما يكرهه من النقم وأكمل من ذلك أن يحمد الله على السراء والضراء والشدة والرخاء ويحمده على كل حال ويشرع له دعاء الله عند دخول السوق وعند سماع أصوات الديكة بالليل وعند سماع الرعد وعند نزول المطر وعند اشتداد هبوب الرياح وعنه رؤية الأهلة وعند رؤية باكورة الثمار ويشرع أيضا ذكر الله ودعاؤه عند نزول الكرب وحدوث المصائب الدنيوية وعند الخروج للسفر وعند نزول المنازل في السفر وعند الرجوع من السفر ويشرع التعوذ بالله عند الغضب وعند رؤية ما يكره في منامه وعند سماع أصوات الكلاب والحمير بالليل ويشرع استخارة الله عند العزم على مالا يظهر الخيرة فيه وتجب التوبة إلى الله والاستغفار من الذنوب كلها صغيرها وكبيرها كما قال تعالى والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم آل عمران فمن حافظ على ذلك لم يزل لسانه رطبا بذكر الله في كل أحواله فصل قد ذكرنا في أول الكتاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بعث بجوامع الكلم فكان صلى الله عليه وسلم يعجبه جوامع الكلم ويختاره على غيره من الذكر كما في الصحيح في مسلم عن ابن عباس عن جويرية بنت الحارث أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن ضحي وهي جالسة فقال مازلت على الحال التي فارقتك عليها قالت نعم فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته وخرجه النسائي ولفظه سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته وخرجه أبو داود والترمذى والنسائى من حديث سعد بن أبي وقاص أنه دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة وبين يديها نوي أو قال حصى تسبح به فقال ألا أخبرك بما هو أيسر من هذا وأفضل سبحان الله عدد ما خلق في السماء وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض وسبحان الله عدد ما بين ذلك وسبحان الله عدد ما هو خالق والله أكبر مثل ذلك والحمد لله مثل ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك وخرج الترمذي من حديث صفية قالت دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين يدي أربعة آلاف نواة أسبح بها فقال سبحت بهذه فقال ألا أعلمك بأكثر مما سبحت به فقلت علمني فقال قولي سبحان الله عدد خلقه وخرج النسائي وابن حبان في صحيحه من حديث أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم مر به وهو يحرك شفتيه فقال ماذا تقول يا أبا أمامة قال أذكر ربي قال ألا أخبرك بأكثر أو أفضل
453
من ذكرك الليل مع النهار والنهار مع الليل أن تقول سبحان الله عدد ما خلق سبحان الله ملء ما خلق سبحان الله عدد ما في الأرض والسماء وسبحان الله ملء ما في الأرض والسماء وسبحان الله عدد ما أحصي كتابه وسبحان الله ملء ما أحصي كتابه وسبحان الله عدد كل شيء وسبحان الله ملء كل شيء وتقول الحمد لله مثل ذلك وخرج البزار نحوه من حديث أبي الدرداء وخرج ابن أبي الدنيا بإسناد له أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ يا معاذ كم تذكر ربك كل يوم تذكره كل يوم عشرة آلاف قال كل ذلك أفعل قال أفلا أدلك على كلمات هن أهون عليك من عشرة آلاف وعشرة آلاف أن تقول لا إله إلا الله عدد ما أحصاه علمه لا إله إلا الله عدد كلماته لا إله إلا الله عدد خلقه لا إله إلا الله زنة عرشه لا إله إلا الله ملء سمواته لا إله إلا الله ملء أرضه لا إله إلا الله مثل ذلك معه والله أكبر مثل ذلك معه والحمد لله مثل ذلك معه وبإسناده أن ابن مسعود ذكر له امرأة تسبح بخيوط معقدة فقال ألا أدلك على ما هو خير لك منه سبحان الله ملء البر والبحر سبحان الله ملء السموات والأرض سبحان الله عدد خلقه سبحان الله رضا نفسه فإذا أنت قد ملأت البر والبحر والسماء والأرض وبإسناده عن المعتمر بن سليمان التيمي قال كان أبي يحدث خمسة أحاديث ثم يقول امهلوا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله عدد ما خلق وعدد ما هو خالق وزنة ما هو خالق وملء ما هو خالق وملء سمواته وملء أرضه ومثل ذلك وأضعاف ذلك وعدد خلقه وزنة عرشه ومنتهى رحمته ومداد كلماته ومبلغ رضاه وحتى يرضي وإذا رضي وعدد ما ذكره به خلقه في جميع ما مضي وعدد ما هم ذاكرونه فيما بقي في كل سنة وشهر وجمعة ويوم وليلة وساعة من الساعات وتنسم وتنفس من الأبد إلى الأبد أبد الدنيا والآخرة أبدا من ذلك لا ينقطع أولاه ولا ينفد أخراه وبإسناده عن المعتمر بن سليمان قال رأيت عبد الملك بن خالد بعد موته فقلت ما صنعت قال خيرا فقلت ترجو للخاطئ شيئا قال يلتمس علم تسبيحات أبي المعتمر نعم الشيء قال ابن أبي الدنيا وحدثني محمد بن أبي الحسين حدثني بعض البصريين أن يونس بن عبيد رآه رجل فيما يري النائم كان قد أصيب ببلاد الروم فقال ما أفضل ما رأيت ثم من الأعمال قال رأيت تسبيحات أبي المعتمر من الله بمكان كذلك كان صلى الله عليه وسلم يعجبه من الدعاء جوامعه ففي سنن أبي داود عن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الجوامع من الدعاء ويدع ما بين ذلك وخرجه البزار وغيره من حديث عائشة رضي الله عنها أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها يا عائشة عليك بجوامع الدعاء اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم اللهم إني أسألك من خير ما سألك منه محمد عبدك ونبيك وأعوذ بك من شر ما عاذ منه عبدك ونبيك اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل وأسألك ما قضيت لي من قضاء أن تجعل عاقبته رشدا وخرجه الإمام أحمد وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم وليس عندهم ذكر جوامع الدعاء وعند الحاكم عليك بالكوامل وذكره وخرجه أبو بكر الأثرم وعنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها ما منعك أن تأخذي بجوامع الكلم وفواتحه وذكر هذا الدعاء وخرجه الترمذي من حديث أبي لبابه قال دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئا فقلنا يا رسول الله دعوت بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئا قال ألا أدلكم على ما يجمع ذلك كله تقولون اللهم إنا نسألك من خير ما أسالك منه نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ونعوذ بك من شر ما استعاذ منه نبيك محمد صلى الله عليه وسلم وأنت المستعان وعليك البلاغ ولا حول ولا قوة إلا بالله وخرجه الطبراني وغيره من حديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعاء له طويل اللهم إني سألك فواتح الخير وخواتمه وجوامعه وأوله وآخره وظاهره وباطنه وفي المسند أن سعد بن أبي وقاص سمع ابنا له يدعو ويقول اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وإستبرقها ونحوا من هذا وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها فقال لقد سألت الله خيرا كثيرا وتعوذت بالله من شر كثير وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء وقرأ هذه الآية ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين الأعراف وإن حسبك أن تقول اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال كنا نقول في الصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام على الله السلام على جبريل و ميكائيل السلام على فلان وفلان فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إن الله هو السلام فإذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل التحيات لله والصلوات والطيبات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلي عباد الله الصالحين فإذا قالها أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ثم ليتخير من المسألة ما شاء وفي المسند عن ابن مسعود رضي الله عنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم مفاتح الخير وجوامعه أو جوامع الخير وفواتحه وخواتمه وإن كنا لا ندري ما نقول في صلاتنا حتى علمنا فقال قولوا التحيات لله فذكره إلى آخره والله أعلم وأحكم وصلى الله على خير خلقه محمد صلى الله عليه وسلم